المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌كِتَابُ الْحُدُودِ ‌ ‌بَابُ حَدِّ الزَّانِي 1128 - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ - سبل السلام شرح بلوغ المرام - ط الحديث - جـ ٤

[الصنعاني]

فهرس الكتاب

‌كِتَابُ الْحُدُودِ

‌بَابُ حَدِّ الزَّانِي

1128 -

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ رضي الله عنهما «أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَعْرَابِ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْشُدُك اللَّهَ إلَّا قَضَيْت لِي بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، فَقَالَ الْآخَرُ - وَهُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ - نَعَمْ، فَاقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ وَأْذَنْ لِي، فَقَالَ: قُلْ قَالَ: إنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ، وَإِنِّي أُخْبِرْت أَنَّ عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ، فَافْتَدَيْت مِنْهُ بِمِائَةِ شَاةٍ وَوَلِيدَةٍ، فَسَأَلْت أَهْلَ الْعِلْمِ، فَأَخْبَرُونِي أَنَّ مَا عَلَى ابْنِي جَلْدَ مِائَةٍ وَتَغْرِيبَ عَامٍ، وَأَنَّ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا الرَّجْمَ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ، الْوَلِيدَةُ وَالْغَنَمُ رَدٌّ عَلَيْك، وَعَلَى ابْنِك جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ وَهَذَا اللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.

الْحُدُودُ: جَمْعُ حَدٍّ، وَالْحَدُّ: أَصْلُهُ مَا يَحْجِزُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ فَيَمْنَعُ اخْتِلَاطَهُمَا؛ سُمِّيَتْ هَذِهِ الْعُقُوبَاتُ حُدُودًا لِكَوْنِهَا تَمْنَعُ عَنْ الْمُعَاوَدَةِ؛ وَيُطْلَقُ الْحَدُّ عَلَى التَّقْدِيرِ، وَهَذِهِ الْحُدُودُ مُقَدَّرَةٌ مِنْ الشَّارِعِ؛ وَيُطْلَقُ الْحَدُّ عَلَى نَفْسِ الْمَعَاصِي نَحْوَ قَوْله تَعَالَى {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا} وَعَلَى فِعْلٍ فِيهِ شَيْءٌ مُقَدَّرٌ نَحْوَ قَوْله تَعَالَى {وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} .

(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَعْرَابِ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْشُدُك) قَالَ فِي الْفَتْحِ ضَمَّنَ أَنْشُدُك مَعْنَى أُذَكِّرُك فَحُذِفَتْ الْبَاءُ أَيْ أُذَكِّرُك اللَّهَ رَافِعًا نَشِيدَتِي أَيْ صَوْتِي وَهُوَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ فَنُونٍ سَاكِنَةٍ وَضَمِّ الشَّيْنِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ أَسْأَلُك (اللَّهَ إلَّا قَضَيْت لِي بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى اسْتِثْنَاءٌ مُفَرَّغٌ إذْ الْمَعْنَى

ص: 405

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

لَا أَنْشُدُك إلَّا الْقَضَاءَ بِكِتَابِ اللَّهِ (فَقَالَ الْآخَرُ وَهُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ) كَأَنَّ الرَّاوِيَ يَعْرِفُ أَنَّهُ أَفْقَهُ مِنْهُ أَوْ مِنْ كَوْنِهِ سَأَلَ أَهْلَ الْفِقْهِ (نَعَمْ فَاقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ وَأُذُن لِي فَقَالَ: قُلْ. قَالَ: إنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا) بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ فَمُثَنَّاةٍ تَحْتِيَّةٍ فَفَاءٍ كَأَجِيرٍ وَزْنًا وَمَعْنًى.

«عَلَى هَذَا فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ. وَإِنِّي أُخْبِرْت أَنَّ عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ فَافْتَدَيْت مِنْهُ بِمِائَةِ شَاةٍ وَوَلِيدَةٍ فَسَأَلْت أَهْلَ الْعِلْمِ فَأَخْبَرُونِي أَنَّ عَلَى ابْنِي جَلْدَ مِائَةٍ وَتَغْرِيبَ عَامٍ وَأَنَّ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا الرَّجْمَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ: الْوَلِيدَةُ وَالْغَنَمُ رَدٌّ عَلَيْك وَعَلَى ابْنِك جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ» كَأَنَّهُ قَدْ عَلِمَ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ غَيْرُ مُحْصَنٍ وَقَدْ كَانَ اعْتَرَفَ بِالزِّنَى (وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ) تَصْغِيرُ أَنَسٍ رَجُلٌ مِنْ الصَّحَابَةِ لَا ذِكْرَ لَهُ إلَّا فِي هَذَا الْحَدِيثِ (إلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَهَذَا اللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ)

الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الْحَدِّ عَلَى الزَّانِي غَيْرِ الْمُحْصَنِ مِائَةُ جَلْدَةٍ وَعَلَيْهِ دَلَّ الْقُرْآنُ وَأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ تَغْرِيبُ عَامٍ وَهُوَ زِيَادَةٌ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ وَدَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ الرَّجْمُ عَلَى الزَّانِي الْمُحْصَنِ وَعَلَى أَنَّهُ يَكْفِي فِي الِاعْتِرَافِ بِالزِّنَى مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ كَغَيْرِهِ مِنْ سَائِرِ الْأَحْكَامِ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْحَسَنُ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَدَاوُد وَآخَرُونَ، وَذَهَبَتْ الْهَادَوِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَآخَرُونَ إلَى أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي الْإِقْرَارِ بِالزِّنَى أَرْبَعُ مَرَّاتٍ مُسْتَدِلِّينَ بِمَا يَأْتِي مِنْ قِصَّةِ مَاعِزٍ وَيَأْتِي الْجَوَابُ عَنْهُ فِي شَرْحِ حَدِيثِهِ وَأَمْرُهُ صلى الله عليه وسلم أُنَيْسًا بِرَجْمِهَا بَعْدَ اعْتِرَافِهَا دَلِيلٌ لِمَنْ قَالَ بِجَوَازِ حُكْمِ الْحَاكِمِ فِي الْحُدُودِ وَنَحْوِهَا بِمَا أَقَرَّ بِهِ الْخَصْمُ عِنْدَهُ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ، وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ كَمَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ.

وَقَالَ الْجُمْهُورُ: لَا يَصِحُّ ذَلِكَ قَالُوا: وَقِصَّةُ أُنَيْسٍ يَطْرُقُهَا احْتِمَالُ الْأَعْذَارِ وَأَنَّ قَوْلَهُ صلى الله عليه وسلم: فَارْجُمْهَا بَعْدَ إعْلَامِهِ صلى الله عليه وسلم أَوْ أَنَّهُ فَوَّضَ الْأَمْرَ إلَيْهِ وَالْمَعْنَى: فَإِذَا اعْتَرَفَتْ بِحَضْرَةِ مَنْ يُثْبِتُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: حَكَمْت " قُلْت ": وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذِهِ تَكَلُّفَاتٌ وَاعْلَمْ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَبْعَثْ إلَى الْمَرْأَةِ لِأَجْلِ إثْبَاتِ الْحَدِّ عَلَيْهَا، فَإِنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَدْ أَمَرَ بِاسْتِتَارِ مَنْ أَتَى بِفَاحِشَةٍ وَبِالسَّتْرِ عَلَيْهِ وَنَهَى عَنْ التَّجَسُّسِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا لَمَّا قُذِفَتْ الْمَرْأَةُ بِالزِّنَى بَعَثَ إلَيْهَا صلى الله عليه وسلم لِتُنْكِرَ فَتُطَالِبَ بِحَدِّ الْقَذْفِ أَوْ تُقِرَّ بِالزِّنَى فَيَسْقُطَ عَنْهُ، فَكَانَ مِنْهَا الْإِقْرَارُ فَأَوْجَبَتْ عَلَى نَفْسِهَا الْحَدَّ؛ وَيُؤَيِّدُ هَذَا مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَجُلًا أَقَرَّ أَنَّهُ زَنَى بِامْرَأَةٍ فَجَلَدَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ سَأَلَ الْمَرْأَةَ فَقَالَتْ: كَذَبَ

ص: 406

1129 -

وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي، فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا، الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ

فَجَلَدَهُ جَلْدَةَ الْفِرْيَةِ ثَمَانِينَ» وَقَدْ سَكَتَ عَلَيْهِ أَبُو دَاوُد وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَاسْتَنْكَرَهُ النَّسَائِيّ.

(وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «خُذُوا عَنِّي خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا، الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ.» رَوَاهُ مُسْلِمٌ) إشَارَةً إلَى قَوْله تَعَالَى {أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا} بَيَّنَ بِهِ أَنَّهُ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُنَّ السَّبِيلَ بِمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْحُكْمِ.

وَفِي الْحَدِيثِ مَسْأَلَتَانِ:

" الْأُولَى ‌

‌" حُكْمُ الْبِكْرِ إذَا زَنَى،

وَالْمُرَادُ بِالْبِكْرِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ: الْحُرُّ الْبَالِغُ الَّذِي لَمْ يُجَامِعْ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ، وَقَوْلُهُ (بِالْبِكْرِ) هَذَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ؛ لِأَنَّهُ يُرَادُ بِهِ مَفْهُومُهُ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْبِكْرِ الْجَلْدُ سَوَاءٌ كَانَ مَعَ بِكْرٍ أَوْ ثَيِّبٍ كَمَا فِي قِصَّةِ الْعَسِيفِ وَقَوْلُهُ " (نَفْيُ سَنَةٍ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ التَّغْرِيبِ لِلزَّانِي الْبِكْرِ عَامًا وَأَنَّهُ مِنْ تَمَامِ الْحَدِّ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْخُلَفَاءُ الْأَرْبَعَةُ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَغَيْرُهُمْ وَادَّعَى فِيهِ الْإِجْمَاعَ؛ وَذَهَبَتْ الْهَادَوِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ إلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ التَّغْرِيبُ، وَاسْتَدَلَّ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ فِي آيَةِ النُّورِ، فَالتَّغْرِيبُ زِيَادَةٌ عَلَى النَّصِّ وَهُوَ ثَابِتٌ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فَلَا يُعْمَلُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ نَاسِخًا.

وَجَوَابُهُ أَنَّ الْحَدِيثَ مَشْهُورٌ لِكَثْرَةِ طُرُقِهِ وَكَثْرَةِ مَنْ عَمِلَ بِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَقَدْ عَمِلَتْ الْحَنَفِيَّةُ بِمِثْلِهِ بَلْ بِدُونِهِ كَنَقْضِ الْوُضُوءِ مِنْ الْقَهْقَهَةِ وَجَوَازِ الْوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ زِيَادَةٌ عَلَى مَا فِي الْقُرْآنِ وَهَذَا مِنْهُ.

وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: «أَقْسَمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي قِصَّةِ الْعَسِيفِ أَنَّهُ يَقْضِي بِكِتَابِ اللَّهِ ثُمَّ قَالَ: إنَّ عَلَيْهِ جَلْدَ مِائَةٍ وَتَغْرِيبَ عَامٍ» وَهُوَ الْمُبَيِّنُ لِكِتَابِ اللَّهِ، وَخَطَبَ بِذَلِكَ " عُمَرُ " عَلَى رُءُوسِ الْمَنَابِرِ وَكَأَنَّ الطَّحَاوِيَّ لَمَّا رَأَى ضَعْفَ جَوَابِ الْحَنَفِيَّةِ هَذَا أَجَابَ عَنْهُمْ بِأَنَّ حَدِيثَ التَّغْرِيبِ مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ:«إذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيَجْلِدْهَا، ثُمَّ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ فَلْيَبِعْهَا» وَالْبَيْعُ يُفَوِّتُ التَّغْرِيبَ، قَالَ: وَإِذَا سَقَطَ عَنْ الْأَمَةِ سَقَطَ عَنْ الْحُرَّةِ؛ لِأَنَّهَا فِي مَعْنَاهَا؛ قَالَ: وَيَتَأَكَّدُ بِحَدِيثِ: «لَا تُسَافِرْ الْمَرْأَةُ إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ.» قَالَ: وَإِذَا انْتَفَى عَنْ النِّسَاءِ انْتَفَى عَنْ الرِّجَالِ. انْتَهَى.

وَفِيهِ ضَعْفٌ؛ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْعَامُّ إذَا خُصَّ لَمْ يَبْقَ دَلِيلًا، وَهُوَ ضَعِيفٌ كَمَا عُرِفَ فِي الْأُصُولِ. ثُمَّ نَقُولُ: الْأَمَةُ خُصِّصَتْ مِنْ حُكْمِ التَّغْرِيبِ وَكَانَ الْحَدِيثُ عَامًّا فِي حُكْمِهِ

ص: 407

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَالْأَمَةِ وَالْعَبْدِ، فَخُصَّتْ مِنْهُ الْأَمَةُ وَبَقِيَ مَا عَدَاهَا دَاخِلًا تَحْتَ الْحُكْمِ.

وَاسْتَدَلَّ الْهَادَوِيَّةُ بِمَا ذَكَرَهُ الْمَهْدِيُّ فِي الْبَحْرِ مِنْ قَوْلِهِ.

قُلْت: التَّغْرِيبُ عُقُوبَةٌ لَا حَدٌّ لِقَوْلِ عَلِيٍّ " جَلْدُ مِائَةٍ وَحَبْسُ سَنَةٍ " وَلِنَفْيِ عُمَرَ فِي الْخَمْرِ وَلَمْ يُنْكِرْ ثُمَّ قَالَ: لَا أَنْفِي بَعْدَهَا أَحَدًا وَالْحُدُودُ لَا تَسْقُطُ. انْتَهَى.

وَلَا يَخْفَى ضَعْفُ مَا قَالَهُ. أَمَّا كَلَامُ عَلِيٍّ رضي الله عنه فَإِنَّهُ مُؤَيِّدٌ لِمَا قَالَهُ الْجَمَاهِيرُ فَإِنَّهُ جَعَلَ الْحَبْسَ عِوَضًا عَنْ التَّغْرِيبِ فَهُوَ نَوْعٌ مِنْهُ؛ وَأَمَّا نَفْيُ عُمَرَ فِي الْخَمْرِ فَاجْتِهَادٌ مِنْهُ زِيَادَةً فِي الْعُقُوبَةِ ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ أَنَّهُ لَا يَنْفِي حَدًّا بِاجْتِهَادِهِ وَالنَّفْيُ فِي الزِّنَى بِالنَّصِّ، وَيُرْوَى عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه.

وَقَالَ مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ: إنَّ الْمَرْأَةَ لَا تُغَرَّبُ، قَالُوا: لِأَنَّهَا عَوْرَةٌ وَفِي نَفْيِهَا تَضْيِيعٌ لَهَا وَتَعْرِيضٌ لِلْفِتْنَةِ، وَلِهَذَا نُهِيَتْ عَنْ السَّفَرِ مَعَ غَيْرِ مَحْرَمٍ، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا يَرُدُّ مَا ذُكِرَ، لِأَنَّهُ قَدْ شَرَطَ مَنْ قَالَ بِالتَّغْرِيبِ أَنْ تَكُونَ مَعَ مَحْرَمِهَا وَأُجْرَتُهُ مِنْهَا إذَا وَجَبَتْ بِجِنَايَتِهَا؛ وَقِيلَ فِي بَيْتِ الْمَالِ كَأُجْرَةِ الْجَلَّادِ، وَأَمَّا الرَّقِيقُ فَإِنَّهُ ذَهَبَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمَا إلَى أَنَّهُ لَا يُنْفَى، قَالُوا: لِأَنَّ نَفْيَهُ عُقُوبَةٌ لِمَالِكِهِ لِمَنْعِهِ نَفْعَهُ مُدَّةَ غُرْبَتِهِ وَقَوَاعِدُ الشَّرْعِ قَاضِيَةٌ أَنْ لَا يُعَاقِبَ إلَّا الْجَانِي وَمِنْ ثَمَّةَ سَقَطَ فَرْضُ الْجِهَادِ وَالْحَجِّ عَنْ الْمَمْلُوكِ، وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَدَاوُد: يُنْفَى لِعُمُومِ أَدِلَّةِ التَّغْرِيبِ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} وَيُنْصِفُ فِي حَقِّ الْمَمْلُوكِ لِعُمُومِ الْآيَةِ.

وَأَمَّا مَسَافَةُ التَّغْرِيبِ فَقَالُوا: أَقَلُّهَا مَسَافَةُ الْقَصْرِ لِتَحْصِيلِ الْغُرْبَةِ، وَغَرَّبَ عُمَرُ مِنْ الْمَدِينَةِ إلَى الشَّامِ، وَغَرَّبَ عُثْمَانُ إلَى مِصْرَ وَمَنْ كَانَ غَرِيبًا لَا وَطَنَ لَهُ غُرِّبَ إلَى غَيْرِ الْبَلَدِ الَّتِي وَاقَعَ فِيهَا الْمَعْصِيَةَ ".

" الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ " فِي قَوْلِهِ: «وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ» وَالْمُرَادُ بِالثَّيِّبِ مَنْ قَدْ وَطِئَ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ وَهُوَ حُرٌّ بَالِغٌ عَاقِلٌ وَالْمَرْأَةُ مِثْلُهُ، وَهَذَا الْحُكْمُ يَسْتَوِي فِيهِ الْمُسْلِمُ وَالْكَافِرُ، وَالْحُكْمُ هُوَ مَا دَلَّ لَهُ قَوْلُهُ:" جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ " فَإِنَّهُ أَفَادَ أَنَّهُ يُجْمَعُ لِلثَّيِّبِ الْجَلْدُ وَالرَّجْمُ، وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ كَمَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ " أَنَّهُ جَلَدَ شُرَاحَةَ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَرَجَمَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَقَالَ: جَلَدْتهَا بِكِتَابِ اللَّهِ وَرَجَمْتهَا بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم " قَالَ الشَّعْبِيُّ: قِيلَ لِعَلِيٍّ: جَمَعْت بَيْنَ حَدَّيْنِ فَأَجَابَ بِمَا ذُكِرَ.

قَالَ الْحَازِمِيُّ: وَذَهَبَ إلَى هَذَا أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَدَاوُد وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْهَادَوِيَّةِ، وَذَهَبَ غَيْرُهُمْ إلَى أَنَّهُ لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْجَلْدِ وَالرَّجْمِ قَالُوا: وَحَدِيثُ عُبَادَةَ مَنْسُوخٌ بِقِصَّةِ «مَاعِزٍ وَالْغَامِدِيَّةِ وَالْيَهُودِيَّةِ، فَإِنَّهُ صلى الله عليه وسلم رَجَمَهُمْ وَلَمْ يَرْوِ أَنَّهُ جَلَدَهُمْ» ؛ قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَدَلَّتْ السُّنَّةُ عَلَى أَنَّ الْجَلْدَ ثَابِتٌ عَلَى الْبِكْرِ سَاقِطٌ عَنْ الثَّيِّبِ؛ قَالُوا: وَحَدِيثُ عُبَادَةَ مُتَقَدِّمٌ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي قِصَّةِ مَاعِزٍ وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُ عَلَى تَقْدِيرِ تَأَخُّرِهَا تَصْرِيحٌ بِسُقُوطِ الْجَلْدِ عَنْ الْمَرْجُومِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ تَرْكُ رِوَايَتِهِ لِوُضُوحِهِ وَلِكَوْنِهِ الْأَصْلَ.

وَقَدْ احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِنَظِيرِ هَذَا حِينَ عُورِضَ فِي إيجَابِ الْعُمْرَةِ «بِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَمَرَ مَنْ سَأَلَهُ أَنْ يَحُجَّ عَنْ أَبِيهِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْعُمْرَةَ» ؛ فَأَجَابَ

ص: 408

1130 -

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: «أَتَى رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ - فَنَادَاهُ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي زَنَيْت، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَتَنَحَّى تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي زَنَيْت، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، حَتَّى ثَنَّى ذَلِكَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ دَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. فَقَالَ: أَبِكَ جُنُونٌ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَهَلْ أَحْصَنْت؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ

بِأَنَّ السُّكُوتَ عَنْ ذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى سُقُوطِهِ إلَّا أَنَّهُ قَدْ يُقَالُ: إنَّ جَلْدَ مَنْ ذَكَرَ مِنْ الْخَمْسَةِ الَّذِينَ رَجَمَهُمْ صلى الله عليه وسلم لَوْ وَقَعَ مَعَ كَثْرَةِ مَنْ يَحْضُرُ عَذَابَهُمَا مِنْ طَوَائِفِ الْمُؤْمِنِينَ يَبْعُدُ أَنَّهُ لَا يَرْوِيهِ أَحَدٌ مِمَّنْ حَضَرَ فَعَدَمُ إثْبَاتِهِ فِي رِوَايَةٍ مِنْ الرِّوَايَاتِ مَعَ تَنَوُّعِهَا وَاخْتِلَافِ أَلْفَاظِهَا دَلِيلُ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ الْجَلْدُ فَيَقْوَى مَعَهُ الظَّنُّ بِعَدَمِ وُجُوبِهِ، وَفِعْلُ عَلِيٍّ ظَاهِرٌ أَنَّهُ اجْتِهَادٌ مِنْهُ لِقَوْلِهِ: جَلَدْتهَا بِكِتَابِ اللَّهِ وَرَجَمْتهَا بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ أَنَّهُ عَمِلَ بِاجْتِهَادٍ بِالْجَمْعِ بَيْنَ الدَّلِيلِينَ، فَلَا يَتِمُّ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ تَوْقِيفٌ، وَإِنْ كَانَ فِي قَوْلِهِ: بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَا يُشْعِرُ بِأَنَّهُ تَوْقِيفٌ (قُلْت): وَلَا يَخْفَى قُوَّةُ دَلَالَةِ حَدِيثِ عُبَادَةَ عَلَى إثْبَاتِ جَلْدِ الثَّيِّبِ ثُمَّ رَجْمِهِ، وَلَا يَخْفَى ظُهُورُ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَجْلِدْ مَنْ رَجَمَهُ فَأَنَا أَتَوَقَّفُ فِي الْحُكْمِ حَتَّى يَفْتَحَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ، وَكُنْت قَدْ جَزَمْت فِي مِنْحَةِ الْغَفَّارِ بِقُوَّةِ الْقَوْلِ بِالْجَمْعِ بَيْنَ الْجَلْدِ وَالرَّجْمِ ثُمَّ حَصَلَ لِي التَّوَقُّفُ هُنَا.

(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: «أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَجُلٌ فَنَادَاهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي زَنَيْت فَأَعْرَضَ عَنْهُ فَتَنَحَّى تِلْقَاءَ وَجْهِهِ» أَيْ انْتَقَلَ مِنْ النَّاحِيَةِ الَّتِي كَانَ فِيهَا إلَى النَّاحِيَةِ الَّتِي يَسْتَقْبِلُ بِهَا وَجْهَهُ «فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي زَنَيْت فَأَعْرَضَ عَنْهُ حَتَّى ثَنَّى ذَلِكَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ دَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: أَبِكَ جُنُونٌ؟ قَالَ لَا، قَالَ: فَهَلْ أَحْصَنْت؟» بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ فَحَاءٍ مُهْمَلَةٍ فَصَادٍ مُهْمَلَةٍ أَيْ تَزَوَّجْت (قَالَ: نَعَمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).

الْحَدِيثُ اشْتَمَلَ عَلَى مَسَائِلَ

" الْأُولَى ": أَنَّهُ وَقَعَ مِنْهُ إقْرَارٌ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ يُشْتَرَطُ تَكْرَارُ الْإِقْرَارِ بِالزِّنَى أَرْبَعًا أَوْ لَا؛ ذَهَبَ مَنْ قَدَّمْنَا ذِكْرَهُمْ وَهُمْ الْحَسَنُ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ

ص: 409

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

وَدَاوُد وَآخَرُونَ إلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ التَّكْرَارِ مُسْتَدِلِّينَ بِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ اشْتِرَاطِهِ فِي سَائِرِ الْأَقَارِيرِ كَالْقَتْلِ وَالسَّرِقَةِ، وَبِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِأُنَيْسٍ:" فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا " وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ تَكْرَارَ الِاعْتِرَافِ فَلَوْ كَانَ شَرْطًا مُعْتَبَرًا لَذَكَرَهُ صلى الله عليه وسلم لِأَنَّهُ فِي مَقَامِ الْبَيَانِ وَلَا يُؤَخَّرُ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ وَذَهَبَ الْجَمَاهِيرُ إلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْإِقْرَارِ بِالزِّنَى أَرْبَعُ مَرَّاتٍ مُسْتَدِلِّينَ بِحَدِيثِ مَاعِزٍ هَذَا.

وَأُجِيبَ عَنْهُمْ بِأَنَّ حَدِيثَ مَاعِزٍ هَذَا اضْطَرَبَتْ فِيهِ الرِّوَايَاتُ فِي عَدَدِ الْإِقْرَارَاتِ فَجَاءَ فِيهَا أَرْبَعُ مَرَّاتٍ، وَمِثْلُهُ فِي حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ عِنْد مُسْلِمٍ، وَوَقَعَ فِي طَرِيقٍ أُخْرَى عِنْدَ مُسْلِمٍ أَيْضًا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، وَوَقَعَ فِي حَدِيثٍ عِنْدَهُ أَيْضًا فِي طَرِيقٍ أُخْرَى فَاعْتَرَفَتْ بِالزِّنَى ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ (قَدْ شَهِدْت عَلَى نَفْسِك أَرْبَعَ مَرَّاتٍ) حِكَايَةٌ لِمَا وَقَعَ مِنْهُ فَالْمَفْهُومُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ وَمَا كَانَ ذَلِكَ إلَّا زِيَادَةً فِي الِاسْتِثْبَاتِ وَالتَّبَيُّنِ وَلِذَلِكَ سَأَلَهُ صلى الله عليه وسلم هَلْ بِهِ جُنُونٌ أَوْ هُوَ شَارِبُ خَمْرٍ وَأَمَرَ مَنْ يَشُمَّ رَائِحَتَهُ وَجَعَلَ يَسْتَفْسِرُهُ عَنْ الزِّنَى كَمَا سَيَأْتِي بِأَلْفَاظٍ عَدِيدَةٍ كُلُّ ذَلِكَ لِأَجْلِ الشُّبْهَةِ الَّتِي عُرِضَتْ فِي أَمْرِهِ، وَلِأَنَّهَا قَالَتْ الْجُهَنِيَّةُ: أَتُرِيدُ أَنْ تَرُدَّنِي كَمَا رَدَدْت مَاعِزًا فَعُلِمَ أَنَّ التَّرْدِيدَ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي الْإِقْرَارِ.

وَبَعْدُ فَلَوْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ لَا اضْطِرَابَ وَأَنَّهُ أَقَرَّ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فَهَذَا فِعْلٌ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ أَمْرِهِ صلى الله عليه وسلم وَلَا طَلَبِهِ لِتَكْرَارِ إقْرَارِهِ، بَلْ فَعَلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ وَتَقْرِيرُهُ عَلَيْهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِهِ لَا عَلَى شَرْطِيَّتِهِ وَاسْتَدَلَّ الْجُمْهُورُ بِالْقِيَاسِ عَلَى أَنَّهُ قَدْ اُعْتُبِرَ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الزِّنَى أَرْبَعَةٌ وَرُدَّ بِأَنَّهُ اسْتِدْلَالٌ وَاضِحُ الْبُطْلَانِ لِأَنَّهُ قَدْ اُعْتُبِرَ فِي الْمَالِ عَدْلَانِ وَالْإِقْرَارُ بِهِ يَكْفِي مَرَّةً وَاحِدَةً اتِّفَاقًا.

" الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ ": دَلَّتْ أَلْفَاظُ الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ الِاسْتِفْصَالِ عَنْ الْأُمُورِ الَّتِي يَجِبُ مَعَهَا الْحَدُّ فَإِنَّهُ قَدْ رُوِيَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَلْفَاظٌ كَثِيرَةٌ دَالَّةٌ عَلَيْهِ، فَفِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ أَنَّهُ قَالَ:«أَشَرِبْت خَمْرًا؟ قَالَ: لَا، وَأَنَّهُ قَامَ رَجُلٌ يَسْتَنْكِهُهُ فَلَمْ يَجِدْ فِيهِ رِيحًا» .

وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " لَعَلَّك قَبَّلْت أَوْ غَمَزْت " وَفِي رِوَايَةٍ: «هَلْ ضَاجَعْتهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَهَلْ بَاشَرْتهَا؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: هَلْ جَامَعْتهَا؟ قَالَ: نَعَمْ» وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " أَنِكْتَهَا؟ " لَا يُكَنِّي. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنِكْتَهَا؟. قَالَ: نَعَمْ قَالَ: دَخَلَ ذَلِكَ مِنْك فِي ذَلِكَ مِنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: كَمَا يَغِيبُ الْمِرْوَدُ فِي الْمُكْحُلَةِ وَالرِّشَاءُ فِي الْبِئْرِ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: تَدْرِي مَا الزِّنَى؟ قَالَ: نَعَمْ أَتَيْت مِنْهَا حَرَامًا مَا يَأْتِي الرَّجُلُ مِنْ امْرَأَتِهِ حَلَالًا. قَالَ: فَمَا تُرِيدُ بِهَذَا الْقَوْلِ؟ قَالَ: تُطَهِّرُنِي، فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ» فَدَلَّ جَمِيعُ مَا ذُكِرَ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ الِاسْتِفْصَالِ وَالتَّبَيُّنُ، وَأَنَّهُ يُنْدَبُ تَلْقِينُ مَا يُسْقِطُ الْحَدَّ، وَأَنَّ الْإِقْرَارَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ اللَّفْظِ الصَّرِيحِ الَّذِي لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَ الْمُوَاقَعَةِ.

وَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ تَلْقِينُ الْمُقِرِّ كَمَا أَخْرَجَهُ مَالِكٌ

ص: 410

1131 -

وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: «لَمَّا أَتَى مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لَهُ: لَعَلَّك قَبَّلْت، أَوْ غَمَزْت، أَوْ نَظَرْت؟ قَالَ: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ وَعَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه فِي قِصَّةِ شُرَاحَةَ فَإِنَّهُ قَالَ لَهَا عَلِيٌّ " اُسْتُكْرِهْت "؟ قَالَتْ: لَا. قَالَ: فَلَعَلَّ رَجُلًا أَتَاك فِي نَوْمِك؟ " الْحَدِيثَ " وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ لَا يُلَقَّنُ مَنْ اُشْتُهِرَ بِانْتِهَاكِ الْحُرُمَاتِ.

وَفِي قَوْلِهِ: (أَشَرِبْت خَمْرًا) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ إقْرَارُ السَّكْرَانِ، وَفِيهِ خِلَافٌ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يُحْفَرُ لِلرَّجُلِ عِنْدَ رَجْمِهِ لِأَنَّ فِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ فَحَفَرَ لَهُ حَفِيرَةً وَفِي الْحَدِيثِ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ «أَنَّهَا لَمَّا أَذْلَقَتْهُ الْحِجَارَةُ هَرَبَ، فَأَدْرَكْنَاهُ بِالْحَرَّةِ فَرَجَمْنَاهُ» زَادَ فِي رِوَايَةٍ " حَتَّى مَاتَ " وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد أَنَّهُ قَالَ صلى الله عليه وسلم يَعْنِي حِينَ أُخْبِرَ بِهَرَبِهِ " هَلَّا رَدَدْتُمُوهُ إلَيَّ " وَفِي رِوَايَةٍ " تَرَكْتُمُوهُ لَعَلَّهُ يَتُوبُ فَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِ " وَأَخَذَ مِنْ هَذَا الْهَادَوِيَّةُ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ أَنَّهُ يَصِحُّ رُجُوعُ الْمُقِرِّ عَنْ الْإِقْرَارِ فَإِذَا هَرَبَ تُرِكَ لَعَلَّهُ يَرْجِعُ وَفِي قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: (لَعَلَّهُ يَتُوبُ) إشْكَالٌ لِأَنَّهُ مَا جَاءَ إلَّا تَائِبًا يَطْلُبُ تَطْهِيرَهُ مِنْ الذَّنْبِ؛ وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُد أَنَّهُ «قَالَ صلى الله عليه وسلم فِي قِصَّةِ مَاعِزٍ: وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهُ الْآنَ لَفِي أَنْهَارِ الْجَنَّةِ يَنْغَمِسُ فِيهَا» وَلَعَلَّهُ يُجَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ لَعَلَّهُ يَرْجِعُ عَنْ إقْرَارِهِ وَيَتُوبُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى فَيَغْفِرُ لَهُ أَوْ الْمُرَادَ يَتُوبُ عَنْ إكْذَابِهِ نَفْسَهُ.

وَاعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ: (فَأَمَرَ بِهِ فَرَجَمُوهُ) يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَحْضُرْ الرَّجْمَ وَأَنَّهُ لَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ أَوَّلَ مَنْ يَرْجُمَ الْإِمَامُ فِيمَنْ ثَبَتَ عَلَيْهِ الْحَدُّ بِالْإِقْرَارِ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَالْهَادِي وَالْأَوْلَى حَمْلُ ذَلِكَ عَلَى النَّدْبِ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ:«أَيُّمَا امْرَأَةٍ بَغَى عَلَيْهَا وَلَدُهَا أَوْ كَانَ اعْتِرَافٌ فَالْإِمَامُ أَوَّلُ مَنْ يَرْجُمُ فَإِنْ ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ فَالشُّهُودُ أَوَّلُ مَنْ يَرْجُمُ» .

(وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: لَمَّا أَتَى مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لَهُ: لَعَلَّك قَبَّلْت أَوْ غَمَزْت) بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمِيمِ فَزَايٍ، فِي النِّهَايَةِ أَنَّهُ فُسِّرَ الْغَمْزُ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ بِالْإِشَارَةِ كَالرَّمْزِ بِالْعَيْنِ وَالْحَاجِبِ وَلَعَلَّ الْمُرَادَ هُنَا الْجَسُّ بِالْيَدِ لِأَنَّهُ وَرَدَ

ص: 411

1132 -

وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ خَطَبَ فَقَالَ: إنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ، فَكَانَ فِيمَا أَنْزَلَ عَلَيْهِ آيَةُ الرَّجْمِ قَرَأْنَاهَا وَوَعَيْنَاهَا وَعَقَلْنَاهَا فَرَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ، فَأَخْشَى إنْ طَالَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: مَا نَجِدُ‌

‌ الرَّجْمَ فِي كِتَابِ اللَّهِ،

فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللَّهُ، وَإِنَّ الرَّجْمَ حَقٌّ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى: عَلَى مَنْ زَنَى، إذَا أَحْصَنَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ. إذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ أَوْ كَانَ الْحَبَلُ أَوْ الِاعْتِرَافُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَوْ لَمَسْت عِوَضًا عَنْهُ (أَوْ نَظَرْت قَالَ: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) وَالْمُرَادُ اسْتِفْهَامُهُ هَلْ هُوَ أَطْلَقَ لَفْظَ الزِّنَى عَلَى أَيِّ هَذِهِ مَجَازًا وَذَلِكَ كَمَا جَاءَ «الْعَيْنُ تَزْنِي وَزِنَاهَا النَّظَرُ» وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى التَّثَبُّتِ وَتَلْقِينِ الْمُسْقِطِ لِلْحَدِّ وَأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ التَّصْرِيحِ فِي الزِّنَى بِاللَّفْظِ الصَّرِيحِ الَّذِي لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَ ذَلِكَ.

(وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه أَنَّهُ خَطَبَ فَقَالَ: إنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ فَكَانَ فِيمَا أَنْزَلَ عَلَيْهِ آيَةُ الرَّجْمِ قَرَأْنَاهَا وَوَعَيْنَاهَا وَعَقَلْنَاهَا فَرَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ فَأَخْشَى إنْ طَالَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: مَا نَجِدُ الرَّجْمَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللَّهُ وَإِنَّ الرَّجْمَ حَقٌّ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَلَى مَنْ زَنَى إذَا أُحْصِنَ مِنْ الرِّجَالِ أَوْ النِّسَاءِ إذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ أَوْ كَانَ الْحَبَلُ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ (أَوْ الِاعْتِرَافُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ بَعْدَ قَوْلِهِ أَوْ الِاعْتِرَافُ وَقَدْ قَرَأْنَاهَا «الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ فَارْجُمُوهُمَا أَلْبَتَّةَ» وَبُيِّنَ فِي رِوَايَةٍ عِنْدَ النَّسَائِيّ مَحَلُّهَا مِنْ السُّورَةِ وَأَنَّهَا كَانَتْ فِي سُورَةِ الْأَحْزَابِ؛ وَكَذَلِكَ أَخْرَجَ هَذِهِ الزِّيَادَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْمُوَطَّإِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ؛ وَفِي رِوَايَةٍ زِيَادَةُ «إذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا أَلْبَتَّةَ نَكَالًا مِنْ اللَّهِ وَاَللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» وَفِي رِوَايَةٍ " لَوْلَا أَنْ يَقُولَ النَّاسُ زَادَ عُمَرُ فِي كِتَابِ اللَّهِ لَكَتَبْتهَا بِيَدِي " وَهَذَا الْقِسْمُ مِنْ نَسْخِ التِّلَاوَةِ مَعَ بَقَاءِ الْحُكْمِ، وَقَدْ عَدَّهُ الْأُصُولِيُّونَ قِسْمًا مِنْ أَقْسَامِ النَّسْخِ؛ وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا إذَا وُجِدَتْ الْمَرْأَةُ الْخَالِيَةُ مِنْ الزَّوْجِ أَوْ السَّيِّدِ حُبْلَى وَلَمْ تُذْكَرْ شُبْهَةٌ أَنَّهُ يَثْبُتُ الْحَدُّ بِالْحَبَلِ وَهُوَ مَذْهَبُ عُمَرَ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ.

وَقَالَتْ الْهَادَوِيَّةُ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ: إنَّهُ لَا يَثْبُتُ الْحَدُّ إلَّا بِبَيِّنَةٍ أَوْ اعْتِرَافٍ؛ لِأَنَّ الْحُدُودَ تَسْقُطُ بِالشُّبُهَاتِ.

وَاسْتَدَلَّ الْأَوَّلُونَ

ص: 412

1133 -

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ، وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا ثُمَّ إنْ زَنَتْ فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا ثُمَّ إنْ زَنَتْ الثَّالِثَةَ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا فَلْيَبِعْهَا وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعْرٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ

بِأَنَّهُ قَالَهُ عُمَرُ عَلَى الْمِنْبَرِ وَلَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ فَيَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْإِجْمَاعِ.

قُلْت: لَا يَخْفَى أَنَّ الدَّلِيلَ هُوَ الْإِجْمَاعُ لَا مَا يَنْزِلُ مَنْزِلَتَهُ.

(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا» بِمُثَنَّاةٍ تَحْتِيَّةٍ فَمُثَلَّثَةٍ فَرَاءٍ فَمُوَحَّدَةٍ التَّعْنِيفُ لَفْظًا وَمَعْنًى «ثُمَّ إنْ زَنَتْ فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا ثُمَّ إنْ زَنَتْ الثَّالِثَةَ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا فَلْيَبِعْهَا وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعْرٍ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ) فِيهِ مَسَائِلُ

" الْأُولَى ": قَوْلُهُ: (فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا) أَنَّهُ إذَا عَلِمَ السَّيِّدُ بِزِنَى أَمَتِهِ جَلَدَهَا وَإِنْ لَمْ تَقُمْ شَهَادَةٌ وَذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ إذَا تَبَيَّنَ زِنَاهَا بِمَا يَتَبَيَّنُ بِهِ فِي حَقِّ الْحُرَّةِ وَهُوَ الشَّهَادَةُ أَوْ الْإِقْرَارُ، وَالشَّهَادَةُ تُقَامُ عِنْدَ الْحَاكِمِ عِنْدَ الْأَكْثَرِ؛ وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: تُقَامُ عِنْدَ السَّيِّدِ. وَفِي قَوْلِهِ: (فَلْيَجْلِدْهَا) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ وِلَايَةَ جَلْدِ الْأَمَةِ إلَى سَيِّدِهَا وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَعِنْدَ الْهَادَوِيَّةِ أَنَّ ذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الزَّمَانِ إمَامٌ وَإِلَّا فَالْحُدُودُ إلَيْهِ، وَالْأَوَّلُ أَقْوَى، وَالْمُرَادُ بِالْجَلْدِ الْحَدُّ الْمَعْرُوفُ فِي قَوْله تَعَالَى {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} .

" الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ ": قَوْلُهُ: (وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا) وَرَدَ فِي لَفْظِ النَّسَائِيّ وَلَا يُعَنِّفْهَا وَهُوَ بِمَعْنَى مَا هُنَا، وَهُوَ نَهْيٌ عَنْ الْجَمْعِ لَهَا بَيْنَ الْعُقُوبَةِ بِالتَّعْنِيفِ وَالْجَلْدِ، وَمَنْ قَالَ: الْمُرَادُ أَنَّهُ لَا يَقْنَعُ بِالتَّعْنِيفِ دُونَ الْجَلْدِ فَقَدْ أَبْعَدَ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ كُلَّ مَنْ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ لَا يُعَزَّرُ بِالتَّعْنِيفِ وَاللَّوْمِ وَإِنَّمَا يَلِيقُ ذَلِكَ بِمَنْ صَدَرَ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ إلَى الْإِمَامِ لِلتَّحْذِيرِ وَالتَّخْوِيفِ، فَإِذَا رُفِعَ وَأُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ كَفَاهُ وَيُؤَيِّدُ هَذَا «نَهْيُهُ صلى الله عليه وسلم عَنْ سَبِّهِ الَّذِي أُقِيمَ عَلَيْهِ حَدُّ الْخَمْرِ وَقَالَ: وَلَا تَكُونُوا عَوْنًا لِلشَّيْطَانِ عَلَى أَخِيكُمْ» وَفِي قَوْلِهِ: (ثُمَّ إنْ زَنَتْ إلَى آخِرِهِ) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الزَّانِيَ إذَا تَكَرَّرَ مِنْهُ الزِّنَى بَعْدَ إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ تَكَرَّرَ عَلَيْهِ الْحَدُّ، وَأَمَّا إذَا زَنَى مِرَارًا مِنْ دُونِ تَخَلُّلِ إقَامَةِ الْحَدِّ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ إلَّا حَدٌّ وَاحِدٌ؛ وَيُؤْخَذُ مِنْ ظَاهِرِ قَوْلِهِ (فَلْيَبِعْهَا) أَنَّهُ كَانَ عَلَيْهَا الْحَدُّ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْفَتْحِ: الْأَرْجَحُ أَنَّهُ يَجْلِدُهَا قَبْلَ الْبَيْعِ ثُمَّ يَبِيعُهَا، وَالسُّكُوتُ

ص: 413

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

عَنْهُ لِلْعِلْمِ بِأَنَّ الْحَدَّ لَا يُتْرَكُ وَلَا يَقُومُ الْبَيْعُ مَقَامَهُ.

" الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ ": ظَاهِرُ الْأَمْرِ وُجُوبُ بَيْعِ السَّيِّدِ لِلْأَمَةِ، وَأَنَّ إمْسَاكَ مَنْ تَكَرَّرَتْ مِنْهُ الْفَاحِشَةُ مُحَرَّمٌ، وَهَذَا قَوْلُ دَاوُد وَأَصْحَابِهِ؛ وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ لَا وَاجِبٌ.

قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: حَمَلَ الْفُقَهَاءُ الْأَمْرَ بِالْبَيْعِ عَلَى الْحَضِّ عَلَى مُبَاعَدَةِ مَنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ الزِّنَى لِئَلَّا يُظَنَّ بِالسَّيِّدِ الرِّضَا بِذَلِكَ فَيَكُونُ دَيُّوثًا، وَقَدْ ثَبَتَ الْوَعِيدُ عَلَى مَنْ اتَّصَفَ بِالدِّيَاثَةِ.

وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ فِرَاقُ الزَّانِيَةِ لِأَنَّ لَفْظَ " أَمَةِ أَحَدِكُمْ " عَامٌّ لِمَنْ يَطَؤُهَا مَالِكُهَا وَمَنْ لَا يَطَؤُهَا، وَلَمْ يَجْعَلْ الشَّارِعُ مُجَرَّدَ الزِّنَى مُوجِبًا لِلْفِرَاقِ إذْ لَوْ كَانَ مُوجِبًا لَهُ لَوَجَبَ فِرَاقُهَا فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ بَلْ لَمْ يُوجِبْهُ إلَّا فِي الثَّالِثَةِ عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِ فِرَاقِهَا بِالْبَيْعِ كَمَا قَالَهُ دَاوُد وَأَتْبَاعُهُ وَهَذَا الْإِيجَابُ لَا لِمُجَرَّدِ الزِّنَى بَلْ لِتَكْرِيرِهِ لِئَلَّا يُظَنَّ بِالسَّيِّدِ الرِّضَا بِذَلِكَ فَيَتَّصِفُ بِالصِّفَةِ الْقَبِيحَةِ، وَيَجْرِي هَذَا الْحُكْمُ فِي الزَّوْجَةِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ طَلَاقُهَا وَفِرَاقُهَا لِأَجْلِ الزِّنَى بَلْ إنْ تَكَرَّرَ مِنْهَا وَجَبَ لِمَا عَرَفْت؛ قَالُوا: وَإِنَّمَا أُمِرَ بِبَيْعِهَا فِي الثَّالِثَةِ لِمَا ذَكَرْنَا قَرِيبًا، وَلِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْوَسِيلَةِ إلَى تَكْثِيرِ أَوْلَادِ الزِّنَى قَالَ: وَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى الْوُجُوبِ وَلَا سَلَفَ لَهُ مِنْ الْأُمَّةِ فَلَا يَشْتَغِلُ بِهِ وَقَدْ ثَبَتَ النَّهْيُ عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ: فَكَيْفَ يَجِبُ بَيْعُ مَا لَهُ قِيمَةٌ خَطِيرَةٌ بِالْحَقِيرِ انْتَهَى.

قُلْت: وَلَا يَخْفَى أَنَّ الظَّاهِرَ مَعَ مَنْ قَالَ بِالْوُجُوبِ وَلَمْ يَأْتِ الْقَائِلُ بِالِاسْتِحْبَابِ بِدَلِيلٍ عَلَى عَدَمِ الْإِيجَابِ قَوْلُهُ: وَقَدْ ثَبَتَ النَّهْيُ عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ قُلْنَا: وَثَبَتَ هُنَا مُخَصِّصٌ لِذَلِكَ النَّهْيِ وَهُوَ هَذَا الْأَمْرُ وَقَدْ وَقَعَ الْإِجْمَاعُ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ الشَّيْءِ الثَّمِينِ بِالشَّيْءِ الْحَقِيرِ إذَا كَانَ الْبَائِعُ عَالِمًا بِهِ وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ جَاهِلًا عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَقَوْلُهُ: وَلِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْوَسِيلَةِ إلَى تَكْثِيرِ أَوْلَادِ الزِّنَى فَقَالَ: لَيْسَ فِي الْأَمْرِ بِبَيْعِهَا قَطْعٌ لِذَلِكَ إذْ لَا يَنْقَطِعُ إلَّا بِتَرْكِهَا لَهُ وَلَيْسَ فِي بَيْعِهَا مَا يُصَيِّرُهَا تَارِكَةً لَهُ وَقَدْ قِيلَ فِي وَجْهِ الْحُكْمِ فِي الْأَمْرِ بِبَيْعِهَا مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَوَانِعِ الزِّنَى إنَّهُ جَوَازٌ أَنْ تُسْتَغْنَى عِنْدَ الْمُشْتَرِي وَتَعْلَمَ بِأَنَّ إخْرَاجَهَا مِنْ مِلْكِ السَّيِّدِ الْأَوَّلِ بِسَبَبِ الزِّنَى فَتَتْرُكُهُ خَشْيَةً مِنْ تَنَقُّلِهَا عِنْدَ الْمُلَّاكِ أَوْ لِأَنَّهُ قَدْ يُعِفُّهَا بِالتَّسَرِّي لَهَا أَوْ بِتَزْوِيجِهَا.

" الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ ": هَلْ يَجِبُ عَلَى الْبَائِعِ أَنْ يُعَرِّفَ الْمُشْتَرِيَ بِسَبَبِ بَيْعِهَا لِئَلَّا يَدْخُلَ تَحْتَ قَوْلِهِ «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» فَإِنَّ الزِّنَى عَيْبٌ وَلِذَا أُمِرَ بِالْحَطِّ مِنْ الْقِيمَةِ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ قَدْ أَمَرَهُ بِبَيْعِهَا وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِبَيَانِ عَيْبِهَا ثُمَّ هَذَا الْعَيْبُ لَيْسَ مَعْلُومًا ثُبُوتُهُ فِي الِاسْتِقْبَالِ فَقَدْ يَتُوبُ الْفَاجِرُ وَيَفْجُرُ الْبَارُّ، وَكَوْنُهُ قَدْ وَقَعَ مِنْهَا وَأُقِيمَ عَلَيْهَا الْحَدُّ قَدْ صَيَّرَهُ كَغَيْرِ الْوَاقِعِ وَلِهَذَا نَهَى عَنْ التَّعْنِيفِ لَهَا وَبَيَانُ

ص: 414

1134 -

وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «أَقِيمُوا الْحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَهُوَ فِي مُسْلِمٍ مَوْقُوفٌ

عَيْبِهَا قَدْ يَكُونُ مِنْ التَّعْنِيفِ وَهَلْ يُنْدَبُ لَهُ ذِكْرُ سَبَبِ بَيْعِهَا فَلَعَلَّهُ يُنْدَبُ وَيَدْخُلُ تَحْتَ عُمُومِ الْمُنَاصَحَةِ.

" الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ ": فِي إطْلَاقِ الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى الْأَمَةِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ أُحْصِنَتْ أَوْ لَا، وَفِي قَوْله تَعَالَى:{فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} دَلِيلٌ عَلَى شَرْطِيَّةِ الْإِحْصَانِ وَلَكِنْ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ شُرِطَ لِلتَّنْصِيفِ فِي جَلْدِ الْمُحْصَنَةِ مِنْ الْإِمَاءِ وَأَنَّ عَلَيْهَا نِصْفَ الْجَلْدِ لَا الرَّجْمَ إذْ لَا يَتَنَصَّفُ فَيَكُونُ فَائِدَةُ التَّقْيِيدِ فِي الْآيَةِ وَصَرَّحَ بِتَفْصِيلِ الْإِطْلَاقِ قَوْلُ عَلِيٍّ رضي الله عنه فِي خُطْبَتِهِ: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَقِيمُوا عَلَى أَرِقَّائِكُمْ الْحَدَّ مَنْ أُحْصِنَ مِنْهُنَّ وَمَنْ لَمْ يُحْصِنْ " رَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ كَمَا قَالَ مَالِكٌ وَهَذَا مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ.

وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ إلَى أَنَّهُ لَا يُحَدُّ مِنْ الْعَبِيدِ إلَّا مَنْ أُحْصِنَ وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلَكِنَّهُ يُؤَيِّدُ كَلَامَ الْجُمْهُورِ إطْلَاقُ الْحَدِيثِ الْآتِي.

1134 -

وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «أَقِيمُوا الْحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَهُوَ فِي مُسْلِمٍ مَوْقُوفٌ.

(وَعَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «أَقِيمُوا الْحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَهُوَ فِي مُسْلِمٍ مَوْقُوفٌ) عَلَى عَلِيٍّ رضي الله عنه وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مَرْفُوعًا وَقَدْ غَفَلَ الْحَاكِمُ فَظَنَّ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُ أَحَدُ الشَّيْخَيْنِ وَاسْتَدْرَكَهُ عَلَيْهِمَا.

قُلْت: يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُهُ لِكَوْنِ مُسْلِمٍ لَمْ يَرْفَعْهُ، وَقَدْ ثَبَتَ عِنْدَ الْحَاكِمِ رَفْعُهُ. وَالْحَدِيثُ دَلَّ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ مِنْ‌

‌ إقَامَةِ الْمُلَّاكِ الْحَدَّ عَلَى الْمَمَالِيكِ

إلَّا أَنَّ هَذَا يَعُمُّ ذُكُورَهُمْ وَإِنَاثَهُمْ فَهُوَ أَعَمُّ مِنْ الْأَوَّلِ وَدَلَّ عَلَى إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِمْ مُطْلَقًا أُحْصِنُوا أَوْ لَا، وَعَلَى أَنَّ إقَامَتَهُ إلَى الْمَالِكِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى؛ وَاخْتُلِفَ فِي الْأَمَةِ الْمُزَوَّجَةِ؛ فَالْجُمْهُورُ يَقُولُونَ: إنَّ حَدَّهَا إلَى سَيِّدِهَا، وَقَالَ مَالِكٌ: حَدُّهَا إلَى الْإِمَامِ إلَّا أَنْ يَكُونَ زَوْجُهَا عَبْدًا لِمَالِكِهَا فَأَمْرُهَا إلَى السَّيِّدِ؛ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي السَّيِّدِ شَرْطُ صَلَاحِيَّةٍ وَلَا غَيْرِهَا؛ قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: يُقِيمُهُ السَّيِّدُ إلَّا أَنْ يَكُونَ كَافِرًا، قَالَ: لِأَنَّهُمْ لَا يُقِرُّونَ إلَّا بِالصِّغَارِ، وَفِي تَسْلِيطِهِ عَلَى إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى مَمَالِيكِهِ مُنَافَاةٌ لِذَلِكَ؛ ثُمَّ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ لِلسَّيِّدِ إقَامَةَ حَدِّ السَّرِقَةِ وَالشُّرْبِ وَقَدْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ جَمَاعَةٌ بِلَا دَلِيلٍ نَاهِضٍ؛ وَقَدْ أَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ:" أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَطَعَ يَدَ غُلَامٍ لَهُ سَرَقَ، وَجَلَدَ عَبْدًا لَهُ زَنَى، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَرْفَعَهُمَا إلَى الْوَالِي ".

وَأَخْرَجَ مَالِكٌ فِي

ص: 415

1135 -

وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رضي الله عنه «أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ أَتَتْ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَهِيَ حُبْلَى مِنْ الزِّنَا - فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَصَبْت حَدًّا، فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَلِيَّهَا. فَقَالَ: أَحْسِنْ إلَيْهَا، فَإِذَا وَضَعَتْ فَأْتِنِي بِهَا فَفَعَلَ. فَأَمَرَ بِهَا فَشُكَّتْ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَرُجِمَتْ. ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا، فَقَالَ عُمَرُ: أَتُصَلِّي عَلَيْهَا يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَقَدْ زَنَتْ؟ فَقَالَ: لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِّمَتْ بَيْنَ سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ، وَهَلْ وَجَدْت أَفْضَلَ مِنْ أَنْ جَادَتْ بِنَفْسِهَا لِلَّهِ تَعَالَى» ؟ رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

الْمُوَطَّإِ بِسَنَدِهِ " أَنَّ عَبْدًا لِبَنِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ سَرَقَ وَاعْتَرَفَ فَأَمَرَتْ بِهِ عَائِشَةُ فَقُطِعَتْ يَدُهُ " وَأَخْرَجَ الشَّافِعِيُّ وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ بِسَنَدِهِمَا إلَى الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ " أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَدَّتْ جَارِيَةً لَهَا زَنَتْ " وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ: " أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَتْ تَجْلِدُ وَلِيدَتَهَا خَمْسِينَ إذَا زَنَتْ " وَذَهَبَتْ الْهَادَوِيَّةُ إلَّا أَنَّهُ لَا يُقِيمُ الْحَدَّ عَلَيْهِ إلَّا الْإِمَامُ إلَّا أَنْ لَا يُوجَدَ إمَامٌ أَقَامَهُ السَّيِّدُ.

وَذَهَبَتْ الْحَنَفِيَّةُ إلَى أَنَّهُ لَا يُقِيمُ الْحُدُودَ مُطْلَقًا إلَّا الْإِمَامُ أَوْ مَنْ أَذِنَ لَهُ.

وَقَدْ اسْتَدَلَّ الطَّحَاوِيُّ بِمَا أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: كَانَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ رَجُلٌ مِنْ الصَّحَابَةِ يَقُولُ: الزَّكَاةُ وَالْحُدُودُ وَالْفَيْءُ وَالْجُمُعَةُ إلَى الطَّحَاوِيِّ: وَلَا نَعْلَمُ لَهُ مُخَالِفًا مِنْ الصَّحَابَةِ وَقَدْ تَعَقَّبَهُ ابْنُ حَزْمٍ فَقَالَ: بَلْ خَالَفَهُ السُّلْطَانُ قَالَ: اثْنَا عَشَرَ نَفْسًا مِنْ الصَّحَابَةِ: وَقَدْ سَمِعْت مَا رُوِيَ عَنْ الصَّحَابَةِ وَكَفَى بِهِ رَدًّا عَلَى الطَّحَاوِيِّ؛ وَمِنْ ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ وَفِيهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: أَدْرَكْت بَقَايَا الْأَنْصَارِ وَهُمْ يَضْرِبُونَ الْوَلِيدَةَ مِنْ وَلَائِدِهِمْ فِي مَجَالِسِهِمْ إذَا زَنَتْ قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَأْمُرُ بِهِ وَأَبُو بَرْزَةَ يَحُدُّ وَلِيدَتَهُ.

(وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ «أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ هِيَ الْمَعْرُوفَةُ بِالْغَامِدِيَّةِ أَتَتْ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَهِيَ حُبْلَى مِنْ الزِّنَى فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَصَبْت حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ فَدَعَا نَبِيُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَلِيَّهَا فَقَالَ: أَحْسِنْ إلَيْهَا فَإِذَا وَضَعَتْ فَأْتِنِي بِهَا فَفَعَلَ فَأَمَرَ بِهَا فَشُكَّتْ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ أَيْ شُدَّتْ وَوَرَدَ فِي رِوَايَةٍ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَرُجِمَتْ ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا فَقَالَ عُمَرُ: تُصَلِّي عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَقَدْ زَنَتْ فَقَالَ: لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِّمَتْ بَيْنَ سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ وَهَلْ وَجَدْت أَفْضَلَ مِنْ أَنْ جَادَتْ بِنَفْسِهَا لِلَّهِ.» رَوَاهُ مُسْلِم) ظَاهِرُ قَوْلِهِ: (فَإِذَا وَضَعَتْ فَأْتِنِي بِهَا فَفَعَلَ " أَنَّهُ وَقَعَ الرَّجْمُ عَقْبَ الْوَضْعِ إلَّا أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى

ص: 416

1136 -

وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما قَالَ: «رَجَمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ، وَرَجُلًا مِنْ الْيَهُودِ وَامْرَأَةً» رَوَاهُ مُسْلِمٌ - وَقِصَّةُ الْيَهُودِيَّيْنِ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ.

أَنَّهَا رُجِمَتْ بَعْدَ أَنْ فَطَمَتْ وَلَدَهَا وَأَتَتْ بِهِ وَفِي يَدِهِ كِسْرَةُ خُبْزٍ، فَفِي رِوَايَةِ الْكِتَابِ طَيٌّ وَاخْتِصَارٌ؛ قَالَ النَّوَوِيُّ: بَعْدَ ذِكْرِ الرِّوَايَتَيْنِ وَهُمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: ظَاهِرُهُمَا الِاخْتِلَافُ فَإِنَّ الثَّانِيَةَ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّ رَجْمَهَا كَانَ بَعْدَ فِطَامِهِ وَأَكْلِهِ الْخُبْزَ وَالْأُولَى أَنَّهُ رَجَمَهَا عَقِيبَ الْوِلَادَةِ فَيَجِبُ تَأْوِيلُ الْأُولَى وَحَمْلُهَا عَلَى وَفْقِ الثَّانِيَةِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى: " قَامَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: إلَى رَضَاعِهِ " إنَّمَا قَالَهُ بَعْدَ الْفِطَامِ، وَأَرَادَ بِرَضَاعِهِ كَفَالَتَهُ وَتَرْبِيَتَهُ وَسَمَّاهُ رَضَاعًا مَجَازًا؛ انْتَهَى بِاخْتِصَارٍ.

وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الرَّجْمِ وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ، وَأَمَّا شَدُّ ثِيَابِهَا عَلَيْهَا فَلِأَجْلِ أَنْ لَا تُكْشَفَ عِنْدَ اضْطِرَابِهَا مِنْ مَسِّ الْحِجَارَةِ.

وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ أَنَّهَا تُرْجَمُ الْمَرْأَةُ قَاعِدَةً وَالرَّجُلُ قَائِمًا إلَّا عِنْدَ مَالِكٍ فَقَالَ قَاعِدًا، وَقِيلَ: يَتَخَيَّرُ الْإِمَامُ بَيْنَهُمَا.

وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم صَلَّى عَلَى الْمَرْأَةِ بِنَفْسِهِ إنْ صَحَّتْ الرِّوَايَةُ فَصَلَّى بِالْبِنَاءِ لِلْمَعْلُومِ إلَّا أَنَّهُ قَالَ الطَّبَرِيُّ: إنَّهَا بِضَمِّ الصَّادِ وَكَسْرِ اللَّامِ، قَالَ: وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبِي دَاوُد، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد فَأَمَرَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ الرُّوَاةِ لِمُسْلِمٍ بِفَتْحِ الصَّادِ وَفَتْحِ اللَّامِ وَظَاهِرُ قَوْلِ عُمَرَ:" تُصَلِّي عَلَيْهَا " أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم بَاشَرَ الصَّلَاةَ بِنَفْسِهِ فَهُوَ يُؤَيِّدُ رِوَايَةَ الْأَكْثَرِ لِمُسْلِمٍ وَالْقَوْلُ بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ صَلَّى أَمَرَ بِأَنْ يُصَلَّى وَأَنَّهُ أَسْنَدَ إلَيْهِ صلى الله عليه وسلم لِكَوْنِهِ الْآمِرَ خِلَافُ الظَّاهِرِ فَإِنَّ الْأَصْلَ الْحَقِيقَةُ وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ صَلَّى صلى الله عليه وسلم عَلَيْهَا أَوْ أَمَرَ بِالصَّلَاةِ، فَالْقَوْلُ بِكَرَاهَةِ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَرْجُومِ يُصَادِمُ النَّصَّ إلَّا أَنْ تُخَصَّ الْكَرَاهَةُ بِمَنْ رُجِمَ بِغَيْرِ الْإِقْرَارِ لِجَوَازِ أَنَّهُ لَمْ يَتُبْ فَهَذَا يَنْزِلُ عَلَى الْخِلَافِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْفُسَّاقِ، فَالْجُمْهُورُ أَنَّهُ يُصَلَّى عَلَيْهِمْ وَلَا دَلِيلَ مَعَ الْمَانِعِ عَنْ الصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ.

وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّوْبَةَ لَا تُسْقِطُ الْحَدَّ وَهُوَ أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْجُمْهُورِ.

وَالْخِلَافُ فِي حَدِّ الْمُحَارِبِ إذَا تَابَ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ} .

(وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما قَالَ: رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ) يُرِيدُ مَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ (وَرَجُلًا مِنْ الْيَهُودِ وَامْرَأَةً) يُرِيدُ الْجُهَنِيَّةَ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَقِصَّةُ الْيَهُودِيَّيْنِ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ) أَمَّا حَدِيثُ مَاعِزٍ وَالْجُهَنِيَّةِ فَتَقَدَّمَا.

وَفِي

ص: 417

1137 -

وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْهُ قَالَ: «كَانَ فِي أَبْيَاتِنَا رُوَيْجِلٌ ضَعِيفٌ، فَخَبَثَ بِأَمَةٍ مِنْ إمَائِهِمْ، فَذَكَرَ ذَلِكَ سَعِيدٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: اضْرِبُوهُ حَدَّهُ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّهُ أَضْعَفُ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: خُذُوا عُثْكَالًا فِيهِ مِائَةُ شِمْرَاخٍ ثُمَّ اضْرِبُوهُ بِهِ ضَرْبَةً وَاحِدَةً» فَفَعَلُوا، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ، لَكِنْ اُخْتُلِفَ فِي وَصْلِهِ وَإِرْسَالِهِ.

الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى الْكَافِرِ إذَا زَنَى، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ.

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَمُعْظَمُ الْحَنَفِيَّةِ إلَى اشْتِرَاطِ الْإِسْلَامِ وَأَنَّهُ شَرْطٌ لِلْإِحْصَانِ الْمُوجِبِ لِلرَّجْمِ، وَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ وَرَدَّ قَوْلَهُ بِأَنَّ الشَّافِعِيَّ وَأَحْمَدَ لَا يَشْتَرِطَانِ ذَلِكَ وَدَلِيلُهُمَا وُقُوعُ التَّصْرِيحِ بِأَنَّ الْيَهُودِيَّيْنِ اللَّذَيْنِ زَنَيَا كَانَا قَدْ أَحْصَنَا وَقَدْ أَجَابَ مَنْ اشْتَرَطَ الْإِسْلَامَ عَنْ الْحَدِيثِ هَذَا بِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم إنَّمَا رَجَمَهُمَا بِحُكْمِ التَّوْرَاةِ وَلَيْسَ مِنْ حُكْمِ الْإِسْلَامِ فِي شَيْءٍ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ تَنْفِيذِ الْحُكْمِ عَلَيْهِمَا بِمَا فِي كِتَابِهِمَا فَإِنَّ فِي التَّوْرَاةِ الرَّجْمَ عَلَى الْمُحْصَنِ وَعَلَى غَيْرِهِ.

قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: إنَّمَا رَجْمُهُمَا لِإِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمَا بِمَا لَا يَرُدُّهُ فِي شَرْعِهِ مَعَ قَوْلِهِ {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} وَمِنْ ثَمَّةَ اسْتَدْعَى شُهُودَهُمَا لِتَقُومَ عَلَيْهِمَا الْحُجَّةُ مِنْهُمْ، وَرَدَّهُ الْخَطَّابِيُّ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ:{وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} وَإِنَّمَا جَاءَهُ الْقَوْمُ سَائِلِينَ الْحُكْمَ عِنْدَهُ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الرِّوَايَةُ فَنَبَّهَهُمْ عَلَى مَا كَتَمُوهُ مِنْ حُكْمِ التَّوْرَاةِ وَلَا جَائِزَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الْإِسْلَامِ عِنْدَهُ مُخَالِفًا لِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْحُكْمُ بِالْمَنْسُوخِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا حَكَمَ بِالنَّاسِخِ. انْتَهَى.

قُلْت: وَلَا يَخْفَى احْتِمَالُ الْقِصَّةِ لِلْأَمْرَيْنِ وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ مَبْنِيٌّ عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ شَهَادَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ وَالثَّانِي مَبْنِيٌّ عَلَى جَوَازِهِ وَفِيهِ خِلَافٌ مَعْرُوفٌ وَقَدْ دَلَّتْ الْقِصَّةُ عَلَى صِحَّةِ أَنْكِحَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ لِأَنَّ ثُبُوتَ الْإِحْصَانِ فَرْعٌ مِنْ ثُبُوتِ صِحَّتِهِ وَأَنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرَائِعِ، كَذَا قِيلَ.

قُلْت: أَمَّا الْخِطَابُ بِفُرُوعِ الشَّرَائِعِ فَفِيهِ نَظَرٌ لِتَوَقُّفِهِ عَلَى أَنَّهُ حَكَمَ صلى الله عليه وسلم بِشَرْعِهِ لَا بِمَا فِي التَّوْرَاةِ عَلَى أَحَدِ الِاحْتِمَالَيْنِ.

(وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ) هُوَ أَنْصَارِيٌّ قَالَ الْوَاقِدِيُّ: صُحْبَتُهُ صَحِيحَةٌ كَانَ وَالِيًا لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَى الْيَمَنِ (قَالَ كَانَ بَيْنَ أَبْيَاتِنَا) جَمْعُ بَيْتٍ (رُوَيْجِلٌ) تَصْغِيرُ رَجُلٍ (ضَعِيفٌ فَخَبَثَ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ فَمُوَحَّدَةٍ فَمُثَلَّثَةٍ أَيْ فَجَرَ (بِأَمَةٍ مِنْ إمَائِهِمْ فَذَكَرَ ذَلِكَ

ص: 418

1138 -

وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ، وَمَنْ وَجَدْتُمُوهُ وَقَعَ عَلَى بَهِيمَةٍ فَاقْتُلُوهُ وَاقْتُلُوا الْبَهِيمَةَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ وَرِجَالُهُ مُوَثَّقُونَ، إلَّا أَنَّ فِيهِ اخْتِلَافًا

سَعْدٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: اضْرِبُوهُ حَدَّهُ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهُ أَضْعَفُ مِنْ ذَلِكَ قَالَ: خُذُوا عُثْكَالًا) بِكَسْرِ الْعَيْنِ فَمُثَلَّثَةٍ بِزِنَةِ قِرْطَاسٍ وَهُوَ الْعَذْقُ (فِيهِ مِائَةُ شِمْرَاخٍ) بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ أَوَّلُهُ وَرَاءٍ آخِرُهُ خَاءٌ مُعْجَمَةٌ بِزِنَةِ عُثْكَالٍ وَهُوَ غُصْنٌ دَقِيقٌ فِي أَصْلِ الْعِثْكَالِ (ثُمَّ اضْرِبُوهُ بِهِ ضَرْبَةً وَاحِدَةً فَفَعَلُوا. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ لَكِنْ اخْتَلَفُوا فِي وَصْلِهِ وَإِرْسَالِهِ] قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: الْمَحْفُوظُ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَيْ ابْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ كَوْنُهُ مُرْسَلًا، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ مَوْصُولًا. وَقَدْ أَسْلَفْنَا لَك غَيْرَ مَرَّةٍ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِعِلَّةٍ قَادِحَةٍ بَلْ رِوَايَتُهُ مَوْصُولَةٌ زِيَادَةً مِنْ ثِقَةٍ مَقْبُولَةٍ.

وَالْمُرَادُ هُنَا بِالْعُثْكَالِ الْغُصْنُ الْكَبِيرُ الَّذِي يَكُونُ عَلَيْهِ أَغْصَانٌ صِغَارٌ وَهُوَ لِلنَّخْلِ كَالْعُنْقُودِ لِلْعِنَبِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الْأَغْصَانِ يُسَمَّى شِمْرَاخًا.

وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ كَانَ ضَعِيفًا لِمَرَضٍ وَنَحْوِهِ وَلَا يُطِيقُ إقَامَةَ الْحَدِّ عَلَيْهِ بِالْمُعْتَادِ أُقِيمَ عَلَيْهِ بِمَا يَحْتَمِلُهُ مَجْمُوعًا دَفْعَةً وَاحِدَةً مِنْ غَيْرِ تَكْرَارٍ لِلضَّرْبِ مِثْلُ الْعُثْكُولِ وَنَحْوُهُ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْجَمَاهِيرُ قَالُوا: وَلَا بُدَّ أَنْ يُبَاشِرَ الْمَحْدُودُ جَمِيعَ الشَّمَارِيخِ لِيَقَعَ الْمَقْصُودُ مِنْ الْحَدِّ وَقِيلَ: يُجْزِئُ وَإِنْ لَمْ يُبَاشِرْ جَمِيعَهُ وَهُوَ الْحَقُّ فَإِنَّهُ لَمْ يَخْلُقْ اللَّهُ الْعَثَاكِيلَ مَصْفُوفَةً كُلَّ وَاحِدٍ إلَى جَنْبِ الْآخَرِ عُرُضًا مُنْتَشِرَةً إلَى تَمَامِ مِائَةٍ قَطُّ وَمَعَ عَدَمِ الِانْتِشَارِ يَمْتَنِعُ مُبَاشَرَةُ كُلِّ عُودٍ مِنْهَا، فَإِنْ كَانَ الْمَرِيضُ يُرْجَى زَوَالُ مَرَضِهِ أَوْ خِيفَ عَلَيْهِ شِدَّةُ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ أُخِّرَ الْحَدُّ عَلَيْهِ إلَى زَوَالِ مَا يَخَافُ.

(وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ وَمَنْ وَجَدْتُمُوهُ وَقَعَ عَلَى بَهِيمَةٍ فَاقْتُلُوهُ وَاقْتُلُوا الْبَهِيمَةَ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ وَرِجَالُهُ مُوَثَّقُونَ إلَّا أَنَّ فِيهِ اخْتِلَافًا) ظَاهِرُهُ أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي الْحَدِيثِ جَمِيعِهِ لَا فِي قَوْلِهِ وَمَنْ وَجَدْتُمُوهُ إلَخْ فَقَطْ وَذَلِكَ أَنَّ الْحَدِيثَ قَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مُفَرَّقًا، وَهُوَ مُخْتَلِفٌ فِي ثُبُوتِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَمْرَيْنِ: أَمَّا الْحُكْمُ الْأَوَّلُ فَإِنَّهُ قَدْ أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ " فِي الْبِكْرِ يُوجَدُ عَلَى اللُّوطِيَّةِ

ص: 419

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

قَالَ: يُرْجَمُ " وَأَخْرَجَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: يُنْظَرُ أَعْلَى بِنَاءٍ فِي الْقَرْيَةِ فَيُرْمَى بِهِ مُنَكَّسًا ثُمَّ يُتْبَعُ الْحِجَارَةَ.

وَأَمَّا الثَّانِي فَإِنَّهُ أَخْرَجَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الَّذِي يَأْتِي الْبَهِيمَةَ قَالَ: لَا حَدَّ عَلَيْهِ فَهَذَا الِاخْتِلَافُ عَنْهُ دَلَّ أَنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهُ سُنَّةٌ فِيهِمَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَإِنَّمَا تَكَلَّمَ بِاجْتِهَادِهِ كَذَا قِيلَ فِي بَيَانِ وَجْهِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ إنَّ فِيهِ اخْتِلَافًا.

وَالْحَدِيثُ فِيهِ مَسْأَلَتَانِ " الْأُولَى ": فِيمَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ وَلَا رَيْبَ أَنَّهُ ارْتَكَبَ كَبِيرَةً وَفِي حُكْمِهَا أَقْوَالٌ:

" الْأَوَّلُ ": أَنَّهُ يُحَدُّ حَدَّ الزَّانِي قِيَاسًا عَلَيْهِ بِجَامِعِ إيلَاجِ مُحَرَّمٍ فِي فَرْجٍ مُحَرَّمٍ وَهَذَا قَوْلُ الْهَادَوِيَّةِ وَجَمَاعَةٍ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَإِلَيْهِ رَجَعَ الشَّافِعِيُّ وَاعْتَذَرُوا عَنْ الْحَدِيثِ بِأَنَّ فِيهِ مَقَالًا فَلَا يَنْتَهِضُ عَلَى إبَاحَةِ دَمِ الْمُسْلِمِ، إلَّا أَنَّهُ لَا يَخْفَى أَنَّ هَذِهِ الْأَوْصَافَ الَّتِي جَمَعُوهَا عِلَّةٌ لِإِلْحَاقِ اللِّوَاطِ بِالزِّنَى لَا دَلِيلَ عَلَى عِلِّيَّتِهَا.

" وَالثَّانِي ": يُقْتَلُ الْفَاعِلُ وَالْمَفْعُولُ بِهِ مُحْصَنَيْنِ كَانَا أَوْ غَيْرَ مُحْصَنَيْنِ، لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، وَهُوَ لِلنَّاصِرِ وَقَدِيمُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ، وَكَانَ طَرِيقَةُ الْفُقَهَاءِ أَنْ يَقُولُوا فِي الْقَتْلِ فِعْلٌ وَلَمْ يُنْكَرْ فَكَانَ إجْمَاعًا سِيَّمَا مَعَ تَكْرِيرِهِ مَعَ أَبِي بَكْرٍ وَعَلِيٍّ وَغَيْرِهِمَا وَتَعَجَّبَ فِي الْمَنَارِ مِنْ قِلَّةِ الذَّاهِبِ إلَى هَذَا مَعَ وُضُوحِ دَلِيلِهِ لَفْظًا وَبُلُوغِهِ إلَى حَدٍّ يُعْمَلُ بِهِ سَنَدًا.

(الثَّالِثُ): أَنَّهُ يُحْرَقُ بِالنَّارِ، فَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ أَنَّهُ اجْتَمَعَ رَأْيُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى تَحْرِيقِ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ بِهِ وَفِيهِ قِصَّةٌ وَفِي إسْنَادِهِ إرْسَالٌ. وَقَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ: حَرَقَ اللُّوطِيَّةَ بِالنَّارِ أَرْبَعَةٌ مِنْ الْخُلَفَاءِ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ وَهِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ.

(وَالرَّابِعُ): أَنَّهُ يُرْمَى بِهِ مِنْ أَعْلَى بِنَاءٍ فِي الْقَرْيَةِ مُنَكَّسًا ثُمَّ يُتْبَعُ الْحِجَارَةَ. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه وَتَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما.

(الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ): فِيمَنْ أَتَى بَهِيمَةً، دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى تَحْرِيمِ ذَلِكَ وَأَنَّ حَدَّ مَنْ يَأْتِيهَا قَتْلُهُ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ فِي أَخِيرِ قَوْلَيْهِ وَقَالَ: إنْ صَحَّ الْحَدِيثُ قُلْت بِهِ وَرُوِيَ عَنْ الْقَاسِمِ وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ لَهُ أَنَّهُ يَجِبُ حَدُّ الزِّنَى قِيَاسًا عَلَى الزَّانِي.

وَذَهَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَالْمُؤَيَّدُ وَالنَّاصِرُ وَغَيْرُهُمْ إلَى أَنَّهُ يُعَزَّرُ فَقَطْ إذْ لَيْسَ بِزِنًى؛ وَالْحَدِيثُ قَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ بِمَا عَرَفْت وَدَلَّ عَلَى وُجُوبُ قَتْلِ الْبَهِيمَةِ مَأْكُولَةً كَانَتْ أَوْ لَا وَإِلَى ذَلِكَ ذَهَبَ عَلِيٌّ رضي الله عنه وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ.

وَقِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: مَا شَأْنُ الْبَهِيمَةِ؟ قَالَ: مَا سَمِعْت مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي ذَلِكَ شَيْئًا وَلَكِنْ أَرَى «أَنَّهُ كُرِهَ أَنْ يُؤْكَلَ مِنْ لَحْمِهَا أَوْ يُنْتَفَعَ بِهَا بَعْدَ ذَلِكَ الْعَمَلِ» ، وَيُرْوَى أَنَّهُ قَالَ فِي الْجَوَابِ: إنَّهَا تُرَى فَيُقَالُ: هَذِهِ الَّتِي فَعَلَ بِهَا مَا فَعَلَ، وَذَهَبَتْ الْهَادَوِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ إلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ أَكْلُهَا فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ قَتْلُهَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْحَدِيثُ

ص: 420

1139 -

وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم ضَرَبَ وَغَرَّبَ، وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ ضَرَبَ وَغَرَّبَ، وَأَنَّ عُمَرَ ضَرَبَ وَغَرَّبَ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، إلَّا أَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِي وَقْفِهِ وَرَفْعِهِ.

1140 -

وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْمُخَنَّثِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالْمُتَرَجِّلَات مِنْ النِّسَاءِ. وَقَالَ: أَخْرِجُوهُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

هَذَا مُعَارَضٌ بِنَهْيِهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ قَتْلِ الْحَيَوَانِ إلَّا لِمَأْكَلَةٍ؛ قَالَ الْمَهْدِيُّ: فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ عُقُوبَتَهُ بِقَتْلِهَا إنْ كَانَتْ لَهُ وَهِيَ مَأْكُولَةٌ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ.

(وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم ضَرَبَ وَغَرَّبَ وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ ضَرَبَ وَغَرَّبَ وَأَنَّ عُمَرَ ضَرَبَ وَغَرَّبَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ إلَّا أَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِي رَفْعِهِ وَوَقْفِهِ) وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ أَنَّ عَلِيًّا رضي الله عنه جَلَدَ وَنَفَى مِنْ الْبَصْرَةِ إلَى الْكُوفَةِ وَمِنْ الْكُوفَةِ إلَى الْبَصْرَةِ وَتَقَدَّمَ تَحْقِيقُ ذَلِكَ فِي التَّغْرِيبِ وَكَأَنَّهُ سَاقَهُ الْمُصَنِّفُ رَدًّا عَلَى مَنْ زَعَمَ نَسْخَ التَّغْرِيبِ.

(وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْمُخَنَّثِينَ» جَمْعُ مُخَنَّثٍ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ فَنُونٍ فَمُثَلَّثَةٍ اسْمُ مَفْعُولٍ أَوْ اسْمُ فَاعِلٍ رَوَى بِهِمَا (مِنْ الرِّجَالِ وَالْمُتَرَجِّلَات مِنْ النِّسَاءِ وَقَالَ: أَخْرِجُوهُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) اللَّعْنُ مِنْهُ صلى الله عليه وسلم عَلَى مُرْتَكِبِ الْمَعْصِيَةِ دَلَّ عَلَى كِبَرِهَا، وَهُوَ يَحْتَمِلُ الْإِخْبَارَ وَالْإِنْشَاءَ كَمَا قَدَّمْنَا وَالْمُخَنَّثُ مِنْ الرِّجَالِ الْمُرَادُ بِهِ مَنْ تَشَبَّهَ بِالنِّسَاءِ فِي حَرَكَاتِهِ وَكَلَامِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأُمُورِ الْمُخْتَصَّةِ بِالنِّسَاءِ وَالْمُرَادُ مَنْ تَخَلَّقَ بِذَلِكَ لَا مَنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ خِلْقَتِهِ وَجِبِلَّتِهِ، وَالْمُرَادُ بِالْمُتَرَجِّلَاتِ مِنْ النِّسَاءِ الْمُتَشَبِّهَاتُ بِالرِّجَالِ هَكَذَا وَرَدَ تَفْسِيرُهُ فِي حَدِيثٍ آخَرَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ تَشَبُّهِ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ وَبِالْعَكْسِ، وَقِيلَ: لَا دَلَالَةَ لِلَّعْنِ عَلَى التَّحْرِيمِ؛ لِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَأْذَنُ فِي الْمُخَنَّثِينَ بِالدُّخُولِ عَلَى النِّسَاءِ، وَإِنَّمَا نَفَى مَنْ سَمِعَ مِنْهُ وَصْفَ الْمَرْأَةِ بِمَا لَا فَطِنَ لَهُ إلَّا مَنْ كَانَ لَهُ إرْبَةٌ فَهُوَ لِأَجْلِ تَتَبُّعِ أَوْصَافِ الْأَجْنَبِيَّةِ (قُلْت): يَحْتَمِلُ أَنَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ صِفَةٌ لَهُ خِلْقَةً لَا تَخَلُّقًا.

هَذَا. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: أَمَّا مَنْ انْتَهَى فِي التَّشَبُّهِ بِالنِّسَاءِ مِنْ الرِّجَالِ

ص: 421

1141 -

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «ادْفَعُوا الْحُدُودَ مَا وَجَدْتُمْ لَهَا مَدْفَعًا» أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ - وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ رضي الله عنها بِلَفْظِ: «ادْرَءُوا الْحُدُودَ عَنْ الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ» وَهُوَ ضَعِيفٌ أَيْضًا - وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه مِنْ قَوْلِهِ: بِلَفْظِ: ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ.

1142 -

وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «اجْتَنِبُوا هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ الَّتِي نَهَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا، فَمَنْ أَلَمَّ بِهَا فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلْيَتُبْ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّهُ مَنْ

إلَى أَنْ يُؤْتَى فِي دُبُرِهِ وَبِالرِّجَالِ مِنْ النِّسَاءِ إلَى أَنْ تَتَعَاطَى السُّحْقَ فَإِنَّ لِهَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ مِنْ اللَّوْمِ وَالْعُقُوبَةِ أَشَدَّ مِمَّنْ لَمْ يَصِلْ إلَى ذَلِكَ (قُلْت): أَمَّا مِنْ يُؤْتَى مِنْ الرِّجَالِ فِي دُبُرِهِ فَهُوَ الَّذِي سَلَفَ حُكْمُهُ قَرِيبًا.

(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «ادْفَعُوا الْحُدُودَ مَا وَجَدْتُمْ لَهَا مَدْفَعًا». أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ بِلَفْظِ «ادْرَءُوا الْحُدُودَ عَنْ الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ». وَهُوَ ضَعِيفٌ أَيْضًا وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه مِنْ قَوْلِهِ بِلَفْظِ: ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ) وَذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّلْخِيصِ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه مَرْفُوعًا وَتَمَامُهُ «وَلَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يُعَطِّلَ الْحُدُودَ» قَالَ وَفِيهِ الْمُخْتَارُ بْنُ نَافِعٍ وَهُوَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ قَالَهُ الْبُخَارِيُّ إلَّا أَنَّهُ سَاقَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّلْخِيصِ عِدَّةَ رِوَايَاتٍ مَوْقُوفَةٍ صَحَّحَ بَعْضَهَا وَهِيَ تُعَاضِدُ الْمَرْفُوعَ وَتَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَهُ أَصْلًا فِي الْجُمْلَةِ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يُدْفَعُ الْحَدُّ بِالشُّبْهَةِ الَّتِي يَجُوزُ وُقُوعُهَا كَدَعْوَى الْإِكْرَاهِ أَوْ أَنَّهَا أُتِيَتْ الْمَرْأَةُ وَهِيَ نَائِمَةٌ فَيُقْبَلُ قَوْلُهَا وَيُدْفَعُ عَنْهَا الْحَدُّ، وَلَا تُكَلَّفُ الْبَيِّنَةَ عَلَى مَا زَعَمَتْهُ.

ص: 422

يُبْدِي لَنَا صَفْحَتَهُ نُقِمْ عَلَيْهِ كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى» رَوَاهُ الْحَاكِمُ، وَهُوَ فِي الْمُوَطَّإِ مِنْ مَرَاسِيلِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ.

‌بَابُ حَدِّ الْقَذْفِ

1143 -

عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «لَمَّا نَزَلَ عُذْرِي قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى الْمِنْبَرِ، فَذَكَرَ ذَلِكَ وَتَلَا الْقُرْآنَ، فَلَمَّا نَزَلَ أَمَرَ بِرَجُلَيْنِ وَامْرَأَةٍ فَضُرِبُوا الْحَدَّ» . أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالْأَرْبَعَةُ، وَأَشَارَ إلَيْهِ الْبُخَارِيُّ.

(وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «اجْتَنِبُوا هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ جَمْعُ قَاذُورَةٍ وَالْمُرَادُ بِهَا الْقَبِيحُ وَالْقَوْلُ السَّيِّئُ مِمَّا نَهَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ الَّتِي نَهَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا فَمَنْ أَلَمَّ بِهَا فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ وَلْيَتُبْ إلَى اللَّهِ فَإِنَّ مَنْ يُبْدِي لَنَا صَفْحَتَهُ نُقِمْ عَلَيْهِ كِتَابَ اللَّهِ عز وجل.» رَوَاهُ الْحَاكِمُ) وَقَالَ عَلَى شَرْطِهِمَا (وَهُوَ فِي الْمُوَطَّإِ مِنْ مَرَاسِيلِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا أَعْلَمُ هَذَا الْحَدِيثَ أُسْنِدَ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ وَمُرَادُهُ بِذَلِكَ حَدِيثُ مَالِكٍ وَأَمَّا حَدِيثُ الْحَاكِمِ فَهُوَ مُسْنَدٌ مَعَ أَنَّهُ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي النِّهَايَةِ: إنَّهُ صَحِيحٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ.

قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَهَذَا مِمَّا يَتَعَجَّبُ مِنْهُ الْعَارِفُ بِالْحَدِيثِ وَلَهُ أَشْبَاهٌ لِذَلِكَ كَثِيرَةٌ أَوْقَعَهُ فِيهَا إطْرَاحُهُ صِنَاعَةَ الْحَدِيثِ الَّتِي يَفْتَقِرُ إلَيْهَا كُلَّ فَقِيهٍ وَعَالِمٍ، وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى مَنْ أَلَمَّ بِمَعْصِيَةٍ أَنْ يَسْتَتِرَ وَلَا يَفْضَحَ نَفْسَهُ بِالْإِقْرَارِ وَيُبَادِرَ إلَى التَّوْبَةِ فَإِنْ أَبْدَى صَفْحَتَهُ لِلْإِمَامِ - وَالْمُرَادُ بِهَا هُنَا حَقِيقَةُ أَمْرِهِ - وَجَبَ عَلَى الْإِمَامِ إقَامَةُ الْحَدِّ.

وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُد مَرْفُوعًا «تَعَافُوا الْحُدُودَ فِيمَا بَيْنَكُمْ فَمَا بَلَغَنِي مِنْ حَدٍّ فَقَدْ وَجَبَ» .

(بَابُ حَدِّ الْقَذْفِ) الْقَذْفُ لُغَةً: الرَّمْيُ بِالشَّيْءِ، وَفِي الشَّرْعِ: الرَّمْيُ بِوَطْءٍ يُوجِبُ الْحَدَّ عَلَى الْمَقْذُوفِ.

(عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: «لَمَّا نَزَلَ عُذْرِي قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى الْمِنْبَرِ فَذَكَرَ ذَلِكَ وَتَلَا الْقُرْآنَ مِنْ قَوْلِهِ: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ} إلَى آخِرِ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ آيَةً عَلَى إحْدَى الرِّوَايَاتِ فِي الْعَدَدِ فَلَمَّا نَزَلَ أَمَرَ بِرَجُلَيْنِ هُمَا حَسَّانُ وَمِسْطَحٌ وَامْرَأَةٍ هِيَ حَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ فَضُرِبُوا الْحَدَّ». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ وَأَشَارَ إلَيْهِ الْبُخَارِيُّ) فِي الْحَدِيثِ ثُبُوتُ حَدِّ الْقَذْفِ وَهُوَ ثَابِتٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ} الْآيَةَ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ الْقَذْفُ لِعَائِشَةَ إلَّا مِنْ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورِينَ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ وَلَكِنْ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ جَلَدَهُ صلى الله عليه وسلم حَدَّ

ص: 423

1144 -

وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: أَوَّلُ لِعَانٍ كَانَ فِي الْإِسْلَامِ أَنَّ شَرِيكَ ابْنَ سَحْمَاءَ قَذَفَهُ هِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ بِامْرَأَتِهِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:«الْبَيِّنَةَ، وَإِلَّا فَحَدٌّ فِي ظَهْرِك» الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ

الْقَذْفِ، وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ الْقَيِّمِ وَعَدَّ أَعْذَارًا فِي تَرْكِهِ صلى الله عليه وسلم لِحَدِّهِ وَلَكِنَّهُ قَدْ أَخْرَجَ الْحَاكِمُ فِي الْإِكْلِيلِ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم حَدَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْقَذَفَةِ وَأَمَّا قَوْلُ الْمَاوَرْدِيِّ إنَّهُ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَجْلِدْ أَحَدًا مِنْ الْقَذَفَةِ، لِعَائِشَةَ وَعَلَّلَهُ بِأَنَّ الْحَدَّ إنَّمَا يَثْبُتُ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ فَقَدْ رُدَّ قَوْلُهُ بِأَنَّهُ ثَبَتَ مَا يُوجِبُهُ بِنَصِّ الْقُرْآنِ وَحَدُّ الْقَاذِفِ يَثْبُتُ بِعَدَمِ ثُبُوتِ مَا قَذَفَ بِهِ وَلَا يَحْتَاجُ فِي إثْبَاتِهِ إلَى بَيِّنَةٍ (قُلْت): وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْقُرْآنَ لَمْ يُعَيِّنْ أَحَدًا مِنْ الْقَذَفَةِ وَكَأَنَّهُ يُرِيدُ مَا ثَبَتَ فِي تَفْسِيرِ الْآيَاتِ فَإِنَّهُ ثَبَتَ أَنَّ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ وَأَنَّ مِسْطَحًا مِنْ الْقَذَفَةِ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِنُزُولِ قَوْله تَعَالَى:{وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى} الْآيَةَ.

(وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: أَوَّلُ لَعَّان فِي الْإِسْلَامِ أَنَّ شَرِيكَ ابْنَ سَحْمَاءَ قَذَفَهُ هِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ بِامْرَأَتِهِ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «الْبَيِّنَةَ وَإِلَّا فَحَدٌّ فِي ظَهْرِك». الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. وَفِي الْبُخَارِيِّ نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ) قَوْلُهُ أَوَّلُ لِعَانٍ قَدْ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَاتُ فِي سَبَبِ نُزُولِ آيَةِ اللِّعَانِ فَفِي رِوَايَةِ أَنَسٍ هَذِهِ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي قِصَّةِ هِلَالٍ وَفِي أُخْرَى أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي قِصَّةِ عُوَيْمِرٌ الْعَجْلَانِيِّ وَلَا رَيْبَ أَنَّ أَوَّلَ لِعَانٍ كَانَ بِنُزُولِهَا لِبَيَانِ الْحُكْمِ وَجُمِعَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهَا نَزَلَتْ فِي شَأْنِ هِلَالٍ وَصَادَفَ مَجِيءَ عُوَيْمِرٌ الْعَجْلَانِيِّ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.

وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الزَّوْجَ إذَا عَجَزَ عَنْ الْبَيِّنَةِ عَلَى مَا ادَّعَاهُ مِنْ ذَلِكَ الْأَمْرِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ إلَّا أَنَّهُ نُسِخَ وُجُوبُ الْحَدِّ عَلَيْهِ بِالْمُلَاعَنَةِ وَهَذَا مِنْ نَسْخِ السُّنَّةِ بِالْقُرْآنِ إنْ كَانَتْ آيَةَ جَلْدِ الْقَذْفِ، وَهِيَ قَوْلُهُ:{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ} الْآيَةُ سَابِقَةٌ نُزُولًا عَلَى آيَةِ اللِّعَانِ، وَإِلَّا فَآيَةُ اللِّعَان إمَّا نَاسِخَةٌ عَلَى تَقْدِيرِ تَرَاخِي النُّزُولِ عِنْدَ مَنْ يَشْتَرِطُهُ لِقَذْفِ الزَّوْجِ، أَوْ مُخَصِّصَةٌ إنْ لَمْ يَتَرَاخَ النُّزُولُ أَنْ تَكُونَ آيَةُ اللِّعَانِ قَرِينَةً عَلَى أَنَّهُ أُرِيدَ بِالْعُمُومِ فِي قَوْله تَعَالَى:{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ} الْخُصُوصُ وَهُوَ مَنْ عَدَا الْقَاذِفِ لِزَوْجَتِهِ مِنْ بَابِ اسْتِعْمَالِ الْعَامِّ فِي الْخَاصِّ بِخُصُوصِهِ كَذَا قِيلَ وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْأَزْوَاجَ الْقَاذِفِينَ لِأَزْوَاجِهِمْ بَاقُونَ فِي عُمُومِ الْآيَةِ وَإِنَّمَا جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى شَهَادَةَ الزَّوْجِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ قَائِمَةً مَقَامَ الْأَرْبَعَةِ الشُّهَدَاءِ، وَلِذَا أَسْمَى اللَّهُ أَيْمَانَهُ شَهَادَةً فَقَالَ:{فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ} فَإِذَا نَكَلَ عَنْ الْأَيْمَانِ

ص: 424

1145 -

وَفِي الْبُخَارِيِّ نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما.

- وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: لَقَدْ أَدْرَكْت أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - وَمَنْ بَعْدَهُمْ، فَلَمْ أَرَهُمْ يَضْرِبُونَ الْمَمْلُوكَ فِي الْقَذْفِ إلَّا أَرْبَعِينَ. رَوَاهُ مَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ فِي جَامِعِهِ.

وَجَبَ جَلْدُهُ جَلْدَ الْقَذْفِ كَمَا أَنَّهُ إذَا رَمَى أَجْنَبِيٌّ أَجْنَبِيَّةً وَلَمْ يَأْتِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ جُلِدَ لِلْقَذْفِ فَالْأَزْوَاجُ بَاقُونَ فِي عُمُومِ {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ} دَاخِلُونَ فِي حُكْمِهِ وَلِذَا قَالَ صلى الله عليه وسلم: «الْبَيِّنَةُ وَإِلَّا فَحَدٌّ فِي ظَهْرِك» وَإِنَّمَا أَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ اللِّعَانِ لِإِفَادَةِ أَنَّهُ إذَا فَقَدَ الزَّوْجُ الْبَيِّنَةَ وَهُمْ الْأَرْبَعَةُ الشُّهَدَاءُ فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى عِوَضَهُمْ الْأَرْبَعَ الْأَيْمَانَ وَزَادَ الْخَامِسَةَ لِلتَّأْكِيدِ وَالتَّشْدِيدِ وَجَلْدُ الزَّوْجِ بِالنُّكُولِ قَوْلُ الْجُمْهُورِ فَكَأَنَّهُ قِيلَ فِي الْآيَةِ الْأُولَى: ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ وَلَمْ يَحْلِفُوا إنْ كَانُوا أَزْوَاجًا لِمَنْ رَمَوْا وَغَايَتُهُ أَنَّهَا قَيَّدَتْ الْآيَةُ الثَّانِيَةُ بَعْضَ أَفْرَادِ عُمُومِ الْأُولَى بِقَيْدٍ زَائِدٍ عِوَضًا عَنْ الْقَيْدِ الْأَوَّلِ إذَا فُقِدَ الْأَوَّلُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

(وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ) وَهُوَ أَبُو عِمْرَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ الْقَارِئُ الشَّامِيُّ كَانَ عَالِمًا ثِقَةً حَافِظًا لِمَا رَوَاهُ، فِي الطَّبَقَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ التَّابِعِينَ، أَحَدُ الْقُرَّاءِ السَّبْعَةِ رُوِيَ عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ وَغَيْرِهِ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شِهَابٍ الْمَخْزُومِيِّ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وُلِدَ سَنَةَ إحْدَى وَعِشْرِينَ مِنْ الْهِجْرَةِ وَمَاتَ سَنَةَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ (قَالَ: لَقَدْ أَدْرَكْت أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ فَلَمْ أَرَهُمْ يَضْرِبُونَ الْمَمْلُوكَ) ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى (فِي الْقَذْفِ إلَّا أَرْبَعِينَ. رَوَاهُ مَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ فِي جَامِعِهِ) دَلَّ عَلَى أَنَّ رَأْيَ مَنْ ذَكَرَ تَنْصِيفَ حَدِّ الْقَذْفِ عَلَى الْمَمْلُوكِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ النَّصَّ وَرَدَ فِي تَنْصِيفِ حَدِّ الزِّنَى فِي الْإِمَاءِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} فَكَأَنَّهُمْ قَاسُوا عَلَيْهِ حَدَّ الْقَذْفِ

ص: 425

1146 -

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ كَمَا قَالَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ

فِي الْأَمَةِ إذَا كَانَتْ قَاذِفَةً وَخَصَّصُوا بِالْقِيَاسِ عُمُومَ {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ} ثُمَّ قَاسُوا الْعَبْدَ عَلَى الْأَمَةِ فِي تَنْصِيفِ الْحَدِّ فِي الزِّنَى وَالْقَذْفِ بِجَامِعِ الْمِلْكِ وَعَلَى رَأْيِ مَنْ يَقُولُ بِعَدَمِ دُخُولِ الْمَمَالِيكِ فِي الْعُمُومَاتِ لَا تَخْصِيصَ إلَّا أَنَّهُ مَذْهَبٌ مَرْدُودٌ فِي الْأُصُولِ وَهَذَا مَذْهَبُ الْجَمَاهِيرِ مِنْ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ، وَذَهَبَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إلَى أَنَّهُ رَأْيُ الظَّاهِرِيَّةِ.

وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْقِيَاسَ غَيْرُ تَامٍّ؛ لِأَنَّهُمْ جَعَلُوا الْعِلَّةَ فِي إلْحَاقِ الْعَبْدِ بِالْأَمَةِ الْمِلْكَ، وَلَا دَلِيلَ عَلَى أَنَّهُ الْعِلَّةُ إلَّا مَا يَدَّعُونَهُ مِنْ السَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَسَالِكِ الْعِلَّةِ وَأَيُّ مَانِعٍ مِنْ كَوْنِ الْأُنُوثَةِ جُزْءَ الْعِلَّةِ لِنَقْصِ حَدِّ الْأَمَةِ؛ لِأَنَّ الْإِمَاءَ يُمْتَهَنَّ وَيُغْلَبْنَ، وَلِذَا قَالَ تَعَالَى:{وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ} أَيْ لَهُنَّ، وَلَمْ يَأْتِ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الذُّكُورِ إذْ لَا يُغْلَبُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَحِينَئِذٍ نَقُولُ: إنَّهُ لَا يَلْحَقُ الْعَبْدُ بِالْأَمَةِ فِي تَنْصِيفِ حَدِّ الزِّنَا وَلَا الْقَذْفِ، وَكَذَلِكَ الْأَمَةُ لَا يُنَصَّفُ لَهَا حَدُّ الْقَذْفِ بَلْ يُحَدُّ لَهَا كَحَدِّ الْحُرَّةِ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَدَعْوَى الْإِجْمَاعِ عَلَى تَنْصِيفِهِ فِي حَدِّ الزِّنَا غَيْرُ صَحِيحَةٍ لِخِلَافِ دَاوُد وَأَمَّا فِي الْقَذْفِ فَقَدْ سَمِعْت الْخِلَافَ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ.

(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ كَمَا قَالَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُحَدُّ الْمَالِكُ فِي الدُّنْيَا إذَا قَذَفَ مَمْلُوكَهُ وَإِنْ كَانَ دَاخِلًا تَحْتَ عُمُومِ آيَةِ الْقَذْفِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِالْإِحْصَانِ الْحُرِّيَّةَ وَلَا التَّزَوُّجَ وَهُوَ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ يُطْلَقُ عَلَى الْحُرِّ وَعَلَى الْمُحْصَنِ وَعَلَى الْمُسْلِمِ لِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم أَخْبَرَ أَنَّهُ يُحَدُّ لِقَذْفِهِ مَمْلُوكَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَوْ وَجَبَ حَدُّهُ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَجِبْ حَدُّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إذْ قَدْ وَرَدَ أَنَّ هَذِهِ الْحُدُودَ كَفَّارَاتٌ لِمَنْ أُقِيمَتْ عَلَيْهِ وَهَذَا إجْمَاعٌ وَأَمَّا إذَا قَذَفَ غَيْرُ مَالِكِهِ فَإِنَّهُ أَيْضًا أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُحَدُّ قَاذِفُهُ إلَّا أُمُّ الْوَلَدِ فَفِيهَا خِلَافٌ فَذَهَبَ الْهَادَوِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَأَبُو حَنِيفَةَ إلَى أَنَّهُ لَا حَدَّ أَيْضًا عَلَى قَاذِفِهَا لِأَنَّهَا أَيْضًا مَمْلُوكَةٌ قَبْلَ مَوْتِ سَيِّدِهَا، وَذَهَبَ مَالِكٌ وَالظَّاهِرِيَّةُ إلَى أَنَّهُ يُحَدُّ، وَصَحَّ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ.

ص: 426

‌بَابُ حَدِّ السَّرِقَةِ

1147 -

عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ إلَّا فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.

1148 -

وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ: «تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا» وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ: «اقْطَعُوا فِي رُبُعِ دِينَارٍ، وَلَا تَقْطَعُوا فِيمَا هُوَ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ»

(عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ إلَّا فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا» نُصِبَ عَلَى الْحَالِ وَيُسْتَعْمَلُ بِالْفَاءِ وَبِثُمَّ وَلَا يَأْتِي بِالْوَاوِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ وَلَوْ زَادَ وَإِذَا زَادَ لَمْ يَكُنْ إلَّا صَاعِدًا فَهُوَ حَالٌ مُؤَكَّدَةٌ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ «تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا» وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ) أَيْ عَنْ عَائِشَةَ وَهِيَ: «اقْطَعُوا فِي رُبُعِ دِينَارٍ وَلَا تَقْطَعُوا فِيمَا هُوَ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ» إيجَابُ حَدِّ السَّرِقَةِ ثَابِتٌ بِالْقُرْآنِ {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} الْآيَةَ وَلَمْ يُذْكَرْ فِي الْقُرْآنِ نِصَابُ مَا يُقْطَعُ فِيهِ فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَسَائِلَ:

(الْأُولَى): هَلْ يُشْتَرَطُ النِّصَابُ أَوْ لَا؟. ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى اشْتِرَاطِهِ مُسْتَدِلِّينَ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ الثَّابِتَةِ، وَذَهَبَ الْحَسَنُ وَالظَّاهِرِيَّةُ وَالْخَوَارِجُ إلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ بَلْ يُقْطَعُ فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ لِإِطْلَاقِ الْآيَةِ وَلِمَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ صلى الله عليه وسلم:«لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ» وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْآيَةَ مُطَلَّقَةٌ فِي جِنْسِ الْمَسْرُوقِ وَقَدْرِهِ وَالْحَدِيثُ بَيَانٌ لَهَا وَبِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ حَدِيثِ الْبَيْضَةِ غَيْرُ الْقَطْعِ بِسَرِقَتِهَا بَلْ الْإِخْبَارُ بِتَحْقِيرِ شَأْنِ السَّارِقِ وَخَسَارَةِ مَا رَبِحَهُ مِنْ السَّرِقَةِ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا تَعَاطَى هَذِهِ الْأَشْيَاءَ الْحَقِيرَةَ وَصَارَ ذَلِكَ خُلُقًا لَهُ جَرَّأَهُ عَلَى سَرِقَةِ مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ مِمَّا يَبْلُغُ قَدْرُهُ مَا يُقْطَعُ بِهِ فَلْيَحْذَرْ هَذَا الْقَلِيلَ قَبْلَ أَنْ تَمْلِكَهُ الْعَادَةُ فَيَتَعَاطَى سَرِقَةَ مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، ذَكَرَ هَذَا الْخَطَّابِيُّ وَسَبَقَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ إلَيْهِ؛ وَنَظِيرُهُ حَدِيثُ:«مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا وَلَوْ كَمَفْحَصِ قَطَاةٍ» وَحَدِيثُ «تَصَدَّقِي وَلَوْ بِظِلْفٍ

ص: 427

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

مُحَرَّقٍ» وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ مَفْحَصِ الْقَطَاةِ لَا يَصِحُّ تَسْبِيلُهُ وَلَا التَّصَدُّقُ بِالظِّلْفِ الْمُحَرَّقِ لِعَدَمِ الِانْتِفَاعِ بِهِمَا فَمَا قَصَدَ صلى الله عليه وسلم إلَّا الْمُبَالَغَةَ فِي التَّرْهِيبِ.

(الثَّانِيَةُ): اخْتَلَفَ الْجُمْهُورُ فِي قَدْرِ النِّصَابِ بَعْدَ اشْتِرَاطِهِمْ لَهُ عَلَى أَقْوَالٍ بَلَغَتْ إلَى عِشْرِينَ قَوْلًا وَاَلَّذِي قَامَ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ مِنْهَا قَوْلَانِ:

(الْأَوَّلُ): أَنَّ النِّصَابَ الَّذِي تُقْطَعُ بِهِ رُبُعُ دِينَارٍ مِنْ الذَّهَبِ، وَثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ مِنْ الْفِضَّةِ وَهَذَا مَذْهَبُ فُقَهَاءِ الْحِجَازِ وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمْ مُسْتَدِلِّينَ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ الْمَذْكُورِ فَإِنَّهُ بَيَانٌ لِإِطْلَاقِ الْآيَةِ وَقَدْ أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ كَمَا سَمِعْت وَهُوَ نَصٌّ فِي رُبُعِ الدِّينَارِ قَالُوا: وَالثَّلَاثَةُ الدَّرَاهِمُ قِيمَتُهَا رُبُعُ دِينَارٍ وَلِمَا يَأْتِي مِنْ «أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَطَعَ فِي مِجَنٍّ قِيمَتُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ» قَالَ الشَّافِعِيُّ: إنَّ الثَّلَاثَةَ الدَّرَاهِمَ إذَا لَمْ تَكُنْ قِيمَتُهَا رُبُعُ دِينَارٍ لَمْ تُوجِبْ الْقَطْعَ، وَاحْتَجَّ لَهُ أَيْضًا بِمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَنَّهُ أَتَى عُثْمَانُ بِسَارِقٍ سَرَقَ أُتْرُجَّةً قُوِّمَتْ بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ مِنْ حِسَابِ الدِّينَارِ بِاثْنَيْ عَشَرَ فَقَطَعَ.

وَأَخْرَجَ أَيْضًا أَنَّ عَلِيًّا رضي الله عنه قَطَعَ فِي رُبُعِ دِينَارٍ كَانَتْ قِيمَتُهُ دِرْهَمَيْنِ وَنِصْفًا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: رُبُعُ الدِّينَارِ مُوَافِقٌ الثَّلَاثَةَ الدَّرَاهِمَ وَذَلِكَ أَنَّ الصَّرْفَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم اثْنَا عَشَرَ دِرْهَمًا بِدِينَارٍ وَكَانَ كَذَلِكَ بَعْدَهُ، وَلِهَذَا قُوِّمَتْ الدِّيَةُ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا مِنْ الْوَرِقِ وَأَلْفَ دِينَارٍ مِنْ الذَّهَبِ.

(الْقَوْلُ الثَّانِي) لِلْهَادَوِيَّةِ وَأَكْثَرُ فُقَهَاءِ الْعِرَاقِ أَنَّهُ لَا يُوجِبُ الْقَطْعَ إلَّا سَرِقَةُ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ وَلَا يَجِبُ فِي أَقَلِّ مِنْ ذَلِكَ. وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِمَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَالطَّحَاوِيُّ وَمِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ ثَمَنُ الْمِجَنِّ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَشَرَةَ دَرَاهِمَ. وَرَوَى أَيْضًا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مِثْلَهُ؛ قَالُوا: وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَطَعَ فِي مِجَنٍّ» وَإِنْ كَانَ فِيهِمَا أَنَّ قِيمَتَهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ لَكِنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ قَدْ عَارَضَتْ رِوَايَةَ الصَّحِيحَيْنِ وَالْوَاجِبُ الِاحْتِيَاطُ فِيمَا يُسْتَبَاحُ بِهِ الْعُضْوُ الْمُحَرَّمُ قَطْعُهُ إلَّا بِحَقِّهِ فَيَجِبُ الْأَخْذُ بِالْمُتَيَقَّنِ وَهُوَ الْأَكْبَرُ؛ وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: ذَهَبَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ مَعَ جَلَالَتِهِ فِي الْحَدِيثِ إلَى أَنَّ الْقَطْعَ لَا يَكُونُ إلَّا فِي عَشَرَةِ دَرَاهِمَ وَذَلِكَ أَنَّ الْيَدَ مُحَرَّمَةٌ بِالْإِجْمَاعِ فَلَا تُسْتَبَاحُ إلَّا بِمَا أُجْمِعَ عَلَيْهِ وَالْعَشَرَةُ مُتَّفَقٌ عَلَى الْقَطْعِ بِهَا عِنْدَ الْجَمِيعِ فَيُتَمَسَّكُ بِهِ مَا لَمْ يَقَعْ الِاتِّفَاقُ عَلَى دُونِ ذَلِكَ.

(قُلْت): قَدْ اُسْتُفِيدَ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ الِاضْطِرَابُ

ص: 428

1149 -

وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما: «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَطَعَ فِي مِجَنٍّ ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

فِي قَدْرِ قِيمَةِ الْمِجَنِّ مِنْ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ أَوْ عَشَرَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا وَرَدَ فِي قَدْرِ قِيمَتِهِ، وَرِوَايَةُ رُبُعِ دِينَارٍ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ صَرِيحَةٌ فِي الْمِقْدَارِ فَلَا يُقَدَّمُ عَلَيْهَا مَا فِيهِ اضْطِرَابٌ، عَلَى أَنَّ الرَّاجِحَ أَنَّ قِيمَةَ الْمِجَنِّ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ لِمَا يَأْتِي مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ وَبَاقِي الْأَحَادِيثِ الْمُخَالِفَةِ لَهُ لَا تُقَاوِمُهُ سَنَدًا؛ وَأَمَّا الِاحْتِيَاطُ بَعْدَ ثُبُوتِ الدَّلِيلِ فَهُوَ اتِّبَاعُ الدَّلِيلَ لَا فِيمَا عَدَاهُ، عَلَى أَنَّ رِوَايَةَ التَّقْدِيرِ لِقِيمَةِ الْمِجَنِّ بِالْعَشَرَةِ جَاءَتْ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ وَمِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ وَفِيهِمَا كَلَامٌ مَعْرُوفٌ، وَإِنْ كُنَّا لَا نَرَى الْقَدْحَ فِي ابْنِ إِسْحَاقَ إنَّمَا ذَكَرُوهُ كَمَا قَرَّرْنَا فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ.

(الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ): اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِشَرْطِيَّةِ النِّصَابِ فِيمَا يُقَدَّرُ بِهِ غَيْرُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمَشْهُورِ: يُقَوَّمُ بِالدَّرَاهِمِ لَا بِرُبُعِ الدِّينَارِ يَعْنِي إذَا اخْتَلَفَ صَرْفُهُمَا مِثْلُ أَنْ يَكُونَ رُبُعُ دِينَارٍ صَرْفَ دِرْهَمَيْنِ مَثَلًا؛ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الْأَصْلُ فِي تَقْوِيمِ الْأَشْيَاءِ هُوَ الذَّهَبُ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فِي جَوَاهِرِ الْأَرْضِ كُلِّهَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَلِذَلِكَ فَإِنَّ الصِّكَاكَ الْقَدِيمَةَ كَانَ يُكْتَبُ فِيهَا عَشَرَةُ دَرَاهِمَ وَزْنُ سَبْعَةِ مَثَاقِيلَ، فَعُرِفَتْ الدَّرَاهِمُ بِالدَّنَانِيرِ وَحُصِرَتْ بِهَا حَتَّى قَالَ الشَّافِعِيُّ: إنَّ الثَّلَاثَةَ الدَّرَاهِمَ إذَا لَمْ تَكُنْ قِيمَتُهَا رُبُعَ دِينَارٍ لَمْ تُوجِبْ الْقَطْعَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ.

وَقَالَ بِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي التَّقْوِيمِ أَبُو ثَوْرٍ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَدَاوُد، وَقَالَ أَحْمَدُ بِقَوْلِ مَالِكٍ فِي التَّقْوِيمِ بِالدَّرَاهِمِ، وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ فِي قَدْرِ النِّصَابِ تَفَرُّعًا عَنْ الدَّلِيلِ كَمَا عَرَفْت؛ وَفِي الْبَابِ أَقْوَالٌ كَمَا قَدَّمْنَا لَمْ يَنْهَضْ لَهَا دَلِيلٌ فَلَا حَاجَةَ إلَى شَغْلِ الْأَوْرَاقِ وَالْأَوْقَاتِ بِالْقَالِ وَالْقِيلِ.

(وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَطَعَ فِي مِجَنٍّ قِيمَتُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) الْمِجَنُّ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْجِيمِ التُّرْسُ مُفْعَلٌ مِنْ الِاجْتِنَانِ وَهُوَ الِاسْتِتَارُ وَالِاخْتِفَاءُ وَكُسِرَتْ مِيمُهُ لِأَنَّهُ آلَةٌ فِي الِاسْتِتَارِ قَالَ:

وَكَانَ مِجَنِّي دُونَ مَنْ كُنْت أَتَّقِي

ثَلَاثَ شُخُوصٍ كَاعِبَايَ وَمِغْفَرِي

وَقَدْ عَرَفْت مِمَّا مَضَى أَنَّ الثَّلَاثَةَ الدَّرَاهِمَ بِرُبُعِ دِينَارٍ وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ: وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ: " وَلَا تَقْطَعُوا فِيمَا هُوَ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ " بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْقَطْعَ فِي رُبُعِ الدِّينَارِ ثُمَّ أَخْرَجَ الرَّاوِي هُنَا «أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَطَعَ فِي ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ» مَا ذَاكَ إلَّا لِأَنَّهَا رُبُعُ دِينَارٍ وَإِلَّا قُلْنَا فِي قَوْلِهِ " وَلَا تَقْطَعُوا

ص: 429

1150 -

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ، يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ، فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ أَيْضًا.

1151 -

وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ؟ ثُمَّ قَامَ فَخَطَبَ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ، وَلَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ:«كَانَتْ امْرَأَةٌ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِقَطْعِ يَدِهَا»

فِيمَا هُوَ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ " وَقَوْلُهُ هُنَا " قِيمَتُهُ " هَذَا هُوَ الْمُعْتَبَرُ أَعْنِي الْقِيمَةَ، وَرَدَ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ بِلَفْظِ: " ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ " قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: الْمُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ، وَمَا وَرَدَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ مِنْ ذِكْرِ الثَّمَنِ فَكَأَنَّهُ لِتَسَاوِيهِمَا عِنْدَ النَّاسِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَوْ فِي عُرْفِ الرَّاوِي أَوْ بِاعْتِبَارِ الْغَلَبَةِ، وَإِلَّا فَلَوْ اخْتَلَفَتْ الْقِيمَةُ وَالثَّمَنُ الَّذِي شَرَاهُ بِهِ مَالِكُهُ لَمْ يُعْتَبَرْ إلَّا بِالْقِيمَةِ.

(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ أَيْضًا).

تَقَدَّمَ أَنَّهُ مِنْ أَدِلَّةِ الظَّاهِرِيَّةِ وَلَكِنَّهُ مُؤَوَّلٌ بِمَا ذُكِرَ قَرِيبًا، وَالْمُوجِبُ لِتَأْوِيلِهِ مَا عَرَفْته مِنْ قَوْلِهِ فِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ:«لَا تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ إلَّا فِي رُبُعِ دِينَارٍ» وَقَوْلِهِ فِيمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ: " وَلَا تَقْطَعُوا فِيمَا هُوَ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ " فَتَعَيَّنَ تَأْوِيلُهُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ؛ وَأَمَّا تَأْوِيلُ الْأَعْمَشِ لَهُ بِأَنَّهُ أُرِيدَ بِالْبَيْضَةِ بَيْضَةُ الْحَدِيدِ وَبِالْحَبْلِ حَبْلُ السُّفُنِ فَغَيْرُ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ ظَاهِرٌ فِي التَّهْجِينِ عَلَى السَّارِقِ لِتَفْوِيتِهِ الْعَظِيمَ بِالْحَقِيرِ.

قِيلَ: فَالْوَجْهُ فِي تَأْوِيلِهِ أَنَّ قَوْلَهُ: فَتُقْطَعُ خَبَرٌ لَا أَمْرٌ وَلَا فِعْلٌ وَذَلِكَ لَيْسَ بِدَلِيلٍ لِجَوَازِ أَنْ يُرِيدَ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ يَقْطَعُهُ مَنْ لَا يُرَاعِي النِّصَابَ أَوْ بِشَهَادَةٍ عَلَى النِّصَابِ، وَلَا يَصِحُّ إلَّا دُونَهُ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ.

(وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ مُخَاطِبًا لِأُسَامَةَ: أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ؟ ثُمَّ قَامَ فَخَطَبَ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ

ص: 430

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

أَنَّهُمْ كَانُوا إذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ وَلَهُ) أَيْ لِمُسْلِمٍ (مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَائِشَةَ «كَانَتْ امْرَأَةٌ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ فَأَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِقَطْعِ يَدِهَا» الْخِطَابُ فِي قَوْلِهِ: أَتَشْفَعُ لِأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ كَمَا يَدُلُّ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ «أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّتْهُمْ الْمَرْأَةُ الْمَخْزُومِيَّةُ الَّتِي سَرَقَتْ قَالُوا: مَنْ يُكَلِّمُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إلَّا أُسَامَةُ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَكَلَّمَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: أَتَشْفَعُ» - الْحَدِيثَ وَهَذَا اسْتِفْهَامُ إنْكَارٍ، وَكَأَنَّهُ قَدْ سَبَقَ عِلْمُ أُسَامَةَ بِأَنَّهُ لَا شَفَاعَةَ فِي حَدٍّ. وَفِي الْحَدِيثِ مَسْأَلَتَانِ:

(الْأُولَى): النَّهْيُ عَنْ الشَّفَاعَةِ فِي الْحُدُودِ، وَتَرْجَمَ الْبُخَارِيُّ بِبَابِ كَرَاهِيَةِ الشَّفَاعَةِ فِي الْحَدِّ إذَا رُفِعَ إلَى السُّلْطَانِ وَقَدْ دَلَّ لِمَا قَيَّدَهُ مِنْ أَنَّ الْكَرَاهَةَ بَعْدَ الرَّفْعِ مَا فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ هَذَا الْحَدِيثِ «فَإِنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِأُسَامَةَ: لَمَّا تَشْفَعْ لَا تَشْفَعْ فِي حَدٍّ فَإِنَّ الْحُدُودَ إذَا انْتَهَتْ إلَيَّ فَلَيْسَتْ بِمَتْرُوكَةٍ» وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ يَرْفَعُهُ «تَعَافُوا الْحُدُودَ فِيمَا بَيْنَكُمْ فَمَا بَلَغَنِي مِنْ حَدٍّ فَقَدْ وَجَبَ» وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «مَنْ حَالَتْ شَفَاعَتُهُ دُونَ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ فَقَدْ ضَادَّ اللَّهَ فِي أَمْرِهِ» وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ وَجْهٍ أَصَحَّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفًا وَفِي الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ " فَقَدْ ضَادَّ اللَّهَ فِي مِلْكِهِ " وَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ الزُّبَيْرِ مَوْصُولًا بِلَفْظِ «اشْفَعُوا مَا لَمْ يَصِلْ إلَى الْوَالِي؛ فَإِذَا وَصَلَ إلَى الْوَالِي فَعَفَا فَلَا عَفَا اللَّهُ عَنْهُ» وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: " لَقِيَ الزُّبَيْرُ سَارِقًا فَشُفِّعَ فِيهِ فَقِيلَ: حَتَّى يَبْلُغَ الْإِمَامَ فَقَالَ: إذَا بَلَغَ الْإِمَامَ فَلَعَنَ اللَّهُ الشَّافِعَ وَالْمُشَفِّعَ " قِيلَ: وَهَذَا الْمَوْقُوفُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَتَأْتِي قِصَّةُ «الَّذِي سَرَقَ رِدَاءَ صَفْوَانَ وَرَفَعَهُ إلَيْهِ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ أَرَادَ أَنْ لَا يَقْطَعَهُ فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: هَلَّا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ» وَيَأْتِي مَنْ أَخْرَجَهُ وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ مُتَعَاضِدَةٌ عَلَى تَحْرِيمِ الشَّفَاعَةِ بَعْدَ الْبُلُوغِ إلَى الْإِمَامِ، وَأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ إقَامَةُ الْحَدِّ وَادَّعَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ، وَمِثْلُهُ فِي الْبَحْرِ وَنَقَلَ الْخَطَّابِيُّ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ مَنْ عُرِفَ بِأَذِيَّةِ النَّاسِ وَغَيْرِهِ، فَقَالَ: لَا يُشْفَعُ فِي الْأَوَّلِ مُطْلَقًا وَفِي الثَّانِي تَحْسُنُ الشَّفَاعَةُ قَبْلَ الرَّفْعِ؛ وَفِي حَدِيثِ عَنْ عَائِشَةَ «أَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ إلَّا فِي الْحُدُودِ» مَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الشَّفَاعَةِ فِي التَّعْزِيرَاتِ لَا فِي الْحُدُودِ.

وَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الِاتِّفَاقَ عَلَى ذَلِكَ

(الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ): فِي قَوْلِهِ: (كَانَتْ امْرَأَةٌ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ) وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ بِلَفْظِ اسْتَعَارَتْ امْرَأَةٌ عَلَى أَلْسِنَةِ أُنَاسٍ يُعْرَفُونَ وَهِيَ لَا تُعْرَفُ فَبَاعَتْهُ وَأَخَذَتْ ثَمَنَهُ وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ إلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ «أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ فَقَالَتْ:

ص: 431

1152 -

وَعَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَيْسَ عَلَى خَائِنٍ، وَلَا مُخْتَلِسٍ، وَلَا مُنْتَهِبٍ قَطْعٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ.

إنَّ فُلَانَةَ تَسْتَعِيرُ حُلِيًّا بِإِعَارَتِهَا إيَّاهَا فَمَكَثَتْ لَا تَرَاهُ فَجَاءَتْ إلَى الَّتِي اسْتَعَارَتْ لَهَا فَسَأَلَتْهَا فَقَالَتْ: مَا اسْتَعَرْتُك شَيْئًا؛ فَرَجَعَتْ إلَى الْأُخْرَى فَأَنْكَرَتْ فَجَاءَتْ إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَدَعَاهَا فَسَأَلَهَا فَقَالَتْ: وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ مَا اسْتَعَرْت مِنْهَا شَيْئًا؛ فَقَالَ: اذْهَبُوا إلَى بَيْتِهَا تَجِدُوهُ تَحْتَ فِرَاشِهَا فَأَتَوْهُ، وَأَخَذُوهُ فَأَمَرَ بِهَا فَقُطِعَتْ»

وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ الْقَطْعُ عَلَى جَحْدِ الْعَارِيَّةِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَالظَّاهِرِيَّةِ، وَوَجْهُ دَلَالَةِ الْحَدِيثِ عَلَى ذَلِكَ وَاضِحَةٌ «فَإِنَّهُ صلى الله عليه وسلم رَتَّبَ الْقَطْعَ عَلَى جَحْدِ الْعَارِيَّةِ» .

وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: إنَّهُ لَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ الْمُرَتَّبُ عَلَى الْجُحُودِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ تَرْجِيحُ رِوَايَةِ مَنْ رَوَى أَنَّهَا كَانَتْ جَاحِدَةً عَلَى رِوَايَةِ مَنْ رَوَى أَنَّهَا كَانَتْ سَارِقَةً، وَذَهَبَ الْجَمَاهِيرُ إلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْقَطْعُ فِي جَحْدِ الْعَارِيَّةِ.

قَالُوا: لِأَنَّ فِي الْآيَةِ فِي السَّارِقِ وَالْجَاحِدِ لَا يُسَمَّى سَارِقًا وَرَدَّ هَذَا ابْنُ الْقَيِّمِ وَقَالَ: إنَّ الْجَحْدَ دَاخِلٌ فِي اسْمِ السَّرِقَةِ قُلْت: أَمَّا دُخُولُ الْجَاحِدِ تَحْتَ لَفْظِ السَّارِقِ لُغَةً فَلَا تُسَاعِدُهُ عَلَيْهِ اللُّغَةُ وَأَمَّا الدَّلِيلُ فَثُبُوتُ قَطْعِ الْجَاحِدِ بِهَذَا الْحَدِيثِ.

قَالَ الْجُمْهُورُ: وَحَدِيثُ الْمَخْزُومِيَّةِ قَدْ وَرَدَ بِلَفْظِ أَنَّهَا سَرَقَتْ، مِنْ طَرِيقِ عَائِشَةَ وَجَابِرٍ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَمَسْعُودِ بْنِ الْأَسْوَدِ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمْ مُصَرِّحًا بِذِكْرِ السَّرِقَةِ قَالُوا: فَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّهَا سَرَقَتْ وَرِوَايَةُ " جَحَدَ الْعَارِيَّةَ " لَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَطْعَ كَانَ لَهَا بَلْ إنَّمَا ذَكَرَ جَحْدَهَا الْعَارِيَّةَ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ خُلُقًا لَهَا مَعْرُوفًا فَعُرِفَتْ الْمَرْأَةُ بِهِ وَالْقَطْعُ كَانَ لِلسَّرِقَةِ وَهَذَا خُلَاصَةُ مَا أَجَابَ بِهِ الْخَطَّابِيُّ وَلَا يَخْفَى تَكَلُّفُهُ ثُمَّ هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمُعَبَّرَ عَنْهُ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ لَكِنَّ فِي عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ مَا يُشْعِرُ بِذَلِكَ فَإِنَّهُ جُعِلَ الَّذِي ذَكَرَهُ ثَانِيًا رِوَايَةٌ وَهُوَ يَقْتَضِي مِنْ حَيْثُ الْإِشْعَارُ الْعَادِيُّ أَنَّهُمَا حَدِيثٌ وَاحِدٌ أَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ دَقِيقٍ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ وَالْمُصَنِّفُ هُنَا صَنَعَ مَا صَنَعَهُ صَاحِبُ الْعُمْدَةِ فِي سِيَاقِ الْحَدِيثِ، ثُمَّ قَالَ الْجُمْهُورُ: وَيُؤَيِّدُ مَا ذَهَبْنَا إلَيْهِ الْحَدِيثُ الْآتِي: -

وَهُوَ قَوْلُهُ (وَعَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ عَلَى خَائِنٍ وَلَا مُنْتَهِبٍ وَلَا مُخْتَلِسٍ قَطْعٌ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ) قَالُوا: وَجَاحِدُ الْعَارِيَّةِ خَائِنٌ وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا عَامٌّ لِكُلِّ خَائِنٍ وَلَكِنَّهُ مُخَصَّصٌ بِجَاحِدِ الْعَارِيَّةِ وَبِكَوْنِ الْقَطْعِ

ص: 432

1153 -

وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلَا كَثَرٍ» رَوَاهُ الْمَذْكُورُونَ، وَصَحَّحَهُ أَيْضًا التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ.

فِيمَنْ جَحَدَ الْعَارِيَّةَ لَا غَيْرِهِ مِنْ الْخَوَنَةِ وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إلَى أَنَّهُ يُخَصُّ لِلْقَطْعِ بِمَنْ اسْتَعَارَ عَلَى لِسَانِ غَيْرِهِ مُخَادِعًا لِلْمُسْتَعَارِ مِنْهُ ثُمَّ تَصَرَّفَ فِي الْعَارِيَّةِ وَأَنْكَرَهَا لَمَّا طُولِبَ بِهَا قَالَ: فَإِنَّ هَذَا لَا يُقْطَعُ بِمُجَرَّدِ الْخِيَانَةِ بَلْ لِمُشَارَكَةِ السَّارِقِ فِي أَخْذِ الْمَالِ خُفْيَةً. وَالْحَدِيثُ فِيهِ كَلَامٌ كَثِيرٌ لِعُلَمَاءِ الْحَدِيثِ وَقَدْ صَحَّحَهُ مَنْ سَمِعْت؛ وَهَذَا دَالٌّ عَلَى أَنَّ الْخَائِنَ لَا قَطْعَ عَلَيْهِ وَالْمُرَادُ (بِالْخَائِنِ) الَّذِي يُضْمِرُ مَا لَا يُظْهِرُهُ فِي نَفْسِهِ، وَالْخَائِنُ هُنَا هُوَ الَّذِي يَأْخُذُ الْمَالَ خُفْيَةً مِنْ مَالِكِهِ مَعَ إظْهَارِهِ لَهُ النَّصِيحَةَ وَالْحِفْظَ. وَالْخَائِنُ أَعَمُّ، فَإِنَّهَا قَدْ تَكُونُ الْخِيَانَةُ فِي غَيْرِ الْمَالِ، وَمِنْهُ خَائِنَةُ الْأَعْيُنِ وَهِيَ مُسَارَقَةُ النَّاظِرِ بِطَرَفِهِ مَا لَا يَحِلُّ لَهُ نَظَرُهُ (وَالْمُنْتَهِبُ) الْمُغِيرُ مِنْ النُّهْبَةِ وَهِيَ الْغَارَةُ وَالسَّلْبُ وَكَأَنَّ الْمُرَادَ هُنَا مَا كَانَ عَلَى جِهَةِ الْغَلَبَةِ وَالْقَهْرِ (وَالْمُخْتَلِسُ) السَّالِبُ مَنْ اخْتَلَسَهُ إذَا سَلَبَهُ.

وَاعْلَمْ أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي شَرْطِيَّةِ أَنْ تَكُونَ السَّرِقَةُ فِي حِرْزٍ، فَذَهَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ وَهُوَ قَوْلٌ لِلنَّاصِرِ وَالْخَوَارِجِ إلَّا أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لِعَدَمِ وُرُودِ الدَّلِيلِ بِاشْتِرَاطِهِ مِنْ السُّنَّةِ وَلِإِطْلَاقِ الْآيَةِ وَذَهَبَ غَيْرُهُمْ إلَى اشْتِرَاطِهِ مُسْتَدِلِّينَ بِهَذَا الْحَدِيثِ إذْ مَفْهُومُهُ لُزُومُ الْقَطْعِ فِيمَا أُخِذَ بِغَيْرِ مَا ذُكِرَ وَهُوَ مَا كَانَ عَنْ خُفْيَةٍ وَأُجِيبَ بِأَنَّ هَذَا مَفْهُومٌ وَلَا تَثْبُتُ بِهِ قَاعِدَةٌ يُقَيَّدُ بِهَا الْقُرْآنُ وَيُؤَيِّدُ عَدَمُ اعْتِبَارِهِ «أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَطَعَ يَدَ مَنْ أَخَذَ رِدَاءَ صَفْوَانَ مِنْ تَحْتِ رَأْسِهِ مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ» «وَبِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَطَعَ يَدَ الْمَخْزُومِيَّةِ وَإِنَّمَا كَانَتْ تَجْحَدُ مَا تَسْتَعِيرُهُ»؛ وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: الْحِرْزُ مَأْخُوذٌ مِنْ مَفْهُومِ السَّرِقَةِ لُغَةً؛ فَإِنْ صَحَّ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّوْفِيقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا ذُكِرَ مِمَّا لَا يَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِ الْحِرْزِ فَالْمَسْأَلَةُ كَمَا تَرَى وَالْأَصْلُ عَدَمُ الشَّرْطِ وَأَنَا أَسْتَخِيرُ اللَّهَ وَأَتَوَقَّفُ حَتَّى يَفْتَحَ اللَّهُ.

(وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلَا كَثَرٍ» هُوَ بِفَتْحِ الْكَافِ وَفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ جُمَّارُ النَّخْلِ وَهُوَ شَحْمُهُ الَّذِي فِي وَسَطِ النَّخْلِ كَمَا فِي النِّهَايَةِ (رَوَاهُ الْمَذْكُورُونَ) وَهُمْ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ (وَصَحَّحَهُ أَيْضًا التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ) كَمَا صَحَّحَا مَا قَبْلَهُ قَالَ الطَّحْطَاوِيُّ: الْحَدِيثُ تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ وَالثَّمَرُ الْمُرَادُ بِهِ مَا كَانَ مُعَلَّقًا فِي النَّخْلِ قَبْلَ أَنْ يُجَذَّ وَيُحَرَّزَ وَعَلَى هَذَا تَأَوَّلَهُ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ: حَوَائِطُ الْمَدِينَةِ لَيْسَتْ بِحِرْزٍ وَأَكْثَرُهَا تَدْخُلُ مِنْ جَوَانِبِهَا، وَالثَّمَرُ اسْمٌ جَامِعٍ لِلرَّطْبِ وَالْيَابِسِ مِنْ الرُّطَبِ وَالْعِنَبِ وَغَيْرِهِمَا كَمَا فِي الْبَدْرِ الْمُنِيرِ وَأَمَّا الْكُثَرُ فَوَقَعَ تَفْسِيرُهُ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيّ بِالْجُمَّارِ، وَالْجُمَّارُ بِالْجِيمِ آخِرُهُ رَاءٌ بِزِنَةِ زَمَانٍ، وَهُوَ شَحْمُ النَّخْلِ الَّذِي فِي وَسَطِ النَّخْلَةِ كَمَا فِي النِّهَايَةِ وَالْحَدِيثُ

ص: 433

1154 -

وَعَنْ أَبِي أُمَيَّةَ الْمَخْزُومِيِّ رضي الله عنه قَالَ: «أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِلِصٍّ قَدْ اعْتَرَفَ اعْتِرَافًا. وَلَمْ يُوجَدْ مَعَهُ مَتَاعٌ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: مَا إخَالُكَ سَرَقْت قَالَ: بَلَى فَأَعَادَ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا فَأَمَرَ بِهِ فَقُطِعَ وَجِيءَ بِهِ فَقَالَ: اسْتَغْفِرْ اللَّهَ وَتُبْ إلَيْهِ فَقَالَ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إلَيْهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ - ثَلَاثًا» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَاللَّفْظُ لَهُ. وَأَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ.

فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْقَطْعُ فِي سَرِقَةِ الثَّمَرِ وَالْكَثَرِ وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ عَلَى ظَهْرِ الْمُنْبِتِ لَهُ أَوْ قَدْ جُذَّ. وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ قَالَ فِي نِهَايَةِ الْمُجْتَهِدِ.

قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا قَطْعَ فِي طَعَامٍ وَلَا فِيمَا أَصْلُهُ مُبَاحٌ كَالصَّيْدِ وَالْحَطَبِ وَالْحَشِيشِ وَعُمْدَتُهُ فِي مَنْعِهِ الْقَطْعَ فِي الطَّعَامِ الرَّطْبِ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: «لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلَا كَثَرٍ» وَعِنْدَ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ يُقْطَعُ فِي كُلِّ مُحَرَّزٍ سَوَاءٌ كَانَ عَلَى أَصْلِهِ بَاقِيًا وَقَدْ جُذَّ سَوَاءٌ كَانَ أَصْلُهُ مُبَاحًا كَالْحَشِيشِ وَنَحْوِهِ أَوْ لَا، وَقَالُوا: لِعُمُومِ الْآيَةِ وَالْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي اشْتِرَاطِ النِّصَابِ.

وَأَمَّا حَدِيثُ «لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلَا كَثَرٍ» فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنَّهُ أُخْرِجَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ عَادَةُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْ عَدَمِ إحْرَازِ حَوَائِطِهَا فَتَرْكُ الْقَطْعِ لِعَدَمِ الْحِرْزِ فَإِذَا أُحْرِزَتْ الْحَوَائِطُ كَانَتْ كَغَيْرِهَا.

(وَعَنْ أَبِي أُمَيَّةَ الْمَخْزُومِيِّ رضي الله عنه) لَا يُعْرَفُ لَهُ اسْمٌ، عِدَادُهُ فِي أَهْلِ الْحِجَازِ وَرَوَى عَنْهُ أَبُو الْمُنْذِرِ مَوْلَى أَبِي ذَرٍّ هَذَا الْحَدِيثَ (وَقَالَ:«أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِلِصٍّ قَدْ اعْتَرَفَ اعْتِرَافًا وَلَمْ يُوجَدْ مَعَهُ مَتَاعٌ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: مَا إخَالُكَ سَرَقْت قَالَ: بَلَى فَأَعَادَ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا فَأَمَرَ بِهِ فَقُطِعَ وَجِيءَ بِهِ فَقَالَ: اسْتَغْفِرْ اللَّهَ وَتُبْ إلَيْهِ؛ فَقَالَ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إلَيْهِ؛ فَقَالَ: اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ ثَلَاثًا» . أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَاللَّفْظُ لَهُ وَأَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ) وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي إسْنَادِهِ مَقَالٌ وَالْحَدِيثُ إذَا رَوَاهُ مَجْهُولٌ لَمْ يَكُنْ حُجَّةً وَلَمْ يَجِبْ الْحُكْمُ بِهِ، قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ أَبُو الْمُنْذِرِ الْمَذْكُورُ فِي إسْنَادِهِ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ إلَّا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ تَلْقِينُ السَّارِقِ الْإِنْكَارَ، وَقَدْ رُوِيَ «أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِسَارِقٍ: أَسَرَقْت؟ قُلْ: لَا» قَالَ الرَّافِعِيُّ لَمْ يُصَحِّحُوا هَذَا الْحَدِيثَ، وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: قَوْلُهُ: قُلْ: لَا - لَمْ يُصَحِّحْهُ الْأَئِمَّةُ وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مَوْقُوفًا عَلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّهُ أُتِيَ بِجَارِيَةٍ سَرَقَتْ، فَقَالَ: أَسَرَقْت؟ قُولِي: لَا؛ فَقَالَتْ: لَا؛ فَخَلَّى سَبِيلَهَا،

ص: 434

1155 -

وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، «فَسَاقَهُ بِمُعْتَادٍ، وَقَالَ فِيهِ: اذْهَبُوا بِهِ فَاقْطَعُوهُ، ثُمَّ احْسِمُوهُ» وَأَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ أَيْضًا، وَقَالَ: لَا بَأْسَ بِإِسْنَادِهِ

وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ أُتِيَ بِرَجُلٍ سَرَقَ فَسَأَلَهُ أَسَرَقْت؟ قُلْ: لَا؛ فَقَالَ: لَا، فَتَرَكَهُ وَسَاقَ رِوَايَاتٍ عَنْ الصَّحَابَةِ دَالَّةٌ عَلَى التَّلْقِينِ وَاخْتُلِفَ فِي إقْرَارِ السَّارِقِ فَذَهَبَتْ الْهَادَوِيَّةُ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ إلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي ثُبُوتِ السَّرِقَةِ بِالْإِقْرَارِ مِنْ إقْرَارِهِ مَرَّتَيْنِ وَكَأَنَّ هَذَا دَلِيلُهُمْ وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ لِأَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الِاسْتِثْبَاتِ وَتَلْقِينِ الْمُسْقِطِ، وَلِأَنَّهُ تَرَدَّدَ الرَّاوِي هَلْ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، وَكَانَ طَرِيقُ الِاحْتِيَاطِ لَهُمْ أَنْ يَشْتَرِطُوا الْإِقْرَارَ ثَلَاثًا وَلَمْ يَقُولُوا بِهِ، وَذَهَبَ الْفَرِيقَانِ وَغَيْرُهُمْ إلَى أَنَّهُ يَكْفِي الْإِقْرَارُ مَرَّةً وَاحِدَةً كَسَائِرِ الْأَقَارِيرِ، وَلِأَنَّهَا قَدْ وَرَدَتْ عِدَّةُ رِوَايَاتٍ لَمْ يُذْكَرْ فِيهَا اشْتِرَاطُ عَدَدِ الْإِقْرَارِ.

(وَأَخْرَجَهُ) أَيْ حَدِيثَ أَبِي أُمَيَّةَ (الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه فَسَاقَهُ بِمَعْنَاهُ وَقَالَ فِيهِ: «اذْهَبُوا بِهِ فَاقْطَعُوهُ ثُمَّ احْسِمُوهُ» بِالْمُهْمَلَتَيْنِ (وَأَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ أَيْضًا) أَيْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ (وَقَالَ: وَلَا بَأْسَ بِإِسْنَادِهِ) الْحَدِيثُ دَالٌّ عَلَى وُجُوبِ حَسْمِ مَا قُطِعَ وَالْحَسْمُ الْكَيُّ بِالنَّارِ: أَيْ يَكْوِي مَحَلَّ الْقَطْعِ لِيَنْقَطِعَ الدَّمُ، لِأَنَّ مَنَافِذَ الدَّمِ تَنْسَدُّ وَإِذَا تُرِكَ فَرُبَّمَا اسْتَرْسَلَ الدَّمُ فَيُؤَدِّي إلَى التَّلَفِ.

وَفِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ يَأْمُرُ بِالْقَطْعِ وَالْحَسْمِ الْإِمَامُ، وَأُجْرَةُ الْقَاطِعِ وَالْحَاسِمِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَقِيمَةُ الدَّوَاءِ الَّذِي يُحْسَمُ بِهِ مِنْهُ لِأَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَى غَيْرِهِ.

(فَائِدَةٌ): مِنْ السُّنَّةِ أَنْ تُعَلَّقَ يَدُ السَّارِقِ فِي عُنُقِهِ لِمَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدِهِ مِنْ حَدِيثِ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ «أَنَّهُ سُئِلَ أَرَأَيْت تَعْلِيقَ يَدِ السَّارِقِ فِي عُنُقِهِ مِنْ السُّنَّةِ، قَالَ: نَعَمْ رَأَيْت النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَطَعَ سَارِقًا ثُمَّ أَمَرَ بِيَدِهِ فَعُلِّقَتْ فِي عُنُقِهِ» وَأَخْرَجَ بِسَنَدِهِ أَنَّ عَلِيًّا رضي الله عنه قَطَعَ سَارِقًا فَمَرَّ بِهِ وَيَدُهُ مُعَلَّقَةٌ فِي عُنُقِهِ؛ وَأَخْرَجَ عَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ أَقَرَّ عِنْدَهُ سَارِقٌ مَرَّتَيْنِ فَقَطَعَ يَدَهُ وَعَلَّقَهَا فِي عُنُقِهِ قَالَ الرَّاوِي: فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى يَدِهِ تَضْرِبُ صَدْرَهُ.

ص: 435

1156 -

وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَا يَغْرَمُ السَّارِقُ إذَا أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ» رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَبَيَّنَ أَنَّهُ مُنْقَطِعٌ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: هُوَ مُنْكَرٌ.

(وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَا يَغْرَمُ السَّارِقُ إذَا أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ.» رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَبَيَّنَ أَنَّهُ مُنْقَطِعٌ وَقَالَ حَاتِمٌ: هُوَ مُنْكَرٌ) رَوَاهُ النَّسَائِيّ مِنْ حَدِيثِ الْمِسْوَرِ بْنِ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَالْمِسْوَرِ لَمْ يُدْرِكْ جَدَّهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ قَالَ النَّسَائِيّ: هَذَا مُرْسَلٌ وَلَيْسَ بِثَابِتٍ وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَذَكَرَ لَهُ عِلَّةً أُخْرَى. وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ‌

‌ الْعَيْنَ الْمَسْرُوقَةَ إذَا تَلِفَتْ فِي يَدِ السَّارِقِ

لَمْ يَغْرَمْهَا بَعْدَ أَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَطْعُ عَلَيْهِ سَوَاءٌ أَتْلَفَهَا قَبْلَ الْقَطْعِ أَوْ بَعْدَهُ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْهَادَوِيَّةُ وَرَوَاهُ أَبُو يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَفِي شَرْحِ الْكَنْزِ عَلَى مَذْهَبِهِ تَعْلِيلُ ذَلِكَ بِأَنَّ اجْتِمَاعَ حَقَّيْنِ فِي حَقٍّ وَاحِدٍ مُخَالِفٌ لِلْأُصُولِ فَصَارَ الْقَطْعُ بَدَلًا مِنْ الْغُرْمِ وَلِذَلِكَ إذَا ثَنَّى سَرِقَةَ مَا قُطِعَ بِهِ لَمْ يُقْطَعْ.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَآخَرُونَ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ إلَى أَنَّهُ يَغْرَمُ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ» وَحَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ هَذَا لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ مَعَ مَا قِيلَ فِيهِ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} وَلِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام: «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِطِيبَةٍ مِنْ نَفْسٍ» وَلِأَنَّهُ اجْتَمَعَ فِي السَّرِقَةِ حَقَّانِ: حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى وَحَقٌّ لِلْآدَمِيِّ فَاقْتَضَى كُلُّ حَقٍّ مُوجِبَهُ وَلِأَنَّهُ قَامَ الْإِجْمَاعُ أَنَّهُ إذَا كَانَ مَوْجُودًا بِعَيْنِهِ أُخِذَ مِنْهُ فَيَكُونُ إذَا لَمْ يُوجَدْ فِي ضَمَانِهِ قِيَاسًا عَلَى سَائِرِ الْأَمْوَالِ الْوَاجِبَةِ، وَقَوْلُهُ اجْتِمَاعُ الْحَقَّيْنِ مُخَالِفٌ لِلْأُصُولِ دَعْوَى غَيْرُ صَحِيحَةٍ فَإِنَّ الْحَقَّيْنِ مُخْتَلِفَانِ فَإِنَّ الْقَطْعَ بِحِكْمَةِ الزَّجْرِ، وَالتَّغْرِيمَ لِتَفْوِيتِ حَقِّ الْآدَمِيِّ كَمَا فِي الْغَصْبِ وَلَا يَخْفَى قُوَّةُ هَذَا الْقَوْلِ.

ص: 436

1157 -

وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله عنهما «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ التَّمْرِ الْمُعَلَّقِ. فَقَالَ: مَنْ أَصَابَ بِفِيهِ مِنْ ذِي حَاجَةٍ غَيْرَ مُتَّخِذٍ خُبْنَةً فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَمَنْ خَرَجَ بِشَيْءٍ مِنْهُ فَعَلَيْهِ الْغَرَامَةُ وَالْعُقُوبَةُ، وَمَنْ خَرَجَ بِشَيْءٍ مِنْهُ بَعْدَ أَنْ يُؤْوِيَهُ الْجَرِينَ فَبَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.

وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ التَّمْرِ الْمُعَلَّقِ فَقَالَ: مَنْ أَصَابَ بِفِيهِ مِنْ ذِي حَاجَةٍ غَيْرَ مُتَّخِذٍ خُبْنَةً بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ فَنُونٍ وَهُوَ مِعْطَفُ الْإِزَارِ وَطَرَفُ الثَّوْبِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَمَنْ خَرَجَ بِشَيْءٍ مِنْهُ فَعَلَيْهِ الْغَرَامَةُ وَالْعُقُوبَةُ. وَمَنْ خَرَجَ بِشَيْءٍ مِنْهُ بَعْدَ أَنْ يُؤْوِيَهُ الْجَرِينَ هُوَ مَوْضِعُ التَّمْرِ الَّذِي يُجَفَّفُ فِيهِ فَبَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ» . أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ) قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: الْمُرَادُ بِالتَّمْرِ الْمُعَلَّقِ مَا كَانَ مُعَلَّقًا فِي النَّخْلِ قَبْلَ أَنْ يُجَذَّ وَيُجْرَنَ وَالتَّمْرُ اسْمٌ جَامِعٌ لِلرَّطْبِ وَالْيَابِسِ مِنْ التَّمْرِ وَالْعِنَبِ وَغَيْرِهِمَا.

وَفِي الْحَدِيثِ مَسَائِلُ:

(الْأُولَى): أَنَّهُ إذَا أَخَذَ الْمُحْتَاجُ بِفِيهِ لِسَدِّ فَاقَتِهِ فَإِنَّهُ مُبَاحٌ لَهُ.

(وَالثَّانِيَةُ): أَنَّهُ يُحَرَّمُ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ بِشَيْءٍ مِنْهُ فَإِنْ خَرَجَ بِشَيْءٍ مِنْهُ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ قَبْلَ أَنْ يُجَذَّ وَيُؤْوِيَهُ الْجَرِينَ أَوْ بَعْدَهُ فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْجَذِّ فَعَلَيْهِ الْغَرَامَةُ وَالْعُقُوبَةُ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْقَطْعِ وَإِيوَاءِ الْجَرِينِ لَهُ فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ مَعَ بُلُوغِ الْمَأْخُوذِ النِّصَابَ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: (فَبَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ) وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْجَرِينَ حِرْزٌ كَمَا هُوَ الْغَالِبُ إذْ لَا قَطْعَ إلَّا مِنْ حِرْزٍ كَمَا يَأْتِي.

(الثَّالِثَةُ): أَنَّهُ أَجْمَلَ فِي الْحَدِيثِ الْغَرَامَةَ وَالْعُقُوبَةَ وَلَكِنَّهُ قَدْ أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ تَفْسِيرَهَا بِأَنَّهَا غَرَامَةُ مِثْلَيْهِ وَبِأَنَّ الْعُقُوبَةَ جَلَدَاتٌ نَكَالًا. وَقَدْ اسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ الْبَيْهَقِيّ هَذَا عَلَى جَوَازِ الْعُقُوبَةِ بِالْمَالِ، فَإِنَّ غَرَامَةَ مِثْلَيْهِ مِنْ الْعُقُوبَةِ بِالْمَالِ وَقَدْ أَجَازَهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ وَقَالَ: لَا تُضَاعَفُ الْغَرَامَةُ عَلَى أَحَدٍ فِي شَيْءٍ إنَّمَا الْعُقُوبَةُ فِي الْأَبْدَانِ لَا فِي الْأَمْوَالِ، وَقَالَ هَذَا مَنْسُوخٌ وَالنَّاسِخُ لَهُ «قَضَاءُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى أَهْلِ الْمَاشِيَةِ بِاللَّيْلِ أَنَّ مَا أَتْلَفَتْ فَهُوَ ضَامِنٌ» أَيْ مَضْمُونٌ عَلَى أَهْلِهَا، قَالَ: وَإِنَّمَا يَضْمَنُونَهُ بِالْقِيمَةِ.

وَقَدْ قَدَّمْنَا الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ فِي حَدِيثِ بَهْزٍ فِي الزَّكَاةِ.

(الرَّابِعَةُ): أُخِذَ مِنْهُ‌

‌ اشْتِرَاطُ الْحِرْزِ فِي وُجُوبِ الْقَطْعِ

لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: (بَعْدَ أَنْ يُؤْوِيَهُ الْجَرِينَ) وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: «لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلَا فِي حَرِيسَةِ الْجَبَلِ فَإِذَا آوَاهُ الْجَرِينَ أَوْ الْمُرَاحَ فَالْقَطْعُ فِيمَا بَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ» أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ قَالُوا: وَالْإِحْرَازُ مَأْخُوذٌ فِي مَفْهُومِ السَّرِقَةِ فَإِنَّ السَّرِقَةَ وَالِاسْتِرَاقَ هُوَ الْمَجِيءُ مُسْتَتِرًا فِي خُفْيَةٍ لِأَخْذِ مَالِ غَيْرِهِ مِنْ حِرْزٍ كَمَا فِي الْقَامُوسِ وَغَيْرِهِ، فَالْحِرْزُ مَأْخُوذٌ فِي مَفْهُومِ السَّرِقَةِ لُغَةً وَلِذَا لَا يُقَالُ لِمَنْ خَانَ أَمَانَتَهُ: سَارِقٌ، هَذَا مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ؛ وَذَهَبَتْ الظَّاهِرِيَّةُ وَآخَرُونَ إلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِهِ عَمَلًا بِإِطْلَاقِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ؛ إلَّا أَنَّهُ لَا يَخْفَى أَنَّهُ إذَا كَانَ الْحِرْزُ مَأْخُوذًا فِي مَفْهُومِ السَّرِقَةِ فَلَا إطْلَاقَ فِي الْآيَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَاعْلَمْ أَنَّ حَرِيسَةَ الْجَبَلِ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ مَفْتُوحَةً فَرَاءٍ فَمُثَنَّاةٍ تَحْتِيَّةٍ فَسِينٍ مُهْمَلَةٍ وَالْجَبَلُ بِالْجِيمِ فَمُوَحَّدَةٍ قِيلَ: هِيَ الْمَحْرُوسَةُ، أَيْ لَيْسَ فِيمَا يُحْرَسُ بِالْجَبَلِ إذَا سَرَقَ قُطِعَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَوْضِعِ حِرْزٍ وَقِيلَ:

ص: 437

1158 -

وَعَنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ رضي الله عنه «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ - لَمَّا أَمَرَ بِقَطْعِ الَّذِي سَرَقَ رِدَاءَهُ فَشَفَعَ فِيهِ - هَلَّا كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ؟» أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْجَارُودِ وَالْحَاكِمُ

حَرِيسَةُ الْجَبَلِ الشَّاةُ الَّتِي يُدْرِكُهَا اللَّيْلُ قَبْلَ أَنْ تَصِلَ إلَى مَأْوَاهَا. وَالْمُرَاحُ الَّذِي تَأْوِي إلَيْهِ الْمَاشِيَةُ لَيْلًا كَذَا فِي جَامِعِ الْأُصُولِ، وَهَذَا الْأَخِيرُ أَقْرَبُ بِمُرَادِ الْحَدِيثِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

الْحَدِيثُ أَخْرَجُوهُ مِنْ طُرُقٍ مِنْهَا عَنْ طَاوُسٍ عَنْ صَفْوَانَ وَرَجَّحَهَا ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَقَالَ: إنَّ سَمَاعَ طَاوُسٍ مِنْ صَفْوَانَ مُمْكِنٌ؛ لِأَنَّهُ أَدْرَكَ عُثْمَانُ وَقَالَ: أَدْرَكْت سَبْعِينَ شَيْخًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. وَلِلْحَدِيثِ قِصَّةٌ. أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ قَالَ: «بَيْنَمَا صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ مُضْطَجِعٌ بِالْبَطْحَاءِ إذْ جَاءَ إنْسَانٌ فَأَخَذَ بُرْدَةً مِنْ تَحْتِ رَأْسِهِ فَأَتَى بِهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَأَمَرَ بِقَطْعِهِ فَقَالَ: إنِّي أَعْفُو وَأَتَجَاوَزُ، فَقَالَ: فَهَلَّا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ» وَلَهُ أَلْفَاظٌ فِي بَعْضِهَا " أَنَّهُ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ " وَفِي أُخْرَى: " فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ نَائِمًا " وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ فِيمَا كَانَ مَالِكُهُ حَافِظًا لَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُغْلَقًا عَلَيْهِ فِي مَكَان.

قَالَ الشَّافِعِيُّ: رِدَاءُ صَفْوَانَ كَانَ مُحَرَّزًا بِاضْطِجَاعِهِ عَلَيْهِ. وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَالْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ، قَالَ فِي نِهَايَةِ الْمُجْتَهِدِ: وَإِذَا تَوَسَّدَ النَّائِمُ شَيْئًا فَتَوَسَّدَهُ لَهُ حِرْزٌ عَلَى مَا جَاءَ فِي رِدَاءِ صَفْوَانَ قَالَ فِي الْكَنْزِ لِلْحَنَفِيَّةِ: وَمَنْ سَرَقَ مِنْ الْمَسْجِدِ مَتَاعًا وَرَبُّهُ عِنْدَهُ يُقْطَعُ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُحَرَّزٍ بِالْحَائِطِ؛ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ مَا بُنِيَ لِإِحْرَازِ الْأَمْوَالِ فَلَمْ يَكُنْ الْمَالُ مُحَرَّزًا بِالْمَكَانِ انْتَهَى.

وَتَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي الْحِرْزِ وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِشَرْطِيَّتِهِ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَالْإِمَامُ يَحْيَى: إنَّ لِكُلِّ مَالٍ حِرْزًا يَخُصُّهُ فَحِرْزُ الْمَاشِيَةِ لَيْسَ حِرْزُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ.

وَقَالَ الْهَادَوِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ: مَا أُحْرِزَ فِيهِ مَالٌ فَهُوَ حِرْزٌ لِغَيْرِهِ، إذْ الْحِرْزُ مَا وُضِعَ لِمَنْعِ الدَّاخِلِ أَلَّا يَدْخُلَ وَالْخَارِجِ أَلَّا يَخْرُجَ وَمَا كَانَ لَيْسَ كَذَلِكَ فَلَيْسَ بِحِرْزٍ لَا لُغَةً وَلَا شَرْعًا، وَكَذَلِكَ قَالُوا: الْمَسْجِدُ وَالْكَعْبَةُ حِرْزَانِ لِآلَاتِهِمَا وَكِسْوَتِهِمَا؛ وَاخْتَلَفُوا فِي الْقَبْرِ هَلْ هُوَ حِرْزٌ لِلْكَفَنِ فَيُقْطَعُ آخِذُهُ أَوْ لَيْسَ بِحِرْزٍ؟ فَذُهِبَ إلَى أَنَّ النَّبَّاشَ سَارِقٌ جَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ وَالْهَادِي وَالشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَقَالُوا: يُقْطَعُ لِأَنَّهُ أَخَذَ الْمَالَ خُفْيَةً مِنْ حِرْزٍ لَهُ.

وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه وَعَائِشَةَ وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ: لَا نَقْطَعُ النَّبَّاشَ؛ لِأَنَّ الْقَبْرَ لَيْسَ بِحِرْزٍ.

ص: 438

1159 -

وَعَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ «جِيءَ بِسَارِقٍ إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: اُقْتُلُوهُ فَقَالُوا: إنَّمَا سَرَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: اقْطَعُوهُ فَقُطِعَ، ثُمَّ جِيءَ بِهِ الثَّانِيَةَ، فَقَالَ: اُقْتُلُوهُ فَذَكَرَ مِثْلَهُ، ثُمَّ جِيءَ بِهِ الثَّالِثَةَ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ، ثُمَّ جِيءَ بِهِ الرَّابِعَةَ كَذَلِكَ، ثُمَّ جِيءَ الْخَامِسَةَ فَقَالَ: اُقْتُلُوهُ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَاسْتَنْكَرَهُ.

1160 -

وَأَخْرَجَ مِنْ حَدِيثِ الْحَارِثِ بْنِ حَاطِبٍ نَحْوَهُ

وَفِي الْمَنَارِ؛ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِيهَا صُعُوبَةٌ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْمَيِّتِ كَحُرْمَةِ الْحَيِّ، لَكِنَّ حُرْمَةَ يَدِ السَّارِقِ كَذَلِكَ الْأَصْلُ مَنْعُهَا وَلَمْ يَدْخُلْ النَّبَّاشُ تَحْتَ السَّارِقِ لُغَةً وَالْقِيَاسُ الشَّرْعِيُّ غَيْرُ وَاضِحٍ وَإِذَا تَوَقَّفْنَا امْتَنَعَ الْقَطْعُ انْتَهَى.

وَاخْتُلِفَ فِي السَّارِقِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَذَهَبَ الْهَادَوِيَّةُ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ إلَى أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ مَنْ سَرَقَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَذَهَبَ مَالِكٌ إلَى أَنَّهُ يُقْطَعُ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ مَنْ سَرَقَ مِنْ الْغَنِيمَةِ وَالْخُمُسِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِهَا قَالُوا: لِأَنَّهُ قَدْ يُشَارِكُ فِيهَا بِالرَّضْخِ أَوْ مِنْ الْخُمُسِ.

(وَعَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ: «جِيءَ بِسَارِقٍ إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: اُقْتُلُوهُ فَقَالُوا: إنَّمَا سَرَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: اقْطَعُوهُ فَقُطِعَ، ثُمَّ جِيءَ بِهِ فِي الثَّانِيَةِ فَقَالَ: اُقْتُلُوهُ؛ فَذَكَرَ مِثْلَهُ، ثُمَّ جِيءَ بِهِ الثَّالِثَةَ فَذَكَرَ مِثْلَهُ، ثُمَّ جِيءَ بِهِ الرَّابِعَةَ كَذَلِكَ، ثُمَّ جِيءَ بِهِ الْخَامِسَةَ فَقَالَ: اُقْتُلُوهُ». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ) تَمَامُهُ عِنْدَهُمَا فَقَالَ جَابِرٌ: فَانْطَلَقْنَا بِهِ فَقَتَلْنَاهُ ثُمَّ اجْتَرَرْنَاهُ فَأَلْقَيْنَاهُ فِي بِئْرٍ رَمَيْنَا عَلَيْهِ الْحِجَارَةَ (وَاسْتَنْكَرَهُ) أَيْ النَّسَائِيّ فَإِنَّهُ قَالَ: الْحَدِيثُ مُنْكَرٌ، وَمُصْعَبُ بْنُ ثَابِتٍ لَيْسَ بِقَوِيِّ الْحَدِيثِ قِيلَ: لَكِنْ يَشْهَدُ لَهُ الْحَدِيثُ الْآتِي:

1160 -

وَأَخْرَجَ مِنْ حَدِيثِ الْحَارِثِ بْنِ حَاطِبٍ نَحْوَهُ، وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ أَنَّ الْقَتْلَ فِي الْخَامِسَةِ مَنْسُوخٌ.

وَهُوَ قَوْلُهُ (وَأَخْرَجَ أَيْ النَّسَائِيّ مِنْ حَدِيثِ الْحَارِثِ بْنِ حَاطِبٍ نَحْوَهُ) وَأَخْرَجَ حَدِيثَ الْحَارِثِ الْحَاكِمُ. وَأَخْرَجَ فِي الْحِلْيَةِ لِأَبِي نُعَيْمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ الْجُهَنِيِّ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: حَدِيثُ الْقَتْلِ مُنْكَرٌ لَا أَصْلَ لَهُ (وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ أَنَّ الْقَتْلَ فِي الْخَامِسَةِ مَنْسُوخٌ) وَزَادَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَفِي النَّجْمِ الْوَهَّاجِ: أَنَّ نَاسِخَهُ حَدِيثُ «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ» تَقَدَّمَ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حِكَايَةَ أَبِي مُصْعَبٍ عَنْ عُثْمَانَ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ يُقْتَلُ لَا أَصْلَ

ص: 439

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

لَهُ وَجَاءَ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيّ «بَعْدَ قَطْعِ قَوَائِمِهِ الْأَرْبَعِ ثُمَّ سَرَقَ الْخَامِسَةَ فِي عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنه فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَعْلَمَ بِهَذَا حِينَ قَالَ: اُقْتُلُوهُ ثُمَّ دَفَعَهُ إلَى فِتْيَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ فَقَالَ: اُقْتُلُوهُ فَقَتَلُوهُ» قَالَ النَّسَائِيّ: لَا أَعْلَمُ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثًا صَحِيحًا؛ وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى قَتْلِ السَّارِقِ فِي الْخَامِسَةِ، وَأَنَّ قَوَائِمَهُ الْأَرْبَعَ تُقْطَعُ فِي الْأَرْبَعِ الْمَرَّاتِ وَالْوَاجِبُ قَطْعُ الْيَمِينِ فِي السَّرِقَةِ الْأُولَى إجْمَاعًا، وَقِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ مُبَيِّنَةٌ لِإِجْمَالِ الْآيَةِ فَإِنَّهُ قَرَأَ فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمَا، وَفِي الثَّانِيَةِ الرِّجْلُ الْيُسْرَى عِنْدَ الْأَكْثَرِ لِفِعْلِ الصَّحَابَةِ، وَعِنْدَ طَاوُسٍ الْيَدُ الْيُسْرَى لِقُرْبِهَا مِنْ الْيُمْنَى، وَفِي الثَّالِثَةِ يَدُهُ الْيُسْرَى وَفِي الرَّابِعَةِ رِجْلُهُ وَهَذَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: فِي السَّارِقِ إنْ سَرَقَ: فَاقْطَعُوا يَدَهُ ثُمَّ إنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ ثُمَّ إنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا يَدَهُ ثُمَّ إنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ» وَفِي إسْنَادِهِ الْوَاقِدِيُّ وَأَخْرَجَهُ الشَّافِعِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيّ نَحْوَهُ مِنْ عِصْمَةَ بْنِ مَالِكٍ وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ. وَخَالَفَتْ الْهَادَوِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ فَقَالُوا: يُحْبَسُ فِي الثَّالِثَةِ لِمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ بَعْدَ أَنْ قَطَعَ رِجْلَهُ وَأَتَى بِهِ فِي الثَّالِثَةِ: " بِأَيِّ شَيْءٍ يَتَمَسَّحُ وَبِأَيِّ شَيْءٍ يَأْكُلُ " لَمَّا قِيلَ لَهُ: تُقْطَعُ يَدُهُ الْيُسْرَى ثُمَّ قَالَ: " أَقْطَعُ رِجْلَهُ؟ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ يَمْشِي؟ إنِّي لَأَسْتَحِي مِنْ اللَّهِ، ثُمَّ ضَرَبَهُ وَخُلِّدَ فِي السِّجْنِ " وَأَجَابَ الْأَوَّلُونَ بِأَنَّ هَذَا رَأْيٌ لَا يُقَاوِمُ النُّصُوصَ وَإِنْ كَانَ الْمَنْصُوصُ فِيهِ ضَعْفٌ فَقَدْ عَاضَدَتْهُ الرِّوَايَاتُ الْأُخْرَى.

وَأَمَّا مَحَلُّ الْقَطْعِ فَيَكُونُ مِنْ مَفْصِلِ الْكَفِّ إذْ هُوَ أَقَلُّ مَا يُسَمَّى يَدًا وَلِفِعْلِهِ صلى الله عليه وسلم فِيمَا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ «أُتِيَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِسَارِقٍ فَقَطَعَ يَدَهُ مِنْ مَفْصِلِ الْكَفِّ» وَفِي إسْنَادِهِ مَجْهُولٌ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ مُرْسَلِ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَطَعَ مِنْ الْمَفْصِلِ» وَأَخْرَجَهُ أَبُو الشَّيْخِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ رَجَاءٍ عَنْ عَدِيٍّ رَفَعَهُ وَعَنْ جَابِرٍ رَفَعَهُ وَأَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ عُمَرَ.

وَقَالَتْ الْإِمَامِيَّةُ: وَيُرْوَى عَنْ عَلِيٍّ عليه السلام أَنَّهُ يُقْطَعُ مِنْ أُصُولِ الْأَصَابِعِ إذْ هُوَ أَقَلُّ مَا يُسَمَّى يَدًا؛ وَرُدَّ ذَلِكَ بِأَنَّهُ لَا يُقَالُ لِمَنْ قُطِعَتْ أَصَابِعُهُ: مَقْطُوعُ الْيَدِ لَا لُغَةً وَلَا عُرْفًا، وَإِنَّمَا يُقَالَ: مَقْطُوعُ الْأَصَابِعِ، وَقَدْ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَاتُ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه فَرُوِيَ أَنَّهُ كَانَ يُقْطَعُ مِنْ يَدِ السَّارِقِ الْخِنْصَرُ وَالْبِنْصِرُ وَالْوُسْطَى وَقَالَ الزُّهْرِيُّ وَالْخَوَارِجُ: إنَّهُ يُقْطَعُ مِنْ الْإِبْطِ إذْ هُوَ الْيَدُ حَقِيقَةً. وَالْأَقْوَى الْأَوَّلُ لِدَلِيلِهِ الْمَأْثُورِ.

وَأَمَّا مَحَلُّ قَطْعِ الرِّجْلِ فَتُقْطَعُ مِنْ مَفْصِلِ الْقَدَمِ. وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عليه السلام أَنَّهُ كَانَ يَقْطَعُ الرِّجْلَ مِنْ الْكَعْبِ. وَرُوِيَ عَنْهُ وَهُوَ لِلْإِمَامِيَّةِ أَنَّهُ مَعْقِدُ الشِّرَاكَ.

(خَاتِمَةٌ): أَخْرَجَ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد عَنْ عَطَاءٍ «عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لَهَا: وَقَدْ دَعَتْ عَلَى سَارِقٍ سَرَقَهَا مِلْحَفَةً لَا تُسَبِّخِي عَنْهُ بِدُعَائِك عَلَيْهِ» وَمَعْنَاهُ لَا تُخَفِّفِي عَنْهُ الْإِثْمَ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ

ص: 440

‌بَابُ حَدِّ الشَّارِبِ وَبَيَانِ الْمُسْكِرِ

1161 -

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم «أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ، فَجَلَدَهُ بِجَرِيدَتَيْنِ نَحْوَ أَرْبَعِينَ، قَالَ: وَفَعَلَهُ أَبُو بَكْرٍ، فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ اسْتَشَارَ النَّاسَ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: أَخَفُّ الْحُدُودِ ثَمَانُونَ، فَأَمَرَ بِهِ عُمَرُ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

بِالسَّرِقَةِ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الظَّالِمَ يُخَفَّفُ عَنْهُ بِدُعَاءِ الْمَظْلُومِ عَلَيْهِ. وَرَوَى أَحْمَدُ فِي كِتَابِ الزُّهْدِ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ الرَّجُلَ لَيَظْلِمَ مَظْلِمَةً فَلَا يَزَالُ الْمَظْلُومُ يَشْتُمُ الظَّالِمَ وَيَنْتَقِصُهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ وَيَكُونَ لِلظَّالِمِ الْفَضْلُ عَلَيْهِ؛ وَفِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ دَعَا عَلَى مَنْ ظَلَمَهُ فَقَدْ انْتَصَرَ» فَإِنْ قِيلَ قَدْ مَدَحَ اللَّهُ الْمُنْتَصِرَ مِنْ الْبَغِيِّ وَمَدَحَ الْعَافِي عَنْ الْجُرْمِ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: فَالْجَوَابُ أَنَّ الْأَوَّلَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا كَانَ الْبَاغِي وَقِحًا ذَا جُرْأَةٍ وَفُجُورٍ وَالثَّانِي عَلَى مَنْ وَقَعَ مِنْهُ ذَلِكَ نَادِرًا فَتُقَالُ عَثْرَتُهُ بِالْعَفْوِ عَنْهُ، وَقَالَ الْوَاحِدِيُّ: إنْ كَانَ الِانْتِصَارُ لِأَجْلِ الدَّيْنِ فَهُوَ مَحْمُودٌ، وَإِنْ كَانَ لِأَجْلِ النَّفْسِ فَهُوَ مُبَاحٌ لَا يُحْمَدُ عَلَيْهِ. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي التَّحْلِيلِ مِنْ الظُّلَامَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: كَانَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ لَا يَحْلِلْ أَحَدًا مِنْ عَرَضٍ وَلَا مَالٍ، وَكَانَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ وَابْنُ سِيرِينَ يَحِلَّانِ مِنْهُمَا. وَرَأَى مَالِكٌ التَّحْلِيلَ مِنْ الْعَرَضِ دُونَ الْمَالِ.

(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم «أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَجَلَدَهُ بِجَرِيدَتَيْنِ نَحْوَ أَرْبَعِينَ قَالَ أَيْ أَنَسٌ وَفَعَلَهُ أَبُو بَكْرٍ فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ اسْتَشَارَ النَّاسَ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أَخَفُّ الْحُدُودِ ثَمَانُونَ فَأَمَرَ بِهِ عُمَرُ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) الْخَمْرُ مَصْدَرُ خَمَرَ كَضَرَبَ وَنَصَرَ خَمْرًا يُسَمَّى بِهِ الشَّرَابُ الْمُعْتَصَرُ مِنْ الْعِنَبِ إذَا غَلَى وَقُذِفَ بِالزَّبَدِ، وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ وَتُذَكَّرُ. وَيُقَالُ: خُمْرَةٌ وَفِي الْحَدِيثِ مَسَائِلُ:

(الْأُولَى): أَنَّ الْخَمْرَ تُطْلَقُ عَلَى مَا ذُكِرَ حَقِيقَةً إجْمَاعًا وَتُطْلَقُ عَلَى مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ مَا أَسْكَرَ مِنْ الْعَصِيرِ أَوْ مِنْ النَّبِيذِ أَوْ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ هَذَا الْإِطْلَاقُ حَقِيقَةٌ أَوْ لَا؟ قَالَ صَاحِبُ الْقَامُوسِ: الْعُمُومُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّهَا حُرِّمَتْ وَمَا بِالْمَدِينَةِ خَمْرُ عِنَبٍ مَا كَانَ إلَّا الْبُسْرُ وَالتَّمْرُ انْتَهَى. وَكَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنَّ الْعُمُومَ حَقِيقَةٌ وَسُمِّيَتْ خَمْرًا، قِيلَ: لِأَنَّهَا تُخَمِّرُ الْعَقْلَ أَيْ تَسْتُرُهُ فَيَكُونُ بِمَعْنَى اسْمِ الْفَاعِلِ، أَيْ السَّاتِرَةِ لِلْعَقْلِ، وَقِيلَ: لِأَنَّهَا تُغَطَّى حَتَّى تَشْتَدَّ يُقَالُ: خَمَرَهُ أَيْ غَطَّاهُ فَيَكُونُ بِمَعْنَى اسْمِ

ص: 441

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الْمَفْعُولِ، وَقِيلَ: لِأَنَّهَا تُخَالِطُ الْعَقْلَ مِنْ خَامَرَهُ إذَا خَالَطَهُ وَمِنْهُ هَنِيئًا مَرِيئًا غَيْرَ دَاءٍ مُخَامِرٍ أَيْ مُخَالِطٍ، وَقِيلَ: لِأَنَّهَا تُتْرَكُ حَتَّى تُدْرِكَ؛ وَمِنْهُ اخْتَمَرَ الْعَجِينُ: أَيْ بَلَغَ إدْرَاكَهُ وَقِيلَ: مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْكُلِّ لِاجْتِمَاعِ الْمَعَانِي هَذِهِ فِيهَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: الْأَوْجُهُ كُلُّهَا مَوْجُودَةٌ فِي الْخَمْرِ؛ لِأَنَّهَا تُرِكَتْ حَتَّى أَدْرَكَتْ وَسَكَنَتْ فَإِذَا شُرِبَتْ خَالَطَتْ الْعَقْلَ حَتَّى تَغْلِبَ عَلَيْهِ وَتُغَطِّيَهُ.

(قُلْت) فَالْخَمْرُ تُطْلَقُ عَلَى عَصِيرِ الْعِنَبِ الْمُشْتَدِّ حَقِيقَةً إجْمَاعًا، وَفِي النَّجْمِ الْوَهَّاجِ: الْخَمْرُ بِالْإِجْمَاعِ الْمُسْكِرُ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ وَإِنْ لَمْ يُقْذَفْ بِالزَّبَدِ. وَاشْتَرَطَ أَبُو حَنِيفَةَ أَنْ يُقْذَفَ وَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ مُجْمَعًا عَلَيْهِ.

وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي وُقُوعِ الْخَمْرِ عَلَى الْأَنْبِذَةِ فَقَالَ الْمُزَنِيّ وَجَمَاعَةٌ بِذَلِكَ لِأَنَّ الِاشْتِرَاكَ فِي الصِّفَةِ يَقْتَضِي الِاشْتِرَاكَ فِي الِاسْمِ وَهُوَ قِيَاسٌ فِي اللُّغَةِ وَهُوَ جَائِزٌ عِنْدَ الْأَكْثَرِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْأَحَادِيثِ وَنَسَبَ الرَّافِعِيُّ إلَى الْأَكْثَرِينَ أَنَّهُ لَا يَقَعُ عَلَيْهَا إلَّا مَجَازًا.

(قُلْت) وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ سِيدَهْ فِي الْمُحْكَمِ وَجَزَمَ بِهِ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ حَيْثُ قَالَ: الْخَمْرُ عِنْدَنَا مَا اُعْتُصِرَ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ إذَا اشْتَدَّ، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ وَأَهْلِ الْعِلْمِ. وَرَدَّ ذَلِكَ الْخَطَّابِيُّ وَقَالَ: زَعَمَ قَوْمٌ أَنَّ الْعَرَبَ لَا تَعْرِفُ الْخَمْرَ إلَّا مِنْ الْعِنَبِ فَيُقَالُ لَهُمْ: إنَّ الصَّحَابَةَ الَّذِينَ سَمَّوْا غَيْرَ الْمُتَّخَذِ مِنْ الْعِنَبِ خَمْرًا عَرَبٌ فُصَحَاءُ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ الِاسْمُ صَحِيحًا لَمَا أَطْلَقُوهُ.

وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ عَنْ أَنَسٍ وَغَيْرِهِ عَلَى صِحَّتِهَا وَكَثْرَتِهَا تُبْطِلُ مَذْهَبَ الْكُوفِيِّينَ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْخَمْرَ لَا تَكُونُ إلَّا مِنْ الْعِنَبِ وَمَا كَانَ مِنْ غَيْرِهِ لَا يُسَمَّى خَمْرًا وَلَا يَتَنَاوَلُهُ اسْمُ الْخَمْرِ وَهُوَ قَوْلٌ مُخَالِفٌ لِلُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ وَلِلسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ وَلِفَهْمِ الصَّحَابَةِ؛ لِأَنَّهُمْ لَمَّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ فَهِمُوا مِنْ الْأَمْرِ بِاجْتِنَابِ الْخَمْرِ تَحْرِيمَ كُلِّ مُسْكِرٍ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ مَا يُتَّخَذُ مِنْ الْعِنَبِ وَبَيْنَ مَا يُتَّخَذُ مِنْ غَيْرِهِ بَلْ سَوَّوْا بَيْنَهُمَا وَحَرَّمُوا مَا كَانَ مِنْ غَيْرِ عَصِيرِ الْعِنَبِ وَهُمْ أَهْلُ اللِّسَانِ وَبِلُغَتِهِمْ نَزَلَ الْقُرْآنُ فَلَوْ كَانَ عِنْدَهُمْ فِيهِ تَرَدُّدٌ لَتَوَقَّفُوا عَنْ الْإِرَاقَةِ حَتَّى يَسْتَفْصِلُوا وَيَتَحَقَّقُوا التَّحْرِيمَ، وَيَأْتِي حَدِيثُ عُمَرَ " أَنَّهُ نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ وَهِيَ مِنْ الْخَمْسَةِ " الْحَدِيثَ وَعُمَرُ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَإِنْ كَانَ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ بَيَانَ مَا تَعَلَّقَ بِهِ التَّحْرِيمُ لَا أَنَّهُ الْمُسَمَّى فِي اللُّغَةِ لِأَنَّهُ بِصَدَدِ بَيَانِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ وَلَعَلَّ ذَلِكَ صَارَ اسْمًا شَرْعِيًّا لِهَذَا النَّوْعِ فَيَكُونُ حَقِيقَةً شَرْعِيَّةً، وَيَدُلُّ لَهُ حَدِيثُ مُسْلِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ» قَالَ الْخَطَّابِيُّ: إنَّ الْآيَةَ لَمَّا نَزَلَتْ فِي تَحْرِيمِ الْخَمْرِ وَكَانَ مُسَمَّاهَا مَجْهُولًا لِلْمُخَاطِبِينَ بَيَّنَ أَنَّ مُسَمَّاهَا هُوَ مَا أَسْكَرَ فَيَكُونُ مِثْلَ لَفْظِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ

ص: 442

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الْحَقَائِقِ الشَّرْعِيَّةِ. انْتَهَى.

(قُلْت) هَذَا يُخَالِفُ مَا سَلَفَ عَنْهُ قَرِيبًا وَلَا يَخْفَى ضَعْفُ هَذَا الْكَلَامِ فَإِنَّ الْخَمْرَ كَانَتْ مِنْ أَشْهَرِ أَشْرِبَةِ الْعَرَبِ وَاسْمَهَا أَشْهَرُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ عِنْدَهُمْ وَلَيْسَتْ كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَأَشْعَارُهُمْ فِيهَا لَا تُحْصَى فَكَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنَّهُ مَا كَانَ تَعْمِيمُ الِاسْمِ بِلَفْظِ الْخَمْرِ لِكُلِّ مُسْكِرٍ مَعْرُوفًا عِنْدَهُمْ فَعَرَّفَهُمْ بِهِ الشَّرْعُ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يُسَمُّونَ بَعْضَ الْمُسْكِرَاتِ بِغَيْرِ لَفْظِ الْخَمْرِ كَالْأَمْزَارِ يُضِيفُونَهَا إلَى مَا يُتَّخَذُ مِنْهُ مِنْ ذُرَةٍ وَشَعِيرٍ وَنَحْوِهِمَا بَلْ يُطْلِقُونَ عَلَيْهِ لَفْظَ الْخَمْرِ فَجَاءَ الشَّرْعُ بِتَعْمِيمِ الِاسْمِ لِكُلِّ مُسْكِرٍ. فَتَحَصَّلَ مِمَّا ذُكِرَ جَمِيعًا أَنَّ الْخَمْرَ حَقِيقَةٌ لُغَوِيَّةٌ فِي عَصِيرِ الْعِنَبِ الْمُشْتَدِّ الَّذِي يُقْذَفُ بِالزَّبَدِ وَفِي غَيْرِهِ مِمَّا يُسْكِرُ حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ أَوْ قِيَاسٌ فِي اللُّغَةِ أَوْ مَجَازٌ فَقَدْ حَصَلَ الْمَقْصُودُ مِنْ تَحْرِيمِ مَا أَسْكَرَ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ أَوْ غَيْرِهِ إمَّا بِنَقْلِ اللَّفْظِ إلَى الْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ أَوْ بِغَيْرِهِ.

وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ أَطْلَقَ عُمَرُ وَغَيْرُهُ مِنْ الصَّحَابَةِ الْخَمْرَ عَلَى كُلِّ مَا أَسْكَرَ، وَهُمْ أَهْلُ اللِّسَانِ، وَالْأَصْلُ الْحَقِيقَةُ فَقَدْ أَحْسَنَ صَاحِبُ الْقَامُوسِ بِقَوْلِهِ وَالْعُمُومُ أَصَحُّ. وَأَمَّا الدَّعَاوَى الَّتِي تَقَدَّمَتْ عَلَى اللُّغَةِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ سِيدَهْ وَشَارِحُ الْكَنْزِ فَمَا أَظُنُّهَا إلَّا بَعْدَ تَقَرُّرِ هَذِهِ الْمَذَاهِبِ تَكَلَّمَ كُلٌّ عَلَى مَا يَعْتَقِدُهُ وَنَزَلَ فِي قَلْبِهِ مِنْ مَذْهَبِهِ ثُمَّ جَعَلَهُ لِأَهْلِ اللُّغَةِ.

(الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) قَوْلُهُ (فَجَلَدَهُ بِجَرِيدَتَيْنِ نَحْوَ أَرْبَعِينَ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى ثُبُوتِ الْحَدِّ عَلَى شَارِبِ الْخَمْرِ، وَادَّعَى فِيهِ الْإِجْمَاعَ وَنُوزِعَ فِي دَعْوَاهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ نُقِلَ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ فِيهِ إلَّا التَّعْزِيرُ؛ لِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم لَمْ يُنَصَّ عَلَى حَدٍّ مُعَيَّنٍ وَإِنَّمَا ثَبَتَ عَنْهُ الضَّرْبُ الْمُطْلَقُ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَكُونُ الْجَلْدُ بِالْجَرِيدِ وَهُوَ سَعَفُ النَّخْلِ. وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ يَتَعَيَّنُ الْجَلْدُ بِالْجَرِيدَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ أَقْرَبُهَا جَوَازُ الْجَلْدِ بِالْعُودِ غَيْرِ الْجَرِيدِ وَيَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَى الضَّرْبِ بِالْيَدَيْنِ وَالنِّعَالِ قَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: أَجْمَعُوا عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِالْجَرِيدِ وَالنِّعَالِ وَأَطْرَافِ الثِّيَابِ، ثُمَّ قَالَ: وَالْأَصَحُّ جَوَازُهُ بِالسَّوْطِ وَقَالَ الْمُصَنِّفُ تَوَسَّطَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فَعَيَّنَ السَّوْطَ لِلْمُتَمَرِّدِينَ وَأَطْرَافَ الثِّيَابِ وَالنِّعَالَ لِلضُّعَفَاءِ وَمَنْ عَدَاهُمْ بِحَسَبِ مَا يَلِيقُ بِهِمْ وَقَدْ عَيَّنَ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ (نَحْوَ أَرْبَعِينَ) مَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَأَحْمَدُ بِلَفْظِ «فَأَمَرَ قَرِيبًا مِنْ عِشْرِينَ رَجُلًا فَجَلَدَهُ كُلُّ وَاحِدٍ جَلْدَتَيْنِ بِالْجَرِيدَةِ وَالنِّعَالِ» قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَهَذَا يَجْمَعُ مَا اُخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى تَشَعُّبِهِ، وَأَنَّ جُمْلَةَ الضَّرَبَاتِ كَانَتْ أَرْبَعِينَ لَا أَنَّهُ جَلَدَهُ بِجَرِيدَتَيْنِ أَرْبَعِينَ.

(الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) قَوْلُهُ " فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ اسْتَشَارَ إلَى آخِرِهِ " سَبَبُ اسْتِشَارَتِهِ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ " أَنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ كَتَبَ إلَى عُمَرَ: إنَّ النَّاسَ قَدْ انْهَمَكُوا فِي الْخَمْرِ وَتَحَاقَرُوا الْعُقُوبَةَ قَالَ وَعِنْدَهُ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ فَسَأَلَهُمْ فَأَجْمَعُوا عَلَى أَنْ يَضْرِبَ ثَمَانِينَ " وَأَخْرَجَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ " أَنَّ عُمَرَ اسْتَشَارَ فِي الْخَمْرِ فَقَالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ

ص: 443

1162 -

وَلِمُسْلِمٍ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه فِي قِصَّةِ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ: «جَلَدَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَرْبَعِينَ، وَجَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ، وَجَلَدَ عُمَرُ ثَمَانِينَ، وَكُلٌّ سُنَّةٌ، وَهَذَا أَحَبُّ إلَيَّ. وَفِي الْحَدِيثِ: أَنَّ رَجُلًا شَهِدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ رَآهُ يَتَقَيَّأُ الْخَمْرَ، فَقَالَ عُثْمَانُ: إنَّهُ لَمْ يَتَقَيَّأْهَا حَتَّى شَرِبَهَا» .

- رضي الله عنه: نَرَى أَنْ تَجْلِدَهُ ثَمَانِينَ فَإِنَّهُ إذَا شَرِبَ سَكِرَ وَإِذَا سَكِرَ هَذَى وَإِذَا هَذَى افْتَرَى فَجَلَدَ عُمَرُ فِي الْخَمْرِ ثَمَانِينَ " وَهَذَا حَدِيثٌ مُعْضِلٌ وَلِهَذَا الْأَثَرِ عَنْ عَلِيٍّ طُرُقٌ وَقَدْ أَنْكَرَهُ ابْنُ حَزْمٍ كَمَا سَلَفَ، وَفِي مَعْنَاهُ نَكَارَةٌ لِأَنَّهُ قَالَ: إذَا هَذَى افْتَرَى وَالْهَاذِي لَا يُعَدُّ قَوْلُهُ فِرْيَةً؛ لِأَنَّهُ لَا عَمْدَ لَهُ وَلَا فِرْيَةَ إلَّا عَنْ عَمْدٍ. وَقَدْ أَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: جَاءَتْ الْأَخْبَارُ مُتَوَاتِرَةٌ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَسُنَّ فِي الْخَمْرِ شَيْئًا» وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْحَدِيثَ الْآتِي يُؤَيِّدُهُ.

(وَلِمُسْلِمٍ عَنْ عَلِيٍّ فِي قِصَّةِ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ) حَقَّقْنَاهَا فِي مِنْحَةِ الْغَفَّارِ عَلَى ضَوْءِ النَّهَارِ وَفِيهَا أَنَّ عُثْمَانَ أَمَرَ عَلِيًّا بِجَلْدِ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ فِي الْخَمْرِ فَقَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ اجْلِدْهُ فَجَلَدَهُ فَلَمَّا بَلَغَ أَرْبَعِينَ؛ قَالَ: أَمْسِكْ («جَلَدَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَرْبَعِينَ، وَجَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ، وَجَلَدَ عُمَرُ ثَمَانِينَ، وَكُلٌّ سُنَّةٌ، وَهَذَا أَحَبُّ إلَيَّ، وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ رَجُلًا شَهِدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ رَآهُ يَتَقَيَّأُ الْخَمْرَ فَقَالَ عُثْمَانُ: إنَّهُ لَمْ يَتَقَيَّأْهَا حَتَّى شَرِبَهَا») يُرِيدُ أَنَّهُ أَحَبُّ إلَيْهِ مَعَ جُرْأَةِ الشَّارِبِينَ لَا أَنَّهُ أَحَبُّ إلَيْهِ مُطْلَقًا فَلَا يُرَدُّ أَنَّهُ كَيْفَ يَجْعَلُ فِعْلَ عُمَرَ أَحَبَّ إلَيْهِ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَإِنَّ ظَاهِرَ الْإِشَارَةِ إلَى فِعْلِ عُمَرَ وَهُوَ الثَّمَانُونَ، وَلَكِنَّهُ يُقَالُ: إنَّ ظَاهِرَ قَوْلِهِ: أَمْسِكْ بَعْدَ الْأَرْبَعِينَ دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ الْأَحَبَّ إلَيْهِ.

وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ " أَنَّ عَلِيًّا جَلَدَ الْوَلِيدَ ثَمَانِينَ " وَالْقِصَّةُ وَاحِدَةٌ وَاَلَّذِي فِي الْبُخَارِيِّ أَرْجَحُ وَكَأَنَّهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ: وَهَذَا أَحَبُّ إلَيَّ، أَمَرَ عَبْدِ اللَّهِ بِتَمَامِ الثَّمَانِينَ وَهَذِهِ أَوْلَى مِنْ الْجَوَابِ الْآخَرِ وَهُوَ أَنَّهُ جَلَدَهُ بِسَوْطٍ لَهُ رَأْسَانِ فَضَرَبَهُ أَرْبَعِينَ فَكَانَتْ الْجُمْلَةُ ثَمَانِينَ، فَإِنَّ هَذَا ضَعِيفٌ لِعَدَمِ مُنَاسَبَةِ سِيَاقِهِ لَهُ؛ وَالرِّوَايَاتُ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم «أَنَّهُ جَلَدَ فِي الْخَمْرِ أَرْبَعِينَ» كَثِيرَةٌ، إلَّا أَنَّ فِي أَلْفَاظِهَا نَحْوَ أَرْبَعِينَ وَفِي بَعْضِهَا بِالنِّعَالِ فَكَأَنَّهُ فَهِمَ الصَّحَابَةُ أَنَّ ذَلِكَ يَتَقَدَّرُ بِنَحْوِ أَرْبَعِينَ جَلْدَةً.

وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ فَذَهَبَتْ الْهَادَوِيَّةُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَجِبُ الْحَدُّ عَلَى السَّكْرَانِ ثَمَانِينَ جَلْدَةً قَالُوا: لِقِيَامِ الْإِجْمَاعِ عَلَيْهِ فِي عَهْدِ عُمَرَ فَإِنَّهُ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ وَدَاوُد أَنَّهُ أَرْبَعُونَ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي

ص: 444

1163 -

وَعَنْ مُعَاوِيَةَ رضي الله عنه «عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ فِي شَارِبِ الْخَمْرِ: إذَا شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إذَا شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إذَا شَرِبَ الثَّالِثَةَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إذَا شَرِبَ الرَّابِعَةَ فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ» أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَهَذَا لَفْظُهُ، وَالْأَرْبَعَةُ وَذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَنْسُوخٌ، وَأَخْرَجَ ذَلِكَ أَبُو دَاوُد صَرِيحًا عَنْ الزُّهْرِيِّ.

رُوِيَ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم فِعْلُهُ، وَلِأَنَّهُ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْأَمْرُ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنه، وَمَنْ تَتَبَّعَ مَا فِي الرِّوَايَاتِ وَاخْتِلَافِهَا عَلِمَ أَنَّ الْأَحْوَطَ الْأَرْبَعُونَ وَلَا يُزَادُ عَلَيْهَا، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ «أَنَّ رَجُلًا شَهِدَ عَلَى الْوَلِيدِ أَنَّهُ رَآهُ يَتَقَيَّأُ الْخَمْرَ فَقَالَ عُثْمَانُ: إنَّهُ لَمْ يَتَقَيَّأْهَا حَتَّى شَرِبَهَا» فِي مُسْلِمٍ «أَنَّهُ شَهِدَ عَلَيْهِ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا حُمْرَانُ أَنَّهُ شَرِبَ الْخَمْرَ وَشَهِدَ عَلَيْهِ آخَرُ أَنَّهُ رَآهُ يَتَقَيَّؤُهَا» قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ هَذَا دَلِيلٌ لِمَالِكٍ وَمُوَافِقِيهِ فِي أَنَّ مَنْ تَقَيَّأَ الْخَمْرَ يُحَدُّ حَدَّ شَارِبِ الْخَمْرِ؛ وَمَذْهَبُنَا أَنَّهُ لَا يُحَدُّ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ شَرِبَهَا جَاهِلًا كَوْنَهَا خَمْرًا أَوْ مُكْرَهًا عَلَيْهِ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْأَعْذَارِ الْمُسْقِطَةِ لِلْحُدُودِ، وَدَلِيلُ مَالِكٍ هُنَا أَقْوَى؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ اتَّفَقُوا عَلَى جَلْدِ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ. اهـ.

(قُلْت) وَبِمِثْلِ مَا قَالَهُ مَالِكٌ قَالَتْ الْهَادَوِيَّةُ ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ اقْتِصَارَ الْمُصَنِّفِ عَلَى الْمُشَاهَدِ بِالْقَيْءِ وَحْدَهُ تَقْصِيرٌ لِإِيهَامِهِ أَنَّهُ جَلَدَ الْوَلِيدَ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ عَلَى التَّقَيُّؤِ.

(وَعَنْ مُعَاوِيَةَ «عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ فِي شَارِبِ الْخَمْرِ: إذَا شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ ثُمَّ إذَا شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ ثُمَّ إذَا شَرِبَ الثَّالِثَةَ فَاجْلِدُوهُ ثُمَّ إذَا شَرِبَ الرَّابِعَةَ فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ - وَهَذَا لَفْظُهُ - وَالْأَرْبَعَةُ) اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَاتُ فِي قَتْلِهِ هَلْ يُقْتَلُ إنْ شَرِبَ الرَّابِعَةَ أَوْ إنْ شَرِبَ الْخَامِسَةَ؟ فَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد مِنْ رِوَايَةِ أَبَانَ الْقَصَّارِ وَذَكَرَ الْجَلْدَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ بَعْدَ الْأُولَى ثُمَّ قَالَ: " فَإِنْ شَرِبُوا فَاقْتُلُوهُمْ " وَأَخْرَجَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ رِوَايَةِ نَافِعٍ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: وَأَحْسَبُهُ قَالَ فِي الْخَامِسَةِ " فَإِنْ شَرِبَهَا فَاقْتُلُوهُ " وَإِلَى قَتْلِهِ فِيهَا ذَهَبَ الظَّاهِرِيَّةُ، وَاسْتَمَرَّ عَلَيْهِ ابْنُ حَزْمٍ وَاحْتَجَّ لَهُ وَادَّعَى عَدَمَ الْإِجْمَاعِ عَلَى نَسْخِهِ وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ مَنْسُوخٌ وَلَمْ يَذْكُرُوا نَاسِخًا صَرِيحًا إلَّا مَا يَأْتِي مِنْ رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد وَعَنْ الزُّهْرِيِّ «أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم تَرَكَ الْقَتْلَ فِي الرَّابِعَةِ» وَقَدْ يُقَالُ: الْقَوْلُ أَقْوَى مِنْ التَّرْكِ فَلَعَلَّهُ صلى الله عليه وسلم تَرَكَهُ لِعُذْرٍ (وَذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ مَا

ص: 445

1164 -

وَعَنْ " أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إذَا ضَرَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَّقِ الْوَجْهَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَنْسُوخٌ وَأَخْرَجَ ذَلِكَ أَبُو دَاوُد صَرِيحًا عَنْ الزُّهْرِيِّ) يُرِيدُ مَا أَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ - إلَى أَنْ قَالَ: ثُمَّ إذَا شَرِبَ فِي الرَّابِعَةِ فَاقْتُلُوهُ. قَالَ: فَأُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ فَجَلَدَهُ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ قَدْ شَرِبَ فَجَلَدَهُ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ قَدْ شَرِبَ فَجَلَدَهُ ثُمَّ أُتِيَ بِهِ الرَّابِعَةَ فَجَلَدَهُ فَرُفِعَ الْقَتْلُ عَنْ النَّاسِ فَكَانَتْ رُخْصَةً» وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هَذَا (يُرِيدُ نَسْخَ الْقَتْلِ) مِمَّا لَا اخْتِلَافَ فِيهِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَمِثْلُهُ قَالَ التِّرْمِذِيُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «إذَا ضَرَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَّقِ الْوَجْهَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى " أَنَّهُ‌

‌ لَا يَحِلُّ ضَرْبُ الْوَجْهِ فِي حَدٍّ وَلَا غَيْرِهِ

وَكَذَلِكَ لَا يُضْرَبُ الْمَحْدُودُ فِي الْمَرَاقِّ وَالْمَذَاكِيرِ لِمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ لِلْجَلَّادِ " اضْرِبْ فِي أَعْضَائِهِ، وَأَعْطِ كُلَّ عُضْوٍ حَقَّهُ، وَاتَّقِ وَجْهَهُ وَمَذَاكِيرَهُ " وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طُرُقٍ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه. وَإِنَّمَا نَهَى عَنْ الْمَرَاقِّ وَالْمَذَاكِيرِ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهِ مَعَ ضَرْبِهَا. وَاخْتُلِفَ فِي ضَرْبِهِ فِي الرَّأْسِ فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ إلَى أَنَّهُ لَا يُضْرَبُ فِيهِ إذْ هُوَ غَيْرُ مَأْمُونٍ.

وَذَهَبَ الْهَادَوِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ إلَى جَوَازِ ضَرْبِهِ فِيهِ قَالُوا: لِقَوْلِ عَلِيٍّ عليه السلام لِلْجَلَّادِ " اضْرِبْ الرَّأْسَ " وَلِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنه " اضْرِبْ الرَّأْسَ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ فِيهِ " أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَفِيهِ ضَعْفٌ وَانْقِطَاعٌ.

وَذَهَبَ مَالِكٌ أَنَّهُ لَا يُضْرَبُ إلَّا فِي رَأْسِهِ.

(فَائِدَةٌ) فِي الْحَدِيثِ «أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم أَمَرَ أَنْ يُحْثَى عَلَيْهِ التُّرَابُ وَيُبَكَّتَ فَلَمَّا وَلَّى شَرَعَ الْقَوْمُ يَسُبُّونَهُ وَيَدْعُونَ عَلَيْهِ وَيَقُولُ الْقَائِلُ: اللَّهُمَّ الْعَنْهُ، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: لَا تَقُولُوا هَذَا وَلَكِنْ قُولُوا: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ» وَأَوْجَبَ الْمَازِرِيُّ التَّثْرِيبَ وَالتَّبْكِيتَ.

وَأَمَّا صِفَةُ سَوْطِ الضَّرْبِ فَأَخْرَجَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مُرْسَلًا «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَرَادَ أَنْ يَجْلِدَ رَجُلًا فَأُتِيَ بِسَوْطٍ خَلِقٍ. فَقَالَ: فَوْقَ هَذَا، فَأُتِيَ بِسَوْطٍ جَدِيدٍ فَقَالَ دُونَ هَذَا» فَيَكُونُ بَيْنَ الْجَدِيدِ وَالْخَلْقِ وَذَكَرَ الرَّافِعِيُّ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه " سَوْطُ الْحَدِّ بَيْنَ سَوْطَيْنِ وَضَرْبُهُ بَيْنَ ضَرْبَتَيْنِ " قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: السَّوْطُ هُوَ الْمُتَّخَذُ مِنْ سُيُورٍ تُلْوَى وَتُلَفُّ.

ص: 446

1165 -

وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ‌

«لَا تُقَامُ الْحُدُودُ فِي الْمَسَاجِدِ»

رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ.

1166 -

وَعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: لَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى تَحْرِيمَ الْخَمْرِ، وَمَا بِالْمَدِينَةِ شَرَابٌ يُشْرَبُ إلَّا مِنْ تَمْرٍ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.

1167 -

وَعَنْ عُمَرَ قَالَ: نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ، وَهِيَ مِنْ خَمْسَةٍ: مِنْ الْعِنَبِ، وَالتَّمْرِ، وَالْعَسَلِ، وَالْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ. وَ‌

‌الْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ.

مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

(وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا تُقَامُ الْحُدُودُ فِي الْمَسَاجِدِ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ) وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَفِي إسْنَادِهِ إسْمَاعِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ الْمَكِّيُّ ضَعِيفٌ مِنْ قَبْلِ حِفْظِهِ. وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِمُ وَابْنُ السَّكَنِ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، وَلَا بَأْسَ بِإِسْنَادِهِ. وَلَهُ طُرُقٌ أُخَرُ وَالْكُلُّ مُتَعَاضِدَةٌ وَقَدْ عَمِلَ بِهِ الصَّحَابَةُ، فَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ " أُتِيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بِرَجُلٍ فِي حَدٍّ، فَقَالَ: أَخْرِجَاهُ مِنْ الْمَسْجِدِ ثُمَّ اضْرِبَاهُ " وَأَسْنَدَهُ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَأَخْرَجَ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه " أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَيْهِ فَسَارَّهُ، فَقَالَ: يَا قُنْبُرُ أَخْرِجْهُ مِنْ الْمَسْجِدِ فَأَقِمْ عَلَيْهِ الْحَدَّ " وَفِي سَنَدِهِ مَقَالٌ.

وَإِلَى عَدَمِ جَوَازِ إقَامَةِ الْحَدِّ فِي الْمَسْجِدِ ذَهَبَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَالْكُوفِيُّونَ لِمَا ذُكِرَ مِنْ الدَّلِيلِ. وَذَهَبَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى (وَالشَّعْبِيُّ) إلَى جَوَازِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ دَلِيلًا وَكَأَنَّهُ حَمَلَ النَّهْيَ عَلَى التَّنْزِيهِ.

قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَقَوْلُ مَنْ نَزَّهَ الْمَسْجِدَ أَوْلَى يُرِيدُ قَوْلَ الْأَوَّلِينَ.

(وَعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى تَحْرِيمَ الْخَمْرِ وَمَا بِالْمَدِينَةِ شَرَابٌ يُشْرَبُ إلَّا مِنْ تَمْرٍ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْ تَسْمِيَةِ نَبِيذِ التَّمْرِ خَمْرًا عِنْدَ نُزُولِ آيَةِ التَّحْرِيمِ.

(وَعَنْ عُمَرَ رضي الله عنه قَالَ قَدْ نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ وَهِيَ مِنْ خَمْسَةٍ مِنْ الْعِنَبِ وَالتَّمْرِ وَالْعَسَلِ وَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ. وَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَأَخْرَجَهُ الثَّلَاثَةُ أَيْضًا.

ص: 447

1168 -

وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ

لَا يُقَالُ: إنَّهُ مُعَارَضٌ بِحَدِيثِ أَنَسٍ؛ لِأَنَّ حَدِيثَ أَنَسٍ إخْبَارٌ عَمَّا كَانَ مِنْ الشَّرَابِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَلَامَ عُمَرَ لَيْسَ فِيهِ تَقْيِيدٌ بِالْمَدِينَةِ وَإِنَّمَا هُوَ إخْبَارٌ عَمَّا يَشْرَبُهُ النَّاسُ مُطْلَقًا وَقَوْلُهُ (وَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ) إشَارَةٌ إلَى وَجْهِ التَّسْمِيَةِ وَظَاهِرُهُ أَنَّ كُلَّ مَا خَالَطَ الْعَقْلَ وَغَطَّاهُ يُسَمَّى خَمْرًا لُغَةً سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا ذُكِرَ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ وَيَدُلُّ لَهُ أَيْضًا الْحَدِيثُ الْآتِي: -

(وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ) فَإِنَّهُ دَالٌّ عَلَى أَنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ يُسَمَّى خَمْرًا وَفِي قَوْلِهِ «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ» دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ كُلِّ مُسْكِرٍ وَهُوَ عَامٌّ لِكُلِّ مَا كَانَ مِنْ عَصِيرٍ أَوْ نَبِيذٍ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُرَادِ بِالْمُسْكِرِ هَلْ يُرَادُ تَحْرِيمُ الْقَدْرِ الْمُسْكِرِ أَوْ تَحْرِيمُ مَا تَنَاوَلَهُ مُطْلَقًا وَإِنْ قَلَّ وَلَمْ يُسْكِرْ إذَا كَانَ فِي ذَلِكَ الْجِنْسِ صَلَاحِيَّةُ الْإِسْكَارِ: ذَهَبَ إلَى تَحْرِيمِ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ مِمَّا أَسْكَرَ جِنْسُهُ الْجُمْهُورُ مِنْ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَالشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَالْهَادَوِيَّةُ جَمِيعًا مُسْتَدِلِّينَ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَحَدِيثِ جَابِرٍ الْآتِي بَعْدَ هَذَا وَبِمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ وَمَا أَسْكَرَ مِنْهُ الْفَرْقُ فَمِلْءُ الْكَفِّ مِنْهُ حَرَامٌ» وَبِمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالطَّحَاوِيُّ مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ «أَنْهَاكُمْ عَنْ قَلِيلِ مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ» وَفِي مَعْنَاهُ رِوَايَاتٌ كَثِيرَةٌ لَا تَخْلُو عَنْ مَقَالٍ فِي أَسَانِيدِهَا لَكِنَّهَا تُعْتَضَدُ بِمَا سَمِعْت قَالَ أَبُو مُظَفَّرٍ السَّمْعَانِيُّ: الْأَخْبَارُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ لَا مَسَاغَ لِأَحَدٍ فِي الْعُدُولِ عَنْهَا وَذَهَبَ الْكُوفِيُّونَ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَأَكْثَرُ عُلَمَاءِ الْبَصْرَةِ إلَى أَنَّهُ يَحِلُّ دُونَ الْمُسْكِرِ مِنْ غَيْرِ عَصِيرِ الْعِنَبِ وَالرُّطَبِ.

وَتَحْقِيقُ مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ قَدْ بَسَطَهُ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ حَيْثُ قَالَ: إنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: الْخَمْرُ هُوَ النِّيءُ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ إذَا غَلَى وَاشْتَدَّ وَقُذِفَ بِالزَّبَدِ حُرِّمَ قَلِيلُهَا وَكَثِيرُهَا وَقَالَ: إنَّ الْغَلَيَانَ مِنْ آيَةِ الشِّدَّةِ وَكَمَا لَهُ بِقَذْفِ الزَّبَدِ وَبِسُكُونِهِ إذْ بِهِ يَتَمَيَّزُ الصَّافِي مِنْ الْكَدِرِ وَأَحْكَامُ الشَّرْعِ قَطْعِيَّةٌ فَتُنَاطُ بِالنِّهَايَةِ كَالْحُدُودِ وَإِكْفَارِ الْمُسْتَحِلِّ وَحُرْمَةِ الْبَيْعِ وَالنَّجَاسَةِ.

وَعِنْدَ صَاحِبَيْهِ إذَا اشْتَدَّ صَارَ خَمْرًا وَلَا يُشْتَرَطُ الْقَذْفُ بِالزَّبَدِ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ يَثْبُتُ بِهِ وَالْمَعْنَى الْمُقْتَضِي لِلتَّحْرِيمِ وَهُوَ الْمُؤَثِّرُ فِي الْفَسَادِ وَإِيقَاعِ الْعَدَاوَةِ، وَأَمَّا الطِّلَاءُ بِكَسْرِ الطَّاءِ وَهُوَ الْعَصِيرُ مِنْ الْعِنَبِ إنْ طُبِخَ حَتَّى يَذْهَبَ أَقَلُّ مِنْ ثُلُثَيْهِ وَالسَّكَرُ بِفَتْحَتَيْنِ وَهُوَ النِّيءُ مِنْ مَاءِ الرُّطَبِ وَنَقِيعِ الزَّبِيبِ وَهِيَ النِّيءُ مِنْ مَاءِ الزَّبِيبِ فَالْكُلُّ حَرَامٌ إنْ غَلَى وَاشْتَدَّ، وَحُرْمَتُهَا دُونَ الْخَمْرِ،

ص: 448

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

وَالْحَلَالُ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ: نَبِيذُ التَّمْرِ وَالزَّبِيبُ إنْ طُبِخَ أَدْنَى طَبْخٍ وَإِنْ اشْتَدَّ إذَا شَرِبَ مَا لَا يُسْكِرُ بِلَا لَهْوٍ وَطَرَبٍ وَالْخَلِيطَانِ وَهُوَ أَنْ يُخْلَطَ مَاءُ التَّمْرِ وَمَاءُ الزَّبِيبِ وَنَبِيذُ الْعَسَلِ وَالتِّينُ وَالْبُرُّ وَالشَّعِيرُ وَالذُّرَةُ طُبِخَ أَوْ لَا وَالْمُثَلَّثُ الْعِنَبِيُّ. انْتَهَى كَلَامُهُ بِبَعْضِ تَصَرُّفٍ فِيهِ.

فَهَذِهِ الْأَنْوَاعُ الَّتِي لَمْ يُنْقَلْ تَحْرِيمُهَا اُسْتُدِلَّ لَهَا بِأَنَّهَا لَا تَدْخُلُ تَحْتَ مُسَمَّى الْخَمْرِ فَلَا تَشْمَلُهَا أَدِلَّةُ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ وَتُؤُوِّلَ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ هَذَا بِمَا قَالَهُ الطَّحَاوِيُّ حَيْثُ قَالَ فِي تَأْوِيلِ الْحَدِيثِ: قَالَ بَعْضُهُمْ الْمُرَادُ بِهِ مَا يَقَعُ السُّكْرُ عِنْدَهُ قَالَ: وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ الْقَاتِلَ لَا يُسَمَّى قَاتِلًا حَتَّى يَقْتُلَ، قَالَ: وَيَدُلُّ لَهُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ يَرْفَعُهُ «حُرِّمَتْ الْخَمْرُ قَلِيلُهَا وَكَثِيرُهَا وَالْمُسْكِرُ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ» . أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ إلَّا أَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِي وَصْلِهِ وَانْقِطَاعِهِ وَفِي رَفْعِهِ وَوَقْفِهِ عَلَى أَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ فَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ: إنَّ الرَّاجِحَ أَنَّ الرِّوَايَةَ فِيهِ وَالْمُسْكِرُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ السِّينِ لَا السُّكْرُ بِضَمِّ السِّينِ أَوْ بِفَتْحَتَيْنِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ فَهُوَ حَدِيثُ فَرْدٍ لَا يُقَاوِمُ مَا عَرَفْت مِنْ الْأَحَادِيثِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا وَقَدْ سَرَدَ لَهُمْ فِي الشَّرْحِ أَدِلَّةً مِنْ آثَارٍ وَأَحَادِيثَ لَا يَخْلُو شَيْءٌ مِنْهَا عَنْ قَادِحٍ فَلَا تَنْتَهِضُ عَلَى الْمُدَّعِي.

ثُمَّ لَفْظُ الْخَمْرِ قَدْ سَمِعْت أَنَّ الْحَقَّ فِيهِ لُغَةً عُمُومُهُ لِكُلِّ مُسْكِرٍ كَمَا قَالَهُ مَجْدُ الدِّينِ فَقَدْ تَنَاوَلَ مَا ذَكَرَ دَلِيلَ التَّحْرِيمِ.

وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ لَمَّا سَأَلَهُ أَبُو جُوَيْرِيَةَ عَنْ الْبَاذَقِ وَهُوَ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ الْمَفْتُوحَةِ، وَقِيلَ الْمَكْسُورَةُ، وَهُوَ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ أَصْلُهُ: بَاذَهْ وَهُوَ الطِّلَاءُ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ " سَبَقَ مُحَمَّدٌ الْبَاذَقُ، مَا أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامُ الشَّرَابِ الْحَلَالِ الطَّيِّبِ. وَلَيْسَ بَعْدَ الْحَلَالِ الطَّيِّبِ إلَّا الْحَرَامُ الْخَبِيثُ " وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ أَتَاهُ قَوْمٌ يَسْأَلُونَ عَنْ الطِّلَاءِ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَمَا طِلَاؤُكُمْ هَذَا، إذَا سَأَلْتُمُونِي فَبَيِّنُوا لِي الَّذِي تَسْأَلُونَنِي عَنْهُ فَقَالُوا: هُوَ الْعِنَبُ يُعْصَرُ ثُمَّ يُطْبَخُ ثُمَّ يُجْعَلُ فِي الدِّنَانِ قَالَ: وَمَا الدِّنَانُ؟ قَالُوا: دِنَانٌ قَالَ مُزَفَّتَةٌ. قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: يُسْكِرُ؟ قَالُوا: إذَا أَكْثَرَ مِنْهُ. قَالَ: فَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ.

وَأَخْرَجَ عَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ فِي الطِّلَاءِ: إنَّ النَّارَ لَا تُحِلُّ شَيْئًا وَلَا تُحَرِّمُهُ وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْ عَائِشَةَ فِي سُؤَالِ أَبِي مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيِّ قَالَ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ إنَّهُمْ يَشْرَبُونَ شَرَابًا لَهُمْ يَعْنِي - أَهْلَ الشَّامِ - يُقَالُ لَهُ الطِّلَاءُ. قَالَتْ: صَدَقَ اللَّهُ وَبَلَّغَ حِبِّي سَمِعْت حِبِّي رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إنَّ

ص: 449

1169 -

وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ» أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.

أُنَاسًا مِنْ أُمَّتِي يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا» وَأَخْرَجَ مِثْلَهُ عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «لَيَشْرَبَنَّ أُنَاسٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا وَتُضْرَبُ عَلَى رُءُوسِهِمْ الْمَعَازِفُ يَخْسِفُ اللَّهُ بِهِمْ الْأَرْضَ وَيَجْعَلُ مِنْهُمْ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ» .

وَأَخْرَجَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: " إنِّي وَجَدْت مِنْ فُلَانٍ رِيحَ شَرَابٍ فَزَعَمَ أَنَّهُ يَشْرَبُ الطِّلَاءَ وَإِنِّي سَائِلٌ عَمَّا يَشْرَبُ فَإِنْ كَانَ يُسْكِرُ جَلَدْته، فَجَلَدَهُ الْحَدَّ تَامًّا " وَأَخْرَجَ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ أَنَّهُ قَالَ: جَاءَتْ فِي الْأَشْرِبَةِ آثَارٌ كَثِيرَةٌ مُخْتَلِفَةٌ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابِهِ وَكُلٌّ لَهُ تَفْسِيرٌ (فَأَوَّلُهَا) الْخَمْرُ وَهِيَ مَا غَلَى مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ فَهَذِهِ مِمَّا لَا اخْتِلَافَ فِي تَحْرِيمِهَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ إنَّمَا الِاخْتِلَافُ فِي غَيْرِهَا وَمِنْهَا السَّكَرُ - يَعْنِي بِفَتْحَتَيْنِ - وَهُوَ نَقِيعُ التَّمْرِ الَّذِي لَمْ تَمَسَّهُ النَّارُ وَفِيهِ يُرْوَى عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: السَّكَرُ خَمْرٌ (وَمِنْهَا) الْبِتْعُ: بِكَسْرِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَالْمُثَنَّاةُ أَيْ الْفَوْقِيَّةُ السَّاكِنَةُ وَالْمُهْمَلَةُ وَهُوَ نَبِيذُ الْعَسَلِ.

(وَمِنْهَا) الْجِعَةُ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَهِيَ نَبِيذُ الشَّعِيرِ وَمِنْهَا الْمِزْرُ وَهُوَ مِنْ الذُّرَةِ، جَاءَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنه وَزَادَ ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي الرِّوَايَةِ عَنْهُ قَالَ: وَالْخَمْرُ مِنْ الْعِنَبِ وَالسَّكَرُ مِنْ التَّمْرِ (وَمِنْهَا) السُّكْرَكَةُ يَعْنِي بِضَمِّ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْكَافِ وَضَمِّ الرَّاءِ فَكَافٍ مَفْتُوحَةٍ عَنْ أَبِي مُوسَى أَنَّهَا مِنْ الذُّرَةِ (وَمِنْهَا) الْفَضِيخُ: يَعْنِي بِالْفَاءِ وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ مَا اُفْتُضِخَ مِنْ الْبُسْرِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَمَسَّهُ نَارٌ وَسَمَّاهُ ابْنُ عُمَرَ الْفَضُوخُ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: فَإِنْ كَانَ مَعَ الْبُسْرِ تَمْرٌ فَهُوَ الَّذِي يُسَمَّى الْخَلِيطَيْنِ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: بَعْضُ الْعَرَبِ تُسَمِّي الْخَمْرَ بِعَيْنِهَا الطِّلَاءَ.

(قَالَ) عُبَيْدُ بْنُ الْأَبْرَصِ:

هِيَ الْخَمْرُ تُكْنَى الطِّلَاءَ

كَمَا الذِّئْبُ يُكْنَى أَبَا جَعْدَةَ

قَالَ: وَكَذَلِكَ الْخَمْرُ سُمِّيَ الْبَاذَقَ، إذَا عَرَفْت فَهَذِهِ آثَارٌ تُؤَيِّدُ الْعَمَلَ بِالْعُمُومِ وَمَعَ التَّعَارُضِ فَالتَّرْجِيحُ لِلْمُحَرِّمِ عَلَى الْمُبِيحِ وَمِنْ أَدِلَّةِ الْجُمْهُورِ الْحَدِيثُ الْآتِي:

(وَعَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ»

ص: 450

1170 -

وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُنْبَذُ لَهُ الزَّبِيبُ فِي السِّقَاءِ، فَيَشْرَبُهُ يَوْمَهُ، وَالْغَدَ، وَبَعْدَ الْغَدِ، فَإِذَا كَانَ مَسَاءُ الثَّالِثَةِ شَرِبَهُ وَسَقَاهُ، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ أَهْرَاقَهُ» . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.

أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ) وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. وَأَخْرَجَ النَّسَائِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ بِلَفْظِ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ قَلِيلِ مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ» وَفِي الْبَابِ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها وَعَنْ خَوَّاتٍ وَعَنْ سَعِيدٍ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ كُلُّهَا مُخَرَّجَةٌ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ، وَالْكُلُّ تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ وَتَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ.

(فَائِدَةٌ) وَيُحَرَّمُ مَا أَسْكَرَ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَشْرُوبًا كَالْحَشِيشَةِ قَالَ الْمُصَنِّفُ: مَنْ قَالَ: إنَّهَا لَا تُسْكِرُ وَإِنَّمَا تُخَدِّرُ فَهِيَ مُكَابَرَةٌ فَإِنَّهَا تُحْدِثُ مَا تُحْدِثُ الْخَمْرُ مِنْ الطَّرَبِ وَالنَّشْوَةِ، قَالَ: وَإِذَا سُلِّمَ عَدَمُ الْإِسْكَارِ فَهِيَ مُفْتِرَةٌ وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُد أَنَّهُ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ وَمُفْتِرٍ» قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْمُفْتِرُ كُلُّ شَرَابٍ يُوَرِّثُ الْفُتُورَ وَالْخَوَرَ فِي الْأَعْضَاءِ وَحَكَى الْعِرَاقِيُّ وَابْنُ تَيْمِيَّةَ الْإِجْمَاعَ عَلَى تَحْرِيمِ الْحَشِيشَةِ وَأَنَّ مَنْ اسْتَحَلَّهَا كَفَرَ، قَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: إنَّ الْحَشِيشَةَ أَوَّلُ مَا ظَهَرَتْ فِي آخِرِ الْمِائَةِ السَّادِسَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ حِينَ ظَهَرَتْ دَوْلَةُ التَّتَارِ وَهِيَ مِنْ أَعْظَمِ الْمُنْكَرَاتِ وَهِيَ شَرٌّ مِنْ الْخَمْرِ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ، لِأَنَّهَا تُوَرِّثُ نَشْوَةً وَلَذَّةً وَطَرَبًا كَالْخَمْرِ وَيَصْعُبُ الطَّعَامُ عَلَيْهَا أَعْظَمَ مِنْ الْخَمْرِ وَقَدْ أَخْطَأَ الْقَائِلُ):

حَرَّمُوهَا مِنْ غَيْرِ عَقْلٍ وَنَقْلٍ

وَحَرَامٌ تَحْرِيمُ غَيْرِ الْحَرَامِ

وَأَمَّا الْبَنْجُ فَهُوَ حَرَامٌ. قَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: إنَّ الْحَدَّ فِي الْحَشِيشَةِ وَاجِبٌ، قَالَ ابْنُ الْبَيْطَارِ: إنَّ الْحَشِيشَةَ وَتُسَمَّى الْقُنَّبُ تُوجَدُ فِي مِصْرَ مُسْكِرَةٌ جِدًّا إذَا تَنَاوَلَ الْإِنْسَانُ مِنْهَا قَدْرَ دِرْهَمٍ أَوْ دِرْهَمَيْنِ، وَقَبَائِحُ خِصَالِهَا كَثِيرَةٌ، وَعَدَّ مِنْهَا بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِائَةً وَعِشْرِينَ مَضَرَّةً دِينِيَّةً وَدُنْيَوِيَّةً، وَقَبَائِحُ خِصَالِهَا مَوْجُودَةٌ فِي الْأَفْيُونِ، وَفِيهِ زِيَادَةُ مَضَارٍّ. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي الْجَوْزَةِ: إنَّهَا مُسْكِرَةٌ وَنَقَلَهُ عَنْهُ مُتَأَخِّرُو عُلَمَاءِ الْفَرِيقَيْنِ وَاعْتَمَدُوهُ.

ص: 451

1171 -

وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ» أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ

(وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُنْبَذُ لَهُ الزَّبِيبُ فِي السِّقَاءِ فَيَشْرَبُهُ يَوْمَهُ وَالْغَدَ وَبَعْدَ الْغَدِ فَإِذَا كَانَ مَسَاءُ الثَّالِثَةِ شَرِبَهُ وَسَقَاهُ فَإِنْ فَضَلَ بِفَتْحِ الضَّادِ وَكَسْرِهَا شَيْءٌ أَهْرَاقَهُ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ).

هَذِهِ الرِّوَايَةُ إحْدَى رِوَايَاتِ مُسْلِمٍ وَلَهُ أَلْفَاظٌ أُخَرَ قَرِيبَةٌ مِنْ هَذِهِ فِي الْمَعْنَى. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الِانْتِبَاذِ وَلَا كَلَامَ فِي جَوَازِهِ وَقَدْ احْتَجَّ مَنْ يَقُولُ بِجَوَازِ شُرْبِ النَّبِيذِ إذَا اشْتَدَّ بِقَوْلِهِ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى " سَقَاهُ الْخَادِمُ أَوْ أَمَرَ بِصَبِّهِ " فَإِنَّ سَقِيَّةَ الْخَادِمِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ شُرْبِهِ، وَإِنَّمَا تَرَكَهُ صلى الله عليه وسلم تَنَزُّهًا عَنْهُ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا دَلِيلَ عَلَى أَنَّهُ بَلَغَ حَدَّ الْإِسْكَارِ وَإِنَّمَا بَدَا فِيهِ بَعْضُ تَغَيُّرٍ فِي طَعْمِهِ مِنْ حُمُوضَةٍ أَوْ نَحْوِهَا فَسَقَاهُ الْخَادِمُ مُبَادَرَةً لِخَشْيَةِ الْفَسَادِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ أَوْ لِلتَّنْوِيعِ كَأَنَّهُ قَالَ: سَقَاهُ الْخَادِمُ أَوْ أَمَرَ بِهِ فَأُهْرِيقَ أَيْ إنْ كَانَ بَدَا فِي طَعْمِهِ بَعْضُ تَغَيُّرٍ وَلَمْ يَشْتَدَّ سَقَاهُ الْخَادِمُ وَإِنْ اشْتَدَّ أَمَرَ بِإِهْرَاقِهِ وَبِهَذَا جَزَمَ النَّوَوِيُّ فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ:.

(وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ «إنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ». أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَيَأْتِي مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ.

وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يُحَرَّمُ‌

‌ التَّدَاوِي بِالْخَمْرِ

لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِفَاءٌ فَتَحْرِيمُ شُرْبِهَا بَاقٍ لَا يَرْفَعُهُ تَجَوُّزُ أَنَّهُ يَدْفَعُ الضَّرَرَ عَنْ النَّفْسِ.

وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَتْ الْهَادَوِيَّةُ: إلَّا إذَا غَصَّ بِلُقْمَةٍ وَلَمْ يَجِدْ مَا يُسَوِّغُهَا بِهِ إلَّا الْخَمْرَ جَازَ. وَادَّعَى فِي الْبَحْرِ الْإِجْمَاعَ عَلَى هَذَا وَفِيهِ خِلَافٌ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ التَّدَاوِي بِهَا كَمَا يَجُوزُ شُرْبُ الْبَوْلِ وَالدَّمِ وَسَائِرِ النَّجَاسَاتِ لِلتَّدَاوِي قُلْنَا: الْقِيَاسُ بَاطِلٌ فَإِنَّ الْمَقِيسَ عَلَيْهِ مُحَرَّمٌ بِالنَّصِّ الْمَذْكُورِ لِعُمُومِهِ لِكُلِّ مُحَرَّمٍ.

(فَائِدَةٌ) فِي النَّجْمِ الْوَهَّاجِ قَالَ الشَّيْخُ: كُلُّ مَا يَقُولُ الْأَطِبَّاءُ مِنْ الْمَنَافِعِ فِي الْخَمْرِ وَشُرْبِهَا كَانَ عِنْدَ شَهَادَةِ الْقُرْآنِ أَنَّ فِيهَا مَنَافِعُ لِلنَّاسِ قَبْلُ، وَأَمَّا بَعْدَ نُزُولِ آيَةِ الْمَائِدَةِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى الْخَالِقَ لِكُلِّ شَيْءٍ سَلَبَهَا الْمَنَافِعَ

ص: 452

1172 -

وَعَنْ وَائِلٍ الْحَضْرَمِيِّ «أَنَّ طَارِقَ بْنَ سُوَيْدٍ رضي الله عنه سَأَلَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَنْ الْخَمْرِ يَصْنَعُهَا لِلدَّوَاءِ، فَقَالَ: إنَّهَا لَيْسَتْ بِدَوَاءٍ، وَلَكِنَّهَا دَاءٌ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُمَا.

جُمْلَةً فَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ الْمَنَافِعِ وَبِهَذَا تَسْقُطُ مَسْأَلَةُ التَّدَاوِي بِالْخَمْرِ وَاَلَّذِي قَالَ مَنْقُولٌ عَنْ الرَّبِيعِ وَالضَّحَّاكِ وَفِيهِ حَدِيثٌ أَسْنَدَهُ الثَّعْلَبِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا حَرَّمَ الْخَمْرَ سَلَبَهَا الْمَنَافِعَ» .

(وَعَنْ وَائِلٍ) هُوَ ابْنُ حُجْرٍ بِضَمِّ الْحَاءِ وَسُكُونِ الْجِيمِ (الْحَضْرَمِيِّ أَنَّ طَارِقَ بْنَ سُوَيْدٍ «سَأَلَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَنْ الْخَمْرِ يَصْنَعُهَا لِلدَّوَاءِ فَقَالَ: إنَّهَا لَيْسَتْ بِدَوَاءٍ وَلَكِنَّهَا دَاءٌ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُمَا) أَفَادَ الْحُكْمُ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ وَهُوَ تَحْرِيمُ التَّدَاوِي بِالْخَمْرِ وَزِيَادَةُ الْأَخْبَارِ بِأَنَّهَا دَاءٌ وَقَدْ عُلِمَ مِنْ حَالٍ مَنْ يَسْتَعْمِلُهَا أَنَّهُ يَتَوَلَّدُ عَنْ شُرْبِهَا أَدْوَاءٌ كَثِيرَةٌ، وَكَيْفَ لَا يَكُونُ ذَلِكَ بَعْدَ إخْبَارِ الشَّارِعِ أَنَّهَا دَاءٌ فَقَبَّحَ اللَّهُ وَصَّافَهَا مِنْ الشُّعَرَاءِ الْخُلَعَاءِ وَوَصَّافَ شُرْبِهَا وَتَشْوِيقَ النَّاسِ إلَى شُرْبِهَا وَالْعُكُوفَ عَلَيْهَا كَأَنَّهُمْ يُضَادُّونَ اللَّهَ تَعَالَى وَرَسُولَهُ فِيمَا حَرَّمَ وَلَا شَكَّ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ تِلْكَ الْأَشْعَارَ بِلِسَانٍ شَيْطَانِيٍّ يَدْعُونَ إلَى مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَرَسُولُهُ.

‌بَابُ التَّعْزِيرِ وَحُكْمِ الصَّائِلِ

التَّعْزِيرُ: مَصْدَرُ عَزَّرَ مِنْ الْعَزْرِ (بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الزَّايِ الْمُعْجَمَةِ) وَهُوَ الرَّدُّ وَالْمَنْعُ، وَهُوَ فِي الشَّرْعِ تَأْدِيبٌ عَلَى ذَنْبٍ لَا حَدَّ فِيهِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْحُدُودِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:(الْأَوَّلُ) أَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ النَّاسِ، فَتَعْزِيرُ ذَوِي الْهَيْئَاتِ أَخَفُّ، وَيَسْتَوُونَ فِي الْحُدُودِ مَعَ النَّاسِ (وَالثَّانِي) أَنَّهَا تَجُوزُ فِيهِ الشَّفَاعَةُ دُونَ الْحُدُودِ (وَالثَّالِثُ) التَّالِفُ بِهِ مَضْمُونٌ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَقَدْ فَرَّقَ قَوْمٌ بَيْنَ التَّعْزِيرِ وَالتَّأْدِيبِ وَلَا يَتِمُّ لَهُمْ الْفَرْقُ، وَيُسَمَّى تَعْزِيرًا لِدَفْعِهِ وَرَدِّهِ عَنْ فِعْلِ الْقَبَائِحِ، وَيَكُونُ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ عَلَى حَسَبِ مَا يَقْتَضِيهِ حَالُ الْفَاعِلِ.

ص: 453

1173 -

عَنْ أَبِي بُرْدَةَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «لَا يُجْلَدُ فَوْقَ عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ إلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَقَوْلُهُ (وَحُكْمُ الصَّائِلِ) الصَّائِلُ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ صَالَ عَلَى قَرْنِهِ إذَا سَطَا عَلَيْهِ وَاسْتَطَالَ.

(عَنْ أَبِي بُرْدَةَ الْأَنْصَارِيِّ رضي الله عنه أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ لَا يُجْلَدُ) رُوِيَ مَبْنِيًّا لِلْمَعْلُومِ وَمَبْنِيًّا لِلْمَجْهُولِ وَمَجْزُومًا عَلَى النَّهْيِ وَمَرْفُوعًا عَلَى النَّفْيِ «فَوْقَ عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ إلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَفِي رِوَايَةٍ عَشْرَ جَلَدَاتٍ وَفِي رِوَايَةٍ «لَا عُقُوبَةَ فَوْقَ عَشْرِ ضَرَبَاتٍ» وَالْمُرَادُ بِحُدُودِ اللَّهِ مَا عَيَّنَ الشَّارِعُ فِيهِ عَدَدًا مِنْ الضَّرْبِ أَوْ عُقُوبَةً مَخْصُوصَةً كَالْقَطْعِ وَالرَّجْمِ وَهَذَانِ دَاخِلَانِ فِي عُمُومِ حُدُودِ اللَّهِ خَارِجَانِ عَمَّا فِيهِ السِّيَاقُ إذْ السِّيَاقُ فِي الضَّرْبِ.

وَقَدْ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى حَدِّ الزِّنَى وَالسَّرِقَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَحَدِّ الْمُحَارِبِ وَحَدِّ الْقَذْفِ بِالزِّنَى وَالْقَتْلِ فِي الرِّدَّةِ وَالْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ.

وَاخْتَلَفُوا فِي الْقِصَاصِ فِي الْأَطْرَافِ هَلْ يُسَمَّى حَدًّا أَمْ لَا؟ كَمَا اخْتَلَفُوا فِي عُقُوبَةِ جَحْدِ الْعَارِيَّةِ وَاللِّوَاطِ وَإِتْيَانِ الْبَهِيمَةِ وَتَحْمِيلِ الْمَرْأَةِ الْفَحْلَ مِنْ الْبَهَائِمِ عَلَيْهَا وَالسِّحَاقِ وَأَكْلِ الدَّمِ وَالْمَيْتَةِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ وَالسِّحْرِ وَالْقَذْفِ بِشُرْبِ الْخَمْرِ وَتَرْكِ الصَّلَاةِ تَكَاسُلًا وَالْأَكْلِ فِي رَمَضَانَ هَلْ يُسَمَّى حَدًّا أَوْ لَا؟ فَمَنْ قَالَ يُسَمَّى حَدًّا أَجَازَ الزِّيَادَةَ فِي التَّعْزِيرِ عَلَيْهَا عَلَى الْعَشَرَةِ الْأَسْوَاطِ؛ وَمَنْ قَالَ لَا يُسَمَّى لَمْ يُجِزْهُ، إلَّا أَنَّهُ قَدْ اُخْتُلِفَ فِي الْعَمَلِ بِحَدِيثِ الْبَابِ، فَذَهَبَ إلَى الْأَخْذِ بِهِ اللَّيْثُ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ.

وَذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وَآخَرُونَ إلَى جَوَازِ الزِّيَادَةِ فِي التَّعْزِيرِ عَلَى الْعَشَرَةِ وَلَكِنْ لَا يَبْلُغُ أَدْنَى الْحُدُودِ.

وَذَهَبَ الْقَاسِمُ وَالْهَادِي إلَى أَنَّهُ يَكُونُ التَّعْزِيرُ فِي كُلِّ حَدٍّ دُونَ حَدِّ جِنْسِهِ لِمَا يَأْتِي مِنْ فِعْلِ عَلِيٍّ رضي الله عنه (قُلْت) لَا دَلِيلَ لَهُمْ إلَّا فِعْلُ بَعْضِ الصَّحَابَةِ كَمَا رُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا رضي الله عنه جَلَدَ مَنْ وُجِدَ مَعَ امْرَأَةٍ مِنْ غَيْرِ زِنًى مِائَةَ سَوْطٍ إلَّا سَوْطَيْنِ، وَأَنَّ عُمَرَ رضي الله عنه ضَرَبَ مَنْ نَقَشَ عَلَى خَاتَمِهِ مِائَةَ سَوْطٍ، وَكَذَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ وَلَا يَخْفَى أَنَّ فِعْلَ بَعْضِ الصَّحَابَةِ لَيْسَ بِدَلِيلٍ وَلَا يُقَاوِمُ النَّصَّ الصَّحِيحَ، وَأَنَّ مَا نُقِلَ عَنْ عُمَرَ لَا يَتِمُّ لَهُمْ دَلِيلًا وَلَعَلَّهُ لَمْ يَبْلُغْ الْحَدِيثُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ الصَّحَابَةِ كَمَا أَنَّهُ قَالَ صَاحِبُ التَّقْرِيبِ مُعْتَذِرًا لَوْ بَلَغَ الْخَبَرُ الشَّافِعِيَّ لَقَالَ بِهِ لِأَنَّهُ قَالَ: إذَا صَحَّ الْحَدِيثُ فَهُوَ مَذْهَبِي.

وَمِثْلُهُ قَالَ الدَّاوُدِيُّ

ص: 454

1174 -

[وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «أَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ، إلَّا الْحُدُودَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ].

1174 -

[وَعَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه قَالَ: مَا كُنْت لِأُقِيمَ عَلَى أَحَدٍ حَدًّا فَيَمُوتَ فَأَجِدَ فِي نَفْسِ إلَّا شَارِبَ الْخَمْرِ فَإِنَّهُ لَوْ مَاتَ وَدَيْتُهُ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.

مُعْتَذِرًا لِمَالِكٍ لَمْ يَبْلُغْ مَالِكًا هَذَا الْحَدِيثُ فَرَأَى الْعُقُوبَةَ بِقَدْرِ الذَّنْبِ.

وَلَوْ بَلَغَهُ مَا عَدَلَ عَنْهُ فَيَجِبُ عَلَى مَنْ بَلَغَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِهِ.

(وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «أَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ إلَّا الْحُدُودَ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ) وَلِلْحَدِيثِ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ لَا تَخْلُو عَنْ مَقَالٍ.

وَالْإِقَالَةُ هِيَ مُوَافَقَةُ الْبَائِعِ عَلَى نَقْضِ الْبَيْعِ، وَأَقِيلُوا هُنَا مَأْخُوذٌ مِنْهَا، وَالْمُرَادُ هُنَا مُوَافَقَةُ ذِي الْهَيْئَةِ عَلَى تَرْكِ الْمُؤَاخَذَةِ لَهُ أَوْ تَخْفِيفِهَا، وَفَسَّرَ الشَّافِعِيُّ ذَوِي الْهَيْئَاتِ بِاَلَّذِينَ لَا يُعْرَفُونَ بِالشَّرِّ فَيَزِلُّ أَحَدُهُمْ الزَّلَّةَ؛ وَالْعَثَرَاتُ جَمْعُ عَثْرَةٍ وَالْمُرَادُ هُنَا الزَّلَّةُ، وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ فِي ذَلِكَ وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الصَّغَائِرِ دُونَ الْكَبَائِرِ وَالثَّانِي مَنْ إذَا أَذْنَبَ تَابَ، وَفِي عَثَرَاتِهِمْ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا الصَّغَائِرُ وَالثَّانِي أَوَّلُ مَعْصِيَةٍ يَزِلُّ فِيهَا مُطِيعٌ وَاعْلَمْ أَنَّ الْخِطَابَ فِي: أَقِيلُوا لِلْأَئِمَّةِ لِأَنَّهُمْ الَّذِينَ إلَيْهِمْ التَّعْزِيرُ لِعُمُومِ وِلَايَتِهِمْ فَيَجِبُ عَلَيْهِمْ الِاجْتِهَادُ فِي اخْتِيَارِ الْأَصْلَحِ لِاخْتِلَافِ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ مَرَاتِبِ النَّاسِ وَبِاخْتِلَافِ الْمَعَاصِي وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُفَوِّضَهُ إلَى مُسْتَحِقِّهِ وَلَا إلَى غَيْرِهِ، وَلَيْسَ التَّعْزِيرُ لِغَيْرِ الْإِمَامِ إلَّا لِثَلَاثَةٍ: الْأَبُ فَإِنَّ لَهُ تَعْزِيرَ وَلَدِهِ الصَّغِيرِ لِلتَّعْلِيمِ وَالزَّجْرِ عَنْ سَيِّئِ الْأَخْلَاقِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْأُمَّ فِي مَسْأَلَةِ زَمَنِ الصِّبَا فِي كَفَالَتِهِ لَهَا ذَلِكَ وَلِلْأَمْرِ بِالصَّلَاةِ وَالضَّرْبِ عَلَيْهَا، وَلَيْسَ لِلْأَبِ تَعْزِيرُ الْبَالِغِ وَإِنْ كَانَ سَفِيهًا.

وَالثَّانِي السَّيِّدُ يُعَزِّرُ رَقِيقَهُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَفِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْأَصَحِّ.

وَالثَّالِثُ الزَّوْجُ لَهُ تَعْزِيرُ زَوْجَتِهِ فِي أَمْرِ النُّشُوزِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْقُرْآنُ، وَهَلْ لَهُ ضَرْبُهَا عَلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا؟ الظَّاهِرُ أَنَّ لَهُ ذَلِكَ إنْ لَمْ يَكْفِ فِيهَا الزَّجْرُ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ إنْكَارِ الْمُنْكَرِ وَالزَّوْجُ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ يُكَلَّفُ بِالْإِنْكَارِ بِالْيَدِ أَوْ اللِّسَانِ أَوْ الْجَنَانِ وَالْمُرَادُ هُنَا الْأَوَّلَانِ.

(وَعَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه قَالَ: مَا كُنْت لِأُقِيمَ عَلَى أَحَدٍ حَدًّا فَيَمُوتَ فَأَجِدَ فِي نَفْسِي

ص: 455

1175 -

وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْت أَبِي يَقُولُ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «تَكُون فِتَنٌ، فَكُنْ فِيهَا عَبْدَ اللَّهِ الْمَقْتُولَ، وَلَا تَكُنْ الْقَاتِلَ» أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ وَالدَّارَقُطْنِيّ - وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ نَحْوَهُ عَنْ خَالِدِ بْنِ عُرْفُطَةَ. فِي قِتَالِ الصَّائِلِ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي التَّرْجَمَةِ

إلَّا شَارِبَ الْخَمْرِ فَإِنَّهُ لَوْ مَاتَ وَدَيْته) بِتَخْفِيفِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ أَيْ غَرِمْت دِيَتَهُ (أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْخَمْرَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حَدٌّ مَحْدُودٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَهُوَ مِنْ بَابِ التَّعْزِيرَاتِ فَإِنْ مَاتَ ضَمِنَهُ الْإِمَامُ وَكَذَا كُلُّ مُعَزَّرٍ يَمُوتُ بِالتَّعْزِيرِ يَضْمَنُهُ الْإِمَامُ.

وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْجُمْهُورُ.

وَذَهَبَتْ الْهَادَوِيَّةُ إلَى أَنَّهُ لَا شَيْءَ فِيمَنْ مَاتَ بِحَدٍّ أَوْ تَعْزِيرٍ قِيَاسًا مِنْهُمْ لِلتَّعْزِيرِ عَلَى الْحَدِّ بِجَامِعِ أَنَّ الشَّارِعَ قَدْ أَذِنَ فِيهِمَا قَالُوا: وَقَوْلُ عَلِيٍّ رضي الله عنه إنَّمَا هُوَ لِلِاحْتِيَاطِ وَتَقَدَّمَ الْجَوَابُ بِأَنَّهُ إذَا أَعْنَتَ فِي التَّعْزِيرِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ مِنْ أَصْلِهِ بِخِلَافِ الْإِعْنَاتِ فِي الْحَدِّ فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِي أَصْلِهِ فَإِنْ أَعْنَتَ فَإِنَّهُ لِلْخَطَأِ فِي صِفَتِهِ وَكَأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَأْذُونًا فِي غَيْرِ مَا أُذِنَ بِهِ بِخُصُوصِهِ كَالضَّرْبِ مَثَلًا وَإِلَّا فَهُوَ مَأْذُونٌ فِي مُطْلَقِ التَّعْزِيرِ، وَتَأْوِيلُهُمْ لِقَوْلِ عَلِيٍّ رضي الله عنه سَاقِطٌ فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي أَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ لَا مِنْ بَابِ الِاحْتِيَاطِ وَلِأَنَّ فِي تَمَامِ حَدِيثِهِ " لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَسُنَّهُ " وَأَمَّا قَوْلُهُ:«جَلَدَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَرْبَعِينَ - إلَى قَوْلِهِ - وَكُلٌّ سُنَّةٌ» وَقَدْ تَقَدَّمَ فَلَعَلَّهُ يُرِيدُ أَنَّهُ جَلَدَ جَلْدًا غَيْرَ مُقَدَّرٍ وَلَا تَقَرَّرَتْ صِفَتُهُ بِالْجَرِيدِ وَالنِّعَالِ وَالْأَيْدِي وَلِذَا قَالَ أَنَسٌ نَحْوُ أَرْبَعِينَ، قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِم مَا مَعْنَاهُ: وَأَمَّا مَنْ مَاتَ فِي حَدٍّ مِنْ الْحُدُودِ غَيْرِ الشُّرْبِ فَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ إذَا جَلَدَهُ الْإِمَامُ أَوْ جَلَّادُهُ فَمَاتَ فَإِنَّهُ لَا دِيَةَ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَى الْإِمَامِ وَلَا عَلَى جَلَّادِهِ وَلَا بَيْتِ الْمَالِ؛ وَأَمَّا مَنْ مَاتَ بِالتَّعْزِيرِ فَمَذْهَبُنَا وُجُوبُ الضَّمَانِ لِلدِّيَةِ وَالْكَفَّارَةِ وَذَكَرَ تَفَاصِيلَ فِي ذَلِكَ مَذْهَبِيَّةً.

[وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ] بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ فَمُوَحَّدَةٌ مُشَدَّدَةٌ فَأَلِفٌ فَمُوَحَّدَةٌ وَهُوَ خَبَّابُ بْنُ الْأَرَتِّ صَحَابِيٌّ تَقَدَّمَتْ تَرْجَمَتُهُ (قَالَ سَمِعْت أَبِي يَقُولُ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «تَكُونُ فِتَنٌ فَكُنْ فِيهَا عَبْدَ اللَّهِ الْمَقْتُولَ وَلَا تَكُنْ الْقَاتِلَ». أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ مَفْتُوحَةٍ فَمُثَنَّاةٌ تَحْتِيَّةٌ سَاكِنَةٌ فَمُثَلَّثَةٌ (وَالدَّارَقُطْنِيّ. وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ نَحْوَهُ عَنْ خَالِدِ بْنِ عُرْفُطَةَ) بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ

ص: 456

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

وَضَمِّ الطَّاءِ وَبِالطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَخَالِدٌ صَحَابِيٌّ عِدَادُهُ فِي أَهْلِ الْكُوفَة، رَوَى عَنْهُ أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَسَارٍ وَمُسْلِمٌ مَوْلَاهُ، وَلَّاهُ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ الْقِتَالَ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ وَمَاتَ بِالْكُوفَةِ سَنَةَ سِتِّينَ وَالْحَدِيثُ قَدْ أُخْرِجَ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ وَفِيهَا كُلِّهَا رَاوٍ لَمْ يُسَمَّ وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ كَانَ مَعَ الْخَوَارِجِ ثُمَّ فَارَقَهُمْ.

وَسَبَبُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ الرَّجُلُ إنَّ الْخَوَارِجَ دَخَلُوا قَرْيَةً فَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَبَّابٍ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ذُعْرًا يَجُرُّ رِدَاءَهُ، فَقَالَ: وَاَللَّهِ أَرْعَبْتُمُونِي مَرَّتَيْنِ قَالُوا أَنْتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَبَّابٍ؟ قَالَ نَعَمْ قَالُوا هَلْ سَمِعْت مِنْ أَبِيك شَيْئًا تُحَدِّثُنَا بِهِ قَالَ سَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ ذَكَرَ فِتْنَةً الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْقَائِمِ وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْمَاشِي، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنْ السَّاعِي فَإِنْ أَدْرَكَك ذَلِكَ فَكُنْ عَبْدَ اللَّهِ الْمَقْتُولَ» قَالُوا: أَنْتَ سَمِعْت هَذَا مِنْ أَبِيك يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ نَعَمْ فَقَدَّمُوهُ عَلَى ضِفَّةِ النَّهْرِ فَضَرَبُوا عُنُقَهُ وَبَقَرُوا أُمَّ وَلَدِهِ عَمَّا فِي بَطْنِهَا. وَالْحَدِيثُ قَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ وَابْنُ قَانِعٍ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ الْمَجْهُولِ إلَّا أَنَّ فِيهِ عَلِيَّ بْنَ زَيْدِ بْنَ جُدْعَانَ وَفِيهِ مَقَالٌ وَلَفْظُهُ عَنْ خَالِدِ بْنِ عُرْفُطَةَ «سَتَكُونُ فِتْنَةٌ بَعْدِي وَأَحْدَاثٌ وَاخْتِلَافٌ فَإِنْ اسْتَطَعْت أَنْ تَكُونَ عَبْدَ اللَّهِ الْمَقْتُولَ لَا الْقَاتِلَ فَافْعَلْ» وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رضي الله عنه قَالَ: «فَإِنْ دَخَلَ عَلَى بَيْتِي وَبَسَطَ يَدَهُ لِيَقْتُلَنِي قَالَ كُنْ كَابْنِ آدَمَ» وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ «مَا يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ إذَا جَاءَ أَحَدٌ يُرِيدُ قَتْلَهُ أَنْ يَكُونَ مِثْلَ ابْنَيْ آدَمَ الْقَاتِلُ فِي النَّارِ وَالْمَقْتُولُ فِي الْجَنَّةِ» وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ «الْفِتْنَةُ كَسِّرُوا فِيهَا قِسِيَّكُمْ وَأَوْتَارَكُمْ وَاضْرِبُوا سُيُوفَكُمْ بِالْحِجَارَةِ فَإِنْ دُخِلَ عَلَى أَحَدِكُمْ بَيْتُهُ فَلْيَكُنْ كَخَيْرِ ابْنَيْ آدَمَ» وَصَحَّحَهُ الْقُشَيْرِيُّ فِي الِاقْتِرَاحِ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ. وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى تَرْكِ الْقِتَالِ عِنْدَ ظُهُورِ الْفِتَنِ وَالتَّحْذِيرِ مِنْ الدُّخُولِ فِيهَا، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي ذَلِكَ.

فَذَهَبَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَمُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ وَغَيْرُهُمْ إلَى أَنَّهُ يَجِبُ الْكَفُّ عَنْ الْمُقَاتَلَةِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَلْزَمَ بَيْتَهُ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّحَوُّلُ مِنْ بَلَدِ الْفِتْنَةِ أَصْلًا وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ يَتْرُكُ الْمُقَاتَلَةَ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَشَذَّ مَنْ أَوْجَبَهُ حَتَّى لَوْ أَرَادَ أَحَدُهُمْ قَتْلَهُ لَمْ يَدْفَعْهُ عَنْ نَفْسِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ يُدَافِعُ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ أَهْلِهِ وَعَنْ مَالِهِ وَهُوَ مَعْذُورٌ إنْ قُتِلَ أَوْ قَتَلَ وَذَهَبَ جُمْهُورُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ إلَى وُجُوبِ نَصْرِ الْحَقِّ

ص: 457

1176 -

وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ. فِي الصَّائِلِ

وَقِتَالِ الْبَاغِينَ وَحَمَلُوا هَذِهِ الْأَحَادِيثَ عَلَى مَنْ ضَعُفَ عَنْ الْقِتَالِ أَوْ قَصُرَ نَظَرُهُ عَنْ مَعْرِفَةِ الْحَقِّ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ بِالتَّفْصِيلِ وَهُوَ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْقِتَالُ بَيْنَ طَائِفَتَيْنِ لَا إمَامَ لَهُمْ فَالْقِتَالُ حِينَئِذٍ مَمْنُوعٌ وَتُنَزَّلُ الْأَحَادِيثُ عَلَى هَذَا وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: إنْكَارُ الْمُنْكَرِ وَاجِبٌ عَلَى مَنْ يَقْدِرُ عَلَيْهِ فَمَنْ أَعَانَ الْمُحِقَّ أَصَابَ وَمَنْ أَعَانَ الْمُبْطِلَ أَخْطَأَ وَإِنْ أُشْكِلَ الْأَمْرُ فَهِيَ الْحَالَةُ الَّتِي وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ الْقِتَالِ فِيهَا وَقِيلَ: إنَّ النَّهْيَ إنَّمَا هُوَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ حَيْثُ تَكُونُ الْمُقَاتَلَةُ لِطَلَبِ الْمُلْكِ.

وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ الدِّفَاعُ عَنْ النَّفْسِ وَقَوْلُهُ إنْ اسْتَطَعْت يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَا تَحْرُمُ الْمُدَافَعَةُ وَأَنَّ النَّهْيَ لِلتَّنْزِيهِ لَا لِلتَّحْرِيمِ.

- (وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ». رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ) فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الدِّفَاعِ عَنْ الْمَالِ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَشَذَّ مَنْ أَوْجَبَهُ فَإِذَا قُتِلَ فَهُوَ شَهِيدٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ هَذَا الْحَدِيثُ وَحَدِيثُ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ «جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَرَأَيْت إنْ جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخْذَ مَالِي؟ قَالَ: فَلَا تُعْطِهِ. قَالَ: فَإِنْ قَاتَلَنِي؟ قَالَ فَاقْتُلْهُ. قَالَ: أَرَأَيْت إنْ قَتَلَنِي؟ قَالَ: فَأَنْتَ شَهِيدٌ. قَالَ أَرَأَيْت إنْ قَتَلْته؟ قَالَ: فَهُوَ فِي النَّارِ» قَالُوا فَإِنْ قَتَلَهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِعَدَمِ التَّعَدِّي مِنْهُ وَالْحَدِيثُ عَامٌّ لِقَلِيلِ الْمَالِ وَكَثِيرِهِ.

وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُد وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم «مَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» وَفِي الصَّحِيحَيْنِ ذَكَرَ الْمَالَ فَقَطْ.

وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ أَنَّهُ لَمَّا جَعَلَهُ صلى الله عليه وآله وسلم شَهِيدًا دَلَّ عَلَى أَنَّ لَهُ الْقَتْلَ وَالْقِتَالَ.

قَالَ فِي النَّجْمِ الْوَهَّاجِ وَمَحَلُّ ذَلِكَ إذَا لَمْ يَجِدْ مَلْجَأً كَحِصْنٍ وَنَحْوِهِ أَوْ لَمْ يَسْتَطِعْ الْهَرَبَ وَإِلَّا وَجَبَ عَلَيْهِ (قُلْت) لَا أَدْرِي مَا وَجْهُ وُجُوبِ الْهَرَبِ عَلَيْهِ، قَالُوا: وَلَا يَجِبُ الدَّفْعُ عَنْ الْمَالِ بَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَظَلَّمَ إلَّا أَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ عُلَمَاءَ الْحَدِيثِ كَالْمُجْمِعِينَ عَلَى اسْتِثْنَاءِ السُّلْطَانِ لِلْآثَارِ الْوَارِدَةِ بِالْأَمْرِ بِالصَّبْرِ عَلَى جَوْرِهِ فَلَا يَجُوزُ دَفْعُهُ عَنْ أَخْذِ الْمَالِ وَيَجِبُ الدَّفْعُ عَنْ الْبُضْعِ لِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ إلَى إبَاحَتِهِ، قَالُوا: وَكَذَلِكَ

ص: 458

‌كِتَابُ الْجِهَادِ

1177 -

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِهِ مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

يَجِبُ عَلَى النَّفْسِ إنْ قَصَدَهَا كَافِرٌ لَا إذَا قَصَدَهَا مُسْلِمٌ فَلَا يَجِبُ لِمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ، وَصَحَّ أَنَّ عُثْمَانَ رضي الله عنه مَنَعَ عَبِيدَهُ أَنْ يَدْفَعُوا عَنْهُ وَكَانُوا أَرْبَعَمِائَةٍ وَقَالَ: مَنْ أَلْقَى سِلَاحَهُ فَهُوَ حُرٌّ، قَالُوا: وَخَالَفَ الْمُضْطَرُّ فَإِنَّ فِي الْقَتْلِ شَهَادَةً بِخِلَافِ تَرْكِ الْأَكْلِ وَهَلْ تَرْكُ الدِّفَاعِ عَنْ قَتْلِ النَّفْسِ مُبَاحٌ أَوْ مَنْدُوبٌ؟ فِيهِ خِلَافٌ.

(كِتَابُ الْجِهَادِ) الْجِهَادُ مَصْدَرُ جَاهَدْت جِهَادًا أَيْ بَلَغْت الْمَشَقَّةَ، هَذَا مَعْنَاهُ لُغَةً وَفِي الشَّرْعِ بَذْلُ الْجَهْدِ فِي قِتَالِ الْكُفَّارِ أَوْ الْبُغَاةِ.

(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِهِ مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الْعَزْمِ عَلَى الْجِهَادِ وَأَلْحَقُوا بِهِ فِعْلَ كُلِّ وَاجِبٍ، قَالُوا: فَإِنْ كَانَ مِنْ الْوَاجِبَاتِ الْمُطْلَقَةِ كَالْجِهَادِ وَجَبَ الْعَزْمُ عَلَى فِعْلِهِ عِنْدَ إمْكَانِهِ وَإِنْ كَانَ مِنْ الْوَاجِبَاتِ الْمُؤَقَّتَةِ وَجَبَ الْعَزْمُ عَلَى فِعْلِهِ عِنْدَ دُخُولِ وَقْتِهِ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْأُصُولِ وَفِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ مَعْرُوفٌ وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْحَدِيثِ هُنَا أَنَّ مَنْ لَمْ يَغْزُ بِالْفِعْلِ وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِالْغَزْوِ مَاتَ عَلَى خَصْلَةٍ مِنْ خِصَالِ النِّفَاقِ فَقَوْلُهُ: وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ لَا يَدُلُّ عَلَى الْعَزْمِ الَّذِي مَعْنَاهُ عَقْدُ النِّيَّةِ عَلَى الْفِعْلِ بَلْ مَعْنَاهُ هُنَا: لَمْ يَخْطِرْ بِبَالِهِ أَنْ يَغْزُوَ وَلَا حَدَّثَ بِهِ نَفْسَهُ وَلَوْ سَاعَةً مِنْ عُمْرِهِ وَلَوْ حَدَّثَهَا بِهِ وَأَخْطَرَ الْخُرُوجَ لِلْغَزْوِ بِبَالِهِ حِينًا مِنْ الْأَحْيَانِ خَرَجَ مِنْ الِاتِّصَافِ بِخَصْلَةٍ مِنْ خِصَالِ النِّفَاقِ وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم " ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ " أَيْ لَمْ يَخْطِرْ بِبَالِهِ شَيْءٌ مِنْ الْأُمُورِ، وَحَدِيثُ النَّفْسِ غَيْرُ الْعَزْمِ وَعَقْدِ النِّيَّةِ وَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَنْ حَدَّثَ نَفْسَهُ بِفِعْلِ طَاعَةٍ أَوْ مَعْصِيَةٍ ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ فِعْلِهَا أَنَّهُ لَا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ عُقُوبَةُ مَنْ لَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِهَا أَصْلًا.

ص: 459

1178 -

وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ «جَاهِدُوا الْمُشْرِكِينَ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.

1179 -

وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: «قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلَى النِّسَاءِ جِهَادٌ؟ قَالَ: نَعَمْ جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ، هُوَ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَأَصْلُهُ فِي الْبُخَارِيِّ.

(وَعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «جَاهِدُوا الْمُشْرِكِينَ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ] الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الْجِهَادِ بِالنَّفْسِ وَهُوَ بِالْخُرُوجِ وَالْمُبَاشَرَةِ لِلْكُفَّارِ، وَالْمَالِ وَهُوَ بَذْلُهُ لِمَا يَقُومُ بِهِ مِنْ النَّفَقَةِ فِي الْجِهَادِ وَالسِّلَاحِ وَنَحْوِهِ، وَهَذَا هُوَ الْمُفَادُ مِنْ عِدَّةِ آيَاتٍ فِي الْقُرْآنِ {وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ} وَالْجِهَادُ بِاللِّسَانِ بِإِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ وَدُعَائِهِمْ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَبِالْأَصْوَاتِ عِنْدَ اللِّقَاءِ وَالزَّجْرِ وَنَحْوِهِ مِنْ كُلِّ مَا فِيهِ نِكَايَةٌ لِلْعَدُوِّ {وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلا إِلا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ} «وَقَالَ صلى الله عليه وسلم لِحَسَّانَ إنَّ هَجْوَ الْكُفَّارِ أَشَدُّ عَلَيْهِمْ مِنْ وَقْعِ النَّبْلِ» .

(وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: «قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَى النِّسَاءِ جِهَادٌ»؟) هُوَ خَبَرٌ فِي مَعْنَى الِاسْتِفْهَامِ وَفِي رِوَايَةٍ أَعَلَى النِّسَاءِ (قَالَ نَعَمْ جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ: الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَأَصْلُهُ فِي الْبُخَارِيِّ) بِلَفْظِ «قَالَتْ عَائِشَةُ: اسْتَأْذَنْت النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فِي الْجِهَادِ فَقَالَ جِهَادُكُنَّ الْحَجُّ» وَفِي لَفْظٍ لَهُ آخَرَ «فَسَأَلَهُ نِسَاؤُهُ عَنْ الْجِهَادِ فَقَالَ: نَعَمْ الْجِهَادُ الْحَجُّ» وَأَخْرَجَ النَّسَائِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «جِهَادُ الْكَبِيرِ أَيْ الْعَاجِزِ وَالْمَرْأَةِ وَالضَّعِيفِ الْحَجُّ» دَلَّ مَا ذُكِرَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْجِهَادُ عَلَى الْمَرْأَةِ، وَعَلَى أَنَّ الثَّوَابَ الَّذِي يَقُومُ مَقَامَ ثَوَابِ جِهَادِ الرِّجَالِ حَجُّ الْمَرْأَةِ وَعُمْرَتُهَا، ذَلِكَ لِأَنَّ النِّسَاءَ مَأْمُورَاتٌ بِالسَّتْرِ وَالسُّكُونِ، وَالْجِهَادُ يُنَافِي ذَلِكَ، إذْ فِيهِ مُخَالَطَةُ الْأَقْرَانِ وَالْمُبَارَزَةُ وَرَفْعُ الْأَصْوَاتِ، وَأَمَّا جَوَازُ الْجِهَادِ لَهُنَّ فَلَا دَلِيلَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى عَدَمِ الْجَوَازِ، وَقَدْ أَرْدَفَ الْبُخَارِيُّ هَذَا الْبَابَ بِبَابِ خُرُوجِ النِّسَاءِ لِلْغَزْوِ وَقِتَالِهِنَّ وَغَيْرِ ذَلِكَ.

وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ «أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ اتَّخَذَتْ خِنْجَرًا يَوْمَ حُنَيْنٍ وَقَالَتْ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم اتَّخَذْتُهُ إنْ دَنَا مِنِّي أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ بَقَرْت

ص: 460

1180 -

وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَسْتَأْذِنُ فِي الْجِهَادِ. فَقَالَ أَحَيٌّ وَالِدَاك؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

1181 -

وَلِأَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ نَحْوُهُ، وَزَادَ " ارْجِعْ فَاسْتَأْذِنْهُمَا، فَإِنْ أَذِنَا لَك، وَإِلَّا فَبِرَّهُمَا ".

بَطْنَهُ» فَهُوَ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْقِتَالِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَا تُقَاتِلُ إلَّا مُدَافَعَةً وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهَا تَقْصِدُ الْعَدُوَّ إلَى صَفِّهِ وَطَلَبَ مُبَارَزَتِهِ، وَفِي الْبُخَارِيِّ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ جِهَادَهُنَّ إذَا حَضَرْنَ مَوَاقِفَ الْجِهَادِ سَقْيُ الْمَاءِ وَمُدَاوَاةُ الْمَرْضَى وَمُنَاوَلَةُ السِّهَامِ.

(وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَسْتَأْذِنُ فِي الْجِهَادِ فَقَالَ: أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) سَمَّى إتْعَابَ النَّفْسِ فِي الْقِيَامِ بِمَصَالِحِ الْأَبَوَيْنِ وَإِزْعَاجِهَا فِي طَلَبِ مَا يُرْضِيهِمَا وَبَذْلَ الْمَالِ فِي قَضَاءِ حَوَائِجِهِمَا جِهَادًا مِنْ بَابِ الْمُشَاكَلَةِ لَمَّا اسْتَأْذَنَهُ فِي الْجِهَادِ مِنْ بَابِ قَوْله تَعَالَى {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اسْتِعَارَةً بِعَلَاقَةِ الضِّدِّيَّةِ لِأَنَّ الْجِهَادَ فِيهِ إنْزَالُ الضَّرَرِ بِالْأَعْدَاءِ وَاسْتُعْمِلَ فِي إنْزَالِ النَّفْعِ بِالْوَالِدَيْنِ.

وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَسْقُطُ فَرْضُ‌

‌ الْجِهَادِ مَعَ وُجُودِ الْأَبَوَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا

لِمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُعَاوِيَةَ بْنِ جَاهِمَةَ أَنَّ أَبَاهُ «جَاهِمَةَ جَاءَ إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَدْت الْغَزْوَ وَجِئْت لِأَسْتَشِيرَك فَقَالَ هَلْ لَك مِنْ أُمٍّ؟ قَالَ نَعَمْ قَالَ الْزَمْهَا» وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ الْجِهَادُ فَرْضَ عَيْنٍ أَوْ فَرْضَ كِفَايَةٍ وَسَوَاءٌ تَضَرَّرَ الْأَبَوَانِ بِخُرُوجِهِ أَوْ لَا. وَذَهَبَ الْجَمَاهِيرُ مِنْ الْعُلَمَاءِ إلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ الْجِهَادُ عَلَى الْوَلَدِ إذَا مَنَعَهُ الْأَبَوَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَا مُسْلِمَيْنِ لِأَنَّ بِرَّهُمَا فَرْضُ عَيْنٍ وَالْجِهَادُ فَرْضُ كِفَايَةٍ فَإِذَا تَعَيَّنَ الْجِهَادُ فَلَا (فَإِنْ قِيلَ) بِرُّ الْوَالِدَيْنِ فَرْضُ عَيْنٍ أَيْضًا وَالْجِهَادُ عِنْدَ تَعْيِينِهِ فَرْضُ عَيْنٍ فَهُمَا مُسْتَوِيَانِ فَمَا وَجْهُ تَقْدِيمِ الْجِهَادِ (قُلْت) لِأَنَّ مَصْلَحَتَهُ أَعَمُّ إذْ هِيَ لِحِفْظِ الدِّينِ وَالدِّفَاعِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ فَمَصْلَحَتُهُ عَامَّةٌ مُقَدَّمَةٌ عَلَى غَيْرِهَا وَهُوَ يُقَدَّمُ عَلَى مَصْلَحَةِ حِفْظِ الْبَدَنِ. وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى عِظَمِ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ فَإِنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ الْجِهَادِ، وَأَنَّ الْمُسْتَشَارَ يُشِيرُ بِالنَّصِيحَةِ الْمَحْضَةِ؛ وَأَنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسْتَفْصِلَ مِنْ مُسْتَشِيرِهِ لِيُدِلَّهُ عَلَى مَا هُوَ الْأَفْضَلُ. [وَلِأَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ نَحْوُهُ] فِي الدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ

ص: 461

1182 -

وَعَنْ جَرِيرٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ الْمُشْرِكِينَ» رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَرَجَّحَ الْبُخَارِيُّ إرْسَالَهُ.

1183 -

وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

الْجِهَادُ وَوَالِدَاهُ فِي الْحَيَاةِ إلَّا بِإِذْنِهِمَا كَمَا دَلَّ لَهُ قَوْلُهُ (وَزَادَ) أَيْ أَبُو سَعِيدٍ فِي رِوَايَةٍ (ارْجِعْ فَاسْتَأْذِنْهُمَا فَإِنْ أَذِنَا لَك) بِالْخُرُوجِ لِلْجِهَادِ (وَإِلَّا فَبِرَّهُمَا) بِعَدَمِ الْخُرُوجِ لِلْجِهَادِ وَطَاعَتِهِمَا.

(وَعَنْ جَرِيرٍ الْبَجَلِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ الْمُشْرِكِينَ»: رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَرَجَّحَ الْبُخَارِيُّ إرْسَالَهُ) وَكَذَا رَجَّحَ أَيْضًا أَبُو حَاتِمٍ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيّ إرْسَالَهُ إلَى قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ. وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مَوْصُولًا. وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الْهِجْرَةِ مِنْ دِيَارِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ غَيْرِ مَكَّةَ وَهُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ لِحَدِيثِ جَرِيرٍ وَلِمَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ مِنْ طَرِيقِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْ مُشْرِكٍ عَمَلًا بَعْدَمَا أَسْلَمَ أَوْ يُفَارِقَ الْمُشْرِكِينَ» وَلِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ} الْآيَةَ وَذَهَبَ الْأَقَلُّ إلَى أَنَّهَا لَا تَجِبُ الْهِجْرَةُ وَأَنَّ الْأَحَادِيثَ مَنْسُوخَةٌ لِلْحَدِيثِ الْآتِي وَهُوَ قَوْلُهُ

(وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قَالُوا فَإِنَّهُ عَامٌّ نَاسِخٌ لِوُجُودِ الْهِجْرَةِ الدَّالُّ عَلَيْهِ مَا سَبَقَ وَبِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَأْمُرْ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ الْعَرَبِ بِالْمُهَاجَرَةِ إلَيْهِ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ مَقَامَهُمْ بِبَلَدِهِمْ «وَلِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ إذَا بَعَثَ سَرِيَّةً قَالَ لِأَمِيرِهِمْ: إذَا لَقِيت عَدُوَّك مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إلَى ثَلَاثِ خِلَالٍ، فَأَيَّتُهُنَّ أَجَابُوك فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ اُدْعُهُمْ إلَى التَّحَوُّلِ عَنْ دَارِهِمْ إلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ، وَأَعْلِمْهُمْ أَنَّهُمْ إنْ فَعَلُوا ذَلِكَ أَنَّ لَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ، فَإِنْ أَبَوْا وَاخْتَارُوا دَارَهُمْ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي يَجْرِي عَلَى الْمُؤْمِنِينَ» الْحَدِيثُ سَيَأْتِي بِطُولِهِ فَلَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِمْ الْهِجْرَةَ

ص: 462

1184 -

وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ

وَالْأَحَادِيثُ غَيْرُ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَحْمُولَةٌ عَلَى مَنْ لَا يَأْمَنُ عَلَى دِينِهِ قَالُوا: وَفِي هَذَا جَمْعٌ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ.

وَأَجَابَ مَنْ أَوْجَبَ الْهِجْرَةَ بِأَنَّ حَدِيثَ لَا هِجْرَةَ يُرَادُ بِهِ نَفْيُهَا عَنْ مَكَّةَ كَمَا يَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ بَعْدَ الْفَتْحِ فَإِنَّ الْهِجْرَةَ كَانَتْ وَاجِبَةً مِنْ مَكَّةَ قَبْلَهُ وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ الْهِجْرَةُ هِيَ الْخُرُوجُ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ وَكَانَتْ فَرْضًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَاسْتَمَرَّتْ بَعْدَهُ لِمَنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ وَاَلَّتِي انْقَطَعَتْ بِالْأَصَالَةِ هِيَ الْقَصْدُ إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حَيْثُ كَانَ وَقَوْلُهُ (وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ) قَالَ الطِّيبِيُّ وَغَيْرُهُ: هَذَا الِاسْتِدْرَاكُ يَقْتَضِي مُخَالَفَةَ حُكْمِ مَا بَعْدَهُ لِمَا قَبْلَهُ وَالْمَعْنَى أَنَّ الْهِجْرَةَ الَّتِي هِيَ مُفَارَقَةُ الْوَطَنِ الَّتِي كَانَتْ مَطْلُوبَةً عَلَى الْأَعْيَانِ إلَى الْمَدِينَةِ قَدْ انْقَطَعَتْ إلَّا أَنَّ الْمُفَارَقَةَ بِسَبَبِ الْجِهَادِ بَاقِيَةٌ وَكَذَلِكَ الْمُفَارَقَةُ بِسَبَبِ نِيَّةٍ صَالِحَةٍ كَالْفِرَارِ مِنْ دَارِ الْكُفْرِ وَالْخُرُوجِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ وَالْفِرَارِ مِنْ الْفِتَنِ وَالنِّيَّةُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ مُعْتَبَرَةٌ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الْمَعْنَى أَنَّ الْخَيْرَ الَّذِي انْقَطَعَ بِانْقِطَاعِ الْهِجْرَةِ يُمْكِنُ تَحْصِيلُهُ بِالْجِهَادِ وَالنِّيَّةِ الصَّالِحَةِ وَجِهَادٌ مَعْطُوفٌ بِالرَّفْعِ عَلَى مَحَلِّ اسْمِ لَا:.

(وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَفِي الْحَدِيثِ هُنَا اخْتِصَارٌ وَلَفْظُهُ عَنْ أَبِي مُوسَى أَنَّهُ «قَالَ أَعْرَابِيٌّ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلْمَغْنَمِ وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلذِّكْرِ وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُرَى مَكَانُهُ فَمَنْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: مَنْ قَاتَلَ» الْحَدِيثَ.

وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقِتَالَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُكْتَبُ أَجْرُهُ لِمَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَمَفْهُومُهُ أَنَّ مَنْ خَلَا عَنْ هَذِهِ الْخَصْلَةِ فَلَيْسَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَهُوَ مِنْ مَفْهُومِ الشَّرْطِ وَيَبْقَى الْكَلَامُ فِيمَا إذَا انْضَمَّ إلَيْهَا قَصْدُ غَيْرِهَا وَهُوَ الْمَغْنَمُ مَثَلًا هَلْ هُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ لَا.

قَالَ الطَّبَرِيُّ: إنَّهُ إذَا كَانَ أَصْلُ الْمَقْصِدِ إعْلَاءَ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعَالَى لَمْ يَضُرَّ مَا حَصَلَ مِنْ غَيْرِهِ ضِمْنًا، وَبِذَلِكَ قَالَ الْجُمْهُورُ وَالْحَدِيثُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَعَ قَصْدِ التَّشْرِيكِ لِأَنَّهُ قَدْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا، وَيَتَأَيَّدُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى:{لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ} فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُنَافِي فَضِيلَةَ الْحَجِّ فَكَذَلِكَ فِي غَيْرِهِ؛ فَعَلَى هَذَا الْعُمْدَةُ الْبَاعِثُ عَلَى الْفِعْلِ، فَإِنْ كَانَ هُوَ إعْلَاءَ كَلِمَةِ اللَّهِ لَمْ يَضُرَّهُ مَا انْضَافَ إلَيْهِ ضِمْنًا؛ وَبَقِيَ الْكَلَامُ فِيمَا إذَا اسْتَوَى الْقَصْدَانِ فَظَاهِرُ الْحَدِيثِ وَالْآيَةِ أَنَّهُ لَا يَضُرَّ إلَّا أَنَّهُ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ

ص: 463

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

- رضي الله عنه بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ قَالَ «جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْت رَجُلًا غَزَا يَلْتَمِسُ الْأَجْرَ وَالذِّكْرَ، مَا لَهُ؟ قَالَ لَا شَيْءَ لَهُ فَأَعَادَهَا ثَلَاثًا، كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ لَا شَيْءَ لَهُ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَقْبَلُ مِنْ الْعَمَلِ إلَّا مَا كَانَ خَالِصًا وَابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُهُ» (قُلْت) فَيَكُونُ هَذَا دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ إذَا اسْتَوَى الْبَاعِثَانِ الْأَجْرُ وَالذِّكْرُ مَثَلًا بَطَلَ الْأَجْرُ وَلَعَلَّ بُطْلَانَهُ هُنَا لِخُصُوصِيَّةِ طَلَبِ الذِّكْرِ لِأَنَّهُ انْقَلَبَ عَمَلُهُ لِلرِّيَاءِ وَالرِّيَاءُ مُبْطِلٌ لِمَا يُشَارِكُهُ بِخِلَافِ طَلَبِ الْمَغْنَمِ فَإِنَّهُ لَا يُنَافِي الْجِهَادَ بَلْ إذَا قَصَدَ بِأَخْذِ الْمَغْنَمِ إغَاظَةَ الْمُشْرِكِينَ وَالِانْتِفَاعَ بِهِ عَلَى الطَّاعَةِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ فَإِنَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: {وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلا إِلا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ} وَالْمُرَادُ النَّيْلُ الْمَأْذُونُ فِيهِ شَرْعًا وَفِي قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ» قَبْلَ الْقِتَالِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُنَافِي قَصْدُ الْمَغْنَمِ الْقِتَالَ بَلْ مَا قَالَهُ إلَّا لِيَجْتَهِدَ السَّامِعُ فِي قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ وَفِي الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «انْتَدَبَ اللَّهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ لَا يُخْرِجُهُ إلَّا إيمَانٌ بِي وَتَصْدِيقٌ بِرَسُولِي أَنْ أُرْجِعَهُ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ أَوْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ» وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْأَخْبَارَ هَذِهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ تَشْرِيكِ النِّيَّةِ إذْ الْإِخْبَارُ بِهِ يَقْتَضِي ذَلِكَ غَالِبًا؛ ثُمَّ إنَّهُ يَقْصِدُ الْمُشْرِكِينَ لِمُجَرَّدِ نَهْبِ أَمْوَالِهِمْ كَمَا «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِمَنْ مَعَهُ فِي غُزَاةِ بَدْرٍ لِأَخْذِ عِيرِ الْمُشْرِكِينَ» ، وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا بَلْ ذَلِكَ مِنْ إعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعَالَى؛ وَأَقَرَّهُمْ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ بَلْ قَالَ تَعَالَى:{وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ} وَلَمْ يَذُمَّهُمْ بِذَلِكَ مَعَ أَنَّ فِي هَذَا الْإِخْبَارِ إخْبَارًا لَهُمْ بِمَحَبَّتِهِمْ لِلْمَالِ دُونَ الْقِتَالِ فَإِعْلَاءُ كَلِمَةِ اللَّهِ يَدْخُلُ فِيهِ إخَافَةُ الْمُشْرِكِينَ وَأَخْذُ أَمْوَالِهِمْ وَقَطْعُ أَشْجَارِهِمْ وَنَحْوِهِ؛ وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ أَبِي دَاوُد «أَنَّ رَجُلًا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ رَجُلٌ يُرِيدُ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَهُوَ يَبْتَغِي عَرَضًا مِنْ الدُّنْيَا فَقَالَ: لَا أَجْرَ لَهُ فَأَعَادَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ لَا أَجْرَ لَهُ» فَكَأَنَّهُ فَهِمَ صلى الله عليه وسلم أَنَّ الْحَامِلَ هُوَ الْعَرَضُ مِنْ الدُّنْيَا فَأَجَابَهُ بِمَا أَجَابَ وَإِلَّا فَإِنَّهُ قَدْ كَانَ تَشْرِيكُ الْجِهَادِ بِطَلَبِ الْغَنِيمَةِ أَمْرًا مَعْرُوفًا فِي الصَّحَابَةِ فَإِنَّهُ أَخْرَجَ الْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَحْشٍ يَوْمَ أُحُدٍ قَالَ: اللَّهُمَّ اُرْزُقْنِي رَجُلًا شَدِيدًا أُقَاتِلُهُ وَيُقَاتِلُنِي، ثُمَّ اُرْزُقْنِي عَلَيْهِ الصَّبْرَ حَتَّى أَقْتُلَهُ وَآخُذَ سَلَبَهُ.

فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ طَلَبَ الْعَرَضِ مِنْ الدُّنْيَا مَعَ الْجِهَادِ كَانَ أَمْرًا مَعْلُومًا جَوَازُهُ لِلصَّحَابَةِ فَيَدْعُونَ اللَّهَ بِنَيْلِهِ.

ص: 464

1185 -

وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّعْدِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ مَا قُوتِلَ الْعَدُوُّ» رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.

1186 -

وَعَنْ نَافِعٍ قَالَ: «أَغَارَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ، وَهُمْ غَارُّونَ، فَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ، وَسَبَى ذَرَارِيَّهُمْ» : حَدَّثَنِي بِذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِيهِ: وَأَصَابَ يَوْمئِذٍ جُوَيْرِيَةَ.

(وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّعْدِيِّ رضي الله عنه) هُوَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ السَّعْدِيِّ وَفِي اسْمِ السَّعْدِيِّ أَقْوَالٌ وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ السَّعْدِيُّ لِأَنَّهُ كَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي سَعْدٍ سَكَنَ عَبْدُ اللَّهِ الْأُرْدُنَّ وَمَاتَ بِالشَّامِ سَنَةَ خَمْسِينَ عَلَى قَوْلٍ. لَهُ صُحْبَةٌ وَرِوَايَةٌ قَالَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ وَيُقَالُ فِيهِ ابْنُ السُّدِّيُّ نِسْبَةٌ إلَى جَدِّهِ وَيُقَالُ فِيهِ ابْنُ السَّاعِدِيِّ كَمَا فِي أَبِي دَاوُد (قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ مَا قُوتِلَ الْعَدُوُّ.» رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ) دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى ثُبُوتِ حُكْمِ الْهِجْرَةِ وَأَنَّهُ بَاقٍ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَإِنَّ قِتَالَ الْعَدُوِّ مُسْتَمِرٌّ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَلَكِنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِهَا وَلَا كَلَامَ فِي ثَوَابِهَا مَعَ حُصُولِ مُقْتَضِيهَا وَأَمَّا وُجُوبُهَا فَفِيهِ مَا عَرَفْت.

(وَعَنْ نَافِعٍ) هُوَ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ يُقَالُ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ نَافِعُ بْنُ سَرْجِسَ بِفَتْحِ السِّينِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَكَسْرِ الْجِيمِ، كَانَ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَة، سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ وَأَبَا سَعِيدٍ وَهُوَ مِنْ الثِّقَاتِ الْمَشْهُورِينَ بِالْحَدِيثِ الْمَأْخُوذِ عَنْهُمْ، مَاتَ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ وَقِيلَ عِشْرِينَ (قَالَ «أَغَارَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ» بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الطَّاءِ وَكَسْرِ اللَّامِ بَعْدَهَا قَافٌ بَطْنٌ شَهِيرٌ مِنْ خُزَاعَةَ (وَهُمْ غَارُّونَ) بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ جَمْعُ غَارٍّ أَيْ غَافِلُونَ فَأَخَذَهُمْ عَلَى غِرَّةٍ (فَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ وَسَبَى ذَرَارِيَّهُمْ. حَدَّثَنِي بِذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَفِيهِ وَأَصَابَ يَوْمئِذٍ جُوَيْرِيَةَ) فِيهِ مَسْأَلَتَانِ (الْأُولَى) الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْمُقَاتَلَةِ قَبْلَ الدُّعَاءِ إلَى الْإِسْلَامِ فِي حَقِّ الْكُفَّارِ الَّذِينَ قَدْ بَلَغَتْهُمْ الدَّعْوَةُ مِنْ غَيْرِ إنْذَارٍ وَهَذَا أَصَحُّ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ فِي الْمَسْأَلَةِ وَهِيَ عَدَمُ وُجُوبِ الْإِنْذَارِ مُطْلَقًا، وَيَرُدُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ بُرَيْدَةَ الْآتِي؛ وَالثَّانِي وُجُوبُهُ مُطْلَقًا، وَيَرُدُّ عَلَيْهِ هَذَا الْحَدِيثُ،

ص: 465

1187 -

وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ، أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَبِمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا. ثُمَّ قَالَ: اُغْزُوا عَلَى اسْمِ اللَّهِ، فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاَللَّهِ، اُغْزُوا، وَلَا تَغُلُّوا وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تُمَثِّلُوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا، وَإِذَا لَقِيت عَدُوَّك مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ، فَأَيَّتُهُنَّ أَجَابُوك إلَيْهَا فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ: اُدْعُهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ فَإِنْ أَجَابُوك فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، ثُمَّ اُدْعُهُمْ إلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ فَإِنْ أَبَوْا فَأَخْبِرْهُمْ بِأَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَكُونُ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ شَيْءٌ إلَّا أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْأَلْهُمْ الْجِزْيَةَ، فَإِنْ هُمْ أَجَابُوك فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، فَإِنْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ عَلَيْهِمْ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَقَاتِلْهُمْ. وَإِذَا حَاصَرْت أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوا أَنْ تَجْعَلَ لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ فَلَا تَفْعَلْ وَلَكِنْ اجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّتَك، فَإِنَّكُمْ إنْ تُخْفِرُوا ذِمَمَكُمْ أَهْوَنُ مِنْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَّةَ اللَّهِ، وَإِذَا أَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ فَلَا تَفْعَلْ، بَلْ عَلَى حُكْمِك فَإِنَّك لَا تَدْرِي: أَتُصِيبُ فِيهِمْ حُكْمَ اللَّهِ تَعَالَى أَمْ لَا» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ

وَالثَّالِثُ يَجِبُ إنْ لَمْ تَبْلُغْهُمْ الدَّعْوَةُ وَلَا يَجِبُ إنْ بَلَغَتْهُمْ وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَعَلَى مَعْنَاهُ تَظَاهَرَتْ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ وَهَذَا أَحَدُهَا وَحَدِيثُ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ وَقَتْلِ ابْنُ أَبِي الْحَقِيقِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَادَّعَى فِي الْبَحْرِ الْإِجْمَاعَ عَلَى وُجُوبِ دَعْوَةِ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ دَعْوَةُ الْإِسْلَامِ (وَالثَّانِيَةُ) فِي قَوْلِهِ (فَسَبَى ذَرَارِيَّهُمْ) دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ اسْتِرْقَاقِ الْعَرَبِ لِأَنَّ بَنِي الْمُصْطَلِقِ عَرَبٌ مِنْ خُزَاعَةَ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَقَالَ بِهِ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالْأَوْزَاعِيُّ.

وَذَهَبَ آخَرُونَ إلَى عَدَمِ جَوَازِ اسْتِرْقَاقِهِمْ وَلَيْسَ لَهُمْ دَلِيلٌ نَاهِضٌ وَمَنْ طَالَعَ كُتُبَ السِّيَرِ وَالْمَغَازِي عَلِمَ يَقِينًا اسْتِرْقَاقَهُ صلى الله عليه وسلم لِلْعَرَبِ غَيْرَ الْكِتَابِيِّينَ كَهَوَازِنَ وَبَنِي الْمُصْطَلِقِ وَقَالَ لِأَهْلِ مَكَّة اذْهَبُوا فَأَنْتُمْ الطُّلَقَاءُ وَفَادَى أَهْلَ بَدْر وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْفِدَاءِ وَالْقَتْلِ وَالِاسْتِرْقَاقِ لِثُبُوتِهَا فِي غَيْرِ الْعَرَبِ مُطْلَقًا وَقَدْ ثَبَتَ فِيهِمْ وَلَمْ يَصِحَّ تَخْصِيصٌ وَلَا نَسْخٌ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: لَا أَذْهَبُ إلَى قَوْلِ عُمَرَ لَيْسَ عَلَى عَرَبِيٍّ مَلَكٌ وَقَدْ «سَبَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِنْ الْعَرَبِ» كَمَا وَرَدَ فِي غَيْرِ حَدِيثٍ وَأَبُو بَكْرٍ وَعَلِيٌّ رضي الله عنهما سَبَيَا بَنِي نَاجِيَّةَ وَيَدُلُّ لَهُ الْحَدِيثُ الْآتِي:.

ص: 466

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

(وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ) هُمْ الْجُنْدُ أَوْ السَّائِرُونَ إلَى الْحَرْبِ أَوْ غَيْرُهُمْ - فِي نُسْخَةٍ لَا غَيْرِهَا - (أَوْ سَرِيَّةٍ) هِيَ الْقِطْعَةُ مِنْ الْجَيْشِ تَخْرُجُ مِنْهُ تُغِيرُ عَلَى الْعَدُوِّ وَتَرْجِعُ إلَيْهِ «أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ وَبِمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا، ثُمَّ قَالَ: اُغْزُوا عَلَى اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاَللَّهِ، اُغْزُوا وَلَا تَغُلُّوا» بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالْغُلُولُ الْخِيَانَةُ فِي الْمَغْنَمِ مُطْلَقًا (وَلَا تَغْدِرُوا) الْغَدْرُ ضِدُّ الْوَفَاءِ (وَلَا تُمَثِّلُوا) مِنْ الْمُثْلَةِ، يُقَالُ مَثَّلَ بِالْقَتِيلِ إذَا قَطَعَ أَنْفَهُ أَوْ أُذُنَهُ أَوْ مَذَاكِيرَهُ أَوْ شَيْئًا مِنْ أَطْرَافِهِ (وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا) الْمُرَادُ غَيْرُ الْبَالِغِ سِنَّ التَّكْلِيفِ «وَإِذَا لَقِيت عَدُوَّك مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ» أَيْ إلَى إحْدَى ثَلَاثِ خِصَالٍ (فَأَيَّتُهُنَّ أَجَابُوك إلَيْهَا فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ) أَيْ الْقِتَالَ وَبَيَّنَهَا بِقَوْلِهِ «اُدْعُهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ فَإِنْ أَجَابُوك فَاقْبَلْ مِنْهُمْ ثُمَّ اُدْعُهُمْ إلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ فَإِنْ أَبَوْا فَأَخْبِرْهُمْ بِأَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ» وَبَيَانُ حُكْمِ أَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ (وَلَا يَكُونُ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ) الْغَنِيمَةُ مَا أُصِيبَ مِنْ مَالِ أَهْلِ الْحَرْبِ وَأَوْجَفَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ بِالْخَيْلِ وَالرِّكَابِ (وَالْفَيْءِ) هُوَ مَا حَصَلَ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ أَمْوَالِ الْكُفَّارِ مِنْ غَيْرِ حَرْبٍ وَلَا جِهَادٍ (شَيْءٌ إلَّا أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ فَإِنْ هُمْ أَبَوْا) أَيْ الْإِسْلَامَ (فَاسْأَلْهُمْ الْجِزْيَةَ) وَهِيَ الْخَصْلَةُ الثَّانِيَةُ مِنْ الثَّلَاثِ (فَإِنْ هُمْ أَجَابُوك فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ عَلَيْهِمْ بِاَللَّهِ وَقَاتِلْهُمْ) وَهَذِهِ الْخَصْلَةُ الثَّالِثَةُ «وَإِذَا حَاصَرْت أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوك أَنْ تَجْعَلَ لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ فَلَا تَفْعَلْ وَلَكِنْ اجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّتَك» عَلَّلَ النَّهْيَ بِقَوْلِهِ (فَإِنَّكُمْ إنْ تُخْفِرُوا) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالْفَاءِ وَالرَّاءِ مِنْ أَخْفَرْتُ الرَّجُلَ إذَا نَقَضْت عَهْدَهُ وَذِمَامَهُ «ذِمَمَكُمْ أَهْوَنُ مِنْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَّةَ اللَّهِ. وَإِذَا أَرَادُوك أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ فَلَا تَفْعَلْ بَلْ عَلَى حُكْمِك» عَلَّلَ النَّهْيَ بِقَوْلِهِ (فَإِنَّك لَا تَدْرِي أَتُصِيبُ فِيهِمْ حُكْمَ اللَّهِ تَعَالَى أَمْ لَا. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ) فِي الْحَدِيثِ مَسَائِلُ (الْأُولَى) دَلَّ عَلَى أَنَّهُ إذَا بَعَثَ الْأَمِيرُ مَنْ يَغْزُو أَوْصَاهُ بِتَقْوَى اللَّهِ وَبِمَنْ يَصْحَبُهُ مِنْ الْمُجَاهِدِينَ خَيْرًا ثُمَّ يُخْبِرُهُ بِتَحْرِيمِ الْغُلُولِ مِنْ الْغَنِيمَةِ وَتَحْرِيمِ الْغَدْرِ وَتَحْرِيمِ الْمُثْلَةِ وَتَحْرِيمِ قَتْلِ صِبْيَانِ الْمُشْرِكِينَ وَهَذِهِ مُحَرَّمَاتٌ بِالْإِجْمَاعِ وَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يَدْعُو الْأَمِيرُ الْمُشْرِكِينَ إلَى الْإِسْلَامِ قَبْلَ قِتَالِهِمْ وَظَاهِرُهُ وَإِنْ كَانَ قَدْ بَلَغَتْهُمْ الدَّعْوَةُ لَكِنَّهُ مَعَ بُلُوغِهَا يُحْمَلُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ كَمَا دَلَّ لَهُ إغَارَتُهُ صلى الله عليه وسلم عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَهُمْ غَارُّونَ وَإِلَّا وَجَبَ دُعَاؤُهُمْ.

وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى دُعَائِهِمْ إلَى الْهِجْرَةِ بَعْدَ إسْلَامِهِمْ وَهُوَ مَشْرُوعٌ نَدْبًا بِدَلِيلِ مَا فِي الْحَدِيثِ مِنْ الْإِذْنِ لَهُمْ فِي الْبَقَاءِ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْغَنِيمَةَ وَالْفَيْءَ لَا يَسْتَحِقُّهُمَا إلَّا الْمُهَاجِرُونَ،

ص: 467

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

وَأَنَّ الْأَعْرَابَ لَا حَقَّ لَهُمْ فِيهَا إلَّا أَنْ يَحْضُرُوا الْجِهَادَ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَذَهَبَ غَيْرُهُ إلَى خِلَافِهِ وَادَّعَوْا نَسْخَ الْحَدِيثِ وَلَمْ يَأْتُوا بِبُرْهَانٍ عَلَى نَسْخِهِ (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ تُؤْخَذُ مِنْ كُلِّ كَافِرٍ كِتَابِيٍّ أَوْ غَيْرِ كِتَابِيٍّ أَوْ غَيْرِ عَرَبِيٍّ لِقَوْلِهِ (عَدُوَّك) وَهُوَ عَامٌّ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَغَيْرُهُمَا، وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إلَى أَنَّهَا لَا تُقْبَلُ إلَّا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمَجُوس عَرَبًا كَانُوا أَوْ عَجَمًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ} بَعْدَ ذِكْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ» وَمَا عَدَاهُمْ دَاخِلُونَ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ} وَقَوْلُهُ: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} وَاعْتَذَرُوا عَنْ الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ وَارِدٌ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ بِدَلِيلِ الْأَمْرِ بِالتَّحَوُّلِ وَالْهِجْرَةِ وَالْآيَاتِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ فَحَدِيثُ بُرَيْدَةَ مَنْسُوخٌ أَوْ مُتَأَوَّلٌ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِعَدُوِّك مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ (قُلْت) وَاَلَّذِي يَظْهَرُ عُمُومُ أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْ كُلِّ كَافِرٍ لِعُمُومِ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ وَأَمَّا الْآيَةُ فَأَفَادَتْ أَخْذَ الْجِزْيَةِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَمْ تَتَعَرَّضْ لِأَخْذِهَا مِنْ غَيْرِهِمْ وَلَا لِعَدَمِ أَخْذِهَا وَالْحَدِيثُ بَيَّنَ أَخْذَهَا مِنْ غَيْرِهِمْ، وَحَمْلُ عَدُوِّك عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ وَإِنْ قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي الْإِرْشَادِ إنَّ آيَةَ الْجِزْيَةِ إنَّمَا نَزَلَتْ بَعْدَ انْقِضَاءِ حَرْبِ الْمُشْرِكِينَ وَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَلَمْ يَبْقَ بَعْدَ نُزُولِهَا إلَّا أَهْلَ الْكِتَابِ، قَالَهُ تَقْوِيَةً لِمَذْهَبِ إمَامِهِ الشَّافِعِيِّ وَلَا يَخْفَى بُطْلَانُ دَعْوَاهُ بِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ بَعْدَ نُزُولِ آيَةِ الْجِزْيَةِ إلَّا أَهْلَ الْكِتَابِ بَلْ بَقِيَ عُبَّادُ النِّيرَانِ مِنْ أَهْلِ فَارِسٍ وَغَيْرِهِمْ وَعُبَّادُ الْأَصْنَامِ مِنْ أَهْلِ الْهِنْدِ.

وَأَمَّا عَدَمُ أَخْذِهَا مِنْ الْعَرَبِ فَلِأَنَّهَا لَمْ تُشْرَعْ إلَّا بَعْدَ الْفَتْحِ وَقَدْ دَخَلَ الْعَرَبُ فِي الْإِسْلَامِ وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ مُحَارِبٌ فَلَمْ يَبْقَ فِيهِمْ بَعْدَ الْفَتْحِ مَنْ يُسْبَى وَلَا مَنْ تُضْرَبُ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ بَلْ مَنْ خَرَجَ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ الْإِسْلَامِ مِنْهُمْ فَلَيْسَ إلَّا السَّيْفُ أَوْ الْإِسْلَامُ كَمَا كَانَ ذَلِكَ الْحُكْمُ فِي أَهْلِ الرِّدَّةِ وَقَدْ سَبَى صلى الله عليه وسلم قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ الْعَرَبِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَهَوَازِنَ، وَهَلْ حَدِيثُ الِاسْتِبْرَاءِ إلَّا فِي سَبَايَا أَوْطَاسٍ، وَاسْتَمَرَّ هَذَا الْحُكْمُ بَعْدَ عَصْرِهِ صلى الله عليه وسلم فَفَتَحَتْ الصَّحَابَةُ رضي الله عنهم بِلَادَ فَارِسَ وَالرُّومِ وَفِي رَعَايَاهُمْ الْعَرَبُ خُصُوصًا الشَّامُ وَالْعِرَاقُ وَلَمْ يَبْحَثُوا عَنْ عَرَبِيٍّ مِنْ عَجَمِيٍّ بَلْ عَمَّمُوا حُكْمَ السَّبْيِ وَالْجِزْيَةِ عَلَى جَمِيعِ مَنْ اسْتَوْلَوْا عَلَيْهِ.

وَبِهَذَا يُعْرَفُ أَنَّ حَدِيثَ بُرَيْدَةَ كَانَ بَعْدَ نُزُولِ فَرْضِ الْجِزْيَةِ وَفَرْضُهَا كَانَ بَعْدَ الْفَتْحِ فَكَانَ فَرْضُهَا فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ عِنْدَ نُزُولِ سُورَةِ بَرَاءَةٌ وَلِذَا نَهَى فِيهِ عَنْ الْمُثْلَةِ وَلَمْ يَنْزِلْ النَّهْيُ عَنْهَا إلَّا بَعْدَ أُحُدٍ، وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى جَنَحَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي الْهَدْيِ وَلَا يَخْفَى قُوَّتُهُ (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) تَضَمَّنَ الْحَدِيثُ عَنْ إجَابَةِ الْعَدُوِّ إلَى أَنْ يَجْعَلَ

ص: 468

1188 -

وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إذَا أَرَادَ غَزْوَةً وَرَّى بِغَيْرِهَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

1189 -

وَعَنْ مَعْقِلِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ مُقَرِّنٍ رضي الله عنه قَالَ: «شَهِدْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إذَا لَمْ يُقَاتِلْ أَوَّلَ النَّهَارِ أَخَّرَ الْقِتَالَ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ، وَتَهُبَّ الرِّيَاحُ، وَيَنْزِلَ النَّصْرُ.» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالثَّلَاثَةُ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، وَأَصْلُهُ فِي الْبُخَارِيِّ.

لَهُمْ الْأَمِيرُ ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ رَسُولِهِ بَلْ أَنْ يَجْعَلَ لَهُمْ ذِمَّتَهُ وَقَدْ عَلَّلَهُ بِأَنَّ الْأَمِيرَ وَمَنْ مَعَهُ إذَا أَخْفَرُوا ذِمَّتَهُمْ أَيْ نَقَضُوا عَهْدَهُمْ فَهُوَ أَهْوَنُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ أَنْ يَخْفِرُوا ذِمَّتَهُ تَعَالَى وَإِنْ كَانَ نَقْضُ الذِّمَّةِ مُحَرَّمًا مُطْلَقًا.

قِيلَ وَهَذَا النَّهْيُ لِلتَّنْزِيهِ لَا لِلتَّحْرِيمِ وَلَكِنَّ الْأَصْلَ فِيهِ التَّحْرِيمُ وَدَعْوَى الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّهُ لِلتَّنْزِيهِ لَا تَتِمُّ، وَكَذَلِكَ تَضَمَّنَ النَّهْيَ عَنْ إنْزَالِهِمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ وَعَلَّلَهُ بِأَنَّهُ لَا يَدْرِي أَيُصِيبُ فِيهِمْ حُكْمَ اللَّهِ أَمْ لَا فَلَا يُنْزِلُهُمْ عَلَى شَيْءٍ لَا يَدْرِي أَيَقَعُ أَمْ لَا بَلْ يُنْزِلُهُمْ عَلَى حُكْمِهِ وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحَقَّ فِي مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ مَعَ وَاحِدٍ وَلَيْسَ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبًا لِلْحَقِّ، وَقَدْ أَقَمْنَا أَدِلَّةَ أَحَقِّيَّةِ هَذَا الْقَوْلِ فِي مَحَلٍّ آخَرَ.

(وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إذَا أَرَادَ غَزْوَةً وَرَّى بِفَتْحِ الْوَاوِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ أَيْ سَتَرَهَا بِغَيْرِهَا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَقَدْ جَاءَ الِاسْتِثْنَاءُ فِي ذَلِكَ بِلَفْظِ «إلَّا فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ فَإِنَّهُ أَظْهَرَ لَهُمْ مُرَادَهُ» وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَزَادَ فِيهِ: وَيَقُولُ «الْحَرْبُ خُدْعَةٌ» وَكَانَتْ تَوْرِيَتُهُ أَنَّهُ إذَا أَرَادَ قَصْدَ جِهَةٍ سَأَلَ عَنْ طَرِيقِ جِهَةٍ أُخْرَى إيهَامًا أَنَّهُ يُرِيدُهَا وَإِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ أَتَمُّ فِيمَا يُرِيدُهُ مِنْ إصَابَةِ الْعَدُوِّ وَإِتْيَانِهِمْ عَلَى غَفْلَةٍ مِنْ غَيْرِ تَأَهُّبِهِمْ لَهُ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ مِثْلِ هَذَا وَقَدْ قَالَ صلى الله عليه وسلم «الْحَرْبُ خُدْعَةٌ» .

(وَعَنْ مَعْقِلِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ مُقَرِّنٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ فَنُونٌ وَلَمْ يَذْكُرْ ابْنُ الْأَثِيرِ مَعْقِلَ بْنَ مُقَرِّنٍ فِي الصَّحَابَةِ إنَّمَا ذَكَرَ النُّعْمَانُ بْنُ مُقَرِّنٍ وَعَزَا هَذَا الْحَدِيثَ إلَيْهِ، وَكَذَلِكَ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ أَخْرَجُوهُ عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ مُقَرِّنٍ فَيُنْظَرُ فَمَا

ص: 469

1190 -

وَعَنْ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ رضي الله عنه قَالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ أَهْلِ الدَّارِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ يُبَيِّتُونَ، فَيُصِيبُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ، فَقَالَ: هُمْ مِنْهُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

أَظُنُّ لَفْظَ مَعْقِلٍ إلَّا سَبْقَ قَلَمٍ وَالشَّارِحُ وَقَعَ لَهُ أَنَّهُ قَالَ هُوَ مَعْقِلُ بْنُ النُّعْمَانِ بْنِ مُقَرِّنٍ الْمُزَنِيّ وَلَا يَخْفَى أَنَّ النُّعْمَانَ هُوَ ابْنُ مُقَرِّنٍ فَإِذَا كَانَ لَهُ أَخٌ فَهُوَ مَعْقِلُ بْنُ مُقَرِّنٍ لَا ابْنُ النُّعْمَانِ، قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: إنَّ النُّعْمَانَ هَاجَرَ وَلَهُ سَبْعَةُ إخْوَةٍ يُرِيدُ أَنَّهُمْ هَاجَرُوا كُلُّهُمْ مَعَهُ فَرَاجَعْت التَّقْرِيبَ لِلْمُصَنِّفِ فَلَمْ أَجِدْ فِيهِ صَحَابِيًّا يُقَالُ لَهُ مَعْقِلُ بْنُ النُّعْمَانِ وَلَا بْنُ مُقَرِّنٍ بَلْ فِيهِ النُّعْمَانُ بْنُ مُقَرِّنٍ فَتَعَيَّنَ أَنَّ لَفْظَ مَعْقِلٍ فِي نُسَخِ بُلُوغِ الْمَرَامِ سَبْقُ قَلَمٍ وَهُوَ ثَابِتٌ فِيمَا رَأَيْنَاهُ مِنْ نُسَخِهِ (قَالَ «شَهِدْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إذَا لَمْ يُقَاتِلْ أَوَّلَ النَّهَارِ أَخَّرَ الْقِتَالَ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ وَتَهُبَّ الرِّيَاحُ وَيَنْزِلَ النَّصْرُ» .

رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالثَّلَاثَةُ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَأَصْلُهُ فِي الْبُخَارِيِّ) فَإِنَّهُ أَخْرَجَهُ عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ مُقَرِّنٍ بِلَفْظِ «إذَا لَمْ يُقَاتِلْ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ انْتَظَرَ حَتَّى تَهُبَّ الْأَرْوَاحُ وَتَحْضُرَ الصَّلَاةُ» قَالُوا وَالْحِكْمَةُ فِي التَّأْخِيرِ إلَى وَقْتِ الصَّلَاةِ مَظِنَّةُ إجَابَةِ الدُّعَاءِ وَأَمَّا هُبُوبُ الرِّيَاحِ فَقَدْ وَقَعَ بِهِ النَّصْرُ فِي الْأَحْزَابِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا} فَكَانَ تَوَخِّي هُبُوبِهَا مَظِنَّةً لِلنَّصْرِ، وَقَدْ عَلَّلَ بِأَنَّ الرِّيَاحَ تَهُبُّ غَالِبًا بَعْدَ الزَّوَالِ فَيَحْصُلَ بِهَا تَبْرِيدُ حَدِّ السِّلَاحِ لِلْحَرْبِ وَالزِّيَادَةُ لِلنَّشَاطِ، وَلَا يُعَارِضُ هَذَا مَا وَرَدَ مِنْ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُغِيرُ صَبَاحًا لِأَنَّ هَذَا فِي الْإِغَارَةِ وَذَلِكَ عِنْدَ الْمُصَافَّةِ لِلْقِتَالِ.

(وَعَنْ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ) تَقَدَّمَ ضَبْطُهَا فِي الْحَجِّ (قَالَ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) وَوَقَعَ فِي صَحِيحِ ابْن حِبَّانَ السَّائِلُ هُوَ الصَّعْبُ وَلَفْظُهُ سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَسَاقَهُ بِمَعْنَاهُ (عَنْ الدَّارِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ يُبَيِّتُونَ) بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ مِنْ بَيَّتَهُ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ (فَيُصِيبُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ فَقَالَ هُمْ مِنْهُمْ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَفِي لَفْظِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَهْلِ الدَّارِ وَهُوَ تَصْرِيحٌ بِالْمُضَافِ الْمَحْذُوفِ وَالتَّبْيِيتُ الْإِغَارَةُ عَلَيْهِمْ فِي اللَّيْلِ عَلَى غَفْلَةٍ مَعَ اخْتِلَاطِهِمْ بِصِبْيَانِهِمْ وَنِسَائِهِمْ فَيُصَابُ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ لِقَتْلِهِمْ ابْتِدَاءً وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ الصَّعْبِ وَزَادَ فِيهِ. ثُمَّ نَهَى عَنْهُمْ يَوْمَ حُنَيْنٍ وَهِيَ مُدْرَجَةٌ فِي حَدِيثِ الصَّعْبِ وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد زِيَادَةٌ فِي آخِرِهِ: قَالَ سُفْيَانُ. قَالَ الزُّهْرِيُّ: ثُمَّ نَهَى رَسُولُ

ص: 470

1191 -

وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِرَجُلٍ تَبِعَهُ فِي يَوْمِ بَدْرٍ: ارْجِعْ فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، وَيُؤَيِّدُ أَنَّ النَّهْيَ فِي حُنَيْنٍ مَا فِي الْبُخَارِيِّ:«قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِأَحَدِهِمْ أَلْحِقْ خَالِدًا فَقُلْ لَهُ. لَا تَقْتُلْ ذُرِّيَّةً وَلَا عَسِيفًا» وَأَوَّلُ مَشَاهِدِ خَالِدٍ مَعَهُ صلى الله عليه وسلم غَزْوَةُ حُنَيْنٍ كَذَا قِيلَ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ قَدْ شَهِدَ مَعَهُ صلى الله عليه وسلم فَتْحَ مَكَّةَ قَبْلَ ذَلِكَ وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «لَمَّا دَخَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مَكَّةَ أُتِيَ بِامْرَأَةٍ مَقْتُولَةٍ فَقَالَ: مَا كَانَتْ هَذِهِ تُقَاتِلُ وَنَهَى عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ» وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا، فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالْجُمْهُورُ إلَى جَوَازِ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ فِي الْبَيَانِ عَمَلًا بِرِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ وَقَوْلُهُ: هُمْ مِنْهُمْ أَيْ فِي إبَاحَةِ الْقَتْلِ تَبَعًا لَا قَصْدًا إذَا لَمْ يُمْكِنْ انْفِصَالُهُمْ عَمَّنْ يَسْتَحِقُّ الْقَتْلَ.

وَذَهَبَ مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قَتْلُ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ بِحَالٍ حَتَّى إذَا تَتَرَّسَ أَهْلُ الْحَرْبِ بِالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ أَوْ تَحَصَّنُوا بِحِصْنٍ أَوْ سَفِينَةٍ هُمَا فِيهِمَا مَعَهُمْ لَمْ يَجُزْ قِتَالُهُمْ وَلَا تَحْرِيقُهُمْ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْهَادَوِيَّةُ إلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا فِي التَّتَرُّسِ: يَجُوزُ قَتْلُ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ حَيْثُ جُعِلُوا تُرْسًا وَلَا يَجُوزُ إذَا تَتَرَّسُوا بِمُسْلِمٍ إلَّا مَعَ خَشْيَةِ اسْتِئْصَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَنَقَلَ ابْنُ بَطَّالٍ وَغَيْرُهُ اتِّفَاقَ الْجَمِيعِ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ الْقَصْدِ إلَى قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ لِلنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ.

وَفِي قَوْلِهِ هُمْ مِنْهُمْ دَلِيلٌ بِإِطْلَاقِهِ لِمَنْ قَالَ هُمْ مِنْ أَهْلِ النَّارِ وَهُوَ ثَالِثُ الْأَقْوَالِ فِي الْمَسْأَلَةِ وَالثَّانِي أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَهُوَ الرَّاجِحُ فِي الصِّبْيَانِ وَالْأَوْلَى الْوَقْفُ.

(وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِرَجُلٍ أَيْ مُشْرِكٍ تَبِعَهُ يَوْمَ بَدْرٍ: ارْجِعْ فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وَلَفْظُهُ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قِبَلَ بَدْرٍ فَلَمَّا كَانَ بِحَرَّةِ الْوَبَرَةِ أَدْرَكَهُ رَجُلٌ قَدْ كَانَ تُذْكَرُ فِيهِ جُرْأَةٌ وَنَجْدَةٌ فَفَرِحَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حِينَ رَأَوْهُ فَلَمَّا أَدْرَكَهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم جِئْت لِأَتْبَعَك وَأُصِيبَ مَعَك قَالَ: أَتُؤْمِنُ بِاَللَّهِ قَالَ: لَا، قَالَ: فَارْجِعْ فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ فَلَمَّا أَسْلَمَ أَذِنَ لَهُ» وَالْحَدِيثُ مِنْ أَدِلَّةِ مَنْ قَالَ: لَا يَجُوزُ الِاسْتِعَانَةُ بِالْمُشْرِكِينَ فِي الْقِتَالِ وَهُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَذَهَبَ الْهَادَوِيَّةُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ إلَى جَوَازِ ذَلِكَ قَالُوا «لِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم اسْتَعَانَ بِصَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ يَوْمَ حُنَيْنٍ وَاسْتَعَانَ بِيَهُودِ بَنِي قَيْنُقَاعَ وَرَضَخَ لَهُمْ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد فِي الْمَرَاسِيلِ، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ الزُّهْرِيِّ مُرْسَلًا وَمَرَاسِيلُ الزُّهْرِيِّ ضَعِيفَةٌ. قَالَ الذَّهَبِيُّ لِأَنَّهُ كَانَ خَطَّاءً فَفِي إرْسَالِهِ شُبْهَةُ تَدْلِيسٍ وَصَحَّحَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّهُ رَدَّهُمْ

ص: 471

1192 -

وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رَأَى امْرَأَةً مَقْتُولَةً فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ، فَأَنْكَرَ قَتْلَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

1193 -

وَعَنْ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «اُقْتُلُوا شُيُوخَ الْمُشْرِكِينَ وَاسْتَبْقُوا شَرْخَهُمْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ.

قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَيُجْمَعُ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ بِأَنَّ الَّذِي رَدَّهُ يَوْمَ بَدْرٍ تَفَرَّسَ فِيهِ الرَّغْبَةَ فِي الْإِسْلَامِ فَرَدَّهُ رَجَاءَ أَنْ يُسْلِمَ فَصَدَقَ ظَنُّهُ أَوْ أَنَّ الِاسْتِعَانَةَ كَانَتْ مَمْنُوعَةً فَرَخَّصَ فِيهَا وَهَذَا أَقْرَبُ، وَقَدْ اسْتَعَانَ يَوْمَ حُنَيْنٍ بِجَمَاعَةٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ تَأَلَّفَهُمْ بِالْغَنَائِمِ، وَقَدْ اشْتَرَطَ الْهَادَوِيَّةِ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ مُسْلِمُونَ يَسْتَقِلُّ بِهِمْ فِي إمْضَاءِ الْأَحْكَامِ وَفِي شَرْحِ مُسْلِم أَنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ: إنْ كَانَ الْكَافِرُ حَسَنَ الرَّأْيِ فِي الْمُسْلِمِينَ وَدَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى الِاسْتِعَانَةِ اُسْتُعِينَ بِهِ وَإِلَّا فَيُكْرَهُ.

وَيَجُوزُ الِاسْتِعَانَةُ بِالْمُنَافِقِ إجْمَاعًا لِاسْتِعَانَتِهِ صلى الله عليه وسلم بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وَأَصْحَابِهِ.

(وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رَأَى امْرَأَةً مَقْتُولَةً فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ فَأَنْكَرَ قَتْلَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ «أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم لَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ أُتِيَ بِامْرَأَةٍ مَقْتُولَةٍ فَقَالَ: مَا كَانَتْ هَذِهِ تُقَاتِلُ» أَخْرَجَهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا هَذِهِ وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد فِي الْمَرَاسِيلِ عَنْ عِكْرِمَةَ «أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم رَأَى امْرَأَةً مَقْتُولَةً بِالطَّائِفِ فَقَالَ: أَلَمْ أَنْهَ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ. مَنْ صَاحِبُهَا؟ فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرْدَفْتهَا فَأَرَادَتْ أَنْ تَصْرَعَنِي فَتَقْتُلَنِي، فَقَتَلْتهَا فَأَمَرَ بِهَا أَنْ تَوَارَى» وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ " تُقَاتِلُ " وَتَقْرِيرُهُ لِهَذَا الْقَاتِلِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا إذَا قَاتَلَتْ قُتِلَتْ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَاسْتَدَلَّ أَيْضًا بِمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ رَبَاحِ بْنِ رَبِيعٍ التَّمِيمِيِّ قَالَ: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي غَزْوَةٍ فَرَأَى النَّاسَ مُجْتَمَعِينَ فَرَأَى امْرَأَةً مَقْتُولَةً فَقَالَ: مَا كَانَتْ هَذِهِ لِتُقَاتِلَ» .

(وَعَنْ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «اُقْتُلُوا شُيُوخَ الْمُشْرِكِينَ وَاسْتَبْقُوا شَرْخَهُمْ» بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ هُمْ الصِّغَارُ الَّذِينَ لَمْ يُدْرِكُوا ذَكَرَهُ فِي النِّهَايَةِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ] وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحٌ وَهُوَ مِنْ

ص: 472

1194 -

وَعَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه، أَنَّهُمْ تَبَارَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد مُطَوَّلًا.

1195 -

وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ رضي الله عنه قَالَ: إنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِينَا مَعْشَرَ

رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ وَفِيهَا مَا قَدَّمْنَاهُ.

وَالشَّيْخُ مَنْ اسْتَبَانَتْ فِيهِ السِّنُّ أَوْ مَنْ بَلَغَ خَمْسِينَ سَنَةً أَوْ إحْدَى وَخَمْسِينَ كَمَا فِي الْقَامُوسِ، وَالْمُرَادُ هُنَا الرِّجَالُ الْمَسَانُّ أَهْلِ الْجَلَدِ وَالْقُوَّةِ عَلَى الْقِتَالِ وَلَمْ يُرِدْ الْهَرَمِيَّ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أُرِيدَ بِالشُّيُوخِ مَنْ كَانُوا بَالِغِينَ مُطْلَقًا فَيُقْتَلُ وَمَنْ كَانَ صَغِيرًا لَا يُقْتَلُ فَيُوَافِقُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ الصِّبْيَانِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أُرِيدَ بِالشَّرْخِ مَنْ كَانَ فِي أَوَّلِ الشَّبَابِ فَإِنَّهُ يُطْلَقُ عَلَيْهِ كَمَا قَالَ حَسَّانُ:

إنَّ شَرْخَ الشَّبَابِ وَالشَّعْرِ الْأَسْوَدِ

مَا لَمْ يُعَاصَ كَانَ جُنُونًا

فَإِنَّهُ يُسْتَبْقَى رَجَاءَ إسْلَامِهِ كَمَا قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: الشَّيْخُ لَا يَكَادُ يُسْلِمُ وَالشَّبَابُ أَقْرَبُ إلَى الْإِسْلَامِ فَيَكُونُ الْحَدِيثُ مَخْصُوصًا بِمَنْ يَجُوزُ تَقْرِيرُهُ عَلَى الْكُفْرِ بِالْجِزْيَةِ.

(وَعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ أَنَّهُمْ تَبَارَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد مُطَوَّلًا) وَفِي الْمَغَازِي مِنْ الْبُخَارِيِّ عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - أَنَّهُ قَالَ: أَنَا أَوَّلُ مَنْ يَجْثُو لِلْخُصُومَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ قَيْسٌ: وَفِيهِمْ أُنْزِلَتْ {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ} قَالَ هُمْ الَّذِينَ تَبَارَزُوا فِي بَدْرٍ حَمْزَةُ وَعَلِيٌّ وَعُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ رضي الله عنهم وَشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وَعُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وَالْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ وَتَفْصِيلُهُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّهُ بَرَزَ عُبَيْدَةُ لِعُتْبَةَ وَحَمْزَةَ لِشَيْبَةَ وَعَلِيٍّ لِلْوَلِيدِ. وَعِنْدَ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ: فَقَتَلَ عَلِيٌّ وَحَمْزَةُ مَنْ بَارَزَهُمَا وَاخْتَلَفَ عُبَيْدَةُ وَمَنْ بَارَزَهُ بِضَرْبَتَيْنِ فَوَقَعَتْ الضَّرْبَةُ فِي رُكْبَةِ عُبَيْدَةَ فَمَاتَ مِنْهَا لَمَّا رَجَعُوا بِالصَّفْرَاءِ. وَمَالَ عَلِيٌّ وَحَمْزَةُ عَلَى مَنْ بَارَزَ عُبَيْدَةَ فَأَعَانَاهُ عَلَى قَتْلِهِ وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْمُبَارَزَةِ وَإِلَى ذَلِكَ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ.

وَذَهَبَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ إلَى عَدَمِ جَوَازِهَا وَشَرَطَ الْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ إذْنَ الْأَمِيرِ كَمَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ.

ص: 473

الْأَنْصَارِ، يَعْنِي قَوْله تَعَالَى:{وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} قَالَهُ رَدًّا عَلَى مَنْ حَمَلَ عَلَى صَفِّ الرُّومِ حَتَّى دَخَلَ فِيهِمْ. رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ.

1196 -

وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: «حَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وَقَطَّعَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

(وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ رضي الله عنه قَالَ إنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِينَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ يَعْنِي {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} قَالَهُ رَدًّا عَلَى مَنْ أَنْكَرَ عَلَى مَنْ حَمَلَ عَلَى صَفِّ الرُّومِ حَتَّى دَخَلَ فِيهِمْ. رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ) وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ (وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ) أَخْرَجَهُ الْمَذْكُورُونَ مِنْ حَدِيثِ أَسْلَمَ بْنِ يَزِيدَ أَبِي عِمْرَانَ قَالَ " كُنَّا بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ فَخَرَجَ صَفٌّ عَظِيمٌ مِنْ الرُّومِ فَحَمَلَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى صَفِّ الرُّومِ حَتَّى حَصَلَ فِيهِمْ ثُمَّ رَجَعَ مُقْبِلًا فَصَاحَ النَّاسُ، سُبْحَانَ اللَّهِ أَلْقَى بِيَدِهِ إلَى التَّهْلُكَةِ، فَقَالَ أَبُو أَيُّوبَ أَيُّهَا النَّاسُ إنَّكُمْ تُؤَوِّلُونَ هَذِهِ الْآيَةَ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ وَإِنَّمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِينَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ إنَّا لَمَّا أَعَزَّ اللَّهُ دِينَهُ وَكَثُرَ نَاصِرُوهُ قُلْنَا بَيْنَنَا سِرًّا إنَّ أَمْوَالَنَا قَدْ ضَاعَتْ فَلَوْ أَنَّا قُمْنَا فِيهَا وَأَصْلَحْنَا مَا ضَاعَ مِنْهَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ فَكَانَتْ التَّهْلُكَةُ الْإِقَامَةَ الَّتِي أَرَدْنَا " وَصَحَّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ نَحْوُ هَذَا فِي تَأْوِيلِ الْآيَةِ قِيلَ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ دُخُولِ الْوَاحِدِ فِي صَفِّ الْقِتَالِ وَلَوْ ظَنَّ الْهَلَاكَ (قُلْت) أَمَّا ظَنُّ الْهَلَاكِ فَلَا دَلِيلَ فِيهِ إذْ لَا يُعْرَفُ مَا كَانَ ظَنُّ مَنْ حَمَلَ هُنَا وَكَأَنَّ الْقَائِلَ يَقُولُ إنَّ الْغَالِبَ فِي وَاحِدٍ يَحْمِلُ عَلَى صَفٍّ كَبِيرٍ أَنَّهُ يَظُنُّ الْهَلَاكَ.

وَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي مَسْأَلَةِ حَمْلِ الْوَاحِدِ عَلَى الْعَدَدِ الْكَثِيرِ مِنْ الْعَدُوِّ.

إنَّهُ صَرَّحَ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ إذَا كَانَ لِفَرْطِ شَجَاعَتِهِ وَظَنِّهِ أَنَّهُ يُرْهِبُ الْعَدُوَّ بِذَلِكَ أَوْ يُجْزِئُ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِنْ الْمَقَاصِدِ الصَّحِيحَةِ فَهُوَ حَسَنٌ وَمَتَى كَانَ مُجَرَّدَ تَهَوُّدٍ فَمَمْنُوعٌ لَا سِيَّمَا إنْ تَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ وَهَنُ الْمُسْلِمِينَ (قُلْت) وَخَرَّجَ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ - قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ وَلَا بَأْسَ بِهِ - عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «عَجِبَ رَبُّنَا مِنْ رَجُلٍ غَزَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ فَعَلِمَ مَا عَلَيْهِ فَرَجَعَ رَغْبَةً فِيمَا عِنْدِي وَشَفَقَةً مِمَّا عِنْدِي حَتَّى أُهْرِيقَ دَمُهُ» قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وَالْأَحَادِيثُ وَالْآثَارُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ تَدُلُّ جَوَازُ الْمُبَارَزَةِ لِمَنْ عَرَفَ مِنْ نَفْسِهِ بَلَاءً فِي الْحُرُوبِ وَشِدَّةً وَسَطْوَةً.

(وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنه قَالَ «حَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وَقَطَّعَ.»

ص: 474

1197 -

وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا تَغُلُّوا فَإِنَّ الْغُلُولَ نَارٌ وَعَارٌ عَلَى أَصْحَابِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.

مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ إفْسَادِ أَمْوَالِ أَهْلِ الْحَرْبِ بِالتَّحْرِيقِ وَالْقَطْعِ

لِمَصْلَحَةٍ

وَفِي ذَلِكَ نَزَلَتْ الْآيَةُ {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ} الْآيَةَ قَالَ الْمُشْرِكُونَ: إنَّك تَنْهَى عَنْ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ فَمَا بَالُ قَطْعِ الْأَشْجَارِ وَتَحْرِيقِهَا قَالَ فِي مَعَالِمِ التَّنْزِيلِ: اللِّينَةُ فَعْلَةٌ مِنْ اللَّوْنِ وَيُجْمَعُ عَلَى أَلْوَانٍ وَقِيلَ: مِنْ اللِّينِ وَمَعْنَاهُ النَّخْلَةُ الْكَرِيمَةُ وَجَمْعُهَا لِينٌ وَقَدْ ذَهَبَ الْجَمَاهِيرُ إلَى جَوَازِ التَّحْرِيقِ وَالتَّخْرِيبِ فِي بِلَادِ الْعَدُوِّ وَكَرِهَهُ الْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَاحْتَجَّا بِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ رضي الله عنه وَصَّى جُيُوشَهُ أَنْ لَا يَفْعَلُوا ذَلِكَ.

وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي بَقَائِهَا لِأَنَّهُ قَدْ عَلِمَ أَنَّهَا تَصِيرُ لِلْمُسْلِمِينَ، فَأَرَادَ بَقَاءَهَا لَهُمْ وَذَلِكَ يَدُورُ عَلَى مُلَاحَظَةِ الْمَصْلَحَةِ.

(وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «لَا تَغُلُّوا فَإِنَّ الْغُلُولَ بِضَمِّ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَضَمِّ اللَّامِ نَارٌ وَعَارٌ عَلَى أَصْحَابِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ»: رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ) تَقَدَّمَ أَنَّ الْغُلُولَ الْخِيَانَةُ.

قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ صَاحِبَهُ يَغُلُّهُ فِي مَتَاعِهِ أَيْ يُخْفِيهِ وَهُوَ مِنْ الْكَبَائِرِ بِالْإِجْمَاعِ كَمَا نَقَلَهُ النَّوَوِيُّ وَالْعَارُ الْفَضِيحَةُ فَفِي الدُّنْيَا أَنَّهُ إذَا ظَهَرَ افْتَضَحَ بِهِ صَاحِبُهُ وَأَمَّا فِي الْآخِرَةِ فَلَعَلَّ الْعَارَ مَا يُفِيدُهُ مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ «قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَذَكَرَ الْغُلُولَ وَعَظَّمَ أَمْرَهُ فَقَالَ: لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ شَاةٌ لَهَا ثُغَاءٌ، عَلَى رَقَبَتِهِ فَرَسٌ لَهُ حَمْحَمَةٌ يَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي فَأَقُولُ لَا أَمْلِكُ لَك مِنْ اللَّهِ شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُك» - الْحَدِيثَ وَذَكَرَ فِيهِ الْبَعِيرَ وَغَيْرَهُ.

فَإِنَّهُ دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّهُ يَأْتِي الْغَالُّ بِهَذِهِ الصِّفَةِ الشَّنِيعَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ فَلَعَلَّ هَذَا هُوَ الْعَارُ فِي الْآخِرَةِ لِلْغَالِّ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ شَيْءٌ أَعْظَمُ مِنْ هَذَا وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ هَذَا ذَنْبٌ لَا يُغْفَرُ بِالشَّفَاعَةِ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم:" لَا أَمْلِكُ لَك مِنْ اللَّهِ شَيْئًا " وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَوْرَدَهُ فِي مَحَلِّ التَّغْلِيظِ وَالتَّشْدِيدِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ يُغْفَرُ لَهُ بَعْدَ تَشْهِيرِهِ فِي ذَلِكَ الْمَوْقِفِ.

وَالْحَدِيثُ الَّذِي سُقْنَاهُ وَرَدَ فِي خِطَابِ الْعَامِلِينَ عَلَى الصَّدَقَاتِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْغُلُولَ عَامٌّ لِكُلِّ مَا فِيهِ حَقٌّ لِلْعِبَادِ وَهُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْغَالِّ وَغَيْرِهِ

ص: 475

1198 -

وَعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه: «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَضَى بِالسَّلَبِ لِلْقَاتِلِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَأَصْلُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ.

فَإِنْ قُلْت) هَلْ يَجِبُ عَلَى الْغَالِّ رَدُّ مَا أَخَذَ (قُلْت) قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: إنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْغَالَّ يُعِيدُ مَا غَلَّ قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَأَمَّا بَعْدَهَا فَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ وَمَالِكٌ: يَدْفَعُ إلَى الْإِمَامِ خُمُسَهُ وَيَتَصَدَّقُ بِالْبَاقِي وَكَانَ الشَّافِعِيُّ لَا يَرَى ذَلِكَ، وَقَالَ: إنْ كَانَ مَلَكَهُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ وَإِنْ كَانَ لَمْ يَمْلِكْهُ لَمْ يَتَصَدَّقْ بِهِ فَلَيْسَ لَهُ التَّصَدُّقُ بِمَالِ غَيْرِهِ وَالْوَاجِبُ أَنْ يَدْفَعَهُ إلَى الْإِمَامِ كَالْأَمْوَالِ الضَّائِعَةِ.

(وَعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَضَى بِالسَّلَبِ لِلْقَاتِلِ»: رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَأَصْلُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ السَّلَبَ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْ الْعَدُوِّ الْكَافِرِ يَسْتَحِقُّهُ قَاتِلُهُ سَوَاءٌ قَالَ الْإِمَامُ قَبْلَ الْقِتَالِ:‌

‌ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ.

أَوْ لَا، وَسَوَاءٌ كَانَ الْقَاتِلُ مُقْبِلًا أَوْ مُنْهَزِمًا، وَسَوَاءٌ كَانَ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ السَّهْمَ فِي الْمَغْنَمِ أَوْ لَا إذْ قَوْلُهُ «قَضَى بِالسَّلَبِ لِلْقَاتِلِ» حُكْمٌ مُطْلَقٌ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِشَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ؛ قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَقَدْ حُفِظَ هَذَا الْحُكْمُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ مِنْهَا «يَوْمُ بَدْرٍ فَإِنَّهُ صلى الله عليه وسلم حَكَمَ بِسَلَبِ أَبِي جَهْلٍ لِمُعَاذِ بْنِ الْجَمُوحِ لَمَّا كَانَ هُوَ الْمُؤَثِّرَ فِي قَتْلِ أَبِي جَهْلٍ؛ وَكَذَا فِي قَتْلِ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ لِرَجُلٍ يَوْمَ أُحُدٍ أَعْطَاهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم سَلَبَهُ» . رَوَاهُ الْحَاكِمُ.

وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا الْحُكْمِ كَثِيرَةٌ وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم فِي يَوْمِ حُنَيْنٍ «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ» بَعْدَ الْقِتَالِ لَا يُنَافِي هَذَا بَلْ هُوَ مُقَرِّرٌ لِلْحُكْمِ السَّابِقِ فَإِنَّ هَذَا كَانَ مَعْلُومًا عِنْدَ الصَّحَابَةِ مِنْ قَبْلِ حُنَيْنٍ وَلِذَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ: اللَّهُمَّ اُرْزُقْنِي رَجُلًا شَدِيدًا - إلَى قَوْلِهِ - أَقْتُلُهُ وَآخُذُ سَلَبَهُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ قَرِيبًا، وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْهَادَوِيَّةِ إنَّهُ لَا يَكُونُ السَّلَبُ لِلْقَاتِلِ إلَّا إذَا قَالَ الْإِمَامُ قَبْلَ الْقِتَالِ مَثَلًا: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ وَإِلَّا كَانَ السَّلَبُ مِنْ جُمْلَةِ الْغَنِيمَةِ بَيْنَ الْغَانِمِينَ فَإِنَّهُ قَوْلٌ لَا تُوَافِقُهُ الْأَدِلَّةُ وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: ذَلِكَ مَوْكُولٌ إلَى رَأْيِ الْإِمَامِ «فَإِنَّهُ صلى الله عليه وسلم أَعْطَى سَلَبَ أَبِي جَهْلٍ لِمُعَاذِ بْنِ الْجَمُوحِ بَعْدَ قَوْلِهِ لَهُ وَلِمُشَارِكِهِ فِي قَتْلِهِ كِلَاكُمَا قَتَلَهُ لَمَّا أَرَيَاهُ سَيْفَيْهِمَا» .

وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم إنَّمَا أَعْطَاهُ مُعَاذًا لِأَنَّهُ الَّذِي أَثَّرَ فِي قَتْلِهِ لَمَّا رَأَى عُمْقَ الْجِنَايَةِ فِي سَيْفِهِ؛ وَأَمَّا قَوْلُهُ: كِلَاكُمَا قَتَلَهُ فَإِنَّهُ قَالَهُ تَطْيِيبًا لِنَفْسِ صَاحِبِهِ.

وَأَمَّا تَخْمِيسُ السَّلَبِ الَّذِي يُعْطَاهُ الْقَاتِلُ فَعُمُومُ الْأَدِلَّةِ مِنْ

ص: 476

1199 -

«وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ رضي الله عنه قَالَ فِي - قِصَّةِ أَبِي جَهْلٍ - قَالَ: فَابْتَدَرَاهُ بِسَيْفَيْهِمَا حَتَّى قَتَلَاهُ، ثُمَّ انْصَرَفَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَخْبَرَاهُ، فَقَالَ: أَيُّكُمَا قَتَلَهُ؟ هَلْ مَسَحْتُمَا سَيْفَيْكُمَا؟ قَالَا: لَا. قَالَ فَنَظَرَ فِيهِمَا، فَقَالَ: كِلَاكُمَا قَتَلَهُ فَقَضَى صلى الله عليه وسلم بِسَلَبِهِ لِمُعَاذِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

1200 -

وَعَنْ مَكْحُولٍ رضي الله عنه: «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَصَبَ الْمَنْجَنِيقَ عَلَى أَهْلِ الطَّائِف» . أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد فِي الْمَرَاسِيلِ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَوَصَلَهُ الْعُقَيْلِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه.

الْأَحَادِيثِ قَاضِيَةٌ بِعَدَمِ تَخْمِيسِهِ.

وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ جَرِيرٍ وَآخَرُونَ كَأَنَّهُمْ يُخَصِّصُونَ عُمُومَ الْآيَةِ فَإِنَّهُ أَخْرَجَ حَدِيثَ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ أَبُو دَاوُد وَابْنُ حِبَّانَ بِزِيَادَةٍ «وَلَمْ يُخَمِّسْ السَّلَبَ» وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ.

وَاخْتَلَفُوا هَلْ تَلْزَمُ الْقَاتِلَ الْبَيِّنَةُ عَلَى أَنَّهُ قَتَلَ مَنْ يُرِيدُ أَخْذَ سَلَبِهِ فَقَالَ اللَّيْثُ وَالشَّافِعِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ إنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ إلَّا بِالْبَيِّنَةِ لِوُرُودِ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ بِلَفْظِ «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ» وَقَالَ مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ: يُقْبَلُ قَوْلُهُ بِلَا بَيِّنَةٍ، قَالُوا لِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَدْ قَبِلَ قَوْلَ وَاحِدٍ وَلَمْ يُحَلِّفْهُ بَلْ اكْتَفَى بِقَوْلِهِ؛ وَذَلِكَ فِي قِصَّةِ مُعَاذِ بْنِ الْجَمُوحِ وَغَيْرِهَا فَيَكُونُ مُخَصِّصًا لِحَدِيثِ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَةِ.

(وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ رضي الله عنه فِي قِصَّةِ قَتْلِ أَبِي جَهْلٍ) يَوْمَ بَدْرٍ (قَالَ فَابْتَدَرَاهُ) تَسَابَقَا إلَيْهِ (بِسَيْفَيْهِمَا) أَيْ ابْنَيْ عَفْرَاءَ (حَتَّى قَتَلَاهُ ثُمَّ انْصَرَفَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَخْبَرَاهُ. فَقَالَ: أَيُّكُمَا قَتَلَهُ؟ هَلْ مَسَحْتُمَا سَيْفَيْكُمَا؟ قَالَا: لَا. قَالَ فَنَظَرَ فِيهِمَا) أَيْ فِي سَيْفَيْهِمَا (فَقَالَ: كِلَاكُمَا قَتَلَهُ فَقَضَى صلى الله عليه وسلم بِسَلْبِهِ لِمُعَاذِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ) بِفَتْحِ الْجِيمِ آخِرُهُ حَاءٌ مُهْمَلَةٌ بِزِنَةِ فَعُولٍ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يُعْطِيَ السَّلَبَ لِمَنْ شَاءَ وَأَنَّهُ مُفَوَّضٌ إلَى رَأْيِهِ لِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم أَخْبَرَ أَنَّ ابْنَيْ عَفْرَاءَ قَتَلَا أَبَا جَهْلٍ، ثُمَّ جَعَلَ سَلَبَهُ لِغَيْرِهِمَا وَأُجِيبَ عَنْهُ أَنَّهُ إنَّمَا حَكَمَ بِهِ صلى الله عليه وسلم لِمُعَاذِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ لِأَنَّهُ رَأَى أَثَرَ ضَرْبَتِهِ بِسَيْفِهِ هِيَ الْمُؤَثِّرَةُ فِي قَتْلِهِ لِعُمْقِهَا فَأَعْطَاهُ السَّلَبَ وَطَيَّبَ قَلْبَ ابْنَيْ عَفْرَاءَ بِقَوْلِهِ كِلَاكُمَا قَتَلَهُ وَإِلَّا فَالْجِنَايَةُ الْقَاتِلَةُ لَهُ ضَرْبَةُ مُعَاذِ بْنِ عَمْرٍو وَنِسْبَةُ الْقَتْلِ إلَيْهِمَا مَجَازٌ أَيْ كِلَاكُمَا قَتَلَهُ، وَقَرِينَةُ الْمَجَازِ إعْطَاءُ سَلَبِ الْمَقْتُولِ لِغَيْرِهِمَا، وَقَدْ يُقَالُ هَذَا مَحَلُّ النِّزَاعِ.

(وَعَنْ مَكْحُولٍ) هُوَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مَكْحُولُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الشَّامِيِّ كَانَ مِنْ سَبْيِ كَابِلَ

ص: 477

1201 -

وَعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ مَكَّةَ وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ، فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: ابْنُ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، فَقَالَ: اُقْتُلُوهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ

وَكَانَ مَوْلًى لِامْرَأَةٍ مِنْ قِيسَ وَكَانَ سِنْدِيًّا لَا يُفْصِحُ، وَهُوَ عَالِمُ الشَّامِ وَلَمْ يَكُنْ أَبْصَرَ مِنْهُ بِالْفُتْيَا فِي زَمَانِهِ، سَمِعَ مِنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَوَاثِلَةَ وَغَيْرِهِمَا، وَرَوَى عَنْهُ الزُّهْرِيُّ وَغَيْرُهُ وَرَبِيعَةُ الرَّأْيِ وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، مَاتَ سَنَةَ ثَمَانِ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَصَبَ الْمَنْجَنِيقَ عَلَى أَهْلِ الطَّائِف» . أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد فِي الْمَرَاسِيلِ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ) وَوَصَلَهُ الْعُقَيْلِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ ثَوْرٍ رِوَايَةً عَنْ مَكْحُولٍ وَلَمْ يَذْكُرْ مَكْحُولًا فَكَانَ مِنْ قِسْمِ الْمُعْضَلِ، وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ ذَكَرَ الرَّمْيَ بِالْمَنْجَنِيقِ الْوَاقِدِيُّ كَمَا ذَكَرَهُ مَكْحُولٌ وَذَكَرَ أَنَّ الَّذِي أَشَارَ بِهِ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ وَمِنْ «حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم حَاصَرَهُمْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً» وَلَمْ يَذْكُرْ أَشْيَاءَ مِنْ ذَلِكَ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ «حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ حَاصَرَ أَهْلَ الطَّائِف شَهْرًا» . وَفِي مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ الْمُدَّةَ كَانَتْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً. وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ قَتْلُ الْكُفَّارِ إذَا تَحَصَّنُوا بِالْمَنْجَنِيقِ وَيُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ مِنْ الْمَدَافِعِ وَنَحْوِهَا.

(وَعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ مَكَّةَ وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ» بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ فَفَاءٌ، فِي الْقَامُوسِ الْمِغْفَرُ كَمِنْبَرِ وَبِهَاءٍ وَكَكِتَابَةٍ زَرَدٌ مِنْ الدِّرْعِ يُلْبَسُ تَحْتَ الْقَلَنْسُوَةِ أَوْ حَلَقٌ يَتَقَنَّعُ بِهَا الْمُسَلَّحُ «فَلَمَّا نَزَعَ الْمِغْفَرَ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: ابْنُ خَطَلٍ بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ فَقَالَ: اُقْتُلُوهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ مَكَّةَ غَيْرَ مُحْرِمٍ يَوْمَ الْفَتْحِ لِأَنَّهُ دَخَلَ مُقَاتِلًا وَلَكِنْ يَخْتَصُّ بِهِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مُحَرَّمٌ الْقِتَالُ فِيهَا كَمَا قَالَ صلى الله عليه وسلم «وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ» الْحَدِيثَ، وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَأَمَّا أَمْرُهُ صلى الله عليه وسلم بِقَتْلِ ابْنِ خَطَلٍ وَهُوَ أَحَدُ جَمَاعَةٍ تِسْعَةٍ أَمَرَ صلى الله عليه وسلم بِقَتْلِهِمْ وَلَوْ تَعَلَّقُوا بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ فَأَسْلَمَ مِنْهُمْ سِتَّةٌ وَقُتِلَ ثَلَاثَةٌ مِنْهُمْ ابْنُ خَطَلٍ «وَكَانَ ابْنُ خَطَلٍ قَدْ أَسْلَمَ فَبَعَثَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مُصَدِّقًا وَبَعَثَ مَعَهُ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ وَكَانَ مَعَهُ مَوْلًى يَخْدُمُهُ مُسْلِمًا فَنَزَلَ مَنْزِلًا وَأَمَرَ مَوْلَاهُ أَنْ يَذْبَحَ لَهُ تَيْسًا وَيَصْنَعَ لَهُ طَعَامًا فَنَامَ فَاسْتَيْقَظَ وَلَمْ يَصْنَعْ لَهُ شَيْئًا فَعَدَا عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ ثُمَّ ارْتَدَّ مُشْرِكًا، وَكَانَتْ لَهُ قَيْنَتَانِ تُغَنِّيَانِهِ بِهِجَاءِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَأَمَرَ بِقَتْلِهِمَا مَعَهُ فَقُتِلَتْ إحْدَاهُمَا وَاسْتُؤْمِنَ لِلْأُخْرَى فَأَمَّنَهَا» قَالَ الْخَطَّابِيُّ: قَتْلُهُ صلى الله عليه وسلم بِحَقِّ مَا جَنَاهُ فِي الْإِسْلَامِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ

ص: 478

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الْحَرَمَ لَا يَعْصِمُ مِنْ إقَامَةِ وَاجِبٍ وَلَا يُؤَخِّرُهُ عَنْ وَقْتِهِ انْتَهَى. وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا فَذَهَبَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيُّ إلَى أَنَّهُ يُسْتَوْفَى الْحُدُودُ وَالْقِصَاصُ بِكُلِّ مَكَان وَزَمَانٍ لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ وَلِهَذِهِ الْقِصَّةِ. وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَهُوَ قَوْلُ الْهَادَوِيَّةِ إلَى أَنَّهُ لَا يُسْتَوْفَى فِيهَا حَدٌّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} وَلِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: " لَا يُسْفَكُ بِهَا دَمٌ " وَأَجَابُوا عَمَّا احْتَجَّ بِهِ الْأَوَّلُونَ بِأَنَّهُ لَا عُمُومَ لِلْأَدِلَّةِ فِي الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ بَلْ هِيَ مُطْلَقَاتٌ مُقَيَّدَةٌ بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْحَدِيثِ وَهُوَ مُتَأَخِّرٌ فَإِنَّهُ فِي يَوْمِ الْفَتْحِ بَعْدَ شَرْعِيَّةِ الْحُدُودِ، وَأَمَّا قَتْلُ ابْنِ خَطَلٍ وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُ فَإِنَّهُ كَانَ فِي السَّاعَةِ الَّتِي أُحِلَّتْ فِيهَا مَكَّةُ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَاسْتَمَرَّتْ مِنْ صَبِيحَةِ يَوْمِ الْفَتْحِ إلَى الْعَصْرِ وَقَدْ قُتِلَ ابْنِ خَطَلٍ وَقْتَ الضُّحَى بَيْنَ زَمْزَمَ وَالْمَقَامِ: وَهَذَا الْكَلَامُ فِيمَنْ ارْتَكَبَ حَدًّا فِي غَيْرِ الْحَرَمِ ثُمَّ الْتَجَأَ إلَيْهِ وَأَمَّا إذَا ارْتَكَبَ إنْسَانٌ فِي الْحَرَمِ مَا يُوجِبُ الْحَدَّ فَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ لَا يُقَامُ فِيهِ حَدٌّ، فَذَهَبَ بَعْضُ الْهَادَوِيَّةِ أَنَّهُ يُخْرَجُ مِنْ الْحَرَمِ وَلَا يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَهُوَ فِيهِ، وَخَالَفَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ: مَنْ سَرَقَ أَوْ قَتَلَ فِي الْحَرَمِ أُقِيمَ عَلَيْهِ فِي الْحَرَمِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَذَكَرَ الْأَثْرَمُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا " مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا فِي الْحَرَمِ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ مَا أَحْدَثَ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ " وَاَللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: {وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ} وَدَلَّ كَلَامُ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّهُ يُقَامُ. وَفَرَّقُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُلْتَجِئِ إلَيْهِ بِأَنَّ الْجَانِيَ فِيهِ هَاتِكٌ لِحُرْمَتِهِ وَالْمُلْتَجِئُ مُعَظِّمٌ لَهَا وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُقَمْ الْحَدُّ عَلَى مَنْ جَنَى فِيهِ مِنْ أَهْلِهِ لَعَظُمَ الْفَسَادُ فِي الْحَرَمِ وَأَدَّى إلَى أَنَّ مَنْ أَرَادَ الْفَسَادَ قَصَدَ إلَى الْحَرَمِ لِيَسْكُنَهُ وَفَعَلَ فِيهِ مَا تَتَقَاضَاهُ شَهْوَتُهُ وَأَمَّا الْحَدُّ بِغَيْرِ الْقَتْلِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ مِنْ الْقِصَاصِ فَفِيهِ خِلَافٌ أَيْضًا.

فَذَهَبَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ يُسْتَوْفَى لِأَنَّ الْأَدِلَّةَ إنَّمَا وَرَدَتْ فِيمَنْ سَفَكَ الدَّمَ وَإِنَّمَا يَنْصَرِفُ إلَى الْقَتْلِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَحْرِيمِهِ فِي الْحَرَمِ تَحْرِيمُ مَا دُونَهُ لِأَنَّ حُرْمَةَ النَّفْسِ أَعْظَمُ وَالِانْتِهَاكُ بِالْقَتْلِ أَشَدُّ وَلِأَنَّ الْحَدَّ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ جَارٍ مَجْرَى تَأْدِيبِ السَّيِّدِ عَبْدَهُ فَلَمْ يُمْنَعْ مِنْهُ: وَعَنْهُ رِوَايَةٌ بِعَدَمِ الِاسْتِيفَاءِ لِشَيْءٍ عَمَلًا بِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ.

وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْحُكْمَ لِلْأَخَصِّ حَيْثُ صَحَّ أَنَّ سَفْكَ الدَّمِ لَا يَنْصَرِفُ إلَّا إلَى الْقَتْلِ (قُلْت) وَلَا يَخْفَى أَنَّ الدَّلِيلَ خَاصٌّ بِالْقَتْلِ وَالْكَلَامُ مِنْ أَوَّلِهِ فِي الْحُدُودِ فَلَا بُدَّ مِنْ حَمْلِهَا عَلَى الْقَتْلِ إذْ حَدُّ الزِّنَى غَيْرُ الرَّجْمِ وَحَدُّ الشُّرْبِ وَالْقَذْفِ يُقَامُ عَلَيْهِ.

ص: 479

1202 -

وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ رضي الله عنه «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَتَلَ يَوْمَ بَدْرٍ ثَلَاثَةً صَبْرًا» ، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد فِي الْمَرَاسِيلِ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ.

1203 -

وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رضي الله عنه: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَدَى رَجُلَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِرَجُلٍ مُشْرِكٍ» . أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ، وَأَصْلُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ.

1204 -

وَعَنْ صَخْرِ بْنِ الْعَيْلَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إنَّ الْقَوْمَ إذَا أَسْلَمُوا أَحْرَزُوا دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَرِجَالُهُ مُوَثَّقُونَ.

(وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ رضي الله عنه) هُوَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ جُبَيْرٍ بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ فَمُثَنَّاةٌ فِرَاءٌ الْأَسَدِيُّ مَوْلَى بَنِي وَالِبَةَ بَطْنٌ مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ كُوفِيٌّ أَحَدُ عُلَمَاءِ التَّابِعِينَ. سَمِعَ ابْنَ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ عُمَرَ وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَأَنَسًا وَأَخَذَ عَنْهُ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَأَيُّوبُ. قَتَلَهُ الْحَجَّاجُ سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ فِي شَعْبَانَ مِنْهَا وَمَاتَ الْحَجَّاجُ فِي رَمَضَانَ مِنْ السَّنَةِ الْمَذْكُورَةِ «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَتَلَ يَوْمَ بَدْرٍ ثَلَاثَةً صَبْرًا» فِي الْقَامُوسِ صَبْرُ الْإِنْسَانِ وَغَيْرِهِ عَلَى الْقَتْلِ أَنْ يُحْبَسَ وَيُرْمَى حَتَّى يَمُوتَ، وَقَدْ قَتَلَهُ صَبْرًا وَصَبَرَهُ عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ صَبُورَةٌ مَصْبُورٌ لِلْقَتْلِ انْتَهَى (أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد فِي الْمَرَاسِيلِ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ) وَالثَّلَاثَةُ هُمْ طُعَيْمَةُ بْنُ عَدِيٍّ وَالنَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ وَعُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ، وَمَنْ قَالَ بَدَلُ طُعَيْمَةُ الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ وَالنَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ وَعُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ، فَقَدْ صَحَّفَ كَمَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ‌

‌ قَتْلِ الصَّبْرِ

إلَّا أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم بِرِجَالٍ ثِقَاتٍ وَفِي بَعْضِهِمْ مَقَالٌ «لَا يُقْتَلَن قُرَشِيٌّ بَعْدَ هَذَا صَبْرًا» قَالَهُ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ قَتْلِ ابْنِ خَطَلٍ يَوْمَ الْفَتْحِ.

(وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رضي الله عنه «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَدَى رَجُلَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِرَجُلٍ مُشْرِكٍ». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَأَصْلُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ مُفَادَاةِ الْمُسْلِمِ الْأَسِيرِ بِأَسِيرٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْجُمْهُورُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تَجُوزُ الْمُفَادَاةُ وَيَتَعَيَّنُ إمَّا قَتْلُ الْأَسِيرِ أَوْ اسْتِرْقَاقُهُ وَزَادَ مَالِكٌ أَوْ مُفَادَاتُهُ بِأَسِيرٍ. وَقَالَ صَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ: لَا تَجُوزُ الْمُفَادَاةُ بِغَيْرِهِ أَوْ بِمَالٍ أَوْ قَتْلِ الْأَسِيرِ أَوْ اسْتِرْقَاقِهِ، وَقَدْ «وَقَعَ مِنْهُ صلى الله عليه وسلم قَتْلُ الْأَسِيرِ» كَمَا فِي قِصَّةِ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ، وَفِدَاؤُهُ بِالْمَالِ كَمَا فِي أَسَارَى بَدْرٍ، وَالْمَنُّ عَلَيْهِ كَمَا مَنَّ عَلَى أَبِي عَزَّةَ يَوْمَ بَدْرٍ عَلَى أَنْ لَا يُقَاتِلَ فَعَادَ إلَى الْقِتَالِ يَوْمَ أُحُدٍ فَأَسَرَهُ وَقَتَلَهُ وَقَالَ فِي حَقِّهِ «لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ» وَالِاسْتِرْقَاقُ وَقَعَ مِنْهُ صلى الله عليه وسلم لِأَهْلِ مَكَّة ثُمَّ أَعْتَقَهُمْ.

(وَعَنْ صَخْرٍ) بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ فَخَاءٌ مُعْجَمَةٌ سَاكِنَةٌ فَرَاءٌ (ابْنِ الْعَيْلَةِ) بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ مَفْتُوحَةً وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ وَيُقَالُ ابْنُ أَبِي الْعَيْلَةِ

ص: 480

1205 -

وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ رضي الله عنه «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ فِي أَسَارَى بَدْر: لَوْ كَانَ الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ حَيًّا ثُمَّ كَلَّمَنِي فِي هَؤُلَاءِ النَّتْنَى لَتَرَكْتهمْ لَهُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

عِدَادُهُ فِي أَهْلِ الْكُوفَة وَحَدِيثُهُ عِنْدَهُمْ، رَوَى عَنْهُ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ وَهُوَ ابْنُ ابْنِهِ (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«إنَّ الْقَوْمَ إذَا أَسْلَمُوا أَحْرَزُوا دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ» . أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَرِجَالُهُ مُوَثَّقُونَ) وَفِي مَعْنَاهُ الْحَدِيثُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ «أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَإِذَا قَالُوهَا أَحْرَزُوا دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ» الْحَدِيثَ، وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ الْكُفَّارِ حَرُمَ دَمُهُ وَمَالُهُ وَلِلْعُلَمَاءِ تَفْصِيلٌ فِي ذَلِكَ، قَالُوا: مَنْ أَسْلَمَ طَوْعًا مِنْ دُونِ قِتَالٍ مَلَكَ مَالَهُ وَأَرْضَهُ وَذَلِكَ كَأَرْضِ الْيَمَنِ، وَإِنْ أَسْلَمُوا بَعْدَ الْقِتَالِ فَالْإِسْلَامُ قَدْ عَصَمَ دِمَاءَهُمْ وَأَمَّا أَمْوَالُهُمْ فَالْمَنْقُولُ غَنِيمَةٌ وَغَيْرُ الْمَنْقُولِ فَيْءٌ ثُمَّ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْأَرْضِ الَّتِي صَارَتْ فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ عَلَى أَقْوَالٍ (الْأَوَّلُ) لِمَالِكٍ وَنَصَرَهُ ابْنُ الْقَيِّمِ أَنَّهَا تَكُونُ وَقْفًا يُقْسَمُ خَرَاجُهَا فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَأَرْزَاقِ الْمُقَاتِلَةِ وَبِنَاءِ الْقَنَاطِرِ وَالْمَسَاجِدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ سُبُلِ الْخَيْرِ إلَّا أَنْ يَرَى الْإِمَامُ فِي وَقْتٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ أَنَّ الْمَصْلَحَةَ فِي قِسْمَتِهَا كَانَ لَهُ ذَلِكَ، قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَكَانَتْ عَلَيْهِ سِيرَةُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَنَازَعَ فِي ذَلِكَ بِلَالٌ وَأَصْحَابُهُ وَقَالُوا لِعُمَرَ: اقْسِمْ الْأَرْضَ الَّتِي فَتَحُوهَا فِي الشَّامِ. وَقَالُوا لَهُ: خُذْ خُمُسَهَا وَاقْسِمْهَا. فَقَالَ عُمَرُ: هَذَا غَيْرُ الْمَالِ وَلَكِنْ أَحْبِسُهُ فَيْئًا يَجْرِي عَلَيْكُمْ وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ وَافَقَ سَائِرُ الصَّحَابَةِ عُمَرَ رضي الله عنه.

وَكَذَلِكَ جَرَى فِي فُتُوحِ مِصْرَ وَأَرْضِ الْعِرَاقِ وَأَرْضِ فَارِسَ وَسَائِرِ الْبِلَادِ الَّتِي فَتَحُوهَا عَنْوَةً فَلَمْ يَقْسِمْ مِنْهَا الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ قَرْيَةً وَاحِدَةً. ثُمَّ قَالَ وَوَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ جُمْهُورُ الْأَئِمَّةِ وَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ بَقَائِهَا بِلَا قِسْمَةٍ فَظَاهِرُ مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَأَكْثَرُ نُصُوصِهِ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ مُخَيَّرٌ فِيهَا تَخْيِيرَ مَصْلَحَةٍ لَا تَخْيِيرَ شَهْوَةٍ، فَإِنْ كَانَ الْأَصْلَحُ لِلْمُسْلِمِينَ قِسْمَتُهَا قَسَمَهَا، وَإِنْ كَانَ الْأَصْلَحُ أَنْ يَقِفَهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَقَفَهَا عَلَيْهِمْ، وَإِنْ كَانَ الْأَصْلَحُ قِسْمَةَ الْبَعْضِ وَوَقْفَ الْبَعْضِ فَعَلَهُ. فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَعَلَ الْأَقْسَامَ الثَّلَاثَةَ فَإِنَّهُ قَسَمَ أَرْضَ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ وَتَرَكَ قِسْمَةَ مَكَّةَ وَقَسَمَ بَعْضَ خَيْبَرَ وَتَرَكَ بَعْضَهَا لِمَا يَنُوبُهُ مِنْ

مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ

. وَذَهَبَ الْهَادَوِيَّةُ إلَى أَنَّ

الْإِمَامَ مُخَيَّرٌ فِيهَا بَيْنَ الْأَصْلَحِ

مِنْ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْيَاءِ إمَّا الْقَسْمُ بَيْنَ الْغَانِمِينَ أَوْ يَتْرُكُهَا لِأَهْلِهَا عَلَى خَرَاجٍ أَوْ يَتْرُكُهَا عَلَى مُعَامَلَةٍ مَنْ غَلَّتِهَا أَوْ يَمُنُّ بِهَا عَلَيْهِمْ. قَالُوا: وَقَدْ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم.

(وَعَنْ جُبَيْرِ) بِالْجِيمِ وَالْمُوَحَّدَةِ وَالرَّاءِ مُصَغَّرُ (ابْنِ مُطْعِمٍ) بِزِنَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ أَيْ ابْنِ عَدِيٍّ. وَجُبَيْرٌ صَحَابِيٌّ عَارِفٌ بِالْأَنْسَابِ. مَاتَ سَنَةَ ثَمَانٍ أَوْ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ «أَنَّ النَّبِيَّ

ص: 481

1206 -

«وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: أَصَبْنَا سَبَايَا يَوْمَ أَوْطَاسٍ لَهُنَّ أَزْوَاجٌ. فَتَحَرَّجُوا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} - الْآيَةَ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.

- صلى الله عليه وسلم قَالَ فِي أَسَارَى بَدْر: لَوْ كَانَ الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ حَيًّا هُوَ وَالِدُ جُبَيْرٍ ثُمَّ كَلَّمَنِي فِي هَؤُلَاءِ النَّتْنَى جَمْعُ نَتِنٍ بِالنُّونِ وَالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ لَتَرَكْتهمْ لَهُ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) الْمُرَادُ لَهُمْ أَسَارَى بَدْرٍ وَصَفَهُمْ بِالنَّتِنِ لِمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الشِّرْكِ كَمَا وَصَفَ اللَّهُ تَعَالَى الْمُشْرِكِينَ بِالنَّجَسِ وَالْمُرَادُ لَوْ طَلَبَ مِنِّي تَرْكَهُمْ وَإِطْلَاقَهُمْ مِنْ الْأَسْرِ بِغَيْرِ فِدَاءٍ لَفَعَلْت ذَلِكَ مُكَافَأَةً لَهُ عَلَى يَدٍ كَانَتْ لَهُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَذَلِكَ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم لَمَّا رَجَعَ مِنْ الطَّائِفِ دَخَلَ صلى الله عليه وسلم فِي جِوَارِ الْمُطْعِمِ بْنِ عَدِيٍّ إلَى مَكَّةَ فَإِنَّ الْمُطْعِمَ بْنَ عَدِيٍّ أَمَرَ أَوْلَادَهُ الْأَرْبَعَةَ فَلَبِسُوا السِّلَاحَ وَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عِنْدَ الرُّكْنِ مِنْ الْكَعْبَةِ فَبَلَغَ ذَلِكَ قُرَيْشًا فَقَالُوا لَهُ: أَنْتَ الرَّجُلُ الَّذِي لَا تُخْفَرُ ذِمَّتُك وَقِيلَ إنَّ الْيَدَ الَّتِي كَانَتْ لَهُ أَنَّهُ أَعْظَمُ مَنْ سَعَى فِي نَقْضِ الصَّحِيفَةِ الَّتِي كَانَتْ كَتَبَتْهَا قُرَيْشٌ فِي قَطِيعَةِ بَنِي هَاشِمٍ وَمَنْ مَعَهُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ حِينَ حَصَرُوهُمْ فِي الشُّعَبِ وَكَانَ الْمُطْعِمُ قَدْ مَاتَ قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ كَمَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ تَرْكُ أَخْذِ الْفِدَاءِ مِنْ الْأَسِيرِ وَالسَّمَاحَةُ بِهِ لِشَفَاعَةِ رَجُلٍ عَظِيمٍ وَأَنَّهُ يُكَافَأُ الْمُحْسِنُ وَإِنْ كَانَ كَافِرًا.

«وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: أَصَبْنَا سَبَايَا يَوْمَ أَوْطَاسٍ لَهُنَّ أَزْوَاجٌ فَتَحَرَّجُوا فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} الْآيَةَ» . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ) قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْبَكْرِيُّ أَوْطَاسٌ وَادٍ فِي دِيَارِ هَوَازِن. وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى انْفِسَاخِ نِكَاحِ الْمَسْبِيَّةِ فَالِاسْتِثْنَاءُ عَلَى هَذَا مُتَّصِلٌ. وَإِلَى هَذَا ذَهَبَتْ الْهَادَوِيَّةُ وَالشَّافِعِيُّ وَظَاهِرُ الْإِطْلَاقِ سَوَاءٌ سُبِيَ مَعَهَا زَوْجُهَا أَوْ لَا. وَدَلَّتْ أَيْضًا عَلَى جَوَازِ الْوَطْءِ وَلَوْ قَبْلَ إسْلَامِ الْمَسْبِيَّةِ سَوَاءٌ كَانَتْ كِتَابِيَّةً أَوْ وَثَنِيَّةً إذْ الْآيَةُ عَامَّةٌ وَلَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم عَرَضَ عَلَى سَبَايَا أَوْطَاسَ الْإِسْلَامَ وَلَا أَخْبَرَ أَصْحَابَهُ أَنَّهَا لَا تُوطَأُ مَسْبِيَّةٌ حَتَّى تُسْلِمَ مَعَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ. وَيَدُلُّ لِهَذَا مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم حَرَّمَ وَطْءَ السَّبَايَا حَتَّى يَضَعْنَ مَا فِي بُطُونِهِنَّ» فَجَعَلَ لِلتَّحْرِيمِ غَايَةً وَاحِدَةً وَهِيَ وَضْعُ الْحَمْلِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْإِسْلَامَ وَمَا أَخْرَجَهُ فِي السُّنَنِ مَرْفُوعًا «لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ

ص: 482

1207 -

وَعَنْ «ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سَرِيَّةً وَأَنَا فِيهِمْ، قِبَلَ نَجْدٍ، فَغَنِمُوا إبِلًا كَثِيرَةً، فَكَانَتْ سُهْمَانُهُمْ اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا، وَنُفِلُوا بَعِيرًا بَعِيرًا» ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

الْآخِرِ أَنْ يَقَعَ عَلَى امْرَأَةٍ مِنْ السَّبْيِ حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا» وَلَمْ يَذْكُرْ الْإِسْلَامَ وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ. وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ أَيْضًا «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَنْكِحُ شَيْئًا مِنْ السَّبَايَا حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً» وَلَمْ يَذْكُرْ الْإِسْلَامَ وَلَا يُعْرَفُ اشْتِرَاطُ الْإِسْلَامِ فِي الْمَسْبِيَّةِ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ. وَقَدْ ذَهَبَ إلَى ذَلِكَ طَاوُسٌ وَغَيْرُهُ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَطْءُ الْمَسْبِيَّةِ بِالْمِلْكِ حَتَّى تُسْلِمَ إذَا لَمْ تَكُنْ كِتَابِيَّةً، وَسَبَايَا أَوْطَاسَ هُنَّ وَثَنِيَّاتٌ فَلَا بُدَّ عِنْدَهُمْ مِنْ التَّأْوِيلِ بِأَنَّ حِلَّهُنَّ بَعْدَ الْإِسْلَامِ، وَلَا يَتِمُّ ذَلِكَ إلَّا لِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى فَقَدْ عَرَفْت أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِشَرْطِيَّةِ الْإِسْلَامِ.

(وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنه قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سَرِيَّةً) بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ (وَأَنَا فِيهِمْ قِبَلَ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ جِهَةَ (نَجْدٍ فَغَنِمُوا إبِلًا كَثِيرَةً وَكَانَتْ سُهْمَانُهُمْ) بِضَمِّ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ جَمْعُ سَهْمٍ وَهُوَ النَّصِيبُ (اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا وَنُفِلُوا بَعِيرًا بَعِيرًا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) السَّرِيَّةُ قِطْعَةٌ مِنْ الْجَيْشِ تَخْرُجُ مِنْهُ وَتَعُودُ إلَيْهِ وَهِيَ مِنْ مِائَةٍ إلَى خَمْسِمِائَةٍ، وَالسَّرِيَّةُ الَّتِي تَخْرُجُ بِاللَّيْلِ وَالسَّارِيَةُ الَّتِي تَخْرُجُ بِالنَّهَارِ، وَالْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ سُهْمَانُهُمْ أَيْ أَنْصِبَاؤُهُمْ أَيْ أَنَّهُ بَلَغَ نَصِيبُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ هَذَا الْقَدْرَ أَعْنِي اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا وَالنَّفَلُ زِيَادَةٌ يُزَادُهَا الْغَازِي عَلَى نَصِيبِهِ مِنْ الْمَغْنَمِ وَقَوْلُهُ (نُفِلُوا) مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ نَفَّلَهُمْ أَمِيرُهُمْ وَهُوَ أَبُو قَتَادَةَ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَظَاهِرُ رِوَايَةِ اللَّيْثِ عَنْ نَافِعٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَنَّ الْقَسْمَ وَالتَّنْفِيلَ كَانَ مِنْ أَمِيرِ الْجَيْشِ وَقَرَّرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ذَلِكَ لِأَنَّهُ قَالَ وَلَمْ يُغَيِّرْهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَأَمَّا رِوَايَةُ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَيْضًا بِلَفْظِ «وَنَفَّلَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَعِيرًا بَعِيرًا» فَقَدْ قَالَ النَّوَوِيُّ: نُسِبَ إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَمَّا كَانَ مُقَرِّرًا لِذَلِكَ وَلَكِنَّ الْحَدِيثَ عِنْدَ أَبِي دَاوُد بِلَفْظِ «فَأَصَبْنَا نِعَمًا كَثِيرًا وَأَعْطَانَا أَمِيرُنَا بَعِيرًا بَعِيرًا لِكُلِّ إنْسَانٍ ثُمَّ قَدِمْنَا إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَسَمَ بَيْنَنَا غَنِيمَتَنَا فَأَصَابَ كُلُّ رَجُلٍ اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا بَعْدَ الْخُمُسِ» فَدَلَّ عَلَى أَنَّ التَّنْفِيلَ مِنْ الْأَمِيرِ وَالْقِسْمَةَ مِنْهُ صلى الله عليه وسلم وَقَدْ جَمَعَ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ بِأَنَّ التَّنْفِيلَ كَانَ مِنْ الْأَمِيرِ قَبْلَ الْوُصُولِ إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ بَعْدَ الْوُصُولِ قَسَمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَيْنَ الْجَيْشِ وَتَوَلَّى الْأَمِيرُ قَبْضَ مَا هُوَ لِلسَّرِيَّةِ جُمْلَةً ثُمَّ قَسَمَ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِهِ، فَمَنْ نَسَبَ ذَلِكَ إلَى النَّبِيِّ

ص: 483

1208 -

وَعَنْهُ رضي الله عنه قَالَ: «قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ خَيْبَرَ لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ وَلِلرَّاجِلِ سَهْمًا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ - وَلِأَبِي دَاوُد: أَسْهَمَ لِرَجُلٍ وَلِفَرَسِهِ ثَلَاثَةَ أَسْهُمٍ: سَهْمَيْنِ لِفَرَسِهِ، وَسَهْمًا لَهُ.

- صلى الله عليه وسلم فَلِكَوْنِهِ الَّذِي قَسَمَ أَوَّلًا، وَمَنْ نَسَبَ ذَلِكَ إلَى الْأَمِيرِ فَبِاعْتِبَارِ أَنَّهُ الَّذِي أَعْطَى ذَلِكَ أَصْحَابَهُ آخِرًا. وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ التَّنْفِيلِ لِلْجَيْشِ وَدَعْوَى أَنَّهُ يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ بَلْ تَنْفِيلُ الْأَمِيرِ قَبْلَ الْوُصُولِ إلَيْهِ صلى الله عليه وسلم فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ الِاخْتِصَاصِ وَقَوْلُ مَالِكٍ إنَّهُ يُكْرَهُ أَنْ يَكُونَ التَّنْفِيلُ بِشَرْطٍ مِنْ الْأَمِيرِ بِأَنْ يَقُولَ مَنْ فَعَلَ كَذَا فَلَهُ كَذَا، قَالَ: لِأَنَّهُ يَكُونُ الْقِتَالُ لِلدُّنْيَا فَلَا يَجُوزُ - يَرُدُّهُ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ» سَوَاءٌ قَالَهُ صلى الله عليه وسلم قَبْلَ الْقِتَالِ أَوْ بَعْدَهُ فَإِنَّهُ تَشْرِيعٌ عَامٌّ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَأَمَّا لُزُومُ كَوْنِ الْقِتَالِ لِلدُّنْيَا فَالْعُمْدَةُ الْبَاعِثُ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يَصِيرُ قَوْلُ الْإِمَامِ: مَنْ فَعَلَ كَذَا فَلَهُ كَذَا قِتَالُهُ لِلدُّنْيَا بَعْدَ الْإِعْلَامِ لَهُ أَنَّ الْمُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ جَاهَدَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا. فَمَنْ كَانَ قَصْدُهُ إعْلَاءَ كَلِمَةِ اللَّهِ لَمْ يَضُرَّهُ أَنْ يُرِيدَ مَعَ ذَلِكَ الْمَغْنَمَ وَالِاسْتِرْزَاقَ كَمَا قَالَ صلى الله عليه وسلم «وَجُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي» وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ يَكُونُ التَّنْفِيلُ مِنْ أَصْلِ الْغَنِيمَةِ أَوْ مِنْ الْخُمُسِ أَوْ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ؟ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: أَكْثَرُ مَا رُوِيَ مِنْ الْأَخْبَارِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّفَلَ مِنْ أَصْلِ الْغَنِيمَةِ.

(وَعَنْهُ) أَيْ ابْنِ عُمَرَ (قَالَ «قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ خَيْبَرَ لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ وَلِلرَّاجِلِ سَهْمًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ وَلِأَبِي دَاوُد) أَيْ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَسْهَمَ لِلرَّجُلِ وَلِفَرَسِهِ ثَلَاثَةَ أَسْهُمٍ سَهْمَيْنِ لِفَرَسِهِ وَسَهْمًا لَهُ» الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يُسْهَمُ لِصَاحِبِ الْفَرَسِ ثَلَاثَةُ سِهَامٍ مِنْ الْغَنِيمَةِ لَهُ سَهْمٌ وَلِفَرَسِهِ سَهْمَانِ. وَإِلَيْهِ ذَهَبَ النَّاصِرُ وَالْقَاسِمُ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ لِهَذَا الْحَدِيثِ وَلِمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ أَبِي عَمْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَعْطَى لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ وَلِكُلِّ إنْسَانٍ سَهْمًا فَكَانَ لِلْفَارِسِ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ» وَلِمَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ مِنْ حَدِيثِ «الزُّبَيْرِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم ضَرَبَ لَهُ أَرْبَعَةَ أَسْهُمٍ سَهْمَيْنِ لِفَرَسِهِ وَسَهْمًا لَهُ وَسَهْمًا لِقَرَابَتِهِ» يَعْنِي مِنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. وَذَهَبَتْ الْهَادَوِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ إلَى أَنَّ الْفَرَسَ لَهُ سَهْمٌ وَاحِدٌ لِمَا فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ أَبِي دَاوُد بِلَفْظِ «فَأَعْطَى لِلْفَارِسِ سَهْمَيْنِ وَلِلرَّاجِلِ سَهْمًا» وَهُوَ مِنْ حَدِيثِ مُجَمِّعِ بْنِ جَارِيَةَ وَلَا يُقَاوِمُ حَدِيثَ الصَّحِيحَيْنِ. وَاخْتَلَفُوا إذَا حَضَرَ بِفَرَسَيْنِ فَقَالَ الْجُمْهُورُ لَا يُسْهَمُ إلَّا لِفَرَسٍ وَاحِدٍ وَلَا يُسْهَمُ لَهَا إلَّا إذَا حَضَرَ بِهَا الْقِتَالَ.

ص: 484

1209 -

وَعَنْ مَعْنِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «لَا نَفَلَ إلَّا بَعْدَ الْخُمُسِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد، وَصَحَّحَهُ الطَّحَاوِيُّ.

1210 -

وَعَنْ حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ رضي الله عنه قَالَ: «شَهِدْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَفَّلَ الرُّبْعَ فِي الْبَدْأَةِ وَالثُّلُثَ فِي الرَّجْعَةِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْجَارُودِ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ.

(وَعَنْ مَعْنٍ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، هُوَ أَبُو يَزِيدَ مَعْنُ بْنُ يَزِيدَ السُّلَمِيُّ بِضَمِّ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ. لَهُ وَلِأَبِيهِ وَلِجَدِّهِ صُحْبَةٌ شَهِدُوا بَدْرًا كَمَا قِيلَ وَلَا يُعْلَمُ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا هُوَ وَأَبُوهُ وَجَدُّهُ غَيْرُهُمْ وَقِيلَ لَا يَصِحُّ شُهُودُهُ بَدْرًا. يُعَدُّ فِي الْكُوفِيِّينَ (ابْنُ يَزِيدَ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ «لَا نَفَلَ بِفَتْحِ النُّونِ وَفَتْحِ الْفَاءِ هُوَ الْغَنِيمَةُ إلَّا بَعْدَ الْخُمُسِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَصَحَّحَهُ الطَّحَاوِيُّ) الْمُرَادُ بِالنَّفَلِ هُوَ مَا يَزِيدُهُ الْإِمَامُ لِأَحَدِ الْغَانِمِينَ عَلَى نَصِيبِهِ. وَقَدْ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِهِ، وَاخْتَلَفُوا هَلْ يَكُونُ مِنْ قِبَلِ الْقِسْمَةِ أَوْ مِنْ الْخُمُسِ وَحَدِيثُ مَعْنٍ هَذَا لَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ. بَلْ غَايَةُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ أَنَّهَا تُخَمَّسُ الْغَنِيمَةُ قَبْلَ التَّنْفِيلِ مِنْهَا. وَتَقَدَّمَ مَا قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ مِنْ أَنَّ أَكْثَرَ الْأَخْبَارِ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ التَّنْفِيلَ مِنْ أَصْلِ الْغَنِيمَةِ وَاخْتَلَفُوا فِي‌

‌ مِقْدَارِ التَّنْفِيلِ

فَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَجُوزُ أَنْ يُنَفَّلَ أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ أَوْ مِنْ الرُّبْعِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ.

(وَعَنْ حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ الْمَفْتُوحَةِ وَمُوَحَّدَتَيْنِ بَيْنَهُمَا مُثَنَّاةٌ تَحْتِيَّةٌ، هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ حَبِيبُ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقُرَشِيُّ الْفِهْرِيُّ وَكَانَ يُقَالُ لَهُ حَبِيبُ الرُّومِ لِكَثْرَةِ مُجَاهِدَتِهِ لَهُمْ، وَلَّاهُ عُمَرُ أَعْمَالَ الْجَزِيرَةِ وَضَمَّ إلَيْهِ أَرْمِينِيَةَ وَأَذْرَبِيجَانَ وَكَانَ فَاضِلًا مُجَابَ الدَّعْوَةِ. مَاتَ بِالشَّامِ أَوْ بِأَرْمِينِيَّةَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ (قَالَ:«شَهِدْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَفَّلَ الرُّبْعَ فِي الْبَدْأَةِ» بِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ (وَالثُّلُثَ فِي الرَّجْعَةِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْجَارُودِ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ) دَلَّ الْحَدِيثُ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم لَمْ يُجَاوِزْ الثُّلُثَ فِي التَّنْفِيلِ وَقَالَ آخَرُونَ: لِإِمَامٍ أَنْ يُنَفِّلَ السَّرِيَّةَ جَمِيعَ مَا غَنِمَتْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ

ص: 485

1211 -

وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُنَفِّلُ بَعْضَ مَنْ يَبْعَثُ مِنْ السَّرَايَا لِأَنْفُسِهِمْ خَاصَّةً، سِوَى قِسْمَةِ عَامَّةِ الْجَيْشِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

1212 -

وَعَنْهُ رضي الله عنه قَالَ: «كُنَّا نُصِيبُ فِي مَغَازِينَا الْعَسَلَ وَالْعِنَبَ، فَنَأْكُلُهُ وَلَا نَرْفَعُهُ» ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَلِأَبِي دَاوُد: فَلَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ الْخُمُسُ. وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.

وَالرَّسُولِ} فَفَوَّضَهَا إلَيْهِ صلى الله عليه وسلم وَالْحَدِيثُ لَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُنَفَّلُ أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ. وَعُلِمَ أَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِ الْحَدِيثِ فَقَالَ الْخَطَّابِيُّ رِوَايَةً عَنْ ابْنِ الْمُنْذِرِ: إنَّهُ صلى الله عليه وسلم بَيْنَ الْبَدْأَةِ وَالْقُفُولِ حِينَ فَضَّلَ إحْدَى الْعَطِيَّتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى لِقُوَّةِ الظَّهْرِ عِنْدَ دُخُولِهِمْ وَضَعْفِهِ عِنْدَ خُرُوجِهِمْ وَلِأَنَّهُمْ وَهُمْ دَاخِلُونَ أَنْشَطُ وَأَشْهَى لِلسَّيْرِ وَالْإِمْعَانِ فِي بِلَادِ الْعَدُوِّ وَأَجَمُّ وَهُمْ عِنْدَ الْقُفُولِ لِضَعْفِ دَوَابِّهِمْ وَأَبْدَانِهِمْ وَهُمْ أَشْهَى لِلرُّجُوعِ إلَى أَوْطَانِهِمْ وَأَهَالِيِهِمْ لِطُولِ عَهْدِهِمْ بِهِمْ وَحُبِّهِمْ لِلرُّجُوعِ فَيَرَى أَنَّهُ زَادَهُمْ فِي الْقُفُولِ لِهَذِهِ الْعِلَّةِ وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ بَعْدَ نَقْلِهِ كَلَامَ ابْنِ الْمُنْذِرِ: هَذَا لَيْسَ بِالْبَيِّنِ فَحْوَاهُ يُوهِمُ أَنَّ الرَّجْعَةَ هِيَ الْقُفُولُ إلَى أَوْطَانِهِمْ وَلَيْسَ هُوَ مَعْنَى الْحَدِيثِ وَالْبَدْأَةُ إنَّمَا هِيَ ابْتِدَاءُ السَّفَرِ لِلْغَزْوِ إذَا نَهَضَتْ سَرِيَّةٌ مِنْ جُمْلَةِ الْعَسْكَرِ فَإِذَا وَقَعَتْ بِطَائِفَةٍ مِنْ الْعَدُوِّ فَمَا غَنِمُوا كَانَ لَهُمْ فِيهِ الرُّبْعُ وَيُشْرِكُهُمْ سَائِرُ الْعَسْكَرِ فِي ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِهِ فَإِنْ قَفَلُوا مِنْ الْغَزْوَةِ ثُمَّ رَجَعُوا فَأَوْقَعُوا بِالْعَدُوِّ ثَانِيَةً كَانَ لَهُمْ مِمَّا غَنِمُوا الثُّلُثُ لِأَنَّ نُهُوضَهُمْ بَعْدَ الْقُفُولِ أَشَدُّ لِكَوْنِ الْعَدُوِّ عَلَى حَذَرٍ وَحَزْمٍ انْتَهَى وَمَا قَالَهُ هُوَ الْأَقْرَبُ.

(عَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُنَفِّلُ بَعْضَ مَنْ يَبْعَثُ مِنْ السَّرَايَا لِأَنْفُسِهِمْ خَاصَّةً سِوَى قِسْمَةِ عَامَّةِ الْجَيْشِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) فِيهِ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَكُنْ يُنَفِّلُ كُلَّ مَنْ يَبْعَثُهُ بَلْ بِحَسَبِ مَا يَرَاهُ مِنْ الْمَصْلَحَةِ فِي التَّنْفِيلِ.

(وَعَنْهُ) أَيْ ابْنِ عُمَرَ (قَالَ: «كُنَّا نُصِيبُ فِي مَغَازِينَا الْعَسَلَ وَالْعِنَبَ فَنَأْكُلُهُ وَلَا نَرْفَعُهُ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَلِأَبِي دَاوُد) أَيْ عَنْ ابْنِ عُمَرَ (فَلَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُمْ الْخُمُسُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (لَا نَرْفَعُهُ لَا نَحْمِلُهُ عَلَى سَبِيلِ الِادِّخَارِ أَوْ لَا نَرْفَعُهُ إلَى مَنْ يَتَوَلَّى أَمْرَ الْغَنِيمَةِ وَنَسْتَأْذِنُهُ فِي أَكْلِهِ اكْتِفَاءً بِمَا عُلِمَ مِنْ الْإِذْنِ فِي ذَلِكَ. وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْغَانِمِينَ أَخْذُ الْقُوتِ وَمَا يَصْلُحُ بِهِ وَكُلُّ طَعَامٍ اُعْتِيدَ أَكْلُهُ عُمُومًا وَكَذَلِكَ عَلَفُ الدَّوَابِّ قَبْلَ الْقِسْمَةِ سَوَاءٌ كَانَ بِإِذْنِ الْإِمَامِ أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَدَلِيلُهُمْ هَذَا الْحَدِيثُ وَمَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ

ص: 486

1213 -

وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى رضي الله عنه قَالَ: «أَصَبْنَا طَعَامًا يَوْمَ خَيْبَرَ فَكَانَ الرَّجُلُ يَجِيءُ فَيَأْخُذُ مِنْهُ مِقْدَارَ مَا يَكْفِيهِ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ» . أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْجَارُودِ وَالْحَاكِمُ.

1214 -

وَعَنْ رُوَيْفِعِ بْنِ ثَابِتٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَرْكَبْ دَابَّةً مِنْ فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ، حَتَّى إذَا أَعْجَفَهَا رَدَّهَا فِيهِ، وَلَا يَلْبَسْ ثَوْبًا مِنْ فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى إذَا أَخْلَقَهُ رَدَّهُ فِيهِ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالدَّارِمِيُّ، وَرِجَالُهُ لَا بَأْسَ بِهِمْ.

«ابْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ أَصَبْت جِرَابَ شَحْمٍ يَوْمَ خَيْبَرَ فَقُلْت لَا أُعْطِي مِنْهُ أَحَدًا فَالْتَفَتُّ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَبْتَسِمُ» وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ مُخَصِّصَةٌ لِأَحَادِيثِ النَّهْيِ عَنْ الْغُلُولِ، وَيَدُلُّ لَهُ أَيْضًا الْحَدِيثُ الْآتِي، وَهُوَ قَوْلُهُ:

(وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى رضي الله عنه قَالَ «أَصَبْنَا طَعَامًا يَوْمَ خَيْبَرَ فَكَانَ الرَّجُلُ يَجِيءُ فَيَأْخُذُ مِنْهُ مِقْدَارَ مَا يَكْفِيهِ ثُمَّ يَنْصَرِفُ». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْجَارُودِ وَالْحَاكِمُ) فَإِنَّهُ وَاضِحٌ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى أَخْذِ الطَّعَامِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَقَبْلَ التَّخْمِيسِ قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ وَأَمَّا سِلَاحُ الْعَدُوِّ وَدَوَابُّهُمْ فَلَا أَعْلَمُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ خِلَافًا فِي جَوَازِ اسْتِعْمَالِهَا. فَأَمَّا إذَا انْقَضَتْ الْحَرْبُ فَالْوَاجِبُ رَدُّهَا فِي الْمَغْنَمِ. وَأَمَّا الثِّيَابُ وَالْحَرْثُ وَالْأَدَوَاتُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسْتَعْمَلَ شَيْءٌ مِنْهَا إلَّا أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ إنَّهُ إذَا احْتَاجَ إلَى شَيْءٍ مِنْهَا لِحَاجَةٍ ضَرُورِيَّةٍ كَانَ لَهُ أَنْ يَسْتَعْمِلَهُ مِثْلَ أَنْ يَشْتَدَّ الْبَرْدُ فَيَسْتَدْفِئَ بِثَوْبٍ وَيَتَقَوَّى بِهِ عَلَى الْمَقَامِ فِي بِلَادِ الْعَدُوِّ مُرْصِدًا لَهُ لِقِتَالِهِمْ. وَسُئِلَ الْأَوْزَاعِيُّ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: لَا يَلْبَسُ الثَّوْبَ إلَّا أَنْ يَخَافَ الْمَوْتَ (قُلْت) الْحَدِيثُ الْآتِي:

(وَعَنْ رُوَيْفِعِ بْنِ ثَابِتٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَرْكَبْ دَابَّةً مِنْ فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى إذَا أَعْجَفَهَا رَدَّهَا فِيهِ وَلَا يَلْبَسْ ثَوْبًا

ص: 487

1215 -

وَعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ رضي الله عنه قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «يُجِيرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بَعْضُهُمْ» أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَحْمَدُ، وَفِي إسْنَادِهِ ضَعْفٌ.

1216 -

وَلِلطَّيَالِسيِّ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ‌

«يُجِيرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَدْنَاهُمْ» .

1217 -

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه: «ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ» زَادَ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ «وَيُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ» .

1218 -

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ هَانِئٍ «قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْت» .

مِنْ فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى إذَا أَخْلَقَهُ رَدَّهُ فِيهِ». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالدَّارِمِيُّ وَرِجَالُهُ لَا بَأْسَ بِهِمْ) يُؤْخَذُ مِنْهُ جَوَازُ الرُّكُوبِ وَلَيْسَ الثَّوْبُ وَإِنَّمَا يَتَوَجَّهُ النَّهْيُ إلَى الْإِعْجَافِ وَالْإِخْلَاقِ لِلثَّوْبِ فَلَوْ رَكِبَ مِنْ غَيْرِ إعْجَافٍ وَلَبِسَ مِنْ غَيْرِ إخْلَاقٍ وَإِتْلَافٍ جَازَ.

(وَعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ) بِالْجِيمِ وَالرَّاءِ وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ [قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: يُجِيرُ) بِالْجِيمِ وَالرَّاءِ بَيْنَهُمَا مُثَنَّاةٌ تَحْتِيَّةٌ مِنْ الْإِجَارَةِ وَهِيَ الْأَمَانُ (عَلَى الْمُسْلِمِينَ بَعْضُهُمْ. أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَحْمَدُ وَفِي إسْنَادِهِ ضَعْفٌ) لِأَنَّ فِي إسْنَادِهِ الْحَجَّاجَ بْنَ أَرْطَاةَ وَلَكِنَّهُ يَجْبُرُ ضَعْفَهُ الْحَدِيثُ الْآتِي وَهُوَ قَوْلُهُ: (وَلِلطَّيَالِسيِّ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: «يُجِيرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَدْنَاهُمْ» وَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَهُوَ: (عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه «ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ». زَادَ ابْنُ مَاجَهْ) مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ أَيْضًا (مِنْ وَجْهٍ آخَرَ: «وَيُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ» كَالدَّفْعِ لِتَوَهُّمِ أَنَّهُ لَا يُجِيرُ إلَّا أَدْنَاهُمْ فَتَدْخُلُ الْمَرْأَةُ فِي جَوَازِ إجَارَتِهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ كَمَا أَفَادَهُ الْحَدِيثُ الْآتِي: (1218) - وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ هَانِئٍ «قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْت» .

(وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ هَانِئٍ) بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ، قِيلَ اسْمُهَا هِنْدُ، وَقِيلَ فَاطِمَةُ

ص: 488

1219 -

وَعَنْ عُمَرَ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «لَأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، حَتَّى لَا أَدَعَ إلَّا مُسْلِمًا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ

وَهِيَ أُخْتُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه «قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْت» وَذَلِكَ أَنَّهَا أَجَارَتْ رَجُلَيْنِ مِنْ أَحْمَائِهَا وَجَاءَتْ إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم تُخْبِرُهُ أَنَّ عَلِيًّا أَخَاهَا لَمْ يُجِزْ إجَارَتهَا فَقَالَ صلى الله عليه وسلم (قَدْ أَجَرْنَا) الْحَدِيثَ. وَالْأَحَادِيثُ دَالَّةٌ عَلَى صِحَّةِ أَمَانِ الْكَافِرِ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى حُرٍّ أَمْ عَبْدٍ مَأْذُونٍ أَمْ غَيْرِ مَأْذُونٍ لِقَوْلِهِ: " أَدْنَاهُمْ " فَإِنَّهُ شَامِلٌ لِكُلِّ وَضِيعٍ، وَتُعْلَمُ صِحَّةُ أَمَانِ الشَّرِيفِ بِالْأَوْلَى وَعَلَى هَذَا جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إلَّا عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: لَا يَصِحُّ أَمَانُ الْمَرْأَةِ إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ حَمَلُوا قَوْلَهُ صلى الله عليه وسلم لِأُمِّ هَانِئٍ «قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْت» عَلَى أَنَّهُ إجَارَةٌ مِنْهُ قَالُوا فَلَوْ لَمْ يَجُزْ لَمْ يَصِحَّ أَمَانُهَا وَحَمَلَهُ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم أَمْضَى مَا وَقَعَ مِنْهَا وَأَنَّهُ قَدْ انْعَقَدَ أَمَانُهَا لِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم سَمَّاهَا مُجِيرَةً وَلِأَنَّهَا دَاخِلَةٌ فِي عُمُومِ الْمُسْلِمِينَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى مَا يَقُولُهُ بَعْضُ أَئِمَّةِ الْأُصُولِ أَوْ مِنْ بَابِ التَّغْلِيبِ بِقَرِينَةِ الْحَدِيثِ الْآتِي.

(وَعَنْ عُمَرَ رضي الله عنه أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «لَأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ حَتَّى لَا أَدَعَ إلَّا مُسْلِمًا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بِزِيَادَةٍ: " لَئِنْ عِشْت إلَى قَابِلٍ " وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما «أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم أَوْصَى عِنْدَ مَوْتِهِ بِثَلَاثٍ أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ» وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ ‌

«لَا يَجْتَمِعُ دِينَانِ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ»

قَالَ مَالِكٌ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ فَفَحَصَ عُمَرُ عَنْ ذَلِكَ حَتَّى أَتَاهُ الثَّلْجُ وَالْيَقِينُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ «لَا يَجْتَمِعُ دِينَانِ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ فَأَجْلَى يَهُودَ خَيْبَرَ» قَالَ مَالِكٌ وَقَدْ أَجْلَى يَهُودَ نَجْرَانَ وَفَدَكَ أَيْضًا: وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ إخْرَاجِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسِ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ لِعُمُومِ قَوْلِهِ «لَا يَجْتَمِعُ دِينَانِ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ» وَهُوَ عَامٌّ لِكُلِّ دِينٍ وَالْمَجُوسُ بِخُصُوصِهِمْ حُكْمُهُمْ حُكْمُ أَهْلِ الْكِتَابِ كَمَا عَرَفْت. وَأَمَّا حَقِيقَةُ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، فَقَالَ مَجْدُ الدِّينِ فِي الْقَامُوسِ: جَزِيرَةُ الْعَرَبِ مَا أَحَاطَ بِهِ بَحْرُ الْهِنْدِ وَبَحْرُ الشَّامِ ثُمَّ دِجْلَةُ وَالْفُرَاتُ، أَوْ مَا بَيْنَ عَدَنَ أَبْيَنُ إلَى أَطْرَافِ الشَّامِ طُولًا. وَمِنْ جُدَّةَ إلَى أَطْرَافِ رِيفِ الْعِرَاقِ عَرْضًا انْتَهَى.

وَأُضِيفَتْ إلَى الْعَرَبِ لِأَنَّهَا كَانَتْ أَوْطَانَهُمْ قَبْلَ الْإِسْلَامِ وَأَوْطَانَ أَسْلَافِهِمْ وَهِيَ تَحْتَ أَيْدِيهِمْ. وَبِمَا تَضَمَّنَتْهُ الْأَحَادِيثُ مِنْ وُجُوبِ إخْرَاجِ مَنْ لَهُ دِينٌ غَيْرَ الْإِسْلَامِ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمَا، إلَّا أَنَّ الشَّافِعِيَّ وَالْهَادَوِيَّةَ خَصُّوا ذَلِكَ بِالْحِجَازِ

ص: 489

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

قَالَ الشَّافِعِيُّ وَإِنْ سَأَلَ مَنْ يُعْطِي الْجِزْيَةَ أَنْ يُعْطِيَهَا وَيَجْرِيَ عَلَيْهِ الْحُكْمُ عَلَى أَنْ يَسْكُنَ الْحِجَازَ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَالْمُرَادُ بِالْحِجَازِ مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ وَالْيَمَامَةُ وَمَخَالِيفُهَا كُلُّهَا.

وَفِي الْقَامُوسِ: الْحِجَازُ مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ وَالطَّائِفُ وَمَخَالِيفُهَا فَإِنَّهَا حُجِزَتْ بَيْنَ نَجْدٍ وَتِهَامَةَ أَوْ بَيْنَ نَجْدٍ وَالسَّرَاةِ أَوْ لِأَنَّهَا اُحْتُجِزَتْ بِالْحِرَارِ الْخَمْسِ حَرَّةِ بَنِي سُلَيْمٍ وَرَاقِمٍ وَلَيْلَى وَشُورَانَ وَالنَّارِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَجْلَى أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ مِنْ الْيَمَنِ وَقَدْ كَانَتْ لَهَا ذِمَّةٌ وَلَيْسَ الْيَمَنُ بِحِجَازٍ فَلَا يُجْلِيهِمْ أَحَدٌ مِنْ الْيَمَنِ وَلَا بَأْسَ أَنْ يُصَالِحَهُمْ عَلَى مَقَامِهِمْ بِالْيَمَنِ (قُلْت) لَا يَخْفَى أَنَّ الْأَحَادِيثَ الْمَاضِيَةَ فِيهَا الْأَمْرُ بِإِخْرَاجِ مَنْ ذُكِرَ مِنْ أَهْلِ الْأَدْيَانِ غَيْرِ دِينِ الْإِسْلَامِ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ. وَالْحِجَازُ بَعْضُ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ.

وَوَرَدَ فِي حَدِيثِ أَبِي عُبَيْدَةَ الْأَمْرُ بِإِخْرَاجِهِمْ مِنْ الْحِجَازِ وَهُوَ بَعْضُ مُسَمَّى جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَالْحُكْمُ عَلَى بَعْضِ مُسَمَّيَاتِهَا بِحُكْمٍ لَا يُعَارِضُ الْحُكْمَ عَلَيْهَا كُلِّهَا بِذَلِكَ الْحُكْمِ كَمَا قُرِّرَ فِي الْأُصُولِ أَنَّ الْحُكْمَ عَلَى بَعْضِ أَفْرَادِ الْعَامِّ لَا يُخَصِّصُ الْعَامَّ وَهَذَا نَظِيرُهُ وَلَيْسَتْ جَزِيرَةُ الْعَرَبِ مِنْ أَلْفَاظِ الْعُمُومِ كَمَا وَهَمَ فِيهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ، وَغَايَةُ مَا أَفَادَهُ حَدِيثُ أَبِي عُبَيْدَةَ زِيَادَةُ التَّأْكِيدِ فِي إخْرَاجِهِمْ مِنْ الْحِجَازِ لِأَنَّهُ دَخَلَ إخْرَاجُهُمْ مِنْ الْحِجَازِ تَحْتَ الْأَمْرِ بِإِخْرَاجِهِمْ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ ثُمَّ أَفْرَدَ بِالْأَمْرِ زِيَادَةَ تَأْكِيدٍ لَا أَنَّهُ تَخْصِيصٌ أَوْ نَسْخٌ وَكَيْفَ وَقَدْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ صلى الله عليه وسلم «أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ» كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَوْصَى عِنْدَ مَوْتِهِ،.

وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَقُولُ: بَلَغَنِي أَنَّهُ كَانَ مِنْ آخِرِ مَا تَكَلَّمَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ «قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ لَا يَبْقَيْنَ دِينَانِ بِأَرْضِ الْعَرَبِ» وَأَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ إنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَحَدًا أَجْلَاهُمْ مِنْ الْيَمَنِ فَلَيْسَ تَرْكُ إجْلَائِهِمْ بِدَلِيلٍ فَإِنَّ أَعْذَارَ مَنْ تَرَكَ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، وَقَدْ تَرَكَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه إجْلَاءَ أَهْلِ الْحِجَاز مَعَ الِاتِّفَاقِ عَلَى وُجُوبِ إجْلَائِهِمْ لِشَغْلِهِ بِجِهَادِ أَهْلِ الرِّدَّةِ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُمْ لَا يُجْلَوْنَ بَلْ أَجْلَاهُمْ عُمَرُ رضي الله عنه.

وَأَمَّا الْقَوْلُ بِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم أَقَرَّهُمْ فِي الْيَمَنِ بِقَوْلِهِ لِمُعَاذٍ «خُذْ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا أَوْ عَدْلَهُ مَعَافِرِيًّا» فَهَذَا كَانَ قَبْلَ أَمْرِهِ صلى الله عليه وسلم بِإِخْرَاجِهِمْ فَإِنَّهُ كَانَ عِنْدَ وَفَاتِهِ كَمَا عَرَفْت. فَالْحَقُّ وُجُوبُ إجْلَائِهِمْ مِنْ الْيَمَنِ لِوُضُوحِ دَلِيلِهِ، وَكَذَا الْقَوْلُ بِأَنَّ تَقْرِيرَهُمْ فِي الْيَمَنِ قَدْ صَارَ إجْمَاعًا سُكُوتِيًّا لَا يَنْهَضُ عَلَى دَفْعِ الْأَحَادِيثِ فَإِنَّ السُّكُوتَ مِنْ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَمْرٍ وَقَعَ مِنْ الْآحَادِ أَوْ مِنْ خَلِيفَةٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ فِعْلِ مَحْظُورٍ أَوْ تَرْكِ وَاجِبٍ لَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ مَا وَقَعَ، وَلَا عَلَى جَوَازِ مَا تُرِكَ فَإِنَّهُ إنْ كَانَ الْوَاقِعُ فِعْلًا أَوْ تَرْكًا لِمُنْكَرٍ وَسَكَتُوا وَلَمْ يَدُلَّ سُكُوتُهُمْ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِمُنْكَرٍ لِمَا عُلِمَ مِنْ أَنَّ مَرَاتِبَ الْإِنْكَارِ ثَلَاثٌ بِالْيَدِ أَوْ اللِّسَانِ أَوْ الْقَلْبِ وَانْتِفَاءُ الْإِنْكَارِ بِالْيَدِ وَاللِّسَانِ لَا يَدُلُّ عَلَى انْتِفَائِهِ بِالْقَلْبِ وَحِينَئِذٍ فَلَا

ص: 490

1220 -

وَعَنْهُ رضي الله عنه قَالَ: «كَانَتْ أَمْوَالُ بَنِي النَّضِيرِ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِمَّا لَمْ يُوجِفْ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ، فَكَانَتْ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم خَاصَّةً. فَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَةٍ، وَمَا بَقِيَ يَجْعَلُهُ فِي الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ، عُدَّةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ عز وجل» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ

يَدُلُّ سُكُوتُهُ عَلَى تَقْرِيرِهِ لِمَا وَقَعَ حَتَّى يُقَالَ قَدْ أُجْمِعَ عَلَيْهِ إجْمَاعًا سُكُوتِيًّا إذْ لَا يَثْبُتُ أَنَّهُ قَدْ أَجْمَعَ السَّاكِتُ إذَا عُلِمَ رِضَاهُ حَتَّى يُقَالَ رِضَاهُ بِالْوَاقِعِ وَلَا يَعْلَمُ ذَلِكَ إلَّا عَلَّامُ الْغُيُوبِ.

وَبِهَذَا يُعْرَفُ بُطْلَانُ الْقَوْلِ بِأَنَّ الْإِجْمَاعَ السُّكُوتِيَّ حُجَّةٌ وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَدْ حَرَّرَ هَذَا فِي رَدِّ الْإِجْمَاعِ السُّكُوتِيِّ مَعَ وُضُوحِهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الْمُنْعِمِ الْمُتَفَضِّلِ فَقَدْ أَوْضَحْنَاهُ فِي رِسَالَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ فَالْعَجَبُ مِمَّنْ قَالَ: وَمِثْلُهُ قَدْ يُفِيدُ الْقَطْعَ وَكَذَلِكَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: إنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّ حَدِيثَ الْأَمْرِ بِالْإِخْرَاجِ كَانَ عِنْدَ سُكُوتِهِمْ بِغَيْرِ جِزْيَةٍ بَاطِلٌ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِإِخْرَاجِهِمْ عِنْدَ وَفَاتِهِ صلى الله عليه وسلم وَالْجِزْيَةُ فُرِضَتْ فِي التَّاسِعَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ عِنْدَ نُزُولِ بَرَاءَةٌ فَكَيْفَ يَتِمُّ هَذَا، ثُمَّ إنَّ عُمَرَ أَجْلَى أَهْلَ نَجْرَانَ وَقَدْ كَانَ صَالَحَهُمْ صلى الله عليه وسلم عَلَى مَالٍ وَاسِعٍ كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ وَهُوَ جِزْيَةٌ. وَالتَّكَلُّفُ لِتَقْوِيمِ مَا عَلَيْهِ النَّاسُ وَرَدُّ مَا وَرَدَ مِنْ النُّصُوصِ بِمِثْلِ هَذِهِ التَّأْوِيلَاتِ مِمَّا يُطِيلُ تَعَجُّبَ النَّاظِرِ الْمُنْصِفِ.

قَالَ النَّوَوِيُّ: قَالَ الْعُلَمَاءُ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَا يُمْنَعُ الْكُفَّارُ مِنْ التَّرَدُّدِ مُسَافِرِينَ إلَى الْحِجَازِ وَلَا يَمْكُثُونَ فِيهِ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، قَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَنْ وَافَقَهُ: إلَّا مَكَّةَ وَحَرَمَهَا فَلَا يَجُوزُ تَمْكِينُ كَافِرٍ مِنْ دُخُولِهَا بِحَالٍ. فَإِنْ دَخَلَ فِي خُفْيَةٍ وَجَبَ إخْرَاجُهُ فَإِنْ مَاتَ وَدُفِنَ فِيهِ نُبِشَ وَأُخْرِجَ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ وَحُجَّتُهُ قَوْله تَعَالَى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ} (قُلْت) وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْبَانِيَانِ هُمْ الْمَجُوسُ وَالْمَجُوسُ حُكْمُهُمْ مِنْ حُكْمِ أَهْلِ الْكِتَابِ لِحَدِيثِ «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ» فَيَجِبُ إخْرَاجُهُمْ مِنْ أَرْضِ الْيَمَنِ وَمِنْ كُلِّ مَحَلٍّ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَعَلَى فَرْضِ أَنَّهُمْ لَيْسُوا بِمَجُوسٍ فَالدَّلِيلُ عَلَى إخْرَاجِهِمْ دُخُولُهُمْ تَحْتَ «لَا يَجْتَمِعُ دِينَانِ فِي أَرْضِ الْعَرَبِ» . .

(وَعَنْهُ) أَيْ عُمَرَ رضي الله عنه (قَالَ كَانَتْ أَمْوَالُ بَنِي النَّضِيرِ) بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ تَحْتِيَّةٌ (مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِمَّا لَمْ يُوجِفْ) الْإِيجَافُ مِنْ الْوَجْفِ وَهُوَ السَّيْرُ السَّرِيعُ (عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ) الرِّكَابُ بِكَسْرِ الرَّاءِ الْإِبِلُ (فَكَانَتْ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم خَاصَّةً فَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَةٍ وَمَا بَقِيَ يَجْعَلُهُ فِي الْكُرَاعِ) بِالرَّاءِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ بِزِنَةِ غُرَابٍ اسْمٌ لِجَمِيعِ الْخَيْلِ (وَالسِّلَاحِ عُدَّةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى.

ص: 491

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) بَنُو النَّضِيرِ قَبِيلَةٌ كَبِيرَةٌ مِنْ الْيَهُودِ وَادَعَهُمْ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ قُدُومِهِ إلَى الْمَدِينَةِ عَلَى أَنْ لَا يُحَارِبُوهُ وَأَنْ لَا يُعِينُوا عَلَيْهِ عَدُوَّهُ وَكَانَتْ أَمْوَالُهُمْ وَنَخِيلُهُمْ وَمَنَازِلُهُمْ بِنَاحِيَةِ الْمَدِينَةِ فَنَكَثُوا الْعَهْدَ وَسَارَ مَعَهُمْ كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ فِي أَرْبَعِينَ رَاكِبًا إلَى قُرَيْشٍ فَحَالَفَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى رَأْسِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَاقِعَةِ بَدْرٍ كَمَا ذَكَرَهُ الزُّهْرِيُّ وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمَغَازِي أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ قِصَّةِ أُحُدٍ وَبِئْرِ مَعُونَةَ " وَخَرَجَ إلَيْهِمْ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَسْتَعِينُهُمْ فِي دِيَةِ رَجُلَيْنِ قَتَلَهُمَا عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ مِنْ بَنِي عَامِر فَجَلَسَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إلَى جَنْبِ جِدَارٍ لَهُمْ فَتَمَالَئُوا عَلَى إلْقَاءِ صَخْرَةٍ عَلَيْهِ مِنْ فَوْقِ ذَلِكَ الْجِدَارِ وَقَامَ بِذَلِكَ عَمْرُو بْنُ جِحَاشِ بْنِ كَعْبٍ فَأَتَاهُ الْخَبَرُ مِنْ السَّمَاءِ فَقَامَ مُظْهِرًا أَنَّهُ يَقْضِي حَاجَةً وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ لَا تَبْرَحُوا وَرَجَعَ مُسْرِعًا إلَى الْمَدِينَةِ فَاسْتَبْطَأَهُ أَصْحَابُهُ فَأُخْبِرُوا أَنَّهُ رَجَعَ إلَى الْمَدِينَةِ فَلَحِقُوا بِهِ فَأَمَرَ بِحَرْبِهِمْ وَالْمَسِيرَ إلَيْهِمْ فَتَحَصَّنُوا فَأَمَرَ بِقَطْعِ النَّخْلِ وَالتَّحْرِيقِ وَحَاصَرَهُمْ سِتَّ لَيَالٍ، وَكَانَ نَاسٌ مِنْ الْمُنَافِقِينَ بَعَثُوا إلَيْهِمْ أَنْ اُثْبُتُوا أَوْ تَمْنَعُوا فَإِنْ قُوتِلْتُمْ قَاتَلْنَا مَعَكُمْ فَتَرَبَّصُوا فَقَذَفَ اللَّهُ الرُّعْبَ فِي قُلُوبِهِمْ فَلَمْ يَنْصُرُوهُمْ، فَسَأَلُوا أَنْ يُجْلَوْا مِنْ أَرْضِهِمْ عَلَى أَنَّ لَهُمْ مَا حَمَلَتْ الْإِبِلُ فَصُولِحُوا عَلَى ذَلِكَ إلَّا الْحَلَقَةَ بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ اللَّامِ فَقَافٌ وَهِيَ السِّلَاحُ فَخَرَجُوا إلَى أَذْرَعَاتَ وَأَرْيِحَاءَ مِنْ الشَّامِ وَآخَرُونَ إلَى الْحِيرَةِ وَلَحِقَ آلَ أَبِي الْحَقِيق وَآلَ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ بِخَيْبَرَ وَكَانُوا أَوَّلَ مَنْ أُجْلِيَ مِنْ الْيَهُودِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:{لأَوَّلِ الْحَشْرِ} وَالْحَشْرُ الثَّانِي مِنْ خَيْبَرَ فِي أَيَّامِ عُمَرَ رضي الله عنه وَقَوْلُهُ: {وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ} الْفَيْءُ مَا أُخِذَ بِغَيْرِ قِتَالٍ، قَالَ فِي نِهَايَةِ الْمُجْتَهِدِ: إنَّهُ لَا خُمُسَ فِيهِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ. وَإِنَّمَا لَمْ يُوجَفْ عَلَيْهَا بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ لِأَنَّ بَنِي النَّضِيرِ كَانَتْ عَلَى مِيلَيْنِ مِنْ الْمَدِينَةِ فَمَشَوْا إلَيْهَا مُشَاةً غَيْرَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَإِنَّهُ رَكِبَ جَمَلًا أَوْ حِمَارًا وَلَمْ تَنَلْ أَصْحَابَهُ صلى الله عليه وسلم مَشَقَّةٌ فِي ذَلِكَ وَقَوْلُهُ: (كَانَ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ أَيْ مِمَّا اسْتَبَقَاهُ لِنَفْسِهِ وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يَعْزِلُ لَهُمْ نَفَقَةَ سَنَةٍ وَلَكِنَّهُ كَانَ يُنْفِقُهُ قَبْلَ انْقِضَاءِ السَّنَةِ فِي وُجُوهِ الْخَيْرِ وَلَا يَتِمُّ عَلَيْهِ السَّنَةُ وَلِهَذَا تُوُفِّيَ صلى الله عليه وسلم وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عَلَى شَعِيرٍ اسْتَدَانَهُ لِأَهْلِهِ. وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ ادِّخَارِ قُوتِ سَنَةٍ وَأَنَّهُ لَا يُنَافِي التَّوَكُّلَ وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِ الِادِّخَارِ مِمَّا يَسْتَغِلُّهُ الْإِنْسَانُ مِنْ أَرْضِهِ. وَأَمَّا إذَا أَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَهُ مِنْ السُّوقِ وَيَدَّخِرَهُ فَإِنْ كَانَ فِي وَقْتِ ضِيقِ الطَّعَامِ لَمْ يَجُزْ بَلْ يَشْتَرِي مَا لَا يَحْصُلُ بِهِ تَضْيِيقٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ كَقُوتِ أَيَّامٍ أَوْ شَهْرٍ، وَإِنْ كَانَ فِي وَقْتِ سَعَةٍ اشْتَرَى قُوتَ السَّنَةِ وَهَذَا التَّفْصِيلُ نَقَلَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ.

ص: 492

1221 -

وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رضي الله عنه قَالَ: «غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَيْبَرَ، فَأَصَبْنَا فِيهَا غَنَمًا، فَقَسَمَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم طَائِفَةً، وَجَعَلَ بَقِيَّتَهَا فِي الْمَغْنَمِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَرِجَالُهُ لَا بَأْسَ بِهِمْ.

1222 -

وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم «إنِّي لَا أَخِيسُ بِالْعَهْدِ وَلَا أَحْبِسُ الرُّسُلَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ

1223 -

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «أَيُّمَا قَرْيَةٍ أَتَيْتُمُوهَا فَأَقَمْتُمْ فِيهَا فَسَهْمُكُمْ فِيهَا، وَأَيُّمَا قَرْيَةٍ عَصَتْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَإِنَّ خُمُسَهَا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ هِيَ لَكُمْ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ

(وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رضي الله عنه قَالَ: «غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَيْبَرَ فَأَصَبْنَا فِيهَا غَنَمًا فَقَسَمَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم طَائِفَةً وَجَعَلَ بَقِيَّتَهَا فِي الْمَغْنَمِ»: رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَرِجَالُهُ لَا بَأْسَ بِهِمْ) الْحَدِيثُ مِنْ أَدِلَّةِ التَّنْفِيلِ وَقَدْ سَلَفَ الْكَلَامُ فِيهِ فَلَوْ ضَمَّهُ الْمُصَنِّفُ رحمه الله إلَيْهَا لَكَانَ أَوْلَى. .

(وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إنِّي لَا أَخِيسُ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ فَمُثَنَّاةٌ تَحْتِيَّةٌ فَسِينٌ مُهْمَلَةٌ فِي النِّهَايَةِ لَا أَنْقُضُهُ (بِالْعَهْدِ وَلَا أَحْبِسُ الرُّسُلَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ) فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى‌

‌ حِفْظِ الْعَهْدِ وَالْوَفَاءِ بِهِ

وَلَوْ لِكَافِرٍ وَعَلَى أَنَّهُ لَا يُحْبَسُ الرُّسُلُ بَلْ يَرُدُّ جَوَابَهُ فَكَأَنَّ وُصُولَهُ أَمَانٌ لَهُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْبَسَ بَلْ يُرَدَّ.

(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ «أَيُّمَا قَرْيَةٍ أَتَيْتُمُوهَا فَأَقَمْتُمْ فِيهَا فَسَهْمُكُمْ فِيهَا. وَأَيُّمَا قَرْيَةٍ عَصَتْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ خُمُسَهَا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ هِيَ لَكُمْ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ) قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي شَرْحِ مُسْلِم: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْقَرْيَةِ الْأُولَى

ص: 493

‌بَابُ الْجِزْيَةِ وَالْهُدْنَةِ

1224 -

عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ رضي الله عنه: «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَخَذَهَا - يَعْنِي الْجِزْيَةَ - مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَلَهُ طَرِيقٌ فِي الْمُوَطَّأِ فِيهَا انْقِطَاعٌ.

هِيَ الَّتِي لَمْ يُوجِفْ عَلَيْهَا الْمُسْلِمُونَ بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ بَلْ أُجْلِيَ عَنْهَا أَهْلُهَا وَصَالَحُوا فَيَكُونُ سَهْمُهُمْ فِيهَا أَيْ حَقُّهُمْ مِنْ الْعَطَاءِ كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْفَيْءِ وَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالثَّانِيَةِ مَا أُخِذَتْ عَنْوَةً فَيَكُونُ غَنِيمَةً يَخْرُجُ مِنْهَا الْخُمُسُ وَالْبَاقِي لِلْغَانِمِينَ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: " هِيَ لَكُمْ " أَيْ بَاقِيهَا وَقَدْ احْتَجَّ بِهِ مَنْ لَمْ يُوجِبْ الْخُمُسَ فِي الْفَيْءِ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَبْلَ الشَّافِعِيِّ قَالَ بِالْخُمُسِ فِي الْفَيْءِ.

(بَابُ الْجِزْيَةِ وَالْهُدْنَةِ) الْأَظْهَرُ فِي الْجِزْيَةِ أَنَّهَا مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْإِجْزَاءِ لِأَنَّهَا تَكْفِي مَنْ تُوضَعُ عَلَيْهِ فِي عِصْمَةِ دَمِهِ (وَالْهُدْنَةُ) هِيَ مُتَارَكَةُ أَهْلِ الْحَرْبِ مُدَّةً مَعْلُومَةً لِمَصْلَحَةٍ وَمَشْرُوعِيَّةُ الْجِزْيَةِ سَنَةَ تِسْعٍ عَلَى الْأَظْهَرِ وَقِيلَ سَنَةِ ثَمَانٍ.

(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ رضي الله عنه أَنَّ «النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَخَذَهَا - يَعْنِي الْجِزْيَةَ - مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَلَهُ طَرِيقٌ فِي الْمُوَطَّأِ فِيهَا انْقِطَاعٌ) وَهِيَ مَا أَخْرَجَهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْ مَجُوسِ الْبَحْرَيْنِ» قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَابْنُ شِهَابٍ إنَّمَا أَخَذَ حَدِيثَ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، وَابْنُ الْمُسَيِّبِ حَسَنُ الْمُرْسَلِ فَهَذَا هُوَ الِانْقِطَاعُ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ. وَأَخْرَجَ الشَّافِعِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ذَكَرَ الْمَجُوسَ فَقَالَ: لَا أَدْرِي كَيْفَ أَصْنَعُ فِي أَمْرِهِمْ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ» وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:«جَاءَ رَجُلٌ مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَلَمَّا خَرَجَ قُلْت لَهُ: مَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ فِيكُمْ قَالَ: شَرًّا، قُلْت: مَهْ، قَالَ: الْإِسْلَامُ أَوْ الْقَتْلُ» . قَالَ وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ قَبِلَ مِنْهُمْ الْجِزْيَةَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَأَخَذَ النَّاسُ بِقَوْلِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَتَرَكُوا مَا سَمِعْت (قُلْت) لِأَنَّ رِوَايَةَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْصُولَةٌ وَصَحِيحَةٌ وَرِوَايَةَ ابْنِ عَبَّاسٍ هِيَ عَنْ مَجُوسِيٍّ لَا تُقْبَلُ اتِّفَاقًا: وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ الْعَلَاءِ الْحَضْرَمِيِّ فِي آخِرِ حَدِيثِهِ بِلَفْظِ «سُنُّوا بِالْمَجُوسِ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ» وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ الْمُغِيرَةِ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ مَعَ فَارِسَ وَقَالَ فِيهِ «فَأَمَرَنَا نَبِيُّنَا صلى الله عليه وسلم أَنْ نُقَاتِلَكُمْ حَتَّى تَعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ أَوْ تُؤَدُّوا الْجِزْيَةَ» وَكَانَ أَهْلُ فَارِس مَجُوسًا. فَدَلَّتْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ عَلَى أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْ الْمَجُوسِ عُمُومًا وَمِنْ أَهْلِ هَجَرَ خُصُوصًا كَمَا دَلَّتْ الْآيَةُ عَلَى أَخْذِهَا

ص: 494

1225 -

وَعَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَنَسٍ، وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ رضي الله عنهم: أَنَّ «النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إلَى أُكَيْدِرِ دَوْمَةِ الْجَنْدَلِ، فَأَخَذُوهُ فَأَتَوْا بِهِ. فَحَقَنَ دَمَهُ، وَصَالَحَهُ عَلَى الْجِزْيَةِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد

مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَفِي امْتِنَاعِ عُمَرَ رضي الله عنه مِنْ أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْ الْمَجُوسِ حَتَّى شَهِدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَخَذَهَا مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ رَأْيَ الصَّحَابَةِ أَنْ لَا تُؤْخَذَ الْجِزْيَةُ مِنْ كُلِّ مُشْرِكٍ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْأَوْزَاعِيُّ وَإِنَّمَا تُقْبَلُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ. وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمَعْنَى الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ أُخِذَتْ الْجِزْيَةُ مِنْهُمْ. فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ فِي أَغْلَبِ قَوْلَيْهِ إلَى أَنَّهَا إنَّمَا قُبِلَتْ مِنْهُمْ لِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه. وَقَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَإِنَّمَا أُخِذَتْ الْجِزْيَةُ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى بِالْكِتَابِ وَمِنْ الْمَجُوسِ بِالسُّنَّةِ انْتَهَى (قُلْت) قَدَّمْنَا لَك أَنَّ الْحَقَّ أَخْذُ الْجِزْيَةِ مِنْ كُلِّ مُشْرِكٍ كَمَا دَلَّ لَهُ حَدِيثُ بُرَيْدَةَ وَلَا يَخْفَى أَنَّ فِي قَوْلِهِ «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ» مَا يُشْعِرُ بِأَنَّهُمْ لَيْسُوا بِأَهْلِ كِتَابٍ. وَيَدُلُّ لِمَا قَدَّمْنَاهُ قَوْلُهُ:

(وَعَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ) هُوَ أَبُو عَمْرٍو عَاصِمُ بْنُ عُمَر بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه الْعَدَوِيُّ الْقُرَشِيُّ. وُلِدَ قَبْلَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِسَنَتَيْنِ وَكَانَ وَسِيمًا جَسِيمًا خَيِّرًا فَاضِلًا شَاعِرًا، مَاتَ سَنَةَ سَبْعِينَ قَبْلَ مَوْتِ أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بِأَرْبَعِ سِنِينَ؛ وَهُوَ جَدُّ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ لِأُمِّهِ رَوَى عَنْهُ أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ (عَنْ أَنَسٍ) أَيْ ابْنِ مَالِكٍ (وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ) أَيْ ابْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمِ الْقُرَشِيِّ الْمَكِّيِّ، سَمِعَ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَعَامِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَغَيْرَهُمْ (أَنَّ «النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إلَى أُكَيْدِرِ» بِضَمِّ الْهَمْزَةِ بَعْدَ الْكَافِ مُثَنَّاةٌ تَحْتِيَّةٌ فَدَالٌ مُهْمَلَةٌ فَرَاءٌ (دَوْمَةِ) بِضَمِّ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ، وَدَوْمَةُ الْجَنْدَلِ اسْمُ مَحَلٍّ «فَأَخَذُوهُ وَأَتَوْا بِهِ فَحَقَنَ دَمَهُ وَصَالَحَهُ عَلَى الْجِزْيَةِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) قَالَ الْخَطَّابِيُّ أُكَيْدِرُ دَوْمَةَ رَجُلٌ مِنْ الْعَرَبِ يُقَالُ إنَّهُ مِنْ غَسَّانَ. فَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى‌

‌ أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْ الْعَرَبِ

كَجَوَازِهِ مِنْ الْعَجَمِ انْتَهَى

ص: 495

1226 -

وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رضي الله عنه قَالَ: «بَعَثَنِي النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إلَى الْيَمَنِ. فَأَمَرَنِي أَنْ آخُذَ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا، أَوْ عِدْلَهُ مَعَافِرِيًّا» أَخْرَجَهُ الثَّلَاثَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ

(قُلْت) فَهُوَ مِنْ أَدِلَّةِ مَا قَدَّمْنَاهُ وَكَانَ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ خَالِدًا مِنْ تَبُوكَ وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِهَا فِي آخِرِ غَزْوَةٍ غَزَاهَا وَقَالَ لِخَالِدٍ «إنَّك تَجِدُهُ يَصِيدُ الْبَقَرَ، فَمَضَى خَالِدٌ حَتَّى إذَا كَانَ مِنْ حِصْنِهِ بِمُبْصِرِ الْعَيْنِ فِي لَيْلَةٍ مُقْمِرَةٍ أَقَامَ وَجَاءَتْ بَقَرُ الْوَحْشِ حَتَّى حَكَّتْ قُرُونَهَا بِبَابِ الْقَصْرِ فَخَرَجَ إلَيْهَا أُكَيْدِرُ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ خَاصَّتِهِ فَتَلَقَّتْهُمْ جُنْدُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَخَذُوا أُكَيْدِرَ وَقَتَلُوا أَخَاهُ حَسَّانَ فَحَقَنَ رَسُولُ اللَّهِ دَمَهُ وَكَانَ نَصْرَانِيًّا وَاسْتَلَبَ خَالِدٌ مِنْ حَسَّانَ قَبَاءَ دِيبَاجٍ مُخَوَّصًا بِالذَّهَبِ وَبَعَثَ بِهِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَجَازَ خَالِدٌ أُكَيْدِرَ مِنْ الْقَتْلِ حَتَّى يَأْتِيَ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى أَنْ يَفْتَحَ لَهُ دَوْمَةَ الْجَنْدَلِ، فَفَعَلَ، وَصَالَحَهُ عَلَى أَلْفَيْ بَعِيرٍ وَثَمَانِمِائَةِ رَأْسٍ وَأَلْفَيْ دِرْعٍ وَأَرْبَعِمِائَةِ رُمْحٍ فَعَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَفِيَّةَ خَالِصًا ثُمَّ قَسَمَ الْغَنِيمَةَ - الْحَدِيثَ» وَفِيهِ أَنَّهُ قَدِمَ خَالِدٌ بِأُكَيْدِرٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَدَعَاهُ إلَى الْإِسْلَامِ فَأَبَى فَأَقَرَّهُ عَلَى الْجِزْيَةِ.

(وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رضي الله عنه قَالَ: «بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إلَى الْيَمَنِ وَأَمَرَنِي أَنْ آخُذَ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا أَوْ عِدْلَهُ» بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ مَفْتُوحَةً وَتُكْسَرُ الْمِثْلُ وَقِيلَ بِالْفَتْحِ مَا عَادَلَهُ مِنْ جِنْسِهِ وَبِالْكَسْرِ مَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِهِ وَقِيلَ بِالْعَكْسِ كَمَا فِي النِّهَايَةِ ثُمَّ دَالٌ مُهْمَلَةٌ (مَعَافِرِيًّا) بِفَتْحِ الْمِيمِ فَعَيْنٌ مُهْمَلَةٌ بَعْدَهَا أَلِفٌ فَفَاءٌ وَرَاءٌ بَعْدَهَا يَاءُ النِّسْبَةِ إلَى مَعَافِرَ وَهِيَ بَلَدٌ بِالْيَمَنِ تُصْنَعُ فِيهَا الثِّيَابُ فَنُسِبَتْ إلَيْهَا فَالْمُرَادُ أَوْ عِدْلَهُ ثَوْبًا مَعَافِرِيًّا (أَخْرَجَهُ الثَّلَاثَةُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ) وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَذُكِرَ أَنَّ بَعْضَهُمْ رَوَاهُ مُرْسَلًا وَأَنَّهُ أَصَحُّ وَأَعَلَّهُ ابْنُ حَزْمٍ بِالِانْقِطَاعِ أَنَّ مَسْرُوقًا لَمْ يَلْقَ مُعَاذًا وَفِيهِ نَظَرٌ. وَقَالَ أَبُو دَاوُد إنَّهُ مُنْكَرٌ، قَالَ: وَبَلَغَنِي عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ كَانَ يُنْكِرُ هَذَا الْحَدِيثَ إنْكَارًا شَدِيدًا قَالَ الْبَيْهَقِيُّ إنَّمَا الْمُنْكَرُ رِوَايَةُ أَبِي مُعَاوِيَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ مُعَاذٍ، فَأَمَّا رِوَايَةُ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ مَسْرُوقٍ فَإِنَّهَا مَحْفُوظَةٌ قَدْ رَوَاهَا عَنْ الْأَعْمَشِ جَمَاعَةٌ.

ص: 496

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

مِنْهُمْ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَشُعْبَةَ وَمَعْمَرٌ وَأَبُو عَوَانَةَ وَيَحْيَى بْنُ شُعْبَةَ وَحَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ وَقَالَ بَعْضُهُمْ عَنْ مُعَاذٍ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا إلَى الْيَمَنِ أَوْ مَعْنَاهُ. وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى تَقْدِيرِ الْجِزْيَةِ بِالدِّينَارِ مِنْ الذَّهَبِ عَلَى كُلِّ حَالِمٍ أَيْ بَالِغٍ وَفِي رِوَايَةٍ مُحْتَلِمٍ وَظَاهِرُ إطْلَاقِهِ سَوَاءٌ كَانَ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يُؤْخَذُ الدِّينَارُ مِمَّنْ ذُكِرَ فِي السَّنَةِ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ فَقَالَ: أَقَلُّ مَا يُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ دِينَارٌ عَنْ كُلِّ حَالِمٍ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ فَقَالَ الْجِزْيَةُ دِينَارٌ أَوْ عِدْلُهُ مِنْ الْمَعَافِرِيِّ لَا يُزَادُ عَلَيْهِ وَلَا يُنْقَصُ إلَّا أَنَّ الشَّافِعِيَّ جَعَلَ ذَلِكَ حَدًّا فِي جَانِبِ الْقِلَّةِ وَأَمَّا الزِّيَادَةُ فَتَجُوزُ لِمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم صَالَحَ أَهْلَ نَجْرَانَ عَلَى أَلْفَيْ حُلَّةٍ النِّصْفُ فِي مُحَرَّمٍ وَالنِّصْفُ فِي رَجَبٍ يُؤَدُّونَهَا إلَى الْمُسْلِمِينَ وَعَارِيَّةِ ثَلَاثِينَ دِرْعًا وَثَلَاثِينَ فَرَسًا. وَثَلَاثِينَ بَعِيرًا أَوْ ثَلَاثِينَ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ مِنْ أَصْنَافِ السِّلَاحِ يَغْزُو بِهَا الْمُسْلِمُونَ ضَامِنِينَ لَهَا حَتَّى يَرُدُّوهَا عَلَيْهِمْ إنْ كَانَ بِالْيَمَنِ كَيْدٌ» قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَقَدْ سَمِعْت بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَمِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ يَذْكُرُ أَنَّ قِيمَةَ مَا أَخَذُوا مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ أَكْثَرَ مِنْ دِينَارٍ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ عُمَرُ فَإِنَّهُ أَخَذَ زَائِدًا عَلَى الدِّينَارِ، وَذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ إلَى أَنَّهُ لَا تَوْقِيفَ فِي الْجِزْيَةِ فِي الْقِلَّةِ وَلَا فِي الْكَثْرَةِ وَأَنَّ ذَلِكَ مَوْكُولٌ إلَى نَظَرِ الْإِمَامِ، وَيَجْعَلُ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ مَحْمُولَةً عَلَى التَّخْيِيرِ وَالنَّظَرِ فِي الْمَصْلَحَةِ. وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ لَا تُؤْخَذُ مِنْ الْأُنْثَى لِقَوْلِهِ " حَالِمٍ " قَالَ فِي نِهَايَةِ الْمُجْتَهِدِ: اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا تَجِبُ الْجِزْيَةُ إلَّا بِثَلَاثَةِ أَوْصَافٍ الذُّكُورَةِ وَالْبُلُوغِ وَالْحُرِّيَّةِ. وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَجْنُونِ الْمُقْعَدِ وَالشَّيْخِ وَأَهْلِ الصَّوَامِعِ وَالْفَقِيرِ قَالَ: وَكُلُّ هَذِهِ مَسَائِلُ اجْتِهَادِيَّةٌ لَيْسَ فِيهَا تَوْقِيفٌ شَرْعِيٌّ قَالَ: وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ هَلْ يُقْتَلُونَ أَمْ لَا؟ (اهـ). هَذَا وَأَمَّا رِوَايَةُ الْبَيْهَقِيّ عَنْ الْحَكَمِ عَنْ عُتَيْبَةَ أَنَّ «النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَتَبَ إلَى مُعَاذٍ بِالْيَمَنِ عَلَى كُلِّ حَالِمٍ أَوْ حَالِمَةٍ دِينَارٌ أَوْ قِيمَتُهُ» فَإِسْنَادُهَا مُنْقَطِعٌ وَقَدْ وَصَلَهُ أَبُو شَيْبَةَ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ عَنْ مِقْسَمٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظِ «فَعَلَى كُلِّ حَالِمٍ دِينَارٌ أَوْ عِدْلُهُ مِنْ الْمَعَافِرِ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ دِينَارٌ أَوْ عِوَضُهُ مِنْ الثِّيَابِ» لَكِنَّهُ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: أَبُو شَيْبَةَ ضَعِيفٌ، وَفِي الْبَابِ عَنْ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ وَلَكِنَّهُ مُنْقَطِعٌ وَعَنْ عُرْوَةَ وَفِيهِ انْقِطَاعٌ وَعَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ مُعَاذٍ وَفِيهِ " وَحَالِمَةٍ " لَكِنْ قَالَ أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ: إنَّ مَعْمَرًا إذَا رَوَى عَنْ غَيْرِ الزُّهْرِيِّ غَلِطَ كَثِيرًا. وَبِهِ يُعْرَفُ أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِي أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْ الْأُنْثَى حَدِيثٌ يُعْمَلُ بِهِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: سَأَلْت مُحَمَّدَ بْنَ خَالِدٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ مُسْلِمٍ وَعَدَدًا مِنْ

ص: 497

1227 -

وَعَنْ عَائِذِ بْنِ عَمْرٍو الْمُزَنِيِّ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «الْإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى» أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ.

1228 -

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَا تَبْدَءُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى بِالسَّلَامِ، وَإِذَا لَقِيتُمْ أَحَدَهُمْ فِي طَرِيقٍ فَاضْطَرُّوهُ إلَى أَضْيَقِهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

عُلَمَاءِ أَهْلِ الْيَمْنِ وَكُلُّهُمْ حَكَوْا عَنْ عَدَدٍ مَضَوْا قَبْلَهُمْ يَحْكُونَ عَنْ عَدَدٍ مَضَوْا قَبْلَهُمْ كُلُّهُمْ ثِقَةٌ أَنَّ صُلْحَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم كَانَ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ بِالْيَمَنِ عَلَى دِينَارٍ كُلَّ سَنَةٍ وَلَا يُثْبِتُونَ أَنَّ النِّسَاءَ كُنَّ مِمَّنْ يُؤْخَذُ مِنْهُ الْجِزْيَةُ، وَقَالَ عَامَّتُهُمْ: وَلَمْ يُؤْخَذْ مِنْ زُرُوعِهِمْ وَقَدْ كَانَ لَهُمْ زُرُوعٌ وَلَا مِنْ مَوَاشِيهِمْ شَيْئًا عَلِمْنَاهُ، قَالَ: وَسَأَلْت عَدَدًا كَبِيرًا مِنْ ذِمَّةِ أَهْلِ الْيَمَنِ مُتَفَرِّقِينَ فِي بُلْدَانِ الْيَمَنِ فَكُلُّهُمْ أَثْبَتَ لِي - لَا يَخْتَلِفُ قَوْلُهُمْ - أَنَّ مُعَاذًا أَخَذَ مِنْهُمْ دِينَارًا عَنْ كُلِّ بَالِغٍ مِنْهُمْ وَسَمَّوْا الْبَالِغَ حَالِمًا قَالُوا: وَكَانَ فِي كِتَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مَعَ مُعَاذٍ «إنَّ عَلَى كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا» وَاعْلَمْ أَنَّهُ يُفْهَمُ مِنْ حَدِيثِ مُعَاذٍ هَذَا وَحَدِيثِ بُرَيْدَةَ الْمُتَقَدِّمِ أَنَّهُ يَجِبُ قَبُولُ الْجِزْيَةِ مِمَّنْ بَذَلَهَا وَيَحْرُمُ قَتْلُهُ وَهُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ قَوْله تَعَالَى: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ} الْآيَةَ أَنَّهُ يَنْقَطِعُ الْقِتَالُ الْمَأْمُورُ بِهِ فِي صَدْرِ الْآيَةِ مِنْ قَوْله تَعَالَى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ} بِإِعْطَاءِ الْجِزْيَةِ وَأَمَّا جَوَازُهُ وَعَدَمُ قَبُولِ الْجِزْيَةِ فَتَدُلُّ الْآيَةُ عَلَى النَّهْيِ عَنْ الْقِتَالِ عِنْدَ حُصُولِ الْغَايَةِ وَهُوَ إعْطَاءُ الْجِزْيَةِ فَيَحْرُمُ قِتَالُهُمْ بَعْدَ إعْطَائِهَا. .

(وَعَنْ عَائِذِ بْنِ عَمْرٍو الْمُزَنِيِّ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «الْإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى». أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى عُلُوِّ أَهْلِ الْإِسْلَامِ عَلَى أَهْلِ الْأَدْيَانِ فِي كُلِّ أَمْرٍ لِإِطْلَاقِهِ فَالْحَقُّ لِأَهْلِ الْإِيمَانِ إذَا عَارَضَهُمْ غَيْرُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ كَمَا أُشِيرَ إلَيْهِ فِي إلْجَائِهِمْ إلَى مَضَايِقِ الطُّرُقِ وَلَا يَزَالُ دِينُ الْحَقِّ يَعْلُو وَيَزْدَادُ عُلُوًّا وَالدَّاخِلُونَ فِيهِ أَكْثَرُ فِي كُلِّ عَصْرٍ مِنْ الْأَعْصَارِ.

ص: 498

1229 -

وَعَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ وَمَرْوَانَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ، وَفِيهِ «هَذَا مَا صَالَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو:

(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَا تَبْدَءُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى بِالسَّلَامِ وَإِذَا لَقِيتُمْ أَحَدَهُمْ فِي طَرِيقٍ فَاضْطَرُّوهُ إلَى أَضْيَقِهِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى‌

‌ تَحْرِيمِ ابْتِدَاءِ الْمُسْلِمِ لِلْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ بِالسَّلَامِ

لِأَنَّ ذَلِكَ أَصْلُ النَّهْيِ وَحَمْلُهُ عَلَى الْكَرَاهَةِ خِلَافُ أَصْلِهِ وَعَلَيْهِ حَمَلَهُ الْأَقَلُّ. وَإِلَى التَّحْرِيمِ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَذَهَبَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ ابْنُ عَبَّاسٍ إلَى جَوَازِ الِابْتِدَاءِ لَهُمْ بِالسَّلَامِ وَهُوَ وَجْهٌ لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ إلَّا أَنَّهُ قَالَ الْمَازِرِيُّ إنَّهُ يُقَالُ: السَّلَامُ عَلَيْك بِالْإِفْرَادِ، وَلَا يُقَالُ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، وَاحْتَجَّ لَهُمْ بِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى:{وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} وَأَحَادِيثُ الْأَمْرِ بِإِفْشَاءِ السَّلَامِ. وَالْجَوَابُ أَنَّ هَذِهِ الْعُمُومَاتِ مَخْصُوصَةٌ بِحَدِيثِ الْبَابِ وَهَذَا إذَا كَانَ الذِّمِّيُّ مُنْفَرِدًا وَأَمَّا إذَا كَانَ مَعَهُ مُسْلِمٌ جَازَ الِابْتِدَاءُ بِالسَّلَامِ يَنْوِي بِهِ الْمُسْلِمَ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم سَلَّمَ عَلَى مَجْلِسٍ فِيهِ أَخْلَاطٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَالْمُسْلِمِينَ. وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ لَا تَبْدَءُوا أَنَّهُ لَا يَنْهَى عَنْ الْجَوَابِ عَلَيْهِمْ إنْ سَلَّمُوا، وَيَدُلُّ لَهُ عُمُومُ قَوْله تَعَالَى:{وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} وَأَحَادِيثُ «إذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَقُولُوا: وَعَلَيْكُمْ» وَفِي رِوَايَةٍ «إنَّ الْيَهُودَ إذَا سَلَّمُوا عَلَيْكُمْ يَقُولُ أَحَدُهُمْ السَّامُ عَلَيْكُمْ فَقُولُوا وَعَلَيْك» وَفِي رِوَايَةٍ " قُلْ وَعَلَيْك " أَخْرَجَهَا مُسْلِمٌ وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُرَدُّ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَكِنَّهُ يَقْتَصِرُ عَلَى قَوْلِهِ وَعَلَيْكُمْ وَهُوَ هَكَذَا بِالْوَاوِ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي رِوَايَاتٍ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: عَامَّةُ الْمُحَدِّثِينَ يَرْوُونَ هَذَا الْحَرْفَ بِالْوَاوِ، قَالُوا: وَكَانَ ابْنُ عُيَيْنَةَ يَرْوِيهِ بِغَيْرِ الْوَاوِ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ هَذَا هُوَ الصَّوَابُ لِأَنَّهُ إذَا حُذِفَ صَارَ كَلَامُهُ بِعَيْنِهِ مَرْدُودًا عَلَيْهِمْ خَاصَّةً وَإِذَا أَثْبَتَ الْوَاوَ اقْتَضَى الْمُشَارَكَةَ مَعَهُمْ فِيمَا قَالُوا، قَالَ النَّوَوِيُّ: إثْبَاتُ الْوَاوِ وَحَذْفُهَا جَائِزٌ إنْ صَحَّتْ بِهِ الرِّوَايَاتُ فَإِنَّ الْوَاوَ وَإِنْ اقْتَضَتْ الْمُشَارَكَةَ فَالْمَوْتُ هُوَ عَلَيْنَا وَعَلَيْهِمْ وَلَا امْتِنَاعَ. وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى إلْجَائِهِمْ إلَى مَضِيقِ الطُّرُقِ إذَا اشْتَرَكُوا هُمْ وَالْمُسْلِمُونَ فِي الطَّرِيقِ فَيَكُونُ وَاسِعُهُ لِلْمُسْلِمِينَ فَإِنْ خَلَتْ الطَّرِيقُ عَنْ الْمُسْلِمِينَ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِمْ، وَأَمَّا مَا يَفْعَلُهُ الْيَهُودُ فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ مِنْ تَعَمُّدِ جَعْلِ الْمُسْلِمِ عَلَى يَسَارِهِمْ إذَا لَاقَاهُمْ فِي الطَّرِيقِ فَشَيْءٌ ابْتَدَعُوهُ لَمْ يُرْوَ فِيهِ شَيْءٌ وَكَأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ التَّفَاؤُلَ بِأَنَّهُمْ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ فَيَنْبَغِي مَنْعُهُمْ مِمَّا يَتَعَمَّدُونَهُ مِنْ ذَلِكَ لِشِدَّةِ مُحَافَظَتِهِمْ عَلَيْهِ وَمُضَادَّةِ الْمُسْلِمِ.

ص: 499

عَلَى وَضْعِ الْحَرْبِ عَشْرَ سِنِينَ يَأْمَنُ فِيهَا النَّاسُ، وَيَكُفُّ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَأَصْلُهُ فِي الْبُخَارِيِّ

1230 -

وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ بَعْضَهُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ رضي الله عنه، وَفِيهِ:«أَنَّ مَنْ جَاءَنَا مِنْكُمْ لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكُمْ، وَمَنْ جَاءَكُمْ مِنَّا رَدَدْتُمُوهُ عَلَيْنَا فَقَالُوا: أَتَكْتُبُ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، إنَّهُ مَنْ ذَهَبَ مِنَّا إلَيْهِمْ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، وَمَنْ جَاءَنَا مِنْهُمْ فَسَيَجْعَلُ اللَّهُ لَهُ فَرَجًا وَمَخْرَجًا»

(وَعَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ وَمَرْوَانَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ) هَكَذَا فِي نُسَخِ بُلُوغِ الْمَرَامِ بِإِفْرَادِ ذَكَرَ وَكَانَ الظَّاهِرُ فَذَكَرَا بِضَمِيرِ التَّثْنِيَةِ لِيَعُودَ إلَى الْمِسْوَرِ وَمَرْوَانَ وَكَأَنَّهُ أَرَادَ فَذَكَرَ أَيْ الرَّاوِي (بِطُولِهِ وَفِيهِ: هَذَا مَا صَالَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو عَلَى وَضْعِ الْحَرْبِ عَشْرَ سِنِينَ يَأْمَنُ فِيهَا النَّاسُ وَيَكُفُّ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَأَصْلُهُ فِي الْبُخَارِيِّ) الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْمُهَادَنَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَعْدَائِهِمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ مُدَّةً مَعْلُومَةً لِمَصْلَحَةٍ يَرَاهَا الْإِمَامُ وَإِنْ كَرِهَ ذَلِكَ أَصْحَابُهُ فَإِنَّهُ ذُكِرَ فِي الْمُهَادَنَةِ مَا يُفِيدُهُ الْحَدِيثُ الْآتِي وَهُوَ قَوْلُهُ:

(وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ بَعْضَهُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَفِيهِ أَنَّ «مَنْ جَاءَ مِنْكُمْ لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكُمْ وَمَنْ جَاءَكُمْ مِنَّا رَدَدْتُمُوهُ عَلَيْنَا» أَيْ مَنْ جَاءَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إلَى كُفَّارِ مَكَّةَ لَمْ يَرُدُّوهُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَمَنْ جَاءَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ إلَيْهِ صلى الله عليه وسلم رَدَّهُ إلَيْهِمْ فَكَرِهَ الْمُسْلِمُونَ ذَلِكَ «فَقَالُوا: أَتَكْتُبُ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ إنَّهُ مَنْ ذَهَبَ مِنَّا إلَيْهِمْ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ وَمَنْ جَاءَنَا مِنْهُمْ فَسَيَجْعَلُ اللَّهُ لَهُ فَرَجًا وَمَخْرَجًا» فَإِنَّهُ صلى الله عليه وسلم كُتِبَ هَذَا الشَّرْطُ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ كَرَاهَةِ أَصْحَابِهِ لَهُ وَالْحَدِيثُ طَوِيلٌ سَاقَهُ أَئِمَّةُ السِّيَرِ فِي قِصَّةِ الْحُدَيْبِيَةِ وَاسْتَوْفَاهُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي زَادِ الْمَعَادِ وَذَكَرَ فِيهِ كَثِيرًا مِنْ الْفَوَائِدِ وَفِيهِ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم رَدَّ إلَيْهِمْ أَبَا جَنْدَلِ بْنِ سُهَيْلٍ وَقَدْ جَاءَ مُسْلِمًا قَبْلَ تَمَامِ كِتَابِ الصُّلْحِ وَأَنَّهُ بَعْدَ رَدِّهِ إلَيْهِمْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ فَرَجًا وَمَخْرَجًا فَفَرَّ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ أَقَامَ بِمَحَلٍّ عَلَى طَرِيقِهِمْ يَقْطَعُهَا عَلَيْهِمْ وَانْضَافَ إلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى ضَيَّقَ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ مَسَالِكَهُمْ وَالْقِصَّةُ مَبْسُوطَةٌ فِي كِتَابِ السِّيَرِ.

وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَرُدَّ النِّسَاءَ الْخَارِجَاتِ إلَيْهِ فَقِيلَ لِأَنَّ الصُّلْحَ إنَّمَا وَقَعَ فِي حَقِّ الرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ، وَأَرَادَتْ قُرَيْشٌ تَعْمِيمَ ذَلِكَ فِي الْفَرِيقَيْنِ، فَإِنَّهَا لَمَّا خَرَجَتْ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ أَبِي مُعَيْطٍ مُهَاجِرَةً طَلَبَ الْمُشْرِكُونَ رُجُوعَهَا فَمَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ ذَلِكَ وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى الْآيَةَ وَفِيهَا:{فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ} الْآيَةَ.

ص: 500

1231 -

وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.

وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الصُّلْحِ عَلَى رَدِّ مَنْ وَصَلَ إلَيْنَا مِنْ الْعَدُوِّ كَمَا فَعَلَهُ صلى الله عليه وسلم، وَعَلَى أَلَّا يَرُدُّوا مَنْ وَصَلَ مِنَّا إلَيْهِمْ.

(وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرَحْ» بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ أَصْلُهُ يَرَاحُ أَيْ لَمْ يَجِدْ «رَائِحَةَ الْجَنَّةِ وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا». أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ) وَفِي لَفْظٍ لِلْبُخَارِيِّ «مَنْ قَتَلَ نَفْسًا مُعَاهَدًا لَهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ» - الْحَدِيثَ " وَفِي لَفْظٍ لَهُ تَقْيِيدُ ذَلِكَ بِغَيْرِ جُرْمٍ وَفِي لَفْظٍ لَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ. وَعِنْدَ أَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ بِغَيْرِ حِلِّهَا وَالتَّقْيِيدُ مَعْلُومٌ مِنْ قَوَاعِدِ الشَّرْعِ. وَقَوْلُهُ (مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا) وَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ سَبْعِينَ عَامًا وَوَقَعَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعِنْدَ الْبَيْهَقِيّ مِنْ رِوَايَةِ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ عَنْ ثَلَاثِينَ مِنْ أَبْنَاءِ الصَّحَابَةِ بِلَفْظِ " سَبْعِينَ خَرِيفًا " وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَسِيرَةِ مِائَةِ عَامٍ وَفِيهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ وَهُوَ فِي الْمُوَطَّأِ مِنْ حَدِيثٍ آخَرَ وَفِي مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ عَنْ جَابِرٍ «إنَّ رِيحَ الْجَنَّةِ لَيُدْرَكُ مِنْ مَسِيرَةِ أَلْفِ عَامٍ» وَقَدْ جَمَعَ الْعُلَمَاءُ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ مَا حَاصِلُهُ: إنَّ ذَلِكَ الْإِدْرَاكَ فِي مَوْقِفِ الْقِيَامَةِ وَأَنَّهُ يَتَفَاوَتُ بِتَفَاوُتِ مَرَاتِبِ الْأَشْخَاصِ فَاَلَّذِي يُدْرِكُهُ مِنْ مَسِيرَةِ خَمْسِمِائَةٍ أَفْضَلُ مِنْ صَاحِبِ السَّبْعِينَ إلَى آخِرِ ذَلِكَ وَقَدْ أَشَارَ إلَى ذَلِكَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ وَرَأَيْت نَحْوَهُ فِي كَلَامِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ قَتْلِ الْمُعَاهَدِ وَتَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي الِاقْتِصَاصِ مِنْ قَاتِلِهِ، وَقَالَ الْمُهَلَّبِ: هَذَا فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ إذَا قَتَلَ الْمُعَاهَدَ أَوْ الذِّمِّيَّ لَا يُقْتَصُّ مِنْهُ، قَالَ: لِأَنَّهُ اقْتَصَرَ فِيهِ عَلَى ذِكْرِ الْوَعِيدِ الْأُخْرَوِيِّ دُونَ الدُّنْيَوِيِّ هَذَا كَلَامُهُ.

ص: 501

‌بَابُ السَّبْقِ وَالرَّمْيِ

1232 -

عَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: «سَابَقَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِالْخَيْلِ الَّتِي قَدْ ضُمِّرَتْ، مِنْ الْحَفْيَاءِ، وَكَانَ أَمَدُهَا ثَنِيَّةَ الْوَدَاعِ وَسَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الَّتِي لَمْ تُضَمَّرْ مِنْ الثَّنِيَّةِ إلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ فِيمَنْ سَابَقَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. زَادَ الْبُخَارِيُّ، قَالَ سُفْيَانُ: مِنْ الْحَفْيَاءِ إلَى ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ خَمْسَةُ أَمْيَالٍ، أَوْ سِتَّةٌ، وَمِنْ الثَّنِيَّةِ إلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ مِيلٌ.

السَّبْقُ: بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ مَصْدَرٌ وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا وَيُقَالُ بِتَحْرِيكِ الْمُوَحَّدَةِ، وَهُوَ الرَّهْنُ الَّذِي يُوضَعُ لِذَلِكَ (وَالرَّمْيُ) مَصْدَرُ رَمَى وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الْمُنَاضَلَةُ بِالسِّهَامِ لِلسَّبْقِ.

(عَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: «سَابَقَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِالْخَيْلِ الَّتِي قَدْ ضُمِّرَتْ» مِنْ التَّضْمِيرِ وَهُوَ كَمَا فِي النِّهَايَةِ أَنْ يُظَاهَرَ عَلَيْهَا بِالْعَلَفِ حَتَّى تَسْمَنَ ثُمَّ لَا تُعْلَفَ إلَّا قُوتَهَا لِتَخِفَّ زَادَ فِي الصِّحَاحِ، وَذَلِكَ فِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَهَذِهِ الْمُدَّةُ تُسَمَّى الْمِضْمَارَ وَالْمَوْضِعُ الَّذِي يُضَمَّرُ فِيهِ الْخَيْلُ أَيْضًا مِضْمَارٌ وَقِيلَ تُشَدُّ عَلَيْهَا سُرُوجُهَا وَتُجَلَّلُ بِالْأَجِلَّةِ حَتَّى تَعْرَقَ فَيَذْهَبَ رَهَلُهَا وَيَشْتَدَّ لَحْمُهَا (مِنْ الْحَفْيَاءِ) بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْفَاءِ بَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ تَحْتِيَّةٌ مَمْدُودَةٌ وَقَدْ تُقْصَرُ مَكَانٌ خَارِجَ الْمَدِينَةِ (وَكَانَ أَمَدُهَا) بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ غَايَتُهَا (ثَنِيَّةُ الْوَدَاعِ) مَحَلٌّ قَرِيبٌ مِنْ الْمَدِينَةِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْخَارِجَ مِنْ الْمَدِينَةِ يَمْشِي مَعَهُ الْمُوَدِّعُونَ إلَيْهَا «وَسَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الَّتِي لَمْ تُضَمَّرْ مِنْ الثَّنِيَّةِ إلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ فِيمَنْ سَابَقَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ زَادَ الْبُخَارِيُّ) مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ (قَالَ سُفْيَانُ مِنْ الْحَفْيَاءِ إلَى ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ خَمْسَةُ أَمْيَالٍ أَوْ سِتَّةٌ وَمِنْ الثَّنِيَّةِ إلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ مِيلٌ) الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ السِّبَاقِ وَأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْعَبَثِ بَلْ مِنْ الرِّيَاضَةِ الْمَحْمُودَةِ الْمُوصِلَةِ إلَى تَحْصِيلِ الْمَقَاصِدِ فِي الْغَزْوِ وَالِانْتِفَاعِ بِهَا فِي الْجِهَادِ وَهِيَ دَائِرَةٌ بَيْنَ الِاسْتِحْبَابِ وَالْإِبَاحَةِ بِحَسَبِ الْبَاعِثِ عَلَى ذَلِكَ.

قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: لَا خِلَافَ فِي جَوَازِ الْمُسَابَقَةِ عَلَى الْخَيْلِ وَغَيْرِهَا مِنْ الدَّوَابِّ وَعَلَى الْأَقْدَامِ وَكَذَا التَّرَامِي بِالسِّهَامِ وَاسْتِعْمَالُ الْأَسْلِحَةِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ التَّدَرُّبِ عَلَى الْحَرْبِ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ تَضْمِيرِ الْخَيْلِ الْمُعَدَّةِ لِلْجِهَادِ وَقِيلَ إنَّهُ يُسْتَحَبُّ.

ص: 502

1233 -

وَعَنْهُ رضي الله عنه. أَنَّ «النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم سَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ، وَفَضَّلَ الْقُرَّحَ فِي الْغَايَةِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.

1234 -

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا سَبَقَ إلَّا فِي خُفٍّ، أَوْ نَصْلٍ، أَوْ حَافِرٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالثَّلَاثَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.

1235 -

وَعَنْهُ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ - وَهُوَ لَا يَأْمَنُ أَنْ يُسْبَقَ - فَلَا بَأْسَ بِهِ، فَإِنْ أَمِنَ فَهُوَ قِمَارٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ.

(وَعَنْهُ) أَيْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما (أَنَّ «النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم سَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ وَفَضَّلَ الْقُرَّحَ» جَمْعُ قَارِحٍ وَالْقَارِحُ مَا كَمَلَتْ سَنَةً كَالْبَازِلِ فِي الْإِبِلِ (فِي الْغَايَةِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ) فِيهِ مِثْلُ الَّذِي قَبْلَهُ دَلِيلٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ السِّبَاقِ بَيْنَ الْخَيْلِ وَأَنَّهُ يَجْعَلُ غَايَةَ الْقُرَّحِ أَبْعَدَ مِنْ غَايَةِ مَا دُونَهَا لِقُوَّتِهَا وَجَلَادَتِهَا وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ وَفَضَّلَ الْقُرَّحَ.

(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَا سَبَقَ) بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ هُوَ مَا يُجْعَلُ لِلسَّابِقِ عَلَى السَّبْقِ مِنْ جُعْلٍ (إلَّا فِي خُفٍّ أَوْ نَصْلٍ أَوْ حَافِرٍ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالثَّلَاثَةُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ) وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ طُرُقٍ وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ وَابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ وَأَعَلَّ الدَّارَقُطْنِيُّ بَعْضَهَا بِالْوَقْفِ. قَوْلُهُ (إلَّا فِي خُفٍّ) الْمُرَادُ بِهِ الْإِبِلُ وَالْحَافِرُ وَالْخَيْلُ وَالنَّصْلُ السَّهْمُ أَيْ ذِي خُفٍّ أَوْ ذِي حَافِرٍ أَوْ ذِي نَصْلٍ عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ وَإِقَامَةِ الْمُضَافِ إلَيْهِ مَقَامَهُ.

وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ السِّبَاقِ عَلَى جُعْلٍ فَإِنْ كَانَ الْجُعْلُ مِنْ غَيْرِ الْمُتَسَابِقَيْنِ كَالْإِمَامِ يَجْعَلُهُ لِلسَّابِقِ حَلَّ ذَلِكَ بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَحَدِ الْمُتَسَابِقَيْنِ لَمْ يَحِلَّ لِأَنَّهُ مِنْ الْقِمَارِ. وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا يُشْرَعُ السَّبَقُ إلَى فِيمَا ذُكِرَ مِنْ الثَّلَاثَةِ وَعَلَى الثَّلَاثَةِ قَصَرَهُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَجَازَهُ عَطَاءٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَلِلْفُقَهَاءِ خِلَافٌ فِي جَوَازِهِ عَلَى عِوَضٍ أَوْ لَا وَمَنْ أَجَازَهُ عَلَيْهِ فَلَهُ شَرَائِطُ مُسْتَوْفَاةٌ فِي الْمُطَوَّلَاتِ.

ص: 503

1236 -

وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رضي الله عنه قَالَ: «سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقْرَأُ {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ} - الْآيَةَ أَلَا إنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

(وَعَنْهُ) أَيْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه (عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ وَهُوَ لَا يَأْمَنُ أَنْ يُسْبَقَ» مُغَيَّرُ الصِّيغَةِ أَيْ يَسْبِقُهُ غَيْرُهُ (فَلَا بَأْسَ بِهِ فَإِنْ أَمِنَ فَهُوَ قِمَارٌ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ) وَلِأَئِمَّةِ الْحَدِيثِ فِي صِحَّتِهِ إلَى أَبِي هُرَيْرَةَ كَلَامٌ كَثِيرٌ حَتَّى قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: أَحْسَنُ أَحْوَالِهِ أَنْ يَكُونَ مَوْقُوفًا عَلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ فَقَدْ رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدٍ مِنْ قَوْلِهِ. انْتَهَى، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ وَقَالَ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ: سَأَلْت ابْنَ مَعِينٍ عَنْهُ فَقَالَ هَذَا بَاطِلٌ وَضَرْبٌ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ وَقَدْ غَلَّطَ الشَّافِعِيُّ مَنْ رَوَاهُ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَفِي قَوْلِهِ: (وَهُوَ لَا يَأْمَنُ أَنْ يُسْبَقَ) دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْمُحَلَّلَ وَهُوَ الْفَرَسُ الثَّالِثُ فِي الرِّهَانِ يُشْتَرَطُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَكُونَ مُتَحَقِّقَ السَّبَقِ وَإِلَّا كَانَ قِمَارًا. وَإِلَى هَذَا الشَّرْطِ ذَهَبَ الْبَعْضُ وَبِهَذَا الشَّرْطِ يَخْرُجُ عَنْ الْقِمَارِ، وَلَعَلَّ الْوَجْهَ أَنَّ الْمَقْصُودَ إنَّمَا هُوَ الِاخْتِبَارُ لِلْخَيْلِ فَإِذَا كَانَ مَعْلُومَ السَّبْقِ فَاتَ الْغَرَضُ الَّذِي شُرِعَ لِأَجْلِهِ، وَأَمَّا الْمُسَابَقَةُ بِغَيْرِ جُعْلٍ فَمُبَاحَةٌ إجْمَاعًا.

(وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: «سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يَقْرَأُ عَلَى الْمِنْبَرِ: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ} الْآيَةَ أَلَا إنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ أَلَا إنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ أَلَا إنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ) أَفَادَ الْحَدِيثُ تَفْسِيرَ الْقُوَّةِ فِي الْآيَةِ بِالرَّمْيِ بِالسِّهَامِ لِأَنَّهُ الْمُعْتَادُ فِي عَصْرِ النُّبُوَّةِ وَيَشْمَلُ الرَّمْيَ بِالْبَنَادِقِ لَلْمُشْرِكِينَ وَالْبُغَاةِ وَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ شَرْعِيَّةُ التَّدْرِيبِ فِيهِ لِأَنَّ الْإِعْدَادَ إنَّمَا يَكُونُ مَعَ الِاعْتِيَادِ إذْ مَنْ لَمْ يُحْسِنْ الرَّمْيَ لَا يُسَمَّى مُعِدًّا بِالْمَرَّةِ.

ص: 504

‌كِتَابُ الْأَطْعِمَةِ

1237 -

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «كُلُّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ فَأَكْلُهُ حَرَامٌ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ

(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «كُلُّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ فَأَكْلُهُ حَرَامٌ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ) دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى تَحْرِيمِ مَا لَهُ نَابٌ مِنْ سِبَاعِ الْحَيَوَانَاتِ، وَالنَّابُ السِّنُّ خَلْفَ الرُّبَاعِيَّةِ كَمَا فِي الْقَامُوسِ وَالسَّبُعُ هُوَ الْمُفْتَرِسُ مِنْ الْحَيَوَانِ كَمَا فِي الْقَامُوسِ أَيْضًا وَفِيهِ الِافْتِرَاسُ الِاصْطِيَادُ، وَفِي النِّهَايَةِ أَنَّهُ نَهَى عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ هُوَ مَا يَفْتَرِسُ مِنْ الْحَيَوَانِ وَيَأْكُلُهُ قَهْرًا وَقَسْرًا كَالْأَسَدِ وَالذِّئْبِ وَالنَّمِرِ وَنَحْوِهَا. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُحَرَّمِ مِنْهَا فَذَهَبَ الْهَادَوِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَدَاوُد إلَى مَا أَفَادَهُ الْحَدِيثُ وَلَكِنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي جِنْسِ السِّبَاعِ الْمُحَرَّمَةِ. فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: كُلُّ مَا أَكَلَ اللَّحْمَ فَهُوَ سَبُعٌ حَتَّى الْفِيلُ وَالضَّبُعُ وَالْيَرْبُوعُ وَالسِّنَّوْرُ.

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَحْرُمُ مِنْ السِّبَاعِ مَا يَعْدُو عَلَى النَّاسِ كَالْأَسَدِ وَالذِّئْبِ وَالنَّمِرِ دُونَ الضَّبُعِ وَالثَّعْلَبِ لِأَنَّهُمَا لَا يَعْدُوَانِ عَلَى النَّاسِ. وَذَهَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِيمَا حَكَاهُ عَنْهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَعَائِشَةُ وَابْنُ عُمَرَ عَلَى رِوَايَةٍ عَنْهُ فِيهَا ضَعْفٌ وَالشَّعْبِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ إلَى حِلِّ لُحُومِ السِّبَاعِ مُسْتَدِلِّينَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا} الْآيَةَ فَالْمُحَرَّمُ هُوَ مَا ذُكِرَ فِي الْآيَةِ وَمَا عَدَاهُ حَلَالٌ (وَأُجِيبُ) بِأَنَّ الْآيَةَ مَكِّيَّةٌ وَحَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ فَهُوَ نَاسِخٌ لِلْآيَةِ عِنْدَ مَنْ يَرَى نَسْخَ الْقُرْآنِ بِالسُّنَّةِ، وَبِأَنَّ الْآيَةَ خَاصَّةٌ بِالثَّمَانِيَةِ الْأَزْوَاجِ مِنْ الْأَنْعَامِ رَدًّا عَلَى مَنْ حَرَّمَ بَعْضَهَا كَمَا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى قَبْلَهَا مِنْ قَوْلِهِ:{وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ} إلَى آخِرِ الْآيَاتِ. فَقِيلَ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ {قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا} الْآيَةَ أَيْ أَنَّ الَّذِي أَحْلَلْتُمُوهُ هُوَ الْمُحَرَّمُ وَاَلَّذِي حَرَّمْتُمُوهُ هُوَ الْحَلَالُ وَأَنَّ ذَلِكَ افْتِرَاءٌ عَلَى اللَّهِ وَقَرَنَ بِهَا لَحْمَ الْخِنْزِيرِ لِكَوْنِهِ مُشَارِكًا لَهَا فِي عِلَّةِ التَّحْرِيمِ وَهُوَ كَوْنُهُ رِجْسًا. فَالْآيَةُ وَرَدَتْ فِي الْكُفَّارِ الَّذِينَ يُحِلُّونَ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَيُحَرِّمُونَ كَثِيرًا مِمَّا أَبَاحَهُ الشَّرْعُ، وَكَانَ الْغَرَضُ مِنْ الْآيَةِ بَيَانَ حَالِهِمْ وَأَنَّهُمْ يُضَادُّونَ الْحَقَّ فَكَأَنَّهُ قِيلَ مَا حَرَامٌ إلَّا مَا أَحْلَلْتُمُوهُ مُبَالَغَةٌ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ (قُلْت) وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ قُلْ لَا أَجِدُ الْآيَةَ مُحَرَّمًا إلَّا مَا ذُكِرَ فِي الْآيَةِ ثُمَّ حَرَّمَ اللَّهُ مِنْ بَعْدُ كُلَّ ذِي نَابٍ مِنْ

ص: 505

1238 -

وَأَخْرَجَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما بِلَفْظِ: نَهَى. وَزَادَ " وَكُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ "

السِّبَاعِ. وَيُرْوَى عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ إنَّمَا يُكْرَهُ أَكْلُ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ لَا أَنَّهُ مُحَرَّمٌ. .

(وَأَخْرَجَهُ) أَيْ أَخْرَجَ مَعْنَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ (مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظِ نَهَى) أَيْ عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ (وَزَادَ) أَيْ ابْنُ عَبَّاسٍ (وَكُلِّ ذِي نَابٍ مِخْلَبٍ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ اللَّامِ آخِرَهُ مُوَحَّدَةٌ (مِنْ الطَّيْرِ) وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ تَحْرِيمَ كُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ وَزَادَ فِيهِ: يَوْمَ خَيْبَرَ. فِي الْقَامُوسِ الْمِخْلَبُ ظُفُرُ كُلِّ سَبُعٍ مِنْ الْمَاشِي وَالطَّائِرِ أَوْ هُوَ لِمَا يَصِيدُ مِنْ الطَّيْرِ. وَالظُّفُرُ لِمَا لَا يَصِيدُ. وَإِلَى تَحْرِيمِ كُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ ذَهَبَتْ الْهَادَوِيَّةُ وَنَسَبَهُ النَّوَوِيُّ إلَى الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ وَدَاوُد وَالْجُمْهُورُ. وَفِي نِهَايَةِ الْمُجْتَهِدِ نُسِبَ إلَى الْجُمْهُورِ الْقَوْلُ بِحِلِّ كُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ وَقَالَ وَحَرَّمَهَا قَوْمٌ وَنَقْلُ النَّوَوِيُّ أَثْبَتُ لِأَنَّهُ الْمَذْكُورُ فِي كُتُبِ الْفَرِيقَيْنِ وَأَحْمَدَ فَإِنَّ فِي دَلِيلِ الطَّالِبِ عَلَى مَذْهَبِ أَحْمَدَ مَا لَفْظُهُ: وَيَحْرُمُ مِنْ الطَّيْرِ مَا يَصِيدُ بِمِخْلَبِهِ كَعُقَابٍ وَبَازٍ وَصَقْرٍ وَبَاشِقٍ وَشَاهِينَ وَعَدَّ كَثِيرًا مِنْ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ فِي الْمِنْهَاجِ لِلشَّافِعِيَّةِ وَمِثْلُهُ لِلْحَنَفِيَّةِ وَقَالَ مَالِكٌ: يُكْرَهُ كُلُّ ذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ وَلَا يَحْرُمُ. وَأَمَّا النَّسْرُ فَقَالُوا: لَيْسَ بِذِي مِخْلَبٍ لَكِنَّهُ مُحَرَّمٌ لِاسْتِخْبَاثِهِ. قَالَتْ الشَّافِعِيَّةُ: وَيَحْرُمُ مَا نُدِبَ قَتْلُهُ كَحَيَّةٍ وَعَقْرَبٍ وَغُرَابٍ أَبْقَعَ وَحِدَأَةٍ وَفَأْرَةٍ وَكُلِّ سَبُعٍ ضَارٍ وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ» وَتَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْحَجِّ، قَالُوا: وَلِأَنَّ هَذِهِ مُسْتَخْبَثَاتٌ شَرْعًا وَطَبْعًا (قُلْت) وَفِي دَلَالَةِ الْأَمْرِ بِقَتْلِهَا عَلَى تَحْرِيمِ أَكْلِهَا نَظَرٌ وَيَأْتِي لَهُمْ أَنَّ الْأَمْرَ بِعَدَمِ الْقَتْلِ دَلِيلٌ عَلَى التَّحْرِيمِ وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيَّةُ: إنَّ الْآدَمِيَّ إذَا وَطِئَ بَهِيمَةً مِنْ بَهَائِمِ الْأَنْعَامِ فَقَدْ أَمَرَ الشَّارِعُ بِقَتْلِهَا قَالُوا: وَلَا يَحْرُمُ أَكْلُهَا فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا مُلَازَمَةَ بَيْنَ الْأَمْرِ بِالْقَتْلِ وَالتَّحْرِيمِ

ص: 506

1239 -

وَعَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ وَأَذِنَ فِي لُحُومِ الْخَيْلِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي لَفْظِ لِلْبُخَارِيِّ: وَرَخَّصَ

(وَعَنْ " جَابِرٍ " رضي الله عنه قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ وَأَذِنَ فِي لُحُومِ الْخَيْلِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَفِي لَفْظٍ لِلْبُخَارِيِّ) لِرِوَايَةِ جَابِرٍ هَذِهِ (وَرَخَّصَ) عِوَضُ أَذِنَ وَقَدْ ثَبَتَ فِي رِوَايَاتٍ «أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم وَجَدَ الْقُدُورَ تَغْلِي بِلَحْمِهَا فَأَمَرَ بِإِرَاقَتِهَا وَقَالَ: لَا تَأْكُلُوا مِنْ لُحُومِهَا شَيْئًا» وَالْأَحَادِيثُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ فِي رِوَايَةٍ إنَّهَا رِجْسٌ أَوْ نَجَسٌ وَفِي لَفْظٍ إنَّهَا رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ.

وَفِي الْحَدِيثِ مَسْأَلَتَانِ (الْأُولَى) أَنَّهُ دَلَّ مَنْطُوقُهُ عَلَى تَحْرِيمِ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ إذْ النَّهْيُ أَصْلُهُ التَّحْرِيمُ وَإِلَى تَحْرِيمِ أَكْلِ لُحُومِهَا ذَهَبَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ إلَّا ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ: لَيْسَتْ بِحَرَامٍ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: وَأَبَى ذَلِكَ الْبَحْرُ وَتَلَا قَوْله تَعَالَى {قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا} الْآيَةَ وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ وَعَنْ مَالِكٍ بِرِوَايَاتٍ أَنَّهَا مَكْرُوهَةٌ أَوْ حَرَامٌ أَوْ مُبَاحَةٌ. وَأَمَّا مَا أَخْرَجَ أَبُو دَاوُد عَنْ غَالِبِ بْنِ أَبْجَرَ قَالَ: «أَصَابَتْنَا سَنَةٌ فَلَمْ يَكُنْ فِي مَالِي مَا أُطْعِمُ أَهْلِي إلَّا سِمَانُ حُمُرٍ فَأَتَيْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقُلْت: إنَّك حَرَّمْت لُحُومَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ وَقَدْ أَصَابَتْنَا سَنَةٌ. فَقَالَ: أَطْعِمْ أَهْلَك مِنْ سَمِينِ حُمُرِك فَإِنَّمَا حَرَّمْتهَا مِنْ جِهَةِ جَوَّالِ الْقَرْيَةِ» يَعْنِي الْجَلَّالَةَ - فَقَدْ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: أَمَّا حَدِيثُ ابْنِ أَبْجَرَ فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي إسْنَادِهِ قَالَ أَبُو دَاوُد. رَوَاهُ شُعْبَةُ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَعْقِلٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بِشْرٍ عَنْ نَاسٍ مِنْ مُزَيْنَةَ أَنَّ سَيِّدَ مُزَيْنَةَ أَبْجَرَ أَوْ ابْنَ أَبِي أَبْجَرَ سَأَلَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَرَوَاهُ مِسْعَرٌ فَقَالَ عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي مَعْقِلٍ عَنْ رَجُلَيْنِ مِنْ مُزَيْنَةَ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ وَقَدْ ثَبَتَ التَّحْرِيمُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ يُرِيدُ هَذَا وَسَاقَهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد مُتَّصِلًا ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُهُ إنَّمَا حَرَّمْتهَا مِنْ أَجْلِ جَوَّالِ الْقَرْيَةِ فَإِنَّ الْجَوَّالَ هِيَ الَّتِي تَأْكُلُ الْعَذِرَةَ وَهِيَ الْجِلَّةُ إلَّا أَنَّ هَذَا لَا يَثْبُتُ وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ إنَّمَا نَهَى عَنْ لُحُومِهَا لِأَنَّهَا رِجْسٌ وَسَاقَ سَنَدَهُ إلَى مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ «لَمَّا افْتَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَيْبَرَ أَصَبْنَا حُمُرًا خَارِجَةً مِنْ الْقَرْيَةِ فَنَحَرْنَا وَطَبَخْنَا مِنْهَا فَنَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْهَا وَإِنَّهَا رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَأُكْفِئَتْ الْقُدُورُ» انْتَهَى. وَبِهَذَا يَبْطُلُ الْقَوْلُ بِأَنَّهَا إنَّمَا حُرِّمَتْ مَخَافَةَ قِلَّةِ

ص: 507

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الظَّهْرِ كَمَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «إنَّمَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْحُمُرَ الْأَهْلِيَّةَ مَخَافَةَ قِلَّةِ الظَّهْرِ» وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْمَغَازِي مِنْ رِوَايَةِ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا أَدْرِي أَنَهَى عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ أَجْلِ أَنَّهَا حَمُولَةُ النَّاسِ فَكَرِهَ أَنْ تَذْهَبَ حَمُولَتُهُمْ أَوْ حَرَّمَهَا أَلْبَتَّةَ يَوْمَ خَيْبَرَ، فَإِنَّهُ يُقَالُ قَدْ عُلِمَ بِالنَّصِّ أَنَّهُ حَرَّمَهَا لِأَنَّهَا رِجْسٌ وَكَأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لَمْ يَعْلَمْ بِالْحَدِيثِ فَتَرَدَّدَ فِي نَقْلِهِ النَّهْيَ وَإِذْ قَدْ ثَبَتَ النَّهْيُ وَأَصْلُهُ التَّحْرِيمُ عُمِلَ بِهِ وَإِنْ جَهِلْنَا عِلَّتَهُ. وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ نَصْرٍ الْمُحَارِبِيَّةِ «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَنْ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ فَقَالَ: أَلَيْسَ تَرْعَى الْكَلَأَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ؟ قَالَ: فَأَصِبْ مِنْ لُحُومِهَا» فَهِيَ رِوَايَةٌ غَيْرُ صَحِيحَةٍ لَا تُعَارِضُ بِهَا الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ.

(الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى حِلِّ أَكْلِ لُحُومِ الْخَيْلِ وَإِلَى حِلِّهَا ذَهَبَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وَالشَّافِعِيُّ وَصَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقَ وَجَمَاهِيرُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ لِهَذَا الْحَدِيثِ وَلِمَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِسَنَدِهِ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ لِابْنِ جُرَيْجٍ: لَمْ يَزَلْ سَلَفُك يَأْكُلُونَهُ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قُلْت لَهُ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَيَأْتِي حَدِيثُ أَسْمَاءَ:«نَحَرْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَرَسًا فَأَكَلْنَاهُ» . وَذَهَبَتْ الْهَادَوِيَّةُ وَمَالِكٌ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ إلَى تَحْرِيمِ الْخَيْلِ.

وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ لُحُومِ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ وَكُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ» وَفِي رِوَايَةٍ بِزِيَادَةِ " يَوْمَ خَيْبَرَ " وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِيهِ هَذَا إسْنَادٌ مُضْطَرِبٌ مُخَالِفٌ لِرِوَايَةِ الثِّقَاتِ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: يُرْوَى عَنْ أَبِي صَالِحٍ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ وَسُلَيْمَانَ بْنِ سُلَيْمٍ وَفِيهِ نَظَرٌ. وَضَعَّفَ الْحَدِيثَ أَحْمَدُ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْخَطَّابِيُّ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَعَبْدُ الْحَقِّ وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً} وَتَقْرِيرُ الِاسْتِدْلَالِ بِالْآيَةِ بِوُجُوهٍ: الْأَوَّلُ أَنَّ الْعِلَّةَ الْمَنْصُوصَةَ تَقْتَضِي الْحَصْرَ فَإِبَاحَةُ أَكْلِهَا خِلَافُ ظَاهِرِ الْآيَةِ.

وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ كَوْنَ الْعِلَّةِ مَنْصُوصَةً لَا يَقْتَضِي الْحَصْرَ فِيهَا فَلَا يُفِيدُ الْحَصْرَ فِي الرُّكُوبِ وَالزِّينَةِ فَإِنَّهُ يُنْتَفَعُ بِهَا فِي غَيْرِهِمَا اتِّفَاقًا وَإِنَّمَا نَصَّ عَلَيْهِمَا لِكَوْنِهِمَا أَغْلَبَ مَا يَطْلُبُ وَلَوْ سَلِمَ الْحَصْرُ لَامْتَنَعَ حَمْلُ الْأَثْقَالِ عَلَى الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ وَلَا قَائِلَ بِهِ " الثَّانِي " مِنْ وُجُوهِ دَلَالَةِ الْآيَةِ عَلَى تَحْرِيمِ الْأَكْلِ عَطْفُ الْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ فَإِنَّهُ دَالٌّ عَلَى اشْتِرَاكِهِمَا مَعَهَا فِي حُكْمِ التَّحْرِيمِ فَمَنْ أَفْرَدَ حُكْمَهُمَا عَنْ حُكْمِ مَا عُطِفَ عَلَيْهِ احْتَاجَ إلَى دَلِيلٍ. وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ دَلَالَةِ الِاقْتِرَانِ وَهِيَ ضَعِيفَةٌ " الثَّالِثُ " مِنْ وُجُوهِ دَلَالَةِ الْآيَةِ أَنَّهَا سِيقَتْ لِلِامْتِنَانِ فَلَوْ كَانَتْ مِمَّا يُؤْكَلُ لَكَانَ الِامْتِنَانُ بِهِ أَكْثَرَ لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِبَقَاءِ الْبِنْيَةِ وَالْحَكِيمُ لَا يَمْتَنُّ بِأَدْنَى النَّعِيمِ وَيَتْرُكُ أَعْلَاهَا سِيَّمَا وَقَدْ امْتَنَّ بِالْأَكْلِ فِيمَا ذُكِرَ قَبْلَهَا.

(وَأُجِيبَ) بِأَنَّهُ تَعَالَى خَصَّ الِامْتِنَانَ بِالرُّكُوبِ لِأَنَّهُ غَالِبُ مَا يُنْتَفَعُ بِالْخَيْلِ فِيهِ عِنْدَ الْعَرَبِ فَخُوطِبُوا بِمَا عَرَفُوهُ وَأَلِفُوهُ كَمَا خُوطِبُوا فِي الْأَنْعَامِ بِالْأَكْلِ وَحَمْلِ الْأَثْقَالِ لِأَنَّهُ

ص: 508

1240 -

وَعَنْ ابْنِ أَبِي أَوْفَى رضي الله عنه قَالَ: «غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سَبْعَ غَزَوَاتٍ نَأْكُلُ الْجَرَادَ» ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

كَانَ أَكْثَرَ انْتِفَاعِهِمْ بِهَا لِذَلِكَ فَاقْتَصَرَ فِي كُلٍّ مِنْ الصِّنْفَيْنِ بِأَغْلَبَ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ فِيهِ " الرَّابِعُ " مِنْ وُجُوهِ دَلَالَةِ الْآيَةِ: لَوْ أُبِيحَ أَكْلُهَا لَفَاتَتْ الْمَنْفَعَةُ الَّتِي امْتَنَّ بِهَا وَهِيَ الرُّكُوبُ وَالزِّينَةُ (وَأُجِيبَ) عَنْهُ بِأَنَّهُ لَوْ لَزِمَ مِنْ الْإِذْنِ فِي أَكْلِهَا أَنْ تَفْنَى لَلَزِمَ مِثْلُهُ فِي الْبَقَرِ وَنَحْوِهَا مِمَّا أُبِيحَ أَكْلُهُ وَوَقَعَ الِامْتِنَانُ بِهِ لِمَنْفَعَةٍ أُخْرَى. وَقَدْ أُجِيبَ عَنْ الِاسْتِدْلَالِ بِالْآيَةِ بِجَوَابٍ إجْمَالِيٍّ وَهُوَ أَنَّ آيَةَ النَّحْلِ مَكِّيَّةٌ اتِّفَاقًا وَالْإِذْنُ فِي أَكْلِ الْخَيْلِ كَانَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ مِنْ مَكَّةَ بِأَكْثَرَ مِنْ سِتِّ سِنِينَ، وَأَيْضًا فَإِنَّ آيَةَ النَّحْلِ لَيْسَتْ نَصًّا فِي تَحْرِيمِ الْأَكْلِ وَالْحَدِيثُ صَرِيحٌ فِي جَوَازِهِ، وَأَيْضًا لَوْ سَلِمَ مَا ذُكِرَ كَانَ غَايَتُهُ الدَّلَالَةَ عَلَى تَرْكِ الْأَكْلِ وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِلتَّحْرِيمِ أَوْ لِلتَّنْزِيهِ أَوْ خِلَافِ الْأَوْلَى.

وَحَيْثُ لَمْ يَتَعَيَّنْ هُنَا وَاحِدٌ مِنْهَا لَا يَتِمُّ بِهَا التَّمَسُّكُ بِالْأَدِلَّةِ الْمُصَرِّحَةِ بِالْجَوَازِ أَوَّلًا؛ وَأَمَّا زَعْمُ الْبَعْضِ أَنَّ حَدِيثَ جَابِرٍ دَالٌّ عَلَى التَّحْرِيمِ لِكَوْنِهِ وَرَدَ بِلَفْظِ الرُّخْصَةِ وَالرُّخْصَةُ اسْتِبَاحَةُ الْمَحْظُورِ مَعَ قِيَامِ الْمَانِعِ، فَدَلَّ أَنَّهُ رَخَّصَ لَهُمْ فِيهَا بِسَبَبِ الْمَخْمَصَةِ فَلَا يَدُلُّ عَلَى الْحِلِّ الْمُطْلَقِ فَهُوَ ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ وَرَدَ بِلَفْظِ " أَذِنَ لَنَا " وَلَفْظُ أَطْعَمَنَا فَعَبَّرَ الرَّاوِي بِقَوْلِهِ رَخَّصَ لَنَا عَنْ أَذِنَ لَا أَنَّهُ أَرَادَ الرُّخْصَةَ الِاصْطِلَاحِيَّةَ الْحَادِثَةَ بَعْدَ زَمَنِ الصَّحَابَةِ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْعِبَارَتَيْنِ (أَذِنَ) وَ (رَخَّصَ) فِي لِسَانِ الصَّحَابَةِ.

(وَعَنْ ابْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: «غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سَبْعَ غَزَوَاتٍ نَأْكُلُ الْجَرَادَ» وَهُوَ اسْمُ جِنْسٍ وَالْوَاحِدَةُ جَرَادَةٌ يَقَعُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى كَحَمَامَةٍ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى حِلِّ الْجَرَادِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهُوَ إجْمَاعٌ وَأَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «كَانَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَتَهَادَيْنَ الْجَرَادَ فِي الْأَطْبَاقِ». وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيّ: إنَّ جَرَادَ الْأَنْدَلُسِ لَا يُؤْكَلُ لِأَنَّهُ ضَرَرٌ مَحْضٌ. فَإِذَا ثَبَتَ مَا قَالَهُ فَتَحْرِيمُهَا لِأَجْلِ الضَّرَرِ كَمَا تَحْرُمُ السَّمُومُ وَنَحْوُهَا. وَاخْتَلَفُوا هَلْ أَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْجَرَادَ أَمْ لَا وَحَدِيثُ الْكِتَابِ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ يَأْكُلُ مَعَهُمْ إلَّا أَنَّ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ زِيَادَةَ لَفْظٍ: " نَأْكُلُ الْجَرَادَ مَعَهُ " قِيلَ وَهِيَ مُحْتَمِلَةٌ أَنَّ الْمُرَادَ غَزَوْنَا مَعَهُ فَيَكُونُ تَأْكِيدًا لِقَوْلِهِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ نَأْكُلُ مَعَهُ (قُلْت) وَهَذَا الْأَخِيرُ هُوَ الَّذِي يَحْسُنُ حَمْلُ الْحَدِيثِ عَلَيْهِ إذْ التَّأْسِيسُ أَبْلَغُ مِنْ التَّأْكِيدِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَقَعَ فِي الطِّبِّ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ بِزِيَادَةٍ: وَيَأْكُلُ مَعَنَا وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ أَنَّهُ «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ الْجَرَادِ فَقَالَ: لَا آكُلُهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ» فَقَدْ أَعَلَّهُ الْمُنْذِرِيُّ بِالْإِرْسَالِ وَكَذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي تَرْجَمَةِ ثَابِتِ بْنِ زُهَيْرٍ عَنْ

ص: 509

1241 -

«وَعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه فِي قِصَّةِ الْأَرْنَبِ - قَالَ: فَذَبَحَهَا فَبَعَثَ بِوَرِكِهَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَبِلَهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

نَافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم سُئِلَ عَنْ الْعِنَبِ فَقَالَ: لَا آكُلُهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ وَسُئِلَ عَنْ الْجَرَادِ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ» فَإِنَّهُ قَالَ النَّسَائِيّ: ثَابِتٌ لَيْسَ بِثِقَةٍ. وَيُؤْكَلُ عِنْدَ الْجَمَاهِيرِ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَلَوْ مَاتَ بِغَيْرِ سَبَبٍ لِحَدِيثِ: «أُحِلَّ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ السَّمَكُ وَالْجَرَادُ وَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ» أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالدَّارَقُطْنِيّ مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَقَالَ: إنَّ الْمَوْقُوفَ أَصَحُّ وَرَجَّحَ الْبَيْهَقِيُّ الْمَوْقُوفَ وَقَالَ: لَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ. وَاخْتُلِفَ فِيهِ هَلْ هُوَ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ أَمْ مِنْ صَيْدِ الْبَرِّ وَوَرَدَ حَدِيثَانِ ضَعِيفَانِ أَنَّهُ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ. وَوَرَدَ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ يَلْزَمُ الْمُحْرِمَ فِيهِ الْجَزَاءُ فَدَلَّ أَنَّهُ عِنْدَهُ مِنْ صَيْدِ الْبَرِّ، وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّهُ بَرِّيٌّ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ بَحْرِيٌّ. .

(وَعَنْ «أَنَسٍ رضي الله عنه فِي قِصَّةِ الْأَرْنَبِ قَالَ: فَذَبَحَهَا فَبَعَثَ بِوَرِكِهَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَبِلَهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَفِي الْقِصَّةِ أَنَّهُ قَالَ أَنَسٌ: «أَنْفَجْنَا أَرْنَبًا وَنَحْنُ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ فَسَعَى الْقَوْمُ وَتَعِبُوا فَأَخَذْتهَا فَجِئْت بِهَا إلَى أَبِي طَلْحَةَ فَبَعَثَ بِوَرِكِهَا أَوْ قَالَ بِفَخِذِهَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَبِلَهَا» وَهُوَ لَا يَدُلُّ أَنَّهُ أَكَلَ مِنْهَا لَكِنْ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فِي كِتَابِ الْهِبَةِ قَالَ الرَّاوِي - وَهُوَ هِشَامُ بْنُ زَيْدٍ - قُلْت لِأَنَسٍ: وَأَكَلَ مِنْهَا؟ قَالَ وَأَكَلَ مِنْهَا ثُمَّ قَالَ فَقَبِلَهُ. وَالْإِجْمَاعُ وَاقِعٌ عَلَى حِلِّ أَكْلِهَا، إلَّا أَنَّ الْهَادَوِيَّةَ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ وَعِكْرِمَةَ وَابْنَ أَبِي لَيْلَى قَالُوا: يُكْرَهُ أَكْلُهَا لِمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهَا جِيءَ بِهَا إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَلَمْ يَأْكُلْهَا وَلَمْ يَنْهَ عَنْهَا وَزَعَمَ أَيْ ابْنُ عُمَرَ أَنَّهَا تَحِيضُ وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عُمَرَ وَعَمَّارٍ مِثْلَ ذَلِكَ وَأَنَّهُ أَمَرَ بِأَكْلِهَا وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهَا قُلْت لَكِنَّهُ لَا يَخْفَى أَنَّ عَدَمَ أَكْلِهِ صلى الله عليه وسلم لَا يَدُلُّ عَلَى كَرَاهِيَتِهَا، وَحَكَى الرَّافِعِيُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ تَحْرِيمَهَا.

(فَائِدَةٌ) ذَكَرَ الدَّمِيرِيُّ فِي حَيَاةِ الْحَيَوَانِ أَنَّ الَّذِي تَحِيضُ مِنْ الْحَيَوَانِ الْمَرْأَةُ وَالضَّبُعُ وَالْخُفَّاشُ وَالْأَرْنَبُ وَيُقَالُ إنَّ الْكَلْبَةَ كَذَلِكَ. .

ص: 510

1242 -

وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ قَتْلِ أَرْبَعٍ مِنْ الدَّوَابِّ: النَّمْلَةِ، وَالنَّحْلَةِ، وَالْهُدْهُدِ، وَالصُّرَدِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد. وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.

1243 -

وَعَنْ «ابْنِ أَبِي عَمَّارٍ قَالَ: قُلْت لِجَابِرٍ رضي الله عنه: الضَّبُعُ صَيْدٌ هِيَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْت: قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؟ قَالَ: نَعَمْ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ. وَصَحَّحَهُ الْبُخَارِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ.

(وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ قَتْلِ أَرْبَعٍ مِنْ الدَّوَابِّ النَّمْلَةِ وَالنَّحْلَةِ وَالْهُدْهُدِ وَالصُّرَدِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ) قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: هُوَ أَقْوَى مَا وَرَدَ فِي هَذَا الْبَابِ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ قَتْلِ مَا ذُكِرَ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ تَحْرِيمُ أَكْلِهَا لِأَنَّهُ لَوْ حَلَّ لَمَا نَهَى عَنْ الْقَتْلِ وَتَقَدَّمَ لَنَا فِي هَذَا الِاسْتِدْلَالِ بَحْثٌ. وَتَحْرِيمُ أَكْلِهَا رَأْيُ الْجَمَاهِيرِ وَفِي كُلِّ وَاحِدَةٍ خِلَافٌ إلَّا النَّمْلَةُ فَالظَّاهِرُ أَنَّ تَحْرِيمَهَا إجْمَاعٌ. .

(وَعَنْ ابْنِ أَبِي عَمَّارٍ) هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَمَّارٍ الْمَكِّيُّ وَثَّقَهُ أَبُو زُرْعَةَ وَالنَّسَائِيُّ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ فِيهِ أَحَدٌ وَيُسَمَّى الْقَسُّ لِعِبَادَتِهِ وَوَهَمَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي إعْلَالِهِ وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: إنَّ الْحَدِيثَ صَحِيحٌ (قَالَ «قُلْت لِجَابِرٍ الضَّبُعُ صَيْدٌ هِيَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْت قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؟ قَالَ: نَعَمْ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ وَصَحَّحَهُ الْبُخَارِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ) الْحَدِيثُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى حِلِّ أَكْلِ الضَّبُعِ. وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ فَهُوَ مُخَصَّصٌ مِنْ حَدِيثِ تَحْرِيمِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «الضَّبُعُ صَيْدٌ فَإِذَا أَصَابَهُ الْمُحْرِمُ فَفِيهِ كَبْشٌ مُسِنٌّ وَيُؤْكَلُ» وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَمَا زَالَ النَّاسُ يَأْكُلُونَهَا وَيَبِيعُونَهَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ. وَحَرَّمَهُ الْهَادَوِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ عَمَلًا بِالْحَدِيثِ الْعَامِّ كَمَا أَشَرْنَا إلَيْهِ، وَلَكِنَّ أَحَادِيثَ التَّحْلِيلِ تُخَصِّصُهُ وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ عَلَى التَّحْرِيمِ

ص: 511

1244 -

وَعَنْ «ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْقُنْفُذِ فَقَالَ: {قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا} فَقَالَ شَيْخٌ عِنْدَهُ: سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: إنَّهَا خَبِيثَةٌ مِنْ الْخَبَائِثِ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: إنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ هَذَا، فَهُوَ كَمَا قَالَ» . أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ.

1245 -

وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ الْجَلَّالَةِ وَأَلْبَانِهَا» . أَخْرَجَهُ الْأَرْبَعَةُ إلَّا النَّسَائِيّ وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ.

بِحَدِيثِ خُزَيْمَةَ بْنِ جُزْءٍ وَفِيهِ «قَالَ صلى الله عليه وسلم أَوَيَأْكُلُ الضَّبُعَ أَحَدٌ؟» أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَفِي إسْنَادِهِ عَبْدُ الْكَرِيمِ أَبُو أُمَيَّةَ وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَى ضَعْفِهِ.

(وَعَنْ «ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْقُنْفُذِ بِضَمِّ الْقَافِ وَفَتْحِهَا وَضَمِّ الْفَاءِ فَقَالَ: {قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا} فَقَالَ شَيْخٌ عِنْدَهُ: سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ إنَّهَا خَبِيثَةٌ مِنْ الْخَبَائِثِ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: إنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ هَذَا فَهُوَ كَمَا قَالَ». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ) ضُعِّفَ بِجَهَالَةِ الشَّيْخِ الْمَذْكُورِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: لَيْسَ إسْنَادُهُ بِذَاكَ وَلَهُ طُرُقٌ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: لَمْ يَرِدْ إلَّا مِنْ وَجْهٍ ضَعِيفٍ وَقَدْ ذَهَبَ إلَى تَحْرِيمِهِ أَبُو طَالِبٍ وَالْإِمَامُ يَحْيَى. وَقَالَ الرَّافِعِيُّ فِي الْقُنْفُذِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يَحْرُمُ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ لِمَا رُوِيَ فِي الْخَبَرِ أَنَّهُ مِنْ الْخَبَائِثِ وَذَهَبَ مَالِكٌ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى إلَى أَنَّهُ حَلَالٌ وَهُوَ أَقْوَى مِنْ الْقَوْلِ بِتَحْرِيمِهِ لِعَدَمِ نُهُوضِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ مَعَ الْقَوْلِ بِأَنَّ الْأَصْلَ الْإِبَاحَةُ فِي الْحَيَوَانَاتِ. وَهِيَ مَسْأَلَةٌ خِلَافِيَّةٌ مَعْرُوفَةٌ فِي الْأُصُولِ فِيهَا خِلَافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ.

(وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما) قِيَاسُ قَاعِدَتِهِ وَعَنْهُ (قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ الْجَلَّالَةِ وَأَلْبَانِهَا». أَخْرَجَهُ الْأَرْبَعَةُ إلَّا النَّسَائِيّ وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ) وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ نَحْوَهُ، وَقَالَ " حَتَّى تُعْلَفَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً " وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ

ص: 512

1246 -

«وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ رضي الله عنه فِي قِصَّةِ الْحِمَارِ الْوَحْشِيِّ - فَأَكَلَ مِنْهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ

1247 -

وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنهما قَالَتْ: «نَحَرْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَرَسًا. فَأَكَلْنَاهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

جَدِّهِ بِلَفْظِ «نُهِيَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ وَعَنْ الْجَلَّالَةِ وَعَنْ رُكُوبِهَا» ، وَلِأَبِي دَاوُد أَنْ يَرْكَبَ عَلَيْهَا وَأَنْ يَشْرَبَ أَلْبَانَهَا " وَالْجَلَّالَةُ هِيَ الَّتِي تَأْكُلُ الْعَذِرَةَ وَالنَّجَاسَاتِ سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ الْإِبِلِ أَوْ الْبَقَرِ أَوْ الْغَنَمِ أَوْ الدَّجَاجِ. وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ الْجَلَّالَةِ وَأَلْبَانِهَا وَتَحْرِيمِ الرُّكُوبِ عَلَيْهَا. وَقَدْ جَزَمَ ابْنُ حَزْمٍ أَنَّ مَنْ وَقَفَ فِي عَرَفَاتٍ رَاكِبًا عَلَى جَلَّالَةٍ لَا يَصِحُّ حَجُّهُ. وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ إذَا ثَبَتَ أَنَّهَا أَكَلَتْ الْجِلَّةَ فَقَدْ صَارَتْ مُحَرَّمَةٌ وَقَالَ النَّوَوِيُّ: لَا تَكُونُ جَلَّالَةً إلَّا إذَا غَلَبَ عَلَى عَلَفِهَا النَّجَاسَةُ وَقِيلَ بَلْ الِاعْتِبَارُ بِالرَّائِحَةِ وَالنَّتْنِ وَبِهِ جَزَمَ النَّوَوِيُّ وَالْإِمَامُ يَحْيَى وَقَالَ: لَا تَطْهُرُ بِالطَّبْخِ وَلَا بِإِلْقَاءِ التَّوَابِلِ وَإِنْ زَالَ الرِّيحُ لِأَنَّ ذَلِكَ تَغْطِيَةٌ لَا اسْتِحَالَةٌ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: كَرِهَهُ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَالشَّافِعِيُّ وَقَالُوا: لَا تُؤْكَلُ حَتَّى تُحْبَسَ أَيَّامًا (قُلْت) قَدْ عَيَّنَ فِي الْحَدِيثِ حَبْسَهَا أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَحْبِسُ الدَّجَاجَةَ ثَلَاثَةً وَلَمْ يَرَ مَالِكٌ بِأَكْلِهَا بَأْسًا مِنْ غَيْرِ حَبْسٍ. وَذَهَبَ الثَّوْرِيُّ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ إلَى التَّحْرِيمِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ وَمَنْ قَالَ يُكْرَهُ وَلَا يَحْرُمُ قَالَ: لِأَنَّ النَّهْيَ الْوَارِدَ فِيهِ إنَّمَا كَانَ لِتَغَيُّرِ اللَّحْمِ وَهُوَ لَا يُوجِبُ التَّحْرِيمَ بِدَلِيلِ الْمُذَكَّى إذَا جَافَّ وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا رَأْيٌ فِي مُقَابِلِ النَّصِّ وَلَقَدْ خَالَفَ النَّاظِرُونَ هُنَا السُّنَّةَ فَقَالَ الْمَهْدِيُّ فِي الْبَحْرِ: الْمَذْهَبُ وَالْفَرِيقَانِ وَنُدِبَ حَبْسُ الْجَلَّالَةِ قَبْلَ الذَّبْحِ، الدَّجَاجَةِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَالشَّاةِ سَبْعَةً، وَالْبَقَرِ وَالنَّاقَةِ أَرْبَعَةَ عَشْرَ. وَقَالَ مَالِكٌ: لَا وَجْهَ لَهُ (قُلْنَا) لِتَطْيِيبِ أَجْوَافِهَا اهـ وَالْعَمَلُ بِالْأَحَادِيثِ هُوَ الْوَاجِبُ وَكَأَنَّهُمْ حَمَلُوا النَّهْيَ عَلَى التَّنْزِيهِ وَلَا يَنْهَضُ عَلَيْهِ دَلِيلٌ، وَأَمَّا مُخَالَفَتُهُمْ لِلتَّوْقِيتِ فَلَمْ يُعْرَفْ وَجْهُهُ. .

(«وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ فِي قِصَّةِ الْحِمَارِ الْوَحْشِيِّ. فَأَكَلَ مِنْهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) تَقَدَّمَ ذِكْرُ قِصَّةِ الْحِمَارِ هَذَا الَّذِي أَهْدَاهُ أَبُو قَتَادَةَ فِي كِتَابِ الْحَجِّ. وَفِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ يَحِلُّ أَكْلُ لَحْمِهِ وَهُوَ إجْمَاعٌ. وَفِيهِ خِلَافٌ شَاذٌّ أَنَّهُ إذَا عُلِفَ وَأُنِسَ صَارَ كَالْأَهْلِيِّ.

(وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنهما قَالَتْ: «نَحَرْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَرَسًا فَأَكَلْنَاهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَفِي رِوَايَةٍ وَنَحْنُ بِالْمَدِينَةِ وَفِي رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ «هُنَا فَرَسًا فَأَكَلْنَا

ص: 513

1248 -

وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: «أُكِلَ الضَّبُّ عَلَى مَائِدَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

نَحْنُ وَأَهْلُ بَيْتِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم» وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى حِلِّ أَكْلِ لَحْمِ الْخَيْلِ وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم عَلِمَ ذَلِكَ وَقَرَّرَهُ كَيْفَ وَقَدْ قَالَتْ: إنَّهُ أَكَلَ مِنْهُ أَهْلُهُ صلى الله عليه وسلم وَقَالَتْ هُنَا: نَحَرْنَا وَفِي رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ ذَبَحْنَا. فَقِيلَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النَّحْرَ وَالذَّبْحَ وَاحِدٌ قِيلَ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ اللَّفْظَيْنِ مَجَازًا إذَا النَّحْرُ لِلْإِبِلِ خَاصَّةً وَهُوَ الضَّرْبُ بِالْحَدِيدِ فِي لَبَّةِ الْبَدَنَةِ حَتَّى تُفْرَى أَوْدَاجُهَا وَالذَّبْحُ هُوَ قَطْعُ الْأَوْدَاجِ فِي غَيْرِ الْإِبِلِ. قَالَ ابْنُ التِّينِ الْأَصْلُ فِي الْإِبِلِ النَّحْرُ وَفِي غَيْرِهَا الذَّبْحُ وَجَاءَ فِي الْقُرْآنِ فِي الْبَقَرَةِ {فَذَبَحُوهَا} وَفِي السُّنَّةِ نَحْرُهَا. وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي نَحْرِ مَا يُذْبَحُ وَذَبْحِ مَا يُنْحَرُ. فَأَجَازَهُ الْجُمْهُورُ وَالْخِلَافُ فِيهِ لِبَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ (وَنَحْنُ بِالْمَدِينَةِ) يَرُدُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ حِلَّهَا قَبْلَ فَرْضِ الْجِهَادِ فَإِنَّهُ فُرِضَ أَوَّلَ دُخُولِهِمْ بِالْمَدِينَةِ.

(وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه قَالَ: «أُكِلَ الضَّبُّ عَلَى مَائِدَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى حِلِّ أَكْلِ الضَّبِّ وَعَلَيْهِ الْجَمَاهِيرُ وَحَكَى عِيَاضٌ عَنْ قَوْمٍ تَحْرِيمَهُ وَعَنْ الْحَنَفِيَّةِ كَرَاهَتَهُ وَقَالَ النَّوَوِيُّ: أَظُنُّهُ لَا يَصِحُّ عَنْ أَحَدٍ فَإِنْ صَحَّ فَهُوَ مَحْجُوجٌ بِالنَّصِّ وَبِإِجْمَاعِ مَنْ قَبْلَهُ. وَقَدْ احْتَجَّ لِلْقَائِلِينَ بِالتَّحْرِيمِ بِمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ الضَّبِّ» وَفِي إسْنَادِهِ إسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ وَرِجَالُهُ شَامِيُّونَ وَهُوَ قَوِيٌّ فِي الشَّامِيِّينَ فَلَا يَتِمُّ قَوْلُ الْخَطَّابِيِّ: لَيْسَ إسْنَادُهُ بِذَلِكَ وَلَا قَوْلُ ابْنِ حَزْمٍ: فِيهِ ضَعِيفٌ وَمَجْهُولُونَ، فَإِنَّ رِجَالَهُ ثِقَاتٌ كَمَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ وَلَا قَوْلُ الْبَيْهَقِيّ: فِيهِ إسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ لِمَا عَرَفْت مِنْ أَنَّهُ رَوَاهُ عَنْ الشَّامِيِّينَ وَهُوَ حُجَّةٌ فِي رِوَايَتِهِ عَنْهُمْ. وَبِمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ حَسَنَةَ «أَنَّهُمْ طَبَخُوا ضِبَابًا فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: إنَّ أُمَّةً مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ مُسِخَتْ دَوَابَّ فِي الْأَرْضِ فَأَخْشَى أَنْ تَكُونَ هَذِهِ. فَأَلْقَوْهَا» وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالطَّحَاوِيُّ وَسَنَدُهُ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ. وَأُجِيبَ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ النَّهْيَ وَإِنْ كَانَ أَصْلُهُ التَّحْرِيمَ صَرَفَهُ هُنَا إلَى الْكَرَاهَةِ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ «كُلُوهُ فَإِنَّهُ حَلَالٌ وَلَكِنَّهُ لَيْسَ مِنْ طَعَامِي» وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تَرُدُّ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ أَنَّهُ قَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ: «إنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ فِي الضَّبِّ لَا آكُلُهُ وَلَا أَنْهَى عَنْهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ» وَلِهَذَا أَعَلَّ ابْنُ عَبَّاسٍ هَذِهِ الرِّوَايَةَ فَقَالَ «بِئْسَمَا مَا قُلْتُمْ مَا بُعِثَ نَبِيُّ اللَّهِ إلَّا مُحَرِّمًا أَوْ مُحَلِّلًا» كَذَا فِي مُسْلِمٍ. وَأُجِيبَ عَنْ الثَّانِي بِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ وَقَعَ مِنْهُ صلى الله عليه وسلم ذَلِكَ أَعْنِي خَشْيَةَ أَنْ تَكُونَ أُمَّةً مَمْسُوخَةً قَبْلَ أَنْ يُعْلِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ الْمَمْسُوخَ لَا يَنْسُلُ. وَقَدْ

ص: 514

1249 -

وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ الْقُرَشِيِّ رضي الله عنه، «أَنَّ طَبِيبًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ الضِّفْدَعِ يَجْعَلُهَا فِي دَوَاءٍ، فَنَهَى عَنْ قَتْلِهَا» . أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ. وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ.

أَخْرَجَ الطَّحَاوِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ أَهِيَ مِمَّا مُسِخَ؟ قَالَ: إنَّ اللَّهَ لَمْ يُهْلِكْ قَوْمًا أَوْ يَمْسَخْ قَوْمًا فَيَجْعَلْ لَهُمْ نَسْلًا وَلَا عَاقِبَةً» وَأَصْلُ الْحَدِيثِ فِي مُسْلِمٍ وَلَمْ يَعْرِفْهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ. فَقَالَ: قَوْلُهُمْ إنَّ الْمَمْسُوخَ لَا يَنْسُلُ دَعْوَى فَإِنَّهُ لَا يُعْرَفُ بِالْعَقْلِ إنَّمَا طَرِيقُهُ النَّقْلُ وَلَيْسَ فِيهِ أَمْرٌ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ (وَأُجِيبَ) أَيْضًا بِأَنَّهُ لَوْ سَلِمَ أَنَّهُ مَمْسُوخٌ لَا يَقْتَضِي تَحْرِيمَ أَكْلِهِ فَإِنَّ كَوْنَهُ كَانَ آدَمِيًّا قَدْ زَالَ حُكْمُهُ وَلَمْ يَبْقَ لَهُ أَثَرٌ أَصْلًا وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ صلى الله عليه وسلم الْأَكْلَ مِنْهُ لِمَا وَقَعَ عَلَيْهِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ كَمَا كَرِهَ الشُّرْبَ مِنْ مِيَاهِ ثَمُودَ (قُلْت) وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَرَ تَحْرِيمَهُ لَمَا أَمَرَ بِإِلْقَائِهَا أَوْ بِتَقْرِيرِهِمْ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ إضَاعَةُ مَالٍ وَلَأَذِنَ لَهُمْ فِي أَكْلِهِ فَالْجَوَابُ الَّذِي قَبْلَهُ هُوَ الْأَحْسَنُ وَيُسْتَفَادُ مِنْ الْمَجْمُوعِ جَوَازُ أَكْلِهِ وَكَرَاهَتُهُ لِلنَّهْيِ.

(وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ التَّيْمِيُّ الْقُرَشِيُّ ابْنُ أَخِي طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الصَّحَابِيُّ قِيلَ إنَّهُ أَدْرَكَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَلَيْسَتْ لَهُ رُؤْيَةٌ أَسْلَمَ يَوْمَ الْفَتْحِ وَقِيلَ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ وَقُتِلَ مَعَ ابْنِ الزُّبَيْرِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ رَوَى عَنْهُ ابْنَاهُ وَابْنُ الْمُنْكَدِرِ «أَنَّ طَبِيبًا سَأَلَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَنْ الضِّفْدَعِ بِزِنَةِ الْخِنْصَرِ (يَجْعَلُهَا فِي دَوَاءٍ فَنَهَى عَنْ قَتْلِهَا» . أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ) وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ بِلَفْظِ: «ذَكَرَ طَبِيبٌ عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم دَوَاءً وَذَكَرَ الضِّفْدَعَ يَجْعَلُهَا فِيهِ فَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ قَتْلِ الضَّفَادِعِ» قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: هُوَ أَقْوَى مَا وَرَدَ فِي النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ الضِّفْدَع. وَأَخْرَجَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: «لَا تَقْتُلُوا الضَّفَادِعَ فَإِنَّ نَقِيقَهَا تَسْبِيحٌ وَلَا تَقْتُلُوا الْخُفَّاشَ فَإِنَّهُ لَمَّا خَرِبَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ قَالَ: يَا رَبِّ سَلِّطْنِي عَلَى الْبَحْرِ حَتَّى أُغْرِقَهُمْ» قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: إسْنَادُهُ صَحِيحٌ.

وَعَنْ أَنَسٍ «لَا تَقْتُلُوا الضَّفَادِعَ فَإِنَّهَا مَرَّتْ عَلَى نَارِ إبْرَاهِيمَ فَجَعَلَتْ فِي أَفْوَاهِهَا الْمَاءَ وَكَانَتْ تَرُشُّهُ عَلَى النَّارِ» وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ قَتْلِ الضَّفَادِعِ قَالُوا: وَيُؤْخَذُ مِنْهُ تَحْرِيمُ أَكْلِهَا وَلِأَنَّهَا لَوْ حَلَّتْ

ص: 515

1250 -

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ اتَّخَذَ كَلْبًا، إلَّا كَلْبَ مَاشِيَةٍ، أَوْ صَيْدٍ أَوْ زَرْعٍ، اُنْتُقِصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

لَمَا نُهِيَ عَنْ قَتْلِهَا وَتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذَا الِاسْتِدْلَالِ وَلَيْسَ بِوَاضِحٍ.

‌باب الصيد والذبائح

الصَّيْدُ يُطْلَقُ عَلَى الْمَصْدَرِ أَيْ التَّصَيُّدُ وَعَلَى الْمَصِيدِ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى أَبَاحَ الصَّيْدَ فِي آيَتَيْنِ مِنْ الْقُرْآنِ الْأُولَى قَوْلُهُ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ} وَالثَّانِيَةُ: {وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ} الْآيَةَ وَالْآلَةُ الَّتِي يُصَادُ بِهَا ثَلَاثَةٌ، الْحَيَوَانُ الْجَارِحُ، وَالْمُحَدَّدُ، وَالْمُثَقَّلُ، فَفِي الْحَيَوَانِ:

(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «مَنْ اتَّخَذَ كَلْبًا إلَّا كَلْبَ مَاشِيَةٍ أَوْ صَيْدٍ أَوْ زَرْعٍ اُنْتُقِصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ اتِّخَاذِ الْكِلَابِ وَاقْتِنَائِهَا وَإِمْسَاكِهَا إلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ مِنْ الثَّلَاثَةِ. وَقَدْ وَرَدَتْ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ رِوَايَاتٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ الْمَنْعُ لِلتَّحْرِيمِ أَوْ لِلْكَرَاهَةِ فَقِيلَ بِالْأَوَّلِ وَيَكُونُ نُقْصَانُ الْقِيرَاطِ عُقُوبَةً فِي اتِّخَاذِهَا بِمَعْنَى أَنَّ الْإِثْمَ الْحَاصِلَ بِاِتِّخَاذِهَا يُوَازِنُ قَدْرَ قِيرَاطٍ مِنْ أَجْرِ الْمُتَّخَذِ لَهُ وَفِي رِوَايَةٍ قِيرَاطَانِ، وَحُكْمُهُ التَّحْرِيمُ مَا فِي بَقَائِهَا فِي الْبَيْتِ مِنْ التَّسَبُّبِ إلَى تَرْوِيعِ النَّاسِ وَامْتِنَاعِ دُخُولِ الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ دُخُولُهُمْ يُقَرِّبُ إلَى فِعْلِ الطَّاعَاتِ وَيُبْعِدُ عَنْ فِعْلِ الْمَعْصِيَةِ وَبُعْدُهُمْ سَبَبٌ لِضِدِّ ذَلِكَ وَلِتَنْجِيسِهَا الْأَوَانِيَ، وَقِيلَ بِالثَّانِي بِدَلِيلِ نَقْصِ بَعْضِ الثَّوَابِ عَلَى التَّدْرِيجِ فَلَوْ كَانَ حَرَامًا لَذَهَبَ الثَّوَابُ مَرَّةً وَاحِدَةً. وَفِيهِ أَنَّ فِعْلَ الْمَكْرُوهِ تَنْزِيهًا لَا يَقْتَضِي نَقْصَ شَيْءٍ مِنْ الثَّوَابِ. وَذَهَبَ إلَى تَحْرِيمِ اقْتِنَاءِ الْكَلْبِ الشَّافِعِيَّةُ إلَّا الْمُسْتَثْنَى. وَاخْتُلِفَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ رِوَايَةِ قِيرَاطٌ وَرِوَايَةِ قِيرَاطَانِ، فَقِيلَ إنَّهُ بِاعْتِبَارِ كَثْرَةِ الْأَضْرَارِ كَمَا فِي الْمُدُنِ يَنْقُصُ قِيرَاطَانِ وَقِلَّتِهِ كَمَا فِي الْبَوَادِي يَنْقُصُ قِيرَاطٌ أَوْ أَنَّ الْأَوَّلَ إذَا كَانَ فِي الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ وَالثَّانِي فِي غَيْرِهَا. أَوْ قِيرَاطٌ مِنْ عَمَلِ النَّهَارِ وَقِيرَاطٌ مِنْ عَمَلِ اللَّيْلِ. فَالْمُقْتَصَرُ فِي الرِّوَايَةِ بِاعْتِبَارِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْمُثَنَّى بِاعْتِبَارِ مَجْمُوعِهِمَا. وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا هَلْ النُّقْصَانُ مِنْ الْعَمَلِ الْمَاضِي أَوْ مِنْ الْأَعْمَالِ الْمُسْتَقْبَلَةِ قَالَ ابْنُ التِّينِ الْمُسْتَقْبَلَةُ وَحَكَى

ص: 516

1251 -

وَعَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إذَا أَرْسَلْت كَلْبَك فَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَمْسَكَ عَلَيْك فَأَدْرَكْته حَيًّا فَاذْبَحْهُ، وَإِنْ أَدْرَكْته قَدْ قَتَلَ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ فَكُلْهُ، وَإِنْ وَجَدْت مَعَ كَلْبِك كَلْبًا غَيْرَهُ وَقَدْ قَتَلَ فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنَّك لَا تَدْرِي أَيَّهُمَا قَتَلَهُ، وَإِنْ رَمَيْت بِسَهْمِك فَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنْ غَابَ عَنْك يَوْمًا فَلَمْ تَجِدْ فِيهِ إلَّا أَثَرَ سَهْمِك فَكُلْ إنْ شِئْت، وَإِنْ وَجَدْته غَرِيقًا فِي الْمَاءِ فَلَا تَأْكُلْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ

غَيْرُهُ الْخِلَافَ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ اتَّخَذَ الْمَأْذُونَ مِنْهَا فَلَا نَقْصَ عَلَيْهِ وَقِيسَ عَلَيْهِ اتِّخَاذُهُ لِحِفْظِ الدُّورِ إذَا اُحْتِيجَ إلَى ذَلِكَ أَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ. وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْكَلْبُ الْعَقُورُ فِي الْإِذْنِ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِقَتْلِهِ. وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى التَّحْذِيرِ مِنْ الْإِتْيَانِ بِمَا يُنْقِصُ الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ. وَفِيهِ الْإِخْبَارُ بِلُطْفِ اللَّهِ تَعَالَى فِي إبَاحَتِهِ لِمَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي تَحْصِيلِ الْمَعَاشِ وَحِفْظِهِ.

(تَنْبِيهٌ) وَرَدَ فِي مُسْلِمٍ الْأَمْرُ بِقَتْلِ الْكِلَابِ فَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ إلَى الْأَخْذِ بِالْحَدِيثِ فِي قَتْلِ الْكِلَابِ إلَّا مَا اُسْتُثْنِيَ قَالَ: وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ. وَذَهَبَ آخَرُونَ إلَى جَوَازِ اقْتِنَائِهَا جَمِيعًا وَنَسْخِ قَتْلِهَا إلَّا الْأَسْوَدَ الْبَهِيمَ قَالَ: وَعِنْدِي أَنَّ النَّهْيَ أَوَّلًا كَانَ نَهْيًا عَامًّا عَنْ اقْتِنَائِهَا جَمِيعًا وَأَمَرَ بِقَتْلِهَا جَمِيعًا ثُمَّ نَهَى عَنْ قَتْلِ مَا عَدَا الْأَسْوَدَ وَمَنَعَ الِاقْتِنَاءَ فِي جَمِيعِهَا إلَّا الْمُسْتَثْنَى اهـ وَالْمُرَادُ بِالْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ ذُو النُّقْطَتَيْنِ فَإِنَّهُ شَيْطَانٌ وَالْبَهِيمُ الْخَالِصُ السَّوَادُ وَالنُّقْطَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ فَوْقَ عَيْنَيْهِ.

(وَعَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ رضي الله عنه قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «إذَا أَرْسَلْت كَلْبَك الْمُعَلَّمَ فَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ فَإِنْ أَمْسَكَ عَلَيْك فَأَدْرَكْته حَيًّا فَاذْبَحْهُ. وَإِنْ أَدْرَكْته قَدْ قَتَلَ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ فَكُلْهُ. وَإِنْ وَجَدْت مَعَ كَلْبِك كَلْبًا غَيْرَهُ وَقَدْ قَتَلَ فَلَا تَأْكُلْ مِنْهُ فَإِنَّك لَا تَدْرِي أَيَّهُمَا قَتَلَهُ. وَإِنْ رَمَيْت بِسَهْمِك فَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى» هَذَا إشَارَةٌ إلَى آلَةِ الصَّيْدِ الثَّانِيَةِ أَعْنِي الْمُحَدَّدَ وَهُوَ قَتْلُهُ بِالرِّمَاحِ وَالسُّيُوفِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ} وَلَكِنَّ الْحَدِيثَ فِي السَّهْمِ «فَإِنْ غَابَ عَنْك يَوْمًا فَلَمْ تَجِدْ فِيهِ إلَّا أَثَرَ سَهْمِك فَكُلْ إنْ شِئْت وَإِنْ وَجَدْته غَرِيقًا فِي الْمَاءِ فَلَا تَأْكُلْ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ) فِي الْحَدِيثِ مَسَائِلُ (الْأُولَى) أَنَّهُ لَا يَحِلُّ صَيْدُ الْكَلْبِ إلَّا إذَا أَرْسَلَهُ صَاحِبُهُ فَلَوْ اسْتَرْسَلَ بِنَفْسِهِ لَمْ يَحِلَّ مَا يَصِيدُهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم (إذَا أَرْسَلْت) فَمَفْهُومُ الشَّرْطِ أَنَّ

ص: 517

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

غَيْرَ الْمُرْسَلِ لَيْسَ كَذَلِكَ وَعَنْ طَائِفَةٍ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ كَوْنُهُ مُعَلَّمًا فَيَحِلُّ صَيْدُهُ وَإِنْ لَمْ يُرْسِلْهُ صَاحِبُهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ خَرَجَ قَوْلُهُ إذَا أَرْسَلْت مَخْرَجَ الْغَالِبِ فَلَا مَفْهُومَ لَهُ. وَحَقِيقَةُ الْمُعَلَّمِ هُوَ أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يُغْرَى فَيَقْصِدُ وَيُزْجَرُ فَيَقْعُدُ. وَقِيلَ التَّعْلِيمُ قَبُولُ الْإِرْسَالِ وَالْإِغْرَاءِ حَتَّى يَمْتَثِلَ الزَّجْرَ فِي الِابْتِدَاءِ لَا بَعْدَ الْعَدْوِ وَيَتْرُكُ أَكْلَ مَا أَمْسَكَ، فَالْمُعْتَبَرُ امْتِثَالُهُ لِلزَّجْرِ قَبْلَ الْإِرْسَالِ وَأَمَّا بَعْدَ إرْسَالِهِ عَلَى الصَّيْدِ فَذَلِكَ مُتَعَذِّرٌ وَالتَّكْلِيبُ إلْهَامٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَمُكْتَسَبٌ بِالْعَقْلِ كَمَا قَالَ تَعَالَى:{تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ} قَالَ جَارُ اللَّهِ: مِمَّا عَرَّفَكُمْ أَنْ تَعْلَمُوهُ مِنْ اتِّبَاعِ الصَّيْدِ بِإِرْسَالِ صَاحِبِهِ وَانْزِجَارِهِ بِزَجْرِهِ وَانْصِرَافِهِ بِدُعَائِهِ وَإِمْسَاكِ الصَّيْدِ عَلَيْهِ وَأَنْ لَا يَأْكُلَ مِنْهُ

(الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) فِي قَوْلِهِ: (فَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ) هَذَا مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْله تَعَالَى: {وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ} فَإِنَّ ضَمِيرَ عَلَيْهِ يَعُودُ إلَى مَا أَمْسَكْنَ عَلَى مَعْنَى وَسَمُّوا عَلَيْهِ إذَا أَدْرَكْتُمْ ذَكَاتَهُ أَوْ إلَى مَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ أَيْ سَمُّوا عَلَيْهِ عِنْدَ إرْسَالِهِ كَمَا أَفَادَهُ الْكَشَّافُ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ:«إنْ رَمَيْت فَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ» دَلِيلٌ عَلَى اشْتِرَاطِ التَّسْمِيَةِ عِنْدَ الرَّمْيِ وَظَاهِرُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وُجُوبُ التَّسْمِيَةِ. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ. فَذَهَبَتْ الْهَادَوِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ إلَى أَنَّ التَّسْمِيَةَ وَاجِبَةٌ عَلَى الذَّاكِرِ عِنْدَ الْإِرْسَالِ وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَيْضًا عِنْدَ الذَّبْحِ وَالنَّحْرِ فَلَا تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ وَلَا صَيْدُهُ إذَا تُرِكَتْ عَمْدًا مُسْتَدِلِّينَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} وَبِالْحَدِيثِ هَذَا. قَالُوا: وَقَدْ عُفِيَ عَنْ النَّاسِ بِحَدِيثِ «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ» وَلِمَا يَأْتِي مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظِ «فَإِنْ نَسِيَ أَنْ يُسَمِّيَ حِينَ يَذْبَحُ فَلْيُسَمِّ ثُمَّ لِيَأْكُلَ» وَسَيَأْتِي فِي آخِرِ الْبَابِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَذَهَبَ آخَرُونَ إلَى أَنَّهَا سُنَّةٌ مِنْهُمْ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمَالِكٌ وَرِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ مُسْتَدِلِّينَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ} قَالُوا فَأَبَاحَ التَّذْكِيَةَ مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ التَّسْمِيَةِ. وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} وَهُمْ لَا يُسَمُّونَ. وَلِحَدِيثِ عَائِشَةَ الْآتِي «إنَّهُمْ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ قَوْمًا يَأْتُونَنَا بِلَحْمٍ لَا نَدْرِي أَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَمْ لَا أَفَنَأْكُلُ مِنْهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم: سَمُّوا عَلَيْهِ أَنْتُمْ وَكُلُوا» وَأَجَابُوا عَنْ أَدِلَّةِ الْإِيجَابِ بِأَنَّ قَوْلَهُ: (وَلَا تَأْكُلُوا) الْمُرَادُ بِهِ مَا ذُبِحَ لِلْأَصْنَامِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ} - {وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: {وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ مَنْ أَكَلَ مَتْرُوكَ التَّسْمِيَةِ عَلَيْهِ فَلَيْسَ بِفَاسِقٍ فَوَجَبَ حَمْلُهَا عَلَى مَا ذُكِرَ جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْآيَاتِ السَّابِقَةِ، وَحَدِيثُ

ص: 518

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

عَائِشَةُ. وَذَهَبَتْ الظَّاهِرِيَّةُ إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَكْلُ مَا لَمْ يُسَمَّ عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَ تَارِكُهَا نَاسِيًا لِظَاهِرِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، وَحَدِيثُ عَدِيٍّ رضي الله عنه فَإِنَّهُ لَمْ يُفَصِّلْ. قَالُوا: وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ وَفِيهِ " أَنَّهُمْ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ قَوْمًا حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بِالْجَاهِلِيَّةِ يَأْتُونَ بِلُحْمَانٍ - الْحَدِيثَ " فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ إنَّهُ أَعَلَّهُ الْبَعْضُ بِالْإِرْسَالِ: قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: الصَّوَابُ أَنَّهُ مُرْسَلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّهُ أَدَارَ الشَّارِعُ الْحُكْمَ عَلَى الْمَظِنَّةِ وَهِيَ كَوْنُ الذَّابِحِ مُسْلِمًا وَإِنَّمَا شَكَّكَ عَلَى السَّائِلِ حَدَاثَةُ إسْلَامِ الْقَوْمِ فَأَلْغَاهُ صلى الله عليه وسلم بَلْ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ التَّسْمِيَةِ وَإِلَّا لَبَيَّنَ لَهُ عَدَمَ لُزُومِهَا وَهَذَا وَقْتُ الْحَاجَةِ إلَى الْبَيَانِ وَأَمَّا حَدِيثُ «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ» فَهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى تَقْدِيرِ رُفِعَ الْإِثْمُ أَوْ نَحْوُهُ وَلَا دَلِيلَ فِيهِ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكِتَابِ فَهُمْ يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَى ذَبَائِحِهِمْ فَيَتَحَصَّلُ قُوَّةُ كَلَامِ الظَّاهِرِيَّةِ فَيَتْرُكُ مَا تَيَقَّنَ أَنَّهُ لَمْ يُسَمَّ عَلَيْهِ وَأَمَّا مَا شَكَّ فِيهِ وَالذَّابِحُ مُسْلِمٌ فَكَمَا قَالَ صلى الله عليه وسلم «اُذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ وَكُلُوا»

(الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) فِي قَوْلِهِ: «فَإِنْ أَدْرَكْته حَيًّا فَاذْبَحْهُ» . فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ تَذْكِيَتُهُ إذَا وَجَدَهُ حَيًّا وَلَا يَحِلُّ إلَّا بِهَا وَذَلِكَ اتِّفَاقٌ، فَإِنْ أَدْرَكَهُ وَفِيهِ بَقِيَّةُ حَيَاةٍ فَإِنْ كَانَ قَدْ قَطَعَ حُلْقُومَهُ أَوْ مَرِيئَهُ أَوْ جَرَحَ أَمْعَاءَهُ أَوْ أَخْرَجَ حَشْوَهُ فَيَحِلُّ بِلَا ذَكَاةٍ، قَالَ النَّوَوِيُّ: بِالْإِجْمَاعِ، وَقَالَ الْمَهْدِيُّ: لِلْهَادَوِيَّةِ إنَّهُ إذَا بَقِيَ فِيهِ رَمَقٌ وَجَبَ تَذْكِيَتُهُ، وَالرَّمَقُ إمْكَانُ التَّذْكِيَةِ لَوْ حَضَرَتْ آلَةٌ.

وَدَلَّ قَوْلُهُ: «وَإِنْ أَدْرَكْته وَقَدْ قُتِلَ وَلَمْ يَأْكُلْهُ فَكُلْهُ» أَنَّهُ إذَا أَكَلَ حَرُمَ أَكْلُهُ وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ مِنْ شَرْطِ الْمُعَلَّمِ أَنْ لَا يَأْكُلَ فَأَكْلُهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ كَامِلِ التَّعْلِيمِ. وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ تَعْلِيلُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم " فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ إنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ " وَهُوَ مُسْتَفَادٌ مِنْ قَوْلِهِ: {فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} فَإِنَّهُ فَسَّرَ الْإِمْسَاكَ عَلَى صَاحِبِهِ بِأَنْ لَا يَأْكُلَ مِنْهُ وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما «إذَا أَرْسَلْت الْكَلْبَ فَأَكَلَ الصَّيْدَ فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ، وَإِذَا أَرْسَلْته وَلَمْ يَأْكُلْ فَكُلْ إنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى صَاحِبِهِ» وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ.

وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه وَجَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ حِلُّهُ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم فِي حَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ الَّذِي أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ أَنَّهُ قَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ لِي كِلَابًا مُكَلَّبَةً فَأَفْتِنِي فِي صَيْدِهَا قَالَ كُلْ: مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْك قَالَ وَإِنْ أَكَلَ؟ قَالَ: وَإِنْ أَكَلَ» وَفِي حَدِيثِ سَلْمَانَ «كُلْهُ وَإِنْ لَمْ تُدْرِكْ مِنْهُ إلَّا نِصْفَهُ» قِيلَ فَيُحْمَلُ حَدِيثُ عَدِيٍّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ فِي كَلْبٍ قَدْ اعْتَادَ الْأَكْلَ فَخَرَجَ عَنْ التَّعْلِيمِ وَقِيلَ إنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ، وَحَدِيثُ أَبِي ثَعْلَبَةَ لِبَيَانِ أَصْلِ الْحِلِّ.

وَقَدْ كَانَ عَدِيٌّ مُوسِرًا فَاخْتَارَ صلى الله عليه وسلم لَهُ الْأَوْلَى وَكَانَ أَبُو ثَعْلَبَةَ مُعْسِرًا فَأَفْتَاهُ بِأَصْلِ الْحِلِّ، وَقَالَ الْأَوَّلُونَ: الْحَدِيثَانِ قَدْ تَعَارَضَا، وَهَذِهِ الْأَجْوِبَةُ لَا يَخْفَى ضَعْفُهَا فَيُرْجَعُ

ص: 519

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

إلَى التَّرْجِيحِ. وَحَدِيثُ عَدِيٍّ أَرْجَحُ لِأَنَّهُ مُخَرَّجٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَمُتَأَيَّدٌ بِالْآيَةِ وَقَدْ صُرِّحَ صلى الله عليه وسلم بِأَنَّهُ يَخَافُ أَنَّهُ إنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ فَيُتْرَكُ تَرْجِيحًا لِجَنَبَةِ الْحَظْرِ كَمَا قَالَ صلى الله عليه وسلم فِي الْحَدِيثِ " وَإِنْ وَجَدْت مَعَ كَلْبِك كَلْبًا آخَرَ - إلَى قَوْلِهِ - فَلَا تَأْكُلْ " فَإِنَّهُ نَهَى عَنْهُ لِاحْتِمَالِ أَنَّ الْمُؤَثِّرَ فِيهِ كَلْبٌ آخَرُ غَيْرُ الْمُرْسَلِ فَيَتْرُكُهُ تَرْجِيحًا لِجَنَبَةِ الْحَظْرِ وَقَوْلُهُ «فَإِنْ غَابَ عَنْك يَوْمًا فَلَمْ تَجِدْ فِيهِ إلَّا أَثَرَ سَهْمِك فَكُلْهُ إنْ شِئْت» اخْتَلَفَتْ الْأَحَادِيثُ فِي هَذَا.

فَرُوِيَ عَنْ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ فِي الَّذِي يُدْرِكُ صَيْدَهُ بَعْدَ ثَلَاثٍ أَنَّهُ قَالَ صلى الله عليه وسلم «كُلْ مَا لَمْ يَنْتُنْ» وَرَوَى مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِهِ أَنَّهُ قَالَ صلى الله عليه وسلم «إذَا رَمَيْت بِسَهْمِك فَغَابَ عَنْك مَصْرَعُهُ فَكُلْ مَا لَمْ يَبِتْ» وَلِاخْتِلَافِهَا اخْتَلَفَتْ الْعُلَمَاءُ. فَقَالَ مَالِكٌ: إذَا غَابَ عَنْك مَصْرَعُهُ ثُمَّ وُجِدَ بِهِ أَثَرٌ مِنْ الْكَلْبِ فَإِنَّهُ يَأْكُلُهُ مَا لَمْ يَبِتْ فَإِذَا بَاتَ كُرِهَ، وَفِيهِ أَقْوَالٌ أُخَرُ، وَالتَّعْلِيلُ بِمَا لَمْ يَنْتُنْ وَمَا لَمْ يَبِتْ هُوَ النَّصُّ وَيُحْمَلُ ذِكْرُ الْأَوْقَاتِ عَلَى التَّقْيِيدِ بِهِ وَتَرْكُ الْأَكْلِ لِلِاحْتِيَاطِ وَتَرْجِيحِ جَنَبَةِ الْحَظْرِ وَقَوْلُهُ «وَإِنْ وَجَدْته غَرِيقًا فَلَا تَأْكُلْ» ظَاهِرُهُ وَإِنْ وُجِدَ بِهِ أَثَرُ السَّهْمِ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنَّهُ مَا مَاتَ إلَّا بِالْغَرَقِ

(الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) الْحَدِيثُ نَصٌّ فِي صَيْدِ الْكَلْبِ وَاخْتُلِفَ فِيمَا يُعَلَّمُ مِنْ غَيْرِهِ كَالْفَهْدِ وَالنَّمِرِ وَمِنْ الطُّيُورِ كَالْبَازِي وَالشَّاهِينِ وَغَيْرِهِمَا فَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ إلَى أَنَّهُ يَحِلُّ صَيْدُ كُلِّ مَا قَبْلَ التَّعْلِيمِ حَتَّى السِّنَّوْرُ. وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ مُجَاهِدٌ لَا يَحِلُّ إلَّا صَيْدُ الْكَلْبِ، وَأَمَّا مَا صَادَهُ غَيْرُ الْكَلْبِ فَيُشْتَرَطُ إدْرَاكُ ذَكَاتِهِ وقَوْله تَعَالَى:{مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ} دَلِيلٌ لِلثَّانِي بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مِنْ الْكَلْبِ بِسُكُونِ اللَّامِ فَلَا يَشْمَلُ غَيْرَهُ مِنْ الْجَوَارِحِ وَلَكِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْ الْكَلَبِ بِفَتْحِ اللَّامِ وَهُوَ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى التَّكْلِيبِ وَهُوَ التَّضْرِيَةُ فَيَشْمَلُ الْجَوَارِحَ كُلَّهَا وَالْمُرَادُ بِالْجَوَارِحِ هُنَا الْكَوَاسِبُ عَلَى أَهْلِهَا وَهُوَ عَامٌّ. قَالَ فِي الْكَشَّافِ: الْجَوَارِحُ الْكَوَاسِبُ مِنْ سِبَاعِ الْبَهَائِمِ وَالطَّيْرِ وَالْكَلْبِ وَالْفَهْدِ وَالنَّمِرِ وَالْعُقَابِ وَالْبَازِي وَالصَّقْرِ وَالشَّاهِينِ وَالْمُرَادُ بِالْمُكَلِّبِ مُعَلِّمُ الْجَوَارِحِ وَمُضِرَّاهَا بِالصَّيْدِ لِصَاحِبِهَا وَرَائِضُهَا لِذَلِكَ بِمَا عَلِمَ مِنْ الْحِيَلِ وَطُرُقِ التَّأْدِيبِ وَالتَّثْقِيفِ وَاشْتِقَاقِهِ مِنْ الْكَلَبِ

ص: 520

1252 -

وَعَنْ عَدِيٍّ رضي الله عنه قَالَ: «سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ صَيْدِ الْمِعْرَاضِ، فَقَالَ: إذَا أَصَبْت بِحَدِّهِ فَكُلْ، وَإِذَا أَصَبْت بِعَرْضِهِ فَقَتَلَ فَإِنَّهُ وَقِيذٌ، فَلَا تَأْكُلْ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

لِأَنَّ التَّأْدِيبَ أَكْثَرُ مَا يَكُونُ فِي الْكِلَابِ فَاشْتُقَّ لَهُ مِنْهُ لِكَثْرَتِهِ فِي جِنْسِهِ أَوْ لِأَنَّ السَّبُعَ يُسَمَّى كَلْبًا وَمِنْهُ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم «اللَّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبًا مِنْ كِلَابِك» فَأَكَلَهُ الْأَسَدُ أَوْ مِنْ الْكَلَبِ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى الضَّرَاوَةِ يُقَالُ هُوَ كَلْبٌ بِكَذَا إذَا كَانَ ضَارِيًا بِهِ اهـ فَدَلَّ كَلَامُهُ عَلَى شُمُولِ الْآيَةِ لِلْكَلْبِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْجَوَارِحِ عَلَى تَقْدِيرِ الِاشْتِقَاقَيْنِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ وَالْعَرَبُ تَصِيدُ بِالْكِلَابِ وَالطُّيُورِ وَغَيْرِهِمَا وَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ «سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ صَيْدِ الْبَازِي فَقَالَ: مَا أَمْسَكَ عَلَيْك فَكُلْ.» وَقَدْ ضُعِّفَ بِمُجَالِدٍ وَلَكِنْ قَدْ أَوْضَحْنَا فِي حَوَاشِي ضَوْءِ النَّهَارِ أَنَّهُ يُعْمَلُ بِمَا رَوَاهُ.

(وَعَنْ عَدِيٍّ قَالَ «سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ صَيْدِ الْمِعْرَاضِ» بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ آخِرُهُ مُعْجَمَةٌ يَأْتِي تَفْسِيرُهُ (فَقَالَ: «إذَا أَصَبْت بِحَدِّهِ فَكُلْ وَإِذَا أَصَبْت بِعَرْضِهِ فَقَتَلَ فَإِنَّهُ وَقِيذٌ» بِفَتْحِ الْوَاوِ وَبِالْقَافِ فَمُثَنَّاةٌ تَحْتِيَّةٌ وَذَالٌ مُعْجَمَةٌ بِزِنَةِ عَظِيمٍ يَأْتِي بَيَانُهُ (فَلَا تَأْكُلْ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) اُخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِ الْمِعْرَاضِ عَلَى أَقْوَالٍ لَعَلَّ أَقْرَبَهَا مَا قَالَهُ ابْنُ التِّينِ إنَّهُ عَصًا فِي طَرَفِهَا حَدِيدَةٌ يَرْمِي بِهِ الصَّائِدُ فَمَا أَصَابَ بِحَدِّهِ فَهُوَ ذَكِيٌّ يُؤْكَلُ وَمَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ فَهُوَ وَقِيذٌ أَيْ مَوْقُوذٌ وَالْمَوْقُوذُ مَا قُتِلَ بِعَصًا أَوْ حَجَرٍ أَوْ مَا لَا حَدَّ فِيهِ وَالْمَوْقُوذَةُ الْمَضْرُوبَةُ بِخَشَبَةٍ حَتَّى تَمُوتَ مِنْ وَقَذْتُهُ ضَرَبْتُهُ، وَفِي الْحَدِيثِ إشَارَةٌ إلَى آلَةٍ مِنْ آلَاتِ الِاصْطِيَادِ وَهِيَ الْمُحَدَّدُ فَإِنَّهُ صلى الله عليه وسلم أَخْبَرَهُ أَنَّهُ إذَا أَصَابَ بِحَدِّ الْمِعْرَاضِ أَكَلَ فَإِنَّهُ مُحَدَّدٌ وَإِذَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ فَلَا يَأْكُلْ. وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ صَيْدُ الْمُثَقَّلِ. وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَالثَّوْرِيُّ وَذَهَبَ الْأَوْزَاعِيُّ وَمَكْحُولٌ وَغَيْرُهُمَا مِنْ عُلَمَاءِ الشَّامِ إلَى أَنَّهُ يَحِلُّ صَيْدُ الْمِعْرَاضِ مُطْلَقًا وَسَبَبُ الْخِلَافِ مُعَارَضَةُ الْأُصُولِ فِي هَذَا الْبَابِ بَعْضُهَا لِبَعْضٍ وَمُعَارَضَةُ الْأَثَرِ لَهَا وَذَلِكَ أَنَّ مِنْ الْأُصُولِ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّ الْوَقِيذَ مُحَرَّمٌ بِالْكِتَابِ وَالْإِجْمَاعِ وَمِنْ أُصُولِهِ أَنَّ الْعَقْرَ ذَكَاةُ الصَّيْدِ فَمَنْ رَأَى أَنَّ مَا قَتَلَهُ الْمِعْرَاضُ وَقِيذًا مَنَعَهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَمَنْ رَآهُ عَقْرًا مُخْتَصًّا بِالصَّيْدِ وَأَنَّ الْوَقِيذَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِيهِ لَمْ يَمْنَعْهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَ مَا خُزِقَ مِنْ ذَلِكَ وَمَا لَمْ يُخْزَقْ نَظَرَ إلَى حَدِيثِ عَدِيٍّ هَذَا هُوَ الصَّوَابُ. هَذَا وَقَوْلُهُ (فَإِنَّهُ وَقِيذٌ) أَيْ كَالْوَقِيذِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْوَقِيذَ الْمَضْرُوبَ بِالْعَصَا مِنْ دُونِ حَدٍّ وَهَذَا قَدْ شَارَكَهُ فِي الْعِلَّةِ وَهِيَ الْقَتْلُ بِغَيْرِ حَدٍّ.

ص: 521

1253 -

وَعَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إذَا رَمَيْت بِسَهْمِك، فَغَابَ عَنْك فَأَدْرَكْته، فَكُلْهُ، مَا لَمْ يَنْتُنْ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.

1254 -

وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها «أَنَّ قَوْمًا قَالُوا لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: إنَّ قَوْمًا يَأْتُونَنَا بِاللَّحْمِ، لَا نَدْرِي: أَذَكَرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟ قَالَ سَمُّوا اللَّهَ عَلَيْهِ أَنْتُمْ وَكُلُوهُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

(وَعَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إذَا رَمَيْت بِسَهْمِك فَغَابَ عَنْك فَأَدْرَكْته فَكُلْ مَا لَمْ يَنْتُنْ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيمَا غَابَ عَنْ مَصْرَعِهِ مِنْ الصَّيْدِ سَوَاءٌ كَانَ بِسَهْمٍ أَوْ جَارِحٍ. وَفِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى تَحْرِيمِ‌

‌ أَكْلِ مَا أَنْتَنَ مِنْ اللَّحْمِ

قِيلَ وَيُحْمَلُ عَلَى مَا يَضُرُّ الْآكِلَ أَوْ صَارَ مُسْتَخْبَثًا أَوْ يُحْمَلُ عَلَى التَّنْزِيهِ وَيُقَاسُ عَلَيْهِ سَائِرُ الْأَطْعِمَةِ الْمُنْتِنَةِ.

(وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها «أَنَّ قَوْمًا قَالُوا لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: إنَّ قَوْمًا يَأْتُونَنَا بِاللَّحْمِ لَا نَدْرِي أَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَيْ عِنْدَ ذَكَاتِهِ أَمْ لَا؟ قَالَ: سَمُّوا اللَّهَ عَلَيْهِ أَنْتُمْ وَكُلُوهُ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) تَقَدَّمَ أَنَّ فِي رِوَايَةٍ " أَنَّ قَوْمًا حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بِالْجَاهِلِيَّةِ " وَهِيَ هُنَا فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ تَمَامِ الْحَدِيثِ بِلَفْظِ " قَالَتْ وَكَانُوا حَدِيثِي عَهْدٍ بِالْكُفْرِ " وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ زِيَادَةٌ " وَذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ " وَالْحَدِيثُ قَدْ أُعِلَّ بِالْإِرْسَالِ وَلَيْسَ بِعِلَّةٍ عِنْدَنَا عَلَى مَا عَرَفْت سِيَّمَا وَقَدْ وَصَلَهُ الْبُخَارِيُّ. وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْحَدِيثَ مِنْ أَدِلَّةِ مَنْ قَالَ بِعَدَمِ وُجُوبِ التَّسْمِيَةِ وَلَا يَتِمُّ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا هُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَعْلَمُوا التَّسْمِيَةَ فِيمَا يُجْلَبُ إلَى أَسْوَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَكَذَا مَا ذَبَحَهُ الْأَعْرَابُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَرَفُوا التَّسْمِيَةَ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لِأَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يُظَنُّ بِهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ إلَّا الْخَيْرَ إلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ خِلَافُ ذَلِكَ وَيَكُونَ الْجَوَابُ عَنْهُمْ بِقَوْلِهِ: فَسَمُّوا إلَخْ مِنْ الْأُسْلُوبِ الْحَكِيمِ وَهُوَ جَوَابُ السَّائِلِ بِغَيْرِ مَا يَتَرَقَّبُ كَأَنَّهُ يَقُولُ الَّذِي يُهِمُّكُمْ أَنْتُمْ أَنْ تَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَتَأْكُلُوا مِنْهُ وَهَذَا يُقَرِّرُ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ وُجُوبِ التَّسْمِيَةِ إلَّا أَنْ نَحْمِلَ أُمُورَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى السَّلَامَةِ.

وَأَمَّا مَا اُشْتُهِرَ مِنْ حَدِيثِ «الْمُؤْمِنُ يَذْبَحُ عَلَى اسْمِ اللَّهِ سَمَّى أَمْ لَمْ يُسَمِّ» وَإِنْ قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ إنَّهُ صَحِيحٌ

ص: 522

1255 -

وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ رضي الله عنه أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ الْخَذْفِ، وَقَالَ: إنَّهَا لَا تَصِيدُ صَيْدًا، وَلَا تَنْكَأُ عَدُوًّا، وَلَكِنَّهَا تَكْسِرُ السِّنَّ، وَتَفْقَأُ الْعَيْنَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.

فَقَدْ قَالَ النَّوَوِيُّ: إنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَى ضَعْفِهِ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَقَالَ إنَّهُ مُنْكَرٌ لَا يُحْتَجُّ بِهِ، وَكَذَا مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد فِي الْمَرَاسِيلِ عَنْ الصَّلْتِ السَّدُوسِيِّ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«ذَبِيحَةُ الْمُسْلِمِ حَلَالٌ ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ أَوْ لَمْ يَذْكُرْ» فَهُوَ مُرْسَلٌ وَإِنْ كَانَ الصَّلْتُ ثِقَةً فَالْإِرْسَالُ عِلَّةٌ عِنْدَ مَنْ لَمْ يَقْبَلْ الْمَرَاسِيلَ وَقَوْلُنَا فِيمَا تَقَدَّمَ إنَّهُ لَيْسَ الْإِرْسَالُ عِلَّةً نُرِيدُ إذَا أَعَلُّوا بِهِ حَدِيثًا مَوْصُولًا ثُمَّ جَاءَ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى مُرْسَلًا. .

(وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ الْخَذْفِ» بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ فَفَاءٌ (وَقَالَ إنَّهَا) أَنَّثَ الضَّمِيرَ مَعَ أَنَّ مَرْجِعَهُ الْخَذْفُ وَهُوَ مُذَكَّرٌ نَظَرًا إلَى الْمَخْذُوفِ بِهِ وَهِيَ «الْحَصَاةُ لَا تَصِيدُ صَيْدًا وَلَا تَنْكَأُ بِفَتْحِ حَرْفِ الْمُضَارَعَةِ وَهَمْزَةٌ فِي آخِرِهِ عَدُوًّا وَلَكِنَّهَا تَكْسِرُ السِّنَّ وَتَفْقَأُ الْعَيْنَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ) الْخَذْفُ رَمْيُ الْإِنْسَانِ بِحَصَاةٍ أَوْ نَوَاةٍ أَوْ نَحْوِهِمَا يَجْعَلُهُمَا بَيْنَ أُصْبُعَيْهِ السَّبَّابَتَيْنِ أَوْ السَّبَّابَةِ وَالْإِبْهَامِ. وَفِي تَحْرِيمِ مَا يُقْتَلُ بِالْخَذْفِ مِنْ الصَّيْدِ الْخِلَافُ الَّذِي مَضَى فِي صَيْدِ الْمُثَقَّلِ، لِأَنَّ الْحَصَاةَ تَقْتُلُ بِثِقَلِهَا لَا بِحَدٍّ، وَالْحَدِيثُ نَهَى عَنْ الْخَذْفِ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِيهِ وَيُخَافُ مِنْهُ الْمَفْسَدَةُ الْمَذْكُورَةُ، وَيَلْحَقُ بِهِ كُلُّ مَا فِيهِ مَفْسَدَةٌ. وَاخْتُلِفَ فِيمَا يُقْتَلُ بِالْبُنْدُقَةِ فَقَالَ النَّوَوِيُّ: إنَّهُ إذَا كَانَ الرَّمْيُ بِالْبَنَادِقِ وَبِالْخَذْفِ إنَّمَا هُوَ لِتَحْصِيلِ الصَّيْدِ وَكَانَ الْغَالِبُ فِيهِ عَدَمَ قَتْلِهِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ إذَا أَدْرَكَهُ الصَّائِدُ وَذَكَّاهُ كَرَمْيِ الطُّيُورِ الْكِبَارِ بِالْبَنَادِقِ. وَأَمَّا أَثَرُ ابْنِ عُمَرَ وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ عَنْ الْبَيْهَقِيّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ " الْمَقْتُولَةُ بِالْبُنْدُقَةِ تِلْكَ الْمَوْقُوذَةُ " فَهَذَا فِي الْمَقْتُولَةِ بِالْبُنْدُقَةِ، وَكَلَامُ النَّوَوِيِّ فِي الَّذِي لَا يَقْتُلُهَا وَإِنَّمَا يَحْبِسُهَا عَلَى الرَّامِي حَتَّى يُذَكِّيَهَا، وَكَلَامُ أَكْثَرِ السَّلَفِ أَنَّهُ لَا يُؤْكَلُ مَا قُتِلَ بِالْبُنْدُقَةِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قُتِلَ بِالْمُثَقَّلِ (قُلْت) وَأَمَّا الْبَنَادِقُ الْمَعْرُوفَةُ الْآنَ فَإِنَّهَا تَرْمِي بِالرَّصَاصِ فَيَخْرُجُ وَقَدْ صَيَّرَتْهُ نَارَ الْبَارُودِ كَالْمِيلِ فَيَقْتُلُ بِحَدِّهِ لَا بِصَدْمِهِ فَالظَّاهِرُ حِلُّ مَا قَتَلَتْهُ.

ص: 523

1256 -

وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَا تَتَّخِذُوا شَيْئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

1257 -

وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه: «أَنَّ امْرَأَةً ذَبَحَتْ شَاةً بِحَجَرٍ، فَسُئِلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَنْ ذَلِكَ فَأَمَرَ بِأَكْلِهَا» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

(وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَا تَتَّخِذُوا شَيْئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا» بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ فَضَادٌ مُعْجَمَةٌ وَهُوَ فِي الْأَصْلِ الْهَدَفُ يُرْمَى إلَيْهِ ثُمَّ جُعِلَ اسْمًا لِكُلِّ غَايَةٍ يَتَحَرَّى إدْرَاكُهَا (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) الْحَدِيثُ نَهْيٌ عَنْ جَعْلِ الْحَيَوَانِ هَدَفًا يُرْمَى إلَيْهِ وَالنَّهْيُ لِلتَّحْرِيمِ لِأَنَّهُ أَصْلُهُ وَيُؤَيِّدُهُ قُوَّةُ حَدِيثِ «لَعَنَ اللَّهُ مَنْ فَعَلَ هَذَا لِمَا مَرَّ صلى الله عليه وسلم وَطَائِرٌ قَدْ نُصِبَ وَهُمْ يَرْمُونَهُ» . وَوَجْهُ حِكْمَةِ النَّهْيِ أَنَّ فِيهِ إيلَامًا لِلْحَيَوَانِ وَتَضْيِيعًا لِمَالِيَّتِهِ وَتَفْوِيتًا لِذَكَاتِهِ إنْ كَانَ مِمَّا يُذَكَّى وَلِمَنْفَعَتِهِ إنْ كَانَ غَيْرَ مُذَكًّى.

(وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ «أَنَّ امْرَأَةً ذَبَحَتْ شَاةً بِحَجَرٍ، فَسُئِلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَأَمَرَ بِأَكْلِهَا». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ تَذْكِيَةِ الْمَرْأَةِ وَهُوَ قَوْلُ الْجَمَاهِيرِ وَفِيهِ خِلَافٌ شَاذٌّ أَنَّهُ يُكْرَهُ وَلَا وَجْهَ لَهُ. وَدَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ التَّذْكِيَةِ بِالْحَجَرِ الْحَادِّ إذَا فَرَى الْأَوْدَاجَ لِأَنَّهُ جَاءَ فِي رِوَايَةٍ أَنَّهَا كَسَرَتْ الْحَجَرَ وَذَبَحَتْ بِهِ وَالْحَجَرُ إذَا كُسِرَ يَكُونُ فِيهِ الْحَدُّ. وَدَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَصِحُّ أَكْلُ مَا ذُبِحَ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَالِكِ وَخَالَفَ فِيهِ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ وَغَيْرُهُمْ. وَاحْتَجُّوا بِأَمْرِهِ صلى الله عليه وسلم بِإِكْفَاءِ مَا فِي قُدُورِ مَا ذُبِحَ مِنْ الْمَغْنَمِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ بِذِي الْحُلَيْفَةِ كَمَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ (وَأُجِيبَ) بِأَنَّهُ إنَّمَا أَمَرَ بِإِرَاقَةِ الْمَرَقِ وَأَمَّا اللَّحْمُ فَبَاقٍ جُمِعَ وَرُدَّ إلَى الْمَغْنَمِ (فَإِنْ قِيلَ) لَمْ يُنْقَلْ جَمْعُهُ وَرَدُّهُ إلَيْهِ (قُلْنَا) وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُمْ أَتْلَفُوهُ وَأَحْرَقُوهُ فَيَجِبُ تَأْوِيلُهُ بِمَا ذَكَرْنَا مُوَافَقَةً لِلْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ (قُلْت) لَا يَخْفَى تَكَلُّفُ الْجَوَابِ وَالْمَرَقُ مَالٌ لَوْ كَانَ حَلَالًا لَمَا أَمَرَ بِإِرَاقَتِهِ فَإِنَّهُ مِنْ إضَاعَةِ الْمَالِ. وَأَمَّا الِاسْتِدْلَال عَلَى الْمُدَّعِي بِشَاةِ الْأُسَارَى فَإِنَّهَا ذُبِحَتْ بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِهَا فَأَمَرَ صلى الله عليه وسلم بِالتَّصَدُّقِ بِهَا عَلَى الْأُسَارَى كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ، فَإِنَّهُ اسْتِدْلَالٌ غَيْرُ صَحِيحٍ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَسْتَحِلَّ أَكْلَهَا وَلَا أَبَاحَ لِأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَكْلَهَا بَلْ أَنْ تُطْعَمَ الْكُفَّارَ الْمُسْتَحِلِّينَ لِلْمَيْتَةِ.

وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ قَالَ «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي سَفَرٍ فَأَصَابَ النَّاسَ مَجَاعَةٌ شَدِيدَةٌ وَجَهْدٌ فَأَصَابُوا غَنَمًا فَانْتَهَبُوهَا فَإِنَّ قُدُورَنَا لِتَغْلِي إذْ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى فَرَسِهِ فَأَكْفَأَ قُدُورَنَا ثُمَّ جَعَلَ يُرَمِّلُ اللَّحْمَ بِالتُّرَابِ وَقَالَ: إنَّ النُّهْبَةَ لَيْسَتْ بِأَحَلَّ مِنْ الْمَيْتَةِ» فَهَذَا مِثْلُ الْحَدِيثِ الَّذِي

ص: 524

1258 -

وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ، لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ، أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ، وَأَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَفِيهِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ حَرَامٌ وَفِيهِ إتْلَافُ اللَّحْمِ لِأَنَّهُ مَيْتَةٌ فَعَرَفْت قُوَّةَ كَلَامِ أَهْلِ الظَّاهِرِ. وَأَمَّا حَدِيثُ الْكِتَابِ وَأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم أَمَرَ بِأَكْلِ مَا ذُبِحَ بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِهِ فَإِنَّهُ لَا يَرُدُّ عَلَى أَهْلِ الظَّاهِرِ لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ بِحِلِّ مَا ذُبِحَ بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِهِ مَخَافَةَ أَنْ يَمُوتَ أَوْ نَحْوَهُ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ تَمْكِينُ الْكُفَّارِ مِمَّا هُوَ مُحَرَّمٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَيَدُلُّ لَهُ «أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم نَهَى عُمَرُ عَنْ لُبْسِ الْحُلَّةِ مِنْ الْحَرِيرِ فَبَعَثَ بِهَا عُمَرُ لِأَخِيهِ الْمُشْرِكِ إلَى مَكَّةَ» كَمَا فِي الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْفَتْحِ وَيَدُلُّ الْحَدِيثُ عَلَى تَصْدِيقِ الْأَجِيرِ الْأَمِينِ فِيمَا اُؤْتُمِنَ عَلَيْهِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ عَلَيْهِ دَلِيلُ الْخِيَانَةِ لِأَنَّ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ أَمَةً رَاعِيَةً لِغَنَمِ سَيِّدِهَا وَهُوَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ فَخَشِيَتْ عَلَى الشَّاةِ أَنْ تَمُوتَ فَذَبَحَتْهَا. وَيُؤْخَذُ مِنْهُ جَوَازُ تَصَرُّفِ الْمُودَعِ لِمَصْلَحَةٍ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَالِكِ.

(عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ) سَبَبُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ قَالَ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا لَاقُوا الْعَدُوِّ غَدًا وَلَيْسَ مَعَنَا مُدًى فَقَالَ صلى الله عليه وسلم (مَا أَنْهَرَ الدَّمَ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ فَنُونٌ سَاكِنَةٌ فَهَاءٌ مَفْتُوحَةٌ فَرَاءٌ أَيْ مَا أَسَالَهُ وَصَبَّهُ بِكَثْرَةٍ مِنْ النَّهْرِ «وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ، لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفْرَ، أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ وَأَمَّا الظَّفَرُ فَمُدَى» بِضَمِّ الْمِيمِ وَبِفَتْحِهَا وَفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ فَأَلِفٌ مَقْصُورَةٌ جَمْعُ مُدْيَةٍ مُثَلَّثَةُ الْمِيمِ وَهِيَ الشَّفْرَةُ أَيْ السِّكِّينُ (الْحَبَشَةُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَفِيهِ دَلَالَةٌ صَرِيحَةٌ بِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الذَّكَاةِ مَا يَقْطَعُ وَيُجْرِي الدَّمَ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ تَكُونُ الذَّكَاةُ بِالنَّحْرِ لِلْإِبِلِ وَهُوَ الضَّرْبُ بِالْحَدِيدِ فِي لَبَّةِ الْبَدَنَةِ حَتَّى يُفْرَى أَوْدَاجُهَا وَاللَّبَّةُ بِفَتْحِ اللَّامِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ مَوْضِعُ الْقِلَادَةِ فِي الصَّدْرِ. وَالذَّبْحُ لِمَا عَدَاهَا وَهُوَ قَطْعُ الْأَوْدَاجِ أَيْ الْوَدَجَيْنِ وَهُمَا عِرْقَانِ مُحِيطَانِ بِالْحُلْقُومِ فَقَوْلُهُمْ الْأَوْدَاجُ تَغْلِيبٌ عَلَى الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ فَسُمِّيَتْ الْأَرْبَعَةُ أَوْدَاجًا. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فَقِيلَ لَا بُدَّ مِنْ قَطْعِ الْأَرْبَعَةِ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ يَكْفِي قَطْعُ ثَلَاثَةٍ مِنْ أَيِّ جَانِبٍ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَكْفِي قَطْعُ الْأَوْدَاجِ وَالْمَرِيءِ وَعَنْ الثَّوْرِيِّ يُجْزِئُ قَطْعُ الْوَدَجَيْنِ وَعَنْ مَالِكٍ يُشْتَرَطُ قَطْعُ الْحُلْقُومِ وَالْوَدَجَيْنِ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم " مَا أَنْهَرَ الدَّمَ " وَإِنْهَارُهُ إجْرَاؤُهُ وَذَلِكَ يَكُونُ بِقَطْعِ الْأَوْدَاجِ لِأَنَّهَا مَجْرَى الدَّمِ وَأَمَّا الْمَرِيءُ فَهُوَ مَجْرَى الطَّعَامِ وَلَيْسَ بِهِ مِنْ الدَّمِ مَا يَحْصُلُ بِهِ إنْهَارُهُ. وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يُجَزِّئ الذَّبْحُ بِكُلِّ

ص: 525

1259 -

وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُقْتَلَ شَيْءٌ مِنْ الدَّوَابِّ صَبْرًا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

1260 -

وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

مُحَدَّدٍ فَيَدْخُلُ السَّيْفُ وَالسِّكِّينُ وَالْحَجَرُ وَالْخَشَبَةُ وَالزُّجَاجُ وَالْقَصَبُ وَالْخَزَفُ وَالنُّحَاسُ وَسَائِرُ الْأَشْيَاءِ الْمُحَدَّدَةِ. وَالنَّهْيُ عَنْ السِّنِّ وَالظُّفُرِ مُطْلَقًا مِنْ آدَمِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ مُنْفَصِلٍ أَوْ مُتَّصِلٍ وَلَوْ كَانَ مُحَدَّدًا. وَقَدْ بَيَّنَ صلى الله عليه وسلم وَجْهَ النَّهْيِ فِي الْحَدِيثِ بِقَوْلِهِ «أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ» فَالْعِلَّةُ كَوْنُهَا عَظْمًا وَكَأَنَّهُ قَدْ سَبَقَ مِنْهُ صلى الله عليه وسلم النَّهْيُ عَنْ الذَّبْحِ بِالْعَظْمِ وَقَدْ عَلَّلَ النَّوَوِيُّ وَجْهَ النَّهْيِ عَنْ الذَّبْحِ بِالْعَظْمِ أَنَّهُ يُنَجَّسُ بِهِ وَهُوَ مِنْ طَعَامِ الْجِنِّ فَيَكُونُ كَالِاسْتِجْمَارِ بِالْعَظْمِ. وَعَلَّلَ فِي الْحَدِيثِ النَّهْيَ عَنْ الذَّبْحِ بِالظُّفُرِ بِكَوْنِهِ مُدَى الْحَبَشَةِ أَيْ وَهُمْ كُفَّارٌ وَقَدْ نُهِيتُمْ عَنْ التَّشَبُّهِ بِهِمْ، وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْحَبَشَةَ تَذْبَحُ بِالسِّكِّينِ أَيْضًا فَيَلْزَمُ الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ لِلتَّشَبُّهِ (وَأُجِيبَ) بِأَنَّ الذَّبْحَ بِالسِّكِّينِ هُوَ الْأَصْلُ وَهُوَ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِالْحَبَشَةِ وَعَلَّلَ ابْنُ الصَّلَاحِ ذَلِكَ بِأَنَّهُ إنَّمَا مُنِعَ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّعْذِيبِ لِلْحَيَوَانِ وَلَا يَحْصُلُ بِهِ إلَّا الْخَنْقُ الَّذِي لَيْسَ عَلَى صِفَةِ الذَّبْحِ. وَفِي الْمَعْرِفَةِ لِلْبَيْهَقِيِّ رِوَايَةٌ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ حَمَلَ الظُّفْرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى النَّوْعِ الَّذِي يَدْخُلُ فِي الطِّيبِ وَهُوَ مِنْ بِلَادِ الْحَبَشَةِ وَهُوَ لَا يَفْرِي فَيَكُونُ فِي مَعْنَى الْخَنْقِ. وَإِلَى تَحْرِيمِ الذَّبْحِ بِمَا ذُكِرَ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ.

وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ أَنَّهُ يَجُوزُ بِالسِّنِّ وَالظُّفُرِ الْمُنْفَصِلَيْنِ، وَاحْتَجُّوا بِمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ «أَفْرِ الدَّمَ بِمَا شِئْت» وَالْجَوَابُ أَنَّهُ عَامٌّ خَصَّصَهُ حَدِيثُ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ.

(وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُقْتَلَ شَيْءٌ مِنْ الدَّوَابِّ صَبْرًا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ) هُوَ دَلِيلٌ عَلَى‌

‌ تَحْرِيمِ قَتْلِ أَيِّ حَيَوَانٍ صَبْرًا

وَهُوَ إمْسَاكُهُ حَيًّا ثُمَّ يُرْمَى حَتَّى يَمُوتَ وَكَذَلِكَ مَنْ قُتِلَ مِنْ الْآدَمِيِّينَ فِي غَيْرِ مَعْرَكَةٍ وَلَا حَرْبٍ وَلَا خَطَأٍ فَإِنَّهُ مَقْتُولٌ صَبْرًا وَالصَّبْرُ الْحَبْسُ.

(وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ) شَدَّادٌ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَدَالَيْنِ مُهْمَلَتَيْنِ هُوَ أَبُو يَعْلَى شَدَّادُ بْنُ أَوْسِ بْنِ ثَابِتٍ النَّجَّارِيُّ الْأَنْصَارِيُّ وَهُوَ ابْنُ أَخِي حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ لَمْ يَصِحَّ شُهُودُهُ

ص: 526

1261 -

[وَعَنْ " أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ " رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ‌

«ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ»

رَوَاهُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.

بَدْرًا، نَزَلَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَعِدَادُهُ فِي أَهْلِ الشَّامّ، مَاتَ بِهِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ؛ قَالَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ وَأَبُو الدَّرْدَاءِ: كَانَ شَدَّادٌ مِمَّنْ أُوتِيَ الْعِلْمَ وَالْحِلْمَ (قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ» بِكَسْرِ الْقَافِ مَصْدَرٌ نَوْعِيٌّ «وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ» بِزِنَةِ الْقِتْلَةِ «وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ) قَوْلُهُ كَتَبَ الْإِحْسَانَ أَيْ أَوْجَبَهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ} وَهُوَ فِعْلُ الْحَسَنِ ضِدِّ الْقَبِيحِ فَيَتَنَاوَلُ الْحَسَنَ شَرْعًا وَالْحَسَنَ عُرْفًا وَذُكِرَ مِنْهُ مَا هُوَ أَبْعَدُ شَيْءٍ عَنْ اعْتِبَارِ الْإِحْسَانِ وَهُوَ الْإِحْسَانُ فِي الْقَتْلِ لِأَيِّ حَيَوَانٍ مِنْ آدَمِيٍّ وَغَيْرِهِ فِي حَدٍّ وَغَيْرِهِ. وَدَلَّ عَلَى نَفْيِ الْمُثْلَةِ مُكَافَأَةً إلَّا أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ مُخَصَّصٌ بِقَوْلِهِ {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ وَأَبَانَ بَعْضَ كَيْفِيَّةِ إحْسَانِهَا بِقَوْلِهِ (وَلْيُحِدَّ) بِضَمِّ حَرْفِ الْمُضَارَعَةِ مِنْ أَحَدَّ السِّكِّينَ أَحْسَنَ حَدَّهَا، وَالشَّفْرَةُ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ السِّكِّينُ الْعَظِيمَةُ وَمَا عَظُمَ مِنْ الْحَدِيدِ وَحُدِّدَ وَقَوْلُهُ (وَلْيُرِحْ) بِضَمِّ حَرْفِ الْمُضَارَعَةِ أَيْضًا مِنْ الْإِرَاحَةِ وَيَكُونُ بِإِحْدَادِ السِّكِّينِ وَتَعْجِيلِ إمْرَارِهَا وَحُسْنِ الصَّنِيعَةِ.

(وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ) الْحَدِيثُ لَهُ طُرُقٌ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَأَبِي دَاوُد وَالدَّارَقُطْنِيّ إلَّا أَنَّهُ قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ: أَنَّهُ لَا يُحْتَجُّ بِأَسَانِيدِهِ كُلِّهَا وَقَالَ الْجُوَيْنِيُّ: إنَّهُ صَحِيحٌ لَا يَتَطَرَّقُ احْتِمَالٌ إلَى مَتْنِهِ وَلَا ضَعْفٌ إلَى سَنَدِهِ، وَتَابَعَهُ الْغَزَالِيُّ وَالصَّوَابُ أَنَّهُ بِمَجْمُوعِ طُرُقِهِ يُعْمَلُ بِهِ، وَقَدْ صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ. وَفِي الْبَابِ عَنْ جَابِرٍ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَأَبِي أُمَامَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالَهُ التِّرْمِذِيُّ. وَفِيهِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ مِمَّا يُؤَيِّدُ الْعَمَلُ بِهِ؛ وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْجَنِينَ إذَا خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ مَيِّتًا بَعْدَ ذَكَاتِهَا فَهُوَ حَلَالٌ مُذَكًّى بِذَكَاةِ أُمِّهِ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَجَمَاعَةٌ حَتَّى قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَمْ يَرِدْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَا مِنْ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْجَنِينَ لَا يُؤْكَلُ إلَّا بِاسْتِئْنَافِ الذَّكَاةِ فِيهِ إلَّا مَا يُرْوَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَذَلِكَ

ص: 527

1262 -

وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «الْمُسْلِمُ يَكْفِيهِ اسْمُهُ، فَإِنْ نَسِيَ أَنْ يُسَمِّيَ حِينَ يَذْبَحُ فَلْيُسَمِّ ثُمَّ لِيَأْكُلْ» أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَفِيهِ رَاوٍ فِي حِفْظِهِ ضَعْفٌ، وَفِي إسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ سِنَانٍ وَهُوَ صَدُوقٌ ضَعِيفُ الْحِفْظِ - وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا عَلَيْهِ - وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ أَبِي دَاوُد فِي مَرَاسِيلِهِ بِلَفْظِ «ذَبِيحَةُ الْمُسْلِمِ حَلَالٌ، ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا أَوْ لَمْ يَذْكُرْ» وَرِجَالُهُ مَوْثُوقُونَ.

لِصَرَاحَةِ الْحَدِيثِ فِيهِ، فَفِي لَفْظٍ «ذَكَاةُ الْجَنِينِ بِذَكَاةِ أُمِّهِ» أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فَالْبَاءُ سَبَبِيَّةٌ أَيْ أَنَّ ذَكَاتَهُ حَصَلَتْ بِسَبَبِ ذَكَاةِ أُمِّهِ أَوْ ظَرْفِيَّةٌ لِيُوَافِقَ مَا عِنْدَ الْبَيْهَقِيّ أَيْضًا «ذَكَاةُ الْجَنِينِ فِي ذَكَاةِ أُمِّهِ» وَاشْتَرَطَ مَالِكٌ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَشْعَرَ لِمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ عِصَامٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «إذَا أَشْعَرَ الْجَنِينُ فَذَكَاتُهُ ذَكَاةُ أُمِّهِ» لَكِنَّهُ قَالَ الْخَطِيبُ: تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ بْنُ عِصَامٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَهُوَ فِي الْمُوَطَّأِ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ عُمَرَ وَهُوَ أَصَحُّ وَعُورِضَ بِمَا رَوَاهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ أَشْعَرَ أَوْ لَمْ يُشْعِرْ» وَفِيهِ ضَعْفٌ لِسُوءِ حِفْظِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى وَلَكِنَّهُ أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ «ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ أَشْعَرَ أَوْ لَمْ يُشْعِرْ» رُوِيَ مِنْ أَوْجُهٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَرَفْعُهُ عَنْهُ ضَعِيفٌ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ (قُلْت) وَالْمَوْقُوفَانِ عَنْهُ قَدْ صَحَّا وَتَعَارَضَا فَيُطْرَحَانِ وَيُرْجَعُ إلَى إطْلَاقِ حَدِيثِ الْبَابِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ وَذَهَبَ الْهَادَوِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ إلَى أَنَّ الْجَنِينَ إذَا خَرَجَ مَيِّتًا مِنْ الْمُذَكَّاةِ فَإِنَّهُ مَيْتَةٌ لِعُمُومِ {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} وَكَذَا لَوْ خَرَجَ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ حَزْمٍ وَأَجَابُوا عَنْ الْحَدِيثِ بِأَنَّ مَعْنَاهُ ذَكَاةُ الْجَنِينِ إذَا خَرَجَ حَيًّا فَهُوَ ذَكَاةُ أُمِّهِ قَالَهُ فِي الْبَحْرِ (قُلْت) وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ إلْغَاءٌ لِلْحَدِيثِ عَنْ الْإِفَادَةِ فَإِنَّهُ هُوَ خُلْفٌ مَعْلُومٌ أَنَّ ذَكَاةَ الْحَيِّ مِنْ الْأَنْعَامِ ذَكَاةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ جَنِينٍ وَغَيْرِهِ كَيْفَ وَرِوَايَةُ الْبَيْهَقِيّ بِلَفْظِ «ذَكَاةُ الْجَنِينِ فِي ذَكَاةِ أُمِّهِ» فَهِيَ مُفَسِّرَةٌ لِرِوَايَةِ ذَكَاةُ أُمِّهِ وَفِي أُخْرَى بِذَكَاةِ أُمِّهِ. .

(وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «الْمُسْلِمُ يَكْفِيهِ

ص: 528

‌بَابُ الْأَضَاحِيِّ

1263 -

وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُضَحِّي بِكَبْشَيْنِ أَقَرْنَيْنِ، وَيُسَمِّي، وَيُكَبِّرُ، وَيَضَعُ رِجْلَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا» . وَفِي لَفْظٍ: ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ. وَفِي لَفْظٍ: سَمِينَيْنِ. وَلِأَبِي عَوَانَة فِي صَحِيحِهِ: ثَمِينَيْنِ - بِالْمُثَلَّثَةِ بَدَلَ السِّينِ - وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ، وَيَقُولُ:" بِسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ ".

اسْمُهُ» الضَّمِيرُ لِلْمُسْلِمِ وَقَدْ فَسَّرَهُ حَدِيثُ الْبَيْهَقِيّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ فِيهِ «فَإِنَّ الْمُسْلِمَ فِيهِ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ» «فَإِنْ نَسِيَ أَنْ يُسَمِّيَ حِينَ يَذْبَحُ فَلْيُسَمِّ ثُمَّ لِيَأْكُلْ» . أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَفِيهِ رَاوٍ فِي حِفْظِهِ ضَعْفٌ) بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: (وَفِي إسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ سِنَانٍ وَهُوَ صَدُوقٌ ضَعِيفُ الْحِفْظِ. وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ أَبِي دَاوُد فِي مَرَاسِيلِهِ بِلَفْظِ: «ذَبِيحَةُ الْمُسْلِمِ حَلَالٌ ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا أَمْ لَمْ يَذْكُرْ» وَرِجَالُهُ مُوَثَّقُونَ) وَفِي الْبَابِ مُرْسَلٌ صَحِيحٌ وَلَكِنَّهَا لَا تُقَاوِمُ مَا سَلَفَ مِنْ الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى وُجُوبِ التَّسْمِيَةِ مُطْلَقًا إلَّا أَنَّهَا تَفُتُّ فِي عَضُدِ وُجُوبِ التَّسْمِيَةِ مُطْلَقًا وَتَجْعَلُ تَرْكَ أَكْلِ مَا لَمْ يُسَمَّ عَلَيْهِ مِنْ بَابِ التَّوَرُّعِ.

(بَابُ الْأَضَاحِيِّ) الْأَضَاحِيُّ جَمْعُ أُضْحِيَّةٍ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَيَجُوزُ كَسْرُهَا وَيَجُوزُ حَذْفُ الْهَمْزَةِ وَفَتْحُ الضَّادِ كَأَنَّهَا اُشْتُقَّتْ مِنْ اسْمِ الْوَقْتِ الَّذِي شُرِعَ ذَبْحُهَا فِيهِ وَبِهَا سُمِّيَ الْيَوْمُ يَوْمَ الْأَضْحَى.

(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُضَحِّي بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقَرْنَيْنِ وَيُسَمِّي وَيُكَبِّرُ وَيَضَعُ رِجْلَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا» بِالْمُهْمَلَتَيْنِ الْأُولَى مَكْسُورَةٌ. وَفِي النِّهَايَةِ صَفْحَةُ كُلِّ شَيْءٍ وَجْهُهُ وَجَانِبُهُ (وَفِي لَفْظٍ ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ. وَفِي لَفْظٍ سَمِينَيْنِ. وَلِأَبِي عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ) أَيْ عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه (ثَمِينَيْنِ بِالْمُثَلَّثَةِ بَدَلَ السِّينِ) هَذَا مَدْرَجٌ مِنْ كَلَامِ أَحَدِ الرُّوَاةِ

ص: 529

1264 -

وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ رضي الله عنها «أَمَرَ بِكَبْشٍ أَقْرَنَ، يَطَأُ فِي سَوَادٍ، وَيَبْرُكُ فِي سَوَادٍ وَيَنْظُرُ فِي سَوَادٍ، فَأُتِيَ بِهِ لِيُضَحِّيَ بِهِ، فَقَالَ لَهَا: يَا عَائِشَةُ هَلُمِّي الْمُدْيَةَ ثُمَّ قَالَ: أَشْحِذِيهَا بِحَجَرٍ فَفَعَلَتْ، ثُمَّ أَخَذَهَا، وَأَخَذَهُ، فَأَضْجَعَهُ، ثُمَّ ذَبَحَهُ، ثُمَّ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَمِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ» ثُمَّ ضَحَّى بِهِ.

أَوْ أَبِي عَوَانَةَ أَوْ الْمُصَنِّفِ (وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ) مِنْ رِوَايَةِ أَنَسٍ (وَيَقُولُ بِسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ) الْكَبْشُ هُوَ الثَّنِيُّ إذَا خَرَجَتْ رُبَاعِيَّتُهُ وَالْأَمْلَحُ الْأَبْيَضُ الْخَالِصُ وَقِيلَ الَّذِي يُخَالِطُ بَيَاضَهُ شَيْءٌ مِنْ سَوَادٍ وَقِيلَ الَّذِي يُخَالِطُ بَيَاضُهُ حُمْرَةً وَقِيلَ هُوَ الَّذِي فِيهِ بَيَاضٌ وَسَوَادٌ وَالْبَيَاضُ أَكْثَرُهَا وَالْأَقْرَنُ هُوَ الَّذِي لَهُ قَرْنَانِ. وَاسْتَحَبَّ الْعُلَمَاءُ التَّضْحِيَةَ بِالْأَقْرَنِ لِهَذَا الْحَدِيثِ وَأَجَازُوهَا بِالْأَجَمِّ الَّذِي لَا قَرْنَ لَهُ أَصْلًا. وَاخْتَلَفُوا فِي مَكْسُورِ الْقَرْنِ فَأَجَازَهُ الْجُمْهُورُ وَعِنْدَ الْهَادَوِيَّةِ لَا يُجْزِئُ إذَا كَانَ الْقَرْنُ الذَّاهِبُ مِمَّا تُحِلُّهُ الْحَيَاةُ. اتَّفَقُوا عَلَى اسْتِحْبَابِ الْأَمْلَحِ قَالَ النَّوَوِيُّ: إنَّ أَفْضَلَهَا عِنْدَ الصَّحَابَةِ الْبَيْضَاءُ ثُمَّ الصَّفْرَاءُ ثُمَّ الْغَبْرَاءُ وَهِيَ الَّتِي لَا يَصْفُو بَيَاضُهَا، ثُمَّ الْبَلْقَاءُ وَهِيَ الَّتِي بَعْضُهَا أَسْوَدُ وَبَعْضُهَا أَبْيَضُ، ثُمَّ السَّوْدَاءُ، وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ (يَطَأُ فِي سَوَادٍ وَيَبْرُكُ فِي سَوَادٍ وَيَنْظُرُ فِي سَوَادٍ (فَمَعْنَاهُ أَنَّ قَوَائِمَهُ وَبَطْنَهُ وَمَا حَوْلَ عَيْنَيْهِ أَسْوَدُ (قُلْت) إذَا كَانَتْ الْأَفْضَلِيَّةُ فِي اللَّوْنِ مُسْتَنِدَةً إلَى مَا ضَحَّى بِهِ صلى الله عليه وسلم فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمْ يَتَطَلَّبْ لَوْنًا مُعَيَّنًا حَتَّى يَحْكُمَ بِأَنَّهُ الْأَفْضَلُ بَلْ ضَحَّى بِمَا اتَّفَقَ لَهُ وَتَيَسَّرَ حُصُولُهُ فَلَا يَدُلُّ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ لَوْنٍ مِنْ الْأَلْوَانِ وَقَوْلُهُ (وَيُسَمِّي وَيُكَبِّرُ) فَسَّرَهُ لَفْظُ مُسْلِمٍ بِأَنَّهُ " بِسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ " أَمَّا التَّسْمِيَةُ فَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهَا، وَأَمَّا التَّكْبِيرُ فَكَأَنَّهُ خَاصٌّ بِالتَّضْحِيَةِ وَالْهَدْيِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} وَأَمَّا وَضْعُ رِجْلِهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى صَفْحَةِ الْعُنُقِ وَهِيَ جَانِبُهُ فَلِيَكُونَ أَثْبَتَ لَهُ وَأَمْكَنَ لِئَلَّا تَضْطَرِبَ الضَّحِيَّةُ. وَدَلَّ هُوَ وَمَا بَعْدَهُ أَنَّهُ يَتَوَلَّى الذَّبْحَ بِنَفْسِهِ نَدْبًا.

(وَلَهُ مِنْ حَدِيثٍ) أَيْ لِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ (عَائِشَةَ رضي الله عنها «أَمَرَ بِكَبْشٍ أَقْرَنَ

ص: 530

1265 -

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَ لَهُ سَعَةٌ وَلَمْ يُضَحِّ فَلَا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ. وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَرَجَّحَ الْأَئِمَّةُ غَيْرُهُ أَيْ غَيْرَ الْحَاكِمِ وَقْفَهُ.

يَطَأُ فِي سَوَادٍ وَيَبْرُكُ فِي سَوَادٍ وَيَنْظُرُ فِي سَوَادٍ فَأُتِيَ بِهِ لِيُضَحِّيَ بِهِ فَقَالَ لَهَا يَا عَائِشَةُ هَلُمِّي الْمُدْيَةَ ثُمَّ قَالَ اشْحَذِيهَا» أَيْ الْمُدْيَةَ تَقَدَّمَ ضَبْطُهَا وَهُوَ بِمَعْنَى وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ (بِحَجَرٍ فَفَعَلَتْ ثُمَّ أَخَذَهَا) أَيْ الْمُدْيَةَ (وَأَخَذَهُ فَأَضْجَعَهُ) أَيْ الْكَبْشَ «ثُمَّ ذَبَحَهُ ثُمَّ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَمِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ثُمَّ ضَحَّى بِهِ» فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ إضْجَاعُ الْغَنَمِ وَلَا تُذْبَحُ قَائِمَةً وَلَا بَارِكَةً لِأَنَّهُ أَرْفَقُ بِهَا وَعَلَيْهِ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ وَيَكُونُ الْإِضْجَاعُ عَلَى جَانِبِهَا الْأَيْسَرِ لِأَنَّهُ أَيْسَرُ لِلذَّابِحِ فِي أَخْذِ السِّكِّينِ بِالْيُمْنَى وَإِمْسَاكِ رَأْسِهَا بِالْيَسَارِ. وَفِيهِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الدُّعَاءُ بِقَبُولِ الْأُضْحِيَّةِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْأَعْمَالِ، وَقَدْ قَالَ الْخَلِيلُ وَالذَّبِيحُ عِنْدَ عِمَارَةِ الْبَيْتِ {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ عِنْدَ التَّضْحِيَةِ وَتَوْجِيهِهَا لِلْقِبْلَةِ {وَجَّهْتُ وَجْهِيَ} - الْآيَةَ وَدَلَّ قَوْلُهُ:(وَآلِ مُحَمَّد) وَفِي لَفْظِ (عَنْ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ) أَنَّهُ تُجْزِئُ التَّضْحِيَةُ مِنْ الرَّجُلِ عَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ وَيُشْرِكُهُمْ فِي ثَوَابِهَا وَأَنَّهُ يَصِحُّ نِيَابَةُ الْمُكَلَّفِ عَنْ غَيْرِهِ فِي فِعْلِ الطَّاعَاتِ إنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ الْغَيْرِ أَمْرٌ وَلَا وَصِيَّةٌ فَيَصِحُّ أَنْ يَجْعَلَ ثَوَابَ عَمَلِهِ لِغَيْرِهِ صَلَاةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَهَا وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ وَدَلَّ لَهُ مَا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ «أَنَّ رَجُلًا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهُ كَانَ لِي أَبَوَانِ أَبَرُّهُمَا فِي حَالِ حَيَاتِهِمَا فَكَيْفَ لِي بِبِرِّهِمَا بَعْدَ مَوْتِهِمَا فَقَالَ صلى الله عليه وسلم إنَّ مِنْ الْبِرِّ بَعْدَ الْبِرِّ أَنْ تُصَلِّيَ لَهُمَا مَعَ صَلَاتِك وَأَنْ تَصُومَ لَهُمَا مَعَ صِيَامِكَ» .

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «مَنْ كَانَ لَهُ سَعَةٌ وَلَمْ يُضَحِّ فَلَا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَرَجَّحَ الْأَئِمَّةُ غَيْرُهُ) أَيْ غَيْرُ الْحَاكِمِ [وَقْفَهُ] وَقَدْ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى وُجُوبِ التَّضْحِيَةِ عَلَى مَنْ كَانَ لَهُ سَعَةٌ لِأَنَّهُ لَمَّا نَهَى عَنْ قُرْبَانِ الْمُصَلَّى دَلَّ عَلَى أَنَّهُ تَرَكَ وَاجِبًا كَأَنَّهُ يَقُولُ لَا فَائِدَةَ فِي الصَّلَاةِ مَعَ تَرْكِ هَذَا الْوَاجِبِ

ص: 531

1266 -

وَعَنْ جُنْدُبُ بْنُ سُفْيَانَ رضي الله عنه قَالَ: «شَهِدْت الْأَضْحَى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ بِالنَّاسِ نَظَرَ إلَى غَنَمٍ قَدْ ذُبِحَتْ، فَقَالَ: مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَلْيَذْبَحْ شَاةً مَكَانَهَا، وَمَنْ لِمَ يَكُنْ ذَبَحَ فَلْيَذْبَحْ عَلَى اسْمِ اللَّهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ

وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} وَلِحَدِيثِ مِخْنَفِ بْنِ سُلَيْمٍ مَرْفُوعًا «عَلَى أَهْلِ كُلِّ بَيْتٍ فِي كُلِّ عَامٍ أُضْحِيَّةٌ» دَلَّ لَفْظُهُ عَلَى الْوُجُوبِ، وَالْوُجُوبُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ فَإِنَّهُ أَوْجَبَهَا عَلَى الْمُعْدِمِ وَالْمُوسِرِ وَقِيلَ لَا تَجِبُ وَالْحَدِيثُ الْأَوَّلُ مَوْقُوفٌ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ وَالثَّانِي ضَعْفٌ بِأَبِي رَمْلَةَ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: إنَّهُ مَجْهُولٌ وَالْآيَةُ مُحْتَمِلَةٌ فَقَدْ فُسِّرَ قَوْلُهُ {وَانْحَرْ} بِوَضْعِ الْكَفِّ عَلَى النَّحْرِ فِي الصَّلَاةِ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ شَاهِينَ فِي سُنَنِهِ وَابْنُ مَرْدُوَيْهِ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَفِيهِ رِوَايَاتٌ عَنْ الصَّحَابَةِ مِثْلُ ذَلِكَ وَلَوْ سُلِّمَ فَهِيَ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ النَّحْرَ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَهِيَ تَعْيِينٌ لِوَقْتِهِ لَا لِوُجُوبِهِ كَأَنَّهُ يَقُولُ إذَا نَحَرْت فَبَعْدَ صَلَاةِ الْعِيدِ فَإِنَّهُ قَدْ أَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَنَسٍ «كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَنْحَرُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فَأُمِرَ أَنْ يُصَلِّيَ ثُمَّ يَنْحَرُ» وَلِضَعْفِ أَدِلَّةِ الْوُجُوبِ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالْفُقَهَاءِ إلَى أَنَّهَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ بَلْ قَالَ ابْنُ حَزْمٍ لَا يَصِحُّ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ. وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «إذَا دَخَلَتْ الْعَشْرُ فَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ فَلَا يَأْخُذْ مِنْ شَعْرِهِ وَلَا بَشَرِهِ شَيْئًا» قَالَ الشَّافِعِيُّ إنَّ قَوْلَهُ (فَأَرَادَ أَحَدُكُمْ) يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ وَلِمَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أُمِرْت بِيَوْمِ الْأَضْحَى عِيدًا جَعَلَ اللَّهُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ. فَقَالَ الرَّجُلُ فَإِنْ لَمْ أَجِدْ إلَّا مَنِيحَةَ أُنْثَى أَوْ شَاةَ أَهْلِي وَمَنِيحَتَهُمْ أَذْبَحُهَا؟ قَالَ: لَا» - الْحَدِيثَ وَلِمَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ صلى الله عليه وسلم «ثَلَاثٌ هُنَّ عَلَيَّ فَرْضٌ وَلَكُمْ تَطَوُّعٌ وَعَدَّ مِنْهَا الضَّحِيَّةَ» وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى بِلَفْظِ «كُتِبَ عَلَيَّ النَّحْرُ وَلَمْ يُكْتَبْ عَلَيْكُمْ» رُبَّمَا أَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم «لَمَّا ضَحَّى قَالَ بِسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُمَّ عَنِّي وَعَمَّنْ لَمْ يُضَحِّ مِنْ أُمَّتِي» وَأَفْعَالُ الصَّحَابَةِ دَالَّةٌ عَلَى عَدَمِ الْإِيجَابِ. فَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّهُمَا كَانَا لَا يُضَحِّيَانِ خَشْيَةَ أَنْ يُقْتَدَى بِهِمَا وَأَخْرَجَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ إذَا حَضَرَ الْأَضْحَى أَعْطَى مَوْلًى لَهُ دِرْهَمَيْنِ فَقَالَ اشْتَرِ بِهِمَا لَحْمًا وَأَخْبِرْ النَّاسَ أَنَّهُ ضَحَّى ابْنُ عَبَّاسٍ وَرُوِيَ أَنَّ بِلَالًا ضَحَّى بِدِيكٍ وَمِثْلُهُ رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالرِّوَايَاتُ عَنْ الصَّحَابَةِ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّهَا سُنَّةٌ. .

ص: 532

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

(وَعَنْ جُنْدُبِ بْنِ سُفْيَانَ) هُوَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ جُنْدُبُ بْنُ سُفْيَانِ الْبَجَلِيُّ الْعَلْقَمِيُّ الْأَحْمَسِيُّ، كَانَ بِالْكُوفَةِ ثُمَّ انْتَقَلَ إلَى الْبَصْرَةِ ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا وَمَاتَ فِي فِتْنَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ بَعْدَ أَرْبَعِ سِنِينَ (قَالَ «شَهِدْت الْأَضْحَى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ بِالنَّاسِ نَظَرَ إلَى غَنَمٍ قَدْ ذُبِحَتْ فَقَالَ مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَلْيَذْبَحْ شَاةً مَكَانَهَا، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ ذَبَحَ فَلْيَذْبَحْ عَلَى اسْمِ اللَّهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ وَقْتَ التَّضْحِيَةِ مِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِيدِ فَلَا تُجْزِئُ قَبْلَهُ وَالْمُرَادُ صَلَاةُ الْمُصَلِّي نَفْسِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ صَلَاةُ الْإِمَامِ وَأَنَّ اللَّامَ لِلْعَهْدِ فِي قَوْلِهِ الصَّلَاةُ يُرَادُ بِهَا الْمَذْكُورَةُ قَبْلَهَا وَهِيَ صَلَاتُهُ صلى الله عليه وسلم، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ فَقَالَ لَا يَجُوزُ قَبْلَ صَلَاةِ الْإِمَامِ وَخُطْبَتِهِ وَذَبْحِهِ وَدَلِيلُ اعْتِبَارِ ذَبْحِ الْإِمَامِ مَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم صَلَّى يَوْمَ النَّحْرِ بِالْمَدِينَةِ فَتَقَدَّمَ رِجَالٌ فَنَحَرُوا وَظَنُّوا أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَدْ نَحْرَ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يُعِيدُوا» وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ زَجْرُهُمْ عَنْ التَّعْجِيلِ الَّذِي قَدْ يُؤَدِّي إلَى فِعْلِهَا قَبْلَ الْوَقْتِ وَلِذَا لَمْ يَأْتِ فِي الْأَحَادِيثِ إلَّا تَقْيِيدُهَا بِصَلَاتِهِ صلى الله عليه وسلم وَقَالَ أَحْمَدُ مِثْلَ قَوْلِ مَالِكٍ وَلَمْ يَشْتَرِطْ ذَبْحَهُ، وَنَحْوُهُ عَنْ الْحَسَنِ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ؛ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَدَاوُد: وَقْتُهَا إذَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ وَمَضَى قَدْرُ صَلَاةِ الْعِيدِ وَخُطْبَتَيْنِ وَإِنْ لَمْ يُصَلِّ الْإِمَامُ وَلَا صَلَّى الْمُضَحِّي، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: ظَوَاهِرُ الْحَدِيثِ تَدُلُّ عَلَى تَعْلِيقِ الذَّبْحِ بِالصَّلَاةِ لَكِنْ لَمَّا رَأَى الشَّافِعِيُّ أَنَّ مَنْ لَا صَلَاةَ عَلَيْهِ مُخَاطَبٌ بِالتَّضْحِيَةِ حَمَلَ الصَّلَاةَ عَلَى وَقْتِهَا، وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: هَذَا اللَّفْظُ أَظْهَرُ فِي اعْتِبَارِ قَبْلِ الصَّلَاةِ وَهُوَ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةٍ «مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فَلْيَذْبَحْ مَكَانَهَا أُخْرَى» قَالَ لَكِنْ إنْ أَجْرَيْنَاهُ عَلَى ظَاهِرِهِ اقْتَضَى أَنَّهَا لَا تُجْزِئُ الْأُضْحِيَّةُ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يُصَلِّ الْعِيدَ، فَإِنْ ذَهَبَ إلَيْهِ أَحَدٌ فَهُوَ أَسْعَدُ النَّاسِ بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ وَإِلَّا وَجَبَ الْخُرُوجُ عَنْ هَذَا الظَّاهِرِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَيَبْقَى مَا عَدَاهَا فِي مَحَلِّ الْبَحْثِ. وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّحَاوِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ «أَنَّ رَجُلًا ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَنَهَى أَنْ يَذْبَحَ أَحَدٌ قَبْلَ الصَّلَاةِ» صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَقَدْ عَرَفْت الْأَقْوَى دَلِيلًا مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ، وَهَذَا الْكَلَامُ فِي ابْتِدَاءِ وَقْتِ الضَّحِيَّةِ وَأَمَّا انْتِهَاؤُهُ فَأَقْوَالٌ فَعِنْدَ الْهَادَوِيَّةِ الْعَاشِرُ وَيَوْمَانِ بَعْدَهُ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَنْ أَيَّامَ الْأَضْحَى أَرْبَعَةٌ: يَوْمُ النَّحْرِ وَثَلَاثَةٌ بَعْدَهُ؛ وَعِنْدَ دَاوُد وَجَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ يَوْمُ النَّحْرِ فَقَطْ إلَّا فِي مِنًى فَيَجُوزُ فِي الثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ، وَعِنْدَ جَمَاعَةٍ أَنَّهُ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ شَهْرِ ذِي الْحِجَّةِ، قَالَ فِي بِدَايَةِ الْمُجْتَهِدِ سَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ شَيْئَانِ أَحَدُهُمَا الِاخْتِلَافُ فِي الْأَيَّامِ الْمَعْلُومَاتِ مَا هِيَ فِي قَوْله تَعَالَى {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ} الْآيَةَ فَقِيلَ يَوْمُ النَّحْرِ وَيَوْمَانِ بَعْدَهُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ وَقِيلَ الْعَشْرُ الْأَوَّلُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ وَالسَّبَبُ الثَّانِي مُعَارَضَةُ دَلِيلِ الْخِطَابِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِحَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ مَرْفُوعًا أَنَّهُ قَالَ صلى الله عليه وسلم -

ص: 533

1267 -

وَعَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رضي الله عنه قَالَ: «قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: أَرْبَعٌ لَا تَجُوزُ فِي الضَّحَايَا: الْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا، وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا وَالْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ ضَلْعُهَا، وَالْكَبِيرَةُ الَّتِي لَا تُنْقِي» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ.

«كُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ مَنْحَرٌ وَكُلُّ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ذَبْحٌ» فَمَنْ قَالَ فِي الْأَيَّامِ الْمَعْلُومَاتِ إنَّهَا يَوْمُ النَّحْرِ وَيَوْمَانِ بَعْدَهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ رَجَّحَ دَلِيلَ الْخِطَابِ فِيهَا عَلَى الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ وَقَالَ لَا نَحْرَ إلَّا فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ وَمَنْ رَأَى الْجَمْعَ بَيْنَ الْحَدِيثِ وَالْآيَةِ قَالَ لَا مُعَارَضَةَ بَيْنَهُمَا إذْ الْحَدِيثُ اقْتَضَى حُكْمًا زَائِدًا عَلَى مَا فِي الْآيَةِ مَعَ أَنَّ الْآيَةَ لَيْسَ الْمَقْصُودُ فِيهَا تَحْدِيدُ أَيَّامِ النَّحْرِ وَالْحَدِيثُ الْمَقْصُودُ مِنْهُ ذَلِكَ قَالَ يَجُوزُ الذَّبْحُ فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ إذَا كَانَ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ بِاتِّفَاقٍ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ أَنَّ الْأَيَّامَ الْمَعْدُودَاتِ هِيَ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ وَأَنَّهَا ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ إلَّا مَا يُرْوَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ قَالَ يَوْمُ النَّحْرِ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ. وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الْأَيَّامِ الْمَعْلُومَاتِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ يَوْمُ النَّحْرِ فَقَطْ فَبَنَاهُ عَلَى أَنَّ الْمَعْلُومَاتِ الْعَشْرَ الْأَوَّلَ، قَالُوا: وَإِذَا كَانَ الْإِجْمَاعُ قَدْ انْعَقَدَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الذَّبْحُ هُنَا إلَّا فِي الْيَوْمِ الْعَاشِرِ - الْأَوَّلِ - وَهُوَ مَحَلُّ الذَّبْحِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ إلَّا يَوْمَ النَّحْرِ فَقَطْ انْتَهَى.

(فَائِدَةٌ) فِي النِّهَايَةِ أَيْضًا ذَهَبَ مَالِكٌ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّضْحِيَةُ فِي لَيَالِي أَيَّامِ النَّحْرِ. وَذَهَبَ غَيْرُهُ إلَى جَوَازِ ذَلِكَ. وَسَبَبُ الِاخْتِلَافِ هُوَ أَنَّ الْيَوْمَ يُطْلَقُ عَلَى الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ نَحْوُ قَوْلِهِ {تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ} وَيُطْلَقُ عَلَى النَّهَارِ دُونَ اللَّيْلِ نَحْوُ {سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ} فَعَطَفَ الْأَيَّامَ عَلَى اللَّيَالِيِ وَالْعَطْفُ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ، وَلَكِنْ فِي النَّظَرِ فِي أَيِّهِمَا أَظْهَرُ وَالْمُحْتَجُّ بِالْمُغَايَرَةِ فِي أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بِاللَّيْلِ عَمَلٌ بِمَفْهُومِ اللَّقَبِ وَلَمْ يَقُلْ بِهِ إلَّا الدَّقَّاقُ، إلَّا أَنْ يُقَالَ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ فِي النَّهَارِ وَالْأَصْلُ فِي الذَّبْحِ الْحَظْرُ فَيَبْقَى اللَّيْلُ عَلَى الْحَظْرِ وَالدَّلِيلُ عَلَى تَجْوِيزِهِ فِي اللَّيْلِ اهـ (قُلْت) لَا حَظْرَ فِي الذَّبْحِ بَلْ قَدْ أَبَاحَ اللَّهُ ذَبْحَ الْحَيَوَانِ فِي أَيِّ وَقْتٍ وَإِنَّمَا كَانَ الْحَظْرُ عَقْلًا قَبْلَ إبَاحَةِ اللَّهِ تَعَالَى لِذَلِكَ. .

(وَعَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رضي الله عنه قَالَ «قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ أَرْبَعٌ لَا تَجُوزُ فِي الضَّحَايَا الْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا وَالْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ ضَلْعُهَا وَالْكَبِيرَةُ الَّتِي

ص: 534

1268 -

وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا تَذْبَحُوا إلَّا مُسِنَّةً، إلَّا إنْ تَعَسَّرَ عَلَيْكُمْ فَتَذْبَحُوا جَذَعَةً مِنْ الضَّأْنِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

1269 -

وَعَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه قَالَ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ نَسْتَشْرِفَ الْعَيْنَ وَالْأُذُنَ، وَلَا نُضَحِّيَ بِعَوْرَاءَ، وَلَا مُقَابَلَةٍ وَلَا مُدَابَرَةٍ، وَلَا خَرْقَاءَ، وَلَا ثَرْمَاءَ»

لَا تُنْقِي» بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ وَإِسْكَانِ النُّونِ وَكَسْرِ الْقَافِ أَيْ الَّتِي لَا نِقْيَ لَهَا بِكَسْرِ النُّونِ وَإِسْكَانِ الْقَافِ وَهُوَ الْمُخُّ (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ) وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ عَلَى شَرْطِهِمَا وَصَوَّبَ كَلَامَهُ الْمُصَنِّفُ وَقَالَ لَمْ يُخْرِجْهُ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم فِي صَحِيحَيْهِمَا وَلَكِنَّهُ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ وَحَسَّنَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فَقَالَ مَا أَحْسَنَهُ مِنْ حَدِيثٍ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ صَحِيحٌ حَسَنٌ وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْأَرْبَعَةَ الْعُيُوبِ مَانِعَةٌ مِنْ صِحَّةِ التَّضْحِيَةِ وَسَكَتَ عَنْ غَيْرِهَا مِنْ الْعُيُوبِ، فَذَهَبَ أَهْلُ الظَّاهِرِ إلَى أَنَّهُ لَا عَيْبَ غَيْرُ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ، وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّهُ يُقَاسُ عَلَيْهَا غَيْرُهَا مِمَّا كَانَ أَشَدَّ مِنْهَا أَوْ مُسَاوِيًا لَهَا كَالْعَمْيَاءِ وَمَقْطُوعَةِ السَّاقِ.

وَقَوْلُهُ (الْبَيِّنُ عَوَرُهَا) قَالَ فِي الْبَحْرِ إنَّهُ يُعْفَى عَمَّا كَانَ الذَّاهِبُ الثُّلُثَ فَمَا دُونَ وَكَذَا فِي الْعَرَجِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: الْعَرْجَاءُ إذَا تَأَخَّرَتْ عَنْ الْغَنَمِ لِأَجْلِهِ فَهُوَ بَيِّنٌ. وَقَوْلُهُ (ضَلْعُهَا) أَيْ اعْوِجَاجُهَا. .

(وَعَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «لَا تَذْبَحُوا إلَّا مُسِنَّةً إلَّا إنْ تَعَسَّرَ عَلَيْكُمْ فَتَذْبَحُوا جَذَعَةً مِنْ الضَّأْنِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ) الْمُسِنَّةُ الثَّنِيَّةُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ فَمَا فَوْقَهَا كَمَا قَدَّمْنَا وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ الْجَذَعُ مِنْ الضَّأْنِ فِي حَالٍ مِنْ الْأَحْوَالِ إلَّا عِنْدَ تَعَسُّرِ الْمُسِنَّةِ؛ وَقَدْ نَقَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ وَلَكِنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ لِمَا يَأْتِي، وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَالزُّهْرِيِّ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ وَلَوْ مَعَ التَّعَسُّرِ. وَذَهَبَ كَثِيرُونَ إلَى إجْزَاءِ الْجَذَعِ مِنْ الضَّأْنِ مُطْلَقًا وَحَمَلُوا الْحَدِيثَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ بِقَرِينَةِ حَدِيثِ أُمِّ بِلَالٍ أَنَّهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «ضَحُّوا بِالْجَذَعِ مِنْ الضَّأْنِ» أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ جَرِيرٍ وَالْبَيْهَقِيُّ، وَأَشَارَ التِّرْمِذِيُّ إلَى حَدِيثِ «نِعْمَتْ الْأُضْحِيَّةُ الْجَذَعُ مِنْ الضَّأْنِ» وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ بِلَفْظِ «ضَحَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِالْجَذَعِ مِنْ الضَّأْنِ» قُلْت وَيُحْتَمَلُ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ عِنْدَ تَعَسُّرِ الْمُسِنَّةِ. .

ص: 535

أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ

(وَعَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه قَالَ «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ نَسْتَشْرِقَ الْعَيْنَ وَالْأُذُنَ» أَيْ نُشْرِفَ عَلَيْهِمَا وَنَتَأَمَّلَهُمَا لِئَلَّا يَقَعَ نَقْصٌ وَعَيْبٌ («وَلَا نُضَحِّيَ بِعَوْرَاءَ وَلَا مُقَابَلَةٍ» بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ مَا قُطِعَ مِنْ طَرَفِ أُذُنِهَا شَيْءٌ ثُمَّ بَقِيَ مُعَلَّقًا (وَلَا مُدَابَرَةٍ) وَالْمُدَابَرَةُ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ مَا قُطِعَ مِنْ مُؤَخِّرِ أُذُنِهَا شَيْءٌ وَتُرِكَ مُعَلَّقًا (وَلَا خَرْقَاءَ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ مَفْتُوحَةً وَالرَّاءِ سَاكِنَةً الْمَشْقُوقَةُ الْأُذُنَيْنِ (وَلَا ثَرَمَى) بِالْمُثَلَّثَةِ فَرَاءٍ وَمِيمٍ وَأَلْفٍ مَقْصُورَةٍ هِيَ مِنْ الثَّرَمِ وَهِيَ سُقُوطُ السِّنَّةِ مِنْ الْأَسْنَانِ وَقِيلَ الثَّنِيَّةُ وَالرُّبَاعِيَّةُ وَقِيلَ هُوَ أَنْ تَنْقَطِعَ السِّنُّ مِنْ أَصْلِهَا مُطْلَقًا وَإِنَّمَا نَهَى عَنْهَا لِنُقْصَانِ أَكْلِهَا قَالَهُ فِي النِّهَايَةِ، وَوَقَعَ فِي نُسْخَةِ الشَّرْحِ شَرْقَاءَ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالرَّاءِ وَالْقَافِ وَعَلَيْهَا شَرْحُ الشَّارِحِ وَلَكِنَّ الَّذِي فِي نُسَخِ بُلُوغِ الْمَرَامِ الصَّحِيحَةُ الثَّرَمَى كَمَا ذَكَرْنَاهُ (أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا تُجْزِئُ الْأُضْحِيَّةُ إلَّا مَا ذُكِرَ وَهُوَ مَذْهَبُ الْهَادَوِيَّةِ، وَقَالَ الْإِمَامُ يَحْيَى تُجْزِئُ وَتَكْرَهُ وَقَوَّاهُ الْمَهْدِيُّ وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ مَعَ الْأَوَّلِ. وَوَرَدَ النَّهْيُ عَنْ التَّضْحِيَةِ بِالْمُصْفَرَّةِ بِضَمِّ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ. فَفَاءٍ مَفْتُوحَةٍ فَرَاءٍ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِمُ وَهِيَ الْمَهْزُولَةُ كَمَا فِي النِّهَايَةِ وَفِي رِوَايَةٍ الْمَصْفُورَةُ قِيلَ هِيَ الْمُسْتَأْصَلَةُ الْأُذُنِ وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ السُّلَمِيِّ أَنَّهُ قَالَ إنَّمَا «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ الْمُصَفَّرَةِ وَالْمُسْتَأْصَلَة وَالْبَخْقَاءِ وَالْمُشَيَّعَةِ وَالْكَسْرَاءِ» فَالْمُصْفَرَّةُ: الَّتِي تُسْتَأْصَلُ أُذُنُهَا حَتَّى يَبْدُوَ صِمَاخُهَا، وَالْمُسْتَأْصَلَة الَّتِي اُسْتُؤْصِلَ قَرْنُهَا مِنْ أَصْلِهِ وَالنَّجْقَاءُ الَّتِي تُبْخَقُ عَيْنُهَا، وَالْمُشَيَّعَةُ الَّتِي لَا تَتْبَعُ الْغَنَمَ عَجَفًا أَوْ ضَعْفًا وَالْكَسْرَاءُ الْكَسِيرَةُ. هَذَا لَفْظُ أَبِي دَاوُد وَأَمَّا مَقْطُوعُ الْأَلْيَةِ وَالذَّنَبِ فَإِنَّهُ يُجْزِئُ لِمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ " اشْتَرَيْت كَبْشًا لِأُضَحِّيَ بِهِ فَعَدَا الذِّئْبُ فَأَخَذَ مِنْهُ الْأَلْيَةَ فَسَأَلْت النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: ضَحِّ بِهِ " وَفِيهِ جَابِرٌ الْجُعْفِيُّ وَشَيْخُهُ مُحَمَّدُ بْنُ قَرَظَةَ مَجْهُولٌ، إلَّا أَنَّهُ لَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ الْبَيْهَقِيّ وَاسْتَدَلَّ بِهِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي الْمُنْتَقَى عَلَى أَنَّ الْعَيْبَ الْحَادِثَ بَعْدَ تَعْيِينِ الْأُضْحِيَّةِ لَا يَضُرُّ. وَذَهَبَتْ الْهَادَوِيَّةُ إلَى عَدَمِ إجْزَاءِ مَسْلُوبِ الْأَلْيَةِ. وَفِي نِهَايَةِ الْمُجْتَهِدِ أَنَّهُ وَرَدَ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ الْأَحَادِيثِ الْحِسَانِ حَدِيثَانِ مُتَعَارِضَانِ فَذَكَر النَّسَائِيّ عَنْ «أَبِي بُرْدَةَ أَنَّهُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَكْرَهُ النَّقْصَ يَكُونُ فِي الْقَرْنِ وَالْأُذُنُ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَمَا كَرِهْته فَدَعْهُ وَلَا تُحَرِّمْهُ عَلَى غَيْرِك» ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ

ص: 536

1270 -

وَعَنْ «عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه قَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَنْ أَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ، وَأَنْ أُقَسِّمَ لُحُومَهَا وَجُلُودَهَا وَجِلَالَهَا عَلَى الْمَسَاكِينِ، وَلَا أُعْطِيَ فِي جِزَارَتِهَا شَيْئًا مِنْهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

عَلِيٌّ رضي الله عنه «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ نَسْتَشْرِفَ الْعَيْنَ» الْحَدِيثَ فَمَنْ رَجَّحَ حَدِيثَ أَبِي بُرْدَةَ قَالَ: لَا تَتَّقِي إلَّا الْعُيُوبَ الْأَرْبَعَةَ وَمَا هُوَ أَشَدُّ مِنْهَا وَمَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ حَمَلَ حَدِيثَ أَبِي بُرْدَةَ عَلَى الْعَيْبِ الْيَسِيرِ الَّذِي هُوَ غَيْرُ بَيِّنٍ وَحَدِيثَ عَلِيٍّ عَلَى الْكَثِيرِ الْبَيِّنِ.

(فَائِدَةٌ) أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِ التَّضْحِيَةِ مِنْ جَمِيعِ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الْأَفْضَلِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْغَنَمَ فِي الضَّحِيَّةِ أَفْضَلُ لِفِعْلِهِ صلى الله عليه وسلم وَأَمْرِهِ وَإِنْ كَانَ يُحْتَمَلُ أَنَّ ذَلِكَ لِأَنَّهَا الْمُتَيَسِّرَةُ لَهُمْ ثُمَّ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّضْحِيَةُ بِغَيْرِ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ إلَّا مَا حُكِيَ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ أَنَّهَا تَجُوزُ التَّضْحِيَةُ بِبَقَرَةِ الْوَحْشِ عَنْ عَشْرَةٍ وَالظَّبْيِ عَنْ وَاحِدٍ مَا رُوِيَ عَنْ أَسْمَاءَ أَنَّهَا قَالَتْ: ضَحَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِالْخَيْلِ وَمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ ضَحَّى بِدِيكٍ.

(وَعَنْ «عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ أَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ وَأَنْ أُقَسِّمَ لُحُومَهَا وَجُلُودَهَا وَجِلَالَهَا عَلَى الْمَسَاكِينِ وَلَا أُعْطِيَ فِي جِزَارَتِهَا شَيْئًا مِنْهَا». مُتَّفِق عَلَيْهِ)«هَذَا فِي بُدْنِهِ صلى الله عليه وسلم الَّتِي سَاقَهَا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَكَانَتْ مَعَ الَّتِي أَتَى بِهَا عَلِيٌّ رضي الله عنه مِنْ الْيَمَنِ مِائَةَ بَدَنَةٍ نَحَرَهَا صلى الله عليه وسلم يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى، نَحَرَ بِيَدِهِ صلى الله عليه وسلم ثَلَاثًا وَسِتِّينَ وَنَحَرَ بَقِيَّتَهَا عَلِيٌّ رضي الله عنه» . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْحَجِّ. وَالْبُدْنُ تُطْلَقُ لُغَةً عَلَى الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ إلَّا أَنَّهَا هُنَا الْإِبِلُ وَهَكَذَا اسْتِعْمَالُهَا فِي الْأَحَادِيثِ وَفِي كُتُبِ الْفِقْهِ فِي الْإِبِلِ خَاصَّةً. وَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يَتَصَدَّقُ بِالْجُلُودِ وَالْجِلَالِ كَمَا يَتَصَدَّقُ بِاللَّحْمِ وَأَنَّهُ لَا يُعْطِي الْجَزَّارَ مِنْهَا شَيْئًا أُجْرَةً لِأَنَّ ذَلِكَ فِي حُكْمِ الْبَيْعِ لِاسْتِحْقَاقِهِ الْأُجْرَةَ؛ وَحُكْمُ الْأُضْحِيَّةِ حُكْمُ الْهَدْيِ فِي أَنَّهُ لَا يُبَاعُ لَحْمُهَا وَلَا جِلْدُهَا وَلَا يُعْطَى الْجَزَّارُ مِنْهَا شَيْئًا، قَالَ فِي نِهَايَةِ الْمُجْتَهِدِ: الْعُلَمَاءُ مُتَّفِقُونَ فِيمَا عَلِمْت أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ لَحْمِهَا وَاخْتَلَفُوا فِي جِلْدِهَا وَشَعْرِهَا مِمَّا يُنْتَفَعُ بِهِ، فَقَالَ الْجُمْهُورُ: لَا يَجُوزُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَجُوزُ بَيْعُهُ بِغَيْرِ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ يَعْنِي بِالْعُرُوضِ، وَقَالَ عَطَاءٌ: يَجُوزُ بِكُلِّ شَيْءٍ دَرَاهِمَ وَغَيْرِهَا، وَإِنَّمَا فَرَّقَ أَبُو حَنِيفَةَ بَيْنَ الدَّرَاهِمِ وَغَيْرِهَا لِأَنَّهُ رَأَى أَنَّ الْمُعَاوَضَةَ فِي الْعُرُوضِ هِيَ مِنْ بَابِ الِانْتِفَاعِ لِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ. .

ص: 537

1271 -

وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «نَحَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ» : رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

(وَعَنْ جَابِرِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ «نَحَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ) دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى جَوَازِ الِاشْتِرَاكِ فِي الْبَدَنَةِ وَالْبَقَرَةِ وَأَنَّهُمَا يُجْزِيَانِ عَنْ سَبْعَةٍ وَهَذَا فِي الْهَدْيِ وَيُقَاسُ عَلَيْهِ الْأُضْحِيَّةُ بَلْ قَدْ وَرَدَ فِيهَا نَصٌّ فَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي السَّفَرِ فَحَضَرَ الْأَضْحَى فَاشْتَرَكْنَا فِي الْبَقَرَةِ سَبْعَةٌ وَفِي الْبَعِيرِ عَشَرَةٌ» .

وَقَدْ صَحَّ اشْتِرَاكُ أَهْلِ بَيْتٍ وَاحِدٍ فِي ضَحِيَّةٍ وَاحِدَةٍ كَمَا فِي حَدِيثِ مِخْنَفِ. وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وَحَفِيدُهُ أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى وَالْفَرِيقَانِ قَالَ النَّوَوِيُّ سَوَاءٌ كَانُوا مُجْتَمَعِينَ أَوْ مُتَفَرِّقِينَ مُفْتَرِضِينَ أَوْ مُتَطَوِّعِينَ أَوْ بَعْضُهُمْ مُتَقَرِّبٌ وَبَعْضُهُمْ طَالِبُ لَحْمٍ وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَذَهَبَ مَالِكٌ إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاشْتِرَاكُ فِي الْهَدْيِ إلَّا فِي هَدْيِ التَّطَوُّعِ، وَهَدْيُ الْإِحْصَارِ عِنْدِي مِنْ هَدْيِ التَّطَوُّعِ وَاشْتَرَطَتْ الْهَادَوِيَّةُ فِي الِاشْتِرَاكِ اتِّفَاقَ الْغَرَضِ وَقَالُوا وَلَا يَصِحُّ مَعَ الِاخْتِلَافِ لِأَنَّ الْهَدْيَ شَيْءٌ وَاحِدٌ فَلَا يَتَبَعَّضُ بِأَنْ يَكُونَ بَعْضُهُ وَاجِبًا وَبَعْضُهُ غَيْرَ وَاجِبٍ وَقَالُوا إنَّهَا تُجْزِئُ الْبَدَنَةُ عَنْ عَشْرَةٍ لِمَا سَلَفَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَاسُوا الْهَدْيَ عَلَى الْأُضْحِيَّةِ.

(وَأُجِيبَ) بِأَنَّهُ لَا قِيَاسَ مَعَ النَّصِّ وَادَّعَى ابْنُ رُشْدٍ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِكَ فِي النُّسُكِ أَكْثَرُ مِنْ سَبْعَةٍ قَالَ: وَإِنْ كَانَ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَدَلَ الْبَعِيرَ بِعَشْرِ شِيَاهٍ» أَخْرَجَهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ «الْبَدَنَةُ عَنْ عَشَرَةٍ» قَالَ الطَّحَاوِيُّ: وَإِجْمَاعُهُمْ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْآثَارَ فِي ذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحَةٍ اهـ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا إجْمَاعَ مَعَ خِلَافِ مَنْ ذَكَرْنَا وَكَأَنَّهُ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ.

وَاخْتَلَفُوا فِي الشَّاةِ فَقَالَ الْهَادَوِيَّةُ تُجْزِئُ عَنْ ثَلَاثَةٍ فِي الْأُضْحِيَّةِ قَالُوا: ذَلِكَ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ تَضْحِيَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِالْكَبْشِ عَنْ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ قَالُوا: وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهَا تُجْزِئُ عَنْ أَكْثَرَ لَكِنَّ الْإِجْمَاعَ قَصْرُ الْإِجْزَاءِ عَلَى الثَّلَاثَةِ (قُلْت) وَهَذَا الْإِجْمَاعُ الَّذِي ادَّعَوْهُ يُبَايِنُ مَا قَالَهُ فِي نِهَايَةِ الْمُجْتَهِدِ فَإِنَّهُ قَالَ إنَّهُ وَقَعَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ الشَّاةَ لَا تُجْزِئُ إلَّا عَلَى وَاحِدٍ. وَالْحَقُّ أَنَّهَا تُجْزِئُ الشَّاةُ عَنْ الرَّجُلِ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ لِفِعْلِهِ صلى الله عليه وسلم، وَلِمَا أَخْرَجَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ " كُنَّا نُضَحِّي بِالشَّاةِ الْوَاحِدَةِ يَذْبَحُهَا الرَّجُلُ عَنْهُ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ثُمَّ تَبَاهَى النَّاسُ بَعْدُ.

(فَائِدَةٌ) " مِنْ السُّنَّةِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ أَنْ لَا يَأْخُذَ مِنْ شَعْرِهِ وَلَا مِنْ أَظَافِرِهِ إذَا دَخَلَ شَهْرُ ذِي الْحِجَّةِ لِمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ أَرْبَعِ طُرُقٍ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «إذَا دَخَلَتْ الْعَشْرُ وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ فَلَا يَمَسُّ مِنْ شَعْرِهِ وَبَشَرِهِ شَيْئًا» وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ «أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم -

ص: 538

‌بَابُ الْعَقِيقَةِ

1272 -

عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَقَّ عَنْ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ كَبْشًا كَبْشًا» . رَوَاهَا أَبُو دَاوُد وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ الْجَارُودِ وَعَبْدُ الْحَقِّ، وَلَكِنْ رَجَّحَ أَبُو حَاتِمٍ إرْسَالَهُ.

قَالَ لِرَجُلٍ سَأَلَهُ عَنْ التَّضْحِيَةِ وَأَنَّهُ قَالَ لَا يَجِدُهَا فَقَالَ قَلِّمْ أَظَافِرَك، وَقُصَّ شَارِبَك، وَاحْلِقْ عَانَتَك، فَذَلِكَ تَمَامُ أُضْحِيَّتِك عِنْدَ اللَّهِ عز وجل» وَهَذَا فِيهِ شَرْعِيَّةُ هَذِهِ الْأَفْعَالِ فِي يَوْمِ التَّضْحِيَةِ وَإِنْ لَمْ يُتْرَكْ مِنْ أَوَّلِ شَهْرِ ذِي الْحِجَّةِ.

وَذَهَبَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ أَنَّهُ يَحْرُمُ لِلنَّهْيِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ حَزْمٍ. وَقَالَ مَنْ يُحَرِّمُهُ: قَدْ قَامَتْ الْقَرِينَةُ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ لَيْسَ لِلتَّحْرِيمِ وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا مِنْ حَدِيثِ «عَائِشَةَ قَالَتْ أَنَا فَتَلْت قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِيَدَيَّ ثُمَّ قَلَّدَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِيَدِهِ، ثُمَّ بَعَثَ بِهَا مَعَ أَبِي فَلَمْ يَحْرُمْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم شَيْءٌ مِمَّا أَحَلَّهُ اللَّهُ حَتَّى نَحَرَ الْهَدْيَ» قَالَ الشَّافِعِيُّ: فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ عَلَى الْمَرْءِ شَيْءٌ بِبَعْثِهِ بِهَدْيِهِ، وَالْبَعْثُ بِالْهَدْيِ أَكْثَرُ مِنْ إرَادَةِ التَّضْحِيَةِ (قُلْت) هَذَا قِيَاسٌ مِنْهُ وَالنَّصُّ قَدْ خَصَّ مَنْ يُرِيدُ التَّضْحِيَةَ بِمَا ذُكِرَ.

(فَائِدَةٌ أُخْرَى) يُسْتَحَبُّ لِلْمُضَحِّي أَنْ يَتَصَدَّقَ وَأَنْ يَأْكُلَ وَاسْتَحَبَّ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَنْ يُقَسِّمَهَا أَثْلَاثًا، ثُلُثًا لِلِادِّخَارِ، وَثُلُثًا لِلصَّدَقَةِ، وَثُلُثًا لِلْأَكْلِ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «كُلُوا وَتَصَدَّقُوا وَادَّخِرُوا» أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ بِلَفْظِ «كُنْت نَهَيْتُك عَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلَاثٍ لِيَتَّسِعَ ذُو الطَّوْلِ عَلَى مَنْ لَا طَوْلَ لَهُ، فَكُلُوا مَا بَدَا لَكُمْ، تَصَدَّقُوا أَوْ ادَّخِرُوا» وَلَعَلَّ الظَّاهِرِيَّةَ تُوجِبُ التَّجْزِئَةَ. وَقَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ أَوْجَبَ قَوْمٌ الْأَكْلَ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ فِي الْمَذْهَبِ.

(بَابُ الْعَقِيقَةِ) الْعَقِيقَةُ هِيَ الذَّبِيحَةُ الَّتِي تُذْبَحُ لِلْمَوْلُودِ. وَأَصْلُ الْعَقِّ الشَّقُّ وَالْقَطْعُ وَقِيلَ لِلذَّبِيحَةِ عَقِيقَةٌ لِأَنَّهُ يَشُقُّ حَلْقَهَا وَيُقَالُ عَقِيقَةٌ لِلشَّعْرِ الَّذِي يَخْرُجُ عَلَى رَأْسِ الْمَوْلُودِ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ وَجَعَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ أَصْلًا وَالشَّاةُ الْمَذْبُوحَةُ مُشْتَقَّةٌ مِنْهُ.

(وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَقَّ عَنْ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ كَبْشًا كَبْشًا»

ص: 539

1273 -

وَأَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ نَحْوَهُ.

1274 -

وَعَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَمَرَهُمْ: أَنْ يُعَقَّ عَنْ الْغُلَامِ شَاتَانِ مُكَافِئَتَانِ، وَعَنْ الْجَارِيَةِ شَاةٌ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.

رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ الْجَارُودِ وَعَبْدُ الْحَقِّ لَكِنْ رَجَّحَ أَبُو حَاتِمٍ إرْسَالَهُ) وَقَدْ خَرَّجَ الْبَيْهَقِيُّ وَالْحَاكِمُ وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ بِزِيَادَةِ «يَوْمِ السَّابِعِ وَسَمَّاهُمَا وَأَمَرَ أَنْ يُمَاطَ عَنْ رَأْسَيْهِمَا الْأَذَى» وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ رضي الله عنها «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَقَّ عَنْ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ رضي الله عنهما يَوْمَ السَّابِعِ مِنْ وِلَادَتِهِمَا» وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ رضي الله عنه «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَقَّ عَنْ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ وَخَتَنَهُمَا لِسَبْعَةِ أَيَّامٍ» قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: إمَاطَةُ الْأَذَى حَلْقُ الرَّأْسِ. وَصَحَّحَهُ ابْنُ السَّكَنِ بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا وَفِيهِ «وَكَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَجْعَلُونَ قُطْنَةً فِي دَمِ الْعَقِيقَةِ وَيَجْعَلُونَهَا عَلَى رَأْسِ الْمَوْلُودِ فَأَمَرَهُمْ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَجْعَلُوا مَكَانَ الدَّمِ خَلُوقًا» وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ وَيُؤَيِّدُ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ الْحَدِيثُ الْآتِي وَهُوَ قَوْلُهُ: - (وَأَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ نَحْوَهُ) وَالْأَحَادِيثُ دَلَّتْ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْعَقِيقَةِ وَاخْتَلَفَتْ فِيهَا مَذَاهِبُ الْعُلَمَاءِ. فَعِنْدَ الْجُمْهُورِ أَنَّهَا سُنَّةٌ. وَذَهَبَ دَاوُد وَمَنْ تَبِعَهُ إلَى أَنَّهَا وَاجِبَةٌ. وَاسْتَدَلَّ الْجُمْهُورُ بِأَنَّ فِعْلَهُ صلى الله عليه وسلم دَلِيلٌ عَلَى السُّنِّيَّةِ وَبِحَدِيثِ «مَنْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ فَأَحَبَّ أَنْ يَنْسُكَ عَنْ وَلَدِهِ فَلْيَفْعَلْ» أَخْرَجَهُ مَالِكٌ. وَاسْتَدَلَّتْ الظَّاهِرِيَّةُ بِمَا يَأْتِي مِنْ قَوْلِ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم أَمَرَهُمْ بِهَا وَالْأَمْرُ دَلِيلُ الْإِيجَابِ وَأَجَابَ الْأَوَّلُونَ بِأَنَّهُ صَرَفَهُ عَنْ الْوُجُوبِ قَوْلُهُ «فَأَحَبَّ أَنْ يَنْسُكَ عَنْ وَلَدِهِ فَلْيَفْعَلْ» وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ (يَوْمَ سَابِعِهِ) دَلِيلُ أَنَّهُ وَقْتُهَا وَسَيَأْتِي فِيهِ حَدِيثُ سَمُرَةَ وَأَنَّهُ لَا يُشْرَعُ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: إنَّهُ يُعَقُّ قَبْلَ السَّابِعِ. وَكَذَا عَنْ الْكَبِيرِ فَقَدْ أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَقَّ عَنْ نَفْسِهِ بَعْدَ الْبَعْثَةِ» وَلَكِنَّهُ قَالَ مُنْكَرٌ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: حَدِيثٌ بَاطِلٌ وَقِيلَ تُجْزِئُ فِي السَّابِعِ وَالثَّانِي وَالثَّالِثِ لِمَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ «الْعَقِيقَةُ تُذْبَحُ لِسَبْعٍ وَلِأَرْبَعَ عَشْرَةَ وَلِإِحْدَى وَعِشْرِينَ» وَدَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّهُ يُجْزِئُ عَنْ الْغُلَامِ شَاةٌ لَكِنَّ الْحَدِيثَ الْآتِيَ وَهُوَ قَوْلُهُ

ص: 540

1275 -

وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ عَنْ أُمِّ كُرْزٍ الْكَعْبِيَّةِ نَحْوَهُ.

1276 -

وَعَنْ سَمُرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «كُلُّ غُلَامٍ مُرْتَهَنٌ بِعَقِيقَتِهِ تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ سَابِعِهِ، وَيُحْلَقُ، وَيُسَمَّى» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ

(وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَمَرَهُمْ أَنْ يُعَقَّ عَنْ الْغُلَامِ شَاتَانِ» وَفِي رِوَايَةٍ مُكَافِئَتَانِ قَالَ النَّوَوِيُّ بِكَسْرِ الْفَاءِ وَبَعْدَهَا هَمْزَةٌ وَيَأْتِي تَفْسِيرُهُ «وَعَنْ الْجَارِيَةِ شَاةٌ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ) وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ إلَّا أَنِّي لَمْ أَجِدْ لَفْظَةَ " أَنْ يُعَقَّ " فِي نُسَخِ التِّرْمِذِيِّ قَالَ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد: مَعْنَى مُكَافِئَتَانِ مُتَسَاوِيَتَانِ أَوْ مُتَقَارِبَتَانِ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْمُرَادُ التَّكَافُؤُ فِي السِّنِّ فَلَا تَكُونُ إحْدَاهُمَا مُسِنَّةً وَالْأُخْرَى غَيْرَ مُسِنَّةٍ بَلْ يَكُونَانِ مِمَّا يُجْزِئُ فِي الْأُضْحِيَّةِ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَنْ يُذْبَحَ إحْدَاهُمَا مُقَابِلَةً لِلْأُخْرَى. دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّهُ يُعَقُّ عَنْ الْغُلَامِ بِضِعْفِ مَا يُعَقُّ عَنْ الْجَارِيَةِ. وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَحْمَدُ وَدَاوُد لِهَذَا الْحَدِيثِ. وَذَهَبَتْ الْهَادَوِيَّةُ وَمَالِكٌ إلَى أَنَّهُ يُجْزِئُ عَنْ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ شَاةٌ لِلْحَدِيثِ الْمَاضِي (وَأُجِيبَ) بِأَنَّ ذَلِكَ فِعْلٌ وَهَذَا قَوْلٌ وَالْقَوْلُ أَقْوَى، وَبِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم ذَبَحَ عَنْ الذَّكَرِ كَبْشًا لِبَيَانِ أَنَّهُ يُجْزِئُ، وَذَبْحُ الِاثْنَيْنِ مُسْتَحَبٌّ، عَلَى أَنَّهُ أَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ بِلَفْظِ كَبْشَيْنِ كَبْشَيْنِ. وَمِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ مِثْلُهُ وَحِينَئِذٍ فَلَا تَعَارُضَ. وَفِي إطْلَاقِ لَفْظِ الشَّاةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا مَا يُشْتَرَطُ فِي الْأُضْحِيَّةِ وَمِنْ اشْتَرَطَهَا فَبِالْقِيَاسِ.

(وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ عَنْ أُمِّ كُرْزٍ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا زَايٌ الْكَعْبِيَّةِ الْمَكِّيَّةِ صَحَابِيَّةٌ لَهَا أَحَادِيثُ قَالَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّقْرِيبِ (نَحْوُهُ) أَيْ نَحْوُ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَلَفْظُهُ فِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ سِبَاعِ بْنِ ثَابِتٍ أَنْ مُحَمَّدَ بْنَ ثَابِتِ بْنِ سِبَاعٍ أَخْبَرَهُ «أَنَّ أُمَّ كُرْزٍ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ الْعَقِيقَةِ قَالَ عَنْ الْغُلَامِ شَاتَانِ وَعَنْ الْأُنْثَى وَاحِدَةٌ وَلَا يَضُرُّكُمْ أَذُكْرَانًا كُنَّ أَمْ إنَاثًا» قَالَ أَبُو عِيسَى - يَعْنِي التِّرْمِذِيَّ - حَسَنٌ صَحِيحٌ وَهُوَ يُفِيدُ مَا يُفِيدُ الْحَدِيثُ الثَّالِثُ. .

ص: 541

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

(وَعَنْ سَمُرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «كُلُّ غُلَامٍ مُرْتَهَنٌ بِعَقِيقَتِهِ تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ سَابِعِهِ وَيُحْلَقُ وَيُسَمَّى». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ) وَهَذَا هُوَ حَدِيثُ الْعَقِيقَةِ الَّذِي اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ سَمِعَهُ الْحَسَنُ مِنْ سَمُرَةَ وَاخْتَلَفُوا فِي سَمَاعِهِ لِغَيْرِهِ مِنْهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ اُخْتُلِفَ فِي قَوْلِهِ مُرْتَهَنٌ بِعَقِيقَتِهِ فَذَهَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ أَنَّهُ إذَا مَاتَ وَهُوَ طِفْلٌ لَمْ يُعَقَّ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يَشْفَعُ لِأَبَوَيْهِ (قُلْت) وَنَقَلَهُ الْحَلِيمِيُّ عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ مُطَرِّفٍ وَهُمَا إمَامَانِ عَالَمَانِ مُتَقَدِّمَانِ عَلَى أَحْمَدَ. وَقِيلَ إنَّ الْمَعْنَى الْعَقِيقَةُ لَازِمَةٌ لَا بُدَّ مِنْهَا فَشُبِّهَ لُزُومُهَا لِلْمَوْلُودِ بِلُزُومِ الرَّهْنِ لِلْمَرْهُونِ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ وَهُوَ يُقَوِّي قَوْلَ الظَّاهِرِيَّةِ بِالْوُجُوبِ. وَقِيلَ الْمُرَادُ أَنَّهُ مَرْهُونٌ بِأَذَى شَعْرِهِ، وَلِذَلِكَ جَاءَ " فَأَمِيطُوا عَنْهُ الْأَذَى " وَيُقَوِّي قَوْلَ أَحْمَدَ مَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ حَزْمٍ عَنْ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ: إنَّ النَّاسَ يُعْرَضُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى الْعَقِيقَةِ كَمَا يُعْرَضُونَ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَهَذَا دَلِيلٌ - لَوْ ثَبَتَ - لِمَنْ قَالَ بِالْوُجُوبِ. وَتَقَدَّمَ أَنَّهَا مُؤَقَّتَةٌ بِالْيَوْمِ السَّابِعِ كَمَا دَلَّ مَا مَضَى وَدَلَّ لَهُ هَذَا أَيْضًا. وَقَالَ مَالِكٌ: تَفُوتُ بَعْدَهُ وَقَالَ مَنْ مَاتَ قَبْلَ السَّابِعِ سَقَطَتْ عَنْهُ الْعَقِيقَةُ. وَلِلْعُلَمَاءِ خِلَافٌ فِي الْعَقِّ بَعْدَهُ وَفِي قَوْلِهَا أَمَرَهُمْ أَيْ الْمُسْلِمِينَ بِأَنْ يَعِقَّ كُلُّ مَوْلُودٍ لَهُ عَنْ وَلَدِهِ فَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَتَعَيَّنُ عَلَى كُلِّ مَنْ تَلْزَمُهُ النَّفَقَةُ لِلْمَوْلُودِ وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ يَتَعَيَّنُ عَلَى الْأَبِ إلَّا أَنْ يَمُوتَ أَوْ يَمْتَنِعَ وَأُخِذَ مِنْ لَفْظِ تُذْبَحُ بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ أَنَّهُ يُجْزِئُ أَنْ يَعِقَّ عَنْهُ الْأَجْنَبِيُّ وَقَدْ تَأَيَّدَ بِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم عَقَّ عَنْ الْحَسَنَيْنِ كَمَا سَلَفَ إلَّا أَنَّهُ يُقَالُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم أَبُوهُمَا كَمَا وَرَدَ بِهِ الْحَدِيثُ بِلَفْظِ «كُلُّ بَنِي أُمٍّ يَنْتَمُونَ إلَى عَصَبَةٍ إلَّا وَلَدَ فَاطِمَةَ رضي الله عنها فَأَنَا وَلِيُّهُمْ وَأَنَا عَصَبَتُهُمْ» وَفِي لَفْظٍ " وَأَنَا أَبُوهُمْ " أَخْرَجَهُ الْخَطِيبُ مِنْ حَدِيثِ فَاطِمَةَ الزَّهْرَاءِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - وَمِنْ حَدِيثِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ «أَنَّ فَاطِمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - لَمَّا وَلَدَتْ حَسَنًا قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا أَعُقُّ عَنْ وَلَدِي بِدَمٍ؟ قَالَ لَا وَلَكِنْ احْلِقِي رَأْسَهُ وَتَصَدَّقِي بِوَزْنِ شَعْرِهِ فِضَّةً» فَهُوَ مِنْ الْأَدِلَّةِ عَلَى أَنَّهُ قَدْ أَجْزَأَ عَنْهُ مَا ذَبَحَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَنْهُ وَأَنَّهَا ذَكَرَتْ هَذَا فَمَنَعَهَا ثُمَّ عَقَّ عَنْهُ وَأَرْشَدَهَا إلَى تَوَلِّي الْحَلْقَ وَالتَّصَدُّقَ وَهَذَا أَقْرَبُ لِأَنَّهَا لَا تَسْتَأْذِنُهُ إلَّا قَبْلَ ذَبْحِهِ وَقَبْلَ مَجِيءِ وَقْتِ الذَّبْحِ وَهُوَ السَّابِعُ. وَفِي قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ سَمُرَةَ " وَيُحْلَقُ " دَلِيلٌ عَلَى شَرْعِيَّةِ حَلْقِ رَأْسِ الْمَوْلُودِ يَوْمَ سَابِعِهِ وَظَاهِرُهُ عَامٌّ لِحَلْقِ رَأْسِ الْغُلَامِ وَالْجَارِيَةِ. وَحَكَى الْمَازِرِيُّ كَرَاهَةَ حَلْقِ رَأْسِ الْجَارِيَةِ.

ص: 542

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

وَعَنْ بَعْضِ الْحَنَابِلَةِ تُحْلَقُ لِإِطْلَاقِ الْحَدِيثِ. وَأَمَّا تَثْقِيبُ أُذُنِ الصَّبِيَّةِ لِأَجْلِ تَعْلِيقِ الْحُلِيِّ فِيهَا الَّذِي يَفْعَلُهُ النَّاسُ فِي هَذِهِ الْأَعْصَارِ وَقَبْلَهَا فَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ: إنَّهُ لَا يَرَى فِيهِ رُخْصَةً فَإِنَّ ذَلِكَ جُرْحٌ مُؤْلِمٌ وَمِثْلُهُ مُوجِبٌ لِلْقِصَاصِ فَلَا يَجُوزُ إلَّا لِحَاجَةٍ مُهِمَّةٍ كَالْفَصْدِ وَالْحِجَامَةِ وَالْخِتَانِ، وَالتَّزَيُّنُ بِالْحُلِيِّ غَيْرُ مُهِمٍّ فَهَذَا وَإِنْ كَانَ مُعْتَادًا فَهُوَ حَرَامٌ وَالْمَنْعُ مِنْهُ وَاجِبٌ وَالِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهِ غَيْرُ صَحِيحٍ وَالْأُجْرَةُ الْمَأْخُوذَةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ اهـ وَفِي كُتُبِ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ تَثْقِيبَ آذَانِ الصَّبَايَا لِلْحُلِيِّ جَائِزٌ وَيُكْرَهُ لِلصِّبْيَانِ. وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانَ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ: لَا بَأْسَ بِثَقْبِ أُذُنِ الطِّفْلِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَفْعَلُونَهُ وَلَمْ يُنْكِرْهُ عَلَيْهِمْ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم " وَيُسَمَّى " هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي الرِّوَايَةِ.

وَأَمَّا رِوَايَتُهُ بِلَفْظِ " وَيُدْمَى " مِنْ الدَّمِ أَيْ يُفْعَلُ فِي رَأْسِهِ مِنْ دَمِ الْعَقِيقَةِ كَمَا كَانَتْ تَفْعَلُهُ الْجَاهِلِيَّةُ فَقَدْ وَهَمَ رَاوِيهَا بَلْ الْمُرَادُ تَسْمِيَةُ الْمَوْلُودِ. وَيَنْبَغِي اخْتِيَارُ الِاسْمِ الْحَسَنِ لَهُ لِمَا ثَبَتَ مِنْ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُغَيِّرُ الِاسْمَ الْقَبِيحَ وَصَحَّ عَنْهُ «أَنَّ أَخْنَعَ الْأَسْمَاءِ عِنْدَ اللَّهِ تُسَمَّى شَاهَانْ شَاهْ مَلِكُ الْأَمْلَاكِ لَا مَلِكَ إلَّا اللَّهُ تَعَالَى» فَتَحْرُمُ التَّسَمِّيَةُ بِذَلِكَ وَأُلْحِقَ بِهِ تَحْرِيمُ التَّسْمِيَةِ بِقَاضِي الْقُضَاةِ وَأَشْنَعُ مِنْهُ حَاكِمُ الْحُكَّامِ نَصَّ عَلَيْهِ الْأَوْزَاعِيُّ وَمِنْ الْأَلْقَابِ الْقَبِيحَةِ مَا قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّهُ تَوَسَّعَ النَّاسُ فِي زَمَانِنَا حَتَّى لَقَّبُوا السَّفَلَةَ بِأَلْقَابِ الْعَلِيَّةِ، وَهَبْ أَنَّ الْعُذْرَ مَبْسُوطٌ فَمَا أَقُولُ فِي تَلْقِيبِ مَنْ لَيْسَ مِنْ الدِّينِ فِي قَبِيلٍ وَلَا دَبِيرٍ بِفُلَانِ الدِّينِ هِيَ لَعَمْرِي وَاَللَّهِ لِلْغُصَّةِ الَّتِي لَا تُسَاغُ.

وَأَحَبُّ الْأَسْمَاءِ إلَى اللَّهِ عَبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ وَنَحْوُهُمَا وَأَصْدَقُهَا حَارِثٌ وَهَمَّامٌ وَلَا تُكْرَهُ التَّسْمِيَةُ بِأَسْمَاءِ الْأَنْبِيَاءِ وَيس وَطَه خِلَافًا لِمَالِكٍ وَفِي مُسْنَدِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي أُسَامَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ «مَنْ كَانَ لَهُ ثَلَاثَةٌ مِنْ الْوَلَدِ وَلَمْ يُسَمِّ أَحَدَهُمْ بِمُحَمَّدٍ فَقَدْ جَهِلَ» فَيَنْبَغِي التَّسَمِّي بِاسْمِهِ صلى الله عليه وسلم فَقَدْ أَخْرَجَ فِي كِتَابِ الْخَصَائِصِ لِابْنِ سَبْعٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ إذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نَادَى مُنَادٍ أَلَا لِيَقُمْ مَنْ اسْمُهُ مُحَمَّدٍ فَلْيَدْخُلْ الْجَنَّةَ تَكْرِمَةً لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم.

وَقَالَ مَالِكٌ: سَمِعْت أَهْلَ الْمَدِينَةِ

ص: 543

‌كِتَابُ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ

1277 -

عَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنه «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ أَدْرَكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فِي رَكْبٍ، وَعُمَرُ يَحْلِفُ بِأَبِيهِ، فَنَادَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَلَا إنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ، أَوْ لِيَصْمُتْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

يَقُولُونَ: مَا مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ فِيهِمْ اسْمُ مُحَمَّدٍ إلَّا رُزِقُوا رِزْقَ خَيْرٍ قَالَ وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونُوا عَرَفُوا ذَلِكَ بِالتَّجْرِبَةِ أَوْ عِنْدَهُمْ فِيهِ أَثَرٌ.

(فَائِدَةٌ) رَوَى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَذَّنَ فِي أُذُنِ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ حِينَ وُلِدَا» . وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ وَالْمُرَادُ الْأُذُنُ الْيُمْنَى وَفِي بَعْضِ الْمَسَانِيدِ «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَرَأَ فِي أُذُنِ مَوْلُودٍ سُورَةَ الْإِخْلَاصِ» وَأَخْرَجَ ابْنُ السُّنِّيِّ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ رضي الله عنه قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ وُلِدَ لَهُ مَوْلُودٌ فَأَذَّنَ فِي أُذُنِهِ الْيُمْنَى وَأَقَامَ الصَّلَاةَ فِي أُذُنِهِ الْيُسْرَى لَمْ تَضُرَّهُ أُمُّ الصِّبْيَانِ» وَهِيَ التَّابِعَةُ مِنْ الْجِنِّ.

وَيُسْتَحَبُّ تَحْنِيكُهُ بِتَمْرٍ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ «أَبِي مُوسَى قَالَ: وُلِدَ لِي غُلَامٌ فَأَتَيْت النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَسَمَّاهُ إبْرَاهِيمَ وَحَنَّكَهُ بِتَمْرَةٍ وَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ» وَالتَّحْنِيكُ أَنْ يَضَعَ التَّمْرَ وَنَحْوَهُ فِي حَنَكِ الْمَوْلُودِ حَتَّى يَنْزِلَ إلَى جَوْفِهِ مِنْهُ شَيْءٌ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمُحَنِّكُ مِنْ أَهْلِ الْخَيْرِ مِمَّنْ يُرْجَى بَرَكَتُهُ. .

(كِتَابُ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ) الْأَيْمَانُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ: جَمْعُ الْيَمِينِ وَأَصْلُ الْيَمِينِ فِي اللُّغَةِ الْيَدُ وَأُطْلِقَتْ عَلَى الْحَلِفِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا إذَا تَحَالَفُوا أَخَذَ كُلٌّ بِيَمِينِ صَاحِبِهِ (وَالنُّذُورُ) جَمْعُ نَذْرٍ وَأَصْلُهُ الْإِنْذَارُ بِمَعْنَى التَّخْوِيفِ وَعَرَّفَهُ الرَّاغِبُ بِأَنَّهُ إيجَابُ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ لِحُدُوثِ أَمْرٍ.

ص: 544

1278 -

وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه مَرْفُوعًا: «لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، وَلَا بِأُمَّهَاتِكُمْ، وَلَا بِالْأَنْدَادِ، وَلَا تَحْلِفُوا بِاَللَّهِ إلَّا وَأَنْتُمْ صَادِقُونَ» .

(عَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ أَدْرَكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه فِي رَكْبٍ) الرَّكْبُ رُكْبَانُ الْإِبِلِ اسْمُ جَمْعٍ أَوْ جَمْعٌ وَهُمْ الْعَشَرَةُ فَصَاعِدًا وَقَدْ يَكُونُ لِلْخَيْلِ (وَعُمَرُ يَحْلِفُ بِأَبِيهِ فَنَادَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «أَلَا إنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ» لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَا يَحْلِفُ إلَّا بِهَذَا اللَّفْظِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَحْلِفُ بِغَيْرِهِ نَحْوِ مُقَلِّبِ الْقُلُوبِ " كَمَا يَأْتِي (أَوْ لِيَصْمُتْ) بِضَمِّ الْمِيمِ، مِثْلُ قَتَلَ يَقْتُلُ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).

(وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ وَأُمَّهَاتِكُمْ وَلَا بِالْأَنْدَادِ» النِّدُّ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ الْمِثْلُ وَالْمُرَادُ هُنَا أَصْنَامُهُمْ وَأَوْثَانُهُمْ الَّتِي جَعَلُوهَا لِلَّهِ تَعَالَى أَمْثَالًا لِعِبَادَتِهِمْ إيَّاهَا وَحَلِفِهِمْ بِهَا نَحْوُ قَوْلِهِمْ: وَاَللَّاتِي وَالْعُزَّى «وَلَا تَحْلِفُوا بِاَللَّهِ إلَّا وَأَنْتُمْ صَادِقُونَ» الْحَدِيثَانِ دَلِيلٌ عَلَى النَّهْيِ عَنْ الْحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ لِلتَّحْرِيمِ كَمَا هُوَ أَصْلُهُ وَبِهِ قَالَتْ الْحَنَابِلَةُ وَالظَّاهِرِيَّةُ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا يَجُوزُ الْحَلِفُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْإِجْمَاعِ.

وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ إنَّ الْيَمِينَ بِغَيْرِ اللَّهِ مَكْرُوهَةٌ مَنْهِيٌّ عَنْهَا لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ الْحَلِفُ بِهَا. وَقَوْلُهُ: لَا يَجُوزُ بَيَانُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالْكَرَاهَةِ التَّحْرِيمَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ أَوَّلًا، وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُحَلِّفَ أَحَدًا بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى لَا بِطَلَاقٍ وَلَا عَتَاقٍ وَلَا نَذْرٍ وَإِذَا حَلَّفَ الْحَاكِمُ أَحَدًا بِذَلِكَ وَجَبَ عَزْلُهُ. وَعِنْدَ جُمْهُورِ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَشْهُورُ عَنْ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ لِلْكَرَاهَةِ وَمِثْلُهُ لِلْهَادَوِيَّةِ مَا لَمْ يُسَوِّ فِي التَّعْظِيمِ (قُلْت) لَا يَخْفَى أَنَّ الْأَحَادِيثَ وَاضِحَةٌ فِي التَّحْرِيمِ لِمَا سَمِعْت وَلِمَا أَخْرَجَ أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِمُ وَاللَّفْظُ لَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ صلى الله عليه وسلم «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ كَفَرَ» وَفِي رِوَايَةٍ لِلْحَاكِمِ «كُلُّ يَمِينٍ يُحْلَفُ بِهَا دُونَ اللَّهِ تَعَالَى شِرْكٌ» .

وَرَوَاهُ أَحْمَدُ بِلَفْظِ «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ» وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ «مَنْ حَلَفَ مِنْكُمْ فَقَالَ فِي حَلِفِهِ: وَاَللَّاتِي

ص: 545

1279 -

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «يَمِينُك عَلَى مَا يُصَدِّقُك بِهِ صَاحِبُك» - وَفِي رِوَايَةٍ: «الْيَمِينُ عَلَى نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ» أَخْرَجَهُمَا مُسْلِمٌ.

وَالْعُزَّى فَلْيَقُلْ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» وَأَخْرَجَ النَّسَائِيّ مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّهُ حَلَفَ بِاَللَّاتِي وَالْعُزَّى قَالَ فَذَكَرْت ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: «قُلْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَانْفُثْ عَنْ يَسَارِك ثَلَاثًا وَتَعَوَّذْ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ وَلَا تَعُدْ» فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ الْأَخِيرَةُ تُقَوِّي الْقَوْلَ بِأَنَّهُ مُحَرَّمٌ لِتَصْرِيحِهَا بِأَنَّهُ شِرْكٌ مِنْ غَيْرِ تَأْوِيلٍ وَلِذَا أَمَرَ بِتَجْدِيدِ الْإِسْلَامِ وَالْإِتْيَانِ بِكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ.

وَاسْتَدَلَّ الْقَائِلُ بِالْكَرَاهَةِ بِحَدِيثِ «أَفْلَحَ - وَأَبِيهِ - إنْ صَدَقَ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. أُجِيبَ عَنْهُ أَوَّلًا بِأَنَّهُ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: إنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ غَيْرُ مَحْفُوظَةٍ وَقَدْ جَاءَتْ عَنْ رَاوِيهَا «أَفْلَحَ وَاَللَّهِ إنْ صَدَقَ» بَلْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ رَاوِيَهَا صَحَّفَ (وَاَللَّهِ) إلَى (وَأَبِيهِ) وَثَانِيهَا أَنَّهَا لَمْ تَخْرُجْ مَخْرَجَ الْقَسَمِ بَلْ هِيَ مِنْ الْكَلَامِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى الْأَلْسِنَةِ مِثْلُ تَرِبَتْ يَدَاهُ وَنَحْوُهُ. وَقَوْلُنَا مِنْ غَيْرِ تَأْوِيلٍ إشَارَةٌ إلَى تَأْوِيلِ الْقَائِلِ بِالْكَرَاهَةِ فَإِنَّهُ تَأَوَّلَ قَوْلَهُ " فَقَدْ أَشْرَكَ " بِمَا قَالَهُ التِّرْمِذِيُّ: قَدْ حَمَلَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِثْلَ هَذَا عَلَى التَّغْلِيظِ كَمَا حَمَلَ بَعْضُهُمْ قَوْلَهُ «الرِّيَاءُ شِرْكٌ» عَلَى ذَلِكَ.

وَأُجِيبَ بِأَنَّ هَذَا إنَّمَا يَرْفَعُ الْقَوْلَ بِكُفْرِ مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ وَلَا يَرْفَعُ التَّحْرِيمَ كَمَا أَنَّ الرِّيَاءَ مُحَرَّمٌ اتِّفَاقًا وَلَا يُكَفَّرُ مَنْ فَعَلَهُ كَمَا قَالَ ذَلِكَ الْبَعْضُ. وَاسْتَدَلَّ الْقَائِلُ بِالْكَرَاهَةِ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَقْسَمَ فِي كِتَابِهِ بِالْمَخْلُوقَاتِ مِنْ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَغَيْرِهِمَا. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْعَبْدِ الِاقْتِدَاءُ بِالرَّبِّ تَعَالَى فَإِنَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ عَلَى أَنَّهَا كُلَّهَا مُؤَوَّلَةٌ بِأَنَّ الْمُرَادَ وَرَبِّ الشَّمْسِ وَنَحْوِهِ. وَوَجْهُ التَّحْرِيمِ أَنَّ الْحَلِفَ يَقْتَضِي تَعْظِيمَ الْمَحْلُوفِ بِهِ وَمَنْعَ النَّفْسِ عَنْ الْفِعْلِ أَوْ عَزْمِهَا عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ عَظَمَةِ مَنْ حَلَفَ بِهِ وَحَقِيقَةُ الْعَظَمَةِ مُخْتَصَّةٌ بِاَللَّهِ تَعَالَى فَلَا يَلْحَقُ بِهِ غَيْرُهُ.

وَيَحْرُمُ الْحَلِفُ بِالْبَرَاءَةِ مِنْ الْإِسْلَامِ أَوْ مِنْ الدِّينِ أَوْ بِأَنَّهُ يَهُودِيٌّ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ لِمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَالنَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ حَلَفَ فَقَالَ إنِّي بَرِيءٌ مِنْ الْإِسْلَامِ. فَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فَهُوَ كَمَا قَالَ وَإِنْ كَانَ صَادِقًا فَلَنْ يَرْجِعَ إلَى الْإِسْلَامِ سَالِمًا» وَالْأَظْهَرُ عَدَمُ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ فِي الْحَلِفِ بِهَذِهِ الْمُحَرَّمَاتِ إذْ الْكَفَّارَةُ مَشْرُوعَةٌ فِيمَا أَذِنَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَحْلِفَ بِهِ لَا فِيمَا نَهَى عَنْهُ وَلِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ الشَّارِعُ كَفَّارَةً بَلْ ذَكَرَ أَنَّهُ يَقُولُ كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ لَا غَيْرُ. .

ص: 546

1280 -

وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «وَإِذَا حَلَفْت عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْت غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِك وَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي لَفْظِ لِلْبُخَارِيِّ: «فَائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِك» . وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد: «فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِك ثُمَّ ائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ» وَإِسْنَادُهُمَا صَحِيحٌ.

(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «يَمِينُك عَلَى مَا يُصَدِّقُك بِهِ صَاحِبُك» وَفِي رِوَايَةٍ ‌

«الْيَمِينُ عَلَى نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ»

أَخْرَجَهُمَا مُسْلِمٌ) الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْيَمِينَ تَكُونُ عَلَى نِيَّةِ الْمُحَلِّفِ وَلَا يَنْفَعُ فِيهَا نِيَّةُ الْحَالِفِ إذَا نَوَى بِهَا غَيْرَ مَا أَظْهَرهُ، وَظَاهِرُهُ الْإِطْلَاقُ سَوَاءٌ كَانَ الْمُحَلِّفُ لَهُ الْحَاكِمَ أَوْ الْمُدَّعِي لِلْحَقِّ. وَالْمُرَادُ حَيْثُ كَانَ الْمُحَلِّفُ لَهُ التَّحْلِيفُ كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ:" عَلَى مَا يُصَدِّقُك بِهِ صَاحِبُك " فَإِنَّهُ يُفِيدُ أَنَّ ذَلِكَ حَيْثُ كَانَ لِلْمُحَلِّفِ التَّحْلِيفُ وَهُوَ حَيْثُ كَانَ صَادِقًا فِيمَا ادَّعَاهُ عَلَى الْحَالِفِ وَأَمَّا لَوْ كَانَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ كَانَتْ النِّيَّةُ نِيَّةَ الْحَالِفِ. وَاعْتَبَرَتْ الشَّافِعِيَّةُ أَنْ يَكُونَ الْمُحَلِّفُ الْحَاكِمَ وَإِلَّا كَانَتْ النِّيَّةُ نِيَّةَ الْحَالِفِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَأَمَّا إذَا حَلَفَ بِغَيْرِ اسْتِحْلَافٍ وَوَرَّى فَتَنْفَعُهُ وَلَا يَحْنَثُ سَوَاءٌ حَلَفَ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ تَحْلِيفٍ أَوْ حَلَّفَهُ غَيْرُ الْقَاضِي أَوْ غَيْرُ نَائِبِهِ وَلَا اعْتِبَارَ فِي ذَلِكَ بِنِيَّةِ الْمُحَلِّفِ بِكَسْرِ اللَّامِ غَيْرِ الْقَاضِي. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْيَمِينَ عَلَى نِيَّةِ الْحَالِفِ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ إلَّا إذَا اسْتَحْلَفَهُ الْقَاضِي أَوْ نَائِبُهُ فِي دَعْوًى تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ فَتَكُونُ الْيَمِينُ عَلَى نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ وَهُوَ مُرَادُ الْحَدِيثِ أَمَّا إذَا حَلَفَ بِغَيْرِ اسْتِحْلَافِ الْقَاضِي أَوْ نَائِبِهِ فِي دَعْوًى تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ فَتَكُونُ الْيَمِينُ عَلَى نِيَّةِ الْحَالِفِ. وَسَوَاءٌ فِي هَذَا كُلِّهِ الْيَمِينُ بِاَللَّهِ تَعَالَى أَوْ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ إلَّا أَنَّهُ إذَا حَلَّفَهُ الْقَاضِي بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ فَتَنْفَعُهُ التَّوْرِيَةُ وَيَكُونُ الِاعْتِبَارُ بِنِيَّةِ الْحَالِفِ لِأَنَّ الْقَاضِيَ لَيْسَ لَهُ التَّحْلِيفُ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَإِنَّمَا يَسْتَحْلِفُ بِاَللَّهِ اهـ (قُلْت) وَلَا أَدْرِي مِنْ أَيْنَ جَاءَ تَقْيِيدُ الْحَدِيثِ بِالْقَاضِي أَوْ نَائِبِهِ بَلْ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ إذَا اسْتَحْلَفَهُ مَنْ لَهُ الْحَقُّ فَالنِّيَّةُ نِيَّةُ الْمُسْتَحْلِفِ مُطْلَقًا. .

(وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ) بْنِ حَبِيبِ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ الْعَبْشَمِيِّ أَبِي سَعِيدٍ صَحَابِيٌّ مِنْ مُسْلِمَةِ الْفَتْحِ افْتَتَحَ سِجِسْتَانَ ثُمَّ سَكَنَ الْبَصْرَةَ وَمَاتَ بِهَا سَنَةَ خَمْسِينَ أَوْ بَعْدَهُ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: وَإِذَا حَلَفْت عَلَى يَمِينٍ) أَيْ عَلَى مَحْلُوفٍ مِنْهُ سَمَّاهُ يَمِينًا مَجَازًا «وَرَأَيْت غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِك وَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَفِي لَفْظِ الْبُخَارِيِّ «فَأْتِ

ص: 547

1281 -

وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَقَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ

الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِك». وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد) عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَيْضًا «فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِك ثُمَّ ائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ» وَإِسْنَادُهُمَا) بِالتَّثْنِيَةِ أَيْ لَفْظُ الْبُخَارِيِّ وَرِوَايَةُ أَبِي دَاوُد.

وَالْأَوْلَى إفْرَادُ الضَّمِيرِ لِيَعُودَ إلَى رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد فَقَطْ لِمَا عُلِمَ مِنْ عُرْفِهِمْ أَنَّ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ صَحِيحُ لَا يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يُقَالَ إسْنَادُهُ (صَحِيحٌ) الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ وَكَانَ تَرْكُهُ خَيْرًا مِنْ التَّمَادِي عَلَى الْيَمِينِ وَجَبَ عَلَيْهِ التَّكْفِيرُ وَإِتْيَانُ مَا هُوَ خَيْرٌ كَمَا يُفِيدُهُ الْأَمْرُ وَلَكِنَّهُ صَرَّحَ الْجَمَاهِيرُ بِأَنَّهُ إنَّمَا يُسْتَحَبُّ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ يَجِبُ وَظَاهِرُهُ وُجُوبُ تَقْدِيمِ الْكَفَّارَةِ وَلَكِنَّهُ ادَّعَى الْإِجْمَاعَ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ تَقْدِيمِهَا وَعَلَى جَوَازِ تَأْخِيرِهَا إلَى مَا بَعْدَ الْحِنْثِ وَعَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ تَقْدِيمُهَا قَبْلَ الْيَمِينِ.

وَدَلَّتْ رِوَايَةُ (ثُمَّ ائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ) عَلَى أَنَّهُ يُقَدِّمُ الْكَفَّارَةَ قَبْلَ الْحِنْثِ لِاقْتِضَاءِ (ثُمَّ) التَّرْتِيبَ وَرِوَايَةُ الْوَاوِ تُحْمَلُ عَلَى رِوَايَةِ (ثُمَّ) حَمْلًا لِلْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ فَإِنْ تَمَّ الْإِجْمَاعُ عَلَى جَوَازِ تَأْخِيرِهَا وَإِلَّا فَالْحَدِيثُ دَالٌّ عَلَى وُجُوبِ تَقْدِيمِهَا وَمِمَّنْ ذَهَبَ إلَى جَوَازِ تَقَدُّمِهَا عَلَى الْحِنْثِ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ مِنْ الصَّحَابَةِ وَجَمَاعَةٌ مِنْ التَّابِعِينَ وَهُوَ قَوْلُ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ. لَكِنْ قَالُوا: يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهَا عَنْ الْحِنْثِ وَظَاهِرُهُ أَنَّ هَذَا جَارٍ فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْكَفَّارَةِ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إلَى عَدَمِ إجْزَاءِ تَقْدِيمِ التَّكْفِيرِ بِالصَّوْمِ.

وَقَالَ لَا يَجُوزُ قَبْلَ الْحِنْثِ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ لَا يَجُوزُ تَقَدُّمُهَا عَلَى وَقْتِهَا كَالصَّلَاةِ وَصَوْمِ رَمَضَانَ وَأَمَّا التَّكْفِيرُ بِغَيْرِ الصَّوْمِ فَجَائِزٌ تَقْدِيمُهُ كَمَا لَا يَجُوزُ تَعْجِيلُ الزَّكَاةِ. وَذَهَبَتْ الْهَادَوِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ التَّكْفِيرِ عَلَى الْحِنْثِ عَلَى كُلِّ حَالٍ قَالَتْ الْهَادَوِيَّةُ لِأَنَّ سَبَبَ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ هُوَ مَجْمُوعُ الْحِنْثِ وَالْيَمِينِ فَلَا يَصِحُّ التَّقْدِيمُ قَبْلَ تَمَامِ سَبَبِ الْوُجُوبِ وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ السَّبَبُ الْحِنْثُ وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْحَدِيثَ دَالٌ عَلَى خِلَافِ مَا عَلَّلُوا بِهِ وَذَهَبُوا إلَيْهِ فَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَقْرَبُ إلَى الْعَمَلِ بِهِ.

(وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَقَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ) قَالَ التِّرْمِذِيُّ لَا نَعْلَمُ

ص: 548

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

أَحَدًا رَفَعَهُ غَيْرَ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ. قَالَ ابْنُ عُلَيَّةَ: كَانَ أَيُّوبُ يَرْفَعُهُ تَارَةً وَتَارَةً لَا يَرْفَعُهُ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: لَا يَصِحُّ رَفْعُهُ إلَّا عَنْ أَيُّوبَ مَعَ أَنَّهُ شَكَّ فِيهِ (قُلْت) كَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنَّهُ رَفَعَهُ تَارَةً وَوَقَفَهُ أُخْرَى وَلَا يَخْفَى أَنَّ أَيُّوبَ ثِقَةٌ حَافِظٌ لَا يَضُرُّ تَفَرُّدُهُ بِرَفْعِهِ وَكَوْنُهُ وَقَفَهُ تَارَةً لَا يَقْدَحُ فِيهِ لِأَنَّ رَفْعَهُ زِيَادَةُ عَدْلٍ مَقْبُولَةٍ وَقَدْ رَفَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ الْعُمَرِيُّ وَمُوسَى بْنُ عُقْبَةَ وَكَثِيرُ بْنُ فَرْقَدٍ وَأَيُّوبُ بْنُ مُوسَى وَحَسَّانُ بْنُ عَطِيَّةَ كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ مَرْفُوعًا فَقَوَّى رَفْعَهُ عَلَى أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ مَوْقُوفًا فَلَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ إذْ لَا مَسْرَحَ لِلِاجْتِهَادِ فِيهِ: وَإِلَى مَا أَفَادَهُ الْحَدِيثُ ذَهَبَ الْجَمَاهِيرُ.

وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ بِأَنَّ قَوْلَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ يَمْنَعُ انْعِقَادَ الْيَمِينِ بِشَرْطِ كَوْنِهِ مُتَّصِلًا قَالَ: وَلَوْ جَازَ مُنْفَصِلًا كَمَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ لَمْ يَحْنَثْ أَحَدٌ فِي يَمِينٍ وَلَمْ يَحْتَجْ إلَى الْكَفَّارَةِ. وَاخْتَلَفُوا فِي زَمَنِ الِاتِّصَالِ. فَقَالَ الْجُمْهُورُ: هُوَ أَنْ يَقُولَ إنْ شَاءَ اللَّهُ مُتَّصِلًا بِالْيَمِينِ مِنْ غَيْرِ سُكُوتٍ بَيْنَهُمَا وَلَا يَضُرُّهُ التَّنَفُّسُ (قُلْت) وَهَذَا هُوَ الَّذِي تَدُلُّ لَهُ الْفَاءُ فِي قَوْلِهِ " فَقَالَ " وَعَنْ طَاوُسٍ وَالْحَسَنِ وَجَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ أَنَّ لَهُ الِاسْتِثْنَاءَ مَا لَمْ يَقُمْ مِنْ مَجْلِسِهِ، وَقَالَ عَطَاءٌ قَدْرَ حَلْبَةِ نَاقَةٍ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ.

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَهُ الِاسْتِثْنَاءُ أَبَدًا مَتَى يَذْكُرُ (قُلْت) وَهَذِهِ تَقَارِيرُ خَالِيَةٌ عَنْ الدَّلِيلِ وَقَدْ تَأَوَّلَ بَعْضُهُمْ هَذِهِ الْأَقَاوِيلَ بِأَنَّ مُرَادَهُمْ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَقُولَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَبَرُّكًا أَوْ يَجِبُ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُهُمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} فَيَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ رَافِعًا لِلْإِثْمِ الْحَاصِلِ بِتَرْكِهِ أَوْ لِتَحْصِيلِ ثَوَابِ النَّدْبِ عَلَى الْقَوْلِ بِاسْتِحْبَابِهِ. وَلَمْ يُرِيدُوا بِهِ حَلَّ الْيَمِينَ وَمَنْعَ الْحِنْثِ. وَاخْتَلَفُوا هَلْ الِاسْتِثْنَاءُ مَانِعٌ لِلْحِنْثِ فِي الْحَلِفِ بِاَللَّهِ وَغَيْرِهِ مِنْ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَغَيْرِهِ مِنْ الظِّهَارِ وَالنَّذْرِ وَالْإِقْرَارِ. فَقَالَ مَالِكٌ لَا يَنْفَعُ إلَّا فِي الْحَلِفِ بِاَللَّهِ دُونَ غَيْرِهِ وَاسْتَقْوَاهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَاسْتَدَلَّ بِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: {ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} فَلَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ إلَّا الْيَمِينُ الشَّرْعِيَّةُ وَهِيَ الْحَلِفُ بِاَللَّهِ وَذَهَبَ أَحْمَدُ إلَى أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْعِتْقُ لِمَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُعَاذٍ مَرْفُوعًا «إذْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ لَمْ تَطْلُقْ، وَإِذَا قَالَ لِعَبْدِهِ أَنْتَ حُرٌّ إنْ شَاءَ اللَّهُ فَإِنَّهُ حُرٌّ» إلَّا أَنَّهُ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ تَفَرَّدَ بِهِ حُمَيْدُ بْنُ مَالِكٍ وَهُوَ مَجْهُولٌ وَاخْتَلَفَ عَلَيْهِ فِي إسْنَادِهِ.

وَذَهَبَتْ الْهَادَوِيَّةُ إلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ بِقَوْلِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ مُعْتَبَرٌ فِيهِ أَنْ يَكُونَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ فِيمَا شَاءَهُ اللَّهُ أَوْ لَا يَشَاؤُهُ فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَشَاؤُهُ اللَّهُ بِأَنْ كَانَ وَاجِبًا أَوْ مَنْدُوبًا أَوْ مُبَاحًا فِي الْمَجْلِسِ أَوْ حَالَ التَّكَلُّمِ لِأَنَّ مَشِيئَةَ اللَّهِ حَاصِلَةٌ فِي الْحَالِ فَلَا تَبْطُلُ الْيَمِينُ بَلْ تَنْعَقِدُ بِهِ وَإِنْ كَانَ لَا يَشَاؤُهُ بِأَنْ يَكُونَ مَحْظُورًا أَوْ مَكْرُوهًا فَلَا تَنْعَقِدُ الْيَمِينُ فَجَعَلُوا حُكْمَ الِاسْتِثْنَاءِ بِالْمَشِيئَةِ حُكْمَ التَّقْيِيدِ بِالشَّرْطِ فَيَقَعُ الْمُعَلَّقُ عِنْدَ وُقُوعِ الْمُعَلَّقِ بِهِ وَيَنْتَفِي بِانْتِفَائِهِ وَكَذَا قَوْلُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ حُكْمُهُ حُكْمُ إنْ شَاءَ اللَّهُ.

وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْحَدِيثَ لَا تَطَابُقُهُ هَذِهِ الْأَقْوَالُ. وَفِي قَوْلِهِ فَقَالَ " إنْ شَاءَ اللَّهُ " دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكْفِي

ص: 549

1282 -

وَعَنْهُ رضي الله عنه قَالَ: «كَانَتْ يَمِينُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: لَا، وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

فِي الِاسْتِثْنَاءِ النِّيَّةُ وَهُوَ قَوْلُ كَافَّةِ الْعُلَمَاءِ وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ صِحَّةُ الِاسْتِثْنَاءِ بِالنِّيَّةِ مِنْ غَيْرِ لَفْظٍ وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الْبُخَارِيُّ وَبَوَّبَ عَلَيْهِ بَابَ النِّيَّةِ فِي الْأَيْمَانِ (يَعْنِي بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ) وَمَذْهَبُ الْهَادَوِيَّةِ صِحَّةُ الِاسْتِثْنَاءِ بِالنِّيَّةِ وَإِنْ لَمْ يَلْفِظْ بِالْعُمُومِ إلَّا مِنْ عَدَدٍ مَنْصُوصٍ فَلَا بُدَّ مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ بِاللَّفْظِ. .

(وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: «كَانَتْ يَمِينُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَا. وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) الْمُرَادُ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ الَّذِي كَانَ يُوَاظِبُ عَلَيْهِ فِي الْقَسَمِ وَقَدْ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ الْأَلْفَاظَ الَّتِي كَانَ صلى الله عليه وسلم يُقْسِمُ بِهَا " لَا وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ " وَفِي رِوَايَةٍ (لَا وَمُصَرِّفِ الْقُلُوبِ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ - وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ - وَاَللَّهِ - وَرَبِّ الْكَعْبَةِ) وَلِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ «كَانَ إذَا اجْتَهَدَ فِي الْيَمِينِ قَالَ: وَاَلَّذِي نَفْسُ أَبِي الْقَاسِمِ بِيَدِهِ» .

وَلِابْنِ مَاجَهْ «كَانَتْ يَمِينُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الَّتِي يَحْلِفُ بِهَا أَشْهَدُ عِنْدَ اللَّهِ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ» وَالْمُرَادُ بِتَقْلِيبِ الْقُلُوبِ تَقْلِيبُ أَعْرَاضِهَا وَأَحْوَالِهَا لَا تَقْلِيبُ ذَاتِ الْقَلْبِ. قَالَ الرَّاغِبُ تَقْلِيبُ اللَّهِ الْقُلُوبَ وَالْبَصَائِرَ صَرْفُهَا عَنْ رَأْيٍ إلَى رَأْيٍ وَالتَّقَلُّبُ التَّصَرُّفُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ} وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: الْقَلْبُ جُزْءٌ مِنْ الْبَدَنِ خَلَقَهُ اللَّهُ وَجَعَلَهُ لِلْإِنْسَانِ مَحَلَّ الْعِلْمِ وَالْكَلَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الصِّفَاتِ الْبَاطِنَةِ وَجَعَلَ ظَاهِرَ الْبَدَنِ مَحَلَّ التَّصَرُّفَاتِ الْفِعْلِيَّةِ وَالْقَوْلِيَّةِ وَوَكَّلَ بِهِ مَلَكًا يَأْمُرُ بِالْخَيْرِ وَشَيْطَانًا يَأْمُرُ بِالشَّرِّ وَالْعَقْلُ بِنُورِهِ يَهْدِيهِ، وَالْهَوَى بِظُلْمَتِهِ يُغْوِيهِ وَالْقَضَاءُ مُسَيْطِرٌ عَلَى الْكُلِّ.

وَالْقَلْبُ يَتَقَلَّبُ بَيْنَ الْخَوَاطِرِ الْحَسَنَةِ وَالسَّيِّئَةِ، وَاللَّمَّةُ مِنْ الْمَلَكِ تَارَةً وَمِنْ الشَّيْطَانِ أُخْرَى وَالْمَحْفُوظُ مَنْ حَفِظَهُ اللَّهُ اهـ.

(قُلْت) وَقَوْلُهُ: وَالْكَلَامُ بِنَاءً مِنْهُ عَلَى إثْبَاتِ الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ وَأَنَّ مَحَلَّهُ الْقَلْبُ وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: (لَا) رَدٌّ وَنَفْيٌ لِلسَّابِقِ مِنْ الْكَلَامِ. وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْأَقْسَامِ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ. وَإِلَى هَذَا ذَهَبَتْ الْهَادَوِيَّةُ حَيْثُ قَالُوا: الْحَلِفُ بِاَللَّهِ أَوْ بِصِفَةٍ لِذَاتِهِ أَوْ لِفِعْلِهِ لَا يَكُونُ عَلَى ضِدِّهَا، وَيُرِيدُونَ بِصِفَةِ الذَّاتِ كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَلَكِنَّهُمْ قَالُوا: لَا بُدَّ مِنْ إضَافَتِهَا إلَى اللَّهِ تَعَالَى كَعِلْمِ اللَّهِ وَيُرِيدُونَ بِصِفَةِ الْفِعْلِ كَالْعَهْدِ وَالْأَمَانَةِ إذَا أُضِيفَتْ إلَى اللَّهِ إلَّا أَنَّهُ قَدْ وَرَدَ حَدِيثٌ بِالنَّهْيِ عَنْ الْحَلِفِ بِالْأَمَانَةِ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ بِلَفْظِ «مَنْ حَلَفَ بِالْأَمَانَةِ فَلَيْسَ مِنَّا» وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَمَانَةَ لَيْسَتْ مِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى بَلْ مِنْ فُرُوضِهِ عَلَى الْعِبَادِ،

ص: 550

1283 -

وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنه قَالَ: «جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الْكَبَائِرُ؟ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ:

‌ الْيَمِينُ الْغَمُوسُ

وَفِيهِ قُلْت: وَمَا الْيَمِينُ الْغَمُوسُ قَالَ: الَّتِي يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ هُوَ فِيهَا كَاذِبٌ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ

وَقَوْلُهُمْ لَا يَكُونُ عَلَى ضِدِّهَا، احْتِرَازٌ عَنْ الْغَضَبِ وَالرِّضَا وَالْمَشِيئَةِ فَلَا تَنْعَقِدُ بِهَا الْيَمِينُ. وَذَهَبَ ابْنُ حَزْمٍ - وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ - إلَى أَنَّ جَمِيعَ الْأَسْمَاءِ الْوَارِدَةِ فِي الْقُرْآنِ أَوْ السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ وَكَذَا الصِّفَاتُ صَرِيحٌ فِي الْيَمِينِ وَتَجِبُ بِهِ الْكَفَّارَةُ، وَفَصَّلَتْ الشَّافِعِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُمْ وَالْحَنَابِلَةُ فَقَالُوا: إنْ كَانَ اللَّفْظُ يَخْتَصُّ بِاَللَّهِ تَعَالَى كَالرَّحْمَنِ وَرَبِّ الْعَالَمِينَ وَخَالِقِ الْخَلْقِ فَهُوَ صَرِيحٌ يَنْعَقِدُ بِهِ الْيَمِينُ سَوَاءٌ قَصَدَ اللَّهَ تَعَالَى أَوْ أَطْلَقَ، وَإِنْ كَانَ يُطْلَقُ عَلَيْهِ تَعَالَى وَعَلَى غَيْرِهِ لَكِنْ يُقَيَّدُ كَالرَّبِّ وَالْخَالِقِ فَتَنْعَقِدُ بِهِ الْيَمِينُ إلَّا أَنْ يَقْصِدَ بِهِ غَيْرَ اللَّهِ تَعَالَى وَإِنْ كَانَ يُطْلَقُ عَلَيْهِ وَعَلَى غَيْرِهِ عَلَى السَّوَاءِ، نَحْوُ الْحَيِّ وَالْمَوْجُودِ فَإِنْ نَوَى غَيْرَ اللَّه تَعَالَى أَوْ أَطْلَقَ فَلَيْسَ بِيَمِينٍ وَإِنْ نَوَى بِهِ اللَّهَ تَعَالَى انْعَقَدَ عَلَى الصَّحِيحِ. .

(وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) أَيْ ابْنِ الْعَاصِ (قَالَ «جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْكَبَائِرُ. فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ الْيَمِينُ الْغَمُوسُ» وَهِيَ بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَضَمِّ الْمِيمِ آخِرَهُ مُهْمَلَةٌ (وَفِيهِ قُلْت) ظَاهِرُهُ أَنَّ السَّائِلَ ابْنُ عَمْرٍو رَاوِي الْحَدِيثِ وَالْمُجِيبُ هُوَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ السَّائِلُ غَيْرَ عَبْدِ اللَّهِ لِعَبْدِ اللَّهِ وَعَبْدِ اللَّهِ الْمُجِيبُ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ.

«وَمَا الْيَمِينُ الْغَمُوسُ؟ قَالَ الَّتِي يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ هُوَ فِيهَا كَاذِبٌ» .

أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ) اعْلَمْ أَنَّ الْيَمِينَ إمَّا أَنْ تَكُونَ بِعَقْدِ قَلْبٍ وَقَصْدٍ أَوْ لَا، بَلْ تَجْرِي عَلَى اللِّسَانِ بِغَيْرِ قَلْبٍ وَإِنَّمَا تَقَعُ بِحَسَبِ مَا تَعَوَّدَهُ الْمُتَكَلِّمُ سَوَاءٌ كَانَتْ بِإِثْبَاتٍ أَوْ نَفْيٍ وَاَللَّهِ وَبَلَى وَاَللَّهِ وَلَا وَاَللَّهِ فَهَذِهِ هِيَ اللَّغْوُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ:{لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} كَمَا يَأْتِي دَلِيلُهُ، وَإِنْ كَانَتْ عَنْ عَقْدِ قَلْبٍ فَيُنْظَرُ إلَى حَالِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ فَيَنْقَسِمُ بِحَسَبِهِ إلَى أَقْسَامٍ خَمْسَةٍ إمَّا أَنْ يَكُونَ مَعْلُومَ الصِّدْقِ أَوْ مَعْلُومَ الْكَذِبِ أَوْ مَظْنُونَ الصِّدْقِ أَوْ مَظْنُونَ الْكَذِبِ أَوْ مَشْكُوكًا فِيهِ، (فَالْأَوَّلُ) يَمِينٌ بَرَّةٌ صَادِقَةٌ وَهِيَ الَّتِي وَقَعَتْ فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى، نَحْوُ:{فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ} وَوَقَعَتْ فِي كَلَامِ رَسُولِ

ص: 551

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: إنَّهُ صلى الله عليه وسلم حَلَفَ فِي أَكْثَرَ مِنْ ثَمَانِينَ مَوْضِعًا وَهَذِهِ هِيَ الْمُرَادَةُ فِي حَدِيثِ «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّ أَنْ يُحْلَفَ بِهِ» وَذَلِكَ لِمَا يَتَضَمَّنُ مِنْ تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعَالَى (وَالثَّانِي) وَهُوَ مَعْلُومُ الْكَذِبِ الْيَمِينُ الْغَمُوسُ وَيُقَالُ لَهَا الزُّورُ وَالْفَاجِرَةُ وَسُمِّيَتْ فِي الْأَحَادِيثِ: يَمِينَ صَبْرٍ وَيَمِينًا مَصْبُورَةً، قَالَ فِي النِّهَايَةِ سُمِّيَتْ غَمُوسًا لِأَنَّهَا تَغْمِسُ صَاحِبَهَا فِي النَّارِ فَعَلَى هَذَا هِيَ فَعُولٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ وَقَدْ فَسَّرَهَا فِي الْحَدِيثِ بِاَلَّتِي يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا لَا تَكُونُ غَمُوسًا إلَّا إذَا اقْتَطَعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا أَنَّ كُلَّ مَحْلُوفٍ عَلَيْهِ كَذِبًا يَكُون غَمُوسًا وَلَكِنَّهَا تُسَمَّى فَاجِرَةً.

(الثَّالِثُ) مَا ظُنَّ صِدْقُهُ وَهُوَ قِسْمَانِ:

الْأَوَّلُ مَا انْكَشَفَ فِيهِ الْإِصَابَةُ فَهَذَا أَلْحَقَهُ الْبَعْضُ بِمَا عُلِمَ صِدْقُهُ إذْ بِالِانْكِشَافِ صَارَ مِثْلَهُ (وَالثَّانِي) مَا ظُنَّ صِدْقُهُ وَانْكَشَفَ خِلَافُهُ وَقَدْ قِيلَ لَا يَجُوزُ الْحَلِفُ فِي هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ لِأَنَّ وَضْعَ الْحَلِفِ لِقَطْعِ الِاحْتِمَالِ فَكَأَنَّ الْحَالِفَ يَقُولُ: أَنَا أَعْلَمُ مَضْمُونَ الْخَبَرِ وَهَذَا كَذِبٌ فَإِنَّهُ إنَّمَا حَلَفَ عَلَى ظَنِّهِ.

(الرَّابِعُ) مَا ظُنَّ كَذِبُهُ وَالْحَلِفُ عَلَيْهِ مُحَرَّمٌ (الْخَامِسُ) مَا شَكُّ فِي صِدْقِهِ وَكَذِبِهِ وَهُوَ أَيْضًا مُحَرَّمٌ. فَتَخْلُصُ أَنَّهُ يَحْرُمُ مَا عَدَا الْمَعْلُومَ صِدْقُهُ. وَقَوْلُهُ مَا الْكَبَائِرُ؟ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ قَدْ كَانَ مَعْلُومًا عِنْدَ السَّائِلِ أَنَّ فِي الْمَعَاصِي كَبَائِرَ وَغَيْرَهَا.

وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ فَذَهَبَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْعِلْمِ إلَى أَنَّ الْمَعَاصِيَ كُلَّهَا كَبَائِرُ. وَذَهَبَ الْجَمَاهِيرُ إلَى أَنَّهَا تَنْقَسِمُ إلَى كَبَائِرَ وَصَغَائِرَ وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ} وَبِقَوْلِهِ: {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ} (قُلْت) وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا دَلِيلَ عَلَى تَسْمِيَةِ شَيْءٍ مِنْ الْمَعَاصِي صَغَائِرَ وَهُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ وَقِيلَ لَا خِلَافَ فِي الْمَعْنَى إنَّمَا الْخِلَافُ لَفْظِيٌّ لِاتِّفَاقِ الْكُلِّ عَلَى أَنَّ مِنْ الْمَعَاصِي مَا يَقْدَحُ فِي الْعَدَالَةِ وَمِنْهَا مَا لَا يَقْدَحُ فِيهَا (قُلْت) وَفِيهِ أَيْضًا تَأَمُّلٌ، وَقَوْلُهُ (فَذَكَرَ الْحَدِيثَ) ذَكَرَ فِيهِ الْإِشْرَاكَ بِاَللَّهِ وَعُقُوقَ الْوَالِدَيْنِ وَقَتْلَ النَّفْسِ وَالْيَمِينَ الْغَمُوسَ.

وَقَدْ تَعَرَّضَ الشَّارِحُ رحمه الله إلَى مَا قَالَهُ الْعُلَمَاءُ فِي تَحْدِيدِ الْكَبِيرَةِ وَأَطَالَ نَقْلَ أَقَاوِيلِهِمْ فِي ذَلِكَ وَهِيَ أَقَاوِيلُ مَدْخُولَةٌ. وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْكِبَرَ وَالصِّغَرَ أَمْرٌ نِسْبِيٌّ فَلَا يَتِمُّ الْجَزْمُ بِأَنَّ هَذَا صَغِيرٌ وَهَذَا كَبِيرٌ إلَّا بِالرُّجُوعِ إلَى مَا نَصَّ الشَّارِعُ عَلَى كِبَرِهِ فَهُوَ كَبِيرٌ وَمَا عَدَاهُ بَاقٍ عَلَى الْإِبْهَامِ وَالِاحْتِمَالِ. وَقَدْ عَدَّ الْعَلَائِيُّ فِي قَوَاعِدِهِ الْكَبَائِرَ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهَا بَعْدَ تَتَبُّعِهَا مِنْ النُّصُوصِ فَأَبْلَغَهَا خَمْسًا وَعِشْرِينَ، وَهِيَ الشِّرْكُ بِاَللَّهِ، وَالْقَتْلُ وَالزِّنَى (وَأَفْحَشُهُ بِحَلِيلَةِ الْجَارِ) وَالْفِرَارُ مِنْ الزَّحْفِ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ.

وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ، وَالسِّحْرُ، وَالِاسْتِطَالَةُ فِي عَرْضِ الْمُسْلِمِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ، وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ، وَالنَّمِيمَةُ، وَالسَّرِقَةُ، وَشُرْبُ الْخَمْرِ، وَاسْتِحْلَالُ بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ وَنَكْثُ الصَّفْقَةِ، وَتَرْكُ السُّنَّةِ،

ص: 552

1283 -

وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها فِي قَوْله تَعَالَى: {لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} قَالَتْ: هُوَ قَوْلُ الرَّجُلِ: لَا وَاَللَّهِ، وَبَلَى وَاَللَّهِ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد مَرْفُوعًا.

وَالتَّعَرُّبُ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، وَالْيَأْسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ، وَالْأَمْنُ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ وَمَنْعُ ابْنِ السَّبِيلِ مِنْ فَضْلِ الْمَاءِ، وَعَدَمُ التَّنَزُّهِ مِنْ الْبَوْلِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَالتَّسَبُّبُ إلَى شَتْمِهِمَا، وَالْإِضْرَارُ فِي الْوَصِيَّةِ. وَتَعَقَّبَ بِأَنَّ السَّرِقَةَ لَمْ يَرِدْ النَّصُّ بِأَنَّهَا كَبِيرَةٌ، وَإِنَّمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ «لَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ» وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيّ " فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ. فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ " وَقَدْ جَاءَ فِي أَحَادِيثَ صَحِيحَةٍ النَّصُّ فِي الْغُلُولِ وَهُوَ إخْفَاءُ بَعْضِ الْغَنِيمَةِ بِأَنَّهُ كَبِيرَةٌ.

وَجَاءَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ لِغَيْرِ عُذْرٍ، وَمَنْعِ الْفَحْلِ وَلَكِنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ وَجَاءَ فِي الْأَحَادِيثِ ذِكْرُ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ كَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «إنَّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ اسْتِطَالَةَ الْمَرْءِ فِي عِرْضِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ» أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِإِسْنَادِ حَسَنٍ وَنَحْوُهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ، وَلَا مَانِعَ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي الذُّنُوبِ الْكَبِيرُ وَالْأَكْبَرُ: وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ فِي الْغَمُوسِ: وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ اتِّفَاقَ الْعُلَمَاءِ عَلَى ذَلِكَ وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي التَّحْقِيقِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه مَرْفُوعًا أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «لَيْسَ فِيهَا كَفَّارَةُ يَمِينِ صَبْرٍ يَقْطَعُ بِهَا مَالًا بِغَيْرِ حَقٍّ» وَفِيهِ رَاوٍ مَجْهُولٌ.

وَقَدْ رَوَى آدَم بْنُ أَبِي إيَاسٍ وَإِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا «كُنَّا نَعُدُّ الذَّنْبَ الَّذِي لَا كَفَّارَةَ لَهُ الْيَمِينَ الْغَمُوسَ أَنْ يَحْلِفَ الرَّجُلُ عَلَى مَالِ أَخِيهِ كَاذِبًا لِيَقْتَطِعَهُ» قَالُوا وَلَا مُخَالِفَ لَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَكِنْ تَكَلَّمَ ابْنُ حَزْمٍ فِي صِحَّةِ أَثَرِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وَإِلَى عَدَمِ الْكَفَّارَةِ ذَهَبَتْ الْهَادَوِيَّةُ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ إلَى وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ فِيهَا وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ ابْنُ حَزْمٍ فِي شَرْحِ الْمُحَلَّى لِعُمُومِ {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ} - الْآيَةَ وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ مَعْقُودَةٌ قَالُوا: وَالْحَدِيثُ لَا يَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ حَتَّى تُخَصَّصَ الْآيَةُ وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ لَا يُكَفِّرُهَا إلَّا التَّوْبَةُ فَالْكَفَّارَةُ تَنْفَعُهُ فِي رَفْعِ إثْمِ الْيَمِينِ، وَيَبْقَى فِي ذِمَّتِهِ مَا اقْتَطَعَهُ بِهَا مِنْ مَالِ أَخِيهِ فَإِنْ تَحَلَّلَ مِنْهُ وَتَابَ مَحَا اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ الْإِثْمَ. .

«وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها فِي قَوْله تَعَالَى: {لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} قَالَتْ: هُوَ قَوْلُ الرَّجُلِ لَا وَاَللَّهِ وَبَلَى وَاَللَّهِ» . أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ) مَوْقُوفًا عَلَى عَائِشَةَ (وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد مَرْفُوعًا) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اللَّغْوَ مِنْ الْأَيْمَانِ مَا لَا يَكُونُ عَنْ قَصْدِ الْحَلِفِ وَإِنَّمَا

ص: 553

1284 -

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَسَاقَ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ الْأَسْمَاءَ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ سَرْدَهَا إدْرَاجٌ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ

جَرَى عَلَى اللِّسَانِ مِنْ غَيْرِ إرَادَةِ الْحَلِفِ. وَإِلَى تَفْسِيرِ اللَّغْوِ بِهَذَا ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَنَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الصَّحَابَةِ وَجَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ. وَذَهَبَ الْهَادَوِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ إلَى أَنَّ لَغْوَ الْيَمِينِ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى الشَّيْءِ يَظُنُّ صِدْقُهُ فَيَنْكَشِفُ خِلَافُهُ وَذَهَبَ طَاوُسٌ إلَى أَنَّهَا الْحَلِفُ وَهُوَ غَضْبَانُ، وَفِي ذَلِكَ تَفَاسِيرُ أُخَرُ لَا يَقُومُ عَلَيْهَا دَلِيلٌ وَتَفْسِيرُ عَائِشَةَ أَقْرَبُ لِأَنَّهَا شَاهَدَتْ التَّنْزِيلَ وَهِيَ عَارِفَةٌ بِلُغَةِ الْعَرَبِ.

وَعَنْ عَطَاءٍ وَالشَّعْبِيِّ وَطَاوُسٍ وَالْحَسَنِ وَأَبِي قِلَابَةَ لَا وَاَللَّهِ وَبَلَى وَاَللَّهِ لُغَةٌ مِنْ لُغَاتِ الْعَرَبِ لَا يُرَادُ بِهَا الْيَمِينُ وَهِيَ مِنْ صِلَةِ الْكَلَامِ وَلِأَنَّ اللَّغْوَ فِي اللُّغَةِ مَا كَانَ بَاطِلًا وَمَا لَا يُعْتَدُّ بِهِ مِنْ الْقَوْلِ فَفِي الْقَامُوسِ: اللَّغْوُ وَاللَّغَى كَالْفَتَى: السَّقَطُ وَمَا لَا يُعْتَدُّ بِهِ مِنْ كَلَامِ غَيْرِهِ.

(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مَنْ أَحْصَاهَا وَفِي لَفْظٍ مَنْ حَفِظَهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَسَاقَ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ الْأَسْمَاءَ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ سَرْدَهَا إدْرَاجٌ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ) اتَّفَقَ الْحُفَّاظُ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ أَنَّ سَرْدَهَا إدْرَاجٌ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ. وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَسْمَاءُ اللَّهِ الْحُسْنَى مُنْحَصِرَةٌ فِي هَذَا الْعَدَدِ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِمَفْهُومِ الْعَدَدِ. وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ حَصْرٌ لَهَا بِاعْتِبَارِ مَا ذُكِرَ بَعْدَهُ مِنْ قَوْلِهِ: مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ وَهُوَ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ.

فَالْمُرَادُ أَنَّ هَذِهِ التِّسْعَةَ وَالتِّسْعِينَ تَخْتَصُّ بِفَضِيلَةٍ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ أَسْمَائِهِ تَعَالَى وَهُوَ أَنَّ إحْصَاءَهَا سَبَبٌ لِدُخُولِ الْجَنَّةِ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْجُمْهُورُ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ حَصْرُ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ اسْم غَيْرَ التِّسْعَةِ وَالتِّسْعِينَ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا «أَسْأَلُك بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَك سَمَّيْت بِهِ نَفْسَك أَوْ أَنْزَلْته فِي كِتَابِك أَوْ عَلَّمْته أَحَدًا مِنْ خَلْقِك أَوْ اسْتَأْثَرْت بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَك» فَإِنَّهُ دَلَّ عَلَى أَنَّ لَهُ تَعَالَى أَسْمَاءً لَمْ يَعْرِفْهَا أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ بَلْ اسْتَأْثَرَ بِهَا. وَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ قَدْ يَعْلَمُ بَعْضَ عِبَادِهِ بَعْضَ أَسْمَائِهِ وَلَكِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ مِنْ التِّسْعَةِ وَالتِّسْعِينَ.

وَقَدْ جَزَمَ بِالْحَصْرِ فِيمَا ذُكِرَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ فَقَالَ قَدْ صَحَّ أَنَّ أَسْمَاءَهُ تَعَالَى لَا تَزِيدُ عَلَى تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ شَيْئًا لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم مِائَةً إلَّا وَاحِدًا فَنَفَى الزِّيَادَةَ وَأَبْطَلَهَا، ثُمَّ قَالَ وَجَاءَتْ أَحَادِيثُ فِي إحْصَاءِ التِّسْعَةِ وَالتِّسْعِينَ اسْمًا مُضْطَرِبَةٌ لَا يَصِحُّ مِنْهَا شَيْءٌ أَصْلًا وَإِنَّمَا تُؤْخَذُ مِنْ نَصِّ الْقُرْآنِ وَمَا صَحَّ

ص: 554

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ سَرَدَ أَرْبَعَةً وَثَمَانِينَ اسْمًا اسْتَخْرَجَهَا مِنْ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَقَالَ الشَّارِحُ تَبَعًا لِكَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي التَّلْخِيصِ إنَّهُ ذَكَرَ ابْنُ حَزْمٍ أَحَدًا وَثَمَانِينَ اسْمًا وَاَلَّذِي رَأَيْنَاهُ فِي كَلَامِ ابْنِ حَزْمٍ أَرْبَعَةً وَثَمَانِينَ.

وَقَدْ نَقَلْنَا كَلَامَهُ وَتَعْيِينَ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي هَامِشِ التَّلْخِيصِ. وَاسْتَخْرَجَ الْمُصَنِّفُ مِنْ الْقُرْآنِ فَقَطْ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا وَسَرَدَهَا فِي التَّلْخِيصِ وَغَيْرِهِ، وَذَكَرَ السَّيِّدُ مُحَمَّدُ إبْرَاهِيمَ الْوَزِيرُ فِي إيثَارِ الْحَقِّ أَنَّهُ تَتَبَّعَهَا مِنْ الْقُرْآنِ فَبَلَغَتْ مِائَةً وَثَلَاثَةً وَسَبْعِينَ اسْمًا وَإِنْ قَالَ صَاحِبُ الْإِيثَارِ مِائَةً وَسَبْعَةً وَخَمْسِينَ فَإِنَّا عَدَدْنَاهَا فَوَجَدْنَاهَا كَمَا قُلْنَا أَوَّلًا وَعَرَفْت مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ مُرَادَهُ أَنَّ سَرْدَ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى الْمَعْرُوفَةَ مَدْرَجٌ عِنْد الْمُحَقِّقِينَ وَأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ كَلَامِهِ صلى الله عليه وسلم. وَذَهَبَ كَثِيرُونَ إلَى أَنَّ عَدَّهَا مَرْفُوعٌ، وَقَالَ الْمُصَنِّفُ بَعْدَ نَقْلِهِ كَلَامَ الْعُلَمَاءِ فِي ذِكْرِ عَدِّ الْأَسْمَاءِ وَالِاخْتِلَافِ فِيهَا مَا لَفْظُهُ، وَرِوَايَةُ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ شُعَيْبٍ هِيَ أَقْرَبُ الطُّرُقِ الْوَاضِحَةِ وَعَلَيْهَا عَوَّلَ غَالِبُ مَنْ شَرَحَ الْأَسْمَاءَ الْحُسْنَى ثُمَّ سَرَدَهَا عَلَى رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ.

وَذَكَرَ اخْتِلَافًا فِي بَعْضِ أَلْفَاظِهَا وَتَبْدِيلًا فِي إحْدَى الرِّوَايَاتِ لِلَّفْظِ بِلَفْظِ ثُمَّ قَالَ: وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَسْمَاءَ الْحُسْنَى عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: الْقِسْمُ الْأَوَّلُ الِاسْمُ الْعَلَمُ وَهُوَ اللَّهُ، وَالثَّانِي مَا يَدُلُّ عَلَى الصِّفَاتِ الثَّابِتَةِ لِلذَّاتِ كَالْعَلِيمِ وَالْقَدِيرِ وَالسَّمِيعِ وَالْبَصِيرِ، وَالثَّالِثُ مَا يَدُلُّ عَلَى إضَافَةِ أَمْرٍ إلَيْهِ كَالْخَالِقِ وَالرَّازِقِ، وَالرَّابِعُ مَا يَدُلُّ عَلَى سَلْبِ شَيْءٍ عَنْهُ كَالْعَلِيِّ وَالْقُدُّوسِ؛ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ أَيْضًا هَلْ هِيَ تَوْقِيفِيَّةٌ يَعْنِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَشْتَقَّ مِنْ الْأَفْعَالِ الثَّابِتَةِ لِلَّهِ تَعَالَى اسْمًا بَلْ لَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ إلَّا مَا وَرَدَ بِهِ نَصُّ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَقَالَ الْفَخْرُ الرَّازِيّ: الْمَشْهُورُ عَنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهَا تَوْقِيفِيَّةٌ. وَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ وَالْكَرَامِيَّةُ: إذَا دَلَّ الْعَقْلُ عَلَى أَنَّ مَعْنَى اللَّفْظِ ثَابِتٌ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى جَازَ إطْلَاقُهُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَالْغَزَالِيُّ: الْأَسْمَاءُ تَوْقِيفِيَّةٌ دُونَ الصِّفَاتِ، قَالَ الْغَزَالِيُّ: كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ لَنَا أَنْ نُسَمِّيَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بِاسْمٍ لَمْ يُسَمِّهِ بِهِ أَبُوهُ وَلَا أُمُّهُ وَلَا سَمَّى بِهِ نَفْسَهُ كَذَلِكَ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى. وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ تَعَالَى اسْمٌ أَوْ صِفَةٌ تُوهِمُ نَقْصًا فَلَا يُقَالُ مَاهِدٌ وَلَا زَارِعٌ وَلَا فَالِقٌ وَإِنْ جَاءَ فِي الْقُرْآنِ {فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ} - {أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ} - {فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى} وَلَا يُقَالُ مَاكِرٌ وَلَا بَنَّاءٌ وَإِنْ وَرَدَ {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ} - {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا} وَقَالَ الْقُشَيْرِيُّ: الْأَسْمَاءُ تُؤْخَذُ تَوْقِيفًا مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ فَكُلُّ اسْمٍ وَرَدَ فِيهَا وَجَبَ إطْلَاقُهُ فِي وَصْفِهِ وَمَا لَمْ يَرِدْ لَمْ يَجُزْ وَلَوْ صَحَّ مَعْنَاهُ.

وَقَدْ أَوْضَحْنَا هَذَا الْبَحْثَ فِي كِتَابِنَا إيقَاظِ الْفِكْرَةِ. وَقَوْلُهُ: " مَنْ أَحْصَاهَا " اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْإِحْصَاءِ فَقَالَ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ: مَعْنَاهُ حَفِظَهَا وَهُوَ الظَّاهِرُ فَإِنَّ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ مُفَسِّرَةٌ لِلْأُخْرَى، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:

أَحَدُهَا أَنْ يَعُدَّهَا حَتَّى يَسْتَوْفِيَهَا بِمَعْنَى أَنْ لَا يَقْتَصِرَ عَلَى بَعْضِهَا فَيَدْعُوَ اللَّهَ بِهَا كُلِّهَا وَيُثْنِيَ عَلَيْهِ بِجَمِيعِهَا فَيَسْتَوْعِبَ الْمَوْعُودَ عَلَيْهَا مِنْ الثَّوَابِ

ص: 555

1285 -

وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ صُنِعَ إلَيْهِ مَعْرُوفٌ فَقَالَ لِفَاعِلِهِ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا فَقَدْ أَبْلَغَ فِي الثَّنَاءِ» أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ

وَثَانِيهَا الْمُرَادُ بِالْإِحْصَاءِ الْإِطَاقَةُ وَالْمَعْنَى مَنْ أَطَاقَ الْقِيَامَ بِحَقِّ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ وَالْعَمَلَ بِمُقْتَضَاهَا وَهُوَ أَنْ يَعْتَبِرَ مَعَانِيَهَا فَيُلْزِمَ نَفْسَهُ بِمُوجِبِهَا فَإِذَا قَالَ الرَّزَّاقُ وَثِقَ بِالرِّزْقِ وَكَذَا سَائِرُ الْأَسْمَاءِ.

ثَالِثُهَا الْمُرَادُ بِهِ الْإِحَاطَةُ بِمَعَانِيهَا: وَقِيلَ أَحْصَاهَا عَمِلَ بِهَا فَإِذَا قَالَ: الْحَكِيمُ، سَلَّمَ لِجَمِيعِ أَوَامِرِهِ لِأَنَّ جَمِيعَهَا عَلَى مُقْتَضَى الْحِكْمَةِ وَإِذَا قَالَ: الْقُدُّوسُ، اسْتَحْضَرَ كَوْنَهُ مُقَدَّسًا مُنَزَّهًا مِنْ جَمِيعِ النَّقَائِصِ وَاخْتَارَهُ أَبُو الْوَفَاءِ ابْنُ عَقِيلٍ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: طَرِيقُ الْعَمَلِ بِهَا أَنَّ مَا كَانَ يَسُوغُ الِاقْتِدَاءُ بِهِ كَالرَّحِيمِ وَالْكَرِيمِ فَيُمَرِّنُ الْعَبْدُ نَفْسَهُ عَلَى أَنْ يَصِحَّ لَهُ الِاتِّصَافُ بِهَا، وَمَا كَانَ يَخْتَصُّ بِهِ نَفْسَهُ كَالْجَبَّارِ وَالْعَظِيمِ فَعَلَى الْعَبْدِ الْإِقْرَارُ بِهَا وَالْخُضُوعُ لَهَا وَعَدَمُ التَّحَلِّي بِصِفَةٍ مِنْهَا، وَمَا كَانَ فِيهِ مَعْنَى الْوَعْدِ يَقِفُ فِيهِ عِنْدَ الطَّمَعِ وَالرَّغْبَةِ، وَمَا كَانَ فِيهِ مَعْنَى الْوَعِيدِ يَقِفُ مِنْهُ عِنْدَ الْخَشْيَةِ وَالرَّهْبَةِ وَيُؤَيِّدُ هَذَا أَنَّ حِفْظَهَا لَفْظًا مِنْ دُونِ عَمَلٍ وَاتِّصَافٍ كَحِفْظِ الْقُرْآنِ مِنْ دُونِ عَمَلٍ لَا يَنْفَعُ كَمَا جَاءَ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ وَلَكِنَّ هَذَا الَّذِي ذَكَرْته لَا يَمْنَعُ مِنْ ثَوَابِ مَنْ قَرَأَهَا سَرْدًا وَإِنْ كَانَ مُتَلَبِّسًا بِمَعْصِيَةٍ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مَقَامَ الْكَمَالِ الَّذِي لَا يَقُومُ بِهِ إلَّا أَفْرَادٌ مِنْ الرِّجَالِ وَفِيهِ أَقْوَالٌ أُخَرُ لَا تَخْلُو مِنْ تَكَلُّفٍ تَرَكْنَاهَا (فَإِنْ قُلْت) كَيْفَ يَتِمُّ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ حِفْظِهَا عَلَى مَا هُوَ قَوْلُ جَمْعٍ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ وَلَمْ يَأْتِ بِعَدَدِهَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ (قُلْت) لَعَلَّ الْمُرَادَ مَنْ حَفِظَ كُلَّ مَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ وَفِي السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ وَإِنْ كَانَ الْمَوْجُودُ فِيهِمَا أَكْثَرَ مِنْ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ فَقَدْ حَفِظَ التِّسْعَةَ وَالتِّسْعِينَ فِي ضِمْنِهَا فَيَكُون حَثًّا عَلَى تَطَلُّبِهَا مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ وَحِفْظِهَا.

(وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ صُنِعَ إلَيْهِ مَعْرُوفٌ فَقَالَ لِفَاعِلِهِ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا فَقَدْ أَبْلَغَ فِي الثَّنَاءِ». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ) الْمَعْرُوفُ الْإِحْسَانُ وَالْمُرَادُ مَنْ أَحْسَنَ إلَيْهِ إنْسَانٌ بِأَيِّ إحْسَانٍ فَكَافَأَهُ بِهَذَا الْقَوْلِ

ص: 556

1286 -

وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ «عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ نَهَى عَنْ النَّذْرِ. وَقَالَ: إنَّهُ لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنْ الْبَخِيلِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

فَقَدْ بَلَغَ فِي الثَّنَاءِ عَلَيْهِ مَبْلَغًا عَظِيمًا وَلَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَدْ كَافَأَهُ عَلَى إحْسَانِهِ بَلْ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي الثَّنَاءُ عَلَى الْمُحْسِنِ وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ «إنَّ الدُّعَاءَ إذَا عَجَزَ الْعَبْدُ عَنْ الْمُكَافَأَةِ مُكَافَأَةٌ» وَلَا يَخْفَى أَنَّ ذِكْرَ الْحَدِيثِ هُنَا غَيْرُ مُوَافِقٍ لِبَابِ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ وَإِنَّمَا مَحَلُّهُ بَابُ الْأَدَبِ الْجَامِعِ.

(وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما «عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ نَهَى عَنْ النَّذْرِ وَقَالَ إنَّهُ لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنْ الْبَخِيلِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) هَذَا أَوَّلُ الْكَلَامِ فِي النَّذْرِ. وَالنُّذُورُ لُغَةً: الْتِزَامُ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ، وَفِي الشَّرْعِ: الْتِزَامُ الْمُكَلَّفِ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ مُنَجَّزًا أَوْ مُعَلَّقًا. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا النَّهْيِ، فَقِيلَ هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَقِيلَ بَلْ مُتَأَوَّلٌ قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ: تَكَرُّرُ النَّهْيِ عَنْ النُّذُورِ فِي الْحَدِيثِ وَهُوَ تَأْكِيدٌ لِأَمْرٍ وَتَحْذِيرٌ عَنْ التَّهَاوُنِ بِهِ بَعْدَ إيجَابِهِ وَلَوْ كَانَ مَعْنَاهُ الزَّجْرُ عَنْهُ حَتَّى لَا يَفْعَلُ لَكَانَ فِي ذَلِكَ إبْطَالٌ لِحُكْمِهِ وَإِسْقَاطٌ لِلُّزُومِ الْوَفَاءِ بِهِ، إذَا كَانَ بِالنَّهْيِ يَصِيرُ مَعْصِيَةً فَلَا يَلْزَمُ وَإِنَّمَا وَجْهُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ قَدْ أَعْلَمَهُمْ أَنَّ ذَلِكَ الْأَمْرَ لَا يَجُرُّ لَهُمْ فِي الْعَاجِلِ نَفْعًا.

وَلَا يَصْرِفُ عَنْهُمْ ضُرًّا وَلَا يَرُدُّ قَضَاءً، فَقَالَ: لَا تَنْذِرُوا عَلَى أَنَّكُمْ تُدْرِكُونَ بِالنَّذْرِ شَيْئًا لَمْ يُقَدِّرْهُ اللَّهُ تَعَالَى لَكُمْ أَوْ تَصْرِفُونَ بِهِ عَنْكُمْ مَا قَدَّرَ عَلَيْكُمْ فَإِذَا نَذَرْتُمْ وَلَمْ تَعْتَقِدُوا هَذَا فَأَخْرِجُوا عَنْهُ بِالْوَفَاءِ فَإِنَّ الَّذِي نَذَرْتُمُوهُ لَازِمٌ لَكُمْ اهـ وَقَالَ الْمَازِرِيُّ بَعْدَ نَقْلِ مَعْنَاهُ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ. وَهَذَا عِنْدِي بَعِيدٌ عَنْ ظَاهِرِ الْحَدِيثِ. قَالَ: وَيُحْتَمَلُ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ وَجْهُ الْحَدِيثِ أَنَّ النَّاذِرَ يَأْتِي بِالْقُرْبَةِ مُسْتَثْقِلًا لَهَا لَمَّا صَارَتْ عَلَيْهِ ضَرْبَةَ لَازِبٍ فَلَا يَنْشَطُ لِلْفِعْلِ نَشَاطَ مُطْلَقِ الِاخْتِيَارِ أَوْ لِأَنَّ النَّاذِرَ يُصَيِّرُ الْقُرْبَةَ كَالْعِوَضِ عَنْ الَّذِي نَذَرَ لِأَجْلِهِ فَلَا تَكُونُ خَالِصَةً وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ " إنَّهُ لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ " وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: إنَّ الْمَعْنَى أَنَّهُ يُغَالِبُ الْقَدَرَ وَالنَّهْيَ لِخَشْيَةِ أَنْ يَقَعَ فِي ظَنِّ بَعْضِ الْجَهَلَةِ ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ (لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ) مَعْنَاهُ أَنَّ عُقْبَاهُ لَا تُحْمَدُ. وَقَدْ يَتَعَذَّرُ الْوَفَاءُ بِهِ وَأَنَّهُ لَا يَكُونُ سَبَبًا لِخَيْرٍ لَمْ يُقَدَّرْ فَيَكُونُ مُبَاحًا.

وَذَهَبَ أَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ - وَنُقِلَ عَنْ الْمَالِكِيَّةِ - إلَى أَنَّ النَّذْرَ مَكْرُوهٌ لِثُبُوتِ النَّهْيِ عَنْهُ. وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ لَيْسَ طَاعَةً مَحْضَةً لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ خَالِصَ الْقُرْبَةِ وَإِنَّمَا قَصَدَ أَنْ يَنْفَعَ نَفْسَهُ أَوْ يَدْفَعَ عَنْهَا ضَرَرًا بِمَا الْتَزَمَ. وَجَزَمَ الْحَنَابِلَةُ بِالْكَرَاهِيَةِ، وَعِنْدَهُمْ رِوَايَةٌ أَنَّهَا كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ وَنَقَلَ التِّرْمِذِيُّ كَرَاهَتَهُ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ الصَّحَابَةِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: يُكْرَهُ

ص: 557

1287 -

وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ‌

‌«كَفَّارَةُ النَّذْرِ

كَفَّارَةُ يَمِينٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَزَادَ التِّرْمِذِيُّ فِيهِ " إذَا لَمْ يُسَمِّهِ وَصَحَّحَهُ.

النَّذْرُ فِي الطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ فَإِنْ نَذَرَ بِالطَّاعَةِ وَوَفَّى بِهِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ. وَذَهَبَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ إلَى أَنَّ النَّذْرَ مُسْتَحَبٌّ، وَقَالَ الْمُصَنِّفُ وَأَنَا أَتَعَجَّبُ مِمَّنْ أَطْلَقَ لِسَانَهُ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ مَعَ ثُبُوتِ النَّهْيِ الصَّرِيحِ فَأَقَلُّ دَرَجَاتِهِ أَنْ يَكُونَ مَكْرُوهًا.

قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: النَّذْرُ شَبِيهٌ بِالدُّعَاءِ فَإِنَّهُ لَا يَرُدُّ الْقَدَرَ لَكِنَّهُ مِنْ الْقَدَرِ وَقَدْ نَدَبَ إلَى الدُّعَاءِ وَنَهَى عَنْ النَّذْرِ لِأَنَّ الدُّعَاءَ عِبَادَةٌ عَاجِلَةٌ وَيَظْهَرُ بِهِ التَّوَجُّهُ إلَى اللَّهِ وَالْخُضُوعُ وَالتَّضَرُّعُ وَالنَّذْرُ فِيهِ تَأْخِيرُ الْعِبَادَةِ إلَى حِينِ الْحُصُولِ، وَتَرْكُ الْعَمَلِ إلَى حِينِ الضَّرُورَةِ اهـ.

(قُلْت) الْقَوْلُ بِتَحْرِيمِ النَّذْرِ هُوَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ وَيَزِيدُهُ تَأْكِيدًا تَعْلِيلُهُ بِأَنَّهُ لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ فَإِنَّهُ يَصِيرُ إخْرَاجُ الْمَالِ فِيهِ مِنْ بَابِ إضَاعَةِ الْمَالِ وَإِضَاعَةُ الْمَالِ مُحَرَّمَةٌ فَيَحْرُمُ النَّذْرُ بِالْمَالِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ " وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنْ الْبَخِيلِ " وَأَمَّا النَّذْرُ بِالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَنَحْوِهَا مِنْ الطَّاعَاتِ فَلَا تَدْخُلُ فِي النَّهْيِ.

وَيَدُلُّ لَهُ مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْله تَعَالَى: {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ} قَالَ: كَانُوا يَنْذِرُونَ طَاعَاتٍ مِنْ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَسَائِرِ مَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَهُوَ وَإِنْ كَانَ أَثَرًا فَهُوَ يُقَوِّيهِ مَا ذُكِرَ فِي سَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ. هَذَا وَأَمَّا النُّذُورُ الْمَعْرُوفَةُ فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ عَلَى الْقُبُورِ وَالْمَشَاهِدِ وَالْأَمْوَاتِ فَلَا كَلَامَ فِي تَحْرِيمِهَا لِأَنَّ النَّاذِرَ يَعْتَقِدُ فِي صَاحِبِ الْقَبْرِ أَنَّهُ يَنْفَعُ وَيَضُرُّ، وَيَجْلِبُ الْخَيْرَ وَيَدْفَعُ الشَّرَّ، وَيُعَافِي الْأَلِيمَ، وَيَشْفِي السَّقِيمَ.

وَهَذَا هُوَ الَّذِي كَانَ يَفْعَلُهُ عِبَادُ الْأَوْثَانِ بِعَيْنِهِ فَيَحْرُمُ كَمَا يَحْرُمُ النَّذْرُ عَلَى الْوَثَنِ وَيَحْرُمُ قَبْضُهُ لِأَنَّهُ تَقْرِيرٌ عَلَى الشِّرْكِ، وَيَجِبُ النَّهْيُ عَنْهُ وَإِبَانَةُ أَنَّهُ مِنْ أَعْظَمِ الْمُحَرَّمَاتِ وَأَنَّهُ الَّذِي كَانَ يَفْعَلُهُ عُبَّادُ الْأَصْنَامِ، لَكِنْ طَالَ الْأَمَدُ حَتَّى صَارَ الْمَعْرُوفُ مُنْكَرًا وَالْمُنْكَرُ مَعْرُوفًا وَصَارَتْ تُعْقَدُ اللِّوَاءَاتُ لِقِبَاضِ النُّذُورِ عَلَى الْأَمْوَاتِ، وَيُجْعَلُ لِلْقَادِمِينَ إلَى مَحَلِّ الْمَيِّتِ الضِّيَافَاتُ وَيُنْحَرُ فِي بَابِهِ النَّحَائِرُ مِنْ الْأَنْعَامِ، وَهَذَا هُوَ بِعَيْنِهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ عُبَّادُ الْأَصْنَامِ فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ. وَقَدْ أَشْبَعْنَا الْكَلَامَ فِي هَذَا فِي رِسَالَةِ تَطْهِيرِ الِاعْتِقَادِ عَنْ دَرَنِ الْإِلْحَادِ وَالْحَدِيثُ ظَاهِرٌ فِي النَّهْيِ عَنْ النَّذْرِ مُطْلَقًا مَا يُنْذَرُ بِهِ ابْتِدَاءً كَمَنْ يَنْذِرُ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ مَالِهِ كَذَا - وَمَا يَتَقَرَّبُ بِهِ مُعَلَّقًا كَأَنْ يَقُولُ إنْ قَدِمَ زَيْدٌ تَصَدَّقْت بِكَذَا.

(وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَزَادَ التِّرْمِذِيُّ فِيهِ إذَا لَمْ يُسَمِّهِ وَصَحَّحَهُ) الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ مَنْ نَذَرَ بِأَيِّ نَذْرٍ مِنْ مَالٍ أَوْ غَيْرِهِ فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ وَلَا يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ

ص: 558

1288 -

وَلِأَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما مَرْفُوعًا: «مَنْ نَذَرَ

جَمَاعَةٌ مِنْ فُقَهَاءِ أَهْلِ الْحَدِيثِ كَمَا قَالَ النَّوَوِيُّ: وَقَدْ أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها " فِي رَجُلٍ جَعَلَ مَالَهُ فِي الْمَسَاكِينِ صَدَقَةً قَالَتْ كَفَّارَةُ يَمِينٍ " وَأَخْرَجَ أَيْضًا وَعَنْ أُمِّ صَفِيَّةَ أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ رضي الله عنها وَإِنْسَانٌ يَسْأَلُهَا عَنْ الَّذِي يَقُولُ: كُلُّ مَالِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ كُلُّ مَالِهِ فِي رِتَاجِ الْكَعْبَةِ مَا يُكَفِّرُ ذَلِكَ؟ قَالَتْ عَائِشَةُ: " يُكَفِّرهُ مَا يُكَفِّرُ الْيَمِينَ ".

وَكَذَا أَخْرَجَهُ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عُمَرَ وَأُمِّ سَلَمَةَ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: هَذَا فِي غَيْرِ الْعِتْقِ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَنَّ الْعَتَاقَ يَقَعُ، وَكَذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَدَلِيلُهُمْ حَدِيثُ عُقْبَةَ هَذَا. وَذَهَبَ آخَرُونَ إلَى تَفْصِيلٍ فِي الْمَنْذُورِ بِهِ، فَإِنْ كَانَ الْمَنْذُورُ بِهِ فِعْلًا فَالْفِعْلُ إنْ كَانَ غَيْرَ مَقْدُورٍ فَهُوَ مُنْعَقِدٌ، وَإِنْ كَانَ مَقْدُورًا فَإِنْ كَانَ جِنْسُهُ وَاجِبًا لَزِمَ الْوَفَاءُ بِهِ عِنْدَ الْهَادَوِيَّةِ وَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَجَمَاعَةٍ آخَرِينَ، وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ إنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ النَّذْرُ الْمُطْلَقُ بَلْ يَكُونُ يَمِينًا فَيُكَفِّرُهَا، ذُكِرَ هَذَا الْخِلَافُ فِي الْبَحْرِ وَذَهَبَ دَاوُد وَأَهْلُ الظَّاهِرِ.

وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى صِحَّةِ النَّذْرِ وَوُجُوبِ الْوَفَاءِ بِهِ إذَا كَانَ الْمُلْتَزَمُ طَاعَةً فَإِنْ كَانَ مَعْصِيَةً أَوْ مُبَاحًا كَدُخُولِ السُّوقِ لَمْ يَنْعَقِدْ النَّذْرُ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ عِنْدَنَا وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ. وَقَالَ أَحْمَدُ وَطَائِفَةٌ فِيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ. وَقَالَ فِي نِهَايَةِ الْمُجْتَهِدِ: إنَّهُ وَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَى لُزُومِ النَّذْرِ بِالْمَالِ إذَا كَانَ فِي سَبِيلِ الْبِرِّ وَكَانَ عَلَى جِهَةِ الْجَزْمِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى جِهَةِ الشَّرْطِ فَقَالَ مَالِكٌ: يَلْزَمُ كَالْجَزْمِ وَلَا كَفَّارَةَ يَمِينٍ فِي ذَلِكَ، إلَّا أَنَّهُ إذَا نَذَرَ بِجَمِيعِ مَالِهِ لَزِمَ ثُلُثُ مَالِهِ إذَا كَانَ مُطْلَقًا وَإِنْ كَانَ مُعَيِّنًا الْمَنْذُورَ بِهِ لَزِمَهُ وَإِنْ كَانَ جَمِيعَ مَالِهِ.

وَكَذَا إذَا كَانَ الْمُعَيَّنُ أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إلَى أَنَّهَا تَجِبُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ لِأَنَّهُ أَلْحَقَهَا بِالْأَيْمَانِ، ثُمَّ ذَكَرَ أَقَاوِيلَ فِي الْمَسْأَلَةِ لَا يَنْهَضُ عَلَيْهَا دَلِيلٌ، وَذَكَرَ مُتَمَسَّكَ الْقَائِلِينَ بِأَدِلَّةِ لَيْسَتْ مِنْ بَابِ النَّذْرِ وَلَا تَنْطَبِقُ عَلَى الْمُدَّعِي. وَحَدِيثُ عُقْبَةَ أَحْسَنُ مَا يَعْتَمِدُ النَّاظِرُ عَلَيْهِ، وَقَدْ حَمَلَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْحَدِيثِ عَلَى جَمِيعِ أَنْوَاعِ النَّذْرِ، وَقَالُوا هُوَ مُخَيَّرٌ فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْمَنْذُورَاتِ بَيْنَ الْوَفَاءِ بِمَا الْتَزَمَ وَبَيْنَ كَفَّارَةِ يَمِينٍ ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَهُوَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ إطْلَاقُ حَدِيثِ عُقْبَةَ. .

ص: 559

نَذْرًا لَمْ يُسَمِّ فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا فِي مَعْصِيَةٍ فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَا يُطِيقُهُ فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، إلَّا أَنَّ الْحُفَّاظَ رَجَّحُوا وَقْفَهُ.

1289 -

وَلِلْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ رضي الله عنها: «وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ» .

1290 -

(وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ «لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةٍ» .

1291 -

وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: «نَذَرَتْ أُخْتِي أَنْ تَمْشِيَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ حَافِيَةً، فَأَمَرَتْنِي أَنْ أَسْتَفْتِيَ لَهَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَاسْتَفْتَيْتُهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: لِتَمْشِ وَلْتَرْكَبْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.

(وَلِأَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما مَرْفُوعًا، «مَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَمْ يُسَمِّ فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا فِي مَعْصِيَةٍ فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَا يُطِيقُهُ فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ». وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ لَكِنْ رَجَّحَ الْحُفَّاظُ وَقْفَهُ) أَمَّا النَّذْرُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ كَأَنْ يَقُولَ لِلَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ. فَقَالَ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ كَفَّارَةُ يَمِينٍ لَا غَيْرُ وَعَلَيْهِ دَلَّ حَدِيثُ عُقْبَةَ وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَأَمَّا النَّذْرُ بِالْمَعْصِيَةِ فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْحَدِيثُ سَوَاءٌ فَعَلَ الْمَعْصِيَةَ أَمْ لَا، وَكَذَلِكَ مَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَا يُطِيقُهُ عَقْلًا وَلَا شَرْعًا كَطُلُوعِ السَّمَاءِ وَحَجَّتَيْنِ فِي عَامٍ لَا يَنْعَقِدُ وَتَلْزَمُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَبُو دَاوُد وَجَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ لَا تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ الْآتِي وَهُوَ قَوْلُهُ

(وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ «مَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ» وَلَمْ يَذْكُرْ كَفَّارَةً وَحَدِيثُ عُمَرَ «لَا يَمِينَ عَلَيْك وَلَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ» أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَذَهَبَتْ الْهَادَوِيَّةُ وَابْنُ حَنْبَلٍ إلَى وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما. وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ. وَأَمَّا الزِّيَادَةُ فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ " وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ " فَقَدْ أَخْرَجَهَا النَّسَائِيّ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ وَلَكِنَّ فِيهِ مُحَمَّدَ بْنَ الزُّبَيْرِ الْحَنْظَلِيَّ وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ وَلَهُ طُرُقٌ أُخْرَى فِيهَا عِلَّةٌ وَرَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَفِيهِ رَاوٍ مَتْرُوكٌ وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَفِيهِ أَيْضًا مَتْرُوكٌ. وَلَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِنَذْرِ الْمَعْصِيَةِ لِقَوْلِهِ: (فَلَا يَعْصِهِ) وَلِمَا يُفِيدُهُ قَوْلُهُ.

- (وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ «لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةٍ» فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي النَّهْيِ عَنْ الْوَفَاءِ كَاَلَّذِي قَبْلَهُ.

ص: 560

وَلِأَحْمَدَ وَالْأَرْبَعَةِ: فَقَالَ: «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَصْنَعُ بِشَقَاءِ أُخْتِك شَيْئًا، مُرْهَا فَلْتَخْتَمِرْ، وَلْتَرْكَبْ، وَلْتَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ» .

1292 -

وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: «اسْتَفْتَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي نَذْرٍ كَانَ عَلَى أُمِّهِ تُوُفِّيَتْ قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَهُ. فَقَالَ: اقْضِهِ عَنْهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

(وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: «نَذَرَتْ أُخْتِي أَنْ تَمْشِيَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ حَافِيَةً فَأَمَرَتْنِي أَنْ أَسْتَفْتِيَ لَهَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَاسْتَفْتَيْته فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: لِتَمْشِ وَلْتَرْكَبْ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ: وَلِأَحْمَدَ وَالْأَرْبَعَةُ فَقَالَ: «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَصْنَعُ بِشَقَاءِ أُخْتِك شَيْئًا مُرْهَا فَلْتَخْتَمِرْ وَلْتَرْكَبْ وَلْتَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ» دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ مَنْ نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ لَا يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ وَلَهُ أَنْ يَرْكَبَ لِغَيْرِ عَجْزٍ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ. وَذَهَبَتْ الْهَادَوِيَّةُ إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الرُّكُوبُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمَشْيِ فَإِذَا عَجَزَ جَازَ لَهُ الرُّكُوبُ وَلَزِمَهُ دَمٌ مُسْتَدِلِّينَ بِرِوَايَةِ أَبِي دَاوُد لِحَدِيثِ «عُقْبَةَ بِأَنَّهُ قَالَ فِيهِ إنَّ أُخْتِي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ مَاشِيَةً وَإِنَّهَا لَا تُطِيقُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَغَنِيٌّ عَنْ مَشْيِ أُخْتِك فَلْتَرْكَبْ وَلْتُهْدِ بَدَنَةً» قَالُوا فَتَقْيِيدُ رِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ بِأَنَّ الْمُرَادَ وَلْتَمْشِ إنْ اسْتَطَاعَتْ وَتَرْكَبْ فِي الْوَقْتِ الَّذِي لَا تُطِيقُ الْمَشْيَ فِيهِ أَوْ يَشُقُّ عَلَيْهَا وَقَوْلُهُ (فَلْتَخْتَمِرْ) ذَكَرَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ وَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ «أَنَّهَا نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ لِلَّهِ مَاشِيَةً غَيْرَ مُخْتَمِرَةٍ قَالَ فَذَكَرْت ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: مُرْهَا - الْحَدِيثَ» وَلَعَلَّ الْأَمْرَ بِصِيَامِ ثَلَاثِهِ أَيَّامٍ لِأَجْلِ النَّذْرِ بِعَدَمِ الِاخْتِمَارِ فَإِنَّهُ نَذْرٌ بِمَعْصِيَةٍ فَوَجَبَ كَفَّارَةُ يَمِينٍ وَهُوَ مِنْ أَدِلَّةِ مَنْ يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ فِي النَّذْرِ بِمَعْصِيَةٍ إلَّا أَنَّهُ ذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ أَنَّ فِي إسْنَادِهِ اخْتِلَافًا وَقَدْ ثَبَتَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ بَعْدَ قَوْلِهِ: فَلْتَرْكَبْ " وَلْتُهْدِ بَدَنَةً " قَالَ وَهُوَ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، إلَّا أَنَّهُ قَالَ الْبُخَارِيُّ: لَا يَصِحُّ فِي حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْأَمْرُ بِالْإِهْدَاءِ فَإِنْ صَحَّ فَكَأَنَّهُ أَمْرُ نَدْبٍ وَفِي وَجْهِهِ خَفَاءٌ.

(وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: «اسْتَفْتَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فِي نَذْرٍ كَانَ عَلَى أُمِّهِ تُوُفِّيَتْ قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَهُ فَقَالَ: اقْضِهِ عَنْهَا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) لَمْ يُبَيِّنْ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ مَا هُوَ النَّذْرُ وَجَاءَ فِي رِوَايَةٍ «أَفَيُجْزِئُ أَنْ أُعْتِقَ عَنْهَا فَقَالَ أَعْتِقْ عَنْ أُمِّك» فَظَاهِرُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّهَا نَذَرَتْ بِعِتْقِ وَأَمَّا مَا أَخْرَجَ النَّسَائِيّ «عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ قَالَ: قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أُمِّي مَاتَتْ أَفَأَتَصَدَّقُ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْت: فَأَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: سَقْيُ الْمَاءِ» فَإِنَّهُ فِي أَمْرٍ آخَرَ غَيْرِ الْفُتْيَا إذْ هَذَا فِي سُؤَالِهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ الصَّدَقَةِ تَبَرُّعًا عَنْهَا وَالْحَدِيثُ

ص: 561

1293 -

وَعَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ رضي الله عنه قَالَ: «نَذَرَ رَجُلٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَنْحَرَ إبِلًا بِبُوَانَةَ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَسَأَلَهُ. فَقَالَ: هَلْ كَانَ فِيهَا. وَثَنٌ يُعْبَدُ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَهَلْ كَانَ فِيهَا عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟ فَقَالَ: لَا، قَالَ: أَوْفِ بِنَذْرِك، فَإِنَّهُ لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَلَا فِي قَطِيعَةِ رَحِمٍ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالطَّبَرَانِيُّ، وَاللَّفْظُ لَهُ، وَهُوَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ - وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ كَرْدَمٍ عِنْدَ أَحْمَدَ.

دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَلْحَقُ الْمَيِّتَ مَا فُعِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ عِتْقٍ وَصَدَقَةٍ أَوْ نَحْوِهِمَا وَقَدْ قَدَّمْنَا ذَلِكَ فِي آخِرِ كِتَابِ الْجَنَائِزِ. وَهَلْ يَجِبُ ذَلِكَ عَلَى الْوَارِثِ؟ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْوَارِثِ أَنْ يَقْضِيَ النَّذْرَ عَنْ الْمَيِّتِ إذَا كَانَ مَالِيًّا وَلَمْ يَخْلُفْ تَرِكَةً وَكَذَا غَيْرُ الْمَالِيِّ وَقَالَتْ الظَّاهِرِيَّةُ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ لِحَدِيثِ سَعْدٍ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ حَدِيثَ سَعْدٍ لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى الْوُجُوبِ، وَالظَّاهِرُ مَعَ الظَّاهِرِيَّةِ إذْ الْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ. .

(وَعَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ) هُوَ ثَابِتُ بْنُ الضَّحَّاكِ الْأَشْهَلِيُّ. قَالَ الْبُخَارِيُّ هُوَ مِمَّنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ حَدَّثَ عَنْهُ أَبُو قِلَابَةَ وَغَيْرُهُ (قَالَ: «نَذَرَ رَجُلٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَنْحَرَ إبِلًا بِبُوَانَةَ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَفَتْحِهَا وَبَعْدَهَا وَاوٌ ثُمَّ أَلِفٌ بَعْدَ الْأَلِفِ نُونٌ: مَوْضِعٌ بِالشَّامِ وَقِيلَ أَسْفَلَ مَكَّةَ دُونَ يَلَمْلَمَ فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَسَأَلَهُ فَقَالَ: هَلْ كَانَ فِيهَا وَثَنٌ يُعْبَدُ قَالَ: لَا قَالَ: فَهَلْ كَانَ فِيهَا عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ فَقَالَ: لَا فَقَالَ: أَوْفِ بِنَذْرِك فَإِنَّهُ لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا فِي قَطِيعَةِ رَحِمٍ وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالطَّبَرَانِيُّ وَاللَّفْظُ لَهُ وَهُوَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ كَرْدَمٍ) بِفَتْحِ الْكَافِّ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ (عِنْدَ أَحْمَدَ) وَالْحَدِيثُ لَهُ سَبَبٌ عِنْدَ أَبِي دَاوُد وَهُوَ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «إنِّي نَذَرْت إنْ وُلِدَ لِي وَلَدٌ ذَكَرٌ أَنْ أَذْبَحَ عَلَى رَأْسِ بُوَانَةَ - فِي عَقَبَةٍ مِنْ الصَّاعِدَةِ - عَنْهُ - الْحَدِيثَ» وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ وَيَأْتِيَ بِقُرْبَةٍ فِي مَحَلٍّ مُعَيَّنٍ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِنَذْرِهِ مَا لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ شَيْءٌ مِنْ أَعْمَالِ الْجَاهِلِيَّةِ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْهَادَوِيَّةِ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ إنَّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَجَازَهُ غَيْرُهُ لِغَيْرِ أَهْلِ ذَلِكَ الْمَكَانِ اهـ. وَلَكِنَّهُ يُعَارِضُهُ حَدِيثُ (لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ) فَيَكُونُ قَرِينَةً

ص: 562

1294 -

وَعَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أَنَّ رَجُلًا قَالَ يَوْمَ الْفَتْحِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي نَذَرْت إنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْك مَكَّةَ أَنْ أُصَلِّيَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَقَالَ: صَلِّ هَاهُنَا فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: صَلِّ هَاهُنَا فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: فَشَأْنُك إذَنْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ

1295 -

وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثِهِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الْأَقْصَى وَمَسْجِدِي هَذَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ.

عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ هُنَا لِلنَّدْبِ كَذَا قِيلَ وَيَدُلُّ لَهُ أَيْضًا قَوْلُهُ: (وَعَنْ جَابِرٍ «أَنَّ رَجُلًا قَالَ يَوْمَ الْفَتْحِ أَيْ فَتْحِ مَكَّةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي نَذَرْت إنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْك مَكَّةَ أَنْ أُصَلِّيَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَقَالَ صَلِّ هَاهُنَا فَسَأَلَهُ فَقَالَ صَلِّ هَاهُنَا فَسَأَلَهُ فَقَالَ فَشَأْنُكَ إذَنْ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ) وَصَحَّحَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي الِاقْتِرَاحِ وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ الْمَكَانُ فِي النَّذْرِ - وَإِنْ عُيِّنَ - إلَّا نَدْبًا.

(وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثِهِ مَسَاجِدَ، مَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الْأَقْصَى، وَمَسْجِدِي هَذَا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ) تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ فِي آخِرِ بَابِ الِاعْتِكَافِ وَلَعَلَّهُ أَوْرَدَهُ هُنَا لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّ النَّذْرَ لَا يَتَعَيَّنُ فِيهِ الْمَكَانُ إلَّا لِأَحَدِ الثَّلَاثَةِ الْمَسَاجِدِ. وَقَدْ ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ إلَى لُزُومِ الْوَفَاءِ بِالنَّذْرِ بِالصَّلَاةِ فِي أَيِّ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ وَخَالَفَهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ فَقَالَ: لَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ، وَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي أَيِّ مَحَلٍّ شَاءَ، وَإِنَّمَا يَجِبُ عِنْدَهُ الْمَشْيُ إلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إذَا كَانَ لِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ وَأَمَّا غَيْرُ الثَّلَاثَةِ الْمَسَاجِدِ فَذَهَبَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ إلَى عَدَمِ لُزُومِ الْوَفَاءِ لَوْ نَذَرَ بِالصَّلَاةِ فِيهَا إلَّا نَدْبًا، وَأَمَّا شَدَّ الرِّحَالِ لِلذَّهَابِ إلَى قُبُورِ الصَّالِحِينَ، وَالْمَوَاضِعِ الْفَاضِلَةِ فَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ إنَّهُ حَرَامٌ وَهُوَ الَّذِي أَشَارَ الْقَاضِي عِيَاضٌ إلَى اخْتِيَارِهِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَالصَّحِيحُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْمُحَقِّقُونَ - أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ وَلَا يُكْرَهُ. قَالُوا وَالْمُرَادُ أَنَّ الْفَضِيلَةَ التَّامَّةَ إنَّمَا هِيَ فِي شَدِّ الرِّحَالِ إلَى الثَّلَاثَةِ خَاصَّةً وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا فِي آخِرِ بَابِ الِاعْتِكَافِ. .

ص: 563

1296 -

«وَعَنْ عُمَرَ قَالَ: قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي نَذَرْت فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. قَالَ: أَوْفِ بِنَذْرِك» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَزَادَ الْبُخَارِيُّ فِي رِوَايَةٍ: فَاعْتَكَفَ لَيْلَةً.

‌كِتَابُ الْقَضَاءِ

1297 -

عَنْ بُرَيْدَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ: اثْنَانِ فِي النَّارِ، وَوَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ، رَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ، وَرَجُلٌ

«وَعَنْ عُمَرَ رضي الله عنه قَالَ: قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي نَذَرْت فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ قَالَ فَأَوْفِ بِنَذْرِك» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَزَادَ الْبُخَارِيُّ فِي رِوَايَةٍ فَاعْتَكَفَ لَيْلَةً) دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْكَافِرِ الْوَفَاءُ بِمَا نَذَرَ بِهِ إذَا أَسْلَمَ. وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْبُخَارِيُّ وَابْنُ جَرِيرٍ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ لِهَذَا الْحَدِيثِ وَذَهَبَ الْجَمَاهِيرُ إلَى أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ النَّذْرُ مِنْ الْكَافِرِ. قَالَ الطَّحَاوِيُّ: لَا يَصِحُّ مِنْهُ التَّقَرُّبُ بِالْعِبَادَةِ، قَالَ وَلَكِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَهِمَ مِنْ عُمَرَ أَنَّهُ سَمَحَ بِفِعْلِ مَا كَانَ نَذَرَ فَأَمَرَهُ بِهِ لِأَنَّ فِعْلَهُ طَاعَةٌ وَلَيْسَ هُوَ مَا كَانَ نَذَرَ بِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. وَذَهَبَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ إلَى أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم إنَّمَا أَمَرَ بِهِ اسْتِحْبَابًا وَإِنْ كَانَ الْتِزَامُهُ فِي حَالٍ لَا يَنْعَقِدُ فِيهَا. وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ أَوْفَقُ بِالْحَدِيثِ وَالتَّأْوِيلُ تَعَسُّفٌ. وَقَدْ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الِاعْتِكَافَ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الصَّوْمُ إذْ اللَّيْلُ لَيْسَ ظَرْفًا لَهُ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ فِي رِوَايَةٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَقَدْ وَرَدَ ذِكْرُ الصَّوْمِ صَرِيحًا فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ " اعْتَكِفْ وَصُمْ " وَهُوَ ضَعِيفٌ. .

ص: 564

عَرَفَ الْحَقَّ فَلَمْ يَقْضِ بِهِ وَجَارَ فِي الْحُكْمِ فَهُوَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ لَمْ يَعْرِفْ الْحَقَّ فَقَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ فِي النَّارِ» رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.

(كِتَابُ الْقَضَاءِ) الْقَضَاءُ بِالْمَدِّ الْوِلَايَةُ الْمَعْرُوفَةُ وَهُوَ فِي اللُّغَةِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ إحْكَامِ الشَّيْءِ وَالْفَرَاغِ مِنْهُ. وَمِنْهُ {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} وَبِمَعْنَى إمْضَاءِ الْأَمْرِ، وَمِنْهُ {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ} وَبِمَعْنَى الْحَتْمِ وَالْإِلْزَامِ وَمِنْهُ {وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ} وَفِي الشَّرْعِ إلْزَامُ ذِي الْوِلَايَةِ بَعْدَ التَّرَافُعِ، وَقِيلَ هُوَ الْإِكْرَاهُ بِحُكْمِ الشَّرْعِ فِي الْوَقَائِعِ الْخَاصَّةِ لِمُعَيِّنٍ أَوْ جِهَةٍ وَالْمُرَادُ بِالْجِهَةِ، كَالْحُكْمِ لِبَيْتِ الْمَالِ أَوْ عَلَيْهِ.

(عَنْ بُرَيْدَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم «الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ اثْنَانِ فِي النَّارِ وَوَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ» وَكَأَنَّهُ قِيلَ مَنْ هُمْ فَقَالَ «رَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ، وَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَلَمْ يَقْضِ بِهِ وَجَارَ فِي الْحُكْمِ فَهُوَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ لَمْ يَعْرِفْ الْحَقَّ فَقَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ فِي النَّارِ». رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ) وَقَالَ فِي عُلُومِ الْحَدِيثِ تَفَرَّدَ بِهِ الْخُرَاسَانِيُّونَ وَرُوَاتُهُ مَرَاوِزَةٌ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: لَهُ طُرُقٌ غَيْرُ هَذِهِ جَمَعْتهَا فِي جُزْءٍ مُفْرَدٍ. وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْجُو مِنْ النَّارِ مِنْ الْقُضَاةِ إلَّا مَنْ عَرَفَ الْحَقَّ وَعَمِلَ بِهِ. وَالْعُمْدَةُ الْعَمَلُ فَإِنَّ مَنْ عَرَفَ الْحَقَّ وَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ فَهُوَ وَمَنْ حَكَمَ بِجَهْلٍ سَوَاءٌ فِي النَّارِ.

وَظَاهِرُهُ أَنَّ مَنْ حَكَمَ بِجَهْلٍ وَإِنْ وَافَقَ حُكْمُهُ الْحَقَّ فَإِنَّهُ فِي النَّارِ؛ لِأَنَّهُ أَطْلَقَهُ وَقَالَ: فَقَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَإِنَّهُ يَصْدُقُ عَلَى مَنْ وَافَقَ الْحَقَّ، وَهُوَ جَاهِلٌ فِي قَضَائِهِ - أَنَّهُ قَضَى عَلَى جَهْلٍ. وَفِيهِ التَّحْذِيرُ مِنْ الْحُكْمِ بِجَهْلٍ أَوْ بِخِلَافِ الْحَقِّ مَعَ مَعْرِفَتِهِ بِهِ. وَاَلَّذِي فِي الْحَدِيثِ أَنَّ النَّاجِيَ مَنْ قَضَى بِالْحَقِّ عَالِمًا بِهِ؛ وَالِاثْنَانِ الْآخَرَانِ فِي النَّارِ. وَفِيهِ أَنَّهُ يَتَضَمَّنُ النَّهْيَ عَنْ تَوْلِيَةِ الْجَاهِلِ الْقَضَاءَ. قَالَ فِي مُخْتَصَرِ شَرْحِ السُّنَّةِ: إنَّهُ لَا يَجُوزُ لِغَيْرِ الْمُجْتَهِدِ أَنْ يَتَقَلَّدَ الْقَضَاءَ وَلَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ تَوْلِيَتُهُ قَالَ وَالْمُجْتَهِدُ مَنْ جَمَعَ خَمْسَةَ عُلُومٍ عِلْمَ كِتَابِ اللَّهِ، وَعِلْمَ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَأَقَاوِيلَ عُلَمَاءِ السَّلَفِ مِنْ إجْمَاعِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ، وَعِلْمَ اللُّغَةِ، وَعِلْمَ الْقِيَاسِ، وَهُوَ طَرِيقُ اسْتِنْبَاطِ الْحُكْمِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ إذَا لَمْ يَجِدْهُ صَرِيحًا فِي نَصِّ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ إجْمَاعٍ فَيَجِبُ أَنْ يَعْلَمَ مِنْ عِلْمِ الْكِتَابِ النَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ وَالْمُجْمَلَ وَالْمُفَسَّرَ، وَالْخَاصَّ وَالْعَامَّ وَالْمُحْكَمَ وَالْمُتَشَابِهَ وَالْكَرَاهَةَ وَالتَّحْرِيمَ وَالْإِبَاحَةَ وَالنَّدْبَ، وَيَعْرِفُ مِنْ السُّنَّةِ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ، وَيَعْرِفُ مِنْهَا الصَّحِيحَ وَالضَّعِيفَ وَالْمُسْنَدَ وَالْمُرْسَلَ، وَيَعْرِفُ تَرْتِيبَ السُّنَّةِ عَلَى الْكِتَابِ وَبِالْعَكْسِ حَتَّى إذَا وَجَدَ حَدِيثًا لَا يُوَافِقُ ظَاهِرُهُ الْكِتَابَ اهْتَدَى إلَى وَجْهِ مَحْمَلِهِ فَإِنَّ السُّنَّةَ بَيَانٌ لِلْكِتَابِ فَلَا تُخَالِفُهُ، إنَّمَا تَجِبُ مَعْرِفَةُ مَا وَرَدَ مِنْهَا مِنْ أَحْكَامِ الشَّرْعِ دُونَ مَا عَدَاهَا مِنْ الْقِصَصِ وَالْأَخْبَارِ وَالْمَوَاعِظِ، وَكَذَا يَجِبُ أَنْ يَعْرِفَ مِنْ عِلْمِ اللُّغَةِ مَا أَتَى فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنْ أُمُورِ الْأَحْكَامِ دُونَ الْإِحَاطَةِ بِجَمِيعِ لُغَاتِ الْعَرَبِ، وَيَعْرِفُ أَقَاوِيلَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فِي الْأَحْكَامِ وَمُعْظَمَ فَتَاوَى فُقَهَاءِ الْأُمَّةِ حَتَّى لَا يَقَعُ حُكْمُهُ مُخَالِفًا لِأَقْوَالِهِمْ فَيَأْمَنُ فِيهِ خَرْقَ الْإِجْمَاعِ، فَإِذَا عَرَفَ كُلَّ نَوْعٍ مِنْ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ فَهُوَ مُجْتَهِدٌ وَإِذَا لَمْ

ص: 565

1298 -

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ وَلِيَ الْقَضَاءَ فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ.

1299 -

وَعَنْهُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إنَّكُمْ سَتَحْرِصُونَ عَلَى الْإِمَارَةِ، وَسَتَكُونُ نَدَامَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَنِعْمَتْ الْمُرْضِعَةُ، وَبِئْسَ الْفَاطِمَةُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

يَعْرِفْهَا فَسَبِيلُهُ التَّقْلِيدُ اهـ.

(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ وَلِيَ الْقَضَاءَ فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ) دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى التَّحْذِيرِ مِنْ وِلَايَةِ الْقَضَاءِ وَالدُّخُولِ فِيهِ كَأَنَّهُ يَقُولُ مَنْ تَوَلَّى الْقَضَاءَ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِذَبْحِ نَفْسِهِ فَلْيَحْذَرْهُ وَلْيَتَوَقَّهُ فَإِنَّهُ إنْ حَكَمَ بِغَيْرِ الْحَقِّ مَعَ عِلْمِهِ بِهِ أَوْ جَهْلِهِ لَهُ فَهُوَ فِي النَّارِ، وَالْمُرَادُ مِنْ ذَبْحِ نَفْسِهِ إهْلَاكُهَا أَيْ فَقَدْ أَهْلَكَهَا بِتَوْلِيَةِ الْقَضَاءِ، وَإِنَّمَا قَالَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ لِلْإِعْلَامِ بِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِالذَّبْحِ فَرْيَ الْأَوْدَاجِ الَّذِي يَكُونُ فِي الْغَالِبِ بِالسِّكِّينِ بَلْ أُرِيدَ بِهِ إهْلَاكُ النَّفْسِ بِالْعَذَابِ الْأُخْرَوِيِّ. وَقِيلَ: ذُبِحَ ذَبْحًا مَعْنَوِيًّا وَهُوَ لَازِمٌ لَهُ؛ لِأَنَّهُ إنْ أَصَابَ الْحَقَّ فَقَدْ أَتْعَبَ نَفْسَهُ فِي الدُّنْيَا لِإِرَادَتِهِ الْوُقُوفَ عَلَى الْحَقِّ وَطَلَبِهِ وَاسْتِقْصَاءَ مَا تَجِبُ عَلَيْهِ رِعَايَتُهُ فِي النَّظَرِ فِي الْحُكْمِ، وَالْمَوْقِفِ مَعَ الْخَصْمَيْنِ، وَالتَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا فِي الْعَدْلِ وَالْقِسْطِ وَإِنْ أَخْطَأَ فِي ذَلِكَ لَزِمَهُ عَذَابُ الْآخِرَةِ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ التَّعَبِ وَالنَّصَبِ. وَلِبَعْضِهِمْ كَلَامٌ فِي الْحَدِيثِ لَا يُوَافِقُ الْمُتَبَادَرَ مِنْهُ.

(وَعَنْهُ) أَيْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إنَّكُمْ سَتَحْرِصُونَ عَلَى الْإِمَارَةِ» عَامٌّ لِكُلِّ إمَارَةٍ مِنْ الْإِمَامَةِ الْعُظْمَى إلَى أَدْنَى إمَارَةٍ وَلَوْ عَلَى وَاحِدٍ «وَسَتَكُونُ نَدَامَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَنِعْمَ الْمُرْضِعَةُ) أَيْ فِي الدُّنْيَا (وَبِئْسَ الْفَاطِمَةُ)» أَيْ بَعْدَ الْخُرُوجِ مِنْهَا (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) قَالَ الطِّيبِيُّ: تَأْنِيثُ الْإِمَارَةِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ فَتَرَكَ تَأْنِيثَ نِعْمَ وَأَلْحَقهُ بِبِئْسَ نَظَرًا إلَى كَوْنِ الْإِمَارَةِ حِينَئِذٍ دَاهِيَةٌ دَهْيَاءَ وَقَالَ غَيْرُهُ: أَنَّثَ فِي لَفْظٍ وَتَرَكَهُ

ص: 566

1300 -

وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله عنه أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:

فِي لَفْظٍ لِلِافْتِنَانِ وَإِلَّا فَالْفَاعِلُ وَاحِدٌ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ وَالْبَزَّارُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ مِنْ حَدِيثِ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ بِلَفْظِ: «أَوَّلُهَا مَلَامَةٌ، وَثَانِيهَا نَدَامَةٌ، وَثَالِثُهَا عَذَابٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إلَّا مَنْ عَدَلَ» وَأَخْرُج الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ يَرْفَعُهُ «نِعْمَ الشَّيْءُ الْإِمَارَةُ لِمَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا وَحَلَّهَا، وَبِئْسَ الشَّيْءُ الْإِمَارَةُ لِمَنْ أَخَذَهَا بِغَيْرِ حَقِّهَا تَكُونُ عَلَيْهِ حَسْرَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَهَذَا يُقَيِّدُ مَا أُطْلِقَ فِيمَا قَبْلَهُ؛ وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ «أَبِي ذَرٍّ قَالَ قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا تَسْتَعْمِلُنِي قَالَ: إنَّك ضَعِيفٌ وَإِنَّهَا أَمَانَةٌ وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ إلَّا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا» قَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا أَصْلٌ عَظِيمٌ فِي اجْتِنَابِ الْوِلَايَةِ لَا سِيَّمَا لِمَنْ كَانَ فِيهِ ضَعْفٌ وَهُوَ فِي حَقِّ مَنْ دَخَلَ فِيهَا بِغَيْرِ أَهْلِيَّةٍ وَلَمْ يَعْدِلْ فَإِنَّهُ يَنْدَمْ عَلَى مَا فَرَّطَ فِيهِ إذَا جُوزِيَ بِالْجَزَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ وَأَمَّا مَنْ كَانَ أَهْلًا لَهَا وَعَدَلَ فِيهَا فَأَجْرُهُ عَظِيمٌ كَمَا تَضَافَرَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ وَلَكِنْ فِي الدُّخُولِ فِيهَا خَطَرٌ عَظِيمٌ وَلِذَلِكَ، امْتَنَعَ الْأَكَابِرُ مِنْهَا، فَامْتَنَعَ الشَّافِعِيُّ لَمَّا اسْتَدْعَاهُ الْمَأْمُونُ لِقَضَاءِ الشَّرْقِ وَالْغَرْبِ وَامْتَنَعَ مِنْهُ أَبُو حَنِيفَةَ لَمَّا اسْتَدْعَاهُ الْمَنْصُورُ فَحَبَسَهُ وَضَرَبَهُ؛ وَاَلَّذِينَ امْتَنَعُوا مِنْ الْأَكَابِرِ جَمَاعَةٌ كَثِيرُونَ، وَقَدْ عَدَّ فِي النَّجْمِ الْوَهَّاجِ جَمَاعَةً.

(تَنْبِيهٌ) فِي قَوْلِهِ: " سَتَحْرِصُونَ " دَلَالَةً عَلَى مَحَبَّةِ النُّفُوسِ لِلْإِمَارَةِ لِمَا فِيهَا مِنْ نَيْلِ حُظُوظِ الدُّنْيَا وَلَذَّاتِهَا وَنُفُوذِ الْكَلِمَةِ وَلِذَا وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ طَلَبِهَا كَمَا أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ «أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ: لَا تَسْأَلْ الْإِمَارَةَ، فَإِنَّك إنْ أُعْطِيتهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وَكِلْت إلَيْهَا، وَإِنْ أُعْطِيتهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْت عَلَيْهَا» وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ طَلَبَ الْقَضَاءَ وَاسْتَعَانَ عَلَيْهِ بِالشُّفَعَاءِ وُكِلَ إلَيْهِ، وَمَنْ لَمْ يَطْلُبْهُ وَلَمْ يَسْتَعِنْ عَلَيْهِ أَنْزَلَ اللَّهُ مَلَكًا يُسَدِّدُهُ» وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «وَاَللَّهِ إنَّا لَا نُوَلِّي هَذَا الْأَمْرَ أَحَدًا سَأَلَهُ، وَلَا أَحَدًا حَرَصَ عَلَيْهِ» حَرَصَ بِفَتْحِ الرَّاءِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} وَيَتَعَيَّنُ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَبْحَثَ عَنْ أَرْضَى النَّاسِ وَأَفْضَلِهِمْ فَيُوَلِّيهِ، لِمَا أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«مَنْ اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى عِصَابَةٍ وَفِي تِلْكَ الْعِصَابَةِ مَنْ هُوَ أَرْضَى لِلَّهِ تَعَالَى مِنْهُ فَقَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَجَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ» وَإِنَّمَا نَهَى عَنْ طَلَبِ الْإِمَارَةِ؛ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ تُفِيدُ قُوَّةً بَعْدَ ضَعْفٍ، وَقُدْرَةً بَعْدَ عَجْزٍ تَتَّخِذُهَا النَّفْسُ الْمَجْبُولَةُ عَلَى الشَّرِّ وَسِيلَةً إلَى الِانْتِقَامِ مِنْ الْعَدُوِّ، وَالنَّظَرِ لِلصِّدِّيقِ. وَتَتَبُّعِ الْأَغْرَاضَ الْفَاسِدَةِ وَلَا يُوثَقُ بِحُسْنِ عَاقِبَتِهَا. وَلَا سَلَامَةِ مُجَاوِرَتِهَا، فَالْأَوْلَى أَنْ لَا تُطْلَبَ مَا أَمْكَنَ. وَإِنْ كَانَ قَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم:«مَنْ طَلَبَ قَضَاءَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى يَنَالَهُ. فَغَلَبَ عَدْلُهُ جَوْرَهُ فَلَهُ الْجَنَّةُ وَمَنْ غَلَبَ جَوْرُهُ عَدْلَهُ فَلَهُ النَّارُ» .

ص: 567

«إذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ

(وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: " إذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ ") أَيْ إذَا أَرَادَ الْحُكْمَ لِقَوْلِهِ [فَاجْتَهَدَ] فَإِنَّ الِاجْتِهَادَ قَبْلَ الْحُكْمِ [ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ فَإِذَا حَكَمَ وَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ] أَيْ لَمْ يُوَافِقْ مَا هُوَ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ الْحُكْمِ [" فَلَهُ أَجْرٌ ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) الْحَدِيثُ مِنْ أَدِلَّةِ الْقَوْلِ بِأَنَّ الْحُكْمَ عِنْدَ اللَّهِ فِي كُلِّ قَضِيَّةٍ وَاحِدٌ مُعَيَّنٌ قَدْ يُصِيبُهُ مَنْ أَعْمَلَ بِفِكْرِهِ وَتَتَبَّعَ الْأَدِلَّةَ وَوَفَّقَهُ اللَّهُ فَيَكُونُ لَهُ أَجْرَانِ أَجْرُ الِاجْتِهَادِ وَأَجْرُ الْإِصَابَةِ. وَاَلَّذِي لَهُ أَجْرٌ وَاحِدٌ هُوَ مَنْ اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرُ الِاجْتِهَادِ. وَاسْتَدَلُّوا بِالْحَدِيثِ عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْحَاكِمُ مُجْتَهِدًا.

قَالَ الشَّارِحُ وَغَيْرُهُ وَهُوَ الْمُتَمَكِّنُ مِنْ أَخْذِ الْأَحْكَامِ مِنْ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ قَالَ: وَلَكِنَّهُ يُعَزُّ وُجُودُهُ بَلْ كَادَ يُعْدَمُ بِالْكُلِّيَّةِ وَمَعَ تَعَذُّرِهِ فَمِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ مُقَلِّدًا مُجْتَهِدًا فِي مَذْهَبِ إمَامِهِ. وَمِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَتَحَقَّقَ أُصُولَ إمَامِهِ وَأَدِلَّتَهُ وَيُنْزِلُ أَحْكَامَهُ عَلَيْهَا فِيمَا لَمْ يَجِدْهُ مَنْصُوصًا مِنْ مَذْهَبِ إمَامِهِ أَوْ (قُلْت) وَلَا يَخْفَى مَا فِي هَذَا الْكَلَامِ مِنْ الْبُطْلَانِ. وَإِنْ تَطَابَقَ عَلَيْهِ الْأَعْيَانُ وَقَدْ بَيَّنَّا بُطْلَانَ دَعْوَى تَعَذُّرِ الِاجْتِهَادِ فِي رِسَالَتِنَا الْمُسَمَّاةِ بِإِرْشَادِ النُّقَّادِ إلَى تَيْسِيرِ الِاجْتِهَادِ بِمَا لَا يُمْكِنُ دَفْعُهُ وَمَا أَرَى هَذِهِ الدَّعْوَى الَّتِي تَطَابَقَتْ عَلَيْهَا الْأَنْظَارُ إلَّا مِنْ كُفْرَانِ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فَإِنَّهُمْ أَعْنِي الْمُدَّعِينَ لِهَذِهِ الدَّعْوَى وَالْمُقَرِّرِينَ لَهَا - مُجْتَهِدُونَ يَعْرِفُ أَحَدُهُمْ مِنْ الْأَدِلَّةِ مَا يُمْكِنُهُ بِهَا الِاسْتِنْبَاطَ مِمَّا لَمْ يَكُنْ قَدْ عَرَفَهُ عَتَّابُ بْنُ أَسِيدٍ قَاضِي رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى مَكَّةَ وَلَا أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ قَاضِي رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْيَمَنِ وَلَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ قَاضِيه فِيهَا وَعَامِلُهُ عَلَيْهَا وَلَا شُرَيْحٌ قَاضِي عُمَرَ وَعَلِيٍّ رضي الله عنه عَلَى الْكُوفَةِ.

وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُ الشَّارِحِ فَمِنْ شَرْطِهِ أَيْ الْمُقَلِّدِ أَنْ يَكُونَ مُجْتَهِدًا فِي مَذْهَبِ إمَامِهِ وَأَنْ يَتَحَقَّقَ أُصُولَهُ وَأَدِلَّتَهُ أَيْ وَمِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَتَحَقَّقَ أُصُولَ إمَامِهِ وَأَدِلَّتَهُ وَيُنْزِلُ أَحْكَامَهُ عَلَيْهَا فِيمَا لَمْ يَجِدْهُ مَنْصُوصًا مِنْ مَذْهَبِ إمَامِهِ فَإِنَّ هَذَا هُوَ الِاجْتِهَادُ الَّذِي حُكِمَ بِكَيْدُودَةِ عَدَمِهِ بِالْكُلِّيَّةِ وَسَمَّاهُ مُتَعَذِّرًا فَهَلَّا جَعَلَ هَذَا الْمُقَلِّدُ إمَامَهُ كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم عِوَضًا عَنْ إمَامِهِ وَتَتَبَّعَ نُصُوصَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عِوَضًا عَنْ تَتَبُّعِ نُصُوصِ إمَامِهِ وَالْعِبَارَاتُ كُلُّهَا أَلْفَاظٌ دَالَّةٌ عَلَى مَعَانٍ فَهَلَّا اسْتَبْدَلَ بِأَلْفَاظِ إمَامِهِ وَمَعَانِيهَا أَلْفَاظَ الشَّارِعِ وَمَعَانِيهَا وَنَزَّلَ

ص: 568

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الْأَحْكَامَ عَلَيْهَا إذَا لَمْ يَجِدْ نَصًّا شَرْعِيًّا عِوَضًا عَنْ تَنْزِيلِهَا عَنْ مَذْهَبِ إمَامِهِ فِيمَا لَمْ يَجِدْهُ مَنْصُوصًا تَاللَّهِ لَقَدْ اسْتَبْدَلَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِاَلَّذِي هُوَ خَيْرٌ مِنْ مَعْرِفَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ إلَى مَعْرِفَةِ كَلَامِ الشُّيُوخِ وَالْأَصْحَابِ وَتَفَهُّمِ مَرَامِهِمْ، وَالتَّفْتِيشِ عَنْ كَلَامِهِمْ.

وَمِنْ الْمَعْلُومِ يَقِينًا أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى وَكَلَامَ رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم أَقْرَبُ إلَى الْأَفْهَامِ وَأَدْنَى إلَى إصَابَةِ الْمَرَامِ فَإِنَّهُ أَبْلَغُ الْكَلَامِ بِالْإِجْمَاعِ، وَأَعْذَبُهُ فِي الْأَفْوَاهِ وَالْأَسْمَاعِ وَأَقْرَبُهُ إلَى الْفَهْمِ وَالِانْتِفَاعِ، وَلَا يُنْكِرُ هَذَا إلَّا جُلْمُودُ الطِّبَاعِ وَمَنْ لَا حَظَّ لَهُ فِي النَّفْعِ وَالِانْتِفَاعِ. وَالْأَفْهَامُ الَّتِي فَهِمَ بِهَا الصَّحَابَةُ الْكَلَامَ الْإِلَهِيَّ، وَالْخِطَابَ النَّبَوِيَّ هِيَ كَأَفْهَامِنَا، وَأَحْلَامُهُمْ كَأَحْلَامِنَا، إذْ لَوْ كَانَتْ الْأَفْهَامُ مُتَفَاوِتَةً تَفَاوُتًا يَسْقُطُ مَعَهُ فَهْمُ الْعِبَارَاتِ الْإِلَهِيَّةِ، وَالْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ لَمَا كُنَّا مُكَلَّفِينَ وَلَا مَأْمُورِينَ وَلَا مَنْهِيِّينَ لَا اجْتِهَادًا وَلَا تَقْلِيدًا أَمَّا الْأَوَّلُ " فَلِاسْتِحَالَتِهِ "، وَأَمَّا الثَّانِي؛ فَلِأَنَّا لَا نُقَلِّدُ حَتَّى نَعْلَمَ أَنَّهُ يَجُوزُ لَنَا التَّقْلِيدُ، وَلَا نَعْلَمُ ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ فَهْمِ الدَّلِيلِ مِنْ الْكِتَابِ.

وَالسُّنَّةِ عَلَى جَوَازِهِ لِتَصْرِيحِهِمْ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِي جَوَازِ التَّقْلِيدِ فَهَذَا الْفَهْمُ الَّذِي فَهِمْنَا بِهِ هَذَا الدَّلِيلَ نَفْهَمُ بِهِ غَيْرَهُ مِنْ الْأَدِلَّةِ مِنْ كَثِيرٍ وَقَلِيلٍ، عَلَى أَنَّهُ قَدْ شَهِدَ الْمُصْطَفَى صلى الله عليه وسلم بِأَنَّهُ يَأْتِي مِنْ بَعْدِهِ مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِمَّنْ فِي عَصْرِهِ وَأَوْعَى لِكَلَامِهِ حَيْثُ قَالَ:«فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَفْقَهُ مِنْ سَامِعٍ» وَفِي لَفْظٍ: " أَوْعَى لَهُ مِنْ سَامِعٍ " وَالْكَلَامُ قَدْ وَفَّيْنَاهُ حَقَّهُ فِي الرِّسَالَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَمِنْ أَحْسَنِ مَا يَعْرِفُهُ الْقُضَاةُ كِتَابَ عُمَرَ رضي الله عنه الَّذِي كَتَبَهُ إلَى أَبِي مُوسَى الَّذِي رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ قَالَ الشَّيْخُ إِسْحَاقَ: هُوَ أَجَلُّ كِتَابٍ فَإِنَّهُ بَيَّنَ آدَابَ الْقُضَاةِ وَصِفَةَ الْحُكْمِ وَكَيْفِيَّةَ الِاجْتِهَادِ وَاسْتِنْبَاطَ الْقِيَاسِ وَلَفْظُهُ " أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الْقَضَاءَ فَرِيضَةٌ مُحْكَمَةٌ وَسُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ، فَعَلَيْك بِالْعَقْلِ وَالْفَهْمِ وَكَثْرَةِ الذِّكْرِ، فَافْهَمْ إذَا أَدْلَى إلَيْك الرَّجُلُ الْحُجَّةَ فَاقْضِ إذَا فَهِمْت، وَأَمْضِ إذَا قَضَيْت. فَإِنَّهُ لَا يَنْفَعُ تَكَلُّمٌ بِحَقٍّ لَا نَفَاذَ لَهُ. آسِ بَيْنَ النَّاسِ فِي وَجْهِك وَمَجْلِسِك وَقَضَائِك حَتَّى لَا يَطْمَعَ شَرِيفٌ فِي حَيْفِك، وَلَا يَيْأَسُ ضَعِيفٌ مِنْ عَدْلِك. الْبَيِّنَةُ عَلَى مِنْ الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ، وَالصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إلَّا صُلْحًا أَحَلَّ حَرَامًا، أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا. وَمَنْ ادَّعَى حَقًّا غَائِبًا أَوْ بَيِّنَةً فَاضْرِبْ لَهُ أَمَدًا يَنْتَهِي إلَيْهِ فَإِنْ جَاءَ بِبَيِّنَتِهِ أَعْطَيْته حَقَّهُ، وَإِلَّا اسْتَحْلَلْت عَلَيْهِ الْقَضِيَّةَ فَإِنَّ ذَلِكَ أَبْلَغُ فِي الْعُذْرِ وَأَجْلَى لِلْعَمَى وَلَا يَمْنَعْك قَضَاءٌ قَضَيْت فِيهِ الْيَوْمَ فَرَاجَعْت فِيهِ عَقْلَك وَهُدِيت فِيهِ لِرُشْدِك أَنْ تَرْجِعَ إلَى الْحَقِّ فَإِنَّ الْحَقَّ قَدِيمٌ وَمُرَاجَعَةُ الْحَقِّ خَيْرٌ مِنْ التَّمَادِي فِي الْبَاطِلِ. الْفَهْمَ الْفَهْمَ فِيمَا يَخْتَلِجُ فِي صَدْرِك مِمَّا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ اعْرِفْ الْأَشْبَاهَ وَالْأَمْثَالَ، وَقِسْ الْأُمُورَ عِنْدَ ذَلِكَ، وَاعْمِدْ إلَى أَقْرَبِهَا إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَأَشْبَهِهَا بِالْحَقِّ. الْمُسْلِمُونَ عُدُولٌ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إلَّا مَجْلُودًا فِي حَدٍّ، أَوْ مُجَرَّبًا عَلَيْهِ شَهَادَةُ زُورٍ، أَوْ ظَنِينًا فِي وَلَاءٍ أَوْ نَسَبٍ أَوْ

ص: 569

1301 -

وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «لَا يَحْكُمْ أَحَدٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

قَرَابَةٍ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَوَلَّى مِنْكُمْ السَّرَائِرَ. وَادْرَأْ بِالْبَيِّنَاتِ وَالْأَيْمَانِ وَإِيَّاكَ وَالْغَضَبَ وَالْقَلَقَ وَالضَّجَرَ وَالتَّأَذِّي بِالنَّاسِ عِنْدَ الْخُصُومَةِ، وَالتَّنَكُّرَ عِنْدَ الْخُصُومَاتِ، فَإِنَّ الْقَضَاءَ عِنْدَ مَوَاطِنِ الْحَقِّ، يُوجِبُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ الْأَجْرَ، وَيُحْسِنُ بِهِ الذِّكْرَ، فَمَنْ خَلَصَتْ نِيَّتُهُ فِي الْحَقِّ وَلَوْ عَلَى نَفْسِهِ كَفَاهُ اللَّهُ تَعَالَى مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ تَخَلَّقَ لِلنَّاسِ بِمَا لَيْسَ فِي قَلْبِهِ شَانَهُ اللَّهُ تَعَالَى، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَقْبَلُ مِنْ الْعِبَادِ إلَّا مَا كَانَ خَالِصًا؛ فَمَا ظَنُّك بِثَوَابٍ مِنْ اللَّهِ فِي عَاجِلِ رِزْقِهِ، وَخَزَائِنِ رَحْمَتِهِ وَالسَّلَامُ اهـ ".

وَلِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ رضي الله عنه فِي عَهْدٍ عَهِدَهُ إلَى الْأَشْتَرِ لَمَّا وَلِي مِصْرَ فِيهِ عِدَّةُ مَصَالِحَ وَآدَابَ وَمَوَاعِظَ وَحِكَمٌ وَهُوَ مَعْرُوفٌ فِي النَّهْجِ لَمْ أَنْقُلْهُ لِشُهْرَتِهِ. وَقَدْ أَخَذَ مِنْ كَلَامِ عُمَرَ رضي الله عنه أَنَّهُ يَنْقُضُ الْقَاضِي حُكْمَهُ إذَا أَخْطَأَ وَيَدُلُّ لَهُ مَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «بَيْنَمَا امْرَأَتَانِ مَعَهُمَا ابْنَاهُمَا جَاءَ الذِّئْبُ فَذَهَبَ بِابْنِ إحْدَاهُمَا فَقَالَتْ: هَذِهِ لِصَاحِبَتِهَا: إنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِك وَقَالَتْ الْأُخْرَى إنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِك فَتَحَاكَمَتَا إلَى دَاوُد عليه السلام فَقَضَى بِهِ لِلْكُبْرَى فَخَرَجَتَا إلَى سُلَيْمَانَ فَأَخْبَرَتَاهُ فَقَالَ: ائْتُونِي بِالسِّكِّينِ أَشُقُّهُ بَيْنَكُمَا نِصْفَيْنِ فَقَالَتْ الصُّغْرَى: لَا تَفْعَلْ يَرْحَمُك اللَّهُ هُوَ ابْنُهَا فَقَضَى بِهِ لِلصُّغْرَى» وَلِلْعُلَمَاءِ قَوْلَانِ فِي الْمَسْأَلَةِ: قَوْلٌ إنَّهُ يَنْقُضُهُ إذَا أَخْطَأَ، وَالْآخَرُ لَا يَنْقُضُهُ لِحَدِيثِ " وَإِنْ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ " (قُلْت) وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا دَلِيلَ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ: أَخْطَأَ مَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا هُوَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ مِنْ الْحَقِّ وَهَذَا الْخَطَأُ لَا يُعْلَمْ إلَّا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَوْ بِوَحْيٍ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى. وَالْكَلَامُ فِي الْخَطَإِ الَّذِي يَظْهَرُ لَهُ فِي الدُّنْيَا مِنْ عَدَمِ اسْتِكْمَالِ شَرَائِطِ الْحُكْمِ أَوْ نَحْوِهِ.

(وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «لَا يَحْكُمْ أَحَدٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) النَّهْيُ ظَاهِرٌ فِي التَّحْرِيمِ وَحَمَلَهُ الْجُمْهُورُ عَلَى الْكَرَاهَةِ وَتَرْجَمَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لَهُ بِبَابِ كَرَاهَةِ قَضَاءِ الْقَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ. وَتَرْجَمَ الْبُخَارِيُّ بِبَابِ هَلْ يَقْضِي الْقَاضِي أَوْ يُفْتِي الْمُفْتِي وَهُوَ غَضْبَانُ؟ وَصَرَّحَ النَّوَوِيُّ بِالْكَرَاهَةِ فِي ذَلِكَ؛ وَإِنَّمَا حَمَلُوهُ عَلَى الْكَرَاهَةِ نَظَرًا إلَى الْعِلَّةِ الْمُسْتَنْبَطَةِ الْمُنَاسِبَةِ لِذَلِكَ وَهِيَ أَنَّهُ لَمَّا رَتَّبَ النَّهْيَ عَلَى الْغَضَبِ وَالْغَضَبُ بِنَفْسِهِ لَا مُنَاسَبَةَ فِيهِ لِمَنْعِ الْحُكْمِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ لِمَا هُوَ مَظِنَّةٌ لِحُصُولِهِ وَهُوَ تَشْوِيشُ الْفِكْرِ وَمَشْغَلَةُ الْقَلْبِ عَنْ اسْتِيفَاءِ مَا يَجِبُ مِنْ النَّظَرِ وَحُصُولِ هَذَا قَدْ يُفْضِي

ص: 570

1302 -

وَعَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إذَا تَقَاضَى إلَيْك رَجُلَانِ فَلَا تَقْضِ لِلْأَوَّلِ حَتَّى تَسْمَعَ كَلَامَ الْآخَرِ، فَسَوْفَ تَدْرِي كَيْفَ تَقْضِي» قَالَ عَلِيٌّ: فَمَا زِلْت قَاضِيًا بَعْدُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَقَوَّاهُ ابْنُ الْمَدِينِيِّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.

إلَى الْخَطَإِ عَنْ الصَّوَابِ وَلَكِنَّهُ غَيْرُ مُطَّرِدٍ مَعَ كُلِّ غَضَبٍ وَمَعَ كُلِّ إنْسَانٍ فَإِنْ أَفْضَى الْغَضَبُ إلَى عَدَمِ تَمْيِيزِ الْحَقِّ مِنْ الْبَاطِلِ فَلَا كَلَامَ فِي تَحْرِيمِهِ وَإِنْ لَمْ يُفْضِ إلَى هَذَا الْحَدِّ فَأَقَلُّ أَحْوَالِهِ الْكَرَاهَةُ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَرَاتِبِ الْغَضَبِ وَلَا بَيْنَ أَسْبَابِهِ. وَخَصَّهُ الْبَغَوِيّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ بِمَا إذَا كَانَ الْغَضَبُ لِغَيْرِ اللَّهِ وَعَلَّلَ بِأَنَّ الْغَضَبَ لِلَّهِ يُؤْمَنُ مَعَهُ مِنْ التَّعَدِّي بِخِلَافِ الْغَضَبِ لِلنَّفْسِ، وَاسْتَبْعَدَهُ جَمَاعَةٌ لِمُخَالَفَتِهِ لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ وَالْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ نَهَى عَنْ الْحُكْمِ مَعَهُ، ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ الظَّاهِرَ فِي النَّهْيِ التَّحْرِيمُ، وَأَنَّ جَعْلَ الْعِلَّةِ الْمُسْتَنْبَطَةِ صَارِفَةٌ إلَى الْكَرَاهِيَةِ بَعِيدٌ. وَأَمَّا حُكْمُهُ صلى الله عليه وسلم مَعَ الْغَضْبَةِ فِي قِصَّةِ الزُّبَيْرِ فَلَمَّا عَلِمَ مِنْ أَنَّ عِصْمَتَهُ مَانِعَةٌ عَنْ إخْرَاجِ الْغَصْبِ لَهُ عَنْ الْحَقِّ ثُمَّ الظَّاهِرُ أَيْضًا عَدَمُ نُفُوذِ الْحُكْمِ مَعَ غَضَبِهِ إذْ النَّهْيُ يَقْتَضِي الْفَسَادَ وَالتَّفْرِقَةَ بَيْنَ النَّهْيِ لِلذَّاتِ وَالنَّهْيِ لِلْوَصْفِ كَمَا يَقُولُهُ الْجُمْهُورُ غَيْرُ وَاضِحٍ كَمَا قُرِّرَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَحَلِّ. وَقَدْ أُلْحِقَ بِالْغَضَبِ الْجُوعُ وَالْعَطَشُ الْمُفْرِطَانِ لِمَا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ تَفَرَّدَ بِهِ الْقَاسِمُ الْعُمَرِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«لَا يَقْضِي الْقَاضِي إلَّا وَهُوَ شَبْعَانُ رَيَّانُ» وَكَذَلِكَ أُلْحِقَ بِهِ كُلُّ مَا يَشْغَلُ الْقَلْبَ وَيُشَوِّشُ الْفِكْرَ مِنْ غَلَبَةِ النُّعَاسِ أَوْ الْهَمِّ أَوْ الْمَرَضِ أَوْ نَحْوِهَا.

(وَعَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم: «إذَا تَقَاضَى إلَيْك رَجُلَانِ فَلَا تَقْضِ لِلْأَوَّلِ حَتَّى تَسْمَعَ كَلَامَ الْآخَرِ فَسَوْفَ تَدْرِي كَيْفَ تَقْضِي» قَالَ عَلِيٌّ رضي الله عنه: فَمَا زِلْت قَاضِيًا بَعْدُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَقَوَّاهُ ابْنُ الْمَدِينِيِّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ) الْحَدِيثَ أَخْرَجُوهُ مِنْ طُرُقٍ أَحْسَنُهَا رِوَايَةُ الْبَزَّارِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه وَفِي إسْنَادِهِ عَمْرُو بْنُ أَبِي الْمِقْدَامِ وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ فَرَوَاهُ شُعْبَةُ عَنْهُ عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي مِنْ سَمِعَ عَلِيًّا رضي الله عنه أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ لَوْلَا هَذَا الْمُبْهَمُ وَلَهُ

ص: 571

1303 -

وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ الْحَاكِمِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ

1304 -

وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ، فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأَقْضِي لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ، فَمَنْ قَطَعْت لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

طُرُقٌ أُخَرُ تَشْهَدُ لَهُ وَيَشْهَدُ لَهُ الْحَدِيثُ الْآتِي:

وَهُوَ قَوْلُهُ (وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ الْحَاكِمِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ) وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْحَاكِمِ أَنْ يَسْمَعَ دَعْوَى الْمُدَّعِي أَوَّلًا ثُمَّ يَسْمَعَ جَوَابَ الْمُجِيبِ وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَبْنِي الْحُكْمَ عَلَى سَمَاعِ دَعْوَى الْمُدَّعِي قَبْلَ جَوَابِ الْمُجِيبِ فَإِنْ حَكَمَ قَبْلَ سَمَاعِ الْإِجَابَةِ عَمْدًا بَطَلَ قَضَاؤُهُ وَكَانَ قَدْحًا فِي عَدَالَتِهِ وَإِنْ كَانَ خَطَأٌ لَمْ يَكُنْ قَادِحًا وَأَعَادَ الْحُكْمَ عَلَى وَجْهِ الصِّحَّةِ وَهَذَا حَيْثُ أَجَابَ الْخَصْمُ، فَإِنْ سَكَتَ عَنْ الْإِجَابَةِ أَوْ قَالَ لَا أُقِرُّ وَلَا أُنْكِرُ فَفِي الْبَحْرِ عَنْ الْإِمَامِ يَحْيَى وَمَالِكٍ يَحْكُمُ عَلَيْهِ لِتَصْرِيحِهِ بِالتَّمَرُّدِ إنْ شَاءَ حَبَسَهُ حَتَّى يُقِرَّ أَوْ يُنْكِرَ وَقِيلَ بَلْ يَلْزَمُهُ الْحَقُّ بِسُكُوتِهِ إذْ الْإِجَابَةُ تَجِبُ فَوْرًا فَإِذَا سَكَتَ كَانَ كَنُكُولِهِ. وَأُجِيبُ بِأَنَّ النُّكُولَ الِامْتِنَاعُ مِنْ الْيَمِينِ، وَهَذَا لَيْسَ مِنْهُ، وَقِيلَ يُحْبَسُ حَتَّى يُقِرَّ أَوْ يُنْكِرَ. وَأُجِيبُ بِأَنَّ التَّمَرُّدَ كَافٍ فِي جَوَازِ الْحُكْمِ إذْ الْحُكْمُ شُرِعَ لِفَصْلِ الشِّجَارِ، وَدَفْعِ الضِّرَارِ، وَهَذَا حَاصِلٌ مَا فِي الْبَحْرِ. قِيلَ وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: ذَلِكَ حُكْمُهُ حُكْمُ الْغَائِبِ فَمَنْ أَجَازَ الْحُكْمَ عَلَى الْغَائِبِ أَجَازَ الْحُكْمَ عَلَى الْمُمْتَنِعِ عَنْ الْإِجَابَةِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي عَدَمِ الْإِجَابَةِ؛ وَفِي الْحُكْمِ عَلَى الْغَائِبِ قَوْلَانِ الْأَوَّلُ أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ عَلَى الْغَائِبِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْحُكْمُ عَلَيْهِ جَائِزًا لَمْ يَكُنْ الْحُضُورُ عَلَيْهِ وَاجِبًا وَلِهَذَا الْحَدِيثِ فَإِنَّهُ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحْكُمُ حَتَّى يَسْمَعَ لَهُ كَلَامَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَالْغَائِبُ لَا يُسْمَعُ لَهُ جَوَابٌ، وَهَذَا الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالثَّانِي يَحْكُمُ عَلَيْهِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ هِنْدَ وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ مُسْتَوْفًى. وَهَذَا مَذْهَبُ الْهَادَوِيَّةِ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَحَمَلُوا حَدِيثَ عَلِيٍّ هَذَا عَلَى الْحَاضِرِ، وَقَالُوا: الْغَائِبُ لَا يَفُوتُ عَلَيْهِ حَقٌّ فَإِنَّهُ إذَا حَضَرَ كَانَتْ حُجَّتُهُ قَائِمَةً وَتُسْمَعُ وَيُعْمَلُ بِمُقْتَضَاهَا وَلَوْ أَدَّى إلَى نَقْضِ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْم الْمَشْرُوطِ.

(وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ

ص: 572

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِي لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ فَمَنْ قَطَعْت لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا» زَادَ فِي رِوَايَةٍ " فَلَا يَأْخُذْهُ " رَوَاهُ ابْنُ كَثِيرٍ فِي الْإِرْشَادِ (" فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) اللَّحْنُ هُوَ الْمَيْلُ عَنْ جِهَةِ الِاسْتِقَامَةِ وَالْمُرَادُ أَنَّ بَعْضَ الْخُصَمَاءِ يَكُونُ أَعْرَفَ بِالْحُجَّةِ وَأَفْطَنَ لَهَا مِنْ غَيْرِهِ وَقَوْلُهُ " عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ " أَيْ مِنْ الدَّعْوَى وَالْإِجَابَةِ وَالْبَيِّنَةِ أَوْ الْيَمِينِ، وَقَدْ تَكُونُ بَاطِلَةً فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَيَقْتَطِعُ مِنْ مَالِ أَخِيهِ قِطْعَةً مِنْ نَارٍ بِاعْتِبَارِ مَا يَئُولُ إلَيْهِ مِنْ بَابِ {إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا} وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ لَا يَحِلُّ بِهِ لِلْمَحْكُومِ لَهُ مَا حَكَمَ لَهُ بِهِ عَلَى غَيْرِهِ إذَا كَانَ مَا ادَّعَاهُ بَاطِلًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَمَا أَقَامَهُ مِنْ الشَّهَادَةِ كَاذِبًا، وَأَمَّا الْحَاكِمُ فَيَجُوزُ لَهُ الْحُكْمُ بِمَا ظَهَرَ لَهُ وَالْإِلْزَامُ بِهِ، وَتَخْلِيصُ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ مِمَّا حَكَمَ بِهِ لَوْ امْتَنَعَ وَيَنْفُذُ حُكْمُهُ ظَاهِرًا وَلَكِنَّهُ لَا يَحِلُّ بِهِ الْحَرَامُ إذَا كَانَ الْمُدَّعِي مُبْطِلًا وَشَهَادَتُهُ كَاذِبَةٌ. وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْجُمْهُورُ. وَخَالَفَ أَبُو حَنِيفَةَ فَقَالَ إنَّهُ يَنْفُذُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَإِنَّهُ لَوْ حَكَمَ الْحَاكِمُ بِشَهَادَةِ زُورٍ أَنَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ زَوْجَةُ فُلَانٍ حَلَّتْ لَهُ، وَاسْتَدَلَّ بِآثَارٍ لَا يَقُومُ بِهَا دَلِيلٌ وَبِقِيَاسٍ لَا يَقْوَى عَلَى مُقَاوَمَةِ النَّصِّ. وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم يُقِرُّ عَلَى الْخَطَإِ وَقَدْ نُقِلَ الِاتِّفَاقُ عَنْ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّهُ لَا يُقِرُّ فِيمَا حَكَمَ فِيهِ بِاجْتِهَادِهِ بِنَاءً عَلَى جَوَازِ الْخَطَإِ فِي الْأَحْكَامِ، وَجَمَعَ بَيْنَ اتِّفَاقِهِمْ وَمَا أَفَادَهُ الْحَدِيثُ بِأَنَّ مُرَادَهُمْ أَنَّهُ لَا يُقِرُّ فِيمَا حَكَمَ فِيهِ بِاجْتِهَادِهِ بِنَاءً عَلَى جَوَازِ الْخَطَإِ عَلَيْهِ فِيهِ، وَذَلِكَ كَقِصَّةِ أُسَارَى دُورِ الْإِذْنِ لِلْمُتَخَلِّفِينَ. وَأَمَّا الْحُكْمُ الصَّادِرُ عَنْ الطَّرِيقِ الَّتِي فُرِضَتْ كَالْحُكْمِ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ يَمِينِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ إذَا كَانَ مُخَالِفًا لِلْبَاطِنِ لَا يُسَمَّى الْحُكْمُ بِهِ خَطَأً بَلْ هُوَ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ عَلَى وَفْقِ مَا وَقَعَ بِهِ التَّكْلِيفُ مِنْ وُجُوبِ الْعَمَلِ بِالشَّاهِدَيْنِ، وَإِنْ كَانَا شَاهِدَيْ زُورٍ فَالتَّقْصِيرُ مِنْهُمَا. وَأَمَّا الْحَاكِمُ فَلَا حِيلَةَ لَهُ فِي ذَلِكَ وَلَا عَتْبَ عَلَيْهِ بِسَبَبِهِ. بِخِلَافِ مَا إذَا أَخْطَأَ فِي الِاجْتِهَادِ الَّذِي وَقَعَ الْحُكْمُ عَلَى وَفْقِهِ مِثْلُ أَنْ يَحْكُمَ بِأَنَّ الشُّفْعَةَ مَثَلًا لِلْجَارِ، وَكَانَ الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ فِي عِلْمِ اللَّهِ أَنَّهَا لَا تَثْبُتُ إلَّا لِلْخَلِيطِ فَإِنَّهُ إذَا كَانَ مُخَالِفًا لِلْحَقِّ الَّذِي فِي عِلْمِ اللَّهِ فَيَثْبُتُ فِيهِ الْخَطَأُ لِلْمُجْتَهِدِ عَلَى مَنْ يَقُولُ الْحَقَّ مَعَ وَاحِدٍ وَهَذَا هُوَ الَّذِي تَقَدَّمَ أَنَّهُ إذَا أَخْطَأَ كَانَ لَهُ أَجْرٌ. وَاسْتُدِلَّ بِالْحَدِيثِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحْكُمُ الْحَاكِمُ بِعِلْمِهِ؛ لِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُمْكِنُ اطِّلَاعُهُ عَلَى أَعْيَانِ الْقَضَايَا مُفَصَّلًا كَذَا قَالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ فِي الْإِرْشَادِ " قُلْت " وَفِيهِ تَأَمُّلٌ؛ لِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم إنَّمَا أَخْبَرَ أَنَّهُ يَحْكُمُ عَلَى نَحْوِ مَا يَسْمَعُ وَلَمْ يَنْفِ أَنَّهُ يَحْكُمُ بِمَا عَلِمَ وَالتَّعْلِيلُ

ص: 573

1305 -

وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «كَيْفَ تُقَدَّسُ أُمَّةٌ لَا يُؤْخَذُ مِنْ شَدِيدِهِمْ لِضَعِيفِهِمْ.» رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ

1306 و 1307 - وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ، عِنْدَ الْبَزَّارِ وَآخَرُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ.

1308 -

وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «يُدْعَى بِالْقَاضِي الْعَادِلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَلْقَى مِنْ شِدَّةِ الْحِسَابِ مَا يَتَمَنَّى أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ بَيْنَ اثْنَيْنِ فِي عُمْرِهِ» رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَلَفْظُهُ " فِي تَمْرَةٍ ".

بِقَوْلِهِ " فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ " دَالٌّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ فِي حُكْمِهِ بِمَا يَسْمَعُ فَإِذَا حَكَمَ بِمَا عَلِمَهُ فَلَا تَجْرِي فِيهِ الْعِلَّةُ.

(وَعَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «كَيْفَ تُقَدَّسُ أُمَّةٌ أَيْ: تُطَهَّرُ لَا يُؤْخَذُ مِنْ شَدِيدِهِمْ لِضَعِيفِهِمْ». رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ) وَأَخْرَجَ حَدِيثَ جَابِرٍ أَيْضًا ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ مَاجَهْ وَقَدْ شَهِدَ لَهُ الْحَدِيثُ.

وَهُوَ قَوْلُهُ (وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ عِنْدَ الْبَزَّارِ) وَفِي الْبَابِ عَنْ قَابُوسِ بْنِ الْمُخَارِقِ عَنْ أَبِيهِ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَابْنُ قَانِعٍ وَفِيهِ عَنْ خَوْلَةَ غَيْرِ مَنْسُوبَةٍ فَقِيلَ إنَّهَا امْرَأَةُ حَمْزَةَ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَأَبُو نُعَيْمٍ وَشَوَاهِدُ حَدِيثِ هَذَا الْبَابِ كَثِيرَةٌ مِنْهَا مَا ذُكِرَ وَمِنْهَا الْحَدِيثُ. وَهُوَ قَوْلُهُ (وَآخَرُ) أَيْ وَلَهُ شَاهِدٌ (مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ] وَالْمُرَادُ أَنَّهَا لَا تُطَهَّرُ أُمَّةٌ مِنْ الذُّنُوبِ لَا يُنْتَصَفُ لِضَعِيفِهَا مِنْ قَوِيِّهَا فِيمَا يَلْزَمُ مِنْ الْحَقِّ لَهُ فَإِنَّهُ يَجِبُ‌

‌ نَصْرُ الضَّعِيفِ حَتَّى يَأْخُذَ حَقَّهُ مِنْ الْقَوِيِّ

كَمَا يُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ «اُنْصُرْ أَخَاك ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا» .

(وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «يُدْعَى بِالْقَاضِي

ص: 574

1309 -

وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «لَنْ يُفْلِحْ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَةً» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

الْعَادِلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَلْقَى مِنْ شِدَّةِ الْحِسَابِ مَا يَتَمَنَّى أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ بَيْنَ اثْنَيْنِ فِي عُمْرِهِ» رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَلَفْظُهُ " فِي تَمْرَةٍ ") فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى شِدَّةِ حِسَابِ الْقُضَاةِ فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَذَلِكَ لِمَا يَتَعَاطَوْنَهُ مِنْ الْخَطَرِ، فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَحَرَّى الْحَقَّ، وَيَبْلُغَ فِيهِ جَهْدَهُ وَيُحَذَّرُ مِنْ خُلَطَاءِ السُّوءِ مِنْ الْوُكَلَاءِ وَالْأَعْوَانِ فَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا «مَا اسْتَخْلَفَ اللَّهُ مِنْ خَلِيفَةٍ إلَّا لَهُ بِطَانَتَانِ بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْخَيْرِ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ. وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ وَالْمَعْصُومُ مِنْ عَصَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى» وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ «مَا مِنْ وَالٍ إلَّا لَهُ بِطَانَتَانِ» الْحَدِيثَ وَيُحَذَّرُ الْغُرَمَاءُ وَالْوُكَلَاءُ وَيُرْوَى لَهُمْ حَدِيثُ «مَنْ خَاصَمَ فِي بَاطِلٍ وَهُوَ يَعْلَمُهُ لَمْ يَزَلْ فِي سَخَطِ اللَّهِ حَتَّى يَنْزِعَ» وَفِي لَفْظٍ «مَنْ أَعَانَ عَلَى خُصُومَةٍ بِظُلْمٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ» رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ. وَلِمَا عَرَفْته تَجَنَّبَ أَكَابِرُ الْعُلَمَاءِ وِلَايَةَ الْقَضَاءِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ. وَإِذَا كَانَ هَذَا فِي الْقَاضِي الْعَدْلِ فَكَيْفَ بِقُضَاةِ الْجَوْرِ وَالْجَهَالَةِ. فِي تَرْجَمَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ فِي الْغِرْبَالِ أَنَّهُ كَتَبَ إلَيْهِ الْخَلِيفَةُ بِقَضَاءِ مِصْرَ فَاخْتَفَى فِي بَيْتِهِ فَاطَّلَعَ عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ يَوْمًا فَقَالَ: يَا ابْنَ وَهْبٍ أَلَا تَخْرُجُ فَتَحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: أَمَا عَلِمْت أَنَّ الْعُلَمَاءَ يُحْشَرُونَ مَعَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْقُضَاةَ مَعَ السَّلَاطِينِ.

(وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ «لَنْ يُفْلِحْ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَةً» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ تَوْلِيَةِ الْمَرْأَةِ شَيْئًا مِنْ الْأَحْكَامِ الْعَامَّةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ كَانَ الشَّارِعُ قَدْ أَثْبَتَ لَهَا أَنَّهَا رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إلَى جَوَازِ تَوْلِيَتِهَا الْأَحْكَامَ إلَّا الْحُدُودَ. وَذَهَبَ ابْنُ جَرِيرٍ إلَى جَوَازِ تَوْلِيَتِهَا مُطْلَقًا. وَالْحَدِيثُ إخْبَارٌ عَنْ

ص: 575

1310 -

وَعَنْ أَبِي مَرْيَمَ الْأَزْدِيِّ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ شَيْئًا مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ فَاحْتَجَبَ عَنْ حَاجَتِهِمْ، وَفَقِيرِهِمْ احْتَجَبَ اللَّهُ دُونَ حَاجَتِهِ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ.

عَدَمِ فَلَاحِ مَنْ وَلِيَ أَمْرَهُمْ امْرَأَةٌ وَهُمْ مَنْهِيُّونَ عَنْ جَلْبِ عَدَمِ الْفَلَاحِ لِأَنْفُسِهِمْ مَأْمُورُونَ بِاكْتِسَابِ مَا يَكُونُ سَبَبًا لِلْفَلَاحِ.

(وَعَنْ أَبِي مَرْيَمَ الْأَزْدِيِّ) هُوَ صَحَابِيٌّ اسْمه عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ الْجُهَنِيُّ رَوَى عَنْهُ ابْنُ عَمِّهِ أَبُو الشَّمَّاخِ وَأَبُو الْمُعَطَّلِ وَغَيْرُهُمْ (عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ «مَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ شَيْئًا مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ فَاحْتَجَبَ عَنْ حَاجَتِهِمْ وَفَقِيرِهِمْ احْتَجَبَ اللَّهُ دُونَ حَاجَتِهِ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ) وَلَفْظُهُ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ «مَا مِنْ إمَامٍ يُغْلِقُ بَابَهُ دُونَ ذَوِي الْحَاجَةِ وَالْخَلَّةِ وَالْمَسْكَنَةِ إلَّا أَغْلَقَ اللَّهُ أَبْوَابَ السَّمَاءِ دُونَ خَلَّتِهِ وَحَاجَتِهِ وَمَسْكَنَتِهِ» وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ عَنْ أَبِي مُخَيْمِرَةَ عَنْ أَبِي مَرْيَمَ وَلَهُ قِصَّةٌ مَعَ مُعَاوِيَةَ. وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ لِمُعَاوِيَةَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: " مَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ " - الْحَدِيثَ " فَجَعَلَ مُعَاوِيَةُ رَجُلًا عَلَى حَوَائِجِ الْمُسْلِمِينَ. وَرَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ مُعَاذٍ بِلَفْظِ «مَنْ وَلِيَ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا فَاحْتَجَبَ عَنْ أُولِي الضَّعْفِ وَالْحَاجَةِ احْتَجَبَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظِ «أَيُّمَا أَمِيرٍ احْتَجَبَ عَنْ النَّاسِ فَأَهَمَّهُمْ احْتَجَبَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِيهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مُنْكَرٌ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ بِرِجَالٍ ثِقَاتٍ إلَّا شَيْخَهُ، فَإِنَّهُ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ لَمْ يَقِفْ فِيهِ عَلَى جَرْحٍ وَلَا تَعْدِيلٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي جُحَيْفَةَ أَنَّهُ قَالَ لِمُعَاوِيَةَ: سَمِعْت مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَدِيثًا أَحْبَبْت أَنْ أَضَعَهُ عِنْدَك مَخَافَةَ أَنْ لَا تَلْقَانِي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ وَلِيَ مِنْكُمْ عَمَلًا فَحَجَبَ بَابَهُ عَنْ ذِي حَاجَةٍ لِلْمُسْلِمِينَ حَجَبَهُ اللَّهُ أَنْ يَلِجَ بَابَ الْجَنَّةِ، وَمَنْ كَانَتْ هِمَّتُهُ الدُّنْيَا حُرِّمَ عَلَيْهِ جِوَارِي. فَإِنِّي بُعِثْت بِخَرَابِ الدُّنْيَا وَلَمْ أُبْعَثْ بِعِمَارَتِهَا» وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى مَنْ وَلِيَ

ص: 576

1311 -

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ فِي الْحُكْمِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.

1312 -

وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عِنْدَ الْأَرْبَعَةِ إلَّا النَّسَائِيّ

أَيَّ أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ عِبَادِ اللَّهِ أَنْ لَا يَحْتَجِبَ عَنْهُمْ وَأَنْ يُسَهِّلَ الْحِجَابَ لِيَصِلَ إلَيْهِ ذُو الْحَاجَةِ مِنْ فَقِيرٍ وَغَيْرِهِ، وَقَوْلُهُ (احْتَجَبَ اللَّهُ عَنْهُ) كِنَايَةً عَنْ مَنْعِهِ لَهُ مِنْ فَضْلِهِ وَعَطَائِهِ وَرَحْمَتِهِ.

(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ» فِي النِّهَايَةِ الرَّاشِي مَنْ يُعْطِي الَّذِي يُعِينُهُ عَلَى الْبَاطِلِ وَالْمُرْتَشِي الْآخِذُ (" فِي الْحُكْمِ ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ) وَزَادَ أَحْمَدُ " وَالرَّائِشُ " هُوَ الَّذِي يَمْشِي بَيْنَهُمَا وَهُوَ السَّفِيرُ بَيْنَ الدَّافِعِ وَالْآخِذِ، وَإِنْ لَمْ يَأْخُذْ عَلَى سِفَارَتِهِ أَجْرًا فَإِنْ أَخَذَ فَهُوَ أَبْلَغُ.

1312 -

وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عِنْدَ الْأَرْبَعَةِ إلَّا النَّسَائِيّ. (وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عِنْدَ الْأَرْبَعَةِ إلَّا النَّسَائِيّ) إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ لَفْظَ " فِي الْحُكْمِ " وَكَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد لَمْ يَذْكُرْهَا إنَّمَا زَادَهَا فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ. وَالرِّشْوَةُ حَرَامٌ بِالْإِجْمَاعِ سَوَاءٌ كَانَتْ لِلْقَاضِي أَوْ لِلْعَامِلِ عَلَى الصَّدَقَةِ أَوْ لِغَيْرِهَا. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى:{وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} وَحَاصِلُ مَا يَأْخُذُهُ الْقُضَاةُ مِنْ الْأَمْوَالِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ رِشْوَةٌ وَهَدِيَّةٌ وَأُجْرَةٌ وَرِزْقٌ؛ فَالْأَوَّلُ الرِّشْوَةُ إنْ كَانَتْ لِيَحْكُمَ لَهُ الْحَاكِمُ بِغَيْرِ حَقٍّ فَهِيَ حَرَامٌ عَلَى الْآخِذِ وَالْمُعْطِي وَإِنْ كَانَتْ لِيَحْكُم لَهُ بِالْحَقِّ عَلَى غَرِيمِهِ فَهِيَ حَرَامٌ عَلَى الْحَاكِمِ دُون الْمُعْطَى؛ لِأَنَّهَا لِاسْتِيفَاءِ حَقِّهِ فَهِيَ كَجُعْلِ الْآبِقِ وَأُجْرَةِ الْوَكَالَةِ عَلَى الْخُصُومَةِ. وَقِيلَ تَحْرُمُ؛ لِأَنَّهَا تُوقِعُ الْحَاكِمَ فِي الْإِثْمِ. وَأَمَّا الْهَدِيَّةُ وَهِيَ الثَّانِي فَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ يُهَادِيهِ قَبْلَ الْوِلَايَةِ فَلَا تَحْرُمْ اسْتِدَامَتُهَا وَإِنْ كَانَ لَا يُهْدَى إلَيْهِ إلَّا بَعْدَ الْوِلَايَةِ فَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا خُصُومَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحَدٍ عِنْدَهُ جَازَتْ وَكُرِهَتْ، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَرِيمِهِ خُصُومَةٌ عِنْدَهُ فَهِيَ حَرَامٌ عَلَى الْحَاكِمِ وَالْمُهْدَى وَيَأْتِي فِيهِ مَا سَلَفَ فِي الرِّشْوَةِ عَلَى بَاطِلٍ أَوْ حَقٍّ. وَأَمَّا الْأُجْرَةُ وَهِيَ الثَّالِثُ فَإِنْ كَانَ لِلْحَاكِمِ جِرَايَةٌ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَرِزْقٌ حَرُمَتْ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَجْرَى لَهُ الرِّزْقَ لِأَجْلِ الِاشْتِغَالِ بِالْحُكْمِ

ص: 577

1313 -

وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ رضي الله عنهما قَالَ: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّ الْخَصْمَيْنِ يَقْعُدَانِ بَيْنَ يَدَيْ الْحَاكِمِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.

فَلَا وَجْهَ لِلْأَجْرِ وَإِنْ كَانَ لَا جِرَايَةَ لَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ جَازَ لَهُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَى قَدْرِ عَمَلِهِ غَيْرَ حَاكِمٍ فَإِنْ أَخَذَ أَكْثَرَ مِمَّا يَسْتَحِقُّهُ حَرُمَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُعْطَى الْأُجْرَةَ لِكَوْنِهِ عَمِلَ عَمَلًا لَا لِأَجْلِ كَوْنِهِ حَاكِمًا فَأَخْذُهُ لِمَا زَادَ عَلَى أُجْرَةِ مِثْلِهِ غَيْرَ حَاكِمٍ إنَّمَا أَخَذَهَا لَا فِي مُقَابَلَةِ شَيْءٍ بَلْ فِي مُقَابَلَةِ كَوْنِهِ حَاكِمًا وَلَا يَسْتَحِقُّ لِأَجْلِ كَوْنِهِ حَاكِمًا شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ اتِّفَاقًا فَأُجْرَةُ الْعَمَلِ أُجْرَةُ مِثْلِهِ فَأَخْذُ الزِّيَادَةِ عَلَى أُجْرَةِ مِثْلِهِ حَرَامٌ. وَلِذَا قِيلَ إنَّ تَوْلِيَةَ الْقَضَاءِ لِمَنْ كَانَ غَنِيًّا أَوْلَى مِنْ تَوْلِيَةِ مَنْ كَانَ فَقِيرًا وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لِفَقْرِهِ يَصِيرُ مُتَعَرِّضًا لِتَنَاوُلِ مَا لَا يَجُوزُ لَهُ تَنَاوُلُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ رِزْقٌ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ لَمْ نُدْرِكْ فِي زَمَانِنَا هَذَا مَنْ يَطْلُبُ الْقَضَاءَ إلَّا وَهُوَ مُصَرِّحٌ بِأَنَّهُ لَمْ يَطْلُبْهُ إلَّا لِاحْتِيَاجِهِ إلَى مَا يَقُومُ بِأَوَدِهِ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ لَهُ شَيْءٌ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ انْتَهَى.

(وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ رضي الله عنهما قَالَ: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّ الْخَصْمَيْنِ يَقْعُدَانِ بَيْنَ يَدَيْ الْحَاكِمِ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ كُلُّهُمْ مِنْ رِوَايَةِ مُصْعَبِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَفِيهِ كَلَامٌ. قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: إنَّهُ كَثِيرُ الْغَلَطِ. وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى شَرْعِيَّةِ قُعُودِ الْخَصْمَيْنِ بَيْنَ يَدَيْ الْحَاكِمِ وَيُسَوِّي بَيْنَهُمَا فِي الْمَجْلِسِ مَا لَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمَا غَيْرَ مُسْلِمٍ فَإِنَّهُ يَرْفَعُ الْمُسْلِمَ كَمَا فِي قِصَّةِ عَلِيٍّ رضي الله عنه مَعَ غَرِيمِهِ الذِّمِّيِّ عِنْدَ شُرَيْحٍ، وَهِيَ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ بِسَنَدِهِ قَالَ:" وَجَدَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه دِرْعًا لَهُ عِنْدَ يَهُودِيٍّ الْتَقَطَهَا فَعَرَفَهَا فَقَالَ: دِرْعِي سَقَطَتْ عَنْ جَمَلٍ لِي أَوْرَقَ فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: دِرْعِي وَفِي يَدِي، ثُمَّ قَالَ الْيَهُودِيُّ بَيْنِي وَبَيْنَك قَاضِي الْمُسْلِمِينَ فَأَتَوْا شُرَيْحًا فَلَمَّا رَأَى عَلِيًّا قَدْ أَقْبَلَ تَحَرَّفَ عَنْ مَوْضِعِهِ وَجَلَسَ عَلِيٌّ فِيهِ ثُمَّ قَالَ عَلِيٌّ: لَوْ كَانَ خَصْمِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَسَاوَيْته فِي الْمَجْلِسِ لَكِنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: " لَا تُسَاوُوهُمْ فِي الْمَجْلِسِ " وَسَاقَ الْحَدِيثَ. قَالَ شُرَيْحٌ: مَا تَشَاءُ يَا أَمِيرَ الْمُومِنِينَ قَالَ: دِرْعِي سَقَطَ عَنْ جَمَلٍ لِي أَوْرَقَ فَالْتَقَطَهَا هَذَا الْيَهُودِيُّ. قَالَ شُرَيْحٌ: مَا تَقُولُ يَا يَهُودِيُّ قَالَ دِرْعِي وَفِي يَدِي. قَالَ شُرَيْحٌ: صَدَقْت وَاَللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إنَّهَا لَدِرْعُك، وَلَكِنْ لَا بُدَّ

ص: 578

‌بَابُ الشَّهَادَاتِ

1314 -

عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ الشُّهَدَاءِ؟ هُوَ الَّذِي يَأْتِي بِالشَّهَادَةِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

لَك مِنْ شَاهِدَيْنِ فَدَعَا قَنْبَرًا وَالْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ فَشَهِدَا إنَّهَا لَدِرْعُهُ. فَقَالَ شُرَيْحٌ أَمَّا شَهَادَةُ مَوْلَاك فَقَدْ أَجَزْنَاهَا. وَأَمَّا شَهَادَةُ ابْنِك فَلَا نُجِيزُهَا فَقَالَ عَلِيٌّ رضي الله عنه: ثَكِلَتْكَ أُمُّك أَمَا سَمِعْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ» قَالَ: اللَّهُمَّ نَعَمْ قَالَ: أَفَلَا تُجِيزُ شَهَادَةَ سَيِّدَيْ شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ ثُمَّ قَالَ لِلْيَهُودِيِّ: خُذْ الدِّرْعَ فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ جَاءَ مَعِي إلَى قَاضِي الْمُسْلِمِينَ فَقَضَى لِي، وَرَضِيَ. صَدَقْت وَاَللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إنَّهَا لَدِرْعُك سَقَطَتْ عَنْ جَمَلٍ لَك الْتَقَطْتهَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَوَهَبَهَا لَهُ عَلِيٌّ رضي الله عنه وَأَجَازَهُ بِتِسْعِمِائَةٍ وَقُتِلَ مَعَهُ يَوْمَ صِفِّينَ: اهـ ". وَقَوْلُ شُرَيْحٍ: وَاَللَّهِ إنَّهَا لَدِرْعُك كَأَنَّهُ عَرَفَهَا، وَيَعْلَمُ أَنَّهَا دِرْعُهُ لَكِنَّهُ لَا يَرَى الْحُكْمَ بِعِلْمِهِ كَمَا أَنَّهُ لَا يَرَى شَهَادَةَ الْوَلَدِ لِأَبِيهِ، فَانْظُرْ مَا أَبْرَكَ الْعَمَلَ بِالْحَقِّ مِنْ الْحَاكِمِ وَالْمَحْكُومِ عَلَيْهِ وَمَا آلَ إلَيْهِ مِنْ الْخَيْرِ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ.

(بَابُ الشَّهَادَاتِ) الشَّهَادَةُ مَصْدَرُ شَهِدَ - جَمْعٌ لِإِرَادَةِ الْأَنْوَاعِ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الشَّهَادَةُ خَبَرٌ قَاطِعٌ وَالشَّاهِدُ حَامِلُ الشَّهَادَةِ وَمُؤَدِّيهَا؛ لِأَنَّهُ مُشَاهِدٌ لِمَا غَابَ عَنْ غَيْرِهِ. وَقِيلَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْإِعْلَامِ مِنْ قَوْله تَعَالَى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ} أَيْ عَلِمَ.

(عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم " قَالَ «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ الشُّهَدَاءِ؟ الَّذِي يَأْتِي بِالشَّهَادَةِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ) دَلَّ عَلَى أَنَّ خَيْرَ الشُّهَدَاءِ مَنْ يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ لِمَا هِيَ لَهُ قَبْلَ أَنْ يَسْأَلَهُ إلَّا أَنَّهُ يُعَارِضُهُ الْحَدِيثُ الثَّانِي وَهُوَ حَدِيثُ عِمْرَانَ وَفِيهِ «ثُمَّ يَكُونُ قَوْمٌ يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ» فِي سِيَاقِ الذَّمِّ لَهُمْ. وَلَمَّا تَعَارَضَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِحَدِيثِ زَيْدٍ إذَا كَانَ عِنْدَ الشَّاهِدِ شَهَادَةٌ بِحَقٍّ لَا يَعْلَمُ بِهَا صَاحِبُ الْحَقِّ فَيَأْتِي إلَيْهِ فَيُخْبِرُهُ بِهَا أَوْ يَمُوتُ صَاحِبُهَا فَيَخْلُفُ وَرَثَةً فَيَأْتِي إلَيْهِمْ فَيُخْبِرُهُمْ بِأَنَّهُ عِنْدَهُ لَهُمْ شَهَادَةٌ، وَهَذَا أَحْسَنُ الْأَجْوِبَةِ وَهُوَ جَوَابُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ شَيْخِ مَالِكٍ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا شَهَادَةُ الْحِسْبَةِ وَهِيَ مَا لَا تَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ الْمُخْتَصَّةِ بِهِمْ مَحْضًا وَيَدْخُلُ فِي الْحِسْبَةِ مَا يَتَعَلَّقُ بِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ مَا فِيهِ شَائِبَةٌ مِنْهُ كَالصَّلَاةِ وَالْوَقْفِ وَالْوَصِيَّةِ الْعَامَّةِ

ص: 579

1315 -

وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: «إنَّ خَيْرَكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَكُونُ قَوْمٌ يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَنْذِرُونَ وَلَا يُوفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمْ السِّمَنُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ

وَنَحْوِهَا. وَحَدِيثُ عِمْرَانَ الْمُرَادُ بِهِ الشَّهَادَةُ فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ الْمَحْضَةِ. الثَّالِثُ: أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ أَنْ يَأْتِيَ بِالشَّهَادَةِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا الْمُبَالَغَةُ فِي الْإِجَابَةِ فَيَكُونُ لِقُوَّةِ اسْتِعْدَادِهِ كَاَلَّذِي أَتَى بِهَا قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا كَمَا يُقَالُ فِي الْجَوَادِ إنَّهُ لِيُعْطِيَ قَبْلَ الطَّلَبِ، وَهَذِهِ الْأَجْوِبَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّ الشَّهَادَةَ لَا تُؤَدَّى قَبْلَ أَنْ يَطْلُبَهَا صَاحِبُ الْحَقِّ. وَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَ ذَلِكَ عَمَلًا بِرِوَايَةِ زَيْدٍ وَتَأَوَّلَ حَدِيثَ عِمْرَانَ بِأَحَدِ تَأْوِيلَاتٍ، الْأَوَّلُ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى شَهَادَةِ الزُّورِ أَيْ يُؤَدُّونَ شَهَادَةً لَمْ يَسْبِقْ لَهُمْ بِهَا عِلْمٌ، حَكَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ الثَّانِي أَنَّ الْمُرَادَ إتْيَانُهُ بِالشَّهَادَةِ بِلَفْظِ الْحَلِفِ نَحْوُ أَشْهَدُ بِاَللَّهِ مَا كَانَ إلَّا كَذَا وَهَذَا جَوَابُ الطَّحَاوِيِّ. الثَّالِثُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الشَّهَادَةُ عَلَى مَا لَا يَعْلَمُ مِمَّا سَيَكُونُ مِنْ الْأُمُورِ الْمُسْتَقْبَلَةِ فَيَشْهَدُ عَلَى قَوْمٍ بِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَعَلَى قَوْمٍ بِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ كَمَا يَصْنَعُ ذَلِكَ أَهْلُ الْأَهْوَاءِ. حَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ. وَالْأَوَّلُ أَحْسَنُهَا.

(وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم: «إنَّ خَيْرَكُمْ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ. ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَكُونُ قَوْمٌ يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَنْذِرُونَ وَلَا يُوفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمْ السِّمَنُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) الْقَرْنُ أَهْلُ زَمَانٍ وَاحِدٍ مُتَقَارِبٍ اشْتَرَكُوا فِي أَمْرٍ مِنْ الْأُمُورِ الْمَقْصُودَةِ، وَيُقَالُ إنَّ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِمَا إذَا اجْتَمَعُوا فِي زَمَانٍ أَوْ رَئِيسٍ يَجْمَعُهُمْ عَلَى مِلَّةٍ أَوْ مَذْهَبٍ أَوْ عَمَلٍ وَيُطْلَقُ الْقَرْنُ عَلَى مُدَّةٍ مِنْ الزَّمَانِ؛ وَاخْتَلَفُوا فِي تَحْدِيدِهَا مِنْ عَشَرَةِ أَعْوَامٍ إلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ. قَالَ الْمُصَنِّفُ إنَّهُ لَمْ يَرَ مِنْ صَرَّحَ بِالتِّسْعِينَ وَلَا بِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ وَمَا عَدَا ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ بِهِ قَائِلٌ. قُلْت أَمَّا التِّسْعُونَ فَنَعَمْ، وَأَمَّا الْمِائَةُ وَالْعِشْرُونَ فَصَرَّحَ بِهِ فِي الْقَامُوسِ فَإِنَّهُ قَالَ أَوْ مِائَةٌ أَوْ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم لِغُلَامٍ " عِشْ قَرْنًا " فَعَاشَ مِائَةَ سَنَةٍ انْتَهَى قَالَ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ الْقَرْنُ أُمَّةٌ هَلَكَتْ فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ. وَقَرْنُهُ صلى الله عليه وسلم الْمُرَادُ بِهِ هُمْ الْمُسْلِمُونَ فِي عَصْرِهِ. وَقَوْلُهُ " ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ " هُمْ التَّابِعُونَ وَاَلَّذِينَ يَلُونَ

ص: 580

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

التَّابِعِينَ أَتْبَاعُ التَّابِعِينَ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصَّحَابَةَ أَفْضَلُ مِنْ التَّابِعِينَ، وَالتَّابِعِينَ أَفْضَلُ مِنْ تَابِعِيهِمْ وَأَنَّ التَّفْضِيلَ بِالنَّظَرِ إلَى كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ. وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْجَمَاهِيرُ. وَذَهَبَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إلَى أَنَّ التَّفْضِيلَ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَجْمُوعِ الصَّحَابَةِ لَا إلَى الْأَفْرَادِ فَمَجْمُوعُ الصَّحَابَةِ أَفْضَلُ مِمَّنْ بَعْدَهُمْ لَا كُلُّ فَرْدٍ مِنْهُمْ، إلَّا أَهْلَ بَدْرٍ وَأَهْلَ الْحُدَيْبِيَةِ فَإِنَّهُمْ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِمْ، يُرِيدُ أَنَّ أَفْرَادَهُمْ أَفْضَلُ مِنْ أَفْرَادِ مَنْ يَأْتِي بَعْدَهُمْ. وَاسْتُدِلَّ عَلَى ذَلِكَ بِمَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ عَمَّارٍ مِنْ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «أُمَّتِي مِثْلُ الْمَطَرِ لَا يُدْرَى أَوَّلُهُ خَيْرٌ أَمْ آخِرُهُ» وَبِمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ وَالدَّارِمِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي جُمُعَةَ؟ قَالَ «قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحَدٌ خَيْرٌ مِنَّا؟ أَسْلَمْنَا مَعَك، وَهَاجَرْنَا مَعَك قَالَ قَوْمٌ يَكُونُونَ مِنْ بَعْدِكُمْ يُؤْمِنُونَ بِي وَلَمْ يَرَوْنِي» وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ. وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ ثَعْلَبَةَ يَرْفَعُهُ «تَأْتِي أَيَّامٌ لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ أَجْرُ خَمْسِينَ قِيلَ مِنْهُمْ أَوْ مِنَّا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ بَلْ مِنْكُمْ» وَأَخْرَجَ أَبُو الْحَسَن الْقِطَّانِ فِي مَشْيَخَتِهِ عَنْ أَنَسٍ يَرْفَعُهُ «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ الصَّابِرُ فِيهِ عَلَى دِينِهِ لَهُ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ» وَجَمَعَ الْجُمْهُورُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ بِأَنَّ لِلصُّحْبَةِ فَضِيلَةً وَمَزِيَّةً لَا يُوَازِيهَا شَيْءٌ مِنْ الْأَعْمَالِ، فَلِمَنْ صَحِبَهُ صلى الله عليه وسلم فَضِيلَتُهَا وَإِنْ قَصَرَ عَمَلُهُ، وَأَجْرُهُ بِاعْتِبَارِ الِاجْتِهَادِ فِي الْعِبَادَةِ وَتَكُونُ خَيْرِيَّتُهُمْ عَلَى مَنْ سَيَأْتِي بِاعْتِبَارِ كَثْرَةِ الْأَجْرِ لَا بِالنَّظَرِ إلَى ثَوَابِ الْأَعْمَالِ وَهَذَا قَدْ يَكُونُ فِي حَقِّ بَعْضِ الصَّحَابَةِ. وَأَمَّا مَشَاهِيرُ الصَّحَابَةِ فَإِنَّهُمْ حَازُوا السَّبْقَ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْخَيْرِ وَبِهَذَا يَحْصُلُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ. وَأَيْضًا فَإِنَّ الْمُفَاضَلَةَ بَيْنَ الْأَعْمَالِ بِالنَّظَرِ إلَى الْأَعْمَالِ الْمُتَسَاوِيَةِ فِي النَّوْعِ، وَفَضِيلَةُ الصُّحْبَةِ مُخْتَصَّةٌ بِالصَّحَابَةِ لَمْ يَكُنْ لِمَنْ عَدَاهُمْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ النَّوْعِ. وَفِي قَوْلِهِ (ثُمَّ يَكُونُ قَوْمٌ " إلَى آخِرِهِ) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الْقَرْنَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ مِنْ بَعْدِ الصَّحَابَةِ مَنْ يَتَّصِفُ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ الْمَذْمُومَةِ، وَلَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِحَسَبِ الْأَغْلَبِ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى تَعْدِيلِ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ وَلَكِنَّهُ أَيْضًا بِاعْتِبَارِ الْأَغْلَبِ وَقَوْلُهُ " لَا يُؤْتَمَنُونَ " أَيْ لَا يَرَاهُمْ النَّاسُ أُمَنَاءَ وَلَا يَثِقُونَ بِهِمْ لِظُهُورِ خِيَانَتِهِمْ. وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الْأَمَانَةَ أَوَّلُ مَا يُرْفَعُ مِنْ النَّاسِ. وَمَعْنَى قَوْلِهِ (" يَظْهَرُ فِيهِمْ السِّمَنُ ") أَنَّهُمْ يَتَوَسَّعُونَ فِي الْمَآكِلِ وَالْمَشَارِبِ وَهِيَ أَسْبَابُ السِّمَنِ، وَقِيلَ أَرَادَ كَثْرَةَ الْمَالِ وَقِيلَ الْمُرَادُ أَنَّهُمْ يَسْمَنُونَ أَيْ يَتَكَثَّرُونَ بِمَا لَيْسَ فِيهِمْ وَيَدَعُونَ مَا لَيْسَ لَهُمْ مِنْ الشَّرَفِ. وَفِي حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ بِلَفْظِ «ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ يَتَسَمَّنُونَ وَيُحِبُّونَ السِّمَنَ» فَجَمَعَ بَيْنَ السِّمَنِ أَيْ التَّكَثُّرِ بِمَا لَيْسَ عِنْدَهُمْ وَتَعَاطِي أَسْبَابِ السِّمَنِ.

ص: 581

1316 -

وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ، خَائِنٍ وَلَا خَائِنَةٍ، وَلَا ذِي غَمَرٍ عَلَى أَخِيهِ، وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْقَانِعِ لِأَهْلِ الْبَيْتِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد.

(وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم: «لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ وَلَا خَائِنَةٍ وَلَا ذِي غَمَرٍ» بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِهَا بَعْدَهَا رَاءٌ فَسَّرَهُ أَبُو دَاوُد بِالْحِنَةِ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَهِيَ الْحِقْدُ وَالشَّحْنَاءُ (عَلَى أَخِيهِ «وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْقَانِعِ» بِالْقَافِ وَبَعْدَ الْأَلْفِ نُونٌ ثُمَّ عَيْنٌ مُهْمَلَةٌ يَأْتِي بَيَانُهُ (" لِأَهْلِ الْبَيْتِ ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد) وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ بِلَفْظِ «رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم شَهَادَةَ الْخَائِنِ وَالْخَائِنَةِ» وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ وَإِسْنَادُهُ قَوِيٌّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ رضي الله عنها بِلَفْظِ «لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ وَلَا خَائِنَةٍ وَلَا ذِي غَمَرٍ لِأَخِيهِ» - الْحَدِيثَ. وَفِيهِ ضَعْفٌ قَالَ التِّرْمِذِيُّ لَا يَصِحُّ عِنْدَنَا إسْنَادُهُ وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ: فِي الْعِلَلِ مُنْكَرٌ، وَضَعَّفَهُ عَبْدُ الْحَقِّ وَابْنُ حَزْمٍ وَابْنُ الْجَوْزِيِّ وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: لَا يَصِحُّ مِنْ هَذَا شَيْءٌ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَقَوْلُهُ (" الْخَائِنِ ") قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ لَا نَرَاهُ خَصَّ بِهِ الْخِيَانَةَ فِي أَمَانَاتِ النَّاسِ دُونَ مَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ وَائْتَمَنَهُمْ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ قَدْ سَمَّى ذَلِكَ أَمَانَةً قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ} فَمَنْ ضَيَّعَ شَيْئًا مِمَّا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ أَوْ مَا نَهَى عَنْهُ فَلَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَدْلًا فَإِنَّهُ إذَا كَانَ خَائِنًا فَلَيْسَ لَهُ تَقْوَى تَرُدُّهُ عَنْ ارْتِكَابِ مَحْظُورَاتِ الدِّينِ الَّتِي مِنْهَا الْكَذِبُ فَلَا يَحْصُلُ الظَّنُّ بِخَبَرِهِ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ تُهْمَةٍ أَوْ مَسْلُوبُ الْأَهْلِيَّةِ وَأَمَّا ذُو الْغَمَرِ فَالْمُرَادُ بِهِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْحِقْدِ وَالشَّحْنَاءِ، وَالْمُرَادُ بِأَخِيهِ: الْمُسْلِمُ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ وَالْكَافِرُ مِثْلُهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ ذُو حِقْدٍ عَلَيْهِ إذَا كَانَتْ الْعَدَاوَةُ بِسَبَبٍ غَيْرِ الدِّينِ فَإِنَّ ذَا الْحِقْدِ مَظِنَّةُ عَدَمِ صِدْقِ خَبَرِهِ لِمَحَبَّتِهِ إنْزَالَ الضَّرَرِ بِمَنْ يَحْقِدُ عَلَيْهِ، وَأَمَّا الْمُسْلِمُ إذَا لَمْ يَكُنْ ذَا حِقْدٍ عَلَى الْكَافِرِ بِسَبَبٍ غَيْرِ الدِّينِ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا عَدَاوَةٌ فِي الدِّينِ فَإِنَّ عَدَاوَةَ الدِّينِ لَا تَقْتَضِي أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ زُورًا فَإِنَّ الدِّينَ لَا يُسَوِّغُ ذَلِكَ. وَإِنَّمَا خَرَجَ الْحَدِيثُ عَلَى الْأَغْلَبِ. وَالْقَانِعُ هُوَ الْخَادِمُ لِأَهْلِ الْبَيْتِ وَالْمُنْقَطِعُ إلَيْهِمْ لِلْخِدْمَةِ

ص: 582

1317 -

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ بَدَوِيٍّ عَلَى صَاحِبِ قَرْيَةٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ.

وَقَضَاءِ الْحَوَائِجِ، وَمُوَالَاتِهِمْ عِنْدَ الْحَاجَةِ. وَفِي تَمَامِ الْحَدِيثِ، وَأَجَازَهَا أَيْ شَهَادَةَ الْقَانِعِ لِغَيْرِهِمْ أَيْ لِغَيْرِ مَنْ هُوَ تَابِعٌ لَهُمْ وَإِنَّمَا مَنَعَ مِنْ شَهَادَتِهِ لِمَنْ هُوَ قَانِعٌ لَهُمْ؛ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ تُهْمَةٍ فَيَجِبُ دَفْعُ الضَّرَرِ عَنْهُمْ وَجَلْبُ الْخَيْرِ إلَيْهِمْ فَمُنِعَ مِنْ الشَّهَادَةِ. وَمَنْعُ هَؤُلَاءِ مِنْ الشَّهَادَةِ دَلِيلٌ عَلَى اعْتِبَارِ الْعَدَالَةِ فِي الشَّاهِدِ وَعَلَيْهِ دَلَّ قَوْله تَعَالَى:{وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} وَقَدْ وَسَمُوا الْعَدَالَةَ بِأَنَّهَا مُحَافَظَةٌ دِينِيَّةٌ تَحْمِلُ عَلَى مُلَازَمَةِ التَّقْوَى وَالْمُرُوءَةِ لَيْسَ مَعَهَا بِدْعَةٌ. وَقَدْ نَازَعْنَاهُمْ فِي هَذَا الرَّسْمِ فِي عِدَّةٍ مِنْ الْمَبَاحِثِ كَرِسَالَةِ الْمَسَائِلِ الْمُهِمَّةِ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى حُكَّامَ الْأُمَّةِ وَحَقَقْنَا الْحَقَّ فِي الْعَدَالَةِ فِي رِسَالَةِ ثَمَرَاتِ النَّظَرِ، فِي عِلْمِ الْأَثَرِ. وَفِي مِنْحَةِ الْغَفَّارِ، حَاشِيَةِ ضَوْءِ النَّهَارِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. وَاخْتَرْنَا أَنَّ الْعَدْلَ هُوَ مَنْ غَلَبَ خَيْرُهُ شَرَّهُ وَلَمْ يُجَرَّبْ عَلَيْهِ اعْتِيَادُ كَذِبٍ وَأَقَمْنَا عَلَيْهِ الْأَدِلَّةَ هُنَالِكَ وَالشَّارِحُ هُنَا مَشَى مَعَ الْجَمَاهِيرِ. وَذَكَرَ بَعْضَ مَا يَتَعَلَّقُ بِتَفْسِيرِ مُرَادِهِمْ.

(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ بِدَوِيٍّ عَلَى صَاحِبِ قَرْيَةٍ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ) الْبَدَوِيُّ مَنْ سَكَنَ الْبَادِيَةَ نَسَبٌ عَلَى غَيْرِ قِيَاسِ النِّسْبَةِ وَالْقِيَاسُ بَادَوِيٌّ وَالْقَرْيَةُ بِفَتْحِ الْقَافِ وَقَدْ تُكْسَرُ الْمِصْرُ الْجَامِعُ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ‌

‌ شَهَادَةِ الْبَدَوِيِّ

عَلَى صَاحِبِ الْقَرْيَةِ إلَّا عَلَى بَدَوِيٍّ مِثْلِهِ فَتَصِحُّ. وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَقَالَ أَحْمَدُ: أَخْشَى أَنْ لَا تُقْبَلَ شَهَادَةُ الْبَدَوِيِّ عَلَى صَاحِبِ الْقَرْيَةِ لِهَذَا الْحَدِيثِ؛ وَلِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ حَيْثُ أَشْهَدَ بَدَوِيًّا وَلَمْ يُشْهِدْ قَرَوِيًّا. وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ إلَّا أَنَّهُ قَالَ: لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْبَدَوِيِّ لِمَا فِيهِ مِنْ الْجَفَاءِ فِي الدِّينِ وَالْجَهَالَةِ بِأَحْكَامِ الشَّرَائِعِ؛ وَلِأَنَّهُمْ فِي الْغَالِبِ لَا يَضْبِطُونَ الشَّهَادَةَ عَلَى وَجْهِهَا. وَذَهَبَ الْأَكْثَرُ إلَى قَبُولِ شَهَادَتِهِمْ وَحَمَلُوا الْحَدِيثَ عَلَى مَنْ لَا تُعْرَفُ عَدَالَتُهُ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ إذْ الْأَغْلَبُ أَنَّ عَدَالَتَهُمْ غَيْرُ مَعْرُوفَةٍ. وَقَدْ اسْتَدَلَّ فِي الْبَحْرِ لِقَبُولِ شَهَادَتِهِمْ بِقَبُولِهِ صلى الله عليه وسلم لِشَهَادَةِ الْأَعْرَابِيِّ عَلَى هِلَالِ رَمَضَانَ.

ص: 583

وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ خَطَبَ فَقَالَ: «إنَّ أُنَاسًا كَانُوا يُؤْخَذُونَ بِالْوَحْيِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَإِنَّ الْوَحْيَ قَدْ انْقَطَعَ، وَإِنَّمَا نَأْخُذُكُمْ الْآنَ بِمَا ظَهَرَ لَنَا مِنْ أَعْمَالِكُمْ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

1318 -

وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ رضي الله عنه «عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ عَدَّ شَهَادَةَ الزُّورِ فِي أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ.

(وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه أَنَّهُ خَطَبَ فَقَالَ: «إنَّ أُنَاسًا كَانُوا يُؤْخَذُونَ بِالْوَحْيِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَإِنَّ الْوَحْيَ قَدْ انْقَطَعَ وَإِنَّمَا نَأْخُذُكُمْ الْآنَ بِمَا ظَهَرَ لَنَا مِنْ أَعْمَالِكُمْ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) وَتَمَامُهُ " فَمَنْ أَظْهَرَ لَنَا خَيْرًا أَمَّنَّاهُ وَقَرَّبْنَاهُ وَلَيْسَ لَنَا مِنْ سَرِيرَتِهِ شَيْءٌ، اللَّهُ يُحَاسِبُهُ فِي سَرِيرَتِهِ، وَمَنْ أَظْهَرَ لَنَا سُوءًا لَمْ نَأْمَنْهُ وَلَمْ نُصَدِّقْهُ، وَإِنْ قَالَ إنَّ سَرِيرَتَهُ حَسَنَةٌ " اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى قَبُولِ شَهَادَةِ مَنْ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ رِيبَةٌ نَظَرًا إلَى ظَاهِرِ الْحَالِ وَأَنَّهُ يَكْفِي فِي التَّعْدِيلِ مَا يَظْهَرُ مِنْ حَالِ الْمُعَدِّلِ مِنْ الِاسْتِقَامَةِ مِنْ غَيْرِ كَشْفٍ عَنْ حَقِيقَةِ سَرِيرَتِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُتَعَذَّرٌ إلَّا بِالْوَحْيِ، وَقَدْ انْقَطَعَ، وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ أَوْرَدَهُ وَإِنْ كَانَ كَلَامَ صَحَابِيٍّ لَا حُجَّةَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ خَطَبَ بِهِ عُمَرُ وَأَقَرَّهُ مَنْ سَمِعَهُ فَكَانَ قَوْلَ جَمَاهِيرِ الصَّحَابَةِ؛ وَلِأَنَّ هَذَا الَّذِي قَالَهُ هُوَ الْجَارِي عَلَى قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ الْمَجْهُولُ. وَيَدُلُّ لَهُ مَا رَوَاهُ ابْنُ كَثِيرٍ فِي الْإِرْشَادِ " أَنَّهُ شَهِدَ عِنْدَ عُمَرَ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: لَسْت أَعْرِفُك وَلَا يَضُرُّك أَنْ لَا أَعْرِفَك ائْتِ بِمَنْ يَعْرِفُك فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ أَنَا أَعْرِفُهُ. قَالَ بِأَيِّ شَيْءٍ تَعْرِفُهُ؟ قَالَ بِالْعَدَالَةِ وَالْفَضْلِ فَقَالَ: هُوَ جَارُك الْأَدْنَى الَّذِي تَعْرِفُ لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ وَمُدْخَلَهُ وَمُخْرَجَهُ؟ قَالَ لَا. قَالَ فَعَامَلَك بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ اللَّذَيْنِ يُسْتَدَلُّ بِهِمَا عَلَى الْوَرَعِ قَالَ: لَا قَالَ فَرَفِيقُك فِي السَّفَرِ الَّذِي يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ قَالَ: لَا قَالَ لَسْت تَعْرِفُهُ ثُمَّ قَالَ لِلرَّجُلِ ائْتِ بِمَنْ يَعْرِفُك " قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَوَاهُ الْبَغَوِيّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ. .

(وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ رضي الله عنه «عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ عَدَّ شَهَادَةَ الزُّورِ فِي أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي حَدِيثٍ) وَلَفْظُهُ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ ثَلَاثًا قَالُوا بَلَى. قَالَ: الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ. وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ. وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا ثُمَّ قَالَ: أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ» فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ. تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ شَهَادَةِ الزُّورِ. قَالَ الثَّعْلَبِيُّ: الزُّورُ تَحْسِينُ الشَّيْءِ وَوَصْفُهُ بِخِلَافِ صِفَتِهِ حَتَّى يُخَيَّلَ إلَى مَنْ سَمِعَهُ أَوْ رَآهُ أَنَّهُ بِخِلَافِ مَا هُوَ بِهِ فَهُوَ تَمْوِيهُ الْبَاطِلِ بِمَا يُوهِمُ أَنَّهُ حَقٌّ، وَقَدْ جَعَلَ صلى الله عليه وسلم قَوْلَ الزُّورِ عَدِيلًا لِلْإِشْرَاكِ وَمُسَاوِيًا

ص: 584

1319 -

وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِرَجُلٍ: تَرَى الشَّمْسَ؟ قَالَ نَعَمْ. قَالَ: عَلَى مِثْلِهَا فَاشْهَدْ، أَوْ دَعْ» أَخْرَجَهُ بْنُ عَدِيٍّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ فَأَخْطَأَ.

لَهُ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: وَلَيْسَ عَلَى ظَاهِرِهِ الْمُتَبَادَرِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الشِّرْكَ أَكْبَرُ بِلَا شَكٍّ وَكَذَلِكَ الْقَتْلُ فَلَا بُدَّ مِنْ تَأْوِيلِهِ وَذَلِكَ بِأَنَّ التَّفْضِيلَ لَهَا بِالنَّظَرِ إلَى مَا يُنَاظِرُهَا فِي الْمَفْسَدَةِ، وَهِيَ التَّسَبُّبُ إلَى أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ فَهِيَ أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْكَبَائِرِ الَّتِي يُتَسَبَّبُ بِهَا إلَى أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ فَهِيَ أَكْبَرُ مِنْ الزِّنَى وَمِنْ السَّرِقَةِ وَإِنَّمَا اهْتَمَّ صلى الله عليه وسلم بِإِخْبَارِهِمْ عَنْ شَهَادَةِ الزُّورِ وَجَلَسَ وَأَتَى بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ وَكَرَّرَ الْإِخْبَارَ لِكَوْنِ قَوْلِ الزُّورِ وَشَهَادَةِ الزُّورِ أَسْهَلَ عَلَى اللِّسَانِ وَالتَّهَاوُنِ بِهَا أَكْثَرَ؛ وَلِأَنَّ الْحَوَامِلَ عَلَيْهِ كَثِيرَةٌ مِنْ الْعَدَاوَةِ وَالْحَسَدِ وَغَيْرِهِمَا فَاحْتِيجَ إلَى الِاهْتِمَامِ بِشَأْنِهِ بِخِلَافِ الْإِشْرَاكِ فَإِنَّهُ يَنْبُو عَنْهُ قَلْبُ الْمُسْلِمِ؛ وَلِأَنَّهُ لَا تَتَعَدَّى مَفْسَدَتُهُ إلَى غَيْرِ الْمُشْرِكِ بِخِلَافِ قَوْلِ الزُّورِ فَإِنَّهُ يَتَعَدَّى إلَى مَنْ قِيلَ فِيهِ، وَالْعُقُوقُ يَصْرِفُ عَنْهُ كَرْمُ الطَّبْعِ وَالْمُرُوءَةُ.

(وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِرَجُلٍ: تَرَى الشَّمْسَ؟ قَالَ نَعَمْ قَالَ عَلَى مِثْلِهَا فَاشْهَدْ أَوْ دَعْ». أَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ فَأَخْطَأَ) لِأَنَّ فِي إسْنَادِهِ مُحَمَّدَ بْنَ سُلَيْمَانَ بْنِ مَشْمُولٍ ضَعَّفَهُ النَّسَائِيّ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: لَمْ يُرْوَ مِنْ وَجْهٍ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَشْهَدَ إلَّا عَلَى مَا يَعْلَمُهُ عِلْمًا يَقِينًا كَمَا تُعْلَمُ الشَّمْسُ بِالْمُشَاهَدَةِ وَلَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ بِالظَّنِّ فَإِنْ كَانَتْ الشَّهَادَةُ عَلَى فِعْلٍ فَلَا بُدَّ مِنْ رُؤْيَتِهِ وَإِنْ كَانَتْ عَلَى صَوْتٍ فَلَا بُدَّ مِنْ سَمَاعِ ذَلِكَ الصَّوْتِ وَرُؤْيَةِ الْمُصَوِّتِ أَوْ التَّعْرِيفِ بِالْمُصَوِّتِ بِعَدْلَيْنِ أَوْ عَدْلٍ عِنْدَ مَنْ يَكْتَفِي بِهِ إلَّا فِي مَوَاضِعَ فَإِنَّهَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ بِالظَّنِّ. وَقَدْ بَوَّبَ الْبُخَارِيُّ لِلشَّهَادَةِ عَلَى الظَّنِّ بِقَوْلِهِ:(بَابُ الشَّهَادَةِ عَلَى الْأَنْسَابِ وَالرَّضَاعِ الْمُسْتَفِيضِ، وَالْمَوْتِ الْقَدِيمِ) وَذَكَرَ أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ فِي ثُبُوتِ الرَّضَاعِ،

ص: 585

1320 -

وَعَنْهُ رضي الله عنهما: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَضَى بِيَمِينٍ وَشَاهِدٍ» . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ، وَقَالَ: إسْنَادُهُ جَيِّدٌ

1321 -

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مِثْلُهُ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ

وَثُبُوتُهُ إنَّمَا هُوَ بِالِاسْتِفَاضَةِ وَلَمْ يَذْكُرْ حَدِيثًا عَلَى رُؤْيَةِ الرَّضَاعِ، وَأَشَارَ بِذَلِكَ إلَى ثُبُوتِ النَّسَبِ، فَإِنَّ مِنْ لَازِمِ الرَّضَاعِ ثُبُوتَ النَّسَبِ، وَأَمَّا ثُبُوتُ الرَّضَاعَةِ نَفْسِهَا بِالِاسْتِفَاضَةِ فَإِنَّهُ مُسْتَفَادٌ مِنْ صَرِيحِ الْأَحَادِيثِ فَإِنَّ الرَّضَاعَةَ الْمَذْكُورَةَ فِيهَا كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَكَانَ ذَلِكَ مُسْتَفِيضًا عِنْدَ مَنْ وَقَعَ لَهُ. وَحَدُّ الِاسْتِفَاضَةِ عِنْدَ الْهَادَوِيَّةِ شُهْرَةٌ فِي الْمَحَلَّةِ تُثْمِرُ ظَنًّا أَوْ عِلْمًا، وَإِنَّمَا اكْتَفَى بِالشُّهْرَةِ فِي الْمَذْكُورَةِ إذْ لَا طَرِيقَ لَهُ إلَى التَّحْقِيقِ بِالنَّسَبِ لِتَعَذُّرِ التَّحَقُّقِ فِيهِ فِي الْأَغْلَبِ. وَأَرَادَ الْبُخَارِيُّ بِالْمَوْتِ الْقَدِيمِ مَا تَطَاوَلَ الزَّمَانُ عَلَيْهِ، وَحَدَّهُ الْبَعْضُ بِخَمْسِينَ سَنَةً وَقِيلَ أَرْبَعِينَ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَشُقُّ فِيهِ التَّحْقِيقُ. وَإِلَى الْعَمَلِ بِالشُّهْرَةِ فِي النَّسَبِ ذَهَبَ الْهَادَوِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَأَحْمَدُ وَمِثْلُهُ الْمَوْتُ كَذَلِكَ ذَهَبَتْ إلَيْهِ الْهَادَوِيَّةُ فِي ثُبُوتِ الْوَلَاءِ، وَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْفَتْحِ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ضَابِطِ مَا تُفِيدُ فِيهِ الشَّهَادَةُ بِالِاسْتِفَاضَةِ فَيَصِحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي النَّسَبِ قَطْعًا، وَالْوِلَادَةِ وَفِي الْمَوْتِ وَالْعِتْقِ وَالْوَلَاءِ وَالْوِلَايَةِ وَالْوَقْفِ وَالْعَزْلِ وَالنِّكَاحِ وَتَوَابِعِهِ وَالتَّعْدِيلِ وَالتَّجْرِيحِ وَالْوَصِيَّةِ وَالرُّشْدِ وَالسَّفَهِ وَذَلِكَ عَلَى الرَّاجِحِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ، وَبَلَّغَهَا بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ بِضْعَةً وَعِشْرِينَ مَوْضِعًا وَهِيَ مُسْتَوْفَاةٌ فِي قَوَاعِدِ الْعَلَائِيِّ إلَى آخِرِ كَلَامِهِ.

(وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَضَى بِيَمِينٍ وَشَاهِدٍ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ، وَقَالَ: إسْنَادُهُ جَيِّدٌ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا مَطْعَنَ لِأَحَدٍ فِي إسْنَادِهِ كَذَا قَالَ لَكِنَّهُ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي الْعِلَلِ: سَأَلْت مُحَمَّدًا يَعْنِي الْبُخَارِيَّ عَنْهُ فَقَالَ: لَمْ يَسْمَعْهُ عِنْدِي عَمْرٌو مِنْ ابْنِ عَبَّاسٍ يُرِيدُ عَمْرَو بْنَ دِينَارٍ رَاوِيَةً عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَالَ الْحَاكِمُ قَدْ سَمِعَ عَمْرٌو مِنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عِدَّةَ أَحَادِيثَ وَسَمِعَ مِنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَلَا يُنْكِرُ أَنْ يَكُونَ سَمِعَ مِنْهُ حَدِيثًا. وَسَمِعَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ عَنْهُ وَلَهُ شَوَاهِدُ.

1321 -

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مِثْلُهُ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.

(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه مِثْلُهُ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ) وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا الشَّافِعِيُّ وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي الْعِلَلِ عَنْ أَبِيهِ هُوَ صَحِيحٌ وَقَدْ أَخْرَجَ الْحَدِيثَ

ص: 586

‌بَابُ الدَّعَاوَى وَالْبَيِّنَات

1322 -

عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالِ وَأَمْوَالِهِمْ، وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

عَنْ اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ مِنْ الصَّحَابَةِ وَقَدْ سَرَدَ الشَّارِحُ أَسْمَاءَهُمْ وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَثْبُتُ الْقَضَاءُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ جَمَاهِيرُ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ وَهُوَ مَذْهَبُ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ السَّبْعَةِ وَالْهَادَوِيَّةِ وَمَالِكٍ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَعُمْدَتُهُمْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ، وَالْيَمِينُ، وَإِنْ كَانَ حَاصِلُهَا تَأْكِيدُ الدَّعْوَى لَكِنْ يَعْظُمُ شَأْنُهَا فَإِنَّهَا إشْهَادٌ لِلَّهِ سبحانه وتعالى أَنَّ الْحَقِيقَةَ كَمَا يَقُولُ وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى خِلَافِ الدَّعْوَى لَكَانَ مُفْتَرِيًا عَلَى اللَّهِ أَنَّهُ يَعْلَمُ صِدْقَهُ فَلَمَّا كَانَتْ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ الْعَظِيمَةِ هَابَهَا الْمُؤْمِنُ بِإِيمَانِهِ وَعَظَمَةِ شَأْنِ اللَّهِ عِنْدَهُ أَنْ يَحْلِفَ بِهِ كَاذِبًا وَهَابَهَا الْفَاجِرُ لِمَا يَرَاهُ مِنْ تَعْجِيلِ عُقُوبَةِ اللَّهِ لِمَنْ حَلَفَ يَمِينًا فَاجِرَةً فَلَمَّا كَانَ لِلْيَمِينِ هَذَا الشَّأْنُ صَلُحَتْ لِلْهُجُومِ عَلَى الْحُكْمِ كَشَهَادَةِ الشَّاهِدِ، وَقَدْ اُعْتُبِرَتْ الْأَيْمَانُ فَقَطْ فِي اللِّعَانِ وَفِي الْقَسَامَةِ فِي مَقَامِ الشُّهُودِ. وَذَهَبَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ إلَى عَدَمِ الْحُكْمِ بِالْيَمِينِ وَالشَّاهِدِ مُسْتَدِلِّينَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} وَقَوْلِهِ: {فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ} قَالُوا وَهَذَا يَقْتَضِي الْحَصْرَ وَيُفِيدُ مَفْهُومَ الْمُخَالَفَةِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ بِغَيْرِ ذَلِكَ، وَزِيَادَةُ الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ تَكُونُ نَسْخًا لِمَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ.

وَأُجِيبُ عَنْهُ بِأَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ اعْتِبَارِ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ يَصِحُّ نَسْخُهُ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَعْنِي حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «شَاهِدَاك أَوْ يَمِينُهُ» وَأُجِيب بِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ صَحِيحٌ وَحَدِيثُ الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ صَحِيحٌ يُعْمَلُ بِهِمَا فِي مَنْطُوقِهِمَا فَإِنَّ مَفْهُومَ أَحَدِهِمَا لَا يُقَاوِمُ مَنْطُوقَ الْآخَرِ. هَذَا وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد أَنَّهُ قَالَ سَلَمَةُ فِي حَدِيثِهِ: قَالَ عَمْرٌو (فِي الْحُقُوقِ) يُرِيدُ أَنَّ عَمْرَو بْنَ دِينَارٍ الرَّاوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ خَصَّ الْحُكْمَ بِالشَّاهِدِ، وَالْيَمِينَ بِالْحُقُوقِ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَهَذَا خَاصٌّ بِالْأَمْوَالِ دُونَ غَيْرِهَا فَإِنَّ الرَّاوِيَ وَقَفَهُ عَلَيْهَا وَالْخَاصُّ لَا يَتَعَدَّى بِهِ مَحَلُّهُ وَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ وَاقْتِضَاءُ الْعُمُومِ مِنْهُ غَيْرُ جَائِزٍ؛ لِأَنَّهُ حِكَايَةُ فِعْلٍ وَالْفِعْلُ لَا عُمُومَ لَهُ ا. هـ.

وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنْ الْحُكْمِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ إلَّا الْحَدُّ وَالْقِصَاصُ لِلْإِجْمَاعِ أَنَّهُمَا لَا يَثْبُتَانِ بِذَلِكَ. .

ص: 587

وَلِلْبَيْهَقِيِّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ: ‌

«الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» .

1323 -

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَرَضَ عَلَى قَوْمٍ الْيَمِينَ، فَأَسْرَعُوا، فَأَمَرَ أَنْ يُسْهَمَ بَيْنَهُمْ فِي الْيَمِينِ: أَيُّهُمْ يَحْلِفُ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

الدَّعَاوَى جَمْعُ دَعْوَى وَهِيَ اسْمُ مَصْدَرٍ مِنْ ادَّعَى شَيْئًا إذَا زَعَمَ أَنَّهُ لَهُ حَقًّا أَوْ بَاطِلًا (وَالْبَيِّنَاتُ) جَمْعُ بَيِّنَةٍ وَهِيَ الْحُجَّةُ الْوَاضِحَةُ سُمِّيَتْ الْحُجَّةُ بَيِّنَةً لِوُضُوحِ الْحَقِّ وَظُهُورِهِ بِهَا.

(عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِلْبَيْهَقِيِّ) أَيْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ (بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» وَفِي الْبَابِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ. وَالْحَدِيثُ دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُ أَحَدٍ فِيمَا يَدَّعِيه لِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ بَلْ يَحْتَاجُ إلَى الْبَيِّنَةِ أَوْ تَصْدِيقِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَإِنْ طَلَبَ يَمِينَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَلَهُ ذَلِكَ.

وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَخَلَفُهَا. قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَالْحِكْمَةُ فِي كَوْنِ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْمُدَّعِي أَنَّ جَانِبَ الْمُدَّعِي ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي خِلَافَ الظَّاهِرِ فَكُلِّفَ الْحُجَّةَ الْقَوِيَّةَ وَهِيَ الْبَيِّنَةُ فَيَقْوَى بِهَا ضَعْفُ الْمُدَّعِي؛ وَجَانِبُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ قَوِيٌّ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فَرَاغُ ذَاتِهِ فَاكْتَفَى مِنْهُ بِالْيَمِينِ وَهِيَ حُجَّةٌ ضَعِيفَةٌ.

(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَرَضَ عَلَى قَوْمٍ الْيَمِينَ فَأَسْرَعُوا فَأَمَرَ أَنْ يُسْهَمَ بَيْنَهُمْ فِي الْيَمِينِ أَيُّهُمْ يَحْلِفُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) يُفَسِّرُهُ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا فِي مَتَاعٍ لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: اسْتَهِمَا عَلَى الْيَمِينِ مَا كَانَ أَحَبَّا ذَلِكَ أَوْ كَرِهَا» قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَمَعْنَى الِاسْتِهَامِ هُنَا الِاقْتِرَاعُ يُرِيدُ أَنَّهُمَا يَقْتَرِعَانِ فَأَيُّهُمَا خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ حَلَفَ وَأَخَذَ مَا ادَّعَى، وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه وَهُوَ أَنَّهُ أَتَى بِنَعْلٍ وُجِدَ فِي السُّوقِ يُبَاعُ فَقَالَ رَجُلٌ: هَذَا نَعْلِي لَمْ أَبِعْ وَلَمْ أَهَبْ وَقَرَعَ عَلَى خَمْسَةٍ يَشْهَدُونَ وَجَاءَ آخَرُ يَدَّعِيهِ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَعْلُهُ وَجَاءَ بِشَاهِدَيْنِ قَالَ الرَّاوِي: فَقَالَ عَلِيٌّ رضي الله عنه: إنَّ فِيهِ قَضَاءً وَصُلْحًا وَسَوْفَ أُبَيِّنُ لَكُمْ ذَلِكَ، أَمَّا صُلْحُهُ فَأَنْ يُبَاعَ النَّعْلُ فَيُقَسَّمُ عَلَى سَبْعَةِ أَسْهُمٍ لِهَذَا خَمْسَةٌ وَلِهَذَا اثْنَانِ وَإِنْ لَمْ يَصْطَلِحَا فَالْقَضَاءُ أَنْ يَحْلِفَ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ أَنَّهُ مَا بَاعَهُ وَلَا وَهَبَهُ وَأَنَّهُ نَعْلُهُ فَإِنْ تَشَاحَحْتُمَا أَيُّكُمَا يَحْلِفُ فَإِنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَكُمَا عَلَى الْحَلِفِ فَأَيُّكُمَا قَرَعَ حَلَفَ. انْتَهَى كَلَامُ الْخَطَّابِيِّ.

ص: 588

1324 -

وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْحَارِثِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ فَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: وَإِنْ كَانَ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

1325 -

وَعَنْ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَهُوَ قَوْلُهُ

(وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْحَارِثِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ فَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ النَّارَ وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ. فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: وَإِنْ كَانَ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ) الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى شِدَّةِ الْوَعِيدِ لِمَنْ حَلَفَ لِيَأْخُذَ حَقًّا لِغَيْرِهِ أَوْ يُسْقِطَ عَنْ نَفْسِهِ حَقًّا، فَإِنَّهُ يَدْخُلُ تَحْتَ الِاقْتِطَاعِ لِحَقِّ الْمُسْلِمِ وَالتَّعْبِيرُ بِحَقِّ الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ يَدْخُلُ فِيهِ مَا لَيْسَ بِمَالٍ شَرْعًا كَجِلْدِ الْمَيْتَةِ وَنَحْوِهِ. وَذِكْرُ الْمُسْلِمِ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ وَإِلَّا فَالذِّمِّيُّ مِثْلُهُ فِي هَذَا الْحُكْمِ، قِيلَ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ هَذِهِ الْعُقُوبَةَ تَخْتَصُّ بِمَنْ اقْتَطَعَ بِيَمِينِهِ حَقَّ الْمُسْلِمِ لَا حَقَّ الذِّمِّيِّ وَإِنْ كَانَ مُحَرَّمًا فَلَهُ عُقُوبَةٌ أُخْرَى وَإِيجَابُ النَّارِ وَتَحْرِيمُ الْجَنَّةِ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يَتُبْ وَيَتَخَلَّصْ مِنْ الْحَقِّ الَّذِي أَخَذَهُ بَاطِلًا ثُمَّ الْمُرَادُ بِالْيَمِينِ الْيَمِينُ الْفَاجِرَةُ وَإِنْ كَانَتْ مُطْلَقَةً فِي الْحَدِيثِ فَقَدْ قَيَّدَهَا الْحَدِيثُ الْآتِي:

(وَعَنْ الْأَشْعَثِ) بِشِينٍ مُعْجَمَةٍ سَاكِنَةٍ فَعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ فَمُثَلَّثَةٍ وَهُوَ أَبُو مُحَمَّدِ (ابْنِ قَيْسِ) بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ الْكِنْدِيُّ قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي وَفْدِ كِنْدَةَ وَكَانَ رَئِيسَهُمْ وَذَلِكَ فِي سَنَةِ عَشْرٍ وَكَانَ رَئِيسًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ مُطَاعًا فِي قَوْمِهِ وَجِيهًا فِي الْإِسْلَامِ وَارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ رَجَعَ إلَى الْإِسْلَامِ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنه، وَخَرَجَ لِلْجِهَادِ مَعَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَشَهِدَ الْقَادِسِيَّةَ وَغَيْرَهَا ثُمَّ سَكَنَ الْكُوفَةَ وَمَاتَ بِهَا سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ وَصَلَّى عَلَيْهِ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ رضي الله عنه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَالْمُرَادُ بِكَوْنِهِ فَاجِرًا فِيهَا أَنْ يَكُونَ مُتَعَمِّدًا عَالِمًا أَنَّهُ غَيْرُ مُحِقٍّ وَإِذَا كَانَ تَعَالَى عَلَيْهِ غَضْبَانُ حَرَّمَهُ جَنَّتَهُ وَأَوْجَبَ عَلَيْهِ عَذَابَهُ.

ص: 589

1326 -

وَعَنْ أَبِي مُوسَى - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: «أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا فِي دَابَّةٍ، وَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ بَيِّنَةٌ، فَقَضَى بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ، وَهَذَا لَفْظُهُ، وَقَالَ: إسْنَادُهُ جَيِّدٌ.

(وَعَنْ أَبِي مُوسَى رضي الله عنه «أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا فِي دَابَّةٍ لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ فَقَضَى بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَهَذَا لَفْظُهُ وَقَالَ: إسْنَادُهُ جَيِّدٌ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْبَعِيرُ أَوْ الدَّابَّةُ الَّتِي كَانَتْ فِي أَيْدِيهِمَا مَعًا فَجَعَلَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْمِلْكِ بِالْيَدِ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَكُونَا بِنَفْسِ الدَّعْوَى يَسْتَحِقَّانِهِ لَوْ كَانَ الشَّيْءُ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا. وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد عَقِيبَهُ حَدِيثًا فَقَالَ: «ادَّعَيَا بَعِيرًا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ فَبَعَثَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِشَاهِدَيْنِ، فَقَسَمَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ» قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَهُوَ مَرْوِيٌّ بِالْإِسْنَادِ الْأَوَّلِ إلَّا أَنَّ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ لَمْ يَكُنْ لِوَاحِدِ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ، وَفِي هَذَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْ جَاءَ بِشَاهِدَيْنِ فَاحْتُمِلَ أَنْ تَكُونَ الْقَضِيَّةُ وَاحِدَةً إلَّا أَنَّ الشَّهَادَاتِ لَمَّا تَعَارَضَتْ تَهَاتَرَتْ فَصَارَا كَمَنْ لَا بَيِّنَةَ لَهُ وَحَكَمَ بِالشَّيْءِ بَيْنَهُمَا لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْيَدِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْبَعِيرُ فِي يَدِ غَيْرِهِمَا فَلَمَّا أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَاهِدَيْنِ عَلَى دَعْوَاهُ نُزِعَ الشَّيْءُ مِنْ يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَدَفَعَهُ إلَيْهِمَا وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الشَّيْءِ يَكُونُ فِي يَدِ الرَّجُلِ يَتَدَاعَاهُ اثْنَانِ يُقِيمُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً فَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ صَارَ لَهُ، وَكَانَ الشَّافِعِيُّ يَقُولُ بِهِ قَدِيمًا ثُمَّ قَالَ فِي الْجَدِيدِ: فِيهِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا: يُقْضَى بِهِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَبِهِ قَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَالْقَوْلُ الثَّانِي يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا فَأَيُّهُمَا خَرَجَ سَهْمُهُ حَلَفَ: لَقَدْ شَهِدَ شُهُودُهُ بِحَقٍّ ثُمَّ يُقْضَى لَهُ بِهِ، وَقَالَ مَالِكٌ: لَا أَقْضِي بِهِ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا إنْ كَانَ فِي يَدِ غَيْرِهِمَا وَحُكِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ لِأَعْدِلهُمَا شُهُودًا وَأَشْهَرِهِمَا فِي الصَّلَاحِ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: يُؤْخَذُ بِأَكْثَرِ الْبَيِّنَتَيْنِ عَدَدًا، وَحُكِيَ عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ بَيْنَهُمَا عَلَى حِصَصِ الشُّهُودِ ا. هـ. كَلَامُ الْخَطَّابِيِّ. وَفِي الْمَنَارِ أَنَّ الْقُرْعَةَ لَيْسَ هَذَا مَحَلُّهَا وَإِنَّمَا وَظِيفَتُهَا حَيْثُ تَعَذَّرَ التَّقْرِيبُ إلَى الْحَقِيقَةِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَكَوْنُ الْمُدَّعَى هُنَا مُشْتَرَكًا أَحَدُ الْمُحْتَمَلَاتِ فَلَا وَجْهَ لِإِبْطَالِهِ بِالْقُرْعَةِ وَاخْتَارَ قِسْمَةَ الْمُدَّعَى وَهُوَ الصَّوَابُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ.

ص: 590

1327 -

وَعَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى مِنْبَرِي هَذَا بِيَمِينٍ آثِمَةٍ تَبَوَّأَ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ. وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ

1328 -

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: رَجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءٍ بِالْفَلَاةِ يَمْنَعُهُ مِنْ ابْنِ السَّبِيلِ، وَرَجُلٌ بَايَعَ رَجُلًا بِسِلْعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ فَحَلَفَ لَهُ بِاَللَّهِ: لَأَخَذَهَا بِكَذَا وَكَذَا، فَصَدَّقَهُ، وَهُوَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَرَجُلٌ بَايَعَ إمَامًا لَا يُبَايِعُهُ إلَّا لِلدُّنْيَا، فَإِنْ أَعْطَاهُ مِنْهَا وَفَّى، وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ مِنْهَا لَمْ يَفِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

(وَعَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى مِنْبَرِي هَذَا بِيَمِينٍ آثِمَةٍ تَبَوَّأَ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ) وَأَخْرَجَ النَّسَائِيّ بِرِجَالٍ ثِقَاتٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ حَلَفَ عِنْدَ مِنْبَرِي هَذَا بِيَمِينٍ كَاذِبَةٍ يَسْتَحِلُّ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا» وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى عَظَمَةِ إثْمِ مَنْ حَلَفَ عَلَى مِنْبَرِهِ صلى الله عليه وسلم كَاذِبًا. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي‌

‌ تَغْلِيظِ الْحَلِفِ بِالْمَكَانِ وَالزَّمَانِ هَلْ يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ أَوْ لَا؟.

وَالْحَدِيثُ لَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ إنَّمَا فِيهِ عَظَمَةُ إثْمِ مَنْ حَلَفَ عَلَى مِنْبَرِهِ صلى الله عليه وسلم كَاذِبًا. وَذَهَبَ الْهَادَوِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إلَى أَنَّهُ لَا تَغْلِيظَ بِزَمَانٍ وَلَا مَكَان وَأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْحَالِفِ الْإِجَابَةُ إلَى ذَلِكَ. وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّهُ يَجِبُ التَّغْلِيظُ فِي الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ قَالُوا: فَفِي الْمَدِينَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَفِي مَكَّةَ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ، وَفِي غَيْرِهِمَا فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ، وَكَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ فِي الزَّمَانِ يَنْظُرُ إلَى الْأَوْقَاتِ الْفَاضِلَةِ كَبَعْدِ الْعَصْرِ وَلَيْلَةِ الْجُمُعَةِ وَيَوْمِهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ. احْتَجَّ الْأَوَّلُونَ بِإِطْلَاقِ أَحَادِيثَ «الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» وَبِقَوْلِهِ «شَاهِدَاك أَوْ يَمِينُهُ» وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِحَدِيثِ جَابِرٍ وَحَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ وَبِفِعْلِ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِمْ مِنْ السَّلَفِ. وَاسْتَدَلُّوا لِلتَّغْلِيظِ بِالزَّمَانِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى:{تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ} قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: هِيَ صَلَاةُ الْعَصْرِ. وَقَالَ آخَرُونَ: يُسْتَحَبُّ التَّغْلِيظُ فِي الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَلَا يَجِبُ. وَقِيلَ: هُوَ مَوْضِعُ اجْتِهَادٍ لِلْحَاكِمِ إذَا رَآهُ حَسَنًا أَلْزَم بِهِ.

ص: 591

1329 -

وَعَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -. «أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا فِي نَاقَةٍ، فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: نَتَجَتْ هَذِهِ النَّاقَةُ عِنْدِي، وَأَقَامَا بَيِّنَةً، فَقَضَى بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِمَنْ هِيَ فِي يَدِهِ» .

(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ» هَذِهِ كِنَايَةٌ عَنْ غَضَبِهِ تَعَالَى وَإِشَارَةٌ إلَى حِرْمَانِهِمْ مِنْ رَحْمَتِهِ (" وَلَا يُزَكِّيهِمْ ") أَيْ لَا يُطَهِّرُهُمْ عَنْ أَدْنَاسِ الذُّنُوبِ بِالْمَغْفِرَةِ «وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، رَجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءٍ بِالْفَلَاةِ يَمْنَعُهُ ابْنَ السَّبِيلِ، وَرَجُلٌ بَايَعَ رَجُلًا بِسِلْعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ فَحَلَفَ لَهُ بِاَللَّهِ لَأَخَذَهَا بِكَذَا وَكَذَا وَصَدَّقَهُ وَهُوَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَرَجُلٌ بَايَعَ إمَامًا لَا يُبَايِعُهُ إلَّا لِلدُّنْيَا فَإِنْ أَعْطَاهُ مِنْهَا وَفَّى، وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ مِنْهَا لَمْ يَفِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قَوْلُهُ " عَلَى فَضْلِ مَاءٍ " أَيْ عَلَى مَاءٍ فَاضِلٍ عَنْ كِفَايَتِهِ فَهَذَا مَنَعَ مَا لَا حَاجَةَ إلَيْهِ مَنْ هُوَ مُحْتَاجٌ لَهُ وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الْبَيْعِ وَقَوْلُهُ " وَصَدَّقَهُ " أَيْ الْمُشْتَرِي وَضَمِيرُ " هُوَ " لِلْأَخْذِ مَصْدَرُ قَوْلِهِ لَأَخَذَهَا لِدَلَالَةِ فِعْلِهِ عَلَيْهِ مِثْلُ {اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} أَيْ وَالْأَخْذُ عَلَى غَيْرِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ فَهَذَا ارْتَكَبَ أَمْرَيْنِ عَظِيمَيْنِ الْحَلِفَ بِاَللَّهِ وَالْكَذِبَ فِي قِيمَةِ السِّلْعَةِ وَخَصَّ بَعْدَ الْعَصْرِ لِشَرَفِ الْوَقْتِ وَهُوَ مِنْ أَدِلَّةِ مَنْ غَلُظَ بِالزَّمَانِ وَقَوْله " بَايَعَ إمَامًا لَا يُبَايِعُهُ إلَّا لِلدُّنْيَا " أَيْ لَمَّا يُعْطِيه مِنْهَا. وَالْوَعِيدُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ لِمَجْمُوعِ مَا ذُكِرَ مِنْ الْمُبَايَعَةِ لِأَجْلِ الدُّنْيَا فَإِنَّهَا نِيَّةٌ غَيْرُ صَالِحَةٍ وَلِعَدَمِ الْوَفَاءِ بِالْخُرُوجِ عَنْ الطَّاعَةِ وَتَفْرِيقِ الْجَمَاعَةِ. وَالْأَصْلُ فِي بَيْعَةِ الْإِمَامِ أَنْ يَقْصِدَ بِهَا إقَامَةَ الشَّرِيعَةِ وَيَعْمَلُ بِالْحَقِّ وَيُقِيمُ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِإِقَامَتِهِ وَيَهْدِمُ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهَدْمِهِ. وَوَقَعَ فِي الْبُخَارِيِّ «وَرَجُلٌ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ كَاذِبَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ رَجُلٍ مُسْلِمٍ» فَيَكُونُ مَنْ تُوُعِّدَ بِهَذَا النَّوْعِ مِنْ الْوَعِيدِ أَرْبَعَةٌ. وَفِي مُسْلِمٍ مِثْلُ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ «وَشَيْخٌ زَانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ» وَأَخْرَجَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، الْمَنَّانُ الَّذِي لَا يُعْطِي شَيْئًا إلَّا مِنَّةً، وَالْمُنْفِقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْفَاجِرِ، وَالْمُسَبِّلُ إزَارَهُ» فَحَصَلَ مِنْ مَجْمُوعِ الْأَحَادِيثِ تِسْعُ خِصَالٍ إنْ جَعَلْنَا الْمُنْفِقَ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ، وَاَلَّذِي حَلَفَ بَعْدَ الْعَصْرِ لَقَدْ أَعْطَى كَذَا وَكَذَا: شَيْئًا وَاحِدًا، وَإِنْ جَعَلْنَاهُمَا شَيْئَيْنِ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ، فَإِنَّ الْمُنْفِقَ سِلْعَتَهُ بِالْكَذِبِ أَعَمُّ مِنْ الَّذِي يَحْلِفُ لَقَدْ أَعْطَى فَتَكُون عَشْرًا.

ص: 592

1330 -

وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -: «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رَدَّ الْيَمِينَ عَلَى طَالِبِ الْحَقِّ» . رَوَاهُمَا الدَّارَقُطْنِيُّ، وَفِي إسْنَادِهِمَا ضَعْفٌ.

(وَعَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه «أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا فِي نَاقَةٍ فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَتَجَتْ هَذِهِ النَّاقَةُ عِنْدِي وَأَقَامَا أَيْ كُلُّ وَاحِدٍ بَيِّنَةً فَقَضَى بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِلَّذِي هِيَ فِي يَدِهِ» سَيَأْتِي مَنْ أَخْرَجَهُ، وَأَخْرَجَ الَّذِي بَعْدَهُ. وَقَدْ أَخْرَجَ هَذَا الْبَيْهَقِيُّ وَلَمْ يُضَعِّفْ إسْنَادَهُ وَأَخْرَجَ نَحْوَهُ عَنْ الشَّافِعِيِّ إلَّا أَنَّ فِيهِ " تَدَاعَيَا دَابَّةً " وَلَمْ يُضَعِّفْ إسْنَادَهُ أَيْضًا. وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ‌

‌ الْيَدَ مُرَجَّحَةٌ لِلشَّهَادَةِ الْمُوَافِقَةِ لَهَا.

وَقَدْ ذَهَبَ إلَى هَذَا الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَغَيْرُهُمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ: يُقَالُ لَهُمَا قَدْ اسْتَوَيْتُمَا فِي الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَةِ وَلِلَّذِي هُوَ فِي يَدِهِ سَبَبٌ بِكَيْنُونَتِهِ فِي يَدِهِ هُوَ أَقْوَى مِنْ سَبَبِك فَهُوَ لَهُ بِفَضْلِ قُوَّةِ سَبَبِهِ، وَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ. وَذَهَبَ الْهَادَوِيَّةُ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْآلِ وَابْنُ حَنْبَلٍ إلَى أَنَّهَا تَرْجَحُ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ وَهُوَ مَنْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ قَالُوا: إذْ شُرِعَتْ لَهُ - وَلِلْمُنْكِرِ الْيَمِينُ - وَلِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي» فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا تُفِيدُ بَيِّنَةُ الْمُنْكِرِ. وَيُرْوَى عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ " مَنْ كَانَ فِي يَدِهِ شَيْءٌ فَبَيِّنَتُهُ لَا تَعْمَلُ لَهُ شَيْئًا " ذَكَرَهُ فِي الْبَحْرِ وَأُجِيبُ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ حَدِيثَ جَابِرٍ خَاصٌّ وَحَدِيثُ «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي» عَامٌّ وَالْخَاصُّ مُخَصِّصٌ مُقَدَّمٌ، وَأَثَرُ عَلِيٍّ رضي الله عنه لَمْ يَصِحَّ، وَعَلَى صِحَّتِهِ فَمُعَارَضٌ بِمَا سَبَقَ.

وَعَنْ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يُقَسِّمُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الْيَدَ مُقَوِّيَةٌ لِبَيِّنَةِ الدَّاخِلِ فَسَاوَتْ بَيِّنَةَ الْخَارِجِ. وَيُرْوَى عَنْهُ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ. وَلِلْحَنَفِيَّةِ تَفْصِيلٌ لَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ دَلِيلٌ.

(وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رَدَّ الْيَمِينَ عَلَى طَالِبِ الْحَقِّ» رَوَاهُمَا) أَيْ هَذَا وَاَلَّذِي قَبْلَهُ (الدَّارَقُطْنِيُّ وَفِي إسْنَادِهِمَا ضَعْفٌ) لِأَنَّ مَدَارَهُمَا عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ مَسْرُوقٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ الْفُرَاتِ، وَمُحَمَّدٍ لَا يُعْرَفُ، وَإِسْحَاقُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ كَمَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ. وَقَالَ الذَّهَبِيُّ فِي الْكَشَّافِ: إنَّ إِسْحَاقَ بْنَ الْفُرَاتِ قَاضِي مِصْرَ ثِقَةٌ مَعْرُوفٌ وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ الِاعْتِمَادُ فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى أَحَادِيثِ الْقَسَامَةِ فَإِنَّهُ «قَالَ صلى الله عليه وسلم لِأَوْلِيَاءِ الدَّمِ أَتَحْلِفُونَ فَأَبَوْا قَالَ فَتَحْلِفُ يَهُودٌ» وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَسَاقَ الرِّوَايَاتِ فِي الْقَسَامَةِ وَفِيهَا رَدُّ الْيَمِينِ، قَالَ فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ هِيَ الْمُعْتَمَدَةُ فِي‌

‌ رَدِّ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعِي

إذَا لَمْ يَحْلِفْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (قُلْت) وَهَذَا مِنْهُ قِيَاسٌ إلَّا أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ عِنْدَهُمْ أَنَّ الْقَسَامَةَ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ، وَثَبَتَ أَنَّهُ لَا يُقَاسُ

ص: 593

1331 -

وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: «دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ذَاتَ يَوْمٍ مَسْرُورًا تَبْرُقُ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ فَقَالَ: أَلَمْ تَرَيْ إلَى مُجَزِّزٍ الْمُدْلِجِيِّ؟ نَظَرَ آنِفًا إلَى زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، فَقَالَ: هَذِهِ الْأَقْدَامُ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ

عَلَى مَا خَالَفَ الْقِيَاسَ. وَقَدْ اُسْتُدِلَّ بِحَدِيثِ الْكِتَابِ عَلَى ثُبُوتِ رَدِّ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْمُرَادُ بِهِ أَنَّهَا تَجِبُ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي وَلَكِنْ إذَا لَمْ يَحْلِفْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ. وَقَدْ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ إلَى أَنَّهُ إذَا نَكَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ بِالنُّكُولِ شَيْءٌ إلَّا إذَا حَلَفَ الْمُدَّعِي.

وَذَهَبَ الْهَادَوِيَّةُ وَجَمَاعَةٌ إلَى أَنَّهُ يَثْبُتُ الْحَقُّ بِالنُّكُولِ مِنْ دُونِ تَحْلِيفٍ لِلْمُدَّعِي. وَقَالَ الْمُؤَيَّدُ: لَا يُحْكَمُ بِهِ وَلَكِنْ يُحْبَسُ حَتَّى يَحْلِفَ أَوْ يُقِرَّ. اسْتَدَلَّ الْهَادَوِيَّةُ بِأَنَّ النُّكُولَ كَالْإِقْرَارِ. وَرَدَّ بِأَنَّهُ مُجَرَّدُ تَمَرُّدٍ عَنْ حَقٍّ مَعْلُومٍ وُجُوبُهُ عَلَيْهِ هُوَ الْيَمِينُ فَيُحْبَسُ لَهُ حَتَّى يُوَفِّيَهُ أَوْ يُسْقِطَهُ بِالْإِقْرَارِ، وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِأَنَّهُ حَكَمَ بِهِ عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو مُوسَى وَأُجِيبُ بِعَدَمِ حُجَّةِ أَفْعَالِهِمْ، نَعَمْ لَوْ صَحَّ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ كَانَ الْحُجَّةُ فِيهِ.

(وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: " دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ذَاتَ يَوْمٍ مَسْرُورًا تَبْرُقُ ") بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ وَضَمِّ الرَّاءِ (" أَسَارِيرُ وَجْهِهِ ") هِيَ الْخُطُوطُ الَّتِي فِي الْجَبْهَةِ وَاحِدُهَا سُرَرٌ وَجَمْعُهَا أَسْرَارٌ وَأَسِرَّةٌ وَجَمْعُ الْجَمْعِ أَسَارِيرُ أَيْ تُضِيءُ وَتَسْتَنِيرُ مِنْ الْفَرَحِ وَالسُّرُورِ (" فَقَالَ أَلَمْ تَرَى إلَى مُجَزِّزٍ ") بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْجِيمِ ثُمَّ زَاي مُشَدَّدَةٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ زَايٍ أُخْرَى اسْمُ فَاعِلٍ؛ لِأَنَّهُ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إذَا أَسَرَ أَسِيرًا جَزَّ نَاصِيَتَهُ وَأَطْلَقَهُ (" الْمُدْلِجِيُّ ") بِضَمِّ الْمِيمِ وَبِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَجِيمٍ بِزِنَةِ مُخْرِج نِسْبَةً إلَى بَنِي مُدْلِجِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ كِنَانَةَ (" نَظَرَ آنِفًا ") أَيْ الْآنَ «إلَى زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ فَقَالَ هَذِهِ الْأَقْدَامُ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ «أَلَمْ تَرَى أَنَّ مُجَزِّزًا الْمُدْلِجِيَّ دَخَلَ فَرَأَى أُسَامَةَ وَزَيْدًا وَعَلَيْهِمَا قَطِيفَةٌ قَدْ غَطَّيَا رُءُوسَهُمَا وَبَدَتْ أَقْدَامُهُمَا فَقَالَ: إنَّ هَذِهِ الْأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ» .

وَاعْلَمْ أَنَّ الْكُفَّارَ كَانُوا يَقْدَحُونَ فِي نَسَبِ أُسَامَةَ لِكَوْنِهِ كَانَ أَسْوَدَ شَدِيدَ السَّوَادِ وَكَانَ زَيْدٌ أَبْيَضَ كَذَا قَالَهُ أَبُو دَاوُد وَأُمُّ أُسَامَةَ هِيَ أُمُّ أَيْمَنَ كَانَتْ حَبَشِيَّةً سَوْدَاءَ. وَوَقَعَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهَا كَانَتْ حَبَشِيَّةً وَصِيفَةً لِعَبْدِ اللَّهِ وَالِدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. وَيُقَالُ كَانَتْ مِنْ سَبْيِ الْحَبَشَةِ الَّذِينَ قَدِمُوا زَمَنَ الْفِيلِ فَصَارَتْ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَوَهَبَهَا لِعَبْدِ اللَّهِ وَالِدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَتَزَوَّجَتْ قَبْلَ زَيْدٍ عُبَيْدًا الْحَبَشِيَّ فَوَلَدَتْ لَهُ أَيْمَنَ فَكُنِيَتْ بِهِ وَاشْتُهِرَتْ بِكُنْيَتِهَا وَاسْمُهَا بَرَكَةُ. وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى اعْتِبَارِ الْقِيَافَةِ فِي ثُبُوتِ النَّسَبِ.

وَهِيَ: مَصْدَرُ قَافَ قِيَافَةً وَالْقَائِفُ

ص: 594

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الَّذِي يَتَتَبَّعُ الْآثَارَ وَيَعْرِفُهَا وَيَعْرِفُ شَبَهَ الرَّجُلِ بِأَبِيهِ وَأَخِيهِ. وَإِلَى اعْتِبَارِهَا فِي ثُبُوتِ النَّسَبِ ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَجَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ مُسْتَدِلِّينَ بِهَذَا الْحَدِيثِ. وَوَجْهُ دَلَالَتِهِ مَا عُلِمَ مِنْ أَنَّ التَّقْرِيرَ مِنْهُ صلى الله عليه وسلم حُجَّةٌ لِأَنَّهُ أَحَدُ أَقْسَامِ السُّنَّةِ. وَحَقِيقَةُ التَّقْرِيرِ أَنْ يَرَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِعْلًا مِنْ فَاعِلٍ أَوْ يَسْمَعَ قَوْلًا مِنْ قَائِلٍ أَوْ يَعْلَمَ بِهِ وَكَانَ ذَلِكَ الْفِعْلُ مِنْ الْأَفْعَالِ الَّتِي لَا يُعْلَمُ تَقَدُّمُ إنْكَارِهِ لَهَا كَمُضِيِّ كَافِرٍ إلَى كَنِيسَةٍ أَوْ مَعَ عَدَمِ الْقُدْرَةِ كَاَلَّذِي كَانَ يُشَاهِدُهُ مِنْ كُفَّارِ مَكَّةَ مِنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَأَذَاهُمْ لِلْمُسْلِمِينَ وَلَمْ يُنْكِرْهُ كَانَ ذَلِكَ تَقْرِيرًا دَالًّا عَلَى جَوَازِهِ، فَإِنْ اسْتَبْشَرَ بِهِ فَأَوْضَحَ كَمَا فِي هَذِهِ الْقِصَّة فَإِنَّهُ اسْتَبْشَرَ بِكَلَامِ مُجَزِّزٍ فِي إثْبَاتِ نَسَبِ أُسَامَةَ إلَى زَيْدٍ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى تَقْرِيرِ كَوْنِ الْقِيَافَةِ طَرِيقًا إلَى مَعْرِفَةِ الْأَنْسَابِ، وَبِمَا رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ " أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَلِيطُ أَوْلَادَ الْجَاهِلِيَّةِ بِمَنْ ادَّعَاهُمْ فِي الْإِسْلَامِ فَأَتَى رَجُلَانِ إلَى عُمَرَ رضي الله عنه كِلَاهُمَا يَدَّعِي وَلَدَ امْرَأَةٍ فَدَعَا قَائِفًا فَنَظَرَ إلَيْهِ الْقَائِفُ فَقَالَ لَقَدْ اشْتَرَكَا فِيهِ فَضَرَبَهُ عُمَرُ بِالدِّرَّةِ ثُمَّ دَعَا الْمَرْأَةَ فَقَالَ: أَخْبِرِينِي خَبَرَك: فَقَالَتْ كَانَ هَذَا - لِأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ - يَأْتِيهَا فِي إبِلٍ لِأَهْلِهَا فَلَا يُفَارِقُهَا حَتَّى يَظُنَّ أَنَّهُ قَدْ اسْتَمَرَّ بِهَا حَمْلٌ ثُمَّ يَنْصَرِفُ عَنْهَا فَأُهْرِيقَتْ عَلَيْهِ دَمًا ثُمَّ خَلَفَ عَلَيْهَا هَذَا - يَعْنِي الْآخَرَ - فَلَا أَدْرِي مِنْ أَيِّهِمَا هُوَ، فَكَبَّرَ الْقَائِفُ، فَقَالَ عُمَرُ لِلْغُلَامِ فَإِلَى أَيِّهِمَا شِئْت فَانْتَسِبْ " فَقَضَى عُمَرُ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ بِالْقِيَافَةِ مِنْ غَيْرِ إنْكَارٍ مِنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ تَقْوَى بِهِ أَدِلَّةُ الْقِيَافَةِ، قَالُوا: وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَلَا مُخَالِفَ لَهُمَا مِنْ الصَّحَابَةِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ اللِّعَانِ.

وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم «إنْ جَاءَتْ بِهِ عَلَى صِفَةِ كَذَا وَكَذَا فَهُوَ لِفُلَانٍ أَوْ عَلَى صِفَةِ كَذَا وَكَذَا فَهُوَ لِفُلَانٍ» فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى الْوَصْفِ الْمَكْرُوهِ فَقَالَ: «لَوْلَا الْأَيْمَانُ لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ» فَقَوْلُهُ فَهُوَ لِفُلَانٍ إثْبَاتٌ لِلنَّسَبِ بِالْقِيَافَةِ وَإِنَّمَا مَنَعَتْ الْأَيْمَانُ عَنْ إلْحَاقِهِ بِمَنْ جَاءَ عَلَى صِفَتِهِ. وَذَهَبَتْ الْهَادَوِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ إلَى أَنَّهُ لَا يُعْمَلُ بِالْقِيَافَةِ فِي إثْبَاتِ النَّسَبِ وَالْحُكْمِ فِي الْوَلَدِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ أَنْ يَكُونَ لِلشَّرِيكَيْنِ أَوْ الْمُشْتَرِيَيْنِ أَوْ الزَّوْجَيْنِ.

وَلِلْهَادَوِيَّةِ فِي الزَّوْجَيْنِ تَفَاصِيلُ مَعْرُوفَةٌ فِي الْفُرُوعِ، وَتَأَوَّلُوا حَدِيثَ مُجَزِّزٍ هَذَا وَقَالُوا لَيْسَ مِنْ بَابِ التَّقْرِيرِ؛ لِأَنَّ نَسَبَ أُسَامَةَ كَانَ مَعْلُومًا إلَى زَيْدٍ وَإِنَّمَا كَانَ يَقْدَحُ الْكُفَّارُ فِي نَسَبِهِ لِاخْتِلَافِ اللَّوْنِ بَيْنَ الْوَلَدِ وَأَبِيهِ، وَالْقِيَافَةُ كَانَتْ مِنْ أَحْكَامِ الْجَاهِلِيَّةِ وَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ بِإِبْطَالِهَا وَمَحْوِ آثَارِهَا فَسُكُوتُهُ صلى الله عليه وسلم عَنْ الْإِنْكَارِ عَلَى مُجَزِّزٍ لَيْسَ تَقْرِيرًا لِفِعْلِهِ،

ص: 595

‌كِتَابُ الْعِتْقِ

1332 -

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «أَيُّمَا امْرِئٍ مُسْلِمٍ أَعْتَقَ امْرَأً مُسْلِمًا اسْتَنْقَذَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ مِنْ النَّارِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَاسْتِبْشَارُهُ إنَّمَا هُوَ لِإِلْزَامِ الْخَصْمِ الطَّاعِنِ فِي نَسَبِ أُسَامَةَ بِمَا يَقُولُهُ وَيَعْتَمِدُهُ فَلَا حُجَّةَ فِي ذَلِكَ (قُلْت) وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الْجَوَابَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ قَدْ سَبَقَ مِنْهُ صلى الله عليه وسلم إنْكَارٌ لِلْقِيَافَةِ وَإِلْحَاقُ النَّسَبِ بِهَا كَتَقَدُّمِ إنْكَارِهِ مُضِيَّ كَافِرٍ إلَى كَنِيسَةٍ وَهَذَا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ بَلْ الدَّلِيلُ قَائِمٌ عَلَى خِلَافِهِ وَهُوَ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم فِي قِصَّةِ اللِّعَانِ بِمَا سَمِعْت ثُمَّ فِعْلُ الصَّحَابَةِ مِنْ بَعْدِهِ.

وَقَوْلُهُمْ بِثُبُوتِ النَّسَبِ بِهِ مِنْ الْأَدِلَّةِ عَلَى عَدَمِ إنْكَارِهِ صلى الله عليه وسلم وَأَمَّا قَوْلُهُ «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ» فَذَلِكَ فِيمَا إذْ عُلِمَ الْفِرَاشُ فَإِنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّ الْحُكْمَ بِهِ مُقَدَّمٌ قَطْعًا وَإِنَّمَا الْقِيَافَةُ عِنْدَ عَدَمِهِ ثُمَّ الْأَصَحُّ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِالْإِلْحَاقِ أَنَّهُ يَكْفِي قَائِفٌ وَاحِدٌ وَقِيلَ: لَا بُدَّ مِنْ اثْنَيْنِ وَحَدِيثُ الْبَابِ دَالٌّ عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِالْوَاحِدِ.

(كِتَابُ الْعِتْقِ) الْعِتْقُ: الْحُرِّيَّةُ، يُقَالُ عَتَقَ عِتْقًا بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَبِفَتْحِهَا فَهُوَ عَتِيقٌ وَعَاتِقٌ. وَفِي (النَّجْمِ الْوَهَّاجِ) الْعِتْقُ إسْقَاطُ الْمِلْكِ مِنْ الْآدَمِيِّ تَقَرُّبًا لِلَّهِ وَهُوَ مَنْدُوبٌ وَوَاجِبٌ فِي الْكَفَّارَاتِ، وَقَدْ حَثَّ الشَّارِعُ عَلَيْهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى:{فَكُّ رَقَبَةٍ} فُسِّرَتْ بِعِتْقِهَا مِنْ الرِّقِّ وَالْأَحَادِيثُ فِي فَضْلِهِ كَثِيرَةٌ مِنْهَا.

(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «أَيُّمَا امْرِئٍ مُسْلِمٍ أَعْتَقَ امْرَأً مُسْلِمًا اسْتَنْقَذَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَضَمِّهَا مِنْهُ عُضْوًا مِنْ النَّارِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَتَمَامُهُ فِي الْبُخَارِيِّ " حَتَّى فَرْجَهُ بِفَرْجِهِ " وَفِيهِ " أَنَّهُ إذَا كَانَ الْمُعْتَقُ وَالْمُعْتِقُ مُسْلِمَيْنِ أَعْتَقَهُ اللَّهُ مِنْ النَّارِ " وَفِي قَوْلِهِ " اسْتَنْقَذَهُ " مَا يُشْعِرُ بِأَنَّهُ بَعْدَ اسْتِحْقَاقِهِ لَهَا وَاشْتِرَاطُ إسْلَامِهِ لِأَجْلِ هَذَا الْأَجْرِ وَإِلَّا فَإِنَّ عِتْقَ الْكَافِرِ يَصِحُّ، وَقَوْلُهُمْ لَا قُرْبَةَ لِكَافِرٍ لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَا يَنْفُذُ مِنْهُ مَا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُتَقَرَّبَ بِهِ كَالْعِتْقِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، إنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّهُ لَا يُثَابُ عَلَيْهَا، وَإِلَّا فَهِيَ نَافِذَةٌ مِنْهُ لَكِنْ لَا نَجَاةَ لَهُ بِسَبَبِهِ مِنْ النَّارِ. وَفِي تَقْيِيدِ الرَّقَبَةِ الْمُعْتَقَةِ بِالْإِسْلَامِ أَيْضًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْفَضِيلَةَ لَا تُنَالُ إلَّا بِعِتْقِ الْمُسْلِمَةِ وَإِنْ كَانَ فِي عِتْقِ الْكَافِرَةِ فَضْلٌ لَكِنْ لَا يَبْلُغُ مَا وُعِدَ بِهِ هُنَا مِنْ الْأَجْرِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ " إرْبٌ " عِوَضُ عُضْوٍ وَهُوَ بِكَسْر

ص: 596

1333 -

وَلِلتِّرْمِذِيِّ، وَصَحَّحَهُ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رضي الله عنه «وَأَيُّمَا امْرِئٍ مُسْلِمٍ أَعْتَقَ امْرَأَتَيْنِ مُسْلِمَتَيْنِ كَانَتَا فِكَاكَهُ مِنْ النَّارِ»

1334 -

وَلِأَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مُرَّةَ رضي الله عنه «وَأَيُّمَا امْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ أَعْتَقَتْ امْرَأَةً مُسْلِمَةً كَانَتْ فِكَاكَهَا مِنْ النَّارِ»

ِ الْهَمْزَةِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ فَمُوَحَّدَةٍ الْعُضْوُ. وَفِيهِ أَنَّ عِتْقَ كَامِلِ الْأَعْضَاءِ أَفْضَلُ مِنْ عِتْقِ نَاقِصِهَا فَلَا يَكُونُ خَصِيًّا وَلَا فَاقِدَ غَيْرِهِ مِنْ الْأَعْضَاء، وَالْأَغْلَى ثَمَنًا أَفْضَلُ كَمَا يَأْتِي. وَعِتْقُ الذَّكَرِ أَفْضَلُ مِنْ عِتْقِ الْأُنْثَى كَمَا يَدُلُّ لَهُ:(1333) - وَلِلتِّرْمِذِيِّ، وَصَحَّحَهُ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رضي الله عنه «وَأَيُّمَا امْرِئٍ مُسْلِمٍ أَعْتَقَ امْرَأَتَيْنِ مُسْلِمَتَيْنِ كَانَتَا فِكَاكَهُ مِنْ النَّارِ». قَوْله (وَلِلتِّرْمِذِيِّ وَصَحَّحَهُ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ:«وَأَيُّمَا امْرِئٍ مُسْلِمٍ أَعْتَقَ امْرَأَتَيْنِ مُسْلِمَتَيْنِ كَانَتَا فِكَاكَهُ مِنْ النَّارِ» فَعِتْقُ الْمَرْأَةِ أَجْرُهُ عَلَى النِّصْفِ مِنْ عِتْقِ الذَّكَرِ فَالرَّجُلُ إذَا أَعْتَقَ امْرَأَةً كَانَتْ فِكَاكَ نِصْفِهِ مِنْ النَّارِ وَالْمَرْأَةُ إذَا أَعْتَقَتْ الْأَمَةَ كَانَتْ فِكَاكَهَا مِنْ النَّارِ كَمَا دَلَّ لَهُ مَفْهُومٌ هَذَا وَمَنْطُوقُ:

1334 -

وَلِأَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مُرَّةَ رضي الله عنه «وَأَيُّمَا امْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ أَعْتَقَتْ امْرَأَةً مُسْلِمَةً كَانَتْ فِكَاكَهَا مِنْ النَّارِ» .

قَوْلُهُ (وَلِأَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مُرَّةَ «وَأَيُّمَا امْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ أَعْتَقَتْ امْرَأَةً مُسْلِمَةً كَانَتْ فِكَاكَهَا مِنْ النَّارِ» وَبِهَذَا وَاَلَّذِي قَبْلَهُ اسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ عِتْقُ الذَّكَرِ أَفْضَلُ. وَلِمَا فِي الذَّكَرِ مِنْ الْمَعَانِي الْعَامَّةِ وَالْمَنْفَعَةِ الَّتِي لَا تُوجَدُ فِي الْإِنَاثِ مِنْ الشَّهَادَةِ وَالْجِهَادِ وَالْقَضَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَخْتَصُّ بِالرِّجَالِ إمَّا شَرْعًا وَإِمَّا عَادَةً؛ وَلِأَنَّ فِي الْإِمَاءِ مِنْ تَضِيعُ بِالْعِتْقِ، وَلَا يُرْغَبُ فِيهَا بِخِلَافِ الْعَبْدِ. وَقَالَ آخَرُونَ عِتْقُ الْأُنْثَى أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ وَلَدُهَا حُرًّا سَوَاءٌ تَزَوَّجَهَا حُرٌّ أَوْ عَبْدٌ وَقَوْلُهُ فِي رِوَايَةٍ " حَتَّى فَرْجُهُ بِفَرْجِهِ " اسْتَشْكَلَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ قَالَ؛ لِأَنَّ الْمَعْصِيَةَ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالْفَرْجِ هِيَ الزِّنَا وَالزِّنَا كَبِيرَةٌ لَا تُكَفَّرُ إلَّا بِالتَّوْبَةِ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ الْعِتْقَ يُرَجَّحُ عِنْدَ الْمُوَازَنَةِ بِحَيْثُ تَكُونُ حَسَنَاتُ الْعِتْقِ رَاجِحَةً تُوَازِي سَيِّئَةَ الزِّنَا مَعَ أَنَّهُ لَا اخْتِصَاصَ لِهَذَا بِالزِّنَا فَإِنَّ الْيَدَ يَكُونُ بِهَا الْقَتْلُ وَالرِّجْلُ يَكُونُ بِهَا الْفِرَارُ مِنْ الزَّحْفِ وَغَيْرُ ذَلِكَ.

(فَائِدَةٌ) فِي (النَّجْمِ الْوَهَّاجِ) أَنَّهُ «أَعْتَقَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ثَلَاثًا وَسِتِّينَ نَسَمَةً عَدَدَ سِنِي عُمْرِهِ» وَعَدَّ أَسْمَاءَهُمْ قَالَ: وَأَعْتَقَتْ عَائِشَةُ سَبْعًا وَسِتِّينَ وَعَاشَتْ كَذَلِكَ، وَأَعْتَقَ أَبُو بَكْرٍ كَثِيرًا وَأَعْتَقَ الْعَبَّاسُ سَبْعِينَ عَبْدًا رَوَاهُ الْحَاكِمُ، وَأَعْتَقَ عُثْمَانُ وَهُوَ مُحَاصَرٌ عِشْرِينَ، وَأَعْتَقَ

ص: 597

1335 -

وَعَنْ «أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه قَالَ: سَأَلْت النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم: أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: إيمَانٌ بِاَللَّهِ، وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ قُلْت: فَأَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: أَغْلَاهَا ثَمَنًا وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ

1336 -

وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ، فَكَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ الْعَبْدِ قُوِّمَ قِيمَةَ عَدْلٍ، فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمْ وَعَتَقَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ، وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ مِائَةً مُطَوَّقِينَ بِالْفِضَّةِ، وَأَعْتَقَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَلْفًا وَاعْتَمَرَ أَلْفَ عُمْرَةٍ؟ وَحَجَّ سِتِّينَ حَجَّةً؟ وَحَبَسَ أَلْفَ فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَعْتَقَ ذُو الْكُلَاعِ الْحِمْيَرِيُّ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ ثَمَانِيَةَ آلَافِ عَبْدٍ؟ وَأَعْتَقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ثَلَاثِينَ أَلْفِ نَسَمَةً؟ انْتَهَى.

(وَعَنْ «أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه قَالَ: سَأَلْت النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: إيمَانٌ بِاَللَّهِ وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ قُلْت فَأَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ قَالَ أَغْلَاهَا» رُوِيَ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ (" ثَمَنًا وَأَنْفُسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) دَلَّ عَلَى أَنَّ الْجِهَادَ أَفْضَلُ أَعْمَالِ الْبِرِّ بَعْدَ الْإِيمَانِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ عَلَى الْإِطْلَاقِ. وَتَقَدَّمَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ هُنَالِكَ. وَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْأَغْلَى ثَمَنًا أَفْضَلُ مِنْ الْأَدْنَى قِيمَةً. قَالَ النَّوَوِيُّ مَحَلُّهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فِيمَنْ أَرَادَ أَنْ يُعْتِقَ رَقَبَةً وَاحِدَةً أَمَّا لَوْ كَانَ مَعَ شَخْصٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ مَثَلًا فَأَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا رِقَابًا يُعْتِقُهَا فَوَجَدَ رَقَبَةً نَفِيسَةً وَرَقَبَتَيْنِ مَفْضُولَتَيْنِ قَالَ فَثِنْتَانِ أَفْضَلُ بِخِلَافِ الْأُضْحِيَّةِ فَإِنَّ الْوَاحِدَةَ السَّمِينَةَ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ فِي الْعِتْقِ فَكُّ الرَّقَبَةِ، وَفِي الْأُضْحِيَّةِ طَيِّبُ اللَّحْمِ انْتَهَى.

وَالْأَوْلَى أَنَّ هَذَا لَا يُؤْخَذُ قَاعِدَةً كُلِّيَّةً بَلْ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ فَإِنَّهُ إذَا كَانَ شَخْصٌ بِمَحَلٍّ عَظِيمٍ مِنْ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ وَانْتِفَاعِ الْمُسْلِمِينَ بِهِ فَعِتْقُهُ أَفْضَلُ مِنْ عِتْقِ جَمَاعَةٍ لَيْسَ فِيهِمْ هَذِهِ السِّمَاتُ فَيَكُونُ الضَّابِطُ اعْتِبَارَ الْأَكْثَرِ نَفْعًا وَقَوْلُهُ: " وَأَنْفُسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا " أَيْ مَا كَانَ اغْتِبَاطُهُمْ بِهَا أَشَدُّ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} .

(وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ فَكَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ الْعَبْدِ قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ» بِفَتْحِ الْعَيْنِ أَيْ لَا زِيَادَةَ فِيهِ وَلَا نَقْصَ (" فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمْ وَعَتَقَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ وَإِلَّا ") يَكُنْ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ

ص: 598

1337 -

وَلَهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه " وَإِلَّا قُوِّمَ عَلَيْهِ وَاسْتُسْعِيَ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ " وَقِيلَ: إنَّ السِّعَايَةَ مُدْرَجَةٌ فِي الْخَبَرِ

الْعَبْدِ (" فَقَدْ عَتَقَ ") بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ (" مِنْهُ مَا عَتَقَ ") بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَيَجُوزُ ضَمُّهَا (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ مَنْ لَهُ حِصَّةٌ فِي عَبْدٍ إذَا أَعْتَقَ حِصَّتَهُ فِيهِ وَكَانَ مُوسِرًا لَزِمَهُ تَسْلِيمُ حِصَّةِ شَرِيكِهِ بَعْدَ تَقْوِيمِ حِصَّةِ الشَّرِيكِ تَقْوِيمَ مِثْلِهِ وَعَتَقَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ جَمِيعُهُ وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ نَصِيبَ الْمُعْتِقِ يُعْتَقُ بِنَفْسِ الْإِعْتَاقِ، وَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُعْتَقُ نَصِيبُ شَرِيكِهِ إلَّا مَعَ يَسَارِ الْمُعْتِقِ لَا مَعَ إعْسَارِهِ لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِلَّا يَكُنْ لَهُ مَالٌ (فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ) وَهِيَ حِصَّتُهُ وَظَاهِرُهُ تَبْعِيضُ الْعِتْقِ إلَّا أَنَّهُ قَدْ وَقَعَ فِي هَذَا أَيُّوبُ عَنْ نَافِعٍ قَالَ: قَالَ نَافِعٌ " وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ " فَفَصَلَهُ مِنْ الْحَدِيثِ وَجَعَلَهُ مِنْ قَوْلِ نَافِعٍ قَالَ أَيُّوبُ مَرَّةً لَا أَدْرِي هُوَ مِنْ الْحَدِيثِ أَوْ هُوَ شَيْءٌ قَالَهُ نَافِعٌ. وَقَالَ غَيْرُهُ قَدْ رَوَاهُ مَالِكٌ وَعُبَيْدُ اللَّهِ الْعُمَرِيُّ فَوَصَلَاهُ بِكَلَامِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَجَعَلَاهُ مِنْهُ.

قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَمَا قَالَهُ مَالِكٌ وَعُبَيْدُ اللَّهِ الْعُمَرِيُّ أَوْلَى وَقَدْ جَوَّدَاهُ، وَهُمَا فِي نَافِعٍ أَثْبَتُ مِنْ أَيُّوبَ عِنْدَ أَهْلِ هَذَا الشَّأْنِ، كَيْفَ وَقَدْ شَكَّ أَيُّوبُ فِيهِ كَمَا ذَكَرْنَا. وَقَدْ رَجَّحَ الْأَئِمَّةُ رِوَايَةَ مَنْ أَثْبَتَ هَذِهِ الزِّيَادَةَ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. قَالَ الشَّافِعِيُّ أَحْسِبُ عَالِمًا فِي الْحَدِيثِ يَتَشَكَّكُ فِي أَنَّ مَالِكًا أَحْفَظُ لِحَدِيثِ نَافِعٍ مِنْ أَيُّوبَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ أَلْزَمَ لَهُ حَتَّى لَوْ تُسَاوَيَا وَشَكَّ أَحَدُهُمَا فِي شَيْءٍ وَلَمْ يَشُكَّ فِيهِ صَاحِبُهُ كَانَ الْحُجَّةُ مَعَ مَنْ لَمْ يَشُكَّ. هَذَا وَلِلْعُلَمَاءِ فِي الْمَسْأَلَةِ، أَقْوَالٌ أَقْوَاهَا مَا وَافَقَهُ هَذَا الْحَدِيثُ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يُعْتَقُ نَصِيبُ الشَّرِيكِ إلَّا بِدَفْعٍ الْقِيمَةِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ، وَبِهِ قَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ، وَهُوَ قَوْلُ لِلشَّافِعِيِّ.

وَقَالَتْ الْهَادَوِيَّةُ وَآخَرُونَ إنَّهُ يُعْتَقُ الْعَبْدُ جَمِيعُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُعْتِقِ مَالٌ، فَإِنَّهُ يُسْتَسْعَى الْعَبْدُ فِي حِصَّةِ الشَّرِيكِ مُسْتَدِلِّينَ.

1337 -

وَلَهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه " وَإِلَّا قُوِّمَ عَلَيْهِ وَاسْتُسْعِيَ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ " وَقِيلَ: إنَّ السِّعَايَةَ مُدْرَجَةٌ فِي الْخَبَر ِ. بِقَوْلِهِ (وَلَهُمَا) أَيْ الشَّيْخَيْنِ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه " وَإِلَّا قُوِّمَ الْعَبْدُ عَلَيْهِ وَاسْتُسْعِيَ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ ") وَقِيلَ إنَّ السِّعَايَةَ مُدْرَجَةٌ فِي الْخَبَرِ فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَلشَّرِيك مَالٌ قُوِّمَ الْعَبْدُ وَاسْتُسْعِيَ فِي قِيمَةِ حِصَّةِ الشَّرِيكِ وَأُجِيبُ بِأَنَّ ذِكْرَ السِّعَايَةِ لَيْسَتْ مِنْ كَلَامِهِ صلى الله عليه وسلم بَلْ مُدْرَجَةٌ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ فِي الْخَبَرِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ.

قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ ذِكْرَ الِاسْتِسْعَاءِ لَيْسَ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَأَنَّهُ مِنْ قَوْلِ قَتَادَةَ. قَالَ النَّسَائِيّ بَلَغَنِي أَنَّ هَمَّامًا رَوَاهُ فَجَعَلَ هَذَا الْكَلَامَ أَعْنِي الِاسْتِسْعَاءَ مِنْ قَوْلِ قَتَادَةَ. وَكَذَا

ص: 599

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ إنَّمَا هُوَ مِنْ قَوْلِ قَتَادَةَ مَدْرَجٌ عَلَى إدْرَاجِ السِّعَايَةِ بِاتِّفَاقِ الشَّيْخَيْنِ عَلَى رَفْعِهِ فَإِنَّهُمَا فِي أَعْلَى دَرَجَاتِ التَّصْحِيحِ. وَقَدْ رَوَى السِّعَايَةَ فِي الْحَدِيثِ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ وَهُوَ أَعْرَفُ بِحَدِيثِ قَتَادَةَ لِكَثْرَةِ مُلَازَمَتِهِ وَلِكَثْرَةِ أَخْذِهِ عَنْهُ مِنْ هَمَّامٍ وَغَيْرِهِ فَإِنَّهُ كَانَ أَكْثَرَ مُلَازَمَةً لِقَتَادَةَ مِنْ هَمَّامٍ وَشُعْبَةَ وَمَا رَوَيَاهُ لَا يُنَافِي رِوَايَةَ سَعِيدٍ لِأَنَّهُمَا اقْتَصَرَا فِي رِوَايَةِ الْحَدِيثِ عَلَى بَعْضِهِ وَأَمَّا إعْلَالُ رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ بِأَنَّهُ اخْتَلَطَ فَمَرْدُودٌ لِأَنَّ رِوَايَتَهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ قَبْلَ اخْتِلَاطٍ فَإِنَّهُ فِيهِمَا مِنْ رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ وَهُوَ مِنْ أَثْبَتِ النَّاسِ فِي سَعِيدٍ وَرِوَايَتُهُ عَنْ سَعِيدٍ كَانَتْ قَبْلَ اخْتِلَاطِهِ ثُمَّ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ رِوَايَةِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ لِمُتَابَعَتِهِ لَهُ لِيَنْتَفِيَ عَنْهُ التَّفَرُّدُ ثُمَّ أَشَارَ إلَى أَنَّ غَيْرَهُمَا تَابَعَهُمَا ثُمَّ قَالَ اخْتَصَرَهُ شُعْبَةُ كَأَنَّهُ جَوَابُ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ إنَّ شُعْبَةَ أَحْفَظُ النَّاسِ لِحَدِيثِ قَتَادَةَ فَكَيْفَ لَمْ يَذْكُرْ الِاسْتِسْعَاءَ فَأَجَابَ بِأَنَّ هَذَا لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ ضَعْفًا لِأَنَّهُ أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا وَغَيْرُهُ سَاقَهُ بِتَمَامِهِ وَالْعَدَدُ الْكَثِيرُ أَوْلَى بِالْحِفْظِ مِنْ الْوَاحِدِ (قُلْت) وَبِهَذَا تُعْرَفُ الْمُجَازَفَةُ فِي قَوْلِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ ذِكْرَ الِاسْتِسْعَاءِ لَيْسَ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم.

وَبَعْدَ تَقَرُّرِ هَذَا لَك فَقَدْ عَرَفْت تَعَارُضَ كَلَامِ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ الْحُفَّاظِ فِي هَذِهِ الزِّيَادَةِ وَلَا كَلَامَ فِي أَنَّهَا قَدْ رَوَيْت مَرْفُوعَةً وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْإِدْرَاجِ حَتَّى يَقُومَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ نَاهِضٌ. وَقَدْ تَقَاوَمَتْ الْأَدِلَّةُ هُنَا وَلَكِنَّهُ عَضَّدَ الْقَوْلَ بِرَفْعِ زِيَادَةِ السِّعَايَةِ إلَيْهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْإِدْرَاجِ وَمَعَ ثُبُوتِ رَفْعِهَا فَقَدْ عَارَضَتْ رِوَايَةَ " وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ " وَقَدْ جُمِعَ بَيْنَهُمَا بِوَجْهَيْنِ الْأَوَّلُ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ أَيْ بِإِعْتَاقِ مَالك الْحِصَّةِ حِصَّتَهُ وَحِصَّةُ الشَّرِيكِ تُعْتَقُ بِالسِّعَايَةِ فَيُعْتَقُ الْعَبْدُ بَعْدَ تَسْلِيمِ مَا عَلَيْهِ وَيَكُونُ كَالْمُكَاتَبِ وَهَذَا هُوَ الَّذِي جَزَمَ بِهِ الْبُخَارِيُّ وَيَظْهَرُ أَنَّ ذَلِكَ بِاخْتِيَارِ الْعَبْدِ لِقَوْلِهِ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى جِهَةِ اللُّزُومِ بِأَنْ يُكَلَّفُ الْعَبْدُ الِاكْتِسَابَ وَالطَّلَبَ حَتَّى يَحْصُلَ ذَلِكَ لَحَصَلَ لَهُ غَايَةُ الْمَشَقَّةِ وَهُوَ لَا يَلْزَمُ فِي الْكِتَابَةِ ذَلِكَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ لِأَنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ فَهَذَا مِثْلُهَا وَإِلَى هَذَا الْجَمْعِ ذَهَبَ الْبَيْهَقِيُّ وَقَالَ لَا تَبْقَى بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ مُعَارَضَةٌ أَصْلًا وَهُوَ كَمَا قَالَ، إلَّا أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّهُ يُبْقِي الرِّقَّ فِي حِصَّةِ الشَّرِيكِ إذَا لَمْ يَخْتَرْ الْعَبْدُ السِّعَايَةَ وَيُحْمَلُ حَدِيثُ أَبِي الْمَلِيحِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ شِقْصًا فِي غُلَامٍ فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ " لَيْسَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مِنْ حَدِيثِ سَمُرَةَ «أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ شِقْصًا فِي مَمْلُوكٍ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم هُوَ كُلُّهُ فَلَيْسَ لِلَّهِ شَرِيكٌ» عَلَى الْمُوسِرِ فَتَنْدَفِعُ الْمُعَارَضَةُ.

وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد مِنْ طَرِيقِ مِلْقَامٍ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ نَصِيبَهُ فِي مَمْلُوكٍ فَلَمْ يَضْمَنْهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم» وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ فَهُوَ فِي حَقِّ الْمُعْسِرِ. وَيَدُلُّ لَهُ مَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما بِلَفْظِ «مَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا وَلَهُ فِيهِ شُرَكَاءُ وَلَهُ وَفَاءٌ فَهُوَ حُرٌّ وَيَضْمَنُ

ص: 600

1338 -

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدَهُ إلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيهِ فَيُعْتِقُهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

نَصِيبَ شُرَكَائِهِ بِقِيمَتِهِ لَمَّا أَسَاءَ مِنْ مُشَارَكَتِهِمْ وَلَيْسَ عَلَى الْعَبْدِ شَيْءٌ» فَقَالَ وَلَهُ وَفَاءٌ. وَالثَّانِي. مِنْ وَجْهَيْ الْجَمْعِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالِاسْتِسْعَاءِ أَنَّ الْعَبْدَ يَسْتَمِرُّ فِي خِدْمَةِ سَيِّدِهِ الَّذِي لَمْ يُعْتِقْ رَقِيقًا بِقَدْرِ مَا لَهُ مِنْ الرِّقِّ.

وَمَعْنَى غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يُكَلِّفُهُ سَيِّدُهُ مِنْ الْخِدْمَةِ فَوْقَ مَا يُطِيقُهُ، وَلَا فَوْقَ حِصَّتِهِ مِنْ الرِّقِّ، قِيلَ: إلَّا أَنَّهُ يَبْعُدُ هَذَا الْجَمْعُ مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ رَجُلٍ مِنْ بَنِي عُذْرَةَ «أَنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ أَعْتَقَ مَمْلُوكًا لَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ وَلَيْسَ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ فَأَعْتَقَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ثُلُثَهُ وَأَمَرَهُ أَنْ يَسْعَى فِي الثُّلُثَيْنِ» قُلْت قَدْ يَقُولُ مَنْ اخْتَارَ هَذَا الْوَجْهَ مِنْ الْجَمْعِ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ أَمْرِهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَسْعَى فِي الثُّلُثَيْنِ يَسْعَى عَلَى مَوَالِيهِ بِقَدْرِ ثُلُثَيْ رَقَبَتِهِ مِنْ الْخِدْمَةِ لِأَنَّهُ الَّذِي بَقِيَ قَالَهُمْ. وَإِيضَاحُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ أَنَّ قَوْلَهُ صلى الله عليه وسلم: " لَا شَرِيكَ لِلَّهِ " فِيمَا إذَا كَانَ مَالك الشِّقْصِ غَنِيًّا فَهُوَ فِي حُكْمِ الْمَالِكَيْنِ فَيُعْتِقُ الْعَبْدَ كُلَّهُ وَيُسَلِّمُ قِيمَةَ مَا هُوَ لِشُرَكَائِهِ، وَيُحْمَلُ حَدِيثُ السِّعَايَةِ عَلَى مَا إذَا كَانَ الْعَبْدُ قَادِرًا عَلَيْهَا كَمَا يُرْشِدُ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم:(" غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ ") وَحَدِيثُ " وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ " عَلَى مَا إذَا كَانَ الْمُعْتِقُ فَقِيرًا وَالْعَبْدُ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى السِّعَايَةِ.

وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا كُلَّهُ فِيمَا إذَا كَانَ الْمُعْتِقُ يَمْلِكُ بَعْضَ الْعَبْدِ وَأَمَّا إذَا كَانَ يَمْلِكُهُ كُلَّهُ فَأَعْتَقَ بَعْضَهُ فَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ يَقُولُونَ يُعْتَقُ كُلُّهُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ يُعْتَقُ مِنْهُ ذَلِكَ الْقَدْرُ الَّذِي عَتَقَ وَيُسْعَى فِي الْبَاقِي وَهُوَ قَوْلُ طَاوُسٍ وَحَمَّادٍ. وَحُجَّةُ الْأَوَّلِينَ حَدِيثُ أَبِي الْمَلِيحِ وَغَيْرُهُ، وَبِالْقِيَاسِ عَلَى عِتْقِ الشِّقْصِ فَإِنَّهُ إذَا سَرَى إلَى مِلْكِ الشَّرِيكِ فَبِالْأَوْلَى إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ. وَحُجَّةُ الْآخَرِينَ أَنَّ السَّبَبَ فِي حَقِّ الشَّرِيكِ هُوَ مَا يَدْخُلُ عَلَى شَرِيكِهِ مِنْ الضَّرَرِ فَأَمَّا إذَا كَانَ الْعَبْدُ لَهُ جَمِيعُهُ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ ضَرَرٌ فَلَا قِيَاسَ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ رَأْيٌ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ.

(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " لَا يَجْزِي ") بِفَتْحِ حَرْفِ الْمُضَارِعَةِ أَيْ لَا يُكَافِئُ (" وَلَدٌ وَالِدَهُ إلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيهِ فَيُعْتِقُهُ ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ الشِّرَاءِ وَأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْإِعْتَاقِ بَعْدَهُ. وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الظَّاهِرِيَّةُ. وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّهُ يُعْتَقُ بِنَفْسِ الشِّرَاءِ، وَتَأَوَّلُوا قَوْلَهُ فَيُعْتِقُهُ بِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ شِرَاؤُهُ تَسَبَّبَ عَنْهُ الْعِتْقُ نُسِبَ إلَيْهِ الْعِتْقُ مَجَازًا وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْأَصْلَ الْحَقِيقَةُ إلَّا أَنَّهُ صَرَفَهُ عَنْ الْحَقِيقَةِ حَدِيثُ سَمُرَةَ الْآتِي وَفِيهِ تَعْلِيقُ الْحُرِّيَّةِ بِنَفْسِ الْمِلْكِ كَمَا يَأْتِي. وَإِنَّمَا كَانَ عِتْقُهُ جَزَاءً لِأَبِيهِ لِأَنَّ الْعِتْقَ أَفْضَلُ مَا مِنْ بِهِ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ لِتَخْلِيصِهِ بِذَلِكَ مِنْ الرِّقِّ فَتَكْمُلُ

ص: 601

1339 -

وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ فَهُوَ حُرٌّ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ، وَرَجَّحَ جَمْعٌ مِنْ الْحُفَّاظِ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ.

لَهُ أَحْوَالُ الْأَحْرَارِ مِنْ الْوِلَايَةِ وَالْقَضَاءِ وَالشَّهَادَةِ بِالْإِجْمَاعِ. وَالْحَدِيثُ نَصٌّ فِي عِتْقِ الْوَالِدِ وَمِثْلُهُ قَوْلُ مَنْ عَدَا دَاوُد فِي حَقِّ الْأُمِّ أَيْضًا.

(وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ فَهُوَ حُرٌّ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ وَرَجَّحَ جَمْعٌ مِنْ الْحُفَّاظِ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ) وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد مَرْفُوعًا مِنْ رِوَايَةِ حَمَّادٍ. وَمَوْقُوفًا مِنْ رِوَايَةِ شُعْبَةَ وَقَالَ: شُعْبَةُ أَحْفَظُ مِنْ حَمَّادٍ، فَالْوَقْفُ حِينَئِذٍ أَرْجَحُ وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ " قَالَ " مَنْ مَلَكَ " - الْحَدِيثَ " فَوَقَفَهُ عَلَى عُمَرَ. وَقَالَ أَبُو دَاوُد لَمْ يُحَدِّثْ بِهَذَا الْحَدِيثِ إلَّا حَمَّادٌ وَقَدْ شَكَّ فِيهِ. قَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ هُوَ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ لَا يَصِحُّ. وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ ضَمْرَةَ عَنْ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهم. قَالَ النَّسَائِيّ: حَدِيثٌ مُنْكَرٌ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَمْ يُتَابِعْ ضَمْرَةَ عَلَيْهِ وَهُوَ خَطَأٌ وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: وَهْمٌ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ وَالْمَحْفُوظُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ «نَهْيٌ عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ وَعَنْ هِبَتِهِ» وَرَدَّ الْحَاكِمُ هَذَا وَقَالَ: إنَّهُ رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ ضَمْرَةَ الْحَدِيثَانِ بِالْإِسْنَادِ الْوَاحِدِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حَزْمٍ وَعَبْدُ الْحَقِّ وَابْنُ الْقَطَّانِ وَقَالُوا: ضَمْرَةُ بْنُ رَبِيعَةَ لَا يَضُرُّ تَفَرُّدُهُ؛ لِأَنَّهُ ثِقَةٌ لَمْ يَكُنْ فِي الشَّامِ رَجُلٌ يُشْبِهُهُ. قُلْت فَقَدْ رَفَعَهُ ثِقَةٌ فَإِرْسَالُ غَيْرِهِ لَهُ لَا يَضُرُّ كَمَا قَرَرْنَاهُ. وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ مَنْ مَلَكَ مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ رَحَامَةٌ مُحَرِّمَةٌ لِلنِّكَاحِ فَإِنَّهُ يُعْتَقُ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ كَالْآبَاءِ وَإِنْ عَلَوْا وَالْأَوْلَادِ وَإِنْ سَفَلُوا وَالْإِخْوَةِ وَأَوْلَادِهِمْ وَالْأَخْوَالِ وَالْأَعْمَامِ لَا أَوْلَادِهِمْ. وَإِلَى هَذَا ذَهَبَتْ الْهَادَوِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ مُسْتَدِلِّينَ بِالْحَدِيثِ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إلَى أَنَّهُ لَا يُعْتَقُ إلَّا الْآبَاءُ وَالْأَبْنَاءُ لِلنَّصِّ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ عَنْ الْآبَاءِ، وَقِيَاسًا لِلْأَبْنَاءِ عَلَيْهِمْ وَبِنَاءً مِنْهُ عَلَى عَدِمَ صِحَّةَ هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَهُ، وَزَادَ مَالِكٌ الْإِخْوَةَ وَالْأَخَوَاتِ قِيَاسًا عَلَى الْآبَاءِ، وَذَهَبَ دَاوُد إلَى أَنَّهُ لَا يُعْتَقُ أَحَدٌ بِهَذَا السَّبَبِ لِظَاهِرِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَاضِي، فَيَشْتَرِيه فَيُعْتِقُهُ، فَلَا يُعْتَقُ إلَّا بِالْإِعْتَاقِ عِنْدَهُ. وَهَذَا الْحَدِيثُ كَمَا عَرَفْت وَقَدْ صَحَّحَهُ

ص: 602

1340 -

وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رضي الله عنه: «أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ سِتَّةَ مَمَالِيكَ لَهُ، عِنْدَ مَوْتِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمْ، فَدَعَا بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَجَزَّأَهُمْ أَثْلَاثًا: ثُمَّ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ، فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً، وَقَالَ لَهُ قَوْلًا شَدِيدًا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

1341 -

وَعَنْ سَفِينَةَ رضي الله عنه قَالَ: «كُنْت مَمْلُوكًا لِأُمِّ سَلَمَةَ، فَقَالَتْ:

أَئِمَّةٌ فَالْعَمَلُ بِهِ مُتَعَيَّنٌ وَظَاهِرُهُ أَنَّ مُجَرَّدَ الْمِلْكِ سَبَبٌ لِلْعِتْقِ فَيَكُونُ قَرِينَةً لِحَمْلٍ " فَيُعْتِقُهُ " عَلَى الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ كَمَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ فَلَا يَكُونُ فِيهِ حُجَّةٌ لِدَاوُدَ.

(وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رضي الله عنه «أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ سِتَّةَ مَمَالِيكَ لَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمْ فَدَعَا بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَجَزَّأَهُمْ أَثْلَاثًا ثُمَّ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً وَقَالَ لَهُ قَوْلًا شَدِيدًا» وَهُوَ مَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَأَبُو دَاوُد أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ «لَوْ شَهِدْته قَبْلَ أَنْ يُدْفَنَ لَمْ يُدْفَنْ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ» (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ‌

‌ حُكْمَ التَّبَرُّعِ فِي الْمَرَضِ

حُكْمُ الْوَصِيَّةِ يَنْفُذُ مِنْ الثُّلُثِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ. وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا هَلْ تُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ أَوْ الْعَدَدُ مِنْ غَيْرِ تَقْوِيمٍ، فَقَالَ مَالِكٌ يُعْتَبَرُ التَّقْوِيمُ فَإِذَا كَانُوا سِتَّةَ أَعْبُدٍ أَعْتَقَ الثُّلُثَ بِالْقِيمَةِ سَوَاءٌ كَانَ الْحَاصِلُ مِنْ ذَلِكَ اثْنَيْنِ مِنْهُمْ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ وَذَهَبَ الْبَعْضُ إلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ الْعَدَدُ مِنْ غَيْرِ تَقْوِيمٍ فَيُعْتَقُ اثْنَانِ فِي مَسْأَلَةِ السِّتَّةِ الْأَعْبُدِ وَخَالَفَتْ الْهَادَوِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ وَذَهَبُوا إلَى أَنَّهُ يُعْتَقُ مِنْ كُلِّ عَبْدٍ ثُلُثُهُ. وَيَسْعَى كُلُّ وَاحِدٍ فِي ثُلُثَيْ قِيمَتِهِ لِلْوَرَثَةِ قَالُوا: وَهَذَا الْحَدِيثُ آحَادِيٌّ خَالَفَ الْأُصُولَ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ قَدْ أَوْجَبَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ الْعِتْقَ فَلَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ لَنَفَذَ الْعِتْقُ فِي الْجَمِيعِ بِالْإِجْمَاعِ. وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ وَجَبَ أَنْ يَنْفُذَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِقَدْرِ الثُّلُثِ الْجَائِزِ تَصَرُّفُ السَّيِّدِ فِيهِ وَرَدَّ بِأَنَّ الْحَدِيثَ الْآحَادِيَّ مِنْ الْأُصُولِ فَكَيْفَ يُقَالُ إنَّهُ خَالَفَ الْأُصُولَ وَلَوْ سَلَّمَ فَمِنْ الْأُصُولِ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ ضَرَرًا عَلَى الْغَيْرِ وَقَدْ أَدْخَلْتُمْ الضَّرَرَ عَلَى الْوَرَثَةِ وَعَلَى الْعَبِيدِ الْمُعْتَقِينَ، وَإِذَا جُمِعَ الْعِتْقُ فِي شَخْصَيْنِ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الْحَدِيثِ حَصَلَ الْوَفَاءُ بِحَقِّ الْعَبْدِ وَحَقِّ الْوَارِثِ وَنَظِيرُ مَسْأَلَةِ الْعَبْدِ لَوْ أَوْصَى بِجَمِيعِ التَّرِكَةِ فَإِنَّهُ يَقِفُ مَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ عَلَى إجَازَةِ الْوَرَثَةِ اتِّفَاقًا ثُمَّ إذَا أُرِيدَ الْقِسْمَةُ تَعَيَّنَتْ الْأَنْصِبَاءُ بِالْقُرْعَةِ اتِّفَاقًا.

ص: 603

أَعْتِقُك وَأَشْتَرِطُ عَلَيْك أَنْ تَخْدُمَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَا عِشْت» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ

1342 -

وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إنَّمَا‌

‌ الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ»

مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ - فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ.

1343 -

وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ، لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ، وَأَصْلُهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِغَيْرِ هَذَا اللَّفْظِ.

(وَعَنْ سَفِينَةَ رضي الله عنه) بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ فَفَاءٍ فَمُثَنَّاةٍ تَحْتِيَّةٍ فَنُونٍ (قَالَ «كُنْت مَمْلُوكًا لِأُمِّ سَلَمَةَ فَقَالَتْ: أَعْتِقُك وَأَشْتَرِطُ عَلَيْك أَنْ تَخْدُمَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَا عِشْت» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ) الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ‌

‌ اشْتِرَاطِ الْخِدْمَةِ عَلَى الْعَبْدِ الْمُعْتَقِ

وَأَنَّهُ يَصِحُّ تَعْلِيقُ الْعِتْقِ بِشَرْطٍ فَيَقَعُ بِوُقُوعِ الشَّرْطِ. وَوَجْهُ دَلَالَتِهِ أَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَرَّرَ ذَلِكَ إذْ الْخِدْمَةُ لَهُ وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ أَعْتَقَ رَقِيقَ الْإِمَارَةِ وَشَرَطَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَخْدُمُوا الْخَلِيفَةَ بَعْدَهُ ثَلَاثَ سِنِينَ قَالَ فِي نِهَايَةِ الْمُجْتَهِدِ: لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّ الْعَبْدَ إذَا أَعْتَقَهُ سَيِّدُهُ عَلَى أَنْ يَخْدُمَهُ سِنِينَ أَنَّهُ لَا يُتِمُّ عِتْقَهُ إلَّا بِخِدْمَتِهِ وَبِهَذَا قَالَتْ الْهَادَوِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ.

(وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) فِي حَدِيثٍ تَقَدَّمَ فِي الْبَيْعِ فِي قِصَّةِ بَرِيرَةَ وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ وَأَفَادَتْ كَلِمَةُ إنَّمَا الْحَصْرَ، وَهُوَ إثْبَاتُ الْوَلَاءِ لِمَنْ ذَكَرَ وَنَفْيِهِ عَمَّنْ عَدَاهُ فَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا وَلَاءَ بِالْإِسْلَامِ خِلَافًا لِلْهَادَوِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ.

(وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ فِي الْقَامُوسِ بِضَمِّ اللَّامِ وَفَتْحِهَا فِي النَّسَبِ وَالثَّوْبِ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ». رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَأَصْلُهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِغَيْرِ هَذَا اللَّفْظِ) يُرِيدُ أَنَّ فِيهِمَا بِلَفْظِ «نَهَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ وَعَنْ هِبَتِهِ» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ هَذِهِ الطَّرِيقِ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ تَخْرِيجِهِ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَمَعْنَى تَشْبِيهِهِ بِلُحْمَةِ النَّسَبِ أَنَّهُ يَجْرِي الْوَلَاءُ مَجْرَى النَّسَبِ فِي الْمِيرَاثِ كَمَا

ص: 604

‌بَابُ الْمُدَبَّرِ وَالْمُكَاتَبِ، وَأُمِّ الْوَلَدِ

1344 -

عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه. «أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ أَعْتَقَ غُلَامًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي؟ فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي لَفْظٍ لِلْبُخَارِيِّ: فَاحْتَاجَ. وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيّ: وَكَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَبَاعَهُ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَأَعْطَاهُ، وَقَالَ " اقْضِ دَيْنَك ".

تُخَالِطُ اللُّحْمَةُ سُدَى الثَّوْبِ حَتَّى يَصِيرَ كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ كَمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ النِّهَايَةِ وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ بَيْعِ الْوَلَاءِ وَلَا هِبَتِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ مَعْنَوِيٌّ كَالنَّسَبِ لَا يَتَأَتَّى انْتِقَالُهُ كَالْأُبُوَّةِ وَالْأُخُوَّةِ لَا يَتَأَتَّى انْتِقَالُهُمَا وَقَدْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَنْقُلُونَ الْوَلَاءَ بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ فَنَهَى الشَّرْعُ عَنْ ذَلِكَ وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ وَرُوِيَ عَنْ السَّلَفِ جَوَازُ بَيْعِهِ وَعَنْ آخَرِينَ مِنْهُمْ جَوَازُ هِبَتِهِ وَكَأَنَّهُمْ لَمْ يَطَّلِعُوا عَلَى الْحَدِيثِ أَوْ حَمَلُوا النَّهْيَ عَلَى التَّنْزِيهِ وَهُوَ خِلَافُ أَصْلِهِ.

(بَابُ الْمُدَبَّرِ وَالْمُكَاتَبِ، وَأُمِّ الْوَلَدِ) الْمُدَبَّرُ اسْمُ مَفْعُولٍ وَهُوَ الرَّقِيقُ الَّذِي عُلِّقَ عِتْقُهُ بِمَوْتِ مَالِكِهِ سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَالِكَهُ دَبَّرَ دُنْيَاهُ وَآخِرَتَهُ أَمَّا دُنْيَاهُ فَاسْتِمْرَارُ انْتِفَاعِهِ بِخِدْمَةِ عَبْدِهِ وَأَمَّا آخِرَتُهُ فَتَحْصِيلُ ثَوَابِ الْعِتْقِ وَالْمُكَاتَبُ اسْمُ مَفْعُولٍ أَيْضًا هُوَ مَنْ وَقَعَتْ عَلَيْهِ الْكِتَابَةُ وَحَقِيقَةُ الْكِتَابَةِ تَعْلِيقُ عِتْقِ الْمَمْلُوكِ عَلَى أَدَائِهِ مَالًا أَوْ نَحْوَهُ مِنْ مَالِكٍ أَوْ نَحْوِهِ وَهُوَ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ إنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ، وَأُمُّ الْوَلَدِ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا فِي كِتَابِ الْبَيْعِ.

(عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه أَنَّ رَجُلًا) اسْمُهُ مِذْكَارٌ كَمَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَتَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْبَيْعِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ أَوْ اسْمُهُ أَبُو مِذْكَارٍ وَاسْمُ غُلَامِهِ أَبُو يَعْقُوبَ (مِنْ الْأَنْصَارِ أَعْتَقَ غُلَامًا لَهُ) اسْمُهُ يَعْقُوبُ كَمَا فِي مُسْلِمٍ أَيْضًا (عَنْ دُبُرٍ) بِضَمِّ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَبِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِهَا «وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي؟ فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَفِي لَفْظِ الْبُخَارِيِّ فَاحْتَاجَ. وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيّ) أَيْ عَنْ جَابِرٍ «وَكَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَبَاعَهُ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ فَأَعْطَاهُ وَقَالَ اقْضِ دَيْنَك»

) الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ التَّدْبِيرِ، وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهِ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ يَنْفُذُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ أَوْ مِنْ الثُّلُثِ فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّهُ يَنْفُذُ مِنْ الثُّلُثِ، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ وَالظَّاهِرِيَّةِ إلَى أَنَّهُ يَنْفُذُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ اسْتَدَلَّ الْجُمْهُورُ بِقِيَاسِهِ عَلَى الْوَصِيَّةِ بِجَامِعِ

ص: 605

1345 -

وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ مُكَاتَبَتِهِ دِرْهَمٌ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَأَصْلُهُ عِنْدَ أَحْمَدَ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ

أَنَّهُ يَنْفُذُ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَبِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «الْمُدَبَّرُ مِنْ الثُّلُثِ» وَرَدَّ الْحَدِيثَ بِأَنَّهُ جَزَمَ أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ بِضَعْفِهِ وَإِنْكَارِهِ، وَأَنَّ رَفْعَهُ بَاطِلٌ، وَإِنَّمَا هُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ عُمَرَ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ مُرْسَلًا «أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ عَبْدًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ فَجَعَلَهُ صلى الله عليه وسلم مِنْ الثُّلُثِ» وَأُخْرِجَ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه كَذَلِكَ مَوْقُوفًا. وَاسْتَدَلَّ الْآخَرُونَ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْهِبَةِ وَنَحْوِهَا مِمَّا يُخْرِجُهُ الْإِنْسَانُ مِنْ مَالِهِ فِي حَالِ حَيَاتِهِ وَدَلِيلُ الْأَوَّلِينَ أَوْلَى لِتَأَيُّدِ الْقِيَاسِ بِالْمُرْسَلِ وَالْمَوْقُوفِ؛ وَلِأَنَّ قِيَاسَهُ عَلَى الْوَصِيَّةِ أَوْلَى مِنْ الْقِيَاسِ عَلَى الْهِبَةِ. وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ الْمُدَبَّرِ لِحَاجَتِهِ لِنَفَقَتِهِ أَوْ قَضَاءِ دَيْنِهِ وَذَهَبَ طَائِفَةٌ إلَى عَدَمِ جَوَازِ بَيْعِهِ مُطْلَقًا مُسْتَدِلِّينَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} وَرُدَّ بِأَنَّهُ عَامٌّ خَصَّصَهُ حَدِيثُ الْكِتَابِ وَذَهَبَ آخَرُونَ مِنْهُمْ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ إلَى جَوَازِ بَيْعِهِ مُطْلَقًا مُسْتَدِلِّينَ بِحَدِيثِ جَابِرٍ وَيُشَبِّهُهُ بِالْوَصِيَّةِ فَإِنَّهُ إذَا احْتَاجَ الْمُوصِي بَاعَ مَا أَوْصَى بِهِ، وَكَذَلِكَ مَعَ اسْتِغْنَائِهِ قَالُوا: وَالْحَدِيثُ لَيْسَ فِيهِ قَصْرُ الْبَيْعِ عَلَى الْحَاجَةِ وَالضَّرُورَةِ، وَإِنَّمَا الْوَاقِعُ جُزْئِيٌّ مِنْ جُزْئِيَّاتِ صُوَرِ جَوَازِ بَيْعِهِ وَقِيَاسُهُ عَلَى الْوَصِيَّةِ يُؤَيِّدُ اعْتِبَارَ الْجَوَازِ الْمُطْلَقِ وَالظَّاهِرُ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ.

(وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ مُكَاتَبَتِهِ دِرْهَمٌ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَأَصْلُهُ عِنْدَ أَحْمَدَ وَالثَّلَاثَةِ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ) وَرُوِيَ مِنْ طُرُقٍ كُلِّهَا لَا تَخْلُو عَنْ مَقَالٍ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا رَوَى هَذَا إلَّا عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ وَلَمْ أَرَ مَنْ رَضِيت مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يُثْبِتُهُ. وَعَلَى هَذَا فُتْيَا الْمُفْتِينَ. وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ‌

‌ الْمُكَاتَبَ إذَا لَمْ يَفِ بِمَا كُوتِبَ عَلَيْهِ

فَهُوَ عَبْدٌ، لَهُ أَحْكَامُ الْمَمَالِيكِ. وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْجُمْهُورُ الْهَادَوِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَفِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ فَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه أَنَّهُ يُعْتَقُ إذَا أَدَّى الشَّرْطَ وَيُرْوَى عَنْهُ أَنَّهُ يُعْتَقُ بِقَدْرِ مَا أَدَّى وَدَلِيلُهُ مَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ مِنْ رِوَايَةِ عِكْرِمَةَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«يُؤَدِّي الْمُكَاتَبُ بِحِصَّةِ مَا أَدَّى دِيَةَ حُرٍّ وَمَا بَقِيَ دِيَةَ عَبْدٍ» . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ:

ص: 606

1346 -

وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إذَا كَانَ لِإِحْدَاكُنَّ مُكَاتَبٌ، وَكَانَ عِنْدَهُ مَا يُؤَدَّى فَلْتَحْتَجِبْ مِنْهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ.

قَالَ أَبُو عِيسَى فِيمَا بَلَغَنِي عَنْهُ: سَأَلْت الْبُخَارِيَّ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ رَوَى بَعْضُهُمْ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ عَلِيٍّ. وَاخْتُلِفَ عَلَى عِكْرِمَةَ فِيهِ وَرِوَايَةُ عِكْرِمَةَ عَنْ عَلِيٍّ مُرْسَلَةٌ وَرِوَايَتُهُ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مُرْسَلَةٌ وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ مِنْ طُرُقٍ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا (قُلْت) فَقَدْ ثَبَتَ لَهُ أَصْلٌ إلَّا أَنَّهُ قَدْ عَارَضَهُ حَدِيثُ الْكِتَابِ وَقَوْلُ الْجُمْهُورِ دَلِيلُهُ الْحَدِيثُ وَإِنْ كَانَ مَا خَلَتْ طُرُقُهُ عَنْ قَادِحٍ إلَّا أَنَّهُ أَيَّدَتْهُ آثَارٌ سَلَفِيَّةٌ عَنْ الصَّحَابَةِ؛ وَلِأَنَّهُ أَخَذَ بِالِاحْتِيَاطِ فِي حَقِّ السَّيِّدِ فَلَا يَزُولُ مِلْكُهُ إلَّا بِمَا قَدْ رَضِيَ بِهِ مِنْ تَسْلِيمِ مَا عِنْدَ عَبْدِهِ فَالْأَقْرَبُ كَلَامُ الْجُمْهُورِ.

(وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إذَا كَانَ لِإِحْدَاكُنَّ مُكَاتَبٌ وَكَانَ عِنْدَهُ مَا يُؤَدَّى فَلْتَحْتَجِبْ مِنْهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ وَصَحِّحْهُ التِّرْمِذِيُّ) وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى مَسْأَلَتَيْنِ (الْأُولَى) أَنَّ‌

‌ الْمُكَاتَبَ إذَا صَارَ مَعَهُ جَمِيعُ مَالِ الْمُكَاتَبَةِ

فَقَدْ صَارَ لَهُ مَا لِلْأَحْرَارِ فَتَحْتَجِبُ مِنْهُ سَيِّدَتُهُ إذَا كَانَ مَمْلُوكًا لِامْرَأَةٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ سَلَّمَ ذَلِكَ، وَهُوَ مُعَارَضٌ بِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ وَقَدْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا الشَّافِعِيُّ فَقَالَ: هَذَا خَاصٌّ بِأَزْوَاجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ احْتِجَابُهُنَّ عَنْ الْمُكَاتَبِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ سَلَّمَ مَالَ الْكِتَابَةِ إذَا كَانَ وَاحِدًا لَهُ وَإِلَّا مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ كَمَا مَنَعَ سَوْدَةُ مِنْ نَظَرِ ابْنِ زَمْعَةَ إلَيْهَا مَعَ أَنَّهُ قَدْ قَالَ «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ» قُلْت وَلَك أَنْ تَجْمَعَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ قِنٌّ إذَا لَمْ يَجِدْ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَ دِرْهَمًا.

وَحَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ فِي مُكَاتَبٍ وَاحِدٍ لِجَمِيعِ مَالِ الْكِتَابَةِ وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَدْ سَلَّمَهُ وَأَمَّا حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ لَهَا «إذَا كَاتَبَتْ إحْدَاكُنَّ عَبْدَهَا فَلْيُرِهَا مَا بَقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ كِتَابَتِهِ فَإِذَا قَضَاهَا فَلَا تُكَلِّمُهُ إلَّا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ» فَإِنَّهُ ضَعِيفٌ لَا يُقَاوِمُ حَدِيثَ الْكِتَابِ.

(الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) دَلَّ بِمَفْهُومِهِ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِمَمْلُوكِ الْمَرْأَةِ النَّظَرُ إلَيْهَا مَا لَمْ يُكَاتِبْهَا وَيَجِدْ مَالَ الْكِتَابَةِ، وَهُوَ الَّذِي دَلَّ لَهُ مَنْطُوقُ قَوْله تَعَالَى:{أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ} فِي سُورَةِ النُّورِ وَفِي سُورَةِ الْأَحْزَابِ وَيَدُلُّ لَهُ أَيْضًا «قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم لِفَاطِمَةَ لَمَّا تَقَنَّعَتْ بِثَوْبٍ وَكَانَتْ إذَا

ص: 607

1347 -

وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «يُودَى الْمُكَاتَبُ بِقَدْرِ مَا عَتَقَ مِنْهُ دِيَةَ الْحُرِّ، وَبِقَدْرِ مَا رَقَّ مِنْهُ دِيَةَ الْعَبْدِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ.

قَنَّعَتْ بِهِ رَأْسَهَا لَمْ يَبْلُغْ رِجْلَيْهَا وَإِذَا غَطَّتْ بِهِ رِجْلَيْهَا لَمْ يَبْلُغْ رَأْسَهَا فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لَيْسَ عَلَيْك بَأْسٌ إنَّمَا هُوَ أَبُوك وَغُلَامُك» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَرْدُوَيْهِ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مُجَاهِدٍ. قَالَ «كَانَ الْعَبِيدُ يَدْخُلُونَ عَلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم» يُرِيدُ مَمَالِيكُهُنَّ: وَفِي تَيْسِيرِ الْبَيَانِ لِلْأَوْزَاعِيِّ أَنَّ رُؤْيَةَ الْمَمْلُوكِ لِمَالِكَتِهِ: الْمَنْصُوصُ أَيْ لِلشَّافِعِيِّ وَذَكَرَ الْخِلَافَ لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ وَرَدَّهُ وَهُوَ خِلَافُ مَا نَقَلْنَا عَنْهُ أَوَّلًا: فَيَحْتَمِلُ أَنَّ ذَلِكَ قَوْلٌ لَهُ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. وَذَهَبَتْ الْهَادَوِيَّةُ وَأَبُو حَنِيفَةَ إلَى أَنَّ الْمَمْلُوكَ كَالْأَجْنَبِيِّ قَالُوا: يَدُلُّ لَهُ صِحَّةُ تَزْوِيجِهَا إيَّاهُ بَعْدَ الْعِتْقِ وَأَجَابُوا عَنْ الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ مَفْهُومٌ لَا يُعْمَلُ بِهِ.

وَعَنْ الْآيَةِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ الْمَمْلُوكَاتُ مِنْ الْإِمَاءِ لِلْحَرَائِرِ وَخَصَّهُنَّ بِالذِّكْرِ رَفْعًا لِتَوَهُّمِ مُغَايَرَتِهِنَّ لِلْحَرَائِرِ فِي قَوْله تَعَالَى: {أَوْ نِسَائِهِنَّ} إذْ الْإِمَاءُ لَسْنَ مِنْ نِسَائِهِنَّ. وَلَا يَخْفَى ضَعْفُ هَذَا وَتَكَلُّفُهُ وَالْحَقُّ بِالِاتِّبَاعِ أَوْلَى.

(وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " يُودَى) بِضَمِّ حَرْفِ الْمُضَارَعَةِ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ مِنْ وَدَاهُ يَدِيهِ «الْمُكَاتَبُ بِقَدْرِ مَا عَتَقَ مِنْهُ دِيَةَ الْحُرِّ وَبِقَدْرِ مَا رَقَّ مِنْهُ دِيَةَ الْعَبْدِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ

) سَقَطَ هَذَا الْحَدِيثُ بِشَرْحِهِ مِنْ الشَّرْحِ وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لِلْمُكَاتَبِ حُكْمُ الْحُرِّ فِي قَدْرِ مَا سَلَّمَهُ مِنْ كِتَابَتِهِ فَتُبَعَّضُ دِيَتُهُ إنْ قُتِلَ وَكَذَلِكَ الْحَدُّ وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَحْكَامِ الَّتِي تُنَصَّفُ وَهَذَا قَوْلُ الْهَادَوِيَّةِ وَذَهَبَ عَلِيٌّ رضي الله عنه وَشُرَيْحٌ إلَى أَنَّهُ يُعْتَقُ كُلُّهُ إذَا سَلَّمَ قِسْطًا مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ: وَعَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه رِوَايَةٌ مِثْلُ كَلَامِ الْهَادَوِيَّةِ وَاسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ لَا تَتَبَعَّضُ أَحْكَامُهُ بِأَنَّهُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ» إلَّا أَنَّهُ مَوْقُوفٌ وَقَدْ رَفَعَهُ ابْنُ قَانِعٍ وَأَعَلَّهُ بِالِانْقِطَاعِ وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ لَكِنْ قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَمْ أَرَ مَنْ رَضِيت مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يُثْبِتُهُ كَمَا تَقَدَّمَ. وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُد

ص: 608

1348 -

وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ - أَخِي جُوَيْرِيَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رضي الله عنهما قَالَ: «مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عِنْدَ مَوْتِهِ دِرْهَمًا، وَلَا دِينَارًا، وَلَا عَبْدًا، وَلَا أَمَةً، وَلَا شَيْئًا إلَّا بَغْلَتَهُ الْبَيْضَاءَ وَسِلَاحَهُ وَأَرْضًا جَعَلَهَا صَدَقَةً» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

1349 -

وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «أَيُّمَا أَمَةٍ وَلَدَتْ مِنْ سَيِّدِهَا فَهِيَ حُرَّةٌ بَعْدَ مَوْتِهِ» أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، وَرَجَّحَ جَمَاعَةٌ وَقْفَهُ عَلَى عُمَرَ رضي الله عنه.

وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ رضي الله عنه وَابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعَيْنِ بِلَفْظِ «الْمُكَاتَبُ يُعْتَقُ بِقَدْرِ مَا أَدَّى وَيَرِثُ وَيُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ بِقَدْرِ مَا عَتَقَ» وَلَا عِلَّةَ لَهُ وَهُوَ يُؤَيِّدُ حَدِيثَ الْكِتَابِ. وَلَعَلَّهُ هُوَ. إنَّمَا اخْتَلَفَ لَفْظُهُ. وَتَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي الْمَسْأَلَةِ وَبَيَانُ الرَّاجِحِ مِنْهَا.

(وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ) هُوَ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي ضِرَارٍ بِكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَرَاءٍ خَفِيفَةٍ عِدَادُهُ فِي أَهْلِ الْكُوفَةِ رَوَى عَنْهُ أَبُو وَائِلٍ شَقِيقُ بْنُ سَلَمَةَ وَغَيْرُهُ (أَخِي جُوَيْرِيَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رضي الله عنها قَالَ: «مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عِنْدَ مَوْتِهِ دِرْهَمًا وَلَا دِينَارًا وَلَا عَبْدًا وَلَا أَمَةً وَلَا شَيْئًا إلَّا بَغْلَتَهُ الْبَيْضَاءَ وَسِلَاحَهُ وَأَرْضًا جَعَلَهَا صَدَقَةً». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ تَنَزُّهِهِ عَنْ الدُّنْيَا وَأَدْنَاسِهَا وَأَعْرَاضِهَا وَخُلُوِّ قَلْبِهِ وَقَالَبِهِ عَنْ الِاشْتِغَالِ بِهَا؛ لِأَنَّهُ مُتَفَرِّغٌ لِلْإِقْبَالِ عَلَى تَبْلِيغِ مَا أُمِرَ بِهِ وَعِبَادَةِ مَوْلَاهُ وَالِاشْتِغَالِ بِمَا يُقَرِّبُهُ إلَيْهِ وَمَا يَرْضَاهُ وَقَوْلُهُ " وَلَا عَبْدًا وَلَا أَمَةً " وَقَدْ قَدَّمْنَا «أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم أَعْتَقَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ رَقَبَةً فَلَمْ يَمُتْ وَعِنْدَهُ مَمْلُوكٌ» وَالْأَرْضُ الَّتِي جَعَلَهَا صَدَقَةً قَالَ أَبُو دَاوُد «كَانَتْ نَخْلُ بَنِي النَّضِيرِ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَاصَّةً أَعْطَاهُ اللَّهُ إيَّاهَا فَقَالَ {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ} فَأَعْطَى أَكْثَرَهَا الْمُهَاجِرِينَ وَبَقِيَ مِنْهَا صَدَقَةُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الَّتِي فِي أَيْدِي بَنِي فَاطِمَةَ» وَلِأَبِي دَاوُد أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ شِهَابٍ «كَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ثَلَاثُ صَفَايَا بَنُو النَّضِيرِ وَخَيْبَرُ وَفَدَكُ فَأَمَّا بَنُو النَّضِيرِ فَكَانَتْ حَبْسًا لِنَوَائِبِهِ وَأَمَّا فَدَكُ فَكَانَتْ حَبْسًا لِأَبْنَاءِ السَّبِيلِ وَأَمَّا خَيْبَرُ فَجَزَّأَهَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ قَسَمَ جُزْءًا لِنَفَقَةِ أَهْلِهِ وَمَا فَضَلَ مِنْهُ جَعَلَهُ فِي فُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ» .

(وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «أَيُّمَا أَمَةٍ وَلَدَتْ مِنْ

ص: 609

1350 -

وَعَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ أَعَانَ مُجَاهِدًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ غَارِمًا فِي عُسْرَتِهِ، أَوْ مُكَاتَبًا فِي رَقَبَتِهِ أَظَلَّهُ اللَّهُ يَوْمَ لَا ظِلَّ إلَّا ظِلُّهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.

سَيِّدِهَا فَهِيَ حُرَّةٌ بَعْدَ مَوْتِهِ». أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ) إذْ فِي سَنَدِهِ الْحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْهَاشِمِيُّ ضَعِيفٌ جِدًّا (وَرَجَّحَ جَمَاعَةٌ وَقْفَهُ عَلَى عُمَرَ رضي الله عنه) الْحَدِيثُ دَالٌّ عَلَى حُرِّيَّةِ أُمِّ الْوَلَدِ بَعْدَ وَفَاةِ سَيِّدِهَا وَعَلَيْهِ دَلَّ الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ حَيْثُ قَالَ وَلَا أَمَةً فَإِنَّهُ صلى الله عليه وسلم تُوُفِّيَ وَخَلَّفَ مَارِيَةَ الْقِبْطِيَّةَ أُمَّ إبْرَاهِيمَ وَتُوُفِّيَتْ فِي أَيَّامِ عُمَرَ فَدَلَّ أَنَّهَا عَتَقَتْ بِوَفَاتِهِ صلى الله عليه وسلم، وَلِأَجْلِ هَذَا الْحُكْمِ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي أُمِّ الْوَلَدِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْبَيْعِ.

(وَعَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ أَعَانَ مُجَاهِدًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ غَارِمًا فِي عُسْرَتِهِ» الْغَارِمُ الَّذِي يَلْتَزِمُ مَا ضَمِنَهُ وَتَكَفَّلَ بِهِ وَيُؤَدِّيهِ قَالَهُ فِي النِّهَايَةِ «أَوْ مُكَاتَبًا فِي رَقَبَتِهِ أَظَلَّهُ اللَّهُ يَوْمَ لَا ظِلَّ إلَّا ظِلُّهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى عِظَمِ أَجْرِ هَذِهِ الْإِعَانَةِ لِمَنْ ذُكِرَ وَذُكِرَ هُنَا لِأَجْلِ الْمُكَاتَبِ. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي الْمُكَاتَبِ {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} وَقَدْ أَخْرَجَ النَّسَائِيّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ رضي الله عنه مَرْفُوعًا أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ «فِي الْآيَةِ رُبْعُ الْكِتَابَةِ» قَالَ النَّسَائِيّ وَالصَّوَابُ وَقْفُهُ وَقَالَ الْحَاكِمُ فِي رِوَايَةِ الرَّفْعِ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَقَدْ فُسِّرَ قَوْله تَعَالَى: {وَفِي الرِّقَابِ} بِإِعَانَةِ الْمُكَاتَبِينَ.

وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: أَمَرَ اللَّهُ السَّيِّدَ أَنْ يَدَعَ الرُّبْعَ لِلْمُكَاتَبِ مِنْ ثَمَنِهِ وَهَذَا تَعْلِيمٌ مِنْ اللَّهِ وَلَيْسَ بِفَرِيضَةٍ وَلَكِنْ فِيهِ أَجْرٌ.

‌كِتَابُ الْجَامِعِ

أَيْ الْجَامِعِ لِأَبْوَابٍ سِتَّةٍ: الْأَدَبِ، الْبِرِّ وَالصِّلَةِ، الزُّهْدِ وَالْوَرَعِ، التَّرْهِيبِ مِنْ مَسَاوِئِ الْأَخْلَاقِ وَالتَّرْغِيبِ فِي مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، الذِّكْرِ، وَالدُّعَاءِ.

الْأَوَّلُ:

ص: 610

‌بَابُ الْأَدَبِ

1351 -

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ: إذَا لَقِيته فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَإِذَا دَعَاك فَأَجِبْهُ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَك فَانْصَحْهُ، وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ فَشَمِّتْهُ، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ، وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ

(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ إذَا لَقِيته فَسَلِّمْ عَلَيْهِ وَإِذَا دَعَاك فَأَجِبْهُ وَإِذَا اسْتَنْصَحَك فَانْصَحْهُ وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ فَشَمِّتْهُ» بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَالشَّيْنِ الْمُعْجَمَةِ «وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ خَمْسٌ أَسْقَطَ مِمَّا عَدَّهُ هُنَا " وَإِذَا اسْتَنْصَحَك فَانْصَحْهُ " وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ هَذِهِ حُقُوقُ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ وَالْمُرَادُ بِالْحَقِّ مَا لَا يَنْبَغِي تَرْكُهُ وَيَكُونُ فِعْلُهُ إمَّا وَاجِبًا أَوْ مَنْدُوبًا نَدْبًا مُؤَكَّدًا شَبِيهًا بِالْوَاجِبِ الَّذِي لَا يَنْبَغِي تَرْكُهُ وَيَكُونُ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْمَعْنَيَيْنِ مِنْ بَابِ اسْتِعْمَالِ الْمُشْتَرَكِ فِي مَعْنَيَيْهِ فَإِنَّ الْحَقَّ يُسْتَعْمَلُ فِي مَعْنَى الْوَاجِبِ كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ " فَالْأُولَى " مِنْ السِّتِّ: السَّلَامُ عَلَيْهِ عِنْدَ مُلَاقَاتِهِ لِقَوْلِهِ: إذَا لَقِيته فَسَلِّمْ عَلَيْهِ.

وَالْأَمْرُ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الِابْتِدَاءِ بِالسَّلَامِ إلَّا أَنَّهُ نَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ أَنَّ الِابْتِدَاءَ بِالسَّلَامِ سُنَّةٌ وَأَنَّ رَدَّهُ فَرْضٌ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِم مَرْفُوعًا الْأَمْرُ بِإِفْشَاءِ السَّلَامِ وَأَنَّهُ سَبَبٌ لِلتَّحَابِّ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّ أَفْضَلَ الْأَعْمَالِ إطْعَامُ الطَّعَامِ وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْت وَعَلَى مَنْ لَمْ تَعْرِفْ» قَالَ عَمَّارٌ: ثَلَاثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ فَقَدْ جَمَعَ الْإِيمَانَ، إنْصَافٌ مِنْ نَفْسِك، وَبَذْلُ السَّلَامِ لِلْعَالِمِ، وَالْإِنْفَاقُ مِنْ الْإِقْتَارِ: وَيَا لَهَا مِنْ كَلِمَاتٍ مَا أَجْمَعَهَا لِلْخَيْرِ.

وَالسَّلَامُ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى فَقَوْلُهُ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَيْ أَنْتُمْ فِي حِفْظِ اللَّهِ كَمَا يُقَالُ اللَّهُ مَعَك وَاَللَّهُ يَصْحَبُك وَقِيلَ السَّلَامُ بِمَعْنَى السَّلَامَةِ أَيْ سَلَامَةُ اللَّهِ مُلَازِمَةٌ لَك وَأَقَلُّ السَّلَامِ أَنْ يَقُولَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَإِنْ كَانَ الْمُسَلَّمُ عَلَيْهِ وَاحِدًا يَتَنَاوَلُهُ وَمَلَائِكَتَهُ وَأَكْمَلُ مِنْهُ أَنْ يَزِيدَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ وَيُجْزِيهِ السَّلَامُ عَلَيْك وَسَلَامٌ عَلَيْك بِالْإِفْرَادِ وَالتَّنْكِيرِ فَإِنْ كَانَ الْمُسَلَّمُ عَلَيْهِ وَاحِدًا وَجَبَ الرَّدُّ عَلَيْهِ عَيْنًا وَإِنْ كَانَ الْمُسَلَّمُ عَلَيْهِمْ جَمَاعَةً فَالرَّدُّ فَرْضُ كِفَايَةٍ فِي حَقِّهِمْ وَيَأْتِي قَرِيبًا حَدِيثُ «يُجْزِئُ عَنْ الْجَمَاعَةِ إذَا مَرُّوا أَنْ يُسَلِّمَ أَحَدُهُمْ، وَيُجْزِئُ عَنْ الْجَمَاعَةِ أَنْ يَرُدَّ أَحَدُهُمْ» وَهَذَا هُوَ سُنَّةُ الْكِفَايَةِ وَيُشْتَرَطُ كَوْنُ الرَّدِّ عَلَى الْفَوْرِ وَعَلَى الْغَائِبِ فِي وَرَقَةٍ أَوْ رَسُولٍ.

وَيَأْتِي حَدِيثُ

ص: 611

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

«أَنَّهُ يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي وَالْمَاشِي عَلَى الْقَاعِدِ وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ» وَيُؤْخَذُ مِنْ مَفْهُومِ قَوْلِهِ حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنَّهُ لَيْسَ لِلذِّمِّيِّ حَقٌّ فِي رَدِّ السَّلَامِ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ وَيَأْتِي حَدِيثُ «لَا تَبْدَءُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى بِالسَّلَامِ» وَيَأْتِي فِيهِ الْكَلَامُ وَقَوْلُهُ " إذَا لَقِيته " يَدُلُّ أَنَّهُ لَا يُسَلِّمُ عَلَيْهِ إذَا فَارَقَهُ لَكِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ حَدِيثُ «إذَا قَعَدَ أَحَدُكُمْ فَلْيُسَلِّمْ وَإِذَا قَامَ فَلْيُسَلِّمْ وَلَيْسَتْ الْأُولَى بِأَحَقَّ مِنْ الْآخِرَةِ» .

فَلَا يُعْتَبَرُ مَفْهُومُ إذَا لَقِيته ثُمَّ الْمُرَادُ بِلَقِيتُهُ وَإِنْ لَمْ يَطُلْ بَيْنَهُمَا الِافْتِرَاقُ لِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد «. وَإِذَا لَقِيَ أَحَدُكُمْ صَاحِبَهُ فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ فَإِنْ حَالَ بَيْنَهُمَا شَجَرَةٌ أَوْ جِدَارٌ ثُمَّ لَقِيَهُ فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ» وَقَالَ أَنَسٌ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُتَمَاشَوْنَ فَإِذَا لَقِيَتْهُمْ شَجَرَةٌ أَوْ أَكَمَةٌ تَفَرَّقُوا يَمِينًا وَشِمَالًا فَإِذَا الْتَقَوْا مِنْ وَرَائِهَا يُسَلِّمُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ.

وَالثَّانِيَةُ " وَإِذَا دَعَاك فَأَجِبْهُ " ظَاهِرُهُ عُمُومُ أَحَقِّيَّةِ الْإِجَابَةِ فِي كُلِّ دَعْوَةٍ يَدْعُوهُ لَهَا وَخَصَّهَا الْعُلَمَاءُ بِإِجَابَةِ دَعْوَةِ الْوَلِيمَةِ وَنَحْوِهَا وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: إنَّهَا فِي دَعْوَةِ الْوَلِيمَةِ وَاجِبَةٌ وَفِيمَا عَدَاهَا مَنْدُوبَةٌ لِثُبُوتِ الْوَعِيدِ عَلَى مَنْ لَمْ يُجِبْ فِي الْأُولَى دُونَ الثَّانِيَةِ.

" وَالثَّالِثَةُ " قَوْلُهُ " وَإِذَا اسْتَنْصَحَك " أَيْ طَلَبَ مِنْك‌

‌ النَّصِيحَةَ "

فَانْصَحْهُ " دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ نَصِيحَةِ مَنْ يَسْتَنْصِحُ وَعَدَمِ الْغِشِّ لَهُ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ نَصِيحَتُهُ إلَّا عِنْدَ طَلَبِهَا وَالنُّصْحُ بِغَيْرِ طَلَبٍ مَنْدُوبٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الدَّلَالَةِ عَلَى الْخَيْرِ وَالْمَعْرُوفِ.

" الرَّابِعَةُ " قَوْلُهُ «وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ فَشَمِّتْهُ» بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَالشَّيْنِ الْمُعْجَمَةِ قَالَ ثَعْلَبٌ يُقَالُ شَمَّتَّ الْعَاطِسَ وَسَمَّتَهُ إذَا دَعَوْت لَهُ بِالْهُدَى وَحُسْنِ السَّمْتِ الْمُسْتَقِيمِ قَالَ: وَالْأَصْلُ فِيهِ السِّينُ الْمُهْمَلَةُ فَقُلِبَتْ شِينًا مُعْجَمَةً. فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ التَّشْمِيتِ لِلْعَاطِسِ الْحَامِدِ. وَأَمَّا الْحَمْدُ عَلَى الْعُطَاسِ فَمَا فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِهِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ إنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ. وَقَدْ جَاءَ كَيْفِيَّةُ الْحَمْدِ وَكَيْفِيَّةُ التَّشْمِيتِ وَكَيْفِيَّةُ جَوَابِ الْعَاطِسِ فِيمَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم «إذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَلْيَقُلْ لَهُ أَخُوهُ أَوْ صَاحِبُهُ يَرْحَمُك اللَّهُ وَلْيَقُلْ هُوَ يَهْدِيكُمْ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ» وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَفِيهِ زِيَادَةٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ:«إذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَلْيَقُلْ لَهُ أَخُوهُ أَوْ صَاحِبُهُ يَرْحَمُك اللَّهُ وَيَقُولُ هُوَ يَهْدِيكُمْ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ» أَيْ شَأْنَكُمْ وَإِلَى هَذَا الْجَوَابِ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ. وَذَهَبَ الْكُوفِيُّونَ إلَى أَنَّهُ يَقُولُ يَغْفِرُ اللَّهُ لَنَا وَلَكُمْ. وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّهُ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَقِيلَ يَتَخَيَّرُ أَيَّ اللَّفْظَيْنِ وَقِيلَ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا. وَإِلَى وُجُوبِ التَّشْمِيتِ لِمَنْ ذُكِرَ ذَهَبَتْ الظَّاهِرِيَّةُ وَابْنُ الْعَرَبِيِّ وَأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ سَامِعٍ.

وَيَدُلُّ لَهُ مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «إذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ وَحَمِدَ اللَّهَ كَانَ حَقًّا عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ يَسْمَعُهُ أَنْ يَقُولَ يَرْحَمُك اللَّهُ» وَكَأَنَّهُ مَذْهَب أَبِي دَاوُد صَاحِبِ السُّنَنِ

ص: 612

.

فَإِنَّهُ أَخْرَجَ عَنْهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ أَنَّهُ كَانَ فِي سَفِينَةٍ فَسَمِعَ عَاطِسًا عَلَى الشَّطِّ فَاكْتَرَى قَارِبًا بِدِرْهَمٍ حَتَّى جَاءَ إلَى الْعَاطِسِ فَشَمَّتَهُ ثُمَّ رَجَعَ فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ لَعَلَّهُ يَكُونُ مُجَابَ الدَّعْوَةِ فَلَمَّا رَقَدُوا سَمِعُوا قَائِلًا يَقُولُ لِأَهْلِ السَّفِينَةِ إنَّ أَبَا دَاوُد اشْتَرَى الْجَنَّةَ مِنْ اللَّهِ بِدِرْهَمٍ انْتَهَى وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ طَلَبَ الدَّعْوَةِ كَمَا قَالَهُ، وَلَمْ يَكُنْ يَرَاهُ وَاجِبًا، قَالَ النَّوَوِيُّ وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ حَضَرَ مَنْ عَطَسَ فَلَمْ يَحْمَدْ أَنْ يُذَكِّرَهُ الْحَمْدَ لِيَحْمَدَ فَيُشَمِّتَهُ وَهُوَ مِنْ بَابِ النُّصْحِ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ.

وَمِنْ آدَابِ الْعَاطِسِ عَلَى مَا أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «إذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَضَعْ كَفَّيْهِ عَلَى وَجْهِهِ وَلْيَخْفِضْ بِهَا صَوْتَهُ» وَأَنْ يَزِيدَ بَعْدَ الْحَمْدِ لِلَّهِ رَبَّ الْعَالَمِينَ فَإِنَّهُ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «إذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ قَالَتْ الْمَلَائِكَةُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَإِذَا قَالَ أَحَدُكُمْ رَبَّ الْعَالَمِينَ قَالَتْ الْمَلَائِكَةُ رَحِمَك اللَّهُ» وَفِيهِ ضَعْفٌ وَيُشْرَعُ أَنْ يُشَمِّتَهُ ثَلَاثًا إذَا كَرَّرَ الْعُطَاسَ وَلَا يَزِيدُ عَلَيْهَا لِمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «إذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيُشَمِّتْهُ جَلِيسُهُ فَإِنْ زَادَ عَلَى ثَلَاثٍ فَهُوَ مَزْكُومٌ وَلَا يُشَمَّتُ بَعْدَ ثَلَاثٍ» قَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى عِظَمِ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَى الْعَاطِسِ يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِمَّا رَتَّبَ عَلَيْهِ مِنْ الْخَيْرِ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى عَظَمَةِ فَضْلِ اللَّهِ عَلَى عَبْدِهِ فَإِنَّهُ أَذْهَبَ عَنْهُ الضَّرَرَ بِنِعْمَةِ الْعُطَاسِ ثُمَّ شَرَعَ لَهُ الْحَمْدَ الَّذِي يُثَابُ عَلَيْهِ ثُمَّ الدُّعَاءَ بِالْخَيْرِ لِمَنْ شَمَّتَهُ بَعْدَ الدُّعَاءِ مِنْهُ لَهُ بِالْخَيْرِ، وَلَمَّا كَانَ الْعَاطِسُ قَدْ حَصَلَ لَهُ بِالْعُطَاسِ نِعْمَةٌ وَمَنْفَعَةٌ بِخُرُوجِ الْأَبْخِرَةِ الْمُحْتَقِنَةِ فِي دِمَاغِهِ الَّتِي لَوْ بَقِيَتْ فِيهِ أَحْدَثَتْ أَدْوَاءَ عَسِرَةٍ شُرِعَ لَهُ حَمْدُ اللَّهِ عَلَى هَذِهِ النِّعْمَةِ مَعَ بَقَاءِ أَعْضَائِهِ عَلَى هَيْئَتِهَا وَالْتِئَامِهَا بَعْدَ هَذِهِ الزَّلْزَلَةِ الَّتِي هِيَ لِلْبَدَنِ كَزَلْزَلَةِ الْأَرْضِ لَهَا.

وَمَفْهُومُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا يُشَمِّتُ غَيْرَ الْمُسْلِمِ كَمَا عَرَفْت. وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمَا بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى قَالَ «كَانَ الْيَهُودُ يَتَعَاطَسُونَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَرْجُونَ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ يَرْحَمُكُمْ اللَّهَ فَيَقُولُ يَهْدِيكُمْ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ» فَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّهُ يُقَالُ لَهُمْ ذَلِكَ وَلَكِنْ إذَا حَمِدُوا.

(الْخَامِسَةُ): قَوْلُهُ «إذَا مَرِضَ فَعُدْهُ» فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ عِيَادَةِ الْمُسْلِمِ لِلْمُسْلِمِ وَجَزَمَ الْبُخَارِيُّ بِوُجُوبِهَا قِيلَ يَحْتَمِلُ أَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ. وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّهَا مَنْدُوبَةٌ. وَنَقَلَ النَّوَوِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ قَالَ الْمُصَنِّفُ: يَعْنِي عَلَى الْأَعْيَانِ. وَإِذَا كَانَ حَقًّا لِلْمُسْلِمِ عَلَى

ص: 613

1352 -

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «اُنْظُرُوا إلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلَا تَنْظُرُوا إلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ، فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

الْمُسْلِمِ فَسَوَاءٌ فِيهِ مَنْ يَعْرِفُهُ وَمَنْ لَا يَعْرِفُهُ، وَسَوَاءٌ فِيهِ الْقَرِيبُ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ عَامٌّ لِكُلِّ مَرَضٍ، وَقَدْ اُسْتُثْنِيَ مِنْهُ الرَّمَدُ وَلَكِنَّهُ قَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ «زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ عَادَنِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ وَجَعٍ بِعَيْنِي» وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَظَاهِرُ الْعِبَارَةِ وَلَوْ فِي أَوَّلِ الْمَرَضِ إلَّا أَنَّهُ قَدْ أَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ «كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لَا يَعُودُ إلَّا بَعْدَ ثَلَاثٍ» وَفِيهِ رَاوٍ مَتْرُوكٌ. وَمَفْهُومُهُ كَمَا عَرَفْت دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُعَادُ الذِّمِّيُّ، إلَّا أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ «أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم عَادَ خَادِمَهُ الذِّمِّيَّ وَأَسْلَمَ بِبَرَكَةِ عِيَادَتِهِ وَكَذَلِكَ زَارَ عَمَّهُ أَبَا طَالِبٍ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ وَعَرَضَ عَلَيْهِ كَلِمَةَ الْإِسْلَامِ» .

(السَّادِسَةُ) قَوْلُهُ " وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ " دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ تَشْيِيعِ جِنَازَةِ الْمُسْلِمِ مَعْرُوفًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَعْرُوفٍ.

(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «اُنْظُرُوا إلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَا تَنْظُرُوا إلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ» وَقَوْلُهُ (فَهُوَ أَجْدَرُ) بِالْجِيمِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ فَرَاءٍ أَحَقُّ (أَنْ لَا تَزْدَرُوا) تَحْتَقِرُوا (نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ) عِلَّةٌ لِلْأَمْرِ وَالنَّهْيِ مَعًا (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) الْحَدِيثُ إرْشَادٌ لِلْعَبْدِ إلَى مَا يَشْكُرُ بِهِ النِّعْمَةَ. وَالْمُرَادُ بِمَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْ النَّاظِرِ فِي الدُّنْيَا فَيَنْظُرُ إلَى الْمُبْتَلَى بِالْأَسْقَامِ وَيَنْتَقِلُ مِنْهُ إلَى مَا فُضِّلَ بِهِ عَلَيْهِ مِنْ الْعَافِيَةِ الَّتِي هِيَ أَصْلُ كُلِّ إنْعَامٍ، وَيَنْظُرُ إلَى مَنْ فِي خَلْقِهِ نَقْصٌ مِنْ عَمًى أَوْ صَمَمٍ أَوْ بَكَمٍ وَيَنْتَقِلُ إلَى مَا هُوَ فِيهِ مِنْ السَّلَامَةِ عَنْ تِلْكَ الْعَاهَاتِ الَّتِي تَجْلِبُ الْهَمَّ وَالْغَمَّ، وَيَنْظُرُ إلَى مَا اُبْتُلِيَ بِالدُّنْيَا وَجَمْعِهَا وَالِامْتِنَاعِ عَمَّا يَجِبُ عَلَيْهِ فِيهَا مِنْ الْحُقُوقِ وَيَعْلَمُ أَنَّهُ قَدْ فُضِّلَ بِالْإِقْلَالِ وَأُنْعِمَ عَلَيْهِ بِقِلَّةِ تَبِعَةِ الْأَمْوَالِ فِي الْحَالِ وَالْمَآلِ، وَيَنْظُرُ إلَى مَنْ اُبْتُلِيَ بِالْفَقْرِ الْمُدْقِعِ أَوْ بِالدَّيْنِ الْمُفْظِعِ وَيَعْلَمُ مَا صَارَ إلَيْهِ مِنْ السَّلَامَةِ مِنْ الْأَمْرَيْنِ وَتَقَرُّ بِمَا أَعْطَاهُ رَبُّهُ الْعَيْنُ، وَمَا مِنْ مُبْتَلًى فِي الدُّنْيَا بِخَيْرٍ أَوْ شَرٍّ إلَّا وَيَجِدُ مَنْ هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ بَلِيَّةً فَيَتَسَلَّى بِهِ وَيَشْكُرُ مَا هُوَ فِيهِ مِمَّا يَرَى غَيْرَهُ اُبْتُلِيَ بِهِ، وَيَنْظُرُ مَنْ هُوَ فَوْقَهُ فِي الدِّينِ فَيَعْلَمُ أَنَّهُ مِنْ الْمُفْرِطِينَ فَبِالنَّظَرِ الْأَوَّلِ يَشْكُرُ مَا لِلَّهِ مِنْ النِّعَمِ وَبِالنَّظَرِ الثَّانِي يَسْتَحْيِ مِنْ مَوْلَاهُ وَيَقْرَعُ بَابَ الْمَتَابِ بِأَنَامِل النَّدَمِ فَهُوَ بِالْأَوَّلِ مَسْرُورٌ لِنِعْمَةِ اللَّهِ وَفِي الثَّانِي مُنْكَسِرُ النَّفْسِ حَيَاءً مِنْ مَوْلَاهُ وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «إذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إلَى مَنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ فِي الْمَالِ وَالْخَلْقِ فَلْيَنْظُرْ إلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ» .

ص: 614

1353 -

وَعَنْ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ رضي الله عنه قَالَ: «سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ، فَقَالَ: الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِك، وَكَرِهْت أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.

(وَعَنْ النَّوَّاسِ) بِفَتْحِ النُّونِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ وَسِينٍ مُهْمَلَةٍ (ابْنُ سَمْعَانَ) بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِهَا وَبِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ. وَرَدَ سَمْعَانُ الْكِلَابِيُّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَزَوَّجَهُ ابْنَتَهُ وَهِيَ الَّتِي تَعَوَّذَتْ مِنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم سَكَنَ النَّوَّاسُ الشَّامَ وَهُوَ مَعْدُودٌ مِنْهُمْ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِم نِسْبَتُهُ إلَى الْأَنْصَارِ: قَالَ الْمَازِرِيُّ وَالْقَاضِي الْقَاضِي عِيَاضٌ عِيَاضٌ: وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ كِلَابِيٌّ وَلَعَلَّهُ حَلِيفُ الْأَنْصَارِ (قَالَ «سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ فَقَالَ الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِك وَكَرِهْت أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ) قَالَ النَّوَوِيُّ: قَالَ الْعُلَمَاءُ: الْبِرُّ يَكُونُ بِمَعْنَى الصِّلَةِ وَبِمَعْنَى الصَّدَقَةِ وَبِمَعْنَى اللُّطْفِ وَالْمَبَرَّةِ وَحُسْنِ الصُّحْبَةِ وَالْعِشْرَةِ وَبِمَعْنَى الطَّاعَةِ وَهَذِهِ الْأُمُورُ هِيَ مَجَامِعُ حُسْنِ الْخُلُقِ وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: حُسْنُ الْخُلُقِ مُخَالَقَةُ النَّاسِ بِالْجَمِيلِ وَالْبِشْرُ وَالتَّوَدُّدُ لَهُمْ وَالْإِشْفَاقُ عَلَيْهِمْ وَاحْتِمَالُهُمْ وَالْحَمْلُ عَنْهُمْ وَالصَّبْرُ عَلَيْهِمْ فِي الْمَكَارِهِ وَتَرْكُ الْكِبْرِ وَالِاسْتِطَالَةِ عَلَيْهِمْ وَمُجَانَبَةُ الْغِلْظَةِ وَالْغَضَبِ وَالْمُؤَاخَذَةِ. وَحَكَى فِيهِ خِلَافًا هَلْ هُوَ غَرِيزَةٌ أَوْ مُكْتَسَبٌ؟ قَالَ وَالصَّحِيحُ أَنَّ مِنْهُ مَا هُوَ غَرِيزَةٌ وَمِنْهُ مَا هُوَ مُكْتَسَبٌ بِالتَّخَلُّقِ وَالِاقْتِدَاءِ بِغَيْرِهِ وَقَالَ الشَّرِيفُ فِي التَّعْرِيفَاتِ: قِيلَ حُسْنُ الْخُلُقِ هَيْئَةٌ رَاسِخَةٌ تَصْدُرُ عَنْهَا الْأَفْعَالُ الْمَحْمُودَةُ بِسُهُولَةٍ وَتَيَسُّرٍ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى إعْمَالِ فِكْرٍ وَرَوِيَّةٍ انْتَهَى. قِيلَ وَيَجْمَعُ حُسْنَ الْخُلُقِ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: «طَلَاقَةُ الْوَجْهِ وَكَفُّ الْأَذَى وَبَذْلُ الْمَعْرُوفِ وَحُسْنُ الْخُلُقُ» .

وَقَوْلُهُ «وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِك وَكَرِهْت أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ» أَيْ تَحَرَّكَ الْخَاطِرُ فِي صَدْرِك وَتَرَدَّدْت هَلْ تَفْعَلُهُ لِكَوْنِهِ لَا لَوْمَ فِيهِ أَوْ تَتْرُكُهُ خَشْيَةَ اللُّوَّمِ عَلَيْهِ مِنْ اللَّهِ سبحانه وتعالى وَمِنْ النَّاسِ لَوْ فَعَلْته فَلَمْ يَنْشَرِحْ بِهِ الصَّدْرُ وَلَا حَصَلْت الطُّمَأْنِينَةُ بِفِعْلِهِ خَوْفَ كَوْنِهِ ذَنْبًا. وَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ يَنْبَغِي تَرْكُ مَا تُرُدِّدَ فِي إبَاحَتِهِ. وَفِي مَعْنَاهُ حَدِيثُ «دَعْ مَا يَرِيبُك إلَّا مَا لَا يَرِيبُك» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى قَدْ جَعَلَ لِلنَّفْسِ إدْرَاكًا لِمَا لَا يَحِلُّ فِعْلُهُ وَزَاجِرًا عَنْ فِعْلِهِ.

ص: 615

1354 -

وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةً فَلَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الْآخَرِ، حَتَّى تَخْتَلِطُوا بِالنَّاسِ، مِنْ أَجْلِ أَنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.

1355 -

وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «لَا يُقِيمُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ يَجْلِسُ فِيهِ، وَلَكِنْ تَفَسَّحُوا وَتَوَسَّعُوا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

(وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةً فَلَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ» الْمُنَاجَاةُ الْمُشَاوِرَةُ وَالْمُسَارَّةُ (دُونَ الْآخَرِ حَتَّى تَخْتَلِطُوا بِالنَّاسِ) وَعَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ (مِنْ أَجْلِ أَنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ) مِنْ أَحْزَنَ يُحْزِنُ مِثْلُ أَخْرَجَ يُخْرِجُ أَوْ مِنْ حَزَنَ يَحْزُنُ بِضَمِّ الزَّايِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ) فِيهِ النَّهْيُ عَنْ تَنَاجِي الِاثْنَيْنِ إذَا كَانَ مَعَهُمَا ثَالِثٌ إلَّا إذَا كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةٍ لِانْتِفَاءِ الْعِلَّةِ الَّتِي نَصَّ عَلَيْهَا وَهِيَ أَنَّهُ يُحْزِنُهُ انْفِرَادُهُ وَإِيهَامُ أَنَّهُ مِمَّنْ لَا يُؤْهَلْ لِلسِّرِّ أَوْ يُوهِمُهُ أَنَّ الْخَوْضَ مِنْ أَجْلِهِ وَدَلَّتْ الْعِلَّةُ عَلَى أَنَّهُمْ إذَا كَانُوا أَرْبَعَةً فَلَا نَهْيَ عَنْ انْفِرَادِ اثْنَيْنِ بِالْمُنَاجَاةِ لِفَقْدِ الْعِلَّةِ. وَظَاهِرُهُ عَامٌّ لِجَمِيعِ الْأَحْوَالِ فِي سَفَرٍ أَوْ حَضَرٍ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ عُمَرَ وَمَالِكٌ وَجَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ، وَادَّعَى بَعْضُهُمْ نَسْخَهُ وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ. وَأَمَّا الْآيَاتُ فِي سُورَةِ الْمُجَادَلَةِ فَهِيَ فِي نَهْيِ الْيَهُودِ عَنْ التَّنَاجِي كَمَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْله تَعَالَى:{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى} قَالَ الْيَهُودُ وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ قَالَ: «كَانَ بَيْنَ الْيَهُودِ وَبَيْنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مُوَادَعَةٌ فَكَانُوا إذَا مَرَّ بِهِمْ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم جَلَسُوا يَتَنَاجَوْنَ بَيْنَهُمْ حَتَّى يَظُنَّ الْمُؤْمِنُ أَنَّهُمْ يَتَنَاجَوْنَ بِقَتْلِهِ أَوْ بِمَا يَكْرَهُ الْمُؤْمِنُ فَإِذَا رَأَى الْمُؤْمِنُ ذَلِكَ خَشِيَهُمْ فَتَرَكَ طَرِيقَهُ عَلَيْهِمْ فَنَهَاهُمْ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَنْ النَّجْوَى فَلَمْ يَنْتَهُوا فَأَنْزَلَ اللَّهُ {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى}» . .

(وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا يُقِيمُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ يَجْلِسُ فِيهِ وَلَكِنْ تَفَسَّحُوا وَتَوَسَّعُوا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ " لَا يُقِيمَنَّ " بِصِيغَةِ النَّهْيِ مُؤَكَّدًا فَلَفْظُ الْخَبَرِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الَّذِي أَتَى بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي مَعْنَى النَّهْيِ. وَظَاهِرُهُ التَّحْرِيمُ فَمَنْ سَبَقَ إلَى مَوْضِعٍ مُبَاحٍ مِنْ مَسْجِدٍ أَوْ غَيْرِهِ لِصَلَاةٍ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ الطَّاعَاتِ

ص: 616

1356 -

(وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا فَلَا يَمْسَحْ يَدَهُ حَتَّى يَلْعَقَهَا أَوْ يُلْعِقَهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ وَيَحْرُمُ عَلَى غَيْرِهِ أَنْ يُقِيمَهُ مِنْهُ، إلَّا أَنَّهُ قَدْ أَفَادَ حَدِيثُ «مَنْ قَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَنَّهُ إذَا كَانَ قَدْ سَبَقَ فِيهِ حَقٌّ لِأَحَدٍ بِقُعُودِهِ فِيهِ مِنْ مُصَلٍّ أَوْ غَيْرِهِ ثُمَّ فَارَقَهُ لِأَيِّ حَاجَةٍ ثُمَّ عَادَ وَقَدْ قَعَدَ فِيهِ أَحَدٌ أَنَّ لَهُ أَنْ يُقِيمَهُ مِنْهُ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْهَادَوِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَقَالُوا: لَا فَرْقَ فِي الْمَسْجِدِ بَيْنَ أَنْ يَقُومَ وَيَتْرُكَ فِيهِ سَجَّادَةً أَوْ نَحْوَهَا أَوْ لَا فَإِنَّهُ أَحَقُّ بِهِ قَالُوا وَإِنَّمَا يَكُونُ أَحَقُّ بِهِ فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ وَحْدَهَا دُونَ غَيْرِهَا. وَالْحَدِيثُ يَشْمَلُ مَنْ قَعَدَ فِي مَوْضِعٍ مَخْصُوصٍ لِتِجَارَةٍ أَوْ حِرْفَةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا قَالُوا، وَكَذَلِكَ مَنْ اعْتَادَ فِي الْمَسْجِدِ مَحَلًّا يُدَرِّسُ فِيهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، قَالَ الْمَهْدِيُّ: إلَى الْعَشِيِّ. وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: إلَى الْأَبَدِ مَا لَمْ يُضْرِبْ. وَأَمَّا إذَا قَامَ الْقَاعِدُ مِنْ مَحَلِّهِ لِغَيْرِهِ فَظَاهِرُ الْحَدِيثِ جَوَازُهُ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ إذَا قَامَ لَهُ الرَّجُلُ مِنْ مَجْلِسِهِ لَا يَقْعُدُ فِيهِ، وَحُمِلَ عَلَى أَنَّهُ تَرَكَهُ تَوَرُّعًا لِجَوَازِ أَنَّهُ قَامَ لَهُ حَيَاءً مِنْ غَيْرِ طِيبَةِ نَفْسٍ.

(وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا فَلَا يَمْسَحْ يَدَهُ حَتَّى يَلْعَقَهَا» بِنَفْسِهِ (أَوْ يَلْعَقهَا) غَيْرَهُ الْأَوَّلُ بِفَتْحِ حَرْفِ الْمُضَارَعَةِ مِنْ لَعِقَ وَالثَّانِي بِضَمِّهِ مِنْ أَلْعَقَ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ تَعْيِينِ غَسْلِ الْيَدِ مِنْ الطَّعَامِ وَأَنَّهُ يُجْزِئُ مَسْحُهَا وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ لَعْقُ الْيَدِ أَوْ إلْعَاقُهَا الْغَيْرَ وَعَلَّلَهُ فِي الْحَدِيثِ " بِأَنَّهُ لَا يَدْرِي فِي أَيِّ طَعَامِهِ الْبَرَكَةَ " كَمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم «أَمَرَ بِ‌

‌لَعْقِ الْأَصَابِعِ وَالصَّحْفَةِ

وَقَالَ: إنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ فِي أَيِّ طَعَامِكُمْ الْبَرَكَةَ» وَكَذَلِكَ «أَمَرَ صلى الله عليه وسلم بِالْتِقَاطِ اللُّقْمَةِ وَمَسْحِهَا وَأَكْلِهَا» كَمَا فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ أَيْضًا بِلَفْظِ «إذَا وَقَعَتْ لُقْمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيُمِطْ مَا كَانَ بِهَا مِنْ أَذًى وَلْيَأْكُلْهَا وَلَا يَدَعْهَا لِلشَّيْطَانِ» وَهَذِهِ الْأُمُورُ مِنْ اللَّعْقِ وَالْإِلْعَاقِ وَلَعْقِ الصَّحْفَةِ وَأَكْلِ مَا يَسْقُطُ ظَاهِرُ الْأَوَامِرِ وُجُوبُهَا وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ

ص: 617

1357 -

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لِيُسَلِّمْ الصَّغِيرُ عَلَى الْكَبِيرِ، وَالْمَارُّ عَلَى الْقَاعِدِ، وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ " وَالرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي ".

أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ وَقَالَ إنَّهَا فَرْضٌ. وَالْبَرَكَةُ هِيَ النَّمَاءُ وَالزِّيَادَةُ وَثُبُوتُ الْخَيْرِ وَالْمُرَادُ هُنَا مَا يَحْصُلُ بِهِ التَّغْذِيَةِ وَتَسْلَمُ عَاقِبَتُهُ مِنْ أَذًى وَيُقَوِّي عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَهَذِهِ الْبَرَكَةُ قَدْ تَكُونُ فِي لَعْقِ يَدِهِ أَوْ لَعْقِ الصَّحْفَةِ أَوْ أَكْلِ مَا يَسْقُطُ مِنْ لُقْمَةٍ وَإِنْ كَانَ عَلَّلَ أَكْلَ السَّاقِطِ بِأَنَّهُ لَا يَدَعُهَا لِلشَّيْطَانِ. وَالْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ يَدَهُ هُوَ أَصَابِعُ يَدِهِ الثَّلَاثُ كَمَا وَرَدَ «أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَأْكُلُ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ وَلَا يَزِيدُ الرَّابِعَةَ وَالْخَامِسَةَ إلَّا إذَا احْتَاجَهَا بِأَنْ يَكُونَ الطَّعَامُ غَيْرَ مُشْتَدٍّ وَنَحْوَهُ» . وَقَدْ أَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ «أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ إذَا أَكَلَ أَكَلَ بِخَمْسٍ» وَهُوَ مُرْسَلٌ. وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِإِلْعَاقِ الْغَيْرِ أَصَابِعَهُ مِنْ زَوْجَةٍ وَخَادِمٍ وَوَلَدٍ وَغَيْرِهِمْ فَإِنْ تَنَجَّسَتْ اللُّقْمَةُ السَّاقِطَةُ فَيُزِيلُ مَا فِيهَا مِنْ نَجَاسَةٍ إنْ أَمْكَنَ وَإِلَّا أَطْعَمَهَا حَيَوَانًا وَلَا يَدَعَهَا لِلشَّيْطَانِ كَمَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ بِنَاءً عَلَى جَوَازِ إطْعَامِ الْمُتَنَجِّسِ وَعَلَيْهِ إجْمَاعُ الْأَمَةِ فِعْلًا خَلْفًا عَنْ سَلَفٍ وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ.

(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «لِيُسَلِّمْ الصَّغِيرُ عَلَى الْكَبِيرِ وَالْمَارُّ عَلَى الْقَاعِدِ وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ) مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ (وَالرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي) بَلْ هُوَ فِي الْبُخَارِيِّ وَقَالَ الْمُصَنِّفُ إنَّهُ لَمْ يَقَعْ تَسْلِيمُ الصَّغِيرِ عَلَى الْكَبِيرِ فِي صَحِيحِ مُسْلِم فَيُشْكِلُ جَعْلُ الْحَدِيثِ مِنْ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ. وَظَاهِرُ الْأَمْرِ الْوُجُوبُ وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: إنَّهُ لِلنَّدَبِ قَالَ فَلَوْ تَرَكَ الْمَأْمُورُ بِالِابْتِدَاءِ فَبَدَأَ الْآخَرُ كَانَ الْمَأْمُورُ تَارِكًا لِلْمُسْتَحَبِّ وَالْآخَرُ فَاعِلًا لِلسُّنَّةِ (قُلْت) وَالْأَصْلُ فِي الْأَمْرِ الْوُجُوبُ وَكَأَنَّهُ صَرَفَهُ عَنْهُ الِاتِّفَاقُ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْبُدَاءَةِ بِالسَّلَامِ. وَالْحَدِيثُ فِيهِ شَرْعِيَّةُ‌

‌ ابْتِدَاءِ السَّلَامِ مِنْ الصَّغِيرِ عَلَى الْكَبِيرِ.

قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: عَنْ الْمُهَلَّبِ وَإِنَّمَا شُرِعَ لِلصَّغِيرِ أَنْ يَبْتَدِئَ الْكَبِيرَ لِأَجْلِ حَقِّ الْكَبِيرِ؛ وَلِأَنَّهُ أُمِرَ بِتَوْقِيرِهِ وَالتَّوَاضُعِ لَهُ. وَلَوْ تَعَارَضَ الصِّغَرُ الْمَعْنَوِيُّ وَالْحِسِّيُّ كَأَنَّهُ يَكُونُ الْأَصْغَرُ أَعْلَمَ مَثَلًا قَالَ الْمُصَنِّفُ لَمْ أَرَ فِيهِ نَقْلًا وَاَلَّذِي يَظْهَرُ اعْتِبَارُ السِّنِّ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ تَقْدِيمُ الْحَقِيقَةِ عَلَى الْمَجَازِ. وَفِيهِ شَرْعِيَّةُ ابْتِدَاءِ الْمَارِّ بِالسَّلَامِ لِلْقَاعِدِ قَالَ الْمَازِرِيُّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَتَوَقَّعُ الْقَاعِدُ مِنْهُ الشَّرَّ وَلَا سِيَّمَا إذَا كَانَ رَاكِبًا فَإِذَا ابْتَدَأَهُ بِالسَّلَامِ أَمِنَ مِنْهُ وَأَنِسَ إلَيْهِ أَوْ؛ لِأَنَّ التَّصَرُّفَ فِي الْحَاجَاتِ امْتِهَانًا فَصَارَ لِلْقَاعِدَةِ مَزِيَّةٌ فَأَمَرَ الْمَارَّ بِالِابْتِدَاءِ أَوْ لِأَنَّ الْقَاعِدَ يَشُقُّ عَلَيْهِ مُرَاعَاةُ

ص: 618

1358 -

وَعَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «يُجْزِئُ عَنْ الْجَمَاعَةِ إذَا مَرُّوا أَنْ يُسَلِّمَ أَحَدُهُمْ، وَيُجْزِئُ عَنْ الْجَمَاعَةِ أَنْ يَرُدَّ أَحَدُهُمْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ.

الْمَارِّينَ مَعَ كَثْرَتِهِمْ فَسَقَطَتْ الْبُدَاءَةُ عَنْهُ لِلْمَشَقَّةِ عَلَيْهِ وَفِيهِ شَرْعِيَّةُ ابْتِدَاءِ الْقَلِيلِ بِالسَّلَامِ عَلَى الْكَثِيرِ. وَذَلِكَ لِفَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ أَوْ لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ وَلَوْ ابْتَدَءُوا لَخِيفَ عَلَى الْوَاحِدِ الزَّهْوُ فَاحْتِيطَ لَهُ فَلَوْ مَرَّ جَمْعٌ كَثِيرٌ عَلَى جَمْعٍ قَلِيلٍ أَوْ مَرَّ الْكَبِيرُ عَلَى الصَّغِيرِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: لَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا وَاعْتَبَرَ النَّوَوِيُّ الْمُرُورَ فَقَالَ الْوَارِدُ يَبْدَأُ سَوَاءً كَانَ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا. وَذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّ مَنْ مَشَى فِي الشَّوَارِعِ الْمَطْرُوقَةِ كَالسُّوقِ أَنَّهُ لَا يُسَلِّمُ إلَّا عَلَى الْبَعْضِ لِأَنَّهُ لَوْ سَلَّمَ عَلَى كُلِّ مَنْ لَقِيَ لَتَشَاغَلَ بِهِ عَنْ الْمُهِمِّ الَّذِي خَرَجَ لِأَجْلِهِ وَخَرَجَ بِهِ عَنْ الْعُرْفِ. وَفِيهِ شَرْعِيَّةُ ابْتِدَاءِ الرَّاكِبِ عَلَى الْمَاشِي، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ لِلرَّاكِبِ مَزِيَّةٌ عَلَى الْمَاشِي فَعُوِّضَ الْمَاشِي بِأَنْ يَبْدَأَ الرَّاكِبُ بِالسَّلَامِ احْتِيَاطًا عَلَى الرَّاكِبِ مِنْ الزَّهْوِ لَوْ حَازَ الْفَضِيلَتَيْنِ، وَأَمَّا إذَا تَلَاقَى رَاكِبَانِ أَوْ مَاشِيَانِ فَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهَا الْمَازِرِيُّ فَقَالَ: يَبْدَأُ الْأَدْنَى مِنْهُمَا عَلَى الْأَعْلَى قَدْرًا فِي الدِّينِ إجْلَالًا لِفَضْلِهِ؛ لِأَنَّ فَضِيلَةَ الدِّينِ مُرَغَّبٌ فِيهَا فِي الشَّرْعِ، وَعَلَى هَذَا لَوْ الْتَقَى رَاكِبَانِ وَمَرْكُوبُ أَحَدِهِمَا أَعْلَى فِي الْجِنْسِ مِنْ مَرْكُوبِ الْآخَرِ كَالْجَمَلِ وَالْفَرَسِ فَيَبْدَأُ رَاكِبُ الْفَرَسِ أَوْ يَكْتَفِي بِالنَّظَرِ إلَى أَعْلَاهُمَا قَدْرًا فِي الدِّينِ فَيَبْدَأُ الَّذِي هُوَ أَدْنَى الَّذِي هُوَ فَوْقَهُ وَالثَّانِي أَظْهَرُ كَمَا لَا يُنْظَرُ إلَى مَنْ يَكُونُ أَعْلَاهُمَا قَدْرًا مِنْ جِهَةِ الدُّنْيَا إلَّا أَنْ يَكُونَ سُلْطَانًا يُخْشَى مِنْهُ؛ وَإِذَا تُسَاوَى الْمُتَلَاقِيَانِ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ فَكُلٌّ مِنْهُمَا مَأْمُورٌ بِالِابْتِدَاءِ وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ كَمَا ثَبَتَ فِي حَدِيثِ الْمُتَهَاجِرَيْنِ وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ «الْمَاشِيَانِ إذَا اجْتَمَعَا فَأَيُّهُمَا بَدَأَ بِالسَّلَامِ فَهُوَ أَفْضَلُ» وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ الْأَغَرِّ الْمُزَنِيِّ قَالَ: قَالَ لِي أَبُو بَكْرٍ: لَا يَسْبِقُك أَحَدٌ بِالسَّلَامِ وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا «إنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِاَللَّهِ مَنْ بَدَأَ بِالسَّلَامِ» ؛ وَقَالَ حَسَنٌ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي حَدِيثِ «قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا نَلْتَقِي فَأَيُّنَا يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ قَالَ أَطْوَعُكُمْ لِلَّهِ تَعَالَى» .

(وَعَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «يُجْزِئُ عَنْ الْجَمَاعَةِ إذَا مَرُّوا أَنْ يُسَلِّمَ أَحَدُهُمْ وَيُجْزِئُ عَنْ الْجَمَاعَةِ أَنْ يَرُدَّ أَحَدُهُمْ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ) فِيهِ أَنَّهُ يُجْزِئُ

ص: 619

1359 -

وَعَنْهُ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا تَبْدَءُوا الْيَهُودَ وَلَا النَّصَارَى بِالسَّلَامِ، وَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فِي طَرِيقٍ فَاضْطَرُّوهُمْ إلَى أَضْيَقِهِ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.

تَسْلِيمُ الْوَاحِدِ عَنْ الْجَمَاعَةِ ابْتِدَاءً وَرَادًّا قَالَ النَّوَوِيُّ: يُسْتَثْنَى مِنْ عُمُومِ ابْتِدَاءِ السَّلَامِ مَنْ كَانَ يَأْكُلُ أَوْ يَشْرَبُ أَوْ يُجَامِعُ أَوْ كَانَ فِي الْخَلَاءِ أَوْ فِي الْحَمَّامِ أَوْ نَائِمًا أَوْ نَاعِسًا أَوْ مُصَلِّيًا أَوْ مُؤَذِّنًا مَا دَامَ مُتَلَبِّسًا بِشَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ، إلَّا أَنَّ السَّلَامَ عَلَى مَنْ كَانَ فِي الْحَمَّامِ إنَّمَا كُرِهَ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إزَارٌ وَإِلَّا فَلَا كَرَاهَةَ،.

وَأَمَّا‌

‌ السَّلَامُ حَالَ الْخُطْبَةِ فِي الْجُمُعَةِ

فَيُكْرَهُ لِلْأَمْرِ بِالْإِنْصَاتِ فَلَوْ سَلَّمَ لَمْ يَجِبْ الرَّدُّ عَلَيْهِ عِنْدَ مَنْ قَالَ الْإِنْصَاتُ وَاجِبٌ وَيَجِبُ عِنْدَ مَنْ قَالَ إنَّهُ سُنَّةٌ، وَعَلَى الْوَجْهَيْنِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَرُدَّ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدٍ.

وَأَمَّا الْمُشْتَغِلُ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فَقَالَ الْوَاحِدِيُّ: الْأَوْلَى تَرْكُ السَّلَامِ عَلَيْهِ فَإِنْ سَلَّمَ كَفَاهُ الرَّدُّ بِالْإِشَارَةِ وَإِنْ رَدَّ لَفْظًا اسْتَأْنَفَ الِاسْتِعَاذَةَ وَقَرَأَ قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ نَظَرٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُشْرَعُ السَّلَامُ عَلَيْهِ وَيَجِبُ عَلَيْهِ الرَّدُّ.

وَيُنْدَبُ السَّلَامُ عَلَى مَنْ دَخَلَ بَيْتًا لَيْسَ فِيهِ أَحَدٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ} الْآيَةَ وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَابْنُ شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنه " يُسْتَحَبُّ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْبَيْتِ أَحَدٌ أَنْ يَقُولَ السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ " وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ.

فَإِنْ ظَنَّ الْمَارُّ أَنَّهُ إذَا سَلَّمَ عَلَى الْقَاعِدِ لَا يَرُدُّ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَتْرُكُ ظَنَّهُ وَيُسَلِّمُ فَلَعَلَّ ظَنَّهُ يُخْطِئُ فَإِنَّهُ إنْ لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ سَلَامَهُ رَدَّتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ كَمَا وَرَدَ ذَلِكَ وَأَمَّا مَنْ قَالَ لَا يُسَلِّمُ عَلَى مَنْ ظَنَّ أَنَّهُ لَا يَرُدُّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ سَبَبًا لِتَأْثِيمِ الْآخَرِ فَهُوَ كَلَامٌ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْمَأْمُورَاتِ الشَّرْعِيَّةَ لَا تُتْرَكُ بِمِثْلِ هَذَا، ذَكَرَ مَعْنَاهُ النَّوَوِيُّ، وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ تَوَرُّطَ الْمُسْلِمِ فِي الْمَعْصِيَةِ أَشَدُّ مِنْ مَصْلَحَةِ السَّلَامِ عَلَيْهِ وَامْتِثَالَ حَدِيثِ الْأَمْرِ بِالْإِفْشَاءِ يَحْصُلُ مَعَ غَيْرِ هَذَا فَإِنْ قِيلَ هَلْ يَحْسُنُ أَنْ نَقُولَ: " رُدَّ السَّلَامَ فَإِنَّهُ وَاجِبٌ " قِيلَ نَعَمْ فَإِنَّهُ مِنْ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ فَيَجِبُ فَإِنْ لَمْ يَجِبْ حَسُنَ أَنْ يُحَلِّلَهُ مِنْ حَقِّ الرَّدِّ.

(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا تَبْدَءُوا الْيَهُودَ

ص: 620

1360 -

وَعَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلْيَقُلْ لَهُ أَخُوهُ: يَرْحَمُك اللَّهُ، فَإِذَا قَالَ لَهُ: يَرْحَمُك اللَّهُ، فَلْيَقُلْ لَهُ: يَهْدِيكُمْ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.

وَالنَّصَارَى بِالسَّلَامِ وَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فِي طَرِيقٍ فَاضْطَرُّوهُمْ إلَى أَضْيَقِهِ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ) ذَهَبَ الْأَكْثَرُ إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ابْتِدَاءُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى بِالسَّلَامِ. وَهُوَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ إذْ أَصْلُ النَّهْيِ التَّحْرِيمُ. وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ يَجُوزُ الِابْتِدَاءُ لَهُمْ بِالسَّلَامِ. وَلَكِنْ يَقْتَصِرُ عَلَى قَوْلِ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، وَرَوَى ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ حَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ جَمَاعَةٍ جَوَازَ ذَلِكَ لَكِنْ لِلضَّرُورَةِ وَالْحَاجَةِ. وَبِهِ قَالَ عَلْقَمَةُ وَالْأَوْزَاعِيُّ. وَمَنْ قَالَ لَا يَجُوزُ يَقُولُ: إنْ سَلَّمَ عَلَى ذِمِّيٍّ ظَنَّهُ مُسْلِمًا ثُمَّ بَانَ لَهُ أَنَّهُ يَهُودِيٌّ فَيَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ لَهُ: رُدَّ عَلَيَّ سَلَامِي. وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ وَالْغَرَضُ مِنْهُ أَنْ يُوحِشَهُ وَيُظْهِرَ لَهُ أَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُمَا أُلْفَةٌ.

وَعَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَرِدَّهُ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فَإِنْ ابْتَدَأَ الذِّمِّيُّ مُسْلِمًا بِالسَّلَامِ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا «إذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَقُولُوا: وَعَلَيْكُمْ» وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ «إذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ الْيَهُودُ فَإِنَّمَا يَقُولُ أَحَدُهُمْ السَّامُ عَلَيْك فَقُلْ وَعَلَيْك» وَإِلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ بِإِثْبَاتِ الْوَاوِ ذَهَبَ طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ، وَاخْتَارَ بَعْضُهُمْ حَذْفَ الْوَاوِ لِئَلَّا يَقْتَضِيَ التَّشْرِيكَ وَقَدْ قَدَّمْنَا ذَلِكَ وَمَا ثَبَتَ بِهِ النَّصُّ أَوْلَى بِالِاتِّبَاعِ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: عَامَّةُ الْمُحَدِّثِينَ يَرْوُونَ هَذَا الْحَرْفَ وَعَلَيْكُمْ بِالْوَاوِ وَكَانَ ابْنُ عُيَيْنَةَ يَرْوِيهِ بِغَيْرِ الْوَاوِ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ (قُلْت) وَحَيْثُ ثَبَتَتْ الرِّوَايَةُ بِالْوَاوِ وَغَيْرِهَا فَالْوَجْهَانِ جَائِزَانِ. وَفِي قَوْلِهِ: " فَقُولُوا وَعَلَيْك وَقُولُوا وَعَلَيْكُمْ " مَا يَدُلُّ عَلَى إيجَابِ الْجَوَابِ عَلَيْهِمْ فِي السَّلَامِ. وَإِلَيْهِ ذَهَبَ عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ وَيُرْوَى عَنْ آخَرِينَ أَنَّهُ لَا يَرُدُّ عَلَيْهِمْ. وَالْحَدِيثُ يَدْفَعُ مَا قَالُوهُ: وَفِي قَوْلِهِ " فَاضْطَرُّوهُمْ إلَى أَضْيَقِهِ " دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ رَدِّهِمْ عَنْ وَسَطِ الطُّرُقَاتِ إلَى أَضْيَقِهَا وَتَقَدَّمَ فِيهِ الْكَلَامُ.

(وَعَنْهُ) أَيْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه (عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ «إذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَلْيَقُلْ لَهُ أَخُوهُ يَرْحَمُك اللَّهُ وَإِذَا قَالَ يَرْحَمُك اللَّهُ فَلْيَقُلْ يَهْدِيكُمْ اللَّهُ وَيُصْلِحُ

ص: 621

1361 -

وَعَنْهُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا يَشْرَبَنَّ أَحَدُكُمْ قَائِمًا» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.

1362 -

وَعَنْهُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إذَا انْتَعَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِالْيَمِينِ، وَإِذَا نَزَعَ فَلْيَبْدَأْ بِالشِّمَالِ، وَلْتَكُنْ الْيُمْنَى أَوَّلَهُمَا تُنْعَلُ وَآخِرَهُمَا تُنْزَعُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

بَالَكُمْ» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ) تَقَدَّمَ فِيهِ الْكَلَامُ وَلَوْ أَتَى بِهِ الْمُصَنِّفُ بَعْدَ أَوَّلِ حَدِيثٍ فِي الْبَابِ لَكَانَ الصَّوَابَ.

(وَعَنْهُ) أَيْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا يَشْرَبَنَّ أَحَدُكُمْ قَائِمًا». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ) وَتَمَامُهُ " فَمَنْ نَسِيَ فَلْيَسْتَقِئْ " مِنْ الْقَيْءِ وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم رَأَى رَجُلًا يَشْرَبُ قَائِمًا فَقَالَ: مَهْ قَالَ لِمَهْ؟ فَقَالَ أَيَسُرُّك أَنْ يَشْرَبَ مَعَك الْهِرُّ؟ قَالَ لَا. قَالَ قَدْ شَرِبَ مَعَك مَنْ هُوَ شَرٌّ مِنْهُ الشَّيْطَانُ» وَفِيهِ رَاوٍ لَا يُعْرَفُ وَوَثَّقَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ. وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى‌

‌ تَحْرِيمِ الشُّرْبِ قَائِمًا

؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فِي النَّهْيِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ حَزْمٍ. وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى وَآخَرُونَ إلَى أَنَّهُ مَكْرُوهٌ، كَأَنَّهُمْ صَرَفُوهُ عَنْ ذَلِكَ لِمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «سَقَيْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ زَمْزَمَ فَشَرِبَ وَهُوَ قَائِمٌ» وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيّ «أَنَّ عَلِيًّا رضي الله عنه شَرِبَ قَائِمًا، وَقَالَ رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَعَلَ كَمَا رَأَيْتُمُونِي فَعَلْت» فَيَكُونُ فِعْلُهُ صلى الله عليه وسلم بَيَانًا لِكَوْنِ النَّهْيِ لَيْسَ لِلتَّحْرِيمِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ فَلْيَسْتَقِئْ فَإِنَّهُ نُقِلَ اتِّفَاقُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى مَنْ شَرِبَ قَائِمًا أَنْ يَسْتَقْيِئَ وَكَأَنَّهُمْ حَمَلُوا الْأَمْرَ أَيْضًا عَلَى النَّدْبِ.

(وَعَنْهُ) أَيْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «إذَا انْتَعَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِالْيَمِينِ وَإِذَا نَزَعَ أَيْ نَعْلَهُ فَلْيَبْدَأْ بِالشِّمَالِ. وَلْتَكُنْ الْيَمِينُ أَوَّلَهُمَا تُنْعَلُ وَآخِرَهُمَا تُنْزَعُ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ إلَى قَوْلِهِ بِالشِّمَالِ وَأَخْرَجَ بَاقِيَهُ مَالِكٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد) ظَاهِرُ الْأَمْرِ الْوُجُوبُ وَلَكِنَّهُ ادَّعَى الْقَاضِي عِيَاضٌ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُ لِلِاسْتِحْبَابِ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ

ص: 622

1363 -

وَعَنْهُ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا يَمْشِ أَحَدُكُمْ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ، وَلْيُنْعِلْهُمَا جَمِيعًا أَوْ لِيَخْلَعْهُمَا جَمِيعًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

الْبُدَاءَةُ بِالْيَمِينِ مَشْرُوعَةٌ فِي جَمِيعِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ لِفَضْلِ الْيَمِينِ حِسًّا فِي الْقُوَّةِ وَشَرْعًا فِي النَّدْبِ فِي تَقْدِيمِهَا. قَالَ الْحَلِيمِيُّ إنَّمَا يَبْدَأُ بِالشِّمَالِ عِنْدَ الْخَلْعِ؛ لِأَنَّ اللُّبْسَ كَرَامَةٌ؛ لِأَنَّهُ وِقَايَةٌ لِلْبَدَنِ فَلَمَّا كَانَتْ الْيَمِينُ أَكْرَمَ مِنْ الْيُسْرَى بُدِئَ بِهَا فِي اللُّبْسِ وَأُخِّرَتْ فِي النَّزْعِ لِتَكُونَ الْكَرَامَةُ لَهَا أَدُومَ وَحِصَّتُهَا مِنْهَا أَكْثَرَ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: مَنْ بَدَأَ فِي الِانْتِعَالِ بِالْيُسْرَى أَسَاءَ لِمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ وَلَكِنْ لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ لُبْسُ نَعْلَيْهِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: يَنْبَغِي أَنْ تُنْزَعَ النَّعْلُ مِنْ الْيُسْرَى وَيُبْدَأُ بِالْيَمِينِ، وَلَعَلَّ ابْنَ عَبْدِ الْبَرِّ يُرِيدُ أَنَّهُ لَا يُشْرَعُ لَهُ الْخَلْعُ إذَا بَدَأَ بِالْيُسْرَى ثُمَّ يَسْتَأْنِفُ لُبْسُهُمَا عَلَى التَّرْتِيبِ الْمَشْرُوعِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ فَاتَ مَحَلُّهُ. وَهَذَا الْحَدِيثُ لَا يَدُلُّ عَلَى اسْتِحْبَابِ الِانْتِعَالِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ إذَا انْتَعَلَ أَحَدُكُمْ وَلَكِنَّهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ «اسْتَكْثِرُوا مِنْ النِّعَالِ فَإِنَّ الرَّجُلَ لَا يَزَالُ رَاكِبًا مَا انْتَعَلَ» أَيْ يُشْبِهُ الرَّاكِبَ فِي خِفَّةِ الْمَشَقَّةِ وَقِلَّةِ النَّصَبِ وَسَلَامَةِ الرِّجْلِ مِنْ أَذَى الطَّرِيقِ، فَإِنَّ الْأَمْرَ إذَا لَمْ يُحْمَلْ عَلَى الْإِيجَابِ فَهُوَ لِلِاسْتِحْبَابِ.

(وَعَنْهُ) أَيْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا يَمْشِ أَحَدُكُمْ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ وَلْيُنْعِلْهُمَا» بِضَمِّ حَرْفِ الْمُضَارَعَةِ مِنْ أَنْعَلَ كَمَا ضَبَطَهُ النَّوَوِيُّ وَضَمِيرُ التَّثْنِيَةِ لِلرِّجْلَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَجْرِ لَهُمَا ذِكْرٌ فَإِنَّهُ قَدْ ذَكَرَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِمَا مِنْ النَّعْلِ (جَمِيعًا أَوْ لِيَخْلَعْهُمَا) أَيْ النَّعْلَيْنِ وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ " أَوْ لِيُحْفِهِمَا جَمِيعًا. وَهُوَ لِلْقَدَمَيْنِ (جَمِيعًا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) ظَاهِرُ النَّهْيِ التَّحْرِيمُ عَنْ الْمَشْيِ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ. وَحَمَلَهُ الْجُمْهُورُ عَلَى الْكَرَاهَةِ فَإِنَّهُمْ جَعَلُوا الْقَرِينَةَ حَدِيثَ التِّرْمِذِيِّ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ «رُبَّمَا انْقَطَعَ شِسْعِ نَعْلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَمَشَى فِي النَّعْلِ الْوَاحِدَةِ حَتَّى يُصْلِحَهَا» إلَّا أَنَّهُ رَجَّحَ الْبُخَارِيُّ وَقْفَهُ. وَقَدْ ذَكَرَ رَزِينٌ عَنْهَا قَالَتْ «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَنْتَعِلُ قَائِمًا وَيَمْشِي فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ» وَاخْتَلَفُوا فِي عِلَّةِ النَّهْيِ، فَقَالَ قَوْمٌ عِلَّتُهُ أَنَّ النِّعَالَ شُرِعَتْ لِوِقَايَةِ الرِّجْلِ عَمَّا يَكُونُ فِي الْأَرْضِ مِنْ شَوْكٍ وَنَحْوِهِ فَإِذَا انْفَرَدَتْ إحْدَى الرِّجْلَيْنِ احْتَاجَ الْمَاشِي أَنْ يَتَوَقَّى لِإِحْدَى رِجْلَيْهِ مَا لَا يَتَوَقَّى لِلْأُخْرَى فَيَخْرُجُ لِذَلِكَ عَنْ سَجِيَّةِ مِشْيَتِهِ وَلَا يَأْمَنُ مَعَ ذَلِكَ الْعِثَارَ. وَقِيلَ إنَّهَا مِشْيَةُ الشَّيْطَانِ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ الْكَرَاهَةُ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الشُّهْرَةِ فِي الْمُلَابِسِ وَقَدْ وَرَدَ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ «إذَا انْقَطَعَ شِسْعُ أَحَدِكُمْ فَلَا يَمْشِ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ حَتَّى يُصْلِحَهَا» وَتَقَدَّمَ مَا يُعَارِضُهُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ فَيُحْمَلُ عَلَى النَّدْبِ. وَقَدْ أُلْحِقَ بِالنَّعْلَيْنِ كُلُّ لِبَاسٍ شَفْعٌ كَالْخُفَّيْنِ وَقَدْ

ص: 623

1364 -

وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ‌

«لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إلَى مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ»

مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

أَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «لَا يَمْشِ أَحَدُكُمْ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ وَلَا خُفٍّ وَاحِدٍ» وَهُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ وَعِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ وَكَذَا إخْرَاجُ الْيَدِ الْوَاحِدَةِ مِنْ الْكُمِّ دُونَ الْأُخْرَى وَالِارْتِدَاءُ عَلَى أَحَدِ الْمَنْكِبَيْنِ دُونَ الْآخَرِ (قُلْت) وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ الْقِيَاسِ وَلَمْ تُعْلَمُ الْعِلَّةُ حَتَّى يُلْحَقَ بِالْأَصْلِ فَالْأَوْلَى الِاقْتِصَارُ عَلَى مَحَلِّ النَّصِّ.

(وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إلَى مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ» بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمَدِّ الْبَطَرُ وَالْكِبْرُ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) فُسِّرَ نَفْيُ نَظَرِ اللَّهِ بِنَفْيِ رَحْمَتِهِ إلَيْهِ أَيْ لَا يَرْحَمُ اللَّهُ مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ النِّسَاءِ أَوْ الرِّجَالِ. وَقَدْ فَهِمَتْ ذَلِكَ أُمُّ سَلَمَةَ فَقَالَتْ عِنْدَ سَمَاعِهَا الْحَدِيثَ مِنْهُ صلى الله عليه وسلم: «فَكَيْفَ تَصْنَعُ النِّسَاءُ بِذُيُولِهِنَّ فَقَالَ صلى الله عليه وسلم يَزِدْنَ فِيهِ شِبْرًا قَالَتْ إذًا تَنْكَشِفُ أَقْدَامُهُنَّ قَالَ فَيُرْخِينَهُ ذِرَاعًا لَا يَزِدْنَ عَلَيْهِ» .

أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالْمُرَادُ بِالذِّرَاعِ ذِرَاعُ الْيَدِ وَهُوَ شِبْرَانِ بِالْيَدِ الْمُعْتَدِلَةِ، وَالْمُرَادُ جَرُّ الثَّوْبِ عَلَى الْأَرْضِ وَهُوَ الَّذِي يَدُلُّ لَهُ حَدِيثُ الْبُخَارِيِّ «مَا أَسْفَلُ مِنْ الْكَعْبَيْنِ مِنْ الْإِزَارِ فِي النَّارِ» وَتَقْيِيدُ الْحَدِيثِ بِالْخُيَلَاءِ دَالٌّ بِمَفْهُومِهِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مَنْ جَرَّهُ غَيْرَ خُيَلَاءَ دَاخِلًا فِي الْوَعِيدِ وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ مَا أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ أَنَّهُ «قَالَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه لَمَّا سَمِعَ هَذَا الْحَدِيثَ إنَّ إزَارِي يَسْتَرْخِي إلَّا أَنْ أَتَعَاهَدَهُ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إنَّك لَسْت مِمَّنْ يَفْعَلُهُ خُيَلَاءَ» وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى اعْتِبَارِ الْمَفَاهِيمِ مِنْ هَذَا النَّوْعِ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: إنَّ جَرَّهُ لِغَيْرِ الْخُيَلَاءِ مَذْمُومٌ وَقَالَ النَّوَوِيُّ: إنَّهُ مَكْرُوهٌ وَهَذَا نَصُّ الشَّافِعِيِّ.

وَقَدْ صَرَّحَتْ السُّنَّةُ أَنَّ أَحْسَنَ الْحَالَاتِ أَنْ يَكُونَ إلَى نِصْفِ السَّاقِ كَمَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ خَالِدٍ قَالَ «كُنْت أَمْشِي وَعَلَيَّ بُرْدٌ أَجُرُّهُ فَقَالَ لِي رَجُلٌ: ارْفَعْ ثَوْبَك فَإِنَّهُ أَبْقَى وَأَنْقَى فَنَظَرْت فَإِذَا هُوَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَقُلْت إنَّمَا هِيَ بُرْدَةٌ مَلْحَاءُ فَقَالَ: مَا لَك فِي أُسْوَةٌ؟ قَالَ فَنَظَرْت فَإِذَا إزَارُهُ إلَى نِصْفِ سَاقَيْهِ» وَأَمَّا مَا هُوَ دُونَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا حَرَجَ عَلَى فَاعِلِهِ إلَى الْكَعْبَيْنِ وَمَا دُونَ الْكَعْبَيْنِ فَهُوَ حَرَامٌ إنْ كَانَ لِلْخُيَلَاءِ، وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِهَا فَقَالَ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ: إنَّهُ مَكْرُوهٌ وَقَدْ يُتَّجَهُ أَنْ يُقَالَ إنْ كَانَ الثَّوْبُ عَلَى قَدْرِ لَابِسِهِ لَكِنَّهُ يَسْدُلُهُ فَإِنْ كَانَ لَا عَنْ قَصْدٍ كَاَلَّذِي وَقَعَ لِأَبِي بَكْرٍ فَهُوَ غَيْرُ دَاخِلٍ

ص: 624

1365 -

وَعَنْهُ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَأْكُلْ بِيَمِينِهِ، وَإِذَا شَرِبَ فَلْيَشْرَبْ بِيَمِينِهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ، وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.

فِي الْوَعِيدِ، وَإِنْ كَانَ الثَّوْبُ زَائِدًا عَلَى قَدْرِ لَابِسِهِ فَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْ جِهَةِ الْإِسْرَافِ مُحَرَّمٌ لِأَجْلِهِ، وَلِأَجْلِ التَّشَبُّهِ بِالنِّسَاءِ، وَلِأَجْلِ أَنَّهُ لَا يَأْمَنُ أَنْ تَتَعَلَّقَ بِهِ النَّجَاسَةُ.

وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: لَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُجَاوِزَ بِثَوْبِهِ كَعْبَهُ فَيَقُولُ لَا أَجُرُّهُ خُيَلَاءَ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ قَدْ تَنَاوَلَهُ لَفْظًا، وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ يَتَنَاوَلُهُ اللَّفْظُ أَنْ يُخَالِفَهُ إذَا صَارَ حُكْمُهُ أَنْ يَقُولَ لَا أَمْتَثِلُهُ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الْعِلَّةَ لَيْسَتْ فِي فَإِنَّهَا دَعْوَى غَيْرُ مُسَلَّمَةٍ بَلْ إطَالَةُ ذَيْلِهِ دَالَّةٌ عَلَى تَكَبُّرِهِ ا. هـ.

وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْإِسْبَالَ يَسْتَلْزِمُ جَرَّ الثَّوْبِ وَجَرُّ الثَّوْبِ يَسْتَلْزِمُ الْخُيَلَاءَ وَلَوْ لَمْ يَقْصِدْهُ اللَّابِسُ وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ مَنِيعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ رَفَعَهُ «إيَّاكَ وَجَرَّ الْإِزَارِ فَإِنَّ جَرَّ الْإِزَارِ مِنْ الْمَخِيلَةِ» .

وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ وَفِي قِصَّةٍ لِعَمْرِو بْنِ زُرَارَةَ الْأَنْصَارِيِّ «إنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُسْبِلَ» وَالْقِصَّةُ أَنَّ «أَبَا أُمَامَةَ قَالَ بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إذْ لَحِقَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ الْأَنْصَارِيُّ فِي حُلَّةٍ إزَارٍ وَرِدَاءٍ قَدْ أُسْبِلَ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَأْخُذُ بِنَاحِيَةِ ثَوْبِهِ وَيَتَوَاضَعُ لِلَّهِ وَيَقُولُ: عَبْدُك وَابْنُ عَبْدِك وَأَمَتِك. حَتَّى سَمِعَهَا عَمْرٌو فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي حَمْشُ السَّاقَيْنِ فَقَالَ: يَا عَمْرُو إنَّ اللَّهَ قَدْ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ إنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُسْبِلَ» وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ زُرَارَةَ وَفِيهِ «وَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَرْبَعَ أَصَابِعَ تَحْتَ رُكْبَةِ عَمْرٍو وَقَالَ: يَا عَمْرُو وَهَذَا مَوْضِعُ الْإِزَارِ. ثُمَّ ضَرَبَ بِأَرْبَعِ أَصَابِعَ تَحْتَ الْأَرْبَعِ ثُمَّ قَالَ: يَا عَمْرُو وَهَذَا مَوْضِعُ الْإِزَارِ» الْحَدِيثَ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ.

وَحُكْمُ غَيْرِ الثَّوْبِ وَالْإِزَارِ حُكْمُهُمَا وَكَذَلِكَ لَمَّا سَأَلَ شُعْبَةُ مُحَارِبَ بْنَ دِثَارٍ قَالَ شُعْبَةُ أَذَكَرَ الْإِزَارَ؟ قَالَ مَا خَصَّ إزَارًا وَلَا قَمِيصًا وَمَقْصُودُهُ أَنَّ التَّعْبِيرَ بِالثَّوْبِ يَشْمَلُ الْإِزَارَ وَغَيْرَهُ. وَأَخْرَجَ أَهْلُ السُّنَنِ إلَّا التِّرْمِذِيُّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ «الْإِسْبَالُ فِي الْإِزَارِ وَالْقَمِيصِ وَالْعِمَامَةِ. مَنْ جَرَّ مِنْهَا شَيْئًا خُيَلَاءَ لَمْ يَنْظُرْ اللَّهُ إلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَإِنْ كَانَ فِي إسْنَادِهِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي رَوَّادٍ وَفِيهِ مَقَالٌ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَإِسْبَالُ الْعِمَامَةِ الْمُرَادُ بِهِ إسْبَالُ الْعَذْبَةِ زَائِدَةً عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ. وَأَخْرَجَ النَّسَائِيّ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ أَنَّ «النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَرْخَى طَرَفَ عِمَامَتِهِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ» وَكَذَلِكَ تَطْوِيلُ أَكْمَامِ الْقَمِيصِ زِيَادَةً عَلَى الْمُعْتَادِ كَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ أَهْلِ الْحِجَازِ إسْبَالٌ مُحَرَّمٌ. وَقَدْ نَقَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ الْعُلَمَاءِ كَرَاهَةَ كُلِّ مَا زَادَ عَلَى الْعَادَةِ وَعَلَى الْمُعْتَادِ فِي اللِّبَاسِ مِنْ الطُّولِ وَالسَّعَةِ (قُلْت) وَيَنْبَغِي أَنْ يُرَادَ بِالْمُعْتَادِ مَا كَانَ فِي عَصْرِ النُّبُوَّةِ.

(وَعَنْهُ) أَيْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ

ص: 625

1366 -

وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ رضي الله عنهم قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «كُلْ، وَاشْرَبْ، وَالْبَسْ، وَتَصَدَّقْ فِي غَيْرِ سَرَفٍ وَلَا مَخِيلَةٍ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَأَحْمَدُ، وَعَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ.

فَلْيَأْكُلْ بِيَمِينِهِ وَإِذَا شَرِبَ فَلْيَشْرَبْ بِيَمِينِهِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ) الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ بِالشِّمَالِ فَإِنَّهُ عَلَّلَهُ بِأَنَّهُ فِعْلُ الشَّيْطَانِ وَخُلُقُهُ وَالْمُسْلِمُ مَأْمُورٌ بِتَجَنُّبِ طَرِيقِ أَهْلِ الْفُسُوقِ فَضْلًا عَنْ الشَّيْطَانِ. وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الْأَكْلُ بِالْيَمِينِ وَالشُّرْبُ بِهَا لَا أَنَّهُ بِالشِّمَالِ مُحَرَّمٌ وَقَدْ زَادَ نَافِعٌ: الْأَخْذَ وَالْإِعْطَاءَ.

(وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «كُلْ وَاشْرَبْ وَالْبَسْ وَتَصَدَّقْ فِي غَيْرِ سَرَفٍ وَلَا مَخِيلَةٍ» بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَمُثَنَّاةٍ تَحْتِيَّةٍ وَزْنُ عَظِيمَةٍ التَّكَبُّرُ (أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَأَحْمَدُ وَعَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ) دَلَّ عَلَى تَحْرِيمِ الْإِسْرَافِ فِي الْمَأْكَلِ وَالْمُشْرَبِ وَالْمَلْبَسِ وَالتَّصَدُّقِ. وَحَقِيقَةُ الْإِسْرَافِ مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ فِي كُلِّ فِعْلٍ أَوْ قَوْلٍ وَهُوَ فِي الْإِنْفَاقِ أَشْهَرُ. وَالْحَدِيثُ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْله تَعَالَى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا} وَفِيهِ تَحْرِيمُ الْخُيَلَاءِ وَالْكِبْرِ. قَالَ عَبْدُ اللَّطِيفِ الْبَغْدَادِيُّ هَذَا الْحَدِيثُ جَامِعٌ لِفَضَائِلِ تَدْبِيرِ الْإِنْسَانِ نَفْسَهُ وَفِيهِ مَصَالِحُ النَّفْسِ وَالْجَسَدِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَإِنَّ السَّرَفَ فِي كُلِّ شَيْءٍ مُضِرٌّ بِالْجَسَدِ وَمُضِرٌّ بِالْمَعِيشَةِ وَيُؤَدِّي إلَى الْإِتْلَافِ فَيَضُرُّ بِالنَّفْسِ إذَا كَانَتْ تَابِعَةً لِلْجَسَدِ فِي أَكْثَرِ الْأَحْوَالِ وَالْمَخِيلَةُ تَضُرُّ بِالنَّفْسِ حَيْثُ تُكْسِبُهَا الْعُجْبَ، وَتَضُرُّ بِالْآخِرَةِ حَيْثُ تُكْسِبُ الْإِثْمَ، وَبِالدُّنْيَا حَيْثُ تُكْسِبُ الْمَقْتَ مِنْ النَّاسِ. وَقَدْ عَلَّقَ الْبُخَارِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «كُلْ مَا شِئْت وَاشْرَبْ مَا شِئْت مَا أَخْطَأَتْك اثْنَتَانِ سَرَفٌ وَمَخِيلَةٌ» .

‌بَابُ الْبِرِّ وَالصِّلَةِ

الْبِرُّ بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ هُوَ التَّوَسُّعُ فِي فِعْلِ الْخَيْرِ. وَالْبَرُّ بِفَتْحِهَا الْمُتَوَسِّعُ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُوَ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى. وَالصِّلَةُ بِكَسْرِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ مَصْدَرُ وَصَلَهُ كَوَعَدَهُ عِدَةً. فِي النِّهَايَةِ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ ذِكْرُ صِلَةِ الْأَرْحَامِ وَهِيَ كِنَايَةٌ عَنْ الْإِحْسَانِ إلَى الْأَقْرَبِينَ مِنْ ذَوِي النَّسَبِ

ص: 626

1367 -

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَأَنْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.

وَالْأَصْهَارِ وَالتَّعَطُّفِ عَلَيْهِمْ وَالرِّفْقِ بِهِمْ وَالرِّعَايَةِ لِأَحْوَالِهِمْ وَكَذَلِكَ إنْ تَعَدَّوْا وَأَسَاءُوا وَضِدُّ ذَلِكَ قَطِيعَةُ الرَّحِمِ. اهـ

(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ) مُغَيَّرٌ صِيغَتَهُ أَيْ يَبْسُطُ اللَّهُ (لَهُ فِي رِزْقِهِ) أَيْ يُوَسِّعُ لَهُ فِيهِ (وَأَنْ يُنْسَأَ) مِثْلُهُ فِي ضَبْطِهِ. بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ مُخَفَّفَةً أَيْ يُؤَخَّرَ لَهُ (فِي أَثَرِهِ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْمُثَلَّثَةِ فَرَاءٍ أَيْ أَجَلِهِ (فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ) وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ مَحَبَّةٌ فِي الْأَهْلِ مَثْرَاةٌ فِي الْمَالِ مَنْسَأَةٌ فِي الْأَجَلِ» وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها مَرْفُوعًا «صِلَةُ الرَّحِمِ وَحُسْنُ الْجِوَارِ يُعَمِّرَانِ الدِّيَارَ وَيَزِيدَانِ فِي الْأَعْمَارِ» .

وَأَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا «إنَّ الصَّدَقَةَ وَصِلَةَ الرَّحِمِ يَزِيدُ اللَّهُ بِهِمَا فِي الْعُمُرِ وَيَدْفَعُ بِهِمَا مِيتَةُ السُّوءِ» وَفِي سَنَدِهِ ضَعْفٌ: قَالَ ابْنُ التِّينِ: ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَيْ حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ مُعَارَضٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ} قَالَ: وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنَّ الزِّيَادَةَ كِنَايَةٌ عَنْ الْبَرَكَةِ فِي الْعُمُرِ بِسَبَبِ التَّوْفِيقِ إلَى الطَّاعَةِ وَعِمَارَةِ وَقْتِهِ بِمَا يَنْفَعُهُ فِي الْآخِرَةِ وَصِيَانَتِهِ عَنْ تَضْيِيعِهِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ، وَمِثْلُ هَذَا مَا جَاءَ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم تَقَاصَرَ أَعْمَارُ أُمَّتِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى أَعْمَارِ مَنْ مَضَى مِنْ الْأُمَمِ فَأَعْطَاهُ اللَّهُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ تَكُونُ سَبَبًا لِلتَّوْفِيقِ لِلطَّاعَةِ وَالصِّيَانَةِ عَنْ الْمَعْصِيَةِ فَيَبْقَى بَعْدَهُ الذِّكْرُ الْجَمِيلُ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَمُتْ.

وَمِنْ جُمْلَةِ مَا يَحْصُلُ لَهُ مِنْ التَّوْفِيقِ الْعِلْمُ الَّذِي يُنْتَفَعُ بِهِ مِنْ بَعْدِهِ بِتَأْلِيفٍ وَنَحْوِهِ وَالصَّدَقَةُ الْجَارِيَةُ عَلَيْهِ، وَالْخَلَفُ الصَّالِحُ. وَثَانِيهِمَا أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى حَقِيقَتِهَا وَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلَى عِلْمِ الْمَلَكِ الْمُوَكَّلِ بِالْعُمْرِ، وَاَلَّذِي فِي الْآيَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى عِلْمِ اللَّهِ كَأَنْ يُقَالَ لِلْمَلَكِ فِي عِلْمِهِ أَنَّهُ يَصِلُ أَوْ يَقْطَعُ فَاَلَّذِي فِي عِلْمِ اللَّهِ لَا يَتَقَدَّمُ وَلَا يَتَأَخَّرُ وَاَلَّذِي يُقَالُ مَثَلًا إنَّ عُمْرَ فُلَانٍ مِائَةٌ إنْ وَصَلَ رَحِمَهُ، وَإِنْ قَطَعَهَا فَسِتُّونَ وَقَدْ سَبَقَ مَثَلًا فِي عِلْمِ الْمَلَكِ هُوَ الَّذِي يُمْكِنُ فِيهِ الزِّيَادَةُ وَالنَّقْصُ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} وَالْمَحْوُ وَالْإِثْبَاتُ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا فِي عِلْمِ الْمَلَكِ وَمَا فِي أُمِّ

ص: 627

1368 -

وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعٌ» يَعْنِي قَاطِعَ رَحِمٍ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

الْكِتَابِ؛ وَأَمَّا الَّذِي فِي عِلْمِ اللَّهِ فَلَا مَحْوَ فِيهِ أَلْبَتَّةَ.

وَيُقَالُ لَهُ الْقَضَاءُ الْمُبْرَمُ وَيُقَالُ لِلْأَوَّلِ الْقَضَاءُ الْمُعَلَّقُ. وَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ أَلْيَقُ فَإِنَّ الْأَثَرَ مَا يَتْبَعُ الشَّيْءَ فَإِذَا أُخِّرَ حَسُنَ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الذِّكْرِ الْحَسَنِ بَعْدَ فَقْدِ الْمَذْكُورِ وَرَجَّحَهُ الطِّيبِيُّ. وَأَشَارَ إلَيْهِ فِي الْفَائِقِ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الصَّغِيرِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ «ذُكِرَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: مَنْ وَصَلَ رَحِمَهُ أُنْسِئَ لَهُ فِي أَجَلِهِ؟ فَقَالَ: إنَّهُ لَيْسَ زِيَادَةً فِي عُمْرِهِ قَالَ تَعَالَى: {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ} وَلَكِنَّ الرَّجُلَ تَكُونُ لَهُ الذُّرِّيَّةُ الصَّالِحَةُ يَدْعُونَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ» وَأَخْرَجَهُ فِي الْكَبِيرِ مَرْفُوعًا مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى.

وَجَزَمَ ابْنُ فُورَكٍ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِزِيَادَةِ الْعُمْرِ نَفْيُ الْآفَاتِ عَنْ صَاحِبِ الْبِرِّ فِي فَهْمِهِ وَعَقْلِهِ. قَالَ غَيْرُهُ: فِي أَعَمِّ مِنْ ذَلِكَ وَفِي عِلْمِهِ وَرِزْقِهِ. وَلِابْنِ الْقَيِّمِ فِي كِتَابِ الدَّاءِ وَالدَّوَاءِ كَلَامٌ يَقْضِي بِأَنَّ مُدَّةَ حَيَاةِ الْعَبْدِ وَعُمْرِهِ هِيَ مَهْمَا كَانَ قَلْبُهُ مُقْبِلًا عَلَى اللَّهِ ذَاكِرًا لَهُ مُطِيعًا غَيْرَ عَاصٍ فَهَذِهِ هِيَ عُمْرُهُ وَمَتَى أَعْرَضَ الْقَلْبُ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى وَاشْتَغَلَ بِالْمَعَاصِي ضَاعَتْ عَلَيْهِ أَيَّامُ حَيَاةِ عُمْرِهِ فَعَلَى هَذَا مَعْنَى أَنَّهُ يُنْسَأُ لَهُ فِي أَجَلِهِ أَيْ يُعَمِّرُ اللَّهُ قَلْبَهُ بِذِكْرِهِ وَأَوْقَاتَهُ بِطَاعَتِهِ وَيَأْتِي تَحْقِيقُ صِلَةِ الرَّحِمِ.

فِي شَرْحِ قَوْلِهِ (وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعٌ» - يَعْنِي قَاطِعَ رَحِمٍ - مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ يَرْفَعُهُ «مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ أَنْ يُعَجِّلَ اللَّهُ لِصَاحِبِهِ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا أَخَّرَ اللَّهُ لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ قَطِيعَةِ الرَّحِمِ» وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ «إنَّ أَعْمَالَ أُمَّتِي تُعْرَضُ عَشِيَّةَ الْخَمِيسِ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ فَلَا يُقْبَلُ عَمَلُ قَاطِعِ رَحِمٍ» وَأَخْرَجَ فِيهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى «إنَّ الرَّحْمَةَ لَا تَنْزِلُ عَلَى قَوْمٍ فِيهِمْ قَاطِعُ رَحِمٍ» وَأَخْرُج الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ «إنَّ أَبْوَابَ السَّمَاءِ مُغْلَقَةٌ دُونَ قَاطِعِ الرَّحِمِ» وَاعْلَمْ أَنَّهُ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي حَدِّ الرَّحِمِ الَّتِي تَجِبُ صِلَتُهَا فَقِيلَ: هِيَ الرَّحِمُ الَّتِي يَحْرُمُ النِّكَاحُ بَيْنَهُمَا بِحَيْثُ لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا ذَكَرًا حَرُمَ عَلَى الْآخَرِ. فَعَلَى هَذَا لَا يَدْخُلُ أَوْلَادُ الْأَعْمَامِ وَلَا أَوْلَادُ الْأَخْوَالِ. وَاحْتَجَّ هَذَا الْقَائِلُ بِتَحْرِيمِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا وَخَالَتِهَا فِي النِّكَاحِ لِمَا يُؤَدِّي إلَيْهِ مِنْ التَّقَاطُعِ. وَقِيلَ هُوَ مَنْ كَانَ مُتَّصِلًا بِمِيرَاثٍ. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم " ثُمَّ أَدْنَاك أَدْنَاك " وَقِيلَ مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْآخَرِ قَرَابَةٌ سَوَاءٌ كَانَ يَرِثُهُ أَوْ لَا. ثُمَّ صِلَةُ الرَّحِمِ كَمَا قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: دَرَجَاتٌ بَعْضُهَا أَرْفَعُ مِنْ بَعْضٍ وَأَدْنَاهَا تَرْكُ الْمُهَاجَرَةِ وَصِلَتُهَا بِالْكَلَامِ

ص: 628

1369 -

وَعَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الْأُمَّهَاتِ. وَوَأْدَ الْبَنَاتِ وَمَنْعًا وَهَاتِ وَكَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ

وَلَوْ بِالسَّلَامِ، وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ الْقُدْرَةِ وَالْحَاجَةِ فَمِنْهَا وَاجِبٌ وَمِنْهَا مُسْتَحَبٌّ فَلَوْ وَصَلَ بَعْضَ الصِّلَةِ وَلَمْ يَصِلْ غَايَتَهَا لَمْ يُسَمَّ قَاطِعًا وَلَوْ قَصَّرَ عَمَّا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَيَنْبَغِي لَهُ: لَمْ يُسَمَّ وَاصِلًا. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الرَّحِمُ الَّتِي تُوصَلُ الرَّحِمُ عَامَّةٌ وَخَاصَّةٌ فَالْعَامَّةُ رَحِمُ الدِّينِ، وَتَجِبُ صِلَتُهَا بِالتَّوَادُدِ وَالتَّنَاصُحِ وَالْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ وَالْقِيَامِ بِالْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ وَالْمُسْتَحَبَّةِ. وَالرَّحِمُ الْخَاصَّةُ تَزِيدُ بِالنَّفَقَةِ عَلَى الْقَرِيبِ وَتَفَقُّدِ حَالِهِ وَالتَّغَافُلِ عَنْ زَلَّتِهِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ: الْمَعْنَى الْجَامِعُ إيصَالُ مَا أَمْكَنَ مِنْ الْخَيْرِ وَدَفْنُ مَا أَمْكَنَ مِنْ الشَّرِّ بِحَسَبِ الطَّاقَةِ، وَهَذَا فِي حَقِّ الْمُؤْمِنِينَ. وَأَمَّا الْكُفَّارُ وَالْفُسَّاقُ فَتَجِبُ الْمُقَاطَعَةُ لَهُمْ إذَا لَمْ تَنْفَعْ الْمَوْعِظَةُ. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ أَيْضًا بِأَيِّ شَيْءٍ تَحْصُلُ الْقَطِيعَةُ لِلرَّحِمِ فَقَالَ الزَّيْنُ الْعِرَاقِيُّ: تَكُونُ بِالْإِسَاءَةِ إلَى الرَّحِمِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: تَكُونُ بِتَرْكِ الْإِحْسَانِ؛ لِأَنَّ الْأَحَادِيثَ آمِرَةٌ بِالصِّلَةِ نَاهِيَةٌ عَنْ الْقَطِيعَةِ فَلَا وَاسِطَةَ بَيْنَهُمَا، وَالصِّلَةُ نَوْعٌ مِنْ الْإِحْسَانِ كَمَا فَسَّرَهَا بِذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَالْقَطِيعَةُ ضِدُّهَا وَهِيَ تَرْكُ الْإِحْسَانِ. وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «لَيْسَ الْوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ وَلَكِنَّ الْوَاصِلَ الَّذِي إذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا» فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الصِّلَةَ إنَّمَا هِيَ مَا كَانَ لِلْقَاطِعِ صِلَةُ رَحِمِهِ وَهَذَا عَلَى رِوَايَةِ قَطَعَتْ بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ وَهِيَ رِوَايَةٌ فَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي شَرْحِهِ: الْمُرَادُ الْكَامِلَةُ فِي الصِّلَةِ وَقَالَ الطِّيبِيُّ: مَعْنَاهُ لَيْسَ حَقِيقَةَ الْوَاصِلِ وَمَنْ يُعْتَدُّ بِصِلَتِهِ مَنْ يُكَافِئُ صَاحِبَهُ بِمِثْلِ فِعْلِهِ وَلَكِنَّهُ مَنْ يَتَفَضَّلُ عَلَى صَاحِبِهِ، وَقَالَ الْمُصَنِّفُ: لَا يَلُومُ مِنْ نَفْيِ الْوَصْلِ ثُبُوتُ الْقَطْعِ فَهُمْ ثَلَاثُ دَرَجَاتٍ وَاصِلٌ وَمُكَافِئٌ وَقَاطِعٌ، فَالْوَاصِلُ هُوَ الَّذِي يَتَفَضَّلُ وَلَا يُتَفَضَّلُ عَلَيْهِ، وَالْمُكَافِئُ هُوَ الَّذِي لَا يَزِيدُ فِي الْإِعْطَاءِ عَلَى مَا يَأْخُذُهُ، وَالْقَاطِعُ الَّذِي لَا يُتَفَضَّلُ عَلَيْهِ وَلَا يَتَفَضَّلُ قَالَ الشَّارِحُ: وَبِالْأَوْلَى مَنْ يُتَفَضَّلُ عَلَيْهِ وَلَا يَتَفَضَّلُ أَنَّهُ قَاطِعٌ قَالَ الْمُصَنِّفُ وَكَمَا تَقَعُ الْمُكَافَأَةُ بِالصِّلَةِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ كَذَلِكَ تَقَعُ بِالْمُقَاطَعَةِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فَمَنْ بَدَأَ فَهُوَ الْقَاطِعُ فَإِنْ جُوزِيَ سُمِّيَ مَنْ جَازَاهُ مُكَافِئًا.

(وَعَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الْأُمَّهَاتِ، وَوَأْدَ الْبَنَاتِ، وَمَنْعًا وَهَاتِ، وَكَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ وَإِضَاعَةَ الْمَالِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) الْأُمَّهَاتُ جَمْعُ أُمَّهَةٍ لُغَةٌ فِي الْأُمِّ وَلَا تُطْلَقُ إلَّا عَلَى مَنْ يَعْقِلُ بِخِلَافِ

ص: 629

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

أُمٍّ فَإِنَّهَا تَعُمُّ، وَإِنَّمَا خُصَّتْ الْأُمُّ هُنَا إظْهَارًا لِعِظَمِ حَقِّهَا وَإِلَّا فَالْأَبُ مُحَرَّمٌ عُقُوقُهُ، وَضَابِطُ الْعُقُوقِ الْمُحَرَّمِ كَمَا نُقِلَ خُلَاصَتُهُ عَنْ الْبُلْقِينِيِّ وَهُوَ أَنْ يَحْصُلُ مِنْ الْوَلَدِ لِلْأَبَوَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا إيذَاءٌ لَيْسَ بِالْهَيِّنِ عُرْفًا فَيَخْرُجُ مِنْ هَذَا مَا إذَا حَصَلَ مِنْ الْأَبَوَيْنِ أَمْرٌ أَوْ نَهْيٌ فَخَالَفَهُمَا بِمَا لَا يُعَدُّ فِي الْعُرْفِ مُخَالَفَتُهُ عُقُوقًا فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ عُقُوقًا، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ مَثَلًا عَلَى الْأَبَوَيْنِ دَيْنٌ لِلْوَلَدِ أَوْ حَقٌّ شَرْعِيٌّ فَرَافَعَهُ إلَى الْحَاكِمِ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ عُقُوقًا كَمَا «وَقَعَ مِنْ بَعْضِ أَوْلَادِ الصَّحَابَةِ شِكَايَةُ الْأَبِ إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي احْتِيَاجِهِ لِمَالِهِ فَلَمْ يَعُدَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم شِكَايَتَهُ عُقُوقًا» (قُلْت) فِي هَذَا تَأَمُّلٌ فَإِنَّ قَوْلَهُ صلى الله عليه وسلم «أَنْتَ وَمَالُك لِأَبِيك» دَلِيلٌ عَلَى نَهْيِهِ عَنْ مَنْعِ أَبِيهِ عَنْ مَالِهِ وَعَنْ شِكَايَتِهِ ثُمَّ قَالَ صَاحِبُ الضَّابِطِ: فَعَلَى هَذَا، الْعُقُوقُ أَنْ يُؤْذِيَ الْوَلَدُ أَحَدَ أَبَوَيْهِ بِمَا لَوْ فَعَلَهُ مَعَ غَيْرِ أَبَوَيْهِ كَانَ مُحَرَّمًا مِنْ جُمْلَةِ الصَّغَائِرِ فَيَكُونُ فِي حَقِّ الْأَبَوَيْنِ كَبِيرَةً، أَوْ مُخَالَفَةُ الْأَمْرِ أَوْ النَّهْيِ فِيمَا يَدْخُلُ فِيهِ الْخَوْفُ عَلَى الْوَلَدِ مِنْ فَوَاتِ نَفْسِهِ أَوْ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ فِي غَيْرِ الْجِهَادِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ، أَوْ مُخَالَفَتُهُمَا فِي سَفَرٍ يَشُقُّ عَلَيْهِمَا وَلَيْسَ بِفَرْضٍ عَلَى الْوَلَدِ أَوْ فِي غَيْبَةٍ طَوِيلَةٍ فِيمَا لَيْسَ لِطَلَبِ عِلْمٍ نَافِعٍ أَوْ كَسْبٍ، أَوْ تَرْكِ تَعْظِيمٍ الْوَالِدَيْنِ، فَإِنَّهُ لَوْ قَدِمَ عَلَيْهِ أَحَدُهُمَا وَلَمْ يَقُمْ إلَيْهِ أَوْ قَطَّبَ فِي وَجْهِهِ فَإِنَّ هَذَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي حَقِّ الْغَيْرِ مَعْصِيَةً فَهُوَ عُقُوقٌ فِي حَقِّ الْأَبَوَيْنِ.

قَوْلُهُ " وَوَأْدَ الْبَنَاتِ " بِسُكُونِ الْهَمْزَةِ وَهُوَ دَفْنُ الْبِنْتِ حَيَّةً وَهُوَ مُحَرَّمٌ وَخَصَّ الْبَنَاتَ؛ لِأَنَّهُ الْوَاقِعُ مِنْ الْعَرَبِ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَرَاهِيَةً لَهُنَّ. يُقَالُ أَوَّلُ مَنْ فَعَلَهُ قَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ التَّيْمِيُّ وَكَانَ مِنْ الْعَرَبِ مَنْ يَقْتُلُ أَوْلَادَهُ مُطْلَقًا خَشْيَةَ الْفَاقَةِ وَالنَّفَقَةِ.

وَقَوْلُهُ " مَنْعًا وَهَاتِ " الْمَنْعُ مَصْدَرٌ مِنْ مَنَعَ يَمْنَعُ وَالْمُرَادُ مَنْعُ مَا أَمَرَ اللَّهُ أَنْ لَا يُمْنَعَ وَهَاتِ فِعْلُ أَمْرٍ مَجْزُومٌ وَالْمُرَادُ النَّهْيُ عَنْ طَلَبِ مَا لَا يَسْتَحِقُّ طَلَبَهُ. وَقَوْلُهُ «وَكَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ» يُرْوَى بِغَيْرِ تَنْوِينٍ حِكَايَةً لِلَفْظِ الْفِعْلِ. وَرُوِيَ مُنَوَّنًا وَهِيَ رِوَايَةٌ فِي الْبُخَارِيِّ، قِيلًا وَقَالًا، عَلَى النَّقْلِ مِنْ الْفِعْلِيَّةِ إلَى الِاسْمِيَّةِ وَالْأَوَّلُ أَكْثَرُ. وَالْمُرَادُ بِهِ نَقْلُ الْكَلَامِ الَّذِي يَسْمَعُهُ إلَى غَيْرِهِ فَيَقُولُ قِيلَ كَذَا وَكَذَا بِغَيْرِ تَعْيِينِ الْقَائِلِ وَقَالَ فُلَانٌ كَذَا وَكَذَا وَإِنَّمَا نَهَى عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الِاشْتِغَالِ بِمَا لَا يَعْنِي الْمُتَكَلِّمَ وَلِكَوْنِهِ قَدْ يَتَضَمَّنُ الْغِيبَةَ وَالنَّمِيمَةَ وَالْكَذِبَ وَلَا سِيَّمَا مَعَ الْإِكْثَارِ مِنْ ذَلِكَ قَلَّمَا يَخْلُو عَنْهُ، وَقَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ: فِيهِ ثَلَاثَةٌ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُمَا مَصْدَرَانِ لِلْقَوْلِ نَقُولُ قُلْت قَوْلًا وَقِيلَا. وَفِي الْحَدِيثِ الْإِشَارَةُ إلَى كَرَاهَةِ كَثْرَةِ الْكَلَامِ، ثَانِيهَا إرَادَةُ حِكَايَةِ أَقَاوِيلِ النَّاسِ وَالْبَحْثِ عَنْهَا لِتُخْبِرَ عَنْهَا فَتَقُولَ: قَالَ فُلَانٌ: كَذَا وَقِيلَ لَهُ كَذَا. وَالنَّهْيُ عَنْهُ إمَّا لِلزَّجْرِ عَنْ الِاسْتِكْثَارِ مِنْهُ، وَإِمَّا لِمَا يَكْرَهُهُ الْمَحْكِيُّ عَنْهُ. ثَالِثُهَا أَنَّ ذَلِكَ فِي حِكَايَةِ الِاخْتِلَافِ فِي أُمُورِ الدِّينِ كَقَوْلِهِ قَالَ فُلَانٌ كَذَا وَقَالَ فُلَانٌ كَذَا وَمَحَلُّ كَرَاهَةِ ذَلِكَ فِي أَنْ يُكْثِرَ مِنْهُ بِحَيْثُ لَا يَأْمَنُ مِنْ الزَّلَلِ، وَهُوَ فِي حَقِّ

ص: 630

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

مَنْ يَنْقُلُ بِغَيْرِ تَثَبُّتٍ فِي نَقْلِهِ لِمَا يَسْمَعُهُ وَلَا يَحْتَاطُ لَهُ؛ وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ «كَفَى بِالْمَرْءِ إثْمًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. قُلْت: وَيَحْتَمِلُ إرَادَةَ كُلٍّ مِنْ الثَّلَاثَةِ.

وَقَوْلُهُ " وَكَثْرَةُ السُّؤَالِ " هُوَ السُّؤَالُ لِلْمَالِ أَوْ عَنْ الْمُشْكِلَاتِ مِنْ الْمَسَائِلِ أَوْ مَجْمُوعِ الْأَمْرَيْنِ وَهُوَ أَوْلَى وَتَقَدَّمَ فِي الزَّكَاةِ مَسْأَلَةُ الْمَالِ وَقَدْ نَهَى عَنْ الْأُغْلُوطَاتِ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَهِيَ الْمَسَائِلُ الَّتِي يُغَلَّطُ بِهَا الْعُلَمَاءُ لِيَزِلُّوا فَيَنْتِجُ بِذَلِكَ شَرٌّ وَفِتْنَةٌ. وَإِنَّمَا نَهَى عَنْهَا لِكَوْنِهَا غَيْرَ نَافِعَةٍ فِي الدِّينِ وَلَا يَكَادُ أَنْ يَكُونَ إلَّا فِيمَا لَا يَنْفَعُ. وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ جَمْعٍ مِنْ السَّلَفِ كَرَاهَةُ تَكَلُّفِ الْمَسَائِلِ الَّتِي يَسْتَحِيلُ وُقُوعُهَا عَادَةً أَوْ يَنْدُرُ وُقُوعُهَا جِدًّا لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ التَّنَطُّعِ وَالْقَوْلِ بِالظَّنِّ الَّذِي لَا يَخْلُو صَاحِبُهُ عَنْ الْخَطَأِ. وَقِيلَ كَثْرَةُ السُّؤَالِ عَنْ أَخْبَارِ النَّاسِ وَأَحْدَاثِ الزَّمَانِ، وَكَثْرَةُ سُؤَالِ إنْسَانٍ مُعَيَّنٍ عَنْ تَفَاصِيلِ حَالِهِ وَكَانَ مِمَّا يَكْرَهُهُ الْمَسْئُولُ.

وَقَوْلُهُ " وَإِضَاعَةَ الْمَالِ " الْمُتَبَادَرُ مِنْ الْإِضَاعَةِ مَا لَمْ يَكُنْ لِغَرَضٍ دِينِيٍّ وَلَا دُنْيَوِيٍّ وَقِيلَ هُوَ الْإِسْرَافُ فِي الْإِنْفَاقِ. وَقَيَّدَهُ بَعْضُهُمْ بِالْإِنْفَاقِ فِي الْحَرَامِ وَرَجَّحَ الْمُصَنِّفُ أَنَّهُ مَا أُنْفِقَ فِي غَيْرِ وُجُوهِهِ الْمَأْذُونِ فِيهَا شَرْعًا سَوَاءٌ كَانَتْ دِينِيَّةً أَوْ دُنْيَوِيَّةً؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ الْمَالَ قِيَامًا لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ وَفِي التَّبْذِيرِ تَفْوِيتُ تِلْكَ الْمَصَالِحِ إمَّا فِي حَقِّ صَاحِبِ الْمَالِ أَوْ فِي حَقِّ غَيْرِهِ قَالَ: وَالْحَاصِلُ أَنَّ فِي كَثْرَةِ الْإِنْفَاقِ ثَلَاثَةُ وُجُوهٍ الْأَوَّلُ الْإِنْفَاقُ فِي الْوُجُوهِ الْمَذْمُومَةِ شَرْعًا وَلَا شَكَّ فِي تَحْرِيمِهِ. الثَّانِي الْإِنْفَاقُ فِي الْوُجُوهِ الْمَحْمُودَةِ شَرْعًا وَلَا شَكَّ فِي كَوْنِهِ مَطْلُوبًا مَا لَمْ يُفَوِّتُ حَقًّا آخَرَ أَهَمَّ مِنْ ذَلِكَ الْمُنْفَقِ فِيهِ.

وَالثَّالِثُ الْإِنْفَاقُ فِي الْمُبَاحَاتِ وَهُوَ مُنْقَسِمٌ إلَى قِسْمَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ عَلَى وَجْهٍ يَلِيقُ بِحَالِ الْمُنْفِقِ وَبِقَدْرِ مَالِهِ فَهَذَا لَيْسَ بِإِضَاعَةٍ وَلَا إسْرَافٍ، وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ فِيمَا لَا يَلِيقُ بِهِ عُرْفًا فَإِنْ كَانَ لِدَفْعِ مَفْسَدَةٍ إمَّا حَاضِرَةً أَوْ مُتَوَقَّعَةً فَذَلِكَ لَيْسَ بِإِسْرَافٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ إسْرَافٌ، قَالَ: ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: ظَاهِرُ الْقُرْآنِ أَنَّهُ إسْرَافٌ، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فَقَالَ فِي قِسْمِ الصَّدَقَاتِ: هُوَ حَرَامٌ وَتَبِعَهُ الْغَزَالِيُّ وَجَزَمَ بِهِ الرَّافِعِيُّ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْغَارِمِ، وَقَالَ الْبَاجِيُّ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ: إنَّهُ يَحْرُمُ اسْتِيعَابُ جَمِيعِ الْمَالِ بِالصَّدَقَةِ قَالَ: وَيُكْرَهُ كَثْرَةُ إنْفَاقِهِ فِي مَصَالِحِ الدُّنْيَا وَلَا بَأْسَ بِهِ إذَا وَقَعَ نَادِرًا لِحَادِثٍ كَضَيْفٍ أَوْ عِيدٍ أَوْ وَلِيمَةٍ. وَالِاتِّفَاقُ عَلَى كَرَاهَةِ الْإِنْفَاقِ فِي الْبِنَاءِ الزَّائِدِ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ وَلَا سِيَّمَا إنْ انْضَافَ إلَى ذَلِكَ الْمُبَالَغَةُ فِي الزَّخْرَفَةِ وَكَذَلِكَ احْتِمَالُ الْغَبْنِ الْفَاحِشِ فِي الْمُبَايَعَاتِ بِلَا سَبَبٍ. وَقَالَ السُّبْكِيُّ فِي الْحَلَبِيَّاتِ. وَأَمَّا إنْفَاقُ الْمَالِ فِي الْمَلَاذِّ الْمُبَاحَةِ فَهُوَ مَوْضِعُ اخْتِلَافٍ وَظَاهِرُ قَوْله تَعَالَى {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} أَنَّ الزَّائِدَ الَّذِي لَا يَلِيقُ بِحَالِ الْمُنْفِقِ إسْرَافٌ. وَمَنْ بَذَلَ مَالًا كَثِيرًا فِي عَرَضٍ يَسِيرٍ فَإِنَّهُ يَعُدُّهُ الْعُقَلَاءُ مُضَيِّعًا انْتَهَى. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي الزَّكَاةِ

ص: 631

1370 -

وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله عنهما عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «رِضَا اللَّهِ فِي رِضَا الْوَالِدَيْنِ، وَسَخَطُ اللَّهِ فِي سَخَطِ الْوَالِدَيْنِ» أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ.

عَلَى التَّصَدُّقِ بِجَمِيعِ الْمَالِ بِمَا فِيهِ الْكِفَايَةُ.

(وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله عنهما عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «رِضَا اللَّهِ فِي رِضَا الْوَالِدَيْنِ وَسَخَطُ اللَّهِ فِي سَخَطِ الْوَالِدَيْنِ». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ) الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ إرْضَاءِ الْوَلَدِ لِوَالِدَيْهِ وَتَحْرِيمِ إسْخَاطِهِمَا فَإِنَّ الْأَوَّلَ فِيهِ مَرْضَاةُ اللَّهِ وَالثَّانِيَ فِيهِ سَخَطُهُ فَيُقَدِّمُ رِضَاهُمَا عَلَى فِعْلِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّهُ جَاءَ رَجُلٌ يَسْتَأْذِنُهُ صلى الله عليه وسلم فِي الْجِهَادِ فَقَالَ: أَحَيٌّ وَالِدَاك؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ» وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ «أَنَّ رَجُلًا هَاجَرَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ الْيَمَنِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي قَدْ هَاجَرْت قَالَ: هَلْ لَك أَهْلٌ بِالْيَمَنِ؟ فَقَالَ: أَبَوَايَ قَالَ أَذِنَا لَك؟ قَالَ لَا قَالَ فَارْجِعْ فَاسْتَأْذِنْهُمَا فَإِنْ أَذِنَا لَك فَجَاهِدْ وَإِلَّا فَبِرَّهُمَا» وَفِي إسْنَادِهِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَكَذَلِكَ غَيْرُ الْجِهَادِ مِنْ الْوَاجِبَاتِ. وَإِلَيْهِ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ كَالْأَمِيرِ حُسَيْنٍ ذَكَرَهُ فِي الشِّفَاءِ وَالشَّافِعِيُّ فَقَالُوا: يَتَعَيَّنُ تَرْكُ الْجِهَادِ إذَا لَمْ يَرْضَ الْأَبَوَانِ إلَّا فَرْضَ الْعَيْنِ. كَالصَّلَاةِ فَإِنَّهَا تُقَدَّمُ وَإِنْ لَمْ يَرْضَ بِهَا الْأَبَوَانِ بِالْإِجْمَاعِ. وَذَهَبَ الْأَكْثَرُ إلَى أَنَّهُ يَجُوزُ فِعْلُ فَرْضِ الْكِفَايَةِ وَالْمَنْدُوبِ وَإِنْ لَمْ يَرْضَ الْأَبَوَانِ مَا لَمْ يَتَضَرَّرَا بِسَبَبِ فَقَدْ الْوَلَدِ، وَحَمَلُوا الْأَحَادِيثَ عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِي حَقِّ الْوَالِدَيْنِ، وَأَنَّهُ يَتْبَعُ رِضَاهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ سَخَطُ اللَّهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى:{وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} قُلْت الْآيَةُ إنَّمَا هِيَ فِيمَا إذَا حَمَلَاهُ عَلَى الشِّرْكِ وَمِثْلُهُ غَيْرُهُ مِنْ الْكَبَائِرِ. وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ يُطِيعُهُمَا فِي تَرْكِ فَرْضِ الْكِفَايَةِ وَالْعَيْنِ، لَكِنَّ الْإِجْمَاعَ خَصَّصَ فَرْضَ الْعَيْنِ وَأَمَّا إذَا تَعَارَضَ حَقُّ الْأَبِ وَحَقُّ الْأُمِّ فَحَقُّ الْأُمِّ مُقَدَّمٌ لِحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ «قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صُحْبَتِي قَالَ أُمُّك ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ قَالَ أَبُوك» فَإِنَّهُ دَلَّ عَلَى تَقْدِيمِ رِضَا الْأُمِّ عَلَى رِضَا الْأَبِ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: مُقْتَضَاهُ أَنْ يَكُونَ لِلْأُمِّ ثَلَاثَةُ أَمْثَالِ مَا لِلْأَبِ، قَالَ: وَكَأَنَّ ذَلِكَ لِصُعُوبَةِ الْحَمْلِ ثُمَّ الْوَضْعِ ثُمَّ الرَّضَاعِ. قُلْت وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا} وَمِثْلُهَا {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ} قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّ الْأُمَّ تَفْضُلُ عَلَى الْأَبِ فِي الْبِرِّ وَنَقَلَ الْحَارِثُ الْمُحَاسِبِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَى هَذَا. وَاخْتَلَفُوا

ص: 632

1371 -

وَعَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى يُحِبَّ لِجَارِهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

فِي الْأَخِ وَالْجَدِّ مَنْ أَحَقُّ بِبِرِّهِ مِنْهُمَا؟ فَقَالَ الْقَاضِي: الْأَكْثَرُ الْجَدُّ وَجَزَمَ بِهِ الشَّافِعِيَّةُ وَيُقَدِّمُ مَنْ أَدْلَى بِسَبَبَيْنِ عَلَى مَنْ أَدْلَى بِسَبَبٍ ثُمَّ الْقَرَابَةَ مِنْ ذَوِي الرَّحِمِ وَيُقَدِّمُ مِنْهُمْ الْمَحَارِمَ عَلَى مَنْ لَيْسَ بِمَحْرَمٍ ثُمَّ الْعَصَبَاتِ ثُمَّ الْمُصَاهَرَةَ ثُمَّ الْوَلَاءَ ثُمَّ الْجَارَ. وَأَشَارَ ابْنُ بَطَّالٍ إلَى أَنَّ التَّرْتِيبَ حَيْثُ لَا يُمْكِنُ الْبِرُّ دَفْعَةً وَاحِدَةً. وَوَرَدَ فِي تَقْدِيمِ الزَّوْجِ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ «سَأَلْت النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَيُّ النَّاسِ أَعْظَمُ حَقًّا عَلَى الْمَرْأَةِ قَالَ: زَوْجُهَا قُلْت: فَعَلَى الرَّجُلِ: قَالَ أُمُّهُ» وَلَعَلَّ مِثْلَ هَذَا مَخْصُوصٌ بِمَا إذَا حَصَلَ التَّضَرُّرُ لِلْوَالِدَيْنِ فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ حَقُّهُمَا عَلَى حَقِّ الزَّوْجِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَحَادِيثِ.

(وَعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى يُحِبَّ لِجَارِهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) الْحَدِيثُ وَقَعَ فِي لَفْظِ مُسْلِمٍ بِالشَّكِّ فِي قَوْلِهِ لِأَخِيهِ أَوْ لِجَارِهِ. وَوَقَعَ فِي الْبُخَارِيِّ لِأَخِيهِ بِغَيْرِ شَكٍّ. الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى عِظَمِ حَقِّ الْجَارِ وَالْأَخِ وَفِيهِ نَفْيُ الْإِيمَانِ عَمَّنْ لَا يُحِبُّ لَهُمَا مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ. وَتَأَوَّلَهُ الْعُلَمَاءُ بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ نَفْيُ كَمَالِ الْإِيمَانِ، إذْ قَدْ عُلِمَ مِنْ قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ أَنَّ مَنْ لَمْ يَتَّصِفْ بِذَلِكَ لَا يَخْرُجُ عَنْ الْإِيمَانِ، وَأُطْلِقَ الْمَحْبُوبُ وَلَمْ يُعَيَّنْ. وَقَدْ عَيَّنَهُ مَا فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِلَفْظِ «حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مِنْ الْخَيْرِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَالْمُرَادُ: مِنْ الطَّاعَاتِ وَالْأُمُورِ الْمُبَاحَةِ قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَهَذَا قَدْ يُعَدُّ مِنْ الصَّعْبِ الْمُمْتَنِعِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذْ مَعْنَاهُ لَا يَكْمُلُ إيمَانُ أَحَدِكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ فِي الْإِسْلَامِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ مِنْ الْخَيْرِ. وَالْقِيَامُ بِذَلِكَ يَحْصُلُ بِأَنْ يُحِبَّ لَهُ مِثْلَ حُصُولِ ذَلِكَ مِنْ جِهَةٍ لَا يُزَاحِمُهُ فِيهَا بِحَيْثُ لَا تُنْقِصُ النِّعْمَةُ عَلَى أَخِيهِ شَيْئًا مِنْ النِّعْمَةِ عَلَيْهِ وَذَلِكَ سَهْلٌ عَلَى الْقَلْبِ السَّلِيمِ وَإِنَّمَا يَعْسُرُ عَلَى الْقَلْبِ الدَّغِلِ. عَافَانَا اللَّهُ وَإِخْوَانَنَا أَجْمَعِينَ. ا. هـ.

هَذَا عَلَى رِوَايَةِ الْأَخِ. وَرِوَايَةُ الْجَارِ عَامَّةٌ لِلْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ وَالْفَاسِقِ وَالصِّدِّيقِ وَالْعَدُوِّ وَالْقَرِيبِ وَالْأَجْنَبِيِّ وَالْأَقْرَبِ جِوَارًا وَالْأَبْعَدِ فَمَنْ اجْتَمَعَتْ فِيهِ الصِّفَاتُ الْمُوجِبَةُ لِمَحَبَّةِ الْخَيْرِ لَهُ فَهُوَ فِي أَعْلَى الْمَرَاتِبِ، وَمَنْ كَانَ فِيهِ أَكْثَرُهَا فَهُوَ لَاحِقٌ بِهِ وَهَلُمَّ جَرًّا إلَى الْخَصْلَةِ الْوَاحِدَةِ فَيُعْطَى كُلُّ ذِي حَقٍّ بِحَسَبِ حَالِهِ. وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ «الْجِيرَانُ ثَلَاثَةٌ: جَارٌ لَهُ حَقٌّ وَهُوَ الْمُشْرِكُ لَهُ حَقُّ الْجِوَارِ، وَجَارٌ لَهُ حَقَّانِ وَهُوَ الْمُسْلِمُ لَهُ حَقُّ الْجِوَارِ وَحَقُّ الْإِسْلَامِ، وَجَارٌ لَهُ ثَلَاثَةُ حُقُوقٍ جَارٌ مُسْلِمٌ لَهُ رَحِمٌ لَهُ

ص: 633

1372 -

وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: «سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ قَالَ: أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَك قُلْت: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَك خَشْيَةَ أَنْ يَأْكُلَ مَعَك قُلْت: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: أَنْ تُزَانِيَ بِحَلِيلَةِ جَارِك» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

حَقُّ الْإِسْلَامِ وَالرَّحِمِ وَالْجِوَارِ» وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهَ بْنَ عُمَرَ ذَبَحَ شَاةً فَأَهْدَى مِنْهَا لِجَارِهِ الْيَهُودِيِّ. فَإِنْ كَانَ الْجَارُ أَخًا أَحَبَّ لَهُ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ وَإِنْ كَانَ كَافِرًا أَحَبَّ لَهُ الدُّخُولَ فِي الْإِيمَانِ مَعَ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ مِنْ الْمَنَافِعِ بِشَرْطِ الْإِيمَانِ قَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي جَمْرَةَ: حِفْظُ حَقِّ الْجَارِ مِنْ كَمَالِ الْإِيمَانِ وَالْإِضْرَارُ بِهِ مِنْ الْكَبَائِرِ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ» قَالَ: وَيَفْتَرِقُ الْحَالُ فِي ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْجَارِ الصَّالِحِ وَغَيْرِهِ.

وَاَلَّذِي يَشْمَلُ الْجَمِيعَ إرَادَةُ الْخَيْرِ وَمَوْعِظَتُهُ بِالْحُسْنَى وَالدُّعَاءُ لَهُ بِالْهِدَايَةِ وَتَرْكُ الْإِضْرَارِ لَهُ إلَّا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَحِلُّ لَهُ الْإِضْرَارُ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ. وَاَلَّذِي يَخُصُّ الصَّالِحَ هُوَ جَمِيعُ مَا تَقَدَّمَ وَغَيْرَ الصَّالِحِ كَفُّهُ عَنْ الْأَذَى وَأَمْرُهُ بِالْحُسْنَى عَلَى حَسَبِ مَرَاتِبِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ. وَالْكَافِرُ يُعْرَضُ الْإِسْلَامُ عَلَيْهِ وَالتَّرْغِيبُ فِيهِ بِرِفْقٍ. وَالْفَاسِقُ يَعِظُهُ بِمَا يُنَاسِبُهُ بِالرِّفْقِ وَيَسْتُرُ عَلَيْهِ زَلَلَهُ وَيَنْهَاهُ بِالرِّفْقِ فَإِنْ نَفَعَ وَإِلَّا هَجَرَهُ قَاصِدًا تَأْدِيبَهُ بِذَلِكَ مَعَ إعْلَامِهِ بِالسَّبَبِ لِيَكُفَّ. وَيُقَدِّمُ عِنْدَ التَّعَارُضِ مَنْ كَانَ أَقْرَبَ إلَيْهِ بَابًا كَمَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ «قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ لِي جَارَيْنِ فَإِلَى أَيِّهِمَا أُهْدِي قَالَ: إلَى أَقْرَبِهِمَا بَابًا» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّ الْأَقْرَبَ بَابًا يَرَى مَا يَدْخُلُ بَيْتَ جَارِهِ مِنْ هَدِيَّةٍ وَغَيْرِهَا فَيَتَشَوَّفُ لَهُ بِخِلَافِ الْأَبْعَدِ. وَتَقَدَّمَ أَنَّ حَدَّ الْجَارِ أَرْبَعُونَ دَارًا مِنْ كُلِّ جِهَةٍ وَجَاءَ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه " مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَهُوَ جَارٌ " وَقِيلَ: مَنْ صَلَّى مَعَك صَلَاةَ الصُّبْحِ فِي الْمَسْجِدِ فَهُوَ جَارٌ.

(وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: «سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ قَالَ: أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا هُوَ الشَّبَهُ وَيُقَالُ لَهُ: نِدٌّ وَنَدِيدٌ وَهُوَ خَلَقَك قُلْت ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَك خَشْيَةَ أَنْ يَأْكُلَ مَعَك. قُلْت: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: أَنْ تُزَانِيَ بِحَلِيلَةِ بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ الزَّوْجَةُ جَارِك» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قَالَ تَعَالَى: {فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا} وَقَالَ تَعَالَى: {وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ} وَالْآيَةُ الْأُخْرَى {خَشْيَةَ إِمْلاقٍ} وَقَوْلُهُ أَنْ تُزَانِيَ بِحَلِيلَةِ جَارِك أَيْ بِزَوْجَتِهِ الَّتِي تَحِلُّ لَهُ وَعَبَّرَ بِتُزَانِيَ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ تَزْنِي بِهَا بِرِضَاهَا. وَفِيهِ فَاحِشَةُ الزِّنَى وَإِفْسَادُ الْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا وَاسْتِمَالَةُ قَلْبِهَا إلَى غَيْرِهِ وَكُلُّ ذَلِكَ فَاحِشَةٌ عَظِيمَةٌ

ص: 634

1373 -

وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ‌

‌«مِنْ الْكَبَائِرِ شَتْمُ الرَّجُلِ وَالِدَيْهِ

قِيلَ: وَهَلْ يَسُبُّ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ، فَيَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

1374 -

وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ: يَلْتَقِيَانِ، فَيُعْرِضُ هَذَا، وَيُعْرِضُ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَكَوْنُهَا حَلِيلَةَ الْجَارِ أَعْظَمُ؛ لِأَنَّ الْجَارَ يَتَوَقَّعُ مِنْ جَارِهِ الذَّبَّ عَنْهُ وَعَنْ حَرِيمِهِ وَيَأْمَنُ بَوَائِقَهُ وَيَرْكَنُ إلَيْهِ وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِرِعَايَةِ حَقِّهِ وَالْإِحْسَانِ إلَيْهِ فَإِذَا قَابَلَ هَذَا بِالزِّنَى بِامْرَأَتِهِ وَإِفْسَادِهَا عَلَيْهِ مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْهَا عَلَى وَجْهٍ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْهُ غَيْرُهُ كَانَ غَايَةً فِي الْقُبْحِ. وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ أَعْظَمَ الْمَعَاصِي الشِّرْكُ ثُمَّ الْقَتْلُ بِغَيْرِ حَقٍّ وَعَلَيْهِ نَصَّ الشَّافِعِيُّ ثُمَّ تَخْتَلِفُ الْكَبَائِرُ بِاخْتِلَافِ مَفَاسِدِهَا النَّاشِئَةِ عَنْهَا.

(وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مِنْ الْكَبَائِرِ شَتْمُ الرَّجُلِ وَالِدَيْهِ قِيلَ: وَهَلْ يَسُبُّ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قَوْلُهُ: شَتْمُ الرَّجُلِ وَالِدَيْهِ أَيْ يَتَسَبَّبُ إلَى شَتْمِهِمَا فَهُوَ مِنْ الْمَجَازِ الْمُرْسَلِ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ الْمُسَبَّبَ فِي السَّبَبِ وَقَدْ بَيَّنَهُ صلى الله عليه وسلم بِجَوَابِهِ عَمَّنْ سَأَلَهُ بِقَوْلِهِ (نَعَمْ) وَفِيهِ تَحْرِيمُ التَّسَبُّبِ إلَى أَذِيَّةِ الْوَالِدَيْنِ وَشَتْمِهِمَا وَيَأْثَمُ الْغَيْرُ بِسَبِّهِ لَهُمَا قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: هَذَا الْحَدِيثُ أَصْلٌ فِي سَدِّ الذَّرَائِعِ. وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ إنْ آلَ أَمْرُهُ إلَى مُحَرَّمٍ حَرُمَ عَلَيْهِ الْفِعْلُ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ الْمُحَرَّمَ، وَعَلَيْهِ دَلَّ قَوْله تَعَالَى:{وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ الْمَاوَرْدِيُّ تَحْرِيمَ بَيْعِ الثَّوْبِ الْحَرِيرِ إلَى مَنْ يَتَحَقَّقُ مِنْهُ لُبْسُهُ وَالْغُلَامِ الْأَمْرَدِ إلَى مَنْ يَتَحَقَّقُ مِنْهُ فِعْلُ الْفَاحِشَةِ وَالْعَصِيرِ لِمَنْ يَتَّخِذُهُ خَمْرًا. وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يُعْمَلُ بِالْغَالِبِ؛ لِأَنَّ الَّذِي يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ قَدْ لَا يُجَازِيهِ بِالسَّبِّ لَكِنَّ الْغَالِبَ هُوَ الْمُجَازَاةُ.

(وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ

ص: 635

1375 -

وَعَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ

أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) نَفْيُ الْحِلِّ دَالٌّ عَلَى التَّحْرِيمِ فَيَحْرُمُ هِجْرَانُ الْمُسْلِمِ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ. وَدَلَّ مَفْهُومُهُ عَلَى جَوَازِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. وَحِكْمَةُ جَوَازِ ذَلِكَ هَذِهِ الْمُدَّةَ أَنَّ الْإِنْسَانَ مَجْبُولٌ عَلَى الْغَضَبِ وَسُوءِ الْخُلُقِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَعُفِيَ لَهُ هَجْرُ أَخِيهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لِيَذْهَبَ ذَلِكَ الْعَارِضُ تَخْفِيفًا عَلَى الْإِنْسَانِ وَدَفْعًا لِلْإِضْرَارِ بِهِ فَفِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ يَسْكُنُ غَضَبُهُ وَفِي الثَّانِي يُرَاجِعُ نَفْسَهُ وَفِي الثَّالِثِ يَعْتَذِرُ وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ كَانَ قَطْعًا لِحُقُوقِ الْأُخُوَّةِ وَقَدْ فَسَّرَ مَعْنَى الْهَجْرِ بِقَوْلِهِ (يَلْتَقِيَانِ - إلَى آخِرِهِ) وَهُوَ الْغَالِبُ مِنْ حَالِ الْمُتَهَاجِرَيْنِ عِنْدَ اللِّقَاءِ. وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى زَوَالِ الْهَجْرِ لَهُ بِرَدِّ السَّلَامِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِمَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ عَمِّ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ مَوْقُوفٍ: وَفِيهِ " وَرُجُوعُهُ أَنْ يَأْتِيَ فَيُسَلِّمَ عَلَيْهِ " قَالَ أَحْمَدُ وَابْنُ الْقَاسِمِ إنْ كَانَ يُؤْذِيهِ تَرْكُ الْكَلَامِ، فَلَا يَكْفِيهِ رَدُّ السَّلَامِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى الْحَالِ الَّذِي كَانَ بَيْنَهُمَا، وَقِيلَ يَنْظُرُ إلَى حَالِ الْمَهْجُورِ فَإِنْ كَانَ خِطَابُهُ بِمَا زَادَ عَلَى السَّلَامِ عِنْدَ اللِّقَاءِ بِمَا تَطِيبُ بِهِ نَفْسُهُ وَيُزِيلُ عِلَّةَ الْهَجْرِ كَانَ مِنْ تَمَامِ الْوَصْلِ وَتَرْكِ الْهَجْرِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ كَفَى السَّلَامُ، وَأَمَّا فَوْقَ الْيَوْمِ الثَّالِثِ فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ الْهَجْرُ فَوْقَ ثَلَاثٍ لِمَنْ كَانَتْ مُكَالَمَتُهُ تَجْلِبُ نَقْصًا عَلَى الْمُخَاطَبِ لَهُ فِي دِينِهِ أَوْ مَضَرَّةً تَحْصُلُ عَلَيْهِ فِي نَفْسِهِ أَوْ دُنْيَاهُ فَرُبَّ هَجْرٍ جَمِيلٍ خَيْرٌ مِنْ مُخَالَطَةٍ مُؤْذِيَةٍ وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي هَجْرِ مَنْ يَأْتِي مَا يُلَامُ عَلَيْهِ شَرْعًا وَقَدْ وَقَعَ مِنْ السَّلَفِ التَّهَاجُرُ بَيْنَ جَمَاعَةٍ مِنْ أَعْيَانِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ. وَقَدْ عَدَّ الشَّارِحُ جَمَاعَةً مِنْ أُولَئِكَ يُسْتَنْكَرُ صُدُورُهُ مِنْ أَمْثَالِهِمْ أَقَامُوا عَلَيْهِ وَلَهُمْ أَعْذَارٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَالْحَمْلُ عَلَى السَّلَامَةِ مُتَعَيِّنٌ، وَالْعِبَادُ مَظِنَّةُ الْمُخَالَفَةِ وَأَمَّا قَوْلُ الذَّهَبِيِّ إنَّهُ لَا يُقْبَلُ جَرْحُ الْأَقْرَانِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سِيَّمَا السَّلَفُ قَالَ: وَحَدُّهُمْ رَأْسُ ثَلَاثِمِائَةٍ مِنْ الْهِجْرَةِ فَقَدْ بَيَّنَّا اخْتِلَالَ مَا قَالَ فِي ثَمَرَاتِ النَّظَرِ فِي عِلْمِ الْأَثَرِ وَقَدْ نَقَلَ فِي الشَّرْحِ قَضَايَا كَثِيرَةً لَا يَحْسُنُ ذِكْرُهَا إذْ طَيُّ مَا لَا يَحْسُنُ ذِكْرُهُ لَا يَحْسُنُ نَشْرُهُ. .

(وَعَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ) الْمَعْرُوفُ ضِدُّ الْمُنْكَرِ قَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ يُطْلَقُ اسْمُ الْمَعْرُوفِ عَنْ مَا عُرِفَ بِأَدِلَّةِ الشَّرْعِ أَنَّهُ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ سَوَاءٌ جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ أَمْ لَا فَإِنْ قَارَنَتْهُ النِّيَّةُ أُجِرَ صَاحِبُهُ جَزْمًا وَإِلَّا فَفِيهِ احْتِمَالٌ وَالصَّدَقَةُ هِيَ مَا يُعْطِيهِ الْمُتَصَدِّقُ لِلَّهِ تَعَالَى فَيَشْمَلُ الْوَاجِبَةَ وَالْمَنْدُوبَةَ

ص: 636

1376 -

وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا تَحْقِرَنَّ مِنْ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا، وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاك بِوَجْهٍ طَلْقٍ» .

1377 -

وَعَنْهُ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إذَا طَبَخْت مَرَقَةً فَأَكْثِرْ مَاءَهَا وَتَعَاهَدْ جِيرَانَك» أَخْرَجَهُمَا مُسْلِمٌ.

1378 -

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاَللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ

وَالْإِخْبَارُ عَنْهُ بِأَنَّهُ صَدَقَةٌ مِنْ بَابِ التَّشْبِيهِ الْبَلِيغِ، وَهُوَ إخْبَارٌ بِأَنَّ لَهُ حُكْمُ الصَّدَقَةِ فِي الثَّوَابِ، وَأَنَّهُ لَا يَحْتَقِرُ الْفَاعِلُ شَيْئًا مِنْ الْمَعْرُوفِ وَلَا يَبْخَلُ بِهِ، وَفِي الْحَدِيثِ «إنَّ كُلَّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ وَكُلَّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ» وَقَالَ «فِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ، وَالْإِمْسَاكُ عَنْ الشَّرِّ صَدَقَةٌ» وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَلَفْظُ كُلِّ مَعْرُوفٍ عَامٌّ. وَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ «تَبَسُّمُك فِي وَجْهِ أَخِيك صَدَقَةٌ لَك، وَأَمْرُك بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيُك عَنْ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ لَك، وَإِرْشَادُك الرَّجُلَ فِي أَرْضِ الضَّلَالَةِ صَدَقَةٌ لَك، وَإِمَاطَتُك الْحَجَرَ وَالشَّوْكَ وَالْعَظْمَ عَنْ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ لَك، وَإِفْرَاغُك مِنْ دَلْوِك إلَى دَلْوِ أَخِيك صَدَقَةٌ» وَأَخْرَجَهُ ابْن حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ. وَفِي الْأَحَادِيثِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَنْحَصِرُ فِيمَا هُوَ أَصْلُهَا، وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ الْإِنْسَانُ مِنْ مَالِهِ مُتَطَوِّعًا فَلَا تَخْتَصُّ بِأَهْلِ الْيَسَارِ بَلْ كُلُّ أَحَدٍ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَفْعَلَهَا فِي أَكْثَرِ الْأَحْوَالِ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ، فَإِنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَفْعَلُهُ الْإِنْسَانُ أَوْ يَقُولُهُ مِنْ الْخَيْرِ يُكْتَبُ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ.

(وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا تَحْقِرَنَّ مِنْ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاك بِوَجْهٍ طَلْقٍ» بِإِسْكَانِ اللَّامِ وَيُقَالُ طَلِيقٌ وَالْمُرَادُ سَهْلٌ مُنْبَسِطٌ.

(وَعَنْهُ) أَيْ أَبِي ذَرٍّ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إذَا طَبَخْت مَرَقَةً فَأَكْثِرْ مَاءَهَا وَتَعَاهَدْ جِيرَانَك». أَخْرَجَهُمَا مُسْلِمٌ) فِيهِمَا الْحَثُّ عَلَى فِعْلِ الْمَعْرُوفِ وَلَوْ بِطَلَاقَةِ الْوَجْهِ وَالْبِشْرِ وَالِابْتِسَامِ فِي وَجْهِ مَنْ يُلَاقِيهِ مِنْ إخْوَانِهِ. وَفِيهِ الْوَصِيَّةُ بِحَقِّ الْجَارِ وَتَعَاهُدُهُ وَلَوْ بِمَرَقَةٍ تُهْدِيهَا إلَيْهِ.

ص: 637

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: مَنْ نَفَّسَ) لَفْظُ مُسْلِمٍ «مَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» هَذَا لَيْسَ فِي مُسْلِمٍ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ وَقَدْ أَخْرَجَهُ غَيْرُهُ «وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَ‌

‌اَللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ»

أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ).

الْحَدِيثُ فِيهِ مَسَائِلُ (الْأُولَى) فَضِيلَةُ مَنْ فَرَّجَ عَنْ الْمُسْلِمِ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا وَتَفْرِيجُهَا إمَّا بِإِعْطَائِهِ مِنْ مَالِهِ إنْ كَانَتْ كُرْبَتُهُ مِنْ حَاجَةٍ أَوْ بَذْلِ جَاهِهِ فِي طَلَبِهِ لَهُ مِنْ غَيْرِهِ أَوْ قَرْضِهِ، وَإِنْ كَانَتْ كُرْبَتُهُ مِنْ ظُلْمِ ظَالِمٍ لَهُ فَرَّجَهَا بِالسَّعْيِ فِي رَفْعِهَا عَنْهُ أَوْ تَخْفِيفِهَا وَإِنْ كَانَتْ كُرْبَةَ مَرَضٍ أَصَابَهُ أَعَانَهُ عَلَى الدَّوَاءِ إنْ كَانَ لَدَيْهِ أَوْ طَبِيبٍ يَنْفَعُهُ، وَبِالْجُمْلَةِ تَفْرِيجُ الْكُرَبِ بَابٌ وَاسِعٌ فَإِنَّهُ يَشْمَلُ إزَالَةَ كُلِّ مَا يَنْزِلُ بِالْعَبْدِ أَوْ تَخْفِيفَهُ.

(الثَّانِيَةُ) التَّيْسِيرُ عَلَى الْمُعْسِرِ هُوَ أَيْضًا مِنْ تَفْرِيجِ الْكُرَبِ وَإِنَّمَا خَصَّهُ؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ وَهُوَ إنْظَارُهُ لِغَرِيمِهِ فِي الدَّيْنِ أَوْ إبْرَاؤُهُ لَهُ مِنْهُ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ، فَإِنَّ اللَّهَ يُيَسِّرُ لَهُ عَلَيْهِ أُمُورَهُ وَيُسَهِّلُهَا لَهُ لِتَسْهِيلِهِ لِأَخِيهِ فِيمَا عِنْدَهُ لَهُ. وَالتَّيْسِيرُ لِأُمُورِ الْآخِرَةِ بِأَنْ يُهَوِّنَ عَلَيْهِ الْمَشَاقَّ فِيهَا وَيُرَجِّحَ وَزْنَ الْحَسَنَاتِ وَيُلْقِيَ فِي قُلُوبِ مَنْ لَهُمْ عِنْدَهُ حَقٌّ يَجِبُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْهُ فِي الْآخِرَةِ الْمُسَامَحَةَ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ مَنْ عَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ عُسِّرَ عَلَيْهِ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ عَلَى مَنْ عَسَّرَ عَلَى مُوسِرٍ؛ لِأَنَّ مَطْلَهُ ظُلْمٌ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ.

(وَالثَّالِثَةُ) مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا اطَّلَعَ مِنْهُ عَلَى مَا لَا يَنْبَغِي إظْهَارُهُ مِنْ الزَّلَّاتِ وَالْعَثَرَاتِ فَإِنَّهُ مَأْجُورٌ بِمَا ذَكَرَهُ مِنْ سَتْرِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَيَسْتُرُهُ فِي الدُّنْيَا بِأَنْ لَا يَأْتِيَ زَلَّةً يَكْرَهُ اطِّلَاعَ غَيْرِهِ عَلَيْهَا، وَإِنْ أَتَاهَا لَمْ يُطْلِعْ اللَّهُ عَلَيْهَا أَحَدًا، وَسَتَرَهُ فِي الْآخِرَةِ بِالْمَغْفِرَةِ لِذُنُوبِهِ وَعَدَمِ إظْهَارِ قَبَائِحِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَقَدْ «حَثَّ صلى الله عليه وآله وسلم عَلَى السَّتْرِ لِلْمُسْلِمِ فَقَالَ: فِي حَقِّ مَاعِزٍ هَلَّا سَتَرْت عَلَيْهِ بِرِدَائِك يَا هُزَالُ» وَقَالَ الْعُلَمَاءُ: وَهَذَا السَّتْرُ مَنْدُوبٌ لَا وَاجِبٌ فَلَوْ رَفَعَهُ إلَى السُّلْطَانِ كَانَ جَائِزًا لَهُ وَلَا يَأْثَمُ بِهِ. قُلْت: وَدَلِيلُهُ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَلُمْ هُزَالًا وَلَا أَبَانَ لَهُ أَنَّهُ آثِمٌ بَلْ حَرَّضَهُ عَلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ سَتْرُهُ فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ تَابَ وَأَقْلَعَ حَرُمَ عَلَيْهِ ذِكْرُ مَا وَقَعَ مِنْهُ وَوَجَبَ عَلَيْهِ سَتْرُهُ وَهُوَ فِي حَقِّ مَنْ لَا يُعْرَفُ بِالْفَسَادِ وَالتَّمَادِي فِي الطُّغْيَانِ، وَأَمَّا مَنْ عُرِفَ بِذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ السَّتْرُ عَلَيْهِ بَلْ يُرْفَعُ أَمْرُهُ إلَى مَنْ لَهُ الْوِلَايَةُ إذَا لَمْ يَخَفْ مِنْ ذَلِكَ مَفْسَدَةً، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ السَّتْرَ عَلَيْهِ يُغْرِيهِ عَلَى الْفَسَادِ وَيُجَرِّئُهُ عَلَى أَذِيَّةِ الْعِبَادِ وَيُجَرِّئُ غَيْرَهُ مِنْ أَهْلِ الشَّرِّ وَالْعِنَادِ وَهَذَا بَعْدَ انْقِضَاءِ فِعْلِ الْمَعْصِيَةِ فَأَمَّا إذَا رَآهُ، وَهُوَ فِيهَا فَالْوَاجِبُ الْمُبَادَرَةُ لِإِنْكَارِهَا وَالْمَنْعُ مِنْهَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى ذَلِكَ وَلَا يَحِلُّ تَأْخِيرُهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ إنْكَارِ الْمُنْكَرِ لَا يَحِلُّ تَرْكُهُ مَعَ الْإِمْكَانِ وَأَمَّا إذَا رَآهُ يَسْرِقُ مَالَ زَيْدٍ فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ إخْبَارُ زَيْدٍ بِذَلِكَ أَوْ سَتْرُ السَّارِقِ؟ الظَّاهِرُ

ص: 638

1379 -

وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.

1380 -

وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ اسْتَعَاذَكُمْ بِاَللَّهِ

أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ إخْبَارُ زَيْدٍ وَإِلَّا كَانَ مُعِينًا لِلسَّارِقِ بِالْكَتْمِ مِنْهُ عَلَى الْإِثْمِ وَاَللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: {وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} وَأَمَّا جَرْحُ الشُّهُودِ وَالرُّوَاةِ وَالْأُمَنَاءِ عَلَى الْأَوْقَافِ وَالصَّدَقَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مِنْ بَابِ نَصِيحَةِ الْمُسْلِمِينَ الْوَاجِبَةِ عَلَى كُلِّ مَنْ اطَّلَعَ عَلَيْهَا وَلَيْسَ مِنْ الْغِيبَةِ الْمُحَرَّمَةِ بَلْ مِنْ النَّصِيحَةِ الْوَاجِبَةِ وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ (الرَّابِعَةُ) الْإِخْبَارُ بِأَنَّ «اللَّهَ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ» فَإِنَّهُ دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى يَتَوَلَّى إعَانَةَ مَنْ أَعَانَ أَخَاهُ وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَتَوَلَّى عَوْنَهُ فِي حَاجَةِ الْعَبْدِ الَّتِي يَسْعَى فِيهَا، وَفِي حَوَائِجِ نَفْسِهِ فَيَنَالُ مِنْ عَوْنِ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُنْ يَنَالُهُ بِغَيْرِ إعَانَتِهِ، وَإِنْ كَانَ تَعَالَى هُوَ الْمُعِينُ لِعَبْدِهِ فِي كُلِّ أُمُورِهِ لَكِنْ إذَا كَانَ فِي عَوْنِ أَخِيهِ زَادَتْ إعَانَةُ اللَّهِ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يَشْتَغِلَ بِقَضَاءِ حَوَائِجِ أَخِيهِ فَيُقَدِّمُهَا عَلَى حَاجَةِ نَفْسِهِ لِيَنَالَ مِنْ اللَّهِ كَمَالَ الْإِعَانَةِ فِي حَاجَاتِهِ وَهَذِهِ الْجُمَلُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْحَدِيثِ دَلَّتْ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى يُجَازِي الْعَبْدَ مِنْ جِنْسِ فِعْلِهِ فَمَنْ سَتَرَ سُتِرَ عَلَيْهِ وَمَنْ يَسَّرَ يُسِّرَ عَلَيْهِ وَمَنْ أَعَانَ أُعِينَ. ثُمَّ إنَّهُ تَعَالَى بِفَضْلِهِ وَكَرْمِهِ جَعَلَ الْجَزَاءَ فِي الدَّارَيْنِ فِي حَقِّ الْمُيَسِّرِ عَلَى الْمُعْسِرِ وَالسَّاتِرِ لِلْمُسْلِمِ وَجَعَلَ تَفْرِيجَ الْكُرْبَةِ يُجَازَى بِهِ فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُ لِعَظَائِمِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَخَّرَ عز وجل جَزَاءَ تَفْرِيجِ الْكُرْبَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُفَرِّجَ عَنْهُ فِي الدُّنْيَا أَيْضًا لَكِنَّهُ طُوِيَ فِي الْحَدِيثِ وَذُكِرَ مَا هُوَ أَهَمُّ.

(وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ) دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ الدَّلَالَةَ عَلَى الْخَيْرِ يُؤْجَرُ بِهَا الدَّالُّ عَلَيْهِ كَأَجْرِ فَاعِلِ الْخَيْرِ، وَهُوَ مِثْلُ حَدِيثِ «مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فِي الْإِسْلَامِ كَانَ لَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا» وَالدَّلَالَةُ تَكُونُ بِالْإِشَارَةِ عَلَى الْغَيْرِ بِفِعْلِ الْخَيْرِ، وَعَلَى إرْشَادِ مُلْتَمِسِ الْخَيْرِ عَلَى أَنَّهُ يَطْلُبُهُ مِنْ فُلَانٍ وَالْوَعْظِ وَالتَّذْكِيرِ وَتَأْلِيفِ الْعُلُومِ النَّافِعَةِ. وَلَفْظُ خَيْرٍ يَشْمَلُ الدَّلَالَةَ عَلَى خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلِلَّهِ دَرُّ الْكَلَامِ النَّبَوِيِّ مَا أَشْمَلَ مَعَانِيَهُ وَأَوْضَحَ مَبَانِيَهُ وَدَلَالَتَهُ عَلَى خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.

ص: 639

فَأَعِيذُوهُ، وَمَنْ سَأَلَكُمْ بِاَللَّهِ فَأَعْطُوهُ، وَمَنْ أَتَى إلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَادْعُوا لَهُ» أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ.

(وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ اسْتَعَاذَكُمْ بِاَللَّهِ فَأَعِيذُوهُ وَمَنْ سَأَلَكُمْ بِاَللَّهِ فَأَعْطُوهُ وَمَنْ أَتَى إلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَادْعُوا لَهُ» أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ) وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ وَفِيهِ زِيَادَةُ «وَمَنْ اسْتَجَارَ بِاَللَّهِ فَأَجِيرُوهُ وَمَنْ أَتَى إلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَعْلَمُوا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ وَفِي رِوَايَةٍ فَإِنْ عَجَزْتُمْ عَنْ مُكَافَأَتِهِ فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَعْلَمُوا أَنْ قَدْ شَكَرْتُمْ فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الشَّاكِرِينَ» وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ «مَنْ أَعْطَى عَطِيَّةً فَوَجَدَ فَلْيَجْزِ بِهَا فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيُثْنِ فَإِنَّ مَنْ أَثْنَى فَقَدْ شَكَرَ، وَمَنْ كَتَمَ فَقَدْ كَفَرَ، وَمَنْ تَحَلَّى بِبَاطِلٍ فَهُوَ كَلَابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ» وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ مَنْ اسْتَعَاذَ بِاَللَّهِ عَنْ أَيِّ أَمْرٍ طُلِبَ مِنْهُ غَيْرِ وَاجِبٍ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يُعَاذُ وَيَتْرُكُ مَا طُلِبَ مِنْهُ أَنْ يَفْعَلَ، وَأَنَّهُ يَجِبُ إعْطَاءُ مَنْ سَأَلَ بِاَللَّهِ وَإِنْ كَانَ قَدْ وَرَدَ أَنَّهُ لَا يُسْأَلُ بِاَللَّهِ إلَّا الْجَنَّةُ فَمَنْ سَأَلَ مِنْ الْمَخْلُوقِينَ بِاَللَّهِ شَيْئًا وَجَبَ إعْطَاؤُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَنْهِيًّا عَنْ إعْطَائِهِ وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ إلَّا شَيْخَهُ - وَهُوَ ثِقَةٌ عَلَى كَلَامٍ فِيهِ - مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:«مَلْعُونٌ مَنْ سَأَلَ بِوَجْهِ اللَّهِ. وَمَلْعُونٌ مَنْ سُئِلَ بِوَجْهِ اللَّهِ ثُمَّ مَنَعَ سَائِلَهُ مَا لَمْ يُسْأَلْ هُجْرًا» بِضَمِّ الْهَاءِ وَسُكُونِ الْجِيمِ أَيْ أَمْرًا قَبِيحًا لَا يَلِيقُ وَيَحْتَمِلُ مَا لَمْ يَسْأَلْ سُؤَالًا قَبِيحًا أَيْ بِكَلَامٍ يَقْبُحُ وَلَكِنَّ الْعُلَمَاءَ حَمَلُوا هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى الْكَرَاهَةِ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ يُرَادُ بِهِ الْمُضْطَرُّ، وَيَكُونُ ذِكْرُهُ هُنَا أَنَّ مَنْعَهُ مَعَ سُؤَالِهِ بِاَللَّهِ أَقْبَحُ وَأَفْظَعُ وَيُحْمَلُ لَعْنُ السَّائِلِ عَلَى مَا إذَا أَلَحَّ فِي الْمَسْأَلَةِ حَتَّى أَضْجَرَ الْمَسْئُولَ وَدَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى وُجُوبِ الْمُكَافَأَةِ لِلْمُحْسِنِ إلَّا إذَا لَمْ يَجِدْ فَإِنَّهُ يُكَافِئُهُ بِالدُّعَاءِ وَأَجْزَأَهُ إنْ عَلِمَ أَنَّهُ قَدْ طَابَتْ نَفْسُهُ أَوْ لَمْ تَطِبْ بِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ.

‌بَابُ الزُّهْدِ وَالْوَرَعِ

الزُّهْدُ هُوَ قِلَّةُ الرَّغْبَةِ فِي الشَّيْءِ وَإِنْ شِئْت قُلْت قِلَّةُ الرَّغْبَةِ عَنْهُ، وَفِي اصْطِلَاحِ أَهْلِ الْحَقِيقَةِ بُغْضُ الدُّنْيَا وَالْإِعْرَاضُ عَنْهَا، وَقِيلَ تَرْكُ رَاحَةِ الدُّنْيَا لِرَاحَةِ الْآخِرَةِ، وَقِيلَ أَنْ يَخْلُوَ قَلْبُك مِمَّا خَلَتْ مِنْهُ يَدُك. وَقِيلَ: بَذْلُك مَا تَمْلِكُ وَلَا تُؤْثِرُ مَا تُدْرِكُ. وَقِيلَ تَرْكُ الْأَسَفِ عَلَى مَعْدُومٍ، وَنَفْيُ الْفَرَحِ بِمَعْلُومٍ قَالَهُ الْمُنَاوِيُّ فِي تَعْرِيفَاتِهِ وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا «الزَّهَادَةُ فِي الدُّنْيَا لَيْسَتْ بِتَحْرِيمِ الْحَلَالِ وَلَا إضَاعَةِ الْمَالِ،

ص: 640

1381 -

عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رضي الله عنهما قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ - وَأَهْوَى النُّعْمَانُ بِأُصْبُعَيْهِ إلَى أُذُنَيْهِ - «إنَّ‌

‌ الْحَلَالَ بَيِّنٌ، وَالْحَرَامَ بَيِّنٌ،

وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ، لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ، فَمَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدْ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ: كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ، أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إذَا صَلُحَتْ صَلُحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ

وَلَكِنَّ الزَّهَادَةَ فِي الدُّنْيَا أَنْ تَكُونَ بِمَا فِي يَدَيْ اللَّهِ أَوْثَقَ مِنْك بِمَا فِي يَدَيْك وَأَنْ تَكُونَ فِي ثَوَابِ الْمُصِيبَةِ إذَا أَنْتَ أُصِبْت بِهَا أَرْغَبَ مِنْك فِيهَا لَوْ أَنَّهَا بَقِيَتْ لَك» انْتَهَى. فَهَذَا التَّفْسِيرُ النَّبَوِيُّ يُقَدَّمُ عَلَى كُلِّ تَفْسِيرٍ. وَالْوَرَعُ تَجَنُّبُ الشُّبُهَاتِ خَوْفَ الْوُقُوعِ فِي مُحَرَّمٍ وَقِيلَ: تَرْكُ مَا يَرِيبُك، وَنَفْيُ مَا يَعِيبُك، وَقِيلَ: الْأَخْذُ بِالْأَوْثَقِ وَحَمْلُ النَّفْسِ عَلَى الْأَشَقِّ وَقِيلَ النَّظَرُ فِي الْمَطْعَمِ وَاللِّبَاسِ، وَتَرْكُ مَا بِهِ بَأْسٌ، وَقِيلَ: تَجَنُّبُ الشُّبُهَاتِ، وَمُرَاقَبَةُ الْخَطَرَاتِ.

(عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رضي الله عنهما قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ - وَأَهْوَى النُّعْمَانُ بِأُصْبُعَيْهِ إلَى أُذُنَيْهِ «إنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ وَالْحَرَامَ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ» وَيُرْوَى مُشَبَّهَاتٌ بِضَمِّ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ وَمُشْبَهَاتٌ بِضَمِّهَا أَيْضًا وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ «لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ فَمَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدْ اسْتَبْرَأَ» بِالْهَمْزَةِ مِنْ الْبَرَاءَةِ أَيْ حَصَلَ لَهُ الْبَرَاءُ مِنْ الذَّمِّ الشَّرْعِيِّ وَصَانَ عِرْضَهُ مِنْ ذَمِّ النَّاسِ (لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، «وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ» أَيْ يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ وَإِنَّمَا حَذَفَهُ لِدَلَالَةِ مَا بَعْدَهُ عَلَيْهِ إذْ لَوْ كَانَ الْوُقُوعُ فِي الشُّبُهَاتِ وُقُوعًا فِي الْحَرَامِ لَكَانَتْ مَنْ قِسْمِ الْحَرَامِ الْبَيِّنِ.

وَقَدْ جَعَلَهَا قِسْمًا بِرَأْسِهِ وَكَمَا يَدُلُّ لَهُ التَّشْبِيهُ بِقَوْلِهِ: «كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إذَا صَلُحَتْ صَلُحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أَجْمَعَ الْأَئِمَّةُ عَلَى عِظَمِ شَأْنِ هَذَا الْحَدِيثِ وَأَنَّهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ الَّتِي تَدُورُ عَلَيْهَا قَوَاعِدُ الْإِسْلَامِ قَالَ جَمَاعَةٌ: هُوَ ثُلُثُ الْإِسْلَامِ فَإِنَّ دَوَرَانَهُ عَلَيْهِ وَعَلَى حَدِيثِ «الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» وَعَلَى حَدِيثِ «مِنْ حُسْنِ إسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» وَقَالَ أَبُو دَاوُد إنَّهُ يَدُورُ عَلَى أَرْبَعَةٍ. هَذِهِ وَرَابِعُهَا حَدِيثُ «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» وَقِيلَ حَدِيثُ «ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبَّك

ص: 641

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

اللَّهُ وَازْهَدْ فِيمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ يُحِبَّك النَّاسُ» قَوْلُهُ: «الْحَلَالُ بَيِّنٌ» أَيْ قَدْ بَيَّنَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ إمَّا بِإِعْلَامٍ بِأَنَّهُ حَلَالٌ نَحْوُ {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ} الْآيَةَ وقَوْله تَعَالَى: {فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالا طَيِّبًا} أَوْ سَكَتَ عَنْهُ تَعَالَى وَلَمْ يُحَرِّمْهُ.

فَالْأَصْلُ حِلُّهُ أَوْ بِمَا أَخْبَرَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِأَنَّهُ حَلَالٌ أَوْ امْتَنَّ اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِهِ فَإِنَّهُ لَازِمٌ حِلُّهُ وَقَوْلُهُ: «وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ» أَيْ بَيَّنَهُ اللَّهُ لَنَا فِي كِتَابِهِ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم نَحْوَ {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} أَوْ بِالنَّهْيِ عَنْهُ {لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} وَالْإِخْبَارُ عَنْ الْحَلَالِ بِأَنَّهُ بَيِّنٌ إعْلَامٌ بِحِلِّ الِانْتِفَاعِ بِهِ فِي وُجُوهِ النَّفْعِ كَمَا أَنَّ الْإِخْبَارَ بِأَنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ إعْلَامٌ بِاجْتِنَابِهِ وَقَوْلُهُ «وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ» الْمُرَادُ بِهَا الَّتِي لَمْ يُعْرَفْ حِلُّهَا وَلَا حُرْمَتُهَا فَصَارَتْ مُتَرَدِّدَةً بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ عِنْدَ الْكَثِيرِ مِنْ النَّاسِ وَهُمْ الْجُهَّالُ فَلَا يَعْرِفُهَا إلَّا الْعُلَمَاءُ بِنَصٍّ فَمَا لَمْ يُوجَدْ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ اجْتَهَدَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ وَأَلْحَقُوهُ بِأَيِّهِمَا بِقِيَاسٍ أَوْ اسْتِصْحَابٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فَإِنْ خَفِيَ دَلِيلُهُ فَالْوَرَعُ تَرْكُهُ وَيَدْخُلُ تَحْتَ «فَمَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدْ اسْتَبْرَأَ» أَيْ أَخَذَ بِالْبَرَاءَةِ (لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ) فَإِذَا لَمْ يَظْهَرْ فِيهِ لِلْعَالِمِ دَلِيلُ تَحْرِيمِهِ وَلَا حِلِّهِ فَإِنَّهُ يَدْخُلُ فِي حُكْمِ الْأَشْيَاءِ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ، فَمَنْ لَا يُثْبِتُ لِلْعَقْلِ حُكْمًا يَقُولُ لَا حُكْمَ فِيهَا بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْأَحْكَامَ شَرْعِيَّةٌ وَالْفَرْضُ أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ فِيهَا حُكْمٌ شَرْعِيٌّ وَلَا حُكْمٌ لِلْعَقْلِ.

وَالْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْعَقْلَ حَاكِمٌ لَهُمْ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ التَّحْرِيمُ وَالْإِبَاحَةُ وَالْوَقْفُ. وَإِنَّمَا اُخْتُلِفَ فِي الْمُتَشَابِهَاتِ هَلْ هِيَ مِمَّا اشْتَبَهَ تَحْرِيمُهُ أَوْ مَا اشْتَبَهَ بِالْحَرَامِ الَّذِي قَدْ صَحَّ تَحْرِيمُهُ رَجَّحَ الْمُحَقِّقُونَ الْأَخِيرَ وَمَثَّلُوا ذَلِكَ بِمَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ «عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ الصَّحَابِيِّ الَّذِي أَخْبَرَتْهُ أَمَةٌ سَوْدَاءُ بِأَنَّهَا أَرْضَعَتْهُ وَزَوْجَتَهُ فَسَأَلَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ صلى الله عليه وسلم كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ» فَقَدْ صَحَّ تَحْرِيمُ الْأُخْتِ مِنْ الرَّضَاعَةِ شَرْعًا قَطْعًا وَقَدْ الْتَبَسَتْ عَلَيْهِ زَوْجَتُهُ بِهَذَا الْحَرَامِ الْمَعْلُومِ وَمِثْلُهُ «التَّمْرَةُ الَّتِي وَجَدَهَا صلى الله عليه وسلم فِي الطَّرِيقِ فَقَالَ لَوْلَا أَنِّي أَخَافُ أَنَّهَا مِنْ الزَّكَاةِ أَوْ مِنْ الصَّدَقَةِ لَأَكَلْتُهَا» فَقَدْ صَحَّ تَحْرِيمُ الصَّدَقَةِ عَلَيْهِ ثُمَّ الْتَبَسَتْ هَذِهِ التَّمْرَةُ بِالْحَرَامِ الْمَعْلُومِ. وَأَمَّا مَا الْتَبَسَ هَلْ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَيْنَا أَمْ لَا فَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّهُ حَلَالٌ مِنْهَا حَدِيثُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ «إنَّ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ إثْمًا فِي الْمُسْلِمِينَ مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ» فَإِنَّهُ يُفِيدُ أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ سُؤَالِهِ حَلَالًا وَلَمَّا اشْتَبَهَ عَلَيْهِ سَأَلَ عَنْهُ فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ.

وَمِنْهَا حَدِيثُ «مَا سَكَتَ اللَّهُ عَنْهُ فَهُوَ مِمَّا عُفِيَ عَنْهُ» لَهُ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ وَيَدُلُّ لَهُ قَوْله تَعَالَى: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ} فَكُلُّ مَا كَانَ طَيِّبًا وَلَمْ يَثْبُتْ تَحْرِيمُهُ فَهُوَ حَلَالٌ وَإِنْ اشْتَبَهَ عَلَيْنَا تَحْرِيمُهُ وَالْمُرَادُ بِالطَّيِّبِ هُوَ مَا أَحَلَّهُ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَوْ سَكَتَ عَنْهُ، وَالْخَبِيثُ مَا حَرَّمَهُ وَإِنْ عَدَّتْهُ النُّفُوسُ طَيِّبًا كَالْخَمْرِ فَإِنَّهُ أَحَدُ الْأَطْيَبَيْنِ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ فِي

ص: 642

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الْجَاهِلِيَّةِ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: إنَّ الْحَلَالَ الْكَسْبُ الطَّيِّبُ وَهُوَ الْحَلَالُ الْمَحْضُ وَإِنَّ الْمُتَشَابِهَ عِنْدَنَا فِي حَيِّزِ الْحَلَالِ بِدَلَائِلَ ذَكَرْنَاهَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ ذَكَرَهُ صَاحِبُ تَنْضِيدِ التَّمْهِيدِ فِي التَّرْغِيبِ فِي الصَّدَقَةِ نَقَلَهُ عَنْهُ السَّيِّدُ مُحَمَّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ.

وَقَدْ حَقَّقْنَا أَنَّهُ مِنْ قِسْمِ الْحَلَالِ الْبَيِّنِ فِي رِسَالَتِنَا الْمُسَمَّاةِ: الْقَوْلُ الْمُبِينُ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ مَا شَكَكْت فِيهِ فَالْأَوْلَى اجْتِنَابُهُ وَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ وَاجِبٍ وَمُسْتَحَبٍّ وَمَكْرُوهٍ، فَالْوَاجِبُ اجْتِنَابُ مَا يَسْتَلْزِمُ الْمُحَرَّمَ، وَالْمَنْدُوبُ اجْتِنَابُ مُعَامَلَةِ مَنْ غَلَبَ عَلَى مَالِهِ الْحَرَامُ وَالْمَكْرُوهُ اجْتِنَابُ الرُّخْصَةِ الْمَشْرُوعَةِ ا. هـ.

قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَقَدْ يُنَازَعُ فِي الْمَنْدُوبِ فَإِنَّهُ إذَا كَانَ الْأَغْلَبُ الْحَرَامَ فَأَوْلَى أَنْ يَكُونَ وَاجِبَ الِاجْتِنَابِ وَهُوَ الَّذِي بَنَى عَلَيْهِ الْهَادَوِيَّةُ فِي مُعَامَلَةِ الظُّلْمِ فِيمَا لَمْ يُظَنَّ تَحْرِيمُهُ؛ لِأَنَّ الَّذِي غَلَبَ عَلَيْهِ الْحَرَامُ يُظَنُّ فِيهِ التَّحْرِيمُ ا. هـ.

وَقَدْ أَوْضَحْنَا هَذَا فِي حَوَاشِي ضَوْءِ النَّهَارِ.

وَقَسَّمَ الْغَزَالِيُّ الْوَرَعَ أَقْسَامًا وَرَعُ الصِّدِّيقِينَ وَهُوَ تَرْكُ مَا لَمْ تَكُنْ فِيهِ بَيِّنَةٌ وَاضِحَةٌ عَلَى حِلِّهِ، وَوَرَعُ الْمُتَّقِينَ وَهُوَ مَا لَا شُبْهَةَ فِيهِ، وَلَكِنْ يَخَافُ أَنْ يَجُرَّ إلَى الْحَرَامِ، وَوَرَعُ الصَّالِحِينَ وَهُوَ تَرْكُ مَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ احْتِمَالٌ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ لِذَلِكَ الِاحْتِمَالِ مَوْقِعٌ وَإِلَّا فَهُوَ وَرَعُ الْمُوَسْوَسِينَ.

قُلْت: وَرَعُ الْمُوَسْوَسِينَ قَدْ بَوَّبَ لَهُ الْبُخَارِيُّ فَقَالَ: (بَابُ مَنْ لَمْ يَرَ الْوَسْوَاسَ فِي الشُّبُهَاتِ) كَمَنْ يَمْتَنِعُ مِنْ أَكْلِ الصَّيْدِ خَشْيَةَ أَنْ يَكُونَ انْفَلَتَ مِنْ إنْسَانٍ وَكَمَنْ تَرَكَ شِرَاءَ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ مَجْهُولٍ لَا يَدْرِي أَمَالُهُ حَرَامٌ أَمْ حَلَالٌ وَلَا عَلَامَةَ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ التَّحْرِيمِ وَكَمَنْ تَرَكَ تَنَاوُلَ شَيْءٍ لِخَبَرٍ وَرَدَ فِيهِ مُتَّفَقٌ عَلَى ضَعْفِهِ وَيَكُونُ دَلِيلُ إبَاحَتِهِ قَوِيًّا وَتَأْوِيلُهُ مُمْتَنِعٌ أَوْ مُسْتَبْعَدٌ وَالْكَلَامُ فِي الْحَدِيثِ مُتَّسِعٌ وَفِي هَذَا كِفَايَةٌ وَقَوْلُهُ «إنَّ لِكُلِّ مَلْكٍ حِمًى» إخْبَارٌ عَمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ مُلُوكُ الْعَرَبِ وَغَيْرُهُمْ فَإِنَّهُ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ حِمًى يَحْمِيهِ مِنْ النَّاسِ وَيَمْنَعُهُمْ عَنْ دُخُولِهِ فَمَنْ دَخَلَهُ أَوْقَعَ بِهِ الْعُقُوبَةَ وَمَنْ أَرَادَ نَجَاةَ نَفْسِهِ مِنْ الْعُقُوبَةِ لَمْ يَقْرَبْهُ خَوْفًا مِنْ الْوُقُوعِ فِيهِ، وَذَكَرَ هَذَا كَضَرْبِ الْمَثَلِ لِلْمُخَاطَبِينَ ثُمَّ أَعْلَمَهُمْ أَنَّ حِمَاهُ تَعَالَى: الَّذِي حَرَّمَهُ عَلَى الْعِبَادِ. وَقَوْلُهُ " وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ إلَخْ " أَيْ مَنْ وَقَعَ فِيهَا فَقَدْ حَامَ حَوْلَ حِمَى الْحَرَامِ فَيَقْرُبُ وَيَسْرُعُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ.

وَفِيهِ إرْشَادٌ إلَى الْبُعْدِ عَنْ ذَرَائِعِ الْحَرَامِ وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُحَرَّمَةٍ فَإِنَّهُ يُخَافُ مِنْ الْوُقُوعِ فِيهَا الْوُقُوعُ فِيهِ فَمَنْ احْتَاطَ لِنَفْسِهِ لَا يَقْرَبُ الشُّبُهَاتِ لِئَلَّا يَدْخُلَ فِي الْمَعَاصِي. ثُمَّ أَخْبَرَ صلى الله عليه وسلم مُنَبِّهًا مُؤَكَّدًا بِأَنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً وَهِيَ الْقِطْعَةُ مِنْ اللَّحْمِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا تُمْضَغُ فِي الْفَمِ لِصِغَرِهَا وَأَنَّهَا مَعَ صِغَرِهَا عَلَيْهَا مَدَارُ صَلَاحِ الْجَسَدِ وَفَسَادِهِ فَإِنْ صَلُحَتْ صَلُحَ وَإِنْ فَسَدَتْ فَسَدَ وَفِي كَلَامِ الْغَزَالِيِّ أَنَّهُ لَا يُرَادُ بِالْقَلْبِ الْمُضْغَةُ إذْ هِيَ مَوْجُودَةٌ لِلْبَهَائِمِ مُدْرَكَةٌ بِحَاسَّةِ الْبَصَرِ بَلْ الْمُرَادُ بِالْقَلْبِ لَطِيفَةٌ رَبَّانِيَّةٌ رُوحَانِيَّةٌ لَهَا بِهَذَا الْقَلْبِ الْجُسْمَانِيِّ تَعَلُّقٌ وَتِلْكَ اللَّطِيفَةُ هِيَ حَقِيقَةُ الْإِنْسَانِ وَهِيَ الْمُدْرِكَةُ

ص: 643

1382 -

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ وَالْقَطِيفَةِ، إنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.

الْعَارِفَةُ مِنْ الْإِنْسَانِ وَهُوَ الْمُخَاطَبُ وَالْمُعَاقَبُ وَالْمُطَالَبُ، وَلِهَذِهِ اللَّطِيفَةِ عَلَاقَةٌ مَعَ الْقَلْبِ الْجُسْمَانِيِّ وَذَكَرَ أَنَّ جَمِيعَ الْحَوَاسِّ وَالْأَعْضَاءِ أَجْنَادٌ مُسَخَّرَةٌ لِلْقَلْبِ وَكَذَلِكَ الْحَوَاسُّ الْبَاطِنَةُ فِي حُكْمِ الْخَدَمِ وَالْأَعْوَانِ وَهُوَ الْمُتَصَرِّفُ فِيهَا وَالْمُتَرَدِّدُ لَهَا وَقَدْ خُلِقَتْ مَجْبُولَةً عَلَى طَاعَةِ الْقَلْبِ لَا تَسْتَطِيعُ لَهُ خِلَافًا وَلَا عَلَيْهِ تَمَرُّدًا فَإِذَا أَمَرَ الْعَيْنَ بِالِانْفِتَاحِ انْفَتَحَتْ وَإِذَا أَمَرَ الرِّجْلَ بِالْحَرَكَةِ تَحَرَّكَتْ وَإِذَا أَمَرَ اللِّسَانَ بِالْكَلَامِ وَجَزَمَ بِهِ تَكَلَّمَ وَكَذَا سَائِرُ الْأَعْضَاءِ وَتَسْخِيرُ الْأَعْضَاءِ وَالْحَوَاسِّ لِلْقَلْبِ يُشْبِهُ مِنْ وَجْهٍ تَسْخِيرَ الْمَلَائِكَةِ لِلَّهِ تَعَالَى فَإِنَّهُمْ جُبِلُوا عَلَى طَاعَتِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُ خِلَافًا وَإِنَّمَا يَفْتَرِقَانِ فِي شَيْءٍ وَهُوَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ عَالِمَةٌ بِطَاعَتِهَا لِلرَّبِّ وَالْأَجْفَانُ تُطِيعُ الْقَلْبَ بِالِانْفِتَاحِ وَالِانْطِبَاقِ عَلَى سَبِيلِ التَّسْخِيرِ وَإِنَّمَا افْتَقَرَ الْقَلْبُ إلَى الْجُنُودِ مِنْ حَيْثُ افْتِقَارُهُ إلَى الْمَرْكَبِ وَالزَّادِ لِسَفَرِهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَقَطْعُ الْمَنَازِلِ إلَى لِقَائِهِ فَلِأَجْلِهِ خُلِقَتْ الْقُلُوبُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ} وَإِنَّمَا مَرْكَبُهُ الْبَدَنُ وَزَادُهُ الْعِلْمُ وَإِنَّمَا الْأَسْبَابُ الَّتِي تُوَصِّلُهُ إلَى الزَّادِ وَتُمَكِّنُهُ مِنْ التَّزَوُّدِ مِنْهُ هُوَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ ثُمَّ أَطَالَ فِي هَذَا الْمَعْنَى بِمَا يَحْتَمِلُ مُجَلَّدَةً لَطِيفَةً وَإِنَّمَا أَشَرْنَا إلَى كَلَامِهِ لِيُعْلَمَ مِقْدَارُ الْكَلَامِ النَّبَوِيِّ وَأَنَّهُ بَحْرٌ قَطَرَاتُهُ لَا تُنْزَفُ، وَأَمَّا كَوْنُهُ مَحَلَّ الْعَقْلِ أَوْ مَحَلُّهُ الدِّمَاغُ فَلَيْسَتْ مِنْ مَسَائِلِ عِلْمِ الْآثَارِ حَتَّى يُشْتَغَلَ بِذِكْرِهَا وَذِكْرِ الْخِلَافِ فِيهَا.

(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: تَعِسَ) فِي الْقَامُوسِ كَسَمِعَ وَمَنَعَ وَإِذَا خَاطَبْت قُلْت تَعَسَ كَمَنَعَ وَإِذَا حَكَيْت قُلْت تَعِسَ كَفَرِحَ وَهُوَ الْهَلَاكُ وَالْعِثَارُ وَالسُّقُوطُ وَالشَّرُّ وَالْبُعْدُ وَالِانْحِطَاطُ (عَبْدُ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ وَالْقَطِيفَةِ) الثَّوْبُ الَّذِي لَهُ خَمْلٌ (إنْ أُعْطِيَ رَضِيَ وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ) أَرَادَ بِعَبْدِ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ مَنْ اسْتَعْبَدَتْهُ الدُّنْيَا يَطْلُبُهَا وَصَارَ كَالْعَبْدِ لَهَا تَتَصَرَّفُ فِيهِ تَصَرُّفَ الْمَالِكِ لِيَنَالَهَا وَيَنْغَمِسَ فِي شَهَوَاتِهَا وَمُطَالَبِهَا وَذِكْرُ الدِّينَارِ وَالْقَطِيفَةِ مُجَرَّدُ مِثَالٍ وَإِلَّا فَكُلُّ مَنْ اسْتَعْبَدَتْهُ الدُّنْيَا فِي أَيِّ أَمْرٍ وَشَغَلَتْهُ عَمَّا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى، وَجَعَلَ رِضَاهُ وَسَخَطَهُ مُتَعَلِّقًا بِنَيْلِ مَا يُرِيدُ أَوْ عَدَمِ نَيْلِهِ فَهُوَ عَبْدُهُ فَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَسْتَعْبِدُهُ حُبُّ الْإِمَارَاتِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَعْبِدُهُ حُبُّ الصُّوَرِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَعْبِدُهُ حُبُّ الْأَطْيَانِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَذْمُومَ مِنْ الدُّنْيَا كُلُّ مَا يُبْعِدُ الْعَبْدَ

ص: 644

1383 -

وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: «أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِمَنْكِبَيَّ، فَقَالَ: كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّك غَرِيبٌ، أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ» وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما يَقُولُ: إذَا أَمْسَيْت فَلَا تَنْتَظِرْ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْت فَلَا تَنْتَظِرْ الْمَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِك لِسَقَمِك، وَمِنْ حَيَاتِك لِمَوْتِك. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.

عَنْ اللَّهِ تَعَالَى وَيَشْغَلُهُ عَنْ وَاجِبِ طَاعَتِهِ وَعِبَادَتِهِ لَا مَا يُعِينُهُ عَلَى الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ فَإِنَّهُ غَيْرُ مَذْمُومٍ وَقَدْ يَتَعَيَّنُ طَلَبُهُ وَيَجِبُ عَلَيْهِ تَحْصِيلُهُ وَقَوْلُهُ (رَضِيَ) أَيْ عَنْ اللَّهِ بِمَا نَالَهُ مِنْ حُطَامِهَا (وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ) أَيْ عَنْهُ تَعَالَى وَلَا عَنْ نَفْسِهِ فَصَارَ سَاخِطًا فَهَذَا الَّذِي تَعِسَ؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ رِضَاهُ عَلَى مَوْلَاهُ وَسَخَطَهُ عَلَى نَيْلِ الدُّنْيَا وَعَدَمِهِ. وَالْحَدِيثُ نَظِيرُ قَوْله تَعَالَى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ} الْآيَةَ.

(وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِمَنْكِبَيَّ) يُرْوَى بِالْإِفْرَادِ وَالتَّثْنِيَةِ وَهُوَ بِكَسْرِ الْكَافِ مَجْمَعُ الْكَتِفِ وَالْعَضُدِ (فَقَالَ «كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّك غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ» وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما يَقُولُ: إذَا أَمْسَيْت فَلَا تَنْتَظِرْ الصَّبَاحَ وَإِذَا أَصْبَحْت فَلَا تَنْتَظِرْ الْمَسَاءَ وَخُذْ مِنْ صِحَّتِك لِسَقَمِك وَمِنْ حَيَاتِك لِمَوْتِك " أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ) الْغَرِيبُ مَنْ لَا مَسْكَنَ لَهُ يَأْوِيهِ وَلَا سَكَنَ يَأْنَسُ بِهِ وَلَا بَلَدَ يَسْتَوْطِنُ فِيهِ كَمَا قِيلَ فِي الْمَسِيحِ سَعِدَ الْمَسِيحُ يَسِيحُ لَا وَلَدَ يَمُوتُ وَلَا بِنَاءَ يَخْرَبُ. وَعَطْفُ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ مِنْ بَابِ عَطْفِ التَّرَقِّي وَأَوْ لَيْسَتْ لِلشَّكِّ بَلْ لِلتَّخْيِيرِ أَوْ الْإِبَاحَةِ، وَالْأَمْرُ لِلْإِرْشَادِ وَالْمَعْنَى: قَدِّرْ نَفْسَك وَنَزِّلْهَا مَنْزِلَةَ مَنْ هُوَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ؛ لِأَنَّ الْغَرِيبَ قَدْ يَسْتَوْطِنُ: وَيَحْتَمِلُ أَنَّ أَوْ لِلْإِضْرَابِ وَالْمَعْنَى: بَلْ كُنَّ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّك عَابِرُ سَبِيلٍ؛ لِأَنَّ الْغَرِيبَ قَدْ يَسْتَوْطِنُ بَلَدًا بِخِلَافِ عَابِرِ السَّبِيلِ فَهَمُّهُ قَطْعُ الْمَسَافَةِ إلَى مَقْصِدِهِ وَالْمَقْصِدُ هُنَا إلَى اللَّهِ {وَأَنَّ إِلَى

ص: 645

1384 -

وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.

رَبِّكَ الْمُنْتَهَى} قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: لَمَّا كَانَ الْغَرِيبُ قَلِيلَ الِانْبِسَاطِ إلَى النَّاسِ بَلْ هُوَ مُسْتَوْحِشٌ مِنْهُمْ وَلَا يَكَادُ يَمُرُّ بِمَنْ يَعْرِفُهُ فَيَأْنَسُ بِهِ فَهُوَ ذَلِيلٌ فِي نَفْسِهِ خَائِفٌ وَكَذَلِكَ عَابِرُ السَّبِيلِ لَا يَنْفُذُ فِي سَفَرِهِ إلَّا بِقُوَّتِهِ وَتَخْفِيفِهِ مِنْ الْأَثْقَالِ غَيْرُ مُتَشَبِّثٍ بِمَا يَمْنَعُهُ عَنْ قَطْعِ سَفَرِهِ، مَعَهُ زَادُهُ وَرَاحِلَتُهُ يُبَلِّغَانِهِ إلَى مَا يَعْنِيهِ مِنْ مَقْصِدِهِ. وَفِي هَذِهِ إشَارَةٌ إلَى إيثَارِ الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا وَأَخْذِ الْبُلْغَةِ مِنْهَا وَالْكَفَافِ، فَكَمَا لَا يَحْتَاجُ الْمُسَافِرُ إلَى أَكْثَرَ مِمَّا يُبَلِّغُهُ إلَى غَايَةِ سَفَرِهِ فَكَذَلِكَ الْمُؤْمِنُ لَا يَحْتَاجُ فِي الدُّنْيَا إلَى أَكْثَرَ مِمَّا يُبَلِّغُهُ الْمَحَلَّ وَقَوْلُهُ (وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إلَخْ) قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: كَلَامُ ابْنِ عُمَرَ مُتَفَرِّعٌ مِنْ الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ وَهُوَ مُتَضَمِّنٌ لِنِهَايَةِ تَقْصِيرِ الْأَجْلِ مِنْ الْعَاقِلِ إذَا أَمْسَى يَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَنْتَظِرَ الصَّبَاحَ وَإِذَا أَصْبَحَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَنْتَظِرَ الْمَسَاءَ بَلْ يَظُنُّ أَنْ أَجَلَهُ يُدْرِكُهُ قَبْلَ ذَلِكَ. وَفِي كَلَامِهِ الْإِخْبَارُ بِأَنَّهُ لَا بُدَّ لِلْإِنْسَانِ مِنْ الصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ فَيَغْتَنِمُ أَيَّامَ صِحَّتِهِ وَيُنْفِقُ سَاعَاتِهِ فِيمَا يَعُودُ عَلَيْهِ نَفْعُهُ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي مَتَى يَنْزِلُ بِهِ مَرَضٌ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ فِعْلِ الطَّاعَةِ؛ وَلِأَنَّهُ إذَا مَرِضَ كُتِبَ لَهُ مَا كَانَ يَعْمَلُ صَحِيحًا فَقَدْ أَخَذَ مِنْ صِحَّتِهِ لِمَرَضِهِ حَظَّهُ مِنْ الطَّاعَاتِ. وَقَوْلُهُ (مِنْ حَيَاتِك لِمَوْتِك) أَيْ خُذْ مِنْ أَيَّامِ الْحَيَاةِ وَالصِّحَّةِ وَالنَّشَاطِ لِمَوْتِك بِتَقْدِيمِ مَا يَنْفَعُك بَعْدَ الْمَوْتِ وَهُوَ نَظِيرُ حَدِيثِ «بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سَبْعًا مَا تَنْتَظِرُونَ إلَّا فَقْرًا مُنْسِيًا أَوْ غِنًى مُطْغِيًا أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا أَوْ الدَّجَّالَ فَإِنَّهُ شَرُّ مُنْتَظَرٍ أَوْ السَّاعَةَ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ» أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ.

(وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ) الْحَدِيثُ فِيهِ ضَعْفٌ وَلَهُ شَوَاهِدُ عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ تُخْرِجُهُ عَنْ الضَّعْفِ، وَمِنْ شَوَاهِدِهِ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ «مَنْ رَضِيَ عَمَلَ قَوْمٍ كَانَ مِنْهُمْ» وَالْحَدِيثُ دَالٌّ عَلَى أَنَّ مَنْ تَشَبَّهَ بِالْفُسَّاقِ كَانَ مِنْهُمْ أَوْ بِالْكُفَّارِ أَوْ بِالْمُبْتَدِعَةِ فِي أَيِّ شَيْءٍ مِمَّا يَخْتَصُّونَ

ص: 646

1385 -

وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «كُنْت خَلْفَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَوْمًا، فَقَالَ: يَا غُلَامُ، احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْك، احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَك، وَإِذَا سَأَلْت فَاسْأَلْ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْت فَاسْتَعِنْ بِاَللَّهِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ

بِهِ مِنْ مَلْبُوسٍ أَوْ مَرْكُوبٍ أَوْ هَيْئَةٍ، قَالُوا: فَإِذَا تَشَبَّهَ بِالْكَافِرِ فِي زِيٍّ وَاعْتَقَدَ أَنْ يَكُونَ بِذَلِكَ مِثْلَهُ كَفَرَ فَإِنْ لَمْ يَعْتَقِدْ فَفِيهِ خِلَافٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَكْفُرُ وَهُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا يَكْفُرُ وَلَكِنْ يُؤَدَّبُ.

(وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: «كُنْت خَلْفَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَوْمًا فَقَالَ يَا غُلَامُ احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْك» جَوَابُ الْأَمْرِ «احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ» مِثْلُهُ (تُجَاهَك) فِي الْقَامُوسِ وِجَاهَك وَتُجَاهَك مِثْلَيْنِ تِلْقَاءَ وَجْهِك (وَإِذَا سَأَلْت) حَاجَةً مِنْ حَوَائِجِ الدَّارَيْنِ (فَاسْأَلْ اللَّهَ) فَإِنَّ بِيَدِهِ أُمُورَهُمَا «وَإِذَا اسْتَعَنْت فَاسْتَعِنْ بِاَللَّهِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَتَمَامُهُ «وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوك بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوك إلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَك وَإِنْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوك بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوك إلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْك جَفَّتْ الْأَقْلَامُ وَطُوِيَتْ الصُّحُفُ» .

وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ بِلَفْظِ «كُنْت رَدِيفَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا غُلَامُ أَوْ يَا غُلَيْمُ أَلَا أُعَلِّمُك كَلِمَاتٍ يَنْفَعُك اللَّهُ بِهِنَّ؟ فَقُلْت بَلَى. قَالَ: احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْك، احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ أَمَامَك تَعَرَّفْ إلَى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفُك فِي الشِّدَّةِ، وَإِذَا سَأَلْت فَاسْأَلْ اللَّهَ وَإِذَا اسْتَعَنْت فَاسْتَعِنْ بِاَللَّهِ قَدْ جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ، فَلَوْ أَنَّ الْخَلْقَ جَمِيعًا أَرَادُوا أَنْ يَنْفَعُوك بِشَيْءٍ لَمْ يَقْضِهِ اللَّهُ تَعَالَى لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، وَإِنْ أَرَادُوا أَنْ يَضُرُّوك بِشَيْءٍ لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ عَلَيْك لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ فِي الصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُ خَيْرًا كَثِيرًا، وَأَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ وَأَنَّ الْفَرْجَ مَعَ الْكُرْبَةِ وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا» وَلَهُ أَلْفَاظٌ أُخَرُ وَهُوَ حَدِيثٌ جَلِيلٌ أَفْرَدَهُ بَعْضُ عُلَمَاءِ الْحَنَابِلَةِ بِتَصْنِيفٍ مُفْرَدٍ فَإِنَّهُ اشْتَمَلَ عَلَى وَصَايَا جَلِيلَةٍ وَالْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ (احْفَظْ اللَّهَ) أَيْ حُدُودَهُ وَعُهُودَهُ وَأَوَامِرَهُ وَنَوَاهِيَهُ.

وَحِفْظُ ذَلِكَ هُوَ الْوُقُوفُ عِنْدَ أَوَامِرِهِ بِالِامْتِثَالِ، وَعِنْدَ نَوَاهِيهِ بِالِاجْتِنَابِ. وَعِنْدَ حُدُودِهِ أَنْ لَا يَتَجَاوَزَهَا وَلَا يَتَعَدَّى مَا أَمَرَ بِهِ إلَى مَا نَهَى عَنْهُ فَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ فِعْلُ الْوَاجِبَاتِ كُلِّهَا وَتَرْكُ الْمُنْهَيَاتِ كُلِّهَا. وَقَالَ تَعَالَى:{وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ} وَقَالَ: {هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ

ص: 647

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

حَفِيظٍ} فَسَّرَ الْعُلَمَاءُ الْحَفِيظَ بِالْحَافِظِ لِأَوَامِرِ اللَّهِ. وَفُسِّرَ بِالْحَافِظِ لِذُنُوبِهِ حَتَّى يَرْجِعَ مِنْهَا فَأَمْرُهُ صلى الله عليه وسلم بِحِفْظِ اللَّهِ يَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ مَا ذُكِرَ وَتَفَاصِيلُهَا وَاسِعَةٌ. وَقَوْلُهُ (تَجِدْهُ أَمَامَك) وَفِي اللَّفْظِ الْآخَرِ (يَحْفَظْك) وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ أَيْ تَجِدْهُ أَمَامَك بِالْحِفْظِ لَك مِنْ شُرُورِ الدَّارَيْنِ جَزَاءً وِفَاقًا مِنْ بَابِ {وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} يَحْفَظُهُ فِي دُنْيَاهُ عَنْ غَشَيَانِ الذُّنُوبِ. وَعَنْ كُلِّ أَمْرٍ مَرْهُوبٍ وَيَحْفَظُ ذُرِّيَّتَهُ مِنْ بَعْدِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا} .

وَقَوْلُهُ: فَاسْأَلْ اللَّهَ) أَمْرٌ بِإِفْرَادِ اللَّهِ عز وجل بِالسُّؤَالِ وَإِنْزَالِ الْحَاجَاتِ بِهِ وَحْدَهُ وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مَرْفُوعًا «سَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يُسْأَلَ» وَفِيهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ لَا يَسْأَلُ اللَّهَ يَغْضَبْ عَلَيْهِ» وَفِيهِ «إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُلِحِّينَ فِي الدُّعَاءِ» وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «يَسْأَلُ أَحَدُكُمْ رَبَّهُ حَاجَتَهُ كُلَّهَا حَتَّى يَسْأَلَهُ شِسْعَ نَعْلِهِ إذَا انْقَطَعَ» وَقَدْ «بَايَعَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ عَلَى أَنْ لَا يَسْأَلُوا النَّاسَ شَيْئًا مِنْهُمْ الصِّدِّيقُ وَأَبُو ذَرٍّ وَثَوْبَانُ وَكَانَ أَحَدُهُمْ يَسْقُطُ سَوْطُهُ أَوْ يَسْقُطُ خِطَامُ نَاقَتِهِ فَلَا يَسْأَلُ أَحَدًا أَنْ يُنَاوِلَهُ» . وَإِفْرَادُ اللَّهِ بِطَلَبِ الْحَاجَاتِ دُونَ خَلْقِهِ يَدُلُّ لَهُ الْعَقْلُ وَالسَّمْعُ فَإِنَّ السُّؤَالَ بَذْلٌ لِمَاءِ الْوَجْهِ وَذُلٌّ لَا يَصْلُحُ إلَّا لِلَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ الْغَنِيُّ مُطْلَقًا وَالْعِبَادُ بِخِلَافِ هَذَا وَفِي صَحِيحِ مُسْلِم عَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه حَدِيثٌ قُدْسِيٌّ فِيهِ «يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْت كُلَّ إنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إذَا غُمِسَ فِي الْبَحْرِ» وَزَادَ فِي التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ «وَذَلِكَ بِأَنِّي جَوَادٌ وَاجِدٌ مَاجِدٌ أَفْعَلُ مَا أُرِيدُ عَطَائِي كَلَامٌ وَعَذَابِي كَلَامٌ إذَا أَرَدْت شَيْئًا أَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» .

وَقَوْلُهُ «إذَا اسْتَعَنْت فَاسْتَعِنْ بِاَللَّهِ» مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} أَيْ نُفْرِدُك بِالِاسْتِعَانَةِ. أَمَرَهُ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَسْتَعِينَ بِاَللَّهِ وَحْدَهُ فِي كُلِّ أُمُورِهِ أَيْ إفْرَادُهُ بِالِاسْتِعَانَةِ عَلَى مَا يُرِيدُهُ وَفِي إفْرَادِهِ تَعَالَى بِالِاسْتِعَانَةِ فَائِدَتَانِ، فَالْأُولَى أَنَّ الْعَبْدَ عَاجِزٌ عَنْ الِاسْتِقْلَالِ بِنَفْسِهِ فِي الطَّاعَاتِ، وَالثَّانِيَةُ أَنَّهُ لَا مُعِينَ لَهُ عَلَى مَصَالِحِ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ إلَّا اللَّهُ عز وجل فَمَنْ أَعَانَهُ اللَّهُ فَهُوَ الْمُعَانُ، وَمَنْ خَذَلَهُ فَهُوَ الْمَخْذُولُ. وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُك وَاسْتَعِنْ بِاَللَّهِ وَلَا تَعْجِزْ» وَعَلَّمَ صلى الله عليه وسلم الْعِبَادَ أَنْ يَقُولُوا فِي خُطْبَةِ الْحَاجَةِ " الْحَمْدُ لِلَّهِ نَسْتَعِينُهُ «وَعَلَّمَ مُعَاذًا أَنْ يَقُولَ دُبُرَ الصَّلَاةِ اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِك وَشُكْرِك وَحُسْنِ عِبَادَتِك» فَالْعَبْدُ أَحْوَجُ إلَى مَوْلَاهُ فِي طَلَبِ إعَانَتِهِ عَلَى فِعْلِ الْمَأْمُورَاتِ وَتَرْكِ الْمَحْظُورَاتِ وَالصَّبْرِ عَلَى الْمَقْدُورَاتِ. قَالَ سَيِّدَنَا يَعْقُوبُ صلى الله عليه وسلم فِي الصَّبْرِ عَلَى الْمَقْدُورِ:{وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} وَمَا ذُكِرَ مِنْ هَذِهِ الْوَصَايَا النَّبَوِيَّةِ لَا يُنَافِي الْقِيَامَ بِالْأَسْبَابِ فَإِنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ سُؤَالِهِ وَالِاسْتِعَانَةِ بِهِ فَإِنَّ مَنْ طَلَبَ رِزْقَهُ بِسَبَبٍ مِنْ أَسْبَابِ الْمَعَاشِ الْمَأْذُونِ فِيهَا رُزِقَ

ص: 648

1386 -

وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رضي الله عنه قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إذَا عَمِلْته أَحَبَّنِي اللَّهُ، وَأَحَبَّنِي النَّاسُ، فَقَالَ: ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبَّك اللَّهُ، وَازْهَدْ فِيمَا عِنْدَ النَّاسِ يُحِبَّك النَّاسُ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُ، وَسَنَدُهُ حَسَنٌ.

مِنْ جِهَتِهِ فَهُوَ مِنْهُ تَعَالَى وَإِنْ حُرِمَ فَهُوَ لِمَصْلَحَةٍ لَا يَعْلَمُهَا وَلَوْ كَشَفَ الْغِطَاءَ لَعُلِمَ أَنَّ الْحِرْمَانَ خَيْرٌ مِنْ الْعَطَاءِ. وَالْكَسْبُ الْمَمْدُوحُ الْمَأْجُورُ فَاعِلُهُ عَلَيْهِ هُوَ مَا كَانَ لِطَلَبِ الْكِفَايَةِ لَهُ وَلِمَنْ يَعُولُهُ أَوْ الزَّائِدِ عَلَى ذَلِكَ إذَا كَانَ يَعُدُّهُ لِقَرْضِ مُحْتَاجٍ أَوْ صِلَةِ رَحِمٍ أَوْ إعَانَةِ طَالِبِ عِلْمٍ أَوْ نَحْوِهِ مِنْ وُجُوهِ الْخَيْرِ لَا لِغَيْرِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَكُونُ مِنْ الِاشْتِغَالِ بِالدُّنْيَا وَفَتْحِ بَابِ مَحَبَّتِهَا الَّذِي هُوَ رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ. وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ «كَسْبُ الْحَلَالِ فَرِيضَةٌ» أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَالْقُضَاعِيُّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا وَفِيهِ عَبَّادُ بْنُ كَثِيرٍ ضَعِيفٌ. وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ عِنْدَ الدَّيْلَمِيِّ «طَلَبُ الْحَلَالِ وَاجِبٌ» وَمِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «طَلَبُ الْحَلَالِ جِهَادٌ» رَوَاهُ الْقُضَاعِيُّ وَمِثْلُهُ فِي الْحِلْيَةِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ الْعُلَمَاءُ: الْكَسْبُ الْحَلَالُ مَنْدُوبٌ أَوْ وَاجِبٌ إلَّا لِلْعَالِمِ الْمُشْتَغِلِ بِالتَّدْرِيسِ وَالْحَاكِمِ الْمُسْتَغْرَقَةُ أَوْقَاتُهُ فِي إقَامَةِ الشَّرِيعَةِ وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَاتِ الْعَامَّةِ كَالْإِمَامِ فَتَرْكُ الْكَسْبِ بِهِمْ أَوْلَى لِمَا فِيهِ مِنْ الِاشْتِغَالِ عَنْ الْقِيَامِ بِمَا هُمْ فِيهِ وَيُرْزَقُونَ مِنْ الْأَمْوَالِ الْمُعَدَّةِ لِلْمَصَالِحِ.

(وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إذَا عَمِلْته أَحَبَّنِي اللَّهُ وَأَحَبَّنِي النَّاسُ فَقَالَ: ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبَّك اللَّهُ وَازْهَدْ فِيمَا عِنْدَ النَّاسِ يُحِبَّك النَّاسُ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُ وَسَنَدُهُ حَسَنٌ) فِيهِ خَالِدُ بْنُ عُمَرَ الْقُرَشِيُّ مُجْمَعٌ عَلَى تَرْكِهِ وَنُسِبَ إلَى الْوَضْعِ فَلَا يَصِحُّ قَوْلُ الْحَاكِمِ إنَّهُ صَحِيحٌ وَقَدْ خَرَّجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ مِنْ حَدِيثِ مُجَاهِدٍ عَنْ أَنَسٍ بِرِجَالٍ ثِقَاتٍ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ سَمَاعُ مُجَاهِدٍ مِنْ أَنَسٍ وَقَدْ رُوِيَ مُرْسَلًا وَقَدْ حَسَّنَ النَّوَوِيُّ الْحَدِيثَ كَأَنَّهُ لِشَوَاهِدِهِ وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى شَرَفِ الزُّهْدِ وَفَضْلِهِ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِمَحَبَّةِ اللَّهِ لِعَبْدِهِ وَلِمَحَبَّةِ النَّاسِ لَهُ؛ لِأَنَّ مَنْ زَهِدَ فِيمَا هُوَ عِنْدَ الْعِبَادِ أَحَبُّوهُ؛ لِأَنَّهُ جُبِلَتْ الطَّبَائِعُ عَلَى اسْتِثْقَالِ مَنْ أَنْزَلَ بِالْمَخْلُوقِينَ حَاجَاتِهِ وَطَمِعَ فِيمَا فِي أَيْدِيهِمْ. وَفِيهِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِطَلَبِ مَحَبَّةِ الْعِبَادِ وَالسَّعْيِ فِيمَا يُكْسِبُ ذَلِكَ بَلْ هُوَ مَنْدُوبٌ

ص: 649

1387 -

وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ التَّقِيَّ الْغَنِيَّ الْخَفِيَّ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.

1388 -

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مِنْ حُسْنِ إسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيه» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ.

إلَيْهِ أَوْ وَاجِبٌ كَمَا قَالَ صلى الله عليه وسلم «وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا» وَأَرْشَدَ صلى الله عليه وسلم إلَى إفْشَاءِ السَّلَامِ فَإِنَّهُ مِنْ جَوَالِبِ الْمَحَبَّةِ وَإِلَى التَّهَادِي وَنَحْوِ ذَلِكَ.

(وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رضي الله عنه قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ التَّقِيَّ الْغَنِيَّ الْخَفِيَّ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ) فَسَّرَ الْعُلَمَاءُ مَحَبَّةَ اللَّهِ لِعَبْدِهِ بِأَنَّهَا إرَادَتُهُ الْخَيْرَ لَهُ وَهِدَايَتُهُ وَرَحْمَتُهُ، وَنَقِيضُ ذَلِكَ بُغْضُ اللَّهِ لَهُ. وَالتَّقِيُّ هُوَ الْآتِي بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْمُجْتَنِبُ لِمَا يُحَرَّمُ عَلَيْهِ، وَالْغِنَى هُوَ غِنَى النَّفْسِ، فَإِنَّهُ الْغِنَى الْمَحْبُوبُ قَالَ صلى الله عليه وسلم:«لَيْسَ الْغِنَى بِكَثْرَةِ الْعَرَضِ، وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ» ، وَأَشَارَ عِيَاضٌ إلَى أَنَّ الْمُرَادُ بِهِ غِنَى الْمَالِ، وَهُوَ مُحْتَمَلٌ، وَالْخَفِيُّ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة، وَالْفَاءِ أَيْ الْخَامِلُ الْمُنْقَطِعُ إلَى عِبَادَةِ اللَّهِ، وَالِاشْتِغَالِ بِأُمُورِ نَفْسِهِ وَضَبَطَهُ بَعْضُ رُوَاةِ مُسْلِمٍ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ ذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ، وَالْمُرَادُ الْوُصُولُ لِلرَّحِمِ اللَّطِيفُ بِهِمْ وَبِغَيْرِهِمْ مِنْ الضُّعَفَاءِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَفْضِيلِ الِاعْتِزَالِ وَتَرْكِ الِاخْتِلَاطِ بِالنَّاسِ.

(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مِنْ حُسْنِ إسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيه» أَيْ يُهِمُّهُ مِنْ عَنَاهُ يَعْنُوهُ وَيُعْنِيه أَهَمَّهُ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ) هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ النَّبَوِيَّةِ يَعُمُّ الْأَقْوَالُ كَمَا رُوِيَ أَنَّ فِي صُحُفِ إبْرَاهِيمَ عليه السلام مَنْ عَدَّ كَلَامَهُ مِنْ عَمَلِهِ قَلَّ كَلَامُهُ إلَّا فِيمَا يَعْنِيه وَيَعُمُّ الْأَفْعَالَ فَيَنْدَرِجُ فِيهِ تَرْكُ التَّوَسُّعِ فِي الدُّنْيَا وَطَلَبِ الْمَنَاصِبِ وَالرِّيَاسَةِ وَحُبِّ الْمَحْمَدَةِ وَالثَّنَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَحْتَاجُ

ص: 650

1389 -

وَعَنْ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا مَلَأَ ابْنُ آدَمَ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنِهِ» أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ.

إلَيْهِ الْمَرْءُ فِي إصْلَاحِ دِينِهِ وَكِفَايَتِهِ مِنْ دُنْيَاهُ.

وَأَمَّا اشْتِغَالُ الْعُلَمَاءِ بِالْمَسَائِلِ الْفَرْضِيَّةِ فَقِيلَ: إنَّهُ لَيْسَ مِنْ الِاشْتِغَالِ بِمَا لَا يَعْنِي بَلْ هُوَ مِمَّا يُؤْجَرُونَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُمْ لَمَّا عَرَفُوا مِنْ الْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ أَنَّهُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ يَقِلُّ الْعِلْمُ وَيَفْشُو الْجَهْلُ اجْتَهَدُوا فِي ذَلِكَ لِمَا يَأْتِي مِنْ الزَّمَانِ، وَمَنْ يَأْتِي مِنْ الْعِبَادِ الْمُحْتَاجِينَ إلَى مَعْرِفَةِ الْأَحْكَامِ مَعَ عَجْزِهِمْ عَنْ الْبَحْثِ، فَإِنَّهُمْ أَتْعَبُوا الْقَرَائِحَ وَخَرَّجُوا التَّخَارِيجَ وَقَدَّرُوا التَّقَادِيرَ، وَالْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ (قُلْت) وَلَا يَخْفَى أَنَّ تَخْرِيجَ التَّخَارِيجِ وَتَقْدِيرَ التَّقَادِيرِ لَيْسَ مِنْ الْعِلْمِ الْمَحْمُودِ؛ لِأَنَّ غَايَتَهَا أَقْوَالٌ خَرَجَتْ مِنْ أَقْوَالِ الْمُجْتَهِدِينَ وَلَيْسَتْ أَقْوَالًا لَهُمْ وَلَا أَقْوَالًا لِمَنْ يُخْرِجُهَا وَلَا احْتِيَاجَ إلَيْهَا، وَالْعَمَلُ بِهَا مُشْكِلٌ إذْ لَيْسَتْ لِقَائِلٍ إذْ الْقَائِلُ بِهَا لَيْسَ بِمُجْتَهِدٍ ضَرُورَةً فَلَا يُقَلَّدُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُقَلَّدُ مُجْتَهِدٌ عَدْلٌ، وَالْفَرْضُ أَنَّ الْمُخَرِّجِينَ لَيْسُوا مُجْتَهِدِينَ، وَأَمَّا تَقْدِيرُ التَّقَادِيرِ، فَإِنَّهُ قِسْمٌ مِنْ التَّخَارِيجِ إذْ غَالِبُ مَا يُقَدَّرُ أَنَّهُ يُجَابُ عَنْهُ بِأَقْوَالِ الْمُخَرِّجِينَ وَفِي كَلَامِ عَلِيٍّ: رضي الله عنه الْعِلْمُ نُقْطَةٌ كَثَّرَهَا الْجُهَّالُ بَلْ هَذِهِ الْمَوْضُوعَاتُ فِي التَّخَارِيجِ كَانَتْ مَضَرَّةً لِلنَّاظِرِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ إذْ شَغَلَتْ النَّاظِرِينَ عَنْ النَّظَرِ فِيهِمَا وَنَيْلِ بَرَكَتِهِمَا فَقَطَعُوا الْأَعْمَارَ فِي تَقْرِيرِ تِلْكَ التَّخَارِيجِ وَقَدْ أَشْبَعَ الْكَلَامَ عَنْ ذَلِكَ وَعَلَى ذَمِّ الِاشْتِغَالِ بِهِ طَوَائِفُ مِنْ عُلَمَاءِ التَّحْقِيقِ، وَإِنْ كَانَ الِاشْتِغَالُ بِهَا قَدْ عَمَّ كُلَّ فَرِيقٍ.

(وَعَنْ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا مَلَأَ ابْنُ آدَمَ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنِهِ.» أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ) وَأَخْرَجَهُ ابْن حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَتَمَامُهُ «فَحَسْبُ ابْنُ آدَمَ أَكَلَاتٍ يُقِمْنَ صُلْبَهُ فَإِنْ كَانَ فَاعِلًا لَا مَحَالَةَ» (وَفِي لَفْظِ ابْنِ مَاجَهْ): «فَإِنْ غَلَبَتْ ابْنَ آدَمَ نَفْسُهُ فَثُلُثًا لِطَعَامِهِ، وَثُلُثًا لِشَرَابِهِ، وَثُلُثًا لِنَفَسِهِ» ، وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى ذَمِّ التَّوَسُّعِ فِي الْمَأْكُولِ وَالشِّبَعِ وَالِامْتِلَاءِ، وَالْإِخْبَارُ عَنْهُ بِأَنَّهُ شَرٌّ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَفَاسِدِ الدِّينِيَّةِ، وَالْبَدَنِيَّةِ، فَإِنَّ فُضُولَ الطَّعَامِ مَجْلَبَةٌ لِلسَّقَامِ وَمُثَبِّطَةٌ عَنْ الْقِيَامِ بِالْأَحْكَامِ، وَهَذَا الْإِرْشَادُ إلَى جَعْلِ الْأَكْلِ ثُلُثَ مَا يَدْخُلُ الْمِعْدَةَ مِنْ أَفْضَلِ مَا أَرْشَدَ إلَيْهِ سَيِّدُ الْأَنَامِ صلى الله عليه وسلم، فَإِنَّهُ يُخَفِّفُ عَلَى الْمِعْدَةِ وَيَسْتَمِدُّ مِنْ الْبَدَنِ الْغِذَاءَ وَتَنْتَفِعُ بِهِ الْقُوَى وَلَا يَتَوَلَّدُ عَنْهُ شَيْءٌ مِنْ الْأَدْوَاءِ.

وَقَدْ وَرَدَ مِنْ الْكَلَامِ النَّبَوِيِّ

ص: 651

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

شَيْءٌ كَثِيرٌ فِي ذَمِّ الشِّبَعِ فَقَدْ أَخْرَجَ الْبَزَّارُ بِإِسْنَادَيْنِ أَحَدُهُمَا رِجَالُهُ ثِقَاتٌ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ «أَكْثَرُهُمْ شِبَعًا فِي الدُّنْيَا أَكْثَرُهُمْ جُوعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَهُ صلى الله عليه وسلم لِأَبِي جُحَيْفَةَ لَمَّا تَجَشَّأَ فَقَالَ: مَا مَلَأْت بَطْنِي مُنْذُ ثَلَاثِينَ سَنَةً» وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادِ حَسَنٍ «وَأَهْلُ الشِّبَعِ فِي الدُّنْيَا هُمْ أَهْلُ الْجُوعِ غَدًا فِي الْآخِرَةِ» زَادَ الْبَيْهَقِيُّ «الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ» وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ «أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم رَأَى رَجُلًا عَظِيمَ الْبَطْنِ فَقَالَ بِأُصْبُعِهِ لَوْ كَانَ فِي غَيْرِ هَذَا لَكَانَ خَيْرًا لَك» .

وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ وَاللَّفْظُ لَهُ وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ مُخْتَصَرًا «لَيُؤْتَيَنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالْعَظِيمِ الطَّوِيلِ الْأَكُولِ الشَّرُوبِ فَلَا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ اقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ {فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا}» وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا «أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم أَصَابَهُ جُوعٌ يَوْمًا فَعَمَدَ إلَى حَجَرٍ فَوَضَعَهُ عَلَى بَطْنِهِ، ثُمَّ قَالَ: أَلَا رُبَّ نَفْسٍ طَاعِمَةٍ نَاعِمَةٍ فِي الدُّنْيَا جَائِعَةٍ عَارِيَّةٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَلَا رُبَّ مُكْرِمٍ لِنَفْسِهِ، وَهُوَ لَهَا مُهِينٌ أَلَا رُبَّ مُهِينٌ لِنَفْسِهِ، وَهُوَ لَهَا مُكْرِمٌ» وَصَحَّ حَدِيثُ «مِنْ الْإِسْرَافِ أَنْ تَأْكُلَ كُلَّ مَا اشْتَهَيْت» .

أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ فِيهِ ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ «عَائِشَةَ قَالَتْ: رَآنِي النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، وَقَدْ أَكَلْت فِي الْيَوْمِ مَرَّتَيْنِ فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ أَمَّا تُحِبِّينَ أَنْ لَا يَكُونَ لَك شُغْلٌ إلَّا جَوْفَك؛ الْأَكْلُ فِي الْيَوْمِ مَرَّتَيْنِ مِنْ الْإِسْرَافِ وَاَللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ» وَصَحَّ «كُلُوا وَاشْرَبُوا، وَالْبَسُوا فِي غَيْرِ إسْرَافٍ وَلَا مَخِيلَةٍ» وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ «سَيَكُونُ رِجَالٌ مِنْ أُمَّتِي يَأْكُلُونَ أَلْوَانَ الطَّعَامِ وَيَشْرَبُونَ أَلْوَانَ الشَّرَابِ وَيَلْبَسُونَ أَلْوَانَ الثِّيَابِ وَيَتَشَدَّقُونَ فِي الْكَلَامِ فَأُولَئِكَ شِرَارُ أُمَّتِي» .

وَقَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ إذَا امْتَلَأَتْ الْمِعْدَةُ نَامَتْ الْفِكْرَةُ وَخَرِسَتْ الْحِكْمَةُ وَقَعَدَتْ الْأَعْضَاءُ عَنْ الْعِبَادَةِ، وَفِي الْخُلُوِّ عَنْ الطَّعَامِ فَوَائِدُ وَفِي الِامْتِلَاءِ مَفَاسِدُ فَفِي الْجُوعِ صَفَاءُ الْقَلْبِ وَإِيقَادُ الْقَرِيحَةِ وَنَفَاذُ الْبَصِيرَةِ، فَإِنَّ الشِّبَعَ يُورِثُ الْبَلَادَةِ وَيُعْمِي الْقَلْبَ وَيُكْثِرُ الْبُخَارَ فِي الْمَعِدَةِ وَالدِّمَاغِ كَشَبَهِ السُّكْرِ حَتَّى يَحْتَوِيَ عَلَى مَعَادِنِ الْفِكْرِ فَيَثْقُلُ الْقَلْبُ بِسَبَبِهِ عَنْ الْجَرَيَانِ فِي الْأَفْكَارِ وَمِنْ فَوَائِدِهِ كَسْرُ شَهْوَةِ الْمَعَاصِي كُلِّهَا وَالِاسْتِيلَاءُ عَلَى النَّفْسِ الْأَمَّارَةِ بِالسُّوءِ، فَإِنَّ مَنْشَأَ الْمَعَاصِي كُلِّهَا الشَّهَوَاتُ، وَالْقُوَى وَمَادَّةُ الْقُوَى الشَّهَوَاتُ وَالشَّهَوَاتُ لَا مَحَالَةَ الْأَطْعِمَةُ فَتَقْلِيلُهَا يُضَعِّفُ كُلَّ شَهْوَةٍ وَقُوَّةٍ، وَإِنَّمَا السَّعَادَةُ كُلُّهَا فِي أَنْ يَمْلِكَ الرَّجُلُ نَفْسَهُ وَالشَّقَاوَةُ كُلُّهَا فِي أَنْ تَمْلِكَهُ نَفْسُهُ.

قَالَ ذُو النُّونِ: مَا شَبِعْت قَطُّ إلَّا عَصَيْت أَوْ هَمَمْت بِمَعْصِيَةٍ. وَقَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها: أَوَّلُ بِدْعَةٍ حَدَثَتْ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الشِّبَعُ إنَّ الْقَوْمَ لَمَّا شَبِعَتْ بُطُونَهُمْ جَمَحَتْ بِهِمْ نُفُوسُهُمْ إلَى الدُّنْيَا وَيُقَالُ: الْجُوعُ خِزَانَةٌ مِنْ خَزَائِنِ اللَّهِ وَأَوَّلُ مَا يَنْدَفِعُ بِالْجُوعِ شَهْوَةُ الْفَرْجِ وَشَهْوَةُ الْكَلَامِ، فَإِنَّ الْجَائِعَ لَا تَتَحَرَّكُ عَلَيْهِ شَهْوَةُ فُضُولِ الْكَلَامِ، فَيَتَخَلَّصُ مِنْ آفَاتِ اللِّسَانِ، وَلَا يَتَحَرَّكُ عَلَيْهِ شَهْوَةُ الْفَرْجِ فَيَخْلُصُ مِنْ الْوُقُوعِ فِي

ص: 652

1390 -

وَعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ» أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَسَنَدُهُ قَوِيٌّ.

1391 -

عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «الصَّمْتُ حِكْمَةٌ، وَقَلِيلٌ فَاعِلَهُ» أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ بِسَنَدِ ضَعِيفٍ، وَصَحَّحَ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ مِنْ قَوْلِ لُقْمَانَ الْحَكِيمِ.

الْحَرَامِ وَمِنْ فَوَائِدِهِ قِلَّةُ النَّوْمِ، فَإِنَّ مَنْ أَكَلَ كَثِيرًا شَرِبَ كَثِيرًا، فَنَامَ طَوِيلًا وَفِي كَثْرَةِ النَّوْمِ خُسْرَانُ الدَّارَيْنِ وَفَوَاتُ كُلِّ مَنْفَعَةٍ دِينِيَّةٍ وَدُنْيَوِيَّةٍ وَعَدَّ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ عَشْرَ فَوَائِدَ لِتَقْلِيلِ الطَّعَامِ وَعَدَّ عَشْرَ مَفَاسِدَ لِلتَّوَسُّعِ مِنْهُ فَلَا يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يُعَوِّدَ نَفْسَهُ ذَلِكَ، فَإِنَّهَا تَمِيلُ إلَى الشَّرَهِ وَيَصْعُبُ تَدَارُكُهَا وَلْيُرِضْهَا مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ عَلَى السَّدَادِ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَهْوَنُ لَهُ مِنْ أَنْ يُجَرِّئُهَا عَلَى الْفَسَادِ، وَهَذَا أَمْرٌ لَا يَحْتَمِلُ الْإِطَالَةَ إذْ هُوَ مِنْ الْأُمُورِ التَّجْرِيبِيَّةِ الَّتِي قَدْ جَرَّبَهَا كُلُّ إنْسَانٍ، وَالتَّجْرِبَةُ مِنْ أَقْسَامِ الْبُرْهَانِ.

(وَعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءُونَ» أَيْ كَثِيرُو الْخَطَأِ إذْ هُوَ صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ «وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَسَنَدُهُ قَوِيٌّ)، وَالْحَدِيثُ دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ الْخَطِيئَةِ إنْسَانٌ لِمَا جُبِلَ عَلَيْهِ هَذَا النَّوْعُ مِنْ الضَّعْفِ وَعَدَمِ الِانْقِيَادِ لِمَوْلَاهُ فِي فِعْلِ مَا إلَيْهِ دَعَاهُ وَتَرْكِ مَا عَنْهُ نَهَاهُ، وَلَكِنَّهُ تَعَالَى بِلُطْفِهِ فَتْحَ بَابَ التَّوْبَةِ لِعِبَادِهِ وَأَخْبَرَ أَنَّهُ خَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ الْمُكْثِرُونَ لِلتَّوْبَةِ عَلَى قَدْرِ كَثْرَةِ الْخَطَأِ. وَفِي الْأَحَادِيثِ أَدِلَّةٌ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ إذَا عَصَى اللَّهَ وَتَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَلَا يَزَالُ كَذَلِكَ وَلَنْ يَهْلِكَ عَلَى اللَّهِ إلَّا هَالِكٌ، وَقَدْ خُصَّ مِنْ هَذَا الْعُمُومِ يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا عليه السلام، فَإِنَّهُ وَرَدَ أَنَّهُ مَا هَمَّ بِخَطِيئَةِ.

وَرُوِيَ أَنَّهُ لَقِيَهُ إبْلِيسُ وَمَعَهُ مَعَالِيقُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ فَسَأَلَهُ عَنْهَا فَقَالَ: هِيَ الشَّهَوَاتُ الَّتِي أُصِيبُ بِهَا بَنِي آدَمَ فَقَالَ هَلْ لِي فِيهَا شَيْءٌ؟ قَالَ: رُبَّمَا شَبِعْت فَشَغَلْنَاك عَنْ الصَّلَاةِ وَالذِّكْرِ قَالَ: هَلْ غَيْرُ ذَلِكَ؟ قَالَ لَا قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ لَا أَمْلَأَ بَطْنِي مِنْ طَعَامٍ أَبَدًا فَقَالَ إبْلِيسُ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ لَا أَنْصَحَ مُسْلِمًا أَبَدًا.

ص: 653

‌باب الترهيب من مساوئ الأخلاق

1392 -

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إيَّاكُمْ، وَالْحَسَدَ، فَإِنَّ الْحَسَدَ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد

(وَعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «الصَّمْتُ حِكْمَةٌ وَقَلِيلٌ فَاعِلَهُ». أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ بِسَنَدِ ضَعِيفٍ وَصَحَّحَ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ مِنْ قَوْلِ لُقْمَانَ الْحَكِيمِ)، وَسَبَبُهُ أَنَّ لُقْمَانَ دَخَلَ عَلَى دَاوُد عليه السلام، فَرَآهُ يَسْرُدُ دِرْعًا لَمْ يَكُنْ رَآهَا قَبْلَ ذَلِكَ، فَجَعَلَ يَتَعَجَّبُ مِمَّا رَأَى فَأَرَادَ أَنْ يَسْأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَمَنَعَتْهُ حِكْمَتُهُ عَنْ ذَلِكَ فَتَرَكَ وَلَمْ يَسْأَلْهُ فَلَمَّا فَرَغَ قَامَ دَاوُد وَلَبِسَهَا، ثُمَّ قَالَ: نِعْمَ الدِّرْعُ لِلْحَرْبِ فَقَالَ لُقْمَانُ الصَّمْتُ حِكْمَةٌ - الْحَدِيثَ وَقِيلَ تَرَدَّدَ إلَيْهِ سَنَةً، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَعْلَمَ ذَلِكَ وَلَمْ يَسْأَلْهُ.

وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى حُسْنِ الصَّمْتِ وَمَدْحِهِ، وَالْمُرَادُ بِهِ عَنْ فُضُولِ الْكَلَامِ (وَقَدْ) وَرَدَتْ عِدَّةُ أَحَادِيثَ دَالَّةٌ عَلَى مَدْحِ الصَّمْتِ وَمَدَحَهُ الْعُقَلَاءُ وَالشُّعَرَاءُ. وَفِي الْحَدِيثِ «مَنْ صَمَتَ نَجَا» «وَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ قُلْت لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: مَا النَّجَاةُ، قَالَ أَمْسِكْ عَلَيْك لِسَانَك» الْحَدِيثَ وَقَالَ صلى الله عليه وسلم:«مَنْ تَكَفَّلَ لِي بِمَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ، وَرِجْلَيْهِ أَتَكَفَّلُ لَهُ بِالْجَنَّةِ» «وَقَالَ مُعَاذٌ رضي الله عنه لَهُ صلى الله عليه وسلم: أَنُؤَاخَذُ بِمَا نَقُولُ قَالَ ثَكِلَتْك أُمُّك وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسُ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إلَّا حَصَائِدَ أَلْسِنَتِهِمْ» وَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُت» الْأَحَادِيثُ فِيهِ وَاسِعَةٌ جِدًّا، وَالْآثَارُ عَنْ السَّلَفِ كَذَلِكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ فُضُولَ الْكَلَامِ لَا تَنْحَصِرُ، بَلْ الْمُهِمُّ مَحْصُورٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى حَيْثُ قَالَ:{لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ} ، وَآفَاتُهُ لَا تَنْحَصِرُ فَعَدَّ مِنْهَا الْخَوْضَ فِي الْبَاطِلِ، وَهُوَ الْحِكَايَةُ لِلْمَعَاصِي مِنْ مُخَالَطَةِ النِّسَاءِ وَمَجَالِسِ الْخَمْرِ وَمَوَاقِفِ الْفَسَادِ وَتَنَعُّمِ الْأَغْنِيَاءِ وَتَجَبُّرِ الْمُلُوكِ وَمَوَاسِمِهِمْ الْمَذْمُومَةِ وَأَحْوَالِهِمْ الْمَكْرُوهَةِ، فَإِنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَحِلُّ الْخَوْضُ فِيهِ، فَهَذَا حَرَامٌ.

وَمِنْهَا الْغِيبَةُ وَالنَّمِيمَةُ وَكَفَى بِهَا هَلَاكًا فِي الدِّينِ وَمِنْهَا الْمِرَاءُ، وَالْمُجَادَلَةُ، وَالْمُزَاحُ. وَمِنْهَا الْخُصُومَةُ وَالسَّبُّ، وَالْفُحْشُ وَبَذَاءَةُ اللِّسَانِ وَالِاسْتِهْزَاءُ بِالنَّاسِ وَالسُّخْرِيَةُ، وَالْكَذِبُ، وَقَدْ عَدَّ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ عِشْرِينَ آفَةً وَذَكَرَ فِي كُلِّ آفَةٍ كَلَامًا بَسِيطًا حَسَنًا، وَذَكَرَ عِلَاجَ هَذِهِ الْآفَاتِ.

ص: 654

وَلِابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ نَحْوُهُ.

(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إيَّاكُمْ، وَالْحَسَدَ، فَإِنَّ الْحَسَدَ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد. وَلِابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ نَحْوُهُ) إيَّاكُمْ ضَمِيرٌ مَنْصُوبٌ عَلَى التَّحْذِيرِ، وَالْمُحَذَّرُ مِنْهُ الْحَسَدُ. وَفِي الْحَسَدِ أَحَادِيثُ وَآثَارٌ كَثِيرَةٌ. وَيُقَالُ: كَانَ أَوَّلُ ذَنْبٍ عُصِيَ اللَّهُ بِهِ الْحَسَدُ، فَإِنَّهُ أَمَرَ إبْلِيسَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ فَحَسَدَهُ فَامْتَنَعَ عَنْهُ فَعَصَى اللَّهَ فَطَرَدَهُ وَتَوَلَّدَ مِنْ طَرْدِهِ كُلُّ بَلَاءٍ وَفِتْنَةٍ عَلَيْهِ وَعَلَى الْعِبَادِ.

وَالْحَسَدُ لَا يَكُونُ إلَّا عَلَى نِعْمَةٍ، فَإِذَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَى أَخِيك نِعْمَةً فَلَكَ فِيهَا حَالَتَانِ، إحْدَاهُمَا أَنْ تَكْرَهَ تِلْكَ النِّعْمَةَ وَتُحِبَّ زَوَالَهَا وَهَذِهِ الْحَالَةُ تُسَمَّى حَسَدًا، الثَّانِيَةُ: أَنْ لَا تُحِبَّ زَوَالَهَا وَلَا تَكْرَهَ وُجُودَهَا وَدَوَامَهَا لَهُ وَلَكِنَّك تُرِيدُ لِنَفْسِك مِثْلَهَا فَهَذَا يُسَمَّى غِبْطَةً، فَالْأَوَّلُ حَرَامٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ إلَّا نِعْمَةً عَلَى كَافِرٍ أَوْ فَاجِرٍ، وَهُوَ يَسْتَعِينُ بِهَا عَلَى تَهْيِيجِ الْفِتْنَةِ وَإِفْسَادِ ذَاتِ الْبَيْنِ وَإِيذَاءِ الْعِبَادِ، فَهَذِهِ لَا يَضُرُّك كَرَاهَتُك لَهَا وَلَا مَحَبَّتُك زَوَالَهَا، فَإِنَّك لَمْ تُحِبَّ زَوَالَهَا مِنْ حَيْثُ هِيَ نِعْمَةٌ بَلْ مِنْ حَيْثُ هِيَ آلَةٌ لِلْفَسَادِ. وَوَجْهُ تَحْرِيمِ الْحَسَدِ مَعَ مَا عُلِمَ مِنْ الْأَحَادِيثِ أَنَّهُ تَسَخُّطٌ لِقَدَرِ اللَّهِ تَعَالَى وَحِكْمَتِهِ فِي تَفْضِيلِ بَعْضِ عِبَادِهِ عَلَى بَعْضٍ؛ وَلِذَا قِيلَ:

أَلَا قُلْ لِمَنْ كَانَ لِي حَاسِدًا

أَتَدْرِي عَلَى مَنْ أَسَأْت الْأَدَبْ

أَسَأْت عَلَى اللَّهِ فِي فِعْلِهِ

لِأَنَّك لَمْ تَرْضَ لِي مَا وَهَبْ

، ثُمَّ الْحَاسِدُ إنْ وَقَعَ لَهُ الْخَاطِرُ بِالْحَسَدِ فَدَفَعَهُ وَجَاهَدَ نَفْسَهُ فِي دَفْعِهِ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ بَلْ لَعَلَّهُ مَأْجُورٌ فِي مُدَافَعَةِ نَفْسِهِ. فَإِنْ سَعَى فِي زَوَالِ نِعْمَةٍ لِمَحْسُودٍ فَهُوَ بَاغٍ، وَإِنْ لَمْ يَسْعَ وَلَمْ يُظْهِرْهُ لِمَانِعِ الْعَجْزِ، فَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ أَمْكَنَهُ لَفَعَلَ فَهُوَ مَأْزُورٌ وَإِلَّا فَلَا. أَيْ لَا وِزْرَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ دَفْعَ الْخَوَاطِرِ النَّفْسَانِيَّةِ فَيَكْفِيه فِي مُجَاهِدَتِهَا أَنْ لَا يَعْمَلَ بِهَا وَلَا يَعْزِمُ عَلَى الْعَمَلِ بِهَا. وَفِي الْإِحْيَاءِ، فَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ أَلْقَى الْأَمْرَ إلَيْهِ وَرَدَّ إلَى اخْتِيَارِهِ لَسَعَى فِي إزَالَةِ النِّعْمَةِ فَهُوَ حَسُودٌ حَسَدًا مَذْمُومًا، وَإِنْ كَانَ نَزْعُهُ التَّقَوِّي عَلَى إزَالَةِ ذَلِكَ فَيُعْفَى عَنْهُ مَا يَجِدُهُ فِي نَفْسِهِ مِنْ ارْتِيَاحِهِ إلَى زَوَالِ النِّعْمَةِ مِنْ مَحْسُودِهِ مَهْمَا كَانَ كَارِهًا لِذَلِكَ مِنْ نَفْسِهِ بِعَقْلِهِ وَدِينِهِ، وَهَذَا التَّفْصِيلُ يُشِيرُ إلَيْهِ مَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مَرْفُوعًا «ثَلَاثٌ لَا يَسْلَمُ مِنْهُنَّ أَحَدٌ الطِّيَرَةُ وَالظَّنُّ، وَالْحَسَدُ قِيلَ: فَمَا الْمَخْرَجُ مِنْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: إذَا تَطَيَّرْت فَلَا تَرْجِعْ وَإِذَا ظَنَنْت فَلَا تُحَقِّقْ، وَإِذَا حَسَدْت فَلَا تَبْغِ» وَأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ «كُلُّ ابْنِ آدَمَ حَسُودٌ وَلَا يَضُرُّ حَاسِدًا حَسَدُهُ مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ بِاللِّسَانِ أَوْ يَعْمَلْ بِالْيَدِ» ، وَفِي مَعْنَاهُ أَحَادِيثُ لَا تَخْلُو عَنْ مُقَابِلٍ. وَفِي الزَّوَاجِرِ لِابْنِ حَجَرٍ الْهَيْتَمِيِّ إنَّ الْحَسَدَ مَرَاتِبُ وَهِيَ إمَّا

ص: 655

1393 -

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

مَحَبَّةُ زَوَالِ نِعْمَةِ الْغَيْرِ، وَإِنْ لَمْ تَنْتَقِلْ إلَى الْحَاسِدِ، وَهَذَا غَايَةُ الْحَسَدِ أَوْ مَعَ انْتِقَالِهَا إلَيْهِ أَوْ انْتِقَالِ مِثْلِهَا إلَيْهِ، وَإِلَّا أَحَبَّ زَوَالَهَا لِئَلَّا يَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ أَوَّلًا مَعَ مَحَبَّةِ زَوَالِهَا، وَهَذَا الْأَخِيرُ هُوَ الْمَعْفُوُّ عَنْهُ مِنْ الْحَسَدِ إنْ كَانَ فِي الدُّنْيَا، وَالْمَطْلُوبُ إنْ كَانَ فِي الدِّينِ انْتَهَى، وَهَذَا الْقِسْمُ الْأَخِيرُ يُسَمَّى غَيْرَةً، فَإِنْ كَانَ فِي الدِّينِ فَهُوَ الْمَطْلَبُ وَعَلَيْهِ حَمَلَ مَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم: «لَا حَسَدَ إلَّا فِي اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ» الْمُرَادُ أَنَّهُ يَغَارُ مِمَّنْ اتَّصَفَ بِهَاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ فَيَقْتَدِي بِهِ مَحَبَّةً لِلسُّرُورِ فِي هَذَا الْمَسْلَكِ، وَلَعَلَّ تَسْمِيَتَهُ حَسَدًا مَجَازٌ، وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ الْحَسَدِ وَأَنَّهُ مِنْ الْكَبَائِرِ. وَنِسْبَةُ الْأَكْلِ إلَيْهِ مَجَازٌ مِنْ بَابِ الِاسْتِعَارَةِ.

وَقَوْلُهُ (كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ) تَحْقِيقٌ لِذَهَابِ الْحَسَنَاتِ بِالْحَسَدِ كَمَا يَذْهَبُ الْحَطَبُ بِالنَّارِ وَيَتَلَاشَى جُرْمُهُ. وَاعْلَمْ أَنَّ دَوَاءَ الْحَسَدِ الَّذِي يُزِيلُهُ عَنْ الْقَلْبِ مَعْرِفَةُ الْحَاسِدِ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ بِحَسَدِهِ الْمَحْسُودَ فِي الدِّينِ وَلَا فِي الدُّنْيَا، وَأَنَّهُ يَعُودُ وَبَالُ حَسَدِهِ عَلَيْهِ فِي الدَّارَيْنِ إذْ لَا تَزُولُ نِعْمَةٌ بِحَسَدٍ قَطُّ، وَإِلَّا لَمْ تَبْقَ لِلَّهِ نِعْمَةٌ عَلَى أَحَدٍ حَتَّى نِعْمَةُ الْإِيمَانِ؛ لِأَنَّ الْكُفَّارَ يُحِبُّونَ زَوَالَهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ بَلْ الْمَحْسُودُ يَتَمَتَّعُ بِحَسَنَاتِ الْحَاسِدِ؛ لِأَنَّهُ مَظْلُومٌ مِنْ جِهَتِهِ سِيَّمَا إذَا أَطْلَقَ لِسَانَهُ بِالِانْتِقَاصِ، وَالْغِيبَةِ وَهَتْكِ السِّتْرِ وَغَيْرِهَا مِنْ أَنْوَاعِ الْإِيذَاءِ فَيَلْقَى اللَّهَ مُفْلِسًا مِنْ الْحَسَنَاتِ مَحْرُومًا مِنْ نِعْمَةِ الْآخِرَةِ كَمَا حُرِمَ مِنْ نِعْمَةِ سَلَامَةِ الصَّدْرِ وَسُكُونِ الْقَلْبِ وَالِاطْمِئْنَانِ فِي الدُّنْيَا، فَإِذَا تَأَمَّلَ الْعَاقِلُ هَذَا عَرَفَ أَنَّهُ جَرَّ لِنَفْسِهِ بِالْحَسَدِ كُلَّ غَمٍّ وَنَكَدٍ فِي الدُّنْيَا، وَالْآخِرَةِ.

(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ» بِضَمِّ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَبِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ عَلَى زِنَةِ هُمَزَةٍ صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ أَيْ كَثِيرُ الصَّرْعِ «إنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) الْمُرَادُ بِالشَّدِيدِ هُنَا شِدَّةُ الْقُوَّةِ الْمَعْنَوِيَّةِ وَهِيَ مُجَاهِدَةُ النَّفْسِ وَإِمْسَاكُهَا عِنْدَ الشَّرِّ وَمُنَازَعَتُهَا لِلْجَوَارِحِ لِلِانْتِقَامِ مِمَّنْ أَغْضَبَهَا، فَإِنَّ النَّفْسَ فِي حُكْمِ الْأَعْدَاءِ الْكَثِيرِينَ وَغَلَبَتْهَا عَمَّا تَشْتَهِيه فِي حُكْمِ مَنْ هُوَ شَدِيدُ الْقُوَّةِ فِي غَلَبَةِ الْجَمَاعَةِ الْكَثِيرِينَ فِيمَا يُرِيدُونَهُ مِنْهُ، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ مُجَاهِدَةَ النَّفْسِ أَشَدُّ مِنْ مُجَاهِدَةِ الْعَدُوِّ؛ لِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم جَعَلَ‌

‌ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ أَعْظَمَ النَّاسِ قُوَّةً.

وَحَقِيقَةُ الْغَضَبِ حَرَكَةُ النَّفْسِ إلَى خَارِجِ الْجَسَدِ لِإِرَادَةِ الِانْتِقَامِ، وَالْحَدِيثُ فِيهِ إرْشَادٌ إلَى

ص: 656

1394 -

وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

أَنَّ مَنْ أَغْضَبَهُ أَمْرٌ وَأَرَادَتْ النَّفْسُ الْمُبَادَرَةَ إلَى الِانْتِقَامِ مِمَّنْ أَغْضَبَهُ أَنْ يُجَاهِدُهَا وَيَمْنَعَهَا عَمَّا طَلَبَتْ، وَالْغَضَبُ غَرِيزَةٌ فِي الْإِنْسَانِ فَمَهْمَا قُصِدَ أَوْ نُوزِعَ فِي غَرَضٍ مَا اشْتَعَلَتْ نَارُ الْغَضَبِ وَثَارَتْ حَتَّى يَحْمَرَّ الْوَجْهُ، وَالْعَيْنَانِ مِنْ الدَّمِ؛ لِأَنَّ الْبَشَرَةَ تَحْكِي لَوْنَ مَا وَرَاءَهَا، وَهَذَا إذَا غَضِبَ عَلَى مَنْ دُونَهُ وَاسْتَشْعَرَ الْقُدْرَةَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ فَوْقَهُ تَوَلَّدَ مِنْهُ انْقِبَاضُ الدَّمِ مِنْ ظَاهِرِ الْجِلْدِ إلَى جَوْفِ الْقَلْبِ فَيَصْفَرُّ اللَّوْنُ خَوْفًا، وَإِنْ كَانَ عَلَى النَّظِيرِ تَرَدَّدَ الدَّمُ بَيْنَ انْقِبَاضٍ وَانْبِسَاطٍ فَيَحْمَرُّ وَيَصْفَرُّ، وَالْغَضَبُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ تَغَيُّرُ الْبَاطِنِ وَالظَّاهِرِ كَتَغَيُّرِ اللَّوْنِ وَالرِّعْدَةِ فِي الْأَطْرَافِ، وَخُرُوجِ الْأَفْعَالِ عَلَى غَيْرِ تَرْتِيبٍ وَاسْتِحَالَةِ الْخِلْقَةِ حَتَّى لَوْ رَأَى الْغَضْبَانُ نَفْسَهُ فِي حَالَةِ غَضَبِهِ لَسَكَنَ غَضَبُهُ حَيَاءً مِنْ قُبْحِ صُورَتِهِ وَاسْتِحَالَةِ خِلْقَتِهِ، هَذَا فِي الظَّاهِرِ، وَأَمَّا فِي الْبَاطِنِ فَقُبْحُهُ أَشَدُّ مِنْ الظَّاهِرِ؛ لِأَنَّهُ يُوَلِّدُ حِقْدًا فِي الْقَلْبِ وَإِضْمَارَ السُّوءِ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ بَلْ قُبْحُ بَاطِنِهِ مُتَقَدِّمٌ عَلَى تَغَيُّرِ ظَاهِرِهِ.

فَإِنَّ تَغَيُّرَ الظَّاهِرِ ثَمَرَةُ تَغَيُّرِ الْبَاطِنِ، فَيَظْهَرُ عَلَى اللِّسَانِ الْفُحْشُ وَالشَّتْمُ وَيَظْهَرُ فِي الْأَفْعَالِ بِالضَّرْبِ، وَالْقَتْلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَفَاسِدِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْأَحَادِيثِ دَوَاءُ هَذَا الدَّاءِ. فَأَخْرَجَ ابْنُ عَسَاكِرَ مَوْقُوفًا «الْغَضَبُ مِنْ الشَّيْطَانِ وَالشَّيْطَانُ خُلِقَ مِنْ النَّارِ، وَالْمَاءُ يُطْفِئُ النَّارَ، فَإِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَغْتَسِلْ» وَفِي رِوَايَةٍ " فَلْيَتَوَضَّأْ " وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا «إذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَقَالَ: أَعُوذُ بِاَللَّهِ سَكَنَ غَضَبُهُ» وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ «إذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْكُتْ» وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ حِبَّانَ «إذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْلِسْ، فَإِذَا ذَهَبَ عَنْهُ الْغَضَبُ وَإِلَّا فَلْيَضْطَجِعْ» .

وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ «الْغَضَبُ مِنْ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا وَجَدَهُ أَحَدُكُمْ قَائِمًا فَلْيَجْلِسْ، وَإِنْ وَجَدَهُ جَالِسًا فَلْيَضْطَجِعْ» وَالنَّهْيُ مُتَوَجِّهٌ إلَى الْغَضَبِ عَلَى غَيْرِ الْحَقِّ، وَقَدْ بَوَّبَ الْبُخَارِيُّ (بَابُ مَا يَجُوزُ مِنْ الْغَضَبِ وَالشِّدَّةِ لِأَمْرِ اللَّهِ)، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى:{جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} وَذَكَرَ خَمْسَةَ أَحَادِيثَ فِي كُلٍّ مِنْهَا غَضَبُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ فِي أَسْبَابٍ مُخْتَلِفَةٍ رَاجِعَةٍ إلَى أَنَّ كُلَّ ذَلِكَ كَانَ لِأَمْرِ اللَّهِ وَإِظْهَارِ الْغَضَبِ فِيهِ مِنْهُ صلى الله عليه وآله وسلم لِيَكُونَ أَوْكَدَ، وَقَدْ ذَكَرَ تَعَالَى فِي مُوسَى وَغَضَبِهِ لَمَّا عُبِدَ الْعِجْلُ وَقَالَ:{وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ} .

(وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) الْحَدِيثُ مِنْ أَدِلَّةِ تَحْرِيمِ الظُّلْمِ، وَهُوَ يَشْمَلُ جَمِيعَ أَنْوَاعِهِ سَوَاءٌ كَانَ فِي نَفْسٍ أَوْ مَالٍ أَوْ عَرْضٍ فِي حَقِّ مُؤْمِنٍ أَوْ كَافِرٍ أَوْ فَاسِقٍ، وَالْإِخْبَارُ عَنْهُ بِأَنَّهُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيهِ

ص: 657

1395 -

وَعَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «اتَّقُوا الظُّلْمَ، فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاتَّقُوا الشُّحَّ، فَإِنَّهُ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.

ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ قِيلَ هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ فَيَكُونُ ظُلُمَاتٍ عَلَى صَاحِبِهِ لَا يَهْتَدِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ سَبِيلًا حَيْثُ يَسْعَى نُورُ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ، وَقِيلَ: إنَّهُ يُرِيدُ بِالظُّلُمَاتِ الشَّدَائِدَ، وَبِهِ فَسَّرَ قَوْله تَعَالَى:{قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} أَيْ مِنْ شَدَائِدِهِمَا وَقِيلَ: إنَّهُ كِنَايَةٌ عَنْ النَّكَالِ، وَالْعُقُوبَاتِ.

(وَعَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «اتَّقُوا الظُّلْمَ، فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاتَّقُوا الشُّحَّ، فَإِنَّهُ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ) فِي الشُّحِّ وَفِي التَّفْرِقَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبُخْلِ أَقْوَالٌ فَقِيلَ فِي تَفْسِيرِ الشُّحِّ: إنَّهُ أَشَدُّ مِنْ الْبُخْلِ وَأَبْلَغُ فِي الْمَنْعِ مِنْ الْبُخْلِ وَقِيلَ هُوَ الْبُخْلُ مَعَ الْحِرْصِ، وَقِيلَ الْبُخْلُ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ وَالشُّحُّ عَامٌّ، وَقِيلَ الْبُخْلُ بِالْمَالِ خَاصَّةً وَالشُّحُّ بِالْمَالِ، وَالْمَعْرُوفِ، وَقِيلَ الشُّحّ الْحِرْصُ عَلَى مَا لَيْسَ عِنْدَهُ، وَالْبُخْلُ بِمَا عِنْدَهُ. وَقَوْلُهُ:(فَإِنَّهُ أَهْلَكَ مِنْ كَانَ قَبْلَكُمْ) يَحْتَمِلُ أَنَّهُ يُرِيدُ الْهَلَاكَ الدُّنْيَوِيَّ الْمُفَسَّرَ بِمَا بَعْدَهُ فِي تَمَامِ الْحَدِيثِ، وَهُوَ قَوْلُهُ " حَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ "، وَهَذَا هَلَاكٌ دُنْيَوِيٌّ، وَالْحَامِلُ لَهُمْ هُوَ شُحُّهُمْ عَلَى حِفْظِ الْمَالِ وَجَمْعِهِ وَازْدِيَادِهِ وَصِيَانَتِهِ عَنْ ذَهَابِهِ فِي النَّفَقَاتِ فَضَمُّوا إلَيْهِ مَالَ الْغَيْرِ صِيَانَةً لَهُ وَلَا يُدْرَكُ مَالُ الْغَيْرِ إلَّا بِالْحَرْبِ، وَالْغَضَبِيَّةِ الْمُفْضِيَةِ إلَى الْقَتْلِ وَاسْتِحْلَالِ الْمَحَارِمِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْهَلَاكُ الْأُخْرَوِيُّ، فَإِنَّهُ يَتَفَرَّعُ عَمَّا اقْتَرَفُوهُ مِنْ ارْتِكَابِ هَذِهِ الْمَظَالِمِ، وَالظَّاهِرُ حَمْلُهُ عَلَى الْأَمْرَيْنِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَحَادِيثَ فِي‌

‌ ذَمِّ الشُّحِّ، وَالْبُخْلِ

كَثِيرَةٌ، وَالْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى:{الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ} {وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ} {وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ} {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} .

وَفِي الْحَدِيثِ «ثَلَاثٌ مُهْلِكَاتٌ شُحٌّ مُطَاعٌ وَهَوًى مُتَّبَعٌ وَإِعْجَابُ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ» أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، وَفِيهِ زِيَادَةٌ وَفِي الدُّعَاءِ النَّبَوِيِّ «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ الْهَمِّ، وَالْحَزَنِ - إلَى قَوْلِهِ - وَالْبُخْلِ» أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ، وَقَالَ صلى الله عليه وسلم:«شَرُّ مَا فِي الرَّجُلِ شُحٌّ هَالِعٌ، وَجُبْنٌ خَالِعٌ» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ وَأَبُو دَاوُد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا، وَالْآثَارُ فِيهِ كَثِيرَةٌ (فَإِنْ قُلْت) وَمَا حَقِيقَةُ الْبُخْلِ الْمَذْمُومِ وَمَا مِنْ أَحَدٍ إلَّا، وَهُوَ يَرَى نَفْسَهُ أَنَّهُ غَيْرُ بِخَيْلٍ وَيَرَى

ص: 658

1396 -

وَعَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إنَّ

غَيْرَهُ بَخِيلًا وَرُبَّمَا صَدَرَ فِعْلٌ مِنْ إنْسَانٍ فَاخْتَلَفَ فِيهِ النَّاسُ فَيَقُولُ جَمَاعَةٌ: إنَّهُ بَخِيلٌ وَيَقُولُ آخَرُونَ: لَيْسَ بَخِيلًا فَمَاذَا حَدُّ الْبُخْلِ الَّذِي يُوجِبُ الْهَلَاكَ، وَمَا حَدُّ الْبَذْلِ الَّذِي يَسْتَحِقُّ الْعَبْدُ بِهِ صِفَةَ السَّخَاوَةِ وَثَوَابَهَا (قُلْت) السَّخَاءُ هُوَ أَنْ يُؤَدِّيَ مَا أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَالْوَاجِبُ وَاجِبَانِ: وَاجِبُ الشَّرْعِ، وَهُوَ مَا فَرَضَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ الزَّكَاةِ وَالنَّفَقَاتِ لِمَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ إنْفَاقُهُ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَوَاجِبُ الْمُرُوءَةِ، وَالْعَادَةِ. وَالسَّخِيُّ: هُوَ الَّذِي لَا يَمْنَعُ وَاجِبَ الشَّرْعِ وَلَا وَاجِبَ الْمُرُوءَةِ، فَإِنْ مَنَعَ وَاحِدًا مِنْهُمَا فَهُوَ بَخِيلٌ لَكِنَّ الَّذِي يَمْنَعُ وَاجِبَ الشَّرْعِ أَبْخَلُ، فَمَنْ أَعْطَى زَكَاةَ مَالِهِ مَثَلًا وَنَفَقَةَ عِيَالِهِ بِطِيبَةِ نَفْسِهِ، وَلَا يَتَيَمَّمُ الْخَبِيثَ مِنْ مَالِهِ فِي حَقِّ اللَّهِ، فَهُوَ سَخِيٌّ. وَالسَّخَاءُ فِي الْمُرُوءَةِ أَنْ يَتْرُكَ الْمُضَايَقَةَ وَالِاسْتِقْصَاءَ فِي الْمُحَقَّرَاتِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مُسْتَقْبَحٌ وَيَخْتَلِفُ اسْتِقْبَاحُهُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ، وَالْأَشْخَاصِ، وَتَفْصِيلُهُ يَطُولُ فَمَنْ أَرَادَ اسْتِيفَاءَ ذَلِكَ رَاجَعَ الْإِحْيَاءَ لِلْغَزَالِيِّ. رحمه الله

وَاعْلَمْ أَنَّ الْبُخْلَ دَاءٌ لَهُ دَوَاءٌ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ دَاءٍ إلَّا وَلَهُ دَوَاءٌ، وَدَاءُ الْبُخْلِ سَبَبُهُ أَمْرَانِ: الْأَوَّلُ: حُبُّ ذَاتِ الْمَالِ وَالشَّغَفِ بِهِ وَبِبَقَائِهِ لَدَيْهِ، فَإِنَّ الدَّنَانِيرَ مَثَلًا رَسُولٌ تَنَالُ بِهِ الْحَاجَاتُ وَالشَّهَوَاتُ فَهُوَ مَحْبُوبٌ لِذَلِكَ، ثُمَّ صَارَ مَحْبُوبًا لِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الْمُوَصِّلَ إلَى اللَّذَّاتِ لَذِيذٌ، فَقَدْ يَنْسَى الْحَاجَاتِ وَالشَّهَوَاتِ وَتَصِيرُ الدَّنَانِيرُ عِنْدَهُ هِيَ الْمَحْبُوبَةَ، وَهَذَا غَايَةُ الضَّلَالِ، فَإِنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْحَجَرِ وَبَيْنَ الذَّهَبِ إلَّا مِنْ حَيْثُ تُقْضَى بِهِ الْحَاجَاتُ، فَهَذَا سَبَبُ حُبِّ الْمَالِ وَيَتَفَرَّعُ مِنْهُ الشُّحُّ، وَعِلَاجُهُ بِضِدِّهِ، فَعِلَاجُ الشَّهَوَاتِ الْقَنَاعَةُ بِالْيَسِيرِ وَبِالصَّبْرِ، وَعِلَاجُ طُولِ الْأَمَلِ الْإِكْثَارُ مِنْ ذِكْرِ الْمَوْتِ وَذِكْرِ مَوْتِ الْأَقْرَانِ وَالنَّظَرِ فِي ذِكْرِ طُولِ تَعَبِهِمْ فِي جَمْعِ الْمَالِ، ثُمَّ ضَيَاعِهِ بَعْدَهُمْ وَعَدَمِ نَفْعِهِ لَهُمْ، وَقَدْ يَشُحُّ بِالْمَالِ شَفَقَةً عَلَى مَنْ بَعْدَهُ مِنْ الْأَوْلَادِ، وَعِلَاجُهُ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي خَلَقَهُمْ فَهُوَ يَرْزُقُهُمْ وَيَنْظُرُ فِي نَفْسِهِ، فَإِنَّهُ رُبَّمَا لَمْ يَخْلُفْ لَهُ أَبُوهُ فَلْسًا.

ثُمَّ يَنْظُرُ مَا أَعَدَّ اللَّهُ عز وجل لِمَنْ تَرَكَ الشُّحَّ وَبَذَلَ مِنْ مَالِهِ فِي مَرْضَاةِ اللَّهِ وَيَنْظُرُ فِي الْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ الْحَاثَّةِ عَلَى الْجُودِ الْمَانِعَةِ عَنْ الْبُخْلِ، ثُمَّ يَنْظُرُ فِي عَوَاقِبِ الْبُخْلِ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّهُ لَا بُدَّ لِجَامِعِ الْمَالِ مِنْ آفَاتٍ تُخْرِجُهُ عَلَى رَغْمِ أَنْفِهِ، فَالسَّخَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ مَا لَمْ يَخْرُجْ إلَى حَدِّ الْإِسْرَافِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ

وَقَدْ أَدَّبَ اللَّهُ عِبَادَهُ أَحْسَنَ الْآدَابِ فَقَالَ: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} فَخِيَارُ الْأُمُورِ أَوْسَطُهَا وَخُلَاصَتُهُ أَنَّهُ إذَا وَجَدَ الْعَبْدُ الْمَالَ أَنْفَقَهُ فِي وُجُوهِ الْمَعْرُوفِ بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، وَيَكُونُ بِمَا عِنْدَ اللَّهِ أَوْثَقُ مِنْهُ بِمَا هُوَ لَدَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَدَيْهِ مَالٌ لَزِمَ الْقَنَاعَةَ وَالتَّكَفُّفَ وَعَدَمَ الطَّمَعِ.

ص: 659

أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ: الرِّيَاءُ» أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ

(وَعَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ رضي الله عنه) هُوَ مَحْمُودُ بْنُ لَبِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ الْأَشْهَلِيُّ وُلِدَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَحَدَّثَ عَنْهُ أَحَادِيثَ قَالَ الْبُخَارِيُّ: لَهُ صُحْبَةٌ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ لَا تُعْرَفُ لَهُ صُحْبَةٌ وَذَكَرَهُ مُسْلِمٌ فِي التَّابِعِينَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الصَّوَابُ قَوْلُ الْبُخَارِيِّ، وَهُوَ أَحَدُ الْعُلَمَاءِ، مَاتَ سَنَةَ سِتٍّ وَتِسْعِينَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إنْ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ» كَأَنَّهُ قِيلَ مَا هُوَ فَقَالَ صلى الله عليه وسلم (الرِّيَاءُ. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ) الرِّيَاءُ مَصْدَرُ رَاءَى فَاعِلٌ وَمَصْدَرُهُ يَأْتِي عَلَى بِنَاءِ مُفَاعَلَةٍ وَفِعَالٍ، وَهُوَ مَهْمُوزُ الْعَيْنِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الرُّؤْيَةِ وَيَجُوزُ تَخْفِيفُهَا بِقَلْبِهَا يَاءً وَحَقِيقَتُهُ لُغَةً أَنْ يَرَى غَيْرَهُ خِلَافَ مَا هُوَ عَلَيْهِ وَشَرْعًا أَنْ يَفْعَلَ الطَّاعَةَ وَيَتْرُكَ الْمَعْصِيَةَ مَعَ مُلَاحَظَةِ غَيْرِ اللَّهِ أَوْ يُخْبِرَ بِهَا أَوْ يُحِبَّ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهَا لِمَقْصِدٍ دُنْيَوِيٍّ مِنْ مَالٍ أَوْ نَحْوِهِ، وَقَدْ ذَمَّهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ وَجَعَلَهُ مِنْ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ فِي قَوْلِهِ:{يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلا قَلِيلا} وَقَالَ {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} ، وَقَالَ {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ} - قَوْلُهُ - {الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ} وَوَرَدَ فِيهِ مِنْ الْأَحَادِيثِ الْكَثِيرَةِ الطَّيِّبَةِ الدَّالَّةِ عَلَى عَظَمَةِ عِقَابِ الْمُرَائِي، فَإِنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ عَابِدٌ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَفِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: مِنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ غَيْرِي فَهُوَ لَهُ كُلُّهُ وَأَنَا عَنْهُ بَرِيءٌ وَأَنَا أَغْنَى الْأَغْنِيَاءِ عَنْ الشِّرْكِ» وَاعْلَمْ أَنَّ الرِّيَاءَ يَكُونُ بِالْبَدَنِ، وَذَلِكَ بِإِظْهَارِ النُّحُولِ وَالِاصْفِرَارِ لِيُوهِمَ بِذَلِكَ شِدَّةَ الِاجْتِهَادِ، وَالْحُزْنِ عَلَى أَمْرِ الدِّينِ وَخَوْفِ الْآخِرَةِ، وَلِيَدُلَّ بِالنُّحُولِ عَلَى قِلَّةِ الْأَكْلِ، وَبِتَشَعُّثِ الشَّعْرِ وَدَرَنِ الثَّوْبِ يُوهِمُ أَنَّ هَمَّهُ بِالدِّينِ أَلْهَاهُ عَنْ ذَلِكَ، وَأَنْوَاعُ هَذَا وَاسِعَةٌ، وَهُوَ مَعْنَى أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ، وَيَكُونُ فِي الْقَوْلِ بِالْوَعْظِ فِي الْمَوَاقِفِ وَيَذْكُرُ حِكَايَاتِ الصَّالِحِينَ لِيَدُلَّ عَلَى عِنَايَتِهِ بِأَخْبَارِ السَّلَفِ وَتَبَحُّرِهِ فِي الْعِلْمِ وَيَتَأَسَّفُ عَلَى مُقَارَفَةِ النَّاسِ لِلْمَعَاصِي وَالتَّأَوُّهِ مِنْ ذَلِكَ.

وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ بِحَضْرَةِ النَّاسِ وَالرِّيَاءُ بِالْقَوْلِ لَا تَنْحَصِرُ أَبْوَابُهُ، وَقَدْ تَكُونُ الْمُرَاءَاةُ بِالْأَصْحَابِ، وَالْأَتْبَاعِ وَالتَّلَامِيذِ فَيُقَالُ: فُلَانٌ مَتْبُوعٌ قُدْوَةٌ، وَالرِّيَاءُ بَابٌ وَاسِعٌ إذَا عَرَفْت ذَلِكَ، فَبَعْضُ أَبْوَابِ الرِّيَاءِ أَعْظَمُ مِنْ بَعْضِ لِاخْتِلَافِهِ بِاخْتِلَافِ أَرْكَانِهِ، وَهِيَ ثَلَاثَةٌ: الْمُرَاءَى بِهِ، وَالْمُرَاءَى لِأَجَلِهِ، وَنَفْسُ قَصْدِ الرِّيَاءِ، فَقَصْدُ الرِّيَاءِ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ مُجَرَّدًا عَنْ قَصْدِ الثَّوَابِ أَوْ مَصْحُوبًا بِإِرَادَتِهِ، وَالْمَصْحُوبُ بِإِرَادَةِ الثَّوَابِ لَا يَخْلُو عَنْ أَنْ تَكُونَ إرَادَةُ الثَّوَابِ أَرْجَحَ أَوْ أَضْعَفَ أَوْ مُسَاوِيَةً فَكَانَتْ أَرْبَعَ صُوَرٍ الْأُولَى أَنْ لَا يَكُونَ قَصَدَ الثَّوَابَ بَلْ فَعَلَ الصَّلَاةَ مَثَلًا لِيَرَاهُ غَيْرُهُ، وَإِذَا انْفَرَدَ لَا يَفْعَلُهَا، وَأَخْرَجَ الصَّدَقَةَ لِئَلَّا يُقَالَ إنَّهُ بَخِيلٌ، وَهَذَا أَغْلَظُ أَنْوَاعِ الرِّيَاءِ وَأَخْبَثُهَا، وَهُوَ

ص: 660

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

عِبَادَةٌ لِلْعِبَادِ، الثَّانِيَةُ: قَصَدَ الثَّوَابَ لَكِنْ قَصْدًا ضَعِيفًا بِحَيْثُ أَنَّهُ لَا يَحْمِلُهُ عَلَى الْفِعْلِ إلَّا مُرَاءَاةَ الْعِبَادِ وَلَكِنَّهُ قَصَدَ الثَّوَابَ فَهَذَا كَاَلَّذِي قَبْلَهُ، الثَّالِثَةُ: تَسَاوِي الْقَصْدَيْنِ بِحَيْثُ لَمْ يَبْعَثْهُ عَلَى الْفِعْلِ إلَّا مَجْمُوعُهُمَا وَلَوْ خَلَّى عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَمْ يَفْعَلْهُ فَهَذَا تَسَاوِي صَلَاحُ قَصْدِهِ وَفَسَادِهِ، فَلَعَلَّهُ يُخْرِجُ رَأْسًا بِرَأْسٍ لَا لَهُ وَلَا عَلَيْهِ، الرَّابِعَةُ: أَنْ يَكُونَ اطِّلَاعُ النَّاسِ مُرَجِّحًا أَوْ مُقَوِّيًا لِنَشَاطِهِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَمَا تَرَكَ الْعِبَادَةَ. قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَاَلَّذِي نَظُنُّهُ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ أَنَّهُ لَا يَحْبَطُ أَصْلُ الثَّوَابِ وَلَكِنَّهُ يَنْقُصُ وَيُعَاقَبُ عَلَى مِقْدَارِ قَصْدِ الرِّيَاءِ، وَيُثَابُ عَلَى مِقْدَارِ قَصْدِ الثَّوَابِ وَحَدِيثُ:«أَنَا أَغْنَى الْأَغْنِيَاءِ عَنْ الشِّرْكِ» مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا تَسَاوَى الْقَصْدَانِ أَوْ أَنَّ قَصْدَ الرِّيَاءِ أَرْجَحُ. وَأَمَّا الْمُرَاءَى بِهِ، وَهُوَ الطَّاعَاتُ فَيُقْسَمُ إلَى الرِّيَاءِ بِأُصُولِ الْعِبَادَاتِ، وَإِلَى الرِّيَاءِ بِأَوْصَافِهَا، وَهُوَ ثَلَاثُ دَرَجَاتٍ: الرِّيَاءُ بِالْإِيمَانِ، وَهُوَ إظْهَارُ كَلِمَةِ الشَّهَادَةِ، وَبَاطِنُهُ مُكَذِّبٌ فَهُوَ مُخَلَّدٌ فِي النَّارِ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنْهَا، وَفِي هَؤُلَاءِ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ} الْآيَةَ.

وَقَرِيبٌ مِنْهُمْ الْبَاطِنِيَّةُ الَّذِينَ يُظْهِرُونَ الْمُوَافَقَةَ فِي الِاعْتِقَادِ وَيُبْطِنُونَ خِلَافَهُ، وَمِنْهُمْ الرَّافِضَةُ أَهْلُ التَّقِيَّةِ الَّذِينَ يُظْهِرُونَ لِكُلِّ فَرِيقٍ أَنَّهُمْ مِنْهُمْ تَقِيَّةً.

وَالرِّيَاءُ بِالْعِبَادَاتِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَهَذَا إذَا كَانَ الرِّيَاءُ فِي أَصْلِ الْمَقْصِدِ وَأَمَّا إذَا عَرَضَ الرِّيَاءُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ فِعْلِ الْعِبَادَةِ لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ إلَّا إذَا ظَهَرَ الْعَمَلُ لِلْغَيْرِ وَتَحَدَّثَ بِهِ، وَقَدْ أَخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ مَرْفُوعًا «إنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلًا سِرًّا فَيَكْتُبُهُ اللَّهُ عِنْدَهُ سِرًّا فَلَا يَزَالُ بِهِ الشَّيْطَانُ حَتَّى يَتَكَلَّمَ بِهِ فَيُمْحَى مِنْ السِّرِّ وَيُكْتَبُ عَلَانِيَةً، فَإِنْ عَادَ تَكَلَّمَ الثَّانِيَةَ مُحِيَ مِنْ السِّرِّ، وَالْعَلَانِيَةِ وَكُتِبَ رِيَاءً»

وَأَمَّا إذَا قَارَنَ بَاعِثُ الرِّيَاءِ بَاعِثَ الْعِبَادَةِ، ثُمَّ نَدِمَ فِي أَثْنَاءِ الْعِبَادَةِ فَأَوْجَبَ الْبَعْضُ مِنْ الْعُلَمَاءِ الِاسْتِئْنَافَ لِعَدَمِ انْعِقَادِهَا وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَلْغُو جَمِيعُ مَا فَعَلَهُ إلَّا التَّحْرِيمَ وَقَالَ بَعْضٌ: يَصِحُّ؛ لِأَنَّ النَّظَرَ إلَى الْخَوَاتِمِ كَمَا لَوْ ابْتَدَأَ بِالْإِخْلَاصِ وَصَحِبَهُ الرِّيَاءُ مِنْ بَعْدِهِ قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَالْقَوْلَانِ الْآخَرَانِ خَارِجَانِ عَنْ قِيَاسِ الْفِقْهِ، وَقَدْ أَخْرَجَ الْوَاحِدِيُّ فِي أَسْبَابِ النُّزُولِ جَوَابَ «جُنْدَبِ بْنِ زُهَيْرٍ لَمَّا قَالَ لِلنَّبِيِّ: صلى الله عليه وسلم إنِّي أَعْمَلُ الْعَمَلَ لِلَّهِ، وَإِذَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ سَرَّنِي فَقَالَ صلى الله عليه وسلم لَا شَرِيكَ لِلَّهِ فِي عِبَادَتِهِ»، وَفِي رِوَايَةٍ «إنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ مَا شُورِكَ فِيهِ» رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَرَوَى عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ «جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ إنِّي أَتَصَدَّقُ وَأَصِلُ الرَّحِمَ وَلَا أَصْنَعُ ذَلِكَ إلَّا لِلَّهِ فَيُذْكَرُ ذَلِكَ مِنِّي فَيَسُرُّنِي وَأُعْجَبُ بِهِ، فَلَمْ يَقُلْ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لَهُ شَيْئًا حَتَّى نَزَلَتْ الْآيَةُ يَعْنِي قَوْله تَعَالَى {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا}»

فَفِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ السُّرُورَ بِالِاطِّلَاعِ عَلَى الْعَمَلِ رِيَاءٌ وَلَكِنَّهُ يُعَارِضُهُ مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَقَالَ حَدِيثٌ غَرِيبٌ قَالَ: «قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ بَيْنَمَا أَنَا فِي بَيْتِي فِي صَلَاتِي إذْ

ص: 661

1397 -

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا ائْتُمِنَ خَانَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلَهُمَا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ» .

دَخَلَ عَلَيَّ رَجُلٌ فَأَعْجَبَنِي الْحَالَ الَّتِي رَآنِي عَلَيْهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: صلى الله عليه وسلم لَك أَجْرَانِ» وَفِي الْكَشَّافِ مِنْ حَدِيثِ «جُنْدَبٍ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ لَهُ: لَك أَجْرَانِ أَجْرُ السِّرِّ وَأَجْرُ الْعَلَانِيَةِ» ، وَقَدْ يُرَجَّحُ هَذَا الظَّاهِرُ قَوْله تَعَالَى {وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ} فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَحَبَّةَ الثَّنَاءِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَا تُنَافِي الْإِخْلَاصَ وَلَا تُعَدُّ مِنْ الرِّيَاءِ وَيُتَأَوَّلُ الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ:" إذَا اُطُّلِعَ عَلَيْهِ سَرَّنِي " لِمَحَبَّتِهِ لِلثَّنَاءِ عَلَيْهِ فَيَكُونُ الرِّيَاءُ فِي مَحَبَّتِهِ لِلثَّنَاءِ عَلَى الْعَمَلِ، وَإِنْ لَمْ يُخْرِجْ الْعَمَلَ عَنْ كَوْنِهِ خَالِصًا، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ لَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِمَحَبَّةِ الثَّنَاءِ مِنْ الْمُطَّلِعِ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا هُوَ مُجَرَّدُ مَحَبَّةٍ لِمَا يَصْدُرُ عَنْهُ وَعَلِمَ بِهِ غَيْرُهُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِقَوْلِهِ فَيُعْجِبُهُ أَيْ يُعْجِبُهُ شَهَادَةُ النَّاسِ لَهُ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ لِقَوْلِهِ: صلى الله عليه وسلم «أَنْتُمْ شُهَدَاءُ لِلَّهِ فِي الْأَرْضِ» وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: أَمَّا مُجَرَّدُ السُّرُورِ بِاطِّلَاعِ النَّاسِ إذَا لَمْ يَبْلُغْ أَمْرُهُ بِحَيْثُ يُؤَثِّرُ فِي الْعَمَلِ فَبَعِيدٌ أَنْ يُفْسِدَ الْعِبَادَةَ.

(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «آيَةُ الْمُنَافِقِ أَيْ عَلَامَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ إذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا ائْتُمِنَ خَانَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)، وَقَدْ ثَبَتَ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَابِعَةٌ، وَهِيَ «وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ» ، وَالْمُنَافِقُ مَنْ يُظْهِرُ الْإِيمَانَ وَيُبْطِنُ الْكُفْرَ.

وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ هَذِهِ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ النِّفَاقِ، فَإِنْ كَانَتْ فِيهِ هَذِهِ كُلُّهَا فَهُوَ مُنَافِقٌ، وَإِنْ كَانَ مُصَدِّقًا بِشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ. وَقَدْ اسْتَشْكَلَ الْحَدِيثُ بِأَنَّ هَذِهِ الْخِصَالَ قَدْ تُوجَدُ فِي الْمُؤْمِنِ الْمُصَدِّقِ الْقَائِمِ بِشَرَائِعِ الدِّينِ، وَلَمَّا كَانَ كَذَلِكَ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَاهُ قَالَ النَّوَوِيُّ: قَالَ الْمُحَقِّقُونَ: وَالْأَكْثَرُونَ - وَهُوَ الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ - إنَّ هَذِهِ الْخِصَالَ هِيَ خِصَالُ الْمُنَافِقِينَ، فَإِذَا اتَّصَفَ بِهَا أَحَدٌ مِنْ الْمُصَدِّقِينَ أَشْبَهَ الْمُنَافِقَ فَيُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ النِّفَاقِ مَجَازًا، فَإِنَّ النِّفَاقَ هُوَ إظْهَارُ مَا يُبْطِنُ خِلَافَهُ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي صَاحِبِ هَذِهِ الْخِصَالِ وَيَكُونُ نِفَاقُهُ فِي حَقِّ مَنْ حَدَّثَهُ وَوَعَدَهُ وَائْتَمَنَهُ وَخَاصَمَهُ وَعَاهَدَهُ مِنْ النَّاسِ لَا أَنَّهُ مُنَافِقٌ فِي الْإِسْلَامِ، وَهُوَ يُبْطِنُ الْكُفْرَ، وَقِيلَ: إنَّ هَذَا كَانَ فِي حَقِّ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ كَانُوا فِي أَيَّامِهِ صلى الله عليه وسلم تَحَدَّثُوا بِإِيمَانِهِمْ فَكَذَبُوا وَائْتُمِنُوا عَلَى رُسُلِهِمْ فَخَانُوا وَوَعَدُوا فِي الدِّينِ بِالنَّصْرِ فَغَدَرُوا وَأَخْلَفُوا وَفَجَرُوا فِي

ص: 662

1398 -

وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

خُصُومَاتِهِمْ، وَهَذَا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَرَجَعَ إلَيْهِ الْحَسَنُ بَعْدَ أَنْ كَانَ عَلَى خِلَافِهِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَرَوَيَاهُ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَإِلَيْهِ مَالَ كَثِيرٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ: إنَّهُ وَرَدَ الْحَدِيثُ فِي رَجُلٍ مُعَيَّنٍ وَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لَا يُوَاجِهُهُمْ بِصَرِيحِ الْقَوْلِ يَقُولُ: فُلَانٌ مُنَافِقٌ، وَإِنَّمَا يُشِيرُ إشَارَةً، وَحَكَى الْخَطَّابِيُّ أَنَّ مَعْنَاهُ التَّحْذِيرُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُعْتَادَ فِي هَذِهِ الْخِصَالِ الَّتِي يُخَافُ عَلَيْهِ مِنْهَا أَنْ تُفْضِيَ بِهِ إلَى حَقِيقَةِ النِّفَاقِ وَأَيَّدَ هَذَا الْقَوْلَ بِقِصَّةِ ثَعْلَبَةَ الَّذِي قَالَ فِيهِ تَعَالَى:{فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} ، فَإِنَّهُ آلَ بِهِ خُلْفُ الْوَعْدِ، وَالْكَذِبِ إلَى الْكُفْرِ فَيَكُونُ الْحَدِيثُ لِلتَّحْذِيرِ مِنْ التَّخَلُّقِ بِهَذِهِ الْأَخْلَاقِ الَّتِي تَؤُولُ بِصَاحِبِهَا إلَى النِّفَاقِ الْحَقِيقِيِّ الْكَامِلِ.

(وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «سِبَابُ بِكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ مَصْدَرُ سَبَّهُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) السَّبُّ لُغَةً الشَّتْمُ وَالتَّكَلُّمُ فِي أَعْرَاضِ النَّاسِ بِمَا لَا يَعْنِي كَالسِّبَابِ، وَالْفُسُوقُ مَصْدَرُ فِسْقٍ، وَهُوَ لُغَةً الْخُرُوجُ وَشَرْعًا الْخُرُوجُ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَفِي مَفْهُومِ قَوْلِهِ " الْمُسْلِمِ " دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ سَبِّ الْكَافِرِ، فَإِنْ كَانَ مُعَاهَدًا فَهُوَ أَذِيَّةٌ لَهُ، وَقَدْ نَهَى عَنْ أَذِيَّتِهِ فَلَا يُعْمَلُ بِالْمَفْهُومِ فِي حَقِّهِ، وَإِنْ كَانَ حَرْبِيًّا جَازَ سَبُّهُ إذْ لَا حُرْمَةَ لَهُ.

وَأَمَّا الْفَاسِقُ فَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي جَوَازِ سَبِّهِ بِمَا هُوَ مُرْتَكِبٌ لَهُ مِنْ الْمَعَاصِي فَذَهَبَ الْأَكْثَرُ إلَى جَوَازِهِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُسْلِمِ فِي الْحَدِيثِ الْكَامِلُ الْإِسْلَامِ، وَالْفَاسِقُ لَيْسَ كَذَلِكَ وَبِحَدِيثِ «اُذْكُرُوا الْفَاسِقَ بِمَا فِيهِ كَيْ يَحْذَرَهُ النَّاسُ» ، وَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ وَأَنْكَرَهُ أَحْمَدُ وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: لَيْسَ بِشَيْءِ، فَإِنْ صَحَّ حَمَلَ عَلَى فَاجِرٍ مُعْلِنٍ بِفُجُورِهِ أَوْ يَأْتِي بِشَهَادَةِ أَوْ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فَيَحْتَاجُ إلَى بَيَانِ حَالِهِ لِئَلَّا يَقَعَ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ انْتَهَى كَلَامُ الْبَيْهَقِيّ، وَلَكِنَّهُ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ وَالصَّغِيرِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ رِجَالَهُ مَوْثُوقُونَ وَأَخْرَجَهُ فِي الْكَبِيرِ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ «مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ قَالَ: خَطَبَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: حَتَّى مَتَى تَرْعَوُونَ عَنْ ذِكْرِ الْفَاجِرِ اهْتِكُوهُ حَتَّى يَحْذَرَهُ النَّاسُ».

وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ «مَنْ أَلْقَى جِلْبَابَ الْحَيَاءِ فَلَا غِيبَةَ لَهُ» وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ «كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إلَّا الْمُجَاهِرُونَ» وَهُمْ الَّذِينَ جَاهَرُوا بِمَعَاصِيهِمْ فَهَتَكُوا مَا سَتَرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَيُبِيحُونَ بِهَا بِلَا ضَرُورَةٍ وَلَا حَاجَةٍ، وَالْأَكْثَرُ يَقُولُونَ بِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لِلْفَاسِقِ: يَا فَاسِقُ، وَيَا مُفْسِدُ، وَكَذَا فِي غِيبَتِهِ بِشَرْطِ قَصْدِ النَّصِيحَةِ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ لِبَيَانِ حَالِهِ أَوْ لِلزَّجْرِ عَنْ صَنِيعِهِ لَا لِقَصْدِ الْوَقِيعَةِ فِيهِ فَلَا بُدَّ مِنْ قَصْدٍ صَحِيحٍ

ص: 663

1399 -

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ‌

«إيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ»

مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

إلَّا أَنْ يَكُونَ جَوَابًا لِمَنْ يَبْدَأهُ بِالسَّبِّ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الِانْتِصَارَ لِنَفْسِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ} وَلِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «الْمُتَسَابَّانِ مَا قَالَا فَعَلَى الْبَادِئِ مَا لَمْ يَعْتَدِ الْمَظْلُومُ» .

أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَلَكِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَعْتَدِي وَلَا يَسُبُّهُ بِأَمْرٍ كَذِبٍ. قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَإِذَا انْتَصَرَ الْمَسْبُوبُ اسْتَوْفَى ظُلَامَتَهُ وَبَرِئَ الْأَوَّلُ مِنْ حَقِّهِ وَبَقِيَ عَلَيْهِ إثْمُ الِابْتِدَاءِ، وَالْإِثْمُ الْمُسْتَحَقُّ لِلَّهِ تَعَالَى وَقِيلَ بَرِئَ مِنْ الْإِثْمِ وَيَكُونُ عَلَى الْبَادِئِ اللَّوْمُ وَالذَّمُّ لَا لِلْإِثْمِ. وَيَجُوزُ فِي حَالِّ الْغَضَبِ لِلَّهِ تَعَالَى «لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم لِأَبِي ذَرٍّ: إنَّك امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ» وَقَوْلِ عُمَرَ فِي قِصَّةِ حَاطِبٍ دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ وَقَوْلِ أُسَيْدٍ لِسَعْدٍ: إنَّمَا أَنْتَ مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَنْ الْمُنَافِقِينَ وَلَمْ يُنْكِرْ صلى الله عليه وسلم هَذِهِ الْأَقْوَالَ وَهِيَ بِمَحْضَرِهِ وَقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم (وَقِتَالُهُ كُفْرٌ) دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ يَكْفُرُ مَنْ يُقَاتِلُ الْمُسْلِمُ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِيمَنْ اسْتَحَلَّ قَتَلَ الْمُسْلِمِ أَوْ قَاتَلَهُ حَالَ إسْلَامِهِ.

وَأَمَّا إذَا كَانَتْ الْمُقَاتَلَةُ لِغَيْرِ ذَلِكَ فَإِطْلَاقُ الْكُفْرِ عَلَيْهِ مَجَازًا وَيُرَادُ بِهِ كُفْرُ النِّعْمَةِ، وَالْإِحْسَانِ وَأُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ لَا كُفْرُ الْجُحُودِ وَسَمَّاهُ كُفْرًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَئُولُ بِهِ مَا يَحْصُلُ مِنْ الْمَعَاصِي مِنْ الرَّيْنِ عَلَى الْقَلْبِ حَتَّى يُعْمَى عَنْ الْحَقِّ فَقَدْ يَصِيرُ كُفْرًا أَوْ أَنَّهُ فِعْلٌ كَفِعْلِ الْكَافِرِ الَّذِي يُقَاتِلُ الْمُسْلِمَ.

(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) الْمُرَادُ بِالتَّحْذِيرِ مِنْ الظَّنِّ الْمُسْلِمِ شَرًّا نَحْوُ قَوْلِهِ {اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ} وَالظَّنُّ هُوَ مَا يَخْطِرُ بِالنَّفْسِ مِنْ التَّجْوِيزِ الْمُحْتَمِلِ لِلصِّحَّةِ، وَالْبُطْلَانِ فَيَحْكُمُ بِهِ يَعْتَمِلُ عَلَيْهِ كَذَا فَسَّرَ الْحَدِيثَ فِي مُخْتَصَرِ النِّهَايَةِ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ الْمُرَادُ التُّهْمَةُ وَمَحَلُّ التَّحْذِيرِ وَالنَّهْيِ إنَّمَا هُوَ عَنْ التُّهْمَةِ الَّتِي لَا سَبَبَ لِمَا يُوجِبُهَا كَمَنْ اُتُّهِمَ بِالْفَاحِشَةِ وَلَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِ مَا يَقْتَضِي ذَلِكَ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: وَالْمُرَادُ التَّحْذِيرُ مِنْ تَحْقِيقِ التُّهْمَةِ، وَالْإِصْرَارِ عَلَيْهَا وَتَقَرُّرِهَا فِي النَّفْسِ دُونَ مَا يَعْرِضُ وَلَا يَسْتَقِرُّ، فَإِنَّ هَذَا لَا يُكَلَّفُ بِهِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ «تَجَاوَزَ اللَّهُ عَمَّا تَحَدَّثَتْ بِهِ الْأُمَّةُ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَتَكَلَّمْ أَوْ تَعْمَلْ» وَنَقَلَهُ عِيَاضٌ عَنْ سُفْيَانَ، وَالْحَدِيثُ وَارِدٌ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ شَتْمٌ وَلَا فُحْشٌ وَلَا فُجُورٌ وَيُقَيِّدُ إطْلَاقَهُ حَدِيثُ «احْتَرِسُوا مِنْ النَّاسِ بِسُوءِ الظَّنِّ» أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، وَالْبَيْهَقِيُّ، وَالْعَسْكَرِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: تَفَرَّدَ بِهِ بَقِيَّةُ وَأَخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه مَوْقُوفًا: يَحْرُمُ سُوءُ الظَّنِّ. أَخْرَجَهُ الْقُضَاعِيُّ مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَائِذٍ

ص: 664

1400 -

وَعَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ إلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ

مُرْسَلًا وَكُلُّ طُرُقِهِ ضَعِيفَةٌ وَبَعْضُهَا يُقَوِّي بَعْضًا وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَهَا أَصْلًا، وَقَدْ قَالَ صلى الله عليه وسلم «أَخُوك الْبِكْرِيُّ وَلَا تَأْمَنْهُ» أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ عَنْ عُمَرَ وَأَبُو دَاوُد عَنْ عَمْرِو بْنِ الْفَعْوَاءِ، وَقَدْ قَسَّمَ الزَّمَخْشَرِيُّ الظَّنَّ إلَى وَاجِبٍ، وَمَنْدُوبٍ وَحَرَامٍ وَمُبَاحٍ فَالْوَاجِبُ حُسْنُ الظَّنِّ بِاَللَّهِ، وَالْحَرَامُ سُوءُ الظَّنِّ بِهِ تَعَالَى وَبِكُلِّ مَنْ ظَاهِرُهُ الْعَدَالَةُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم:«إيَّاكُمْ وَالظَّنَّ» الْحَدِيثَ، وَالْمَنْدُوبُ حُسْنُ الظَّنِّ بِمَنْ ظَاهِرُهُ الْعَدَالَةُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَالْجَائِزُ مِثْلُ قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ لِعَائِشَةَ إنَّمَا هُمَا أَخَوَاك أَوْ أُخْتَاك لِمَا وَقَعَ فِي قَلْبِهِ أَنَّ الَّذِي فِي بَطْنِ امْرَأَتِهِ اثْنَانِ. وَمِنْ ذَلِكَ سُوءُ الظَّنِّ بِمَنْ اُشْتُهِرَ بَيْنَ النَّاسِ بِمُخَالَطَةِ الرِّيَبِ، وَالْمُجَاهِرَةِ بِالْخَبَائِثِ فَلَا يَحْرُمُ سُوءُ الظَّنِّ بِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ دَلَّ عَلَى نَفْسِهِ، وَمَنْ سَتَرَ عَلَى نَفْسِهِ لَمْ يُظَنَّ بِهِ إلَّا خَيْرًا وَمَنْ دَخَلَ فِي مَدَاخِلِ السُّوءِ اُتُّهِمَ، وَمَنْ هَتَكَ نَفْسَهُ ظَنَنَّا بِهِ السُّوءَ، وَاَلَّذِي يُمَيِّزُ الظُّنُونَ الَّتِي يَجِبُ اجْتِنَابُهَا عَمَّا سِوَاهَا أَنَّ كُلَّ مَا لَا تُعْرَفُ لَهُ أَمَارَةُ صَحِيحَةُ وَسَبَبٌ ظَاهِرٌ كَانَ حَرَامًا وَاجِبَ الِاجْتِنَابِ، وَذَلِكَ إذَا كَانَ الْمَظْنُونُ بِهِ مِمَّنْ شُوهِدَ مِنْهُ السَّتْرُ وَالصَّلَاحُ، وَمَنْ عُرِفَتْ مِنْهُ الْأَمَانَةُ فِي الظَّاهِرِ فَظَنُّ الْفَسَادِ، وَالْخِيَانَةِ بِهِ مُحَرَّمٌ بِخِلَافِ مِنْ اُشْتُهِرَ بَيْنَ النَّاسِ بِتَعَاطِي الرِّيَبِ فَنُقَابِلُهُ بِعَكْسِ ذَلِكَ. ذَكَرَ مَعْنَاهُ فِي الْكَشَّافِ. وَقَوْلُهُ «، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ» سَمَّاهَا حَدِيثًا؛ لِأَنَّهُ حَدِيثُ النَّفْسِ، وَإِنَّمَا كَانَ الظَّنُّ أَكْذَبَ الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّ الْكَذِبَ مُخَالَفَةُ الْوَاقِعِ مِنْ غَيْرِ اسْتِنَادٍ إلَى أَمَارَةٍ، وَقُبْحُهُ ظَاهِرٌ لَا يَحْتَاجُ إلَى إظْهَارِهِ.

وَأَمَّا الظَّنُّ فَيَزْعُمُ صَاحِبُهُ أَنَّهُ اسْتَنَدَ إلَى شَيْءٍ فَيَخْفَى عَلَى السَّامِعِ كَوْنُهُ كَاذِبًا بِحَسَبِ الْغَالِبِ فَكَانَ أَكْذَبَ الْحَدِيثِ.

(وَعَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ إلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ مِنْ رِوَايَةٍ حَسَنٌ، وَفِيهِ قِصَّةٌ وَهِيَ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زِيَادٍ عَادَ مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ وَكَانَ عُبَيْدُ اللَّهِ عَامِلًا عَلَى الْبَصْرَةِ فِي إمَارَةِ مُعَاوِيَةَ وَوَلَدِهِ يَزِيدَ. أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ الْحَسَنِ قَالَ: قَدِمَ إلَيْنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ

ص: 665

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

أَمِيرًا أَمَّرَهُ عَلَيْنَا مُعَاوِيَةُ غُلَامًا سَفِيهًا يَسْفِكُ الدِّمَاءَ سَفْكًا شَدِيدًا، وَفِيهَا مَعْقِلٌ الْمُزَنِيّ فَدَخَلَ عَلَيْهِ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ لَهُ: انْتَهِ عَمَّا أَرَاك تَصْنَعُ فَقَالَ لَهُ: وَمَا أَنْتَ وَذَاكَ، ثُمَّ خَرَجَ إلَى الْمَسْجِدِ فَقُلْنَا لَهُ: مَا كُنْت تَصْنَعُ بِكَلَامِ هَذَا السَّفِيهِ عَلَى رُءُوسِ النَّاسِ فَقَالَ: إنَّهُ كَانَ عِنْدِي عِلْمٌ فَأَحْبَبْت أَنْ لَا أَمُوتَ حَتَّى أَقُولَ بِهِ عَلَى رُءُوسِ النَّاسِ، ثُمَّ مَرِضَ فَدَخَلَ عَلَيْهِ عُبَيْدُ اللَّهِ يَعُودُهُ فَقَالَ لَهُ مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ: إنِّي أُحَدِّثُك حَدِيثًا سَمِعْته مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيه اللَّهُ رَعِيَّةً فَلَمْ يَحُطْهَا بِنَصِيحَةٍ لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ» وَلَفْظُ رِوَايَةِ الْمُصَنِّفِ أَحَدُ رِوَايَتَيْ مُسْلِمٍ وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ «مَا مِنْ أَمِيرٍ يَلِي أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ لَا يَجْتَهِدُ مَعَهُمْ وَلَا يَنْصَحُ لَهُمْ إلَّا لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُمْ الْجَنَّةَ» وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَزَادَ: كَنُصْحِهِ لِنَفْسِهِ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ «مَا مِنْ إمَامٍ وَلَا وَالٍ بَاتَ لَيْلَةً سَوْدَاءَ غَاشًّا لِرَعِيَّتِهِ إلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَعُرْفُهَا يُوجَدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ مَسِيرَةِ سَبْعِينَ عَامًا» وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ وُلِّيَ مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا فَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أَحَدًا مُحَابَاةً فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا حَتَّى يُدْخِلَهُ جَهَنَّمَ»

وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ، وَالْحَاكِمُ أَيْضًا وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى عِصَابَةٍ، وَفِيهِمْ مَنْ هُوَ أَرْضَى اللَّهُ عَنْهُ فَقَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَالْمُؤْمِنِينَ» وَفِي إسْنَادِهِ وَاهٍ إلَّا أَنَّ ابْنَ نُمَيْرٍ وَثَّقَهُ وَحَسَّنَ لَهُ التِّرْمِذِيُّ أَحَادِيثَ وَالرَّاعِي هُوَ الْقَائِمُ بِمَصَالِحِ مَنْ يَرْعَاهُ.

وَقَوْلُهُ (يَوْمَ يَمُوتُ) مُرَادُهُ أَنَّهُ يُدْرِكُهُ الْمَوْتُ، وَهُوَ غَاشٍّ لِرَعِيَّتِهِ غَيْرَ تَائِبٍ مِنْ ذَلِكَ، وَالْغِشُّ بِالْكَسْرِ ضِدُّ النُّصْحِ وَيَتَحَقَّقُ غِشَّهُ بِظُلْمِهِ لَهُمْ بِأَخْذِ أَمْوَالِهِمْ وَسَفْكِ دِمَائِهِمْ وَانْتِهَاكِ أَعْرَاضِهِمْ وَاحْتِجَابِهِ عَنْ خُلَّتِهِمْ وَحَاجَتِهِمْ وَحَبْسِهِ عَنْهُمْ مَا جَعَلَهُ اللَّهُ لَهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ الْمُعِينَ لِلْمَصَارِفِ، وَتَرْكِ تَعْرِيفِهِمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ أَمْرِ دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ، وَإِهْمَالِ الْحُدُودِ وَرَدْعِ أَهْلِ الْفَسَادِ وَإِضَاعَةِ الْجِهَادِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا فِيهِ مَصَالِحُ الْعِبَادِ.

وَمِنْ ذَلِكَ تَوْلِيَتُهُ لِمَنْ لَا يَحُوطُهُمْ وَلَا يُرَاقِبُ أَمْرَ اللَّهِ فِيهِمْ وَتَوْلِيَتُهُ مَنْ غَيْرِهِ أَرْضَى لِلَّهِ عَنْهُ مَعَ وُجُودِهِ، وَالْأَحَادِيثُ دَالَّةٌ عَلَى تَحْرِيمِ الْغِشِّ وَأَنَّهُ مِنْ الْكَبَائِرِ لِوُرُودِ الْوَعِيدِ عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ، فَإِنَّ تَحْرِيمَ الْجَنَّةِ هُوَ وَعِيدُ الْكَافِرِينَ فِي الْقُرْآنِ كَمَا قَالَ تَعَالَى:{فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ} ، وَهُوَ عَلَى رَأْيِ مَنْ يَقُول بِخُلُودِ أَهْلِ الْكَبَائِرِ فِي النَّارِ وَاضِحٌ، وَقَدْ حَمَلَهُ مَنْ لَا يَرَى خُلُودَ أَهْلِ الْكَبَائِرِ فِي النَّارِ عَلَى الزَّجْرِ وَالتَّغْلِيظِ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: هَذَا وَعِيدٌ شَدِيدٌ عَلَى أَئِمَّةِ الْجَوْرِ فَمَنْ ضَيَّعَ مَنْ اسْتَرْعَاهُ اللَّهُ أَوْ خَانَهُمْ أَوْ ظَلَمَهُمْ، فَقَدْ تَوَجَّهَ إلَيْهِ الطَّلَبُ بِمَظَالِمِ الْعِبَادِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَكَيْفَ يَقْدِرُ عَلَى التَّحَلُّلِ مِنْ ظُلْمِ أُمَّةٍ عَظِيمَةٍ.

وَمَعْنَى {حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ} أَيْ أَنْفَذَ عَلَيْهِ الْوَعِيدَ وَلَمْ يُرْضِ عَنْهُ الْمَظْلُومِينَ.

ص: 666

1401 -

وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ

1402 -

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْتَنِبْ الْوَجْهَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

1403 -

وَعَنْهُ رضي الله عنه «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوْصِنِي قَالَ: لَا تَغْضَبْ فَرَدَّدَ مِرَارًا، وَقَالَ: لَا تَغْضَبْ» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.

(وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ) شَقَّ عَلَيْهِمْ أَدْخَلَ عَلَيْهِمْ الْمَشَقَّةَ أَيْ الْمَضَرَّةَ. وَالدُّعَاءُ عَلَيْهِ مِنْهُ صلى الله عليه وسلم بِالْمَشَقَّةِ جَزَاءٌ مِنْ جِنْسِ الْفِعْلِ، وَهُوَ عَامٌّ لِمَشَقَّةِ الدُّنْيَا، وَالْآخِرَةِ وَتَمَامُهُ «وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ فَارْفُقْ بِهِ» وَرَوَاهُ أَبُو عَوَانَة فِي صَحِيحِهِ بِلَفْظٍ «وَمَنْ وَلِيَ مِنْهُمْ شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَعَلَيْهِ بَهْلَةُ اللَّهِ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا بَهْلَةُ اللَّهِ قَالَ: لَعْنَةُ اللَّهِ»

وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْوَالِي تَيْسِيرُ الْأُمُورِ عَلَى مَنْ وَلِيَهُمْ وَالرِّفْقُ بِهِمْ وَمُعَامَلَتُهُمْ بِالْعَفْوِ وَالصَّفْحِ وَإِيثَارِ الرُّخْصَةِ عَلَى الْعَزِيمَةِ فِي حَقِّهِمْ لِئَلَّا يُدْخِلَ عَلَيْهِمْ الْمَشَقَّةُ، وَيَفْعَلَ بِهِمْ مَا يَجِبُ أَنْ يَفْعَلَ بِهِ اللَّهُ.

(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ أَيْ غَيْرَهُ كَمَا يَدُلُّ لَهُ فَاعِلُ فَلْيَجْتَنِبْ الْوَجْهَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَفِي رِوَايَةٍ «إذَا ضَرَبَ أَحَدُكُمْ وَفِي رِوَايَةٍ فَلَا يَلْطِمَنَّ الْوَجْهَ» الْحَدِيثَ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ ضَرْبِ الْوَجْهِ وَأَنَّهُ يُتَّقَى فَلَا يُضْرَبُ وَلَا يُلْطَمُ وَلَوْ فِي حَدٍّ مِنْ الْحُدُودِ الشَّرْعِيَّةِ وَلَوْ فِي الْجِهَادِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْوَجْهَ لَطِيفٌ يَجْمَعُ الْمَحَاسِنَ، وَأَعْضَاؤُهُ لَطِيفَةٌ وَأَكْثَرُ الْإِدْرَاكِ بِهَا فَقَدْ يُبْطِلُهَا ضَرْبُ الْوَجْهِ، وَقَدْ يَنْقُصُهَا، وَقَدْ يَشِينُ الْوَجْهَ، وَالشَّيْنُ فِيهِ فَاحِشٌ؛ لِأَنَّهُ بَارِزٌ ظَاهِرٌ لَا يُمْكِنُ سَتْرُهُ، وَمَتَى أَصَابَهُ ضَرْبٌ لَا يُسْلَمُ غَالِبًا مِنْ شَيْنٍ، وَهَذَا النَّهْيُ عَامٌّ لِكُلِّ ضَرْبٍ وَلَطْمٍ مِنْ تَأْدِيبٍ أَوْ غَيْرِهِ.

(وَعَنْهُ) أَيْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوْصِنِي قَالَ: لَا تَغْضَبْ فَرَدَّدَ مِرَارًا وَقَالَ: لَا تَغْضَبْ» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ) جَاءَ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ تَفْسِيرُهُ بِأَنَّهُ جَارِيَةٌ بِالْجِيمِ ابْنُ قُدَامَةَ وَجَاءَ فِي حَدِيثٍ أَنَّهُ «سُفْيَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيُّ قَالَ: قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ قُلْ لِي قَوْلًا أَنْتَفِعُ بِهِ وَأَقْلِلْ قَالَ: لَا تَغْضَبْ وَلَك الْجَنَّةُ» وَوَرَدَ عَنْ آخَرِينَ مِنْ الصَّحَابَةِ

ص: 667

1404 -

وَعَنْ خَوْلَةَ الْأَنْصَارِيَّةِ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إنَّ رِجَالًا يَتَخَوَّضُونَ فِي مَالِ اللَّهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَلَهُمْ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.

1405 -

وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه «عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِيمَا يَرْوِيه عَنْ رَبِّهِ - قَالَ: يَا عِبَادِي إنِّي حَرَّمْت الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْته بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.

مِثْلُ ذَلِكَ، وَالْحَدِيثُ نَهَى عَنْ الْغَضَبِ، وَهُوَ كَمَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ: نَهَى عَنْ اجْتِنَابِ أَسْبَابِ الْغَضَبِ وَعَدَمِ التَّعَرُّضِ لِمَا يَجْلِبُهُ.

وَأَمَّا نَفْسُ الْغَضَبِ فَلَا يَتَأَتَّى النَّهْيُ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ جِبِلِّيٌّ. وَقَالَ غَيْرُهُ: وَقَعَ النَّهْيُ عَمَّا كَانَ مِنْ قَبِيلِ مَا يُكْتَسَبُ فَيَدْفَعُهُ بِالرِّيَاضَةِ وَقِيلَ هُوَ نَهْيٌ عَمَّا يَنْشَأُ عَنْهُ الْغَضَبُ، وَهُوَ لِكَوْنِهِ يَقَعُ عِنْدَ مُخَالِفَةِ أَمْرٍ يُرِيدُهُ فَيَحْمِلُهُ الْكِبْرُ عَلَى الْغَضَبِ وَاَلَّذِي يَتَوَاضَعُ حَتَّى تَذْهَبَ عَنْهُ عِزَّةُ النَّفْسِ يَسْلَمُ مِنْ شَرِّ الْغَضَبِ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ لَا تَفْعَلْ مَا يَأْمُرُك بِهِ الْغَضَبُ. قِيلَ إنَّمَا اقْتَصَرَ صلى الله عليه وسلم عَلَى هَذِهِ اللَّفْظَةِ؛ لِأَنَّ السَّائِلَ كَانَ غَضُوبًا، وَكَانَ صلى الله عليه وسلم يُفْتِي كُلَّ أَحَدٍ بِمَا هُوَ أَوْلَى بِهِ. قَالَ ابْنُ التِّينِ: جَمَعَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي قَوْلِهِ: لَا تَغْضَبْ خَيْرَ الدُّنْيَا، وَالْآخِرَةِ؛ لِأَنَّ الْغَضَبَ يُؤَوَّلُ إلَى التَّقَاطُعِ، وَمَنْعِ الرِّفْقِ وَيُؤَوَّلُ إلَى أَنْ يُؤْذِيَ الَّذِي غَضِبَ عَلَيْهِ بِمَا لَا يَجُوزُ فَيَكُونُ نَقْصًا فِي دِينِهِ انْتَهَى. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ التَّنْبِيهِ بِالْأَعْلَى عَلَى الْأَدْنَى؛ لِأَنَّ الْغَضَبَ يَنْشَأُ عَنْ النَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ فَمَنْ جَاهَدَهُمَا حَتَّى يَغْلِبَهُمَا مَعَ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ شِدَّةِ الْمُعَالَجَةِ كَانَ أَمْلَكَ لِقَهْرِ نَفْسِهِ عَنْ غَيْرِ ذَلِكَ بِالْأَوْلَى. وَتَقَدَّمَ كَلَامٌ يَتَعَلَّقُ بِالْغَضَبِ وَعِلَاجِهِ.

(وَعَنْ خَوْلَةَ الْأَنْصَارِيَّةِ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إنَّ رِجَالًا يَتَخَوَّضُونَ فِي مَالِ اللَّهِ بِغَيْرِ حَقٍّ فَلَهُمْ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ) الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى مَنْ لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا مِنْ مَالِ اللَّهِ بِأَنْ لَا يَكُونَ مِنْ الْمَصَارِفِ الَّتِي عَيَّنَهَا اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَأْخُذَهُ وَيَتَمَلَّكَهُ وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْمَعَاصِي الْمُوجِبَةِ لِلنَّارِ، وَفِي قَوْلِهِ: يَتَخَوَّضُونَ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ يُقَبِّحُ تَوَسُّعَهُمْ مِنْهُ زِيَادَةً عَلَى مَا يَحْتَاجُونَ، فَإِنْ كَانُوا مِنْ وُلَاةِ الْأَمْوَالِ أُبِيحَ لَهُمْ قَدْرَ مَا يَحْتَاجُونَهُ لِأَنْفُسِهِمْ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ.

(وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِيمَا يَرْوِيه عَنْ رَبِّهِ) مِنْ الْأَحَادِيثِ الْقُدْسِيَّةِ «قَالَ الرَّبُّ تبارك وتعالى: يَا عِبَادِي إنِّي حَرَّمْت الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَأَخْبَرَنَا

ص: 668

1406 -

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: ذِكْرُك أَخَاك بِمَا يَكْرَهُ قِيلَ: أَفَرَأَيْت إنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟ قَالَ: إنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ اغْتَبْته، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ

بِأَنَّهُ لَا يَفْعَلُهُ فِي كِتَابِهِ بِقَوْلِهِ: {وَمَا رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ} وَجَعَلْته بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ) التَّحْرِيمُ لُغَةً الْمَنْعُ عَنْ الشَّيْءِ وَشَرْعًا مَا يَسْتَحِقُّ فَاعِلُهُ الْعِقَابَ، وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ إرَادَتُهُ فِي حَقِّهِ تَعَالَى بَلْ الْمُرَادُ بِهِ أَنَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ مُتَقَدِّسٌ عَنْ الظُّلْمِ، وَأَطْلَقَ عَلَيْهِ لَفْظَ التَّحْرِيمِ لِمُشَابَهَتِهِ الْمَمْنُوعَ بِجَامِعِ عَدَمِ الشَّيْءِ، وَالظُّلْمُ مُسْتَحِيلٌ فِي حَقِّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ الظُّلْمَ فِي عُرْفِ اللُّغَةِ التَّصَرُّفُ فِي غَيْرِ الْمِلْكِ أَوْ مُجَاوَزَةِ الْحَدِّ وَكِلَاهُمَا مُحَالٌ فِي حَقِّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ الْمَلِكُ لِلْعَالَمِ كُلِّهِ الْمُتَصَرِّفُ بِسُلْطَانِهِ فِي دِقِّهِ وَجُلِّهِ وَقَوْلُهُ (فَلَا تَظَالَمُوا) تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ وَجَعَلْته بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا. وَالظُّلْمُ قَبِيحٌ عَقْلًا أَقَرَّهُ الشَّارِعُ وَزَادَهُ قُبْحًا وَتَوَعَّدَ عَلَيْهِ بِالْعَذَابِ {وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا} وَغَيْرَهَا.

(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ؟) بِكَسْرِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ: ذِكْرُك أَخَاك بِمَا يَكْرَهُ قِيلَ: أَفَرَأَيْت إنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ قَالَ: إنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ اغْتَبْته، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَقَدْ بَهَتَّهُ» بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَفَتْحِ الْهَاءِ مِنْ الْبُهْتَانِ (أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ) الْحَدِيثُ كَأَنَّهُ سَبَقَ لِتَفْسِيرِ الْغِيبَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي قَوْله تَعَالَى {وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا} وَدَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى حَقِيقَةِ الْغِيبَةِ. قَالَ فِي النِّهَايَةِ: هِيَ أَنْ يُذْكَرَ الْإِنْسَانُ فِي غِيبَتِهِ بِسُوءٍ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ وَقَالَ النَّوَوِيُّ: فِي الْأَذْكَارِ تَبَعًا لِلْغَزَالِيِّ ذِكْرُ الْمَرْءِ بِمَا يَكْرَهُ سَوَاءً كَانَ فِي بَدَنِ الشَّخْصِ أَوْ دِينِهِ أَوْ دُنْيَاهُ أَوْ نَفْسِهِ أَوْ خُلُقِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ وَالِدِهِ أَوْ وَلَدِهِ أَوْ زَوْجِهِ أَوْ خَادِمِهِ أَوْ حَرَكَتِهِ أَوْ طَلَاقَتِهِ أَوْ عَبُوسَتِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهِ ذِكْرُ سُوءٍ سَوَاءً ذُكِرَ بِاللَّفْظِ أَوْ بِالرَّمْزِ أَوْ بِالْإِشَارَةِ قَالَ النَّوَوِيُّ: وَمِنْ ذَلِكَ التَّعْرِيضُ فِي كَلَامِ الْمُصَنَّفِينَ كَقَوْلِهِمْ: قَالَ مَنْ يَدَّعِي الْعِلْمَ أَوْ بَعْضُ مَنْ يُنْسَبُ إلَى الصَّلَاحِ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا يَفْهَمُ السَّامِعُ الْمُرَادُ بِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ عِنْدَ ذِكْرِهِ: اللَّهُ يُعَافِينَا اللَّهُ يَتُوبُ عَلَيْنَا نَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ الْغِيبَةِ وَقَوْلُهُ (ذِكْرُك أَخَاك بِمَا يَكْرَهُ) شَامِلٌ لِذَكَرِهِ فِي غِيبَتِهِ وَحَضَرْتِهِ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ طَائِفَةٌ وَيَكُونُ الْحَدِيثُ بَيَانًا لِمَعْنَاهَا الشَّرْعِيِّ. وَأَمَّا مَعْنَاهَا لُغَةً فَاشْتِقَاقِهَا مِنْ الْغَيْبِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَا تَكُونُ إلَّا فِي

ص: 669

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الْغِيبَةِ. وَرَجَّحَ جَمَاعَةٌ أَنَّ مَعْنَاهَا الشَّرْعِيَّ مُوَافِقٌ لِمَعْنَاهَا اللُّغَوِيِّ وَرَوَوْا فِي ذَلِكَ حَدِيثًا مُسْنَدًا إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «مَا كَرِهْت أَنْ تُوَاجِهَ بِهِ أَخَاك فَهُوَ غِيبَةٌ» فَيَكُونُ هَذَا إنْ ثَبَتَ مُخَصِّصًا لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَتَفَاسِيرُ الْعُلَمَاءِ دَالَّةٌ عَلَى هَذَا فَفَسَّرَهَا بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ: ذِكْرُ الْعَيْبِ يُظْهِرُ الْغَيْبَ، وَآخَرُ بِقَوْلِهِ هِيَ أَنْ تَذْكُرَ الْإِنْسَانَ مِنْ خَلْفِهِ بِسُوءٍ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ. نَعَمْ ذِكْرُ الْعَيْبِ فِي الْوَجْهِ حَرَامٌ لِمَا فِيهِ مِنْ الْأَذَى، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ غِيبَةً. وَفِي قَوْلِهِ:(أَخَاك) أَيْ أَخَ الدِّينِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ غَيْرَ الْمُؤْمِنِ تَجُوزُ غِيبَتُهُ وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مِنْ لَيْسَ بِأَخٍ كَالْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ وَسَائِرِ أَهْلِ الْمِلَلِ، وَمَنْ قَدْ أَخْرَجَتْهُ بِدْعَتُهُ عَنْ الْإِسْلَامِ لَا غِيبَةَ لَهُ.

وَفِي التَّعْبِيرِ عَنْهُ بِالْأَخِ جَذْبٌ لِلْمُغْتَابِ عَنْ غِيبَتِهِ لِمَنْ يَغْتَابُ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ أَخَاهُ فَالْأَوْلَى الْحُنُوُّ عَلَيْهِ وَطَيُّ مُسَاوِيهِ وَالتَّأَوُّلُ لِمَعَايِبِهِ لَا نَشْرُهَا بِذِكْرِهَا. وَفِي قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم (بِمَا يَكْرَهُ) مَا يُشْعِرُ بِهِ بِأَنَّهُ إذَا كَانَ لَا يَكْرَهُ مَا يُعَابُ بِهِ كَأَهْلِ الْخَلَاعَةِ، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ غِيبَةً، وَتَحْرِيمُ الْغِيبَةِ مَعْلُومٌ مِنْ الشَّرْعِ وَمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ هُوَ مِنْ الصَّغَائِرِ أَوْ الْكَبَائِرِ فَنَقَلَ الْقُرْطُبِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهَا مِنْ الْكَبَائِرِ. وَاسْتَدَلَّ لِكِبَرِهَا بِالْحَدِيثِ الثَّابِتِ «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» وَذَهَبَ الْغَزَالِيُّ وَصَاحِبُ الْعُمْدَةِ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ إلَى أَنَّهَا مِنْ الصَّغَائِرِ. قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: لَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ أَنَّهَا مِنْ الصَّغَائِرِ غَيْرَهُمَا. وَذَهَبَ الْمَهْدِيُّ إلَى أَنَّهَا مُحْتَمَلَةٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَا لَمْ يَقْطَعْ بِكِبَرِهِ فَهُوَ مُحْتَمَلٌ كَمَا تَقُولُهُ الْمُعْتَزِلَةُ: قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَالْعَجَبُ مِمَّنْ يَعُدُّ أَكْلَ الْمَيْتَةِ كَبِيرَةً وَلَا يَعُدُّ الْغِيبَةَ كَذَلِكَ وَاَللَّهُ أَنْزَلَهَا مَنْزِلَةَ أَكْلِ لَحْمِ الْآدَمِيِّ أَيْ مَيِّتًا

وَالْأَحَادِيثُ فِي التَّحْذِيرِ مِنْ الْغِيبَةِ وَاسِعَةٌ جِدًّا دَالَّةٌ عَلَى شِدَّةِ تَحْرِيمِهَا (وَاعْلَمْ) أَنَّهُ قَدْ اسْتَثْنَى الْعُلَمَاءُ مِنْ الْغِيبَةِ أُمُورًا سِتَّةً (الْأَوَّلُ) التَّظَلُّمُ فَيَجُوزُ أَنْ يَقُولَ الْمَظْلُومُ: فُلَانٌ ظَلَمَنِي وَأَخَذَ مَالِي أَوْ أَنَّهُ ظَالِمٌ، وَلَكِنْ إذَا كَانَ ذِكْرُهُ لِذَلِكَ شِكَايَةً عَلَى مَنْ لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى إزَالَتِهَا أَوْ تَخْفِيفِهَا، وَدَلِيلُهُ قَوْلُ هِنْدَ عِنْدَ شِكَايَتِهَا لَهُ صلى الله عليه وسلم مِنْ أَبِي سُفْيَانَ إنَّهُ رَجُلٌ شَحِيحٌ (الثَّانِي) الِاسْتِعَانَةُ عَلَى تَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ بِذَكَرِهِ لِمَنْ يَظُنُّ قُدْرَتَهُ عَلَى إزَالَتِهِ فَيَقُولُ: فُلَانٌ فَعَلَ كَذَا فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَكُنْ مُجَاهِرًا بِالْمَعْصِيَةِ (الثَّالِثُ) الِاسْتِفْتَاءُ بِأَنْ يَقُولَ لِلْمُفْتِي: فُلَانٌ ظَلَمَنِي بِكَذَا فَمَا طَرِيقِي إلَى الْخَلَاصِ عَنْهُ، وَدَلِيلُهُ أَنَّهُ لَا يَعْرِفُ الْخَلَاصَ عَمَّا يُحَرَّمُ عَلَيْهِ إلَّا بِذِكْرِ مَا وَقَعَ مِنْهُ (الرَّابِعُ) التَّحْذِيرُ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ الِاعْتِزَازِ كَجُرْحِ الرُّوَاةِ وَالشُّهُودِ، وَمَنْ يَتَصَدَّرُ لِلتَّدْرِيسِ، وَالْإِفْتَاءِ مَعَ عَدَمِ الْأَهْلِيَّةِ، وَدَلِيلُهُ قَوْلُهُ: صلى الله عليه وسلم «بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ» وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم «أَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ» وَذَلِكَ أَنَّهَا «جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ تَسْتَأْذِنُهُ صلى الله عليه وسلم -

ص: 670

1407 -

وَعَنْهُ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إخْوَانًا،‌

‌ الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ:

لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ التَّقْوَى هَاهُنَا - وَيُشِيرُ إلَى صَدْرِهِ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ - بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنْ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ. كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ

وَتَسْتَشِيرُهُ وَتَذْكُرُ أَنَّهُ خَطَبَهَا مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ وَخَطَبَهَا أَبُو جَهْمٍ فَقَالَ: أَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لَا مُحَالَ لَهُ وَأَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ، ثُمَّ قَالَ: انْكِحِي أُسَامَةَ -» الْحَدِيثَ.

(الْخَامِسُ) ذِكْرُ مَنْ جَاهَرَ بِالْفِسْقِ أَوْ الْبِدْعَةِ كَالْمَكَّاسِينَ وَذَوِي الْوِلَايَاتِ الْبَاطِلَةِ فَيَجُوزُ ذِكْرُهُمْ بِمَا يُجَاهِرُونَ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ وَتَقَدَّمَ دَلِيلُهُ فِي حَدِيثِ " اُذْكُرُوا الْفَاجِرَ ".

(السَّادِسُ) التَّعْرِيفُ بِالشَّخْصِ بِمَا فِيهِ مِنْ الْعَيْبِ كَالْأَعْوَرِ، وَالْأَعْرَجِ، وَالْأَعْمَشِ وَلَا يُرَادُ بِهِ نَقْصُهُ وَغِيبَتُهُ، وَجَمَعَهَا ابْنُ أَبِي شَرِيفٍ فِي قَوْلِهِ:

الذَّمُّ لَيْسَ بِغِيبَةٍ فِي سِتَّةٍ

مُتَظَلِّمٍ وَمُعَرِّفٍ وَمُحَذِّرٍ

وَلِمُظْهِرٍ فِسْقًا وَمُسْتَفْتٍ وَمَنْ

طَلَبَ الْإِعَانَةَ فِي إزَالَةِ مُنْكَرٍ

(وَعَنْهُ) أَيْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَنَاجَشُوا» بِالْجِيمِ وَالشَّيْنِ الْمُعْجَمَةِ «وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَلَا يَبْغِ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ مِنْ الْبَغْيِ وَبِالْمُهْمَلَةِ مِنْ الْبَيْعِ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ مَنْصُوبٌ عَلَى النِّدَاءِ إخْوَانًا الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ وَلَا يَحْقِرُهُ» بِفَتْحِ حَرْفِ الْمُضَارَعَةِ وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالْقَافِ فِرَاءٍ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ لَا يُخْفِرُهُ بِضَمِّ الْيَاءِ وَبِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالْفَاءِ أَيْ لَا يَغْدِرُ بِعَهْدِهِ وَلَا يَنْقُضُ أَمَانَةً قَالَ: وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ «التَّقْوَى هَا هُنَا وَيُشِيرُ إلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنْ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ. كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ) الْحَدِيثُ اشْتَمَلَ عَلَى أُمُورٍ نَهَى عَنْهَا الشَّارِعُ: الْأَوَّلُ: التَّحَاسُدُ، وَهُوَ تَفَاعُلٌ يَكُونُ بَيْنَ اثْنَيْنِ. نَهَى عَنْ حَسَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، وَيُعْلَمُ مِنْهُ النَّهْيُ عَنْ الْحَسَدِ مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ بِطَرِيقِ الْأُولَى؛ لِأَنَّهُ إذَا نَهَى عَنْهُ مَعَ مَنْ يُكَافِئُهُ وَيُجَازِيه بِحَسَدِهِ مَعَ أَنَّهُ مِنْ بَابِ {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} فَهُوَ مَعَ عَدَمِ ذَلِكَ أَوْلَى بِالنَّهْيِ. وَتَقَدَّمَ تَحْقِيقُ الْحَسَدِ.

(الثَّانِي): النَّهْيُ عَنْ الْمُنَاجَشَةِ وَتَقَدَّمَ تَحْقِيقُهَا فِي الْبَيْعِ وَوَجْهُ النَّهْيِ عَنْهَا أَنَّهَا مِنْ أَسْبَابِ الْعَدَاوَةِ، وَالْبَغْضَاءِ. وَقَدْ رُوِيَ بِغَيْرِ هَذَا

ص: 671

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

اللَّفْظِ فِي الْمُوَطَّأِ بِلَفْظِ " وَلَا تَنَافَسُوا " مِنْ الْمُنَافَسَةِ وَهِيَ الرَّغْبَةُ فِي الشَّيْءِ وَمَحَبَّةِ الِانْفِرَادِ بِهِ وَيُقَالُ نَافَسْت فِي الشَّيْءِ مُنَافَسَةً وَنِفَاسًا إذَا رَغِبْت فِيهِ وَالنَّهْيُ عَنْهَا نَهْيٌ عَنْ الرَّغْبَةِ فِي الدُّنْيَا وَأَسْبَابِهَا وَحُظُوظِهَا.

(وَالثَّالِثُ): النَّهْيُ عَنْ التَّبَاغُضِ، وَهُوَ تَفَاعُلٌ، وَفِيهِ مَا فِي " تَحَاسَدُوا " مِنْ النَّهْيِ عَنْ التَّقَابُلِ فِي الْمُبَاغَضَةِ وَالِانْفِرَادِ بِهَا بِالْأَوْلَى، وَهُوَ نَهْيٌ عَنْ تَعَاطِي أَسْبَابِهِ؛ لِأَنَّ الْبُغْضَ لَا يَكُونُ إلَّا عَنْ سَبَبٍ، وَالذَّمُّ مُتَوَجَّهٌ إلَى الْبَغَاضَةِ لِغَيْرِ اللَّهِ، فَأَمَّا مَا كَانَتْ لِلَّهِ فَهِيَ وَاجِبَةٌ، فَإِنَّ الْبُغْضَ فِي اللَّهِ، وَالْحُبَّ فِي اللَّهِ مِنْ الْإِيمَانِ بَلْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ حُصِرَ الْإِيمَانُ عَلَيْهِمَا.

(الرَّابِعُ): النَّهْيُ عَنْ التَّدَابُرِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: أَيْ لَا تُهَاجَرُوا فَيَهْجُرُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ مَأْخُوذٌ مِنْ تَوْلِيَةِ الرَّجُلِ لِلْآخَرِ دُبُرَهُ إذَا أَعْرَضَ عَنْهُ حِينَ يَرَاهُ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: قِيلَ لِلْإِعْرَاضِ تَدَابَرَ؛ لِأَنَّ مَنْ أَبْغَضَ أَعْرَضَ، وَمَنْ أَعْرَضَ وَلَّى دُبُرَهُ، وَالْمُحِبُّ بِالْعَكْسِ وَقِيلَ مَعْنَاهُ لَا يَسْتَأْثِرُ أَحَدُكُمْ عَلَى الْآخَرِ. وَسُمِّيَ الْمُسْتَأْثِرُ مُسْتَدْبِرًا؛ لِأَنَّهُ يُوَلِّي دُبُرَهُ حِينَ يَسْتَأْثِرُ بِشَيْءٍ دُونَ الْآخَرِ. وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: مَعْنَى التَّدَابُرِ الْمُعَادَاةُ تَقُولُ: دَابَرْتُهُ أَيْ عَادَيْتُهُ وَفِي الْمُوَطَّأِ عَنْ الزُّهْرِيِّ: التَّدَابُرُ الْإِعْرَاضُ عَنْ السَّلَامِ يُدْبِرُ عَنْهُ بِوَجْهِهِ وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ وَهِيَ (يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ)، فَإِنَّهُ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ صُدُورَ السَّلَامِ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا يَرْفَعُ الْإِعْرَاضَ.

(الْخَامِسُ): النَّهْيُ عَنْ الْبَغْيِ إنْ كَانَ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ، وَإِنْ كَانَ بِالْمُهْمَلَةِ فَعَنْ بَيْعِ بَعْضٍ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْبَيْعِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: تَضَمَّنَ الْحَدِيثُ تَحْرِيمَ بُغْضِ الْمُسْلِمِ، وَالْإِعْرَاضِ عَنْهُ وَقَطِيعَتِهِ بَعْدَ صُحْبَتِهِ بِغَيْرِ ذَنْبٍ شَرْعِيٍّ، وَالْحَسَدِ لَهُ عَلَى مَا أَنْعَمَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ، ثُمَّ أَمَرَ أَنْ يُعَامِلَهُ مُعَامَلَةَ الْأَخِ النَّسِيبِ، وَلَا يَبْحَثُ عَنْ مَعَايِبِهِ وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْحَاضِرِ، وَالْغَائِبِ، وَالْحَيِّ، وَالْمَيِّتِ وَبَعْدَ هَذِهِ الْمَنَاهِي الْخَمْسَةِ حَثَّهُمْ بِقَوْلِهِ «وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إخْوَانًا» فَأَشَارَ بِقَوْلِهِ: عِبَادَ اللَّهِ إلَى أَنَّ مِنْ حَقِّ الْعُبُودِيَّةِ لِلَّهِ الِامْتِثَالُ لِمَا أَمَرَ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْمَعْنَى كُونُوا كَإِخْوَانِ النَّسَبِ فِي الشَّفَقَةِ وَالرَّحْمَةِ، وَالْمَحَبَّةِ، وَالْمُوَاسَاةِ، وَالْمُعَاوَنَةِ وَالنَّصِيحَةِ.

وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ زِيَادَةٌ " كَمَا أَمَرَ اللَّهُ " أَيْ بِهَذِهِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَمْرٌ مِنْهُ تَعَالَى وَزَادَ الْمُسْلِمَ حَثًّا عَلَى إخْوَةِ الْمُسْلِمِ بِقَوْلِهِ:«الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ» وَذَكَرَ فِي حُقُوقِ الْأُخُوَّةِ أَنَّهُ لَا يَظْلِمُهُ وَتَقَدَّمَ تَحْقِيقُ الظُّلْمِ وَتَحْرِيمُهُ وَالظُّلْمُ مُحَرَّمٌ فِي حَقِّ الْكَافِرِ أَيْضًا، وَإِنَّمَا خُصَّ الْمُسْلِمُ لِشَرَفِهِ " وَلَا يَخْذُلُهُ "، وَالْخِذْلَانُ تَرْكُ الْإِعَانَةِ وَالنَّصْرِ وَمَعْنَاهُ إذَا اسْتَعَانَ بِهِ فِي دَفْعِ أَيِّ ضَرَرٍ أَوْ جَلْبِ أَيِّ نَفْعٍ أَعَانَهُ " وَلَا يُحَقِّرُهُ " وَلَا يَحْتَقِرُهُ وَلَا يَتَكَبَّرُ عَلَيْهِ وَيَسْتَخِفُّ بِهِ. وَيُرْوَى " لَا يَحْتَقِرُهُ "، وَهُوَ بِمَعْنَاهُ وَقَوْلُهُ «التَّقْوَى هَاهُنَا» إخْبَارٌ بِأَنَّ عُمْدَةَ التَّقْوَى مَا يَحِلُّ فِي الْقَلْبِ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمُرَاقَبَتِهِ وَإِخْلَاصِ الْأَعْمَالِ لَهُ. وَعَلَيْهِ دَلَّ حَدِيثُ مُسْلِمٍ «إنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إلَى أَجْسَامِكُمْ

ص: 672

1408 -

وَعَنْ قُطْبَةَ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «اللَّهُمَّ جَنِّبْنِي مُنْكَرَاتِ الْأَخْلَاقِ، وَالْأَعْمَالِ، وَالْأَهْوَاءِ، وَالْأَدْوَاءِ» أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ. وَاللَّفْظُ لَهُ.

وَلَا إلَى صُوَرِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إلَى قُلُوبِكُمْ» أَيْ أَنَّ الْمُجَازَاةَ، وَالْمُحَاسَبَةَ إنَّمَا تَكُونُ عَلَى مَا فِي الْقَلْبِ دُونَ الصُّورَةِ الظَّاهِرَةِ، وَالْأَعْمَالِ الْبَارِزَةِ، فَإِنَّ عُمْدَتَهَا النِّيَّاتُ وَمَحَلُّهَا الْقَلْبُ وَتَقَدَّمَ أَنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةٌ إذَا صَلَحَتْ صَلُحَ الْجَسَدُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ. وَقَوْلُهُ «بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنْ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ» أَيْ يَكْفِيهِ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الشَّرِّ بِهَذَا الْخَصْلَةِ وَحْدَهَا وَفِي قَوْلِهِ:«كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ» إخْبَارٌ بِتَحْرِيمِ الدِّمَاءِ، وَالْأَمْوَالِ، وَالْأَعْرَاضِ، وَهُوَ مَعْلُومٌ مِنْ الشَّرْعِ عِلْمًا قَطْعِيًّا.

(وَعَنْ قُطْبَةَ) بِضَمِّ الْقَافِ وَسُكُونِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ (ابْنُ مَالِكٍ) يُقَالُ لَهُ التَّغْلِبِيُّ بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ، وَالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ، وَيُقَالُ الثَّعْلَبِيُّ بِالْمُثَلَّثَةِ، وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «اللَّهُمَّ جَنَّبَنِي مُنْكَرَاتِ الْأَخْلَاقِ، وَالْأَعْمَالِ، وَالْأَهْوَاءِ، وَالْأَدْوَاءِ» أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَاللَّفْظُ لَهُ) التَّجْنِيبُ الْمُبَاعِدَةُ أَيْ بَاعِدْنِي.

وَالْأَخْلَاقُ جَمْعُ خُلُقٍ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْأَخْلَاقُ أَوْصَافُ الْإِنْسَانِ الَّتِي يُعَامِلُ بِهَا غَيْرَهُ، وَهِيَ مَحْمُودَةٌ وَمَذْمُومَةٌ؛ فَالْمَحْمُودَةُ عَلَى الْإِجْمَالِ أَنْ تَكُونَ مِنْ غَيْرِك عَلَى نَفْسِك فَتَنْتَصِفُ مِنْهَا وَلَا تَنْتَصِفُ لَهَا، وَعَلَى التَّفْصِيلِ الْعَفْوُ، وَالْحِلْمُ، وَالْجُودُ وَالصَّبْرُ وَتَحَمُّلُ الْأَذَى وَالرَّحْمَةُ وَالشَّفَقَةُ وَقَضَاءُ الْحَوَائِجِ وَالتَّوَدُّدُ وَلِينُ الْجَانِبِ وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَالْمَذْمُومَةُ ضِدُّ ذَلِكَ وَهِيَ مُنْكَرَاتُ الْأَخْلَاقِ الَّتِي سَأَلَ صلى الله عليه وسلم رَبَّهُ أَنْ يُجَنَّبَهُ إيَّاهَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَفِي قَوْلِهِ «اللَّهُمَّ كَمَا حَسَّنْت خَلْقِي فَحَسِّنْ خُلُقِي» أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. «وَفِي دُعَائِهِ صلى الله عليه وسلم فِي الِافْتِتَاحِ: وَاهْدِنِي لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا سِوَاك، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا لَا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا غَيْرُك» وَمُنْكَرَاتُ الْأَعْمَالِ مَا يُنْكَرُ شَرْعًا أَوْ عَادَةً وَمُنْكَرَاتُ الْأَهْوَاءِ جَمْعُ هَوًى، وَالْهَوَى هُوَ مَا تَشْتَهِيه النَّفْسُ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى مَقْصِدِ يُحْمَدُ عَلَيْهِ شَرْعًا.

وَمُنْكَرَاتُ الْأَدْوَاءِ جَمْعُ دَاءٍ وَهِيَ الْأَسْقَامُ الْمُنَفِّرَةُ الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَتَعَوَّذُ مِنْهَا كَالْجُذَامِ، وَالْبَرَصِ، وَالْمُهْلِكَةُ: كَذَاتِ الْجُنُبِ «وَكَانَ صلى الله عليه وسلم يَسْتَعِيذُ مِنْ سَيِّئِ الْأَسْقَامِ» .

ص: 673

1409 -

وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا تُمَارِ أَخَاك، وَلَا تُمَازِحْهُ، وَلَا تَعِدْهُ مَوْعِدًا فَتُخْلِفَهُ» أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ.

1410 -

وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:

(وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: لَا تُمَارِ) مِنْ الْمُمَارَاةِ وَهِيَ الْمُجَادَلَةِ (أَخَاك وَلَا تُمَازِحْهُ) مِنْ الْمُزَاحِ (وَلَا تَعِدْهُ مَوْعِدًا فَتُخْلِفَهُ " أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ فِيهِ ضَعْفٌ) لَكِنْ فِي مَعْنَاهُ أَحَادِيثُ سِيَّمَا فِي الْمِرَاءِ، فَإِنَّهُ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ الصَّحَابَةِ قَالُوا:«خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَنَحْنُ نَتَمَارَى فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ فَغَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا لَمْ يَغْضَبْ مِثْلَهُ، ثُمَّ انْتَهَرَنَا وَقَالَ: أَبِهَذَا يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ أُمِرْتُمْ؟ إنَّمَا أُهْلِكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِمِثْلِ هَذَا ذَرُوا الْمِرَاءَ لِقِلَّةِ خَيْرِهِ، ذَرُوا الْمِرَاءَ، فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يُمَارِي، ذَرُوا الْمِرَاءَ، فَإِنَّ الْمُمَارِيَ قَدْ تَمَّتْ خَسَارَتُهُ، ذَرُوا الْمِرَاءَ، كَفَى إثْمًا أَنْ لَا تَزَالَ مُمَارِيًا، ذَرُوا الْمِرَاءَ، فَإِنَّ الْمُمَارِيَ لَا أَشْفَعُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ذَرُوا الْمِرَاءَ فَأَنَا زَعِيمٌ بِثَلَاثَةِ أَبْيَاتٍ فِي الْجَنَّةِ فِي رِيَاضِهَا أَسْفَلُهَا وَأَوْسَطُهَا وَأَعْلَاهَا لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ، وَهُوَ صَادِقٌ، ذَرُوا الْمِرَاءَ، فَإِنَّهُ أَوَّلُ مَا نَهَانِي عَنْهُ رَبِّي بَعْدَ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ»

وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ مَرْفُوعًا «إنَّ أَبْغَضَ الرِّجَالِ إلَى اللَّهِ الْأَلَدُّ الْخَصْمُ» أَيْ الشَّدِيدُ الْمِرَاءِ أَيْ الَّذِي يَحُجُّ صَاحِبَهُ. وَحَقِيقَةُ الْمِرَاءِ طَعْنُك فِي كَلَامِ غَيْرِك لِإِظْهَارِ خَلَلٍ فِيهِ لِغَيْرِ غَرَضٍ سِوَى تَحْقِيرِ قَائِلِهِ وَإِظْهَارِ مَزِيَّتِك عَلَيْهِ. وَالْجِدَالُ هُوَ مَا يَتَعَلَّقُ بِإِظْهَارِ الْمَذَاهِبِ وَتَقْرِيرِهَا، وَالْخُصُومَةُ لَجَاجٌ فِي الْكَلَامِ لِيَسْتَوْفِيَ بِهِ مَالًا أَوْ غَيْرَهُ، وَيَكُونُ تَارَةً ابْتِدَاءً وَتَارَةً اعْتِرَاضًا، وَالْمِرَاءُ لَا يَكُونُ إلَّا اعْتِرَاضًا، وَالْكُلُّ قَبِيحٌ إذَا لَمْ يَكُنْ لِإِظْهَارِ الْحَقِّ وَبَيَانِهِ وَإِدْحَاضِ الْبَاطِلِ وَهَدْمِ أَرْكَانِهِ. وَأَمَّا مُنَاظَرَةُ أَهْلِ الْعِلْمِ لِلْفَائِدَةِ، وَإِنْ لَمْ تَخْلُ عَنْ الْجِدَالِ فَلَيْسَتْ دَاخِلَةً فِي النَّهْيِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى:{وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} ، وَقَدْ أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ سَلَفًا وَخَلْفًا. وَأَفَادَ الْحَدِيثُ النَّهْيَ عَنْ مُمَازَحَةِ الْأَخِ، وَالْمُزَاحُ الدُّعَابَةُ، وَالْمَنْهِيُّ عَنْهُ مَا يَجْلِبُ الْوَحْشَةَ أَوْ كَانَ بِبَاطِلٍ، وَأَمَّا مَا فِيهِ بَسْطُ الْخُلُقِ وَحُسْنِ التَّخَاطُب وَجَبْرِ الْخَاطِرِ فَهُوَ جَائِزٌ.

فَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّهُمْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّك لَتُدَاعِبُنَا قَالَ: إنِّي لَا أَقُولُ إلَّا حَقًّا» وَأَفَادَ الْحَدِيثُ النَّهْيَ عَنْ إخْلَافِ الْوَعْدِ وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ مِنْ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ وَظَاهِرُهُ التَّحْرِيمُ، وَقَدْ قَيَّدَهُ حَدِيثُ «أَنْ تَعِدَهُ وَأَنْتَ مُضْمِرٌ لِخِلَافِهِ» وَأَمَّا إذَا وَعَدْته وَأَنْتَ عَازِمٌ عَلَى الْوَفَاءِ فَعَرَضَ مَانِعٌ فَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ النَّهْيِ.

ص: 674

«خَصْلَتَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ فِي مُؤْمِنٍ: الْبُخْلُ، وَسُوءُ الْخُلُقِ» أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَفِي سَنَدِهِ ضَعْفٌ.

1411 -

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «الْمُسْتَبَّانِ مَا قَالَا، فَعَلَى الْبَادِئِ مَا لَمْ يَعْتَدِ الْمَظْلُومُ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.

(وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «خَصْلَتَانِ لَا تَجْتَمِعَانِ فِي مُؤْمِنٍ الْبُخْلُ وَسُوءُ الْخُلُقِ» أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَفِي إسْنَادِهِ ضَعْفٌ) قَدْ عُلِمَ قُبْحُ الْبُخْلِ عُرْفًا وَشَرْعًا، وَقَدْ ذَمَّهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ بِقَوْلِهِ:{الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ} وَبِقَوْلِهِ فِي الْكَانِزِينَ: {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} بَلْ ذَمَّ مَنْ يَأْمُرُ النَّاسَ وَيَحُثُّهُمْ عَلَى خِلَافِهِ فَقَالَ تَعَالَى: {وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ} جَعَلَهُ مِنْ صِفَاتِ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدَّيْنِ.

وَقَالَ فِي الْحِكَايَةِ عَنْ الْكُفَّارِ: إنَّهُمْ قَالُوا وَهُمْ فِي طَبَقَاتِ النَّارِ: {وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ} الْآيَةَ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمَذْمُومِ مِنْهُ وَقَدَّمْنَا كَلَامَهُمْ فِي ذَلِكَ. وَحَدَّهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ فِي الشَّرْعِ مَنْعُ الزَّكَاةِ: وَالْحَقُّ أَنَّهُ مَنْعُ كُلِّ وَاجِبٍ، فَمَنْ مَنَعَ ذَلِكَ كَانَ بَخِيلًا يَنَالُهُ الْعِقَابُ، قَالَ الْغَزَالِيُّ: هَذَا الْحَدُّ غَيْرُ كَافٍ، فَإِنَّ مَنْ يَرُدُّ اللَّحْمَ، وَالْخُبْزَ إلَى الْقَصَّابِ، وَالْخَبَّازِ لِنَقْصِ وَزْنِ حَبَّةٍ يُعَدُّ بَخِيلًا اتِّفَاقًا وَكَذَا مَنْ يُضَايِقُ عِيَالَهُ فِي لُقْمَةٍ أَوْ تَمْرَةٍ أَكَلُوهَا مِنْ مَالِهِ بَعْدَمَا سَلَّمَ لَهُمْ مَا فَرَضَ الْقَاضِي لَهُمْ، وَكَذَا مَنْ بَيْنَ يَدَيْهِ رَغِيفٌ فَحَضَرَ مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ يُشَارِكُهُ فَأَخْفَاهُ يُعَدُّ بَخِيلًا اهـ قُلْت: هَذَا فِي الْبُخْلِ عُرْفًا لَا مَنْ يَسْتَحِقُّ الْعِقَابَ فَلَا يَرُدُّ نَقْضًا. وَأَمَّا حُسْنُ الْخُلُقِ فَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِ، وَسُوءُ الْخُلُقِ ضِدُّهُ، وَقَدْ وَرَدَتْ فِيهِ أَحَادِيثُ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّهُ يُنَافِي الْإِيمَانَ فَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ «سُوءُ الْخُلُقِ يُفْسِدُ الْعَمَلَ كَمَا يُفْسِدُ الْخَلُّ الْعَسَلَ» وَأَخْرَجَ ابْنُ مَنْدَهْ «سُوءُ الْخُلُقِ شُؤْمٌ، وَطَاعَةُ النِّسَاءِ نَدَامَةٌ، وَحُسْنُ الْمَلَكَةِ نَمَاءٌ» وَأَخْرَجَ الْخَطِيبُ «، وَإِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ تَوْبَةً إلَّا صَاحِبُ سُوءِ الْخُلُقِ، فَإِنَّهُ لَا يَتُوبُ مِنْ ذَنْبٍ إلَّا وَقَعَ فِيمَا هُوَ شَرٌّ مِنْهُ»

وَأَخْرَجَ الصَّابُونِيُّ «مَا مَنْ ذَنْبٍ إلَّا وَلَهُ عِنْدَ اللَّهِ تَوْبَةٌ إلَّا سُوءُ الْخُلُقِ، فَإِنَّهُ لَا يَتُوبُ صَاحِبُهُ مِنْ ذَنْبٍ إلَّا وَقَعَ فِيمَا هُوَ شَرٌّ مِنْهُ» وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ سَيِّئُ الْخُلُقِ» الْأَحَادِيثُ فِي هَذَا الْبَابِ وَاسِعَةٌ وَلَعَلَّهُ يَحْمِلُ الْمُؤْمِنَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى كَامِلِ الْإِيمَانِ أَوْ أَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ التَّحْذِيرِ وَالتَّنْفِيرِ أَوْ أَرَادَ إذَا تَرَكَ إخْرَاجَ الزَّكَاةِ مُسْتَحِلًّا لِتَرْكِ وَاجِبٍ قَطْعِيٍّ.

(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «الْمُسْتَبَّانِ مَا قَالَا فَعَلَى

ص: 675

1412 -

وَعَنْ أَبِي صِرْمَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ ضَارَّ مُسْلِمًا ضَارَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ شَاقَّ مُسْلِمًا شَقَّ اللَّهُ عَلَيْهِ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ.

1413 -

وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ الْفَاحِشَ الْبَذِيءَ» أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ

الْبَادِئِ مَا لَمْ يَعْتَدِ الْمَظْلُومُ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ) دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى جَوَازِ مُجَازَاةِ مَنْ ابْتَدَأَ الْإِنْسَانَ بِالْأَذِيَّةِ بِمِثْلِهَا وَإِنَّ إثْمَ ذَلِكَ عَائِدٌ عَلَى الْبَادِئِ؛ لِأَنَّهُ الْمُتَسَبِّبُ لِكُلِّ مَا قَالَهُ الْمُجِيبُ إلَّا أَنْ يَتَعَدَّى الْمُجِيبُ فِي أَذِيَّتِهِ بِالْكَلَامِ فَيَخْتَصُّ بِهِ إثْمُ عُدْوَانِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أُذِنَ لَهُ فِي مِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ}

وَعَدَمُ الْمُكَافَأَةِ وَالصَّبْرِ وَالِاحْتِمَالِ أَفْضَلُ فَقَدْ ثَبَتَ «أَنَّ رَجُلًا سَبَّ أَبَا بَكْرٍ رضي الله عنه بِحَضْرَتِهِ صلى الله عليه وآله وسلم فَسَكَتَ أَبُو بَكْرٍ وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَاعِدٌ، ثُمَّ أَجَابَهُ أَبُو بَكْرٍ فَقَامَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: إنَّهُ لَمَّا سَكَتَ أَبُو بَكْرٍ كَانَ مَلَكٌ يُجِيبُ عَنْهُ فَلَمَّا انْتَصَفَ لِنَفْسِهِ حَضَرَ الشَّيْطَانُ» أَوْ نَحْوُ هَذَا اللَّفْظُ " قَالَ تَعَالَى: {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} .

(وَعَنْ أَبِي صِرْمَةَ) بِكَسْرِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ اشْتَهَرَ بِكُنْيَتِهِ وَاخْتُلِفَ فِي اسْمِهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا، وَهُوَ مِنْ بَنِي مَازِنِ بْنِ النَّجَّارِ شَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا مِنْ الْمَشَاهِدِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ ضَارَّ مُسْلِمًا ضَارَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ شَاقَّ مُسْلِمًا شَقَّ اللَّهُ عَلَيْهِ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ) أَيْ مَنْ أَدْخَلَ عَلَى مُسْلِمٍ مَضَرَّةً فِي مَالِهِ أَوْ نَفْسِهِ أَوْ عِرْضِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ ضَارَّهُ اللَّهُ أَيْ جَازَاهُ مِنْ جِنْسِ فِعْلِهِ وَأَدْخَلَ عَلَيْهِ الْمَضَرَّةَ.

وَالْمُشَاقَّةُ الْمُنَازَعَةُ أَيْ مَنْ نَازَعَ مُسْلِمًا ظُلْمًا وَتَعَدِّيًا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْمَشَقَّةَ جَزَاءً وِفَاقًا. وَالْحَدِيثُ تَحْذِيرٌ عَنْ أَذَى الْمُسْلِمِ بِأَيِّ شَيْءٍ

(وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ

ص: 676

1414 -

وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه رَفَعَهُ «لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ، وَلَا اللَّعَّانِ، وَلَا الْفَاحِشِ، وَلَا الْبَذِيءِ» وَحَسَّنَهُ. وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، وَرَجَّحَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَقْفَهُ.

1415 -

وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا تَسُبُّوا الْأَمْوَاتَ، فَإِنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا إلَى مَا قَدَّمُوا» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.

1416 -

وَعَنْ حُذَيْفَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ

الْفَاحِشَ الْبَذِيءَ» أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ " الْبُغْضُ ضِدُّ الْمَحَبَّةِ وَبُغْضُ اللَّهِ عَبْدَهُ إنْزَالُ الْعُقُوبَةِ بِهِ وَعَدَمُ إكْرَامِهِ إيَّاهُ، وَالْبَذِيءُ فَعِيلٌ مِنْ الْبَذَاءِ، وَهُوَ الْكَلَامُ الْقَبِيحُ الَّذِي لَيْسَ مِنْ صِفَاتِ الْمُؤْمِنِ كَمَا دَلَّ لَهُ الْحَدِيثُ الْآتِي. (وَلَهُ) أَيْ التِّرْمِذِيِّ (مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَفَعَهُ «لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلَا اللَّعَّانِ وَلَا الْفَاحِشِ وَلَا الْبَذِيءِ» وَحَسَّنَهُ الْحَاكِمُ وَرَجَّحَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَقْفَهُ) الطَّعْنُ السَّبُّ يُقَالُ طَعَنَ فِي عِرْضِهِ أَيْ سَبَّهُ. وَاللَّعَّانُ اسْمُ فَاعِلٍ لِلْمُبَالَغَةِ بِزِنَةِ فَعَّالٍ أَيْ كَثِيرِ اللَّعْنِ، وَمَفْهُومُ الزِّيَادَةِ غَيْرُ مُرَادٍ، فَإِنَّ اللَّعْنَ مُحَرَّمٌ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ.

وَالْحَدِيثُ إخْبَارٌ بِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ صِفَاتِ الْمُؤْمِنِ الْكَامِلِ الْإِيمَانِ السَّبُّ وَاللَّعْنُ إلَّا أَنَّهُ يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ لَعْنُ الْكَافِرِ وَشَارِبِ الْخَمْرِ، وَمَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ.

(وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا تَسُبُّوا الْأَمْوَاتَ، فَإِنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا إلَى مَا قَدَّمُوا» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ) سَبُّ الْأَمْوَاتِ عَامٌّ لِلْكَافِرِ وَغَيْرِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ وَعَلَّلَهُ صلى الله عليه وسلم بِإِفْضَائِهِمْ إلَى مَا قَدَّمُوا مِنْ أَعْمَالِهِمْ وَصَارَ أَمْرُهُمْ إلَى مَوْلَاهُمْ. وَقَدْ مَرَّ الْحَدِيثُ بِلَفْظِهِ فِي آخِرِ الْجَنَائِزِ، وَالْكَلَامُ عَلَيْهِ.

(وَعَنْ حُذَيْفَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ» بِقَافٍ وَمُثَنَّاةٍ فَوْقِيَّةٍ وَبَعْدَ الْأَلِفِ مُثَنَّاةٌ أَيْضًا، وَهُوَ النَّمَّامُ، وَقَدْ رُوِيَ بِلَفْظِهِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَقِيلَ إنَّ بَيْنَ الْقَتَّات وَالنَّمَّامِ فَرْقًا فَالنَّمَّامُ الَّذِي يَحْضُرُ الْقِصَّةَ لِيُبَلِّغَهَا، وَالْقَتَّاتُ الَّذِي يَتَسَمَّعُ مِنْ حَدِيثٍ لَا يَعْلَمُ بِهِ، ثُمَّ يَنْقُلُ مَا سَمِعَهُ وَحَقِيقَةُ النَّمِيمَةِ نَقْلُ كَلَامِ النَّاسِ بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ لِلْإِفْسَادِ بَيْنَهُمْ

وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: إنَّ حَدَّهَا كَشْفُ مَا يُكْرَهُ كَشْفُهُ سَوَاءٌ كَرِهَهُ الْمَنْقُولُ إلَيْهِ أَوْ الْمَنْقُولُ عَنْهُ

ص: 677

1417 -

وَعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ‌

«مَنْ كَفَّ غَضَبَهُ كَفَّ اللَّهُ عَنْهُ عَذَابَهُ»

أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ - وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي الدُّنْيَا.

1418 -

وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ خَبٌّ، وَلَا بَخِيلٌ وَلَا سَيِّئُ الْمَلَكَةِ» أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَفَرَّقَهُ حَدِيثَيْنِ، وَفِي إسْنَادِهِ ضَعْفٌ.

أَوْ ثَالِثٌ وَسَوَاءٌ كَانَ الْكَشْفُ بِالرَّمْزِ أَوْ بِالْكِتَابَةِ أَوْ بِالْإِيمَاءِ. قَالَ: فَحَقِيقَةُ النَّمِيمَةِ إفْشَاءُ السِّرِّ وَهَتْكُ السِّتْرِ عَمَّا يُكْرَهُ كَشْفُهُ فَلَوْ رَآهُ يُخْفِي مَالًا لِنَفْسِهِ فَذَكَرَهُ فَهُوَ نَمِيمَةٌ كَذَا قَالَهُ (قُلْت) وَيُحْتَمَلُ أَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يَدْخُلُ فِي النَّمِيمَةِ بَلْ يَكُونُ مِنْ إفْشَاءِ السِّرِّ، وَهُوَ مُحَرَّمٌ أَيْضًا وَوَرَدَ فِي النَّمِيمَةِ عِدَّةُ أَحَادِيثَ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مَرْفُوعًا «لَيْسَ مِنَّا ذُو حَسَدٍ وَلَا نَمِيمَةٍ وَلَا كِهَانَةٍ وَلَا أَنَا مِنْهُ، ثُمَّ تَلَا قَوْله تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا}»

وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ «خِيَارُ عِبَادِ اللَّهِ الَّذِينَ إذَا رُءُوا ذُكِرَ اللَّهُ، وَشَرُّ عِبَادِ اللَّهِ الْمَشَّاءُونَ بِالنَّمِيمَةِ الْبَاغُونَ لِلْبُرَآءِ الْعَيْبَ وَيَحْشُرُهُمْ اللَّهُ مَعَ الْكِلَابِ» وَغَيْرُ هَذَا مِنْ الْأَحَادِيثِ، وَقَدْ تَجِبُ النَّمِيمَةُ كَمَا إذَا سَمِعَ شَخْصًا يُحَدِّثُ بِإِرَادَةِ إيذَاءِ إنْسَانٍ ظُلْمًا وَعُدْوَانًا فَيُحَذِّرُهُ مِنْهُ، فَإِنْ أَمْكَنَ تَحْذِيرُهُ بِغَيْرِ ذِكْرِ مَنْ سَمِعَهُ مِنْهُ وَإِلَّا ذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ، وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى عِظَمِ ذَنْبِ النَّمَّامِ. قَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ: أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ النَّمِيمَةَ مُحَرَّمَةٌ وَأَنَّهَا مِنْ أَعْظَمِ الذُّنُوبِ عِنْدَ اللَّهِ وَفِي كَلَاهِ الْغَزَالِيِّ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَا تَكُونُ كَبِيرَةً إلَّا مَعَ قَصْدِ الْإِفْسَادِ.

(وَعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَفَّ غَضَبَهُ كَفَّ اللَّهُ عَنْهُ عَذَابَهُ» أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي الدُّنْيَا) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي الْغَضَبِ مِرَارًا، وَهَذَا الْحَدِيثُ فِي فَضْلِ مَنْ كَفَّ غَضَبَهُ وَمَنَعَ نَفْسَهُ مِنْ إصْدَارِ مَا يَقْتَضِيه الْغَضَبُ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا بِالْحِلْمِ وَالصَّبْرِ وَجِهَادِ النَّفْسِ، وَهُوَ أَمْرٌ شَاقٌّ؛ وَلِذَا جَعَلَ اللَّهُ جَزَاءَهُ كَفَّ عَذَابِهِ عَنْهُ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي صِفَاتِ الْمُؤْمِنِينَ:{وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ} .

(وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ» مِنْ

ص: 678

1419 -

وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَسَمَّعَ حَدِيثَ قَوْمٍ، وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ، صُبَّ فِي أُذُنَيْهِ الْآنُكُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» يَعْنِي: الرَّصَاصَ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.

1420 -

وَعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «طُوبَى لِمَنْ شَغَلَهُ

أَوَّلِ الْأَمْرِ (خَبٌّ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة مَفْتُوحَةً وَبِالْمُوَحَّدَةِ الْخِدَاعُ (وَلَا بَخِيلٌ) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى الْبَخِيلِ (وَلَا سَيِّئُ الْمَلَكَةِ)، وَهُوَ مَنْ يَتْرُكُ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ حَقِّ الْمَمَالِيكِ أَوْ تَجَاوَزَ الْحَدَّ فِي عُقُوبَتِهِمْ، وَمِثْلُهُ تَرْكُهُ لِتَأْدِيبِهِمْ بِالْآدَابِ الشَّرْعِيَّةِ مِنْ تَعْلِيمِ فَرَائِضِ اللَّهِ وَغَيْرِهَا وَكَذَلِكَ الْبَهَائِمُ سُوءُ الْمَلَكَةُ يَكُونُ بِإِهْمَالِهَا عَنْ الْإِطْعَامِ وَتَحْمِيلِهَا مَا لَا تُطِيقُهُ مِنْ الْأَحْمَالِ، وَالْمَشَقَّةِ عَلَيْهَا بِالسَّيْرِ وَالضَّرْبِ الْعَنِيفِ وَغَيْرِ ذَلِكَ (أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَفَرَّقَهُ حَدِيثَيْنِ وَفِي إسْنَادِهِ ضَعْفٌ) وَلَكِنْ لَهُ شَوَاهِدُ كَثِيرَةٌ، وَقَدْ مَضَى كَثِيرٌ مِنْهَا.

(وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَسَمَّعَ حَدِيثَ قَوْمٍ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ صُبَّ فِي أُذُنَيْهِ الْآنُكُ» بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، وَالْمَدِّ وَضَمِّ النُّونِ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ " يَعْنِي الرَّصَاصَ) هُوَ مُدْرَجٌ فِي الْحَدِيثِ تَفْسِيرًا لِمَا قَبْلَهُ (أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ) هَكَذَا فِي نُسَخِ بُلُوغِ الْمَرَامِ تَسَمَّعَ بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ، وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ مَنْ اسْتَمَعَ، وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ اسْتِمَاعِ حَدِيثِ مَنْ يُكْرَهُ سَمَاعُ حَدِيثِهِ وَيُعْرَفُ بِالْقَرَائِنِ أَوْ بِالتَّصْرِيحِ.

وَرَوَى الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ مِنْ رِوَايَةِ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ قَالَ: مَرَرْت عَلَى ابْنِ عُمَرَ وَمَعَهُ رَجُلٌ يَتَحَدَّثُ فَقُمْت إلَيْهِمَا فَلَطَمَ صَدْرِي وَقَالَ: إذَا وَجَدْت اثْنَيْنِ يَتَحَدَّثَانِ فَلَا تَقُمْ مَعَهُمَا حَتَّى تَسْتَأْذِنَهُمَا. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَدْخُلَ عَلَى الْمُتَنَاجِينَ فِي حَالِ تَنَاجِيهِمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَلَا يَنْبَغِي لِلدَّاخِلِ عَلَيْهِمَا الْقُعُودُ عِنْدَ هُمَا وَلَوْ تَبَاعَدَ عَنْهُمَا إلَّا بِإِذْنِهِمَا؛ لِأَنَّ افْتِتَاحَهُمَا الْكَلَامَ سِرًّا، وَلَيْسَ عِنْدَهُمَا أَحَدٌ دَلَّ عَلَى أَنَّهُمَا لَا يُرِيدَانِ الْإِطْلَاعَ عَلَيْهِ، وَقَدْ يَكُونُ لِبَعْضِ النَّاسِ قُوَّةُ فَهْمٍ إذَا سَمِعَ بَعْضَ الْكَلَامِ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى بَاقِيهِ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ مَعْرِفَةِ الرِّضَا، فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِي الْإِذْنِ حَيَاءٌ وَفِي الْبَاطِنِ الْكَرَاهَةُ وَيَلْحَقُ بِاسْتِمَاعِ الْحَدِيثِ اسْتِنْشَاقُ الرَّائِحَةِ وَمَسُّ الثَّوْبِ وَاسْتِخْبَارُ صِغَارِ الدَّارِ مَا يَقُولُ الْأَهْلُ، وَالْجِيرَانُ مِنْ كَلَامٍ أَوْ مَا يَعْمَلُونَ مِنْ الْأَعْمَالِ، وَأَمَّا لَوْ أَخْبَرَهُ عَدْلٌ عَنْ مُنْكَرٍ جَازَ لَهُ أَنْ يَهْجُمَ وَيَسْتَمِعَ الْحَدِيثَ لِإِزَالَةِ الْمُنْكَرِ.

ص: 679

عَيْبُهُ عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ» أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ بِإِسْنَادِ حَسَنٍ.

1421 -

وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَعَاظَمَ فِي نَفْسِهِ، وَاخْتَالَ فِي مِشْيَتِهِ لَقِيَ اللَّهَ، وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ.

(وَعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «طُوبَى لِمَنْ شَغْلَهُ عَيْبُهُ عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ» أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ بِإِسْنَادِ حَسَنٍ) طُوبَى مَصْدَرٌ مِنْ الطِّيبِ، أَوْ اسْمُ شَجَرَةٍ فِي الْجَنَّةِ يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لَا يَقْطَعُهَا، وَالْمُرَادُ أَنَّهَا لِمَنْ شَغْلَهُ النَّظَرُ فِي عُيُوبِهِ وَطَلَبِ إزَالَتِهَا أَوْ السَّتْرِ عَلَيْهَا عَنْ الِاشْتِغَالِ بِذِكْرِ عُيُوبِ غَيْرِهِ وَالتَّعَرُّفِ لِمَا يَصْدُرُ مِنْهُمْ مِنْ الْعُيُوبِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يُقَدِّمَ النَّظَرَ فِي عَيْبِ نَفْسِهِ إذَا أَرَادَ أَنْ يَعِيبَ غَيْرَهُ، فَإِنَّهُ يَجِدُ مِنْ نَفْسِهِ مَا يَرْدَعُهُ عَنْ ذِكْرِ غَيْرِهِ.

(وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَعَاظَمَ فِي نَفْسِهِ وَاخْتَالَ فِي مِشْيَتِهِ لَقِيَ اللَّهَ، وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ) تَفَاعَلَ يَأْتِي بِمَعْنَى فَعَلَ مِثْلُ تَوَانَيْت بِمَعْنَى وَنَيْت، وَفِيهِ مُبَالَغَةٌ، وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا أَيْ مَنْ عَظَّمَ نَفْسَهُ إمَّا بِاعْتِقَادِ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ مِنْ التَّعْظِيمِ فَوْقَ مَا يَسْتَحِقُّهُ غَيْرُهُ مِمَّنْ لَا يَعْلَمُ اسْتِحْقَاقَهُ الْإِهَانَةَ. وَيُحْتَمَلُ هُنَا أَنَّ تَعَاظَمَ بِمَعْنَى تَعَظَّمَ مُشَدَّدَةً أَيْ اعْتَقَدَ فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ عَظِيمٌ كَتَكَبَّرَ اعْتَقَدَ أَنَّهُ كَبِيرٌ، أَوْ يَكُونُ تَفَاعَلَ بِمَعْنَى اسْتَفْعَلَ أَيْ طَلَبَ أَنْ يَكُونَ عَظِيمًا، وَهَذَا يُلَاقِي مَعْنَى تَكَبَّرَ

، وَالْكِبْرُ كَمَا قَالَ الْمَهْدِيُّ فِي كِتَابِ تَكْمِلَةِ الْأَحْكَامِ: هُوَ اعْتِقَادُ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ مِنْ التَّعْظِيمِ فَوْقَ مَا يَسْتَحِقُّهُ غَيْرُهُ مِمَّنْ لَا يَعْلَمُ اسْتِحْقَاقَهُ الْإِهَانَةَ. وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ، وَالْحَاكِمُ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنًا قَالَ صلى الله عليه وسلم: إنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ» قِيلَ: هُوَ أَنْ يَتَكَبَّرَ عَنْ الْحَقِّ فَلَا يَرَاهُ حَقًّا، وَقِيلَ هُوَ أَنْ يَتَكَبَّرَ عَنْ الْحَقِّ فَلَا يَقْبَلَهُ وَقَالَ النَّوَوِيُّ: مَعْنَاهُ الِارْتِفَاعُ عَنْ النَّاسِ وَاحْتِكَارُهُمْ وَدَفْعُ الْحَقِّ، وَإِنْكَارُهُ تَرَفُّعًا وَتَجَبُّرًا. وَجَاءَ فِي رِوَايَةِ الْحَاكِمِ «وَلَكِنَّ الْكِبْرَ مَنْ بَطَرَ الْحَقَّ وَازْدَرَى النَّاسَ. فَبَطْرُ الْحَقِّ دَفْعُهُ وَرَدُّهُ، وَغَمْطُ النَّاسِ» بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ وَالطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ هُوَ احْتِقَارُهُمْ وَازْدِرَاؤُهُمْ " هَكَذَا جَاءَ مُفَسَّرًا عِنْدَ

ص: 680

1422 -

وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ‌

«الْعَجَلَةُ مِنْ الشَّيْطَانِ»

أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ.

1423 -

وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «الشُّؤْمُ سُوءُ الْخُلُقِ ' '» أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَفِي إسْنَادِهِ ضَعْفٌ

الْحَاكِمُ قَالَهُ الْمُنْذِرِيُّ وَلَفْظُهُ (مِنْ) رُوِيَتْ بِالْكَسْرِ لِمِيمِهَا عَلَى أَنَّهَا حَرْفُ جَرٍّ وَبِفَتْحِهَا عَلَى أَنَّهَا مَوْصُولَةٌ، وَالتَّفْسِيرُ النَّبَوِيُّ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ الِاعْتِقَادِ، وَإِنَّمَا هُوَ بِمَعْنَى عَدَمِ الِامْتِثَالِ تَعَزُّزًا وَتَرَفُّعًا وَاحْتِقَارًا لِلنَّاسِ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي الزَّوَاجِرِ: الْكِبْرُ إمَّا بَاطِنٌ، وَهُوَ خُلُقُ النَّفْسِ وَاسْمُ الْكِبْرِ بِهَذَا أَحَقُّ، وَإِمَّا ظَاهِرٌ، وَهُوَ أَعْمَالٌ تَصْدُرُ مِنْ الْجَوَارِحِ وَهِيَ ثَمَرَاتُ ذَلِكَ الْخُلُقِ، وَعِنْدَ ظُهُورِهَا يُقَالُ تَكَبَّرَ وَعِنْدَ عَدَمِهَا يُقَالُ كَبُرَ، فَالْأَصْلُ هُوَ خُلُقُ النَّفْسِ الَّذِي هُوَ الِاسْتِرْوَاحُ وَالرُّكُونُ إلَى رُؤْيَةِ النَّفْسِ فَوْقَ الْمُتَكَبَّرِ عَلَيْهِ فَهُوَ يَسْتَدْعِي مُتَكَبَّرًا عَلَيْهِ وَمُتَكَبَّرًا بِهِ.

وَبِهِ فَارَقَ الْعُجْبَ، فَإِنَّهُ لَا يَسْتَدْعِي غَيْرَ الْمُعْجَبِ بِهِ حَتَّى لَوْ فُرِضَ انْفِرَادُهُ دَائِمًا لَمَا أَمْكَنَ أَنْ يَقَعَ مِنْهُ الْعُجْبُ دُونِ الْكِبْرُ، فَالْعُجْبُ مُجَرَّدُ اسْتِعْظَامِ الشَّيْءِ، فَإِنْ صَحِبَهُ مَنْ يَرَى أَنَّهُ فَوْقَهُ كَانَ تَكَبُّرًا اهـ.

وَالِاخْتِيَالُ فِي الْمِشْيَةِ هُوَ مِنْ التَّكَبُّرِ وَعَطْفُهُ عَلَيْهِ مِنْ عَطْفِ أَحَدِ نَوْعَيْ الْكِبْرِ عَلَى الْآخَرِ، كَأَنَّهُ يَقُولُ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ نَوْعَيْنِ مِنْ أَنْوَاعِ هَذَا الْكِبْرِ يَسْتَحِقُّ الْوَعِيدَ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّ أَحَدَهُمَا لَا يَكُونُ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَتْ أَحَادِيثُ فِي ذَمِّ الْكِبْرِ مُطْلَقًا، وَالْحَدِيثُ وَغَيْرُهُ دَالٌّ عَلَى تَحْرِيمِ الْكِبْرِ وَإِيجَابِهِ لِغَضَبِ اللَّهِ تَعَالَى.

(وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «الْعَجَلَةُ مِنْ الشَّيْطَانِ» أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ) الْعَجَلَةُ هِيَ السُّرْعَةُ فِي الشَّيْءِ وَهِيَ مَذْمُومَةٌ فِيمَا كَانَ الْمَطْلُوبُ فِيهِ الْأَنَاةُ مَحْمُودَةٌ فِيمَا يُطْلَبُ تَعْجِيلُهُ مِنْ الْمُسَارَعَةِ إلَى الْخَيْرَاتِ وَنَحْوِهَا، وَقَدْ يُقَالُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْأَنَاةِ، وَالْمُسَارَعَةِ، فَإِنْ سَارَعَ بِتُؤَدَةٍ وَتَأَنٍّ فَيَتِمُّ لَهُ الْأَمْرَانِ، وَالضَّابِطُ أَنَّ خِيَارَ الْأُمُورِ أَوْسَطُهَا.

ص: 681

1424 -

وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إنَّ اللَّعَّانِينَ لَا يَكُونُونَ شُفَعَاءَ، وَلَا شُهَدَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.

1425 -

وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ عَيَّرَ أَخَاهُ بِذَنْبٍ لَمْ يَمُتْ حَتَّى يَعْمَلَهُ» أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَسَنَدُهُ مُنْقَطِعٌ.

الشُّؤْمُ ضِدُّ الْيُمْنِ وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى حَقِيقَةِ سُوءِ الْخُلُقِ وَأَنَّهُ الشُّؤْمُ، وَأَنَّ كُلَّ مَا يَلْحَقُ مِنْ الشُّرُورِ فَسَبَبُهُ سُوءُ الْخُلُقِ، وَفِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّ سُوءَ الْخُلُقِ وَحُسْنَهُ اخْتِيَارٌ مُكْتَسَبٌ لِلْعَبْدِ. وَتَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ.

(وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إنَّ اللَّاعِنِينَ لَا يَكُونُونَ شُهَدَاءَ وَلَا شُفَعَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي اللَّعْنِ قَرِيبًا، وَالْحَدِيثُ إخْبَارٌ بِأَنَّ كَثِيرِي اللَّعْنِ لَيْسَ لَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ قَبُولُ شَفَاعَةٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَيْ لَا يَشْفَعُونَ حِينَ يَشْفَعُ الْمُؤْمِنُونَ فِي إخْوَانِهِمْ.

وَمَعْنَى وَلَا شُهَدَاءَ قِيلَ لَا يَكُونُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُهَدَاءَ عَلَى تَبْلِيغِ الْأُمَمِ رُسُلُهُمْ إلَيْهِمْ الرِّسَالَاتِ، وَقِيلَ: لَا يَكُونُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُهَدَاءَ عَلَى تَبْلِيغِ الْأُمَمِ رُسُلُهُمْ إلَيْهِمْ الرِّسَالَاتِ، وَقِيلَ لَا يَكُونُوا شُهَدَاءَ فِي الدُّنْيَا وَلَا يُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ لِفِسْقِهِمْ؛ لِأَنَّ إكْثَارَ اللَّعْنِ مِنْ أَدِلَّةِ التَّسَاهُلِ فِي الدِّينِ، وَقِيلَ لَا يُرْزَقُونَ الشَّهَادَةَ وَهِيَ الْقَتْلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ (فَيَوْمَ الْقِيَامَةِ) مُتَعَلِّقٌ بِشُفَعَاءَ وَحْدَهُ عَلَى هَذَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ وَيُحْتَمَلُ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِمَا وَيُرَادَ أَنَّ شَهَادَتَهُ لَمَّا لَمْ تُقْبَلْ فِي الدُّنْيَا لَمْ يُكْتَبْ لَهُ فِي الْآخِرَةِ ثَوَابُ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ، وَكَذَلِكَ لَا يَكُونُ لَهُ فِي الْآخِرَةِ ثَوَابُ الشُّهَدَاءِ.

(وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ عَيَّرَ أَخَاهُ بِذَنْبٍ مَنْ عَابَهُ بِهِ لَمْ يَمُتْ حَتَّى يَعْمَلَهُ» أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَسَنَدُهُ مُنْقَطِعٌ) كَأَنَّهُ حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ لِشَوَاهِدِهِ فَلَا يَضُرُّهُ انْقِطَاعُهُ. وَكَأَنَّ مَنْ عَيَّرَ أَخَاهُ أَيْ عَابَهُ مِنْ الْعَارِ، وَهُوَ كُلُّ شَيْءٍ لَزِمَ بِهِ عَيْبٌ كَمَا فِي الْقَامُوسِ يُجَازَى بِسَلْبِ التَّوْفِيقِ حَتَّى يَرْتَكِبَ مَا عَيَّرَ أَخَاهُ بِهِ وَذَاكَ إذَا صَحِبَهُ إعْجَابُهُ بِنَفْسِهِ بِسَلَامَتِهِ مِمَّا عَيَّرَ بِهِ أَخَاهُ.

وَفِيهِ أَنَّ ذِكْرَ الذَّنْبِ لِمُجَرَّدِ

ص: 682

1426 -

وَعَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «وَيْلٌ لِلَّذِي يُحَدِّثُ فَيَكْذِبُ لِيُضْحِكَ بِهِ الْقَوْمَ، وَيْلٌ لَهُ، ثُمَّ وَيْلٌ لَهُ» أَخْرَجَهُ الثَّلَاثَةُ، وَإِسْنَادُهُ قَوِيٌّ.

التَّعْيِيرِ قَبِيحٌ يُوجِبُ الْعُقُوبَةَ وَأَنَّهُ لَا يَذْكُرُ عَيْبَ الْغَيْرِ إلَّا لِلْأُمُورِ السِّتَّةِ الَّتِي سَلَفَتْ مَعَ حُسْنِ الْقَصْدِ فِيهَا.

(وَعَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ) مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «وَيْلٌ لِلَّذِي يُحَدِّثُ فَيَكْذِبُ لِيُضْحِكَ بِهِ الْقَوْمَ وَيْلٌ لَهُ، ثُمَّ وَيْلٌ لَهُ» أَخْرَجَهُ الثَّلَاثَةُ وَإِسْنَادُهُ قَوِيٌّ) وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ.، وَالْوَيْلُ الْهَلَاكُ، وَرَفْعُهُ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ الْجَارُ، وَالْمَجْرُورُ وَجَازَ الِابْتِدَاءُ بِالنَّكِرَةِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ وَفِي مَعْنَاهُ الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي تَحْرِيمِ الْكَذِبِ عَلَى الْإِطْلَاقِ مِثْلُ حَدِيثِ «إيَّاكُمْ، وَالْكَذِبَ، فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إلَى الْفُجُورِ، وَالْفُجُورَ يَهْدِي إلَى النَّارِ» سَيَأْتِي وَأَخْرَجَ ابْن حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ «إيَّاكُمْ، وَالْكَذِبَ، فَإِنَّهُ مَعَ الْفُجُورِ وَهُمَا فِي النَّارِ» وَمِثْلُهُ عِنْدَ الطَّبَرَانِيُّ. وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ لَهِيعَةَ «مَا عَمَلُ أَهْلُ النَّارِ؟ قَالَ الْكَذِبُ، فَإِنَّ الْعَبْدَ إذَا كَذَبَ فَجَرَ، وَإِذَا فَجَرَ كَفَرَ، وَإِذَا كَفَرَ دَخَلَ النَّارَ» وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ أَنَّهُ قَالَ صلى الله عليه وسلم فِي الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ وَمِنْ جُمْلَتِهِ قَوْلُهُ «رَأَيْت اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي قَالَا لِي الَّذِي رَأَيْته يَشُقُّ شَدْقَهُ فَكَذَّابٌ يَكْذِبُ الْكَذِبَةَ تُحْمَلُ عَنْهُ حَتَّى تَبْلُغَ الْآفَاقَ» فِي حَدِيثِ رُؤْيَاهُ صلى الله عليه وسلم، وَالْأَحَادِيثُ فِي الْبَابِ كَثِيرَةٌ الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ الْكَذِبِ لِإِضْحَاكِ الْقَوْمِ، وَهَذَا تَحْرِيمٌ خَاصٌّ. وَيُحَرَّمُ عَلَى السَّامِعِينَ سَمَاعُهُ إذَا عَلِمُوهُ كَذِبًا؛ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ عَلَى الْمُنْكَرِ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِمْ النَّكِيرُ أَوْ الْقِيَامُ مِنْ الْمَوْقِفِ، وَقَدْ عُدَّ الْكَذِبُ مِنْ الْكَبَائِرِ قَالَ الرُّويَانِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ كَبِيرَةٌ، وَمَنْ كَذِبَ قَصْدًا رُدَّتْ شَهَادَتُهُ، وَإِنْ لَمْ يَضُرَّ بِالْغَيْرِ؛ لِأَنَّ الْكَذِبَ حَرَامٌ بِكُلِّ حَالٍ وَقَالَ الْمَهْدِيُّ: إنَّهُ لَيْسَ بِكَبِيرَةٍ وَلَا يَتِمُّ لَهُ نَفْيُ كِبْرِهِ عَلَى الْعُمُومِ، فَإِنَّ الْكَذِبَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَوْ لِإِضْرَارٍ بِمُسْلِمٍ أَوْ مُعَاهَدٍ كَبِيرَةٌ وَقَسَّمَ الْغَزَالِيُّ الْكَذِبَ فِي الْإِحْيَاءِ إلَى وَاجِبٍ وَمُبَاحٍ وَمُحَرَّمٍ وَقَالَ: إنَّ كُلَّ مَقْصِدٍ مَحْمُودٍ يُمْكِنُ التَّوَصُّلُ إلَيْهِ بِالصِّدْقِ، وَالْكَذِبِ جَمِيعًا، فَالْكَذِبُ فِيهِ حَرَامٌ، وَإِنْ أَمْكَنَ التَّوَصُّلُ إلَيْهِ بِالْكَذِبِ وَحْدَهُ فَمُبَاحٌ إنْ أُنْتِجَ تَحْصِيلُ ذَلِكَ الْمَقْصُودِ، وَوَاجِبٌ إنْ وَجَبَ تَحْصِيلُ ذَلِكَ، وَهُوَ إذَا كَانَ

ص: 683

1427 -

وَعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «كَفَّارَةُ مَنْ اغْتَبْته أَنْ تَسْتَغْفِرَ لَهُ» رَوَاهُ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ.

فِيهِ عِصْمَةُ مَنْ يَجِبُ إنْقَاذُهُ، وَكَذَا إذَا خَشَى عَلَى الْوَدِيعَةِ مِنْ ظَالِمٍ وَجَبَ الْإِنْكَارُ، وَالْحَلِفُ وَكَذَا إذَا كَانَ لَا يَتِمُّ مَقْصُودُ حَرْبٍ أَوْ إصْلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ أَوْ اسْتِمَالَةُ قَلْبِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ إلَّا بِالْكَذِبِ فَهُوَ مُبَاحٌ، وَكَذَا إذَا وَقَعَتْ مِنْهُ فَاحِشَةٌ كَالزِّنَى وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَسَأَلَهُ السُّلْطَانُ فَلَهُ أَنْ يَكْذِبَ وَيَقُولَ مَا فَعَلْت، ثُمَّ قَالَ: وَيَنْبَغِي أَنْ تُقَابِلُ مَفْسَدَةُ الْكَذِبِ بِالْمَفْسَدَةِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَى الصِّدْقِ

فَإِنْ كَانَتْ مَفْسَدَةُ الصِّدْقِ أَشَدَّ فَلَهُ الْكَذِبُ، وَإِنْ كَانَتْ بِالْعَكْسِ أَوْ شَكَّ فِيهَا حُرِّمَ الْكَذِبُ، وَإِنْ تَعَلَّقَ بِنَفْسِهِ اسْتَحَبَّ أَنْ لَا يَكْذِبَ، وَإِنْ تَعَلَّقَ بِغَيْرِهِ لَمْ تَحْسُنْ الْمُسَامَحَةُ بِحَقِّ الْغَيْرِ، وَالْحَزَمُ تَرْكُهُ حَيْثُ أُبِيحَ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ يَجُوزُ الْكَذِبُ اتِّفَاقًا فِي ثَلَاثِ صُوَرٍ كَمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم فِي الصَّحِيحِ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: لَمْ أَسْمَعْ بِرُخَصٍ فِي شَيْءٍ مِمَّا يَقُولُ النَّاسُ كَذِبٌ إلَّا فِي ثَلَاثٍ: الْحَرْبُ، وَالْإِصْلَاحُ بَيْنَ النَّاسِ، وَحَدِيثُ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ وَحَدِيثُ الْمَرْأَةِ زَوْجِهَا قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: لَا خِلَافَ فِي جَوَازِ الْكَذِبِ فِي هَذِهِ الثَّلَاثِ الصُّوَرِ. أَخْرَجَ ابْنُ النَّجَّارِ عَنْ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ مَرْفُوعًا: «الْكَذِبُ يُكْتَبُ عَلَى ابْنِ آدَمَ إلَّا فِي ثَلَاثٍ: الرَّجُلُ يَكُونُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ لِيُصْلَحَ بَيْنَهُمَا، وَالرَّجُلُ يُحَدِّثُ امْرَأَتَهُ لِيُرْضِيَهَا بِذَلِكَ، وَالْكَذِبُ فِي الْحَرْبِ»

(قُلْت): اُنْظُرْ فِي حِكْمَةِ اللَّهِ وَمَحَبَّتِهِ لِاجْتِمَاعِ الْقُلُوبِ كَيْفَ حَرَّمَ النَّمِيمَةَ وَهِيَ صِدْقٌ لِمَا فِيهَا مِنْ إفْسَادِ الْقُلُوبِ وَتَوْلِيدِ الْعَدَاوَةِ، وَالْوَحْشَةِ وَأَبَاحَ الْكَذِبَ، وَإِنْ كَانَ حَرَامًا إذَا كَانَ لِجَمْعِ الْقُلُوبِ وَجَلْبِ الْمَوَدَّةِ وَإِذْهَابِ الْعَدَاوَةِ

(وَعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «كَفَّارَةُ مَنْ اغْتَبْته أَنْ تَسْتَغْفِرَ لَهُ» رَوَاهُ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ) وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُسْنَدِهِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ وَغَيْرُهُمَا بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَفِي أَسَانِيدِهِمَا ضَعْفٌ. وَرُوِيَ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى بِمَعْنَاهُ، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ، وَالْبَيْهَقِيُّ قَالَ: وَهُوَ أَصَحُّ وَلَفْظُهُ قَالَ: «كَانَ فِي لِسَانِي ذَرَبٌ عَلَى أَهْلِي فَسَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: أَيْنَ أَنْتَ مِنْ الِاسْتِغْفَارِ يَا حُذَيْفَةُ إنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ» هَذَا الْحَدِيثُ لَا دَلِيلَ فِيهِ نَصًّا أَنَّهُ

ص: 684

1428 -

وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «أَبْغَضُ الرِّجَالِ إلَى اللَّهِ الْأَلَدُّ الْخَصِمُ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.

لِأَجَلِ الِاغْتِيَابِ بَلْ لَعَلَّهُ لِدَفْعِ ذَرَبِ اللِّسَانِ.

وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الِاسْتِغْفَارَ مِنْ الْمُغْتَابِ لِمَنْ اغْتَابَهُ يَكْفِي وَلَا يَحْتَاجُ إلَى الِاعْتِذَارِ مِنْهُ. وَفَصَّلَتْ الْهَادَوِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فَقَالُوا: إذَا عَلِمَ الْمُغْتَابُ وَجَبَ الِاسْتِحْلَالُ مِنْهُ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَعْلَمْ فَلَا وَلَا يُسْتَحَبُّ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ يَجْلِبُ الْوَحْشَةَ وَإِيغَارَ الصَّدْرِ، إلَّا أَنَّهُ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ مَظْلِمَةٌ لِأَخِيهِ فِي عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ إنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلِمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ» وَأَخْرَجَ نَحْوَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى، وَهُوَ دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ الِاسْتِحْلَالُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ عَلِمَ إلَّا أَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى مَنْ قَدْ بَلَغَهُ وَيَكُونُ حَدِيثُ أَنَسٍ فِيمَنْ لَمْ يَعْلَمْ وَيُقَيَّدُ بِهِ إطْلَاقُ حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ.

(وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «أَبْغَضُ الرِّجَالِ إلَى اللَّهِ الْأَلَدُّ الْخَصِمُ» بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ) الْأَلَدُّ مَأْخُوذٌ مِنْ لَدِيدَيْ الْوَادِي وَهُمَا جَانِبَاهُ وَالْخَصِمُ شَدِيدُ الْخُصُومَةِ الَّذِي يَحُجُّ مُخَاصِمَهُ وَجْهَ الِاشْتِقَاقِ أَنَّهُ كُلَّمَا احْتَجَّ عَلَيْهِ بِحُجَّةٍ أَخَذَ فِي جَانِبٍ آخَرَ وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ فِي ذَمِّ الْخُصُومَةِ كَحَدِيثِ «مَنْ جَادَلَ فِي خُصُومَةٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ لَمْ يَزَلْ فِي سُخْطِ اللَّهِ حَتَّى يَنْزِعَ» تَقَدَّمَ تَخْرِيجُهُ. وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا كَفَى بِك إثْمًا أَنْ لَا تَزَالَ مُخَاصِمًا " وَظَاهِرُ إطْلَاقِ الْأَحَادِيثِ أَنَّ الْخُصُومَةَ مَذْمُومَةٌ وَلَوْ كَانَتْ فِي حَقٍّ وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْأَذْكَارِ: فَإِنْ قُلْت لَا بُدَّ لِلْإِنْسَانِ مِنْ الْخُصُومَةِ لِاسْتِيفَاءِ حَقِّهِ. فَالْجَوَابُ مَا أَجَابَ بِهِ الْغَزَالِيُّ: أَنَّ الذَّمَّ إنَّمَا هُوَ لِمَنْ خَاصَمَ بِبَاطِلٍ وَبِغَيْرِ عِلْمٍ كَوَكِيلِ الْقَاضِي فَإِنَّهُ يَتَوَكَّلُ قَبْلَ أَنْ يَعْرِفَ الْحَقَّ فِي أَيِّ جَانِبٍ.

وَيَدْخُلُ فِي الذَّمِّ مَنْ يَطْلُبُ حَقًّا لَكِنْ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ بَلْ يُظْهِرُ اللَّدَدَ وَالْكَذِبَ لِإِيذَاءِ خَصْمِهِ وَكَذَا مَنْ يَحْمِلُهُ عَلَى الْخُصُومَةِ مَحْضُ الْعِنَادِ لِقَهْرِ خَصْمِهِ وَكَسْرِهِ، وَمِثْلُهُ مَنْ يَخْلِطُ الْخُصُومَةَ بِكَلِمَاتٍ تُؤْذِي وَلَيْسَ إلَيْهَا ضَرُورَةٌ فِي التَّوَصُّلِ إلَى غَرَضِهِ فَهَذَا هُوَ الْمَذْمُومُ بِخِلَافِ الْمَظْلُومِ الَّذِي يَنْصُرُ حُجَّتَهُ بِطَرِيقِ الشَّرْعِ مِنْ غَيْرِ لَدَدٍ وَإِسْرَافٍ وَزِيَادَةِ الْحِجَاجِ عَلَى الْحَاجَةِ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ عِنَادٍ وَلَا إيذَاءٍ فَفِعْلُهُ هَذَا لَيْسَ مَذْمُومًا وَلَا حَرَامًا لَكِنَّ الْأَوْلَى تَرْكُهُ مَا وَجَدَ إلَيْهِ سَبِيلًا. وَفِي بَعْضِ كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهَا تَرُدُّ شَهَادَةَ مَنْ يُكْثِرُ الْخُصُومَةَ؛ لِأَنَّهَا تُنْقِصُ الْمُرُوءَةَ لَا لِكَوْنِهَا مَعْصِيَةً.

ص: 685

‌باب الترغيب في مكارم الأخلاق

1429 -

عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ، فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إلَى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ، فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

(عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي بِفَتْحِ حَرْفِ الْمُضَارَعَةِ إلَى الْبِرِّ وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إلَى الْجَنَّةِ وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إلَى النَّارِ وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) الصِّدْقُ مَا طَابَقَ الْوَاقِعَ وَالْكَذِبُ مَا خَالَفَ الْوَاقِعَ هَذِهِ حَقِيقَتُهُمَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ مِنْ الْهَادَوِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ، وَالْهِدَايَةُ الدَّلَالَةُ الْمُوصِلَةُ إلَى الْمَطْلُوبِ وَالْبِرُّ بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ أَصْلُهُ التَّوَسُّعُ فِي فِعْلِ الْخَيْرَاتِ وَهُوَ اسْمٌ جَامِعٌ لِلْخَيْرَاتِ كُلِّهَا وَيُطْلَقُ عَلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ الْخَاصِّ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ عَلَى قَوْلِهِ " وَإِنَّ الْبِرَّ " إلَى آخِرِهِ مِصْدَاقُهُ قَوْله تَعَالَى:{إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ} وَقَالَ عَلَى قَوْلِهِ " وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ " إلَى آخِرِهِ الْمُرَادُ يَتَكَرَّرُ مِنْهُ الصِّدْقُ حَتَّى يَسْتَحِقَّ اسْمَ الْمُبَالَغَةِ وَهُوَ الصِّدِّيقُ وَأَصْلُ الْفُجُورِ الشَّقُّ فَهُوَ شَقُّ الدِّيَانَةِ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْمَيْلِ إلَى الْفَسَادِ وَعَلَى الِانْبِعَاثِ فِي الْمَعَاصِي وَهُوَ اسْمٌ جَامِعٌ لِلشَّرِّ. وَقَوْلُهُ (وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ) هُوَ كَمَا مَرَّ فِي قَوْلِهِ وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ فِي أَنَّهُ إذَا تَكَرَّرَ مِنْهُ الْكَذِبُ اسْتَحَقَّ اسْمَ الْمُبَالَغَةِ وَهُوَ الْكَذَّابُ.

وَفِي الْحَدِيثِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ مَنْ تَحَرَّى الصِّدْقَ فِي أَقْوَالِهِ صَارَ لَهُ سَجِيَّةً وَمَنْ تَعَمَّدَ الْكَذِبَ وَتَحَرَّاهُ صَارَ لَهُ سَجِيَّةً، وَأَنَّهُ بِالتَّدَرُّبِ وَالِاكْتِسَابِ تَسْتَمِرُّ صِفَاتُ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ. وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى عَظَمَةِ شَأْنِ الصِّدْقِ وَأَنَّهُ يَنْتَهِي بِصَاحِبِهِ إلَى الْجَنَّةِ وَدَلِيلٌ عَلَى عَظَمَةِ قُبْحِ الْكَذِبِ وَأَنَّهُ يَنْتَهِي بِصَاحِبِهِ إلَى النَّارِ، وَذَلِكَ مِنْ غَيْرِ مَا لِصَاحِبِهِمَا فِي الدُّنْيَا فَإِنَّ الصَّدُوقَ مَقْبُولُ الْحَدِيثِ عِنْدَ النَّاسِ مَقْبُولُ الشَّهَادَةِ عِنْدَ الْحُكَّامِ مَحْبُوبٌ مَرْغُوبٌ فِي أَحَادِيثِهِ وَالْكَذُوبُ بِخِلَافِ هَذَا كُلِّهِ.

ص: 686

1430 -

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

1431 -

وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ عَلَى الطُّرُقَاتِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا لَنَا بُدٌّ مِنْ مَجَالِسِنَا، نَتَحَدَّثُ فِيهَا، قَالَ: فَأَمَّا إذَا أَبَيْتُمْ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ قَالُوا: وَمَا حَقُّهُ؟ قَالَ: غَضُّ الْبَصَرِ، وَكَفُّ الْأَذَى، وَرَدُّ السَّلَامِ، وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إيَّاكُمْ وَالظَّنَّ بِالنَّصْبِ مُحَذِّرٌ مِنْهُ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) تَقَدَّمَ بَيَانُ مَعْنَاهُ وَأَنَّهُ تَحْذِيرٌ مِنْ أَنْ يُحَقِّقَ مَا ظَنَّهُ وَأَمَّا نَفْسُ الظَّنِّ فَقَدْ يَهْجُمُ عَلَى الْقَلْبِ فَيَجِبُ دَفْعُهُ وَالْإِعْرَاضُ عَنْ الْعَمَلِ عَلَيْهِ.

(وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم: «إيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ عَلَى الطُّرُقَاتِ» بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ طَرِيقٍ «قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّه مَا لَنَا بُدٌّ مِنْ مَجَالِسِنَا نَتَحَدَّثُ فِيهَا قَالَ: فَأَمَّا إذَا أَبَيْتُمْ أَيْ امْتَنَعْتُمْ عَنْ تَرْكِ الْجُلُوسِ عَلَى الطُّرُقَاتِ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ قَالُوا: وَمَا حَقُّهُ قَالَ: غَضُّ الْبَصَرِ عَنْ الْمُحَرَّمَاتِ وَكَفُّ الْأَذَى عَنْ الْمَارِّينَ بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ وَرَدُّ السَّلَامِ» إجَابَتُهُ عَلَى مَنْ أَلْقَاهُ عَلَيْكُمْ مِنْ الْمَارِّينَ إذْ السَّلَامُ يُسَنُّ ابْتِدَاءً لِلْمَارِّ لَا لِلْقَاعِدِ «وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ»، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ فَهِمُوا أَنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ لِلْوُجُوبِ وَأَنَّهُ لِلتَّرْغِيبِ فِيمَا هُوَ الْأَوْلَى إذْ لَوْ فَهِمُوا الْوُجُوبَ لَمْ يُرَاجِعُوهُ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ رَجَوْا وُقُوعَ النَّسْخِ تَخْفِيفًا لِمَا شَكَوْا مِنْ الْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ. وَقَدْ زِيدَ فِي أَحَادِيثَ حَقُّ الطَّرِيقِ عَلَى هَذِهِ الْخَمْسَةِ الْمَذْكُورَةِ، زَادَ أَبُو دَاوُد: وَإِرْشَادُ ابْنِ السَّبِيلِ وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ إذَا حَمِدَ اللَّهَ، وَزَادَ سَعِيدُ بْنِ مَنْصُورٍ: وَإِغَاثَةُ الْمَلْهُوفِ، وَزَادَ الْبَزَّارُ: وَالْإِعَانَةُ عَلَى الْحَمْلِ، وَزَادَ الطَّبَرَانِيُّ: وَأَعِينُوا الْمَظْلُومَ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا.

قَالَ السُّيُوطِيّ فِي التَّوْشِيحِ فَاجْتَمَعَ مِنْ ذَلِكَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ أَدَبًا وَقَدْ نَظَمَهَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ حَجَرٍ فَقَالَ فِي أَرْبَعَةِ أَبْيَاتٍ:

جَمَعْت آدَابَ مَنْ رَامَ الْجُلُوسَ عَلَى الـ

طَرِيقِ مِنْ قَوْلِ خَيْرٍ الْخَلْقِ إنْسَانَا

أَفْشِ السَّلَامَ وَأَحْسِنْ فِي الْكَلَامِ وَشَمِّ

ت عَاطِسًا وَسَلَامًا رُدَّ إحْسَانًا

ص: 687

1432 -

وَعَنْ مُعَاوِيَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ‌

«مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ»

مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

1433 -

وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ شَيْءٍ فِي الْمِيزَانِ أَثْقَلُ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.

فِي الْحَمْلِ عَاوِنْ وَمَظْلُومًا أَعِنْ

وَأَغِثْ لَهْفَانَ اهْدِ سَبِيلًا وَاهْدِ حَيْرَانَا

بِالْعُرْفِ مُرْ وَانْهَ عَنْ نُكْرٍ وَكُفَّ أَذًى

وَغُضَّ طَرَفًا وَأَكْثِرْ ذِكْرَ مَوْلَانَا

إلَّا أَنَّ الْأَحَادِيثَ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا وَذَكَرَهَا السُّيُوطِيّ فِي التَّوْشِيحِ فِيهَا أَحَدَ عَشَرَ أَدَبًا وَفِي الْأَبْيَاتِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ؛ لِأَنَّهُ زَادَ: حُسْنَ الْكَلَامِ وَهُوَ ثَابِتٌ فِي حَدِيثٍ لِأَبِي هُرَيْرَةَ وَزَادَ فِيهَا: وَإِفْشَاءَ السَّلَامِ وَلَمْ أَجِدْهُ فِي حَدِيثٍ إنَّمَا فِيهَا رَدُّ السَّلَامِ وَقَدْ ذَكَرَهُ فِيهَا، وَالْحِكْمَةُ فِي النَّهْيِ عَنْ الْجُلُوسِ فِي الطُّرُقَاتِ أَنَّهُ لِجُلُوسِهِ يَتَعَرَّضُ لِلْفِتْنَةِ فَإِنَّهُ قَدْ يَنْظُرُ إلَى الشَّهَوَاتِ مِمَّنْ يَخَافُ الْفِتْنَةَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ النَّظَرِ إلَيْهِنَّ مَعَ مُرُورِهِنَّ وَفِيهِ التَّعَرُّضُ لِلُزُومِ حُقُوقِ اللَّهِ وَالْمُسْلِمِينَ وَلَوْ كَانَ قَاعِدًا فِي مَنْزِلِهِ لَمَا عَرَفَ ذَلِكَ وَلَا لَزِمَتْهُ الْحُقُوقُ الَّتِي قَدْ لَا يَقُومُ بِهَا وَلَمَّا طَلَبُوا الْإِذْنَ فِي الْبَقَاءِ فِي مَجَالِسِهِمْ وَأَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْهَا عَرَّفَهُمْ بِمَا يَلْزَمُهُمْ مِنْ الْحُقُوقِ وَكُلُّ مَا ذُكِرَ مِنْ الْحُقُوقِ قَدْ وَرَدَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ مُفَرَّقَةً تَقَدَّمَ بَعْضُهَا وَيَأْتِي بَعْضُهَا.

(وَعَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى عَظَمَةِ شَأْنِ التَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ وَأَنَّهُ لَا يُعْطَاهُ إلَّا مَنْ أَرَادَ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا عَظِيمًا كَمَا يُرْشِدُ إلَيْهِ التَّنْكِيرُ وَيَدُلُّ لَهُ الْمَقَامُ. وَالْفِقْهُ فِي الدِّينِ تَعَلُّمُ قَوَاعِدِ الْإِسْلَامِ وَمَعْرِفَةُ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ أَنَّ مَنْ لَمْ يَتَفَقَّهْ فِي الدِّينِ لَمْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا. وَقَدْ وَرَدَ هَذَا الْمَفْهُومُ مَنْطُوقًا فِي رِوَايَةِ أَبِي يَعْلَى «وَمَنْ لَمْ يُفَقَّهْ لَمْ يُبَالِ اللَّهُ بِهِ» وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ عَلَى شَرَفِ الْفِقْهِ فِي الدِّينِ وَالْمُتَفَقِّهِينَ فِيهِ عَلَى سَائِرِ الْعُلُومِ وَالْعُلَمَاءِ وَالْمُرَادُ بِهِ مَعْرِفَةُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.

(وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ شَيْءٍ فِي الْمِيزَانِ أَثْقَلُ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ) وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي

ص: 688

1434 -

وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «الْحَيَاءُ مِنْ الْإِيمَانِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ

1435 -

وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الْأُولَى:‌

‌ إذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْت»

أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.

حَقِيقَتِهِ بِمَا لَا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى الْإِعَادَةِ لِقُرْبِ عَهْدِهِ.

(وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «الْحَيَاءُ مِنْ الْإِيمَانِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) الْحَيَاءُ فِي اللُّغَةِ تَغَيُّرٌ يَلْحَقُ الْإِنْسَانَ مِنْ خَوْفِ مَا يُعَابُ بِهِ وَفِي الشَّرْعِ خُلُقٌ يَبْعَثُ عَلَى اجْتِنَابِ الْقَبِيحِ وَيَمْنَعُ مِنْ التَّقْصِيرِ فِي حَقِّ ذِي الْحَقِّ.

وَالْحَيَاءُ وَإِنْ كَانَ قَدْ يَكُونُ غَرِيزَةً فَهُوَ فِي اسْتِعْمَالِهِ عَلَى وَفْقِ الشَّرْعِ يَحْتَاجُ إلَى اكْتِسَابٍ وَعِلْمٍ وَنِيَّةٍ فَلِذَلِكَ كَانَ مِنْ الْإِيمَانِ. وَقَدْ يَكُونُ كَسْبِيًّا، وَمَعْنَى كَوْنِهِ مِنْ الْإِيمَانِ أَنَّ الْمُسْتَحِي يَنْقَطِعُ بِحَيَائِهِ عَنْ الْمَعَاصِي فَيَصِيرُ كَالْإِيمَانِ الْقَاطِعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَعَاصِي. وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْنَاهُ أَنَّ الْحَيَاءَ يَمْنَعُ صَاحِبَهُ مِنْ ارْتِكَابِ الْمَعَاصِي كَمَا يَمْنَعُ الْإِيمَانَ فَسُمِّيَ إيمَانًا كَمَا يُسَمَّى الشَّيْءُ بِاسْمِ مَا قَامَ مَقَامَهُ وَالْحَيَاءُ مُرَكَّبٌ مِنْ جُبْنٍ وَعِفَّةٍ. وَفِي الْحَدِيثِ «الْحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ وَلَا يَأْتِي إلَّا بِخَيْرٍ» فَإِنْ قُلْت قَدْ يَمْنَعُ الْحَيَاءُ صَاحِبَهُ عَنْ إنْكَارِ الْمُنْكَرِ وَهُوَ إخْلَالٌ بِبَعْضِ مَا يَجِبُ فَلَا يَتِمُّ عُمُومٌ " إنَّهُ لَا يَأْتِي إلَّا بِخَيْرٍ "(قُلْت) قَدْ أُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْحَيَاءِ فِي الْأَحَادِيثِ الْحَيَاءُ الشَّرْعِيُّ، وَالْحَيَاءُ الَّذِي يَنْشَأُ عَنْهُ تَرْكُ بَعْضِ مَا يَجِبُ لَيْسَ حَيَاءً شَرْعِيًّا بَلْ هُوَ عَجْزٌ وَمَهَانَةٌ وَإِنَّمَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ الْحَيَاءُ لِمُشَابَهَتِهِ الْحَيَاءَ الشَّرْعِيَّ، وَبِجَوَابٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّ مَنْ كَانَ الْحَيَاءُ مِنْ خُلُقِهِ فَالْخَيْرُ عَلَيْهِ أَغْلَبُ أَوْ أَنَّهُ إذَا كَانَ الْحَيَاءُ مِنْ خُلُقِهِ كَانَ الْخَيْرُ فِيهِ بِالذَّاتِ فَلَا يُنَافِيهِ حُصُولُ التَّقْصِيرِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ شَرْحِ مُسْلِمِ: وَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَدْ جُمِعَ لَهُ النَّوْعَانِ مِنْ الْحَيَاءِ الْمُكْتَسَبِ وَالْغَرِيزِيِّ وَكَانَ فِي الْغَرِيزِيِّ أَشَدَّ حَيَاءً مِنْ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا وَكَانَ فِي الْمُكْتَسَبِ فِي الذُّرْوَةِ الْعُلْيَا صلى الله عليه وسلم (وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الْأُولَى إذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْت» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ) لَفْظُ الْأُولَى لَيْسَ فِي الْبُخَارِيِّ بَلْ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ " إنَّ آخِرَ مَا تَعَلَّقَ بِهِ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ

ص: 689

1436 -

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُك وَاسْتَعِنْ بِاَللَّهِ وَلَا تَعْجِزْ، وَإِنْ أَصَابَك شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْت كَذَا كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَّرَ اللَّهُ وَمَا شَاءَ اللَّهُ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.

مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الْأُولَى - إلَى آخِرِهِ " وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالْبَزَّارُ، وَالْمُرَادُ مِنْ النُّبُوَّةِ الْأُولَى مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَنْبِيَاءُ وَلَمْ يُنْسَخْ كَمَا نُسِخَتْ شَرَائِعُهُمْ لِأَنَّهُ أَمْرٌ أَطْبَقَتْ عَلَيْهِ الْعُقُولُ. وَفِي قَوْلِهِ (فَاصْنَعْ مَا شِئْت) قَوْلَانِ، الْأَوَّلُ أَنَّهُ بِمَعْنَى الْخَبَرِ أَيْ صَنَعْت مَا شِئْت وَعَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ الْأَمْرِ لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّ الَّذِي يَكُفُّ الْإِنْسَانَ عَنْ مُدَافَعَةِ الشَّرِّ هُوَ الْحَيَاءُ فَإِذَا تَرَكَهُ تَوَفَّرَتْ دَوَاعِيهِ عَلَى مُوَاقَعَةِ الشَّرِّ حَتَّى كَأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ أَوْ الْأَمْرُ فِيهِ لِلتَّهْدِيدِ أَيْ اصْنَعْ مَا شِئْت فَإِنَّ اللَّهَ مُجَازِيك عَلَى ذَلِكَ، الثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ اُنْظُرْ إلَى مَا تُرِيدُ فِعْلَهُ فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُسْتَحَى مِنْهُ فَافْعَلْهُ وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُسْتَحَى مِنْهُ فَدَعْهُ وَلَا تُبَالِ بِالْخَلْقِ.

(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِي كُلٍّ مِنْ الْقَوِيِّ وَالضَّعِيفِ خَيْرٌ» لِوُجُودِ الْإِيمَانِ فِيهِمَا (احْرِصْ) مِنْ حَرَصَ يَحْرِصُ كَضَرَبَ يَضْرِبُ وَيُقَالُ حَرِصَ كَسَمِعَ (عَلَى مَا يَنْفَعُك) فِي دُنْيَاك وَدِينِك (وَاسْتَعِنْ بِاَللَّهِ) عَلَيْهِ (وَلَا تَعْجِزْ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِهَا «وَإِنْ أَصَابَك شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْت كَذَا كَانَ كَذَا وَكَذَا وَلَكِنْ قُلْ قَدَّرَ اللَّهُ وَمَا شَاءَ اللَّهُ فَعَلَ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ) الْمُرَادُ مِنْ الْقَوِيِّ قَوِيُّ عَزِيمَةِ النَّفْسِ فِي الْأَعْمَالِ الْأُخْرَوِيَّةِ فَإِنَّ صَاحِبَهَا أَكْثَرُ إقْدَامًا فِي الْجِهَادِ وَإِنْكَارِ الْمُنْكَرِ وَالصَّبْرِ عَلَى الْأَذَى فِي ذَلِكَ وَاحْتِمَالِ الْمَشَاقِّ فِي ذَاتِ اللَّهِ وَالْقِيَامِ بِحُقُوقِهِ مِنْ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَغَيْرِهِمَا وَالضَّعِيفُ بِالْعَكْسِ مِنْ هَذَا إلَّا أَنَّهُ لَا يَخْلُو عَنْ الْخَيْرِ لِوُجُودِ الْإِيمَانِ فِيهِ، ثُمَّ أَمَرَهُ صلى الله عليه وسلم بِالْحِرْصِ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَطَلَبِ مَا عِنْدَهُ وَعَلَى طَلَبِ الِاسْتِعَانَةِ بِهِ فِي كُلِّ أُمُورِهِ إذْ حِرْصُ الْعَبْدِ بِغَيْرِ إعَانَةِ اللَّهِ لَا يَنْفَعُهُ.

إذَا لَمْ يَكُنْ عَوْنٌ مِنْ اللَّهِ لِلْفَتَى

فَأَكْثَرُ مَا يَجْنِي عَلَيْهِ اجْتِهَادُهُ

وَنَهَاهُ عَنْ الْعَجْزِ وَهُوَ التَّسَاهُلُ فِي الطَّاعَاتِ وَقَدْ اسْتَعَاذَ مِنْهُ صلى الله عليه وسلم بِقَوْلِهِ «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ. وَمِنْ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ» وَسَيَأْتِي وَنَهَاهُ بِقَوْلِهِ: إذَا أَصَابَهُ شَيْءٌ

ص: 690

1437 -

وَعَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْحَى إلَيَّ: أَنْ‌

‌ تَوَاضَعُوا، حَتَّى لَا يَبْغِيَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ،

وَلَا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.

مِنْ حُصُولِ ضَرَرٍ أَوْ فَوَاتِ نَفْعٍ عَنْ أَنْ يَقُولَ (لَوْ) قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ هَذَا إنَّمَا هُوَ لِمَنْ قَالَ مُعْتَقِدًا ذَلِكَ حَتْمًا، وَأَنَّهُ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يُصِبْهُ قَطْعًا فَأَمَّا مَنْ رَدَّ ذَلِكَ إلَى مَشِيئَةِ اللَّهِ، وَأَنَّهُ لَا يُصِيبُهُ إلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ فَلَيْسَ مِنْ هَذَا. وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ فِي الْغَارِ " وَلَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ رَفَعَ رَأْسَهُ لَرَآنَا وَسُكُوتُهُ صلى الله عليه وسلم " قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: لَا حُجَّةَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَخْبَرَ عَنْ أَمْرٍ مُسْتَقْبَلٍ وَلَيْسَ فِيهِ دَعْوَى لِرَدِّ قَدْرِهِ بَعْدَ وُقُوعِهِ. قَالَ وَكَذَا جَمِيعُ مَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي بَابِ مَا يَجُوزُ مِنْ اللَّوْ كَحَدِيثِ لَوْلَا حِدْثَانُ قَوْمِك بِالْكُفْرِ " الْحَدِيثَ " وَلَوْ كُنْت رَاجِمًا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ " " وَلَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي " وَشَبِيهُ ذَلِكَ، فَكُلُّهُ مُسْتَقْبَلٌ وَلَا اعْتِرَاضَ فِيهِ عَلَى قَدَرٍ فَلَا كَرَاهِيَةَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَخْبَرَ عَنْ اعْتِقَادِهِ فِيمَا كَانَ يَفْعَلُ لَوْلَا الْمَانِعُ، وَعَمَّا هُوَ فِي قُدْرَتِهِ فَأَمَّا مَا ذَهَبَ فَلَيْسَ فِي قُدْرَتِهِ؛ قَالَ الْقَاضِي: فَاَلَّذِي عِنْدِي فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ النَّهْيَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَعُمُومِهِ لَكِنْ نَهْيُ تَنْزِيهٍ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم:«فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ» قَالَ النَّوَوِيُّ: وَقَدْ جَاءَ مِنْ اسْتِعْمَالِ لَوْ فِي الْمَاضِي قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم «لَوْ اسْتَقْبَلْت مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْت مَا سُقْت الْهَدْيَ» وَغَيْرُ ذَلِكَ فَالظَّاهِرُ أَنَّ النَّهْيَ إنَّمَا هُوَ عَنْ إطْلَاقِ ذَلِكَ فِيمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ فَيَكُونُ نَهْيَ تَنْزِيهٍ لَا تَحْرِيمٍ وَأَمَّا مَنْ قَالَهُ تَأَسُّفًا عَلَى مَا فَاتَهُ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ، وَمَا هُوَ مُتَعَذِّرٌ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ، وَنَحْوِ هَذَا فَلَا بَأْسَ بِهِ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ أَكْثَرُ الِاسْتِعْمَالِ الْمَوْجُودِ فِي الْأَحَادِيثِ.

(وَعَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْحَى إلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لَا يَبْغِيَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ وَلَا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ) التَّوَاضُعُ عَدَمُ الْكِبْرِ وَتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الْكِبْرِ. وَعَدَمُ التَّوَاضُعِ يُؤَدِّي إلَى الْبَغْيِ؛ لِأَنَّهُ يَرَى لِنَفْسِهِ مَزِيَّةً عَلَى الْغَيْرِ فَيَبْغِي عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ أَوْ فِعْلِهِ وَيَفْخَرُ عَلَيْهِ وَيَزْدَرِيهِ، وَالْبَغْيُ وَالْفَخْرُ مَذْمُومَانِ، وَوَرَدَتْ أَحَادِيثُ فِي سُرْعَةِ عُقُوبَةِ الْبَغْيِ مِنْهَا عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ أَوْ أَحَقُّ مِنْ أَنْ يُعَجِّلَ اللَّهُ لِصَاحِبِهِ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا يَدَّخِرُ لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ الْبَغْيِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ» أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَاهُ وَأَخْرُجُهُ ابْنُ مَاجَهْ وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ «لَيْسَ شَيْءٌ مِمَّا عُصِيَ اللَّهُ بِهِ هُوَ أَسْرَعُ عُقُوبَةً مِنْ الْبَغْيِ» .

ص: 691

1438 -

وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ رَدَّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ بِالْغَيْبِ رَدَّ اللَّهُ عَنْ وَجْهِهِ النَّارَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ

1439 -

وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ نَحْوُهُ.

1440 -

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إلَّا عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.

(وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ رَدَّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ بِالْغَيْبِ رَدَّ اللَّهُ عَنْ وَجْهِهِ النَّارَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ). (وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ نَحْوُهُ) فِي الْحَدِيثَيْنِ دَلِيلٌ عَلَى فَضِيلَةِ الرَّدِّ عَلَى مَنْ اغْتَابَ أَخَاهُ عِنْدَهُ وَهُوَ وَاجِبٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْإِنْكَارِ لِلْمُنْكَرِ وَلِذَا وَرَدَ الْوَعِيدُ عَلَى تَرْكِهِ كَمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَخْذُلُ امْرَأً مُسْلِمًا فِي مَوْضِعٍ تُنْتَهَكُ فِيهِ حُرْمَتُهُ وَيُنْتَقَصُ مِنْ عِرْضِهِ إلَّا خَذَلَهُ اللَّهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ» وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ «مَنْ رَدَّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ رَدَّ اللَّهُ عَنْهُ النَّارَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَتَلَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ}» وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد وَأَبُو الشَّيْخِ أَيْضًا «مَنْ حَمَى عِرْضَ أَخِيهِ فِي الدُّنْيَا بَعَثَ اللَّهُ لَهُ مَلَكًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِيهِ مِنْ النَّارِ» وَأَخْرَجَ الْأَصْبَهَانِيُّ «مِنْ اُغْتِيبَ عِنْدَهُ أَخُوهُ فَاسْتَطَاعَ نُصْرَتَهُ فَنَصَرَهُ نَصَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَإِنْ لَمْ يَنْصُرْهُ أَذَلَّهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» بَلْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْمُسْتَمِعَ لِلْغِيبَةِ أَحَدُ الْمُغْتَابِينَ فَمَنْ حَضَرَهُ الْغِيبَةُ وَجَبَ عَلَيْهِ أَحَدُ أُمُورٍ الرَّدُّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ وَلَوْ بِإِخْرَاجِ مَنْ اغْتَابَ إلَى حَدِيثٍ آخَرَ أَوْ الْقِيَامُ عَنْ مَوْقِفِ الْغِيبَةِ أَوْ الْإِنْكَارُ بِالْقَلْبِ أَوْ الْكَرَاهَةُ لِلْقَوْلِ وَقَدْ عَدَّ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ السُّكُوتَ كَبِيرَةً لِوُرُودِ هَذَا الْوَعِيدِ وَلِدُخُولِهِ فِي وَعِيدِ مَنْ لَمْ يُغَيِّرْ الْمُنْكَرَ؛ وَلِأَنَّهُ أَحَدُ الْمُغْتَابِينَ حُكْمًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُغْتَابًا لُغَةً وَشَرْعًا.

(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إلَّا عِزًّا وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ) فَسَّرَ الْعُلَمَاءُ عَدَمَ النَّقْصِ بِمَعْنَيَيْنِ (الْأَوَّلُ) أَنَّهُ يُبَارِكُ لَهُ فِيهِ وَيَدْفَعُ عَنْهُ الْآفَاتِ فَيُجْبَرُ نَقْصُ

ص: 692

1441 -

وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَفْشُوا السَّلَامَ وَصِلُوا الْأَرْحَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ» أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.

الصُّورَةِ بِالْبَرَكَةِ الْخَفِيَّةِ (وَالثَّانِي): أَنَّهُ يَحْصُلُ بِالثَّوَابِ الْحَاصِلِ عَنْ الصَّدَقَةِ جُبْرَانُ نَقْصِ عَيْنِهَا فَكَأَنَّ الصَّدَقَةَ لَمْ تُنْقِصْ الْمَالَ لِمَا يَكْتُبُ اللَّهُ مِنْ مُضَاعَفَةِ الْحَسَنَةِ إلَى عَشْرِ أَمْثَالِهَا إلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ.

قُلْت: وَالْمَعْنَى الثَّالِثُ أَنَّهُ تَعَالَى يَخْلُفُهَا بِعِوَضٍ يَظْهَرُ بِهِ عَدَمُ نَقْصِ الْمَالِ بَلْ رُبَّمَا زَادَتْهُ وَدَلِيلُهُ قَوْله تَعَالَى: {وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ} وَهُوَ مُجَرَّبٌ مَحْسُوسٌ، وَفِي قَوْلِهِ:«مَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إلَّا عِزًّا» حَثٌّ عَلَى الْعَفْوِ عَنْ الْمُسِيءِ وَعَدَمِ مُجَازَاتِهِ عَلَى إسَاءَتِهِ وَإِنْ كَانَتْ جَائِزَةً قَالَ تَعَالَى: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} وَفِيهِ أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ تَعَالَى لِلْعَافِي عِزًّا وَعَظَمَةً فِي الْقُلُوبِ؛ لِأَنَّهُ بِالِانْتِصَافِ يُظَنُّ أَنَّهُ يُعَظَّمُ وَيُصَانُ جَانِبُهُ وَيُهَابُ وَيُظَنُّ أَنَّ الْإِغْضَاءَ وَالْعَفْوَ لَا يَحْصُلُ بِهِ ذَلِكَ، فَأَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِأَنَّهُ يَزْدَادُ بِالْعَفْوِ عِزًّا: وَفِي قَوْلِهِ «وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ أَيْ لِأَجْلِ مَا أَعَدَّهُ اللَّهُ لِلْمُتَوَاضِعِينَ إلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ» دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّوَاضُعَ سَبَبٌ لِلرِّفْعَةِ فِي الدَّارَيْنِ لِإِطْلَاقِهِ. وَفِي الْحَدِيثِ حَثٌّ عَلَى الصَّدَقَةِ وَعَلَى الْعَفْوِ وَعَلَى التَّوَاضُعِ، وَهَذِهِ مِنْ أُمَّهَاتِ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ.

(وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَفْشُوا السَّلَامَ وَصِلُوا الْأَرْحَامَ وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ» أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ) الْإِفْشَاءُ لُغَةً الْإِظْهَارُ وَالْمُرَادُ نَشْرُ السَّلَامِ عَلَى مَنْ يَعْرِفُهُ وَعَلَى مَنْ لَا يَعْرِفُهُ وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَيُّ الْإِسْلَامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْت وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ» وَلَا بُدَّ فِي السَّلَامِ أَنْ يَكُونَ بِلَفْظٍ مُسْمِعٍ لِمَنْ يَرُدُّ عَلَيْهِ. وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «إذَا سَلَّمْت فَأَسْمِعْ فَإِنَّهَا تَحِيَّةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ» قَالَ النَّوَوِيُّ أَقَلُّهُ أَنْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ بِحَيْثُ يَسْمَعُ الْمُسَلَّمُ عَلَيْهِ فَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهُ لَمْ يَكُنْ آتِيًا بِالسُّنَّةِ

ص: 693

1442 -

وَعَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ - ثَلَاثًا قُلْنَا: لِمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لِلَّهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ

فَإِنْ شَكَّ اسْتَظْهَرَ. وَإِنْ دَخَلَ مَكَانًا فِيهِ أَيْقَاظٌ وَنِيَامٌ فَالسُّنَّةُ مَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ الْمِقْدَادِ قَالَ «كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَجِيءُ مِنْ اللَّيْلِ فَيُسَلِّمُ تَسْلِيمًا لَا يُوقِظُ نَائِمًا وَيَسْمَعُ الْيَقْظَانُ فَإِنْ لَقِيَ جَمَاعَةً يُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا وَيَكْرَهُ أَنْ يَخُصَّ أَحَدَهُمْ بِالسَّلَامِ؛ لِأَنَّهُ يُوَلِّدُ الْوَحْشَةَ» ، وَمَشْرُوعِيَّةُ السَّلَامِ لِجَلْبِ التَّحَابِّ وَالْأُلْفَةِ فَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا تَحَابُّونَ بِهِ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ» وَيُشْرَعُ السَّلَامُ عِنْدَ الْقِيَامِ مِنْ الْمَوْقِفِ كَمَا يُشْرَعُ عِنْدَ الدُّخُولِ لِمَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «إذَا قَعَدَ أَحَدُكُمْ فَلْيُسَلِّمْ وَإِذَا قَامَ فَلْيُسَلِّمْ فَلَيْسَتْ الْأُولَى أَحَقَّ مِنْ الْآخِرَةِ» وَتُكْرَهُ أَوْ تَحْرُمُ الْإِشَارَةُ بِالْيَدِ وَالرَّأْسِ لِمَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «لَا تُسَلِّمُوا تَسْلِيمَ الْيَهُودِ فَإِنَّ تَسْلِيمَهُمْ بِالرُّءُوسِ وَالْأَكُفِّ» إلَّا أَنَّهُ اسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ حَالَ الصَّلَاةِ فَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ بِأَنَّهُ صلى الله عليه وآله وسلم كَانَ يَرُدُّ عَلَى مَنْ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي بِالْإِشَارَةِ. وَقَدْ قَدَّمْنَا تَحْقِيقَ ذَلِكَ فِي بَابِ شُرُوطِ الصَّلَاةِ فِي الْجُزْءِ الْأَوَّلِ.

وَجُوِّزَتْ الْإِشَارَةُ بِالسَّلَامِ عَلَى مَنْ بَعُدَ عَنْ سَمَاعِ لَفْظِ السَّلَامِ. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَقَدْ يَسْتَدِلُّ بِالْأَمْرِ بِإِفْشَاءِ السَّلَامِ مَنْ قَالَ بِوُجُوبِ الِابْتِدَاءِ بِالسَّلَامِ وَيُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الِابْتِدَاءُ فَرْضَ عَيْنٍ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ فِيهِ حَرَجٌ وَمَشَقَّةٌ وَالشَّرِيعَةُ عَلَى التَّخْفِيفِ وَالتَّيْسِيرِ فَيُحْمَلُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ا. هـ.

قَالَ النَّوَوِيُّ: فِي التَّسْلِيمِ عَلَى مَنْ لَمْ يَعْرِفْ إخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ تَعَالَى وَاسْتِعْمَالُ التَّوَاضُعِ، وَإِفْشَاءُ السَّلَامِ الَّذِي هُوَ شِعَارُ هَذِهِ الْأُمَّةِ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِي مَشْرُوعِيَّةِ السَّلَامِ عَلَى غَيْرِ مَعْرُوفٍ اسْتِفْتَاحُ الْمُخَاطَبَةِ لِلتَّأْنِيسِ لِيَكُونَ الْمُؤْمِنُونَ كُلُّهُمْ إخْوَةً فَلَا يَسْتَوْحِشُ أَحَدٌ مِنْ أَحَدٍ. وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى صِلَةِ الْأَرْحَامِ مُسْتَوْفًى وَعَلَى إطْعَامِ الطَّعَامِ فَيَشْمَلُ مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ إنْفَاقُهُ وَيَلْزَمُهُ إطْعَامُهُ وَلَوْ عُرْفًا أَوْ عَادَةً وَكَالصَّدَقَةِ عَلَى السَّائِلِ لِلطَّعَامِ وَغَيْرِهِ فَالْأَمْرُ مَحْمُولٌ عَلَى فِعْلِ مَا هُوَ أَوْلَى مِنْ تَرْكِهِ لِيَشْمَلَ الْوَاجِبَ وَالْمَنْدُوبَ. وَالْأَمْرُ بِصَلَاةٍ اللَّيْلِ فِي قَوْلِهِ (وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ) قَدْ وَرَدَ تَفْسِيرُهُ بِصَلَاةِ الْعِشَاءِ وَالْمُرَادُ بِالنَّاسِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أُرِيدَ ذَلِكَ وَمَا يَشْمَلُ نَافِلَةَ اللَّيْلِ وَقَوْلُهُ (تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ) إخْبَارٌ بِأَنَّ هَذِهِ الْأَفْعَالَ مِنْ أَسْبَابِ دُخُولِ الْجَنَّةِ، وَكَأَنَّهُ بِسَبَبِهَا يَحْصُلُ لِفَاعِلِهَا التَّوْفِيقُ وَتَجَنُّبُ مَا يُوبِقُهَا مِنْ الْأَعْمَالِ وَحُصُولُ الْخَاتِمَةِ الصَّالِحَةِ.

ص: 694

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

(عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ رضي الله عنه) هُوَ أَبُو رُقَيَّةَ تَمِيمُ بْنُ أَوْسِ بْنِ خَارِجَةَ، نُسِبَ إلَى جَدِّهِ دَارٍ وَيُقَالُ الدِّيرِيُّ نِسْبَةً إلَى دَيْرٍ كَانَ فِيهِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ وَكَانَ نَصْرَانِيًّا وَلَيْسَ فِي الصَّحِيحَيْنِ الْمُوَطَّأُ دَارِيٌّ وَلَا دَيْرِيٌّ إلَّا تَمِيمٌ، أَسْلَمَ سَنَةَ تِسْعٍ، كَانَ يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي رَكْعَةٍ، وَكَانَ رُبَّمَا رَدَّدَ الْآيَةَ الْوَاحِدَةَ اللَّيْلَ كُلَّهُ إلَى الصَّبَاحِ، سَكَنَ الْمَدِينَةَ ثُمَّ انْتَقَلَ مِنْهَا إلَى الشَّامِ، وَرَوَى عَنْهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي خُطْبَتِهِ قِصَّةَ الْجَسَّاسَةِ وَالدَّجَّالِ وَهِيَ مَنْقَبَةٌ لَهُ وَهِيَ دَاخِلَةٌ فِي رِوَايَةِ الْأَكَابِرِ عَنْ الْأَصَاغِرِ وَلَيْسَ لَهُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ إلَّا هَذَا الْحَدِيثُ وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ شَيْءٌ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ ثَلَاثًا أَيْ قَالَهَا ثَلَاثًا قُلْنَا: لِمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيْ مَنْ يَسْتَحِقُّهَا قَالَ: لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ) هَذَا الْحَدِيثُ جَلِيلٌ. قَالَ الْعُلَمَاءُ إنَّهُ أَحَدُ الْأَحَادِيثِ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي يَدُورُ عَلَيْهَا الْإِسْلَامُ وَقَالَ النَّوَوِيُّ: لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا قَالُوهُ بَلْ عَلَيْهِ مَدَارُ الْإِسْلَامِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: النَّصِيحَةُ كَلِمَةٌ جَامِعَةٌ مَعْنَاهَا حِيَازَةُ الْحَظِّ لِلْمَنْصُوحِ لَهُ، وَمَعْنَى الْإِخْبَارِ عَنْ الدِّينِ بِهَا: أَنَّ‌

‌ عِمَادَ الدِّينِ وَقَوَامَهُ النَّصِيحَةُ

قَالُوا: وَالنُّصْحُ لِلَّهِ الْإِيمَانُ بِهِ وَنَفْيُ الشِّرْكِ عَنْهُ وَتَرْكُ الْإِلْحَادِ فِي صِفَاتِهِ وَوَصْفُهُ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ وَالْجَلَالِ كُلِّهَا وَتَنْزِيهُهُ تَعَالَى عَنْ جَمِيعِ أَنْوَاعِ النَّقَائِصِ وَالْقِيَامِ بِطَاعَتِهِ وَاجْتِنَابِ مَعَاصِيهِ وَالْحُبُّ فِيهِ وَالْبُغْضُ فِيهِ وَمُوَالَاةُ مَنْ أَطَاعَهُ وَمُعَادَاةُ مَنْ عَصَاهُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يَجِبُ لَهُ تَعَالَى قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَجَمِيعُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ رَاجِعَةٌ إلَى الْعَبْدِ مِنْ نَصِيحَةِ نَفْسِهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى غَنِيٌّ عَنْ نُصْحِ النَّاصِحِينَ وَالنَّصِيحَةُ لِكِتَابِهِ الْإِيمَانُ بِأَنَّهُ كَلَامُهُ تَعَالَى وَتَحْلِيلُ مَا حَلَّلَهُ وَتَحْرِيمُ مَا حَرَّمَهُ وَالِاهْتِدَاءُ بِمَا فِيهِ وَالتَّدَبُّرُ لِمَعَانِيهِ وَالْقِيَامُ بِحُقُوقِ تِلَاوَتِهِ وَالِاتِّعَاظُ بِمَوَاعِظِهِ وَالِاعْتِبَارُ بِزَوَاجِرِهِ وَالْمَعْرِفَةُ لَهُ.

وَالنَّصِيحَةُ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم تَصْدِيقُهُ بِمَا جَاءَ بِهِ وَاتِّبَاعُهُ فِيمَا أَمَرَ بِهِ وَنَهَى عَنْهُ وَتَعْظِيمُ حَقِّهِ وَتَوْقِيرُهُ حَيًّا وَمَيِّتًا وَمَحَبَّةُ مَنْ أَمَرَ بِمَحَبَّتِهِ مِنْ آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَعْرِفَةُ سُنَّتِهِ وَالْعَمَلُ بِهَا وَنَشْرُهَا وَالدُّعَاءُ إلَيْهَا وَالذَّبُّ عَنْهَا، وَالنَّصِيحَةُ لِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ إعَانَتُهُمْ عَلَى الْحَقِّ وَطَاعَتُهُمْ فِيهِ وَأَمْرُهُمْ بِهِ وَتَذْكِيرُهُمْ لِحَوَائِجِ الْعِبَادِ وَنُصْحُهُمْ فِي الرِّفْقِ وَالْعَدْلِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَمِنْ النَّصِيحَةِ لَهُمْ الصَّلَاةُ خَلْفَهُمْ وَالْجِهَادُ مَعَهُمْ. وَتَعْدَادُ أَسْبَابِ الْخَيْرِ فِي كُلٍّ مِنْ هَذِهِ الْأَقْسَامِ لَا تَنْحَصِرُ قِيلَ، وَإِذَا أُرِيدَ بِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ الْعُلَمَاءُ: فَنُصْحُهُمْ بِقَبُولِ أَقْوَالِهِمْ وَتَعْظِيمِ حَقِّهِمْ وَالِاقْتِدَاءِ بِهِمْ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ يُحْمَلُ الْحَدِيثُ

ص: 695

1443 -

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «أَكْثَرُ مَا يُدْخِلُ الْجَنَّةَ تَقْوَى اللَّهِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ» أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.

1444 -

وَعَنْهُ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إنَّكُمْ لَا تَسَعُونَ النَّاسَ بِأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ لِيَسَعْهُمْ مِنْكُمْ بَسْطُ الْوَجْهِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ» أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.

عَلَيْهِمَا فَهُوَ حَقِيقَةٌ فِيهِمَا؛ وَالنَّصِيحَةُ لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ بِإِرْشَادِهِمْ إلَى مَصَالِحِهِمْ فِي دُنْيَاهُمْ وَأُخْرَاهُمْ وَكَفُّ الْأَذَى عَنْهُمْ وَتَعْلِيمُهُمْ مَا جَهِلُوهُ وَأَمْرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيُهُمْ عَنْ الْمُنْكَرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَالْكَلَامُ عَلَى كُلِّ قِسْمٍ يَحْتَمِلُ الْإِطَالَةَ وَفِي هَذَا كِفَايَةٌ.

وَقَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهِ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النَّصِيحَةَ تُسَمَّى دِينًا وَإِسْلَامًا وَأَنَّ الدِّينَ يَقَعُ عَلَى الْعَمَلِ كَمَا يَقَعُ عَلَى الْقَوْلِ، قَالَ: وَالنَّصِيحَةُ فَرْضُ كِفَايَةٍ يُجْزِئُ فِيهَا مَنْ قَامَ بِهَا وَتَسْقُطُ عَنْ الْبَاقِينَ وَالنَّصِيحَةُ لَازِمَةٌ عَلَى قَدْرِ الطَّاقَةِ الْبَشَرِيَّةِ إذَا عَلِمَ النَّاصِحُ أَنَّهُ يُقْبَلُ نُصْحُهُ وَيُطَاعُ أَمْرُهُ وَأَمِنَ عَلَى نَفْسِهِ الْمَكْرُوهَ فَإِنْ خَشِيَ أَذًى فَهُوَ فِي سَعَةٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «أَكْثَرُ مَا يُدْخِلُ الْجَنَّةَ تَقْوَى اللَّهِ وَحُسْنِ الْخُلُقِ» أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ) الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى‌

‌ عَظَمَةِ تَقْوَى اللَّهِ وَحُسْنِ الْخُلُقِ

وَتَقْوَاهُ تَعَالَى هِيَ الْإِتْيَانُ بِالطَّاعَاتِ وَاجْتِنَابُ الْمُقَبِّحَاتِ فَمَنْ أَتَى بِهَا وَانْتَهَى عَنْ الْمَنْهِيَّاتِ فَهِيَ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ دُخُولِ الْجَنَّةِ. وَأَمَّا حُسْنُ الْخَلْقِ فَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ.

(وَعَنْهُ) أَيْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إنَّكُمْ لَا تَسَعُونَ النَّاسَ بِأَمْوَالِكُمْ وَلَكِنْ لِيَسَعْهُمْ مِنْكُمْ بَسْطُ الْوَجْهِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ» أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ) أَيْ لَا يَتِمُّ لَكُمْ شُمُولُ النَّاسِ بِإِعْطَاءِ الْمَالِ لِكَثْرَةِ النَّاسِ وَقِلَّةِ الْمَالِ فَهُوَ غَيْرُ دَاخِلٍ

ص: 696

1445 -

وَعَنْهُ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ‌

‌«الْمُؤْمِنُ مِرْآةُ أَخِيهِ

الْمُؤْمِنِ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ.

1446 -

وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «الْمُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ، وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ خَيْرٌ مِنْ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ» أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَهُوَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يُسَمِّ الصَّحَابِيَّ.

1447 -

وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ كَمَا حَسَّنْت خَلْقِي فَحَسِّنْ خُلُقِي» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.

مَقْدُورَ الْبَشَرِ وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ أَنْ تَسَعُوهُمْ بِبَسْطِ الْوَجْهِ وَالطَّلَاقَةِ وَلِينِ الْجَانِبِ وَخَفْضِ الْجَنَاحِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَجْلِبُ التَّحَابَّ بَيْنَكُمْ فَإِنَّهُ مُرَادُ اللَّهِ، وَذَلِكَ فِيمَا عَدَا الْكَافِرِ، وَمَنْ أَمَرَ بِالْإِغْلَاظِ عَلَيْهِ.

(وَعَنْهُ) أَيْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «الْمُؤْمِنُ مِرْآةُ أَخِيهِ الْمُؤْمِنِ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ) أَيْ الْمُؤْمِنُ لِأَخِيهِ الْمُؤْمِنِ كَالْمِرْآةِ الَّتِي يَنْظُرُ فِيهَا وَجْهَهُ، فَالْمُؤْمِنُ يُطْلِعُ أَخَاهُ عَلَى مَا فِيهِ مِنْ عَيْبٍ وَيُنَبِّهُهُ عَلَى إصْلَاحِهِ وَيُرْشِدُهُ إلَى مَا يُزَيِّنُهُ عِنْدَ مَوْلَاهُ تَعَالَى وَإِلَى مَا يُزَيِّنُهُ عِنْدَ عِبَادِهِ وَهَذَا دَاخِلٌ فِي النَّصِيحَةِ.

(وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «الْمُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ خَيْرٌ مِنْ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ» أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَهُوَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يُسَمِّ الصَّحَابِيَّ) فِيهِ أَفْضَلِيَّةُ مَنْ يُخَالِطُ النَّاسَ مُخَالَطَةً يَأْمُرُهُمْ فِيهَا بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنْكَرِ وَيُحْسِنُ مُعَامَلَتَهُمْ فَإِنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ الَّذِي يَعْتَزِلُهُمْ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى الْمُخَالَطَةِ، وَالْأَحْوَالُ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَزْمَانِ، وَلِكُلِّ حَالٍ مَقَالٌ وَمَنْ رَجَّحَ الْعُزْلَةَ فَلَهُ عَلَى فَضْلِهَا أَدِلَّةٌ. وَقَدْ اسْتَوْفَاهَا الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ وَغَيْرِهِ.

ص: 697

‌بَابُ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ

(وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " اللَّهُمَّ كَمَا حَسَّنْت خَلْقِي) بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ (فَحَسِّنْ خُلُقِي) بِضَمِّهَا وَضَمِّ اللَّامِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ) قَدْ كَانَ صلى الله عليه وسلم مِنْ أَشْرَفِ الْعِبَادِ خَلْقًا وَخُلُقًا، سُؤَالُهُ ذَلِكَ اعْتِرَافًا بِالْمِنَّةِ وَطَلَبًا لِاسْتِمْرَارِ النِّعْمَةِ وَتَعْلِيمًا لِلْأُمَّةِ.

الذِّكْرُ مَصْدَرُ ذَكَرَ وَهُوَ مَا يَجْرِي عَلَى اللِّسَانِ وَالْقَلْبِ وَالْمُرَادُ بِهِ ذِكْرُ اللَّهِ (وَالدُّعَاءُ) مَصْدَرُ دَعَا وَهُوَ الطَّلَبُ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْحَثِّ عَلَى فِعْلِ الشَّيْءِ نَحْوُ دَعَوْت فُلَانًا اسْتَعَنْته. وَيُقَالُ: دَعَوْت فُلَانًا سَأَلْته، وَيُطْلَقُ عَلَى الْعِبَادَةِ وَغَيْرِهَا.

(وَاعْلَمْ) أَنَّ الدُّعَاءَ ذِكْرُ اللَّهِ وَزِيَادَةٌ فَكُلُّ حَدِيثٍ فِي فَضْلِ الذِّكْرِ يَصْدُقُ عَلَيْهِ وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى عِبَادَهُ بِدُعَائِهِ فَقَالَ: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} وَأَخْبَرَهُمْ بِأَنَّهُ قَرِيبٌ يُجِيبُ دُعَاءَهُمْ فَقَالَ: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} وَسَمَّاهُ مُخَّ الْعِبَادَةِ فَفِي الْحَدِيثِ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا ‌

«الدُّعَاءُ مُخُّ الْعِبَادَةِ»

وَأَخْبَرَ صلى الله عليه وسلم أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَغْضَبُ عَلَى مَنْ لَمْ يَدْعُهُ فَإِنَّهُ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ لَمْ يَسْأَلْ اللَّهَ يَغْضَبْ عَلَيْهِ» وَأَخْبَرَ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ تَعَالَى يُحِبُّ أَنْ يُسْأَلَ فَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا «سَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنَّهُ يُحِبُّ أَنْ يُسْأَلَ» وَالْأَحَادِيثُ فِي الْحَثِّ عَلَيْهِ كَثِيرَةٌ، وَهُوَ يَتَضَمَّنُ حَقِيقَةَ الْعُبُودِيَّةِ وَالِاعْتِرَافَ بِغِنَى الرَّبِّ وَافْتِقَارَ الْعَبْدِ وَقُدْرَتِهِ تَعَالَى، وَعَجْزَ الْعَبْدِ وَإِحَاطَتَهُ تَعَالَى بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا؛ فَالدُّعَاءُ يَزِيدُ الْعَبْدَ قُرْبًا مِنْ رَبِّهِ وَاعْتِرَافًا بِحَقِّهِ، وَلِذَا حَثَّ صلى الله عليه وسلم عَلَى الدُّعَاءِ، وَعَلَّمَ اللَّهُ عِبَادَهُ دُعَاءَهُ بِقَوْلِهِ:{رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} الْآيَةَ وَنَحْوَهَا وَأَخْبَرَنَا بِدَعَوَاتِ رُسُلِهِ وَتَضَرُّعِهِمْ حَيْثُ قَالَ أَيُّوبُ: {أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} وَقَالَ زَكَرِيَّا عليه السلام: {رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا} وَقَالَ: {فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا} وَقَالَ أَبُو الْبِشْرِ {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا} الْآيَةَ وَقَالَ يُوسُفُ: {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ} - إلَى قَوْلِهِ - {تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} وَقَالَ يُونُسُ: {لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} وَدَعَا نَبِيُّنَا صلى الله عليه وسلم فِي مَوَاقِفَ لَا تَنْحَصِرُ عِنْدَ لِقَاءِ الْأَعْدَاءِ وَغَيْرِهَا، وَدَعَوَاتُهُ فِي الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ وَالصَّلَوَاتِ وَغَيْرِهَا مَعْرُوفَةٌ. فَالْعَجَبُ مِنْ الِاشْتِغَالِ بِذِكْرِ الْخِلَافِ بَيْنَ مَنْ قَالَ التَّفْوِيضُ وَالتَّسْلِيمُ أَفْضَلُ مِنْ الدُّعَاءِ، فَإِنَّ قَائِلَ هَذَا

ص: 698

1448 -

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا مَعَ عَبْدِي مَا ذَكَرَنِي وَتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتَاهُ» أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا.

1449 -

وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا عَمِلَ ابْنُ آدَمَ عَمَلًا أَنْجَى لَهُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ» أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَالطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ.

مَا ذَاقَ حَلَاوَةَ الْمُنَاجَاةِ لِرَبِّهِ وَلَا تَضَرُّعِهِ وَاعْتِرَافِهِ بِحَاجَتِهِ وَذَنْبِهِ.

وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ أَحْمَدَ «أَنَّهُ لَا يَضِيعُ الدُّعَاءُ بَلْ لَا بُدَّ لِلدَّاعِي مِنْ إحْدَى ثَلَاثٍ: إمَّا أَنْ يُعَجِّلَ لَهُ دَعْوَتَهُ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنْ السُّوءِ مِثْلَهَا» وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ؛ وَلِلدُّعَاءِ شَرَائِطُ وَلِقَبُولِهِ مَوَانِعُ قَدْ أَوْدَعْنَاهَا أَوَائِلَ الْجُزْءِ الثَّانِي مِنْ التَّنْوِيرِ شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَذَكَرْنَا فَائِدَةَ الدُّعَاءِ مَعَ سَبْقِ الْقَضَاءِ.

(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا مَعَ عَبْدِي مَا ذَكَرَنِي وَتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتَاهُ» أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا) وَهُوَ فِي الْبُخَارِيِّ بِلَفْظِ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: يَقُولُ اللَّهُ عز وجل: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ إذَا ذَكَرَنِي فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْته فِي نَفْسِي وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَأٍ ذَكَرْته فِي مَلَأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ وَإِنْ تَقَرَّبَ إلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْت إلَيْهِ ذِرَاعًا وَإِنْ تَقَرَّبَ إلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْت إلَيْهِ بَاعًا وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْته هَرْوَلَةً» وَهَذِهِ مَعِيَّةٌ خَاصَّةٌ تُفِيدُ عَظَمَةَ ذِكْرِهِ تَعَالَى وَأَنَّهُ مَعَ ذَاكِرِهِ بِرَحْمَتِهِ وَلُطْفِهِ وَإِعَانَتِهِ وَالرِّضَا بِحَالِهِ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَمْزَةَ: مَعْنَاهُ أَنَا مَعَهُ بِحَسَبِ مَا قَصَدَهُ مِنْ ذِكْرِهِ لِي ثُمَّ قَالَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ الذِّكْرُ بِالْقَلْبِ أَوْ بِاللِّسَانِ أَوْ بِهِمَا مَعًا أَوْ بِامْتِثَالِ الْأَمْرِ وَاجْتِنَابِ النَّهْيِ قَالَ: وَاَلَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ الْأَخْبَارُ أَنَّ الذِّكْرَ عَلَى نَوْعَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَقْطُوعٌ لِصَاحِبِهِ بِمَا تَضَمَّنَهُ هَذَا الْخَبَرُ، وَالثَّانِي عَلَى خَطَرٍ قَالَ: وَالْأَوَّلُ: مُسْتَفَادٌ مِنْ قَوْله تَعَالَى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ} وَالثَّانِي: مِنْ الْحَدِيثِ الَّذِي فِيهِ «مَنْ لَمْ تَنْهَهُ صَلَاتُهُ عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ لَمْ يَزْدَدْ مِنْ اللَّهِ إلَّا بُعْدًا» لَكِنْ إنْ كَانَ فِي حَالِ الْمَعْصِيَةِ يَذْكُرُ اللَّهَ لِخَوْفٍ وَوَجَلٍ فَإِنَّهُ يُرْجَى لَهُ.

ص: 699

1450 -

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا‌

‌ جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ فِيهِ،

إلَّا حَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَةُ، وَذَكَرَهُمْ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.

(وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا عَمِلَ ابْنُ آدَمَ عَمَلًا أَنْجَى لَهُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ» أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَالطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ). الْحَدِيثُ مِنْ أَدِلَّةِ فَضْلِ الذِّكْرِ وَأَنَّهُ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ النَّجَاةِ مِنْ مَخَاوِفِ عَذَابِ الْآخِرَةِ وَهُوَ أَيْضًا مِنْ الْمُنْجِيَاتِ مِنْ عَذَابِ الدُّنْيَا وَمَخَاوِفِهَا وَلِذَا قَرَنَ اللَّهُ الْأَمْرَ بِالثَّبَاتِ لِقِتَالِ أَعْدَائِهِ وَجِهَادِهِمْ بِالْأَمْرِ بِذِكْرِهِ كَمَا قَالَ: {إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا} وَغَيْرُهَا مِنْ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي مَوَاقِفِ الْجِهَادِ.

(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ فِيهِ إلَّا حَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَةُ وَذَكَرَهُمْ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ) دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى فَضِيلَةِ مَجَالِسِ الذِّكْرِ وَالذَّاكِرِينَ وَفَضِيلَةِ الِاجْتِمَاعِ عَلَى الذِّكْرِ. وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ «أَنَّ مَلَائِكَةً يَطُوفُونَ فِي الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعَالَى تَنَادَوْا هَلُمُّوا إلَى حَاجَتِكُمْ قَالَ فَيَحُفُّونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا» الْحَدِيثَ وَهَذَا مِنْ فَضَائِلِ مَجَالِسِ الذِّكْرِ تَحْضُرُهَا الْمَلَائِكَةُ بَعْدَ الْتِمَاسِهِمْ لَهَا.

وَالْمُرَادُ بِالذِّكْرِ هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّحْمِيدُ وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَفِي حَدِيثِ الْبَزَّارِ «إنَّهُ تَعَالَى يَسْأَلُ مَلَائِكَتَهُ مَا يَصْنَعُ الْعِبَادُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ فَيَقُولُونَ يُعَظِّمُونَ آلَاءَك، وَيَتْلُونَ كِتَابَك وَيُصَلُّونَ عَلَى نَبِيِّك وَيَسْأَلُونَك لِآخِرَتِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ» وَالذِّكْرُ حَقِيقَةٌ فِي ذِكْرِ اللِّسَانِ وَيُؤْجَرُ عَلَيْهِ النَّاطِقُ وَلَا يُشْتَرَطُ اسْتِحْضَارُ مَعْنَاهُ، وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَقْصِدَ غَيْرَهُ فَإِنْ انْضَافَ إلَى الذِّكْرِ بِاللِّسَانِ الذِّكْرُ بِالْقَلْبِ فَهُوَ أَكْمَلُ، وَإِنْ انْضَافَ إلَيْهِمَا اسْتِحْضَارُ مَعْنَى الذِّكْرِ وَمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنْ تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعَالَى وَنَفْيِ النَّقَائِصِ عَنْهُ ازْدَادَ كَمَالًا، فَإِنْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي عَمَلٍ صَالِحٍ مِمَّا فُرِضَ مِنْ صَلَاةٍ أَوْ جِهَادٍ أَوْ غَيْرِهِمَا فَكَذَلِكَ، فَإِنْ صَحَّ التَّوَجُّهُ وَأُخْلِصَ لِلَّهِ فَهُوَ أَبْلَغُ فِي الْكَمَالِ.

وَقَالَ: الْفَخْرُ الرَّازِيّ الْمُرَادُ بِذِكْرِ اللِّسَانِ الْأَلْفَاظُ الدَّالَّةُ عَلَى التَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّمْجِيدِ وَالذِّكْرُ بِالْقَلْبِ التَّفَكُّرُ فِي أَدِلَّةِ الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ وَفِي أَدِلَّةِ التَّكَالِيفِ مِنْ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ حَتَّى يَطَّلِعَ عَلَى أَحْكَامِهِ وَفِي أَسْرَارِ مَخْلُوقَاتِ اللَّهِ.

وَالذِّكْرُ بِالْجَوَارِحِ هُوَ أَنْ تَصِيرَ مُسْتَغْرَقَةً بِالطَّاعَاتِ، وَمِنْ ثَمَّةَ سَمَّى اللَّهُ الصَّلَاةَ ذِكْرًا فِي قَوْلِهِ:{فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} وَذَكَرَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ أَنَّ الذِّكْرَ عَلَى سَبْعَةِ أَنْحَاءٍ فَذِكْرُ الْعَيْنَيْنِ بِالْبُكَاءِ وَذِكْرُ الْأُذُنَيْنِ بِالْإِصْغَاءِ وَذِكْرُ

ص: 700

1451 -

وَعَنْهُ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا قَعَدَ قَوْمٌ مَقْعَدًا لَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ فِيهِ وَلَمْ يُصَلُّوا عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إلَّا كَانَ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ» أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ

اللِّسَانِ بِالثَّنَاءِ وَذِكْرُ الْيَدَيْنِ بِالْعَطَاءِ وَذِكْرُ الْبَدَنِ بِالْوَفَاءِ وَذِكْرُ الْقَلْبِ بِالْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ وَذِكْرُ الرُّوحِ بِالتَّسْلِيمِ وَالرِّضَاءِ وَوَرَدَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الذِّكْرَ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ جَمِيعِهَا وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَرْفُوعًا «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ إنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ قَالُوا: بَلَى قَالَ ذِكْرُ اللَّهِ» وَلَا تُعَارِضُهُ أَحَادِيثُ فَضْلِ الْجِهَادِ وَأَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ الذِّكْرِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالذِّكْرِ الْأَفْضَلُ مِنْ الْجِهَادِ ذِكْرُ اللِّسَانِ وَالْقَلْبِ وَالتَّفَكُّرُ فِي الْمَعْنَى، وَاسْتِحْضَارُ عَظَمَةِ اللَّهِ فَهَذَا أَفْضَلُ مِنْ الْجِهَادِ وَالْجِهَادُ أَفْضَلُ مِنْ الذِّكْرِ بِاللِّسَانِ فَقَطْ.

وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: إنَّهُ مَا مِنْ عَمَلٍ صَالِحٍ إلَّا وَالذِّكْرُ مُشْتَرَطٌ فِي تَصْحِيحِهِ فَمَنْ لَمْ يَذْكُرْ اللَّهَ عِنْدَ صَدَقَتِهِ أَوْ صِيَامِهِ فَلَيْسَ عَمَلُهُ كَامِلًا، فَصَارَ الذِّكْرُ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ وَيُشِيرُ إلَيْهِ حَدِيثُ «نِيَّةُ الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ» .

(وَعَنْهُ) أَيْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا قَعَدَ قَوْمٌ مَقْعَدًا لَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ فِيهِ وَلَمْ يُصَلُّوا عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إلَّا كَانَ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ» أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ) زَادَ " فَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُمْ " وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بِلَفْظِ «مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا لَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ تَعَالَى فِيهِ إلَّا كَانَ عَلَيْهِ تِرَةً، وَمَا مِنْ رَجُلٍ يَمْشِي طَرِيقًا فَلَمْ يَذْكُرْ اللَّهَ تَعَالَى إلَّا كَانَ عَلَيْهِ تِرَةً، وَمَا مِنْ رَجُلٍ أَوَى إلَى فِرَاشِهِ فَلَمْ يَذْكُرْ اللَّهَ عز وجل إلَّا كَانَ عَلَيْهِ تِرَةً» وَفِي رِوَايَةٍ " إلَّا كَانَ عَلَيْهِ حَسْرَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَإِنْ دَخَلَ الْجَنَّةَ " وَالتِّرَةُ بِمُثَنَّاةٍ فَوْقِيَّةٍ مَكْسُورَةٍ فَرَاءَ بِمَعْنَى الْحَسْرَةِ وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: هِيَ النَّقْصُ. وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الذِّكْرِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي الْمَجْلِسِ سِيَّمَا مَعَ تَفْسِيرِ التِّرَةِ بِالنَّارِ أَوْ الْعَذَابِ فَقَدْ فُسِّرَتْ بِهِمَا فَإِنَّ التَّعْذِيبَ لَا يَكُونُ إلَّا لِتَرْكِ وَاجِبٍ أَوْ فِعْلِ مَحْظُورٍ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْوَاجِبَ هُوَ الذِّكْرُ وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ صلى الله عليه وسلم مَعًا. وَقَدْ عُدَّتْ مَوَاضِعُ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ صلى الله عليه وسلم فَبَلَغَتْ سِتَّةً وَأَرْبَعِينَ مَوْضِعًا، قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: مَعْنَى صَلَاةِ اللَّهِ عَلَى نَبِيِّهِ ثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ عِنْدَ مَلَائِكَتِهِ وَمَعْنَى صَلَاةِ الْمَلَائِكَةِ عَلَيْهِ الدُّعَاءُ لَهُ بِحُصُولِ الثَّنَاءِ وَالتَّعْظِيمِ وَفِيهَا أَقْوَالٌ أُخَرُ هَذَا أَجْوَدُهَا.

وَقَالَ

ص: 701

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

غَيْرُهُ: الصَّلَاةُ مِنْهُ تَعَالَى عَلَى رَسُولِهِ تَشْرِيفٌ وَزِيَادَةُ تَكْرِمَةٍ وَعَلَى مَنْ دُونَ النَّبِيِّ رَحْمَةٌ فَمَعْنَى قَوْلِنَا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ عَظِّمْ مُحَمَّدًا وَالْمُرَادُ بِالتَّعْظِيمِ إعْلَاءُ ذِكْرِهِ وَإِظْهَارُ دِينِهِ وَإِبْقَاءُ شَرِيعَتِهِ فِي الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ بِإِحْرَازِ مَثُوبَتِهِ، وَتَشْفِيعِهِ فِي أُمَّتِهِ وَالشَّفَاعَةِ الْعُظْمَى لِلْخَلَائِقِ أَجْمَعِينَ فِي الْمَقَامِ الْمَحْمُودِ وَمُشَارَكَةِ الْآلِ وَالْأَزْوَاجِ بِالْعَطْفِ يُرَادُ بِهِ فِي حَقِّهِمْ التَّعْظِيمُ اللَّائِقُ بِهِمْ وَبِهَذَا يَظْهَرُ وَجْهُ اخْتِصَاصِ الصَّلَاةِ بِالْأَنْبِيَاءِ اسْتِقْلَالًا دُونَ غَيْرِهِمْ وَيَتَأَيَّدُ هَذَا بِمَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَرْفَعُهُ «إذَا صَلَّيْتُمْ عَلَيَّ فَصَلُّوا عَلَى أَنْبِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى بَعَثَهُمْ كَمَا بَعَثَنِي» فَجَعَلَ الْعِلَّةَ الْبَعْثَةَ فَتَكُونُ مُخْتَصَّةً بِمَنْ بُعِثَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «مَا أَعْلَمُ الصَّلَاةَ تَنْبَغِي لِأَحَدٍ عَلَى أَحَدٍ إلَّا عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم» وَحُكِيَ الْقَوْلُ عَنْ مَالِكٍ وَقَالَ: مَا تَعَبَّدْنَا بِهِ. وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: عَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى الْجَوَازِ قَالَ: وَأَنَا أَمِيلُ إلَى قَوْلِ مَالِكٍ وَهُوَ قَوْلُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ وَالْفُقَهَاءِ قَالُوا: يَذْكُرُ غَيْرَ الْأَنْبِيَاءِ بِالتَّرَضِّي وَالْغُفْرَانِ، وَالصَّلَاةِ عَلَى غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ يَعْنِي اسْتِقْلَالًا لَمْ تَكُنْ مِنْ الْأَمْرِ الْمَعْرُوفِ وَإِنَّمَا حَدَثَتْ فِي دَوْلَةِ بَنِي هَاشِمٍ يَعْنِي الْعَبْدَيْنِ.

وَأَمَّا الْمَلَائِكَةُ فَلَا أَعْلَمُ فِيهِ حَدِيثًا وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ لِأَنَّ اللَّهَ سَمَّاهُمْ رُسُلًا. وَأَمَّا الْمُؤْمِنُونَ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا تَجُوزُ اسْتِقْلَالًا وَتَجُوزُ تَبَعًا فِيمَا وَرَدَ بِهِ النَّصُّ كَالْآلِ وَالْأَزْوَاجِ وَالذُّرِّيَّةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي النَّصِّ غَيْرَهُمْ فَيَكُونُ ذَلِكَ خَاصًّا وَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِمْ الصَّحَابَةُ وَلَا غَيْرُهُمْ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ يَدَّعِي لِلصَّحَابَةِ وَنَحْوِهِمْ بِمَا ذَكَرَهُ اللَّهُ مِنْ أَنَّهُ رَضِيَ عَنْهُمْ وَبِالْمَغْفِرَةِ كَمَا أَمَرَ بِهِ رَسُولَهُ:{وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} وَأَمَّا الصَّلَاةُ عَلَيْهِمْ فَلَمْ تَرِدْ. وَالْمَسْأَلَةُ فِيهَا خِلَافٌ مَعْرُوفٌ فَقَالَ بِجَوَازِهِ الْبُخَارِيُّ وَوَرَدَتْ أَحَادِيثُ «بِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم صَلَّى عَلَى آلِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ» . أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ وَوَرَدَ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم صَلَّى عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى فَمَنْ قَالَ بِجَوَازِهَا اسْتِقْلَالًا عَلَى سَائِرِ الْمُؤْمِنِينَ فَهَذَا دَلِيلُهُ. وَمِنْ أَدِلَّتِهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ} وَمَنْ مَنَعَ قَالَ هَذَا وَرَدَ مِنْ اللَّهِ وَمِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَلَمْ يَرِدْ الْإِذْنُ لَنَا. وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: يُصَلِّي عَلَى غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ وَأَزْوَاجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَذُرِّيَّتِهِ وَأَهْلِ طَاعَتِهِ عَلَى سَبِيلِ الْإِجْمَالِ. وَيُكْرَهُ فِي غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ لِشَخْصٍ مُفْرَدٍ بِحَيْثُ يَصِيرُ شِعَارًا سِيَّمَا إذَا تَرَكَ فِي حَقِّ مِثْلِهِ وَأَفْضَلُ مِنْهُ كَمَا تَفْعَلُهُ الرَّافِضَةُ فَلَوْ اتَّفَقَ وُقُوعُ ذَلِكَ مُفْرَدًا فِي بَعْضِ الْأَحَايِينِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُتَّخَذَ شِعَارًا لَمْ يَكُنْ فِيهِ بَأْسٌ.

وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي السَّلَامِ عَلَى غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ بَعْدَ الِاتِّفَاقِ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهِ فِي تَحِيَّةِ الْحَيِّ فَقِيلَ يَشْرَعُ مُطْلَقًا وَقِيلَ تَبَعًا وَلَا يُفْرَدُ بِوَاحِدٍ لِكَوْنِهِ صَارَ شِعَارًا لِلرَّافِضَةِ وَنَقَلَهُ النَّوَوِيُّ عَنْ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيِّ قُلْت هَذَا التَّعْلِيلُ بِكَوْنِهِ صَارَ شِعَارًا لَا يَنْهَضُ عَلَى الْمَنْعِ؛ وَالسَّلَامُ عَلَى الْمَوْتَى قَدْ شَرَعَهُ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «السَّلَامُ

ص: 702

1452 -

وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ عَشْرَ مَرَّاتٍ كَانَ كَمَنْ أَعْتَقَ أَرْبَعَةَ أَنْفُسٍ مِنْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

1453 -

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَالَ:

عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ» وَكَانَ ثَابِتًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:

عَلَيْك سَلَامُ اللَّهِ قَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ

وَرَحْمَتُهُ مَا شَاءَ أَنْ يَتَرَحَّمَا

وَمَا كَانَ قَيْسُ مَوْتُهُ مَوْتَ وَاحِدٍ

وَلَكِنَّهُ بُنْيَانُ قَوْمٍ تَهَدَّمَا

- (وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ عَشْرَ مَرَّاتٍ كَانَ كَمَنْ أَعْتَقَ أَرْبَعَةَ أَنْفُسٍ مِنْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) زَادَ مُسْلِمٌ " لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ " وَفِي لَفْظٍ «مَنْ قَالَ ذَلِكَ فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةً كَانَتْ لَهُ عَدْلُ عَشْرِ رِقَابٍ وَكُتِبَتْ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنْ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إلَّا أَحَدٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ» وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَعِيشَ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ وَفِيهِ «مَنْ قَالَ إذَا صَلَّى الصُّبْحَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَذَكَرَهُ بِلَفْظٍ عَشْرَ مَرَّاتٍ كُنَّ كَعَدْلِ أَرْبَعِ رِقَابٍ وَكُتِبَ لَهُ بِهِنَّ عَشْرُ حَسَنَاتٍ وَمُحِيَ عَنْهُ بِهِنَّ عَشْرُ سَيِّئَاتٍ، وَرُفِعَ لَهُ بِهِنَّ عَشْرُ دَرَجَاتٍ وَكُنَّ لَهُ حِرْزًا مِنْ الشَّيْطَانِ حَتَّى يُمْسِيَ وَإِذَا قَالَهَا بَعْدَ الْمَغْرِبِ فَمِثْلُ ذَلِكَ» وَسَنَدُهُ حَسَنٌ وَأَخْرَجَهُ جَعْفَرٌ فِي الذِّكْرِ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ رَفَعَهُ " قَالَ مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ فَذَكَرَ مِثْلَهُ " لَكِنْ زَادَ «يُحْيِي وَيُمِيتُ وَقَالَ: تَعْدِلُ عَشْرَ رِقَابٍ وَكَانَ لَهُ مَسْلَحَةٌ مِنْ أَوَّلِ نَهَارِهِ إلَى آخِرِهِ وَلَمْ يَعْمَلْ يَوْمَئِذٍ عَمَلًا يَقْهَرُهُنَّ وَإِنْ قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ حِينَ يُمْسِي فَمِثْلُ ذَلِكَ» وَذِكْرُ الْعَشْرِ الرِّقَابِ فِي بَعْضِهَا وَالْأَرْبَعِ فِي بَعْضِهَا كَأَنَّهُ بِاعْتِبَارِ الذَّاكِرِينَ فِي اسْتِحْضَارِهِمْ مَعَانِيَ الْأَلْفَاظِ بِالْقُلُوبِ، وَإِمْحَاضِ التَّوَجُّهِ وَالْإِخْلَاصِ لِعَلَّامِ الْغُيُوبِ فَيَكُونُ اخْتِلَافُ مَرَاتِبَهُمْ بِاعْتِبَارِ ذَلِكَ وَبِحَسَبِهِ كَمَا قَالَ الْقُرْطُبِيُّ.

ص: 703

سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ مِائَةَ مَرَّةٍ حُطَّتْ عَنْهُ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

1454 -

وَعَنْ جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَقَدْ قُلْت بَعْدَك أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ لَوْ وُزِنَتْ بِمَا قُلْت مُنْذُ الْيَوْمِ لَوَزَنَتْهُنَّ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، عَدَدَ خَلْقِهِ، وَرِضَاءَ نَفْسِهِ، وَزِنَةَ عَرْشِهِ وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.

(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ مِائَةَ مَرَّةٍ حُطَّتْ عَنْهُ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) مَعْنَى سُبْحَانَ اللَّهِ تَنْزِيهُهُ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِهِ مِنْ نَقْصٍ فَيَلْزَمُ مِنْهُ نَفْيُ الشَّرِيكِ وَالصَّاحِبِ وَالْوَلَدِ وَجَمِيعِ مَا لَا يَلِيقُ وَالتَّسْبِيحُ يُطْلَقُ عَلَى جَمِيعِ أَلْفَاظِ الذِّكْرِ وَيُطْلَقُ عَلَى صَلَاةِ النَّافِلَةِ وَمِنْهُ صَلَاةُ التَّسْبِيحِ خُصَّتْ بِذَلِكَ لِكَثْرَةِ التَّسْبِيحِ فِيهَا. وَفِيهِ أَنَّهُ تُكَفَّرُ بِهَذَا الذِّكْرِ الْخَطَايَا وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَبَائِرَ وَالْعُلَمَاءَ يُقَيِّدُونَ ذَلِكَ بِالصَّغَائِرِ وَيَقُولُونَ لَا تُمْحَى الْكَبَائِرُ إلَّا بِالتَّوْبَةِ. وَقَدْ أُورِدَ عَلَى هَذَا سُؤَالٌ وَهُوَ أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّسْبِيحَ أَفْضَلُ مِنْ التَّهْلِيلِ فَإِنَّهُ قَالَ فِي التَّهْلِيلِ «إنَّ مَنْ قَالَ مِائَةَ مَرَّةٍ فِي يَوْمٍ مُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ» كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَهُنَا قَالَ حُطَّتْ عَنْهُ خَطَايَاهُ وَلَوْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ وَالْأَحَادِيثُ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ التَّهْلِيلَ أَفْضَلُ فَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «أَفْضَلُ الذِّكْرِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَفْضَلُ مَا قُلْت أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَهِيَ كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ وَالْإِخْلَاصِ وَهِيَ اسْمُ اللَّهِ الْأَعْظَمُ» وَمَعْنَى التَّسْبِيحِ دَاخِلٌ فِيهَا فَإِنَّهُ التَّنْزِيهُ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِاَللَّهِ، وَهُوَ دَاخِلٌ فِي لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ إلَخْ وَفَضَائِلُهَا عَدِيدَةٌ وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ انْضَافَ إلَى ثَوَابِ التَّهْلِيلِ مَعَ التَّكْفِيرِ ثَلَاثَةُ أُمُورٍ رَفْعُ الدَّرَجَاتِ وَكَتْبُ الْحَسَنَاتِ وَعِتْقُ الرِّقَابِ وَالْعِتْقُ يَتَضَمَّنُ تَكْفِيرَ جَمِيعِ السَّيِّئَاتِ فَإِنَّهُ مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً أَعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهَا عُضْوًا مِنْهُ مِنْ النَّارِ كَمَا سَلَفَ.

وَظَاهِرُ الْأَحَادِيثِ أَنَّ هَذِهِ الْفَضَائِلَ لِكُلِّ ذَاكِرٍ. وَذَكَرَ الْقَاضِي عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْفَضْلَ الْوَارِدَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَالْأَذْكَارِ إنَّمَا هُوَ لِأَهْلِ الْفَضْلِ فِي الدِّينِ وَالطَّهَارَةِ مِنْ الْجَرَائِمِ الْعِظَامِ وَلَيْسَ مَنْ أَصَرَّ عَلَى شَهَوَاتِهِ، وَانْتَهَكَ دِينَ اللَّهِ وَحُرُمَاتِهِ بِلَا حَقٍّ مِنْ الْأَفَاضِلِ الْمُطَهَّرِينَ فِي ذَلِكَ وَيَشْهَدُ لَهُ قَوْله تَعَالَى:{أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} الْآيَةَ.

- (وَعَنْ جُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَقَدْ

ص: 704

1455 -

وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ‌

‌«الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ،

لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ» أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ.

قُلْت بَعْدَك أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ لَوْ وُزِنَتْ بِمَا قُلْت بِكَسْرِ التَّاءِ خِطَابٌ لَهَا مُنْذُ الْيَوْمِ لَوَزَنَتْهُنَّ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ عَدَدَ خَلْقِهِ وَرِضَاءَ نَفْسِهِ وَزِنَةَ عَرْشِهِ وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ) عَدَدَ خَلْقِهِ مَنْصُوبٌ صِفَةَ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ أُسَبِّحُهُ تَسْبِيحًا وَمِثْلُهُ أَخَوَاتُهُ.

وَخَلْقُهُ شَامِلٌ لِمَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَفِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَرِضَاءَ نَفْسِهِ أَيْ عَدَدَ مَنْ رضي الله عنهم مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَرِضَاهُ عَنْهُمْ لَا يَنْقَضِي وَلَا يَنْقَطِعُ. وَزِنَةَ عَرْشِهِ أَيْ زِنَةَ مَا لَا يَعْلَمُ قَدْرَ وَزْنِهِ إلَّا اللَّهُ. وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ بِكَسْرِ الْمِيمِ هُوَ مَا تُمَدُّ بِهِ الدَّوَاةُ كَالْحِبْرِ وَالْكَلِمَاتُ هِيَ مَعْلُومَاتُ اللَّهِ وَمَقْدُورَاتِهِ وَهِيَ لَا تَنْحَصِرُ وَهِيَ لَا تَتَنَاهَى، وَمِدَادُهَا هُوَ كُلُّ مَدَّةٍ يُكْتَبُ بِهَا مَعْلُومٌ أَوْ مَقْدُورٌ وَذَلِكَ لَا يَنْحَصِرُ فَمُتَعَلِّقُهُ غَيْرُ مُنْحَصِرٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى:{قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي} الْآيَةَ، الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى فَضْلِ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ وَأَنَّ قَائِلَهَا يُدْرِكُ فَضِيلَةَ تَكْرَارِ الْقَوْلِ بِالْعَدَدِ الْمَذْكُورِ.

(وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ». أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ) الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ: يُرَادُ بِهَا الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ الَّتِي يَبْقَى لِصَاحِبِهَا أَجْرُهَا أَبَدَ الْآبَادِ وَفَسَّرَهَا صلى الله عليه وسلم بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ تَفْسِيرُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلا} وَقَدْ جَاءَ فِي الْأَحَادِيثِ تَفْسِيرُهَا بِأَفْعَالِ الْخَيْرِ. فَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ مَرْدُوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ هُنَّ ذِكْرُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَتَبَارَكَ اللَّهُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَالصِّيَامُ وَالصَّلَاةُ وَالْحَجُّ وَالصَّدَقَةُ وَالْعِتْقُ وَالْجِهَادُ وَالصِّلَةُ وَجَمِيعُ أَنْوَاعِ الْحَسَنَاتِ وَهُنَّ الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ الَّتِي تَبْقَى لِأَهْلِهَا فِي الْجَنَّةِ» وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ قَتَادَةَ «الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ فَهُوَ مِنْ الْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ» وَلَا يُنَافِي تَفْسِيرُهَا فِي الْحَدِيثِ بِمَا ذُكِرَ فَإِنَّهُ لَا حَصْرَ فِيهِ عَلَيْهَا.

ص: 705

1456 -

وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «أَحَبُّ الْكَلَامِ إلَى اللَّهِ أَرْبَعٌ، لَا يَضُرُّك بِأَيِّهِنَّ بَدَأْت: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.

1457 -

وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ، أَلَا أَدُلُّك عَلَى كَنْزٍ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ؟ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، زَادَ النَّسَائِيّ:«لَا مَلْجَأَ مِنْ اللَّهِ إلَّا إلَيْهِ» .

(وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «أَحَبُّ الْكَلَامِ إلَى اللَّهِ أَرْبَعٌ لَا يَضُرُّك بِأَيِّهِنَّ بَدَأْت سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ) يَعْنِي إنَّمَا كَانَتْ أَحَبَّهُ إلَيْهِ تَعَالَى لِاشْتِمَالِهَا عَلَى تَنْزِيهِهِ وَإِثْبَاتِ الْحَمْدِ لَهُ وَالْوَحْدَانِيَّة وَالْأَكْبَرِيَّةِ. وَقَوْلُهُ (لَا يَضُرُّك بِأَيِّهِنَّ بَدَأْت) دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا تَرْتِيبَ بَيْنَهَا وَلَكِنْ تَقْدِيمُ التَّنْزِيهِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ تَقَدُّمُ التَّخْلِيَةِ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ عَلَى التَّحْلِيَةِ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالتَّنْزِيهُ تَخْلِيَةٌ عَنْ كُلِّ قَبِيحٍ وَإِثْبَاتُ الْحَمْدِ وَالْوَحْدَانِيَّة وَالْأَكْبَرِيَّةِ تَحْلِيَةٌ بِكُلِّ صِفَاتِ الْكَمَالِ، لَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ تَعَالَى مُنَزَّهَةٌ ذَاتُهُ عَنْ كُلِّ قَبِيحٍ لَمْ تَضُرَّ الْبُدَاءَةُ بِالتَّحْلِيَةِ وَتَقْدِيمُهَا عَلَى التَّخْلِيَةِ وَالْأَحَادِيثُ فِي فَضْلِ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ مَجْمُوعَةً وَمُتَفَرِّقَةً بَحْرٌ لَا تَنْزِفُهُ الدِّلَاءُ وَلَا يُنْقِصُهُ الْإِمْلَاءُ وَكَفَى بِمَا فِي الْحَدِيثِ مِنْ أَنَّهَا الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ، وَأَنَّهَا أَحَبُّ الْكَلَامِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى.

(وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ أَلَا أَدُلُّك عَلَى كَنْزٍ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ؟ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ زَادَ النَّسَائِيّ) مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى «لَا مَلْجَأَ مِنْ اللَّهِ إلَّا إلَيْهِ» أَيْ أَنَّ ثَوَابَهَا مُدَّخَرٌ فِي الْجَنَّةِ وَهُوَ ثَوَابٌ نَفِيسٌ كَمَا أَنَّ الْكَنْزَ أَنْفَسُ أَمْوَالِ الْعِبَادِ فَالْمُرَادُ مَكْنُونُ ثَوَابِهَا عِنْدَ اللَّهِ لَكُمْ، وَذَلِكَ لِأَنَّهَا كَلِمَةُ اسْتِسْلَامٍ وَتَفْوِيضٍ إلَى اللَّهِ وَاعْتِرَافٍ بِالْإِذْعَانِ لَهُ، وَأَنَّهُ لَا صَانِعَ غَيْرَهُ وَلَا رَادَّ لِأَمْرِهِ، وَأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا مِنْ الْأَمْرِ. وَالْحَوْلُ الْحَرَكَةُ وَالْحِيلَةُ أَيْ لَا حَرَكَةَ وَلَا اسْتِطَاعَةَ وَلَا حِيلَةَ إلَّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ. وَرُوِيَ تَفْسِيرُهَا مَرْفُوعًا أَيْ «لَا حَوْلَ عَنْ الْمَعَاصِي إلَّا بِعِصْمَةِ اللَّهِ وَلَا قُوَّةَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ إلَّا بِاَللَّهِ ثُمَّ قَالَ صلى الله عليه وسلم كَذَلِكَ أَخْبَرَنِي جِبْرِيلُ عَنْ اللَّهِ تبارك وتعالى» . وَقَوْلُهُ (وَلَا مَلْجَأَ) مَأْخُوذٌ مِنْ لَجَأَ إلَيْهِ وَهُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ يُقَالُ أَلْجَأْت إلَيْهِ وَالْتَجَأَتْ إذَا اسْتَنَدْت إلَيْهِ وَاعْتَضَدَتْ بِهِ أَيْ لَا مُسْتَنَدَ مِنْ اللَّهِ وَلَا مَهْرَبَ عَنْ قَضَائِهِ إلَّا إلَيْهِ.

ص: 706

1458 -

وَعَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رضي الله عنهما عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إنَّ الدُّعَاءَ هُوَ الْعِبَادَةُ» رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ

1459 -

وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ «الدُّعَاءُ مُخُّ الْعِبَادَةِ»

1460 -

وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه رَفَعَهُ «لَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْ الدُّعَاءِ» وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ.

1461 -

وَعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «الدُّعَاءُ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ لَا يُرَدُّ» أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ وَغَيْرُهُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ.

(وَعَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إنَّ الدُّعَاءَ هُوَ الْعِبَادَةُ» رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ) يَدُلُّ لَهُ قَوْله تَعَالَى: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} ثُمَّ قَالَ: {إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ.

(وَلَهُ) أَيْ لِلتِّرْمِذِيِّ (مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا لَفْظُ «الدُّعَاءُ مُخُّ الْعِبَادَةِ» أَيْ خَالِصُهَا؛ لِأَنَّ مُخَّ الشَّيْءِ خَالِصُهُ، وَإِنَّمَا كَانَ مُخُّهَا لِأَمْرَيْنِ، الْأَوَّلُ أَنَّهُ امْتِثَالٌ لِأَمْرِ اللَّهِ حَيْثُ قَالَ {ادْعُونِي} الثَّانِي أَنَّ الدَّاعِيَ إذَا عَلِمَ أَنَّ نَجَاحَ الْأُمُورِ مِنْ اللَّهِ انْقَطَعَ عَمَّا سِوَاهُ وَأَفْرَدَهُ بِطَلَبِ الْحَاجَاتِ، وَإِنْزَالِ الْفَاقَاتِ وَهَذَا هُوَ مُرَادُ اللَّهِ مِنْ الْعِبَادَةِ. .

(وَلَهُ) أَيْ لِلتِّرْمِذِيِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه رَفَعَهُ «لَيْسَ شَيْءٌ عَلَى اللَّهِ أَكْرَمُ مِنْ الدُّعَاءِ» وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ).

(وَعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «الدُّعَاءُ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ لَا يُرَدُّ» أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ وَغَيْرُهُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ) تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ بِلَفْظٍ آخَرَ فِي بَابِ

ص: 707

1462 -

وَعَنْ سَلْمَانَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إنَّ رَبَّكُمْ حَيِيٌّ كَرِيمٌ، يَسْتَحِي مِنْ عَبْدِهِ إذَا رَفَعَ يَدَيْهِ إلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا» أَخْرَجَهُ الْأَرْبَعَةُ إلَّا النَّسَائِيّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ

1463 -

وَعَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إذَا مَدَّ يَدَيْهِ فِي الدُّعَاءِ لَمْ يَرُدَّهُمَا حَتَّى يَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ» . أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ. لَهُ شَوَاهِدُ، مِنْهَا: - حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُد، وَغَيْرِهِ، وَمَجْمُوعُهَا يَقْضِي بِأَنَّهُ حَدِيثٌ حَسَنٌ.

الْأَذَانِ وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ وَيَتَأَكَّدُ الدُّعَاءُ بَعْدَ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ لِحَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ «قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الدُّعَاءِ أَسْمَعُ؟ قَالَ جَوْفَ اللَّيْلِ وَأَدْبَارَ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ» وَأَمَّا هَذِهِ الْهَيْئَةُ الَّتِي يَفْعَلُهَا النَّاسُ فِي الدُّعَاءِ بَعْدَ السَّلَامِ مِنْ الصَّلَاةِ بِأَنْ يَبْقَى الْإِمَامُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ وَالْمَأْمُومُونَ خَلْفَهُ يَدْعُونَ فَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ هَدْيِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم رُوِيَ عَنْهُ فِي حَدِيثٍ صَحِيحٍ وَلَا حَسَنٍ وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ فِي الدُّعَاءِ بَعْدَ الصَّلَاةِ مَعْرُوفَةٌ وَوَرَدَ التَّسْبِيحُ وَالتَّحْمِيدُ وَالتَّكْبِيرُ كَمَا سَلَفَ فِي الْأَذْكَارِ.

(وَعَنْ سَلْمَانَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إنَّ رَبَّكُمْ حَيِيٌّ بِزِنَةِ نَسِيٍّ وَحَشِيٍّ كَرِيمٌ يَسْتَحِي مِنْ عَبْدِهِ إذَا رَفَعَ يَدَيْهِ إلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا» أَخْرَجَهُ الْأَرْبَعَةُ إلَّا النَّسَائِيّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ) وَصْفُهُ تَعَالَى بِالْحَيَاءِ يُحْمَلُ عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ كَسَائِرِ صِفَاتِهِ نُؤْمِنُ بِهَا وَلَا نُكَيِّفُهَا وَلَا يُقَالُ إنَّهُ مَجَازٌ وَتُطْلَبُ لَهُ الْعِلَاقَاتُ هَذَا مَذْهَبُ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ وَالصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ (وَصِفْرًا) بِكَسْرِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْفَاءِ أَيْ خَالِيَةً وَفِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي الدُّعَاءِ وَالْأَحَادِيثُ فِيهِ كَثِيرَةٌ. وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ «لَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ الدُّعَاءِ إلَّا الِاسْتِسْقَاءَ» فَالْمُرَادُ بِهِ الْمُبَالَغَةُ فِي الرَّفْعِ وَأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ إلَّا فِي الِاسْتِسْقَاءِ. وَأَحَادِيثُ رَفْعِهِ صلى الله عليه وسلم يَدَيْهِ فِي الدُّعَاءِ أَفْرَدَهَا الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ فِي جُزْءٍ. وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ " الْمَسْأَلَةُ أَنْ تَرْفَعَ يَدَيْك حَذْوَ مَنْكِبَيْك وَالِاسْتِسْقَاءُ أَنْ تُشِيرَ بِأُصْبُعٍ وَاحِدَةٍ وَالِابْتِهَالُ أَنْ تَمُدَّ يَدَيْك جَمِيعًا " وَهُوَ مَوْقُوفٌ وَأَمَّا مَسْحُ الْيَدَيْنِ بَعْدَ الدُّعَاءِ فَوَرَدَ فِيهِ الْحَدِيثُ الْآتِي:

ص: 708

1464 -

وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلَاةً» أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ

وَعَنْ عُمَرَ رضي الله عنه قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إذَا مَدَّ يَدَيْهِ فِي الدُّعَاءِ لَمْ يَرُدَّهُمَا حَتَّى يَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ» . أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ. وَلَهُ شَوَاهِدُ مِنْهَا عِنْدَ أَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ وَمَجْمُوعُهَا يَقْضِي بِأَنَّهُ حَدِيثٌ حَسَنٌ) وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ مَسْحِ الْوَجْهِ بِالْيَدَيْنِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الدُّعَاءِ. قِيلَ وَكَأَنَّ الْمُنَاسَبَةَ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا كَانَ لَا يَرُدُّهُمَا صِفْرًا فَكَأَنَّ الرَّحْمَةَ أَصَابَتْهُمَا فَنَاسَبَ إفَاضَةَ ذَلِكَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي هُوَ أَشْرَفُ الْأَعْضَاءِ وَأَحَقُّهَا بِالتَّكْرِيمِ.

(وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلَاةً» أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ) الْمُرَادُ أَحَقُّهُمْ بِالشَّفَاعَةِ أَوْ الْقُرْبِ مِنْ مَنْزِلَتِهِ فِي الْجَنَّةِ وَفِيهِ فَضِيلَةُ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ صلى الله عليه وسلم وَقَدْ تَقَدَّمَتْ قَرِيبًا وَلَوْ أَضَافَ هَذَا الْحَدِيثَ إلَى مَا سَلَفَ لَكَانَ أَوْفَقَ.

(وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ‌

‌«سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ

أَنْ يَقُولَ الْعَبْدُ اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ خَلَقْتنِي وَأَنَا عَبْدُك وَأَنَا عَلَى عَهْدِك وَوَعْدِك مَا اسْتَطَعْت، أَعُوذُ بِك مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْت، أَبُوءُ لَك بِنِعْمَتِك عَلَيَّ وَأَبُوءُ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ). وَتَمَامُ الْحَدِيثِ «مَنْ قَالَهَا مِنْ النَّهَارِ مُوقِنًا بِهَا فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ قَالَهَا مِنْ اللَّيْلِ وَهُوَ مُوقِنٌ بِهَا فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ» قَالَ الطِّيبِيُّ: لَمَّا كَانَ هَذَا الدُّعَاءُ جَامِعًا لِمَعَانِي التَّوْبَةِ اُسْتُعِيرَ لَهُ اسْمُ السَّيِّدِ وَهُوَ فِي الْأَصْلِ الرَّئِيسُ الَّذِي يُقْصَدُ إلَيْهِ فِي الْحَوَائِجِ وَيُرْجَعُ

ص: 709

1465 -

وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ أَنْ يَقُولَ الْعَبْدُ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ خَلَقْتنِي، وَأَنَا عَبْدُك، وَأَنَا عَلَى عَهْدِك وَوَعْدِك مَا اسْتَطَعْت، أَعُوذُ بِك مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْت، أَبُوءُ لَك بِنِعْمَتِك عَلَيَّ وَأَبُوءُ لَك بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.

إلَيْهِ فِي الْأُمُورِ. وَجَاءَ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ " أَلَا أَدُلُّك عَلَى سَيِّدِ الِاسْتِغْفَارِ " وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ عَنْ النَّسَائِيّ «تَعَلَّمُوا سَيِّدَ الِاسْتِغْفَارِ» وَقَوْلُهُ " لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ خَلَقْتنِي " وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ " اللَّهُمَّ لَك الْحَمْدُ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ خَلَقْتنِي " وَزَادَ فِيهِ " آمَنْت لَك مُخْلِصًا لَك دِينِي " وَقَوْلُهُ " وَأَنَا عَبْدُك " جُمْلَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِقَوْلِهِ: أَنْتَ رَبِّي وَيُحْتَمَلُ أَنَّ عَبْدَك بِمَعْنَى عَابِدُك فَلَا يَكُونُ تَأْكِيدًا وَيُؤَيِّدُهُ عَطْفُ قَوْلِهِ وَأَنَا عَلَى عَهْدِك. وَمَعْنَاهُ كَمَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ أَنَا عَلَى مَا عَاهَدَتْك عَلَيْهِ وَوَاعَدْتُك مِنْ الْإِيمَانِ بِك وَإِخْلَاصِ الطَّاعَةِ لَك مَا اسْتَطَعْت وَمُتَمَسِّكٌ بِهِ وَمُسْتَنْجِزٌ وَعْدَك فِي التَّوْبَةِ وَالْأَجْرِ.

وَفِي قَوْلِهِ (مَا اسْتَطَعْت) اعْتِرَافٌ بِالْعَجْزِ وَالْقُصُورِ عَنْ الْقِيَامِ بِالْوَاجِبِ مِنْ حَقِّهِ تَعَالَى. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: يُرِيدُ بِالْعَهْدِ الَّذِي أَخَذَهُ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ حَيْثُ أَخْرَجَهُمْ أَمْثَالَ الذَّرِّ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} فَأَقَرُّوا لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ وَأَذْعَنُوا لَهُ بِالْوَحْدَانِيَّةِ، وَبِالْوَعْدِ مَا قَالَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ «أَنَّ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِي شَيْئًا أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ» وَمَعْنَى (أَبُوءُ) أُقِرُّ وَأَعْتَرِفُ، وَهُوَ مَهْمُوزٌ وَأَصْلُهُ الْبَوَاءُ وَمَعْنَاهُ اللُّزُومُ وَمِنْهُ بَوَّأَهُ اللَّهُ مَنْزِلًا أَيْ أَسْكَنَهُ فَكَأَنَّهُ أَلْزَمَهُ بِهِ (وَأَبُوءُ بِذَنْبِي) أَعْتَرِفُ بِهِ وَأُقِرُّ. وَقَوْلُهُ «فَاغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ» اعْتِرَافٌ بِذَنْبِهِ أَوَّلًا ثُمَّ طَلَبُ غُفْرَانِهِ ثَانِيًا. وَهَذَا مِنْ أَحْسَنِ الْخِطَابِ وَأَلْطَفِ الِاسْتِعْطَافِ كَقَوْلِ أَبِي الْبَشَرِ {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} وَقَدْ اشْتَمَلَ الْحَدِيثُ عَلَى الْإِقْرَارِ بِالرُّبُوبِيَّةِ لِلَّهِ تَعَالَى وَبِالْعُبُودِيَّةِ لِلْعَبْدِ فِي التَّوْحِيدِ لَهُ، وَبِالْإِقْرَارِ بِأَنَّهُ الْخَالِقُ، وَالْإِقْرَارِ بِالْعَهْدِ الَّذِي أَخَذَهُ عَلَى الْأُمَمِ، وَالْإِقْرَارُ بِالْعَجْزِ عَنْ الْوَفَاءِ مِنْ الْعَبْدِ، وَالِاسْتِعَاذَةِ بِهِ تَعَالَى مِنْ شَرِّ السَّيِّئَاتِ نَحْوُ «نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا» وَالْإِقْرَارِ بِنِعْمَتِهِ عَلَى عِبَادِهِ. وَأَفْرَدَهَا لِلْجِنْسِ وَالْإِقْرَارِ بِالذَّنْبِ وَطَلَبِ الْمَغْفِرَةِ وَحَصْرِ الْغُفْرَانِ فِيهِ تَعَالَى. وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي طَلَبُ الْحَاجَاتِ إلَّا بَعْدَ الْوَسَائِلِ وَأَمَّا مَا اسْتَشْكَلَ بِهِ مِنْ أَنَّهُ كَيْفَ يَسْتَغْفِرُ وَقَدْ غُفِرَ لَهُ صلى الله عليه وسلم مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ وَهُوَ أَيْضًا مَعْصُومٌ فَإِنَّهُ مِنْ الْفُضُولِ؛ لِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم أَخْبَرَ بِأَنَّهُ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَيَتُوبُ إلَيْهِ فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً وَعَلَّمَنَا الِاسْتِغْفَارَ فَعَلَيْنَا التَّأَسِّي وَالِامْتِثَالُ لَا إيرَادُ السُّؤَالِ وَالْإِشْكَالِ. وَقَدْ عُلِمَ هَذَا مَنْ خَاطَبَهُمْ بِذَلِكَ فَلَمْ يُورِدُوا إشْكَالًا وَلَا سُؤَالًا، وَيَكْفِينَا كَوْنُهُ ذَكَرَ اللَّهَ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَهُوَ مِثْلُ طَلَبِنَا لِلرِّزْقِ وَقَدْ تَكَفَّلَ بِهِ وَتَعْلِيمُهُ لَنَا ذَلِكَ «وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ» وَكُلُّهُ تَعَبُّدٌ وَذِكْرٌ لِلَّهِ تَعَالَى.

ص: 710

1466 -

وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَدْعُ هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ حِينَ يُمْسِي، وَحِينَ يُصْبِحُ «اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك الْعَافِيَةَ فِي دِينِي، وَدُنْيَايَ، وَأَهْلِي وَمَالِي. اللَّهُمَّ اُسْتُرْ عَوْرَاتِي، وَآمِنِ رَوْعَاتِي، وَاحْفَظْنِي مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ، وَمِنْ خَلْفِي، وَعَنْ يَمِينِي، وَعَنْ شِمَالِي، وَمِنْ فَوْقِي، وَأَعُوذُ بِعَظَمَتِك أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي» أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.

1467 -

وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِك، وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِك، وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِك، وَجَمِيعِ سَخَطِك» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.

(وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَدْعُ هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ حِينَ يُمْسِي وَحِينَ يُصْبِحُ «اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك الْعَافِيَةَ فِي دِينِي وَدُنْيَايَ وَأَهْلِي وَمَالِي، اللَّهُمَّ اُسْتُرْ عَوْرَاتِي وَآمِنِ رَوْعَاتِي وَاحْفَظْنِي مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ وَمِنْ خَلْفِي وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي وَمِنْ فَوْقِي وَأَعُوذُ بِعَظَمَتِك أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي» أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ) الْعَافِيَةُ فِي الدِّينِ السَّلَامَةُ مِنْ الْمَعَاصِي وَالِابْتِدَاعِ وَتَرْكُ مَا يَجِبُ وَالتَّسَاهُلِ فِي الطَّاعَاتِ، وَفِي الدُّنْيَا السَّلَامَةُ مِنْ شُرُورِهَا وَمَصَائِبِهَا، وَفِي الْأَهْلِ السَّلَامَةُ مِنْ سُوءِ الْعِشْرَةِ وَالْأَمْرَاضِ وَالْأَسْقَامِ وَشَغْلِهِمْ بِطَلَبِ التَّوَسُّعِ فِي الْحُطَامِ وَفِي الْمَالِ السَّلَامَةُ مِنْ الْآفَاتِ الَّتِي تَحْدُثُ فِيهِ وَسَتْرُ الْعَوْرَاتِ عَامٌّ لِعَوْرَةِ الْبَدَنِ وَالدِّينِ وَالْأَهْلِ وَالدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَتَأْمِينُ الرَّوْعَاتِ كَذَلِكَ وَالرَّوْعَاتُ جَمْعُ رَوْعَةٍ وَهِيَ الْفَزَعُ. وَسَأَلَ اللَّهَ الْحِفْظَ لَهُ مِنْ جَمِيعِ الْجِهَاتِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ بَيْنَ أَعْدَائِهِ مِنْ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ كَالشَّاةِ بَيْنَ الذِّئَابِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ حَافِظٌ مِنْ اللَّهِ فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ. وَخَصَّ الِاسْتِعَاذَةَ بِالْعَظَمَةِ عَنْ الِاغْتِيَالِ مِنْ تَحْتِهِ؛ لِأَنَّ الِاغْتِيَالَ أَخْذُ الشَّيْءِ خُفْيَةً وَهُوَ أَنْ يُخْسَفَ بِهِ الْأَرْضُ كَمَا صَنَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِقَارُونَ أَوْ بِالْغَرَقِ كَمَا صَنَعَ بِفِرْعَوْنَ فَالْكُلُّ اغْتِيَالٌ مِنْ التَّحْتِ.

- (وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إنِّي

ص: 711

1468 -

وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةِ الْعَدُوِّ، وَشَمَاتَةِ الْأَعْدَاءِ» رَوَاهُ النَّسَائِيّ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.

أَعُوذُ بِك مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِك وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِك وَفَجْأَةِ نِقْمَتِك وَجَمِيعِ سَخَطِك» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ) الْفَجْأَةُ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِ الْجِيمِ مَقْصُورٌ وَبِضَمِّ الْفَاءِ وَفَتْحِ الْجِيمِ وَالْمَدِّ وَهِيَ الْبَغْتَةُ وَزَوَالُ النِّعْمَةِ لَا يَكُونُ مِنْهُ تَعَالَى إلَّا بِذَنْبٍ يُصِيبُهُ الْعَبْدُ فَالِاسْتِعَاذَةُ مِنْ الذَّنْبِ فِي الْحَقِيقَةِ كَأَنَّهُ قَالَ: نَعُوذُ بِك مِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا وَهُوَ تَعْلِيمُ الْعِبَادِ، وَتَحَوُّلُ الْعَافِيَةِ انْتِقَالُهَا وَلَا يَكُونُ إلَّا بِحُصُولِ ضِدِّهَا وَهُوَ الْمَرَضُ.

(وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ وَغَلَبَةِ الْعَدُوِّ وَشَمَاتَةِ الْأَعْدَاءِ» رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ) غَلَبَةُ الدَّيْنِ مَا يَغْلِبُ الْمَدِينَ قَضَاؤُهُ. وَلَا يُنَافِي الِاسْتِعَاذَةَ كَوْنُهُ صلى الله عليه وسلم اسْتَدَانَ وَمَاتَ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ فِي شَيْءٍ مِنْ شَعِيرٍ فَإِنَّ الِاسْتِعَاذَةَ مِنْ الْغَلَبَةِ بِحَيْثُ لَا يُقْدَرُ عَلَى قَضَائِهِ. وَلَا يُنَافِيهِ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمَدِينِ حَتَّى يَقْضِيَ دَيْنَهُ مَا لَمْ يَكُنْ فِيمَا يَكْرَهُ اللَّهُ، وَرُوِيَ هَذَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ مَرْفُوعًا؛ لِأَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى مَا لَا غَلَبَةَ فِيهِ فَمَنْ اسْتَدَانَ دَيْنًا يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى قَضَائِهِ فَقَدْ فَعَلَ مُحَرَّمًا وَفِيهِ وَرَدَ حَدِيثُ «مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّاهَا اللَّهُ عَنْهُ وَمَنْ أَخَذَهَا يُرِيدُ إتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَقَدْ تَقَدَّمَ.

وَلِذَا اسْتَعَاذَ صلى الله عليه وسلم مِنْ الْمَغْرَمِ وَهُوَ الدَّيْنُ، وَلَمَّا سَأَلَتْهُ عَائِشَةُ عَنْ وَجْهِ إكْثَارِهِ مِنْ الِاسْتِعَاذَةِ مِنْهُ قَالَ:«إنَّ الرَّجُلَ إذَا غَرِمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ، وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ» فَالْمُسْتَدِينُ يَتَعَرَّضُ لِهَذَا الْأَمْرِ الْعَظِيمِ. وَأَمَّا غَلَبَةُ الْعَدُوِّ أَيْ بِالْبَاطِلِ لِأَنَّ الْعَدُوَّ فِي الْحَقِيقَةِ إنَّمَا يُعَادِي فِي أَمْرٍ بَاطِلٍ، إمَّا لِأَمْرٍ دِينِيٍّ أَوْ لِأَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ كَغَضَبِ الظَّالِمِ لِحَقِّ غَيْرِهِ مَعَ عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى الِانْتِصَافِ مِنْهُ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَأَمَّا شَمَاتَةُ الْأَعْدَاءِ فَهِيَ فَرَحُ الْعَدُوِّ بِضُرٍّ نَزَلَ بِعَدُوِّهِ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: شَمَاتَةُ الْأَعْدَاءِ مَا يَنْكَأُ الْقَلْبَ وَتَبْلُغُ بِهِ النَّفْسُ أَشَدَّ مَبْلَغٍ. وَقَدْ قَالَ هَارُونُ لِأَخِيهِ عليهما السلام {فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأَعْدَاءَ} لَا تُفَرِّحْهُمْ بِمَا تُصِيبُنِي بِهِ.

ص: 712

1469 -

وَعَنْ بُرَيْدَةَ رضي الله عنه قَالَ: «سَمِعَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم رَجُلًا يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك بِأَنِّي أَشْهَدُ أَنَّك أَنْتَ اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ، الْأَحَدُ الصَّمَدُ، الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: لَقَدْ سَأَلَ اللَّهَ بِاسْمِهِ الَّذِي إذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ» أَخْرَجَهُ الْأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.

(وَعَنْ بُرَيْدَةَ رضي الله عنه قَالَ: «سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَجُلًا يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك بِأَنِّي أَشْهَدُ أَنَّك أَنْتَ اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ الْأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: لَقَدْ سَأَلَ اللَّهَ بِاسْمِهِ الَّذِي إذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى، وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ» أَخْرَجَهُ الْأَرْبَعَةُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ " الْأَحَدُ صِفَةُ كَمَالٍ؛ لِأَنَّ الْأَحَدَ الْحَقِيقِيَّ مَا يَكُونُ مُنَزَّهَ الذَّاتِ عَنْ أَنْحَاءِ التَّرْكِيبِ وَالتَّعَدُّدِ وَمَا يَسْتَلْزِمُ أَحَدَهُمَا كَالْجِسْمِيَّةِ وَالتَّحَيُّزِ وَالْمُشَارَكَةِ فِي الْحَقِيقَةِ وَمُتَّصِفًا بِخَوَاصِّهَا كَوُجُوبِ الْوُجُودِ وَالْقُدْرَةِ الذَّاتِيَّةِ وَالْحِكْمَةِ النَّاشِئَةِ عَنْ الْأُلُوهِيَّةِ. وَالصَّمَدُ السَّيِّدُ الَّذِي يُصْمَدُ إلَيْهِ فِي الْحَوَائِجِ وَيُقْصَدُ، وَالْمُتَّصِفُ بِهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ هُوَ الَّذِي يَسْتَغْنِي عَنْ غَيْرِهِ مُطْلَقًا وَكُلُّ مَا عَدَاهُ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ وَلَيْسَ ذَلِكَ عَنْهُ. إلَّا اللَّهُ تَعَالَى. وَوَصَفَهُ بِأَنَّهُ لَمْ يَلِدْ مَعْنَاهُ لَمْ يُجَانِسْ وَلَمْ يَفْتَقِرْ إلَيْهِ مَا يُعِينُهُ أَوْ يَخْلُفُ عَنْهُ لِامْتِنَاعِ الْحَاجَةِ وَالْفَنَاءِ عَلَيْهِ وَهُوَ رَدٌّ عَلَى مَنْ قَالَ: الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ وَمَنْ قَالَ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ؛ وَالْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ وَقَوْلُهُ: (لَمْ يُولَدْ) أَيْ لَمْ يَسْبِقْهُ عَدَمٌ: فَإِنْ قُلْت الْمَعْرُوفُ تَقَدُّمُ كَوْنِ الْمَوْلُودِ مَوْلُودًا عَلَى كَوْنِهِ وَالِدًا فَكَانَ هَذَا يَقْتَضِي أَنْ يُقَالَ الَّذِي لَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَلِدْ. قُلْت: الْقَصْدُ الْأَصْلِيُّ هُنَا نَفْيُ كَوْنِهِ تَعَالَى لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ كَمَا ادَّعَاهُ أَهْلُ الْبَاطِلِ وَلَمْ يَدَّعِ أَحَدٌ أَنَّهُ تَعَالَى مَوْلُودٌ فَالْمَقَامُ مَقَامُ تَقْدِيمِ نَفْيِ ذَلِكَ فَإِنْ قُلْت: فَلِمَ ذَكَرَ وَلَمْ يُولَدْ مَعَ عَدَمِ مَنْ يَدَّعِيهِ؟ قُلْت: تَتْمِيمًا لِتَفَرُّدِ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ مُشَابَهَاتِ الْمَخْلُوقِينَ وَتَحْقِيقًا لِكَوْنِهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ. وَالْكُفُؤُ الْمُمَاثِلُ أَيْ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يُمَاثِلُهُ فِي شَيْءٍ مِنْ صِفَاتِ كَمَالِهِ وَعُلُوِّ ذَاتِهِ. وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي تَحَرِّي هَذِهِ الْكَلِمَاتِ عِنْدَ الدُّعَاءِ لِإِخْبَارِهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ إذَا سُئِلَ بِهَا أَعْطَى وَإِذَا دُعِيَ بِهَا أَجَابَ وَالسُّؤَالُ الطَّلَبُ لِلْحَاجَاتِ وَالدُّعَاءُ أَعَمُّ مِنْهُ فَهُوَ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ.

ص: 713

1470 -

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إذَا أَصْبَحَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ بِك أَصْبَحْنَا وَبِكَ أَمْسَيْنَا، وَبِك نَحْيَا، وَبِك نَمُوتُ، وَإِلَيْك النُّشُورُ» «وَإِذَا أَمْسَى قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، أَلَا أَنَّهُ قَالَ: وَإِلَيْك الْمَصِيرُ» أَخْرَجَهُ الْأَرْبَعَةُ.

1471 -

وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: «كَانَ أَكْثَرُ دُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

1472 -

وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَدْعُو:

(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إذَا أَصْبَحَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ بِك أَصْبَحْنَا وَبِك أَمْسَيْنَا وَبِك نَحْيَا وَبِك نَمُوتُ وَإِلَيْك النُّشُورُ، وَإِذَا أَمْسَى قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ قَالَ: وَإِلَيْك الْمَصِيرُ» أَخْرَجَهُ الْأَرْبَعَةُ) الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِمُقَدَّرٍ أَيْ بِقُوَّتِك وَقُدْرَتِك وَإِيجَادِك أَصْبَحْنَا أَيْ دَخَلْنَا فِي الصَّبَاحِ إذْ أَنْتَ الَّذِي أَوْجَدْتنَا وَأَوْجَدْت الصَّبَاحَ وَمِثْلُهُ أَمْسَيْنَا. وَالنُّشُورُ مِنْ نَشَرَ الْمَيِّتَ إذَا أَحْيَاهُ وَفِيهِ مُنَاسَبَةٌ؛ لِأَنَّ النَّوْمَ أَخُو الْمَوْتِ فَالْإِيقَاظُ مِنْهُ كَالْإِحْيَاءِ بَعْدَ الْإِمَاتَةِ كَمَا نَاسَبَ فِي الْمَسَاءِ ذِكْرُ الْمَصِيرِ؛ لِأَنَّهُ يَنَامُ فِيهِ وَالنَّوْمُ كَالْمَوْتِ. وَفِيهِ الْإِقْرَارُ بِأَنَّ كُلَّ إنْعَامٍ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى.

(وَعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ أَكْثَرُ دُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: إنَّمَا كَانَ يَدْعُو بِهَذِهِ الْآيَةِ لِجَمْعِهَا مَعَانِيَ الدُّعَاءِ كُلِّهِ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ قَالَ: وَالْحَسَنَةُ عِنْدَهُمْ هَهُنَا النِّعْمَةُ فَسَأَلَ نَعِيمَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَالْوِقَايَةَ مِنْ الْعَذَابِ نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَمُنَّ عَلَيْنَا بِذَلِكَ. وَقَدْ كَثُرَ كَلَامُ السَّلَفِ فِي تَفْسِيرِ الْحَسَنَةِ. فَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: الْحَسَنَةُ فِي الدُّنْيَا تَشْمَلُ كُلَّ مَطْلُوبٍ دُنْيَوِيٍّ مِنْ عَافِيَةٍ وَدَارٍ رَحْبَةٍ، وَزَوْجَةٍ حَسْنَاءَ وَوَلَدٍ بَارٍّ، وَرِزْقٍ وَاسِعٍ وَعِلْمٍ نَافِعٍ وَعَمَلٍ صَالِحٍ وَمَرْكَبٍ هَنِيٍّ وَثِيَابٍ جَمِيلَةٍ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا شَمِلَتْهُ عِبَارَاتُهُمْ، فَإِنَّهَا مُنْدَرِجَةٌ فِي حَسَنَاتِ الدُّنْيَا؛ فَأَمَّا الْحَسَنَةُ فِي الْآخِرَةِ فَأَعْلَاهَا دُخُولُ الْجَنَّةِ وَتَوَابِعِهِ مِنْ الْأَمْنِ. وَأَمَّا الْوِقَايَةُ مِنْ النَّارِ فَهِيَ تَقْتَضِي تَيْسِيرَ أَسْبَابِهِ فِي الدُّنْيَا مِنْ اجْتِنَابِ الْمَحَارِمِ وَتَرْكِ الشُّبُهَاتِ أَوْ الْعَفْوِ مَحْضًا، وَمُرَادُهُ بِقَوْلِهِ وَتَوَابِعِهِ مَا يَلْحَقُ بِهِ فِي الذِّكْرِ لَا مَا يَتَعَقَّبُهُ حَقِيقَةً.

ص: 714

«اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي وَجَهْلِي، وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي جِدِّي وَهَزْلِي، وَخَطَئِي وَعَمْدِي، وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْت وَمَا أَخَّرَتْ، وَمَا أَسْرَرْت، وَمَا أَعْلَنْت، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ، وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

1473 -

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِي الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي، وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَّتِي فِيهَا مَعَاشِي، وَأَصْلِحْ لِي آخِرَتِي الَّتِي إلَيْهَا مَعَادِي، وَاجْعَلْ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لِي فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلْ الْمَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرٍّ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.

(وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَدْعُو «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي وَجَهْلِي وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي جِدِّي وَهَزْلِي وَخَطَئِي وَعَمْدِي وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْت وَمَا أَخَّرْت وَمَا أَسْرَرْت وَمَا أَعْلَنْت وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) الْخَطِيئَةُ الذَّنْبُ. وَالْجَهْلُ ضِدُّ الْعِلْمِ. وَالْإِسْرَافُ: مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ فِي كُلِّ شَيْءٍ. وَقَوْلُهُ فِي (أَمْرِي) يَحْتَمِلُ تَعَلَّقَهُ بِكُلِّ مَا تَقَدَّمَ أَوْ بِقَوْلِهِ إسْرَافِي فَقَطْ. وَالْجِدُّ بِكَسْرِ الْجِيمِ ضِدُّ الْهَزْلِ. وَقَوْلُهُ (خَطَئِي وَعَمْدِي) مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ إذْ الْخَطِيئَةُ تَكُونُ عَنْ هَزْلٍ وَعَنْ جَدٍّ وَتَكْرِيرُ ذَلِكَ لِتَعَدُّدِ الْأَنْوَاعِ الَّتِي تَقَعُ مِنْ الْإِنْسَانِ مِنْ الْمُخَالَفَاتِ وَالِاعْتِرَافُ بِهَا وَإِظْهَارُ أَنَّ النَّفْسَ غَيْرُ مُبَرَّأَةٍ مِنْ الْعُيُوبِ إلَّا مَا رَحِمَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ. وَقَوْلُهُ (وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي) خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أَيْ مَوْجُودٌ. وَمَعْنَى (أَنْتَ الْمُقَدِّمُ) أَيْ تُقَدِّمُ مَنْ تَشَاءُ مِنْ خَلْقِك فَيَتَّصِفُ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ وَيَتَحَقَّقُ بِحَقَائِقِ الْعُبُودِيَّةِ بِتَوْفِيقِك وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ لِمَنْ تَشَاءُ مِنْ عِبَادِك بِخِذْلَانِك وَتَبْعِيدِك لَهُ عَنْ دَرَجَاتِ الْخَيْرِ قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَقَعَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُولُهُ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ وَتَقَدَّمَ بَيَانُهُ وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ عليه السلام أَنَّهُ كَانَ يَقُولُهُ بَعْدَ الصَّلَاةِ. وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَاتُ هَلْ كَانَ يَقُولُهُ بَعْدَ السَّلَامِ أَوْ قَبْلَهُ؟ فَفِي مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما " أَنَّهُ كَانَ يَقُولُهُ بَيْنَ التَّشَهُّدِ وَالسَّلَامِ " وَأَوْرَدَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِلَفْظِ " كَانَ إذَا فَرَغَ مِنْ الصَّلَاةِ " وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ بَعْدَ السَّلَامِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُهُ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ.

(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ اللَّهُمَّ أَصْلِحْ

ص: 715

1474 -

وَعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: اللَّهُمَّ انْفَعْنِي بِمَا عَلَّمْتنِي، وَعَلِّمْنِي مَا يَنْفَعُنِي، وَارْزُقْنِي عِلْمًا يَنْفَعُنِي» رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالْحَاكِمُ

1475 -

وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه نَحْوُهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ:«وَزِدْنِي عِلْمًا، الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَأَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ حَالِ أَهْلِ النَّارِ» وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ.

1476 -

وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَلَّمَهَا هَذَا الدُّعَاءَ «اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك مِنْ الْخَيْرِ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ، مَا عَلِمْت مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ، وَأَعُوذُ بِك مِنْ الشَّرِّ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ، مَا عَلِمْت مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ، اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك مِنْ خَيْرِ مَا سَأَلَك عَبْدُك وَنَبِيُّك، وَأَعُوذُ بِك مِنْ شَرِّ مَا عَاذَ مِنْهُ عَبْدُك وَنَبِيُّك اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك الْجَنَّةَ، وَمَا قَرَّبَ إلَيْهَا

لِي دِينِي الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي. وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَّتِي فِيهَا مَعَاشِي. وَأَصْلِحْ لِي آخِرَتِي الَّتِي إلَيْهَا مَعَادِي. وَاجْعَلْ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لِي فِي كُلِّ خَيْرٍ. وَاجْعَلْ الْمَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرٍّ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ) تَضَمَّنَ الدُّعَاءُ بِخَيْرِ الدَّارَيْنِ وَلَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ الدُّعَاءِ بِالْمَوْتِ بَلْ إنَّمَا دَلَّ عَلَى سُؤَالِ أَنْ يَجْعَلَ الْمَوْتَ فِي قَضَائِهِ عَلَيْهِ وَنُزُولِهِ بِهِ رَاحَةً مِنْ شُرُورِ الدُّنْيَا وَمِنْ شُرُورِ الْقَبْرِ لِعُمُومِ كُلِّ شَرٍّ أَيْ مِنْ كُلِّ شَرٍّ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ.

(وَعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «اللَّهُمَّ انْفَعْنِي بِمَا عَلَّمْتنِي وَعَلِّمْنِي مَا يَنْفَعُنِي وَارْزُقْنِي عِلْمًا يَنْفَعُنِي» رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالْحَاكِمُ). (وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه نَحْوُهُ وَقَالَ فِي آخِرِهِ: «وَزِدْنِي عِلْمًا، الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَأَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ حَالِ أَهْلِ النَّارِ» وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ) فِيهِ أَنَّهُ لَا يَطْلُبُ مِنْ الْعِلْمِ إلَّا النَّافِعَ وَالنَّافِعُ مَا يَتَعَلَّقُ بِأَمْرِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا فِيمَا يَعُودُ فِيهَا عَلَى نَفْعِ الدِّينِ وَإِلَّا فَمَا عَدَا هَذَا الْعِلْمِ فَإِنَّهُ مِمَّنْ قَالَ اللَّهُ فِيهِ: {وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ} أَيْ فِي أَمْرِ الدِّينِ فَإِنَّهُ نَفَى النَّفْعَ عَنْ عِلْمِ السِّحْرِ لِعَدَمِ نَفْعِهِ فِي الْآخِرَةِ بَلْ لِأَنَّهُ ضَارٌّ فِيهَا وَقَدْ يَنْفَعُهُمْ فِي الدُّنْيَا لَكِنَّهُ لَمْ يَعُدَّهُ نَفْعًا.

ص: 716

مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ، وَأَعُوذُ بِك مِنْ النَّارِ، وَمَا قَرَّبَ إلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ، وَأَسْأَلُك أَنْ تَجْعَلَ كُلَّ قَضَاءٍ قَضَيْته لِي خَيْرًا» أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ

1477 -

وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «كَلِمَتَانِ حَبِيبَتَانِ إلَى الرَّحْمَنِ، خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ» .

(وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَلَّمَهَا هَذَا الدُّعَاءَ «اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك مِنْ الْخَيْرِ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ مَا عَلِمْت مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ، وَأَعُوذُ بِك مِنْ الشَّرِّ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ مَا عَلِمْت مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ. اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك مِنْ خَيْرِ مَا سَأَلَك عَبْدُك وَنَبِيُّك، وَأَعُوذُ بِك مِنْ شَرِّ مَا عَاذَ بِهِ عَبْدُك وَنَبِيُّك اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك الْجَنَّةَ وَمَا قَرَّبَ إلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ، وَأَعُوذُ بِك مِنْ النَّارِ وَمَا قَرَّبَ إلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ وَأَسْأَلُك أَنْ تَجْعَلَ كُلَّ قَضَاءٍ قَضَيْته لِي خَيْرًا» أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ) الْحَدِيثُ تَضَمَّنَ الدُّعَاءَ بِخَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَالِاسْتِعَاذَةَ مِنْ شَرِّهِمَا وَسُؤَالَ الْجَنَّةِ وَأَعْمَالِهَا وَسُؤَالَ أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ كُلَّ قَضَاءٍ خَيْرًا، وَكَأَنَّ الْمُرَادَ سُؤَالُ اعْتِقَادِ الْعَبْدِ أَنَّ كُلَّ مَا أَصَابَهُ خَيْرٌ، وَإِلَّا فَإِنَّ كُلَّ قَضَاءٍ قَضَى اللَّهُ بِهِ خَيْرٌ وَإِنْ رَآهُ الْعَبْدُ شَرًّا فِي الصُّورَةِ. وَفِيهِ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ تَعْلِيمُ أَهْلِهِ أَحْسَنَ الْأَدْعِيَةِ؛ لِأَنَّ كُلَّ خَيْرٍ يَنَالُونَهُ فَهُوَ لَهُ، وَكُلَّ شَرٍّ يُصِيبُهُمْ فَهُوَ مَضَرَّةٌ عَلَيْهِ.

(وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «كَلِمَتَانِ حَبِيبَتَانِ إلَى الرَّحْمَنِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ» هَذَا آخِرُ حَدِيثٍ خَتَمَ بِهِ الْبُخَارِيُّ صَحِيحَهُ وَتَبِعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ فِي خَتْمِ تَصَانِيفِهِمْ فِي الْحَدِيثِ. وَالْمُرَادُ مِنْ الْكَلِمَتَيْنِ الْكَلَامُ نَحْوُ كَلِمَةِ الشَّهَادَةِ وَهُوَ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وَقَوْلُهُ (سُبْحَانَ اللَّهِ إلَخْ) مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ وَصَحَّ الِابْتِدَاءُ بِهِ وَإِنْ كَانَ جُمْلَةً؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى هَذَا اللَّفْظِ، وَإِنَّمَا قَدَّمَ الْخَبَرَ تَشْوِيقًا لِلسَّامِعِ إلَى الْمُبْتَدَأِ سِيَّمَا بَعْدَ مَا ذَكَرَ مِنْ الْأَوْصَافِ.

وَالْحَبِيبَةُ بِمَعْنَى الْمَحْبُوبَةِ أَيْ مَحْبُوبَتَانِ لَهُ تَعَالَى وَالْحَقِيقَةُ فَعِيلَةٌ بِمَعْنَى فَاعِلَةٍ وَالثَّقِيلَةُ فَعَيْلَةٌ بِمَعْنَى فَاعِلَةٍ أَيْضًا؛ قَالَ الطِّيبِيُّ: الْخِفَّةُ مُسْتَعَارَةٌ لِلسُّهُولَةِ شَبَّهَ سُهُولَةَ جَرَيَانِهَا عَلَى اللِّسَانِ بِمَا خَفَّ عَلَى الْحَامِلِ مِنْ بَعْضِ الْأَمْتِعَةِ فَلَا يُتْعِبُهُ كَالشَّيْءِ الثَّقِيلِ. وَإِشَارَةً إلَى أَنَّ سَائِرَ التَّكَالِيفِ شَاقَّةٌ عَلَى النَّفْسِ ثَقِيلَةٌ وَهَذِهِ سَهْلَةٌ عَلَيْهَا، مَعَ أَنَّهَا تَثْقُلُ فِي الْمِيزَانِ كَثِقَلِ الشَّاقِّ مِنْ الْأَعْمَالِ. وَقَدْ سُئِلَ بَعْضُ السَّلَفِ عَنْ سَبَبِ ثِقَلِ الْحَسَنَةِ وَخِفَّةِ السَّيِّئَةِ فَقَالَ: لِأَنَّ الْحَسَنَةَ حَضَرَتْ مَرَارَتُهَا

ص: 717

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

وَغَابَتْ حَلَاوَتُهَا فَثَقُلَتْ فَلَا يَحْمِلَنَّكَ ثِقَلُهَا عَلَى تَرْكِهَا، وَالسَّيِّئَةُ حَضَرَتْ حَلَاوَتُهَا وَغَابَتْ مَرَارَتُهَا فَلِذَلِكَ خَفَّتْ فَلَا تَحْمِلَنَّكَ خِفَّتُهَا عَلَى ارْتِكَابِهَا. وَالْحَدِيثُ مِنْ الْأَدِلَّةِ عَلَى ثُبُوتِ الْمِيزَانِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمَوْزُونِ فَقِيلَ الصُّحُفُ؛ لِأَنَّ الْأَعْمَالَ أَعْرَاضٌ فَلَا تُوصَفُ بِثِقَلٍ وَلَا خِفَّةٍ وَلِحَدِيثِ السِّجِلَّاتِ وَالْبِطَاقَةِ. وَذَهَبَ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْمُحَقِّقُونَ إلَى أَنَّ الْمَوْزُونَ نَفْسُ الْأَعْمَالِ وَأَنَّهَا تُجَسَّدُ فِي الْآخِرَةِ، وَيَدُلُّ لَهُ حَدِيثُ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «تُوضَعُ الْمَوَازِينُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَتُوزَنُ الْحَسَنَاتُ وَالسَّيِّئَاتُ فَمَنْ ثَقُلَتْ حَسَنَاتُهُ عَلَى سَيِّئَاتِهِ مِثْقَالَ حَبَّةٍ دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ ثَقُلَتْ سَيِّئَاتُهُ عَلَى حَسَنَاتِهِ مِثْقَالَ حَبَّةٍ دَخَلَ النَّارَ قِيلَ لَهُ: فَمَنْ اسْتَوَتْ حَسَنَاتُهُ وَسَيِّئَاتُهُ قَالَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ» أَخْرَجَهُ خَيْثَمَةُ فِي فَوَائِدِهِ وَعِنْدَ ابْنِ الْمُبَارَكِ فِي الزُّهْدِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوُهُ مَرْفُوعًا. وَالْأَحَادِيثُ ظَاهِرَةٌ فِي أَنَّ أَعْمَالَ بَنِي آدَمَ تُوزَنُ وَأَنَّهُ عَامٌّ لِجَمِيعِهِمْ وَقَالَ بَعْضُهُمْ إنَّهُ يَخُصُّ الْمُؤْمِنَ الَّذِي لَا سَيِّئَةَ لَهُ وَلَهُ حَسَنَاتٌ كَثِيرَةٌ زَائِدَةٌ عَلَى مَحْضِ الْإِيمَانِ فَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ السَّبْعِينَ الْأَلْفَ. وَيَخُصُّ مِنْهُ الْكَافِرَ الَّذِي لَا حَسَنَةَ لَهُ وَلَا ذَنْبَ لَهُ غَيْرَ الْكُفْرِ فَإِنَّهُ يَقَعُ فِي النَّارِ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلَا مِيزَانٍ نَقَلَ الْقُرْطُبِيُّ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ قَالَ: الْكَافِرُ مُطْلَقًا لَا ثَوَابَ لَهُ وَلَا تُوضَعُ حَسَنَتُهُ فِي الْمِيزَانِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا} وَلِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الصَّحِيحِ «الْكَافِرُ لَا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ» (وَأُجِيبَ) بِأَنَّ هَذَا مَجَازٌ عَنْ حَقَارَةِ قَدْرِهِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ عَدَمُ الْوَزْنِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْكَافِرَ تُوزَنُ أَعْمَالُهُ أَلَا إنَّهُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ كُفْرَهُ يُوضَعُ فِي كِفَّةٍ وَلَا يَجِدُ حَسَنَةً يَضَعُهَا فِي الْأُخْرَى لِبُطْلَانِ الْحَسَنَاتِ مَعَ الْكُفْرِ فَتَطِيشُ الَّتِي لَا شَيْءَ فِيهَا (قَالَ) الْقُرْطُبِيُّ: وَهَذَا لِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى: {وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ} فَإِنَّهُ وَصَفَ الْمِيزَانَ بِالْخِفَّةِ.

وَالثَّانِي أَنَّهُ قَدْ يَقَعُ مِنْهُ الْعِتْقُ وَالْبِرُّ وَالصِّلَةُ وَسَائِرُ أَنْوَاعِ الْخَيْرِ الْمَالِيَّةِ مِمَّا لَوْ فَعَلَهَا الْمُسْلِمُ لَكَانَتْ لَهُ حَسَنَاتٌ فَمَنْ كَانَتْ لَهُ جُمِعَتْ وَوُضِعَتْ فِي الْمِيزَانِ غَيْرَ أَنَّ الْكُفْرَ إذَا قَابَلَهَا رَجَحَ بِهَا. وَيُحْتَمَلُ أَنَّ هَذِهِ الْأَعْمَالَ تُوَازِنُ مَا يَقَعُ مِنْهُ مِنْ الْأَعْمَالِ السَّيِّئَةِ كَظُلْمِ غَيْرِهِ وَأَخْذِ مَالِهِ وَقَطْعِ الطَّرِيقِ فَإِنْ سَاوَتْهَا عُذِّبَ بِالْكُفْرِ وَإِنْ زَادَتْ عُذِّبَ بِمَا كَانَ زَائِدًا عَلَى الْكُفْرِ مِنْهُ وَإِنْ زَادَتْ أَعْمَالُ الْخَيْرِ مَعَهُ طَاحَ عِقَابُ سَائِرِ الْمَعَاصِي وَبَقِيَ عِقَابُ الْكُفْرِ كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ. اللَّهُمَّ ثَقِّلْ مَوَازِينَ حَسَنَاتِنَا إذَا وُزِنَتْ، وَخَفِّفْ مَوَازِينَ سَيِّئَاتِنَا إذَا فِي كِفَّةِ الْمِيزَانِ وُضِعَتْ. وَاجْعَلْ سِجِلَّاتِ ذُنُوبِنَا عِنْدَ بِطَاقَةِ تَوْحِيدِنَا طَائِشَةً مِنْ كِفَّةِ الْمِيزَانِ وَوَفِّقْنَا بِجَعْلِ

ص: 718

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ عِنْدَ الْمَمَاتِ آخِرَ مَا يَنْطِقُ بِهِ اللِّسَانُ.

قَدْ انْتَهَى بِحَمْدِ وَلِيِّ الْإِنْعَامِ مَا قَصَدْنَاهُ مِنْ شَرْحِ بُلُوغِ الْمَرَامِ (سُبُلِ السَّلَامِ) نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَهُ مِنْ مُوجِبَاتِ دُخُولِ دَارِ السَّلَامِ، وَأَنْ يَتَجَاوَزَ عَمَّا ارْتَكَبْنَاهُ مِنْ الْخَطَايَا وَالْآثَامِ، وَأَنْ يَجْعَلَ فِي كِفَّاتِ الْحَسَنَاتِ مَا جَرَتْ بِهِ فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ الْأَقْلَامُ، وَأَنْ يَنْفَعَ بِهِ الْأَنَامَ إنَّهُ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ. وَالْمَوْلَى لِعِبَادِهِ مِنْ أَفْضَالِهِ كُلَّ مَرَامٍ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا لَا يَفْنَى مَا بَقِيَتْ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامُ. وَلَا يَزُولُ إنْ زَالَ دَوَرَانُ الشُّهُورِ وَالْأَعْوَامِ. وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِهِ الْكَاشِفِ بِأَنْوَارِ الْوَحْيِ كُلَّ ظَلَامٍ وَعَلَى آلِهِ الْعُلَمَاءِ الْأَعْلَامِ. وَأَصْحَابِهِ الْكِرَامِ، وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ. وَافَقَ الْفَرَاغُ مِنْهُ فِي صَبَاحِ الْأَرْبِعَاءِ لَيْلَةَ السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخَرَ سَنَةَ 1164 خَتَمَهَا اللَّهُ تَعَالَى بِخَيْرٍ، وَمَا بَعْدَهَا مِنْ الْأَعْوَامِ ا. هـ.

ص: 719

(نخبة الفكر وتعليقات من الشرح، ملحقة من الطابع)

‌مَتْنُ نُخْبَةِ الْفِكْرِ فِي مُصْطَلَحِ أَهْلِ الْأَثَرِ

مَعَ بَعْضِ تَعْلِيقَاتٍ عَلَيْهِ مِنْ الشَّرْحِ

(1)

كِلَاهُمَا لِلْحَافِظِ بْنِ حَجَرٍ الْمُتَوَفَّى سَنَةَ 852

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَزَلْ عَالِمًا قَدِيرًا وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ الَّذِي أَرْسَلَهُ إلَى النَّاسِ كَافَّةً بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. " أَمَّا بَعْدُ " فَإِنَّ التَّصَانِيفَ فِي اصْطِلَاحِ أَهْلِ الْحَدِيثِ قَدْ كَثُرَتْ وَبُسِطَتْ وَاخْتُصِرَتْ فَسَأَلَنِي بَعْضُ الْإِخْوَانِ أَنْ أُلَخِّصَ لَهُ الْمُهِمَّ مِنْ ذَلِكَ. فَأَجَبْته إلَى سُؤَالِهِ رَجَاءَ الِانْدِرَاجِ فِي تِلْكَ الْمَسَالِكِ فَأَقُولُ:

الْخَبَرُ (الْحَدِيثُ) إمَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ طُرُقٌ (أَسَانِيدُ) بِلَا عَدَدٍ مُعَيَّنٍ أَوْ مَعَ حَصْرٍ بِمَا فَوْقَ الِاثْنَيْنِ، أَوْ بِهِمَا أَوْ بِوَاحِدَةٍ. فَالْأَوَّلُ (الْمُتَوَاتِرُ) الْمُفِيدُ لِلْعِلْمِ الْيَقِينِيِّ بِشُرُوطِهِ (وَهِيَ عَدَدٌ كَثِيرٌ أَحَالَتْ الْعَادَةُ تَوَاطُؤَهُمْ عَلَى الْكَذِبِ رَوَوْا ذَلِكَ عَنْ مِثْلِهِمْ مِنْ الِابْتِدَاءِ إلَى الِانْتِهَاءِ وَكَانَ مُسْتَنَدُ انْتِهَائِهِمْ الْحَسَنُ، وَانْضَافَ إلَى ذَلِكَ أَنْ يَصْحَبَ خَبَرَهُمْ إفَادَةُ الْعِلْمِ لِسَامِعِهِ) وَالثَّانِي (الْمَشْهُورُ) وَهُوَ الْمُسْتَفِيضُ عَلَى رَأْيٍ (وَيُطْلَقُ الْمَشْهُورُ عَلَى مَا اُشْتُهِرَ عَلَى الْأَلْسِنَةِ) وَالثَّالِثُ (الْعَزِيزُ) وَلَيْسَ شَرْطًا لِلصَّحِيحِ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَهُ. وَالرَّابِعُ (الْغَرِيبُ) وَسِوَى الْأَوَّلِ آحَادٌ. وَفِيهَا الْمَقْبُولُ (وَهُوَ مَا يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ) وَفِيهَا الْمَرْدُودُ لِتَوَقُّفِ الِاسْتِدْلَالِ بِهَا عَلَى الْبَحْثِ عَنْ أَحْوَالِ رُوَاتِهَا، دُونَ الْأَوَّلِ.

وَقَدْ يَقَعُ فِيهَا مَا يُفِيدُ الْعِلْمَ النَّظَرِيَّ بِالْقَرَائِنِ عَلَى الْمُخْتَارِ (كَأَنْ يُخْرِجَ الْخَبَرَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحِهِمَا أَوْ يَكُونَ مَشْهُورًا وَلَهُ طُرُقٌ مُتَبَايِنَةٌ، سَالِمَةٌ مِنْ ضَعْفِ الرُّوَاةِ وَالْعِلَلِ أَوْ يَكُونَ مُسَلْسَلًا بِالْأَئِمَّةِ الْحُفَّاظِ الْمُتْقِنِينَ حَيْثُ لَا يَكُونُ غَرِيبًا) ثُمَّ الْغَرَابَةُ إمَّا أَنْ

(1)

ما كان داخل هذين القوسين فهو من الشرح، وما عداه من المتن

تعليق الشاملة: الذي ألحق هذا المتن وانتخب التعليقات عليه من الشرح هو محمد عبد العزيز الخولي رحمه الله المعتني بطبعة الحلبي لـ «سبل السلام» ، وقد تابعته هذه الطبعة (ط دار الحديث) على ذلك

ص: 721

(نخبة الفكر وتعليقات من الشرح، ملحقة من الطابع)

تَكُونَ فِي أَصْلِ السَّنَدِ (طَرَفُهُ الَّذِي فِيهِ الصَّحَابِيُّ مِنْ أَوَّلِ التَّابِعِيِّ) أَوَّلًا فَالْأَوَّلَ (الْفَرْدُ الْمُطْلَقُ) وَالثَّانِي (الْفَرْدُ النِّسْبِيُّ) وَيَقِلُّ إطْلَاقُ الْفَرْدِيَّةِ عَلَيْهِ (كَمَا أَنَّ أَكْثَرَ مَا يُطْلِقُونَ الْغَرِيبَ عَلَى الْفَرْدِ النِّسْبِيِّ) وَخَبَرُ الْآحَادِ بِنَقْلِ عَدْلٍ تَامِّ الضَّبْطِ مُتَّصِلِ مُسْنَدٍ غَيْرِ مُعَلَّلٍ وَلَا شَاذٍّ وَهُوَ

(الصَّحِيحُ لِذَاتِهِ) وَالْمُرَادُ " بِالْعَدْلِ " مَنْ لَهُ مَلَكَةُ تَحْمِلُهُ عَلَى مُلَازَمَةِ التَّقْوَى وَالْمُرُوءَةِ وَالْمُرَادُ " بِالتَّقْوَى " اجْتِنَابُ الْأَعْمَالِ السَّيِّئَةِ مِنْ شِرْكٍ أَوْ فِسْقٍ أَوْ بِدْعَةٍ " وَالضَّبْطُ " ضَبْطُ صَدْرٍ وَهُوَ أَنْ يُثْبِتَ مَا سَمِعَهُ بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ مِنْ اسْتِحْضَارِهِ مَتَى شَاءَ وَضَبْطُ كِتَابٍ وَهُوَ صِيَانَتُهُ لَدَيْهِ مُنْذُ سَمِعَ فِيهِ وَصَحَّحَهُ، إلَى أَنْ يُؤَدِّيَ مِنْهُ وَقَيَّدَ بِالتَّامِّ إشَارَةً إلَى الْمَرْتَبَةِ الْعُلْيَا فِي ذَلِكَ " وَالْمُتَّصِلُ " مَا سَلِمَ إسْنَادُهُ مِنْ سُقُوطٍ فِيهِ بِحَيْثُ يَكُونُ كُلٌّ مِنْ رِجَالِهِ سَمِعَ ذَلِكَ الْمَرْوِيَّ مِنْ شَيْخِهِ " وَالْمُعَلَّلُ " مَا فِيهِ عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ قَادِحَةٌ " وَالشَّاذُّ " مَا يُخَالِفُ فِيهِ الرَّاوِيَ مَنْ هُوَ أَرْجَحُ مِنْهُ (وَتَتَفَاوَتُ رُتَبُهُ بِسَبَبِ تَفَاوُتِ هَذِهِ الْأَوْصَافِ وَمِنْ ثَمَّ قُدِّمَ صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ ثُمَّ مُسْلِمٍ ثُمَّ شَرْطُهُمَا (الْمُرَادُ بِهِ رُوَاتُهُمَا مَعَ بَاقِي شُرُوطِ الصَّحِيحِ) فَإِنْ خَفَّ الضَّبْطُ (مَعَ بَقِيَّةِ الشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي الصَّحِيحِ)(فَالْحَسَنُ لِذَاتِهِ) وَبِكَثْرَةِ الطُّرُقِ يُصَحَّحُ (فَيُسَمَّى الصَّحِيحُ لِغَيْرِهِ) فَإِنْ جُمِعَا (كَقَوْلِ التِّرْمِذِيِّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) فَلِلتَّرَدُّدِ فِي النَّاقِلِ حَيْثُ التَّفَرُّدُ، وَإِلَّا فَبِاعْتِبَارِ إسْنَادَيْنِ، وَزِيَادَةُ رَاوِيهِمَا) أَيْ الصَّحِيحِ وَالْحَسَنِ) مَقْبُولَةٌ مَا لَمْ تَقَعْ مُنَافِيَةً لِ (رِوَايَةِ) مَنْ هُوَ أَوْثَقُ، فَإِنْ خُولِفَ بِأَرْجَحَ فَالرَّاجِحُ (الْمَحْفُوظُ) وَمُقَابِلُهُ (الشَّاذِّ) وَ (إنْ وَقَعَ الْمُخَالَفَةُ لَهُ) مَعَ الضَّعْفِ فَالرَّاجِحُ (الْمَعْرُوفُ) وَمُقَابِلُهُ:(الْمُنْكَرُ) وَالْفَرْدُ النِّسْبِيُّ إنْ وَافَقَهُ غَيْرُهُ فَهُوَ (الْمُتَابِعُ)(وَالْمُتَابَعَةُ بِكَوْنِهَا مِنْ رِوَايَةِ ذَلِكَ الصَّحَابِيِّ) وَإِنْ وُجِدَ مَتْنٌ (يُرْوَى مِنْ حَدِيثِ صَحَابِيٍّ آخَرَ) يُشْبِهُهُ فَهُوَ (الشَّاهِدُ) وَتَتْبَعُ الطُّرُقَ (وَمِنْ الْجَوَامِعِ وَالْمَسَانِيدِ وَالْأَجْزَاءِ) لِذَلِكَ (الْحَدِيثِ الَّذِي يُظَنُّ أَنَّهُ فَرْدٌ) هُوَ (الِاعْتِبَارُ).

ثُمَّ الْمَقْبُولُ إنْ سَلِمَ مِنْ الْمُعَارَضَةِ فَهُوَ الْمُحْكَمُ وَإِنْ عُورِضَ بِمِثْلِهِ فَإِنْ أَمْكَنَ الْجَمْعُ (غَيْرُ تَعَسُّفٍ) فَهُوَ (مُخْتَلِفُ الْحَدِيثِ)(وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْجَمْعُ) وَثَبَتَ الْمُتَأَخِّرُ (عُرِفَ بِالتَّارِيخِ)(فَهُوَ النَّاسِخُ) وَالْآخَرُ الْمَنْسُوخُ، وَإِلَّا فَالتَّرْجِيحُ ثُمَّ التَّوَقُّفُ. ثُمَّ الْمَرْدُودُ إمَّا أَنْ يَكُونَ لِسَقْطٍ (مِنْ إسْنَادٍ) أَوْ طَعْنٍ (فِي رَاوٍ). فَالسَّقْطُ: إمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ مَبَادِئِ السَّنَدِ مِنْ (تَصَرُّفِ) مُصَنِّفٍ أَوْ مِنْ آخِرِهِ بَعْدَ التَّابِعِيِّ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. فَالْأَوَّلُ: (الْمُعَلَّقُ) قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: إنْ وَقَعَ الْحَذْفُ فِي كُتُبٍ الْتَزَمَتْ صِحَّتَهُ كَالْبُخَارِيِّ، فَمَا أَتَى فِيهِ بِالْجَزْمِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ ثَبَتَ إسْنَادُهُ عِنْدَهُ وَإِنَّمَا حُذِفَ لِغَرَضٍ

ص: 722

(نخبة الفكر وتعليقات من الشرح، ملحقة من الطابع)

مِنْ الْأَغْرَاضِ وَمَا أَتَى فِيهِ بِغَيْرِ الْجَزْمِ فَفِيهِ مَقَالٌ وَالثَّانِي (الْمُرْسَلُ) وَالثَّالِثُ إنْ كَانَ بِاثْنَيْنِ فَصَاعِدًا مَعَ التَّوَالِي فَهُوَ (الْمُعْضَلُ) وَإِلَّا (فَالْمُنْقَطِعُ) ثُمَّ (إنَّ السَّقْطَ مِنْ الْإِسْنَادِ قَدْ يَكُونُ وَاضِحًا أَوْ خَفِيًّا فَالْأَوَّلُ يُدْرَكُ بِعَدَمِ التَّلَاقِي وَمِنْ ثَمَّ اُحْتِيجَ إلَى التَّارِيخِ، وَالثَّانِي (الْمُدَلَّسُ)(سُمِّيَ بِذَلِكَ لِكَوْنِ الرَّاوِي لَمْ يُسَمِّ مَنْ حَدَّثَهُ وَأَوْهَمَ سَمَاعَهُ لِلْحَدِيثِ مِمَّنْ لَمْ يُحَدِّثْهُ بِهِ) وَيَرِدُ بِصِيغَةٍ (تَحْتَمِلُ وُقُوعَ) اللُّقَى كَعَنْ وَقَالَ (فَإِنْ وَقَعَ بِصِيغَةٍ صَرِيحَةٍ لَا تَجُوزُ فِيهَا كَانَ كَذِبًا) وَكَذَلِكَ (الْمُرْسَلُ الْخَفِيُّ) مِنْ مُعَاصِرٍ لَمْ يُلْقَ (فَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمُدَلَّسِ وَالْمُرْسَلِ الْخَفِيِّ أَنَّ التَّدْلِيسَ يَخْتَصُّ بِمَنْ رُوِيَ عَمَّنْ عُرِفَ لِقَاؤُهُ إيَّاهُ فَأَمَّا إنْ عَاصَرَهُ وَلَمْ يَعْرِفْ أَنَّهُ لَقِيَهُ فَهُوَ الْمُرْسَلُ الْخَفِيُّ).

ثُمَّ الطَّعْنُ، إمَّا أَنْ يَكُونَ (لِكَذِبِ) الرَّاوِي أَوْ (لِتُهْمَتِهِ) بِذَلِكَ أَوْ (فُحْشِ) غَلَطِهِ أَوْ (غَفْلَتِهِ) (عَنْ الْإِتْقَانِ) أَوْ (فِسْقِهِ) أَوْ (وَهْمِهِ) (بِأَنْ يُرْوَى عَلَى سَبِيلِ التَّوَهُّمِ) أَوْ (مُخَالَفَتِهِ) (لِلثِّقَاتِ) أَوْ (جَهَالَتِهِ) أَوْ (بِدْعَتِهِ) أَوْ (سُوءِ) حِفْظِهِ (بِأَنْ يَكُونَ لَيْسَ غَلَطُهُ أَقَلَّ مِنْ إصَابَتِهِ) فَالْأَوَّلُ (الْمَوْضُوعُ) وَالثَّانِي (الْمَتْرُوكُ) وَالثَّالِثُ (الْمُنْكَرُ) عَلَى رَأْيِ (مَنْ لَا يَشْتَرِطُ فِي الْمُنْكَرِ قَيْدَ الْمُخَالَفَةِ) وَكَذَا الرَّابِعُ وَالْخَامِسُ:

ثُمَّ الْوَهْمُ إنْ اطَّلَعَ عَلَيْهِ بِالْقَرَائِنِ وَجَمْعِ الطُّرُقِ فَهُوَ (الْمُعَلَّلُ) ثُمَّ الْمُخَالَفَةُ إنْ كَانَتْ بِتَغَيُّرِ السِّيَاقِ (سِيَاقِ الْإِسْنَادِ)(فَمُدْرَجُ الْإِسْنَادِ) أَوْ بِدَمْجٍ مَوْقُوفٍ بِمَرْفُوعٍ (فَمُدْرَجُ الْمَتْنِ) أَوْ بِتَقْدِيمٍ وَتَأْخِيرٍ (فِي الْأَسْمَاءِ كَمُرَّةَ بْنِ كَعْبٍ وَكَعْبِ بْنِ مُرَّةَ)(فَالْمَقْلُوبُ) أَوْ بِزِيَادَةِ وَاوٍ (فَالْمَزِيدُ فِي مُتَّصِلِ الْأَسَانِيدِ) أَوْ بِإِبْدَالِهِ وَلَا مَرْجِعَ (فَالْمُضْطَرِبُ) وَقَدْ يَقَعُ الْإِبْدَالُ عَمْدًا امْتِحَانًا أَوْ بِتَغْيِيرِ حُرُوفٍ مَعَ بَقَاءِ (صُورَةِ الْخَطِّ فِي) السِّيَاقِ (فَالْمُصَحَّفُ)(فِي النَّقْطِ)(وَالْمُحَرَّفُ)(فِي الشَّكْلِ) وَلَا يَجُوزُ تَعَمُّدُ تَغْيِيرِ الْمَتْنِ بِالنَّقْصِ وَالْمُرَادِفِ إلَّا لِعَالِمٍ بِمَا يُحِيلُ الْمَعَانِيَ وَمِنْ ثَمَّ اُحْتِيجَ إلَى شَرْحِ الْغَرِيبِ وَبَيَانِ الْمُشْكِلِ مِنْهَا ثُمَّ الْجَهَالَةُ وَسَبَبُهَا أَنَّ الرَّاوِيَ قَدْ تَكْثُرُ نُعُوتُهُ (مِنْ اسْمٍ أَوْ كُنْيَةٍ أَوْ لَقَبٍ أَوْ حِرْفَةٍ إلَخْ (فَيُذْكَرُ بِغَيْرِ مَا اُشْتُهِرَ بِهِ لِغَرَضٍ - وَصَنَّفُوا فِيهِ (الْمُوضِحُ) وَقَدْ يَكُونُ مُقِلًّا فَلَا يَكْثُرُ الْأَخْذُ عَنْهُ وَصَنَّفُوا فِيهِ (الْوُحْدَانَ)(وَهُوَ مَنْ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ إلَّا وَاحِدٌ) أَوْ لَا يُسَمَّى اخْتِصَارًا وَصَنَّفُوا فِيهِ (الْمُبْهَمَاتُ)

. وَلَا يُقْبَلُ (حَدِيثُ) الْمُبْهَمِ وَلَوْ أُبْهِمَ بِلَفْظِ التَّعْدِيلِ عَلَى الْأَصَحِّ فَإِنْ سُمِّيَ وَانْفَرَدَ وَاحِدٌ عَنْهُ (فَمَجْهُولُ الْعَيْنِ) أَوْ اثْنَانِ فَصَاعِدًا أَوْ لَمْ يُوَثَّقْ فَمَجْهُولُ الْحَالِ وَهُوَ (الْمَسْتُورُ) ثُمَّ (الْبِدْعَةُ) إمَّا بِمُكَفِّرٍ أَوْ بِمُفَسِّقٍ فَالْأَوَّلُ لَا يَقْبَلُ صَاحِبَهَا الْجُمْهُورُ (وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ لَا يُرَدُّ كُلُّ مُكَفَّرٍ بِبِدْعَتِهِ لِأَنَّ كُلَّ طَائِفَةٍ تَدَّعِي أَنَّ مُخَالِفِيهَا مُبْتَدِعَةٌ وَقَدْ تُبَالِغُ فَتُكَفِّرُ مُخَالِفَهَا فَالْمُعْتَمَدُ

ص: 723

(نخبة الفكر وتعليقات من الشرح، ملحقة من الطابع)

أَنَّ الَّذِي تُرَدُّ رِوَايَتُهُ مَنْ أَنْكَرَ أَثَرًا مُتَوَاتِرًا مِنْ الشَّرْعِ مَعْلُومًا مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ وَكَذَا مَنْ اعْتَقَدَ عَكْسَهُ) وَالثَّانِي يُقْبَلُ مَنْ لَمْ يَكُنْ دَاعِيَةً إلَى بِدْعَتِهِ فِي الْأَصَحِّ إلَّا إنْ رُوِيَ مَا يُقَوِّي بِدْعَتَهُ فَيُرَدُّ عَلَى الْمُخْتَارِ وَبِهِ صَرَّحَ الْجُوزَجَانِيُّ شَيْخُ النَّسَائِيّ ثُمَّ سُوءُ الْحِفْظِ إنْ كَانَ لَازِمًا (لِلرَّاوِي فِي جَمِيعِ حَالَاتِهِ)(فَالشَّاذُّ) عَلَى رَأْيٍ أَوْ طَارِئًا (فَالْمُخْتَلِطُ) وَمَتَى تُوبِعَ السَّيِّئُ الْحِفْظِ بِمُعْتَبَرٍ (كَأَنْ يَكُونَ فَوْقَهُ أَوْ مِثْلَهُ لَا دُونَهُ) وَكَذَا الْمَسْتُورُ وَالْمُرْسِلُ وَالْمُدَلِّسُ صَارَ حَدِيثُهُمْ (حَسَنًا لَا لِذَاتِهِ) بَلْ بِاعْتِبَارِ الْمَجْمُوعِ (مِنْ الْمُتَابِعِ وَالْمُتَابَعِ).

ثُمَّ الْإِسْنَادُ (وَهُوَ الطَّرِيقُ الْمُوَصِّلَةُ إلَى الْمَتْنِ وَالْمَتْنُ هُوَ غَايَةُ مَا يَنْتَهِي إلَيْهِ الْإِسْنَادُ مِنْ الْكَلَامِ) إمَّا أَنْ يَنْتَهِيَ إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم تَصْرِيحًا أَوْ حُكْمًا مِنْ قَوْلِهِ أَوْ فِعْلِهِ أَوْ تَقْرِيرِهِ أَوْ إلَى " الصَّحَابِيِّ " كَذَلِكَ وَهُوَ مَنْ لَقِيَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم مُؤْمِنًا بِهِ وَمَاتَ عَلَى الْإِسْلَامِ وَلَوْ تَخَلَّلَتْ رِدَّةٌ فِي الْأَصَحِّ (لِإِخْفَاءٍ فِي رُجْحَانِ رُتْبَةِ مَنْ لَازَمَهُ صلى الله عليه وسلم وَقَاتَلَ مَعَهُ أَوْ قُتِلَ تَحْتَ رَايَتِهِ عَلَى مَنْ لَمْ يُلَازِمْهُ أَوْ لَمْ يَحْضُرْ مَعَهُ مَشْهَدًا أَوْ عَلَى مَنْ كَلَّمَهُ يَسِيرًا أَوْ مَاشَاهُ قَلِيلًا أَوْ رَآهُ عَلَى بُعْدٍ أَوْ فِي حَالِ الطُّفُولِيَّةِ وَإِنْ كَانَ شَرَفُ الصُّحْبَةِ حَاصِلًا لِلْجَمِيعِ وَمَنْ لَيْسَ لَهُ مِنْهُمْ سَمَاعٌ مِنْهُ فَحَدِيثُهُ مُرْسَلٌ مِنْ حَيْثُ الرِّوَايَةِ وَيُعْرَفُ كَوْنُ الشَّخْصِ بِالتَّوَاتُرِ أَوْ الِاسْتِفَاضَةِ أَوْ الشُّهْرَةِ أَوْ بِإِخْبَارِ بَعْضِ الصَّحَابَةِ أَوْ بَعْضِ ثِقَاتِ التَّابِعِينَ أَوْ بِإِخْبَارِهِ عَنْ نَفْسِهِ فَإِنَّهُ صَحَابِيٌّ إذَا كَانَ دَعْوَاهُ ذَلِكَ تَدْخُلُ تَحْتَ الْإِمْكَانِ أَوْ إلَى التَّابِعِيِّ وَهُوَ مَنْ لَقِيَ الصَّحَابِيَّ كَذَلِكَ فَالْأَوَّلُ (الْمَرْفُوعُ) وَالثَّانِي (الْمَوْقُوفُ) وَالثَّالِثُ (الْمَقْطُوعُ) وَمَنْ دُونَ التَّابِعِيِّ فِيهِ مِثْلُهُ وَيُقَالُ لِلْأَخِيرَيْنِ (الْأَثَرُ).

(وَالْمُسْنَدُ) مَرْفُوعُ صَحَابِيٍّ بِسَنَدٍ ظَاهِرُهُ الِاتِّصَالُ فَإِنْ قَلَّ عَدَدُ (عَدَدِ رِجَالِ السَّنَدِ) فَإِمَّا أَنْ يَنْتَهِيَ إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَوْ إلَى إمَامٍ ذِي صِفَةٍ عَلَيْهِ (كَالْحِفْظِ وَالْفِقْهِ وَالضَّبْطِ وَالتَّصْنِيفِ) كَشُعْبَةَ (وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَالْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَنَحْوِهِمْ) فَالْأَوَّلُ (الْعُلُوُّ الْمُطْلَقُ) وَالثَّانِي (النِّسْبِيُّ) وَفِيهِ (فِي الْعُلُوِّ النِّسْبِيِّ)(الْمُوَافَقَةُ) وَهِيَ الْوُصُولُ إلَى شَيْخِ أَحَدِ الْمُصَنَّفِينَ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِهِ وَفِيهِ (الْبَدَلُ) وَهُوَ الْوُصُولُ إلَى شَيْخِ شَيْخِهِ كَذَلِكَ وَفِيهِ (الْمُسَاوَاةُ) وَهِيَ اسْتِوَاءُ عَدَمِ الْإِسْنَادِ مِنْ الرَّاوِي إلَى آخِرِهِ (آخِرِ

ص: 724

(نخبة الفكر وتعليقات من الشرح، ملحقة من الطابع)

الْإِسْنَادِ) مَعَ إسْنَادِ أَحَدِ الْمُصَنَّفِينَ وَفِيهِ (الْمُصَافَحَةُ) هِيَ الِاسْتِوَاءُ مَعَ تِلْمِيذِ ذَلِكَ الْمُصَنِّفِ (عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوحِ فِي الْمُسَاوَاةِ) وَيُقَابِلُ الْعُلُوَّ بِأَقْسَامِهِ (النُّزُولُ)

فَإِنْ تَشَارَكَ الرَّاوِي وَمَنْ رَوَى عَنْهُ فِي السِّنِّ وَاللُّقِيِّ (الْأَخْذُ عَنْ الْمَشَايِخِ) فَهُوَ (رِوَايَةُ)(الْأَقْرَانِ) وَإِنْ رَوَى كُلٌّ مِنْهُمَا عَنْ الْآخَرِ فَهُوَ (الْمُدَبَّجُ) وَإِنْ رَوَى عَمَّنْ دُونَهُ (فِي السِّنِّ أَوْ فِي اللُّقِيِّ أَوْ فِي الْمِقْدَارِ)(فَالْأَكَابِرُ عَنْ الْأَصَاغِرِ) وَمِنْهُ رِوَايَةُ الْآبَاءِ عَنْ الْأَبْنَاءِ (وَالصَّحَابَةِ عَنْ التَّابِعِينَ وَالشَّيْخِ عَنْ تِلْمِيذِهِ) وَفِي عَكْسِهِ كَثْرَةٌ وَمِنْهُ مَنْ رَوَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ وَإِنْ اشْتَرَكَ اثْنَانِ عَنْ شَيْخٍ وَتَقَدَّمَ مَوْتُ أَحَدِهِمَا فَهُوَ السَّابِقُ وَاللَّاحِقُ وَإِنْ رُوِيَ عَنْ اثْنَيْنِ مُتَّفِقِي الِاسْمِ (أَوْ مَعَ اسْمِ الْأَبِ أَوْ مَعَ الْجَدِّ أَوْ مَعَ النِّسْبَةِ) وَلَمْ يَتَمَيَّزْ فَبِاخْتِصَاصِهِ بِأَحَدِهِمَا يَتَبَيَّنُ الْمُهْمَلُ وَإِنْ جَحَدَ الشَّيْخُ مَرْوِيَّهُ جَزْمًا رُدَّ أَوْ احْتِمَالًا فِي الْأَصَحِّ وَفِيهِ (مَنْ حَدَّثَ وَنَسِيَ) وَإِنْ اتَّفَقَ الرُّوَاةُ فِي صِيَغِ الْأَدَاءِ (كَسَمِعْتُ فُلَانًا قَالَ سَمِعْت فُلَانًا إلَخْ) أَوْ غَيْرِهَا مِنْ الْحَالَاتِ (كَسَمِعْتُ فُلَانًا يَقُولُ أَشْهَدُ بِاَللَّهِ لَقَدْ حَدَّثَنِي فُلَانٌ إلَخْ) فَهُوَ (الْمُسَلْسَلُ)

وَصِيَغُ الْأَدَاءِ سَمِعْت وَحَدَّثَنِي ثُمَّ أَخْبَرَنِي وَقَرَأْت عَلَيْهِ ثُمَّ قُرِئَ عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ ثُمَّ أَنْبَأَنِي، ثُمَّ نَاوَلَنِي، ثُمَّ شَافَهَنِي، ثُمَّ كَتَبَ إلَيَّ (الْمُشَافَهَةُ وَالْكِتَابَةُ بِالْإِجَازَةِ) ثُمَّ عَنْ وَنَحْوِهَا (مِنْ الصِّيَغِ الْمُحْتَمِلَةِ لِلسَّمَاعِ وَالْإِجَازَةِ وَلِعَدَمِ السَّمَاعِ أَيْضًا وَهَذَا مِثْلُ قَالَ وَذَكَرَ وَرَوَى) فَالْأَوَّلَانِ (سَمِعْت وَحَدَّثَنِي) لِمَنْ سَمِعَ وَحْدَهُ مِنْ لَفْظِ الشَّيْخِ فَإِنْ جُمِعَ فَمَعَ غَيْرِهِ (وَقَدْ تَكُونُ النُّونُ الْعَظَمَةُ لَكِنْ بِقِلَّةٍ، وَأَوَّلُهَا أَصْرَحُهَا وَأَرْفَعُهَا (مِقْدَارُ مَا يَقَعُ) فِي الْإِمْلَاءِ وَالثَّالِثُ (أَخْبَرَنِي) وَالرَّابِعُ (قَرَأْت) لِمَنْ قَرَأَ بِنَفْسِهِ فَإِنْ جَمَعَ فَهُوَ كَالْخَامِسِ وَالْإِنْبَاءُ بِمَعْنَى الْإِخْبَارِ إلَّا فِي عُرْفِ الْمُتَأَخِّرِينَ فَهُوَ لِلْإِجَازَةِ كَعَنْ (وَعَنْعَنَةِ الْمَعَاصِرِ) مَحْمُولَةٌ عَلَى السَّمَاعِ إلَّا مِنْ مُدَلِّسٍ وَقِيلَ يُشْتَرَطُ ثُبُوتُ لِقَائِهِمَا وَلَوْ مَرَّةً وَهُوَ الْمُخْتَارُ وَأَطْلَقُوا الْمُشَافَهَةَ فِي الْإِجَازَةِ الْمُتَلَفَّظِ بِهَا وَكَذَا الْمُكَاتَبَةُ فِي الْإِجَازَةِ الْمَكْتُوبِ بِهَا (وَاشْتَرَطُوا) فِي صِحَّةِ الْمُنَاوَلَةِ اقْتِرَانَهَا بِالْإِذْنِ بِالرِّوَايَةِ، وَهِيَ أَرْفَعُ أَنْوَاعِ الْإِجَازَةِ، وَكَذَا اشْتَرَطُوا الْإِذْنَ فِي الْوِجَادَةِ وَالْوَصِيَّةِ بِالْكِتَابِ وَفِي الْإِعْلَامِ (أَنْ يُعَلِّمَ الشَّيْخُ أَحَدَ الطَّلَبَةِ بِأَنَّنِي أَرْوِي الْكِتَابَ الْفُلَانِيَّ عَنْ فُلَانٍ) وَإِلَّا فَلَا عِبْرَةَ بِذَلِكَ كَالْإِجَازَةِ الْعَامَّةِ وَلِلْمَجْهُولِ وَلِلْمَعْدُومِ عَلَى الْأَصَحِّ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ.

ثُمَّ الرُّوَاةُ إنْ اتَّفَقَتْ أَسْمَاؤُهُمْ وَأَسْمَاءُ آبَائِهِمْ فَصَاعِدًا وَاخْتَلَفَتْ أَشْخَاصُهُمْ فَهُوَ (الْمُتَّفِقُ وَالْمُفْتَرِقُ) وَإِنْ اتَّفَقَتْ الْأَسْمَاءُ خَطًّا وَاخْتَلَفَتْ نُطْقًا فَهُوَ (الْمُؤْتَلِفُ وَالْمُخْتَلِفُ) وَإِنْ اتَّفَقَتْ الْأَسْمَاءُ (خَطَأً وَنُطْقًا) وَاخْتَلَفَتْ الْآبَاءُ نُطْقًا مَعَ اخْتِلَافِهِمَا خَطًّا أَوْ بِالْعَكْسِ كَأَنْ تَخْتَلِفَ الْأَسْمَاءُ نُطْقًا وَتَأْتَلِفَ خَطًّا وَتَأْتَلِفَ الْآبَاءُ خَطًّا وَنُطْقًا) فَهُوَ (الْمُتَشَابِهُ) وَكَذَا إنْ وَقَعَ بَقِيَّةُ

ص: 725

(نخبة الفكر وتعليقات من الشرح، ملحقة من الطابع)

الِاتِّفَاقِ فِي الِاسْمِ وَاسْمِ الْأَبِ وَالِاخْتِلَافُ فِي النِّسْبَةِ. وَيَتَرَكَّبُ مِنْهُ وَمِمَّا قَبْلَهُ أَنْوَاعٌ مِنْهَا أَنْ يَحْصُلَ الِاتِّفَاقِ أَوْ الِاشْتِبَاهِ إلَّا فِي حَرْفٍ أَوْ حَرْفَيْنِ (كَمُحَمَّدِ بْنِ سِنَانَ وَمُحَمَّدِ بْنِ سَيَّارٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ) أَوْ يَحْصُلَ فِي الْخَطِّ وَالنُّطْقِ لَكِنْ يَحْصُلُ الِاخْتِلَافُ أَوْ الِاشْتِبَاهُ بِالتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ (كَالْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ وَيَزِيدَ بْنِ الْأَسْوَدِ، وَأَيُّوبَ بْنِ سَيَّارٍ، وَأَيُّوبَ بْنِ يَسَارٍ).

خَاتِمَةٌ وَمِنْ الْمُهِمِّ مَعْرِفَةُ (طَبَقَاتِ الرُّوَاةِ)(الطَّبَقَةُ فِي اصْطِلَاحِهِمْ عِبَارَةٌ عَنْ جَمَاعَةٍ اشْتَرَكُوا فِي السِّنِّ وَلِقَاءِ الْمَشَايِخِ) وَمَوَالِيدِهِمْ وَوَفَيَاتِهِمْ وَبُلْدَانِهِمْ وَأَحْوَالِهِمْ تَعْدِيلًا وَتَجْرِيحًا وَجَهَالَةً (وَمَرَاتِبُ الْجَرْحِ) وأسوؤها الْوَصْفُ بِأَفْعَلَ كَأَكْذَبِ النَّاسِ) ثُمَّ دَجَّالٌ أَوْ وَضَّاعٌ أَوْ كَذَّابٌ وَأَسْهَلُهَا لَيِّنٌ أَوْ سَيِّئُ الْحِفْظِ أَوْ فِيهِ مَقَالٌ (وَمَرَاتِبُ التَّعْدِيلِ) وَأَرْفَعُهَا الْوَصْفُ بِأَفْعَلَ كَأَوْثَقِ النَّاسِ ثُمَّ مَا تَأَكَّدَ بِصِفَةٍ أَوْ صِفَتَيْنِ كَثِقَةٍ أَوْ ثِقَةٍ حَافِظٍ وَأَدْنَاهَا مَا أَشْعَرَ بِالْقُرْبِ مِنْ أَسْهَلِ التَّجْرِيحِ كَشَيْخٍ.

(تُقْبَلُ التَّزْكِيَةُ) مِنْ عَارِفٍ بِأَسْبَابِهَا وَلَوْ مِنْ وَاحِدٍ عَلَى الْأَصَحِّ (وَالْجَرْحُ) مُقَدَّمٌ عَلَى التَّعْدِيلِ إنْ صَدَرَ مُبَيَّنًا مِنْ عَارِفٍ بِأَسْبَابِهِ فَإِنْ خَلَا مِنْ تَعْدِيلٍ قِيلَ مُجْمَلًا عَلَى الْمُخْتَارِ.

(فَصْلٌ) وَ (مِنْ الْمُهِمِّ) مَعْرِفَةُ كُنَى الْمُسَمَّيْنَ، (الْمَشْهُورِينَ بِأَسْمَائِهِمْ) وَأَسْمَاءِ الْمُكَنَّيْنَ وَمَنْ اسْمُهُ كُنْيَتُهُ وَمَنْ اُخْتُلِفَ فِي كُنْيَتِهِ وَمَنْ كَثُرَتْ كُنَاهُ أَوْ نُعُوتُهُ وَمَنْ وَافَقَتْ كُنْيَتُهُ اسْمَ أَبِيهِ (كَأَبِي إِسْحَاقَ إبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْحَاقَ) أَوْ بِالْعَكْسِ (كَإِسْحَاقَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ) أَوْ كُنْيَتُهُ زَوْجَتُهُ (كَأَبِي أَيُّوبَ وَأُمِّ أَيُّوبَ) وَمَنْ نُسِبَ إلَى غَيْرِ أَبِيهِ أَوْ إلَى غَيْرِ مَا يَسْبِقُ إلَى الْفَهْمِ (كَالْحَدَّادِ نُسِبَ إلَى الْحِدَادَةِ لِأَنَّهُ كَانَ يُجَالِسُ الْحَدَّادِينَ) وَمَنْ اتَّفَقَ اسْمُهُ وَاسْمُ أَبِيهِ وَجَدِّهِ أَوْ (اسْمُهُ) وَاسْمُ شَيْخِهِ وَشَيْخِ شَيْخِهِ وَمَنْ اتَّفَقَ اسْمُ شَيْخِهِ وَالرَّاوِي عَنْهُ (كَالْبُخَارِيِّ رَوَى عَنْ مُسْلِمِ بْنِ إبْرَاهِيمَ وَرَوَى عَنْهُ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ) وَمَعْرِفَةُ الْأَسْمَاءِ الْمُجَرَّدَةِ وَالْمُفْرَدَةِ (الَّتِي لَمْ يُسَمَّ بِهَا إلَّا وَاحِدٌ) وَالْكُنَى (الْمُجَرَّدَةِ) وَالْأَلْقَابُ وَالْأَنْسَابُ وَتَقَعُ إلَى الْقَبَائِلِ وَإِلَى الْأَوْطَانِ بَلَدًا أَوْ ضِيَاعًا أَوْ سِكَكًا أَوْ مُجَاوَرَةً وَإِلَى الصَّنَائِعِ وَالْحِرَفِ وَيَقَعُ فِيهَا الِاتِّفَاقُ وَالِاشْتِبَاهُ كَالْأَسْمَاءِ وَقَدْ تَقَعُ أَلْقَابًا (كَخَالِدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْقَطَوَانِيِّ كَانَ كُوفِيًّا وَيُلَقَّبُ الْقَطَوَانِيَّ وَكَانَ يَغْضَبُ مِنْهَا) وَمَعْرِفَةُ أَسْبَابِ ذَلِكَ وَمَعْرِفَةُ الْمَوَالِي مِنْ أَعْلَى وَمِنْ أَسْفَلَ بِالرِّقِّ أَوْ بِالْحَلِفِ (أَوْ بِالْإِسْلَامِ)

وَمَعْرِفَةُ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ وَمَعْرِفَةُ أَدَبِ الشَّيْخِ وَالطَّالِبِ وَسِنِّ التَّحَمُّلِ وَالْأَدَاءِ (الْأَصَحُّ اعْتِبَارُ سِنِّ التَّحَمُّلِ بِالتَّمْيِيزِ وَسِنِّ الْأَدَاءِ يُقَدَّرُ بِالِاحْتِيَاجِ وَالتَّأَهُّلِ

ص: 726

(نخبة الفكر وتعليقات من الشرح، ملحقة من الطابع)

لِذَلِكَ) وَكِتَابَةُ الْحَدِيثِ وَعَرْضِهِ وَسَمَاعِهِ وَإِسْمَاعِهِ وَالرِّحْلَةُ فِيهِ (وَتَصْنِيفُهُ) عَلَى الْمَسَانِيدِ أَوْ الْأَبْوَابِ أَوْ الْعِلَلِ (فَيُذْكَرُ الْمَتْنُ وَطُرُقُهُ وَبَيَانُ اخْتِلَافِ نَقْلِهِ) أَوْ الْأَطْرَافِ (فَيُذْكَرُ طَرَفُ الْحَدِيثِ الدَّالِّ عَلَى بَقِيَّتِهِ وَيُجْمَعُ أَسَانِيدُهُ إمَّا مُسْتَوْعَبًا وَإِمَّا مُقَيَّدًا بِكُتُبٍ مَخْصُوصَةٍ) وَمَعْرِفَةُ سَبَبِ الْحَدِيثِ وَقَدْ صَنَّفَ فِيهِ بَعْضُ شُيُوخِ الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى مِنْ الْقُرَّاءِ. وَصَنَّفُوا فِي غَالِبِ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ وَهِيَ نَقْلٌ مَحْضٌ ظَاهِرُهُ التَّعْرِيفُ مُسْتَغْنِيَةٌ عَنْ التَّمْثِيلِ، فَلْتُرَاجَعْ مَبْسُوطَاتُهَا اهـ مِنْ نُخْبَةِ الْفِكْرِ فِي مُصْطَلَحِ أَهْلِ الْأَثَرِ لِابْنِ حَجَرٍ مَعَ بَعْضِ تَعْلِيقَاتٍ عَلَيْهِ فِي الشَّرْحِ تَخَيَّرَهَا [*].

[*] تعليق الشاملة: كذا في المطبوع، وتمام العبارة:«تخيرها الأستاذ الفاضل الشيخ محمد عبد العزيز الخولي» ، كما في طبعة الحلبي، بعناية محمد عبد العزيز الخولي رحمه الله الأستاذ بدار العلوم، وقد قال الخولي في خاتمة طبعته ما نصه:

«خاتمة الطبع

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي خلق الموجودات من ظلمة العدم إلى نور الايجاد، وجعلها دليلا على وحدانيته لذوي البصائر ليوم الميعاد، وميز النوع الانساني منها بالعقل رفعا له إلى درجة الكمال، وخلق له ما في الأرض جميعا تكميلا لنعمته عليه وتحقيقا للافضال، وبعث الرسل قطعا للحجة وبيانا هاديا للضال، والصلاة والسلام على سيدنا محمد القائل (نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها) فأظهره الله على الذي نكله، وأتم به النعمة وجمع به الكلمة وأكمل به الدين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

وبعد: فقد جعل الله الأنبياء والمرسلين صفوة الخلق، لأنهم هدوا إلى الطيب من القول وإلى صراط العزيز الحميد، وجعل ورثتهم العلماء كما أخبر بذلك الصادق الأمين، وكان من بينهم حجة الاسلام (الحافظ ابن حجر العسقلاني) صاحب (بلوغ المرام من جمع أدلة الاحكام) وشارحه العلامة (محمد بن إسماعيل اليمني الصنعاني) صاحب (سبل السلام).

ولما كان فن الحديث يحتاج الناظر فيه إلى بيان الحسن من الصحيح ألحقنا به نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر لابن حجر مع بعض تعليقات من شرحه لابن حجر أيضا.

وقد اعتنى بطبعه وحسن تنميقه ونشره بين الأنام أصحاب شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر القاهرة 6 جمادى الأولى 1378 هـ 17 نوفمبر 1958 م»

ص: 727