الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
كِتَابُ العِلْمِ
1 - بَابُ فَضْلِ العِلْمِ
وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [المجادلة: 11]، وَقَوْلِهِ عز وجل:{وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114].
• افتتح الإمام البخاري رحمه الله كل كتاب من الكتب التي جعلها ضمن كتابه الجامع الصحيح ب (بسم الله الرحمن الرحيم)، وفي هذا موافقة منه لكتاب الله تعالى وللسنة الفعلية عن النبي صلى الله عليه وسلم.
• بدأ الإمام البخاري كتابه الجامع الصحيح بكتاب (بدء الوحي)؛ لأنَّ الوحي هو أساس الإيمان وأصله، ثم ثَنَّى بكتاب (الإيمان)؛ إذ هو مقصود الوحي، وشرط قبول الأعمال، فلا يقبل عمل بلا إيمان، ثم ثلث بكتاب (العلم)؛ لأن الإيمان لا يسلم ويصح إلا بعلم.
• ذكر الإمام البخاري ترجمة الباب، ولم يذكر فيها حديثًا، وهذا وقع له في عدة مواضع من صحيحه، فما وجه ذلك؟
قيل: إنه ترك ذكر الأحاديث بعد ترجمة الباب سهوًا منه وهذا بعيد؛ لأنَّ كتابه الجامع قد قُرأ عليه أكثر من مرة.
وقيل: إنه اكتفى بالآيتين ففيهما كامل الدلالة على ما أراد.
وقيل: إنه لا يوجد فيه حديث على شرطه لذا اكتفى بالآيتين، وقيل غير ذلك.
س: لماذا بدأ البخاري بفضل العلم، ولم يبدأ بتعريف العلم، والأصل أن تُبدَأ الكتب بالحدود؟
ج: أنَّ الشيء إذا كان معلومًا لا يحتاج إلى حد، فالحدود تكون عند عدم تميز الأشياء.
وقيل: إنَّ الإمام البخاري رحمه الله لم يضع كتابه هذا للحدود والتعريفات، ولذلك لم يضع حدًّا للعلم، وبدأ بفضله أولًا.
س: لماذا بدأ الإمام البخاري رحمه الله كتاب العلم بباب فضل العلم دون غيره من أبواب العلم؟
ج: إنَّ هذا للدلالة على أنَّ العلم عمل مضنٍ وشاق، فيحتاج إلى جهد وتعب ومشقة، فذِكْرُ الفضل والجزاء والثواب يكون دافعًا وحافزًا للعبد على ذلك العمل.
• قال علي رضي الله عنه: كفى بالعلم شرفًا أنه يدّعيه من لا يحسنه، ويفرح به إذا نُسب إليه، وكفى بالجهل ضعة أن يتبرأ منه من هو فيه، ويغضب إذا نسب إليه
(1)
(2)
.
(1)
ربيع الأبرار ونصوص الأخيار للزمخشري (4/ 37) ط مؤسسة الأعلمي، تذكرة السامع والمتكلم لابن جماعة ص 41 ط دار البشائر.
ويُنسب أيضًا للإمام الشافعي كما عند أبي نعيم الأصبهاني في حلية الأولياء (9/ 146).
(2)
وقد نظم بعض المحدثين في هذا المعنى كما في معجم الأدباء لياقوت الحموي (1/ 16) ط دار الغرب الإسلامي فقال:
كفى شرفًا للعلم دعواه جاهل
…
ويفرح أن يدعى إليه وينسب
ويكفي خمولًا بالجهالة أنني
…
أراع متى أنسب إليها وأغضب
وقد بدأ البخاري رحمه الله هذا الكتاب بآيتين كريمتين من كتاب الله عز وجل:
الآية الأولى قوله تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [المجادلة: 11].
ذكر الله تبارك وتعالى في الآية رفعه لصنفين من الناس، وهما: الذين آمنوا، والذين أوتوا العلم، وخص ربنا تبارك وتعالى الإيتاء بالعلم، مما يدل على أنَّ العلم هبة وعطاء من الله عز وجل، أما الإيمان فإنه لازم للنجاة، ولكل مسلم منه نصيب؛ لذلك قال عز وجل:{وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة: 11].
• وفي قوله تعالى {مِنْكُمْ} احتمالان فقيل: إنها عائدة على المؤمنين جميعًا فيكون مَنِ ازداد علمًا وإيمانًا فهو المرتفع.
وقيل: إنها تعود على الصحابة بخصوصهم، والأول أولى.
• وخص الله عز وجل: العلماء بذلك لأنهم ورثة الأنبياء، فإنَّ أشرف المنازل هي منازل الأنبياء، والمنزلة التي تليها هي منزلة ورثتهم من العلماء.
• وسمي العلماء ورثة الأنبياء لقوله تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} [فاطر: 32].
• وأفضل من ورث هذا الميراث هم العلماء، ويدل على ذلك قولُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:«رَأَيْتُ كَأَنِّى أُتِيتُ بِقَدَحٍ مِنْ لَبَنٍ فَشَرِبْتُ مِنْهُ فَأَعْطَيْتُ فَضْلِى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ» . قَالُوا فَمَا أَوَّلْتَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «الْعِلْمَ»
(1)
.
• والمراد هنا بيان فضيلة العلماء، وليس بيان فضيلة العلم بذاته فالله تعالى يرفع العلماء، وهذا الرفع يكون في الدنيا وفي الآخرة، فيكون في الدنيا بالبصيرة
(1)
أخرجه البخاري (1/ 255 ح 83) ط التأصيل، ومسلم (6/ 234 ح 2469) ط التأصيل كلاهما من حديث ابن عمر رضي الله عنه.
والنور والهداية، وبعُلُوِّ ذكرهم وقدرهم، وبجعل محبتهم في قلوب العباد، وإن كانت هذه الأمور ليست مرادة ابتداء لأهل العلم، ولكنها تحدث تبعًا، ويكون في الآخرة بالثواب والكرامة.
• قَدِمَ الرَّشِيْدُ الرَّقَّةَ، فَانْجَفَلَ النَّاسُ خَلْفَ ابْنِ المُبَارَكِ، وَتَقَطَّعَتِ النِّعَالُ، وَارتَفَعَتِ الغَبَرَةُ، فَأَشرَفَتْ أُمُّ وَلَدٍ لأَمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ مِنْ بُرْجٍ مِنْ قَصْرِ الخَشَبِ، فَقَالَتْ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: عَالِمٌ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ قَدِمَ. قَالَتْ: هَذَا - وَاللهِ - المُلْكُ، لا مُلْكَ هَارُوْنَ الَّذِي لا يَجْمَعُ النَّاسَ إِلا بِشُرَطٍ وَأَعْوَانٍ
(1)
.
• ولذلك لم يأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم من طلب الاستزادة من شيء إلا من العلم، فقال تعالى:{وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114].
وقد قدم البخاري آية المجادلة على هذه الآية ليببن أنَّ أهل العلم في دجات عالية ومنزلة رفيعة عند الله تعالى، وعلى هذا فإنه لابد للإنسان أن يطلب من الله تعالى أن يرزقه العلم.
• قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: وقوله عز وجل {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114] واضحة الدلالة في فضل العلم؛ لأنَّ الله تعالى لم يأمر نبيه صلى الله عليه وسلم بطلب الازدياد من شيء إلا من العلم
(2)
.
• وقد اعتبر الصحابة رضي الله عنهم تبليغ العلم من أعظم الأعمال، فكان أبو ذر رضي الله عنه يقول:«لَوْ وَضَعْتُمُ الصَّمْصَامَةَ عَلَى هَذِهِ - وَأَشَارَ إِلَى قَفَاهُ - ثُمَّ ظَنَنْتُ أَنِّي أُنْفِذُ كَلِمَةً سَمِعْتُهَا مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَبْلَ أَنْ تُجِيزُوا عَلَيَّ لَأَنْفَذْتُهَا»
(3)
أي من الفرائض
(1)
تاريخ بغداد للخطيب البغدادي (10/ 156) ط دار الغرب الإسلامي، سير أعلام النبلاء (8/ 384) ط مؤسسة الرسالة، البداية والنهاية (13/ 611) ط دار هجر.
(2)
فتح الباري لابن حجر العسقلاني (1/ 141) ط دار المعرفة.
(3)
أخرجه البخاري في صحيحه معلقًا بَابٌ: العِلْمُ قَبْلَ القَوْلِ وَالعَمَلِ (1/ 244) ط التأصيل، والدارمي في سننه (1/ 197 ح 560) ط دار البشائر موصولًا، وصححه ابن حجر كما في المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية (12/ 679) ط دار العاصمة.
الصمصامة: السيف القاطع، والجمع: صماصم كما في النهاية في غريب الحديث لابن الأثير (3/ 52) ط الكتب العلمية.
تُجيزوا: تقتلوني وتنفذوا فيّ أمركم. كما في النهاية لابن الأثير (1/ 315).
ونحوها مما يحتاج إليه الناس لبلَّغتُها.
• وهذا يدل على أنَّ العالم يجوز له الأخذ بالعزيمة، وكذلك يجوز له أن يأخذ بالرخصة في البلاغ إن كانت هناك حاجة، ومن ذلك قول أبي هريرة:" حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وِعَاءَيْنِ: فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَبَثَثْتُهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ قُطِعَ هَذَا البُلْعُومُ "
(1)
.
ومما يدل على فضل العلم أنَّ أصحابه وهم العلماء هم الواسطة بين الله وبين عباده، لذلك قال تعالى:{شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ} [آل عمران: 18]، فجعل الله شهادة العلماء شهادة معتبرة مرضية عنده، وقرن شهادتهم بشهادته جل جلاله، وأنه تعالى لما قبل شهادتهم دل ذلك على رضاه عنهم وعن أقوالهم وأفعالهم؛ بل إنه عطف شهادتهم على شهادته عز وجل بنفس الفعل ولم يفردهم بالفعل، فلم يقل شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وشهد أولو العلم.
وكما أنهم هم ورثة الأنبياء، فهم شهداء الله تعالى على أَجَلِّ عمل ألا وهو التوحيد، والعظيم لا يستشهد على الأمر العظيم إلا العظماء من خلقه وهم أهل العلم.
• وهذه المقدمة من البخاري رحمه الله شحذ للهمم في طلب العلم، وتحمل المشاق في طريق الطلب.
(1)
أخرجه البخاري في صحيحه (1/ 281 ح 124) ط التأصيل.
البلعوم: مجرى الطعام.
2 - بَابُ مَنْ سُئِلَ عِلْمًا وَهُوَ مُشْتَغِلٌ فِي حَدِيثِهِ،
فَأَتَمَّ الحَدِيثَ ثُمَّ أَجَابَ السَّائِلَ
ومن الملاحظ في تبويب الإمام البخاري رحمه الله أنه قد يبين فيه مذهبه، والأدب الذي يشير إليه.
قال البخاري رحمه الله: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، ح وحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حَدَّثَنِي هِلالُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: بَيْنَمَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي مَجْلِسٍ يُحَدِّثُ القَوْمَ، جَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ فَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُحَدِّثُ، فَقَالَ بَعْضُ القَوْمِ: سَمِعَ مَا قَالَ فَكَرِهَ مَا قَالَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ لَمْ يَسْمَعْ، حَتَّى إِذَا قَضَى حَدِيثَهُ قَالَ:«أَيْنَ أُرَاهُ السَّائِلُ عَنِ السَّاعَةِ» قَالَ: هَا أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ:«فَإِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ» ، قَالَ: كَيْفَ إِضَاعَتُهَا؟ قَالَ: «إِذَا وُسِّدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ»
(1)
.
(1)
من لطائف هذا الإسناد:
1 -
أنَّ فيه التحديث بصيغة الجمع في قوله (حدثنا)، وصيغة الإفراد في قوله (حدثني).
2 -
وفيه إسنادان أحدهما عن محمد بن سِنان، والثاني عن إبراهيم بن المنذر، وهذا أَنْزَلُ من الأول.
3 -
وفيه تحويل الإسناد المرموز له ب (ح)، وعادة المحدثين أنه إذا كان للحديث إسنادان أو أكثر كتبوا عند الانتقال من إسناد إلى إسناد (ح) مهملة مُفردة، واختلفوا هل هي مأخوذة من الحائل، أو من الحديث، أو من التحويل، أو من صح؟ وهل يُنْطَق بها حاء، أو بما رُمِزَ بها له عند المرور بها في القراءة أو لا؟ أقوال في كل.
4 -
وفيه أنَّ رجال الإسناد الأخير كلهم مدنيُّون.
5 -
وفيه تفرد البخاري بإخراج هذا الحديث عن بقية أصحاب الكتب الستة.
وجاء البخاري بهذا الحديث بيانًا لأدب من آداب طالب العلم.
• مناسبة هذا الباب للباب الذي قبله:
والمناسبة أنه لما ذكر باب فضل العلم كأنه رأى أنَّ الناس سيُقبلون على طلب العلم، فكأنه يقول لطالب العلم تمهل، وتعلم الأدب أولًا قبل أن تسلك طريق العلم.
• قال أبو زكريا العنبري رحمه الله: علم بلا أدب كنار بلا حطب
(1)
، وهذا يعني أنَّ الأدب هو وقود العلم.
• بعض تراجم الرواة:
(محمد بن سنان): هو الإمام أبو بكر محمد بن سنان الباهلى البصري، اختلف في وفاته فقيل سنة 223 هـ، وقيل سنة 222 هـ.
(فُليح): هو الإمام أبو يحيى فليح بن سليمان بن أبى المغيرة المدني، توفي سنة 168 هـ.
(إبراهيم بن المنذر): هو الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن المنذر بن عبد الله بن المنذر المدني، اختلف في وفاته فقيل: توفي سنة 236 هـ، وقيل: سنة 235 هـ
(1)
الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي (1/ 80) ط مكتبة المعارف، وأدب الإملاء والإستملاء للسمعاني (ص 2) ط الكتب العلمية، ولشيخنا - حفظه الله - رسالة لطيفة مليئة في هذا الباب بعنوان " رسالة في الأدب لأصحاب الطلب " ولله الحمد طُبعت طبعتين في مكتبة العلوم والحكم.
لطيفة:
لما ذكر شيخنا الحويني أثر سعيد بن جبير كما في (حديث الوزير 88/ ح 19)، وفيه: لقد كان ابن عباس - رضي الله عنه - يُحدثني الحديث، لو يأذن لي فأقوم فأُقبل رأسه لفعلت.
قال الشيخ: فرحمة الله على سعيد، وعلمٌ بلا أدب كنار بلا حطب، فنسأل الله أن يرزقنا الأدب مع مشايخنا وأقراننا، ومن هم دوننا، إن كان دوننا أحدٌ.
(محمد بن فُليح): هو الإمام أبو عبد الله محمد بن فليح بن سليمان المدني، توفي سنة 197 هـ.
(هلال بن علي): هو الإمام هلال بن على بن أسامة المدني، توفي سنة 100 وبضع عشرة هـ، وبقال له أيضًا: هلال بن أبي هلال، وهلال بن أبي ميمونة، وهلال بن أسامة نسبة إلى جده، وقد يُظن أنهم أربعة وهم واحد.
(عطاء بن يسار): هو الإمام عطاء بن يسار الهلالى المدني، اختلف في كنيته فقيل: أبو محمد، وقيل: أبو عبد الله، وقيل: أبو يسار، توفي سنة 103 هـ، وقيل 104، وقيل غير ذلك.
• في الباب فوائد منها:
الفائدة الأولى: من آداب المتعلم أن لا يسأل العالم ما دام منشغلًا، ولذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يقضي القاضي وهو غضبان
(1)
، بل ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة بحضرة طعام
(2)
، وكذلك وهو يدافع الأخبثين
(3)
، و كل ذلك لانشغال البال وتشويش الفكر.
الفائدة الثانية: الرفق بالمتعلم، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يزجره، ولم يعنفه؛ إذ إنَّ الشدة والغلظة قد تؤدي في غالب أحوالها إلى الشرودِ والنفورِ والبُعدِ.
(1)
أخرجه البخاري في صحيحه (9/ 180 ح 7157) ط التأصيل، ومسلم في صحيحه (4/ 479 ح 1765) ط التأصيل كلاهما من حديث أبي بكرة - رضي الله عنه - وفيه:" لا يقضين حكم بين اثنين وهو غضبان " واللفظ للبخاري.
(2)
أخرجه البخاري (ح 671)، ومسلم (ح 558)، وفيه أنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ:" إِذَا حَضَرَ الْعَشَاءُ، وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ ".
(3)
أخرجه مسلم في صحيحه (ح 560) من حديث أم المؤمنين عائشة أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا صلاة بحضرة طعام، وَلَا وَهُوَ يُدَافِعُهُ الأَخْبَثَانِ ".
• فلقد ذُكر أنَّ سبب انتقال الإمام الطحاوي رحمه الله إلى مذهب أبي حنيفة ورجوعه عن مذهب خاله المزني الذي كان شافعيًّا أنه قال له يومًا: (والله لا يجيء منك شيء)، أي لا ينتظر منك شيء ذو قيمة فتركه واشتغل على أبي جعفر بن أبي عمران الحنفي، حتى برع وفاق أهل زمانه، وصنف كتبًا كثيرة
(1)
.
الفائدة الثالثة: حسن الظن بالمتعلم.
الفائدة الرابعة: وجوب تعليم السائل والمتعلم.
سؤال: لماذا لم يُجِبِ النبي صلى الله عليه وسلم على الرجل أول ما سأله؟
الجواب: اختلف الصحابة رضوان الله تعالى عليهم في هذا:
• فقال بعضهم: إنَّ النبي صلى الله عليه وسلم سمع ما قاله الرجل فكره قوله؛ إذ إنه كان يسأل عن شيء لا يرتبط بالعمل، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكره مثل هذا.
• وقال بعضهم: إنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لم يسمع ما قال الرجل، وهذا يدل على أنه صلى الله عليه وسلم ليس من دأبه أن يُعرض عن السائل، ولو كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب على المنبر، لأنه ثبت من حديث أبي رِفَاعَةَ أنه قال: انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يَخْطُبُ، قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، رَجُلٌ غَرِيبٌ، جَاءَ يَسْأَلُ عَنْ دِينِهِ، لا يَدْرِي مَا دِينُهُ، قَالَ: فَأَقْبَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَتَرَكَ خُطْبَتَهُ حَتَّى انْتَهَى إِلَيَّ، فَأُتِيَ بِكُرْسِيٍّ، حَسِبْتُ قَوَائِمَهُ حَدِيدًا، قَالَ: فَقَعَدَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَجَعَلَ يُعَلِّمُنِي مِمَّا عَلَّمَهُ اللَّهُ، ثُمَّ أَتَى خُطْبَتَهُ، فَأَتَمَّ آخِرَهَا
(2)
.
(1)
أخبار أبي حنيفة وأصحابه لأبي عبد الله الصَّيْمَري (ص 168) ط عالم الكتب، تاريخ دمشق لابن عساكر (5/ 369) ط دار الفكر، الجواهر المضية في طبقات الحنفية لمحيي الدين الحنفي (1/ 76).
أبو جعفر بن أبي عمران = هو الإمام العلامة شيخ الحنفية أحمد بن موسى بن عيسى البغدادي، كان إمامًا بحرًا في العلم يوصف بحفظ وذكاء مفرط، توفي سنة 280 هـ.
(2)
أخرجه مسلم في صحيحه (2/ 597 ح 876) ط إحياء التراث.
فإن قيل: لم أجاب النبي صلى الله عليه وسلم هذا، وأعرض عن الآخر؟
الجواب: لأن هذا رجل غريب، وجاء يسأل عن أمر مهم لا يؤخر، وهو بعض أمور دينه، من أجل ذلك ترك النبي صلى الله عليه وسلم خطبته وأتى بكرسي فقعد عليه وجعل يعلمه بخلاف الآخر.
الفائدة الخامسة: يجب على المتعلم أن يتحين الوقت المناسب للتعلم والسؤال، وألا يمل ويترك التعلم، حيث إنَّ السائل لم يضجر أو يغضب، بل انتظر حتى أجابه النبي صلى الله عليه وسلم.
الفائدة السادسة: مراجعة العالم للسائل للتأكيد على سؤاله، ويظهر ذلك في قول النبي صلى الله عليه وسلم «أَيْنَ أُرَاهُ السَّائِلُ عَنِ السَّاعَةِ» .
الفائدة السابعة: قوله صلى الله عليه وسلم «إِذَا وُسِّدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ» ، ما علاقة هذا بفضل العلم وآدابه؟
الجواب: المراد بذلك أنَّ الأمر إذا أُسند لغير أهله فهذا دليل على غلبة الجهل وضياع الحق، فضياع الحق يكون بسبب غياب أهل العلم.
الفائدة الثامنة: كما أنَّ للطالب آدابًا ينبغي أن يتحلى بها، فإنَّ للمعلم والشيخ كذلك آدابًا ينبغي له أن يتحلى بها، ومن ذلك عدم إهمال السائل، وجوابه عما يريد، والصبر عليه.
الفائدة التاسعة: في هذا الحديث إشارة إلى العناية بما ينتفع بها الناس، وعدم الاهنمام بما ليس فيه مصلحة.
الفائدة العاشرة: كما أشار البخاري رحمه الله في هذا الباب إلى أدب من آداب العلم أشار إلى أمر آخر وهو: طريقة من طرق التعلم وهي السؤال والجواب، فإن السؤال نصف العلم.
• قال ابن حجر رحمه الله: العلم سؤال وجواب
(1)
.
الفائدة الحادية عشرة: وفيه أنَّ على طالب العلم أن يسأل ولا يستحيي، ولكن لابد أن يكون ذلك مع التحلي بالأدب.
قال مجاهد رحمه الله: لا ينال العلم مستحٍ ولا مستكبر
(2)
، ولكن مع السؤال عليه ألا يُضجِر معلمه، بل يرفق به.
• قَالَ سَلَمَةُ بْنُ شَبِيب: " كُنَّا عِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، فَكُنْتُ قَدْ أَوْعَيْتُ مَا عِنْدَهُ، فَإِذَا خَرَجَ قُلْتُ لَهُ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ يَا أَبَا بَكْرٍ؟ قَالَ: بِشَرٍّ مَا رَأَيْتُ وَجْهَكَ "
(3)
.
• قال الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَان: قَالَ لِيَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله: " يَا رَبِيعُ، لَوْ قَدَرْتُ أَنْ أُطْعِمَكَ الْعِلْمَ لَأَطْعَمْتُكَ إِيَّاهُ "
(4)
؛ وذلك لرفقه به.
(1)
فتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني (1/ 142) ط دار المعرفة.
ابن حجر = هو الإمام، وشيخ الإسلام، وأمير المؤمنين في الحديث شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد الشهير بابن حجر العسقلاني، درس على عدة شيوخ بلغوا ستمائة نفس، مؤلفاته كثيرة مشهورة وصلت إلى أكثر من مائة وخمسين مؤلفًا منها:" فتح الباري "، " تهذيب التهذيب "، " تقريب التهذيب "، " الإصابة "، " لسان الميزان "، " والدرر الكامنة " فكان فريد عصره، وأثنى عليه الأئمة منهم السخاوي، والبرهان الحلبي، والتقي الفاسي، وغيرهم من الأئمة، توفي سنة 852 هـ.
(2)
أخرجه البخاري في صحيحه معلقًا (1/ 38)، والبيهقي في المدخل إلى السنن (ص 281) ط دار الخلفاء.
(3)
الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي (1/ 218، 221) ط مكتبة المعارف.
سلمة بن شبيب = هو الإمام الحافظ أبو عبد الرحمن سلمة بن شبيب الحجري النيسابوري، أثنى عليه الأئمة كالحاكم وأبي نعيم وغيرهم، اختلف في وفاته فقيل: سنة 246 هـ، وقيل 247 هـ.
(4)
مناقب الشافعي للبيهقي (2/ 147) ط دار التراث، وطبقات الشافعية لتاج الدين السبكي (2/ 134) ط دار هجر.
الربيع بن سليمان = هو الإمام بقية الأعلام صاحب الشافعي، وناقل علمه أبو محمد الربيع بن سليمان المرادي المصري، قال عن نفسه: كل محدث حدث بمصر بعد ابن وهب كنت مستمليه. أفنى عمره في العلم ونشره توفي سنة 270 هـ.
(*) أخرجه الآجري في أخلاق حملة القرآن (65)، والدارمي في سننه (418)، (577) بإسناد صحيح.
أبو سلمة = هو الإمام الحجة أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف القرشي المدني، كان بحرًا في العلم، توفي سنة 94 هـ، وقيل غير ذلك.
عبيد الله = هو الإمام مفتي المدينة وأحد فقهائها أبو عبد الله عبيد الله بن عبد الله بن عتبة الهذلي المدني، كان بحرًا للعلم وجامعًا له، أثنى عليه الأئمة، توفي سنة 94 هـ، وقيل سنة 98 هـ، وقيل غير ذلك.
• وكان من تلامذة ابن عباس من يكثر له المراء كأبي سلمة، ومنهم من يترفق به كعبيد الله، فعَنْ أَبِي سَلَمَةَ، أَنَّهُ قَالَ:" لَوْ رَفَقْتُ بِابْنِ عَبَّاسٍ لَاسْتَخْرَجْتُ مِنْهُ عِلْمًا كَثِيرًا "(*).
• قَالَ الإمام الشَّعْبِيُّ: " كَانَ أَبُو سَلَمَةَ يُمَارِي ابْنَ عَبَّاسٍ؛ فَحُرِمَ بِذَلِكَ عِلْمًا كَثِيرًا "
(1)
.
• قَالَ الإمام الزُّهْرِيُّ: «كَانَ أَبُو سَلَمَةَ يَسْأَلُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَكَانَ يَخْزُن عَنْهُ، وَكَانَ عُبَيْدُ اللَّهِ يُلْطِفُهُ فَكَانَ يَغُرُّهُ غَرّاً»
(2)
: أي يطعمه كما يطعم العصفور صغيره.
(1)
التاريخ الكبير لأبي عبد الله البخاري (5/ 130) ط دائرة المعارف، وجامع بيان العلم لابن عبد البر (1/ 517).
الشعبي = هو الإمام أبو عمرو عامر بن شراحيل الهمداني الكوفي، سمع من ثمانين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، نعى لنا الحسنُ الشعبيَّ، فقال: كان والله كبير العلم، عظيم الحلم، قديم السلم، من الإسلام بمكان. توفي سنة 104 هـ.
(2)
فضائل الصحابة للإمام أحمد بن حنبل (2/ 959) ط الرسالة، والجامع لأخلاق الراوي للخطيب البغدادي (1/ 209).
3 - بَابُ مَنْ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالعِلْمِ
قال الإمام البخاري رحمه الله: حَدَّثنا أَبُو النُّعْمَانِ عَارِمُ بْنُ الفَضْلِ، قَالَ: حَدَّثنا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: تَخَلَّفَ عَنَّا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي سَفْرَةٍ سَافَرْنَاهَا، فَأَدْرَكَنَا وَقَدْ أَرْهَقَتْنَا الصَّلَاةُ، وَنَحْنُ نَتَوَضَّأُ، فَجَعَلْنَا نَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ:" وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ " مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا
(1)
.
• مناسبة هذا الباب للباب الذي قبله:
ترجم البخاري رحمه الله للباب السابق بقوله: «بَابُ مَنْ سُئِلَ عِلْمًا وَهُوَ مُشْتَغِلٌ فِي حَدِيثِهِ، فَأَتَمَّ الحَدِيثَ ثُمَّ أَجَابَ السَّائِلَ» ، وترجم لهذا الباب بقوله:«بَابُ مَنْ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالعِلْمِ» ، ومناسبة هذا الباب لما قبله هي: أنَّ العالِم قد يحتاج في إجابته لرفع صوته حتى يعقل المتعلم، أو لأنه لما ذكر فضل العلم، ثم أدب طلب العلم، ذكر تبليغ العلم، والتبليغ قد يحتاج إلى رفع الصوت للفهم، أو لكثرة الحاضرين فيلزم ذلك حتى يصل الصوت إليهم، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يرفع صوته بالموعظة كأنه منذر جيش
(2)
، وأصل العلم والموعظة لا يكون برفع الصوت إلا إذا احتيج لذلك.
(1)
من لطائف هذا الإسناد:
1 -
أنَّ فيه التحديث أي قوله (حدثنا)، وكذلك العنعنة أي قوله (عن).
2 -
أنَّ رواته ما بين بصري وواسطي ومكي.
(2)
أخرج مسلم في صحيحه (2/ 592 ح 867) من حديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: كَان رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَاخَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ، وَعَلا صَوْتُهُ، واشْتَدَّ غَضَبُهُ، حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ.
• قال ابن رشيد: في هذا التبويب رمز من المصنف إلى أنه يريد أن يبلغ الغاية في تدوين هذا الكتاب بأن يستفرغ وسعه في حسن ترتيبه وكذلك فعل رحمه الله
(1)
.
• تراجم بعض الرواة:
(أبو النعمان عارم بن الفضل): هو الإمام أبو النعمان محمد بن الفضل السدوسي البصري يلقب بعارم، توفي سنة 224 هـ.
(أبو عوانة): هو الإمام أبو عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكرى الواسطي، توفي سنة 175، وقيل 176 هـ.
(أبو بشر): هو الإمام أبو بشر جعفر بن إياس واسمه أبو وحشية اليشكرى الواسطي، كان ساجدًا خلف المقام حين مات. توفي سنة 123 هـ، وقيل غير ذلك.
(يوسف بن ماهك): هو الإمام يوسف بن ماهك بن بهزاد الفارسى المكى، توفي سنة 113 هـ، وقيل غير ذلك.
• بعض مفردات الحديث:
قول الصحابة رضي الله عنهم: (وَقَدْ أَرْهَقَتْنَا الصَّلاةُ)
(2)
أي تأخرنا عنها، وهذا يدل على أنَّ تأخير الصلاة عند الصحابة رضي الله عنهم كان أمرًا صعبًا عليهم، ومرهقًا لنفوسهم.
• سبب تأخير الصحابة للصلاة: قيل كان ذلك لعدم وجود النبي صلى الله عليه وسلم معهم، فأخروا الصلاة انتظارًا لإتيانه صلى الله عليه وسلم، فإنه ليس من دأب الصحابة رضي الله عنهم تأخير الصلاة بدون عذر.
(1)
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني (1/ 143) ط دار المعرفة.
(2)
هي صلاة العصر: كما جاء مصرحًا بها في البخاري ومسلم وغيرهما، وسيأتي قريبًا إن شاء الله تعالى.
قولهم رضي الله عنهم: (فَجَعَلْنَا نَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا) المراد بالمسح هنا الغسل الخفيف؛ لأنَّ الأمر في الآية
(1)
بالغسل، وكذلك كان فِعْلُ النبي صلى الله عليه وسلم دائما هو الغسل، ولا ضَيْرَ فقد يطلق المسح على الغسل، ويقصد به الغسل الخفيف.
وقوله صلى الله عليه وسلم (ويل): قيل: وادٍ في جَهَنَّمَ، وقيل: عذاب أليم، وقيل: صديد أهل النار.
• واستند العلماء إلى أنَّ المسح المراد به الغسل إلى رواية الإمام مسلم منْ حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنه، قَالَ: رَجَعْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِمَاءٍ بِالطَّرِيقِ تَعَجَّلَ قَوْمٌ عِنْدَ الْعَصْرِ، فَتَوَضَّؤُوا وَهُمْ عِجَالٌ فَانْتَهَيْنَا إِلَيْهِمْ وَأَعْقَابُهُمْ تَلُوحُ لَمْ يَمَسَّهَا الْمَاءُ فَقَالَ رَسُولُ صلى الله عليه وسلم:«وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ»
(2)
.
فلو كانوا يمسحون لأمرهم بالغسل؛ إنما قال: «أسبغوا» فهذا يدل على أنهم كانوا يغسلون، ولكنه ليس غسلًا مُسْبِغًا.
• في الباب فوائد منها:
الفائدة الأولى: جواز الإنكار من العالِم على الناس إن رأى منهم تضييع الفرائض والواجبات، فالنبي صلى الله عليه وسلم لما رأى أنهم لم يتموا شرطًا من شروط الصلاة وهو الوضوء نادى بأعلى صوته «وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ» .
الفائدة الثانية: تكرار القول والكلام إن احتيج إلى ذلك، وفي الحديث قال النبي صلى الله عليه وسلم:«وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ» مرتين أو ثلاثًا.
(1)
قوله تعالى في سورة المائدة {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} (آيه: 6).
(2)
أخرجه البخاري في صحيحه (1/ 22) في عدة مواضع منها ح 60، 96، 163، ومسلم في صحيحه (1/ 214 ح 241، 242).
وهذا يكون لسبب من الأسباب منها:
• التكرار لإفهام المستمع.
• التكرار لإسماعه إذا احتُمل عدم السماع لبعد ونحوه.
• التكرار لاحتمال أن يكون السامع منشغلًا.
• التكرار لأهمية الأمر وخطورته، وذلك كقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث «أَلا وَقَوْلُ الزُّورِ» ، وكرر ذلك
(1)
.
الفائدة الثالثة: جواز رفع الصوت بالعلم للحاجة، وهذا يدل على أنَّ الأصل في التعليم خفض الصوت، والتؤدة والسكينة، والرفق واللين.
الفائدة الرابعة: الحديث يدل على وجوب غسل الرِّجل، فقد علق النبي صلى الله عليه وسلم العقاب على عدم الإسباغ في الوضوء، فكيف لو اكتفى المتوضئ بالمسح.
• وهنا قاعدة: إنَّ الفعل إذا علق عليه عقاب دل على أنه محرم.
• وهنا شبهة:
قد زعم الروافض أنَّ المسح على القدمين جائز واستدلوا برواية شعبة عن عاصم والتي قرأ كلمة أرجلكم بالكسر في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6].
فقالوا: إن هذا يعود على الممسوحات أي وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم.
(1)
أخرجه البخاري في صحيحه (3/ 26 ح 1903، 5976، 5977) ط طوق النجاة، ومسلم في صحيحه (1/ 91 ح 143، 144) ط إحياء التراث.
• الجواب عن هذه الشبهة من وجوه:
• أنَّ الجر قد يكون على الجوار، فقد تكون الكلمة مرفوعة، ولكنها لما جاورت مجرورا جرت، ومنه قول العرب:(هذا جحرُ ضَبٍّ خَرِبٍ)
(1)
فكلمة (خربٍ) صفة لكلمة (جحرُ) وليست صفة لكلمة (ضبٍ)، وهي مرفوعة، لكنها لما جاورت المجرور جُرَّت.
• قد يكون المراد هنا الغسل الخفيف؛ لأنه يطلق عليه مسح، وقد يكون هذا لفائدة وهي: أنَّ الرِّجْلَ قد يُستخدم لغسلها ماء كثير، فنبه الشرع بذلك على عدم الإسراف في الماء فأمر بالغسل الخفيف.
• قد يكون المراد بالمسح هنا المسح على الخفين.
والأصل عندنا حمل المتشابه على المحكم، والمحكم يبينه فعل النبي صلى الله عليه وسلم وهو غسل الرجلين دائمًا، هذا إذا اعتبرناه متشابهًا.
الفائدة الخامسة: وجوب تعميم الأعضاء بالماء، وإن كان النص خاصًّا في الرِّجلين إلا أنَّ باقي الأعضاء تقاس عليهما، وقد ثبت ذلك أيضًا بالأدلة الأخرى.
الفائدة السادسة: وجوب تعليم الجاهل؛ لأنَّ فعل الصحابة رضي الله عنهم يدل على عدم علمهم، وصور التعليم تختلف باختلاف الحال فهنا رفع النبي صوته، وبين لهم عقاب هذا الفعل.
الفائدة السابعة: في قوله صلى الله عليه وسلم: «وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ» دليل على أنَّ الجسد يعذب في النار.
(1)
الكتاب لسيبويه (1/ 67) ط الخانجي، والمذكر والمؤنث لأبي بكر الأنباري (1/ 427) ط مجلس الشؤون الإسلامية - مصر.
مسألة:
يقول علماء الأصول: إنَّ الجزء إذا أطلق وأريد به الكل، دل على أنَّ هذا الجزء ركن
(1)
، فهل العقب ركن في الجسد؟ وإن لم يكن ركنًا، كيف أطلقه النبي صلى الله عليه وسلم وأراد به الجسد؟
الجواب: أنَّ العقب ليس بركن من أركان الجسد؛ لكنه السبب الأصلي في وقوع العذاب على سائر الجسد بسبب ترك غسله في الوضوء، فاعتبر من أجل ذلك ركنًا، وهو من باب إطلاق السبب، والمراد به صاحب السبب، فأطلق النبي صلى الله عليه وسلم العقب؛ لأنه هو السبب في ذلك العقاب.
الفائدة الثامنة: مراعاة العالِم للناس وخوفه عليهم، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يراقب أصحابه رضي الله عنهم ويراعي أعمالهم وأحوالهم.
الفائدة التاسعة: احتج بالحديث من قال بوجوب تخليل الأصابع؛ لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم رتب العقاب على ترك العقب، والعقب جزء خفي لأنه في الخلف، بينما الأصابع جزء ظاهر، فقالوا أنَّ ما بين الأصابع أولى بالغسل والتخليل لأنه شيء ظاهر.
الفائدة العاشرة: أدب الصحابة رضي الله عنهم ولين جانبهم، فلما عنفهم النبي صلى الله عليه وسلم، ورتب العقاب على ما فعلوه، لم يعترضوا ولم يتضجروا، ولم يعتذروا بعدم القصد والعمد، ولكنهم امتثلوا أمره صلى الله عليه وسلم.
الفائدة الحادية عشرة: فضل الاستعداد للعبادة، ويدل على ذلك أنهم رضي الله عنهم لما أرهقتهم الصلاة تعجلوا لإدراكها، فحدث لهم بسبب تعجلهم عدم الإسباغ للوضوء، وهذا يدل على أنه يجب على الإنسان أن يستعد للعبادة، ويتأهب لها،
(1)
الإعلام في أصول الأحكام لشيخنا عبد الفتاح بن محمد مصيلحي (ص 19) ط مكتبة العلوم والحكم.
وأن يجعل بينه وبين وقت الفرض وقتًا مناسبًا حتى يأتي بالفرائض والشروط والأركان على وجهها.
الفائدة الثانية عشرة: في هذا الحديث دليل على أنَّ الذي يترك شرطًا من الشروط ليس معذورًا طالما أنَّ الوقت لم يخرج؛ لأنَّ الغالب في ترك الشروط يكون من باب التفريط وعدم التأني، ومع أنَّ الصحابة فعلوا ذلك عن طريق الخطأ إلا أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم علق عليه العقاب.
4 - بَابُ قَوْلِ المُحَدِّثِ: حَدَّثَنَا، وَأَخْبَرَنَا، وَأَنْبَأَنَا
قال الإمام البخاري رحمه الله: وَقَالَ لَنَا الحُمَيْدِيُّ: " كَانَ عِنْدَ ابْنِ عُيَيْنَةَ حَدَّثَنَا، وَأَخْبَرَنَا، وَأَنْبَأَنَا، وَسَمِعْتُ وَاحِدًا.
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ الصَّادِقُ المَصْدُوقُ.
وَقَالَ شَقِيقٌ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَلِمَةً.
وَقَالَ حُذَيْفَةُ حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَدِيثَيْنِ.
وَقَالَ أَبُو العَالِيَةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ.
وَقَالَ أَنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ عز وجل.
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّكُمْ عز وجل.
• وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله:
ترجم البخاري رحمه الله للباب السابق بقوله بَابُ: مَنْ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالعِلْمِ، وهذا معناه: أنَّ العالِم قد يحتاج في إجابته لرفع صوته حتى يعقل المتعلم، ولما تعلم المتعلم العلم كان لزامًا عليه أن يبلغه، فأورد البخاري رحمه الله في هذا الباب طريقة إبلاغ هذا العلم وذلك من خلال صيغ التحديث.
وقد ذكر البخاري رحمه الله أكثر من صيغة من صيغ التبليغ والنقل.
وفي قوله: (كَانَ عِنْدَ ابْنِ عُيَيْنَةَ حَدَّثَنَا، وَأَخْبَرَنَا، وَأَنْبَأَنَا، وَسَمِعْتُ وَاحِدًا)
الظاهر من كونه بدأ به الباب يدل على أنَّ البخاري رحمه الله كان يأخذ بمذهب ابن عيينة رحمه الله في هذه المسألة.
• ففي الغالب يقدم البخاري من يأخذ بقوله في بداية الأبواب.
قال الإمام البخاري رحمه الله: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لا يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَإِنَّهَا مَثَلُ المُسْلِمِ، فَحَدِّثُونِي مَا هِيَ» فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ البَوَادِي، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، فَاسْتَحْيَيْتُ، ثُمَّ قَالُوا: حَدِّثْنَا مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «هِيَ النَّخْلَةُ» .
وسوف يذكر البخاري هذا الحديث أيضًا في الباب القادم وهو بَابُ طَرْحِ الإِمَامِ المَسْأَلَةَ عَلَى أَصْحَابِهِ لِيَخْتَبِرَ مَا عِنْدَهُمْ مِنَ العِلْمِ.
• وهنا يبين البخاري رحمه الله طريقة من طرق التعليم، حيث إنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يتخذ طرقًا عدة للتعليم منها:
1) أنه كان صلى الله عليه وسلم يخبرهم بالعلم مباشرة.
2) طريقة الاختبار أي السؤال والجواب.
3) طريقة التشبيه وضرب الأمثال، وغيرها.
وهذا الحديث من طريقة التشبيه وضرب الأمثال، فالنبي صلى الله عليه وسلم شبه المسلم بالنخلة، وهذا التشابه حاصل من عدة وجوه منها:
• البركة: فالنخلة مثل المسلم في البركة، فالتمر من الأطعمة المفيدة والغنية بالعناصر الغذائية المختلفة، وفيه يقول النبي صلى الله عليه وسلم «لا يَجُوعُ أَهْلُ بَيْتٍ عِنْدَهُمُ التَّمْرُ»
(1)
.
(1)
أخرجه مسلم في صحيحه (3/ 1618) من حديث أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها.
• ويستخدم نوى البلح علفًا للحيوانات.
• وكذلك يستخدم النوى في إنتاج الفحم البلدي وزيت النوى.
• ويؤكل جُمَّار النخيل فيمد الإنسان بالسكريات والدهون والبروتين والأملاح المعدنية والفيتامينات.
• وتستعمل جذوع النخيل في أعمال البناء والنجارة.
• وتستعمل الأوراق في تسقيف المنازل، كما يدخل في صناعة الورق.
• تستعمل أعناق الأوراق في صناعة الكراسي والأقفاص والأسرة والسلال.
• ويستعمل الليف البني في صناعة الحبال والمكانس اليدوية وفي صناعة الحصر.
وكذلك المسلم فإنه مبارك نافع كله فينتفع بجميع أقواله وأفعاله.
• ورق النخلة لا يسقط، وكذلك المسلم لا تسقط له دعوة بغير إجابة ولا بغير فائدة، ويظهر هذا في رواية الحارث في مسنده لحديث: ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنه قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ: «إِنَّ مَثَلَ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ شَجَرَةٍ لَا يَسْقُطُ لَهَا أُنْمُلَةٌ، أَتَدْرُونَ مَا هِيَ؟ قَالُوا: لا، قَالَ: هِيَ النَّخْلَةُ، لا تَسْقُطُ لَهَا أُنْمُلَةٌ، وَلَا يَسْقُطُ لِمُؤْمِنٍ دَعْوَةٌ»
(1)
.
• الثبات: فالنخلة أصلها ثابت وفرعها في السماء، وكذلك المسلم تجده ثابتًا مستمسكًا، والنخلة من صفاتها أنها خضراء لا تيبس وكذلك المسلم.
• قال الحسن البصري: تلقى المسلم عامًا بعد عام وهو على كلمة واحدة، ونية واحدة، وعبادة واحدة، والمنافق تجده في كل وقت بحال.
(1)
بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث (2/ 965) ط مركز خدمة السنة النبوية.
• من أوجه الشبه بين النخلة والمؤمن: أنَّ كليهما امتداده إلى السماء: وإن كان المسلم يحيا في الأرض ببدنه، ولكن قلبه وروحه معلقان دائما بالسماء.
• عزة النخلة وشموخها: وكذلك المسلم قال تعالى: {وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ} [ق: 10]، باسقات يعني طويلات.
سؤال: لماذا لم يقل تعالى طويلات وقال باسقات؟
الجواب: لأن الباسقات معناها الطويلات المعتدلات القائمات، فقد يكون الشيء طويلًا، لكنه منحنٍ ومائل، فالمسلم دائما يكون في عزة بدينه وبتعلقه بربه، وثقته بنفسه، فيكون شامخًا حتى وإن كان ضعيفًا.
• لين المسلم وحسن خلقه وأنه لا يقابل السيئة بالسيئة، ولكنه يقابل السيئة بالحسنة، وهكذا النخلة إذا رُمِيَت بالحجارة فإنها تسقط رطبًا.
• النخل ينتفع به الإنسان والحيوان وسائر الدواب، وكذلك المسلم قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:«إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرَضِينَ حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا وَحَتَّى الحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الخَيْرَ»
(1)
، فهذا دليل على أنهم يستفيدون من المسلم ببركة طاعته وإيمانه ووجوده في الأرض.
• النخلة يُنتَفَع بها حية وميتة، مثمرة أو غير مثمرة، وكذلك المسلم قد ينتفع به حيًّا وميتًا، كأن ينتفع الناس بصدقته الجارية، وعلمه النافع، وغير ذلك.
هذه جملة من أوجه الشبه بين النخلة والمسلم، وغير ذلك.
(1)
أخرجه الترمذي في جامعه بهذا اللفظ (4/ 347) ط دار الغرب الإسلامي. والحديث يحسن بمجموع طرقه.
• ومن فقه البخاي رحمه الله وسعة علمه، ودقة فهمه، أنه ذكر هذا الحديث في أكثر من موضع من كتابه
(1)
:
1) ذكره في كتاب العلم في عدة أبواب:
• (بَابُ قَوْلِ المُحَدِّثِ: حَدَّثَنَا، وَأَخْبَرَنَا، وَأَنْبَأَنَا).
• (بَابُ طَرْحِ الإِمَامِ المَسْأَلَةَ عَلَى أَصْحَابِهِ لِيَخْتَبِرَ مَا عِنْدَهُمْ مِنَ العِلْمِ).
• (بَاب الفَهْمِ فِي العِلْمِ).
• (بَاب الحَيَاءِ فِي العِلْمِ).
2) وفي كتاب البيوع: (بَاب بَيْعِ الجُمَّارِ وَأَكْلِهِ)، وإن كان لم يرد في الحديث بيع، ولكنه كأنه يشير رحمه الله للقاعدة الشرعية "أنَّ كل ما جاز أكله جاز بيعه"، وأكل النبي صلى الله عليه وسلم الجمار فهو دليل على جواز بيعه.
3) وجاء في كتاب تفسير القرآن: بَاب قَوْلِهِ تعالى: {كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ} [إبراهيم: 24]، وذكره في التفسير يشير إلى أنَّ البخاري رحمه الله يؤيد الرأي الذي يقول أنَّ الشجرة المذكورة هي النخلة.
4) وفي كتاب الأطعمة: (بَابُ بَرَكَةِ النَّخْلِ)، (بَابُ أَكْلِ الجُمَّارِ).
5) وفي كتاب الأدب: (بَاب مَا لا يُسْتَحْيَا مِنَ الحَقِّ لِلتَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ)، (بَابُ إِكْرَامِ الكَبِيرِ، وَيَبْدَأُ الأَكْبَرُ بِالكَلامِ وَالسُّؤَالِ).
(1)
وهذه مواضعه بالأرقام [62، 72، 131، 2209، 4698، 5444، 5448، 6122، 6144].
• تراجم بعض الرواة:
(الحميدي): هو الإمام أبو بكر عبد الله بن الزبير بن عيسى القرشي الأسدي المكي، قال عنه سفيان بن يعقوب: ما لقيت أنصح للإسلام وأهله منه. توفي سنة 119 هـ، وقيل بعدها.
(ابن عيينة): هو الإمام أبو محمد سفيان بن عيينة بن أبي عمران الكوفي المكي، قال عن نفسه: كنت أخرج إلى المسجد فأتصفح الحلق، فإذا رأيت مشيخة وكهولًا جلست إليهم، وأنا اليوم قد اكتنفنى هؤلاء الصبيان، توفي في مكة سنة 198 هـ.
(أبو العالية): هو الإمام أبو العالية رفيع بن مهران الرياحي البصري، وقال عنه أبو بكر بن أبى داود: ليس أحد بعد الصحابة أعلم بالقرآن من أبى العالية، اختلف في وفاته، فقيل في ولاية الحجاج، وقيل سنة 90 هـ، وقيل غير ذلك.
(قتيبة بن سعيد): هو الإمام أبو رجاء قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف الثقفى البلخى، قال عنه الفرهياني: ليس أحد من الكبار إلا وقد حمل عنه بالعراق، توفي سنة 240 هـ.
(إسماعيل بن جعفر): هو الإمام أبو إسحاق إسماعيل بن جعفر بن أبى كثير الأنصارى الزرقى المدني، شارك الإمام مالك فى أكثر شيوخه كما قال الخليلي، توفي سنة 180 هـ.
(عبد الله بن دينار): هو الإمام أبو عبد الرحمن عبد الله بن دينار القرشي مولى ابن عمر رضي الله عنه توفي سنة 127 هـ.
• في الباب فوائد منها:
الفائدة الأولى: امتحان العالم لأذهان أصحابه بما يخفى عليهم، مع بيانه لهم إن لم يفهموه، وهذه هي طريق الاستنباط والمناقشة في التعلم، لكن يشترط في هذا الاختبار ألا يكون الأمر خفيًّا خفاءًا تامًّا، ولابد أن يذكر السائل بعض القرائن، كقوله صلى الله عليه وسلم «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا» ، وقول ابن عمر رضي الله عنه: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يَأْكُلُ جُمَّارًا.
الفائدة الثانية: التحريض على الفهم في العلم، والحث على ذلك.
الفائدة الثالثة: أن يوثق بالصغير أحيانًا ما لم يوثق فيه بالكبير؛ لأن العلم عطاء وهبات من الله، ولذلك كان عمر يُدخِل ابن عباس مع أشياخ الصحابة الكبار، ففي البخاري: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ عُمَرُ يُدْخِلُنِي مَعَ أَشْيَاخِ بَدْرٍ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لِمَ تُدْخِلُ هَذَا الفَتَى مَعَنَا وَلَنَا أَبْنَاءٌ مِثْلُهُ؟ فَقَالَ: «إِنَّهُ مِمَّنْ قَدْ عَلِمْتُمْ» قَالَ: فَدَعَاهُمْ ذَاتَ يَوْمٍ وَدَعَانِي مَعَهُمْ قَالَ: وَمَا رأِيتُهُ دَعَانِي يَوْمَئِذٍ إِلَّا لِيُرِيَهُمْ مِنِّي، فَقَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2)} [النصر: 1 - 2] حَتَّى خَتَمَ السُّورَةَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أُمِرْنَا أَنْ نَحْمَدَ اللَّهَ وَنَسْتَغْفِرَهُ إِذَا نُصِرْنَا وَفُتِحَ عَلَيْنَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لا نَدْرِي، أَوْ لَمْ يَقُلْ بَعْضُهُمْ شَيْئًا، فَقَالَ لِي: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، أَكَذَاكَ تَقُولُ؟ قُلْتُ: لا، قَالَ: فَمَا تَقُولُ؟ قُلْتُ: هُوَ أَجَلُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَعْلَمَهُ اللَّهُ لَهُ: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالفَتْحُ فَتْحُ مَكَّةَ، فَذَاكَ عَلَامَةُ أَجَلِكَ: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا. قَالَ عُمَرُ: مَا أَعْلَمُ مِنْهَا إِلَّا مَا تَعْلَمُ»
(1)
.
(1)
أخرجه البخاري في صحيحه (5/ 149 ح 4294) وفي أكثر من موضع ط طوق النجاة.
سؤال: هل إجابة ابن عمر لسؤال النبي صلى الله عليه وسلم أفضل أم السكوت هو الأفضل؟
الجواب: قيل إنَّ فعل ابن عمر رضي الله عنه من عدم الإجابة كان هو الأفضل؛ لأنه غلب عليه الأدب فاستحيا، وإن كان أبوه تمنى أن لو أجاب، لكن إن منع الإنسان من التقدم الأدب فإنه يكافأ عليه.
• ومن ذلك رجوع أبي بكر رضي الله عنه لما تأخر النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة وأَمَّ هو الناس، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجع إلى الوراء، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ:«يَا أَبَا بَكْرٍ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَثْبُتَ إِذْ أَمَرْتُكَ» .
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا كَانَ لِابْنِ أَبِي قُحَافَةَ أَنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم
(1)
.
• قال ابن القيم رحمه الله: بكل خطوة إلى وراء مراحل إلى قدام تنقطع فيها أعناق المطي
(2)
.
• وقد وُصِف ابن عمر رضي الله عنه هنا بالأدب والفهم معًا.
• تنبيه:
هناك أوقات يولد فيها الإنسان، فابن عمر رضي الله عنه ولد واكتشف في هذا الموقف.
• لذا قيل: إنَّ للإنسان مولدين: يولد يوم أن تضعه أمه، ويولد في العلم والفهم.
ومثال ذلك: ابن عباس رضي الله عنه فقد كانت ولادته في الشعب قبل الهجرة بثلاث
(1)
أخرجه البخاري في صحيحه (1/ 138 ح 684) ط طوق النجاة، ومسلم في صحيحه (1/ 316 ح 421) ط إحياء التراث، كلاهما من حديث سهل بن سعد الساعدي.
(2)
مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين. لابن القيم (2/ 369) ط الكتاب العربي.
ابن القيم = هو الإمام العلامة الفقيه المجتهد شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب الدمشقي، لزم شيخ الإسلام بعد عودته من مصر سنة 712 هـ حتى مات فأخذ عنه علمًا جمًّا، أثنى عليه الأئمة منهم ابن كثير، وابن رجب، والشوكاني، وغيرهم. توفي سنة 751 هـ.
سنين، أما ولادته كعالم للأمة فكان عند وضعه وضوءًا للنبي صلى الله عليه وسلم فقَالَ:«مَنْ وَضَعَ هَذَا فَأُخْبِرَ فَقَالَ اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ»
(1)
، فإنَّ وقت دعاء النبي صلى الله عليه وسلم وقت ولادة ابن عباس في العلم والفهم، وكذلك ابن عمر ولد في الشريعة والعلم وقت هذا الحديث، فعُلِمَ أنه له فهمًا وعلمًا وأدبًا وحياءًا.
الفائدة الرابعة: استحباب الحياء ما لم يؤد لتفويت مصلحة، وحياء ابن عمر لم يفوت مصلحة؛ لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قد أجاب عن السؤال، أما عمر فقد اعتبر أنَّ ابنه فوت مصلحة، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَحَدَّثْتُ أَبِي بِمَا وَقَعَ فِي نَفْسِي، فَقَالَ:«لَأَنْ تَكُونَ قُلْتَهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِي كَذَا وَكَذَا» ، وذلك لأن ابن عمر ربما لو أجاب لكان دعا له النبي صلى الله عليه وسلم فقد فاتته الدعوة، وكذلك فاته الحظوة، والمكانة في الدين.
الفائدة الخامسة: أنَّ الدنيا لا تساوي شيئًا في الآخرة، قال عمر رضي الله عنه:" لأَنْ تَكُونَ قُلْتَهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا، أَوْ قَالَ: مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ ".
الفائدة السادسة: جواز تجمير النخل، وبيع الجمار وأكله.
الفائدة السابعة: جواز ضرب الأمثال لزيادة الفهم.
الفائدة الثامنة: فيه دليل على علو فهم الصحابة، وتمييزهم بين سؤال وسؤال، فإنَّ الصحابة قد أجابوا هنا واجتهدوا، ولكنهم وقعوا في شجر البوادي، لأنهم لم يلتفتوا لقرائن الحال كوجود الجمار.
وقد ثبت أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم سألهم في مواضع فأجابوا بقولهم: الله ورسوله أعلم كما جاء في حديث أبي بكرة عند البخاري وكان في حجته صلى الله عليه وسلم «أَتَدْرُونَ أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» ، قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ:«أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ؟» قُلْنَا: بَلَى، قَالَ:«أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» ، قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى
(1)
أخرجه البخاري في صحيحه (1/ 41) ح 143، وأخرجه مسلم في صحيحه (4/ 1927) ح 2477.
ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، فَقَالَ «أَلَيْسَ ذُو الحَجَّةِ؟» ، قُلْنَا: بَلَى، قَالَ «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ
(1)
، وذلك لأن الموقف موقف تشريع فظنوا أنه صلى الله عليه وسلم سيميه بغير اسمه، لكن في حديث ابن عمر لما علموا أنَّ السؤال مجردٌ أجابوا.
الفائدة التاسعة: الاشتراك اللفظي لا يلزم منه الاشتراك في كل الأحكام والدلائل، فالنخلة والمسلم لا يستويان في كل شيء؛ حيث إنَّ المسلم لا يساويه شيئٌ من مخلوقات الله تعالى.
الفائدة العاشرة: عدم المبادرة بالصواب إن كان هناك مانع، فابن عمر كان يعلم الصواب، لكنه منعه الأدب والحياء، فلم يتقدم على أبي بكر، ولا على أبيه عمر، وأهل الفضل والمنزلة لأنه لا يستحب للابن أن يتقدم على أبيه، ولا على أهل المنزلة والفضل.
الفائدة الحادية عشرة: يدل الحديث على أنَّ الخواطر التي تقع في القلب من محبة الثناء ونحو ذلك لا بأس بها إذا كان العمل من أصله خالصًا لله عز وجل، وذلك حيث إنَّ عمر تمنى أن يجيب ابنه فيفوز بالثناء والحظوة عند النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
الفائدة الثانية عشرة: حب الوالد لولده حتى وإن تقدم عليه، وخاصة إن كان ذلك بقربه، وحظوته عند الصالحين.
الفائدة الثالثة عشرة: تنوع أساليب التربية والتعليم كما سبق.
الفائدة الرابعة عشرة: محاولة العالِم اكتشاف المواهب بطرح الأسئلة والاختبار؛ لأنه من ها هنا اكتشف ابن عمر.
(1)
أخرجه البخاري في صحيحه (1/ 24 ح 67) وفي عدة مواضع أيضًا، ومسلم في صحيحه (3/ 1305 ح 1679).
• قال ابن المعتز رحمه الله: كما أنَّ الشمس لا يخفى ضوؤها وإن كان تحتها سحاب، كذلك الصبي لا يخفى غريزة عقله، وإن كانت مطمورة بأطمار الحداثة
(1)
.
الفائدة الخامسة عشرة: عدم احتقار أحدٍ أو التهاون به لصغرٍ ونحوه.
وكما قال الشافعي رحمه الله:
عليّ ثياب لو تباع جميعها بفلس لكان الفلس منهن أكثرا
وفيهن نفس لو تقاس ببعضها نفوس الورى كانت أجل وأكبرا
وما ضر نصل السيف إخلاق غمده إذا كان عضبًا حيث وجهته فرى
(2)
.
الفائدة السادسة عشرة: أهمية التربية وتعاهد الأب لابنه وتوجيهه وإرشاده.
الفائدة السابعة عشرة: يعتبر الحديث أصل في باب الأدب، قال علي رضي الله عنه في تفسير قوله تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} [التحريم: 6] قال: أدبوهم وعلموهم
(3)
.
(1)
الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي (2/ 275) ط دار ابن الجوزي، زهر الآداب وثمر الألباب لأبي إسحاق الحُصري القيرواني (2/ 599) ط دار الجيل.
ابن المعتز = هو الأمير الأديب الشاعر أبو العباس عبد الله بن المعتز بن المتوكل بن المعتصم بن هارون الرشيد، قال عنه ابن خلكان: كان أديبًا بليغًا شاعرًا مقتدرًا على الشعر قريب المأخذ سهل اللفظ جيد القريحة، حسن الإبداع للمعاني، مخالطاً للعلماء والأدباء معدودًا من جملتهم. وقال عنه صلاح الدين الصفدي: وكان سني العقيدة منحرفًا عن العلويين. قُتل سرَّا سنة 296 هـ.
(2)
تاريخ بغداد للخطيب البغدادي (16/ 157) ط دار الكتب العلمية، الآداب الشرعية والمنح المرعية لابن مفلح الحنبلي (3/ 528) ط عالم الكتب.
(3)
البر والصلة لأبي عبد الله المروزي (ص 99) ط دار الوطن، تفسير الطبري (23/ 103) ط دار هجر.
• قِيلَ لِلْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رضي الله عنه: أَيُّمَا أَكْبَرُ أَنْتَ أَمِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم؟
فَقَالَ: " هُوَ أَكْبَرُ مِنِّي وَأَنَا وُلِدْتُ قَبْلَهُ "
(1)
.
• قال ابن سيرين رحمه الله: كانوا يتعلمون الهدي كما يتعلمون العلم.
وجاء التابعون من بعدهم على هذا النحو فكان الحسن البصري رحمه الله يقول: إن كان الرجل ليخرج في أدب نفسه يكسبه السنتين ثم السنتين
(2)
.
• قال ابن المقفع رحمه الله: ولسنا إلى ما يمسك أرماقنا من المأكل والمشرب بأحوج منا إلى ما يثبت عقولنا من الأدب الذي به تقاوت العقول، وليس غذاء الطعام بأسرع في نبات الجسد من غذاء الأدب في نبات العقل
(3)
.
• قال الثوري رحمه الله: حسن الأدب يطفئ غضب الرب
(4)
.
• قال ابن المبارك رحمه الله: لو وصف لي رجل عنده علم الأولين والآخرين لم أتأسف على فوات لقائه، وأما إذا سمعت أنَّ رجلًا عنده أدب النفس تمنيت لقاءه وأتأسف على فوته
(5)
.
(1)
أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (33921)، و ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (350)، والدينوري في المجالسة (3391)، والحاكم في المستدرك (5398).
(2)
تذكرة السامع والمتكلم لابن جماعة (ص 31) ط دار البشائر.
(3)
الأدب الصغير والأدب الكبير لابن المقفع (ص 15) ط دار صادر. والرَّمَق - بفتحتين -: بقية الحياة، وقد يطلق على القوة.
ابن المقفع = هو أحد البلغاء والفصحاء عبد الله بن المقفع، كان مجوسيًّا من أهل فارس ثم أسلم.
(4)
حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (6/ 362) الناشر دار السعادة.
(5)
الآداب الشرعية والمنح المرعية لابن مفلح الحنبلي (3/ 552) ط عالم الكتب، وقال أيضا: طلبت العلم فأصبت فيه شيئًا، وطلبت الأدب فإذا أهله قد ماتوا.
هذا كلام شيخ الإسلام الإمام الزاهد ابن المبارك، وهو من هو في العلم والأدب، وعن أي زمان يتحدث عن زمان كَثُرَ فيه الأئمة والعباد، فماذا عن زماننا!!!.
• كان المعتمر بن سليمان رحمه الله يحدث الناس، فلما دخل عليه ابن المبارك سكت فقالوا لِمَ سكتَّ؟
قال: لا نتكلم عند كبرائنا
(1)
.
• وكان الثوري رحمه الله إذا دخل عليه أبو حنيفة قام بعد أن يسكت، فيُسأَل عن ذلك، فيقول: إن لم أقم لعلمه قمت لسنه
(2)
.
(1)
الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي (1/ 320) ط مكتبة المعارف.
المعتمر بن سليمان = هو الإمام الحافظ أبو محمد المعتمر بن سليمان التيمي، كان من كبار العلماء في زمانه، توفي سنة 187 هـ.
(2)
أخبار أبي حنيفة وأصحابه لأبي عبد الله الصَّيْمَري (ص 81) ط عالم الكتب، وتاريخ بغداد (15/ 459) ط دار الغرب الإسلامي، تهذيب الأسماء واللغات للنووي (2/ 220) ط دار الكتب العلمية.
أبو حنيفة = هو الإمام المجتهد إمام أصحاب الرأي الفقيه أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن زَوْطي الكوفي، قال عنه يزيد بن هارون: أدركت الناس فما رأيت أحدًا أعقل ولا أفضل ولا أورع من أبي حنيفة. وقال عنه ابن المبارك: أبو حنيفة أفقه الناس، توفي سنة 150 هـ.
5 - بَابُ طَرْحِ الإِمَامِ المَسْأَلَةَ عَلَى أَصْحَابِهِ
لِيَخْتَبِرَ مَا عِنْدَهُمْ مِنَ العِلْمِ
قال الإمام البخاري رحمه الله: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لا يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَإِنَّهَا مَثَلُ المُسْلِمِ، حَدِّثُونِي مَا هِيَ» قَالَ: فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ البَوَادِي قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، فَاسْتَحْيَيْتُ، ثُمَّ قَالُوا: حَدِّثْنَا مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ:«هِيَ النَّخْلَةُ» .
• تراجم بعض الرواة:
(خالد بن مخلد): هو الغمام أبو الهيثم خالد بن مخلد القطواني البجلي، وهو من كبار شيوخ الإمام البخاري، واختلف في وفاته فقيل سنة 213 هـ، وقيل 214 هـ.
(سليمان بن بلال): هو الإمام سليمان بن بلال التيمي المدني، قال عنه عبد الرحمن بن مهدى: ندمت أن لا أكون أكثرت عنه. توفي سنة 177 هـ.
• وفائدة إعادته لهذا الحديث مع أنَّ لفظه واحد سوى ما وقع التنبيه عليه، اختلاف سنده المؤذِن بتعدد مشايخه، واتساع رواياته، مع استفادة الحكم المترجم له، المقتضي لدقة نظره في تصرفه في تراجم أبوابه، كما وقع له ذلك.
الفوائد من الحديث سبقت في الباب السابق.
6 - بَابُ مَا جَاءَ فِي العِلْمِ. وَقَوْلِهِ تَعَالَى:
{وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114]
قال البخاري رحمه الله: القِرَاءَةُ وَالعَرْضُ عَلَى المُحَدِّثِ وَرَأَى الحَسَنُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَمَالِكٌ:«القِرَاءَةَ جَائِزَةً» وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ فِي القِرَاءَةِ عَلَى العَالِمِ " بِحَدِيثِ ضِمَامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ: قَالَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ تُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ قَالَ: «نَعَمْ» قَالَ: «فَهَذِهِ قِرَاءَةٌ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَخْبَرَ ضِمَامٌ قَوْمَهُ بِذَلِكَ فَأَجَازُوهُ» وَاحْتَجَّ مَالِكٌ: " بِالصَّكِّ يُقْرَأُ عَلَى القَوْمِ، فَيَقُولُونَ أَشْهَدَنَا فُلانٌ وَيُقْرَأُ ذَلِكَ قِرَاءَةً عَلَيْهِمْ وَيُقْرَأُ عَلَى المُقْرِئِ، فَيَقُولُ القَارِئُ: أَقْرَأَنِي فُلانٌ " حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلامٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ الوَاسِطِيُّ، عَنْ عَوْفٍ، عَنِ الحَسَنِ، قَالَ:«لا بَأْسَ بِالقِرَاءَةِ عَلَى العَالِمِ» وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الفَرَبْرِيُّ، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ البُخَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: إِذَا قُرِئَ عَلَى المُحَدِّثِ فَلا بَأْسَ أَنْ يَقُولَ: حَدَّثَنِي قَالَ: وَسَمِعْتُ أَبَا عَاصِمٍ يَقُولُ عَنْ مَالِكٍ، وَسُفْيَانَ القِرَاءَةُ عَلَى العَالِمِ وَقِرَاءَتُهُ سَوَاءٌ.
في هذا الباب أراد البخاري رحمه الله أن يثبت أنَّ القراءة على الشيخ مثل قراءة الشيخ على التلميذ، فهي صورة من صور التحمل والتعليم.
فيجوز للطالب أن يقرأ على الشيخ ويقول أقرأني الشيخ، أو علمني الشيخ، أو أعطاني ونحو هذا.
وسبب تبويب البخاري لهذا الباب هو: أنَّ هناك من العلماء وخاصة بعض علماء العراق في ذلك الزمان أو قبله كانوا ينكرون القراءة على الشيخ، فهو ليس
تحملًا عندهم أي لابد أن تكون القراءة من الشيخ على الطالب.
• وجه مناسبة هذا الباب بالباب الذي قبله:
الباب السابق [بَابُ طَرْحِ الإِمَامِ المَسْأَلَةَ عَلَى أَصْحَابِهِ لِيَخْتَبِرَ مَا عِنْدَهُمْ مِنَ العِلْمِ] يعني قراءة الشيخ على الطالب، ثم جاء بهذا الباب بعده وهو قراءة الطالب على الشيخ، فالبخاري رحمه الله يريد أن يذكر كل صور التحمل التي وردت من طريقه، سواء كانت بالتحديث أو بالقراءة على الشيخ، وهو يُبَيِّنُ أنَّ كليهما جائز عنده، واستدل على ذلك بحديث ضمام، فكأنه قرأ على النبي صلى الله عليه وسلم (آللَّهُ أَرْسَلَكَ إِلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ؟ فَقَالَ:«اللَّهُمَّ نَعَمْ» .
قال البخاري رحمه الله: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدٍ هُوَ المَقْبُرِيُّ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يَقُولُ: بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي المَسْجِدِ، دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى جَمَلٍ، فَأَنَاخَهُ فِي المَسْجِدِ ثُمَّ عَقَلَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: أَيُّكُمْ مُحَمَّدٌ؟ وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مُتَّكِئٌ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ، فَقُلْنَا: هَذَا الرَّجُلُ الأَبْيَضُ المُتَّكِئُ. فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: يَا ابْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «قَدْ أَجَبْتُكَ» . فَقَالَ الرَّجُلُ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: إِنِّي سَائِلُكَ فَمُشَدِّدٌ عَلَيْكَ فِي المَسْأَلَةِ، فَلا تَجِدْ عَلَيَّ فِي نَفْسِكَ؟ فَقَالَ:«سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ» فَقَالَ: أَسْأَلُكَ بِرَبِّكَ وَرَبِّ مَنْ قَبْلَكَ، آللَّهُ أَرْسَلَكَ إِلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ؟ فَقَالَ:«اللَّهُمَّ نَعَمْ» . قَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ نُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ الخَمْسَ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ؟ قَالَ:«اللَّهُمَّ نَعَمْ» . قَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ نَصُومَ هَذَا الشَّهْرَ مِنَ السَّنَةِ؟ قَالَ:«اللَّهُمَّ نَعَمْ» . قَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ تَأْخُذَ هَذِهِ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِنَا فَتَقْسِمَهَا عَلَى فُقَرَائِنَا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:«اللَّهُمَّ نَعَمْ» .
فَقَالَ الرَّجُلُ: آمَنْتُ بِمَا جِئْتَ بِهِ، وَأَنَا رَسُولُ مَنْ وَرَائِي مِنْ قَوْمِي، وَأَنَا ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ أَخُو بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ، وَرَوَاهُ مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، وَعَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الحَمِيدِ،
عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ المُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِهَذَا
(1)
.
• تراجم بعض الرواة:
(الحسن): هو الإمام أبو سعيد الحسن بن أبى الحسن واسمه يسار البصرى الأنصارى، وهو شيخ أهل البصرة، أكثر كلامه حِكَمٌ وبلاغة، وهو أحد أئمة الهُدى والسنة، توفي سنة 110 هـ.
(الثوري): هو الإمام أبو عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثورى الكوفي، وهو أمير المؤمنين في الحديث، قال غير واحد من الأئمة: لم نر مثل سفيان، توفي سنة 161 هـ.
(أبو عاصم): هو الإمام أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني المعروف بالنبيل، قيل: لقب بهذا اللقب لأجل أنه قدم الفيل البصرة، فذهب الناس ينظرون إليه، فقال له ابن جُريج: مالك لا تنظر؟ فقال: "لا أجد منك عوضًا"، فقال: أنت نبيل، وقال عن نفسه: مُذْ عَقَلْت أنَّ الغيبة حرام ما اغتبت أحدًا قطّ. اختلف في وفاته فقيل سنة 211 هـ، وقيل سنة 212 هـ، وقيل غير ذلك.
(مالك): هو الإمام أبو عبد الله مالك بن أنس الأصبحي إمام دار الهجرة، والكلام عنه وعن فضائله ومناقبه من نافلة القول. توفي سنة 179 هـ.
(محمد بن سلام): هو الإمام أبو عبد الله محمد بن سلام البيكندي محدث ما وراء النهر، قال عن نفسه: أنفقت في طلب العلم أربعين ألفًا، ومثلها في نشره، وانكسر قلمه يومًا في مجلس شيخه، فأمر أن يُنادى قلم بدينار، فتطايرت إليه
(1)
من لطائف هذا الإسناد:
1 -
أنَّ فيه التحديث في قوله (حدثنا)، والعنعنة في قوله (عن)، والسماع في قوله (أنه سمع).
2 -
أنَّ رواته ما بين تنيسيّ ومصري ومدني.
3 -
أنَّ فيه رواية تابعي عن تابعي أي المقبري عن شريك.
الأقلام.
(محمد بن الحسن الواسطي): هو الإمام محمد بن الحسن بن عمران المزنى الواسطى القاضي، وهو من الثقات.
(عوف): هو الإمام أبو سهل عوف بن أبى جميلة العبدى الهجرى البصري المعروف بالأعرابي، اختلف في وفاته فقيل سنة 146 هـ، وقيل: 147 هـ.
(محمد بن يوسف الفربري): هو الإمام أبو عبد الله محمد بْن يوسف بْن مطر بْن صالح بْن بِشْر الفربري، الفِرَبْرِيّ بكسر الفاء وفتْحها، نسبةً إلى قرية فِرَبْر من قرى بُخَارَى، سمع " الصحيح " من الْبُخَارِيّ تسعون ألف رَجُل، فما بقي أحدٌ يرويه غيري. توفي سنة 320 هـ.
(عبيد الله بن موسى بن باذام): هو الإمام أبو عبيد الله بن موسى بن أبى المختار واسمه باذام الكوفي، كان عالمًا بالقرآن، رأسًا فيه كما قال العجلي. اختلف في وفاته فقيل سنة 213 هـ، وقيل غير ذلك.
(عبد الله بن يوسف): هو الإمام أبو محمد عبد الله بن يوسف التنيسى المصري، قال عنه ابن معين: ما بقى على أديم الأرض أحد أوثق فى " الموطأ " من عبد الله بن يوسف التنيسى. توفي سنة 218 هـ.
(الليث): هو الإمام أبو الحارث الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمى المصري، قال عنه ابن بكير: رأيت من رأيت فلم أر مثل الليث. توفي سنة 175 هـ.
(سعيد المقبري): هو الإمام أبو سعد سعيد بن أبي سعيد واسمه كيسان المقبري المدني، والمقبرى نسبة إلى مقبرة بالمدينة، كان مجاورًا لها، وثقه وأثنى عليه جمع من الأئمة، وتوفي سنة 120 هـ، وقيل قبلها، وقيل بعدها.
(شريك بن عبد الله بن أبي نمر): هو الإمام أبو عبد الله شريك بن عبد الله بن أبى نمر القرشى المدني، اختلف في وفاته فقيل سنة 140، وقيل 144 هـ.
(موسى بن إسماعيل): هو الإمام أبو سلمة موسى بن إسماعيل المنقرى التبوذكى البصرى، قال عنه ابن معين: ما جلست إلى شيخ إلا هابنى أو عرف لى ما خلا هذا الأثرم التبوذكى، توفي سنة 223 هـ.
(علي بن عبد الحميد): هو الإمام على بن عبد الحميد بن مصعب بن يزيد الكوفي، قال عنه ابن وارة: كان من الفاضلين. اختلف في وفاته فقيل سنة 122 هـ، وقيل سنة 121 هـ.
(سليمان): هو الإمام أبو سعد سليمان بن المغيرة القيسى البصري، كان من خيار الناس كما قال أبو داود الطيالسي، قال القعنبي: ما رأيت بصريًّا أفضل منه. توفي سنة 165 هـ.
(ثابت): هو الإمام أبو محمد ثابت بن أسلم البنانى البصري، قال عنه الإمام شعبة: كان ثابت يقرأ القرآن فى كل يوم وليلة، ويصوم الدهر. وقال عنه أيضًا بكر المزني: ما أدركنا أعبد منه. توفي في ولاية خالد القسري.
• وفي الباب فوائد منها:
الفائدة الأولى: جواز العرض على العالم، وأنه كاستماع العلم منه، ولا يلزم أن يكون في درجته، ولكنه درجة من درجات التحمل في العلم، فيجوز للطالب أن يقرأ على أستاذه، والأستاذ يستمع له، وكان هذا مشهورًا عن الإمام مالك.
الفائدة الثانية: جواز اتكاء الإمام بين أتباعه، لقول الصحابة لضمام لما سأل عن النبي صلى الله عليه وسلم (فَقُلْنَا: هَذَا الرَّجُلُ الأَبْيَضُ المُتَّكِئُ) وهذه المسألة - مسألة الاتكاء بين الناس- ترجع إلى العرف، فقد يقبل العرف ذلك وقد ينكره، فهي ليست مسألة شرعية، وإنما هي مسألة عرفية.
الفائدة الثالثة: تواضع النبي صلى الله عليه وسلم وهذا يظهر في قول أنس - رضي الله عنه (وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مُتَّكِئٌ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ)، أي جالس بينهم، وبين ظهرانيهم أي أنهم محيطون به، فلم يكن النبي صلى الله عليه وسلم جالسًا على سرير فوقهم، ولم يكن جالسًا كذلك في طرف بعيدًا عنهم.
الفائدة الرابعة: حب الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم ويدل على ذلك إحاطتهم به صلى الله عليه وسلم في مجلسه.
الفائدة الخامسة: استدل البعض بهذا الحديث على جواز إناخة البعير في المسجد، وقالوا هذا يدل على طهارة بوله، وذلك يظهر في قول أنس - رضي الله عنه:(بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي المَسْجِدِ، دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى جَمَلٍ، فَأَنَاخَهُ فِي المَسْجِدِ ثُمَّ عَقَلَهُ)، لكن وردت للحديث رواية أخرى جاءت عند أحمد وأبي داود وغيرهما من حديث ابن عباس - رضي الله عنه قَالَ:(بَعَثَتْ بَنُو سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ ضِمَامَ بْنَ ثَعْلَبَةَ إِلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَقَدِمَ عَلَيْهِ، فَأَنَاخَ بَعِيرَهُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ عَقَلَهُ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ، قَالَ: فَقَالَ: أَيُّكُمُ ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، قَالَ: يَا ابْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) وَسَاقَ الْحَدِيثَ، ولكنه لما كان على باب المسجد أو بفنائه قال الصحابي: في المسجد بحكم المجاورة، فهو مجاور للمسجد، وليس داخل المسجد.
ولذلك ليس في هذا استدلال على جواز إدخال البعير المسجد أو طهارة بوله، وإن ثبتت طهارته من أدلة أخرى.
الفائدة السادسة: إنَّ حسن المسألة نصف العلم، ولذلك كان مجيء الأعراب للنبي صلى الله عليه وسلم وسؤالهم له كان أمرًا مهمًّا للصحابة - رضي الله عنه؛ لأنه لما نزل النهي في القرآن عن سؤال النبي صلى الله عليه وسلم التزم الصحابة رضي الله عنهم بذلك، فقالوا: كان يعجبنا أن يجئ الرجل العاقل من أهل البادية يسأله ونحن نسمع، كما ورد عند النسائي وغيره عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: (نُهِينَا فِي القُرْآنِ أَنْ نَسْأَلَ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم عَنْ شَيْءٍ، فَكَانَ يُعْجِبُنَا أَنْ
يَجِيءَ الرَّجُلُ العَاقِلُ مِنْ أَهْلِ البَادِيَةِ فَيَسْأَلَهُ
…
الحديثُ)؛ لأن الأعراب كانوا أجرأ على ذلك من الصحابة رضي الله عنهم، أو لم يكن عندهم علم بالنهي عن ذلك.
• كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه يَقُولُ: مَا رَأَيْتُ رَجُلًا كَانَ أَوْجَزَ مِنْ ضِمَامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ
(1)
.
• قال ابن عباس رضي الله عنه: " فَمَا سَمِعْنَا بِوَافِدِ قَوْمٍ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ ضِمَامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ "
(2)
.
الفائدة السابعة: التلطف في السؤال، فلقد ظن ضمام - رضي الله عنه أنه لن ينال ما عند النبي صلى الله عليه وسلم إلا بالتشديد عليه، وكان هذا خطأ منه لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان سيعطيه جوابًا لكل ما سأل، ولكنه ظن أنه لأهمية الأمر الذي جاء من أجله كان ينبغى عليه التشديد، لكن الأمر على خلاف ذلك، فكلما تلطفت بالعالم أخذت منه ما عنده.
• ولذلك ذكرنا من قبل الفارق بين أبي سلمة بن عبد الرحمن وعبيد الله بن عبد الله وكانا من تلامذة ابن عباس، فكان ابن عباس يخزن عن عبيد الله أي يحجب عنه بعض العلم.
• كما قال الزهري: " كَانَ أَبُو سَلَمَةَ يَسْأَلُ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: فَكَانَ يَخْزُنُ عَنْهُ، قَالَ: وَكَانَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ يُلَاطِفُهُ فَكَانَ يَغُرُّهُ غَرًّا "
(3)
.
(1)
أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده (4/ 91 ح 2449) ط دار هجر.
(2)
أخرجه أحمد في مسنده (4/ 211) ط الرسالة.
(3)
فضائل الصحابة للإمام أحمد بن حنبل (2/ 959) ط الرسالة، والجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي (1/ 209).
• حتى قال أبو سلمة: لو رفقت بابن عباس لاستخرجت منه علمًا كثيرًا
(1)
، لكنه كان يجادله ويماريه كثيرًا، بخلاف عبيد الله كان ابن عباس يغره غرًّا، وإن تسبب التلطف في ترك بعض العلم الذي يحتاجه المرء أحيانًا، فعن إِسْمَاعِيل بْن مُوسَى ابْنِ بِنْتِ السُّدِّيِّ، قَالَ:" دَخَلْنَا إِلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَنَحْنُ جَمِيعًا مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، فَحَدَّثَنَا بِسَبْعَةِ أَحَادِيثَ، فَاسْتَزَدْنَاهُ، فَقَالَ: " مَنْ كَانَ لَهُ دِينٌ فَلْيَنْصَرِفْ، فَانْصَرَفَتْ جَمَاعَةٌ، وَبَقِيَتْ جَمَاعَةٌ أَنَا فِيهِمْ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ كَانَ لَهُ حَيَاءٌ فَلْيَنْصَرِفْ فَانْصَرَفَتْ جَمَاعَةٌ، وَبَقِيَتْ جَمَاعَةٌ أَنَا فِيهِمْ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ كَانَتْ لَهُ مُرُوءَةٌ فَلْيَنْصَرِفْ، فَانْصَرَفَتْ جَمَاعَةٌ، وَبَقِيَتْ جَمَاعَةٌ أَنَا فِيهِمْ، فَقَالَ: يَا غِلْمَانُ افْقأْهُمْ فَإِنَّهُ لَا بُقْيَا عَلَى قَوْمٍ لَا دِينَ لَهُمْ، وَلَا حَيَاءَ، وَلَا مُرُوءَةَ
(2)
.
الفائدة الثامنة: أنَّ لكل مقام مقالًا، فمع حلم النبي صلى الله عليه وسلم وتواضعه، لكنه لم يقل للرجل لما ناداه: يا ابن عبد المطلب. لبيك، بل قال قد أجبتك؛ لأن الرجل لم يحسن الطلب فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم بصورة غير الصورة التي كان يرد بها النبي صلى الله عليه وسلم على غيره؛ ولذلك يوصي أهلُ العلمِ الطالبَ: أن يكون عنده مقدمات لهذا العلم من التعظيم والاحترام والتبجيل والتقدير لأهل العلم، فإذا أراد أن يسأل أحدهم بدأ بالدعاء له، وتلطف في القول، ونحوها من الآداب التي ترقق قلب الشيخ والمعلم.
• وحُكِي أن فتوى وردت من السلطان إلى الطبري لم يكتب له الدعاء فيها، فكتب في أسفل الرسالة الجواب، ولم يزد على ذلك، فلما عادت الرقعة إلى السلطان علم أن ذلك كان للتقصير في الخطاب، فاعتذر إليه
(3)
.
• وأرسل الخليفة إلى ربيعة فقال له: يا ربيعة حدثنا حدثنا، فقال ربيعة: لا أحدثك شيئًا وتركه وانصرف، فلما خرج قال للناس: أترون هذا الذي يطلب مني
(1)
أخرجه الآجري في أخلاق حملة القرآن (65)، والدارمي في سننه (418) بإسناد صحيح.
(2)
الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي (1/ 215) ط مكتبة المعارف.
افْقأْهُمْ: أخرجهم.
(3)
الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي (2/ 383) ط دار ابن الجوزي بتصرف.
كما يطلب من المغنية، فيقول يا ربيعة حدثنا حدثنا
(1)
.
الفائدة التاسعة: حسن البيان والجواب من النبي صلى الله عليه وسلم وذلك أنه لما شدد عليه في المسألة فقال: آلله أرسلك إلى الناس كلهم؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم اللهم نعم، ولم يقل نعم فقط، فكلمة اللهم، استشهاد من النبي صلى الله عليه وسلم بالله على قوله، أي نعم والله يشهد على ذلك.
الفائدة العاشرة: في قول ضمام: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ تَأْخُذَ هَذِهِ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِنَا فَتَقْسِمَهَا عَلَى فُقَرَائِنَا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:«اللَّهُمَّ نَعَمْ» ، وهذا خرج مخرج الغالب؛ لأن الصدقة تكون لثمانية أصناف.
واستدل فريق من العلماء بهذا الحديث ونحوه على عدم جواز نقل الزكاة والصدقات إلى بلد آخر إلا لحاجة وذلك لقوله (آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ تَأْخُذَ هَذِهِ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِنَا فَتَقْسِمَهَا عَلَى فُقَرَائِنَا).
الفائدة الحادية عشرة: جواز الاستحلاف على الأمر المحقق لتأكيده، فلا يلزم أن يكون الاستحلاف بسبب تكذيب المستحلَف، أو الشك في صدقه، ولكن قد يكون الاستحلاف لأهمية الأمر وعظمته.
الفائدة الثانية عشرة: حِلْمُ النبي صلى الله عليه وسلم وعدم غضبه لنفسه، ولذا يجب على الدعاة أن يتحلوا بذلك، وتحمل طباع الناس المختلفة، فقول ضمام أَيُّكُمْ مُحَمَّدٌ؟ وقوله: يَا ابْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ. وقوله: إِنِّي سَائِلُكَ فَمُشَدِّدٌ عَلَيْكَ فِي المَسْأَلَةِ. وكونه يستحلفه بالله، وكل هذه الأمور شديدة على النفس لكن النبي صلى الله عليه وسلم حلم به، وما غضب لنفسه.
الفائدة الثالثة عشرة: قبول خبر الواحد، فإنَّ ضمامًا صلى الله عليه وسلم كان وحده، وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: وَأَنَا رَسُولُ مَنْ وَرَائِي مِنْ قَوْمِي.
(1)
الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي (1/ 366) ط مكتبة المعارف.
7 - بَابُ مَا يُذْكَرُ فِي المُنَاوَلَةِ،
وَكِتَابِ أَهْلِ العِلْمِ بِالعِلْمِ إِلَى البُلْدَانِ
قال الإمام البخاري رحمه الله: وَقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: نَسَخَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ المَصَاحِفَ فَبَعَثَ بِهَا إِلَى الآفَاقِ، وَرَأَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ذَلِكَ جَائِزًا وَاحْتَجَّ بَعْضُ أَهْلِ الحِجَازِ فِي المُنَاوَلَةِ بِحَدِيثِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حَيْثُ كَتَبَ لِأَمِيرِ السَّرِيَّةِ كِتَابًا وَقَالَ:«لَا تَقْرَأْهُ حَتَّى تَبْلُغَ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا» . فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ المَكَانَ قَرَأَهُ عَلَى النَّاسِ، وَأَخْبَرَهُمْ بِأَمْرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم.
قال: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم " بَعَثَ بِكِتَابِهِ رَجُلًا وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى عَظِيمِ البَحْرَيْنِ، فَدَفَعَهُ عَظِيمُ البَحْرَيْنِ إِلَى كِسْرَى، فَلَمَّا قَرَأَهُ مَزَّقَهُ، فَحَسِبْتُ أَنَّ ابْنَ المُسَيِّبِ قَالَ: فَدَعَا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «أَنْ يُمَزَّقُوا كُلَّ مُمَزَّقٍ» .
قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الحَسَنِ المَرْوَزِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَتَبَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم كِتَابًا - أَوْ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ - فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُمْ لَا يَقْرَءُونَ كِتَابًا إِلَّا مَخْتُومًا، فَاتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ، نَقْشُهُ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِهِ فِي يَدِهِ، فَقُلْتُ لِقَتَادَةَ: مَنْ قَالَ: نَقْشُهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: أَنَسٌ.
• وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله:
في الباب السابق وهو [باب الْقِرَاءَةُ وَالْعَرْضُ عَلَى الْمُحَدِّثِ] ذكر البخاري رحمه الله صورًا من طرق تحمل العلم، مثل قراءة الشيخ على الطالب، أو قراءة الطالب على الشيخ، وأما هنا في هذا الباب [بَابُ مَا يُذْكَرُ فِي المُنَاوَلَةِ، وَكِتَابِ أَهْلِ العِلْمِ بِالعِلْمِ إِلَى البُلْدَانِ] فإنه يذكر وجها جديدًا من وجوه التحمل وهو المناولة.
• تعريف المناولة في اصطلاح المحدثين هي: أن يعطي الشيخ تلميذه كتابًا أو حديثًا مكتوبًا ليقوم بأدائه وروايته عنه، ويقول له حدِّث به عني.
• حكم المناولة عند المحدثين: قد حدث في المناولة خلاف بين العلماء، فمنهم من منعها؛ لأنه خشي أن يزيد الراوي في كتاب شيخه شيئًا، ومنهم من أجازها.
والجمهور على جواز المناولة، ولكنهم اختلفوا في رتبتها:
فقال فريق هي كالسماع في القوة ومن هؤلاء: [الزهري، وربيعة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ومجاهد، والشعبي، وعلقمة، وإبراهيم، ومالك، وابن وهب، وابن القاسم، وغيرهم].
ومنهم من قال: أنها أدنى من السماع والقراءة، وهو قول [الثوري، والأوزاعي، وابن المبارك، وأبي حنيفة، والشافعي، البويطي، والمزني، وأحمد، وإسحاق، ويحيى بن يحيى].
وقد اشترط بعضهم أن يكون الكتاب مختومًا كما ختم النبي صلى الله عليه وسلم كتابه، وقال بعضهم أنه لا يلزم الختم، إذا كان الحامل لهذا الكتاب عدلًا.
• تراجم بعض الرواة:
(إبراهيم بن سعد): هو الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف القرشى الزهرى المدني، توفي سنة 185 هـ، وقيل غير ذلك.
(صالح): هو الإمام صالح بن كيسان المدنى الدوسى، و كان صالح جامعًا من الحديث والفقه والمروءة كما قال الزبيري.
(عبيد الله بن عبد الله): هو الإمام أبو عبد الله عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود المدني، وهو أحد فقهاء المدينة، توفي سنة 94 هـ، وقيل سنة 98 هـ، وقيل غير ذلك.
(محمد بن مقاتل أبو الحسن): هو الإمام أبو الحسن محمد بن مقاتل المروزى الكسائي، توفي سنة 226 هـ.
(عبد الله): هو الإمام أبو عبد الرحمن عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلى التميمى المروزي، وقال عنه الإمام أحمد بن حنبل: لم يكن فى زمان ابن المبارك أطلب للعلم منه، توفي سنة 181 هـ.
• بعض معاني الكلمات:
(بعث بكتابه رجلًا) وهذا الرجل هو عبد الله بن حذافة السهمي كما في بعض الروايات.
(عظيم البحرين) وهو المنذر بن سَاوي.
(كسرى) تصح فيها فتح الكاف وكسرها والكسر أفصح، وهو لقب كل من مَلَك الفرس.
• الفائدة والخلاصة من الباب:
أنَّ المناولة جائزة وهي إحدى صور التحمل المعمول بها إن كان المتحمل عدلًا.
8 - بَابُ مَنْ قَعَدَ حَيْثُ يَنْتَهِي بِهِ المَجْلِسُ،
وَمَنْ رَأَى فُرْجَةً فِي الحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا
قال: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، أَنَّ أَبَا مُرَّةَ، مَوْلَى عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ فِي المَسْجِدِ وَالنَّاسُ مَعَهُ إِذْ أَقْبَلَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ، فَأَقْبَلَ اثْنَانِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَذَهَبَ وَاحِدٌ، قَالَ: فَوَقَفَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا: فَرَأَى فُرْجَةً فِي الحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا، وَأَمَّا الآخَرُ: فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ، وَأَمَّا الثَّالِثُ: فَأَدْبَرَ ذَاهِبًا، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«أَلا أُخْبِرُكُمْ عَنِ النَّفَرِ الثَّلاثَةِ؟ أَمَّا أَحَدُهُمْ فَأَوَى إِلَى اللَّهِ فَآوَاهُ اللَّهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَاسْتَحْيَا فَاسْتَحْيَا اللَّهُ مِنْهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَأَعْرَضَ فَأَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ»
(1)
.
• وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله:
لما كانت الأبواب السابقة تتعلق بأبواب العلم، ذكر البخاري هنا أدبًا من آداب طالب العلم، وكذلك كان الباب السابق في المناولة وهي صورة من طرق التعلم،
(1)
من لطائف هذا الإسناد:
1 -
أنَّ رواته كلهم مدنيون.
2 -
أنَّ فيه التحديث بالجمع والإفراد والعنعنة والإخبار.
3 -
أنَّ أباواقد الليثي ليس له في البخاري إلا هذا الحديث، ولم يروه عنه إلا أبو مرة، ولم يروه عن أبي مرة إلا إسحاق.
4 -
وفيه رواية تابعي عن تابعي مثله.
وهنا يشير إلى أنَّ من حضر عند أهل العلم فلابد أن يتأدب بآداب طالب العلم والتي منها: إن وجد فرجة فليجلس، ومن لم يجد يجلس خلف المجلس حيث ينتهي به، ولا يعرض عن العلم كما فعل الرجل الثالث.
لم تذكر الروايات أسماء هؤلاء الثلاثة، وذلك لأن المقصود فعلهم، فإن كان الفعل حسنًا اقتدينا به، وإن كان العمل سيئًا اجتنبناه، فالعبرة ليست بالذوات ولا بالأشخاص، إنما العبرة بالأعمال.
• تراجم بعض الرواة:
(إسماعيل): هو الإمام إسماعيل بن أبي أويس الأصبحي وهو ابن أخت الإمام مالك بن أنس، توفي سنة 226 هـ.
(إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة): هو الإمام أبو يحيى إسحاق بن عبد الله بن أبى طلحة واسمه زيد بن سهل الأنصارى، كان مالك لا يقدم عليه فى الحديث أحدًا، توفي سنة 132 هـ، وقيل بعدها.
(أبو مُرة مَوْلَى عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ): أبو مرة يزيد الحجازى المدنى، قال الواقدى: إنما هو مولى أم هاناء، ولكنه كان يلزم عقيلًا فنسب إلى ولائه.
• في الباب فوائد منها:
الفائدة الأولى: أنَّ الجزاء من جنس العمل، ولذلك عامل الله هؤلاء الثلاثة من جنس عملهم.
الفائدة الثانية: فضل العلم ومكانته عند الله تعالى، فالذي أعرض أعرض عن العلم فأعرض الله عنه، فالعلم هو بريد الدين ودليله، ولمكانة العلم عند الله تعالى تعامل معهم بتعاملهم مع حلقة العلم.
الفائدة الثالثة: استحباب الأدب في مجالس العلم، كما فعل من جلس في الفرجة لسدها، وكالذي استحيا فجلس خلف الحلقة.
الفائدة الرابعة: فضل سد الفرجة في الحِلَقِ ومجالس العلم.
الفائدة الخامسة: الثناء على من زاحم في طلب العلم، فالذي جلس في الفرجة كأنه زاحم في ذلك، لكن الأعمال الفاضلة قد تتغير من شخص لآخر بحسب تصوره، فقد تختلف الأفعال لكنها تكون كلها حسنة، فقد جاء النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه يصلي بالناس، فلما تأخر أبو بكر أشار له النبي صلى الله عليه وسلم بالبقاء، لكنه رجع، وفي صلاة أخرى جاء النبي صلى الله عليه وسلم وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه يصلي بالناس، وأراد أن يرجع فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالبقاء فبقي إمامًا
(1)
، فإنَّ الفعلين مختلفان، ومع ذلك كلا الفعلين كان حسنًا، فقد غلب على عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه الامتثال لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، وأما أبو بكر رضي الله عنه غلب عليه الأدب، وقال: ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
• وهذا أبو هريرة رضي الله عنه قد أكثر من رواية الحديث على العكس من الزبير رضي الله عنه فهو مقل في رواية الحديث، فلما سئل الزبير رضي الله عنه عن ذلك ذكر حديث النبي صلى الله عليه وسلم «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» ، فكأنه رأى أنَّ كثرة التحديث توقع في الخطأ، وكثرة الخطأ قد توقع في الكذب؛ فلذلك حمى نفسه وابتعد عن ذلك، أما أبو هريرة رضي الله عنه فقد وجد نفسه متثبتًا، ورأى عدم جواز كتمان العلم ووجوب إبلاغه، فكان لكل واحد منهما حجة وسببٌ.
الفائدة السادسة: فضل الحياء، فإنَّ الرجل الثاني جاء في رواية أخرى أنه رجع إلى الحلقة بسبب أنه استحيا لما ترك الحلقة وانصرف، فلا حرج أن يدرك الإنسان ما أخفق فيه في أوله.
(1)
أخرجه النسائي في السنن الكبرى (ح 112)، وأبو داود في سننه (ح 149)، وابن خزيمة في صحيحه (ح 1515).
الفائدة السابعة: الإيواء إلى حلق العلم يجلب معية الله للعبد.
الفائدة الثامنة: جواز الإخبار عن أهل الطاعات لرفع الهمم، وكذلك يجوز أيضا الإخبار عن أهل المعاصي للتحذير من فعلهم، وأنَّ هذا ليس من الغيبة المحرمة ما دام أنه بشروط بابه.
الفائدة التاسعة: فضل ملازمة حِلَقِ العلم وذكر الله.
الفائدة العاشرة: الأصل أن تكون حلق العلم والذكر في المساجد.
الفائدة الحادية عشرة: الجلوس حيث ينتهي بالعبد المجلس، لكن هذا لا ينافي تقديم أهل الفضل، فكان السلف كثيرًا إذا دخل عليهم أحد من أهل العلم أو الفضل أو المكانة يقربونه ويدنونه منهم، وهذا من إنزال الناس منازلهم.
الفائدة الثانية عشرة: من جلس في حِلَقِ العلم فهو في كنف الله تعالى ورعايته وولايته، ولذلك يجب على العالم أن يؤوي من جلس إليه متعلمًا، فإذا كان الله عز وجل يؤويه، فيجب على العالم من باب أولى.
الفائدة الثالثة عشرة: في الحديث دليل على أنَّ الموفق من وفقه الله، والناس بينهم وبين الله خبايا لا يعلمها إلا الله تبارك وتعالى، فلم وفق هذا، ولم يوفق هذا؟! كله بعلم وحكمة.
9 - بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم
-:
«رُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ»
قال البخاري رحمه الله: حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، ذَكَرَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَعَدَ عَلَى بَعِيرِهِ، وَأَمْسَكَ إِنْسَانٌ بِخِطَامِهِ - أَوْ بِزِمَامِهِ - قَالَ:«أَيُّ يَوْمٍ هَذَا» ، فَسَكَتْنَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ سِوَى اسْمِهِ، قَالَ:«أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ» قُلْنَا: بَلَى، قَالَ:«فَأَيُّ شَهْرٍ هَذَا» فَسَكَتْنَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، فَقَالَ:«أَلَيْسَ بِذِي الحِجَّةِ» قُلْنَا: بَلَى، قَالَ:«فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ، وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ، فَإِنَّ الشَّاهِدَ عَسَى أَنْ يُبَلِّغَ مَنْ هُوَ أَوْعَى لَهُ مِنْهُ»
(1)
.
• مناسبة الباب للباب الذي قبله:
كان من فوائد الباب السابق أهمية تبليغ العلم، لأنَّ الجالس في الحلقة مبلَّغ، وهنا يذكر حال المبلِّغ للعلم، فربما يبلغ السامع من هو أوعى منه.
(1)
من لطائف الإسناد:
1 -
أنَّ فيه التحديث والعنعنة.
2 -
أنَّ رواته كلهم بصريون.
3 -
أنَّ فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض وهم ابن عون، وابن سيرين، وابن أبي بكرة.
• تراجم بعض الرواة:
(مسدد): هو الإمام أبو الحسن مسدد بن مسرهد بن مسربل بن مستورد الأسدى، ويقال اسمه عبد الملك بن عبد العزيز، ومسدد لقب، قال ابن عدى: يقال: إنه أول من صنف المسند بالبصرة، توفي سنة 228 هـ.
(بشر): هو الإمام أبو إسماعيل بشر بن المفضل بن لاحق الرقاشى البصري، قال عنه الإمام أحمد بن حنبل: إليه المنتهى فى التثبت بالبصرة. توفي سنة 186، أو 187 هـ.
(ابن عون): هو الإمام أبو عون عبد الله بن عون بن أرطبان المزنى البصري، قال عنه ابن المدينى: جمع لابن عون من الإسناد ما لم يجمع لأحد من أصحابه، توفي سنة 150 هـ، وقيل غير ذلك.
(ابن سيرين): هو الإمام أبو بكر محمد بن سيرين الأنصاري، قال عنه ابن عون: كان يحدث بالحديث على حروفه، توفي سنة 110 هـ.
(عبد الرحمن بن أبي بكرة): هو الإمام عبد الرحمن بن أبى بكرة، واسمه نفيع بن الحارث الثقفى البصري، توفي سنة 96 هـ.
• في الباب فوائد منها:
الفائدة الأولى: من الفقه أنه يجب على العالم أن يبلغ العلم لمن لم يَبْلُغْه، سواء كان هذا التبليغ بنفسه أو بواسطة، فقد بلغ النبي صلى الله عليه وسلم الحاضرين، ثم أمرهم أن يبلغوا من لم يحضر، وهذا يدل على استمرارية العلم وامتداده.
الفائدة الثانية: لابد من البلاغ والبيان في العلم، فقد أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالبلاغ، قال تعالى:{وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ} [آل عمران: 187]، والأمر في الآية بالبلاغ والبيان.
الفائدة الثالثة: قد يأتي في آخر الزمان من يكون له من الفهم والعلم ما ليس
للمتقدم، لكن هذا قليل بدليل قوله «رُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ» ، و (رُبَّ) تدل على التقليل، وكذلك قوله «فَإِنَّ الشَّاهِدَ عَسَى أَنْ يُبَلِّغَ مَنْ هُوَ أَوْعَى لَهُ مِنْهُ» ، و (عسى) تدل على الطمع، وهو يدل على التقليل أيضًا.
الفائدة الرابعة: إنَّ طالب العلم قد يتفوق على أستاذه أحيانًا، وهذا ليس فيه عيب ولا مذمة للشيخ.
الفائدة الخامسة: أنَّ حامل الحديث والعلم ينبغي أن يؤخذ منه وإن كان يجهل معناه، ولكن هذا في باب الرواية فقط، فقد يروي الراوي الحافظ الرواية كما تحمَّلها، ولكنه لا يفهم فقه الحديث.
الفائدة السادسة: في الحديث دليل على أنَّ الحرام دركات، وأنَّ ما كان شديد الحرمة ينبغي تأكيد حرمته كالدماء والأموال والأعراض.
الفائدة السابعة: عدم الانشغال وقت التعليم والفتوى، وعدم التشويش على المفتي والعالم، وهذا يؤخذ من قوله «وَأَمْسَكَ إِنْسَانٌ بِخِطَامِهِ - أَوْ بِزِمَامِهِ -» .
يقول الشافعي ربما كنت أكون في مجلسه - أي الإمام مالك - فأريد أن أَصْفَحَ الورقةَ فأصْفَحها صَفْحًا رقيقًا، هيبةً له لئلا يسمع وَقْعَها
(1)
.
الفائدة الثامنة: من حسن التعليم إثارة انتباه المستمع واستحضار فهمه، فقد أثار النبي صلى الله عليه وسلم أفهام الصحابة بالأسئلة عن اليوم والشهر.
الفائدة التاسعة: مراعاة أحوال الناس وما يكونون عليه، ومعرفة مذاهبهم، وهذا أمر هام للعالم والمفتي، وقد جعل الإمام أحمد ذلك من شروط المفتي وهو معرفة أعراف الناس ومذاهبهم
(2)
.
(1)
مناقب الشافعي للبيهقي (2/ 144) ط دار التراث، وتاريخ دمشق لابن عساكر (14/ 293) دار الفكر.
(2)
قال ابن القيم في إعلام الموقعين (3/ 78):
وهذا محض الفقه، ومَنْ أفتى الناس بمجرد المنقول في الكتب على اختلاف عُرْفهم وعوائدهم وأزمنتهم وأمكنتهم وأحوالهم وقرائن أحوالهم فقد ضل وأضل، وكانت جنايته على الدين أعْظَمَ من جناية من طَبَّبَ الناس كلهم على اختلاف بلادهم وعوائدهم وأزمنتهم وطبائعهم بما في كتاب من كتب الطبِّ على أبدانهم، بل هذا الطبيب الجاهل وهذا المفتي الجاهل أضَرُّ ما على أديان الناس وأبدانهم، واللَّه المستعان.
قَالَ عَلِيٌّ رضي الله عنه: «حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ»
(1)
.
فقد شبه النبي صلى الله عليه وسلم حرمة المسلم بحرمة الشهر الحرام والبلد الحرام رغم أنَّ حرمة المسلم أعظم من حرمة البلد الحرام، وهذا تشبيه للأعلى بالأقل، وذلك لأن العرب كانوا يحرمون البلد الحرام أشد من تعظيمهم للدماء والأموال، ولذلك خاطبهم النبي صلى الله عليه وسلم بما يعلمون.
الفائدة العاشرة: جواز حذف المضاف إن علم، وذلك في قوله صلى الله عليه وسلم:«فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ، وَأَعْرَاضَكُمْ» أي إنَّ سفك دمائكم، وأكل أموالكم، وسلب أعراضكم، والمقصود بالعِرْض هنا ذم العِرض بصفة عامة، وليس المراد به الفروج فقط.
الفائدة الحادية عشرة: وجوب تبليغ الغائب.
الفائدة الثانية عشرة: جواز التحمل قبل كمال الأهلية؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بين أنَّ هناك من يحمل العلم إلى من هو أعلم منه.
الفائدة الثالثة عشرة: الفهم لا يشترط في الأداء، ولكن يشترط ألا يتجاوز ذلك من حيث ذكر معناه، وما يشتمل عليه من أدلة أو أحكام؛ لأنه لا يُفْهَم إلا بذلك.
(1)
أخرجه البخاري في صحيحه (1/ 24 ح 127) ط طوق النجاة.
الفائدة الرابعة عشرة: استحباب أن تكون الخطبة على موضع مرتفع، وهذا له فوائد منها:
1 -
أبلغ في إسماع الناس.
2 -
استحضار قلوب المستمعين برؤية الخطيب.
3 -
رفع لمكانة المبلغ والداعي إلى الله.
4 -
المواطأة والربط بين السمع والبصر، فيكون أدعى للفهم، وحضور القلب، وعدم انشغال الفكر.
الفائدة الخامسة عشرة: جواز القعود على ظهر الدواب.
10 - بَابٌ: العِلْمُ قَبْلَ القَوْلِ وَالعَمَلِ
لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} [محمد: 19] فَبَدَأَ بِالعِلْمِ «وَأَنَّ العُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، وَرَّثُوا العِلْمَ، مَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ بِهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الجَنَّةِ» .
وَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28]، وَقَالَ:{وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} [العنكبوت: 43]، وَقَالَ {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [الملك: 10]، وَقَالَ:{هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الزمر: 9].
وَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» ، وَإِنَّمَا العِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ.
وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: «لَوْ وَضَعْتُمُ الصَّمْصَامَةَ عَلَى هَذِهِ - وَأَشَارَ إِلَى قَفَاهُ - ثُمَّ ظَنَنْتُ أَنِّي أُنْفِذُ كَلِمَةً سَمِعْتُهَا مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَبْلَ أَنْ تُجِيزُوا عَلَيَّ لَأَنْفَذْتُهَا» ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ:{كُونُوا رَبَّانِيِّينَ} [آل عمران: 79]" حُلَمَاءَ فُقَهَاءَ، وَيُقَالُ: الرَّبَّانِيُّ الَّذِي يُرَبِّي النَّاسَ بِصِغَارِ العِلْمِ قَبْلَ كِبَارِهِ ".
• وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله:
أنَّ الأحاديث السابقة تكلمت عن حال المبلِّغ، والمبلَّغ إليه، وذلك من أجل العمل، فالعلم لابد أن يكون قبل القول والعمل.
• بعض معاني الكلمات:
(الصمصامة): هو السيف الصارم الذي لاينثني، وقيل: هو السيف الذي له حد واحد.
• في الباب فوائد منها:
الفائدة الأولى: تقدم العلم على العمل وذلك في الزمن والشرف، فمن ناحية الشرف فإنَّ العلم أشرف لأنه عمل القلب، وأما العمل فإنه عمل الجوارح، والقلب هو سيد الأعضاء وأشرفها، وفي زمنه فلابد للعلم أن يسبق العمل لأنه لا يكون العمل صحيحًا إلا بالعلم.
الفائدة الثانية: دليل على فضل العلماء، وأنهم ورثة الأنبياء.
وورث العلماء الأنبياء لأنهم تشبهوا بهم؛ لأن النبي على الراجح هو من أرسل إلى قوم موافقين له لتصحيح ما أخطأوا فيه، وكذلك العلماء يقومون في هذا الباب مقام الأنبياء.
الفائدة الثالثة: طريق العلم يسهل طريق الجنة، في الدنيا وفي الآخرة، وذلك لأن القليل من العلم يجلب للعبد الكثير من الحسنات، ويسهل عليه طريق الجنة.
الفائدة الرابعة: كما أنَّ العلم يسهل على طالبه الجنة فإن الله يسهل عليه العلم، فقد ورد عن بعض السلف قولهم: تعلمنا العلم لغير الله فأبى الله إلا أن يكون له، فمن تسهيل أبواب الخير أنَّ الله تعالى يصحح النيات بالعلم أيضًا.
الفائدة الخامسة: العلم كالطريق في أنه متدرج شيئًا فشيئًا، ولذلك شبهه النبي بذلك، فكلما أخذ الإنسان خطوة قطع شيئًا من هذا الطريق.
الفائدة السادسة: العلم طريق إلى غيره، فالعلم موصل لغيره وهو رضا الله تعالى والجنة، وأما في الدنيا فهو موصل للراحة والطمأنينة، والعبادة على يقين، وما إلى ذلك.
الفائدة السابعة: العلماء أخشى الناس لله تعالى، فكلما ازداد العبد علمًا ازداد خشية؛ ولذا قالوا: العلم الخشية.
الفائدة الثامنة: ارتباط العلم بالعمل، وكل منهما يتبع الآخر فالعمل بغير علم
لا يصلح، وكذلك العلم بغير عمل لا نفع فيه؛ فالعلم بغير عمل علم غير مثمر ولا نفع فيه، والعمل بغير علم هو عمل غير صالح مشوب بالبدع والمنكرات.
• وهذا يدل على أنَّ الإنسان كلما كثر علمه ينبغي أن يكثر عمله.
• وكانت أم سفيان الثوري تقول: يا بني إذا كتبت عشرة أحرف فانظر هل ترى في نفسك زيادة في خشيتك وحلمك ووقارك، فإن لم تزدك فاعلم أنها تضرك ولا تنفعك
(1)
.
• فالعلم أصل العمل، والعمل ثمرة العلم.
• قال إسماعيل بن يحيى رآني سفيان وأنا أمازح رجلًا من بني شيبة عند البيت فتبسمت، فالتفت إلي، وقال: تبتسم في هذا الموضع، إن كان الرجل ليسمع بالحديث الواحد فنرى عليه ثلاثة أيام سمته وهديه
(2)
.
(1)
صفة الصفوة لابن الجوزي (2/ 110) ط دار الحديث.
(2)
الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي (1/ 157) ط مكتبة المعارف.
11 - بَابُ مَا كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَتَخَوَّلُهُمْ
بِالْمَوْعِظَةِ وَالعِلْمِ كَيْ لَا يَنْفِرُوا
قال رحمه الله: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم «يَتَخَوَّلُنَا بِالْمَوْعِظَةِ فِي الأَيَّامِ، كَرَاهَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا» .
وقال رحمه الله: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ:«يَسِّرُوا وَلا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلا تُنَفِّرُوا» .
• وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله:
كان الباب السابق في العلم، وهذا في التخول في العلم يعني من طرق التعليم أنَّ المعلم يتخول الناس بالموعظة كي لا ينفروا.
وكذلك في الباب السابق ختمه بقوله تعالى {كُونُوا رَبَّانِيِّينَ} [آل عمران: 79]، وقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ:{كُونُوا رَبَّانِيِّينَ} " حُلَمَاءَ فُقَهَاءَ، وَيُقَالُ: الرَّبَّانِيُّ الَّذِي يُرَبِّي النَّاسَ بِصِغَارِ العِلْمِ قَبْلَ كِبَارِهِ ".
وكذلك من صفات العالم الرباني الفقيه أنه يتخول الناس بالموعظة، وألا ينفِّر الناس من العلم.
• تراجم بعض الرواة:
(محمد بن يوسف): هو الإمام أبو عبد الله محمد بن يوسف بن واقد بن عثمان الضبى الفريابي، قال عنه زنجويه: ما رأيت أورع من الفريابى. توفي سنة 212 هـ.
(الأعمش): هو الإمام أبو محمد سليمان بن مهران الأسدي الكوفي، قال ابن عيينة: سبق الأعمش أصحابه بأربع خصال: كان أقرأهم للقرآن، وأحفظهم للحديث، وأعلمهم بالفرائض، و ذكر خصلة أخرى، توفي سنة 147 هـ، وقيل: 148 هـ.
(أبو وائل): هو الإمام أبو وائل شقيق بن سلمة الأسدى الكوفي، تعلم القرآن فى شهرين. توفي في خلافة عمر بن عبد العزيز، وقيل غير ذلك.
(محمد بن بشار): هو الإمام أبو بكر محمد بن بشار بن عثمان العبدى البصري، ولقبه بندار، كان إمام زمانه في الحديث، توفي سنة 252 هـ.
(يحيى بن سعيد): هو الإمام أبو سعيد يحيى بن سعيد بن قيس الأنصارى المدني، قال عنه جرير بن عبد الحميد: لم أر من المحدثين إنسانًا كان أنبل عندى من يحيى بن سعيد الأنصارى. توفي سنة 144 هـ، وقيل: بعدها.
(شعبة): هو الإمام أبو بسطام شعبة بن الحجاج بن الورد العتكى البصري، أمير المؤمنين في الحديث، وقال الشافعي: لولا شعبة ما عرف الحديث بالعراق، توفي سنة 160 هـ.
(أبو التياح): هو الإمام أبو التياح يزيد بن حميد الضبعى البصري، قال أبو إياس: ما بالبصرة أحد أحب إلىَّ أن ألقى الله عز و جل بمثل عمله من أبى التياح. توفي سنة 128 هـ، وقيل 130 هـ.
• بعض معاني الكلمات:
(بِالْمَوْعِظَةِ) هي النصح والتذكير بالعواقب، والموعظة من العلم، ولكنه ذكرها هنا في الباب؛ لأنها منصوص عليها في الحديث بينما لم ينص على كلمة العلم؛ لأن العلم أعم والموعظة أخص.
(كَيْ لَا يَنْفِرُوا) أي لئلا يتباعدوا.
(يَتَخَوَّلُنَا بِالْمَوْعِظَةِ) أي يصلحنا ويقوم علينا.
(كَرَاهَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا) أي الملالة وهي مثل السآمة بناء ومعنى.
سؤال: ما سبب ذكر ابن مسعود لهذا الحديث؟
الجواب: أنَّ أبا وَائِلٍ شقيق بن سلمة، قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُذَكِّرُ النَّاسَ فِي كُلِّ خَمِيسٍ فقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَوَدِدْتُ أَنَّكَ ذَكَّرْتَنَا كُلَّ يَوْمٍ، فذكره.
• وفي الباب فوائد منها:
• أولًا: الحديث الأول:
الفائدة الأولى: استحباب ترك المداومة في الجد والعمل الصالح إن كان يؤدي إلى الملالة.
الفائدة الثانية: التوسط والقصد، وهو أمر مقصود في الشرع، فالجد في العمل لا يذم إنما الذي يذم أن يؤدي هذا الجد إلى الملالة.
الفائدة الثالثة: مراعاة الجد والنشاط، فيتحين فرصه وأوقاته بشرط عدم الوصول إلى الملل، كما قال رسول الله (فليصل أحدكم نشاطه)، وكما أنكر النبي صلى الله عليه وسلم على الثلاثة الذين جاءوا إلى داره ليسألوا عن عبادته وأرادوا الزيادة عليها.
الفائدة الرابعة: مراعاة القائد والعالم لأصحابه، فيتخولهم ويصلحهم ويقوم عليهم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتعهدهم بالموعظة والتعهد ليس بالتعليم
فقط، بل بالتعليم
في الوقت المناسب، والترك في الوقت المناسب.
الفائدة الخامسة: رحمة النبي صلى الله عليه وسلم بأمته، رغم أنَّ الصحابة كانوا يحبون ملازمته وأخذ العلم منه دائمًا، لكنه كان يخاف من ملالتهم.
الفائدة السادسة: العالم والفقيه الرباني هو الذي لا ينفر منه الناس، وهذا أمر محظور أي التنفير حتى وإن كان التنفير بالعلم، فإن كان التنفير بالعلم امتنع عنه وقتًا كما كان هو فعل النبي صلى الله عليه وسلم.
• ثانيًا: الحديث الثاني:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ:«يَسِّرُوا وَلا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا، وَلا تُنَفِّرُوا» .
• وذكر الحديث هنا بيان لصورة من صور الموعظة حتى لا ينفر الناس، والمعنى: أنَّ الناس قد ينفرون من العلم والموعظة بكثرة التعليم، أو ينفرون من الموعظة والعلم بسبب التعسير والتشديد، ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الأمرين وعن غيرهما مما يُنَفِّر.
فهذان الأمران يقاس عليهما كل ما ينفر الناس عن هذا الدين، وإن كان من الممكن الإنذار والتخويف للناس، ولكن الغالب في الدعوة التيسير والتبشير.
• وفي هذا الحديث فوائد منها:
الفائدة الأولى: حسن بيانه صلى الله عليه وسلم، وأنه أوتي جوامع الكلم، ففي الحديث أتى بالمترادفات والمتناقضات فقال (يسروا وبشروا، ولا تعسروا ولا تنفروا) وهذا يسمى جناس تام في ترتيب الألفاظ وفي الإتيان بشبيهها، والبلاغيون يعتبرونه زيادة في حسن الكلام وجماله.
الفائدة الثانية: عبر النبي صلى الله عليه وسلم بالمآل والمقصود لبيان خطره فقال: يسروا وضد التيسير التعسير، وقال بشروا وضد التبشير الإنذار، فقال لا تنفروا ولم يقل ولا تنذروا يعني ولا يغلب عليكم التخويف؛ لأن الزيادة في الإنذار والتخويف ينفر، فذكر النبي صلى الله عليه وسلم المآل، فكأنه ذكر الشيء وعلته.
الفائدة الثالثة: التلطف بالمدعو سواء كان المدعو صغيرًا أو كبيرًا مسلمًا أو كافرًا، فهذه صورة عامة للدعوة، والتلطف ليس معناه ترك الزجر مطلقا، ولكن الرفق واللين، والله تعالى جعل لنشر الدين سُبُلًا وطُرُقًا، ومن أهمها الدعوة والجهاد، وهذان السبيلان مختلفان، فقال تعالى في الدعوة:{ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل: 125]، وقال في الجهاد {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [التوبة: 73].
• فالأصل في الجهاد القوة والغلظة، والأصل في الدعوة الحكمة والموعظة الحسنة، فلا يجوز تبديل هذا مكان هذا.
الفائدة الرابعة: يسر الدين، فالنبي صلى الله عليه وسلم أمر باليسر والتيسير.
مسألة هامة:
ليس معنى اليسر الأخذ بالأخف، فالأصل أنَّ كل الدين يسر، قال النبي صلى الله عليه وسلم (إنَّ الدين يسر)
(1)
، ولكن المعنى إذا خُيِّر الإنسان بين أمرين والشرع يسع الأمرين يختار الأيسر منهما.
الفائدة الخامسة: اختيار الوقت المناسب للنذارة، وأنَّ بداية التعليم تكون بالتبشير، لأن البداية لو كانت بالنذارة أدت إلى النفور.
(1)
أخرجه البخاري في صحيحه (1/ 16) ح 39.
الفائدة السادسة: في الحديث دليل على التدرج في التعليم، فالبداية بالتبشير، ثم الانتقال إلى الإنذار.
الفائدة السابعة: في الحديث الجمع بين خيري الدنيا والآخرة، فالتيسير في الأحكام والتعليم من خير الدنيا، والتبشير بالجزاء والثواب والعواقب هذا من خير الآخرة.
12 - بَابُ مَنْ جَعَلَ لِأَهْلِ العِلْمِ أَيَّامًا مَعْلُومَةً
قال البخاري رحمه الله: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُذَكِّرُ النَّاسَ فِي كُلِّ خَمِيسٍ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَوَدِدْتُ أَنَّكَ ذَكَّرْتَنَا كُلَّ يَوْمٍ؟
قَالَ: أَمَا إِنَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ أُمِلَّكُمْ، وَإِنِّي أَتَخَوَّلُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ، كَمَا كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَتَخَوَّلُنَا بِهَا، مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا "
(1)
.
• وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله:
الباب السابق كان عنوانه (مَا كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَتَخَوَّلُهُمْ بِالْمَوْعِظَةِ وَالعِلْمِ كَيْ لا يَنْفِرُوا)، فالتخول بالموعظة يكون لعدم الملل، وفي هذا الباب شيء زائد وهو إقبال الناس على العلم وطلبهم له.
فطلبة العلم لابد أن يتخولهم المعلم بالموعظة خوفًا عليهم من النفور والملل، وهذا ليس خاصًّا بعوام الناس فقط، ولكنه أمر عام، فالله تبارك وتعالى خلق النفوس وهو سبحانه يعلم ما يصلحها، والشرع الحنيف يراعي المآلات، فقد يخيل للإنسان في أول الأمر أنه لن يمل ولن يفتر ثم يمل بعد ذلك، فمن رحمة الله عز وجل أنه يحمي الإنسان من نفسه.
(1)
من لطائف الإسناد:
1 -
أنَّ فيه التحديث والعنعنة.
2 -
أنَّ رواته كلهم كوفيون.
• تراجم بعض الرواة:
(عثمان بن أبي شيبة): هو الإمام أبو الحسن عثمان بن محمد بن أبي شيبة الكوفي، سُئل ابن نمير عنه فقال: سبحان الله ومثله يسأل عنه، إنما يسأل هو عنا، توفي سنة 239 هـ.
(جرير): هو الإمام أبو عبد الله جرير بن عبد الحميد بن قرط الضبي الكوفي، كان كثير العلم يُرحل إليه، وكان من العباد، توفي سنة 188 هـ.
(منصور): هو الإمام أبو عتاب منصور بن المعتمر بن عبد الله الكوفي، فكان لا يروى إلا عن ثقة غالبًا، وكان أثبت أهل الكوفة، توفي رحمه الله سنة 132 هـ.
• في الباب فوائد منها:
الفائدة الأولى: رحمة الله سبحانه وتعالى ولطفه بعباده، وأنَّ الشرع ينظر إلى المآلات ومراعاة النفوس، وأنَّ الله تعالى أعلم بالإنسان من نفسه.
الفائدة الثانية: ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم من الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم والمحافظة على سنته، فلما طلبوا من ابن مسعود: أن يحدثهم كل يوم، لم يفعل ورأى أنَّ اتباع هدي النبي صلى الله عليه وسلم ومنهجه هو خير الهدي.
الفائدة الثالثة: مراعاة الفقيه للمآلات وعدم النظر للحال فقط، وهذا يدل عليه فعل ابن مسعود، فمع همة من معه ونشاطهم وطلبهم المزيد، لكنه خشي عليهم الملل في المستقبل، وهذا يبين أهمية دور الفقيه والمعلم، فالفقيه ينبغي ألا ينظر إلى رغبات الناس، ولكنه ينظر إلى الحقائق والمآلات، فقد يطلب الإنسان أكثر من طاقته، ولكن الفقيه يكون أبصر بذلك فيجيبه على غير ما يريد، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل عن بعض الأسئلة فيجيب عنها وزيادة كما في حديث أبي هُرَيْرَةَ وفيه: أنَّ رجلًا جاء إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ، وَنَحْمِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنَ الْمَاءِ، فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِهِ عَطِشْنَا، أَفَنَتَوَضَّأُ مِنْ مَاءِ الْبَحْرِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ
صلى الله عليه وسلم: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الْحِلُّ مَيْتَتُهُ»
(1)
.
وكما ثبت عند البخاري أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو، قَالَ: أُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنِّي أَقُولُ: وَاللَّهِ لَأَصُومَنَّ النَّهَارَ، وَلَأَقُومَنَّ اللَّيْلَ مَا عِشْتُ، فَقُلْتُ لَهُ: قَدْ قُلْتُهُ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي قَالَ: «فَإِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ، فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ، وَصُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنَّ الحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ» ، قُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ:«فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمَيْنِ» ، قُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ:«فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا، فَذَلِكَ صِيَامُ دَاوُدَ عليه السلام، وَهُوَ أَفْضَلُ الصِّيَامِ» ، فَقُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم «لا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ» .
فلما كبر كان يتمنى أن لو قبل رخصة النبي صلى الله عليه وسلم، فإنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يرشده إلى ما هو أفضل وأصلح له في كل حال.
الفائدة الرابعة: على العالم والفقيه أن يراعي أحوال العامة وأن لا يراعي أحوال بعض الأفراد، كما في قول الرجل (يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَوَدِدْتُ أَنَّكَ ذَكَّرْتَنَا كُلَّ يَوْمٍ؟) فهذا كلام لرجل واحد، وليس طلبًا عامًّا من الجميع.
الفائدة الخامسة: قول الرجل (لَوَدِدْتُ أَنَّكَ ذَكَّرْتَنَا كُلَّ يَوْمٍ) يدل على حب التابعين للعلم، فالعلم عندهم له متعة وحلاوة، وهكذا كل طالب علم يجد للعلم لذة وحلاوة.
الفائدة السادسة: جواز تأخير بعض العلم للمصلحة، ومنها تأليف الناس وعدم نفورهم من العلم، ومنها ما ورد أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أمر أبا هريرة فَقَالَ: «اذْهَبْ بِنَعْلَيَّ هَاتَيْنِ، فَمَنْ لَقِيتَ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْحَائِط يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُسْتَيْقِنًا بِهَا
(1)
أخرجه أبو داود في سننه (1/ 62) ط الرسالة العالمية، والترمذي في جامعه (1/ 125) ط الغرب الإسلامي، والنسائي في سننه (1/ 50) ط مكتب المطبوعات، وابن ماجه في سننه (1/ 250) ط الرسالة العالمية، وقد صحح هذا الحديث الأئمة منهم الترمذي، وابن خزيمة، وابن منده، والحاكم، وغيرهم.
قَلْبُهُ، فَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ»، ولكن عمر أبى ذلك مخافة أن يتكل الناس فقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، أَبَعَثْتَ أَبَا هُرَيْرَةَ بِنَعْلَيْكَ، مَنْ لَقِيَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ بَشَّرَهُ بِالْجَنَّةِ؟ قَالَ:«نَعَمْ» ، قَالَ: فَلَا تَفْعَلْ، فَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَتَّكِلَ النَّاسُ عَلَيْهَا، فَخَلِّهِمْ يَعْمَلُونَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:«فَخَلِّهِمْ»
(1)
.
(1)
أخرجه مسلم في صحيحه (1/ 59) ط إحياء التراث.
13 - بَابٌ: مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ
قال البخاري رحمه الله: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: قَالَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ، خَطِيبًا يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ وَاللَّهُ يُعْطِي، وَلَنْ تَزَالَ هَذِهِ الأُمَّةُ قَائِمَةً عَلَى أَمْرِ اللَّهِ، لا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ»
(1)
.
• وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله:
المناسبة واضحة بين هذا الباب والأبواب السابقة، فالأبواب السابقة جاءت في شأن من يُذَكِّر الناس ويعظهم ويعلمهم أمور دينهم، فهو ينفع الناس ولا يضرهم وليس هذا إلا شأن الفقيه، ومن الفقه والفهم وإرادة الخير بالعالم ألَّا يعظ الناس في كل وقت، وهذا هو سبب إيراد هذا الباب بعد الأبواب السابقة.
• قوله صلى الله عليه وسلم: (وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ) قيل أنَّ المراد بالقسمة هنا: العلم، فالنبي صلى الله عليه وسلم يبذل العلم والله يعطي الناس من الفهم والعلم بقدر، وقيل المراد قسمة المال بينهم، فالله هو الذي يقدر ويعطي، والنبي صلى الله عليه وسلم هو الذي يقسمه بين الناس.
(1)
من لطائف الإسناد:
1 -
أنَّ فيه التحديث والعنعنة والسماع.
2 -
أنَّ رواته ما بين بصري وأيْليّ ومدني.
3 -
وفيه رواية تابعي عن تابعي مثله.
• تراجم بعض الرواة:
(سعيد بن عفير): هو الإمام أبو عثمان سعيد بن كثير بن عفير بن مسلم الأنصاري المصري، قال عنه الحاكم: إنَّ مصر لم تخرج أجمع للعلوم منه، توفي سنة 226 هـ.
(ابن وهب): هو الإمام أبو محمد عبد الله بن وهب بن مسلم القرشى المصري، قال عنه ابن حبان جمع ابن وهب وصنف، وأثنى عليه الأئمة، توفي سنة 197 هـ.
(يونس): هو الإمام يونس بن يزيد بن أبى النجاد الأيلي، توفي سنة 159 هـ، وقيل 160 هـ.
(ابن شهاب): هو الإمام أبو بكر محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري المدني، قال إبراهيم بن سعد، عن أبيه: ما سبقنا ابن شهاب بشاء من العلم إلا أنه كان يشد ثوبه عند صدره، ويسأل عما يريد، و كنا تمنعنا الحداثة، توفي 125 هـ، وقيل قبلها.
(حميد بن عبد الرحمن): هو الإمام حميد بن عبد الرحمن بن عوف القرشى الزهرى المدني، اختلف في كنيته فقيل: أبو إبراهيم، وقيل: أبو عبد الرحمن، توفي سنة 105 هـ.
• وفي الباب فوائد منها:
الفائدة الأولى: فضل العلماء على سائر الناس، وأنهم هم الذين أراد الله بهم الخير.
الفائدة الثانية: فضل علم الفقه، وإن كان الفقه المذكور في الحديث يراد به عموم الفهم إلا أنَّ تسمية علم الفقه بالفقه يدل على عظم مكانته.
الفائدة الثالثة: علاج النفوس وتطييبها مع الالتزام بالأوامر الشرعية، فليس معنى تطييب النفوس أن يترك الأمر الشرعي، ولا يعني تمسكه بالأمر الشرعي أن ينفر الناس، ولكن ينبغي أن يكونا جميعًا، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم (وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ والله يعطي)، ففيه تطييب لنفس من لم يأخذ، كما طيب نفوس الأنصار لما أعطى مسلمة الفتح، فقال لهم صلى الله عليه وسلم «إِنِّي أُعْطِي رِجَالًا حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بِكُفْرٍ، أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالأَمْوَالِ، وَتَرْجِعُوا إِلَى رِحَالِكُمْ بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَوَاللَّهِ مَا تَنْقَلِبُونَ بِهِ خَيْرٌ مِمَّا يَنْقَلِبُونَ بِهِ» ، قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ رَضِينَا
(1)
.
الفائدة الرابعة: مدح الفقه والفهم في الدين كما قال صلى الله عليه وسلم «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّين» .
الفائدة الخامسة: الحث على طلب العلم والفهم فيه، فهو دليل لإرادة الخير بالعبد، ولو أراد الله بالعبد الخير تولى أمره، ووفقه ورعاه في أمور الدنيا والآخرة، والعلم طريق ذلك كله.
الفائدة السادسة: الأخذ بمفهوم المخالفة من هذا الحديث، فمن لم يرد الله به خيرًا لا يفقهه في الدين، ولذلك اعتبر العلماء أنَّ كل الدنيا ظلمات إلا مجالس العلم فهي المجالس التي تفتح للإنسان طريق الخير كما قال النبي صلى الله عليه وسلم «وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ»
(2)
.
الفائدة السابعة: يدل الحديث على أنَّ إرادة الله بالعبد درجات كما أنَّ الفقه درجات، فكلما علا قدر المرء في الفقه والعلم دل ذلك على أنَّ إرادة الخير به أكثر، وعطاء الله له أكبر.
(1)
أخرجه البخاري في صحيحه (4/ 94) ط طوق النجاة، ومسلم في صحيحه (2/ 970) ط إحياء التراث.
(2)
أخرجه مسلم في صحيحه (4/ 2074 ح 2699) ط إحياء التراث.
الفائدة الثامنة: في قوله صلى الله عليه وسلم: «وَلَنْ تَزَالَ هَذِهِ الأُمَّةُ قَائِمَةً عَلَى أَمْرِ اللَّهِ» دليل على عدم خلو العصر من مجتهد، وأنَّ العصر لا يخلو أبدًا من مجتهد قائم لله بالحجة، والقيام على أمر الله يكون بالفهم والعلم لا بالتقليد.
الفائدة التاسعة: في الحديث دليل على أنَّ بعض هذه الأمة يبقى على الحق أبدًا فالأمة لا تضل أبدًا، وقد اختلف في هذه الطائفة من تكون؟
• قال البخاري رحمه الله: هم أهل العلم
(1)
.
• وقال أحمد بن حنبل رحمه الله: إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم
(2)
.
• قال القاضي عياض: إنما أراد أحمد أهل السنة والجماعة، ومن يعتقد مذاهب أهل الحديث
(3)
.
• قال الإمام النووي رحمه الله: يحتمل أنَّ هذه الطائفة مفرقة بين أنواع المؤمنين فمنهم شجعان مقاتلون، ومنهم فقهاء، ومنهم محدثون، ومنهم زهاد، وآمرون بالمعروف وناهون عن المنكر، ومنهم أهل أنواع أخرى من الخير
(4)
، ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين بل قد يكونون متفرقين في أقطار الأرض.
الفائدة العاشرة: يدل الحديث على أنَّ النبي محمدًا صلى الله عليه وسلم هو خاتم النبيين، وذلك لأن الأنبياء يرسلون لإصلاح الأمم التي ضلت وحادت عن طريق الله تعالى، فهم يردون الناس إلى الدين، وأما هذه الأمة فإنها لن تضل كلها أبدًا، وأما من يضل منها فإنَّ العلماء يردونهم؛ لذا كان العلماء هم ورثة الأنبياء.
(1)
شرح صحيح مسلم للنووي (13/ 67) ط إحياء التراث.
(2)
المصدر السابق.
(3)
المصدر السابق.
(4)
المصدر السابق.
الفائدة الحادية عشرة: العلم والفقه ينالان بأمرين:
• الأول: الاكتساب والجد.
• الثاني: فتح الله تعالى على المتعلم وإرادة الخير به.
الفائدة الثانية عشرة: تعظيم الخير الذي يناله أهل العلم كما قال صلى الله عليه وسلم «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا» .
فكلمة «خَيْرًا» جاءت نكرة في سياق الشرط وهي تفيد العموم (أي من يرد الله به كل خير)، وقد يكون التنكير هنا للتعظيم أي أراد الله به خيرًا عظيمًا، وهذا يدل على أنَّ الفقه في الدين من الخير العظيم والدرجات العلى التي لا يعطيها الله تعالى لكل أحد.
14 - بَابُ الفَهْمِ فِي العِلْمِ
قال البخاري رحمه الله: حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: صَحِبْتُ ابْنَ عُمَرَ إِلَى المَدِينَةِ فَلَمْ أَسْمَعْهُ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَدِيثًا وَاحِدًا، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَأُتِيَ بِجُمَّارٍ، فَقَالَ:«إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً، مَثَلُهَا كَمَثَلِ المُسْلِمِ» ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ: هِيَ النَّخْلَةُ، فَإِذَا أَنَا أَصْغَرُ القَوْمِ، فَسَكَتُّ، قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:«هِيَ النَّخْلَةُ»
(1)
.
• وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله:
أنَّ الفهم في العلم داخل في قول النبي صلى الله عليه وسلم «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» ، فكأنه أراد أن يقول الفقه في الدين يكون بالفهم، وضرب مثالًا لذلك بحديث ابن عمر رضي الله عنهما.
فالبخاري رحمه الله بوَّب التبويب ثم ضرب مثالًا في الباب التالي تطبيقًا عمليًّا له، وهذا من فقهه رحمه الله.
• تراجم بعض الرواة:
(علي): هو الإمام أبو الحسن على بن عبد الله بن جعفر بن نجيح البصري، كان آية من آيات الله، قال البخارى عنه: ما استصغرت نفسى إلا بين يدى على، توفي سنة 243 هـ.
(1)
من لطائف الإسناد:
1 -
أنَّ فيه التحديث والعنعنة والسماع.
2 -
أنَّ رواته ما بين بصري ومكي وكوفي.
(ابن أبي نجيج): هو الإمام أبو يسار عبد الله بن أبى نجيح واسمه يسار الثقفي المكي، لما مات عمرو بن دينار كان يفتى بعده ابن أبى نجيح كما قال سفيان. توفي سنة 131 هـ، وقيل بعدها.
• وفي الباب فوائد منها:
حديث ابن عمر سبق ذكر بعض فوائده، وهنا بعض الفوائد الأخرى ومنها:
الفائدة الأولى: ما كان عليه بعض الصحابة رضي الله عنهم من توقي رواية الحديث ونقله عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا لحاجة، وذلك مأخوذ من قول مجاهد: صَحِبْتُ ابْنَ عُمَرَ إِلَى المَدِينَةِ فَلَمْ أَسْمَعْهُ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَّا حَدِيثًا وَاحِدًا، وكان بعض الصحابة يتوقى رواية الحديث خشية الزيادة والنقصان كالزبير.
سؤال: كيف يتوقى ابن عمر الرواية وهو من الرواة المكثرين للحديث؟
الجواب: لأن ابن عمر كان مفتيًا فكان يُسْأَلُ كثيرًا، فكان إذا سئل أجاب وذكر الحديث، فنقل عنه كثير من الحديث لهذا السبب.
وفي هذا دليل أيضًا على عطاء الله وكرامته، فكان ابن عمر يتوقى رواية الحديث، ولكن قدر الله له أن ينقل عنه كثير من الأحاديث.
الفائدة الثانية: أهمية صحبة وملازمة أهل العلم، فقد استفاد ابن عمر الفهم والعلم بملازمة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ومما يدل على ذلك أيضًا أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال يومًا:«إِنَّ عَبْدًا خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا مَا شَاءَ، وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ، فَاخْتَارَ مَا عِنْدَهُ» فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ: فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا، فَعَجِبْنَا لَهُ، وَقَالَ النَّاسُ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا الشَّيْخِ، يُخْبِرُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ عَبْدٍ خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا، وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ، وَهُوَ يَقُولُ: فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم هُوَ المُخَيَّرَ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ هُوَ أَعْلَمَنَا بِهِ
(1)
.
(1)
متفق عليه: أخرجه البخاري (باب هجرة النبي صلى الله عليه وسلم ح 3904)، ومسلم (في فضائل الصحابة باب من فضائل أبي بكر رضي الله عنه رقم 2382).
15 - بَابُ الِاغْتِبَاطِ فِي العِلْمِ وَالحِكْمَةِ
وَقَالَ عُمَرُ: «تَفَقَّهُوا قَبْلَ أَنْ تُسَوَّدُوا» ، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ:«وَبَعْدَ أَنْ تُسَوَّدُوا وَقَدْ تَعَلَّمَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي كِبَرِ سِنِّهِمْ» .
قال البخاري رحمه الله: حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَلَى غَيْرِ مَا حَدَّثَنَاهُ الزُّهْرِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ قَيْسَ بْنَ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا»
(1)
.
وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله:
أنَّ الباب السابق كان عن الفهم في العلم فأتى بعد الفهم بالاغتباط، فكلما زاد الفهم والعلم زادت الغبطة.
• تراجم بعض الرواة:
(إسماعيل بن أبي خالد): هو الإمام أبو عبد الله إسماعيل بن أبى خالد، كان من حفاظ الناس كما قال الثوري، وكان يسمى الميزان كما قال مروان بن معاوية، توفي سنة 146 هـ.
(1)
من لطائف الإسناد:
1 -
أنَّ فيه التحديث والسماع.
2 -
أنَّ فيه رواية ثلاثة من التابعين.
3 -
رواته ما بين كوفي ومكي.
(قيس بن أبي حازم): هو الإمام قيس بن أبى حازم واسمه حصين البجلى الكوفي، مخضرم وقيل له رؤية، توفي بعد 90 هـ، أو قبلها.
• مفردات الحديث:
(الِاغْتِبَاطِ) الغبطة: تمني حال المغبوط دون زوال ما عنده، وهذا الفارق بين الحسد والغبطة، فالحسد: هو تمني ما عند الغير، وتمني زوال النعمة عنه.
(قَبْلَ أَنْ تُسَوَّدُوا) أي قبل أن تطلبوا السيادة، أو قبل أن تصيروا سادة، فلا يلزم أن يطلب الإنسان السيادة، ولكنه قد يصير سيدًا دون أن يطلبها.
• وفي الباب فوائد منها:
الفائدة الأولى: العلم قد يكون سببًا للرياسة والسيادة وهذا مأخوذ من قول عمر رضي الله عنه تفقهوا قبل أن تسودوا، والمعنى: تفقهوا واجتهدوا بالتفقه والفهم قبل أن تصيروا سادة في العلم، فتتصدرون قبل أن تتأهلوا، وقد يكون المعنى: تفقهوا قبل أن تصيروا سادة وورؤساء في الدنيا، فتشغلكم السيادة والرياسة عن العلم.
الفائدة الثانية: التعجيل بالعلم والتعلم قبل وجود الموانع والأشغال.
الفائدة الثالثة: لا مفهوم مخالفة من كلام عمر (تفقهوا قبل أن تسودوا)، وكذلك بعد أن يصير سيدًا فلابد كذلك من التفقه؛ ولذلك قال البخاري (وبعد أن تسودوا) دفعًا لهذا المفهوم المتوهم.
الفائدة الرابعة: استحباب البعد عما يمنع الإنسان من العلم كالسيادة والرئاسة.
الفائدة الخامسة: الانشغال بأمور الدنيا مؤثر في النفس ومؤثر في السير للآخرة، وكذلك السيادة والرئاسة.
• قال يحيى بن معين رحمه الله: من عاجل الرئاسة فاته علم كثير
(1)
.
• قال الشافعي: إذا تصدر الحدث فاته علم كثير
(2)
.
• قال مالك: إنَّ القاضي إذا عُزِلَ لا يرجع إلى مسجده الذي كان يتعلم فيه
(3)
.
الفائدة السادسة: وفيه كما سبق دليل على أنَّ العلم قد يكون سببًا في السيادة، لكن هذا أمر تبع وليس أصليًّا، فالأصل في طالب العلم ألا يطلب ذلك، ولكنها تأتي دون أن يطلبها كالشهرة ونحوها.
• قَدِمَ الرَّشِيْدُ الرَّقَّةَ، فَانْجَفَلَ النَّاسُ خَلْفَ ابْنِ المُبَارَكِ، وَتَقَطَّعَتِ النِّعَالُ، وَارتَفَعَتِ الغَبَرَةُ، فَأَشرَفَتْ أُمُّ وَلَدٍ لأَمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ مِنْ بُرْجٍ مِنْ قَصْرِ الخَشَبِ، فَقَالَتْ: مَا هَذَا؟
قَالُوا: عَالِمٌ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ قَدِمَ.
قَالَتْ: هَذَا - وَاللهِ - المُلْكُ، لا مُلْكَ هَارُوْنَ الَّذِي لا يَجْمَعُ النَّاسَ إِلا بِشُرَطٍ وَأَعْوَانٍ
(4)
.
وأهل العلم ينالون الشهرة فتجدهم أشهر الناس في الأمة.
• قال سليمان بن عبد العلى: حدثني أبو زرعة، فقال له رجل: من أبو زرعة؟
(1)
شرح صحيح البخاري لابن بطال (1/ 159) ط الرشد.
(2)
صفة الصفوة لابن الجوزي (1/ 435) ط دار الحديث.
(3)
شرح صحيح البخاري لابن بطال (1/ 159) ط الرشد بتصرف.
(4)
تقدم سابقًا.
فقال: أبو زرعة أشهر من الدنيا في الدنيا
(1)
.
• وقال رجل للإمام أحمد هناك شاب بالري يدعى أبا زرعة.
فغضب أحمد وقال تقول شاب، ثم رفع يديه وظل يدعو له، ويقول: اللهم انصره على من بغى عليه، اللهم ارحمه، اللهم اعف عنه
(2)
.
وتجد أهل العلم ينالون المحبة في قلوب كثير من الناس ولا يبغضهم إلا حاسد أو جاهل لا يعلم قدرهم.
فالعالم يعرف الجاهل؛ لأنه كان يومًا جاهلًا، أما الجاهل لا يعرف قدر العالم؛ لأنه لم يكن عالمًا.
• قال رجلٌ لابن تيمية: كيف أصبحت؟
قال: أصبحت بين نعمتين لا أدري أيهما أعظم، بين محبة في قلوب العباد لا يبلغها عملي، وذنوب سترها الله تعالى عليَّ فلم يطلعها على غيره
(3)
.
الفائدة السابعة: استحباب المنافسة وتمني ما عند الغير من الخير دون تمني زوال ما عندهم.
الفائدة الثامنة: قهر النفس، فلابد للنفس أن تُقْهَر حتى يستطيع الإنسان أن يعمل الأعمال الصالحة؛ لذا قال صلى الله عليه وسلم: ورجل آتاه الله مالًا فسُلِّط على هلكته في الحق.
الفائدة التاسعة: العلم والفهم هو الأصل لذلك قال سلط على هلكته في الحق،
(1)
تاريخ دمشق لابن عساكر (38/ 28) ط دار الفكر، وسير أعلام النبلاء للذهبي (13/ 74) ط الرسالة.
(2)
الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (1/ 237) ط دار الفكر.
(3)
الشكر لابن أبي الدنيا ص 18 ط المكتب الإسلامي.
والتسليط عليه في الحق لا يكون إلا بفهم وعلم.
الفائدة العاشرة: فضيلة الحكمة (ورجل آتاه الله الحكمة) وهي وضع الشيء في موضعه، فالشدة في موضع الشدة، واللين في موضع اللين، قال تعالى:{يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [البقرة: 269].
الفائدة الحادية عشرة: أهمية النية فالذي يغبط أهل العلم وأهل المال ولا يستطيع أن يفعل فعلهم قد يأجره الله تعالى على ذلك، وبين النبي صلى الله عليه وسلم أنه محمود، فعن أَبي كَبْشَةَ الْأَنَّمَارِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ إِنَّمَا الدُّنْيَا لِأَرْبَعَةِ نَفَرٍ عَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَعِلْمًا فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ وَيَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا فَهَذَا بِأَفْضَلِ الْمَنَازِلِ، وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ عِلْمًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالًا فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّةِ يَقُولُ لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلَانٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ، وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْمًا فَهُوَ يَخْبِطُ فِي مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ لَا يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ وَلَا يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ وَلَا يَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا فَهَذَا بِأَخْبَثِ الْمَنَازِلِ، وَعَبْدٍ لَمْ يَرْزُقْهُ اللَّهُ مَالًا وَلَا عِلْمًا فَهُوَ يَقُولُ لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ فِيهِ بِعَمَلِ فُلَانٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَوِزْرُهُمَا سَوَاءٌ
(1)
.
الفائدة الثانية عشرة: من الفوائد أيضًا: أنَّ تبويب البخاري، وقول عمر ليس عامًّا، ولكنه باعتبار الغالب، فالسيادة تمنع العلم في كثير من الأحيان، وليس في كل الأحيان، فقد كان عبد الرزاق وأحمد والشافعي وغيرهم سادة، وما منعهم ذلك من التعلم، ولذلك قال البخاري: وقد تعلم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في كبر سنهم.
الفائدة الثالثة عشرة: فضيلة التعليم، فإنَّ الحكمة والعلم لا تغتبط إلا بالأثر، فالغبطة ليست بتعلم العلم فقط، بل وبتعليمه.
(1)
أخرجه الإمام أحمد في مسنده (29/ 562) ط الرسالة، والترمذي في جامعه (4/ 141) ط الغرب الإسلامي بإسناد حسن.
16 - بَابُ مَا ذُكِرَ فِي ذَهَابِ مُوسَى صلى الله عليه وسلم
-
فِي البَحْرِ إِلَى الخَضِرِ وَقَوْلِهِ تَعَالَى:
{هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا} [الكهف: 66]
قال البخاري رحمه الله: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ غُرَيْرٍ الزُّهْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَهُ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ تَمَارَى هُوَ وَالحُرُّ بْنُ قَيْسِ بْنِ حِصْنٍ الفَزَارِيُّ فِي صَاحِبِ مُوسَى، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ خَضِرٌ، فَمَرَّ بِهِمَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، فَدَعَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ: إِنِّي تَمَارَيْتُ أَنَا وَصَاحِبِي هَذَا فِي صَاحِبِ مُوسَى، الَّذِي سَأَلَ مُوسَى السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، هَلْ سَمِعْتَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَذْكُرُ شَأْنَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:«بَيْنَمَا مُوسَى فِي مَلَإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: هَلْ تَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ؟ قَالَ مُوسَى: لا، فَأَوْحَى اللَّهُ عز وجل إِلَى مُوسَى: بَلَى، عَبْدُنَا خَضِرٌ، فَسَأَلَ مُوسَى السَّبِيلَ إِلَيْهِ، فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُ الحُوتَ آيَةً، وَقِيلَ لَهُ: إِذَا فَقَدْتَ الحُوتَ فَارْجِعْ، فَإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ، وَكَانَ يَتَّبِعُ أَثَرَ الحُوتِ فِي البَحْرِ، فَقَالَ لِمُوسَى فَتَاهُ: (أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهِ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ)، قَالَ: {قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا} [الكهف: 64]، فَوَجَدَا خَضِرًا، فَكَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا الَّذِي قَصَّ اللَّهُ عز وجل فِي كِتَابِهِ»
(1)
.
(1)
من لطائف الإسناد:
1 -
أنَّ فيه التحديث والإخبار والعنعنة.
2 -
أنَّ فيه رواية صحابي عن صحابي.
3 -
أنَّ فيه رواية ثلاثة من التابعين يروي كل منهم عن الآخر.
4 -
فيه أربعة زُهريين وهم ابن غرير ويعقوب وأبوه وابن شهاب.
• وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله:
المناسبة من عدة أوجه:
أولًا: أنَّ هذا الباب كالتطبيق العملي لما سبق، فقد كان في الباب السابق تفقهوا قبل أن تسودوا، والاغتباط في الحكمة والعلم، ثم جاء البخاري رحمه الله بتطبيق عملي لسيد لم تمنعه السيادة من العلم وهو موسى عليه السلام.
ثانيًا: العلم مما يغتبط عليه، وهنا غبط موسى الخضر لما علم أنه عنده علم فتحمل المشقة والتعب لكي ينال هذا العلم.
ثالثًا: المغتبِط قد يكون من شأنه الاغتباط، فموسى يُغْتَبَط من أجل سيادته ونبوته وعلمه، ومع هذا فقد اغتبط هو الخضر، فليس المعنى أن من يُغتَبَط لا يَغتَبِط.
• ترجمة بعض الرواة:
(محمد بن غرير الزهري): هو الإمام محمد بن غرير بن الوليد الزهري المدني، اختلف في كنيته فقيل: أبو عبد الله، وقيل: أبو عبد الرحمن، روى عنه البخاري خمسة أحاديث.
(يعقوب بن إبراهيم): هو الإمام أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف القرشى الزهرى المدني، توفي سنة 208 هـ.
• في الباب فوائد منها:
الفائدة الأولى: جواز التماري والنقاش في مسائل العلم بشرط عدم الجدال والمشاحنة والبغضاء، فابن عباس تمارى هو والحر بن قيس في صاحب موسى.
وقد ورد ذلك عن السلف والعلماء فقد كانوا يتناظرون ويتناقشون ويتمارون في مسائل دون الوصول إلى المشاحنة والبغضاء.
فَحِكَايَةُ أَبِي يُوسُفَ مَعَ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ مَشْهُورَةٌ، لَمَّا سَأَلَهُ عَنْ مِقْدَارِ الصَّاعِ وَالْمُدِّ، فَأَمَرَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَنْ يَأْتُوهُ بِصِيعَانِهِمْ حَتَّى اجْتَمَعَ عِنْدَهُ مِنْهَا شَيْءٌ كَثِيرٌ، فَلَمَّا حَضَرَ أَبُو يُوسُفَ قَالَ مَالِكٌ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ: مِنْ أَيْنَ لَك هَذَا الصَّاعُ؟
قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ كَانَ يُؤَدِّي بِهِ صَدَقَةَ الْفِطْرِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.
وَقَالَ الْآخَرُ: حَدَّثَتْنِي أُمِّي عَنْ أُمِّهَا أَنَّهَا كَانَتْ تُؤَدِّي بِهِ - يَعْنِي صَدَقَةَ حَدِيقَتِهَا - إلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.
وَقَالَ الْآخَرُ نَحْوَ ذَلِكَ، وَقَالَ الْآخَرُ نَحْوَ ذَلِكَ.
فَقَالَ مَالِكٌ لِأَبِي يُوسُفَ: أَتَرَى هَؤُلَاءِ يَكْذِبُونَ؟
قَالَ: لَا، وَاَللَّهِ مَا يَكْذِبُ هَؤُلَاءِ.
قَالَ مَالِكٌ: فَأَنَا حَرَّرْت هَذَا بِرِطْلِكُمْ يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ فَوَجَدْته خَمْسَةَ أَرْطَالٍ وَثُلُثًا.
فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لِمَالِكٍ: قَدْ رَجَعْت إلَى قَوْلِك يَا أَبَا عَبْدَ اللَّهِ، وَلَوْ رَأَى صَاحِبِي مَا رَأَيْت لَرَجَعَ كَمَا رَجَعْت
(1)
.
• وحدث ذلك بين الشافعي ومحمد بن الحسن في مسألة من الأعلم بالقياس هل هو مالك أم أبو حنيفة؟
فقال الشافعي لمحمد بن الحسن: بالإنصاف أم بالمكابرة؟
فقال: بل بالإنصاف.
(1)
الفتاوى الكبرى لابن تيمية (1/ 223).
فقال الشافعي: أنشدك الله أصاحبنا أعلم بكتاب الله أم صاحبكم؟
فقال: بل صاحبكم أي مالك.
قال الشافعي: أنشدك الله أصاحبنا أعلم بسنة النبي صلى الله عليه وسلم أم صاحبكم؟
فقال: بل صاحبكم.
قال الشافعي: أنشدك الله أصاحبنا أعلم بآثار السلف أم صاحبكم؟
فقال: بل صاحبكم.
فقال الشافعي: من كان أعلم بكتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وآثار السلف كان أعلم بالقياس
(1)
.
الفائدة الثانية: الرجوع إلى أهل العلم للترجيح عند الخلاف، فلما تمارى ابن عباس رضي الله عنهما مع الحر رجعا إلى أبي بن كعب رضي الله عنه يسألانه عن ذلك.
الفائدة الثالثة: الأدب عند الجدال والمناظرة، ويظهر ذلك في قول ابن عباس لأبيٍّ: إِنِّي تَمَارَيْتُ أَنَا وَصَاحِبِي هَذَا فِي صَاحِبِ مُوسَى، فعبر عنه بالصاحب.
وذلك لأن الأصل أنَّ المناقشة والمماراة في الحق تكون من أجل الوصول للحق، وليس من أجل الانتصار للنفس.
• قال الشافعي: ما ناظرت أحدًا قط على الغلبة إلا على الحق
(2)
.
• وقال أيضًا: ما ناظرت أحدًا قط إلا أحببت أن يُوَفَّق ويُسَدَّد ويُعَان، ويكون عليه رعاية من الله وحفظ
(3)
.
(1)
مناقب الشافعي للبيهقي (1/ 184) ط دار التراث، حلية الأولياء لأبي نعيم الأصبهاني (6/ 329).
(2)
آداب الشافعي ومناقبه لابن أبي حاتم ص 68، سير أعلام النبلاء للذهبي (10/ 29) ط الرسالة.
(3)
حلية الأولياء وطبقات الأصفياء لأبي نعيم (9/ 118).
• وقال أيضًا: ما ناظرت أحدًا ولم أبال بيَّن الله الحق على لساني أو لسانه
(1)
.
الفائدة الرابعة: جواز حمل الظاهر على غير ظاهره إن وجدت قرائن على ذلك، فَفَهْمُ ابن عباس وحسن أدبه كان معروفًا جليًّا؛ لذا وجه العلماء مقالته حيث إنه دعا أبيًّا، قالوا "فدعاه" ليست على ظاهرها، ولكن المعنى أنه قام إليه وسأله، وذلك لما يعرف عن ابن عباس في باب الأدب الشيء الكثير، فقد كان ابن عباس إذا رأى أُبيًّا يسير على ناقة كان يمسك بخطامها، فيقال له أتفعل هذا برجل من الأنصار وأنت ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقول: إنه ينبغي للحبر أن يعظم ويشرف
(2)
.
• وكان إذا رأى زيد بن ثابت يأخذ بناقته فيقال له: تفعل ذلك وأنت ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول: هكذا أمرنا أن نصنع بعلمائنا
(3)
.
الفائدة الخامسة: حسن المسألة، فحسن المسألة نصف العلم كما سبق مرارًا، وذلك أنه لم يقل له ما تقول في كذا؟ بل قال هَلْ سَمِعْتَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَذْكُرُ شَأْنَهُ؟
فكأنه يسأله عن المسألة ودليلها.
الفائدة السادسة: استحباب نسبة العلم والفضل والخير لله تعالى والاعتراف بذلك من الشكر، فقد أوحى الله إلى موسى أنَّ هناك من هو أعلم منك لما سئل: هَلْ تَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ؟ " قَالَ مُوسَى: لا، فَأَوْحَى اللَّهُ عز وجل إِلَى مُوسَى: بَلَى، عَبْدُنَا خَضِرٌ، وإن كان الخضر ليس أعلم من موسى في كل شيء؛ ولكنه عنده علم ليس عند موسى.
(1)
المصدر السابق.
وقال أيضًا: وددت أنَّ الخلق يتعلمون هذا العلم ولا ينسب إلي منه شيء.
(2)
الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي (1/ 188).
الحبر - بالفتح -: هو العالم، وأيضًا يجوز قول الحِبر - بالكسر -.
(3)
المصدر السابق.
الفائدة السابعة: بيان لمعنى العبودية وعظم فضلها، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يُذكَر بالعبودية في المقامات العالية، مثل ذكره عند الإسراء قال تعالى {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى} [الإسراء: 1]، وعند الوحي:{فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى} [النجم: 10]، وعند نزول الكتاب {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} [الفرقان: 1] وغير ذلك؛ لذلك قال بلى عبدنا خضر.
الفائدة الثامنة: الهمة في طلب العلم والإسراع وعدم التسويف، فسأل موسى ربه لقاء الخضر، والفاء تدل على الترتيب والتعقيب.
الفائدة التاسعة: التشويق في البحث عن العلم، فلم يخبر الله موسى بأنَّ الخضر في مكان كذا، ولكن جعل له آية وهي الحوت ليجعله الله تعالى مترقبًا لأحوال الحوت وطلب الخضر دائمًا.
الفائدة العاشرة: قوله (فتاه) والفتى بمعنى العبد أو الخادم، ولم يكن عبدًا لموسى؛ ولكن سماه الله عبدًا لأنه متتلمذ على يديه.
• يقول أبو بكر النحوي: إِذَا تَعَلَّمَ الْإِنْسَانُ مِنَ الْعَالِمِ، وَاسْتَفَادَ مِنْهُ الْفَوَائِدَ، فَهُوَ لَهُ عَبْدٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:{وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ} [الكهف: 60] وَهُوَ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، وَلَمْ يَكُنْ مَمْلُوكًا لَهُ، وَإِنَّمَا كَانَ مُتَتلْمِذًا لَهُ، مُتَّبِعًا لَهُ، فَجَعَلَهُ اللَّهُ فَتَاهُ لِذَلِكَ
(1)
.
• قال شعبة: إذا سمعتُ الحديث من الرجل صرتُ له عبدًا ما حيي
(2)
.
(1)
الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي (2/ 197) ط دار ابن الجوزي.
أبو بكر النحوي = هو الإمام المقرئ النحوي المفسر أبو بكر محمد بن علي الادفوي، توفي سنة 388 هـ.
(2)
الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (1/ 191)، وتذكرة السامع والمتكلم (ص 99).
الفائدة الحادية عشرة: لا بأس بخدمة المفضول للفاضل وخدمة المتعلم للمعلم، وليس هذا ثمنًا للعلم.
الفائدة الثانية عشرة: الدنيا لا تساوي شيئًا بجوار الدين والعلم؛ فموسى عليه السلام طلب الطعام من غلامه، وكان ذلك بعد شدة ومشقة قال تعالى {لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا} [الكهف: 62]، فلما علم أنه فقد الحوت نسي أنه كان جائعًا قال تعالى {فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا} [الكهف: 64] أي مسرعين، فالتعب والنصب تبدل إلى نشاط وحيوية وإسراع.
الفائدة الثالثة عشرة: الرحلة لطلب العلم وتحمل المشاق؛ لأجل ذلك فإنَّ موسى رحل وتحمل المشاق من أجل أن يصل للخضر.
الفائدة الرابعة عشرة: التواضع في طلب العلم، فموسى مع مقامه ومكانته تواضع للخضر وتعلم منه.
الفائدة الخامسة عشرة: لا يحيط أحد بالعلم ولو كان نبيًّا مكلمًا.
الفائدة السادسة عشرة: عدم التكبر في طلب العلم، وأنَّ الأعلى والأكبر قد يطلب العلم من الأدنى، كما قال ابن عيينة: لا يكون الرجل من أهل الحديث حتى يأخذ عمن فوقه، وعمن هو دونه، وعمن هو مثله
(1)
.
الفائدة السابعة عشرة: الصبر لأجل العلم أمر لازم؛ ولذلك هو أول ما نبه الخضر إليه موسى قال: "إنك لن تستطيع معي صبرًا".
الفائدة الثامنة عشرة: مقام التعليم لا بد أن يلازمه شيء من الدأب والخضوع والمعاناة في الطلب.
(1)
الجامع لأخلاق الراوي للخطيب (2/ 218). وكذلك رويت عن الإمام البخاري وقد رأينا تطبيقه له فروى عن مشايخه وعن أقرانه وعن تلاميذه.
• قَالَ الخطيب البغدادي: إَنَّ فِيمَا عَانَاهُ مُوسَى مِنَ الدَّأَبِ وَالسَّفَرِ وَصَبَرَ عَلَيْهِ مِنَ التَّوَاضُعِ وَالْخُضُوعِ لِلْخضرِ بَعْدَ مُعَانَاةِ قَصْدِهِ مَعَ مَحِلِّ مُوسَى مِنَ اللَّهِ وَمَوْضِعِهِ مِنْ كَرَامَتِهِ، وَشَرَفِ نُبُوَّتِهِ دَلَالَةٌ عَلَى ارْتِفَاعِ قَدْرِ الْعِلْمِ، وَعُلُوِّ مَنْزِلَةِ أَهْلِهِ، وَحُسْنِ التَّوَاضُعِ لِمَنْ يَلْتَمِسُ مِنْهُ وَيُؤْخَذُ عَنْهُ، وَلَوِ ارْتَفَعَ عَنِ التَّوَاضُعِ لِمَخْلُوقٍ أَحَدٌ بِارْتِفَاعِ دَرَجَةٍ، وَسُمُوِّ مَنْزِلَةٍ لَسَبَقَ إِلَى ذَلِكَ مُوسَى، فَلَمَّا أَظْهَرَ الْجَدَّ وَالِاجْتِهَادَ، وَالِانْزِعَاجَ عَنِ الْوَطَنِ وَالْحِرْصِ عَلى الِاسْتِفَادَةِ مَعَ الِاعْتِرَافِ بِالْحَاجَةِ إِلَى أَنْ يَصِلَ مِنَ الْعِلْمِ إِلَى مَا هُوَ غَائِبٌ عَنْهُ دَلَّ عَلَى أَنَّهَ لَيْسَ فِي الْخَلْقِ مَنْ يَعْلُو عَلَى هَذِهِ الْحَالِ، وَلَا يَكْبُرُ عَنْهَا
(1)
.
الفائدة التاسعة عشرة: يعطى العبد من العلم على قدر صبره، فإنَّ موسى أخذ من العلم بقدر ما صبر.
الفائدة العشرون: وفيه أدب المتعلم مع المعلم، وهو أدب موسى مع الخضر.
الفائدة الحادية والعشرون: جواز تعنيف المعلم للمتعلم إن خالف أمره حتى وإن كان المتعلم فاضلًا.
الفائدة الثانية والعشرون: ينبغي الاعتذار عن الخطأ وخاصة من المتعلم للمعلم إن خالف أمره.
الفائدة الثالثة والعشرون: إنكار المنكر الظاهر، فقد أنكر موسى على الخضر القتل وإفساد الأموال.
الفائدة الرابعة والعشرون: قد يفعل المنكر لدفع منكر أعظم، وهو ما يسميه الأصوليون ب"تزاحم المحرمات"، ويسمى في القواعد الفقهية ب"تزاحم المفاسد".
(1)
الرحلة في طلب الحديث للخطيب البغدادي (ص 102) ط دار الكتب العلمية.
الفائدة الخامسة والعشرون: في قوله (أعلم منك) فيه دليل على مناسبة الحال فإنَّ الخضر ليس بأعلم من موسى في كل شيء، ولكن الله تعالى أطلق هذه العبارة حتى يصل بأنبيائه إلى الدرجات العلى؛ لأن موسى لما سئل قال: لا أحد أعلم مني، فكان ينبغي له أن ينسب الأمر لله تعالى.
الفائدة السادسة والعشرون: يجب على العالم ألا يكتفي بما عنده، بل إن وجد علمًا عند غيره رحل إليه، واستزاد منه.
الفائدة السابعة والعشرون: حمل الزاد وإعداده للسفر، وأنَّ الأخذ بالأسباب من الدين، وهو أيضًا من شريعة من قبلنا.
الفائدة الثامنة والعشرون: العمل بخبر الواحد الثقة فقد سأل ابن عباس أُبيًّا فقط، وأخذ منه الحديث.
الفائدة التاسعة والعشرون: جواز ركوب البحر في طلب العلم، وهذا ليس فيه إهلاك للنفس.
الفائدة الثلاثون: فضيلة المعلم وأنها تكون بفضل تلامذته، وفي هذا الحديث دليل على فضل الخضر حيث قدر الله له من تتلمذ على يديه وهو موسى عليه السلام.
الفائدة الحادية والثلاثون: مهما أوتي العبد من العلم لم يؤت إلا القليل.
الفائدة الثانية والثلاثون: العلم هو الهداية والرشاد قال تعالى: {قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا} [الكهف: 66].
17 - بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الكِتَابَ»
قال البخاري رحمه الله: حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ عِكْرِمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ضَمَّنِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَقَالَ: «اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الكِتَابَ»
(1)
.
• وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله:
في الباب السابق كان فيه غلبة ابن عباس للحر بن قيس في تماريهما لصاحب موسى لما رجع إلى أبي بن كعب رضي الله عنه، وأيد قول ابن عباس في قوله، وذاك من كثرة علمه وغزارة فهمه، فإنَّ الغلبة كثيرًا ما تدل على غزارة العلم والفهم.
وفي هذا الباب إشارة إلى سبب هذا العلم، وأنَّ هذا العلم الغزير والفهم والفضيلة كانت ببركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم.
وأيضًا مناسبة أخرى، وهي أنَّ الباب السابق فيه استفادة المتعلم وهو موسى من المعلم وهو الخضر، وهنا استفاد ابن عباس من النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن في الأولى استفاد موسى من علم الخضر مباشرة، وأما هنا فقد استفاد ابن عباس من دعوة النبي صلى الله عليه وسلم ففتح له أبواب العلم.
(1)
من لطائف الإسناد:
1 -
أنَّ فيه التحديث والعنعنة.
2 -
أنَّ رواته بصريون ما عدا ابن عباس وعكرمة وقد سكناها.
3 -
فيه رواية تابعي عن مثله.
• تراجم بعض الرواة:
(أبو معمر): هو الإمام أبو معمر عبد الله بن عمرو بن أبى الحجاج واسمه ميسرة التميمى البصري المعروف بالمقعد، توفي سنة 224 هـ.
(عبد الوارث): هو الإمام أبو عبيدة عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان التميمى العنبرى البصري، قال عنه أبو عمر الجرمى النحوى: ما رأيت فقيهًا أفصح من عبد الوارث، توفي سنة 180 هـ.
(خالد): هو الإمام أبو المنازل خالد بن مهران الحذاء البصري، قال فهد بن حيان وكان رجلًا مهيبًا لا يجتراء عليه أحد. اختلف في وفاته، فقيل 142 هـ، وقيل غير ذلك.
(عكرمة): هو الإمام أبو عبد الله عكرمة القرشى الهاشمى المدني مولى عبد الله بن عباس قال له ابن عباس: انطلق فأفت الناس، وأنا لك عون. توفي 104 هـ، وقيل غير ذلك.
• من فوائد الباب:
الفائدة الأولى: فضل ملازمة أهل الفضل والصلاح وأنه به يكثر العطاء والمنن، فسبب هذه الدعوة أنَّ ابن عباس كان ملازمًا للنبي صلى الله عليه وسلم من صغره فوفق الله له دعاء النبي.
الفائدة الثانية: أسباب نيل العلم، فالعلم قد ينال بسبب الدعاء فقال تعالى {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114] سواء كان هذا الدعاء من المتعلم نفسه أو من غيره له.
الفائدة الثالثة: الحض على تعليم القرآن والدعاء لذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: اللهم علمه الكتاب؛ لأن القرآن هو أصل كل العلوم.
الفائدة الرابعة: جواز ضم الصغير بشرط أن يكون بغير شهوة لقول ابْنِ عَبَّاسٍ:
(ضَمَّنِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.
الفائدة الخامسة: في الحديث دليل على منقبة لابن عباس وقربه من النبي صلى الله عليه وسلم، ليس نسبًا فقط، ولكن تَعَلُّمًا وملازمة، ففتح الله له أبواب العلم من أجل ذلك، فنال بعد ذلك ابن عباس ألقابًا منها حبر الأمة، وبحرها، ورئيس المفسرين، وترجمان القرآن.
الفائدة السادسة: الحديث يدل على أهمية انتباه المتعلم، وأنه بمتابعته للمعلم قد يُجْلَب له كثير من الخيرات كما يقول ابن عباس: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَتَى الْخَلَاءَ فَوَضَعْتُ لَهُ وَضُوءًا، فَلَمَّا خَرَجَ قَالَ:«مَنْ وَضَعَ هَذَا؟» قيلَ: ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ:«اللهُمَّ فَقِّهْهُ» .
الفائدة السابعة: في الحديث فائدة ارتباط الأمور القدرية بالعطاء الشرعي، فالله عز وجل أعطى ابن عباس فهمًا وعلمًا وحكمة فارتبط ذلك بأمور قدرية وهي أنه كان موجودًا في وقت دخل فيه النبي صلى الله عليه وسلم الخلاء، ووفق الله ابن عباس في وضع الماء للنبي صلى الله عليه وسلم، ففاز بدعوته.
18 - بَابٌ: مَتَى يَصِحُّ سَمَاعُ الصَّغِيرِ؟
قال البخاري رحمه الله: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ:«أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الِاحْتِلَامَ، وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي بِمِنًى إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ، فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ، وَأَرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ، فَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ، فَلَمْ يُنْكَرْ ذَلِكَ عَلَيَّ»
(1)
.
وقال: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنِي الزُّبَيْدِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ، قَالَ:«عَقَلْتُ مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مَجَّةً مَجَّهَا فِي وَجْهِي وَأَنَا ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ مِنْ دَلْوٍ»
(2)
.
• وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله:
أنَّ دعوة النبي صلى الله عليه وسلم في الباب السابق لابن عباس كانت له وهو غلام، والمذكور هنا حال الغلام عند السماع هل يؤخذ بسماعه وتحمله أم لا.
(1)
من لطائف الإسناد:
1 -
أنَّ فيه التحديث بصيغة الجمع والإفراد، وفيه العنعنة.
2 -
أنَّ رواته كلهم مدنيون.
4 -
فيه رواية تابعي عن تابعي مثله.
(2)
من لطائف هذا الإسناد:
1 -
أنَّ فيه التحديث بالجمع والإفراد.
2 -
أنَّ رواته إلى الزهري شاميون.
3 -
وهذا الحديث من أفراد البخاري عن مسلم.
كذلك القضية هنا وفي الباب السابق كانت لابن عباس، وفيهما دلالة على فهم ابن عباس وعلمه.
وفي الباب حديثان الأول لابن عباس والثاني لمحمود بن الربيع وهما يدلان على معنى واحد.
• ترجمة بعض الرواة:
(أبو مسهر): هو الإمام أبو مسهر عبد الأعلى بن مسهر بن عبد الأعلى الدمشقي، قال عنه ابن معين: ما رأيت منذ خرجت من بلادى أحدًا أشبه بالمشيخة الذين أدركتهم من أبى مسهر، توفي سنة 218 هـ.
(محمد بن حرب): هو الإمام أبو عبد الله محمد بن حرب، المعروف بالأبرش (كاتب الزبيدى)، قال عنه خشنام بن الصديق: كان من خيار الناس. توفي سنة 192 هـ، وقيل 194 هـ.
(الزبيدي): هو الإمام أبو الهذيل محمد بن الوليد بن عامر الزبيدى، وكان أعلم أهل الشام بالفتوى كما قال ابن سعد. اختلف في وفاته فقيل: سنة 146 هـ، وقيل سنة 147 هـ، وقيل سنة 149 هـ.
• من فوائد الحديث الأول:
الفائدة الأولى: جواز سماع الصغير وضبطه للسنن.
الفائدة الثانية: جواز شهادة الصبيان بعد أن يكبروا بشرط أن يكونوا قد علموه وميزوه في الصغر، كما ورد في حديث محمود بن الربيع، وقد ورد ذلك في رواية عَنْ عَبدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: كُنْتُ يَوْمَ الأَحْزَابِ جُعِلْتُ أَنَا وَعُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ فِي النِّسَاءِ، فَنَظَرْتُ، فَإِذَا أَنَا بِالزُّبَيْرِ عَلَى فَرَسِهِ يَخْتَلِفُ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ، مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا، فَلَمَّا رَجَعْتُ، قُلْتُ: يَا أَبَتِ، رَأَيْتُكَ تَخْتَلِفُ؟ قَالَ: أَوَهَلْ رَأَيْتَنِي يَا بُنَيَّ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: مَنْ يَأْتِ بَنِي قُرَيْظَةَ فَيَأْتِينِي بِخَبَرِهِمْ، فَانْطَلَقْتُ، فَلَمَّا
رَجَعْتُ، جَمَعَ لِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَبَوَيْهِ، فَقَالَ: فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي
(1)
.
قيل: أنَّ عمره آنذاك ثلاث سنوات أو أربع لكنه كان مميزًا.
سؤال: لماذا لم يذكر البخاري رحمه الله حادثة ابن الزبير؟
الجواب: قد استدرك بعضهم على البخاري ذلك حيث إنهم رأوا أنَّ هذه الحادثة أولى من حادثة ابن عباس وابن الربيع؛ ولكن أجيب عن ذلك فقيل:
أولًا: أنَّ البخاري أراد أن ينقل سننًا نبوية، لا ينقل أحوالًا وجودية.
فابن الزبير يحكي أمرًا حدث بينه وبين أبيه، بينما ابن عباس وابن الربيع ينقلان سنة.
ثانيًا: ذكر حديث محمود بن الربيع أولى، وإن كان أكبر من ابن الزبير لأنه تحدث به فضيلة لمحمود بن الربيع وهي الصحبة.
الفائدة الثالثة: يدل الباب على أهمية التعامل مع الأطفال وأنه ربما يكون الطفل مغمورًا بأحداث الصبا والصغر كما سبق، ولكنه قد يظهر نبوغه إن فتش فيه عن ذلك، فقد كان النبي يتفقد الصبيان الصغار في الغزوات ويردهم، وقد تعاهد ابن عباس، فكان يقول له "يا غلام احفظ الله يحفظك"
(2)
.
• عن أحمد بن النضر الهلالي قال: سمعت أبى يقول: كنت في مجلس سفيان بن عيينة فنظر الى صبي دخل المسجد، فكأنَّ أهل المجلس تهاونوا به لصغر سنه، فقال سفيان: كذلك كنتم من قبل فمَنَّ الله عليكم، ثم قال: يا نضر لو رأيتني ولى عشر سنين، طولى خمسة أشبار، ووجهى كالدينار، وأنا كشعلة نار،
(1)
أخرجه البخاري في صحيحه (5/ 21 ح 3720)، ومسلم في صحيحه (4/ 1879 ح 2416).
(2)
أخرجه أحمد في مسنده (4/ 409 ح 2669) ط مؤسسة الرسالة، والترمذي في جامعه (4/ 248) ط الغرب الإسلامي.
ثيابي صغار، وأكمامى قصار، وذيلى بمقدار، ونعلى كآذان الفار، أختلف إلى علماء الأمصار مثل الزهرى وعمرو بن دينار، أجلس بينهم كالمسمار، محبرتى كالجوزة، ومقلمتي كالموزة، وقلمى كاللوزة، فإذا دخلت المجلس قالوا: أوسعوا للشيخ الصغير، قال: ثم تبسم ابن عيينة، وضحك
(1)
.
• وقد أورد الخطيب رحمه الله من طريق أبي عاصم قال: ذهبت بابني إلى ابن جريج وهو ابن ثلاث سنين فحدثه
(2)
.
الفائدة الرابعة: إن فعل الصحابي شيئًا بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم وسكت عنه النبي فهو حجة، فسكوت النبي صلى الله عليه وسلم عن ترك ابن عباس الأتان يدل على جوازه، ولكن هذا يستلزم أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم رآه وسكت عنه؛ واعتُرِض بأنَّ ابن عباس أرسل الأتان بين يدي الصف ولم ير النبي صلى الله عليه وسلم ذلك.
وأجاب بعضهم: بأنَّ الله رأى ذلك، ولو كان خطأ لأعلمه نبيه صلى الله عليه وسلم، ونبهه عليه.
الفائدة الخامسة: جواز الركوب إلى صلاة الجماعة، فهذا لا يعارض السكينة والمشي لصلاة الجماعة.
الفائدة السادسة: فيه جواز الصلاة لغير سترة، قال ابن عباس ورسول الله يصلي إلى منى بغير جدار، وعند البزار قال: والنبي صلى الله عليه وسلم يصلي المكتوبة ليس لشيء يستره
(3)
، فرواية البزار تنفي الجدار وغير الجدار.
ونَفْيُ ابن عباس للأمر يدل على أنه ليس معتادًا، فغالب حاله صلى الله عليه وسلم أنه كان يصلي إلى سترة.
• وهذا يؤيد من قال بأنَّ السترة سنة وليست واجبة.
(1)
الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي (1/ 61) ط المكتبة العلمية.
(2)
الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي (1/ 64).
(3)
أخرجه البزار في مسنده (11/ 201 ح 4951) ط مكتبة العلوم والحكم.
الفائدة السابعة: وفيه جواز التحمل قبل البلوغ.
الفائدة الثامنة: استدل البعض بهذا الحديث على أنَّ المرأة لا تقطع الصلاة وهو مأخوذ من قوله حمار أتان، والأتان هي أنثى الحمار، فمن باب أولى أنَّ المرأة إذا مرت فهي لا تقطع الصلاة؛ لأنها لا شك أشرف من الأتان، وهذا قياس مع الفارق؛ لأن العلة في المرأة أنها ترتبط بها شهوة بخلاف أنثى الحمار.
الفائدة التاسعة: قوله "ناهزت الاحتلام" يدل على أنَّ عدم الإنكار للجواز، وإلا لو كان صغيرًا لكان عدم الإنكار لصغره، وهذا من فقهه رضي الله عنه.
الفائدة العاشرة: جواز تقديم المصلحة الراجحة على المفسدة الخفيفة، فالمفسدة الخفيفة هنا هي المرور بين يدي الصف، وأما المصلحة فهي إدراك الصلاة.
الفائدة الحادية عشرة: عدم الإنكار دليل على الجواز أو الرضا.
• من فوائد الحديث الثاني:
الفائدة الأولى: الحديث أوضح في الباب من حديث ابن عباس في الدلالة على جواز سماع الصغير.
الفائدة الثانية: يدل على سن التحمل، وضابطه هو التمييز حيث قال "عقلت مجة".
الفائدة الثالثة: إباحة مج الماء في وجه الصغير وخاصة إذا كان ذلك من باب المداعبة، وليس من باب الإيذاء.
الفائدة الرابعة: دليل على تواضع النبي صلى الله عليه وسلم، إن كان فعل ذلك مازحًا.
الفائدة الخامسة: دليل على رحمته بأمته إن كان المج يريد به البركة.
الفائدة السادسة: طهارة ريق المسلم، فإن قيل أنَّ هذا كان خاصًّا بالنبي صلى الله عليه وسلم،
يجاب أن الأصل في الأحكام أنها عامة، فكل حكم للنبي صلى الله عليه وسلم هو حكم للأمة ما لم يرد دليل بالتخصيص.
الفائدة السابعة: فيه أيضًا جواز إحضار الصبيان لمجالس الحديث والعلم.
الفائدة الثامنة: فيه دليل على زيارة الإمام لأصحابه في دورهم وملاعبة صبيانهم.
الفائدة التاسعة: تفقد الإمام للرعية واهتمامه بهم.
19 - بَابُ الخُرُوجِ فِي طَلَبِ العِلْمِ
وَرَحَلَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ، فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ.
قال البخاري رحمه الله: حَدَّثَنَا أَبُو القَاسِمِ خَالِدُ بْنُ خَلِيٍّ قَاضِي حِمْصَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، أَخْبَرَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ تَمَارَى هُوَ وَالحُرُّ بْنُ قَيْسِ بْنِ حِصْنٍ الفَزَارِيُّ فِي صَاحِبِ مُوسَى، فَمَرَّ بِهِمَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، فَدَعَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ: إِنِّي تَمَارَيْتُ أَنَاوَصَاحِبِي هَذَا فِي صَاحِبِ مُوسَى الَّذِي سَأَلَ السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَذْكُرُ شَأْنَهُ؟ فَقَالَ أُبَيٌّ: نَعَمْ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَذْكُرُ شَأْنَهُ يَقُولُ: " بَيْنَمَا مُوسَى فِي مَلَإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: أَتَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ؟
قَالَ مُوسَى: لا، فَأَوْحَى اللَّهُ عز وجل إِلَى مُوسَى: بَلَى، عَبْدُنَا خَضِرٌ، فَسَأَلَ السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُ الحُوتَ آيَةً، وَقِيلَ لَهُ: إِذَا فَقَدْتَ الحُوتَ فَارْجِعْ، فَإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ، فَكَانَ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَّبِعُ أَثَرَ الحُوتِ فِي البَحْرِ، فَقَالَ فَتَى مُوسَى لِمُوسَى:{أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ} [الكهف: 63]، قَالَ مُوسَى:{قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا} [الكهف: 64]، فَوَجَدَا خَضِرًا، فَكَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا مَا قَصَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ ".
ذكر البخاري رحمه الله حديث ابن عباس في أكثر من باب، وسبقت الفوائد منه.
• وجه المناسبة بين هذا الباب والباب السابق:
والمناسبة أنَّ ابن عباس أقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودخل معه في الصلاة، وكأنه استحضر في ذلك معنى طلب العلم، فكأنه يتعلم من النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة.
وقد ذكر في هذا الباب أثر جابر وقد وصله البخاري رحمه الله في الأدب المفرد، وأنه رحل مسيرة شهر إلى عبد الله بن أنيس في حديث واحد، وهو أراد أن يذكر أنَّ هذا واقع حال لجابر رضي الله عنه لكي يأخذ حديثًا واحدًا.
وثبت أيضًا أنَّ أبا أيوب رضي الله عنه رحل إلى عقبة بن عامر الجهني من المدينة إلى مصر ليسأله عن حديث واحد، فقد أخرج عبد الرزاق عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ مَسْلَمَةَ بنِ مُخَلَّدٍ أَنَّ النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ:«مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَمَنْ نَجَّى مَكْرُوبًا، فَكَّ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللهُ فِي حَاجَتِهِ» .
قَالَ ابْنُ جُرَيجٍ: وَرَكِبَ أَبو أَيُّوبَ إِلَى عُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ بِمِصْرَ فَقَالَ: إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ أَمْرٍ لَمْ يَبْقَ مَنْ حَضَرَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِلا أَنَا وَأَنْتَ، كَيْفَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: فِي سَتْرِ المُؤْمِنِ؟ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «مَنْ سَتَرَ مُؤْمِنًا فِي الدُّنْيَا عَلَى عَوْرَةٍ، سَتَرَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. فَرَجَعَ إِلَى المَدِينَةِ وَمَا حَلَّ رَحْلَهُ» .
• وهذا يدل على قيمة العلم حتى وإن كان علمًا قليلًا لكنه يركب إليه ويرحل له.
• وذكر البخاري حديث ابن عباس مع الحر بن قيس وذكر قصة موسى والشاهد فيها: أنَّ موسى عليه السلام رحل إلى الخضر ليتعلم منه.
هذه فائدة الباب ومناسبته بما قبله، وقد ذكرنا باقي الفوائد المتعلقة بالحديث في الأبواب السابقة.
• تراجم بعض الرواة:
(أبو القاسم خالد بن خلي): هو الإمام أبو القاسم خالد بن خلى الكلاعى الحمصي.
(الأوزاعي): هو الإمام أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو بن أبى عمرو الأوزاعي، هو إمام أهل الشام في زمانه، قال عنه ابن مهدى: ما كان بالشام أحدٌ أعلم بالسنة من الأوزاعى توفي سنة 157 هـ.
20 - بَابُ فَضْلِ مَنْ عَلِمَ وَعَلَّمَ
قال البخاري رحمه الله: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الهُدَى وَالعِلْمِ كَمَثَلِ الغَيْثِ الكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا، فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ، قَبِلَتِ المَاءَ، فَأَنْبَتَتِ الكَلَأَ وَالعُشْبَ الكَثِيرَ، وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ، أَمْسَكَتِ المَاءَ، فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ، فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأَصَابَتْ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى، إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاءً، وَلَا تُنْبِتُ كَلَأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ، وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ»
(1)
.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: قَالَ إِسْحَاقُ: وَكَانَ مِنْهَا طَائِفَةٌ قَيَّلَتِ المَاءَ، قَاعٌ يَعْلُوهُ المَاءُ. وَالصَّفْصَفُ: المُسْتَوِي مِنَ الأَرْضِ.
• وجه المناسبة بين الباب والباب الذي قبله:
الأبواب السابقة كانت في بيان حال العالم والمتعلم، وهذا الباب يذكر فضلهما، وفضل العلم والتعليم.
(1)
من لطائف الإسناد:
1 -
أنَّ فيه التحديث والعنعنة.
2 -
رواته كلهم كوفيون.
• تراجم بعض الرواة:
(محمد بن العلاء): هو الإمام أبو كريب محمد بن العلاء بن كريب الكوفي، قال عنه ابن نمير ما بالعراق أكثر حديثًا من أبى كريب الهمدانى، ولا أعرف بحديث بلدنا منه، توفي سنة 247 هـ.
(حماد بن أسامة): هو الإمام أبو أسامة حماد بن أسامة بن زيد القرشي الكوفي قال عن نفسه: كتبت بأصبعى هاتين مئة ألف حديث، توفي سنة 201 هـ.
(بُريد بن عبد الله): هو الإمام أبو بردة بُريد بن عبد الله بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري الكوفي.
(أبو بردة): هو الإمام أبو بردة بن أبى موسى الأشعرى، قيل اسمه عامر بن عبد الله بن قيس أو الحارث الكوفي، توفي سنة 104، وقيل غير ذلك.
• في الباب فوائد منها:
الفائدة الأولى: قسم بعض العلماء العلم إلى قسمين وقسمها آخرون إلى ثلاثة أقسام:
فالقسم الأول من القسمين هو محل انتفاع وهو ينقسم إلى قسمين:
أ) قسم ينتفع بنتائج مائه النازلة فيه وثمراته لا بعين الماء.
ب) قسم ينتفع منه بعين الماء.
فالأولى الأرض النقية التي طوت الماء وأنبتت الكلأ، والثانية هي الأرض الأجادب التي أمسكت الماء، فكلاهما نافع، لكنه لا ينتفع بأحدهما بعينه، ولكن ينتفع بالأثر الذي أخرجته، وأما الثانية فينتفع بعين الماء، فالذي ينتفع بالثمرة هؤلاء هم أهل الاجتهاد والعلم ينتفع الناس منهم بالثمرة، وهو ما استنبطوه من أحكام، وما ينتفع بمائه هم أهل الرواية نقلة الأحاديث، وسبق أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: رب مبلغ أوعى من سامع، ورب حامل فقه ليس بفقيه، فهذا حامل للماء فقط،
ولكنه ينتفع به أيضًا.
الفائدة الثانية: الوحي يشبه الماء في التطهير، فالماء يطهر البدن، والوحي والعلم يطهران القلوب والنفوس، ولذلك شبه النبي صلى الله عليه وسلم الهدى والعلم بالغيث.
الفائدة الثالثة: تشبيه الوحي بالماء في كمال التنظيف فكما أنَّ الماء يطهر من الخبائث ونحوها، كذلك الوحي فإنه يطهر القلب من الذنوب والمعاصي.
الفائدة الرابعة: من الأمور التي يشبه الوحي الماء فيها أنَّ كلًّا منهما نازل من العلو.
الفائدة الخامسة: الوحي والعلم عطاء وإيتاء لا يؤتاه كل الناس، وكذلك المطر قد يفضل الله تعالى أناسًا عن أناس، وفي الحديث "اسق حديقة فلان".
الفائدة السادسة: استحباب ضرب الأمثلة، وأنها وسيلة من وسائل التعليم.
الفائدة السابعة: قبول الهدي متوقف على نقاء القلوب وصفائها قال صلى الله عليه وسلم (كان منها نقية قبلت الماء)، فلما قبلت الماء أتم الماء نظافتها وطهارتها.
الفائدة الثامنة: بعض القلوب متهيئة للعلم، لكن ليس لها رسوخ فيه، فهي تأخذه وتقبله، ولكنها تمسكه حتى يأتي متعطش ويروى منها ويأخذ منها هذا العلم ويستنبط منها الأحكام.
الفائدة التاسعة: شبه النبي صلى الله عليه وسلم العلم بالغيث والغيث هو المطر، وللمطر أسماء متعددة؛ ولكن اختار النبي صلى الله عليه وسلم اسم الغيث حيث إنَّ العلم غيث للناس من الجهل والضلال كما أنَّ المطر غيث للناس من الظمأ والعطش والهلاك.
الفائدة العاشرة: العلم يشبه الغيث في أنَّ الغيث يسمى غيثا إذا أتى والناس محتاجون إليه، فكأن الله أغاث الناس بالوحي والعلم، وقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم في الاستسقاء فقال: اللهم أغثنا ثلاثًا، كذلك العلم فإنه يأتي إغاثة للناس من ظلمات
الجهل والضلال حيث إنَّ الإنسان الأصل فيه الجهل قال تعالى {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا} [النحل: 78] فهو إغاثة للناس في كل وقت.
الفائدة الحادية عشرة: العلم حياة عامة كالمطر فكما أنَّ المطر يحيي الله به البلاد، فكذلك العلم يحيي الله به القلوب.
الفائدة الثانية عشرة: قبول الحق والعمل به عزة للناس ورفعة للرأس قال النبي صلى الله عليه وسلم "، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا "، فاعتبر النبي صلى الله عليه وسلم من فقه في الدين كأن الله تعالى أعزه ورفع رأسه بخلاف الآخر.
الفائدة الثالثة عشرة: الأخذ بالعلم والانتفاع به مراتب وليس كل الناس على درجة واحدة فيه، فمنهم من يحتفظ به لغيره، ومنهم من يستخرج منه ويستنبط لينتفع الناس به، ثم إنَّ من يستخرج ويستنبط يختلف أيضًا، فعلى قدر أخذه للماء أي للعلم يكون إخراج الأثر والانتفاع به.
الفائدة الرابعة عشرة: فائدة العلم بالعمل وعلى قدر أخذ العلم على قدر نضوج ثمرته أي: أنه من نتائج العلم العمل.
وهذا مستفاد من قوله (فأنبتت الكلأ والعشب الكثير) فإنها لما أخذت الماء الكثير أنبتت العشب والكلأ الكثير، وكذلك كلما استفاد الإنسان من العلم استفاد من الفهم والأثر والنتائج.
21 - بَابُ رَفْعِ العِلْمِ وَظُهُورِ الجَهْلِ
قال البخاري رحمه الله: وقَالَ رَبِيعَةُ: «لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنَ العِلْمِ أَنْ يُضَيِّعَ نَفْسَهُ» .
• وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله:
أنه بالضد تتميز الأشياء، فالأبواب السابقة كانت في العلم وفضله وفضل التعليم، ثم جاء هنا بالضد لكي يتميز فضل العلم ويظهر، وفيه التحذير من الجهل وذمه.
قوله (وقَالَ رَبِيعَةُ) هو ابن أبي عبد الرحمن فروخ شيخ مالك رحمهما الله تعالى، والمتوفى سنة 136 هـ، وهو فقيه مدني، وكان معروفًا بالرأي لكثرة استخدامه للاجتهاد، ولذلك كانوا يقولون ربيعة الرأي.
• ليس في رواة الكتب الستة من اسمه ربيعة بن أبي عبد الرحمن ولا ابن فروخ سواه.
• من فوائد الأثر:
في قول ربيعة «لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنَ العِلْمِ أَنْ يُضَيِّعَ نَفْسَهُ» يُحمل على أمور منها:
أولًا: إن كان للإنسان فهم فلا ينشغل بأمور الدنيا فيضيع نفسه؛ لأن ترك سبيل الآخرة من أجل الدنيا ضياع، وذلك هو سبب نزول قوله تعالى:{وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195] حيث إنًّ بعض الأنصار أرادوا أن يتركوا الجهاد وينشغلوا
بأموالهم فنزلت الآية.
ثانيًا: المراد الحث على نشر العلم في أهله لئلا يموت العالم قبل ذلك فيؤدي إلى رفع العلم، فيكون العالم قد ضيع نفسه بتضييعه للعلم، فلابد من نشر العلم بين أهله قبل أن يموت العالم فيرفع العلم بموته.
ثالثًا: لابد للعالم أن يشهر نفسه حتى يتصدى للأخذ عنه لئلا يضيع علمه، فليس هذا من باب الرياء ولا طلب الشهرة، فقد يوجد علماء ولا يعرفهم الناس، فلا مانع من أن يظهر العالم نفسه ويبين للناس أنه من أهل العلم حتى يأخذ الناس عنه، فهو بذلك يمنع انتشار الجهل ورفع العلم.
رابعًا: توقير العلم وتعظيمه، فعلى الإنسان أن لا يهين نفسه بأن يجعل هذا العلم عرضا للدنيا، فيضيع العلم بسبب ذلك.
قال البخاري رحمه الله: حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ: أَنْ يُرْفَعَ العِلْمُ، وَيَثْبُتَ الجَهْلُ، وَيُشْرَبَ الخَمْرُ، وَيَظْهَرَ الزِّنَا»
(1)
.
• تراجم بعض الرواة:
(عمران بن ميسرة): هو الإمام أبو الحسن عمران بن ميسرة المنقرى البصري، توفي سنة 223 هـ.
(1)
من لطائف الإسناد:
1 -
أنَّ فيه التحديث والعنعنة.
2 -
أنَّ رواته كلهم بصريون.
3 -
أنه من رباعيات المصنف.
• من فوائد الحديث:
الفائدة الأولى: رفع العلم يكون بموت أهل العلم.
الفائدة الثانية: ظهور الجهل قرين رفع العلم، وهذه مسألة عامة، فإذا رفع العلم ظهر الجهل.
الفائدة الثالثة: العلم حماية من ظهور أئمة الجهل والضلال وإضلال الأمة؛ لأن هذا مترتب على ما قبله.
الفائدة الرابعة: بقاء العلم بقاء للدنيا، فإذا ارتفع العلم قامت الساعة قال النبي صلى الله عليه وسلم (إنَّ من أشراط الساعة ..... ).
الفائدة الخامسة: غياب العلم يكون سببًا في انتشار الكبائر والمحرمات كشرب الخمر وظهور الزنا؛ لذا قرن النبي صلى الله عليه وسلم بينهما.
قال البخاري رحمه الله: حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: لَأُحَدِّثَنَّكُمْ حَدِيثًا لا يُحَدِّثُكُمْ أَحَدٌ بَعْدِي، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:«مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ: أَنْ يَقِلَّ العِلْمُ، وَيَظْهَرَ الجَهْلُ، وَيَظْهَرَ الزِّنَا، وَتَكْثُرَ النِّسَاءُ، وَيَقِلَّ الرِّجَالُ، حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةً القَيِّمُ الوَاحِدُ»
(1)
.
• قول أنس رضي الله عنه: (لَأُحَدِّثَنَّكُمْ حَدِيثًا لَا يُحَدِّثُكُمْ أَحَدٌ بَعْدِي) لأنه آخر من مات بالبصرة من الصحابة، أو ربما أنه يقصد الصحابة عامة سواء في البصرة أو في غيرها؛ لأنه يعلم أن لا أحد من الصحابة يعلم هذا الحديث غيره؛ لأنه حدَّث به في
(1)
من لطائف الإسناد:
1 -
أنَّ فيه التحديث والعنعنة.
2 -
أنَّ رواته كلهم بصريون.
آخر حياته وقبل موته.
• من فوائد الحديث:
الفائدة الأولى: المانع من الفتن هو إظهار العلم، فإذا رفع العلم كثرت الفتن، وترتب على ذلك موت الرجال وقلتهم.
الفائدة الثانية: رفع العلم يؤدي إلى الإخلال بضرورات الدين وأنها مرتبطة مع بعضها البعض، والضرورات الخمس هي حفظ الدين والعقل والعرض والمال والنفس، فذكر النبي صلى الله عليه وسلم هذه الضرورات الخمس وعلى رأسها الدين فالدين يحدث الخلل فيه بسبب رفع العلم، والعقل يخل به شرب الخمر، والعرض يخل به الزنا، والنفس والمال كثرة الفتن تخل بهما، ففيه إشارة إلى أنَّ الضرورات الخمسة تختل في آخر الزمان، وكل ذلك بسبب اختلال العلم اولًا ورفعه.
الفائدة الثالثة: فيه إيذانٌ بأنَّ اختلال الضرورات الخمسة يؤذن بخراب العالم وقيام الساعة.
الفائدة الرابعة: الناس لا يُتركون سدىً ولا هملًا، فإذا حاد الناس عن الطريق أتاهم العقاب والنهايات وقامت الساعة قال تعالى:{وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [الأعراف: 96].
22 - بَابُ فَضْلِ العِلْمِ
قال الإمام البخاري رحمه الله: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ، أُتِيتُ بِقَدَحِ لَبَنٍ، فَشَرِبْتُ حَتَّى إِنِّي لَأَرَى الرِّيَّ يَخْرُجُ فِي أَظْفَارِي، ثُمَّ أَعْطَيْتُ فَضْلِي عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ» قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «العِلْمَ»
(1)
• وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله:
أنَّ في كلٍّ صفةً من صفات العلم، ففي السابق رفعه، وفي هذا فضله، ومعني الفضل هنا قيل هو الفضيلة، وقيل بمعني الزيادة أي: ما فضل عنه صلى الله عليه وسلم، لقوله صلى الله عليه وسلم «ثم أعطيت فضلي عمر» ، والفضل الذي تقدم في أول الكتاب هو بمعني الفضيلة فلا تكرار إذًا.
• تراجم بعض الرواة:
(عقيل): هو الإمام أبو خالد عقيل بن خالد بن عقيل الأيلى الأموي، توفي سنة 144 هـ، وقيل غير ذلك.
(1)
من لطائف الإسناد:
1 -
أنَّ فيه التحديث بصيغة الجمع والإفراد والسماع.
2 -
أنَّ فيه رواية تابعي عن تابعي مثله.
3 -
أنَّ رواته مابين مصري ومدني.
(حمزة بن عبد الله بن عمر): هو الإمام أبو عمارة حمزة بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشى المدني، وهو من فقهاء المدينة.
• في الباب فوائد منها:
الفائدة الأولى: أهمية الرؤى، وأنَّ الرؤى جزء من ست وأربعين جزءًا من النبوة لذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يرعيها اهتمامه.
والرؤى لها ضوابط شرعية منها:
أولًا: أنها وحي، ومعني أنها وحي أي لا يجوز الإستهزاء بها، ولا يجوز الفتوى فيها بغير علم؛ لذلك سأل الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم فما أولته يا رسول الله؟
ثانيًا: لابد من إثبات أنها رؤيا فلا تكون من الشيطان، أو حديث نفس، وهذا يعلمه أهل الفن والخبرة.
ثالثًا: لا تُقَصُّ إلا علي عالم أو ناصح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم " لا تقص الرؤيا إلا على عالم أو ناصح "
(1)
.
رابعًا: لا يؤخذ منها أحكام، بل هي بشارات أو نذارات للعبد.
الفائدة الثانية: وفيه أيضًا أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم يصور للصحابة الأمر؛ لأن هذا أدعي للفهم؛ لذلك استعمل النبي صلى الله عليه وسلم المضارع فقال " يخرج من أظفاري ".
الفائدة الثالثة: كذلك فيه عظم ما أعطي الله تعالى نبيه من العلم مع قوله {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء: 85]، فإنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أُعطي من العلم كما أُعطي الإنسان الذي يشرب اللبن ويملأ جوفه وأعضاءه حتي يصل إلي أظفاره.
الفائدة الرابعة: فيه فضيلة لعمر رضي الله عنه وبيان لسعة علمه، وهذا من جهة أنه أخذ فضل النبي صلى الله عليه وسلم في العلم، وهذا يدل علي أنَّ هذا العلم هو علم الشرع، وأنَّ عمر
(1)
أخرجه الترمذي في سننه (2280)، وصححه الألباني.
أُعْطِى علمًا عظيمًا.
الفائدة الخامسة: فيه بيان فضيلة العلم إذ هو فضل الأنبياء ومايتبقى منهم للأمة، وهو يدل أنَّ «العلماء ورثة الأنبياء، فإنَّ الأنبياء لم يورثوا دهمًا ولا دينارًا إنما ورثوا العلم»
(1)
.
الفائدة السادسة: فيه دليل علي أنَّ العلم يشبه اللبن، والعلم يشبه اللبن في أمور كثيرة:
أولًا: أنَّ اللبن تقوم به حياة الأبدان، والعلم تقوم به حياة القلوب لذلك أوَّل النبي صلى الله عليه وسلم العلم باللبن.
ثانيًا: اللبن خُلق من بين فرث ودم واستُخلِص من بينهما، وكذلك العلم فإنه يخلص المعرفة من بين الشك والجهل، ويبعد الإنسان عن الشبهات والظلمات، فاللبن سبب معاش الانسان وقوة بدنه، وكذلك العلم سبب لصلاح دنياه وآخرته، وهو حياة الروح.
ثالثًا: اللبن يدل علي الخير كله؛ لأنه يدل علي الحمل، ويدل علي الإنجاب، ويدل علي ظهور الأسرار والخفايا، ويدل أيضا علي العطاء، كذلك قد يكون اللبن دواءً كما في الإبل، وقد يكون غذاءً كما في البقر، كل ذلك أيضا يوجد في العلم، فالعلم هو خير، وإنجاب للروح؛ لأن الولادة كما سبق نوعان:
• ولادة يخرج بها العبد من بطن أمه.
• وولادة الروح والقلب من مشيمة الظلمة والضلالات، وهذه الولادة تتم عن طريق العلم.
وكذلك العلم فيه إظهار الأسرار والخفايا التي يمن الله تبارك وتعالى بها علي
(1)
أخرجه الترمذي في جامعه (4/ 346) ط دار الغرب الإسلامي، وابن ماجه في سننه (1/ 151) ط الرسالة، والحديث حسن لغيره.
من يشاء من عباده.
وكذلك العلم هو دواء للقلوب من الفتن والجهل.
وأيضًا هو يشبه اللبن في أنه غذاء للروح من الجهل والوحشة.
وهو دليل أيضًا علي منة الله وعطائه.
رابعًا: اللبن يدل على الإنجاب الذي هو امتداد لصاحبه بإنتاج نسله، وكذلك العلم فهو امتداد لصاحبه في حياته وبعد مماته بالعلم النافع للناس من بعده.
خامسًا: وكذلك فإنه ليس شيء من الغذاء يجزئ إلا اللبن، كذلك العلم إذا أخذه الإنسان من محله ومن أهل العلم، وتجنب الآفات فإنه يكون فيه الخير كله.
وغير ذلك من أوجه الشبه بين العلم واللبن لذا أول النبي صلى الله عليه وسلم اللبن بالعلم.
الفائدة السابعة: أنَّ العلم النافع الذي يسري في جوارح العبد ويظهر فيها، وهذا يدل علي أنَّ الإيمان قول وعمل، وأنَّ العلم أثره ونتائجه العمل، ولذلك شرب النبي صلى الله عليه وسلم اللبن ثم انتشر في أعضائه حتي رآه في أظفاره.
الفائدة الثامنة: أنَّ المراد بالعلم هنا علم الدين لأنه فضل الأنبياء وميراثهم.
الفائدة التاسعة: فيه أيضًا جواز اختبار المعلم لتلامذته ففي رواية أخرى قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم أولوها قالوا: يا نبي الله هذا علم أعطاكه الله فملأك منه ففضلت منه فضلة فأعطيتها عمر، قال: أصبتم
(1)
، قال الحافظ رحمه الله ويُجمع بينهما بأن هذا وقع أولًا، ثم احتُمل عندهم أن يكون في تأويلها زيادة علي ذلك، فقالوا يا رسول الله: فما أولتَها؟ - أي فما أولتَها أنت؟ - فقال إنما أولتُه بكذا وكذا بما يوافق قولهم وتأويلهم.
(1)
فضائل الصحابة للإمام أحمد (1/ 253) ط مؤسسة الرسالة، صحيح ابن حبان (15/ 269) مؤسسة الرسالة.
23 - بَابُ الفُتْيَا وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى الدَّابَّةِ وَغَيْرِهَا
قال الإمام البخاري رحمه الله حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَقَفَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ بِمِنًى لِلنَّاسِ يَسْأَلُونَهُ، فَجَاءهُ رَجُلٌ فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ؟ فَقَالَ: «اذْبَحْ وَلا حَرَجَ» ، فَجَاءَ آخَرُ فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ قَالَ: «ارْمِ وَلا حَرَجَ» ، فَمَا سُئِلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلا أُخِّرَ إِلَّا قَالَ:«افْعَلْ وَلَا حَرَجَ»
(1)
.
• وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله:
أنَّ السابق عن العلم وفضله، وهذا عن الفتيا، والفتيا من العلم.
• تراجم بعض الرواة:
(عيسى بن طلحة بن عبيد الله): هو الإمام أبو محمد عيسى بن طلحة بن عبيد الله القرشي التيمي، وهو من الحكماء العقلاء، وكان صديقًا لعروة بن الزبير، توفي رحمه الله سنة 100 هـ.
(1)
من لطائف الإسناد:
1 -
أنَّ فيه التحديث بصيغة الجمع والإفراد والعنعنة.
2 -
أنَّ رواته كلهم مدنيون.
3 -
أنَّ فيه رواية تابعي عن تابعي مثله.
• في الحديث فوائد منها:
الفائدة الأولى: رفق المعلم بالمتعلم وإن كان له حاجة وقف له، وأقبل عليه لتلقي الأسئلة والجواب عنها، وما أعظم حاجات الناس فى الدين والعبادات؛ لذلك لما كان النبى صلى الله عليه وسلم فى حجة الوداع علم أنَّ الناس يحتاجون السؤال عن أمور حجهم، والأخذ عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وسلم وقف صلى الله عليه وسلم للجواب عن أسئلتهم.
الفائدة الثانية: فيه أيضًا دلالة على يسر الشريعة ورفع الحرج؛ لذلك ما سُئل النبى صلى الله عليه وسلم عن شاء قدم ولا أخر فى هذا اليوم إلا قال افعل ولا حرج.
الفائدة الثالثة: أنَّ الأمر فى قوله «افعل ولا حرج» للجواز لأن هذا أمرٌ لما يتوهم حظره، والقاعدة الأصولية تقول " إذا كان الأمر جوابًا لما يتوهم حظره فلا يكون للوجوب " بل يكون للإباحة، وتوهم الوجوب لأن النبى صلى الله عليه وسلم قال " خذوا عنى مناسككم "، والقاعدة الأصولية تقول " الفعل إذا خرج مخرج الامتثال والتفسير لقول سابق له حكمه " وهذا أمر، والأمر يقتضى الوجوب لكن هذا الأمر لما خالفه بعض الصحابة بمخالفة الترتيب الذى رتبه النبى صلى الله عليه وسلم سألوا النبى صلى الله عليه وسلم فأجابهم بقوله " افعل " فيكون الأمر للإباحة؛ لأن هذا الجواب لما يتوهم حظره.
الفائدة الرابعة: يدل على أنه لا كفارة على فاعل ذلك ولا إثم، وذلك لقوله «افعل ولا حرج» ، فرفع الحرج يقتضى رفع الإثم، ويقتضى أيضًا عدم الكفارة.
الفائدة الخامسة: أنه يجوز سؤال العالم راكبًا وماشيًا، ويستفاد منه جواز سؤال العالم وهو مشغول لأن النبى صلى الله عليه وسلم كان بحجة الوداع وهى فيها من الشغل فى أعمال الحج والدعاء والتسبيح وما إلى ذلك، والجمع بين هذه الأدلة والأدلة التي تنهى عن القضاء والفتوى عند انشغال الفكر: أنَّ لا يكون الشغل شغلًا كثيرًا يؤثر في الفتوى لذلك قال صلى الله عليه وسلم «لا يقضى القاضى وهو غضبان» لأن الغضب يشغله، وقيس
عليه أنه لا يقضى وهو حاقن، ولا يقضى وهو جوعان، وغير ذلك من الأمور، وأيضًا لا يقضى وهو مشغول، لكن الشغل الذي يؤثر فى الفتوى والقضاء.
الفائدة السادسة: أيضًا من الفوائد أنَّ النبى صلى الله عليه وسلم أخذ حكم المجاورة فقوله وهو واقف على الدابة، وهذا يعنى أنَّ الدابة كانت واقفة والنبى صلى الله عليه وسلم كان جالسًا عليها، وأخذ النبى صلى الله عليه وسلم حكم القيام بمجاورته القائم وهى الدابة.
24 - بَابُ مَنْ أَجَابَ الفُتْيَا بِإِشَارَةِ اليَدِ وَالرَّأْسِ
قال البخاري رحمه الله: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم سُئِلَ فِي حَجَّتِهِ فَقَالَ: ذَبَحْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ، قَالَ:«وَلَا حَرَجَ» قَالَ: حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ؟ فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ: «وَلَا حَرَجَ»
(1)
.
وقال أيضًا: حَدَّثَنَا المَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ سَالِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «يُقْبَضُ العِلْمُ، وَيَظْهَرُ الجَهْلُ وَالفِتَنُ، وَيَكْثُرُ الهَرْجُ» ، قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الهَرْجُ؟ فَقَالَ:«هَكَذَا بِيَدِهِ فَحَرَّفَهَا، كَأَنَّهُ يُرِيدُ القَتْلَ»
(2)
.
وقال أيضًا: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ فَاطِمَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ، قَالَتْ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ وَهِيَ تُصَلِّي فَقُلْتُ: مَا شَأْنُ النَّاسِ؟
(1)
من لطائف الإسناد:
1 -
أنَّ فيه التحديث والعنعنة.
2 -
أنَّ رواته كلهم بصريون.
3 -
أنَّ فيه رواية تابعي عن تابعي مثله.
(2)
من لطائف الإسناد:
1 -
أنَّ فيه التحديث والإخبار والسماع والعنعنة.
2 -
أنَّ رواته ما بين بلخي ومكي ومدني.
3 -
أنه من رباعيات المصنف.
فَأَشَارَتْ إِلَى السَّمَاءِ، فَإِذَا النَّاسُ قِيَامٌ، فَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللَّهِ، قُلْتُ: آيَةٌ؟ فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا: أَيْ نَعَمْ، فَقُمْتُ حَتَّى تَجَلَّانِي الغَشْيُ، فَجَعَلْتُ أَصُبُّ عَلَى رَأْسِي المَاءَ، فَحَمِدَ اللَّهَ عز وجل النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ:«مَا مِنْ شَيْءٍ لَمْ أَكُنْ أُرِيتُهُ إِلَّا رَأَيْتُهُ فِي مَقَامِي، حَتَّى الجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَأُوحِيَ إِلَيَّ: أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي قُبُورِكُمْ - مِثْلَ أَوْ - قَرِيبَ - لا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ - مِنْ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ، يُقَالُ مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ؟ فَأَمَّا المُؤْمِنُ أَوِ المُوقِنُ - لا أَدْرِي بِأَيِّهِمَا قَالَتْ أَسْمَاءُ - فَيَقُولُ: هُوَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالهُدَى، فَأَجَبْنَا وَاتَّبَعْنَا، هُوَ مُحَمَّدٌ ثَلاثًا، فَيُقَالُ: نَمْ صَالِحًا قَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ لَمُوقِنًا بِهِ. وَأَمَّا المُنَافِقُ أَوِ المُرْتَابُ - لا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ - فَيَقُولُ: لا أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ»
(1)
.
• وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله:
أنَّ الإشارة باليد صورة من صور الفتيا، والفتيا أيضًا هي من العلم فيجوز للإنسان أن يفتى بالإشارة باليد أو الرأس ولا يلزم الكلام.
• تراجم بعض الرواة:
(وهيب): هو الإمام أبو بكر وهيب بن خالد بن عجلان الباهلى البصري صاحب الكرابيس، يقال: إنه لم يكن بعد شعبة أعلم بالرجال منه، توفي سنة 165 هـ، وقيل بعدها.
(أيوب): هو الإمام أبو بكر أيوب بن أبى تميمة واسمه كيسان السختيانى
(1)
من لطائف الإسناد:
1 -
أنَّ فيه التحديث والعنعنة.
2 -
أنَّ فيه رواية تابعي عن تابعية مثله عن صحابية مع ذكر صحابية أخرى.
3 -
أنَّ رواته ما بين بصري ومدني.
البصري، وقال عنه حماد بن زيد: كان أيوب عندى أفضل من جالسته، وأشده اتباعًا للسنة. توفي سنة 131 هـ.
(مكي بن إبراهيم): هو الإمام أبو السكن مكى بن إبراهيم بن بشير بن فرقد التميمى البلخي، قال: حججت ستين حجة، و كتبت عن سبعة عشر نفسًا من التابعين، توفي سنة 215 هـ.
• ليس من رواة الكتب الستة من اسمه مكي سواه.
(حنظلة بن أبي سفيان): هو الإمام حنظلة بن أبى سفيان بن عبد الرحمن بن صفوان بن أمية القرشى الجمحى المكى، توفي سنة 151 هـ.
• في الباب فوائد منها:
الفائدة الأولى: فيه دليل على جواز إطلاق القول على الفعل.
الفائدة الثانية: وفيه أيضًا جواز الفتيا بالإشارة، لكن يشترط فى الاشارة أن تكون إشارة مفهمة تقوم مقام القول.
الفائدة الثالثة: وفيه حجة لمن قال بجواز لعان المرأة الصماء والبكماء ومبايعتها ونكاحها؛ لأن ذلك كله سيحدث بالإشارة، وكأن الإمام مالك قال إذا كانت الفتيا ستقع بالإشارة وهى بيان لما أراد الله تعالى وأراد رسوله صلى الله عليه وسلم وبيان لحكم شرعي، فأمور الدنيا من البيع والنكاح ونحوها من باب أولى.
الفائدة الرابعة: وفيه تسمية الشيء وتعريفه بأثره ولازمه لتعريف النبي صلى الله عليه وسلم الهرج بالقتل؛ إذ القتل لازم للهرج وليس هو؛ لأن الهرج تعنى الفتنة، وقيل الهرج بلسان الحبشة يعنى القتل.
الفائدة الخامسة: أيضًا فيه جواز الإشارة فى الصلاة ولا تبطل به الصلاة حتى وإن كانت الإشارة كثيرة لكن يحتاجها المصلى، فالنبي صلى الله عليه وسلم أجاز قتل الأسودين فى الصلاة ونحو ذلك، لكن بشرط أن تكون لحاجة.
الفائدة السادسة: المراد بالناس هنا بعضهم وهو المسمى بالعام الذي أريد به الخاص.
الفائدة السابعة: تجلاني الغشي: جلال الشيء هو ما غطى به، والغشي طرف من الإغماء، وهذا يعني أنَّ التجلي يطلق على كل شيء يحيط بالإنسان وينزل عليه.
الفائدة الثامنة: وفيه أيضًا استحباب الخطبة فى صلاة الكسوف.
الفائدة التاسعة: وفيه أيضًا مشروعية صلاة الكسوف.
الفائدة العاشرة: وفيه أيضًا أهمية صلاة الكسوف، وأنَّ الله عز وجل يجعل الكسوف تخويفًا للناس، ويدل على ذلك أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم رأى فى مقامه كل شيء لم يكن رآه، والمعنى: رأى الكثير من أمور الغيب قال حتى الجنة والنار، وفيه أنَّ فتنة القبر وسؤال القبر يدلان على ثبوت عذاب القبر.
الفائدة الحادية عشرة: وفيه أنَّ هؤلاء الملائكة يعلمون أحوال العباد بإذن الله تعالى حيث قالوا " قد علمنا إن كنت لموقنًا به " أي نعلم أنك كنت موقنًا به.
25 - بَابُ تَحْرِيضِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَفْدَ عَبْدِ القَيْسِ
عَلَى أَنْ يَحْفَظُوا الإِيمَانَ وَالعِلْمَ، وَيُخْبِرُوا مَنْ وَرَاءَهُمْ.
وقَالَ مَالِكُ بْنُ الحُوَيْرِثِ: قَالَ لَنَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ فَعَلِّمُوهُمْ» .
قال البخاري: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ، قَالَ: كُنْتُ أُتَرْجِمُ بَيْنَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَبَيْنَ النَّاسِ، فَقَالَ: إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ القَيْسِ أَتَوُا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَسَلَّمَ فَقَالَ: «مَنِ الوَفْدُ أَوْ مَنِ القَوْمُ؟» قَالُوا: رَبِيعَةُ، فَقَالَ:«مَرْحَبًا بِالقَوْمِ أَوْ بِالوَفْدِ، غَيْرَ خَزَايَا وَلَا نَدَامَى» قَالُوا: إِنَّا نَأْتِيكَ مِنْ شُقَّةٍ بَعِيدَةٍ، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الحَيُّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ، وَلَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيَكَ إِلَّا فِي شَهْرٍ حَرَامٍ، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ نُخْبِرُ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا، نَدْخُلُ بِهِ الجَنَّةَ. فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: أَمَرَهُمْ بِالإِيمَانِ بِاللَّهِ عز وجل وَحْدَهُ، قَالَ:«هَلْ تَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ؟» قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ:«شَهَادَةُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَتُعْطُوا الخُمُسَ مِنَ المَغْنَمِ» وَنَهَاهُمْ عَنِ الدُّبَّاءِ وَالحَنْتَمِ وَالمُزَفَّتِ " قَالَ شُعْبَةُ: رُبَّمَا قَالَ: «النَّقِيرِ» وَرُبَّمَا قَالَ: «المُقَيَّرِ» قَالَ: «احْفَظُوهُ وَأَخْبِرُوهُ مَنْ وَرَاءَكُمْ» .
• وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله:
أنَّ الباب السابق: بَابُ مَنْ أَجَابَ الفُتْيَا بِإِشَارَةِ اليَدِ وَالرَّأْسِ، فالباب عبارة عن سؤال وجواب وهما لا يخلوان غالبًا من التحريض لأنهما تعليم وتعلُّم، فبعد أن ذكر باب الفتيا والسؤال والجواب والتعلم ذكر باب التحريض؛ حيث إنَّ العلم والتعلم يحتاج إلى تحريض.
• تراجم بعض الرواة:
(غندر): هو الإمام أبو عبد الله محمد بن جعفر الهذلي البصري ولقبه غندر، وهو أثبت الناس في شعبة، اختلف في وفاته فقيل: 293 هـ، وقيل: 294 هـ.
(أبو جمرة): هو الإمام أبو جمرة نصر بن عمران بن عصام الضبعي البصري، قال عنه ابن عبد البر: أجمعوا على ثقته. توفي سنة 128 هـ.
• في الباب فوائد منها:
الفائدة الأولى: فيه أنَّ أعمال الإسلام تُسَمَّى إيمانًا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لهم: هل تدرون ما الإيمان بالله وحده؟ ثم ذكر لهم بعض الأعمال، وهذا يدل على أنَّ العمل من الإيمان.
الفائدة الثانية: وفيه أيضًا من الفوائد الترحيب بالوفود التي أقبلت لطلب العلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: مرحباً بالقوم أو بالوفد غير خزايا ولا ندامى.
الفائدة الثالثة: فيه استحباب اختيار من يلقى الأكابر والعظماء؛ لأن الوفد هم الجماعة المختارة للتقدم ليلقوا العظماء، فهم اختاروا وفدًا من عظمائهم ليلقى النبي صلى الله عليه وسلم، أيضًا هذا الوفد كانوا كما جاء في الروايات أربعة عشر، وكان قائدهم الأشجّ رضي الله عنه، وهو الذي قال له النبي صلى الله عليه وسلم: إنَّ فيك خصلتين يحبها الله وهما الحلم والأناة
(1)
، فهذا دليل على أنهم اختاروا العظماء من قومهم وأرسلوهم كوفد، واختاروا أفضلهم وأحلمهم قائدًا وهو الأشجُّ رضي الله عنه.
الفائدة الرابعة: قول النبي صلى الله عليه وسلم: مَنِ القوم؟ فيه دليل على استحباب سؤال القاصد أو الذي يأتي للتعلم عن نفسه، والسبب في ذلك ليعرف منزلته فينزله منزلته.
الفائدة الخامسة: فيه جواز التعبير بالكل عن البعض فإنهم قالوا ربيعة، وهم
(1)
أخرجه مسلم في صحيحه (1/ 48 ح 17).
ليسوا كل ربيعة.
الفائدة السادسة: فيه دليل على استحباب تأنيس القادم وكان هذا هو فعل النبي صلى الله عليه وسلم في الترحيب بهم وتأنيسهم ليهدأ روعهم ويطمئنوا لذلك، وهذا أدعى للتعلم وأخذ ما جاءوا له.
الفائدة السابعة: فيه فضل من يُسلم طواعية ويُمدَح لذلك؛ لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: غير خزايا ولا ندامى، غير خزايا يعني أسلموا طوعًا من غير حرب أو سبي يخزيهم ويفضحهم.
الفائدة الثامنة: أيضًا فيه التبشير لمن عمل الصالحات، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ولا ندامى؛ لأنكم لن تندموا على إسلامكم ولا على ما فعلتم من الصالحات، بل إنَّ عليكم أن تستبشروا بذلك وتنتظروا العاقبة الخير إن شاء الله تعالى.
الفائدة التاسعة: أيضًا فيه دليل على جواز الثناء على العبد أمام نفسه إن أُمِنَت الفتنة، أو كانت هناك مصلحة راجحة، وهذا يجمع بين أحاديث النهي والفعل الوارد في ذلك.
الفائدة العاشرة: أيضًا في قولهم: يا رسول الله دليل على أنهم كانوا مسلمين قبل أن يأتوا إليه.
الفائدة الحادية عشرة: قولهم شقة بعيدة، والشقة البعيدة دليل المشقة، وهو دليل على أنهم تحملوا المتاعب والمشقة للتعلم، ولجلب الخير لأنفسهم ولأهليهم.
الفائدة الثانية عشرة: أيضًا فيه دليل على أنَّ الغُنْمَ بالغُرْمِ والأجر على قدر النصب، فإنَّ أول جمعة جُمِعَت مع مسجد النبي صلى الله عليه وسلم هي مسجد عبد القيس كما قال ابن عباس رضي الله عنه
(1)
، وأصبحوا يُذكَرون بذلك، فهذه مكافأة من الله تعالى لأنهم
(1)
أخرجه البخاري في صحيحه (2/ 5) ط طوق النجاة.
أسلموا طواعية، ولأنهم بادروا بالإسلام وأتوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم من شقة بعيدة ليتعلموا فكافأهم الله تبارك وتعالى أن يكون مسجدهم أول مسجد تُقام فيه الجمعة بعد مسجد النبي صلى الله عليه وسلم.
الفائدة الثالثة عشرة: فيه أيضًا دليل على أنَّ حسن المسألة نصف العلم، والمراد هنا العدل والقصد والبيان فكان سؤالهم سؤالًا مختصرًا واضحًا بينًا.
الفائدة الرابعة عشرة: فيه أيضًا دليل على أنَّ الأعمال الصالحة تُدخل الجنة إذا قُبِلَت؛ لذلك طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أعمالًا يتعلمونها، ويعلمونها قومهم، ويدخلون بها الجنة، فدلهم على أركان الإسلام والأعمال الصالحة.
الفائدة الخامسة عشرة: أيضًا فيه دليل على أهمية الصلاة، وأنها أول الأوامر وأهم الأوامر، وربما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم هنا الشهادتين للتبرك بهما؛ ولأنهما أول أركان الإسلام مع أنَّ القوم كانوا مسلمين.
الفائدة السادسة عشرة: فيه أيضًا التشويق وتَشَوُّف النفس، فذِكْرُ العدد قبل التفسير يجعل في النفس شوقًا للبيان الذي يأتي بعد ذلك، وهذا من حسن بيان النبي صلى الله عليه وسلم.
الفائدة السابعة عشرة: فيه أيضًا جواز إطلاق المحل وإرادة الحال في قوله: الحنتم، والحنتم هي الجرّة، والمراد ما يُنبَذ في الحنتم، وكذلك الأمور الأخرى.
الفائدة الثامنة عشرة: فيه أيضًا دليل لباب سد الذرائع، فالنهي عن هذه الأشياء ليس لذاتها، بل لأن الإسكار يُسرع إليها، وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم أذن بعد ذلك فيها، ونهى عن كل مسكر.
الفائدة التاسعة عشرة: فيه دليل على قبول خبر الواحد؛ لذلك أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يخبروا بهن من وراءهم.
26 - بَابُ الرِّحْلَةِ فِى المَسْأَلَةِ النَّازِلَةِ وَتَعْلِيمِ أَهْلِهِ
قال الإمام البخاري رحمه الله: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الحَسَنِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الحَارِثِ، أَنَّهُ تَزَوَّجَ ابْنَةً لِأَبِي إِهَابِ بْنِ عُزَيْزٍ فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ أَرْضَعْتُ عُقْبَةَ وَالَّتِي تَزَوَّجَ، فَقَالَ لَهَا عُقْبَةُ: مَا أَعْلَمُ أَنَّكِ أَرْضَعْتِنِي، وَلا أَخْبَرْتِنِي، فَرَكِبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِالْمَدِينَةِ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:«كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ» فَفَارَقَهَا عُقْبَةُ، وَنَكَحَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ
(1)
.
• وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله:
أنَّ السابق كان فيه التحريض على العلم وأتى هنا فى باب الرحلة فى المسألة النازلة، والمحَرَّض من شدة تحرضه قد يرحل إلى المواضع فى طلب العلم، ولا سيما النازلة التي تنزل به.
• تراجم بعض الرواة:
(عمر بن سعيد بن أبي حسين): هو الإمام عمر بن سعيد بن أبى حسين القرشى المكى.
(1)
من لطائف الإسناد:
1 -
أنَّ فيه التحديث بصيغة الجمع والإفراد، وفيه العنعنة والإخبار.
2 -
أنَّ رواته ما بين مكي ومروزي.
3 -
هذا الحديث من أفراد البخاري عن مسلم.
• في الباب فوائد منها:
الفائدة الأولى: استحباب الرحلة فى طلب العلم، والبحث عن الحق لذلك قال الشعبي رحمه الله:" لو أنَّ رجلًا سافر من أقصى الشام إلى أقصى اليمن لحفظ كلمة تنفعه فيما بقى من عمره لم أر سفره يضيع "
(1)
.
الفائدة الثانية: الأخذ بشهادة المرأة فيما يخص النساء؛ لأن النبى صلى الله عليه وسلم أخذ بشهادة المرأة فى مسألة الرضاع؛ وهذا لأن مسألة الرضاعة تخص النساء.
الفائدة الثالثة: أيضًا من الفوائد أنَّ الأصل فى المسلم العدالة لذا قبل النبى صلى الله عليه وسلم شهادتها دون السؤال عن عدالتها أو عن صدقها.
الفائدة الرابعة: الحديث فيه دليل على أنَّ الأصل فى الإبضاع التحريم، فعند الشك يرجع إلى الأصل؛ لذلك لما قال عقبة لم أسمع بهذا قبل هذا، فقال النبى صلى الله عليه وسلم كيف وقد قيل، وإن شك فى الإرضاع، فالأصل فى الإبضاع التحريم وهى لا تحل إلا بعقدٍ أو بدليلٍ يدل على ذلك، فأرجعه النبى صلى الله عليه وسلم إلى الأصل وهو التحريم، وأمره بمفارقتها.
الفائدة الخامسة: وفيه أيضًا دليل على فضل العلم، وأنه من المنازل العالية التى يرحل إليها.
(1)
حلية الأولياء وطبقات الأصفياء لأبي نعيم الأصبهاني (4/ 313)، صفة الصفوة لابن الجوزي (2/ 43) ط دار الحديث.
قال أبو الفضل العباس بن محمد الخراساني:
رَحَلْتُ أَطلُبُ أَصْلَ العِلْم مُجْتَهِدًا وزينَةُ المَرْء في الدُّنْيَا الأحَادِيثُ
لا يَطلُبُ العِلْمَ إلَّا بَاذِلٌ ذَكَرٌ وَلَيْسَ يَبْغَضُهُ إلَّا المَخَانِيْثُ
وقال إبراهيم بن أدهم: إنَّ الله تعالى يرفع البلاء عن هذه الأمة برحلة أهل الحديث.
27 - بَابُ التَّنَاوُبِ فِي العِلْمِ
قال البخاري رحمه الله: حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، ح قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ، قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَجَارٌ لِي مِنَ الأَنْصَارِ فِي بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ وَهِيَ مِنْ عَوَالِي المَدِينَةِ، وَكُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، يَنْزِلُ يَوْمًا وَأَنْزِلُ يَوْمًا، فَإِذَا نَزَلْتُ جِئْتُهُ بِخَبَرِ ذَلِكَ اليَوْمِ مِنَ الوَحْيِ وَغَيْرِهِ، وَإِذَا نَزَلَ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَنَزَلَ صَاحِبِي الأَنْصَارِيُّ يَوْمَ نَوْبَتِهِ، فَضَرَبَ بَابِي ضَرْبًا شَدِيدًا، فَقَالَ: أَثَمَّ هُوَ؟ فَفَزِعْتُ فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ عَظِيمٌ. قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ فَإِذَا هِيَ تَبْكِي، فَقُلْتُ: طَلَّقَكُنَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؟ قَالَتْ: لا أَدْرِي، ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقُلْتُ وَأَنَا قَائِمٌ: أَطَلَّقْتَ نِسَاءَكَ؟ قَالَ: «لا» ، فَقُلْتُ: اللَّهُ أَكْبَرُ
(1)
.
• وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله:
الباب السابق هو باب الرحلة فى المسألة النازلة وتعليم أهله، وهنا باب التناوب فى العلم، والمناسبة هى الحرص على العلم واتخاذ الوسائل للتعلم، ففي
(1)
من لطائف الإسناد:
1 -
أنَّ فيه التحديث والإخبار والعنعنة.
2 -
أنَّ فيه رواية تابعي عن تابعي مثله.
3 -
أنَّ فيه رواية صحابي عن صحابي مثله.
4 -
فيه (ح) تحويل الإسناد.
الباب السابق رحل عقبة فى العلم، وفى هذا الباب كان عمر رضي الله عنه مع الأنصارى يتناوبان فى العلم، كل ذلك لتحصيل العلم، وتحمل مشاقه، والبحث عن طرق التعلم، فإن كان طريق التعلم بالرحلة يرحل، أو بالتناوب يتناوب، وهكذا.
• تراجم بعض الرواة:
(أبو اليمان): هو الإمام أبو اليمان الحكم بن نافع البهرانى الحمصي، أثنى عليه الأئمة، توفي سنة 222 هـ.
(شعيب): هو الإمام أبو بشر شعيب بن أبى حمزة واسمه دينار الحمصي، كان من كبار الناس، توفي سنة 162 هـ، أو بعدها.
(يونس): هو الإمام أبو يزيد يونس بن يزيد بن أبى النجاد، قال عنه الإمام أحمد بن صالح المصري: نحن لا نقدم فى الزهرى على يونس أحدًا، توفي سنة 159 هـ.
• وفي الحديث فوائد منها:
الفائدة الأولى: الحرص على طلب العلم بدليل التناوب، فهو يتعلم يومًا بنفسه ويومًا بواسطة.
الفائدة الثانية: أنَّ الصحابة كانوا يقولون قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ويخبر بعضهم عن بعض، وهذا مشهور عن الصحابة؛ لأنهم كانوا لا يكذب بعضهم بعضًا، فكان عمر رضي الله عنه من الممكن أن يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو لم يسمعه من النبي صلى الله عليه وسلم مباشرةً، وإنما سمعه من الأنصارى الذى بلغه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا دليل على انتشار الصدق والأمانة والدين فى هذا الزمان.
الفائدة الثالثة: الحديث فيه روايات أخرى تبين سبب الفزع الذى أصاب عمر لما قال " فَفَزِعْتُ فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ "، وسبب هذا الفزع أنهم كانوا يسمعون أنَّ بنى الأصفر وهم الروم، يجمعون للإتيان إلى المدينة، فلما رأى طرق الباب وصاحبه الأنصاري يسأل عنه، ففزع عمر رضي الله عنه وظن أنَّ الروم قد أتوا إلى المدينة.
الفائدة الرابعة: جواز ضرب الباب، وضرب الباب يعنى الطرق بشدة، وإن كان هذا على خلاف الأصل، لكنه قد يكون هناك داعٍ إلى ذلك، وأنه يدل على أنَّ هناك أمرًا عظيمًا، وهذا هو السبب الذى جعل عمر يفزع.
الفائدة الخامسة: جواز دخول الأب على ابنته دون إذن الزوج، فقد أتى عمر رضي الله عنه ودخل على حفصة وكان النبي صلى الله عليه وسلم غائبًا، وهذا من الأمور التى يتسامح فيها الشرع.
الفائدة السادسة: الحديث فيه دليل على أنَّ على الأب التفتيش والبحث عن حال ابنته ومراعاة أحوالها، لذلك فزع عمر لما علم باعتزال النبي صلى الله عليه وسلم، وخشى أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم طلق النساء، وهذا أمرٌ عظيم على المسلمين، وأمرٌ عظيم على عمر أيضًا؛ لأن حفصة ابنته زوجة للنبي صلى الله عليه وسلم، لذلك دخل على ابنته وسألها: هل طلقكن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الفائدة السابعة: جواز السؤال قائمًا لذلك قال عمر رضي الله عنه: فقلت وأنا قائم أَطَلَّقْتَ نساءك، والسؤال وهو قائم لا يخالف الأدب، لكن الحال يستدعى ذلك، فكأنَّ عمر رضي الله عنه كان متعجلًا لعظم المصيبة.
الفائدة الثامنة: استحباب التناوب فى طلب العلم، فيجوز للإنسان أن ينيب غيره ويأخذ منه العلم، بل يصبح ذلك أحيانًا واجبًا إن لم يتم العلم إلا به، من باب: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
الفائدة التاسعة: وفيه أيضًا دليل على الأخذ بخبر الواحد، ورد قول من يقول أنَّ أخبار الآحاد لا يؤخذ بها سواء كان ذلك فى العقائد أو فى غيرها؛ لأن عمر رضي الله عنه كان يتناوب مع الأنصارى، ويبلغه الأنصاري ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم، ويبلغه عمر ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم، وهو فرد واحد، وبالطبع كانوا يتعلمون من النبي صلى الله عليه وسلم العقائد وغيرها، فهذا يدل على أنَّ خبر الواحد يؤخذ به فى كل الدين طالما أنه منقول ثابت.
الفائدة العاشرة: فيه أيضًا أنَّ الطالب لا يغفل عن النظر فى أمر معاشه ليستعين به على طلب العلم وغيره، وليس معنى طلب العلم أن يترك الإنسان المعاش وما يكفله وما إلى ذلك، وعليه أن يجمع بين هذا وهذا، وإن كان ذلك بالتناوب فلا بأس.
الفائدة الحادية عشرة: يجب على الإنسان ألا ينشغل بالدنيا عن العلم، فعمر كان بحر العلم، وشرب فضلة اللبن من النبي صلى الله عليه وسلم كما سبق فى الأبواب السابقة، وقد أَوَّلَ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بالعلم مع أنَّ عمر كان يعمل يومًا، ويحضر مجلس العلم يومًا؛ لكن الله عز وجل يكافئ الإنسان ويفتح عليه.
الفائدة الثانية عشرة: لا يلزم إدراك العلم بسندٍ عالٍ وإن كان هو الأصل، فالأصل أنَّ الإنسان يتعلم من أقرب المصادر وأعلاها، فإن لم يتمكن من ذلك فيأخذ من الأدنى، لذلك كان عمر رضي الله عنه يأخذ العلم بسندٍ عالٍ فى يوم من النبي صلى الله عليه وسلم مباشرةً، واليوم الذى لا يستطيع أن يأخذه من النبي صلى الله عليه وسلم لا يتركه، ولكن يأخذه بسندٍ أنزل.
الفائدة الثالثة عشرة: يجب التحرى فى نقل الوقائع، وأنَّ الأَوْلَى أن ينقل الإنسان الواقعة بحالها لا بفهمه، لذلك فإنَّ الصحابي الذى نقل الأمر إلى عمر رضي الله عنه فى رواية أنه قال: طلق النبي صلى الله عليه وسلم نساءه، وهذا لم يكن على الحقيقة، بل فهم
ذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم اعتزلهن، لكن لما تبين عمر رضي الله عنه علم أنَّ هذا الأمر ليس على الحقيقة.
الفائدة الرابعة عشرة: يجب التثبت من الأخبار وإن كان الناقل ثقة لا شك فيه إذا كان الحدث جللًا، ويترتب عليه أمور عظيمة فلا بد من التثبت، وليس ذلك طعنًا في الناقل.
الفائدة الخامسة عشرة: متابعة الصحابة لأخبار النبي صلى الله عليه وسلم، وأنَّ المصاب فى أى أمر من حياة النبي صلى الله عليه وسلم كان مصابًا للناس أجمعين.
الفائدة السادسة عشرة: وفيه جواز الخوف الجبلي؛ لذلك فزع عمر - وهو عمر - لكن فزع ظنًّا منه أنَّ بنى الأصفر قد هاجموا المدينة.
28 - بَابُ الغَضَبِ فِي المَوْعِظَةِ وَالتَّعْلِيمِ
إذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عن أبي مسعود الأنصاري قال: قال رجل: يا رسول الله لا أكاد أدرك الصلاة مما يُطَوِّل بنا فلان، فما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في موعظة أشد غضبًا من يومئذ، فقال " أيها الناس إنكم منفرون، فمن صلى بالناس فليخفف، فإنَّ فيهم المريض، والضعيف، وذا الحاجة "
(1)
.
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ المَلِكِ بْنُ عَمْرٍو العَقَدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلالٍ المَدِينِيُّ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى المُنْبَعِثِ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنِ اللُّقَطَةِ، فَقَالَ:«اعْرِفْ وِكَاءَهَا، أَوْ قَالَ وِعَاءَهَا، وَعِفَاصَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، ثُمَّ اسْتَمْتِعْ بِهَا، فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ» قَالَ: فَضَالَّةُ الإِبِلِ؟ فَغَضِبَ حَتَّى احْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ، أَوْ قَالَ احْمَرَّ وَجْهُهُ، فَقَالَ:«وَمَا لَكَ وَلَهَا، مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا، تَرِدُ المَاءَ وَتَرْعَى الشَّجَرَ، فَذَرْهَا حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا» ، قَالَ: فَضَالَّةُ الغَنَمِ؟ قَالَ: «لَكَ، أَوْ لِأَخِيكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ»
(2)
.
(1)
من لطائف الإسناد:
1 -
أنَّ فيه التحديث والإخبار بصيغة الإفراد.
2 -
رواته ما بين كوفي وبصري.
3 -
فيه رواية تابعي عن تابعي مثله.
(2)
من لطائف الإسناد:
1 -
أنَّ فيه التحديث والعنعنة.
2 -
أنَّ رواته ما بين بخاري وبصري ومدني.
3 -
أنَّ فيه رواية تابعي عن تابعي مثله.
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلاءِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَنْ أَشْيَاءَ كَرِهَهَا، فَلَمَّا أُكْثِرَ عَلَيْهِ غَضِبَ، ثُمَّ قَالَ لِلنَّاسِ:«سَلُونِي عَمَّا شِئْتُمْ» قَالَ رَجُلٌ: مَنْ أَبِي؟ قَالَ: «أَبُوكَ حُذَافَةُ» ، فَقَامَ آخَرُ، فَقَالَ: مَنْ أَبِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: «أَبُوكَ سَالِمٌ مَوْلَى شَيْبَةَ» ، فَلَمَّا رَأَى عُمَرُ مَا فِي وَجْهِهِ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نَتُوبُ إِلَى اللَّهِ عز وجل
(1)
.
• وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله:
أنَّ هذه الأبواب تدور على صفات العلم، فقد سبق التحريض في العلم، والرحلة لطلب العلم، والتناوب في العلم، وهنا مسألة أخرى متعلقة بالمعلم وهي أنه يجوز الغضب على المتعلم إذا رأي منه ما يكره، والمعنى: ليس لأنه يرحل ويجتهد ويتناوب أنه لا يجوز للمعلم أن يغضب، لا. من الممكن أن يغضب عليه عند التعليم إذا فعل ما يُكرَه كأن يكون سؤاله غير مناسب.
• تراجم بعض الرواة:
(محمد بن كثير): هو الإمام أبو عبد الله محمد بن كثير العبدي البصري، توفي سنة 223 هـ.
(ابن أبي خالد): هو الإمام أبو عبد الله إسماعيل بن أبى خالد الكوفي قال عنه الشعبي: إسماعيل يحسو العلم حسوًا، توفي سنة 146 هـ.
(عبد الله بن محمد): هو الإمام أبو جعفر عبد الله بن محمد بن عبد الله بن
(1)
من لطائف الإسناد:
1 -
أنَّ فيه التحديث والعنعنة.
2 -
أنَّ رواته كلهم كوفيون.
جعفر الجعفى البخاري المعروف بالمسندي، قال الحسن بن شجاع للبخاري: من أين يفوتك الحديث وقد وقعت على هذا الكنز، يعنى: المسندى. توفي سنة 229 هـ.
(أبو عامر): هو الإمام أبو عامر عبد الملك بن عمرو القيسى العقدى البصرى، اختلف في سنة وفاته فقيل سنة 204 هـ، وقيل: سنة 205 هـ.
(سليمان بن بلال): هو الإمام سليمان بن بلال القرشى التيمى المدني، قال محمد بن سعد: كان بربريًّا جميلًا حسن الهيئة، عاقلًا، و كان يفتى بالبلد وولى خراج المدينة، و كان ثقة كثير الحديث. توفي سنة 177 هـ.
• في الباب فوائد منها:
• أولًا: من فوائد الحديث الأول:
الفائدة الأولى: فيه جواز التأخر عن صلاة الجماعة إذا عُلِم من عادة الإمام التطويل الزائد، لذلك عَدَّ بعض العلماء التطويل الزائد من الأعذار المبيحة لترك الجماعة، ومعنى لا أدرك الصلاة، لا أصلي صلاة الجماعة أي أتركها كلية بسبب تطويل فلان.
الفائدة الثانية: فيه من أبواب الأدب: عدم ذكر اسم الفاعل إن كان الشيء مذمومًا، فقال: مما يُطَوِّل بنا فلان، حيث كان في معرض الشكوى.
الفائدة الثالثة: فيه جواز الغضب لما يُنكَر من أمور الدين.
الفائدة الرابعة: فيه الإنكار على من فعل منهيًّا عنه، فأنكر النبي صلى الله عليه وسلم على مَنْ طَوَّلَ في الصلاة.
الفائدة الخامسة: فيه التعزير لمن أطال في الصلاة؛ لأنه خالف بذلك السنة، والسنة هي مراعاة أحوال الناس ليست هي التطويل دائمًا، والتعزير في غضب النبي صلى الله عليه وسلم.
الفائدة السادسة: وفيه جواز التعزير بالكلام والتأنيب واللوم.
الفائدة السابعة: فيه دليل على الأمر بالتخفيف في الصلاة، وهذا أمر مطلوب شرعًا.
الفائدة الثامنة: فيه بيان أنَّ الدين يسر.
الفائدة التاسعة: فيه أيضًا دليل على وجوب مراعاة الواقع وأنَّ هذا هو السنة، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يطيل في صلاته، لكنه أنكر هنا على من أطال؛ لأن الواقع مختلف، كما أنكر على معاذ في حديث آخر وقال له: أفَتَّان أنت! أفَتَّان أنت!.
الفائدة العاشرة: فيه دليل على البعد عن كل ما ينفر الناس وإن كان من العبادة.
الفائدة الحادية عشرة: أيضًا فيه التعريض عند الإنكار، فالنبي صلى الله عليه وسلم أنكر إنكارًا عامًّا.
الفائدة الثانية عشرة: الحديث هنا من العام الذي أريد به الخصوص، فقول النبي صلى الله عليه وسلم: أيها الناس، لا يراد بها كل الناس ولكن هذا عام أريد به فئة خاصة وهي الفئة الموجودة، لكنَّ الحكم عامٌّ لجميع الأمة.
الفائدة الثالثة عشرة: فيه أيضًا دليل أنَّ المشقة تجلب التيسير، فالنبي صلى الله عليه وسلم بيَّن أنَّ فيهم المريض والضعيف وذا الحاجة فهؤلاء أصحاب الحاجات، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتيسير من أجلهم، وهو دليل على القاعدة الفقهية التي تقول " المشقة تجلب التيسير "، ولذلك في حديث آخر قال النبي صلى الله عليه وسلم "أنت إمامهم واقتد بأضعفهم"، وهذا يدل على أنَّ الإمام إمام في الحركات والسكنات؛ لكن في المقدار هو مأموم مقتد بالأضعف.
الفائدة الرابعة عشرة: وفيه صحة قياس غير هؤلاء عليهم، فإذا كان هناك عارض غير هذه العوارض الثلاثة نقول أيضًا يقاس عليها، فالنبي صلى الله عليه وسلم أوتي جوامع الكلم فأعطى قواعد عامة للتخفيف.
الفائدة الخامسة عشرة: أيضًا فيه دليل أنَّ الغضب والإنكار والتشديد في الموعظة قد يكون هو الحكمة، قال الله عز وجل:{ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ} [النحل: 125] قال بالحكمة وليس باللين، وإن كان اللين والرفق هو الأصل، لذلك غضب النبي صلى الله عليه وسلم هنا، ومنه كما قال الله تعالى لموسى وهارون:{فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه: 44]، لكن لما قال فرعون لموسى:{إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا} [الإسراء: 101] قال له موسى: {وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا} [الإسراء: 102] يعني هالكًا؛ فهذا قول فيه شدة، لكن الحال يقتضي ذلك.
الفائدة السادسة عشرة: فيه دليل لقاعدة: تزاحم الواجب مع السنة
(1)
، فإذا تزاحم الواجب مع السنة يُقدَّم الواجب كما يقول الأصوليون، وهنا الواجب هو عدم تنفير الناس وجمعهم في بيوت الله، وعدم إقامة الفتنة بينهم، وعدم تركهم لصلاة الجماعة، فكل هذه من الواجبات إذا تعارضت مع السنة وهي التطويل نقول يجب أن يُقدم الواجب وتُترك السنة.
الفائدة السابعة عشرة: فيه دليل على قاعدة مهمة وهي "أنَّ الأمر المتعلق بذات العبادة يقدم على الأمر المتعلق بأمر خارج"، فالخشوع أمر متعلق بذات العبادة بخلاف التطويل فالتطويل أمر زائد، فلو أدى التطويل للخروج عن الخشوع يكون الخشوع أولى.
الفائدة الثامنة عشرة: وفيه حسن بيان النبي صلى الله عليه وسلم فإنه أوتي جوامع الكلم، فإنه أنكر على الصحابي وبين له الصواب وبين علة ما فعل، فإنه غضب عليه، وبين له سبب الغضب وهو نفور الناس، وعالج له الخطأ وأمره بالتخفيف، وبين له علة هذا الصواب، فإنَّ فيهم الضعيف والمريض وذا الحاجة.
(1)
الإعلام في أصول الأحكام لشيخنا عبد الفتاح مصيلحي ص 50 ط العلوم والحكم.
• ثانيًا: من فوائد الحديث الثاني:
الفائدة الأولى: فيه دليل على أنَّ مال المسلم حرام على أخيه إلا بحق؛ لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم له اعرف كذا وكذا حتى إذا جاء ربها تردها إليه، فهذا دليل أنه يحرم عليه أن يستمتع بمال أخيه المسلم بغير وجه حق.
الفائدة الثانية: فيه الحفاظ على المال والانتفاع به ولا تعطل مصلحته؛ لذلك أجاز الشرع للمسلم أن ينتفع بهذا المال إن لم يجد صاحبه، فالمجتمع المسلم يحتاج أن ينتفع بهذا المال؛ لذلك أذن له النبي صلى الله عليه وسلم إذا يئس من وجود صاحبه أن يستمتع بهذا المال.
الفائدة الثالثة: أيضًا فيه من الفوائد أنَّ الإسلام دين كامل، صالح لكل الأحوال والأزمنة والأمكنة، فالنبي صلى الله عليه وسلم لما قرر هذا الحكم لم يقرره للصحابة فقط فهم أهل الصدق والدين والأمانة والورع، ولكن وضعه لكل الأزمنة ..
الفائدة الرابعة: وفيه أنَّ القياس لابد من اكتمال أركانه وإلا فهو قياس فاسد، وهذا يدل على أنَّ الصحابي الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ضالة الإبل وغضب النبي منه أراد أن يقيس الإبل على المال والغنم، فلم يقبله النبي صلى الله عليه وسلم لأنه قياس مع الفارق.
الفائدة الخامسة: وفيه أنَّ الحكم يدور مع علته، ولهذا قال بعض العلماء فلو أنَّ الإبل خيف عليها من الضياع يكون حكمها حكم الغنم؛ لأن الحكم يدور مع العلة وجودًا وعدمًا.
الفائدة السادسة: وفيه أيضًا دليل على سد الذرائع للمحرمات
(1)
؛ لذلك أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يعرف وكاءها وعفاصها، وهذا ليس طعنًا في المسلم، ولكن سدًّا للذرائع حتى لا يتهم المسلم، وكذلك حماية للملتقط من نفسه أن تميل.
(1)
بحث سد الذرائع في كتاب الإعلام في أصول الأحكام لشيخنا عبد الفتاح مصيلحي ص 154 ط مكتبة العلوم والحكم.
الفائدة السابعة: أيضًا الحديث فيه دليل على جواز استخدام كلمة "رب" على البشر بشرط الإضافة مثل رب البيت، رب الإبل، وتكون بمعنى المالك لها والذي يقوم على أمورها.
الفائدة الثامنة: قول فُضالة إنشائي خبري، يعني إنشائي اللفظ لكنه خبري المعنى كأنه يقول وكذلك ضالة الإبل، وإلا لو أنه مجرد سؤال فلماذا يغضب النبي صلى الله عليه وسلم عليه وهو يسأل، فعُلِم أنه ليس مجرد سؤال فقط، ولكنه تقرير منه لما فهمه.
الفائدة التاسعة: أيضًا فيه دليل على ارتباط الظاهر بالباطن، فالنبي صلى الله عليه وسلم لما غضب احمر وجهه أو وجنتاه، والغضب أمر قلبي لكنه يظهر على الجوارح وهذا أيضًا يشهد لمسألة الإيمان، وأنه قول وعمل ليس بالاعتقاد فقط، ولا بقول اللسان فقط، ولا بالأعمال فقط؛ لأن المقرر في الشرائع وفي العقل أنَّ الظاهر لابد له من ارتباط بالباطن.
الفائدة العاشرة: الحديث فيه من الفوائد إظهار الود والمحبة والإخاء بين المجتمع المسلم لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم هي لك أو لأخيك، فليس المراد أخاه من النسب، ولكن أخوة الإسلام، وهذا كثير في الألفاظ والعبارات في لسان الشرع ولسان الصحابة، كقول النبي صلى الله عليه وسلم «المسلم أخو المسلم» ، وكقول أبي قتادة لكبشة زوجة ابنه أتعجبين يا ابنة أخي
(1)
، وغير ذلك.
(1)
أخرجه مالك في الموطأ (1/ 22 ح 13) ط إحياء التراث، وأخرجه أبو داود في سننه (1/ 56 ح 75) ط الرسالة، والترمذي في جامعه (1/ 153) ط الحلبي، والنسائي في السنن الكبرى (1/ 95 ح 63) ط الرسالة، وابن ماجه في سننه (1/ 131) ط إحياء التراث، وهذا الحديث صححه البخاري والعقيلي والدارقطني والبيهقي والحاكم والنووي.
• ثالثًا: من فوائد الحديث الثالث:
الفائدة الأولى: أنَّ من الأسئلة أشياء مكروهة وهي الأشياء التي لا فائدة فيها، أو الأشياء التي فيها التعنت، وهذا يبيح الغضب أحيانًا من المعلم أو المفتي.
الفائدة الثانية: وفيه من الفوائد عدم التعنت والتنطع في السؤال، فالإنسان لا يسأل عن أشياء متنطعًا متعنتًا فيها، بل يسأل عما يحتاج، ويسأل عما يستفيد به وينفعه في آخرته.
الفائدة الثالثة: وأيضًا فيه الحرص من غضب الأنبياء لأنه قد يجلب غضب الرب، والحرص أيضًا من غضب أهل العلم لأنه قد يحرم الإنسان من العلم والخير.
الفائدة الرابعة: فيه أيضًا أنَّ الغضب قد يحمل في طياته الرحمة أحيانًا، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يخاف أن يُسأل عن أشياء فيحرَّم أشياء من أجلها، فكان غضبه على السائل رحمة به ورحمة بالأمة بعد ذلك.
الفائدة الخامسة: الحديث فيه دليل أنَّ الملازمة تفيد الفهم، فعندما قال النبي سلوني عما شئتم فهم بعض الناس أنه فتح لهم باب السؤال، لكن عمر فهم غير ذلك فهم أن مقولة النبي صلى الله عليه وسلم سلوني عما شئتم غَضَبٌ منه؛ لذلك قام عمر رضي الله عنه وقال إنا نتوب إلى الله، وفي رواية في الباب التالي: أنَّ عمر برك على ركبتيه وقال رضينا بالله ربًّا والإسلام دينًا، فسكن غضب النبي صلى الله عليه وسلم بفعل عمر رضي الله عنه.
الفائدة السادسة: وفيه دليل على أنَّ الأمة تحتاج أهل العلم وأنهم مواضع النجاة بالنسبة لها، فعمر لم يخطئ ولم يرد في النص أنه سأل شيئًا، ولكن سؤال الناس سبَّبَ غضب النبي، وقد يجلب ذلك غضب الرب، فقام عمر مستجيرًا من ذلك، ولذلك قال نعوذ بالله من غضب الله ومن غضب رسوله، قالوا فسكن غضب النبي، فرفع الله تعالى عنهم غضب النبي صلى الله عليه وسلم بسبب وجود عمر رضي الله عنه.
الفائدة السابعة: فيه جواز النيابة في الاعتذار كما فعل عمر رضي الله عنه.
الفائدة الثامنة: وأيضًا فيه دليل على قبول اعتذار النائب.
الفائدة التاسعة: فيه دليل أنَّ خطأ البعض قد يجلب الغضب على الناس، ويجلب الضرر والعاقبة لذلك قام عمر معتذرًا من أجل ذلك؛ لأن الغضب قد يعم في بعض هذه المسائل عياذًا بالله تعالى.
الفائدة العاشرة: فيه دليل على الفرق بين الموعظة والتعليم وبين الفتوى والقضاء فالنبي صلى الله عليه وسلم علمهم ووعظهم وهو غضبان، لكنه عند القضاء قال صلى الله عليه وسلم:«لا يقضي القاضي وهو غضبان»
(1)
، لأن هناك فرقًا بين القضاء والتعليم.
الفائدة الحادية عشرة: أيضًا فيه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم بُعِث لبيان الشرعيات لا الأمور الدنيوية، فإذا سئل عن غيرها كان يغضب؛ لذلك
لما سئل من أبي من أبي؟ غضب صلى الله عليه وسلم.
(1)
أخرجه البخاري في صحيحه (9/ 65 ح 7158) ط طوق النجاة، ومسلم في صحيحه (3/ 1342 ح 1717) ط إحياء التراث.
29 - بَابُ مَنْ بَرَكَ عَلَى رُكْبَتَيْهِ عِنْدَ الإِمَامِ أَوِ المُحَدِّثِ
قال البخاري: حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ، فَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ فَقَالَ: مَنْ أَبِي؟ فَقَالَ: «أَبُوكَ حُذَافَةُ» ، ثُمَّ أَكْثَرَ أَنْ يَقُولَ:«سَلُونِي» ، فَبَرَكَ عُمَرُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ فَقَالَ: رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالإِسْلامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم نَبِيًّا، فَسَكَتَ.
• وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله:
هذا الباب كالتكملة للباب السابق، وبين البابين مناسبة، وهي أنَّ الباب السابق كان [بَابُ الغَضَبِ فِي المَوْعِظَةِ وَالتَّعْلِيمِ، إِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ] أي غضب العالم على السائل لعدم جريه على موجب ما يليق وينبغي؛ لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم غضب لما أكثر الناس له السؤال.
وأما في هذا الباب فإنه يذكر أدب المتعلم عند العالم خاصة إذا غضب، فهناك البخاري رحمه الله قصد فعل النبي صلى الله عليه وسلم وهو أنه غضب في الموعظة حال التعليم، وهنا يقصد ما فعله عمر رضي الله عنه وهو أدب المتعلم عند العالم وبروكه على ركبتيه عنده.
• في الباب فوائد منها:
الحديث فيه فوائد سبق منها بعض الفوائد في الباب السابق ونزيد عليها ما يأتي:
الفائدة الأولى: أنَّ مخالفة الأدب قد يكون سببًا للعقوبة؛ لذلك برك عمر رضي الله عنه على ركبتيه خوفًا من هذه العقوبة، فكما أنَّ الأدب يجلب الخير والنعم، كذلك مخالفة الأدب قد يكون سببًا في العقوبات؛ قال صلى الله عليه وسلم: " كَانَ رَجُلٌ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ
يُقَالُ لَهُ جُرَيْجٌ يُصَلِّي، فَجَاءَتْهُ أُمُّهُ، فَدَعَتْهُ، فَأَبَى أَنْ يُجِيبَهَا، فَقَالَ: أُجِيبُهَا أَوْ أُصَلِّي، ثُمَّ أَتَتْهُ فَقَالَتْ: اللَّهُمَّ لا تُمِتْهُ حَتَّى تُرِيَهُ وُجُوهَ المُومِسَاتِ، وَكَانَ جُرَيْجٌ فِي صَوْمَعَتِهِ، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: لَأَفْتِنَنَّ جُرَيْجًا، فَتَعَرَّضَتْ لَهُ، فَكَلَّمَتْهُ فَأَبَى، فَأَتَتْ رَاعِيًا، فَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا، فَوَلَدَتْ غُلامًا فَقَالَتْ: هُوَ مِنْ جُرَيْجٍ، فَأَتَوْهُ، وَكَسَرُوا صَوْمَعَتَهُ، فَأَنْزَلُوهُ وَسَبُّوهُ، فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى ثُمَّ أَتَى الغُلامَ، فَقَالَ: مَنْ أَبُوكَ يَا غُلامُ؟ قَالَ: الرَّاعِي، قَالُوا: نَبْنِي صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ، قَالَ: لا، إِلَّا مِنْ طِينٍ "
• قال ابن القيم:
وأدب المرء عنوان سعادته وفلاحه، وقلة أدبه عنوان شقاوته وبواره، فما استجلب خير الدنيا والآخرة بمثل الأدب، ولا استجلب حرمانها بمثل قلة الأدب.
فانظر إلى الأدب مع الوالدين:
كيف نجى صاحبه من حبس الغار حين أطبقت عليهم الصخرة، والإخلال به مع الأم تأويلًا وإقبالًا على الصلاة كيف امتُحِن صاحبه بهدم صومعته، وضرب الناس له، ورميه بالفاحشة، وتأمل أحوال كل شقي ومغتر ومدبر: كيف تجد قلة الأدب هي التي ساقته إلى الحرمان
(1)
.
الفائدة الثانية: المخطئ إذا اعتَذَر أو اعتُذِر عنه، فعلى الإمام أو العالم أن يقبل.
الفائدة الثالثة: كما أنَّ مخالفة الأدب قد يكون سببًا للعقوبة، كذلك فإنَّ الأدب قد يكون سببًا في رفع البلاء، لذلك تأدب عمر رضي الله عنه وأظهر الإذعان والأدب والرضا حتى يرفع ذلك، فسكن النبي صلى الله عليه وسلم بعدما كان غَاضِبًا.
الفائدة الرابعة: الرضا بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًّا يقتضي التسليم لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، وعدم التعنت في السؤال.
(1)
مدارج السالكين لابن القيم (2/ 391).
30 - بَابُ مَنْ أَعَادَ الحَدِيثَ ثَلَاثًا لِيُفْهَمَ عَنْهُ
فَقَالَ: «أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ» فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا، وَقَالَ: ابْنُ عُمَرَ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «هَلْ بَلَّغْتُ ثَلَاثًا؟» .
قال البخاري رحمه الله حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ كَانَ «إِذَا سَلَّمَ سَلَّمَ ثَلاثًا، وَإِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلاثًا» .
حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّفَارُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَنَسٍ: عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ كَانَ «إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلاثًا، حَتَّى تُفْهَمَ عَنْهُ، وَإِذَا أَتَى عَلَى قَوْمٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، سَلَّمَ عَلَيْهِمْ ثَلاثًا» .
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: تَخَلَّفَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي سَفَرٍ سَافَرْنَاهُ، فَأَدْرَكَنَا وَقَدْ أَرْهَقْنَا الصَّلاةَ، صَلاةَ العَصْرِ، وَنَحْنُ نَتَوَضَّأُ، فَجَعَلْنَا نَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا» .
• رحم الله تعالى الإمام البخاري، كما ذكرنا أنه قد يذكر الباب، ويضع فيه الفقه الذي يريده وبيان الحكم، فهنا قال باب من أعاد الحديث ثلاثًا ليفهم عنه، فبين أنه يجوز أن يُعاد الحديث ثلاثًا، وبين العلة في ذلك للفهم عنه، وأتى ببعض الأدلة على ذلك.
• وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله:
أنَّ الباب السابق (باب من برك على ركبتيه عند المُحَدِّث أو الإمام) كان هذا في شأن السائل المتعلم، وهذا الباب أيضا في شأن المتعلم، بمعنى أنَّ السابق يتحدث عن أدب المتعلم، وهذا الباب يتحدث عن فهم المتعلم، وهذا من شأنه أيضًا.
• تراجم بعض الرواة:
(عبدة بن عبد الله): هو الإمام أبو سهل عبدة بن عبد الله بن عبدة الصفار الخزاعى البصري، توفي سنة 258 هـ، و قيل 257 هـ.
(عبد الصمد): هو الإمام أبو سهل عبد الصمد بن عبد الوارث بن سعيد التميمى العنبرى البصري، توفي سنة 207 هـ.
(عبد الله بن المثنى): هو الإمام أبو المثنى عبد الله بن المثنى بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصارى البصري.
(ثمامة بن عبد الله): هو الإمام ثمامة بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصارى البصرى قال عن نفسه: صحبت جدى أنس بن مالك ثلاثين سنة فما رأيته يشرب نبيذًا قط.
• في الباب فوائد منها:
الفائدة الأولى: أنَّ المراد من الكلام هو البيان والإفهام وإن تكررت الموعظة.
الفائدة الثانية: الزيادة لابد أن يكون لها سبب، فقد يكون السبب عدم الفهم، و قد يكون السبب عدم وصول الكلام إلى المستمع فيكرر الكلام حتى يصل إليه، وقد يكون للزجر، كما سبق عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله «ويل للأعقاب من النار مرتين أو ثلاثًا» .
قال الخليل الفراهيدي رحمه الله: يكثر الكلام ليُفهَم، ويُعلل ليُحفَظ
(1)
.
(1)
فيض الباري على صحيح البخاري للكشميري (1/ 277) ط دار الكتب العلمية.
الخليل الفراهيدي = هو الإمام صاحب العربية ومنشئ علم العروض أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد بن عمرو الفراهيدي، وهبه الله سبحانه وتعالى ذكاءً وفطنةً حتى ضُرب به المثل في عصره، توفي سنة 160 هـ.
31 - بَابُ تَعْلِيمِ الرَّجُلِ أَمَتَهُ وَأَهْلَهُ
قال البخاري رحمه الله: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ سَلامٍ، حَدَّثَنَا المُحَارِبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: قَالَ عَامِرٌ الشَّعْبِيُّ: حَدَّثَنِي أَبُو بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «ثَلاثَةٌ لَهُمْ أَجْرَانِ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، آمَنَ بِنَبِيِّهِ وَآمَنَ بِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وَالعَبْدُ المَمْلُوكُ إِذَا أَدَّى حَقَّ اللَّهِ وَحَقَّ مَوَالِيهِ، وَرَجُلٌ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَةٌ فَأَدَّبَهَا فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا، وَعَلَّمَهَا فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا فَتَزَوَّجَهَا فَلَهُ أَجْرَانِ» ، ثُمَّ قَالَ عَامِرٌ: أَعْطَيْنَاكَهَا بِغَيْرِ شَيْءٍ، قَدْ كَانَ يُرْكَبُ فِيمَا دُونَهَا إِلَى المَدِينَةِ
(1)
.
• وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله:
الجواب: أنَّ السابق التعليم العام، أما هنا التعليم الخاص، وهو تعليم الرجل أَمَتَه أو أهله.
• تراجم بعض الرواة:
(المحاربي): الإمام أبو محمد عبد الرحمن بن محمد بن زياد المحاربى الكوفي، قال عنه وكيع بن الجراج: ما كان أحفظه لهذه الأحاديث الطوال، توفي سنة 195 هـ.
(1)
من لطائف الإسناد:
1 -
أنَّ فيه التحديث والإخبار والعنعنة.
2 -
أنَّ رواته كلهم كوفيون ما عدا ابن سلام.
(صالح بن حيان): هو الغمام صالح بن صالح بن حيان، و قيل صالح بن صالح بن مسلم بن حيان الثورى الهمدانى الكوفى توفي سنة 153 هـ.
• في الباب فوائد منها:
الفائدة الأولى: أنَّ للعالم أن يُعَرِّفَ المتعلم قدر ما أفاده من العلم وما خصه به.
الفائدة الثانية: وفيه معرفة قدر العلم.
الفائدة الثالثة: قوله (له أجران) يدل على أنَّ هناك أجرًا من أجل العتق والتزويج، وهناك أجر آخر وهو أجر التأديب والتعليم.
الفائدة الرابعة: التعليم غير التأديب، لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم أدبها فأحسن تأديبها، وعلمها فأحسن تعليمها، إذًا فالتأديب غير التعليم، فالتعليم المراد به تعليم الأمور الشرعية والدينية، أما التأديب في الغالب يراد به الأخلاق والمروءات، وما إلى ذلك.
الفائدة الخامسة: استدل بعض العلماء بهذا الحديث على أنه يجوز أن يكون صداق المرأة عتقها، وقيل لا يجوز: بل يعتقها ثم يصدقها ويتزوجها؛ حيث إنها لما أعتقت أصبحت حرة، والحرة لا تزوج بغير صداق.
الفائدة السادسة: الحديث يظهر فيه أيضًا أنَّ من أسلم وحسن إسلامه أخذ أجرين أجر إيمانه وأجر العمل الصالح، والمعنى أنَّ الأعمال الصالحة ليست متداخلة، بل قد يكون لكل عمل أجر، بدليل أنَّ الشرع جعل على الأدب والعلم أجرًا، والعتق والتزويج أجرًا، فالله عز وجل فضله واسع.
الفائدة السابعة: الأجر يكون على قدر النصب، فالعبد الذي يؤدي حق الله وحق مواليه له أجران.
32 - بَابُ عِظَةِ الإِمَامِ النِّسَاءَ وَتَعْلِيمِهِنَّ
قال البخاري: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَيُّوبَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَشْهَدُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَوْ قَالَ عَطَاءٌ: أَشْهَدُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «خَرَجَ وَمَعَهُ بِلالٌ، فَظَنَّ أَنَّهُ لَمْ يُسْمِعْ فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ، فَجَعَلَتِ المَرْأَةُ تُلْقِي القُرْطَ وَالخَاتَمَ، وَبِلالٌ يَأْخُذُ فِي طَرَفِ ثَوْبِهِ» .
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَقَالَ: إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَطَاءٍ، وَقَالَ: عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَشْهَدُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم.
• مناسبة هذا الباب للذي قبله:
أنَّ الباب السابق كان في تعليم الرجل أهله وهذا باب خاص، وأما هنا فالتعليم لعامة النساء.
• تراجم بعض الرواة:
(سليمان بن حرب): هو الإمام أبو أيوب سليمان بن حرب بن بجيل الأزدى الواشحى البصري، أثنى عليه الأئمة، توفي سنة 224 هـ.
(عطاء): هو الإمام أبو محمد عطاء بن أبى رباح واسمه أسلم القرشى المكي، مناقبه لا تحصى، وأثنى عليه الأئمة، توفي سنة 114 هـ، على المشهور، وقيل: بعدها.
• في الباب فوائد منها:
الفائدة الأولى: يجب على الإمام تفقد الرعية وتعليمهم ووعظهم سواء كانوا رجالًا أو نساءً.
الفائدة الثانية: فضل العمل بما يتعلق به من الواقع والحاجة، فلقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم النساء بالصدقة خاصة؛ لأنه كان في وقت حاجة إلى مواساةٍ، والصدقة في وقت الحاجة قد تكون من أفضل البر.
الفائدة الثالثة: عبادة الوقت هي العبادة الأفضل.
الفائدة الرابعة: الاهتمام بالنساء ووعظهن وتعليمهن، فليس الأمر قاصرًا على الرجال فقط.
الفائدة الخامسة: الموعظة تختلف بحسب حال المدعو؛ فهنا كانت الموعظة بالترغيب والترهيب، لذلك قال صلى الله عليه وسلم:«يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ فَإِنِّي أُرِيتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ»
(1)
، فهذا من باب الترغيب والتخويف، التخويف من النار، والترغيب فى الصدقة.
الفائدة السادسة: الصدقة تقي من النار قال صلى الله عليه وسلم «يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ فَإِنِّي أُرِيتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ» .
الفائدة السابعة: جواز تصدق المرأة من مالها بدون إذن زوجها.
الفائدة الثامنة: وفيه التطبيق العملي لقول الله تعالى: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92]، فالنساء فهمن ذلك فتصدقن بالحلى - الذهب ونحوه-.
الفائدة التاسعة: الحديث فيه دليل على أنَّ لفظ الشهادة ليس للطعن فى الذى يخبر الخبر، ولكن هو لتأكيد الوقوع؛ لذلك شهد ابن عباس على نفسه أنه سمعه
(1)
رواية أبي سعيد الخدري كما عند البخاري في صحيحه (2/ 120) ح 1462 ط طوق النجاة، ومسلم في صحيحه (1/ 86) ح 132 ط إحياء التراث.
من النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا ليس تشكيكًا فى ابن عباس، لكن ليبين أنَّ هذا الأمر مهم، وأنه واقع وموثوق به.
الفائدة العاشرة: في الحديث علاقة بين الوعظ والأمر، فالوعظ يرقق القلب ويخيفه ويهيئه، ثم يأتي الأمر بعد ذلك.
• شبهة:
ثبت فى الروايات أنَّ هذا الحديث كان فى يوم عيد، وقد طعن بعض من يدَّعي العلم فى هذه الرواية من الناحية العقلية، فقال إنَّ العيد يوم فرح وأكل وشرب ومرح، ولا يليق بالنبي صلى الله عليه وسلم صاحب الأخلاق والمروءة أن يذهب إلى النساء ويقول لهن يا معشر النساء إنكن أكثر أهل النار، كيف يقول ذلك فى هذا اليوم؟
والجواب عن هذا من وجوه:
1) أنَّ هذا قد ثبت فيجب التسليم به.
2) أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم ذكر ذلك ليس لإدخال الهم والحزن على النساء، ولكن من أجل الصدقة ودفعهن إلى الطاعة والعبادة فى هذا اليوم المبارك.
3) أنه ليس عندنا وقت نبتعد فيه عن العبادة والذكر لذلك بيّن النبي صلى الله عليه وسلم أنها أيام أكل وشرب وذكر لله تعالى، فالتذكير بالله وبالآخرة حتى فى أيام العيد لا إشكال فيه، لذلك فرق الله عز وجل بين السعي للآخرة والسعي للدنيا فقال الله تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} [الجمعة: 9]، فعند العبادة تُتْرَك الدنيا، وأما عند الفراغ منها فلا بأس أن يطلب الناس معاشهم وأرزاقهم قال تعالى:{فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الجمعة: 10]، فإذا ابتغيتم الدنيا فاذكروا الله كثيرًا، وإذا جئت إلى الجمعة فذر البيع، فلا إنكار إذًا في فعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك.
33 - بَابُ الحِرْصِ عَلَى الحَدِيثِ
قال البخاري رحمه الله: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ القِيَامَةِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لا يَسْأَلُنِي عَنْ هَذَا الحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الحَدِيثِ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ، مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ، أَوْ نَفْسِهِ»
(1)
.
• وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله:
أنَّ المذكور هنا هو التعليم الخاص، فالنبي صلى الله عليه وسلم أجاب أبا هريرة في ما سأله بالخطاب إليه خاصة، والجواب عن سؤال ما لا يعلم، فهنا تعليم خاص من الإمام، أما الباب السابق بَابُ عِظَةِ الإِمَامِ النِّسَاءَ وَتَعْلِيمِهِنَّ، كان فيه التعليم عام.
(1)
من لطائف الإسناد:
1 -
أنَّ فيه التحديث بصيغة الجمع والإفراد، وفيه العنعنة.
2 -
أنَّ رواته كلهم مدنيون.
3 -
أنَّ فيه رواية تابعي عن تابعي مثله.
• ترجمة بعض الرواة:
(عبد العزيز بن عبد الله): هو الإمام أبو القاسم عبد العزيز بن عبد الله بن يحيى القرشي.
(عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو): هو الإمام أبو عثمان عمرو بن أبي عمرو واسمه ميسرة القرشى المدني، توفي بعد سنة 150 هـ.
• في الباب فوائد منها:
الفائدة الأولى: الحريص على الخير والعلم يبلغ بحرصه إلى أن يسأل عن غامض المسائل ودقيق المعاني، فيكون ذلك سببًا في إثارة فائدة يكون له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة.
الفائدة الثانية: ينبغي للعالم أن يتفرس في متعلميه.
الفائدة الثالثة: تنبيه العالم متعلميه على تفرسه فيهم.
الفائدة الرابعة: للعالم أن يسكت حتى يُسأل ولا يكون بذلك كاتمًا للعلم، بل على الطالب أن يسأل، وعلى العالم أن يجيب ويبين إذا سُئِل.
الفائدة الخامسة: فيه بيان فضل أبي هريرة رضي الله عنه.
الفائدة السادسة: فيه فضل الحرص على تحصيل العلم.
الفائدة السابعة: فيه دليل على حدوث الشفاعة، وهو رد على المعتزلة وغيرهم المنكرين لها.
الفائدة الثامنة: الشفاعة درجات وأنواع لقوله صلى الله عليه وسلم: «أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ، مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ أَوْ نَفْسِهِ» .
34 - بَابٌ كَيْفَ يُقْبَضُ العِلْمُ؟
وكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ إِلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ: انْظُرْ مَا كَانَ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَاكْتُبْهُ، فَإِنِّي خِفْتُ دُرُوسَ العِلْمِ وَذَهَابَ العُلَمَاءِ، وَلا تَقْبَلْ إِلَّا حَدِيثَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَلْتُفْشُوا العِلْمَ، وَلْتَجْلِسُوا حَتَّى يُعَلَّمَ مَنْ لا يَعْلَمُ، فَإِنَّ العِلْمَ لا يَهْلِكُ حَتَّى يَكُونَ سِرًّا.
حَدَّثَنَا العَلاءُ بْنُ عَبْدِ الجَبَّارِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ: بِذَلِكَ، يَعْنِي حَدِيثَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، إِلَى قَوْلِهِ: ذَهَابَ العُلَمَاءِ.
قال البخاري رحمه الله حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ لا يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ العِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بِقَبْضِ العُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا» .
قَالَ الفِرَبْرِيُّ: حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ هِشَامٍ نَحْوَهُ.
• وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله:
التنبيه على الاهتمام بتحصيل العلوم مع الحرص عليها لأنه مما يقبض ويرفع، فلابد للإنسان أن يستدرك هذه الغنيمة قبل فواتها.
• تراجم بعض الرواة:
(عمر بن عبد العزيز): هو أبو حفص عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبى العاص القرشى الأموى المدني ثم الدمشقي، كان من أئمة العدل وأهل الدين والفضل، مناقبه كثيرة، توفي سنة 101 هـ.
(أبو بكر بن حزم): هو الإمام أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصارى الخزرجى، قال عنه الإمام مالك: لم يكن عندنا أحد بالمدينة عنده من علم القضاء ما كان عند أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، توفي سنة 120 هـ، وقيل غير ذلك.
(عباس): هو الإمام أبو الفضل عباس بن عبد العظيم بن إسماعيل بن توبة العنبرى البصري، كان من سادات المسلمين توفي سنة 240 هـ.
• في الباب فوائد منها:
الفائدة الأولى: وجوب تتبع السنة وضبطها لذا أمر عمر بن عبد العزيز بذلك.
الفائدة الثانية: ينبغي نشر العلم وإذاعته.
الفائدة الثالثة: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فطالما أنَّ السنة لا يحافظ عليها إلا بالكتابة فتجب الكتابة.
الفائدة الرابعة: لا ينزع الله العلم بعد أن يهبه، فالله يتعالى أن يسترجع ما وهب لعباده ما لم يحدثوا، وإنما يكون قبض العلم بالحرمان من التعلم، فلا يوجد من يخلف من مضى.
الفائدة الخامسة: فيه دلالة على أنَّ أول تدوين للحديث كان في عهد عمر بن عبد العزيز رحمه الله.
الفائدة السادسة: أهل الدين والعلم يحملون هم هذا الدين، ويخافون من ضياعه، ويأخذون بأسباب بقائه.
الفائدة السابعة: حمل الهم طريق المنة، ويدل عليه حديث عبد الله بن زيد في الأذان.
الفائدة الثامنة: فيه منقبة لعمر بن عبد العزيز أنه أول من جمع السنة وكتبها أي بأمره.
الفائدة التاسعة: ينبغي رفق أهل العلم بالمتعلم لقول عمر رضي الله عنه (ولتجلسوا حتى يُعلَّم من لا يَعْلَم).
الفائدة العاشرة: عدم كتمان العلم حفاظًا عليه؛ لأن كتمان العلم ضياع للعلم.
الفائدة الحادية عشرة: الجزاء من جنس العمل، وعدم شكر النعمة يجعلها تتبدل، فلما لم يشكر الناس الله على العلم بالتعلم والحفاظ على العلماء يبدلهم الله تعالى رؤوسًا وعلماء ضلالًا يفتونهم فيضلونهم.
الفائدة الثانية عشرة: الفتوى بغير علم من صفات علماء السوء.
الفائدة الثالثة عشرة: خطورة الفتوى بغير علم لأنها ضلال وإضلال.
الفائدة الرابعة عشرة: تحذير الأمراء من تولية علماء السوء.
الفائدة الخامسة عشرة: موت العالم خسارة عظيمة.
الفائدة السادسة عشرة: محو العلم من الصدور وإن كان جائزًا في القدرة إلا أنَّ هذا الحديث دل على عدم وقوعه.
35 - بَابٌ: هَلْ يُجْعَلُ لِلنِّسَاءِ يَوْمٌ عَلَى حِدَةٍ فِي العِلْمِ؟
قال البخاري رحمه الله: حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ الأَصْبَهَانِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ ذَكْوَانَ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قَالَتِ النِّسَاءُ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: غَلَبَنَا عَلَيْكَ الرِّجَالُ، فَاجْعَلْ لَنَا يَوْمًا مِنْ نَفْسِكَ، فَوَعَدَهُنَّ يَوْمًا لَقِيَهُنَّ فِيهِ، فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ، فَكَانَ فِيمَا قَالَ لَهُنَّ:«مَا مِنْكُنَّ امْرَأَةٌ تُقَدِّمُ ثَلَاثَةً مِنْ وَلَدِهَا، إِلَّا كَانَ لَهَا حِجَابًا مِنَ النَّارِ» ، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: وَاثْنَتَيْنِ؟ فَقَالَ: «وَاثْنَتَيْنِ» .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ الأَصْبَهَانِيِّ، عَنْ ذَكْوَانَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِهَذَا.
وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَصْبَهَانِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:«ثَلاثَةً لَمْ يَبْلُغُوا الحِنْثَ» .
• وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله:
أنَّ الباب السابق كان عن كيفية قبض العلم، وكان من فوائده الحث على حفظ العلم، ومن ذلك تعليم النساء، وهذا ما أشار إليه في هذا الباب.
• تراجم بعض الرواة:
(ابن الأصبهاني): هو الإمام عبد الرحمن بن عبد الله ابن الأصبهانى الكوفي، مات فى إمارة خالد بن عبد الله على العراق.
(أبو حازم): هو الإمام أبو حازم سلمان الأشجعي الكوفي، توفي فى خلافة عمر بن عبد العزيز.
• في الباب فوائد منها:
الفائدة الأولى: فيه سؤال النساء عن أمر دينهن.
الفائدة الثانية: جواز كلام النساء مع الرجال فيما فيه حاجة لهن، ودليل ذلك أنَّ العلم أخذ عن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وعن غيرهن من النساء، لكن بشرط أمن الفتنة.
الفائدة الثالثة: عظم أجر المصيبة في الولد.
الفائدة الرابعة: ينبغي للعالم أن يجعل يومًا للنساء.
الفائدة الخامسة: الأدب من النساء مع النبي صلى الله عليه وسلم، كما في قولهن: اجعل لنا يومًا من نفسك، فلم يحددن يومًا بل تركن الاختيار للرسول صلى الله عليه وسلم.
الفائدة السادسة: فيه فضيلة الصبر على موت الولد.
الفائدة السابعة: فضيلة الفهم حتى في كيفية السؤال، وأنه يجلب الخير.
الفائدة الثامنة: دليل على مفهوم المخالفة، ففهمت الحصر وأرادت زيادة الفضل.
الفائدة التاسعة: وفيه جواز الوعد.
الفائدة العاشرة: فيه أنَّ أطفال المسلمين في الجنة.
الفائدة الحادية عشرة: هذا الحكم وإن ورد في النساء، لكنه لا اختصاص لهن فيه بل هو للرجال أيضًا.
الفائدة الثانية عشرة: المصيبة في الصغير الذي لم يبلغ تكون أكبر؛ لأنه لم ينسب إليه العقوق بعد.
36 - بَابُ مَنْ سَمِعَ شَيْئًا فَلَمْ يَفْهَمْهُ
فَرَاجَعَ فِيهِ حَتَّى يَعْرِفَهُ
قال البخاري رحمه الله: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ عَائِشَةَ، زَوْجَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: كَانَتْ لا تَسْمَعُ شَيْئًا لا تَعْرِفُهُ، إِلَّا رَاجَعَتْ فِيهِ حَتَّى تَعْرِفَهُ، وَأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«مَنْ حُوسِبَ عُذِّبَ» قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ أَوَلَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} [الانشقاق: 8] قَالَتْ: فَقَالَ: " إِنَّمَا ذَلِكِ العَرْضُ، وَلَكِنْ: مَنْ نُوقِشَ الحِسَابَ يَهْلِكْ "
(1)
.
• وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله:
الباب السابق فيه وعظ النساء وتعليمهن، وفي فهمهن قصور، وربما يحتجن إلى مراجعة العلم، وهذا ما أشار إليه في هذا الباب.
• تراجم بعض الرواة:
(سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ): هو الإمام أبو محمد سعيد بن الحكم بن محمد بن سالم المعروف ب (سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ المصري)، توفي سنة 224 هـ.
(1)
من لطائف هذا الإسناد:
1 -
أنَّ فيه التحديث بصيغة الإفراد والجمع، وفيه الإخبار.
2 -
أنَّ رواته ما بين مكي، ومدني، وبصري، ومصري.
3 -
وهذا الإسناد من رباعيات المصنف.
(نافع): هو الإمام نافع بن عمر بن عبد الله القرشي الجمحي المكي، قال عنه عبد الرحمن بن مهدى: كان من أثبت الناس، توفي سنة 169 هـ.
(ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ): هو الإمام عبد الله بن عبيد الله بن أبى مليكة القرشي التيمي، كان قاضيًا لعبد الله بن الزبير، ومؤذنًا له. قال عن نفسه: أدركت ثلاثين من الصحابة. توفي سنة 117 هـ.
• في الباب فوائد منها:
الفائدة الأولى: يجوز المراجعة للإفهام.
الفائدة الثانية: أنَّ العرض غير التعليم قال تعالى {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا
…
} [البقرة: 31]، فآدم عليه السلام مُعلَّم، أما الملائكة معروض عليهم.
الفائدة الثالثة: بيان فضيلة عائشة وحرصها على التعلم والفهم.
الفائدة الرابعة: إثبات الحساب والعرض يوم القيامة.
الفائدة الخامسة: جواز المناظرة ومقابلة السنة بالكتاب إن كان المراد الفهم والبيان لا المجادلة، وضرب الأدلة بعضها ببعض.
الفائدة السادسة: تفاوت الناس في الحساب، وأنَّ تحرير الحساب يفضي إلى استحقاق العذاب؛ لأن حسنات العبد موقوفة على القبول، وإن لم تقع الرحمة المقتضية للقبول لا تحصل النجاة.
الفائدة السابعة: حلم النبي صلى الله عليه وسلم وسعة صدره، فلم يكن يتضجر من المراجعة.
الفائدة الثامنة: بعض الأسئلة مستثناه من قوله تعالى {لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} [المائدة: 101].
37 - بَابٌ: لِيُبَلِّغِ العِلْمَ الشَّاهِدُ الغَائِبَ
قال البخاري رحمه الله: قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم.
قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدٌ هُوَ ابْنُ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ، أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ: - وَهُوَ يَبْعَثُ البُعُوثَ إِلَى مَكَّةَ - ائْذَنْ لِي أَيُّهَا الأَمِيرُ، أُحَدِّثْكَ قَوْلًا قَامَ بِهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الغَدَ مِنْ يَوْمِ الفَتْحِ، سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ، وَوَعَاهُ قَلْبِي، وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ: حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ:" إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ، وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، فَلا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا، وَلا يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً، فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ لِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِيهَا، فَقُولُوا: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ، وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي فِيهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، ثُمَّ عَادَتْ حُرْمَتُهَا اليَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالأَمْسِ، وَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ " فَقِيلَ لِأَبِي شُرَيْحٍ مَا قَالَ عَمْرٌو قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ مِنْكَ يَا أَبَا شُرَيْحٍ لَا يُعِيذُ عَاصِيًا، وَلا فَارًّا بِدَمٍ، وَلا فَارًّا بِخَرْبَةٍ
(1)
.
قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، ذُكِرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ - قَالَ
(1)
من لطائف هذا الإسناد:
1 -
أنَّ فيه التحديث بصيغة الإفراد والجمع، وفيه العنعنة.
2 -
أنَّ رواته ما بين بصري ومدني.
3 -
أنَّه من رباعيات المصنف.
مُحَمَّدٌ وَأَحْسِبُهُ قَالَ - وَأَعْرَاضَكُمْ، عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، أَلا لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الغَائِبَ».
وَكَانَ مُحَمَّدٌ يَقُولُ: صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، كَانَ ذَلِكَ «أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ» مَرَّتَيْنِ
(1)
.
• مناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله:
الباب السابق كان (بَابُ مَنْ سَمِعَ شَيْئًا فَلَمْ يَفْهَمْهُ فَرَاجَعَ فِيهِ حَتَّى يَعْرِفَهُ) وفيه مراجعة المتعلم للعالم، وفيه معنى التبليغ من المُراجَع إلى المُراجِع، فكأنَّ المُراجِع كان كالغائب عند سماعه فلم يفهم ما سمعه.
• تراجم بعض الرواة:
(عبد الله بن عبد الوهاب): هو الإمام أبو محمد عبد الله بن عبد الوهاب الحجبي البصري، اختلف في وفاته، فقيل توفي سنة 228 هـ، وقيل 229 هـ.
(حماد): هو الإمام أبو إسماعيل حماد بن زيد بن درهم الأزدى الجهضمى البصري، قال عنه ابن مهدي: ما رأيت أعلم من حماد بن زيد، ولا من سفيان، ولا من مالك توفي سنة 179 هـ.
• في الباب فوائد منها:
الفائدة الأولى: الأدب مع أهل المنزلة، وإنزال الناس منازلهم.
الفائدة الثانية: اللين والرفق أدعى لقبول الدعوة والنصيحة لذلك قال تعالى: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه: 44].
الفائدة الثالثة: التأكيد على العلم وتحقيقه، وليس ذلك للتهمة فقط، بل يكون
(1)
من لطائف هذا الإسناد:
1 -
أنَّ فيه التحديث والعنعنة.
2 -
أنَّ رواته كلهم بصريون.
للأهمية ولبيان أنه سنة، وليس اجتهادًا.
الفائدة الرابعة: أدوات التعلم ثلاثة إذا اجتمعت فهي أقوى أنواع التعلم وأوكده، وهي السمع والبصر والقلب لذا جمعها.
الفائدة الخامسة: الدقة في النقل والوصف، فإنه لم ينقل محل الشاهد فقط، بل قال (حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ).
الفائدة السادسة: إذا تعلق الحكم بعين رجع عرفًا وشرعًا لما جعلت له هذه العين
(1)
، فلابد من البيان، وهذا يظهر في قوله صلى الله عليه وسلم: إن مكة حرمها الله
…
فماذا حرم فيها؟ فكان لابد من البيان وقد جاء البيان.
الفائدة السابعة: السنة وحي، فقوله صلى الله عليه وسلم:«إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ» ، فالتحريم جاء على لسان النبي صلى الله عليه وسلم:{إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 4].
الفائدة الثامنة: الإجمال قبل التفصيل أدعى للانتباه والتشويق، وأدعى للانقياد والقبول.
الفائدة التاسعة: قوله: «فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ» لا يؤخذ منه مفهوم المخالفة:
1) فليس المعنى أنَّ من فعل ذلك كفر بالله، ولكنها كبيرة من الكبائر.
2) كذلك لا يدل على أنَّ من لا يؤمن بالله يجوز له القتل.
3) وكذلك لا يحل القتل في غير مكة ولا سفك الدماء ولكن في مكة يزداد التحريم.
الفائدة العاشرة: قوله: «وَلَا يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً» خص في بعض الأحاديث
(1)
الإعلام في أصول الأحكام لشيخنا عبد الفتاح مصيلحي ص 29 ط العلوم والحكم.
بالإذخر، وهو يرد قول من قال بجواز قطع الشوك قياسًا على الخمس الفواسق؛ لأنه خلاف النص.
الفائدة الحادية عشرة: أنَّ حل مكة كان خاصًّا للنبي صلى الله عليه وسلم ولم يحل لأحد بعده، والتخصيص للنبي صلى الله عليه وسلم فقط، وكذلك هو للنبي صلى الله عليه وسلم في هذه الساعة فقط دون غيرها.
الفائدة الثانية عشرة: الأمر بإبلاغ الدعوة وأنه واجب، وكذلك فيه قبول خبر الواحد.
الفائدة الثالثة عشرة: جواز إخبار الشخص عن نفسه إن علم ثقته وضبطه لما سمعه.
الفائدة الرابعة عشرة: إنكار العالم على الحاكم فيما يغيره من الأمور الدينية.
الفائدة الخامسة عشرة: الخروج من عهدة التبليغ والصبر على المكاره.
الفائدة السادسة عشرة: قيل إنَّ هذا التبليغ كان عينًا على من حضره، وكفاية على من بعدهم.
الفائدة السابعة عشرة: في قول عمرو بن سعيد (أَنَا أَعْلَمُ مِنْكَ يَا أَبَا شُرَيْحٍ لَا يُعِيذُ عَاصِيًا، وَلَا فَارًّا بِدَمٍ، وَلَا فَارًّا بِخَرْبَةٍ) ظاهره الحق لكنه أريد به باطل؛ لأنَّ ابن الزبير لم يرتكب حدًّا، ولا نحوه.
الفائدة الثامنة عشرة: في الحديث دليل على شرف مكة.
الفائدة التاسعة عشرة: تقديم الحمد والثناء على الله قبل القول.
الفائدة العشرون: المسلمون يتساوون مع النبي صلى الله عليه وسلم في الأحكام إلا ما خصه الدليل.
الفائدة الحادية والعشرون: فيه دليل على وقوع النسخ.
الفائدة الثانية والعشرون: وفيه فضل أبي شريح.
الفائدة الثالثة والعشرون: تحليل المحرم لا يكون إلا بإذن الشرع.
هذا ما يتعلق بالحديث الأول من الفوائد، أما الحديث الثاني فقد سبق، ولله الحمد.
38 - بَابُ إِثْمِ الكَذِبِ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم
-
قال البخاري: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الجَعْدِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْصُورٌ، قَالَ: سَمِعْتُ رِبْعِيَّ بْنَ حِرَاشٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَلِيًّا، يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «لا تَكْذِبُوا عَلَيَّ، فَإِنَّهُ مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَلِجِ النَّارَ»
(1)
.
وقال: حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قُلْتُ لِلزُّبَيْرِ: إِنِّي لا أَسْمَعُكَ تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَمَا يُحَدِّثُ فُلانٌ وَفُلانٌ؟ قَالَ: أَمَا إِنِّي لَمْ أُفَارِقْهُ، وَلَكِنْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ:«مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»
(2)
.
وقال: حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ، قَالَ أَنَسٌ: إِنَّهُ لَيَمْنَعُنِي أَنْ أُحَدِّثَكُمْ حَدِيثًا كَثِيرًا أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيَّ كَذِبًا، فَلْيَتَبَوَّأْ
(1)
من لطائف هذا الإسناد:
1 -
أنَّ فيه التحديث والعنعنة والإخبار بصيغة الجمع والإفراد والسماع.
2 -
أنَّ رواته ما بين بغدادي وكوفي وواسطي ومدني.
3 -
أنَّ فيه رواية تابعي صغير عن تابعي كبير.
(2)
من لطائف الإسناد:
1 -
أنَّ فيه التحديث والعنعنة.
2 -
أنَّ فيه رواية تابعي عن تابعي مثله.
3 -
أنَّ فيه رواية صحابي عن صحابي مثله.
4 -
أنَّ فيه رواية الابن عن أبيه عن جده.
5 -
أنَّ هذا الحديث من أفراد البخاري عن مسلم.
مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»
(1)
.
وقال: حَدَّثَنَا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «مَنْ يَقُلْ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»
(2)
.
وقال: حَدَّثَنَا مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«تَسَمَّوْا بِاسْمِي وَلا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِي، وَمَنْ رَآنِي فِي المَنَامِ فَقَدْ رَآنِي، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لا يَتَمَثَّلُ فِي صُورَتِي، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»
(3)
.
• وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله:
أنَّ السابق التبليغ للعلم، وفى هذا التحذير من الكذب فى التبليغ أى فى العلم.
(1)
من لطائف هذا الإسناد:
1 -
أنَّ فيه التحديث والعنعنة.
2 -
أنَّ رواته كلهم بصريون.
3 -
أنه من رباعيات الإمام البخاري.
(2)
من لطائف هذا الإسناد:
1 -
أنَّ فيه التحديث والعنعنة.
2 -
أنه من ثلاثيات البخاري وهو أول ثلاثي وقع فيه، ويبلغ جميعها أكثر من عشرين حديثًا.
3 -
وفيه فضل للإمام إذ هو يروي ويشارك شيوخه في الإمام مكي بن إبراهيم الذي هو من كبار أشياخ البخاري.
(3)
من لطائف هذا الإسناد:
1 -
أنَّ فيه التحديث والعنعنة.
2 -
أنَّ رواته ما بين كوفي وبصري وواسطي ومدني.
3 -
أنَّ فيه رواية تابعي عن تابعي مثله.
• تراجم بعض الرواة:
(علي بن الجعد): هو الإمام أبو الحسن على بن الجعد بن عبيد الجوهرى البغدادي، قال عنه موسى بن داود: ما رأيت أحفظ من على بن الجعد، توفي سنة 230 هـ.
(ربعي بن حراش): هو الإمام أبو مريم ربعى بن حراش بن جحش الغطفاني ثم العبسي الكوفي، قال عنه الحارث: فلقد أخبرنى غاسله أنه لم يزل متبسما على سريره ونحن نغسله حتى فرغنا. توفي سنة 100 هـ، وقيل غير ذلك.
(أبو الوليد): هو الإمام أبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي البصري، قال عنه الإمام أحمد بن حنبل: أبو الوليد شيخ الإسلام، ما أقدم عليه اليوم أحدًا من المحدثين، توفي سنة 227 هـ.
(جامع بن شداد): هو الإمام أبو صخرة جامع بن شداد المحاربى الكوفي، اختلف في وفاته فقيل 127 هـ، وقيل: 128 هـ.
(عامر بن عبد الله بن الزبير): هو الإمام أبو الحارث عامر بن عبد الله بن الزبير بن العوام القرشى المدني، أثنى عليه الأئمة، اختلف في وفاته فقيل: 121 هـ، وقيل: 124 هـ، وقيل 125 هـ.
(عبد العزيز): هو الإمام عبد العزيز بن صهيب البنانى الأعمي، توفي سنة 130 هـ.
(يزيد بن أبي عبيد): هو الإمام أبو خالد يزيد بن أبى عبيد الأسلمي، اختلف في وفاته فقيل: 142 هـ، وقيل غير ذلك.
(أبو حصين): هو الإمام أبو حصين عثمان بن عاصم بن حصين الكوفي، قال عنه ابن مهدي: لا ترى حافظًا يختلف على أبى حصين. توفي سنة 127 هـ، وقيل غير ذلك.
• في الباب فوائد منها:
• أولًا: فوائد الحديث الأول:
الفائدة الأولى: فيه حرمة الكذب على النبى صلى الله عليه وسلم، ولا عذر ولا حجة لأحد في ذلك.
الفائدة الثانية: صيغة النهى تدل على التحريم، وهذه الصيغة قد ترد بالنهى، وقد ترد بالتوعد بالعقاب، والأسلوب هنا أسلوب إنشائى خبرى "فليلج النار"، والمعنى: فسوف يلج النار.
الفائدة الثالثة: أنَّ فيه تحذيرًا من الكذب على النبى صلى الله عليه وسلم، وأيضًا من باب أولى الكذب على الله فهو أعظم، فإن قيل: الكذب على الناس حرام فما فائدة ذلك؟!، قيل لأنه أشد.
الفائدة الرابعة: لا يدل الحديث على أنَّ رواية الحديث بالمعنى تدخل في هذا النهي، لكن بشرط أن تكون للعالم بمواقع الخطاب ومعانى الألفاظ.
الفائدة الخامسة: أنَّ اللفظ هنا لفظ عام، فهو يدل على أنَّ الكذب ولو مرة واحدة يعتبر كذبًا.
الفائدة السادسة: كذلك الحديث يرد قول من قال أنَّ الكذب الذى هو للمصلحة جائز، حيث قالوا المحرم هو الكذب الذى يضل به الناس، واستدلوا بزيادة ضعيفة «من كذب علي ليضل به الناس»
(1)
وهي زيادة ضعيفة، واستدلوا أيضًا بقوله تعالى {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ} [الأنعام: 144]، وهذا خطأ لأنَّ المعنى في الآية أنَّ مآل أمره إلى الإضلال، أو هو من تخصيص بعض أفراد العام بالذكر فلا مفهوم له مثل قوله تعالى {لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا
(1)
أخرجه بهذا اللفظ الطحاوي في شرح مشكل الآثار (1/ 371 ح 418، 419، 420) ط الرسالة بإسناد ضعيف، وقال الطحاوي: هذا حديث منكر.
أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} [آل عمران: 130]، وقوله تعالى {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ} [الأنعام: 151]، فهذا ومثله لتأكيد الأمر لا لاختصاص الحكم.
الفائدة السابعة: الحديث يشمل كل أنواع الوضاعين سواء كانوا زنادقة وضعوا للتحريف، أو كانوا مرتزقة، أو كان السبب فى الكذب هو التعصب لمذهب معين، أو غير ذلك.
الفائدة الثامنة: الحديث يدل على حرمة الكذب عليه فى الأحكام، وكذلك فى الترغيب، وهذا بالإجماع، فكل هذا كذب محرم.
الفائدة التاسعة: وفيه وجوب تعلم العلوم الأخرى كعلوم اللغة وغيرها إن كان سيروى الحديث بالمعنى، وهذا من باب " ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب " أو تحت قاعدة " ما لا يتم ترك الحرام إلا بتركه فتركه واجب "؛ لذلك قال الأصمعى: أخوف ما أخاف على طالب العلم إذا لم يعرف النحو أن يدخل فى قوله صلى الله عليه وسلم «من كذب على متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار» لأنه لم يكن لحانًا ولم يلحن في حديثه، فمهما رويت عنه ولحنت فيه كذبت عليه
(1)
.
• ثانيًا: من فوائد الحديث الثانى:
الفائدة الأولى: جواز حمل إطلاق العموم وإرادة الغالب لقول الزبير لم أفارقه، فهذا يُرَاد به الغالب.
الفائدة الثانية: التعبير عن الكلام بلازمه، فمراد الزبير من عدم المفارقة السماع، أي أنه سمع منه كثيرًا؛ حيث إنَّ لازم الملازمة السماع، ولازم السماع التحديث.
(1)
روضة العقلاء ونزهة الفضلاء لأبي حاتم البُستي (ص 233) ط الكتب العلمية، تاريخ دمشق لابن عساكر (37/ 80) ط دار الفكر، معجم الأدباء لياقوت الحموي (1/ 29) ط دار الغرب الإسلامي، تهذيب الكمال للمزي (18/ 388) ط الرسالة.
الفائدة الثالثة: العمل بقاعدة " ما لا يتم ترك الحرام إلا بتركه فتركه واجب"
(1)
فاعتبر الزبير أنَّ الإكثار قد يؤدى إلى الخطأ، والعمل بقول الثقة مع الخطأ يجعل الناس يعملون بما ليس فى الشرع.
الفائدة الرابعة: فيه شاهد أيضًا لقاعدة " سد الذرائع "، فاعتبر الزبير التحديث قد يؤدى إلى الخطأ فامتنع عن ذلك سدًّا لذريعة الخطأ فى الحديث.
الفائدة الخامسة: أنه يحمل قول من أكثر منهم أنهم كانوا واثقين بأنفسهم، وأنهم طالت أعمارهم فاحتيج إلى ما عندهم، وأنهم خافوا من كتمان العلم.
الفائدة السادسة: فيه أنَّ من كان له عذر من الخوف من الخطأ أو الإثم ونحوه فامتنع لا يُعَدُّ كاتمًا للعلم.
• ثالثًا: من فوائد الحديث الثالث:
الفائدة الأولى: فيه أنَّ الإكثار لا يعنى عدم التحديث، ولكن الذى يُتَخَوَّفُ منه الإكثار.
الفائدة الثانية: وفيه أنَّ العمل قد يختلف باختلاف الواقع والحال فقد يكثر الإنسان لأنه طالت حياته واحتيج إليه فأكثر، أو أنه يثق في حفظه ونقله، والآخر تورع وعمل بباب سد الذرائع فامتنع، ولكل وجه.
• رابعًا: من فوائد الحديث الرابع:
الفائدة الأولى: فيه قوله صلى الله عليه وسلم " مَنْ قال عَلَىَّ مالم أقل "، فيدخل فيه الفعل للأحاديث السابقة، فليس المراد مجرد القول، ولكن من قال فعل النبى صلى الله عليه وسلم وهو لم يفعل، وهو يعلم ذلك، فهذا كذب على النبى صلى الله عليه وسلم.
الفائدة الثانية: استدل البعض بالحديث على حرمة رواية الحديث بالمعنى،
(1)
الإعلام في أصول الأحكام لشيخنا عبد الفتاح مصيلحي (ص 56) ط العلوم والحكم.
وأجاز المجيزون ذلك بأنَّ المراد بالكذب يعنى الإتيان بلفظ يوجب تغيير الحكم، والإتيان باللفظ لا شك أولى.
• خامسًا: من فوائد الحديث الخامس:
الفائدة الأولى: حرمة الكذب على النبى صلى الله عليه وسلم فى اليقظة والمنام.
الفائدة الثانية: حسن الترتيب فهو مطلوب عند اجتماع الأدلة وهنا البخارى رحمه الله رتب الأحاديث ترتيبًا حسنًا كالتالي:
فبدأ بحديث علىٍّ الذى فيه مقصود الباب، وهو النهى عن تعمد الكذب وما إلى ذلك، ثم ثنى بحديث الزبير الذى فيه توقى الصحابة وتحرزهم عن الكذب عليه حتى أنهم يتركون التحديث من باب سد الذرائع، وهو يدل على التطبيق العملي للصحابة رضي الله عنهم وخوفهم من هذا الباب.
ثم ثلث بحديث أنس الدال على أنَّ امتناعه كان من الإكثار للخوف من وقوعه فى الخطأ لا من أصل التحديث.
وختم بحديث أبى هريرة الذى فيه الإشارة الى تحريم الكذب عليه سواء كان فى اليقظة أو فى المنام.
39 - بَابُ كِتَابَةِ الْعِلْمِ
قال الإمام البخاري رحمه الله: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلامٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ، قَالَ: قُلْتُ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: هَلْ عِنْدَكُمْ كِتَابٌ؟ قَالَ: «لا، إِلَّا كِتَابُ اللَّهِ، أَوْ فَهْمٌ أُعْطِيَهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ، أَوْ مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ. قَالَ: قُلْتُ: فَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ: العَقْلُ، وَفَكَاكُ الأَسِيرِ، وَلا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ»
(1)
.
حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ خُزَاعَةَ قَتَلُوا رَجُلًا مِنْ بَنِي لَيْثٍ - عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ - بِقَتِيلٍ مِنْهُمْ قَتَلُوهُ، فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ فَخَطَبَ، فَقَالَ:«إِنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ القَتْلَ، أَوِ الفِيلَ» - قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ كَذَا قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ وَاجْعَلُوهُ عَلَى الشَّكِّ الفِيلَ أَوِ القَتْلَ وَغَيْرُهُ يَقُولُ الفِيلَ - وَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَالمُؤْمِنِينَ، أَلا وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ بَعْدِي، أَلا وَإِنَّهَا حَلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، أَلا وَإِنَّهَا سَاعَتِي هَذِهِ حَرَامٌ، لا يُخْتَلَى شَوْكُهَا، وَلا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلا تُلْتَقَطُ سَاقِطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ، فَمَنْ قُتِلَ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يُعْقَلَ، وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ أَهْلُ القَتِيلِ ".
(1)
من لطائف الإسناد:
1 -
أنَّ فيه التحديث والعنعنة والإخبار.
2 -
أنَّ رواته كلهم كوفيون سوى شيخ الإمام البخاري وقد دخلها.
3 -
وفيه رواية صحابي عن صحابي مثله.
فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ فَقَالَ: اكْتُبْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ:«اكْتُبُوا لِأَبِي فُلانٍ» . فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ: إِلَّا الإِذْخِرَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّا نَجْعَلُهُ فِي بُيُوتِنَا وَقُبُورِنَا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:«إِلَّا الإِذْخِرَ إِلَّا الإِذْخِرَ» قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: يُقَالُ: يُقَادُ بِالقَافِ فَقِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَيُّ شَيْءٍ كَتَبَ لَهُ؟ قَالَ: كَتَبَ لَهُ هَذِهِ الخُطْبَةَ
(1)
.
• وفيه (اكتبوا لأبي فلان): هو أبو شاه اليماني.
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو، قَالَ: أَخْبَرَنِي وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَخِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: «مَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَحَدٌ أَكْثَرَ حَدِيثًا عَنْهُ مِنِّي، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَلا أَكْتُبُ»
(2)
. تَابَعَهُ مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا اشْتَدَّ بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَجَعُهُ قَالَ: «ائْتُونِي بِكِتَابٍ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لا تَضِلُّوا بَعْدَهُ» ، قَالَ عُمَرُ إِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم غَلَبَهُ الوَجَعُ، وَعِنْدَنَا كِتَابُ اللَّهِ حَسْبُنَا. فَاخْتَلَفُوا وَكَثُرَ اللَّغَطُ، قَالَ:«قُومُوا عَنِّي، وَلا يَنْبَغِي عِنْدِي التَّنَازُعُ» ، فَخَرَجَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ:«إِنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَبَيْنَ كِتَابِهِ»
(3)
.
(1)
من لطائف الإسناد:
1 -
أنَّ فيه التحديث والعنعنة.
2 -
أنَّ رواته ما بين كوفي وبصري ومصري ويماني.
(2)
من لطائف الإسناد:
1 -
أنَّ فيه التحديث والعنعنة والإخبار بالإفراد والسماع.
2 -
أنَّ وهب بن منبه لم يرو له البخاري غير هذا الحديث.
3 -
فيه ثلاثة من التابعين في طبقة متقاربة أولهم عمرو.
4 -
هذا الحديث من أفراد البخاري عن مسلم.
(3)
من لطائف الإسناد:
1 -
فيه التحديث بصيغة الجمع والإفراد والإخبار والعنعنة.
2 -
فيه رواية تابعي عن مثله.
3 -
رواته ما بين كوفي ومدني ومصري.
• وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله:
أنَّ السابق فيه الحث على الاحتراز عن الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي هذا الحث على الاحتراز عن ضياع كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا سيّما من أهل الزمان لقصور هممهم في الضبط وتقصيرهم في النقل.
• تراجم بعض الرواة:
(مطرف): هو الإمام مطرف بن طريف الحارثى الكوفي، قال عن نفسه: ما يسرنى أنى كذبت كذبة وأنَّ لى الدنيا وما فيها. توفي سنة 141 هـ، وقيل بعد ذلك.
(شيبان): هو الإمام أبو معاوية شيبان بن عبد الرحمن التميمى المؤدب، قال عنه الإمام أحمد بن حنبل: شيبان ثبت فى كل المشايخ. توفي سنة 164 هـ.
(وهب بن منبه): هو الإمام أبو عبد الله وهب بن منبه بن كامل اليمانى الأبناوي، قال عنه المثنى بن الصباح: لبث وهب بن منبه أربعين سنة لم يسب شيئًا فيه الروح، ولبث عشرين سنة لم يجعل بين العشاء و الصبح وضوءًا. اختلف في وفاته فقيل: 114، وقيل: 116 هـ، وقيل غير ذلك.
(أخيه): هو الإمام أبو عقبة همام بن منبه بن كامل اليمانى الأبناوي، اختلف في وفاته، فقيل: 131 هـ، وقيل 132 هـ.
• في الباب فوائد منها:
• من فوائد الحديث الأول:
الفائدة الأولى: فيه إباحة كتابة العلم وتقييده.
الفائدة الثانية: وفيه أيضًا بيان لقاعدة (ما لا يتم الواجب به فهو واجب)
(1)
، فحفظ العلم واجب فإن لم يتم حفظ العلم إلا بالكتابة والتقييد والتدوين يصبح التدوين والكتابة والتقييد واجبًا.
الفائدة الثالثة: فيه أنَّ تغير العمل قد يتغير بتغير الحاجة والحال؛ لذلك فإنَّ البعض نهى عن الكتابة وكرهها واعتلوا بأنها سبب ضياع الحفظ، والقول الآخر أيضًا أنه يجوز الكتابة، واستدلوا بكتابة المصحف، وهو أصل العلوم وإنما كُرِه ذلك لأنهم كانوا حُفَّاظًا، وليس كذلك مَنْ بعدهم، فلو لم يُكتب ما بقي منه شيء، لذلك قال الشعبي:(إذا سمعت شيئًا فاكتبه ولو في الحائط)
(2)
.
الفائدة الرابعة: وفيه إبطال زعم الشيعة بأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم خص عليًّا وآل البيت بشيء من علوم الشريعة.
الفائدة الخامسة: فيه إرشاد أنَّ للعالم الفهم والاستنباط، وأنه يستخرج من القرآن بفهمه ما لم يكن منقولًا.
الفائدة السادسة: فيه إباحة كتابة الأحكام وتقييدها.
الفائدة السابعة: وفيه جواز سؤال العالم فيما يتعلق بخاصيته.
الفائدة الثامنة: وفيه أنه لا يُقتل مسلم بكافر.
(1)
الإعلام في أصول الأحكام لشيخنا عبد الفتاح بن محمد مصيلحي (ص 45) ط العلوم والحكم.
(2)
كتاب العلم لأبي خيثمة النسائي (ص 34) ط المكتب الإسلامي، الكنى والأسماء لأبي بشر الدولابي (3/ 933) ط ابن حزم، والمحدث الفاصل بين الراوي والواعي للرامهرمزي (ص 376) ط دار الفكر.
الفائدة التاسعة: وفيه أنَّ الاختصاص بالفهم أو زيادة الفهم منة من الله وعطاء؛ ولذلك قال تعالى: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} [الأنبياء: 79].
• من فوائد الحديث الثاني:
الفائدة الأولى: وفيه جواز كتابة العلم أيضًا.
الفائدة الثانية: وفيه دليل أنَّ الخطبة تكون على موضع عالٍ منبر أو نحوه.
الفائدة الثالثة: واستدل به من قال أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان متعبدًا باجتهاده فيما لا نص فيه.
الفائدة الرابعة: وفيه أنَّ ولي القتيل بالخيار بين القصاص والدية.
الفائدة الخامسة: وفيه اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بأمور المسلمين.
الفائدة السادسة: واستدل به من يقول أنَّ الاستثناء يجوز أن يكون منقطعًا، ولكن رُدَّ عليهم بأنَّ الاستثناء لا بد أن يكون متصلًا أو في حكم المتصل؛ لأن قوله " إلا الإذخر " في حكم المتصل.
الفائدة السابعة: وفيه مراعاة الشريعة لحاجة الناس، كرفعها الحرج بإباحة الإذخر لحاجة الناس إليه.
الفائدة الثامنة: وفيه أنَّ الحكم يكون بالمجاورة، وفضل مجاورة الأخيار والأماكن المقدسة حتى للشجر وللشوك وغيرها، فأكرمه الله تبارك وتعالى وحرم قطعه والاعتداء عليه.
• مناسبة فعل ابن عمر بالباب الذي قبله؟
الجواب: أنَّ عبد الله بن عمر من أفاضل الصحابة وكان يكتب ما يسمعه، ولو لم تكن الكتابة جائزة ما فعل ذلك رضي الله عنه.
• من فوائد الأحاديث الأخرى:
الفائدة الأولى: فيها فضل الكتابة وأنها تساعد في الإكثار من العلم.
الفائدة الثانية: وفيه أنَّ عبد الله بن عمرو أكثر أخذًا من أبي هريرة، لكن أبا هريرة أكثر رواية منه، وذلك لأمور:
1) كان عبد الله رضي الله عنه منشغلًا بالعبادة أكثر من التعليم.
2) وكان أكثر مقامه بمصر أو بالطائف والرحلة لهما لم تكن كالرحلة للمدينة.
3) وقيل من أسباب ذلك أيضًا أنَّ عبد الله بن عمرو ظفر ببعض كتب أهل الكتاب فكان ينظر فيها، فتجنب بعض التابعين الأخذ عنه.
الفائدة الثالثة: وفيه بيان فضل طلبة العلم وحملهم للعلم لأنهم هم الذين حملوا علم أبي هريرة رضي الله عنه، وأيضًا السبب في ذلك ما اختص به أبو هريرة رضي الله عنه من دعوة النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا ينسى ما حُدِّث به.
الفائدة الرابعة: وفي الحديث الرابع أيضًا جواز كتابة العلم وهو أصل الباب.
الفائدة الخامسة: وفيه أنَّ للإمام أن يوصي عند موته بما يراه مصلحة للأمة.
الفائدة السادسة: وفي ترك الكتابة إباحة الاجتهاد لأنه وكلهم لأنفسهم واجتهادهم.
الفائدة السابعة: وفيه أيضًا أنَّ فعل النبي صلى الله عليه وسلم كان باجتهاده ولم يكن تشريعًا أو وحيًا، ولو كان تشريعًا أو وحيًا لما تركه النبي صلى الله عليه وسلم لخلافهم.
الفائدة الثامنة: وفيه أيضًا عدم إنكار النبي صلى الله عليه وسلم على عمر، فقال البعض أنه قد استصوب فعله، وقال البعض أنه سكت لأنه كثر النزاع عنده.
الفائدة التاسعة: وفيه استحباب الوصية والكتابة وقتها، وليس الوجوب لترك النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، وقد يُقال ترك النبي صلى الله عليه وسلم ذلك من أجل التنازع.
الفائدة العاشرة: فيه اجتهاد الصحابة بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم، فلقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأمر لكن فهم عمر أنَّ هذا الأمر للإرشاد، وما أراد أن يشق على النبي صلى الله عليه وسلم.
الفائدة الحادية عشرة: وفيه حب الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم وخوفهم من المشقة عليه، ولو كان في ذلك تفويت مصلحتهم.
الفائدة الثانية عشرة: وأيضًا فيه أنَّ الاختلاف المؤدي للتنازع قد يَحْرِم الأمة من الخير كما حدث ذلك أيضًا في ليلة القدر.
تنبيه:
اختلف العلماء في التوفيق بين هذه الأحاديث وأحاديث النهي عن الكتابة كحديث (لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه)
(1)
، فقيل: أنَّ النهي خاص بوقت نزول القرآن خشية الالتباس، وقيل أنَّ النهي عن كتابة غير القرآن مع القرآن في شيء واحد، أو النهي متقدم والإذن بعد ذلك ناسخ عند الأمن من الالتباس، وهو قد يكون أقربها، وقيل: النهي لمن خشي الاتكال منه على الكتابة دون الحفظ، ومحصله أنَّ الكتابة الآن جائزة لأنها لا يُستغنى عنها لحفظ العلم.
(1)
أخرجه مسلم في صحيحه (4/ 2298) ح 3004 ط إحياء التراث.
40 - بَابُ الْعِلْمِ وَالْعِظَةِ بِاللَّيْلِ
قال البخاري رحمه الله: حَدَّثَنَا صَدَقَةُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ هِنْدٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ.
وَعَمْرٍو، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ هِنْدٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ذَاتَ لَيْلَةٍ فَقَالَ: «سُبْحَانَ اللَّهِ، مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنَ الفِتَنِ، وَمَاذَا فُتِحَ مِنَ الخَزَائِنِ، أَيْقِظُوا صَوَاحِبَاتِ الحُجَرِ، فَرُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٍ فِي الآخِرَةِ»
(1)
.
• وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله:
أنَّ السابق كتابة العلم الدالة على الضبط والاجتهاد، وهنا فيه تعليم العلم والموعظة بالليل الدال كل منهما على قوة الاجتهاد وشدة التحصيل، وكذلك كل منهما وسيلة لحفظ العلم.
(1)
من لطائف الإسناد:
1 -
فيه التحديث والإخبار والعنعنة.
2 -
فيه ثلاثة من التابعين.
3 -
فيه رواية صحابية عن صحابية على قول من قال أنَّ هندًا صحابية.
4 -
فيه رواية الأقران.
• تراجم بعض الرواة:
(صدقة): هو الإمام أبو الفضل صدقة بن الفضل المروزي، قال عنه عباس بن الوليد النرسى: كنا نقول: بخراسان صدقة بن الفضل، وبالعراق أحمد بن حنبل، توفي سنة 223 هـ، وقيل 226 هـ.
(معمر): هو الإمام أبو عروة معمر بن راشد الأزدى الحدانى البصري، قال عنه الإمام أحمد بن حنبل: ليس يضم إلى معمر أحد إلا وجدته فوقه، توفي سنة 154 هـ.
• في الباب فوائد منها:
الفائدة الأولى: فيه التسبيح عند التعجب من شيء ولو من الفتن.
الفائدة الثانية: فيه أنَّ النجاة من الفتن بالأعمال الصالحة.
الفائدة الثالثة: وفيه أنَّ الإنذار يكون للعشيرة الأقربين أولًا، قال تعالى:{وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214]، فأول من أمر النبي صلى الله عليه وسلم وحذر هن صاحبات الحجر، وهن نساؤه.
الفائدة الرابعة: فيه دليل أنَّ الراعي مسؤول عن رعيته، قال صلى الله عليه وسلم (كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته) فلا بد للراعي أن يأخذ رعيته إلى سبل الخير، وأن يحذرها من مواضع الخطر.
الفائدة الخامسة: فيه أيضًا دليل على أنَّ الفتن قد تكون بالمال، لقوله " وماذا فتح من الخزائن "، وقيل أنَّ الخزائن هنا بمعنى الرحمة أي أنه أيضًا فتح من خزائن رحمة الله تعالى، وعبر عن العذاب بالفتن لأنها أسبابه، فكأنه أشار إلى أنَّ هناك رحمات تتنزل، وعذاب يُحذَر، فلا بد للإنسان أن يجتهد.
الفائدة السادسة: وفيه أيضًا أنَّ الطاعة تجلب الرحمة كما تنقذ من الفتن.
الفائدة السابعة: وفيه دليل أنَّ " رُبَّ " قد تأتي للتكثير؛ لأن النساء أكثر أهل النار.
الفائدة الثامنة: وفي قوله " كاسيات عاريات " قيل: أنَّ العقوبة في الآخرة من جنس العمل أي في الدنيا، فرُبَّ كاسية المظهر في الدنيا عارية في الآخرة يعريها الله تبارك وتعالى ويفضحها ببيان ذنوبها، وقيل أنَّ المعنى كاسية بالمال والثياب عارية من الحسنات، وفي كل ذلك الحث على فعل الخيرات وأنه هو اللباس الحقيقي؛ لذلك قال تعالى:{يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ} [الأعراف: 26]، وقال تعالى:{وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ا} [البقرة: 197].
الفائدة التاسعة: وفيه أنَّ الإنسان لا ينفعه نسب ولا قرابة، وفي قوله "أيقظوا" إشارة إلى أنهن لا يعتمدن أنهن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، فلن ينفعهن إلا العمل.
الفائدة العاشرة: وفيه استحباب الإسراع إلى الصلاة خاصة إن خُشي شيء، قال تعالى:{وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} [البقرة: 45]، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة، وفي صلاة الخسوف إذا خسفت الشمس أو القمر فزع النبي صلى الله عليه وسلم إلى صلاة الخسوف، وإذا مُنِع الماء فزع النبي صلى الله عليه وسلم إلى صلاة الاستسقاء، وهكذا.
الفائدة الحادية عشرة: وفيه وجوب تحذير العلماء عامة الناس عند خوفهم من المحذور المخوف، ودلالة الناس على ما يدفع عنهم هذا المحذور.
41 - بَابُ السَّمَرِ فِي العِلْمِ
قال البخاري رحمه الله: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ مُسَافِرٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، قَالَ: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم العِشَاءَ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ، فَقَالَ:«أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ، فَإِنَّ رَأْسَ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا، لا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ»
(1)
.
قال البخاري رحمه الله: حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الحَكَمُ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: بِتُّ فِي بَيْتِ خَالَتِي مَيْمُونَةَ بِنْتِ الحَارِثِ زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عِنْدَهَا فِي لَيْلَتِهَا، فَصَلَّى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم العِشَاءَ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ نَامَ، ثُمَّ قَامَ، ثُمَّ قَالَ:«نَامَ الغُلَيِّمُ» أَوْ كَلِمَةً تُشْبِهُهَا، ثُمَّ قَامَ، فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، فَصَلَّى خَمْسَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ نَامَ، حَتَّى سَمِعْتُ غَطِيطَهُ أَوْ خَطِيطَهُ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلاةِ
(2)
.
(1)
من لطائف الإسناد:
1 -
فيه التحديث بصيغة الجمع والإفراد والعنعنة.
2 -
فيه أربعة من التابعين وهم عبد الرحمن وابن شهاب وسالم وأبوبكر.
(2)
من لطائف الإسناد:
1 -
فيه التحديث والعنعنة والسماع.
2 -
فيه رواية تابعي عن تابعي.
• وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله:
الباب السابق كان العلم والموعظة بالليل، وقد كان التحدث بعد العشاء منهيًّا عنه، ونبه به أنَّ السمر المنهي عنه إنما فيما لا يكون فيه خير، أما السمر بالخير فليس منهيًّا عنه، بل هو مرغوب فيه.
• تراجم بعض الرواة:
(عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ مُسَافِر): هو الإمام عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، شهد جده فتح بيت المقدس مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه، توفي سنة 127 هـ.
(سالم): هو الإمام سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشى العدوى المدني، فكان أشبه ولد عبد الله به، وكان يشبه أباه فى السمت والهدى، توفي سنة 106 هـ.
(أَبو بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ): هو الإمام أبو بكر بن سليمان بن أبى حثمة المدني وكان من علماء قريش.
(الحَكَمُ): هو الإمام الحكم بن عتيبة الكندى الكوفي، قال عنه عبدة بن أبي لبابة وكذلك يحيى بن أبي كثير: ما بين لابتيها أفقه منه، توفي سنة 113 هـ، وقيل بعدها.
• من فوائد الحديث الأول:
الفائدة الأولى: السمر بالعلم والخير مباح، وأنه يستثنى من النهي السابق، وقد سمر السلف الصالح في مذاكرة العلم، فقد ورد عن أبي موسى أنه قال: أتيت عمر أكلمه في حاجة بعد العشاء فقال: هذه الساعة؟
فقلت: إنه شيء من الفقه، فقال: نعم، فكلمته، فذهبت لأقوم، فقال: اجلس فقلت: الصلاة، فقال: إنا في صلاة، فلم نزل جلوسًا حتى طلع الفجر
(1)
.
(1)
أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (2/ 79 ح 6693) ط الرشد، والفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي (1/ 267) ط دار ابن الجوزي.
وكذلك ورد استيقاظ ابن عباس وملاحظة النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما السمر المكروه هو الذي يكون في غير طاعة.
والنهي عن السمر بعد العشاء قد يكون للحفاظ على قيام الليل وصلاة الفجر، وقد يكون لأنهم أحبوا أن يجعلوا الصلاة آخر أعمالهم بالليل، وكرهوا الحديث بعد العتمة لذلك؛ لأن النوم وفاة فأحبوا أن يناموا على خير أعمالهم.
• وكان ابن عمر إذا تكلم أو قضى شيئًا من أمور الدنيا رجع إلى الصلاة.
الفائدة الثانية: الحرص على حسن الخاتمة.
الفائدة الثالثة: فيه دليل على أنَّ (مِنْ) تأتي لابتداء الغاية الزمانية كقول الكوفيين كقوله تعالى {مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ} [التوبة: 108]، وقول أنس ما زلت أحب الدباء من يوم ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم.
الفائدة الرابعة: وفيه قصر أعمار هذه الأمة، وهذا يحتاج إلى الاجتهاد في العمل.
الفائدة الخامسة: اختلف العلماء في معنى " لا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ ":
قال النووي: المراد أنَّ من كان على الأرض بعد تلك الليلة فإنه لا يعيش بعدها أكثر من مائة سنة، وليس فيه نفي أنَّ أحدًا يعيش أكثر من مائة سنة يولد بعد تلك الليلة.
وقيل: إنَّ المراد هم الإنس فقط، وقيل المسلمون فقط، وقيل غير ذلك.
الفائدة السادسة: حرص النبي صلى الله عليه وسلم على أمته ونصحهم وتحذيرهم في آخر حياته.
• الحديث الثاني:
• مناسبته للباب:
اختُلِفَ في مناسبته للباب:
قال ابن الْمُنِيرِ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّ أَصْلَ السَّمَرِ يَثْبُتُ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم «نَام الغليم» .
وَيحْتَمل أَنه يُرِيد ارتقاب ابن عَبَّاسٍ لِأَحْوَالِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَلَا فَرْقَ بَيْنَ التَّعْلِيمِ مِنَ الْقَوْلِ وَالتَّعْلِيمِ من الْفِعْل فقد سمر ابن عَبَّاسٍ لَيْلَتَهُ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ.
زَادَ الْكِرْمَانِيُّ أَوْ مَا يُفْهَمُ مِنْ جَعْلِهِ إِيَّاهُ عَلَى يَمِينِهِ كَأَنَّهُ قَالَ لَهُ: قِفْ عَنْ يَمِينِي فَقَالَ: وَقَفْتُ. اه
وَكُلُّ مَا ذَكَرَهُ مُعْتَرَضٌ لِأَنَّ مَنْ يَتَكَلَّمُ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ لَا يُسَمَّى سامرًا وصنيع ابن عَبَّاسٍ يُسَمَّى سَهَرًا لَا سَمَرًا إِذِ السَّمَرُ لَا يَكُونُ إِلَّا عَنْ تَحَدُّثٍ. قَالَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَأَبْعَدُهَا الْأَخِيرُ لِأَنَّ مَا يَقَعُ بَعْدَ الِانْتِبَاهِ مِنَ النَّوْمِ لَا يُسَمَّى سَمَرًا.
وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: تَبَعًا لِغَيْرِهِ أَيْضًا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الْبُخَارِيِّ أَنَّ الْأَقَارِبَ إِذَا اجْتَمَعُوا لَا بُدَّ أَنْ يَجْرِيَ بَيْنَهُمْ حَدِيثٌ لِلْمُؤَانَسَةِ، وَحَدِيثُهُ صلى الله عليه وسلم كُلُّهُ عِلْمٌ وَفَوَائِدُ.
قال ابن حجر: وَالْأَوْلَى مِنْ هَذَا كُلِّهِ أَنَّ مُنَاسَبَةَ التَّرْجَمَةِ مُسْتَفَادَةٌ مِنْ لَفْظٍ آخَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِعَيْنِهِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى، وَهَذَا يَصْنَعُهُ الْمُصَنِّفُ كَثِيرًا يُرِيدُ بِهِ تَنْبِيهَ النَّاظِرِ فِي كِتَابِهِ عَلَى الِاعْتِنَاءِ بِتَتَبُّعِ طُرُقِ الْحَدِيثِ وَالنَّظَرِ فِي مَوَاقِعِ أَلْفَاظِ الرُّوَاةِ؛ لِأَنَّ تَفْسِيرَ الْحَدِيثِ بِالْحَدِيثِ أَوْلَى مِنَ الْخَوْضِ فِيهِ بِالظَّنِّ، وَإِنَّمَا أَرَادَ الْبُخَارِيُّ هُنَا مَا وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ مِمَّا يَدُلُّ صَرِيحًا عَلَى حَقِيقَةِ السَّمَرِ بَعْدَ الْعِشَاءِ، وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ فِي التَّفْسِير وَغَيره من طَرِيق كريب عَنْ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: بِتُّ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ "فتَحَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَعَ أَهْلِهِ سَاعَةً ثُمَّ رَقَدَ .. " فَصَحَّتِ التَّرْجَمَةُ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى تَعَسُّفٍ وَلَا رَجْمٍ بِالظَّنِّ، فَإِنْ قِيلَ هَذَا إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى السَّمَرِ مَعَ الْأَهْلِ لَا فِي الْعِلْمِ، فَالْجَوَابُ أَنَّهُ يُلْحَقُ بِهِ، وَالْجَامِعُ تَحْصِيلُ الْفَائِدَةِ، أَوْ هُوَ بِدَلِيلِ الْفَحْوَى لِأَنَّهُ إِذَا شَرَعَ فِي الْمُبَاحِ فَفِي الْمُسْتَحَبِّ مِنْ طَرِيقِ
الْأَوْلَى
(1)
.
ورد الكرماني في عمدة القاري هذا القول فقال: ليس له توجه أصلًا فضلًا عن أن يكون هو الأولى.
• بعض معاني الكلمات:
الغطيط: صوت نفس النائم، والنخير أقوى منه، أما الخطيط فهو دون الغطيط.
• من فوائد الحديث الثاني:
الفائدة الأولى: جواز السمر في الفوائد العامة للمسلمين، وفي حديث ابن عمر: كان النبي صلى الله عليه وسلم يسمر مع أبي بكر وعمر في الأمر من أمور المسلمين.
الفائدة الثانية: جواز السمر في العلم، ففي حديث أنس خطبنا النبي صلى الله عليه وسلم بعد العشاء.
الفائدة الثالثة: وسطية الدين فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم ينام ويقوم.
الفائدة الرابعة: متابعة النبي صلى الله عليه وسلم للكبير والصغير واطمئنانه على أحوال رعيته في قوله «أنام الغليم» .
الفائدة الخامسة: همة ابن عباس العالية من صغره، ولذلك أصبح بعدها بحر العلم وحبر الأمة.
الفائدة السادسة: التوجية والإرشاد للصغير وإن لم يكن مكلفًا لأخذه النبي صلى الله عليه وسلم من وراء ظهره وجعله عن يمينه.
(1)
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني (1/ 326) بتصرف.
الكرماني = هو الإمام شمس الدين محمد بن يوسف بن علي الكرماني، أخذ العلم عن أبيه وجماعة من علماء بلده، ثم ارتحل، وتصدى لنشر العلم ببغداد ثلاثين سنة كما قال شهاب الدين بن حجي، توفي سنة 786 هـ.
42 - بَابُ حِفْظِ العِلْمِ
قال البخاري: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ:«إِنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَلَوْلا آيَتَانِ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا حَدَّثْتُ حَدِيثًا، ثُمَّ يَتْلُو {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى} [البقرة: 159] إِلَى قَوْلِهِ {الرَّحِيمِ} [البقرة: 160] إِنَّ إِخْوَانَنَا مِنَ المُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ، وَإِنَّ إِخْوَانَنَا مِنَ الأَنْصَارِ كَانَ يَشْغَلُهُمُ العَمَلُ فِي أَمْوَالِهِمْ، وَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِشِبَعِ بَطْنِهِ، وَيَحْضُرُ مَا لا يَحْضُرُونَ، وَيَحْفَظُ مَا لا يَحْفَظُونَ»
(1)
.
قال البخاري: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَبُو مُصْعَبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَسْمَعُ مِنْكَ حَدِيثًا كَثِيرًا أَنْسَاهُ؟ قَالَ:«ابْسُطْ رِدَاءَكَ» فَبَسَطْتُهُ، قَالَ: فَغَرَفَ بِيَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ:«ضُمَّهُ» فَضَمَمْتُهُ، فَمَا نَسِيتُ شَيْئًا بَعْدَهُ.
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ بِهَذَا أَوْ قَالَ: غَرَفَ بِيَدِهِ فِيهِ
(2)
.
(1)
من لطائف الإسناد:
1 -
أنَّ فيه التحديث بالإفراد والجمع، وفيه العنعنة.
2 -
أنَّ رواته كلهم مدنيون.
3 -
فيه رواية تابعي عن تابعي مثله.
(2)
من لطائف هذا الإسناد:
1 -
أنَّ فيه التحديث والعنعنة.
2 -
أنَّ رواته كلهم مدنيون.
قال البخاري: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَخِي، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:" حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وِعَاءَيْنِ: فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَبَثَثْتُهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ قُطِعَ هَذَا البُلْعُومُ "
(1)
.
• مناسبة هذا الباب للباب الذي قبله:
أنَّ من يسمر بالعلم فإنه يسمر من أجل حفظه، والحديث الأول مطابقته للترجمة أنَّ الإكثار لا يكون إلا عن حفظ.
• تراجم بعض الرواة:
(عبد العزيز بن عبد الله): هو الإمام عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون المدني، توفي سنة 164 هـ.
(الأعرج): هو الإمام أبو داود عبد الرحمن بن هرمز الأعرج المدني، يُذكر أحيانًا باسمه وكذلك بلقبه، كان عالمًا بالأنساب والعربية، توفي سنة 117 هـ بالاسكندرية.
(أحمد بن أبي بكر): هو الإمام أبو مصعب أحمد بن أبي بكر واسمه القاسم بن الحارث القرشي المدني، كان عالمًا بمذاهب أهل المدينة، توفي سنة 242 هـ.
(محمد بن إبراهيم بن دينار): هو الإمام أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن دينار الجهني، وكان فقيهًا فاضلًا، له بالعلم رواية وعناية، توفي سنة 182 هـ.
(حدثنا أخي): هو الإمام عبد الحميد بن عبد الله بن أبي أويس المدني، توفي
(1)
من لطائف هذا الإسناد:
1 -
أنَّ فيه التحديث بصيغة الإفراد والجمع، وفيه العنعنة.
2 -
أنَّ فيه رواية الأخ عن أخيه.
3 -
أنَّ رواته كلهم مدنيون.
سنة 202 هـ.
(إبراهيم بن المنذر): هو الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن المنذر بن عبد الله بن المنذر القرشي المدني، قال عنه الزبير بن بكار: كان له علم بالحديث ومروءة وقدر، توفي سنة 236 هـ.
(ابن أبي فديك): هو الإمام أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبى فديك المدني، توفي سنة 200 هـ على الصحيح.
• فوائد الباب:
• أولًا: من فوائد الحديث الأول:
الفائدة الأولى: فضيلة حفظ العلم والمواظبة عليه.
الفائدة الثانية: فضيلة أبي هريرة رضي الله عنه لحفظه للعلم.
الفائدة الثالثة: التقليل من الدنيا وإيثار طلب العلم على طلب المال.
الفائدة الرابعة: جواز إخبار الإنسان عن نفسه وفضيلته إن اضطر لذلك، وأمن من الرياء والعجب.
الفائدة الخامسة: جواز الإكثار من الحديث.
الفائدة السادسة: جواز التجارة والعمل ولا محظور في ذلك إن لم يضيع حقًّا من الحقوق.
الفائدة السابعة: جواز الاقتصار على مجرد الشبع.
الفائدة الثامنة: عدم المبالاة بالناس واتهاماتهم إن كان اتباع الناس في ذلك سيضيع حقًّا من الحقوق، أو يخالف نصًّا.
الفائدة التاسعة: الأدب والألفة بين المسلمين في قول أبي هريرة (إنَّ إخواننا .... ).
الفائدة العاشرة: التواضع في قوله "وإنَّ أبا هريرة" حيث تكلم بصيغة الغائب عن نفسه.
الفائدة الحادية عشرة: العطاء في العلم والزيادة فيه ملازم لأمرين: التقلل من الدنيا، والحضور والملازمة لأهل العلم كما سبق.
فقد تقلل أبو هريرة من الدنيا حتى أنه كان يعيش بشبع بطنه، وأما الملازمة فقد لازم النبي صلى الله عليه وسلم زمنًا، وكان خادمًا له.
• ثانيًا: من فوائد الحديث الثاني:
الفائدة الأولى: جواز الشكوى للمعلم وطلب النصح منه، وإن كان في أمور الشريعة.
الفائدة الثانية: الفيض الإلهي والعطاء يكون له أساب منها: الطلب، وكذلك ما سبق من التقلل من الدنيا.
الفائدة الثالثة: الحفظ والعلم قد يكون بأسباب مادية من العبد، وقد يكون بالفيض الإلهي، لكن كل شيء بحكمة.
الفائدة الرابعة: الحث على طلب العلم وحفظه، وطلب أسباب ذلك.
الفائدة الخامسة: سعة حفظ أبي هريرة.
الفائدة السادسة: وفيه جواز إطلاق المحل وإرادة الحال، وذلك في قوله وعاءين أي نوعين من العلم، والمراد حفظت ما لو كُتِبَ لملأ وعاءين.
الفائدة السابعة: جواز كتم بعض العلم عند العامة إن كان في ذلك مضرة.
43 - بَابُ الإِنْصَاتِ لِلْعُلَمَاءِ
قال البخاري رحمه الله: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ مُدْرِكٍ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ جَرِيرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لَهُ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ:«اسْتَنْصِتِ النَّاسَ» ، فَقَالَ:«لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ»
(1)
.
• وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله:
أنَّ العلم إنما يؤخذ ويحفظ من العلماء، ولابد فيه من الإنصات لكلام العلماء حتى لا يشذ عنه شيء، ولا يضيع منه شيء.
• تراجم بعض الرواة:
(حجاج): هو الإمام أبو محمد حجاج بن منهال البصري الأنماطي، كان من خيار الناس، توفي سنة 216 هـ، وقيل: 217 هـ.
(علي بن مدرك): هو الإمام أبو مدرك علي بن مدرك النخعي الكوفي، توفي سنة 120 هـ.
(1)
من لطائف الإسناد:
1 -
فيه التحديث والإخبار بصيغة الجمع والإفراد والعنعنة.
2 -
أنَّ رواته ما بين كوفي وبصري وواسطي.
3 -
فيه رواية الابن عن جده.
(أبو زرعة بن عمرو): هو الإمام أبو زرعة بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي الكوفي، واختلفوا في اسمه فقيل: هرم، وقيل عمرو، وقيل عبد الرحمن، وقيل جرير.
• المعنى الإجمالي للحديث:
اختلف العلماء في معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا» على أقوال:
فقال بعضهم: إنَّ ذلك كفر في حق المستحل.
وقيل: إنَّ المراد كفر النعمة وهي نعمة الإسلام.
وقيل المعنى: دوموا مسلمين بأقوالكم وأفعالكم وأحوالكم، ولا تفعلوا أفعال الكفار.
وقيل: إنَّ المراد بالكفر أي المتكفرين بالسلاح.
وقيل: المعنى: لا يُكَفِّر بعضكم بعضًا فتستحلون قتال بعضكم، وقيل غير ذلك.
كل ذلك لأنه معلوم عند أهل السنة أنَّ القتل ليس بكفر.
• في الباب فوائد منها:
الفائدة الأولى: النهي عن التشبه بالكفار أو فعل أفعالهم.
الفائدة الثانية: الإنصات للعلماء لازم للمتعلم حتى لا يفوته شيء من العلم، وأنه من الأدب مع العلماء.
الفائدة الثالثة: وفيه بيان قدر العلم وأهله، وأهمية العلم، قال تعالى {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} [الحجرات: 2].
الفائدة الرابعة: الإنصات عند قراءة حديث النبي صلى الله عليه وسلم، والإنصات للعلماء لأنهم يبلغون سنته.
تنبيه: تمسك بهذا الحديث بعض أهل البدع على نفي الإجماع لأنه نهى الأمة كلها عن القتال، ولولا جواز إجماعهم على القتال لما نهاهم، فمن الممكن إذًا أن يجمعوا على شيء خطأ، أو على معصية.
والجواب: جاء من قبل النص لا من عدم الإمكان أي أنَّ: الإمكان ممكن إن لم يرد النص، وقد اجتمعت أمم من قبلنا على الباطل، ولكن هذه الأمة ورد أنها لا تجتمع على ضلالة بخبر الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، والمفهوم من آيات القرآن الكريم، وليس كل شيء ينهى عنه الله تبارك وتعالى أو ينهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم يمكن وقوعه ممن وُجِّه إليه الخطاب، فقد يكون الخطاب عامًّا ويراد البعض، أو يكون ذلك تحذيرًا لغيره، فقد قال تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الزمر: 65]، والنبي صلى الله عليه وسلم معصوم من الشرك قطعًا.
الفائدة الخامسة: في الحديث دليل على أنَّ القتال لن يحدث في وجود النبي صلى الله عليه وسلم لقوله صلى الله عليه وسلم " لا ترجعوا بعدي ....... ".
الفائدة السادسة: أنَّ الإستماع والإنصات هو أول العلم، ثم العمل، ثم تبليغ العلم.
44 - بَابُ مَا يُسْتَحَبُّ لِلْعَالِمِ إِذَا سُئِلَ:
أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ فَيَكِلُ العِلْمَ إِلَى اللَّهِ
قال الإمام البخاري رحمه الله: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ نَوْفًا البَكَالِيَّ يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَى لَيْسَ بِمُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، إِنَّمَا هُوَ مُوسَى آخَرُ؟ فَقَالَ: كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ حَدَّثَنَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: قَامَ مُوسَى النَّبِيُّ خَطِيبًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ فَسُئِلَ أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ فَقَالَ: أَنَا أَعْلَمُ، فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ، إِذْ لَمْ يَرُدَّ العِلْمَ إِلَيْهِ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: أَنَّ عَبْدًا مِنْ عِبَادِي بِمَجْمَعِ البَحْرَيْنِ، هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ. قَالَ: يَا رَبِّ، وَكَيْفَ بِهِ؟ فَقِيلَ لَهُ: احْمِلْ حُوتًا فِي مِكْتَلٍ، فَإِذَا فَقَدْتَهُ فَهُوَ ثَمَّ، فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقَ بِفَتَاهُ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ، وَحَمَلا حُوتًا فِي مِكْتَلٍ، حَتَّى كَانَا عِنْدَ الصَّخْرَةِ وَضَعَا رُءُوسَهُمَا وَنَامَا، فَانْسَلَّ الحُوتُ مِنَ المِكْتَلِ {فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا} [الكهف: 61] وَكَانَ لِمُوسَى وَفَتَاهُ عَجَبًا، فَانْطَلَقَا بَقِيَّةَ لَيْلَتِهِمَا وَيَوْمَهُمَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ:{آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا} [الكهف: 62]، وَلَمْ يَجِدْ مُوسَى مَسًّا مِنَ النَّصَبِ حَتَّى جَاوَزَ المَكَانَ الَّذِي أُمِرَ بِهِ، فَقَالَ لَهُ فَتَاهُ:{أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ} [الكهف: 63] قَالَ مُوسَى: {قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا} [الكهف: 64] فَلَمَّا انْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ، إِذَا رَجُلٌ مُسَجًّى بِثَوْبٍ، أَوْ قَالَ تَسَجَّى بِثَوْبِهِ، فَسَلَّمَ مُوسَى، فَقَالَ الخَضِرُ: وَأَنَّى بِأَرْضِكَ السَّلامُ؟ فَقَالَ: أَنَا مُوسَى، فَقَالَ: مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ:{هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا} قَالَ: {إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا} [الكهف: 67] يَا مُوسَى
إِنِّي عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَنِيهِ لَا تَعْلَمُهُ أَنْتَ، وَأَنْتَ عَلَى عِلْمٍ عَلَّمَكَهُ لا أَعْلَمُهُ، قَالَ: سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا، وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا، فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِلِ البَحْرِ، لَيْسَ لَهُمَا سَفِينَةٌ، فَمَرَّتْ بِهِمَا سَفِينَةٌ، فَكَلَّمُوهُمْ أَنْ يَحْمِلُوهُمَا، فَعُرِفَ الخَضِرُ فَحَمَلُوهُمَا بِغَيْرِ نَوْلٍ، فَجَاءَ عُصْفُورٌ، فَوَقَعَ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ، فَنَقَرَ نَقْرَةً أَوْ نَقْرَتَيْنِ فِي البَحْرِ، فَقَالَ الخَضِرُ: يَا مُوسَى مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ إِلَّا كَنَقْرَةِ هَذَا العُصْفُورِ فِي البَحْرِ، فَعَمَدَ الخَضِرُ إِلَى لَوْحٍ مِنْ أَلْوَاحِ السَّفِينَةِ، فَنَزَعَهُ، فَقَالَ مُوسَى: قَوْمٌ حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْلٍ عَمَدْتَ إِلَى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا؟: {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا} [الكهف: 72] قَالَ: {لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا} [الكهف: 73]- فَكَانَتِ الأُولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا -، فَانْطَلَقَا، فَإِذَا غُلامٌ يَلْعَبُ مَعَ الغِلْمَانِ، فَأَخَذَ الخَضِرُ بِرَأْسِهِ مِنْ أَعْلاهُ فَاقْتَلَعَ رَأْسَهُ بِيَدِهِ، فَقَالَ مُوسَى:{أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ} [الكهف: 74]: {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا} [الكهف: 75]- قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: وَهَذَا أَوْكَدُ - {فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ} [الكهف: 77]، قَالَ الخَضِرُ: بِيَدِهِ فَأَقَامَهُ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى:{لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا} [الكهف: 77]، قَالَ {هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ} [الكهف: 78] " قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «يَرْحَمُ اللَّهُ مُوسَى، لَوَدِدْنَا لَوْ صَبَرَ حَتَّى يُقَصَّ عَلَيْنَا مِنْ أَمْرِهِمَا»
(1)
.
(1)
من لطائف هذا الإسناد:
1 -
أنَّ فيه التحديث والإخبار بصيغة الإفراد والسؤال.
2 -
فيه رواية تابعي عن تابعي مثله.
3 -
فيه رواية صحابي عن صحابي مثله.
• وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله:
في الباب السابق: لزوم الإنصات للعالم، وفي هذا الباب اعتراض موسى على الخضر في المرات الثلاث حرمه من بعض العلم، ولو أنصت وصبر لكان أخذه للعلم أكثر.
• تراجم بعض الرواة:
(عمرو): هو الإمام أبو محمد عمرو بن دينار المكي، كان شعبة لا يقدم على عمرو بن دينار أحدًا لا الحكم ولا غيره، وهو مولى شرفه الله بالعلم، توفي سنة 126 هـ.
(سعيد بن جبير): هو الإمام سعيد بن جبير الأسدي، وهو إمام حجة على المسلمين، ومناقبه كثيرة، توفي سنة 95 هـ.
(نوف البكاليّ): هو نوف بن فضالة بن الحميري البكاليَّ، فكان نوف البكالى إمامًا لأهل دمشق، فكان إذا أقبل على الناس بوجهه قال: من لا يحبكم لا أحبه الله، ومن لا يرحمكم فلا رحمه الله، توفي بعد سنة 90 هـ.
• ليس له ذكر في البخاري إلا في هذا الحديث.
• معانى بعض الكلمات:
(كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ): لم يرد به معناه الحقيقي، بل هذه كلمة صدرت منه في حالة الغضب، أو أراد تنفير الناس عن اتباعه في تلك المقالة.
(مَجْمَعِ البَحْرَيْنِ): قيل: هو ملتقى بحري فارس والروم، مما يلي المشرق، وقيل: طنجة، وقيل: أفريقية، وذكر السهيليّ أنها بحر الأردن، وبحر القلزم، وقيل: بحر المغرب، وبحر الزقاق.
(نَوْلٍ): بفتح النون وسكون الواو أي من غير أجرة، وأصل النول العطاء.
• من فوائد الباب:
سبق بعض الفوائد من هذا الحديث، وفيه أيضًا فوائد أخرى منها:
الفائدة الأولى: التنبيه على موسى والتعليم لمن بعده أن يكل الفضل والعلم لله تعالى.
الفائدة الثانية: استحباب الرحلة في طلب العلم.
الفائدة الثالثة: استحباب التزود للسفر.
الفائدة الرابعة: الأدب مع العالم أمر لازم لتعلم العلم.
الفائدة الخامسة: الوفاء بالعهود مع العلماء، والاعتذار عند المخالفة.
الفائدة السادسة: جواز سؤال الطعام عند الحاجة.
الفائدة السابعة: جواز الإجارة.
الفائدة الثامنة: تسمية الشيء بما يؤول إليه فإنَّ الخضر سمى الغلام كافرًا لما يؤول إليه إن عاش، كقوله تعالى:{إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا} [يوسف: 36].
الفائدة التاسعة: جواز تعليق الوعد بالمشيئة.
الفائدة العاشرة: الشرع حجة على العقل وليس العكس، ألا ترى إنكار موسى في الظاهر صوابًا، لكن الشرع حجة عليه قال تعالى " وما فعلته عن أمري "، وقيل: إنَّ موسى في الحقيقة لم يعتمد على عقله، بل اعتمد على ظاهر الشرع.
الفائدة الحادية عشرة: فيه استخدام الصاحب لصاحبه ومتعلمه، وخاصة إن كان أصغر منه.
الفائدة الثانية عشرة: العالم يُكْرَم بأن تُقْضَى له حاجة، وأن يُوهَب له شيء، وفيه جواز قبول ذلك؛ لأن الخضر حمل بغير أجر.
الفائدة الثالثة عشرة: يجوز للعالم عيب شيء لغيره إن كان فيه مصلحة.
الفائدة الرابعة عشرة: فيه جواز ركوب البحر.
الفائدة الخامسة عشرة: وفيه الحكم بالظاهر حتى يتبين خلافه.
الفائدة السادسة عشرة: وفيه جواز إفساد بعض المال لإصلاح بعضه.
الفائدة السابعة عشرة: الأنبياء لا يعلمون الغيب إلا ما أعلمهم الله به.
الفائدة الثامنة عشرة: فيه التلطف مع العالم قال تعالى: {هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا} [الكهف: 66]، فأخرج موسى عليه السلام الكلام بصورة الملاطفة والمشاورة.
الفائدة التاسعة عشرة: إدراك العقول لأسرار الربوبية قاصر.
الفائدة العشرون: استدل به البعض على نبوة الخضر لقوله تعالى عنه: {وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي} [الكهف: 82].
الفائدة الحادية والعشرون: لا يجوز قتل أحد لما يتوقع وقوعه منه؛ لذا أنكر ذلك موسى، لكن كان جواب الخضر " وما فعلته عن أمري".
الفائدة الثانية والعشرون: قال بعضهم أنَّ الخضر أفضل من موسى لذهاب موسى للتعلم منه، وهذا ليس بصحيح حتى وإن كان الخضر نبيًّا، فإنه ليس أفضل من موسى؛ لأن موسى أحد أولي العزم من الرسل، وأما إن كان وليًّا فإنَّ النبي أفضل من الولي بالإجماع.
45 - بَابُ مَنْ سَأَلَ، وَهُوَ قَائِمٌ عَالِمًا جَالِسًا
قال البخاري رحمه الله: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا القِتَالُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَإِنَّ أَحَدَنَا يُقَاتِلُ غَضَبًا، وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً، فَرَفَعَ إِلَيْهِ رَأْسَهُ، قَالَ: وَمَا رَفَعَ إِلَيْهِ رَأْسَهُ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ قَائِمًا، فَقَالَ:«مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ العُلْيَا، فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عز وجل»
(1)
.
• وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله:
والمناسبة أنهما سؤال متعلمٍ إلى عالم، فالباب السابق كان فيه سؤال موسى للخضر، وهنا سؤال القائم للعالم الجالس.
• في الباب فوائد منها:
الفائدة الأولى: الإخلاص شرط فى العبادة؛ لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو فى سبيل الله» .
الفائدة الثانية: أنه لا بأس أن يكون المستفتِي قائمًا والمستفتَي جالسًا.
الفائدة الثالثة: إقبال المتكلم على المخاطب، والمتعلم على العالم.
(1)
من لطائف هذا الإسناد:
1 -
فيه التحديث والعنعنة
2 -
رواته كلهم كوفيون وأئمة أجلاء.
الفائدة الرابعة: فيه ما أُعْطِى النبي صلى الله عليه وسلم من الفصاحة حيث أجاب بجوامع الكلم حيث إنَّ الرجل سأله "الرجل يقاتل غضبًا ويقاتل حمية" فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم جوابًا جامعًا فيه جواب لهذه المسألة وشبيهها فقال «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو فى سبيل الله» .
الفائدة الخامسة: فيه أنَّ الجواب الحكيم هو الذى يكون فى عين حاجة السائل، فالرجل سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن القتال، ما القتال فى سبيل الله؟ ولم يقل من المقاتل فى سبيل الله؟ فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم عن المقاتل؛ لأنه يعلم أنَّ السائل لا يسأل عن مجرد القتال، وإنما يسأل عن حال صاحب القتال وهو المقاتل لذا قال «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو فى سبيل الله» .
الفائدة السادسة: أيضًا فيه أنَّ من قاتل لطلب ثواب الآخرة فهو فى سبيل الله، ولا يلزم أن يستحضر المعنى المذكور بعينه «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو فى سبيل الله» ، فقد يقاتل الرجل لينال الآخرة ولم يستحضر إعلاء كلمة الله، وما إلى ذلك، لكنه يعمل للآخرة، ويبتغي رضوان الله، ويرجو الشهادة، فكل ذلك فى سبيل الله، لأن إعلاء كلمة الله تأتى من إخلاص العمل، وتأتى من بذل الشهداء أنفسهم، وتأتى من البحث عن الآخرة، فهو أيضًا من إعلاء كلمة الله ضمنًا، فقد يكون للعبد غرض آخر، لكنه مستلزمٌ لإعلاء كلمة الله.
46 - بَابُ السُّؤَالِ وَالفُتْيَا عِنْدَ رَمْيِ الجِمَارِ
قال البخاري رحمه الله: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عِنْدَ الجَمْرَةِ وَهُوَ يُسْأَلُ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ قَالَ:«ارْمِ وَلا حَرَجَ» ، قَالَ آخَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ؟ قَالَ:«انْحَرْ وَلا حَرَجَ» ، فَمَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلا أُخِّرَ إِلَّا قَالَ:«افْعَلْ وَلا حَرَجَ»
(1)
.
• سؤال: ما غرض البخاري من هذا التبويب؟
الجواب: ذكر البخاري هذا التبويب ليدل على جواز أن يُسأل العالم وهو مشتغل بطاعةٍ أخرى إذا لم يمنعه من طاعته التي هو فيها.
• تراجم بعض الرواة:
(أبو نعيم): هو الإمام أبو نعيم الفضل بن دُكين واسمه عمرو بن حماد القرشي الكوفي، وذُكر عند الإمام أحمد بن حنبل فأثنى عليه، وقال: ثقة، توفي رحمه الله سنة 218 هـ، وقيل 219 هـ.
(1)
من لطائف هذا الإسناد:
1 -
فيه التحديث والعنعنة.
2 -
رواته ما بين كوفي ومدني ومصري.
• بعض معاني الكلمات:
(النحر): ذبح الإبل خاصة؛ لأن النحر هو الصدر والإبل تذبح في اللَّبّة - بفتح اللام وتشديد الباء - وهي آخر الحلق يتصل بالصدر.
• في الباب فوائد منها:
الفائدة الأولى: أنَّ الفتيا ليس بقادح فى الذكر على اعتبار أنَّ العلماء يعتبرون أنَّ رمى الجمار ذكر؛ لأنها عبادة والعبادة ذكر، والفتيا لا تمنع من الذكر ولا تعارضه، بل هي أيضًا من الذكر.
الفائدة الثانية: فيه أيضًا أنه يجوز للقاضي والمفتي الفتوى حال انشغاله، لكن بشرط أن يكون متيقظًا للسؤال والجواب ومناط الأحكام وما إلى ذلك، ولا يعارض ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم:" لا يقضى القاضي وهو غضبان " ذلك لانشغال القلب والفكر، لكن المفتي لو كان منشغلًا لكنه مستحضر القلب والبال ويعلم السؤال والجواب فلا مانع من ذلك.
الفائدة الثالثة: وفيه أيضًا جواز الكلام وقت رمى الجمار.
الفائدة الرابعة: وفيه دليل أنَّ الأصل فى أفعال الحج الترتيب، لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«خذوا عنى مناسككم» ، وفهم الصحابة رضي الله عنهم أنَّ أخذ المناسك تكون على هيئتها وعلى ترتيبها لذلك لما اختل الترتيب عند بعضهم عادوا للنبي صلى الله عليه وسلم وسألوه، فأجاز النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، وهذا يدل على أنَّ الخلل فى الترتيب ليس هو الأفضل، بل الأفضل والأولى الترتيب.
الفائدة الخامسة: فيه دليل على أنَّ الأمر قد يخرج للإباحة، ويشهد ذلك للقاعدة الأصولية: أنَّ الأمر إذا جاء لدفع ما يتوهم أنه محظور دل على أنه مباح، ففى قول النبي صلى الله عليه وسلم:«انحر ولا حرج» صورة من الصور التي يكون فيها الأمر للإباحة.
الفائدة السادسة: وفيه دليل على يسر الشريعة ورفع الحرج، وهذا أمر عام فى الحج فمتى استطاع المفتي فى الحج أن ييسر على الناس طالما أنَّ له مسوغًا شرعيًّا فلا بأس بذلك.
47 - بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:
{وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء: 85]
قال البخاري رحمه الله: حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ حَفْصٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ سُلَيْمَانُ بْنُ مِهْرَانَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: بَيْنَا أَنَا أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي خَرِبِ المَدِينَةِ، وَهُوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى عَسِيبٍ مَعَهُ، فَمَرَّ بِنَفَرٍ مِنَ اليَهُودِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ؟ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تَسْأَلُوهُ، لا يَجِيءُ فِيهِ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَنَسْأَلَنَّهُ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ، فَقَالَ يَا أَبَا القَاسِمِ مَا الرُّوحُ؟ فَسَكَتَ، فَقُلْتُ: إِنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ، فَقُمْتُ، فَلَمَّا انْجَلَى عَنْهُ، قَالَ:«{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء: 85]» . قَالَ الأَعْمَشُ: هَكَذَا فِي قِرَاءَتِنَا
(1)
.
• مناسبة هذا الباب للباب الذي قبله:
أنَّ كلًّا منهما مشتملٌ على سؤالٍ للعالم غير أنَّ المسؤول عنه قد بُيِّن فى الحالة الأولى، ولم يُبَيَّن فى الحالة الثانية، وهو يدل على أنَّ الجواب لا يكون فى كل وقتٍ مناسبًا للسائل، فقد يجاب عنه وقد لا يجاب، لأنه قد يكون مما اختص الله سبحانه وتعالى به نفسه.
(1)
من لطائف الإسناد:
1 -
فيه التحديث والعنعنة.
2 -
كل رواته ما بين بصري وكوفي.
3 -
فيه ثلاثة من التابعين يروي كل منهم عن الآخر.
4 -
فيه إسناد الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود يقال إنه من أصح الأسانيد.
• تراجم بعض الرواة:
(قيس بن حفص): هو الإمام أبو محمد قيس بن حَفْص بن القَعْقاع التّميميّ الدارميّ البصري، توفي سنة 227 هـ.
• انفرد البخاري به عن الأئمة الخمسة، وليس في مشايخهم من اسمه قيس سواه.
(عبد الواحد): هو الإمام أبو بشر عبد الواحد بن زِياد العَبْديّ، توفي سنة 176 هـ، وقيل سنة 177 هـ، ليس من رواة الكتب الستة من اسمه عبد الواحد بن زياد سواه.
• بعض معاني الكلمات:
العَسِيب: - بفتح العين وكسر السين - جريد النخل إن لم تنبت عليه الخوص.
النفر: ما بين الثلاثة إلى العشرة.
• اختلفوا في المراد بالروح هل هي الروح التي بها حياة الأبدان، أم المقصود به جبريل؟
هَكَذَا فِي قِرَاءَتِنَا: أي أوتوا بلفظ الغيبة، والضمير يعود لليهود.
• في الباب فوائد منها:
الفائدة الأولى: فيه فضل ابن مسعود رضي الله عنه، وأنه كان ملازمًا للنبي صلى الله عليه وسلم، وكان يمشى معه قال " بينا أنا أمشى مع النبي صلى الله عليه وسلم فى خرب المدينة ".
الفائدة الثانية: فيه شدة تحرى الصحابة للنقل، قال ابن مسعود رضي الله عنه " بينا أنا أمشى مع النبي صلى الله عليه وسلم فى خرب المدينة وهو يتوكأ على عسيبٍ معه " كل ذلك لدقة النقل.
الفائدة الثالثة: حب الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم، وشدة ارتباطهم به، يقول ابن مسعود:" بينا أنا أمشى مع النبي صلى الله عليه وسلم "، وقال معاذ "كنت رديف النبي "
(1)
، " أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بيدي وقال يا معاذ إنى أحبك "
(2)
، فهذا يدل على فضل هؤلاء الصحابة، وشدة ارتباطهم بالنبي صلى الله عليه وسلم.
الفائدة الرابعة: فيه استحباب الاتكاء على شيء، ولا يلزم أن يكون الاتكاء من علة أو مرض، وفيه أيضًا جواز سؤال العالم أثناء مشيه ما لم يُثقل عليه.
الفائدة الخامسة: فيه دليل على أنَّ العلم منه أشياء لم يطَّلع عليها الأنبياء، ولا الملائكة، وتكون أشياء اختص الله تبارك وتعالى بها نفسه.
الفائدة السادسة: فيه أيضًا دليل على قلة علم الإنسان مهما أوتى من العلم، قال تعالى {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء: 85].
الفائدة السابعة: فيه إجلال أهل العلم وتهيئة الأمور لهم لتعليم الناس، قال ابن مسعود فسكت، فقلت: إنه يوحى إليه، فقمت، قيل: قام حتى لا يشوش على النبي صلى الله عليه وسلم فقام وابتعد، وقيل: إنه قام وحجب اليهود عنه حتى لا يشوشوا عليه.
الفائدة الثامنة: فيه دليل على غي اليهود وضلالهم - عليهم من الله ما يستحقون -؛ لأنهم كانوا يعلمون نبوة النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك يظهر في قولهم "لا تسألوه لا يجيء فيه بشيء تكرهونه"، لكن مع ذلك أصَرَّ البعض على أن يسأل تعنتًا، وهم يعلمون أنَّ هذه من الأشياء التي اختص الله تبارك وتعالى بها نفسه سبحانه وتعالى.
(1)
أخرجه البخاري في صحيحه (7/ 170 ح 5967) ط طوق النجاة، ومسلم في صحيحه (1/ 85 ح 48، ح 49) ط إحياء التراث.
(2)
أخرجه أحمد في مسنده (36/ 430، ح 22119، 22126) ط الرسالة بإسناد صحيح، وكذلك أبو داود في سننه (2/ 82، ح 1522) ط المكتبة العصرية، والنسائي في السنن الكبرى (2/ 80، ح 1227، ح 9857) ط الرسالة.
48 - بَابُ مَنْ تَرَكَ بَعْضَ الِاخْتِيَارِ، مَخَافَةَ أَنْ يَقْصُرَ
فَهْمُ بَعْضِ النَّاسِ عَنْهُ، فَيَقَعُوا فِي أَشَدَّ مِنْهُ
قال البخاري رحمه الله: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الأَسْوَدِ، قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ الزُّبَيْرِ، كَانَتْ عَائِشَةُ تُسِرُّ إِلَيْكَ كَثِيرًا فَمَا حَدَّثَتْكَ فِي الكَعْبَةِ؟ قُلْتُ: قَالَتْ لِي: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: " يَا عَائِشَةُ لَوْلا قَوْمُكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ - قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ - بِكُفْرٍ، لَنَقَضْتُ الكَعْبَةَ فَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ: بَابٌ يَدْخُلُ النَّاسُ وَبَابٌ يَخْرُجُونَ " فَفَعَلَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ
(1)
.
• وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله:
في الباب السابق ترك الجواب عن السائل لحكمة اقتضت ذلك، وأما هنا ترك بعض المختار لحكمة اقتضت ذلك أي ترك بعض الأحكام والأوامر لحكمة.
• تراجم بعض الرواة:
(عبيد الله بن موسى): هو أبو محمد عبيد الله بن موسى بن أبي المختار، قال عنه العجلي: ثقة، رأس في القرآن، عالم به، ما رأيْتُه رافعًا رأسه، وما رُئِي ضاحكًا قط، توفي سنة 213 هـ.
(1)
من لطائف الإسناد:
1 -
فيه التحديث والعنعنة.
2 -
أنَّ الرواة إلى الأسود كلهم كوفيون.
(إسرائيل): هو الإمام أبو يوسف إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السَّبيعيّ الهَمدانيّ الكوفيّ، توفي سنة 160 هـ.
(أبو إسحاق): هو الإمام أبو إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي الكوفي، وقال ابن المَدينيّ: أحصينا مَشْيَختَه نحوًا من ثلاث مئة شيخ، وقال مرة أربع مئة. قال عن نفسه: ذهبت الصلاة منّي وضَعُفْت، فما أقدر أن أصلّي إلا بالبقرة وآل عمران. توفي سنة 126 هـ، وقيل غير ذلك.
(الأسود): هو الإمام الأسود بن يزيد بن قيس النخعي، قال عنه الحكم: كان الأسود يصوم الدهر كله، وذهبتْ إحدى عينيه في الصوم، حج مع أبي بكر وعمر وعثمان، توفي سنة 95 هـ.
• في الباب فوائد منها:
الفائدة الأولى: الحديث دليل على قاعدة أصولية تقول: إذا تزاحم واجبان في حق شخص واحد في وقت واحد فيجب عليه أن يقدم أعلاهما، فقد تزاحم في حق النبي صلى الله عليه وسلم واجب إعادة الكعبة إلى وضعها الأصلي، وواجب الحفاظ على دين المسلمين، وعدم وقوع الفتنة بينهم، فقدَّم اجتماع المسلمين، فلما زال ذلك فعل ابن الزبير هذا الأمر، قال النووي: وفيه إذا تعارضت مصلحة ومفسدة وتعذر الجمع بين فعل المصلحة وترك المفسدة بدئ بالأهم
(1)
.
الفائدة الثانية: النفوس تحب أن تساس بما تأنس إليه في دين الله من غير الفرائض.
(1)
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج للإمام النووي (9/ 89) ط إحياء التراث.
النووي = هو الإمام الحافظ محيي الدين أبو زكريا يحيى بن شرف النووي، صاحب التصانيف النافعة منها: شرح صحيح مسلم، ورياض الصالحين، والمجموع شرح المهذب، وغيرها، كان ذا همة عالية فكان يقرأ كل يوم اثنتي عشر درسًا على المشايخ، أثنى عليه جمع من الأئمة، توفي رحمه الله سنة 676 هـ.
الفائدة الثالثة: اهتمام ولي الأمر بمصالح رعيته ومتابعة ذلك.
الفائدة الرابعة: وجوب تأليف القلوب وحسن حياطتها وعدم تنفيرها.
الفائدة الخامسة: على الإمام أن يسوس رعيته بما فيه إصلاحهم ولو كان مفضولًا ما لم يكن محرمًا.
الفائدة السادسة: فعل ابن الزبير يدل على أنَّ الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، فالخوف من الفتنة لما زال واستقر الإسلام أعاد ابن الزبير الكعبة إلى وضعها الأصلي.
الفائدة السابعة: دليل على أنَّ التكليف بالنص إذا سلم من المعارض، فالنبي صلى الله عليه وسلم مكلف بإعادة الكعبة إلى وضعها الأصلي لكن قام له معارض، فاعتبر أنَّ هذا التكليف غير واقع في حقه صلى الله عليه وسلم.
49 - بَابٌ: مَنْ خَصَّ بِالعِلْمِ قَوْمًا دُونَ قَوْمٍ،
كَرَاهِيَةَ أَنْ لَا يَفْهَمُوا
قال البخاري رحمه الله: وَقَالَ عَلِيٌّ: «حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ» .
وقال: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذٍ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَنْ عَلِيٍّ بِذَلِكَ.
• هذا الإسناد من عوالي البخاري إذ هو ملحق بالثلاثيات فإنَّ الراوي الثالث صحابي.
وقال: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، وَمُعاذٌ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحْلِ، قَالَ:«يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ» ، قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ:«يَا مُعَاذُ» ، قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ ثَلاثًا، قَالَ:«مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ، إِلَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ» ، قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَفَلا أُخْبِرُ بِهِ النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا؟ قَالَ: «إِذًا يَتَّكِلُوا» وَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا
(1)
.
(1)
من لطائف هذا الإسناد:
1 -
فيه التحديث بصيغة الجمع والإفراد، وفيه الإخبار والعنعنة.
2 -
رواته كلهم بصريون ماعدا إسحاق بن إبراهيم وقد دخلها.
3 -
فيه رواية الابن عن أبيه.
وقال: حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، قَالَ: ذُكِرَ لِي أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ: «مَنْ لَقِيَ اللَّهَ لا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ الجَنَّةَ» ، قَالَ: أَلا أُبَشِّرُ النَّاسَ؟ قَالَ: «لا. إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَتَّكِلُوا»
(1)
.
• وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله:
الجواب: في الباب السابق كان ترك بعض المختار مخافة قصور فهم البعض، وأما هنا ففيه ترك بعض الناس من التبليغ بالعلم لقصور فهمهم، والترجمة السابقة مطلقة أما هذه الترجمة مقيدة، ولا يعتبر ذلك كتمانًا للعلم.
• تراجم بعض الرواة:
(معروف بن خربوذ): هو العلامة معروف بن خربوذ المكي، ليس له في البخاري إلا هذا الخبر.
(إسحاق بن إبراهيم): هو الإمام إسحاق بن إبراهيم بن مخلد الحنظلي المعروف بابن راهويه، قال الإمام محمد الطوسي: ما أعلم أحدًا كان أخشى لله من إسحاق، توفي سنة 230 هـ.
(معاذ بن هشام): هو الإمام معاذ بن هشام الدَّسْتَوائيّ البصري، توفي سنة 200 هـ.
(أبيه): هو الإمام هشام بن أبي عبد الله - واسمه سَنْبَر - أبو بكر البصري الدَّسْتَوائيّ، أخرج له الجماعة، قال شعبة عنه: ما من الناس أحدٌ أقول: إنه طلب
(1)
من لطائف هذا الإسناد:
1 -
فيه أنَّ التحديث والسماع مكررًا.
2 -
أنَّ رواته كلهم بصريون.
3 -
فيه رواية الابن عن أبيه.
4 -
وهذا الإسناد من رباعيات العوالي للإمام البخاري.
الحديث، يريد به وجه الله تعالى إلا هشام، توفي رحمه الله سنة 153، أو 154 هـ.
(قتادة): هو الإمام قتادة بن دعامة السدوسي أبوالخطاب البصري، وهو رأس في العلم، توفي رحمه الله سنة 117 هـ.
(أبو الطفيل): هو عامر بن واثلة، وهو آخر الصحابة موتًا باتفاق أهل الحديث، ولد عام أحد، وتوفي وله مائة عام.
• بعض معاني الكلمات:
(لَقِيَ اللَّهَ): اللقاء كناية عن الموت.
• وصَرَّح في هذا الحديث بدخول الجنة؛ لأن التحريم على النار أعم مفهومًا منه إلا أنهما متلازمان لقوله تعالى {فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ} [الشورى: 7].
• في الباب فوائد منها:
الفائدة الأولى: جواز تكرار الكلام لنكتة وقصد.
الفائدة الثانية: جواز الاستفسار من الإمام عما يتردد فيه، واستئذانه في إشاعة ما يعلم به وحده.
الفائدة الثالثة: جواز الإجابة بلبيك وسعديك.
الفائدة الرابعة: فيه بشارة عظيمة للموحدين.
الفائدة الخامسة: فيه دليل لتخصيص قوم بالعلم لما فيهم من الضبط وصحة الفهم.
الفائدة السادسة: لا تبذل المعاني الدقيقة واللطيفة لمن لا يستأهلها ولا يفهمها.
الفائدة السابعة: لا يذكر المتشابه عند العامة، ومما يؤيد ذلك أيضًا ما ذكره مسلم في مقدمة كتابه عن ابن مسعود: وما أنت بمحدث قومًا حديثًا لا يبلغه
عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة.
الفائدة الثامنة: فضل معاذ لركوبه رديف النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا يشهد للمثل الذي يقول: ليس العبرة ما تركب إنما العبرة من تصحب، فقد كان يصحب النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان يركب حمارًا.
الفائدة التاسعة: أدب معاذ في إجابته للنبي صلى الله عليه وسلم: لبيك وسعديك مرات.
الفائدة العاشرة: فضل معاذ بتخصيصه ببعض العلم.
الفائدة الحادية عشرة: الإيمان قول وعمل لقوله (صدقًا من قلبه) ليس من لسانه كالمنافقين.
الفائدة الثانية عشرة: قوله "صدقًا": قال البعض أنها أقيمت هنا مقام الاستقامة؛ لأن الصدق يعبر به قولًا عن مطابقة المخبر عنه، وفعلًا عن تحري الأخلاق المرضية قال تعالى {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ} [الزمر: 33].
والأدلة الأخرى تدل على أنَّ ظاهر الحديث ليس مرادًا لثبوت الأدلة أنَّ فئة من الموحدين تدخل النار؛ لذا اختلفوا في معنى الحديث.
فقيل: إنها مطلقة مقيدة بمَن قالها تائبًا ثم مات.
وقيل: كان ذلك قبل نزول الفرائض، وفيه نظر لأن مثله ورد عن أبي هريرة وصحبته متأخرة.
وقيل: خرج مخرج الغالب؛ لأن الغالب أنَّ الموحد يعمل بالطاعة ويجتنب المعصية.
وقيل: إنَّ المراد تحريم الخلود وليس الدخول.
وقيل: إنَّ المراد بالنار هنا نار الكافرين وليست نار الموحدين.
وقيل: تحريم الدخول العام أو المجمل؛ لأن النار لا تأكل كل الجسد، حيث
إنها لا تأكل مواضع السجود كما ورد في الحديث، وقيل غير ذلك.
• ملحوظة:
قال ابن حجر: وَرَوَى الْبَزَّارُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَذِنَ لِمُعَاذٍ فِي التَّبْشِيرِ، فَلَقِيَهُ عُمَرُ، فَقَالَ لَا تَعْجَلْ، ثُمَّ دَخَلَ، فَقَالَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَنْتَ أَفْضَلُ رَأْيًا، إِنَّ النَّاسَ إِذَا سَمِعُوا ذَلِكَ اتَّكَلُوا عَلَيْهَا، قَالَ فَرَدَّهُ
(1)
.
الفائدة الثالثة عشرة: علم الصحابة بالقواعد والأصول، فإخبار معاذ قد يكون لأسباب: أنه فهم أنَّ النهي للتنزيه وليس للتحريم فأخبر بها عند الموت، وإما أنه رأى أنَّ العلة قد زالت فأخبر البعض، وإما أنه رأى أنَّ مفسدة إخفاء العلم في زمنه أكبر من هذا، وغير ذلك.
الفائدة الرابعة عشرة: تواضع النبي صلى الله عليه وسلم لإردافه معاذًا خلفه.
الفائدة الخامسة عشرة: وفيه جواز الإرداف.
(1)
فتح الباري شرح صحيح البخاري (1/ 227) ط دار المعرفة.
50 - بَابُ الحَيَاءِ فِي العِلْمِ
قال البخاري رحمه الله:
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: «لَا يَتَعَلَّمُ العِلْمَ مُسْتَحْيٍ وَلَا مُسْتَكْبِرٌ» ، وَقَالَتْ عَائِشَةُ:«نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الأَنْصَارِ لَمْ يَمْنَعْهُنَّ الحَيَاءُ أَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِي الدِّينِ» .
قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلامٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ، فَهَلْ عَلَى المَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إِذَا احْتَلَمَتْ؟
قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا رَأَتِ المَاءَ» ، فَغَطَّتْ أُمُّ سَلَمَةَ، تَعْنِي وَجْهَهَا، وَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوَتَحْتَلِمُ المَرْأَةُ؟ قَالَ: «نَعَمْ، تَرِبَتْ يَمِينُكِ، فَبِمَ يُشْبِهُهَا وَلَدُهَا»
(1)
.
قال: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَهِيَ مَثَلُ المُسْلِمِ، حَدِّثُونِي مَا هِيَ؟» فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ البَادِيَةِ، وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا
(1)
من لطائف الإسناد:
1 -
فيه التحديث والعنعة والإخبار.
2 -
فيه رواية صحابية عن صحابية، ورواية تابعي عن مثله.
3 -
وكذلك فيه رواية الابن عن أبيه، ورواية البنت عن أمها.
4 -
وفيه إدراج وهو قول زينب - رضي الله عنها فَغَطَّتْ أُمُّ سَلَمَةَ - وكذلك إدراج قول عروة أو غيره من الرواة قوله أي وجهها.
النَّخْلَةُ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَاسْتَحْيَيْتُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنَا بِهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:«هِيَ النَّخْلَةُ» قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَحَدَّثْتُ أَبِي بِمَا وَقَعَ فِي نَفْسِي، فَقَالَ:«لَأَنْ تَكُونَ قُلْتَهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِي كَذَا وَكَذَا» .
• مناسبة هذا الباب بالباب الذي قبله:
أنَّ السابق تخصيص قومٍ بالعلم لمعني، ثم ذكر عقبه هذا الباب - باب الحياء في العلم - تنبيهًا علي أنه لا ينبغي لأحد أن يستحي من السؤال مما له فيه حاجة زاعما أنَّ العلم مخصوص بقوم دون قوم، بل عليه أن يسأل عن كل ما يحتاجه من أمر دينه ودنياه.
• تراجم بعض الرواة:
(مجاهد): هو الإمام أبو الحجاج مجاهد بن جبر القرشي المكي، وقال الذهبي عنه: أجمعت الأمة على إمامة مجاهد والاحتجاج به، توفي سنة 101 هـ، وقيل غير ذلك.
(أبو معاوية): هو الإمام محمد بن خازم التميمي السَّعْدي الكوفي، وهو أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهِم في حديث غيره. توفي سنة 194 هـ.
(هشام بن عروة): هو الإمام هشام بن عروة بن الزبير بن العوام القرشي الأسدي، اختلف في وفاته فقيل: سنة 145 هـ، وقيل سنة 146 هـ.
• أم سُليم: اختلف في اسمها فقيل: سهلة، وقيل: رميلة وقيل غير ذلك، ولكنها اشتهرت بكنيتها، وكانت من عقلاء النساء، وهي أم خادم النبي صلى الله عليه وسلم أنس بن مالك رضي الله عنه.
• بعض معاني الكلمات:
الحياء: هو خُلق داخلي يبعث الإنسان على فعل ما يجمله ويزينه، ويمنعه عما يشينه، ويحمله على فعل الفضائل، ويمنعه عن الرذائل وخوارم المروءة.
(احْتَلَمَتْ): أي من الحُلم - بالضم - وهو ما يراه النائم، يقال: حَلَم الرجل - بفتح اللام - واحتلم. والمقصود ما تراه المرأة من المواقعة مع الرجل أي الجماع.
أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِي كَذَا وَكَذَا: أي من حُمر النعم كما ورد عند الحميدي في مسنده، وكذلك ابن حبان في صحيحه بإسناد صحيح.
• في الباب فوائد منها:
• أولًا: من فوائد الحديث الأول:
الفائدة الأولى: أنَّ الحياء لا يمنع من طلب الأحكام والتعلم كما فعلت أم سليم رضي الله عنها.
الفائدة الثانية: فيه دليل أنَّ المرأة تحتلم إلا أنه نادر، وهذا يظهر في إنكار أم سلمة رضي الله عنها.
الفائدة الثالثة: وجوب الغسل من الاحتلام للرجل والمرأة.
الفائدة الرابعة: أنَّ الحياء المذموم هو ما يمنع من تعلم أمور الشرع وهذا يعتبر ضعف وعجز، أما الحياء فلا يأتي إلا بخير.
الفائدة الخامسة: فقه بعض النساء كأم سليم رضي الله عنها حيث إنها أحسنت السؤال، فقبل أن تسأل - وهو سؤال خاص بالنساء، وكان بحضرة الرجال - بسطت عذرها أولًا للسؤال فقالت (إنَّ الله لا يستحي من الحق)، قال تعالى {وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ} [الأحزاب: 53]، فكأنها تقول فكما أنَّ الله لا يستحي من الحق، فكذلك أنا لا أستحي أن أسأل عن الحق الذي أحتاجه.
الفائدة السادسة: فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم تربت يمينك أي افتقرت وصارت علي التراب، وهي من الألفاظ التي تطلق عند الزجر، ولا يراد ظاهرها، فلا يراد المعنى الحقيقي لها.
الفائدة السابعة: أنَّ للمرأة ماءًا كالرجل، ومنه يكون الشبه بالأم.
الفائدة الثامنة: أنَّ ماء الرجل والمرأة يكون سببًا لمشابهة الولد لهما.
• ثانيًا: من فوائد الحديث الثاني:
الفائدة الأولى: ذكر الإمام البخاري هذا الحديث في غير باب، وإن كان ذكره هنا قد يكون لسبب، فذكر حديث ابن عمر هنا لقول ابن عمر " فاستحييت "، وأيضًا لتأسف عمر علي كونه لم يقل لتظهر فضيلته أمام النبي صلى الله عليه وسلم، وكأنَّ عمر يقول له كان أولي بك أن تذكر ولا يمنعك الحياء، وكان يمكنه إذا استحيا إجلالًا لمن هو أكبر منه أن يذكر ذلك لغيره سرًّا ويخبر عن نفسه، فيكون جمعًا بين المصلحتين.
الفائدة الثانية: الابن الموفق في العلم أفضل مكاسب الدنيا.
الفائدة الثالثة: جواز جلوس الصغير في مجالس الكبار، وإن كان عنده شئ من العلم ثم طُلب منه أن يُلقيه فلا بأس بإلقائه ولا يستحي.
الفائدة الرابعة: ينبغى على الصغير ألا يحتقر نفسه إذا كان بين الكبار، وأن يلقي ما عنده من العلم إن سُئل عنه.
51 - بَابُ مَنِ اسْتَحْيَا فَأَمَرَ غَيْرَهُ بِالسُّؤَالِ
قال البخاري رحمه الله: حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُنْذِرٍ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ الحَنَفِيَّةِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً فَأَمَرْتُ المِقْدَادَ بْنَ الأَسْوَدِ أَنْ يَسْأَلَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَسَأَلَهُ، فَقَالَ:«فِيهِ الوُضُوءُ»
(1)
.
• مناسبة الباب للباب الذي قبله:
أنَّ كلا البابين مشتمل على الحياء، وأيضًا من فقه الإمام البخاري رحمه الله جاء به بعد الباب السابق إشارة منه إلي مسألة ابن عمر وحيائه، وأنه كان أولي به أن يأمر غيره أن يسأل، ويكون جمعًا بين المصلحتين، كما في هذا الباب.
• تراجم بعض الرواة:
(عبد الله بن داود): هو الإمام عبد الله بن داود بن عامر الخريبي الهمداني، قال: ما كذبت قط إلا مرة واحدة في صغري قال لي أبي: ذهبتَ إلى الكُتَّاب؟ فقلت: نعم، ولم أكن ذهبتُ، توفي سنة 213 هـ.
(1)
من لطائف الإسناد:
1 -
أنَّ رواته ما بين كوفي وبصري وحجازي.
2 -
فيه رواية تابعي وهو (الأعمش) عن غير تابعي، وهو (منذر الثوري).
3 -
فيه ما قيل لا يُعلم أحدٌ أسند إلى عليّ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أكثر ولا أصح مما أسند محمد بن الحنفية، رضي الله عنه كما هو قول الإمام إبراهيم بن الجنيد.
(منذر): هو الإمام أبو يعلى المنذر بن يعلى الثوري، قال عن نفسه: لزمت محمد ابن الحنفية حتى قال بعض ولده: لقد غلبنا هذا النبطى على أبينا.
(محمد بن الحنفية): هو الإمام محمد بن علي بن أبي طالب القرشي، قال إبراهيم بن عبد الله بن الجنيد: لا نعلم أحدًا أسند عن على عن النبى صلى الله عليه وسلم أكثر ولا أصح مما أسند محمد بن الحنفية، توفي: 80 هـ، وقيل: 81 هـ، وقيل: غير ذلك.
• معاني بعض الكلمات:
(مذاء): صيغة مبالغة أي كثير الإمذاء وذلك غالبًا ما تكون بسبب صحة الجسم وقوته، والمذي: هو ماء لزج شفاف يخرج عند اشتداد الشهوة أو الملاعبة، وهو نجس بالإجماع، ولكن نجاسته مخففة، فيكفي فيه النضح إذا أصاب الثوب.
(فيه الوضوء): أي يجب فيه الوضوء بعد غسل الفرج أولًا؛ لإزالة أثره؛ لأنه نجس.
• في الباب فوائد منها:
الفائدة الأولى: الحياء من الأصهار في ذكر أمور الجماع ونحوه أمر مستحب.
الفائدة الثانية: هذا حياء محمود؛ لأنه لم يمنعه من العلم، فأرسل غيره، فسأل.
الفائدة الثالثة: دليل على قبول خبر الواحد.
الفائدة الرابعة: مشروعية الإنابة في العلم والاستفتاء بسبب الحياء، ويقاس عليه غيره.
الفائدة الخامسة: استدل به بعضهم على جواز الاعتماد على الخبر المظنون مع القدرة على المقطوع إن كان هناك حاجة.
الفائدة السادسة: فيه دليل أنَّ المذي ناقض للوضوء.
52 - بَابُ ذِكْرِ العِلْمِ وَالفُتْيَا فِي المَسْجِدِ
قال البخاري رحمه الله: حَدَّثَنِي قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا نَافِعٌ، مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا قَامَ فِي المَسْجِدِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مِنْ أَيْنَ تَأْمُرُنَا أَنْ نُهِلَّ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:«يُهِلُّ أَهْلُ المَدِينَةِ مِنْ ذِي الحُلَيْفَةِ، وَيُهِلُّ أَهْلُ الشَّأْمِ مِنَ الجُحْفَةِ، وَيُهِلُّ أَهْلُ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ» وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ وَيَزْعُمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «وَيُهِلُّ أَهْلُ اليَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ» ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: لَمْ أَفْقَهْ هَذِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم
(1)
.
• وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله:
الجواب: أنَّ كلا البابين سؤال وجواب، وكلاهما سؤال من رجل خاص وجاء الجواب عامًّا لأنه مما يشترك فيه العامة، لكن الفرق أنَّ الأول بواسطة، والثاني بغير واسطة.
• معاني بعض الكلمات:
(أَنْ نُهِلَّ): الإهلال هو رفع الصوت بالتلبية، والمراد من أي مكان نُحرم منه؟.
(ذو الحُلَيْفَةِ): الحليفة هي تصغير الحلفاء، وهو شجر بري معروف، وسمي هذا المكان بهذا الاسم لكثرته، وتبعد عن المدينة ستة أميال أو سبعة، وهي أبعد
(1)
من لطائف هذا الإسناد:
1 -
فيه التحديث بقوله (حدثني)، وفي بعض النسخ (حدثنا)، وفيه العنعنة بقوله (عن).
المواقيت عن مكة، وهي الآن تُسمى بأبيار علي.
(الجحفة): هي قرية خربة قديمة تُسمى مَهْيعة دعا النبي صلى الله عليه وسلم أن يُنقل حمى المدينة إليها، وأعيدت الآن وبينها وبين مكة تقريبًا 200 كم، وهي ميقات أهل مصر حاليًا، وأهل مصر لا يحرمون بها، بل يُحرمون من مكان يوازيها يُقال له رابغ.
• ذكر صاحب الكوثر الجاري أنه حج عام 841 هـ مع أهل مصر فسأل بعض العارفين بتلك البقاع عن عدم إحرامهم من الجحفة، فذكر له: أنه من بات بها يحصل له الحمى من أثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم.
(نجد): هي الرياض حاليًا.
(قرن): هي قرن المنازل وتبعد عن مكة تقريبًا 94 كم، وتسمى الآن السيل الكبير.
(يلملم): اسم لوادٍ أو جبلٍ يمر به أهل اليمن، ويسمى الآن السَّعْدية.
• في الباب فوائد منها:
الفائدة الأولى: الاستعداد للعبادة بالسؤال عنها قبل الإقدام عليها، وذلك أنَّ السؤال كان قبل السفر من المدينة لقوله (في المسجد).
الفائدة الثانية: أنَّ الأمر للوجوب؛ لقول الصحابة: أين تأمرنا أن نهل؟
الفائدة الثالثة: فيه الجواب الحكيم من النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الانتقال من حالة الرجل إلى الجواب العام له، ولغيره، ولشبيهه.
الفائدة الرابعة: جواز السؤال والقيام في المسجد.
الفائدة الخامسة: جواز القيام من أجل السؤال إن كان هناك حاجة.
الفائدة السادسة: وفي قول ابن عمر (وَيَزْعُمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «وَيُهِلُّ
أَهْلُ اليَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ) هو شدة تحريه وورعه وحرصه على العلم أنَّ ما أتقنه بلغه، فيه أيضًا إشارة أنه ربما لم يسمعه من النبي مباشرة إنما سمعه بواسطة، وربما أنه سمعه ولم يضبطه فصار يرويها عن غيره.
الفائدة السابعة: بيان المواقيت المكانية للحج.
الفائدة الثامنة: وفيه جواز إطلاق الزعم على القول المحقق؛ لأن القائل صحابي ولا يجوز أن ينسبه ابن عمر إلى الزور والقول الباطل.
53 - بَابُ مَنْ أَجَابَ السَّائِلَ بِأَكْثَرَ مِمَّا سَأَلَهُ
قال البخاري رحمه الله: حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم.
وَعَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ: مَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ؟ فَقَالَ: «لَا يَلْبَسُ القَمِيصَ، وَلَا العِمَامَةَ، وَلَا السَّرَاوِيلَ، وَلَا البُرْنُسَ، وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ الوَرْسُ أَوِ الزَّعْفَرَانُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا تَحْتَ الكَعْبَيْنِ»
(1)
.
• وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله:
اشتمال كلا البابين أيضًا على سؤال وجواب، وكلاهما اشتمل على الجواب الحكيم، فالسابق انتقل فيه صلى الله عليه وسلم من الخاص إلى العام، وهنا انتقل من غير المحصور إلى المحصور.
(1)
من لطائف الإسناد:
1 -
فيه التحديث بقوله (حدثنا)، والعنعنة بقوله (عن).
2 -
رواته كلهم مدنيون عدا آدم وهو ابن أبي إياس.
3 -
فيه رواية تابعي عن مثله وهو الزهري عن سالم.
• قوله (وعن الزهري): إشارة إلى تحول الإسناد فكما روى ابن أبي ذئب عن نافع عن ابن عمر، فكذلك رواه الزهري عن نافع عن ابن عمر.
ومن أصح الأسانيد عند الإمام أحمد وإسحاق - رحمهما الله -: الزهري عن سالم عن ابن عمر.
• تراجم بعض الرواة:
(آدم): هو الإمام أبو الحسن آدم بن أبي إياس العسقلاني وهو من شيوخ الإمام البخاري، لما حضرته الوفاة، ختم القرآن و هو مسجى، ثم قال: بحبى لك إلا رفقت لهذا المصرع، كنت أؤملك لهذا اليوم، كنت أرجوك، ثم قال: لاإله إلا الله، ثم قضى.
• معاني بعض الكلمات:
(القميص): هو ما خيط على قدر البدن أو قدر عضو منه، لا كما يظن البعض بالنهى عن المخيط أي كل ما أُدخل فيه خيط.
(العمامة): هي ما يُلف على الرأس، وسُميت بذلك لأنها تعمُّ جميع الرأس، وينبه به على كل ساتر للرأس مخيطًا، أو غير مخيط.
(السراويل): قيل: كلمة فارسية معربة، وقيل: عربية لا مفرد لها، وقيل: مفردها سروالة، وهو ثوب مختص بالنصف الأسفل من البدن.
(البرنس): هو ثوب كان يلبسه النساك في صدر الإسلام ويشتهر الآن في بلاد المغرب، وهو ثوب رأسه ملتصق به.
• في الباب فوائد منها:
الفائدة الأولى: فيه الجواب الحكيم وذلك بأمور:
• الانتقال من غير المحصور إلى المحصور.
• ومنه أيضا جزيل فصاحته ومراعاته للمفهوم صلى الله عليه وسلم، فلو أجاب فقال يلبس كذا وكذا قد يفهم منه بمفهوم المخالفة أنَّ غير المحرم لا يلبس هذه الأشياء.
• وأيضًا من جوابه الحكيم أنه سئل عن حالة الاختيار فأزاده حالة الاضطرار في مسألة النعلين.
الفائدة الثانية: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
الفائدة الثالثة: على المفتي أن يُفَصِّل الجواب إذا احتيج لذلك، وإن لم يتفطن له السائل ويسأل عنه.
الفائدة الرابعة: أنه ينبغي على الإنسان أن يسلك أقصر الطرق للحصول على المقصود؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم اقتصر على ما يمكن حصره، وهو الذي لا يُلبس، والحكمة فيه أنَّ ما يجتنبه المحرم ويمتنع عليه لبسه محصور، فذِكْرُه أولي، ويبقى ما عداه على الإباحة، بخلاف ما يُباح لبسه، فإنه كثير غير محصور، فذكره تطويل، وفيه تنبيه على أنَّ السائل لَمْ يُحسن السؤال، وأنه كان الأليق السؤال عما يتركه، فعدل عن مطابقته إلى ما هو أولى، وقريب منه قوله تعالى:{يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ} [البقرة: 215]، فالسؤال عن جنس المنفَق، فعدل عنه في الجواب إلى جنس المنفَق عليه؛ لأنه أهمّ، وكان اعتناء السائل بالسؤال عنه أولى.
الفائدة الخامسة: أجمعوا على أنَّ المراد بالمحرم في الحديث هو الرجل لا المرأة؛ لأنها لا تُمنع من لبس هذه الأنواع بالإجماع كما ذكره ابن المنذر.
الفائدة السادسة: وفيه التجرد عند القدوم على الله في مثل هذا، وترك الزينة، والتواضع لله تعالى.
قال الإمام ابن رَشِيد (ت 721 هـ): خَتَمَ الْبُخَارِيُّ كِتَابَ الْعِلْمِ بِبَابِ مَنْ أَجَابَ السَّائِلَ بِأَكْثَرَ مِمَّا سَأَلَ عَنْهُ إِشَارَةً مِنْهُ إِلَى أَنَّهُ بَلَغَ الْغَايَةَ فِي الْجَوَابِ عَمَلًا بِالنَّصِيحَةِ وَاعْتِمَادًا عَلَى النِّيَّةِ الصَّحِيحَة، وَأَشَارَ قَبْلَ ذَلِكَ بِقَلِيلٍ بِتَرْجَمَةِ مَنْ تَرَكَ بَعْضَ الِاخْتِيَارِ مَخَافَةَ أَنْ يَقْصُرَ فَهْمُ بَعْضِ النَّاسِ عَنْهُ إِلَى أَنَّهُ رُبَّمَا صَنَعَ ذَلِكَ، فَأَتْبَعَ الطَّيِّبَ بِالطَّيِّبِ بِأَبْرَعِ سِيَاقٍ وَأَبْدَعِ اتِّسَاقٍ رحمه الله
(1)
.
تم بحمد الله تعالى
(1)
فتح الباري شرح صحيح البخاري (1/ 232) ط دار المعرفة.
المصادر والمراجع
- الآحاد والمثاني لابن أبي عاصم.
- أخبار أبي حنيفة وأصحابه لأبي عبد الله الصيمري. ط عالم الكتب.
- أخلاق حملة القرآن للآجري.
- الآداب الشرعية والمنح المرعية لابن مفلح. ط عالم الكتب.
- أدب الإملاء والاستملاء للسمعاني. ط دار الكتب العلمية.
- الأدب الصغير والأدب الكبير لابن المقفع. ط دار صادر.
- إعلام الموقعين لابن القيم.
- الإعلام في أصول الأحكام لعبد الفتاح محمد مصيلحي. مكتبة العلوم والحكم.
- البداية والنهاية لابن كثير. ط دار هجر.
- البر والصلة لأبي عبد الله المروزي. ط دار الوطن.
- بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث. ط مركز خدمة السنة النبوية.
- التاريخ الكبير لأبي عبد الله البخاري. ط دائرة المعارف.
- تاريخ بغداد للخطيب البغدادي.
- تاريخ دمشق لابن عساكر. ط دار الفكر.
- تذكرة السامع والمتكلم لابن جماعة. ط دار البشائر.
- تفسير الطبري. ط دار هجر.
- تهذيب الأسماء واللغات للنووي. ط دار الكتب العلمية.
- تهذيب الكمال للمزي. ط الرسالة.
- جامع الترمذي. ط دار الغرب الإسلامي.
- جامع بيان العلم لابن عبد البر.
- الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي. ط مكتبة المعارف.
- الجواهر المضية في طبقات الحنفية لمحيي الدين الحنفي.
- حليه الأولياء وطبقات الأصفياء لأبي نعيم. ط دار السعادة.
- ربيع الأبرار ونصوص الأخيار للزمخشري. ط مؤسسة الأعلمي.
- الرحلة في طلب الحديث للخطيب. ط دار الكتب العلمية.
- رسالة في الأدب لأصحاب الطلب لعبد الفتاح مصيلحي. ط مكتبة العلوم والحكم.
- روضة العقلاء ونزهة الفضلاء لأبي حاتم البستي. ط دار الكتب العلمية.
- زهر الآداب وثمر الألباب لأبي إسحاق الحُصري القيرواني. ط دار الجيل.
- سنن ابن ماجه.
- سنن أبي داود.
- سنن الترمذي.
- سنن الدارمي. ط دار البشائر.
- السنن الكبرى للنسائي.
- سنن النسائي.
- سير أعلام النبلاء للذهبي. ط مؤسسة الرسالة.
- شرح صحيح البخاري لابن بطال. ط دار الرشد.
- شرح صحيح مسلم للنووي. ط دار إحياء التراث.
- شرح مشكل الآثار للطحاوي. ط الرسالة.
- الشكر لابن أبي الدنيا. ط المكتب الإسلامي.
- صحيح ابن حبان.
- صحيح ابن خزيمة.
- صحيح البخاري.
- صحيح مسلم.
- صفة الصفوة لابن الجوزي. ط دار الحديث.
- طبقات الشافعية لتاج الدين السبكي. ط دار هجر.
- العلم لأبي خيثمة النسائي. ط المكتب الإسلامي.
- الفتاوى الكبرى لابن تيمية.
- فتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر. ط دار المعرفة.
- فضائل الصحابة للإمام أحمد بن حنبل. ط الرسالة.
- الفقيه والمتفقه للخطيب. ط دار ابن الجوزي.
- فيض الباري على صحيح البخاري للكشميري. ط دار الكتب العلمية.
- الكتاب لسيبويه. ط الخانجي.
- الكفاية في علم الرواية للخطيب. ط المكتبة العلمية.
- الكنى والأسماء لأبي بشر الدولابي.
- الكواكب الدراري شرح صحيح البخاري للكرماني. ط دار إحياء التراث.
- المجالسة للدينوري.
- مجمع الأدباء لياقوت الحموي. ط دار الغرب الإسلامي.
- المحدث الفاصل بين الراوي والواعي للرامهرمزي. ط دار الفكر.
- مدارج السالكين لابن القيم. ط دار الكتاب العربي.
- المدخل إلى السنن للبيهقي. ط دار الخلفاء.
- المذكر والمؤنث لأبي بكر الأنباري. ط مجلس الشؤون الإسلامية مصر.
- المستدرك للحاكم.
- مسند أبي داود الطيالسي. ط دار هجر.
- مسند أحمد.
- مسند البزار. مكتبة العلوم والحكم.
- مصنف ابن أبي شيبة.
- المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية. ط دار العاصمة.
- مناقب الشافعي للبيهقي. ط دار التراث.
- موطأ الإمام مالك. ط دار إحياء التراث.