المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌عثمان بن فودي والدعوة إلى الإصلاح: - أثر دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في حركة عثمان بن فودي الإصلاحية في غرب أفريقيا (مطبوع ضمن بحوث ندوة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب)

[مصطفى مسعد]

الفصل: ‌عثمان بن فودي والدعوة إلى الإصلاح:

اعتنق الإسلام في بلاد الهوسة. أما الفريق الآخر فمن البدو الذين لم يختلطوا بقبائل الهوسة. وعرفوا باسم: "بروروجي" أي رعاة البقر، واحتفظ هؤلاء بدينهم الوثني. وفي أواخر القرن الثاني عشر الهجري (18 م) غدا الفلان جدا المسلمون عنصرا هاما بين سكان بلاد الهوسة ووصل كثير منهم إلى أعلى المناصب بفضل مواهبهم واستعدادهم الذهني 1.

‌عثمان بن فودي والدعوة إلى الإصلاح:

وبطل قصة انتشار الدعوة السلفية في غرب أفريقية هو الشيخ عثمان بن فودي (دان فيديو) 2 ينتسب هذا المصلح إلى أسرة من الفلان انطلقت في ركاب المهاجرين منهم حتى دخلت سهول السودان الغربي وأقامت في بلاد الهوسة، وفي هذه البيئة ولد عثمان بن فودي سنة 1169 هـ في قرية طفل من أعمال إمارة كوبر (جوبير) . وقد نشأ في بيت علم وفتوى؛ إذ اعتنق أجداده الإسلام من زمن بعيد، واشتغل أبوه وأفراد أسرته بالعلم، وتلقى عثمان بن فودي دروسه الأولى على يد أبيه محمد، وأمه حواء، وجدته رقية 3. شب عثمان بن فودي في هذه البيئة المتدينة، ودرس علوم العربية وعلوم القرآن والحديث والفقه على أيدي علماء عصره في بلاد الهوسة، وفي أغاديس4. ولعل أقوى أساتذته تأثيرا فيه هو الشيخ جبريل بن عمر5.

ولما بلغ عثمان بن فودي مبلغ الرجال، وأوتي حظا من النضوج العقلي والفكري، هاله حال المسلمين في بلاد الهوسة، وما كانوا عليه من تخلف وانحراف عن جادة الإسلام الصحيح. وانتشار البدع والخرافات والوثنيات، ثم رحل عثمان إلى الحجاز لأداء فريضة الحج، فتأثر بالدعوة السلفية التي كانت آخذة في النمو والانتشار في الوقت الذي زار فيه

1 Boville، e. a.: the golden trade of the moors، p. 224

2 عرف باسم دان فوديو. أي: ابن النقية. واسمه عثمان بن محمد بن عثمان بن صالح. ومن الألقاب التي تلقب بها: نور الزمان، ومجدد الإسلام. والشيخ.

3 آدم عبد الله الألوري: الإسلام في نيجيريا ص 35.

4 أغاديس: مدينة تقع بالقرب من طريق القوافل الممتد بين أقاليم السودان الأوسط وبلاد المغرب.

5 آدم عبد الله الألوري: المرجع نفسه ص 30-31.

ص: 432

مكة 1 حين دخلوها في صورة الدولة السعودية الأولى- كما سبق أن ذكرنا- ولقد خالط عثمان بن فودي دعاة السلفية من أتباع الشيخ محمد بن عبد الوهاب واستمع إليهم وتشرب مبادئ الدعوة السلفية وتحمس لها، فأيقظت في نفسه رغبة ملحة في إصلاح أحوال المجتمع في بلاده، ومحاربة البدع والخرافات والوثنيات التي تفشت في بلاده، حيث اختلطت تعاليم الإسلام بالعادات الوثنية، وارتد بعض المسلمين عن دينهم 2. ولعل خير ما نستشهد به في هذا المقام ما ذكره الإمام محمد بللو بن الشيخ عثمان بن فودي في كتابه "إنفاق الميسور في تاريخ بلاد التكرور" عن فشو الفساد والبدع والشركيات في مجتمع الهوسة؛ إذ يقول:"وقد وجدت في هذه البلاد (بلاد الهوسة) من أنواع الكفر والفسوق والعصيان أمور فظيعة، وأهوال شنيعة، طبقت هذه البلاد وملأتها حتى لا يكاد يوجد في هذه البلاد من صح إيمانه وتعبد إلا النادر القليل، ولا يوجد في غالبهم من يعرف التوحيد، ويحسن الوضوء، والصلاة، والزكاة، والصيام، وسائر العبادات، فمنهم كفار يعبدون الأحجار والجن، ويصرحون على أنفسهم بالكفر، ولا يصلون، ولا يصومون، ولا يزكون، ويسبون الله ويقولون في حقه ما لا يليق في جنابه الأعلى. وهؤلاء غالب عامة السودان الذين يقال لهم: "ما غنداوا"، وبعض عتاة الفلاتيين والتوارك، ومنهم قوم يقرون بالتوحيد، ويصلون، ويصومون، ويزكون من غير استكمال شروط، بل يأتون في ذلك كله بالرسم والعلامة، مع أنهم يخلطون هذه الأعمال بأعمال الكفر الذي ورثوه عن آبائهم وأجدادهم، وبعضهم من قبل نفسه........

وغالب ملوك هذه البلاد وجنودهم وأطبائهم وعلمائهم من هذا القبيل. ومنهم قوم يقرون بالتوحيد، ويصلون ويصومون، ويزكون من غير استكمال شروط كما مر، مع أنهم مقيمون على عوائد ردية وبدع شيطانية، ومنهم منهمكون في المعاصي الجاهلية متأنسون بها، جارون فيها مجرى المباحات حتى كأنها لم يرد فيها نهي، وهي خصال كثيرة أقاموا عليها، وهؤلاء أكثر عامة الفلاتيين وبعض مسلمي السودانيين (الهوسة) ؛ إذ قد مر أن غالبهم كفار بالأصالة وبعضهم بالتخليط. ومنهم قوم عارفون بالتوحيد كما ينبغي،

1 أرنولد: الدعوة إلى الإسلام، ترجمة حسن إبراهيم حسن وآخرين ص 360 ، 362.

2 آدم عبد الله الألوري: المرجع نفسه ص 31.

ص: 433

محسنون للوضوء والغسل، والصلاة، والزكاة، والصيام بذلك كما ينبغي، وهؤلاء النادر القليل 1.

ويضيف آدم عبد الله الألوري- أحد علماء نيجيريا- إلى ذلك قوله: " لما انتشرت البدع بين اللمعاء ودب الفساد في نفوس المسلمين وعظموا الأشجار والأحجار ونسبوا إليها الرزق والولد والخير والشر، وتعمق الملوك في الجور والطغيان، حتى إذا مرض أحدهم ذبح عبدا أو أمة له ليفديه من الموت، تلك هي الأشياء التي أنهضت نية ابن فودي للقيام بالدعوة إلى إخماد البدع الشنيعة وإحياء الشريعة"2.

وفي سنة 1215 هـ بدأ عثمان بن فودي الدعوة إلى الإصلاح، كما بدأ الشيخ محمد بن عبد الوهاب دعوته: دعوة إلى الدين بالحكمة والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ويبدو من منهجه في الإصلاح العودة بالإسلام إلى ما كان عليه زمن الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته- رضي الله عنهم فأخذ يدعو إلى إحياء الشريعة الإسلامية المستمدة من القرآن والسنة وإجماع السلف الصالح - رضوان الله عليهم.

ولما زاد عدد أتباع الشيخ عثمان ومريديه، رأى أن ينتقل إلى المرحلة الثانية من الدعوة، وفكر في الاتصال بأحد الملوك ليشد من أزره، فلجأ إلى أقوى ملوك الهوسة- وهو وقتذاك- الملك نافتا (ملك غوبر) ، وشرح له الإسلام الصحيح وطلب إليه إحياء معالم الدين، وإقامة العدل بين الناس. فاستجاب له- أول الأمر- وأسند إليه الفتوى والإرشاد بمجلسه وديوانه 3. غير أن بعض مدعي العلم الحاقدين، قاموا يعيرونه لاتصاله بالملك ويتهمونه بالرياء والسعي إلى الجاه والسلطان، ووشوا به عند الملك.

1 محمد بللو بن عثمان بن فودي: إنفاق الميسور في تاريخ بلاد التكرور، طبع دار الشعب. القاهرة 1383 هـ (1964م) ص 58-60.

2 آدم عبد الله الألوري: الإسلام في نيجيريا ص 35- 36.

3 آدم عبد الله الألوري، نفس المصدر ص 37.

ص: 434

ومنهم من أنكر عليه بعض أقواله وأفعاله 1، فوقعت بينه وبين الملك جفوة سافر بسببها الشيخ إلى بلاد زمفرة وكبي، حيث قضى خمس سنوات داعيا إلى الإسلام، فاعتنقه على يديه عدد من الوثنيين، كما تاب على يديه عدد من المرتدين.

وهنا نترك القلم للإمام محمد بللو بن الشيخ عثمان بن فودي، ليلقي المزيد من الضوء على ما قام به والده المصلح الكبير من جهود لنشر الدعوة في مجتمع الهوسة، وما لقي في سبيلها من عداء الملوك ووقوفهم في وجه الدعوة فيقول: "

ثم إنه لما برز هكذا، وكثر أتباعه من العلماء والعوام، وتراسل الخلق إلى الاقتداء به، وكفاه الله من ناوأه من علماء وقته، حتى نشر أعلام الدين، وأحيا السنة الغراء، فتمكنت في البلد أي تمكين، نصب أهل الدنيا له العداوة من أمراء هذه البلاد،..... وإنما غاظهم ما يرون من ظهور الدين وقيام ما درس من معالم اليقين، وذهاب بقاء ما هم فيه من الضلال والباطل والتخمين، مع أن سلطنتهم.. مؤسسة على قواعد مخالفة للشريعة.... فلما أوضح الشيخ الطريق، واهتدى إليه أهل التوفيق

وبقي أهل الدنيا من علماء السوء والملوك في طغيانهم يعمهون،

فجعل أولئك الملوك والعلماء يؤذون الجماعة (أتباعه) ، ويعترضون كل من ينتسب إلى الشيخ،

ولم يزل كل من تولى من ملوك بلادنا مجتهدا في إطفاء ذلك النور ويكيد بالشيخ وبجماعته، ويمكر بهم ويحتال في استئصالهم. وأما الأحكام فهم متجمدون على ما وجدوا أباءهم الأسلاف

وغالب أحكامهم مصادم للكتاب والسنة وإجماع الأمة، كما هو معلوم مشهور، مع أنهم مفترون بأقوال وأفعال لا تصدر إلا من كافر

ولم يرعنا إلا إنذار أمير غوبر نافتا بثلاثة أمور: أنه لم يرض لأحد أن يعظ الناس إلا الشيخ وحده، ولم يرض لأحد بالإسلام إلا وارثه من آبائه، ومن لم يرث الإسلام فليعد إلى ما وجد عليه آباءه وأجداده، وألا يتعمم أحد بعد اليوم، ولا تضرب امرأة بخمارها على جيبها. وهذا إنذاره في الأسواق، كل ذلك سعي منه في مكيدتنا.." 2.

لقد اعتنق الإسلام على يدي الشيخ عدد كبير من الوثنيين، وزاد الناس له أتباعا،

1 المصدر السابق.

2 محمد بللو: إنفاق الميسور في تاريخ بلاد التكرور ص 95- 97.

ص: 435

ورأى الملوك فيه خطرا ملحا ينتقص من سيادتهم، ويحد من نزواتهم، ويؤلب عليهم رعيتهم1.

ولما توفي الأمير نافتا، خلفه ابنه الأمير يونفا في حكم إمارة غوبر وعلى الرغم من أنه كان تلميذا للشيخ عثمان، فقد كان لا يقل عن أبيه انتصارا للوثنية، ورأى الأمير يونفا في ازدياد قوة الشيخ وكثرة أنصاره خطرا يهدد عرشه، فدبر مؤامرة لاغتياله، وأدى فشل الأمير في التخلص من الشيخ إلى ازدياد عدد أنصاره وتلاميذه.

لقد أدرك الشيخ أنه لم يستطع أن يحقق هدفه بالفوز بمعاونة أمير من أمراء الهوسة، ومساندة القوة السياسية للدعوة، بل تعرضت دعوته للخطر بإصدار القرارات المساندة للوثنية من ناحية، ومحاولة القضاء عليه وعلى دعوته من ناحية أخرى.

وفي شتاء سنة 1218 هـ (1803 م) خرج الشيخ صحبة فريق من أتباعه المخلصين مهاجرين إلى بلدة جودو على أطراف الصحراء. ونادى الشيخ في أنصاره معلنا الهجرة من دار الكفر إلى دار الهجرة، غير أن أمراء الهوسة قابلوا عمل الشيخ وأنصاره بتعقبهم أينما ذهبوا، وقطع الطرق الموصلة إليهم، ونهب أموالهم والتهيؤ لحربهم. فلم يجد الشيخ بدا من إعلان الجهاد. واستجابت له عشائر الفلان من البلدين والرعاة، وقدموا إلى مهجره للانضمام إلى جيشه، وتأييد دعوته، وبايعوه على الجهاد أو الموت، وطاعة الله ورسوله، كما بايعوه بإمرة المؤمنين (ساركين مسلمي)2.

تزعم أمير غوبر المعارضين له، وسار لحربه، وجاء إعلان الجهاد رسميا سنة 1219 هـ (1804 م) بداية دور جديد في الحركة الإصلاحية، هو دور الفتح والجهاد. فعقد الشيخ اللواء لأربعة عشر من أصحابه، وأحرزوا نصرا على أمير غوبر وحلفائه من الطوارق. وأثارت هزيمتهم الهلع والخوف في بلاد الهوسة، واستولى المجاهدون على إمارة زاريا سنة

1 حسن أحمد محمود: دور العرب في نشر الحضارة في غرب إفريقية، المجلة التاريخية المصرية العدد 14، 1968، ص 94.

2 Boville، e. a.: op. cit. p. 225

ص: 436

1219 هـ (1804 م) ، وإمارتي كانو وكتسنا سنة 1220 هـ (1805 م) ، كما وقعت في أيديهم عاصمة إمارة غوبر سنة 1223 هـ (1808 م) .

لقد كانت الحماسة الدينية تدفع أولئك المجاهدين إلى طلب الشهادة، فتمكنوا في سنة 1225 هـ (1810 م) من إخضاع إمارات الهوسة جميعها لنفوذهم.

رأى الشيخ عثمان بن فودي أن تشمل حركته الإصلاحية بلاد برنو (السودان الأوسط) لموالاة سلطانها للوثنيين ومساعدتهم ضد المجاهدين من أنصار الشيخ، فاستولوا على كثير من أقاليم برنو لمتاخمتها لبلادهم من جهة الشرق. وهكذا تمت آخر مرحلة من مراحل الجهاد، فتأسست دولة إسلامية شملت جميع إمارات الهوسة القديمة. ورأى الشيخ عثمان أن يترك شئون الحكم والإدارة لابنه محمد بللو، وأخيه الوزير عبد الله بن فودي، فقسم البلاد بينهما. وجعل ابنه محمدا على القسم الشرقي وعاصمته سكت (سكوتو) ، وجعل أخاه عبد الله على القسم الغربي من الدولة، وعاصمته جواندو في إقليم كبى. أما الشيخ عثمان فإنه آثر التفرغ للدراسة ونشر الإسلام وتفقيه الناس في الدين متخذا سكت مقرا له، ولما توفي الشيخ عثمان سنة 1233 هـ (1817م)، بويع ابنه محمد بللو أميرا للمؤمنين. وظلت الإدارة مزدوجة في عهده: القسم الشرقي: تابع لإدارة سكت، والقسم الغربي تابع لعبد الله في عاصمته جواندو.

اختلف الباحثون في تقدير حركة الجهاد التي تزعمها عثمان بن فودي. فيرى البعض منهم: "أن الفلان اتخذوا الدين وسيلة لنيل عرض الدنيا، واستغلوه للتنكيل بأمراء الهوسة الذي كانوا يضطهدونهم وينكرون عليهم حقوقهم" ويزعمون: "أن الجهاد حركة قومية لقبائل الفلان- مسلمين ووثنيين- موجهة ضد قبائل الهوسة وكبيرهم الأمير يونفا أمير غوبر والذي كان قرر القضاء عليهم، وبعد انتهاء الجهاد عاد الفلان والوثنيون إلى حياة المراعي، على حين أن العلماء وزعماء الفلان- وعلى رأسهم الشيخ عثمان بن فودي- استغلوا الدين لطرد الحكام القدامى. واقتسام مناصبهم 1.

1 Hogbon، s. g.: the mohamedan emirates of nigeria p. 110

ص: 437

غير أن هذا القول لا يتفق وما نعلمه عن طبيعة الجهاد وأهدافه. ذلك أنه كان محاولة صادقة للإصلاح وجهادا ضد الطغاة المستبدين، مهما كان جنسهم، بدليل أن الجهاد ضم بين الهوسة والفلان، وباستثناء القادة وأصحاب الألوية، فقد كان عدد المجاهدين من الهوسة لا يقل عن عدد المجاهدين من الفلان 1. وكان أحد أصحاب الألوية الأربعة عشر على الأقل من الهوسة 2. ثم إن جميع الفلان في بلاد الهوسة لم يشتركوا في الجهاد مع الشيخ عثمان بن فودي؛ إذ حارب بعضهم في صفوف أمراء الهوسة، على حين وقف البعض الأخر موقفا محايدا. والكثيرون من سكان البلاد الذين رأوا في الجهاد إعلاء لشأن الدين، انضموا لحركة الجهاد ضد بني جلدتهم، سواء أكانوا من الفلان أم من الهوسة3.

لم تكن حركة الجهاد التي تزعمها الشيخ عثمان بن فودي موجهه ضد الوثنيين (الكفار) فحسب، ولكن ضد المرتدين والمستهترين من المسلمين الذين يخلطون أعمال الإسلام بأعمال الكفر. ولقد واجهت حركة الإصلاح بزعامة الشيخ عثمان بن فودي مقاومة عنيفة من جانب أمراء الهوسة- كما رأينا- كما تعرضت لنقد بعض معاصريه من العلماء والفقهاء، وعلى رأسهم الشيخ محمد الأمين الكانمي من برنو، والمعروف أن الشيخ الكانمي من أبرز علماء عمره، وشخصية إسلامية فذة، ولكنه اتهم الشيخ عثمان باستغلال الدين لنيل عرض الدنيا. وإذا كان الشيخ الكانمي قد سلم بوجهة نظر الجماعة الإسلامية من أنصار الشيخ عثمان، وضيقهم بخصومهم، فإنه لم يجد- في رأيه- في هذا الضيق ما يبرر قتالهم، على حين أن الشيخ عثمان اتهم الكانمي ومن لف لفه من العلماء والفقهاء بالنفاق لتحيزهم لملوك الهوسة ضد جماعة المسلمين.

ولقد أوضح محمد بللو- بتكليف من والده الشيخ عثمان بن فودي- في رسالة بعث

1 Smith، m. g.: the jihad، p. 409.

2 Ibid

3 Allan Burns: History of Nigeria، P.46.

ص: 438

بها إلى الشيخ أمين الكانمي للرد على تشنيعاته ضد جماعة المسلمين من أنصاره، فيقول: "

وأما ادعاؤك أن هذا الأمر والنهي أدانا إلى ما يضر بديننا، وهو الخروج على الإمام بعد البيعة، وقد ثبت عند كل حرمته، وإن طرأ عليه فسق، فإن كلامك هذا يتناول ملوك بلادنا هذه فلا عبرة به، كما ثبت عندنا من كفرهم بجهل الأصول، والذبح للأحجار والأشجار وإنكار البعث والنشور. هذا ما نعرفه في بلادنا هذه، وأما في بلادكم (برنو) فليس لنا علم بأحوال أئمتها وسلاطينها إلا أنه إذا كان فيها قيام أميركم على إذابة المجاورين لكم من الفلانيين الذين لهم الاقتداء بالشيخ (عثمان) حتى ألجأتموهم إلى الهجرة تعصبا لملوك حوس (الهوسة) ونصرة لهم، ومعلوم أن الكافرين بعضهم أولياء بعض- كما أن المؤمنين كذلك- علمنا بالضرورة أنه حينئذ راض بدينهم، حين قام يواليهم دون المؤمنين ويظاهرهم عليهم، ولا جرم أن الرضا بالكفر كفر...." 1.

كما أوضح الشيخ عثمان بن فودي منهجه في الجهاد في وثيقة أذاعها على جماعة المسلمين في بلاد السودان. وقد شرح فيها طاعة الجماعة لأمير المؤمنين ونوابه، وقواعد وجوب الهجرة على المسلمين والتفريق بين دار الإسلام ودار الحرب، والتعريف بالكفار ومن يجب على المسلمين قتالهم2.

وفما يلي بعض ما ورد في "وثيقة أهل السودان ومن شاء الله من الإخوان".

1 محمد بللو: إنفاق الميسور في تاريخ بلاد التكرور، ص 164- 165.

2 نشرت هذه الوثيقة مصورة بالزنكوغراف ومعها ترجمة إنجليزية في:

Bivar، a. d. d. h.: the wathigat ahl al-sudan amanifests of the fulani jihad. journal of african history، vol. 11، no 2، 1961. pp. 233-236.

ص: 439

بسم الله الرحمن الرحيم

" فاعلموا يا إخواني أن الأمر بالمعروف واجب إجماعا، وأن النهي عن المنكر واجب إجماعا، وأن الهجرة من بلاد الكفار واجبة إجماعا، وأن موالاة المؤمنين واجبة إجماعا، وأن تأمير أمير المؤمنين واجب إجماعا، وأن طاعته وجميع نوابه واجبة إجماعا. وأن الجهاد واجب إجماعا، وأن تأمير الأمراء في البلدان واجب إجماعا، وأن تأمير القضاة واجب إجماعا، وأن تنفيذهم أحكام الشرع واجب إجماعا، وأن حكم البلد حكم سلطانه إجماعا، إن كان مسلما كان البلد بلد إسلام، وإن كان كافرا كان البلد بلد كفر، وجبت الهجرة منه، وأن قتال الملك الكافر الذي لا يقول: "لا إله إلا الله" أصلا واجب إجماعا، وأن أخذ السلطنة منه واجب إجماعا، وأن قتال الملك الكافر الذي لا يقول "لا إله إلا الله" أصلا واجب به إجماعا، وأن أخذ السلطنة منه واجب إجماعا، وأن قتال الملك الكافر الذي لا يقول "لا إله إلا الله" بسبب عرف البلد، ولم يكن يدع (كذا) الإسلام واجب إجماعا، وأن أخذ السلطنة منه واجب إجماعا، وأن قتل الملك المرتد والذي لم يخرج عن دين الإسلام لكونه يدعي الإسلام ويخلط أعمال الإسلام بأعمال الكفر كملوك حوس (الهوسة) غالبا واجب به إجماعا، وأن أخذ السلطنة منه واجب إجماعا، وأن قتال المهملين من المسلمين الذين لم يكونوا تحت بيعة أمير من أمراء المؤمنين واجب إجماعا إذا دعوا إلى البيعة وأبوا حتى يدخلوا في البيعة

وأن قتال جماعة المرتدين واجب إجماعا، وأن أموالهم فيء، وأن في استرقاقهم قولين: المشهور المنع، ولا يعصي من فعله إن قلد من يقول بجوازه

". لقد ترك ظهور هذه الحركة الإصلاحية آثارا عميقة في أقاليم الهوسة، وفضلا عن نجاحها في ميدان الجهاد وتوحيد بيع إمارات الهوسة المتنازعة وتأسيس دولة إسلامية على أنقاضها، فقد نجحت كذلك في مجال الجهود السلمية في نشر الإسلام بين القبائل الوثنية. فقد انتشر الدعاة من تلاميذ الشيخ عثمان بن فودي في بلاد يوربا، ونجحوا في

ص: 440

اجتذاب قبائلها إلى الإسلام، وتم على أيديهم تأسيس إمارة الألوري الإسلامية وخضوعها لأمير المؤمنين في سكت1.

علاقة حركة عثمان بن فودي الإصلاحية بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب:

بعد هذا العرض الهادئ لمراحل حركة الشيخ عثمان بن فودي الإصلاحية في غرب افريقيا أوائل القرن الثالث عشر للهجرة ودراسة أهم المبادئ والأسس التي اعتمدت عليها هذه الحركة الإصلاحية، يبدو مدى التقارب بينها وبين الدعوة السلفية التي نهض بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب في الجزيرة العربية في النصف الثاني من القرن الثاني عشر للهجرة.

والدعوة السلفية إن لم تكن تركت آثارا مباشرة على هذه الحركة وغيرها من الحركات الإصلاحية التي ظهرت بعدها، فالواقع أنها قد مهدت لها وقوت من عزائم القائمين بها، إذ كانت بحق دعوة رائدة، وجد فيها بعض أصحاب العزائم من المصلحين قدوة طيبة يقتدون بها، وأثرا صالحا ينهجون نهجه في جميع مراحل حركاتهم الإصلاحية، كما كان للتقارب الزمني بين الدعوة السلفية وبين حركة عثمان بن فودي الإصلاحية بصفة خاصة، فضلا عن وجود بعض أوجه التشابه بين ظروف كل من الإقليمين- الجزيرة العربية وغرب أفريقيا- من حيث تدهور النواحي الدينية والسياسية والاجتماعية قبل ظهور الحركتين، ووحدة الشعور بالحاجة إلى الإصلاح، كان لهذا كله أكبر الأثر في التعجيل بميلاد حركة الشيخ عثمان بن فودي الإصلاحية، فقد كان نجاح الدعوة السلفية في تحقيق أهدافها من الحوافز التي شجعت ابن فودي وغيره من بعض زعماء الإصلاح على الأخذ- من قريب أو بعيد- بالمنهج الذي اتبعه الشيخ محمد بن عبد الوهاب في دعوته.

وتكاد تجمع بعض المصادر على أن الشيخ عثمان بن فودي قد حج إلى بيت الله الحرام، والتقى ببعض رجال الدعوة السلفية حين خضوع الحجاز للدولة السعودية الأولى

1 آدم عبد الله الألوري. الإسلام في نيجيريا ص 46-52.

ص: 441

خلال الربع الأول من القرن الثالث عشر الهجري، وتشربه مبادئ الدعوة السلفية- على ما سبقت الإشارة إليه- ولو أن البعض ينكر ذهاب الشيخ عثمان بن فودي إلى مكة أصلا، على حين يعترف أولئك المنكرون بأن أستاذ الشيخ عثمان بن فودي، وهو الشيخ جبريل بن عمر قد أدى فريضة الحج مرتين، والتقى ببعض رجال الدعوة السلفية وتأثر بمبادئها 1. وسواء صح خبر أداء الشيخ عثمان بن فودي فريضة الحج أم لم يصح، فالواضح أنه تلقى الدعوة السلفية سواء بالمباشرة من منبعها الأصلى على أيدي دعاتها في الحجاز، أم بالواسطة على يد أستاذه جبريل بن عمر، ومما يقوى هذا الدليل التشابه الواضح بين ملامح الدعوة السلفية وحركة عثمان بن فودي الإصلاحية التي لم تشبها شوائب صوفية، فكلا الدعوتين تلتقيان في:

أولا: تحقيق التوحيد، وتطهير العقيدة مما شابها من أدران الشرك كالاعتقاد في قدسية بعض الأرواح أو الأشجار أو الكهوف أو الآبار، وتقديم القرابين إلى الجن لإبعاد أذاه، وزيارة قبور الأولياء والصالحين بقصد نيل شفاعتهم.

ثانيا: الدعوة إلى الرجوع إلى الكتاب والسنة، وآثار السلف الصالح، ومحاربة البدع 2. وللشيخ عثمان بن فودي في هذا المجال أعمال كثيرة توضحها دعوته في دروسه وفي كتبه ومؤلفاته، وله في ذلك: كتاب "إحياء السنة".

ثالثا: اتخاذ الجهاد في سبيل الله وسيلة لنشر الدعوة الإسلامية بين الوثنيين الذين يصدون عن سبيل الله، والمرتدين عن الإسلام، ومن حاد إسلامهم عن الطريق الصحيح، ويخلطون أعمال الإسلام بأعمال الكفر ويوالون الكفار دون جماعة المسلمين3.

1 Boville، e. a. the golden trade of he moors. fage. d. g. d. op. c. t.

2 راجع ما سبق هنا، وانطر محمد بللو، نفس المصدر ص 58- 60، آدم عبد الله الألوري، نفس المرجع ص 35 - 36

3 انظر: وثيقة أهل السودان فيما سبق هنا، ص 18 ومحمد بللو، نفس المصدر ص 164- 165.

ص: 442

وقد أدت حركة الجهاد هذه إلى القضاء على الإمارات المتنازعة واتحادها في ظل دولة إسلامية واحدة تطبق الإسلام عقيدة وشريعة ونظام حياة وتقيم شعائر الإسلام، مما يذكر بالجهاد المسلح الذي نهض به الأئمة السعوديون في سبيل نشر الدعوة السلفية، فأقاموا الدولة السعودية الأولى التي استطاعت أن توحد معظم أقاليم الجزيرة العربية في ظل حكومة واحدة، تطبق مبادئ دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب.

وقد ظلت هذه المبادئ متأصلة في نفوس أتباعها حتى الدولة السعودية الحالية التي أمكن لمؤسسها المرحوم الملك عبد العزيز استعادة ملك آبائه وأجداده، وتأسيس المملكة العربية السعودية القائمة على أساس ديني سلفي، ومن ثم كان نجاح الدعوة السلفية في إقامة دولة إسلامية مستقلة من أكبر الدوافع لقيام دول إسلامية متأثرة بالدعوة السلفية التي أصبحت أساسا لبناء كيانها الديني والسياسي والحضاري، ومن أبرزها دولة (سكت الإسلامية) في غرب أفريقيا.

رابعا: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أصل من أصول الإسلام ورد الحث عليه في الكتاب والسنة، وكما قامت الدعوة السلفية بتحقيق هذا الهدف الإسلامي بتطبيق أحكام الإسلام وإقامة حدوده، وتعيين قضاة للفصل في الخصومات بين الناس، وإحياء نظام الحسبة، وتنظيم بيت مال المسلمين، نرى أن الدولة الإسلامية التي أقامها الشيخ عثمان بن فودي في غرب أفريقيا تضع- أيضا- النظام الإسلامي للإدارة بإحياء نظام البيعة وتعيين العمال لحكم الأقاليم، وإحياء نظام الوزارة والحسبة والقضاء الإسلامي.

خامسا: وكما كانت دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب سببا في إيقاظ الحياة الفكرية بعد جمودها فترة طويلة من الزمن، وإثارة الجدل بين أنصار الدعوة وخصومها واجتهادهم في البحث والتحصيل العلمي، مما أدى إلى قيام يقظة إسلامية. ونشاط علمي ظهرت آثاره فيما خلف الشيخ الإمام من تراث إسلامي ضخم يتمثل في رسائله وبحوثه ومؤلفاته العديدة في مختلف العلوم الإسلامية، وذلك فضلا عما قام به أبناؤه وتلاميذه من إنتاج علمي لا يزال يثري المكتبة العربية الإسلامية بالعديد من المؤلفات. كذلك أشعلت حركة الإصلاح التي قادها الشيخ عثمان بن فودي في غرب أفريقيا يقظة فكرية هائلة،

ص: 443

وكما لقيت الحركة الإصلاحية معاونة وتعضيدا، فقد واجهت كذلك معارضة شديدة في الداخل والخارج مما أثار الجدل حولها وأدى إلى قيام نهضة فكرية تجلت آثارها فيما خلفته من تراث عربي إسلامي يتمثل في عدد ضخم من المؤلفات في شتى العلوم الإسلامية بأقلام بعض زعمائها وقادتها وتلاميذهم في شكل كتب أو رسائل، وجميعها مكتوبة باللغة العربية، وعلى الرغم من أن الجانب الأكبر من هذا التراث الإسلامي الضخم لا يزال مبعثرا وحبيس كثير من مكتبات نيجيريا والغرب الأوربي، ينتظر جهودا مخلصة للدراسة والبحث، فمما لا شك فيه أن هذا التراث الإسلامي قد أدى دورا هاما في دعم الحركة الإسلامية واتساع رقعة الإسلام في هذا الجزء من أفريقيا خلال القرن الثالث عشر وصدر القرن الرابع عشر للهجرة.

ص: 444