المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ حديث: (إنما الأعمال بالنيات) - شرح التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - عبد الكريم الخضير - جـ ٢

[عبد الكريم الخضير]

الفصل: ‌ حديث: (إنما الأعمال بالنيات)

التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح شرح‌

‌ حديث: (إنما الأعمال بالنيات)

الشيخ/ عبد الكريم الخضير

يقول: "وهذا حين الشروع -إن شاء الله تعالى-"، يعني في الاختصار بدأً بالباب الأول كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

طالب: أسأل فضيلة الشيخ: ذكر المؤلف بجاه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وأشرتم إلى قضية الجاه، لكن نسمع بكلام بعض المتأخرين ممن ينتسبون إلى العلم التسويد، يقول: سيدنا محمد أو سيدنا أبو بكر، أو سيدنا عمر، وبعض الإخوان ينكر عليهم وبعضهم يجوز مثل هذا، ما رأيكم -أحسن الله إليكم- بالتسويد سواءٌ للنبي صلى الله عليه وسلم أو للصحابة أو من بعدهم؟

ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: ((أنا سيد ولد آدم ولا فخر)) وثبت عنه أنه قال: ((السيد الله)) فإذا لُمسَ من الأسلوب والتعبير الغلو والمبالغة فينبغي أن يقال: ((السيد الله))، وإذا أنزل النبي صلى الله عليه وسلم في منزلته اللائقة به، وقيل: هو سيد الخلق، لا شك أنه سيد الخلق، وهو الذي يقول عليه الصلاة والسلام:((أنا سيد ولد آدم ولا فخر)) لكن هذا فيما للإنسان فيه سعة، أما الأمور المتعبد بها لا يجوز أن يضاف عليها أي كلمة، فلا يقال في التشهد مثلاً: وأشهد أن سيدنا محمد؛ لأن هذا متعبد بلفظه، هذا ذكر متعبد بلفظه، لكن إذا قلت: سيدنا رسول الله، اللهم صل وسلم على سيدنا محمد، لا إشكال في ذلك؛ لأنه سيد ولد آدم، وكذلك الصحابة لا شك أنهم سادة لما اشتملوا عليه، ولما اتصفوا به من السيادة في الدين والإمامة فيه، ينبغي أن ينزه هذا اللفظ الذي فيه شيء من التعظيم والتبجيل، فلا يطلق على منافق ولا على فاسق، وما أشبه ذلك، أما لا شك أن المسلم التقي الورع والعالم لا شك أنهم سادة، وأما الجهال فليسوا بسادة.

طالب: ما ينكر -يا شيخ- على من قال: سيدنا عمر؟

ما فيه إشكال في التعبير العادي، لا إشكال فيه، لكن ما تعبد بلفظه لا، ينبغي أنه إذا اشتف أو لُمسَ من تعبير الشخص أنه ينزل هذا الشخص فوق منزلته ينبغي أن يقال:((السيد الله)) حسماً للمادة؛ لأن الغلو يوصل إلى ما لا تحمد عقباه.

ص: 1

المقدم: أحسن الله إليكم، ذكر المؤلف في خطبته أيضاً التزامه بالنقل عن الإمام البخاري كما قال فإن قال: عن أنس قال هو: عن أنس، إن قال: عن أنس بن مالك قال هو: عن أنس بن مالك، هل يعني هذا أن الكتب ومن نقل عن أهل السنة في هذا أنه ينقل بنفس اللفظ، فمثلاً: عن ابن عمر يقول عن ابن عمر ولا يحق له أن ينقل فيقول: عن عبد الله بن عمر، وإذا كان الصحابي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال، هل ألتزم بهذا النقل كما هو أم يحق لي التغيير؟

أقول: مثل هذا الالتزام قدرٌ زائد على المطلوب، وهو زيادة في التحري والتثبت والدقة والأمانة في النقل، لكن لو غير فقال: عن أنس أو عن أنس بن مالك لا فرق؛ لأن الذات واحدة المقصود، وبحث أهل العلم إبدال الرسول بالنبي والعكس، لا شك أنه إذا تعبد باللفظ لا يجوز التغيير، ولذا رد النبي عليه الصلاة والسلام على البراء في حديث ذكر النوم:"ورسولك الذي أرسلت" قال: ((ونبيك الذي أرسلت)) لكن لو قال عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو قال عن نبي الله عليه الصلاة والسلام لا فرق؛ لأن الذات التي نسب إليها الكلام واحد، الذات واحدة، فلا فرق بين رسول الله عليه الصلاة والسلام باعتبار ذاته التي قالت هذا الكلام، ولا نبي الله عليه الصلاة والسلام، لكن من حافظ على الألفاظ التي اعتمدها في الأصل لا شك أنه زيادة في التثبت والتحري.

يبحث أهل العلم أيضاً الزيادة في نسب الشيخ، إذا قال: حدثنا محمد فهل للإنسان أن يقول: قال البخاري: حدثنا محمد بن بشار، وهو قال: حدثني محمد فقط، وهو يجزم أنه محمد بن بشار، أهل العلم يقولون: الورع ألا يفعل ذلك، بل يقتصر على ما قاله الإمام، وإذا أراد أن يزيد فليسلك الجادة المتبعة عند أهل العلم، فليقل: قال الإمام البخاري حدثنا محمدٌ يعني ابن بشار أو هو ابن بشار؛ ليدل على أنه هو الذي أضاف هذه الكلمة، وليست من قول شيخه الذي روى هذا الخبر وهكذا.

ص: 2

لا شك أن هذا من زيادة تحريهم وتثبتهم، وإلا فالذات ما تتغير سواءٌ نسبت أو لم تنسب، لكن لا شك أنه زيادة على القدر الذي رواه شيخه، الشيخ قال: حدثني محمد، أنت تعرف أن محمد تجزم مائة بالمائة أن محمد هو المقصود به ابن بشار، نعم لك أن تزيد في نسبه لكن لا تضيفه إلى من حدثك، فتفصل بين كلامه بكلامٍ يعرف أنه من زيادتك، فتقول: يعني ابن بشار، أو هو بن بشار وهكذا.

المقدم: ولذلك أهل العلم يسمون حديث ابن مسعود: حديث الصادق المصدوق، هل قوله: وهو الصادق المصدوق هذا اللفظة عن ابن مسعود رضي الله عنه؟

بلا شك، حدثني الصادق المصدوق يقصد به الرسول عليه الصلاة والسلام هي من لفظ ابن مسعود.

المقدم: ومن نقل: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بدون قول ابن مسعود: حدثني الصادق المصدوق؟

هذا الكلام لا يتغير، والصادق المصدوق هو الرسول عليه الصلاة والسلام، مثل لو قال: رسول الله أو نبي الله، لكن المحافظة على اللفظ الوارد في الأصل أمرٌ عند أهل العلم معتبر، ويعتنون به كثيراً؛ للدقة وزيادة التثبت والأمانة في النقل؛ لئلا يجرؤ أحد لو فتح مثل هذا الباب أن يغير ما يترتب على تغييره تغيرٌ في المعنى، لو فتح الباب للناس كلهم أن يتصرفوا لا سيما في الكتب المدونة المكتوبة، يعني لو فتح المجال لتعرضت هذه الكتب إلى التغيير والتبديل؛ لأنه ليس الناس كلهم على مستوىً واحد من الفهم والإدراك، ولذا جمهور العلماء يجيزون الرواية بالمعنى، ومع ذلك لا يجيزون فيها الكتب في المصنفات، تنقل من صحيح البخاري بالمعنى لا يجوز لك أن تنقل بالمعنى، لكن فيما رويته بالمشافهة عن أحد يجوز أن ترويه بالمعنى؛ لأنه لو تطرقت الرواية بالمعنى إلى الكتب والمدونات لمسخت هذه الكتب وهذه المدونات، كل واحد يزيد بالمعنى، واحد ينقص بالمعنى، واحد يفهم غير فهم الآخر، ثم بعد ذلك تضيع هذه الكتب، بل لا بد إذا نقل من هذه الكتب من مصنف إلى مصنف لا بد أن ينقل بأصله؛ لأن الرواية بالمعنى إنما أجيزت للحاجة، وما دام اللفظ عندنا بالحرف لا حاجة إلى الرواية بالمعنى، فانتفت الحاجة فانتفى الحكم.

ص: 3

المقدم: ثم قال بعد ذلك: كتاب بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ثم ساق الحديث.

هذا العنوان (كتاب بدء الوحي) ليس من وضع الإمام رحمه الله، ولذا قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى-: "لم يستفتح المصنف بدء الوحي بكتاب؛ لأن المقدمة لا تستفتح بما يستفتح به غيرها؛ لأنها تنطوي على ما يتعلق بما بعدها، ولفظ باب أيضاً بعد ذلك لا يوجد عند أبي ذر والأصيلي وثبت في رواية غيرهما، وبالمناسبة أبو ذر والأصيلي من رواة الصحيح، ذكرنا سابقاً أن الصحيح رواه عن مؤلفه أو تلقاه عن مؤلف أكثر من تسعين ألفاً، واشتهر، واستفاض في البلدان والأقطار، وحمله الخالفون عن السالفين برواياتٍ متعددة، وهذه الروايات يوجد في بعضها ما لا يوجد في بعض.

ولذا يستشكل كثيرٌ من طلبة العلم الإكثار من ذكر أبي ذر في الشروح، ويذهب وهَلَه إلى أنه الصحابي الجليل، حتى استشكل بعضهم أن ذكر أبي ذر في صحيح البخاري أكثر من ذكر أبي هريرة، وقد سئلت مراراً عن هذا السؤال، ذكر أبي ذر في صحيح البخاري ويقصد بذلك الشروح عند الشراح أكثر من ذكر أبي هريرة، والمجمع عليه أن أبا هريرة هو أكثر الصحابة على الإطلاق رواية للحديث.

فنقول: أبو ذر هذا عبد بن أحمد الهروي راوي الصحيح، وروايته هي أتقن الروايات وأضبطها، ولذا اعتمد عليها الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى-، والذين أدخلوا المتن مع الشرح أدخلوا متناً لا يناسب الشرح، ولذا يوجد في كثيرٍ من المواضع قوله ولا يوجد في المتن، ويوجد في المتن ألفاظ تحتاج إلى شرح هي من روايات أخرى غير روايات أبي ذر ولا يوجد لها شرح في فتح الباري وأمثاله ممن اعتمد على رواية أبي ذر.

ص: 4

على كل حال الكتاب من وضع الطابعين، حتى لا يوجد في شيء من الروايات كتاب بدء الوحي، ولذا نص الحافظ على أن المصنف لم يستفتح بدء الوحي بكتاب، أما الباب باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا لا يوجد أيضاً عند أبي ذر والأصيلي، لكنه موجود في غيرهما من الروايات. والباب في الأصل اسمٌ لما يدخل معه ويخرج منه، وهو في عرف المؤلفين اسمٌ لما يضم فصولاً ومسائل غالباً، وهو مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره هذا باب، ويجوز فيه التنوين والقطع عما بعده، ويجوز أيضاً تركه للإضافة إلى الجملة التالية، وجوز الكرماني الشارح التسكين على سبيل التعداد للأبواب فلا يكون له حينئذٍ إعراب.

وبدء الوحي روي بالهمز مع سكون الدال من الابتداء وبغير همزٍ مع ضم الدال وتشديد الواو من الظهور، قاله عياض، والوحي في اللغة: الإعلام في خفاء، ويطلق أيضاً على الإلهام، وشرعاً الأعلام بالشرع، ويطلق ويراد به اسم المفعول أي الموحى، وهو كلام الله المنزل على رسوله صلى الله عليه وسلم، وقد اعترض بعضهم على المؤلف رحمه الله فقال: لو قال: كيف كان الوحي لكان أحسن؟ لأنه تعرض فيه لبيان كيفية الوحي، لا لبيان كيفية بيان بدء الوحي فقط، وأجيب بأن المراد من بدء الوحي حاله مع كل ما يتعلق بشأنه أي تعلقٍ كان، وعطف في الصحيح على الترجمة وقول الله عز وجل:{إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ} [(163) سورة النساء] وقول مرفوع عطفاً على باب، أو مجرور عطف على الجملة التي أضيفت إلى الباب، والتقدير: باب معنى قول الله تعال كذا؛ لأن العطف على نية تكرار العامل، وحينئذٍ يقال: باب كيف كان بدء الوحي؟ وباب معنى قول الله تعالى كذا.

المقدم: هذا لا يوجد في نسخنا يا دكتور.

هذا في الأصل، لكن الآية لا بد منها؛ لأنها هي التي الشاهد منها أوضح من الحديث للباب، وسيأتي ما ذكره بعض الأئمة من أن الحديث لا تعلق له بالترجمة أصلاً، فإثبات الآية أولى من إثبات الحديث.

المقدم: يعني ننبه الإخوان إلى تغيير مسمى هذا الباب بناءً على الأصل الموجود؟

ص: 5

الآية مناسبة جداً للباب، ولذا حذفها من المؤلف غير متجه، نعم هي لا توجد في المختصر، لكن إثباتها أمرٌ لا بد منه، قوله:{إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ} [(163) سورة النساء] الآية، قدم ذكر نوح لأنه هو أول رسول، فلا يرد آدم عليه السلام، وإن اعترض العيني على ذلك فقال: "الذي يظهر من الجواب الشافي عن هذا أن نوحاً عليه السلام هو الأب الثاني، وجميع أهل الأرض من أولاده الثلاثة إلى قوله تعالى:{وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمْ الْبَاقِينَ} [(77) سورة الصافات] على كل حال هذا الاعتراض وإن استظهره العيني لكن يبقى أن كون الإشادة بالأب الثاني لا تعني إهمال الأب الأول، فلا يندفع الإشكال، فتقديم نوح؛ لأنه أول رسول أولى، ومناسبة الآية للترجمة واضح، من جهة أن صفة الوحي إلى نبينا صلى الله عليه وسلم توافق صفة الوحي إلى من تقدمه من النبيين.

نعم اقرأ الحديث.

قال رحمه الله: عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه)).

هذا الحديث حديث عمر في الأعمال بالنيات استشكل واعترض على الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- في إدخاله هذا الحديث في ترجمة بدء الوحي، حتى قال بعضهم: إنه لا تعلق له بالباب أصلاً، ولذا فإن الخطابي في شرحه والإسماعيلي في مستخرجه أخرجاه قبل الترجمة؛ لاعتقاده أنه إنما أورده للتبرك به فقط، أو ليكون بمثابة الخطبة للكتاب قبل الشروع في مقصود الكتاب، وقال ابن رشيد رحمه الله: لم يقصد البخاري بإيراده سواء بيان حسن نيته فيه، في هذا التأليف، ونقله الحافظ في الفتح عن ابن رشيد.

ص: 6

ونقل ابن بطال عن أبي عبد الله بن النجار قال: التبويب يتعلق بالآية والحديث معاً، ولذا قلنا: أن حذف الآية من الباب لا وجه له، بل ينبغي أن تثبت الآية، التبويب يتعلق بالآية والحديث معاً؛ لأن الله تعالى أوحى إلى الأنبياء ثم إلى محمد صلى الله عليه وسلم أن الأعمال بالنيات؛ لقوله تعالى:{وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [(5) سورة البينة] وقال ابن المنير في أول التراجم: كان مقدمة النبوة في حق النبي صلى الله عليه وسلم إلى الله تعالى بالخلوة في غار حراء، فناسب الافتتاح بحديث الهجرة، وقال ابن حجر:"ومن المناسبات البديهة الوجيزة ما تقدمت الإشارة إليه أن الكتاب لما كان موضوعاً لجمع وحي السنة صدره ببدء الوحي، ولما كان الوحي لبيان الأعمال الشرعية صدره بحديث الأعمال".

يقول ابن حجر: "ومع هذه المناسبات لا يليق الجزم بأنه لا تعلق له بالترجمة أصلاً"، مع هذه المناسبات التي أبداها ابن رشيد وغيره وما نقل عن أبي عبد الله بن النجار، وما قاله ابن حجر من المناسبة البديعة لا يليق الجزم بأن الحديث لا تعلق له بالترجمة أصلاً.

والحديث يذكر أهل العلم أن له سبباً، يقول ابن دقيق العيد:"نقلوا أن رجلاً هاجر من مكة إلى المدينة لا يريد بذلك فضيلة الهجرة، وإنما هاجر ليتزوج امرأة تسمى أم قيس، فلهذا خص في الحديث ذكر المرأة دون سائر ما ينوى به" وقصة المهاجر رواها سعيد بن منصور الطبراني عن ابن مسعود، قال ابن حجر:"قصة المهاجر إسنادها صحيح على شرط الشيخين، لكن ليس فيها أن حديث الأعمال سيق بسبب ذلك"، يقول:"ولم أر في شيء من الطرق ما يقتضي التصريح في ذلك".

وعلى كل حال الحديث صحيح متفقٌ عليه، مخرجٌ في الصحيحين وغيرها من دواوين الإسلام المشهورة في السنن والمسانيد والجوامع وغيرها، يقول ابن حجر: "ثم إن هذا الحديث متفقٌ على صحته، أخرجه الأئمة المشهورون إلا الموطأ، ووهم من زعم أنه في الموطأ، مغتراً بتخريج الشيخين له والنسائي من طريق مالك، قلتُ: لكنه في الموطأ، هو في الموطأ من رواية محمد بن الحسن الشيباني، في باب النوادر من كتاب السير في أواخر الكتاب.

ص: 7

يقول السيوطي في تنوير الحوالك: "رواية محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة فيها أحاديث يسيرة زيادة على سائر الموطآت، منها حديث: ((إنما الأعمال بالنيات)) وبذلك يتبين صحة قول من عزا روايته إلى الموطأ ووهمُ من خطأه في ذلك".

والحديث مع ذلك حديثٌ فرد، فردٌ مطلق تفرد بروايته عمر بن الخطاب عن النبي صلى الله عليه وسلم، وتفرد بروايته عنه علقمة بن وقاص الليثي، وتفرد بروايته عنه محمد بن إبراهيم التيمي، وتفرد بروايته عنه يحيى بن سعيد الأنصاري، وعنه انتشر انتشاراً بالغاً حتى نقل عن أبي إسماعيل الأنصاري الهروي أنه قال:"كتبت من حديث سبعمائة من أصحاب يحيى"، يقول ابن حجر:"قلتُ: وأنا أستبعد صحة هذا، فقد تتبعت طرقه من الروايات المشهورة والأجزاء المنثورة منذُ طلبت الحديث إلى وقتي، فما قدرت على تكميل المائة، وقد تتبعت طرق غيره فزادت على ما نقل عمن تقدم"، وأطلق الخطابي نفي الخلاف بين أهل الحديث في أنه لا يعرف إلا بهذا الإسناد، قال ابن حجر:"وهو كما قال" نفي الخلاف على إطلاقه، أنه لا يروى إلا بهذا الإسناد أو لا يعرف إلا بهذا الإسناد هو كما قال لكن بقيدين: أحدهما: الصحة، والثاني: السياق؛ لأنه ورد من طرق معلولة ذكرها الدارقطني وأبو القاسم بن مندة، وورد في معناه عدة أحاديث صحت في مطلق النية، كحديث عائشة وأم سلمة عند مسلم:((يبعثون على نياتهم))، وحديث ابن عباس:((ولكن جهاد ونية)) وحديث أبي موسى: ((من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله)) متفقٌ عليهما، وحديث ابن مسعود:((رب قتيلٍ بين الصفين الله أعلم بنيته)) أخرجه أحمد، وحديث عبادة:((من غزا وهو لا ينوي إلا عقالاً فله ما نوى)) أخرجه النسائي، إلى غير ذلك مما يتعسر حصره.

ص: 8

وإطلاق الخطابي نفي الخلاف بين أهل الحديث أنه لا يعرف إلا بهذا الإسناد كلامٌ صحيح، لكن بالقيدين اللذين ذكرها ابن حجر، الصحة؛ لأنه ورد من طرق عن جمعٍ من الصحابة لكنه لا يثبت، وورد بسياقٍ أو بألفاظ أخرى في مناسبات كثيرة غير السياق الذي أورده به عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وعرف بهذا التقرير غلط من زعم أنه حديثٌ متواتر، إلا أن حمل على التواتر المعنوي فيحتمل، حمل على التواتر المعنوي فالأحاديث التي ذكرت في النية وأهميتها تبلغ حد التواتر، بمجموعها تبلغ حد التواتر، وإن كانت مفرداتها لا تصل إلى ذلك.

طالب: هل في قاعدة تقول: أن كل حديث وجدت له طرق غير صحيحة لا يعتبر بها ولا تعد طرق للحديث؟

أولاً: الحديث إذا صح وثبت عند أهل العلم لا نحتاج له إلى طرق، الأمر الثاني: أن الطرق منها ما يعتد به ويلجأ إليه عند الحاجة، وذلك إذا كان الضعف غير شديد، إذا أردنا تقوية الحديث من الضعف إلى الحسن لغيره فإننا نلجأ إلى مثل هذه الطرق إذا كان ضعفها غير شديد، أما إذا كان ضعفها شديد فوجودها مثل عدمها.

طالب: أحسن الله إليك يا شيخ: ذكرتم أن الحديث ورد عن عمر عن علقة وهو غريب مطلق، لماذا لم يرويه عن عمر إلا علقمة رغم أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حدث بالحديث على المنبر، وورد هذا في سند الحديث أنه حدث به أو سمعت عمر بن الخطاب وهو على المنبر؟

ص: 9

نعم الحديث فردٌ مطلق لم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام إلا من طريق عمر، ولا عن عمر إلا عن علقمة، وعلقمة يقول: سمعت عمر بن الخطاب على المنبر يقول، ولا يمنع اكتفاء الأئمة المصنفين بطريقٍ واحد، وترك غيره من الطرق إذا قامت به الحجة، وإلا فأين ذهبت الأحاديث التي يحفظها الأئمة، منهم من يحفظ سبعمائة ألف حديث؟ هذه طرق، منهم من يحفظ ستمائة ألف حديث، هذه أيضاً طرق، الحديث الواحد ربما يروى من مائة طريق فيسمى أحاديث، هذه الطرق أين ذهبت؟ لو بحثنا عنها في دواوين الإسلام الموجودة ما وجدنا منها إلا الشيء القليل، الأمة بمجموعها معصومة من أن تخل بشيء من دينها، فإذا ثبت الحديث عند بعضهم اكتفوا به، فلا يمنع أن يكون قد سمعه عن عمر جمعٌ غفير، واكتفوا بنقل علقمة؛ لأنه مما تثبت به الحجة، ويقوم عليه الأمر.

عرف بهذا أيضاً غلط من زعم أن التعدد شرط لصحة الحديث أو شرط للبخاري في صحيحه كما يومئ إليه كلام الحاكم، وهو مذكور عن البيهقي، ويقرره ابن العربي والكرماني الشارح وغيرهم، ولهذا يقول الصنعاني في نظم النخبة لما ذكر العزيز:

وليس شرطاً للصحيح فاعلمِ

وقيل: شرطٌ وهو قول الحاكمِ

وفي بعض النسخ من نظم النخبة قال:

وليس شرطاً للصحيح فاعلمِ

وقد رمي من قال بالتوهمِ

هذا الحديث فردٌ مطلق، لا يروى عن النبي عليه الصلاة والسلام بسندٍ صحيح إلا عن عمر، ولا عن عمر إلا عن طريق علقمة بن وقاص إلى آخر الطبقات الأربع، فكيف يقول: من يقول أن تعدد الرواة شرط لصحة الخبر، وأول حديث في صحيح البخاري ينقض هذا الشرط ويبطله، وآخر حديثٍ كذلك حديث أبي هريرة:((كلمتان خفيفتان على اللسان))

إلى آخره، مثل حديث (الأعمال بالنيات) سواءٌ بسواء، فرد في أربع طبقات، وفي الخامسة انتشر، مثل حديث (الأعمال بالنيات) وكأنهما سيقا للرد على هذه الدعوة، وغير ذلك من غرائب الصحيح.

ص: 10

المقصود أن كون الحديث فرد لا يروى إلى من طريق واحد لا يقدح فيه، فهذا الحديث مما تلقي بالقبول، وقال شيخ الإسلام وغيره بقطعية هذا اللفظ، وقد تواتر عن الأئمة النقل في تعظيم قدر هذا الحديث، فقيل: ليس في أخبار النبي صلى الله عليه وسلم شيء أجمع وأغنى وأكثر فائدة من هذا الحديث، واتفق عبد الرحمن بن مهدي والشافعي وأحمد بن حنبل وعلي بن المديني وأبو داود والترمذي والدارقطني وحمزة الكناني على أنه ثلث الإسلام، ومنهم من قال: ربعه، وقال ابن مهدي:"يدخل في ثلاثين باباً من العلم"، وقال الشافعي:"يدخل في سبعين باباً" وقال ابن مهدي أيضاً: "ينبغي أن يجعل هذا الحديث رأس كل باب"، لذا يقول الشاعر:

عمدة الدين عندنا كلماتٌ أربع

مسندات من قول خير البرية

اترك الشبهات وازهد ودع

ما ليس يعنيك واعملن بنية

هذه الأحاديث الأربعة يدور عليها الإسلام فيما قرره أهل العلم، وجه البيهقي كونه ثلث العلم بأن كسب العبد يقع بقلبه ولسانه وجوارحه، فالنية أحد أقسامها الثلاثة بل أرجحها؛ لأنها قد تكون عبادة مستقلة وغيرها يحتاج إليها، ولذا ورد في الحديث:((نية المؤمن خيرٌ من عمله)) والحديث فيه كلام لأهل العلم، بل هو مضعف عند جمعٍ منهم، ولو ثبت لا شك أن العمل بدون نية مرجوح بالنية للنسبة للنية بدون عمل؛ لأن كثير من الناس ينوي الخير ولا يستطيعه يثبت له أجره، لكن إذا عمل الخير بدون نية لا أجر له كما هو معروف.

المقدم: من خلال النسخة الموجودة والتي نصحنا الإخوة المستمعين أن يتابعوا معنا الطبعة أشرتم في البداية إلى ضرورة الرجوع إلى الأصل، وإضافة الآية ليستقيم المعنى، هناك كتب في البداية رقم (1) ولم يكتب باب في النسخة هذا الترقيم هل هو يغني عن الأبواب أم أن هذه النسخة ليس فيها باب؟

الأصل ما في باب، في رواية أبي ذر والأصيلي ما في باب، لكن في الروايات الأخرى توجد كلمات باب، فلعله اعتمد على رواية أبي ذر.

المقدم: في آخر الحديث مكتوب أطرافه ثم ذكر ترقيماً، ما المقصود بأطراف الحديث هنا؟

يعني وروده في صحيح البخاري في المواضع بالأرقام المذكورة.

ص: 11

المقدم: الحديث لم يروه إلا عمر رضي الله عنه كما ذكرتم، ومع ذلك هناك اختلاف في بعض ألفاظ الحديث، هل يعني هذا أنه سمع أكثر من مرة عن النبي صلى الله عليه وسلم؟

قد يكون مرد هذا الاختلاف إلى من رواه من بعد يحيى بن سعيد، قد يكون مرد هذا الاختلاف في الألفاظ يرجع إلى من رواه بعد يحيى بن سعيد؛ لأنه عنه انتشر، والرواية بالمعنى عند أهل العلم جائزة بشروطها، رواية الحديث بالمعنى تجوز عند أهل العلم عند جمهور العلماء بشروطها: أن يكون الراوي عالماً بمدلولات الألفاظ وما يحيل المعاني، أما إذا لم يكن كذلك فإنه لا يجوز له أن يروي بالمعنى، بل يجب عليه أن يأتي بلفظ الحديث.

إن رأيتم قبل الدخول في المفردات أن نشير إلى أن أحد وجهي التقسيم محذوف في الحديث، وهو وارد وثابت من رواية البخاري عن الحميد، أحد وجهي التقسيم، أيش معنى هذا؟ الحديث:((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى)) الوجه الأول على وجه التقسيم: ((فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله)) وهذه محذوفة في هذا الموضع ومذكورة في مواضع أخرى، إنما ذكر الوجه الثاني من أوجه التقسيم، والذي يغلب على الظن أن الحذف من الإمام نفسه من البخاري، من الإمام البخاري نفسه.

المقدم: وهو موجود في الأصل بهذا اللفظ؟

ص: 12

محذوف في الأصل، محذوف في الأصل في الموضع الأول هنا، لكن في مواضع لاحقة موجود، فلماذا حذفه الإمام البخاري -رحمه الله تعالى-؟ الذي يغلب على الظن أن الحذف من الإمام البخاري؛ لأنه ثابت من رواية الحميدي، فالسبب في ذلك أن الوجه الأول من أوجه التقسيم الذي حذفه البخاري يوحي بالتزكية، وأن الإمام البخاري قصد ولو من بُعد من تأليفه هذا الكتاب الهجرة إلى الله ورسوله، وإنما أراد أو قصد حذف هذه الجملة مجانبة للتزكية التي لا يناسب ذكرها في هذا المقام، وذلك أن الجملة المحذوفة تشعر بالقربة المحضة، والجملة المبقاة تحتمل التردد بين أن يكون ما قصده الحصر بالقربة أو لا؟ كان مذهب الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- جواز اختصار الحديث، وهو قول كثير من العلماء شريطة أن لا يتعلق المذكور بالمحذوف، يعني لا يحتاج إلى المحذوف لبيان المذكور، شريطة أن لا يتعلق المذكور بالمحذوف، وأن يكون الراوي في منزلة بحيث لا يتهم بالتقصير وعدم الضبط إذا حذف أو الزيادة في الخبر إذا رواه تاماً.

والإمام البخاري منزلته أكبر من أن يتهم بأنه حذف أو لم يضبط أو لم يتقن أو أخل بشيء من الحديث أما إذا كان منزلة الراوي الذي اختصر الحديث بحيث لو سمع مرةً تاماً ومرةً ناقصاً يتهم بأنه لم يضبط الحديث بل أخل ببعضه إذا رواه ناقصاً، أو زاد فيه من عنده مما لم يثبت، بل وهم فيه فيما إذا رواه تاماً، ومنزلة الإمام -رحمه الله تعالى- تربو على ذلك.

مفردات الحديث:

ص: 13

"إنما" أداة حصر، وإفادتها للحصر بالمنطوق وضعاً حقيقياً خلافاً لمن زعم أنها تفيده بالمفهوم عرفاً لا وضعاً مجازاً لا حقيقة، وهي بمثابة الاستثناء بعد النفي كما في قوله تعالى:{إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [(7) سورة التحريم] وقوله: {وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [(39) سورة الصافات]، فكون الآية جاءت مرةً {إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [(7) سورة التحريم]، ومرةً {وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [(39) سورة الصافات]، دلَّ على أن:"إنما" بمثابة ما وإلا، وكقوله:{فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [(12) سورة التغابن]، مع قوله:{وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ} [(18) سورة العنكبوت]، فهي مثل ما وإلا، مثل الإثبات بعد النفي سواءٌ بسواء.

ويستفاد الحصر أيضاً من جهة ثانية في الخبر، وهي تعريف جزئي الجملة ((إنما الأعمال بالنيات)) فـ (أل) في الأعمال للاستغراق، أي جميع الأعمال بالنيات، وهو من مقابلة الجمع بالجمع، الأعمال والنيات، ومقابلة الجمع بالجمع تقتضي القسمة آحاداً، أي كل عمل بنية كل عمل لا بد له من نية، كما في قولهم: ركب القوم دوابهم، المقصود أن جميع القوم ركبوا دابة واحدة، أو ركبوها على التعاقب ركب واحدة ثم ركبوا واحدة، لا، كل واحد ركب واحدة، وهذا ما يقتضيه مقابلة الجمع بالجمع.

و"الأعمال" أي جميع الأعمال البدنية، قليلها وكثيرها، فرضها ونفلها، الصادرة من المكلفين صحيحة أو مجزئة إذا كانت مصاحبة للنيات، يقول الحافظ ابن رجب -رحمه الله تعالى- في شرح البخاري: الفعلُ من الناس من يقوله مرادفٌ للعمل، ومنهم من يقوله: وهو أعم من العمل، فمن هؤلاء من قال: الفعل يدخل فيه القول وعمل الجوارح، والعمل لا يدخل فيه القول عند الإطلاق، ويشهد لهذا قول عبيد بن عمير:"ليس الإيمان بالتمني ولكن الإيمان قولٌ يفعل وعملٌ يعمل"، يعني القول يدخل في الفعل ولا يدخل في العمل على هذا، خرجه الخلال.

ص: 14

ومنهم من قال: العمل ما يحتاج إلى علاج ومشقة، والفعل أعم من ذلك، ومنهم من قال: العمل ما يحصل منه تأثير في المعمول، كعمل الطين آجراً، والفعل أهم من ذلك، كل هذا من كلام الحفاظ ابن رجب رحمه الله-وما يليه أيضاً، ومنهم من قال: العمل أشرف من الفعل، فلا يطلق العمل إلا على ما فيه شرفٌ ورفعة بخلاف الفعل، فإن مقلوب عمل لمع، ومعناه ظهر وأشرف، وهذا فيه نظر -يقول الحافظ ابن رجب رحمه الله وهذا فيه نظر، لماذا؟ يقول: فإن عمل السيئات يسمى أعمالاً، كما قال تعالى:{مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} [(123) سورة النساء] وقال: {مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا} [(40) سورة غافر]، ولو قيل عكس هذا لكان متوجهاً، فإن الله تعالى إنما يضيف إلى نفسه الفعل كقوله تعالى:{وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ} [(45) سورة إبراهيم]، {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ} [(6) سورة الفجر]، {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ} [(1) سورة الفيل]{إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاء} [(18) سورة الحج]، وإنما أضاف العمل إلى يديه كما قال:{أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا} [(71) سورة يس]، وليس المراد هنا الصفة الذاتية بغير إشكال، وإلا استوى خلق الأنعام وخلق آدم عليه السلام، واشتق سبحانه لنفسه أسماء من الفعل دون العمل، قال تعالى:{إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} [(107) سورة هود].

ثم قال ابن رجب رحمه الله في موضع آخر من شرحه للبخاري: "إن العمل يتناول القول، ويعتبر له النية"، وصرح أبو عبيد القاسم بن سلام -النسخة المطبوعة من شرح ابن رجب- فيها خرج وصوابها صرح صرح أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الطلاق له بدخول القول في العمل، وأن الأقوال تدخل في قوله صلى الله عليه وسلم:((الأعمال بالنيات)) وأبو عبيد محله من معرفة لغة العرب المحل الذي لا يجهله عالم"، هذا كلام ابن رجب -رحمة الله عليه-.

ص: 15

يقول: "وقد اختلف الناس لو حلف لا يعمل عملاً أو لا يفعل فعلاً، فقال: قولاً هل يحنث أو لا؟ وكذا لو حلف ليفعلن أو ليعملن هل يبر بالقول أم لا؟ وقد حكى القاضي أبو يعلى في ذلك اختلافاً بين الفقهاء، وذكر في كتب الأيمان له أنه لا يبر ولا يحنث، لكن هل سبب ذلك أن القول لا يدخل في العمل، أو سببه أمرٌ آخر وهو أن الأيمان والنذور مردها إلى الأعراف؟ نسمع ما يقوله الحافظ ابن رجب -رحمه الله تعالى-:

"وأخذه من رواية أبي طالب" وأخذه يعني القاضي أبا يعلى أخذ ما ذكر من رواية أبي طالب عن أحمد في رجلٍ طلق امرأته طلقةً واحدة ونوى ثلاثاً، قال بعضهم: له نيته، ويحتج بقوله:((الأعمال بالنيات)) قال أحمد: ما يشبه هذا بالعمل، إنما هذا لفظ المرجئة يقولون: القول هو عمل، لا يحكم عليه بالنية، ولا هو من العمل، الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- إنما ألمح إلى أمرٍ مهم، وهو أن تفسير العمل بالقول أو القول بالعمل هو قول المرجئة؛ لأن من المرجئة من يقول من يوافق السلف على أن الإيمان قولٌ وعمل، الإيمان اعتقاد وعمل، فيجزم بأن أو يفسر العمل هنا بالقول، فلا يخرج عن مذهب المرجئة، والإمام أحمد -رحمه الله تعالى- إنما يريد بهذا الكلام الرد على من يفسر بالعمل في قول السلف في معنى الإيمان بالقول، وأن القول عمل ويكفي في مسمى الإيمان.

ص: 16

يقول: "إنما هذا لفظ المرجئة يقولون: القول هو عمل لا يحكم عليه بالنية، ولا هو من العمل" هذا كلام الإمام -رحمه الله تعالى-، قال ابن رجب:"وهذا ظاهرٌ في إنكار تسمية القول عملاً بكل حال، وأنه لا يدخل تحت قوله: ((الأعمال بالنيات)) " يقول: "وكذلك ذكر أبو بكرٍ عبد العزيز بن جعفر في كتاب السنة، قال ابن رجب: وهذا على إطلاقه لا يصح، فإن كنايات الطلاق كلها أقوال، ويعتبر لها النية، وكذلك ألفاظ الأيمان والنذور أقوال ويعتبر لها أيضاً النية، وألفاظ عقود البيع والنكاح وغيرها أقوال وتؤثر فيها النية عند أحمد، كما تؤثر النية في بطلان نكاح التحليل، وعقود التحيل على الربا، وقد نص أحمد رحمه الله على أن من أعتق أمته وجعلها عتقها صداقها أنه يعتبر له النية، فإن أراد نكاحها في ذلك وعتقها انعقدا بهذا القول، فأرجعه إلى النية، وكذلك ألفاظ الكفر المحتملة تصير بالنية كفراً، واستدل القاضي أبو يعلى على عدم الحنث بذلك بأن الأيمان يرجع فيها إلى العرف، والقول لا يسمى عملاً في العرف، نعم جمهور العلماء يردون الإيمان والنذور إلى الأعراف، فمن حلف لا يمس دابةً مثلاً ووضع يده على ظهرها ومس شعرها يحنث؛ لأنه عرفاً يعد قد مس هذه الدابة، وإن كان الشعر في حكم المنفصل، لكن العرف يجعل هذا العمل يحنثه؛ لأنه مس الدابة عرفاً وإن كان الشعر في حكم المنفصل.

يقول: "ولهذا يعطف القول على العمل كثيراً، فيدل على تغايرهما عرفاً واستعمالاً، قال ابن رجب: "ومن الناس من قال: القول يدخل في مسمى الفعل ولا يدخل في مسمى العمل" وهذا الذي ذكره ابن خشاب النحوي وغيره، يقول: "وقد ورد تسمية القول فعلاً في القرآن في قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ} [(112) سورة الأنعام] ما فعلوه وهو قول، انتهى كلام الحافظ ابن رجب رحمه الله.

وأما التروك فهي فهي وإن كانت فعل كف لكن لا يطلق عليها لفظ العمل عرفاً، وإن جاء استعمالاً، قد قال بعض الصحابة:

لئن قعدنا والنبي يعملُ

فذاك منا العمل المضللُ

ص: 17

فسمَّى قعودهم وتركهم العمل مشاركة للنبي صلى الله عليه وسلم عملاً مضللاً، لكن قد يورد على هذا الصيام وهو ترك المفطرات، ترك المفطرات الصيام بهذا الاعتبار ترك، فكيف تشترط له النية؟ الصيام تركٌ للمفطرات إمساكٌ عن هذه المفطرات الأكل والشرب والجماع، ولا بد له من نية؛ لأنه عبادة، فيشكل على قولهم: أن التروك لا تحتاج إلى نية؛ لأنها ليست بعمل، والصيام وأنه يشترط له النية، ولا صيام لمن لم يبيت النية من الليل كما هو معروف، وهذا في صيام الفرض، أما في صيام النفل فإنه يجزئ ولو كانت من نهار، وعلى كل حال الترك والعزم على عدم الفعل فعل، ولو لم يكن إلا فعل القلب، ولذا يؤجر من ترك المعاصي قصداً، أما من تركها لأنها لم تخطر على باله فإنه لا يؤجر على ذلك، أما من خطرت على باله المعصية وتركها فإنه يؤجر على تركها بلا نزاع، فقولهم بأن التروك ليست بعمل فلا تحتاج إلى نية فلا تدخل في الحديث هذا ليس على إطلاقه، لكن من قصد ترك المعصية بعد أن خطرت على باله، أو قصد فعل الطاعة فإنه يؤجر على هذا القصد.

وأما النية وهي عمل القلب فلا يتناولها الحديث، النية عمل، عمل القلب لا يتناولها الحديث لماذا؟ الأصل أنها ما دامت عمل يعني تناولها الحديث، لكن الحديث لا يتناول النية؛ لئلا يلزم التسلسل؛ لأن النية إذا احتاجت إلى نية فالنية التي قبلها تحتاج إلى نية، والنية التي قبلها تحتاج إلى نية وهكذا، وهذا ما يسمى بالتسلسل في الماضي، فيمنعه كثيرٌ من أهل العلم، لكن التسلسل في المستقبل لا إشكال فيه وصحيح، ولذا الشكر نعمة يحتاج إلى شكر، والشكر الثاني نعمة يحتاج إلى شكر وهكذا، ولذا لم يمنعوا تسلسل الشكر بخلاف تسلسل النية.

طالب: الإمام أحمد قوله لما قال: بأن العمل هو القول أو القول هو العمل، هذا قول المرجئة، هل يمكن أن نقول أو نوضح كلام أحمد أن مقصود الإمام أحمد بأن القول هو العمل أو العمل هو القول أو المرجئة إذا قصروه على ذلك ولم يدخلوا فيه أعمال الجوارح؛ لأنه أشكل على بعض الناس؛ لأن أهل السنة يقولون أيضاً القول هو من العمل كما قرر أبو عبيد وغيره في كتاب الإيمان؟

ص: 18

الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- هو بصدد الرد على المرجئة، وتشديده في هذه المسألة للرد على هذه الفرقة المبتدعة الذين يقصرون تفسير العمل بالقول، وأن العمل لا يشمل إلا عمل اللسان فقط، والإمام -رحمه الله تعالى- حينما ينفي هذا لا يريد أن القول لا يدخل في مسمى العمل، وإنما ينكر على هذه الفرقة جعل العمل بإزاء القول تماماً، بحيث لا يشمل العمل أموراً أخرى من أعمال الجوارح غير اللسان، وإلا معروف عند أهل العلم قاطبة أن حركة اللسان عمل، واللسان جزء من البدن، وأيضاً عمل اليدين عمل، عمل الرجلين عمل، وعمل سائر الجوارح عمل، وعمل القلب عمل؛ لأنه جزءٌ من الإنسان وجزءٌ من البدن، فالعمل أشمل من القول، وأشمل من عمل القلب، وأشمل من عمل الجوارح، بحيث يضمها كلها.

المقدم: أحسن الله إليكم، أيضاً في قول النبي عليه الصلاة والسلام:((إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم)) ونحن نقول: إن القلب له عمل، هل المقصود بهذا قصر هذا الأمر على عمل الجوارح وما ينتج من القول، وبالتالي لا يدخل فيه عمل القلب؟

القصد له مراتب، ومن هذه المراتب: الخاطر، والهاجس، وحديث النفس، والهم، والعزم، هذه مراتب متفاوتة، فالهاجس لا مؤاخذة فيه إجماعاً، ومثله خاطر وحديث النفس الذي يرتدد ما لم يترتب عليه أثر وعمل، الهاجس الذي يطرأ على الإنسان ويزول، والخاطر الذي يرتدد ثم يزول، وحديث النفس الذي يرتدد في القلب أكثر، هذا كله لا أثر له إلا إذا ترتب عليه عمل من كلام أو فعل بالجوارح، إذا ترتب عليه أخذ به، وأما بالنسبة للهم والعزم ففيهما الأخذ والمؤاخذة؛ لأن المراتب هذه متفاوتة، فكون النبي عليه الصلاة والسلام يهم بالتحريق استدل به أهل العلم على تحريم التخلف عن صلاة الجماعة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام همّ بالتحريق، والهم من أعمال القلب، ومثله العزم، بل هو أقوى منه، ولذا يقول القائل:

مراتب القصد خمسٌ هاجسٌ ذكروا

فخاطرٌ فحديثُ النفس فاستمعا

يليه همٌ فعزمٌ كلها رفعت

إلا الأخير ففيه الأخذ قد وقعا

ص: 19

ويستدل بعضهم على المؤاخذة بالعزم حديث: ((إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار)) قيل: هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: ((لأنه كان حريصاً على قتل صاحبه)) عازم على قتل صاحبه.

المقدم: بالتالي هناك بعض الأعمال تأتي على هذه المرتبة كما تفضلتم، يعني بعض الأعمال القلبية خطيرة جداً، ربما تنقل الإنسان من الإسلام إلى الكفر، فهي تدخل في هذا؟

نعم إذا سعى، إذا سعى لتحقيقه.

المقدم: لو لم يصدر منه فعل، كالبغض مثلاً؟

ما في شك أن هذا عمل قلبي، ولذا منهم من يرى أن الحسد لا أثر له ولا مؤاخذة فيه؛ لأنه من عمل القلب من حديث النفس، يرى أنه من حديث النفس، وهذا ما يقرره ابن الجوزي، لكن جمهور العلماء على المؤاخذة بالحسد؛ لأنه عملٌ قلبي، والسعي في إيذاء المحسود قدرٌ زائدٌ على ذلك، فالنصوص إنما جاءت ورتبت على الحسد نفسه، النصوص الواردة في ذم الحسد وتشنيعه إنما جاءت في الحسد نفسه، وأما العمل الذي يورثه هذا الحسد من إيذاء المحسود فقدرٌ زائد على ذلك يؤاخذ عليه أيضاً.

الكلام عن حديث عمر في الأعمال بالنيات، وأهمية الحديث يطول جداً، حتى قال بعض أهل العلم فيما تقدم نقله: أنه ثلث العلم، أو قال بعضهم: ربعه، وقال بعضهم يدخل في ثلاثين باباً، قال بعضهم: يدخل في سبعين باباً من أبواب العلم، كل هذا لأهمية هذا الحديث، وقد أفرد بالتصنيف، شرحه شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- في رسالة، وشرحه الجلال السيوطي في رسالة أيضاً، وهناك مباحث وكتب ألفت في النية وفي المقاصد وفي غيرها.

ص: 20

والنية شرطٌ لصحة الأعمال كلها، ومحلها -كما هو معروف- القلب باتفاق العلماء، كما يقوله شيخ الإسلام بن تيمية -رحمه الله تعالى-، فإن نوى بقلبه ولم يتكلم بلسانه أجزأته النية باتفاق، يقول شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-:"وقد خرج بعض أصحاب الشافعي وجهاً من كلام الشافعي غلط فيه على الشافعي، فإن الشافعي إنما ذكر الفرق بين الصلاة والإحرام بأن الصلاة في أولها كلام، فظن بعض الغالطين أنه أراد التكلم بالنية، الإمام الشافعي يقول: الفرق بين الصلاة والإحرام أن الصلاة في أولها كلام، هذا الغالط الذي حمل كلام الشافعي على أن مراده به النية والنطق بها غلط على الإمام -رحمه الله تعالى-، ما المانع أن يكون مراد الإمام الشافعي رحمه الله تكبيرة الإحرام؟ يقول -رحمه لله-: "فظن بعض الغالطين أنه أراد التكلم بالنية، وإنما أراد التكبير والنية تتبع العلم، فمن علم ما يريد فعله فلا بد أن ينويه ضرورة، كمن قدم بين يديه طعام ليأكله، فإذا علم أنه أراد الأكل فلا بد أن ينويه، بل لو كلف العباد أن يعملوا عملاً بغير نية كلفوا ما لا يطيقون، لا يمكن أن يعمل الإنسان عمل يقصده ويريده ويعلمه أن يعمله بغير نية، وإنما -يقول شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-:"وإنما يتصور عدم النية إذا لم يعلم ما يريد، مثل من نسي الجنابة واغتسل للنظافة أو للتبرد" مثل هذا نسي لا يعلم ما يريد، أو من يريد أن يعلم غيره الوضوء ولم يرد أن يتوضأ لنفسه، أو من لا يعلم أن غداً من رمضان فيصبح غير ناوٍ للصوم.

ومن عرف هذا تبين له أن النية مع العلم في غاية اليسر، النية مع العلم بالعمل في غاية اليسر لا تحتاج إلى وسوسة وآصار وأغلال، ولهذا قال بعض العلماء: الوسوسة إنما تحصل للعبد من جهلٍ بالشرع أو خبلٍ في العقل، يعني شخص يمكث الساعات يتوضأ ثم يشك هل نوى أو لم ينو؟ نسأل الله السلامة والعافية، يكبر للإحرام ثم يقرأ ثم يقطع صلاته يشك هل نوى أو لم ينو؟، كل هذا لا يحتاج إليه، إذا قصد الصلاة وذهب إليها علم بها هذه هي النية.

ص: 21

من مصائب بعض الموسوسين أن شخصاً بعد طلوع الشمس وانتشارها في أيام الشتاء طرق علي الباب، يعني بعد صلاة الفجر بحوالي ساعتين، طرق علي الباب فقال: أنا لم أستطع أن أصلِّ العشاء، كم لصلاة العشاء الآن؟ أكثر من اثنا عشر ساعة، لم يستطع أن يصلي العشاء، وهو من ذلك الوقت يكبر ثم يقطع الصلاة، يكبر ثم يقطعها، هذه بلوى، وأشبه ما تكون بالجنون، ولذا يقول الشيخ -رحمه الله تعالى- ينقل عن بعض العلماء أن الوسوسة إنما تحصل للعبد من جهلٍ بالشرع أو خبلٍ في العقل.

يقول الشيخ -رحمه الله تعالى-: "وقد تنازع الناس هل يستحب التلفظ بالنية؟ فقال طائفة من أصحاب أبي الحنيفة والشافعي وأحمد: مستحب ليكون أبلغ، قاله بعض المتأخرين من أتباع المذاهب، وقالت طائفة من أصحاب مالك وأحمد: لا يستحب ذلك، بل التلفظ بها بدعة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين لهم بإحسان لم ينقل عن واحدٍ منهم أنه تكلم بلفظِ النية لا في صلاة ولا في طهارة ولا صيام، يعني ما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام ولا نقل عنه ولا عن صحابته الكرام لا بسندٍ صحيح ولا ضعيف أيضاً، قالوا: لأنها تحصل مع العلم بالفعل ضرورة، فالتكلم بها نوع هوس، وعبثٌ وهذيان {أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ} [(16) سورة الحجرات] إذا أراد الشخص أن يصلي وقصد الصلاة عالماً بها غير ناسٍ لها، ويقول: نويت أن أصلي الظهر، نويت أن أصلي كذا، تعلم الله بدينك؟! يقول الشيخ -رحمه الله تعالى-: "قالوا: لأنها تحصل مع العلم بالفعل ضرورة، فالتكلم بها نوع هوس وعبث وهذيان، والنية تكون في قلب الإنسان، ويعتقد أنها ليست في قلبه فيريد تحصيلها بلسانه وتحصيل الحاصل محال".

ولذا مما يشترط للعمل المكلف به أن يكون معدوماً، من شروط العمل المعدود به أن يكون معدوماً؛ لأن تحصيل الحاصل وإيجاد الموجود محال، يقول:"فلذلك يقع كثيرٌ من الناس في أنواع من الوسواس، واتفق العلماء على أنه لا يسوغ الجهر بالنية لا لإمام ولا لمأموم ولا لمنفرد، ولا يستحب تكريرها، وإنما النزاع بينهم في التكلم بها سراً هل يكره أو يستحب".

ص: 22

الكلام هل يحرك بها لسانه؟ أما النطق بها والجهر بها هذا بدعة، لا يقول أحدٌ باستحبابه، لكن تحريك اللسان بها ليواطئ اللسان القلب هذا استحبه بعض المتأخرين من المتمذهبة عند أهل الشافعية والحنابلة وبعض الحنفية، وعرفنا أن التلفظ بها لا سراً ولا جهراً لم يثبت عنه عليه الصلاة والسلام لا بسندٍ صحيح ولا ضعيف ولا عن صحابته ولا التابعين لهم بإحسان.

في الأشباه والنظائر للسيوطي الذي صدره بالقواعد الكلية المتفق عليها من القاعدة الأولى: (الأمور من مقاصدها) ذكر من مباحث هذه القاعدة المبحث الخامس: في محل النية

المقدم: فضيلة الدكتور إذا أذنتم قبل أن ندخل في هذه القضية، القضية التي تحدثتم عنها قبل قليل، وهي التلفظ بالنية، ربما يشكل على بعض الناس أثناء هذا الموضوع ما يحصل عند التلفظ بالنية عند النسك، ويعتبر أن هذا مماثل لغيره، وبالتالي يقول: كيف تمنع التلفظ بالنية عند بعض العبادات ولا تمنعها عند عبادات أخرى كالدخول في النسك؟

إن كان المراد التلفظ بالنية في النسك نويت النسك الفلاني، نويت الحج، نويت العمرة، هذا بدعة أيضاً مثل الصلاة وغيرها، لكن إن كان المراد بالتلفظ أن يقول: لبيك حجاً، أو لبيك عمرة، أو لبيك حجاً وعمر، هذا مشروع، هذه استجابة لنداء الله سبحانه وتعالى، وليس هذا تلفظ بالنية.

ص: 23

أقول: في الأشباه والنظائر للسيوطي في القاعدة الكبرى الأولى من قواعد الكلية: (الأمور بمقاصدها)"قال: المبحث الخامس في محل النية، قال: محلها القلب في كل موضوع؛ لأن حقيقتها القصد مطلقاً، وقيل: المقارن للفعل، وذلك عبارة عن فعل القلب، قال البيضاوي: النية عبارة عن انبعاث القلب نحو ما يراه موافقاً لنفعٍ أو دفع ضر حالاً أو مآلاً، والشرع خصصه بالإرادة المتوجهة نحو الفعل لابتغاء رضاء الله تعالى، وامتثال حكمه، والحاصل -هذا كلام السيوطي- أن هنا أصلين: الأول: أنه لا يكفي التلفظ باللسان دونه -دون القلب-، والثاني: أنه لا يشترط مع القلب التلفظ، أما الأول: فمن فروعه لو اختلف اللسان والقلب فالعبرة بما في القلب، فلو نوى بقلبه الوضوء وبلسانه التبرد صح الوضوء، أو عكسه فلا" يعني لو نوى عكس ذلك نوى بقلبه التبرد وبلسانه الوضوء لا يصح الوضوء، وكذا لو نوى بقلبه الظهر وبلسانه العصر أو بقلبه الحج وبلسانه العمرة أو العكس صح له ما في القلب دون ما في اللسان؛ لأن العبرة بما في القلب.

يقول: "ومنها: إن سبق لسانه إلى لفظ اليمين بلا قصد فلا تنعقد، ولا يتعلق به كفارة، أو قصد الحلف على شيء فيسبق لسانه إلى غيره، حلف ألا يفعل كذا ومراده غيره، سبق لسانه إلى شيء والذي في قلبه غيره فالعبرة بما في القلب، هذا في الحلف بالله سبحانه وتعالى، فلو جرى مثل ذلك في الإيلاء أو الطلاق أو العتاق لم يتعلق به شيء باطناً، ويديَّن ولا يقبل في الظاهر لتعلق حق الغير به إلى غير ذلك".

أيش معنى هذا الكلام؟ معناه أنه لو أراد أن يقول لزوجته: أنت طاهر فقال لها: أنت طالق مثلاً، لا يريد بذلك الطلاق، لا تحرم عليه، ولا يؤاخذ، لكن لو تقدمت به إلى القضاء تعلق به حق الغير، وحصل الطلاق؛ لأن هذا يتعلق به حق الغير فيؤاخذ بنطقه، لكن الديانة أمام الله سبحانه وتعالى لو لم تتقدم به إلى محاكمة أو غيرها ما يؤاخذ، يديَّن هذا أمرٌ بينه وبين ربه.

"فأما ما يتعلق به حق الغير فيؤاخذ به؛ لأنه من ربط الأسباب بالمسببات" وهذا معروف.

ص: 24

عندنا المسألة التي وعدنا بها وهي تراجم الإمام على الحديث، تراجم الإمام البخاري على الحديث، الإمام البخاري خرج الحديث في سبعة مواضع، وكانت النية أن نقارن بين تراجم الإمام وتراجم غيره من الأئمة، لكن رأيت ذلك يطول جداً؛ لأن المؤلفات في الحديث كثيرة جداً، وكل إمام يستنبط من الحديث حكماً بفهمه يترجم عليه بذلك الحكم، وبين تراجم الإمام -رحمه الله تعالى- وبين تراجم غيره من الأئمة اختلافٌ كثيرٌ جداً، فكل إمام من الأئمة يستنبط من هذا الحديث حكم يترجم عليه به، لكن ذلك يطول جداً، وإلا فوائد الحديث يمكن أن تجمع من تراجم الأئمة على الحديث؛ لأنها عبارة عن أحكام يترجمون بها، ويعنونون بها على الحديث، فالإمام البخاري رحمه الله خرج الحديث في سبعة مواضع من صحيحه.

المقدم: لكن فضيلة الدكتور هل تقصدون أن الإمام مسلم خرج الحديث في باب يختلف عن تخريج الإمام البخاري له والترمذي كذلك، وكل تراجم لها معنى؟

نعم، كل إمام يستنبط من الحديث فائدة، وقد يكون في الكتاب نفسه، يعني في كتاب الصلاة في كتاب الزكاة في غيره من الكتب يتفق كثيرٌ من الأئمة على تخريج الحديث في هذه الكتب، لكن استنباط الأحكام والتبويب على الحديث كل إمام له ما يخصه، فأبو داود له تراجم والترمذي له تراجم على الحديث، البيهقي، الحاكم، ابن حبان، وهو أيضاً دقيق في تراجمه ابن حبان رحمه الله، لكن ذلك يطول جداً.

المقدم: ما في أحداً عني بهذا -أحسن الله إليكم- في التأليف، تتبع تراجم المحدثين؟

المقارنة بينها لا أعرف أحداً، لكن تراجم البخاري على وجه الخصوص اعتنى بها الأئمة، اعتنى بها أهل العلم قديماً وحديثاٌ، وألفت فيها المصنفات المفردة، وهناك كتب أخرجت الكنوز من صحيح البخاري، أما مسلم فكما هو معروف مسلم لم يترجم الكتاب، كتاب صحيح مسلم خالٍ عن التراجم، ليس فيه بعد الخطبة إلا الحديث السرد، وهذا مما رجح به مسلم على البخاري على ما تقدم في المقدمة الأولى أنه ليس فيه بعد الخطبة إلا الحديث السرد كما هو معروف، وإن قدم البخاري من جهات، من دقة الاستنباط من الأحاديث، هذا مطلب أساس بالنسبة للاستنباط من النصوص، فبهذا يتميز صحيح البخاري.

ص: 25

الموضع الأول: من المواضع التي أخرج البخاري الحديث فيه أول الكتاب، وتحدثنا سابقاً أن الإمام البخاري هل وضع الحديث قبل الترجمة أو بعدها؟ هل الإمام البخاري وضع الحديث قبل الترجمة ليكون كالخطبة للكتاب كما يقوله الخطابي والإسماعيلي؟ أو ترجم: بابٌ كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أو بدون باب كما في رواية أبي ذر والأصيلي، ثم ساق الحديث؟ على كل حال الموضع الأول هو أول حديث في الصحيح، وسواءً كان سابقاً للترجمة أو لاحقاً، فتحدثنا سابقاً عن ذلك كله، ورأينا أو سمعنا أو ذكرنا ما قاله أهل العلم في المناسبة والرابط بين الحديث وبدء الوحي، ذكرنا ذلك وأنه لا يحسن أن يقال: ليس هناك ما يربط الحديث ببدء الوحي، وإن زعمه بعضهم.

ص: 26

الموضع الثاني: ذكره الإمام البخاري في كتاب الإيمان، وقال:(باب ما جاء أن الأعمال بالنية والحسبة، ولكل امرئ ما نوى) فدخل فيه الإيمان والوضوء والصلاة والزكاة والحج والصوم والأحكام، دخل فيه الإيمان والوضوء والصلاة والزكاة والصوم والحج والصوم والأحكام، هذا فرع مما ذكره أهل العلم سابقاً أنه ينبغي أن يدخل هذا الحديث ويذكر في جميع الأبواب، ولا شك أنه داخلٌ في الإيمان، وداخل أيضاً في الطهارة، وقبل ذلك داخل في العلم دخولاً مباشراً، فلا علم شرعي إلا بنية، فالذي لا يقصد بعلمه الشرعي وجه الله والدار الآخرة لا يثاب على طلبه العلم، بل يأثم على ذلك؛ لأن هذا العلم -أقصد العلم الشرعي- من علوم الآخرة المحضة، فتجب فيه النية، ولم يذكره الإمام -رحمه الله تعالى- بل أجمل، فدخل فيه الإيمان والوضوء والصلاة والزكاة والحج والصوم والأحكام، وقال الله تعالى:{قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ} [(84) سورة الإسراء] أي على نيته، ثم قال الإمام -رحمه الله تعالى-:"نفقة الرجل على أهله يحتسبها صدقة، وقال: ((ولكن جهاد ونية)) ثم ذكر الحديث عن عبد الله بن مسلمة القعنبي قال: أخبرنا مالك عن يحيى بن سعيد، فساقه الإمام -رحمه الله تعالى- ببقية الإسناد المذكور سابقاً بإفراد النية، وقال: "إنما الأعمال بالنية" وذكر الوجه الأول من وجهي التقسيم المحذوف في الموضع الأول، عرفنا سابقاً أن الإمام البخاري حذف الوجه الأول من وجهي التقسيم، "فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله" وهنا أثبت الوجه الأول من وجهي التقسيم، وعرفنا سابقاً سبب الحذف، فلا حاجة إلى إعادته.

يقول -رحمه الله تعالى-: باب

المقدم: اللفظة -أحسن الله إليكم- بين النية والنيات يرجع إلى الراوي؟

ص: 27

نعم، لعل الحميدي في الموضع الأول رواه للإمام البخاري بجمع النيات، وفي الموضع الثاني رواه الإمام البخاري عن عبد الله بن مسلمة القعنبي أو عن مالك بإفراد النية، فالإمام البخاري يتتبع ألفاظ الشيوخ -رحمه الله تعالى-، علماً بأن الإمام البخاري لا يمكن أن يسوق حديثاً في موضعين بلفظه ومتنه وإسناده من غير تغيير، لا يمكن أن يفعل ذلك الإمام البخاري من غير تغيير، يعني مطابقة تامة إلا نادراً، يعني ضبط عليه نحو عشرين موضع فقط، يعني من أكثر من سبعة آلاف موضع نحو عشرين موضع فقط، وهذه نادرة، والمراد بالحسبة التي ذكرها الإمام البخاري في الترجمة الاحتساب، طلب الأجر والثواب من الله سبحانه وتعالى، والمراد بالأحكام المعاملات التي يدخل فيها الاحتياج إلى المحاكمات كالبيوع والأنكحة والأقارير وغيرها، وقوله:{عَلَى شَاكِلَتِهِ} [(84) سورة الإسراء] على نيته، تفسيرٌ من الإمام -رحمه الله تعالى- بحذف أداة التفسير، وتفسير الشاكلة بالنية صح عن الحسن البصري ومعاوية بن قرة المذني وقتادة، وقيل: على دينه، {عَلَى شَاكِلَتِهِ} أي على دينه، قاله ابن زيد، وقيل: على ناحيته، قاله ابن عباس وسعيد بن جبير.

على كل حال المراد بالشاكلة هل هو النية أو الدين أو الناحية؟ هذه أقوال لأهل العلم حفظها المفسرون وذكرها بأسانيدهم عمن ذكرنا، وممن ذكرها ابن جرير الطبري وابن الجوزي في تفسيره، وفي البصائر للفيروز أبادي يقول:{عَلَى شَاكِلَتِهِ} يعني على سجيته التي قيدته، وذلك أن سلطان السجية على الإنسان قاهر، وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم:((كلٌ ميسرٌ لما خلق له)) على كل حال نعود إلى الترجمة، نرى الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- أدخل في الحديث الإيمان والوضوء والصلاة والزكاة والحج والصوم والأحكام، فقدم الحج على الصوم بناءً على ما ثبت عنده في حديث ابن عمر: ((بني الإسلام على خمس:

وحج بيت الله الحرام وصوم رمضان)) والحج والصوم تقدم الحج على الصوم، وعليه بنى الإمام البخاري ترتيب كتابه، في الكتاب قدم الحج على الصيام.

ص: 28

طالب: بالنسبة لمن ألفوا في تراجم الأمام البخاري من هو أجود من ألف في هذا تعلمون أن بعضهم لم يستوعب وبعضهم اختصر ولم يذكر جميع الأبواب فما هو أجمع؟ وما هو أحسنها؟ سؤال آخر: وهو قد يسأل البعض يقول: ما الفرق بين الكتاب والباب والترجمة، هل هناك بينهم ترادف؟ وهل هناك فرق؟

ذكرنا مراراً أن المراد بالترجمة التبويب على الحديث، والباب فرع من الكتاب، فالكتاب هو المكتوب الجامع لأبواب وفصول ومسائل، يدخل تحت الكتاب عدة أبواب غالباً، ويدخل تحت الباب فصول ومسائل، هذا في الغالب، هذا غالباً، فهناك ترتيب في تدرج الأكبر الكتاب، ثم الباب ثم الفصول والمسائل، ثم التتمات والتفريعات، وهذه غالباً ما تذكر في كتب الفقه مثلاً أو كتب العربية وغيرها.

الكتب التي ألفت في بيان تراجم البخاري ومقاصده من هذه التراجم كثيرة، منها لأبي عبد الله بن رشيد السبتي كتابٌ عظيم جداً لكن لم نقف عليه، ينقل عنه ابن حجر وغيره نفائس، وهناك تراجم لابن المنير أيضاً ينقل عنه في الشروح طبع مختصره، وأما الأصل لم يوقف عليه، إنما ينقل عنه كثيراً، أيضاً الشراح اعتنوا بالتراجم، وكل واحد يبين ما يلوح له من مقصد الإمام البخاري، ومن أحسن من تكلم على هذه التراجم الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى- والعيني والكرماني على خللٍ في بعض ما يذكره، وأيضاً القسطلاني يعتني بالتراجم، فالشروح اعتنت بذكر هذه التراجم.

ص: 29

أشرنا فيما تقدم أن الإمام البخاري خرج الحديث في سبعة مواضع، وذكرنا اثنين منها، وهنا نبدأ في الموضع الثالث: في كتاب العتق، ترجم الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- للحديث بقوله: باب الخطأ والنسيان في العتاقة والطلاق ونحوه ولا عتاقة إلا لوجه الله تعالى، وقال النبي عليه الصلاة والسلام:((لكل امرئ ما نوى)) ولا نية للناسي والمخطئ، وذكر الحديث -رحمه الله تعالى- عن محمد بن كثير عن سفيان به بدون "إنما"، وإفراد النية، وذكر وجهي التقسيم كليهما، وأشرنا مراراً إلى المراد بوجهي التقسيم فلا نحتاج إلى إعادته، وقول الإمام البخاري -رحمه الله تعالى-: باب الخطأ والنسيان في العتاقة والطلاق ونحوه، أي نحو ذلك من التعليقات، لا يقع شيءٌ منها إلا بالقصد، وكأنه -رحمه الله تعالى- أشار إلى رد ما روي عن مالك أنه يقع الطلاق والعتاق عامداً كان أو مخطئاً، ذاكراً كان أو ناسياً، وقد أنكره كثيرٌ من أهل مذهبه، قال الداودي -شارح البخاري-: وقوع الخطأ في الطلاق والعتاق أن يلفظ بشيء غيرهما، فيسبق لسانه إليهما، وأما النسيان ففيما إذا حلف ونسي، ووقع في رواية القابسي: الخاطئ بدل المخطئ، هنا يقول: باب الخطأ والنسيان، إلى أن قال: ولا نية للناسي والمخطئ، وقع في رواية القابسي -وهو من رواة الصحيح كما هو معروف-: الخاطئ بدل المخطئ، وهل هناك فرق بين الخاطئ والمخطئ؟ الفرق بينهما أن المخطئ من أراد الصواب فصار إلى غيره، والخاطئ من تعمد ما لا ينبغي، فالخاطئ اسم فاعل من الثلاثي المراد به من تعمد الخطأ، وأما المخطئ اسم فاعل أيضاً من الرباعي أخطأ فمن جرى الخطأ على لسانه أو فعله من غير قصد ولا عمد.

هنا يقول -رحمه الله تعالى-: باب الخطأ والنسيان في العتاقة والطلاق ونحوه، أنه إذا أخطأ ونسي فأعتق أو طلق، وأشرنا فيما تقدم أنه لو قال لزوجته: أنت طالق، ويريد بذلك أنت طاهر، بل سبق لسانه، ولم يقصد الطلاق أنه يديَّن بذلك، ولا يقع الطلاق إلا إذا حصل مرافعة، فإنه في المرافعة تعلق به حق الغير حينئذٍ، فيؤاخذ بنطقه، أما بينه وبين ربه فإنه لا يؤاخذ بل يديَّن بذلك.

ص: 30

الموضع الرابع: في كتاب مناقب الأنصار، باب هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة، باب هجرة النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه إلى المدينة، وذكره من طريق مسدد، قال: حدثنا حماد هو ابن زيد عن يحيى، فذكره بدون "إنما" وبإفراد النية، والمناسبة ظاهرة حيث ساقه المصنف لبيان أن هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة كانت لله لا لغيره من الأغراض الدنيوية، إلى الهجرة، هجرة النبي صلى الله عليه وسلم كانت لله، وهجرة أصحابه كانت لله ورسوله، فوقعت مطابقة لما جاء في الحديث، فوجه المناسبة والرابط ظاهر.

الموضع الخامس: في كتاب النكاح، يقول -رحمه الله تعالى-: باب من هاجر أو عمل خيراً لتزويج امرأة فله ما نوى، ورواه من طريق يحيى بن قزعة قال: حدثنا مالك عن يحيى بن سعيد، فذكره بلفظ:((العمل بالنية)) بإفراد الجزئين، ولعل هذا من رواية أو من لفظ يحيى بن قزعة، فرواه الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- على ما روي له رحمه الله، وما ترجم به من الهجرة منصوص في الحديث، باب من هاجر لتزويج امرأة فله ما نوى هذا نص الحديث، أما قوله: من عمل خيراً، غير منصوص في الحديث، لكنه مستنبط؛ لأن الهجرة من جملة أعمال الخير، يدخل في الخبر ما وقع من أمِّ سليم في امتناعها من التزويج بأبي طلحة حتى يسلم، أبو طلحة خطب أم سليم، فقالت له: أنت رجلٌ كافر وأنا مسلمة، والله سبحانه وتعالى حرم نكاح الكفار للمسلمات، فنسوق الحديث:

ص: 31

روى الإمام النسائي -رحمه الله تعالى- بسند صحيح عن أنسٍ قال: خطب أبو طلحة أم سليم فقالت: والله ما مثلك يا أبا طلحة يرد، ولكنك رجلٌ كافر، وأنا امرأة مسلمة، ولا يحل لي أن أتزوجك، فإن تسلم فذلك مهري، وما أسألك غيره، فأسلم فكان ذلك مهرها، هل نقول: أن إسلام أبي طلحة غير مقبول؛ لأنه أسلم ليتزوج، ونقول: هذا كمن هاجر ليتزوج؟ قد يكون الإسلام في مبدأ الأمر لرغبة أو لرهبة، ثم يقع الإسلام من قلبه موقعاً عظيماً فيحسن إسلامه، ويصدق في الإسلام قدمه، فيصير من أفضل المسلمين، ومن خيرهم، وهذا ما حصل بالنسبة لأبي طلحة، قال ثابت: فما سمعتُ بامرأة قط كانت أكرم مهراً من أم سليم، الإسلام مهرها الإسلام، والقصة سندها صحيح.

لكن العيني في عمدة القاري ذكر أن هذا لا يصح عن أبي طلحة، فالحديث وإن كان صحيح الإسناد، العيني لا يعل الحديث من جهة الإسناد، لكن يعله من جهة المتن، الإسناد صحيح بلا شك عند النسائي، يقول: فالحديث وإن كان صحيح الإسناد، ولكنه معللٌ بكون المعروف أنه لم يكن حينئذٍ نزل تحريم المسلمات على الكفار، وإنما نزل بين الحديبية وبين الفتح، حين نزل قوله تعالى:{لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} [(10) سورة الممتحنة] كما ثبت في صحيح البخاري، وقول أم سليم في هذا الحديث: ولا يحل لي أن أتزوجك شاذٌ مخالفٌ للحديث الصحيح، وما أجمع عليه أهل السير، يعني كلام العيني في محله.

ص: 32

لكن الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى- قال: يمكن الجواب: بأن ابتداء تزوج الكافر بالمسلمة، يعني ابتداءً يبتدئ الكافر بالزواج من مسلمة هذا ممنوع قبل نزول الآية، يقول: يمكن الجواب بأن ابتداء تزوج الكافر بالمسلمة كان سابقاً على الآية، والذي دلت عليه الآية الاستمرار، فلذلك وقع التفريق بعد أن لم يكن، ولا يحفظ بعد الهجرة -يعني قبل التحريم- لا يحفظ بعد الهجرة أن مسلمةً ابتدأت بتزوج كافر، معنى هذا الكلام كلام الحافظ -رحمه الله تعالى- أنه يتسامح في الاستمرار والبقاء ما لا يتسامح في الابتداء، يعني بعد الهجرة مباشرة تميز المسلمين على الكفار خلاص لا يمكن تزوج الكافر من مسلمة قبل نزول الآية، هذا الحكم تقرر قبل نزول الآية، لكن استمرار النكاح، استمرار نكاح الكافر بالمسلمة استمر إلى أن نزلت الآية، وقول الحافظ أيضاً له حظٌ من النظر، لا سيما وقد صح سند القصة.

الموضع السادس: من المواضع التي خرج فيها البخاري الحديث من صحيحه في كتاب الأيمان والنذور: باب النية في الأيمان، قال الإمام البخاري: حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا عبد الوهاب، قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول: فذكره ((إنما الأعمال بالنية)).

مناسبة الحديث للترجمة أن اليمين من جملة الأعمال، فيستدل به على تخصيص الألفاظ بالنية زماناً ومكاناً، وإن لم يكن في اللفظ ما يقتضي ذلك، كمن حلف أن لا يدخل دار زيد وأراد في شهرٍ أو سنةٍ أو مثلاً، كمن حلف أن لا يدخل دار زيد، وأراد -أي وقصد- في نفسه وقرارة قلبه مدة شهر مثلاً أو سنة مثلاً، أو حلف ألا يكلم زيداً مثلاً، وأراد في منزله دون غيره فلا يحنث إذا دخل بعد شهرٍ أو سنة في المسألة الأولى، ولا إذا كلمه في دارٍ أخرى في المسألة الثانية؛ لأن له ما نوى.

ص: 33

واستدل به الشافعي ومن تبعه فيمن قال: إن فعلتِ كذا فأنت طالق ونوى عدداً أنه يعتبر العدد، يعني لو نوى واحدة تقع واحدة، نوى اثنتين تقع اثنتين نوى ثلاث تقع ثلاث، فيمن قال: إن فعلتِ كذا فأنت طالق، ونوى عدداً أنه يعتبر العدد المذكور وإن لم يلفظ به، وكذا من قال: إن فعلتِ كذا فأنت بائن، إن نوى ثلاثاً بانت، وإن نوى ما دونها وقع رجعياً؛ لأن البينونة وإن كانت تدل على المفاصلة، إلا أن هناك البينونة الكبرى والبينونة الصغرى.

وخالف الحنفية في الصورتين، واستدل به على أن اليمين على نية الحالف، لكن فيما عدا حقوق الآدميين فهي على نية المستحلف، ولا ينتفع الحالف بالتورية، لا سيما إذا اقتطع بها حقاً لغيره، وهذا إذا تحاكما، وأما في غير المحاكمة فقال الأكثر: نية الحالف أيضاً، أخذاً من الحديث، وقال مالك وطائفة: نية المحلوف له، وقال النووي: من ادعى حقاً على رجلٍ فأحلفه الحاكم انعقد يمينه على ما نواه الحاكم، ولا تنفعه التورية اتفاقاً، فإن حلف بغير استحلاف الحاكم نفعت التورية، إلا أنه إن أبطل بها حقاً أثم وإن لم يحنث.

ص: 34

حكا الكرماني وهذا من أغلاطه -رحمه الله تعالى- ووهم في كثير من التراجم، وإن كان الكتاب جيد في جملته، ويشتمل على نفائس، لكن لا سيما في موضوع التراجم أخطأ في مواضع كثيرة ووهم، وفي الأسانيد أيضاً خلط بعض التخليط، واستدرك عليه، ونوقش من قبل الشراح ممن جاء بعده لا سيما الحافظ ابن حجر، الكرماني حكا أنه وجد في بعض النسخ: الإيمان بكسر الهمزة، باب النية في الإيمان، ونلاحظ أن الكتاب كتاب الأيمان والنذور، يقول أنه وجد في بعض النسخ: الإيمان، باب النية بالإيمان. هل يمكن أن يجد نسخة فيها كتاب الإيمان والنذور؟ يمكن أن يجد؟! مستحيل، إنما وجد في بعض النسخ الإيمان في الترجمة في الباب، باب النية في الإيمان، ووجه ذلك في أن مذهب البخاري أن الأعمال داخلةٌ في الإيمان، لكن القرينة القوية التي ترد هذا الكلام إدخال هذا الباب ضمن كتاب الأيمان، فكيف يدخل باب النية في الإيمان في كتاب الأيمان؟ يقول الحافظ ابن حجر: قرينة ترجمة كتاب الأيمان والنذور كافية في توهين الكسر، يعني لو وجدنا في نسخة الهمزة تحت لجزمنا بأنها خطأ.

الموضع السابع: في كتاب الحيل، ولنعلم أن الحيل كلها مبنية على المقاصد، في كتاب الحيل ترجم الإمام البخاري -رحمه الله تعالى-: بابٌ في ترك الحيل، وأن لكل امرئ ما نوى في الأيمان وغيرها، قال: حدثنا أبو النعمان، قال: حدثنا حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد، ونترك ما بعد يحيى بن سعيد في المواضع كلها للعلم به، لاتفاق جميع الطرق يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم عن علقمة عن عمر، وفيه قال عمر: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم: ((يا أيها الناس إنما الأعمال بالنية)) وهذا يؤيد قول من قال: إن النبي عليه الصلاة والسلام خطب بالحديث أيضاً؛ لأن غالب ما يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((يا أيها الناس)) إذا كان على المنبر يخطب.

ص: 35

قال ابن المنير -وهذا هو ناصر الدين بن المنير وهناك زين الدين بن المنير، ناصر الدين شرح ولزين الدين تراجم- يقول ابن المنير: أدخل البخاري الترك في الترجمة باب في ترك الحيل لئلا يتوهم من الترجمة الأولى إجازة الحيل؛ لأنه قال: كتاب الحيل، قد يفهم من يفهم أن الحيل جائزة، لكن الترجمة الفرعية التي هي الباب بينت المقصود، ووضحت المراد، حيث قال -رحمه الله تعالى-: بابٌ في ترك الحيل، وقال ابن المنير: اتسع البخاري في الاستنباط، والمشهور عند النظار حمل الحديث على العبادات، فحمله البخاري عليها وعلى المعاملات، وتبع مالكاً في القول بسد الذرائع واعتبار المقاصد، يعني أن الإمام البخاري تبع مالك -رحمه الله تعالى- في القول بسد الذرائع واعتبار المقاصد، ولنعلم أن الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- من الأئمة المجتهدين، شأنه في ذلك شأن غيره من الأئمة، كأحمد والشافعي ومالك وغيرهما من مجتهدي أهل الحديث، فلو فسد اللفظ وصح القصد ألغي اللفظ، وأُعمل القصد تصحيحاً وإبطالاً، قال -والكلام لابن المنير-: والاستدلال بهذا الحديث على سد الذرائع وإبطال التحيل من أقوى الأدلة.

ص: 36

والحيل: جمع حيلة، وهي ما يتوصل به إلى مقصود بطريق خفي، وهي عند العلماء على أقسام بحسب الحامل عليها، فإن توصل بها بطريقٍ مباح إلى إبطال حق أو إثبات باطل فهي حرام، أو إلى إثبات حقٍ أو دفع باطل فهي واجبة أو مستحبة، وإن توصل بها بطريق مباح إلى سلامة من وقوع في مكروه فهي مستحبة أو مباحة، أو توصل بها إلى ترك مندوب فهي مكروهة، وعلى كل حال تنتابها الأحكام الخمسة، ولجوازها ومنعها أدلة، من أظهر أدلة الجواز في موضعه الجواز المطلق قوله تعالى:{وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ} [(44) سورة ص] هذه حيلة لتنفيذ الحد أو لتنفيذ اليمين من غير ضرر لا يحتمله المحلوف عليه، وعلى كل حال في الحيل مخارج من المضايق عند القول بإجازتها في الأنواع التي تجوز فيها الحيل، أما الأنواع التي تحرم فيها الحيل فليقع الإنسان في المضايق ولا يرتكب ما حرم الله عليه، ولذا جاء في الخبر ((لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود، فتستحلوا ما حرم الله بأدنى الحيل)) من حيلهم قصة أصحاب السبت، حرم عليهم الاصطياد يوم السبت فنصبوا الشباك يوم الجمعة، وأخذوا ما يعلق بها في يوم الأحد، قالوا: ما صدنا يوم السبت، وإنما صدنا يوم الأحد، اصطدنا يوم الأحد، هذه حيلة على تحليل ما حرم الله سبحانه وتعالى، حرمت عليهم الشحوم فجملوها أذاوبها وباعوها وأكلوا أثمانها، قالوا: ما أكلنا الشحم، أكلنا الدهن دهنٌ سائب، وهذا لا يسمى شحم، هذه حيلة على تحليل ما حرم الله سبحانه وتعالى، وهذه طريقتهم وهذا ديدنهم.

ص: 37