الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
{يا أيّها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [آل عمران: 102]، {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء واتقوا الله الذي تسآءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً} [النساء: 1]، {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديداً. يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً} [الأحزاب: 70 - 71]؛ أما بعد
(1)
:
فإن وقوع الخلاف بين الناس أمر معلوم وحقيقة ملموسة وواقع يعيشه الكثير، وغير خاف ما يترتب عليه من عواقب لا تحمد من الهجر والتقاطع والتدابر،
(1)
هذه خطبة الحاجة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمها أصحابه، وجدير بالمسلم أن يفتتح بها كلامه أو كتابته، تأسياً برسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وانظر في تخريجها ما كتبه العلامة الألباني في رسالة «خطبة الحاجة» حيث جمع طرقها، وبين من أخرجها.
والبغضاء بين الناس إلا ما رحم ربي، ولكن من رحمة الله بعباده أن شرع لهم ما يطفئ شره، ويزيل أثره، وهو الإصلاح بين المتخاصمين، سواء من قبل المختلفين أنفسهم، أو من قبل غيرهم.
ولقد جاءت نصوص الشرع في بيان فضل الإصلاح وأهميته، والحث عليه، وبيان الأجر الجزيل والثواب العظيم الذي أعده الله لمن قام به.
لذلك رغبت أن أكتب فيه حثاً لنفسي وإخواني المسلمين عليه، وخاصة الذين ييسر الله لهم الاطلاع على هذا البحث راجيا ربي أن يجعله سببا في رأب صدع الاختلاف وإعادة الائتلاف، والتواد والتواصل بين المسلمين.
كما أسأله سبحانه أن يجعله خالصاً لوجهه نافعاً بين يديه، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
وقد اقتصرت على ذكر النصوص الواردة في الحث علي الإصلاح طلباً للاختصار ورغبة في أن يستفيد منه شريحة كبيرة من المسلمين، حتى لو لم يكونوا من طلبة العلم، لأنه لا يشترط في الإصلاح ذلك، وكم من مسلم موفق نفع الله به في هذا الباب وأصلح به.
وقد سميته: «الإيضاح لما ورد في الكتاب والسنة بشأن الإصلاح» ، أسال الله أن يعينني عليه ويوفقني فيه للصواب، فالله حسبي، ونعم الوكيل.
خطة البحث:
سيكون البحث في هذا الموضوع وفق الخطة التالية:
أولاً: مقدمة: تشتمل على
أهمية الموضوع وأسباب الكتابة فيه،
وقد تقدمت قريباً.
ثانياً: صلب الموضوع: ويقع في أربعة مباحث:
المبحث الأول: تعريف الإصلاح لغةً واصطلاحاً، وأنواع الصلح، وفيه مطلبان:
الأول: تعريف الإصلاح لغة واصطلاحا.
الثاني: بيان أنواع الصلح.
المبحث الثاني: ذكر الآيات التي ورد فيها ذكر الإصلاح.
المبحث الثالث: ذكر الأحاديث التي ورد فيها ذكر الإصلاح.
المبحث الرابع: ذكر أمثلة من الإصلاح في الكتاب والسنة، وفيه مطلبان:
الأول: ذكر أمثلة من الإصلاح في كتاب الله.
الثاني: ذكر أمثلة من الإصلاح في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثالثاً: الخاتمة، وفيها أذكر ما توصلت إليه من نتائج.
منهج البحث
1 -
أذكر الآيات التي نص المفسرون على أنها في الإصلاح بين الناس، وأما الآيات التي ورد فيها ذكر الصلح مراداً به إصلاح العمل أو إصلاح النفس أو لم يذكر المفسرون أنها في الإصلاح بين الناس فلم أتعرض لها.
2 -
أقوم بتفسير الآية تفسيراً إجمالياً مفتتحا ذلك بإجمال مني لمعنى الآية وباختصار، ثم أردفه بذكر تفسير بعض أئمة التفسير للآية؛ لأن لكلامهم رحمهم الله وزنه ومكانته.
3 -
أفرد دلالة الآية على الإصلاح بمزيد من التوضيح والبيان.
4 -
عند إيراد الأحاديث أذكر وجه دلالتها علي الإصلاح باختصار.
5 -
أعزو الآيات إلى سورها، مع ذكر رقمها داخل المتن.
6 -
أخرج الأحاديث من كتب السنة المعتمدة.
7 -
التزمت في الاستدلال بذكر الأحاديث الصحيحة، مع بيان من صححها من أهل العلم، ما لم تكن في الصحيحين، أو أحدهما.
8 -
أترجم الأعلام الواردة، ما لم تكن مشهورة.
9 -
ذيلت الرسالة بفهارس علمية على النحو التالي:
أ- فهرس الآيات القرآنية.
ب- فهرس الأحاديث النبوية.
ج- فهرس الأعلام.
د - فهرس المراجع والمصادر.
هـ - فهرس الموضوعات.
المبحث الأول
تعريف الإصلاح لغةً واصطلاحاً، وأنواع الصلح
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تعريف الصلح:
الصلح لغةً: مصدر صالح يصالح صلحاً، ويشتق منه - أيضاً -: أصلح يصلح إصلاحاً، والصلاح- بفتح الصاد- ضد الفساد، وبكسرها المصالحة، والاسم الصلح يذكر ويؤنث، يقال: اصطلحا، وصالحا، واصَّالحا - مشدد الصاد- وتَصالحا بمعنى واحد، وهو قطع النزاع
(1)
.
الصلح شرعاً: معاقدة يتوصل بها إلى إصلاح بين متخاصمين
(2)
.
المطلب الثاني: أنواع الصلح:
قال ابن القيم:
«الصلح نوعان: الأول: الصلح الجائز بين المسلمين هو الذي يعتمد فيه رضى الله سبحانه ورضى الخصمين، فهذا أعدل الصلح وأحقه، وهو يعتمد العلم والعدل، فيكون المصلح عالماً بالوقائع، عارفاً بالواجب، قاصداً للعدل، فدرجة هذا المصلح أفضل من درجة الصائم القائم
(3)
.
(1)
انظر الصحاح (1/ 382) مادة (صلح)، ولسان العرب (2/ 516) مادة (صلح)، والشرح الممتع على زاد المستقنع (9/ 64).
(2)
حاشية الروض المربع شرح زاد المستنقع (5/ 128)، ونحوه المغني (4/ 527).
(3)
يشير الى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصلاة والصيام، والصدقة» قالوا: بلى، قال: «إصلاح ذات البين
…
» الحديث، وسيأتي ص (39 - 40)، وهذا النوع من الصلح هو الذي سنورد الأدلة على فضله في هذا البحث، انظر: المبحث الثاني والثالث.
والثاني: الصلح الذي يحل الحرام ويحرم الحلال، كالصلح الذي يتضمن تحريم بضع حلال، أو إحلال بضع حرام، أو إرقاق حر، أو نقل نسب أو ولاء عن محل إلى محل، أو أكل ربا، أو إسقاط واجب، أو تعطيل حد، أو ظلم ثالث وما أشبه ذلك، فكل هذا صلح جائر مردود»
(1)
.
ويدل على تحريم هذا الصلح جملة من الأدلة، منها:
1 -
قوله تعالى: {فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الحجرات: 9]، فقد أمر الله أن يكون الصلح بالعدل لا بالجور، وأمر بالقسط في ذلك، وأخبر عن محبته للمقسطين العادلين في أحكامهم.
2 -
روى أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة عن أبي هريرة، وعمرو بن عوف المزني
(2)
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا حرم حلالا أو أحل حراما، والمسلمون على شروطهم إلا شرطا حرم حلالا أو أحل حراما»
(3)
.
(1)
إعلام الموقعين (1/ 109).
(2)
هو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، عمرو بن عوف بن زيد بن ملحة - بكسر أوله ومهملة- بن بكر بن أفرك بن عثمان بن عمرو بن أد بن طابخة، أبو عبد الله المزني، صحابي، مات في ولاية معاوية، انظر: تهذيب الكمال (22/ 173)، وتقريب التهذيب (1/ 742).
(3)
أخرجه من حديث أبى هريرة: أبو داود في سننه (3/ 304) ح (3594)، والحاكم في المستدرك (4/ 201) ح (7137)، والبيهقي في السنن الكبرى (6/ 64) ح (11132).
وأخرجه من حديث عمرو بن عوف المزني: الترمذى في جامعه (3/ 626) ح (1352) وقال: «حسن صحيح» ، وابن ماجه في سننه (2/ 788) ح (2353)، والبيهقي في السنن الكبرى (6/ 65) ح (11134)، والحاكم في المستدرك (4/ 201) ح (7138)، والحديث صحح إسناده: الترمذي، والحاكم، والألباني في صحيح الترمذي (2/ 41) ح (1089).
دل هذا الحديث العظيم أن الأصل في الصلح الجواز، إلا إذا تضمن تحريم حلال أو تحليل حرام؛ فإنه لا يجوز ويكون من الصلح المحرم.
عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني
(1)
أنهما قالا: إن رجلاً من الأعراب أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، أنشدك الله إلا قضيت لي بكتاب الله، فقال الخصم الآخر - وهو أفقه منه-: نعم، فاقض بيننا بكتاب الله وائذن لي، فقال صلى الله عليه وسلم:«قل» ، قال: إن ابني كان عسيفاً
(2)
على هذا، فزنى بامرأته، وإني أخبرت أن على ابني الرجمَ، فافتديت منه بمائة شاة ووليدةٍ
(3)
، فسألت أهل العلم، فأخبروني أنما على ابني جلدُ مائة وتغريبُ عام، وأن على امرأة هذا الرجمَ، فقال صلى الله عليه وسلم:«والذي نفسي بيده، لأقضين بينكما بكتاب الله، الوليدة والغنم ردٌ، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها» فغدا عليها، فاعترفت، فرجمها
(4)
.
وهذا الصلح من الجور، كما ترجم عليه البخاري في كتاب «الصلح» من صحيحه:«باب: إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود» .
ووجه الشاهد من هذا الحديث: أنه لما اصطلح هذان الرجلان على إبطال الحدِّ في حق الزانيين رده رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحكم بينهما بكتاب الله، فجلد البكر منهما وغربه، ورجم المحصن وهي المرأة.
فيجب على من سعى بالصلح بين المسلمين أن يحرص على أن يكون صلحه
(1)
هو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، زيد بن خالد الجهني المدني، صحابي، شهد الحديبية، وكان معه لواء جهينة يوم الفتح، له 81 حديثا، توفي في المدينة سنة (78) هـ عن 85 سنة، انظر: الأعلام للزركلي (3/ 58).
(2)
العسيف: هو الأجير، فتح الباري (1/ 156).
(3)
هي: الجارية والأمَةِ المملوكة، انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (5/ 225).
(4)
أخرجه البخاري في صحيحه (2/ 959) ح (2549)، ومسلم في صحيحه (5/ 121) ح (4531)، وانظر: اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان (1/ 529).
بالعدل وأن يحذر من الجور، والظلم في الصلح، ومن تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله، فلا يراعي أحداً لجاهه أو ماله أو مكانته على حساب خصمه، حتى ينال الأجر العظيم الذي أعدَّه الشارع على الإصلاح.
قلت: وما ذكره ابن القيم في النوع الأول - وهو الصلح الجائز المشروع- قد قسمه العلماء إلى خمسة أنواع:
النوع الأول: الصلح بين المسلمين وأهل الحرب، كما في صلح الحديبية بين النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وبين كفار قريش
(1)
.
النوع الثاني: صلح بين أهل العدل وأهل البغي من المسلمين، ويدل عليه قوله تعالى:{وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} [الحجرات: 9]
(2)
.
النوع الثالث: صلح بين الزوجين إذا خيف الشقاق بينهما، ويدل عليه قوله تعالى:{وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا} [النساء: 35])
(3)
.
النوع الرابع: إصلاح بين متخاصمين في غير المال، كإصلاح النبي صلى الله عليه وسلم بين أناس من بني عمرو بن عوف في خصومة كانت بينهم
(4)
.
النوع الخامس: إصلاح بين متخاصمين في الأموال، كإصلاحه بين المتخاصمين في الدين بأن يضع أحدهما نصفه ويوفيه الآخر حقه
(5)
.
(6)
(1)
انظر الحديث مع تخريجه فيما سيأتي ص (65 - 66).
(2)
انظر الآية مع شرحها فيما سيأتي ص (28) وما بعدها.
(3)
انظر الآية مع شرحها فيما سيأتي ص (37) وما بعدها.
(4)
انظر الحديث مع تخريجه فيما سيأتي ص (64).
(5)
انظر الحديث مع تخريجه فيما سيأتي ص (58).
(6)
شرح الزركشي على الخرقي (5/ 103)، المبدع في شرح المقنع (4/ 278)، وحاشية الروض المربع شرح زاد المستنقع (5/ 129)
المبحث الثاني
ذكر الآيات التي ورد فيها ذكر الإصلاح وشرحها
الآية الأولى:
قال الله تعالى: {لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ
وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 114].
شرح الآية:
يخبر ربنا جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة أنه لا خير في كثير مما يتناجى
(1)
به الناس، إلا إذا كان ذلك التناجي أمراً بصدقة، أو بالمعروف، أو بالإصلاح بين المتخاصمين والمتنازعين، قال الطبري في
تفسير الآية:
«يعني جل ثناؤه بقوله: {لا خير في كثير من نجواهم} : لا خير في كثير من نجوى الناس جميعًا، {إلا من أمر بصدقة أو معروف} والمعروف: هو كل ما أمر الله به أو ندب إليه من أعمال البر والخير، {أو إصلاح بين الناس} وهو الإصلاح بين المتباينين أو المختصمين، بما أباح الله الإصلاح بينهما، ليتراجعا إلى ما فيه الألفة واجتماع الكلمة، على ما أذن الله وأمر به، ثم أخبر جل ثناؤه بما وعد مَنْ فعل ذلك، فقال: {ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاةِ الله فسوف نؤتيه أجرًا
(1)
النجوى هي: الإسرار بالكلام بين اثنين أو جماعة، أفاده القرطبي في تفسيره (5/ 382)، وتبعه الشوكاني في فتح القدير (1/ 606).
عظيمًا} يقول: ومن يأمر بصدقة أو معروف من الأمر، أو يصلح بين الناس {ابتغاء مرضاة الله} يعني طلب رضا الله بفعله ذلك {فسوف نؤتيه أجرًا عظيمًا} يقول: فسوف نعطيه جزاءً لما فعل من ذلك أجراً عظيمًا، ولا حدَّ لمبلغ ما سمى الله {عظيمًا} يعلمه سواه»
(1)
.
دلالة الآية على الإصلاح:
دلت الآية الكريمة على أهمية الإصلاح، وفضله، والحث عليه، من عدة وجوه:
الوجه الأول: تخصيص الإصلاح بين الناس بالذكر مع إنه داخل في عموم المعروف المذكور قبله في الآية، وهذا يدل على فضله وأهميته.
قال ابن عطية: «والمعروف لفظ يعم الصدقة والإصلاح، ولكن خُصَّا بالذكر اهتماماً بهما، إذ هما عظيما الغناء في مصالح العباد»
(2)
.
وقال البقاعي
(3)
: «ولما كان إصلاح ذات البين أمراً جليلاً، نبه على عظمه بتخصيصه بقوله: {أو إصلاح بين الناس}»
(4)
.
وقال ابن رجب: «فنفى الخير عن كثيرٍ ممّا يتناجى الناسُ به إلاَّ في الأمر بالمعروف، وخص من أفراده الصدقة، والإصلاح بين النَّاس؛ لعموم نفعهما،
(1)
تفسير الطبري (7/ 481 - 482).
(2)
المحرر الوجيز (3/ 23).
(3)
هو إبراهيم بن عمر بن حسن الرباط - بضم الراء وتخفيف الباء - بن علي بن أبي بكر البقاعي، أبو الحسن برهان الدين، مؤرخ، أديب، ولد سنة (809) هـ، أصله من البقاع في سورية، وسكن دمشق، ورحل إلى بيت المقدس والقاهرة، وتوفي بدمشق سنة (885) هـ، له:«نظم الدرر في تناسب الآيات والسور» وغيره.
(4)
نظم الدرر للبقاعي (5/ 400).
فدل ذلك على أن التَّناجي بذلك خيرٌ»
(1)
.
الوجه الثاني: جعل الله الإصلاح بين الناس والأمر بالصدقة والمعروف خيراً ولو لم يبتغ الفاعل به وجه الله، وهذا دليل على عموم نفعه وفضله، فمتى وجد حصل به خير.
قال ابن رجب: «وإنما جعل الأمر بالمعروف من الصدقة والإصلاح بين الناس وغيرهما خيراً، وإن لم يبتغ به وجه الله؛ لما يترتب على ذلك من النفع المتعدي فيحصل به للناس إحسان وخير، وأما بالنسبة إلى الأمر فإن قصد به وجه الله وابتغاء مرضاته كان خيراً له وأثيب عليه، وإن لم يقصد ذلك لم يكن خيراً له ولا ثواب له عليه)
(2)
.
الوجه الثالث: إفادة العموم في قوله تعالى: {أو إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ} من جهتين:
الأولى: من جهة من يُصلَح بينهم، فعم جميع الناس، ولم يخص أحدا دون أحد. والثانية: من جهة ما يُصلَح به، فلم يخص امرأً دون غيره، فهو شامل للإصلاح في الأموال، والدماء، والأعراض، والأديان وغيرها، فهذا العموم يدل على رغبة الشارع في الإصلاح وتطلعه إليه.
(3)
.
الوجه الرابع: الإتيان بضمير الإشارة الدال على البعيد في قوله: {ومن يفعل ذلك} مع قرب العهد به يدل على علو مكانةِ الإصلاح وما ذكر معه، ورفعةِ شأنه.
(1)
جامع العلوم والحكم (1/ 67).
(2)
انظر: المرجع السابق.
(3)
تفسير القرطبي (5/ 384)
(1)
.
الوجه الخامس: عظم ثواب الإصلاح بين الناس وكثرته يدل على فضله، ويحث على فعله.
(2)
.
الآية الثانية:
قَالَ الله تَعَالَى: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ
وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (128) وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء: 128 - 129]
شرح الآية:
حث الله تعالى في الآية الأولى الزوجين على الصلح إذا خافا مما يؤدي إلى الاختلاف، وبين أن الصلح بينهما خير لهما من الاختلاف والتنازع، قال الطبري مبيناً معنى الآية:
«يعني بذلك جل ثناؤه: {وإن امرأة خافت من بعلها} يقول: علمت من زوجها {نشوزًا} يعني: استعلاءً بنفسه عنها إلى غيرها، أثرة عليها، وارتفاعًا بها عنها، إِما لبغْضةٍ، وإما لكراهةٍ منه بعض أسبابها، إِما
(1)
تفسير أبي السعود (2/ 232).
(2)
تفسير الطبري (7/ 482).
دَمامتها
(1)
، وإما سِنُّها وكبرها، أو غير ذلك من أمورها، {أو إعراضًا} يعني: انصرافًا عنها بوجهه، أو ببعض منافعه التي كانت لها منه، {فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحًا} يقول: فلا حرج عليهما، يعني: على المرأة الخائفة نُشُوز بعلها أو إعراضَه عنها، {أن يصلحا بينهما صلحًا} وهو أن تترك له يومها، أو تضعَ عنه بعض الواجب لها من حقٍّ عليه، تستعطِفه بذلك وتستديم المُقام في حباله، والتمسك بالعقد الذي بينها وبينه من النكاح، يقول:{والصلح خير} يعني تعالى ذكره: والصلح بترك بعض الحقّ استدامةً للحُرْمة، وتمسكًا بعقد النكاح، خيرٌ من طَلَب الفرقة والطلاق»
(2)
، ثم أيد ما ذكره بما رواه عن عمر، وعلي، وابن عباس، وعائشة، وآخرين
(3)
.
ثم بين تعالى أن الشح حاضر للنفوس فينبغي الحذر منه وتركه، حتى يتم الصلح بين الطرفين، قال الشوكاني:
(4)
.
(1)
الدمامة هي: القصر والقبح، انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (2/ 134).
(2)
تفسير الطبري (7/ 548 - 549).
(3)
المرجع السابق.
(4)
فتح القدير (1/ 613)
ثم بين سبحانه في الآية الثانية أن الإنسان لن يستطيع العدل مع النساء في كل شيء، ولكن فيما يقدر عليه، قال ابن كثير موضحاً معنى الآية:
{فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ} أي: فإذا ملتم إلى واحدة منهن، فلا تبالغوا في الميل بالكلية، {فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ} أي: فتبقى هذه الأخرى مُعَلَّقة، قال ابن عباس ومجاهد .. : معناه: لا ذات زوج ولا مطلقة، وقوله:{وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} أي: وإن أصلحتم في أموركم، وقسمتم بالعدل فيما تملكون، واتقيتم الله في جميع الأحوال، غفر الله لكم ما كان من ميل إلى بعض النساء دون بعض»
(1)
.
دلالة الآية على الإصلاح:
دلت الآية على الحث على الإصلاح وبيان فضله من عدة وجوه:
الوجه الأول: قوله تعالى: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا} حيث نفى الإثم عن الزوجين فيما تصالحا عليه، ولو كان في الصلح ترك، أو إسقاط بعض الحقوق الواجبة، مع أن الأصل لزوم الحقوق الواجبة، ومثل هذا الصلح جائز بإلاجماع
(2)
، قال السعدي موضحاً ذلك:
«أي: إذا خافت المرأة نشوز زوجها، أي: ترفعه
(1)
تفسير ابن كثير (4/ 305 - 307).
(2)
ذكره العيني في عمدة القاري (14/ 180).
عنها، وعدم رغبته فيها وإعراضه عنها، فالأحسن في هذه الحالة: أن يصلحا بينهما صلحا، بأن تسمح المرأة عن بعض حقوقها اللازمة لزوجها، على وجه تبقى مع زوجها، إما أن ترضى بأقل من الواجب لها من النفقة، أو الكسوة، أو المسكن، أو القسم، بأن تسقط حقها منه، أو تهب يومها وليلتها لزوجها أو لضرتها، فإذا اتفقا على هذه الحالة فلا جناح ولا بأس عليهما فيها، لا عليها ولا على الزوج، فيجوز حينئذ لزوجها البقاء معها على هذه الحال، وهي خير من الفرقة»
(1)
.
قلت: ويدل على فضل مصالحة المرأة لزوجها ولو بترك بعض حقها: ما ثبت في سبب نزول هذه الآية: أنها في مصالحة أم المؤمنين سودة
(2)
للنبي صلى الله عليه وسلم، حينما وهبت يومها لعائشة، كما رواه الترمذي وأبو داود الطيالسي عن ابن عباس قال: خشيت سودة أن يطلقها النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: لا تطلقني وأمسكني وأجعل يومي لعائشة، ففعل، فنزلت:{فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير}
(3)
.
الوجه الثاني: قوله تعالى: {صلحا} ، فكلمة {صلحا} مصدر مؤكد، يؤكد
(1)
تفسير السعدي (1/ 418).
(2)
هي أم المومنين سودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس، من لؤي، من قريش، إحدى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، كانت في الجاهلية زوجة السكران بن عمرو بن عبد شمس، وأسلمت، ثم أسلم زوجها، وهاجرا إلى الحبشة في الهجرة الثانية، ثم عادا إلى مكة، فتوفي السكران، فتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم بعد خديجة، وتوفيت سنة 54 هـ في المدينة النبوية، الإصابة في تمييز الصحابة (7/ 720)، والإعلام للزركلي (3/ 145).
(3)
رواه الطيالسي في مسنده (4/ 403) ح (2805)، والترمذي في سننه (5/ 249) ح (3040)، وقال:«حسن غريب» ، وحسنه ابن حجر في الإصابة (7/ 720)، وصححه الألباني في صحيح الترمذي (3/ 44) ح (2434).
الصلح، ويحث عليه، ويرغب فيه
(1)
.
الوجه الثالث: إخباره جل وعلا بأن الصلح خير، وإطلاق ذلك، قال ابن عطية:«وقوله تعالى: {والصلح خير} لفظ عام مطلق يقتضى أن الصلح الحقيقي الذي تسكن إليه النفوس ويزول به الخلاف خير على الإطلاق»
(2)
.
وقال الطاهر بن عاشور: وقد دلت الآية على شدة الترغيب في هذا الصلح بمؤكدات ثلاثة: وهي المصدر المؤكد في قوله: {صلحا} ، والإظهار في مقام الإضمار في قوله:{والصلح خير} ، والإخبار عنه بالمصدر أو بالصفة المشبهة فإنها تدل على فعل سجية»
(3)
.
(4)
.
الوجه الثالث: الإظهار في موضع الإضمار
(5)
، حيث أظهر كلمة «الصلح» في قوله:{والصلح خير} ، ولم يكن عنه بالضمير، وهذا يدل على الحث على
(1)
قاله ابن عاشور في التحرير والتنوير (5/ 217)، وسيأتي ذكره قريبا.
(2)
المحرر الوجيز (3/ 37).
(3)
التحرير والتنوير (5/ 217).
(4)
تفسير السعدي (1/ 418).
(5)
أشار إليه الطاهر بن عاشور، كما مر قريبا.
الإصلاح والتأكيد عليه.
الوجه الرابع: حثه على الصلح، بقوله:{وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} ، حيث جعله مع التقوى سببا للمغفرة والرحمة، كما يشير إلى ذلك ختم الآية بقوله:{فإن الله كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} .
الآية الثالثة:
[الأنفال: 1].
شرح الآية:
يخبر جل وعلا أن الصحابة سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن الأنفال - وهي: الغنائم - فأمره أن يبين لهم أنها لله ورسوله يقسمانها حيث شاءا، ثم أمرهم بالتقوى، وإصلاح ذات البين، وطاعة الله ورسوله.
يقول السعدي رحمه الله في بيان معنى هذه الآية:
«الأنفال هي الغنائم التي ينفلها اللّه لهذه الأمة من أموال الكفار، وكانت هذه الآيات في هذه السورة قد نزلت في قصة «بدر» أول غنيمة كبيرة غنمها المسلمون من المشركين، فحصل بين بعض المسلمين فيها نزاع، فسألوا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عنها، فأنزل اللّه:{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأنْفَال}
(1)
كيف تقسم؟ وعلى من تقسم؟ {قُلْ} لهم: الأنفال لله ورسوله يضعانها حيث شاءا، فلا اعتراض لكم على حكم اللّه ورسوله، بل عليكم إذا حكم اللّه ورسوله أن ترضوا بحكمهما، وتسلموا الأمر لهما، وذلك داخل في قوله:{فَاتَّقُوا اللَّهَ} بامتثال أوامره واجتناب نواهيه.
(1)
وقد روى هذا السبب بسند صحيح، كما في أسباب النزول للواحدي (232) وما بعدها، والمحرر في أسباب نزول القرآن (1/ 550) وما بعدها.
{وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} أي: أصلحوا ما بينكم من التشاحن والتقاطع والتدابر، بالتوادد والتحاب والتواصل، فبذلك تجتمع كلمتكم، ويزول ما يحصل - بسبب التقاطع - من التخاصم، والتشاجر والتنازع، ويدخل في إصلاح ذات البين تحسين الخلق لهم، والعفو عن المسيئين منهم، فإنه بذلك يزول كثير مما يكون في القلوب من البغضاء والتدابر، والأمر الجامع لذلك كله قوله:{وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} فإن الإيمان يدعو إلى طاعة اللّه ورسوله، كما أن من لم يطع اللّه ورسوله فليس بمؤمن، ومن نقصت طاعته للّه ورسوله، فذلك لنقص إيمانه»
(1)
.
دلالة الآية على الإصلاح:
لقد دلت الآية على الحث على الإصلاح وأهميته من عدة وجوه:
الوجه الأول: أن الله أمر بالإصلاح، وحرج على المؤمنين أن يفعلوه، والأمر يقتضي الوجوب، قال ابن عباس:«هذا تحريج من الله على المؤمنين أن يتقوا الله وأن يصلحوا ذات بينهم»
(2)
.
الوجه الثاني: تأكيد الأمر بالإصلاح ضمنا في قوله تعالى بعد ذلك: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ} .
الوجه الثالث: الحث والإلهاب والتهييج على فعله، مع التقوى وطاعة الله ورسوله في قوله في آخر الآية:{إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} ،
(1)
تفسير السعدي (2/ 187).
(2)
رواه البخاري في الأدب المفرد (1/ 142) ح (392)، والطبري في تفسيره (11/ 27)، وابن أبى حاتم في تفسيره (5/ 1653)، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد (1/ 164).
قال الشوكاني:
(1)
.
الآية الرابعة:
قال الله تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا
فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الحجرات: 9 - 10].
شرح الآية:
في هاتين الآيتين يوجه الله عباده المؤمنين إلى ما يجب فعله، حينما تقتتل طائفتان من أهل الأيمان، وذلك بأن يبدؤوا بينهم أولاً بالإصلاح، فإن أبت إحداهما على البغي؛ فإنها تقاتل، حتى ترجع إلى الحق، فيصلح بينهما بالقسط والعدل، ثم بين أن المؤمنين إخوة، وما داموا كذلك فالواجب الإصلاح بينهم، وعدم الاقتتال والنزاع.
يقول الطبري رحمه الله ملخصاً معنى الآيتين:
«يقول تعالى ذكره: وإن طائفتان من أهل الإيمان اقتتلوا، فأصلحوا أيها المؤمنون بينهما بالدعاء إلى حكم كتاب الله، والرضا بما فيه لهما وعليهما، وذلك هو الإصلاح بينهما بالعدل،
(1)
فتح القدير (2/ 300).
{فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأخْرَى} يقول: فإن أبَت إحدى هاتين الطائفتين الإجابة إلى حكم كتاب الله لها وعليها، وتعدّت ما جعل الله عدلاً بين خلقه، وأجابت الأخرى منهما، {فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي} يقول: فقاتلوا التي تتعدَّى، وتأبى الإجابةَ إلى حكم الله {حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} يقول: حتى ترجع إلى حكم الله الذي حكم في كتابه بين خلقه، {فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ} يقول: فإن رجعت الباغية بعد قتالكم إياهم إلى الرضا بحكم الله في كتابه، فأصلحوا بينها وبين الطائفة الأخرى التي قاتلتها {بالعدل}: يعني بالإنصاف بينهما، وذلك حكم الله في كتابه الذي جعله عدلا بين خلقه .. »، ثم قال:
(1)
.
(1)
تفسير الطبري (21/ 357 - 364).
دلالة الآية على الإصلاح:
دلت هذه الآية على الإصلاح من وجوه عدة:
الوجه الأول: أمره جل وعلا بالإصلاح في قوله: {فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} وقوله: {فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} ، والأمر يقتضي الوجوب إلا إذا صرفه صارف، ولا صارف له هنا عن ذلك.
الوجه الثاني: أن الله أمر بالبداءة به قبل كل شيء، فقال:{وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} فدل على فضله وأهميته.
الوجه الثالث: أن الله أمر به بعد الاقتتال أيضاً، مما يدل على أن الصلح أمر لازم لا بد منه، ولا يصلح الحال بدونه، فمن لم يستجب له أولاً يقاتل حتى يرجع إليه ويرضى به.
الوجه الرابع: أن عاقبته حميدة، فهو الذي يزيل ما يحصل في النفوس من الشر والنزاع والبغضاء قبل الاقتتال وبعده إن حصل.
الوجه الخامس: أن الإصلاح من مقتضى الإخوة الإيمانية، ولا تصلح إلا به؛ فإنه لما ذكر أن المؤمنين إخوة أعقبه بالأمر بالإصلاح بينهم.
الآية الخامسة:
قال تعالى: {فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم}
[البقرة: 182]
شرح الآية:
يبين الله تعالى في هذه الآية الكريمة أنه لا جناح ولا إثم على من أصلح بين موصٍ - جار في وصيته - وبين ورثته، فسددهم للصواب، قال الواحدي ملخصاً دلالة الآية:
«{فمن خاف} أَيْ: علم {من موصٍ جنفاً} خطأً في الوصية من غير عمدٍ، وهو أن يُوصي لبعض ورثته، أو يوصي بماله كلِّه
خطأً، {أو إثماً} أَيْ: قصداً للميل، فَحافَ في الوصية، وفعل ما لا يجوز مُتعمِّداً {فأصلح} بعد موته بين ورثته وبين المُوصى لهم، {فلا إثم عليه} أَيْ: إِنَّه ليس بمبدلٍ يأثم، بل هو متوسطٌ للإِصلاح، وليس عليه إثمٌ»
(1)
.
ويزيد ابن كثير الآية إيضاحاً، فيقول:
(قال ابن عباس، وأبو العالية، ومجاهد، والضحاك، والربيع بن أنس، والسدي: الجَنَف: الخطأ، وهذا يشمل أنواع الخطأ كلها، بأن زاد وارثاً بواسطة أو وسيلة، كما إذا أوصى ببيعه الشيءَ الفُلاني محاباة، أو أوصى لابن ابنته ليزيدها، أو نحو ذلك من الوسائل، إما مخطئًا غير عامد، بل بطبعه وقوة شفقته من غير تبصر، أو متعمدًا آثمًا في ذلك، فللوصيّ - والحالة هذه - أن يصلح القضية، ويعدلَ في الوصية على الوجه الشرعي، ويعدل عن الذي أوصى به الميت إلى ما هو أقرب الأشياء إليه وأشبه الأمور به، جمعاً بين مقصود الموصي والطريق الشرعي، وهذا الإصلاح والتوفيق ليس من التبديل في شيء»
(2)
.
دلالة الآية على الإصلاح:
تدل هذه الآية على فضل الإصلاح من جهة أن الله رفع الحرج والإثم عمن بدل وصية غيره من أجل الإصلاح، مع أن التبديل والتغيير في الأصل لا يجوز، لكن لما كان من أجل الإصلاح بين الموصي وورثته رفع الله الحرج عمن فعله، فدل على فضله العظيم، وعلى تطلب الشارع له، ورغبته فيه.
الآية السادسة:
قال الله تعالى: {ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا
(1)
الوجيز للواحدي (1/ 47).
(2)
تفسير ابن كثير (2/ 171).
وتصلحوا بين الناس والله سميع عليم} [البقرة: 224].
شرح الآية:
ينهى الله المؤمن أن يجعل حلفه بالله سبباً مانعا من فعل البر، والتقوى، والإصلاح بين الناس، قال الطبري:
(1)
.
دلالة الآية على الإصلاح:
من جهة نهي الله عباده عن جعل اليمين مانعة من الإصلاح، فالإصلاح خير فحتى لو حلف الإنسان أن لا يصلح، فعليه أن يكفر عن يمينه ويحنث فيها، لأجل الإصلاح ويصلح، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:
(2)
.
الآية السابعة:
قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ
وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا
(1)
تفسير الطبري (4/ 11 - 12).
(2)
رواه مسلم في صحيحه (5/ 85)، وأحمد في مسنده (2/ 185) ح (6736)، وأبو داود في سننه (3/ 229) ح (3276)، وغيرهم.
إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [البقرة: 228]
شرح الآية:
يرشد الله إلى أن المطلقات ينتظرن بأنفسهن ثلاث حيض، ولا يجوز لهن كتمان ما في أرحامهن من الحمل وغيره، ثم بين أن أزواجهن أحق بردهن، إذا أرادوا الإصلاح لا الإضرار والمشاقة عليهن، ثم بين أن لهن من الحقوق على الأزواج مثل ما عليهن لهم، وإن كان الرجال أفضل منهن درجة.
«فلهذا قال تعالى: {وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} فصدور الكتمان منهن دليل على عدم إيمانهن بالله واليوم الآخر، وإلا فلو آمنّ بالله واليوم الآخر، وعرفن أنهن مجزيات عن أعمالهن، لم يصدر منهن شيء من ذلك، ثم قال تعالى:{وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ} أي: لأزواجهن ما دامت متربصة في تلك العدة، أن يردوهن إلى نكاحهن {إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا} أي: رغبة وألفة ومودة.
ومفهوم الآية: أنهم إن لم يريدوا الإصلاح، فليسوا بأحق بردهن، فلا يحل لهم أن يراجعوهن، لقصد المضارة لها، وتطويل العدة عليها، وهل يملك ذلك مع هذا القصد؟ فيه قولان:
الجمهور على أنه يملك ذلك مع التحريم، والصحيح: أنه إذا لم يرد الإصلاح لا يملك ذلك، كما هو ظاهر الآية الكريمة، وهذه حكمة أخرى في هذا التربص، وهي: أنه ربما أن زوجها ندم على فراقه
لها، فجعلت له هذه المدة، ليتروى بها ويقطع نظره.
ثم قال تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} أي: وللنساء على بعولتهن من الحقوق واللوازم، مثل الذي عليهن لأزواجهن من الحقوق اللازمة والمستحبة، {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} أي: رفعة ورياسة، وزيادة حق عليها، كما قال تعالى:{الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} [النساء: 34].
ومنصب النبوة والقضاء، والإمامة الصغرى والكبرى، وسائر الولايات مختص بالرجال، وله ضعف ما لها في كثير من الأمور، كالميراث ونحوه.
{وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} أي: له العزة القاهرة والسلطان العظيم، الذي دانت له جميع الأشياء، ولكنه مع عزته حكيم في تصرفه.
ويخرج من عموم هذه الآية: الحوامل، فعدتهن وضع الحمل، واللاتي لم يدخل بهن، فليس لهن عدة)
(1)
.
دلالة الآية على الإصلاح:
دلت هذه الآية على فضل الإصلاح من جهة أن الله لم يجعل للمطلق الحق في مراجعة زوجته إلا بشرط الإصلاح، لأن به يحصل الإئتلاف والاجتماع وصلاح الحال بين الزوجين، وأما بدونه فلا، قال شيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله:
«ومن فوائد الآية: أنه لا حق للزوج في الرجعة إذا لم يرد الإصلاح؛ لقوله تعالى: {إن أرادوا إصلاحاً}؛ وقال بعض أهل العلم: «إن هذا ليس على سبيل الشرط، ولكنه على سبيل الإرشاد» ؛ وهو خلاف ظاهر الآية؛ والواجب إبقاء الآية على ظاهرها؛ فليس له أن يراجع
(1)
انظر: تفسير السعدي (1/ 181_184)، مع بعض التصرف.
إلا بهذا الشرط»
(1)
.
الآية الثامنة:
[النساء: 35]
شرح الآية:
في هذه الآية توجيه كريم من الله لعباده إذا خافوا الشقاق والمنازعة بين الزوج وزوجته أن يبعثوا حكما من أهل الزوج وحكما من أهل الزوجة، ثم حث الحكمين على إرادة الإصلاح، وأخبر أن ذلك سبباً لتوفيق الله لهما، قال الشيخ السعدي في تفسير هذه الآية:
(2)
.
دلالة الآية على الإصلاح:
تدل الآية على فضل الإصلاح من عدة وجوه:
الوجه الأول: أن الله حث الحكمين على إرادة الإصلاح.
(1)
تفسير القرآن للعثيمين: (3/ 105).
(2)
تفسير السعدي (1/ 345).
الوجه الثاني: أن الله أخبر أن إرادة الإصلاح سبب للتوفيق للحق والصواب، قال ابن عباس في قوله:{إن يريدا إصلاحًا يوفق الله بينهما} «وذلك الحكمان، وكذلك كل مصلح يوفقه الله للحق والصواب»
(1)
.
الوجه الثالث: حرص الشارع على الإصلاح بين الزوجين قبل كل شيء، ولم يرشدهما إلى الخلع أو الطلاق قبله، بل بدأ به.
(1)
تفسير الطبري (6/ 730)، وتفسير ابن المنذر (2/ 699)، والدر المنثور (4/ 407)، وحسن إسناده الدكتور حكمت بشير في التفسير الصحيح (2/ 46).
المبحث الثالث
ذكر الأحاديث التي ورد فيها ذكر الإصلاح
إن الناظر في كتب السنة يجد عدداً من الأحاديث النبوية جاءت في بيان فضل الإصلاح بين الناس، والترغيب فيه، والحث على فعله، وذكر الثواب العظيم لمن قام به، فحري بالمسلم أن يعقل ذلك ويعمل به، ساعياً في الإصلاح بين المسلمين، لأن هذا شأن أهل الإيمان كما أخبر الله عنهم في كتابه في قوله تعالى:{إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [النور: 51].
ومن النصوص النبوية الواردة في ذلك ما يلي:
الحديث الأول: ما رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«ألا أخبركم بأفضل من درجة الصلاة والصيام، والصدقة؟» قالوا: بلى، قال: «إصلاح ذات البين؛ فإن فساد ذات البين هي الحالقة
(1)
(2)
.
(1)
قلت: المراد بقوله: «الحالقة» : أي الخَصْلة التي من شأنها أن تَحلِق: أي تُهْلِك وتَستأصِل الدِّين كما يَسْتَأصِل المُوسَى الشعر، وقيل: هي قَطِيعة الرَّحم والتَّظالُم، قاله أبو السعادات في: النهاية في غريب الحديث والأثر (1/ 428).
(2)
أخرجه الإمام أحمد في مسنده (45/ 500) ح (27508)، وهذا لفظه بتقديم الصلاة على الصيام، والأكثرون على تقديم الصيام على الصلاة، وأخرجه أبو داود في سننه (4/ 280) ح (4919)، والترمذي في سننه (4/ 663) ح (2509)، وقال: هذا حديث صحيح، وصححه البزار كما في البحر الزخار ح (2159)، وصححه أيضا الألباني في صحيح الترغيب (3/ 70) ح (2814).
ثم قال الترمذي بعد تصحيحه للحديث: ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «هي الحالقة، لا أقول: تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين»
(1)
.
ابتدأ النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحديث بأداة التنبيه: «ألا» ، وهي تقتضي أهمية المنبه عليه
وهو هنا: الإصلاح، وأخبر أنه أفضل من درجة الصلاة، والصيام، والصدقة
(2)
.
قال الطيبي في شرح هذا الحديث:
«فيه حث وترغيب في إصلاح ذات البين، واجتناب عن الإفساد فيها؛ لأن الإصلاح سبب للاعتصام بحبل الله وعدم التفرق بين المسلمين، وفساد ذات البين ثلمة في الدين، فمن تعاطى إصلاحها ورفع
(1)
قال عنه الألباني: «حسن لغيره» ، كما في صحيح الترغيب والترهيب (3/ 70) ح (2814)، والحديث أخرجه الترمذي في سننه (4/ 664) ح (2510) بعد حديث الباب بلفظ: «دب إليكم داء الأمم: الحسد والبغضاء هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين
…
) الحديث، وسنده حسن كما في صحيح الترمذي (2/ 307) ح (2038)، وقال عنه المنذري في الترغيب (3/ 425)، والهيثمي في مجمع الزوائد (8/ 30):«إسناده جيد» .
(2)
اختلف العلماء في وجه تفضيل الإصلاح على الصلاة، والصيام، والصدقة، فقال بعضهم: المراد بذلك صلاة وصيام وصدقة النافلة والتطوع، لا الفرض، وقال آخرون: بل المراد الفرائض، لكن مع توجيه الحديث، قال القاري في مرقاة المفاتيح (14/ 340):(المراد أن يكون الإصلاح في فساد يتفرع عليه سفك الدماء، ونهب الأموال، وهتك الحرم أفضل من فرائض هذه العبادات القاصرة، مع إمكان قضائها على فرض تركها، فهي من حقوق الله التي هي أهون عنده سبحانه من حقوق العباد، فإذا كان كذلك فيصبح أن يقال: هذا الجنس من العمل أفضل من هذا الجنس؛ لكون بعض أفراده أفضل، كالبشر خير من الملك، والرجل خير من المرأة، وانظر: تحفة الأحوذي (6/ 68).
فسادها نال درجةً فوق ما يناله الصائم القائم المشتغل بخويصة نفسه»
(1)
.
الحديث الثاني: روى البخاري في التاريخ الكبير والبيهقي في شعب الإيمان، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
«ما عمل ابن آدم شيئا أفضل من الصلاة، وصلاح ذات البين، وخلق حسن»
(2)
.
يدل هذا الحديث العظيم على فضل الإصلاح، حيث أخبر الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم أنه ما عمل ابن آدم عملاً أفضل من الصلاة، وصلاح ذات البين، وخلق حسن يتخلق به المسلم، فقد جعل إصلاح ذات البين من أفضل الأعمال التي يعملها ابن آدم، وهذا لاشك يدل على فضله وأهميته.
الحديث الثالث: روى الطبراني والبزار عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفضل الصدقة إصلاح ذات البين»
(3)
.
يبين النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أن أفضل الصدقة هو إصلاح ذات البين، وذلك
(1)
نقله عنه المباركفوري في تحفة الأحوذي (6/ 69).
(2)
أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (1/ 63)، والبيهقي في شعب الإيمان (20/ 220) ح (10579)، وابن المبارك في الزهد (256) ح (739)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ح (1448)، وصحيح الجامع ح (10582)، وحسنه السيوطي في الجامع الصغير كما في فيض القدير:(5/ 457).
(3)
أخرجه الطبراني في الكبير (13/ 14) ح (31)، والبزار كما في كشف الأستار (2/ 440) ح (2059)، والبيهقي في شعب الإيمان (20/) 223) ح (10581)، والخرائطي في مكارم الأخلاق ومعاليها (1/ 2) ح (445)، وعبد بن حميد انظر: المنتخب (1/ 275) ح (335)، وقال المنذري (3/ 321):«رواه الطبراني والبزار، وفي إسناده عبد الرحمن بن زياد بن أنعم» ، وحديثه هذا حسن، وصححه الألباني في صحيح الترغيب (3/ 71) ح (2817)، وفي الصحيحة (2639) بمجموع طرقه.
لنفعه المتعدي؛ لأن به يزول الشقاق والاختلاف والعداوة، وتحصل الإلفة والمحبة والاتفاق، وفي ذلك دلالة واضحة على فضله وأهميته.
الحديث الرابع: روى البزار عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي أيوب: «ألا أدلك على تجارة؟» ، قال: بلى، قال:«صل بين الناس إذا تفاسدوا، وقرب بينهم إذا تباعدوا»
(1)
.
ورواه الطبراني عن أبي أمامة بلفظ: «ألا أدلك على عمل يرضاه الله ورسوله؟» قال: بلى، قال: «صل بين الناس إذا تفاسدوا
…
»
(2)
فذكره.
ورواه الطبراني أيضاً عن أبي أيوب، قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«يا أبا أيوب، ألا أدلك على صدقة يحبها الله ورسوله؟ تصلح بين الناس إذا تباغضوا وتفاسدوا»
(3)
.
ورواه عبد بن حميد والطيالسي بلفظ:
«يا أبا أيوب، ألا أدلك على صدقة يرضي الله ورسوله موضعها؟» ، قال: بلى، قال:«تصلح بين الناس إذا تفاسدوا وتقرب بينهم إذا تباعدوا»
(4)
.
(1)
رواه البزار كما في كشف الأستار (2/ 441) ح (2060)، وأورده المنذري في الترغيب والترهيب (3/ 321)، وقال عنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (3/ 45) ح (2818):«حسن لغيره» .
(2)
المعجم الكبير (8/ 257) ح (7999)، وحسنه لغيره الألباني في صحيح الترغيب (3/ 72) ح (2819).
(3)
المعجم الكبير (4/ 138) ح (3922)، وحسنه لغيره الألباني في صحيح الترغيب (3/ 72) ح (2820).
(4)
رواه الطيالسي في مسنده (1/ 491) ح (599)، وعبد بن حميد انظر المنتخب من مسند عبد بن حميد (1/ 209) ح (232)، والحديث حسنه لغيره الألباني في صحيح الترغيب (3/ 72).
لقد تضمن هذا الحديث الشريف بمجموع طرقه وألفاظه فضل الإصلاح من وجوه:
الأول: افتتاح الكلام بأداة التنبيه «ألا» ، وهذا يقتضي أهمية الأمر وحتمية الانتباه له.
الثاني: أنه سماه تجارة، وهو من التجارة الرابحة عند الله.
الثالث: أنه سماه عملا يرضاه الله ورسوله.
الرابع: أنه سماه صدقة يرضاها الله ورسوله.
وهذا يدل على فضل الإصلاح وأهميته، ومحبة الشارع له، والمسلم يحرص على ما يحبه الله ورسوله ويرضاه، ويسعى لتحصيله، ويبادر إلي العمل به.
الحديث الخامس: روى البخاري ومسلم عن أَبي هريرة رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ سُلَامَى
(1)
مِنَ النَّاسِ عَلَيهِ صَدَقَةٌ، كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ: تَعْدِلُ بَيْنَ الاثْنَينِ صَدَقَةٌ
(2)
، وَتُعينُ الرَّجُلَ في دَابَّتِهِ فَتَحْمِلُهُ عَلَيْهَا، أَوْ تَرْفَعُ لَهُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ، وَالكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقةٌ، وَبِكُلِّ خَطْوَةٍ تَمشِيهَا إِلَى الصَّلاةِ صَدَقَةٌ، وَتُميطُ الأَذى عَنِ الطَّريقِ صَدَقَةٌ»
(3)
لقد ركب الله الإنسان من ثلاثمائة وستين مفصلا كما في الحديث الصحيح
(4)
، فينبغي له كلما طلعت شمس يوم كما في هذا الحديث أن يتصدق بعدد مفاصله
(1)
هو المفصل، قاله الحافظ في الفتح (5/ 364).
(2)
أي: تُصْلِحُ بينهما بالعدل، انظر الديباج على مسلم (3/ 48).
(3)
أخرجه البخاري في صحيحه، انظر الفتح (6/ 154) ح (2989)، ومسلم في صحيحه (2/ 158) ح (1704)، وانظر: اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان (1/ 283).
(4)
ولفظه: (إِنَّهُ خُلِقَ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْ بَنِى آدَمَ عَلَى سِتِّينَ وَثَلَاثِمَائَةِ مَفْصِلٍ
…
) رواه مسلم في صحيحه (2/ 698) ح (1007).
ليشتري نفسه من ربه، وقد جاء في هذا الحديث جملة من الأعمال الصالحة التي إذا فعلها المسلم كان له بها صدقة، وذكر من بينها الإصلاح بين الناس بقوله «تعدل بين اثنين صدقة» ، وهذا فيه بيان فضل الإصلاح والحث عليه.
الحديث السادس: روى البخاري ومسلم عن أمِّ كُلْثُوم بنت عُقْبَة بن أَبي مُعَيط
(1)
رضي الله عنها، قَالَتْ: سمِعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «لَيْسَ الكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ فَيَنْمِي
(2)
خَيراً، أَوْ يقُولُ خَيْراً»
(3)
.
في هذا الحديث ينفي النبي صلى الله عليه وسلم الكذب عن الذي يصلح بين الناس، ويبلغ الحديث بينهم على وجه الإصلاح وطلب الخير، فإن هذا لا يعد كاذباً، ولو قال الكذب، وذلك لعظم منفعة الإصلاح وما يترتب عليه من إطفاء الشر والفتنة بين المسلمين، وهذا يدل على فضله، وحث الشارع على فعله.
وفي رواية مسلم زيادة، قَالَتْ: «وَلَمْ أسْمَعْهُ يُرْخِّصُ في شَيْءٍ مِمَّا يَقُولُهُ النَّاسُ إلاَّ في ثَلاثٍ، تَعْنِي: الحَرْبَ، وَالإِصْلَاحَ بَيْنَ النَّاسِ، وَحَدِيثَ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ،
(1)
هي صاحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط الأموية، أول من هاجر إلى المدينة، بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم أسلمت قديما، ولما علمت بهجرة الرسول صلى الله عليه وسلم، خرجت ماشية من مكة إلى المدينة تتبعه، ولحقها أخوان لها لإعادتها، فلم ترجع، وهي أخت عثمان لأمه، ماتت سنة (33) هـ، انظر تجريد أسماء الصحابة (2/ 333)، وتقريب التهذيب (1384) والإعلام (5/ 231).
(2)
قوله: «فينمي» بفتح أوله وكسر الميم، أي: يبلغ، تقول: نميت الحديث أنميه إذا بلغته على وجه الإصلاح وطلب الخير، فإذا بلغته على وجه الإفساد والنميمة قلت: نميته بالتشديد، انظر فتح الباري (5/ 353).
(3)
رواه البخاري في صحيحه، انظر: الفتح (5/ 353) ح (2692)، ومسلم في صحيحه (4/ 2011) ح (2605)، وانظر: اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان (3/ 198) ح (1674).
وَحَدِيثَ المَرْأةِ زَوْجَهَا»
(1)
.
في هذه الزيادة ذكرت أم كلثوم رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص في الكذب في ثلاثة أشياء، وقد جاء ذلك صريحاً من قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث التالي، وهو:
الحديث السابع: ما رواه أحمد والترمذي عن أسماء بنت يزيد
(2)
قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«لا يحل الكذب إلا في ثلاث: كذب الرجل امرأته ليرضيها، والكذب في الحرب، والكذب ليصلح بين الناس»
(3)
.
بين النبي صلى الله عليه وسلم أن الكذب لا يحل إلا في ثلاث خصال، وهذا يدل على أن الأصل أن الكذب حرامٌ لا يحل، لكن إذا كان من أجل الإصلاح بين الناس إذا اختلفوا، أو من أجل مصلحة الإسلام والمسلمين في الحرب؛ لأن الحرب خدعة
(4)
، أو كان من أجل أن يرضي الرجل امرأته أو من المرأة مع زوجها كذلك كان جائزا
(5)
.
(1)
صحيح مسلم (4/ 2011) ح (2605).
(2)
هي: صاحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية الأوسية ثم الأشهلية، من أخطب نساء العرب ومن ذوات الشجاعة والإقدام، كان يقال لها: خطيبة النساء، وفدت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في السنة الأولى للهجرة، فبايعته وسمعت حديثه، وحضرت وقعة اليرموك سنة 13 هـ، فكانت تسقي الظماء وتضمد جراح الجرحى، واشتدت الحرب فأخذت عمود خيمتها، وانغمرت في الصفوف، فصرعت به تسعة من الروم، ماتت سنة (30) هـ، انظر سير أعلام النبلاء (2/ 296) والإعلام (1/ 306).
(3)
رواه أحمد في مسنده (45/ 574) ح (27597)، والترمذي في سننه (4/ 331) ح (1939) وحسنه، والحديث صححه الألباني في الصحيحة ح (545)، وأطال في ذكر طرقه وشواهده.
(4)
كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه، انظر: اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان (2/ 201) ح (1134).
(5)
لكن ينبغي أن يعلم المسلم أنه ليس معنى ذلك أن الرجل لا يتعامل مع زوجته ولا الزوجة مع زوجها إلا بالكذب، بل هذا خاص عند الغضب، أو إذا كانت المصلحة ظاهرة فيه وراجحة على المفسدة ..
(1)
.
قلت: فجواز الكذب من أجل الإصلاح دليل على فضله وتطلع الشارع إليه.
الحديث الثامن: روى أحمد، ومسلم، وأبو داود، والنسائي عن قَبِيصَةَ بن مُخَارِقٍ الهِلالي
(2)
، قال: تَحَمَّلْتُ حَمَالَةً، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَسْأَلُهُ فِيهَا، فَقَالَ:«أَقِمْ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا» ، قَالَ: ثُمَّ قَالَ:
«يَا قَبِيصَةُ، إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إِلاَّ لأَحَدِ ثَلَاثَةٍ:
رَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا، ثُمَّ يُمْسِكُ.
وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ، حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ - أَوْ قَالَ: سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ -.
وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ، حَتَّى يَقُومَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِى الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ: لَقَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ، حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ - أَوْ قَالَ: سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ -.
فَمَا سِوَاهُنَّ مِنَ الْمَسْأَلَةِ يَا قَبِيصَةُ سُحْتًا يَأْكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتًا»
(3)
.
(1)
معالم السنن للخطابي (7/ 236).
(2)
هو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قبيصة بن المخارق بن عبد الله بن شداد بن أبي ربيعة بن نهيك بن هلال بن عامر بن صعصعة الهلالي البصري، له صحبة، وفد على النبي صلى الله عليه وسلم، وروى عنه، انظر تهذيب الكمال (23/ 492)، وتقريب التهذيب (797).
(3)
أخرجه أحمد في مسنده (25/ 257) ح (15916)، ومسلم في صحيحه (2/ 722) ح (1044)، وأبو داود في سننه (2/ 120) ح (1640)، والنسائي في المجتبى (5/ 89) ح (2580) وغيرهم.
دل هذا الحديث العظيم على فضل الإصلاح، من جهة أن الله أباح لمن تحمل حمالة من أجل الإصلاح، أن يسأل قدر حاجته، مع أن المسألة في الأصل حرام، كما دلت على ذلك النصوص الكثيرة، ومنها هذا الحديث، لكن لما كانت بسبب الإصلاح رفع الإثم عن صاحبها، ويؤكد ذلك أقوال العلماء عند شرحهم لهذا الحديث.
(1)
.
وقال البيهقي في شعب الإيمان: «وأباح رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن تحمل حمالة في إصلاح ذات بين أن يأخذ من الصدقات ما يستغني به على قضاء دينه، وإن لم يكن فقيراً، وذلك راجع إلى الترغيب في الإصلاح وتخفيف الأمر على القائمين به؛ ليكون تخفيفه عليهم مبعثا له على الدخول فيه»
(2)
.
(3)
.
وذكر الطحاوي في معاني الآثار، وشرح مشكل الآثار أنه جاء في بعض طرق
(1)
معالم السنن (2/ 237).
(2)
شعب الإيمان (20/ 214).
(3)
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (6/ 251).
حديث قبيصة هذا: أن الحمالة كانت بسبب الإصلاح، ولفظه:«رَجُلٍ تَحَمَّلَ بِحَمَالَةٍ عَنْ قَوْمِهِ أَرَادَ بِهَا الإِصْلَاحَ»
(1)
.
الحديث التاسع: روى أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجة عن أبي هريرة، وعمرو بن عوف المزني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
(2)
.
دل هذا الحديث على أن الصلح جائز، إلا إذا حرم حلالا أو أحل حراما، فيؤخذ منه جواز الصلح وإباحته، ولزومه يؤخذ من النصوص الأخرى.
قال الشوكاني: «قوله: «الصلح جائز» : ظاهر هذه العبارة العموم، فيشمل كل صلح، إلا ما استثني، ومن ادعى عدم جواز صلح زائد على ما استثناه الشارع في هذا الحديث فعليه الدليل»
(3)
.
الحديث العاشر: روى البخاري عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رضي الله عنه: أَنَّ أَهْلَ قُبَاءٍ اقْتَتَلُوا حَتَّى تَرَامَوْا بِالْحِجَارَةِ، فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِذَلِكَ، فَقَالَ:«اذْهَبُوا بِنَا نُصْلِحُ بَيْنَهُمْ»
(4)
.
هذا الحديث يدل على فضل الصلح من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه أمر أصحابه بالذهاب معه إلى أهل قباء من أجل الإصلاح، وسيأتي في ذكر أمثلة الإصلاح في السنة ذكر إصلاحه بين أهل قباء مفصلا
(5)
.
(1)
معاني الآثار (2/ 18)، وانظر تحفة الأخيار بترتيب شرح مشكل الآثار (6/ 649) ح (4852).
(2)
سبق تخريجه ص (9).
(3)
نيل الأوطار (5/ 308)
(4)
أخرجه البخاري في صحيحه، انظر: الفتح (5/ 354) ح (2693)، والحديث بدون هذا اللفظ مع قصة متفق عليه، كما سيأتي ص (64).
(5)
انظر ص (64) وما بعدها.
الحديث الحادي عشر: روى أحمد، والبخاري، وأبو داود، والنسائي عن أبي بكرة
(1)
: أن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قال لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ رضي الله عنهما: «إن ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ»
(2)
.
يدل هذا الحديث على فضل الإصلاح من جهة أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن الحسن سيد، وذكر بعده ما هو بمثابة التعليل لسيادته، وهو الإصلاح بين فئتين عظيمتين.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية مؤكداً ذلك: «فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأنه سيد، وحقق ما أشار إليه من أن الله يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين، وهذا يبين أن الإصلاح بين الطائفتين كان محبوباً ممدوحاً يحبه الله ورسوله، وأن ما فعله الحسن من ذلك كان من أعظم فضائله ومناقبه التي أثنى بها عليه النبي صلى الله عليه وسلم»
(3)
.
قلت: سيأتي قريباً في ذكر أمثلة من الصلح كيفية حصول الصلح بينه وبين معاوية رضي الله عنهما جميعا
(4)
.
(1)
هو صاحب رسول الله، نفيع بن الحارث بن كلدة - بفتحتين- بن عمرو الثقفي، أبو بكرة، صحابي، مشهور بكنيته، وقيل: اسمه مسروح بمهملات أسلم بالطائف، ثم نزل البصرة، ومات بها سنة إحدى أو اثنتين وخمسين. انظر تقريب التهذيب (2/ 251)، والأعلام للزركلي (8/ 44).
(2)
أخرجه أحمد في مسنده (34/ 138) ح (20499)، والبخاري في صحيحه، انظر: الفتح (5/ 361) ح (2704)، وأبو داود في سننه (4/ 216) ح (4662)، والنسائي في المجتبى (3/ 107) ح (1410).
(3)
منهاج السنة (4/ 531).
(4)
انظر ص (60 - 62).
المبحث الرابع
أمثلة من الإصلاح في الكتاب والسنة
أضع بين يديك - أخي المصلح- في هذا المبحث أمثلة من الإصلاح جاءت في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، حتى تكون نبراساً لك، وعوناً بعد الله في إصلاحك بين المختلفين من إخوانك المسلمين وغيرهم.
المطلب الأول: أمثلة من الصلح في كتاب الله:
المثال الأول: الصلح بين أهل العدل وأهل البغي،
تضمنت هذه الآية مثالا من الإصلاح بين المسلمين إذا وقع بينهم الخلاف، وقد سبق شرح الآية، وذكر وجه دلالتها على الإصلاح
(1)
.
المثال الثاني: الصلح بين الزوجين إذا خيف الشقاق بينهما،
قال تعالى: {وَإِنْ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} [النساء: 128].
لقد تضمنت هذه الآية مثالا من الإصلاح بين الزوجين عند الاختلاف، والاختلاف من طبيعة البشر، لكن بالإصلاح والتغاضي عن بعض الحقوق يصلح أمر الزوجين، ويعيشان بطمأنينة ومودة، وقد سبق الكلام على الآية ودلالتها على
(1)
انظر ص (28) وما بعدها.
الإصلاح، فليرجع إليه
(1)
.
المثال الثالث: الإصلاح بين الصحابة،
حينما اختلفوا في الفيء، قال تعالى:{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 1].
تضمنت هذه الآية مثالاً آخر في الإصلاح بين الصحابة رضي الله عنهم، حينما اختلفوا في شأن الأنفال، كما مر ذكر ذلك، وشرحه، وبيان دلالة الآية على الإصلاح
(2)
.
المطلب الثاني: أمثلة من الإصلاح في السنة
المثال الأول: الإصلاح بين متخاصمين في دَين،
روى البخاري ومسلم عن عَبْد اللَّهِ بْنُ كَعْبٍ
(3)
: أَنَّ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ تَقَاضَى ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ
(4)
دَيْنًا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْمَسْجِدِ، فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا، حَتَّى سَمِعَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ فِي بَيْتٍ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَيْهِمَا، حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ
(5)
حُجْرَتِهِ، فَنَادَى كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ، فَقَالَ:«يَا كَعْبُ» ، فَقَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّه، فَأَشَارَ بِيَدِهِ: أَنْ ضَعْ الشَّطْرَ، فَقَالَ كَعْبٌ: قَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ
(1)
انظر ص (18) وما بعدها.
(2)
انظر ص (25) وما بعدها.
(3)
هو عبد الله بن كعب بن مالك الأنصاري المدني، ثقة، يقال: له رؤية مات سنة سبع أو ثمان وتسعين، انظر: تقريب التهذيب (1/ 525).
(4)
هو الصحابي الجليل عبد الله بن أبي حدرد، واسمه سلامة، وقيل: عبيد بن عمير بن أبي سلامة بن سعد بن سنان بن الحارث بن عبس بن هوازن بن أسلم بن أفصى الأسلمي، أبو محمد، له ولأبيه صحبة، مات سنة إحدى وسبعين، وله إحدى وثمانون سنة، انظر: الإصابة في تمييز الصحابة (4/ 54).
(5)
سجف: - بكسر المهملة، وسكون الجيم، وحكي فتح أوله - وهو الستر، وقيل: أحد طرفي الستر المفرج، انظر: الفتح (1/ 658).
رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «قُمْ، فَاقْضِه»
(1)
.
في هذا الحديث مثال للإصلاح بين دائن ومدين، حيث أمر الدائن بوضع شطر حقه، وأمر المدين بالمبادرة بالوفاء، وهذا من الصلح الجائز؛ لأن فيه مصلحة للطرفين.
المثال الثاني: الإصلاح بين متبايعين،
بحث البائع على الرفق والحط من الحق الذي له، روى البخاري ومسلم عن عمرةَ بنت عبد الرحمن
(2)
قالت: سمعت عَائِشَةَ رضي الله عنها تقول: سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَوْتَ خُصُومٍ بِالْبَابِ عَالِيَةٍ أَصْوَاتُهُمَا، وَإِذَا أَحَدُهُمَا يَسْتَوْضِعُ
(3)
الآخَرَ وَيَسْتَرْفِقُهُ فِي شَيْءٍ، وَهُوَ يَقُولُ: وَاللَّهِ لا أَفْعَلُ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: «أَيْنَ الْمُتَأَلِّي
(4)
عَلَى اللَّهِ لا يَفْعَلُ الْمَعْرُوفَ؟»، فَقَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَهُ أَيُّ ذَلِكَ أَحَبَّ
(5)
.
(1)
أخرجه البخاري في صحيحه، انظر الفتح (5/ 366) ح (2710)، ومسلم في صحيحه (3/ 1192) ح (1558)، وانظر: اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان (2/ 145) ح (1004).
(2)
هي: عمرة بنت عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة بن عدس، من بني النجار، سيدة نساء التابعين، فقيهة، عالمة بالحديث ثقة، من أهل المدينة، صحبت عائشة أم المؤمنين، وأخذت الحديث عنها. ماتت سنة (98) هـ. انظر: تقريب التهذيب (1365)، والإعلام (5/ 72).
(3)
أي يطلب منه أن يضع عنه من حقه، ويسترفقه: أي يطلب منه الرفق به في ذلك، انظر: فتح الباري (5/ 362).
(4)
المتألي- بضم الميم، وفتح المثناة والهمزة، وتشديد اللام المكسورة، أي: الحالف المبالغ في اليمين، مأخوذ من الألية - بفتح الهمزة، وكسر اللام، وتشديد التحتانية-: وهي اليمين. انظر المرجع السابق.
(5)
أخرجه البخاري في صحيحه، انظر الفتح (5/ 362) ح (2705)، ومسلم في صحيحه (3/ 1192) ح (1557)، وانظر: اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان (2/ 145) ح (1003).
في هذا الحديث الكريم الإشارة بالصلح، وإن كان الحق قد اتجه لأحد الخصمين، وليس هذا من قبيل الصلح الممنوع، ولهذا ترجم البخاري في صحيحه في كتاب الصلح على هذا الحديث:«باب: هل يشير الإمام بالصلح؟» ، قال الحافظ ابن حجر:«أشار بهذه الترجمة إلى الخلاف؛ فإن الجمهور استحبوا للحاكم أن يشير بالصلح، وإن اتجه الحق لأحد الخصمين، ومنع من ذلك بعضهم، وهو عن المالكية»
(1)
.
قلت: وقد جاء عند ابن حبان ما يبين سبب الخصومة، فقد روى عن عائشة قالت:«دخلت امرأة على النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: بأبي وأمي، إني ابتعت أنا وابني من فلان ثمر ماله، فأحصيناه، لا والذي أكرمك بما أكرمك به، ما أحصينا منه شيئا إلا شيئا نأكله في بطوننا، أو نطعم مسكينا رجاء البركة، وجئنا نستوضعه، ما نقصنا، فحلف بالله لا يضع لنا شيئا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «تألى لا يصنع خيرا» ثلاث مرات، قالت: فبلغ ذلك صاحب الثمر، فقال: بأبي وأمي، إن شئت وضعت ما نقصوا، وإن شئت من رأس المال، فوضع ما نقصوا»
(2)
.
المثال الثالث: الإصلاح بين فئتين من المسلمين وحقن دمائهم،
سبق أن مر معنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ»
(3)
، وهو علم من أعلام النبوة، حيث تحقق ذلك عام الجماعة عام واحد وأربعين للهجرة
(4)
، حيث جمع الله فيه شمل الأمة، وحقن دماءها، فله الفضل والمنة،
(1)
انظر: المرجع السابق.
(2)
صحيح ابن حبان (11/ 408) ح (5032).
(3)
سبق ذكر الحديث وتخريجه ص (53).
(4)
انظر تاريخ الأمم والملوك (6/ 93)، والبداية والنهاية (8/ 18)، والكامل في التاريخ (3/ 271).
وقد بين ذلك البخاري، فيما رواه عن الحسن البصري، قال: «استقبل - والله- الحسن بن علي معاوية بكتائب أمثال الجبال، فقال عمرو ابن العاص: إني لأرى كتائب لا تولي حتى تقتل أقرانها، فقال له معاوية - وكان والله خير الرجلين -: أي عمرو، إن قتل هؤلاء هؤلاء وهؤلاء هؤلاء من لي بأمور الناس؟ من لي بنسائهم؟ من لي بضيعتهم؟ فبعث إليه رجلين من قريش من بني عبد شمس: عبد الرحمن بن سمرة
(1)
وعبد الله بن عامر بن كريز
(2)
، فقال: اذهبا إلى هذا الرجل، فاعرضا عليه، وقولا له، واطلبا إليه، فأتياه فدخلا عليه فتكلما، وقالا له فطلبا إليه، فقال لهما الحسن بن علي: إنا بنو عبد المطلب قد أصبنا من هذا المال، وإن هذه الأمة قد عاثت في دمائها، قالا: فإنه يعرض عليك كذا وكذا، ويطلب إليك ويسألك، قال فمن لي بهذا؟ قالا: نحن لك به، فما سألهما شيئاً إلا قالا: نحن لك به، فصالحه، فقال الحسن: ولقد سمعت أبا بكرة يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر، والحسن بن علي إلى جنبه، وهو يقبل على الناس مرة وعليه أخرى، ويقول:«إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين»
(3)
.
المثال الرابع: إصلاح بين مزارعين في سقي الماء،
روى البخاري ومسلم عن
(1)
هو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، عبد الرحمن بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس القرشي، أبو سعيد: صحابي، من القادة الولاة، أسلم يوم فتح مكة، وسكن البصرة، وافتتح سجستان وكابل وغيرهما، وولي سجستان، وغزا خراسان ففتح بها فتوحا، ثم عاد إلى البصرة، فتوفي فيها سنة (50) هـ، انظر تهذيب الكمال (7/ 157)، والأعلام للزركلي (3/ 307).
(2)
عبد الله بن عامر بن كريز بن ربيعة الأموي، أبو عبد الرحمن، أمير، فاتح، ولد بمكة، وولي البصرة في أيام عثمان سنه 29 هـ، فوجه جيشاً إلى سجستان، فافتتحها صلحاً، وشهد وقعة الجمل مع عائشة، ولم يحضر وقعة صفين، مات بمكة، ودفن بعرفات سنة (59) هـ، انظر: الأعلام للزركلي (4/ 94).
(3)
أخرجه البخاري في صحيحه. انظر فتح الباري (5/ 361) ح (2704).
عروة بن الزبير، أن الزبير كان يحدث: «أنه خاصم رجلا من الأنصار قد شهد بدرا، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في شراج من الحرة
(1)
، كانا يسقيان به كلاهما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير:«اسق يا زبير، ثم أرسل إلى جارك» ، فغضب الأنصاري فقال: يا رسول الله، أن كان ابن عمتك فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: «اسق، ثم احبس حتى يبلغ الجدر
(2)
، فاستوعى
(3)
رسول الله صلى الله عليه وسلم حينئذ حقه للزبير، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك- أشار على الزبير برأي سعة له وللأنصاري، فلما أحفظ
(4)
الأنصاري رسول الله صلى الله عليه وسلم استوعى للزبير حقه في صريح الحكم، قال عروة: قال الزبير: والله ما أحسب هذه الآية نزلت إلا في ذلك: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم} الآية
(5)
[النساء: 65].
في هذا الحديث أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلح بين الزبير وخصمه بأن يسقي الزبير زرعه ولا يستوفي حقه، بل يرسل الماء لأخيه الأنصاري، فلما لم يرض بذلك
(1)
شراج الحرة بكسر المعجمة، وبالجيم: جمع شرج بفتح أوله، وسكون الراء، مثل بحر وبحار- ويجمع على شروج أيضاً، وحكى ابن دريد: شرج بفتح الراء، وحكى القرطبي شرجة، والمراد بها هنا: مسيل الماء، انظر: فتح الباري (5/ 44).
(2)
الجدْر: بفتح الجيم وسكون الدال المهملة هو المسناة، وهو ما وضع بين شربات النخل كالجدار، وقيل: المراد الحواجز التي تحبس الماء، وجزم به السهيلي، ويروي: الجدُر بضم الدال حكاه أبو موسى، وهو جمع جدار، وقال ابن التين: ضبط في أكثر الروايات بفتح الدال، وفي بعضها بالسكون، وهو الذي في اللغة، وهو أصل الحائط، انظر: الفتح (5/ 44).
(3)
أي: استوفى، انظر: الفتح (5/ 47).
(4)
أي: أغضبه، انظر: المرجع السابق.
(5)
أخرجه البخاري في صحيحه، انظر: الفتح (5/ 42) ح (2359، 2360)، ومسلم في صحيحه (4/ 1829) ح (2357)، وانظر: اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان (3/ 111) ح (1519).
أمر النبي صلى الله عليه وسلم الزبير باستيفاء حقه.
قال الحافظ ابن حجر: «أمره -أولاً- أن يسامح ببعض حقه على سبيل الصلح، وبهذا ترجم البخاري في الصلح إذا أشار الإمام بالمصلحة، فلما لم يرض الأنصاري بذلك استقصى الحكم وحكم به .. » ، ثم قال أيضاً:«وفيه أن للحاكم أن يشير بالصلح بين الخصمين، ويأمر به، ويرشد إليه، ولا يلزمه به إلا إذا رضي»
(1)
.
قلت: وجه دلالة الحديث على الإصلاح أن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ به قبل غيره، وهذا يدل على فضله، ورغبة الشارع فيه، وتطلعه إليه.
المثال الخامس: الإصلاح بين الجماعات والقبائل،
روى البخاري ومسلم عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رضي الله عنه: «أَنَّ أُنَاسًا مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ كَانَ بَيْنَهُمْ شَيْءٌ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ يُصْلِحُ بَيْنَهُمْ .. »
(2)
.
دل هذا الحديث على أن النبي صلى الله عليه وسلم لما علم باختلاف أصحابه بادر بالخروج إليهم من أجل الإصلاح، فحصل ذلك، وهذا يدل على فضل الإصلاح والمبادرة إليه، حتى لا يزيد الشقاق والاختلاف بين المسلمين.
قال الحافظ ابن حجر: «وفي هذا الحديث: فضل الإصلاح بين الناس، وجمع كلمة القبيلة، وحسم مادة القطيعة، وتوجه الإمام بنفسه إلى بعض رعيته لذلك، وتقديم مثل ذلك على مصلحة الإمامة بنفسه»
(3)
.
(1)
فتح الباري (5/ 48، 49).
(2)
رواه البخاري في صحيحه، انظر: الفتح (5/ 350) ح (2690)، ومسلم في صحيحه (1/ 316) ح (421)، وانظر: اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان (1/ 88) ح (243).
(3)
فتح الباري (2/ 198).
و قال ابن المنير: «فقه الترجمة: التنبيه على جواز مباشرة الحاكم الصلح بين الخصوم، ولا يعد ذلك تصحيفاً في الحكم»
(1)
.
المثال السادس: الإصلاح بين المسلمين والكفار،
روى البخاري ومسلم عن البراء بن عازب رضي الله عنهما، قال:«لما صالح رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الحديبية كتب علي بينهم كتابا، فكتب محمد صلى الله عليه وسلم، فقال المشركون: لا تكتب «محمد رسول الله» ، لو كنت رسولا لم نقاتلك، فقال لعلي:«امحه» ، فقال علي: ما أنا بالذي أمحاه، فمحاه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده، وصالحهم على أن يدخل هو وأصحابه ثلاثة أيام، ولا يدخلوها إلا بجلبان السلاح، فسألوه: ما جلبان السلاح؟ فقال: القراب
(2)
بما فيه»
(3)
.
في هذا الحديث دليل على جواز مصالحة المسلمين للكفار إذا كان في ذلك مصلحة ترجع عليهم، ولذا بوب البخاري في كتاب الصلح من صحيحه:«باب الصلح مع المشركين» ، وأورد هذا الحديث.
(1)
انظر: فتح الباري (13/ 194).
(2)
القراب: شبه الجراب من الأدم يوضع فيه السيف مغموداً، ويطرح فيه للراكب سوطه وأداته، انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (1/ 282).
(3)
رواه البخاري في صحيحه، انظر: الفتح (5/ 357) ح (2698)، ومسلم في صحيحه (3/ 1409) ح (1783).
الخاتمة
بعد البحث والنظر في نصوص الكتاب والسنة الواردة في الإصلاح تبينت لي بحمد الله تعالى النتائج التالية:
1 -
أهمية الإصلاح وضرورته في حياة المسلمين، بل والناس كافة.
2 -
كثرة نصوص الكتاب والسنة الواردة في الحث على الإصلاح.
3 -
رغبة الشارع في الإصلاح والحث عليه، حتى ولو كان عن طريق التنازل عن الحقوق الواجبة، أو الكذب.
4 -
فضل الإصلاح بين المسلمين وما أعده الله من الثواب للمصلحين.
5 -
اشتمال الكتاب والسنة على أمثلة من الإصلاح يستنير المصلح بها ويهتدي.
6 -
الإصلاح يكون بين الأفراد والطوائف.
7 -
أن الإصلاح منه ما هو مأمور به ومطلوب، ومنه ما هو محرم ومنهي عنه، فعلى المسلم أن يحرص على أن يكون إصلاحه مما يرضي الله، وأن يجتنب ما يسخطه.
8 -
أن الصلح الجائز أنواع، فمنه: الإصلاح بين المسلمين وأهل الحرب، وبين الزوجين، وبين أهل البغي وأهل العدل، وفي المال، وغير المال.
9 -
أن الإصلاح يحصل به الائتلاف والمحبة، وقطع النزاع والشحناء والفرقة والشقاق بين المتخاصمين.
10 -
على كل من أراد الإصلاح أن يتخلى عن الشح الذي جعله الله حاضرا في النفوس حتى يتم الإصلاح.
11 -
ضرورة وجود أناس مصلحين في الأمة كل بحسبه يسعون في الإصلاح بين المسلمين، ولم شملهم.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
فهرس المراجع والمصادر
1 -
الأدب المفرد: لمحمد بن إسماعيل البخاري، تحقيق سمير بن أمين الزهيري، بتخريجات الألباني، نشر مكتبة المعارف - الرياض، الطبعة الأولى 1419 هـ.
2 -
أسباب النزول: لأبي الحسن، علي بن أحمد الواحدي، تحقيق عصام بن عبد المحسن الحميدان، نشر دار الإصلاح، الطبعة الأولى 1411 هـ.
3 -
الإصابة في تمييز الصحابة: للحافظ أحمد بن علي المعروف بابن حجر، نشر دار الكتب العلمية - بيروت.
4 -
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن: للشيخ محمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي، نشر عالم الكتب - بيروت.
5 -
الأعلام: لخير الدين الزركلي، نشر دار العلم للملايين - بيروت، الطبعة السادسة 1984 م.
6 -
إعلام الموقعين عن رب العالمين: لشمس الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية، مراجعة: طه عبد الرؤوف سعد، طبع دار الجيل، بيروت.
7 -
البحر الزخار المعروف بمسند البزار، أبو بكر أحمد بن عمرو البزار، تحقيق محفوظ الرحمن زين الله، دار العلوم والحكم المدينة المنورة، الطبعة الأولى.
8 -
البداية والنهاية: لأبي الفداء، إسماعيل بن كثير الدمشقي، حققه د/ أحمد أبو ملحم وأخرون، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1405 هـ.
9 -
تاريخ الأمم والملوك: تأليف أبي جعفر محمد بن جرير الطبري، دار الفكر للطباعة والنشر 1399 هـ - 1979 م.
10 -
التاريخ الكبير: للإمام محمد بن إسماعيل البخاري، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت.
11 -
تجريد أسماء الصحابة لشمس الدين أبي عبد الله محمد بن أحمد الذهبي، دار المعرفة - بيروت.
12 -
التحرير والتنوير: لمحمد الطاهر بن عاشور، نشر الدار التونسية، سنة 1984 م.
13 -
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي: لمحمد بن عبدالرحمن المباركفوري إشراف عبد الوهاب عبد اللطيف نشر مكتبة ابن تيمية، القاهرة، الطبعة الثالثة 1407 هـ.
14 -
تحفة الأخيار بترتيب شرح مشكل الآثار لأبي جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي، تحقيق خالد محمود الرباط، نشر: دار بلنسية الطبعة الأولى 1420 هـ.
15 -
الترغيب والترهيب: للإمام الحافظ زكي الدين، عبد العظيم بن عبد القوي المنذري، تعليق مصطفى محمد عمارة، منشورات دار الحديث - القاهرة، 1407 هـ.
16 -
تفسير أبي السعود المسمى إرشاد العقل السليم إلى مزايا القران الحكيم: للقاضي أبي السعود محمد بن العمادي، نشر دار إحياء التراث العربي، بيروت.
17 -
التفسير الصحيح تأليف الدكتور حكمت بن بشير ياسين، نشر دار المآثر، الطبعة الأولى 1420 هـ.
18 -
تفسير الطبري المسمى: جامع البيان عن تأويل آي القرآن: لمحمد بن جرير الطبري، تحقيق عبد الله بن عبد المحسن التركي، نشر دار هجر، الطبعة الأولى 1422 هـ.
19 -
تفسير القرآن العظيم: لأبي الفداء، إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي، تحقيق مصطفى السيد وزملاؤه، دار عالم الكتب، الطبعة الأولى 1425 هـ.
20 -
تفسير القرآن العظيم، لعبد بن محمد بن إدريس، المعروف بابن أبي حاتم، تحقيق أسعد الطيب، نشر مكتبة نزار الباز - مكة المكرمة، الطبعة الثالثة 1424 هـ.
21 -
تفسير القران لأبي بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر، تحقيق سعد بن محمد السعد، نشر: دار المآثر، الطبعة الأولى 1423 هـ.
22 -
تفسير القران الكريم لمحمد بن صالح العثيمين، نشر: دار ابن الجوزي، الطبعة الأولى 1423 هـ
23 -
تفسير القرطبي المسمى الجامع لأحكام القرآن: لأبي عبد الله، محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي، لم تذكر له طبعة.
24 -
تقريب التهذيب: للحافظ أحمد بن علي، المعروف بابن حجر، تحقيق أبي الأشبال صغير أحمد شاغف، دار العاصمة- الرياض، الطبعة الأولى 1416 هـ.
25 -
تهذيب الكمال في أسماء الرجال: لجمال الدين أبي الحجاج يوسف المزي، تحقيق د/ بشار عواد معروف، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى 1405 هـ.
26 -
تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان: للشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي، تقديم محمد زهري النجار، منشورات دار المدني جدة 1408 هـ.
27 -
الجامع الصحيح وهو سنن الترمذي: لأبي عيسى، محمد بن سورة الترمذي، تحقيق أحمد شاكر، شركة مكتبة مصطفى البابي الحلبي - مصر، الطبعة الثانية 1398 هـ - 1978 م.
28 -
جامع العلوم والحكم: تأليف زين الدين، أبي الفرج، عبد الرحمن بن شهاب الدين البغدادي، الشهير بابن رجب، تحقيق شعيب الأرنؤوط، نشر مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى 1411 هـ.
29 -
حاشية الروض المربع شرح زاد المستقنع لعبد الرحمن بن محمد بن قاسم، الطبعة الأولى 1399 هـ.
30 -
خطبة الحاجة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمها أصحابه لمحمد ناصر الدين الألباني، نشر مكتبة المعارف الرياض، الطبعة الأولى 1421 هـ.
31 -
الدر المنثور في التفسير المأثور: لجلال الدين، عبد الرحمن السيوطي، تحقيق عبد الله بن عبد المحسن التركي. نشر دار هجر، الطبعة الأولى 1424 هـ.
32 -
الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج للحافظ عبد الرحمن السيوطي، تحقيق: أبي إسحاق الحويني، نشر دار ابن عفان، الطبعة الأولى 1416 هـ.
33 -
كتاب الزهد لعبد الله بن المبارك، تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي، دار الكتب العلمية بيروت.
34 -
سلسلة الأحاديث الصحيحة، للشيخ محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي - بيروت.
35 -
سنن أبي داود، للحافظ أبي داود، سليمان بن أشعث السجستاني، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، المكتب العصرية، صيدا - بيروت.
36 -
السنن الكبرى: للإمام أبي بكر، أحمد بن الحسين البيهقي، طبع دار المعرفة - بيروت، نشر وتوزيع ومكتبة المعارف بالرياض.
37 -
سير أعلام النبلاء، لشمس الدين محمد بن أحمد الذهبي، تحقيق شعيب الأرنؤوط وآخرون، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثانية 1420 هـ
38 -
شرح الزركشي على الخرقي لمحمد بن عبدالله الزركشي، تحقيق عبدالله الجبرين.
39 -
شرح معاني الآثار: تأليف أبي جعفر، أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي، المعروف بالطحاوي، نشر دار الكتب العلمية، الطبعة الثانية 1407 هـ.
40 -
الشرح الممتع على زاد المستقنع لمحمد بن صالح العثيمين. نشر دار ابن الجوزي. ط الاولى. 1425 هـ.
41 -
شرح النووي على مسلم: لأبي زكريا، يحيى بن شرف النووي، دار إحياء التراث العربي.
42 -
شعب الإيمان، ويسمى بالجامع لشعب الإيمان، لأبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي، نشر: الدار السلفية بالهند، الطبعة الأولى 1416 هـ.
43 -
الصحاح: لإسماعيل بن حماد الجوهري، تحقيق أحمد عبد الغفور عطار، دار العلم للملايين - بيروت، الطبعة الثالثة 1404 هـ.
44 -
صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان: لعلاء الدين، علي بن بلبان الفارسي، تحقيق شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثالثة 1418 هـ.
45 -
صحيح الترغيب والترهيب: لمحمد ناصر الدين الألباني، طبع دار
المعارف - الرياض، الطبعة الأولى 1412 هـ.
46 -
صحيح الجامع الصغير وزيادته: لمحمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، الطبعة الثالثة 1402 هـ.
47 -
صحيح سنن أبي داود: لمحمد ناصر الدين الألباني، نشر المكتب الإسلامي - بيروت، الطبعة الأولى 1409 هـ.
48 -
صحيح سنن الترمذي: لمحمد ناصر الدين الألباني، نشر المكتب الإسلامي - بيروت، الطبعة الأولى 1408 هـ.
49 -
صحيح مسلم: لأبي الحسين، مسلم بن الحجاج القشيري، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي - بيروت.
50 -
عمدة القاري شرح صحيح البخاري: لبدر الدين، محمد بن أحمد العيني، نشر دار الفكر، الطبعة الأولى 1418 هـ.
51 -
فتح الباري شرح صحيح البخاري، لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري: للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، تحقيق الشيخ عبد العزيز بن باز، وترتيب محمد فؤاد عبد الباقي، دار الريان للتراث - القاهرة، الطبعة الأولى 1407 هـ.
52 -
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير: تأليف محمد بن علي الشوكاني، توزيع دار الاندلس الخضراء بجدة، ودار الوفاء بالمنصورة، تحقيق د. عبدالرحمن عميرة ط الاولى عام 1415 هـ -1994.
53 -
فيض القدير شرح الجامع الصغير، محمد عبد الرؤوف المناوي، دار المعرفة بيروت.
54 -
الكامل في التاريخ: لابي الحسن علي بن أبي الكرم محمد بن محمد
المعروف بابن الأثير تحقيق أبي الفداء عبد الله القاضي توزيع دار الباز بمكة المكرمة. ط. دار الكتب العلمية الاولى 1407 هـ.
55 -
كشف الأستار عن زوائد البزار على الكتب الستة لنور الدين الهيثمي، تحقيق حبيب الرحمن الاعظمي، مؤسسة الرسالة.
56 -
لسان العرب: لأبي الفضل، جمال الدين، محمد بن مكرم الشهير بابن منظور، تصوير دار الفكر عن طبعة دار صادر - بيروت.
57 -
اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان: تأليف محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي - بيروت.
58 -
المبدع في شرح المقنع لإبراهيم بن محمد بن عبد الله بن مفلح، طبع المكتب الإسلامي.
59 -
المجتبى والمعروفة بسنن النسائي الصغرى: لأبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي، تحقيق عبد الفتاح أبو غدة، مكتبة المطبوعات الإسلامية بحلب ودار البشائر بيروت، الطبعة الثانيه 1406 هـ - 1986 م.
60 -
مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي، دار الكتاب العربي بيروت، الطبعة الثالثة 1402 هـ.
61 -
المحرر في أسباب نزول القران من خلال الكتب الستة، تاليف خالد بن سليمان المزيني، طبع دار ابن الجوزي، الطبعة الأولى 1427 هـ.
62 -
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز: للقاضي أبي محمد، عبد الحق بن غالب بن عطية، تحقيق عبد الله بن إبراهيم الأنصاري وزملاؤه، طبع دار الخير ط الثانية بإشراف وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بقطر.
63 -
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح لعلي بن سلطان محمد القاري
ت 1014 هـ، طبع دار الفكر بيروت.
64 -
المستدرك على الصحيحين: لأبي عبد الله، محمد بن عبد الله، المعروف بالحاكم، وبذيله تلخيص المستدرك: للذهبي، دار الكتب العلمية بيروت.
65 -
مسند أبي داود الطيالسي لسليمان بن داود بن الجارود، تحقيق محمد بن عبد المحسن التركي، نشر دار هجر، الطبعة الأولى 1419 هـ.
66 -
مسند الإمام أحمد بن حنبل، تحقيق شعيب الأرنؤوط ورفاقه، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى 1414 هـ.
67 -
مشكاة المصابيح: لمحمد بن عبد الله الخطيب التبريزي تحقيق محمد ناصر الدين الألباني طبع المكتب الإسلامي ط الثانية 1399 هـ، بيروت.
68 -
معالم السنن لأبي سليمان حمد بن محمد الخطابي، تحقيق محمد حامد الفقي، مكتبة السنة المحمدية.
69 -
المعجم الكبير: لأبي القاسم، سليمان بن أحمد الطبراني، تحقيق حمدي السلفي، نشر مكتبة ابن تيمية - القاهرة.
70 -
المغني: لأبي محمد، عبد الله بن أحمد بن قدامة، نشر مكتبة الجمهورية العربية، ومكتبة الكليات الأزهرية.
71 -
المنتخب من مسند عبد بن حميد: لمصطفى العدوي، دار بلنسية، الطبعة الثانية 1423 هـ.
72 -
منهاج السنة لأبي العباس أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية، تحقيق محمد رشاد سالم، نشر جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية الرياض، الطبعة الأولى 1406 هـ.
73 -
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور لأبي الحسن إبراهيم بن عمر البقاعي، توزيع مكتبة ابن تيمية القاهرة، الطبعة الأولى 1402 هـ.
74 -
النهاية في غريب الحديث والأثر: لأبي السعادات المبارك بن محمد الجزري، المعروف بابن الأثير، تحقيق طاهر أحمد الراوي، ومحمود محمد الطناحي، دار الكتب العلمية - بيروت.
75 -
نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار لمحمد بن علي الشوكاني، دار الكتب العلمية بيروت، الطبعة الأولى 1403 هـ.