المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ كتاب الجامع (3) - شرح المحرر في الحديث - عبد الكريم الخضير - جـ ٦٢

[عبد الكريم الخضير]

فهرس الكتاب

الفصل: ‌ كتاب الجامع (3)

بسم الله الرحمن الرحيم

شرح: المحرر -‌

‌ كتاب الجامع (3)

الشيخ: عبد الكريم الخضير

ص: 1

والمناجاة لها لذة، وكثير من الناس من طلاب العلم لا يجد مثل هذا، بل لم يتلذذ بما هو بصدده الذي هو العلم والتعليم، فمثل هذا يحتاج إلى مزيد من الجهاد، يحتاج إلى صدق ولجوء إلى الله -جل وعلا- أن يعينه على تحقق هذه الحلاوة ليعيش في نعيم في الدنيا قبل الآخرة، وقد وجد الصحابة -رضوان الله عليهم- النعيم، وشموا رائحة الجنة، وتلذذوا بمناجاة الله، وقال القائل من سلف هذه الأمة وأئمتها: إنه في نعيم لو علم به الملوك لجالدوهم عليه بالسيوف، وكلامهم في هذا يكثر، بعضهم يتململ من طول النهار؛ لماذا؟ ليأتي الليل فيسدل عليه الستر لينطرح بين يدي ربه وخالقه بمناجاته، بعضهم يفرح إذا خلا البيت من العمار والسكان، الواحد منا إذا وجد في مكان خالٍ ضاقت به الأرض ذرعاً؛ لماذا؟ لأنه لم يعود نفسه بالصلة بالله -جل وعلا-، والأنس به، متى يجد الإنسان حلاوة الإيمان؟ في الحديث:((ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما)) الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، المسألة تحتاج إلى جهاد، بعض الناس يؤثر زوجته على مراد الله ومراد رسوله، بعض الناس يؤثر ولده على مراد الله وعلى رسوله، وبعض الناس يؤثر رئيسه على أوامر الله وأوامر رسوله، مثل هذا ما يجد حلاوة الإيمان، إذا وجد التعارض فلا شيء مع مرضات الله -جل وعلا- ((من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما)) بل يحب الله -جلا وعلا- ويقدم أوامره ونواهيه حتى على رغباته وشهواته، وكذلك أوامر الرسول عليه الصلاة والسلام، وسيأتي في الحديث الذي يليه:((لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين)) أحب إليه مما سواهما بما في ذلك النفس؛ ولذا لما قال عمر -رضي الله تعالى عنه-: إنك يا رسول الله أحب إليَّ من كل شيء إلا من نفسي، قال:((بل ومن نفسك)) فقال: ومن نفسي، قال:((الآن يا عمر)) لا بد أن يكون حب الله وحب الرسول مقدم على النفس، وبرهان ذلك تقديم الأوامر والنواهي الشرعية على شهوات النفس، أما من يعصي الرب -جل وعلا-، ويزعم أنه يحبه أو يحب الرسول يزعم زوراً وبهتاناً أنه يحب الرسول عليه الصلاة والسلام، ويأتي بالمخالفات، ويأتي بالبدع،

ص: 2

ويقول: إنه يحب الله ورسوله، نقول: كذب.

تعصي الإله وأنت تزعم حبه

هذا لعمري في القياس شنيعُ

لو كان حبك صادقاً لأطعته

إن المحب لمن يحب مطيعُ

((أحب إليه مما سواهما)) يحب الله -جل وعلا- أحب إليه من نفسه فضلاً عن غيره، ونشاهد تقديم الناس ملاذهم، بل رضا غيرهم، دنيا غيرهم على أوامر الله وأوامر الرسول، تجد المجاملة بل المداهنة لشخص لا يملك ضراً ولا نفعاً، ولا يرجى خيره، ولا يخشى شره، ومع ذلك تداهن، هذا لا يجد حلاوة الإيمان، قد يقول قائل -وهذا السؤال بالحديث الذي يليه أليق لكن لا مانع من تقديمه- يقول: أنا أحب الله ورسوله، أحب الله -جل وعلا-؛ لكي يدخلني الجنة، وأحب الرسول وأطيع الرسول لكي أدخل الجنة، إذاً أنا أحببت الله ورسوله من أجلي، لا من أجله هو واضح وإلا ما هو بواضح؟ هل هذا يحب الله ورسوله أكثر من نفسه أو هو في الحقيقة يحب نفسه؟ هاه؟

طالب:. . . . . . . . .

يقول: لا بأس أنا أحب الله ورسوله، وجاءت الأوامر بأن أحبوا الله ورسوله، وأنا أحب الله ورسوله، لكن لماذا تحب الله ورسوله؟ يعني الآن الإيمان لتدخل الجنة، تجد حلاوة الإيمان لتدخل الجنة، إذاً أنت تسعى لمصلحتك، وأنت تحب الرسول أكثر من نفسك؛ لماذا؟ لكي تدخل الجنة، إذاً أنت تسعى لمصلحة نفسك، يعني: هل المقصود حب الله -جل وعلا- لذاته، وحب الرسول لذاته، أو لما يترتب على ذلك من مصلحتك؟ نعم؟

طالب:. . . . . . . . .

هذا الأصل أن يكون لذات الله -جل وعلا-، ولذات الرسول عليه الصلاة والسلام، لكن كون الأمور والأعمال التي ذكرت ورتب عليها الثواب وذكرت الجنة بنعيمها، وذكرت النار بجحيمها وعذابها، يعني: ملاحظة هذا الهدف؛ لماذا تصلي يا فلان؟ يقول: أتخلص من النار، هذا من أجل أدخل الجنة، يعني حينما يذكر الهدف ملاحظة هذا الهدف الذي جاء ذكره في النصوص، من فعل كذا دخل الجنة، أنا أفعل كذا لكي أدخل الجنة، يعني: ملاحظة الهدف الذي جاء ذكره في النصوص يقدح وإلا ما يقدح؟ أو ما ذُكر إلا ليلاحظ؟ ليكون باعثاً على العمل؟ باعث على العمل، لكن لا يكون هو الهدف الأصلي.

ص: 3

طيب، الله -جل وعلا- حينما أمر بطاعته، ووعد من أطاعه بالجنة، وتوعد من عصاه بالنار، أنت لما تعصي تترك المعصية خشية من الله أو خشية من النار؟ دعونا نضرب مثال يقرب لنا المسألة: الآن لو هددك شخص بيده عصا، وقال: لا تسلك هذا الطريق وإلا أضربك، أنت تخشى من الإنسان أو من العصا؟ نعم؟

طالب:. . . . . . . . .

من الإنسان، العصا بمفردها لا يساوي شيئاً، والنار بمفردها لا تعمل شيئاً، فالخشية لله -جل وعلا- أولاً وآخراً.

((من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما)) وأحب خبر (كان)((ومما سواهما)) جمع الضمير ضمير الرب -جل وعلا- وضمير نبيه عليه الصلاة والسلام، والجمع بين الضميرين، بين ضمير النبي عليه الصلاة والسلام مضافاً إلى ضمير الله -جل وعلا- جاء ذم الخطيب، ذُمّ الخطيب الذي قال:"ومن يعصهما" بأس خطيب القوم أنت، قل: ومن يعصي الله ورسوله، وهنا:((مما سواهما)) ما قال: مما سوى الله ورسوله، جمع بينهما، فهناك أجوبة ذكرها .. ؛ لأنه لا يتصور منه عليه الصلاة والسلام لمعرفته بمقام ربه ومنزلة نفسه التشريك حينما يجمع بين الضميرين، لكن حينما يقول غير النبي عليه الصلاة والسلام يتصور منه ذلك، وقد انتقد النبي عليه الصلاة والسلام من جمع بينهما، منهم من يقول: إذا كانت المسألة خطبة والخطب تقتضي البسط والتوضيح لا يجمع الضمير، وإذا كان الكلام في غير مقام الخطب يجوز ذلك، إلى غير ذلك، المقصود أنه جاءت النصوص من قوله عليه الصلاة والسلام بالجمع، وجاء ذمه للخطيب، فيحرص الإنسان أن لا يجمع بين ضمير النبي عليه الصلاة والسلام مضافاً إلى ضمير الله -جل وعلا- فيحرص على هذا؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام ذم الخطيب، أما كونه يجمع فلما ذُكر.

طيب، أحياناً نجد في المساجد على المحراب على حد سواء في دائرة:(الله) في الدائرة الثانية موازية لها وبحجمها: (محمد) ماذا نقول عن هذا؟

طالب:. . . . . . . . .

ص: 4

يعني في بعض الجهات لا سيما بعض الجهات العسكرية يذكرون الله فوق، وتحت المليك، الوطن، هذا ما فيه إشكال، الله .. ، طيب، لكن هنا في المساجد مثلاً يذكر في دائرة (الله) وفي دائرة موازية بحجمها (محمد) هل في هذا ما يشعر الندية أو ما يقرب منها؟ أو من باب:((لا أذكر إلا وتذكر معي))؟ يعني نقول: الأمر فيه سعة أو نقول: إن هذا فيه مشابهة؟ نعم يا الإخوان؟

طالب:. . . . . . . . .

يعني هل الأولى أن يفعل مثل هذا أو لا يفعل؟

طالب: لا يفعل.

نعم، الأولى أن لا يفعل، يعني الأصل أن المساجد تخلو من هذه كلها، لكن إذا أردوا أن يذكروا شيء مع مخالفتهم لما جاء في ذم زخرفة المساجد فلا يجعل بهذه الطريقة، وإن كان الحديث:((لا أذكر)) {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} [(4) سورة الشرح]((لا أذكر إلا وتذكر معي)) أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، نعم، يحتمل هذا، والأمر فيه سعة يعني ما يصير فيه مشاحة، لكن من باب التنبيه فقط.

ص: 5

((وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله)) ((أوثق عُرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله)) ((وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله)) لا يحبه إلا لله، هذا يجد به حلاوة الإيمان، له أخ في الله ليس له عليه نعمة، إنما يحبه لاستقامته، هذا يجد به حلاوة الإيمان، ولكن ينظر في هذه المحبة في أوقات الامتحان، الابتلاء، في أوقات الصفاء والجفاء، هل تزيد هذه المحبة أو تنقص؟ إن زادت مع الصفاء أو نقصت مع الجفاء فهذه ليست لله، وهذا الأمر قال ابن عباس في الصدر الأول: ولقد صارت عامة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا -في عصر الصحابة- ولو دققنا في السر والسبب الحقيقي لحبنا بعض الناس ممن ظاهره الصلاح، أو من الصالحين لوجدنا الأمر على خلاف ما جاء في الحديث، لو تختلف المعاملة أدنى اختلاف لو يحتفي بغيرك ولا يلتفت إليك تغير الوضع، من استمرأ المدح والثناء وعاش عليه وسمعه كثيراً وصار يستنكر إذا ما وجد؛ لأن النفوس مدخولة، يعني إلى وقت قريب كان الناس ينفرون نفرة تامة عن المدح، ويشددون على من يمدح، ثم تساهلوا فصاروا يسمعون المدح ولا يتأثرون، والسنة الإلهية الثابتة بالتجربة أن من سمع مدحه بما ليس فيه لا بد أن يذم بما ليس فيه إذا لم ينكر، وإذا مدح بما فيه ولم ينكر ذم بما فيه، هذه سنة إلهية، لو حضرت إلى شخص بينك وبينه مودة وصلة وكذا، ثم جاء واحد من أقرانك وصار التفت إلى هذا القرين، وصار وجهه إليه وتركك، ويش يصير وضعك؟ ما تأثرت؟! ما تنقص المحبة والمودة؟! بعض الناس المودة مبنية على هذا من الأساس؛ لماذا تزور فلان؟ لأنه والله يستقبلني استقبال طيب، وفلان والله ما لقينا وجهه، أنت تحبه ليش؟ لماذا تحبه؟ فعلى الإنسان أن يختبر نفسه في هذا الباب، طيب.

ص: 6

((وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله)) طيب، قد تجتمع المحبة الجبلية مع المحبة الشرعية، وقد تنفرد المحبة الجبلية دون الشرعية والعكس، فالرجل يحب ولده المستقيم لأنه اجتمع فيه الآمران يحبه جبلة لأنه ولده، ويحبه لأنه مستقيم، قد يكون الولد غير مستقيم يحبه جبلة، لكن يبغضه شرعاً، جار ليس بولد مستقيم يحبه شرعاً، وإن لم يكن هناك جبلة لأنه ليس بقريب، الزوجة المودة والرحمة التي جعلت بين الزوجين تبعث على المحبة؛ فماذا عن محبة المرأة الكافرة الكتابية؟ ((وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله)) هل يقدح في مثل هذا الحديث أن يحب المرأة التي من خصيصة الزواج المودة والرحمة، بل من نتيجته المودة والرحمة {وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً} [(21) سورة الروم] امرأة كافرة تقول: المسيح ابن الله، ويحبها للمودة والمحبة التي جعلت ومع ذلك يبغضها لدينها، فقد تجتمع المودة والمحبة من وجه دون وجه.

ص: 7

((وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إن أنقذه الله منه، كما يكره أن يلقى في النار)) وفي رواية: ((أن يقذف في النار)) يكره أن يعود في الكفر، ولا يحس بهذا إلا من كان في أول الأمر كافر، أما من ولد في الإسلام فإحساسه بهذا أقل، ولا شك أن من كان كافراً وعرف الكفر وعرف الشر وعاش عيشة الكفار، الجملة الأخيرة في الحديث:((وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه، كما يكره أن يلقى في النار)) يعني لو خُيَّر بين أن يرجع ويرتد عن دينه بعد أن دخل فيه، أو يقذف في النار؛ لأنه في الحديث كما يكره يعني على حد سواء مثل ما يكره، يكره أن يعود في الكفر بقدر كراهيته لإلقائه في النار، لكن لو وجد مثلاً شخص عاش في جاهلية في كفر، ثم أسلم ووقر الإيمان في قلبه، وخالط قلبه بشاشة الإيمان، ثم عرض عليه إما أن ترتد أو نلقيك في النار، كما حصل لأهل الأخدود، لأصحاب الأخدود، لا شك أنه إن ارتكب العزيمة وقبل الإلقاء في النار هذا أكمل أو ما هو بأكمل؟ أكمل، لكن إن ترخص ونطق بكلمة الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان فالرخصة تسعه {إِلَاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ} [(106) سورة النحل] لكن إذا قبل الإلقاء في النار لا شك أنه كره أن يعود للكفر أشد من الإلقاء في النار، لكن لو أحجم عن الإلقاء في النار وقال كلمة الكفر لا شك أنها مرتبة أدنى وأنقص؛ لأن المسألة مفترضة في استوائهم ((كما يكره أن يلقى في النار)) متى يكون مثل هذا؟ هذا في الكلام النظري، لكن إذا جاء المحك العملي، وهدده من يملك إيقاع الفعل ثبت على دينه وارتكب العزيمة صار كراهيته للعود إلى الكفر أعظم من أن يلقى في النار، وإن ترخص فالحمد لله الدين فيه فسحة، وهذا منصوص عليه {إِلَاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ} [(106) سورة النحل] فالدين يشمله، والرخصة تسعه، لكن العزيمة أكمل.

نعم.

وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين)).

يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:

ص: 8

"وعنه" يعني عن أنس، صاحبي الحديث السابق "-رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يؤمن أحدكم)) " والحديث الذي بعده: ((لا يؤمن عبد)) نفي الإيمان ((لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين)) النفي هنا لحقيقة الإيمان أو لكمال الإيمان؟

طالب:. . . . . . . . .

نعم؟

طالب:. . . . . . . . .

يعني لو أن شخصاً لو قيل مثلاً: ما الضابط لمحبة الرسول عليه الصلاة والسلام أكثر من النفس ومن الولد ومن الوالد والناس أجمعين؟ نقول: تقديم أوامر النبي عليه الصلاة والسلام، وتقديم شرعه ودينه على هؤلاء كلهم، لو تعارضت مصلحة الوالد أو الولد أو أي أحد من الناس مع الأمر الشرعي يقدم الأمر الشرعي، لكن لو قدر أن إنساناً قدم مصلحة الوالد أو الولد على الأمر الشرعي، فهل نقول:((لا يؤمن أحدكم)) نفي للإيمان بالكلية أو نفي لكمال الإيمان؟ ((لا يؤمن أحدكم)) الإيمان الكامل، ويبقى أن إيثاره لهذه المعصية وهذه المخالفة قدح في الإيمان، لكنها لا ترفع الإيمان بالكلية كشأن سائر المعاصي، ماذا نقول؟ معصية من المعاصي، إذا قال له أبوه: افعل كذا في وقت الصلاة، الصلاة تقام ويقول: لا، افعل هذا قبل، وتنظر فإذا العمل يستوعب الصلاة كلها، ما تنتهي إلا والصلاة انتهت، وافترض أن هذا يستوعب وقت الصلاة كله، لا تصلي إلا أنت موظباً السيارة مثلاً، توظيب السيارة يحتاج إلى ثلاث ساعات يطلع الوقت، يقول: لا، ما يمكن، الأصل أن يقدم طاعة الله وطاعة رسوله عليه الصلاة والسلام على طاعة الوالد، لكن إذا قدم وفعل وعصى وآثر محبة أو طاعة الوالد على طاعة الله ورسوله هل يكفر بهذا؟ هل يرتفع عن الإيمان بالكلية؟ لا، لا يرتفع عنه الإيمان بالكلية.

ص: 9

((لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده)) في بعض الروايات: ((من والده وولده)) تقديم الولد لأنه في الغالب أحب من الوالد، هذا من باب المحبة الجبلية والشفقة والرحمة، في الغالب أن الولد يؤثر على الوالد جبلة، نعم، لكن شرعاً محبة الوالد أعظم من محبة الولد من حيث الشرع، أيضاً تقديم الوالد على الولد يقول أهل العلم: لأن كل إنسان له والد وليس كل إنسان له ولد، فلذا قدم الوالد في هذه الرواية ((والناس أجمعين)) من باب عطف العام على الخاص، والتصريح بالولد وهو يشمل الذكر والأنثى {يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ} [(11) سورة النساء] والوالد هنا مفرد مضاف يشمل؟

طالب: الأب والأم.

الأبوين، لكن عقوق الأمهات يشمل الآباء؟ لا، لا يشمل، لكن النصوص الأخرى دلت على دخول الآباء، هنا:((ولده ووالده)) عرفنا أن الولد يشمل بالنص {يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلَادِكُمْ} [(11) سورة النساء] يشمل الذكر والأنثى، الوالد عندنا والد وعندنا والدة التي هي الأم، فإذا قلنا: والديه يدخل فيه الأم لأن النساء يدخلن في خطاب الرجال تبعاً في النصوص الشرعية، وقد جاء عن مريم أنها كانت من القانتين، في الدعاء الذي يسمع باستمرار ((اللهم اغفر لنا ولوالدينا)) هل يكفي أن نقول: ووالدينا، وتدخل الأم في الوالدين؟ أو نقول: لا بد من التثنية؟ {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ} [(28) سورة نوح]؟ بالتثنية، أو نقول: مفرد مضاف يشمل؟ نعم هو مفرد مضاف يشمل جميع الوالدين الذي هم الآباء، لكن ما تدخل الأم إلا في التثنية، وهنا قال:((ووالده)) مفرد مضاف يشمل جنس الوالد الذي يدخل فيه الأم؛ لأنه ليس له إلا والد واحد، لكن إذا جمعنا الضمير وقلنا: ووالدين يشمل جميع الآباء، ولا يدخل فيهم الأمهات حتى نأتي بالتثنية {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ} [(28) سورة نوح].

((والناس أجمعين)) يعني من باب أولى، وهذا من عطف العام على الخاص للعناية بشأن الخاص، والاهتمام به.

نعم.

وعنه رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((والذي نفسي بيده لا يؤمن عبد حتى يحب لجاره)) أو قال: ((لأخيه ما يحب لنفسه)).

ص: 10

يقول المؤلف -رحمه الله تعالى- في هذا الحديث:

"وعنه" يعني وعن أنس صاحبي الحديثين السابقين "-رضي الله تعالى عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((والذي نفسي بيده)) " الواو قسم ((الذي نفسي بيده)) مقسم به، والنفس هي الروح، وبيده: فيه إثبات اليد لله -جل وعلا- على ما يليق بجلاله وعظمته.

كثير من الشراح حينما يتعرضون لشرح هذه الجملة: ((والذي نفسي بيده)) يقول: "والذي روحي في تصرفه" ولا شك أن هذا حيد عن إثبات الصفة التي هي إثبات اليد لله -جل وعلا-، نعم، الأرواح في تصرف الله -جل وعلا-، ولا أحد ينكر هذا، لكن هذا من اللازم، تفسير اللفظ باللازم خلاف قول أهل السنة والجماعة، تأويل الرحمة مثلاً بإرادة الإنعام، تأويل الغضب بإرادة الانتقام، تأويل اليد هنا بالتصرف، كل هذا خلاف ما عليه سلف الأمة وأئمتها.

((والذي نفسي بيده)) النبي عليه الصلاة والسلام يقسم، كثيراً ما يقول:((والذي نفسي بيده)) وقد يقول: ((لا ومقلب القلوب)) حُفظ عنه القسم في مواضع كثيرة، وهذا يكون على الأمور المهمة شرعاً،

أما الكثرة أو الإكثار من القسم في الأمور غير المهمة جاء {وَلَا تَجْعَلُواْ اللهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ} [(224) سورة البقرة] فلا يبتذل في غير الأمور المهمة، وقد أمر الله -جل وعلا- نبيه أن يقسم على البعث في ثلاثة مواضع في كتابه {وَيَسْتَنبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي} [(53) سورة يونس] في سورة يونس، وفي سبأ:{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي} [(3) سورة سبأ] وفي التغابن: {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ} [(7) سورة التغابن] فالقسم على الأمور المهمة وارد شرعاً، بل مطلوب ليعظم هذا الأمر، يعظم ما عظمه الله ورسوله.

((والذي نفسي بيده لا يؤمن عبد)) هناك: ((لا يؤمن أحدكم)) أحدكم مثل ما قلنا: مفرد مضاف يعم ويشمل الرجال والنساء لدخولهن في خطاب الرجال، وهنا قال:((لا يؤمن عبد)) نكرة في سياق النفي فتكون عامة لمن اتصف بهذا الوصف من الرجال وفي حكمهم النساء.

ص: 11

((لا يؤمن عبد حتى يحب لجاره)) أو قال: ((لأخيه)) أو هذه شك، وجاء في بعض الروايات في الصحيح:((حتى يحب لأخيه)) بالجزم ((لا يؤمن عبد حتى يحب لجاره ما يحبه لنفسه)) قال: ((لأخيه ما يحبه لنفسه)) الجار المجاور في المسكن، ويشمل عند أهل العلم إلى أربعين بيتاً، أو من يسمع أذان المسجد، أو من يصلي صلاة الصبح في المسجد، أقوال، والأولى من الجيران الأقرب باباً، كما جاء في الحديث الصحيح عن عائشة:((أقربهم باباً)) هذا أولى.

((حتى يحب لجاره)) والجار جاءت النصوص باحترامه وتقديره ونفعه، وكف الأذى عنه ((والله لا يؤمن من لم يأمن جاره بوائقه)) ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره)) فالجار له شأن ((ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه)) والجيران منهم المسلم وغير المسلم، ومنهم القريب والبعيد، فالجار القريب المسلم له ثلاثة حقوق: حق الجوار، وحق القرابة، وحق الإسلام، والجار المسلم البعيد له حقان: حق الجوار، وحق الإسلام، والجار غير المسلم له حق الجوار فقط، فهذه الحقوق لا بد من مراعاتها ((حتى يحب لجاره)) أو قال:((لأخيه)) ويشمل أخوة النسب وأخوة الدين، أخوة الدين:{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [(10) سورة الحجرات] وأخوة النسب معروفة {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً} [(65) سورة الأعراف] أخوة نسب، وليست أخوة دين.

أو قال: ((لأخيه ما يحبه لنفسه)((لا يؤمن عبد حتى يحب لجاره)) أو ((لأخيه)) وعرفنا أن النفي ليس لحقيقة الإيمان وأصله وإنما هو لكماله، هذا في عرف كثير من الناس في حكم المستحيل، وأحياناً حقيقة الأمر متعذرة في مثل هذا، يعني طلبة يتنافسون في الدراسة هل يتمنى أجودهم في الدراسة وأحرصهم على التحصيل وأكثرهم تعباً أن يكون كل واحد من هؤلاء الإخوان الأول مكرر؟ نعم؟

طالب:. . . . . . . . .

ص: 12

هذا متعذر، لكن يتمنى لأخيه من التوفيق ما يتمنى لنفسه في الجملة، سابقوا، سارعوا، أصل المسابقة أن يكون فيه سابق ومسبوق، فكيف تمتثل هذا الأمر وأنت تريد أن تصل مع أصحابك إذاً ما في سباق ولا مسابقة؟ نعم يراد بالنصوص الحث على التقدم وهو مطلوب من الجميع، من الجميع التقدم، لكن هل يطلب من الإنسان أن يكلف نفسه ويروض نفسه على أن يصلوا إلى الغاية سواء؛ ليحب ما يحب لنفسه؟ على كل حال الإنسان يسعى ويسدد ويقارب ويحرص أن يحقق أكبر قدر مما جاء، والقلوب السليمة قد يسهل عليها مثل هذا، أما القلوب المدخولة يستحيل عليها تحقيق مثل هذا، حتى جزم بعضهم أن تحقيق ما في هذا الحديث مستحيل؛ لماذا؟ لأنه يحكي واقعه وواقع من حوله، لكن القلب السليم يتحقق فيه مثل هذا، لا سيما وأنك ما عليك نقص ((حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه)) يحب لنفسه بيت واسع يعني ما تحب لأخيك أن يكون بيته واسع؟ نعم؟ وبعض الناس يسعى جاهداً لكتمان ما عنده؛ لئلا يقلد فيصير الناس مثله، ما يصير له مزية حينئذٍ، ومع الأسف قد يوجد هذا بين طلاب العلم، يسمع فائدة من الشيخ يقيدها فلا يبوح بها لزملائه، ويُسأل عنها ويكتمها؛ ليتميز بها في الامتحان، هذا يحب لأخيه ما يحب لنفسه؟! لا، المقصود أن مثل هذا كما قال أهل العلم يسهل على القلب السليم، وأما القلب المدخول فهو في غاية الصعوبة، وإذا كان هذا مفاد هذا الحديث فدلالته على ضده من باب أولى، على نفي الحسد والحقد الذي به يتمنى الإنسان زوال النعمة عن غيره، يعني: بدلاً من أن يحب لنفسه من يحب لغيره يتمنى أن تزول النعمة عن الغير هذا -نسأل الله العافية- أمره عظيم الذي هو الحسد والحقد على الناس، وإرادة الشر بهم، ويفرح إذا أصيبوا بمكروه، ويغتم إذا أصابهم شيء من السرائر، هذا لا شك أنه أشد مما جاء في هذا الحديث، يعني مما يفهم من هذا الحديث أنه إذا لم يحب لأخيه ما يحب لنفسه ارتفع عنه كمال الإيمان، فكيف إذا أحب لغيره لأخيه أو لجاره الضر لكن بعض النفوس مجبولة على هذا، فيها شر، وفيها حسد، وفيه حقد، يتمنى باستمرار ويفرح إذا أصيب أحد، ويغيظه أن يصاب إنسان بخير، وإذا قيل له: إن فلان وفق بزوجة صالحة جميلة صينة دينة، ما

ص: 13

استطاع أن ينام تلك الليلة من الحسد، صحيح، هذا يوجد يا إخوان! موجود بكثرة، وهذا سببه أن القلوب مدخولة، لكن هل يأثم بمجرد ذلك أم يكون هذا من حديث النفس المعفو عنه ما لم يتحدث أو ما لم يتكلم ويعمل؟ نعم؟

طالب:. . . . . . . . .

حديث نفس.

طالب:. . . . . . . . .

يعني إذا ما نام تلك الليلة مغموم؛ لأن صديقه وفق أو صاحبه أو أخاه وفق بامرأة صالحة، أو وفق بوظيفة وعمل، نقول: هذا حديث نفس ما لم يعمل أو يتكلم؟ هاه؟ أو أن نقول: هذا الذنب مرتب على هذا القدر والعمل والحديث قدر زائد على ذلك؟ لأن أدواء القلوب أعمال القلوب سواء كانت الممدوحة أو المذمومة محلها القلب، الأصل فيها أن محلها القلب، وجاء ذمها ومحلها القلب، وجاء مدح ما يمدح منها ومحله القلب، يعني لو أن شخصاً أحب شخصاً في الله، واستمر على ذلك إلى أن مات محبة شرعية خالصة، ولا أخبره أنه يحبه، ولا كلم أحد أنه يحبه يؤجر أو ما يؤجر؟ نعم؟

طالب:. . . . . . . . .

يؤجر بلا شك، وقل مثل هذا في العكس؛ لأن هذه أعمال القلوب الأصل فيها أنها مستقرها القلب، ولا يلزم أن يتحدث بها، بل رتب الإثم عليه بمجرد انطواء القلب على هذه الخلة، كأن ابن الجوزي في صيد الخاطر يميل إلى أن الحسد لا يؤثر إلا إذا تكلم أو عمل بمقتضاه ويجعل هذا من حديث النفس.

اقرأ حديث ابن مسعود.

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر)).

يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:

"وعن عبد الله بن مسعود -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((سباب المسلم)) " سباب: مصدر سابب يسابب سباباً، مثل: قاتل يقاتل قتالاً، ومسابة ومقاتلة، والسب والشتم بمعنى واحد، فسب المسلم وشتمه وعيبه وذمه وشينه كله محرم.

والمسلم يشمل الحي والميت، وجاء النهي عن سب الأموات:((لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا)((لا تسبوا الأموات فتؤذوا الأحياء)((اذكروا محاسن موتاكم)) وإذا كان يتأذى ويتأذى أهله فكيف يتأذى بنفسه فيسب وهو حي؟!

ص: 14

((سباب المسلم فسوق)) خروج عن الطاعة، قادح في عدالة المسلم، عدالة الساب وديانته ترد به شهادته وروايته، الفاسق لا تقبل شهادة ولا تقبل روايته.

والأحكام المترتبة على الفسق كثيرة، فإذا ثبت أن هذا الشخص يسب المسلم فَسَقَ بهذا، فضلاً على أن يسب ويذم أهل الخير وأهل الفضل وأهل الصلاح، يسب أهل الحسبة لماذا؟ لأنهم قاموا بهذه الشريعة، هذا خطر عظيم -نسأل الله العافية- يخشى عليه من النفاق؛ لأنه إن كان يذمهم ويسبهم ويتحدث بهم في المجالس من أجل قيامهم بهذه الشعيرة هذا يخشى عليه من النفاق -نسأل الله السلامة والعافية-، وإذا كان يذم الواحد منهم لما حصل بينه وبينهم من أمور الدنيا فهذا لا يجوز، لكنه يبق أنه أخف من الأول.

((سباب المسلم فسوق)) وسبابه إذا كان بما فيه مع غيبته فهو غيبه، وان كان بحضرته فليس بغيبة، لكن يبق أنه إذا كان يؤذيه هذا السباب فهو محرم.

((سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)) قتاله كفر فضلاً عن قتله، القتال والمقاتلة أعم من القتل؛ لأنه قد يحصل القتال ولا يحصل القتل، تحصل المقاتلة ولا يحصل القتل ((وقتاله كفر)) وهو إن استحله فهو كفر أكبر مخرج عن الملة، وإن كان لأمر من الأمور، ومن غير استحلال، ويرى أنه محرم، وغلبته نفسه على هذا فهو كفر دون كفر غير مخرج عن الملة.

ص: 15

وفي هذا الحديث تعظيم حقوق المسلمين وحرماتهم وأعراضهم ودمائهم، فحفظ الضروريات جاءت بها الشرائع، ومنها الأعراض الذي يتعرض لها المسبوب، منها: القتال وهو أعظم، ولذا رتب عليه من الحكم ما هو أعظم، فإذا كان مجرد السباب فسوق فالقتال كفر -نسأل الله السلامة والعافية-، وأبو ذر -رضي الله تعالى عنه- الصحابي الجليل لما عير رجلاً بأمه قال له النبي عليه الصلاة والسلام:((إنك امرؤ فيك جاهلية)) يعني فيه خصلة من خصال الجاهلية، فالتعيير بالآباء أو الأمهات هذا من خصال الجاهلية، ولذا قيل:((فيك جاهلية)) لكن أبو ذر ليس بجاهلي، يعني قد يكون في الإنسان خصلة من خصال يكون فيه جاهلية، يكون فيه نفاق، يكون فيه شرك، يكون فيه وصف مذموم، لكنه لا يوصف بالوصف الكامل، ما يقال: أبو ذر جاهلي، كما قرر ابن رجب -رحمه الله تعالى- في أهل الكتاب أنهم فيهم شرك، لكنهم ليسوا بمشركين، ابن رجب قرر هذا، ولذا عطفوا على المشركين:{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ} [(6) سورة البينة] يعني عُطف المشركون عليهم، دليل على أنهم غير مشركين، وإن كان فيهم شرك، ووقوع الشرك فيهم قديم، ووقت النزول أو التنزيل فيهم هذا الشرك، وجاء في التنزيل ما يدل على أنهم أشركوا وأنهم جعلوا لله نداً {قَالُواْ إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ} [(73) سورة المائدة] قالوا:{الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ} [(30) سورة التوبة] وقالوا: {عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ} [(30) سورة التوبة] كفروا وأشركوا، ومع ذلك جاء من الأحكام لهم ما يخصهم من بين سائر الطوائف؛ لأنهم ليسوا بمشركين، وان كان فيهم شرك، ولذا تحل نساؤهم، مع أنه لا يحل للمسلم أن ينكح مشركة، لكن يحل له أن ينكح كتابية؛ لأن فيها شرك وليست بمشركة على قول ابن رجب -رحمه الله تعالى-، والله أعلم.

وصلى الله وسلم على وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

سم.

بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه أجمعين.

اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين والمستمعين برحمتك يا أرحم الراحمين، أما بعد:

قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:

ص: 16

وعنه رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: ((أن تجعل لله نداً وهو خلقك)) قال: قلت له: إن ذلك لعظيم، قال: قلت ثم أي؟ قال: ((أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك)) قال: قلت: ثم أي؟ قال: ((ثم أن تزاني حليلة جارك)).

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على بعده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:

"وعنه" يعني عن ابن مسعود صحابي الحديث السابق، وجرت عادت المؤلفين في المختصرات أنهم يكنون عن المكرر بالضمير، ولا يقول: عن ابن مسعود، ولا عن عبد الله بن مسعود مرة ثانية، ولا عن أنس، ولا عن أبي هريرة، بل يعطفون عليه إذا اتحد الصحابي.

ص: 17

"قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الذنب أعظم عند الله تعالى؟ " الفائدة من السؤال أن يجتنب ويتقى ويحذر منه ((أي الذنب أعظم عند الله تعالى؟ )) والمراد بالذنب جنس الذنب، أي الذنوب أعظم عند الله تعالى؟ فأجابه النبي عليه الصلاة والسلام بقوله:((أن تجعل لله نداً وهو خلقك)) يعني أن تشرك بالله، تجعل لله نداً يعني شريكاً نظيراً مشابهاً مساوياً له وهو الذي خلقك وأوجدك، وله عليك النعم الظاهرة والباطنة، أسبغ عليك النعم ومع ذلك تكون عبادتك لغيره بمفرده أو معه، فالشرك أمره عظيم، بل هو أعظم الذنوب على الإطلاق، وما عصي الرب -جل وعلا- بمثل الشرك، ولذا قال النبي عليه الصلاة والسلام:((أن تجعل)) والسؤال مكرر في الجواب حكماً، فكأنه قال: أعظم الذنب عند الله تعالى أن تجعل له نداً وهو خلقك، حكم مقروناً بعلته المقتضية للتنفير من العمل، الله -جل وعلا- هو الذي خلقك، يعني لو رأيت رجلاً عاقاً لوالديه أو لأمه كيف تعق أباك؟ ثم تذكر السبب في منعك العقوق بالنسبة له، فتقول: هو سبب وجودك، وهو الذي .. ، فلو قال شخص لآخر: كيف تعق أباك أو تعق أمك وهما سبب وجودك؟! تذكره بما يكون حافزاً له، وهنا يقول:((وهو خلقك)) تذكير للإنسان بما يدعوه إلى ترك هذا العمل الشنيع، تجعل لله نداً بأن تصرف له شيئاً من أنواع العبادة التي هي من خصائص الرب -جل وعلا-، ويوجد هذا مع الأسف في الأمة كثير ممن يقول: لا إله إلا الله، فتجد المرء في بعض الأقطار يطوف على القبر وهو يقول لا إله إلا الله، وهذا دليل على أنه لا يعرف معنى لا إله إلا الله، المعنى الذي عرفه أبو جهل وأبو لهب ما عرفه هذا، ابتليت الأمة بالغلو في الصالحين وعبادتهم، توجد القبور والمشاهد في شرق الأرض وغربها، ومع ذلك النصوص في التحذير من الشرك والحث على التوحيد وتحقيقه كثيرة جداً، لا يمكن الإحاطة بها في نصوص الكتاب والسنة ومع ذلك تجد المخالف، وذلك مصادق قول النبي عليه الصلاة والسلام:((لا تقوم الساعة حتى تعبد فئام من أمتي الأوثان)) هذا لا بد أن يقع في الأمة، لكن مع ذلك كونه يقع قدراً لا يجوز شرعاً، لا يعني أن يجوز شرعاً، والبلوى بالقبور والفتنة بها أشربها

ص: 18

قلوب كثير من المسلمين من القدم، حتى أقيمت المباني وشيدت البنايات الشاهقة على القبور، ويوجد ضريح من أكبر الأضرحة يدعى (ضريح الشعرة) يعني ضريح عليه بناية كبيرة جداً وحوله السدنة يطوفون الناس، ويبيعون عليهم الغبار والتراب، ويبيعون عليهم الماء الذي يمر بهذا الضريح، وضريح شعرة، شعرة مدفونة في هذا على ما يذكر شعرة، شعرة ممن هذه الشعرة؟ من عبد القادر الجيلاني، فكيف بقبره الذي فيه جسمه؟! الأمر فيه أعظم، كيف بمن هو أفضل منه؟! حصلت الفتنة به أكثر، وهذا الباب أعني باب الشرك الذي لا يغفر، فالشرك ليس بقابل للغفران، كما قال -جل وعلا-:{إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء} [(48) سورة النساء] كثير من المبتدئة يرون أن الشرك في الربوبية، ويغفلون عن الأهم الذي من أجله أرسلت الرسل، وأنزلت الكتب، ومن أجله حارب النبي عليه الصلاة والسلام، وغزا قومه وغيرهم لتقريره، وإلا فالمشركون يقرون بتوحيد الربوبية، النبي عليه الصلاة والسلام إنما طالبهم بتوحيد الإلوهية الذي ينكرونه.

ص: 19

"قلت له: إن ذلك لعظيم" يعرف ابن مسعود من خلال ما سمع من النصوص عظمة الشرك، وخطورة الشرك {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [(65) سورة الزمر] ما في شيء يحبط العمل غير الشرك {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [(65) سورة الزمر] وهذا يقال في حق من؟ في حق النبي عليه الصلاة والسلام، فكيف بمن دونه؟! فالشرك أمره عظيم، خافه أخشى الناس وأتقى الناس وأعلم الناس بالله -جل وعلا-، والذي حطم الأصنام إبراهيم الخليل {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ} [(35) سورة إبراهيم] يقول إبراهيم التيمي:"من يأمن البلاء بعدك يا إبراهيم؟! " صحيح، إذا كان إبراهيم عليه الصلاة والسلام إمام الحنفاء، والذي بنى البيت، وحطم الأصنام يخشى من الشرك، فعلى الإنسان أن يحذره، وأن يتعلم من التوحيد وحماية التوحيد وسد الذرائع، حماية جناب التوحيد وسد جميع الذرائع الموصلة إلى الشرك، تعلم من ذلك ما يكون بإذن الله -جل وعلا- وقاية وحصناً وسداً منيعاً من الوقوع في بعض الشركيات التي قد يقع فيها من حيث يشعر أو لا يشعر.

من قرأ على سبيل المثال بعض الرحلات وجد كثير من الرحالين أول ما يدخلون البلدان يذهبون إلى قبور الأولياء، ومن أراد الأمثلة على جميع خوارم توحيد الإلوهية فلينظر في رحلة ابن بطوطة، التي فيها من الشرك الأكبر فما دون، على كل حال هذا وقع في الأمة، لكن على المسلم أن يحذره أشد الحذر؛ لأنه أعظم الذنوب عند الله -جل وعلا-.

ص: 20

"قال: قلت له: إن ذلك لعظيم، قال: قلت: ثم أي؟ قال: ((أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك)) " وهذه العلة لا مفهوم لها، إذا قتل ولده مع أنه غني وكريم يجود على الناس فكيف بولده؟! لا يخشى أن يطعم معه، فقتله لأمر من الأمور يجوز؟ لا، لا يجوز بحال، ولذا يقول أهل العلم: إن مثل هذا القيد لا مفهوم له، أن تقتل ولدك، بل الذي هو أقرب الناس إليك، ومضى وأد البنات، فالولد والبنت بصدد أن يشفق عليهم، ويحنى عليهم، وأن يحاطوا بالعناية والرعاية فإذا حصل خلاف ذلك دل على الانحراف الخطير في حياة الشخص، فهذا من العظائم أن يقتل ولده خشية أن يطعم معه، من عظائم الأمور أيضاً القتل، سواء كان للولد وهو أشدها، أو لغيره كالقريب والجار أو البعيد المسلم وغير المسلم، مما عصم دمه من ذمي أو معاهد، كل هذه من عظائم الأمور، ولا يزال المسلم في فسحة من أمره أو من دينه حتى يصيب دماً حراماً -نسأل الله السلامة والعافية-، فالقتل مقرون بالشرك في هذا الحديث وفي آية الفرقان.

"قال: قلت: ثم أي؟ قال: ((أن تزاني حليلة جارك)) " يعني زوجة الجار، تزاني مفاعلة، والعدول عن المفاعلة إلى الفعل، ما قال: أن تزني بحليلة جارك، تزاني مفاعلة؛ ليكون الفعل من الطرفين منك ومنها -نسأل الله السلامة والعافية-، ولا يكون هذا إلا بعد إفسادها على زوجها، وهذا شأنه خطير في الشرع، إذا حصلت المفاعلة بين الطرفين يكون بعد إقناعها وإفسادها لتحصل الرغبة منها ومنه؛ ليكون من طرفين، وهذا فيه أكثر من جريمة وأكثر من خيانة، مع الأسف أن مثل هذه الصورة في القوانين الوضعية أشد أو الإكراه؟ نعم؟

طالب: الإكراه.

ص: 21

الإكراه، أمورهم معلقة بالإكراه، أما إذا كان مزاناة ورضا وإقناع هذا ما يهمهم -نسأل الله السلامة والعافية-، وهي محادة لله ولرسوله، فالعدول من الفعل إلى المفاعلة لا شك أنه لنكتة، ما قال: أن تزني بحليلة جارك قال: أن تزاني؛ لأن المفاعلة تدل على وجود الرغبة من الطرفين، ولا يكون هذا إلا بعد إفسادها على زوجها، هذه الأمور الثلاثة التي هي: الشرك وقتل النفس والزنا من عظائم الأمور، ومن أشد الموبقات، في آية الفرقان:{وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ} [(68) سورة الفرقان] هذه الثلاثة مقرون بعضها ببعض، مقرونة ببعض لعظمها، وشدة خطرها، فكما أن العناية متجهة إلى حرب الشرك والقضاء عليه بجميع الوسائل، والقضاء على الشرك هو السبب الحقيقي للأمن، {وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا} [(55) سورة النور] فمتى وجد الشرك انتهى الأمن، والأمن بجميع صوره لا الأمن الذي مبني على حديد وعلى نار وإزعاج وإرهاب وتخويف، لا، الكلام على الأمن الحقيقي الذي جاءت به الشريعة {الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ} [(82) سورة الأنعام] ومع الشرك مما .. ، محاربة الشرك مما يحقق الأمن الحقيقي مواجهة القتل والقتلة والقضاء عليهم {وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} [(68) سورة الفرقان] فلا أمن بدرء هذه المفسدة العظيمة.

والأمر الثالث مما يتعين بل هو من أوجب الواجبات على من ولاه الله أمر المسلمين القضاء على الفساد الخلقي كالزنا واللواط والفواحش، وما يدعو إليها، قرنت في آية واحدة، وفي حديث واحد، فلا يجوز التفريق بينها، نعم بعضها أعظم من بعض، فالشرك هو الأعظم، ثم القتل، ثم الزنا، لا يجوز أن يتساهل الإنسان بأمر معصية وجريمة مثل هذه الجرائم.

"قال: ((أن تزاني حليلة جارك)) " والحليلة هي الزوجة.

سم.

ص: 22

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان)).

يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:

"وعن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((آية المنافق ثلاث)) " آية المنافق ثلاث يعني: علامة المنافق، علامته الظاهرة ثلاث:((إذا حدث كذب)) العلامة الأولى والخصلة الأولى من خصال المنافقين الكذب في الحديث ((إذا حدث كذب)) الكذب: الإخبار عن الشيء بخلاف واقعه، يعني الخبر الذي لا يطابق الواقع عمداً كان أو سهواً، هذه هي حقيقة الكذب عند أهل السنة عمداً كان أو سهواً، فالكلام إما صدق وإما كذب، فإن طابق الواقع فهو الصدق، وإن خالف الواقع فهو الكذب، ولا يشترط فيه العمدية أعني لتسميته كذباً، فالكذب نقيض الصدق لا ضد الصدق، إذ لا واسطة بينهما عند أهل السنة، وعند المعتزلة واسطة، في واسطة، كلام ليس بصدق ولا كذب، فيه واسطة بين الصدق والكذب، ولذا جاء في الحديث الصحيح المتفق عليه المتواتر لفظه ومعناه:((من كذب عليَّ متعمداً)) فيدل على أن هناك كذب لكن ليس عن عمد، المعتزلة عندهم هناك واسطة لأن الكذب قوبل بغير الصدق، فدل على أنه ليس نقيضاً له، نعم هو ضد، لكن ليس بنقيض {أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَم بِهِ جِنَّةٌ} [(8) سورة سبأ] ما قوبل الكذب بالصدق، فدل على أن هناك أشياء غير الصدق والكذب، لكن كونه به جنة هذا كلام يكون مقابلاً للكذب؟! {أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَم بِهِ جِنَّةٌ} [(8) سورة سبأ] المجنون يتصرف ويتكلم بكلام يليق به، وتصرْف يليق به، لكن هل كلام المجنون الذي لا يعقل كلامه، وكلام النائم الذي لا يعقل كلامه، وكلام الطيور التي لا يقصد منها الكلام هل تدخل في حقيقة الكلام في لغة العرب أو لا تدخل؟ نعم؟

طالب:. . . . . . . . .

ص: 23

الكلام هو: اللفظ المركب المفيد بالوضع، فقولهم: بالوضع يعني بالقصد، فعلى هذا لا يدخل كلام النائم ولا كلام المجنون، ولا كلام الطيور، لا يسمى كلام في لغة العرب، ومنهم من يقول: المراد بالوضع يعني بوضع اللغة العربية، لكن يترتب على هذا أن كلام الأعاجم لا يسمى كلاماً، واضح الفرق؟! على هذا نقول: كلام المجنون وكلام من لا يقصد الكلام مثل النائم، ومثل بعض أنواع الطيور هذا ليس بكلام، ولذا لما استدلوا بقول الله -جل وعلا-:{أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَم بِهِ جِنَّةٌ} [(8) سورة سبأ] المجنون يتصرف ويتكلم بكلام لا يقصده ولا يريده ولا يفهم معناه، فكلامه ليس بكلام، فلا يقابل بالكذب من هذه الحيثية، لكن ما حصل منه عليه الصلاة والسلام على حد زعمهم وعلى حسب تصورهم أنه إن كان عاقلاً فقد افترى على الله كذباً، وإن كان مجنوناً قد قال كلاماً أو فعل فعلاً يناسب فعل المجانين، فلا يقابل هذا بهذا باعتباره كلاماً، فالمقابل للكذب هو الصدق ولا واسطة بينهما.

ص: 24

((إذا حدث كذب)) (إذا) شرطية (حدث) فعل الشرط، و (كذب) جوابه، والتعبير بـ (إذا) يدل على أن هذا ديدنه، يعني كل ما حدث كذب، وأما من يحصل منه الكذب أحياناً ونادراً مثل هذا لا يكون منافقاً؛ لأن (إذا) تقتضي الاستمرار والجزم بوقوع الجزاء إذا وقع شرطه، يعني كلما حدث كذب -نسأل الله السلامة والعافية- ((ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً)) فتجد الإنسان يُستدرج في هذا الباب، في أول مرة يكذب من غير قصد ليضحك أو لينكت، أو لأمر من الأمور والمقاصد التي يفعلها بعض الناس، ثم بعد ذلك يزيد، تجده خاطره معمور بالتزوير تزوير الكلام الكاذب، ماذا يقول لأصحابه إذا جلس معهم؟ ينسج ويزور في نفسه كلاماً يدخل به السرور على أصحابه على حد زعمه، ثم بعد ذلك يزيد، ثم لا يلبث أن يكون كذاباً، يكون كذبه أكثر من صدقه، فيكذب لمصلحة ولغير مصلحة -نسأل الله السلامة والعافية- ((ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً)) وعرفنا أن الكذب إذا لم يطابق الواقع فهو كذب، لكن هناك صور أُبيحت للمصلحة الراجحة من هذا النوع للإصلاح، كذب الرجل على زوجته، وفي الحرب مثلاً، المقصود أنه إذا صارت المصلحة راجحة، وقد لا يقصد بهذا الكذب الصريح قد يقصد منه المعاريض، فإذا كانت المعاريض تؤدي الغرض ففيها مندوحة عن الكذب، هناك أمور لا تطابق الواقع، ومع ذلك تداولها بعض العلماء مثل المقامات، المقامات الأدبية من هذا النوع، حدث الحارث بن همام قال .. ، ما في حارث بن همام أصلاً، وحدث عيسى بن هشام، وحدث فلان وعلان، ما في شيء، اخترعها اختلقها من تلقاء نفسه، صاحب المقامات اختلقها، ومع ذلك تداولها الناس، واعتنوا بها، وقرروها ودرسوها وشرحوها، وهم يعرفون أنها كذب، وزاولها جمع من أهل العلم قالوا: للمصلحة الراجحة، وكل يعلم أنه لا محدث ولا مُحدث، ومثل هذا المناظرات تعقد مناظرة بين خصمين، والأصل أن هذه المناظرة لا حقيقة لها، إنما هي على لسان شخص واحد، إذا أراد أن يبسط مسألة مثلاً بقولين لأهل العلم قال فلان كذا، وقال كذا، ورد عليه كذا، وقال كذا، ومن أوضح ما يذكر في هذا المناظرة بين العلوم، هذه لا يتصور الكلام فيها،

ص: 25

قال علم التفسير، قال علم الحديث، كل واحد يذكر فضله وميزته، قال علم الفقه، قال علم العقائد وهكذا، هذه مناظرات هل هذا صدق وإلا كذب؟ يعني: إذا عرضناه على الحد، هل هو مطابق للواقع أو مخالف للواقع؟ مخالف، لا يمكن أن يقول علم التفسير: أنا أشرف بشرف المقصود وبشرف الهدف؛ لأنني أبين كلام الله وهكذا، ما يمكن، أو يقول علم الحديث ما يقول، هذه مناظرات فعلها بعض العلماء، وقد يفعلونها بين فريقين، قال السني كذا، قال الجبري كذا، قال الرافضي كذا، قال الجهمي كذا، وهي من شخص واحد، هذا فن المناظرة، وفعله بعض أهل العلم، وتسمحوا في مثل هذا، قالوا: لأن المصلحة راجحة.

((وإذا وعد أخلف)) يعد بالهدية، يعد بأن يأتي إليه في وقت معين، ثم بعد ذلك لا يحصل، وإخلاف الوعد أمره عظيم لما يترتب عليه، فإذا قال لزيد من الناس: عندي لك كتاب كذا أعطيك إياه -إن شاء الله-، ثم بعد ذلك ما أعطاه إياه، أو قال له: آتيك في الساعة الفلانية، أجيك في الساعة الفلانية، وجلس ينتظره الساعة والساعتين فما جاء، لا شك أنه متضرر، ولذا صار هذا الوصف من علامات النفاق، وأهل العلم يقولون: إن مثل هذا الشنيع إنما يتجه في حق من كان في نيته الخلف مع الوعد، من الأصل ما هو موفي، أما من كان في نيته الوفاء ثم طرأ عليه بعد ذلك ما يطرأ فلا يدخل في مثل هذا، نعم هو خلاف الأولى، إذا قال: والله عندي لك كذا، ثم ذهب إلى البيت فوجد الكتاب قد يحتاجه أحياناً، أو النسخة التي يريد إهداءها له تختلف عن النسخة الثانية، ولها ميزة، وقال: احتفظ بالنسختين، وإذا قال مثلاً: إذا جاء الراتب أتصدق بمائة مثلاً، ثم بعد ذلك لما جاء الراتب طمع ووجد التكاليف كثيرة، والفواتير مجتمعة ترك، هذا عند أهل العلم هو مجرد وعد، لكن إن اقترن هذا الوعد بالعهد صار من علامات النفاق {وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ} [(75) سورة التوبة] إلى أن قال:{فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ} [(77) سورة التوبة] المقصود أن مثل هذه الأمور الأصل أنك إذا وعدت تفي، لكن إذا حصل لك ما يمنعك من الوفاء فأهل العلم لا يدخلونه في هذه الصورة.

ص: 26

((وإذا أؤتمن خان)) يأتمنه الناس على أموالهم وعلى أسرارهم، ثم بعد ذلك يجحد الأموال، ويبوح بالأسرار، هذه علامة من علامات النفاق -نسأل الله السلامة والعافية-، والوفاء موجود في الناس، والخيانة أيضاً موجودة من بعض الناس، في هذه الأمة، وفيما تقدمها من الأمم، فالذي يجحد وينكر الأمانة خيانة هذه، والذي يؤتمن على عمل من أعمال المسلمين ويفرط فيه خائن، والذي يلقن جاره أو صاحبه الجواب في الامتحان خائن، والمدرس الذي لا يؤدي الأمانة ما وكل إليه خائن، القاضي كذلك، المفتي كذلك الذي .. ، كل عليه كفله ونصيبه من هذا، فلا بد من أن تؤدى الأمانة، والأمانة شأنها عظيم {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [(72) سورة الأحزاب]((فأدِ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك)) {إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [(58) سورة النساء] وفي الحديث: ((أدِ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك)) لهذا يمنع جمع من أهل العلم أن يكون لك دين على أحد ثم تظفر بشيء له يعادل هذا الدين فتجحده، أو تأخذه من غير علمه، لك عند أحد زملائك مائة ريال، ولا بينة لك، أعارك كتاباً قيمته مائة، ثم لما جاء يطلبه قلت له: أبداً ما عندي لك شيء، لا شيء لك عندي، هذه يسميها أهل العلم مسألة الظفر، يجيزها بعضهم إذا كانت بقدر ما عنده له، ويستدلون بحديث:((خذي من ماله ما يكفيك وولدك بالمعروف)) يعني ولو من غير علمه؛ لأنه رجل شحيح، والذي لا يجيزها يذهب إلى حديث:((أدِ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك)) ومن أهل العلم من يفصل، يقول: ما كان بين الأقارب مما لا يمكن فيه إقامة الدعاوى كالنفقات وشبهها مثل هذا يؤخذ ولو من غير علمه، وما يمكن فيه إقامة الدعاوى لا يؤخذ.

ص: 27

جاء في روايات أخرى: ((وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر)) إذا عاهد يعاهد الإنسان على أمر من الأمور بأن .. ، يقول له: تخبرني بكذا، أو تعطيني كذا ولك عليَّ العهد أن لا أخبر عن كذا، يعني مما يضره، ولا يكون على حساب غيره، أو أن لا أتعرض لك بسوء، أو أرد عنك من أراد أن يعتدي عليك، ثم بعد ذلك يغدر به هو، بدلاً من أن يقيه شر غيره يغدر به هو، المقصود أن هذه من علامات المنافقين.

((وإذا خاصم فجر)) خاصم سواء كان لنفسه أو لغيره كالمحامي مثلاً حصلت له خصومة، وصار طرفاً فيها أجلب عليها بكل ما أوتي من بيان مع علمه بأن الحق لغيره لا له ولا لموكله، هذا فجور في الخصومة، وعلى هذا على المرء أن يتقي الله -جل وعلا- في الخصومة؛ لئلا يشبه المنافقين، والنبي عليه الصلاة والسلام قال:((إنما أنا بشر أقضي على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه، أو من حق أخيه شيئاً فإنما أقضي له قطعة من نار، فليأكلها أو ليدعها)) تحذير وتنفير، والوضوح في الخصومة أمر لا بد منه بأن يكشف الإنسان ما عنده على حقيقته، لا يلبس على القاضي، ولا يصادر ما عند الخصم من إجابة؛ لأن بعض الناس عنده أسلوب يصير يدرس المحاماة من أجل إبطال الحقوق، أما من يدرسها من أجل إقامة الحقوق، والدفاع عن أهلها هذا مأجور -إن شاء الله تعالى-، وقل مثل هذا ممن يتولى المحاماة إذا كان قصده نصر المظلوم، واستخراج الحقوق لأهلها مأجور، لكن إذا كان قصده الكسب المادي بغض النظر عن كون الحق لصاحبه أو لا هذا يدخل في الحديث:((إذا خاصم فجر)).

ص: 28

وكان الناس إلى وقت قريب قبل أن تفتح الدنيا على الناس فيهم الوضوح والصدق، حتى أنه وجد من يوكل خصمه ليدلي بحجته عند القاضي، يقول: أنت تعرف القضية من أولها إلى آخرها، يقول لخصمك، اذهب وقل للقاضي المسألة كذا وكذا، فإذا قضى لأحدنا انتهينا، وبالفعل يذهب الخصم ويشرح القضية للقاضي فيقول: الحق لصاحبك، ويذهب هذا لصاحبه ويقول: الحق لك، وهناك أمور من الفجور الظاهرة والخفية، هناك أمور تخفى على كثير من الناس، شريح القاضي جاءه ولده وقال له: يا أبتي إن لي خصومه مع بني فلان أريد أن أعرضها عليك، فإن كان الحق لي جئت بهم وإلا تركتهم، قال: أعرض، فلما عرضها، قال: الحق لك هاتهم، فجاء بهم فقضى عليه، هو من الأصل الحق لهم، ليس له، فقضى عليه، وقال: إن الحق لهم، فلما انتهت القضية، قال: يا أبتي أن قلت لك من الأول: أخبرنا أن الحق لهم ونرتاح ونريحهم، قال: لا، لو قلت: إن الحق لك ذهبت تصالحهم على أدنى شيء؛ لأن بعض الناس يفتدي التعب والحضور إلى المحاكم والقضاة بما يستطيع، يعني لو شخص ادعي عليه بمليون ريال، جاءه شخص مفتري ليس عنده أدنى بينة، قال: في ذمة فلان عنده مليون ريال، يا الله عند للقاضي

ص: 29