المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ كتاب الجامع (4) - شرح المحرر في الحديث - عبد الكريم الخضير - جـ ٦٣

[عبد الكريم الخضير]

فهرس الكتاب

الفصل: ‌ كتاب الجامع (4)

بسم الله الرحمن الرحيم

شرح: المحرر -‌

‌ كتاب الجامع (4)

الشيخ: عبد الكريم الخضير

جاءه شخص مفتري ليس عنده أدنى بينة، قال: في ذمة فلان عنده مليون ريال، يا الله القاضي، الطرف الثاني عنده استعداد يقول: هذه عشرة آلاف وريحنا من المحكمة، وهو ما له حق أصلاً، فشريح قال لولده: الحق لك، من أجل أن يحضرهم فينتهوا من عند القاضي، هل يستطيع أن يقول: أعطوني شيئاً أصالحكم به بعد أن بان أن الحق لهم؟ ما يمكن.

نعم.

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من الكبائر شتم الرجل والديه)) قالوا: يا رسول الله وهل يشتم الرجل والديه؟ قال: ((نعم، يسب أبا الرجل، فيسب الرجل أباه، ويسب أمه فيسب أمه)).

نعم.

يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:

"وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من الكبائر)) " الذنوب فيها الكبائر وفيها الصغائر، والكبائر جاء التنصيص عليها في نصوص كثيرة {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ} [(31) سورة النساء] يعني في الكتاب والسنة جاء التنصيص عليها، لكن الصغائر بهذا اللفظ، هل ورد فيها نص، التقسيم موجود في الشرع إلى أن الذنوب .. ، والذنوب متفاوتة، ثم أي؟ ثم أي؟ الذنوب متفاوتة بلا شك، وهناك ذنوب تعرف عند أهل العلم بالكبائر، وجاء التنصيص عليها، ووضعوا لها الضوابط، وهناك ما دونها من المعاصي التي تكفر باجتناب الكبائر، وبالصلوات الخمس، وبرمضان، وبالعمرة إلى العمرة، وهي مأخوذة من مقابلة اللفظ، ما لم تغش كبيرة، الصلوات الخمس كفارات لما بينها، الجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما، العمرة إلى العمرة كفارة لما بينها ما لم تغش كبيرة، تكفر إيش؟ تكفر الصغائر؛ لأن المفهوم من الكبائر أن المكفَر غير الكبائر ولا غير الكبائر إلا الصغائر، وإن لم يوجد التنصيص على الصغائر.

جاء التعبير باللمم مثلاً، لكن بهذا اللفظ الصغائر قد يعوز الاستدلال عليه، لكنه استنباط قوي من مفهوم الكبيرة، وأن الذي يقابلها الصغيرة.

ص: 1

الكبائر جاء عدد أو تعداد شيء منها، وألحق بها ما يشاركها في الضابط، فإذا نفي الإيمان عن صاحب المعصية صارت هذه المعصية كبيرة، إذا توعد بالنار صار كبيرة، بحرمان الجنة كبيرة، لا ينظر الله إليه كبيرة، رتب عليه حد في الدنيا، عذاب في الآخرة هذه كبائر، هذا الضابط عند أهل العلم، ومن أهل العلم من يرى أن كل معصية كبيرة نظراً إلى عظمة من عصاه، وقد يحتف بالذنب الذي لم يتوعد عليه بشيء معين ما يحتف به مما يجعله في مصاف الكبائر من الاستخفاف مثلاً أو الإسرار، أو عدم الاكتراث والمبالاة، وقد يحتف بالكبيرة من الندم والخوف والوجل ما يمحو أثرها، عند أهل العلم الكبائر لا بد لها من توبة، مع أنها تحت المشيئة، وأما الصغائر تكفر بما ذكر من اجتناب الكبائر:{إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} [(31) سورة النساء] وتكفر أيضاً الصلوات الخمس، ورمضان إلى رمضان، والعمرة إلى العمرة، والمراد على ذلك الذي يؤتى به على الوجه الشرعي بحيث تترتب عليه آثاره، فهذه تكفر الذنوب.

ص: 2

((من الكبائر شتم الرجل والديه)) والديه ما قال: ((والدِيه)) لا، شتم الرجل والديه الأب والأم، يتصور أن ولداً يشتم والديه؟ الصحابة ما تصوروا هذا، لكن في زماننا الأمر أعظم، يحصل من الأولاد العققة ما هو أعظم، يحصل من بعض من ابتلي بسوء الخلق ما هو أشد، ولو كان ظاهره الصلاح، يحصل من هذا شيء، الصحابة استغربوا قالوا: يا رسول الله وهل يشتم الرجل والديه؟ استبعاد، ما يتصور يعني رجل سوي عاقل يشتم والديه مهما بلغ من التساهل أو من الفسق، ما يتصور أبداً، وهذا الكلام يجرنا إلى الكلام عن مسألة ما تصورها بعض العلماء، ما تصوروها، بعض المغاربة في القرن السابع يقول: إن الخلاف في كفر تارك الصلاة نظري ما هو بعملي، كيف نظري؟! يقول: ما يتصور أن أحد يترك الصلاة، إن كان في عهد شرار الناس أو بعد خروج الدجال ممكن، أما ما يتصور مسلم يترك الصلاة أبداً، يقول: الخلاف لا حقيقة له في الواقع، والآن البيوت ابتليت بمن يترك الصلاة إما بالكلية، أو ينام عن صلاة اليوم الكامل، الصحابة استغربوا وهل يشتم الرجل والدية؟ قال:((نعم)) والجواب مطابق للسؤال أو غير مطابق؟ سؤالهم عن التسبب أو عن المباشرة؟ عن المباشرة، يعني: ما يتصور أن يقول شخص لأبيه: لعنك الله -نسأل الله السلامة والعافية-، أو يا فاعل أو يقذفه، أو ما أشبه ذلك، وكذلك الأم، فجاء الجواب بالتسبب؛ لأن المباشرة لا وجود لها في الأصل، في وقتهم ما لها وجود المباشرة فأُوقع، يعني: إذا ارتفعت المباشرة أو كان المباشر غير أهل للتكليف يتجه التكليف إلى المتسبب وإلا فالمباشرة تقضي على أثر التسبب عند أهل العلم.

((نعم، يسب أب الرجل فيسب أباه)) يكون سبباً في سب أبيه، لا أنه يباشر سب أبيه، أما إذا باشر سب أبيه فالأمر أعظم، يعني إذا كان سبباً في سب أبيه أو في شتم أمه سبب فكونه يباشر ذلك أعظم -نسأل الله السلامة والعافية-.

((يسب أبا الرجل فيسب أباه)) يسب الرجل أباه ((ويسب أمه فيسب أمه)) يعني يكون سبباً في السبب، ولو لم يباشر ذلك هذا من الكبائر، أما إذا باشر ذلك فالأمر أعظم.

ص: 3

نأتي إلى المباشرة والتسبب عند أهل العلم أنه إذا وجد مباشر أو متسبب فالتبعة على المباشر ولو وجد المتسبب إلا أنه يأخذ نصيبه من العقاب، لكن ليس كعقاب المباشر، لو أن شخصاً -يمثل به أهل العلم- لو أن شخصاً رمى آخر من شاهق فتلقاه آخر بالسيف قبل أن يصل إلى الأرض فالقاتل الرامي وإلا صاحب السيف؟ صاحب السيف لأنه هو الذي باشر القتل، وذاك متسبب، لو أن شخصاً دفع آخر حتى دهسته سيارة القاتل صاحب السيارة، وهذا متسبب إلى غير ذلك من الصور التي يذكرها أهل العلم، ولا شك أن المتسبب عليه نصيبه وكفله من العقوبة، لكن مع ذلك لا يصل إلى عقوبة المباشر، إذا كان المباشر غير أهل للعقوبة يرجع إلى المتسبب، لو أن شخصاً أعطى مجنوناً سيفاً وقال: اقتل فلان فقتله يُرجع إلى المتسبب دون المباشر؛ أو لو كان صبي مثلاً، فإذا كان هذا الذنب العظيم ومن كبائر الذنوب قد رُتب على التسبب فالمباشرة من باب أولى.

نعم.

وعن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في يده في نار جهنم، خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن شرب سماً فقتل نفسه فهو يتحساه في نار جهنم، خالداً مخلداً فيه أبداً، ومن تردى من جبل فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً)).

يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:

"وعن الأعمش" سليمان بن مهران "عن أبي صالح" ذكوان السمان "عن أبي هريرة رضي الله عنه" وجاء في التابعي والراوي عنه والعادة الاقتصار عن الصحابي، جرت عادته كغيره من المصنفين في المتون والمختصرات أن يقتصروا على الصحابي مخرج الحديث، وهنا ذكر التابعي ومن دونه لأن الأعمش مدلس، وروى الحديث بالعنعنة.

وفي الصحيح عدة كالأعمشِ

وكهشيم بعده وفتشِ

يعني من المدلسين، إلا أن عنعنات المدلسين في الصحيحين محمولة على الاتصال، ومع ذلك أورده من أجل هذه النكتة، ذكره من أجل هذه النكتة.

"عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من قتل نفسه بحديدة)) " أو بسم، أو تردى، فعليه الوعيد المذكور في الحديث.

ص: 4

أولاً: لا يعلم نص صحيح صريح يجيز للإنسان أن يباشر قتل نفسه مهما كان ظرفه، قد يوجد من النصوص ما يجعل الإنسان يتسبب في قتل نفسه، يكون سبباً لا مباشراً لقتل النفس، يتسبب فرد واحد اقتحم الصف فيقتل، يعني على غلبة الظن أنه يقتل، صار سبب في قتل نفسه، وقصة الغلام التي سيقت في شرعنا مساق المدح هو الذي دلهم على كيفية قتله ولم يقتل نفسه، المقصود أنه لا يوجد نص صحيح صريح يجيز للإنسان أن يباشر قتل نفسه، لكن يتسبب يتسور الجدار عليهم بمفرده بين الكفار، إيش الذي يغلب على الظن؟ أنهم يقتلونه، يدخل يخترق الصفوف وهو واحد، لكن يتولى قتل نفسه لا يوجد ما يدل عليه، وهذا العمليات كلها على هذا، فمن منعها فمن هذه الحيثية، ومن أجازها قال: فيها نكاية في العدو، ولا وسيلة غيرها لا يمكن أن يستخرج الحق، أو ينظر إلى الطرف الآخر إلا بهذه الوسيلة، وفيها نكاية بالعدو واحد يقتل في سبيل أن يقتل من العدو عدد كبير، فنظراً لهذه المصلحة الراجحة المترتبة أجازوها، وإلا فعلى حد علمي لا أعلم نصاً يدل على مباشرة الإنسان قتل نفسه، ثم قد أفتي بمن أسر وعنده من العلوم التي يضر إفشائها بالمسلمين أفتي بأن يقتل نفسه، المقصود أن مثل هذه الأمور الأصل فيها العدم، فإن ذلك لا يجوز ألبتة، يعني مباشرة قتل النفس، ومن أفتى بالقول الآخر نظراً لنكايتها بالعدو، وأنه لا يوجد وسيلة غيرها على كل حال لهم اجتهادهم، لا نعترض على أحد، أما على حد علمي فلا أعلم ما يدل على ذلك.

ص: 5

"قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه)) " يعني يطعن بها بطنه، يشق بها بطنه ((في نار جهنم خالداً مخلداً فيها)) إذا كان تمني الموت جاء النهي عنه ((فلا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به)) إذا كان تمني الموت لا يجوز فمباشرته لا تجوز، وهذا الحديث فيه الوعيد الشديد على من باشر قتل نفسه ((من قتل نفسه بحديده فحديدته في يده يتوجأ)) يطعن ويشق بها بطنه ((في بطنه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها)) لماذا؟ لأنه تعمد قتل نفسه، والمتعمد للقتل {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا} [(93) سورة النساء] غير نفسه {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا} [(93) سورة النساء] وإذا قتل نفسه فالحكم كذلك ((خالداً مخلداً فيها أبداً)) نسأل الله السلامة والعافية، وهذا من نصوص الوعيد التي هي عند أهل العلم تمر كما جاءت مع الجزم والقطع بأن ما دون الشرك تحت المشيئة، وهذا منها، فقاتل نفسه وقاتل غيره هذا ....

يقول: ((من قتل نفسه بحديده فحديدته)) وفي حكمها -حكم الحديدة- كل ما ينفذ في البدن، ويكون سبباً في إزهاق النفس ((فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها)) وعرفنا أنها من نصوص الوعيد التي تمر كما جاءت، مع علمنا اليقيني واعتقادنا أن ما دون الشرك تحت المشيئة، وهذا من باب التعظيم من شأن القتل، والنص على التأبيد في مثل هذا مثل:{وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا} [(95) سورة البقرة] مع أنهم قالوا: {يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ} [(77) سورة الزخرف] المقصود أن هذا النص نظير ما جاء في سورة النساء بالنسبة لقاتل غيره عمداً.

((ومن شرب سَماً)) أو سُماً أو سِماً بتثليث السين، والأفصح الفتح ((ومن شرب سَماً قتل نفسه)) بهذا المشروب، ويدخل فيه من قتل نفسه بواسطة فمه بأي مشروب كان، سواء كان سم أو غير سم، لو جزم بأن هذا الطعام يقتله، فما الحكم؟ ولو كان الطعام مباح، نعم؟

طالب:. . . . . . . . .

ص: 6

مريض مثلاً مريض ضغط وإلا سكر، أو أي مرض من الأمراض، مريض سكر جاب له قلة تمر من النوع المركز وأخذ يأكل حتى مات، وهو يعرف أن هذا يضره، إذا كان يغلب على ظنه أنه يموت الحكم واحد قتل نفسه، وقل مثل هذا في الأمراض الأخرى التي فيها حساسية من بعض الأطعمة، أو بعض المأكولات، المقصود أن مثل هذا يتقى ويجتنب.

الإمام مسلم رحمه الله أكل التمر، وأكثر منه فمات، لكن هل عنده خبر أنه أو يغلب على ظنه أنه يموت؟ ما يفعل هذا.

((ومن شرب سَماً فقتل نفسه فهو يتحساه)) يشربه ويتجرعه ((يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيه أبداً)) نسأل الله السلامة والعافية.

((ومن تردى من جبل فقتل نفسه)) وقع من شاهق أراد أن ينتحر فصعد على جبل أو صعد على الدور العاشر مثلاً أو الخامس أو الرابع مثلاً الذي يغلب على الظن أنه يموت فيه قاصداً بذلك قتل نفسه يدخل في الحديث، وغير ذلك من الآلات بالسيف، بالحبل، بعض الناس يخنق نفسه بحبل، أو يشنق نفسه ينتحر -نسأل الله العافية- لأدنى شيء، الحياة الآن ضاق بها الناس ذرعاً، رغم ما فيها من وسائل راحة، ومع ذلك للبعد عن الهدي النبوي، والبعد عن مدارسة كتاب الله، والأنس بالله صار الإنسان يزهق من أدنى شيء، وتضيق به الحياة لأدنى سبب، وقد ينتحر لمصيبة في غيره، يعني لما مات بعض المغنيين مثلاً أو المغنيات ذكر أعداد انتحروا -نسأل الله السلامة والعافية-، حقائق وأعلن بها في الصحف، لما ماتت أم كلثوم أو غير أم كلثوم كثير من الناس انتحروا، قيمة هذه الحياة التي تُنهى بهذه الطريقة بالنسبة لهذا الشخص ما قيمتها؟! هل هذه حياة؟ والله إنها ليست بحياة، يعني إذا كان المسلم والمؤمن والمخلص يصيبه الغم والهم لما يرى من وضع الأمة المتدني، ولما يرى من انتشار المنكرات، ولما يرى من علو وتعالي الباطل على الحق نعم يغتم ومعه حق، ويثاب على هذا، لكن هل يصل به الحد إلى أن ينتحر؟ لا يجوز ذلك بحال، فكيف إذا كان الانتحار لغير سبب، أو لسبب ليس بسبب، هو على حد زعمهم سبب، لكن ليس بسبب، في عرف العقلاء كافة ليس بسبب.

ص: 7

((ومن تردى من جبل فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالداً مخلداً فيها)) نسأل الله العافية والسلامة، والقتل كما مر بنا شأنه عظيم، جاء تعظيمه في نصوص الكتاب والسنة، سواء قتْل نفسه أو قتْل غيره، ولا يبرر للإنسان أن يقتل نفسه أي مبرر، والذي استعجل وتحامل على السيف حتى مات دخل النار -نسأل الله السلامة والعافية-، ولو أكره إنسان على قتل آخر، أكره شخص إما أن تقتل فلان وإلا نقتلك، له ذلك أو ليس له ذلك؟ هل نقول:{إِلَاّ مَنْ أُكْرِهَ} [(106) سورة النحل]؟ لا، ليس له ذلك ولو أدى إلى قتله.

نعم.

وعنه رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا، ولا تجسسوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً)).

يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:

"وعنه" يعني عن أبي هريرة، والظن منصوب على التحذير كما ينصب اللفظ على الإغراء ينصب أيضاً على التحذير.

((إياكم والظن)) الظن يطلق ويراد به ما يرادف اليقين {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ} [(46) سورة البقرة] يكفي الظن وإلا لا بد من اليقين؟ هذا ظن يرادف اليقين، ويطلق الظن ويراد به الاحتمال الراجح، وهو الذي استقر عليه الاصطلاح، ويطلق الظن ويراد به ما يرادف الشك المستوي الطرفين، ويطلق الظن ويراد به الاحتمال المرجوح، ويطلق الظن ويراد به الكذب.

ص: 8

فيطلق على جميع الاحتمالات، الاصطلاح: على أن ما لا يحتمل النقيض فيقال له: علم، ويقال له: قطع، ويقال له: يقين، والاحتمال الراجح الذي يحتمل النقيض من وجه ضعيف هذا يقال له: ظن، وأما ما يستوي فيه الطرفان الوقوع وعدمه الصدق والكذب هذا يقال له: شك، والاحتمال المرجوح بحيث يغلب على الظن عدم ثبوت الخبر يقال له: وهم، وما يخالف الواقع كذب، فالاصطلاح استقر على هذا الاحتمال المرجوح، يعني من عدم مطابقة الواقع بالكلية كذب، إذا قال: جاء زيد وتبين أن زيداً لم يحضر، هذا كذب سواء كان عن عمد أو عن خطأ أو عن سهو كذب، وإذا قال: حضر زيد، ويغلب على ظنك عدم صدقه، ولا تجزم بعدم صدقه هذا وهم، وإذا قال: جاء زيد، وأنت شاك في خبره على حد سواء، احتمال يكون جاء، واحتمال ما جاء ولا مرجح، شك، الاحتمال المساوي شك، والاحتمال الراجح ظن، المراد به غلبة الظن، غلب الاحتمال الآخر فقيل له: ظن، إذا كان فيه من الصفات ما تجعل نفسك تطمئن إلى خبره، ولم تجزم به فهذا ظن، فإن جزمت به بحيث لا يحتمل خبره النقيض صار علماً، هذا الظن، الظن المذكور في الحديث:((إياكم والظن)) هو أكذب الحديث، وهو الذي لا يغني من الحق شيئاً.

((إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث)) يعني: هل الظن مذموم مطلقاً أو المذموم بعض الظن؟ ولذا جاء قوله: {إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} [(12) سورة الحجرات] دل على أن بعضه ليس بإثم، وهل المقصود في الحديث الظن في الإخبار العادية التي لا أثر لها أو الظن في الأخبار التي ترتب عليها الآثار السيئة؟

ص: 9

يعني الاصطلاح الذي ذكرناه ينطبق على كل الظنون، سواء ترتب عليها أثر، أو لم يترتب عليها أثر، لكن هل المراد به في الحديث:((إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث)) يعني: لو أخبرك زيد من الناس وهو ثقة عندك، لكن لا تجزم بخبره، احتمال راجح أن يقول: قدم زيد، هذا ظن، لكن هل هذا أكذب الحديث؟ جاء زيد وإلا ما جاء الأمر سهل يعني، لكن الإشكال في الظن الذي هو الريبة والتهمة، يعني يكثر الظن والشك في الناس، والزوجة تشك بزوجها، والزوج يتهم زوجته الذي يترتب عليه الأثر السيء، وهذا هو المراد في الحديث، يعني بعض الناس يصل به الأمر إلى حد أن يضع أجهزة تنصت على زوجته، وأجهزة تسجيل لا يثق بها، والعكس قد تضع الزوجة هذا الأمر شكاً بزوجها، وظناً له، واتهاماً له، مثل هذا على المسلم أن يجتنبه، وجاء التحذير منه، كيف يهنأ بعيش وهذه حاله؟ يعني ظن واتهم وشك وارتاب من أقرب الناس إليه، الذي جعلت بينه وبينها المودة والرحمة فكيف بغيره؟! وبعض الناس يساوره الشك باستمرار من كثير من الناس، وهذا طبع وخلق ذميم، وقد يوجد هذا في كثير من الناس وهو في بعض العميان أظهر؛ لأنه قد يخفى عليهم بعض الأمور، وصار عنده ضيف، حرص على تقفيل الباب، اترك الباب، رد الباب، اجلس هنا، لا تصير قدام الباب، نعم، يوجد هذا يعني بغض النظر عن كون الوصف هذا مدح وإلا ذم، يعني العميان سادوا الدنيا بلا شك، لكن مع ذلك قد يوجد هذا فيهم؛ لأنهم ما عندهم حاسة البصر فيخشى أن المرأة تمر من يمين وإلا يسار، وطالعة وإلا ذاهبة فيقع بصره عليها، أو يخشى أن يحصل بينه وبينها اتفاق، قد يوجد الشيطان يلبس على الناس، ووجد قضايا من هذا النوع، لكن الذي لا يستند إلى أمارة ولا علامة ولا قرينة تدل عليه يدخل في الحديث، لكن إذا جرب مثلاً، مرة اتصل أو دخل البيت خفية مع أنه لا يجوز أن يدخل خفية، يبغتها إذا كان مسافر لا بد أن يخبرها، ولا يحضر ليلاً، التجسس والتصنت كل هذا مردود بهذا الحديث، فإذا وجد قرينة، أو صار له سوابق مثلاً دخل مرة وإذا بها تكلم مثلاً بكلام مريب، فمثل هذا يعظها ويهجرها وينصحها، فإن تكرر منها شدد عليها في ذلك، وإن وقع منها ما هو أعظم من ذلك فارقها؛ لأنها لا

ص: 10

تليق به، المقصود أن مثل هذا الأمر في قبل وجود القرائن والدلائل ينبغي أن تكون القلوب طيبة وسليمة إذا وجدت القرائن التي تدل على وجود شيء من هذا، هذا لا شك أنه منكد للحياة، ولذا لا يجوز ابتداؤه ((إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث)) والمقصود به الريبة والاتهام والشك في الناس على وجه العموم، بعض الناس عملاً بالحديث الضعيف:((احترسوا من الناس بسوء الظن)) والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: ((إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث)) يعني ولو كل إنسان احترس من جميع الناس بسوء الظن هل تطيب الحياة؟ ما تطيب الحياة، الأصل أن قلب المسلم سليم، سلامة الصدر من أوصاف الأخيار، ليس معنى هذا الغباء والغفلة بحيث تقع المشاكل والمصائب والجرائم في بيته وهو لا يشعر، لا، أو يترك الحبل على الغارب، ويثق بكل أحد، ويثق بالزوجة والبنات تذهب مع كل أحد ولكل أحد من غير رقابة ومن .. ، لا، لا هذا ولا هذا، هو راعٍ ومسئول عن رعيته، لكن مع ذلك لا يصل الحد إلى الاتهام الذي لم تقم وتدل عليه القرائن.

ص: 11

((إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث)) ولعل المراد به حديث النفس في بداية الأمر، ثم إذا تحدث به إلى غيره، وشكا الأمر إلى غيره جاء حديث اللسان:((ولا تحسسوا، ولا تجسسوا)) ولا تحسسوا يعني: لا تفتشوا وتدققوا في بواطن الأمور وخفاياها بحيث يترصد الإنسان ويترتقب الزلات، ويتحسس حاجات البيت ليرتب عليها النتائج السيئة، لماذا انتهى هذا؟ لماذا فرغ هذا؟ يومياً يدخل المستودع ويتفقد، ما صارت حياة هذه، لماذا نقص هذا؟ لماذا زاد هذا؟ من أين جاء هذا؟ اترك، إلا إذا خشيت من ريبة فالأمر أشد، لكن مجرد التحسس وتطلب الأخبار والأمور والتفتيش هذا إذا كان في الأمور المباحات، يعني إنسان لو نظرنا إلى الشعير الذي عند عائشة رضي الله عنها أخذت تأكل منه مدة، فلما كالته انتهى، دل على كون الأمور تمشي في البركة من غير تدقيق، ومن غير تحسس ولا ترقب متى يفرغ؟ متى ينتهي؟ مثل هذا لا شك أنه أدعى إلى البركة، ولما كالت الشعير وعرفت مقداره انتهى، فإذا كان هذا في مثل هذه المادة المباحة فلن يكون تحسس الأخبار والتجسس والجاسوس صاحب السر، ويطلق على الذي يتحسس الأخبار السيئة ويتجسسها بخلاف الناموس الذي هو صاحب سر الخير.

((ولا تجسسوا)) لا تترقب، لا تتصنت، لا تستمع إلى حديث غيرك، لا تراقب جارك، والله الجار دخل اليوم بكذا، خرج بكذا، هذا تحسس، لكن إن كان قصدك إيقاع الشر به وجمع المعلومات التي توقعه في كارثة أو في مصيبة فهذا تجسس، ونهى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يخبروه عن أحد ((لا تخبروني عن أحد من أصحابي)) وذلك أدعى إلى سلامة الصدر، يأتيك اليوم يخبرك عن خبر، والله فلان قال كذا، وعلان كذا، وفلان صنع كذا، تنشحن النفوس، وتسوء القلوب، وتفسد النيات، فهذه الأمور ينبغي أن تسود بين المسلمين على أكمل وجه من الصفاء والمودة والمحبة.

ص: 12

((ولا تجسسوا)) شخص يزاول منكر في بيته، يشرب خمر مثلاً هل لنا أن نطلع عليه من علو أو من ثقب أو نحوه لنشهد عليه؟ لا، ليس لنا ذلك، لكن أهل العلم يقولون: الأضرار المتعدية التي تفوت لا مانع من صنيع ذلك، يعني خلا رجل بآخر ويغلب على الظن وقامت القرائن على أنه يريد أن يقتله مثلاً، لا مانع من التجسس عليه؛ لأنه إذا فات قتله وانتهى ماذا نصنع؟ لكن إذا عرفنا وحلنا دونه ودونه هذا مطلوب، إذا خلا بامرأة ليزني بها وغلب على الظن ذلك، وقامت القرائن على ذلك لا مانع من التجسس عند أهل العلم، ويفرقون بين ما يفوت وبين ما لا يفوت.

((ولا تنافسوا)) المنافسة الرغبة في التقدم على الغير، ولعل المراد هنا في أمور الدنيا، يعني يسعى الإنسان جاهداً أن يكون أغنى من في البلد، أو عنده أفخر بيت في البلد، أو أفخر سيارة في البلد، أو .. ، ليتفرد بذلك ويشار إليه في أمور الدنيا وحطامها الفاني، لكن جاء الأمر بالمسارعة، وجاء الأمر بالمسابقة، وهذا في أمور الآخرة محمود بلا شك.

((ولا تحاسدوا)) يعني لا يحسد بعضكم بعضاً، والحسد تمني زوال النعمة عن الغير، وهذه آفة من آفات القلوب، ومرض من أمراضها، وجاءت النصوص بذمه، وأنه يأكل الحسنات، فالحسد داء من أدواء القلوب، لا بد من التخلي منه، وجاء في الحديث:((لا حسد إلا في اثنتين)) والمقصود به الغبطة عند أهل العلم، المقصود به الغبطة، وعدم تمني زوال النعمة، يريد أن تثبت هذه النعمة عند أخيه، لكن يتمنى أن يكون له مثل هذه النعمة، هذه غبطة.

ص: 13

((ولا تباغضوا)) ولا تباغضوا والمحاسدة والمنافسة والمباغضة والتدابر كلها مفاعلة، مدابرة، منافسة، مباغضة، كلها مفاعلة تكون من طرفين، فهل إذا حصلت من طرف واحدة جازت والممنوع من الطرفين أو إذا حصلت من طرف فهي مذمومة وتدخل في الحديث، وأشد منها أن يسود هذا بين المسلمين ويحصل بين جميع الأطراف؟ ويكون حينئذٍ أسوأ، يعني كون زيد يبغض عمرو فقط وعمرو يحبه أسهل، أو لو وجدت المباغضة من الطرفين، زيد يبغض عمراً، وعمرو يبغض زيداً، أيهما أسوء؟ أسوأ المفاعلة؛ لأنه إذا كان كل واحد يبغض الثاني ما أمكن الإصلاح، لكن لو كان زيد يبغض عمراً، وعمرو يحبه سعى عمرو في إرضائه، ومثل هذا المحاسدة، قد يقول قائل: إن وجود الأمر من طرف واحد أشد من وجوده من الطرفين؛ لماذا؟ لأن وجوده من الطرفين يكون هناك مبرر، هذا يبغضني إذاً أبغضه، فالأمر في هذا أخف لوجود المبرر، وعلى كل حال الفعل الذي هو أصل المادة البغض للمسلم حرام، إنما الواجب محبة المسلم، والحب في الله من أوثق عرى الإيمان، كما أن البغض في الله من أوثق عرى الإيمان، فإذا أبغض أخاه لما يرتكبه من معاصي وجرائم ومحرمات أجر على هذا، ويحبه بما عنده من إيمان ومن عمل صالح فيُحب، يجتمع الحب والبغض في آن واحد في شخص واحد نظراً لانفكاك الجهة، فيحب على شيء، ويبغض على شيء.

((ولا تدابروا)) ولا تدابروا يعني لا تقاطعوا؛ لأن من شأن القطيعة أن يولي كل واحد من المتقاطعين الآخر دبره، وهذه نتيجة للتباغض ونتيجة للتقاطع وإذا كانت هذه بين المحارم كان الأمر أشد، وإذا كانت بالنسبة لمن له عليه حق كانت أشد، ولا يجوز لمسلم أن يهجر أخاه على ما سيأتي في الحديث الذي يليه فوق ثلاث.

((وكونوا عباد الله إخواناً)) خبر (كان)(إخواناً) و (عباد الله)؟ نعم؟

طالب: مناداة.

ص: 14

إيش؟ مناداة نعم، الأصل:((وكونوا يا عباد الله إخواناً)) فعباد الله منادى حذف حرف النداء، وهو منصوب؛ لأنه مضاف، و (إخواناً) خبر (كان) والأصل أن عباد الله إخوة {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [(10) سورة الحجرات] لكن قد يغفل الإنسان عن هذه الأخوة وإلا فالأصل أنهم إخوة {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [(10) سورة الحجرات] هذا خبر يراد به الأمر، فلا بد أن تسود الأخوة الإيمانية بين المسلمين، وجاء الأمر بها هنا ((وكونوا عباد الله إخواناً)).

نعم.

وعن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليالٍ يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام)).

يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:

"وعن أبي أيوب الأنصاري -رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يحل لمسلم)) " وفي حكمه المسلمة، والنساء شقائق الرجال، النساء يدخلن في خطاب الرجال ((لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه)) ما قال: لا يحل لمؤمن؛ لأن مثل هذا لا يحصل من المؤمن لأنه خدش في إيمانه، الأصل أن لا يحصل هذا من مؤمن ((لا يحل)) وإذا انتفى الحل ثبت ضده وهو الحرمة، يعني يحرم على المسلم؛ لأن الذي يقابل الحلال الحرام، فإذا انتفى الحلال ثبتت الحرمة.

((لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه)) يعني يقطع ما بينه وبينه، ويترك كلامه وزيارته والسلام عليه، يهجره بمعنى أنه يتركه.

((أن يهجر أخاه المسلم فوق ثلاث ليال)) فالثلاث الليال فما دونها إذا وجد السبب فالنفس لها حظوظ لا بد من مراعاتها، ولو كلف المسلم بأقل من ذلك صار من التكليف بما لا يطاق، عند بعض الناس لا يتحمل لا بد أن يقع منه الهجر، فالممنوع فوق الثلاث، فما دونها إذا وجد سببه لا يحرم.

ص: 15

((يلتقيان)) يعني في طريق أو في مجلس فيعرض هذا بوجهه عن أخيه، وهذا بوجهه ((وخيرهما الذي يبدأ بالسلام)) السلام أدب إسلامي يبعث على المحبة والمودة ((لا تدخلوا الجنة حتى تحابوا)) ((ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم)) لا شك أن السلام طريق إلى المحبة ووسيلة إليها، فكونه يعرض هذا ويعرض هذا خلاف المودة والمحبة، ويثبت بعد ذلك التباغض والتدابر والتقاطع، خيرهما الذي يبدأ بالسلام، جاء في الحديث:"أن الصغير يسلم على الكبير، والماشي يسلم على الجالس، والراكب يسلم .. ، والواحد يسلم على الجماعة" وهكذا، هذا هو الأصل، لكن افترض أن شخصاً مر بك وهو أصغر منك سناً هل لك أن تقول: الحق الشرعي لي ما سلم عليَّ ما أسلم عليه، أو نقول: خيرهما الذي يبدأ بالسلام؟ خيرهما الذي يبدأ بالسلام، وبعض الناس وموجود الآن وكثير في العمالة الوافدة من البلدان الأخرى، وهم يرون أنفسهم في حكم المستضعف، تجد هذا جالس ثم يمر واحد ثم يباشر الجالس: السلام عليكم، نعم الحق الأصلي على الماشي يسلم على الجالس، لكن لو افترضنا أن الماشي ما سلم نقول للجالس: لا تسلم؟! بعض الناس يتهم مثل هذا بضعف العقل أو الجهل كيف يسلم وهو جالس؟! نقول: خيرهما الذي يبدأ بالسلام، نعم الأصل أن الماشي هو الذي يسلم، لكن ترك هذا الفضل العظيم، فالطرف الثاني يبدأ، ولذا يقول:((وخيرهما الذي يبدأ بالسلام)) مع أنه جاء التوجيه بأن الصغير يسلم على الكبير، لكن ما سلم الصغير يترك؟ تترك السنة؟! تترك الوسيلة لإشاعة المحبة والمودة؟ لا تترك، لكن بعض الناس إذا مر عليه أحد ولا سلم رد عليه قال: وعليكم السلام، على شان إيش؟ لا يريد بذلك تحصيل السنة، لو أراد بتحصيل السنة قال: السلام عليكم، هو يريد أن ينتقده بأسلوب، يريد أن ينتقده، فعلى كل حال الضابط في الخيرية الذي يبدأ بالسلام، ولو كان كبيراً، ولو كان جالساً، ولو كان ماشياً، المقصود أن مثل هذا تنبغي مراعاته.

ص: 16

((لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث)) هذا في مسائل أمور الدنيا، لكن لو حصل من إنسان مخالفة شرعية فالهجر شرعي، النبي عليه الصلاة والسلام هجر الثلاثة الذين خلفوا، هجرهم خمسين يوم، فوق ثلاث، فدل على أن الهجر لأمر الدين لا يتقيد بزمن حتى تترتب عليه الفائدة المرتبة عليه، فيهجر المخالف، يهجر العاصي، يهجر المبتدع حتى ينزجر، علماً بأن الهجر عند أهل العلم علاج، الأصل الصلة، فإذا هجر من أجل هذه المعصية فالهدف من ذلك أن يرتدع عن معصيته، لكن إذا كان الهجر يزيده، خلاص احتمال يستحي من الناس إذا خالطوه وعاشروه، فإذا هجروه نزع جلباب الحياء، وأصر وعاند وجاهر بمعصيته وزاد شره، نقول: الهجر علاج، ما ينفع مثل هذا تنفع الصلة، وكما أن الهجر موجود أيضاً التأليف موجود، والزكاة ركن من أركان الإسلام الأصل أن لا تصرف إلا لمن يحتاجها، وهذا الركن من أركان الإسلام صرفت للمؤلفة قلوبهم ولو كانوا أغنياء، فالتأليف باب من أبواب الدين في الشرع معروف، كما أن الهجر معروف، وكلاهما علاج، فبعض الناس يفيد فيه الهجر، ويرتدع إذا هجر، يرتدع إذا زجر، يرتدع إذا ترك لم يعاشر ولم يخالط، لكن بعض الناس يزداد شره إذا فعل معه هذا، بل بعض الناس يتمنى أن يهجره الناس لكي يأخذ راحته، ولا يجاملهم ولا يجاملونه، فمثل هذا يسلك معه المسلك الآخر، فإن لم ينفع رجع إلى الهجر فيجرب هذا وهذا.

ص: 17

((خيرهما الذي يبدأ بالسلام)) يعني بالهجر الذي يرفع القطيعة، ويرفع الهجر عند أهل العلم السلام، يتصور أن زيداً وعمرو متقاطعين متهاجرين فمر أحدهما بالآخر فقال زيد: السلام عليكم، هذا خيرهما، وارتفع الهجر بالنسبة له، لكن إذا كان زيد قد عود عمرو على شيء من الإكرام والتقدير والنفوس في الغالب على ما تعودت، أو كان زيد قريب له، أو له حق عليه، أخ أكبر منه، أو عم، أو ما أشبه ذلك حصل شيء من سوء التفاهم فتقاطعا، ثم بعد ذلك جاء زيد إلى عمرو قال: السلام عليكم إما في شارع أو في هاتف أو ما أشبه ذلك، من أهل العلم من يقول: لا يزول الهجر إلا بأن تعود الحال إلى ما كانت عليه قبله، لا يكفي السلام، والحديث دليل على أن السلام كافي، هذا هو الأصل، فإذا عادت الأمور إلى مجاريها أكمل.

نعم.

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، وإياكم والكذب فإنه الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً)).

يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:

"وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((عليكم بالصدق)) " إغراء، ((عليكم بالصدق)) الصدق مطابقة الواقع بالكلام، ومخالفته هو الكذب كما تقدم، ولا واسطة بينهما عند أهل السنة، والمعتزلة أثبتوا الواسطة.

((عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة)) {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} [(177) سورة البقرة] فهو يهدي إلى هذه الأمور إلى البر الذي جاء تفسيره في الآية، الصدق يهدي، والحسنة تقول: أختي، فالصدق ما دام ممدوحاً وهو حسناً في الميزان الشرعي والمعيار الشرعي فإنه يهدي إلى ما هو أعظم منه من الأعمال الخيرية والبر، وهذه الأعمال التي مجموعها يحصل البر المفسر في الآية يهدي إلى الجنة، يقود ويوصل إلى الجنة.

ص: 18

((وما يزال الرجل يصدق)) يعني لا يتحدث إلا بالصدق ((ويتحرى الصدق)) بحيث إذا أراد أن يتكلم نظر في الكلام قبل أن ينطق، فهو صاحب تحري وتثبت، يتحرى الصدق ليكون كلامه صحيحاً مطابقاً للواقع، إذا كانت هذه عادته وديدنه أخذاً من قوله:((وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً)) صديق، يعني منزلة الصديقية منزلة لا يبلغها إلا القليل النادر من الناس {فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء} [(69) سورة النساء] منزلة الصديقين فوق منزلة الشهداء، ولم يشتهر بذلك إلا أبو بكر -رضي الله تعالى عنه-، والسبب في ذلك في القصة المعروفة لا يحتاج إلى ذكر.

((وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً)) حتى يكتبَ فيكتب في المستقبل أو في الحال أو في الماضي؟ نعم؟

طالب:. . . . . . . . .

في المستقبل، في شيء يجد مما يكتب على الإنسان، أو أنه كتب له وعليه وانتهى؟ لأن قوله:((وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً)) هو ما كان صديق ثم صار صديق؟

طالب:. . . . . . . . .

عند الله -جل وعلا- في اللوح المحفوظ؟ نعم؟

طالب:. . . . . . . . .

في الحال؟ لكن ما كتب عليه في اللوح المحفوظ أنه صديق؟

طالب: .... ما الذي يكفر السنة

نعم.

طالب: مثل الذي يكفر السنة القابلة.

طالب:. . . . . . . . . السنة الباقية هي نفس. . . . . . . . .

ص: 19

يعني هذا مما يمحوه الله ويثبته؟! {يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ} [(39) سورة الرعد] يعني كان له وصف غير هذا ثم مُحي وأثبت الصديقية من باب: {يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ} [(39) سورة الرعد]؟ نعم؟ أو نقول: إنه في اللوح المحفوظ صديق؟ كما أن محمداً عليه الصلاة والسلام في اللوح المحفوظ نبي، نوح نبي في اللوح المحفوظ، يعني هل كان غير نبي في اللوح المحفوظ ثم كتب نبي؟ وهذا كان غير صديق ثم كتب صديق؟ المقطوع به أن ما في علم الله -جل وعلا- لا يتغير، ولا يتجدد في علمه شيء، لكن بالنسبة لعلم الملائكة، لعلم المخلوق قد يتجدد، ويجاب بهذا عن:((من سره أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره فليصل رحمه)) الأجل مكتوب، والرزق مكتوب من قبل، فكيف يتغير ما كتب بصلة الرحم؟ نقول: الذي يتغير ما في علم الملك، وأما ما في علم الله فلا يتغير، وهنا:((حتى يكتب عن الله صديقاً)) وأبو بكر الصديق -رضي الله تعالى عنه- لما قال له من قال: إن صاحبك يخبر أنه ذهب إلى بيت المقدس ورجع في ليلة جاءوا فرحين بها، قد جزموا بأن أبا بكر سوف يحكم العادة، والعادة أن بيت المقدس أن يصله أحد بليلة ويرجع، فظناً منهم أن أبا بكر سوف يحكم العادة، وينفي ما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام فجاءوا بالخبر مستبشرين؛ لأن أبا بكر هو الرجل الثاني، فإذا تخلى الرجل الثاني وجد الخلل، يعني ما ذهبوا إلى غير أبي بكر؛ لماذا؟ لأن الخصم يذهب إلى من له أثر، يعني لو ذهبوا إلى شخص عادي من أعراب المسلمين، وقال: أبداً ما هو بصحيح وارتد أثره مثلما لو كان ما حصل من أبي بكر؟ نعم الخصم إنما يذهب إلى من له أثر؛ ليزعزع إيمانه، ويخلخل ما عنده، فإذا كسبه كسب العشرات بل المئات، يعني مثل ما يتجه أعداء السنة مثلاً إلى الطعن في أبي هريرة، ويش الهدف من الطعن في أبي هريرة؟ هل أبو هريرة أفضل الصحابة؟ ما طعنوا في أبي بكر مثل ما طعنوا في أبي هريرة؛ لأنهم إذا طعنوا في أبي هريرة نسفوا الدين، نصف الدين جاء عن طريق أبي هريرة، ما في شخص لا من المتقدمين ولا من المتأخرين طعن في أبيض بن حمال مثلاً، الذي ما يروي إلا حديث واحد، فهم يعمدون إلى من له أثر، إذا حصل

ص: 20

الخلل من قبلهم انتهى الإشكال، فجاءوا إلى أبي بكر قالوا: صحابك يزعم أنه ذهب البارحة إلى بيت المقدس ورجع في ليلته، قال: إن كان قد قال ذلك فقد صدق، أسقط في أيديهم، وانتهى الإشكال، ومن ذلك اليوم يسمى الصديق.

((وإياكم)) التحذير في مقابل الإغراء ((وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور)) نسأل الله السلامة والعافية، والفجور في مقابل البر ((وإن الفجور يهدي إلى النار)) يعني وسائل، تلك وسائل إلى دخول الجنة، وهذه وسيلة إلى دخول النار ((وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً)) نسأل الله السلامة والعافية، وصديق مبالغة، كما أن كذاب مبالغة، فلا يستحق الوصف بالصديقية إلا من بلغ في هذا الوصف نهايته، كما أن كذاب مبالغة في الوصف في الكذب، يتحرى الكذب، يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً، وإذا كانت عادة الإنسان في نقص واستمر عليه كتب عليه هذا النقص، وإذا كانت عادته في ازدياد من الخيرات كتب له هذا الخير الذي لا يزال يزداد وينمو ((ولا يزال أناس يتأخرون حتى يؤخرهم الله في النار)) والجزاء من جنس العمل، والله أعلم.

وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

سم.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه أجمعين.

اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين والمستمعين برحمتك يا أرحم الراحمين، أما بعد:

قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

الذي بعده.

نعم؟

الذي بعده.

وعنه رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق ((إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً ثم يكون

))

نطفة، نطفة.

نعم؟

((أربعين يوماً نطفة)).

نعم، ليس موجود هنا.

نعم.

عفا الله عنك.

ص: 21

((إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك، ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح، ويأمر بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد، فو الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراعاً فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها)).

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:

"وعنه -رضي الله تعالى عنه-" يعني عن ابن مسعود راوي الحديث السابق "قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم" حدثنا هذا الأصل في الرواية وهو التحديث، فالأصل أن النبي عليه الصلاة والسلام يتكلم وهم يستمعون ويتلقون، الرسول عليه الصلاة والسلام يؤدي وهم يتحملون، والتحديث الأصل فيه المشافهة مثل السماع دون واسطة.

"حدثنا رسول الله عليه الصلاة والسلام" والتحديث أضيق من الإخبار، لو قال: أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لكانت المسألة أوسع من التحديث؛ لأن التحديث لا يكون إلا بالنطق، وأما الإخبار فكما يكون بالنطق يكون بغيره من الإشارة والكتابة ونصب العلامة كلها إخبار.

"حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق" الصادق الذي قوله عليه الصلاة والسلام مطابق للواقع، فلا يقع في كلامه ما يخالف الواقع لا عمداً ولا سهواً ولا خطأ إلا ليشرع، فقد يسهو عليه الصلاة والسلام ليشرع، المقصود أنه صادق في جميع أفعاله وأقواله وتصرفاته لأنه معصوم، صادق في نفسه، مصدوق، مصدوق: اسم مفعول من الفعل الثلاثي (صدق) اسم الفاعل صادق واسم المفعول مصدوق، ومن المضعف مصدَّق، فهو مصدوق ومصدَّق من قبل الله -جل وعلا- بإقامة الأدلة والبراهين القطعية على صدقه، وهو مصدق ممن يسمعه عليه الصلاة والسلام.

ص: 22

يقول: ((إن أحدكم)) والخطاب لكل من يصح توجيهه إليه، وهم بنو آدم ((إن أحدكم يجمع خلقه)) يجمع من ماء الرجل وماء المرأة ((يجمع خلقه في بطن أمه)) في بطن أمه وهو المستقر، وهو الوعاء للحمل ((في بطن أمه أربعين يوماً نطفة)) نطفة من ماء مهين ((ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك)) يعني: في تلك المدة علقة، قطعة من دم، أربعين يوماً بعد الأربعين الأولى، الطور الأول أربعين، والطور الثاني أربعين، ثم يكون في ذلك المستقر مضغة مثل ذلك، مثل تلك المدة مضغة بقدر ما يمضغه الإنسان، قطعة لحم بقدر ما يمضغه الإنسان، ثم بعد ذلك ((يرسل الملك فينفخ فيه الروح)) وفي أثناء كونه مضغة يتم تصويره وتخليقه، فإذا بدأ التصوير والتخليق ثبتت أحكام الأم، في أثناء الطور الثاني أو الثالث؟ الثالث، يعني في التسعين أو قبلها بيسير أو بعدها يبدأ التخليق والتصوير، وحينئذٍ تبدأ أحكام الأم، بمعنى أنها لو ألقته وفيه شيء من خلق الإنسان تثبت لها أحكام النفساء، وقبل ذلك فلا.

((ثم يرسل إليه الملك)) إذا انتهت الأطوار الثلاثة، انتهت الأربعون الأولى، ثم الأربعون، ثم الأربعون، فصار له مائة وعشرون يوم يرسل إليه ملك، مائة عشرين يوم ((يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح)) ينفخ فيه الروح فإذا نفخت فيه الروح ثبتت أحكامه هو، بمعنى أنه لو سقط قبل نفخ الروح ليس له أحكام، فإذا سقط بعد نفخ الروح ثبتت أحكامه مما يفعل بالإنسان الكامل من التغسيل والتكفين والصلاة والدفن.

ص: 23

((يجمع خلقه في أربعين يوماً نطفة)) في الطور الأول هو نطفة ما ثبت له أي حكم، ولذا يقول أهل العلم: إنه يجوز إلقاء النطفة قبل تمام الأربعين بدواء مباح؛ لأنها ما انتقلت إلى طور آخر، ولا ثبتت إلى الآن ما زالت نطفة، يجوز إلقاء النطفة قبل الأربعين بدواء مباح، لكن إذا انتقل إلى الطور الثاني لا يجوز، وجوازه عندهم .. ، أولاًَ: ينبغي أن يقيد بالحاجة، الأمر الثاني: أن تثبت الحاجة الحقيقية، وأن لا يوجد هناك ريبة، وإلا لو فتح باب الإجهاض لصار في هذا عون على انتشار الفاحشة، فإذا خشي من هذا الأمر لا يجوز بحال، وعلى الرقابة على المستشفيات والمستوصفات أن يعنوا بهذا الأمر عناية تامة؛ لأن الإجهاض هذا نعم قد يحتاج إليه لحاجة الأم، الأم تتضرر بهذا الحمل، إذا قرر الأطباء أن الأم تتضرر بهذا الحمل حينئذٍ حياة الأم أولى من حياة هذا الحمل، لكن إذا كان الأم عليها مشقة، لكن لا ضرر عليها، ولا خوف على حياتها فلا؛ لأن الأصل المشقة، الحمل الأصل فيه المشقة، وما يتذرع فيه كثير من الناس من أنهم ينظمون الحمل، ويرتبون النسل من أجل الإعانة على التربية، أو ما يتعلق بالمعاش، وأن الأب لا يستطيع أن يتحمل أولاد متتابعين مثل هذا لا يجوز ولا ينظر إليه شرعاً، كثيراً ما يسأل عن الحمل الذي يقرر الأطباء أنه فيه شيء من النقص إما تشويه أو إعاقة، أو ما أشبه ذلك، ويسألون عن إسقاطه؟ لا يجوز إسقاطه بحال لأنه نفس، قبل الأربعين مسألة ثانية، لكن ما يقرون هذا قبل الأربعين، ما يقررونه إلا بعد، فلا يجوز إسقاطه، ويغفل الناس عن هذا الشخص أو هذا الحمل الذي يغلب على الظن من خلال كلام الأطباء أن فيه شيء من التعويق، أو شيء من النقص، أولاً: كلام الأطباء ليس بمطرد، قالوا مثل هذا الكلام وخرج الولد سليماً، الأمر الثاني: أنه لو كان مطرداً يغفل الأب أنه قد يرزق بسببه ((إنما تنصرون وترزقون بضعفائكم)) الأمر الثالث: أن هذا من المصائب التي يؤجر عليها الإنسان، تصور ابن ولد معوق يجوز أن يتعرض له أحد بشيء؟ لا يجوز أن يتعرض له أحد بشيء، ولو قتل عمداً لقتل به، ولو كان معوقاً، أحكامه كاملة، فلا يجوز أن يتعرض له لا قبل الولادة ولا بعدها، فليس عندهم من

ص: 24

الصبر واليقين ورجاء الثواب إلا الشيء اليسير، إذا كانت الأمور ماشية جارية على العادة طبيعية يطنطنون بالصبر واليقين، لكن إذا حصل لهم أدنى ما يحصل صارت النتيجة صفر، فعلى الإنسان أن يصبر ويحتسب، وهذا ابتلاء من الله -جل وعلا-، ولو قيل: إنه باب خير فتح لهذه الأسرة ما بعد، والمصائب هي في ظاهرها وخلاف ما تطلبه النفوس، لكن عاقبتها حميدة {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ} [(10) سورة الزمر] منهم من يقول: إنه يجوز إلقاء النطفة قبل النفخ في الروح، لكن هذا القول ليس بشيء؛ لأنه يسبب مشاكل، إذا كان العزل الذي جاء النص بجوازه جاء في بعض النصوص تسميته بالوأد الخفي، العزل، قبل وقوع النطفة في بطن الأم جاءت تسميته بالوأد الخفي، ولا شك أنه وأد، لكنه وأد جاء الدليل على إباحته "كنا نعزل والقرآن ينزل، ولو كان منهي عنه لنهى عنه القرآن" حديث جابر، لكنه مع ذلك هو وأد، لكن لا يعني أنه وأد مثل وأد البنات المحرم الذي مر ذكره في الكبائر، وعلى هذا تبقى النطفة كما هي، وتبقى العلقة كما هي، تبقى المضغة كما هي من غير أن يتعرض لها، اللهم إلا في حالة واحدة إذا خشي على الأم من الموت، فالمحافظة على حياة الأم أولى من المحافظة على حياة الولد.

التلقيح الصناعي وأطفال الأنابيب يبحث في المجامع والهيئات العلمية، وبعض الناس إذا أصيب بمرض -نسأل الله السلامة والعافية للجميع- مرض السرطان مثلاً يقولون: إن الكيماوي يقضي على الإنجاب، فيسأل يقول: قبل أن يستعمل الكيماوي يستخرج من مائه ما يحفظ فيلقح به زوجته فيما بعد، لكن على المسلم أن يرضى بما قدر الله له، ويسلم ولا يزاول أي طريقة غير الطريقة التي سنها الله لخلقه، وإن كان المجامع العلمية أفتوا بجواز بعض الصور، لكن كما قال الناظم.

وكن صابراً للفقر وأدرع الرضا

بما قدر الرحمن واشكره واحمد

ص: 25

تسعى، فإذا رضيت بالقدر رضيت بالحمل لعل الله -جل وعلا- أن يخرج من صلبك ما ينصر الله الإسلام على يديه، ترضى بهذا ولا تسقطه، بالمقابل إذا لم يتيسر لك الولد ترضى، احتمال أن يأتيك ولد يكون سبباً لشقائك وما يدريك، وكما من أسرة عاشت في الجحيم بسبب ولدها الذي حرصت عليه، وتعبت وراءه، فعلى المسلم أن يرضى ويسلم على الحالين، سواء كان رزق بالأولاد أو لم يرزق.

((ثم يرسل الملك)) في الأطوار المذكورة في حال النطفة، في حال العلقة والمضغة قبل أن يرسل الملك هذا لا يعلمه إلا الله -جلا وعلا- {إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} [(34) سورة لقمان] هاه؟

طالب:. . . . . . . . .

خمس، مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله، ثم قرأ الآية في آخر سورة لقمان ((ويعلم ما في الأرحام)) فلا يعلم ما في الأرحام إلا الله -جل وعلا- كما فسرها الحديث الصحيح:((في خمس لا يعلمهن إلا الله)) قد يقول قائل: الأطباء يخبرون الناس بأن الولد ذكر، ويخبرونهم بأنه أنثى، ويخبرونهم بما في البطن، أما قبل علم الملك ما زال في دائرة الغيب الذي لا يعلمه إلا الله -جل وعلا-، وأما بعد أن يرسل الملك ويطلع عليه وينفخ فيه الروح خرج عن دائرة الغيب، فبالإمكان أن يعلمه الأطباء، وكثير من الأخبار التي يخبرون بها الناس لا تقع مطابقة للواقع، وعلى كل حال ما في ما يمنع من علمهم بعد خروجه عن دائرة الغيب ((ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح)) التي هي مادة الحياة.

ص: 26

((ويؤمر بأربع كلمات)) والروح جاء تعريفها عند الطوائف كلها بتعاريف كثيرة جداً، لكن كما قال الله -جل وعلا-:{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلَاّ قَلِيلاً} [(85) سورة الإسراء] وفي جهل الإنسان بروحه التي بين جنبيه، وبها حياته جهله بهذه الروح دليل على جهله العام، وأنه مهما أوتي من العلم ومن القوة والقدرة والفهم والذكاء أنه لا يخرج عن قول الله -جل وعلا-:{وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلَاّ قَلِيلاً} [(85) سورة الإسراء] ويؤمر الملك من قبل الله -جل وعلا- بأربع كلمات: ((بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد)) كتب رزقه ولن تموت نفس حتى تستكمل رزقها، هذا له زرق محدد منذ أن يولد إلى أن يموت، لا يزيد ولا ينقص، وأجله له مدة محددة يعيشها في هذه الدنيا، لا يمكن أن تزيد أو تنقص {فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} [(34) سورة الأعراف] وما جاء في حديث الصلة ((من سره أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره -أو أجله- فليصل رحمه))

ص: 27