المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على - شرح المطلع على متن إيساغوجي - جـ ٧

[أحمد بن عمر الحازمي]

فهرس الكتاب

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أَمَّا بَعْدُ:

عرفنا فيما مضى أن المصنف رحمه الله تعالى قسَّم المفرد إلى كُلّي وجزئي، هذا بالنظر إلى معناه.

وعرفنا أن المراد بالمفرد بعض أنواع الاسم، وهو ما اتحد معناه احترازاً مما تعدد معناه.

(إِمَّا كُلِّىٌّ) وعرَّفه.

(وَإِمَّا جُزْئِيٌ) وعرَّفه.

ثم قسَّم الكلِّي قبل تعريف الجزئي باعتبار وجود أفراده في الخارج أو عدمِها إلى ستة أنواع، ثم قسّمه باعتبار استواء أفراده في معناه إلى نوعين: متواطئ ومشكِّك.

ثم قسَّم الكلِّي تقسيماً آخر هو ألصق بالكُلِّيّات الخمس. قال: (إِمَّا ذَاتِيٌّ، وَإِمَّا عَرَضِيٌّ).

(إِمَّا ذَاتِيٌّ) وعرَّفه بأنه (الَّذِي يَدْخُلُ فِي حَقِيقَةِ جُزْئِيَّاتِهِ).

هنا اختص بالجنس والفصل، وهو الذي يدخل في حقيقة الجنس.

(وَإِمَّا عَرَضِيٌّ: وَهُوَ الَّذِي يُخَالِفُهُ) أي: لا يدخل في حقيقة جزئياته، وهذا إذا دخل فيه الخاصة والعرض العام.

بقي النوع، قلنا فيه ثلاثة مذاهب: ذاتي فقط، عرضي فقط، لا عرضي ولا ذاتي. والثالث هذا هو الأنسب.

والخلاف هنا خلافٌ ليس له أثر، يعني الخلاف في الاصطلاح فقط: هل يسمى النوع ذاتياً أو عرضياً؟ ولذلك المصنف أخرَجه ثم أدخَلَه.

يعني: استخدم الاصطلاحين، جعَلَه من العرضي، ولذلك قال:(وعلى هذا فالماهية عرضية) الماهيّة يقصد بها النوع.

وفي موضعٍ جعلَه ذاتياً.

ثم قال: (وَالذَّاتيُّ) أراد أن يبيّن الكُلِّيّات الخمس وهي محصورة في هذا العدد وعرَفنا كيفية الحصر.

قال: (وَالذَّاتيُّ: إِمَا مَقُولٌ فِي جَوَابِ مَا هُوَ بِحَسَبِ الشَّرِكَةِ المَحْضَةِ).

عرفنا أن المحضة المراد بها: الخالصة من شائبة الخصوصية، كما في النوع المقابل له (مَقُولٌ) أي: محمولٌ، ولا يُشترط أن يكون بالفعل وإنما المراد به محمولٌ بالقوة.

(فِي جَوَابِ مَا هُوَ) قلنا السؤال في المنْطِق هنا محصورٌ في أداتين وهما: "ما وأيُّ".

"ما" قلنا يُسأل بها عن أربع: واحد كُلّي، واحد جزئي، كثيرٌ متفِّق الحقائق، كثيرٌ مختلِف الحقائق.

"واحدٌ كُلِّي" يجاب بماذا؟ مثل: ما الإنسان؟

قلنا: الجواب محصور في ثلاثة: إما بالحد، وإما بالنوع، وإما بالجنس.

فالأول -الذي هو الواحد الكلِّي- ما الإنسان؟ يجاب بالحد.

والثاني -الذي هو واحد جزئي-: ما زيدٌ؟ يجاب بالنوع.

والثالث: كثيرٌ متحد الحقائق نحو: ما زيدٌ وعمروٌ وبكرٌ؟ أو ما زيدٌ، وما بكرٌ، وما عمرو؟ يجاب بالنوع؛ لأنه متفق الحقائق.

الرابع: أن يكون كثيراً مختلف الحقائق كقولك: ما الإنسان والفرس والبغل .. ونحوها؟ هذه مختلفة الحقائق، يجاب بالجنس.

إذاً: في اثنين يجاب بالنوع، وفي واحدٍ بالجنس، وواحدٍ يجاب بالحد.

وعرَّفه (بِأَنَّهُ كُلِّىٌّ مَقُولٌ عَلَى كَثِيرِينَ مُخْتَلفِين بِالحقائِقِ فِي جَوَابِ مَا هُوَ) عرفنا ما يتعلق بهذا الحد على جهة التفصيل.

ثم قسَّمه إلى أربعة أقسام:

ص: 1

عالٍ: وهو الذي تحته جنس وليس فوقه جنس.

ومتوسط: وهو الذي فوقه جنس وتحته جنس.

وسافل: وهو الذي فوقه جنس وليس تحته جنس.

ومنفرد: وهو الذي ليس فوقه جنس وليس تحته جنس.

هذا ما يتعلق بالنوع الأول من الكُلِّيّات الخمس وهو: الجنس.

قال: (وَإِمَّا مَقُولٌ فِي جَوَابِ مَا هُوَ بِحَسَبِ الشَّرِكَةِ وَالخُصُوصِيَّةِ مَعًا.

كَالْإِنْسَانِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَفْرَادِهِ نَحْوُ زَيْدٍ وَعَمْرٍو وَهُوَ النَّوْعُ).

(وَإِمَّا مَقُولٌ) يقال في مقولٍ هنا ما قيل في (مَقُول عَلَى كَثِيرِينَ) فيما سبق، ولذلك قلنا المصنف هنا ثنَّى بالنوع بعد الجنس، وإن كان الجنس جزءً من الماهيّة، والنوع ليس جنساً من الماهيّة، والفصل جنسٌ من الماهيّة. أيهما أولى؟ باعتبار كونه داخلاً وهو أقرب إلى الكلِّي الذاتي أن يثنِّي بالفصل بعد الجنس، هذا الأَولى.

لكن لاحَظَ أمراً آخر وهو أن كلاً من الجنس والنوع مقُولٌ على كثيرين، فلهذا القدر المشترك حينئذٍ ثنَّى بالنوع بعد الجنس.

(مَقُولٌ عَلَى كَثِيرِينَ) ما نص على كثيرين؛ لأنه معلومٌ مما سبق.

قلنا: (مَقُولٌ) أي: محمولٌ حملَ مواطَئةٍ، والمراد: صالحٌ لأن يقال ويُحمَل لا أنه مقولٌ بالفعل، وكذا يقال في بقية التعاريف كما مر معنا.

والمراد بالكثرة في حدِّ الجنس قلنا: الأنواع، والمراد بالكثرة -وليت المصنف زاد القيد هذا- في حد النوع: الأشخاص .. الأفراد أو الآحاد.

ففرقٌ بين الكثرة في النوعين (مَقُولٌ عَلَى كَثِيرِينَ) لعلَّه يأتي في التعريف.

قال: (مَقُولٌ) أي: محمولٌ (فِي جَوَابِ مَا هُوَ بِحَسَبِ الشَّرِكَةِ وَالخُصُوصِيَّةِ مَعًا).

قال في الحاشية: أي يُحمَل تارة على جملة من أفراده المتماثِلة، إذا سُئل عنها بأن قيل: ما زيدٌ وعمروٌ وبكرٌ؟ فيجاب بإنسان. هذا الشرِكة.

وهذا هو المراد بقوله: (بِحَسَبِ الشَّرِكَةِ) لأنه تمام الماهيّة المشترَكة بينهم.

وتارة -وهو المعني بقوله: (وَالخُصُوصِيَّةِ) - وتارة يُحمل على فردٍ واحدٍ نحو: ما زيدٌ؟ كما قلنا في السؤال بما هناك، قد يُسأل عن واحدٍ جزئيٍ يقال: ما زيدٌ؟ فيجاب عنه بالنوع.

إذاً: النوع تارة يُجاب به سؤالٌ عن كثرة، وتارة يُجاب به سؤالٌ عن واحد. بخلاف الجنس؛ فإنه لا يقال ما الفرس؟ ويقال حينئذٍ: حيوان، أو ما الإنسان؟ فيقال: حيوان. هذا غلط عندهم، وإن كان في اللغة قد يكون له وجْه، لكن في الاصطلاح عندهم هذا ممنوع؛ لأن الجنس لا يقال إلا في مقابَلة عدد، وهذا العدد كثير .. اثنان فأكثر، ومختلفةٌ حقائقُهم، وأما إذا جاء مفرداً واحداً فيجاب حينئذٍ بالحد، فإذا قيل: ما الإنسان؟ تقول: الحيوان الناطق. ما الفرس؟ الحيوان الصاهل. ما الحمار؟ الحيوان الناهق .. وهكذا.

وحينئذٍ يجاب بالحد، هذا إذا سُئل عن فردٍ واحدٍ خاصٍّ وكان نوعاً: ما الإنسان؟ فحينئذٍ تجيب بالحد .. ما تجيب بالجنس، وأما في النوع فيجتمع فيه الأمران سواء كان في مقابِل كثرة أو في مقابل فرد.

ولذلك قال: (بِحَسَبِ الشَّرِكَةِ وَالخُصُوصِيَّةِ) أي: يُحمَل تارة على جملة من أفراده المتماثلة إذا سُئل عنها بسؤالٍ واحد، أو في سياق واحد، أو في كلام واحد.

ص: 2

فإن قيل: ما زيدٌ وعمروٌ وبكرٌ؟ زيد هذا فرد، وعمروٌ هذا فردٌ وبكرٌ هذا فرد، وكلٌ منها فردٌ من لفظ إنسان، فيجاب بإنسان الذي هو النوع.

وهذا هو المراد بقوله: (بِحَسَبِ الشَّرِكَةِ) بأنه تمام الماهيّة المشترَكةِ بينهم.

وتارة يُحمَل على فردٍ واحد نحو: ما زيدٌ؟ فإن جوابَه إنسانٌ، وهذا هو المراد بقوله:(وَالخُصُوصِيَّةِ).

وهذا الذي أطبق عليه المحقِّقُون من شُرَّاح هذا الكتاب. يعني: ثَم خلافٌ في تفسير كلام المصنف.

قال العطار هنا في قوله: (بِحَسَبِ الشَّرِكَةِ وَالخُصُوصِيَّةِ مَعًا) أي: يصحُّ أن يكون جواباً عن الشيء حالة الإفراد أو حالة الجمع .. حالة الإفراد في قوله: (الخُصُوصِيَّةِ)، وحالة الجمع في قوله:(الشَّرِكَةِ).

(كَالْإِنْسَانِ) فإنه إذا سُئل عن زيدٌ –مثلاً- بما هو؟ يصح أن يقال: الإنسان، ولو سُئل عن زيدٍ وعمروٍ وبكرٍ فكذا يصح أن يقال: الإنسان. كما سبق.

فظهَر أن المراد "هذا محل الشاهد هنا" فظهَر أن المراد بالمعيّة. أين المعيّة؟

قوله: (مَعًا) هل هو في وقتٍ واحد؟ لا ليس في وقتٍ واحد، إنما في حالة، هذا المراد فلا يلتبس.

فظهر أن المراد بالمعية هو الصلاحية للجواب بحسبِهما - (الشَّرِكَةِ وَالخُصُوصِيَّةِ) - وليس المراد المعيّة الزمانية في زمنٍ واحد - (الشَّرِكَةِ وَالخُصُوصِيَّةِ) -.

وفائدة الإتيان بـ: معاً هنا: دَفْعُ توهُّمِ حمل الواو على معنى أو، فإنه كثيرٌ شائع.

قال: (بِحَسَبِ الشَّرِكَةِ وَالخُصُوصِيَّةِ) لو قال: بحسب الشركة والخصوصية. الظاهر أنهما متقابلان فلا يجتمعان، فحينئذٍ تُفسَّر الواو هنا بمعنى "أو" .. بحسب الشركة أو الخصوصية.

فدَفَع هذا الوهم الذي قد يرد على الناظر والقارئ المتعلم .. دفعَه بقوله: (مَعًا).

إذاً: الواو على بابها؛ لأنها تفيد الجمع، هذا الأصل: مطلق الجمع، فحينئذٍ الواو على بابها.

وفائدة الإتيان بـ: معاً: دفعُ توهُّمِ حملِ الواو على معنى "أو" فإنه كثيرٌ شائع، لا سيما مما يتراءى من منافاة الشركة والخصوصية الظاهرة. بينهما منافاة.

فإنها تدعو إلى ذلك الحمل وهو غيرُ مراد، فزيد لفظ "معاً" دفعاً لذلك. هذا المراد على ما ذكره المحشي فيما سبق.

إذاً: (مَقُولٌ) أي: محمولٌ.

(عَلَى كَثِيرِينَ) .. (فِي جَوَابِ مَا هُوَ بِحَسَبِ الشَّرِكَةِ وَالخُصُوْصِيَّةِ مَعًا) فتارةً يقع جواباً مشترَكاً بين مسئول عنه، وتارة يقع جواباً على فردٍ واحد.

قال: (كَالْإِنْسَانِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَفْرَادِهِ نَحْوُ زَيْدٍ وَعَمْرٍو وَهُوَ النَّوْعُ).

يقال: زيدٌ إنسان، وعمروٌ إنسان. هذا مقُولٌ.

أو يقال: ما زيدٌ؟ فيقال: إنسان، أو: ما عمروٌ؟ فيقال: إنسان.

أو: ما زيدٌ وعمروٌ؟ فيقال: إنسان.

يعني: المثال هذا تجعَله للشركة والخصوصية (نَحْوُ زَيْدٍ وَعَمْرٍو).

(نَحْوُ زَيْدٍ) يعني: ما زيدٌ؟ هذا مفرد .. خصوصية، فحينئذٍ تقول: إنسان.

"عمروٍ" ما عمروٌ؟ تقول: إنسان، هذا على جهة الخصوصية.

مثال على جهة الشركة تقول: ما زيدٌ وعمروٌ؟ تقول: إنسان. إذاً: جاء مثالٌ صالحاً لهما.

(وَهُوَ النَّوْعُ) يعني: هذا الكلِّي يسمى بالنوع عند المناطقة.

ص: 3

(لأنه إذا سُئل عن زيدٍ وعمروٍ بـ: ما هما؟ كان الإنسان جواباً عنهما؛ لأنه تمام ماهيّتِهما المشترِكة).

(لأنه تمام ماهيّتهما) أي: زيدٍ وعمروٍ (المشترِكة بينهما).

قال العطار: يُقرأ بصيغة اسم المفعول على الحذف والإيصال أي: المشترَك فيها.

فالمشترِك بصيغة اسم الفاعل وهو أفراد النوع: مشترَك مشترِك، مشترَك فيها الماهيّة، والمشترِك هو الأفراد.

المشترِك بصيغة اسم الفاعل أفراد. إذاً: يكون الأولى بالفتح "مشترَكَة" التي اشتُرك فيها.

إذاً: يُقرأ بصيغة اسم المفعول على الحذف والإيصال أي: المشتَرَك فيها، المشترِك بصيغة اسم الفاعل وهو أفراد النوع، وهي الأشخاص الجزئية؛ لأن الاشتراك إنما يكون بين متعدد، والماهية شيءٌ واحد، والاشتراك يكون باعتبار التعدد.

ثم معنى: اشتراك الأفراد في الماهيّة أن كل فردٍ إذا جُرِّد عن مشخَّصاتِه الخارجية كان غير الحقيقة الإنسانية؛ إذْ الكُلِّيّات تُنتَزَع من جزئياتها، قلنا فيما سبق: الكلِّي وجودُه ذهني، فحينئذٍ لا وجود له في الخارج إلا في ضمن أفرادِه.

(وإذا سُئل عن كلِّ واحدٍ منهما) يعني: وحده .. ما زيدٌ؟ فقط، ما عمروٌ؟ (كان الجواب ذلك أي: إنسان. أيضاً كما كان جواباً عن المشترك؛ لأنه) أي: إنسان (تمامُ ماهيتِه المختصة به).

(به) أي: الفرد.

لأنه -يعني: لفظ إنسان- تمام ماهيته -ماهيّة الفرد- المختصة به. يعني: الفرد.

يعني: هو الذي يتميز به عن غيره، يتميز به عن الفرس والحمار والبقر وغيره .. بكونه حيواناً ناطق.

تمام الماهيّة هذا مختصٌ بالإنسان، حينئذٍ لا يشترِك معه غيرُه البتة من أفراد الجنس، فلا يشترك معه الفرس ولا غيرُه.

(لأنه تمامُ ماهيته المختصةِ به).

قال العطار: معنى الاختصاص: أن الحقيقة الكُلّيّة لما شُخِّصت بتلك العوارض المخصوصة القائمة بزيدٍ مثلاً كانت مختصة به بهذا الاعتبار، وهذا لا يستلزم كون المشخِّصات من الماهيّة؛ لأنها من قبيل العرَض دون الذاتي.

قال المحشِّي هنا: قولُه: (تمام ماهيته المختصة به) أي: الفرد.

إن قلتَ: لا نسلِّم أنه تمام الماهيّة الخاصة به؛ لأن الإنسان حيوانٌ ناطق، وماهية زيدٌ حيوان ناطق متشخَّصٌ لإنسان، وهو ماهيّة مشتركة بين أفراده لا مختصة ببعضها.

أُجيبَ: بأن المشخّصات عوارض الماهيّة .. هو كلام العطار السابق.

قال: (وَيُرْسَمُ) أي: يُعرَّف النوع.

(بِأَنَّهُ كُلِّىٌّ) دَخَل فيه سائر الكُلِّيّات، هو يجري على أمرٍ هنا.

أولاً: يذكُر التقسيم، ثم يعرِّفه.

يعني: الآن عندنا تقسيم وتعريف؛ لأنه قال: الكلِّي الذاتي إما مقولٌ على كثيرين فهو الجنس ويُرسَم بكذا ..

يعني: أشبه ما يكون بقوله: طويُرسم كذا" جملةٌ معترضة بين الأقسام. فالكليُّ ذاتيٌ.

ثم قال: إما مقولٌ على كثيرين مختلفة حقائقُها في جواب ما هو كفرس وإنسان وهو الجنس.

(وَإِمَّا مَقُولٌ فِي جَوَابِ مَا هُوَ) هذا النوع، وتأتي جملة عارضة بين التقسيمات بالتعاريف، وإلا يقال بأنه كيف ذَكَر أولاً التقسيم ثم ذكر التعريف؟

ص: 4

لا. مقصودُه ابتداءً هو التقسيم، قسَّم لك ويُفهَم من التقسيم حدُّ الجنس أو النوع، ولذلك فهِمْتَ أنت من قوله:(وَإِمَّا مَقُولٌ فِي جَوَابِ مَا هُوَ .. ) إلى آخره، ما المراد بالنوع؟

إذاً: قوله: (وَيُرْسَمُ) هذا جملة اعتراضية يريد بها أن يُحِد هذا النوع الذي يسمى بالنوع.

(وَيُرْسَمُ) يعني: يعرَّف النوع.

(بِأَنَّهُ) أي: النوع (كُلِّىٌّ) عرفنا المراد بكلي.

"النوع كليٌ" هذا جنس دخل فيه سائر الكُلِّيّات.

(كُلِّىٌّ مَقُولٌ) عرفنا المراد بمقول أي: محمولٌ حملَ مواطئة بالقوة لا بالفعل.

(عَلَى كَثِيرِينَ) قلنا المراد بالكثيرين هنا وإن كان الجمع ليس على سنن القواعد اللغوية "لغة العرب"، لكن المراد بالكثيرين هنا في النوع الأشخاص والأفراد، وفي حد الجنس هناك المراد بالكثيرين: الأنواع. فرقٌ بين النوعين.

(مَقُولٌ عَلَى كَثِيرِينَ) أي: أفرادٍ.

(مُخْتَلِفِينَ بِالْعَدَدِ) أي: تعدُّد الذوات، هذا أحسن ما يقال في قوله:(مُخْتَلِفِينَ بِالْعَدَدِ دُونَ الحَقِيقَةِ).

العدد يعني: تعدُّد الذوات، وأما الحقيقة فهي معلومة يعني: الماهيّة.

إذاً: الكثرة مقولٌ على كثيرين، فحينئذٍ إما أن تكون هذه الكثرة متحدة في الحقيقة أو مختلفة.

إن كانت مختلفة فهو الجنس، وإن كانت متحدة فهو النوع. يعني: لو كان عندك إنسان وعندك جَمَل وعندك بقر. هذه ثلاثة حقائق مختلفة، هيئةُ وحقيقةُ وبنية الإنسان غير هيئة وبنية الجمَل .. مختلفان، وكذلك البقر، وكذلك القط .. ونحوها.

حينئذٍ نقول: هذه مختلفة الحقائق وهي متعددة، لكن زيدٌ وعمرو وبكر وخالد وهند وفاطمة .. هذه كلها متحدة الحقائق، والخلاف إنما هو في الأعراض العامة أو المشخِّصات.

إذاً: (عَلَى كَثِيرِينَ مُخْتَلِفِينَ بِالْعَدَدِ دُونَ الحَقِيقَةِ) يعني: الحقيقة واحدة والاختلاف إنما يكون في العدد. يعني: تعدُّد الذوات.

(دُونَ الحَقِيقَةِ) يعني: دون تعدُّد الحقيقة، فهي واحدةٌ مشترَكة بينهم.

هذا فصْلٌ مخرج الجنس، ولذلك قال هنا: خرج به الجنس (بِالْعَدَدِ دُونَ الحَقِيقَةِ).

قوله: (مُخْتَلِفِينَ بِالْعَدَدِ) هنا لم يَخرج الجنس؛ لأن الجنس كذلك مختلف كثرة بالعدد، وأما اتفاق الحقيقة واتحاد الحقيقة هذا خاصٌ بالنوع، ولذلك قال:(دُونَ الحَقِيقَةِ) يعني: دون تعدد الحقيقة، بل هي واحد.

(فحينئذٍ خرَج به) أي: بهذا القيد الأخير وهو الحقيقة (خرَج به الجنس).

(فِي جَوَابِ) مقولٌ في جواب، في جواب هذا متعلِّق بقوله:(مَقُولٌ).

(جَوَابِ مَا) جواب مضاف وما مضاف إليه.

حينئذٍ (جَوَابِ) خرَج به العرض العام، (مَا هُوَ) خرَج به ما يجاب بأي، وهو الفصل والخاصة؛ لأن السؤال محصورٌ في اثنين: ما وأيّ .. (مَا هُوَ) أيُّ شيءٍ هو؟ في ذاته، في عرضه .. هذا يأتي تفصيله.

حينئذٍ ما يقع جواباً لأي هو الفصل والخاصة، وما يقع جواباً لما هو الجنس والنوع.

هنا قال: (فِي جَوَابِ) إذاً: ما لا يقع في جوابٍ أصلاً لا يدخل معناه، بل خرج بهذا القيد وهو العرَض العام.

(فِي جَوَابِ مَا هُوَ).

قال المصنف هنا: (خرَج به الفصلُ، والخاصةُ، والعرَض العام).

ص: 5

لكن قوله: "العرض العام" هنا أخَّره، لو قدَّمه لكان أحسن؛ لأنه إذا أراد الترتيب (جَوَابِ مَا) إذاً يقول: خرج به -أي: بهذا القيد .. (جَوَابِ مَا) - العرضُ العام، والفصل، والخاصة. على الترتيب.

(وخرج به الفصل، والخاصة، والعرض العام).

قال هنا: خرَج بقوله: (فِي جَوَابِ) الفصلُ والخاصة خرجا بإضافة جواب لـ (مَا هُوَ) الحاشية.

والعرض العام خرج بقوله: (فِي جَوَابِ) يعني: العرض خرج بالمضاف، والفصل والخاصة خرجا بالمضاف إليه. وهذا يؤكِّد لك أن المضاف قيد والمضاف إليه قيد، حتى في استعماله.

"غلام زيدٍ" إذاً: غلام قيد، وزيد قيد. كلٌ منهما قيَّد الآخر.

ولذلك قولٌ ثالث في المسألة: أيهما المضاف والمضاف إليه؟

قيل: المضاف هو غلام، وزيد مضافٌ إليه، وقيل: بالعكس. هذا قول موجود حكاه السيوطي في الأشباه.

قيل: العكس، غلام مضافٌ إليه وزيد مضاف، وقيل: كلٌ منهما مضاف ومضاف إليه؛ لأن كلاً منهما قيْد.

سمَّيته مضاف .. إلى آخره، النتيجة ماذا؟ ماذا تفْهم من مدلول هذا التركيب الإضافي؟

تفهم أن غلام قيدٌ في زيد، وأن زيداً قيدٌ في غلام. سمّيته مضاف ومضاف إليه، لا إشكال فيه، لكن الجمهور على أن الأول مضاف والثاني مضاف إليه.

قال هنا: (مع أن الثالث يخرج بما خرج به الجنس أيضاً).

ما هو الثالث؟ العرَض العام، ولذلك قال: (خرج به الفصل، والخاصة، والعرض العام.

مع أن الثالث) يعني: العرض العام (يخرج بما خرج به الجنس أيضاً).

يعني: العرض العام على ظاهر كلامه -وإن كان ليس مراداً- أن له فصلين، خرج بما خرج به الجنس وخرج الجنس بقوله: حقيقة (دُونَ الحَقِيقَةِ).

وخرج بهذا القيد الذي هو (جَوَابِ) كذلك العرض العام.

لأن قوله: "ماشٍ" هذا عرض عام،"ماشٍ" هل هو خاصٌ بالإنسان؟ الجواب: لا، الإنسان يمشي والفرس يمشي، والدجاجة تمشي، والوِزَّة تمشي، الحمامة تمشي ..

إذاً (عَلَى كَثِيرِينَ مُخْتَلِفِينَ) في الحقائق، حينئذٍ يمكن أن يُخرَج بهذا القيد –الحقيقة- الجنس، وكذلك العرَض العام.

قال العطار: أي: كما خرج بما خرج به الفصل والخاصة.

(يخرج بما خرج به الجنس أيضاً) أي: كما خرج بما يخرُج به الفصل والخاصة.

(أيضاً) ما إعرابها؟ مفعول مطلق، إذا قيل: ما إعرابُها؟ لا تأتي بالمصدر .. آض يئيض أيضاً هذا مصدر، فهو مفعولٌ مطلق، واجبُ النصب بفعلٍ محذوف واجب الحذف، وهو آض يئيض رَجَع رُجوعاً لما سبق.

أي: كما خرج بما يخرُج به الفصل والخاصة.

قال العطار: وقد يقال: إنه إذا خرج بالقيد الأول "يعني: الحقيقة" لا يحتاج إلى إخراجه بهذا القيد وهو كذلك، وهذا الأصل.

يعني: لماذا لم تخرجه ابتداءً؟ ما دام أن العرض العام يخرج بالحقيقة، إذاً قل: خرج به الجنس والعرض العام، لماذا تؤخِّره؟

فإذا دخل في الأول وأمكن إخراجه أخرجناه، هذا الأصل.

إلا أن يقال: إن قولَه: (يخرُج بما خرج به الجنس .. ) إلى آخره أي: هو صالحٌ لأن يخرُج به لا أنه خرَج بالفعل حتى يلزَم تحصيلُ الحاصل.

لأنه إذا خرَج بما سبق بالحقيقة، كيف تُخرجه مرة ثانية؟ المُخرَج لا يخرُج، الجالس لا يجلس .. لا يمكن أن تطلب منه اجلس.

ص: 6

ولذلك عند الأصوليين يشترطون في المكلَّف به: أن يكون معدوماً، لماذا؟ لأنه لو صلى انقطع الخطاب، لو كُلِّفت بصلاة العصر وأنت قد صليت لكان من باب تحصيل الحاصل؛ لأنها صلاة واحدة هي التي في ذمتك.

فلا بد أن يتعلق الخطاب بشيءٍ لم يوجد، اجلس. كيف اجلس وأنت جالس؟ لا يمكن أن تَمتثِل، محال هذا؛ لأن الجالس لا يجلس، كما أن القائم لا يقوم.

كذلك هنا قال: (لا أنه خرج بالفعل حتى يلزم تحصيل الحاصل).

لو خرج بقيد (الحَقِيقَةِ)، وأخرجناه كذلك بقيد (مَا هُوَ)، أو بقيد (جَوَابِ) حينئذٍ نقول: هذا من باب تحصيل الحاصل. هو خرج فكيف نُخرِجه؟

قال هنا: قولُه: (بما خَرَج به الجنس) أي: قولُه: دون الحقيقة.

أي: لأنه يقال على المختلفين بالحقيقة، كما يقال على المتفقين فيها نحو: زيدٌ وعمرو وبكر ماشون.

يعني: ماشٍ، هذا عرض عام، المقصود بالعرض العام: الذي لا يَختص.

الضحك مثلاً هذا عرض خاص يعني: لا يُوصَف به إلا الإنسان، فهو عرضٌ خاص، سيأتي تفصيله.

وأما العرض العام فهو المشترَك الذي يكون في الإنسان وفي غيره.

إذاً: إذا كان في الإنسان وفي غيره إذاً: شمِل الإنسان فزيدٌ وبكرٌ وعمروٌ وخالد .. إلى ما شاء الله ماشون، يعني: كلٌ منهما يقبل المشي لا بالفعل.

وكذلك: الفرس والبقر والدجاج يمشي.

إذاً: صدَق على متفقين في الحقيقة وهو النوع، وصدَق على مختلفين في الحقيقة.

قال: (لكن الأنسب) قال في الحاشية: شاذٌ قياساً؛ لأنه من ناسب.

ما وجهُ الشذوذ هنا "الأنسب"؟

أَفْعَلّ لا يأتي إلا من ثلاثي، وأما الرباعي فنحتاج إلى أشدِدْ أو أَشَدَّ، أشدَّ مناسبةً ونحوها.

شاذٌ قياساً لأنه من ناسَب.

قال هنا: (لكن الأنسب إخراجُه بما خرجت به الخاصة؛ لتشارُكِهِما في العرَضية).

خاصة يقسِّم البعض العرض إلى نوعين: عرض عام، وعرض خاص.

إذا عرَفت العرض بأنه ما ليس داخل الماهيّة وهو خارجٌ عنها، ثم هو قسمان:

القسم الأول: العرض العام .. ما لا يختص بفئة.

الثاني: العرض الخاص، وهو الخاص بالإنسان مثلاً، الخاص بالفرس ونحوه.

العرض الخاص هذا يسمى في الاصطلاح عندهم: الخاصة.

ولذلك قال هنا: (الأنسب إخراجُه) يعني: العرض العام (بما خرَجت به الخاصة) لماذا؟

(لتشارُكهما) العرض العام والخاصة (في العرَضية) بل الخاصة هي عرضٌ خاص.

قال: (والنوع قسمان: إضافيٌّ وهو المندرج تحت جنسٍ.

وحقيقيٌ).

(قسمان: إضافيٌ) بدل بعض من كل.

(وهو) أي: الإضافي.

(المندرِجُ) يعني: الداخل.

(تحت جنسٍ) وحينئذٍ يسمى إضافياً.

(وحقيقيٌ وهو ما ليس تحتَه جنسٌ).

حقيقي ويقال له: نوع الأنواع أيضاً، وهذا أحد الكُلِّيّات الخمس على التعيين بخلاف النوع الإضافي فليس أحدُهما على التعيين.

يعني: النوع قسمان: نوعٌ إضافيٌ، ونوع حقيقيٌ.

فالذي يراد هنا هو النوع الحقيقي الذي هو أحدُ أنواع الكُلِّيّات الخمس، وأما النوع الإضافي فهو جنس باعتبار ما فوقه أو باعتبار ما تحته.

ولذلك قال: (وهو المندرج تحت جنسٍ) إذاً: فوقه جنس.

فحينئذٍ نقول: هذا إضافي.

قال هنا: (وحقيقيٌ وهو ما ليس تحته جنسٌ).

أي: بل أفراد أو أصناف.

ص: 7

بقرينة كون الكلام في النوع الحقيقي، لكن الأَولى ما ليس تحته نوعٌ، لِصِدْق كلامه بالجنس السافل وليس نوعاً حقيقياً.

قال: (كالإنسان فبينهما عمومٌ وخصوصٌ من وجهٍ).

(بينهما) يعني: بين النوع الإضافي والنوع الحقيقي.

(عمومٌ وخصوصٌ من وجه) قلنا: هذا النوع يحتاج إلى ثلاث مواد: مادة الاجتماع، ومادة انفراد كل واحد منهما عن الآخر .. ثلاث مواد.

العموم والخصوص الوجهي يحتاج إلى مادة الاجتماع يعني: مثال يجتمعان فيه.

ومثال ينفرد أحدُهما عن الآخر.

ومثال ثالث ينفرد الآخر عن السابق. هذا الذي يحتاج.

قال: (فيجتمعان في نحو الإنسان) فالإنسان نوعٌ إضافي ونوعٌ حقيقي، ليس في وقتٍ واحد وإنما باعتبارين.

(فإنه نوعٌ إضافي لاندراجِه تحت جنسٍ وهو الحيوان) وهو كذلك.

(وحقيقي إذ ليس تحته جنسٌ) حينئذٍ اجتمع النوع الإضافي والنوع الحقيقي في الإنسان.

أولاً: كونُه إضافياً لاِندراجه تحته جنس وهو الحيوان.

كونُه حقيقياً ليس تحته جنسٌ.

قال: (وينفرد الإضافي بنحو الجسم النامي، فإن فوقه جنس وهو الجسم المطلق، وتحته جنس وهو الحيوان) فوقه جنس وتحته جنس.

إذاً: هو باعتبار ما فوقه يعتبر نوعاً، وباعتبار ما تحته يعتبر جنساً. هذا المراد.

(وينفرد الحقيقي بالماهية البسيطة كالعقل المطلق عند الحكماء على القول بنفي جنسيةِ الجوهر).

يعني: إذا قيل: الجوهر ليس هو بجنس الأجناس قالوا -على قولٍ-: العقل المطلق. يعني: غير المقيَّد، والعقول عندهم عشرة.

قال هنا: (وينفرد الحقيقي بالماهية البسيطة كالعقل المطلقِ عند الحكماء على القول بنفي جنسية الجوهر.

وأما على القول بأن الجوهر جنس له فلا ينفرد فيه النوع الحقيقي؛ لاندراجه تحت جنسٍ فهو إضافيٌ أيضاً).

قال هنا العطار: على القول بنفي جنسيةِ الجوهر وإلا لم يكن ماهيّةً بسيطة.

أي: وعلى اعتبار أن العقول العشرةَ أفرادٌ لا أنواعٌ، وإلا لكان نوعاً إضافياً أيضاً.

ثُم لا تنافي بين التمثيل بالعقل للجنس المنفرد وللنوع الحقيقي.

الجنس المنفرد فيما سبق، على قولٍ يعني.

مر معنا أن المنفرد لا مثال له .. على ما اختاره المصنف هنا ليس له مثال، لكن مثّل بعضهم بالعقل.

وللنوع الحقيقي الذي ليس فوقه جنس؛ لأن هذه أمورٌ فرضية. يعني: أمورٌ اعتبارية ذهنية.

قد يتصور البعض الفوقية والتحتية ولا يتصورها الآخر، فحينئذٍ لا مشاحَّة في هذه المسائل.

قال رحمه الله: (وَإِمَّا غَيْرُ مَقُولٍ).

(إِمَّا مَقُول)(وَإِمَّا غَيْرُ مَقُولٍ) تقابلا.

(وَإِمَّا غَيْرُ مَقُولٍ فِي جَوَابِ مَا هُوَ بَلْ مَقُولٌ فِي جَوَابِ أَيُ شَيْءٍ هُوَ فِي ذَاتِهِ).

أي: حقيقتِه، والجار "في ذاتِه" حال من هو.

(أَيُ شَيْءٍ هُوَ فِي ذَاتِهِ) كيف إعراب (فِي ذَاتِهِ)؟ جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من قوله: (هُوَ).

على التأويل أو بدونه، على الخلاف في وقوع الحال عن المبتدأ (أَيُّ شَيْءٍ هُوَ فِي ذَاتِهِ).

قال هنا: (وَإِمَّا غَيْرُ مَقُولٍ فِي جَوَابِ مَا هُوَ بَلْ مَقُولٌ فِي جَوَابِ أَيُّ شَيْءٍ هُوَ) يعني: لا يريد النفي أنه لا يُحمل لا، يُحمَل وإنما يُحمل في غير جواب ما هو، بل في جواب آخر وهو (أَيُّ شَيْءٍ هُوَ).

ص: 8

(فِي جَوَابِ أَيُ شَيْءٍ) قال العطّار: يُطلَب بأي شيءٍ ما يميِّز الشيء عن غيره.

(مَا هُوَ) يُطلَب به ما كان جزءاً من الماهيّة، هذا الأصل فيه، جزءاً من الماهيّة.

يُطلب بأي شيء ليس مطلقاً كجزء الماهيّة، إنما هو شأن الجنس وأما النوع ليس جزءاً من الماهيّة.

(بأي شيءٍ ما يميّز الشيء عن غيره بشرط: أن لا يكون تمام الماهيّة المختصة والمشترَكة، فإن قُيّد) بـ (فِي ذَاتِهِ)(أَيُ شَيْءٍ هُوَ) هذه ثلاث استعمالات.

(أَيُ شَيْءٍ) -كما يذكره المحشّي- لها ثلاث استعمالات: أيُّ شيءٍ هو؟ مطلقاً، أي شيءٍ في ذاته؟ أي شيءٍ في عرضه؟

هذه ثلاثة أسئلة عند المناطقة، أو ثلاث صور للسؤال بـ: أي شيء: إما مطلقاً "أيُّ شيءٍ هو"، وإما مقيَّداً بقوله: في ذاته، وإما مقيداً بقوله: في عرَضه.

ولذلك على جهة الإطلاق قال: يُطلب بأي شيءٍ ما يميز الشيء عن غيره بشرط: أن لا يكون تمام الماهيّة المختصة والمشترَكة.

فإن قُيّد بـ (فِي ذَاتِهِ) أو في جوهره، أو ما يجري مجراهما كان طلباً للمعيِّن الذاتي.

إما عن جميع الأغيار –المخالَفات- أو عن بعضها وهو الفصل القريب والبعيد، فيتعيَّن في الجواب أحد الفصول.

وإن قُيّشد بـ: في عرَضه كان طلباً للمعيِّن العرضي إما عن جميع الأغيار أو عن بعضها، وهو الخاصَّة المطلقة والإضافية.

فيتعين في الجواب إحدى الخواص، وإن أُطلق كان طلباً للميِّز كيفما كان فيقع في الجواب إما الفصول وإما الخواص.

حينئذٍ (أَيُ شَيْءٍ هُوَ فِي ذَاتِهِ) يقع الجواب بالفصل القريب أو البعيد، الواحد أو المتعدد؟ على خلاف.

أيُ شيءٍ هو في عرضه؟ حينئذٍ الجواب يكون بالخاصة.

أيُ شيءٍ هو؟ أطلق هنا لم يحدد في ذاته فيطلُب الفصلَ، ولا في عرضه فيطلب الخاصة. فحينئذٍ أجب بما شئت: إما بالفصل وإما بالعرض .. إما بالفصل وإما بالخاصة.

إذاً: السؤال بـ: أي شيء له ثلاث صور: إما مطلقاً (أَيُ شَيْءٍ هُوَ) فيجاب: إما بالفصول وإما بالخواص لا إشكال؛ لأنه لم يُعيَّن.

أيُ شيءٍ في ذاته؟ حدَّد هنا، في ذاته يعني: داخلاً في الماهيّة، هذا يجاب بالفصل لا بالجنس؛ لأن الجنس يقع في جواب ما هو.

حينئذٍ (أَيُ شَيْءٍ هُوَ فِي ذَاتِهِ) يجاب بالفصل.

أيُ شيءٍ هو في عرضه؟ يجاب بالخاصة. على هذا التفصيل.

قال هنا في الحاشية: اعلم أن السائل بـ: أي لم يَسأل عن تمام الماهيّة المشترَكة بين شيئين أو أكثر، وإنما يَسأل بها عن مميِّزها عما يشاركها.

هو لم يسأل عن تمام الماهيّة المشترَكة بين شيئين، الذي هو النوع إذاً، لا يكون السؤال بهذا.

أو أكثر، وإنما يسأل بها عن مميِّزها عما يشاركها، فيما يُضاف إليه لفظ أي.

فإذا قيل: الإنسان أيُّ حيوان هو؟ كان سؤالاً عن المشارِكات في الحيوان.

وإذا قيل: أيُّ موجود هو؟ كان سؤالاً عن مشارِكاتِه في الوجود.

والسؤال بأيٍّ ثلاثة أقسام:

أحدُها: ألا يزاد على (أَيُ شَيْءٍ) -يجوز أيُّ أيِّ يعني: تحكيها وتُعرِبُها- على (أَيُ شَيْءٍ هُوَ).

ثانيها: أن يزاد قوله: (فِي ذَاتِهِ).

ثالثها: أن يزاد قوله: في عرضه.

ص: 9

فإن كان الأول -أن لا يزاد على (أَيُ شَيْءٍ هُوَ) - فالجواب: ما يميِّز المسئولَ عنه مطلقاً فصلاً قريباً أو بعيداً أو خاصة .. يجاب بالفصل أو الخاصة.

وإن كان الثاني - (أَيُ شَيْءٍ هُوَ فِي ذَاتِهِ) - فالجواب بالفصل وحدَه.

وإن كان الثالث -الذي هو: أي شيءٍ في عرضه- فالجواب: الخاصة وحدها.

فقول المصنف: (فِي ذَاتِهِ) لبيان أن السؤال عن الفصل الذي الكلام فيه يُقيَّد به؛ لأنه قال: (فِي ذَاتِهِ) إذاً: السؤال هنا عن أي شيء؟ عن الفصل.

قال هنا: (فِي جَوَابِ أَيُ شَيْءٍ هُوَ فِي ذَاتِهِ) فسّره المصنف بقوله: (أي: في جوهره).

والجوهر المراد به هنا الحقيقة، في جوهره أي: ذاتِه .. أي: حقيقته .. أي ماهيته.

(وَهُوَ الَّذِي يُمَيِّزُ الشَّيْءَ) ولو في الجملة.

(عمَّا يُشَارِكُهُ فِي الجْنْسِ) ولو بعيداً.

(كَالنَّاطِقِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْإنْسَانِ، وَهُوَ) أي: المقول في جواب ذلك (الْفَصْلُ).

(وذلك لأنه إذا سُئل عن الإنسان بأي شيءٍ هو في ذاته كان الناطق جواباً عنه؛ لأنه يميِّزه عما يشاركه في الجنس) كالفرس والحمار ونحوها.

إذاً: (وَإِمَّا غَيْرُ مَقُولٍ فِي جَوَابِ مَا هُوَ بَلْ مَقُولٌ فِي جَوَابِ أَيُ شَيْءٍ هُوَ فِي ذَاتِهِ) أي: حقيقيتِه، أي: جوهرِه، أي: ماهيتِه.

(وَهُوَ) أي: هذا المذكور.

(الَّذِي يُمَيِّزُ الشَّيْءَ) ولو في الجملة.

إشارة إلى أنه لا فرق في المميِّز الذاتي بين كونه مميِّزاً للشيء عن جميع ما عداه كالناطق للإنسان، أو عن بعض من عداه كالحسَّاس والنامي له، فالحساس يميّزه عن النبات ولا يميّزه عن الحيوان، والنامي ميَّزَه عن مطلق الجسم ولم يميّزه عن النبات.

يعني: قد يُلحظ فيه من جهة دون جهة، فيكون باعتبارٍ هو مميِّز، وباعتبارٍ آخر غير مميِّز.

قال هنا: (ولو في الجملة) يعني: في بعض الأحوال.

إذا قيل: في الجملة .. بالجملة. فرقٌ بينهما.

بالجملة يعني: في جميع الصور.

في الجملة يعني: في بعضها.

(عمَّا يُشَاركُهُ فِي الجْنْسِ)(ولو بعيداً).

(كَالنَّاطِقِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْإنْسَانِ)(فإنه مميّزٌ له عما يشارِكه) يشارك ماذا؟

يشارك الإنسان أو جنس الإنسان؟ الجنس؛ لأن الإنسان يشاركه غيرُه تحت جنسه وهو الحيوان، الحيوان جنس تحتَه أنواع: الإنسان، والفرس، والبغل.

ما الذي يميِّز الإنسان عما شارَكه تحت جنسه؟ الفصل، وأما الحيوان فهو قدرٌ مشترَك.

ولذلك لا يصح التعريف، لو أراد حداً: ما الإنسان؟ قال: حيوانٌ. لا يصح، هل هو جامع؟ نعم جامِع لكنه غير مانع.

هو جامعٌ قطعاً لا يخرُج عنه فردٌ من أفراد الإنسان، لكنه غيرُ مانعٍ من دخول غير الإنسان فيه فدخل الفرس، فكيف يقال: الإنسان هو الحيوان؟ نقول: هذا التعريف فاسد؛ لأنه يُشترط في التعريف أن يكون جامعاً مانعاً، يجمع جميع الأفراد وتحقَّقَ الشرط هنا، فلا يخرج فرد من أفراد الإنسان، لكن هل هو مانع؟ الجواب: لا؛ لأنه لا يمنع غيرَه.

قال هنا: (كَالنَّاطِقِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْإنْسَانِ، وَهُوَ)(أي: المقولُ في جواب ذلك)(الْفَصْلُ).

(وذلك) تعليلٌ لما سبق (لأنه إذا سُئل عن الإنسان: بأي شيءٍ هو في ذاته؟) جاء السؤال هكذا.

ص: 10

(كان الناطق الذي هو الفصل جواباً عنه؛ لأنه) أي: الناطق (يميّزه) أي: يميِّز الإنسان (عما يشاركه في الجنس) كالبغل ونحوها.

قال: (وأراد بالنطق الصفةَ المستلزِمةَ صحةَ التمييز العقلي، والنظرَ اليقيني، والتصورَ الخيالي فهو فصلٌ للإنسان).

قيل: فقط يميزه عن الملائكة، ومن قال بأن الملائكة تنطق بهذا الاعتبار، فحينئذٍ لا يميِّزه وإنما يميّزه عن سائر البشر "يعني: غير الملائكة" إن كان المراد الموجودات فحينئذٍ إذا كانت الملائكة تنطق والجن كذلك توصف بالنطق فحينئذٍ لا يكون مميِّزاً، لكن إذا كان المراد غير الملائكة وغير الجن، فحينئذٍ صار مميزاً.

(لأنه يميزه عما يشاركه في الجنس).

قال هنا: وتبِعَ في اقتصاره في الجنس المتقدِّمِين (عمَّا يُشَاركُهُ فِي الجْنْسِ) هذا قولُ صاحب المتن، عبارتُه (وَهُوَ الَّذِي يُمَيِّزُ الشَّيْءَ عمَّا يُشَاركُهُ فِي الجْنْسِ) ما قال: أو في الوجود، قال: في الجنس فقط، اقتصر على هذه الجملة يعني لم يقل: أو في الوجود كما هو شأن المتأخرين.

(وتبِعَ) يعني الشارح لأنه هو الذي يقول: وتبِع.

(تبعَ) الماتن (في اقتصاره) واكتفائه (على قوله) في التعريف السابق (في الجنس المتقدِّمين) تبع المتقدمين.

(بناءً على أن كل ماهيّة لها فصلٌ فلها جنس) صحيح، كل ماهيّة لها فصلٌ فلها جنس؛ لأن الفصل يأتي كالمفسِّر الكاشف، فتقول: الإنسان حيوان، طيب حيوان هذا فيه إبهام يحتاج إلى كاشف، يحتاج إلى مميِّز، يحتاج إلى مفسِّر وإن كان سيسميه المصنف مفسِّراً، حينئذٍ نقول: يحتاج إلى مفسِّر، فإذا كان كذلك فحينئذٍ لا يوجد فصلٌ لماهيةٍ إلا ولها جنس.

(بناءً على أن كل ماهيّةٍ لها فصلٌ فلها جنسٌ.

وذهب المتأخِّرون) انظر! المتقدمون والمتأخرون، هذا في كل فن، ولا إشكال في هذا ولا غضاضة، وإنما ينظر الناظر في المذهبين وينظر في أدلة كلٍ منهما ويختار، لا نُكَوِّن حَمْلَة للمتأخِّرين على المتقدمين ولا العكس.

لا يأتي أنصار للمتقدمين فيرُدُّون على المتأخرين، ولا يأتي المتأخرون يردون على المتقدمين، هذا شأن العلوم، ما عدا ذلك فهو خلَل في الفن، خلل في صاحبه أنه ما أدرك العلم، لو كان مدرِكاً للعِلم لعلِم أن كل فنٍ حتى في المنْطِق هنا معنا، كم مرة مرت معنا المتقدمون والمتأخرون؟ كثير. وهذا تجده في التفسير، وتجده في الفقه، في المذاهب يقسِّمون أتباع المذاهب، بل الترجيحات المذهب كله يتغربل، المتقدمون يُفتُون على فتوى ثم يأتي المتأخِّرون يُغربَل المذهب فيُخَالَف.

فيقال: هذا حرام في المذهب القديم، وهذا حرامٌ في الجديد، ومذهب الإمام أحمد، ومتقدمون ومتوسطون ومتأخرون.

إذاً: أمر طبيعي، الذي لا يعتبره أمراً طبيعياً هذا عنده خلل في تصوُّرِه للفن يعني: فساد في التصور، هذه مشكلة، فساد التصور معناه أنه ليس من أهل العلم .. الفساد إذا وقع في التصور معناه أن الموضوعات التي حكَم عليها فاسدة، فكيف يكون من أهل العلم؟ انتبهوا لهذا لا يلتبس عليكم.

ص: 11

لأنه قد تأتي دعوات في المصطلح: المتقدمون والمتأخرون، وأحياناً نسمع حتى في التفسير تجديد التفسير، تسمع كذلك في الأصول تجديد أصول الفقه. ماذا بقي؟ كلُّ عِلمٍ يحتاج إلى تجديد، لماذا؟ لأن المتأخرين خالفوا المتقدمين. طيب ما الشأن؟ فكان ماذا؟

فانظر في قول المتقدمين وانظر في دليلهم، ليسوا معصومين لا المتقدمين ولا المتأخرين، فتنظر في دليل كل واحدٍ منهما وحينئذٍ تحصُل النتيجة.

قد يقال في المصطلح مثلاً -على جهة الخصوص- يقال: المتقدمون هم أهل الفن، نقول: نعم هم أهل الفن، ولا شك أن كلمتهم معتبرَة ومقدَّمة، لكن ما قالوه وما اصطلحوا عليه على مرتبتين، وهذا يدركه صغير طلاب العلم: أن المصطلحات التي قالها أحمد وسفيان ووكيع ويحيى وابن المبارك -إن عُدَّ منهم- حينئذٍ نقول: المصطلحات إما قد اتفقوا عليها، وإما قد اختلفوا فيها.

ما اتفقوا عليه من أندَرِ النادر أن تجد المتأخرين خالفوهم فيه .. المجمع عليه، إذا اتفقوا على شيءٍ ما، لا يكاد أن تجد مثالاً واحداً وقد يكون في النادر، وإما سبق قلم وإما فساد في التصور .. مسألة خاصة عند زيدٍ من الناس أو عند عالمٍ من الناس.

النوع الثاني: أن يكون قد اختلفوا، إذا اختلفوا حينئذٍ المتأخر ماذا يصنع؟ ينظر في الخلاف فيختار، فيعتمدُه في كتابه، إذا اعتمد في كتابه قولاً قد قال به من سبق، وخالفه غيرُه في تعريف الشاذ وتعريف المنكر، في تقسيم الحديث صحيح وحسن أو ضعيف، الحسن داخل في الصحيح أو في الضعيف .. كلها مسائل مختلف فيها.

إذا رجَّح المتأخر قولاً ما، حينئذٍ لا غضاضة في ذلك، هذا مذهبُه، رُدَّ عليه بدليل، أما تقول: لماذا خالف المتقدمين؟ أين المتقدمون هنا؟ في ذهنك أنت؛ لأنك تصورت أنهم قد اتفقوا ولم يتفقوا، وهذا شأنه.

ولذلك قيل في الاختيارات الشرعية -الحلال والحرام-: إذا اختلف الصحابة، ماذا يصنع التابعون؟ قالوا: يجب "ولا يجوز التقليد" يجب أن يُنظر في أقوالهم وتُعرض على الكتاب والسنة. هذا من؟ الصحابة، إذا اختلف أبو بكر وعمر في مسألة لا نقلِّد أبا بكر هكذا ولا نقلِّد عمر هكذا، وإنما ننظر في مستند كل منهما فنعرضه على الكتاب والسنة، فما وافق قبلناه؛ لأنهم اختلفوا.

حينئذٍ المصطلح منه ما هو متفقٌ عليه، ومنه ما هو مختلفٌ فيه، إن وقع الاتفاق هذا لا يخالِف فيه أحد؛ لأنه لا يجوز الخلاف وليس له وجود والله أعلم، لا أجزم لكن إن وُجِد فهو قليل نادر ولا يُنسب لمذهب معيَّن أو لطائفة المتأخرين، وإنما يختص بفلان دون غيره، أما منهج عام فلا .. لا يوجد.

وأما ما اختلفوا فيه فالحمد لله، من الذي يمنع الاختيار؟ لا أحد يمنع، إذا عرَّف الشافعي الشاذ بكذا وعرَّفه فلان بكذا، وهذا له استعمال خاص، وهذا له استعمال خاص فلا إشكال فيه.

ولذلك هم اختلفوا في تقسيم الحديث: مقبول ومردود، صحيح وحسن، ثم الحسن لذاته والحسن لغيره، والترمذي عندهم من المتقدمين، وما كلامُه في الحسن، هذا يدل على ماذا؟

ص: 12

مقدِّمة الإمام مسلم تدل على أنَّ بينهم خلافاً في شروط الصحيح، وإن حُكِي الإجماع مع البخاري إذا قيل: بأنه ردَّ على البخاري أو على شيخه، إذاً: فيه خلاف .. الخلاف موجود، لماذا نقول: متقدمون ومتأخرون ونجعل المسألة فصل ومعارك، ووصل إلى تبديع ونحن كذا؟ هذا كله غلط، وهذا يدل على عدم تمكُّنِه في العِلم، هذا الذي أريده.

هذا يدل على عدم تمكنه في العلم، ولو كان يدَّعي أنه متخصص في الحديث مثلاً، ثم يقول: متقدمون ومتأخرون، وهذا يجب حرقُ الكتاب ولا يُنظر في كتب ابن حجر أو الذهبي .. ! هذا يدل على أنه ما فهم المصطلح أصلاً، فلا يُحسَب على هذا الفن إلا عند الأغبياء والحمقى، وإلا من أَدرك وعلم حقيقة العِلم، ما هو العِلم؟

جميع الفنون، جميع المسائل، الحلال والحرام وغيرها، المصطلحات العُرْفية وغيرها، منه ما هو متفق عليه ومنه ما هو مختلف فيه.

أنت تنظر إلى المسألة بهذا الاعتبار، إذا قيل: ابن حجر خالَف، أول سؤال: خالَف مَن؟ خالف إجماعاً أم خالَف خِلافاً؟ ما موقفُه من الخلاف؟ انتبهوا لهذه المسألة.

هنا يقول: المتقدمون والمتأخرون. هذا سبب الخروج.

ولذلك صار عند الطلاب يقول لك: النُّخبَة مشروحة على مَنْ؟ وبعضُهم يقول: ما نقرأ النخبة، وبعضهم: ما نقرأ المُوقِظة.

وبعضهم من أنصار المتقدمين ويشرح النخبة ما أدري هل هو تلبيس أو نسف أو رد .. كيف؟ حتى ما عندهم كتب للمتقدمين، ما عندهم إلا ابن رجب العِلل فقط، فأين التصنيف وأين .. ؟

المشاريع التي تُطلَب الآن بأن يُفصَل المتأخر عن المتقدم ويُرجَع بالمصطلح إلى المتقدم، ماذا نصنع الآن؟ يعني: فساد التصور، طيب ماذا نصنع؟

معناه إذا قيل بأن المصطلح انحرَف معناه يجب أن نتوقَّف؛ لأنه ما يجوز، كيف نحكُم أن هذا القول للنبي صلى الله عليه وسلم قاله وهو ما قاله؟ معناه يجب علينا أن نقِف، فماذا نصنع؟ مشاريع ومؤتمرات واجتماعات ثُم ما رأينا شيئاً منها.

منذ عشرات السنين ما رأينا شيئاً منها، وإنما هي قُطافات تُكتب ورسائل .. إلى آخره.

هذا يدل على أن عندهم انحراف في فهم الفن أصلاً، وإلا هذا لا يقوله إنسان عقَلَ الفن بوجهه أن هذا الخلل يصادَم بمثل هذه الحرب العشواء، وإنما يُنظر في كل مسألة على حِدَة ولا يُلتبس عليك، ولذلك هجروا العراقي، والسيوطي، وابن حجر .. إلى آخره.

حتى بعضهم سمعته يقول: لا تقرأ التهذيب، ولا تهذيب التهذيب، ولا تنظر في النُّزهة، ولا في التدريب. عليك بتاريخ البخاري.

حتى لو جئنا لهذه المسألة، حثّ الطالب الذي يريد أن يدرس الحديث إلى أن يقرأ كتب المتقدمين، هذا ما يستطيع الطالب .. ما يستطيع أن يقرأ، لا بد أن يكون ثَم وسيلة.

يعني: يقرأ على ما عليه المتأخرون، وفي جملة ما اختاروه حق ولا إشكال فيه، وليس ثَم معارَضة كبرى للمتقدمين، ثم إذا برز وتكوَّن وصارت عنده أهلية أن ينظُر ويقارن بين الأقوال، فحينئذٍ يقرأ في أي كتاب، لا يقال: هذا متقدِّم وهذا متأخِّر.

ص: 13

قد تستنير بأقوال المتأخرين فيما يُشكِل عليك بأقوال المتقدمين، أناس بذلوا أوقاتَهم في العلم .. إلى آخره، وخاصة فن الحديث يحتاج إلى بذل عُمُر وإفناء الوقت كله في هذا الفن، ولا يستطيع أن يخلُص بقاعدة إلا إذا كان متبحِّراً في الفن. وجدنا الذهبي، وجدنا الِمزِّي، وجدنا كلام ابن تيمية، وجدنا ابن حجر، السيوطي، والسخاوي .. ومن بعدَهم، وجدنا لهم كلاماً يعني: يوافق ما عليه المتقدِّمون، وليس ثَم الخلاف ذاك الجوهري بينهم، وإنما هو في المصطلحات، الشاذ المنكر .. إلى آخره.

نقول: الشاذ والمنكر كلاهما ضعيف انتهينا، سميتُه شاذاً وأنت سمّيتَه منكراً هذا خلاف لفظي ليس خلافاً .. ، إذا قلت: شاذ أو منكر اختلفنا فيه، ما الذي ينبني عليه؟ قبول الحديث وردُّه؟ ما ينبني عليه، إذاً: مقبولٌ ومردود .. الحديث هكذا: إما مقبول وإما مردود.

حينئذٍ هنا يبقى النزاع فيه، فما اتفق عليه المتقدمون لا يجوز خلافه؛ لأنهم أهل الفن وهم الذين أنشئوا العلم، فيجب الوقوف عند حدِّهم.

على كلٍ هنا قال: (تبعَ في اقتصاره على قوله: في الجنس للمتقدِّمين.

بناءً على أن كل ماهيّة لها فصْلٌ فلها جنس، وذهب المتأخرون إلى زيادة: أو في الوجود).

في الجنس أو في الوجود.

قال العطار: القدماء جعلوا الفصل مميِّزاً عن المشارَكة في الجنس، حتى أن كل ما يكون له فصلٌ يكون له جنس؛ إذْ المشاركة في الوجود لا تفتقر إلى التمييز بالفصل، وإلا لزم التسلسُل؛ لأن الفصل أيضاً موجود فالتمييز عنه يحتاج لفصلٍ آخر. هذه عِلَّة المتقدمين .. أنهم اقتصروا على: في الجنس .. مشارك في الجنس، أما في الوجود فلا اعتبار له؛ لأن فَصْل كذلك موجود وحينئذٍ يحتاج الفصل إلى فصلٍ آخر فيلزم التسلسل؛ لأنه موجود فيحتاج إلى فصل آخر ليميزه عن الوجود.

إذاً: كل موجود يحتاج إلى تمييز، وهذا يلزم منه التسلسل.

لأن الفصل أيضاً موجود فالتمييز عنه يحتاج لفصلٍ آخر .. وهكذا.

(لكن لما لم يتم البرهان على انحصار الذاتي في الجنس والفصلِ بهذا المعنى، عدَل عنه الشيخ في الإشارات وتبِعَه المتأخرون) تبعه يعني: ليس هناك برهان يعني: ما اشتمل على مقدمات، الدليل موجود لكن ليس برهاناً يعني: لم يشتمل على مقدِّمات يقينية.

(على انحصار الذاتي في الجنس والفصل) قالوا: الذاتيات منحصرة في الجنس والفصل، ما دليله؟ ليس عندهم برهان، حينئذٍ يمكن الخلاف، فخالف المتأخِّرون المتقدمين.

ولذلك قال: (لكن لما لم يتم البرهان على انحصار الذاتي في الجنس والفصل بهذا المعنى، عدَل عنه الشيخ في الإشارات وتبِعَهُ المتأخِّرون).

ولذلك قال: (وذهب المتأخرون إلى زيادة: أو في الوجود) ومبنى الخلاف: أو في الوجود.

(أي: في تعريف الفصل عقِب في الجنس ليصير التعريفُ جامعاً، ومبنى الخلاف على جواز تركُّبِ الماهيّة من أمرين متساويين وعدمِه.

فمن جوَّز تركُّبَها من ذلك زاد ما ذُكِر) يعني: في الوجود (ومن لا فلا) فلا يزيد.

حينئذٍ المتقدِّمون يجوّزون أو لا؟ لا يجوِّزون، تركُّب الماهيّة من أمرين متساويين.

(على جواز تركيب يفيد أن الخلاف في الجواز العقلي، مع الاتفاق على عدم وجود ذلك).

ص: 14

يعني: هل جائزٌ عقلاً أم لا؟ حينئذٍ المسألة عقلية بحتة، يعني: لا وجود لها في الخارج. جواز تركُّب الماهيّة من أمرين متساويين، ولا شك أن الجنس لا يساوي الفصل، قطعاً هذا لا يتساويان. إذا: مختلفان.

حينئذٍ هل يجوز تركُّب الماهيّة من شيئين متساويين؟ هذا محل خلاف.

(فمن جوَّز تركُّبَها من ذلك زاد ما ذُكِر) وهم المتأخِّرون .. جوَّزوا تركُّب الماهيّة من أمرين متساويين (ومن منع فلا).

قال هنا: (وعدمِه) احتج عليه المتقدمون .. على ماذا؟ (وعدمِه على عدم تركب الماهيّة من أمرين متساويين، ومن جوّز تركبها من ذلك زاد) وهم المتأخرون (ومن لا) يعني: منَع وهم المتقدمون، احتج عليه المتقدمون -على المنع- من تركُّب الماهيّة من أمرين متساويين قالوا: لو تركَّبت من متساويين فإما أن يحتاج كلٌ منهما للآخر فيلزمه الدور، أو أحدِهما فقط فيلزم الترجيح بلا مرجِّح، أو لا يحتاج كلٌ للآخر فيلزم المحال وهو قيام الماهيّة بدون بعض أجزائها.

وأجاب المتأخرون: بأن هذه المُحالات إنما هي في الماهيّة الخارجية، أما الذهنية فلا؛ لأنها من الأمور الاعتبارية، والكلام في الثاني لا الأول.

سلّمنا مجيئه فيها "يعني: الذهنية" لكن نمنع أن هذا دورٌ رتبي، لم لا يجوز أن يكون دوراً معيّاً وهو غير محال كتوقف الجِرم عن العرض وعكسِه، والدور هذا يأتي معنا إن شاء الله.

قال هنا: (وَيُرْسَمُ) يعني: يُعرُّف الفصل (بِأَنَّهُ) أي: الفصل (كَلِّىٌّ) دخَل فيه سائر الكُلِّيّات الخمسة.

(يُقَالُ) يعني: يُحمَل.

(عَلَى الشَّيْءِ فِي جَوَابِ أَيُّ شَيْءٍ هُوَ) لك قراءتان: في جواب أيِّ .. جواب أيُّ. أيُّ على الحكاية لا بأس به يجوز، ولو جرَرته لا بأس.

(يُقَالُ عَلَى الشَّيْءِ) إنما قال: (عَلَى الشَّيْءِ) ما قال على أفراده أو على كثيرين، قال:(عَلَى الشَّيْءِ).

(إنما قال: على الشيء ليشمل الأفراد المتفقة الحقيقة كالفصل القريب، والمختلفة الحقيقة كالفصل البعيد) ولذلك قال: على الشيء.

(وإنما قال: يُقال دون مقُولٍ) هنا عدم، في السابق في الجنس والنوع قال: مقول، وهنا قال: يُقال.

(وإنما قال: يُقال دون مقول كما في سائر الكُلِّيّات لأنهم ذكروا أن الفصل عِلَّة لحِصة النوع من الجنس، فكان مظِنة أن يُتوهم أن الفصل لا يُحمَل عليه؛ لامتناع حمل العِلَّة على المعلول فصرَّح بيقال لإزالة هذا التوهُّم).

(فِي جَوَابِ أَيُّ شَيْءٍ هُوَ فِي ذَاتِهِ).

(خرَج به الجنس والنوع؛ لأنهما يقالان في جواب ما هو؟).

(خرج به) أي: بالقيد الأخير.

(الجنس والنوع؛ لأنهما يقالان في جواب ما هو؟) كما مر معنا.

قال هنا: (والعرض العام لأنه لا يقال في الجواب أصلاً كما مر).

قال: (والخاصة) يعني: خرج الخاصةُ بالرفع عطفاً على قوله: (الجنس).

خرج به الجنس، والنوع، والعرض العام، والخاصةُ. هذه أربعة أشياء، فتعيَّن الحد أن يكون للفصل.

قال: (والخاصة لأنها إنما تُميِّز الشيء في عرضه لا في ذاته).

إذاً: أورد المخرَجات على جهة الترتيب على حسب ما ذكره في النص قال: (فِي جَوَابِ أَيُّ شَيْءٍ هُوَ فِي ذَاتِهِ) خرجت هذه الأربعة الأمور.

ص: 15

قوله: (الجنس والنوع) خرج بماذا؟ بقوله: (أَيُّ شَيْءٍ) بالمضاف إليه؛ لأن الجنس والنوع يقال في جواب ما هو.

طيب. العرض العام خرَج بقوله: (جَوَابِ).

الخاصة خرجت بقوله: (فِي ذَاتِهِ) لأن الخاصة يُسأل عن: أيُّ شيء هو في عرَضه؟

إذاً: أربعة أشياء خرجت.

قوله: (لا يقال في الجواب أصلاً).

قال العطار: العرَض العام من حيث إنه عرضٌ عام لا تمييز له أصلاً، ومن حيث إنه خاصة إضافية يميِّز الماهيّةَ في الجملة.

يعني: إن قلت: إنسان ماشٍ لا شك أنه حصل تمييز، إذاً: وصفت الإنسان بكونه قابلاً للمشي.

إذاً: غير الماشي خرج، هذا فيه احتراز، لكن في الاصطلاح عندهم .. ولذلك قلت لكم فيما مضى: أنه في اللغة يقع جواباً، كيف زيدٌ؟ تقول: مريض. إذاً: يقع بالجواب، إذاً: هذا مجرد اصطلاح فقط.

قال: (والفصل قسمان: قريب وهو ما يميز الشيء عن جنسه القريب) أي: عن صاحب جنسه القريب .. على حذف المضاف أي: عن صاحب جنسه القريب. وهو المشارك له فيه، وكذا يقال فيما بعده.

قال: (ما يميِّز الشيء عن جنسه القريب كالناطق بالنسبة إلى الإنسان، وبعيد يعني: فصلٌ بعيد، وهو ما يميِّز الشيء في الجملة عن جنسه البعيد)، (في الجملة) أي: عن بعض المشارِكات.

يعني: تشاركه أفراد ونأتي بفصل ميَّز هذا المقيَّد عن بعض الأفراد دون البعض الآخر، هذا مراده بقوله:(في الجملة).

(عن جنسه البعيد كالحساس بالنسبة إلى الإنسان) هنا ميَّزه عن الجماد، لكن غير الجماد: الحيوان .. الفرس؟ حسَّاس.

إذاً: حصل به التمييز "هذا فصلٌ بعيد" حصل به التمييز عن بعض الأفراد ولو في الجملة في بعض الصور، وبعض الأفراد لا يحصل عنه التمييز. هذا مرادُه.

(كالحساس بالنسبة إلى الإنسان) فإنه ميَّزه عن الجماد، فالجماد غير حسَّاس.

وأما الفرس فلم يحصل به التمييز.

(فإن قلتَ: يلزم أن يكون الجنس فصلاً لأنه يميِّز هذا التمييز قلتُ –الشارح-: لا بُعد فيه) يعني: كون الجنس فصلاً.

(إن أتى به) أو (أُتي به) لا إشكال في ضبطهما.

(إن أَتى به) أو (أُتي به في جواب أي شيء هو في ذاته، بخلاف ما إذا أَتى به) يعني: بالجنس (في جواب ما هو فلَه اعتباران بحسب السؤال) هذا بحثٌ انفرد به المصنف، أنه يمكن أن يؤتى بالجنس ويُعامَل معاملة الفصل، حينئذٍ يكون في المعنى مساوياً للفصل، فيصير –نتيجة- يصير الجنس فصلاً، ولذلك قال:(فإن قلتَ: يلزم أن يكون الجنس فصلاً لأنه يميِّز هذا التمييز) ما دام أن فائدته هذه الفائدة إذاً: الجنس يكون فصلاً قال: (لا بُعد فيه) فليكن .. ما المانع؟

قال العطار: منشأ هذا السؤال (فإن قلتَ .. ) زيادةُ قيد في الجملة؛ لأنه قال: ما يميِّز الشيء في الجملة يعني: في بعض الأفراد دون بعض.

إذاً: جوَّزت خُلُوَّه عن بعض الأفراد "هنا محل الإشكال" جوَّزت خُلُوَّه عن بعض الأفراد فبعض الأفراد تخرُج وبعض الأفراد لا تخرُج.

منشأ هذا السؤال زيادة قيد في الجملة، وهذا الكلام للقطب في شرح الشمسية، فإنه قال: فإن قلتَ: السائلُ بأي شيءٍ هو؟ الذي يسأل: بأي شيءٍ هو؟

إن طلب مميزاً لشيءٍ عن جميع الأغيار بالجملة "يعني: لا في الجملة" بالجملة عن جميع الأغيار.

ص: 16

قال: لا يكون مثل الحساس فصلاً للإنسان؛ لأنه لا يميزه عن جميع الأغيار أو عن بعضها.

قال: (فالجنس). هنا الجملة معترِضة هذه.

إن طلب مميِّزاً لشيءٍ عن جميع الأغيار فالجنس مميزٌ للشيء عن بعضها، فيجب أن يكون صالحاً للجواب: أيُّ شيءٍ هو في ذاته؟ هذا سؤال.

فالجواب: فلا يخرُج عن الحد. يعني: عن حد الفصل.

قلتُ: لا يكفي في جواب أيُّ شيءٍ هو في جوهره "يعني: في ذاته" التمييز في الجملة. لا يكفي التمييز في الجملة.

هنا وقع خلط عند المصنف، أخذ أنه ولو في الجملة على أنها تكفي، فأخذ بعض الكلام وترك بعضاً.

قلتُ: لا يكفي في جواب أيُّ شيءٍ هو في جوهره التمييز في الجملة، بل لا بد معه من ألا يكون معه تمام المشترِك بين الشيء ونوعٍ آخر، فالجنس خارجٌ عن التعريف.

بل لا بد معه -في التمييز- من أن لا يكون معه تمام المشترك بين الشيء ونوعٍ آخر، وهذا هو الجنس. فالجنس خارجٌ عن التعريف.

قال العطار: والشارح تصرَّف في كلامه. يعني: أراد أن يختصر فحصل فيه شيءٌ من الخلط، واختار الشق الثاني من الترديد، وبنا عليه زيادة قوله سابقاً: ولو في الجملة.

واعترف بكون الجنس فصلاً في بعض الصور، ولا يتم له ذلك. لا يُسلَّم يعني: ليس بصحيح أن يكون الجنس في بعض الصور فصلاً.

إلا إذا اقتصروا على قصد التمييز في الجملة ولم يعتبروا زيادة على ذلك، مع أنهم اعتبروا كما أشار إلى ذلك القطب الرازي بقوله: بل لا بد. يعني: يكون تمام الماهيَّة.

وأشار إليه الدَّوَاني بقوله: بشرط أن لا يكون تمام الماهيّة -المختصة والمشترِكة-، فإن زيادة ذلك لإخراج النوع والجنس، فالجنس غير داخلٍ في التعريف.

إذاً: الحاصل أن كلامه هنا غير مسلَّم بأن الجنس قد يؤدي وظيفة الفصل فيكون الجنس فصلاً، لا يُسلَّم له ذلك.

ولذلك قوله هنا قال: (يلزم أن يكون الجنس فصلاً لأنه يميّز هذا التمييز قلت: لا بُعد فيه) يعني: كون الجنس فصلاً.

(إن أتى به أو أُتي به) يعني: بالجنس (فِي جَوَابِ أَيُّ شَيْءٍ هُوَ) كيف أيُّ شيءٍ هو؟ الجنس أصلاً لا يقع في هذا الجواب، وإنما يقع في جواب ما هو، وهذا تقرَّر عند عامة المناطقة.

(فِي ذَاتِهِ) بخلاف ما إذا أتى به في جواب ما هو، لو أتى به في جواب ما هو تعيَّن أن يكون جنساً، وإذا أتى به في جواب أيُّ شيءٍ هو، فحينئذٍ قال: يحتمِل أن يكون فصلاً وأن يكون جنساً، فيأتي الجنس.

فله اعتباران بحسب السؤال، ثم ثنَّى بالعرَضي فقال:(وَأَمَّا الْعَرَضِيَّ)، يأتينا بعد الصلاة إن شاء الله تعالى، والله أعلم.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين

!!!

ص: 17