المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ كتاب الطهارة (2) - شرح بلوغ المرام - عبد الكريم الخضير - جـ ٢

[عبد الكريم الخضير]

الفصل: ‌ كتاب الطهارة (2)

بلوغ المرام -‌

‌ كتاب الطهارة (2)

الشيخ/ عبد الكريم بن عبد الله الخضير

لكن الذي يهمنا هنا قوله عليه الصلاة والسلام: ((هو الطهور ماؤه))، ((هو الطهور ماؤه)): فما البحر طهور، يجوز رفع الحدث به، واستقر الإجماع على ذلك، وإن عرف عن بعض السلف المنع من التطهر به، وأنه لا يرفع الحدث، لكن الإجماع استقر على طهارة ماء البحر وأنه رافع للحدث.

ولسنا بحاجة إلى أن نترجم إلى الأربعة وابن أبي شيبة، وصححه ابن خزيمة والترمذي إلى آخره، لسنا بحاجة إلى مزيد البسط في تراجم هؤلاء الأئمة؛ فهي موجودة مدونة في كتب الإسلام.

صححه .. ، والحديث صحيح كما عرفنا، والصحيح حقيقته عند أهل العلم: ما رواه عدل تام الضبط، بسند متصل غير معلل ولا شاذ، يعني ما رواه الثقة بسند متصل، يعني عن مثله إلى النهاية من غير شذوذ ولا علة قادحة

فالأول المتصل الإسناد

بنقل عدل ضابط الفؤاد

عن مثله من غير ما شذوذ

وعلة قادحة فتوذي

فإذا توفرت هذه الشروط: عدالة الرواة وتمام ضبطهم، واتصل الإسناد، وخلى المتن من الشذوذ والعلة القادحة، خلى المتن من مخالفة من هو أحفظ وأضبط، وخلى أيضاً مما يقدح فيه من علل خفية، فإنه حينئذ يحكم له بالصحة، نعم.

الحديث الثاني:

قال المصنف -رحمه الله تعالى-: وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله تعالى عنه- أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الماء طهور لا ينجسه شيء)) [أخرجه الثلاثة وصححه أحمد].

وعن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه أنه قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم: ((إن الماء لا ينجسه شيء، إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه)) [أخرجه ابن ماجه وضعفه أبو حاتم]، وللبيهقي:((الماء طاهر إلا إن تغير ريحه أو طعمه أو لونه بنجاسة تحدث فيه)).

نعم حديث أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان الخزرجي الأنصاري الخدري المعروف بحديث بئر بضاعة، وهي بئر بالمدينة كانت في منهبط من الأرض، يقول الراوي: تلقى فيها الحيض والنتن ولحوم الكلاب.

ص: 1

سئل عنها النبي عليه الصلاة والسلام: "أنتوضأ"، وفي رواية:"أتتوضأ من بئر بضاعة؟ "، فقال عليه الصلاة والسلام:((إن الماء طهور لا ينجسه شيء)): وحديث بئر بضاعة أخرجه الثلاثة: والمراد بهم أبو داود والترمذي والنسائي، وصححه أحمد: وأما الترمذي فاقتصر على تحسينه، وصححه أيضاً النووي في المجموع، والبغوي في شرح السنة، والألباني وغيره، فالحديث -حديث بئر بضاعة- صحيح، هكذا قال الإمام أحمد فيما نقله عنه المنذري وغيره.

فالحديث صحيح، لكن قد يقول قائل: كيف يحصل أن تلقى هذه الأمور في هذا المورد الذي يحتاجه الناس، وقد نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن البراز في الموارد، بل لعن فاعل ذلك، أو نقول: بما يشبه قول الظاهرية: إن المحظور البول المباشر، والبراز المباشر، أما إلقاء النجاسات فلا بأس به، كما نقل عن الظاهرية في حديث تحريم البول في الماء الراكد، أن البول في الماء الراكد مباشرة حرام، لكن لو بال إنسان في إناء ثم صبه مقتضى مذهبهم وما ينقل عنهم أنه لا بأس به.

على كل حال البول في الموارد -موارد المياه وجميع ما يحتاجه الناس- محرم، بل من الكبائر.

ص: 2

وهنا هذه البئر في منحدر من الأرض فتلقي الرياح والسيول هذه القاذورات في هذه البئر، ولا يظن بالصحابة الذين هم أفضل الأمة، بل أفضل الخلق بعد الأنبياء أن يظن بهم هذا الظن السيئ، بل قال الخطابي وغيره: إنه لا يظن بذمي ولا بمشرك أن يفعل مثل هذا، فضلاً عن أفضل الناس، وأورع الناس، وأتقى الناس لله، وأخشاهم له، فهذه البئر كانت في منخفض من الأرض، يلقي الناس زبلهم قريباً منها، ثم تأتي هذه الرياح والسيول والأمطار فتجترف هذه القاذورات فتقع في هذه البئر، لما سئل عن هذا الماء الذي تقع فيه هذه النجاسات أجاب عليه الصلاة والسلام بالجواب العام الذي يشمل هذه البئر وغيرها:((إن الماء طهور لا ينجسه شيء)) ((إن الماء طهور)): جنس الماء طهور لا ينجسه شيء، الاستثناء الوارد في حديث أبي أمامة:((إلا ما غلب على ريحه أو لونه وطعمه)((إلا أن تغير ريحه أو طعمه أو لونه بنجاسة تحدث فيه))، هذا الاستثناء ضعيف باتفاق الحفاظ، لكن حكمه متفق عليه -مجمع عليه- فقوله عليه الصلاة والسلام:((إن الماء طهور لا ينجسه شيء)) مخصوص بالتغير -تغير اللون والطعم والرائحة- فإذا تغير لون الماء أو طعمه أو رائحته بسبب نجاسة ألقيت فيه، لا بسبب طول مكثه، كالآجن، الآجن المتغير بالمكث، يجوز التطهر به، ولم يعرف الخلاف فيه إلا عن ابن سيرين فقد كرهه.

أما المتغير بلون النجاسة أو طعمها أو ريحها من جراء إلقاء هذه النجاسة أو وقوعها فيه من غير قصد فإنه لا يرفع الحدث ولا يزول النجس، بل هو نجس اتفاقاً.

فالحجة على تنجيسه -كما يقول أهل العلم- الإجماع، وليس الاستثناء الوارد في حديث أبي أمامة المخرج عند ابن ماجه والبيهقي وغيرهما.

حديث أبي أمامة ضعفه أبو حاتم بسبب تفرد رشدين بن سعد بروايته وهو ضعيف، قال أبو حاتم: رشدين بن سعد ليس بالقوي والصحيح أنه مرسل، في رواية البيهقي بقية بن الوليد وهو شديد التدليس وقد عنعن.

على كل حال الاستثناء ضعيف باتفاق الحفاظ، وأما أصل الحديث حديث بئر بضاعة فهو صحيح.

ص: 3

((الماء طهور لا ينجسه شيء)): يستدل به مالك ومن يقول بقوله أن الأصل في الماء أنه طاهر إلا إن تغير، ويستوي في ذلك القليل والكثير، يستوي في ذلك القليل والكثير، وأن التفريق بين القليل والكثير -على ما سيأتي في حديث ابن عمر حديث القلتين- لا ينهض لمعارضة هذا الحديث، حتى عند من صححه، فالماء الأصل فيه الطهارة إلا إن تغير وهو قول مالك، ويرجحه شيخ الإسلام ابن تيمية وكثير من المحققين بخلاف قول أبي حنيفة والشافعي، وأحمد، وأنهم يفرقون بين القليل والكثير، وكل على مذهبه في التفريق، فمن اعتمد حديث القلتين قال: الفرق بلوغ القلتين، فالذي يبلغ القلتين لا يحمل الخبث، فلا ينجس إلا بالتغير، والذي لا يبلغ القلتين بل ينقص عنهما فإنه ينجس بمجرد ملاقاة النجاسة ولو لم يتغير، وهذا المعروف عند الشافعية والحنابلة، وأما عند الحنفية فالإمام أبو حنيفة يرى أن القليل هو الذي إذا حرك طرفه تحرك طرفه الآخر، وصاحباه يرون أن القليل ما لم يبلغ العشرة -عشرة أذرع في عشرة- وهذا تفصيله موجود في كتب الشروح وكتب الفقه.

ص: 4

الغزالي في الإحياء تمنى أن لو كان مذهب الإمام الشافعي مثل مذهب مالك، وأن الماء لا يحكم بنجاسته إلا إذا تغير؛ وهذا سببه التقليد، وإلا فما الذي يمنع الغزالي أن يرجح مذهب مالك ويسلم، لا شك أنه لزم على أقوال الأئمة بسبب التفريق بين القليل والكثير، نشأ حرج كبير وفروع في كتب الفقه، هي عن يسر الشريعة وسماحتها بمعزل، ولا شك أن الأئمة عمدتهم في ذلك النصوص، وهم بأفهامهم وما يؤديه إليه اجتهادهم مطالبون، ولا يلزمون باجتهاد غيرهم، لكن إذا ترتب على القول بالتفريق بين الكثير والقليل كما قال النووي في المجموع: أنه لو وجد ماء قدره قلتان في إناء كبير يسع خمس قرب، خمسمائة رطل، لا تنقص ولا رطل واحد، لو أخذ منه بذنوب أو دلو أو بإناء بحيث ينقص عن القلتين، نفترض أن هذا الماء في إناء كبير في خمس قرب، ثم وقعت فيه نجاسة، ولم تغير لا لونه ولا طعمه ولا ريحه، هذا على مقتضى مذهبهم طاهر وإلا نجس؟ طاهر، طاهر؛ لأنه بلغ القلتين، لكن لو أخذت من هذا الماء بذنوب بعد أن وقعت فيه النجاسة وحكمت بطهارته فالذي في داخل الدلو طاهر، والذي يسقط من خارجه نجس.

لهم على قولهم تفريع، تفاريع ومسائل يصعب حصرها ويعسر فهمها ويشق تطبيقها، ولذا تمنى الغزالي أن لو كان مذهب الإمام الشافعي مثل مذهب مالك، والذي جره إلى هذا التمني هو كونه مقلداً، وإلا لو نظر في الأدلة ورجح ما أداه إليه اجتهاده انتهى الإشكال.

الغزالي ما تمنى أن يكون الراجح -القول الراجح- من حيث الدليل قول مالك، تمنى أن الشافعي رجح القول الثاني؛ لأنه مقلد.

ص: 5

على كل حال هذه الأقوال باختصار، وقول مالك رجحه كثير من أهل التحقيق، وأن الماء لا ينجس إلا بالتغير، وأن عمدته في ذلك الإجماع الذي لا بد أن يعتمد على دليل ولو لم يبلغنا، وأن الزيادة الواردة في حديث أبي أمامة ضعيفة باتفاق الحفاظ، لكن قد يقول قائل: لماذا لا نستدل على ثبوت هذا الاستثناء وهذه الزيادة بالإجماع؟ كما قال بعضهم: إن عمل العالم على مقتضى حديث تصحيح لهذا الحديث، أو فتواه بمقتضى حديث تصحيح له، نقول: لا يلزم، لا يلزم إذا أفتى العالم بمضمون حديث أن يكون هذا الحديث صحيح عنده، قد يكون الحكم ثبت عنده بهذا الحديث وبغيره لا بمفرده، لا بمفرده، وأنتم تعرفون مسألة التصحيح والتحسين بالطرق.

ضعفه أبو حاتم: حقيقة الضعيف وتعريفه أنه ما اختل فيه شرط من شروط القبول -شروط القبول الستة المعروفة-: ضعف الرواة، انقطاع الأسانيد، الضعف ويكون باختلال الضبط، أو باختلال العدالة، انقطاع الأسانيد، اشتمال المتن على علة قادحة، أو على شذوذ ومخالفة، وعدم الجابر عند الحاجة إليه -عدم الجابر- فهذه حقيقة الضعيف، ولا نحتاج أن نقول: ما لم يبلغ درجة الصحيح والحسن، كما قال ابن الصلاح؛ لأنه إذا لم يبلغ درجة الحسن فإنه عن درجة الصحيح أقصر، والمسألة معروفة في تعريفه الكلام الطويل، والردود على ابن الصلاح والمناقشات، لكن ليس هذا محل بسطها، لكن الحديث الذي تخلف فيه شرط من شروط القبول ضعيف عند أهل العلم.

حديث ابن عمر.

وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله -صلى عليه وسلم-: ((إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث)) وفي لفظ: ((لم ينجس)) [أخرجه الأربعة، وصححه ابن خزيمة، والحاكم وابن حبان].

ص: 6

نعم حديث ابن عمر المعروف بحديث القلتين اختلف فيه أهل العلم اختلافاً كبيراً، وجاءت الأقوال فيه متباينة، فمن مصحح ومحسن ومضعف، من صححه أشكل عليه العمل به، بعض من صححه أشكل عليه العمل به، كشيخ الإسلام رحمه الله، ومن ضعفه -وهم جمع غفير من أهل العلم- ضعفوه بالاضطراب -بالاضطراب في سنده ومتنه- لكن أمكن الترجيح بين ألفاظه، وإذا أمكن الترجيح كما هو معلوم انتفى الاضطراب؛ لأن المضطرب هو: الحديث الذي يروى على أوجه مختلفة متساوية، فالحديث الذي يروى على وجه واحد ليس بمضطرب، الحديث الذي يروى على أوجه -أكثر من وجه- وتكون هذه الأوجه متفقة لا مختلفة لا اضطراب به، الحديث الذي يروى على أوجه مختلفة، لكنها غير متساوية يمكن ترجيح بعضها على بعض لا اضطراب فيها، فإذا أمكن ترجيح بعض الأوجه وبعض الألفاظ على بعضها ينتفي الاضطراب، وإلا فمتن الحديث جاء بلفظ القلتين، وجاء بلفظ القلة الواحدة، وجاء بقلتين أو ثلاث، وجاء في لفظ أربعين قلة، لكن الراجح من هذه الألفاظ القلتين، لفظ القلتين هو الراجح فانتفى اضطرابه، ولذا صححه جمع غفير من أهل العلم، ومن يقول بالتفريق بين القليل والكثير لا إشكال عنده، وعرفنا أنه عمدة الشافعية والحنابلة في جعل القلتين الحد الفاصل.

شيخ الإسلام يصحح الحديث، ولا يفرق بين القليل والكثير على ما مضى، سبقت الإشارة إلى قوله رحمه الله وأن قوله قول مالك، كيف يصنع بحديث القلتين بعد أن صححه؟!

ص: 7

يعمل بمنطوق الحديث ولا يعمل بمفهومه بل يلغي مفهومه لمعارضة هذا المفهوم منطوق حديث أبي سعيد؛ لأنه إذا تعارض المنطوق مع المفهوم قدم المنطوق، منطوق حديث أبي سعيد:((إن الماء طهور لا ينجسه شيء)) معارض بمفهوم حديث ((إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث)) فهذا المفهوم معارض بمنطوق حديث أبي سعيد، وشيخ الإسلام يميل إلى أن المفهوم ملغى، وحينئذ لا تعارض، ولا شك أن المفهوم معتبر، كما هو الأصل، لكن شريطة ألا يعارض هذا المفهوم بمنطوق، فالمفاهيم معتبرة، سواءً كانت مفاهيم أعداد أو غيرها، ففي مثل قوله تعالى:{اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ} [(80) سورة التوبة]، مفهومه أنه لو استغفر لهم واحد وسبعين أو خمسة وسبعين أو مائة أو ألف أنه يغفر لهم، لكن العدد لا مفهوم له، لماذا؟ لأنه معارض بمثل قوله تعالى عن المنافقين أنهم {فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ} [(145) سورة النساء]، هذا حكم جازم قاطع؛ لأنهم لا يغفر لهم، وأن كفرهم كفراً أكبر مخرج عن الملة، كما ذكره أهل العلم في أنواع الكفر الأربعة المخرجة عن الملة.

فألغي المفهوم لمعارضة للمنطوق، وإلا فالأصل أن الكلام معتبر منطوقه ومفهومه.

الذي يضعف الحديث ولا يقول بالتفريق لا إشكال عنده، لكن الإشكال فيمن يصحح الحديث كشيخ الإسلام ولا يقول بالتفريق، فالذي يصححه ويقول بالفرق بين القليل والكثير لا إشكال عنده، والذي يضعفه أيضاً ولا يقول بالتفريق لا إشكال عنده، المشكل في مثل قول شيخ الإسلام وقد خرج -رحمة الله عليه- من هذا الإشكال بإلغاء المفهوم نعم.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب)) [أخرجه مسلم]، وللبخاري:((لا يبولنَّ أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري، ثم يغتسل فيه))، ولمسلم:((منه))، ولأبي داود:((ولا يغتسل فيه من الجنابة)).

ص: 8

حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب)) [أخرجه مسلم]، وللبخاري:((لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري، ثم يغتسل فيه))، ولمسلم:((يغتسل منه))، ولأبي داود:((ولا يغتسل فيه من الجنابة)).

((لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم)): أي الراكد الساكن، وإن كان لفظ الدائم من الأضداد، لأنه يطلق الدائم على الساكن، ويطلق على المتحرك الدائر، جاء في كتب الأضداد: في رأسه دوام أي: دوران وحركة، اضطراب.

((وهو جنب)): هذه الجملة حالية، حال كونه جنب.

((لا يغتسل أحدكم)): ففي الحديث النهي والأصل في النهي التحريم، ((في الماء الدائم)) حال كونه جنباً.

ويستدل به من يرى أن الماء يتأثر إذا رفع به الحدث، وهو مقتضى قول من يفرق ويقسم المياه إلى ثلاثة أنواع: طهور، وطاهر، ونجس، طهور، وطاهر، ونجس، يقول: هذا الماء الذي رفع به الحدث انتقل من كونه طهوراً مطهراً إلى كونه طاهراً فقط، ليس بنجس، لكنه لا يرفع الحدث.

وعند الحنفية في قول لهم أنه ينجس، فالماء الذي يغتسل فيه الجنب نجس، والصحيح أنه طاهر مطهر، وأن استعماله لا يؤثر فيه، والنهي عن الاغتسال فيه؛ لئلا يقذره على غيره، لئلا يصرف الناس عن استعماله، لاغتساله فيه؛ لأن الناس إذا رأوا شخصاً انغمس في هذا الماء تركوه، وعلى هذا يفسده عليهم.

وللبخاري: ((لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري، ثم يغتسل فيه)): ثم يغتسلُ، أو ثم يغتسلْ، أو ثم يغتسلَ، فقد ضبط بالرفع، والنصب، والجزم، أما الجزم فعطفاً على لا يبولن؛ لأن (لا) ناهية، يبولن: فعل مضارع مجزوم مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد، ثم يغتسلُ فعل مضارع هو وفاعله خبر لمبتدأ محذوف تقديره هو، ثم هو يغتسلُ، وأما النصب فعلى إضمار (أن) إلحاقاً لثم بالواو، إلحاقاً لثم بالواو، ومعروف أن (أن) تضمر بعد الواو وينصب بها الفعل.

((لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري)): تحدد المراد من الدائم، وأن المراد به الساكن.

ص: 9

((ثم يغتسل فيه)): ففي الحديث الأول -الرواية الأولى- فيها النهي عن الاغتسال بمفرده، في الرواية الثانية النهي عن البول بمفرده، أو مضموماً إليه الاغتسال.

والنهي عن البول في الماء الدائم جاءت في أحاديث أخرى، على أي أوجه الضبط السابقة يحصل النهي عن البول وحده والاغتسال وحده نعم؟

طالب:. . . . . . . . .

الجزم، ((ثم يغتسلْ)((لا يبولن .. )) ((ثم يغتسلْ))؟ نعم؟

طالب:. . . . . . . . .

الآن الحديث يدلنا على النهي عن البول بمفرده، والاغتسال بمفرده؟ أو هما معاً من باب أولى؟ أو لا يدل إلا على الجمع؟ نعم؟

طالب:. . . . . . . . .

الرواية الأولى تدل على النهي عن الاغتسال بمفرده، الرواية الأولى تدل على النهي عن الاغتسال بمفرده، والثانية فيها الاغتسال وفيها البول، وعرفنا أن يغتسل ضبط على أوجه ثلاثة هاه؟

طالب:. . . . . . . . .

أما على رواية النصب فإنها لا تدل إلا على الجمع بينهما؛ لأن (ثم) نزلت منزلة الواو، والواو للجمع.

على رواية الضم ((ثم يغتسلُ .. )): يعني ثم هو يغتسلُ، هاه؟

طالب:. . . . . . . . .

بعض الشراح يرى أنها تدل على النهي عن الاغتسال بمفرده كما أنه تقدم النهي عن البول بمفرده، وإن كان الذي حققه الشارح أنها بجميع الأوجه التي ذكرت إنما تدل على الجمع بينهما، تدل على الجمع بينهما، وأما النهي عن البول وحده دلت عليه الأحاديث، والنهي عن الاغتسال وحده فدل عليه اللفظ الأول.

((ثم يغتسلُ فيه)): يعني ينغمس فيه.

ولمسلم: ((منه)): يغتسل منه،، ولأبي داود:((ولا يغتسل فيه من الجنابة)): عندك ماء راكد ساكن، وأنت جنب ماذا تصنع؟ لأن الحديث بجميع ألفاظه يضيق الاستفادة من هذا الماء حتى قال من قرب من أهل الظاهر: إنك تتحايل على هذا الماء، فتلقي فيه حجراً أو خشبه فتجعله يتحرك ثم تنغمس فيه، هذا قريب جداً من مذهب الظاهرية، نعم؟

طالب:. . . . . . . . .

نغرف؟

طالب:. . . . . . . . .

ص: 10

نغرف؟ ولمسلم: ((منه))؟! ولمسلم: ((منه)): فيغتسل فيه، يعني لا ينغمس فيه، لمسلم:((منه)): أبو هريرة سئل كيف يصنع الجنب؟ قال: "يتناول تناولاً": يعني يأخذ منه بإناء، ويغترف منه بإناء فيغتسل، فدل على أن كلمة (منه) من تصرف بعض الرواة، وأن المنهي عنه الاغتماس فيه، وأما الاغتراف منه والتناول منه لا شيء فيه، هذا هو الحل ولا إشكال فيه.

ولأبي داود: ((ولا يغتسل فيه من الجنابة)): الرواية الأولى وهو جنب .. ، نعم؟

طالب:. . . . . . . . .

لا عندهم، ما يصير، لو صار متحركاً ولو بإلقاء خشبة أو حصاة، انتهى عندهم، ارتفع الوصف، وهو كونه دائماً، ساكناً، راكداً، نعم.

في الرواية الأولى: ((وهو جنب)): في الرواية الأخيرة: ((فيه من الجنابة)): يستدل به من يرى أنه يوجد فرق بين أن ينغمس الإنسان وهو جنب، وبين أن ينغمس للتنظف والتبرد، فإذا انغمس وهو جنب أثر في الماء، فإذا انغمس للتبرد فإنه لا يؤثر فيه، من مقتضى قوله:((وهو جنب)): والحال أنه جنب، ((ولا يغتسل فيه من الجنابة)): مفهومه أنه يغتسل فيه إذا لم يكن عليه جنابة، وهذا ظاهر، لكن هل وجه التفريق بين الجنب وغيره أن الجنب يرفع به الحدث؟ وإذا قلنا: هذا هو السبب، فهل يرتفع الحدث أو لا يرتفع إذا انغمس؟

الشافعية والحنابلة متفقون على أن الماء إذا كان أقل من قلتين وانغمس فيه الجنب أنه يصير طاهراً غير مطهر، لكنهم يختلفون هل يرتفع حدث هذا الذي انغمس أو لا يرتفع؟

عند الشافعية يرتفع، وأنه ما صار مستعملاً حتى ارتفع به الحدث، والحنابلة يقولون: لا يرتفع حدثه، لماذا؟ لأنه صار مستعملاً بملاقاة أول جزء من البدن، أول جزء من البدن، نفترض أن الإنسان غمس رأسه أو رجليه قبل رأسه، صار الماء مستعملاً بمجرد غمس هذا العضو، وحينئذ لا يرتفع الحدث عن بقية الأعضاء، فعند الحنابلة لا رفع حدثاً ولن يرفع حدثاً؛ صار مستعملاً بمجرد ملاقاة أول جزء من البدن، ومذهب الشافعية لا شك أنه أقعد عند من يقول بأنه ينتقل، يعني عند من يفرق بين الطاهر والطهور.

هذا يسأل وهو سؤال له وجه: يقول: كيف يقول الأحناف: إن الماء ينجس والجنابة أصلاً طاهرة عندهم وعند غيرهم من حديث عائشة؟

ص: 11

الأحناف حينما يقولون: إن الاغتسال -اغتسال الجنب- في الماء ينجسه؛ لأن الاغتسال قرن بالبول، والبول منجس إذن الاغتسال منجس، ولا شك أن هذا استدلال بدلالة الاقتران، ودلالة الاقتران كما هو معروف عند أهل العلم ضعيفة، فهم يقولون: ما دام البول ينجس إذن الاغتسال ينجس.

هنا مسألة -لعلكم تراجعونها في قواعد ابن رجب- وهي الماء الجاري هل هو مثل الماء الراكد أو كل جرية لها حكم الماء المنفصل؟

لا نطيل بشرحها وتقريرها فارجعوا إليها بصورها عنده، الأسئلة كثرة الآن ما عاد وقت للأسئلة، كثرت كثرة، نعم؟

طالب:. . . . . . . . .

أقول: لعل الأسئلة تكون قبل حضور بعض الأخوة في بداية الدرس القادم، قبل حضور بعض الإخوان.

الحديث الذي يليه؛ نريد أن نسدد ونقارب؛ لأنه في طلبات من بعض الأخوة -بل منهم من تتعين إجابته- أن يقتصر على القول الراجح دون ذكر خلاف واستطراد، إي نعم.

على كل حال عرفنا أن أهم المسائل هنا مسألة تقسيم الماء إلى أقسام ثلاثة: طهور وطاهر ونجس عند الجمهور، وعند مالك هما اثنان، هما قسمان فقط: طاهر ونجس، وزاد بعضهم كابن رزين أو .. ، نعم كابن رزين من الحنابلة: المشكوك فيه، على كل حال التقسيم هذا مثلما أسلفنا يوقع في إشكالات وتفريعات، وقد ألمحنا إلى شيء من هذا الإشكال، مع التمثيل له.

وشيخ الإسلام رحمه الله يرجح أن الماء إما أن يكون طاهراً يشرب ويرفع به الحدث، أو نجس ولا ثالث لهما كقول مالك.

عرفنا أيضاً أن هناك من يفرق بين القليل والكثير، فالقليل تؤثر فيه النجاسة، وهو قول الأكثر أيضاً، والكثير لا تؤثر فيه إلا إذا تغير، هذه أشهر ما مر عندنا نعم.

وعن رجل صحب النبي صلى الله عليه وسلم قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تغتسل المرأة بفضل الرجل، أو الرجل بفضل المرأة، وليغترفا جميعا"[أخرجه أبو داود والنسائي، وإسناده صحيح].

وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغتسل بفضل ميمونة رضي الله عنها[أخرجه مسلم].

ولأصحاب السنن: اغتسل بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في جفنه، فجاء يغتسل منها فقالت: إني كنت جنباً، فقال:((إن الماء لا يجنب)) [وصححه الترمذي وابن خزيمة].

ص: 12

نعم.

عن رجل صحب النبي –عليه الصلاة والسلام قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تغتسل المرأة بفضل الرجل، أو الرجل بفضل المرأة، وليغترفا جميعا"[خرجه أبو داود والنسائي، وإسناده صحيح].

خلاصة القول أنه صحيح، وإن كان مقتضى كلام البيهقي أنه مرسل؛ لعدم تسمية الصحابي، لكن المعتمد عند أهل العلم قاطبة أن جهالة الصحابي لا تضر، فالخبر متصل وليس بمرسل، خلافاً لما ذكره البيهقي، فالحديث صحيح.

"نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تغتسل المرأة: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا قال الصحابي: "نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أمرنا رسول الله، أو قال" أُمرنا، أو نُهينا، أو قال النبي عليه الصلاة والسلام:((أمرت أن أسجد على سبعة أعظم))، ((نهيت عن قتل المصلين)) بالنسبة لقوله عليه الصلاة والسلام:((أُمرت)) أو ((نُهيت))، الآمر والناهي هو الله سبحانه وتعالى هو الله سبحانه وتعالى.

في قول الصحابي: "أمرنا" أو "نهينا"، الآمر والناهي هو من له الأمر والنهي وهو النبي عليه الصلاة والسلام، فهو مرفوع خلافاً لمن زعم أنه موقوف كأبي بكر الإسماعيلي، وأبي الحسن الكرخي، وجمع من أهل العلم قالوا: إنه لا يحكم له بالرفع حتى يصرح الصحابي بالآمر والناهي لاحتمال أن يكون الآمر والناهي غير النبي عليه الصلاة والسلام، كقول أم عطية:"أمرنا بإخراج العواتق والحيض"، وقولها:"نهينا عن اتباع الجنائز".

إذا صرح الصحابي بالآمر والناهي -كما هنا- لا إشكال في كونه مرفوعاً، بل هو مرفوع صراحة اتفاقاً، لكن إذا قال الصحابي: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تغتسل المرأة، هل هو في القوة بمثابة قوله عليه الصلاة والسلام:((لا تغتسل المرأة بفضل الرجل)) أو أقل؟ نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أيهما أقوى؟

طالب: الثاني.

نعم؟

طالب: الثاني.

لكن هل نفهم أن الرسول عليه الصلاة والسلام نهى، وإلا ما نفهم، إذا قال الصحابي نهى أو أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

ص: 13

جمهور أهل العلم على أنه لا فرق بين أن يقول الصحابي: نهى -أن يذكر النهي الصريح من لفظه عليه الصلاة والسلام، أو يعبر عن هذا النهي كما هنا، لا فرق، خالف في هذا داود الظاهري وبعض المتكلمين قالوا: ليس بحجة أصلاً، حتى ينقل لنا اللفظ النبوي؛ لأن الصحابي قد يسمع كلام يظنه أمراً أو نهياً، وهو في الحقيقة ليس بأمر ولا نهي، نقول: إذا كان الصحابة -رضوان الله عليهم- لا يعرفون مدلولات الألفاظ الشرعية والنصوص من يعرفها؟

فالمرجح عند أهل العلم أن قول الصحابي: "نهى رسول الله، مثل قوله: لا تفعل.

نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تغتسل المرأة بفضل الرجل، أو الرجل بفضل المرأة، وليغترفا جميعاً" [أخرجه أبو داود]: الحديث صحيح، خلاصة القول فيه أنه صحيح، أعله بعضهم لكنه لم يستند على حجة يعتد بها، قال الحافظ في الفتح: رجاله ثقات، ولم أقف لمن أعله على حجة قوية.

"نهى أن تغتسل المرأة بفضل الرجل": مقتضى الحديث أن خلوة الرجل بالماء مؤثرة، وأنه لا يجوز للمرأة أن تغتسل بفضل مائه، لكن هل للرجل أن يغتسل بفضل ماء الرجل؟ مفهوم الحديث؟ نعم.

الشق الثاني من الحديث: "نهى أن يغتسل الرجل بفضل المرأة": لكن هل للمرأة أن تغتسل بفضل المرأة؟ مقتضى الحديث ومفهومه نعم.

إذا كان للرجل أن يغتسل بفضل الرجل، وللمرأة أن تغتسل بفضل المرأة، فهل لخلوة المرأة أو لخلوة الرجل أثر على الماء؟ نعم؟ لا أثر له، لا أثر له على الماء، وبهذا نعرف ضعف قول من يقول: إنه لا يرتفع حدث الرجل إذا توضأ بماء خلت به المرأة لطهارة كاملة، والحديث كما ترون جاء بمنع الرجل كما جاء بمنع المرأة من الوضوء بفضل الرجل.

والعجب أن بعض أهل العلم يعمل بالشق الثاني، ولا يعمل بالشق الأول، وإذا صح الخبر فنقول: إن النهي هنا للتنزيه؛ لما يعارضه من الأدلة التي صحت في وضوئه عليه الصلاة والسلام بفضل بعض أزواجه، على ما سيأتي، فالنهي هنا للتنزيه.

"وليغترفا جميعاً": نعم؟

طالب:. . . . . . . . .

كيف؟

طالب:. . . . . . . . .

الرجل (أل) الجنسية، الأصل فيها الجنس، هذا الأصل، أي امرأة لا تغتسل بفضل أي رجل، والعكس، هذا الأصل فيه الجنس.

ص: 14

لكن قوله: ((وليغترفا جميعاً)): نعم يدل على أن المراد بذلك الزوجين، وإلا فالأصل في الرجل أنه جنس.

أقول: من العجب أن يأتي الحديث بهذا السياق ويستدل به من يرى أن الرجل لا يجوز له أن يتوضأ بفضل المرأة، وأن خلوة المرأة لطهارة كاملة تؤثر في الماء، وأنه لا يرفع الحدث، ولا يقول بالعكس، مع أن الحديث سياقه واحد، فإن حمل النهي هنا على التحريم وأنه لتأثير خلوة أحدهما بالماء، فليقل بالشقين، أما أن يقول بالشق الثاني، ولا يقول بالشق الأول هذا تحكم، وعلى كل حال النهي هنا للتنزيه، النهي هنا للتنزيه.

في الحديث الذي يليه: عن ابن عباس أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يغتسل بفضل ميمونة رضي الله عنها[أخرجه مسلم]: أعله بعضهم بقول عمرو بن دينار في الصحيح -في صحيح مسلم-: وعلمي والذي يخطر على بالي أن أبا الشعثاء أخبرني، على كل حال له غير هذا الطريق، هو مروي من طرق في صحيح مسلم، وتخريج مسلم له يدل على صحته، تخريج الإمام مسلم .. ، فالعلة عليلة -التي أعلَّ بها-.

حديث ابن عباس: أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يغتسل بفضل ميمونة [خرجه مسلم]: وهذا يرد على من يرى أن الماء إذا خلت به المرأة للطهارة الكاملة أنه يتأثر، وينتقل من كونه طهوراً إلى كونه طاهراً غير مطهر؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يغتسل بفضل ميمونة.

ولأصحاب "السنن": "اغتسل بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في جفنة: في إناء فجاء يغتسل منها، فقالت: إني كنت جنباً، فقال:((إن الماء لا يجنَب: أو لا يَجْنُب أو لا يُجنِب)[خرجه أصحاب السنن الأربعة أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، وصححه الترمذي وابن خزيمة والحاكم والألباني وغيره فالحديث صحيح].

بهذا يدل على أن النهي الوارد في الحديث السابق أنه للتنزيه، وليس للتحريم، وأنه لا أثر لخلوة أحد الجنسين بالماء، بل الماء باق على طهوريته وأنه يرفع الحديث.

حديث الكلب طويل شوية، حديث تطهير ما ولغ فيه الكلب طويل، وانتهى الوقت الظاهر.

والله أعلم وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

ص: 15

حديث أبي هريرة: ((هو الطهور ماؤه)) إذا قلنا: إن المقصود بالحديث هو المكان وليس ماء البحر، فإذا أخذنا من ماء البحر في جوالين، وجراكل هل ترفع الخبث وتزيل النجاسة؟ يعني هل يثبت لها الطهورية المنصوص عليها في الحديث؟

لا شك أن الأصل في البحر المجموع من الماء ووعائه وظرفه، والعلماء حينما قالوا: إن المقصود بالبحر في هذا الحديث على وجه الخصوص المكان؛ لكي يستقيم الكلام، فإذا قدرنا مكان البحر الماء، وقلنا: ماء البحر هو الطهور ماؤه، ماء البحر هو الطهور ماؤه، يستقيم الكلام أو لا يستقيم؟ لا يستقيم، وإذا قلنا: المكان، المكان والظرف الذي يحوي هذا الماء ما حواه من الماء هو الطهور، فمكان البحر هو الطهور ماؤه.

لو افترضنا أن هذا الإناء وفيه الماء، كأس وفيه ماء، وقلنا: ما بين أيدينا هذا هو الطهور ماؤه، هل نقصد بمرجع الضمير الماء نفسه؟ الماء هو الطهور ماؤه؟ نفس الشيء، لا يستقيم الكلام، وإذا أعدنا الضمير على الظرف الذي هو الكأس، الكأس هو الطهور ماؤه يعني الماء الذي حل فيه.

ونأتي إلى السؤال، وهو يستشكل يقول: إذا كان المقصود هو المكان فلم يكن سياق الحديث على هذه الصفة، ما قيل: مكان البحر هو الطهور، لنخرج الماء، فاعل المصدر، الطهور الماء، وتقدير المكان من أجل سبك الكلام على وجه يصح، فالمقصود بالحديث هو الماء بلا شك، ولذا أفصح عنه في الحديث نفسه فقال:((هو الطهور ماؤه)) ((هو الطهور .. )): إذا قلت: زيد القائم أبوه، أو رأيت زيداً القائمَ أبوه، نعم، من القائم؟ زيد؟ نعم؟ وإن كان الموصوف بالقيام هو زيد، لكن القيام والحدث إنما قامه الأب، وهذا يقال له النعت الأيش؟ الحقيقي؟ أو السببي؟

ص: 16

نعت سببي وليس بحقيقي؛ لأنه ليس وصفاً للمنعوت، رأيت زيداً القائم أبوه، القائم بلا شك من الناحية الإعرابية وصف لزيد، ونعت لزيد، لكن ليس هو القائم بالفعل، القائم أبوه، وهنا حينما نخبر عن مكان الماء، ونسند إليه الطهورية، إنما أسندناها في الحقيقة إلى الماء، ولذا جاء في الحديث:((هو الطهور ماؤه)) ما جاء هو الطهور فقط، لو كان سياق الحديث هو الطهور لقلنا: ماء البحر هو الطهور، قدرنا ماء البحر، لكن لما بين فاعل المصدر ما احتجنا ولا حصل عندنا أدنى إشكال في أن نقدر مكان البحر.

وعلى هذا لو أخذ من ماء البحر في جوالين أو جراكل ما يتغير، هو ماء البحر الذي أخبر عنه بأنه طهور، أسند إليه الطهورية؛ لأن عندنا الطهور مسند، وماؤه مسند إليه؛ لأنه فاعل.

هل تنطبق أحكام الاغتسال في البرك والمسابح؟

البرك والمسابح هل هي من الماء الجاري أو الراكد؟

الآن ما فيها فلاتر تطلع الماء وتدخله مرة ثانية؟ نعم؟ هي راكدة في وقت، هي تصير راكدة أو باستمرار متجددة؟ نعم؟

طالب:. . . . . . . . .

إذا كانت متجددة فليست راكدة.

طالب:. . . . . . . . .

نعم، إذا كانت راكدة غير متجددة لها أحكام الماء الراكد فلا يجوز الاغتسال به.

إذا أزيلت النجاسة بمعالجةٍ .. ؟

لكن إذا استصحبنا أن النهي عن الاغتسال، ولا يغتسل فيه وهو جنب، ولا يغتسل فيه من الجنابة، قلنا: إن الاغتسال التنظيف أو للتبرد أو .. ، أمرها أخف.

إذا أزيلت النجاسة بمعالجة أو مواد كيماوية هل يطهر الماء؟

إذا ذهبت عين النجاسة، وذهبت أوصافها سواءً كان ذلك بمعالجة أو غير معالجة، إذا لم يكن للنجاسة أثر فعلى قول مالك هو طهور؛ لأنه حينئذ لم يتغير، وإذا كان للنجاسة أثر من لون أو طعم أو ريح فالإجماع قائم على أنه نجس.

يقول: هل ما تغير لونه أو ريحه أو طعمه قليلاً هل يضر في طهوره؟

وإذا تغير لونه أو طعمه أو ريحه بنجاسة تقع فيه، لا بطول مكثه، أحياناً يتغير -تتغير رائحته- يكون منتن، نعم منتن، لكنه بسبب طول المكث، ونعرف جميعاً أن الماء يأسن بطول مكثه، ولهم طريقة في تطييبه، لكن إذا كان بطول مكثه من غير نجاسة تقع فيه فهو طاهر.

ص: 17

اللحم والطعام، إذا أنتن من طول البقاء، يعني لو أتيت بالغداء -بقية غداء أمس مثلاً- وأحضرته اليوم، وجدته متغيراً، هل يجوز أكله أو لا يجوز أكله؟ وهل هو طاهر أو نجس؟

هو طاهر بلا شك، ولو أنتن، لكن هل يجوز أكله أو لا يجوز أكله؟ نعم؟

نعم يا إخوان؟

طالب:. . . . . . . . .

نعم إذا كان يضر، تغيره كثير مفسد لا يجوز للضرر، لا لنجاسته؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أضافه يهودي على خبز شعير وإهالة سنخة -يعني متغيرة- وجاء في حديث الصيد:((كله ما لم ينتن)) يعني تتغير رائحته، والمقصود بـ ((كله ما لم ينتن)) يعني نتناً مفسداً للطعام بحيث يكون ضاراً، أما إذا كان التغير بحيث لا يضر ولو كانت رائحته غير طيبة، فإنه يؤكل.

ما الفرق بين الطاهر والطهور والنجس عند من يقول بالفرق وأن الأقسام ثلاثة؟

الطاهر طاهر في نفسه غير مطهر لغيره، والطاهر يجوز شربه، يجوز شربه ولا يؤثر على الجرم الذي يقع عليه، لكنه لا يجوز الوضوء به، وهو ما تغير بالأشياء الطاهرة، والطهور هو الطاهر في نفسه والمطهر لغيره، والنجس معروف ما تغير بالنجاسة، هذا عند من يقول بتقسيم المياه إلى ثلاثة أقسام، وأما من يقول بتقسيمها إلى قسمين فقط طهور ونجس، أو طاهر ونجس فكل ما جاز شربه يجوز الوضوء به، ما دام يسمى ماء.

ما معنى القلة؟

في حديث ابن عمر: ((إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث))، هذا مما ينبغي بيانه ولكن شدة الاختصار جعلتنا نطوي بعض الأشياء المهمة، وإلا معنى القلة على أقل الأحوال، شيء لا بد من بيانه.

القلة: جاء بيانها في بعض الروايات بقلال هَجَر، وقلال هجر يقول ابن جريج: إنها معلومة المقدار، معلومة المقدار، والقلة تساوي قربتين وشيئاً، وجعلوا هذا الشيء نصفاً؛ من باب الاحتياط، وحدها بعضهم بما يقله الرجل المتوسط بيديه، يعني يستطيع حمله، سميت بذلك؛ لأنه يستطيع أن يقلها، يعني يحملها.

وجاء في تفسير القلة أنها ما يبلغ رؤوس الجبال، فإذا كانت القلة تبلغ رؤوس الجبال، فالقلتان طوفان، نعم، لكنه قول ضعيف جداً، ولا يتلفت إليه.

ص: 18

المقصود أن أولى ما يقال في تعريف القلة ما اعتمده الأكثر، وأنها محدودة بقلال هجر، وهجر هل هي البلد المعروف الأحساء والبحرين وما والاها؟ أو قرية قرب المدينة؟ يختلف الشراح في ذلك.

نعم؟

طالب:. . . . . . . . .

كيف؟

طالب:. . . . . . . . .

خمسمائة رطل، خمسمائة رطل، خمسمائة رطل تقريباً.

إذا كان لونه لم يتغير ولكن له طعم مثل الديزل أو البنزين؟

يعني ماء متغير بأمور .. ، بأشياء طاهرة، متغير بأشياء طاهرة، لكنها لم تسلب الماء اسمه، يعني من رآه قال: هذا ماء، هذا يرفع الحدث.

الماء الراكد إذا جاءت به نجاسه ولم يتغير طعمه أو رائحته أو لونه؟

قبل يقول: ما معنى كلمة جنب؟ ما معنى كلمة جنب؟

نعم، الجنب من أصابته جنابة، بسبب إنزال من جماع أو احتلام، ولا بد من حصول اللذة من غير النائم، أما النائم فيكفي في ثبوت الجنابة خروج الماء؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أم سلمة قال:((نعم، إذا هي رأت الماء))، ولم يقيد ذلك بلذة، أما غير النائم لا بد من حصوله بلذة؛ لأن خروج الماء منه بغير لذة هذا مرض.

يقول: الماء الراكد إذا جاءت به جنابة ولم يتغير طعمه أو رائحته أو لونه؟

عرفنا الخلاف -جاءت به نجاسة- كل على مذهبه، من يفرق بين القليل والكثير، ويرى أن القليل يتغير بمجرد ملاقاة النجاسة يقول: هو نجس إذا كان قليلاً، ولا يتنجس إذا كان كثيراً، والذي لا يفرق بين القليل والكثير وهو مذهب مالك ورجحه شيخ الإسلام يقول: لا ينجس إلا بالتغير.

يقول: هل المقصود بالخلوة الاغتسال أم غير ذلك؟

الخلوة كونها تستعمل هذا الماء في طهارة كاملة، وضوء أو اغتسال، أي نرفع حدث من المرأة إذا لم تكن بمرأى أحد، خلت به، ومثله خلوة الرجل؛ لأن خلوة الرجل مثل خلوة المرأة على ما سمعنا في الحديث السابق، ولا فرق.

انتهى الوقت المعد المخصص للأسئلة وبقي من الأسئلة الشيء الكثير، كثيراً جداً.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على رسولنا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين أما بعد: قال المصنف -رحمه الله تعالى-:

ص: 19

وعن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات، أولاهن بالتراب)) [أخرجه مسلم]. وفي لفظ له: ((فليرقه))، وللترمذي:((أخراهن، أو أولاهن)).

يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:

وعن أبي هريرة: الواو تعطف مقدراً، أي وأروي أيضاً عن أبي هريرة، والمقدر هو متعلق الجار والمجرور، وأروي أيضاً عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات، أولاهن بالتراب)): ولغ الكلب، يقال: ولغ يلغ، كـ (وهب يهب)، إذا شرب منه بأطراف لسانه، أو أدخل لسانه فيه فحركه، أو لعقه بلسانه.

((طهور إناء أحدكم)): الإناء هو الوعاء، والطهور هنا المراد به التطهير، المصدر إناء أحدكم، والإضافة هنا لا مفهوم لها؛ لأن الطهارة والنجاسة لا يشترط فيها أن يكون الشيء مملوكاً للإنسان بنفسه،. . . . . . . . . معنى هذا الحديث:((طهور إناء أحدكم)) أنه بالنسبة لصاحبه لا بد من التطهير، وبالنسبة لغيره لا يحتاج إلى تطهير، يعني لو ولغ الكلب في إناء لزيد فباعه زيد على عمرو أو أهداه إلى عمرو قبل أن يطهره يلزم تطهيره وإلا لا؟ يلزم تطهيره.

إذن ((طهور إناء أحدكم)): الإضافة هنا لا مفهوم لها ((إذا ولغ فيه الكلب)): شرب منه بطرف لسانه، أو لعقه ((أن يغسله سبع مرات)): هذا بالنسبة للإناء، ((أولاهن بالتراب)): وجاء في رواية: ((أخراهن)) - الأخيرة- في رواية: ((إحداهن))، وفي رواية:((وعثروه الثامنة بالتراب)).

((أولاهن بالتراب)): هذه الرواية يقول أهل العلم: إنها أولى ما ينبغي أن يعمل به من الروايات؛ لأن التراب إذا جعل مع الغسلة الأولى أزال أثره الغسلات اللاحقة، بخلاف ما إذا كان في الغسلة الأخيرة.

ص: 20

((وعثروه الثامنة بالتراب)) ((أخراهن)): يعني الأخيرة، فإنه يحتاج إلى غسل التراب فنزيد على القدر المحدد، ومعلوم أن العدد المحدد شرعاً إذا حصل به المقصود فإن الزيادة عليه تكون غير مشروعة، بل ممنوعة، فإذا غسل الإنسان أعضاء الوضوء أربعاً أربعاً، قلنا: خرجت من حيز السنة إلى الابتداع، بينما لو توضأ مرة مرة، أو مرتين مرتين، أو ثلاثاً ثلاثاً، أو بعض الأعضاء مرة، وبعضها مرتين، وبعضها ثلاثاً، ثبت أن النبي عليه الصلاة والسلام توضأ مرة مرة، ومرتين مرتين، وثلاثاً ثلاثاً، وتوضأ ملفقاً بعضها مرة، وبعضها مرتين، وبعضها ثلاثاً.

المقصود أن العدد المحدد شرعاً لا يتجاوز، فإن تعبد بهذه الزيادة صار فاعلها مبتدعاً، وإن لم يتعبد به، ولم يكن له عادة أساء وظلم.

وعلى هذا لو شك هل توضأ مرتين أو ثلاثاً، كم يعتمد؟

طالب:. . . . . . . . .

نعم؟

طالب:. . . . . . . . .

هو تردد يعني إذا شك هل صلى ركعتين أو ثلاثاً يجعلهما ركعتين ويزيد ثالثة ويسجد للسهو وانتهى الإشكال، لكن لو توضأ .. ، ولو توضأ مثلاً ثم شك هل غسل العضو مرتين أو ثلاثاً؟

طالب:. . . . . . . . .

سواء أيش؟

طالب:. . . . . . . . .

يزيد رابعة؟

طالب:. . . . . . . . .

احنا قلنا: في الصلاة أنه إذا تردد هل صلى ركعتين أو ثلاث يجعلهما ركعتين؟

طالب:. . . . . . . . .

إيه؟

طالب:. . . . . . . . .

هم قالوا: يبني على الأقل؛ لأنه متيقن؟ نعم يبني على الأقل؛ لأنه متيقن.

طالب:. . . . . . . . .

كيف؟

طالب:. . . . . . . . .

أنا أقول: هل الباب واحد في الصلاة والوضوء أو يختلف؟

ص: 21

تعرفون عند الحنابلة ما في فرق يعني إذا شك هل توضأ مرتين مرتين، أو ثلاثاً ثلاث، يجعلهن مرتين ويزيد ثالثة، وما في إشكال كما لو تردد هل صلى ركعتين أو ثلاثاً، لكن هناك فرق بين الصلاة والوضوء؛ لأن الصلاة لا تصح بالعدد الأقل، بينما الوضوء يصح بالعدد الأقل، فلو شك هل صلى ركعتين أو ثلاثاً يجعلهما ركعتين ويسجد للسهو وينتهي الإشكال؛ لأنه لو قلنا: رجح الأقل، وهو في الحقيقة ما صلى إلا ركعتين بطلت صلاته، فهنا الخيار بين نقص مبطل للصلاة، وبين زيادة معفو عنها للشك والنسيان؛ لأن القاعدة في النسيان أنه ينزل الموجود منزلة المعدوم، ولا عكس -ولا ينزل المعدوم منزلة الموجود- ولو كان ناسياً، بينما في الوضوء إذا قلنا: اجعلهما غسلتين وزد ثالثة وهو في الحقيقة غسل ثلاثاً خرج إلى حيز الزيادة عن القدر المشروع، بينما لو قلنا: اجعلها ثلاثاً، لو افترضنا أنه نقص عن الثلاث إلى ثنتين، في إطار السنة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام توضأ مرتين مرتين، وإذا كان الخيار بين السنة والبدعة يرتكب السنة، هذا الأصل.

وهنا إذا شك هل غسل ستاً أو سبعاً، قال: ست وإلا سبع؟

ستاً؛ لأن القدر لا بد منه، بينما في الوضوء الثالثة منها بد، ما يلزم أن تأتي بثالثة، هنا القدر المحدد لا بد منه، السبع لا بد منها.

فإذا قلنا: اجعل التراب في الغسلة الأخيرة، أو في الثامنة احتاج إلى أن يزيد؛ لغسل التراب، فيخرج عن حيز المشروع فيزيد على سبع، وإن كانت في الزيادة لا للنجاسة الأصلية، وإنما هي لإزالة التراب كما هو الواضح، فالأمر يكون أخف، لكن ينبغي ألا يزاد ولا في الصورة على القدر المشروع.

ص: 22

أخرجه مسلم، وفي لفظ له:((فليرقه)): يعني لمسلم، من حديث أبي هريرة:((فليرقه)): وهذه اللفظة تدل على نجاسة ما ولغ فيه الكلب، نجاسة ما ولغ فيه الكلب؛ لأن الإراقة إتلاف وإضاعة للمال، وقد جاء النهي عن إضاعة المال، فإذا جاز لنا مخالفة هذا النهي دل على أن ما يقابل هذا النهي أمراً واجباً، ووجوب هذه الإراقة لا شك أنه لنجاسته وخروجه عن حيز المالية، وحينئذ لا يكون مالاً؛ لأن النجس ليس بمال، ولذا لا يجوز بيعه، وإذا كان ما ولغ فيه نجساً فهو نجس، وهذا قول جمهور أهل العلم، خلافاً لمالك، الجمهور على أن الكلب بجميع أجزائه نجس حتى شعره، والإمام مالك يرى أنه طاهر، الكلب طاهر عند الإمام مالك والأمر بالغسل هنا للتعبد لا لنجاسته.

إذن: الأمر بالإراقة أيضاً تعبد؟!

الغسل معقول المعنى ولا غسل إلا من حدث أو خبث، ولا حدث هنا، إذن: يبقى ولا حدث هنا إذن: يبقى الخبث وهو نجس، فالحديث دليل صريح واضح على نجاسة الكلب.

منهم من يقول: إن شعره طاهر، شعره طاهر، هذا المعروف عند جمع من أهل العلم وأنه يمكن أن يستفاد منه.

والجلد إذا دبغ فيه خلاف ستأتي الإشارة إليه قريباً إن شاء الله تعالى.

من أدلة المالكية أولاً: جوابهم عن هذا الحديث أن الأمر بالغسل للتعبد، يستدل المالكية بحل أكل ما صاده الكلب، ولا بد أن يباشره، بفمه، ولم يرد غسله ولا تتريبه –الصيد- هذا دليل قوي، صح وإلا لا؟ الكلب حينما يصيد يصيد بأيش؟

طالب:. . . . . . . . .

بأسنانه بالفك، بأسنانه، ولا جاء الأمر بغسله سبعاً مع التراب، لماذا؟ نعم؟

طالب:. . . . . . . . .

كيف يجيب الجمهور عن هذا -عن هذا الدليل- وهو قوي؟ نعم.

طالب: الكلب معلم

طيب والمعلم ما هو بكلب؟

طالب:. . . . . . . . .

الإناء، إذا ولغ الكلب .. ، إذا ولغ فيه الكلب، المراد به الجنس، نعم، كلب الصيد المعلم إذا ولغ في إناء يغسل وإلا ما يغسل؟

طالب: يغسل.

يجب غسله، إذن: هو داخل، نعم.

طالب:. . . . . . . . .

ص: 23

للجمهور أن يقولوا ويجيبوا عن الصيد؛ لأنه لا بد أن يطبخ، والطبخ أبلغ من الغسل، ولهم أن يقولوا -أو لبعضهم أن يقول، وقد قال-: إن الصيد لا بد فيه أن يغسل وأن يترب، وإن سكت عنه في النصوص؛ لأنه إذا جاء الحكم في نص واحد ما يلزم أن يأتي في جميع النصوص يصير معروفاً، يصير معروفاً، ما يلزم أن ينقل الرواة كل شيء؛ لأنه نقله من تقوم به الحجة.

لكن غسل المصيد وتتريبه لا شك أنه عنت، لا. . . . . . . . . الشرع بمثله، وهو أيضاً إفساد له، لكن إذا طبخ زال المحظور، لكن قد يقول قائل: إذا ولغ الكلب في الإناء، أنا أبى أطبخ الإناء مثل الصيد، يطهر وإلا ما يطهر؟ نعم؟

طالب:. . . . . . . . .

نقول: نعم هذه المسألة منصوص عليها ولا تقبل الاجتهاد، لا تخضع للاجتهاد، قد يقول قائل: في المدن لا يوجد تراب، نغسله بصابون وإلا شامبو أو ما يقوم مقامه، يكفي وإلا ما يكفي؟

طالب: لا يكفي.

عند كثير من أهل العلم يكفي؛ لأن المقصود التنظيف ويحصل بهذه التنظيف، لكن أثبت الطب أن في لعاب الكلب جرثومة لا يقضي عليها إلا التراب، لا يقضي عليها إلا التراب، وهذا قبل المجاهر، وقبل المختبرات، هذا قبل ألف وأربعمائة سنة.

طالب:. . . . . . . . .

كيف؟

طالب:. . . . . . . . .

لا، لا بد من غسل الإناء، لا بد من غسله سبعاً، الماء يراق والإناء يغسل سبعاً، ((طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب)) فالإناء له الغسل والتتريب، والماء له الإراقة، مع أن ابن عبد البر قال عن لفظة:((فليرقه)) أنه لم ينقلها أحد من الحفاظ من أصحاب الأعمش، كأنه يريد أن يشكك في ثبوتها، لكن إذا كان الماء نجساً فلا مخالفة في هذه الزيادة، وحينئذ إذا نقلها من تثبت الحجة بنقله لا يلزم أن ينقلها جميع الحفاظ.

ابن مندة يقول: "لا تعرف عن النبي عليه الصلاة والسلام بوجه من الوجوه"، لكن هي مقتضى ما يصنع بالنجاسات، يعني هل كل نجاسة تلزم إراقتها؟

ص: 24

ماء نجس، قد يقول قائل: هذه اللفظة ليست ثابتة، أنا أريد أن أبقي هذا الماء، أقل الأحوال لو أطفئ به حريقاً، وإن جاء الأمر بإراقته، يعني إذا وجد خمر تلزم إراقته أو لا تلزم؟ يقول شخص: أنا أريد أن أركنه عله أن يتخلل، أنا لن أشربه، ولن أمكن أحد من شربه، لكن عله يتخلل بنفسه فيحل ويطيب، وهذا يقول: عندنا ماء متنجس وقعت فيه نجاسة هل يلزمني إراقته أو أبقيه أقل الأحوال أطفئ به حريقاً، هذا أقل الأحوال، وهذا يقول: أمسح به السيارة مثلاً، أو أغسل الحوش، أغسل البيت، نعم؟

نقول: هذه اللفظة تقتضي أن يراق؛ لئلا يستعمله من لا يعرف حاله، ولا شك أن إراقة هذا الماء سد لذريعة استعماله، وهي ثابتة في صحيح مسلم، ولا كلام لأحد ما دامت ثابتة في الصحيح، نعم؟

طالب:. . . . . . . . .

نعم نعم، هل يقاس على الكلب الأسد والخنزير؟

الأسد جاء في حديث: ((اللهم سلط عليه كلباً من كلابك)) فقتله الأسد، يدخل وإلا ما يدخل؟

طالب:. . . . . . . . .

هاه، يدخل وإلا ما يدخل؟

الظاهر عدم الدخول، الظاهر عدم الدخول؛ لأن (أل) هذه للكلب المعهود المعروف، وكونه يتوسع في هذه اللفظة فتستعمل في غير الكلب، نعم، ولذا لو حلف ألا يشتري كلباً فاشترى أسداً -على القول بجواز بيعه، بيع الكلب- اشترى أسداً يحنث وإلا ما يحنث؟

ما يحنث بلا شك، لا يحنث، وإن كانت الأيمان والنذور مردها إلى العرف، والأسد لا يقال له عرفاً: كلب، لكن الظاهر عدم دخول غير الكلب المعروف في مثل هذا النص، ولا يقاس عليه خنزير ولا غيره؛ لأن مثل هذه الأمور التي جاء الشرع بتحديدها، وأثبت الطب وجود هذه الجرثومة في لعاب الكلب خاصة يدل على أن الشرع له قصد ومغزى من تخصيص الكلب بهذا الحكم، وإلا لو كان يلحق به غيره لجاء اللفظ أعم، لفظاً يشمل الكلب وغيره، والله المستعان نعم.

وعن أبي قتادة -رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في الهرة: ((إنها ليست بنجس، إنما هي من الطوافين عليكم)) [أخرجه الأربعة، وصححه الترمذي وابن خزيمة].

ص: 25

عن أبي قتادة: الحارث بن ربعي صحابي معروف، فارس النبي عليه الصلاة والسلام، شهد أحداً وما بعدها، توفي سنة أربعة وخمسين بالمدينة، أبو قتادة يروي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال في الهرة:((إنها ليست بنجس، إنما هي من الطوافين عليكم)): الهرة معروفة، معروفة وإلا غير معروفة؟ القط أو أيش؟ أيش؟

طالب:. . . . . . . . .

البِسّ، نعم لا بأس، وهو أكثر الحيوانات أسماؤها .. ، له أسماء كثيرة جداً.

على كل حال هو معروف.

((إنها ليست بنجس، إنما هي من الطوافين عليكم)): يعني تكثر ملابستكم لها، وملابستها لكم، ويشق عليكم التحرز منها، هي كالخادم في البيت ما يمكن أن يحجب عن مكان، نعم، أحكمت الأبواب، وأتقنت الأغلاق لكن من يحترز من مثل هذا؟

((إنها ليست بنجس، إنما هي من الطوافين عليكم)): هذه العلة منصوصة بلا شك، تدل على أن الهر طاهر، وهذا يدل على ضعف الأمر بغسل ما ولغ فيه الهر مرة واحدة.

هذا الحديث له سبب وهو أن أبا قتادة سكبت له زوجة ابنه ماءً فجاءت هرة فشربت منه، فتوضأ منه أبو قتادة، فتعجبت المرأة من كونه يتوضأ بماء، فساق الحديث، قال النبي عليه الصلاة والسلام:((إنها ليست بنجس)).

ص: 26