المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ كتاب الصلاة (19) - شرح بلوغ المرام - عبد الكريم الخضير - جـ ٣٣

[عبد الكريم الخضير]

الفصل: ‌ كتاب الصلاة (19)

بلوغ المرام -‌

‌ كتاب الصلاة (19)

تابع: شرح باب: صفة الصلاة وباب: سجود السهو وغيره

الشيخ/ عبد الكريم بن عبد الله الخضير

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: "وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت)) رواه النسائي وصححه ابن حبان، وزاد فيه الطبراني: ((وقل هو الله أحد)) ".

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

ذكر المؤلف -رحمه الله تعالى- بعض الأذكار التي تقال أدبار الصلوات، ومن هذه الأذكار ما هو من أفضل الأذكار وهو القرآن، ومن أفضل ما يقرأ في كتاب الله عز وجل، والمفاضلة معروفة عند أهل العلم، وإن كان الكل كلام الله، أفضل آيةٍ في كتاب الله هي آية الكرسي، كما أن أعظم سورة في القرآن هي سورة الفاتحة، و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [(1) سورة الإخلاص] تعدل ثلث القرآن.

ص: 1

ففي هذا الحديث حديث "أبي أمامة" وهو غير الباهلي، أبو أمامة الباهلي صدي بن عجلان إذا أريد قيل: الباهلي، وإذا أطلق فالمراد به هذا، أنصاري خزرجي اسمه: إياس بن ثعلبة، يقول رضي الله عنه: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة)) هناك في حديث معاذ: ((لا تدعن أن تقول في دبر كل صلاة)) وقلنا: إن لفظ العموم (كل) شامل لجميع الصلوات، وهنا:((دبر كل صلاةٍ مكتوبة)) فدل على أنها لا تشرع بعد النوافل، ((من قرأ آية الكرسي)) {اللهُ لَا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [(255) سورة البقرة]. . الآية ((دبر كل صلاةٍ مكتوبة)) سميت آية الكرسي لذكر الكرسي فيها {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ} [(255) سورة البقرة]((مكتوبة)) يعني مفروضة، والمراد بذلك الصلوات الخمس ((لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت)) العائق من دخوله الجنة أن يموت، فإذا مات دخل الجنة، هل يدخل الجنة مباشرة أو يمكث في قبره في البرزخ قبل دخول الجنة؟ لكن يأتيه من مقدمات الدخول في قبره ما يستحق أن يسمى دخولاً، فيفسح له في قبره مد بصره، يكون قبره عليه روضة من رياض الجنة، نسأل الله من فضله.

مقدمات الدخول لا يقول قائل: إنه يدخل الجنة مجرد أن يموت، ولا يمر بالبرزخ لا، هناك حياة برزخية مكانها القبر، بين الحياة الدنيا وبين الآخرة، فهنا سمى مقدمة الدخول دخول، كما أن مقدمات الفتح فتح، فصلح الحديبية باعتباره مقدمة للفتح -لفتح مكة- سمي فتحاً، ونزلت فيه سورة الفتح، وهنا مقدمة الدخول وهو هذه الحياة البرزخية التي ينعم فيها هذا الذي واظب على آية الكرسي ينعم فيها في قبره، والمواظبة على آية الكرسي دبر كل صلاة سبب، سبب من أسباب دخول الجنة، والسبب قد تترتب عليه آثاره فيحصل المسبب، وقد يتخلف الأثر لوجود مانع، قد يكون عند الشخص ما يمنعه من دخول الجنة، ما يستحق به دخول النار إما مؤبداً إن كان عنده ما يخرجه من الدين بالكلية، أو مؤقتاً إن كان عنده شيء من الكبائر.

ص: 2

فقراءة آية الكرسي والمحافظة عليها، والمداومة عليها سبب كغيرها من الأسباب، فلا نتكل على مثل هذا، ولذا جاء:((من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له -إلى آخره- دخل الجنة من أي أبوابها الثمانية شاء)) ثم قال في الحديث: ((ولا تغتروا)) يعني ما نغتر بمثل هذه النصوص، نترك الواجبات، ونقترف الكبائر والمحرمات لا، هذه أسباب، ومعلومٌ أن السبب قد ترتب عليه آثاره إذا انتفت الموانع، وقد لا تترتب عليه الآثار إذا وجدت الموانع، قد يلبس المرء من الثياب خمسة ثياب، ستة، عشرة، وفروة وبشت ويدخله البرد لأنه سبب، فليس السبب موجباً ولا مستقلاً بحصول المسبب، لكن علينا أن نعمل بمثل هذه الأمور التي جاء الحث عليها من قبل الشارع، لكن لا نغتر فنعتمد عليها.

((لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت)) والحديث صحيح، مخرج عند النسائي في الكبرى في أعمال اليوم والليلة، وعزاه المنذري إلى ابن حبان وغيره من أهل العلم "وزاد الطبراني:((وقل هو الله أحد)) جاء الحديث الصحيح فيها: "أنها تعدل ثلث القرآن"{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [(1) سورة الإخلاص] سورة الإخلاص، فعلينا أن نداوم على قراءة آية الكرسي و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [(1) سورة الإخلاص] والمعوذتين، وجاء فيها النص الصحيح أيضاً.

"وعن مالك بن الحويرث رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) رواه البخاري".

ص: 3

نعم، حديث "مالك بن الحويرث" من قوله عليه الصلاة والسلام:((صلوا كما رأيتموني أصلي)) أصلٌ عظيم، وقاعدة كلية من القواعد التي تدور عليها مسائل الصلاة ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) ففعله عليه الصلاة والسلام الذي داوم عليه بياناً لما أوجبه الله على هذه الأمة من الصلوات، ما داوم عليه الصلاة والسلام أخذاً بعموم هذا الحديث يدل على الوجوب، وما تركه عليه الصلاة والسلام أحياناً وفعله أحياناً يدل على الاستحباب، فداوم النبي عليه الصلاة والسلام على القيام، وعلى القراءة، وعلى الركوع، وعلى السجود، وعلى الجلوس، وعلى التشهد، وعلى السلام، وغير ذلك من الأركان والواجبات، فعل السنن غالباً وتركها أحيانً لبيان الجواز، فكان مما فعله النبي عليه الصلاة والسلام من رواية مالك بن الحويرث أيضاً ما سماه الفقهاء جلسة الاستراحة، وهي بعد السجدة الثانية من الركعة الأولى، والثانية من الركعة الثالثة، ففي الصحيح من حديث مالك أن النبي عليه الصلاة والسلام لا يعتمد قائماً حتى يجلس، حتى يستوي قاعداً، اصطلح أهل العلم على أن يسموا هذه الجلسة جلسة استراحة، تقدم ذكرها والإشارة إليها، فهل هي مما داوم عليه النبي عليه الصلاة والسلام، أو فعله أحياناً فيكون من باب المستحب؟ هل داوم عليها فتكون من الواجبات؟ أو فعلها أحياناً لتكون من المستحبات؟ أو فعلها عند الحاجة إليها لتكون منزلة منزلتها في الحاجة إليها؟ النبي عليه الصلاة والسلام لم يداوم عليها، بدليل أن أكثر من نقل صلاة النبي عليه الصلاة والسلام لم يذكرها، ونقلها مالك بن الحويرث فدل على أنه فعلها على جهة الاستحباب، والترك إنما هو لبيان الجواز، ثبتت من حديث مالك بن الحويرث هذا مثال، وجاءت في بعض طرق حديث المسيء، وفي بعض طرق حديث أبي حميد في صفة صلاة النبي عليه الصلاة والسلام فدل على أن فعلها سنة، وكونها تفعل عند الحاجة -أنا أقول العكس- كونها تترك عند الحاجة؛ لأنها زيادة عبء، ليست استراحة، فكون النبي عليه الصلاة والسلام يفعلها في آخر عمره مع حاجته إلى الراحة وليس فيها راحة؛ لأنها ليست بجلسة طويلة بحيث يطمئن الإنسان ويرتاح، فالإنسان إذا قام من سجوده

ص: 4

إلى القيام مباشرة أسهل من كونه يثني رجله ويجلس ثم يقوم، وأيضاً جاءت كما أشرنا في بعض طرق المسيء فلا داعي للقول بأنها تفعل عند الحاجة، بل هي سنة من سنن الصلاة، كونها تترك لبيان الجواز لا يعني أنها غير مشروعة.

((صلوا كما رأيتموني أصلي)) هو نظير قوله عليه الصلاة والسلام بعد أن بين الحج المأمور بفعله عليه الصلاة والسلام: ((خذوا عني مناسككم)) فما داوم عليه النبي عليه الصلاة والسلام ولم يتركه فهو واجب؛ لأنه بيان للواجب، وما تركه دل على أنه ليس بواجب، وأنه تركه لبيان الجواز جواز الترك.

((صلوا كما رأيتموني أصلي)) وفي الوضوء قال عليه الصلاة والسلام: ((من توضأ نحو وضوئي هذا)) ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) وفي الوضوء ((نحو وضوئي هذا)) هل هناك فرق؟ الظاهر من التشبيه هنا: ((كما رأيتموني)) المطابقة بين المشبه والمشبه به، وهناك التقريب، يعني توضئوا قريباً من وضوئي؛ لأنه لا يمكن محاكاة النبي عليه الصلاة والسلام من كل وجه، ويمكن أن يقال هنا في الصلاة أنه لا يمكن أن يصلي المسلم مهما بلغ من التحري لأفعاله عليه الصلاة والسلام والاقتداء به أن يصلي كما يصلي، مطابقة مائة بالمائة.

ص: 5

أقول: على الإنسان أن يحرص، يحرص أشد الحرص أن يقتني بالنبي عليه الصلاة والسلام في صلاته وفي وضوئه وفي عباداته كلها، مع الأسف أن بعض طلاب العلم يعرف الأحكام المتعلقة بالوضوء، والأحكام المتعلقة بالصلاة، والأحكام المتعلقة بالحج ويفرط في كثيرٍ منها، مع أنه جاء الأمر بذلك:((صلوا كما رأيتموني أصلي)) نعم {لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَاّ وُسْعَهَا} [(286) سورة البقرة] الذي يعجز عن تطبيق الصلاة النبوية بحذافيرها يأتي بما يستطيع ((إذا أمرتكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم)) الذي لا يستطيع أن يحج كما حج النبي عليه الصلاة والسلام مطابقة يفعل ما يستطيع، بعد الحفاظ على الأركان في العبادات كلها، ثم بعد ذلك يأتي بما يستطيعه من السنن؛ لأن بعض الناس يأتي بالعبادات بالقدر المجزئ فقط، ولا يحرص على تطبيق السنن، وهذا حرمان، نعم هي صحيحة ومجزئة ومسقطة للطلب، لكن قد لا تترتب عليها الآثار الكاملة مما أعده الله -جل وعلا- لمن يقيم الصلاة، وإلا فقد تكرر في النصوص إقامة الصلاة، وإقامتها الإتيان بها على الوجه المستقيم القائم التام، فنحرص على تطبيق كل ما يبلغنا عنه عليه الصلاة والسلام من أفعال، بأن نحاكي فعله عليه الصلاة والسلام ونأتي بالعبادات على ضوء ما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام من فعله، ونأتمر بأمره، ونمتثل التوجيه النبوي عليه الصلاة والسلام في جميع العبادات؛ لأنه يخشى ممن يفرط بالمستحبات أن يتساهل في الواجبات، أو لا يعان على الإتيان بالواجبات، ثم بعد ذلك يصل الخلل إلى أن يفرط بالأركان، حينئذٍ ترد عليه صلاته، فيكون كمن قيل له:((صلِ فإنك لم تصلِ)) والله المستعان.

"وعن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((صلِ قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب)) رواه البخاري".

ص: 6

حديث عمران بن حصين رضي الله عنه وأرضاه- أن النبي عليه الصلاة والسلام قال له: ((صل قائماً -لأنه يشتكي- فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب)) وهذا الذي في الصحيح، لكن الذي في البلوغ زيادة:((وإلا فأومئ)) هذا مخرج في البخاري دون قوله: ((فأومئ)) والمحقق الذي يتصدى لتحقيق الكتب ليس له أن يحذف منها شيئاً، بل يبقي الكتاب كما هو، إذا ألفه بنفسه يفعل ما شاء، لكن يتصرف في كتب الناس لا، يثبت ما في الكتاب مما اتفقت عليه النسخ، ويشير إلى اللفظ الزائد الذي لا يوجد في الأصل أو ما أشبه ذلك، فعلى من تصدى لتحقيق هذا الكتاب هو يترجى يقول: لعل الناس نظروا للحديث الآتي بعده لا، هي موجودة في النسخ، وعليها الشرح، هي موجودة، يعني كون الحافظ أخطأ أو أصاب هذا شيء آخر، لكن هي موجودة في النسخ، فتبقى كما هي، ودور المحقق أن يعلق عليها، أن يقول: هذه اللفظة لا توجد في المصدر الذي نسب إليه، على أن الحافظ رحمه الله لم ينسب الحديث إلى مصدر، لم يخرج الحديث، والحديث مخرج في الصحيح في البخاري دون قوله:((وإلا فأومئ)).

حديث عمران بن حصين -وهو شاكي- يسأل النبي عليه الصلاة والسلام كيف يصلي؟ يقول: ((صلِ قائماً)) هذا الأصل، ولذا يجب القيام مع القدرة، بل عدوه في الأركان، ولا تجوز الصلاة من قعود إلا لمن لا يستطيع القيام ((فإن لم تستطع فقاعداً)) ((صلِ قائماً)) والأمر بالصلاة يشمل جميع الصلوات ((فإن لم تستطع)) القيام فصل ((قاعداً، فإن لم تستطع)) الصلاة قاعداً ((فعلى جنب)) يعني على جنبك الأيمن مستقبلاٌ القبلة بوجهك، هذا الحديث فيه دلالة على أنه لا بد من القيام في الصلاة، وإطلاقه يشمل جميع الصلوات فرضها ونفلها.

ص: 7

وثبت أيضاً عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: ((صلاة القاعد على النصف من أجر صلاة القائم)) فدل على أن الصلاة تصح من قعود، الحديث يدل على عدم الصحة؛ لأنه علق القعود أو الصلاة من قعود على عدم استطاعة القيام، فدل على أن القائم لا تصح منه الصلاة قاعداً، والحديث الآخر:((صلاة القاعد على النصف من أجر صلاة القائم)) يدل على أن الصلاة صحيحة من قعود، وإن كان مستطيعاً القيام، لكن ليس له من الأجر إلا النصف، وثبت أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصلي من قعود، صلى بعض الصلوات من قعود، في الركعتين التي بعد الوتر، وإذا أراد إطالة القيام قرأ وهو جالس ثم قام فركع عليه الصلاة والسلام، فدل على صحة صلاة القاعد، لكن أجره على النصف.

كيف نوفق بين الحديثين؟ الحديث الذي معنا يدل على عدم الصحة، والحديث الآخر يدل على الصحة مع نقص الأجر، كيف نوفق بين الحديثين؟ نعم يقول: لزوم القيام كونه ركن من أركان الصلاة في الفريضة دون النافلة، وصحة الصلاة من القاعد على النصف محمولٌ على النفل، بدليل هذا بعمومه يشمل النفل والفرض، وذلك بعمومه يشمل الفرض والنفل، بدليل سبب ورود الحديث، سبب هذا الحديث سبب ورود هذا الحديث الذي معنا أو الحديث الثاني؟ ما في ما يدل على أنها فرض، أو سبب ورود الحديث الثاني وهو أن النبي عليه الصلاة والسلام دخل المسجد والمدينة محمة -يعني فيها حمى- فوجدهم يصلون من قعود، فقال عليه الصلاة والسلام:((صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم)) فتجشم الناس الصلاة قياماً، سبب الورود يدل على أنهم كانوا يصلون فريضة وإلا نافلة؟ نافلة؛ لأنهم لا يصلون الفريضة قبل حضوره عليه الصلاة والسلام ويأتمون به، فهي نافلة، وهو محمولٌ على مستطيع القيام، أما الذي لا يستطيع القيام فأجره كامل، سواءً كان في الفريضة أو النافلة، فسبب الورود يدل على أن الحديث الثاني في النافلة لمستطيع القيام، فله من الأجر النصف، أما الذي لا يستطيع القيام فأجره كامل في الفريضة والنافلة، الذي يستطيع القيام الفريضة لا تصح، والنافلة تصح على النصف.

ص: 8

والصارف والمخصص للحديث الثاني هو سبب الورود، والمقرر عند أهل العلم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، بل نقلوا على ذلك الإجماع، وإن خالف نفرٌ يسير من أهل العلم، العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، إذاً كيف لجأنا إلى السبب وخصصنا الحديث به؟ لدفع التعارض الظاهر بين الحديثين، وأهل العلم يسلكون مثل هذا كثيراً من أجل دفع التعارض بين النصوص، فإذا صلى المستطيع الفرض من قعود نقول: صلاتك غير صحيحة، وإن صلى المستطيع النفل من قعود قلنا: صلاتك صحيحة، لكن ليس لك من الأجر إلى النصف، إذا صلى غير المستطيع الفريضة من قعود قلنا: صلاتك صحيحة وأجرك كامل، وإذا صلى النافلة غير المستطيع من قعود قلنا: صلاتك صحيحة وأجرك كامل، وفي سبب الورود ما يدل على أنهم كانوا مستطيعين، لما تجشموا القيام قاموا، فدل على أنهم كانوا مستطيعين القيام.

((صلِ قائماً فإن لم تستطع فقاعداً)) من أركان الصلاة ما يؤدى حال القيام، ومنها ما يؤدى حال القعود، بعض الناس يستطيع القعود ولا يستطيع القيام، وبعض الناس بالعكس، يستطيع أن يصلي قائم ولا يستطيع أن يصلي قاعد، يمكن وإلا ما يمكن؟ إذا كان لا يستطيع القعود يمكن، فهل نقول: الذي لا يستطيع القعود مثل ما قلنا: الذي لا يستطيع القيام يقعد في موضع القيام، فالذي لا يستطيع القعود نقول: يقوم في موضع القعود مثله وإلا ما هو بمثله، شخص مصاب في دبره لا يستطيع القعود مثلاً، يقول: أنا لا أستطيع الصلاة إلى قائم أو مضطجع ماذا نقول له؟ الذي لا يستطيع القيام قلنا له: اجلس، صلِِّ قاعداً، نقول: يصلي على جنب لأن البديل عن القعود ((فإن لم تستطع فعلى جنب)) نقول: في موضع القيام تقوم لأنك مستطيع، في موضع القعود غير مستطيع على جنب وهو البديل.

ص: 9

((صلِ قائماً فإن لم تستطع فقاعداً)) كيفية القعود، عرفنا فيما تقدم أن القعود في موضعه من الصلاة الغالب فيه الافتراش، يفترش اليسرى وينصب اليمنى، هذا بين السجدتين وفي التشهد الأول، ويتورك في التشهد الثاني، الذي لا يستطيع القيام يتورك وإلا يفترش أو يتربع؟ الآن النص الذي عندنا يدل على إيش؟ القعود، والقعود يشمل جميع الهيئات، المفترش يقال له: قاعد، المتورك يقال له: قاعد، المتربع يقال له: قاعد، ولذا يجوز عند أهل العلم أن يفترش وأن يتورك وأن يتربع، لكن يخلتفون في الأفضل، فالأكثر على أنه يتربع في القعود البديل عن القيام، وأين يضع يديه إذا تربع في هذا القعود البديل عن القيام؟ يأتي بما يستطيع ((إذا أمرتكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم)) يأتي بما يستطيع من هيئة الصلاة، يقبض يده اليسرى باليمنى ويضعهما على صدره، ((فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب)) لا يستطيع القيام ولا يستطيع القعود يصلي على جنبه الأيمن، إذا لم يستطع الصلاة على جنبه الأيمن بأن كان في جنبه الأيمن جروح وقروح وجنبه الأيسر سليم وظهره سليم يقال له: يصلي مستلقياً رجلاه إلى القبلة، بحيث يرفع الرأس فيستقبل به القبلة، إن لم يستطع الصلاة من قيام ولا قعود وعلى مضطجعاً، من أهل العلم يقول: خلاص استنفذ الفرص كلها الموجودة في الحديث فتسقط عنه الصلاة، ومنهم من يقول: يومئ إيماءً، إن استطاع أن يومئ برأسه وإلا فببصره أو ما يمكنه الإيماء به، ومنهم من يقول: يمر القرآن والأذكار على لسانه وقلبه، ويسقط عنه ما عدا ذلك مما لا يستطيعه، ومقتضى عموم قوله عليه الصلاة والسلام:((إذا أمرتكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم)) أن الصلاة لا تسقط ما دام مناط التكليف وهو العقل موجود، فيأتي منها بما يستطيع، ولو لم يستطع القيام ولا القعود ولا الاستلقاء ولا على جنب ولا الإيماء أيضاً، يأتي بما يستطيعه من قراءة وذكر ولو كان ذلك بإمرار القراءة على القلب، وعرفنا أن من أهل العلم من يقول: إذا لم يستطع على جنب انتهت الفرص المتاحة، وما عدا ذلك يكون في حيز غير المشروع، المشروع للإنسان يصلي قائم إن لم يستطع فقاعد، إن لم يستطع فعلى جنب، وبعد ذلك ما في فرصة، وهذا

ص: 10

قول معروف عند أهل العلم.

لكن مقتضى عموم قوله عليه الصلاة والسلام: ((إذا أمرتكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم)) قد يكون مستطيع القراءة مستطيع الأذكار، الأقوال المرتبطة بأفعال غير مستطاعة، تكبيرات الانتقال هو لا ينتقل من حالٍ إلى حال يكبر أو لا يكبر؟ هو يستطيع التكبير، الذي يستطيعه، يعني يكبر للاستفتاح، ثم يقرأ، ثم يكبر للركوع ولا ركوع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده ولا رفع، ثم يقول: الله أكبر ولا سجود وهكذا، أو نقول: هذه التكبيرات تابعة فتسقط؟ هناك القاعدة: من عجز عن بعض العبادة استطاع بعض المأمور به، وعجز عن البعض يأتي بما يستطيع إن كان المستطاع عبادة، أما إذا كان المستطاع إنما جيء به تبعاً لعبادة فإنه لا يؤتى به لأنه لا يراد لذاته.

فمثلاً يُذكر في هذه القاعدة: الأصلع الذي ليس على رأسه شعر في النسك ماذا يصنع؟ يعني هل مجرد إمرار الموس مقصود لذاته؟ أو إمراره لإزالة الشعر؟ لكن إزالة الشعر مأمور به، لكن إمرار الموس هل مقصود لذاته؟ شخص لا يستطيع الصلاة مع الجماعة لكنه يستطيع أن يصل إلى باب المسجد ويرجع، نقول: تصل باب المسجد وترجع تصلي في بيتك؟ يعني هل مجرد المشي إلى المسجد مقصود لذاته أو من أجل الصلاة؟ ظاهر وإلا ما هو بظاهر؟ إذا كان ما يستطيعه مقصود يأتي به، إذا كان ما يأتي به إنما وجد تبعاً لغيره لأمرٍ مقصود لا يؤتى به، إذا كان شخص لا يستطيع الحج فتبرع واحد يوصله إلى الميقات، نقول: تصل الميقات وترجع أو تصل إلى مكة ثم ترجع لأنك لا تستطيع الحج تستطيع الذهاب إلى هناك؟ يكلف بهذا؟ لا يكلف بهذا؛ لأن الذهاب إلى تلك الأماكن ليس مقصوداً لذاته، لكنه إذا اقتضته العبادة وتطلبته العبادة رتب عليه الأجر، ولذا الذهاب إلى المسجد فيه أجرٌ عظيم، لكنه لا يقصد لذاته.

وعلى كل حال كلٌ من القولين له ما يدل عليه أنه يأتي بما يستطيع، ولو كان دون الصلاة على جنب، يصلي بالإيماء للحديث الذي كررناه ((إذا أمرتكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم)) والقراءة مقدورٌ عليها، الذكر مقدور عليه، الإيماء مقدور عليه، وحينئذٍ يكون التكبير للانتقال من باب الفصل بين الأركان، وإن لم يكن لها وجود في الظاهر.

ص: 11

"وعن جابر -رضي الله تعالى عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمريض صلى على وسادة فرمى بها، وقال: ((صلِ على الأرض إن استطعت، وإلا فأومئ إيماء، واجعل سجودك أخفض من ركوعك)) رواه البيهقي بسند قوي، ولكن صحح أبو حاتم وقفه".

هذا الحديث حديث جابر رضي الله عنه مختلفٌ في رفعه ووقفه، وله شواهد من حديث ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم، صححه بمجموعها بعض أهل العلم مرفوعاً، وصوب أبو حاتم وقفه، ولم يصححه مرفوعاً.

النبي عليه الصلاة والسلام قال لهذا المريض الذي صلى على وسادة لا يستطيع الوصول إلى الأرض، شخص أراد السجود لا يستطيع الوصول إلى الأرض، هل نقول: ضع مركاة من أجل أن تسجد عليها؟ أو افعل ما تستطيعه مما يقرب من السجود حسب القدرة والاستطاعة؟ شخص أجرى عملية في عينيه لا يستطيع أن يطأطئ رأسه، ماذا نقول له؟ يخفض رأسه بقدر الإمكان للركوع والسجود، ويجعل السجود أخفض من الركوع، لكن هل يلزمه أن يرفع شيئاً ليسجد عليه؟ وبعض العوام يسجد على يده، يجعل يده هكذا يسجد عليها، هذا أمر غير مشروع، ولذا رمى بالوسادة "صلى على وسادة فرمى بها، وقال:((صلِ على الأرض إن استطعت)) {لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَاّ وُسْعَهَا} [(286) سورة البقرة] إن استطعت صلِ على الأرض كما هو الأصل ((أمرت أن أسجد على سبعة أعظم)) لكن لا تستطيع {لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَاّ وُسْعَهَا} [(286) سورة البقرة] رجل مقطوع اليد أو الرجل نقول: سجودك لا يصح لأنك ما سجدت على سبعة أعظم، سجدت على ستة {لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَاّ وُسْعَهَا} [(286) سورة البقرة]

ص: 12