المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

((وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة)) - شرح عمدة الأحكام - عبد الكريم الخضير - جـ ٤

[عبد الكريم الخضير]

الفصل: ((وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة))

((وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة)) بعث إلى الأحمر والأبيض والأسود، إلى الثقلين إلى الجن والإنس، والأنبياء يبعثون إلى أقوامهم، فمن خصائصه عليه الصلاة والسلام عموم الرسالة، عموم رسالته إلى الثقلين العرب وغير العرب، الإنس والجن، فالذي يؤمن بالنبي عليه الصلاة والسلام نبي، لكن يقول: هو نبي للعرب، للأميين خاصة، هذا ما آمن، من كان يزعم أنه يسعه الخروج عن شريعة محمد عليه الصلاة والسلام، أو يصل إلى حد تزول عنه التكاليف هذا ليس بمسلم، من كان يسعه الخروج عن شريعة محمد كما وسع الخضر الخروج من شريعة موسى هذا كافر، ((والله لا يسمع بي يهودي ولا نصراني ولا يؤمن بي إلا دخل النار)) فالرسالة عامة لجميع من على وجه الأرض، للإنس والجن، إلى الثقلين، نعم.

‌باب: الحيض:

عن عائشة رضي الله عنها أن فاطمة بنت أبي حبيش سألت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إني أستحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة؟ فقال: ((لا، إن ذلك عرق، ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثم اغتسلي وصلي)).

وفي رواية: ((وليس بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي)).

يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:

"باب: الحيض"

ص: 23

الحيض دم طبيعة وجبلة كما يقول أهل العلم، يرخيه رحم المرأة إذا بلغت سن التكليف، وهذا من لطف الله -جل وعلا- بالمرأة؛ لأنه لو انحبس ضرها، ووجوده أمر لا بد منه لتغذية ما في بطنها من حمل، ولذا ينحبس نزوله أثناء الحمل، ويقرر جمع من أهل العلم أن الحامل لا تحيض، فينحبس أثناء الحمل لتغذية الطفل، فإذا لم يوجد حمل أرخاه الرحم ليخرج؛ لأنه لو بقي لآذاها، لو تراكم عليها لضرها، وهذا شيء كتبه الله على بنات آدم، شيء كتبه الله على بنات آدم، {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى} [(222) سورة البقرة] وثبت في الحديث الصحيح أن المسلم يكتب له ما كان يعمله وهو مقيم إذا سافر أو مرض، يستمر عمله، يكتب له ما كان يعمله صحيحاً مقيماً، فهل يكتب للمرأة إذا حاضت ما كانت تعمله في حال طهرها؟ لأن المنع ليس بيدها، نيتها تستمر في طاعة الله عز وجل، لكنها منعت شرعاً، كما منعت المشقة المسافر، وكما منع المرض المريض من عمل ما كان يعمله هو لما كان صحيحاً سليماً معافى، فهل يكتب لها أو لا يكتب؟

طالب:. . . . . . . . .

لا يكتب لماذا؟ نعم؟

طالب:. . . . . . . . .

نعم، لأنها ناقصة في العقل والدين، لو كان يكتب لها ما صارت ناقصة، لو كان يكتب لها من الأجر ما كانت تعمله في حال طهرها ما قيل: ناقصة، هذه حجة من يقول: إنه لا يكتب لها ما كانت تعمله في حال الطهر، ومنهم من يقول: يكتب لها؛ لأنه أذى، والأمر ليس بيدها، ونيتها أن تصلي وتصوم، لكنها ممنوعة شرعاً من ذلك، كما منع المريض بالمرض، والأذى نوع من المرض، والقول الآخر أنه لا يكتب لها لأنه لو كانت يكتب لها ما كانت ناقصة دين، تمر بها الأيام لا تصوم ولا تصلي، فهي ناقصة، لو كانت كاملة لكتب لها، وعلى كل حال الأمر بيد الله عز وجل أولاً وأخراً، فلا اعتراض على حكمه إن لم يكتب، ولا حاد لفضله إن كان يكتب، لا اعتراض لحكمه إن كان لا يكتب لها ما كانت تعمله، فله الأمر أولاً وأخراً، ولا راد لفضله إن كان يكتب، فالمسألة محتملة وهي خلافية بين أهل العلم.

عن عائشة رضي الله عنها أن فاطمة بنت أبي حبيش، سألت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إني أستحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة؟

ص: 24

هناك نساء يبتلين بهذا النزيف المسمى عند أهل العلم بالاستحاضة، وما يسمى بدم الفساد، وهو النزيف في عرف الناس اليوم يسمونه نزيف، يبتلى به بعض النسوة، ووجد في عصره عليه الصلاة والسلام جمع من النسوة يبتلين، فاطمة بنت أبي حبيش، تستحاض فلا تطهر، حمنة استحيضت سبع سنين، وأم حبيبة، وزينب مجموعة من النسوة كن مبتليات بهذا النزيف، وعلى كل حال هو مصيبة من المصائب على المرأة أن تصبر وأن تحتسب وتنال أجرها بذلك.

"إني أستحاض فلا أطهر" لما حاضت عائشة رضي الله عنها في الحج وندمت على ذلك بل بكت، طمأنها النبي عليه الصلاة والسلام أن هذا شيء كتبه الله على بنات آدم، ولما حاضت صفية وإلا زينب؟ نعم؟ قال لها:((عقرى حلقى أحابستنا هي؟ )) والسبب في ذلك لأن بعض الناس يتوقع أن هذا اختلاف معاملة من النبي عليه الصلاة والسلام لأزواجه، هذا ليس باختلاف معاملة، بل ذلك لما يترتب على الحيض بالنسبة لهذه ولهذه، حيض عائشة قبل دخول مكة، مجزوم بأنها تطهر ولا تحبسهم قبل رجوعهم، وحيض صفية إنما كان في آخر الأمر، يعني لو لم تطف طواف الإفاضة لترتب على ذلك الحبس والتأخر، ولذا قال:((أحابستنا هي؟ )) لا شك أن الآثار المترتبة على حيض عائشة غير متعدية؛ لأنها سوف تطهر قبل انصرافهم، قبل رجوعهم، ولا يترتب عليها حبس، لكن حيض الثانية لا شك أنه في آخر الأمر ويترتب عليه الحبس، ولذا قال:((إن هذا شيء كتبه الله على بنات آدم)) يطمئنها، وهذه قال لها:((عقرى حلقى أحابستنا هي؟ )) يعني لماذا ما احتاطت وأفاضت مع الناس؟ لماذا أخرت الإفاضة؟ فلما أخبر أنها قد أفاضت قال: ((فلا إذن)) هذا تنبيه يحتاج إليه؛ لأن بعض الناس إذا سمع هذا يظن أن النبي عليه الصلاة والسلام لا يعدل بين زوجاته، والعدل واجب، وإن كان بالنسبة له عليه الصلاة والسلام المسألة خلافية، هل يلزمه أن يعدل في القسم؟ هل يلزمه أن يعدل في المعاملة بعد أن خيرهن عليه الصلاة والسلام؟

"أن فاطمة بنت أبي حبيش سألت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إني أستحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة؟

ص: 25

الاستحاضة: جريان الدم من فرج المرأة في غير وقته، وفي غير أوانه، غير وقت الحيض، وأيضاً يختلف وصفه، فدم الحيض أسود يُعرِف له رائحة، ومعروف لدى النساء، ودم الاستحاضة يختلف.

"إني أستحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة؟ قال: ((لا)) " في وقت الاستحاضة المرأة في حكم الطاهرة، ((إن ذلك دم عرق، ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها ثم اغتسلي وصلي)).

المستحاضة ينزل عليها الدم شهر كامل، تترك الصلاة؟ لا، تصلي كل الشهر؟ لا، ماذا تصنع؟ قدر الأيام، هذه المستحاضة التي يستمر معها نزول الدم إن كانت معتادة لها عادة معينة الأسبوع الثاني من كل شهر ينزل عليها دم الحيض، ففي هذا الشهر تدع الصلاة الأسبوع الثاني، وتصلي في الأسبوع الأول والثالث والرابع؛ لأنها في حكم الطاهرات، هذا الأسبوع الذي اعتادت أن تأتيها العادة فيه، هذا إذا كانت معتادة، إن كانت مميزة بمعنى أن دم الحيض يختلف في لونه ورائحته عن دم الاستحاضة، تجلس ما دام الدم الذي هو دم الحيض موجود، إذا تغير لونه تغتسل وتصلي، إن لم تكن معتادة ولا مميزة تتحيض غالب الحيض، تنظر إلى نسائها أمها وأخواتها وخالاتها كم عادتهن؟ ستة أيام أو سبع، تجلس ستة أيام وسبع، يعني إذا كان ينزل عليها الدم شهر كامل ولا اختلاف ليست لها عادة، أو لها عادة مضطربة، شهر ثلاثة أيام، وشهر خمسة، وشهر يومين، وشهر

، مثل هذه تجلس غالب الحيض، والدم واحد، من يوم واحد إلى يوم ثلاثين لونه واحد، ورائحته واحدة فحينئذٍ تتحيض كما تتحيض غالب النساء، والمقصود نسائها القريبات منها.

((دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثم اغتسلي وصلي)) تغتسل عن إيش؟ عن الحيض، واغتسال الحيض واجب، والحيض موجب للغسل كما هو معروف.

وفي رواية: ((وليس بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة)) هذا بالنسبة لمن يعرف وقتها أو لونها فيميز، ((فاتركي الصلاة فإذا ذهب قدرها)) مدتها ذهبت، ((فاغسلي عنك الدم وصلي)) وسيأتي في الحديث -حديث أم حبيبة- أنه أمرها أن تغتسل، في الحديث الثاني، نعم، اقرأ الحديث.

ص: 26

وعن عائشة رضي الله عنها أن أم حبيبة استحيضت سبع سنين، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فأمرها أن تغتسل، قالت: فكانت تغتسل لكل صلاة.

نعم، فاطمة كانت تستحاض فسألت النبي عليه الصلاة والسلام، أم حبيبة أم المؤمنين استحيضت سبع سنين فسألت النبي عليه الصلاة والسلام، وفي هذا دليل على أن المرأة تباشر السؤال بنفسها عما يخصها، لا مانع من مباشرتها عن السؤال فيما يخصها، ولا يقال: إن صوت المرأة عورة، لكن يجب عليها أن لا تخضع بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض، لكن بعض النساء طبيعتها كذا، صوتها مغري، هذه بقدر الإمكان تخفف مما يغري الرجال بها، وإلا فالأصل أن صوت المرأة إذا كان بطريقتها العادية من غير تكلف وخضوع أنه ليس بعورة، لكن إذا وجدت الفتنة بصوتها أو بها حينئذٍ عليها أن تكف، لا تعرض نفسها لئن تفتتن أو تفتن، ولو كان هذه خلقتها، فتسأل بواسطة، إذا خشيت من الفتنة عليها أو على غيرها تسأل بواسطة، وإلا فالأصل أن تتولى المرأة السؤال بنفسها.

أم حبيبة أم المؤمنين استحيضت سبع سنين فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فأمرها أن تغتسل فكانت تغتسل لكل صلاة، يعني المستحاضة التي يستمر معها نزول الدم، حكمها حكم من به حدث دائم، سلس بول، أو سلس ريح، أو جرح لا يرقأ، مثل هذا حدثه دائم، وحينئذٍ تتوضأ لكل صلاة.

"أمرها أن تغتسل" الأصل أن تغتسل مرة واحدة، كما جاء في الحديث السابق، فكانت تغتسل لكل صلاة، فاغتسال المستحاضة لكل صلاة مستحب، وليس بواجب، أمرها أن تغتسل مرة واحدة، فكان من عادتها أن تغتسل لكل صلاة اجتهاداً منها؛ لأن الأصل أن الأمر لا يقتضي التكرار، والتكرار يحتاج إلى أمر جديد، فأمرها أن تغتسل، فكان من احتياطها أنها كانت تغتسل لكل صلاة، وهي زوجته مع علمه عليه الصلاة والسلام فيؤخذ منه الاستحباب، ولا يلزم أن تغتسل لكل صلاة، وجاء أيضاً في الحديث:((توضئي لكل صلاة)) فدل على أن وضوءها لا يرفع الحدث، ولو كان يرفع الحدث لما أمرت أن تتوضأ لكل صلاة، ولقائل أن يقول: إنه يرفع الحدث لكن خروج الدم مرة ثانية ناقض لذلك الوضوء، فيلزمها أن تتوضأ لكل صلاة، نعم.

ص: 27

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد كلانا جنب، وكان يأمرني فأتزر، فيباشرني وأنا حائض، وكان يخرج رأسه إلي وهو معتكف، فأغسله وأنا حائض.

عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها تخبر عن الأمور الخاصة بينها وبين النبي عليه الصلاة والسلام، وليس هذا من التحدث بما لا يجوز الحديث عنه؛ لأن الإنسان ممنوع أن يتحدث فيما يقع بينه وبين زوجته في الأمور الخاصة، لكن هذا يترتب عليه حكم شرعي للأمة، يعني لو لم تقل عائشة هذا الكلام كيف يبلغنا مثل هذا الحكم؟

تقول: "كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد كلانا جنب" وتختلف أيديهم فيه ويقول لها: ((دعي لي)) وتقول: "دع لي" وتقدم هذا، والشاهد هنا:"وكان يأمرني فأتزر، فيباشرني وأنا حائض" الحائض طاهرة الأصل، تنام مع زوجها وتأكل معه، وتساكن الناس، وتباشر، وتأخذ وتعطي، وعرقها طاهر، نعم.

"وكان يأمرني فأتزر" تلبس الإزار "فيباشرني وأنا حائض" يعني من فوق الإزار، نعم، فيما فوق الإزار للرجل أن يستمتع من امرأته فيما عدا موضع الأذى، وينبغي أن يبتعد عن الموضع ولا يحوم حول الحمى لئلا تدعوه نفسه إلى أن يقع في الحرام، ولذا كان يأمرها أن تأتزر.

"فيباشرني وأنا حائض، وكان يخرج رأسه إلي وهو معتكف، فأغسله وأنا حائض" تباشر غسل رأسه بالماء ما يقال إنها ما دامت يابسة ما تنجس، لا، هي رطبة الآن، وهي أيضاً متلبسة بهذا الحدث، فدل على أنها طاهرة، فتباشر غسل رأسه بالماء؛ لأن النجس، اليابس ما ينجس اليابس، لكن الرطب ينجس، وهنا تباشر الغسل والغسل فيه رطوبة، "وهو معتكف فأغسله وأنا حائض" فدل على طهارة بدن المرأة وعرق المرأة، وجميع ما يتصل بالمرأة، إلا الأذى الذي هو الخارج النجس، فدم الحيض نجس بالاتفاق يجب غسله.

"كان يخرجه رأسه إلي وهو معتكف فأغسله وأنا حائض" لأن الحائض ممنوعة من دخول المسجد، ((وليعتزل الحيض المصلى)) حتى المصلى -مصلى العيد- يعتزله الحيض، ولو لم يكن يصلى فيه إلا العيد، يعتزل الحيض المصلى، والمسجد من باب أولى، نعم.

ص: 28

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتكئ في حجري وأنا حائض فيقرأ القرآن".

عائشة رضي الله عنها قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتكئ في حجري" الحجر بفتح الحاء، "في حجري وأنا حائض" والحال أنها متلبسة بالحيض "فيقرأ القرآن".

يتكئ في حجر عائشة رضي الله عنها عليه الصلاة والسلام وهي حائض فيقرأ القرآن، فدل على أن القرب من الحائض ليس كالقرب من الأماكن التي تمنع من مزاولة قراءة القرآن، لا، رأسه عليه الصلاة والسلام في حجرها، وتمس رأسه، وهو متكئ عليها، بل صدره الحاوي للقرآن في حجرها، فيقرأ القرآن، هذا فيه إشارة يفهم منه أن الحائض

أقول: فيه تلويح وإشارة إلى أن الحائض لا تقرأ القرآن، ولولا ذلك لما قالت: إنه يقرأ القرآن في حجري، طيب هو طاهر عليه الصلاة والسلام، لم يتلبس بمانع، ما الداعي إلى ذكر مثل هذا؟

فلولا أن الحيض له أثر في قراءة القرآن عندهم أثر يمنع من قراءة القرآن لما قالت مثل هذا القول؛ لأنه بالنسبة عليه الصلاة والسلام لا يوجد مانع منه، إذن المانع المفهوم من الحديث منها، فهذا يستدل به من يقول: إن الحائض لا تقرأ القرآن.

نعم الدلالة ليست من الوضوح بحيث يكون الحكم متفق عليه، لا، لكن فيه إشارة وتلويح وإيماء إلى أن الحائض لا تقرأ القرآن.

"يتكئ في حجري" رأسه عليه الصلاة والسلام في حجرها، صدره الحاوي للقرآن في حجرها، وهي حائض، يقرأ القرآن.

ص: 29

الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- استنبط من هذا أن المحدث بما في ذلك الحائض لها أن تمس القرآن من وراء حائل، هذا استنباط دقيق جداً، كيف؟ يقول: القرآن في جوف النبي عليه الصلاة والسلام، فالنبي عليه الصلاة والسلام كالوعاء للقرآن، وهي تمس النبي عليه الصلاة والسلام وهو يقرأ القرآن، والقرآن في جوفه، إذن القرآن إذا كان في غلاف أو في كيس أو في شيء من هذا للمحدث وللحائض أن تمس القرآن، يقول: وكان أبو وائل يرسل خادمه وهي حائض إلى أبي رزين فتأتيه بالمصحف فتمسكه بعلاقته، وساق هذا الحديث الإمام البخاري -رحمه الله تعالى-، وبعضهم يمنع أن تقرب القرآن ولو من رواء حائل، لكن لا مانع من أن يمس الحدث المصحف من حائل، وكذلك الحائض، نعم.

وعن معاذة رضي الله عنها قالت: سألت عائشة رضي الله عنها فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: أحرورية أنت؟ فقلت: لست بحرورية، ولكني أسأل، فقالت: كان يصيبنا ذلك، فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة.

ص: 30

معاذة تابعية جليلة حريصة على أداء ما كلفت به، تسأل عائشة رضي الله عنها سؤال، وشفاء العي السؤال، وإذا لمس من الإنسان الحرص الذي يخشى من زيادته يرد عليه بمثل هذا الكلام، يأتي شخص مندفع، تريد أن تخفف من حدته بعض الشيء، النبي عليه الصلاة والسلام لما جاءه عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو الحريص على قراءة القرآن، يريد أن يقرأ القرآن في كل يوم، قال له النبي عليه الصلاة والسلام:((اقرأ القرآن في شهر)) ليش؟ ليخفف من اندفاعه، ((أقرأ القرآن في الشهر مرتين)) قال: أستطيع أكثر من ذلك، ((اقرأ القرآن في ثلاث)) قال: أستطيع أكثر من ذلك، قال:((اقرأ القرآن في سبع ولا تزد)) لأنه مندفع ينبغي أن يخفف من اندفاعه، لكن لو شخص منصرف، أو شخص يتحدث على جماعة قد هجروا القرآن، ماذا يقول لهم؟ يقول لهم

، يبين لهم حال السلف مع القرآن، ويبين لهم ما ورد في فضل قراءة القرآن، أن الحرف بعشر حسنات، والله يضاعف لمن يشاء، إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، فهو بحاجة إلى أن يرغب الناس في القرآن؛ لما يرى من انصرافهم، فالعالم أو المفتي والموجه ينبغي أن يكون كالطبيب، إذا شخص مندفع ويخشى عليه من الزيادة والغلو يخفف من حدته، فيعرض عليه الأخف فالأخف وهكذا، لكن شخص مذنب، مفرط، مثل هذا يشد عليه من أجل أن يأتي ببعض الشيء.

ولذا قالت معاذة: سألت عائشة رضي الله عنها فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ قالت لها: أحرورية أنت؟ يعني هل أنت من الخوارج أهل حروراء؟ الذين يرون أن الحائض تقضي الصوم وتقضي الصلاة، الخوارج نعم، يرون أن الحائض تقضي الصوم وتقضي الصلاة، وهذا من تعنتهم ومبالغتهم وتشديدهم فخشيت أن يكون فيها لوثة من هذا الفكر، فقالت: أحرورية أنت؟ نسبة إلى بلد يقال له: حروراء ظهر منه أوائل الخوارج.

فقلت: لست بحرورية، ولكني أسأل، نعم إذا خفي على الإنسان الشيء يسأل، لكن لا يسأل للعنت، إنما يسأل للإفادة والاستفادة، ليستفيد، لكن إذا كان القصد بالسؤال العنت وإظهار التعالم أو إظهار عجز المسئول، مثل هذا ممنوع، جاء النهي عن مثل هذه الأسئلة.

ص: 31

ولكني أسأل، فقالت: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة.

من الآمر هنا بقضاء الصوم؟ ومن الآمر بعدم قضاء الصلاة؟ هو النبي عليه الصلاة والسلام، فإذا قال الصحابي: كنا نؤمر، أو أمرنا، فالمتجه أن الآمر والناهي هو النبي عليه الصلاة والسلام، وهو الذي له الأمر والنهي لا سيما في الأحكام الشرعية، فأجابتها بحديث، بخبر، وهكذا ينبغي أن يكون الجواب، إذا كان فيه خبر يقنع السائل يفهمه السائل فيجيب المفتي بذلك الخبر، إذا كان السائل لا يستوعب ولا يفهم معنى الخبر يقال له: هذا حلال وهذا حرام، إذا كان لا يفقه ولا يفهم من عوام الناس، أما إذا كان يفهم ما يلقى إليه، فيجاب بالخبر؛ لأن الإجابة بالخبر أقوى، إذا كانت دلالته على الحكم دلالة مطابقة، أما إذا كان مفهوم والسائل لا يدرك دلالة المفهوم أو ما أشبه ذلك، فإنه يبين له الحكم، وطالب العلم يبين له الحكم بدليله؛ لأنه بصدد أن يتعلم الحكم بدليله، والله أعلم.

وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

ص: 32