المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌الدرس الرابع بسم الله الرحمن الرحيم [المتن] فَصْلٌ [فِي اخْتِلَافِ السَّلَفِ فِي التَّفْسِيرِ وَأَنَّهُ - شرح مقدمة التفسير لصالح آل الشيخ - جـ ٤

[صالح آل الشيخ]

فهرس الكتاب

الفصل: ‌ ‌الدرس الرابع بسم الله الرحمن الرحيم [المتن] فَصْلٌ [فِي اخْتِلَافِ السَّلَفِ فِي التَّفْسِيرِ وَأَنَّهُ

‌الدرس الرابع

بسم الله الرحمن الرحيم

[المتن]

فَصْلٌ

[فِي اخْتِلَافِ السَّلَفِ فِي التَّفْسِيرِ وَأَنَّهُ اخْتِلَافُ تَنَوُّع]

الْخِلَافُ بَيْنَ السَّلَفِ فِي التَّفْسِيرِ قَلِيلٌ، وَخِلَافُهُمْ فِي الْأَحْكَامِ أَكْثَرُ مِنْ خِلَافِهِمْ فِي التَّفْسِيرِ، وَغَالِبُ مَا يَصِحُّ عَنْهُمْ مِنْ الْخِلَافِ يَرْجِعُ إلَى اخْتِلَافِ تَنَوُّعٍ لَا اخْتِلَافِ تَضَادٍّ، وَذَلِكَ صِنْفَانِ:

أَحَدُهُمَا: أَنْ يُعَبِّرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَنْ الْمُرَادِ بِعِبَارَةِ غَيْرِ عِبَارَةِ صَاحِبِهِ تَدُلُّ عَلَى مَعْنًى فِي الْمُسَمَّى غَيْرِ الْمَعْنَى الْآخَرِ مَعَ اتِّحَادِ الْمُسَمَّى بِمَنْزِلَةِ الْأَسْمَاءِ الْمُتَكَافِئَةِ الَّتِي بَيْنَ الْمُتَرَادِفَةِ وَالْمُتَبَايِنَةِ. كَمَا قِيلَ فِي اسْمِ السَّيْفِ: الصَّارِمُ وَالْمُهَنَّدُ، وَذَلِكَ مِثْلُ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى وَأَسْمَاءِ رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم وَأَسْمَاءِ الْقُرْآنِ، فَإِنَّ أَسْمَاءَ اللَّهِ كُلَّهَا تَدُلُّ عَلَى مُسَمًّى وَاحِدٍ، فَلَيْسَ دُعَاؤُهُ بِاسْمِ مِنْ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى مُضَادًّا لِدُعَائِهِ بِاسْمِ آخَرَ؛ بَلْ الْأَمْرُ كَمَا قَالَ تَعَالَى:{قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} .

وَكُلُّ اسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ يَدُلُّ عَلَى الذَّاتِ الْمُسَمَّاةِ وَعَلَى الصِّفَةِ الَّتِي تَضَمَّنَهَا الِاسْمُ.

كَالْعَلِيمِ يَدُلُّ عَلَى الذَّاتِ وَالْعِلْمِ.

وَالْقَدِيرُ يَدُلُّ عَلَى الذَّاتِ وَالْقُدْرَةِ.

وَالرَّحِيمُ يَدُلُّ عَلَى الذَّاتِ وَالرَّحْمَةِ.

ص: 1

وَمَنْ أَنْكَرَ دَلَالَةَ أَسْمَائِهِ عَلَى صِفَاتِهِ مِمَّنْ يَدَّعِي الظَّاهِرَ، فَقَوْلُهُ مِنْ جِنْسِ قَوْلِ غُلَاةِ الْبَاطِنِيَّةِ الْقَرَامِطَةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: لَا يُقَالُ هُوَ حَيٌّ وَلَا لَيْسَ بِحَيِّ؛ بَلْ يَنْفُونَ عَنْهُ النَّقِيضَيْنِ، فَإِنَّ أُولَئِكَ الْقَرَامِطَةَ الْبَاطِنِيَّةَ لَا يُنْكِرُونَ اسْمًا هُوَ عِلْمٌ مَحْضٌ كَالْمُضْمَرَاتِ وَإِنَّمَا يُنْكِرُونَ مَا فِي أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى مِنْ صِفَاتِ الْإِثْبَاتِ؛ فَمَنْ وَافَقَهُمْ عَلَى مَقْصُودِهِمْ كَانَ مَعَ دَعْوَاهُ الْغُلُوَّ فِي الظَّاهِرِ مُوَافِقًا لِغُلَاةِ الْبَاطِنِيَّةِ فِي ذَلِكَ. وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ بَسْطِ ذَلِكَ.

وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ أَنَّ كُلَّ اسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ يَدُلُّ عَلَى ذَاتِهِ وَعَلَى مَا فِي الِاسْمِ مِنْ صِفَاتِهِ، وَيَدُلُّ أَيْضًا عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي فِي الِاسْمِ الْآخَرِ بِطَرِيقِ اللُّزُومِ.

وَكَذَلِكَ أَسْمَاءُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: مِثْلُ مُحَمَّدٍ وَأَحْمَد وَالْمَاحِي وَالْحَاشِرِ وَالْعَاقِبِ.

وَكَذَلِكَ أَسْمَاءُ الْقُرْآنِ: مِثْلُ الْقُرْآنِ وَالْفُرْقَانِ وَالْهُدَى وَالشِّفَاءِ وَالْبَيَانِ وَالْكِتَابِ. وَأَمْثَالِ ذَلِكَ.

فَإِذَا كَانَ مَقْصُودُ السَّائِلِ تَعْيِينَ الْمُسَمَّى عَبَّرْنَا عَنْهُ بِأَيِّ اسْمٍ كَانَ إذَا عُرِفَ مُسَمَّى هَذَا الِاسْمِ.

وَقَدْ يَكُونُ الِاسْمُ عَلَمًا، وَقَدْ يَكُونُ صِفَةً كَمَنْ يَسْأَلُ عَنْ قَوْلِهِ:{وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي} [طه: 124] مَا ذِكْرُهُ؟ فَيُقَالُ لَهُ: هُوَ الْقُرْآنُ مَثَلًا أَوْ هُوَ مَا أَنْزَلَهُ مِنْ الْكُتُبِ. فَإِنَّ الذِّكْرَ مَصْدَرٌ. وَالْمَصْدَرُ تَارَةً يُضَافُ إلَى الْفَاعِلِ وَتَارَةً إلَى الْمَفْعُولِ.

ص: 2

فَإِذَا قِيلَ ذِكْرُ اللَّهِ بِالْمَعْنَى الثَّانِي كَانَ مَا يُذْكَرُ بِهِ مِثْلَ قَوْلِ الْعَبْدِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ.

وَإِذَا قِيلَ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ كَانَ مَا يَذْكُرُهُ هُوَ وَهُوَ كَلَامُهُ وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ فِي قَوْلِهِ: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي} لِأَنَّهُ قَالَ قَبْلَ ذَلِكَ {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى} [البقرة: 38]، وَهُدَاهُ هُوَ مَا أَنْزَلَهُ مِنْ الذِّكْرِ وَقَالَ بَعْدَ ذَلِكَ:{قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا} [طه: 125-126] .

وَالْمَقْصُودُ أَنْ يُعْرَفَ أَنَّ الذِّكْرَ هُوَ كَلَامُهُ الْمُنَزَّلُ أَوْ هُوَ ذِكْرُ الْعَبْدِ لَهُ، فَسَوَاءٌ قِيلَ ذِكْرِي كِتَابِي أَوْ كَلَامِي أَوْ هُدَايَ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ كَانَ الْمُسَمَّى وَاحِدًا.

وَإِنْ كَانَ مَقْصُودُ السَّائِلِ مَعْرِفَةَ مَا فِي الِاسْمِ مِنْ الصِّفَةِ الْمُخْتَصَّةِ بِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ قَدْرٍ زَائِدٍ عَلَى تَعْيِينِ الْمُسَمَّى مِثْلَ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ الْقُدُّوسِ السَّلَامِ الْمُؤْمِنِ، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ اللَّهُ؛ لَكِنَّ مُرَادَهُ مَا مَعْنَى كَوْنِهِ قُدُّوسًا سَلَامًا مُؤْمِنًا وَنَحْوَ ذَلِكَ.

ص: 3

إذَا عُرِفَ هَذَا فَالسَّلَفُ كَثِيرًا مَا يُعَبِّرُونَ عَنْ الْمُسَمَّى بِعِبَارَةٍ تَدُلُّ عَلَى عَيْنِهِ وَإِنْ كَانَ فِيهَا مِنْ الصِّفَةِ مَا لَيْسَ فِي الِاسْمِ الْآخَرِ كَمَنْ يَقُولُ: أَحْمَد هُوَ الْحَاشِرُ وَالْمَاحِي وَالْعَاقِبُ، وَالْقُدُّوسُ هُوَ الْغَفُورُ وَالرَّحِيمُ أَيْ إِنَّ الْمُسَمَّى وَاحِدٌ لَا أَنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ هِيَ هَذِهِ الصِّفَةُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا لَيْسَ اخْتِلَافَ تَضَادٍّ كَمَا يَظُنُّهُ بَعْضُ النَّاسِ.

مِثَالُ ذَلِكَ تَفْسِيرُهُمْ لِلصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ:

فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ الْقُرْآنُ: أَيْ اتِّبَاعُهُ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ الَّذِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَرَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ: «هُوَ حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ وَهُوَ الذِّكْرُ الْحَكِيمُ وَهُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ» .

وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ الْإِسْلَامُ؛ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم فِي حَدِيثِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ الَّذِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ: «ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا وَعَلَى جَنَبَتَيْ الصِّرَاطِ سُورَانِ، وَفِي السُّورَيْنِ أَبْوَابٌ مُفَتَّحَةٌ، وَعَلَى الْأَبْوَابِ سُتُورٌ مُرْخَاةٌ، وَدَاعٍ يَدْعُو مِنْ فَوْقِ الصِّرَاطِ وَدَاعٍ يَدْعُو عَلَى رَأْسِ الصِّرَاطِ، قَالَ: فَالصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ هُوَ الْإِسْلَامُ وَالسُّورَانِ حُدُودُ اللَّهِ وَالْأَبْوَابُ الْمُفَتَّحَةُ مَحَارِمُ اللَّهِ وَالدَّاعِي عَلَى رَأْسِ الصِّرَاطِ كِتَابُ اللَّهِ، وَالدَّاعِي فَوْقَ الصِّرَاطِ وَاعِظُ اللَّهِ فِي قَلْبِ كُلِّ مُؤْمِنٍ» .

ص: 4

فَهَذَانِ الْقَوْلَانِ مُتَّفِقَانِ؛ لِأَنَّ دِينَ الْإِسْلَامِ هُوَ اتِّبَاعُ الْقُرْآنِ، وَلَكِنْ كُلٌّ مِنْهُمَا نَبَّهَ عَلَى وَصْفٍ غَيْرِ الْوَصْفِ الْآخَرِ، كَمَا أَنَّ لَفْظَ "صِرَاطٍ" يُشْعِرُ بِوَصْفِ ثَالِثٍ.

وَكَذَلِكَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: هُوَ السُّنَّةُ وَالْجَمَاعَةُ.

وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: هُوَ طَرِيقُ الْعُبُودِيَّةِ.

وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: هُوَ طَاعَةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ"صلى الله عليه وسلم.

وَأَمْثَالُ ذَلِكَ. فَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ أَشَارُوا إلَى ذَاتٍ وَاحِدَةٍ ; لَكِنْ وَصَفَهَا كُلٌّ مِنْهُمْ بِصِفَةِ مِنْ صِفَاتِهَا.

[الشرح]

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. وبعد:

هذا الكلام مهم جدا للناظر في كلام السلف في التفسير، وقدّم له بمقدمة؛ وهي أن كلام السلف من الصحابة والتابعين في التفسير قد يكون مختلفا؛ ولكن خلافهم واختلافهم في التفسير قليل إذ بالنسبة إلى اختلافهم في الأحكام الفقهية، فإن اختلافهم في الأحكام كثير جدا، وأما اختلافهم في التفسير فقليل.

وهذا الكلام قد لا يُسَلّم له إذا نظر إلى أن الاختلاف في كل آية موجود عن السلف موجود عنهم الخلاف في تفسير كلمات الآيات أو في تفسير الآيات بين الصحابة والتابعين، وهنا لا يُعترض بمثل هذا الاعتراض قعّد شيخ الإسلام رحمه الله هذه القاعدة التي هي من القواعد الأصولية وهي أن الاختلاف نوعان: اختلاف تنوع واختلاف تضاد.

وبين لك اختلاف التنوع ببيان أصله -أصل معناه-، ثم ببين أمثلة عليها واضحة من غير القرآن، ثم مثل لذلك بالصراط المستقيم في القرآن، وقبله بالذكر في القرآن.

ص: 5

وتقرير ذلك أن الاختلاف -الاختلاف في الآية بتفسيرها أو في كلمة منها- لا يعني أن يكون القول بل أقول: إن الاتفاق في تفسير الآية أو في تفسير كلمة منها لا يعني أن يكون القول من الصحابي موافقا للقول الآخر في حروفه؛ بل قد يكون الاتفاق في المعنى ولا يسمى هذا اختلافا؛ بل هو اتفاق؛ لأنه في الحقيقة اتفقوا على المعنى، أما اللفظ فجرى بينهم خلاف فيه، فمن الناس من ينظر إلى اللفظ ويقول: السلف اختلفوا في ذلك. وهذا ليس بصحيح؛ بل المفسر ينظر إلى المعنى؛ لأن من يرد التفسير إنما يبين معنى الكلام، وتبيين معنى الكلام يختلف باختلاف المفسِّر، يختلف باختلاف المعبِّر؛ لأنه تعبير عما فهمه من الكلام، قد يكون هذا التعبير بالنظر إلى حاجة المتكلم من أنه سأل عن شيء معين أو لحاجته التي فيها إصلاحه من جهة الهداية، أو بالنظر إلى عموم اللفظ وما يشمله ونحو ذلك، فقال: إن الاختلاف في التنوع هذا في منزلة الألفاظ المتكافئة التي هي بين المترادفة والمتباينة. وعند الأصوليين الألفاظ إما أن تكون متواطئة أو مشتركة أو [مشككة] أو مترادفة أو متباينة.

والترادف التام لا يوجد في القرآن ولا في اللغة، أو إن وجد عند بعض المحققين من بعض العلم فإنه نادر الترادف التام؛ يعني أن هذا اللفظ يساوي هذا اللفظ من كل جهاته، يساويه في المعنى من كل جهاته، هذا الترادف.

ص: 6

أما التباين فأن تكون هذه غير تلك لفظا ومعنى، بينهما -كما ذكر شيخ الإسلام وهو اختيار له-، عند طائفة من الأصوليين غير ذلك؛ لأنهم يجعلون الأسماء المتكافئة من المتباينة، ويجعلون المتباينة قسمين؛ لكن نسير على كلامه في أن الألفاظ المتكافئة بين المترادفة والمتباينة، فهي ليست مترادفة، كل لفظ هو الآخر لفظا ومعنى، وليست هي المترادفة لأن اللفظ مع الآخر متساوية في المعنى تاما لا اختلاف فيه، وليست هي المتباينة من أن هذا اللفظ غير ذاك تماما -يعني مع معناه-؛ المعنى مختلف تماما كما أن اللفظ مختلف تماما؛ بل هي بين هذا وهذا؛ يعني هي متكافئة لاشتراك في شيء واختلاف في شيء، في دلالتها على المسمى على الذات هذه واحدة، في دلالتها على أوصاف الذات هذه مختلفة.

مثل ما ذكر من أسماء السيف أنه السيف والصارم والمهند والبتار إلى آخره، هذه هي متباينة؟ على كلامه ليست بمتباينة؛ لأن البتار والصارم والمهند كل هذا معناه السيف، وهل هي مترادفة؟ لا؛ لأن دلالتها على الذات واحدة؛ لكن مختلفة في المعنى البتار فيه أنه سيف وزيادة وصف وهو كونه بتارا، المهند سيف وزيادة كونه جاء من الهند، الصارم سيف وزيادة أن من وصفه الصّرامة وهكذا.

فإذن فيها ترادف من جهة الدلالة على المسمّى وفيها تباين من جهة المعنى فصارت بيْن بيْن، وسميت متكافئة؛ يعني يكافئ بعضها بعضا وهذا لا يقتضي التبيان ولا يقتضي الترادف.

ص: 7

هذا مثل ما جاء في الأسماء الحسنى كما مثّل لك، فإن اسم الله العليم والمؤمن والقدوس والسّلام هذه بدلالة الذات، فإن العليم هو الله، والقدوس هو الله، والسلام هو الله، والرحيم هو الله، والملك هو الله، من جهة دلالتها على الذات واحدة، ومن جهة دلالتها على الصفة مختلفة، فإن اسم الله القدوس ليس مساويا في المعنى -من جهة الصفة- لاسم الله الرحيم، اسم الله العزيز ليس مساويا من جهة المعنى -يعني الصفة التي اشتمل عليها الاسم- لاسم الله القوي، ونحو ذلك، هذه تسمى متكافئة؛ يعني من حيث دلالتها على المسمى واحدة؛ لكن من حيث دلالتها على الوصف الذي في المسمى مختلفة؛ لأن المسمى الذات ذات أي شيء والمسمى هذا يختلف، فيه صفات متعددة؛ إذا نظرت له من جهة يوصف بكذا، من جهة أخرى يوصف بكذا، وهو ذات واحدة.

مثّل لهذا بالذكر {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا} [طه: 124] ، الذكر ما هو؟ هل هو القرآن؟ هل هو السنة؟ هل هو الرسول صلى الله عليه وسلم؟ هل هو ذكر الله؛ يعني التسبيح والتحميد؟ هذه كلها متلازمة؛ يعني من حيث ظاهرها مختلفة، أناس فسّروها بالقرآن، أناس فسروها بالسنة، أناس فسروها بكذا؛ لكن من حيث الدّلالة فإنها متلازمة؛ يعني من أعرض عن القرآن أعرض عن السنة، أعرض عن الإسلام، أعرض عن اتباع الرسول. من أعرض عن السنة أعرض عن القرآن أعرض عن الإسلام، إلى آخره.

فإذن الاختلاف هنا باعتبار المعنى، باعتبار ما اشتمل عليه المسمى من أوصاف.

فإذن هذا لا يسمى اختلافا بين مفسري السلف؛ بل هو اتفاق؛ لكن الاختلاف جاء في الدلالة على المعنى، وهذا له أسباب كما ذكرت بعضها.

ص: 8

تفسير الصراط، مرّ معنا أن الصراط فُسر بأنه القرآن، بأنه السنة والجامعة، بأنه السنة، بأنه الرسول صلى الله عليه وسلم، هذه التفاسير متلازمة بعضها لازمٌ لبعض، فإن الصراط الذي هو القرآن هو دال على السنة وهو الإسلام، هل سيهتدي إلى القرآن من لم يهتد إلى السنة؟ هل سيهتدي إلى السنة من لم يهتد إلى الإسلام، وهكذا.

فإذن إذا رأيت اختلافا للسّلف في آية أو في كلمة من آية فانظر المسمّى الذي يجمع هذا الاختلاف، ثم انظر إلى هذا المسمى من جهة صفاته من جهة معانيه المختلفة.

فتنظر إلى تفاسيرهم هل بينها تلازم، فإذا كان ثم تلازم بينها، وأن الواحد يؤول إلى الآخر أو مرتبط بالآخر لا يقوم هذا إلا بهذا أو أنها صفات مختلفة كل واحد ينظر إلى جهة، فإن هذا لا يسمى اختلافا؛ بل تقول: فسرها بعضهم بكذا، لا تقول: اختلف المفسرون فيها إلا إن عنيت اختلاف التنوع؛ بل تقول: فسرها بعضهم بكذا، وفسرها بعضهم بالإسلام، فسّر بعضهم الصراط بكذا، ثم تقول بعد ذلك كما قال ابن كثير وابن جرير وجماعات العلماء بأن هذه الأقوال مؤداها واحد لأنك تجمع ذلك.

مثلا في قوله تعالى {لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً} في سورة النحل؛ {وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي اللهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَة} [النحل: 41] ، هذه الحسنة ما هي؟

قال بعض المفسرين من السلف هي المال، {لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً} يعني لنعطينهم ولننزلنهم في هذه الدنيا مالا ونعطيهم مالا جزيلا.

قال آخرون هي الزوجات والجواري.

قال آخرون هي الإمارة حيث ينفذ أمرهم ونهيهم.

ص: 9

هذه كلها تفاسير، نعم ظاهرها مختلف؛ لكن يجمعها الحسن، الحسن الذي يلائمهم، والحسنة فسرها العلماء بأنها ما يلائم الطبع ويسرّ النفس، وهم كانوا ظلموا من جهة أموالهم فإعادة الأموال وتوسيع الأموال عليهم وكثرة الأرزاق عندهم، هذا حسنة لاشك، والإمارة من ذلك والزوجات وكثرة الجواري لما حرموا منها في أول الإسلام من ذلك.

إذن فهذه التفاسير ترجع إلى شيء واحد، لا يعتبر هذا اختلاف لأن كل واحد ينظر إلى جهة.

ونكمل إن شاء الله بعد [الأذان] .

المثال الذي ذكرته من حسنة {لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً} ويصدق على الصنف الثاني الذي سيذكره شيخ الإسلام أكثر من دلالته على الأول لأنه من قبيل إطلاق بعض أفراد العام على العام؛ لأن الحسنة تجمع أشياء كثيرة، وتفسيرهم لها بأنها الزوجة أو المال أو الإمارة؛ ببعض أفرادها، وهذا هو النوع الثاني الذي سيذكره شيخ الإسلام ابن تيمية وهو ليس من النوع الأول.

فإذن النوع الأول من اختلاف التنوع أن يدل كلُّ مفسر على المسمى الواحد ببعض صفاته أو ببعض ما يتَّصل به.

القسم الثاني سيأتي.

[المتن]

الصِّنْفُ الثَّانِي: أَنْ يَذْكُرَ كُلٌّ مِنْهُمْ مِنْ الِاسْمِ الْعَامِّ بَعْضَ أَنْوَاعِهِ عَلَى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ وَتَنْبِيهِ الْمُسْتَمِعِ عَلَى النَّوْعِ، لَا عَلَى سَبِيلِ الْحَدِّ الْمُطَابِقِ لِلْمَحْدُودِ فِي عُمُومِهِ وَخُصُوصِهِ.

مِثْل سَائِلٍ أَعْجَمِيٍّ سَأَلَ عَنْ مُسَمَّى "لَفْظِ الْخُبْزِ" فَأُرِيَ رَغِيفًا وَقِيلَ لَهُ: هَذَا. فَالْإِشَارَةُ إلَى نَوْعِ هَذَا لَا إلَى هَذَا الرَّغِيفِ وَحْدَهُ.

مِثَالُ ذَلِكَ مَا نُقِلَ فِي قَوْلِهِ: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ} [فاطر: 32] .

ص: 10

فَمَعْلُومٌ أَنَّ الظَّالِمَ لِنَفْسِهِ يَتَنَاوَلُ الْمُضَيِّعَ لِلْوَاجِبَاتِ وَالْمُنْتَهِكَ لِلْمُحَرَّمَاتِ.

وَالْمُقْتَصِدُ يَتَنَاوَلُ فَاعِلَ الْوَاجِبَاتِ وَتَارِكَ الْمُحَرَّمَاتِ.

وَالسَّابِقُ يَدْخُلُ فِيهِ مَنْ سَبَقَ فَتَقَرَّبَ بِالْحَسَنَاتِ مَعَ الْوَاجِبَاتِ.

فَالْمُقْتَصِدُونَ هُمْ أَصْحَابُ الْيَمِينِ {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ} [الواقعة: 10-11]، ثُمَّ إنَّ كُلًّا مِنْهُمْ يَذْكُرُ هَذَا فِي نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الطَّاعَاتِ كَقَوْلِ الْقَائِلِ: السَّابِقُ الَّذِي يُصَلِّي فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ، وَالْمُقْتَصِدُ الَّذِي يُصَلِّي فِي أَثْنَائِهِ، وَالظَّالِمُ لِنَفْسِهِ الَّذِي يُؤَخِّرُ الْعَصْرَ إلَى الِاصْفِرَارِ.

أو يَقُولُ: السَّابِقُ وَالْمُقْتَصِدُ وَالظَّالِمُ قَدْ ذَكَرَهُمْ فِي آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فَإِنَّهُ ذَكَرَ الْمُحْسِنَ بِالصَّدَقَةِ وَالظَّالِمَ بِأَكْلِ الرِّبَا وَالْعَادِلَ بِالْبَيْعِ وَالنَّاسُ فِي الْأَمْوَالِ إمَّا مُحْسِنٌ وَإِمَّا عَادِلٌ وَإِمَّا ظَالِمٌ؛ فَالسَّابِقُ الْمُحْسِنُ بِأَدَاءِ الْمُسْتَحَبَّاتِ مَعَ الْوَاجِبَاتِ وَالظَّالِمُ آكِلُ الرِّبَا أَوْ مَانِعُ الزَّكَاةِ وَالْمُقْتَصِدُ الَّذِي يُؤَدِّي الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ وَلَا يَأْكُلُ الرِّبَا.

وَأَمْثَالُ هَذِهِ الْأَقَاوِيلِ.

فَكُلُّ قَوْلٍ فِيهِ ذِكْرُ نَوْعٍ دَاخِلٍ فِي الْآيَةِ وإِنَّمَا ذُكِرَ لِتَعْرِيفِ الْمُسْتَمِعِ بِتَنَاوُلِ الْآيَةِ لَهُ، وَتَنْبِيهِهِ بِهِ عَلَى نَظِيرِهِ؛ فَإِنَّ التَّعْرِيفَ بِالْمِثَالِ قَدْ يَسْهُلُ أَكْثَرَ مِنْ التَّعْرِيفِ بِالْحَدِّ الْمُطْلَقِ.

وَالْعَقْلُ السَّلِيمُ يَتَفَطَّنُ لِلنَّوْعِ كَمَا يَتَفَطَّنُ إذَا أُشِيرَ لَهُ إلَى رَغِيفٍ فَقِيلَ لَهُ: هَذَا هُوَ الْخُبْزُ.

ص: 11

وَقَدْ يَجِيءُ كَثِيرًا مِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْلُهُمْ: هَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي كَذَا، لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ الْمَذْكُورُ شَخْصًا؛ كَأَسْبَابِ النُّزُولِ الْمَذْكُورَةِ فِي التَّفْسِيرِ.

كَقَوْلِهِمْ: إنَّ آيَةَ الظِّهَارِ نَزَلَتْ فِي امْرَأَةِ أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ.

[الشرح]

هذا النوع الثاني أو الصنف الثاني من اختلاف التنوع، وذلك أن في القرآن كثيرا ما تستعمل الألفاظ العامة التي لها معاني كثيرة، مثل ما ذكر من اسم المقتصد، من اسم الظالم لنفسه، السابق بالخيرات، مثل ما ذكرنا في لفظ الحسنة، ومثل ما ذُكر الحسنة ويقابلها السيئة {إِذَا جَاءتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَذِهِ} [الأعراف: 131] ، ولفظ السيئة كذلك وأتباع هذا.

فيه ألفاظ كثيرة تكون دلالات اللفظ متنوعة باعتبار أفراده يعني عام له أفراد كثيرة، فيأتي المفسر من السلف من الصحابة فيذكر لفظا منها، يذكر لفظا من أفراده تدخل تحت العام، وهذا لا يعد خلافا لأنه ذكره كالتنبيه -كما ذكر الآن شيخ الإسلام- على أن هذا اللفظ يدخل فيه -يعني اللفظ العام- يدخل فيه هذا المعين وهذا المفرد باعتبار الحاجة إلى هذا التعيين بحسب حال السائل أو حال المستمع، ومثاله كما ذكر قال {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ} الظالم لنفسه، {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ} بأكل الربا، هذا صحيح، الظالم لنفسه يدخل فيه أكل الربا؛ لكن أكل الربا ليس مساويا بالمطابقة للظالم للنفس؛ بل الظلم للنفس يكون بارتكاب أي من المنهيات أو بالتفريط في أي من الواجبات.

فإذا ذكر المفسر بعض أفراد الظلم إما بالتفريط في بعض الواجبات أو بارتكاب بعض المنهيات وذكر غيره فردا آخر من أفراد العام هذا فإن هذا لا يعد اختلافا، وإن سمي اختلافا فهو من اختلاف التنوع، وهذا كما ذكر من التعبير عن العام ببعض أفراده.

ص: 12

{وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ} المقتصد من هو؟ قال: هو الذي أدى الصلاة وترك الحرام. أداء الصلاة هذه بعض الواجبات، المقتصد هو الذي أدى الواجبات وترك المحرمات، فإذا تذكرت بعض أفراد المقتصدين، ذكرت أوصاف لبعض أوصاف المقتصدين فإن هذا لا يعني تعيينا لتفسير اللفظ من حيث حقيقته؛ بل ذكروا ما يتضمنه اللفظ باعتبار أنه فرد دخل تحت عام.

مثل ما مثلت لكم بالحسنة، الحسنة عند العلماء هي ما يلائم الطبع ويسر النفس، النساء من ذلك يعني الزوجات والجواري من ذلك، المال من ذلك، الإمارة والأمر والنهي من ذلك، فلما قال الله جل وعلا فيهم {لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً} ، {وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي اللهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَة} [النحل: 41] ، فمن فسرها بأنها المال فسر الحسنة ببعض أفرادها ببعض ما يدخل فيها، قال الآخر هي المال، الزوجات قال الثالث الإمارة، قال الرابع أن يطاع والجاه ونحو ذلك، فهذا لا يعد اختلافا بل كله داخل تحت الاسم العام.

وهذا يفيد الفائدة وهو أن السلف فسّروا القرآن لأجل الهداية لا لأجل الألفاظ، وهذا مما يحتاجه المفسر جدا أن يرى حاجة السائل فيفسر الآية باعتبار حاجته أو حاجة المستمعين، فإن فسرها ببعض أفرادها فإن هذا التفسير منه صحيح وليس مخالف لتفاسير السلف، فلا يرد اعتراض من اعترض تقول أنت فسرت الحسنة بأنها المال، لا هم فسروا الحسنة بأنها الجاه مثلا أو الأمر والنهي، نقول: لا تعارض؛ فإن المفسر قد يرى أن الحاجة أن ينص على بعض الأفراد.

إذن فإذا كان اللفظ عاما يدخل فيه كثير من الأفراد فإنه لا يسوغ تخصيصه.

ص: 13

مثال أيضا في سورة النحل في قوله تعالى {وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ} [النحل: 72]، {جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً} [النحل: 72] هنا الحفدة اختلف فيها المفسرون:

فمنهم من قال: الحفدة هو أولاد الأولاد، الحفيد يعني ابن الابن.

قال آخرون: الحفدة هم الأصهار؛ يعني أزواج البنات.

وقال آخرون: الحفدة هم العبيد والخدم.

هذا لا يعتبر اختلافا لأن إرجاع معنى اللفظ إلى أصل لغوي يوضح لك أن هذه جميعا من أفراد اللفظ وليست تخصيصا له.

ذلك لأن الحفْد في اللغة هو المسارعة، ومن أوصاف الخادم أنه يسارع في خدمة سيده، وقد جاء في الحديث «إليك نسعى ونَحْفِد» . يعني نسرع في طاعتك بالسعي وبما هو أسرع من السعي، نحفد يعني من جهة السرعة، وسُمي الخادم خادما لأنه يسرع في إرضاء سيده، كذلك ولد الولد باعتبار صغره وحداثة سنه ونحو ذلك وما لجده من الحقوق هو يسرع في إرضاء جده.

الأصهار أزواج البنات الأصل أنهم يرضون ويسرعون في إرضاء آباء أولادهم من جهة البنات، وهكذا.

فإذن التفسير الحفدة يشمل هذا كله، فمنهم من عبر عنها بأبناء البنين، ومنهم من عبر عنها بالأصهار، ومنهم من غبر عنهم بالخدم والعبيد، وكل هذا صحيح لأن الحفدة جمع حافد، وهو اسم فاعل الحفد، والحفد المسارعة في الخدمة، وهذا يسقط على هؤلاء جميعا.

هذا من هذا القسم وهو أن يكون اللفظ عاما فيُفسر بأحد أفراده، وهذا لا يعتبر اختلاف لهذا ينظر المفسر، أو تنظر وأنت تقرأ في التفسير إلى هذا بعناية، الاختلافات حاول تجمع بينها:

إما بالجهة الأولى المسمى والصفات.

وإما من هذه الجهة العام وأفراده. ((1)

[الأسئلة]

هذا اقتراح، نجيب على بعض الأسئلة.

س1/ يقول: أقترح قراءة مقدمة ابن كثير قبل قراءة التفسير؟

(1) انتهى الوجه الأول من الشريط الثاني.

ص: 14

ج/ مقدمة تفسير ابن كثير لخص فيها مقدمة شيخ الإسلام هذه، وقراءتنا لهذه المقدمة لشيخ الإسلام تكفي عن قراءة مقدمة تفسير ابن كثير.

س2/ يقول هل هناك طبعة معينة -يعني لتفسير ابن كثير- أم هل هناك مختصر أو الأصل؟

ج/ الآن نقرا في الأصل لأنه أكثر فوائد ففيه الحديث والأسانيد وفيه اللغة وفيه علوم كثيرة، والطبعة التي هي أحسن فيما ظهر لي طبعة [....] في ثمانية أجزاء هذه أصح الطبعات فيما ظهر لي والله أعلم.

س3/ هذا سؤال طويل يقول: هل هناك في القرآن مجاز وكيف ذلك؟

ج/ هذا تفصيله يحتاج إلى محاضرة كاملة؛ لكن المختصر أنّ القرآن الصحيح أن ليس فيه مجاز، ومن ادّعى المجاز في القرآن فهو على أحد قسمين:

إما أن يدعي المجاز في آيات الصفات والآيات التي فيها ذكر للغيب، هذا بدعة وضلال، وغلط أيضا في دعوى المجاز؛ لأن المجاز عند من عرفه هو نقل الكلام من وضعه الأول إلى وضع ثانٍ لمناسبة بينهما، وفي هذا التعريف اشتراط أن يكون اللفظ الأول معلوما، والأمور الغيبية لا يُعلم الصفات وما يحدث يوم القيامة واليوم الآخر والأشياء التي لم تر ولم تعرف وذكرها الله جل وعلا في كتابه لا يعلم وضعها الأول، فنقلها إلى وضع ثاني غلط من جهة تطبيق المجاز كما قاله جمع من المحققين ممن ادعوا المجاز أو ممن بحثوا المجاز.

أما إن ادُّعي المجاز في غير آيات الصّفات في الألفاظ في سياق الكلام في بعض الآيات، فإن هذا غلط نقول هذا غلط وخلاف الصواب، والمحققون حققوا أن ليس في القرآن مجاز لأن أصل المجاز وقاعدته أنه يصح نفيه، إذا قال القائل: رأيت أسدا لقائل أن يقول ليس بأسد. رأيت أسدا فكلمني.

كل مجاز معياره صحة نفيه القائلين به، فإذا قال القائل: رأيت أسدا فكلمني، لمن كلمه أو سمع منه أو هو أن يقول ليس بأسد؛ يعني يصح النفي.

ص: 15

والقرآن لا يجوز أن ينفى كلمة فإذا قال الله تعالى {جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ} [الكهف: 77] القائلون أن فيها مجازا على قاعدتهم يجوز أن يقال لا يريد أن ينقض لقوله تعالى {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيْرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا} [يوسف: 82] ، من ادعى المجاز يقال له وهو يعترف أنه يصح أن يقال {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} ليست بقرية والعير ليست بعير وهذا نفي للقرآن، وهذا ممتنع، وهذا من أقوى الأدلة التي أقامها من يدخل المجاز في غير آيات الصفات وأخبار الغيب؛ لكن هو اختلاف أدبي إذا ادعي في غير الآيات، نقول: خلاف الصواب، لكن نقول ليس ببدعة لكثرة القائلين به من العلماء.

المجاز فيه بحوث مطولة جدا لكن أحسنها وأفضلها كتاب للشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله في المجاز سماه: منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز.

س4/ يسأل عن آية ما معناها إذا لم يكن في القرآن مجاز؟

ج/ البحث يطول يعني القرآن كله حقيقة، فالحقيقة قد تكون على جهة الإفراد تُفهم من جهة أفراد الكلام وقد تكون من جهة تركيب الكلام مثل الظاهر، الظاهر قد يفهم من كلمة وقد تفهمه من التركيب، فقول الله جل وعلا {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} هذا يفهم من الظاهر ليس من اللفظ {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} ظاهرها معلوم أن السؤال يقع على من في القرية، هذا ظاهر اللفظ، واللغة العربية حقيقة نأخذ بظاهر ألفاظها ومن ادّعى المجاز حصر الحقيقة في الألفاظ ولم يذكر الحقيقية في التركيب، وحصر الظاهر في اللفظ ولم يذكر الظاهر في التركيب، وهذا باطل؛ لأن الحقيقة قد تكون في التركيب، والظاهر الذي هو القابل التأويل هذا قد يكون أيضا في التركيب.

{أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ} [الفرقان: 45] ، واضح لأن المراد ليس رؤية الله جل وعلا؛ لأنه قال {كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ} وهذا يفهم من ظاهره التركيب.

ص: 16

كذلك قوله تعالى في سورة النحل {فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ} [النحل: 26]، ما يؤخذ من هذه الآية صفة الإتيان لله لأنه ليس المراد هنا إتيان الله جل وعلا بذاته؛ لأنه قال {فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمْ السَّقْفُ} [النحل: 26] ، فظاهر الكلام الحقيقة التركيبية مفهومة تُفهم أن المراد بعذابه أو قدرته ونحو ذلك.

وهذا لا يعد تأويلا ويعد قولا بالمجاز.

س5/ ما رأيك أن تكون القراءة مختصر الرفاعي لابن كثير؟

ج/ ليس بمناسب.

س6/ يقول: هل تقصد باختلاف التنوع أن كل مفسر نظر من زاوية فيفسره حسب المقام وحسب سؤال السائل، فلا يسمى بذلك اختلافا بل أقوالا؟

ج/ هذا جهة أن الشيء الواحد المسمى الواحد قد تكون صفات كثيرة مثلما ذكرنا السيف صارم ومهند وبتار، الأسد أسامة وله عدة أسماء.

هذا لكه باعتبار الصفات أما الذات واحدة، أسماء الله جل وعلا الحسنى، أسماء النبي عليه الصلاة والسلام الحاشر والعاقب والماحي وأحمد ومحمد، كلها دلالة على ذات واحدة وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لكن باعتبار الصفات تختلف.

إذا نظرت إلى كثرة صفاته المحمودة فهو محمد، إذا نظرت باعتبار تجدد صفاته المحمودة فهو أحمد، إذا نظرت إلى أنه عاقب للأنبياء فهو العاقب، إذا نظرت إلى أن الأنبياء يحشرون على عقبه فهو الحاشر، وهكذا.

فهذا باعتبار الصفات، قد يكون أيضا مثل ما ذكر الصنف الثاني الأفراد مع العام.

ونقف عند هذا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

* * *

أعدّ هذه المادّة: سالم الجزائري

ص: 17