المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌الدرس الثامن بسم الله الرحمن الرحيم [المتن] وَلِهَذَا إنَّمَا يَقَعُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ - شرح مقدمة التفسير لصالح آل الشيخ - جـ ٨

[صالح آل الشيخ]

فهرس الكتاب

الفصل: ‌ ‌الدرس الثامن بسم الله الرحمن الرحيم [المتن] وَلِهَذَا إنَّمَا يَقَعُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ

‌الدرس الثامن

بسم الله الرحمن الرحيم

[المتن]

وَلِهَذَا إنَّمَا يَقَعُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ غَلَطٌ فِي بَعْضِ مَا جَرَى فِي الْقِصَّةِ مِثْلِ حَدِيثِ اشْتِرَاءِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الْبَعِيرَ مِنْ جَابِرٍ؛ فَإِنَّ مَنْ تَأَمَّلَ طُرُقَهُ عَلِمَ قَطْعًا أَنَّ الْحَدِيثَ صَحِيحٌ وَإِنْ كَانُوا قَدْ اخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِ الثَّمَنِ.

وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ، فَإِنَّ جُمْهُورَ مَا فِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ مِمَّا يُقْطَعُ بِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَهُ؛ لِأَنَّ غَالِبَهُ مِنْ هَذَا النَّحْوِ; وَلِأَنَّهُ قَدْ تَلَقَّاهُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْقَبُولِ وَالتَّصْدِيقِ وَالْأُمَّةُ لَا تَجْتَمِعُ عَلَى خَطَأٍ؛ فَلَوْ كَانَ الْحَدِيثُ كَذِبًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ؛ وَالْأُمَّةُ مُصَدِّقَةٌ لَهُ قَابِلَةٌ لَهُ لَكَانُوا قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى تَصْدِيقِ مَا هُوَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ كَذِبٌ، وَهَذَا إجْمَاعٌ عَلَى الخطأ، وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ وَإِنْ كُنَّا نَحْنُ بِدُونِ الْإِجْمَاعِ نُجَوِّزُ الْخَطَأَ أَوْ الْكَذِبَ عَلَى الْخَبَرِ فَهُوَ كَتَجْوِيزِنَا قَبْلَ أَنْ نَعْلَمَ الْإِجْمَاعَ عَلَى الْعِلْمِ الَّذِي ثَبَتَ بِظَاهِرٍ أَوْ قِيَاسٍ ظَنِّيٍّ أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ فِي الْبَاطِنِ; بِخِلَافِ مَا اعْتَقَدْنَاهُ، فَإِذَا أَجْمَعُوا عَلَى الْحُكْمِ جَزَمْنَا بِأَنَّ الْحُكْمَ ثَابِتٌ بَاطِنًا وَظَاهِرًا.

ص: 1

وَلِهَذَا كَانَ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ جَمِيعِ الطَّوَائِفِ عَلَى أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ إذَا تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ تَصْدِيقًا لَهُ أَوْ عَمَلًا بِهِ أَنَّهُ يُوجِبُ الْعِلْمَ.

وَهَذَا هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُونَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد إلَّا فِرْقَةً قَلِيلَةً مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ اتَّبَعُوا فِي ذَلِكَ طَائِفَةً مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ أَنْكَرُوا ذَلِكَ؛ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ أَوْ أَكْثَرِهِمْ يُوَافِقُونَ الْفُقَهَاءَ وَأَهْلَ الْحَدِيثِ وَالسَّلَفَ عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْأَشْعَرِيَّةِ كَأَبِي إسْحَاقَ وَابْنِ فُورَك.

وَأَمَّا ابْنُ الباقلاني فَهُوَ الَّذِي أَنْكَرَ ذَلِكَ وَتَبِعَهُ مِثْلُ أَبِي الْمَعَالِي وَأَبِي حَامِدٍ وَابْنِ عَقِيلٍ وَابْنِ الْجَوْزِيِّ وَابْنِ الْخَطِيبِ (1) والآمدي وَنَحْوِ هَؤُلَاءِ.

وَالْأَوَّلُ هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَأَبُو الطَّيِّبِ وَأَبُو إسْحَاقَ وَأَمْثَالُهُ مِنْ أَئِمَّةِ الشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ وَأَمْثَالُهُ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ شَمْسُ الدِّينِ السَّرَخْسِيُّ وَأَمْثَالُهُ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ. وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ أَبُو يَعْلَى وَأَبُو الْخَطَّابِ وَأَبُو الْحَسَنِ بْنُ الزاغوني وَأَمْثَالُهُمْ مِنْ الْحَنْبَلِيَّةِ.

(1) قال الشيخ صالح: ابن الخطيب يعني الرازي، الرازي يسمى في كثير من الكتب ابن الخطيب؛ لأن أباه كان خطيبا في الري، يقال له ابن الخطيب الري، أو اختصارا ابن الخطيب.

ص: 2

وَإِذَا كَانَ الْإِجْمَاعُ عَلَى تَصْدِيقِ الْخَبَرِ مُوجِبًا لِلْقَطْعِ بِهِ فَالِاعْتِبَارُ فِي ذَلِكَ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ، كَمَا أَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي الْإِجْمَاعِ عَلَى الْأَحْكَامِ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْإِبَاحَةِ.

والْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّ تَعَدُّدَ الطُّرُقِ مَعَ عَدَمِ التَّشَاعُرِ (1) أَوْ الِاتِّفَاقِ فِي الْعَادَةِ يُوجِبُ الْعِلْمَ بِمَضْمُونِ الْمَنْقُولِ؛ لَكِنَّ هَذَا يُنْتَفَعُ بِهِ كَثِيرًا فِي عِلْمِ أَحْوَالِ النَّاقِلِينَ.

وَفِي مِثْلِ هَذَا يُنْتَفَعُ بِرِوَايَةِ الْمَجْهُولِ وَالسَّيِّئِ الْحِفْظِ وَبِالْحَدِيثِ الْمُرْسَلِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.

وَلِهَذَا كَانَ أَهْلُ الْعِلْمِ يَكْتُبُونَ مِثْلَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَيَقُولُونَ: إنَّهُ يَصْلُحُ لِلشَّوَاهِدِ وَالِاعْتِبَارِ مَا لَا يَصْلُحُ لِغَيْرِهِ.

قَالَ أَحْمَد: قَدْ أَكْتُبُ حَدِيثَ الرَّجُلِ لِأَعْتَبِرَهُ. وَمَثَّلَ هَذَا بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ لَهِيعَةَ (2)

(1) قال الشيخ صالح: (مَعَ عَدَمِ التَّشَاعُرِ) يعني -إذا صحت هذه اللفظة- فكأن معناها أن طائفة من هؤلاء الذين نقلوا لم تشعر بما نقلته الطائفة الأخرى منهم؛ يعني لم يقع منهم الاشتراك في ذلك، التشاعر؛ يعني ما شعر هؤلاء بما نقله أولئك، ولم يشعر هؤلاء بما نقله أولئك؛ لكن لفظ التشاعر به غرابة، ولعله أن يكون لفظ التشاور بالواو من المشاورة؛ يعني ما شاور بعضهم بعضا ولم يقع هذا الاتفاق عن تشاور منهم؛ لأن التشاور هو الاتفاق، فالتشاور يكون أولى.

(2)

قال الشيخ صالح: هو في الحقيقة ابن لهيعة في مصر أكثر أهل مصر الحديث؛ لأن علم طبقة تابعي التابعين وصغار التابعين في مصر صارت إليه وهو قاضي مصر وعالم مصر، علم المصريين آل إليه؛ عبد الله بن لهيعة رحمه الله تعالى.

ثم هل حديثه من باب الصحيح أو من باب الضعيف هذا فيه بحث معروف ليس هذا موضعه.

ص: 3

قَاضِي مِصْرَ؛ فَإِنَّهُ كَانَ مِنْ أَكْثَرِ النَّاسِ حَدِيثًا وَمِنْ خِيَارِ النَّاسِ؛ لَكِنْ بِسَبَبِ احْتِرَاقِ كُتُبِهِ وَقَعَ فِي حَدِيثِهِ الْمُتَأَخِّرِ غَلَطٌ فَصَارَ يَعْتَبِرُ بِذَلِكَ وَيَسْتَشْهِدُ بِهِ وَكَثِيرًا مَا يَقْتَرِنُ هُوَ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَاللَّيْثُ حُجَّةٌ ثَبَتٌ إمَامٌ.

وَكَمَا أَنَّهُمْ يَسْتَشْهِدُونَ وَيَعْتَبِرُونَ بِحَدِيثِ الَّذِي فِيهِ سُوءُ حِفْظٍ، فَإِنَّهُمْ أَيْضًا يُضَعِّفُون مِنْ حَدِيثِ الثِّقَةِ الصَّدُوقِ الضَّابِطِ أَشْيَاءَ تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ غَلِطَ فِيهَا بِأُمُورِ يَسْتَدِلُّونَ بِهَا وَيُسَمُّونَ هَذَا عِلْمَ عِلَلِ الْحَدِيثِ؛ وَهُوَ مِنْ أَشْرَفِ عُلُومِهِمْ بِحَيْثُ يَكُونُ الْحَدِيثُ قَدْ رَوَاهُ ثِقَةٌ ضَابِطٌ وَغَلِطَ فِيهِ وَغَلَطُهُ فِيهِ عُرِفَ.

إمَّا بِسَبَبٍ ظَاهِرٍ كَمَا عَرَفُوا أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ حَلَالٌ.

[الشرح]

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه. أما بعد:

هذا الكلام يعني به المؤلف شيخ الإسلام رحمه الله تعالى أن الإجماع معتبر في التفسير، وكما أن الإجماع حجة في الفقه فهو حجة في التفسير؛ لأن الإجماع لا يقع في هذه الأمة وتكون الأمة غالطة فيما أجمعت عليه؛ لأن هذه الأمة عصمت أن تجتمع على ضلالة، فكان ما اجتمعت عليه حجة بيقين، قال: من حيث الأصل فإن الإجماع يكون إما على الخبر؛ يعني على حكم الخبر، وإما أن يكون على نسبة الخبر.

فمثلا يكون الإجماع على حكم الخبر مثل الإجماع على حكم أن الصلاة مثلا يُبطلها الأكل والشرب، فإن الأكل والشرب ما جاء فيه دليل خاص في إبطال الصلاة ولكن هذا بالإجماع عرف هذا الحكم بالإجماع، والأمة أجمعت على هذا فصار هذا حقا لا محيد عنه.

ص: 4

القسم الثاني أن تجتمع على الخبر؛ يعني أن تجمع على صحته، وهذا الإجماع إما أن يكون بالنقل الخبر بتواتر، وإما أن يكون بتلقي الخبر بالقبول، مثل ما تلقت الأمة أحاديث الصحيحين بالقبول، فإن أحاديث الصحيحين تلقتها الأمة بالقبول، وتلقي الأمة لأحاديث الصحيحين بالقبول أفادنا الإجماع على أن ما في الصحيحين من حيث الجملة ومن حيث العموم من حيث الجنس منسوب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكما قال طائفة من العلماء: لو حلف رجل أن ما في الصحيحين صحيح النسبة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان بارا صادقا ولم يحنث.

وهذا المقصود به عامة ما في الصحيحين ما أنهم تنازعوا في بعض الألفاظ في الصحيحين.

يعني الإجماع هنا جاء على اعتبار ما في الصحيحين من الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتلقي الأمة لهذه الأحاديث بالقبول، فهذه الأحاديث تلقّتها الأمة بالقبول فكان إجماعا على صحة هذين الكتابين.

ولهذا نقول: أجمعت الأمة على أنه ليس أصح بعد كتاب الله جل وعلا من صحيح البخاري ثم صحيح مسلم، وذلك لأن ما فيهما صحيح النسبة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

إذا تبين ذلك فإنه كذلك أحاديث التفسير وآثار التفسير فإن نقْلها قد يكون الإجماع عليه منعقد على حكم الخبر:

يعني على ما في الخبر على مضمونه على أن الآية تفسر بكذا.

وإما أن يكون على تلقي تلك الأخبار بالقبول.

ص: 5

وهذا مهم فإن في أحاديث التفسير أخبار نُوزع في صحتها من حيث الإسناد؛ لكن تلقاها علماء التفسير بالقبول، وتلقاها العلماء بالقبول من دون قدح فيها، فهذا يُكسب تلك الأخبار قوة لأنّ تتابعت لأن الأمة تتابعت على الثناء على تلك الأخبار، نعم تلك الأخبار ليس ثم حصرت لها في كتاب كما حصرت في الأحاديث غير البخاري ومسلم وتلقتها الأمة بالقبول؛ لكن من حيث الأصل هذا يعتبر، فإذا كان الحديث مشتهرا بين أهل التفسير بلا نكير فيكون هذا في القوة من جنس الأحاديث التي تلقيت بالقبول.

هذا من حيث التأصيل، ويريد بذلك ما هو أخف من هذا، وهو الإجماع معتبرا في نقل التفسير، الإجماع معتبر في الحجة في التفسير والإجماع على نوعين:

الإجماع إما أن يكون على ألفاظ التفسير.

وإما أن يكون على المعنى.

فمثلا يُجمع الصحابة أو يجمع المفسرون على أن تفسير الصراط هو الطريق المستقيم الذي لا عوج فيه، هذا إجماع، أجمعوا على هذا اللفظ. كما قال ابن جرير أجمع أهل التأويل على أن الصراط هو الطريق المستقيم الذي لا عوج فيه هذا إجماع لفظي.

وهناك قسم ثانٍ من الإجماع هو:

الجماع على المعنى فتكون عباراتهم مختلفة لكن المعنى واحد، وهذا يدخل فيه عند شيخ الإسلام وعند جماعة، يدخل فيه اختلاف التنوع؛ لأن اختلاف التنوع اختلاف في الألفاظ مع الاشتراك في المعنى العام:

إما من جهة أن تفسير بعض أفراد العام.

وإما أن يكون أحد معنيي اللفظ المشترك.

وإما أن يكون تفسير في بعض الحالات.

أو نحو ذلك مما مر معنا من أحوال وأنواع اختلاف التنوع بين السلف.

ص: 6

يعني أنّ اختلاف التنوع هذا عند شيخ الإسلام وعند جماعة يعني الإجماع على أصل المعنى، مثل ما ذكر في حديث جابر في أول الكلام، الاختلاف في حديث جابر في إشتراء النبي صلى الله عليه وسلم لجمله وبيعه الجمل على جابر وقع الاختلاف في القصة على ألفاظ كثيرة، بعضها يثبت وبعضها غير ثابت لكن الإجماع منعقد على ثبوت أصل القصة.

هكذا في روايات التفسير فإن الروايات في التفسير قد يكون الإجماع مأخوذا من اختلاف الألفاظ؛ لكن لأنّ الأصل واحد مثل ما مرّ معنا في تفسير قوله تعالى مثلا الذي مر معنا أو نأتي بمثال آخر - لأني نسيت الأمثلة التي مثلتُ بها- مثلا في قوله تعالى في سورة النحل صلى الله عليه وسلم {وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى} [النحل: 62] ، {وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ مَا يَكْرَهُونَ} ، هنا إذا قال قائل {مَا يَكْرَهُونَ} هو البنات لله جل وعلا، هذا مصيبة لأنهم يكرهون البنات. إذا قال قائل الذي يكرهونه هو الزوجة لأن طائفة من النصارى تكره الزوجة للقساوسة وللرهبان وللكبار وينزهونهم عن هذا الأذى ومع ذلك يجعلون لله جل وعلا ما يكرهونه لكبارهم ولمعظميهم، كان هذا تفسيرا صحيحا، وكما قيل يكرهون {وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ مَا يَكْرَهُونَ} يعني ما يكرهونه لرسلهم، يجعلون لله ما يكرهونه لأنفسهم يكرهون لأنفسهم أن تهان رسلهم وأن تذل رسلهم، ومع ذلك جعلوا لله ما كرهوه لأنفسهم من إهانة رسل الله وإذلال رسل الله. هذه كلها تفاسير منقولة لكن كل هذه اختلاف التنوع مثلما مثلنا؛ لأنها داخلة في عموم قوله {وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ مَا يَكْرَهُونَ} .

ص: 7

فهذا الاختلاف لا يعني أنه لن يقع الإجماع على التفسير، هو اختلاف في الأفراد؛ لكن الأصل المجمع عليه الذي نستطيع أن نقول أنهم أجمعوا عليه هو ما دلّ عليه ظاهر الآية وهو أن المشركين نسبوا لله جل وعلا أشياء يكرهونها لأنفسهم ويُنكرون نسبتها لهم ولا يرضون بنسبتها إليهم، مثل أن تنسب البنات لهم، مثل أن تهان الرسل، مثل أن لا تحترم كتبهم إلى آخر هذه الأمثلة.

هناك مثل المشترك في لفظ قسورة {فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ} [المدثر: 51] مرت معنا أن القسورة، إما أن تكون الأسد -السبع-، وإما أن تكون القوس الذي يرمى به، وهذا الاختلاف في المشترك لا يعني لا ينفي أصل المعنى يعني أن الأصل {فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ} أي فرت مما يخاف منه؛ يعني أن هذا إجماع معنوي، إجماع على المعنى، وهذا مثل له شيخ الإسلام في هذه الاختلافات الطويلة التي ذكرها من أن الاختلاف في الأحاديث وتلقي الأمة لها بالقبول -يعني في أصلها- لأن هذا يمكن أن يكون أيضا في التفسير يعني تلقى لأصل تلك الأخبار وإن لم تكن أسانيدها قوية؛ بل يعتبر بها ويستشهد مثل أحاديث ابن لهيعة وأشباهه، فإن أحاديثهم تؤخذ للاستشهاد؛ لكن قد يتلقى خبره عند أهل التفسير بالقبول فيكون جاريا مجرى الإجماع بين المفسرين على ذلك.

وهذا يعني أن الإجماع مهم في علم التفسير، فمن أصول التفسير رعاية الإجماع، كيف السبيل إلى معرفة الإجماع في هذين الطريقين؟

إما أن يكون إجماع على اللفظ وهذا أعلاه؛ لكن هذا نادر.

وإما أن يكون وهو الأكثر الإجماع على المعنى، إما على المعنى العام بذكر بعض أفراده أو على المعنى الأصلي من جهة المشترك أو على المعنى العام عند ذكر بعض الأحوال.

وهذا تقدم لنا في أول الرسالة.

الإجماع الاتفاق على اللفظ الاتفاق على اللفظ أو الاتفاق على أصل المعنى؛ يعني تنظر نص على الإجماع؛ قال ابن جرير: أجمع أهل التأويل على كذا. خلاص هذا إجماع نقل الإجماع.

ص: 8

قال ابن كثير: أجمع المفسرون من السلف على كذا. هذا إجماع لا يجوز مخالفته إلا لعالم يقول: [أصدع] والإجماع غير صحيح. هذا بحث آخر؛ يعني ينازع في الإجماع؛ لكن إجماعهم حجة.

وإما أن يكون الإجماع فُهِم من المعنى يعني لاتفاقهم على أصل المعنى، لم يتفقوا على اللفظ مثال ما ذكرت لكم في الصراط ونحوه، وإنما اتفقوا على أصل المعنى، وهذا هو الأكثر؛ لكن هذا فيه بحث هل يعد إجماعا أم أنه عدم خلاف تضاد. شيخ الإسلام يعده إجماع بالمعنى إجماع المعنى يأتي إن شاء الله مزيد تفصيل.

[المتن]

كَمَا عَرَفُوا أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ حَلَالٌ. وَأَنَّهُ صَلَّى فِي الْبَيْتِ رَكْعَتَيْنِ، وَجَعَلُوا رِوَايَةَ ابْنِ عَبَّاسٍ لِتَزَوُّجِهَا حَرَامًا، وَلِكَوْنِهِ لَمْ يُصَلِّ مِمَّا وَقَعَ فِيهِ الْغَلَطُ.

وَكَذَلِكَ أَنَّهُ اعْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمَرٍ، وَعَلِمُوا أَنَّ قَوْلَ ابْنِ عُمَرَ: إنَّهُ اعْتَمَرَ فِي رَجَبٍ، مِمَّا وَقَعَ فِيهِ الْغَلَطُ.

وَعَلِمُوا أَنَّهُ تَمَتَّعَ وَهُوَ آمِنٌ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَأَنَّ قَوْلَ عُثْمَانَ لِعَلِيّ: كُنَّا يَوْمَئِذٍ خَائِفِينَ. مِمَّا وَقَعَ فِيهِ الْغَلَطُ.

وَأَنَّ مَا وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْبُخَارِيِّ: أَنَّ النَّارَ لَا تَمْتَلِئُ حَتَّى يُنْشِئَ اللَّهُ لَهَا خَلْقًا آخَرَ. مِمَّا وَقَعَ فِيهِ الْغَلَطُ.

وَهَذَا كَثِيرٌ. وَالنَّاسُ فِي هَذَا الْبَابِ طَرَفَانِ:

طَرَفٌ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَنَحْوِهِمْ مِمَّنْ هُوَ بَعِيدٌ عَنْ مَعْرِفَةِ الْحَدِيثِ وَأَهْلِهِ، لَا يُمَيِّزُ بَيْنَ الصَّحِيحِ وَالضَّعِيفِ فَيَشُكُّ فِي صِحَّةِ أَحَادِيثَ أَوْ فِي الْقَطْعِ بِهَا مَعَ كَوْنِهَا مَعْلُومَةً مَقْطُوعًا بِهَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِهِ.

ص: 9

وَطَرَفٌ مِمَّنْ يَدَّعِي اتِّبَاعَ الْحَدِيثِ وَالْعَمَلِ بِهِ، كُلَّمَا وَجَدَ لَفْظًا فِي حَدِيثٍ قَدْ رَوَاهُ ثِقَةٌ أَوْ رَأَى حَدِيثًا بِإِسْنَادِ ظَاهِرُهُ الصِّحَّةُ يُرِيدُ أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ مِنْ جِنْسِ مَا جَزَمَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِصِحَّتِهِ حَتَّى إذَا عَارَضَ الصَّحِيحَ الْمَعْرُوفَ أَخَذَ يَتَكَلَّفُ لَهُ التَّأْوِيلَاتِ الْبَارِدَةَ أَوْ يَجْعَلُهُ دَلِيلًا لَهُ فِي مَسَائِلِ الْعِلْمِ مَعَ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ يَعْرِفُونَ أَنَّ مِثْلَ هَذَا غَلَطٌ.

وَكَمَا أَنَّ عَلَى الْحَدِيثِ أَدِلَّةً يُعْلَمُ بِهَا أَنَّهُ صِدْقٌ وَقَدْ يُقْطَعُ بِذَلِكَ فَعَلَيْهِ أَدِلَّةٌ يُعْلَمُ بِهَا أَنَّهُ كَذِبٌ وَيُقْطَعُ بِذَلِكَ؛ مِثْلُ مَا يُقْطَعُ بِكَذِبِ مَا يَرْوِيهِ الْوَضَّاعُونَ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالْغُلُوِّ فِي الْفَضَائِلِ:

مِثْلِ حَدِيثِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ وَأَمْثَالِهِ مِمَّا فِيهِ أَنَّه مَنْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَانَ لَهُ كَأَجْرِ كَذَا وَكَذَا نَبِيًّا.

وَفِي التَّفْسِيرِ مِنْ هَذِهِ الْمَوْضُوعَاتِ قِطْعَةٌ كَبِيرَةٌ مِثْلُ الْحَدِيثِ الَّذِي يَرْوِيهِ الثَّعْلَبِيُّ وَالْوَاحِدِيُّ والزَّمَخْشَرِي فِي فَضَائِلِ سُوَرِ الْقُرْآنِ سُورَةً سُورَةً فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ.

والثَّعْلَبِيُّ هُوَ فِي نَفْسِهِ كَانَ فِيهِ خَيْرٌ وَدِينٌ وَكَانَ حَاطِبَ لَيْلٍ يَنْقُلُ مَا وُجِدَ فِي كُتُبِ التَّفْسِيرِ مِنْ صَحِيحٍ وَضَعِيفٍ وَمَوْضُوعٍ.

والْوَاحِدِيُّ صَاحِبُهُ كَانَ أَبْصَرَ مِنْهُ بِالْعَرَبِيَّةِ ; لَكِنْ هُوَ أَبْعَدُ عَنْ السَّلَامَةِ وَاتِّبَاعِ السَّلَفِ.

والبغوي تَفْسِيرُهُ مُخْتَصَرٌ مِنْ الثَّعْلَبِيِّ لَكِنَّهُ صَانَ تَفْسِيرَهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ الْمَوْضُوعَةِ وَالْآرَاءِ الْمُبْتَدَعَةِ.

ص: 10

وَالْمَوْضُوعَاتُ فِي كُتُبِ التَّفْسِيرِ كَثِيرَةٌ مِثْلُ الْأَحَادِيثِ الْكَثِيرَةِ الصَّرِيحَةِ فِي الْجَهْرِ بِالْبَسْمَلَةِ.

وَحَدِيثِ عَلِيٍّ الطَّوِيلِ فِي تَصَدُّقِهِ بِخَاتَمِهِ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ.

وَمِثْلُ مَا رُوِيَ فِي قَوْلِهِ: {وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ} [الرعد: 7]، أَنَّهُ عَلِيٌّ {وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ} [الحاقة: 12] ، أُذُنُك يَا عَلِيٌّ.

[الشرح]

وهنا كله الاستطراد عما تقدم يريد أن يقول: إن أهل الحديث أهل علم ومعرفة بفنهم، وإنهم يثبتون في الأحاديث التي اشتهر نقلها وفاضت الأمة واستفاضت على أنها غلط مقطوع به، ويثبتون في أحاديث أخر لم تستفض عند الأمة على أنها صحيح مقطوع به يعني بصحته، وهذا ليس بابه الشهرة من عدمها؛ ولكن بابه المعرفة قد يكون الأحاديث، قد تكون الأحاديث معللة بأنواع العلة التي يعرفها أهل الحديث أما من جهة جهالة الراوي؛ جهالة حاله وإما من جهة جهالة عينه وإما لمخالفة الحديث، أو نحو ذلك من العلل التي يعل بها أهل الحديث؛ لكن قد يكون مع هذا الاختلاف عندهم إشعار بثبوت أصل ذلك البحث، ففرق بين الشيء الذي وقع فيه اختلاف في ألفاظه، وبين ما هو كذب في أصله.

إذا تبين هذا فينظّر هذا على أخبار التفسير، فإنّ في أخبار التفسير ما هو مقطوع بكذبه وإن كان مشهورا، مثل الأحاديث الطويلة المروية في فضل سور القرآن التي ذكرها الثعلبي وذكرها صاحبه الواحدي وذكرها الزمخشري، والزمخشري لا يروي رواية إنما يذكرها ذكره؛ لكن الثعلبي والواحدي يذكرونها في تفاسيرهم بأسانيدهم، ولو كان هذا ذكره الثعلبي، والثعلبي اعتمد عليه كثير من المفسرين مثل البغوي وجماعة والخازن وكثير لكن مع ذلك أهل الحديث يعلمون أن تلك الأحاديث ولو كانت مشتهرة في كتب التفاسير أنها مكذوبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا تقوم الحجة بها.

ص: 11

هناك قسم آخر من الأحاديث يكون موجودا في كتب التفسير ويعلها أهل الحديث بعلل لكن الإعلال لا يعني الوضع والكذب؛ بل قد يكون الإعلال لطريق بلفظ، وقد يكون اتهام الراوي بجهالة أو بسوء حفظ ونحو ذلك؛ لكن يكون معتبرا به في الشواهد، فيكون الأصل الذي دل عليه هذا الحديث الذي تكلموا عليه وأعلّوه مع غيره يكون الأصل الذي فيهما يثبته أهل الحديث؛ يعني أهل الحديث من المفسرين الذين ذكروا الأحاديث بالأسانيد. وهذا لاشك أنه موجود كثير وهو الأكثر في أحاديث المفسرين فإنك إذا نظرت في أسانيد عند ابن جرير وعند عبد الرزاق وهو أقل من ابن كثير وعند عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه وأشباههم وعند ابن أبي حاتم وأشباه هؤلاء وجدت أن الأسانيد يقلّ فيها الإسناد السالم من العلة عن طريقة أهل الحديث الإسناد السالم من الإعلال من الجرح من الضعف يقلّ جدا بل أكثر أسانيد المفسّرين فيها نوع ضعف إما لجهالة وإما لسوء حفظ وإما لانقطاع أو نحو ذلك، وهذا مشهور؛ لكن هذا لا يعني أن لا تكون صحيحة عند أهل التفسير لأن أهل التفسير من أهل الحديث الذين نقلوا التفسير تلقوا أخبارا كثيرة بالقبول، فإذا تلقوها بالقبول كان ذلك حجة في أنهم عرفوا أن أصلها صحيح.

ص: 12

ولهذا لا يقال في أسانيد تفسير ما يقال في أسانيد الحديث؛ أسانيد الحديث تختلف لأن فيها تفسير، أما أسانيد التفسير خصصوا فيها أهل العلم، لذلك تجد ابن أبي حاتم مثلا مع أنه صنف كتاب العلل وأعل أحاديث في الأحكام بعلل قد لا تكون قادحة عند غيره، ذكر فيه علل باب مختص لأحاديث أُعلّت في التفسير وفي فضائل السور وفي فضائل القرآن ونحو ذلك، وأعلّها بعلل دون العلل التي تكون في ذلك، يعني ما شدد فيها شدته في ذلك، كذلك كتب تفسيره المشهور تفسير ابن أبي حاتم وشرط في أوله أنه لا يحتج إلا بما هو صحيح عند أهل الحديث، أو بما هو ليس فيه ضعف أو جرح أو نحو ذلك، وفي أحاديث تفسيره -تفسير ابن أبي حاتم- أشياء كثيرة ينازع فيها على طريقة أهل الحديث.

شيخ الإسلام يريد بهذا أن يذكر لك أن التفسير التسمّح فيه كثير من حيث الأسانيد، وهذا التسمّح من جهة أن يعني سببه من جهة أن التفسير إنما ينقله من لم يعتنِ به، الأحكام الحلال والحرام اعتنى به العلماء وأهل الحديث وحفظوها وأدوها، وأما التفسير لم تكن العناية به مثل العناية بالحلال والحرام، ولهذا تجد أن في الأسانيد فيها مطاعن كثيرة؛ لكن روايتها واستفاضتها ينبئ عن أن أصلها مقبول عند أهل العلم بالتفسير، فنأخذ منها ما اشتركت فيه، وأما تفردت به الرواية مما يخالف قواعد الشرع أو أصول الاعتقاد، أو يخالف ما نقله الآخرون فإنّ هذا لا يؤخذ به، ولو كان في إسناده نوع جرح يتسمح به بغيرها.

ص: 13

مثلا في حديث الكرسي ابن عباس ذكر ابن جرير عنه في التفسير آية الكرسي ذكر عنه روايتين: رواية أن الكرسي موضع القدمين، والرواية أن كرسي الرحمن علمه. وتلك الرواية رواية أن الكرسي موضع القدمين إسنادها صحيح لا مطعن فيه، والرواية الثانية بعض أهل العلم صححها وبعضهم طعن فيها، والصواب أنها مقدوح فيها؛ لأن فيها راو تفرد أو راو ليس بجيد الحفظ وخالف الرواية الثانية، فلابد أن تكون الرواية هذه والرواية هذه هاتان الروايتان متغايرتان لا يمكن أن يصحح الجميع؛ لأن هذه عن ابن عباس الكرسي العلم وتلك عن ابن عباس الكرسي موضع القدمين، فلابد أن تكون إحداهما صحيحة والأخرى باطلة، فلا تسمح بالرواية المخالفة، بخلاف الروايات التي يكون بعضها يعضد بعضا، بعضها جارٍ في بعض، إما الأولى عامة والثانية أخص منها، وإما الأولى فيها إطلاق والثانية فيها تقييد أو نحو ذلك هذا يتسمح فيه؛ لأنّ مثله كثير ولا يعد من التضاد والتضارب بين الروايات.

إذن فنخلص من هذا إلى أن أسانيد التفسير الغالب عليها أن يكون فيها مقال. هذا واحد.

الثاني أن أسانيد التفسير ينظر فيها إلى قبول العلماء أو ردهم لها، فإن قبلها علماء الشأن علماء الحديث أخذ بها، وإن ردوها لعلة تفسيرية أو علة مخالفة أو نحو ذلك فترد.

الثالث أنه يُنظر فيها إلى اتفاقها، فتعضد الرواية الأخرى فيما اشتركت فيه ولو كان نوع اشتراك؛ يعني اشتراك في أصل المعنى، اشتراك في المعنى العام، اشتراك في الدلالة على حال واحدة ونحو ذلك.

وهذا إنما يظهر لكم بالتطبيق، إذا طبقت هذا يعني نظرت في التفاسير، أنظر تفسير الطبري مثلا يلحق به الروايات التي فيه خاصة مع تعليق الشيخ أحمد شاكر والأستاذ محمود شاكر تجد أنه كثيرا يطعن في الأسانيد لكنها حجة احتج بها ابن جرير واحتج بها ابن أبي حاتم كيف يكون هذا على هذا النمط الذي ذكره شيخ الإسلام رحمه الله.

أولا أسانيد التفسير الغالب عليها أن فيها مقالا، هذا واحد.

ص: 14

الثاني يُنظر في أسانيد التفسير إلى قبول العلماء من أهل الشأن لها وردهم لها، فإن ردوها بعلة تفسيرية فإنها ترد وإن قبلوها فيؤخذ قبولهم لها ولو كان في إسناد مطعن.

الثالث أنه يُنظر في الأسانيد في الأخبار التي جاءت بالأسانيد إلى المعنى الذي اشتملت عليه دون النظر في الألفاظ فتجد الألفاظ مختلفة لكن لا تنظر إلى اختلاف الألفاظ، أنظر إلى ما اشتركت فيه من أصل المعنى، إما أن الألفاظ المختلفة أفراد للعام، وإما أن تكون نوعين أو معنيي المشترك، أو أن تكون في حالات مختلفة، مثل ما ذكرنا لكم في تفسير قوله {وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي اللهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَة} [النحل: 41] ، (حسنة) هذه ما هي؟ كل واحد فسؤها بخال من الأحوال بعضهم فسرها بأنها المال، بعضهم فسرها بالإمارة بعضهم فسرها بالجاه ونحو ذلك.

مثل أيضا ما اختلفوا فيه التفسير في سورة الإسراء عند قوله تعالى {رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا} [الإسراء: 25]، هنا لفظ الأوابين اختلف فيه إلى الأقوال بعضها إسنادها جيد بعضها منقطع بعضها ضعيف بأنواع من العلل:

بعضهم قال: الأوابون هم الذين يصلون الضحى.

بعضهم قال: الأوابون هم الذي يرجعون إلى الله كلما عصوا.

بعضهم قال: الأواب هو الذي يتبع السيئة الحسنة، إذا أساء أتبعها الحسنة. إلى غير ذلك.

الذي فسر الأواب هو المصلي للضحى هذا راع شيء، كل هذه مختلفة في أصل المعنى وإن كان الاختلاف؛ لكن أصل المعنى واحد وهو أن الأبواب هو الذي ينيب إلى ربه بأنواع من الإنابة، إما بالتوبة، وإما بحسنات بعد السيئات وإما بصلاة الضحى أو نحو ذلك.

ص: 15

فهذا ولو اختلف ولو كانت الأسانيد ضعيفة في ذلك، ما ينظر فيها إلى ضعفها؛ لأن الجميع فسروه بما يدل عليه اللفظ ببعض أفراده، وليس ببعيد أن تكون هذه التفاسير منقولة عن السلف؛ لأنها من حيث المعنى صحيحة، فهذا ينظر فيه إلى أنها ما تعارضت مشتركة هذه.

فإذن ما ينظر فيه إلى قوة الإسناد من ضعفه لأنها جميعا مشتركة في شيء واحد فيكون بعضها يعضد بعضا، هذه طريقة أئمة التفسير في إيرادهم للأسانيد.

ومر معنا كلمة للإمام أحمد ثلاثة ليس لها أصول، وذكر منها التفسير؛ يعني ليس لها أصول مسندة يعني بعضها مرسل بعضها منقطع بعضها ضعيف؛ يعني أصولها ضعيفة فكأنه ليس لها أصول.

ليس جميع أهل الحديث، أهل الحديث الذين اعتنوا بالتفسير؛ لأن أهل الحديث على قسمين:

منهم من اعتنى بالتفسير.

ومنهم من لم يعتنِ بالتفسير.

ص: 16

الذي لم يعتنِ بالتفسير سينظر إلى أسانيد المفسرين كأنه ينظر إلى أسانيد الحديث؛ يعني الحلال والحرام، هذا ليس كذلك؛ لأن التفسير مثل ما ذكرت لك أخص، نعم قد يكون إسناد في التفسير جاء به حديث بإثبات عقيدة، قد يكون إسناد في التفسير جاء به حديث بإثبات حكم شرعي، ليس هذا الكلام فيه، هذا الكلام عليه من جنس النظر في أسانيد الحديث؛ لأن هذا -العقيدة والحديث- كلها فيها ينبغي أن يؤخذ بالحزم؛ لكن مثل تفسير لفظ ونحو ذلك هذا ينظر فيه أهل الحديث الذين ذكروا التفسير صنفوا في التفسير مثل الإمام أحمد مثل ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن المنذر هؤلاء تجد عندهم من معرفة التفسير ما يصير حجة في نقل الأسانيد ولو كان فيها خلاف الإسناد؛ أنا ذكرت أن يكون الرد إذا رده أهل الحديث أو أهل الشأن لعلة تفسيرية هذا يؤخذ، أما إذا رده أحد من أهل الحديث لعلة حديثية، فينازع بأن صنيع أهل التفسير من أهل الحديث مقابل لإعلالهم، فمثلا هو يعل بأن الإسناد فيه فلان وفلان هذا ضعيف فلا يقبل هذه الرواية، هذا لا يؤخذ به؛ لكن من قال هذه الرواية فيها ذكر فيها تفسير اللفظ بكذا، وهذا معارض لتفسير اللفظ بكذا لأن هذا يكثر مع هذا، هذا يناقض الرواية الأخرى في التفسير، فيكون هنا الإعلال بالتفسير لا من جهة الإسناد فهذا يقبل؛ لأنه يكون من أهل الاختصاص للفن، الذي هو التفسير، قد يكون أحيانا إعلال التفسير في موضع لتفسيره في موضع أخر.

(( (( (

أعدّ هذه المادّة: سالم الجزائري

ص: 17