الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
حقيقة الالتزام
لفضيلة الشيخ العلامة
عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين
حفظه الله ورعاه
تقديم فضيلة الشيخ
عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين حفظه الله
الحمد لله والصلاة والسلام على محمد وآله وصحبه.
وبعد:
فقد كنت قبل أشهر قمت بجولة في أنحاء من المملكة للدعوة والإرشاد، وإلقاء محاضرات وإجابة على أسئلة، وكان من جملة المحاضرات في مدينة جدة في أول شهر شعبان عام 1413هـ محاضرة بعنوان: حقيقة الالتزام (وقد ألقيتها ارتجالاً، ولم يتيسر لي مراجعة ولا كتابة عناصرها، ومناسبتها أن هناك جمعاً) كبيراً قد منَّ الله عليهم بالاستقامة، والتمسك بالشريعة، وعُرفوا بأهل الالتزام، فناسب أن يتلقوا تعاليم تزيدهم تمسكاً، وتوضح المناهج والطرق السليمة التي يسلكها أهل الالتزام، وتكون سبباً في الاستمرار والدوام على هذه السيرة السوية.
وقد تعرضت فيها للحث على الأعمال الصالحة، والإكثار من نوافل العبادة، والبعد عن المعاصي والمحرمات والشرور، وهجر العصاة والحذر من الانخداع بدعاياتهم وتسويلهم، وزخرف القول الذي يموهون به، ونحو ذلك من النصائح على وجه الإشارة والإيجاز.
وقد رغب بعض المحبين نشرها في كتيب، فوافقت على ذلك، رجاء أن ينفع الله بها من أراد به خيراً، والله المسؤول أن يمن علينا بالعصمة والحفظ من الغواية، وأن يهدي ضال المسلمين ويرشد غاويهم، ويصلح عامتهم ويصلح أئمتهم وقادتهم، ويهديهم إلى الصراط السوي، ويجنبهم طريق الغواية والهلاك، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين.
5/1/1414هـ.
المقدمة
إن الحمد لله نحمده ونشكره ونثني عليه ونستغفره، ونشهد أن لا إله إلا الله وهو ربنا عليه توكلنا وإليه ننيب، ونحمده سبحانه أن هدانا للإسلام وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
أما بعد:
فإننا نشاهد اليوم هذا الإقبال الكبير من شبابنا على دين الله وعلى طاعته وتطبيق شرعه واتباع سنة نبيه صلى الله عليه وسلم. وعلينا أن نتفاءل بهذا الإقبال، فهناك الإقبال على طلب العلم والإقبال على تطبيق السنة النبوية والإقبال على تطبيق الشريعة في كل شؤون الحياة.
ولا شك أن هذا الإقبال يذكرنا بقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه علي بن يزيد عن القاسم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن لهذا الدين إقبالاً وإدبارا. وإن من إقباله أن تفقه القبيلة بأسرها، فلا يبقى فيها إلا الفاسق والفاسقان، فهما ذليلان فيها، إن تكلما قهرا واضطهدا. وإن من إدبار هذا الدين أن تجفو القبيلة بأسرها، فلا يبقى فيها إلا الفقيه والفقيهان فهما ذليلان، إن تكلما قهرا واضطهدا". وعلي بن يزيد ضعيف ولعل الحديث موقوف.
لقد كنا قبل ثلاثين أو أربعين سنة نكاد أن نيأس ونقطع الرجاء لما نراه من الأسباب التي تبعد عن الإسلام وعن الدين، ولما نراه من الجفوة والإدبار والسخرية والاستهزاء حتى في المتعلمين والمتفقهين. ولكن والحمد لله اليوم نرى إقبال الشباب على التمسك وعلى الالتزام بالشرع وعلى الاستقامة عليه.
لقد حصل من هذا الالتزام وهذه الاستقامة أثر بليغ؛ ألا وهو هذه الصحوة الإسلامية التي انتشرت في جميع أرجاء المعمورة. فما هذه الصحوة إلا نتيجة من نتائج الإقبال على هذا الدين وتطبيق الشرع والتمسك به والاستقامة عليه.
وفي هذه الرسالة الصغيرة نتحدث عن الالتزام وحقيقته وأدلته من الكتاب والسنة، ثم الحديث عن أحوال الملتزم وصفاته.
نسأل الله أن يمن علينا بطاعته وأن يقبل بقلوبنا على محبته وطاعته وعبادته. ونسأله ان يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته. وأن يجعلنا من المتمسكين بشريعته والذابين عن دينه والمجاهدين في سبيله، والمبلغين لأمره وشرعه، ومن الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، والداعين إلى الله على بصيرة، وأن يرزقنا الاتباع لسنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. فإلى المقصود والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
تعريف الإلتزام
الالتزام كلمة عامة تَصدُق على الالتزام بالشرع والالتزام بغيره. ولأجل ذلك فإن الفقهاء يعبرون بكلمة الملتزم عن الذي يؤخذ عليه عهد أنه إما أن يعمل بأحكام الشريعة وإما أن يُلْزمَ بها. فيدخل في ذلك الذميون الذين يُلْتَزَمُ معهم أن تطبق عليهم تعاليم الشريعة.
لقد اصطلح في هذا الزمان أن تطلق كلمة ملتزم على المستقيم على الشرع والمتمسك بالدين.
ولكن الأولى أن نسمي المتدين: (بالمستقيم) ، ونسميه (المتمسك بالشريعة)، ونسميه:(المطيع لله)، ونسميه: (عاملاً بالشريعة ومتبعاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا هو الأولى والأرجح.
حقيقة الالتزام
ذكرنا أن الملتزم هو ذلك الشاب المستقيم على الشرع والعامل به، والمتبع لسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وهذه هي حقيقة الالتزام.
والأعمال التي يقوم بها الملتزم إما ان تكون من الواجبات، وإما أن تكون من السنن، وإما أن تكون من نوافل العبادة ومن نوافل الطاعات، وإما أن تكون من فروض الكفايات.
والملتزم الذي كمل التزامه مطلوب منه القيام بهذه الأعمال حتى يصْدُق عليه قول: (ملتزم) .
ولتوضيح ذلك نذكر بعض الأعمال على وجه التمثيل حتى نعرف بذلك حقيقة الالتزام، ثم نشير بعد ذلك إلى الحقيقة التي ينبغي أن يكون عليها الناس في اصطلاحهم.
فمثلاً: إذا رأى الناس الشاب وقد ظهرت عليه علامات التدين والصلاح قالوا: هذا شاب ملتزم.
فإذا رأوه وقد أعفى لحيته، ورفع ثوبه، وحافظ على الصلاة وسابق إليها، واقترن بأصحاب الخير وصحبهم، وسارع إلى الأعمال الخيرية، وزهد في المعاصي والمحرمات، وأقبل على حلقات العلماء ومحاضراتهم، وأكب على تعلم العلم الصحيح واقتناء كتب السنة ومجالسة الصالحين، فهذا عندهم:(ملتزم) .
وهذه بلا شك من صفات الشباب الملتزم الذي قد حافظ على هذه الصفات، لأنه عرف أن الله تعالى أمره بذلك وأحبها منه، ولكن هناك من يخالفه في ذلك -وهم كثير على مر الزمان والعصور- من الشباب المنحرف:
فكم دعوه إلى التخلي عن العبادة فخالفهم ونابذهم؟! لأنه عرف انهم على ضلال وعلى باطل!
لقد رأينا الكثير منذ ثلاثين أو أربعين سنة قد فشى حلق اللحى في الشباب، وخاصةً في الطلاب الذين يدرسون في المدارس والمعاهد والجامعات.
لقد تربى هؤلاء الشباب على حلق اللحى، وسبب ذلك أن الذين ربوهم وعلموهم كانوا على هذه الطريقة فقلدهم من قلدهم، حتى أصبح الأمر مشهوراً لا يُسْتَنْكَر، وأصبح الذين يتكلمون فيه كأنهم يتكلمون في شيء فضولي.
ولكن وفق الله بعض عباده فعرفوا الحق كما ينبغي، فقالوا:
لماذا هذه المعصية الظاهرة؟!
ولماذا هذه المعاندة الظاهرة؟!
أليست طاعة الله وطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى بالتقديم والاتباع؟!
ثم أليس كبار المعلمين وكبار المفكرين العاقلين، أولى بتطبيق السنة حتى يكونوا قدوة حسنة لغير؟!
إنه يجب علينا أن نطبق شرع الله ونعمل بالسنة، ولو لقينا ما لقينا، فنوفر اللحى ولو استهزأ بنا الآخرون ولو سخر منّا فلان وفلان. فما دمنا متبعين وما دمنا متمسكين وكان دليلنا في ذلك الكتاب والسنة فلا يضرنا الاستهزاء ولا السخرية.
فلأجل ذلك قام البعض ممن هداهم الله بتطبيق السنة والحرص عليها؛ غير ناظرين لمن خالفهم من جماهير الناس.
وعلينا أن نعلم أن توفير اللحى سنة يجب اتباعها، وهي من صفات الشاب الملتزم، ولكن ليست هي كل الالتزام.
ومثال آخر: لقد رأينا وترون أن أثرياء الناس وكبراءهم ومشاهيرهم قد ابتلوا بالإسبال، وهو: جر الثياب؛ بل وجر كل اللباس فخراً وكبراً أو خيلاء ونحوها.
إنهم بعملهم هذا قد خالفوا النصوص الصريحة الصحيحة، التي لا خلاف في ثبوتها، والتي تحرّم على الإنسان أن يجر ثوبه خيلاء وأن يسبل في لباسه.
إن العمل بهذه السنة؛ وهو: رفع الثوب إلى فوق الكعب لا شك أنه التزام وتمسك وعمل بالشريعة، وتطبيق للسنة النبوية الشريفة، واستقامة على أمر الله عز وجل.
ولكن هناك من خالف في الأمر وأطاعوا الشيطان؛ الذي زين لهم سوء أعمالهم فتركوا أمر الله تعالى وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم. ولكن الشاب الملتزم عليه أن يثبت ولو خالف من خالف، ولو تنقص من تنقص؛ لأن الذي يطيع الله ويطيع رسوله صلى الله عليه وسلم ويعمل بشريعته ويكون دليله قوياً وثابتاً لا يستطيع أحد أن ينتقده أو يرد عليه.
وكذلك هناك أمور أخرى لم نذكرها ينبغي أن يلتزم بها من وفقه الله تعالى للاستقامة ويكون دليله في ذلك الكتاب والسنة.
الالتزام هو الاعتصام:
قال تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا) .
الاعتصام: هو لزوم الشيء والتمسك به.
وحبل الله تعالى: هو السبب الذي يوصل إلى رضاه، ويوصل إلى ثوابه، ويوصل إلى جنته ودار كرامته.
وسماه الله تعالى حبلاً في هذه الآية؛ لأن من تمسك به نجى ومن تركه اختل تمسكه واختل سيرهُ.
الالتزام هو التمسك:
قال تعالى: (فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها) .
التمسك: هو القبض على الشيء قبضاً محكماً بكل ما يستطيع. وهذا أمر من الله تعالى أن نتمسك بشرعه بكل ما نستطيع، كما قال تعالى:(فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم) .
ثم بين الله سبحانه وتعالى أن الاستمساك بالعروة الوثقى لا يكون إلا بأمرين وهما:
الكفر بالطاغوت.
الإيمان بالله تعالى.
أما تفسير الطاغوت وتفسير الإيمان بالله فلا حاجة إلى الخوض فيه؛ لأن هذه الرسالة المختصرة لا تسمح بذلك ويمكن الرجوع إلى المؤلفات في هذا الأمر.
الالتزام هو الاستقامة:
قال تعالى: (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون) .
وقال تعالى: (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا) .
قال ابن القيم: سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: استقاموا على محبته وعبوديته فلم يلتفتوا عنه يمنة ولا يسرة.
والاستقامة: هي السير السوي الذي ليس فيه اعوجاج ولا انحراف.
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: الاستقامة أن تستقيم على الأمر والنهي ولا تروغ روغان الثعالب.
حديث: قل آمنت بالله ثم استقم:
عن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: "قلت: يا رسول الله قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً بعدك -وفي حديث أبي أسامة: "غيرك"- قال: قل آمنت بالله ثم استقم".
أمره الرسول صلى الله عليه وسلم بالاستقامة وهي أن يسير سيراً سوياً ليس فيه أية انحراف أو مخالفة، وهذا هو حقيقة الالتزام.
حديث: فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين:
عن العرباض بن سارية قال: " صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح، فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائلُ: يا رسول الله! كأنها موعظة مودع، فأوصنا، فقال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن كان عبداً حبشياً، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة".
وهكذا يأمرنا الرسول صلى الله عليه وسلم بالتمسك بالسنة والعض عليها بالنواجذ، ذلك أن القبضَ باليدين فيه عرضة للتفلت، فلأجل ذلك من شدة حرصه صلى الله عليه وسلم يأمرنا بالعض عليها بالنواجذ. والنواجذ: هي أقاصي الأسنان وهذا كناية على شدة التمسك بالسنة مخافة أن تتفلت.
والرسول صلى الله عليه وسلم يوصي بالتمسك بالسنة ويشدد في ذلك؛ لأن المعوقات كثيرة، والشبهات متعددة، وهذه المعوقات والشبهات قد تضعف التمسك بالسنة؛ فلأجل ذلك أوصى صلى الله عليه وسلم بشدة التمسك بالسنة.
والشاب الملتزم حقاً: هو الذي يتمسك بالسنة ويقبض عليها قبضاً محكماً، فيقبض عليها بيديه وعضديه مخافة أن تتفلت منه، ولو أدى ذلك إلى العض عليها بأقاصي أسنانه.
وقفات مع الحديث:
لا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم ما أوصى بالتمسك بالسنة بهذه الشدة، إلا لأنه يعرف أن هناك معوقات وأن هناك ضلالات وشبهات ودوافع. وهذه الشبهات والضلالات قد ترخي تمسك الإنسان بهذه السنة، ولكن إذا عرف الشاب الملتزم أن تمسكه بالسنة وسيلةً لنجاته، وأن إخلاله بها وسيلة إلى هلاكه ودمار لحياته، فإنه بلا شك يتمسك بها أشد ما يكون التمسك.
أمر آخر: وهو أن الملتزم الذي يعمل بالسنة كما أُمرَ لا شك أنه يلاقي من أعدائه ومن أضداده تسفيهاً وتَضليلاً واستهزاءً وتنفيراً وكيداً وتنقصاً لحالته واستضعافاً لرأيه ورمياً له بالعيون، وهذا ليس بخاف على أحد.
فإننا نسمع ما يُرْمَى به الملتزمون من كلمات التنقص فإذا رأوه وقد أرخى لحيته قالوا هذه لحية كأنها: " ذنب تيس"، أو كأنه:" عاض على جاعد" أو كأنها: " مكنسة بلدية". . أو كأنها.. أو كأنها.
وربما قالوا ما فائدة هذا الشعر، فإنه شعر لا فائدة فيه، وربما قالوا: أصلح فؤادك أو أصلح قلبك، فإن الإيمان في القلب!
فإذا آمن قلبك فلا فائدة في هذا الشعر!
وإذا آمن قلبك لا يضرك ما عملته ولا يضرك ما فعلته!
وهذه كلها شبهات وعوائق تعيق الإنسان عن سيره وتمسكه بالسنة الشريفة.
ثم أمر آخر: لقد رأينا كثيراً من شبابنا الذين رجعوا إلى الله تعالى، وأقبلوا على الطاعة وصحبوا أهل الخير، ثم بعد فترة قليلة، وبعد زمن قصير ارتدّوا على أعقابهم ورجعوا القهقرى، وغيروا ما كانوا عليه من الالتزام والتمسك، وعادوا إلى لهوهم وسهوهم، وعادوا إلى المعاصي التي كانوا عليها من قبل.
لماذا؟!!
لأن التزامهم لم يكن محكماً، وتمسكهم لم يكن قوياً، إضافة إلى ضعف إيمانهم مما جعلهم متدينين برهة من الزمان، ثم رجعوا إلى الضلال وإلى الانحراف.
إذاً فعلى المسلم أن يكون قابضاً على السنة وسائراً على النهج السوي والمنهج المستقيم، الذي هو صراط الله الذي أمرنا بأن نسلكه وأن نسير عليه، والذي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأنه طريق واحد مستقيم ليس فيه أي انحراف أو ميل كما في قوله تعالى:(اهدنا الصراط المستقيم) .
وقوله تعالى: (وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السُّبل) .
والمستقيم الذي ليس فيه اعوجاج.
3-
حديث: هذا سبيل الله مستقيماً:
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: " خط رسول الله صلى الله عليه وسلم خطاًّ بيده، ثم قال: هذا سبيل الله مستقيماً وخط عن يمينه وشماله، ثم قال: هذه السبل، ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه ثم قرأ:(وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله)
هذه السبل التي كل منها عليه شيطان يدعو إليها ليس بالضرورة أن يكون شيطان جن؛ بل قد يكون من شياطين الإنس، وما أكثرهم في هذا الزمان وكل زمان، فهم يدعون إلى مخالفة صراط الله والابتعاد عنه.
إنهم يدعون إلى الطرق المنحرفة وإلى الطرق الملتوية.
فهذا يدعو إلى الغناء واللهو!
وذاك يدعو إلى الكسل الخمول!
وآخر يدعو إلى الزنا والعُهْر والفاحشة!
وآخر يدعو إلى التبرج والسفور!
ومنهم من يدعو إلى ترك العبادات، كترك الصلاة أو التخلف عن الجماعات!
وما أكثر من يستجيب لهم من ضعاف الإيمان!!
ولكن المستقيم والملتزم بشرع الله، والمتمسك تمسكاً قوياًّ، يستطيع أن يتفلت من هؤلاء إذا دعوه إلى أهوائهم وشهواتهم وإلى الطرق المنحرفة، وذلك لأن سير المسلم على هذا الصراط سير سريع لا يتمكن دعاة الضلال من إيقافه.
إن الشاب المسلم الملتزم بدين الله، والذي سار على صراط الله المستقيم، سيجد دعاة الضلال والانحراف؛ وهم واقفون على جانبي الطريق:
فإن أنصت لهم والتفت إليهم عاقوه عن السير، وفاته الشيء الكثير من الأعمال الصالحة.
أما إذا لم يلتفت إليهم؛ بل وجه وجهته نحو ربه ونحو صراط الله المستقيم فهنيئاً له الوصول إلى صراط ربه، المستقيم الذي لا اعوجاج فيه ولا انحراف.
فعلى المسلم أن يضبط سيره ويضبط استقامته.
فإذا دعاك أهل الضلال إلى ترك الصلاة أو ترك الجماعات أو البخل وقالوا: أمسك عليك مالك حتى ينفعك وتستفيد منه، أو دعوك إلى ترك السنن والعبادات ونوافلها كالتهجد في الليل أو صيام التطوع وغير ذلك، فلا تلتفت واثبت في سيرك.
فهذا وصف الملتزم والمستقيم حقاًّ الذي لا يصده شيء عما هو قد هم به من الأعمال الصالحة.
أعمال الملتزم والمستقيم
ذكرنا فيما سبق أن الالتزام هو الاستقامة على الشرع والعمل به والاتباع لسنة النبي صلى الله عليه وسلم وهذه هي حقيقة الالتزام.
ولكن الملتزم حقا يجب عليه أن يقوم بأعمال معينة حتى يصدق عليه قول "ملتزم" فمن هذه الأعمال نذكر ما يلي:
أولاً: من أعمال الملتزم والمستقيم: التمسك بالسنة:
إن الشاب الملتزم هو الذي تمسك بالسنة تمسكاً محكماً، وبذلك يكون من أهل السنة ومن أهل الشريعة، ويكون هو الجماعة وإن قل من يقوم بها.
والنبي صلى الله عليه وسلم أخبر بأن أهل النجاة وأهل الاستقامة وأهل الصراط المستقيم، هم الذين ساروا على ما كان عليه هو وأصحابه عندما ذكر حديث افتراق الأمة.
فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل، حتى إن كان منهم من أتى أمه علانية؛ لكان في أمتي من يصنع ذلك، وإن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملّة؛ كلهم في النار؛ إلا واحدة. قالوا: من هي يا رسول الله؛ قال: ما أنا عليه وأصحابي".
فمن هذا الحديث يتبين أن الفرقة الناجية هي التي سارت على سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وتمسكت بها واتبعته صلى الله عليه وسلم في كل شئون الحياة.
ولا شك أن السنة النبوية مدونة وموجودة وقريبة وسهلة التناول لمن طلبها. فما علينا إلا أن نبحث عنها فإذا عرفنا سنة من السنن عملنا بها حتى يَصْدُق علينا قول (فلان ملتزم) . ولا ننظر إلى من يُخَذّل أو من يحقر أو من يستهزئ ونحو ذلك.
والسنن قد تكون من الواجبات، وقد تكون من الكماليات أو من المستحبات، وقد تكون من الآداب والأخلاق. فعلى المسلم أن يعمل بكل سنة يستطيعها، وذلك احتساباً للأجر وطلباً للثواب.
فالملتزم هو الذي كلما سمع حديثاً فإنه يسارع في تطبيقه، ويحرص كل الحرص على العمل به ولو كان من المكملات أو من النوافل.
فتراه مثلاً يسابق إلى المساجد ويسوؤه إذا سبقه غيره
وتراه يسابق إلى كثرة القراءة وكثرة الذكر أكثر من غيره
وتراه يكثر من أنواع العبادات ويحرص كل الحرص أن تكون جميع أعماله وعباداته متبعاً فيها السنة، وليس فيها شيء من البدع حتى تكون تلك الأعمال والعبادات مقبولة عند الله؛ لأنه متى قبل العمل فاز المسلم برضوان ربه، نسأل الله أن تكون أعمالنا مقبولة عنده إنه سميع مجيب.
ثانياً: من أعمال الملتزم والمستقيم: طلب العلم:
إن الشاب الملتزم والمستقيم يجب عليه أن يكون داعية إلى الله تعالى، فيدعو الناس إلى الاستقامة والالتزام وتطبيق شرع الله سبحانه في حياته. وحتى يكون الشاب الملتزم داعية إلى الله على بصيرة يجب عليه أن يطلب العلم الشرعي.
كما يجب على الشاب الملتزم والمستقيم أن يطلب العلم حتى يعبد الله على نور وبرهان، وليس على جهل وضلال.
ووسائل العلم والحمد لله كثيرة ومتيسرة، فهناك حلقات العلماء في المساجد، وهناك المكتبات الخيرية، وهناك المدارس والجامعات في كل مكان، وهناك كتب العلماء قديماً وحديثاً، وهناك الأشرطة المسجلة لدروس العلماء ومحاضراتهم وغير ذلك.
فنوصيك أيها الملتزم بأن تتزود بالعلم النافع، وتحرص على أن تدرك ما تستطيع منه بأي وسيلة وبأي سبب من الأسباب، لتكون بذلك من ورثة الأنبياء الذين ورثوا العلم وأخذوا منه بحظ وافر
ثالثاً: من أعمال الملتزم والمستقيم: ترك البدع والمعاصي والملاهي:
إن الشاب الملتزم والمستقيم هو ذلك الشاب الذي حرص كل الحرص على تطبيق شرع الله، وتطبيق تعاليم الإسلام. كما أنه حرص كل الحرص على البعد عما يدنس عرضه، وعما يقدح في عدالته، وعما ينقص من قدره ومكانته وذلك بترك البدع والمعاصي والملاهي.
أما الكفر والشرك فمعلوم حكمه وننزه الشاب الملتزم أن يصل إلى هذا.
أما هذه الثلاثة: وهي البدع والمعاصي والملاهي؛ فهي التي يحرص الشاب الملتزم على تركها والتمسك بالسنة حتى يكون من أهل النجاة بإذن الله تعالى:
إن الدعاة إلى البدع كثيرون، وخاصة في هذا الزمان، فهم يضيفون البدع إلى الشريعة وما عرفوا أن شريعة الله كاملة لا نقص فيها.
وموضوع البدع وتنفيذ شبهات أهلها وضرب الأمثلة عليها موضوع طويل، ومن أراد البحث في ذلك رجع المؤلفات في ذلك.
أما المعاصي: فما أكثرها اليوم، وما أكثر الدعاة إليها. حتى أصبح من الدعاة إلى المعاصي من يزينون المعصية، ويقولن إنها من الضروريات أو أنها من مسايرة الزمان أو أن أهل هذا الزان بحاجة إليها ولا يستغنون عنها وما أشبه ذلك
ولنأخذ مثلاً على ذلك: (الأغاني) :
فهناك من يقول أنها تنشط الجسد، وأنا تنمي الفكر، وأنها غذاء الروح، وأنها تقوي الذكاء، وأنها تسلي الإنسان، وأنها قضاء للوقت، وأنها
…
وأنها
…
ثم يضربون صفحاً عن مضارها، وعن الأسباب التي توقع فيها؛ بل ويضربون صفحاً عن النصوص التي تدل على حرمتها.
ومثلاً آخر: (الأفلام الخليعة) :
فهاك من يدعوك إلى النظر إليها، ويقول فرِّج عن نفسك يا أخي فإنك بحاجة إلى أن تمتع عينيك وتسلي قلبك وانظر إلى هذا الجمال وهذه الصور ومتع نفسك وهكذا ينشرون مثل هذه الشبهات.
ثم لا يذكرون شيئاً من الأضرار التي توقع فيها. فلا يذكرون أنها تزرع الفتن في القلوب، وأنها تدعو إلى المعاصي والوقوع في الفواحش، وأنها تشجع النساء على التكشف وعلى السفور وعلى الاختلاط بالرجال، وأنها وسيلة إلى فعل الجرائم الشنيعة. فكل هذا لا يذكرونه أبداً.
فيا أخي الملتزم إن ابتعادك عن مثل هذا هو حقيقة من حقائق التزامك، وضرورة من ضروريات استقامتك.
وخذ مثلاً على تناول (المشروبات المحرمة) :
فهناك من يقول أنها مشروبات روحية وأنها تنقل الإنسان من عالم إلى عالم آخر وأنها أشربة طيبة وأنها تسلي الإنسان ولا ضرر فيها وغير ذلك من الضلال والانحراف
ونسوا بعد ذلك قول الله تعالى: (إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجسٌ من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون)
أما الملاهي: فحدث ولا حرج، فهي تلك المجالس المليئة باللغو والباطل والكلام الذي لا فائدة فيه، والقيل والقال، وقد مدح الله المؤمنين بقوله تعالى:(قد أفلح المؤمنون. الذين هم في صلاتهم خاشعون. والذين هم عن اللغو معرضون)
فجعل من صفات المؤمنين البعد عن اللغو وهي: الصفة الثانية بعد الصلاة.
وهذه حقيقة الملتزم وهي: البعد عن الملاهي واللغو والمجالس الخالية من ذكر الله.
رابعاً: من أعمال الملتزم والمستقيم: الدعوة إلى الله:
وبعد أن يمنَّ الله عليك ويكمل التزامك وتكمل استقامتك، وتكمل نفسك فتطهرها من المعاصي وتهذبها على الطاعة، وتستقيم على السنة وتعمل بها.
ماذا يجب عليك بعد ذلك يا أخي؟
يجب عليك أمر مهم وعمل من أهم أعمال الملتزم والمستقيم هذا الأمر هو الدعوة إلى الله.
الدعوة إلى الله من خلال دعوة إخوانك الأشقاء، ودعوة إخوانك من الأصدقاء والزملاء، ودعوة جلسائك ومحبيك ونحوهم، ولا شك أن هذا من واجب المسلم نحو إخوانه، وما ذاك إلا أنه إذا لم يدعهم؛ فإنهم سوف يدعونه إلى باطلهم وضلالهم.
أخي الشاب المسلم الملتزم والمستقيم
ألست تحب أن يكثر أتباعك وأعوانك؟
ألست تحب أن يكثر أنصارك الذي يذبون عنك؟
ألست تحب أن يكثر أهل الخير وتحب أن يكون شبابهم وأولادهم على الدين الحنيف.
إذا كنت تحب ذلك؛ فابذل ما تستطيعه من الأسباب، فتأخذ بأيدي إخوانك وتسير بهم معك على الطريق الذي أنت تسير عليه، وتحرضهم على أن يلتزموا ويستقيموا عليه، كما استقمت أنت عليه.
أيها الإخوة
ما أحوجنا إلى كثرة الدعاة، وما أحوجنا إلى كثرة المعلمين والمرشدين ونحوهم؛ فلأجل ذلك عليكم بالدعوة إلى الله بكل ما تستطيعون حتى يكثر الدعاة، ويكثر أهل الخير في كل مكان.
وعليكم أيها الإخوة أن لا تيأسوا بسبب كثرة المنكرات؛ بل عليكم أن تبذلوا قصارى جهدكم في دعوة إخوانكم، ولو كانوا بعيدين عن الاستقامة؛ بل ولو لم يستجيبوا من أول مرة، ولكن عليك أن تدعوهم مراراً وتكراراً ولعلك أن تجد بعد زمن أن منهم من يستجيب لدعوتك ويصبح من أهل الاستقامة والصلاح بإذن الله.
لقد سرنا والحمد لله ما نراه من كثرة المكاتب التعاونية، وكثرة الدعاة الذين يدعون إلى الله، ولكن وجدنا منهم من يستنكف عن الدعوة إلى الله، ويعلل هذا التقاعس بأن أهل الشر أكثر، وأن المنحرفين أكثر، وأن أهل الاستقامة وأهل الالتزام وأهل الطاعة أقل من غيرهم؛ بل ونجدهم يقتصرون علىأنفسهم ولا يقومون بدعوة غيرهم، ولا شك أن هذا خلل ونقص في حقيقة الالتزام.
أيها الأخ الداعية اقرأ قول الله تعالى: (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر)
فقد بين سبحانه أن أهل النجاة هم الذي آمنوا، ثم بعد ذلك عملوا الصالحات، ولم يقتصروا على هذا فقط؛ بل قاموا بدعوة غيرهم، فتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر. إنهم لم يقتصروا على أنفسهم؛ بل تعدى الأمر إلى غيرهم.
فعلينا أن نتواصى فيما بيننا، فإنا بحاجة إلى ذلك، حتى الملتزم والمستقيم منّا، وكل منّا بحاجة إلى أن يوصي صديقه وزميله وأخاه وقريبه، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يوصي أصحابه كما في الحديث الذي رواه أبو ذر رضي الله عنه قال:" قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن"
والتواصي بالحق: أن تعرض المسألة على أخيك.
فإذا رأيته وقد أخل بسنة فتنصحه بأن يتمسك بها، وتبين له الدليل عليها حتى يعمل بها.
وإذا كان واقعاً في معصية، فتقول له:
أليس فعلك لهذه الجريمة ولهذه المعصية ذنباً تأثم عليه؟
ثم أليس هذا الذنب أو هذه المعصية تقدح في عدالتك وتقدح في استقامتك، فلماذا تصر عليها؟
ثم أليست هذه المعصية تنقص إيمانك وتنقص طاعاتك وتنقص حسناتك، وتزيد من سيئاتك، فلماذا تصر عليها؟
فإذا أجاب بجواب غير مقنع، فعليك أن تبين له الجواب الصحيح مستند إلى الأدلة في ذلك من الكتاب والسنة، ومن ثم تبين له الطريق المستقيم وتحثه عليه، وتحثه على أن يترك هذه الشبهات والضلالات، وأن يتمسك بالسنة حتى يكون من أهل الخير وأهل النجاة بإذن الله تعالى.
مجالات الدعوة إلى الله:
أما عن أنواع التعاون مع مكاتب الدعوة فهو مجال واسع، وكل حسب استطاعته وقدرته، ولا شك أن التعاون مع مكاتب الدعوة والهيئات وغيرها مما يقوي كلمة الله، وبه ينتشر الإسلام، وأيضاً مما يقوي أهل الشريعة، وأهل الاستقامة والالتزام.
وفي استطاعة كل من قرأ القرآن على المشايخ، وحضر دروس العلماء في المساجد، وتفقه في دين الله، أن يبين ويعلّم ويدعو إلى ما يعلمه، فإنه يصدق عليه أن يُقَالَ هذا طالب علم، أو يُقَالَ هذا عالم، وإن كان علماً نسبياً، فعليه أن يحرص على تعدي هذا العلم إلى غيره بأي وسيلة ممكنة له.
فإن استطاع أن ينتظم في سلك الدعاة إلى الله؛ سواء كان رسمياً أو معاوناً، فإن ذلك خير وهو وسيلة من وسائل نشر العلم ونشر الدين.
ويؤسفنا اليوم قلة المنتظمين رسمياً في سلك الدعوة إلى الله، وكذلك قلة المتعاونين، فإنا بحاجة إلى زيادة العدد، وخاصة أن البلاد اليوم توسعت، والدعاة إلى الشر اليوم كثيرون، فإنا بحاجة إلى من يواجههم ويوقفهم عند حدهم، ويقلل من شرورهم وفسادهم.
إنني أنصح إخواني بالانضمام إلى إخوانهم الدعاة بأي وسيلة لديهم، ولو لم يحفظ إلا آيةً أو حديثاً، فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول:" بلغوا عني ولو آية".
نعم آية تحفظها أو حديثاً تحفظه، عليك أن تبلغه حتى تكون من العاملين بشريعة الله.
وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: " نضر الله أمرءاً سمع مقالتي فوعاها وأداها كما سمعها"
وأيضاً قوله صلى الله عليه وسلم: " فيبلغ الشاهد الغائب فرب مبلغ أوعى من سامع"
فيا أخي الشاب المستقيم الذي هداك الله لهذا الإسلام، ولهذا الدين؛ عليك أن لا تحقر نفسك بالانضمام إلى إخوانك، فإنهم بحاجة إليك، وحتى تنفع نفسك بأدائك شيئاً من هذا الواجب، وتنفع إخوانك فتخفف من الوطأة التي يتحملونها؛ حيث إنهم يتكلفون في الذهاب إلى الأماكن البعيدة، وقد يشق ذلك عليهم. فإذا وجدوا أن هذا تعاون معهم، وهذا تعاون والثالث والرابع، فإن ذلك:
أولاً: يخفف الوطأة عليهم:
وثانياً: تعمُّ المنفعة، فلا يقتصر الإنسان على نفسه ويقول: أصلحت نفسي ولا حاجة لي في غيري.
بل نقول: هذه وساوس شيطانية، فإن الأمة بحاجة إلى عملك ودعوتك، وأن دعاة الشر كثيرون، وإذا لم يكن هناك من يقاومهم ومن يفند ضلالهم وشبهاتهم؛ فلا شك أنه ستقوى شوكتهم، ويكون الأمر لهم بعد ذلك إلا أن يشاء الله.
أما عن مجالات الدعوة إلى الله، فهي كثيرة، وكل إنسان يختلف عن غيره، وكل يعرف قدراته وإمكاناته، ولكن نذكر على سبيل المثال، بعض هذه المجالات، حتى يعرف كل، واحد مكانه منها، فمن ذلك:
الخطبة:
والخطبة مجال من مجالات الدعوة إلى الله وخاصة أن هناك خطباء ليسوا بأكفاء، ولديهم أخطاء كثيرة، إما بمعتقداتهم أو بوجهات نظرهم أو بمنهجهم.
فعلى الأخ الداعي الذي تعلم العلم الصحيح، واستقام على دين الله، أن ينتهز هذه الفرصة، ويكون خطيباً في مسجد من المساجد، ويوجّه هؤلاء المصلين الذين لا يسمعون موعظة دينية إلا في كل أسبوع مرة واحدة.
وعليه أن يختار لهم الخطب النافعة التي تعالج مشاكلهم، وتنبههم على ما هم غافلون عنه، فلعل الله أن يهدي به بعض الحاضرين فيتأثر بما يسمع، فيرجع عن غيِّه، وفي الحديث عنه عليه السلام قال لعلي:" لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حُمْر النّعم"
الإمامة:
ومجال آخر من مجالات الدعوة إلى الله وهو تولي الإمامة في مسجد من المساجد ليس فيه جمعة.
وما أكثر المساجد التي هي بحاجة إلى أئمة صادقين ومجتهدين، وحريصين على نفع غيرهم من إخوانهم المصلين، فإن كثيراً من الأئمة إما جاهل وعلمه بالشريعة قليل جداًّ، وإما لا يبالي بدعوة إخوانه المصلين ونصحهم وتنظيم الدروس العلمية لهم وتوجيههم.
والإمام الذي يتولى إمامة مسجد وقصده الصلاح ونفع إخوانه فإنه:
أولاً: تكون الصلاة خلفه مقبولة بإذن الله تعالى، وذلك أنه يحرص على إكمال شروط الصلاة وواجباتها وأركانها وسننها.
ثانياً: أنه ينفع المصلين فإما أن يقرأ عليهم في كتاب مثلاً، أو يقرأ عليهم نصيحة، أو يفسر لهم آية، أو يشرح لهم حديثاً، أو نحو ذلك. فهو بذلك ينفع نفسه وينفع إخوانه المصلين.
إذاً فما الذي يعوقك يا أخي أن تتولى هذا المنصب، فتكون بذلك من الذين نفعوا أنفسهم ونفعوا الأمة، وأسقطوا الواجب عن غيرهم.
المساعدة:
ثم مجال آخر من مجالات الدعوة إلى الله، وهو مجال المعاونة والمساعدة بشتى أنواعها: المادية والمعنوية.
فإن مكاتب الهيئات ومكاتب الدعوة وغيرها بحاجة إلى من يساندهم ويساعدهم كلٌّ حسب قدرته واستطاعته، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها.
أما التعاون مع هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهو واجب كل مسلم، وخاصة الملتزم والمستقيم.
وما ذاك إلا أنهم بحاجة إلى من يقف بجانبهم، وليس شرطاً أن يكون كبيراً أو صغيراً، أو عالماً متخصصاً، فما دام أنه عالمٌ أن هذا الأمر من المنكر وهذا الأمر من المعروف، فليس له العذر في أن يسكت على ذلك أو يقبع في منزله أو سوقه، ويترك هذه المنكرات تتمكّن وتفشو.
صفات الملتزم والمستقيم
إن الصفات التي يجب أن يتحلى بها كل شاب ملتزم ومستقيم كثيرةٌ جداً. فأنت مثلاً ترى شابّاً قد تحلى ببعض الصفات الظاهرة فتقول: هذا شابٌّ ملتزمٌ.
فإذا رأيته مثلاً وقد أعفى لحيته ورفع ثوبه وحافظ على الصلاة في المساجد، ورأيته لا يقنتي الملهيات وغيرها، ورأيته يجالس أهل الخير والاستقامة، ورأيته يغشى مجالس العلماء ويحبهم ويتكلم معهم بما تعلمه منهم. قلت: هذا من الملتزمين ومن المستقيمين.
ولكن هذا لا يكفي، فإن هذه صفات ظاهرة، يجب على الملتزم أن يتحلى بها، ولكن هناك صفات أخرى يجب على كل شاب مسلم ملتزم أن يتحلى بها، حتى يكمل التزامه ويكون من المستقيمين حقاً، وعلى سبيل المثال نذكر بعض هذه الصفات المهمة، وذلك للاختصار وعدم الإطالة، والله المستعان.
أولاً: من صفات الملتزم والمستقيم: المعاملة الحسنة:
قال تعالى: (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظّاً غليظ القلب لانفضوا من حولك) .
وفي الحديث عن أبي ذر رضي الله عنه قال: "قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن".
وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: "قال لي النبي صلى الله عليه وسلم لا تحقرنّ من المعروف شيئاً، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق".
فالمعاملة الحسنة صفة من صفات كل مسلم، وكل ملتزم، فلا تكن فظّاً غليظاً، ولا تكن شرساً ولا عبوساً في وجوه من تلقاهم من إخوانك، ولا تكن حاقداً وحاسداً ومبغضاً لهم بدون سبب يذكر.
فعليك أن تكون لين الجانب وأن تلقى أخاك بوجه مسفر منطلق مبتسم، إعجاباً به ومحبة له، فهذه كلها من صفات الملتزمين التي جاء الشرع بها وحث عليها.
ثانياً: من صفات الملتزم والمستقيم: التأدب مع الغير وحسن الجوار، وأداء الأمانة:
وكذلك من الآداب تأدب المسلم الملتزم مع الآخرين، ومثال ذلك تأدبه مع أبويه، وذلك ببرهما وطاعتهما في غير معصية، وهذا أمر واجب. وكذلك يكون واصلاً لأرحامه، ومتأدباً معهم ومؤدياً حقوقهم التي عليه. وكذلك حسن الجوار وتأدبه مع جيرانه وعدم إيذائهم ومعرفة حق الجار، وصدق الحديث معهم ومع غيرهم، وهكذا أداء الأمانة وغيرها من الصفات الحميدة التي يجب عليك أيها المسلم الملتزم أن تتحلى بها.
ثالثاً: من صفات الملتزم والمستقيم: غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر:
روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إياكم والجلوس في الطرقات، فقالوا: يا رسول الله ما لنا من مجالسنا بُدُّ نتحدث فيها. فقال: فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه. قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال: غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر".
ولا شك أن من صفات المسلم الملتزم المستقيم التمسك بهذه الأمور، التي وردت في الحديث، فهي من صفات المسلمين عموماً والملتزمين خصوصاً.
وإن التهاون بهذه الأمور يضعف من تمسك الإنسان والتزامه واستقامته!
فالذي يمد عينيه وينظر إلى ما نهى الله عنه ويخالف قول الله تعالى: (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم) فإن ذلك دليل على ضعف تمسكه والتزامه.
والذي لا يحفظ لسانه عما حرم الله، ولا يفكر في عاقبة كلمته، فإنه قد يقع في مهاوي ومهالك، ويكون ذلك دليلاً على ضعف تمسكه بالأخلاق والآداب الإسلامية.
والملتزم هو الذي يحفظ لسانه، فتراه إن تكلم لا يتكلم إلا بخير، وإلا سكت، فلا تسمع منه سباباً ولا قذفاً ولا عيباً ولا غير ذلك.
أما إن حذّر من منكر، أو عاب من يستحق العيب، أو شهَّر بإنسان يستحق التشهير، أو ذكر إنساناً بسوء للتحذير منه، أو ما أشبه ذلك، فإن هذا لا غبار عليه؛ بل هو من مكملات الالتزام والاستقامة على دين الله.
هذه جملة من الآداب والأخلاق التي جاءت مكملات الالتزام والاستقامة، ومن أراد التوسع فيها فليرجع إلى الكتب التي ألّفتَ في الآداب والأخلاق مثل:"الآداب" للبيهقي، "والآداب الكبرى" لابن مفلح، وكذلك:"أدب الدين والدنيا" للماوردي، وكذلك:"روضة العقلاء" لابن حبان، وغيرها من الكتب.
وصية وخاتمة
وفي الختام فهذه وصية خاصة لإخواني الدعاة إلى الله، وإلى كل مسلم ملتزم ومستقيم على أمر الله، فأقول لهم:
إننا في هذه الأزمنة كما تعرفون في غربة في الدين". وإن كان عدد الحضور للمحاضرات وغيرها كثيراً، ولكن إذا خرجنا إلى الأسواق وجدنا الكثير ممن ضعف تمسكهم والتزامهم بشرع الله، وهكذا لو دخلنا النوادي وجدنا الكثير والكثير، وهكذا المدارس الثانوية والجامعات والكليات وغيرها، فإن هناك مجموعات كثيرة ممن ضعف التزامهم وقلت استقامتهم. وهكذا إذا خرجنا في أطراف البلاد رأينا المتنزهين الذي خرجوا للنزهة ونصبوا الخيام، وهكذا أماكن تجمع العمل والشركات والورش وغيرها.
وهنا أطرح سؤالاً:
أليس لهؤلاء حق علينا؟!!
إذا رأينا كثرة هؤلاء الهالكين الذين هم على شفا جرف من الهلاك، ألسنا مسؤولين عنهم؟!!
فما دمنا قد منّ الله علينا بالالتزام والاستقامة، فإن علينا أن لا نتركهم على ضلالهم وعلى غيهم؛ بل نحرص على جذبهم إلى التمسك بدين الله والاستقامة عليه.
فإن كانوا ممن يدين بالإسلام، ولكن لا يعرف من دينه إلا مجرد التسمية فإننا ننصحه ونوجهه ونبين له الدين الصحيح والإسلام الحق، لعل الله أن يهديه ويصبح من المستقيمين على دين الله ومن المتمسكين بالسنة والشريعة.
وإن كان ممن لا يدين بدين الإسلام، فإننا ندعوه إلى الإسلام، ونبين له محاسنه، فالإسلام هو الدين الواجب اتباعه وأما غيره من الأديان فهي باطلة، وهكذا فلعل الله أن يهديه إلى الإسلام.
وهذه دعوة لأخواني الملتزمين فلو أن كل واحد منَّا خصَّص يوماً في الأسبوع، ومشى إلى هذه الورش وأماكن تجمّع العمال وغيرهم، ودعا إلى الله تعالى أو مشى إلى أماكن تجمعهم للصلاة، وألقى عليهم كلمة قصيرة، فإنه سيحصل بذلك خيرٌ كثيرٌ إن شاء الله.
ولو ذهب كل واحد أو مجموعة إلى تلك المجالس والمخيمات ونحوها، وألقى نصيحة وكلمة خفيفة، أو وزع منشوراً أو شريطاً من الأشرطة المفيدة النافعة.
فماذا تكون النتيجة بعد ذلك؟!!
لا شك أن الخير سينتشر بإذن الله تعالى، وينتشر الإسلام انتشاراً كبيراً، ويكثر أهل الخير والمستقيمون والمتمسكون بدين الله، وهذا ما نتمناه ونرجوه إن شاء الله، ونرجو أن يكون من الإخوة الحاضرين وغيرهم من لديهم هذه الرغبة والعزيمة، وأن يضعوا نصب أعينهم وصية النبي صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب حين بعثه للجهاد، فقال له:" لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حُمْر النّعم"
نسأل الله أن يمن علينا بطاعته، ونسأله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، ونسأله أن يجعلنا من المتمسكين بشريعته، والذابين عن دينه، والمجاهدين في سبيله، والمبلغين لأمره وشرعه، والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، والداعين إلى الله على بصيرة، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.