الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة النمل
(هي ثلاث أو أربع أو خمس وتسعون آية)
قال القرطبي: وهي مكية كلها في قول الجميع، وبه قال ابن عباس، وعن ابن الزبير مثله.
بسم الله الرحمن الرحيم
طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (1) هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (3) إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (4) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (5) وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (6)
(طس) قد مر الكلام مفصلاً في فواتح السور، وهذه الحروف إن كانت اسماً للسورة فمحلها الرفع على الابتداء، وما بعدها خبرها، ويجوز أن تكون خبر مبتدأ محذوف أي اسم هذه السورة طس، وإن كانت مسرودة على نمط التعديد فلا محل لها، والله أعلم بمراده بذلك.
(تلك) إشارة إلى نفس السورة لأنها قد ذكرت إجمالاً بذكر اسمها (آيات القرآن وكتاب مبين) عطف بزيادة صفة على مفهوم المعطوف عليه، وكان مفيداً بهذا الاعتبار، والمراد بالكتاب القرآن نفسه أو اللوح المحفوظ، أو نفس السورة.
وقد وصف الآيات بالوصفين، القرآنية الدالة على كونها مقروءة مع الإشارة إلى كونها قرآناً عربياً معجزاً، والكتابية الدالة على كونها مكتوبة، مع الإشارة إلى كونها متصفة بصفة الكتب المنزلة ثم ضم إلى الوصفين وصفاً ثالثاً، وهي الإبانة لمعانيه لمن يقرأه: وهو من أبان بمعنى بان، معناه اتضح إعجازه، بما اشتمل عليه من البلاغة أو مظهر لما في تضاعيفه من الحكم والأحكام، وأحوال الآخرة التي من جملتها الثواب والعقاب؛ أو لسبيل الرشد والغي، أو فارق بين الحق والباطل، والحلال والحرام.
وقدم وصف القرآنية هنا نظراً إلى تقدم حال القرآنية على حال الكتابة،
وأخره في سورة الحجر فقال: تلك آيات الكتاب وقرآن مبين، نظراً إلى حالته التي قد صار عليها فإنه مكتوب، والكتابة سبب القراءة، والله أعلم.
وأما تعريف القرآن هنا وتنكير الكتاب، وتعريف الكتاب في سورة الحجر وتنكير القرآن، فلصلاحية كل واحد منهما للتعريف والتنكير، لأن القرآن والكتاب اسمان علمان للمنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ووصفان له، لأنه يقرأ ويكتب، فحيث جاء بلفظ التعريف فهو العلم، وحيث جاء بلفظ التنكير فهو الوصف.
(هدى وبشرى للمؤمنين) أي: تلك آيات هادية ومبشرة أو هو هدى أو يهدي هدى ويبشر بشرى، أو هاد من الضلالة، ثم وصف المؤمنين الذين لهم الهدى والبشرى فقال:
(الذين يقيمون الصلاة) أي الخمس، ويديمون على شرائطها من
الفروض والسنن، ويأتون بها على وجهها.
(ويؤتون الزكاة) أي: يؤدون ويعطون زكاة أموالهم إذا وجبت عليهم، طيبة بها أنفسهم، ولما كانت إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة مما يتكرر ويتجدد في أوقاتهما، أتى بهما فعلين، ولما كان الإيقان بالآخرة أمراً ثابتاً مطلوباً دوامه، أتى به جملة اسمية فقال:
(وهم بالآخرة هم يوقنون) يعلمونها بالاستدلال، وجعل الخبر مضارعاً للدلالة على أن إيقانهم يستمر على سبيل التجدد في كل وقت، وعدم الانقطاع وكرر الضمير للدلالة على الحصر، ولما فصل بينه وبين الخبر، أي لا يوقن بالآخرة حق الإيقان إلا هؤلاء الجامعون بين الإيمان والعمل الصالح، لأن خوف العاقبة يحملهم على تحمل المشاق، وأنهم الأوحدون فيه، ثم لما ذكر سبحانه أهل السعادة ذكر بعدهم أهل الشقاوة فقال:
(إن الذين لا يؤمنون بالآخرة) أي: لا يصدقون بالبعث وهم الكفار.
(زينا لهم أعمالهم) قيل: المراد أن الله زين لهم أعمالهم السيئة
القبيحة بتركيب الشهوة فيهم، حتى رأوها حسنة، وقيل: المراد أن الله زين لهم الأعمال الحسنة وذكر لهم ما فيها من خيري الدنيا والآخرة فلم يقبلوا ذلك. قال الزجاج: معنى الآية إنا جعلنا جزاءهم على كفرهم أن زينا لهم ما هم فيه بأن جعلناه مشتهى بالطبع محبوباً للنفس.
(فهم يعمهون) أي يترددون فيها متحيرين على الاستمرار، لا يهتدون. إلى طريقه، ولا يقفون على حقيقته؛ لعدم إداركهم قبحها في الواقع، وقيل: المعنى يتمادون، قاله أبو العالية وقال قتادة: يلعبون. وعن الحسن: يتحيرون. وقيل: يداومون وينهمكون فيها، ويستمرون. والمعاني متقاربة.
(أولئك الذين لهم سوء العذاب) أي: أشده، قيل: في الدنيا كالقتل والأسر ووجه تخصيصه بعذاب الدنيا قوله بعده:
(وهم في الآخرة هم الأخسرون) أي: هم أشد الناس خسراناً، وأعظمهم خيبة، فالمفضل عليه هو أنفسهم من حيث اعتبار اختلاف الزمان والمكان ثم مهد سبحانه مقدمة نافعة لما سيذكره بعد ذلك من الأخبار العجيبة، فقال مخاطباً للنبي صلى الله عليه وسلم:
(وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم) أي: يلقى عليك بشدة فتلقاه، وتأخذه من لدن كثير الحكمة والعلم، ووجه الجمع بينهما -مع أن العلم داخل في الحكمة- أن العلم الذي يدخل فيها هو العلم العملي، وهو الذي يتعلق بكيفية عمل، والعلم أعم منه، فكأنه قيل: مصيب في أفعاله، لا يفعل شيئاًً إلا على وفق علمه، عليم بكل شيء، سواء كان ذلك العلم مؤدياً إلى العمل أم لا.
قيل: إن (لدن) هاهنا بمعنى عند، وفيها لغات كما تقدم في سورة الكهف، وهذه الآية بساط وتمهيد لما يريد أن يسوق بعدها من الأقاصيص وما في ذلك من لطائف حكمته، ودقائق علمه؛ وقد اشتملت هذه السورة على قصص خمس: الأولى هذه، وتليها قصة النملة، وتليها قصة بلقيس، وتليها قصة صالح، وتليها قصة لوط.
إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (7) فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (8) يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (9) وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (10) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (11)
(إذ قال موسى لأهله) قال الزجاج: أي اذكر قصته إذ قال لأهله، والمراد بأهله امرأته في مسيره من مدين إلى مصر، وكان في ليلة مظلمة باردة مثلجة وقد ضل الطريق، وأخذ زوجه الطلق، والحامل له على هذا السفر أن يجتمع بأمه وأخيه بمصر، ولم يكن معه إذ ذاك إلا زوجته بنت شعيب، فكنى عنها بلفظ الأهل الدال على الكثرة للتعظيم، وقيل: كان معه ولده وخادمه أيضاً ومثله قوله: امكثوا (إني آنست ناراً) أي أبصرتها من بعيد.
(سآتيكم منها بخبر) عن حال الطريق، وكان قد ضلها، والسين تدل على بعد مسافة النار وتأكيد الوعد. والجمع -إن صح أنه لم يكن معه عليه السلام إلا امرأته لما كنى عنها بالأهل، أو للتعظيم- مبالغة في التسلية.
(أو آتيكم بشهاب قبس) بتنوينهما على أن الثاني بدل من الأول أو صفة له لأنه بمعنى مقبوس، أي بشعلة نار مقبوسة، أي مأخوذة من أصلها، وقرئ بالإضافة على أنها للبيان، فالمراد تعيين المقصود الذي هو القبس الجامع لمنفعتي الضياء والاصطلاء، لأن من النار ما ليس بقبس كالجمر وكلتا العدتين منه عليه الصلاة والسلام بطريق الظن، كما يفصح عن ذلك ما في سورة طه من صيغة الترجي والترديد للإيذان بأنه إن لم يظفر بهما لم يعدم أحدهما بناء على ظاهر الأمر وثقة بسنة الله تعالى فإنه تعالى لا يكاد يجمع على عبده حرمانين، قاله أبو السعود.
والمعنى على القراءتين آتيكم بشعلة نار مأخوذة من أصلها في رأس فتيلة أو عود. قال الزجاج: من نوّن جعل (قبس) من صفة (شهاب). وقال الفراء: هذه الإضافة كمسجد الجامع، وصلاة الأولى، أضاف الشيء إلى نفسه لاختلاف أسمائه. وقال النحاس: هي إضافة النوع إلى الجنس، كما تقول ثوب خز وخاتم حديد وهي بمعنى: من. أي: شهاب من قبس.
قال: ويجوز في غير القرآن بشهاب قبساً، على أنه مصدر أو بيان أو حال. قال الزجاج: كل أبيض ذي نور فهو شهاب. وقال أبو عبيدة: الشهاب النار، وقال ثعلب: أصل الشهاب عود، في أحد طرفيه جمرة والآخر لا نار فيه، والشهاب الشعاع المضيء، وقيل للكوكب: شهاب.
(لعلكم تصطلون) أي: رجاء أن تستدفئوا بها من البرد: أو لكي تستدفئوا بها، يقال: صلى بالنار واصطلى بها إذا استدفأ بها، والصلاء النار العظيمة، واختلاف الألفاظ في هاتين السورتين، والقصة واحدة، دليل على جواز نقل الحديث بالمعنى، وجواز النكاح بغير لفظ التزوج.
(فلما جاءها) أي النار التي أبصرها (نودي) من جانب الطور (أن بورك من في النار ومن حولها)(أن) هي المفسرة لما في النداء من معنى القول، أي قيل له: بورك أو هي المصدرية أي بأن بورك، أي بارك الله أي ناداه بأنا قدسناك، وطهرناك، واخترناك للرسالة. وقيل: هي المخففة من المثقلة، وتقديره بأنه بورك، واسمها ضمير الشأن، وبورك خبرها، وجاز ذلك من غير عوض، وإن منعه الزمخشري، أي لم يحتج هنا إلى فاصل. لأن قوله بورك دعاء والدعاء يخالف غيره في أحكام كثيرة. وقرئ أن بوركت النار.
وحكى الكسائي عن العرب باركك الله وبارك فيك وعليك ولك. وكذلك حكى هذا الفراء. قال ابن جرير: قال بورك من في النار، ولم يقل بورك على من في النار، على لغة من يقول: باركك الله، أي بورك، وقدس، وطهر من النار، وهو موسى، وليس هو فيها حقيقة، بل في المكان القريب
منها وهذا تحية من الله تعالى لموسى وتكرمة له، كما حي إبراهيم على ألسنة الملائكة حين دخلوا عليه فقالوا:(رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت) قاله القرطبي.
ْوقال السدي: كان في النار ملائكة، والنار هنا هي مجرد النور، ولكنه ظن موسى أنها نار، فلما وصل إليها وجدها نوراً، وعن الحسن، وسعيد بن جبير أن المراد بمن في النار هو الله سبحانه أي نوره أو قدرته وسلطانه. وقيل: بورك ما في النار من أمر الله سبحانه الذي جعلها على تلك الصفة.
قال الواحدي: ومذهب المفسرين أن المراد بالنار هنا النور، وعن ابن عباس قال: يعني تبارك وتعالى نفسه، كان نور رب العالمين في الشجرة ومن حولها يعني الملائكة؛ وعنه قال: كان الله في النور، نودي من النور ومن حولها. قال الملائكة، وعنه قال: ناداه الله وهو في النور وعنه قرئ بوركت النار، وفي مصحف أُبي بن كعب. بوركت النار أما النار فيزعمون أنها نور رب العالمين.
وعن ابن عباس، بورك قال: قدس، وقيل: المراد (من) غير العقلاء وهو النور والأمكنة التي حولها. وأخرج عبد بن حميد، وابن ماجة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي عن أبي موسى الأشعري قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل، حجابه النور، لو رفع لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره ". ثم قرأ أبو عبيدة (أن بورك من في النار ومن حولها وسبحان الله رب العالمين) والحديث أصله مخرج في صحيح مسلم من حديث عمرو بن مرة.
وفي التوراة: جاء الله من سيناء، وأشرف من ساعير واستعلى من جبال فاران. والمراد بعثة موسى من سيناء، وبعثة عيسى من ساعير، وبعثة
محمد صلى الله عليه وسلم من فاران، وهو اسم مكة، ثم نزه سبحانه نفسه من السوء فقال:
(وسبحان الله رب العالمين) فيه تعجيب لموسى من ذلك هو من جملة ما نودي به، وإنما وقع التعرض للتنزيه في هذا المقام لدفع ما رب أن يتوهمه موسى بحسب الطبع البشري، الجاري على العادة الخلقية أن الكلام الذي يسمعه في ذلك المكان بحرف وصوت حادث، ككلام الخلق، أو المتكلم به في مكان أو جهة قاله الحفناوي.
(يا موسى إنه) أي الشأن (أنا الله العزيز) الغالب القاهر (الحكيم) في أمري وفعلي، وقيل: إن موسى قال: يا رب من الذي ناداني؟ فأجابه سبحانه بقوله: إنه أنا الله، وهو تمهيد لما أراد أن يظهر على يده من المعجزات فأمره سبحانه بأن يلقي عصاه ليعرف ما أجراه على يده من المعجزات الخارقة، فيأنس بها فقال:
(وألق) عطف على بورك منتظم معه في سلك تفسير النداء أي نودي أن بورك وأن ألق (عصاك فلما رآها تهتز) جملة حالية من هاء (رآها) لأن الرؤية بصرية وقوله (كأنها جان) يجوز أن تكون حالاً ثانية وأن تكون حالاً من ضمير (تهتز) فتكون حالاً متداخلة، قاله السمين.
قال الزجاج: صارت العصا تتحرك كما يتحرك الجان وهو الحية البيضاء، وإنما شبهها بالجان في خفة حركتها وإلا فجثتها كانت كبيرة جداً: وشبهها في موضع آخر بالثعبان لعظمها، وجمع الجان جنان، وهي الحية الخفيفة الصغيرة الجسم، وقال الكلبي: لا صغيرة ولا كبيرة. والفاء فصيحة تفصح عن جملة قد حذفت ثقة بظهورها، ودلالة على سرعة وقوع مضمونها كأنه قيل: فألقاها فانقلبت حية تسعى، فأبصرها.
فلما أبصرها متحركة بسرعة واضطراب (ولى مدبراً) من الخوف (ولم يعقب) أي لم يرجع على عقبه من عقب المقاتل إذا كر بعد الفر، يقال: عقب فلان إذا رجع وكل راجع معقب، وقيل: لم يقف ولم يلتفت ولم
يعطف، ولم ينظر، والأول أولى. لأن التعقيب هو الكر بعد الفر، وإنما اعتراه الرعب لظنه أن ذلك لأمر أريد به كما ينبئ عنه قوله:
(يا موسى لا تخف) من غيري أي: من الحية وضررها ثقة بي أو لا تخف مطلقاً.
(إني لا يخاف لدي المرسلون) أي: لا يخاف عندي من أرسلته برسالتي، من حية وغيرها، فلا تخف، أنت عندي. قيل: ونفي الخوف عن المرسلين ليس في جميع الأوقات، بل في وقت الخطاب لهم، والإيحاء والإرسال؛ لأنهم إذ ذاك مستغرقون في مطالعة شؤون الله عز وجل، لا يخطر ببالهم خوف من شيء وأما في غير هذه الحالة فالمرسلون أخوف الناس منه تعالى. أو المعنى لا يكون لهم عندي سوء عاقبة ليخافوا منه، ثم استثنى استثناء منقطعاً فقال:
(إلا من ظلم) أي لكن من أذنب في ظلم نفسه بالمعصية (ثم بدل حسناًْ) أي: توبة وندماً أتاه (بعد سوء) أي بعد عمل سوء (فإني غفور رحيم) أقبل التوبة وأغفر له؛ وقيل: الاستثناء من مقدر، أي لا يخاف لدي المرسلون، وإنما يخاف غيرهم ممن ظلم " إلا من ظلم
…
الخ "، كذا قال الفراء. وقال النحاس: الاستثناء من محذوف محال، لأنه استثناء من شيء لم يذكر. وعن الفراء أن (إلا) بمعنى الواو.
وقيل: إن الاستثناء متصل من المذكور لا من المحذوف، والمعنى إلا من ظلم من المرسلين بإتيان الصغائر التي لا يسلم منها أحد، واختار هذا النحاس، وقال: علم من عصاه منهم فاستثناه فقال إلا من ظلم، وإن كنت قد غفرت له كآدم، وداود. وإخوة يوسف، وموسى لقتله القبطي. ولا مانع من الخوف بعد المغفرة فإن نبينا صلى الله عليه وسلم الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر كان يقول: وددت أني شجرة تعضد.
وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (12) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (13) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (14) وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (15)
(وأدخل يدك في جيبك) المراد بالجيب هو المعروف، أي طوق القميص سمي جيباً لأنه يجاب، أي: يقطع ليدخل فيه الرأس. وفي القصص (أسلك يدك في جيبك) وفي (أدخل) من المبالغة ما لم يكن في (أسلك) ولم يأمره بإدخالها في كمه لأنه كان عليه مدرعة صغيرة من صوف لا كم لها. وقيل: كان لها كم قصير، عن ابن عباس قال: كانت على موسى جبة من صوف لا تبلغ مرفقيه، فقال له أدخل يدك في جيبك فأدخلها.
(تخرج) خلاف لونها من الأدمة (بيضاء من غير سوء) أي من غير برص أو نحوه من الآفات فهو احتراس، وقيل: في الكلام حذف تقديره: أدخل يدك تدخل، وأخرجها تخرج، ولا حاجة إلى هذا الحذف، ولا ملجئ إليه. قال المفسرون: وكانت على موسى مدرعة من صوف لا كم لها ولا أزرار، فأدخل يده في جيبه وأخرجها، فإذا هي تبرق كالبرق لها شعاع يغشي البصر.
(في تسع آيات) قال أبو البقاء: هو في محل نصب على الحال من فاعل (تخرج) وفيه بعد. وقيل: متعلق بمحذوف أي: اذهب في تسع آيات وقيل: متعلق بقوله: ألق عصاك وأدخل يدك، في جملة تسع آيات: وقيل: المعنى مهما آيتان من تسع، يعني العصا واليد فتكون الآيات إحدى عشرة، هاتان والفلق، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والطمس،
والجدب في بواديهم، والنقصان في مزارعهم، قال النحاس: أحسن ما قيل فيه: إن هذه الآية يعني اليد داخلة في تسع آيات، وكذا قال المهدوي والقشيري.
قال الزجاج والقشيري: تقول خرجت في عشرة نفر وأنت أحدهم أي: خرجت عاشر عشرة فـ (في) بمعنى من، لقربها منها كما تقول: خذ لي عشراً من الإبل فيها فحلان، أي منها. وقيل: في بمعنى مع واليد والعصا خارجتان من التسع، وكذا فعل ابن عطية.
(إلى فرعون وقومه) قال الفراء: في الكلام إضمار، أي: إنك مبعوث أو مرسل إلى فرعون وقومه، وكذا قال الزجاج.
(إنهم كانوا قوماً فاسقين) تعليل لما قبله من المقدر، أي خارجين عن الحدود في الكفر والعدوان.
(فلما جاءتهم آياتنا) التي كانت على يد موسى حال كونها (مبصرة) أي مضيئة واضحة اسم فاعل أطلق على المفعول نحو ماء دافق، أي مدفوق إشعاراً بأنها لفرط إنارتها ووضوحها تبصر نفسها لو كانت مما يبصر. كقوله:(وآتينا ثمود الناقة مبصرة) وقرئ مبصرة بفتح الميم والصاد، أي مكاناً يكثر فيه التبصر، كما يقال: الولد مجبنة ومبخلة، والأول أولى. ونسب الإبصار إليها مجازاً لأن بها يبصر. والمعنى إضاءة معنوية في كلها أو حسية أيضاً في بعضها وهو اليد.
فلما جاءتهم آياتنا (قالوا هذا) الذي نشاهده من الخوارق التي أتى بها موسى (سحر مبين) واضح ظاهر سحريته.
(وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم) أي قد كذبوا بها ولم يقروا حال كون أنفسهم مستيقنة لها أنها من عند الله فالواو للحال، يقال: جحد حقه وبحقه بمعنى، والاستيقان أبلغ من الإيقان.
(ظلماً) أي للآيات كقوله تعالى: بما كانوا بآياتنا يظلمون، ولقد ظلموا
بها أي ظلم حيث حطوها عن رتبتها العالية، وسموها سحراً.
(وعلواً) استكباراً عن الإيمان بها كقوله تعالى والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها؛ وانتصابهما إما على العلة أي الحامل لهم على ذلك الظلم والعلو، أو على الحالية من فاعل جحدوا، أي جحدوا بها ظالمين لها مستكبرين عنها ويجوز أن يكونا نعت مصدر محذوف، أي جحدوا بها جحوداً ظلماً وعلواً.
قال أبو عبيدة: والباء في (وجحدوا بها) زائدة. وقال الزجاج: التقدير وجحدوا بها ظلماً وعلواً أي وتكبروا عن أن يؤمنوا بما جاء به موسى، وهم يعلمون أنها من عند الله.
(فانظر كيف كان عاقبة المفسدين) أي تفكر يا محمد في ذلك فإن فيه معتبراً للمعتبرين، وقد كان عاقبة أمرهم الإغراق لهم هنا في البحر، على تلك الصفة الهائلة، والإحراق ثمة، وإنما لم يذكر تنبيهاً على أنه عرضة لكل ناظر مشهور فيما بين كل باد وحاضر. ولما فرغ سبحانه من قصة موسى، شرع في قصة داود وابنه سليمان، وهذه القصة وما قبلها وما بعدها، هي كالبيان والتقرير لقوله:(وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم) فقال:
(ولقد آتينا) أي أعطينا (داود وسليمان) ابنه (علماً) التنوين إما للنوع أي طائفة من العلم، أو للتعظيم، أي علماً كثيراً، قيل: المراد علم الدين والحكم، وقيل: علم القضاء والسياسة، وقيل: علم داود تسبيح الطير، وعلم سليمان منطق الطير والدواب.
وكان لداود تسعة عشر ولداً، سليمان واحد منهم، وعاش داود مائة سنة وبينه وبين موسى (1) خمسمائة سنة وتسع وستون سنة، وعاش سليمان
(1) ليس في القرآن ولا في السنة دليل على هذا التحديد التاريخي وبالرجوع إلى التواريخ الإسرائيلية لوحظ أنه ينقصه التحقيق؛ فهو لا يتفق مع أي حساب. المطيعي.
نيفاً وخمسين سنة، وبينه وبين محمد صلى الله عليه وسلم ألف سنة وسبعمائة سنة ذكره في التحبير.
(وقالا) أي كل منهما والواو للعطف على محذوف لأن هذا المقام مقام الفاء، فالتقدير ولقد آتيناهما علماً فعملا به، وقالا شكراً لله.
(الحمد لله) ويؤيده أن الشكر باللسان وإنما يحسن إذا كان مسبوقاً بعمل القلب، وهو العزم على فعل الطاعة وترك المعصية (الذي فضلنا) بالعلم والنبوة وتسخير الطير والجن والإنس والشياطين (على كثير) ممن لم يؤت علماً أو مثل علمنا، وهذه المقالة على سبيل التحدث والشكر (من عباده المؤمنين) ولم يفضلوا أنفسهم على الكل تواضعاً منهم.
وظاهر النظم أن التسخير كان لكل من داود وسليمان، ومثله في الخازن -، والخطيب وفي الآية دليل على شرف العلم، وارتفاع محله، وتقدم حملته وأهله وأن نعمة العلم من أجل النعم التي ينعم الله بها على عباده، وأن من أوتيه فقد أوتي فضلاً على كثير من العباد؛ ومنح شرفاً جليلاً، وما سماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورثة الأنبياء إلا لمداناتهم لهم في الشرف والمنزلة، لأنهم القوام بما بعثوا من أجله، وفيها أنه يلزمهم لهذه النعمة الفاضلة أن يحمدوا الله على ما أوتوه، وأن يعتقد العالم أنه إن فضل على كثير فقد فضل عليه مثلهم.
وما أحسن قول عمر رضي الله عنه: كل الناس أفقه من عمر.
وعن عمر بن عبد العزيز أنه كتب: إن الله لم ينعم على عبد نعمة فحمد الله عليها إلا كان حمده أفضل من نعمته لو كنت لا تعرف ذلك إلا في كتاب الله المنزل، فقد قال الله عز وجل:(ولقد آتينا داود وسليمان علماً إلى قوله: عباده المؤمنين) وأي نعمة أفضل مما أعطي داود وسليمان؟
أقول: ليس في الآية ما يدل على ما فهمه رحمه الله، والذي تدل عليه أنهما حمدا الله سبحانه على ما فضلهما به من النعم فمن أين تدل على أن حمده أفضل من نعمته.
وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (16) وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (17) حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18)
(وورث سليمان داود) أي ورثه العلم والنبوة أو الكتب، دون باقي أولاده، قال قتادة والكلبي: كان لداود تسعة عشر ولداً ذكراً، فورث سليمان من بينهم نبوة، ولو كان المراد وراثة المال لم يخص سليمان بالذكر، لأن جميع أولاده في ذلك سواء، وكذا قال جمهور المفسرين.
فهذه الوراثة هي وراثة مجازية، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: العلماء ورثة الأنبياء، قال قتادة: في الآية ورث نبوته وملكه وعلمه؛ وأعطى ما أعطي داود وزيد له تسخير الريح، والجن والشياطين، وكان أعظم ملكاً منه، وأقضى منه، وكان داود أشد تعبداً من سليمان، شاكراً لنعم الله تعالى.
(وقال) سليمان لبني إسرائيل تحدثا بما أنعم الله به عليه، وشكر النعمة التي خصه بها (يا أيها الناس علمنا) الضمير فيه وفي أوتينا لكل من داود وسليمان، قال القرطبي: تفضل الله علينا زيادة على ما ورثنا من داود من العلم والنبوة، والخلافة في الأرض أن فهمنا (منطق الطير) أي فهم ما يريده كل طائر إذا صوت، والمعاني التي في نفوسها، سمى صوت الطير منطقاً لحصول الفهم منه، كما يفهم من كلام الناس. وقدم منطق الطير لأنها نعمة خاصة به، لا يشاركه فيها غيره. قال الفراء: منطق الطير كلام الطير، فجعل كمنطق الرجل. ومعنى الآية فهمنا ما يقول الطير.
ومقتضى هذا أن كُلاًّ منهما كان يعلم أصوات الطير؛ وما تريده. قال الخطيب: علمنا أي أنا وأبي بأيسر أمر وأسهله. وفي البيضاوي النطق والمنطق في التعارف: كل لفظ يعبر به عما في الضمير؛ مفرداً كان أو مركباً مفيداً كان أو غير مفيد. وقد يطلق على كل ما يصوت به على التشبيه أو التبع كقولهم: نطقت الحمامة، ومنه الناطق والصامت للحيوان والجماد، فإن الأصوات الحيوانية من حيث إنها تابعة للتخيلات نزلت منزلة العبارات، سيما وفيها ما يتفاوت باختلاف الأغراض، بحيث يفهمها ما هو من جنسه.
ولعل سليمان مهما سمع صوت حيوان علم بقوته القدسية الغرض الذي صوت لأجله، والغرض الذي توخاه به انتهى. قال جماعة من المفسرين: إنه علم منطق جميع الحيوانات، وإنما ذكر الطير لأنه كان جنداً من جنوده، يسير معه لتظليله من الشمس، فخص بالذكر لكثرة مداخله. وقال قتادة والشعبي: إنما علم منطق الطير خاصة، ولا يعترض ذلك بالنملة فإنها من جملة الطير، وكثيراً ما تخرج لها أجنحة فتطير، وكذلك كانت هذه النملة التي سمع سليمان كلامها وفهمه.
أخرج أحمد في الزهد وابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن أبي الصديق (1) الناجي قال: خرج سليمان بن داود يستسقي بالناس، فمر على نملة مستلقية على قفاها رافعة قوائمها إلى السماء، وهي تقول: اللهم إنا خلق من خلقك ليس بنا غنى عن رزقك، فإما أن تسقينا، وإما إن تهلكنا، فقال سليمان: للناس ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم.
وقد ذكر الخازن والنسفي في تفسيريهما منطق بعض الطيور، وما تقوله القمري وغيرها، وكذا القرطبي بلا إسناد صحيح متصل يعتمد عليه، ويصار
(1) أبو الصديق الناجي واسمه بكر بن عمرو، وقال ابن سعد في الطبقات يتكلمون في أحاديثه يستنكرونها وقال غيره: ثقة تابعي، قال الذهبي يحتج به في الصحاح والكلام هنا عن قصة دعاء النملة موقوف عليه. المطيعي.
إليه فتركنا ذكره هاهنا فإنه لا يأتي بكثير فائدة للمنقحين.
(وأوتينا من كل شيء) تدعو إليه الحاجة، كالعلم والنبوة والحكمة والمال وتسخير الجن، والإنس، والطير، والرياح، والوحش، والدواب، وكل ما بين السماء والأرض. وجاء سليمان بنون العظمة، والمراد نفسه بياناً لحاله من كونه مطاعاً لا يخالف، لا تكبراً وتعظيماً لنفسه، عن جعفر (1) بن محمد قال: أعطي سليمان ملك مشارق الأرض ومغاربها، فملك سليمان سبعمائة سنة وستة أشهر، ملك أهل الدنيا كلهم، وأعطي كل شيء.
وفي زمانه صنعت الصنائع المعجبة، حتى إذا أراد الله أن يقبضه أوحى إليه أن يستودع علم الله وحكمته أخاه؛ وولد داود كانوا أربعمائة وثمانين رجلاً، أنبياء بلا رسالة. قال الذهبي: هذا باطل وقد رويت قصص في عظم ملك سليمان عن القرظي وغيره لا تطيب النفس بذكر شيء منها، فالإمساك عن ذكرها أولى.
(إن هذا) أي ما تقدم ذكره من التعليم والإيتاء (لهو الفضل المبين) أي الظاهر الواضح، الذي لا يخفي على أحد. أو المظهر لفضيلتنا وإنما قال ذلك شكراً لا فخراً.
(1) يعتبر الشيعة الإمامية والشيعة الإثنا عشرية وطائفة الإسماعيلية جعفر بن محمد أحد الأئمة المعصومين ويعدون قوله بمنزلة التنزيل، ورحم الله جعفراً الصادق وأباه محمداً الباقر، وأجدادهما الطاهرين لو رأيا كيف اتخذهما بعض الناس أرباباً لالتمسا في يديهما السيوف. المطيعي.
(وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير) من الأماكن المختلفة في مسير له، والحشر: الجمع، أي: جمع له جنوده من هذه الأجناس. وقد أطال المفسرون في ذكر مقدار جنده؛ وبالغ كثير منهم مبالغة تستبعدها العقول، ولا تصح من جهة النقل، ولو صحت لكان في القدرة الربانية ما هو أعظم من ذلك وأكثر.
(فهم يوزعون) أي: لكل طائفة منهم وزعة ترد أولهم على آخرهم
فيقفون على مراتبهم. قيل: كان في جنوده وزراء وهم النقباء، ترد أول العسكر على آخره، لئلا يتقدموا في السير. يقال: وزعه يزعه وزعاً: كفه، فاتزع أي: انكف وأوزعه بالشيء أغراه به؛ واستوزعت الله شكره فأوزعني، أي استلهمته فألهمني، والوازع في الحرب الموكل بالصفوف، يزع من تقدم منهم أي يرده، وجمعه وزعة: وقيل: هو من التوزيع بمعنى التفريق، يقال: القوم أوزاع، أي طوائف.
وقال ابن عباس: يوزعون يدفعون. وعنه قال: لكل صف وزعة، ترد أولاها على آخرها، لئلا تتقدمها في السير كما يصنع الملوك وفي الآية دليل على اتخاذ الأئمة والحكام وزعة، يكفون الناس ويمنعونهم من تطاول بعضهم على بعض، إذ لا يمكن الحكام ذلك بأنفسهم. قال الحسن: لا بد للناس من وازع أي سلطان يكفهم.
(حتى إذا أتوا) حتى هي التي يبتدأ بعدها الكلام؛ وتكون غاية لما قبلها والمعنى فهم يوزعون إلى حضور هذه الغاية، وهي إتيانهم (على وادي النمل) أي: فهم يسيرون ممنوعاً بعضهم من مفارقة بعض، حتى إذا أتوا على مكان فيه نمل كثير، وعدّى بـ (على) لأنهم كانوا محمولين على الريح، فهم مستعلون والمعنى أنهم قطعوا الوادي وبلغوا آخره، قال كعب: وادي النمل بالطائف.
وقال قتادة ومقاتل: هو بالشام، والنمل حيوان معروف شديد الإحساس والشم، حتى إنه يشم للشيء من بعيد، ويدخر قوته، ومن شدة إدراكه أنه يفلق الحبة فلقتين خوفاً من الإنبات ويفلق حبة الكسبرة أربع فلق، لأنها إذا فلقت فلقتين نبتت، ويأكل في عامه نصف ما جمع ويستبقي باقيه عدة.
ووقف القراء جميعهم على (واد) بدون ياء اتباعاً للرسم، حيث لم يحذف لالتقاء الساكنين، كقوله: الذين جابوا الصخر بالواد، إلا الكسائي، فإنه وقف بالياء، قال: لأن الموجب للحذف إنما هو التقاء الساكنين بالوصل.
(قالت نملة)(1) ملكة النمل، على وجه النصيحة قولاً مشتملاً على حروف وأصوات، وكانت عرجاء ذات جناحين، وهي من الحيوانات التي تدخل الجنة، قاله سليمان الجمل. قيل: وكانت أنثى بدليل تأنيث الفعل المسند إليها، وبه قال أبو حنيفة، ورد هذا أبو حيان فقال: لحاق التاء في (قالت) لا يدل على أن النملة مؤنثة، بل يصح أن يقال في المذكر قالت، لأن نملة وإن كانت بالتاء فإنها مما لا يتميز فيه المذكر من المؤنث، بتذكير الفعل ولا بتأنيثه، بل يتميز بالإخبار عنه بأنه ذكر أو أنثى، ولا يتعلق بمثل هذا كثير فائدة، ولا بالتعرض لاسم النملة، ولا بذكر القصص الموضوعة والأحاديث المكذوبة.
وقرئ النمل والنملة بزنة رجل وسمرة، وقرئ بضمتين فيهما، ثم قيل: نمل هذا الوادي صغار، وهو النمل المعروف، أو كبار كالبخاتي أو كالذئاب، والأول هو المشهور والجملة جواب (إذا) كأنها لما رأتهم متوجهين إلى الوادي فرت ونبهت سائر النمل منادية لها قائلة:
(يا أيها النمل) وقد اشتمل هذا القول منها على أحد عشر نوعاً من البلاغة:
أولها: النداء بـ (يا).
وثانيها: أنها كنت بأي.
وثالثها: نبهت بها التنبيه.
ورابعها: سمعت بقولها النمل.
وخامسها: أمرت بقولها: (ادخلوا).
وسادسها: نصت بقولها (مساكنكم) جعل خطاب النمل كخطاب
(1) لا نملك إلا أن نقول كما قال المصنف عن مثل هذا الكلام الذي هو " بلا إسناد صحيح متصل يعتمد عليه ويصار إليه " وسيأتي للمصنف مزيد. المطيعي.
العقلاء، لفهمها لذلك الخطاب. والمساكن هي الأمكنة التي تسكن النمل فيها وقرأ أبي: أدخلن مساكنكن: وقرئ: مسكنكم.
وسابعها: حذرت بقولها (لا يحطمنكم) أي: لا يكسرنكم، والحطم الكسر. يقال: حطمته حطماً أي كسرته كسراً فانحطم، وتحطم تكسر، والتحطيم التكسير، والحطام ما تكسر من اليبس، وهذا النهي هو في الظاهر للنمل، وفي الحقيقة لسليمان، فهو من باب لا أرينك هاهنا، أو بدل من الأمر، أو جواب للأمر، وهو ضعيف يدفعه نون التأكيد لأنه من ضرورات الشعر.
وقرئ: لا يحطمنكم بضم الياء وفتح الحاء وتشديد الطاء.
وثامنها: خصت بقولها: (سليمان).
وتاسعها: عمت بقولها (وجنوده) وأرادت جنود سليمان فجاءت بما هو أبلغ.
وعاشرها: أشارت بقولها (وهم).
وحادي عشرها: عذرت بقولها:
(لا يشعرون) أي بحطمكم، ولا يعلمون بمكانكم. أي لو شعروا لم يفعلوا، قالت ذلك على وجه العذر، واصفة لهم بالعدل، كأنها عرفت أن النبي معصوم، وجنده محفوظ، فلا يقع منهم حطم هذه الحيوانات، إلا على سبيل السهو، وهذا تنبيه عظيم على وجوب الجزم بعصمة الأنبياء وحفظ أصحابهم، وفيه أن الرافضة الذين ينسبون الظلم وحطم الحقوق إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في أهل بيته وعترته، هم أقل وأضعف رأياً من تلك النملة فإنها اعتقدت في جنود سليمان العدل، وهؤلاء اعتقدوا بأصحابه صلى الله عليه وسلم الظلم وشتان بينهما، وقيل: إن المعنى والنمل لا يشعرون أن سليمان يفهم مقالتها وهو بعيد جداً.
فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (19) وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (20) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (21)
(فتبسم) سليمان ابتداء (ضاحكاً) انتهاء (من قولها) وقرئ: ضحكاً، وعلى الأول حال مؤكدة، لأنه قد فهم الضحك من التبسم، وقيل: حال مقدرة، لأن التبسم أول الضحك، وقيل: لما كان التبسم قد يكون للغضب كان الضحك مبيناً له، وقيل: إن ضحك الأنبياء هو التبسم لا غير، وعلى الثاني: مصدر منصوب بفعل محذوف.
وكل من التبسم والضحك والقهقهة انفتاح في الفم، لكن الأول انفتاح بلا صوت أصلاً، والثاني مع صوت خفيف، والثالث مع صوت قوي، وكان ضحك سليمان تعجباً من قولها وفهمها واهتدائها إلى تحذير النمل، أو فرحاً لظهور عدله.
(وقال رب أوزعني) قد تقدم بيان معناه قريباً في قوله: فهم يوزعون، قال في الكشاف: وحقيقة أوزعني اجعلني أزع شكر نعمتك عندي، وأكفه وارتبطه لا ينفلت عني حتى لا أنفك شاكراً لك، انتهى. قال الواحدي: أوزعني أي: ألهمني، وبه قال قتادة، وعن الحسن مثله، يقال: فلان موزع بكذا، أي: مولع به. قال القرطبي: وأصله من وزع فكأنه قال: كفني عما يسخطك، انتهى. وقال الزجاج: معناه امنعني أن أكفر نعمتك، وهو تفسير باللازم.
(أن أشكر نعمتك التي أنعمت) بها (علي) مفعول ثان لأوزعني، أي: من النبوة والملك والعلم.
(وعلى والدي) الدعاء منه بأن يوزعه الله شكر نعمته على والديه، كما أوزعه شكر نعمته عليه، لأن الإنعام عليهما إنعام عليه، وذلك يستوجب
الشكر منه لله سبحانه. قال أهل الكتاب: وأمه هي زوجة أوريا بوزن قوتلا، التي امتحن الله بها داود، قاله القرطبي، والله أعلم بصحته، ثم طلب أن يضيف الله له لواحق نعمه إلى سوابقها، ولا سيما النعم الدينية فقال:
(وأن أعمل صالحاً) في بقية عمري (ترضاه) مني، ثم دعا أن يجعله الله سبحانه في الآخرة داخلاً في زمرة الصالحين، فإن ذلك هو الغاية التي يتعلق بها الطلب فقال:(وأدخلني) الجنة (برحمتك في عبادك الصالحين) من النبيين أو صلحاء العباد، والمعنى أدخلني في جملتهم، وأثبت اسمي في أسمائهم واحشرني في زمرتهم إلى دار الصالحين وهي الجنة، أو في بمعنى مع، والصالح الكامل هو الذي لا يعصي الله، ولا يفعل معصية، ولا يهم بها، وهذه درجة عالية.
اللهم وإني أدعوك بما دعاك به هذا النبي الكريم. فتقبل ذلك مني وتفضل علي به، فإني وإن كنت مقصراً في العمل، ففضلك الواسع هو سبب الفوز بالخير، ورحمتك أرجى عندي من عملي، فهذه الآية منادية بأعلى صوت، وأوضح بيان بأن دخول الجنة التي هي دار المتقين بالتفضل منك لا بالعمل منهم، كما قال رسولك الصادق المصدوق، فيما ثبت عنه في الصحيح:" سددوا وقاربوا واعلموا أنه لن يدخل الجنة أحد بعمله "، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: " ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته " فإذا لم يكن إلا بفضلك الواسع فترك طلبه منك عجز، والتفريط في التوسل إليك بالإيصال إليه تضييع.
ثم شرع سبحانه في ذكر قصة بلقيس وما جرى بينها وبين سليمان وذلك بدلالة الهدهد فقال:
(وتفقد الطير) التفقد تطلب ما غاب عنك، وتعرف أحواله. والطير اسم جنس لكل ما يطير، والمعنى أنه تطلب ما فقد من الطير، وتعرف حال ما غاب منها، وكانت الطير تصحبه في سفره وتظله بأجنحتها.
(فقال ما لي) وقرئ بسكون الياء (لا أرى الهدهد)؟ أي ما للهدهد لا أراه؟ فهذا من الكلام المقلوب الذي تستعمله العرب كثيراً. وقيل: لا حاجة إلى ادعاء القلب، إذ المعنى صحيح بدونه، بل هو استفهام واستخبار عن المانع له من رؤية الهدهد، كأنه قال: ما لي لا أراه هل ذلك لساتر يستره عنه؟ أو لشيء آخر؟
قال الكلبي: ولم يكن له في مسيره إلا هدهد واحد، والهدهد معروف.
ثم ظهر له أنه غائب فقال: (أم كان من الغائبين)؟ فلم أره لغيبته، و (أم) هي المنقطعة التي بمعنى الإضراب، عن ابن عباس أنه سئل: كيف تفقد سليمان الهدهد من بين الطير؟ فقال: إن سليمان نزل منزلاً فلم يدر ما بعد الماء، وكان الهدهد يدل سليمان على الماء، فأراد أن يسأله عنه ففقده، قال سعيد بن جبير: لما ذكر ابن عباس رضي الله عنه هذا قيل له: كيف ذلك: والهدهد ينصب له الفخ يلقى عليه التراب ويضع له الصبي الحباله فيغيبها فيصيده فقال: إذا جاء القضاء، ونزل القدر، ذهب اللب، وعمي البصر، فلما تحقق الغيبة قال:
(لأعذبنه عذاباً شديداً) اختلفوا في هذا العذاب الشديد ما هو؟ فقال ابن عباس ومجاهد وابن جريج: هو أن ينتف ريشه جميعاً وروي نحو هذا عن جماعة من التابعين؛ وقال يزيد ابن رومان: هو أن ينتف ريش جناحيه وقيل: يحبسه مع أضداده، وقيل: أن يمنعه من خدمته وقيل: إلقاءه في الشمس وقيل: التفريق بينه وبين إلفه. وقيل: إلزامه خدمة أقرانه. وقيل: إيداعه في القفص. وقيل: طرحه بين يدي النمل ليأكله، وفي هذا دليل على أن العقوبة على قدر الذنب، لا على قدر الجسد. وحل له تعذيب الهدهد لما رأى فيه من المصلحة، كما حل ذبح البهائم والطيور للأكل وغيره من المنافع، وإذا سخر له الطير لم يتم التسخير إلا بالتأديب والسياسة.
وعن الحسن قال: كان اسم هدهد سليمان غبر، قال الشوكاني: لا
أدري من أين جاء هذا للحسن رحمه الله، وهكذا ما روي عنه أن اسم النملة حرس، وأنها من قبيلة يقال لهم بنو الشيصان، وأنها كانت عرجاء، وكانت بقدر الذئب، وهو رحمه الله أورع الناس عن نقل الكذب؛ ونحن نعلم أنه لم يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك شيء. ونعلم أنه ليس للحسن إسناد متصل بسليمان، أو بأحد من أصحابه فهذا العلم مأخوذ من أهل الكتاب.
وقد أمرنا أن لا نصدقهم ولا نكذبهم. فإن ترخص مترخص بالرواية عنهم لمثل ما روي: " حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج "، فليس ذلك مما يتعلق بتفسير كتاب الله سبحانه بلا شك، بل فيما يذكر عنهم من القصص الواقعة لهم. وقد كررنا التنبيه على مثل هذا عند عروض ذكر التفاسير الغريبة.
(أو لأذبحنه) بقطع حلقومه (أو ليأتيني بسلطان مبين) هو الحجة البينة في غييته. قال ابن عباس: السلطان المبين خبر الحق الصدق البين. وعنه قال: كل سلطان في القرآن حجة، وذكر هذه الآية ثم قال: وأي سلطان كان للهدهد؟ يعني أن المراد بالسلطان الحجة، لا السلطان الذي هو الملك، والحلف في الحقيقة على أحد الأولين بتقدير عدم الثالث، فكلمة (أو) بين الأولين للتخيير، وفي الثالث للترديد بينه وبينهما.
قال الزمخشري: فإن قلت: قد حلف على أحد ثلاثة أشياء فحلفه على فعله لا كلام فيه، ولكن كيف يصح حلفه على فعل الهدهد؟ ومن أين درى أنه يأتي بسلطان؟
قلت: لما نظم الثلاثة بأو في الحكم الذي هو الحلف، آل كلامه إلى قولك: ليكونن أحد الأمور، يعني إن كان الإتيان بسلطان، لم يكن تعذيب ولا ذبح، وإن لم يكن، كان أحدهما، وليس في هذا ادعاء دراية انتهى. و (أو) الثانية ترجع في المعنى إلى أنها بمعنى إلا وهي قيد في كل من الأمرين قبلها، فكأنه قال: لأعذبنه إلا أن يأتيني أو لأذبحنه إلا أن يأتيني بسلطان مبين.
فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (22) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (23) وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (24)
(فمكث) بفتح الكاف من باب نصر، وقرئ بضم الكاف من باب قرب قال سيبويه: مكث يمكث مكوثاً كقعد يقعد قعوداً، أي مكث الهدهد بعد تفقد سليمان إياه زماناً (غير بعيد) وقيل: إن الضمير في مكث لسليمان، والمعنى بقي سليمان بعد التفقد والتوعد زماناً غير طويل، والأول أولى.
(فقال أحطت بما لم تحط به) الإحاطة: العلم بالشيء من جميع جهاته، حتى لا يخفى عليه معلوم، ولعل في الكلام حذفاً، والتقدير فمكث الهدهد غير بعيد، فجاء فعوتب على مغيبه، فقال معتذراً عن ذلك: أحطت بما لم تحط به. قال الفراء: ويقال: أحت بإدغام الطاء في التاء، والمعنى علمت ما لم تعلمه من الأمر، وبلغت ما لم تبلغ أنت ولا جنودك. وقال ابن عباس: اطلعت على ما لم تطلع عليه.
وقد ألهم الله الهدهد هذا الكلام، فكافح سليمان به مع ما أوتي من فضل النبوة، والعلوم الجمة: إبتلاء له في علمه، وتنبيهاً على أن أدنى جنده قد أحاط علماً بما لم يحط به ليكون لطفاً به في ترك الإعجاب وإنما أخفى الله على سليمان مكانها، وكانت المسافة بينهما قريبة لمصلحة رآها، كما أخفى مكان يوسف على يعقوب. وفيه دليل على بطلان قول الرافضة: إن الإمام لا يخفى عليه شيء، ولا يكون في زمانه أحد أعلم منه.
(وجئتك من سبأ) قرئ بالصرف على أنه اسم رجل نسب إليه قوم، وقرئ بفتح الهمزة وترك الصرف على أنه اسم مدينة، وأنكر الزجاج أن يكون اسم رجل، وقال: سبأ اسم مدينة تعرف بمأرب اليمن. وقيل: هو اسم امرأة سميت بها المدينة.
قال القرطبي: والصحيح أنه اسم رجل كما في كتاب الترمذي، من حديث فروة بن مسيك المرادي، قال ابن عطية: وخفي هذا على الزجاج فخبط خبط عشواء.
وزعم الفراء أن الرؤاسي سأل أبا عمرو بن العلاء عن سبأ فقال: ما أدري ما هو؟ قال النحاس: وأبو عمر أجل من أن يقول هذا، قال: والقول في سبأ ما جاء التوقيف فيه أنه في الأصل اسم رجل، فإن صرفته فلأنه قد صار اسماً للحي، وإن لم تصرفه جعلته اسماً للقبيلة، مثل ثمود، إلا أن الاختيار عند سيبويه الصرف، انتهى.
وأقول: لا شك أن سبأ اسم لمدينة باليمن، كانت فيها بلقيس، وهو أيضا اسم رجل من قحطان، وهو سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن هود، ولكنه المراد هنا: أن الهدهد جاء إلى سليمان بخبر ما عاينه في مدينة سبأ، مما وصفه، وسيأتي في المأثور ما يوضح هذا ويؤيده، وعن ابن عباس قال: سبأ بأرض اليمن، يقال لها: مأرب، بينها وبين صنعاء مسيرة ثلاث ليال والمعنى أن الهدهد جاء سليمان من هذه المدينة.
(بنبإ يقين) النبأ: هو الخبر الخطير الشأن؛ وهذا من محاسن الكلام، ويسمى البديع، وقد حسن وبدع لفظاً ومعنى هاهنا، ألا ترى أنه لو وضع مكان بنبأ بخبر لكان المعنى صحيحاً، وهو كما جاء أصح لما في النبإ من الزيادة التي يطابقها وصف الحال، فلما قال الهدهد لسليمان ما قال، قال له سليمان: وما ذاك؟ فقال:
(إني وجدت امرأة تملكهم) وهي بلقيس بنت شراحيل، روي ذلك عن الحسن وقتادة وزهير بن محمد، وعن ابن جريج أنها بنت ذي شرح، وجدها الهدهد تملك أهل سبأ، وكان أبوها ملك أرض اليمن، ولم يكن له ولد غيرها، فغلبت على الملك، وكانت هي وقومها مجوساً يعبدون الشمس. والضمير في تملكهم راجع إلى سبأ، على تأويل القوم، وأهل المدينة، والجملة هذه كالبيان والتفسير للجملة التي قبلها، أي: ذلك النبأ اليقين هو كون هذه المرأة تملك هؤلاء.
قال ابن عباس: اسمها بلقيس بنت ذي شيرة، وكانت هلباء شعراء، قيل: كانت من نسل يعرب بن قحطان، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إحدى (1) أبوي بلقيس كان جنياً "، أخرجه ابن عساكر، وابن مردويه، وأبو الشيخ وابن جرير.
(وأوتيت من كل شيء) فيه مبالغة، والمراد أنها أوتيت من كل شيء من الأشياء التي تحتاجها الملوك، من الآلة والعدة، وكان يخدمها النساء، وهذا عام أريد به الخصوص، وقيل: المعنى أوتيت من كل شيء في زمانها شيئاً من أسباب الدنيا، والمال والعدة ما يليق بحالها، فحذف شيئاًً لأن الكلام قد دل عليه.
(ولها عرش عظيم) أي: سرير كبير ضخم، وقيل: المراد بالعرش هنا
(1) لم يصح له إسناد، ثم إنه من حيث المعنى لا يقبل بالضرورة -إلا في معارض الفروض الفقهية الوهمية- أن يكون إنساناً مهجناً بجن أو جناً مهجناً بإنسان وليس هناك ما يثبت هذا إلا ما حكي من أن بني السعلات من العرب أمهم جنية ولم يرد من طريق معتبر إلا ما روي من سبق الشيطان لمن لم يسم عند الوقاع وهذا من قبيل جريان الشيطان من ابن آدم مجرى الدم وليس من قبيل التذري والتناسل. المطيعي.
الملك، والأول أولى لقول سليمان: أيكم يأتيني بعرشها؟ ووصفه بالعظم بالنسبة إليها وإلى أمثالها من ملوك الدنيا، لأنه كما قيل: كان مضروباً من الذهب والفضة، طوله ثمانون ذراعاً، وعرضه أربعون ذراعاً، وارتفاعه في السماء ثلاثون ذراعاً، مكللاً بالدر والياقوت الأحمر، والزبرجد الأخضر والزمرد.
وأما وصف عرش الله بالعظيم، فهو بالنسبة إلى جميع المخلوقات من السماوات والأرض وما بينهما، فبينهما بون عظيم، وفرق بين. قال ابن عطية: واللازم من الآية أنها امرأة ملكة على مدائن اليمن، ذات ملك عظيم، وسرير كبير، وكانت كافرة من قوم كفار، وعن ابن عباس قال: سرير كبير من ذهب، وقوائمه من جوهر ولؤلؤ، حسن الصنعة غالي الثمن. عليه سبعة أبيات على كل بيت باب مغلق.
(وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله) أي يعبدونها متجاوزين عبادة الله سبحانه، قيل: كانوا مجوساً، وقيل: زنادقة، و (وجدت) بمعنى لقيت وأصبت؛ فتتعدى لواحد.
(وزين لهم الشيطان أعمالهم) التي يعملونها وهي عبادة الشمس، وسائر أعمال الكفر (فصدهم عن السبيل) أي صدهم الشيطان بسبب ذلك التزيين عن الطريق الواضح، وهو الإيمان بالله وتوحيده.
(فهم لا يهتدون) إلى ذلك، ولا يبعد من الهدهد التهدي إلى معرفة الله تعالى، ووجوب السجود له، وحرمة السجود للشمس إلهاماً من الله له؛ كما ألهمه وغيره من الطيور، وسائر الحيوان المعارف اللطيفة، التي لا يكاد العقلاء الرجاح العقول يهتدون لها.
أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (25) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (26) قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (27) اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (28) قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (29)
(ألاّ يسجدون لله) قال ابن الأنباري: الوقف على لا يهتدون غير تام عند من شدد (ألا) لأن المعنى وزين لهم الشيطان أن لا يسجدوا.
وقال النحاس: هي (أن) دخلت عليها (لا) قال الأخفش: أي زين لهم أن لا يسجدوا لله بمعنى لئلا يسجدوا، فهو على الوجهين مفعول له. وقيل: فهم لا يهتدون أن يسجدوا لله، و (لا) على هذا زائدة، كقوله: ما منعك أن لا تسجد، وعلى قراءة الجمهور ليس هذه الآية موضع سجدة، لأن ذلك إخبار عنهم بترك السجود، إما بالتزيين، أو بالصد، أو بمنع الاهتداء. وقد رجح كونه علة للصد الزجاج، ورجح الفراء كونه علة لزين، قال: زين لهم أعمالهم لئلا يسجدوا.
وقرئ ألا بالتخفيف، وعلى هذا فهي حرف تنبيه واستفتاح، وما بعدها حرف نداء، ألا يا اسجدوا، واسجدوا فعل أمر، وتقديره ألا يا هؤلاء اسجدوا، قال الزجاج، وقراءة التخفيف تقتضي وجوب السجود، دون قراءة التشديد، ولقراءة التخفيف وجه حسن إلا أن فيها انقطاع الخبر عن أمر سبأ، ثم الرجوع بعد ذلك إلى ذكرهم، والقراءة بالتشديد خبر يتبع بعضه بعضاً لا انقطاع في وسطه. وكذا قال النحاس، وعلى هذه تكون جملة ألا يا اسجدوا معترضة من كلام الهدهد أو من كلام سليمان، أو من كلام الله سبحانه.
وقرأ ابن مسعود (هلا تسجدوا) بالفوقية. وقرأ أُبيّ (ألا تسجدوا) بالتاء وفيه مناسبة لما قبله، وهي الرد على من يعبد الشمس وغيرها من دون الله.
(الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض) يقال: خبأت الشيء أخبأه خبا، والخبء ما خبأت، أي يظهر ما هو مخبوء ومخفي فيهما، لأنه لا يستحق العبادة إلا من هو قادر على من فيهما، عالم بجميع المعلومات، وفي إخراج الخبء دليل على القدرة.
قال الزجاج: جاء في التفسير أن الخبء هاهنا بمعنى القطر من السماء، والنبات من الأرض وقيل: خبء الأرض كنوزها ونباتها، وقال قتادة: الخبء السر. قال النحاس: أي ما غاب فيهما، وقرئ الخب بفتح الباء من غير همزة، وقرئ الخبا بالألف. قال أبو حاتم: وهذا لا يجوز في العربية ورد عليه بأن سيبويه حكى عن العرب، أن الألف تبدل من الهمز إذا كان قبلها ساكن. وقرئ: من السماوات، قال الفراء: من وفي تتعاقبان. عن ابن عباس قال: يعلم كل خبيئة في السماء والأرض.
(ويعلم ما تخفون وما تعلنون) قرئ بالتحتية في الفعلين، وبالفوقية للخطاب، أما الأولى فلكون الضمائر المتقدمة ضمائر غيبة، وأما الثانية فلكون القراءة فيها الأمر بالسجود، والخطاب لهم بذلك، فهذا من ذلك الخطاب.
والمعنى أن الله سبحانه يخرج ما في هذا العالم الإنساني من الخفي بعلمه له، كما يخرج ما خفي في السماء والأرض، وفيه دليل على إثبات العلم، والإعلان ذكره لتوسيع دائرة العلم للتنبيه على تساويهما بالنسبة إلى علمه تعالى، ثم بعد ما وصف الرب سبحانه بما تقدم، مما يدل على عظيم قدرته، وجليل سلطانه، وسعة علمه، ووجوب توحيده، وتخصيصه بالعبادة قال:
(الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم) بالجر نعتاً للعرش، وبالرفع نعتاً للرب، وخص العرش بالذكر لأنه أعظم المخلوقات، كما ثبت ذلك في المرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأما عرش بلقيس فتعظيمه بالإضافة إلى عروش أبناء جنسها من الملوك، وهذا بالنسبة إلى جميع الموجودات من السماء والأرض، وبينهما بون عظيم كما تقدم، وإلى هنا كلام الهدهد، لكنه من قوله: الذي يخرج إلى هنا ليس داخلاً تحت قوله: أحطت بما لم تحط به يعني ليس مما علمه الهدهد دون سليمان، بل سليمان يعلمه أيضاً على وجه أتم وأكمل من علم الهدهد، وإنما ذكره الهدهد بياناً لما هو عليه معتقده، وإظهاراً لتصلبه في الدين.
فلما فرغ الهدهد من كلامه
(قال) له سليمان: (سننظر) فيما أخبرتنا به من هذه القصة، ونتعرف. والنظر والتأمل والتصفح: فيه إرشاد إلى البحث عن الأخبار، والكشف عن الحقائق، وعدم قبول خبر المخبرين تقليداً لهم، واعتماداً عليهم، إذا تمكن من ذلك بوجه من الوجوه.
(أصدقت)؟ فيما قلت، والهمزة استفهامية.
(أم كنت من الكاذبين)؟ أم هي المتصلة، وهذا القول أبلغ من قوله أم كذبت فيه، مع أنه أخصر وأشهر لأن المعنى من الذين اتصفوا بالكذب، وصار خلقاً لهم، فهو يفيد أنه كاذب لا محالة على أتم وجه، ومن كان كذلك لا يوثق به.
وقال البيضاوي: التغيير للمبالغة، والمحافظة على الفواصل. ثم بيَّن سليمان هذا النظر الذي وعد به فقال:
(اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم) أي: إلى أهل سبأ. قال الزجاج: في ألقه خمسة أوجه قرئ بها، وخص الهدهد بإرساله بالكتاب لأنه المخبر
بالقصة، ولكونه رأى منه من مخايل الفهم والعلم ما يقتضي كونه أهلاً للرسالة.
(ثم تول) أي: تنح وانصرف (عنهم) وقف قريباً منهم وإنما أمره بذلك لكون التنحي بعد دفع الكتاب من أحسن الآداب التي يتأدب بها رسل الملوك، والمراد التنحي إلى مكان يسمع فيه حديثهم، حتى يخبر سليمان بما سمع. وقيل: معنى التولي الرجوع إليه، والأول أولى لقوله:
(فانظر ماذا يرجعون) أي تأمل وتفكر فيما يرجع بعضهم إلى بعض من القول، وما يتراجعونه بينهم من الكلام. قال ابن عباس: كن قريباً منهم، فانظر ما الذي يردونه من الجواب
(قالت) بلقيس:
(يا أيها الملأ) في الكلام حذف، والتقدير: فذهب الهدهد فألقاه إليهم، فسمعها تقول يا أيها الملأ (إني ألقي إليّ كتاب كريم) والملأ: هم الأشراف، سموا ملأً لأنهم يملأون العيون، وفاعل (ألقي) محذوف، قيل: لجهلها به إن لم تكن شاهدته: وقيل: لاحتقاره إن كانت رأته، والكريم، المكرم المعظم.
ووصفت الكتاب بالكريم، لكونه من عند عظيم في نفسها، فعظمته إجلالاً لسليمان. وقيل: لاشتماله على كلام حسن. وقيل: لكونه مصدراً بالبسملة. وقيل: لغرابة شأنه. وقيل: لكونه وصل إليها مختوماً بخاتم. سليمان، وكرامة الكتاب ختمه، كما روى ذلك مرفوعاً (1).
قال ابن المقفع (2) من كتب إلى أخيه لم يختمه فقد استخف به.
(1) نصر الحديث هكذا: كرامة الكتاب ختمه. رواه الطب في الكبير عن ابن عباس، والقضاعي يربط بين هذا الحديث والآية، والحديث يدور بين الضعف والوضع ونص على ضعضه الحافظ السيوطي في الجامع الصغير، فإذا عرفت مبلغ تساهل السيوطي في تصحيح الضعيف ورفع الموضوع إلى مرتبة الضعيف استطعت الحكم والله أعلم. المطيعي.
(2)
ابن المقفع في الأدب الكبير. المطيعي.
إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (30) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (31) قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ (32) قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (33) قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (34) وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (35)
ثم بينت ما تضمنه هذا الكتاب فقالت:
(إنه من) عبد الله (سليمان) ابن داود إلى بلقيس ملكة سبأ.
(وإنه بسم الله الرحمن الرحيم) أي: وإن ما اشتمل عليه الكتاب من الكلام، وتضمنه من القول مفتتح بالتسمية، وفيه إشارة إلى سبب وصفها إياه بالكرم. قال ابن عباس: انطلق بالكتاب حتى إذا توسط عرشها ألقى الكتاب إليها فقرئ عليها فإذا فيه. إنه من سليمان الخ. وأخرج ابن أبي حاتم عن ميمون بن مهران، عن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكتب " باسمك اللهم " حتى نزلت هذه الآية فكان يكتب البسملة وبعدها السلام على من اتبع الهدى.
(أن لا تعلوا) أي: أما بعد فلا تتكبروا (عليّ) كما تفعله جبابرة الملوك، و (أن) هي المفسرة، وقيل: مصدرية و (لا) ناهية، وقيل نافية، ومحل الجملة الرفع على أنها بدل من كتاب أو خبر مبتدأ محذوف: أي هو أن لا تعلوا وقرئ: لا تغلوا بالغين من الغلو وهو تجاوز الحد في الكبر.
(وائتوني مسلمين) أي: طائعين منقادين للدين مؤمنين بما جئت به، قيل: لم يزد سليمان على ما نص الله في كتابه وكذلك الأنبياء كانوا يكتبون جملاً لا يطيلون ولا يكثرون. قيل: طبعه سليمان بالمسك أي جعل عليه قطعة منه كالشمع، ثم ختمه بخاتمه.
(قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري) أي: أشيروا علي وبينوا لي الصواب في هذا الأمر وأجيبوني بما يقتضيه الحزم وعبرت عن المشورة بالفتوى، لكون ذلك حلاً لما أشكل من الأمر عليها، وفي الكلام حذف؛ والتقدير: فلما قرأت بلقيس الكتاب، جمعت أشراف قومها وكانوا ثلثمائة واثني عشر، لكل واحد منهم أتباع كثيرة وقالت لهم: يا أيها الملأ إني ألقي إلي، يا أيها الملأ أفتوني وكرر (قالت) لمزيد العناية بما قالته لهم، ثم زادت في التأدب، واستجلاب خواطرهم ليمحضوها النصح، ويشيروا عليها بالصواب؛ فقالت:
(ما كنت قاطعة أمراً حتى تشهدون) أي: عادتي وشأني معكم، أني ما كنت مبرمة وقاضية وفاصلة أمراً من الأمور حتى تحضروا عندي وتشيروا عليَّ؛ فلما قالت لهم ذلك
(قالوا) مجيبين لها:
(نحن أولو قوة) في العدد والعدة (وأولو بأس شديد) عند الحرب واللقاء؛ ولنا من الشجاعة والنجدة ما نمنع به أنفسنا؛ وبلدنا، ومملكتنا، يعني أشاروا عليها بالقتال، ثم فوضوا الأمر إليها لعلمهم بصحة رأيها، وقوة عقلها فقالوا:
(والأمر) موكول (إليك) أي إلى رأيك ونظرك (فانظري) أي: تأملي (ماذا تأمرين) إيانا به، فنحن سامعون لأمرك مطيعون له.
فلما سمعت تفويضهم الأمر إليها لم ترض بالحرب، بل مالت للصلح، وبينت السبب في رغبتها فيه و
(قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية) من القرى.
(أفسدوها) أي: خربوا مبانيها، وغيروا مغانيها، وأتلفوا أموالها وفرقوا شمل أهلها. قال ابن عباس: إذا أخذوها عنوة وقهراً خربوها. وعن الزجاج مثله.
(وجعلوا أعزة أهلها أذلة) أي أهانوا أشرافها؛ وحطوا مراتبهم، فصاروا عند ذلك أذلة، وإنما يفعلون ذلك لأجل أن يتم لهم الملك، وتستحكم لهم
الوطأة، وتتقرر لهم في قلوبهم المهابة. والمقصود من قولها هذا تحذير قومها من مسير سليمان إليهم، ودخوله بلادهم.
(وكذلك) أي مثل ذلك الفعل (يفعلون) أرادت أن هذه عادتهم المستمرة التي لا تتغير، لأنها كانت في بيت الملك القديم؛ فسمعت نحو ذلك ورأت. قال ابن الأنباري: الوقف على قوله أذلة، وقف تام، فقال الله عز وجل تحقيقاً وتصديقاً لقولها: وكذلك يفعلون. وقيل: هذه الجملة من تمام كلامها، فيكون من جملة مقول قولها أكدت به ما قبله، وعلى الأول مستأنفة لا محل لها من الإعراب.
قال النسفي: واحتج الساعي في الأرض بالفساد بهذه الآية ومن استباح حراماً فقد كفر وإذا احتج له بالقرآن على وجه التحريف فقد جمع بين كفرين انتهى. ثم لما قدمت لهم هذه المقدمة وبينت لهم ما في دخول الملوك إلى أرضهم من المفسدة أوضحت لهم وجه الرأي عندها وصرحت لهم بصوابه فقالت:
(وإني مرسلة إليهم) أي إني أجرب هذا الرجل بإرسال رسلي إليه (بهدية) مشتملة على نفائس الأموال فإن كان ملكاً أرضيناه بذلك وكفينا أمره وإن كان نبياً لم يرضه ذلك لأن غاية مطلبه ومنتهى أربه هو الدعاء إلى الدين فلا ينجينا منه إلا إجابته ومتابعته والتدين بدينه وسلوك طريقته ولهذا قالت:
(فناظرة بم يرجع المرسلون) بالهدية من قبول أو رد، فعاملة بما يقتضيه ذلك، وذلك أن بلقيس كانت امرأة لبيبة عاقلة، قد ساست الأمور وجربتها وقد طول المفسرون في ذكر هذه الهدية.
قال ابن عباس: أرسلت بِلَبِنَةٍ من ذهب فلما قدموا إذا حيطان المدينة من ذهب، فذلك قوله (أتمدونن بمال) الآية. وقال ثابت البناني: أهدت له صفائح الذهب في أوعية الديباج. وقال مجاهد: أهدت جواري لباسهن لباس الغلمان، وغلماناً لباسهم لباس الجواري، وقال عكرمة: أهدت مائتي فرس على كل فرس غلام وجارية، وعلى كل فرس لون ليس على الآخر. وقال سعيد ابن جبير: كانت الهدية جواهر، وقيل: غير ذلك مما لا فائدة في التطويل بذكره.
فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (36) ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ (37) قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (38)
(فلما جاء) رسولها المرسل بالهدية وهو منذر بن عمرو، والمراد بهذا المضمر الجنس فلا ينافي كونهم جماعة كما يدل عليه قولها: بم يرجح المرسلون. وقرئ فلما جاءوا أي: الرسل (سليمان قال أتمدونن بمال)؟ مستأنفة والاستفهام للإنكار أي: قال منكراً لإمدادهم له بالمال، مع علو سلطانه، وكثرة ماله.
(فما آتاني الله) من النبوة والعلم والملك العظيم والأموال الكثيرة (خير مما آتاكم) من المال الذي هذه الهدية من جملته، وهذا تعليل للنفي، ثم إنه أضرب عن الإنكار المتقدم، فقال توبيخاً لهم بفرحهم بهذه الهدية فرح فخر وخيلاء:
(بل أنتم بهديتكم تفرحون) وأما أنا فلا أفرح بها وليست في الدنيا من حاجتي لأن الله سبحانه قد أعطاني منها ما لم يعطه أحداً من العالمين، ومع ذلك أكرمني بالنبوة والمراد بهذا الإضراب من سليمان بيان السبب الحامل لهم على الهدية مع الإزراء بهم، والحط عليهم، ثم قال سليمان للرسول:
(ارجع إليهم) أي إلى بلقيس وقومها بما أتيت به من الهدية، وخاطب المفرد هاهنا بعد خطابه للجماعة فيما قبل إما لأن الذي سيرجع هو الرسول فقط، أو خص أمير الرسل بالخطاب هنا، وخاطبهم معه فيما سبق افتناناً في الكلام. وقرئ ارجعوا وقيل: إن الضمير يرجع إلى الهدهد.
واللام في (فلنأتينهم) جواب قسم محذوف، أي: والله إن لم يأتوني مسلمين لنأتينهم قال النحاس: وسمعت ابن كيسان يقول: هي لام توكيد،
ولام أمر، ولام خفض. وهذا قول الحذاق من النحويين لأنهم يردون الشيء إلى أصله، وهذا لا يتهيأ إلا لمن درب في العربية.
(بجنود لا قبل) أي: لا طاقة (لهم بها) وحقيقة القبل المقابلة والقاومة، أي لا يقدرون أن يقابلوهم.
(ولنخرجنهم منها) أي: من بلادهم وأرضهم التي هم فيها، وهي سبأ حال كونهم (أذلة) بعد أن كانوا أعزة (وهم صاغرون) هي حال ثانية مؤكدة للأولى، لأن الصغار هو الذلة، وقيل: إن المراد بالصغار هنا الأسر والاستعباد، وقيل: إن الصغار الإهانة التي تسبب عنها الذلة. ولما رجع الرسول إلى بلقيس بالهدية تجهزت للمسير إلى سليمان لتنظر ما يأمرها به، وأخبر جبريل سليمان بذلك.
(قال) سليمان لكل من هو عنده في قبضته من الجن والإنس وغيرهما: (يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها) أي عرش بلقيس، الذي تقدم وصفه بالعظم وكان سليمان إذ ذاك في بيت المقدس، وعرشها في سبأ بلدة باليمن، وبينها وبين القدس مسيرة شهرين (قبل أن يأتوني مسلمين) أي قبل أن تأتيني هي وقومها منقادين طائعين.
قيل: إنما أراد سليمان أخذ عرشها قبل أن يصلوا إليه ويسلموا لأنهم حينئذ حربيون، وإذا أسلمت وأسلم قومها لم يحل أخذ أموالهم بغير رضائهم لأن الإسلام يعصم مالهم.
قال ابن عطية: وظاهر الروايات أن هذه المقالة من سليمان بعد مجيء هديتها ورده إياها وبعثه الهدهد بالكتاب، وعلى هذا جمهور المتأولين.
وقيل: استدعى العرش قبل وصولها ليريها القدرة التي هي من عند الله، ويجعله دليلاً على نبوته. وقيل: أراد أن يختبر عقلها ولهذا قال: نكروا لها عرشها كما سيأتي، وقيل: أراد أن يختبر صدق الهدهد في وصفه للعرش بالعظم والقول الأول هو الذي عليه الأكثر.
قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (39) قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (40) قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ (41)
(قال عفريت من الجن) وقرئ (عفريه) بفتح التحتية بعدها تاء تأنيث منقلبة هاء، ورويت هذه عن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه؛ وقرأ أبو حيان بفتح العين وهو شاذ، والعفريت المارد الغليظ الشديد القوي. قال النحاس: يقال للشديد إذا كان معه خبث ودهاء، عفر وعفريه وعفريت.
وقال قتادة: هو الداهية، وقيل: هو رئيس الجن، وقال ابن عطية: وقرأت فرقة عفر بكسر العين جمعه على عفار. قال وهب: اسمه كوذي. وقال السهيلي: ذكوان، وقيل: هو صخر المارد، قاله ابن عباس، وقيل: اسمه دعوان، وكان مثل الجبل، يضع قدمه عند منتهى طرفه، وكان مسخراً لسليمان.
(أنا آتيك به) أي أنا سآتي بالعرش إليك مضارع أو اسم فاعل (قبل أن تقوم من مقامك) أي مجلسك الذي تجلس فيه للحكومة بين الناس وهو من الغداة إلى نصف النهار (وإني عليه) أي على حمله (لقوي أمين) على ما فيه من الجواهر وغيرها، قال سليمان: أريد أسرع من ذلك.
(قال الذي عنده علم من الكتاب) المنزل على الأنبياء قبل سليمان كالتوراة التي أنزلت على موسى، قال أكثر المفسرين: اسمه آصف بن برخيا بالمد وبالقصر، وهو من بني إسرائيل، وكان وزيراً لسليمان وصديقاً له،
وقيل: كاتبه، وكان من أولياء الله تظهر الخوارق على يديه كثيراً، وقيل كان يعلم اسم الله الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب، قاله ابن عطية.
وقالت فرقة: هو سليمان نفسه، ويكون الخطاب على هذا للعفريت كأن سليمان استبطأ ما قاله العفريت، فقال له هذه المقالة تحقيراً له، وقيل هو جبريل، وقيل: ملك آخر. وقيل: الخضر، وقد قيل غير ذلك مما لا أصل له والأول أولى.
(أنا آتيك به) أي بالعرش، وقال مجاهد في قراءة ابن مسعود: أنا انظر في كتاب ربي الخ ثم آتيك به (قبل أن يرتد إليك طرفك) إذا نظرت به إلى شيء ما، والمراد بالطرف تحريك الأجفان وفتحها للنظر، وارتداده انضمامها، ولكونه أمراً طبيعياً غير منوط بالقصد آثر الارتداد على الرد، وفي القاموس إن الطرف كما يطلق أعلى نظر العين يطلق على العين نفسها، وقيل: هو بمعنى المطروف، أي الشيء الذي ينظره، وقيل: هو نفس الجفن عبر به عن سرعة الأمر كما تقول لصاحبك افعل ذلك في لحظة، قاله مجاهد.
وقال سعيد بن جبير: أنه قال لسليمان: انظر إلى السماء فما طرف حتى جاء به فوضعه بين يديه، والمعنى حتى يعود إليك طرفك بعد مده إلى السماء، والأول أولى هذه الأقوال، ثم الثالث.
قال ابن عباس: لم يجر عرش صاحبة سبأ بين الأرض والسماء، ولكن انشقت به الأرض فجرى تحت الأرض حتى ظهر بين يدي سليمان، وقال مجاهد: لما تكلم العالم بكلام دخل العرش في نفق تحت الأرض حتى خرج إليهم.
(فلما رآه مستقراً عنده) قيل: في الآية حذف، والتقدير فأذن له سليمان فدعا الله فأتى به، فلما رأى سليمان العرش حاضراً لديه (قال هذا)
أي حضور العرش وثبوته من غير تحرك وتقلقل (من فضل ربي) وإحسانه.
(ليبلوني) أي ليختبرني، وقيل: ليتعبدني وهو مجاز، والأصل في الابتلاء: الاختبار (أأشكر)؟ الله بذلك واعترف بأنه من فضله من غير حول مني ولا قوة، وأقوم بحقه (أم أكفر)؟ بترك الشكر وعدم القيام به، أو بأن أثبت لنفسي فعلاً وتصرفاً في ذلك، وقال الأخفش: المعنى لينظر أشكر أم أكفر.
(ومن شكر فإنما يشكر لنفسه) لأنه استحق بالشكر تمام النعمة ودوامها، فإن الشكر قيد النعمة الموجودة وصيد النعمة المفقودة، والمعنى أنه لا يرجع نفع ذلك وثوابه إلا إلى الشاكر.
(ومن كفر) النعمة بترك الشكر (فإن ربي غني) عن شكره (كريم) في ترك المعاجلة بالعقوبة بنزع نعمه عنه وسلبه ما أعطاه منها.
(قال نكروا لها عرشها) قيل: إنما أعيد ذكر القول لكون المتعلق مختلفاً لكونه أولا ثناء على الله، وثانياً متعلقاً بشأن عرشها، والتنكير التغيير، وجعل الشيء بحيث لا يعرف، ضد التعريف، ومنه نقل إلى مصطلح أهل العربية يقول: غيروا سريرها إلى حال تنكره إذا رأته، قيل: جعل أسفله أعلاه، وأعلاه أسفله، وقيل: غير بزيادة ونقصان، قاله ابن عباس.
قال الفراء وغيره: إنما أمر بتنكيره لأن الشياطين قالوا له: إن في عقلها شيئاًً فأراد أن يمتحنها، وقيل: خافت الجن أن يتزوج بها سليمان فيولد له ولد منها، فيبقون مسخرين لآل سليمان أبداً فقالوا لسليمان: إنها ضعيفة العقل، ورجلها كرجل الحمار، وقيل: أراد سليمان أن يظهر لها أن الجن مسخرون له.
(ننظر) أي نعلم قرئ بالجزم على أنه جواب الأمر وبه قرأ الجمهور، وقرئ بالرفع على الاستئناف، قال ابن عباس: لننظر إلى عقلها فوجدت ثابتة العقل (أتهتدي)؟ إلى معرفته أو إلى الإيمان بالله (أم تكون من الذين لا يهتدون) إلى ذلك.
فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (42) وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ (43) قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (44) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ (45)
(فلما جاءت) بلقيس إلى سليمان (قيل) لها والقائل هو سليمان أو غيره بأمره: (أهكذا عرشك)؟ الذي تركته في قصرك، وأغلقت عليه الأبواب، وجعلت عليه حرساً، والهمزة للاستفهام، ولم يقل:(هذا عرشك) لئلا يكون ذلك تلقيناً لها فلا يتم الإختبار لعقلها.
(قالت كأنه هو) أي: فأجابت أحسن جواب، فلم تقل: هو هو، ولا ليس به، وذلك من رجاحة عقلها حيث لم تقع في المحتمل للأمرين. قال مجاهد: جعلت تعرف وتنكر، وتعجب من حضوره عند سليمان فقالت: كأنه هو، وقال مقاتل: عرفته ولكنها شبهت عليهم كما شبهوا عليها، ولو قيل لها: أهذا عرشك؟ لقالت نعم. وقال عكرمة: كانت حكيمة: قال: إن قلت: هو خشيت أن أكذب، وإن قلت: لا خشيت أن أكذب فقالت: كأنه هو.
(وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين) قيل: هو من كلام بلقيس، أي: وأوتينا العلم بصحة نبوة سليمان من قبل هذه الآية في العرش، وكنا منقادين لأمره، وقيل: هو من قول سليمان أي: وأوتينا العلم بقدرة الله من قبل بلقيس، وقيل: العلم بإسلامها، ومجيئها طائعة من قبل مجيئها، وقيل: هو من كلام قوم سليمان، والقول الثاني أرجح من سائر الأقوال، وبه قال مجاهد، وعن زهير بن محمد نحوه.
(وصدها ما كانت تعبد من دون الله) من جملة كلام سليمان أو كلامها على الاحتمالين السابقين، وذكر أبو السعود احتمالاً آخر وهو؛ أنه من كلام الله سبحانه بيان لما كان يمنعها من إظهار ما ادعته من الإسلام، أي منعها من إظهار الإيمان ما كانت تعبده وهو الشمس، قال النحاس: أي صدها عبادتها عن التقدم إلى الإسلام، وقيل: منعها الله عما كانت تعبد من دونه، وقيل: منعها سليمان عما كانت تعبد، والأول أولى، والجملة مستأنفة للبيان.
(إنها كانت من قوم كافرين) تعليل للجملة الأولى أي سبب تأخرها عن عبادة الله ومنع ما كانت تعبده عن ذلك أنها كانت من قوم متصفين بالكفر، راسخين فيه، ولذلك لم تكن قادرة على إظهار إسلامها وهي بينهم، بل حتى دخلت تحت ملك سليمان.
(قيل لها ادخلي الصرح) قال أبو عبيدة: الصرح القصر، وقال الزجاج: الصرح الصحن، يقال هذه صرحة الدار، وقامتها، وقال ابن قتيبة: الصرح بلاط اتخذ لها من قوارير، وجعل تحته ماء وسمك، وأصله من التصريح وهو الكشف، وكذب صراح أي ظاهر مكشوف، ولوم صراح. وحكى أبو عبيدة في الغريب: إن الصرح كل بناء عال مرتفع.
(فلما رأته) أي الصرح بين يديها (حسبته لجة) هي معظم الماء، وقال ابن عباس: البحر (و) لذلك (كشفت عن ساقيها) لتخوض الماء خوفاً عليها أن تبتل؛ فإذا هي أحسن النساء ساقاً سليمة مما قالت الجن فيها، غير أنها كانت كثيرة الشعر، فلما فعلت ذلك وبلغت إلى هذا الحد.
(قال) لها سليمان بعد أن صرف بصره عنها (إنه صرح ممرد) أي مسقف بسطح (من قوارير) فمن أراد مجاوزته لا يحتاج إلى تشمير ثيابه. والممرد المحكوك المملس، ومنه الأمرد لملاسة وجهه، وتمرد الرجل إذا لم تخرج لحيته.
قال الفراء: ومنه الشجرة المرداء، التي لا ورق لها. والتمريد في البناء
التمليس والتسوية والممرد أيضاً المطول، ومنه قيل للحصن: مارد. وقوارير: جمع قارورة أي زجاج وتطلق القارورة على المرأة لأن الولد أو المني يقر في رحمها كما يقر الشيء في الإناء أو تشبيهاً بآنية الزجاج لضعفها، قال الأزهري: والعرب تكنى عن المرأة بالقارورة والقوصرة قال آزاد البلجرامي رحمه الله:
كم من قلوب رقاق إثر عيسهم
…
يا حادي العيس رفقاً بالقوارير
والمراد بها هنا بيت الزجاج فلما سمعت بلقيس ذلك أذعنت واستسلمت.
و (قالت رب إني ظلمت نفسي) أي بما كنت عليه من عبادة غيرك وهو الشمس وقيل: بالظن الذي توهمته في سليمان لأنها توهمت أنه أراد تغريقها في اللجة. والأول أولى.
(وأسلمت مع سليمان) متابعة له داخلة في دينه وهو الإسلام (لله رب العالمين) التفتت من الخطاب إلى الغيبة قيل: لإظهار معرفتها بالله، والأولى أنها التفتت لما في هذا الاسم الشريف من الدلالة على جميع الأسماء، ولكونه علماً للذات. وأخرج ابن المنذر، وعبد بن حميد، وابن أبي شيبة وغيرهم عن ابن عباس في أثر طويل " إن سليمان تزوجها بعد ذلك "، قال أبو بكر بن أبي شيبة: ما أحسنه من حديث.
قال ابن كثير في تفسيره بعد حكاية هذا القول: بل هو منكر جداًً، ولعله من أوهام عطاء بن السائب على ابن عباس والله أعلم. والأقرب في مثل هذه السياقات أنها متلقاة عن أهل الكتاب مما يوجد في صحفهم كروايات كعب ووهب سامحهما الله فيما نقلا إلى هذه الأمة من بني إسرائيل؛ من الأوابد والغرائب والعجائب، مما كان، ومما لم يكن ومما حرف وبدل ونسخ، انتهى.
وكلامه هذا هو شعبة مما قد كررناه في هذا التفسير ونبهنا عليه في عدة
مواضع، وكنت أظن أنه لم ينبه على ذلك غيري، فالحمد لله على هذه الموافقة لمثل هذا الحافظ المنصف، وقيل: انتهى أمرها إلى قولها: أسلمت، ولا علم لأحد وراء ذلك. لأنه لم يذكر في الكتاب ولا في خبر صحيح.
وأخرج البخاري في تاريخه والعقيلي عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أول من صنعت له الحمامات سليمان " وروي عنه مرفوعاً من طريق أخرى رواها الطبراني، وابن عدى في الكامل، والبيهقي في الشعب بلفظ:" أول من دخل الحمام سليمان "، فلما وجد حره قال: أوه من عذاب الله، روى أن سليمان ملك وهو ابن ثلاث عشرة سنة، ومات وهو ابن ثلاث وخمسين سنة، وانقضى ملك بلقيس بانقضاء ملك سليمان، فسبحان من لا انقضاء لدوام ملكه.
(ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحاً) اللام هي الموطئة للقسم وهذه القصة من جملة بيان قوله: وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم. وثمود هو أبو القبيلة التي منها خرج صالح، فهو جده. والمراد به هنا نفس القبيلة وتسمى عاداً الثانية، وأما عاد الأولى فهم قوم هود، وتقدم أن بينهما مائة سنة، وعاش صالح مائتين وثمانين سنة (أن اعبدوا الله) أن هي المفسرة أو المصدرية أي بأن اعبدوا الله ووحدوه.
(فإذا هم فريقان يختصمون) إذا، هي الفجائية أي ففاجأ إرساله التفرق والاختصام، والمراد بالفريقين: المؤمنون منهم والكافرون، ومعنى الاختصام: أتا كل فريق يخاصم على ما هو فيه، ويزعم أن الحق معه، وقيل: إن الخصومة بينهم في صالح، هل هو مرسل؟ أم لا؟ وقال أحد الفريقين: صالح، والآخر: جميع قومه، وهو ضعيف، وقد تقدم حكاية اختصام الفريقين في سورة الأعراف، في قوله: قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم الآية.
قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (46) قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (47) وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (48) قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (49)
(قال) صالح للمكذبين: (يا قوم لمَ تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة)؟ قال مجاهد: أي بالعذاب قبل الرحمة. والمعنى لم تؤخرون الإيمان الذي يجلب إليكم الثواب؟ وتقدمون الكفر الذي يجلب إليكم العقوبة؟ وقد كانوا لفرط كفرهم يقولون: ائتنا يا صالح بالعذاب، ووصف العذاب بأنه سيئة مجازاً، إما لأن العقاب من لوازمه، أو لأنه يشبهه في كونه مكروهاً.
(لولا) هلا (تستغفرون الله) وتتوبون إليه من الشرك (لعلكم ترحمون)؟ أي: رجاء أن ترحموا أو لكي ترحموا فلا تعذبوا، فإن استعجال الخير أولى من استعجال الشر، فكالن جوابهم عليه بعد هذا الإرشاد الصحيح والكلام اللين أنهم قالوا:
(اطيرنا بك) أصله تطيرنا، وقد قرئ بذلك، والتطير التشاؤم، أي: تشاءمنا بك، وأصابنا الشؤم والضيق والشدة بك (وبمن معك) ممن أجابك، ودخل في دينك، وذلك لأنه أصابهم قحط فتشاءموا بصالح، وقد كانت العرب أكثر الناس طيرة، وأشقاهم بها، وكانوا إذا أرادوا سفراً أو أمراً من الأمور نفروا طائراً من وكره، فإن طار يمنة ساروا وفعلوا ما عزموا عليه، وإن طار يسرة تركوا ذلك.
وفي القرطبي: لا شيء أضر بالرأي، ولا أفسد للتدبير، من اعتقاد
الطيرة، ومن ظن أن خوار بقرة أو نعيق غراب يرد قضاء، أو يدفع مقدوراً فقد جهل؛ فلما قالوا ذلك (قال) لهم صالح:
(طائركم عند الله) أي ما يصيبكم من الخير والشر بأمر الله، وهو مكتوب عليكم، سمي طائراً لأنه لا شيء أسرع من نزول القضاء المحتوم، والمعنى ليس ذلك بسبب الطيرة التي تشاءمون بها، بل سبب ذلك عند الله، وهو ما يقدره عليكم. وقيل: المعنى أن الشؤم الذي أصابكم هو من عند الله لسبب كفركم، وهذا كقوله تعالى:(يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ) وقيل: طائركم عملكم، وسمي طائراً لسرعة صعوده إلى السماء، ثم أوضح لهم سبب ما هم فيه بأوضح بيان فقال:
(بل أنتم قوم تفتنون)، أي تمتحنون وتختبرون، وقيل: تعذبون بذنوبكم، وقيل: يفتنكم غيركم، وقيل: يفتنكم الشيطان بما تقعون فيه من الطيرة أو بما لأجله تطيرون، فأضرب عن ذكر الطائر إلى ما هو السبب الداعي إليه، وجاء بالخطاب مراعاة لتقدم الضمير، ولو روعي ما بعده لقيل: يفتنون، بياء الغيبة، وهو جائز، ولكنه مرجوح، تقول: أنت رجل تفعل ويفعل، ونحن قوم ناقر ويقرون.
(وكان في المدينة) التي كان فيها صالح، وهي الحجر، كذا قال المفسرون هنا، وتقدم في سورة الحجر أنه واد بين المدينة والشام، وهو ديار ثمود.
(تسعة رهط) أي: تسعة رجال أو أشخاص من أبناء الأشراف وبهذا
الاعتبار وقع تمييزاً للتسعة لا باعتبار لفظه، والإضافة بيانية، أي: تسعة هم رهط، والرهط اسم جماعة، فكأنهم كانوا رؤساء يتبع كل واحد منهم جماعة، وقيل: الرهط ما دون العشرة من الرجال، ليس فيه امرأة، وسكون الهاء أفصح من فتحها، وهو جمع لا واحد له من لفظه؛ وقيل: الرهط من سبعة إلى عشرة وما دون السبعة إلى الثلاثة نافر، قال ثعلب: الرهط والنفر والقوم والمعشر والعشيرة معناهم الجمع، لا واحد لها من لفظها وهو للرجال دون
النساء، وقال ابن السكيت: الرهط والعترة بمعنى، وقال الأصمعي: الرهط ما فوق العشرة إلى الأربعين، ونقله ابن فارس أيضاً.
والجمع أرهط وأراهط، وهؤلاء التسعة هم أصحاب قدار، عاقر الناقة، وكانوا عتاة قوم صالح. وقد اختلف في اسماء هؤلاء التسعة اختلافاً كثيراً لا حاجة إلا التطويل بذكره، ثم وصف هؤلاء بقوله:
(يفسدون في الأرض ولا يصلحون) أي شأنهم وعملهم الفساد في الأرض لا في المدينة فقط، فساداً لا يخالطه شيء من الإصلاح، قيل: كانوا يتبعون معائب الناس، ولا يسترون عوراتهم. وقيل: كانوا يظلمون ولا يمنعون الظالمين.
(قالوا تقاسموا) أي قال بعضهمِ لبعض: حلفوا (بالله) هذا على أن (تقاسموا) فعل أمر ويجوز أن يكون فعلاً ماضياً مفسراً لـ (قالوا) كأنه قيل: ما قالوا؟ فقال: تقاسموا، أو قالوا ذلك متقاسمين، وإليه ذهب الزمخشري وقرأ ابن مسعود (تقاسموا بالله) ليس فيها قالوا.
(لنبيتنه) اللام جواب قسم، أي لنأتينه بغتة في وقت البيات، فنقتله ليلاً (وأهله) أي من آمن به، وكانوا أربعة آلاف (ثم لنقولن لوليه) بالنون للمتكلم وقرئ بالتحتية وبالفوقية على خطاب بعضهم لبعض، والمراد بـ (ولي) صالح رهطه، الذين لهم ولاية الدم.
(وما شهدنا مهلك أهله) أي: ما حضرنا قتلهم، ولا ندري من قتله وقتل أهله ونفيهم لشهودهم لكان الهلاك يدل على نفي شهودهم لنفس القتل بالأولا، وقيل: إن المهلك بمعنى الإهلاك، قرئ مهلك بفتح الميم واللام وبكسر اللام.
(وإنا لصادقون) فيما قلناه من إنكار لقتلهم، قال الزجاج: وكان هؤلاء النفر تحالفوا أن يبيتوا صالحاً وأهله، ثم ينكروا عند أوليائه أنهم ما فعلوا ذلك ولا رأوه، وكان هذا مكراً منهم، ولهذا قال الله سبحانه:
وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (50) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (51) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (52) وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (53) وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (54) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (55) فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (56) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ (57)
(ومكروا) بهذه المحالفة (مكراً) وهو ما أخفوه من تدبير الفتك بصالح (ومكرنا مكراً) أي جازيناهم بفعلهم فأهلكناهم.
(وهم لا يشعرون) بمكر الله بهم، وهذا على سبيل الاستعارة المنضمة إلى المشاكلة، كما في الكشاف وشروحه، يعني تشبيهاً له بالمكر من حيث كونه إضراراً في خفية، لأن المكر قصد الإضرار على طريق الغدر والحيلة.
(فانظر كيف كان عاقبة مكرهم) أي انظر ما انتهى إليه أمرهم الذي بنوه على المكر وما أصابهم بسببه. (أنا دمرناهم وقومهم أجمعين) بفتح همزة (أنا) وقرئ بكسرها وهما سبعيتان، قال الفراء والزجاج: من كسر استأنف وهو يفسر به ما كان قبله، كأنه جعله تابعاً للعاقبة كأنه قال: العاقبة إنا دمرناهم وعلى قراءة الفتح التقدير بأنا، أو لأنا و (كان) تامة، وعاقبة فاعل لها، أو يكون بدلاً من عاقبة، أو يكون خبر مبتدأ محذوف، أي: هي أنا
دمرناهم. وفي حرف أُبي أن دمرناهم.
والمعنى أن الله دمر التسعة الرهط المذكورين، بالرمي، ودمر قومهم الذين لم يكونوا معهم عند مباشرتهم لذلك بصيحة جبريل عليه السلام، وأجمعين. تأكيد لكل من المعطوف والمعطوف عليه ومعناه أنه لم يشذ منهم أحد، ولا سلم من العقوبة فرد من أفرادهم.
وجملة
(فتلك بيوتهم خاوية) مقررة لما قبلها أي حال كونها خاوية قال الفراء، والنحاس: أي خالية عن أهلها خراباً ليس بها ساكن، من خوى البطن إذا خلا، أو ساقطة متهدمة من خوى النجم إذا سقط. وقيل: الأصل تلك بيوتهم الخاوية كقوله: وله الدين واصباً (بما ظلموا) أي بسبب ظلمهم.
(إن في ذلك) التدمير والإهلاك (لآية) أي: لعبرة عظيمة (لقوم يعلمون) أي يتصفون بالعلم بالأشياء
(وأنجينا الذين آمنوا) وهم صالح ومن آمن به (وكانوا يتقون) الله ويخافون عقابه، وخرج صالح ومن معه من المؤمنين إلى حضرموت، فلما دخلها مات صالح فسمى حضرموت، قال الضحاك: ثم بنى الأربعة آلاف الذين كانوا معه مدينة يقال لها حاضوراء.
(و) أرسلنا (لوطاً إذ قال لقومه) هم أهل سدوم: (أتأتون الفاحشة) أي: الفعلة المتناهية في القبح والشناعة، وهي إتيان المذكور واللواط (وأنتم تبصرون) أي وأنتم تعلمون علماً يقيناً أنها فاحشة وقبيحة. وذلك أعظم ذنوبكم، على أن تبصرون من بصر القلب وهو العلم أو بمعنى النظر لأنهم كانوا لا يستترون حال فعل الفاحشة، عتواً وتمرداً، والجملة حالية مفيدة لتأكيد الإنكار، وتشديد التوبيخ، وقد تقدم تفسير هذه القصة في الأعراف مستوفى.
(أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ)؟ فيه تكرير للتوبيخ مع التصريح، بأن تلك الفاحشة هي اللواطة التي أبهمها أولا، وفيه إشارة إلى أن فعلتهم هذه مما يعي الواصف، ولا يبلغ كنه قبحها، ولا يصدق ذو عقل أن أحداً يفعلها، ثم علل ذلك بقوله:
(شهوة) تنزيلاً لهم إلى رتبة البهائم التي ليس فيها قصد ولد. ولا عفاف، والتقدير للشهوة أو إتياناً شهوة؛ أو مشتهين لهم.
(من دون النساء) أي متجاوزين النساء اللاتي هن محل لذلك، وفيه إشارة إلى أنهم أساءوا من الطرفين في الفعل والترك.
(بل أنتم قوم تجهلون) التحريم، أو عاقبة فعلكم، والعقوبة على هذه المعصية، قيل: أراد بالجهل السفاهة التي كانوا عليها، أو تفعلون فعل الجاهلين بقبحه، وقد اجتمع الخطاب والغيبة هنا، وفي قوله: بل أنتم قوم تفتنون فغلب الخطاب على الغيبة لأنه أقوى وأرسخ إذ الأصل أن يكون الكلام بين الحاضرين.
(فما كان جواب قومه إلا أن قالوا) أي: إلا قولهم (أخرجوا آل لوط) أي لوطاً وأهله، والمراد بهم بنتاه وزوجته المؤمنة (1)(من قريتكم) فيه امتنان عليه بإسكانه عندهم، والإضافة للجنس لأن قراهم كانت خمساً أعظمها سدوم (إنهم أناس يتطهرون) أي يتنزهون ويتباعدون عن أدبار الرجال، قالوا ذلك استهزاء منهم بهم.
(فأنجيناه وأهله) من العذاب الواقع بالقوم، فخرج لوط بأهله من أرضهم وطوى الله له الأرض حتى نجا، ووصل إلى إبراهيم (إلا امرأته قدرناها) قرئ مخففاً ومشدداً، والمعنى واحد مع دلالة زيادة البناء على زيادة المعنى (من الغابرين) أي الباقين في العذاب.
(1) قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: كذا في المطبوع!، وكأن المؤلف يذهب إلى أن للوط عليه السلام زوجتان إحداهما مؤمنة
وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (58) قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (59) أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (60)
(وأمطرنا عليهم) أي: على كل من كان منهم خارج المدائن (مطراً) أي حجارة مكتوباً عليها اسم صاحبها، وهو حجارة السجيل أي: الطين المحرق وهذا التأكيد يدل على شدة المطر، وأنه غير معهود.
(فساء مطر المنذرين) أي الذين أنذروا فلم يعقلوا ولم يقبلوا الإنذار والمخصوص بالذم محذوف، أي مطرهم، وقد مضى بيان ذلك كله في الأعراف والشعراء.
(قل الحمد لله) قال الفراء: قال أهل المعاني: قيل للوط قل الحمد لله على هلاكهم، وخالفه جماعة المفسرين فقالوا: إن هذا خطاب لنبينا صلى الله عليه وسلم أي قل: الحمد لله على هلاك كفار الأمم الخالية، قال النحاس: وهذا أولى لأن القرآن منزل على النبي صلى الله عليه وسلم، وكل ما فيه فهو مخاطب به، إلا ما لم يصح معناه إلا لغيره، وكان هذا صدر خطبة لما يلقى من البراهين الدالة على الوحدانية، والعلم والقدرة الآتي ذكرها بقوله: أمن خلق الخ قيل: والمراد بقوله:
(وسلام على عباده الذين اصطفى) أمته صلى الله عليه وسلم والأولى حمله على العموم، وهم كل المؤمنين من السابقين واللاحقين، فيدخل في ذلك الأنبياء وأتباعهم، قال ابن عباس: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم اصطفاهم الله لنبيه صلى الله عليه وسلم،
وروي مثله عن سفيان الثوري؛ والأولى ما قدمناه من التعميم، فيدخل في ذلك أصحابه صلى الله عليه وسلم دخولاً أولياً، وهو تعليم لكل متكلم في كل أمر ذي بال، بأن يتبرك بهما ويستظهر لمكانهما.
(آلله)؟ فيه وجهان يجريان في خمسة مواضع في القرآن غير هذا الموضِع أحدهما تسهيل الهمزة الثانية مقصورة، والثاني إبدالها ألفاً ممدودة مداً لازماً والمعنى الله الذي ذكرت أفعاله، وصفاته الدالة على عظيم قدرته.
(خير أما يشركون)؟ به من الأصنام وفيه تبكيت للمشركين: وإلزام الحجة عليهم بعد هلاك الكفار و (أم) هذه متصلة عاطفة لاستكمال شروطها، والتقدير أيهما خير، وهذه الخيرية ليست بمعناها الأصلي، بل هي كقول الشاعر:
أتهجوه ولست له بكفء؟
…
فشركما لخيركما الفداء
فيكون ما في الآية من باب التهكم بهم، إذ لا خير فيهم أصلاً، وقد حكى سيبويه: إن العرب تقول: السعادة أحب إليك أم الشقاوة ولا خير في الشقاوة أصلاً، وقيل: المعنى أثواب الله خير؟ أم عقاب ما تشركون به؟ وقيل: قال لهم ذلك جرياً على اعتقادهم، لأنهم كانوا يعتقدون أن في عبادة الأصنام خيراً. وقيل: المراد من هذا الاستفهام الخبر، وقرأ الجمهور تشركون بالفوقية على الخطاب وقرئ بالتحتية.
(أمن خلق السماوات والأرض)؟ أم هذه هي المنقطعة، وقال أبو حاتم: تقديره أآلهتكم خير؟ أم من خلق السماوات والأرض؟ وقدر على خلقهن، وقيل: المعنى أعبادة ما تعبدون من أوثانكم خير؟ أم عبادة من خلق العالم الجسماني؟ فيكون (أم) على هذا متصلة، وفيها معنى التوبيخ والتهكم، كما في الجملة الأولى.
(وأنزل لكم من السماء ماء) أي نوعاً مد، الماء وهو المطر (فأنبتنا به حدائق) جمع حديقة، قال الفراء: الحديقة البستان الذي عليه حائط، فإن لم يكن عليه حائط فهو البستان، وليس بحديقة. وقال قتادة وعكرمة: الحدائق النخل.
(ذات بهجة) أي ذات منظر حسن، ورونق، والبهجة هي الحسن الذي يبتهج به من رآه ولم يقل ذوات بهجة على الجمع، لأن المعنى جماعة حدائق، وصرف الكلام عن الغيبة إلى التكلم تأكيداً لمعنى اختصاص الفعل بذاته، وإيذاناً بأن إنبات الحدائق المختلفة الأصناف والألوان والطعوم والأشكال، مع سقيها بماء واحد لا يقدر عليه إلا هو وحده، ثم رشح معنى الاختصاص بقوله:
(ما كان لكم أن تنبتوا شجرها) فضلاً عن ثمارها وسائر صفاتها البديعة، ومعنى هذا النفي الحظر والمنع من فعل هذا أي ما يصح للبشر، ولا يتهيأ لهم ذلك، ولا يدخل تحت مقدورهم، لعجزهم عن إخراج الشيء من العدم إلى الوجود، وأن تأتي ذلك محال من غيره، ثم قال سبحانه موبخاً لهم ومقرعاً:
(أإله) أي: هل معبود (مع الله)؟ الذي تقدم ذكر بعض أفعاله حتى يقرن به، ويجعل شريكاً له في العبادة، وقرئ إلهاً أي: أتدعون إلهاً مع الله؟ والاستفهام للإنكار أي ليس معه إله، وكذا يقال في المواضع الأربعة الآتية، ثم أضرب عن توبيخهم وتقريعهم بما تقدم، وانتقل إلى بيان سوء حالهم مع الالتفات من الخطاب إلى الغيبة فقال:
(بل هم قوم يعدلون) بالله غيره، أو يعدلون عن الحق إلى الباطل، و (بل هم) بعد الخطاب أبلغ في تخطئة رأيهم ثم شرع في الاستدلال بأحوال الأرض وما عليها فقال:
أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (61) أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (62) أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (63) أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (64)
(أمن جعل الأرض قراراً)؟ القرار هو المستقر أي دحاها وسواها وجعلها بحيث يمكن الاستقرار عليها للإنسان والدواب بإخلاء بعضها من الماء حسبما تدور عليه منافعهم، وقيل: هذه الجملة وما بعدها من الجمل الثلاث بدل من قوله أمن خلق السماوات والأرض؟ ولا ملجئ لذلك، بل هي وما بعدها إضراب، وانتقال من التقريع والتوبيخ بما قبلها إلى التوبيخ والتقريع بشيء آخر.
(وجعل) أي خلق أو صير (خلالها) أي فيما بينها (أنهاراً) تطرد بالمياه، والخلال الوسط، وقد تقدم تحقيقه في قوله: وفجرنا خلالهما نهراً.
(وجعل لها رواسي) أي جبالاً ثوابت تمسكها وتمنعها من الحركة (وجعل بين البحرين) هما العذب والمالح، أي جعل بينهما من قدرته (حاجزاً) أي مانعاً معنوياً، وهو المنع الإلهي، إذ ليس هناك حاجز حسي كما هو مشاهد فلا يختلط أحدهما بالآخر، فلا هذا يغير ذاك، ولا ذاك يدخل في هذا وقد مر بيانه في سورة الفرقان.
(أإله مع الله) أي: إذا ثبت أنه لا يقدر على ذلك إلا الله فهل إله في
الوجود يصنع صنعه، ويخلق خلقه فكيف يشركون به ما لا يضر ولا ينفع. (بل أكثرهم لا يعلمون) توحيد ربهم وسلطان قدرته.
(أمن يجيب المضطر إذا دعاه)؟ هذا الاستدلال منه سبحانه بحاجة الإنسان إليه على العموم والمضطر اسم مفعول من الاضطرار، وهو افتعال من الضرورة، وهي الحاجة المحوجة إلى اللجأ، يقال: اضطره إلى كذا، والمضطر هو المكروب المجهود، الذي مسه الضر ولا حول له ولا قوة، وقيل هو المذنب إذا استغفر، وقيل: هو المظلوم إذا دعا، أو من رفع يديه ولم ير لنفسه حسنة غير التوحيد، وهو منه على خطر، وقيل: هو الذي عراه ضر من فقر، أو مرض، أو نازلة من نوازل الدهر، فألجأه إلى التضرع إلى الله.
والألف واللام في (المضطر) للجنس لا للاستغراق، فقد لا يجاب دعاء بعض المضطرين، لمانع يمنع من ذلك بسبب يحلله العبد، يحول بينه وبين إجابة دعائه، وإلا فقد ضمن الله سبحانه إجابة دعاء المضطر إذا دعاه وأخبر بذلك عن نفسه، والوجه في إجابة دعاء المضطر أن ذلك الاضطرار الحاصل له يتسبب عنه الإخلاص، وقطع النظر عما سوى الله.
وقد أخبر الله سبحانه بأنه يجيب دعاء المخلصين له الدين، وإن كانوا كافرين، فقال (حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ) وقال:(فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون) فأجابهم عند ضرورتهم وإخلاصهم مع علمه بأنهم سيعودون إلى شركهم.
(ويكشف السوء)؟ الذي يسوء العبد من غير تعيين وقيل: هو الضر وقيل: هو الجور وهذا من عطف العام على الخاص.
(ويجعلكم خلفاء الأرض)؟ أي: يحلف كل قرن منكم القرن الذي
قبله بعد انقراضهم والمعنى يهلك قرناً وينشئ آخرين: وقيل: يجعل أولادكم خلفاً منكم، وقيل: جعلكم خلفاء الجن في الأرض، وقيل: يجعل المسلمين خلفاً من الكفار ينزلون أرضهم وديارهم.
(أإله مع الله)؟ الذي يوليكم هذه النعم الجسام. (قليلاً ما) أي: تذكراً قليلاً (تذكرون) و (ما) زائدة لتقليل القليل هو كناية عن العدم بالكلية فالمراد نفي تذكرهم رأساً، قال الكرخي: المعنى نفي التذكر والقلة تستعمل في معنى النفي، قرأ الجمهور بالفوقية على الخطاب وقرئ بالتحتية على الخبر رداً على قوله: بل أكثرهم لا يعلمون.
(أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر) أي يرشدكم في الليالي المظلمة إذا سافرتم في البر والبحر إلى مقاصدكم، وقيل: المراد مفاوز البر التي لا أعلام لها ولجج البحار، وشبهها بالظلمات لعدم ما يهتدون به فيها، وقيل: يهديكم بالنجوم ليلاً وبعلامات الأرض نهاراً.
(ومن يرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته)؟ المراد بالرحمة هنا: المطر أي بين يدي المطر وقبل نزوله.
(أإله مع الله)؟ يفعل ذلك ويوجده (تعالى الله عما يشركون) أي تنزه وتقدس عن وجود ما يجعلونه له شريكاً.
(أمن يبدأ الخلق ثم يعيده)؟ كانوا يقرون بأن الله سبحانه هو الخالق فألزمهم الإعادة أي إذا قدر على الابتداء قدر على الإعادة (ومن يرزقكم من السماء والأرض)؟ بالمطر والنبات أي: أهو خير أم ما تجعلونه شريكاً له مما لا يقدر على شيء من ذلك؟ (أإله مع الله) حتى تجعلوه شريكاً له.
(قل هاتوا برهانكم) أي حجتكم عقلية أو نقلية على أن الله سبحانه شريكاً أو هاتوا حجتكم على أن ثم صانعاً يصنع كصنعه (إن كنتم صادقين) أن مع الله إلهاً فعل شيئاًً مما ذكر. وفي هذا تبكيت لهم وتهكم بهم. وسألوه عن وقت قيام الساعة فنزل:
قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (65) بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ (66) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ (67) لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (68) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (69)
(قل لا يعلم من) أي لا يعلم أحد من المخلوقات الكائنة الثابتة الساكنة المستقرة (في السماوات والأرض) وهم الملائكة والإنس (الغيب) الذي استأثر الله بعلمه (إلا الله) أي: لكن الله يعلم ذلك فالاستثناء منقطع، ورفع ما بعد (إلا) على اللغة التميمية كما في قوله:
إلا اليعافير وإلا العيس
وقيل: لا يعلم غيب من فيهما، ولا يعلم الأشياء التي تحدث فيهما إلا الله، وقيل: هو استثناء متصل من (من) والأول أولى، لأن الاتصال يقتضي أن الله من جملة من فيهما.
أخرج البخاري ومسلم وغيرهما من حديث عائشة قالت: " ثلاث من تكلم بواحدة منهن فقد أعظم على الله الفرية "، وقالت في آخره:" ومن زعم أنه يخبر الناس بما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية، والله تعالى يقول: قل: (لا يعلم) " الآية ".
(وما يشعرون) أي الكفار (أيان يبعثون) أي متى ينشرون من القبور، وأيان مركبة من أي وأن، وقد تقدم تحقيقه، وقرئ إيان بكسر
الهمزة، وهي لغة بني سليم.
(بل ادارك) أصله تدارك، وقرئ أدرك من الإدراك، وقرئ بل أدرك بفتح لام بل، وتشديد الدال، وأدرك على الاستفهام، وقرئ بل تدارك، بإثبات التاء، ومعنى الآية بل تكامل.
(علمهم في الآخرة) لأنهم رأوا كل ما وعدوا به وعاينوه، وقيل: معناه تتابع وتلاحق، والقراءة الثانية معناها كمل علمهم في الآخرة مع المعاينة، وذلك حين لا ينفعهم العلم لأنهم كانوا في الدنيا مكذبين، وقال الزجاج: إنه على معنى الإنكار. واستدل على ذلك بقوله: فيما بعد: بل هم منها عمون، أي لم يدرك علمهم علم الآخرة، وقيل: المعنى بل ضل وغاب علمهم في الآخرة فليس لهم فيها علم.
ومعنى الثالثة كالأولى، فافتعل وتفاعل، قد يجيئان لمعنى. والرابعة هي بمعنى الإنكار. قال الفراء: وهو وجه حسن كأنه وجهه إلى المكذبين على طريق الاستهزاء بهم، وفي الآية قراءات أخر لا ينبغي الاشتغال بذكرها وتوجيهها.
وعن ابن عباس قال: بل إدراك علمهم في الآخرة حين لا ينفع الندم وعنه قال: لم يدرك علمهم، وعنه: أنه قرأها بالاستفهام، وعنه قال: غاب علمهم.
(بل هم في شك منها) أي بل هم اليوم في الدنيا في شك من الآخرة ثم أضرب عن ذلك إلى ما هو أشر منه فقال: (بل هم منها عمون) فلا يدركون شيئاًً من دلائلها لاختلال بصائرهم التي يكون بها الإدراك و (عمون) جمع عم، وهو من كان أعمى القلب، والمراد بيان جهلهم بها على وجه لا يهتدون إلى شيء مما يوصل إلى العلم بها فمن قال: إن معنى الآية الأولى أنه كمل علمهم وتم مع المعاينة، فلا بد من حمل قوله بل هم في شك الخ على ما كانوا عليه في الدنيا، ومن قال: إن معنى الآية الأولى الاستهزاء بهم والتبكيت لهم لم
يحتج إلى تقييد قوله بل هم في شك الخ بما كانوا عليه في الدنيا وبهذا يتضح معنى هذه الآيات ويظهر ظهوراً بيناً، والإضرابات الثلاث تنزيل لأحوالهم وتكرير لجهلهم.
ولما ذكر سبحانه أن المشركين في شك من البعث وأنهم عمون عن النظر في دلائله أراد أن يبين غاية شبهتهم وهي مجرد استبعاد إحياء الموتى بعد صيرورتهم تراباً فقال:
(وقال الذين كفروا أئذا كنا تراباً وآباؤنا أئنا لمخرجون) المعنى أنهم استنكروا واستبعدوا أن يخرجوا من قبورهم أحياء بعد أن قد صاروا تراباً.
ثم أكدوا ذلك الاستبعاد بما هو تكذيب للبعث فقالوا:
(لقد وعدنا هذا) يعنون البعث (نحن وآباؤنا من قبل) أي من قبل وعد محمد صلى الله عليه وسلم لنا وقد مرت الدهور على هذا الوعد ولم يقع منه شيء، فذلك دليل على أنه لا حقيقة له والجملة مستأنفة مسوقة لتقرير الإنكار مصدرة بالقسم لزيادة التقرير.
(إن هذا)" الوعد بالبعث "(إلا أساطير الأولين) أي أحاديثهم وأكاذيبهم الملفقة التي كتبوها ولا حقيقة لها وقد تقدم تحقيق معنى الأساطير في سورة المؤمنين ثم أوعدهم سبحانه على عدم قبول ما جاءت به الأنبياء من الإخبار بالبعث فأمرهم بالنظر في أحوال الأمم السابقة المكذبة للأنبياء وما عوقبوا به وكيف كانت عاقبتهم فقال:
(قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين) المكذبين بما جاءت به الأنبياء على نبينا وعليهم الصلاة والسلام، من الإخبار بالبعث ومعنى النظر هو مشاهدة آثارهم بالبصرت فإن في المشاهدة زيادة اعتبار، وكفاية لأولي الأبصار. وقيل: المعنى فانظروا بقلوبكم وبصائركم، كيف كان عاقبة المكذبين لرسلهم؟ والأول أولى، لأمرهم بالسير في الأرض؛ وفيه تهديد لهم على التكذيب؛ وتخويف بأن ينزل بهم مثل ما نزل بالمكذبين قبلهم.
وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (70) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (71) قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ (72) وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (73) وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (74) وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (75) إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (76) وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (77) إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (78)
(ولا تحزن عليهم) الحزن سببه إما فوت أمر في الماضي، أو توقع مكروه في المستقبل، أي: لا تحزن على عدم إيمان المستهزئين فيما مضى ولا تغتم وتهتم بمكرهم في المستقبل؛ وهو معنى قوله:
(ولا تكن في ضيق مما يمكرون) الضيق الحرج، يقال: ضاق الشيء ضيقاً بالفتح، وضيقاً بالكسر، قرئ بهما وهما لغتان، قال ابن السكيت: يقال: في صدر فلان ضيق، وضيق، وهو ما يضيق عنه الصدور، وقرئ لا تكن بثبوت النون هنا على الأصل.
وقد حذفت من هذا المضارع في القرآن في عشرين موضعاً، تسعة منها مبدوءة بالتاء، وثمانية بالياء، واثنان بالنون، وواحد بالهمزة، وهو قوله: ولم أك بغياً، وقد تقدم تفسير هذه الآية في آخر سورة النحل.
(ويقولون متى هذا الوعد) بالعذاب الذي تعدنا (إن كنتم صادقين) في ذلك، خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ومن معه، من المؤمنين.
(قل عسى أن يكون ردف لكم) يقال ردفت الرجل وأردفته، إذا ركبت خلفه، وردفه إذا اتبعه وجاء في إثره، قال ابن شجرة: معنى ردف لكم تبعكم، قال: ومنه ردف المرأة، لأنه تبع لها من خلفها. قال
الجوهري: وأردفه لغة في ردفه مثل تبعه واتبعه. قال الفراء: ردف لكم دنا لكم، ولهذا قيل: لكم، وقرئ ردف بفتح الدال، وهي لغة، والكسر أشهر.
وقرأ ابن عباس (أزف لكم) وعسى ولعل وسوف في مواعيد الملوك بمنزلة الجزم بمدخولها، وإنما يطلقونها إظهاراً للوقار، وإشعاراً بأن الرمز من أمثالهم كالتصريح ممن عداهم، وعلى ذلك يجري الله وعيده، قاله أبو السعود والمعنى قل: يا محمد صلى الله عليه وسلم لهؤلاء الكفار: عسى أن يكون هذا العذاب الذي به توعدون تبعكم ولحقكم؛ فتكون اللام زائدة للتأكيد، أو بمعنى اقترب لكم ودنا منكم قاله ابن عباس، فتكون غير زائدة.
(بعض الذي تستعجلون) من العذاب، أي حلوله، قيل: هو عذابهم بالقتل يوم بدر، وقيل: هو عذاب القبر، ثم ذكر سبحانه فضله فقال:
(وإن ربك لذو فضل على الناس) في تأخير العقوبة، والأولى أن تحمل الآية على العموم، ويكون تأخير العقوبة من جملة أفضاله سبحانه وإنعامه.
(ولكن أكثرهم لا يشكرون) فضله وإنعامه، ولا يعرفون حق إحسانه.
ثم بين سبحانه أنه مطلع على ما في صدورهم فقال:
(وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم) أي ما تخفيه فليس التأخير لخفاء حالهم عليه، قرئ بضم التاء من أكن، وبفتحها وضم الكاف يقال كننته بمعنى سترته وأخفيت أثره (وما يعلنون) من أقوالهم وأفعالهم، ويظهرونها. وقال ابن عباس: يعلم ما عملوا بالليل والنهار.
(وما من غائبة في السماء والأرض إلا في كتاب مبين) أي: في اللوح المحفوظ، والغائبة: هي من الصفات الغالبة والتاء للمبالغة كراوية وعلامة، وقيل: هي الداخلة على المصادر نحو العاقبة والعافية. قال الزمخشري: ونظيرها الذبيحة والنطيحة والرمية في أنها أسماء غير صفات. قال الحسن:
الغائبة هنا هي القيامة.
وقال مقاتل: علم ما يستعلجون من العذاب هو مبين عند الله، وإن غاب عن الخلق. وقال ابن شجرة: الغائبة هنا جميع ما أخفى الله عن خلقه، وغيبه عنهم، مبين في أم الكتاب، فكيف يخفى عليه شيء من ذلك، ومن جملة ذلك ما يستعجلون من العذاب. فإنه مؤقت بوقت مؤجل بأجل، علمه عند الله، فكيف يستعجلونه قبل أجله المضروب له؟ وقال ابن عباس: ما من شيء في السماء والأرض سراً ولا علانية إلا يعلمه.
(إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل) الموجودين في زمان نبينا بالتصريح والتنصيص، ولذا خص الأكثر بالذكر وقال:(أكثر الذي هم فيه يختلفون) من التشبيه والتنزيه، وأحوال الجنة والنار، وعزير ومسيح، وذلك لأن أهل الكتاب تفرقوا فرقاً، وتحزبوا أحزاباً، يطعن بعضهم على بعض، ويتبرأ بعضهم من بعض، فنزل القرآن مبيناً لما اختلفوا فيه من الحق، فلو أخذوا به لوجدوا فيه ما يرفع اختلافهم ويدفع تفرقهم.
(وإنه لهدى) من الضلالة (ورحمة) من العذاب (للمؤمنين) أي لمن آمن بالله وتابع رسوله صلى الله عليه وسلم، وخصهم لأنهم هم المنتفعون به، ومن جملتهم من آمن من بني إسرائيل.
(إن ربك يقضي بينهم) كغيرهم يوم القيامة (بحكمه) أي يقضي بالعدل بين المختلفين من بني إسرائيل، بما يحكم به من الحق، فيجازي المحق ويعاقب المبطل، فلا يمكن أحداً مخالفته، كما خالف الكفار في الدنيا أنبياءه ورسله وقيل: يقضي بينهم في الدنيا فيظهر ما حرفوه قرئ بحكمه بضم الحاء وسكون الكاف، وبكسرها وفتح الكاف؛ جمع حكمة؛ والحكم بمعنى العدل والحق والمحكوم به.
(وهو العزيز) الذي لا يغالب (العليم) بما يحكم به، أو الكثير العلم ثم أمره سبحانه بالتوكل وقلة المبالاة فقال:
فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (79) إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (80) وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (81) وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ (82)
(فتوكل على الله) الفاء لترتيب الأمر على ما تقدم ذكره، لأن هذه الأوصاف توجب على كل أحد أن يفوض جميع أموره إليه، والمعنى فوض إليه أمرك، واعتمد عليه فإنه ناصرك، ثم علَّل ذلك بعلتين الأولى قوله:
(إنك على الحق المبين) أي: الظاهر، وقيل: المظهر، وهو الدين الواضح الذي لا يتعلق به شك، وفيه بيان أن صاحب الحق حقيق بالوثوق بالله، وبنصرته وتأييده وحفظه له. والعلة الثانية قوله:
(إنك لا تسمع الموتى) أي: موتى القلوب وهم الكفار، وفيه قطع طمعه عن متابعتهم، ومعاضدتهم رأساً.
(ولا تسمع الصم الدعاء) لأنه إذا علم أن حالهم كحال الموتى في انتفاء الجدوى بالسماع، أو كحال الصم الذين لا يسمعون، ولا يفهمون ولا يهتدون، صار ذلك سبباً قوياً في عدم الاعتداد بهم، شبه الكفار بالموتى الذين لا حس لهم ولا عقل، وبالصم الذين لا يسمعون المواعظ ولا يجيبون الدعاء إلى الله، وقرئ تسمع بضم الفوقية وكسر الميم من أسمع؛ وقرئ بالتحتية مفتوحة وفتح الميم وفاعله الصم؛ ثم ذكر سبحانه جملة لتكميل التشبيه وتأكيده فقال:
(إذا ولوا مدبرين) أي أعرضوا عن الحق إعراضاً تاماً فإن الأصم لا يسمع الدعاء إذا كان مقبلاً فكيف إذا كان مدبراً؛ معرضاً عنه مولياً؛ قال قتادة الأصم: إذا ولى مدبراً ثم ناديته لم يسمع؛ كذلك الكافر لا يسمع ما يدعى إليه من الإيمان. وظاهر نفي سماع الموتى العموم، فلا يخص منه إلا
ما ورد بدليل؛ كما ثبت في الصحيح " أنه صلى الله عليه وسلم خاطب القتلى في قليب بدر فقيل له: يا رسول الله إنما تكلم أجساداً لا أرواح لها " وكذلك ما ورد من أن الميت يسمع خفق نعال المشيعين له إذا انصرفوا، ثم ضرب العمى مثلاً لهم فقال:
(وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم) أي ما أنت بمرشد من أعماه الله عن الحق إرشاداً يوصله إلى المطلوب منه، وهو الإيمان، وليس في وسعك ذلك، ومثله قوله:(إنك لا تهدي من أحببت) قرأ الجمهور بإضافة هادي إلى العمي، وقرئ بالتنوين، وقرئ تهدي فعلاً مضارعاً، وفي حرف عبد الله وما أن تهدي العمي.
(إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا) أي من يصدق بالقرآن في علم الله لا من يكفر (فهم مسلمون) تعليل للإيمان أي: فهم منقادون مخلصون بتوحيد الله، ثم هدد العباد بذكر طرف من أشراط الساعة وأهوالها فقال:
(وإذا وقع القول عليهم) اختلف في معنى هذا الوقوع فقال قتادة: وجب الغضب عليهم، وقال مجاهد: حق القول عليهم بأنهم لا يؤمنون، وقيل: حق العذاب عليهم، وقيل: وجب السخط، والمعاني متقاربة، وقيل المراد بالقول ما نطق به القرآن من مجيء الساعة: وما فيها من فنون الأهوال التي كانوا يستعجلونها، وقيل: وقع القول بموت العلماء وذهاب العلم، ورفع القرآن، وذلك إذا لم يأمروا بالمعروف، وينهوا عن المنكر، قاله ابن عمر وأخرجه ابن مردويه عنه مرفوعاً.
وعن أبي العالية أنه فسر (وقع القول) بما أوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن، والحاصل أن المراد بـ (وقع) وجب وبـ (القول) مضمونه أو أطلق المصدر على المفعول، أي المقول وجواب الشرط قوله:
(أخرجنا لهم دابة من الأرض) اختلف في هذه الدابة على أقوال فقيل: إنها فصيل ناقة صالح، يخرج عند اقتراب الساعة ويكون من أشراطها، وقيل: هي دابة مزغبة ذات شعر وقوائم طوال، يقال لها
الجساسة وبه قال ابن عمرو.
وفي التعبير عنها باسم الجنس وتأكيد إبهامه بالتنوين التفخيمي من الدلالة على غرابة شأنها وخروج أوصافها عن طور البيان ما لا يخفى، وقيل: هي دابة على خلقة بني آدم، رأسها في السحاب وقوائمها في الأرض، وقيل: رأسها رأس ثور، وعينها عين خنزير، وأذنها أذن فيل، وقرنها قرن أيل، وعنقها عنق نعامة، وصدرها صدر أسد، ولونها لون نمر، وخاصرتها خاصرة هر، وذنبها ذنب كبش. وقوائمها قوائم بعير، بين كل مفصل ومفصل إثنا عشر ذراعاً، ولعل ذلك هو الجساسة، وقيل: الثعبان، والمشرف على جدار الكعبة التي اقتلعها العقاب حين أرادت قريش بناء الكعبة، والمراد أنها هي التي تخرج في آخر الزمان، وقيل: هي دابة ما لها ذنب ولها لحية، وقيل: هي إنسان ناطق متكلم يناظر أهل البدع ويراجع الكفار، وفيه بعد.
وعن ابن عباس قال: الدابة ذات وبر وريش؛ مؤلفة فيها من كل لون، لها أربع قوائم، تخرج بعقب من الحاج. وقيل غير ذلك مما لا فائدة في التطويل بذكره، وقد رجح القول الأول القرطبي في تفسيره، وقال: هو أصح الأقوال، واختلف في تعيينها وصفاتها اختلافاً كثيراً قد ذكرناه في كتاب التذكرة انتهى، واختلف من أي موضع تخرج، فقيل: من جبل الصفا بمكة، يتصدع فتخرج منه، قاله ابن عمرو، وقيل: تخرج من جبل أبي قبيس، وقيل: لها ثلاث خرجات، خرجة في بعض البوادي حتى يتقاتل عليها الناس؛ وتكثر الدماء؛ ثم تكمن، وتخرج في القرى، ثم تخرج من أعظم المساجد وأكرمها وأشرفها، وقيل: تخرج من بين الركن والمقام، وقال ابن عباس تخرج من بعض أودية تهامة، وقيل: من مسجد الكوفة من حيث فار التنور، وقيل: من أرض الطائف؛ وقيل: من صخرة من شعب أجياد، قاله ابن عمرو، وقيل: من صدع في الكعبة، وقيل: من بحر سدوم قاله وهب بن منبه، واختلف في معنى قوله:
(تكلمهم) فقيل: تكلم الموجودين ببطلان الأديان سوى دين الإسلام
وقيل: تكلمهم بما يسوءهم، وقيل: تكلمهم بالعربية بقوله تعالى الآتي (أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون)، قاله ابن عباس، أي بخروجها لأن خروجها من الآيات، وقال ابن عباس أيضاً: تكلمهم تحللهم، وعنه أنه سئل هو من التكليم باللسان، أو من الكلم وهو الجرح؟ فقال: كل ذلك والله تفعل، تكلم المؤمن وتكلم الكافر، أي: تجرحه، قرأ الجمهور تكلمهم من التكليم؛ وتدل عليه قراءة أبي: تنبئهم. وقرئ بفتح الفوقية وسكون الكاف من الكلم وهو الجرح، قال عكرمة: أي تسمهم وسماً، وقيل: تجرحهم، وقيل: قراءة الجمهور مأخوذة من الكلم وهو الجرح، والتشديد للتكثير، قاله أبو حاتم.
وأخرج عبد بن حميد، وابن مردويه عن ابن عمر في الآية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ليس ذلك حديثاً ولا كلاماً، ولكنها سمة تسم من أمرها الله به، فيكون خروجها من الصفا ليلة منى، فيصيحون بين رأسها وذنبها، لا يدحض داحض، ولا يجرح جارح حتى إذا فرغت مما أمرها الله به فهلك من هلك ونجا من نجا؛ كان أول خطوة تضعها بأنطاكية ".
وأخرج أحمد: وابن مردوبه عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " تخرج الدابة فتسم على خراطيمهم، ثم يعمرون فيكم حتى يشتري الرجل الدابة، فيقال له: ممن اشتريتها فيقول: من الرجل المخطم ".
وعن حذيفة بن أسيد رفعه قال: " تخرج الدابة من أعظم المساجد حرمة ".
وأخرج أحمد والترمذي وحسنه، وابن ماجة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم، والبيهقي، وغيرهم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تخرج دابة الأرض ومعها عصى موسى، وخاتم سليمان، فتجلو وجه المؤمن بالخاتم، وتحطم أنف الكافر بالعصى، حتى يجتمع الناس على الخوان يعرف المؤمن من الكافر ".
وعن حذيفة بن أسيد الغفاري قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الدابة فقال: " لها ثلاث خرجات من الدهر " الحديث، أخرجه البيهقي والحاكم وصححه، وابن
المنذر، وغيرهم، وفي صفتها، ومكان خروجها، وما تصنعه، ومتى تخرج أحاديث كثيرة بعضها صحيح. وبعضها حسن، وبعضها ضعيف.
وأما كونها تخرج، وكونها من علامات الساعة، فالأحاديث الواردة في ذلك صحيحة، ومنها ما هو ثابت في الصحيح كحديث حذيفة مرفوعاً " لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات " وذكر منها الدابة فإنه في صحيح مسلم، وفي السنن الأربع.
وكحديث " بادروا بالأعمال قبل طلوع الشمس من مغربها، والدجال، والدابة " فإنه في صحيح مسلم أيضاً من حديث أبي هريرة مرفوعاً.
وكحديث ابن عمر مرفوعاً أن " أول الآيات خروجاً طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضحى " فإنه في صحيح مسلم أيضاً.
ثم قرأ الجمهور: (إن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون) بكسر إن على الاستئناف، وقرئ بفتحها، قال الأخفش: المعنى على الفتح بأن الناس، وبها قرأ ابن مسعود، وقال أبو عبيدة: أي تخبرهم أن الناس الخ.
وعلى هذه فالذي تكلم الناس به هو قوله: إن الناس الخ كما قدمنا الإشارة إلى ذلك، وأما على الكسر فالجملة مستأنفة كما قدمنا، ولا يكون من كلام الدابة وقد صرح بذلك جماعة من المفسرين، وجزم به الكسائي والفراء وقال الأخفش إن كسر (إن) هو على تقدير القول، أي تقول لهم إن الناس فيرجع معنى القراءة الأولى على هذا إلى معنى الثانية:
والمراد بالناس في الآية هم الناس على العموم، فيدخل في ذلك كل مكلف وقيل: المراد الكفار خاصة، وقيل: كفار مكة، والأول أولى كما صنع جمهور المفسرين، والمعنى: لا يؤمنون بالقرآن المشتمل على البعث والحساب والعقاب، وبخروجها ينقطع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولا يبقى نائب ولا تائب ولا يؤمن كافر، كما أوحى الله إلى نوح (أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن) ثم ذكر سبحانه طرفاً مجملاً من أهوال يوم القيامة بعد بيان مباديها فقال:
وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ (83) حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (84) وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ (85) أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (86) وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (87)
(ويوم نحشر من كل أمة فوجاً) العامل في الظرف فعل محذوف خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم والحشر الجمع قيل: والمراد بهذا الحشر هو حشر العذاب الخاص بعد الحشر الكلي الشامل لجميع الخلق، و (من) لابتداء الغاية، والفوج الجماعة كالزمرة والقوم، وقيدهم الراغب فقال: الفوج الجماعة المارة المسرعة، وكان هذا هو الأصل، ثم أطلق، وإن لم يكن مرور ولا إسراع، والجمع أفواج وفوج (1).
(ممن يكذب بآياتنا) من بيانية (فهم يوزعون) أي يحبس أولهم على آخرهم لأجل تلاحقهم، وقيل: معناه يدفعون، وقد تقدم تحقيقه في هذه السورة مستوفى، ومعنى الآية واذكر يا محمد يوم نجمع من كل أمة من الأمم جماعة مكذبين بآياتنا فهم عند ذلك الحشر يرد أولهم على آخرهم، أو يدفعون أي اذكر لهم هذا وبينه تحذيراً لهم وترهيباً
(1) بضم الفاء وسكون الواو. المطيعي.
(حتى إذا جاءوا) إلى موقف الحساب.
(قال) الله لهم توبيخاً وتقريعاً: (أكذبتم بآياتي) التي أنزلتها على رسلي وأمرتهم بإبلاغها إليكم (و) الحال أنكم (لم تحيطوا بها علماً) بل كذبتم بها بادئ بدئ جاهلين لها غير ناظرين فيها، ولا مستدلين على صحتها، أو بطلانها، تمرداً وعناداً وجرأة على الله وعلى رسله، وفي هذا مزيد تقريع وتوبيخ لأن من كذب بشيء ولم يحط به علماً، فقد كذب في تكذيبه ونادى على
نفسه بالجهل وعدم الإنصاف وسوء الفهم، وقصور الإدراك.
ومن هذا القبيل من تصدى لذم علم من علوم الشريعة، أو لذم علم هو مقدمة من مقدماتها ووسيلة يتوسل بها إليها، وتفيد زيادة بصيرة في معرفتها، وتعقل معانيها، كعلوم اللغة العربية بأسرها، وهي اثنا عشر علماً، وعلم أصول الفقه فإنه يتوصل به إلى استنباط الأحكام الشرعية عن أدلتها التفصيلية مع اشتماله على بيان قواعد اللغة الكلية.
وهكذا كل علم من العلوم التي لها مزيد نفع في فهم كتاب الله وسنة رسوله، فإنه قد نادى على نفسه بإنه جاهل، مجادل بالباطل، طاعن على العلوم الشرعية، مستحق لأن تنزل به قارعة من قوازع العقوبة التي تزجره عن جهله وضلاله، وطعنه على ما لا يعرفه، ولا يعلم به ولا يحيط بكنهه، حتى يصير عبرة لغيره، وموعظة يتعظ بها أمثاله من ضعفاء العقول وركاك الأديان ورعاع المتلبسين بالعلم زوراً وكذباً.
(أم ماذا)؟ أم، هي المنقطعة بمعنى: بل، والمعنى أي شيء (كنتم تعملون) حتى شغلكم ذلك عن النظر فيها والتفكر في معانيها، وهذا الاستفهام على طريق التبكيت لهم.
(ووقع القول) أي وجب العذاب (عليهم) وقد تقدم تفسيره قريباً (بما ظلموا) أي بسبب الظلم الذي أعظم أنواعه الشرك بالله (فهم لا ينطقون) عند وقوع القول عليهم، أي: ليس لهم عذر ينطقون به أو لا يقدرون على القول لما يرونه من الهول العظيم، وقال أكثر المفسرين: يختم على أفواههم فلا ينطقون، ثم بعد أن خوفهم بأهوال القيامة ذكر سبحانه ما يصلح أن يكون دليلاً على التوحيد، وعلى الحشر، وعلى النبوة مبالغة في الإرشاد، وإبلاء للمعذرة فقال:
(ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه)؟ أي ألم يعلموا أنا خلقنا الليل للسكون والاستقرار، والنوم فيه، وذلك بسبب ما فيه من الظلمة فإنهم لا يسعون فيه للمعاش.
(و) خلقنا (النهار مبصراً) ليبصروا فيه ما يسعون له من المعاش الذي
لا بد لهم منه، ووصف النهار بالإبصار وهو وصف للناس، مبالغة في إضاءته، كأنه يبصر ما فيه، ففي الكلام إسناد عقلي، من الإسناد إلى الزمان قيل: في الكلام حذف، والتقدير وجعلنا الليل مظلماً ليسكنوا أو حذف مظلماً لدلالة مبصراً عليه، وقد تقدم تحقيقه في الإسراء، وفي يونس.
(إن في ذلك) المذكور (لآيات) أي لعلامات ودلالات (لقوم يؤمنون) بالله سبحانه وفي الآية دليل على صحة البعث بعد الموت لأن القادر على تقليب الضياء ظلمة والظلمة ضياء، قادر على الإعادة بعد الموت، كيف ومن تأمل في تعاقب الليل والنهار، واختلافهما، على وجوه مبنية على حكم تحار في فهمها العقول، ولا يحيط بها إلا الله، وشاهد في الآفاق تبدل ظلمة الليل المحاكية للموت بضياء النهار المضاهي للحياة، وعاين في نفسه تبدل النوم الذي هو أخو الموت بالتيقظ الذي هو مثل الحياة قضى بأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وجزم بأن الله قد جعل هذا أنموذجاً ودليلاً يستدل به على أن سائر الآيات حق نازل من عند الله، قاله أبو السعود، ثم ذكر سبحانه علامة أخرى للقيامة فقال:
(ويوم ينفخ في الصور) وهو معطوف على (ويوم نحشر) منصوب بناصبه المتقدم، قال الفراء: إن المعنى وذلكم يوم ينفخ في الصور، والأول أولى، والصور قرن ينفخ فيه إسرافيل، وقد تقدم في الأنعام استيفاء الكلام عليه، والنفخات في الصور ثلاث:
الأولى: نفخة الفزع.
والثانية: نفخة الصعق.
والثالثة: نفخة البعث. وقيل: إنها نفختان وإن نفخة الفزع إما أن تكون راجعة إلى نفخة الصعق أو إلى نفخة البعث، واختار هذا القشيري والقرطبي وغيرهما وقال الماوردي: هذه النفخة المذكورة هنا هي يوم النشور من القبور.
(ففزع) كل (من) كان (في السماوات ومن) كان (في الأرض) حياً
ذلك الوقت لم يسبق له موت أو كان ميتاً لكنه حي في قبره كالأنبياء والشهداء أي خافوا الخوف المفضي بهم إلى الموت كما في آية أخرى (فصعق من في السماوات) الخ وانزعجوا لشدة ما سمعوا وقيل المراد بالفزع هنا الإسراع والإجابة إلى النداء من قولهم فزعت إليك في كذا إذا أسرعت إلى أجابته، والأول أولى بمعنى الآية، وإنما عبر بالماضي مع كونه معطوفاً على المضارع للدلالة على تحقيق الوقوع حسبما ذكره علماء البيان وقال الفراء: هو محمول على المعنى لأن المعنى إذا نفخ.
(إلا من شاء الله) أن لا يفزع عند تلك النفخة فهو لا يفزع واختلف في تعيين من وقع الاستثناء له، فقيل: هم الشهداء والأنبياء وقيل: الملائكة وقيل: جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت وقيل: الحور العين وخزنة النار وحملة العرش. وقيل: هم المؤمنون كافة بدليل قوله فيما بعد، من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون. ويمكن أن يكون الاستثناء شاملاً لجميع المذكورين فلا مانع من ذلك، قال البيضاوي: ولعل المراد ما يعم ذلك لعدم قرينة الخصوص انتهى. فهؤلاء كلهم لا يفضي بهم الفزع إلى الغشي والإغماء بل هو أقل من ذلك.
(وكل أتوه) قرئ فعلاً ماضياً، وكذا قرأ ابن مسعود، وقرأ قتادة (كل أتاه) وقرئ (آتوه) على اسم الفاعل مضافاً إلى الضمير الراجع إلى الله سبحانه، قال الزجاج: من قرأ على الفعل الماضي فقد وحد على لفظ كل، ومن قرأ على اسم الفاعل فقد جمع على معناه وهو غلط ظاهر فإن كلتا القراءتين لا توحيد فيهما بل التوحيد في قراءة قتادة فقط.
(داخرين) أي صاغرين ذليلين قاله ابن عباس. وقرئ (دخرين) بغير الألف والمعنى صغار ذل وهيبة من الجبار فيشمل هذا الطائعين والعاصين وقال الكرخي: المراد به ذل العبودية والرق لا ذل الذنوب والمعاصي وذلك يعم الخلق كلهم كما في قوله تعالى (إن كل من في السماوات والأرض إلا آتى الرحمن عبداً)، وفي القاموس: دخر الشخص كمنع وفرح دخراً ودخوراً صغر وذل وادخرته بالألف للتعدية وقد مضى تفسير هذا في سورة النحل.
وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (88) مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (89)
(وترى الجبال تحسبها) بفتح السين وكسرها (جامدة) الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل من يصلح للرؤية، والرؤية بصرية، وهذه هي العلامة الثالثة لقيام الساعة، والمعنى تظنها واقفة قائمة ساكنة مكانها قاله ابن عباس.
(وهي تمر مر السحاب) أي: وهي تسير سيراً حثيثاً كسير السحاب التي تسيرها الرياح، وذلك أن كل شيء عظيم، وكل جسم كبير، وكل جمع كثير يقصر عنه البصر لكثرته وعظمه، وبعد ما بين أطرافه، فهو في حساب الناظر واقف وهو سائر، كذلك سير الجبال يوم القيامة لا يرى لعظمها، كما أن سير السحاب لا يرى لعظمه.
وقال القتيبي: وذلك أن الجبال تجمع وتسير، وهي في رؤية العين كالقائمة وهي تسير. قال النسفي: وهكذا الأجرام العظام المتكاثرة العدد إذا تحركت أي: في سمت واحد، لا تكاد تبين حركتها، ونحوه قال البيضاوي.
قال القشيري: وهذا يوم القيامة، ومثله قوله تعالى: وسيرت الجبال فكانت سراباً. وقال أبو السعود: هذا مما يقع بعد النفخة الثانية عند حشر الخلق، يبدل الله الأرض غير الأرض، ويغير هيئتها، ويسير الجبال عن مقارها على ما ذكر من الهيئة الهائلة، ليشاهدها أهل المحشر، وهي وإن اندكت وتصدعت عند النفخة الأولى لكن تسيرها إنما يكون بعد النفخة الثانية، كما نطق به قوله: فقل ينسفها ربي نسفاً الخ وقوله: يوم تبدل الأرض.
وقد قيل: إن المراد بالنفخة هي النفخة الأولى، والفزع هو الذي يستتبع الموت، فيختص أثرها بمن كان حياً عند وقوعها دون من مات قبل ذلك من الأمم، والمراد بالإتيان داخرين رجوعهم إلى أمره تعالى، وانقيادهم له، ولا ريب في أن ذلك مما ينبغي أن تنزه ساحة التنزيل عن أمثاله وأبعد من هذا ما قيل: إن المراد بهذه النفخة نفخة الفزع التي تكون قبل نفخة الصعق فإنه مما لا ارتباط له بالمقام قطعاً، والحق الذي لا محيد عنه ما قدمناه، ومما هو نص في الباب، ما سيأتي من قوله تعالى: وهم من فزع يومئذ آمنون.
(صنع الله الذي أتقن كل شيء) أي صنع الله ذلك صنعاً، وهو مصدر مؤكد لقوله: يوم ينفخ في الصور، وقيل: انظروا صنع الله الذي أحكم، يقال: رجل تقن بكسر التاء أي حاذق بالأشياء، والإتقان الإتيان بالشيء على أكمل حالاته، وهو مأخوذ من قولهم تقن أرضه إذا ساق إليها الماء الخاثر بالطين لتصلح للزراعة، وأرض تقنة والتقن فعل ذلك بها، والتقن أيضاً ما رمي به في الغدير من ذلك، أو الأرض، ذكره السمين قال ابن عباس: أتقن أي أحسن كل شيء صنعه وخلقه وأوثقه.
(إنه خبير بما تفعلون) تعليل لما قبله من كونه سبحانه صنع ما صنع وأتقن كل شيء، والخبير المطلع على الظواهر والضمائر، قرئ بالفوقية على الخطاب، وبالتحتية على الخبر، قال المحلى: أي ما يفعلون أعداؤه من المعصية وأولياؤه من الطاعة.
(من جاء بالحسنة) أي من جاء بجنس الحسنة يوم القيامة (فله) من الجزاء والثواب عند الله (خير) أي أفضل (منها) وأكثر وقيل: خير حاصل من جهتها، والأول أولى، وقيل: الحسنة هي الإخلاص، وقيل: أداء الفرائض، والتعميم أولى، ولا وجه للتخصيص، وإن قال به بعض السلف.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن مردويه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم:" من جاء بالحسنة فله خير منها قال: " هي لا إله إلا الله، ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار، قال هي الشرك " وإذا صح هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فالمصير إليه في التفسير متعين، ويحمل على أن المراد قال لا إله إلا الله بحقها، وما يجب لها، فيدخل تحت ذلك كل طاعة، ويشهد له ما أخرجه الحاكم في الكنى عن صفوان بن عسأل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا كان يوم القيامة جاء الإيمان والشرك يجثوان بين يدي الله سبحانه فيقول الله للإيمان انطلق أنت وأهلك إلى الجنة، ويقول للشرك انطلق أنت وأهلك إلى النار، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم (من جاء بالحسنة فله خير منها) يعني قول لا إله إلا الله،
(ومن جاء بالسيئة) يعني الشرك فكبت وجوههم في النار ".
وأخرج أبو الشيخ، وابن مردويه، والديلمي عن كعب بن عجرة عن النبي صلى الله عليه وسلم " من جاء بالحسنة يعني شهادة أن لا إله إلا الله، فله خير منها، يعني بالخير الجنة، ومن جاء بالسيئة يعني الشرك فكبت وجوههم في النار، وقال هذه تنجي وهذه تردي "، وعن ابن مسعود وابن عباس مثله، وعنه قال:" خير منها أي من جهتها "، وقال أيضاً " خير أي ثواب " قيل: وهذه الجملة بيان لقوله: إنه بما تعملون خبير، وقيل بيان لقوله: وكل أتوه داخرين.
(وهم من فزع يومئذ آمنون) قرئ (من فزع) بالتنوين وفتح ميم يومئذ، وقرئ بفتحها من غير تنوين، وقرئ بإضافة فزع إلى يومئذ، قال أبو عبيدة: وهذا أعجب إلي لأنه أعم التأويلين، لأن معناه الأمن من فزع جميع ذلك اليوم، ومع التنوين يكون الأمن من فزع دون فزع. وقيل: إنه مصدر يتناول الكثير فلا يتم الترجيح بما ذكر، فتكون القراءتان بمعنى واحد وقيل: المراد بالفزع هاهنا هو الفزع الأكبر المذكور في قوله: لا يحزنهم الفزع الأكبر، وقد تقدم في سورة هود كلام في هذا مستوفى.
وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (90) إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (91) وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (92) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (93)
(ومن جاء بالسيئة) قال جماعة من الصحابة، ومن بعدهم حتى قيل إنه مجمع عليه بين أهل التأويل أن المراد بالسيئة هنا الشرك، ووجه التخصيص قوله (فكبت وجوههم في النار) فهذا الجزاء لا يكون إلا لمثل سيئة الشرك، والمعنى أنهم كبوا فيها على وجوههم، وألقوا فيها وطرحوا عليها، يقال: كببت الرجل إذا ألقيته لوجهه، فانكب، راكب، وذكرت الوجوه لأنها موضع الشرف من الحواس فغيرها أولى.
(هل تجزون إلا ما كنتم تعملون) بتقدير القول، أي يقال لهم ذلك وقت كبهم، أو مقولاً لهم ذلك، وهذا أوضح والقائل لهم خزنة جهنم، أي ما تجزون إلا جزاء عملكم في الدنيا من الشرك والمعاصي؟
(إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة) لما فرغ سبحانه من بيان أحوال المبدأ والمعاد، أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم هذه المقالة تنبيهاً لهم على أنه قد تم أمر الدعوة بما لا يزيد عليه. ولم يبق له بعد ذلك شأن سوى الاشتغال بعبادة الله، والاستغراق في مراقبته، غير مبال بهم ضلوا أو رشدوا أصلحوا أو أفسدوا، ليحملهم ذلك على أن يهتموا بأمر أنفسهم، ويشتغدوا بالتدبر فيما شاهدوه من الآيات الباهرة.
والمعنى قل يا محمد: إنما أمرت أن أخصص الله بالعبادة وحده لا شريك له، والمراد بالبلدة مكة، قاله ابن عباس، وإنما خصها من بين سائر البلاد
لكون بيت الله الحرام فيها، ولكونها أحب البلاد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(الذي) الموصول صفة للرب، وهكذا قرأ الجمهور، وقرأ ابن عباس وابن مسعود (التي) على أن الموصول صفة للبلدة، والسياق إنما هو للرب لا للبلدة، فلذلك كانت قراءة العامة واضحة، ومعنى (حرمها) جعلها حرماً آمناً لا يسفك فيها دم، ولا يظلم فيها أحد، ولا يعضد شوكها، ولا يصاد صيدها، ولا يختلى خلالها؛ وتخصيص مكة بهذه الإضافة تشريف لها؛ وتعظيم لشأنها فلا ينافي قوله (وله) أي للرب (كل شيء) من الأشياء خلقاً وملكاً وتصرفاً.
(وأمرت أن أكون من المسلمين) أي: المنقادين لأمر الله المستسلمين له بالطاعة وامتثال أمره، واجتناب نهيه، والمراد بقوله:(أن أكون) أثبت على ما أنا عليه.
(وأن أتلو القرآن) أي أداوم تلاوته وأواظب على ذلك لتنكشف لي حقائقه الرائقة، الخزونة في تضاعيفه شيئاًً فشيئاًً. قيل: ليس المراد من تلاوة القرآن هنا إلا تلاوة الدعوة إلى الإيمان، والأول أولى. قرأ الجمهور (أن أتلو) بإثبات الواو من التلاوة، وهي القراءة. أو من التلو وهو الاتباع، كقوله: واتبع ما أوحي إليك من ربك، وقرئ (أن أتل) بحذف الواو أمراً له صلى الله عليه وسلم كذا وجهه الفراء، قال النحاس: ولا تعرف هذه القراءة وهي مخالفة لجميع المصاحف، ولقد قام صلى الله عليه وسلم بكل ما أمر به أتم قيام على ما أمر به.
(فمن اهتدى) أي: على العموم، أو فمن اهتدى بما أتلوه عليه، فعمل بما فيه من الإيمان بالله والعمل بشرائعه (فإنما يهتدي لنفسه) لأن نفع ذلك راجع إليه لا إلي.
(ومن ضل) بالكفر، وأعرض عن الهداية (فقل) له:(إنما أنا من المنذرين) وقد فعلت الإنذار بإبلاغ ذلك إليكم وليس على غير ذلك. وقيل: الجواب محذوف، أي: فوبال ضلاله عليه، وأقيم (إنما أنا من المنذرين)
مقامه لكونه كالعلة له، والأول أظهر، قيل: نسختها آية القتال.
(وقل الحمد لله) على نعمه التي أنعم بها عليّ من النبوة والعلم وغير
ذلك، ووفقني لتحمل أعبائها؛ وتبليغ أحكامها إلى كافة الورى.
وقوله: (سيريكم آياته) هو من جملة ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم أن يقوله، أي سيريكم الله آياته الباهرة التي نطق بها القرآن في أنفسكم وفي غيركم، قيل: هو يوم بدر وهو ما أراهم من القتل والسبب وضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم وقيل: آياته في السماوات والأرض، وقيل: آياته في الآخرة فيستيقنون بها، وقيل: هو انشقاق القمر والدخان وما حل بهم من نقمات الله في الدنيا.
(فتعرفونها) أي تعرفون آياته ودلائل قدرته ووحدانيته. وهذه المعرفة لا تنفع الكفار لأنهم عرفوها حين لا يقبل منهم الإيمان؛ وذلك عند حضور الموت، ثم ختم السورة بقوله:
(وما ربك بغافل عما تعملون) قرئ بالفوقية على الخطاب، وبالتحتية وهو كلام من جهته سبحانه، غير داخل تحت الكلام الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقوله، وفيه ترهيب شديد، وتهديد عظيم.