المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب   وهو حاشية الطيبي على - فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف) - جـ ١٤

[الطيبي]

فهرس الكتاب

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب

وهو حاشية الطيبي على الكشاف

للإمام شرف الدين الحسين بن عبد الله الطيبي

المتوفى سنة 743 هـ رحمه الله تعالى

الجزء الرابع عشر

تفسير السور من الشورى إلى نهاية ق

ص: 4

سورة {حم * عسق}

مكية، وهي ثلاث وخمسون آية

بسم الله الرحمن الرحيم

[{حم * عسق * كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ * تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} 1 - 5]

قرأ ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما: حم سق

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

سورة {حم * عسق}

مكية، وهي ثلاث وخمسون آية

بسم الله الرحمن الرحيم

قوله: (قرأ ابن عباس وابن مسعود: "حم سق"): قال الزجاج: "المصاحف فيها العين ثابتة"، وقال ابن جني:"روى محبوب، عن إسماعيل، عن الأعمش، عن ابن مسعود: "حم سق"، وهذا مما يؤكد أن يكون الغرض من هذه الفواتح كونها فواصل بين السور، ولو

ص: 5

{كَذلِكَ يُوحِى إِلَيْكَ} أي: مثل ذلك الوحي، أو مثل ذلك الكتاب يوحى إليك وإلى الرسل، {مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ} يعني: أن ما تضمنته هذه السورة من المعاني قد أوحى الله إليك مثله في غيرها من السور، وأوحاه من قبلك إلى رسله، على معنى: أن الله تعالى كرر هذه المعاني في القرآن وفي جميع الكتب السماوية، لما فيها من التنبيه البليغ واللطف العظيم لعباده من الأوّلين والآخرين، ولم يقل:"أوحي إليك"، ولكن على لفظ المضارع، ليدل على أن إيحاء مثله عادته.

وقرئ: "يوحى إليك"، على البناء للمفعول

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كانت أسماء الله تعالى لما جاز تغيير شيء منها، وأما نحو: جبرائيل وميكائيل، فإنها أسماء أعجمية، فبعدت عن كلامهم، فاجترأت عليها، وتلعبت بها، وكان ابن عباس أيضًا يقرؤها كذلك".

قوله: (أي: مثل ذلك الوحي، أو مثل ذلك الكتاب): والأول على أن يكون مفعولًا مطلقًا، أي: يوحي إليك مثل ذلك الوحي، والثاني على أن يكون مفعولًا به، والمشار إليه:{حم * عسق} ، لأنه اسم للسورة، ولذلك قال:"إن ما تضمنته هذه السورة من المعاني قد أوحى الله إليك مثله في غيرها من السور".

قال أبو البقاء: "وفيه وجهان: أحدهما: أن {كَذَلِكَ} مبتدأ، و {يُوحِي} الخبر. والثاني: أن يكون {كَذَلِكَ} نعتًا لمصدر محذوف، أي: وحيًا مثل ذلك".

قوله: (على لفظ المضارع؛ ليدل على أن إيحاء مثله عادته): أشار إلى أن دلالته للاستمرار، فهو على منوال قوله:"فلان يقري ويحمي الحريم"؛ في مقام المدح، أراد: أن ذلك دأبه وعادته، لا الإخبار.

قوله: (وقرئ: "يوحي إليك" على البناء للمفعول): قرأها ابن كثير، والباقون: على البناء للفاعل.

?

ص: 6

فإن قلت: فما رافع اسم الله على هذه القراءة؟ قلت: ما دلّ عليه {يوحي} ، كأن قائلًا قال: من الموحي؟ فقيل: الله، كقراءة السلمي:"وكذلك زُين لكثير من المشركين قتلُ أولادِهم شركاؤهم" على البناء للمفعول ورفع شركائهم، على معنى: زينه لهم شركاؤهم. فإن قلت: فما رافعه فيمن قرأ "نوحي" بالنون؟ قلت: يرتفع بالابتداء.

و{العَزِيزُ} وما بعده: أخبار، أو {الْعَزِيزُ الحَكِيمُ}: صفتان، والظرف خبر.

قرئ: {تَكَادُ} بالتاء والياء. و"ينفطرن"، و {يَتَفَطَّرْنَ} ،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (كأن قائلًا قال: من الموحي؟ فقيل: الله): فإن قلت: في أمثال هذا السؤال: إنما يعيدون الفاعل مع الفعل ليقع المرفوع فاعلًا لفعل محذوف، كما فعل أبو البقاء وقال:"و {اللهُ} فاعل لفعل محذوف، كأنه قيل: من يوحي؟ فقيل: الله"، وقدروا في قوله:{يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ * رِجَالٌ} [النور: 36 - 37]: من يسبح؟ فأجيب: رجال، أي: يسبح رجال. وكذا في قوله: {زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ} [الأنعام: 137]: من زينه؟ فأجيب: زينه لهم شركاؤهم، فما له أوقع السؤال: من الموحي؛ ليجاب: الله، على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: الموحي الله؟

وأجيب: أن هذا التقدير إنما نشأ من الفعل المضارع ودلالته على الاستمرار كما مر، فأوجب ذلك أن يجاء في السؤال بما يجاب عنه بالدوام، ويمكن أن يقال: أن تلك الأمثلة السؤال فيها عن فاعل مجهول، بخلافه في هذا المقام، فإنه لما قيل:{كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ} لم يخف على أحد أن الموحي من هو؟ فلا يكون السؤال عن تعيين الموحي، بل ليجاب بما ينبئ عن المدح والتعظيم، ومن ثم قرن اسم الذات بذكر صفات تتضمن معنى الجلال والكبرياء، ثم عقب بالتنزيه البليغ. لله در المصنف ولطيف عباراته، ولو قال:"من يوحي؟ " لفات كل هذه الفوائد.

قوله: (وقرئ: {تَكَادُ} بالتاء والياء): بالياء التحتانية: نافع والكسائي، والباقون: بالتاء. و"ينفطرن" بالنون: أبو بكر وأبو عمرو، والباقون: بالتاء الفوقانية.

?

ص: 7

وروى يونس عن أبي عمرو قراءة غريبة: "تتفطرن" بتاءين مع النون، ونظيرها حرف نادر، روي في "نوادر" ابن الأعرابي:"الإبل تشممن". ومعناه: يكدن ينفطرن من علو شأن الله وعظمته، يدل عليه مجيئه بعد {الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ}. وقيل: من دعائهم له ولدًا، كقوله تعالى:{تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ} [مريم: 90].

فإن قلت: لم قال: {مِنْ فَوْقِهِنَّ} ؟ قلت: لأن أعظم الآيات وأدلها على الجلال والعظمة: فوق السماوات، وهي: العرش، والكرسي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (قراءة غريبة): لأن جمع المؤنث الغائب إنما يكون بالياء التحتانية لا بالتاء، قال:"الوجه في مثل هذا تأكيد التأنيث، كتأكيد الخطاب في قولك: أرأيتك؟ وقال: الشاذ على وجوه: شاذ عن القياس، وشاذ عن الاستعمال مع موافقة القياس، وشاذ عنهما جميعًا، وهذا من قبيله".

قوله: (يدل عليه مجيئه بعد {العَلِيُّ العَظِيمُ}): يعني: قوله: {تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ} يحتمل وجهين: أحدهما: أن معناه: أن السماوات يتفطرن من علو شأن الله وعظمته، يدل عليه أن الآية بجملتها مبنية لمعنى العظمة والعلو في قوله:{وهُوَ العَلِيُّ العَظِيمُ} ، ولذلك ترك العاطف. وثانيهما: أن المعنى: تكاد السماوات يتفطرن من دعائهم له ولدًا وشريكًا، كقوله تعالى:{وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا} [مريم: 77 - 91]، يؤيده مجيء قوله:{والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ} بعده.

وأما إيراد قوله: {وَهُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ} ، فلأنهم استوجبوا بمقالتهم هذه أن يصب عليهم العذاب صبًا، ولكن صرف ذلك عنهم؛ لأنه غفور رحيم يمهل ولا يعاجل، كقوله تعالى:{قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} [الفرقان: 6]، وعلى هذا: الآية واردة للتنزيه بعد إثبات المالكية التامة والعظمة والكبرياء.

?

ص: 8

وصفوف الملائكة المرتجة بالتسبيح والتقديس حول العرش، وما لا يعلم كنهه إلا الله تعالى من آثار ملكوته العظمى، فلذلك قال:{يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ} ، أي: يبتدئ الانفطار من جهتهنّ الفوقانية. أو لأن كلمة الكفر جاءت من الذين تحت السماوات، فكان القياس أن يقال: ينفطرن من تحتهن من الجهة التي جاءت منها الكلمة، ولكنه بولغ في ذلك، فجعلت مؤثرة في جهة الفوق، كأنه قيل: يكدن ينفطرن من الجهة التي فوقهن، دع الجهة التي تحتهنّ.

ونظيره في المبالغة قوله عزّ وعلا: {يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ} [الحج: 19 - 20]، فجعل الحميم مؤثرًا في أجزائهم الباطنة. وقيل:{مِنْ فَوْقِهِنَّ} : من فوق الأرضين.

فإن قلت: كيف صح أن يستغفروا لمن في الأرض وفيهم الكفار أعداء الله؟ وقد قال الله تعالى: {أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ} [البقرة: 161]، فكيف يكونون لاعنين مستغفرين لهم؟ قلت: قوله: {لِمَنْ فِي الْأَرْضِ} يدل على جنس أهل الأرض، وهذه الجنسية قائمة في كلهم وفي بعضهم،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وصفوف الملائكة المرتجة): قال في "الفائق": "رج الشيء فارتج: حركه فتحرك"، الجوهري:"ارتج البحر وغيره: اضطرب"، و"بالتسبيح" متعلق بقوله:"المرتجة"، وهي صفة للصفوف:

قوله: (أو لأن كلمة الكفر جاءت): هذا الجواب مبني على الوجه الثاني من تفسير سبب الانفطار.

قوله: (ونظيره في المبالغة قوله عز وعلا: {يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ} : ذكر فيه تأثير الصب في الأجزاء الباطنة، وترك بيان تأثيره في موضع الصب، وهو "رؤوسهم"؛ ليؤذن به أن الموضع الذي ليس موقعًا للصب كذلك، فما بال الموضع الذي وقع فيه الصب؟

ص: 9

فيجوز أن يراد به هذا وهذا. وقد دل الدليل على أن الملائكة لا يستغفرون إلا لأولياء الله، وهم المؤمنون، فما أراد الله إلا إياهم، ألا ترى إلى قوله تعالى في سورة المؤمن:{وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا} [غافر: 7]، وحكايته عنهم:{فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ} [غافر: 7]، كيف وصفوا المستغفر لهم بما يستوجب به الاستغفار، فما تركوا للذين لم يتوبوا من المصدقين طمعًا في استغفارهم، فكيف للكفرة؟ !

ويحتمل أن يقصدوا بالاستغفار: طلب الحلم والغفران في قوله: {إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا} إلى أن قال: {إِنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا} [فاطر: 41]، وقوله:{إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ} [الرعد: 6]، والمراد: الحلم عنهم، وأن لا يعاجلهم بالانتقام، فيكون عامًّا.

فإن قلت: قد فسرت قوله تعالى: {تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ} بتفسيرين، فما وجه طباق ما بعده لهما؟ قلت: أما على أحدهما: فكأنه قيل: تكاد السماوات ينفطرن هيبة من جلاله، واحتشامًا من كبريائه، والملائكة الذين هم ملء السبع الطباق،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ألا ترى إلى قوله سورة المؤمن: {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا} [غافر: 7]؟ ): يريد: أن هذا المطلق مجمول على ذلك المقيد، انظر كم ركب معاسف؟ ! خص هذا العام بقوله:{وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا} ، وقد خص ذلك بقوله:{فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا} ، فرجع المعنى إلى قوله: ويستغفرون لمن تاب عن المعاصي. والوجه: أن يحمل هذا الاستغفار على عموم المجاز، كما سبق في سورة المؤمن.

قوله: (بتفسيرين): وهو أن السماوات يتفطرن من علو شأن الله، وقيل: من دعائهم له ولدًا.

ص: 10

وحافون حول العرش صفوفا بعد صفوف يداومون -خضوعًا لعظمته- على عبادته وتسبيحه وتحميده، ويستغفرون لمن في الأرض خوفًا عليهم من سطواته.

وأما على الثاني فكأنه قيل: يكدن ينفطرن من إقدام أهل الشرك على تلك الكلمة الشنعاء، والملائكة يوحدون الله وينزهونه عما لا يجوز عليه من الصفات التي يضيفها إليه الجاهلون به، حامدين له على ما أولاهم من ألطافه التي علم أنهم عندها يستعصمون مختارين غير ملجئين، ويستغفرون لمؤمني أهل الأرض الذين تبرؤا من تلك الكلمة ومن أهلها، أو يطلبون إلى ربهم أن يحلم عن أهل الأرض ولا يعاجلهم بالعقاب مع وجود ذلك فيهم، لما عرفوا في ذلك من المصالح، وحرصًا على نجاة الخلق، وطمعًا في توبة الكفار والفساق منهم.

[{وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ} 6]

{وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ} جعلوا له شركاء وأندادًا، {اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ} رقيب على أحوالهم وأعمالهم لا يفوته منها شيء، وهو محاسبهم عليها ومعاقبهم، لا رقيب عليهم إلا هو وحده، {وَما أَنْتَ} يا محمد بموكل بهم ولا مفوض إليك أمرهم، ولا قسرهم على الإيمان، إنما أنت منذر فحسب.

[{وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ} 7]

ومثل ذلك {أَوْحَيْنا إِلَيْكَ} ، وذلك إشارة إلى معنى الآية قبلها؛

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (يستعصمون مختارين): قيل: الاستعصام بناء مبالغة يدل على الامتناع البليغ والتحفظ الشديد، كأنهم في عصمة، ويجتهدون في الاستزادة.

قوله: (وذلك): إشارة إلى المعنى الآية قبلها، وهي قوله:{اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ ومَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ} ، كأنه صلوات الله عليه -على ما هو دأبه وعادته- يحرص على إيمان المشركين،

ص: 11

من أنّ الله هو الرقيب عليهم، وما أنت برقيب عليهم، ولكن نذير لهم، لأنّ هذا المعنى كرره الله في كتابه في مواضع جمة، والكاف مفعول به لـ {أَوْحَيْنَا} ، و {قُرْآنًا عَرَبِيًّا} حال من المفعول به، أي: أوحيناه إليك وهو قرآن عربي بين، لا لبس فيه عليك، لتفهم ما يقال لك، ولا تتجاوز حدّ الإنذار. ويجوز أن يكون ذلك إشارة إلى مصدر {أَوْحَيْنَا} ، أي: ومثل ذلك الإيحاء البين المفهم أوحينا إليك قرآنًا عربيًا بلسانك.

{لِتُنْذِرَ} يقال: أنذرته كذا، وأنذرته بكذا، وقد عدي الأوّل، أعني:{لِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى} - إلى المفعول الأوّل، والثاني -وهو قوله:{وَتُنذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ} - إلى المفعول الثاني، {أُمَّ الْقُرى} أهل أمّ القرى، كقوله تعالى:{وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ} [يوسف: 82]، {وَمَنْ حَوْلَها} من العرب، وقرئ: لينذر بالياء والفعل للقرآن.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فجيء بقوله: {والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ} إنكارًا عليه، وبنى عليه هذا النفي والإثبات للتشديد فيه، يعني: أمثال هؤلاء المصرين ليس في وسعك وقدرتك أن تهديهم، والله وحده هو القادر على ذلك، والذي عليك هو الإنذار فقط.

أما قوله: (وهو قرآن عربي لا لبس عليك فيه): فمعناه: أن القرآن مملوء من هذا النوع من الإنكار، وبين فيه بيانًا شافيًا لا يخفى عليك معناه؛ لأنه بلسانك عربي، وأنت تسلك فيه مسلك التورية والإيهام، ولا تترك الحرص البتة، وعلى مثل هذه التورية والمبالغة قد نص المصنف في قوله تعالى:{أن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} [التوبة: 80]، وقوله صلوات الله عليه:"سأزيد على السبعين".

قوله: (وقد عدي الأول -أعني: {لِّتُنذِرُ أُمَّ القُرَى} - إلى المفعول الأول، والثاني -وهو قوله: {وتُنذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ} - إلى المفعول الثاني): فكأن التقدير: لتنذر أم القرى بما يجب أن تنذر به، ولتنذر أم القرى بيوم الجمع.

?

ص: 12

{يَوْمَ الْجَمْعِ} يوم القيامة، لأنّ الخلائق تجمع فيه. قال الله تعالى:{يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ} [التغابن: 9]، وقيل: يجمع بين الأرواح والأجساد. وقيل: يجمع بين كل عامل وعمله. و {لَا رَيْبَ فِيهِ} اعتراض لا محل له.

قرئ: {فَرِيقٌ} {وَفَرِيقٌ} بالرفع والنصب؛ فالرفع على: منهم فريق، ومنهم فريق، والضمير للمجموعين، لأن المعنى: يوم جمع الخلائق، والنصب على الحال منهم، أي: متفرّقين، كقوله تعالى:{وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ} [الروم: 14].

فإن قلت: كيف يكونون مجموعين متفرّقين في حالة واحدة؟ قلت: هم مجموعون في ذلك اليوم مع افتراقهم في داري البؤس والنعيم، كما يجتمع الناس يوم الجمعة متفرّقين في مسجدين، وإن أريد بالجمع: جمعهم في الموقف، فالتفرّق على معنى مشارفتهم للتفرّق.

[{وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ ما لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ} 8]

{لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً} أي: مؤمنين كلهم على القسر والإكراه، كقوله:{وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا} [السجدة: 13]،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

روي عن المصنف أنه قال: " {لِّتُنذِرُ أُمَّ القُرَى ومَنْ حَوْلَهَا} عام في الإنذار بأحوال الدنيا والآخرة، ثم خص بقوله: {وتُنذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ}، أي: يوم القيامة، زيادة في الإنذار وبيانًا لعظم أهوال يوم القيامة؛ لأن الإفراد بالذكر يدل على هذا". وقلت: ولهذا أعاد ذكر الإنذار، وهو قريب من أسلوب قوله تعالى:{وَمَلَائِكَتِهِ ...... وَجِبْرِيلَ} [البقرة: 98].

قوله: (قرئ: {فَرِيقٌ} و {فَرِيقٌ} بالرفع والنصب): أي: فريق في الجنة وفريق في السعير، أو: فريقًا في الجنة وفريقًا في السعير، فالرفع مشهور، والنصب شاذ.

?

ص: 13

وقوله: {وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا} [يونس: 99]، والدليل على أنّ المعنى هو الإلجاء إلى الإيمان: قوله: {أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [يونس: 99]، وقوله تعالى:{أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ} -بإدخال همزة الإنكار على المكره دون فعله- دليل على أنّ الله وحده هو القادر على هذا الإكراه دون غيره.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (والدليل على أن المعنى هو الإلجاء إلى الإيمان: قوله: {أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ}): وقلت: الدليل عليه لا له؛ لأنه تقرر عند علماء المعاني أن مثل هذا التركيب يفيد حصول الفعل قطعًا، لكن الكلام في الفاعل: أنه هل هو رسول الله صلى الله عليه وسلم أم الله عز وجل؟ فدلت همزة الإنكار على نفي أن يكون الفاعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيختص بالله، فيكون الإكراه موجودًا.

أما قضية النظم: فإن الكلام في قوله: {والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ ومَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ} سيق لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شدة الحرص على إيمان قوم اتخذوا من دون الله أولياء، ونزل لذلك منزلة مدع أنه وليهم ونصيرهم، وهو الوكيل على غرس الإيمان في قلوبهم، حتى رد بقوله:{ومَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ} ، وعلل ذلك بقوله:{ولَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً} الآية، يعني: أن ذلك لأجل أن المشيئة ما تعلقت بإيمانهم، ولم يرد الله أن يدخلهم في رحمته، فوضع "الظالمون" موضع ضمير المتخذين من دون الله أوليا؛ ليؤذن بأن الشرك ظلم عظيم، وذلك الذي منع عن النصرة والتوكيل عليهم، وذلك الذي أبعدهم من رحمته الواسعة، وكان أصل الكلام: ولكن يدخل من يشاء في غضبه. فوضع موضعه {والظَّالِمُونَ مَا لَهُم مِّن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ} ؛ غضبًا على أولئك المتخذين من دونه أولياء، وسخطًا على سوء صنيعهم؛ فاللام في {والظَّالِمُونَ} للعهد.

ويجوز أن يكون للجنس، فيدخلوا فيه دخولًا أوليًا.

وما يدل على التقابل: قول المصنف: "ألا ترى وضعهم في مقابلة "الظالمين"؟ "، يعني: دل وضع {مَن يَشَاءُ} في مقابلة "الظالمين" على أن ذلك المطلق مقيد بما يقابل هذا المعين، وما

?

ص: 14

والمعنى: ولو شاء ربك مشيئة قدرة لقسرهم جميعًا على الإيمان، ولكنه شاء مشيئة حكمة، فكلفهم وبنى أمرهم على ما يختارون، ليدخل المؤمنين في رحمته -وهم المرادون بـ {مَن يَشَاءُ} ، ألا ترى إلى وضعهم في مقابلة "الظالمين"؟ -، ويترك الظالمين بغير ولى ولا نصير في عذابه.

[{أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} 9]

معنى الهمزة في {أَمِ} الإنكار، {فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ} هو الذي يجب أن يتولى وحده، ويعتقد أنه المولى والسيد،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يدل على الحمل على أولئك المتخذين: قول القاضي: "ولعل تغيير المقابلة للمبالغة في الوعيد؛ إذ الكلام في الإنذار"، ومما يكشف أن الكلام فيهم كشفًا تامًا: قوله تعالى: {أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الوَلِيُّ} ، ألا ترى كيف أضرب عن الكلام السابق، وأنكر اللاحق، على سبيل التقرير بـ"أم" المنقطعة المتضمنة لـ"بل" والهمزة، وأعاد ذكر {اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ} ، يعني: دع الاهتمام بشأنهم وطمع الإيمان منهم، أليسوا الذين اتخذوا من دون الله أولياء، وهو الولي الحقيقي القادر على كل شيء، وعدلوا إلى الجماد الذي هو غير قادر على شيء؟ !

وأما قوله تعالى: {وكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إلَيْكَ} الآية: فمعترضة لتوكيد مضمون الآيتين، يدل عليه قول المصنف:"وهو قرآن عربي بين، لا لبس فيه عليك، لتفهم ما يقال لك، ولا تتجاوز حد الإنذار"، فظهر من تقدير النظم أن الأصل: يدخل من يشاء في رحمته، ويدخل من يشاء في غضبه، وأن الله تعالى شاء إيمان بعض وكفر بعض، وما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.

قوله: (ويترك الظالمين): منصوب؛ عطف على "ليدخل"، ويروى:"أي: ويترك"؛ مرفوعًا على أنه تفسير لقوله: "وضعهم في مقابلة الظالمين".

?

ص: 15

والفاء في قوله: {فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ} جواب شرط مقدّر، كأنه قيل بعد إنكار كل ولي سواه: إن أرادوا وليًا بحق، فالله هو الولي بالحق، لا ولي سواه، {وَهُوَ يُحْيِ} أي: ومن شأن هذا الولي أنه يحيى {الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} فهو الحقيق بأن يتخذ وليًا دون من لا يقدر على شيء.

[{وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} 10]

{وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ} حكاية قول رسول الله صلى الله عليه وسلم للمؤمنين، أي: ما خالفكم فيه الكفار من أهل الكتاب والمشركين، فاختلفتم أنتم وهم فيه من أمر من أمور الدين: فحكم ذلك المختلف فيه مفوّض إلى الله،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (والفاء في قوله: {فَاللَّهُ هُوَ الوَلِيُّ} جواب شرط مقدر): قلت: قضية الإضراب عن الكلام السابق -كما مر- تقتضي التعقيب، فيدخل مدخولها في حيز الإنكار، كأنه قيل: بل اتخذوا من دون الله أولياء، عقيب العلم بأن ليس الولي إلا الله، بدليل تعريف الخبر بالجنس الحقيقي، وتوسيط ضمير الفصل المؤذن بالتخصيص، وعطف {وهُوَ يُحْيِي المَوْتَى} عليه، وعليه النظم الفائق كما مر.

قوله: (ومن شأن هذا الولي الذي يحيي): إشارة إلى معنى الاستمرار في {يُحْيِي} ، على نحو: فلان يقري الضيف ويحمي الحريم، أي: من شأنه الضيافة والحماية.

قوله: (فهو الحقيق بأن يتخذ وليا دون من لا يقدر على شيء): أتى بالفاء ليؤذن بالترتيب، يعني: كما رتب على إنكار الاتخاذ قوله: {فَاللَّهُ هُوَ الوَلِيُّ} بالفاء، رتب إثبات اختصاص الولاية بالله على الوصف المناسب، وهو القدرة الكاملة بإحياء الموتى، والشاملة بأنه على كل شيء قدير، تعريضًا بأن أولياءهم ليسوا من معنى الولاية في شيء.

?

ص: 16

وهو إثابة المحقين فيه من المؤمنين ومعاقبة المبطلين، {ذلِكُمُ} الحاكم بينكم هو {اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} في ردّ كيد أعداء الدين، {وَإِلَيْهِ} أرجع في كفاية شرهم.

وقيل: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ} فيه وتنازعتم {مِن شَيْءٍ} من الخصومات، فتحاكموا فيه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا تؤثروا على حكومته حكومته غيره، كقوله:{فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: 59]. وقيل: وما اختلفتم فيه من تأويل آية، واشتبه عليكم، فارجعوا في بيانه إلى المحكم من كتاب الله، والظاهر من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل: وما وقع بينكم الخلاف فيه من العلوم التي لا تتصل بتكليفكم، ولا طريق لكم إلى علمه، فقولوا: الله أعلم، كمعرفة الروح، قال الله تعالى:{وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} [الإسراء: 85].

فإن قلت: هل يجوز حمله على اختلاف المجتهدين في أحكام الشريعة؟ قلت: لا، لأنّ الاجتهاد لا يجوز بحضرة الرسول الله صلى الله عليه وسلم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (لأن الاجتهاد لا يجوز بحضرة الرسول صلى الله عليه وسلم: قيل: فيه بحث؛ لأن المختار جوازه، كما اجتهد أبو بكر رضي الله عنه بحضوره صلى الله عليه وسلم، وقال:"لا ها الله إذن، لا يعمد إلى أسد من أسد الله". وكما اجتهد سعد بن معاذ في بني قريظة، فحكم بقتل رجالهم، وسبي نسائهم وذراريهم، ومنه قول معاذ:"أجتهد رأيي".

قال الإمام: "كما منع الله رسوله صلوات الله عليه أن يحمل الكفار على الإيمان، كذلك منع المؤمنين أن يشرعوا معه في الخصومات والمنازعات، واحتج نفاة القياس به، فقالوا: إما أن

?

ص: 17

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يكون المراد منه: وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه مستفاد من نص الله عليه أو من القياس على ما نص عليه، والثاني باطل؛ لأنه يقتضي أن تكون كل الأحكام مبنية على القياس، فتعين الأول.

ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون المراد: فحكمه معروف من بيان الله، سواء كان ذلك البيان بالنص أو بالقياس؟ وأجيب عنه: بأن المقصود من التحاكم إلى الله قطع الاختلاف؛ لقوله: {ومَا اخْتَلَفْتُمْ} ، والرجوع إلى القياس مما يقوي الاختلاف، فوجب الرجوع إلى النصوص".

وقلت: أما حديث أبي بكر رضي الله عنه: فإن قوله: "لا ها الله إذن، لا يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله وعن رسوله فيعطيك سلبه"، مسبوق بقوله صلوات الله عليه:"من قتل قتيلًا فله سلبه"؛ على ما روى الشيخان ومالك وأبو داود، وأن أبا قتادة لما سمع هذا النص قام وطلب الشهود وأقر الخصم، ثم قال رضي الله عنه ما قال.

وأما حكم سعد بن معاذ: فإنه إنما قتل لما أمره صلوات الله عليه أن يحكم، ووافق حكمه حكم الله، أما أولًا: فما رواه البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها: "فنزلوا -أي: بنو قريظة- على حكمه صلوات الله عليه، فرد الحكم إلى سعد"، وأما ثانيًا: فما روى الشيخان أيضًا وأبو داود عن أبي سعيد: "فقال صلى الله عليه وسلم -بعدما قال سعد: تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم-: قضيت بحكم الله"، وربما قال:"بحكم الملك".

وأما قول معاذ: "أجتهد رأيي": فمعناه: إذا غبت عن حضرتك إلى اليمن.

?

ص: 18

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

والحق القول بالتفصيل؛ لقوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أن فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ} [الحجرات: 7]، ولما روى البخاري ومسلم عن أنس وابن عمر: أن عمر قال: "وافقت ربي في ثلاث؛ قلت: يا رسول الله، لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة: 125]. وقلت: يا رسول الله، يدخل على نسائك البر والفاجر، فلو أمرتهن يحتجبن، فنزلت آية الحجاب. واجتمع نساء النبي صلى الله عليه وسلم في الغيرة، فقلت: "عسى ربه أن طلقكن أن يبدله أزواجًا خيرًا منكن"، فنزلت كذلك". وفي رواية ابن عمر: "وافقت ربي في ثلاث: في مقام إبراهيم، وفي الحجاب، وفي أسارى بدر".

وروينا عن البخاري ومسلم وابن ماجه والنسائي عن ابن عمر: "لما توفي عبد الله ابن أبي، جاء ابنه عبد الله، وساق الحديث إلى قوله: "سأله أن يصلي عليه، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه، فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، أتصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلي عليه؟ " إلى قوله:"فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى: {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا} [التوبة: 84] الآية".

وأما قضية تأليف النظم: فإنه تعالى لما نهى رسوله صلوات الله عليه عن الحرص على إيمان القوم، وأضرب عن ذلك الكلام، وقرر أن الولاية مختصة بالله تعالى دون غيره، أمره بأن يقرر لهم هذا المعنى، وتعقبه بقوله:{ومَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ} ، أي: في أمر من الأمور، سواء كان هذا الاختلاف أم غيره، فحكمه راجع إلى الله، وهو يجازيكم عليه، وعليه توكلي وإنابتي. فجيء باسم الإشارة الدال على أن ما يرد عقيبه حقيق بمن قبله لاتصافه بتلك الصفات الثابتة، وهي كونه هو الولي دون غيره، وكونه هو يحيي ويميت، وكونه على كل شيء قدير، وكونه

?

ص: 19

[{فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} 11]

{فاطِرُ السَّماواتِ} قرئ بالرفع والجر؛ فالرفع على أنه أحد أخبار {ذَلِكُمْ} ، أو خبر مبتدأ محذوف، والجرّ على: فحكمه إلى الله فاطر السماوات، و {ذلِكُمُ} إلى {أُنِيبُ}: اعتراض بين الصفة والموصوف.

{جَعَلَ لَكُمْ} خلق لكم {مِنْ أَنْفُسِكُمْ} من جنسكم من الناس {أَزْواجًا وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجًا} أي: خلق من الأنعام أزواجًا. ومعناه: وخلق للأنعام أيضًا من أنفسها أزواجًا، {يَذْرَؤُكُمْ} يكثركم، يقال: ذرأ الله الخلق: بثهم وكثرهم،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أن ما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إليه، ثم عقب هذا الحكم بالصفات الكاملة؛ من قوله:{فَاطِرُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ} إلى آخر ما يتصل به.

قوله: ({فَاطِرُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ} قرئ بالرفع والجر): الرفع هي المشهورة، والجر شاذة.

قوله: ({يَذْرَؤُكُمْ} يكثركم، يقال: ذرأ الله الخلق: بثهم): النهاية: "ذرأ الله الخلق يذرؤهم ذرءًا: إذا خلقهم. وكأن الذرء مختص بخلق الذرية". الراغب: "الذرية: أصلها الصغار من الأولاد، وإن كانت تقع على الصغار والكبار معًا في المتعارف، ويستعمل في الواحد والجماعة، وأصلها الجمع، قال تعالى: {ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ} [آل عمران: 34]، وقال تعالى: {ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ} [الإسراء: 3]، وفيها ثلاثة أقوال: قيل: هو من: ذرأ الله الخلق، فترك همزه، كروية وبرية. وقيل: أصله: ذروية. وقيل: هو فعلية، من الذر، نحو: قمرية".

?

ص: 20

والذر، والذرو، والذرء: أخوات، {فِيهِ} في هذا التدبير، وهو أن جعل للناس والأنعام أزواجًا، حتى كان بين ذكورهم وإناثهم التوالد والتناسل. والضمير في {يَذْرَؤُكُمْ} يرجع إلى المخاطبين والأنعام، مغلبا فيه المخاطبون العقلاء على الغيب مما لا يعقل، وهي من الأحكام ذات العلتين.

فإن قلت: ما معنى {يَذْرَؤُكُمْ} في هذا التدبير؟ وهلا قيل: يذرؤكم به؟ قلت: جعل هذا التدبير كالمنبع والمعدن للبث والتكثير، ألا تراك تقول: للحيوان في خلق الأزواج تكثير، كما قال تعالى:{وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ} [البقرة: 179].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (مغلبًا فيه المخاطبون العقلاء على االغيب مما لا يعقل): أوقع "العقلاء" وصفًا للمخاطبين، وجعل "مما لا يعقل" بيانًا "للغيب" حالًا منه، والمعنى: غلب الخطاب مع العقلاء في قوله: {جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا} على الغيب مما لا يعقل في قوله: {جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا ومِنَ الأَنْعَامِ أَزْوَاجًا} ، وقال:{يَذْرَؤُكُمْ} .

قوله: (من الأحكام ذات العلتين): عن بعضهم: العلتان هنا: العقل والخطاب، الانتصاف:"الصحيح أنهما حكمان متباينان غير متداخلين، أحدهما: مجيئه على نعت ضمير العقلاء أعم من كونه مخاطبًا أو غائبًا. والثاني: مجيئه بعد ذلك على نعت الخطاب، فالأول لتغليب العقل، والثاني لتغليب الخطاب".

وقال صاحب "التقريب": {فِيهِ} في هذا التدبير، وهو جعلهم أزواجًا للتوالد، و"كم" للمخاطبين والأنعام، فغلب العقلاء المخاطبين للعقل والمخاطبة.

ويمكن أن يقال: أن الضمير المؤنث في قوله: "وهي من أحكام ذات العلتين" راجع إلى التذرية في قوله: {يَذْرَؤُكُمْ} أو للصنعة، أي: هذه الصنعة من باب الأحكام ذات العلتين، إحدى العلتين: جعل الناس أزواجًا، والثانية: جعل الأنعام أزواجًا، ولهذا

?

ص: 21

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

صرح بقوله: "وخلق للأنعام أيضًا من أنفسها أزواجًا"، والمعلول {يَذْرَؤُكُمْ} ؛ لأنه جملة مستأنفة واردة على بيان الموجب، فلما توجه العلتان عليها أوجب تغليب المخاطبين من العقلاء على الغيب مما لا يعقل؛ ليستقيم المعنى، المعنى: دبر ذلك التدبير العجيب ليتكاثر توالد الحيوان وتناسله.

وفي جعل "حتى" -في قوله: "حتى كان بين ذكورهم وإناثهم التوالد والتناسل"- غاية لقوله: "أن جعل للناس والأنعام أزواجًا"، وكذا في سؤاله:"هلا قيل: يذرؤكم به؟ " -أي: بسببه-: إشعار بأن الجعلين المعبرين بالتدبير هما السبب في الذرء، وقريب منه قوله تعالى:{الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الكهف: 46].

فإن قلت: فما قولك في كلام صاحب "المفتاح": {يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ} خطابًا شاملًا للعقلاء والأنعام؛ مغلبًا فيه المخاطبون على الغيب، والعقلاء على ما لا يعقل"، فإنه على خلاف ما عليه كلام المصنف؟ قلت: يمكن حمله على تغليب مركب، وعلى تغليبين، والثاني يأباه المقام؛ إذ القول بالتغليبين يؤدي إلى أن الأصل أن يقال: يذرؤكم ويذرؤهم ويذرؤها ويذرؤكن، لكن الأصل: يذرؤكم ويذرؤها، لا غير؛ لأن "كم" في {يَذْرَؤُكُمْ}: هو "كم" الذي في {جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا} بعينه، لكن غلب ها هنا على الغيب في {ومِنَ الأَنْعَامِ}، فإذن ليس في {يَذْرَؤُكُمْ} إلا تغليب واحد، ولهذا قال: "الضمير في {يَذْرَؤُكُمْ} يرجع إلى المخاطبين وإلى الأنعام"، ووصف "المخاطبون" بـ"العقلاء"، ثم علق به قوله: "على الغيب مما لا يعقل".

?

ص: 22

قالوا: مثلك لا يبخل، فنفوا البخل عن مثله، وهم يريدون نفيه عن ذاته، قصدوا المبالغة في ذلك، فسلكوا به طريق الكناية، لأنهم إذا نفوه عمن يسدّ مسدّه، وعمن هو على أخص أوصافه، فقد نفوه عنه. ونظيره قولك للعربي: العرب لا تخفر الذمم، كان أبلغ من قولك: أنت لا تخفر. ومنه قولهم: قد أيفعت لداته وبلغت أترابه، يريدون: إيفاعه وبلوغه. وفي حديث رقيقة بنت صيفي في سقيا عبد المطلب: "ألا وفيهم الطيب الطاهر لداته"، والقصد إلى طهارته وطيبه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (لا تخفر الذمم): قال: "خفره: أجاره، وأخفره: أزال الخفرة، وهي الذمة".

قوله: (قد أيفعت لداته): الأساس: "يفعت الجبل: صعدته، وأيفع الغلام، وغلام يافع، وغلمان يفعة وأيفاع". الجوهري: "لدة الرجل: تربه، والهاء عوض من الواو الذاهبة من أوله؛ لأنه من الولادة".

قوله: (وفي حديث رقيقة): ذكر ابن الجوزي في كتاب "الوفا": أن رقيقة بنت صيفي ابن هاشم كانت لدة عبد المطلب، قالت: "تتابعت على قريش سنون أقحلت الضرع، وأدق

?

ص: 23

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

العظم، فبينا أنا نائمة إذا هاتف يهتف: يا معشر قريش، أن هذا النبي المبعوث منكم قد أظلتكم أيامه، وهذا إبان نجومه، فحيهلا بالحيا والخصب، ألا فانظروا رجلًا منكم وسيطًا عظامًا جسامًا أبيض، أوطف الأهداب، سهل الخدين، أشم العرانين، فليتخلص هو وولده، وليهبط إليه من كل بطن رجل، فليستنوا من الماء، وليمسوا من الطيب، ثم ليرتقوا أبا قبيس، فليستسق الرجل، وليؤمن، فغثتم ما شئتم.

فقصصت رؤياي، فما بقي أبطحي إلا قالوا: هذا شيبة الحمد، وتنامت إليه الرجال من قريش، فاستووا بذروة الجبل، فقام عبد المطلب، ومعه رسول الله صلى الله عليه وسلم غلام قد أيفع، فقال: اللهم ساد الخلة، وكاشف الكربة، أنت معلم غير معلم، ومسؤول غير مبخل، هذه عبداؤك وإماؤك يشكون إليك سنيهم، أذهبت الخف والظلف، اللهم فأمطر غيثًا مغدقًا، فما زالوا حتى تفجرت السماء بمائها، واكتظ الوادي بثجيجه". هذا مختصر من كلامه.

?

ص: 24

فإذا علم أنه من باب الكناية لم يقع فرق بين قوله: "ليس كالله شيء"، وبين قوله:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} ، إلا ما تعطيه الكناية من فائدتها، وكأنهما عبارتان معتقبتان على معنى واحد: وهو نفي المماثلة عن ذاته.

ونحوه قوله عز وجل: {بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ} [المائدة: 64]، فإنّ معناه: بل هو جواد من غير تصوّر يد ولا بسط لها، لأنها وقعت عبارة عن الجود لا يقصدون شيئًا آخر، حتى أنهم استعملوها فيمن لا يد له، فكذلك استعمل هذا فيمن له مثل ومن لا مثل له.

ولك أن تزعم أنّ كلمة التشبيه كرّرت للتأكيد،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (لم يقع فرق بين قوله: "ليس كالله شيء"، وبين قوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}، إلا ما تعطيه الكناية من فائدتها): يعني: أصل المعنى الواحد، لكن في الكناية فضل مبالغة ليس في التصريح، وذلك أنهم إنما يسلكون هذه الطريقة عند وجود صفات كمال يشاهدونها في تلك الذات، فيقدرون لها من يشاركها في تلك الفضائل، ويجعلونها عامًا، ويثبتون لهذا المقدر ما يريدون إثباته لهذا الذات، ليلزم إثباته لهذا الذات بالطريق البرهاني، نحو: مثلك لا يبخل، فظهر من هذا أن ليس من شرط هذه الطريقة وجود ذلك المثل في الخارج، نحوه قول القبعثرى للحجاج:"مثل الأمير حمل على الأدهم والأشهب"، إذ لو قصد به إثبات النظير والشبيه، لكان بالذم أشبه من المدح، وإليه الإشارة بقوله:"استعمل هذا فيمن له مثل، ومن لا مثل له". وها هنا الضمير في "مثله" راجع إلى الله في قوله: {فَاللَّهُ هُوَ الوَلِيُّ} ، بعد إجراء تلك الصفات عليه، فكأنه قيل: ليس مثل هذه الذات المستجمعة لتلك الصفات الكاملة شيء.

قوله: (ولك أن تزعم كلمة التشبيه كررت للتأكيد): هذا قول الزجاج، قال أبو البقاء:"الكاف زائدة، و"مثله" خبر {لَيْسَ} ، أي: ليس مثله شيء، ولو لم تكن زائدة لأفضى

?

ص: 25

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إلى المحال؛ إذ المعنى أن له مثلًا، وليس لمثله مثل، فإذا كان له مثل فلمثله مثل، وهو هو، مع أن إثبات المثل لله محال. وقيل:"المثل" زائدة، أي: ليس كهو شيء، كما في قوله:{فَإِنْ آَمَنُوا بِمِثْلِ مَا آَمَنْتُمْ بِهِ} [البقرة: 137]، وهو قول بعيد".

الانتصاف: "القول بأن الكاف زائدة مردود؛ لما فيه من الإخلاص بالمعنى؛ لأن التأكيد يصلح أن يكون في النفي، وها هنا التأكيد وقع في حصول التشبيه، فإذن إهمال تأكيد المماثلة أقوى في هذا المعنى من تأكيدها، ونفي المماثلة المهملة أبلغ من نفي المماثلة المؤكدة، إذ لا يلزم من نفي مماثلة محققة نفي أصل المماثلة، بخلاف عكسه، والكاف حيث وردت إنما تؤكد المماثلة لا النفي، فليس تنظير الآية بشطري البيتين مستقيمًا، والوجه الأول أصح، ولذلك قال: (ولك أن تزعم) ".

وقلت: الجواب عن قول أبي البقاء: "فإذا كان له مثل، فلمثله مثل، وهو هو": لا يلزم أن يكون هو هو؛ لأن أرباب البيان ربما يجعلون الغرض في التشبيه إلحاق الناقص بالكامل، فيفرض له مثل بهذا الطريق، ثم يفرض لهذا المفروض مثل آخر كذلك، فيسلط عليه النفي

?

ص: 26

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لينتفي المثل عن الله سبحانه وتعالى بالطريق الأولى، ولعل مراد صاحب "الانتصاف" بقوله:"نفي المماثلة المهملة أبلغ من نفي المماثلة المؤكدة" هذا.

الراغب: "المثل: أعم الألفاظ الموضوعة للمشابهة، وذلك أن "الند" يقال لما يشارك في الجوهر، و"الشبه" يقال فيما يشاركه في الكيفية فقط، و"المساوي" يقال فيما يشاركه في الكمية فقط، و"الشكل" يقال فيما يشاركه في القدر والمساحة فقط، و"المثل" عام في جميع ذلك، ولهذا لما أراد الله نفي الشبه من كل وجه خصه بالذكر، قال تعالى:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} .

وأما الجمع بين الكاف والمثل: فقد قيل: ذلك لتأكيد النفي، تنبيهًا على أنه لا يصح استعمال المثل ولا الكاف، فنفى بـ"ليس" الأمرين جميعًا، وقيل:"المثل" هاهنا بمعنى الصفة، ومعناه: ليس كصفته صفة، تنبيهًا على أنه وإن وصف بكثير مما يوصف به البشر فليست تلك الصفات له على حسب ما يستعمل في البشر.

?

ص: 27

كما كرّرها من قال:

وصاليات ككما يؤثفين

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقوله تعالى: {لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى} [النحل: 60]، أي: لهم الصفات الذميمة، وله الصفات العلى، وقد منع الله تعالى عن ضرب الأمثال، بقوله تعالى:{فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ} [النحل: 74]، ثم نبه أنه قد يضرب لنفسه المثل، ولا يجوز لنا أن نقتدي به، فقال:{أن اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 74]، ثم ضرب لنفسه مثلًا فقال:{ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ} [النحل: 75] الاية، وفي هذا تنبيه على أنه لا يجوز أن نصفه بصفة مما يوصف به البشر إلا بما وصف به نفسه".

قوله: (وصاليات ككما يؤثفين): بعده:

لا يشتكين عملًا ما أبقين

قبله:

لم يبق من آي بها يحلين .... غير حطام ورماد كنفين

وغير ود جاذل أو ودين

الكنف: القدر الصغير، أثفيت القدر: إذا وضعتها على الأثافي، وأثفيتها: إذا جعلت له أثافي.

قوله: (يؤثفين): أراد: يثفين، فأخرج على الأصل، مثله قوله:

فإنه أهل لأن يؤكرما

ص: 28

ومن قال:

فأصبحت مثل كعصف

[{لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} 12]

وقرئ: "ويقدّره".

{إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} فإذا علم أنّ الغنى خير للعبد أغناه، وإلا أفقره.

[{شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ} 13]

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الجاذل: المنتصب مكانه لا يبرح.

أي: رب نساء صاليات بالنار، كالأثفية، وشبههن بالأثفية -وهي الحجر المنصوب للقدر- لدوامهن على الكانون، واسوداد ثيابهن من الدخان، والكاف الأولى حرف الجر، والثانية اسم، كررت كلمة التشبيه للتأكيد.

قوله: (فأصبحت مثل كعصف مأكول): أوله:

بالأمس كانوا في رخاء مأمول

?

ص: 29

{شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ} دين نوح ومحمد ومن بينهما من الأنبياء، ثم فسر المشروع الذي اشترك هؤلاء الأعلام من رسله فيه بقوله:{أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} ، والمراد: إقامة دين الإسلام الذي هو توحيد الله وطاعته، والإيمان برسله وكتبه وبيوم الجزاء، وسائر ما يكون الرجل بإقامته مسلمًا، ولم يرد الشرائع التي هي مصالح الأمم على حسب أحوالها، فإنها مختلفة متفاوتة. قال الله تعالى:{لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجًا} [المائدة: 48].

ومحل {أَنْ أَقِيمُوا} إما نصب؛ بدل من مفعول {شَرَعَ} والمعطوفين عليه، وإما رفع على الاستئناف، كأنه قيل: وما ذلك المشروع؟ فقيل: هو إقامة الدين. ونحوه قوله تعالى: {إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً} [الأنبياء: 92]، {كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ} عظم عليهم وشق عليهم، {مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ} من إقامة دين الله والتوحيد،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

العصف: ما على الحب من التبن، وما على ساق الزرع من الورق اليابس.

قوله: ({شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ} دين نوح ومحمد ومن بينهما): يعني: رتب الكلام بالابتداء والاختتام والتوسط وجيء بأول من مهد به الشريعة، ثم بمن ختم به الشريعة، ووسط المتوسطين، وعدل من "أوصينا" إلى {أَوْحَيْنَا} ، وأتى بكاف الخطاب ليؤذن بالفرق بين توصيتهم وتوصيته.

قوله: (ونحوه قوله تعالى: {أن هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً}): أي: نحو قوله: {أن أَقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} ، قال محيي السنة:"بعث الأنبياء كلهم بإقامة الدين والألفة والجماعة، وترك الفرقة والمخالفة". وقلت: مثله قوله تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ} [آل عمران: 64] الآية.

?

ص: 30

{يَجْتَبِي إِلَيْهِ} يجتلب إليه ويجمع، والضمير للدين؛ بالتوفيق والتسديد، {مَنْ يَشاءُ} من ينفع فيهم توفيقه ويجرى عليهم لطفه.

[{وَما تَفَرَّقُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ} 14]

{وَما تَفَرَّقُوا} يعني: أهل الكتاب بعد أنبيائهم {إِلَّا مِنْ بَعْدِ} أن علموا أنّ الفرقة ضلال وفساد، وأمر متوعد عليه على ألسنة الأنبياء، {وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ} وهي عدة التأخير إلى يوم القيامة {لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} حين افترقوا؛ لعظم ما اقترفوا، {وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ} وهم أهل الكتاب الذين كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، {لَفِي شَكٍّ} من كتابهم لا يؤمنون به حق الإيمان.

وقيل: كان الناس أمّة واحدة مؤمنين بعد أن أهلك الله أهل الأرض أجمعين بالطوفان، فلما مات الاباء اختلف الأبناء فيما بينهم، وذلك حين بعث الله إليهم النبيين مبشرين ومنذرين، وجاءهم العلم، وإنما اختلفوا للبغي بينهم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: ({يَجْتَبِي إلَيْهِ} يجتلب [إليه] ويجمع): أي: إلى الدين، أخذه من الجباية، وهو جلب الخراج، لا من الاجتباء، كما قال محيي السنة:"يصطفي الله من عباده من يشاء"؛ لأنه جعله من باب الجمع، فإن قوله:{أن أَقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا} ، معناه: الإقامة على الجماعة، وترك الفرقة، وقوله:{كَبُرَ عَلَى المُشْرِكِينَ} ، وقوله:{يَجْتَبِي إلَيْهِ} بيان لمن دخل فيها ومن خرج منها، فتأويل {يَجْتَبِي إلَيْهِ}: بـ"يجمع إلى الدين": أظهر معنى، و"يصطفي": أدق مغزى؛ لأن اصطفاء الله أولياءه يدل على اجتماعهم على التوحيد، وعدم الاختلاف في أصول الدين، قال الله تعالى:{أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ} [الأنعام: 90]، كما أن إشراك أعداء الله يدل على التعدد والتفرقة، لاسيما وقد ضم معه {كَبُرَ} ، ولهذا لما دعوا إلى التوحيد

?

ص: 31

وقيل: وما تفرّق أهل الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بمبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، كقوله:{وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ} [البينة: 4]، {وإنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ} هم المشركون؛ أورثوا القرآن من بعد ما أورث أهل الكتاب التوراة والإنجيل.

وقرئ: "ورّثوا"، و"ورثوا".

[{فَلِذلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ} 15]

{فَلِذلِكَ} فلأجل التفرق ولما حدث بسببه من تشعب الكفر شعبًا، {فَادْعُ} إلى الاتفاق والائتلاف على الملة الحنيفية القديمة، {وَاسْتَقِمْ} عليها وعلى الدعوة إليها كما أمرك الله، {وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ} المختلفة الباطنة، {بِمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنْ كِتَابٍ} بأي كتاب صحّ أنّ الله أنزله، يعني: الإيمان بجميع الكتب المنزلة، لأنّ المتفرقين آمنوا ببعض وكفروا ببعض، كقوله:{وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ} [النساء: 150]، إلى قوله:{أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا} [النساء: 151].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قالوا متعجبين: {أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا أن هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [ص: 5]، وقال الله تعالى:{ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا} [الزمر: 29].

وفي إسناد "الاجتباء" إلى ذاته عز وجل، وإسناد {كَبُرَ} إلى "ما تدعو": إشارة إلى معنى قوله تعالى: {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} ، وفيه: أن أهل السنة والجماعة ممن اجتباه الله إلى دينه، وهداه إليه.

قوله: (وقيل: وما تفرق أهل الكتاب): جعل الضمير في قوله: {ومَا تَفَرَّقُوا} أولًا وآخرًا لأهل الكتاب، وفي الوجه الثاني: للناس بعد الطوفان، والظاهر الثني؛ لأن هذا الضمير

?

ص: 32

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وما في قوله: {ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} : واحد، يعني: أمرت الأمم القديمة والحديثة على اتفاق الكلمة وإقامة دين الله والتوحيد وعد الاختلاف والتفرق، وما تفرق الناس إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيًا بينهم. ثم استطرد بذكر أهل الكتاب واختلافهم بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم في قوله:{وإنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ} ، كقوله تعالى:{وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ} [البينة: 4]، ولذلك غيرت العبارة وجيء بـ"إن" الدالة على التوكيد.

وهذا التفسير موافق لقوله تعالى: {فَلِذَلِكَ فَادْعُ} ؛ لأن المعنى: ولأجل ذلك التفرق، ولما حدث بسببه من تشعب الكفر في الأمم السالفة شعبًا، فادع إلى الاتفاق والائتلاف على الدين الحنيفية القديمة، واستقم عليها.

هذا ما دل عليه تأويل المصنف، لكن الظاهر أن "ذلك" إشارة إلى قوله:{شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ} وما يتصل به من قوله: {أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} ، أي: ولأجل ذلك التوصية التي شوركت مع وإبراهيم وموسى وعيسى، ولأجل ذلك الأمر بالإقامة، والنهي عن التفرق، فادع إلى التوحيد وإقامة الدين والثبات عليه، واستقم أنت عليه أيضًا، يدل عليه قوله:{كَمَا أُمِرْتَ} ، فالمدعو غليه عام في أهل الكتاب والمشركين وفي المذكورات.

وفي قوله: {آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ} تعريض باليهود وبقولهم: {نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ} [النساء: 150]، وجاء مستطردًا، كما جاءت الآية السابقة مستطردة فيهم، وعليه كلام الواحدي حيث قال:"ذلك: إشارة إلى ما وصي به الأنبياء عليهم السلام من التوحيد"، وقال:" {ولا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} أي: أهل الكتاب".

?

ص: 33

{لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ} في الحكم إذا تخاصمتم فتحاكمتم إلي، {لَا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ} أي: لا خصومة؛ لأنّ الحق قد ظهر وصرتم محجوجين به، فلا حاجة إلى المحاجة. ومعناه: لا إيراد حجة بيننا، لأنّ المتحاجين يورد هذا حجته وهذا حجته، {اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا} يوم القيامة، فيفصل بيننا وينتقم لنا منكم، وهذه محاجزة ومتاركة بعد ظهور الحق وقيام الحجة والإلزام.

فإن قلت: كيف حوجزوا وقد فعل بهم بعد ذلك ما فعل؛ من القتل وتخريب البيوت وقطع النخيل والإجلاء؟ قلت: المراد محاجزتهم في مواقف المقاولة، لا المقاتلة.

[{وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ} 16]

{يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ} يخاصمون في دينه، {مِنْ بَعْدِ} ما استجاب له الناس ودخلوا في الإسلام، ليردّوهم إلى دين الجاهلية، كقوله:{وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّارًا} [البقرة: 109]، كان اليهود والنصارى يقولون للمؤمنين: كتابنا قبل كتابكم، ونبينا قبل نبيكم، ونحن خير منكم وأولى بالحق. وقيل: من بعد ما استجاب الله لرسوله ونصره يوم بدر وأظهر دين الإسلام داحِضَةٌ باطلة زائلة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (المراد محاجزتهم في مواقف المقاولة، لا المقاتلة): الجوهري: "المحاجزة: الممانعة، وقد تحاجز الفريقان"، يعني: يمكن الجمع بين الدليلين، قال القاضي:"ليس في الآية ما يدل على متاركة الكفار رأسًا، حتى يكون منسوخًا بآية القتال"، وقال محيي السنة:" {لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وبَيْنَكُمُ}: بمعنى: لا خصومة بيننا وبينكم، نسختها آية القتال، وإذا لم يؤمر بالقتال وأمر بالدعوة لم يكن بينه وبين من لا يجيب خصومة".

?

ص: 34

[{اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ * يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ} 17 - 18]

{أَنْزَلَ الْكِتابَ} أي: جنس الكتاب وَالْمِيزانَ والعدل والتسوية، ومعنى إنزال العدل: أنه أنزله في كتبه المنزلة، وقيل: الذي يوزن به، {بِالْحَقِّ}: ملتبسًا بالحق مقترنًا به بعيدًا من الباطل، أو بالغرض الصحيح كما اقتضته الحكمة، أو بالواجب من التحليل والتحريم وغير ذلك،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقلت: ويمكن أن يقال: أن الدليل على أن الكلام في إيراد المقاولة دون المقاتلة ترتب قوله: {فَلِذَلِكَ فَادْعُ واسْتَقِمْ} على قوله: {ومَا تَفَرَّقُوا إلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ العِلْمُ} إلى قوله: {لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ} ، ثم التعقيب بقوله:{والَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمْ} ، وقال محيي السنة:" {الَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ} يخاصمون في دين الله نبيه. وقال قتادة: هم اليهود قالوا: كتابنا قبل كتابكم، ونبينا قبل نبيكم، فنحن خير منكم، فهذه خصومتكم من بعد".

قوله: (وقيل: الذي يوزن به): أي: يجوز أن يكون إنزاله الميزان يأمر به، ويجوز أن يراد إنزاله حقيقة. عن بعضهم: روي أن آدم عليه السلام أنزل بالباسنة، وهي اسم جامع لآلات الصنائع.

?

ص: 35

{السَّاعَةَ} في تأويل البعث، فلذلك قيل:{قَرِيبٌ} ، أو: لعل مجيء الساعة قريب.

فإن قلت: كيف يوفق ذكر اقتراب الساعة مع إنزال الكتاب والميزان؟ قلت: لأنّ الساعة يوم الحساب ووضع الموازين للقسط، فكأنه قيل: أمركم الله بالعدل والتسوية والعمل بالشرائع قبل أن يفاجئكم اليوم الذي يحاسبكم فيه، ويزن أعمالكم، ويوفي لمن أوفى، ويطفف لمن طفف.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: ({السَّاعَةَ} في تأويل البعث): قال أبو البقاء: "يجوز أن يكون تذكير {قَرِيبٌ} على معنى الزمان، أو على معنى البعث، أو على النسب، أي: ذات قرب".

قوله: (فكأنه قيل: أمركم [الله] بالعدل والتسوية والعمل بالشرائع قبل أن يفاجئكم اليوم الذي يحاسبكم فيه): يعني: دل توسيط "الميزان" بين "إنزال الكتاب" و"مجيء الساعة" على أن الحكمة في إنزال الكتاب العدل والتسوية، كما أن الحكمة في إتيان الساعة القضاء بالحق، إذ ليس الدين والشريعة سوى الاستقامة بين طرفي الإفراط والتفريط، كما قال:{فَادْعُ واسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ولا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ وأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ} ، وليس وضع القيامة إلا {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ} [يونس: 4]، وإليه الإشارة في الآية التي نحن بصددها {اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وإلَيْهِ المَصِيرُ} .

وأما قضية النظم: فإنه تعالى لما أمر حبيبه صلوات الله عليه وسلامه بأن يدعو الزائغين المائلين عن الحق الذين اختلفوا وتفرقوا إلى الاجتماع والاستقامة، وأدمج فيه معنى أن

?

ص: 36

المماراة: الملاجة؛ لأنّ كل واحد منهما يمرى ما عند صاحبه، {لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ} من الحق، لأنّ قيام الساعة غير مستبعد من قدرة الله، ولدلالة الكتاب المعجز على أنها آتية لا ريب فيها، ولشهادة العقول على أنه لا بدّ من دار الجزاء.

[{اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ} 19]

{لَطِيفٌ بِعِبادِهِ} برّ بليغ البرّ بهم، قد توصل برّه إلى جميعهم، وتوصل من كل واحد منهم إلى حيث لا يبلغه، وهم أحد من كلياته وجزئياته.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الداعي إلى الحق والاستقامة إنما يتم أمره في الدعوة إذا كان مستقيمًا في نفسه قال: {واسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ} ، وفصل الدعوة بقوله:{وقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ} إلى آخره، ثم أتى بقوله:{اللَّهُ الَّذِي أَنزَلَ الكِتَابَ} الآية، على الاستئناف بيانًا لحكمه المأمور به، وجعلها كالتخلص غلى ذكر عنادهم، وهو استعجالهم الساعة، والله أعلم.

قوله: (لأن كل واحد منهما بمري ما عند صاحبه): الأساس: "ماريته مماراة: جادلته ولاججته، وتماروا، ومعناه: المحالبة، كأن كل واحد يحلب ما عند صاحبه".

الراغب: "المرية: التردد في الأمر، وهو أخص من الشك، قال عز وجل: {وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ} [الحج: 55]، {فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ} [السجدة: 23]، والامتراء والممارة: المحاجة فيما فيه مرية، قال تعالى: {قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ} [مريم: 34]، {فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا} [الكهف: 22]، وأصل ذلك من: مريت الناقة؛ إذا مسحت ضرعها للحلب".

قوله: (بر بليغ البر بهم، قد توصل بره إلى جميعهم) إلى آخره: وفي كل من القيود فائدة: أما "بر": فمستفاد من معنى "اللطف"؛ الأساس: "لطفت بفلان: رفقت به، وأنا ألطف به: إذا

ص: 37

فإن قلت: فما معنى قوله {يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ} بعد توصل برّه إلى جميعهم؟ قلت: كلهم مبرورون، لا يخلو أحد من برّه، إلا أنّ البرّ أصناف،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أريته مودة ورفقًا"، وقوله: "بليغ البر": فمن بناء "فعيل"، وقوله: "توصل بره إلى جميعهم": فمن إضافة "العباد" -وهو جمع- إلى ضمير "الله"، فيفيد الشمول والاستغراق، وقوله: "وتوصل من كل واحد منهم إلى حيث لا يبلغه وهم أحد": فمأخوذ من معنى الدقة في اللطف، الأساس: "شيء لطيف، وكلام لطيف، وفلان لطيف لاستنباط المعاني، وتلطف بفلان: احتلت له حتى اطلعت على أسراره".

والقول الجامع فيه: ما ذكره حجة الإسلام في "شرح أسماء الله الحسنى": "إنما يستحق هذا الاسم من يعلم دقائق المصالح وغوامضها، وما دق منها وما لطف، ثم يسلك في إيصالها إلى المستصلح على سبيل الرفق دون العنف، فإذا اجتمع الرفق في الفعل، واللطف في الإدراك، تم معنى "اللطيف"، ولا يتصور كمال ذلك إلا في عز وجل".

وقال الإمام: "الله لطيف البر، يظهر آثار بره في عباده من حيث لا يعلمون، ويمضي مصالحهم بإحسانه من حيث لا يحتسبون".

فمعنى قول المصنف: "توصل من كل واحد": توصل بره مبتدئًا من كل واحد منهم إلى حيث لا يبلغه وهم أحد، وقوله:"من كلياته وجزئياته": حال من المستتر في "توصل".

الجوهري: "توصل إليه: أي: تلطف في الوصول إليه".

قوله: (ما معنى قوله: {يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ}؟ ): يعني: دل قوله: {اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ} أن بره توصل إلى جميع العباد، وقوله:{يَرْزُقُ} حكم ترتب على ذلك الوصف، فينبغي الشمول أيضًا، وقوله:{مَنْ يَشَاءُ} ينافيه.

?

ص: 38

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وأجاب بما لخصه صاحب "التقريب": "إنما خص الرزق، والكل مرزوقون؛ لأنه قد يختص أحد بنعمة، وغيره بأخرى، فالعموم لجنس البر، والخصوص لنوعه". وقال الإمام: "أصل الإحسان والبر عام في حق كل العباد بحسب الحياة والعقل والفهم والمال والولد والجاه، وإعطاء ما لابد منه من الرزق، ودفع أكثر الآفات والبليات، وأما مراتب العطية فمتفاوتة مختلفة". وقال الواحدي: "الله لطيف حفي بار رفيق بأوليائه وأهل طاعته. وقال مقاتل: لطيف بالبر والفاجر، لا يهلكهم جوعًا، يدل على هذا قوله: {يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ}، فكل من يرزقه الله من مؤمن وكافر وذي روح، فهو ممن يشاء الله أن يرزقه".

وقلت: كأن الظاهر مع الواحدي، وعليه ينتظم {مَنْ يَشَاءُ} ويلتئم ما قبله 0 وهو حديث القيامة- بما بعده من قوله:{مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ} الآية، وتقرير ذلك: أن حمل "عباده" على من خصهم الله بالكرامة، وجعلهم من أوليائه من المؤمنين، لقوله تعالى:{اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا} الآية: هو الظاهر؛ لأن الإضافة إضافة تشريف، وعليه أكثر استعمال التنزيل، منها قوله:{فَادْخُلِي فِي عِبَادِي} [الفجر: 29]، ومنها:{إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} [الحجر: 42]، ومنها قوله في هذه السورة الكريمة:{ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آَمَنُوا} [الشورى: 23]، وقوله:{وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ} [الشورى: 26]، وقوله: {وَلَكِنْ

?

ص: 39

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا} [الشورى: 52]، وقوله:{وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ} [الشورى: 27]، فيحمل اللطف على منح الهداية وتوفيق الطاعة، وعلى الكمالات الأخروية، والكرامات السنية، واستعمال الرزق في ذلك كاستعماله في قوله تعالى:{لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [النور: 38].

ويعضده ما رواه السلمي عن سيد الطائفة قدس الله روحه: اللطيف: "من نور قلبك بالهدى، وربي جسمك بالغذا، وأخرجك من الدنيا بالإيمان، ويحرسك من نار اللظى، ويمكنك حتى تنظر وترى، هذا لطف اللطيف، بالعبد الضعيف"، تم كلامه.

فينطبق على هذا ترتب الحكم على الوصف، أي: إنه لما يلطف في حق عباده المؤمنين دون الذين غضب عليهم بمحض مشيئته؛ لأنه قوي على أن يختص برحمته وكرامته من يشاء من عباده، عزيز غالب لا يمنعه عما يريده أحد، كما قال:{يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [البقرة: 105]، فيكون وزان الآية مع قوله:{مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ومَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا ومَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ} ، وزان قوله:{وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} [الشمس: 7 - 8] مع قوله: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 9 - 10].

وحينئذ لا يرد هذا السؤال الذي ذكره، ولا ما أورده على قوله:{وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ} [الشورى: 27]، وهو: "قد نرى الناس يبغي بعضهم على بعض، ومنهم مبسوط لهم، ومنهم مقبوض عنهم، فإن كان المبسوط لهم يبغون، فلم بسط لهم؟ وإن كان المقبوض عنهم يبغون، فقد يكون البغي بدون البسط

"، لأن هذا -كما مر- في حق المؤمنين المصطفين من عباده، وينصره التذييل بقوله: {إِنَّهُ

?

ص: 40

وله أوصاف، والقسمة بين العباد تتفاوت على حسب تفاوت قضايا الحكمة والتدبير، فيطير لبعض العباد صنف من البر لم يطر مثله لآخر، ويصيب هذا حظ له وصف ليس ذلك الوصف لحظ صاحبه، فمن قسم له منهم ما لا يقسم للآخر فقد رزقه، وهو الذي أراد بقوله:{يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ} ، كما يرزق أحد الأخوين ولدًا دون الآخر، على أنه أصابه بنعمة أخرى لم يرزقها صاحب الولد.

{وَهُوَ الْقَوِيُّ} الباهر القدرة الغالب على كل شيء، {الْعَزِيزُ} المنيع الذي لا يغلب.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ} [الشورى: 27]، ووضع المظهر -وهو {بِعِبَادِهِ} - موضع القمر، أي: إنه خبير بأحوال عباده المكرمين، بصير بما يصلحهم وما يرديهم، وإليه ينظر ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إذا أحب الله عبدًا حماه الدنيا، كما يظل أحدكم يحمي سقيمه الماء"، أخرجه الترمذي عن قتادة.

وعن البخاري ومسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن مما أخاف عليكم بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها".

قوله: (فيطير لبعض العباد): استعار للنصيب وإصابته لمن قدر له: الطيران سانحًا وبارحًا، فسلك بهم مسلكهم، كقوله تعالى:{وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ} [الإسراء: 13].

?

ص: 41

[{مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ} 20]

سمى ما يعمله العامل مما يبغي به الفائدة والزكاء حرثًا على المجاز، وفرق بين عملي العاملين؛ بأن من عمل للآخرة وفق في عمله، وضوعفت حسناته، ومن كان عمله للدنيا أعطي شيئًا منها، لا ما بريده ويبتغيه، وهو رزقه الذي قسم له وفرغ منه، وماله نصيب قط في الآخرة. ولم يذكر في معنى عامل الآخرة: وله في الدنيا نصيب، على أن رزقه المقسوم له واصل إليه لا محالة؛ للاستهانة بذلك إلى جنب ما هو بصدده من زكاء عمله، وفوزه في المآب.

[{أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَاذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ} 21]

معنى الهمزة في {أَمْ} التقرير والتقريع، وشركاؤهم: شياطينهم الذين زينوا لهم الشرك وإنكار البعث والعمل للدنيا،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وما له نصيب قط): هذه المبالغة نشأت من أن "نصيبًا" نكرة، وقد نفيت على سبيل الاستغراق.

قوله: (معنى الهمزة في {أَمْ}: التقرير والتقريع): يريد: أن {أَمْ} في قوله: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ} منقطعة، فيها معنى:"بل" والهمزة، ولابد من سبق كلام إخبار أو إنشاء يضرب عنه، حتى يقرر ما بعده، وما سبق هو قوله تعالى:{شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وصَّى بِهِ نُوحًا} [الشورى: 13]، يدل عليه قوله:"وهو الدين الذي شرعت لهم الشياطين"، سماه دينًا مشاكلة أو تهكمًا، أي: اتل عليهم ما شرع لهم من الدين الذي شرعه الله، ووصى به الأنبياء المتقدمة، وآذن بالتمسك به، وقررهم -على سبيل التقريع- ما هم عليه من الدين الذي شرعت لهم الشياطين.

?

ص: 42

لأنهم لا يعلمون غيرها، وهو الدين الذي شرعت لهم الشياطين، وتعالى الله عن الإذن فيه والأمر به، وقيل شركاؤهم: أوثانهم، وإنما أضيفت إليهم لأنهم متخذوها شركاء لله، فتارة تضاف إليهم لهذه الملابسة، وتارة إلى الله، ولما كانت سببٍا لضلالتهم وافتتانهم: جعلت شارعة لدين الكفر، كما قال إبراهيم صلوات الله عليه:{إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ} [إبراهيم: 36].

{وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ} أي: القضاء السابق بتأجيل الجزاء، أو: ولولا العدة بأن الفصل يكون يوم القيامة {لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} أي: بين الكافرين والمؤمنين، أو بين المشركين وشركائهم.

وقرأ مسلم بن جندب: "وأنّ الظالمين" بالفتح عطفًا له على {كَلِمَةُ الْفَصْلِ} ، يعني: ولولا كلمة الفصل وتقدير تعذيب الظالمين في الآخرة، لقضي بينهم في الدنيا.

[{تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي رَوْضاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ * ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ} 22 - 23]

{تَرَى الظَّالِمِينَ} في الآخرة، {مُشْفِقِينَ} خائفين خوفًا شديدًا أرق قلوبهم،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (عطفًا له على {كَلِمَةُ الفَصْلِ}): و"الكلمة": فسر أولًا بالقضاء السابق، فالمعنى: لولا القضاء والقدر لقضي بينهم، والفرق بين القضاء والقدر قد مضى بيانه، وفسر ثانيًا بالعدة بأن الفصل يكون يوم القيامة، فالمعنى: لولا العدة وتقرير التعذيب، فالعطف قريب من العطف البياني بالواو.

قوله: ({تَرَى الظَّالِمِينَ} في الآخرة {مُشْفِقِينَ} خائفين خوفًا شديدًا): فإن

?

ص: 43

{مِمَّا كَسَبُوا} من السيئات، {وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ} يريد: ووباله واقع بهم، وواصل إليهم لا بدّ لهم منه، أشفقوا أو لم يشفقوا. كأن روضة جنة المؤمن أطيب بقعة فيها، وأنزهها. {عِنْدَ رَبِّهِمْ} منصوب بالظرف، لا بـ {يَشَاءُونَ} .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قلت: إذا كان معنى الخوف: غم يلحق الإنسان لتوقع مكروه، فكيف الجمع بينه وبين قوله:{وهُوَ واقِعٌ بِهِمْ} ؟ قلت: قوله تعالى: {تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ} استحضار لصورة حال الظالمين في مشاهدة السامع؛ لينظر إلى تلك الحالة العجيبة الشأن، وهو أنهم خائفون مشفقون يحاولون الحذر حين لا ينفهم الحذر، لأن الخائف إذا استشعر بما يتوقع منه المكروه، وأخذ في الدفع؛ ربما تخلص منه، ومن ترك الحذر حتى إذا ألم به المحذور زاول الدفع؛ كان مظنة للتعجب منه والتعجيب، وإليه ينظر قول الشاعر:

أتت وحياض الموت بيني وبينها .... وجادت بوصل حين لا ينفع الوصل

وهو المراد بقوله: "لابد لهم منه، أشفقوا أو لم يشفقوا".

قوله: (كأن روضة جنة المؤمن أطيب بقعة فيها): لأن الإضافة تنبئ عن امتياز الروضة عن الجنة، ثم تعقيبها بقوله:{لَهُم مَّا يَشَاءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ} ، وإردافها بقوله:{ذَلِكَ هُوَ الفَضْلُ الكَبِيرُ} يشعر بمزيد ذلك الامتياز.

قوله: ({عِندَ رَبِّهِمْ} منصوب بالظرف لا بـ {يَشَاءُونَ}): عن بعضهم؛ لأن المعنى: على أن ما يزيدونه على سبيل العموم مطلقًا كائنًا ما كان حاصل لهم عند ربهم، أي: حاصل لهم من الله، ولو نصب بـ {يَشَاءُونَ} تصير مشيئتهم مقيدة بـ {عِندَ رَبِّهِمْ} ، فلا يبقى العموم فيما يريدون، ويحتمل حصول ذلك عند غير ربهم، وهو عكس المعنى.

وقلت: لا ريب أن أهل السعادة صنفان: المقربون وأصحاب اليمين، فإذا أريد بأولئك أصحاب اليمين كان على ما قيل، وأما إذا أريد به المقربون فلا، قال الله تعالى:{إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ} [القمر: 54 - 55].

?

ص: 44

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وروينا عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أهل الدرجات العلى ليراهم من تحتهم، كما ترون النجم الطالع في أفق السماء، وإن أبا بكر وعمر منهم، وأنعما"، أخرجه أبو داود والترمذي.

وفي "الجامع": "أنعم فلان النظر في الأمر: إذا بالغ في تدبره والفكر فيه وزاد فيه، وأحسن فلان إلى فلان وأنعم؛ أي: أفضل وزاد في الإحسان، وكذا هذا، أي: هما منهم، وزادا في هذا الأمر، وتناهيا فيه إلى غايته".

وقلت: لعله مأخوذ من النعومة، قال في "الأساس":"دقه دقًا نعما، وأنعم دقه، فإذا عملت عملًا فأنعمه: فأجده، وأحسن فلان وأنعم: وأجاد وزاد على الإحسان"، فمعنى: أنعم النظر: أدق، فلا يذهب إذن إلى العمل بالمفهوم، كقوله تعالى:{لَا تَاكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} [آل عمران: 130].

وفي تخصيص {رَوْضَاتِ} -كما قال: "كأن روضة جنة المؤمن أطيب بقعة فيها وأنزهها"-: إيماء إلى هذا المعنى. وقال في "فاطر": "وقرئ "جنة عدن" على الإفراد، كأنها جنة مختصة بالسابقين"، ولذلك عقب بقوله:{ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ} ، أي: أولياءه -كما مر مرارًا-، ويحصل من هذا التقدير قرب المعمول من عامله، ومعنى القرب والزلفى عند الله لعباده العاملين، والجملة خبر ثان لقوله:{الَّذِينَ آمَنُوا} .

وفي "الكواشي": الوقف الكافي على {الجَنَّاتِ} . {لَهُم مَّا يَشَاءُونَ} جملة من مبتدأ وخبر، فعلى هذا تكون الجملة مستأنفة.

?

ص: 45

قرئ: {يبشر} ، من: بشره، و"يبشر" من: أبشره، و"يبشر"، من: بشره، والأصل: ذلك الثواب الذي يبشر الله به عباده، فحذف الجار، كقوله تعالى:{وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ} [الأعراف: 41]، ثم حذف الراجع إلى الموصول، كقوله تعالى:{أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا} [الفرقان: 41]، أو ذلك التبشير الذي يبشره الله عباده.

روي: أنه اجتمع المشركون في مجمع لهم، فقال بعضهم لبعض: أترون محمدًا يسأل على ما يتعاطاه أجرًا؟

فنزلت الآية.

{إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى} يجوز أن يكون استثناء متصلًا، أي: لا أسألكم أجرًا إلا هذا، وهو أن تودوا أهل قرابتي، ولم يكن هذا أجرًا في الحقيقة، لأنّ قرابته قرابتهم، فكانت صلتهم لازمة لهم في المروءة. ويجوز أن يكون منقطعًا، أي: لا أسألكم أجرًا قط، ولكنني أسألكم أن تودوا قرابتي الذين هم قرابتكم ولا تؤذوهم.

فإن قلت: هلا قيل: إلا مودّة القربى، أو: إلا المودة للقربى؟ وما معنى قوله: {إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى} ؟ قلت: جعلوا مكانًا للمودة ومقرًا لها،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (قرئ: {يُبَشِّرُ}): نافع وعاصم وابن عامر: {يُبَشِّرُ} بضم الياء وفتح الباء وكسر الشين مشددة، والباقون: بفتح الياء وإسكان الباء وضم الشين مخففة. روى أنه قال: المتعدي ثلاثة، وهو الذي في المتن، والمطاوع خمسة: بشر وأبشر وتبشر واستبشر.

قوله: (ذلك الثواب الذي يبشر الله به عباده): المشار إليه {رَوْضَاتِ الجَنَّاتِ} الآية.

قوله: (أو: ذلك التبشير): فالمشار إليه: "الذي يبشره"، نحو: هذا أخوك، والعائد إلى الموصول أيضًا محذوف، ولكن لا يقدر الجار.

?

ص: 46

كقولك: لي في آل فلان مودّة؛ ولي فيهم هوى وحب شديد، تريد: أحبهم وهم مكان حبي ومحله، وليست {فِي} بصلة للمودّة، كاللام إذا قلت: إلا المودّة للقربى، إنما هي متعلقة بمحذوف تعلق الظرف به في قولك: المال في الكيس، وتقديره: إلا المودّة ثابتة في القربى ومتمكنة فيها.

والقربى: مصدر كالزلفى والبشرى، بمعنى: قرابة. والمراد في أهل القربى. وروى أنها لما نزلت قيل: يا رسول الله، من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودّتهم؟ قال:«عليّ وفاطمة وابناهما» ويدل عليه ما روى عن علي رضي الله عنه: شكوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حسد الناس لي، فقال:«أما ترضى أن تكون رابع أربعة؟ أوّل من يدخل الجنة أنا وأنت والحسن والحسين، وأزواجنا عن أيماننا وشمائلنا، وذريتنا خلف أزواجنا» وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «حرمت الجنة على من ظلم أهل بيتي وآذاني في عترتي. ومن اصطنع صنيعة إلى أحد من ولد عبد المطلب، ولم يجازه عليها، فأنا أجازيه عليها غدًا إذا لقيني يوم القيامة» .

وروي: أنّ الأنصار قالوا: فعلنا وفعلنا، كأنهم افتخروا، فقال عباس -أو ابن عباس-: لنا الفضل عليكم، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتاهم في مجالسهم،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وليست {فِي} بصلة): أي: {فِي القُرْبَى} ليس بظرف لغو، بل هو ظرف مستقر حال من {المَوَدَّةَ} ، و {فِيهَا} مبالغة.

قوله: (أن تكون رابع أربعة): عن بعضهم: رابع أربعة، أي: واحد أربعة، قال: رابع الثلاثة: غيرها، وهو الذي ربعهم، أي: كملهم أربعة. ورابع أربعة: أحدهم، كقوله تعالى:{ثَانِيَ اثْنَيْنِ} [التوبة: 40].

?

ص: 47

فقال: يا معشر الأنصار، ألم تكونوا أذلة فأعزكم الله بي؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ألم تكونوا ضلالًا فهداكم الله بي؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال:" «أفلا تجيبونني. قالوا: ما نقول يا رسول الله؟ قال: ألا تقولون: ألم يخرجك قومك فآويناك؟ أو لم يكذبوك فصدقناك؟ أو لم يخذلوك فنصرناك؟ قال: فما زال يقول حتى جثوا على الركب وقالوا: أموالنا وما في أيدينا لله ولرسوله، فنزلت الآية".

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (يا معشر الأنصار، ألم تكونوا أذلة فأعزكم الله) الحديث: من رواية البخاري ومسلم عن عبد الله بن زيد بن عاصم قال: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فتح حنينًا قسم الغنائم، فأعطى المؤلفة قلوبهم، فبلغه أن الأنصار يحبون أن يصيبوا مثل ما أصاب الناس، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطبهم، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: يا معشر الأنصار، ألم أجدكم ضلالًا فهداكم الله بي، وعالة فأغناكم الله بي، ومتفرقين فجمعكم الله بي؟ ويقولون: الله ورسوله أمن، فقال: ألا تجيبونني؟ فقالوا: الله ورسوله أمن، قال: أما إنكم لو شئتم أن تقولوا: جئتنا طريدًا فآويناك، وشريدًا فنصرناك، وكان من الأمر كذا وكذا"، الحديث.

وأما شكاية العباس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: فهو ما روى الترمذي عن علي رضي الله عنه: "أن العباس دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم مغضبًا، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أغضبك؟ فقال: يا رسول الله، أرى قومًا من قريش يتلاقون بينهم بوجوه مسفرة، فإذا لقونا لقونا بغير ذلك، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى احمر وجهه، وقال: والذي نفسي بيده، لا يدخل قلب رجل إيمان حتى يحبكم لله ورسوله، ثم قال: أيها الناس، من آذى عمي فقد آذانيـ فإنما عم الرجل صنو أبيه".

?

ص: 48

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من مات على حب آل محمد مات شهيدًا، ألا ومن مات على حب آل محمد مات مغفورًا له، ألا ومن مات على حب آل محمد مات تائبًا، ألا ومن مات على حب آل محمد مات مؤمنًا مستكمل الإيمان، ألا ومن مات على حب آل محمد بشره ملك الموت بالجنة، ثم منكر ونكير، ألا ومن مات على حب آل محمد يزف إلى الجنة كما تزف العروس إلى بيت زوجها، ألا ومن مات على حب آل محمد فتح له في قبره بابان إلى الجنة، ألا ومن مات على حب آل محمد جعل الله قبره مزار ملائكة الرحمة، ألا ومن مات على حب آل محمد مات على السنة والجماعة.

ألا ومن مات على بغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه: آيس من رحمة الله، ألا ومن مات على بغض آل محمد مات كافرًا، ألا ومن مات على بغض آل محمد لم يشم رائحة الجنة».

وقيل: لم يكن بطن من بطون قريش إلا وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبينهم قربى، فلما كذبوه وأبوا أن يبايعوه، نزلت. والمعنى: إلا أن تودوني في القربى،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (يزف إلى الجنة)، النهاية:"زففت العروس أزفها؛ إذا أهديتها إلى زوجها".

قوله: (مكتوب بين عينيه): عن بعضهم: "بين عينيه": خبر مقدم على المبتدأ، و"مكتوب" مبتدأ، كأنه قال: مكتوب "آيس من رحمة الله" بين عينيه. والظاهر أنه سهو، بل "بين عينيه" ظرف "مكتوب"، و"مكتوب": خبر مقدم، والجملة حال من ضمير "جاء".

قوله: (وقيل: لم يكن بطن من [بطون] قريش) إلى آخره: يوافقه ما روينا عن البخاري عن ابن عباس: "سئل عن قوله تعالى: {إلاَّ المَوَدَّةَ فِي القُرْبَى}، فقال سعيد بن جبير: قربى آل محمد، فقال ابن عباس: عجلت، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة، فقال: إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم".

?

ص: 49

أي: في حق القربى أومن أجلها، كما تقول: الحب في الله والبغض في الله، بمعنى: في حقه ومن أجله، يعني: أنكم قومي وأحق من أجابني وأطاعني، فإذ قد أبيتم ذلك فاحفظوا حق القربى، ولا تؤذوني ولا تهيجوا عليّ.

وقيل: أتت الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم بمال جمعوه وقالوا: يا رسول الله، قد هدانا الله بك وأنت ابن أختنا، وتعروك نوائب وحقوق، ومالك سعة، فاستعن بهذا على ما ينوبك، فنزلت، وردّه.

وقيل: {الْقُرْبى} : التقرب إلى الله تعالى، أي: إلا أن تحبوا الله ورسوله في تقرّبكم إليه بالطاعة والعمل الصالح. وقرئ: "إلا مودّة في القربى".

{مَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً} : عن السدّي: أنها المودّة في آل رسول الله صلى الله عليه وسلم، نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه ومودّته فيهم، والظاهر: العموم في أي حسنة كانت، إلا أنها لما ذكرت عقيب ذكر المودّة في القربى؛ دل ذلك على أنها تناولت المودّة تناولًا أوّليًّا، كأنّ سائر الحسنات لها توابع.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وأنت ابن أختنا): لأن آمنة أم رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت من الأنصار من بني زهرة.

قوله: (والظاهر العموم في أي حسنة كانت): فعلى هذا {ومَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً} إلى آخره: تذييل، وعلى الأول: تتميم.

?

ص: 50

وقرئ: يزد، أي: يزد الله. وزيادة حسنها من جهة الله: مضاعفتها، كقوله تعالى:{مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافًا كَثِيرَةً} [البقرة: 245]، وقرئ:"حسنى"، وهي مصدر كالبشرى. الشكور في صفة الله: مجاز للاعتداد بالطاعة، وتوفية ثوابها، والتفضل على المثاب.

[{أَمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ} 24]

{أَمْ} منقطعة، ومعنى الهمزة فيه: التوبيخ، كأنه قيل: أيتمالكون أن ينسبوا مثله إلى الافتراء، ثم إلى الافتراء على الله الذي هو أعظم الفرى وأفحشها، {فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ} فإن يشأ الله يجعلك من المختوم على قلوبهم، حتى تفتري عليه الكذب، فإنه لا يجترئ على افتراء الكذب على الله إلا من كان في مثل حالهم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: ({أَمْ} منقطعة، ومعنى الهمزة فيه: التوبيخ): أقول: لابد من تقديم كلام يصح أن يضرب عنه، وهو قوله:{أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَنْ بِهِ اللَّهُ} [الشورى: 21]، وبيانه: أنه تعالى لما أمره صلوات الله عليه بأن يتلو عليهم قوله: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وصَّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أَوْحَيْنَا إلَيْكَ} [الشورى: 13]، وساق الكلام إلى أن انتهى إلى الإضراب الأول، فأضرب عن الأمر بالتلاوة إلى السؤال على سبيل التقرير والتهكم، وأجرى عنان الكلام حتى بلغ إلى مقام الإضراب الثاني، فوبخهم على أمر آخر أعظم من الأول، وهو نسبة الافتراء إلى أكرم خلق الله، فقال:{أَمْ يَقُولُونَ} ، أي: يتفوهون بهذه العظيمة؛ أن محمدًا شرع من تلقاء نفسه هذا الذي تلا عليكم وسماه دينًا، وذكر أن الله آذن به الأنبياء أن يتمسكوا به ويوصوا أممهم به، وهذا معنى قوله:{افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} .

?

ص: 51

وهذا الأسلوب مؤدّاه استبعاد الافتراء من مثله، وأنه في البعد مثل الشرك بالله والدخول في جملة المختوم على قلوبهم. ومثال هذا: أن يخوّن بغض الأمناء، فيقول: لعل الله خذلني، لعل الله أعمى قلبي، وهو لا يريد إثبات الخذلان وعمى القلب، وإنما يريد استبعاد أن يخوّن مثله، والتنبيه على أنه ركب من تخوينه أمر عظيم.

ثم قال: ومن عادة الله أن يمحو الباطل ويثبت الحق {بِكَلِماتِهِ} بوحيه أو بقضائه، كقوله تعالى:{بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ} [الأنبياء: 18]، يعني: لو كان مفتريًا كما تزعمون لكشف الله افتراءه، ومحقه، وقذف بالحق على باطله فدمغه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وهذا الأسلوب مؤداه استعباد الافتراء من مثله): وهو أنه تعالى وبخهم على الافتراء -المؤدي إلى إيجاب الختم والطبع الذي هو من صفة أبعد خلق الله وألعنهم- على مثل أكرم خلق الله وأحبهم إليه، هيهات، وآدم ومن دونه تحت لوائه. هذا هو معنى الاستبعاد الذي صرح به، ومعنى المثلين في قوله:"في مثل حالهم" و"الافتراء من مثله". وعن بعضهم: "وفي هذا تذكير لنعم الله بذكر إحسانه إليه وفضله له بما أكرمه بأنواع الكرامات التي أكرمه بها؛ ليشكر ربه على ذلك، ويرحم على أولئك بما ختم على قلوبهم"، انتهى كلامه.

ثم جيء بقوله: {ويَمْحُ اللَّهُ البَاطِلَ} إلى آخره؛ تذيلًا للكلام وتتميمًا لمعنى الاستعباد، أي: ليس من شأنه صلوات الله عليه ذلك، ولا من عادة الله، إلا محو الباطل وإثبات الحق، ولا من صفات هذا الكتاب الكريم أن يحوم الافتراء حوله، وأنه من كلمات الله التي لا يأتيها الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وفيه تعريض بافترائهم، وأنهم المختوم على قلوبهم، وأنهم أخس خلق الله وأنذلهم وأبعدهم من رحمة الله، أولئك كالأنعام بل هم أضل.

لله رده! ما ألطف بيانه، وما أدق نظره! ولو لم يكن في كتابه إلا هذا التلويح لكفاه مزية وفضلًا.

?

ص: 52

ويجوز أن يكون عدة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه يمحو الباطل الذي هم عليه من البهت والتكذيب، ويثبت الحق الذي أنت عليه بالقرآن وبقضائه الذي لا مردّ له من نصرتك عليهم، إنّ الله عليم بما في صدرك وصدورهم، فيجري الأمر على حسب ذلك.

وعن قتادة: {يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ} : ينسك القرآن ويقطع عنك الوحي، يعني: لو افترى على الله الكذب لفعل به ذلك، وقيل:{يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ} : يربط عليه بالصبر، حتى لا يشق عليك أذاهم.

فإن قلت: إن كان قوله: {وَيَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ} كلامًا مبتدأ غير معطوف على {يختم} ، فما بال الواو ساقطة في الخط؟ قلت: كما سقطت في قوله تعالى: {وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ} [الإسراء: 11]، وقوله تعالى:{سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ} [العلق: 18]، على أنها مثبتة في بعض المصاحف.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ويثبت الحق الذي أنت عليه بالقرآن وبقضائه): فإن قلت: لم خالف بين العبارتين، فجاء في الوجه الأول بـ"أو" حيث قال:"بوحيه أو بقضائه"، وفي الثاني بالواو حيث قال:"بالقرآن وبقضائه"؟ قلت: على الأول: الكلام تذييل وبيان لعادة الله الجارية في إثبات الحق ومحق الباطل فيما غبر من الزمان وفيما يترقب منه، وكان لا يخلو ذلك من أحد هذين الأمرين، وعلى هذا الوجه: عدة لحبيب الله صلوات الله عليه، والجملة حال مقررة لمزيد التوبيخ، والمقام اقتضى الجمع بينهما، لاسيما وقد تحقق في الواقع ذلك.

قوله: (إن كان قوله: {ويَمْحُ اللَّهُ البَاطِلَ} كلامًا مبتدأ): يعني: و {يَخْتِمْ} مجزوم جواب للشرط، {ويَمْحُ} أيضًا قد سقط منه الواو علامة الجزم، فيكون معطوفًا عليه، وأنت جعلته كلامًا مبتدأ؟ وأجاب: أن الواو ساقطة خطأ لا معنى، قال أبو البقاء:" {يَخْتِمْ} جواب للشرط، {ويَمْحُ} مرفوع مستأنف وليس من الجواب؛ لأنه يمحو الباطل من غير شرط، وسقطت الواو من اللفظ لالتقاء الساكنين، ومن المصحف حملًا على اللفظ".

?

ص: 53

[{وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ وَيَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ} 25]

يقال: قبلت منه الشيء، وقبلته عنه؛ فمعنى قبلته منه: أخذته منه وجعلته مبدأ قبولي ومنشأه، ومعنى "قبلته عنه": عزلته عنه وأبنته عنه. والتوبة: أن يرجع عن القبيح والإخلال بالواجب؛ بالندم عليهما والعزم على أن لا يعاود، لأنّ المرجوع عنه قبيح وإخلال بالواجب، وإن كان فيه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وروى محيي السنة عن الكسائي نحو ما ذكره المصنف، ومما يقوي أنه مرفوع: عطف قوله: {ويُحِقُّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ} عليه، وهو مرفوع.

قوله: (والعزم على أن لا يعاود، لأن المرجوع عنه قبيح وإخلال بالواجب): أي: يجعلهما غرضًا في عدم المعاودة.

قوله: (وإن كان فيه): أي: في المرجوع عنه أو الواجب (لعبد حق: لم يكن بد من التفصي على طريقه): قيل: في قوله: "لأن المرجوع عنه قبيح وإخلال بالواجب"ن وقوله: "أن يرجع عن القبيح": إشارة إلى مذهبه؛ لأن أكثرهم قالوا: التوبة عن بعض المعاصي مع الإصرار على البعض غير صحيحة، قال أبو هاشم: لو تاب عن ذلك القبيح لكونه قبيحًا وجب أن يتوب عن كل القبائح، وإن تاب عنه لا لمجرد قبحه، بل لغرض آخر لم تصح توبته. وعند أهل السنة: التوبة عن بعض المعاصي مع الإصرار على البعض صحيحة.

وقال الشيخ أبو عبد الله الأنصاري: "التوبة ثلاثة أشياء: الندم والاعتذار والإقلاع".

وقلت: الندم: إنما يكون على ما فات في الزمان الماضي، فيرجع عنه بالقلب، لأن التوبة سعي من مساعي القلب، وهو تنزيهه عن القبائح، وإليه الإشارة بقوله:"أن يرجع عن القبيح والإخلال بالواجب بالندم عليهما".

?

ص: 54

لعبد حق: لم يكن بد من التفصي على طريقه.

وروى جابر: أن أعرابيًا دخل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك، وكبر، فلما فرغ من صلاته قال له علي رضي الله عنه: يا هذا، إنّ سرعة اللسان بالاستغفار توبة الكذابين، وتوبتك تحتاج إلى التوبة، فقال: يا أمير المؤمنين، وما التوبة؟ قال: اسم يقع على ستة معان: على الماضي من الذنوب: الندامة، ولتضييع الفرائض: الإعادة، وردّ المظالم، وإذابة النفس في الطاعة كما ربيتها في المعصية، وإذاقة النفس مرارة الطاعة كما أذقتها حلاوة المعصية، والبكاء بدل كل ضحك ضحكته.

{وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ} عن الكبائر إذا تيب عنها،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

والاعتذار: هو التلافي لما فات في الحال بقضاء الواجب؛ أن كان من حق الله بأداء الفرائض، ورد المظالم أن كان من حق العباد، فلابد من التقصي على طريقه، أي: يجتهد على طريقة التخلص منه بأي وجه أمكن؛ أن كان المظلوم في قيد الحياة: فالتفصي عنه بأن يرد عليه أو يستحل منه، وإن مات يردها على ورثته، وإن لم يقدر فيتصدق عنه، وإلا فيدعو له ويستغفر.

والإقلاع: هو أن يعزم على ألا يعاود إلى الذنب، وهو يتعلق بالمستقبل، ويمكن أن يحمل قوله:"أن لا يعاود؛ لأن المرجوع عنه قبيح وإخلال بالواجب" على أنه لا تصح التوبة إذا رجع عن القبيح محاباة أو خوفًا من الناس أو ضعفًا حصل في بدنه، فلا يكون توبة، ولو قال:"تعظيمًا لله وحذارًا من سخطه" لكان أولى؛ لأنه دخل في كلامه: ما إذا رجع عنها طالبًا للثناء والمدحة والرياء والسمعة.

قوله: (من التفصي على طريقه): الأساس: "وقع فيما لا يقدر على التفصي منه، وليتني أتفصى من فلان؛ أي: أتخلص منه وأباينه".

وقدر صاحب "المطلع": "لم يكن بد من التفصي عنه بطريقة".

قوله: ({ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ} عن الكبائر إذا تيب عنها): وقلت: إذن لا فرق بين "يقبل

?

ص: 55

وعن الصغائر إذا اجتنبت الكبائر، {وَيَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ} قرئ بالتاء والياء، أي: يعلمه فيثيب على حسناته، ويعاقب على سيئاته.

[{وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكافِرُونَ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ} 26]

{وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا} أي: يستجيب لهم، فحذف اللام كما حذف في قوله تعالى:{وَإِذا كالُوهُمْ} [المطففين: 3]، أي: يثيبهم على طاعتهم ويزيدهم على الثواب تفضلًا، أو: إذا دعوه استجاب دعاءهم، وأعطاهم ما طلبوا، وزادهم على مطلوبهم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

التوبة" وبين "يعفو عن السيئات"؛ لأن قبول التوبة ليس إلا العفو عن السيئات، بل المعنى: من شأنه قبول التوبة عن عباده إذا تابوا، والعفو عن سيئاتهم محض رحمته أو بشفاعة شافع، قال الإمام: "إنه تعالى تارة يعفو بواسطة التوبة، وأخرى يعفو ابتداء من غير توبة".

قوله: (قرئ بالتاء والياء): حفص وحمزة والكسائي: بالتاء الفوقانية، والباقون: بالياء.

قوله: (أي: يعلمه فيثيب على حسناته، ويعاقب على سيئاته): يعني: {ويَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} جاء تذييلًا للسابق، فإن قوله:{يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ} دل على أن العفو تعلق بالسيئات المتوب عنها، فلابد من وجود سيئات غير متوب وغير معفو عنها، فاتصل قوله:{ويَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} بهما بحسب الثواب والعقاب، وفيه تعسف.

وقال القاضي: " {ويَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} فيجازي ويجاوز عن إتقان وحكمة"، أي: يجازي التائب ويجاوز عن غير التائب، وصدورهما عنه عز وجل عن إتقان منه وحكمة، وإن لم ندرك ذلك بعقولنا، فلا اعتراض لأحد عليه.

?

ص: 56

وقيل: الاستجابة فعلهم، أي: يستجيبون له بالطاعة إذا دعاهم إليها، {وَيَزِيدُهُمْ} هو {مِنْ فَضْلِهِ} على ثوابهم، وعن سعيد بن جبير: هذا من فعلهم: يجيبونه إذا دعاهم، وعن إبراهيم بن أدهم أنه قيل له: ما بالنا ندعو فلا نجاب؟ قال: لأنه دعاكم فلم تجيبوه، ثم قرأ:{وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ} [يونس: 25]، {وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا} .

[{وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ} 27]

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وقيل: الاستجابة فعلهم): قال أبو البقاء: "على هذا: {الَّذِينَ} في موضع رفع، أي: ينقادون له".

وقلت على الوجه الأول: {ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا} عطف على {يَقْبَلُ التَّوْبَةَ} ، فتشتمل الآيتان على أصناف المكلفين؛ الموافقين منهم والمخالفين، فإن المؤمن: إما عاص أو غير عاص، والأول: تائب أو غير تائب، والكافر من صنف المخالفين، وقد بين في الآيتين ما لكل من الأصناف، ومعاملة الله مع كل فريق من قبول التوبة والعفو والاستجابة والعذاب.

وعلى الوجه الثاني: {ويَسْتَجِيبُ} عطف على مجموع قوله: {وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ} ، وقوله:{ويَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ} عطف على مقدر هو مسبب عن قوله: {ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا} ، على منوال قوله تعالى:{وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ} [النمل: 15]، أي: عملًا به وعرفًا حق النعمة وقالا: الحمد لله، فالمعنى: ويستجيبون لله بالطاعة حين دعاهم، فيستجيب لذلك دعاءهم، ويوفيهم أجورهم، ويزيدهم من فضله، كما قال تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِه} [فاطر: 29 - 30].

?

ص: 57

{لَبَغَوْا} من البغي؛ وهو الظلم، أي: لبغى هذا على ذاك، وذاك على هذا، لأنّ الغنى مبطرة مأشرة، وكفى بحال قارون عبرة، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام:«أخوف ما أخاف على أمّتي زهرة الدنيا وكثرتها» ، ولبعض العرب:

وقد جعل الوسمي ينبت بيننا .... وبين بني رومان نبعًا وشوحطا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ومن هذا المقام أجاب السيد الجليل إبراهيم بن أدهم عن قول السائل: ما بالنا فلا نجاب؟ بقوله: "لأنه دعاكم فلم تجيبوه، ثم قرأ: {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ} [يونس: 25]، {ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا} ". وإلا فالاستجابة في هذا الوجه استجابة المؤمن لله تعالى بالطاعة إذا دعاه إليها.

قوله: (أخوف ما أخاف على أمتي) الحديث: من رواية البخاري ومسلم والنسائي عن أبي سعيد قال: "جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجلسنا حوله، فقال: أن مما أخاف عليكم بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها. فقال رجل: أو يأتي الخير بالشر يا رسول الله؟ " الحديث بطوله ذكرناه.

قوله: (وقد جعل الوسمي) البيت: سمي المطر وسيمًا؛ لأنه يسم الأرض بالنبات، و"النبع": شجر يتخذ منه القسي، و"الشوحط": يتخذ منه السهام، يعني: أنهم إذا أمطروا وأخصبوا، فتذكروا الذحول، وطلبوا الأوتار. وفي هذا البيت من حسن التعليل ما بلغ غايته، فكأن المطر أنبت لهم آلة الحرب من القسي والسهام.

?

ص: 58

يعني: أنهم أحيوا فحدّثوا أنفسهم بالبغي والتفانن.

أو من البغي؛ وهو البذخ والكبر، أي: لتكبروا في الأرض، وفعلوا ما يتبع الكبر من الغلو فيها والفساد. وقيل: نزلت في قوم من أهل الصفة تمنوا سعة الرزق والغنى، قال خباب بن الأرت: فينا نزلت، وذلك أنا نظرنا إلى أموال بني قريظة والنضير وبني قينقاع، فتمنيناها.

{بِقَدَرٍ} بتقدير، يقال قدره قدرًا وقدرًا، {خَبِيرٌ بَصِيرٌ} يعرف ما يؤول إليه أحوالهم، فيقدّر لهم ما هو أصلح لهم وأقرب إلى جمع شملهم، فيفقر ويغني، ويمنع ويعطي، ويقبض ويبسط، كما توجبه الحكمة الربانية، ولو أغناهم جميعًا لبغوا، ولو أفقرهم لهلكوا.

فإن قلت: قد نرى الناس يبغي بعضهم على بعض، ومنهم مبسوط لهم، ومنهم مقبوض عنهم، فإن كان المبسوط لهم يبغون، فلم بسط لهم؟ وإن كان المقبوض عنهم يبغون فقد يكون البغي بدون البسط، فلم شرطه؟ قلت: لا شبهة في أنّ البغي مع الفقر أقل،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (أحيوا)، الجوهري:"أحيا القوم؛ إذا صاروا في الحيا والخصب".

قوله: (التفاتن): وهو التقاتل والتهارج.

قوله: (وهو البذخ)، الجوهري:"البذخ: الكبر، وقد بذخ -بالكسر- وتبذخ: إذا تكبر وعلا".

قوله: (لا شبهة في أن البغي مع الفقر أقل): هذا الجواب متكلف، والسؤال قوي. وعلى ما فسرنا الآية عند قوله:{اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ} [الشورى: 19]: السؤال غير وارد، والذي يشد من عضده هاهنا قول المصنف:"قيل: نزلت في قوم من أهل الصفة"، وعليه تفسير محيي السنة، وذكر أيضًا حديثًا طويلًا، وفي آخره:"وإن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلا الغنى، ولو أفقرته لأفسده ذلك، وإن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلا الفقر، ولو أغنيته لأفسده ذلك".

?

ص: 59

ومع البسط أكثر وأغلب، وكلاهما سبب ظاهر للإقدام على البغي والإحجام عنه، فلو عم البسط لغلب البغي حتى ينقلب الأمر إلى عكس ما عليه الآن.

[{وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ} 28]

قرئ: {قَنَطُوا} بفتح النون وكسرها، {وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ} أي: بركات الغيث ومنافعه وما يحصل به من الخصب. وعن عمر رضي الله عنه أنه قيل له: اشتدّ القحط وقنط الناس، فقال: مطروا إذن. أراد هذه الآية. ويجوز أن يريد: رحمته في كل شيء، كأنه قال: ينزل الرحمة التي هي الغيث، وينشر غيرها من رحمته الواسعة.

{الْوَلِيُّ} الذي يتولى عباده بإحسانه {الْحَمِيدُ} المحمود على ذلك، يحمده أهل طاعته.

[{وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَثَّ فِيهِما مِنْ دابَّةٍ وَهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ} 29]

{وَما بَثَّ} يجوز أن يكون مرفوعًا ومجرورًا يحمل على المضاف إليه أو المضاف.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (والإحجام عنه): النهاية: "أحجم القوم: نكصوا وتأخروا"، وهو مطابق لقوله:"للإقدام على البغي".

قوله: ({قَنَطُوا} بفتح النون وكسرها): بالفتح: السبعة، والكسر: شاذ.

قوله: (ويجوز أن يريد: رحمته في كل شيء): فعلى هذا: هو من عطف العام على الخاص، فيكون قوله:{وهُوَ الوَلِيُّ الحَمِيدُ} تذييلًا للقرينتين على طريقة الجمع، أي: هو المتولي للغيث ونشر سائر الرحمة، وله الحمد على هذا الإحسان، وله الثناء والمحمدة على كل الأفضال.

قوله: (على المضاف إليه أو المضاف): أي: ومن آياته خلق السماوات وخلق ما بث فيهما، ومن آياته ما بث فيهما، ويمكن أن يقال: ومن آياته بث ما فيهما، على أن "ما" مصدرية، والمضاف إليه محذوف.

?

ص: 60

فإن قلت:

لم جاز {فِيهِما مِنْ دابَّةٍ} والدواب في الأرض وحدها؟ قلت: يجوز أن ينسب الشيء إلى جميع المذكور، وإن كان ملتبسًا ببعضه، كما يقال: بنو تميم فيهم شاعر مجيد أو شجاع بطل، وإنما هو في فخذ من أفخاذهم، أو فصيلة من فصائلهم، وبنو فلان فعلوا كذا، وإنما فعله نويس منهم. ومنه قوله تعالى:{يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ} [الرحمن: 22]، وإنما يخرج من الملح.

ويجوز أن يكون للملائكة عليهم السلام مشي مع الطيران، فيوصفوا بالدبيب كما يوصف به الأناسي. ولا يبعد أن يخلق في السماوات حيوانًا يمشى فيها مشى الأناسي على الأرض، سبحان الذي خلق ما نعلم وما لا نعلم من أصناف الخلق.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (في فخذ من أفخاذهم): النهاية: "أول العشيرة: الشعب، ثم القبيلة، ثم الفصيلة، ثم العمارة، ثم البطن، ثم الفخذ".

قوله: (ويجوز أن يكون للملائكة مشي مع الطيران): الانتصاف: "إطلاق الدابة على الأناسي بعيد من عرف اللغة، فكيف بالملائكة؟ والأول أصح، كما جاء في قوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} إلى قوله: {وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ} [البقرة: 164]، فدل هذا على اختصاص الدواب بالأرض".

وقال صاحب "الإنصاف": ذكر الزمخشري في قوله: {بَثَّ} قولين: أحدهما: أنه معطوف على {فَأَحْيَا} ، أي: فأحيا وبث فيها من كل دابة، لأن الماء سبب حياة الحيوان، إذ به ينبت العشب الذي به حياتهم، فعلى هذا لا حجة لصاحب "الانتصاف" في الآية، إذ المراد ذكر الماء وما حصل منه من النبات وحياة الحيوان. والثاني: أن يعطف على {أَنْزَلَ} ، فيكون

?

ص: 61

{إِذَا} تدخل على المضارع كما تدخل على الماضي، قال الله تعالى:{وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى} [الليل: 1]، ومنه {إِذَا يَشاءُ} ، وقال الشاعر:

وإذا ما أشاء أبعث منها .... آخر اللّيل ناشطًا مذعورًا

[{وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ * وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ} 30 - 31]

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فيه بعض التمسك، وإن كان تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفيه عما عداهن لاسيما إذا كان ضميرًا يعود على اسم جامد، فقوله:{فِيهَا} يعود على {الْأَرْضِ} ، ولم يخالف في مفهوم الاسم الجامد إلا أبو بكر الدقاق، فلا تبنى الحجة على مثل هذا الجرف الهاوي".

وقلت: لابد من اعتبار بث الملائكة في السماوات؛ لأن مقام العظمة والكبرياء والقدرة التامة ونفاذ المشيئة يوجب التهاون والتحقير، كأنه قيل: وما بث فيهما من كل متحرك ذي روح، وكثيرًا ما تستعمل لفظة "ما" -التي لغير ذوي العقول- فيهم تحقيرًا، ولتتميم هذا المعنى عبر عن إتيان الأمر الواقع الجازم وقوعه، بل الواجب لوعده، وهو القيامة، بقوله:{وهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ} ، قال محيي السنة:"المراد بجمعهم: الجمع يوم القيامة".

قوله: ({إِذَا} تدخل على المضارع كما تدخل على الماضي): يعني: إذا كان بمعنى الوقت {إذَا يَشَاءُ} أي: في أي وقت يشاء.

وأما: "إذا ما أشاء أبعث منها" البيت: "الناشط": الثور الوحشي الذي يخرج من بلد إلى بلد لشيء خافه، وهو يعدو أشد العدو، والضمير في "منها" للناقة، و"المذعور": المخوف،

?

ص: 62

في مصاحف أهل العراق: {فَبِما كَسَبَتْ} بإثبات الفاء على تضمين «ما» معنى الشرط، وفي مصاحف أهل المدينة:«بما كسبت» بغير فاء، على أنّ «ما» مبتدأة، و"بما كسبت" خبرها من غير تضمين معنى الشرط، والآية مخصوصة بالمجرمين، ولا يمتنع أن يستوفي الله بعض عقاب المجرم ويعفو عن بعض، فأمّا من لا جرم له؛ كالأنبياء والأطفال والمجانين، فهؤلاء إذا أصابهم شيء من ألم أو غيره، فللعوض الموفى والمصلحة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

و"من" -في "منها"-: تجريدية، نحو: هيجت من فلان أسدًا، جرد الشاعر من الناقة شيئًا يسمى ناشطًا مذعورًا. والبيت لكعب بن زهير.

قوله: (في مصاحف أهل العراق: {فَبِمَا كَسَبَتْ}): قال صاحب "التيسير": "قرأ نافع وابن عامر: "بما كسبت أيديكم" بغير فاء، والباقون: {فَبِمَا} "، قال الزجاج:"بالفاء أجود للمجازاة"، قال أبو البقاء:"من حذف الفاء حمله على قوله: {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} [الأنعام: 121] "، ثم قال:"حذف الفاء من الجواب حسن إذا كان الشرط بلفظ الماضي"، ويجوز أ، تجعل "ما" بمعنى "الذي" في هذا المذهب، وفيه ضعف.

قوله: (فأما من لا جزم له كالأنبياء) إلى آخره: على تقدير سؤال، أي: إذا كانت الآية مخصوصة بالمجرمين، وأن ما أصابهم من مصيبة فبما كسبت أيديهم، فما لنا نرى الأنبياء والأطفال تصيبهم مصائب ولا جرم لهم؟ فأجاب: أن ذلك لأجل الأعواض، أي: يعوضهم في الآخرة العوض التام، أو يكون بناء لمصالح دينية، على ما عرف من مذهبه.

?

ص: 63

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من اختلاج عرق، ولا خدش عود، ولا نكبة حجر، إلا بذنب، ولما يعفو الله عنه أكثر» .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الانتصاف: "عند هذه يبلس القدرية، فإنهم حملوا {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48 و 116] على التائب، وذلك لا يمكن هاهنا، وذلك لا يمكن هاهنا؛ لأنه قد بعض العفو، أي قال: {عَن كَثِيرٍ}، فإن كان تائبًا وجب العفو عن جميع ذنوبه، وغلا وجب الأخذ بالجميع بزعمه، فدل على أن العفو راجع غلى المشيئة، وقول الزمخشري: "إن الآلام لها أعواض"، فهو يريد وجوبها على الله، وقد أخطأ فرعًا وأصلًا؛ لأن المعتزلة وإن أخطأت في إيجاب العوض، لم يقولوه في الأطفال والمجانين، فإن القاضي أبا بكر ألزمهم قبح إيلام الأطفال والبهائم، وقال: لا أعواض لها، وليس مرتبًا على استحقاق سابق، وهذا الإلزام إنما يتم بموافقتهم له".

قوله: (ما من اختلاج عرق) إلى قوله: (ولما يعفو الله عنه أكثر): روى الترمذي عن أبي موسى: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يصيب عبدًا نكبة فما فوقها أو دونها إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر، وقرأ: {ومَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ} الآية". وروى نحوه أحمد بن حنبل عن علي رضي الله عنه.

?

ص: 64

وعن بعضهم: من لم يعلم أن ما وصل إليه من الفتن والمصائب باكتسابه، وأنّ ما عفا عنه مولاه أكثر، كان قليل النظر في إحسان ربه إليه. وعن آخر: العبد ملازم للجنايات في كل أوان، وجناياته في طاعاته أكثر من جناياته في معاصيه، لأنّ جناية المعصية من وجه وجناية الطاعة من وجوه، والله يطهر عبده من جناياته بأنواع من المصائب، ليخفف عنه أثقاله في القيامة، ولولا عفوه ورحمته لهلك في أوّل خطوة.

وعن علي رضي الله عنه وقد رفعه: «من عفي عنه في الدنيا عفي عنه في الآخرة، ومن عوقب في الدنيا لم تثن عليه العقوبة في الآخرة» ، وعنه رضي الله عنه:«هذه أرجى آية للمؤمنين في القرآن» .

{بِمُعْجِزِينَ} بفائتين ما قضي عليكم من المصائب، {مِنْ وَلِيٍّ} من متول بالرحمة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وجناية الطاعة من وجوه): منها: لا تخلو قط من نوع خلل فيها، ومنها: حصول الثواني، والتقصير في الأداء، ومنها: إعواز حضور القلب المطلوب منها، ومنها: شوائب الرياء التي هي أطعمها، ومنها: ما يلحقها من استعظام النفس والترفع.

قوله: (وعن علي رضي الله عنه، وقد رفعه) الحديث: من رواية الإمام أحمد بن حنبل في "مسنده" عن علي رضي الله عنه: "ألا أخبركم بأفضل آية في كتاب الله؟ حدثنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ {ومَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ويَعْفُو عَن كَثِيرٍ}، وسأفسرها لك يا على: ما أصابك من مرض أو عقوبة أو بلاء في الدنيا فبما كسبت أيديكم، والله أكرم من أن يثني عليهم العقوبة في الآخرة، وما عفا الله عنه في الدنيا، والله أعظم أن يعود بعد عفوه".

قوله: (من متول بالرحمة): قيد {وَلِيٍّ} بـ"الرحمة" لما قيد {بِمُعْجِزِينَ} بـ"المصائب"؛

?

ص: 65

[{وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ * إِنْ يَشَا يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ * أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ} 32 - 34]

(الْجَوارِي): السفن. وقرئ: {الجَوَارِ} ، {كَالْأَعْلامِ} كالجبال، قالت الخنساء:

كأنّه علم في رأسه نار

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لأن قوله: {ومَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ} الآية: كالتقرير لإثبات معنى العفو لله تعالى في قوله تعالى: {ويَعْفُو عَن كَثِيرٍ} ، أي: أن الله لشمول رحمته وعميم لطفه يعفو لكم عن كثير من المصائب، لأنكم لا قدرة لكم أن تفوتوا ما قضي عليكم من المصائب، ولا لكم أيضًا من دونه متول بالرحمة يرحمكم إذا أصابكم مصيبة، ولا ناصر غيره ينصركم منه، ولهذا جاء عن علي رضي الله عنه:"هذه أرجى آية للمؤمنين في القرآن".

قوله: (وقرئ: {الْجَوَارِ}): بغير ياء؛ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي.

قوله: (كأنه علم في رأسه نار): قبله:

وإن صخرًا لمولانا وسيدنا .... وإن صخرًا إذا نشتو لنحار

أغر أبلج تأتم الهداة به .... كأنه علم في رأسه نار

تمدح أخاها تقول: إذا دخل الشتاء والشدة ينحر الإبل للأضياف. "الأبلج": الطليق الوجه في المعروف، قولها:"في رأسه نار": تتميم لقولها: "كأنه علم".

?

ص: 66

وقرئ: "الرياح"، {فَيَظْلَلْنَ} بفتح اللام وكسرها؛

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وقرئ: "الرياح"): نافع، والباقون: بالتوحيد.

الانتصاف: "يقولون: أن "الريح" لم ترد في القرآن إلا عذابًا، بخلاف "الرياح"، وهذه الآية تحرم الإطلاق، لأنها هاهنا نعمة ورحمة، وسكونها شدة على أصحاب السفن، ولا ينكر أن الغالب في ورودها مفردة ما ذكروا، وكذا في قوله صلى الله عليه وسلم: "اللهم اجعلها رياحًا، ولا تجعلها ريحًا": بناء على الأغلب". قال صاحب "الإنصاف": "وكذلك جاء في القراءات السبعة: (الله الذي أرسل الريح)، (وهو الذي يرسل الريح)، والمراد بها: التي تثير السحاب".

قوله: ({فَيَظْلَلْنَ} بفتح اللام وكسرها): بالفتح: السبعة، والكسر: شاذ. قال ابن جني: "الكسر قراءة قتادة، وهي على: ظللت أظل؛ كفررت أفر، والمشهور فيها: فعلت أفعل؛ ظللت أظل، وأما ظللت أظل: فلم يمرر بنا، لكن قد مر نحو هذا: ضللت أضل، وضللت أضل، ولم يقرأ قتادة إلا بما روي، وأقل ما في هذا أن يكون قد سمع لغة".

?

ص: 67

من: ظل يظل ويظل، نحو: ضل يضل ويضل، {رَواكِدَ} ثوابت لا تجري، {عَلى ظَهْرِهِ} على ظهر البحر، {لِكُلِّ صَبَّارٍ} على بلاء الله، {شَكُورٍ} لنعمائه، وهما صفتا المؤمن المخلص، فجعلهما كناية عنه، وهو الذي وكل همته بالنظر في آيات الله، فهو يستملي منها العبر.

{يُوبِقْهُنَّ} يهلكهن، والمعنى: أنه إن يشأ يبتلي المسافرين في البحر بإحدى بليتين؛ إما أن يسكن الريح فيركد الجواري على متن البحر، ويمنعهن من الجري، وإما أن يرسل الريح عاصفة فيهلكهن إغراقًا بسبب ما كسبوا من الذنوب، {وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ} منها.

فإن قلت: علام عطف {يُوبِقْهُنَّ} ؟ قلت: على {يُسْكِنِ} ، لأنّ المعنى: إن يشأ يسكن الريح فيركدن، أو يعصفها فيغرقن بعصفها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وهما صفتا المؤمن): قال الإمام: "المؤمن لا يخلو من أن يكون في السراء والضراء، فإن كان في الضراء: كان من الصابرين، وإن كان في السراء: كان من الشاكرين"، روى محيي السنة في "المصابيح" عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"عرض على ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهبًا، فقلت: لا يا رب، ولكن أشبع يومًا وأجوع يومًا، فإذا جعت تضرعت إليك وذكرتك، وإذا شبعت حمدتك وشكرتك".

قوله: (فجعلهما كناية عنه): ونحوها قولك: الإنسان حي مستوي القامة عريض الأظفار. وأقول: حسن موقع هذه الكناية في هذا المقام: أن مواجب الصبر والشكر لم تتبين في سائر الحالات ظهوره في حالتي الركوب في البحر والخروج منه، كقوله تعالى:{حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ} [يونس: 22] الآيات.

قوله: (يستملي منها العبر)، الجوهري:"استمليت الكتاب: سألته أن يمليه علي".

?

ص: 68

فإن قلت: فما معنى إدخال العفو في حكم الإيباق حيث جزم جزمه؟ قلت: معناه: أو إن يشأ يهلك ناسًا وينج ناسًا على طريق العفو عنهم. فإن قلت: فمن قرأ "وَيَعْفُو"؟ قلت: قد استأنف الكلام.

[{وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِنا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ} 35]

فإن قلت: فما وجوه القراءات الثلاث في {وَيَعْلَمَ} ؟ قلت: أما الجزم فعلى ظاهر العطف، وأما الرفع فعلى الاستئناف، وأما النصب فللعطف على تعليل محذوف،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (فما وجوه القراءات الثلاث في {وَيَعْلَمَ}؟ ): الرفع: قراءة نافع وابن عامر، والنصب: الباقون، والجزم: شاذ.

أما الجزم: فعلى ظاهر العطف، فيكون التشريك بينهما في المسببية، وأما الرفع: فهو ما ذكره ابن الحاجب: إما أن يقصد إلى عطف الجملة على موضع الجزم المتقدم، باعتبار كونها جملة، لا باعتبار عطف مجرد الفعل، فعلى هذا يكونان أيضًا مشتركين في المسببية، أو يكون إخبارًا بوقوع ذلك، لا على تشريك بينه وبين ما قبله. وهو المراد من قول المصنف:"فعلى الاستئناف".

وقلت: مرجع الاستئناف أيضًا إلى التعليل، وتفويض استفادته إلى الذهن، وهذا البحث قريب مما في "المفصل":" {أَوْ يُسْلِمُونَ} [الفتح: 16]: بالنصب غلى إضمار "أن"، والرفع على الاشتراك بين {يُسْلِمُونَ} و {تُقَاتِلُونَهُمْ}، أو على الابتداء"، في "الإقليد": أن أردت الابتداء قدرت: "أو هم يسلمون"، فالمعنى: أن المؤمنين هم المتولون للقتال، وسيجيء الكلام فيه مستقصى.

?

ص: 69

تقديره: لينتقم منهم ويعلم الذين يجادلون، ونحوه في العطف على التعليل المحذوف غير عزيز في القرآن، منه قوله تعالى:{وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ {[مريم: 21]، وقوله تعالى: {وَخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ} [الجاثية: 22].

وأما قول الزجاج: النصب على إضمار "أن"، لأنّ قبلها جزاء؛ تقول: ما تصنع أصنع مثله وأكرمك، وإن شئت: وأكرمك؛ على: وأنا أكرمك، وإن شئت: وأكرمك؛ جزمًا، ففيه نظر؛ لما أورده سيبويه في "كتابه"، قال: "واعلم أنّ النصب بالفاء والواو في قوله: إن تأتني آتك وأعطيك، ضعيف، وهو نحو من قوله:

وألحق بالحجاز فأستريحا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: ({وَلِنَجْعَلَهُ آَيَةً لِلنَّاسِ}): يعني: في "مريم"، وتقديره: لنبين به قدرتنا ولنجعله آية.

قوله: ({وَلِتُجْزَى}): أي: في "الجاثية"، تقديره: وخلق السماوات والأرض ليدل بها على قدرته ولتجزى كل نفس.

قوله: (وألحق بالحجاز فأستريحا): أوله:

سأترك منزلي لبني تميم

نصب "ألحق" وهو ضعيف؛ لأنه ليس في جواب الأشياء الستة.

?

ص: 70

فهذا يجوز، وليس بحدّ الكلام ولا وجهه، إلا أنه في الجزاء صار أقوى قليلًا، لأنه ليس بواجب أنه يفعل، إلا أن يكون من الأوّل فعل، فلما ضارع الذي لا يوجبه، كالاستفهام ونحوه، أجازوا فيه هذا على ضعفه"، انتهى.

ولا يجوز أن تحمل القراءة المستفيضة على وجه ضعيف ليس بحدّ الكلام ولا وجهه، ولو كانت من هذا الباب لما أخلى سيبويه منها "كتابه"، وقد ذكر نظائرها من الآيات المشكلة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وليس بحد الكلام ولا وجهه): قيل: أراد بالحد: الجواز، وبالوجه: الحسن، ويمكن أن يراد بالحد: الثابت المقرر والمؤصل، وبالوجه: ما يحمل عليه شيء لمشابهته له.

قوله: (لأنه ليس بواجب أنه يفعل، إلا أن يكون في الأول فعل، فلما ضارع الذي لا يوجبه كالاستفهام ونحوه، أجازوا): يعني: أن فعل الجزاء يشبه الإنشائيات في أنه غير ثابت إلا أن يثبت الشرط، فجاز لهذا أن يجاب بما تجاب به الأشياء الستة، لأنها ليست بثباته، لكن على ضعفه.

وأما البيت: فهو خبر محض، فلا يجوز، اللهم إلا أن يقال: أن قوله: "سأترك" فعل مضارع، والمضارع أيضًا غير ثابت كالتمني والترجي، فلذلك جاز أن ينتصب "ألحق"، وقيل: التقدير: "وشأني أن ألحق"، فحذف المبتدأ، وقيل في قوله سيبويه:"إن النصب بالفاء والواو" إلى آخره: بحث؛ لأن المراد بالضعيف في مثل هذا الموضع قلة وروده في كلام الفصحاء، ونحن نقول: إذا ورد مثله في كلام الله المجيد فالوجه أن يتمسك به، ويجعل قويًا، فإنه المعيار والمهيمن على جميع الكتب.

?

ص: 71

فإن قلت: فكيف يصح المعنى على جزم "وَيَعْلَمَ" قلت: كأنه قال: أو إن يشأ يجمع بين ثلاثة أمور؛ هلاك قوم ونجاة قوم وتحذير آخرين.

{مِنْ مَحِيصٍ} من محيد عن عقابه.

[{فَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} 36]

"ما" الأولى ضمنت معنى الشرط، فجاءت الفاء في جوابها، بخلاف الثانية، عن علي رضي الله عنه: اجتمع لأبي بكر رضي الله عنه مال، فتصدق به كله في سبيل الله والخير، فلامه المسلمون، وخطأه الكافرون، فنزلت.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (فكيف يصح المعنى على جزم "ويعلم"؟ ): يعني: يرجع معنى الجزم إلى قوله: "ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام، أن يشأ يعلم الذين يجادلون في آياتنا"، فما معناه؟ وأجاب: بأن معناه التحذير، وتقريره أن يقال: ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام، أن يشأ يهلك المؤمن العاصي بسبب عصيانه، ويعف عن كثير، لشمول رحمته وعميم لطفه، وإن يشأ ينتقم من الكافر بكفره، ويجازيه على صرف آيات الله المنبثة في الآفاق على اختلاف أنواعها وحيًا ونظرًا عن مواقعها، ولكن أمهل لصبره وحمله، فكما عبر عن المؤمن بقوله:{صَبَّارٍ شَكُورٍ} ، عبر عن الكافر بقوله:{الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا} ، نعم جاء ذكر الكافر مستطردًا لذكر العاصي وعصيانه، لأن "يعفو عن كثير" في الآيتين: وارد في حق المؤمنين، -كما مر- والله أعلم.

قوله: ("ما" الأولى ضمنت معنى الشرط): من حيث أن إيتاء ما أوتوا سبب للتمتع في الحياة الدنيا، فجاءت الفاء في جوابها، وأما "ما" الثانية: فموصولة مبتدأ، والخبر {خَيْرٌ} ، المعنى: وما استقر عند الله من الثواب في العقبى خير للمؤمنين المتوكلين المجتنبين كبائر الإثم

?

ص: 72

[{وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ} 37]

{وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ} عطف على {الَّذِينَ آمَنُوا} ، وكذلك ما بعده. ومعنى {كَبائِرَ الْإِثْمِ} الكبائر من هذا الجنس، وقرئ:"كبير الإثم"، وعن ابن عباس: كبير الإثم هو الشرك. {هُمْ يَغْفِرُونَ} أي: هم الأخصاء بالغفران في حال الغضب، لا يغول الغضب أحلامهم كما يغول حلوم الناس، والمجيء ب {هُمْ} ، وإيقاعه مبتدأ، وإسناد {يَغْفِرُونَ} إليه: لهذه الفائدة، ومثله:{هُمْ يَنْتَصِرُونَ} [الشورى: 39].

[{وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ} 38]

{وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ} نزلت في الأنصار، دعاهم الله عز وجل للإيمان به وطاعته، فاستجابوا له بأن آمنوا به وأطاعوه، {وَأَقامُوا الصَّلاةَ} وأتموا الصلوات الخمس، وكانوا قبل الإسلام وقبل مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، إذا كان بهم أمر اجتمعوا وتشاوروا، فأثنى الله عليهم،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الكاظمين الغيظ المستجيبين لربهم. هذا هو الذي عناه بقوله: " {والَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ} عطف على {لِلَّذِينَ آمَنُوا}، وكذلك ما بعده".

قوله: (لا يغول الغضب أحلامهم)، الجوهري:"كل ما اغتال الإنسان فأهلكه: فهو غول، و"الغضب غول الحلم"؛ لأنه يغتاله ويذهب به".

قوله: (وكانوا قبل الإسلام إذا كان بينهم أمر اجتمعوا وتشاوروا): يريد: أن قوله: {وأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} جملة اسمية عطفت على الفعلية، وعطفت عليها الفعلية، فآذن بأن مضمونها مستمر منهم، وهو دأبهم وعادتهم قبل استجابتهم لربهم، وقبل إقامة الصلاة والإنفاق في سبيل الله؛ لاستحداثهم إياها بعد المشورة. وفيها أيضًا حمل المصدر على الأمر والشأن للمبالغة، أي: أمرهم وشأنهم ذو مشورة، أو ذات مشورة، أو عينها، وفيها أن أمورهم مبينة على الرشد والصلاح لما تقرر أنه ما تشاور قوم إلا هدوا لأرشد أمرهم.

?

ص: 73

أي: لا ينفردون برأي حتى يجتمعوا عليه. وعن الحسن: ما تشاور قوم إلا هدوا لأرشد أمرهم، والشورى: مصدر، كالفتيا، بمعنى التشاور.

ومعنى قوله: {وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ} أي: ذو شورى، وكذلك قولهم: ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمر بن الخطاب رضي الله عنه الخلافة شورى.

[{وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ} 39]

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (والشورى: مصدر، كالفتيا): الجوهري: "استفتيت الفقيه فأفتاني، والاسم: الفتيا والفتوى".

الراغب: "المشورة: استخراج الرأي بمراجعة البعض إلى البعض، من: شرت العسل وأشرته: استخرجته. والشورى: الأمر الذي يتشاور فيه".

قوله: (ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمر بن الخطاب رضي الله عنه: وكان من حديثه على ما جاء في "التاريخ الكامل": "أن عمر رضي الله عنه لما طعن، قيل له: استخلف، فقال: لو كان أبو عبيدة حيًا لاستخلفته وقلت لربي أن سألني: سمعت نبيك يقول: "إنه أمين هذه الأمة"، ولو كان سالم مولى أبي حذيفة حيًا لاستخلفته وقلت لربي أن سألني: سمعت نبيك يقول: "إن سالمًا شديد الحب لله"، فقال له رجل: أدلك على عبد الله بن عمر، فقال: قاتلك الله، ما أردت بهذا، ويحك؟ كيف أستخلف رجلًا عجز عن طلاق امرأته؟ ولا أرب لنا في أموركم، ما حمدتها لأرغب فيها لأحد من أهل بيتي، أن كان خيرًا فقد أصبنا منه، وإن كان شرًا فقد صرف عنا، حسب آل عمر أن يحاسب منهم رجل واحد، ويسأل عن أمر أمة محمد، أما لقد جهدت نفسي، وحرمت أهلي، وإن نجوت كفافًا، لا وزر ولا أجر إني لسعيد،

?

ص: 74

هو أن يقتصروا في الانتصار على ما جعله الله لهم ولا يعتدوا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أنظر؛ فإن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني -يعني: أبا بكر رضي الله عنه، وإن أترك فقد ترك من هو خير مني- يعني: رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولن يضيع الله دينه.

فخرجوا، ثم راحوا، فقالوا: يا أمير المؤمنين، لو عهدت عهدًا، فقال: لقد كنت أجمعت بعد مقالتي أن أولي رجلًا هو أجرؤكم أن يحملكم على الحق، وأشار إلى علي رضي الله عنه، فرهقتني غشية، فرأيت رجلًا دخل جنة، فجعل يقطف كل غضة ويانعة، فيضمه إليه ويصيره تحته، فعلمت أن الله غالب [على] أمره، فما أردت أن أتحملها حيًا ميتًا، عليكم بهؤلاء الرهط الذين قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إنهم من أهل الجنة"؛ علي وعثمان وسعد والزبير وطلحة وعبد الرحمن، فليختاروا منهم رجلًا، فإذا ولوا رجلًا فأحسنوا مؤازرته وأعينوه"؛ إلى آخر القصة.

فإن قلت: أي الأمرين أولى؟ قلت: الذي اختاره رضي الله عنه، ولعل نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم في ترك الأمر شورى إلى أن الأمر نبوة لا ملك، وأن أمته أخيار إنما يختارون ما هو الدين ورضا الله، دون هوى الأنفس، ألا ترى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بم قابل الشورى في قوله:"إذا كان أمراؤكم خياركم، وأغنياؤكم أسخياءكم، وأمركم شورى بينكم، فظهر الأرض خير لكم من بطنها، وإذا كان أمراؤكم شراركم، وأغنياؤكم بخلاءكم، وأمركم إلى نسائكم، فبطن الأرض خير لكم من ظهرها"، وفي الآية إيماء إلى هذا المعنى، والله أعلم.

قوله: (هو أن يقتصروا في الانتصار على ما جعله الله لهم، ولا يعتدوا): يعني: دل التركيب على مزيد اختصاصهم بالانتصار، وذلك لمجيء الضمير وإيقاعه مبتدأ، وإسناد

?

ص: 75

وعن النخعي: أنه كان إذا قرأها قال: كانوا يكرهون أن يذلوا أنفسهم فيجترئ عليهم الفساق. فإن قلت: أهم محمودون على الانتصار؟ قلت: نعم، لأنّ من أخذ حقه غير متعد حدّ الله وما أمر به، فلم يسرف في القتل إن كان ولي دم، أو رد على سفيه، محاماة على عرضه وردعًا له، فهو مطيع، وكل مطيع محمود.

[{وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} 40]

كلتا الفعلتين الأولى وجزاؤها سيئة، لأنها تسوء من تنزل به،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

{يَنتَصِرُونَ} عليه، ومثله {وإذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ} [الشورى: 37]، وعليه قول الشاعر:

جلوس في مجالسهم رزان .... وإن ضيف ألم فهم خفوف

ويبعد أن يجعل من باب تقوى الحكم، لأنه إذا قيل: هم يغفرون البتة، فهم أنهم لا يتجاوزون إلى الانتصار، وإذا قيل: هم ينتصرون قطعًا، فهم: أنهم لا يغفرون البتة.

وقال القاضي: " {هُمْ يَنتَصِرُونَ} على ما جعله الله لهم كراهة التذلل، وهو وصفهم بالشجاعة بعد وصفهم بسائر أمهات الفصائل، وهو لا يخالف وصفهم بالغفران، فإن الاقتصار على الغفران ينبئ عن العجز، والحلم عن العاجز محمود، وعن المتغلب مذموم".

وقلت: مثله قوله تعالى: {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} [المائدة: 54]، فهو من باب التكميل.

قوله: (كلتا الفعلتين الأولى وجزاؤها سيئة؛ لأنها تسوء من تنزل به): وقلت: بل تسوء المجازي؛ لأن القصد هو تحريض العفو والتجاوز، فسمي الجزاء بالسيئة تهجينًا، فهو من باب "حسنات الأبرار سيئات المقربين"، لا من باب المشاكلة، وذلك أنه تعالى لما أثبت للذين آمنوا

?

ص: 76

قال الله تعالى: {وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ} [النساء: 78]، يريد: ما يسوءهم من المصائب والبلايا، والمعنى: أنه يجب إذا قوبلت الإساءة أن تقابل بمثلها من غير زيادة، فإذا قال: أخزاك الله، قال: أخزاك الله.

{فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ} بينه وبين خصمه بالعفو والإغضاء، كما قال:{فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت: 34]، {فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} . عدة مبهمة لا يقاس أمرها في العظم، وقوله:{إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} دلالة على أن الانتصار لا يكاد يؤمن فيه تجاوز السيئة والاعتداء، خصوصًا في حال الحرد والتهاب الحمية، فربما كان المجازى من الظالمين وهو لا يشعر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وعلى ربهم يتوكلون صفتين، وأن حالهم تارة إذا ما غضبوا هم يغفرون، وأخرى إذا أصابهم البغي هم ينتصرون، أرشدهم إلى خير الفضيلتين وأولى الحسنتين، فقال:{وجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} ، ولهذا ختم الآيات بقوله:{ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} ، أي: لمن معزومات الأمور، ومن شيم أولي العزم من الرسل.

النهاية: "العزم يجيء لمعنيين؛ بمعنى الجد والصبر، وبمعنى الفرائض".

قوله: (فربما كان المجازي من الظالمين وهو لا يشعر): وقلت: فعلى هذا يكون قوله: {فَمَنْ عَفَا وأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} اعتراضًا، والفاء مانعة منه، ويمكن أن يقال: أن المجازي لما نسب إلى المساءة في قوله: {وجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} -كما تقرر-، والمسيء في هذا المقام مفسد لما في البين، بدليل قوله:{فَمَنْ عَفَا وأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} ، علل مفهوم ذلك بقوله:{إنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} ، كأنه قيل: من أخرج نفسه بالعفو والإصلاح من الانتساب إلى السيئة والإفساد: كان مقسطًا-أي: سالبًا عن نفسه القسط، أي: الجور-، {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}. فوضع موضعه:{فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} ، وهو كما قال:"عدة مبهمة". ومن اشتغل بالمجازاة، وانتسب إلى السيئة، وأفسد ما في البين، وحرم على نفسه ذلك الأجر الجزيل: كان ظالمًا على نفسه {إنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} .

?

ص: 77

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقريب منه قوله تعالى: {وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ * لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} [الروم: 44 - 45]، قال رحمه الله:"وتكرير {الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}، وترك الضمير إلى الصريح؛ لتقرير أنه لا يفلح عنده إلا المؤمن الصالح، وقوله: {لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} تقرير بعد تقرير على الطرد والعكس".

ويمكن أن يحمل كلام المصنف على هذا المعنى، وذلك أنه استشهد بقوله:{فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت: 34]، وهو قد عقب قوله:{وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [فصلت: 34]، وقد ذكر أن الحسنة والسيئة متفاوتتان في أنفسهما، فخذ بالحسنة التي هي أحسن من أختها، ومثال ذلك: رجل أساء إليك إساءة، فالحسنة أن تعفو عنه، والتي هي أحسن أن تحسن إليه مكان إساءته إليك.

فإن قلت: فعلى هذا كيف يلتئم قوله: {ولَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ} بما قبله، فإنه تعالى رفع عنهم كل جرح وضيق بتنكير {سَبِيلٍ} ؛ لشيوعه، فضلًا عن الظلم؟ قلت: تلك الآية واردة في شأن المظلوم، وإرشاد له إلى مكارم الأخلاق، وإيثار طريق المرسلين كما سبق، وهذه خطاب للولاة والحكام وتعليم فعل ما ينبغي فعله، بدليل قوله: {إنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ

أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}، حيث أعاد "السبيل" المنكر بالتعريف، وعلق به {يَظْلِمُونَ النَّاسَ} ، وفسره بقوله:{عَذَابٌ أَلِيمٌ} .

ويعضده تفسير الإمام: "أي: ما عليهم من سبيل لعقوبة ومؤاخذة؛ لأنهم أتوا بما أبيح لهم من الانتصار، وفائدته: ما ذهب إليه الشافعي رضي الله عنه: أن سراية القود مهدرة؛ لأن الشرع أذن للمنتصر بالقطع، سواء سرى أو لم يسر".

?

ص: 78

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: "وإذا كان يوم القيامة نادى مناد: من كان له على الله أجر فليقم. قال: فيقوم خلق، فيقال لهم: ما أجركم على الله؟ فيقولون: نحن الذين عفونا عمن ظلمنا، فيقال لهم: ادخلوا الجنة بإذن الله".

[{وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ * إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ} 41 - 42]

{بَعْدَ ظُلْمِهِ} من إضافة المصدر إلى المفعول، وتفسره قراءة من قرأ:"بعد ما ظلم"، {فَأُولئِكَ} إشارة إلى معنى "مِنْ" دون لفظه، {مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ} للمعاقب ولا للعاتب والعائب.

{إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ} يبتدئونهم بالظلم، {وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ} يتكبرون فيها ويعلون ويفسدون.

[{وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} 43]

{وَلَمَنْ صَبَرَ} على الظلم والأذى، {وَغَفَرَ} ولم ينتصر وفوّض أمره إلى الله، {إِنَّ ذلِكَ} منه {لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} ، وحذف الراجع لأنه مفهوم، كما حذف من قولهم:"السمن منوان بدرهم".

ويحكى: أن رجلًا سب رجلًا في مجلس الحسن،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وأما قوله: {ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} : فتعليم للولاة طريق الحكم، يعني: أن صاحب الحق إذا عدل من الأولى، وانتصر من الظالم، فلا سبيل لكم عليه؛ لما قد رخص له ذلك، وإذا اختار الأفضل فلا سبيل لكم على الظالم؛ لأن عفو المظلوم من عزم الأمور، فتعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان.

قوله: (ويحكي: أن رجلًا سب رجلًا مثله): أورد الإمام أحمد بن حنبل في "مسنده"

?

ص: 79

فكان المسبوب يكظم، ويعرق فيمسح العرق، ثم قام فتلا هذه الآية، فقال الحسن: عقلها -والله- وفهمها إذ ضيعها الجاهلون. وقالوا: العفو مندوب إليه.

ثم الأمر قد ينعكس في بعض الأحوال، فيرجع ترك العفو مندوبًا إليه، وذلك إذا احتيج إلى كف زيادة البغي، وقطع مادة الأذى. وعن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل عليه، وهو أن زينب أسمعت عائشة بحضرته، وكان ينهاها فلا تنتهي،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عن أبي هريرة: "أن رجلًا شتم أبا بكر رضي الله عنه، والنبي صلى الله عليه وسلم جالس يتعجب ويبتسم، فلما أكثر رد عليه بعض قوله، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم وقام، فلحقه أبو بكر رضي الله عنه، قال: يا رسول الله، كان يشتمني وأنت جالس، فلما رددت عليه بعض قوله غضبت وقمت؟ قال: إنه كان معك ملك يرد عليه، فلما رددت عليه وقع الشيطان، فلم أكن لأقعد مع الشيطان".

قوله: (عقلها والله) أي: عمل بها. الأساس: "عقل فلان بعد الصبا، أي: عرف الخطأ الذي كان عليه".

قوله: (وهو أن زينت أسمعت عائشة) رضي الله عنهما: روينا عن أبي داود عن ابن عون قال: قالت عائشة رضي الله عنها: "دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعندنا زينب بنت جحش، فجعل يصنع بيده شيئًا، فقلت بيدي حتى فطنته لها، فأمسك، وأقبلت زينب تقحم لعائشة، فنهاها، فأبت أن تنتهي، فقال لعائشة: سبيها. فسبتها، فغلبتها"، الحديث.

"أسمعت": أي: سبت، يقال: أسمع فلان فلانًا؛ إذا سبه، قال تعالى:{وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ} [النساء: 46]؛ أي: غير مسبوب.

?

ص: 80

فقال لعائشة: «دونك فانتصرى» .

[{وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ} 44]

{وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ} ومن يخذل الله، {فَما لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ} فليس له من ناصر يتولاه من بعد خذلانه.

[{وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذابٍ مُقِيمٍ * وَما كانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِياءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ سَبِيلٍ} 45 - 46]

{خاشِعِينَ} متضائلين متقاصرين مما يلحقهم {مِنَ الذُّلِّ} ، وقد يعلق {مِنَ الذُّلِّ} بـ {يَنْظُرُونَ} ، ويوقف على {خَاشِعِينَ} .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الجوهري: "للخصومة قحم، أي: تقحم بصاحبها على ما يريده".

قوله: (دونك): أي: خذي، الجوهري:"يقال في الإغراء بالشيء: دونكه، وقال تميم للحجاج: أقبرنا صالحًا -وكان قد صلبه-، فقال: دونكموه".

ويوقف على {خَاشِعِينَ} ، وفي "الكواشي": يعرضون على النار خاشعين ذليلين، لا وقف هاهنا أن علقت {مِنَ الذُّلِّ} بـ {خَاشِعِينَ} ، وتقف على {الذُّلِّ} ، ويكون حسنًا أن استأنف ما بعد، وإن نصبته حالًا فلا أحبه، وتقف على {خَاشِعِينَ} أن علقت {مِنَ الذُّلِّ} بـ {يَنْظُرُونَ} . نحوه في "المرشد".

?

ص: 81

{يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ} أي: يبتدئ نظرهم من تحريك لأجفانهم ضعيف خفي بمسارقة، كما ترى المصبور ينظر إلى السيف، وهكذا نظر الناظر إلى المكاره، لا يقدر أن يفتح أجفانه عليها، ويملأ عينيه منها، كما يفعل في نظره إلى المحاب. وقيل: يحشرون عميًا فلا ينظرون إلا بقلوبهم، وذلك نظر من طرف خفي، وفيه تعسف.

{يَوْمَ الْقِيامَةِ} إما أن يتعلق بـ {خَسِرُوا} ، ويكون قوله المؤمنين واقعًا في الدنيا، وإما أن يتعلق بـ"قال"، أي: يقولون يوم القيامة إذا رأوهم على تلك الصفة.

[{اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَاتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ ما لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَما لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ} 47]

{مِنَ اللَّهِ} من صلة {لَا مَرَدَّ} ، أي: لا يرده الله بعد ما حكم به،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (كما ترى المصبور)، المغرب:"يقال للرجل إذا شدتيداه ورجلاه وأمسكه رجل آخر حتى يضرب عنقه: قتل صبرأ، ومنه: "نهى عن المصبورة"، وهي البهيمة المحبوسة على الموت".

قوله: (وإما أن يتعلق بـ"قال"): والمعنى على الأول: أيها الناظر تراهم يعرضون على النار خاشعين من الذل، وقد صدق فيهم قول المؤمنين في الدنيا: أن الخاسرين هم الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة.

وهاهنا وجه ثالث، وهو أن يتعلق بـ {خَسِرُوا} ، والقول واقع في القيامة، واختصاص ذكر القيامة للتهويل، وأن هذا الخسار لا خسار بعده، خسار ضربة لازب، يؤيده قوله:{أَلا إنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُّقِيمٍ} ، لأنه تذييل.

قوله: ({مِنَ اللهِ}: من صلة {لَا مَرَدَّ}): يجوز بالكسر وبالضم، والكسر أظهر من الضم في الموضعين.

?

ص: 82

أو من صلة {يأتِي} ، أي: من قبل أن يأتي من الله يوم لا يقدر أحد على ردّه، والنكير: الإنكار، أي: ما لكم من مخلص من العذاب، ولا تقدرون أن تنكروا شيئًا مما اقترفتموه ودوّن في صحائف أعمالكم.

[{فَإِنْ أَعْرَضُوا فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاغُ وَإِنَّا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ} 48]

أراد بـ"الإنسان": الجمع لا الواحد؛ لقوله: {وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ} ، ولم يرد إلا المجرمين، لأن إصابة السيئة بما قدّمت أيديهم إنما تستقيم فيهم، والرحمة: النعمة من الصحة والغنى والأمن، والسيئة: البلاء من المرض والفقر والمخاوف، والكفور: البليغ الكفران، ولم يقل: فإنه كفور؛ ليسجل على أن هذا الجنس موسوم بكفران النعم، كما قال:{إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} [إبراهيم: 34]، {إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ} [العاديات: 6]، والمعنى: أنه يذكر البلاء وينسى النعم ويغمطها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ولم يقل: فإنه كفور؛ ليسجل على أن هذا الجنس موسوم بكفران النعم): فالتعريف في "الإنسان" الأول: للعهد، وفي الثاني: للجنس، والقرنية الدالة على العهد قوله:{بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} ، والمغيبون: الكفار المخاطبون؛ لترتب قوله: {فَإنْ أَعْرَضُوا} على قوله: {اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُم} ، فهو من إقامة المظهر موضع المضمر؛ للإشعار بتصميمهم على الكفران، والإيذان بأنهم لا يرعوون مما هم فيه.

وأفرد الضمير في {فَرَحٍ} ، وجمع في {وإن تُصِبْهُمْ} ، وعم في {َإنَّ الإنسَانَ لَكَفُورٌ} ، لمفهوم واحد على الترقي في معنى: ليس ببدع من هذا الإنسان المعهود: الإصرار؛ لأن هذا

?

ص: 83

[{لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرانًا وَإِناثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ} 49 - 50]

لما ذكر إذاقة الإنسان الرحمة وإصابته بضدّها، أنبع ذلك أنّ له الملك، وأنه يقسم النعمة والبلاء كيف أراد، ويهب لعباده من الأولاد ما تقتضيه مشيئته، فيخص بعضًا بالإناث، وبعضًا بالذكور، وبعضًا بالصنفين جميعًا، ويعقم آخرين، فلا يهب لهم ولدًا قط.

فإن قلت: لم قدّم "الإناث" أوّلًا على "الذكور" مع تقدّمهم عليهنّ، ثم رجع فقدّمهم، ولم عرف "الذكور" بعد ما نكر "الإناث"؟ قلت: لأنه ذكر البلاء في آخر الآية الأولى، وكفران الإنسان بنسيانه الرحمة السابقة عنده، ثم عقبه بذكر ملكه ومشيئته،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الجنس موسوم بكفران النعم، فجعل ذم "الإنسان" الثاني المطلق دليلًا على ذم هذا المقيد، ولذلك قال:"ليسجل".

قوله: (لما ذكر إذاقة الإنسان الرحمة وإصابته بضدها، أتبع ذلك أن له الملك): شرع في بيان النظم، ولم يبين، وإنما المراد أن ليس موجب إذاقة النعمة من الله الفرح والبطر والأشر، بل هي موجبة للحمد والشكر لموليها، كما ليس إصابة السيئة منه تعالى سببًا للكفران، بل للإنابة والرجوع إلى منيلها، لأن له الملك والملكوت، وله التصرف في ملكه ما يشاء كيف يشاء، وليس على الإنسان إلا الشكر عند الآلاء، والصبر عند البلاء، وإليه الإشارة بقوله:"لأن سياق الكلام أنه فاعل ما يشاؤه، لا ما يشاؤه الإنسان".

قوله: _لأنه ذكر البلاء في آخر الآية الأولى) إلى آخره: قال صاحب "التقريب": وفيه بحث، إذ يمكن معارضته بأن الآية السابقة ذكر فيها الرحمة مقدمة على البلاء، فناسب هذا تقديم الذكور على الإناث، لا يقال: سياق الكلام أنه فاعل ما لا يشاؤه الإنسان، فكان ذكر ما لا يشاؤه الإنسان -وهو الإناث- أهم، فيكون أحق بالتقديم؛ لأنا نقول: السياق أنه لا يفعل ما يشاؤه الإنسان، لا أنه يفعل ما لا يشاؤه الإنسان.

?

ص: 84

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فإن قلت: إنه فاعل ما يشاؤه، وقد شاء تقديم الإناث. قلت: شاء لحكمة أولا لحكمة؟ فإن كان الثاني سقط أصل سؤال حكمة تقديم الإناث، وإن كان الأول كفت تلك الحكمة لتقديم الإناث، بدون هذا التطويل والتحمل. والأولى أن يقال: قدم الإناث توصية برعايتهن لضعفهن، لاسيما وقد كانوا قريبي العهد بالوأد.

وقال الزجاج: "ويجعل ما يهبه من الولد ذكرانًا وإناثًا، أي: يقرنهم، وكل شيئين يقترن أحدهما بالآخر فهما زوجان"، فالتقدير:{يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ إنَاثًا} يعني: البنات ليس معهن ذكر، {ويَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ} يعني: البنين ليس معهم أنثى، {أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وإنَاثًا} أي: يولد لرجل ذكور وإناث، {ويَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيمًا} لا ولد له.

وقال القاضي: " {يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ} بدل من {يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ} بدل البعض من الكل، والمعنى: يجعل أحوال العباد في الأولاد مختلفة على مقتضى المشيئة، يهب لبعض إما صنفًا واحدًا ذكرًا أو أنثى، أو الصنفين معًا، ويعقم آخرين، ولعل تقديم الإناث لأنها أكثر لتكثير النسل، أو لتطييب قلوب آبائهن، أو المحافظة على الفواصل، ولذلك عرف الذكور"، وذكر الوجهين اللذين في "الكشاف" أيضًا.

وقلت: أما قضية النظم: فإن قوله: {ِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ والأَرْض} وارد على نمط الآيات السابقة، وهي:{وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ} [الشورى: 25]، {وهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ} [الشورى: 28]، {ومِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ ومَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَابَّةٍ} [الشورى: 30]، ولما ذكر بث الحيوان، وأراد أن يبين كيفية البث قدم استبداده بالملك، واستقلاله بالملكوت، ثم ثنى بأنه خالق لما يشاء، فاعل لما يريد، له التصرف في ملكه ما يشاء كيف

?

ص: 85

وذكر قسمة الأولاد، فقدم الإناث لأنّ سياق الكلام أنه فاعل ما يشاؤه، لا ما يشاؤه الإنسان، فكان ذكر الإناث اللاتي من جملة ما لا يشاؤه الإنسان أهم، والأهم واجب التقديم، وليلي الجنس الذي كانت العرب تعدّه بلاء ذكر البلاء، وأخر الذكور، فلما أخرهم لذلك تدارك تأخيرهم -وهم أحقاء بالتقديم- بتعريفهم، لأن التعريف تنويه وتشهير، كأنه قال: ويهب لمن يشاء الفرسان الأعلام المذكورين الذين لا يخفون عليكم، ثم أعطى بعد ذلك كلا الجنسين حقه من التقديم والتأخير، وعرّف أن تقديمهنّ لم يكن لتقدّمهنّ، ولكن لمقتض آخر، فقال:{ذُكْرانًا وَإِناثًا} ، كما قال:{إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى} [الحجرات: 13]، {فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى} [القيامة: 39].

وقيل: نزلت في الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه، حيث وهب لشعيب ولوط إناثًا، ولإبراهيم ذكورًا، ولمحمد ذكورًا وإناثًا، وجعل يحيى وعيسى عقيمين.

{إِنَّهُ عَلِيمٌ} بمصالح العباد، {قَدِيرٌ} على تكوين ما يصلحهم.

[{وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ} 51]

{وَما كانَ لِبَشَرٍ} وما صح لأحد من البشر، {أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا} على ثلاثة أوجه: إما على طريق الوحي، وهو الإلهام والقذف في القلب أو المنام،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يشاء، ثم ثلث بقوله:{يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ} ، فترقى من ذلك العام إلى ذكر الإناث، ثم إلى إفراد الذكور، ثم إلى جمعهما، فلا يدخل في الكلام إرادة الإنسان وكراهته.

وأما قوله: {ويَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيمًا} : كالاستدراك وتتميم معنى الاستبداد، ولذلك غير العبارة إلى {ويَجْعَلُ مَن يَشَاءُ} ، ثم ذيل الكل وعلله بقوله:{إنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ} ؛ ليكون ذريعة إلى ذكر فضل من فضائل هذا النوع من المخلوق، ومنتهى كماله وغاية درجاته؛ {ومَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلاَّ وحْيًا} ليؤذن بأن المقصود من الخلق: البث والدعوة إلى الله والتوجه إليه والعبادة له، وختم السورة بذكر أفضلهم وأكملهم وأشرفهم صلوات الله عليه وعليهم أجمعين.

قوله: (إما على طريق الوحي، وهو الإلهام): الراغب: "أصل الوحي: الإشارة السريعة،

?

ص: 86

كما أوحى إلى أم موسى وإلى إبراهيم عليه السلام في ذبح ولده. وعن مجاهد: أوحى الله الزبور إلى داود عليه السلام في صدره، قال عبيد بن الأبرص:

وأوحى إلي الله أن قد تأمّروا .... بإبل أبي أوفى فقمت على رجل

أي: ألهمني وقذف في قلبي.

وإما على أن يسمعه كلامه الذي يخلقه في بعض الأجرام،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إما بالكلام رمزًا وتعريضًا، وإما بصوت مجرد عن التركيب، وبإشارة ببعض الجوارح والكتابة، ويقال للكلمة الإلهية التي تلقى إلى أنبيائه وأوليائه: وحي، وذلك أضرب حسب ما دل عليه قوله تعالى:{ومَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ} الآية، وذلك إما برسول مشاهد يرى ذاته ويسمع كلامه؛ كتبليغ جبريل عليه السلام لرسول الله صلى الله عليه وسلم في صورة معينة، وإما بسماع كلام من غير معاينة؛ كسماع موسى عليه السلام كلام الله، وإما بإلقاء في الروع، كما قال صلى الله عليه وسلم:"إن روح القدس نفث في روعي"، وإما بإلهام نحو:{وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ} [القصص: 7]، وإما بتسخير؛ كقوله تعالى:{وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ} [النحل: 68]، أو بمنام؛ كما قال صلى الله عليه وسلم:(انقطع الوحي وبقيت المبشرات: رؤيا المؤمن) ".

و"أوحى" في البيت: يقول: ألهمني الله تعالى أن قومًا استولوا وغصبوا إبل أبي أوفى، وصاروا أمراء عليها، فقمت بجد واجتهاد في مددهم لأردها عليهم، ويروى:"تأجروا".

قوله: (وإما على أن يسمعه كلامه الذي يخلقه في بعض الأجرام)، الانتصاف: "الحق أن

?

ص: 87

من غير أن يبصر السامع من يكلمه، لأنه في ذاته غير مرئي، وقوله:{مِنْ وَراءِ حِجابٍ} : مثل، أي: كما يكلم الملك المحتجب بعض خواصه، وهو من وراء الحجاب، فيسمع صوته ولا يرى شخصه، وذلك كما كلم موسى ويكلم الملائكة.

وإما على أن يرسل إليه رسولًا من الملائكة، فيوحي الملك إليه، كما كلم الأنبياء غير موسى. وقيل: وحيًا كما أوحى إلى الرسل بواسطة الملائكة.

{أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا} أي: نبيًا، كما كلم أمم الأنبياء على ألسنتهم.

و{وَحْيًا} و"أن يرسل": مصدران واقعان موقع الحال، لأنّ "أن يرسل" في معنى: إرسالًا. و {مِن وَرَاءِ حِجَابٍ} : ظرف واقع موقع الحال أيضًا -كقوله: {وَعَلى جُنُوبِهِمْ} [آل عمران: 191] والتقدير: وما صح أن يكلم أحدًا إلا موحيًا، أو مسمعًا من وراء حجاب، أو مرسلًا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كلام الله قديم، سمعه موسى، وسمعه نبينا صلوات الله عليهما، والحجاب المذكور باعتبار المخلوق لا باعتبار الخالق، ويستنبط من هذه الآية أن من حلف ألا يكلم فلانًا، فراسله حنث؛ لاستثنائه تعالى الإرسال من الكلام".

وقال القاضي: "معنى: {إلاَّ وحْيًا}: كلامًا خفيفًا يدرك بسرعة، ليس في ذاته مركبًا من حروف مقطعة تتوقف على تموجات متعاقبة، وهو أعم من المشافهة، كما روى في حديث المعراج، وكما اتفق لموسى عليه السلام في الطور، وقي قوله: {أَوْ مِن ورَاءِ حِجَابٍ} دليل على جواز الرؤية، لا على امتناعها".

قوله: (والتقدير: وما صح أن يكلم أحدًا إلا موحيًا، أو مسمعًا من وراء حجاب، أو مرسلًا): ها هنا سؤالان: أحدهما: أن قضية الترقي من الأدنى إلى الأعلى أن يكون قوله: {أَوْ

?

ص: 88

ويجوز أن يكون {وَحْيًا} ، موضوعًا موضع: كلامًا، لأنّ الوحي كلام خفي في سرعة، كما تقول: لا أكلمه إلا جهرًا وإلا خفاتًا، لأنّ الجهر والخفات ضربان من الكلام، وكذلك "إرسالًا"، جعل الكلام على لسان الرسول بمنزلة الكلام بغير واسطة، تقول: قلت لفلان كذا، وإنما قاله وكيلك أو رسولك. وقوله:{أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ} معناه: أو إسماعًا من وراء حجاب.

ومن جعل {وَحْيًا} في معنى: أن يوحي، وعطف {يُرْسِلَ} عليه،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مِن ورَاءِ حِجَابٍ} مؤخرًا عن قوله: {أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا} ، لأن المكالمة والرؤيا حصلت من وراء حجاب، وإنه أرفع منزلة من المراسلة، ولذلك مدح موسى عليه السلام بقوله:{وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: 164]، وسماه "كليمًا". وثانيهما: ما فائدة تغيير العبارات؟

وقلت -والعلم عند الله-: يمكن أن يقال: إنه لو حمل الوحي على ما قاله القاضي: " {إلاَّ وحْيًا}: كلامًا خفيًا ليس في ذاته مركبًا من حروف مقطعة، كما روي في حديث المعراج، وهو المشافهة"، المعني بقوله:{فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى} [النجم: 9]، لحصل منه التنزل، ولظهر منه الرمز في تقليل العبارات وخفي التلويحات، مرتبة غب مرتبة، بحسب قلة الوسائط وكثرتها، وما اجتمعت تلك المراتب الثلاث إلا لسيدنا صلوات الله عليه، حيث قال:{وكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا} الآية. والله أعلم بأسرار كلامه.

قوله: (ومن جعل {وَحْيًا} في معنى: أن يوحي): قال الزجاج: "قال سيبويه: سألت الخليل عن قوله: {أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا} بالنصب؟ فقال: هو محمول على أن سوى في هذه التي في قوله: {أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ} ، لما يلزم منه أن يقال: ما كان لبشر أن يرسل الله رسولًا، وذلك غير جائز، والمعنى: ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا بأن يوحي أو أن يرسل، ويجوز الرفع في

?

ص: 89

على معنى: {وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا} أي: إلا بأن يوحي أو بأن يرسل، فعليه أن يقدر قوله:{أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ} تقديرًا يطابقهما عليه، نحو: أو أن يسمع من وراء حجاب.

وقرئ: "أو يرسل رسولًا فيوحي" بالرفع؛ على: أو هو يرسل، أو بمعنى: مرسلًا، عطفًا على {وَحْيًا} في معنى: موحيًا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

"يرسل" على معنى الحال أي: موحيًا أو مرسلًا، وذلك كلامه، ومثل "أن يرسل" بالنصب: قول الحصين بن حمام المري:

ولولا رجال من رزام أعزة .... وآل سبيع أو أسوءك علقما"

وقال صاحب "الكشف": "من" -في {مِن ورَاءِ حِجَابٍ} -: تتعلق بمضمر، والتقدير: إلا موحيًا أو مكلمًا من وراء حجاب، فهو معطوف على {وَحْيًا} ، و"وحي": مصدر في موضع الحال، ولا تتعلق "من" بقوله:{أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ} ، لأنه قبل حرف الاستثناء، فلا يعمل فيما بعده، مع أنه جوز تعلقه به؛ لأنه ظرف، والظرف يعمل فيه الوهم، {أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا} في تقدير: أو أن يرسل، وهو عطف على "وحي"، أي: إلا وحيًا أو إرسال رسول، ولا يكون عطفًا على {أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ} ، لأنه فاسد.

قال مكي: "لأنه يلزمه نفي الرسل أو نفي المرسل إليهم".

قوله: (وقرئ: "أو يرسل رسولًا فيوحي" بالرفع): قرأها نافع.

?

ص: 90

وروي: أنّ اليهود قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: "ألا تكلم الله وتنظر إليه إن كنت نبيًا، كما كلمه موسى ونظر إليه، فإنا لن نؤمن لك حتى تفعل ذلك، فقال: لم ينظر موسى إلى الله، فنزلت". وعن عائشة رضي الله عنها: "من زعم أنّ محمدًا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية"، ثم قالت:"أو لم تسمعوا ربكم يقول" فتلت هذه الآية.

{إِنَّهُ عَلِيٌّ} عن صفات المخلوقين، {حَكِيمٌ} يجري أفعاله على موجب الحكمة، فيكلم تارة بواسطة، وأخرى بغير واسطة؛ إما إلهامًا، وإما خطابًا.

[{وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ} 52 - 53]

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وعن عائشة رضي الله عنها: روينا عن البخاري ومسلم والترمذي عن عائشة رضي الله عنها: "من زعم أن محمدًا رأى فقد كذب"، ثم قرأت:{لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الأنعام: 103]، {ومَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلاَّ وحْيًا أَوْ مِن ورَاءِ حِجَابٍ} ، وسيجيء الكلام فيه في "النجم" أن شاء الله تعالى.

قوله: ({إنَّهُ عَلِيٌّ} عن صفات المخلوقين، {حَكِيمٌ} تجري أفعاله على موجب الحكمة): يعني: هذه الفاصلة تعليل لما سبق، أي: ما صح لأحد من البشر أن يكلمه الله إلا على هذه الأوجه، والمعنى: كما أنه عز شأنه على عن أن يكون جنابه مشرع كل أحد، كذلك حكيم لا يصل إلى بيداء حكمته في إرسال الرسل وهم كل متوهم، ومن ثم نودي أفضل خلق الله وأكرمهم عليه بقوله:{مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الكِتَابُ ولا الإيمَانُ ولَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا} ، قال القاضي:" {حَكِيمٌ} يفعل ما تقتضيه حكمته، يكلم تارة بوسط، وتارة بغير وسط، إما عيانًا أو من وراء حجاب".

?

ص: 91

{رُوحًا مِنْ أَمْرِنا} يريد: ما أوحي إليه، لأن الخلق يحيون به في دينهم، كما يحيى الجسد بالروح.

فإن قلت: قد علم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان يدري ما القرآن قبل نزوله عليه، فما معنى قوله:{وَلَا الْإِيمانُ} ، والأنبياء لا يجوز عليهم إذا عقلوا وتمكنوا من النظر والاستدلال أن يخطئهم الإيمان بالله وتوحيده، ويجب أن يكونوا معصومين من ارتكاب الكبائر، ومن الصغائر التي فيها تنفير، قبل المبعث وبعده، فكيف لا يعصمون من الكفر؟

قلت: الإيمان اسم يتناول أشياء، بعضها الطريق إليه العقل، وبعضها الطريق إليه السمع، فعنى به ما الطريق إليه السمع دون العقل، وذاك ما كان له فيه علم حتى كسبه بالوحي، ألا ترى أنه قد فسر الإيمان في قوله تعالى:{وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ} [البقرة: 143] بالصلاة، لأنها بعض ما يتناوله الإيمان.

{مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا} من له لطف، ومن لا لطف له، فلا هداية تجدي عليه.

{صِراطِ اللَّهِ} بدل، وقرئ:"لتهدى"، أي: يهديك الله. وقرئ: "لتدعو".

عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ {حم * عسق} كان ممن تصلي عليه الملائكة، ويستغفرون لهـ ويسترحمون له» .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (الإيمان اسم يتناول أشياء): قال محيي السنة: " {مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الكِتَابُ ولا الإيمَانُ}: يعني: شرائع الإيمان ومعالمه، وأهل الأصول على أن الأنبياء مؤمنون قبل الوحي، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قبل الوحي على دين إبراهيم، ولم تتبين له شرائع دينه". وقال ابن الجوزي: "لم يرد به الإيمان الذي هو الإقرار بالله؛ لأن آباءه الذين ماتوا على الشرك كانوا يؤمنون بالله ويحجون له مع شركهم. وقال ابن قتيبة: لم تزل العرب على بقايا من دين إسماعيل، من ذلك الحج والختان وإيقاع الطلاق والغسل من الجنابة وتحريم ذوات

?

ص: 92

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المحارم بالقرابة والصهر، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما كانوا عليه من الإيمان بالله والعمل بشرائعهم تلك".

الانتصاف: "معتقد الزمخشري: أن فعل الطاعات من الإيمان، حتى يخرج تاركها ومرتكب الكبيرة من الإيمان، فظن أن هذه الآية حجة له، إذ لو كان لمجرد التوحيد والتصديق لما انتفى عن النبي صلى الله عليه وسلم قبل المبعث، لكونه مصدقًا قبل المبعث، فوجب حمل الإيمان المنفي على التصديق وفعل الطاعات التي لم تتحقق قبل النبوة. وجوابه: أن التصديق إنما يعنى به الإيمان عنه قبل الوحي".

قال مكي: " {مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الكِتَابُ}: "ما" الأولى: نفي، والثانية: استفهام، رفع بالابتداء، و {الكِتَابُ} الخبر، والجملة في موضع نصب بـ {تَدْرِي} ".

تمت السورة بحمد الله وعونه وحسن توفيقه

حامدًا ومصليًا على رسول الله.

* * *

?

ص: 93

‌سورة الزخرف

مكية، وهي تسع وثمانون آية

بسم الله الرحمن الرحيم

[{حم * وَالْكِتابِ الْمُبِينِ * إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ} 1 - 4]

أقسم بالكتاب المبين، وهو القرآن، وجعل قوله:{إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} جوابًا للقسم، وهو من الأيمان الحسنة البديعة؛ لتناسب القسم والمقسم عليه، وكونهما من واد واحد، ونظيره قول أبي تمام:

وثناياك إنّها إغريض

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

سورة الزخرف

مكية، وهي تسع وثمانون آية

بسم الله الرحمن الرحيم

قوله: (وثناياك إنها إغريض): تمامه لأبي تمام:

.... ولآل توم وبرق وميض

?

ص: 94

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وأقاح منور في بطاح هزه

في الصباح روض أريض

"الإغريض" والغريض: الطلع والبرد وكل أبيض طري، "توم": واحده: تومة، وهي حبة تعمل من الفضة كالدرة، وأرض أريضة: زكية، وأرضت الأرض -بالضم-: زكت.

قال صاحب "التقريب": المقسم به: ذات القرآن المصحح بالمعجز، والمقسم عليه: وصفه، وهو جعله عربيًا، فتغايرا، وفي قوله:"المقسم به ذات القرآن" نظر، لأنه وصف الكتاب بـ"المبين"، فأقسم تعالى بالكتاب المبين على إثبات كونه مبينًا؛ أي: عربيًا غير عجمي لكي تعقله العرب، فظهر أن المقسم به والمقسم عليه ليسا متغايرين، قال محيي السنة:"أقسم بالكتاب الذي أبان طريق الهدى من طرق الضلالة، وأبان ما تحتاج إليه الأمة من الشريعة {إنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًا} "، وقال الإمام:"التقدير: هذه {حم}، ثم ابتدأ وقال: {والْكِتَابِ المُبِينِ}، والمراد به: الكتابة والخط، أقسم بالكتابة لكثرة ما فيها من المنافع، فإن العلوم إنما تكاملت بسبب الخط، فإن المتقدم إذا استنبط علمًا أثبته في كتاب، وجاء المتأخر وزاد عليه، فتتكاثر بها الفوائد".

والمصنف سلك مسلك أهل الذوق، فإن المحب المستهتر لا يرى الدنيا إلا بعين محبوبه، ولا يؤثر عليه شيئًا، قال:

إن المحبة أمرها عجب

?

ص: 95

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كما أن الشاعر لما أراد المبالغة في وصف ثغر المحبوبة جعله مقسمًا به، ولما لم يكن عنده شيء أعز منه أقسم به عليه، ولعمري أن آل "حم" جدير بذلك، روينا عن الدرامي عن سعد بن إبراهيم قال:"كن الحواميم يسمين العرائس"، وروى الزجاج مرفوعًا:"مثل الحواميم في القرآن مثل الحبرات في الثياب".

وقال الحريري في "درة الغواص": "ووجه الكلام في "حواميم": ألا يقال: قرأت "حم"، بل: آل "حم"، وعن ابن مسعود: "آل (حم) ديباج القرآن"، وكما روى عنه أنه قال: "إذا وقعت في آل (حم) وقعت في روضات دمثات أتأنق فيهن"، قال الكميت في "الهاشيمات":

وجدنا لكم في آل حم آية .... نأولها منا تقي ومعرب

?

ص: 96

{الْمُبِينِ} البين للذين أنزل عليهم، لأنه بلغتهم وأساليبهم، وقيل: الواضح للمتدبرين، وقيل:{الْمُبِينِ} الذي أبان طرق الهدى من طرق الضلالة، وأبان ما تحتاج إليه الأمة في أبواب الديانة.

{جَعَلْناهُ} بمعنى: صيرناه؛ معدّى إلى مفعولين، أو بمعنى: خلقناه؛ معدّى إلى واحد، كقوله تعالى:{وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ {[الأنعام: 1]، و {قُرْآنًا عَرَبِيًّا} حال، و"لعلّ" مستعار لمعنى الإرادة؛ لتلاحظ معناها ومعنى الترجي، أي: خلقناه عربيًا غير عجمي إرادة أن تعقله العرب، ولئلا يقولوا: لولا فصلت آياته.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يعني: قوله: {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إلاَّ المَوَدَّةَ فِي القُرْبَى} [الشورى: 23] ".

قوله: (أو بمعنى: خلقناه): هذا التفسير يأباه ما ذهب إليه من تعظيم الكتاب، وقوله:"مقسمًا به وعليه"؛ لأنه من سمات النقص، ومن وصفه بقوله:{لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ} ، روى محيي السنة:"قد مضى سلف هذه الأمة وعلماء السنة على أن القرآن كلام الله ووحيه ليس بخالق ولا مخلوق، والقول بخلق القرآن ضلالة وبدعة لم يتكلم به أحد في عهد الصحابة والتابعين، وعن جعفر الصادق: أنه سئل عن القرآن فقال: أقول فيه ما يقول أبي وجدي: ليس بخالق ولا مخلوق، ولكنه كلام الله تعالى".

قوله: (و"لعل" مستعار بمعنى الإرادة): الانتصاف: "الصحيح أن معناه: لتكونوا بحيث يرجى منكم التعقل، وهو تأويل مطرد، قال سيبويه".

?

ص: 97

وقرئ: "إمّ الكتاب" بالكسر، وهو اللوح، كقوله تعالى:{بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ} [البروج: 21 - 22]، سمي بأم الكتاب؛ لأنه الأصل الذي أثبتت فيه الكتب، منه تنقل وتستنسخ، "علي" رفيع الشأن في الكتب؛ لكونه معجزًا من بينها، {حَكِيمٌ} ذو حكمة بالغة، أي: منزلته عندنا منزلة كتاب هما صفتاه، وهو مثبت في أم الكتاب هكذا.

[{أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ} 5]

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: ("علي"رفيع الشأن) يؤذن بأن قوله: {لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ} خبران لـ"إن"، وقوله:"منزلته عندنا منزلة كتاب هما صفتاه": يشعر بأنهما صفتان لكتاب آخر، وقوله:"وهو مثبت في أم الكتاب" على أن {فِي أُمِّ الكِتَابِ} أيضًا خبر، فكيف التأليف؟

قلت: تأليفه: أن هذا الكتاب -الذي لديكم أبان طريق الهدى، وأبان ما تحتاج إليه الأمة في أبواب الدنيا- بمنزلة عظيمة عندنا، بمنزلة كتاب موصوف بهذين الوصفين، وهو كونه رفيع الشأن ذا حكمة بالغة، وهو على هذا الوصف والبيان ومثبت في اللوح، والمراد بـ"كتاب هما صفتاه" هو هو، ففيه لمحة من التجريد.

قال صاحب "الكشف": " {لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ} خبران لـ"إن"، وقوله: {فِي أُمِّ الكِتَابِ} من صلة "علي"، أي: إنه لعلي في هذا المحل، وإنما كان ذلك لمكان اللام، نحوه قولك: أن زيدًا في الدار لقائم. وقال أبو البقاء: "{فِي أُمِّ الكِتَابِ} متعلق بـ {لَعَلِيٌّ} ، واللام لا تمنع ذلك". وال القاضي:" {فِي أُمِّ الكِتَابِ} متعلق بـ"علي" أو حال منه، و {لَدَيْنَا} بدل منه أو حال من {أُمِّ الكِتَابِ} ".

?

ص: 98

{أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا} بمعنى: أفننحي عنكم الذكر ونذوده عنكم، على سبيل المجاز، من قولهم: ضرب الغرائب عن الحوض، ومنه قول الحجاج: ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل، وقال طرفة:

أضرب عنك الهموم طارقها .... ضربك بالسّيف قونس الفرس

والفاء للعطف على محذوف، تقديره: أنهملكم فنضرب عنكم الذكر،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ونذوده عنكم، على سبيل المجاز): أي: الاستعارة التمثيلية، أستعار للتنحية "الضرب" الذي بمعنى الذياد، بعد أن شبه حالة هذه التنحية بحالة ذود غرائب الإبل عن الحوض، وبولغ فيه، ثم استعمل هنا ما كان مستعملًا هناك. قال الميداني:"ضربه ضرب غرائب الإبل، ويروى: أضربه ضرب غريبة الإبل، وذلك أن الغريبة تزدحم على الحياض عند الورد، وصاحب الحياض يطردها ويضربها بسبب إبله، ومنه قول الحجاج في خطبته يهدد أهل العراق: "والله لأضربنكم ضرب غرائب الإبل"، قال الأعشى:

كطوف الغريبة وسط الحياض .... تخاف الردى وتريد الجفار!

يضرب في دفع الظالم عن ظلمه بأشد ما يمكن".

قوله: (اضرب عنك الهموم) البيت: أي: "اضربن"، فحذفت النون الخفيفة، وحركت الباء بالفتح، و"طارقها": ما يطرق بالليل، وهو بدل اشتمال من "الهموم". و"القونس": منبت شعر الناصية، وهو عظم ناتئ بين أذني الفرس، والبيت يحتمل المشاكلة أيضًا.

?

ص: 99

إنكارًا لأن يكون الأمر على خلاف ما قدّم؛ من إنزاله الكتاب، وخلقه قرآنًا عربيًا، ليعقلوه ويعملوا بمواجبه.

و{صَفْحًا} على وجهين؛ إما مصدر؛ من: صفح عنه: إذا أعرض، منتصب على أنه مفعول له، على معنى: أفنعزل عنكم إنزال القرآن وإلزام الحجة به إعراضًا عنكم، وإمّا بمعنى الجانب؛ من قولهم: نظر إليه بصفح وجهه وصفح وجهه، على معنى: أفننحيه عنكم جانبًا، فينتصب على الظرف، كما تقول: ضعه جانبًا،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وخلقه قرآنًا عربيًا): يريد: أن "جعل" في قوله: {إنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًا} بمعنى: خلق، وربما تعذر له حين فسره في مقامه بمعنى الخلق، لكن إعادته هنا بمجرد التعصب والتبجح لمذهبه، هذا عند أهل الأصول سهل؛ لأنهم يوافقونهم في الحروف المتوالية والكلمات المتعاقبة، ونحن -معاشر السنة- نقتفي آثار السلف الصالح في الإمساك عن أمثال هذه الجرأة، وبذل الجهد في تعظيم جانب كلام الله المجيد، لاسيما وقد وضع {الذِّكْرَ} موضع الضمير، والمقام يقتضي التفخيم لقوله:{وإنَّهُ فِي أُمِّ الكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ} .

?

ص: 100

وامش جانبًا. وتعضده قراءة من قرأ: "صفحًا" بالضم، وفي هذه القراءة وجه آخر، وهو أن يكون تخفيف "صفح"؛ جمع "صفوح"، وينتصب على الحال، أي: صافحين معرضين.

{أَنْ كُنْتُمْ} أي: لأن كنتم، وقرئ:"إن كنتم"، و"إذ كنتم".

فإن قلت: كيف استقام معنى إن الشرطية، وقد كانوا مسرفين على البتّ؟ قلت: هو من الشرط الذي ذكرت أنه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وتعضده قراءة من قرأ "صفحًا"): لأنه -على هذا- ليس بمصدر، فلا يصلح أن يكون منصوبًا مفعولًا له. الجوهري:"نظر إليه بصفح وجهه، أي: بعرضه. قال أبو عبيدة: ضربه بصفح السيف، والعامة تقول مفتوحة، أي: بعرضه".

قوله: (تخفيف "صفح"، جمع "صفوح"): النهاية: "في حديث عائشة رضي الله عنها تصف أباها رضي الله عنه: "صفوح عن الجاهلين"، أي: كثير الصفح والعفو، وأصله من الإعراض بصفحة الوجه، كأنه أعرض بوجهه عن ذنبه، وهي من أبنية المبالغة".

الراغب: "صفح الشيء: عرضه وجانبه، كصفحة الوجه، وصفحة السيف. والصفح: ترك التثريب، وهو أبلغ من العفو، ولذلك قال تعالى: {فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَاتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ} [البقرة: 109]، وصفحت عنه: أوليته مني صفحة جميلة معرضًا عن ذنبه، أو لقيت صفحته متجافيًا عنه، أو تجاوزت الصفحة التي أثبت فيها ذنبه من الكتاب إلى غيرها، من قولك: تصفحت الكتاب".

قوله: ({أَنْ كُنْتُمْ}) نافع وحمزة والكسائي: بكسر الهمزة، والباقون: بفتحها.

?

ص: 101

يصدر عن المدل بصحة الأمر المتحقق لثبوته، كما يقول الأجير: إن كنت عملت لك فوفني حقي، وهو عالم بذلك، ولكنه يخيل في كلامه أن تفريطك في الخروج عن الحق فعل من له شك في الاستحقاق، مع وضوحه؛ استجهالًا له.

[{وَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ * وَما يَاتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ * فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ} 6 - 8]

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (عن المدل بصحة الأمر): أي: المتوثق. الأساس: "أدل على قرنه، وهو مدل بفضله وشجاعته، ومنه أسد مدل". المغرب: "التدلل: تفعل من الدلال والدالة، وهما الجرأة".

قوله: (استجهالًا له): وكذلك قوله: {أَن كُنتُمْ قَوْمًا مُّسْرِفِينَ} استجهالًا لهم في أنهم مع معرفتهم أن القرآن عربي مبين، وقد أبان طرق الهدى من طرق الضلالة، وأبان ما تحتاج إليه الأمة في أبواب الديانة، فرطوا فيه مثل تفريط من لم يعرف ذلك وشك فيه، فالتعريف في {الذِّكْرَ} للعهد الخارجي التقديري، لأن قوله:{قُرْآنًا عَرَبِيًا} في معنى الذكر، قال في سورة (ص):"أو ذكر ما يحتاج إليه في الدين من الشرائع وغيرها"، بل نضرب عن هذا التقدير صفحًا، ونقول: أن الذكر مظهر وضع مقام المضمر من غير لفظه السابق إشعارًا بالعلية، والمراد به الشرف والصيت، وأن هذا الشرط ليس من المثال المذكور في المتن في شيء، بل هو من قبيل قوله تعالى:{أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ} [القلم: 14] بالكسر على قراءة نافع من طريق الزبيدي، أي: لا تطع كل حلاف شارطًا يساره، وقوله تعالى:{إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 51]، فهو كالتعليل، فيوافق قراءة الفتح في {أَن كُنتُمْ} ، وإذ كنتم وأن المراد بالمسرفين: المستهزؤون بآيات الله وكتابه، لقوله بعده:{ومَا يَاتِيهِم مِّن نَّبِيٍّ إلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} ، فإنه تهديد مرتب عليه، وهذا ما

?

ص: 102

{وَما يَأتِيهِمْ} حكاية حال ماضية مستمرة، أي: كانوا على ذلك، وهذه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن استهزاء قومه.

الضمير في {أَشَدَّ مِنْهُمْ} للقوم المسرفين، لأنه صرف الخطاب عنهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره عنهم،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يقتضيه النظم الأنيق، وبيانه: أنهم لما استهزؤوا بكتاب الله واستخفوا به ليدفعوه عن أنفسهم عنادًا، فوصف الكتاب أولًا بقوله:{إنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًا} ، وثانيًا بقوله:{وإنَّهُ فِي أُمِّ الكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ} ، عقب ذلك كله منكرًا عليهم بقوله:{أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ} الآية، يعني: أنه في عالم الشهادة عربي فصيح بليغ، عجز عن الإتيان بمثله الجن والإنس، محتو على أسرار ومعان إذا تفكر فيها أولو الألباب حصلوا على البحر الخضم وكنوز الحكم، وأنه في عالم الغيب لدى الملك ذي الجبروت على المرتبة رفيع الشأن، فإذا كان كذلك وجب أن يشرف قدره، ويعظم شأنه ويتغلغل صيته في كل مدر ووبر، فبسببكم نتركه مهملًا ونضرب عنكم ذكره صفحًا؟ ! كلا.

فالهمزة أقمحت بين السبب والمسبب لمزيد الإنكار، لأن {حم * والْكِتَابِ المُبِينِ} إلى آخرها، قسمية واردة لرد المنكرين كما ترى، وهو من الأيمان الحسنة؛ حيث أن المقسم به والمقسم عليه شيء واحد.

وما سلك هذا المسلك إلا ليؤذن بأن كتابًا هذا شأنه حقيق بأن يعزر ويكرم ولا يتجاوز عن الإقسام به.

قوله: (لأنه صرف الخطاب عنهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: يعني: خاطبهم بقوله: {أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَن كُنتُمْ قَوْمًا مُّسْرِفِينَ} ، يعني: أنهملكم فتضرب عنكم الذكر صفحًا بسبب استهزائكم، وفي إنزال هذا الكتاب العظيم سبب لحياة الخلائق أجمعين، بل لا نترككم، ونلزم به الحجة عليكم، فنهلككم كما أهلكنا من هو أشد منكم بطشًا، ولتسلية

?

ص: 103

{وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ} أي: سلف في القرآن في غير موضع منه ذكر قصتهم وحالهم العجيبة التي حقها أن تسير مسير المثل، وهذا وعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ووعيد لهم.

[{وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذلِكَ تُخْرَجُونَ} 9 - 11]

فإن قلت: قوله: {لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ} ، وما سرد من الأوصاف عقيبه، إن كان من قولهم، فما تصنع بقوله:{فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذلِكَ تُخْرَجُونَ} ، وإن كان من قول الله، فما وجهه؟ قلت: هو من قول الله لا من قولهم، ومعنى قوله:{لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ} . الذي من صفته كيت وكيت، لينسبنّ خلقها إلى الذي هذه أوصافه وليسندنه إليه.

{بِقَدَرٍ} بمقدار يسلم معه البلاد والعباد، ولم يكن طوفانًا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الرسول صلى الله عليه وسلم عن استهزائهم فيهم، أعرض عنهم والتفت إليه صلوات الله عليه قائلًا:{فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُم} ، وأتى بقوله:{وكَمْ أَرْسَلْنَا} الآيتين معترضًا بين المعطوف والمعطوف عليه، مؤكدًا لمعنى التسلية.

قوله: (لينسبن خلقها إلى الذي هذه أو صافه): ونظيره قوله تعالى: {فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ * الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ كَافِرُونَ} [الأعراف: 44 - 45]، فوصفهم وهم في النار بما عرف منهم في الدنيا، وكانوا منسوبين إليه. وإذا كان من كلام القوم فالمعنى: ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن: الله. وقولهم: "الله" متضمن لهذه الأوصاف ومستلزم لها، فكأنهم ذكروا عند ذكرهم هذا هذه الأوصاف كلها ضمنًا، والله تعالى يفسر قولهم:"الله" بهذه الأوصاف.

?

ص: 104

[{وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ * لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ} 12 - 14]

و{الْأَزْواجَ} الأصناف، {مَا تَرْكَبُونَ} أي: تركبونه. فإن قلت: يقال: ركبوا الأنعام، وركبوا في الفلك، وقد ذكر الجنسين، فكيف قال:"ما تركبونه"؟ قلت: غلب المتعدّي بغير واسطة لقوّته، على المتعدّي بواسطة،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

روى الأزهري عن أبي الهيثم أنه قال: لا يكون إلهًا حتى يكون معبودًا، وحتى يكون لعابده خالقًا ورازقًا ومدبرًا وعليه مقتدرًا، فمن لم يكن كذلك فليس بإله وإن عبد. وقال المالكي: أن "الله" علم للإله بالحق، جامع لمعاني الأسماء الحسنى، ما علم وما لم يعلم، ونظير تضمن اسم "الله" هذه المعاني في هذا المقام تضمن اسم "حاتم" الجود. روي عنه أنه قال: وهذا حسن، وله نظير عرفًا، وهو أن واحدًا لو أخبر مثلًا أن الشيخ قال كذا، وعنى بالشيخ زيدًا ثم لقيت زيدًا وقلت له: أن فلانًا أخبرني أن زيدًا قال كذا، مع أن فلانًا لم يجر على لسانه: زيدًا، وإنما قال: الشيخ، ولكنك ذكرت ألقابه وأوصافه، كذا هنا، الكفار يقولون:"خلقهن الله"، لا ينكرون ذلك، ثم أن الله ذكر صفاته، أي: أن الله الذي يحيلون عليه خلق السماوات: من صفته كيت وكيت.

الانتصاف: "بل بعضه من قولهم، وهو قوله: {خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ}، كقوله تعالى: {ولَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ والأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ}، ثم وصف الله نفسه بذلك، وسيق سياقًا واحدًا، فلذلك حذف الموصوف من كلامه، كما لو قلت لرجل: من أكرمك؟ فقال: أكرمني زيد. قلت لزيد وهو حاضر: أنت الجواد الكريم. ثم جاء أوله على الغيبة، وآخره على الانتقال إلى التكلم في قوله: "أنشرنا" افتنانًا في البلاغة، ومثله قول موسى: {لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى * الَّذِي جَعَلَ} إلى أن قال: {فَأَخْرَجْنَا بِهِ} [طه: 52 - 53] على الغيبة والتكلم، وهي مطابقة لهذه".

قوله: (غلب المتعدي بغير واسطة لقوته، على المتعدي بواسطة)، الانتصاف:"قوله: "غلب

?

ص: 105

فقيل: تركبونه. {عَلى ظُهُورِهِ} على ظهور ما تركبونه، وهو الفلك والأنعام.

ومعنى ذكر نعمة الله عليهم: أن يذكروها في قلوبهم معترفين بها مستعظمين لها، ثم يحمدوا عليها بألسنتهم،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المتعدي" ليس محررًا، فإن الفعل المتعدي إلى "الفلك" هو المتعدي إلى "الأنعام"، غير أن العرب خصته في بعض مفاعيله بواسطة، والاختلاف في آلات التعدي أو في عدد المفاعيل لا يوجب اختلاف المعنى، فالفعل الواحد يعدونه تارةً ويقصرونه أخرى، نحو "شكرت" وأخواتها، ويجعلون الأفعال مترادفة وإن اختلفت متعلقاتها، ويجعلون "علم" وإن تعدى إلى مفعولين مرادفًا لـ "عرف" المتعدي إلى واحد، فالأولى أن يقال: تقديره: وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون فيه، أو يقال: غلب أحد اعتباري الفعل على الآخر، وهو أسهل من التغليب". قلت: ليس غرض المصنف من التغليب هاهنا إلا هذا المعنى.

قوله: (ثم يحمدوا عليها بألسنتهم): فإن قلت: كيف دل قوله: {ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ} على قول الحمد؟ قلت: من حيث أن استحضار النعمة موجب للشكر، وفي العدول من "تحمدوا" إلى {تَذْكُرُوا} تصوير حالة كون المركوب مذللًا منقادًا، وأنه لولا تمكين الله لم يتمكن منه، وكذلك قرن به كلمة التعجب وهو قوله:{سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا} ، وفي لفظ {هَذَا} مزيد تقرير لمعنى التعجب.

?

ص: 106

وهو ما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أنه كان إذا وضع رجله. في الركاب قال: بسم الله، فإذا استوى على الدابة قال: الحمد لله على كل حال، {سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا} إلى قوله: {لَمُنقَلِبُونَ}، وكبر ثلاثًا، وهلل ثلاثًا"، وقالوا: إذا ركب في السفينة قال: {بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [هود: 41].

وعن الحسن بن علي رضي الله عنهما: أنه رأى رجلًا يركب دابة فقال: سبحان الذي سخر لنا هذا. فقال: أبهذا أمرتم؟ فقال: وبم أمرنا؟ قال: أن تذكروا نعمة ربكم. كان قد أغفل التحميد، فنبهه عليه، وهذا من حسن مراعاتهم لآداب الله، ومحافظتهم على دقيقها وجليلها، جعلنا الله من المقتدين بهم، والسائرين بسيرتهم،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

روينا عن أحمد والترمذي وأبي داود عن علي رضي الله عنه: أنه أتي بدابة، فلما وضع رجله في الركاب، قال: بسم الله، فلما استوى على ظهره، قال: الحمد الله، ثم قال:{سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا} الآية، ثم حمد الله وكبر ثلاثًا، ثم قال: لا إله إلا أنت، ظلمت نفسي فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، ثم ضحك، فقيل له، فقال:"رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صنع كما صنعت ثم ضحك"، فقيل: من أي شيء ضحكت؟ فقال: "إن ربك ليعجب من عبده، قال: رب اغفر لي ذنوبي، يعلم أن الذنب لا يغفرها غيري".

قوله" (عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه كان إذا وضع رجله) الحديث: من رواية مسلم والترمذي وأبي داود والدارمي عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: كان إذا استوى على بعيره خارجًا إلى سفر، حمد الله تعالى وسبح وكبر ثلاثًا، ثم قال: "{سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا ومَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وإنَّا إلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ} ، اللهم إنا نسألك البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى"، الحديث.

?

ص: 107

فما أحسن بالعاقل النظر في لطائف الصناعات، فكيف بالنظر في لطائف الديانات؟

{مُقْرِنِينَ} مطيقين، يقال: أقرن الشيء، إذا أطاقه، قال ابن هرمة:

وأقرنت ما حمّلتنى ولقلّما .... يطاق احتمال الصّد يا دعد والهجر

وحقيقة «أقرنه» : وجده قرينته وما يقرن به؛ لأنّ الصعب لا يكون قرينة للضعيف، ألا ترى إلى قولهم في الضعيف: لا تقرن به الصعبة. وقرئ: "مقرنين"، والمعنى واحد.

فإن قلت: كيف اتصل بذلك قوله: {وَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ} ؟ قلت: كم من راكب دابة عثرت به أو شمست أو تقحمت أو طاح من ظهرها فهلك،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (فما أحسن بالعاقل النظر): الباء متعلق بـ"أحسن"، وجاز تقديمه على "النظر"، يعني: كما نظرت إلى صنعة من الصناعات المتقنة المؤنقة وتعجبت منها، فانظر إلى كل لطيفة من لطائف الديانة ومحاسن الشريعة، وتعجب منها، فإن كل نطق وسكوت، بل كل حركة وسكون، فيه من الأسرار والحكم ما يقضى منه العجب كل العجب، وإياك أن تغفل عن شيء منها إهمالًا، فتحرم على نفسك كمالات لا غاية لها.

قوله: (وأقرنت ما حملتني) البيت: "الهجر": ترك ما يلزمك تعاهده، يقول: قلما يطاق احتمال الإعراض والهجر، وقد أطقت ذلك.

قال الزجاج: " {مُقْرِنِينَ}: مطيقين، واشتقاقه من قولك: أنا لفلان مقرن، أي: مطيق، أي: قد صرت قرنًا له".

قوله" (وقرئ: "مقرنين") بالتشديد، يروى بكسر الراء وفتحها. المطلع: المقرن: الذي يجعل مقرنًا للشيء، أي: مطيقا له، يقال: قرنه فاقترن له.

قوله: (أو تقحمت)، الجوهري:"قحم الفرس فارسه تقحيمًا على وجهه؛ إذا رماه".

?

ص: 108

وكم من راكبين في سفينة انكسرت بهم فغرقوا، فلما كان الركوب مباشرة أمر مخطر، واتصالًا بسبب من أسباب التلف، كان من حق الراكب -وقد اتصل بسبب من أسباب التلف-: أن لا ينسى عند اتصاله به يومه، وأنه هالك لا محالة، فمنقلب إلى الله غير منفلت من قضائه، ولا يدع ذكر ذلك بقلبه ولسانه، حتى يكون مستعدًا للقاء الله بإصلاحه من نفسه، والحذر من أن يكون ركوبه ذلك من أسباب موته في علم الله، وهو غافل عنه، ويستعيذ بالله من مقام من يقول لقرنائه: تعالوا نتنزه على الخيل، أو في بعض الزوارق، فيركبون حاملين مع أنفسهم أواني الخمر والمعازف، فلا يزالون يسقون، حتى تميل طلاهم وهم على ظهور الدواب، أو في بطون السفن، وهي تجرى بهم، لا يذكرون إلا الشيطان، ولا يمتثلون إلا أوامره.

وقد بلغني أنّ بعض السلاطين ركب وهو يشرب من بلد إلى بلد بينهما مسيرة شهر، فلم يصح إلا بعد ما اطمأنت به الدار، فلم يشعر بمسيره ولا أحس به، فكم بين فعل أولئك الراكبين وبين ما أمره الله به في هذه الآية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (انكسرت بهم): حال، نحوه قال أبي الطيب:

تدوس بنا الجماجم والتريبا

قوله: (أن لا ينسى عند اتصاله به يومه): مفعول "ينسى": أي" هلاكه، فيكون قوله: "وأنه هالك لا محالة" عطفًا تفسيريًا.

قوله: (والمعازف): الجوهري: "المعازف: الملاهي، والعازف: اللاعب بها والمغني".

قوله: (اطمأنت به الدار)، الأساس: "اطمأن إليه: سكن إليه، ووثق به، واطمأن عما

?

ص: 109

وقيل: يذكرون عند الركوب ركوب الجنازة.

[{وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (15) أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ وَأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ * وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * أَوَ مَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ} 15 - 18]

{وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءًا} متصل بقوله: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ} [الزخرف: 9]، أي: ولئن سألتهم عن خالق السماوات والأرض ليعترفن به، وقد جعلوا له مع ذلك الاعتراف من عباده جزءًا، فوصفوه بصفات المخلوقين.

ومعنى: {مِنْ عِبادِهِ جُزْءًا} أن قالوا: الملائكة بنات الله، فجعلوهم جزءًا له وبعضًا منه، كما يكون الولد بضعة من والده وجزءًا له.

ومن بدع التفاسير: تفسير الجزء بالإناث، وادعاء أنّ "الجزء" في لغة العرب: اسم للإناث، وما هو إلا كذب على العرب، ووضع مستحدث منحول، ولم يقنعهم ذلك حتى اشتقوا منه: أجزأت المرأة، ثم صنعوا بيتًا وبيتًا:

إن أجزأت حرّة يوما فلا عجب

زوجتها من بنات الأوس مجزئة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كان يفعله: تركه، واطمأن به القرار"، أسند الاطمئنان إلى "الدار"، وهو لصاحبها، على المجاز، والجار والمجرور: حال.

قوله: (بيتًا وبيتًا): أي: بيتًا بعد بيت، البيت الأول أنشده الزجاج:

إن أجزأت حرة يومًا فلا عجب .... قد تجزئ الحرة المذكار أحيانا

"أجزأت": وضعت أنثى. وقال الزجاج: "ولا أدري: البيت قديم أم مصنوع؟ ".

?

ص: 110

وقرئ: "جزءًا"، بضمتين.

{لَكَفُورٌ مُبِينٌ} لجحود للنعمة ظاهر جحوده، لأنّ نسبة الولد إليه كفر، والكفر أصل الكفران كله.

{أَمِ اتَّخَذَ} بل اتخذ، والهمزة للإنكار، تجهيلًا لهم وتعجيبًا من شأنهم، حيث لم يرضوا بأن جعلوا لله من عباده جزءًا، حتى جعلوا ذلك الجزء شر الجزأين، وهو الإناث دون الذكور، على أنهم أنفر خلق الله عن الإناث وأمقتهم لهنّ، ولقد بلغ بهم المقت إلى أن وأدوهنّ، كأنه قيل: هبوا أنّ إضافة اتخاذ الولد إليه جائزة فرضًا وتمثيلًا، أما تستحيون من الشطط في القسمة؟ ومن ادعائكم أنه آثركم على نفسه بخير الجزأين وأعلاهما، وترك له شرهما وأدناهما؟ !

وتنكير {بَناتٍ} وتعريف {الْبَنِينَ} وتقديمهنّ في الذكر عليهم؛ لما ذكرت في قوله تعالى: {يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ} [الشورى: 49].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

والبيت الثاني:

زوجتها من بنات الأوس مجزئةً .... للعوسج اللدن في أبياتها زجل

"المجزئة": المرأة التي تلد البنات، وعنى بـ"العوسج": المغازل؛ للين عوده ومتانته لغزل الصوف، و "زجل": صوت دور المغزل، وكان هذا الشاعر تزوج امرأةً لها بنات يجتمعن عندها ويغزلن.

قوله: (وقرئ: "جزءًا" بضمتين): أبو بكر عن عاصم.

قوله: (وتعريف {الْبَنِينَ} وتقديمهن في الذكر عليهم لما ذكرت في قوله: {يَهَبُ لِمَنْ

?

ص: 111

{بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلًا} بالجنس الذي جعله له مثلًا، أي: شبهًا؛ لأنه إذا جعل الملائكة جزءًا لله وبعضًا منه، فقد جعله من جنسه ومماثلًا له، لأن الولد لا يكون إلا من جنس الوالد، يعني: أنهم نسبوا إليه هذا الجنس، ومن حالهم: أن أحدهم إذا قيل له: قد ولدت لك بنت، اغتم واربدّ وجهه غيظًا وتأسفًا، وهو مملوء من الكرب. وعن بعض العرب: أن امرأته وضعت أنثى، فهجر البيت الذي فيه المرأة، فقالت:

ما لأبي حمزة لا يأتينا .... يظل في البيت الّذى يلينا

غضبان أن لا نلد البنينا .... ليس لنا من أمرنا ماشينا

وإنّما نأخذ ما أعطينا

والظلول: بمعنى الصيرورة، كما تستعمل أكثر الأفعال الناقصة بمعناها، وقرئ:"مسودّ" و"مسوادّ"، على أن في {ظَلَّ} ضمير المبشر، و {وَجْهُهُ مُسْوَدًّا} جملة واقعة موقع الخبر.

ثم قال: أو يجعل للرحمن من الولد من هذه الصفة المذمومة صفته؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يَشَاءُ إنَاثًا ويَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ}): التقديم في تلك الآية للرد على المعرضين المستوجبين لكل إهانة، وأن يفعل بهم ما لا يشاؤونه، وفي هذه: الرد وارد على نسبة البنات إلى الله عز وجل، فكان ذكر "البنات" هو الذي سيق له الكلام أصالةً، وذكر "البنين" مستطردًا لمزيد الإنكار والتتميم فيه، ويحتمل التقديم والتعريف أيضًا أن يكون لمراعاة الفواصل، لكن الوجه هو الأول.

قوله: (واربد وجهه): الجوهري: "تربد وجه فلان: تغير من الغضب، وتربد الرجل: أي: تعبس".

قوله: (ثم قال: أو يجعل للرحمن من الولد من هذه الصفة المذمومة صفته): آذن بأن الواو في {أَوَ مَنْ} تستدعي المعطوف والمعطوف عليه، والمعطوف عليه جملة قوله:{أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ} ، فيقدر المعطوف أيضًا فعلًا يناسبه، ويكون عاملًا في الموصول،

?

ص: 112

وهو أنه {يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ} ، أي: يتربى في الزبنة والنعمة، وهو إذا احتاج إلى مجاثاة الخصوم ومجاراة الرجال، كان غير مبين، ليس عنده بيان، ولا يأتى ببرهان يحتج به من يخاصمه؛ وذلك لضعف عقول النساء ونقصانهنّ عن فطرة الرجال، يقال: قلما تكلمت امرأة فأرادت أن تتكلم بحجتها إلا تكلمت بالحجة عليها.

وفيه: أنه جعل النشء في الزينة والنعومة من المعايب والمذام، وأنه من صفة ربات الحجال، فعلى الرجل أن يجتنب ذلك، ويأنف منه، ويربأ بنفسه عنه، ويعيش كما قال عمر رضي الله عنه:"اخشوشنوا واخشوشبوا وتمعددوا"،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وأقحمت الهمزة بين المعطوفين لمزيد الإنكار الذي يعطيه معنى الهمزة في {أَمِ} المنقطعة، والجملة الشرطية معترضة لتأكيد المنكر.

قوله: (ويربأ بنفسه عنه): أي: يرفع، الأساس:"إني لأربأ بك عن الأمر، أي أرفعك عنه، ولا أرضاه لك".

قوله: (اخشوشنوا): النهاية: "اخشوشن الشيء: مبالغة في خشونته، واخشوشن: إذا لبس الخشن- واخشوشب الرجل: إذا كان صلبًا خشنًا في دينه وملبسه ومطعمه وجميع أحواله-، ومنه حديث عمر رضي الله عنه: اخشوشنوا".

قوله: (وتمعددوا): النهاية: "يقال: تمعدد الغلام: إذا شب وغلظ، وقيل: أراد تشبهوا بعيش معد بن عدنان، وكانوا أهل غلظ وقشف، أي: كونوا مثلهم ودعوا التنعم وزي العجم، ومنه حديثه الآخر: "عليكم باللبسة المعدية"، أي: خشونة اللباس".

?

ص: 113

وإن أراد أن يزين نفسه زينها من باطن بلباس التقوى.

وقرئ: "ينشأ"، و {يُنَشَّأُ} ، و"يناشأ". ونظير المناشأة؛ بمعنى الإنشاء: المغالاة بمعنى الإغلاء.

[{وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ} 19]

قد جمعوا في كفرة ثلاث كفرات، وذلك أنهم نسبوا إلى الله الولد، ونسبوا إليه أخس النوعين، وجعلوه من الملائكة الذين هم أكرم عباد الله على الله، فاستخفوا بهم واحتقروهم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الأساس: "رجل ممعود: دوي المعدة، وقد معد. ومن المجاز: تمعدد الصبي: غلظ وصلب وذهب عنه رطوبة الصبا، قال:

ربيته حتى إذا تمعددا .... كان جزائي بالعصا أن أجلدا".

قوله: (وإن أراد أن يزين نفسه): عطف على قوله: "أن يجتنب ذلك"، والحاصل أن في ظاهر قوله:{أَوَ مَن يُنَشَّأُ فِي الحِلْيَةِ} إنكار نسبة البنات إلى الله عز وجل، وفي العدول إلى هذه الألفاظ من التصريح بذكر "البنات": إدماج لمعنى ذم التشبه بالنساء، وفي مفهوم المدمج رمز إلى الترغيب في التزين بلباس التقوى، والاهتمام بعمارة الباطن، ورفض الالتفات إلى الظاهر.

قول: (وقرئ: "ينشأ" و {يُنَشَّأُ} و "يناشأ"): الثانية: حفص وحمزة والكسائي، والأولى: الباقون، والثالثة: شاذة. ويروي: "ينشأ" بضم الياء والتخفيف. عن بعضهم: أنشأ. ونشأ وناشأ، نحو: أعلى وعلا وعالى، يقال: أعلاه الله فعلا، وعالاه: أي: أعلاه، وعلاه وأعلاه وعالاه: بمعنى.

?

ص: 114

وقرئ: {عباد الرحمن} ، و"عبيد الرحمن"، و"عند الرحمن" -وهو مثل لزلفاهم واختصاصهم- و {إِنَاثَا} ، و"أنثَا"؛ جمع الجمع.

ومعنى "جعلوا": سموا وقالوا: إنهم إناث، وقرئ:{أَشَهِدُوا} ، و"أاشهدوا"؛ بهمزتين مفتوحة ومضمومة، و"آأشهدوا"؛ بألف بينهما، وهذا تهكم بهم، بمعنى أنهم يقولون ذلك من غير أن يستند قولهم إلى علم، فإن الله لم يضطرهم إلى علم ذلك، ولا تطرّقوا إليه باستدلال، ولا أحاطوا به عن خبر يوجب العلم، فلم يبق إلا أن يشاهدوا خلقهم، فأخبروا عن هذه المشاهدة.

{سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ} التي شهدوا بها على الملائكة من أنوثتهم، {وَيُسْئَلُونَ} وهذا وعيد، وقرئ:"سيكتب"، و"سنكتب"؛ بالياء والنون، و {شَهَادَتُهُم} ، و"شهاداتهم"، و"يساءلون"؛ على: يفاعلون.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وقرئ: {عِبَادُ الرَّحْمَنِ}): الحرميان وابن عامر: "عند الرحمن"، بالنون ساكنةً وفتح الدال، والباقون:{عِبَادُ الرَّحْمَنِ} .

قوله: (ومعنى "جعلوا": سموا وقالوا: إنهم إناث): قال الزجاج: "الجعل هنا في معنى القول والحكم على الشيء، تقول: جعلت زيدًا أعلم الناس، أي: قد وصفته بذلك وحكمت به".

قوله: (وقري: {أَشَهِدُوا} و"أاشهدوا"): قالون: بهمزتين؛ الثانية مضمومة مسهلة بين الهمزة والواو، وقالون- من رواية أبي نشيط بخلاف عنه- يدخل قبلها ألفًا، والشين ساكنة، والباقون: بهمزة واحدة مفتوحة وفتح الشين.

قوله: (وهذا تهكم بهم): يعني: قوله: {أَشَهِدُوا} من باب التقسيم الحاضر، كما سبق مرارًا.

?

ص: 115

[{وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} 20]

{وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ} هما كفرتان أيضًا مضمومتان إلى الكفرات الثلاث، وهما: عبادتهم الملائكة من دون الله، وزعمهم أن عبادتهم بمشيئة الله، كما يقول إخوانهم المجبرة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (هما كفرتان أيضًا): الجوهري: "الكفر- بالفتح-: التغطية، وقد كفرت الشيء أكفره- بالكسر- كفرًا؛ أي: سترته. والكفر أيضًا: ظلمة الليل وسواده، وكل شيء غطى شيئًا فقد كفره، قال ابن السكيت: ومنه سمي الكافر، لأنه يستر نعم الله سبحانه وتعالى".

قوله: (مضمومتان إلى الكفرات الثلاث): وهي ما عدها في قوله: إنهم جعلوا له من عباده جزاءًا، وإنه اتخذ بنات وأصفاهم بالبنين، وإنهم جعلوا الملائكة المكرمين إناثًا، وإنهم عبدوهم وقالوا: لو شاء الرحمن ما عبدناهم.

وأعلم أنه ذهب إلى قوله تعالى: {وقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ} معطوف على قوله: {وجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا} ، وعلى قوله:{وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إنَاثًا} ، ولا ارتياب في كون قولهم فيهما واعتقادهم كفرًا، فكذلك ينبغي حكم المعطوف، وإذا كان لقول بمشيئة الله كفرًا كان قول أهل السنة:"إن كفر الكافر بمشيئة الله" مثل قولهم، فيجب أن يكونوا أمثالهم، وإليه الإشارة بقوله:"كما يقول إخوانهم المجبرة".

واتجه عليه سؤال، وهو أنهم ذكروا ذلك استهزاء وسخرية، فذموا لذلك، نقل هذا القول الإمام عن بعض المفسرين. وفي "التيسير": قالوا ذلك استهزاء بقول أهل الحق: أن الكائنات كلها بمشيئة الله، لا اعتقادًا منهم، فلذلك كذبهم وجهلهم.

وأجاب عنه: بأن صرف الكلام من الحقيقة من غير صارف غير جائز، على أنا بينا أن الآيات كلها مسوقة على وتيرة واحدة، فإما أن تجرى كلها مجرى الاستهزاء، أو تؤول بأسرها على ما هي عليه، وإما أن يجعل بعضها استهزاء. ولا سبيل إلا الأول؛ لأن القول به يفضي إلى أن الكفار استهزؤوا بجعل الملائكة جزءًا لله، وبجعلها بنات لله وإناثًا، وهذا عين الإيمان،

?

ص: 116

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

والقول به مستلزم للمدح- ألا ترى إلى قوله في حكاية المنافقين: {إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} [البقرة: 14]: "المستهزئ بالشيء المستخف به منكر له ودافع لكونه معتدًا به، ودفع نقيض الشيء تأكيد لثباته"-، ولا إلى الثالث؛ لأن الذهاب إليه مما يخرم النظم، ويأباه أيضًا قوله تعالى:{مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ} ، لأن المستهزئ لا يكذب، ولكن يوبخ على استهزائه، فلا يقال:{إنْ هُمْ إلاَّ يَخْرُصُونَ} إذا استهزؤوا بذلك القول.

ثم أن الزجاج ذكر ما يصح أن يقع جوابًا عن هذا، وهو أن قوله:{مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ} عائد إلى قولهم: "الملائكة بنات الله"، لا إلى قولهم:{لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُم} ، فأورده المصنف على نفسه سؤالًا، وأجاب: أنه "تمحل مبطل وتحريف مكابر".

وصحح الإمام رد المصنف، وقال:"إن ذلك يؤدي إلى أنه تعالى حكى عن القوم قولين باطلين، وبين وجه بطلانهما، ثم حكى بعدهما مذهبًا ثالثًا في مسألة أجنبية، ثم حكم ببطلانها أيضًا، فصرف هذا الإبطال عن المذكور عقيبه، إلى كلام متقدم عليه: غاية البعد"، وقرر أيضًا رد المصنف القول بالاستهزاء، ثم قال:"والحق عندي: هو أن القوم لما ذكروا هذا الكلام استدلوا بمشيئة الله للكفر على أنه لا يجوز ورود الأمر بالإيمان، واعتقدوا أن الأمر والإرادة يجب كونهما متطابقين، وهذا عندنا باطل، والقوم لم يستحقوا الذم بمجرد قولهم: أن الله يريد الكفر من الكافر، بل لأجل أنهم قالوا: لما أراد الكفر من الكافر وجب أن يقبح منه أمر الكافر بالإيمان".

ويقرب منه ما روى الواحدي عن صاحب النظم: "أن هذا القول حق، وإن كان من الكفار، وهذا كقوله:{لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ} [النحل: 35]، وإن جعلت قوله:{مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ} ردًا لقولهم: {لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُم} ، كان المعنى: أنهم قالوا: أن شاء الله قدرنا على عبادتها، فلم يعاقبنا؟ لأنه رضي بذلك هنا. وهذا كذب منهم، لأن الله

?

ص: 117

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تعالى وإن أراد كفر الكافر فإنه لا يرضاه، وتقديره الكافر على الكفر لا يكون عن رضًا منه".

ومآل هذين القولين يرجع إلى أن التكذيب في قوله: {إنْ هُمْ إلاَّ يَخْرُصُونَ} راجع إلى مؤدى قوله: {لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ} ، لا إلى معناه الظاهر.

وقال صاحب "الفرائد": "لأهل السنة فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنهم ادعوا أن الله أمره بعبادة الملائكة، وقالوا: لو شاء أن لا نعبد لنهانا، فإذا لم ينهنا عنها فقد أمرنا. وثانيها: لو شاء الله أن لا نعبدهم لمنعنا عن عبادتهم منع قهر واضطرار، وإذا لم يفعل ذلك فقد أباح لنا. وثالثها: أنهم قالوا هذا القول استهزاءً بقول أهل الحق: أن الكائنات كلها بمشيئة الله تعالى، وحين لم يعتقدوا بما قالوا، فأكذبهم الله فيه وجهلهم، كما أخبر عنهم:{أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ} [يس: 47]، هذا حق في الأصل، ولكن قالوا ذلك استهزاء، فأكذبهم بقوله:{إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [يس: 47]، وكذلك قوله:{قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ} ، ثم قال:{وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} [المنافقون: 1]، فقولهم:{مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إنْ هُمْ إلاَّ يَخْرُصُونَ} : معناه: ليس لهم عليه حجة، وهو جهل منهم وكذب.

أما قوله: "لا دليل على أنهم قالوه مستهزئين": قفي غاية البعد، لأنه قد دل الدلائل عليه، منها قوله تعالى:{وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} [البقرة: 253]، وأمثال هذا من المنقول وغيره كثير".

وقال صاحب "التقريب": "قالوا: {لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُم} على الاستهزاء، ولو قالوه جادين كانوا مؤمنين؛ لما ثبت في الأصول من توقف الأمور على مشيئة الله، وحمله على الاستهزاء لهذا الدليل دون ما قبله ليس فيه تعويج".

?

ص: 118

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقال القاضي: "معناه: لو شاء عدم عبادة الملائكة {مَا عَبَدْنَاهُم}، فاستدلوا بنفي مشيئة عدم العبادة على امتناع النهي عنها، أو على حسنها، وذلك باطل، لأن المشيئة ترجيح بعض الممكنات على بعض، مأمورًا كان أو منهيًا، حسنًا كان أو غيره، ولذلك جهلهم. ويجوز أن تكون الإشارة إلى أصل الدعوى، كأنه لما أبدى وجوه فسادها، وحكى شبههم المزيفة، نفى أن يكون لهم بها علم على طريق العقل، ثم أضرب عنه إلى إنكار أن يكون له سند من جهة النقل، فقال: {أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا} ".

وقال صاحب "الانتصاف": هذه الآية تزيد معتقدنا تمهيدًا، وقول الكافر:"لو شاء الله ما فعلت": كلمة حق يريد بها باطلًا، وأما إنها كلمة حق: فلقوله تعالى: {يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ} [الرعد: 27] وأمثالها، ولأدلة العقل. وأما إرادته بها الباطل: فزعمه أنها حجة له على الله في أن لا يعاقبه، كما توهم القدرية ذلك، فأشركوا بربهم، بل اعتقدوا أن مشيئتهم تغلب مشيئة ربهم، فالذين أشركوا بالملائكة أرفع درجةً منهم، فإنما رد الله في هذه الآية احتجاجهم، فإن مقالتهم صدرت عن ظن كاذب وتخرص، فلذلك قال:{إنْ هُمْ إلاَّ يَخْرُصُونَ} و {إنْ هُمْ إلاَّ يَظُنُّونَ} [الجاثية: 24]، وقال في أختها في الأنعام:{قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ} [الأنعام: 148]، فشبه حالهم في الخرص واتباع الظن بحال أوائلهم، وبين أن مقالتهم ناشئة عن خيال وتوهم، فلا حجة فيها على الله، بل لله الحجة البالغة عليهم، وبين أن التكذيب راجع إلى اعتقادهم، لا إلى نفس ما قالوه بتصحيح قولهم، بقوله:{فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} [الأنعام: 149]، فإن "لو" معناها الامتناع للامتناع، فلم يشأ هدايتهم، ولو شاءها لما ضلوا.

ولكسب العبد وتهيئه صارت الأفعال مناطًا للتكليف، للفرق الضروري بين الاختياري

?

ص: 119

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

والقسري، ولما دق هذا على الأفهام غلت القدرية فاعتقدوا أن العبد فعال لما يريد، وحارت الجبرية فاعتقدت أن لا قدرة للعبد ولا اختيار".

قوله: "بل اعتقدوا أن مشيئتهم تغلب مشيئة ربهم": يدل عليه قول المصنف بعد في تفسير قوله تعالى: {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الزخزف: 48]: "إرادة الله تعالى غيره: ليس إلا أن يأمره به ويطلب منه إيجاده، فإن كان ذلك على سبيل القسر وجد، وإلا دار بين أن يوجد وأن لا يوجد على حسب اختيار المكلف".

قلت- وبالله التوفيق-: المقصود من إيراد أقوال الأئمة- شكر الله سعيهم- إظهار ما ينطبق عليه المقام من المعنى، فإن التلفيق بين هذه الآيات من المعضلات، فالواجب علينا أن نبين أولًا مواقع التراكيب في الآيات الست؛ من قوله:{وجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا} إلى قوله: {إنَّا وجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ} : أما مواقع التراكيب بحسب الحل: فإن قوله: {وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إنَاثًا} عطف على قوله: {وجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا} وهما الكفرتان، والاستفهام الأول- وهو قوله:{أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ} - توبيخ متوجه إلى الكفرة الأولى، وهي {وجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا} ، {وإذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنْثَى} اعتراض- كما مر- أو حال مفعول {اتَّخَذَ} أو فاعل {جَعَلُوا} المقدم: مقررة لجهة الإشكال، وينصره قوله:"إنهم نسبوا إليه هذا الجنس، ومن حالهم: أن أحدهم إذا قيل له: "قد ولدت لك بنت" اغتم"، والاستفهام في قوله:{أَشَهِدُوا} توبيخ متوجه إلى الكفرة الثانية، وهي قوله:{وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إنَاثًا} .

وقوله: {وقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُم} كفرة أخرى؛ لكن على منوال آخر غير الأوليين،

?

ص: 120

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هذا معنى قول الإمام: "حكى عن القوم قولين باطلين، وبين وجه بطلانهما، ثم حكى بعدهما مذهبًا ثالثًا".

أما تقرير الكفرة الثالثة: فإنه تعالى لما حكى عنهم الكفرتين، وأنكر عليهم ذلك أبلغ الإنكار، جاء بكفرة أخرى لهم أطم من الأوليين مستطردًا، وهي عبادتهم الملائكة، ووزان هذه وزان قوله تعالى:{وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آَبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَامُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 28]، والمعنى: إذا فعلوا أمرًا منكرًا بالغًا في القبح غايته، ووبخوا عليه، وبين لهم قبحه، قالوا معتذرين: إنا وجدنا آباءنا عليها، والله أمرنا بها.

فإذن لا استقلال لهذه الكفرة استقلال أختيهاـ، ولا بد من إنكار سابق، وهو اعتذار ومنه، فإذن لا استقلال، كما في قوله:{وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا} ، فحينئذ يمكن أن يحمل قولهم:{لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُم} على الاستهزاء، ويكون قوله:{مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إنْ هُمْ إلاَّ يَخْرُصُونَ} تجهيلًا لهم؛ لأن المستهزئ جاهل، {قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [البقرة: 67]، أو يحمل على ما قالوا من أنه لا يجوز مخالفة الأمر للمشيئة، كما ذهب إليه الإمام وصاحب "الفرائد"، وهو الوجه؛ لتنصيص الله الأمر في قوله:{وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا} [الأعراف: 28]، وتصريح الرد بقوله:{قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَامُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 28].

و{أَمْ} -في قوله: {أَمْ آتَيْنَاهُمْ} - منقطعة، و"بل" فيها إضراب عن قوله:{مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إنْ هُمْ إلاَّ يَخْرُصُونَ} تكذيبًا لهم، ونفيًا للعلم عنهم إلى ما هو أبلغ

?

ص: 121

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

منه في نفي العلم، وعلى هذا الإضراب الثاني.

فظهر من هذا البيان أن قول المصنف: "فإن قالوا: نجعل هذا الأخير وحده مقولا على وجه الهزء، دون ما قبله، فما بهم إلا تعويج كتاب الله": غير مستقيم، وأن قوله:"هما كفرتان أيضًا مضمومتان إلى الكفرات الثلاث" -على معنى أن قوله: {لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ} متصل بقوله: {وجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا} ، وهما منضمان إلى الكفرات الثلاث، وهي: اتخاذ البنات، واصطفاء البنين، وجعل الملائكة إناثًا-تعويج، لأن الآيات غير واردة على نسق واحد، ولا على وتيرة الترتيب، فبعضها إنشائية، أي: قوله: {أَمِ اتَّخَذَ} ، وقوله:{أَوَ مَن يُنَشَّأُ} ، وبعضها حال، أي: قوله: {وأَصْفَاكُم} ، {وإذَا بُشِّرَ} ، وبعضها عطف، فدل الاختلاف على التباين من هذه الجهة، وقد مر تقرير مواقعها، وأن الكفرات ثلاث لا غير.

ويمكن تصحيح قول الزجاج، وهو أن قوله:{مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ} عائد إلى قولهم: "الملائكة بنات الله"، لا إلى قولهم:{لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُم} ، وذلك بأن يجعل {لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُم} جوابًا لما تضمنت تلك الآيات من معنى الإنكار والاحتجاج عليهم بعبادة الملائكة، فيكون قولهم هذا أمارة انجزالهم وانقطاعهم، ودلالة على أن الحجة قد بهرتهم، ولم يبق لهم متشبت إلا هذا لقول، كما هو ديدن المحجوج، وقد مر في "الأنعام" من هذا النوع نبذ.

وقريب منه قول القاضي: "كأنه لما أبدى وجوه فساد أقوالهم، وحكى شبههم المزيفة، نفى أن يكون لهم بها علم"، والله أعلم.

?

ص: 122

فإن قلت: ما أنكرت على من يقول: قالوا ذلك على وجه الاستهزاء، ولو قالوه جادين لكانوا مؤمنين؟ قلت: لا دليل على أنهم قالوه مستهزئين، وادعاء ما لا دليل عليه باطل، على أن الله تعالى قد حكى عنه ذلك على سبيل الذم والشهادة بالكفر: أنهم جعلوا له من عباده جزءًا، وأنه اتخذ بنات وأصفاهم بالبنين، وأنهم جعلوا الملائكة المكرمين إناثًا، وأنهم عبدوهم وقالوا: لو شاء الرحمن ما عبدناهم. فلو كانوا ناطقين بها على طريق الهزء، لكان النطق بالمحكيات قبل هذا المحكي -الذي هو إيمان عنده لو جدّوا في النطق به- مدحًا لهم، من قبل أنها كلمات كفر نطقوا بها على طريق الهزء، فبقى أن يكونوا جادين، وتشترك كلها في أنها كلمات كفر.

فإن قالوا: نجعل هذا الأخير وحده مقولًا على وجه الهزء، دون ما قبله، فما بهم إلا تعويج كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، لتسوية مذهبهم الباطل، ولو كانت هذه كلمة حق نطقوا بها هزءًا لم يكن لقوله تعالى:{ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ} معنى؛ لأنّ من قال: "لا إله إلا الله" على طريق الهزء، كان الواجب أن ينكر عليه استهزاؤه ولا يكذب، لأنه لا يجوز تكذيب الناطق بالحق جادًّا كان أو هازئًا.

فإن قلت: ما قولك فيمن يفسر {مَا لَهُم} بقولهم: إن الملائكة بنات الله، {مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ} في ذلك القول، لا في تعليق عبادتهم بمشيئة الله؟ قلت: تمحل مبطل وتحريف مكابر، ونحوه قوله تعالى:{سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [الأنعام: 148].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ونحوه قوله تعالى: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا}): يعني: في أن التكذيب متعلق به، لا بشيء آخر. وقلت: من علقه بالأول، لم يفصله من الثاني فصلًا كليًا،

?

ص: 123

[{أَمْ آتَيْناهُمْ كِتابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ * بَلْ قالُوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ} 21 - 22]

الضمير في {مِنْ قَبْلِهِ} للقرآن أو الرسول، والمعنى: أنهم ألصقوا عبادة غير الله بمشيئة الله، قولًا قالوه غير مستند إلى علم، ثم قال: أم آتيناهم كتابًا قبل هذا الكتاب، نسبنا فيه الكفر والقبائح إلينا، فحصل لهم علم بذلك من جهة الوحي، فاستمسكوا بذلك الكتاب واحتجوا به؟ ! بل لا حجة لهم يستمسكون بها إلا قولهم:{إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ} على دين، وقرئ:"على إمة"، بالكسر، وكلتاهما من الأمّ وهو القصد، فالأمة: الطريقة التي تؤم، أي: تقصد، كالرحلة للمرحول إليها، والأمة: الخالة التي يكون عليها الآم وهو القاصد. وقيل: على نعمة وحالة حسنة.

{عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ} خبر "إن"، أو الظرف صلة لـ {مُهْتَدُونَ} .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فلا يكون تمحلًا وتحريفًا؛ لأن قوله: {لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُم} دليل على انقطاعهم من الحجة، وعلى بطلان مذهبهم، وظهور افترائهم، ونفي العلم عنهم آخرًا كالتتميم والتسجيل على السابق.

قوله: (قولًا قالوه): قيل: هو حال من واو "ألصقوا"، والظاهر أنه مفعول مطلق من معنى "ألصقوا" إلى آخره؛ لأنه تفسير لقوله:{وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُم} ، فيكون "قالوه" صفة لـ"قولًا".

قوله: (وقيل: على نعمة وحالة حسنة): قال القاضي: "قوله: {وكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ} الآية: تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ودلالة على أن التقليد في نحو ذلك ضلال قديم، وأن مقدميهم أيضًا لم يكن لهم سند منظور إليه، وتخصيص المترفين إشعار بأن التنعم هو الذي أوجب البطالة، وصرفهم عن النظر إلى التقليد".

?

ص: 124

[{وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ} 23]

{مُتْرَفُوها} الذين أترفتهم النعمة، أي: أبطرتهم، فلا يحبون إلا الشهوات والملاهي، ويعافون مشاق الدين وتكاليفه.

[{قالَ أَوَ لَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ * فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} 24 - 25]

قرئ: "قل"، و {قَالَ} ، و {جِئْتُكُمْ} ، و"جئناكم"، يعني: أتتبعون آباءكم ولو جئتكم بدين أهدى من دين آبائكم؟ ! قالوا: إنا ثابتون على دين آبائنا لا ننفك عنه، وإن جئتنا بما هو أهدى وأهدى.

[{وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} 26 - 28]

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ويعافون): أي: يكرهون. قوله: (قرئ: "قل"): ابن عامر وحفص: {قَالَ} بالألف، والباقون:"قل" بغير ألف.

قوله: (إنا ثابتون على دين آبائنا، لا ننفك عنه، وإن جئتنا بما هو أهدى وأهدى): دل على هذه المبالغة الجملة الاسمية وتضمنها معنى الكناية، انظر كم بين دعوة الأنبياء وبين مقابلة الكفرة من التباين؟ الأنبياء تفادوا عن لفظ الأمر، وعدلوا إلى الاستفهام، ومع ذلك ما استوفوا تمام الحق، حيث أتوا بحرف التقرير، وضموا إليه "أفعل" التفضيل، وكان الجواب المطابق: نتبع دين آبائنا دينكم، فعدلوا إلى ما دل على نفي دين الحق وإثبات الباطل بالطريق البرهاني.

?

ص: 125

قرئ: {بَرَاءٌ} ، بفتح الباء وضمها، و"بريء"، فبريء وبراء، نحو: كريم وكرام، وبراء: مصدر كظماء، ولذلك استوى فيه الواحد والاثنان والجماعة، والمذكر والمؤنث، يقال: نحن البراء منك، والخلاء منك.

{الَّذِي فَطَرَنِي} فيه غير وجه: أن يكون منصوبًا على أنه استثناء منقطع، كأنه قال: لكن الذي فطرني فإنه سيهدين، وأن يكون مجرورًا بدلًا من المجرور بـ"من"، كأنه قال: إنني براءٌ مما تعبدون إلا من الذي فطرني.

فإن قلت: كيف تجعله بدلًا وليس من جنس ما يعبدون من وجهين؛ أحدهما: أن ذات الله مخالفة لجميع الذوات، فكانت مخالفة لذوات ما يعبدون. والثاني: أن الله تعالى غير معبود بينهم، والأوثان معبودة؟ قلت: قالوا: كانوا يعبدون الله مع أوثانهم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (قرئ: {بَرَاءٌ} بفتح الباء): وهي المشهورة، وبالضم: شاذة. قال الزجاج: " {بَرَاءٌ}: بمعنى: برئ، والعرب تقول للواحد والاثنين والجماعة والأنثى: البراء، والمعنى: أنا ذو البراء، ونحن ذوو البراء، نحو: رجل عدل، وامرأة عدل".

قوله: (والخلاء منك)، الجوهري:"تقول: أنا منك خلاء، أي: براء. إذا جعلته مصدرًا: لم تثن ولم تجمع، وإذا جعلته اسمًا على "فعيل": ثنيت وجمعت وأنثت، تقول: أنا خلي منك، أي: برئ". وعن بعضهم: في المثل: "أنا منه فالج بن خلاوة"، أي: براء منه. فلج: أي: قطع نصفه، والفالج: البعير ذو السنامين.

قوله: (كانوا يعبدون الله مع أوثانهم): قال صاحب "الفرائد": لما كانوا يعبدون الله مع الآلهة، فبالنظر إلى كونه معبودًا، يصح أن يكون بدلًا، يعرف بالتأمل إن شاء الله تعالى.

?

ص: 126

وأن تكون {إِلَّا} صفة بمعنى: غير، على أن «ما» في "ما تعبدون" موصوفة، تقديره: إنني براء من آلهة تعبدونها غير الذي فطرني، فهو نظير قوله تعالى:{لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا} [الأنبياء: 22]. فإن قلت: ما معنى قوله: {سَيَهْدِينِ} على التسويف؟ قلت: قال مرة: {فَهُوَ يَهْدِينِ} [الشعراء: 78]، ومرّة:{فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ} ، فاجمع بينهما وقدّر، كأنه قال: فهو يهدين وسيهدين، فيدلان على استمرار الهداية في الحال والاستقبال.

{وَجَعَلَها} وجعل إبراهيم صلوات الله عليه كلمة التوحيد التي تكلم بها -وهي قوله: {إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي} - {كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ} في ذريته، فلا يزال فيهم من يوحد الله ويدعو إلى توحيده، لعل من أشرك منهم يرجع بدعاء من وحد منهم، ونحوه:{وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ} [البقرة: 132]

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (فاجمع بينهما وقدر): كأنه قال: فهو يهدين وسيهدين، يعني: لما عبر عن العبارة الواحدة في الموضعين بلفظين مخالفين حالًا واستقبالًا، لا ينبغي أن يحمل كلا على ظاهره، بل أن يجمع بينهما، ويعتبر استمرار الحال والاستقبال، أي: أنه تعالى يهديني فيما أنا فيه من الزمان حالًا فحالًا، كما سيهديني فيما يجيء زمانًا غب زمان، فإذا كل واحد من {يَهْدِينِ} و {سَيَهْدِينِ} في مكانه مفيدًا لمعنى الاستمرار.

قوله: (لعل من أشرك منهم يرجع بدعاء من وحد منهم): إشارة إلى أن {لَعَلَّهُمْ} تعليل لجعل الكلمة باقية في عقب إبراهيم؛ ليدعو الموحد المشرك نسلًا بعد نسل إلى الملة الحنيفة.

قوله: (ونحوه: {ووَصَّى بِهَا إبْرَاهِيمُ بَنِيهِ ويَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إلاَّ وأَنتُم مُّسْلِمُونَ}): أي: في أن الضمير في "وصى بها" يرجع إلى معنى "الكلمة" في

?

ص: 127

وقيل: وجعلها الله. وقرئ: "كلمة" على التخفيف. و {فِي عَقِبِهِ} كذلك، و"في عاقبه"، أي: فيمن عقبه، أي: خلفه.

[{بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ} 29]

{بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ} يعني: أهل مكة، وهم من عقب إبراهيم -بالمدّ في العمر والنعمة، فاغتروا بالمهلة، وشغلوا بالتنعم واتباع الشهوات وطاعة الشيطان عن كلمة التوحيد، {حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُّ} وهو القرآن، {وَرَسُولٌ} مُبِينٌ الرسالة واضحها بما معه من الآيات البينة، فكذبوا به وسموه ساحرًا وما جاء به سحرًا، ولم يوجد منهم ما رجاه إبراهيم. وقرئ:"بل متعنا".

فإن قلت: فما وجه قراءة من قرأ: "مَتَّعْتُ" بفتح التاء؟ قلت: كأن الله تعالى اعترض على ذاته في قوله: {وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} ،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: {إذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ العَالَمِينَ} [البقرة: 131]، كما أن الضمير في "جعلها" عائد على قوله:{إنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي} على تأويل "الكلمة".

قوله: (يعني: أهل مكة، وهم من عقب إبراهيم): إشارة إلى معنى الإضراب في قوله: {بَلْ مَتَّعْتُ} عن قوله: {وجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} ، أي: جعلت كلمة التوحيد باقية في عقبه زمانًا بعد زمان، لا يزال يدعو من وحد منهم من أشرك إلى التوحيد من أمة موسى وعيسى وغيرهما، ودع قصة أولئك وانظر إلى هؤلاء المشركين؛ كيف متعناهم بالعمر والنعمة، وبعثنا فيهم من يدعوهم إلى التوحيد، بدعاء أبيهم إبراهيم:{رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا} [البقرة: 129]، فاغتروا بالمهلة وشغلوا بالتنعم واتباع الشهوات عن داعيهم وما يدعو إليه من كلمة التوحيد؟ وإليه الإشارة بقوله:"ولم يوجد منهم ما رجاه إبراهيم"، وهذه الشكاية نحو قوله تعالى:{وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} [الواقعة: 82].

قوله: (كأن الله تعالى اعترض على ذاته): يعني: هذا الأسلوب من باب التجريد في

?

ص: 128

فقال: بل متعتهم بما متعتهم به من طول العمر والسعة في الرزق، حتى شغلهم ذلك عن كلمة التوحيد، وأراد بذلك الإطناب في تعييرهم، لأنه إذا متعهم بزيادة النعم وجب عليهم أن يجعلوا ذلك سببًا في زيادة الشكر والثبات على التوحيد والإيمان، لا أن يشركوا به ويجعلوا له أندادًا، فمثاله: أن يشكو الرجل إساءة من أحسن إليه، ثم يقبل على نفسه فيقول: أنت السبب في ذلك بمعروفك وإحسانك، وغرضه بهذا الكلام توبيخ المسيء لا تقبيح فعله.

[{وَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ قالُوا هذا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كافِرُونَ * وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} 30 - 31]

فإن قلت: قد جعل مجيء الحق والرسول غاية التمتيع،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الخطاب، على منوال قول امرئ القيس:

تطاول ليلك بالأثمد .... ونام الخلي ولم ترقد

وفائدته مذكورة في "البيان".

قوله: (قد جعل مجيء الحق والرسول غاية التمتيع): يريد: أن الواجب في الغاية أن يكون بين الغاية والمغيا نوع مناسبة، ولا مناسبة بين التمتيع وبين مجيء القرآن والرسول؟

?

ص: 129

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وأيضًا إنما يستقيم: {ولَمَّا جَاءَهُمُ الحَقُّ} أن لو عرفوا أنه الحق، ولو عرفوا أنه الحق ما قالوا: هذا سحر؟

وأجاب عن الأول بأنه من إطلاق السبب وإرادة المسبب، وعن الثاني بما ينبئ أنه من باب الرجوع غب الإطماع، قال الشاعر:

وإخوان حسبتهم دروعًا .... وكانوها، ولكن للأعادي

وقالوا: قد صفت منا قلوب .... لقد صدقوا، ولكن عن ودادي

فإن الشاعر لما أوهم بقوله: "وكانوها" تحقيق المولاة، رجع إلى عكسه من إثبات المعاداة، ولما قال:"لقد صدقوا" خيل إلى المصافاة، فرجع إلى ما دل على المناوأة، وكذلك هاهنا؛ لما قال:{مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ} فاشتغلوا عن التوحيد بالاستمتاع بالملاذ، وعقبه بقوله:{حَتَّى جَاءَهُمُ الحَقُّ} خيل أنهم تنبهوا عن تلك الغفلة، ثم ابتدأ فقال:{ولَمَّا جَاءَهُمُ الحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ} ، رجع إلى ما هو شر من حالهم الأولى.

وفيه: أن من كان ذهوله عن التوحيد بسبب الانهماك في التمتع بهذه العاجلة، لا يغنيه مجيء الحق ومحق الباطل؛ لأن العزوف عن ملاذ الدنيا صعب شديد.

?

ص: 130

ثم أردفه قوله: {وَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ قالُوا هذا سِحْرٌ} ، فما طريقة هذا النظم ومؤداه؟ قلت: المراد بالتمتيع ما هو سبب له، وهو اشتغالهم بالاستمتاع عن التوحيد ومقتضياته، فقال عز وجل: بل اشتغلوا عن التوحيد حتى جاءهم الحق ورسول مبين، فخيل بهذه الغاية أنهم تنبهوا عندها عن غفلتهم لاقتضائها التنبه.

ثم ابتدأ قصتهم عند مجيء الحق فقال: ولما جاءهم الحق جاءوا بما هو شر من غفلتهم التي كانوا عليها، وهو أن ضموا إلى شركهم معاندة الحق، ومكابرة الرسول ومعاداته، والاستخفاف بكتاب الله وشرائعه، والإصرار على أفعال الكفرة، والاحتكام على حكمة الله في تخير محمد من أهل زمانه، بقولهم:{لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} ، وهي الغاية في تشويه صورة أمرهم.

قرئ: "على رجل"، بسكون الجيم، {مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ}: من إحدى القريتين، كقوله تعالى:{يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ} [الرحمن: 22]، أي من أحدهما. والقريتان: مكة والطائف. وقيل: من رجلي القريتين، وهما: الوليد بن المغيرة المخزومي وحبيب بن عمرو بن عمير الثقفي، عن ابن عباس. وعن مجاهد: عتبة بن ربيعة وكنانة بن عبد ياليل. وعن قتادة: الوليد بن المغيرة وعروة بن مسعود الثقفي، وكان الوليد يقول: لو كان حقًا ما يقول محمد لنزل هذا القرآن علي أو على أبي مسعود الثقفي، وأبو مسعود: كنية عروة بن مسعود.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (والاحتكام): يقال: حكمته في مالي: إذا ما جعلت إليه الحكم فيه، فاحتكم علي في ذلك.

قوله: (وهي الغاية في تشويه صورة أمرهم): أي هذه الأمور المذكورة؛ من معاندة الحق مع الشرك، ومكابرة الرسول، والمعادة، والاستخفاف، والإصرار، والاحتكام.

قوله: (من رجلي القريتين): قال أبو البقاء: "قيل: التقدير: على رجل من رجلين من القريتين. وقيل: كان الرجل يسكن مكة والطائف، ويتردد إليهما، فصار كأنه من أهلهما".

?

ص: 131

ما زالوا ينكرون أن يبعث الله بشرًا رسولًا، فلما علموا بتكرير الله الحجج

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ما زالوا ينكرون أن يبعث الله بشرًا رسولًا): أي: كانوا يصرون على أن الرسالة مختصة بالملك، وينكرون أن البشر يبعث رسولًا، أشار إلى أن الكلام فيه تنزل، وهو كذلك، لكن على تخصيص هذا المعنى- وهو إنكار رسالة البشر- لا دليل فيه، ولا التنزل يقتضي أن يكون ذكر القرآن فيه للتعظيم لا الاستهانة، والظاهر أن ذلك التقدير غير مفتقر إليه؛ لأن في عطف {وقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ} على {قَالُوا هَذَا سِحْرٌ} استغناء عنه، وذلك أنه تعالى لما وصف القرآن بالحق، وأسند إليه المجيء، ونعت الرسول بالمبين، دل على إظهار حقيتها بالدلائل الظاهرة والمعجزات القاهرة، فعند ذلك عجزوا وانخزلوا، وقالوا مكابرين معاندين:{هَذَا سِحْرٌ} ، أي: باطل، سموا الحق باطلًا، وزادوا شرارةً فضموا إليه:{وإنَّا بِهِ كَافِرُونَ} ، نحو قوله تعالى:{أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ} إلى قوله: {قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ} [يونس: 2]، قال:"والذي تعجبوا منه أن يوحى إلى بشر، وأن يكون من أفناء رجالهم، دون عظيم من عظمائهم، وكانوا يقولون: العجب أن الله لم يجد رسولًا يرسله إلا يتيم أبي طالب"، وقال في قوله:{إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ} : "وهو دليل عجزهم واعترافهم به، وإن كانوا كاذبين في تسميته سحرًا".

ثم قالوا على سبيل التنزل: {لَوْلا نُزِّلَ هَذَا القُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} ، يعني: هبوا أنه حق وصدق، فهلا نزل على أحد هذين الرجلين لتقدمهما ورئاستهما، فهما بذلك أحق به من محمد، لأنه يتيم فقير، وما يدل على أن كلامهم كان مبنيًا على الحسد لا على استهانة القرآن: قوله تعالى: {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ} ، ونحوه عن أبي جهل: والله

?

ص: 132

أن الرسل لم يكونوا إلا رجالًا من أهل القرى، جاءوا بالإنكار من وجه آخر، وهو تحكمهم أن يكون أحد هذين، وقولهم:{هَذَا الْقُرْآنُ} ذكر له على وجه الاستهانة به، وأرادوا بعظم الرجل: رئاسته وتقدّمه في الدنيا، وعزب عن عقولهم أن العظيم من كان عند الله عظيمًا.

[{أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} 32]

{أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ} هذه الهمزة للإنكار المستقل بالتجهيل والتعجيب من اعتراضهم وتحكمهم،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إن محمدًا لصادق، وما كذب قط، ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والسقاية والنبوة، فماذا يكون لسائر قريش؟

وقال القاضي: "زعموا أن الرسالة منصب عظيم لا يليق إلا بعظيم، ولم يعملوا أنها رتبة روحانية، تستدعي عظم النفس بالتحلي بالفضائل والكمالات القدسية، لا التزخرف بالزخارف الدنيوية".

قوله: (وقولهم: {هَذَا القُرْآنُ} ذكر له على وجه الاستهانة): "قولهم": مبتدأ، و "ذكر له": خبره، والاستهانة تفهم من لفظه "هذا"، ومن تسميته بـ "القرآن"، كقوله فرعون:{إِنَّ رَسُولَكُمُ} [الشعراء: 27]، قال الزجاج:" {هَذَا} في موضع رفع، و {القُرْآنُ} مبين عنه، ويسميه سيبويه: عطف البيان، لأن لفظه لفظ الصفة، ويدل على أنه عطف بيان قولك: مررت بهذا الرجل، وهذه الدار".

قوله: (للإنكار المستقبل بالتجهيل): النهاية: "الاستقلال: بمعنى الارتفاع والاستبداد، يقال: تقلل الشيء واستقله".

?

ص: 133

وأن يكونوا هم المدبرين لأمر النبوّة والتخير لها من يصلح لها ويقوم بها، والمتولين لقسمة رحمة الله التي لا يتولاها إلا هو بباهر قدرته وبالغ حكمته.

ثم ضرب لهم مثلًا، فأعلم أنهم عاجزون عن تدبير خويصة أمرهم وما يصلحهم في دنياهم، وأنّ الله عزّ وعلا هو الذي قسم بينهم معيشتهم وقدرها، ودبر أحوالهم تدبير العالم بها، فلم يسوّ بينهم، ولكن فاوت بينهم في أسباب العيش، وغاير بين منازلهم، فجعل منهم أقوياء وضعفاء، وأغنياء ومحاويج، وموالي وخدمًا، ليصرف بعضهم بعضًا في حوائجهم ويستخدموهم في مهنهم، ويتسخروهم في أشغالهم، حتى يتعايشوا ويترافدوا، ويصلوا إلى منافعهم، ويحصلوا على مرافقهم، ولو وكلهم إلى أنفسهم، وولاهم تدبير أمرهم، لضاعوا وهلكوا، وإذا كانوا في تدبير المعيشة الدنية في الحياة الدنيا على هذه الصفة، فما ظنك بهم في تدبير أمور الدين الذي هو رحمة الله الكبرى، ورأفته العظمى، وهو الطريق إلى حيازة حظوظ الآخرة، والسلم إلى حلول دار السلام؟

ثم قال: {وَرَحْمَتُ رَبِّكَ} يريد: وهذه الرحمة -وهي دين الله وما يتبعه من الفوز في المآب- خير مما يجمع هؤلاء من حطام الدنيا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ثم ضرب له مثلًا): أي: جيء بقوله: {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ} عامًا بعد قوله: {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ} ، أي: أمر النبوة، وسماه "مثلًا"؛ لأن القصد منه إظهار عجزهم في تدبير أمر المعيشة الدنيوية، فكيف في تدبير أمور الدين.

قوله: (خويصة أمرهم): النهاية: "خويصة أحدكم: حادثة الموت التي تخص كل إنسان، وهي تصغير "خاصة"، وصغرت لاحتقارها في جنب ما بعدها من البعث والعرض والحساب وغير ذلك".

قوله: (ويترافدوا): الجوهري: "الترافد: التعاون، والمرافدة: المعاونة".

قوله: (ويحصلوا على مرافقهم): أي: منافعهم، الأساس:"أرفقني بكذا: نفعني، وارتفقت به: انتفعت، وما لي فيه مرفق".

?

ص: 134

فإن قلت: معيشتهم: ما يعيشون به من المنافع، ومنهم من يعيش بالحلال، ومنهم من يعيش بالحرام، فإذن قد قسم الله تعالى الحرام كما قسم الحلال؟ قلت: الله تعالى قسم لكل عبد معيشته -وهي مطاعمه ومشاربه وما يصلحه من المنافع- وأذن له في تناولها، ولكن شرط عليه وكلفه أن يسلك في تناولها الطريق التي شرعها، فإذا سلكها فقد تناول قسمته من المعيشة حلالًا، وسماها: رزق الله، وإذا لم يسلكها تناولها حرامًا، وليس له أن يسميها رزق الله، فالله تعالى قاسم المعايش والمنافع، ولكن العباد هم الذين يكسبونها صفة الحرمة بسوء تناولهم، وهو عدولهم فيه عما شرعه الله إلى ما لم يشرعه.

[{وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوابًا وَسُرُرًا عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ * وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ} 33 - 35]

{لِبُيُوتِهِمْ} بدل اشتمال من قوله: {لِمَنْ يَكْفُرُ} ، ويجوز أن يكونا بمنزلة اللامين في قولك: وهبت له ثوبًا لقميصه.

وقرئ: "سقفًا"، بفتح السين وسكون القاف، وبضمها وسكون القاف، وبضمها -جمع سقف، كرهن ورهن ورهن. وعن الفراء: جمع سقيفة-، وسقفًا بفتحتين؛

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (الله تعالى قسم لكل عبد معيشته): أجاب بما يؤدي أن يكون النزاع لفظيًا، الانتصاف:"الرزق عند أهل السنة: ما تقوم به البينة، حرامًا كان أو حلالًا".

قوله: (ثوبًا لقميصه): أي: لأجل قميصه، والمعنى: سقفًا لأجل بيوتهم، وقال الزجاج: اللام بمعنى: على، أي: سقفًا على بيوتهم.

قوله: (وقرئ: "سقفًا"): ابن كثير وأبو عمرو: بفتح السين وإسكان القاف على التوحيد، والباقون: بضمهما على الجمع.

?

ص: 135

كأنه لغة في سقف، و"سقوفًا"، و"معارج" و"معاريج". والمعارج: جمع معرج، أو اسم جمع لمعراج، وهي المصاعد إلى العلالي.

{عَلَيْها يَظْهَرُونَ} أي: على المعارج، يظهرون السطوح يعلونها، {فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ} .

و"سُرُرَا"، بفتح الراء؛ لاستثقال الضمتين مع حرفي التضعيف.

{لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيَا} اللام هي الفارقة بين "إن" المخففة والنافية، وقرئ بكسر اللام، أي: للذي هو متاع الحياة، كقوله تعالى:{مَثَلًا ما بَعُوضَةً} [البقرة: 26]،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (معرج) بالكسر والفتح، قال الأخفش: أن شئت جعلت الواحد معرجًا، أو معرجًا، كمرقاة ومرقاة.

قوله: (وقرئ بكسر اللام): قال ابن جني: "وهي قراءة أبي رجاء، و"ما" موصوله، والعائد محذوف، أي: وإن كل ذلك للذي هو متاع الحياة الدنيا، والمعنى: وإن كل ذلك لما يتمتع به من أحوال الدنيا، وهذا الحذف على انفصال الضمير، وليس بمستحسن، ومثله قراءة من قرأ: "مثلا ما بعوضة" بالرفع، أي: ما هو بعوضة، و"كل" منصوب؛ لأن "إن" هذه مخففة من الثقيلة، ومتى خففت لزمتها اللام للفرق بينها وبين "إن" النافية، ولا يجوز أن يكون مرفوعًا، لأنه لابد معها من اللام الفارقة بين المخففة والنافية، ولا لام معك، لأن هذه اللام هي الجارة، ولو قدر معها الفارقة لقيل: "وإن كل ذلك للما متاع الحياة الدنيا"، كقولك: أن زيدًا لمن الكرام.

فإن قلت: يجوز أن تكون اللام هي الفاصلة، لكنها خففت وحذفت وصارت هذه الجارة كالعوض منها، والحق أن هذا باطل، و"كل": نصب على لغة من نصب مع التخفيف، فقال: أن زيدًا قائم، لأنه إذا نصب زال الشك في أنها ليست بالنافية، لأنها غير ناصبة".

?

ص: 136

و {لَمَّا} بالتشديد بمعنى إلا، و"إن" نافية. وقرئ:"إلا"، وقرئ:"وما كل ذلك إلا".

لما قال: {خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} ، فقلل أمر الدنيا وصغرها، أردفه ما يقرّر قلة الدنيا عنده من قوله:{وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً} ، أي: ولولا كراهة أن يجتمعوا على الكفر ويطبقوا عليه، لجعلنا لحقارة زهرة الحياة الدنيا عندنا للكفار سقوفًا ومصاعد وأبوابًا وسررًا كلها من فضة، وجعلنا لهم زخرفًا، أي: زينة من كل شيء، والزخرف: الذهب والزينة.

ويجوز أن يكون الأصل: سقفًا من فضة وزخرف،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (و {لَمَّا} بالتشديد): عاصم وحمزة وهشام، والباقون: بتخفيفها، قال الزجاج:"من قرأ بالتخفيف كانت "ما" لغوًا، المعنى: لمتاع الحياة الدنيا، ومن قرأها مثقلًا فمعناه: وما كل ذلك إلا متاع الحياة الدنيا".

قوله: (أي: ولولا كراهة أن يجتمعوا على الكفر): الانتصاف: "هي مثل: {وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ} [القصص: 47]، إما أن يصححها بتقدير: كراهة، وإما أن لا يقدر محذوفًا، ومعناها: اجتماعهم على الكفر مانع من بسط الدنيا، وهو معنى "لولا" المطرد، لكن المانع قد يكون موجودًا تحقيقًا، فيمتنع الجواب، كقوله تعالى: {فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [البقرة: 64]، وقد يكون تقديرًا فيمتنع الجواب، لأنه لو وجد مانعه مقدرًا معه، وعليه الآية، أي: لو وجد بسط الرزق للكافر مقدرًا لوجد مانعه وهو الاجتماع على الكفر معه، وما أدى وجوده إلى وجود مانعه: إذن لم يوجد".

?

ص: 137

يعني: بعضها من فضة وبعضها من ذهب، فنصب عطفًا على محل {مِنْ فِضَّةٍ} ، وفي معناه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:«لو وزنت الدنيا عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء» .

فإن قلت: فحين لم يوسع على الكافرين للفتنة التي كان يؤدّى إليها التوسعة عليهم، من إطباق الناس على الكفر؛ لحبهم الدنيا وتهالكهم عليها، فهلا وسع على المسلمين؛ ليطبق الناس على الإسلام؟ .....

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (لو وزنت [الدنيا] عند الله جناح بعوضة) الحديث: من رواية الترمذي وابن ماجة عن سهل: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة". ولما كان معنى الآية: لولا كراهة اجتماع الناس على الكفر لمعتنا الجميع تمتيعًا بليغًا، فيشتغلوا بالدنيا وزخرفها عن الإيمان وذكر المولى، لكن أردنا إيمان بعض وكفر بعض، فلم نمتع كلهم، فرجع بعضهم مؤمنين زاهدين، وبعضهم كافرين متمتعين، فعلم منه أن الدنيا لا تصلح لأهل الله، وليس من شيمتهم التمتع بها، ولكن من شيمة من بعد من الله ومن المقامات الزلفى، مثل الكافر، ومن ثم قال:"وفي معناه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "، ولهذا ختم الآية بقوله:{والآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ} .

قال القاضي: "فيه دلالة على أن العظيم هو العظيم في الآخرة لا في الدنيا وإشعار بما لأجله لم يجعل ذلك للمؤمنين وهو أنه تمتع قليل بالإضافة إلى ما لهم في الآخرة، وإخلال في الأغلب؛ لما فيه من الآفات، قل من يتخلص عنها، كما أشار إليه بقوله: {ومَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا} ".

?

ص: 138

قلت: التوسعة عليهم مفسدة أيضًا لما تؤدي إليه من الدخول في الإسلام لأجل الدنيا، والدخول في الدين لأجل الدنيا من دين المنافقين، فكانت الحكمة فيما دبر: حيث جعل في الفريقين أغنياء وفقراء، وغلب الفقر على الغنى.

[{وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ * حَتَّى إِذا جاءَنا قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ * وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ} 36 - 39]

قرئ: {وَمَن يَعْشُ} ، بضم الشين وفتحها. والفرق بينهما: أنه إذا حصلت الآفة في بصره، قيل: عشي، وإذا نظر نظر العشي ولا آفة به، قيل: عشا، ونظيره: عرج، لمن به الآفة، وعرج، لمن مشى مشية العرجان من غير عرجن قال الحطيئة:

متى تأته تعشو إلى ضوء ناره

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (التوسعة عليهم مفسدة أيضًا؛ لما تؤدي إليه من الدخول في الإسلام لأجل الدنيا): الانتصاف: "قاعاتان فاسدتان: مراعاة المصلحة، ويبطلها: {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ} [الأنبياء: 23]، وأنه أراد الإيمان من الخلق، ويبطلها: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا} [يونس: 99] ".

قوله: (قرئ: {ومَن يَعْشُ} بضم الشين): وهي السبعة، والفتح: شاذ.

قوله: (متى تأته تعشو إلى ضوء ناره): تمامه:

تجد خير نار عندها خير موقد

?

ص: 139

أي: تنظر إليها نظر العشي لما يضعف بصرك من عظم الوقود واتساع الضوء، وهو بين في قول حاتم:

أعشو إذا ما جارتي برزت .... حتّى يواري جارتي الخدر

وقرئ: يعشو، على أنّ "من" موصولة غير مضمنة معنى الشرط، وحق هذا القارئ أن يرفع "نقيض". ومعنى القراءة بالفتح: ومن يعم، {عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ} وهو القرآن،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

"تعشو" في موضع الحال، أي: عاشيًا، روي أنه لما أنشد عمر رضي الله عنه قال: كذب، تلك نار موسى عليه السلام.

قوله: (أعشو إذا ما جازتي) البيت: أي: أنظر نظر العشي، و"ما" زائدة، يصف نزاهة نفسه وعفته، أوله:

ما ضرني جار أجاوره أن لا يكون لبابه ستر

أخبر عن نفسه بحسن المجاورة، وأن جاره آمن في كل أسبابه؛ في نفسه وماله وأهله، كما جاء في الحديث:"لا يؤمن أحدكم حتى يأمن جاره بوائقه".

قوله: (وقرئ: "يعشو"): في "الكواشي": "يعشو" بواو، قالوا: فـ"من" موصولة، وجزم {نُقَيِّضْ} على لغة من يجزم المرفوع تخفيفًا، ويرفع المجزوم والمنصوب من الفعل اتساعًا ونظرًا إلى الأصل، كما سمع من العرب: الوقف على آخر الاسم الصحيح والمعتل في حالة النصب بلا ألف.

قوله: (ومعنى القراءة بالفتح: ومن يعم): وفي "الكواشي": فالضم من: عشا يعشو؛ نظر نظر العشي بلا آفة بعينه، والفتح من: عشى يعشى، كعمى يعمى وزنًا، وقريبه معنى.

?

ص: 140

كقوله تعالى: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ} [البقرة: 18 و 171]. وأما القراءة بالضم فمعناها: ومن يتعام عن ذكره، أي: يعرف أنه الحق وهو يتجاهل ويتغابى، كقوله تعالى:{وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ} [النمل: 14].

{نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا} نخذله ونخل بينه وبين الشياطين، كقوله تعالى:{وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ} [فصلت: 25]، {أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ} [مريم: 83]. وقرئ: "يقيض"؛ أي: يقيض له الرحمن، و"يقيض له الشيطان".

فإن قلت: لم جمع ضمير "من" وضمير "الشيطان" في قوله: {وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ} ؟ قلت: لأنّ "مَنْ" مبهم في جنس العاشي، وقد قيض له شيطان مبهم في جنسه، فلما جاز أن يتناولا -لإبهامهما- غير واحدين، جاز أن يرجع الضمير إليهما مجموعًا.

{حَتَّى إِذا جاءَنا} العاشي،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: ({نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا} نخذله ونخل بينه): مجاز عن قوله: نتيح ونقدر؛ بناء على مذهبه، قال ابن عباس: يسلط عليه، فهو معه في الدنيا والآخرة.

قوله: (لأن "من" مبهم في جنس العاشي): قال صاحب "الفرائد": يمكن أن يقال: لا مقال في أن "من" يصح أن يرجع إليه ضمير الجمع، فما اعتبر جمعًا، وكل واحد منهم عاش، فمع كل واحد شيطان، فلزم الجمع أيضًا، فرجع ضمير الجمع إلى المدلول، وهي الشياطين.

الانتصاف: "في هذه الآية نكتتان: إحداهما: أن النكرة في سياق الشرط تعم، وفيها اضطراب للأصوليين، وإمام الحرمين يختار العموم، واستدرك على الأئمة قولهم: أن النكرة في سياق الإثبات تخص، بأن الشرط يعم فيه، وهو إثبات، ورد عليه الأبياري شارح كتابه

?

ص: 141

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ردًا عنيفًا، وهذه الآية حجة للإمام من وجهين: لأنه وحد "الشيطان"، ولم يرد إلا الكل، لأن كل إنسان له شيطان، فكيف بالعاشي عن ذكر الله، والثاني: أنه أعاد عليه الضمير مجموعًا في قوله: {وَإِنَّهُمْ} ، ولولا عموم الشمول لما جاز عود ضمير الجمع على واحد، فهذه نكتة توجب للمخالفين سكتة.

الثانية: أن فيها حجة على من يزعم أن العود على معنى "من" يمنع من العود على لفظها، محتجًا بأن إجمال بعد البيان، وقد نقض الكندي هذا بقوله:{وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا} [الطلاق: 11]، ونقض أيضًا بقوله:{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ * وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ} [لقمان: 6 - 7].

واستخرج جدي من هذه الآية نقض ذلك، لأنه أعاد على اللفظ في قوله:{يَعْشُ} و {لَهُ} مرتين، ثم على المعنى {لَيَصُدُّونَهُمْ} ، ثم على اللفظ في قوله:{حَتَّى إذَا جَاءَنَا} ، وقدمت أن الذي منع ذلك قد يكون قد اقتصر بمنعه إذا جاء في جملة واحدة، أما إذا استقلت

?

ص: 142

وقرئ: "جاءانا"، على أنّ الفعل له ولشيطانه، {قالَ} لشيطانه:{يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ} يريد: المشرق والمغرب، فغلب، كما قيل: العمران والقمران. فإن قلت: فما {بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ} ؟ قلت: تباعدهما، والأصل: بعد المشرق من المغرب، والمغرب من المشرق، فلما غلب وجمع المفترقين بالتثنية، أضاف البعد إليهما.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كل واحدة بنفسها، فلا يمنع، ورددت على الزمخشري، في قوله:{لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا} [مريم: 87]، [فإن] الجملة واحدة، فانظره في موضعه".

قوله: (وقرئ: "جاءانا"): الحرميان وابن عامر وأبو بكر: "جاءانا"؛ على التثنية، والباقون: على التوحيد.

قوله: (تباعدهما، والأصل: بعد المشرق من المغرب)، الانتصاف: ألجاه إلى تقدير البعد بالتباعد: إضافته إلى {الْمَشْرِقَيْنِ} جميعًا، فلو بقي على ظاهره لأفاد بعد المشرقين من غيرهما، والظاهر أنه من اللف، وأصله: بعد المشرق من المغرب، وبعد المغرب من المشرق، ثم لفه، كقوله تعالى:{وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى} [البقرة: 111].

وقلت: معنى سؤاله: "فما {بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ}؟ ": الإنكار على ما سبق، بدلالة الفاء، أي: هب أن معنى "المشرقين" على التغليب، فما معنى تمنيهم بعد المشرق والمغرب؟ وأجاب: أن معنى "البعد" من: التباعد، ولذلك فإن الأصل: بعد المشرق عن المغرب، والمغرب عن المشرق، فإن التباعد يقتضي المزاولة طبعًا، فإذن لا يجتمعان أبدًا، بخلاف مطلق البعد، أي: يا ليت بيننا بعدًا مثل بعد المشرقين في أنهما لا يجتمعان أبدًا لما بينهما من التباعد، ومن ثم رتب عليه:{فَبِئْسَ القَرِينُ} .

?

ص: 143

{أَنَّكُمْ} في محل الرفع على الفاعلية، يعني: ولن ينفعكم كونكم مشتركين في العذاب، كما ينفع الواقعين في الأمر الصعب اشتراكهم فيه، لتعاونهم في تحمل أعبائه، وتقسمهم لشدّته وعنائه، وذلك أنّ كل واحد منكم به من العذاب ما لا تبلغه طاقته.

ولك أن تجعل الفعل للتمني في قوله: {يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ} ، على معنى: ولن ينفعكم اليوم ما أنتم فيه من تمنى مباعدة القرين، وقوله:{أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ} تعليل، أي: لن ينفعكم تمنيكم، لأنّ حقكم أن تشتركوا أنتم وقرناؤكم في العذاب، كما كنتم مشتركين في سببه وهو الكفر. وتقوّيه قراءة من قرأ:"إنكم" بالكسر.

وقيل: إذا رأى الممنوّ بشدّة من مني بمثلها،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقريب منه ما قال صاحب "التيسير": كأنه قال: يا ليتني لم أكن صحبتك ولا عرفتك، ولا كانت بيني وبينك وصلة ولا تقارب، حتى كنا في التباعد كأن أحدنا بالمشرق والآخر بالمغرب، لا يلتقيان ولا يتقاربان، فجعلهما "مشرقين": كالقمرين والعمرين، وأنشد الزجاج:

لنا قمراها والنجوم الطوالع

وأما قول صاحب "الانتصاف": "إنه من اللف": فضعيف؛ لأن معنى اللف: هو أن يلف بين الشيئين في الذكر، ثم يتبعهما كلامًا مشتملًا على متعلق بواحد وبآخر من غير تعيين، كما في قوله:{وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى} [البقرة: 111]، فقوله:{وَقَالُوا} لف من حيث المعنى، لأنه ضمير الفريقين بدلالة النشر عليه، وأين هاهنا ذاك؟ !

قوله: (الممنو): الأساس: "مني بكذا: بلي به، وهو ممنو به"، روى الزجاج عن المبرد:

?

ص: 144

روّحه ذلك ونفس بعض كربه، وهو التأسي الذي ذكرته الخنساء:

أعزى النّفس عنه بالتّأسى

فهؤلاء لا يؤسيهم اشتراكهم ولا يروّحهم؛ ، لعظم ما هم فيه.

فإن قلت: ما معنى قوله تعالى: {إِذْ ظَلَمْتُمْ} ؟ قلت: معناه: إذ صح ظلمكم وتبين ولم يبق لكم ولا لأحد شبهة في أنكم كنتم ظالمين،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

"أنهم منعوا روح التأسي، لأن التأسي يسهل المصيبة، فأعملوا أنه لن ينفعكم الاشتراك في العذاب، وأن الله تعالى لا يجعل لهم فيها أسوة، وأنشد للخنساء:

يذكرني طلوع الشمس صخرًا .... وأذكره بكل مغيب شمس

ولولا كثرة الباكين حولي .... على إخوانهم لقتلت نفسي

وما يبكون مثل أخي ولكن .... أعزي النفس عنه بالتأسي"

وقلت: فعلى هذا القول: فاعل {لَن يَنفَعَكُمُ} : {أَنَّكُمْ} ، كما في الوجه الأول، والمعنى: اليوم لا ينفعكم هذا المعنى، وهو أنكم في العذاب مشتركون، وقد علم عرفًا أنه ليس في اشتراك العذاب النفع البتة إلا التأسي، وهؤلاء حرموا التأسي أيضًا، لعظم ما هم فيه.

قوله: (ما معنى قوله: {إذ ظَّلَمْتُمْ}؟ ): قال أبو البقاء: "أما "إذ" فمشكلة الأمر؛ لأنها ظرف زمان ماض، و "لن ينفعكم"، وفاعله، واليوم المذكور: ليس بماض، قال ابن جني في مساءلته أبا علي: راجعته فيها مرارًا، فآخر ما حصل منه: أن الدنيا والأخرى متصلتان،

?

ص: 145

وذلك يوم القيامة. و {إِذْ} : بدل من اليوم. ونظيره:

إذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة

أي: تبين أني ولد كريمة.

[{أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} 40]

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وهما سواء في حكم الله تعالى وعلمه، فتكون "إذ" بدلًا من "اليوم"، حتى كأنها مستقبلة، أو كأن اليوم ماض. وقال غيره: الكلام محمول على المعنى، والمعنى: أن ثبوت ظلمهم عندهم يكون يوم القيامة، فكأنه قال: ، لن ينفعكم اليوم إذ صح ظلمكم عندكم، فهو بدل أيضًا".

هذا هو الذي عناه المصنف: "إذ صح ظلمكم وتبين، و {إِذْ} بدل من {الْيَوْمَ} ". وقال أبو البقاء: "وقال آخرون: التقدير: بعد إذا ظلمتم، فحذف المضاف للعلم به، وقيل: "إذا" بمعنى "أن"، أي: لأن ظلمتم".

قوله: (إذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة): بعده:

ولم تجدي من أن تقري به بدا

عن بعضهم: استشهد أن "إذا" بدل من "اليوم"، كما في قوله تعالى:{إذ ظَّلَمْتُمْ} ، و"ما" زائدة، وهو سيهو؛ لأن "لم تلدني" جواب "إذا"، وهو ليس للاستقبال، لأن الولادة كانت قبل، والمعنى على التبين، فالاشتراك بين المستشهد والمستشهد هو التبين، يقول: إذا انتسبنا تبين لك أني ولد كريمة، وتقرين بذلك لا محالة.

?

ص: 146

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجد ويجتهد ويكدّ روحه في دعاء قومه، وهم لا يزيدون على دعائه إلا تصميمًا على الكفر وتماديًا في الغيّ، فأنكر عليه بقوله:{أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ} إنكار تعجيب من أن يكون هو الذي يقدر على هدايتهم، وأراد: أنه لا يقدر على ذلك منهم إلا هو وحده على سبيل الإلجاء والقسر، كقوله تعالى:{إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ} [فاطر: 22].

[{فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ * أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ * فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ} 41 - 43]

«ما» في قوله: {فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ} بمنزلة لام القسم؛ في أنها إذا دخلت دخلت معها النون المؤكدة، والمعنى: فإن قبضناك قبل أن ننصرك عليهم ونشفي صدور المؤمنين منهم، {فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ} أشد الانتقام في الآخرة، كقوله تعالى:{أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ} [غافر: 77]، وإن أردنا أن ننجز في حياتك ما وعدناهم من العذاب النازل بهم -وهو يوم بدر- فهم تحت ملكتنا وقدرتنا لا يفوتوننا.

وصفهم بشدة الشكيمة في الكفر والضلال، ثم أتبعه شدة الوعيد بعذاب الدنيا والآخرة.

وقرئ: "نرينك" بالنون الخفيفة. وقرئ: "بالذي أوحى إليك" على البناء للفاعل، وهو الله عز وجل، والمعنى: وسواء عجلنا لك الظفر والغلبة أو أخرنا إلى اليوم الآخر، فكن متمسكًا بماأوحينا إليك وبالعمل به،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (لا يقدر على ذلك منهم إلا هو وحده): هذا الحصر مستفاد من إيلاء الضمير حرف الإنكار.

?

ص: 147

فإنه الصراط المستقيم الذي لا يحيد عنه إلا ضال شقي، وزد كل يوم صلابة في المحاماة على دين الله، ولا يخرجك الضجر بأمرهم إلى شيء من اللين والرخاوة في أمرك، ولكن كما يفعل الثابت الذي لا ينشطه تعجيل ظفر، ولا يثبطه تأخيره.

[{وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ * وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} 44 - 45]

{وَإِنَّهُ} وإنّ الذي أوحى إليك {لَذِكْرٌ} لشرف، {لَكَ وَلِقَوْمِكَ} ، {وَ} لـ {سَوْفَ تُسْئَلُونَ} عنه يوم القيامة، وعن قيامكم بحقه، وعن تعظيمكم له، وشكركم على أن رزقتموه وخصصتم به من بين العالمين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (لا يحيد عنه): الجوهري: "حاد عن الشيء يحيد حيودًا وحيدة وحيدودة: مال عنه".

قوله: (وزد كل يوم صلابة في المحاماة) قيل: الزيادة مستفادة من "السين" في "استمسك"، قلت: بل هي مستفادة من الأمر بالاستمساك بالوحي لمن هو مستمسك به، ويعضده تعليله بقوله:{إنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} ، فهو كقوله تعالى:{هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 2]، قال المصنف: هو كقولك للعزيز المكرم: أعزك الله وأكرمك، تريد طلب الزيادة إلى ما هو ثابت فيه، كقوله:{اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة: 6] ".

قوله: (ولكن كما يفعل الثابت): عطف على قوله: "يخرجك" من حيث المعنى، أي: كن متمسكًا بما أوحينا إليك، ولا تفعل كما يفعل الضال الشقي، فإنه يميل عن الحق، ولا يثبت عليه، فإن عادة المتزلزل أن لا يصبر على شيء، ينشطه تعجيل ظفر، ويثبطه تأخيره، ولكن افعل كما يفعل الثابت الذي لا ينشطه تعجيل ظفر، ولا يثبطه تأخيره، وكل هذه المعاني مستنبطة من ارتباط {فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إلَيْكَ} بقوله:{أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ} ، وذلك لأنه تعالى لما نبهه -صلوات الله عليه- أن جده واجتهاده في دعاء قومه غير نافع، وأنهم صم عمي في ضلال مبين، لا يرجعون ولا يرعون، وبين أنه لابد من الهلاك وقطع دابرهم، فقسم الأمر بين أن

?

ص: 148

ليس المراد بسؤال الرسل: حقيقة السؤال؛ لإحالته، ولكنه مجاز عن النظر في أديانهم، والفحص عن مللهم، هل جاءت عبادة الأوثان قط في ملة من ملل الأنبياء؟ وكفاه نظرًا وفحصًا: نظره في كتاب الله المعجز المصدّق لما بين يديه، وإخبار الله فيه بأنهم يعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانًا، وهذه الآية في نفسها كافية لا حاجة إلى غيرها.

والسؤال الواقع مجازًا عن النظر، حيث لا يصح السؤال على الحقيقة: كثير، منه مساءلة الشعراء الديار والرسوم والأطلال، وقول من قال: سل الأرض: من شق أنهارك، وغرس أشجارك، وجنى ثمارك؟ فإنها إن لم تجبك حوارًا أجابتك اعتبارًا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ينصره عليهم في الدنيا ويشفي صدور المؤمنين، وبين أن ينتقم منهم في الآخرة أشد الانتقام، أرشده إلى المتاركة والمواعدة والاشتغال بما يهمه من التمسك بالعروة الوثقى، وهو هذا القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وعلل ذلك بقوله:{إنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} .

ويعضد معنى المتاركة والتسلية: قوله: {واسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا} ، والشروع في قصة موسى عليه السلام، فتأمل وتعجب من إدراكه اللمحات التنزيلية التي لطف شأنها، وخفي مكانها، واشكر سعينا في استنباطها من مظانها، بطلب الزلفى عند الله الكريم.

قوله: (وهذه الآية في نفسها كافية): ترقى في تأويل السؤال بالنظر والفحص، يعني: أمر صلوات الله عليه بقوله: {واسْأَلْ} بأن يتفكر في أديان الأمم السالفة، دينًا بعد دين، وأمة بعد أمة، هل جاءت عبادة الأوثان قط في ملة، ثم ترقى منه غلى النظر في هذا الكتاب الكريم، فإنه كاف في التفحص، ثم ترقى منه إلى التفكر في هذه الآية الفاذة الكافية في المقصود.

قوله: (كثير): خبر، و"السؤال الواقع" مبتدأ، و"منه" خبر أيضًا، و"مساءلة الشعراء" مبتدأ.

?

ص: 149

وقيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم جمع له الأنبياء ليلة الإسراء في بيت المقدس فأمّهم، وقيل له: سلهم، فلم يشكك ولم يسأل. وقيل: معناه سل أمم من أرسلنا، وهم أهل الكتابين؛ التوراة والإنجيل. وعن الفراء: هم إنما يخبرونه عن كتب الرسل، فإذا سألهم فكأنه سأل الأنبياء.

[{وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَقالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ * فَلَمَّا جاءَهُمْ بِآياتِنا إِذا هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ} 46 - 47]

ما أجابوه به عند قوله: {إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ} محذوف، دل عليه قوله:{فَلَمَّا جاءَهُمْ بِآياتِنا} وهو مطالبتهم إياه بإحضار البينة على دعواه وإبراز الآية، {إِذا هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ} أي: يسخرون منها ويهزءون بها ويسمونها سحرًا، و"إذا" للمفاجأة.

فإن قلت: كيف جاز أن يجاب "لما" بـ"إذا" المفاجأة؟ قلت: لأنّ فعل المفاجأة معها مقدّر، وهو عامل النصب في محلها، كأنه قيل: فلما جاءهم بآياتنا فاجئوا وقت ضحكهم.

[{وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها وَأَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} 48]

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (فلم يشكك ولم تسأل): أي: ظاهر الأمر الوجوب، فإما أن يحمل السؤال على النظر مجازًا، والكلام مبني على الشرط، كأنه قيل: أن شككت فاسأل، كقوله تعالى:{فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ} [يونس: 94]، فلم يشكك ولم يسأل.

قوله: (وقيل: معناه: سل أمم من أرسلنا): وهم أهل الكتابين. الانتصاف: "يشهد له قوله: {فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ} [يونس: 94] ".

?

ص: 150

فإن قلت: إذا جاءتهم آية واحدة من جملة التسع، فما أختها التي فضلت عليها في الكبر من بقية الآيات؟ قلت: أختها التي هي آية مثلها، وهذه صفة كل واحدة منها، فكان المعنى على أنها أكبر من بقية الآيات على سبيل التفصيل والاستقراء واحدة بعد واحدة، كما تقول: هو أفضل رجل رأيته؛ تريد تفضيله على أمة الرجال الذين رأيتهم إذا قروتهم رجلًا رجلًا.

فإن قلت: هو كلام متناقض، لأنّ معناه: ما من آية من التسع إلا هي أكبر من كل واحدة منها، فتكون واحدة منها فاضلة ومفضولة في حالة واحدة؟ قلت: الغرض بهذا الكلام أنهنّ موصوفات بالكبر، لا يكدن يتفاوتن فيه، وكذلك العادة في الأشياء التي تتلاقى في الفضل، وتتقارت منازلها فيه التقارت اليسير: أن تختلف آراء الناس في تفضيلها، فيفضل بعضهم هذا، وبعضهم ذاك، فعلى ذلك بنى الناس كلامهم فقالوا: رأيت رجالًا بعضهم أفضل من بعض،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (تريد تفضيله على أمه الرجال): يعني: من حق "أفعل" التفصيل هنا، أن يكون المفصل عليه أعم منه، لأن الآيات تسع، فينبغي أن يقال: وما من آية إلا وهي أكبر من بقية الآيات، وفي الآية:{أُخْتَهَا} : مثل، وكذا في المثال، فيحمل على استغراق الجنس ليتناول فردًا فردًا منه.

قوله: (إذا قروتهم رجلًا رجلًا): الجوهري: "قروت البلاد قروًا، وقريتها، واقتريتها، واستقريتها: إذا تتبعتها؛ تخرج من أرض إلى أرض".

قوله: (الفرض بهذا الكلام أنهن موصوفات بالكبر، لا يكدن يتفاوتن فيه): يعني: "أفعل" محمول على الزيادة مطلقًا رومًا للمبالغة، كقوله تعالى:{هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ} [النجم: 33]، فـ {أَعْلَمُ} يعني: عالم؛ إذا لا مشاركة لله تعالى في علمه بذلك، وسبق بيان ذلك في سورة "الزمر" مستقصى.

?

ص: 151

وربما اختلفت آراء الرجل الواحد فيها، فتارة يفضل هذا وتارة يفضل ذاك. ومنه بيت "الحماسة":

من تلق منهم تقل: لاقيت سيدهم .... مثل النجوم الّتى يسري بها السّاري

وقد فاضلت الأنمارية بين الكملة من بنيها، ثم قالت لما أبصرت مراتبهم متدانية قليلة التفاوت: ثكلتهم إن كنت أعلم أيهم أفضل، هم كالحلقة المفرّغة لا يدرى أين طرفاها.

{لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} إرادة أن يرجعوا عن الكفر إلى الإيمان. فإن قلت لو أراد رجوعهم لكان؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الانتصاف: "الظاهر أن الذي سوغ هذا الإطلاق أن كل آية إذا أفردت استغرقت عظمتها الفكر، وبهرته، حتى يجزم أنها النهاية، وأن كل آية دونها، فإذا نقل الكفر إلى الأخرى كانت كذلك، وحاصلها أنه لا يقدر الفكر أن يجمع بين آيتين لتتميز الفاضلة من المفضولة".

وقال صاحب "الفرائد": "نحوه قوله تعالى: {وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} [الصافات: 147]، فإن الناظر إذا نظر إلى آية ظهرت بعد أخرى، يقول: هي أكبر من أختها، لكون كل واحدة في غاية من الكمال والقوة".

قوله: (وقد فاضلت الأنمارية): قيل: هي فاطمة بنت الخرشب الأنمارية، كانت في الجاهلية، وبنوها يلقبون "الكلمة"، تصف أبناءها حين سئلت: أيهم أفضل؟ فقالت: عمارة، لا بل فلان، لا بل فلان، ثم قالت: ثكلتهم أن كنت أعلم أيهم أفضل، كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفاها.

?

ص: 152

قلت: إرادته فعل غيره ليس إلا أن يأمره به ويطلب منه إيجاده، فإن كان ذلك على سبيل القسر وجد، وإلا دار بين أن يوجد وبين أن لا يوجد على حسب اختيار المكلف، وإنما لم يكن الرجوع لأنّ الإرادة لم تكن قسرا ولم يختاروه.

والمراد بالعذاب: السنون والطوفان والجراد وغير ذلك.

[{وَقالُوا يا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ * فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ} 49 - 50]

وقرئ: "يا أيه الساحر"؛ بضم الهاء، وقد سبق وجهه.

فإن قلت: كيف سموه بالساحر مع قولهم: {إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ} ؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (إرادته فعل غيره) إلى آخره): جعل الأمر والإرادة سيان، وآل حاصل كلامه أنه حصل مراد العبد دون مراد الله، وقد مر غير مرة أن "لعل" في أمثال هذه المقامات مستعارة تمثيلًا، أي: عاملهم الله عز وجل معاملة من يرجو ويتوقع.

قوله: (قرئ: "يا أيه الساحر"؛ بضم الهاء): ابن عامر، والباقون: بفتحها. ووجهها: أنها كانت مفتوحة لوقوعها قبل الألف، فلما سقطت الألف لالتقاء الساكنين، أتبعت حركتها حركة ما قبلها، هكذا قاله في سورة "النور"، وقالوا: وجهه: أنه لما لزم هاء التنبيه "أي" المنادى صار معه كالشيء الواحد، فحذف ألفها، ثم جعل الهاء كجزء منه، فبنى "أيه" في النداء على الضم، كما قالوا: يا زيد.

قوله: (كيف سموه بالساحر): أي: تسميتهم بـ"الساحر" مؤذن بأنه ضال مضل، ووعدهم

?

ص: 153

قلت: قولهم: {إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ} وعد منوي إخلافه، وعهد معزوم على نكثه، معلق بشرط أن يدعو لهم وينكشف عنهم العذاب، ألا ترى إلى قوله تعالى:{فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ} ، فما كانت تسميتهم إياه بالساحر بمنافية لقولهم:{إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ} . وقيل: كانوا يقولون للعالم الماهر: ساحر؛ لاستعظامهم علم السحر.

{بِما عَهِدَ عِنْدَكَ} بعهده عندك من أن دعوتك مستجابة،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بقوله: {إنَّنَا لَمُهْتَدُونَ} إعلام بأنه هاد مهتد، وأجاب: بأن قولهم: {إنَّنَا لَمُهْتَدُونَ} تعليق مخالف لما في الضمائر، وقال القاضي:"نادوه بالساحر في تلك الحال لشدة شكيمتهم، وفرط حماقتهم"، ويمكن أن يقال: أن هذا المقام تضرع وابتهال، بدليل قوله:{فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ العَذَابَ} ، فينبغي أن يقولوا: يا موسى، كما في نظيرتها، لكنهم من إفراط حيرتهم ودهشتهم سبق لسانهم إلى ما تعودوه وألفوا به من تسميتهم بالساحر، ونظير هذه الآية قوله تعالى:{وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ * فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ} [الأعراف: 134 - 135].

قوله: ({بِمَا عَهِدَ عِندَكَ} أي: بعهده عندك): أي: ادع الله بسبب أنك مستجاب الدعوة، لأن الله تعالى عهد لك أن يجيب دعوتك، أو بحق ما عندك من عهد الله وكرامتك بالنبوة، أو بحق الإيمان والطاعة، أو بسبب ما عهده الله من كشف العذاب لمن آمن، قال الزجاج:" {بِمَا عَهِدَ عِندَكَ} فيمن آمن به من كشف العذاب عنه، يدل عليه قوله: {فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ العَذَابَ إذَا هُمْ يَنكُثُونَ} ".

?

ص: 154

أو بعهده عندك وهو النبوّة، أو بما عهد عندك فوفيت به، وهو الإيمان والطاعة، أو بما عهد عندك من كشف العذاب عمن اهتدى.

[{وَنادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قالَ يا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ * أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكادُ يُبِينُ * فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ} 51 - 53]

{وَنادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ} جعلهم محلا لندائه وموقعًا له، والمعنى: أنه أمر بالنداء في مجامعهم وأما كنهم من نادى فيها بذلك، فأسند النداء إليه، كقولك: قطع الأمير اللص؛ إذا أمر بقطعه. ويجوز أن يكون عنده عظماء القبط، فيرفع صوته بذلك فيما بينهم، ثم ينشر عنه في جموع القبط، فكأنه نودي به بينهم، فقال:{أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ} يعني أنهار النيل، ومعظمهما أربعة: نهر الملك، ونهر طولون، ونهر دمياط، ونهر تنيس. قيل: كانت تجري تحت قصره، وقيل: تحت سريره لارتفاعه، وقيل: بين يدي في جناني وبساتيني.

ويجوز أن تكون الواو عاطفة "للأنهار" على {مُلْكُ مِصْرَ} ، و {تَجْرِي}: نصب على الحال منها، وأن تكون الواو للحال، واسم الإشارة مبتدأ، و {الْأَنْهَارُ} صفة لاسم الإشارة، و {تَجْرِي} خبر للمبتدأ.

وليت شعري كيف ارتقت إلى دعوة الربوبية همة من تعظم بملك مصر، وعجب الناس من مدى عظمته، وأمر فنودي بها في أسواق مصر وأزقتها؛ لئلا تخفى تلك الأبهة والجلالة على صغير ولا كبير، وحتى يتربع في صدور الدهماء مقدار عزته وملكوته، وعن الرشيد: أنه لما قرأها قال: لأولينها أخس عبيدي،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (يتربع): أي: يتمكن في قلوب الجماعة فضل تمكن تمثيلًا، وعن بعضهم:"مقدار" بالنصب؛ من قولهم: تربع المكان: أتخذه ربعًا، أي: منزلًا، وقيل: الإقامة في المكان، وبمعنى:

?

ص: 155

فولاها الخصيب، وكان على وضوئه. وعن عبد الله بن طاهر: أنه وليها، فخرج إليها، فلما شارفها ووقع عليها بصره، قال: أهي القرية التي افتخر بها فرعون حتى قال: {أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ} ؟ ! والله لهي أقل عندي من أن أدخلها، فثنى عنانه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الأخذ للمكان، و"مقدار" بالرفع في بعض النسخ؛ على أنه فاعل "يتربع"، من قولهم تربع في جلوسه.

قوله: (فولاها الخصيب): وهو خصيب بن حميد، كذا في "ديوان أبي نواس)، ومدحه بقصيدة، منها:

أما دون مصر للغنى متطلب .... بلى أن أسباب الغنى لكثير

فقلت لها واستعجلتها بوادر .... جرت فجرى في جريهن عبير

ذريني أكثر حاسديك برحلة .... إلى بلد فيه الخصيب أمير

إذا لم تزر أرض الخصيب ركابها .... فأي فتى غير الخصيب تزور؟ !

فتى يشتري حسن الثناء بماله .... ويعلم أن الدائرات تدور

فما حازه جود ولا حل دونه .... ولكن يصير الجود حيث يصير

وذكر ابن الأثير في "التاريخ الكامل": "أن الرشيد لما أراد عزل موسى بن عيسى عن مصر، قال: والله لا أعزله إلا بأخس من على بابي، فأحضر عمر بن مهران، وكان أحول مشوه الخلق رث الثياب، فولاه، فسار فوافى دار موسى، وجلس في أخريات الناس، فلما تفرقوا دفع الكتاب إلى موسى، فقال: تقدم أبا حفص أبقاك الله، لعن الله فرعون حيث قال: {أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ}، ثم سلم له العمل، ورحل".

?

ص: 156

{أَمْ} هذه متصلة؛ لأنّ المعنى: أفلا تبصرون أم تبصرون، إلا أنه وضع قوله:{أَنَا خَيْرٌ} موضع "تبصرون"، لأنهم إذا قالوا له: أنت خير، فهم عنده بصراء، وهذا من إنزال السبب منزلة المسبب. ويجوز أن تكون منقطعة؛ على: بل أأنا خير، والهمزة للتقرير، وذلك أنه قسم تعديد أسباب الفضل والتقدّم عليهم؛ من ملك مصر وجري الأنهار تحته، ونادى بذلك، وملأ به مسامعهم، ثم قال: أنا خير، كأنه يقول: أثبت عندكم واستقر إني أنا خير وهذه حالي.

{مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ} أي: ضعيف حقير. وقرئ: "أما أنا خير"

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: ({أَمْ} هذه متصلة؛ لأن المعنى: أفلا تبصرون أم تبصرون): قال أبو البقاء: " {أَمْ} هذه منقطعة في اللفظ؛ لوقوع الجملة بعدها، وهي في المعنى متصلة معادلة، إذ المعنى: أنا خير منه أم لا"، ومراد المصنف: أن قوله: {أَمْ أَنَا خَيْرٌ} بعث لهم على الاستبصار والتفكر في أحواله؛ من بسطة الملك واستعداد الرئاسة ومن الجريان في النطق، وأحوال موسى؛ من الفقر والقلة وعدم استعداده الرئاسة من الرتة في النطق، ثم على أن يقولوا له: أنت خير. وينصره قوله تعالى: {هُوَ مَهِينٌ ولا يَكَادُ يُبِينُ} .

ولما كان هذا التركيب حاملًا على الاستبصار، وعلى القول، قال:"وهذا من إنزال السبب منزلة المسبب"، عن بعضهم: لأن كونه خيرًا عندهم مسبب كونهم بصراء، لأن الإبصار سبب لقولهم: أنت خير.

?

ص: 157

{وَلا يَكادُ يُبِينُ} الكلام لما به من الرتة، يريد: أنه ليس معه من العدد وآلات الملك والسياسة ما يعتضد به، وهو في نفسه مخل بما ينعت به الرجال من اللسن والفصاحة، وكانت الأنبياء كلهم أبيناء بلغاء.

وأراد بإلقاء الأسورة عليه: إلقاء مقاليد الملك إليه، لأنهم كانوا إذا أرادوا تسويد الرجل سوّروه بسوار، وطوّقوه بطوق من ذهب، {مُقْتَرِنِينَ} إما مقترنين به؛ من قولك: قرنته فاقترن به، وإما من: اقترنوا؛ بمعنى: تقارنوا. لما وصف نفسه بالملك والعزة، ووازن بينه وبين موسى صلوات الله عليه، فوصفه بالضعف وقلة الأعضاد، اعترض فقال: هلا إن كان صادقًا ملكه ربه وسوّده وسوّره، وجعل الملائكة أعضاده وأنصاره.

وقرئ: "أساور"؛ جمع أسورة، و"أساوير"؛ جمع إسوار، وهو السوار، و"أساورة"؛ على تعويض التاء من ياء "أساوير". وقرئ:"ألقى عليه أسورة" و"أساور"، على البناء للفاعل، وهو الله عز وجل.

[{فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ} 54]

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (أبيناء): قيل: جمع بين، وهو ذو البيان.

قوله: (مقاليد الملك): الجوهري: "الإقليد: المفتاح، والمقلد: مفتاح".

قوله: (وإما من: اقترنوا): بمعنى: تقارنوا، قال محيي السنة:"أي: متتابعين، يقارن بعضهم بعضًا؛ يشهدون له بصدقه، ويعينونه على أمره".

قوله: (وقرئ: "أساور"): حفص: {أَسْوِرَةٌ} بإسكان السين من غير ألف، والباقون: بفتحها وألف بعدها.

?

ص: 158

{فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ} فاستفزهم، وحقيقته: حملهم على أن يخفوا له ولما أراد منهم، وكذلك: استفز، من قولهم للخفيف: فز.

[{فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ * فَجَعَلْناهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ} 55 - 56]

{آسَفُونَا} منقول من: أسف أسفًا: إذا اشتد غضبه، ومنه الحديث في موت الفجأة:"رحمة للمؤمن وأخذة أسف للكافر". ومعناه: أنهم أفرطوا في المعاصي وعدوا طورهم، فاستوجبوا أن نعجل لهم عذابنا وانتقامنا، وأن لا نحلم عنهم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (حملهم على أن يخفوا له): يعني: السين للطلب، وما طلب منهم في الحقيقة أن يخفوا له، بل احتال في تنكب آرائهم حتى يطيعوه فيما أراد منهم، مما يأباه أرباب العقول وأولو البصائر، قال محيي السنة:"يقال: استخفه على رأيه؛ إذا حمله على الجهل"، وعن بعضهم: أي: حملهم بتمويهه على أن خفوا لأمره غير مستثقلين له، فأطاعوه في تكذيب موسى ومخالفته، وجمع الجموع لمحاربته.

قوله: (وكذلك: استفز): أي: كما جاء "استخف" من الخفة لهذا المعنى، كذلك جاء "استفز" من فز؛ له.

قوله: (ومنه الحديث في موت الفجأة): روي عن رجل من الصحابة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "موت الفجأة أخذة أسف ورحمة للمؤمن"، وفي رواية: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "موت الفجأة أخذة أسف"، أخرج الثانية أبو داود، والأولى رواها رزين، وذكرهما صاحب "جامع الأصول".

?

ص: 159

وقرئ: {سَلَفًا} جمع سالف، كخادم وخدم، و"سُلُفًا" بضمتين؛ جمع سليف، أي: فريق قد سلف، و"سلفًا": جمع سلفة، أي: ثلة قد سلفت. ومعناه: فجعلناهم قدوة للآخرين من الكفار، يقتدون بهم في استحقاق مثل عقابهم ونزوله بهم، لإتيانهم بمثل أفعالهم، وحديثًا عجيب الشأن سائرًا مسير المثل، يحدثون به ويقال لهم: مثلكم مثل قوم فرعون.

[{وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ * وَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ * إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرائِيلَ} 57 - 59]

لما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على قريش: {إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} [الأنبياء: 98]، امتعضوا من ذلك امتعاضًا شديدًا، فقال عبد الله بن الزبعرى: يا محمد، أخاصة لنا ولآلهتنا أم لجميع الأمم؟ فقال عليه السلام:"هو لكم ولآلهتكم ولجميع الأمم"، فقال: خصمتك ورب الكعبة، ألست تزعم أنّ عيسى ابن مريم نبيّ، وتثني عليه خيرًا وعلى أمه، وقد علمت أنّ النصارى يعبدونهما، وعزير يعبد، والملائكة يعبدون، فإن كان هؤلاء في النار فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا معهم، ففرحوا وضحكوا،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وقرئ: {سَلَفًا}): حمزة والكسائي: "سلفًا"؛ بضم السين واللام، والباقون: بفتحهما.

قوله: (أي: ثلة): الجوهري: "الثلة- بالضم-: الجماعة من الناس".

قوله: (امتعضوا من ذلك): الجوهري: "معضت من ذلك الأمر أمعض معضًا، وامتعضت منه: إذا غضبت وشق عليك".

قوله: (خصمتك): خاصمت فلانًا فخصمته، أي: غلبته في الخصومة.

?

ص: 160

وسكت النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى} [النبياء: 101]، ونزلت هذه الآية.

والمعنى: ولما ضرب عبد الله بن الزبعرى عيسى ابن مريم مثلًا، وجادل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعبادة النصارى إياه، {إِذَا قَوْمُكَ} قريش، {مِنْهُ} من هذا المثل، {يَصِدُّونَ} ترتفع لهم جلبة وضجيج فرحًا وجزلًا وضحكًا بما سمعوا منه من إسكات رسول الله صلى الله عليه وسلم بجدله، كما يرتفع لغط القوم ولجبهم إذا تعيوا بحجة ثم فتحت عليهم.

وأمّا من قرأ: "يصدّون" بالضم: فمن الصدود، أي: من أجل هذا المثل يصدّون عن الحق ويعرضون عنه. وقيل: من الصديد وهو الجلبة، وأنهما لغتان نحو: يعكف ويعكف، ونظائر لهما.

{وَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ} يعنون: أنّ آلهتنا عندك ليست بخير من عيسى، وإذا كان عيسى من حصب النار، كان أمر آلهتنا هينًا.

{ما ضَرَبُوهُ} أي: ما ضربوا هذا المثل، {لَكَ إِلَّا جَدَلًا} إلا لأجل الجدل.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ثم فتحت عليهم): النهاية: " وفي الحديث: "لا يفتح على الإمام"؛ إذا أرتج عليه في القراءة وهو في الصلاة، لا يفتح له المأموم ما أرتج عليه، أي: لا يلقنه".

قوله: (وأما من قرأ"يصدون" بالضم): نافع وابن عامر والكسائي، والباقون: بكسرها.

قال الزجاج: "الكسر أكثر، ومعناهما جمعيًا: يضجون. ويجوز أن يكون معنى المضمومة: يعرضون"، روى محيي السنة عن الكسائي:"هما لغتان، مثل يعرشون ويعرشون، وشد يشد ويشدً، ونم ينم وينم".

?

ص: 161

والغلبة في القول، لا لطلب الميز بين الحق والباطل، {بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} لدّ شداد الخصومة دأبهم اللجاج، كقوله تعالى:{قَوْمًا لُدًّا} ] مريم: 97]،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (لا لطلب الميز): تأكيد لما نفي في المستثنى منه في قوله: "ما ضربوا هذا المثل لك إلا جدلًا"، أي: ليس قولهم: {أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ} ، إلا جدلًا صرفًا، ليس فيه سوى طلب الباطل والغلبة في القول، لأن"ما" في قوله:{إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [الأنبياء: 98] عام يحتمل التخصيص بحسب المخاطبين واقتضاء المقام، فللمحق والمبطل مجال التأويل، فإن المحق حين سمع النصوص الدالة على تعظيم الملائكة وعيسى، وأن قوله:{إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} خطاب مشافهة مع المشركين: لا يتصور دخولهم في هذا العام، والمعاند المكابر لا يلتفت إلى المقام، وحين رأى للجدال مجالًا انتهز الفرصة.

أما المقام: فإن الخطاب في قوله: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} في المشركين، ومن ثم قدر محيي السنة " {إِنَّكُمْ} أيها المشركون {وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} يعني: الأصنام، {حَصَبُ جَهَنَّمَ} ".

وأما توجيه كلامهم: {وقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ} ، فإنك تزعم أن آلهتنا ليس فيها خير، وأن عيسى نبي مكرم، فقولك:{إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} يوجب المساواة، فإن كان الذي تقول بفضله ونبوته حصب جهنم، كان أمر آلهتنا هينًا.

وأما قوله: " هو لكم ولآلهتكم ولجميع الأمم": فليس بثبت.

?

ص: 162

وذلك أنّ قوله تعالى: {إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [الأنبياء: 98]: ما أريد به إلا الأصنام، وكذلك قوله عليه السلام:«هو لكم ولآلهتكم ولجميع الأمم» ، إنما قصد به الأصنام، ومحال أن يقصد به الأنبياء والملائكة، إلا أن ابن الزبعرى بخبه وخداعه وخبث دخلته، لما رأى كلام الله ورسوله محتملًا لفظه وجه العموم، مع علمه بأنّ المراد به أصنامهم لا غير، وجد للحيلة مساغًا، فصرف معناه إلى الشمول والإحاطة بكل معبود غير الله، على طريقة المحك والجدال وحب المغالبة والمكابرة، وتوقح في ذلك، فتوقر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أجاب عنه ربه:{إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى} [الأنبياء: 101]، فدل به على أنّ الآية خاصة في الأصنام، على أنّ ظاهر قوله:{وَما تَعْبُدُونَ} لغير العقلاء.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وروى محيي السنة في"المعالم": أن ابن الزبعرى قال: "أنت قلت: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ}؟ قال: نعم، قال: أليست اليهود تعبد عزيزًا، والنصارى تعبد المسيح، وبنو مليح يعبدون الملائكة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بل هم يعبدون الشيطان، فأنزل الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى} [الأنبياء: 101] ".

قوله: (بخبه): النهاية: "الخب- بالفتح-: الخداع، وهو الجربز الذي يسعى بين الناس بالفساد، وأما المصدر فبالكسر لا غير".

قوله: (وخبث دخلته): الجوهري: "داخلة الرجل: باطن أمره، وكذلك الدخلة بالضم"، الأساس:"إنه لخبيث الدخلة، وعفيف الدخلة، وهي باطن أمره".

قوله: (على طريقة المحك): الأساس: "رجل محك: لجوج عسر، وماحك ومحكان، وقد محك محكًا، وماحك صاحبه".

?

ص: 163

وقيل: لما سمعوا قوله: {إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ} [آل عمران: 59]، قالوا: نحن أهدى من النصارى؛ لأنهم عبدوا آدميًا، ونحن نعبد الملائكة، فنزلت. وقوله:{أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ} على هذا القول: تفضيل لآلهتهم على عيسى، لأنّ المراد بهم الملائكة، و {مَا ضَرَبُوهُ لُكُ إِلَّا جَدَلًا}: معناه: وما قالوا هذا القول- يعني: {ءَآلهتنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ} - إلا للجدال.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وقيل: لما سمعوا [قوله]: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ}): معطوف على قوله: "لما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على قريش: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} [الأنبياء: 98] "، في تفسير قوله:{ولَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا} الآية.

يعني: يجوز أن يراد بضارب ابن مريم مثلًا: عبد الله بن الزبعرى، كما في الوجه الأول، بدليل قوله:"ولما ضرب عبد الله بن الزبعرى عيسى ابن مريم مثلًا"، وأن يراد الله سبحانه وتعالى، كما في هذا الوجه، والمثل-على قول ابن الزبعرى- قوله: فلو كان هؤلاء في النار، فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا معهم، وإنما سمي مثلًا لما فيه من الغرابة من بعض الوجوه، ولذلك فرح به المشركون، وضحكوا، وسكت النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا قوله:{إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ} [آل عمران: 59].

وفي قول المصنف: "هو- على هذا القول- تفضيل لآلهتهم على عيسى؛ لأن المراد بهم الملائكة": إدماج لمذهبه في غاية من الدقة في القول بتفضيل الملك على الأنبياء، وذلك لزعمه أنه ثبت بقوله:{خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ} [آل عمران: 59]: أن عيسى عليه السلام مخلوق من تراب، واتفقنا على أن الملائكة روحانيون، فلا شك بتفضيلهم، وجواب الفريقين: قوله تعالى: {إنْ هُوَ إلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ} الآية، يعني: ليس التفضيل بالقياس، بل باصطفائنا واختيارنا لمن نشاء، فإن عيسى إنما كان نبيًا مختارًا لأننا أنعمنا عليه بالكرامة والنبوة، وإن الملائكة إنما كانوا مقربين باختيارنا ومشيئتنا سبحانه وتعالى، ولو نشاء لجعلنا منكم- وأنتم شر الدواب عند الله-

?

ص: 164

وقرئ: {أآلهتُنَا خَيْرٌ} بإثبات همزة الاستفهام وبإسقاطها؛ لدلالة "أم" العديلة عليها، وفي حرف ابن مسعود:"خير أم هذا"، ويجوز أن يكون {جَدَلَا} حالَا، أي: جدلين.

وقيل: لما نزلت: {إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ} [آل عمران: 59]، قالوا: ما يريد محمد بهذا إلا أن نعبده، وأنه يستأهل أن يعبد، وإن كان بشرًا، كما عبدت النصارى المسيح وهو بشر.

ومعنى: {يَصِدُّونَ} يضجون ويضجرون، والضمير في:{أَمْ هُوَ} لمحمد صلى الله عليه وسلم، وغرضهم بالموازنة بينه وبين آلهتهم: السخرية به والاستهزاء.

ويجوز أن يقولوا - لما أنكر عليهم قولهم: الملائكة بنات الله، وعبدوهم -: ما قلنا بدعًا من القول، ولا فعلنا نكرًا من الفعل، فإنّ النصارى جعلوا المسيح ابن الله،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أيضًا ملائكة، وهذا من باب رد القياس بالنص، كقوله تعالى:{وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275].

قوله: (وقرئ: {أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ} بإثبات همزة الاستفهام): بالإثبات: السبعة، وبإسقاطها: شاذة.

قوله: (ويجوز أن يقولوا لما أنكر عليهم قولهم: الملائكة بنات الله، وعبدوهم): قوله"وعبدوهم" حال من الضمير المضاف إليه في"قولهم"، ومقول"يقولوا":"ما قلنا بدعًا"، وعلى هذا فاعل {ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا}: ابن الزبعري، كما في الوجه الأول.

والحامل على ضرب المثل الرد على الكفرات الثلاث في قوله: {وجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا} [الزخرف: 15] الآيات، وهو قوله:{أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ} [الزخرف: 16]، وقوله:{أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ} [الزخرف: 19]، وقوله:{مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ} [الزخرف: 20]، والآيات المتخللة في البين متصلات بعضها مع بعض بالأفانين المتنوعة.

?

ص: 165

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وهذا الوجه وارد على القياس المبني على أصل فاسد، وذلك أن النصارى ما عبدوا عيسى عليه السلام عن علم ودليل، بل عبدوه لأنه وجد من غير أب، ولو نشاء أيتها الكفرة ولدنا منكم، كما ولد عيسى من غير أب، ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة، يعني: أن حال عيسى وإن كانت عجيبة، فالله تعالى قادر على ما هو أعجب من ذلك، وأن الملائكة منكم، من حيث إنها مخلوقة، فيحتمل أن يخلقوا توليدًا، كما جاز خلقها إبداعًا، فمن أين لهم استحقاق الألوهية، والانتساب إلى الله تعالى؟ !

وإنما فسر {لَجَعَلْنَا مِنكُم} بقوله: "لولدنا"؛ لوقوعه مقابلًا لقوله: {وجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِّبَنِي إسْرَائِيلَ} ، ومعناه: وخلقناه من غير سبب، وصيرناه عجيبةً كالمثل السائر.

فإن قلت: ذكر في "المعالم": "أن المعنى: لو نشاء لأهلكناكم، وجعلنا بدلكم ملائكةً خلفًا منكم، يعمرون الأرض ويعبدونني، وقيل: يخلف بعضهم بعضًا"، وقال أبو البقاء:"لحولنا بعضكم ملائكة"، فلم عدل المصنف عن البدلية إلى ما ذكر؟ قلت: لأن المقام له أدعى، وأن التبديل دل على التوعد بالهلاك والاستئصال، وهو لا يدخل في المعنى، إذ المعنى: أن هو إلا عبد أنعمنا عليه، وجعلناه عبرةً عجيبة، ولو شئنا لجعلنا منكم أيضًا عبرةً عجيبة، دلالةً على قدرتنا على عجائب الأمور، وبدائع الفطر، والله أعلم.

فإن قلت: قد علم في الوجهين الآخرين تنزيل الجواب، وهو قوله:{إنْ هُوَ إلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ} الآية، على قولهم:{أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ} ، فما وجه التنزيل على الوجه الأول، وهو أن يكون الحامل على هذا القول قوله تعالى:{إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} [الأنبياء: 98]؟

?

ص: 166

وعبدوه، ونحن أشف منهم قولًا وفعلًا، فإنا نسبنا إليه الملائكة، وهم نسبوا إليه الأناسي، فقيل لهم: مذهب النصارى شرك بالله، ومذهبكم شرك مثله، وما تنصلكم مما أنتم عليه بما أوردتموه إلا قياس باطل بباطل، وما عيسى {إِلَّا عَبْدٌ} كسائر العبيد، {أَنْعَمْنا عَلَيْهِ} حيث جعلناه آية؛ بأن خلقناه من غير سبب، كما خلقنا آدم، وشرفناه بالنبوّة، وصيرناه عبرة عجيبة كالمثل السائر لبني إسرائيل.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قلت: وجهه وجه قوله تعالى في تلك السورة: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} [الأنبياء: 101]، وإليه أشار المصنف بقوله:"فإن كان هؤلاء في النار، فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا معهم، ففرحوا وضحكوا، فأنزل الله: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ}، ونزلت هذه الآية".

وتقريره: أن جدلكم هذا باطل، لأنه عليه السلام ما دخل في هذا النص الصريح، لأن الكلام معكم أيها المشركون، وأنتم المخاطبون به، وإنما المراد بـ "ما تعبدون": الأصنام التي تنحتونها بأيديكم، وأما عيسى ما هو إلا عبد مكرم منعم عليه بالنبوة مرفوع المنزلة والذكر، مشهور في بني إسرائيل كالمثل السائر، فمن أين يدخل في قولنا:{إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} ؟ ثم لا اعتراض علينا أن نجعل قومًا أهلًا للنار، وآخرين أهلًا للجنة، إذ لو نشاء لجعلنا منكم ومن أنفسكم- أيها الكفرة- ملائكة، أي: عبيد مكرمون مهتدون إلى الجنة صابرون كقوله تعالى: {وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ} [السجدة: 13]، وكما لوح في تلك الآية:{إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} [الأنبياء: 101]، والله أعلم.

قوله: (أشف منهم قولًا): الجوهري: "الشف- بالكسر-: الفضل والربح، تقول منه: شف يشف شفًا".

قوله: (وما تنصلكم): و "التنصل": الخروج من الذنب بالاعتذار.

?

ص: 167

[{وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ} 60]

{وَلَوْ نَشاءُ} لقدرتنا على عجائب الأمور وبدائع الفطر، {لَجَعَلْنا مِنْكُمْ} لولدنا منكم يا رجال {مَلائِكَةً} يخلفونكم في الأرض، كما يخلفكم أولادكم، كما ولدنا عيسى من أنثى من غير فحل، لتعرفوا تميزنا بالقدرة الباهرة، ولتعلموا أن الملائكة أجسام لا تتولد إلا من أجسام، وذات القديم متعالية عن ذلك.

[{وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها وَاتَّبِعُونِ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ} 61]

{وَإِنَّهُ} وإن عيسى عليه السلام {لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ} أي: شرط من أشراطها تعلم به، فسمى الشرط علمًا لحصول العلم به. وقرأ ابن عباس:"لعلم"، وهو العلامة. وقرئ:"للعلم"، وقرأ أُبيّ:"لذكر"؛ على تسمية ما يذكر به: ذكرًا، كما سمى ما يعلم به: علمًا.

وفي الحديث: "أن عيسى عليه الصلاة والسلام ينزل على

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (فسمى الشرط علمًا لحصول العلم به): النهاية: "أشراط الساعة: علاماتها، واحدها: شرط- بالتحريك-، ومنه سميت شرط السلطان، لأنهم جعلوا لأنفسهم علامات يعرفون بها، قاله أبو عبيدة، وحكى الخطابي عن بعضهم: أنه أنكر هذا التفسير، وقال: أشراط الساعة: ما ينكره الناس من صغار أمورها قبل أن تقوم، وشرط السلطان: نخبة أصحابه الذين يقدمهم على غيرهم من جنده".

قوله: (على تسمية ما يذكر به): المطلع: قال: الذكر، لأنه تذكر به الساعة.

قوله: (أن عيسى ينزل) الحديث: من رواية البخاري ومسلم والترمذي وأبي داود وابن ماجه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لينزلن ابن مريم حكمًا عدلًا، فليكسرن الصليب، وليقتلن الخنزير، وليضعن الجزية، ولتتركن القلاص، فلا يسعى عليها، ولتذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد، وليدعون إلى المال فلا يقبله أحد".

?

ص: 168

ثنية بالأرض المقدّسة، يقال لها: أفيق، وعليه ممصرتان، وشعر رأسه دهين، وبيده حربة، وبها يقتل الدجال، فيأتي بيت المقدس، والناس في صلاة الصبح، والإمام يؤم بهم، فيتأخر الإمام، فيقدمه عيسى، ويصلي خلفه على شريعة محمد عليه الصلاة والسلام، ثم يقتل الخنازير، ويكسر الصليب، ويخرب البيع والكنائس، ويقتل النصارى إلا من آمن به".

وعن الحسن: أن الضمير للقرآن، وأن القرآن به تعلم الساعة، لأن فيه الإعلان بها.

{فَلا تَمْتَرُنَّ بِها} من المرية، وهي الشك، {وَاتَّبِعُونِ} واتبعوا هداي وشرعي، أو رسولي.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وفي رواية: "فإنه نازل، فإذا رأيتموه فاعرفوه، فإنه رجل مربوع إلى الحمرة والبياض، ينزل بين ممصرتين، كأنه رأسه يقطر، وإن لم يصبه بلل، فليقاتل الناس على الإسلام"، وفيه:"ويهلك المسيح الدجال".

وفي رواية أخرى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم، وإمامكم منكم"، وفي رواية:"فأمكم منكم"، قال ابن أبي ذئب: تدري ما "أمكم منكم"؟ قال: تخبرني، قال:"فأمكم بكتاب الله عز وجل وسنة نبيكم صلى الله عليه وسلم ".

قوله: (ممصرتان): أي: حلتان ممغرتان من مصر، والمغرة: الطين الأحمر. والنهاية: "الممصرة من الثياب: التي فيها صفرة خفيفة".

?

ص: 169

وقيل: هذا أمر لرسول الله أن يقوله. {هَذَا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ} أي: هذا الذي أدعوكم إليه، أو هذا القرآن، إن جعل الضمير في {وَإِنَّهُ} للقرآن.

[{وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} 62]

{عَدُوٌّ مُبِينٌ} قد أبانت عداوته لكم، إذ أخرج أباكم من الجنة، ونزع عنه لباس النور.

[{وَلَمَّا جاءَ عِيسى بِالْبَيِّناتِ قالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ * فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ} 63 - 65]

{بِالْبَيِّناتِ} المعجزات، أو بآيات الإنجيل والشرائع البينات الواضحات، {بِالْحِكْمَةِ} يعني: الإنجيل والشرائع. فإن قلت: هلا بين لهم كل الذي يختلفون فيه، ولكن بعضه؟ قلت: كانوا يختلفون في الديانات، وما يتعلق بالتكليف، وفيما سوى ذلك مما لم يتعبدوا بمعرفته والسؤال عنه،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وقيل: هذا أمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم: عطف على قوله: "واتبعوا هداي"، فالضمير المنصوب على الأول: لله تعالى؛ على تقدير حذف المضاف، ولهذا قال:"هداي وشرعي أو رسولي".

قوله: (أو هذا القرآن، أن جعل الضمير في "إنه" للقرآن)، المعنى: أن القرآن فيه الإعلام بالساعة، وإذا كان كذلك فلا تمترن بها، لأن إعلامه صدق، واتبعوني أيضًا لأنجيكم من أهوالها، لأني متبع لهذا الصادق المصدق الهدي إلى صراط مستقيم، فنكر ليدل على استقامة لا يكتنه كنهها.

قوله: (كانوا يختلفون في الديانات، وما يتعلق بالتكليف، وفيما سوى ذلك): قال القاضي: " {بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ} هو ما يكون من أمر الدين، لا ما يتعلق بأمر الدنيا، فإن الأنبياء لم تبعث لبيانه، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (أنتم أعلم بأمر دنياكم) ".

?

ص: 170

وإنما بعث ليبين لهم ما اختلفوا فيه مما يعنيهم من أمر دينهم.

{الْأَحْزابُ} الفرق المتحزبة بعد عيسى عليه السلام، وقيل: اليهود والنصارى، {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا} وعيد للأحزاب. فإن قلت:{مِنْ بَيْنِهِمْ} : إلى من يرجع الضمير فيه؟ قلت: إلى الذين خاطبهم عيسى في قوله: {قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ} ، وهم قومه المبعوث إليهم.

[{هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَاتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ * الْأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ (67) يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَكانُوا مُسْلِمِينَ * ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْواجُكُمْ تُحْبَرُونَ * يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوابٍ وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ * وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * لَكُمْ فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْها تَاكُلُونَ} 66 - 73]

{أَنْ تَاتِيَهُمْ} بدل من {السَّاعَةَ} ، والمعنى: هل ينظرون إلا إتيان الساعة. فإن قلت: أما أدى قوله: {بَغْتَةً} مؤدّى قوله: {وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} فيستغنى عنه؟ قلت: لا، لأنّ معنى قوله:{وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} : وهم غافلون لاشتغالهم بأمور دنياهم، كقوله تعالى:{تَاخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ} [يس: 49]، ويجوز أن تأتيهم بغتة وهم فطنون.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (الفرق المتحزبة بعد عيسى عليه السلام: الملكانية واليعقوبية والنسطورية.

قوله: (معنى قوله: {وهُمْ لا يَشْعُرُونَ}: وهم غافلون): يعني: مجيء الشيء فجأة: ربما يكون مع الشعور به، وربما يجيء والشخص غافل، ويجوز أن يراد بـ {لا يَشْعُرُونَ}: الإثبات، لأن الكلام وارد على الإنكار، كأنه قيل: هل تزعمون أنها تأتيهم بغتةً وهم لا يشعرون، أي: لا يكون ذلك، بل تأتيهم وهم فطنون.

?

ص: 171

{يَوْمَئِذٍ} منصوب بـ {عَدُوٌّ} ، أي: تنقطع في ذلك اليوم كل خلة بين المتخالين في غير ذات الله، وتنقلب عداوة ومقتًا، إلا خلة المتصادقين في الله، فإنها الخلة الباقية المزدادة قوّة إذا رأوا ثواب التحاب في الله، والتباغض في الله. وقيل:{إِلَّا الْمُتَّقِينَ} إلا المجتنبين أخلاء السوء، وقيل: نزلت في أبي بن خلف وعقبة ابن أبي معيط.

(يا عِبادِي) حكاية لما ينادى به المتقون المتحابون في الله يومئذ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (منصوب بـ {عَدُوٌّ}): أي: يعادي بعضهم بعضًا، من العدوة من الجانبين.

قوله: (وقيل: {إِلَّا الْمُتَّقِينَ}: إلا المجتنبين أخلاء السوء): فالتعريف في {الْأَخِلَّاءُ} على هذا: للجنس، والاستثناء متصل، وعلى الأول: المراد بالأخلاء: المتخالين في غير ذات الله، لقوله:"كل خلة بين المتخالين في غير ذات الله"، والاستثناء منقطع، ولذلك قال:"إلا خلة المتصادقين في الله، فإنها الخلة الباقية".

وفي "الحقائق" عن ابن عطاء: كل وصلة وأخوة منقطعة إلا ما كان في الله ولله، فإنه كل وقت في زيادة، لأن الله تعالى يقول:{الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} ، أي: في انقطاع وبغضة، {إِلَّا الْمُتَّقِينَ} فإنهم في راحة آخرتهم يرون فضل الله وثوابه.

قوله: (يا عبادي): حكاية لما ينادى به المتقون المتحابون في الله يومئذ، يوافقه ما روى أبو داود عن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن من عباد الله لأناسًا ما هم بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمكانهم من الله. قالوا: يا رسول الله، تخبرنا من هم؟ قال: هم قوم تحابوا بروح الله على أرحام بينهم، ولا أموال يتعاطونها، فو الله أن وجوههم كنور، وإنهم لعلى نور، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس، وقرأ: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [يونس: 62] ".

?

ص: 172

و {الَّذِينَ آمَنُوا} منصوب المحل صفة لـ"عباد"، لأنه منادى مضاف، أي: الذين صدّقوا {بِآياتِنا وَكانُوا مُسْلِمِينَ} مخلصين وجوههم لنا، جاعلين أنفسهم سالمة لطاعتنا. وقيل: إذا بعث الله الناس فزع كل أحد، فينادي مناد: يا عبادي، فيرجوها الناس كلهم، ثم يتبعها: الذين آمنوا، فييأس الناس منها غير المسلمين. وقرئ:{يَا عِبَادِ} .

{تُحْبَرُونَ} تسرون سرورًا يظهر حباره -أي: أثره- على وجوهكم، كقوله تعالى:{تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ} [المطففين: 24]، وقال الزجاج: تكرمون إكرامًا يبالغ فيه. والحبرة: المبالغة فيما وصف بجميل.

والكوب: الكوز لا عروة له، {وَفِيها} الضمير للجنة، وقرئ:"تشتهي" و {تَشْتَهِيهِ} ، وهذا حصر لأنواع النعم، لأنها إما مشتهاة في القلوب، وإما مستلذة في العيون.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (إذا بعث الله الناس) إلى قوله: (ثم يتبعها: الذين آمنوا): يريد: أن قوله: "يا عبادي" عام أن يخصص بالآية السابقة فالمراد المتحابون في الله، أو باللاحقة فالمراد الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين، على إرادة المدح أو الاختصاص، أي: اذكر من لا يخفى شأنهم، وهم الذين آمنوا وأسلموا.

قوله: (فير جوها): قيل: أي: الإضافة.

قوله: (وقرئ: {يَا عِبَادِ}): حفص وحمزة والكسائي.

قوله: (وهذا حصر لأنواع النعم): قال الواحدي: "يقال: لذذت الشيء ألذة، مثل: استلذذته، والمعنى: ما من شيء تشتهيه نفس، أو تستلذ به عين، إلا وهو في الجنة، وقد

?

ص: 173

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبر الله تعالى بهذين اللفظين عن جميع نعم أهل الجنة، فإنه ما من نعمة إلا وهي تصيب النفس أو العين".

وقد أجاد صاحب "التيسير" حيث قال: قوله تعالى: {يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ} : دل على الأطعمة، وقوله:{وأَكْوَابٍ} على الأشربة، وقوله:{وفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ وتَلَذُّ الأَعْيُنُ} على أن في الجنة وراءهما من أصناف النعم شيئًا آخر.

وقلت: وعلى هذا: لا يبعد أن يحمل قوله: {وفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ} على المنكح والملبس وما يتصل بهما؛ لتتكامل جميع المشتهيات النفسانية، فبقيت اللذة الكبرى، وهي النظر إلى وجه الله الكريم، فيكنى عنه بقوله:{وتَلَذُّ الأَعْيُنُ} ، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حبب إلى الطيب والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة"، رواه النسائي عن أنس. وقال قيس بن الملوح:

ولقد هممت بقتلها من حبها .... كي ما تكون خصيمتي في المحشر

حتى يطول على الصراط وقوفنا .... وتلذ عيني من لذيذ المنظر

ثم وافق هذا التأويل كلام جعفر الصادق رضي الله عنه: "شتان بين ما تشتهي الأنفس، وبين ما تلذ الأعين"، لأن جميع ما في الجنة من النعيم والشهوات في جنب ما تلذ الأعين: كإصبع يغمس في البحر، لأن شهوات الجنة لها حد ونهاية، لأنها مخلوقة، ولا تلذ الأعين في الدار الباقية، إلا بالنظر إلى الباقي جل وعز، ولا حد لذلك ولا صفة ولا نهاية في الحقائق.

وقال القاضي في قوله: {وأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} ما معناه: "أن كل نعيم زائل موجب لكلفة الحفظ لخوف الزوال، ومستعقب للتحسر في ثاني الحال، وقد أمن ذلك نعيم الجنة".

ص: 174

{وَتِلْكَ} إشارة إلى الجنة المذكورة، وهي مبتدأ، و {الْجَنَّةُ} خبر، و {الَّتِي أُورِثْتُمُوها} صفة الجنة، أو:{الجَنَّةُ} صفة للمبتدأ الذي هو اسم الإشارة، و {التِي أُورِثْتُمُوهَا} خبر المبتدأ، أو:{الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا} : صفة، و {بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} الخبر، والباء تتعلق بمحذوف، كما في الظروف التي تقع أخبارًا، وفي الوجه الأول تتعلق بـ {أُورِثْتُمُوهَا} ، وشبهت في بقائها على أهلها بالميراث الباقي على الورثة. وقرئ:"ورّثتموها".

{مِنْها تَاكُلُونَ} : "من" للتبعيض، أي: لا تأكلون إلا بعضها، وأعقابها باقية في شجرها، فهي مزينة بالثمار أبدًا موقرة بها،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقلت: ذق مع طبعك المستقيم معنى الخطاب والالتفات وتقديم الظرف، في قوله:{وأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} ، لتقف على ما لا يكتنهه الوصف، قال النصر آبادي" أن كان خلودهم لشهوة النفوس ولذة الأعين، فالفناء خير من ذلك، وإن كان لفناء الأوصاف، والاتصاف بصفة الحق، والمقام فيها سرور الرضا والمشاهدة، فأنتم إذن أنتم.

قوله: (وشبهت في بقائها): يعني: استعير لاستحقاقهم الجنة بسبب أعمالهم "الميراث" على رأيه، أو لإفضال الله إياها بواسطة أعمالهم:"الميراث"، ويجوز أن يقال: أورثتموها بواسطة الأعمال التي فنيت، فإن الجزاء كالميراث من الأعمال.

قوله: (موقرة): أوقرت النخلة؛ أي: كثر حملها، يقال: نخلة موقرة، وموقر، وموقرة، وحكي: موقر، وهو غير القياس.

ص: 175

لا ترى شجرة عريانة من ثمرها، كما في الدنيا. وعن النبي صلى الله عليه وسلم:«لا ينزع رجل في الجنة من ثمرها إلا نبت مكانها مثلاها» .

[{إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ * لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ * وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ * وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ * لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ} 74 - 78]

{لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ} لا يخفف ولا ينقص، من قولهم: فترت عنه الحمى: إذا سكنت عنه قليلًا ونقص حرّها، والمبلس: اليائس الساكت سكوت يأس من فرج. وعن الضحاك: يجعل المجرم في تابوت من نار، ثم يردم عليه، فيبقى فيه خالدًا، لا يرى ولا يرى.

و{هُمْ} فصل عند البصريين، عماد عند الكوفيين. وقرئ:"وهم فيها"، أي: في النار.

وقرأ علي وابن مسعود رضي الله عنهما: "يا مال"، بحذف الكاف للترخيم،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ثم يردم): الجوهري: "ردمت الثلمة أردمها- بالكسر- ردمًا: إذا سددتها".

قوله: ({هُمْ} فصل عند البصريين): قال الزجاج: "وهي عند البصريين تأتي دليلًا على أن ما بعدها ليس بصفة لما قبلها، بل هو خبر، ولا موضع لها من الإعراب، ويزعمون أنها بمنزلة "ما" في قوله: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ} [آل عمران: 159] ".

قوله: (وقرأ علي وابن مسعود رضي الله عنهما: "يا مال" بحذف الكاف للترخيم): روى البخاري ومسلم الترمذي وأبو داود عن يعلى بن أمية قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ على المنبر: {ونَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إنَّكُم مَّاكِثُونَ} ، قال سفيان: وفي قراءة عبد الله: "ونادوا يا مال".

ص: 176

كقول القائل:

والحق يا مال غير ما تصف

وقيل لابن عباس: إن ابن مسعود قرأ: "ونادوا يا مال"، فقال: ما أشغل أهل النار عن الترخيم. وعن بعضهم: حسن الترخيم أنهم يقتطعون بعض الاسم لضعفهم وعظم ما هم فيه. وقرأ أبو السرار الغنوي: "يا مال"، بالرفع، كما يقال: يا حار. {لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ} من: قضى عليه: إذا أماته، {فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ} [القصص: 15]، والمعنى: سل ربك أن يقضي علينا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قال ابن جني: "وللترخيم في هذا الموضع سر، وذلك أنهم- لعظم ما هم عليه- خفيت قواهم، وذلت أنفسهم، وصغر كلامهم، فكان هذا من موضع الاختصار ضرورة".

وقلت: هذا اعتذار منه لقراءة ابن مسعود حيث ردها ابن عباس بقوله: "ما أشغل أهل النار عن الترخيم"، فإن "ما" للتعجب، وفيه معنى الصد، مثاله قولك لمن كان في شدة واشتغل عنها بما لا يلائمه: ما أشغلك عن هذا وصدك ما أنت فيها. وخلاصة اعتذار ابن جني أن هذا الترخيم لم يصدر عنهم من التكليف، بل عن العجز وضيق المجال.

قوله: (والحق- يا مال- غير ما تصف): أوله:

[خالفت في الرأي كل ذي فجر]

ص: 177

فإن قلت: كيف قال: {وَنادَوْا يا مالِكُ} بعد ما وصفهم بالإبلاس؟ قلت: تلك أزمنة متطاولة وأحقاب ممتدة، فتختلف بهم الأحوال، فيسكتون أوقاتًا لغلبة اليأس عليهم، وعلمهم أنه لا فرج لهم، ويغوّثون أوقاتًا لشدّة ما بهم.

{ماكِثُونَ} لابثون، وفيه استهزاء، والمراد: خالدون. عن ابن عباس: إنما يجيبهم بعد ألف سنة. وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «يلقى على أهل النار الجوع حتى يعدل ما هم فيه من العذاب، فيقولون: ادعوا مالكًا، فيدعون: يا مالك ليقض علينا ربك» .

{لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِّ} كلام الله عز وجل، بدليل قراءة من قرأ:"لقد جئتكم"، ويجب أن يكون في {قَالَ} ضمير الله عز وجل. لما سألوا مالكًا أن يسأل الله تعالى القضاء عليهم، أجابهم الله بذلك. {كارِهُونَ} لا تقبلونه وتنفرون منه وتشمئزون منه، لأنّ مع الباطل الدعة، ومع الحق التعب.

[{أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ * أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ} 79 - 80]

{أَمْ} أبرم مشركو مكة {أَمْرًا} من كيدهم، ومكرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ويغوثون): أي: يقولون: واغوثاه.

قوله: (وفيه استهزاء): أي: في قول مالك: {مَاكِثُونَ} ، لأن حقه:"خالدون"، لأن المكث من الانتظار، ولا انتظارهم، يعلم من "الصحاح".

قوله: ({أَمْ} أبرم مشركو مكة {أَمْرًا})، الراغب:"الإبرام: إحكام الأمر، وأصله من إبرام الحبل، وهو ترديد فتله، والبريم: المبرم، أي: المفتول فتلًا محكمًا، والمبرم: الملح؛ تشبيها له بمبرم الحبل، ومن هذا قيل للبخيل الذي لا يدخل في الميسر: برم، كما يقال للبخيل: مغلول اليد".

ص: 178

{فَإِنَّا مُبْرِمُونَ} كيدنا كما أبرموا كيدهم، كقوله:{أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ} [الطور: 42]؟ وكانوا يتنادون فيتناجون في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فإن قلت: ما المراد بالسر والنجوى؟ قلت: السر ما حدث به الرجل نفسه أو غيره في مكان خال، والنجوى: ما تكلموا به فيما بينهم. {بَلى} نسمعهما ونطلع عليهما، {وَرُسُلُنا} يريد الحفظة عندهم {يَكْتُبُونَ} ذلك. وعن يحيى بن معاذ الرازي: من ستر من الناس ذنوبه، وأبداها للذي لا يخفى عليه شيء في السماوات، فقد جعله أهون الناظرين إليه، وهو من علامات النفاق.

[{قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ * سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} 81 - 82]

{قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ} وصح ذلك وثبت ببرهان صحيح توردونه، وحجة واضحة تدلون بها، {فَأَنَا أَوَّلُ} من يعظم ذلك الولد، وأسبقكم إلى طاعته والانقياد له، كما يعظم الرجل ولد الملك لتعظيم أبيه.

وهذا كلام وارد على سبيل الفرض والتمثيل لغرض، وهو المبالغة في نفي الولد والإطناب فيه، وأن لا يترك الناطق به شبهة إلا مضمحلة، مع الترجمة عن نفسه بثبات القدم في باب التوحيد، وذلك أنه علق العبادة بكينونة الولد، وهي محال في نفسها، فكان المعلق بها محالًا مثلها، فهو في صورة إثبات الكينونة والعبادة، وفي معنى نفيهما، على أبلغ الوجوه وأقواها.

ونظيره: أن يقول العدلي للمجبر: إن كان الله تعالى خالقًا للكفر في القلوب،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وكانوا يتنادون): الجوهري: "تنادوا؛ أي: تجالسوا في النادي، والندي: فعيل؛ مجلس القوم ومتحدثهم، وكذلك الندوة والنادي والمنتدى".

قوله: (أن يقول العدلي للمجبر: أن كان الله خالقًا للكفر) إلى آخره: الانتصاف: "لقد اقتحم عظيمًا في تمثيله، فيقال له: وقد ثبت عقلًا وشرعًا أنه خالق لذلك في القلوب، وفاء بأنه

ص: 179

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لا خالق إلا هو، {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ} [فاطر: 3]، {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الرعد: 16، الزمر: 62]، فيلزمه لفرط أدبه أن يلحد في الله إلحادًا لم يسبق إليه أحد".

وقيل: قوله هذا يضاهي قول الكفرة: {اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [الأنفال: 32]، فهلا قال- عفا الله عنه-: أن كان الله عز وجل خالقًا للكفر في القلوب، ومعذبًا عليه، فهو الحاكم، له الملك، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد.

وقلت: بل نقول: أن كان الله خالقًا للكفر فأنا أول من أستجير به منه، وأتبع سنة نبينا صلوات الله عليها، على ما رواه أبو داود والترمذي والنسائي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أن الرسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في آخر وتره: "اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك". وروى البخاري ومسلم والنسائي عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"تعوذوا بالله من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء".

وأسلوب الآية قريب من المشاكلة وإطباق الجواب على السؤال؛ فإنهم لما قالوا: اتخذ الرحمن ولدًا، حسن منه صلوات الله عليه أن يقول:{إن كَانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ العَابِدِينَ} ،

ص: 180

ومعذبًا عليه عذابًا سرمدًا، فأنا أول من يقول: هو شيطان وليس بإله. فمعنى هذا الكلام وما وضع له أسلوبه ونظمه: نفي أن يكون الله تعالى خالقًا للكفر، وتنزيهه عن ذلك وتقديسه، ولكن على طريق المبالغة فيه من الوجه الذي ذكرنا، مع الدلالة على سماجة المذهب، وضلالة الذاهب إليه، والشهادة القاطعة بإحالته، والإفصاح عن نفسه بالبراءة منه، وغاية النفار والاشمئزاز من ارتكابه.

ونحو هذه الطريقة قول سعيد بن جبير رحمه الله للحجاج -حين قال له-: أما والله لأبدلنك بالدنيا نارًا تلظى-: لو عرفت أن ذلك إليك ما عبدت إلهًا غيرك.

وقد تمحل الناس بما أخرجوه به من هذا الأسلوب الشريف المليء بالنكت والفوائد المستقل بإثبات التوحيد على أبلغ وجوهه، فقيل: إن كان للرحمن ولد في زعمكم، وقيل: إن كان للرحمن ولد في زعمكم، فأنا أول الآنفين من أن يكون له ولد؛

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وكذلك قول سعيد جبير للحجاج، قال القاضي:" {إن كَانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ العَابِدِينَ} أي: منكم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أعلم بالله، وبما يصح له، وما لا يصح له، وأولى بتعظيم ما يجب تعظيمه، ومن تعظيم الوالد تعظيم الولد، ولا يلزم صحة ثبوت الولد؛ إذ المحال يستلزم المحال، والمراد نفيه على أبلغ الوجوه، كقوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا}، غير أن "لو" ثم تشعر بانتفاء الطرفين، و "إن" هاهنا لا تشعر بانتفاء الطرفين ولا بنقيضه، فإنها لمجرد الشرطية، وفيه: أن إنكاره للولد ليس لعناد، بل لنظر واستدلال".

قوله: (وقيل: أن كان للرحمن ولد في زعمكم، فأنا أول الآنفين من أن يكون له ولد): المثال أقرب إلى المثال الذي ذكره، وبنى قاعدة الاعتزال عليه من الوجه الأول، فصح. المثال اللائق هو ما قدرناه: أن كان الله خالقًا للكفر، فأنا أول من أستجير به.

ص: 181

من عبد يعبد: إذا اشتد أنفه فهو عبد وعابد. وقرأ بعضهم: "العبدين".

وقيل: هي "إن" النافية، أي: ما كان للرحمن ولد، فأنا أول من قال بذلك وعبد ووحد، وروي: أنّ النضر بن عبد الدار بن قصي قال: إن الملائكة بنات الله، فنزلت، فقال النضر: ألا ترون أنه قد صدقني، فقال له الوليد بن المغيرة: ما صدقك، ولكن قال: ما كان للرحمن ولد، فأنا أول الموحدين من أهل مكة؛ أن لا ولد له.

وقرئ: "ولد" بضم الواو.

ثم نزه ذاته -موصوفة بربوبية السماوات والأرض والعرش- عن اتخاذ الولد، ليدل على أنه من صفة الأجسام، ولو كان جسمًا لم يقدر على خلق هذا العالم وتدبير أمره.

[{فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ} 83]

{فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا} في باطلهم، {وَيَلْعَبُوا} في دنياهم، {حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ} وهذا دليل على أنّ ما يقولونه من باب الجهل والخوض واللعب، وإعلام لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم من المطبوع على قلوبهم الذين لا يرجعون البتة، وإن ركب في دعوتهم كل صعب وذلول، وخذلان لهم، وتخلية بينهم وبين الشيطان، كقوله:{اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ} [فصلت: 40]، وإيعاد بالشقاء في العاقبة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقوله: (وقرأ بعضهم: "العبدين"): قال ابن جني: "وهي قراءة عبد الرحمن اليماني، معناه: أول الأنفين، يقال: عبدت من الأمر أعبد عبدًا: أنفت منه، وهذا يشهد لقوله من قال: معنى: {أَوَّلُ العَابِدِينَ}: الأنفين".

قوله: (وقرئ: "ولد" بضم الواو): حمزة والكسائي.

قوله: (ولو كان جسمًا لم يقدر على خلق هذا العالم): مضى بيانه في "الأنعام" عند قوله: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إني يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ} [الأنعام: 101].

ص: 182

[{وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ * وَتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} 84 - 85]

ضمن اسمه تعالى معنى وصف، فلذلك علق به الظرف في قوله:{فِي السَّماءِ} {وَفِي الْأَرْضِ} كما تقول: هو حاتم في طيء حاتم في تغلب، على تضمين معنى الجواد الذي شهر به، كأنك قلت: هو جواد في طيء جواد في تغلب.

وقرئ: "وهو الذي في السماء الله، وفي الأرض الله"، ومثله قوله تعالى:{وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ} [الأنعام: 3]، كأنه ضمن معنى المعبود أو المالك أو نحو ذلك، والراجع إلى الموصول محذوف لطول الكلام، كقولهم: ما أنا بالذي قائل لك شيئًا، وزاده طولًا أنّ المعطوف داخل في حيز الصلة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ضمن اسمه تعالى معنى وصف، ولذلك علق به الظرف): قال أبو البقاء: "صلة "الذي"لا يكون إلا جملة، والتقدير: "وهو الذي هو إله في السماء، و {فِي} متعلقة بـ {إِلَهٌ} ، أي: هو معبود في السماء ومعبود في الأرض، ولا يصح أن يجعل {إِلَهٌ} مبتدأ، و {فِي السَّمَاءِ} خبره؛ لأنه لا يبقى في الصلة عائد، وهو كقولك: هو الذي قي الدار زيد، وكذلك أن رفعت {إِلَهٌ} بالظرف".

قوله: (والراجع إلى الموصول محذوف)، الانتصاف:"ومما سهل حذف الراجع: وقوع الموصول خبرًا عن مضمر، لو ظهر الراجع لكان كالتكرار المستكره، إذ التقدير: وهو الذي هو إله في السماء، ولا ينكر أن الراجع إذا حذف كان الكلام أخف، وإنما حذف على قلة حذف مثله لأمر متأكد، فإنه لم يرد في الكتاب العزيز إلا في {تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ} [الأنعام: 154]، وفي "أي" في موضعين.

ص: 183

ويحتمل أن يكون {فِي السَّماءِ} صلة {الَّذِي} ، و {إِلَهٌ} خبر مبتدأ محذوف، على أنّ الجملة بيان للصلة، وأنّ كونه في السماء على سبيل الإلهية والربوبية، لا على معنى الاستقرار. وفيه نفي الآلهة التي كانت تعبد في الأرض.

{تُرْجَعُونَ} قرئ بضم التاء وفتحها، و"يرجعون" بياء مضمومة، وقرئ:"تحشرون"، بالتاء.

[{وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفاعَةَ إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ} 86 - 87]

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ويحتمل أن يكون {فِي السَّمَاءِ} صلة {الَّذِي}، {إِلَهٌ} خبر مبتدأ محذوف، على أن الجملة بيان للصلة): قال أبو البقاء: "إن جعلت في الظرف ضميرًا يرجع على {الَّذِي}، وأبدلت {إِلَهٌ} منه، جاز على ضعف، لأن الغرض الكلي إثبات الإلهية، لا كونه في السماوات والأرض، وكان يفسد أيضًا من وجه آخر، وهو قوله: {وفِي الأَرْضِ إلَهٌ}، لأنه معطوف على ما قبله، وإذا لم تقدر ما ذكرنا صار منقطعًا عنه، وكان المعنى: أن في الأرض إلهًا".

ورد هذا الوجه صاحب "الكشف" فقال: "إن جعلته بدلًا منه، أو من {الَّذِي}، فذلك يوجب البدل قبل تمام الموصول بالصلة، ألا ترى إلى: أن "في الأرض إله" معطوف على {فِي السَّمَاءِ}، فهو في الصلة".

قوله: (قرئ بضم التاء وفتحها): ابن كثير وحمزة والكسائي: "يرجعون" بالياء التحتانية، والباقون: بالتاء، مضمومتين.

ص: 184

{وَلَا يَمْلِكُ} آلهتهم {الَّذِينَ يَدْعُونَ} من دون الله الشفاعة، كما زعموا أنهم شفعاؤهم عند الله، ولكن {مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ} - وهو توحيد الله، وهو يعلم ما يشهد به عن بصيرة وإيقان وإخلاص-: هو الذي يملك الشفاعة، وهو استثناء منقطع. ويجوز أن يكون متصلًا، لأنّ في جملة الذين يدعون من دون الله: الملائكة. وقرئ: "تدعون" بالتاء، و"تدّعون" بالتاء وتشديد الدال.

[{وَقِيلِهِ يا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ * فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} 88 - 89]

{وَقِيلِهِ} قرئ بالحركات الثلاث، وذكر في النصب عن الأخفش أنه حمله على:{أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ} وقيله: وعنه- أي: عن الأخفش- وقال قيله.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: ({وقِيلِهِ} [قرئ] بالحركات الثلاث): حمزة وعاصم: بخفض اللام وكسر الهاء، والباقون: بنصب اللام وضم الهاء، وضم اللام: شاذ.

قوله: (وعنه -أي: عن الأخفش- وقال قيله): أي: هو مصدر لفعل محذوف، أيك وقال الرسول صلى الله عليه وسلم قيلًا، وفي "الكواشي":"والقيل والقول والقال: واحد".

وقلت: يمكن أن يقال: إنه تعالى يحكي عن حالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كأنه قيل: إنه آيس عن إيمانهم عند سماع قولنا له: {ولَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ} ، وقال قولًا، وهو:{يَا رَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ} ، وينصر هذا التأويل ترتب قوله:{فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وقُلْ سَلامٌ} ، لأنه أمر بالمتاركة والإعراض الكلي، وقوله أيضًا:{فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} ، فإنه وعيد لهم، ووعد له صلوات الله عليه في أنه تعالى ينتقم لك منهم، ويجازيك وإياهم على حسناتك وسيئاتهم، كقوله تعالى:{وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآَتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ} [الحجر: 85]، وإليه الإشارة بقوله:"فأعرض عن دعوتهم يائسًا عن إيمانهم، وودعهم، وتاركهم" إلى قوله: " {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} وعيد للكفار، وتسلية للرسول صلى الله عليه وسلم ".

ص: 185

وعطفه الزجاج على محل {السَّاعَةِ} [الزخرف: 85]، كما تقول: عجبت من ضرب زيد وعمرًا، وحمل الجرّ على لفظ {السَّاعَةِ} ، والرفع على الابتداء، والخبر ما بعده، وجوّز عطفه على {عِلْمُ السَّاعَةِ} [الزخرف: 85]، على تقدير حذف المضاف، معناه: عنده علم الساعة وعلم قيله.

والذي قالوه ليس بقوي في المعنى، مع وقوع الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بما لا يحسن اعتراضًا، ومع تنافر النظم، وأقوى من ذلك وأوجه: أن يكون الجرّ والنصب على إضمار حرف القسم وحذفه، والرفع على قولهم: أيمن الله، وأمانة الله، ويمين الله،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وفي هذا التقريب التفات في غاية من اللطف، لأن أصل المعنى: وقلنا لك: {ولَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ} الآية، وقلت:{يَا رَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ} ، وقلنا لك:{فَاصْفَحْ عَنْهُمْ} فإنا ننتقم منهم. فعدل إلى الغيبة، فقال: وقال قيلًا؛ ليؤذن بأن ذلك القول إنما صدر عنه من اليأس التام، فكأنه كان غائبًا عن نفسه متحسرًا عليهم وإيمانهم وفوات سعيه فيهم.

وقريب من هذا التقرير: توجيهه على القسم؛ لأن إتيان المصدر لتعظيم المقول، أي: قال قوله الذي فيه فخامة وشأن، ثم فسره بقوله:{يَا رَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ} المؤذن بالإقناط الكلي المستلزم لاستئصال القوم، وتطهير الأرض من أنجاس إفسادهم، ولإصلاح المؤمنين، وإظهار دين الحق، كقوله تعالى:{فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 45]، فحقيق بأن يقسم بهذا الدعاء وأن يكون مظنة للتفخيم والتعظيم، وإليه الإشارة بقوله:"وإقسام الله بقيله رفع منه وتعظيم لدعائه".

قوله: (وعطفه الزجاج على محل {السَّاعَةَ}): كما تقول: عجبت من ضرب زيد عمرًا، عطفًا على المحل، تقديره: عجبت من ضرب زيدًا وعمرًا، قال الزجاج:"والذي أختاره أنا أن يكون نصبًا على معنى: {وعِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} ويعلم قيله، لن معنى: {وعِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ}: يعلم الساعة ويعلم قيله، ومعنى "الساعة" في القرآن: الوقت الذي تقوم فيه القيامة".

ص: 186

ولعمرك، ويكون قوله:{إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ} جواب القسم، كأنه قيل: وأقسم بقيله يا رب، أو: وقيله -يا رب- قسمي، إنّ هؤلاء قوم لا يؤمنون.

{فَاصْفَحْ عَنْهُمْ} فأعرض عن دعوتهم يائسًا من إيمانهم، وودعهم وتاركهم، {وَقُلْ} لهم {سَلامٌ} أي: تسلم منكم ومتاركة، {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} وعيد من الله لهم وتسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم.

والضمير في {وَقِيلِهِ} لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وإقسام الله بقيله رفع منه وتعظيم لدعائه والتجائه إليه.

عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة الزخرف كان ممن يقال له يوم القيامة: يا عبادي لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون، ادخلوا الجنة بغير حساب» .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: ({وَقُلْ} لهم {سَلَامٌ} أي: تسلم منكم ومتاركة): قال مكي: "تقديره: قل: أمري مسالمة منكم، ولم يؤمر بالسلام عليهم، وإنما أمر بالتبري منهم ومن دينهم".

تمت السورة بحمد الله وعونه

مصليًا على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

* * *

ص: 187

‌سورة الدخان

مكية، إلا قوله:{إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا} الآية

وهي سبع وخمسون آية، وقيل: تسع وخمسون

بسم الله الرحمن الرحيم

[{حم * وَالْكِتابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِنْ عِنْدِنا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ * لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ} 1 - 8]

الواو في {وَالْكِتابِ} واو القسم، إن جعلت {حم} تعديدًا للحروف، أو اسمًا للسورة مرفوعًا على خبر الابتداء المحذوف، وواو العطف؛ إن كانت {حم} مقسمًا بها. وقوله:{إِنَّا أَنْزَلْناهُ} جواب القسم، والكتاب المبين: القرآن.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

سورة الدخان

مكية، وهي سبع وخمسون آية

بسم الله الرحمن الرحيم

قوله: ({إنَّا أَنزَلْنَاهُ} جواب القسم): قال صاحب "الكشف": جواب القسم {إنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ} ، دون قوله:{إنَّا أَنزَلْنَاهُ} ، لأنك لا تقسم بالشيء على نفسه، لأن القسم تأكيد

ص: 188

والليلة المباركة: ليلة القدر، وقيل: ليلة النصف من شعبان، ولها أربعة أسماء: الليلة المباركة، وليلة البراءة، وليلة الصكّ، وليلة الرحمة، وقيل: بينها وبين ليلة القدر أربعون ليلة، وقيل في تسميتها: ليلة البراءة والصكّ: أن البندار إذا استوفى الخراج من أهله كتب لهم البراءة، كذلك الله عز وجل يكتب لعباده المؤمنين البراءة في هذه الليلة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

خبر بخبر آخر، فقوله:{إنَّا أَنزَلْنَاهُ} اعتراض بين القسم وجوابه. وقال أبو البقاء: "الجواب {إنَّا أَنزَلْنَاهُ}، و {إنَّا كُنَّا} مستأنف، وقيل: هو جواب آخر من غير عاطف".

والجواب عن قول صاحب "الكشف": "لأنك لا تقسم بالشيء على نفسه": أنه من باب قول الشاعر:

وثناياك إنها إغريض

كما سبق في "الزخرف".

قوله: (البندار): معرب، وما وجدت له ذكرًا سوى في الحاشية:"البندار: من في يده القانون، وهو أصل الخراج"، ثم وجدت في "كتاب ابن الصلاح" في معرفة الحديث:"البندار: من يكون مكثرًا من شيء يشتريه منه من هو دونه، ثم يبيعه، قاله السمعاني- ووجدته بخطه-، وبندار: لقب به محمد بن بشار البصري، روى عنه البخاري ومسلم، قال ابن الفلكي: إنما لقب بهذا لأنه كان بندار الحديث".

ص: 189

وقيل: هي مختصة بخمس خصال:

تفريق كل أمر حكيم، وفضيلة العبادة فيها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صلى في هذه الليلة مائة ركعة أرسل الله إليه مائة ملك؛ ثلاثون يبشرونه بالجنة، وثلاثون يؤمنون من عذاب النار، وثلاثون يدفعون عنه آفات الدنيا، وعشرة يدفعون عنه مكايد الشيطان".

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صلى في هذه الليلة") إلى أخره: ما ورد فيما يعتمد عليه من هذا المعنى في الأصول سوى ما رواه ابن ماجه عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا كانت ليلة النصف من شعبان، فقوموا ليلها، وصوموا نهارها، فإن الله تعالى ينزل فيها لغروب الشمس إلى السماء الدنيا، فيقول: ألا من مستغفر فأغفر له، ألا من مسترزق فأرزقه، ألا من مبتلى فأعافيه، ألا كذا، ألا كذا، حتى يطلع الفجر".

?

ص: 190

ونزول الرحمة، قال عليه الصلاة والسلام:«إنّ الله يرحم أمّتي في هذه الليلة بعدد شعر أغنام بنى كلب» .

وحصول المغفرة، قال عليه الصلاة والسلام:«إنّ الله تعالى يغفر لجميع المسلمين في تلك الليلة إلا لكاهن، أو ساحر، أو مشاحن، أو مدمن خمر، أو عاق للوالدين، أو مصرّ على الزنى» .

وما أعطي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم من تمام الشفاعة، وذلك أنه سأل ليلة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (إن الله يرحم أمتي في هذه الليلة) الحديث: من رواية الترمذي وابن ماجه عن عائشة رضي الله عنها في قوله تعالى: {إنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ} : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله تعالى ينزل ليلة النصف من شعبان إلى السماء الدنيا، فيغفر لأكثر من عدد شعر غنم كلب".

قوله: (إن الله يغفر لجميع المسلمين): روينا في "مسند أحمد بن حنبل" عن عبد الله بن عمرو بن العاص: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يطلع الله تعالى إلى خلقه ليلة النصف من شعبان، فيغفر لعباده إلا اثنين؛ مشاحن وقاتل نفس".

قوله: (مشاحن): النهاية: "المشاحن: المعادي، والشحناء: العداوة، وقال الأوزاعي: أراد بالمشاحن هاهنا: صاحب البدعة المفارق لجماعة الأمة".

قوله: (وما أعطي فيها من تمام الشفاعة): عطف على قوله: "تفريق كل أمر حكيم"، وهي خامسة الخصال التي اختصت هذه الليلة بها.

?

ص: 191

الثالث عشر من شعبان في أمّته، فأعطي الثلث منها، ثم سأل ليلة الرابع عشر فأعطي الثلثين، ثم سأل ليلة الخامس عشر فأعطي الجميع، إلا من شرد عن الله شراد البعير.

ومن عادة الله في هذه الليلة: أن يزيد فيها ماء زمزم زيادة ظاهرة.

والقول الأكثر: أنّ المراد بالليلة المباركة: ليلة القدر، لقوله تعالى:{إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [القدر: 1]، ولمطابقة قوله:{فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} لقوله: {تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} [القدر: 4 - 5]، وقوله تعالى:{شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} [البقرة: 185]، وليلة القدر في أكثر الأقاويل في شهر رمضان.

فإن قلت: ما معى إنزال القرآن في هذه الليلة؟ قلت: قالوا أنزل جملة واحدة من السماء السابعة إلى سماء الدنيا، وأمر السفرة الكرام بانتساخه في ليلة القدر، وكان جبريل عليه السلام ينزله على رسول الله صلى الله عليه وسلم نجومًا نجومًا.

فإن قلت: {إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} : ما موقع هاتين الجملتين؟ قلت: هما جملتان مستأنفتان ملفوفتان، فسر بهما جواب القسم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (قالوا: أنزل جملةً واحدة): روى محيي السنة عن قتادة وابن زيد: "هي ليلة القدر، أنزل الله تعالى القرآن في ليلة القدر من أم الكتاب إلى السماء الدنيا، ثم نزل به جبريل عليه السلام نجومًا في عشرين سنة".

قوله: (ملفوفتان): وهو نوع غريب من اللف والنشر، لف أولًا في قوله:{إنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ} معنيين: إنزال القرآن، واختصاصه بليلة مباركة، ثم علل المعنى الأول بقوله:{إنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ} ، والمعنى الثاني بقوله:{فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} ، ولما كان المعنى الثاني

?

ص: 192

الذي هو قوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ} ، كأنه قيل: أنزلناه لأن من شأننا الإنذار والتحذير من العقاب، وكان إنزالنا إياه في هذه الليلة خصوصًا؛ لأنّ إنزال القرآن من الأمور الحكيمة، وهذه الليلة مفرق كل أمر حكيم.

والمباركة: الكثيرة الخير؛ لما يتيح الله فيها من الأمور التي يتعلق بها منافع العباد في دينهم ودنياهم، ولو لم يوجد فيها إلا إنزال القرآن وحده لكفى به بركة.

ومعنى {يُفْرَقُ} يفصل ويكتب، {كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} من أرزاق العباد وآجالهم وجميع أمورهم، منها إلى الأخرى القابلة. وقيل: يبدأ في استنساخ ذلك من اللوح المحفوظ في ليلة البراءة، ويقع الفراغ في ليلة القدر، فتدفع نسخة الأرزاق إلى ميكائيل، ونسخه الحروب إلى جبريل، وكذلك الزلازل والصواعق والخسف، ونسخة الأعمال إلى إسماعيل صاحب سماء الدنيا، وهو ملك عظيم، ونسخة المصائب إلى ملك الموت. وعن بعضهم: يعطى كل عامل بركات أعماله،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

معتنقًا بالأول غير مستقل بنفسه- كما عليه النشر المتعارف، لأنه لا يتم إلا بأن يقال: إنما خصص إنزاله بهذه الليلة لأنه من الأمور المحكمة، وهذه الليلة مفرق كل أمر حكيم، فناسب إنزاله فيها- قال:"جملتان مستأنفتان ملفوفتان"، وأعجب بنشر فيه لف.

قوله: {كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} من أرزاق العباد): روى محيي السنة بإسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "تقطع الآجال من شعبان إلى شعبان، حتى أن الرجل لينكح ويولد له، وقد أخرج اسمه في الموتى".

?

ص: 193

فيلقى على ألسنة الخلق مدحه، وعلى قلوبهم هيبته.

وقرئ: "يُفْرَقُ" بالتشديد، "ويُفْرَقُ كل" على بنائه للفاعل ونصب "كل"، والفارق: الله عز وجل، وقرأ زيد بن علي رضي الله عنه:"نفرق" بالنون.

كل أمر حكيم: كل شأن ذي حكمة، أي: مفعول على ما تقتضيه الحكمة، وهو من الإسناد المجازي؛ لأنّ الحكيم صفة صاحب الأمر على الحقيقة، ووصف الأمر به مجاز.

{أَمْرًا مِنْ عِنْدِنا} نصب على الاختصاص، جعل كل أمر جزلًا فخمًا بأن وصفه بالحكيم، ثم زاده جزالة وكسبه فخامة بأن قال: أعنى بهذا الأمر أمرًا حاصلًا من عندنا، كائنًا من لدنا، وكما اقتضاء علمنا وتدبيرنا. ويجوز أن يراد به: الأمر الذي هو ضد النهي، ثم إما أن يوضع موضع "فرقانًا" الذي هو مصدر {يُفْرَقُ} ، لأنّ معنى الأمر والفرقان واحد؛

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (فيلقى على السنة الخلق مدحه): وهو من قوله صلوات الله عليه: "إذا أحب الله العبد، نادى جبريل: أن الله يحب فلانًا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض"، أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة.

قوله: (وهو من الإسناد المجازي): قال الإمام: "الحكيم: ذو الحكمة، وذلك أن تخصيص الله كل أحد بحالة معينة من الرزق والأجل والسعادة والشقاوة في هذه الليلة: يدل على حكمة بالغة"، فأسند إلى الليلة، كقوله تعالى:{يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا} [المزمل: 17].

?

ص: 194

من حيث إنه إذا حكم بالشيء وكتبه فقد أمر به وأوجبه، أو يكون حالًا من أحد الضميرين في {أَنْزَلْنَاهُ} ؛ إما من ضمير الفاعل، أي: أنزلناه آمرين أمرًا، أو من ضمير المفعول، أي: أنزلناه في حال كونه أمرًا من عندنا بما يجب أن يفعل.

فإن قلت: {إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ} بم يتعلق؟ قلت: يجوز أن يكون بدلًا من قوله: {إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ} ، {ورَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ} مفعولًا له، على معنى: إنا أنزلنا القرآن؛ لأنّ من شأننا إرسال الرسل بالكتب إلى عبادنا لأجل الرحمة عليهم، وأن يكون تعليلًا لـ {يُفْرَقُ} ، أو لقوله:{أَمْرًا مِنْ عِنْدِنا} ،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (من حيث إنه إذا حكم بالشيء وكتبه فقد أمر به): يعني: أن معنى {يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} : يفصل ويكتب كل أمر مفعول على مقتضى الحكمة، كما هو معنى "الأمر" الذي هو ضد "النهي"، لأنه تعالى إذا حكم بالشيء وكتبه فقد أوجبه، فكان معنى قوله:{يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} معنى قوله: {أَمْرًا مِّنْ عِندِنَا} ، وكان من حق الظاهر- لقوله:"أن يوضع موضع فرقانًا"- أن يقال: أن قوله: {أَمْرًا مِّنْ عِندِنَا} بمعنى: يفرق ويفصل ويكتب، لأن أمره النازل من عنده سبحانه وتعالى لا يكون إلا فصلًا وفرقانًا، لكن لما قال:"معنى الأمر والفرقان واحد"، جعل الأول بمعنى الثاني؛ لاتحادهما في المعنى.

وإنما سلك هذا المسلك ليجمع بين قولي الزجاج حيث قال: "ويجوز أن يكون منصوبًا بـ {يُفْرَقُ}، أي: يفرق فرقانًا، لأن {أَمْرًا} بمعنى "فرقانًا"، أو المعنى: يؤتمر فيها أمر قال أبو البقاء: "أمرنا أمرًا، دل على هذا ما اشتمل عليه الكتاب من الأوامر، و {مِّنْ عِندِنَا}: إما صفة لـ"أمر" أو أن يتعلق بـ {يُفْرَقُ} ".

قوله: (تعليلًا لـ {يُفْرَقُ} أو لقوله: {أَمْرًا مِّنْ عِندِنَا}): هذا جمع، وقوله: "أي: يفصل

?

ص: 195

و {رَحْمَةً} مفعولًا به،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في هذه الليلة كل أمر"، وقوله: "أو تصدر الأوامر من عندنا": تقسيم، وقوله: "لأن من عادتنا" إلى آخره، وقوله: "وكذلك الأوامر الصادرة": تفريق.

قوله: (و {رَحْمَةً} مفعولًا به): أي إذا كان {إنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ} تعليلًا لـ {يُفْرَقُ} ، أو لقوله:{أَمْرًا مِّنْ عِندِنَا} ، يكون {رَحْمَةً} مفعولًا به لـ {مُرْسِلِينَ} ، قال أبو البقاء:" {رَحْمَةً} مفعول {مُرْسِلِينَ}، ويراد بها النبي صلى الله عليه وسلم ".

فإن قلت: هل الاختصاص كونه مفعولًا له في الأول، ومفعولًا به في الثاني، من عائده؟ قلت: أجل، لأن المبدل مطلق، فالمناسب أن يكون البدل كذلك، أعني:{مُنذِرِينَ} و {مُرْسِلِينَ} ، وهو من بدل الكل؛ لأن الإنذار والإرسال يقتضيان المنذر والمرسل، وهو عبارة عن المختار المبعوث إلى الخلق للإرشاد، ولا يستقيم أن يقال: إنا كنا منذرين رحمة، إلا أن يكون مفعولًا له.

وأما التعليل: فإنه إما أن يكون لـ {يُفْرَقُ} ، ولا شك أن تفريق كل أمر حكيم أمر عظيم يحتاج إلى أن يعلل بإرسال رحمة للعالمين، وإما أن يكون تعليلًا لـ {أَمْرًا} ، فهو أولى منه، إذ

?

ص: 196

وقد وصف الرحمة بالإرسال، كما وصفها به في قوله:{وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ} [فاطر: 2]، أي: يفصل في هذه الليلة كل أمر، أو تصدر الأوامر من عندنا؛ لأنّ من عادتنا أن نرسل رحمتنا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

التقدير حينئذ: أعني بهذا الأمر أمرًا كائنًا من لدنا، ويليق بجلالنا وكبريائنا، ولا يحسن أن يقال: أن {أَمْرًا} على هذا مفعول مطلق، بل منصوبًا على الاختصاص معللًا بقوله:{إنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ} ؛ ليستقل بالتعليل.

قوله: (وصف الرحمة بالإرسال): أي: أوقع الإرسال على الرحمة، وجعلت مفعولًا به، كما أوقع الإمساك عليه في قوله تعالى:{مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ} [فاطر: 2]، فعلم من هذه الدقيقة: أن الفعل وصف للفاعل وللمفعول به، وكذلك يقال في قولنا:"ضرب زيد عمرًا": أن زيدًا ضارب، وعمرًا مضروب.

فإن قلت: ذكر أن قوله: {إنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ} : إما بدل من قوله: {إنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ} ، أو تعليل لـ {يُفْرَقُ} ، أو لقوله:{أَمْرًا} ، فأي الوجهين هو المختار؟ قلت- والمعلم عند الله-: الثاني؛ لأن الجمل كلها حينئذ واردة على التعليل المتداخل، كما يفهم من كلامه، فكأنه لما قيل:{إنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ} ، فقيل: لم؟ فأجيب: لأنه من شأننا التحذير والعقاب، فقيل: لم خصص الإنزال في هذه الليلة؟ فقيل: لأنه من الأمور المحكمة، ومن شأن هذه الليلة أن يفرق فيها كل أمر حكيم، فقيل: لم كان من الأمور المحكمة؟ فأجيب: لأن ذا الجلال والإكرام أراد إرسال رحمة للعالمين، ومن حق المنزل عليه أن يكون حكيمًا؛ لكونه للعالمين نذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، فقيل: لماذا رحمهم الرب عز وجل بذلك؟ فأجيب: لأنه سبحانه وتعالى هو وحده سميع عليم، يعلم جزئيات أحوال عباده وكلياتها، ويعلم ما يحتاجون إليه دنيا وآخرة، وهو وحده رب السماوات والأرض، يربيهم ويرزقهم ويمنحهم مرافقهم، وهو وحده يحييهم ويميتهم، ويثيبهم ويعاقبهم، وإليه الإشارة بقوله:{إنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} ، وما بعده تحقيق لروبيته، وأنها لا تحق إلا لمن هذه أوصافه.

?

ص: 197

وفصل كل أمر من قسمة الأرزاق وغيرها: من باب الرحمة، وكذلك الأوامر الصادرة من جهته عز وعلا، لأنّ الغرض في تكليف العباد تعريضهم للمنافع، والأصل: إنا كنا مرسلين رحمة منا، فوضع الظاهر موضع الضمير؛ إيذانًا بأنّ الربوبية تقتضي الرحمة على المربوبين.

وفي قراءة زيد بن على: "أمر من عندنا"، على: هو أمر، وهي تنصر انتصابه على الاختصاص. وقرأ الحسن:"رحمة من ربك"، على: تلك رحمة، وهي تنصر انتصابها بأنها مفعول له.

{إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} وما بعده: تحقيق لربوبيته، وأنها لا تحق إلا لمن هذه أوصافه، وقرئ:"رب السماوات""ربكم ورب آبائكم" بالجر، بدلًا من {ربك} .

فإن قلت: ما معنى الشرط الذي هو قوله: {إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ} ؟ قلت: كانوا يقرون بأن للسماوات والأرض ربًا وخالقًا،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (على: تلك رحمة من ربك): وهي تنصر انتصابها مفعولًا له، وقال صاحب "التقريب": إذ لو كانت مفعولًا به لدل اللفظ على أن المرسل رحمة، لا الإرسال، وفيه نظر. وقلت: كلام المصنف لا يشعر بذلك، بل فيه: أن {رَحْمَةً} إذا قطعت وجعلت جملة مستأنفةً تعينت لبيان الموجب للإرسال.

قوله: (كانوا يقرون بأن للسماوات والأرض ربًا): هذا الفصل إلى آخره فيه بيان للإشارات والتلويحات التي تضمنت الآيات؛ بدأ الله سبحانه وتعالى بتعظيم الألوهية، وتعظيم كتابه الحكيم، ورسوله الكريم، حيث أتى بالصيغة المنبهة على الجلال والكبرياء، وهي:{إنَّا أَنزَلْنَاهُ} إلى قوله: {إنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ} ، ثم خص الخطاب برسوله صلوات الله عليه، والمراد

?

ص: 198

فقيل لهم: إنّ إرسال الرسل وإنزال الكتب رحمة من الرب، ثم قيل: إن هذا الرب هو السميع العليم الذي أنتم مقرون به، ومعترفون بأنه رب السماوات والأرض وما بينهما، إن كان إقراركم عن علم وإيقان، كما تقول: إنّ هذا إنعام زيد الذي تسامع الناس بكرمه،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

العموم، وأن الأصل:{مِنء رَبِّكُمْ} ، وإليه الإشارة بقوله:"فقيل لهم: أن إرسال الرسل وإنزال الكتب رحمة من الرب"، فوضع "الرب" موضع "منا"؛ ليؤذن بأن الربوبية تقتضي الرحمة على المربين، وليكون تمهيدًا ينبني عليه التعليل المتضمن للتعريض؛ بتوسيط ضمير الفصل وتعريف الخبر، للإشعار بأن آلهتهم لا تسمع ولا تبصر ولا تغني عنهم شيئًا، وإلى التعليل والتعريض أشار بقوله:{إنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} . وما بعده تحقيق لربوبيته، وأنها لا تحق إلا لمن هذه أوصافه، وفي تخصيص {السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} إدماج لمعنى التهديد والوعيد للكفار، والوعد للمؤمنين الذين تلقوا هذه النعمة بأنواع الشكر.

ثم نبه الكفار عن سنة الغفلة والتقاعد عن موجبات الشكر، فرجع إليهم من خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم، موبخًا بما اشتهر عندهم من الوصف الذي لا بد لهم أن يقروا به، فأبدل من {السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}:{رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إن كُنتُم مُّوقِنِينَ} ، يعني: هذا المذكور من إنزال الكتب وإرسال الرسول صلى الله عليه وسلم رحمة وإنعام ممن تقرون به، وتقولون: إنه خالق السماوات والأرض وما بينهما، فما هذا التهاون، فاقبلوها واغتنموا الفرصة أن كنتم تدعون الإيقان.

وقد أشار إلى هذا المعنى بقوله: "إن بلغك حديثه"؛ لأن ذلك مشهور عنده، ولم يكن الإعلام إلا للتنبيه على التهاون؛ ليقام الشكر على إنعامه، والشرط يقتضي ذلك، لأنه من باب قول العامل: أن كنت عملت فأعطني حقي.

?

ص: 199

واشتهروا سخاؤه، إن بلغك حديثه وحدثت بقصته.

[{بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ * فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَاتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ * يَغْشَى النَّاسَ هذا عَذابٌ أَلِيمٌ * رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ} 9 - 12]

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ثم ألزمهم بعد هذا التقرير البليغ كلمة التقوى، وهي {لا إلَهَ إلاَّ هُوَ يُحْيِي ويُمِيتُ} ، ثم خص التربية بهم وبأسلافهم جاريًا على سنن الخطاب {رَبُّكُمْ ورَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ} ، ومقررًا لمزيد توخي شكر تلك الرحمة السنية، وهذه النعمة الجليلة.

ثم لفرط عنادهم وعدم إيقانهم التفت من الخطاب في قوله {بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ} ، فبعدهم وطردهم؛ إيذانًا بأنهم مع إيقانهم ذلك منزلون منزلة الشاكين، حيث لم يعملوا بموجبه، وخلطوا مع اليقين الهزء واللعب، كما قال:" قول مخلوط بهزء ولعب".

ثم التفت إلى حبيبه صلوات الله عليه مسليًا له وإقناطًا من إيمانهم، بقوله:{فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَاتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ} ، فقابل إنزال الكتاب بإنزال العقاب من السماء، يعني: إنزال الكتاب رحمة لهم، وحين أعرضوا عنه انتظر إنزال العذاب، وأسند"العذاب" إلى "السماء"، وإن كان هو الفاعل حقيقة؛ ليكون على وزان قوله تعالى:{أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} [الفاتحة: 7]، والله أعلم بأسرار كلامه.

قوله: (إن بلغك حديثه): عن بعضهم: فائدة قوله: "إن بلغك حديثه": التنبيه للمخاطب أن من حقك أن تكون عالمًا به، ولا تكون غافلًا عن مثله، فتغتر به، فإنه من أمر عظيم، فكذلك الشرط في الآية، ويراد تعيير المخاطب على الغفلة عنه.

ويروى: "واشتهروا سخاءه" بالنصب؛ لأن"اشتهر" يستعمل لازمًا ومتعديًا.

?

ص: 200

ثم ردّ أن يكونوا موقنين بقوله: {بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ} ، وأن إقرارهم غير صادر عن علم وتيقن، ولا عن جدّ وحقيقة، بل قول مخلوط بهزء ولعب.

{يَوْمَ تَاتِي السَّماءُ} مفعول به مرتقب، يقال: رقبته وارتقبته، نحو: نظرته وانتظرته. واختلف في الدخان: فعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وبه أخذ الحسن: أنه دخان يأتي من السماء قبل يوم القيامة، يدخل في أسماع الكفرة، حتى يكون رأس الواحد منهم كالرأس الحنيذ، ويعتري المؤمن منه كهيئة الزكام، وتكون الأرض كلها كبيت أو قد فيه، ليس فيه خصاص.

وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أوّل الآيات: الدخان، ونزول عيسى ابن مريم، ونار تخرج من قعر عدن أبين، تسوق الناس إلى المحشر» ، قال حذيفة: يا رسول الله، وما الدخان؟ فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم الآية، وقال:«يملأ ما بين المشرق والمغرب، يمكث أربعين يومًا وليلة، أما المؤمن فيصيبه كهيئة الزكمّة، وأما الكافر فهو كالسكران، يخرج من منخريه وأذنيه ودبره» .

وعن ابن مسعود رضي الله عنه: خمس قد مضت: الروم، والدخان،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ليس فيه خصاص): النهاية: "الخصاص: الفرج والأنقاب".

قوله: (أبين): بكسر الهمزة وفتحها، وهو اسم رجل بنى هذه المدينة، والمشهور الفتح، و "عدن": غير منصرف.

قوله: (خمس قد مضت)، وقوله:(إن قاصًا عند أبواب كندة): الحديث مع تغيير في الألفاظ والمعاني أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن مسروق، وعنه قال:"كنا جلوسًا عند عبد الله بن مسعود، وهو مضطجع، فأتاه رجل"، الحديث.

?

ص: 201

والقمر، والبطشة، واللزام. ويروى أنه قيل لابن مسعود: إن قاصًا عند أبواب كندة يقول: إنه دخان يأتي يوم القيامة، فيأخذ بأنفاس الخلق، فقال: من علم علمًا فليقل به، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم، فإن من علم الرجل أن يقول لشيء لا يعلمه: الله أعلم، ثم قال: ألا وسأحدّثكم، أنّ قريشًا لما استعصت على رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا عليهم، فقال:«اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف» ، فأصابهم الجهد، حتى أكلوا الجيف والعلهز، وكان الرجل يرى بين السماء والأرض الدخان، وكان يحدّث الرجل، فيسمع كلامه ولا يراه من الدخان، فمشى إليه أبو سفيان ونفر معه، وناشدوه الله والرحم، وواعدوه إن دعا لهم وكشف عنهم أن يؤمنوا، فلما كشف عنهم رجعوا إلى شركهم.

{بِدُخانٍ مُبِينٍ} ظاهر حاله لا يشك أحد في أنه دخان.

{يَغْشَى النَّاسَ} يشملهم ويلبسهم، وهو في محل الجر صفة لـ"دخان". و {هَذَا عَذابٌ} إلى قوله:{مُؤْمِنُونَ} منصوب المحل بفعل مضمر، وهو: يقولون، و"يقولون" منصوب على الحال، أي: قائلين ذلك، {إِنَّا مُؤْمِنُونَ} موعدة بالإيمان إن كشف عنهم العذاب.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (واللزام): اللزام: فسر بأنه يوم بدر، وهو في اللغة: الملازمة للشيء والمداومة عليه.

و"اشدد وطأتك على مضر": أي: خذهم أخذًا شديدًا. والوطء في الأصل: الدوس بالقدم، فسمي به في الغزو والقتل، لأن من يطأ على الشيء برجله فقد استقصى في هلاكه وإهانته. و"العلهز": شيء يتخذونه في المجاعة، يخلطون الدم بأوبار الإبل، ثم يشوونه بالنار ويأكلونه، وقيل: كانوا يخلطون فيه القردان، والعلهز: القراد الضخم، وقيل: العلهز: شيء ينبت له أصل كأصل البردي. كله في"النهاية".

?

ص: 202

[{أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ * ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ * إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عائِدُونَ * يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ} 13 - 16]

{أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى} كيف يذكرون ويتعظون ويفون بما وعدوه من الإيمان عند كشف العذاب، {وَقَدْ جاءَهُمْ} ما هو أعظم وأدخل في وجوب الادّكار من كشف الدخان، وهو ما ظهر على رسول الله صلى الله عليه وسلم من الآيات البينات؛ من الكتاب المعجز وغيره من المعجزات، فلم يذكروا، وتولوا عنه، وبهتوه بأن عداسًا -غلامًا أعجميًا لبعض ثقيف- هو الذي علمه، ونسبوه إلى الجنون.

ثم قال: {إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عائِدُونَ} أي: ريثما نكشف عنكم العذاب تعودون إلى شرككم، لا تلبثون غب الكشف على ما أنتم عليه من التضرع والابتهال.

فإن قلت: كيف يستقيم على قول من جعل الدخان قبل يوم القيامة قوله: {إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا} ؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فإن قلت: فسرت اللزام بيوم بدر، وكذا فسره المصنف في آخر الفرقان، ثم لا يخلو أن يراد ب"البطشة الكبرى": يوم القيامة أو يوم بدر، فيلزم من الأول أن البطشة الكبرى مترقبة، ولقد روي في الحديث أنها قد مضت، ومن الثاني أن لا يكون المعدود خمسًا؟

قلت: إذا وصف يوم بدر بأمرين: بأن العذاب كان شديدًا كثيرًا، وأن ذلك العذاب كان ملازمًا للقتلى كما ذكر في القرآن؛ يستقيم المعدود، وأما تفسير "البطشة الكبرى" بيوم القيامة فهو مشكل، اللهم إلا أن يذهب إلى التغليب، أو أن ما هو كائن بمنزلة الكائن، كقوله تعالى:{وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ} [الأعراف: 44].

قوله: (فإن قلت: كيف يستقيم على قول من جعل الدخان): تحرير السؤال والجواب ما ذكر في" التفسير الكبير": "أنه تعالى حكى عنهم أنهم يقولون: {رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا العَذَابَ إنَّا مُؤْمِنُونَ} ،

?

ص: 203

قلت: إذا أتت السماء بالدخان تضور المعذبون به من الكفار والمنافقين، وقالوا:{رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ} منيبون، فيكشفه الله عنهم بعد أربعين يومًا، فريثما يكشفه عنهم يرتدون لا يتمهلون.

ثم قال: {يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى} يريد: يوم القيامة، كقوله تعالى:{فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى} [النازعات: 34]، {إِنَّا مُنْتَقِمُونَ} أي: ننتقم منهم في ذلك اليوم.

فإن قلت: بم انتصب {يَوْمَ نَبْطِشُ} ؟ قلت: بما دل عليه {إِنَّا مُنْتَقِمُونَ} ،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هذا إذا حملناه على القحط الذي وقع بمكة استقام، فإنه نقل: أنه لما اشتد القحط فيها مشى أبو سفيان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وناشده الرحم، وواعده- أن دعا لهم وأزال الله عنهم تلك البلية- أن يؤمنوا، فلما أزاله الله تعالى رجعوا إلى شركهم، أما إذا حملناه على أن المراد منه ظهور علامة القيامة لم يصح ذلك، لأن عند ظهور أشراط الساعة لا يمكنهم أن يقولوا:{رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا العَذَابَ إنَّا مُؤْمِنُونَ} ، ولم يصح أيضًا أن يقال لهم:{إنَّا كَاشِفُوا العَذَابِ قَلِيلًا إنَّكُمْ عَائِدُونَ} .

والجواب: لم لا يجوز أن يكون ظهور هذه العلامة جاريًا مجرى ظهور سائر علامات القيامة في أنه لا يوجب انقطاع التكليف، فتحدث هذه الحالة، ثم أن الناس يخافون فيتضرعون، فإذا زالت تلك الواقعة عادوا إلى الكفر والفسق، وإذا كان هذا محتملًا استقام قوله:{إنَّا كَاشِفُوا العَذَابِ} مع القول بأن الدخان قبل يوم القيامة، أي: هو من أشراط الساعة".

قوله: (تضور المعذبون): الجوهري: "التضور: الصياح والتلوي عند الضرب أو الجوع"، وعن بعضهم: تضور: أي غلب عليهم الضعف، من قولهم: رجل ضورة، أي: ضعيف.

قوله: (لا يتمهلون): تمهل في أمر: أي: اتأد، وتمهل: أي: تقدم.

?

ص: 204

وهو "ننتقم"، ولا يصح أن ينتصب بـ {مُنتَقِمُونَ} ، لأن «إن» تحجب عن ذلك.

وقرئ: "نبطش" بضم الطاء، وقرأ الحسن:"نبطش" بضم النون، كأنه يحمل الملائكة على أن يبطشوا بهم البطشة الكبرى، أو يجعل البطشة الكبرى باطشة بهم.

وقيل: {الْبَطْشَةَ الْكُبْرى} : يوم بدر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (لأن "إن" تحجب عن ذلك): قال الزجاج: " {يَوْمَ} لا يجوز أن يكون منصوبًا بقوله: {مُنتَقِمُونَ}؛ لأن ما بعد {إِنَّا} لا يجوز أن يعمل فيما قبله". قال: وصاحب "الكشف" نصبه بقوله: {إنَّا كَاشِفُوا العَذَابِ} . وقلت: لا يساعد عليه قوله: {إنَّكُمْ عَائِدُونَ} ، لأن البطشة الكبرى: إما أن تكون يوم القيامة أو يوم بدر، وقد عقب بقوله:{إنَّا مُنتَقِمُونَ} .

قوله: (كأنه يحمل الملائكة على أن يبطشوا): قال أبو البقاء: "يقال: أبطشته: إذا أمكنته من البطش، أي: نبطش الملائكة"، فعلى هذا: المفعول به محذوف، ويجوز أن تجعل {البَطْشَةَ الكُبْرَى} مفعولًا به على الإسناد المجازي، نحو: جد جده، و {بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ} [هود: 99].

وقال ابن جني: "وهي قراءة الحسن وأبي رجاء وطلحة بخلاف، وهذا من: بطش هو، وأبطشته أنا، كقدر وأقدرته، وأما انتصاب {البَطْشَةَ} فبفعل مضمر يدل عليه الظاهر، أي: يوم نبطش من نبطشه، فيبطش البطشة الكبرى، ولك أن تنصب {البَطْشَةَ الكُبْرَى} على أنه مفعول به، كأنه قيل: يوم نقوي البطشة الكبرى عليهم، ونمكنها منهم، كقولك: يوم نسلط القتل عليهم، ونوسع الأخذ منهم".

الراغب: "البطش: تناول الشيء بصولة، قال تعالى: {وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ} [الشعراء: 130] ".

?

ص: 205

[{وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ * أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ * وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ * وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ} 17 - 21]

وقرئ: "ولقد فتنا"، بالتشديد؛ للتأكيد أو لوقوعه على القوم. ومعنى الفتنة: أنه أمهلهم ووسع عليهم في الرزق، فكان ذلك سببًا في ارتكابهم المعاصي واقترافهم الآثام، أو: ابتلاهم بإرسال موسى إليهم ليؤمنوا، فاختاروا الكفر على الإيمان، أو: سلبهم ملكهم وأغرقهم.

{كَرِيمٌ} على الله وعلى عباده المؤمنين، أو كريم في نفسه، لأنّ الله لم يبعث نبيًا إلا من سراة قومه وكرامهم.

{أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ} هي "أن" المفسرة، لأن مجيء الرسول من بُعِثَ إليهم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: ("فتنا" بالتشديد؛ للتأكيد أو لوقوعه على القوم): يريد: أنه على منوال المبالغة في قوله: {وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [ق: 29]، أي:"فعل" للتكثير، وهو إما بحسب ذنوبهم العظيمة، يعذبهم عذابًا شديدًا، أو بحسب كثرتهم، لوقوعه على كثيرين، فيوزع فيهم.

الراغب: نحوه: قتل الرجل وقتل القوم.

قوله: (أو كريم في نفسه): الأساس: "كرم فلان علينا كرامة، وله علينا كرامة، وأكرم نفسه بالتقوى، وأكرمها عن المعاصي، وهو يتكرم عن الشوائن، قال أبو حية:

ألم تعلمي أني إذا النفس أشرفت على طمع لم أنس أن أتكرما"

وقلت: وعليه قوله تعالى: {وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} [الفرقان: 72].

قوله: (من بعث إليهم): نصب بنزع الخافض، أي: إلى من بعث إليهم.

?

ص: 206

متضمن لمعنى القول، لأنه لا يجيئهم إلا مبشرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله. أو المخففة من الثقيلة، ومعناه: وجاءهم بأن الشأن والحديث: أدّوا إلي.

{وَعِبادُ الرَّحْمنِ} مفعول به، وهم بنو إسرائيل، يقول: أدوهم إليّ وأرسلوهم معي، كقوله:{فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ} [طه: 47]، ويجوز أن يكون نداء لهم؛ على: أدوا إليّ -يا عباد الله- ما هو واجب لي عليكم من الإيمان لي وقبول دعوتي واتباع سبيلي، وعلل ذلك بأنه {رَسُولٌ أَمِينٌ} غير ظنين، قد ائتمنه الله على وحيه ورسالته.

{وَأَنْ لا تَعْلُوا} : "أن" هذه مثل الأولى في وجهيها، أي: لا تستكبروا، {عَلَى اللَّهِ} بالاستهانة برسوله ووحيه، أو لا تستكبروا على نبيّ الله، {بِسُلْطانٍ مُبِينٍ} بحجة واضحة.

{أَنْ تَرْجُمُونِ} أن تقتلون، وقرئ:"عذت" بالإدغام،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (أو المخففة من الثقيلة): وعن بعضهم: إذا كانت مخففةً من الثقيلة يجب أن تعوض بأحد الحروف الأربعة: النفي، وقد، وسوف، والسين؛ بدلًا مما ذهب منها، وهاهنا ما عوض، ويجب أن تكون" أن" التي معها الفعل في تأويل المصدر؛ لأن جميع الأفعال سواء في هذا الحكم، أمرًا كان أو مضارعًا أو غيرهما.

قوله: ({أَمِينٌ} غير ظنين): النهاية: "وفي الحديث: "لا يجوز شهادة ظنين"، أي: متهم في دينه، فعيل بمعنى: مفعول؛ من الظنة: التهمة"، يريد: أن التعليل بقوله: {رَسُولٌ أَمِينٌ} ترشيح لاستعارة {أَدُّوا إلَيَّ} لقبول الدعوة، ومن ثم قال:"أدوا إلى ما هو واجب عليكم".

قوله: ("أن" هذه مثل الأولى في وجهيها): أي: في أن تكون مفسرةً أو مخففةً من الثقيلة.

قوله: ("عذت" بالإدغام): وهي المشهورة.

?

ص: 207

ومعناه أنه عائذ بربه متكل على أنه يعصمه منهم ومن كيدهم، فهو غير مبال بما كانوا يتوعدونه به من الرجم والقتل.

{فَاعْتَزِلُونِ} يريد: إن لم تؤمنوا لي، فلا موالاة بيني وبين من لا يؤمن، فتنحوا عني، واقطعوا أسباب الوصلة عني، أو فخلوني كفافًا لا لي ولا عليّ، ولا تتعرضوا لي بشركم وأذاكم، فليس جزاء من دعاكم إلى ما فيه فلاحكم ذلك.

[{فَدَعا رَبَّهُ أَنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ * فَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ * وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ} 22 - 24]

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (فلا موالاة بيني وبين من لا يؤمن): يريد: أن قوله: {فَاعْتَزِلُونِ} مسبب عن جواب الشرط، وأقيم مقامه، وإنما عم ولم يقل: فلا موالاة بيني وبينكم؛ ليؤذن بأن هذا دأبه وعادته، وليس مختصًا بهم.

الراغب: "الاعتزال: تجنب الشيء؛ عمالةً كانت أو براءةً أو غيرهما، بالبدن كان أو بالقلب، يقال: عزلته وتعزلته فاعتزل، وقوله تعالى: {إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ}: أي: ممنوعون بعد أن كانوا يمكنون، والأعزل: الذي لا رمح معه".

قوله: (أو فخلوني كفافًا): عطف على: "فتنحوا عني"، وعلى هذا الوجه:{فَاعْتَزِلُونِ} : كناية عن تركه، وإن لم يوجد الاعتزال بالأبدان.

النهاية: "وفي حديث عمر رضي الله عنه: " وددت أني سلمت من الخلافة كفافًا، لا علي ولا لي"؛ الكفاف: هو الذي لا يفضل عن الشيء، ويكون بقدر الحاجة إليه، وهو نصب على الحال، وقيل: أراد به: مكفوفًا عني شرها، وقيل: معناها: أن لا تنال مني ولا أنال منها، أي: تكف عني وأكف عنها".

?

ص: 208

{أَنَّ هؤُلاءِ} بأن هؤلاء، أي: دعا ربه بذلك. قيل: كان دعاؤه: اللهم عجل لهم ما يستحقونه بإجرامهم، وقيل: هو قوله: {رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [يونس: 85]، وإنما ذكر الله تعالى السبب الذي استوجبوا به الهلاك، وهو كونهم مجرمين.

وقرئ: "إنّ هؤلاء"، بالكسر؛ على إضمار القول، أي: فدعا ربه فقال: إن هؤلاء.

{فَأَسْرِ} قرئ بقطع الهمزة؛ من أسرى، ووصلها؛ من سرى، وفيه وجهان: إضمار القول بعد الفاء؛ فقال: أسر بعبادي، وأن يكون جواب شرط محذوف، كأنه قيل: قال: إن كان الأمر كما تقول فأسر، {بِعِبادِي} يعني: فأسر ببني إسرائيل، فقد دبر الله أن تتقدموا ويتبعكم فرعون وجنوده، فينجي المتقدمين، ويغرق التابعين.

الرهو: فيه وجهان: أحدهما: أنه الساكن، قال الأعشى:

يمشين رهوًا فلا الأعجاز خاذلة .... ولا الصدور على الأعجاز تتّكل

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (قيل: كان دعاؤه: اللهم عجل): يعني: يجوز أن يكون دعاؤه هذا المذكور، وهو قوله:{أَنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُّجْرِمُونَ} على تقدير الباء، أي: دعا ربه بأن -يا رب- هؤلاء المشخصون المشاهدون تناهى أمرهم في الكفر غايته، فافعل بهم ما هم أهله، لأن الكافر إذا وصف بالإجرام كان متناهيًا في الكفر.

أو يكون الدعاء محذوفًا، والمذكور تعليلًا له، أي: عجل لهم ما يستحقونه؛ لأنهم قوم مجرمون، أو: ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا، أي: محنةً وبلاءً للقوم الظالمين؛ لأن هؤلاء قوم مجرمون، وإليه أشار بقوله:"وإنما ذكر الله تعالى السبب الذي استوجبوا به الهلاك"، أي: اكتفى بالسبب عن المسبب لظهوره، فأجاب الله دعاءه، وعزم على إهلاكهم، وقال له عليه السلام:"أسر بعبادي ليلًا".

قوله: ({فَأَسْرِ} قرئ بقطع الهمزة): بالوصل: نافع وابن كثير، والباقون: بقطعها.

قوله: (يمشين رهوًا) البيت: والضمير في "يمشين" للإبل، "خاذلة": أي: تاركة، خذل

?

ص: 209

أي: مشيًا ساكنًا على هينة، أراد موسى لما جاوز البحر أن يضربه بعصاه فينطبق، كما ضربه فانفلق، فأمر بأن يتركه ساكنًا على هيئته، قارًّا على حاله؛ من انتصاب الماء، وكون الطريق يبسًا لا يضربه بعصاه، ولا يغير منه شيئًا، ليدخله القبط، فإذا حصلوا فيه أطبقه الله عليهم.

والثاني: أن الرهو الفجوة الواسعة، وعن بعض العرب: أنه رأى جملًا فالجًا، فقال: سبحان الله، رهو بين سنامين. أي: اتركه مفتوحًا على حاله منفرجًا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يخذل خذلانًا، وهو تركك نصرة أخيك، يصف نوقًا سالكات أرض الفلاة، أي: يمشين مشيًا على هينة، فلا الأعجاز تخذل قوائمها، ولا الصدور تتكل على أعجازها، أي: لسن بكثيرات اللحم. وبعده:

فهن معترضات والحصى رمض .... والريح ساكنة والظل معتدل

الراغب: "رهوًا: أي: ساكنًا؛ وقيل: سعة، وهو الصحيح، ومنه: الرهاء: المفازة المستوية، ويقال: لكل جوية مستوية يجتمع فيها الماء: رهو، ومنه قيل: لا شفعة في رهو".

قوله: (الفجوة الواسعة): الجوهري: "الفجوة: الفرجة، والمتسع بين الشيئين".

قوله: (جملًا فالجًا): الجوهري: "الفالج: الجمل الضخم ذو السنامين، يحمل من السند للفحلة".

?

ص: 210

{إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ} وقرئ بالفتح؛ بمعنى: لأنهم.

[{كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ} 25 - 27]

والمقام الكريم: ما كان لهم من المجالس والمنازل الحسنة، وقيل: المنابر.

والنعمة: بالفتح: من التنعم، وبالكسر: من الإنعام. وقرئ: {فَاكِهِينَ} و"فكهين".

[{كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْمًا آخَرِينَ * فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ} 28 - 29]

{كَذلِكَ} الكاف منصوبة على معنى: مثل ذلك الإخراج أخرجناهم منها {وَأَوْرَثْناها} ، أو في موضع الرفع؛ على الأمر كذلك،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (والمقام الكريم: ما كان لهم من المجالس): الراغب: "كل شيء يشرف في بابه يوصف بالكرم، قال تعالى: {فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ} [لقمان: 10]، وقال: {وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ}، {إِنَّهُ لَقُرْآَنٌ كَرِيمٌ} [الواقعة: 77]، {وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا} [الإسراء: 23]، إذا وصف الله بالكرم: فهو اسم لإحسانه وإنعامه المتظاهر، كقوله: {إِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ} [النمل: 40]، وإذا وصف به الإنسان: فهو اسم للأخلاق والأفعال المحمودة التي تظهر منه".

قوله: (وقرئ: {فَاكِهِينَ}): وهي المشهورة.

قوله: (مثل ذلك الإخراج أخر جناهم): المشار إليه: الإخراج، ولم يسبق في اللفظ مصرحًا به، لكن في الكلام ما دل عليه، وهو قوله:{إنَّكُم مُّتَّبَعُونَ} ، وقوله:{كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وعُيُونٍ} ، لأنه إنما تكون المتابعة إذا حصل الإخراج، قال أبو البقاء:"و {كَذَلِكَ} الأمر، أي: الأمر كذلك، وقيل: التقدير: تركًا كذلك".

?

ص: 211

قَوْمًا آخَرِينَ ليسوا منهم في شيء من قرابة ولا دين ولا ولاء، وهم بنو إسرائيل، كانوا متسخرين مستعبدين في أيديهم، فأهلكهم الله على أيديهم، وأورثهم ملكهم وديارهم.

إذا مات رجل خطير قالت العرب في تعظيم مهلكه: بكت عليه السماء والأرض، وبكته الريح، وأظلمت له الشمس، وفي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:«ما من مؤمن مات في غربة غابت فيها بواكيه، إلا بكت عليه السماء والأرض» ، وقال جرير:

تبكي عليك نجوم اللّيل والقمرا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (في تعظيم مهلكه): أي: هلاكه، الجوهري:"هلك الشيء هلاكًا وهلوكًا ومهلكًا وتهلكة، والاسم: الهلك؛ بالضم".

قوله: (وفي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: روى الترمذي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من مؤمن إلا وله بابان، باب يصعد منه عمله، وباب ينزل منه رزقه، فإذا مات بكيا عليه، وذلك قوله تعالى: {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ والأَرْضُ} ".

قوله: (تبكي عليك نجوم الليل والقمرا): أوله- في "المطلع"-:

الشمس طالعة ليست بكاسفة

وقال: رثى جرير عمر بن عبد العزيز، ويروى برفع "النجوم" ونصبها، يعاتب الشمس في طلوعها، وكان من حقها أن يكون كاسفةً باكيةً لفقده، والمعنى على النصب: تبكي عليك بكاء النجوم، فحذف المضاف، والواو بمعنى "مع"، وقيل: أي: ليست بكاسفة نجوم الليل، وقدم "تبكي عليك" بين فعل الشمس ومفعولها، والمعنى: تبكي عليك الشمس، كأنه

?

ص: 212

وقالت الخارجية:

أيا شجر الخابور مالك مورقًا .... كأنّك لم تجزع على ابن طريف

وذلك على سبيل التمثيل والتخييل مبالغة في وجوب الجزع والبكاء عليه، وكذلك ما يروى عن ابن عباس رضي الله عنه؛ من بكاء مصلى المؤمن، وآثاره في الأرض، ومصاعد عمله، ومهابط رزقه في السماء: تمثيل.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يتعجب من الطلوع، وقيل: كان يتهجد فتبكيه النجوم والقمر، ويعدل بالنهار فتبكيه الشمس، والشمس غالبة في البكاء، لأن العدل أفضل، وهو من قولهم: باكيته فبكيته؛ أي: كنت أبكى منه، أي: طلعت الشمس ولكن مع طلوعها تبكي وتغلب النجوم والقمر في البكاء عليك.

وروي ما قبله:

نعى النعاة أمير المؤمنين لنا .... يا خير من حج بيت الله واعتمرا

حملت أمرًا عظيمًا فاصطبرت له .... وقمت فيه بأمر الله يا عمرا

قوله: (أيا شجر الخابور) البيت: وبعده:

فتىً لا يحب الزاد إلا من التقى .... ولا المال إلا من قنًا وسيوف

فلا تجزعا يا ابني طريف فإنني .... أرى الموت نزالًا بكل شريف

?

ص: 213

ونفى ذلك عنهم في قوله تعالى: {فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ} ، فيه تهكم بهم وبحالهم المنافية لحال من يعظم فقده، فيقال فيه: بكت عليه السماء والأرض. وعن الحسن: فما بكى عليهم الملائكة والمؤمنون، بل كانوا بهلاكهم مسرورين، يعني: فما بكى عليهم أهل السماء وأهل الأرض.

{وَما كانُوا مُنْظَرِينَ} لما جاء وقت هلاكهم لم ينظروا إلى وقت آخر، ولم يمهلوا إلى الآخرة، بل عجل لهم في الدنيا.

[{وَلَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ * مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كانَ عالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ} 30 - 31]

{مِنْ فِرْعَوْنَ} بدل من {العَذَابِ المُهِينِ} ، كأنه في نفسه كان عذابًا مهينًا، لإفراطه في تعذيبهم وإهانتهم، ويجوز أن يكون المعنى: من العذاب المهين واقعًا من جهة فرعون. وقرئ: "من عذاب المهين"، ووجهه: أن يكون تقدير قوله: {مِنْ فِرْعَوْنَ} : من عذاب فرعون، حتى يكون المهين هو فرعون.

وفي قراءة ابن عباس: "من فرعون؟ "، لما وصف عذاب فرعون بالشدة والفظاعة، قال:"مَن فرعون"؛ على معنى: هل تعرفونه من هو في عتوّه وشيطنته، ثم عرف حاله في ذلك بقوله:{إِنَّهُ كانَ عالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ} أي: كبيرًا رفيع الطبقة من بينهم فائقًا لهم، بليغًا في إسرافه، أو عاليًا متكبرًا، كقوله:{إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ} [القصص: 4]، {ومِنَ الْمُسْرِفِينَ} خبر ثان، كأنه قيل: إنه كان متكبرًا مسرفًا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (واقعًا من جهة فرعون): قال القاضي: "هو على هذا الحال من {العَذَابِ المُهِينِ} ".

قوله: (و {مِّنَ المُسْرِفِينَ} خبر ثان): يؤذن أنه إذا فسر {عّالِيًا} بـ"متكبر" يكون {مِّنَ المُسْرِفِينَ} خبرًا ثانيًا، وإذا فسر بـ"كبير" لا يكون خبرًا، قال القاضي: "هو حينئذ حال من

?

ص: 214

[{وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ عَلَى الْعالَمِينَ * وَآتَيْناهُمْ مِنَ الْآياتِ ما فِيهِ بَلاؤٌ مُبِينٌ * إِنَّ هؤُلاءِ لَيَقُولُونَ} 32 - 34]

الضمير في {اخْتَرْناهُمْ} لبني إسرائيل، و {عَلى عِلْمٍ} في موضع الحال، أي: عالمين بمكان الخيرة، وبأنهم أحقاء بأن يختاروا، وبأنهم أحقاء بأن يختاروا، ويجوز أن يكون المعنى: مع علم منا بأنهم يزيغون وتفرط منهم الفرطات في بعض الأحوال، {عَلَى الْعالَمِينَ} على عالمي زمانهم، وقيل: على الناس جميعًا لكثرة الأنبياء منهم.

{مِنَ الْآياتِ} من نحو فلق البحر وتظليل الغمام وإنزال المنّ والسلوى، وغير ذلك من الآيات العظام التي لم يظهر الله في غيرهم مثلها، {بَلاؤٌ مُبِينٌ} نعمة ظاهرة، لأن الله تعالى يبلو بالنعمة كما يبلو بالمصيبة، أو اختبار ظاهر لننظر كيف تعملون، كقوله:{وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ} [البقرة: 49].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ضمير {عَالِيًا} "، وعليه كلام أبي البقاء. وقوله: "رفيع الطبقة من بينهم" إشارة إلى أن التركيب من باب قولهم: فلان من العلماء، أي: له مساهمة فيهم.

قوله: (وقيل: على الناس جميعًا لكثرة الأنبياء): فعلى هذا يعم سائر الأزمنة، المعنى: قوم بني إسرائيل مختارون من بين سائر الأقوام بأن تكثر الأنبياء منهم، فهم بهذا المعنى مختارون. وليس هذا بوجه جيد.

قوله: (أو اختبار ظاهر): يؤذن بأن "البلاء" أن فسر بالنعمة لم يكن اختبارًا ظاهرًا، وقد عللها بقوله:"لأن الله تعالى يبلو بالمصيبة"، وإن فسر بالمحنة كان ظاهرًا، كما في قوله تعالى:{وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ} [البقرة: 155] الآية، قال في تفسيره: "ولنصيبنكم بذلك إصابة تشبه فعل المختبر لأحوالكم، هل تصبرون وتثبتون على ما أنتم عليه

?

ص: 215

[{إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ * فَاتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ} 35 - 36]

{هؤُلاءِ} إشارة إلى كفار قريش.

فإن قلت: كان الكلام واقعًا في الحياة الثانية، لا في الموت، فهلا قيل: إن هي إلا حياتنا الأولى وما نحن بمنشرين، كما قيل:{إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} [الأنعام: 29]؟ وما معنى قوله: {إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولى} ؟ وما معنى ذكر "الأولى"؟ كأنهم وعدوا موتة أخرى، حتى نفوها وجحدوها، وأثبتوا الأولى؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

من الطاعة، وتسلمون لأمر الله أم لا؟ "، والمعنى على الأول: لنبلونكم بالنعم المتوالية المتظاهرة، فهل تشكرون الله وتزيدون في طاعاتكم، أم تتجبرون وترومون علوًا في الأرض وفسادًا.

قوله: ({هَؤُلَاءِ} إشارة إلى كفار قريش): وفيه تحقير لشأنهم وازدراء بهم، ولهذا قال:{أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ} [الدخان: 37].

اعلم أنه تعالى لما حكى عن المشركين إعراضهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وطعنهم فيه، بقوله:{أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ * ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وقَالُوا مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ} [الدخان: 13 - 14]، وهددهم بقوله:{يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرَى إنَّا مُنتَقِمُونَ} [الدخان: 16]، وضرب لهم مثل قوم فرعون ومجيء رسول الله كريم إليهم، وقصدهم إياه، وتدمير الله وقطع دابرهم؛ اعتبارًا واتعاظًا، أتى: بما هو أطم من الأول، وهو تكذيب الله بأن لا بعث ولا حشر، وأن الله تعالى ما خلق السماوات والأرض بالحق، بل خلقهما باطلًا، لأنه سبق مرارًا وأطوارًا أنه تعالى ما خلق السماوات والأرض إلا ليوحد ويعبد، ثم لا بد أن يجزي المطيع والعاصي، وليست هذه دار الجزاء.

?

ص: 216

قلت: معناه -والله الموفق للصواب-: أنه قيل لهم: إنكم تموتون موتة تتعقبها حياة، كما تقدّمتكم موتة قد تعقبتها حياة، وذلك قوله عز وجل:{وَكُنْتُمْ أَمْواتًا فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} [البقرة: 28]، ..

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (معناه- والله الموفق للصواب-: أنه قيل لهم: إنكم تموتون موتةً تتعقبها حياة): قال صاحب "الانتصاف": "أظهر من ذلك أنهم وعدوا بعد الحياة الدنيا حالتين: موت ثم بعث، وآمنوا بأولاهما، وهي الموت، ونفوا الثانية وسموها الأولى، وإن لم يعتقدوا شيئا بعدها، لأنهم نزلوا جهدهم على الإثبات، وهذا أولى من حمل الموتة الأولى على السابقة على الحياة الدنيا، لأنهم يعتقدون الحصر في هذه الموتة، لأنهم اعتقدوا الموتة التي تعقب الحياة الدنيا، وحمل الحصر المباشر للموت في كلامهم على صفة لم تذكر: عدول عن الظاهر بلا حاجة، لأن الموت السابق على الدنيا لا يعبر عنه الموتة؛ لأن فيها إشعارًا بالتجدد، والموت السابق مستصحب لم تتقدمه حياة. هذا مع أنه في الآية الأخرى وافق على أن ما الموت إلا الموتة الأولى، وإنما عنى بالموتة الأولى ما بعد الحياة الدنيا".

الإنصاف: "إنما يعين ذلك في هذه الآية القرينة: {لا يَذُوقُونَ} [الدخان: 56]، فالموتة الأولى لا يذوقونها، ويبطل قول صاحب "الانتصاف" أن الأولى ولأخرى لا تستعملان إلا فيما يشترك فيه مع ما قرنت به في الشيء المذكور، فلا يصح أن يقال: جاءني رجل وامرأة أخرى، والموتة مغايرة للحياة، فلا يصح أن يقال فيها: "أولى" بالنسبة إلى الحياة".

وقلت: وقوله: "وحمل الحصر المباشر للموت في كلامهم على صفة لم تذكر: عدول عن الظاهر": منظور فيه أيضًا؛ لأن التعريف في {المَوْتَةَ الأُولَى} للعهد، وهو قرنية دالة على أن المراد بـ"الموتة الأولى" الموتة المعهودة، ولذلك استشهد بقوله:{وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} [البقرة: 28]، ولأن في إثباتهم أداة الحصر- لأن "إن"

?

ص: 217

فقالوا: {إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولى} ، يريدون: ما الموتة التي من شأنها أن يتعقبها حياة إلا الموتة الأولى دون الموتة الثانية، وما هذه الصفة التي تصفون بها الموتة من تعقب الحياة لها إلا للموتة الأولى خاصة، فلا فرق إذا بين هذا وبين قوله:{إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا} [الأنعام: 28] في المعنى.

يقال: أنشر الله الموتى ونشرهم: إذا بعثهم.

{فَاتُوا بِآبائِنا} خطاب للذين كانوا يعدونهم النشور؛ من رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، أي: إن صدقتم فيما تقولون، فعجلوا لنا إحياء من مات من آبائنا بسؤالكم ربكم ذلك، حتى يكون دليلًا على أنّ ما تعدونه من قيام الساعة وبعث الموتى حق، وقيل: كانوا يطلبون اليهم أن يدعوا الله وينشر لهم قصيّ بن كلاب ليشاوروه، فإنه كان كبيرهم ومشاورهم في النوازل ومعاظم الشئون.

[{أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْناهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ} 37]

هو تبع الحميري، كان مؤمنًا وقومه كافرين، ولذلك ذمّ الله قومه ولم يذمّه، وهو الذي سار بالجيوش، وحير الحيرة، وبنى سمرقند، وقيل: هدمها،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

النافية قرنت بـ "إلا"- وإيقاعهم الضمير مبهمان ثم فسره بالخبر، على نحو قولهم: هي العرب تقول ما شاءت: الدلالة على أن هذا الكلام وارد على ما لا يوافق آراءهم من إثبات موتتين، فهم يحاولون إبطاله ورده إلى موتة واحدة ويهتمون بشأنه، ولا يصلح لذلك إلا ما اشتمل على هذه الموتة الموصوفة.

قوله: (كانوا يطلبون إليهم): أي: كانوا ينهون إليهم طالبين أن يدعوا الله.

وقوله: (وحير الحيرة): أي: ألفها ورتبها واتخذها مدينة تسمى: حيرة، كما يقال: مدن المدن، أي: بنى المدائن.

?

ص: 218

وكان إذا كتب قال: باسم الله الذي ملك برًّا وبحرًا. وعنى النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا تبعًا، فإنه كان قد أسلم» ، وعنه عليه الصلاة والسلام:«ما أدري أكان تبع نبيًا أو غير نبي» ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: كان نبيًا، وقيل: نظر إلى قبرين بناحية حمير، قال: هذا قبر رضوى وقبر حبى بنتي تبع، لا تشركان بالله شيئًا. وقيل: هو الذي كسا البيت، وقيل لملوك اليمن: التبابعة، لأنهم يتبعون، كما قيل: الأقيال؛ لأنهم يتقيلون،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (لا تسبوا تبعًا): قال صاحب "النهاية": "في الحديث: "لا تسبوا تبعًا، فإنه أول من كسا الكعبة": تبع: ملك في الزمان الأول، اسمه: سعد أبو كرب، والتبابعة: ملوك اليمن، كان لا يسمى تبعًا حتى يملك حضرموت وسبأ وحمير. ويقال للرجل إذا أتقن الشيء وأحكمه: قد تابع عمله".

قوله: (كما قيل: الأقيال؛ لأنهم يتقيلون): النهاية: "الأقوال: جمع "قيل"، وهو الملك النافذ القول والأمر، وأصله: قيول: فيعل؛ من القول، فحذفت عينه، ومثله: أموات جمع ميت، تخفيف ميت، وأما "أقيال" فمحمول على لفظ "قيل"، كما قيل: أرياح جمع ريح، والقياس: أرواح".

وفي حاشية "الكشاف": معنى "يتقيلون": يتتبعون، من: تقيل أباه: إذا اتبعه، وقيل: أشبهه.

الراغب: "سمي به ملك حمير لكونه معتمدًا على قوله، ومقتدىً به، ولكونه متقيلًا لأبيه، يقال: تقيل أباه".

?

ص: 219

وسمي الظل «تبعًا» لأنه يتبع الشمس.

فإن قلت: ما معنى قوله: {أَهُمْ خَيْرٌ} ، ولا خير في الفريقين؟ قلت: معناه: أهم خير في القوّة والمنعة، كقوله تعالى:{أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ} [القمر: 43]، بعد ذكر آل فرعون. وفي تفسير ابن عباس رضي الله عنه: أهم أشدّ أم قوم تبع؟

[{وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ * ما خَلَقْناهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ * إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقاتُهُمْ أَجْمَعِينَ * يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ * إِلاَّ مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} 38 - 42]

{وَما بَيْنَهُما} وما بين الجنسين، وقرأ عبيد بن عمير:"وما بينهن".

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وسمي الظل "تبعًا"): قالت سلمى الجهنية ترثي أخاها أسعد:

يرد المياه حضيرةً ونفيضة .... ورد القطاة إذا اسمأل التبع

أي: الظل، ويسمى الدبران: التبع؛ لأنه يدبره، الخضيرة: الأربعة والخمسة يغزون، والجمع: الحضائر، والنفيضة والنفض: الجماعة يبعثون في الأرض لينظروا هل فيها عدو أو خوف، واسمأل: أي: ضمر.

قوله: ({وَمَا بَيْنَهُمَا} وما بين الجنسين"): قال القاضي: "وهو دليل على صحة الحشر، كما مر في "الأنبياء" وغيرهم، وقوله: {إِلَّا بِالْحَقِّ} أي: بسبب الحق الذي اقتضاه الدليل من الإيمان والطاعة".

?

ص: 220

وقرأ: "ميقاتهم" بالنصب؛ على أنه اسم "إن"، و"يوم الفصل" خبرها، أي: إنّ ميعاد حسابهم وجزائهم في يوم الفصل.

{لا يُغْنِي مَوْلًى} أي مولى كان من قرابة أو غيرها، {عَنْ مَوْلًى} عن أي مولى كان، {شَيْئًا} من إغناء، أي: قليلًا منه، {وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ} الضمير للموالي، لأنهم في المعنى كثير، لتناول اللفظ على الإبهام والشياع كل مولى.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقلت: هاهنا المشركون لما أنكروا الحشر بقولهم: {إنْ هِيَ إلاَّ مَوْتَتُنَا الأُولَى ومَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ} ، وبخهم بقوله:{أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ} ؛ إيذانًا بأن هذا الإنكار ليس عن حجة قاطعة ودليل ظاهر، بل عن مجرد حب العاجلة، والتمتع بملاذ الدنيا، والاغترار بالمال والمنال، ثم قرر أن الحشر لا بد منه؛ لأنا ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما للعبث، جل جنات الجلال عن ذلك، بل بالحق، وهو أن اعبدوا ووحدوا، ولا بد لمن عبد ووحد، ولمن أعرض وأشرك، من الثواب والعقاب، فكيف يقال:{وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} ؟ !

وقوله: {ولَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ} تذييل وتجهيل عظيم لمنكري الحشر وتوكيد، لأن إنكارهم يؤدي إلى إبطال الكائنات بأسرها، {وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ} [النور: 15]، ولهذا قالوا:{رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: 191].

قوله: ({شَيْئًا} من إغناء): أي: "شيئًا" نصب على المصدر، وعن بعضهم: يجوز أن يكون مفعولًا به، من قولهم: أغن عني وجهك، والمعنى: أنه لا يبعد عنه شيئًا، وفي الكلام تتميم ومبالغة، أي:{لا يُغْنِي مَوْلًى} أي مولى كان، إغناءً أي إغناء كان.

قوله: (لتناول اللفظ على الإبهام والشياع): يعني: جاز عود الضمير وهو مجموع، إلى {مَوْلًى} وهو مفرد؛ لأنه لفظ مطلق شائع في جنسه متناول للكل وللبعض على سبيل البدل، فكان عود ضمير الجمع فرينةً على إرادة الكل.

?

ص: 221

{مَنْ رَحِمَ اللَّهُ} في محل الرفع على البدل من الواو في {يُنْصَرُونَ} ، أي: لا يمنع من العذاب إلا من رحمه الله، ويجوز أن ينتصب على الاستثناء، {إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ} لا ينصر منه من عصاه، {الرَّحِيمُ} لمن أطاعه.

[{إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعامُ الْأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ * خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ * ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَاسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ * ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ * إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ} 43 - 50]

قرئ: "إنّ شجرت الزقوم" بكسر الشين، وفيها ثلاث لغات: شجرة، بفتح الشين وكسرها، وشيرة بالياء. وروي: أنه لما نزل: {أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ} قال ابن الزبعرى: إنّ أهل اليمن يدعون أكل الزبد والتمر: التزقم، فدعا أبو جهل بتمر وزبد، فقال: تزقموا، فإنّ هذا هو الذي يخوّفكم به محمد، فنزل {إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعامُ الْأَثِيمِ} ، وهو الفاجر الكثير الآثام.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ويجوز أن ينصب على الاستثناء): قال أبو البقاء: " {إلاَّ مَن رَّحِمَ اللَّهُ} استثناء متصل، أي: من رحمه الله بقبول الشفاعة فيه". وفي "التيسير": {إلاَّ مَن رَّحِمَ اللَّهُ} أي: المؤمنين رحمهم الله، فإنهم يشفعون للمذنبين، وقيل: لكن من رحمه الله، فإنه لا يحتاج إلى قريب ينفعه، ولا إلى ناصر ينصره.

وقال مكي: " {إلاَّ مَن رَّحِمَ اللَّهُ}: "من" في موضع رفع على البدل من المضمر في {يُنْصَرُونَ}، أي: لا ينصر إلا من رحم الله، وقيل: هي بدل من {مَوْلًى} الأولى، أي: يوم لا يغني إلا من رحم الله، أي: لا يشفع إلا من رحم الله، وهذا دليل على جواز الشفاعة من المؤمنين للمؤمنين أهل الذنوب".

?

ص: 222

وعن أبي الدرداء أنه كان يقرئ رجلًا، فكان يقول طعام اليثيم، فقال: قل طعام الفاجر يا هذا. وبهذا يستدل على أنّ إبدال كلمة مكان كلمة جائز إذا كانت مؤدية معناها، ومنه أجاز أبو حنيفة القراءة بالفارسية على شريطة، وهي: أن يؤدي القارئ المعاني على كمالها، من غير أن يخرم منها شيئًا، قالوا: وهذه الشربطة تشهد أنها إجازة كلا إجازة، لأنّ في كلام العرب -خصوصًا في القرآن الذي هو معجز بفصاحته وغرابة نظمه وأساليبه- من لطائف المعاني والأغراض، ما لا يستقل بأدائه لسان من فارسية وغيرها، وما كان أبو حنيفة رحمه الله يحسن الفارسية، فلم يكن ذلك منه عن تحقق وتبصر، وروى علي بن الجعد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة مثل قول صاحبيه في إنكار القراءة بالفارسية.

{كَالْمُهْلِ} قرئ بضم الميم وفتحها، وهو دردي الزيت، ويدل عليه قوله:{يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ} [المعارج: 8]، مع قوله:{فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ} [الرحمن: 37]، وقيل: هو ذائب الفضة والنحاس.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (أنه كان يقرئ رجلًا، فكان يقول: طعام اليثيم): الانتصاف: "يعني: كان يقرئه، فلم يستطع أن يقول: الأثيم، فكان يقول: اليثيم، فأعاد عليه، فلما عجز قال: قل: طعام الفاجر، وفيه دليل على قراءة القرآن بالمعنى"، وقال:"لا حجة فيه، وقول أبي الدرداء محمول على إيضاح المغنى، عونًا على أن يأتي بالقراءة كما أنزلت، هكذا حمله القاضي أبو بكر في كتاب (الانتصار) ".

قوله ({كَالْمُهْلِ} قرئ بضم الميم): وهي المشهورة، والفتح شاذ.

قوله: (ويدل عليه- أي: على أن المراد بـ "المهل" دردي الزيت- قوله تعالى: {يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ}، مع قوله: {فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ}): لأن الأول دل على أن السماء تصير

?

ص: 223

والكاف رفع؛ خبر بعد خبر، وكذلك {يَغْلِي} ، وقرئ بالتاء للشجرة، وبالياء للطعام. والْحَمِيمِ الماء الحار الذي انتهى غليانه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كالمهل، والثاني على أنها تصير كالدهان، وهو: إما جمع دهن أو اسم ما يدهن به، ويجب التوافق بينهما، فيصح تفسير "المهل" بدردي الزيت.

هذا الاستدلال في الأصول من باب دلالة النص باستعانة نص آخر، نحو دلالة قوله تعالى:{وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا} [الأحقاف: 15] مع قوله: {حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} [البقرة: 233]: على أن مدة الحمل ستة أشهر.

قوله: (وكذلك {يَغْلِي}): أي: مرفوع المحل؛ خبر بعد خبر.

قوله: (وقرئ بالتاء): ابن كثير وحفص: بالياء التحتانية، والباقون: بالتاء. روى الواحدي عن أبي عبيد: أنه اختار الياء، وقال: لأن المهل مذكر، وهو الذي يلي المهل، فصار أولى به للذكر والقرب. وقال أبو علي: لا يجوز أن يحمل الغلي على المهل، لأن المهل إنما ذكر للتشبيه به في الذوب، ألا ترى أن المهل لا يغلي في البطون، وإنما يغلي ما شبه به، وهو كقوله:{كَغَلْيِ الْحَمِيمِ} ، يعني: الماء الحار إذا اشتد غليانه.

أراد أن هاهنا المشبه واحد، والمشبه به متعدد، شبهت عصارة الشجرة تارة بالمهل في غلظها وكدورتها ونتنها، وأخرى بالماء في انفعالها بالغليان، ومن ثم لم يذهب المصنف إلى إسناد {يَغْلِي} إلى "المهل"، وقال:"تغلي: بالتاء للشجرة، وبالياء للطعام"، وروي في

?

ص: 224

يقال للزبانية: {خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ} فقودوه بعنف وغلظة، وهو أن يؤخذ بتلبيب الرجل، فيجر إلى حبس أو قتل، ومنه: العتلّ؛ وهو الغليظ الجافي، وقرئ بكسر التاء وضمها، {إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ} إلى وسطها ومعظمها.

فإن قلت: هلا قيل: صبوا فوق رأسه من الحميم، كقوله:{يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ} [الحج: 19]، لأنّ الحميم هو المصبوب لا عذابه؟ قلت: إذا صب عليه الحميم، فقد صب عليه عذابه وشدّته، إلا أن صب العذاب طريقه الاستعارة، كقوله:

صبّت عليه صروف الدّهر من صبب

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الحاشية: " أنه قيل له: هل يجوز بالياء صفةً للمهل؟ قال: لا، لأنه لا يوصف المهل، لكن الطعام أو الشجرة".

وقلت: ولناصر قول أبي عبيد أن قول: هو من تداخل التشبيهين، أي: كالمهل المشبه غليانه بغلي الحميم في البطون، شبه طعام الشجرة بدردي خارج عن المتعارف في أنه إذا قدر أن يصب في البطون يغلي- بغير نار- غليان الماء الحار في المراجل بالنار، ولا يبعد هذا التأويل، فإن هذه الشجرة على خلاف الأشجار المتعارفة، لأنها تنبت في أصل الجحيم، طلعها كأنه رؤوس الشياطين.

قوله: (بتلبيب الرجل): الجوهري: "لببت الرجل تلبيبًا؛ إذا جمعت ثيابه عند صدره ونحره في الخصومة وجررته".

قوله: (قرئ بكسر التاء وضمها): الحرميان وابن عامر: "فاعتلوه" بالضم، والباقون: بالكسر.

قوله: (صبت عليه صروف الدهر من صبب): الأساس: "مشوا في صبب، وفي أصباب:

?

ص: 225

وكقوله تعالى: {أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا} [البقرة: 250]، فذكر العذاب معلقًا به الصب، مستعارًا له، ليكون أهول وأهيب.

يقال: {ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ} على سبيل الهزؤ والتهكم بمن كان يتعزز ويتكرم على قومه. وروي: أنّ أبا جهل قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بين جبليها أعز ولا أكرم مني، فو الله ما تستطيع أنت ولا ربك أن تفعلا بي شيئًا. وقرئ:"أنك"، بمعنى: لأنك. وعن الحسن بن علي رضي الله عنهما: أنه قرأ به على المنبر.

{إِنَّ هذا} العذاب، أو: إن هذا الأمر هو {مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ} أي: تشكون، أو تتمارون وتتلاجون.

[{إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقابِلِينَ * كَذلِكَ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ * يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ * لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الْأُولى وَوَقاهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ * فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} 51 - 57]

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وهو الحدور، وفي الحديث:"كأنما يمشي في صبب"، ومن المجاز: صب عليه البلاء من صبب، أي: من فوق".

قوله: (معلقًا به الصب، مستعارًا له): الفاء في "فذكر" متعلق بقوله: "صب العذاب طريقه الاسثعارة"، وقوله:"معلقًا" و"مستعارًا": حالان متداخلتان، أي: جعل الصب للعذاب، والعذاب لا يصب، مستعارًا لإصابته، على حذف المضاف، شبه العذاب بالمائع، ثم خيل له ما يلازم المائع من الصب، كما خيل الإفراغ للصبر بعد تشبيهه بالماء.

قوله: (ما بين جبليها): أي: جبلي مكة، وهما الأخشبان؛ أبو قبيس وثور.

قوله: (وقرئ: "أنك") الكسائي: بفتح الهمزة، والباقون: بكسرها.

?

ص: 226

قرئ: {فِي مَقَامٍ} ، بالفتح، وهو موضع القيام، والمراد: المكان، وهو من الخاص الذي وقع مستعملًا في معنى العموم، وبالضم، وهو موضع الإقامة، و"الأَمِينٍ": من قولك: أمن الرجل أمانة فهو أمين، وهو ضد الخائن، فوصف به المكان استعارة، لأنّ المكان المخيف كأنما يخون صاحبه بما يلقى فيه من المكاره.

قيل: السندس: ما رق من الديباج، والإستبرق: ما غلظ منه، وهو تعريب "استبر". فإن قلت: كيف ساغ أن يقع في القرآن العربي المبين لفظ أعجمي؟ قلت: إذا عرب خرج من أن يكون عجميًا، لأن معنى التعريب: أن يجعل عربيًا بالتصرف فيه، وتغييره عن منهاجه، وإجرائه على أوجه الإعراب.

{كَذلِكَ} الكاف مرفوع على: الأمر كذلك،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: ({فِي مَقَامٍ} بالفتح): نافع وابن عامر: بالضم، والباقون: بالفتح.

قوله: (وهو من الخاص الذي وقع مستعملًا في معنى العموم): نحوه: تعال، وأصله: موضع القيام، ثم عم واستعمل في جميع الأمكنة، حتى قيل لموضع القعود: مقام، وإن لم يقم فيه أصلًا، ويقال: كنا في مقام فلان، أي: في مجلسه.

قوله: (فوصف به المكان استعارة): أي: الاستعارة المكنية. الراغب: "أصل الأمن: طمأنينة النفس، وزوال الخوف، والأمن والأمانة والأمان في الأصل: مصادر، ويجعل الأمان تارةً اسمًا للحالة التي عليها الإنسان في الأمن، وتارةً اسمًا لما يؤمن عليه الإنسان، كقوله: {وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ} [الأنفال: 27]، أي: ما ائتمنتم عليه".

قوله: (على: الأمر كذلك): روي عن المصنف أنه قال: والمعنى فيه: أنه لم يستوف الوصف، وأنه بمثابة ما لا يحيط به الوصف، فكأنه قال: الأمر نحو ذلك، وما أشبهه، وليس يعين الوصف ويحققه.

?

ص: 227

أو منصوب على: مثل ذلك أثبناهم {وَزَوَّجْناهُمْ} ، وقرأ عكرمة:"بحور عين" على الإضافة، والمعنى: بالحور من العين، لأن العين إما أن تكون حوراء أو غير حوراء، فهؤلاء من الحور العين، لا من شهلهن مثلًا، وفي قراءة عبد الله:"بعيس عين"، والعيساء: البيضاء تعلوها حمرة.

وقرأ عبيد بن عمير: "لا يذاقون فيها الموت"، وقرأ عبد الله:"لا يذوقون فيها طعم الموت".

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: ("بحور عين" على الإضافة): قال ابن جني: "الصفة أوفى من الإضافة، لأن المضاف والمضاف إليه جاريين مجرى المفرد، والصفة تأتي مع الاختصاص المستفاد منها [مأتى] الزيادة، وهي مع ذلك أشد إصراحًا بالمعنى من المضاف، ألا ترى أنك إذا قلت: "مررت بظريف كرام" جاز الظريف أن يكون كريمًا، وجاز أن يكون منسوبًا إليهم، وإن لم يكن كريمًا، وإذا قلت: "مررت بظريف كريم" فقد أثبت له مذهب الكرم البتة"، ولهذا جعل الإضافة من باب: خاتم فضة، وباب ساج.

قوله: (لأن العين إما تكون حوراء أو غير حوراء): أنشد الجوهري للعجاج:

بأعين محورات حور

يعني: الأعين النقيات البياض، الشديدات سواد الحدقة.

و"الشهلة" في العين: أن يشوب سوادها زرقة، وعين شهلاء، ورجل أشهل العين.

?

ص: 228

فإن قلت: كيف استثنيت الموتة الأولى المذوقة قبل دخول الجنة، من الموت المنفي ذوقه فيها؟ قلت: أريد أن يقال: لا يذوقون فيها الموت البتة، فوضع قوله:{إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى} موضع ذلك، لأن الموتة الماضية محال ذوقها في المستقبل، فهو من باب التعليق بالمحال، كأنه قيل: إن كانت الموتة الأولى يستقيم ذوقها في المستقبل فإنهم يذوقونها.

وقرئ: "ووقاهم" بالتشديد.

{فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ} عطاء من ربك وثوابًا، يعني: كل ما أعطى المتقين من نعيم الجنة والنجاة من النار. وقرئ: فضل، أي: ذلك فضل.

[{فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ} 58 - 89]

{فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ} فذلكة للسورة،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (أريد أن يقال: لا يذوقون فيها الموت البتة): الانتصاف: هذا مبني على أن {الْمَوْتَةَ} بدل؛ على طريقة بني تميم الذين يجوزون البدل من غير الجنس، والحجازيون ينصبونه بالاستثناء المنقطع، وسر اللغة التميمية في قولهم: ما في الدار أحد إلا حمار، أي: أن كان الحمار من الأحد، ففيها أحد، وبه فسر الزمخشري قوله تعالى:{قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ} [النمل: 65] ".

قوله: (فهو من باب التعليق بالمحال): نظيره: قوله تعالى: {وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آَبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} [النساء: 22]، نظيره: أن يستسقي أحد، فتقول: لا أسقيك إلا الجمر، والجمر لا يسقى. فمعناه: أن كان الجمر شيئًا يسقى فإنما أسقيكه.

قوله: ({فَإنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ} فذلكة للسورة)، إلى آخره، يعني: هو إجمال بعد تفصيل.

?

ص: 229

ومعناها: ذكرهم بالكتاب المبين {فَإِنَّما يَسَّرْناهُ} أي: سهلناه، حيث أنزلناه عربيًا {بِلِسَانِكَ} بلغتك؛ إرادة أن يفهمه قومك فيتذكروا.

{فَارْتَقِبْ} فانتظر ما يحل بهم، {إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ} ما يحل بك متربصون الدوائر.

عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة "حم الدخان" في ليلة أصبح يستغفر له سبعون ألف ملك» ، وعنه عليه السلام:«من قرأ حم التي يذكر فيها الدخان في ليلة جمعة أصبح مغفورًا له» .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقلت: بل خاتمة عزيزة، ورد للعجز على الصدر، وبها ظهر دقة نظر من قال: إن {رَحْمَةً} -في قوله: {إنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ} [الدخان: 5 - 6]-: مفعول به، والمراد بها سيد المرسلين وخاتم النبيين ورحمة العالمين، وأن قوله تعالى:{فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَاتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ} [الدخان: 10] مقابل لقوله: {إنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ} [الدخان: 3]، ولذلك ضم مع التبشير قوله:{فَارْتَقِبْ} .

قوله: (من قرأ"حم الدخان"): روينا عن الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قرأ"حم الدخان" في ليلة أصبح يستغفر له سبعون ألف ملك"، وفي رواية:"في ليلة الجمعة غفر له".

تمت السورة.

* * *

?

ص: 230

‌سورة الجاثية

مكية، وهي سبع وثلاثون آية، وقيل: ست

بسم الله الرحمن الرحيم

[{حم * تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * إِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ * وَفِي خَلْقِكُمْ وَما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ * وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ * تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآياتِهِ يُؤْمِنُونَ} 1 - 6]

{حم} إن جعلتها اسمًا مبتدأ مخبرًا عنه بـ {تَنْزِيلُ الْكِتابِ} ، لم يكن بدّ من حذف مضاف، تقديره: تنزيل حم تنزيل الكتاب، و {مِنَ اللَّهِ} صلة للتنزيل، وإن جعلتها تعديدًا للحروف، كان {تَنْزِيلُ الْكِتابِ} مبتدأ، والظرف خبرًا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

سورة الجاثية

مكية، وهي سبع وثلاثون آية، وقيل: ست وثلاثون

بسم الله الرحمن الرحيم

قوله: (تنزيل حم تنزيل الكتاب): يعني: تنزيل هذه السورة كتنزيل سائر القرآن، فيكون في قوله:{مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ} دلالة على وجه الشبه، فكونه من الله دل على أنه حق وصدق وصواب، وكونه من العزيز دل على أنه معجز يغلب ولا يغلب، وكونه من الحكيم دل على أنه مشتمل على الحكم البالغة، وعلى أنه محكم في نفسه، ينسخ ولا ينسخ.

?

ص: 231

{إِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ} يجوز أن يكون على ظاهره، وأن يكون المعنى: إنّ في خلق السماوات والأرض؛ لقوله: {وَفِي خَلْقِكُمْ} . فإن قلت: علام عطف {وَما يَبُثُّ} ، أعلى الخلق المضاف، أم على الضمير المضاف إليه؟ قلت: بل على المضاف، لأنّ المضاف إليه ضمير متصل مجرور يقبح العطف عليه، استقبحوا أن يقال: مررت بك وزيد، وهذا أبوك وعمرو، وكذلك إن أكدوه كرهوا أن يقولوا: مررت بك أنت وزيد.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (يجوز أن يكون على ظاهره): أي: لا يقدر مضاف، قال الإمام:"وذلك أنه حصل في ذوات السماوات والأرض أحوال دالة على وجود الله تعالى، مثل مقاديرها وكيفياتها وحركتها، وأيضًا الشمس والقمر والنجوم والجبال موجودة فيهما، وهي آيات".

وقلت: يجوز -على هذا- أن يكون قوله {وفِي خَلْقِكُمْ} إلى آخر الآيتين من عطف الخاص على العام، لأن المذكور بعض ما في السماوات والأرض.

قوله: (وأن يكون المعنى: أن في خلق السماوات والأرض): روى الواحدي عن الزجاج هذا القول.

قوله: (ضمير متصل مجرور يقبح العطف عليه): يعني: العطف على المضمر المجرور قبيح، كان مجرورًا بحرف الجر أو بالإضافة، لا فرق بين أن يؤكد أم لا، قال في "النساء":"الضمير المتصل كاسمه، والجار والمجرور كشيء واحد، فلما اشتد الاتصال لتكرره أشبه العطف على بعض الكلمة، فوجب تكرير العامل، كقولك: مررت به وبزيد، وهذا غلامه وغلام زيد".

?

ص: 232

قرئ: {آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} بالنصب والرفع، على قولك: إنّ زيدًا في الدار وعمرًا في السوق، أو عمرو في السوق.

وأمّا قوله: {آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} فمن العطف على عاملين، سواء نصبت أو رفعت؛ فالعاملان إذا نصبت هما:"إن"، و"في"، أقيمت الواو مقامهما، فعملت الجر في {اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ} ، والنصب في {آياتٍ} ، وإذا رفعت فالعاملان: الابتداء و"في"، عملت الرفع في {آياتٌ} ، والجر في {وَاخْتِلافِ}. وقرأ ابن مسعود:"وفي اختلاف الليل والنهار".

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عن بعضهم: لأن اتصال الضمير له اتحاد لفظًا، والجار مع المجرور متحد معنىً، فلما كان فيه اتحاد من وجهين، يصير في التقدير كأنه عطف على الحرف الجار، والعطف على الحرف لا يجوز، وكأنه عطف على بعض الكلمة، وذلك لا يجوز، لأنه ليس للمجرور ضمير منفصل.

وذكر ابن الحاجب في" شرح المفصل" في باب الوقف منه: "أن بعض النحويين يجوزونه في المجرور بالإضافة دون المجرور بحرف الجر، لأن اتصال المجرور بالمضاف ليس كاتصاله بالجار، لاستقلال كل واحد منهما، فلم يشتد اتصاله فيه اشتداده مع الحرف، ولذلك زعم بعض النحويين أن قوله تعالى: {أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا} [البقرة: 200] معطوف على الكاف والميم في قوله: {كَذِكْرِكُمْ آَبَاءَكُمْ} [البقرة: 200] " ولذا جوزه المصنف.

قوله: (قرئ: {آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} بالنصب والرفع): بالنصب: حمزة والكسائي، والباقون: بالرفع.

قوله: (وأما قوله: {آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} فمن العطف على عاملين): يعني: لم يكن قوله: {آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} من العطف على عاملين لتكرير"في" في قوله: {وفِي خَلْقِكُمْ} ، ولكن

?

ص: 233

فإن قلت: العطف على عاملين على مذهب الأخفش سديد لا مقام فيه، وقد أباه سيبويه، فما وجه تخريج الآية عنده؟ قلت: فيه وجهان: أحدهما: أن يكون على إضمار "في"، والذي حسنه تقدّم ذكره في الآيتين قبلها، ويعضده قراءة ابن مسعود. والثاني: أن ينتصب "آيات" على الاختصاص بعد انقضاء المجرور معطوفًا على ما قبله أو على التكرير،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في قوله: {آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} لابد من العطف على عاملين، قال ابن الحاجب:"اختلف الناس في مسألة العطف على عاملين: فمنهم من يمنعه، وهم أكثر البصريين، ومنهم من يجوزه، وهم أكثر الكوفيين، ومنهم من يفصل فيقول: أما مثل قولك: "في الدار زيد والحجرة عمرو" فجائز، وأما مثل قولك: " زيد في الدار وعمرو الحجرة" فلا يجوز؛ لأن إحدى المسألتين: المجرور فيها يلي العاطف، فقام العاطف فيها مقام الجار، والأخرى: ليس المجرور فيها يلي العاطف، فكان فيها إضمار الجار من غير عوض. وأما من يمنع العطف على عاملين فيقول في الآيات: إن {آيَاتٌ} فيها تأكيد لـ {آيَاتٌ} الأولى، ولو كانت موضع "الآيات" الأخيرة لفظة أخرى لم يجز".

قوله: (بعد انقضاء المجرور): وهو قوله: "اختلاف" و"ما أنزل" و"تصريف الرياح".

قوله: (أو على التكرير): قال أبو البقاء: "كرر (آيات) للتوكيد؛ لأنها من لفظ (آيات) الأولى، وإعرابها كإعرابها، كقولك: أن بثوبك دمًا وبثوب زيد دمًا، فـ "دم" الثاني مكرر؛ لأنك مستغن عن ذكره".

قال مكي: "و (آيات) نصب على التكرير لما طال الكلام، كما تقول: ما زيد قائمًا ولا جالسًا زيد، فتنصب "جالسًا" على أن زيدًا الآخر هو الأول، جيء به مؤكدًا، ولو كان غير الأول لم يجز نصب "جالسًا"؛ لأن خبر "ما" لا يتقدم على اسمها، بخلاف (ليس) ".

?

ص: 234

ورفعها بإضمار "هي".

وقرئ: "واختلاف الليل والنهار" بالرفع، وقرئ:"آية"، وكذلك:"وما يبث من دابة آية". وقرئ: "وتصريف الريح"، والمعنى: إنّ المنصفين من العباد إذا نظروا في السماوات والأرض النظر الصحيح: علموا أنها مصنوعة، وأنه لا بدّ لها من صانع، فآمنوا بالله وأقرّوا، فإذا نظروا في خلق أنفسهم وتنقلها من حال إلى حال، وهيئة إلى هيئة، وفي خلق ما على ظهر الأرض من صنوف الحيوان: ازدادوا إيمانًا وأيقنوا، وانتفى عنهم اللبس، فإذا نظروا في سائر الحوادث التي تتجدّد في كل وقت -كاختلاف الليل والنهار، ونزول الأمطار، وحياة الأرض بها بعد موتها، وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ جنوبًا وشمالًا، وقبولًا ودبورًا-: عقلوا واستحكم علمهم وخلص يقينهم.

وسمي المطر رزقًا، لأنه سبب الرزق.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ورفعها): عطف على قوله: "أن ينتصب"، فكان انتصابها على الاختصاص، ورفعها بإضمار "هي"، وهو أيضًا مدح، قال أبو البقاء:"ويقرأ بالرفع على التوكيد أيضًا".

وقوله: (والمعنى: أن المنصفين): أراد به المعنى البياني، يعني بالبيان: ترتيب ما قدمت وما وسطت وما أخرت.

قوله: (إذا نظروا في السماوات): أعلم أنه جعل نتيجة النظر في السماوات والأرض: الإيمان، ونتيجة النظر في الأنفس وأحوالها: الازدياد في الإيمان، ونتيجة النظر في سائر الحوادث: الإخلاص في اليقين الذي هو الزيادة في الإيمان، هذه طريقة السلوك والترقي.

وقال الراغب في "درة التنزيل": "ما تقدم من الآيات يدل على قادر لا يشبهه قادر، فمن وفى النظر في ذلك أداه إلى الإيمان بالله تعالى، [فلذلك قال:{لآيَاتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ} ، فخصهم لانتفاعهم بها]، وإن كانت الآيات منصوبةً لهم ولغيرهم، فحين لم ينتفع الغير كأنها لم تكن

?

ص: 235

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لهم آيات، وأما قوله:{وفِي خَلْقِكُمْ} الآية: فإن عجائب الله في خلق الحيوان من الأعضاء والخواص التي يدرك بها المدركات، وما في باطنه من جواذب المواد التي بها قوام الحياة، ثم الروح التي بها ثبات الأجساد، أكثر من أن تحصى وتعد، فإن عرضت شبهة الملحد بأن كون الولد من الوالدين ومن نطفهما يأخذ شبههما، فإنه يطرح ذلك، ويزاح بالآيات التي ليس إلى الوالد فعلها، ولا جارحة من جوارحه تحيط علمًا بتلفيقها، وحكمةً في تركيبها، فثبت أن يكون فاعلها من صنعها وزينها بالعقل الذي هو أكبر نعمة الله تبارك وتعالى، فهذا الفكر ينتقل من ظن إلى علم، ومن شك إلى يقين، ولذلك لا يوصف الله تعالى، بأنه موقن، بل عالم. وخصت الآية الأخيرة بقوله:{يَعْقِلُونَ} ؛ لأنهم يعقلون من إحياء الأرض بالمطر حتى تكتسبي بالنبات والشجر أنه يحيي العظام وهي رميم، هذا موضع يقال فيه: عقل من كذا كذا، أي: استدركه بالعقل بعد أن لم يكن مستدركًا له، كما أن أصل الوصف بالعاقل موضوع لحالة ثابتة ومعرفة طارئة".

وقال الإمام: "ذكر هنا ثلاثة مقاطع: {يُؤْمِنُونَ} و {يُوقِنُونَ} و {يَعْقِلُونَ}، فكأنه قيل لهم: أن كنتم من المؤمنين فافهموا هذه الدلائل، وإن كنتم لستم من المؤمنين، بل أنتم من طلاب الجزم واليقين فافهموا تلك الدلائل، وإن كنتم لستم من هؤلاء ولا من هؤلاء فلا أقل من أن تكونوا من زمرة العاقلين، فاجتهدوا في معرفة الدلائل".

وقلت: وعلى هذا هو من باب التنزل، وبيان ذلك: أن الناس ثلاث طبقات: منهم من سلمت فطرته الأصلية من الشكوك، ومنهم من اجتالتهم شياطين الإنس والجن، وأبطلت استعداداتهم كالفلاسفة، ومنهم من بقي بين المنزلتين، ووقع في ورطة الشكوك والشبهات.

?

ص: 236

{تِلْكَ} إشارة إلى الآيات المتقدّمة، أي: تلك الآيات {آياتُ اللَّهِ} ، و {نَتْلُوها} في محل الحال، أي: متلوة {عَلَيْكَ بِالْحَقِّ} ، والعامل ما دل عليه {تِلْكَ} من معنى الإشارة، ونحوه:{وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا} . وقرئ: "يتلوها"، بالياء.

[{وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ * وَإِذا عَلِمَ مِنْ آياتِنا شَيْئًا اتَّخَذَها هُزُوًا أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ * مِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ ما كَسَبُوا شَيْئًا وَلا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ} 7 - 10]

{بَعْدَ اللَّهِ وَآياتِهِ} أي: بعد آيات الله، كقولهم: أعجبنى زيد وكرمه، يريدون: أعجبنى كرم زيد. ويجوز أن يراد: بعد حديث الله، وهو كتابه وقرآنه،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فالأولون: تكفيهم أدنى إشارة، قال:

أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى .... فصادف قلبًا خاليًا فتمكنا

فهم المؤمنون، فقيل لهم:{إنَّ فِي السَّمَوَاتِ والأَرْضِ لآيَاتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ} .

والفرق الثاني: أن ساعدهم التوفيق لا يضطرهم إلى المعرفة إلا دليل الأنفس، قال حجة الإسلام: الطبيعيون أكثروا البحث عن عالم الطبيعة، وعن عجائب الحيوان، وأكثروا الخوض في تشريح أعضاء الحيوان، فرأوا فيها من عجائب صنع الله وبدائع حكمته ما اضطروا معه إلى الاعتراف بفاطر حكيم مطلع على غايات الأمر ومقاصدها، فهؤلاء نودوا بقوله:{وفِي خَلْقِكُمْ ومَا يَبُثُّ مِن دَابَّةٍ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} .

والمترددون بين النفي والإثبات: لا يحتاجون إلى التعمق، ولا يكفيهم أيضًا أدنى تأمل، فنبهوا بقوله:{واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهَارِ} إلى قوله: {آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} . والله أعلم بحقيقة كلامه.

قوله: (ويجوز أن يراد: بعد حديث الله، وهو كتابه وقرآنه): كذا عن الواحدي، وفي

?

ص: 237

كقوله: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ} [الزمر: 23]. وقرئ: {يُؤْمِنُونَ} بالياء والتاء.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

"الأعراف" وفي آخر "المرسلات": {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 185، والمرسلات: 50]، وقال في تفسيره:" {بَعْدَهُ}: بعد القرآن"، يعني: أن القرآن من بين الكتب المنزلة آية مبصرة ومعجزة باهرة، فحين لم يؤمنوا به فبأي كتاب بعده يؤمنون.

ويعضد هذا التأويل عطف {وآيَاتِهِ} على {اللهِ} ، أي: بعد كتاب الله وآياته الباهرة وبراهينه الساطعة، وهو من عطف الخاص على العام، وكذا ترتب الفاء في {فَبِأَيِّ} على ما قبله.

فعلى هذا: المناسب في الوجه الأول- وهو أن يراد بقوله: {بَعْدَ اللَّهِ} : بعد آيات الله- أن يكون المشار إليه بقوله: {تِلْكَ} : الآيات المتقدمة، وفي الوجه الثاني: الآيات التالية، على نحو: هذا أخوك. وهذا أجمع، لأنه يضم الدلائل المنصوبة من الآفاقية والأنفسية مع النصوص القاهرة، وحصل منه الترقي من الأدنى إلى الأعلى في البيان والكشف، وتبين أن بيانات النصوص هي التي تزيل من ألباب أرباب العقول الشكوك وتجلي الريب.

ثم في الإبهام في اسم الإشارة، وتفسيره بـ {آيَاتِ اللهِ} ، وقرب المشار إليه، وهو موضوع للبعيد، وتخصيص اسم "الله" الجامع، وتكريره، وإيثار صيغة الجمع للتعظيم: خطب خطير وشأن جليل في الاستبعاد.

قوله: (وقرئ: {يُؤْمِنُونَ} بالياء والتاء): بالتاء الفوقانية: ابن عامر وأبو بكر وحمزة والكسائي، والباقون: بالياء.

?

ص: 238

الأفاك: الكذاب، والأثيم: المتبالغ في اقتراف الآثام.

{يُصِرُّ} يقبل على كفره ويقيم عليه، وأصله من إصرار الحمار على العانة، وهو أن ينحى عليها صارّ أذنيه، {مُسْتَكْبِرًا} عن الإيمان بالآيات والإذعان لما ينطق به من الحق، مزدريًا لها، معجبًا بما عنده. قيل: نزلت في النضر بن الحارث، وما كان يشترى من أحاديث الأعاجم، ويشغل الناس بها عن استماع القرآن. والآية عامّة في كل ما كان مضارًّا لدين الله.

فإن قلت: ما معنى "ثم" في قوله: {ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا} ؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (العانة): الجوهري: "العانة: القطيع من حمر الوحش، والجمع: عون".

قوله: (أن ينحى عليها): الأساس: "انتحاه: قصده، وانتحى لقرنه: عرض له، ومن المجاز: وأنحى عليه باللوائم؛ إذا أقبل عليه".

قوله: (صار أذنيه): الجوهري: "صر إلى وجهك، أي: أقبل علي"، قال: تقول: صر الحمار أذنيه، وتقول: أصر الحمار، ولا تقول: أذنيه، ومعنى: أصر الحمار، أي: صر أذنيه. وقال مكي: " {مُسْتَكْبِرًا} حال من المرفوع في {يُصِرُّ}، وكذلك قوله: {كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا}، فهما حالان من ذلك الضمير، أو الثاني من الضمير في {مُسْتَكْبِرًا}، أي: ثم يصر على الكفر بآيات الله في حال تكبره، وحال تصامه".

?

ص: 239

قلت: كمعناه في قول القائل:

يرى غمرات الموت ثمّ يزورها

وذلك أنّ غمرات الموت حقيقة، بأن ينجو رائيها بنفسه، ويطلب الفرار عنها، وأمّا زيارتها والإقدام على مزاولتها، فأمر مستبعد، فمعنى "ثم": الإيذان بأن فعل المقدّم عليها بعد ما رآها وعاينها: شيء يستبعد في العادات والطباع، وكذلك آيات الله الواضحة الناطقة بالحق، من تليت عليه وسمعها، كان مستبعدًا في العقول إصراره على الضلالة عندها واستكباره عن الإيمان بها.

{كَأَنْ} مخففة، والأصل: كأنه لم يسمعها، والضمير ضمير الشأن، كما في قوله:

كأن ظبية تعطو إلى ناضر السّلم

ومحل الجملة: النصب على الحال، أي: يصير مثل غير السامع.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (يرى غمرات الموت ثم يزورها): أوله:

لا يكشف الغماء إلا ابن حرة

البيت: أي أن زيارة غمرات الموت بعد رؤيته إياها مستبعدة مستنكرة في العقل والعادة، وهو مع لك يزورها بعد استيقانه إياها، بالغ في مدحه. ونظيره في الاستبعاد قوله تعالى:{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآَيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا} [السجدة: 22].

قوله: (كأن ظبية تعطو إلى ناضر السلم): أوله:

ويومًا توافينا بوجه مقسَّم

?

ص: 240

{وَإِذا} بلغه شيء من آياتنا، وعلم أنه منها، {اتَّخَذَها} أي: اتخذ الآيات {هُزُوًا} ، ولم يقل: اتخذه؛ للإشعار بأنه إذا أحس بشيء من الكلام أنه من جملة الآيات التي أنزلها الله تعالى على محمد صلى الله عليه وسلم، خاض في الاستهزاء بجميع الآيات، ولم يقتصر على الاستهزاء بما بلغه، ويحتمل: وإذا علم من آياتنا شيئًا يمكن أن يتشبث به المعاند، ويجد له محملًا يتسلق به على الطعن والغميزة: افترصه واتخذ آيات الله هزوًا، وذلك نحو افتراص ابن الزبعرى قوله عز وعلا:{إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} [الأنبياء: 98]، ومغالطته رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقوله:"خصمتك".

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

توافينا: أي: تأتينا، والمقسم: المحسن، يقال: وجه مقسم؛ إذا وافى كل جزء منه حظه من الحسن، تعطو: أي: تناول وتأخذ، والناضر: الطري، والسلم: ضرب من الشجر، والواحدة: سلمة، يصف يوم الوصل. "تعطو إلى ناضر السلم"، أي: تميل إلى المعانقة والتقبيل. وقيل في "ظبية" ثلاثة أوجه: الرفع على إلغاء "كأن" المخففة، والنصب على إعمالها، والجر على "أن" زائدة بعد الكاف.

قوله: (ويحتمل: وإذا علم من آياتنا شيئًا): الفرق بين هذا الوجه والسابق: أن الطاعن في الأول طاعن من غير روية، فلما سمع أنه من جملة الآيات طعن فيه، وعلى هذا: أنه متدبر مستنبط منه ما يتشبث به على الطعن.

قوله: (يتسلق به): الجوهري: "تسلق الحائط؛ أي: تسوره". والأساس: "سلقه بلسانه، ولسان مسلق".

قوله: (والغميزة): الأساس: "ومن المجاز: ما فيه مغمز ولا غميزة، أي: معاب، وغمز فيه: طعن".

قوله: (نحو اعتراض ابن الزبعرى): في نسخة: "نحو اعتراض النضر"، قال: يحتمل أن ابن الزبعرى قال ذلك، والنضر أيضًا، لا منافاة فيه.

?

ص: 241

ويجوز أن يرجع الضمير إلى "شيء"، لأنه في معنى الآية، كقول أبي العتاهية:

نفسي بشيء من الدنيا معلّقة .... الله والقائم المهدي يكفيها

حيث أراد عتبة. وقرئ: "علم".

{أُولئِكَ} إشارة إلى "كل أفاك أثيم"، لشموله الأفاكين.

والوراء: اسم للجهة التي يواريها الشخص من خلف أو قدام، قال:

أليس ورائي أن تراخت منيّتي .... أدب مع الولدان أزحف كالنّسر

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (نفسي بشيء من الدنيا معلقة): البيت: قبله:

إني لأيأس منها ثم يطمعني .... فيها احتقارك للدنيا وما فيها

الضمير في "يكفيها" يرجع إلى "شيء"، لأنه في المعنى مؤنث، وهي عتبة؛ جارية من جواري المهدي، أهواها أبو العتاهية، وأهدى إلى المهدي في النيروز برنية فيها ثوب، وفي حواشيها البيتان، فهم المهدي أن يدفع عتبه إليه، فقالت: يا أمير المؤمنين، أتدفعني إليه؟ فانصرف المهدي عن ذلك الرأي، وأمر بالبرنية أن تمتلئ مالًا، وناقش أبو العتاهية الخزان بأن المأمور الدنانير، وقد أملأها دراهم، وتراجعا إلى المهدي، فقالت عتبة: لو كان عاشقًا كما وصف، لما فرق بين الدراهم والدنانير، وما صرف همه إليها.

قوله: ({أُوْلَئِكَ} إشارة إلى "كل أفاك"): أي: إلى معنى "كل"، ولهذا جمع {مِن ورَائِهِمْ جَهَنَّمُ} ، وقوله:"يسمع" إلى لفظه.

قوله: (أليس ورائي) البيت: الوراء: بمعنى قدام، وتراخت: تباعدت، أدب: أمشي على

?

ص: 242

ومنه قوله عز وجل: {مِنْ وَرائِهِمْ} أي: من قدّامهم، {ما كَسَبُوا} من الأموال في رحلهم ومتاجرهم، {وَلا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ} من الأوثان.

[{هذا هُدىً وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ} 11]

{هَذَا} إشارة إلى القرآن، يدل عليه قوله تعالى:{وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ} ،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هينة، أزحف: من: أزحف الصبي: إذا مشى على استه، ويروى:"أرجف" بالجيم، أي: أرعد واضطرب، قال بعضهم: خبر "ليس" أنا، أي: أنا أدب، لأن "أدب" لا يصلح خبرًا لـ "ليس"، لأن "ليس" فعل، و "أدب" فعل، والفعل لا يصلح أن يكون خبرًا للفعل. وليس بذاك. وقيل:"أدب": اسم "ليس"، أي: ليس ورائي أن أدب، فحذف "أن"، قال شارح الأبيات: استشهاده بهذا البيت غير مناسب، لأنه لا مناسبة بين المصراعين من حيث اللفظ؛ المصراع الأول من قول لبيد بن ربيعة:

أليس ورائي أن تراخت منيتي .... لزوم العصا تحنى عليها الأصابع

أخبر أخبار القرون التي مضت .... أدب كأني كلما قمت راكع

لعمرك ما تدري الضوارب بالحصى .... ولا زاجرات الطير ما الله صانع

ولعل اشتبه على المصنف الأمر، حتى ما فرق بين قوله:

أدب كأني كلما قمت راكع

وبين قول القائل:

أدب مع الولدان أزحف كالنسر

وأبيات القصيدة تسعة عشر بيتًا، أولها:

بلينا وما تبلى النجوم الطوالع .... وتبقى الجبال بعدنا والمصانع

وآخرها: "لعمرك" البيت، وليس فيها هذا.

قوله: ({هَذَا} إشارة إلى القرآن، يدل عليه: {والَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ}): وقال الواحدي:

?

ص: 243

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

" {هَذَا هُدًى} : هذا القرآن بيان الضلالة، والذين كفروا به {لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ}. وقلت: والآيات السابقة أيضًا- أعني قوله: {تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ} - تدل عليه.

واعلم أنه تعالى لما عد أنواع استخفافهم وتكذيبهم بالقرآن، ووصفهم بالكذب الإفك والإثم والاستكبار، ورتب عليه البشارة بالعذاب، وحكى عن استهزائهم وانتهاز فرصتهم ليستخفوا به، ورتب عليه:{أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ} ، عينه تعيينًا، وميزه تمييزًا، وجعله كالعلم المشار إليه بالحسن، ونكر خبره تنكير تهويل، فقال:{هَذَا هُدًى} ، أي: هذا المتميز المشخص كامل في الهداية، ليس بخاف على كل ذي بصيرة: أنه ليس بمكان للتكذيب والاستهزاء، والذين كذبوا به، واستكبروا عن قبوله، وأعرضوا عنه بالاستهزاء: لهم عذاب بعد عذاب، أي: عذاب مضاعف، لأن الرجز والعذاب شيء واحد، والمراد: التكثير لا التحديد، ثم ثنى إلى ما أبدأ السورة به من ذكر الآيات:{اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ البَحْرَ} .

ويمكن أن يقال- والله أعلم-: أن المشار إليه بقوله: {هَذَا} المذكور، يعني: ما ذكر من أول السورة من الآيات الدالة على الوحدانية، كالوحي النازل من العزيز الحكيم، وكأفعاله الخاصة الآفاقية والأنفسية، {هُدًى} أي: هدى لا يقادر قدره، ولا يكتنه كنهه. يؤيده قوله تعالى:{تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ} ، وتفسير المصنف:" {تِلْكَ} إشارة إلى الآيات المتقدمة"، فيكون المراد بقوله:{بِآيَاتِ رَبِّهِمْ} أيضًا: تلك الآيات.

وفي اقتران ذكر "الرب" معه، وذكر "الله" في قوله:{تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ} : إشعار بأن تلك لتلاوة وذلك الإرشاد لم يكن إلا لمحض الإنعام، والكافرون عكسوا القضية، فكفروا بدل الشكر، ولذلك جيء بقوله:{اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ البَحْرَ} ، وبقوله:{وسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَوَاتِ} ، وفصل الأولى بقوله:{لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} ، والثانية بقوله:{لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} ؛ لينبه

?

ص: 244

لأنّ "آيات ربهم" هي القرآن، أي: هذا القرآن كامل في الهداية، كما تقول: زيد رجل، تريد: كامل في الرجولية، وأيما رجل. "والرجز": أشد العذاب، وقرئ بجر "أليم" ورفعه.

[{اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} 12 - 13]

{وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ} بالتجارة، أو بالغوص على اللؤلؤ والمرجان، واستخراج اللحم الطري وغير ذلك من منافع البحر.

فإن قلت: ما معنى {مِنْهُ} في قوله: {جَمِيعًا مِنْهُ} ، وما موقعها من الإعراب؟ قلت: هي واقعة موقع الحال، والمعنى: أنه سخر هذه الأشياء كائنة منه، وحاصلة من عنده، يعني: أنه مكوّنها وموجدها بقدرته وحكمته، ثم مسخرها لخلقه. ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هي جميعًا منه، وأن يكون {وَسَخَّرَ لَكُمْ} تأكيدًا لقوله:{سَخَّرَ لَكُمْ} ، ثم ابتدئ قوله:{ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ} ، وأن يكون {ما فِي الْأَرْضِ} مبتدأ، و {مِنْهُ} خبره.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بالشكر على الإنعام، وبالتفكر على أن ذلك الإنعام أيضًا دليل من الدلائل السابقة، وأخرت من أخواتها تطرئةً للتنبيه، وعلم من ذلك أن التفكر ملاك التعقل والإيقان والإيمان، والله أعلم.

قوله: (وأيما رجل): تفسير ثان لقوله: "زيد رجل". فإن قلت: ليس ما في الآية كالمثال، لأن "رجل" هو "زيد"؟ قلت: بل الكتاب هو هدىً مبالغة، قال صاحب "المفتاح":"أنت تعلم أن شأن الكتب السماوية الهداية لا غير، وبحسبها يتفاوت شأنهن في درجات الكمال".

قوله: (تقديره: هي جميعًا منه): أي: المذكورات كائنة منه جميعًا.

?

ص: 245

وقرأ ابن عباس: " منة"، وقرأ سلمة بن محارب:"منه"، على أن يكون "منه" فاعل {سَخَّرَ} على الإسناد المجازي، أو على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: ذلك -أو: هو- منه.

[{قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِما كانُوا يَكْسِبُونَ * مَنْ عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ} 14 - 15]

حذف المقول لأنّ الجواب دال عليه، والمعنى: قل لهم: اغفروا يغفروا، {لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ} لا يتوقعون وقائع الله بأعدائه، من قولهم لوقائع العرب: أيام العرب. وقيل: لا يأملون الأوقات التي وقتها الله لثواب المؤمنين، ووعدهم الفوز فيها. قيل: نزلت قبل آية القتال، ثم نسخ حكمها. وقيل: نزولها في عمر رضي الله عنه، وقد شتمه رجل من غفار، فهمّ أن يبطش به. وعن سعيد بن المسيب: كنا بين يدي عمر بن الخطاب، فقرأ قارئ هذه الآية، فقال عمر: ليجزي عمر بما صنع.

{لِيَجْزِيَ} تعليل الأمر بالمغفرة، أي: إنما أمروا بأن يغفروا لما أراده الله من توفيتهم جزاء مغفرتهم يوم القيامة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وقرأ ابن عباس: "منة"): قال ابن جني: "وقرأها أيضًا [عبد الله بن] عمرو الجحدري، فهي منصوبة على المصدر، دل عليه قوله: {سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَوَاتِ ومَا فِي الأَرْضِ جَمِيعً}، لأن ذلك من منة الله تعالى، أي: من عليه منة".

قوله: (على أن يكون "منه" فاعل {سَخَّرَ} على الإسناد المجازي): ووجهه: أن الله تعالى سخر ذلك للمنة علينا، فكأن المنة هو السبب في ذلك.

قوله: (لأن الجواب دال عليه): أو {يَغْفِرُوا} دال على أن المقول: اغفروا، كقوله:{أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا} ، أي: في القتال، فحذف، لأن {يُقَاتَلُونَ} دل عليه.

?

ص: 246

فإن قلت: قوله: {قَوْمًا} ما وجه تنكيره، وإنما أراد الذين آمنوا، وهم معارف؟ قلت: هو مدح لهم وثناء عليهم، كأنه قيل: ليجزي أيما قوم وقومًا مخصوصين؛ لصبرهم وإغضائهم على أذى أعدائهم من الكفار، وعلى ما كانوا يجرعونهم من الغصص.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (هو مدح لهم وثناء عليهم): وهو من باب التجريد، وأنشد ابن جني عن أبي علي الفارسي:

أفاءت بنو مروان ظلمًا دماءنا .... وفي الله أن لم يعدلوا حكم عدل

وقال: "وهو تعالى أعرف المعارف، وسماه الشاعر حكمًا عدلًا، وأخرج اللفظ مخرج التنكير، ألا ترى كيف آل الكلام من لفظ التنكير إلى معنى التعريف".

وقلت: وإليه أشار المصنف بقوله: "أيما قوم وقومًا مخصوصين" إلى آخره، وكذا جرد عمر رضي الله عنه من نفسه شخصًا اسمه عمر، كأنه غيره، وحكم عليه بأنه ليجزى ما صنع من صبره واحتماله من الرجل الذي شتمه من غفار، وهم أن يبطش به.

?

ص: 247

{بِما كانُوا يَكْسِبُونَ} من الثواب العظيم بكظم الغيظ واحتمال المكروه.

ومعنى قوله عمر: "ليجزى عمر بما صنع": ليجزي بصبره واحتماله وقوله لرسول الله صلى الله عليه وسلم عند نزول الآية: "والذي بعثك بالحق لا ترى الغضب في وجهي".

وقرئ: {لِيَجْزِيَ قَوْمًا} ؛ أي: الله عز وجل، و"ليجزى قوم"، "وليجزي قومًا"، على معنى: وليجزي الجزاء قومًا.

[{وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلَى الْعالَمِينَ * وَآتَيْناهُمْ بَيِّناتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} 16 - 17]

{الْكِتابَ} التوراة، {وَالْحُكْمَ} الحكمة والفقه، أو فصل الخصومات بين الناس، لأنّ الملك كان فيهم والنبوّة، {مِنَ الطَّيِّباتِ} مما أحل الله لهم وأطاب من الأرزاق، {وَفَضَّلْناهُمْ عَلَى الْعالَمِينَ} حيث لم نؤت غيرهم مثل ما آتيناهم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وقرئ: {لِيَجْزِيَ قَوْمًا}): ابن عامر وحمزة والكسائي: بالنون، والباقون: بالياء.

قوله: (على معنى: وليجزى الجزاء قومًا): قال صاحب "التقريب": وفي المجهول في نصب {قَوْمًا} على: ليجزى الجزاء قومًا: نظر؛ لأنهم قالوا: إذا وجد المفعول به تعين، فالأولى أن ينتصب بـ"أعني" أو "يجزي" لدلالة المجهول على جاز، وقال أبو البقاء:"الجيد أن يكون التقدير: ليجزى الخير قومًا، على أن "الخير" مفعول بع في الأصل، كقولك: جزاك الله خيرًا، وإقامة المفعول الثاني إقامة الفاعل جائز، أو التقدير: ليجزى الجزاء، على أن القائم مقام الفاعل المصدر، وهو بعيد".

وقال صاحب "الكشف": لأن المصدر لا يقوم مقام الفاعل، ومعك مفعول صحيح،

?

ص: 248

{بَيِّناتٍ} آيات ومعجزات، {مِنَ الْأَمْرِ} من أمر الدين، فما وقع بينهم الخلاف في الدين {إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ} ما هو موجب لزوال الخلاف، وهو {العِلْمُ} ، وإنما اختلفوا لبغي حدث بينهم، أي: لعداوة وحسد.

[{ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ} 18 - 19]

{عَلى شَرِيعَةٍ} على طريقة ومنهاج، {مِنَ الْأَمْرِ} من أمر الدين، فاتبع شريعتك الثابتة بالدلائل والحجج، {وَلَا تَتَّبِعْ} ما لا حجة عليه من أهواء الجهال. ودينهم المبنى على هوى وبدعة -وهم رؤساء قريش حين قالوا: ارجع إلى دين آبائك-، ولا توالهم؛ إنما يوالي الظالمين من هو ظالم مثلهم، وأما المتقون: فوليهم الله، وهم موالوه. وما أبين الفصل بين الولايتين.

[{هذا بَصائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} 20]

{هَذَا} القرآن {بَصائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى} جعل ما فيه من معالم الدين والشرائع بمنزلة البصائر في القلوب، كما جعل روحًا وحياة، (و) هو (هدًى) من الضلالة، {وَرَحْمَةٌ} من العذاب لمن آمن وأيقن. وقرئ:"هذه بصائر"، أي: هذه الآيات.

[{أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ} 21]

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فإذن الخبر مضمر، كما أضمر "الشمس" في قوله:{حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ} [ص: 32]، لأن {إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ} [ص: 32] دليل على تواري الشمس.

قوله: (بمنزلة البصائر في القلوب): البصيرة في القلب: ما يستبصر به الإنسان، كما أن البصر في العين: ما يبصر به. وقيل: أن البصيرة نور القلب، كما أن البصر نور العين.

?

ص: 249

{أَمْ} منقطعة، ومعنى الهمزة فيها إنكار الحسبان، والاجتراح: الاكتساب. ومنه: الجوارح، وفلان جارحة أهله، أي: كاسبهم، {أَنْ نَجْعَلَهُمْ} أي: نصيرهم، وهو من "جعل" المتعدي إلى مفعولين، فأوّلهما: الضمير، والثاني: الكاف، والجملة -التي هي (سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ) - بدل من الكاف؛ لأنّ الجملة تقع مفعولًا ثانيًا، فكانت في حكم المفرد، ألا تراك لو قلت: أن نجعلهم سواء محياهم ومماتهم، كان سديدًا، كما تقول: ظننت زبدًا أبوه منطلق.

ومن قرأ: {سَواءً} بالنصب: أجرى "سواء" مجرى مستويًا، وارتفع {مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ} على الفاعلية، وكان مفردًا غير جملة، ومن قرأ:"ومماتهم" بالنصب: جعل "محياهم ومماتهم": ظرفين، كمقدم الحاج وخفوق النجم، أي: سواء في محياهم وفي مماتهم.

والمعنى: إنكار أن يستوي المسيئون والمحسنون محيًا، وأن يستووا مماتًا،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (والجملة - التي هي "سواء محياهم ومماتهم"- بدل من الكاف): وقلت: الضميران في "محياهم" و "مماتهم" للكافرين وللمؤمنين جميعًا، قال مكي:" (سواء محياهم ومماتهم) مستو في البعد من رحمة الله، والضميران للكفار والمؤمنين، ويبعد عند سيبويه رفع {مَّحْيَاهُمْ ومَمَاتُهُمْ} بـ (سواء)، لأنه ليس باسم فاعل ولا مشبه به، وإنما هو مصدر".

قوله: (ومن قرأ {سَوَاءً} بالنصب): حفص وحمزة والكسائي، والباقون: بالرفع. قال مكي: "على هذا: {سَوَاءً} حال من الضمير في {نَّجْعَلَهُمْ}، ويرفع {مَّحْيَاهُمْ ومَمَاتُهُمْ} به، لأنه بمعنى: مستو، والمفعول الثاني لـ "جعل": الكاف في {كَالَّذِينَ}، والضميران يعودان على الكفار والمؤمنين".

?

ص: 250

لافتراق أحوالهم أحياء، حيث عاش هؤلاء على القيام بالطاعات، وأولئك على ركوب المعاصي، ومماتًا، حيث مات هؤلاء على البشرى بالرحمة والوصول إلى ثواب الله ورضوانه، وأولئك على اليأس من رحمة الله والوصول إلى هول ما أعدّ لهم. وقيل: معناه: إنكار أن يستووا في الممات كما استووا في الحياة، لأنّ المسيئين والمحسنين مستوٍ محياهم في الرزق والصحة، وإنما يفترقون في الممات، وقيل:(سواء محياهم ومماتهم) كلام مستأنف على معنى: أن محيا المسيئين ومماتهم سواء، وكذلك محيا المحسنين ومماتهم، كل يموت على حسب ما عاش عليه.

وعن تميم الداري رضي الله عنه: أنه كان يصلي ذات ليلة عند المقام، فبلغ هذه الآية، فجعل يبكي ويردّد إلى الصباح:{سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} . وعن الفضيل: أنه بلغها فجعل يردّدها ويبكي ويقول: يا فضيل، ليت شعري من أي الفريقين أنت؟

[{وَخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ} 22]

{وَلِتُجْزى} معطوف على {بِالحَقِّ} ، لأنّ فيه معنى التعليل،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقال مكي: " (ما) - في قوله: {سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} - أن جعلت معرفةً كانت في موضع رفع بـ {سَاءَ} فاعلًا، وإن جعلت نكرةً كانت في موضع نصب على البيان".

قوله: ("سواء محياهم ومماتهم"): كلام مستأنف، وذلك أنه حين أنكر حسبان أن يستوي الكافر والمؤمن، قيل: فإذن كيف الحال؟ فأجيب: أن المؤمن يعيش حميدًا ويموت سعيدًا، يعيش في طاعة الرحمن، ثم المرجع إلى الرضوان، والكافر يعيش في طاعة الشيطان، والمآب إلى النيران، فأنى يستويان.

قوله: {ولِتُجْزَى} معطوف على {بِالْحَقِّ} ، لأن فيه معنى التعليل): أي: إنما خلقها

?

ص: 251

أو على معلل محذوف، تقديره: خلق الله السماوات والأرض، ليدل به على قدرته ولتجزى كل نفس.

[{أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ} 23]

{مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ} أي: هو مطواع لهوى النفس يتبع ما تدعوه إليه، فكأنه يعبده كما يعبد الرجل إلهه. وقرئ:"آلهة هواه"، لأنه كان يستحسن الحجر فيعبده، فإذا رأى ما هو أحسن رفضه إليه، فكأنه اتخذ هواه آلهة شتى، يعبد كل وقت واحدًا منها،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لكون خلقها حقًا "أو على معلل محذوف"، ولو قال:"على علة محذوفة" كان أولى، لأن المقدر هو قوله:"ليدل بها على قدرته". ولقائل أن قوله: "ليدل بها على قدرته": معنى {بِالْحَقِّ} وبيان للوجه الأول، وأما بيان الوجه الثاني: فهو أن يقال: "ولتجزى كل نفس بما كسبت فعل ذلك"، كقوله تعالى:{رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: 191]، وقيل: أراد بـ"المعلل": التعليل، فيكون المعلل مصدرًا ميميًا، قال القاضي:" {وخَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ والأَرْضَ بِالْحَقِّ} كأنه دليل على الحكم السابق، من حيث أن خلق ذلك بالحق المقتضي للعدل يستدعي انتصار المظلوم من الظالم، والتفاوت بين المسيء والمحسن، وإذا لم يكن في المحيا كان بعد الممات".

قوله: (لأنه كان يستحسن الحجر فيعبده): وفي "التيسير": كانوا في الجاهلية يعبدون ما يستحسنونه، فإذا استحسنوا غيره تركوا الأول، وعبدوا الثاني، فإنما كان أحد يعبد ما يهواه، فعلى هذا يكون "الهوى" مصدرًا بمعنى المفعول، أي: يجعل إلهه مهويه، كقولك: فلان رجائي، أي: مرجوي.

?

ص: 252

{وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ} وتركه عن الهداية واللطف وخذله، {عَلَى عِلْمٍ} عالما بأنّ ذلك لا يجدي عليه، وأنه ممن لا لطف له، أو مع علمه بوجوه الهداية وإحاطته بأنواع الألطاف المحصلة والمقرّبة، {فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ} إضلال {اللَّهُ} ؟ !

وقرئ: {غِشَاوَةً} بالحركات الثلاث، و"غشوة" بالكسر والفتح، وقرئ:"تتذكرون".

[{وَقالُوا ما هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلاَّ الدَّهْرُ وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ} 24]

{نَمُوتُ وَنَحْيا} نموت نحن ويحيا أولادنا، أو يموت بعض ويحيا بعض، أو نكون مواتًا نطفًا في الأصلاب، ونحيا بعد ذلك، أو يصيبنا الأمران: الموت والحياة، يريدون: الحياة في الدنيا والموت بعدها، وليس وراء ذلك حياة. وقرئ:"نحيا"، بضم النون، وقرئ:"إلا دهر يمرّ".

وما يقولون ذلك عن علم، ولكن عن ظنّ وتخمين، كانوا يزعمون أنّ مرور الأيام والليالي هو المؤثر في هلاك الأنفس، وينكرون ملك الموت وقبضه الأرواح بأمر الله، وكانوا يضيفون كل حادثة تحدث إلى الدهر والزمان،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (الألطاف المحصلة والمقربة): مضى تفسيرها في أول البقرة.

قوله: (وقرئ: {غِشَاوَةً} بالحركات الثلاث): حمزة والكسائي: بفتح الغين وإسكان الشين، والباقون: بكسر الغين وفتح الشين وألف بعدها.

قوله: (كانوا يزعمون أن مرور الأيام والليالي هو المؤثر): هذا تفسير الدهر. قال القاضي: "الدهر: مرور الزمان، والأصل: مدة بقاء العالم". الراغب: "الدهر في الأصل: اسم لمدة العالم من مبدأ وجوده إلى انقضائه، واستعير للعادة الباقية مدة الحياة، فقيل: ما دهري بكذا".

?

ص: 253

وترى أشعارهم ناطقة بشكوى الزمان، ومنه قوله عليه السلام:«لا تسبوا الدهر، فإنّ الله هو الدهر» ، أي: فإنّ الله هو الآتي بالحوادث، لا الدهر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

واعلم أنه تعالى لما ذكر خلق السماوات والأرض وقيده بالحق، وقد تقرر غير مرة أن المراد بالحق: المعرفة والعبادة، وتعليل الخلق ها هنا بقوله:{ولِتُجْزَى} دلالة بينة عليه، قال:{أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَوَاهُ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَوَاهُ} ، يعني: ألا تتعجبوا من هذا الذي اتبع هواه، وأضله الله، وختم على سمعه وقلبه، كيف ضل عن سبيل المعرفة ورفض العمل، وطعن في تلك الحكمة البالغة، وادعى الحكمة لنفسه، وقال: لا عمل ولا جزاء، و {مَا هِيَ إلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ ونَحْيَا ومَا يُهْلِكُنَا إلاَّ الدَّهْرُ} ؟ ! بخلاف المؤمن الذي جعل هواه تبعًا لدينه، {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: 191]، ألا ترى كيف رتب قوله:{فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} على التفكر في خلق السماوات والأرض المؤدي إلى حقية خلقهما؟ فدل بعطف قوله: {وأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ} على {اتَّخَذَ} على أنهم إنما اتبعوا أهواءهم الباطلة، ولم يجيلوا فكرهم في تلك الآيات الباهرة الدالة على تلك الحكمة البالغة لسبق علمه الأزلي والقضاء المقدر، وذلك الذي جسرهم أن يبطلوا حكمة الله بقولهم:{مَا هِيَ إلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ ونَحْيَا} .

ثم نفى العلم عنهم على الاستغراق بقوله: {مَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ} ، وذيل الآيات بقوله:{ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ} ، ورتب فيه:{ولَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} تقريرًا وتأكيدًا، فعلم قطعًا أن من اقتنى شيئًا من الهذيان، وسماه حكمة، واتبع الهوى، ورفض العمل، وأنكر الهدى الذي هو القول بالحشر: هو ممن أضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه، وجعل على بصره غشاوة، وما له بما يقول من علم، وهو أجهل خلق الله، وإن جمع أسفارًا من الهذيانات، نعوذ بالله من سخط الله.

قوله: (لا تسبوا الدهر): روينا عن البخاري ومسلم ومالك وأبي داود عن أبي هريرة

?

ص: 254

[{وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ * قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} 25 - 26]

وقرئ: حجتهم بالنصب والرفع؛ على تقديم خبر كان وتأخيره.

فإن قلت: لم سمى قولهم حجة وليس بحجة؟ قلت: لأنهم أدلوا به كما يدلى المحتج بحجته، وساقوه مساقها، فسميت حجة على سبيل التهكم، أو لأنه في حسبانهم وتقديرهم حجة، أو لأنه في أسلوب قوله:

تحيّة بينهم ضرب وجيع

كأنه قيل: ما كان حجتهم إلا ما ليس بحجة، والمراد: نفى أن تكون لهم حجة البتة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في قوله تعالى: {ومَا يُهْلِكُنَا إلاَّ الدَّهْرُ} ، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "يؤذيني ابن آدم يسب الدهر، وأنا الدهر، أقلب الليل والنهار".

النهاية: "كان من شأن العرب ذم الدهر وسبه عند النوازل والحوادث، أي: لا تسبوا الدهر، فإنكم إذا سببتموه وقع السب على الله تعالى، لأنه تعالى هو الفعال لما يريد، لا الدهر". الراغب: "قيل: معناه: أن الله فاعل ما يضاف إلى الدهر، فإذا سببتم الدهر تعتقدون أنه فاعل ذلك فقد سببتموه، قيل: الدهر الثاني في الخبر غير الأول، وإنما هو مصدر بمعنى الفاعل، ومعناه: أن الله هو الدهر، أي المتصرف المدبر المقيض لما يحدث، والأول أظهر".

قوله: (كما يدلي المحتج بحجته): المغرب: "أدليت الدلو: أرسلتها في البئر، ومنه: أدلى بالحجة: أحضرها، وفي التنزيل: {وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ} [البقرة: 188}، أي: تلقوا أمرها والحكومة فيها".

قوله: (نفي أن تكون لهم حجة البتة): وهو على مذهب التميمي نحو قوله:

?

ص: 255

فإن قلت: كيف وقع قوله: {قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ} جوابًا لقولهم: {ائْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ} ؟ قلت: لما أنكروا البعث، وكذبوا الرسل، وحسبوا أنّ ما قالوه قول مبكت: ألزموا ما هو مقرّون به من أنّ الله عز وجل هو الذي يحييهم ثم يميتهم، وضم إلى إلزام ذلك إلزام ما هو واجب الإقرار به إن أنصفوا وأصغوا إلى داعى الحق، وهو جمعهم إلى يوم القيامة، ومن كان قادرًا على ذلك كان قادرُا على الإتيان بآبائهم، وكان أهون شيء عليه.

[{وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ * وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ * وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ} 27 - 31]

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وبلدة ليس بها أنيس .... إلا اليعافير وإلا العيس

يعني: ليس لهم حجة البتة، إذ لو كانت لهم حجة كانت هذه، وهذه ليست بحجة، بل هي استبعاد وعناد، فإذن ليست لهم حجة البتة.

قوله: (ألزموا ما هم مقرون به): يعني: لما لم يكن لهم حجة عند إيراد الآيات البينات لإثبات الحشر إلا قولهم: "ائتوا بآبائنا" عنادًا، قيل لهم ذلك لأنهم مقرون بأنه المحيي والمميت.

?

ص: 256

عامل النصب في {يَوْمَ تَقُومُ} : {يَخْسَرُ} ، و {يَوْمَئِذٍ} بدل من} يَوْمَ تَقُومُ}.

{جاثِيَةً} باركة مستوفزة على الركب، وقرئ:"جاذية"، والجذوّ: أشد استيفازًا من الجثوّ، لأن الجاذي هو الذي يجلس على أطراف أصابعه، وعن ابن عباس: جاثية: مجتمعة، وعن قتادة: جماعات؛ من الجثوة، وهي الجماعة، وجمعها: جثا، وفي الحديث:«من جثا جهنم» .

وقرئ: {كُلُّ أُمَّةٍ} ؛ على الابتداء، و"كل أمة" على الإبدال من {كُلَّ أُمَّةٍ} .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقلت: ويمكن أن يقال: إنهم لما قالوا: "ائتوا بآبائنا أن كنتم صادقين" عنادًا وتمردًا، قيل لهم: دعوا آباءكم، فإن القاهر القادر العالم بكل شيء يفعل كيت وكيت، فضلًا عما اقترحتموه، ولكن أنتم جهلاء لا تعلمون ذلك، كما قال:{ومَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ} .

ونحوه في الإنكار قوله: {قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآَخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ} [الواقعة: 49 - 50] جوابًا عن قولهم: {أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوَآَبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ} [الواقعة: 47 - 48].

قوله: (من جثا جهنم): النهاية: "في الحديث: "من دعاء الجاهلية فهو من جثا جهنم"، وفي آخر: "من دعا: يا لفلان، فإنما يدعو إلى جثا النار"، والجثا: جمع"جثوة" بالضم، وهو الشيء المجموع، ومنه حديث ابن عمر: "أن الناس يصيرون يوم القيامة جثًا، كل أمة تتبع نبيها"، أي: جماعة". وفي "الفائق": "والجثوة: ما جمع من تراب وغيره، فاستعيرت".

?

ص: 257

{إِلى كِتابِهَا} إلى صحائف أعمالها، فاكتفى باسم الجنس، كقوله:{وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ} [الكهف: 49]، {الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ} محمول على القول.

فإن قلت: كيف أضيف "الكتاب" إليهم وإلى الله عز وجل؟ قلت: الإضافة تكون للملابسة، وقد لابسهم ولابسه؛ أما ملابسته إياهم: فلأن أعمالهم مثبتة فيه، وأما ملابسته إياه: فلأنه مالكه، والآمر ملائكته أن يكتبوا فيه أعمال عباده.

{يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ} يشهد عليكم بما عملتم، {بِالْحَقِّ} من غير زيادة ولا نقصان، {إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ} الملائكة {ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} أي: نستكتبهم أعمالكم.

{فِي رَحْمَتِهِ} في جنته، وجواب "أما" محذوف، تقديره: وأما الذين كفروا فيقال لهم: {أَفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ} ، والمعنى: ألم يأتكم رسلي فلم تكن آياتي تتلى عليكم، فحذف المعطوف عليه.

[{وَإِذا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها قُلْتُمْ ما نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلاَّ ظَنًّا وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ * وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ} 32 - 33]

وقرئ: "والساعة" بالنصب؛ عطفًا على الوعد، وبالرفع عطفًا على محل "إن" واسمها، {مَا السَّاعَةُ} أي شيء الساعة؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (الإضافة تكون للملابسة): ويمكن أن يقال: أن الإضافة إليها تدل على معنى: {وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ} [الإسراء: 13]، أي: تدعى إلى كتابها، وإلى ما يختص بها من الأعمال صالحها وسيئها، لا يغادر صغيرةً ولا كبيرةً إلا أحصاها، ومن ثم ذيل بقوله:{اليَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} . وأما الإضافة إلى الله: فللإشارة إلى أن كل ما ثبت فيه صدق وحق وعدل، وأنه تعالى يجازيها على القليل والكثير، ولذلك عقب بقوله:{يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ} ، وذيل بالجمع، ثم قسم بقوله:{فَأَمَّا} {وَأَمَّا} . والله أعلم.

?

ص: 258

فإن قلت: ما معنى {إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا} ؟ قلت: أصله نظن ظنًا، ومعناه: إثبات الظن فحسب، فأدخل حرفا النفي والاستثناء،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (أصله: نظن ظنًا، ومعناه: إثبات الظن فحسب): قال صاحب"التقريب": وفيه نظر؛ لأن موردهما واحد، وهو الظن، والحصر حيث تغاير الموردان، والأولى أن يحمل المنفي على الاعتقاد المطلق؛ تعميمًا للخاص، والمثبت على موضوعه، أي: لا نعتقد إلا اعتقادًا راجحًا لا جازمًا، ولذلك أكده بقوله:{ومَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ} ، أو يحمل المنفي على موضوعه، ويخصص المثبت بالظن الضعيف.

قلت: أخذ الوجه الأول من قول الواحدي: " {إن نَّظُنُّ إلاَّ ظَنًا}: أي: ما نعلم ذلك إلا حدسًا وتوهمًا، وما نستيقن كونها"، ومن قول أبي البقاء:"إن الظن قد يكون بمعنى العلم والشك، فاستثنى الشك، أي: ما لنا اعتقاد إلا الشك".

وقلت: معنى سؤال المصنف رحمه الله: "ما معنى {إن نَّظُنُّ إلاَّ ظَنًا}؟ ": أن"المصدر فائدته كفائدة الفعل، فلو أجري الكلام على الظاهر لقيل: أن نظن إلا نظن، وهو ناقص من الكلام، ولم يجيزوا: ما ضربت إلا ضربًا؛ لأن معناه، ما ضربت إلا ضربت، لأنه لا فائدة فيه"، هذا كلام مكي. وقال أبو البقاء:"التقدير: أن نحن إلا نظن ظنًا، و"إلا" مؤخرة، ولولا هذا التقدير لكان المعنى: ما نظن إلا نظن".

?

ص: 259

ليفاد إثبات الظن مع نفى ما سواه، وزيد نفي ما سوى الظن توكيدًا بقوله:{وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ} .

{سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا} أي: قبائح أعمالهم، أو عقوبات أعمالهم السيئات، كقوله تعالى:{وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها} [الشورى: 45].

[{وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْساكُمْ كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا وَمَاواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ * ذلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْها وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ} 34 - 35]

{نَنْساكُمْ} نترككم في العذاب كما تركتم عدة لِقاءَ {يَوْمِكُمْ هذا} ،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وأما معنى جواب المصنف: فإنه جعل أصل الكلام: نظن ظنًا، ثم زيد أداة الحصر لمزيد التأكيد، وإثبات الظن ونفي ما سواه للمبالغة، لا ليرد ب"ما" و"إلا" إنكار المنكر كما هو مقتضاهما، ولذلك أكد بقوله:{ومَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ} . ونحوه مجيء"إن" في قولنا: {رَبَّنَا إِنَّنَا آَمَنَّا} [آل عمران: 16]، فإنها لمجرد التوكيد، ثم بسط الكلام لا لنفي الشك ورد الإنكار كما عليه موضوعها.

فإذن مورد التركيبين واحد، ولم يتغاير سوى التوكيد، وأما معنى قوله:"وزيد نفي ما سوى الظن توكيدًا": فهو {إن نَّظُنُّ إلاَّ ظَنًا} لما دل بمفهومه [على] نفي سوى الظن، وهو اليقين، أكد بمنطوق قوله:{ومَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ} ذلك المفهوم، فيكون من باب الطرد والعكس.

قوله: (أو عقوبات أعمالهم): أي: وضع"السيئات" التي هي أسباب العقوبات موضع مسبباتها، فلا يكون الاستشهاد بقوله:{وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى: 45] لجهة المشاكلة، إذ ليس في الكلام ما يذكر في صحبته: السيئات المراد بها العقوبات.

?

ص: 260

وهي الطاعة، أو نجعلكم بمنزلة الشيء المنسي غير المبالى به، كما لم تبالوا أنتم بلقاء يومكم، ولم تخطروه ببال، كالشيء الذي يطرح نسيًا منسيًا. فإن قلت: فما معنى إضافة اللقاء إلى اليوم؟ قلت: كمعنى إضافة المكر في قوله تعالى: {بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ} [سبأ: 33]، أي: نسيتم لقاء الله في يومكم هذا ولقاء جزائه.

وقرئ: "لا يخرجون" يفتح الياء، {وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ} ولا يطلب منهم أن يعتبوا ربهم، أي يرضوه.

[{فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعالَمِينَ * وَلَهُ الْكِبْرِياءُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} 36 - 37]

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (أو نجعلكم بمنزلة الشيء المنسي): فعلى هذا النسيان وإسناده إلى الله على الاستعارة التمثيلية، ولذلك جاء بكاف التشبيه في قوله:"كالشيء الذي يطرح"، وعلى الأول: محمول على الغاية والنهاية، لأن من نسي شيئًا تركه، فيكون من وضع اسم السبب على المسبب.

قوله: (كمعنى إضافة المكر في قوله: {بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ}): قال: "ومعنى {مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ}: مكرهم في الليل والنهار، فاتسع في الظرف بإجرائه مجرى المفعول به، وإضافة المكر إليه، أو جعل ليلهم ونهارهم ماكرين على الإسناد المجازي".

وما نحن بصدده من القبيل الأول؛ لأن "اليوم" مفعول، وهو ملقىً لا لاق، إلا أن يقال: أن اللقاء مضاف إلى الفاعل، على أن ما تستقبله أنت فهو أيضًا يستقبلك، وعليه قراءة من قرأ:"فتلقى آدم من ربه كلمات"؛ بنصب "آدم" ورفع"كلمات"، ونحوه قوله:{إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَاتِيًّا} [مريم: 61]، قال:" {مَاتِيًّا} مفعول بمعنى فاعل"؛ لأن وعد الله يأتي، وقال أبو البقاء:" {مَاتِيًّا} على بابه، لأن ما تأتيه فهو يأتيك".

?

ص: 261

{فَلِلَّهِ الْحَمْدُ} فاحمدوا الله لذي هو ربكم ورب كل شيء من السماوات والأرض والعالمين، فان مثل هذه الربوبية العامة توجب الحمد والثناء على كل مربوب، وكبروه، فقد ظهرت آثار كبريائه وعظمته {فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ} ، وحق مثله أن يكبر ويعظم.

عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ حم الجاثية ستر الله عورته، وسكن روعته يوم الحساب» .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الأساس: "لقيته لقاءً ولقيانًا، ولاقيته والتقيته".

ونحوه: "نهاره صائم"؛ أسند "الصوم" إلى "النهار" للزومه فيها، ولإيجاب المصير إلى الله ولقائه- كما قال:{إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [يونس: 7]، ولا يقع ذلك إلا في ذلك اليوم- جعل "اليوم" بنفسه لاقيًا، يعني: أن الاشتغال باللذات والانهماك في الشهوات أذهلكم وألهتكم عن تذكر العاقبة، وسلط عليكم نسيانها، فيكون قوله:{إِنَّا نَسِينَاكُمْ} واردًا على المشاكلة، وإن تقدم على صاحبه، يعني: جازيناكم جزاء نسيانكم، والله أعلم.

قوله: (فإن مثل هذه الربوبية العامة توجب الحمد والثناء على كل مربوب): اعتبر فيه عموم الحمد وعموم الوصف وعموم الحامد، وذلك من ترتب قوله:{فَلِلَّهِ الحَمْدُ} على قوله: {رَبِّ السَّمَوَاتِ ورَبِّ الأَرْضِ رَبِّ العَالَمِينَ} ، وتكرير الوصف وتعانقه بكل من المذكورات بحسب ما يقتضيه الوصف من معنى المالكية والتربية، وما يوجب على المربوبين من النداء بالثناء نطقًا وحالًا.

وتحريره: أن "الحمد" مطلقًا: هو الثناء على الجميل من نعمة وغيرها من الفضائل والكمالات، وهذا المقام يوجبه؛ فإن المربوب عام في العقلاء وغير العقلاء، وفيضان معنى الربوبية على قدر قابلية كل منهم ظاهر، وشهادة كل منهم على حسب استعداده معلوم مكشوف، {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء: 44].

?

ص: 262

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ولعل المصنف ما تعرض لمعنى الاستغراق الذي يعطيه معنى التعريف في"الحمد"، وتقديم"لله" عليه، كما تعرض في فاتحة الكتاب؛ أنه لمطلق الجنس، لا للاستغراق؛ فرارًا مما لا يطاق.

واعلم أنك إذا ضممت مع معنى الزبدة والخلاصة من قوله: {رَبِّ السَّمَوَاتِ ورَبِّ الأَرْضِ رَبِّ العَالَمِينَ} ، وهو تصوير عظمة الله، معنى قوله:{ولَهُ الكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَوَاتِ والأَرْضِ} ، وأخذت فائدة تقديم المسند على المسند إليه فيهما، لمحت مسحةً من معنى الحديث القدسي:"الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدًا منهما قذفته في النار"، أخرجه الإمام أحمد ومسلم وأبو داود وابن ماجه عن أبي هريرة.

وإذا تأملت معنى الفاء في قوله: {فَلِلَّهِ الحَمْدُ} ، وترتبه على معاني السورة المحتوية على آلاء الله وأفضاله، المشتملة على الدلائل الآفاقية والأنفسية، المنطوية على البراهين الساطعة والنصوص القاهرة في المبدأ والمعاد، عثرت على أمور غربية وأسرار عجيبة.

والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

والحمد لله رب العالمين.

* * *

?

ص: 263

‌سورة الأحقاف

مكية، وهي أربع وثلاثون آية، وقيل: خمس

بسم الله الرحمن الرحيم

[{حم * تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ} 1 - 3]

{إِلَّا بِالْحَقِّ} إلا خلقًا ملتبسًا بالحكمة والغرض الصحيح وَبتقدير أَجَلٍ مُسَمًّى تنتهي إليه، وهو يوم القيامة، {وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا} من هول ذلك اليوم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

سورة الأحقاف

مكية، وهي أربع وثلاثون آية، وقيل: خمس وثلاثون آية

بسم الله الرحمن الرحيم

قوله: (وبتقدير أجل مسمى تنتهي إليه): فاعل "ينتهي" ضمير راجع إلى {خَلَقْنَا} ، يريد: أن قوله: {وأَجَلٍ مُّسَمًّى} عطف على {بِالْحَقِّ} بتقدير مضاف، نحوه قوله تعالى في الحجر:{وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآَتِيَةٌ} [الحجر: 85]، والمعنى: ما خلقنا السماوات والأرض إلا بأن نوحد ونعبد، وبأن نثيب من أقبل على ذلك، ونعاقب من أعرض عنه، ولذلك أنزلنا الكتب وأرسلنا الرسل، وهؤلاء الكفار يعكسون الأمر ويعرضون، ونحو هذا الأسلوب:{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} [الأنعام: 1]، وقد استقصينا فيه القول في الأنعام.

?

ص: 264

الذي لا بد لكل خلق من انتهائه إليه مُعْرِضُونَ لا يؤمنون به، ولا يهتمون بالاستعداد له. ويجوز أن تكون "ما" مصدرية، أي: عن إنذارهم ذلك اليوم.

[{قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ} 4]

{بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا} أي: من قبل هذا الكتاب، وهو القرآن، يعني: أنّ هذا الكتاب ناطق بالتوحيد وإبطال الشرك، وما من كتاب أنزل من قبله من كتب الله إلا وهو ناطق بمثل ذلك، فأتوا بكتاب واحد منزل من قبله شاهد بصحة ما أنتم عليه من عبادة غير الله، {أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ} أو بقية من علم بقيت عليكم من علوم الأوّلين؛ من قولهم: سمنت الناقة على أثارة من شحم، أي: على بقية شحم كانت بها من شحم ذاهب.

وقرئ: "أثرة"، أي: من شيء أوثرتم به وخصصتم من علم لا إحاطة به لغيركم. وقرئ: "أثرة" بالحركات الثلاث في الهمزة مع سكون الثاء، فالإثرة -بالكسر- بمعنى: الأثرة، وأما الأثرة: فالمرّة من مصدر: أثر الحديث: إذا رواه، وأما الأثرة -بالضم- فاسم ما يؤثر، كالخطبة: اسم ما يخطب به.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وإبطال الشرك): قال القاضي: "وتخصيص الشرك بالسماوات احتراز عما يتوهم أن للوسائط شركة في إيجاد الحوادث السفلية".

قوله: (وقرئ: "أثرة"): وفي أكثر النسخ: "قرأ علي: أثرة، ولا وجه لها"، وفي "الكواشي" أيضًا:"وقرئ: "أثرة" بفتح الهمزة والثاء"، وفي "المحتسب":"قرأ ابن عباس- بخلاف- وعكرمة وقتادة وعمرو بن ميمون: "أو أثرة من علم" بغير ألف، وقرأ علي رضي الله عنه والسلمي: "أو أثرة" ساكنة الثاء".

?

ص: 265

{وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ} 5]

{وَمَنْ أَضَلُّ} معنى الاستفهام فيه إنكار أن يكون في الضلال كلهم أبلغ ضلالًا من عبدة الأصنام، حيث يتركون دعاء السميع المجيب القادر على تحصيل كلّ بغية ومرام، ويدعون من دونه جمادًا لا يستجيب لهم، ولا قدرة به على استجابة أحد منهم ما دامت الدنيا، وإلى أن تقوم القيامة، وإذا قامت القيامة وحشر الناس كانوا لهم أعداء، وكانوا عليهم ضدًا، فليسوا في الدارين إلا على نكد ومضرّة، لا تتولاهم في الدنيا بالاستجابة، وفي الآخرة تعاديهم وتجحد عبادتهم.

وإنما قيل "مَنْ" و"هُمْ"؛ لأنه أسند إليهم ما يسند إلى أولي العلم؛ من الاستجابة والغفلة، ولأنهم كانوا يصفونهم بالتمييز جهلًا وغباوة. ويجوز أن يريد: كلّ معبود من دون الله من الجن والإنس والأوثان، فغلب غير الأوثان عليها.

وقرئ: "ما لا يستجيب"، وقرئ:"يدعو غير الله من لا يستجيب"، ووصفهم بترك الاستجابة والغفلة طريقه طريق التهكم بها وبعبدتها. ونحوه قوله تعالى:{إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ} [فاطر: 14].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وإذا قامت القيامة وحشر الناس كانوا لهم أعداء): الانتصاف: "في قوله تعالى: {إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} نكتة، وهي أنه تعالى جعله غاية عدم الاستجابة، وهي مستمرة، لكن أشعرت بأن ما بعدها أزيد منه زيادةً بينةً ملحقةً بالمباين، إذ تتجدد هناك العداوة".

وقلت: نحوه: {وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ} [ص: 78]، يعني: أن عليك الطرد والرجم إلى يوم الدين، فإذا جاء ذلك اليوم لقيت ما تنسى معه اللعن.

?

ص: 266

{وَإِذا حُشِرَ النَّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ * وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ هذا سِحْرٌ مُبِينٌ} 6 - 7]

{بَيِّناتٍ} جمع بينة، وهي الحجة والشاهد، أو واضحات مبينات، واللام في {لِلْحَقِّ} مثلها في قوله:{وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا} [الأحقاف: 11]، أي: لأجل الحق، ولأجل الذين آمنوا، والمراد بالحق: الآيات، وبالذين كفروا: المتلو عليهم، فوضع الظاهران موضع الضميرين؛ للتسجيل عليهم بالكفر، وللمتلوّ بالحق، {لَمَّا جاءَهُمْ} أي: بادهوه بالجحود ساعة أتاهم، وأوّل ما سمعوه من غير إجالة فكر ولا إعادة نظر، ومن عنادهم وظلمهم: أنهم سموه سحرًا مبينًا ظاهرًا أمره في البطلان لا شبهة فيه.

[{أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ كَفى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} 8]

{أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ} إضراب عن ذكر تسميتهم الآيات سحرًا إلى ذكر قولهم: إن محمدًا افتراه. ومعنى الهمزة في {أَمْ} : الإنكار والتعجيب، كأنه قيل: دع هذا واسمع قولهم المستنكر المقضي منه العجب، ....

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (كأنه قيل: دع هذا واسمع قولهم المستنكر): الانتصاف: "هذا الإضراب مثل الغاية التي ذكرها لكونها أزيد من الأول، فنزلت لزيادتها عليها كالمنافية لها، إذ تكذيب الآيات أبلغ من قولهم: إنها سحر، والغاية هي التي ذكرها آنفًا في قوله: {مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ} ".

قوله: (المقضي منه العجب): قيل: يقال: يقضى منه: ينهى منه، أي: يبلغ النهاية؛ من: قضى حاجته، أو يفعل؛ من: قضيت كذا: إذا فعلته، أو يحكم منه بالعجب؛ من: قضيت كذا؛ أي: حكمت به.

?

ص: 267

وذلك أن محمدًا كان لا يقدر عليه حتى يقوله ويفتريه على الله، ولو قدر عليه دون أمّة العرب لكانت قدرته عليه معجزة لخرقها العادة، وإذا كانت معجزة كانت تصديقًا من الله له، والحكيم لا يصدّق الكاذب فلا يكون مفتريًا. والضمير للحق، والمراد به الآيات.

{قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ} على سبيل الفرض: عاجلني الله تعالى -لا محالة- بعقوبة الافتراء عليه، فلا تقدرون على كفه عن معاجلتي، ولا تطيقون دفع شيء من عقابه عني، فكيف أفتريه وأتعرّض لعقابه؟ ! يقال: فلان لا يملك إذا غضب، ولا يملك عنانه إذا صمم، ومثله:{فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ} [المائدة: 17]، {وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا} [المائدة: 41]، ومنه قوله عليه السلام «لا أملك لكم من الله شيئًا» .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وذلك أن محمدًا): إشارة إلى "قولهم المستنكر"؛ يعني: أن قولهم: أن محمدًا افتراه، بعد إقرارهم أنه معجز، مما يقضى منه العجب، وتقريره: أن محمدًا لا يقدر عليه حتى يقوله ويفتريه على الله، لأن هذا مباين لكلام البشر، ولو فرض أنه قادر على هذا المفترى لكانت قدرته عليه معجزة لكونه خارقًا للعادة، وإذا كانت معجزة كانت تصديقًا من الله له، والحكيم لا يصدق الكاذب، فلا يكون مفتريًا، وخلاصته: أن إقرارهم بإعجازه، ونسبتهم إياه إلى الافتراء: مما يقضى منه العجب.

هذا التقرير إنما يستحسن إذا أريد بقولهم: {هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ} الدلالة على اعترافهم به، وعجزهم عن الإتيان بمثله، كما قال في مفتتح سورة يونس:"قوله: {إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ} [يونس: 2]: دليل عجزهم واعترافهم به، وإن كانوا كاذبين في تسميته سحرًا".

قوله: (لا يقدر عليه): الضمير المجرور راجع إلى {آيَاتِنَا} باعتبار وضع "الحق" موضعها، والإشارة بقوله:{هَذَا} في التنزيل أيضًا إليه بهذا الاعتبار.

?

ص: 268

ثم قال: {هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ} أي: تندفعون فيه؛ من القدح في وحي الله تعالى، والطعن في آياته، وتسميته سحرًا تارة وفرية أخرى، {كَفى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} يشهد لي بالصدق والبلاغ، ويشهد عليكم بالكذب والجحود. ومعنى ذكر العلم والشهادة: وعيد بجزاء إفاضتهم، {وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} موعدة بالغفران والرحمة إن رجعوا عن الكفر وتابوا وآمنوا، وإشعار بحلم الله عنهم مع عظم ما ارتكبوا.

فإن قلت: فما معنى إسناد الفعل إليهم في قوله تعالى: {فَلَا تَمْلِكُونَ لِي} ؟ قلت: كان فيما أتاهم به النصيحة لهم والإشفاق عليهم من سوء العاقبة وإرادة الخير بهم، فكأنه قال لهم: إن افتريته وأنا أريد بذلك النصح لكم وصدكم عن عبادة الآلهة إلى عبادة الله، فما تغنون عني -أيها المنصوحون- إن أخذني الله بعقوبة الافتراء عليه؟ !

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: ({بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ} أي: تندفعون فيه): اندفع الفرس؛ أي: أسرع، واندفعوا في الحديث؛ أي: خاضوا. الراغب: "فاض الماء: إذا سال منصبًا، وأفاض إناءه: ملأه حتى أساله، قال تعالى: {أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ}، ومنه: فاض صدره بالسر، أي: سال، ورجل فياض: سخي، ومنه استعير: أفاضوا في الحديث: إذا خاضوا فيه، وحديث مستفيض: منتشر، وقوله: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} [البقرة: 199]، أي: ادفعوا بكثرة؛ تشبيهًا بفيض الماء".

قوله: (وإشعار بحلم الله عنهم): نظيره قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا} إلى قوله: {حَلِيمًا غَفُورًا} [فاطر: 41]، أي: لا يعاجل بالعقوبة بأن لا يمسكها ويهدمها عليهم لعظم جرمهم.

قوله: (فكأنه قال لهم: أن افتريته وأنا أريد بذلك النصح لكم): خلاصة الجواب: أن إسناد "لا تملكون" على الفرض، وهو من باب إرخاء العنان والكلام المنصف.

?

ص: 269

[{قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ ما يُوحى إِلَيَّ وَما أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ} 9]

البدع: بمعنى: البديع، كالخف بمعنى الخفيف، وقرئ:"بدعًا" بفتح الدال، أي: ذا بدع، ويجوز أن يكون صفة على "فعل"، كقولهم: دين قيم، ولحم زيم.

كانوا يقترحون عليه الآيات ويسألونه عما لم يوح به إليه من الغيوب، فقيل له:{قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ} فآتيكم بكل ما تقترحونه، وأخبركم بكل ما تسألون عنه من المغيبات، فإنّ الرسل لم يكونوا يأتون إلا بما آتاهم الله من آياته، ولا يخبرون إلا بما أوحى إليهم، ولقد أجاب موسى صلوات الله عليه عن قول فرعون:{فَمَا بَالُ القُرُونِ الْأُولَى} [طه: 51]؟ بقوله: {عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي} [طه: 52].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الانتصاف: "الكلام جرى فرضًا وتقديرًا، ومتى فرض الافتراء امتنع كونه ناصحًا، فلا مصلحة للمكلف في العمل بالمفترى، ويتم ذلك على قاعدة المعتزلة: أن العقل يصل إلى معرفة حكم الله تعالى، فيتصور النصح مع الافتراء، إذا أمر بالتوحيد مثلًا، ولو قال: حكم الله بوجوب التوحيد، وأنا رسول به، كان محقًا عندهم، وهي قاعدة باطلة. والجواب عن الآية عندنا أن إسناد {تَمْلِكُونَ} إليهم تنبيه بالشيء على مقابله بالمفهوم، أي: أن كنت مفتريًا وأنتم المحقون، فالعقوبة واقعة لا بد منها، ولا تقدرون على دفعها عني، وإن كنت محقًا وأنتم المفترون، فالعقوبة تقع بكم، ولا أقدر على دفعها عنكم، كقوله: {قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ} [هود: 35] "، انتهى كلامه.

قوله: (دين قيم): أي: قائم، و"البدع" على هذا التقدير بمعنى: مبدع.

قوله: (ولحم زيم): روى الجوهري عن الأصمعي: "اللحم الزيم: المتفرق، ليس بمجتمع في مكان".

?

ص: 270

{وَما أَدْرِي} -لأنه لا علم لي بالغيب- ما يفعل الله بي وبكم فيما يستقبل من الزمان من أفعاله، ويقذر لي ولكم من قضاياه، {إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ} ، وعن الحسن: وما أدري ما يصير إليه أمري وأمركم في الدنيا، ومن الغالب منا والمغلوب. وعن الكلبي: قال له أصحابه -وقد ضجروا من أذى المشركين-: حتى متى نكون على هذا؟ فقال: ما أدري ما يفعل بي ولا بكم، أأترك بمكة أم أؤمر بالخروج إلى أرض قد رفعت لي ورأيتها- يعني: في منامه- ذات نخيل وشجر؟ ". وعن ابن عباس: ما يفعل بي ولا بكم في الآخرة، وقال: هي منسوخة بقوله: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ} [الفتح: 2]، ويجوز أن يكون نفيًا للدراية المفصلة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (إلى أرض قد رفعت لي ورأيتها) إلى قوله: (ذات نخيل وشجر): والحديث من رواية البخاري عن عائشة رضي الله عنها، قال النبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين بمكة: "إني أريت دار هجرتكم سبخةً ذات نخل بين لابتين، فهاجر من هاجر قبل المدينة، ورجع عامة من كان بأرض الحبشة إلى المدينة، وتجهز أبو بكر رضي الله عنه قبل المدينة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: على رسلك، فإني أرجو أن يؤذن لي، فقال أبو بكر: وهل ترجو ذلك بأبي وأمي أنت؟ قال: نعم، فحبس أبو بكر رضي الله عنه نفسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم، الحديث.

الأساس: "رفعته لأمر كذا: قدمته إليه، ورفعت له غاية فسما إليها، قال بشر:

إذا ما المكرمات رفعن يومًا .... وقصر مبتغوها عن مداها

وضاقت أذرع المثرين عنها .... سما أوس إليها فاحتواها"

وقال غيره: رفع لي شخص ونار، أي: لاح لي ورأيته.

قوله: (نفيًا للدراية المفضلة): هذا ينصرف إلى تفسير ابن عباس، فلا تكون الآية منسوخة.

?

ص: 271

وقرئ: "ما يفعل"، بفتح الياء؛ أي: يفعل الله عز وجل.

فإن قلت: {إنّ يُفْعَلُ} مثبت غير منفي، فكان وجه الكلام: ما يفعل بي وبكم؟ قلت: أجل، ولكن النفي في {وَمَا أَدْرِي} لما كان مشتملًا عليه لتناوله "ما" وما في حيزه، صح ذلك وحسن، ألا ترى إلى قوله:{أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ} [الأحقاف: 33]، كيف دخلت الياء في خبر "أنّ"، وذلك لتناول النفي إياها مع ما في حيزها.

و"ما" -في {مَا يُفْعَلُ} - يجوز أن تكون موصولة منصوبة، وأن تكون استفهامية مرفوعة، وقرئ:"يوحي"، أي: الله عز وجل.

[{قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} 10]

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الانتصاف: "أجود ما قيل فيه: حمله على الدراية المفضلة"، وإن كان يدري أن مصيره إلى النعيم، ومصيرهم إلى العذاب.

قوله: (النفي في {وَمَا أَدْرِي} لما كان مشتملًا عليه لتناوله "ما" وما في حيزه، صح ذلك وحسن): الانتصاف: "بني على أن المجرور قد عطف على مثله، وأنهما جمعيًا في صلة موصول واحد، ولو قيل: المجرور الثاني من صلة موصول محذوف على مثله، أي: وما أدري ما يفعل بي ولا ما يفعل بكم، لم يفتقر إلى تأويل، وحذف الموصول وتفاصيله صحيح، قال:

فمن يهجو رسول الله منكم .... ويمدحه وينصره سواء

أي: أفمن يهجوه ومن ينصره سواء؟ ".

?

ص: 272

جواب الشرط محذوف، تقديره: إن كان القرآن من عند الله وكفرتم به ألستم ظالمين. ويدل على هذا المحذوف قوله: {إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} .

والشاهد من بني إسرائيل: عبد الله بن سلام، لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة نظر إلى وجهه، فعلم أنه ليس بوجه كذاب، وتأمله، فتحقق أنه هو النبي المنتظر،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (والشاهد من بني إسرائيل: عبد الله بن سلام، لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة): هذا القول بعد قوله: "وما أدري ما يفعل بي ولا بكم، أأترك بمكة أم أؤمر بالخروج إلى أرض": يوهم أن إحدى الآيتين نازلة بمكة، والأخرى بالمدينة، ومن ثم قال صاحب "الكواشي":"السورة مكية، إلا {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ} الآية، وإلا {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} [الأحقاف: 35] الآية، {ووَصَّيْنَا الإنسَانَ بِوَالِدَيْهِ} [الأحقاف: 15] ".

وروى محيي السنة عن بعض المفسرين: "أن الشاهد هو موسى بن عمران عليه السلام، قال مسروق في هذه الآية: والله ما نزلت في عبد الله بن سلام، لأن آل (حم) نزلت بمكة، وإنما أسلم عبد الله بن سلام بالمدينة، والآية واردة في محاجة كانت من رسول الله صلى الله عليه وسلم لقومه، ومثل القرآن: التوراة، فشهد موسى على التوراة، ومحمد صلى الله عليه وسلم على القرآن، وكل واحد يصدق الآخر".

وروى محيي السنة أيضًا عن قتادة والضحاك: " أن الشاهد هو عبد الله بن سلام".

وقلت: دليلهما: أن قوله {وشَهِدَ شَاهِدٌ} عطف على الشرط، فيكونان شرطين، وجواب كل منهما على البدل: فلا تكونوا ظالمين، يدل عليه قوله تعالى:{إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ} ، والشرط لا يستدعي حصوله عند التكلم به، فتضمن الشرط الأول معنى الاستدراج والكلام المنصف، لأن كون القرآن من عند الله متيقن محقق، فلا يعلق بـ"إن" إلا لنكتة، واشتمل الشرط الثاني على معنى المعجزة والإخبار بالغيب، فلا تنافي شهادة عبد الله ابن سلام بالمدينة أن تكون الآية نازلة بمكة.

?

ص: 273

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أما تقريره على ما رواه محيي السنة: "أن الآية نزلت في محاجة كانت من رسول الله صلى الله عليه وسلم لقومه": فهو أن قوله: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وكَفَرْتُم بِهِ} : أمر له صلوات الله عليه بالرد عليهم فيما طعنوا في القرآن، ولما كان قوله:{مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنَ الرُّسُلِ} قرينةً له، اقتضى أيضًا أن يكون مثل ذلك في الرد، وكذا قوله:{قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} .

أما الأول: فهو أن قوله: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} أمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالرد عليهم، وذلك أن قوله:{وإذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ} ، والإضراب عنه بقوله:{أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ} أوجب أن يقال لهم: أخبروني أن القرآن الذي تنسبونه إلى السحر تارة، وإلى الافتراء أخرى- مع أنكم عرفتم أنه حق وصدق محض، وأنه من عند الله، لما جربتم به قواكم، وعجزتم عن الإتيان بمثل أقصر سوره، وأنتم أرباب البلاغة وفرسان البيان، ولما تضمن الدعوة إلى التوحيد ومكارم الأخلاق- أن كان من عند الله أما تكونون ظالمين؟ يدل على هذه المعاني تصريح قوله:{لِلْحَقِّ} بعد ذكر {آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ} .

وأخبروني أيضًا: أن يشهد بذلك أعلم علماء أهل الكتاب مما يجده في الوحي النازل: أما تكونون ظالمين وأخس الناس وأضلهم عن طريق الحق؟ ، أفلا تتفكرون وتتركون العناد والإعراض؟ فأضيف إلى دليل العقل دليل السمع.

وأما الثالث: فهو أن قوله: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} رد آخر، وذلك أن قوله:{مَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ والأَرْضَ ومَا بَيْنَهُمَا إلاَّ بِالْحَقِّ وأَجَلٍ مُّسَمًّى والَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنذِرُوا مُعْرِضُونَ} [الأحقاف: 3] دل على أن القوم أعرضوا عن قبول القول بالحشر والإقرار بالتوحيد، وأبوا إلا الشرك والمعاندة، فقيل: قل لهم: {مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ} ، إلى قوله:{وإذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً} [الأحقاف: 6].

وأما الثاني: فهو أن قوله: {قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنَ الرُّسُلِ} رد آخر، وبيان ذلك أن قوله: {وَالَّذِينَ

?

ص: 274

وقال له: "إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبيّ: ما أوّل أشراط الساعة؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كَفَرُوا عَمَّا أُنذِرُوا مُعْرِضُونَ} [الأحقاف: 5]، دل بالإدماج وإشارة النص على أنه تعالى ضمن فيه ما به أعرضوا عن التوحيد والبعث والطعن في الرسول المنذر، فقيل: قل لهم: {قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنَ الرُّسُلِ} الآية، فدل على أن ذلك الطعن هو أنهم اقترحوا عليه الآيات، وكانوا يسألونه عما لم يوح إليه من الغيوب، كما ينبئ عنه كلام المصنف، ويؤيد هذا أن فصلت الآية بقوله:{ومَا أَنَا إلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} ، لأنه مطابق لقوله:{عَمَّا أُنْذِرُوا} .

قوله: (عبد الله بن سلام): بالتخفيف، قال:"ليس في الأسماء "سلام" بالتشديد إلا أبو عبيد القاسم بن سلام، وفي النساء: سلامة بالتشديد"، قال:"إسلامه شبيه بإسلام أبي بكر رضي الله عنهما، فإنه لم يتلعثم، كما أن أبا بكر رضي الله عنه كان كذلك".

قوله: (إني سائلك عن ثلاث) الحديث: أخرجه البخاري عن أنس، وفي رواية المصنف اختلاف وزوائد. "أشراط الساعة": العلامات التي تتقدمها، مثل: خروج الدجال، وطلوع الشمس من المغرب.

?

ص: 275

وما أوّل طعام يأكله أهل الجنة؟ وما بال الولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمّه؟ فقال عليه الصلاة والسلام: أمّا أوّل أشراط الساعة فنار تحشرهم من المشرق إلى المغرب، وأمّا أوّل طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد حوت، وأما الولد فإذا سبق ماء الرجل نزعه، وإن سبق ماء المرأة نزعته. فقال: أشهد أنك رسول الله حقًا".

ثم قال: "يا رسول الله"، إن اليهود قوم بهت، وإن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم عني بهتوني عندك، فجاءت اليهود، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: أي رجل عبد الله فيكم؟ فقالوا: خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا، وأعلمنا وابن أعلمنا. قال: أرأيتم إن أسلم عبد الله؟ قالوا: أعاذه الله من ذلك، فخرج إليهم عبد الله، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنّ محمدًا رسول الله، فقالوا: شرنا وابن شرنا، وانتقصوه. قال: هذا ما كنت أخاف -يا رسول الله- وأحذر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ينزع إلى أبيه أو إلى أمه): أي: إذا جاء يشبه أحدهما ويجذب إليه، ويقال:"العرق نزاع".

قوله: (قوم بهت): بهت فلان فلانًا: إذا كذب عليه، فهو باهت، وقوم بهت.

قيل: زيادة الكبد: هي شيء نابت على جانب الكبد، وهو ألذ من الكبد. كل ذلك في"جامع الأصول".

وروى المظهري في شرحه عن بعض العلماء: لعل ذلك إشارة إلى إعدام ما يقبل التغير والتأثر، كما في ذبح الموت الذي يؤتى به على صورة الكبش؛ إشارةً إلى أن نعيم أهل الجنة في الجنة أبدي بلا انقطاع، وعذاب أهل النار- الذين لهم استحقاق الخلود في النار- أبديٌّ بلا انقطاع.

?

ص: 276

قال سعد بن أبي وقاص: ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأحد يمشي على الأرض: "إنه من أهل الجنة"، إلا لعبد الله بن سلام، وفيه نزل:{وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ} .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأحد يمسي على الأرض: "إنه من أهل الجنة"، إلا لعبد الله بن سلام): يعني: كلما رآه يقول: إنه من أهل الجنة، وإلا فإنه صلوات الله عليه قال ذلك في حق كثير من أصحابه، رضوان الله عليهم.

الحديث: أخرجه البخاري ومسلم عن سعد بن أبي وقاص، وفيه بدل:"لأحد يمشي": "لحي يمشي"، وتمامه: وقال: نزلت: {وشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ بَنِي إسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ} الآية أو في الحديث.

وروينا عن الشيخين أيضًا عن قيس بن عباد في حديث طويل قال: "كنت جالسًا في مسجد المدينة، فجاء رجل فيه أثر من الخشوع، فقال بعض القوم: هذا رجل من أهل الجنة، فلما خرج، فاتبعته، وسألته عن ذلك، فقال: سأحدثك ما ذاك، رأيت رؤيا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقصصتها عليه، رأيتني في روضة، ووسط الروضة عمود من حديد، أسفله في الأرض، وأعلاه في السماء، وفي أعلاه عروة، فقيل لي: ارقه"، إلى أن قال: "فرقيت حتى كنت في أعلى العمود، فأخذت بالعروة، فقيل لي: استمسك، فلقد استيقظت وإنها لفي يدي،

?

ص: 277

الضمير للقرآن، أي: على مثله في المعنى، وهو ما في التوراة من المعاني المطابقة لمعاني القرآن من التوحيد والوعد والوعيد وغير ذلك، ويدل عليه قوله تعالى:{وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ} [الشعراء: 196]، {إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى} [الأعلى: 18]، {كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ} [الشورى: 3]. ويجوز أن يكون المعنى: إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد على نحو ذلك، يعني كونه من عند الله.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فقصصتها على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: تلك الروضة: الإسلام، وذلك العمود: عمود الإسلام، وتلك العروة: العروة الوثقى، وأنت على الإسلام حتى تموت".

قوله: (على نحو ذلك، يعني: كونه من عند الله): يريد: أن الضمير المضاف إليه في قوله: {مِثْلِهِ} راجع إلى القرآن، والمشبه إما ما في التوارة من الألفاظ الدالة على معاني التوحيد والوعد والوعيد، دون ما دل على بيان الفروع، وإما الكتب المنزلة، ووجه الشبه: كونه من عند الله.

وقال محيي السنة والواحدي: "إن "المثل" صلة، معناه: عليه، أي: على أنه من عند الله".

ويجوز أن يحمل الوجه الآخر على هذا، ويمكن أن يقال: إن"المثل" نحوه في قولك: مثلك يجود، أي: أنت تجود، يعني: من هو على صفتك من الكرم والسخاوة وبسطة اليد يجود.

المعنى: وشهد شاهد من بني إسرائيل عليه، أي: على ما هو عليه، وعلى صفته من كونه وحيًا من الله، نازلًا من عنده، معجزًا بالغًا في فصاحته، وفي إخباره عن المغيبات، موافقًا لما في كتب الله، كما قال:"وأنه من جنس الوحي، وليس من كلام البشر".

وحينئذ يحسن عطف قوله: {واسْتَكْبَرْتُمْ} على "آمن"، وترتيبهما بالفاء معًا على المذكور؛ ليكون إيمانه واستكبارهم صادرين عن أمر واحد، وه عرفانهم أن القرآن حق وصدق وصواب، وأنه معجزة من الله، وأن عبد الله أنصف فآمن، وأن المشركين عاندوا فكفروا،

?

ص: 278

فإن قلت: أخبرني عن نظم هذا الكلام لأقف على معناه من جهة النظم. قلت: الواو الأولى عاطفة لـ"كفرتم" على فعل الشرط، كما عطفته "ثُمَّ" في قوله:{قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ} [فصلت: 52]، وكذلك الواو الآخرة عاطفة لـ"استكبرتم" على "شهد شاهد"، وأما الواو في {وَشَهِدَ} فقد عطفت جملة قوله:{وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ} ، على جملة قوله:{كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ} ، ونظيره قولك: "إن أحسنت إليك وأسأت،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ويقع قوله: {القَوْمَ الظَّالِمِينَ} في محزه، لأنه من وضع العام موضع المضمر؛ للإيذان بأنهم وضعوا الاستكبار موضع الإذعان للحق بعد وضوح البينات.

قال الواحدي: "معنى {إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ}: أن الله جعل جزاء المعاندين للإيمان بعد الوضوح والبيان أن يمدهم في ضلالتهم، ويحرمهم الهداية"، والله أعلم.

قوله: (الواو الأولى عاطفة لـ"كفرتم" على فعل الشرط) إلى آخره: الانتصاف: "لم يوجه المعطوفات على جهة واحدة، لأنه قد يكون العطف لمجموع مفردات على مجموع مفردات للتقابل بين المفردات، ومنه: {وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ} [فاطر: 19 - 20]، وقوله: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [الأحزاب: 35] ".

وقوله: (ونظيره قولك: أن أحسنت إليك): فقوله: {إن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وكَفَرْتُم} نظير قوله: "إن أحسنت إليك وأسأت"، فآذن بأن كونه من عند الله إحسان وإنعام يوجب استقباله بالشكر التام، فعكسوا وكفروا به، وقوله:{وشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ بَنِي إسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ} نظير قوله: "وأقبلت عليك وأعرضت"، فإن شهادة عبد الله بن سلام الموجبة لإيمانه: إقبال

?

ص: 279

وأقبلت عليك وأعرضت عني، لم "نتفق" في أنك أخذت ضميمتين، فعطفتهما على مثليهما. والمعنى: قل أخبروني إن اجتمع كون القرآن من عند الله مع كفركم به، واجتمع شهادة أعلم بني إسرائيل على نزول مثله وإيمانه به، مع استكباركم عنه وعن الإيمان به، ألستم أضل الناس وأظلمهم؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

من الله تعالى عليهم وإرشاد لهم بأن أعلم أهل الكتاب إذا شهد وآمن، فحق أمثالهم التلقي بالخضوع والاستكانة، فعكسوا أيضًا بالاستكبار والإعراض.

وهذا التقرير يؤذن بأن "استكبرتم" عطف على {فَآمَنَ} ، وكلاهما مسببان عن {وشَهِدَ شَاهِدٌ} ، وهذا أحسن من جعل المصنف عطف "استكبرتم" على {وشَهِدَ} ، ويعضده قول القوم:"شرنا وابن شرنا".

قوله: (ضميمتين): أي: "أقبلت" و"أعرضت"(على مثليهما): وهما "أحسنت" و"أسأت"، يقال: ضميمك في السفر، أي: رفيقك، وجواب الشرط:"لم نتفق"، و"في أنك أخذت" متعلق "نظيره".

وقوله تعالى: {وقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَّا سَبَقُونَا إلَيْهِ} بالواو، عطفًا على مقدرات شتى، بيان لبعض استكبارهم الذي منعهم عن الإيمان بالقرآن.

قوله: (ألستم أضل الناس وأظلمهم؟ ): يريد: أن جواب الشرط محذوف، وهو هذا، قال الواحدي ومحيي السنة:"جواب الشرط محذوف، على تقدير: أليس قد ظلمتم، يدل عليه قوله: {إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ}، وقال الحسن: جوابه: فمن أضل منكم، كما قال: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ} [فصلت: 52] الآية، وقال أبو علي: تقديره: أتأمنون عقوبة الله".

وقلت: تقدير إثبات مطلق الظلم أوفق لما سبق أنهم وضعوا الاستكبار موضع الإذعان والإيمان.

?

ص: 280

وقد جعل الإيمان في قوله: {فَآمَنَ} مسببًا عن الشهادة على مثله، لأنه لما علم أنّ مثله أنزل على موسى صلوات الله عليه، وأنه من جنس الوحي، وليس من كلام البشر، وأنصف من نفسه، فشهد عليه واعترف، كان الإيمان نتيجة ذلك.

[{وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ * وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِمامًا وَرَحْمَةً وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِسانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ * إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ} 11 - 14]

{لِلَّذِينَ آمَنُوا} لأجلهم، وهو كلام كفار مكة، قالوا: عامّة من يتبع محمدًا السقاط، يعنون الفقراء مثل عمار وصهيب وابن مسعود، فلو كان ما جاء به خيرًا ما سبقنا إليه هؤلاء. وقيل: لما أسلمت جهينة ومزينة وأسلم وغفار، قالت بنو عامر وغطفان وأسد وأشجع: لو كان خيرًا ما سبقنا إليه رعاء البهم. وقيل: إن أمة لعمر أسلمت، فكان عمر يضربها حتى يفتر، ثم يقول: لولا إني فترت لزدتك ضربًا، وكان كفار قريش يقولون: لو كان ما يدعو إليه محمد حقًا ما سبقتنا إليه فلانة. وقيل: كان اليهود يقولونه عند إسلام عبد الله بن سلام وأصحابه.

فإن قلت: لا بدّ من عامل في الظرف في قوله: {وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ} ، ومن متعلق لقوله:{فَسَيَقُولُونَ} ، وغير مستقيم أن يكون {فَسَيَقُولُونَ} هو العامل في الظرف؛ لتدافع دلالتي المضي والاستقبال، فما وجه هذا الكلام؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (لا بد من عامل في الظرف): يعني: "إذ" لازمة الإضافة، وقد أضيفت إلى قوله:{لَمْ يَهْتَدُوا} فلا يعمل فيها، وأيضًا هي للمضي، فلا يجوز أن يكون العامل:{فَسَيَقُولُونَ} ، للاستقبال، والفاء في {فَسَيَقُولُونَ} للاستقبال، والفاء في {فَسَيَقُولُونَ} تقتضي سببًا، ولا بد من البيان.

?

ص: 281

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وأجاب: أن عاملها مقدر، وهو السبب في {فَسَيَقُولُونَ} ، والتقدير: إذ لم يهتدوا ظهر عنادهم فسيقولون، وحذف عامل الظرف جائز، كما في قوله تعالى:{فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ} [يوسف: 15]، قال أبو البقاء:"تقديره: فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب عرفناه، لدلالة {وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ} عليه"، وكذا في قول الناس: حينئذ الآن، أي: كان ذلك حينئذ، واسمع الآن منه.

وقال الواحدي: "إذ: بمعنى "إن"، والمعنى: إن لم يصيبوا الهداية بالقرآن فسيقولون إنه كذب".

وقال ابن الحاجب في "الأمالي": "يجوز "إذ" أن تكون متضمنةً معنى الشرط؛ لدلالة الفاء بعدها، وكونها في معنى "إذا"، وحسن تعبيرها بها لدلالتها على تحقق ذلك؛ لكونها للماضي، ويجوز أن تكون معمولًا لقوله: {فَسَيَقُولُونَ} باعتبار إرادة الاستمرار".

الانتصاف: "لم يمنع عمل {فَسَيَقُولُونَ} إلا الاستقبال، فلا مانع لأن الاستقبال إنما جاء للإشعار بدوام ما وقع، وأنهم حرفوا وقالوا: هذا أساطير، وإفك قديم، فمعناها: وقالوا إذ لم يهتدوا به: هذا إفك قديم، وداموا عليه؛ فعبر عن الوقع والدوام والاستقبال بالسين، كقول إبراهيم عليه السلام: {إلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ} [الزخرف: 27]، وهذا طريق الجمع بين قوله: {فَهُوَ يَهْدِينِ} [الشعراء: 78]، وبين قوله: {سَيَهْدِينِ} [الزخرف: 27]، ولولا دخول الفاء على الفعل لتعين هذا، لكن الفاء دلت بسببيتها على محذوف هو السبب، وقطعت الفعل عن الظرف، فتعين ما ذكره الزمخشري لأجل الفاء، لا لأجل السين".

?

ص: 282

قلت: العامل في "إذ" محذوف، لدلالة الكلام عليه، كما حذف من قوله:{فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ} [يوسف: 15]، وقولهم: حينئذ الآن، وتقديره: وإذ لم يهتدوا به ظهر عنادهم فسيقولون: هذا إفك قديم. فهذا المضمر صحّ به الكلام، حيث انتصب به الظرف، وكان قوله:{فَسَيَقُولُونَ} مسببًا عنه، كما صحّ بإضمار "أنّ" قوله:{حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ} [البقرة: 214]، لمصادفة "حَتَّى" مجرورها، والمضارع ناصبه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقلت: الاستقبال إذا دل على الاستمرار فيما مضى حالًا فحالًا، نحو: لو تحسن إلى لشكرت، كان بمعنى المضي، وإذا دل على الاستمرار فيما يجيء وقتًا فوقتًا كان متوغلًا في معناه، كقوله تعالى:{اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} [البقرة: 15]، وربما دل على الاستمرار دائمًا، نحو: فلان يقري الضيف ويحمي الحريم، وهذا من القبيل الثاني، ولذلك قرن بالسين، وذلك أن قوله:{وقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا} متصل بقوله: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وكَفَرْتُم بِهِ} ، على معنى: أخبروني أن اجتمع كون القرآن من عند الله مع كفركم به، واجتمع شهادة أعلم بني إسرائيل على نزول مثله وإيمانه به مع استكباركم عنه وعن الإيمان به، ألستم ظالمين؟ ثم إنه تعالى حكى عنهم أنهم عند سماعهم هذا الكلام المنصف الذي ليس بعده إرشاد أظهروا العناد، ولم ينظروا بنظر الإنصاف، وتكلموا بما هو نص على الاستكبار والتجبر، وقالوا لأجل الذين آمنوا: لو كان الإيمان خيرًا ما سبقونا إليه. ولهذا وضع المضمر.

فنبه سبحانه وتعالى بقوله: {وإذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ} حبيبه صلوات الله عليه على تماديهم في العناد، وإقناطًا له عن إيمانهم، وتسليةً عن طعنهم، وأنهم حين لم يهتدوا بهذا الكلام المنصف ظهر عنادهم، فأعلم أنهم لا يهتدون بعد ذلك أبدًا، ويستمر منهم حينًا بعد حين الطعن في القرآن، فتارةً يقولون: أساطير الأولين، وأخرى: إنه سحر مبين، وإفك قديم، وأمثال ذلك.

قوله: (كما صح بإضمار "أن"): يريد: أن "إذ" ها هنا تقتضي عاملًا، نظير {يَقُولَ} هناك تستدعي ناصبًا، والفاء هنا تقتضي سببًا، نحو {حَتَّى} هناك تستدعي مجرورًا، فيقدر هنا:"ظهر عنادهم"، ليكون عاملًا في "إذ" سببًا لقوله:{فَسَيَقُولُونَ} ، وهناك "أن" ليكون عاملًا في {يَقُولَ} ، ويجعل الفعل في تأويل المصدر؛ ليصح أن يقع مجرورًا بـ {حَتَّى} .

?

ص: 283

وقولهم: {إِفْكٌ قَدِيمٌ} كقولهم: أساطير الأوّلين.

{كِتابُ مُوسى} مبتدأ، {وَمِنْ قَبْلِهِ} ظرف واقع خبرًا مقدمًا عليه، وهو ناصب {إِمَامًا} على الحال، كقولك: في الدار زيد قائمًا. وقرئ: "ومن قبله كتاب موسى"؛ على: وآتينا الذين قبله التوراة. ومعنى {إِمَامًا} : قدوة يؤتم به في دين الله وشرائعه، كما يؤتم بالإمام، {وَرَحْمَةً} لمن آمن به وعمل بما فيه، {وَهَذَا} القرآن {كِتابٌ مُصَدِّقٌ} لكتاب موسى، أو: لما بين يديه وتقدّمه من جميع الكتب. وقرئ: "مصدق لما بين يديه".

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: ({كِتَابُ مُوسَى} مبتدأ، {ومِن قَبْلِهِ} ظرف واقع خبرًا): وقلت: لو روعي التناسب بين القرينتين ويقال: {كِتَابُ مُوسَى} فاعل الظرف على مذهب الأخفش، وقد ذكره صاحب "الكشف"، كان أحسن، ولم يلزم التقديم الذي لا يفيد هنا معنى التخصيص إليه، ولا الفصل بين الحال وعاملها، ويكون المعنى: حصل ومضى من قبله كتاب موسى إمامًا، وميز وشوهد عيانًا أن كتابك هذا مصدق معجز، وأطلق {مُصَدِّقٌ} ، ولم يقل:"مصدق له"، أي: لكتاب موسى؛ تعميمًا وإيذانًا بأنه مصدق للكتب السماوية كلها، لاسيما نفسه، لكونه معجزًا نازلًا بلسان عربي مبين، تحدي به العرب العرباء، فأفحموا، ومع ذلك أنه نذير للذين ظلموا بشير للمحسنين.

وإنما عدل عن "العادلين" إلى "المحسنين" ليكون ذريعةً إلى البشارة بقوله: {فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هُمْ يَحْزَنُونَ} لمن قال: {رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} ، وقيل:{لِلْمُحْسِنِينَ} دون "الذين أحسنوا"، بعد قوله:{الَّذِينَ ظَلَمُوا} ، أي: لينذر الذين وجد منهم الظلم، ويبشر الذين ثبتوا واستقاموا على الإحسان والإخلاص، إعلامًا بأن الإنسان مفتقر إلى ما يهذب به نفسه ويقوم أوده كل الافتقار؛ لأن الاستقامة على الصراط السوي لا توجد إلا في الأفراد، {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} [سبأ: 13].

?

ص: 284

{لَسَانًا عَرَبِيًّا} حال من ضمير الكتاب في "مصدق"، والعامل فيه {مُصَدِّقٌ} ، ويجوز أن ينتصب حالًا عن:{كِتَابٌ} لتخصصه بالصفة، ويعمل فيه معنى الإشارة، وجوّز أن يكون مفعولًا لـ {مُصَدِّقٌ} ، أي: يصدق ذا لسان عربي، وهو الرسول.

وقرئ: {لِيُنذِرَ} بالياء والتاء، و"لينذر": من: نذر ينذر: إذا حذر.

{وَبُشْرى} في محل النصب، معطوف على محل {لِيُنذِرَ} ، لأنه مفعول له.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ومن ثم علل بشارة المحسنين بقوله: {إنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هُمْ يَحْزَنُونَ * أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الجَنَّةِ} ، ومن هنا تقف على جلالة محل العشرة المبشرة رضوان الله عليهم.

قوله: {لِّسَانًا عَرَبِيًا} حال من ضمير الكتاب): قال الزجاج: "المعنى" مصدق لما بين يديه عربيًا، وذكر {لِّسَانًا} توكيدًا، كما تقول: جاءني زيد رجلًا صالحًا، أي: جاءني زيد صالحًا، و"رجلًا" توكيد"، وسمى أبو البقاء هذه الحال حالًا موطئة، وأما قوله: "أن ينتصب [حالًا] عن كتاب، ويعمل فيه معنى الإشارة"، ففيه خلاف، ذكرناه في أول البقرة.

قال القاضي: "فائدتها الإشعار بالدلالة على أن كونه مصدقًا للتوارة، كما دل على أنه حق، دل على أنه وحي وتوقيف من الله سبحانه وتعالى".

قوله: (وقرئ: {لِيُنْذِرَ} بالياء والتاء): نافع وابن عامر والبزي- بخلاف عنه-: بالتاء الفوقانية، والباقون: بالياء.

?

ص: 285

[{وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْسانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ * أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ} 15 - 16]

قرئ: "حسنًا"، بضم الحاء وسكون السين، وبضمهما، وبفتحهما، و {إِحْسَانًا} ، و {كُرْهًا} ، بالفتح والضم، وهما لغتان في معنى المشقة، كالفقر والفقر، وانتصابه على الحال، أي: ذات كره، أو على أنه صفة للمصدر، أي: حملًا ذا كره.

{وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ} ومدّة حمله وفصاله {ثَلاثُونَ شَهْرًا} ، وهذا دليل على أن أقل الحمل ستة أشهر، لأن مدّة الرضاع إذا كانت حولين؛ لقوله عز وجل:{حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ} [البقرة: 233]، بقيت للحمل ستة أشهر. وقرئ:"وفصله"، والفصل والفصال: كالفطم والفطام، بناء ومعنى.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (قرئ: "حسنًا" بضم الحاء وسكون السين): الكوفيون: {إحْسَانًا} ، والباقون:"حسنًا"، والكوفيون وابن ذكوان:{كُرْهًا} بضم الكاف، والباقون: بفتحها. قال ابن جني: " (حسنًا) بالفتح، قراءة علي رضي الله عنه والسلمي، يحتمل أن يكون مصدرًا كالمصادر التي اعتقب فيها الفعل، نحو: الشغل والبخل، وأن يكون صفةً لا مصدرًا، لكونه رسيل القبيح، أي: وصيناه بوالديه فعلًا حسنًا، وإن شئت نصبته بـ"وصينا"، لأنه بمعنى: ألزمناه الحسن في أبويه، وإن شئت قدرت: "ألزمناه"، ونصبت به لا بـ"وصينا" المذكور".

?

ص: 286

فإن قلت: المراد بيان مدّة الرضاع لا الفطام، فكيف عبر عنه بالفصال؟ قلت: لما كان الرضاع يليه الفصال ويلابسه، لأنه ينتهي به ويتم، سمي فصالًا، كما سمى المدّة بالأمد من قال:

كل حي مستكمل مدّة العمر .... ومود إذا انتهى أمده

وفيه فائدة، وهي الدلالة على الرضاع التام المنتهي بالفصال ووقته.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (كما سمى المدة بالأمد): الراغب: "الأمد والأبد: يتقاربان، لكن الأبد: عبارة عن مدة الزمان التي ليس لها حد محدود، ولا يتقيد، ولا يقال: أبد كذا، والأمد: مدة لها حد مجهول إذا أطلق، وقد ينحصر، نحو أن يقال: أمد كذا، كما يقال: زمن كذا، والفرق بين الزمان والأمد: أن الأمد يقال باعتبار الغاية، والزمان عام في المبدأ والغاية، ولذلك قيل: المدى والأمد يتقاربان".

قوله: (كل حي مستكمل) البيت: "مود": أي هالك؛ من: أوى: إذا هلك، يقول: كل حي يستكمل مدة عمره، ويهلك إذا انتهى عمره.

قوله: (وفيه فائدة): أي: فيه إشارة النص وإدماج معنى الفصل والفطام التام المنتهي بالفصال، ولو قيل:"وحمله وفطامه ثلاثون شهرًا" لم يكن نصًا في الرضاع التام المنتهي بالفصال، وفي كل عدول عن الظاهر إشارةً إلى دقيقة.

?

ص: 287

وقرئ: "حتى إذا استوى وبلغ أشدّه"، وبلوغ الأشد: أن يكتهل ويستوفى السنّ التي تستحكم فيها قوّته وعقله وتمييزه، وذلك إذا أناف على الثلاثين وناطح الأربعين. وعن قتادة: ثلاث وثلاثون سنة، ووجهه: أن يكون ذلك أوّل الأشد، وغايته الأربعين. وقيل: لم يبعث نبيّ قط إلا بعد أربعين سنة.

والمراد بالنعمة التي استوزع الشكر عليها: نعمة التوحيد والإسلام، وجمع بين شكري النعمة عليه وعلى والديه، لأن النعمة عليهما نعمة عليه. وقيل في العمل المرضي: هو الصلوات الخمس.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (أناف على الثلاثين): الجوهري: "أناف: أشرف".

قوله: (وناطح الأربعين): الأساس: "الناطح: هو المستقبل مما يزجر".

قوله: (استوزع الشكر): الجوهري: "استوزعت الله شكره، فأوزعني، أي: استلهمته فألهمني". الراغب: "أوزعني: معناه: ألهمني، وتحقيقه: أولعني بذلك أو اجعلني بحيث أزع نفسي عن الكفران، يقال: وزعته عن كذا: كففته، وقيل: الوزوع: الولوع بالشيء، ورجل وزع".

قوله: (وقيل في العمل المرضي: هو الصلوات الخمس): هو معطوف على مقدر، أي: يجوز أن يقال في قوله: {وأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ} : أنه يراد به الأعمال الصالحات مطلقًا، ويجوز أن يراد به الصلوات الخمس، والأول أوجه، لأنه علم من قوله تعالى:{نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ} الإسلام والتوحيد، كما نص عليه، ويعلم من هذا الأعمال الصالحات، فيعود المعنى إلى قوله:{أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ} الإسلام والتوحيد، {وأَنْ أَعْمَلَ} الأعمال الصالحات، ويجوز أن يكون من عطف الخاص على العام، وفيه إشارة إلى معنى قوله تعالى:{وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 10].

?

ص: 288

فإن قلت: ما معنى "فِي" في قوله: {وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي} ؟ قلت: معناه: أن يجعل ذرّيته موقعًا للصلاح ومظنة له، كأنه قال: هب لي الصلاح في ذرّيتي، وأوقعه فيهم. ونحوه:

يجرح في عراقيبها نصلي

{مِنَ الْمُسْلِمِينَ} من المخلصين، وقرئ:"يتقبل"، و"يتجاوز" بفتح الياء، والضمير فيهما لله عز وجل، وقرئا بالنون.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (يجرح في عراقيبها نصلي): أوله:

وإن تعتذر بالمحل عن ذي ضروعها .... إلى الضيف

أي: يحدث الجرح في عراقيبها نصلي، المعنى: أن اعتذرت بقلة اللبن بسبب القحط إلى الضيف أعقرها؛ لتكون هي بدل اللبن، "ذي ضروعها": أي: لبنها، جعل المتعدي بمنزلة اللازم لإرادة الحقيقة، ثم عداه كما يعدى اللازم مبالغة.

قال ابن الحاجب: "الآية من باب قوله: "فلان يعطي ويمنع"، مما استعمل فيه الفعل المتعدي محذوفًا مفعوله حذفًا غير مقصود، وهذا أبلغ في المدح من القصد إلى المفعول على طريقة خصوص وعموم، لما فيه من المبالغة، وجعل "الذرية" كأنها محل للصلاح".

قوله: (وقرئ: "يتقبل" و"يتجاوز" بفتح الياء): شاذة، قال الزجاج:"وهي جائزة، ولا أعلم أحدًا قرأ بها"، وقرأ حفص وحمزة والكسائي:{نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا ونَتَجَاوَزُ} بالنون فيهما مفتوحة، ونصب {أَحْسَنَ} ، والباقون: بالياء مضمومةً فيهما، ورفع "أحسن".

?

ص: 289

فإن قلت: ما معنى قوله: {فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ} ؟ قلت: هو نحو قولك: أكرمني الأمير في ناس من أصحابه، تريد: أكرمني في جملة من أكرم منهم، ونظمني في عدادهم، ومحله النصب على الحال، على معنى: كائنين في أصحاب الجنة ومعدودين فيهم.

{وَعْدَ الصِّدْقِ} مصدر مؤكد؛ لأن قوله: {نَتَقَبَّلُ} {وَنَتَجَاوَزُ} : وعد من الله لهم بالتقبل والتجاوز. وقيل: نزلت في أبي بكر رضي الله عنه، وفي أبيه أبي قحافة، وأمّه أم الخير، وفي أولاده، واستجابة دعائه فيهم. وقيل: لم يكن أحد من الصحابة، من المهاجرين منهم والأنصار، أسلم هو ووالداه وبنوه وبناته غير أبي بكر.

[{وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أَتَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ ما هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ * أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ} 17 - 18]

{وَالَّذِي قالَ} مبتدأ خبره: {أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ} ، والمراد بـ"الذي قال": الجنس القائل ذلك القول، ولذلك وقع الخبر مجموعًا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (لأن قوله: {نَتَقَبَّلُ} {ونَتَجَاوَزُ}: وعد من الله تعالى): الراغب: "التقبل: قبول الشيء على وجه يقتضي ثوابًا كالهدية ونحوها"، وقال الواحدي ومحيي السنة:"الأحسن: بمعنى: الحسن"، وقال القاضي:" {أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا} يعني: طاعاتهم، فإن المباح حسن ولا يثاب عليه".

قوله: المراد بـ"الذي قال": الجنس القائل ذلك القول، ولذلك وقع الخبر مجموعًا): الانتصاف: "وفي الآية رد على من زعم أن المفرد الجنسي لا يعامل معاملة الجمع، لا في الصفة، ولا في، فلا يقال: الدينار الصفر خير من الدرهم البيض".

?

ص: 290

وعن الحسن: هو في الكافر العاق لوالديه المكذب بالبعث. وعن قتادة: هو نعت عبد سوء عاق لوالديه فاجر لربه. وقيل: نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر قبل إسلامه، وقد دعاه أبوه أبو بكر وأمّه أمّ رومان إلى الإسلام، فأفف بهما، وقال: ابعثوا لي جدعان بن عمرو وعثمان بن عمرو، وهما من أجداده، حتى أسألهما عما يقول محمد.

ويشهدوا لبطلانه أن المراد بـ"الذي قال": جنس القائلين ذلك، وأنّ قوله:{الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ} : هم أصحاب النار، وعبد الرحمن كان من أفاضل المسلمين وسرواتهم، وعن عائشة رضي الله عنها إنكار نزولها فيه، وحين كتب معاوية إلى مروان بأن يبايع الناس ليزيد، قال عبد الرحمن: لقد جئتم بها هرقلية، تبايعون لأبنائكم، فقال مروان: يا أيها الناس، هو الذي قال الله فيه:{وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما} ، فسمعت عائشة، فغضبت، وقالت: والله ما هو به، ولو شئت أن أسميه لسميته، ولكن الله لعن أباك وأنت في صلبه، فأنت فضض من لعنة الله.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قلت: يمكن أن يرد بهذا قول صاحب "المفتاح" حيث قال: "امتنع لوجوه كثيرة لا تخفى على متقني أنواع الأدب، أدناها: وجوب نحو: الرجل الطوال، والفرس الدهم، أو صحته لا أقل، على الاطراد، وكل ذلك على ما ترى فاسد".

قوله: (وعن عائشة رضي الله عنها إنكار نزولها فيه): عن البخاري عن يوسف بن ماهك قال: كان مروان على الحجاز، استعمله معاوية، فخطب، فجعل يذكر يزيد بن معاوية لكي يبايع له بعد أبيه، فقال له عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما شيئًا، فقال: فخذوه، فدخل بيت عائشة رضي الله عنها، فلم يقدروا عليه، فقال مروان: هذا الذي أنزل الله تعالى فيه: {والَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَا} ، فقالت عائشة رضي الله عنها من وراء الحجاب:"ما أنزل الله فينا شيئًا من القرآن إلا ما أنزل في سورة النور من براءتي".

?

ص: 291

وقرئ: "أف": بالكسر والفتح بغير تنوين، وبالحركات الثلاث مع التنوين، وهو صوت إذا صوت به الإنسان علم أنه متضجر، كما إذا قال: حس، علم منه أنه متوجع. واللام للبيان، معناه: هذا التأفيف لكما خاصة، ولأجلكما دون غيركما.

وقرئ: {أَتَعِدَانِّنِي} : بنونين، و"أتعداني" بأحدهما، و"أتعداني" بالإدغام،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

النهاية: "قال عبد الرحمن: "أجئتم بها هرقليةً وقوقية! "، أراد: أن البيعة لأولاد الملوك سنة ملوك الروم والعجم، وهرقل: اسم ملك الروم"، "وقالت عائشة رضي الله عنها لمروان: أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن أباك، وأنت فضض من لعنة الله"، أي: قطعة وطائفة منها".

قوق: اسم ملك من ملوك الروم، قال في "الفائق":"هرقل: كان من ملوك الروم، وهو أول من ضرب الدنانير، وأول من أحدث البيعة، يريد: أن البيعة للأولاد من عادتهم. الفضض: فعل بمعنى: مفعول؛ من: فض: إذا كسر، أي: أنت طائفة من اللعنة فضضت منها، وروي: فضيض وفضض، والفضض: جمع فضيض، وهو الماء العريض، افتضضت الماء: أخذته ساعة يخرج، كورد جني، وصبي وليد، أي: قريبي العهد من الجني والولادة، أي: سلت من اللعنة حديث عهد بها".

قوله: (وقرئ: "أف" بالكسر والفتح): نافع وحفص: {أُفٍّ} بالتنوين وكسر الفاء، وابن كثير وابن عامر: بفتح الفاء من غير تنوين، والباقون: بكسر الفاء من غير تنوين.

قوله: (وقرئ: {أَتَعِدَانِنِي}): هشام: "أتعدان" بنون واحدة مشددة، والباقون: بنونين مكسورتين، قال الزجاج:"ويجوز تعداني" بالإدغام، وإن شئت أظهرت النونين، وإن شئت

?

ص: 292

وقد قرأ بعضهم: "أتعدانني" بفتح النون، كأنه استثقل اجتماع النونين والكسرتين والياء، ففتح الأولى تحريًا للتخفيف، كما تحراه من أدغم، ومن أطرح أحدهما، {أَنْ أُخْرَجَ} أن أبعث وأخرج من الأرض، وقرئ:"أخرج".

{وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي} يعني: ولم يبعث منهم أحد، {يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ} يقولان: الغياث بالله منك ومن قولك، وهو استعظام لقوله، {وَيْلَكَ} دعاء عليه بالثبور، والمراد به الحث والتحريض على الإيمان، لا حقيقة الهلاك.

{فِي أُمَمٍ} : نحو قوله: {فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ} [الأحقاف: 16]. وقرئ: "أن"، بالفتح، على معنى: آمن بأن وعد الله حق.

[{وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمالَهُمْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ} 19]

{وَلِكُلٍّ} من الجنسين المذكورين {دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا} أي: منازل ومراتب من جزاء ما عملوا من الخير والشر، ومن أجل ما عملوا منهما. فإن قلت: كيف قيل: {دَرَجَاتٌ} ، وقد جاء:"الجنة درجات، والنار دركات"؟ قلت: يجوز أن يقال ذلك على وجه التغليب؛ لاشتمال "كل" على الفريقين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أسكنت الياء، وإن شئت فتحتها، ورويت عن بعضهم:"أتعدانني" بالفتح، وذلك لحن لا وجه له، فلا تقرأن به؛ لأن فتح نون الاثنين خطأ، وإن حكي في شذوذ، فلا تحمل القراءة على الشذوذ".

قوله: ({وَيْلَكَ} دعاء عليه بالثبور، والمراد به الحث): قالوا: الويل: بمعنى الهلاك، ودلالته على الحث على الفعل من حيث أن فيه إشعارًا بأن ما هو مرتكب له: حقيق بأن يهلك مرتكبه، وأن يطلب له الهلاك، فإذا سمع ذلك كان باعثًا على تركه.

قوله: (على وجه التغليب؛ لاشتمال "كل" على الفريقين): جعل مصحح التغليب لفظ

?

ص: 293

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

"كل"؛ لاشتماله على فريق المؤمنين الذين لهم الدرجات، وفريق الكافرين أصحاب الدركات، والمراد بالفريقين ما ذكرهما في قوله، والظاهر أن أحد الجنسين ما دل عليه قوله:{إنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} [الأحقاف: 13]، والآخر قوله:{والَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ} [الأحقاف: 17]، إذا ليس مما يقرب ذكره ويصلح لذلك غيرهما.

وأما تقرير التغليب: فهو أنه تعالى لما ذكر الفريق الأول، ووصفهم بثبات في القول، واستقامة في الفعل، ورتب عليه جزاءهم، وأوقع قوله:{ووَصَّيْنَا الإنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إحْسَانًا} [الأحقاف: 15] استطرادًا في البين، وعقب ذلك بذكر فريق الكافرين، ووصفهم بعقوق الوالدين، وبإنكارهم البعث، وجعل العقوق أصلًا في الاعتبار وكرر في القسم الأول الجزاء، وهو ذكر الجنة مرارًا ثلاثًا، وأفرد جزاء الكافر، وهو ذكر النار، وأخره بعد ذكر ما يجمعهما من قوله:{ولِكُلٍّ دَرَجَاتٌ} ، غلب "الدرجات" على "الدركات" لذلك.

فيه: أن لا شيء أعظم من التوحيد والثبات عليه، ثم بر الوالدين والإحسان إليهما، ولا شيء أفحش من عقوق الوالدين وإنكار الحشر، وفي إيقاع إنكار الحشر مقابلًا لإثبات التوحيد؛ الدلالة على أن المنكر معطل مبطل لحكمة الله في إيجاد العالم.

وهذا الترتيب الأفيق، والنظم الرصين: يوقفك على ضعف قول من قال: أن الآية في حق عبد الرحمن، روى محيي السنة عن الزجاج أنه قال:"قول من قال: إنها نزلت في عبد الرحمن قبل إسلامه: يبطله قوله: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ} الآية، لأنه تعالى أعلم أن هؤلاء قد حقت عليهم كلمة العذاب، وعبد الرحمن من أفاضل المسلمين، فلا يكون ممن حقت عليه كلمة العذاب".

?

ص: 294

{وَلِيُوَفِّيَهُمْ} -وقرئ: بالنون- تعليل معلله محذوف لدلالة الكلام عليه، كأنه قيل: وليوفيهم أعمالهم ولا يظلمهم حقوقهم قدر جزاءهم على مقادير أعمالهم، فجعل الثواب درجات، والعقاب دركات.

[{وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ} 20]

ناصب الظرف هو القول المضمر قبل {أَذْهَبْتُمْ} ، وعرضهم على النار: تعذيبهم بها؛ من قولهم: عرض بنو فلان على السيف؛ إذا قتلوا به، ومنه قوله تعالى:{النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها} [غافر: 46]، ويجوز أن يراد: عرض النار عليهم؛ من قولهم: عرضت الناقة على الحوض، يريدون: عرض الحوض عليها، فقلبوا. ويدل عليه تفسير ابن عباس: يجاء بهم إليها فيكشف لهم عنها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: ({ولِيُوَفِّيَهُمْ} وقرئ بالنون): ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وهشام: بالياء، والباقون: بالنون.

قوله: (ويجوز أن يراد: عرض النار عليهم؛ من قولهم: عرضت الناقة على الحوض، يريدون: عرض الحوض عليها): الانتصاف: "إن كان "عرضت الناقة على الحوض" مقلوبًا، فعرض الذين كفروا على النار ليس مقلوبًا؛ لأن الحوض جماد لا إدراك له، والناقة هي المدركة، وأما النار فقد ورد أنها مدركة إدراك أولي العلم، فهو كقولك: عرضت الأسرى على الأمير".

وقلت: عرضت الناقة على الحوض: من القلب المقبول الذي نزل فيه الحوض منزلة المدرك، أنشد المصنف رحمه الله تعالى:

إذا ما استحين الماء يعرض نفسه .... كرعن بسبت في إناء من الورد

?

ص: 295

{أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ} أي: ما كتب لكم حظ من الطيبات إلا ما قد أصبتموه في دنياكم، وقد ذهبتم به وأخذتموه، فلم يبق لكم بعد استيفاء حظكم شيء منها. وعن عمر رضي الله عنه: "لو شئت لدعوت بصلائق وصناب وكراكر وأسنمة،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقال أبو العلاء:

إذا اشتاقت الخيل المناهل أعرضت .... عن الماء فاشتاقت إليها المناهل

ألا ترى كيف أتبع- الأول_ عرض الماء نفسه قوله: "إناء من الورد"، والثاني: صرح بالاشتياق لما في ورودها المناهل ترتيبها بجمالها، بخلافها إذا تركت غير واردة، كذلك هؤلاء الكفار بلغ عنادهم وتصميمهم إلى أن جهنم تستعرض قربانهم، كما قال تعالى:{هَلْ مِنْ مَزِيدٍ} [ق: 30].

قوله: (بصلائق وصناب): ويروى: "بصلاء وصناب)، الصلاء؛ من صلاه: كالشواء؛ من شواه، النهاية: "في حديث عمر رضي الله عنه: "أما- والله- ما أجهل عن كراكر وأسنمة، ولو شئت لدعوت بصلاف وصناب وصلائق": الصلف: هو الغلو في الظرف، والزيادة على المقدار، مع تكبر. والصلائق: الرقاق، واحدتها: صليقة، وقيل: هي الحملان المشوية؛

والصلائق: الرقاق، واحدتها: صليقة، وقيل: هي الحملان المشوية؛

?

ص: 296

ولكني رأيت الله تعالى نعى على قوم طيباتهم، فقال: أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا"، وعنه: "لو شئت لكنت أطيبكم طعامًا، وأحسنكم لباسًا، ولكني أستبقي طيباتي".

وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنه دخل على أهل الصفة، وهم يرقعون ثيابهم بالأدم، ما يجدون لها رقاعًا، فقال: أأنتم اليوم خير أم يوم يغدو أحدكم في حلة، ويروح في أخرى، ويغدى عليه بجفنة، ويراح عليه بأخرى، ويستر بيته كما تستر الكعبة؟ قالوا: نحن يومئذ خير، قال: بل أنتم اليوم خير".

وقرئ: "أأذهبتم" بهمزة الاستفهام، و"آأذهبتم" بألف بين همزتين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

من: صلقت الشاة: إذا شويتها، ويروى بالسين، وهو ما سلق من البقول وغيرهم، والصناب: الخردل المعموم بالزيت، وهو صباغ يؤتدم به، والكركرة- بالكسر- زور البعير الذي إذا برك أصاب الأرض، وجمعها: كراكر، يريد: إحضارهم للأكل؛ لأنها من أطايب ما يؤكل من الإبل".

قوله: (بل أنتم اليوم خير): أي: حالتكم اليوم أنفع لكم في الدين، مما إذا فتح عليكم البلاد، واستغنيتم، روينا في "مسند الإمام أحمد بن حنبل" عن معاوية: أنه دخل على خاله أبي هاشم بن عتبة يعوده، فبكى أبو هاشم، فقال: ما يبكيك يا خال، أوجعًا يشئزك أم حرصًا على الدنيا؟ فقال: فكلا لا، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلينا وقال:"لعلك تدرك أموالًا يؤتاها أقوام، وإنما يكفيك من جميع المال خادم ومركب في سبيل الله"، وإني أراني قد جمعت.

وفي "صحيح البخاري" عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قال: "أتي عبد الرحمن ابن عوف بطعام، وكان صائمًا"، فساق الحديث إلى قوله:"قد بسط للناس من الدنيا ما بسط، ولقد خشيت أن عجلت لنا طيباتنا في حياتنا الدنيا، ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام".

قوله: (وقرئ: "أأذهبتم" بهمزة الاستفهام): ابن ذكوان: "أأذهبتم" بهمزتين محققتين من غير مد، وابن كثير وهشام أطول مدًا على أصله، والباقون: بهمزة واحدة من غير مد على الخبر.

?

ص: 297

{الهُونِ} : الهوان، وقرئ:"عذاب الهوان"، وقرئ:{تَفْسُقُونَ} بضم السين وكسرها.

[{وَاذْكُرْ أَخا عادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} 21]

الأحقاف: جمع حقف وهو رمل مستطيل مرتفع فيه انحناء، من: احقوقف الشيء: إذا اعوج، وكانت عاد أصحاب عمد، يسكنون بين رمال، مشرفين على البحر، بأرض يقال لها: الشحر، من بلاد اليمن. وقيل: بين عمان ومهرة.

و{النُّذُرُ} جمع نذير، بمعنى: المنذر أو الإنذار، {مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ} من قبله {وَمِنْ خَلْفِهِ} ومن بعده. وقرئ:"من بين يديه ومن بعده"، والمعنى: أنّ هودًا عليه السلام قد أنذرهم، فقال لهم: لا تعبدوا إلا الله، إني أخاف عليكم العذاب. وأعلمهم أنّ الرسل الذين بعثوا قبله والذين سيبعثون بعده كلهم منذرون نحو إنذاره.

وعن ابن عباس رضي الله عنه: يعني الرسل الذين بعثوا قبله والذين بعثوا في زمانه. ومعنى {وَمِنْ خَلْفِهِ} على هذا التفسير: ومن بعد إنذاره. هذا إذا علقت {وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ} بقوله: {أَنذَرَ قَوْمَهُ} ، ........

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وقرئ: {تَفْسُقُونَ} بضم السين وكسرها): الضم: السبعة، والكسر: شاذ.

قوله: (هذا إذا علقت {وقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ} بقوله: {أَنذَرَ قَوْمَهُ}): يعني: يحتمل أن يكون {وقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ} حالًا، وأن يكون معترضةً بين المفسر والمفسر، قال القاضي:"أي: لا تعبدوا، فإن النهي عن الشيء إنذار عن مضرته، فعلى أن يكون حالًا ينبغي أن يقدر للقوم العلم بمقتضى الحال؛ ليدخل تحت الإنذار ويفيد الاعتبار، إما بتعليم هود إياهم قطعًا؛ إذا أريد ب" من خلفه": الذين سيبعثون بعده، أو أنهم شاهدوا ذلك وعلموا؛ إذا أريد بهم الذين بعثوا في زمانه وأنذروا بعده، ويجوز أن يحصل لهم العلم بذلك بالتعليم، وقريب منه قوله تعالى:{كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا} [البقرة: 28]، أي: أتكفرون والحال أنكم عالمون بهذه القصة؟ !

?

ص: 298

ولك أن تجعل قوله تعالى: {وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ} اعتراضًا بين {أَنذَرَ قَوْمَهُ} وبين {أَلَّا تَعْبُدُوا} ، ويكون المعنى: واذكر إنذار هود قومه عاقبة الشرك والعذاب العظيم، وقد أنذر من تقدمه من الرسل ومن تأخر عنه مثل ذلك، فاذكرهم.

[{قالُوا أَجِئْتَنا لِتَافِكَنا عَنْ آلِهَتِنا فَاتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} 22]

الإفك: الصرف، يقال: أفكه عن رأيه، {عَنْ آلِهَتِنا} عن عبادتها، {بِما تَعِدُنا} من معاجلة العذاب على الشرك، {إِنْ كُنْتَ} صادقًا في وعدك.

[{قالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ} 23]

فإن قلت: من أين طابق قوله: {إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ}

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

والحال يجوز أن يكون من فاعل {أَنذَرَ} ، أي: أنذر قومه معلمًا إنذار الرسل قبله وبعده، أو من مفعوله، أي: أنذرهم وهم عالمون بإنذار سائر الرسل؛ إما بالمشاهدة أو بتعليمه إياهم.

وعلى أن تكون معترضة: المعنى: اذكر- يا محمد- إنذار هود قومه عاقبة الشرك والعذاب الأليم، واذكر أيضًا أنه قد أنذر من تقدمه من الرسل، ومن تأخر عنه مثل ذلك الإنذار، وإليه الإشارة بقوله:"فاذكرهم"، وإنما كرر "اذكر" لأن كلًا من المعترض والمعترض فيه مستقلان في القصد، بخلاف الحال.

وأما قوله: "ومعنى: {ومِنْ خَلْفِهِ} على هذا التفسير": فإشارة إلى تفسير ابن عباس؛ لأن {مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ} إذا فسر بالذين بعثوا في زمانه: يصح أن يقع إنذار بعضهم بعد إنذاره، وقوله تعالى:{وقَدْ خَلَتِ} - على الوجه الأول- جاء بلفظ الماضي، والمراد: الذين سيبعثون، على سنن الإخبار عن المستقبل بالماضي تحقيقًا له.

قوله: (من أين طابق): تحرير السؤال والجواب: كأنهم قالوا: أجئتنا لتصرفنا عن ألهتنا بما تعدنا من نزول العذاب، فمتى هذا الوعد؟ فأتنا بالموعود أن كنت صادقًا. فأجيبوا: إنما العلم عند الله لا يأتيه لوقته إلا هو، فكيف آتيكم به- كما قال-؟

?

ص: 299

جوابًا لقولهم: {فَاتِنا بِما تَعِدُنا} ؟ قلت: من حيث إنّ قولهم هذا استعجال منهم بالعذاب، ألا ترى إلى قوله:{بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ} [الأحقاف: 24]، فقال لهم: لا علم عندي بالوقت الذي يكون فيه تعذيبكم حكمة وصوابًا، إنما علم ذلك عند الله، فكيف أدعوه بأن يأتيكم بعذابه في وقت عاجل تقترحونه أنتم؟

ومعنى: {وَأُبَلِّغُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ} -وقرئ بالتخفيف- أن الذي هو شأني وشرطي أن أبلغكم ما أرسلت به من الإنذار والتخويف والصرف عما يعرّضكم لسخط الله بجهدي، ولكنكم جاهلون لا تعلمون أنّ الرسل لم يبعثوا إلا منذرين، لا مقترحين، ولا سائلين غير ما أذن لهم فيه.

[{فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ * تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلاَّ مَساكِنُهُمْ كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ} 24 - 25]

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (حكمةً وصوابًا): مفعول له، أي: ما أعلمني الله ذلك إلا لحكمة يعلمها الله، ومصالح لا أعلمها.

قوله: (وقرئ بالتخفيف): أي: "أبلغكم"، بالتخفيف: أبو عمرو، والباقون: بالتشديد.

قوله: (أن الذي هو شأني وشرطي): خبر، والمبتدأ هو:"معنى"، وقوله:"قرئ بالتخفيف" اعتراض، وقوله:"لا مقترحين ولا سائلين" بعد قوله: "لم يبعثوا إلا منذرين": نحو: ما زيد إلا قائم لا قاعد، وقد منعه صاحب "المفتاح"، وفيه إيذان بأن قوله:{إنَّمَا العِلْمُ عِندَ اللَّهِ وأُبَلِّغُكُم} جواب عن قوله: {أَجِئْتَنَا لِتَافِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَاتِنَا بِمَا تَعِدُنَا} ، وخلاصته: أن إتيان العذاب ليس إلي، وأن الذي علي وأنا مأمور به: تبليغ ما أرسلت به.

?

ص: 300

{فَلَمَّا رَأَوْهُ} في الضمير وجهان: أن يرجع إلى {مَا تَعِدُنَا} ، وأن يكون مبهمًا قد وضح أمره بقوله:{عَارِضًا} إما تمييزًا وإما حالًا، وهذا الوجه أعرب وأفصح، والعارض: السحاب الذي يعرض في أفق السماء، ومثله: الحبي والعنان؛ من حبا وعنّ: إذا عرض. وإضافة "مستقبل" و"ممطر" مجازية غير معرفة، بدليل وقوعهما -وهما مضافان إلى معرفتين- وصفًا للنكرة.

{بَلْ هُوَ} قول قبله مضمر، والقائل: هود عليه السلام، والدليل عليه قراءة من قرأ:"قال هود: بل هو"، وقرئ:"قل: بل ما استعجلتم به هي ريح"، أي: قال الله: قل.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (أعرب وأفصح): لما فيه من البيان بعد الإبهام، والإيضاح غب التعمية.

قوله: (الحبي): الجوهري: "الحبي: السحاب الذي يعترض اعتراض الجبل قبل أن يطبق السماء".

قوله: (والقائل: هود، والدليل عليه): هذا يشعر بأن في خلافًا، قال محيي السنة:"يقول الله تعالى: {بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ} ". وقلت: يؤيد هذا القول التعقيب في قوله: {فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إلاَّ مَسَاكِنُهُمْ} ، لأنه ليس ثمة قول، بل هو عبارة عن سرعة استئصالهم وحصول دمارهم من غير ريب، وكذلك ذكر " الأمر"، كما قال:"وذكر" الأمر"، وكونها مأمورةً من جهته عز وعلا يعضد ذلك ويقويه".

ونحو هذا الأسلوب قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا} [البقرة: 243]، قال:"معناه: فأماتهم الله، وإنما جيء بهذه العبارة للدلالة على أنهم ماتوا ميتة رجل واحد بأمر الله ومشيئته".

?

ص: 301

{تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ} تهلك من نفوس عاد وأموالهم الجم الكثير، فعبر عن الكثرة بالكلية، وقرئ:"يدمر كل شيء"، من: دمر دمارًا: إذا هلك. {لَا تَرَى} الخطاب للرائي من كان، وقرئ:{لَا يُرَى} ، على البناء للمفعول بالياء والتاء، وتأويل القراءة بالتاء -وهي عن الحسن-: لا ترى بقايا ولا أشياء منهم إلا مساكنهم. ومنه بيت ذي الرمّة:

وما بقيت إلّا الضلوع الجراشع

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وعلى تقدير المصنف: الفاء فصيحة، أي: قال لهم هود ذلك ثم أدركتهم الريح، فأبادتهم، فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم.

ولا ارتياب في أن ذلك القول أبلغ وأجرى على قوانين البلاغة، وأنسب للفصاحة التنزيلية.

قوله: (وقرئ: {لا يُرَى} على البناء للمفعول): عاصم وحمزة: {إلاَّ مَسَاكِنُهُمْ} بالرفع، والباقون: بالتاء المفتوحة وبالنصب، قال: القراءة بالياء أقوى؛ لأنه لا يقال: ما جاءتني إلا امرأة، لكن: ما جاءني إلا امرأة، أي: شيء إلا امرأة، والأصل:{لا يُرَى} بالتذكير؛ لأن المعنى: شيء من الأشياء، وإنما أنث نظرًا إلى لفظ " مساكنهم".

قوله: (وما بقيت): أوله- من رواية ابن جني لذي الرمة-:

برى النحز والأجرال ما في غروضها .... فما بقيت إلا الصدور الجراشع

?

ص: 302

وليست بالقوية. وقرئ: "لا ترى إلا مسكنهم"، و"لا يرى إلا مسكنهم".

وروي: أنّ الريح كانت تحمل الفسطاط والظعينة، فترفعها في الجوّ حتى ترى كأنها جرادة. وقيل: أوّل من أبصر العذاب امرأة منهم، قالت: رأيت ريحًا فيها كشهب النار. وروي: أوّل ما عرفوا به أنه عذاب: أنهم رأوا ما كان في الصحراء من رحالهم ومواشيهم تطير به الريح السماء والأرض، فدخلوا بيوتهم وغلقوا أبوابهم، فقلعت الريح الأبواب وصرعتهم، وأمال الله عليهم الأحقاف، فكانوا تحتها سبع ليال وثمانية أيام لهم أنين، ثم كشفت الريح عنهم، فاحتملتهم، فطرحتهم في البحر.

وروي: أنّ هودًا لما أحس بالريح خط على نفسه وعلى المؤمنين خطًا إلى جنب عين تنبع. وعن ابن عباس: اعتزل هود ومن معه في حظيرة ما يصيبهم من الريح إلا ما يلين على الجلود، وتلذه الأنفس، وإنها لتمر من عاد بالظعن بين السماء والأرض، وتدمغهم بالحجارة.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه كان إذا رأى الريح فزع وقال: "اللهم إني أسألك خيرها وخير ما أرسلت به،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الراكب ينحز بواسطة الرحل: أي: يدق، والجرل- بالتحريك-: الحجارة، وأرض حركة: أي: ذات جراول، والجمع: الأجرال، والغرض: غرض الدابة، وهو للرحل بمنزلة الحزام للسرج، والبطان للقتب، يقال: غرضت البعير: مددت عليه الغرض، والجراشع: جمع الجرشع، وهو من الإبل العظيم الصدر المنتفخ الجنبين، يصف النون يقول: هزلها الاستحثاث والأعمال فما بقيت إلا الصدور المنتفخة.

قوله: (اللهم إني أسألك خيرها) الحديث: أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن عائشة رضي الله عنها مع اختلاف يسير.

?

ص: 303

وأعوذ بك من شرها وشر ما أرسلت به، وإذا رأى مخيلة: قام وقعد، وجاء وذهب، وتغير لونه، فيقال له: يا رسول الله، ما تخاف؟ فيقول: إني أخاف أن يكون مثل قوم عاد حيث قالوا: «هذا عارض ممطرنا» .

فإن قلت: ما فائدة إضافة "الرب" إلى الريح؟ قلت: الدلالة على أن الريح وتصريف أعنتها مما يشهد لعظم قدرته، لأنها من أعاجيب خلقه وأكابر جنوده، وذكر الأمر وكونها مأمورة من جهته عز وعلا يعضد ذلك ويقوّيه.

[{وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصارًا وَأَفْئِدَةً فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ} 26]

{إِنْ} نافية، أي: فيما ما مكناكم فيه، إلا أنّ "إِنْ" أحسن في اللفظ؛ لما فيه مجامعة "ما" مثلها من التكرير المستبشع، ومثله مجتنب، ألا ترى أن الأصل في «مهما»: ماما، فلبشاعة التكرير قلبوا الألف هاء.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

النهاية: "المخيلة: موضع الخال، وهو الظن، كالمظنة، وهي السحابة الخليقة بالمطر، ويجوز أن تكون مسماةً بالمخيلة التي هي مصدر، كالمحبسة من الحبس".

قوله: (يعضد ذلك): أي: لعظم قدرته، فإن في إضافة "الرب" إلى "الريح" في قوله " {بِأَمْرِ رَبِّهَا} دلالةً على عظم شأنها، وأنها من جنود الله، ومما يستقيم أن ينسب إلى الرب سبحانه وتعالى، ثم دل ذلك على عظمة بارئها، وأن مثل هذا الشيء العظيم مملوك له، منقاد لتصرفه، ثم أكد هذا المعنى باقتران الأمر معه، تتميمًا لتعظيم من أضيف إليها، لأن المراد بالأمر: واحد الأوامر، فيكون استعارةً مكنية، شبهت- لكونها منقادةً لتكوين الله فيها ما يشاء، وأنها غير ممتنعة على الله- بالعقلاء المميزين، فلا يتوقفون لامتثال أوامره.

?

ص: 304

ولقد أغث أبو الطيب في قوله:

لعمرك ماما بان منك لضارب

وما ضره لو اقتدى بعذوبة لفظ التنزيل، فقال: لعمرك ما إن بان منك لضارب.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ولقد أغث أبو الطيب): الأساس: "أغث فلان في كلامه: إذا تكلم بما لا خير فيه، وفلان لا يغث عليه شيء: لا يمتنع".

قوله: "لعمرك ما ما بان): وفي رواية:

يرى أن ما ما بان منه لضارب .... بأقتل مما بان منه لعائب

"ما" الأولى: ناقية، والثانية: موصولة، وهي اسم "ما"، و "بأقتل" في موضع الخبر، واسم "أن": ضمير الشأن، يقول: إنه يرى العيب أشد من القتل، قال الواحدي:"معناه: أنه ما الذي بان منك لضارب بأقتل من الذي بان منك لعائب".

وقال صاحب "المثل السائر": "أخذه أبو الطيب من أبي تمام حيث قال:

فتىً لا يرى أن الفريضة مقتل .... ولكن يرى أن العيوب مقاتل

وسرقه".

?

ص: 305

وقد جعلت إن صلة، مثلها فيما أنشده الأخفش:

يرجّي المرء ما إن لا يراه .... وتعرض دون أدناه الخطوب

وتؤوّل بـ: أنا مكناهم في مثل ما مكناكم فيه. والوجه هو الأوّل،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (لعمرك ما أن بان): وفي بعض النسخ: "إن ما بان"، ولا يجوز الوجهان؛ لأن "ما" إذا قدمت كانت موصولةً مبتدأ، ولا تستقيم الباء في خبره، وإذا أخرت تقع الباء في خبر "إن" النافية، ولا يجوز أيضًا، لأن الباء لا تستقيم إلا في خبر "ليس"، أو "ما" بمعنى "ليس"، أو "هل".

قوله: (يرجي المرء ما أن لا يراه) البيت: قيل: هو مأخوذ من قوله: "تؤملون ما لا تدركون"، وقريب من معناه قول الآخر:

المرء قد يرجو الرجا .... ء مؤملًا والموت دونه

قوله: (والوجه هو الأول): لأن المعنى الثاني يؤدي إلى أن يقال: مكناهم في مثل ما مكناكم فيه، فيلزم تفصيل تمكين هؤلاء على أولئك، لأن المشبه به أقوى في الوجه غالبًا، وعلى الأول: معناه: ولقد مكناهم في الذي ما مكناكم فيه، والذي سيق له الكلام أن كفار مكة دون أولئك الكفار في التمكين في الأرض، كقوله تعالى:{أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ} [الأنعام: 6]، والمعنى: لم نعط أهل مكة نحو ما أعطينا عادًا وثمود وغيرهم من البسطة في الأجسام، السعة في الأموال، والاستظهار بأسباب الدنيا.

?

ص: 306

ولقد جاء عليه غير آية في القرآن؛ {هُمْ أَحْسَنُ أَثاثًا وَرِءْيًا} [مريم: 74]، {كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثارًا} [غافر: 82]، وهو أبلغ في التوبيخ، وأدخل في الحث على الاعتبار.

{مِنْ شَيْءٍ} أي: من شيء من الإغناء، وهو القليل منه. فإن قلت: بم انتصب {إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ} ؟ قلت: بقوله: {فَما أَغْنى} . فإن قلت: لم جرى مجرى التعليل؟ قلت: لاستواء مؤدى التعليل والظرف في قولك: ضربته لإساءته، وضربته إذا أساء؛ لأنك إذا ضربته في وقت إساءته، فإنما ضربته فيه لوجود إساءته فيه، إلا أن "إذ" و"حيث"، غلبتا دون سائر الظروف في ذلك.

[{وَلَقَدْ أَهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى وَصَرَّفْنَا الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} 27]

{ما حَوْلَكُمْ} يا أهل مكة، {مِنَ الْقُرى} من نحو حجر ثمود وقرية سدوم وغيرهما. والمراد: أهل القرى. ولذلك قال: {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} .

[{فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذلِكَ إِفْكُهُمْ وَما كانُوا يَفْتَرُونَ} 28]

القربان: ما تقرب به إلى الله تعالى، أي: اتخذوهم شفعاء متقربًا بهم إلى الله، حيث قالوا: هؤلاء شفعاؤنا عند الله. وأحد مفعولي "اتخذ": الراجع إلى {الَّذِينَ} المحذوف، والثاني:{آلِهَةً} . و {قُرْبَانًا} : حال، ولا يصح أن يكون {قُرْبَانًا} مفعولًا ثانيًا، و {آلِهَةً} بدلًا منه؛ لفساد المعنى. وقرئ "قربانًا" بضم الراء، والمعنى: فهلا منعهم من الهلاك آلهتهم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ولا يصح أن يكون {قُرْبَانًا} مفعولًا ثانيًا، و {آلِهَةً} بدلًا منه، لفساد المعنى): قيل: لأن الآلهة لا تتخذ قربانًا، وإنما يتقرب إليها، وقال بعضهم: لا يصح أن يقال: تقربوا بها من دون الله، لأن الآلهة لا يتقرب بها، لأنك إذا جعلت {قُرْبَانًا} مفعولًا ثانيًا لـ"اتخذ"، فكأنك قلت: اتخذوهم- أي: الأصنام- قربانًا وآلهة، والإله لا يتخذ قربانًا، فيفسد المعنى.

قال الفاضل نور الدين الحكيم الأبرقوهي: يفسد المعنى؛ لأنه لا يستقيم أن يقال: كان من حق الله أن يتخذ فربانًا، وهو اتخذوا الأصنام من دونه قربانًا، كما استقام أن يقال: كان من حق الله?

ص: 307

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أن يتخذ إلهًا، وهم اتخذوا الأصنام من دونه آلهة. هذا تقرير كلامه، وهو سديد، إلا أن لقائل أن يقول: أن المصنف ذكر في "البقرة" في قوله: {وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [البقرة: 23]: " أي: بين يدي الله، على قول، وعلى ذلك يستقيم أن يقال: اتخذوا الأصنام متقربًا بها بين يدي الله، وأيضًا قد قيل: إن {قُرْبَانًا} مفعول له، وعلى ذلك فهو غير مخصوص بما يتقرب به، فيسوغ أن يجري بمعنى المتقرب إليه، وحينئذ يستد أن يقال: إنه مفعول ثان أيضًا. هذا كلامه.

وقال مكي وأبو البقاء: "إنه مفعول ثان". وقال صاحب "الكشف": " {قُرْبَانًا} مفعول ثان قدم على الأول، أي: آلهةً ذات قربة".

وقال صاحب "التقريب": وغاية تقريره: أن اتخاذ الله قربانًا وشفعاء جهة معتبرة في النصرة، ولو جعل مبدلًا منه لكان في حكم الطرح، وخرج عن الاعتبار، وفيه نظر.

الانتصاب: "لا يصح أن يكون {قُرْبَانًا} مفعولًا ثانيًا، و {آلِهَةً} حالًا؛ لأنه يصير بمعنى الذم إلى ترك اتخاذ الله متقربًا به، لأنك إذا قلت لعبدك: اتخذت فلانًا سيدًا دوني! لمته على نسبة السيادة لغيره، والله تعالى لا يتقرب به، ولكن يتقرب إليه".

وقلت: المصنف لم يرد بـ" فساد المعنى" إلا خلاف المعنى المقصود؛ إذ لم يكن قصدهم في اتخاذهم الأصنام آلهةً على زعمهم إلا أن يتقربوا بها إلى الله تعالى، ألا ترى كيف صرح وكيف جيء بأداة الحصر في قوله:{وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3}، لاسيما في هذا المقام، لأن الذي سيق له الكلام، وجعل أصلًا في

?

ص: 308

{بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ} أي: غابوا عن نصرتهم، {وَذلِكَ} إشارة إلى امتناع نصرة آلهتهم لهم وضلالهم عنهم، أي: وذلك أثر إفكهم الذي هو اتخاذهم إياها آلهة، وثمرة شركهم وافترائهم على الله الكذب من كونه ذا شركاء.

وقرئ: "أفكهم": والإفك والأفك: كالحِذر والحَذر. وقرئ: "وذلك أفكهم"، أي: وذلك الاتخاذ الذي هذا أثره وثمرته صرفهم عن الحق. وقرئ: "أفَّكهم" على التشديد للمبالغة، و"آفكهم" جعلهم آفكين، و"آفكهم"، أي: قولهم الآفك ذو الإفك، كما تقول: قول كاذب، و"ذلك إفك مما كانوا يفترون"، أي: بعض ما كانوا يفترون من الإفك.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الاعتبار: هو التقريع والتوبيخ على عدم الشفاعة والنصرة التي جعلوها وسيلةً إليها وغرضًا في اتخاذهم آلهةً معبودة، حيث أولي كلمة التخضيض لفظ النصرة، ولو جعل مبدلًا لانعكس، سواء جعل في حكم الساقط أو توطئةً وتمهيدًا للبدل، لأن التوطئة غير مقصودة بالذات، وبه لوح في قوله:"أي: اتخذوهم شفعاء متقربًا بهم إلى الله، حيث قالوا: هؤلاء شفعاؤنا". ولو حمل على المفعول له صح أيضًا، وأفاد المقصود.

وقول من قال: إن {قُرْبَانًا آلِهَةً} مفعولان: أشد فسادًا؛ لما يؤدي إلى صيرورة الناصر والمنصور- في قوله: {فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا} - واحدًا، لأن الضمير في {اتَّخَذُوا} حينئذ راجع إلى الموصول. والمعنى الصحيح- كما ذهب إليه المصنف-: هلا نصر هؤلاء الكفار الذين اتخذوهم آلهة من دون الله متقربًا بهم إلى الله.

قوله: (وقرئ: "وذلك أفكهم"): وقال مكي: "وهو فعل ماض، و"ما" في موضع رفع أيضًا؛ عطف على ذلك، وقيل: على المضمر المرفوع في "أفكهم"، وحسن ذلك للتفرقة بالمضمر المنصوب بينهما، فقام مقام التأكيد".

قوله: (و"ذلك إفك مما كانوا يفترون"): أي: وقرئ: "إفك"، ومعنى هذه القراءة راجع إلى الأولى، لأن عطف {ومَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} على {إفْكُهُمْ} من باب عطف العام على الخاص،

?

ص: 309

[{وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ * قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ * يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ * وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} 29 - 32]

{صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَرًا} أملناهم إليك، وأقبلنا بهم نحوك. وقرئ:"صرفنا" بالتشديد، لأنهم جماعة. والنفر: دون العشرة، ويجمع: أنفارًا. وفي حديث أبي ذر رضي الله عنه: "لو كان ها هنا أحد من أنفارنا". {فَلَمَّا حَضَرُوهُ} الضمير للقرآن، أي: فلما كان بمسمع منهم، أو لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وتعضده قراءة من قرأ "فَلَمَّا قضى"، أي: أتمّ قراءته وفرع منها، {قَالُوا} قال بعضهم لبعض:{أَنْصِتُوا} اسكتوا مستمعين، يقال: أنصت لكذا، واستنصت له.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يعني: قولهم: هؤلاء شفعاؤنا، أو اتخذناهم آلهةً نتقرب بها إلى الله: إفك وبعض ما كانوا يفترون؛ قال الله تعالى: {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ} [المائدة: 103].

قوله: (وفي حديث أبي ذر رضي الله تعالى عنه: لو كان ها هنا أحد من أنفارنا): وحديثه على ما ذكر في "الفائق": "قال أبو ذر: قال أخي أنيس: أن لي حاجةً بمكة، فانطلق، فراث، فقلت: ما حبسك؟ قال: لقيت رجلًا على دينك يزعم أن الله أرسله، قلت: ما يقول الناس؟ قال: يقولون: ساحر شاعر كاهن، وكان أنيس أحد الشعراء، فقال: والله لقد وضعت قوله على أقراء الشعر فلا يلتئم على لسان أحد، ولقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم، والله إنه لصادق، وإنهم لكاذبون، فقلت: اكفني حتى أنظر، قال: نعم، وكن من أهل مكة على حذر، فإنهم قد شنفوا له وتجهموا.

?

ص: 310

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فانطلقت، فتضعفت رجلًا من أهل مكة، فقلت: أين هذا الذي تزعمونه الصابئ؟ فأشار إلي وقال: الصابئ الصابئ، فمال علي أهل الوادي بكل مدرة وعظم وحجر، فخررت مغشيًا علي، فارتفعت حين ارتفعت كأني نصب أحمر، فأتيت زمزم، فغسلت عني الدم، وشربت من مائها، ثم دخلت بين الكعبة وأستارها، فلبثت بها ثلاثين، ما بين يوم وليلة، وما لي بها طعام إلا ماء زمزم، فسمنت حتى تكسرت عكن بطني، وما وجدت على كبدي سخفة جوع.

فبينا أهل مكة في ليلة قمراء إضحيان، قد ضرب الله على أصمختهم، فما يطوف بالبيت غير امرأتين، فأتتا علي وهما تدعوان إسافًا ونائلًا، فقلت: أنكحوا إحداهما الأخرى، فما ثناهما ذلك، فقلت، وذكرت كلامًا فاحشًا لم يكن عنه، فانطلقتا وهما تقولان: لو كان ها هنا أحد من أنفارنا، فاستقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه بالليل، وهما هابطان من الجبل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما لكما؟ قالتا: صابئ بين الكعبة وأستارها، قال: فما قال لكما: فقالتا: كلمةً تملأ الفم.

ثم ذكر خروجه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتسليمه عليه، وأنه أول من حياه بتحيةً الإسلام، وقال: فذهبت لأقبل بين عينيه، فقدعني عنه صاحبه.

قوله: الريث: الإبطاء، ورجل ريث، وعن الفراء: رجل مريث العينين: إذا كان بطيء النظر. أقراء الشعر: أنحاؤه وأنواعه، جمع قرو، ويقال للبيتين أو القصيدتين: هما على قرو واحد، وقري واحد. وشنف وشنئ: أخوان، ولكن شنف لا يتعدى إلا باللام. تجهمه: كلح في وجهه وغلظ له في القول، تضعفته: استضعفته، النصب والنصب: حجر كانوا ينصبونه فيعبد وتصب عليه دماء الذبائح. يقال: وجدت سخفةً من جوع، وهي الخفة تعتري الإنسان إذا جاع، من السخف، وهي الخفة في العقل. يقال: ليلة ضحياء وإضحيان وإضحيانة، وهي المقمرة من أولها إلى آخرها، وإفعلان: مما قل في كلامهم.

?

ص: 311

روي: أنّ الجنّ كانت تسترق السمع، فلما حرست السماء، ورجموا بالشهب، قالوا: ما هذا إلا لنبإ حدث، فنهض سبعة نفر أو تسعة من أشراف جنّ نصيبين- أو نينوى-، منهم زوبعة، فضربوا، حتى بلغوا تهامة، ثم اندفعوا إلى وادي نخلة، فوافقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو قائم في جوف الليل يصلى -أو في صلاة الفجر-، فاستمعوا لقراءته، وذلك عند منصرفه من الطائف، حين خرج إليهم يستنصرهم، فلم يجيبوه إلى طلبته، وأغروا به سفهاء ثقيف. وعن سعيد بن جبير رضي الله عنه: ما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجن ولا رآهم، وإنما كان يتلو في صلاته، فمروا به، فوقفوا مستمعين وهو لا يشعر، فأنبأه الله باستماعهم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقيل: أن إسافًا كان رجلًا، ونائلة امرأة، فدخلا البيت، فوجدا خلوة، ففجرا، فمسخهما الله حجرين. الأنفار: جمع نفر، وهم الرجال خاصة ما بين الثلاثة إلى العسرة، والنفرة: مثله، وهو من النفير، لأن الرجال هم الذين إذا حزبهم أمر نفروا لكفايته، القدع والردع: أخوان". كلها في"الفائق".

وذكر ابن عبد البر في"الاستيعاب" حديث إسلام أبي ذر بغير هذا الوجه، والله أعلم.

قوله: (زوبعة): النهاية: "التزبع: التغير وسوء الخلق وقلة الاستقامة، كأنه من الزوبعة؛ الريح المعروفة".

قوله: (وعن سعيد بن جبير: ما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم [على الجن] ولا رآهم): هذا يخالف ما روينا عن مسلم والترمذي وأبي داود عن علقمة، قلت لابن مسعود: هل صخب النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن منكم أحد، قال: ما صحبه منا أحد، ولكنا كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، ففقدناه، فالتمسناه في الأودية والشعاب، فقلنا: استطير أو اغتيل، فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء، قال: فقلنا: يا رسول الله، فقدناك وطلبناك فلم نجدك،

?

ص: 312

وقيل: بل أمر الله رسوله أن ينذر الجنّ، ويقرأ عليهم، فصرف إليه نفرًا منهم، جمعهم له، فقال:"إني أمرت أن أقرأ على الجنّ الليلة، فمن يتبعني؟ " قالها ثلاثًا، فأطرقوا إلا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: لم يحضره ليلة الجنّ أحد غيري،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فبتنا بشر بات بها قوم، قال: أتاني داعي الحن، فذهبت معه، وقرأت عليهم القرآن، قال: فانطلق بنا، فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم، وسألوه الزاد، فقال: لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم"، الحديث.

وفي رواية لمسلم: أن ابن مسعود قال: "لم أكن ليلة الجن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووددت أني كنت معه".

قوله: (إلا عبد الله بن مسعود، قال: لم يحضره ليلة الجن أحد غيري) الحديث: من رواية الإمام أحمد بن حنبل عن ابن مسعود: "قمت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن، وأخذت إداوة، ولا أحسبها إلا ماء، حتى إذا كنا بأعلى مكة رأيت أسودةً مجتمعة، قال: فخط لي رسول الله صلى الله عليه وسلم [خطأ]، ثم قال: قم هاهنا حتى آتيك، ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم، فرأيتهم يتثورون إليه، فسمر معهم ليلًا طويلًا، حتى جاءني مع الفجر، وقال لي: هل معك من وضوء؟ قلت: نعم، ففتحت الإداوة فإذا هو نبيذ، فقلت: ما كنت أحسبها إلا ماء، فإذا هو نبيذ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تمرة طيبة وماء طهور، فتوضأ منها، ثم قام يصلي، فأدركه شخصان منهم.

?

ص: 313

فانطلقنا، حتى إذا كنا بأعلى مكة في شعب الحجون، فخط لي خطًا، وقال:"لا تخرج منه حتى أعود إليك"، ثم افتتح القرآن، وسمعت لغطًا شديدًا، حتى خفت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وغشيته أسودة كثيرة حالت بيني وبينه، حتى ما أسمع صوته، ثم انقطعوا كقطع السحاب، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم:"هل رأيت شيئا؟ ". قلت: نعمن رجالًا سودًا مستثفري ثياب بيض. فقال: "أولئك جنّ نصيبين"، وكانوا اثني عشر ألفًا، والسورة التي قرأها عليهم:{اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ} [العلق: 1].

فإن قلت: كيف قالوا: {مِنْ بَعْدِ مُوسى} ؟ قلت: عن عطاء: أنهم كانوا على اليهودية. وعن ابن عباس: إنّ الجنّ لم تكن سمعت بأمر عيسى عليه السلام، فلذلك قالت:{مِنْ بَعْدِ مُوسَى} . فإن قلت: لم بعّض في قوله: {مِنْ ذُنُوبِكُمْ} ؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فصفهما خلفه، ثم صلى بنا، فقلت: من هؤلاء يا رسول الله؟ قال: جن نصيبين".

قوله: (في شعب الحجون): الحجون: موضع فيه مقابر مكة، أنشد لجرهم:

كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا .... أنيس ولم يسمر بمكة سامر

بلى نحن كنا أهلها فأبادنا .... صروف الليالي والجدود العواثر

قوله: (أسودة): النهاية: " أسودة: جمع قلة لـ"سواد"، وهو الشخص، لأنه يرى من بعيد أسود".

قوله: (مستثفري ثياب): النهاية: "وهو أن يدخل الرجل ثوبه بين رجليه، كما يفعل الكلب بذنبه".

?

ص: 314

قلت: لأن من الذنوب ما لا يغفر بالإيمان كذنوب المظالم ونحوها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (لأن من الذنوب ما لا يغفر بالإيمان): وقلت: قد استقصينا القول في هذا المعنى في سورة إبراهيم عليه السلام، وعند قوله:{أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ * يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ} [نوح: 3 - 4] في سورة نوح عليه السلام.

الانتصاف: "الحربي إذا نهب الأموال، وسفك الدماء، ثم حسن إسلامه، جب الإسلام ما تقدم، ويقال: إنه لا يرد وعد المغفرة للكافر على تقدير الإيمان في كتاب الله إلا مبعضة، وهذا منه، فلعل سره: أن مقام الكافر قبض لا بسط، فلذلك لم يبسط رجاؤه في مغفرة كل الذنوب".

قال صاحب "الانتصاف": مقام الكافر عند ترغيبه في الإسلام بسط لا قبض، وقد أمر الله موسى أن يقول لفرعون قولًا لينًا، وقد ورد:{إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال: 38]، وهي غير مبعضة، و "ما" للعموم، ولا سيما وقد وقعت في الشرط، والحديث الصحيح ينصر هذا التأويل، وقد أوردناه في سورة إبراهيم عليه السلام.

?

ص: 315

ونحوه قوله عزّ وعلا: {أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ * يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ} [نوح: 3 - 4]. فإن قلت: هل للجنّ ثواب كما للإنس؟ قلت: اختلف فيه: فقيل: لا ثواب لهم إلا النجاة من النار، لقوله:{وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ} ، وإليه كان يذهب أبو حنيفة رحمه الله، والصحيح أنهم في حكم بني آدم، لأنهم مكلفون مثلهم.

{فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ} أي: لا ينجي منه مهرب، ولا يسبق قضاءه سابق، ونحوه قوله:{وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا} [الجن: 12].

[{أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} 33]

{بِقادِرٍ} محله الرفع؛ لأنه خبر "أن"، يدل عليه قراءة عبد الله:"قادر"، وإنما دخلت الباء لاشتمال النفي في أوّل الآية على "أن" وما في حيزها. وقال الزجاج: "لو قلت: ما ظننت أنّ زيدًا بقائم، جاز. كأنه قيل: أليس الله بقادر؟ ! ، ألا ترى إلى وقوع {بَلَى} مقرّرة للقدرة على كل شيء من البعث وغيره، لا لرؤيتهم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وقال الزجاج): وفي "كتابه": "دخلت الباء في خبر "أن" لدخول {أَوَ لَمْ} في أول الكلام، ولو قلت: "ظننت أن زيدًا بقائم" لم يجز، ولو قلت: "ما ظننت أن زيدًا بقائم" جاز؛ لدخول "ما"، ودخول "أن" إنما هو توكيد الكلام، فكأنه في تقديره: أليس الله بقادر على أن يحيي الموتى".

قوله: (وقوع {بَلَى} مقررة للقدرة، لا لرؤيتهم): يعني: "بلى" كلمة إيجاب يجاب بها النفي، وقوله:{أَوَ لَمْ يَرَوْا} فيه نفي، وهي ليست بمقررة له، لأن المعنى لا يساعد عليه، بل لقوله:{بِقَادِرٍ} من حيث المعنى، قال القاضي:" {بَلَى} تقرير للقدرة على وجه عام، ليكون كالبرهان على المقصود، كأنه تعالى لما صدر السورة بتحقيق المبدأ، أراد ختمها بإثبات المعاد".

?

ص: 316

وقرئ: "يقدر"، ويقال: عييت بالأمر: إذا لم تعرف وجهه. ومنه: {أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ} [ق: 15].

[{وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ} 34]

{أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ} محكي بعد قول مضمر، وهذا المضمر هو ناصب الظرف، و {هَذَا} إشارة إلى العذاب، بدليل قوله تعالى:{فَذُوقُوا الْعَذابَ} ، والمعنى: التهكم بهم، والتوبيخ لهم على استهزائهم بوعد الله ووعيده، وقولهم:{وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} [الشعراء: 138].

[{فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ ساعَةً مِنْ نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ} 35]

{أُولُوا الْعَزْمِ} أولوا الجد والثبات والصبر، و {مِنَ} يجوز أن تكون للتبعيض، ويراد بأولي العزم: بعض الأنبياء، قيل: هم نوح صبر على أذى قومه، كانوا يضربونه حتى يغشى عليه، وإبراهيم على النار وذبح ولده، وإسحاق على الذبح، ويعقوب على فقد ولده وذهاب بصره، ويوسف على الجب والسجن، وأيوب على الضرّ، وموسى قال له قومه:{إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبَّي سَيَهْدِينِ} [الشعراء: 61 - 62]، وداود بكى على خطيئته أربعين سنة، وعيسى لم يضع لبنة على لبنة، وقال: إنها معبر،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ويراد بأولي العزم: بعض الأنبياء): قال القاضي: "وهم أصحاب الشرائع، اجتهدوا في تأسيسها وتقريرها، وصبروا على تحمل مشاقها ومعاداة الطاعنين فيها".

قوله: (معبرة): وفي نسخة: "معبرة"، روي عن المصنف: المعبر- بفتح الميم-: موضع العبور، كالجسر والقنطرة، وبكسره: السفينة المعبرة.

?

ص: 317

فاعبروها ولا تعمروها. وقال الله تعالى في آدم: {وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا} [طه: 115]، وفي يونس:{وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ} [القلم: 48].

ويجوز أن تكون للبيان، فيكون:{أُولُو الْعَزْمِ} صفة الرسل كلهم.

{وَلا تَسْتَعْجِلْ} لكفار قريش بالعذاب، أي: لا تدع لهم بتعجيله، فإنه نازل بهم لا محالة، وإن تأخر، وأنهم مستقصرون حينئذ مدّة لبثهم في الدنيا حتى يحسبوها {ساعَةً مِنْ نَهارٍ} .

{بَلاغٌ} أي: هذا الذي وعظتم به كفاية في الموعظة، أو هذا تبليغ من الرسول عليه السلام، {فَهَلْ يُهْلَكُ} إلا الخارجون عن الاتعاظ به، والعمل بموجبه، ويدل على معنى التبليغ قراءة من قرأ:"بلغ فهل يهلك"، وقرئ:"بلاغًا"، أي بلغوا بلاغًا، وقرئ:"يهلك" بفتح الياء وكسر اللام وفتحها؛ مِن: هلك وهلِك، و"نهلك" بالنون، {إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ} .

وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة الأحقاف كتب له عشر حسنات بعدد كل رملة في الدنيا» .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (فيكون {أُوْلُوا العَزْمِ} صفة الرسل): أي: من حيث المعنى، لأن {مِنَ الرُّسُلِ} على هذا: حال من "أولي العزم"، وفي الحقيقة: الحال بيان لهيئة صاحبها، كالصفة، وعلى الأول:"من" للتبعيض.

قوله: (أو هذا تبليغ): قال القاضي: " {هَذَا} الذي وعظتم به، أو هذه السورة، {بَلَاغٌ} أي: كفاية، أو تبليغ من الرسول صلى الله عليه وسلم، وقيل: {بَلَاغٌ} مبتدأ، والخبر: {لَهُمْ}، وما بينهما اعتراض، أي: لهم وقت يبلغون إليه، كأنهم إذا بلغوه ورأوا ما فيه، استقصروا مدة عمره".

وقلت: الذي هو أقضى لحق البلاغة: أن تجعل الآية كالخاتمة للسورة، والفذلكة لما

?

ص: 318

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اشتملت عليه، ويقد:"هذا تبليغ"، ويكون اتصال ما بعد الفاء بـ {بَلَاغٌ} اتصال الحكم بالوصف، والمعنى: كن صابرًا على أذي قومك، ولا تضجر منهم، ولا تستعجل نزول العذاب، وأد ما عليك، والزم الحجة عليهم، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حي عن بينة.

ويعضده ما رواه الواحدي عن الزجاج: "تأويله: لا يهلك- مع رحمة الله وتفضيله- إلا القوم الفاسقون. ولهذا قال قوم: وما في الرجاء لرحمة الله آية أقوى من هذه الآية".

نظيره في خاتمة سورة الأنبياء: {إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ} [الأنبياء: 106]، قال:"الإشارة إلى المذكور في هذه السورة من الأخبار والوعد والوعيد والمواعظ البالغة، والبلاغ: الكفاية، وما تبلغ به "البغية"، والله أعلم.

* * *

?

ص: 319

‌سورة محمد

صلى الله عليه وسلم

مدنية عند مجاهد، وقال الضحاك وسعيد بن جبير: مكية

وهي سورة القتال

وهي تسعة وثلاثون آية، وقيل: ثمان

بسم الله الرحمن الرحيم

[{الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بالَهُمْ} 1 - 2]

{وَصَدُّوا} وأعرضوا وامتنعوا عن الدخول في الإسلام، أو صدّوا غيرهم عنه، قال ابن عباس رضي الله عنه: هم المطعمون يوم بدر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

سورة محمد صلى الله عليه وسلم

مدنية، وقال الضحاك وسعيد بن جبير: مكية

وهي تسعة وثلاثون، وقيل: ثمان وثلاثون آية

بسم الله الرحمن الرحيم

قوله: ({وَصَدُّوا} وأعرضوا وامتنعوا عن الدخول في الإسلام، أو صدوا غيرهم): صد: يجيء متعديًا ولازمًا، الجوهري:"صد عنه يصد صدودًا: أعرض، وصده عن الأمر صدًا: منعه، وأصده عنه: لغة".

والتفسير الثاني أشد التئامًا للقرينة السابقة باللاحقة، فإن قوله:{وصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ} إذا فسر بـ"صدوا غيرهم" يكون من باب العطف للخاص على العام، لأ، إضلال الغير

?

ص: 320

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أشد توغلًا في الضلال من ضلال الشخص، كما أن قوله:{وآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ} كذلك، ولذلك قال:" {وآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ}: اختصاص للإيمان بالمنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين ما يجب الإيمان به"، فالمعنى: فالذين كفروا وما آمنوا بما نزل على محمد وصدوا غيرهم عن الإيمان به، واغتروا بما كانوا عليه من مكارم الأخلاق: أبطل الله أعمالهم.

وفي قوله: {وَهُوَ الْحَقُّ} واعتراضه بين الكلام: إيذان بأن أعمال أولئك لسادة ثابتة غير زائلة، لأن "الحق" في مقابلة "الباطل"، قال الواحدي:" {كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ}: سترها عليهم بأن غفرها، فلا يحاسبون عليها يوم القيامة، وليس كما أضل أعمال الكفار".

وقلت: وفيه الإشعار بأن أعمال الكفار- وإن كانت حسنات- يضلها الله تعالى في غمرات كفرهم وحزمان متابعة الحق المنزل من عند الله، وأن سيئات المؤمنين يسترها الله في كنف إيمانهم ومتابعتهم الحق، وإليه وقعت الإشارة بقوله:{كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ} .

وفيه إدماج لإبطال قول من يقول باستقلال العقل، وأن الأوضاع الشرعية مكملة للناقصين، وهم كملة مهذبون لا يفتقرون إليها، ولهدم قاعدة الحسن والقبح العقلي.

ثم إنه تعالى أكد هذا المعنى بتعقيب قول: {ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا البَاطِلَ} الآية؛ إيضاحًا وبيانًا لما أوقع تعريضًا في قوله: {وهُوَ الحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ} بإهدار أعمال الكافرين، وكالتعليل لتكفير سيئات المؤمنين، وإصلاح بالهم، وإليه الإشارة بقوله:"وهذا الكلام يسميه علماء البيان: التفسير"، ومن باب التفسير ما أنشده لنفسه:

?

ص: 321

وعن مقاتل: كانوا اثني عشر رجلًا من أهل الشرك، يصدّون الناس عن الإسلام، ويأمرونهم بالكفر. وقيل: هم أهل الكتاب الذين كفروا وصدّوا من أراد منهم ومن غيرهم أن يدخل في الإسلام. وقيل: هو عامّ في كل من كفر وصدّ.

{أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ} أبطلها وأحبطها، وحقيقته: جعلها ضالة ضائعة ليس لها من يتقبلها ويثيب عليها، كالضالة من الإبل التي هي بمضيعة لا ربّ لها يحفظها ويعتنى بأمرها، أو جعلها ضالة في كفرهم ومعاصيهم ومغلوبة بها، كما يضل الماء في اللبن.

و{أَعْمَالَهُمْ} : ما عملوه في كفرهم بما كانوا يسمونه مكارم؛ من صلة الأرحام، وفك الأسارى، وقرى الأضياف، وحفظ الجوار. وقيل: أبطل ما عملوه من الكيد لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والصدّ عن سبيل الله، بأن نصره عليهم، وأظهر دينه على الدين كله.

{وَالَّذِينَ آمَنُوا} قال مقاتل: هم ناس من قريش، وقيل: من الأنصار، وقيل: هم مؤمنو أهل الكتاب، وقيل: هو عام. وقوله: {وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ} اختصاص للإيمان بالمنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين ما يجب الإيمان به؛ تعظيمًا لشأنه وتعليمًا، لأنه لا يصح الإيمان ولا يتم إلا به، وأكد ذلك بالجملة الاعتراضية التي هي قوله:{وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ} ، وقيل: معناها إنّ دين محمد هو الحق، إذ لا يرد عليه النسخ، وهو ناسخ لغيره.

وقرئ: {نُزِّلَ {و"أنزل"، على البناء للمفعول، و"نزّل" على البناء للفاعل، و"نزل" بالتخفيف.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

به فجع الفرسان فوق خيولهم .... كما فجعت تحت الستور العواتق

تساقط من أيديهم البيض حيرةً .... وزعزع عن أجيادهن المخانق

قوله: (وقرئ: {نُزِّلَ} و"أنزل"): الأولى هي المشهورة، والبواقي شاذة.

?

ص: 322

{كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ} ستر بإيمانهم وعملهم الصالح ما كان منهم من الكفر والمعاصي، لرجوعهم عنها وتوبتهم، {وَأَصْلَحَ بالَهُمْ} أي: حالهم وشأنهم بالتوفيق في أمور الدين، وبالتسليط على الدنيا، بما أعطاهم من النصرة والتأييد.

[{ذلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْباطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثالَهُمْ} 3]

{ذلِكَ} مبتدأ، وما بعده خبره، أي: ذلك الأمر -وهو إضلال أعمال أحد الفريقين، وتكفير سيئات الثاني- كائن بسبب اتباع هؤلاء الباطل وهؤلاء الحق. ويجوز أن يكون {ذَلَكَ} خبر مبتدأ محذوف، أي: الأمر كما ذكر بهذا السبب، فيكون محل الجار والمجرور منصوبًا على هذا، ومرفوعًا على الأوّل.

و{الْباطِلَ} : ما لا ينتفع به، وعن مجاهد: الباطل: الشيطان، وهذا الكلام يسميه علماء البيان: التفسير، {كَذلِكَ} مثل ذلك الضرب {يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثالَهُمْ} ، والضمير راجع إلى الناس، أو إلى المذكورين من الفريقين، على معنى: أنه يضرب أمثالهم لأجل الناس ليعتبروا بهم.

فإن قلت: أين ضرب الأمثال؟ قلت: في أن جعل اتباع الباطل مثلًا لعمل الكفار، واتباع الحق مثلًا لعمل المؤمنين، أو في أن جعل الإضلال مثلًا لخيبة الكفار، وتكفير السيئات مثلًا لفوز المؤمنين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (فيكون محل الجار والمجرور منصوبًا): قال صاحب "التقريب": أي: على الحال.

قوله: (أين ضرب الأمثال؟ ): يعني: معنى ضرب المثل: استعمال القول السائر المشبه مضربه بمورده، وأين ذلك هاهنا؟ وأجاب: بأن "المثل" هاهنا مستعار للتمثيل وتشبيه حالتي المؤمنين والكافرين، وصفتهم العجيبة الشأن.

?

ص: 323

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ثم إن المشار إليه بقوله: {كَذَلِكَ} : إما معنى الآية الثالثة، أو الأولى والثانية. فالمعنى على الثاني: حالة أولئك البعداء عن الله في أن أعمالهم الحسنة ضلت وبطلت وصارت هباءً منثورًا، وحالة هؤلاء المقربون في أن أعمالهم السيئة اضمحلت وتلاشت، وما اكتفى بذلك، بل زيد إصلاح بالهم، كقوله تعالى:{أُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} [الفرقان: 70]: من الصفات العجيبة الشأن التي يصح أن يكون موقعًا لضرب المثل، وتسير في الآفاق.

وعلى الأول: صفة الكفار في أنهم اتبعوا الباطل مع وضوح الحق فخابوا، وصفة المؤمنين في أنهم اتبعوا الحق ففازوا: من الأمثال. والأول أبلغ وأحسن.

فإن قلت: ترتب قوله: {فَإذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ} على القول السابق، وأن يفسر قوله:{وصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ} بأن صدوا غيرهم، والمراد المطعمون يوم بدر: ظاهر، فما وجهه على القول الأول، وهو أن يفسر "صدوا" بـ "امتنعوا".

قلت: وجهه عليه أظهر؛ لأن المعنى: أيها المؤمنين، إذا ظهر أن تأسيس أمر الكفار على الباطل، وتأسيس أمركم على الحق، وقد اشتهر أن "الحق أبلج، والباطل لجلج"، فلا تبالوا بالكفار وباجتماعهم واستعدادهم، واعتمدوا على نصرة الله أهل الحق، وخذلانه أهل الباطل، وكونوا على بال من وعد الله أنه يصلح بال أهل الحق، ويضل أعمال أعدائهم، وإذا لقيتم الذين تحزبوا عليكم، فلتوجد منكم الغلظة والشدة بضرب الأعناق بلا توان وإمهال، ولذلك اختصر الفعل، واقتصر على المصدر المؤكد، وعبر عن القتل بـ"ضرب الرقاب"،

?

ص: 324

[{فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ * وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ} 4 - 6]

{لَقِيتُمُ} من اللقاء، وهو الحرب، {فَضَرْبَ الرِّقابِ} أصله: فاضربوا الرقاب. ضربًا، فحذف الفعل وقدّم المصدر، فأنيب منابه مضافًا إلى المفعول، وفيه اختصار مع إعطاء معنى التوكيد، لأنك تذكر المصدر وتدل على الفعل بالنصبة التي فيه.

وضرب الرقاب: عبارة عن القتل، لأنّ الواجب أن تضرب الرقاب خاصة دون غيرها من الأعضاء، وذلك أنهم كانوا يقولون: ضرب الأمير رقبة فلان، وضرب عنقه وعلاوته، وضرب ما فيه عيناه: إذا قتله، وذلك أن قتل الإنسان أكثر ما يكون بضرب رقبته، فوقع عبارة عن القتل، وإن ضرب بغير رقبته من المقاتل، كما ذكرنا في قوله:{بِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} [الشورى: 30]، على أن في هذه العبارة من الغلظة والشدّة ما ليس في لفظ القتل، لما فيه من تصوير القتل بأشنع صورة، وهو حز العنق، وإطارة العضو الذي هو رأس البدن وعلوه وأوجه أعضائه، ولقد زاد في هذه الغلظة في قوله:{فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ} [الأنفال: 12].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وتمم المعنى بقوله: {فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} [الأنفال: 12]، ووضع {الَّذِينَ كَفَرُوا} موضع الضمير، وأعيد ذكر {فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ ويُصْلِحُ بَالَهُمْ} .

قوله: (وضرب عنقه وعلاوته): المغرب: "العلاوة: ما علق على البعير بعد حمله من مثل الإداوة والسفرة، وقولهم: فضرب علاوة رأسه؛ مجاز".

?

ص: 325

{أَثْخَنْتُمُوهُمْ} أكثرتم قتلهم وأغلظتموه؛ من الشيء الثخين: وهو الغليظ، أو أثقلتموهم بالقتل والجراح حتى أذهبتم عنهم النهوض، {فَشُدُّوا الْوَثاقَ} فأسروهم، والوثاق -بالفتح والكسر- اسم ما يوثق به.

{مَنًّا} و {فِداءً} منصوبان بفعليهما مضمرين، أي: فإمّا تمنون منا، وإما تفدون فداء، والمعنى: التخيير بعد الأسر بين أن يمنوا عليهم فيطلقوهم، وبين أن يفادوهم.

فإن قلت: كيف حكم أسارى المشركين؟ قلت: أمّا عند أبي حنيفة وأصحابه: فأحد أمرين: إمّا قتلهم، وإمّا استرقاقهم، أيهما رأى الإمام، ويقولون في المنّ والفداء المذكورين في الآية: نزل ذلك في يوم بدر، ثم نسخ. وعن مجاهد: ليس اليوم منّ ولا فداء، وإنما هو الإسلام أو ضرب العنق.

ويجوز أن يراد بالمنّ: أن يمنّ عليهم بترك القتل ويسترقوا، أو يمنّ عليهم فيخلوا لقبولهم الجزية، وكونهم من أهل الذمّة، وبالفداء: أن يفادى بأساراهم أسارى المشركين، فقد رواه الطحاوي مذهبًا عن أبي حنيفة، والمشهور أنه لا يرى فداءهم، لا بمال ولا بغيره، خيفة أن يعودوا حربًا للمسلمين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (والوثاق- بالفتح والكسر-: اسم ما يوثق به): الراغب: "وثقت به أثق ثقة: سكنت إليه، واعتمدت عليه، وأوثقته: شددته، وما يشد به: وثاق، قال تعالى: {وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ} [الفجر: 26]، وقوله: {فَشُدُّوا الوَثَاقَ}، والميثاق: عقد مؤكد بيمين وعهد، والموثق: اسم منه، قال تعالى: {حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ} [يوسف: 66]، والوثقى: قريبة من الموثق، وقالوا: رجل ثقة، وقوم ثقة، وناقة موثقة الخلق: محكمته".

?

ص: 326

وأما الشافعي فيقول: للإمام أن يختار أحد أربعة على حسب ما اقتضاه نظره للمسلمين، وهو: القتل، والاسترقاق، والفداء بأسارى المسلمين، والمن. ويحتج بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم منّ على أبي عروة الحجبي، وعلى ثمامة بن أثال الحنفي، وفادى رجل برجلين من المشركين. وهذا كله منسوخ عند أصحاب الرأي.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وأما الشافعي فيقول: للإمام أن يختار أحد أربعة): قال القاضي: "هو ثابت عندنا، فإن الذكر الحر المكلف إذا أسر: فالإمام مخير بين القتل والمن والفداء والاسترقاق".

قوله: (الحجبي): في "الجامع": "يفتح الحاء وفتح الجيم والباء الموحدة؛ منسوبًا إلى الحجبة جمع حاجب، والمراد بهم: حجبة البيت الحرام من بني عبد الدار، وهو خارج عن القياس، نسبوا إلى الجمع لكثرة الاستعمال".

قوله: (أثال الحنفي): ولعل الظاهر: ثمامة بن أثال بن النعمان، قال صاحب "الجامع":"هو سيد أهل اليمامة، كان أسر، فأطلقه النبي صلى الله عليه وسلم، فأسلم وحسن إسلامه".

قوله: (وهذا كله منسوخ عند أصحاب الرأي): قال الواحدي: "ذهب جماعة من المفسرين إلى نسخ المن والفداء بالقتل، لقوله تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} [التوبة: 5]، وقوله تعالى: {فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ} [الأنفال: 57]، وهو قول قتادة ومجاهد والحسن والسدي".

?

ص: 327

وقرئ: "فدًى" بالقصر مع فتح الفاء.

أوزار الحرب: آلاتها وأثقالها التي لا تقوم إلا بها، كالسلاح والكراع، قال الأعشى:

وأعددت للحرب أوزارها .... رماحًا طوالًا وخيلًا ذكورا

وسميت: أوزارها؛ لأنه لما لم يكن لها بد من جرّها، فكأنها تحملها وتستقل بها، فإذا انقضت فكأنها وضعتها. وقيل: أوزارها: آثامها، يعني: حتى يترك أهل الحرب- وهم المشركون- شركهم ومعاصيهم بأن يسلموا.

فإن قلت: {حَتَّى} بم تعلقت؟ قلت: لا تخلو: إما أن تتعلق بالضرب والشد، أو بالمن والفداء، فالمعنى على كلا المتعلقين عند الشافعي رحمه الله: أنهم لا يزالون على ذلك أبدًا إلى أن لا يكون حرب مع المشركين، وذلك إذا لم يبق لهم شوكة، وقيل: إذا نزل عيسى ابن مريم عليه السلام. وعند أبي حنيفة رحمه الله: إذا علق بالضرب والشد: فالمعنى: أنهم يقتلون ويؤسرون حتى تضع جنس الحرب الأوزار، وذلك حين لا تبقى شوكة للمشركين، وإذا علق بالمن والفداء: فالمعنى: أنه يمن عليهم ويفادون حتى تضع حرب بدر أوزارها، إلا أن يتأول المن والفداء بما ذكرنا من التأويل.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (إلا أن يتأول المن والفداء): استثناء من قوله: "فالمعنى"، يعني: إذا علقت {حَتَّى} بالمن والفداء على مذهب أبي حنيفة، فالمعنى: حتى تضع حرب بدر أوزارها، فإذا مضت لا يكون من ولا فداء، إلا أن يفسر المن بالاسترقاق وبأخذ الجزية، والفداء بأن يفادى أساراهم بأسارى المشركين، كما روى الطحاوي عن أبي حنيفة، فحينئذ لا يحتاج إلى تقدير:"حرب بدر".

قال الزجاج: " {حَتَّى} موصولة بالقتل والأسر، والمعنى: فاقتلوهم وأسروهم حتى تضع الحرب أوزارها، والتقدير: حتى يسلموا ويؤمنوا فلا يجب أن تحاربوهم، فما دام الكفر فالجهاد والحرب قائمة أبدًا".

?

ص: 328

{ذلِكَ} أي: الأمر ذلك، أو افعلوا ذلك، {لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ} لانتقم منهم ببعض أسباب الهلكة؛ من خسف، أو رجفة، أو حاصب، أو غرق، أو موت جارف، {وَلكِنْ} أمركم بالقتال ليبلو المؤمنين بالكافرين أن يجاهدوا ويصبروا حتى يستوجبوا الثواب العظيم، والكافرين بالمؤمنين بأن يعاجلهم على أيديهم ببعض ما وجب لهم من العذاب.

وقرئ: {قُتِلُوا} ، بالتخفيف والتشديد، و"قتلوا"، و"قاتلوا"، وقرئ:{فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ} ، و"تضل أعمالهم" على البناء للمفعول، و"يضل أعمالهم"؛ من: ضل. وعن قتادة: أنها نزلت في يوم أحد.

{عَرَّفَها لَهُمْ} أعلمها لهم وبينها بما يعلم به كل أحد منزلته ودرجته من الجنة. قال مجاهد: يهتدي أهل الجنة إلى مساكنهم منها لا يخطئون، كأنهم كانوا سكانها منذ خلقوا لا يستدلون عليها. وعن مقاتل: إن الملك الذي وكل بحفظ عمله في الدنيا يمشي بين يديه، فيعرفه كل شيء أعطاه الله. أو طيبها لهم، من العرف، وهو طيب الرائحة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: ({ذَلِكَ} أي: الأمر ذلك): قيل: هو إشارة إلى ما تقدم من أول السورة إلى هنا، وهذا بمنزلة قولهم في الكتاب:"هذا، وقد كان كيت وكيت"، والظاهر أن المشار إليه ما دل عليه قوله:{فَإذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ} إلى آخره، بدليل قوله:"أو فعلوا ذلك".

قوله: (أو موت جارف): الأساس: "جرف الشيء واجترفه: ذهب به كله، وجرف الطين والزبل عن وجه الأرض: سحاه بالمجرفة، وتجرفته السيول".

قوله: (وقرئ: {قُتِلُوا}): بالتخفيف وضم القاف: أبو عمرو وحفص، والباقون:"قاتلوا". و {فَلَنْ يُضِلَّ} بالياء التحتانية: السبعة.

?

ص: 329

وفي كلام بعضهم: عزف كنوح القماري، وعرف كفوح القماري. أو: حددها لهم، فجنة كل أحد محدودة مفرزة عن غيرها، من: عرف الدار وأرَّفها، والعرف والأرف: الحدود.

[{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ} 7]

{إِنْ تَنْصُرُوا} دين (اللَّهَ) ورسوله {يَنْصُرْكُمْ} على عدوكم، ويفتح لكم، {وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ} في مواطن الحرب، أو على محجة الإسلام.

[{وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ * ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ} 8 - 9]

{وَالَّذِينَ كَفَرُوا} يحتمل الرفع على الابتداء، والنصب بما يفسره، {فَتَعْسًا لَهُمْ} ، كأنه قال: أتعس الذين كفروا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (عزف كنوح القماري): العزف-بالزاي-: الصوت، الجوهري:"المعازف: الملاهي، وعزف الرياح: أصواتها".

قوله: (أو: حددها): عطف على"طيبها".

وقلت: ويمكن أن يكنى بالعرف عن التعريف، قال:

أرادوا ليخفوا قبرها عن محبها .... فطيب تراب القبر دل على القبر

أي: كل يهتدي إلى جنته بروح عمله. هذا قريب من قول مجاهد.

قوله: (كأنه قال: أتعس الذين كفروا): فعلى هذا، هو عطف على قوله تعالى: {وَيُثَبِّتْ

ص: 330

فإن قلت: علام عطف قوله: {وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ} ؟ قلت: على الفعل الذي نصب "تعسًا"، ولأنّ المعنى: فقال: تعسًا لهم، أو: فقضى: تعسًا لهم. و"تعسًا له": نقيض «لعاله» ، قال الأعشى:

فالتّعس أولى لها من أن أقول: لعا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أَقْدَامَكُمْ}، أي: يثبت الله أقدام المؤمنين، ويتعس الكفار، والفاء في قوله:{فَتَعْسًا لَّهُمْ} : كما في قوله: {فَإِذَا قَرَاتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ} ، أي: أراد الله أن يتعسهم، فقضى: تعسًا لهم، أو: فقال: تعسًا لهم، كقوله تعالى:{إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس: 82]، كما قدرهما المصنف.

وعلى أن يكون ابتداء: هو عطف جملة على جملة شرطية مثلها، ولذلك أدخلت الفاء في خبر الموصول، كما قدره الزجاج، فالمراد بالذين كفروا: من يضاد الذين ينصرون دين الله، كأنه قيل: أن تنصروا الله ينصركم، ومن لم ينصره فتعسًا له، فوضع"الذين كفروا" موضع"من لم ينصره" تغليظًا. هذا القول أوفق لأسلوب السورة من التقابل المعنوي.

قوله: (فالتعس أولى لها من أن أقول: لعا): تمامه في"الصحاح":

بذات لوث عفرناة إذا عثرت

لعوة الجوع: حدته، ويقال للعاثر:"لعًا لك" دعاء عليه بأن ينتعش، واللوث- بالفتح-: القوة، ناقة عفرناة: قوية، بالعين المهملة والفاء والنون، والألف للإلحاق، قبله:

كلفت مجهولها نفسي وشايعني .... همي عليها إذا ما آلها لمعا

?

ص: 331

يريد: فالعثور والانحطاط أقرب لها من الانتعاش والثبوت.

وعن ابن عباس: يريد في الدنيا: القتل، وفي الآخرة: التردي في النار.

{كَرِهُوا} القرآن و {مَا أَنْزَلَ اللهُ} فيه من التكاليف والأحكام، لأنهم قد ألفوا الإهمال وإطلاق العنان في الشهوات والملاذ، فشق عليهم ذلك وتعاظمهم.

[{أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها} 10]

دمره: أهلكه، ودمر عليه: أهلك عليه ما يختص به، والمعنى: دمر الله عليهم ما اختص بهم من أنفسهم وأموالهم وأولادهم وكل ما كان لهم، {وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها} الضمير للعاقبة المذكورة أو للهلكة، لأن التدمير يدل عليها، أو للسنة، لقوله عزّ وعلا:{سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا} [الأحزاب: 62].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المعنى: قوي همي على قطع بلدة مجهولة الأعلام إذا ما سرابها يلمع، بناقة ذات قوة غليظة.

قال الزجاج: "الذين: مبتدأ، والخبر: {فَتَعْسًا لَّهُمْ}، ويجوز أن يكون نصبًا على معنى: أتعسهم الله، والتعس: الانحطاط والعثور". وقال مكي: " (الذين كفروا): مبتدأ، وما بعده: الخبر، و (تعسًا): نصب على المصدر، وهو مشتق عن فعل مستعمل، ويجوز الرفع على الابتداء، و {لَّهُمْ}: الخبر، والجملة: خبر (الذين) ".

قوله: (ودمر عليه: أهلك عليه ما يختص به): الأساس: "دمر عليهم، وهو إهلاك مستأصل، ودمرت على القوم: هجمت عليهم بغير استئذان، دمورًا".

?

ص: 332

[{ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ} 11]

{مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا} وليهم وناصرهم، وفي قراءة ابن مسعود:"ولي الذين آمنوا"، ويروى: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في الشعب يوم أحد، وقد فشت فيهم الجراحات، وفيه نزلت، فنادى المشركون: اعل هبل، فنادى المسلمون: الله أعلى وأجل، فنادى المشركون: يوم بيوم، والحرب سجال، إن لنا عزى ولا عزى لكم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«قولوا الله مولانا ولا مولى لكم، إن القتلى مختلفة: أما قتلانا فأحياء يرزقون، وأما قتلاكم ففي النار يعذبون» .

فإن قلت: قوله تعالى: {وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ} [يونس: 30] مناقض لهذه الآية؟ قلت: لا تناقض بينهما، لأن الله مولى عباده جميعًا على معنى أنه ربهم ومالك أمرهم، وأما على معنى الناصر: فهو مول المؤمنين خاصة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقلت: كأن في "دمر عليهم" تضمين معنى "أطبق"، فعدي بـ"على"، فإذا أطبق عليهم دمارًا لم يلخص مما يختص به أحد.

قوله: (كان في الشعب): الجوهري: "الشعب- بالكسر-: الطريق في الجبل، والجمع: الشعاب".

قوله: (اعل هبل): هذا مذكور في حديث طويل قاله أبو سفيان يوم أحد، أخرجه البخاري وأبو داود عن البراء بن عازب.

النهاية: "هبل- بضم الهاء-: اسم صنم لهم معروف"، "الحرب سجال: أي: مرةً لنا ومرةً علينا، وأصله: أن المستقين بالسجل يكون لكل واحد منهم سجل".

?

ص: 333

[{إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَاكُلُونَ كَما تَاكُلُ الْأَنْعامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ} 12]

{يَتَمَتَّعُونَ} ينتفعون بمتاع الحياة الدنيا أيامًا قلائل، {وَيَاكُلُونَ} غافلين غير مفكرين في العاقبة، {كَما تَاكُلُ الْأَنْعامُ} في مسارحها ومعالفها، غافلة عما هي بصدده من النحر والذبح، {مَثْوىً لَهُمْ} منزل ومقام.

[{وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْناهُمْ فَلا ناصِرَ لَهُمْ} 13]

وقرئ: "وكائن" بوزن "كاعن" وأراد بالقرية أهلها،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (غير مفكرين في العاقبة {كَمَا تَاكُلُ الأَنْعَامُ}): فإن قلت: أين موقع التقابل بين هذه الآية وبين قوله: {إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا} ؟ قلت: موقعه إيقاع {يَتَمَتَّعُونَ ويَاكُلُونَ} مقابلًا لقوله: {وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} ، وفيه إيماء إلى قوله صلوات الله عليه:"الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر"، أخرجه مسلم، يعني: أن الله عز وجل سيدخل الذين آمنوا وتفكروا، فعرفوا أن الدنيا ونعيمها في وشك الزوال، وأن الآخرة هي دار القرار، فحبسوا أنفسهم على طاعة الله وطلب مرضاته، وصبروا على مشاق التكاليف، وعزفوا عن ملاذ الدنيا وشهواتها، فكانت العاقبة جنات تجري من تحتها الأنهار، والذين كفروا لم يتفكروا في ذلك، فاشتغلوا بالدنيا عن الآخرة، وتمتعوا أيامًا قلائل يأكلون غافلين، والحال أن النار مثوى لهم.

أسند إدخال الجنة إلى الله، وأهمل إسناد النار، وخولف بين الجملتين فعليةً واسمية؛ للإيذان بسبق الرحمة، والإعلام بتصيير المؤمنين، والوعد بأن عاقبتهم أن الله يدخلهم جنات، وأن الكافرين مثواهم النار، وهم الآن حاضرون فيها، ولا يدرون، وكالبهائم يأكلون.

قوله: (وقرئ: "وكائن" بوزن "كاعن"): قرأها ابن كثير.

ص: 334

ولذلك قال: {أَهْلَكْناهُمْ} كأنه قال: وكم من قوم هم أشد قوّة من قومك الذين أخرجوك أهلكناهم، ومعنى "أخرجوك": كانوا سبب خروجك. فإن قلت: كيف قال: {فَلا ناصِرَ لَهُمْ} ؟ وإنما هو أمر قد مضى؟ قلت: مجراه مجرى الحال المحكية، كأنه قال: أهلكناهم فهم لا ينصرون.

[{أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ} 14]

"من زين له": هم أهل مكة الذين زين لهم الشيطان شركهم وعداوتهم لله ورسوله، و"من كان على بينة من ربه"- أي: على حجة من عنده وبرهان، وهو القرآن المعجز وسائر المعجزات-: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقرئ: "أمَّن كان على بينة"، وقال:{سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا} للحمل على لفظ "مَنْ" ومعناه.

[{مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا ماءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ} 15]

فإن قلت: ما معنى قوله تعالى: {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ

كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ}؟ قلت: هو كلام في صورة الإثبات ومعنى النفي والإنكار، لانطوائه تحت حكم كلام مصدّر بحرف الإنكار،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (كأنه قال: وكم من قوم هم أشد قوة): قال مكي: " {مِّن قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ} مما حذف فيه المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، أي: التي أخرجك أهلها، فحذف"الأهل"، فقام ضمير"القرية" مقامهم، فصار مرفوعًا ب"أخرج" واستتر فيه، وظهرت علامة التأنيث".

قوله: (لانطوائه تحت حكم كلام مصدر بحرف الإنكار): الانتصاف: "لقد أحسن، وفي الكلام حذف لتتم المعادلة وتصح المقابلة، أي: مثل ساكن الجنة، كقوله: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ

?

ص: 335

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الْحَاجِّ

كَمَنْ آَمَنَ} [التوبة: 19]، أي: أهل سقاية، فيكون حينئذ تنظير بعد التسوية بين المتمسك بالبينة وراكب الهوى ببعد التسوية بين المنعم في الجنة والمعذب في النار، وهو من باب تنظير الشيء بنفسه باعتبار حالين، إحداهما أوضح بيانًا من الأخرى، فالمتمسك بالبينة هو المنعم في الجنة، والمتبع الهوى هو المعذب في النار".

وقلت: قد افتتحت هذه السورة الكريمة، ووسمت براعة استهلالها، بصيغة التقابل في الذين كفروا، وثني في أن الله يدخل الذين آمنوا؛ سلوك تلك الطريقة، وثلث في قوله:{أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ} ذلك، وجعلت هذه الآية التي نحن بصددها متفرعةً على هذه القرنية بدلالة أداة التشبيه، وجعل المشبه والمشبه به بتمامه ممثلًا به، كما قرره صاحب "الانتصاف".

وإنما فصل بين الكلامين ليقع قوله: {مَثَلُ الجَنَّةِ} استئنافًا، وذلك أن الكافر لما ألقي إليه نفي المساواة بين من هو على برهان من ربه، - وهو القرآن المعجز-، وبين من ركب متن الهوى واتبع الشهوات، كما قال:{والَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ ويَاكُلُونَ كَمَا تَاكُلُ الأَنْعَامُ} ، وقدر أنه لعدم التفاته إلى هذا الإنكار بمنزلة من يصر على إنكاره، ويقول بالتسوية، فأوقع {مَثَلُ الجَنَّةِ} إلى ساقته جوابًا إلى هذا الإنكار المتجدد، يعني: إنكاركم هذا يستلزم التسوية بين حالتي أهل الجنة والنار.

والنكتة في إيراد هذا الاستئناف: هي أن هذا من الأمور المقررة التي تثبت به الدعاوى؛ لظهور أدلته، وأدمج فيه معنى التعريض أنهم في هذا الإصرار ممن هو خالد في النار، وبأن الذي هو على بينة من ربه في جنات تجري من تحتها الأنهار.

?

ص: 336

ودخوله في حيزه، وانخراطه في سلكه، وهو قوله:{أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ} ، فكأنه قيل: أمثل الجنة كمن هو خالد في النار؟ أي كمثل جزاء من هو خالد في النار.

فإن قلت: فلم عرّي في حرف الإنكار، وما فائدة التعرية؟ قلت: تعريته من حرف الإنكار فيها زيادة تصوير لمكابرة من يسوّى بين المتمسك بالبينة والتابع لهواه، وأنه بمنزلة من يثبت التسوية بين الجنة التي تجرى فيها تلك الأنهار، وبين النار التي يسقى أهلها الحميم، ونظيره قول القائل:

أفرح أن أرزأ الكرام وأن .... أورث ذودًا شصائصًا نبلا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عن بعضهم: أن الهمزة في {أَفَمَنْ كَانَ} توقيف وتقرير، لأن الجواب معلوم، كما أنك إذا قلت: من يفعل السيئات يشق، ومن يفعل الحسنات يسعد، ثم قلت: الشقاء أحب إليك أم السعادة؟ فقد علم أن الجواب: السعادة، فهذا مجرى همزة التوقيف والتقرير.

الراغب: "من: عبارة عن الناطقين، ولا يعبر به عن غير الناطقين إلا إذا جمع بينهم وبين غيرهم، كقولك: رأيت من في الدار من الناس والبهائم، أو يكون تفصيلًا لجملة يدخل فيهم الناطقون، كقوله تعالى:{فَمِنْهُمء مَنْ يَمْشِي} [النور: 45] الآية، ولا يعبر عن الناطقين إذا تفرد، لهذا قال بعض المحدثين في صفة أغنام نفى عنهم الإنسانية:

تخطي إذا جئت في استفهامهم بـ "من"

تنبيهًا على أنهم حيوان أو دون الحيوان".

قوله: (أفرح أن أرزأ الكرام) البيت: شصوص: وهي الناقة القليلة اللبن، النبل- بالضم-: جمع نبلة، وبالفتح: جمع نبيل، ككرم وكرم، والنبل أيضًا: صغار الإبل، وهو

?

ص: 337

هو كلام منكر للفرح برزية الكرام ووراثة الذود، مع تعريه عن حرف الإنكار، لانطوائه تحت حكم قول من قال: أتفرح بموت أخيك وبوراثة إبله، والذي طرح لأجله حرف الإنكار: إرادة أن يصوّر قبح ما أزن به، فكأنه قال له: نعم، مثلي يفرح بمرزأة الكرام، وبأن يستبدل منهم ذودًا يقل طائله، وهو من التسليم الذي تحته كل إنكار.

و{مَثَلُ الجَنَّةِ} : صفة الجنة العجيبة الشأن، وهو مبتدأ، وخبره:{كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ} ،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

من الأضداد، والذود: ما دون العشرة، وفي الحديث:"في خمس ذود شاة" بالإضافة، والنبل: روي في الشعر بضم النون أيضًا، والمعنى: أفرح بأن أرزأ بكرام القوم، فأعطى صغار الإبل، أي: لا أفرح.

قوله: (ما أزن به): الجوهري: "أزننته بشيء: اتهمته، وهو يزن بكذا".

قوله: (وهو مبتدأ، وخبره: {كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ}): قال الفراء: أراد: أمن كان في هذا النعيم كمن هو خالد في النار؟ يدل على هذا المحذوف قوله: {وعِدَ المُتَّقُونَ} ، أو حرف التشبيه الدال على المشبه والمشبه به. ذكره صاحب "المطلع". ولا بد من تقرير شيء، إما عند المشبه كما ذهب إليه الفراء، أو عند المشبه به، كما قدره المصنف، وهو:"كمثل جزاء من هو خالد في النار".

?

ص: 338

وقوله: {فِيهَا أَنْهَارٌ} داخل في حكم الصلة كالتكرير لها، ألا ترى إلى صحة قولك: التي فيها أنهار. ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف: هي فيها أنهار، وكأن قائلًا قال: وما مثلها؟ فقيل: فيها أنهار، وأن يكون في موضع الحال، أي: مستقرّة فيها أنهار، وفي قراءة علي رضي الله عنه:"أمثال الجنة"، أي: ما صفاتها كصفات النار.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: ({فِيهَا أَنْهَارٌ} داخل في حكم الصلة كالتكرير لها): أي: للصلة، إحداها:{وعِدَ المُتَّقُونَ} ، وثانيها:{فِيهَا أَنْهَارٌ} .

قوله: (ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف): عطف على قوله: "داخل في حكم الصلة"، لا على ما قبله، بدليل عطف:"وأن يكون في موضع الحال" على "أن يكون"، وفيه بحث، لأنه لا حاجة إلى تقدير المبتدأ؛ لأن {فِيهَا أَنْهَارٌ} جملة برأسها، ويلزم من كونها بيانًا وقوع الاستئناف قبل مجيء خبر الجملة السابقة التي هي مورد السؤال، اللهم إلا أن يقال: يقدر للجملة الأولى خبر، وللثانية مبتدأ، كما فعل أبو البقاء، أي: فيما نقص عليك مثل الجنة، وقوله:{فِيهَا أَنْهَارٌ} مستأنف شارح لمعنى المثل، وقوله:{كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ} في موضع رفع، أي: حالهم كحال من هو خالد في النار، أو نصب، أي: يشبهون.

وقدر المصنف في "الأنعام"- عند قوله: {كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ} [الأنعام: 122]-: " {مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وعِدَ المُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ}: أي: صفتها هذه، وهي قوله: {فِيهَا أَنْهَارٌ} ".

قوله: (في موضع الحال): ذو الحال: الضمير الراجع من الصلة إلى الموصول؛ لأن الموصولة صفة للجنة، ولا بد فيها من الضمير، أي: الجنة التي وعد بها المتقون مستقرةً فيها الأنهار.

قوله: (وفي قراءة علي رضي الله عنه: "أمثال الجنة"): قال ابن جني: "قرأ علي وابن عباس رضي الله تعالى عنهما: "أمثال الجنة"، وهذه القراءة دليل على أن القراءة العامة بالتوحيد معناها

?

ص: 339

وقرئ: "أسن"، يقال: أسن الماء وأجن: إذا تغير طعمه وريحه، وأنشد ليزيد بن معاوية:

لقد سقتني رضابًا غير ذي أسن .... كالمسك فتّ على ماء العناقيد

{مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ} كما تتغير ألبان الدنيا، فلا يعود قارصًا ولا حازرًا، ولا ما يكره من الطعوم، {لَذَّةٍ} تأنيث لذّ، وهو اللذيذ، أو وصف بمصدر. وقرئ بالحركات الثلاث، فالجر على صفة الخمر، والرفع على صفة الأنهار، والنصب على العلة، أي: لأجل لذة الشاربين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الكثرة، وذلك لما فيه من معنى المصدرية، ولهذا جاز:"مررت برجل مثل رجلين"، و "برجلين مثل رجال"، و "بامرأة مثل رجل"، ألا ترى أنك تستفيد في أثناء ذلك معنى التشبيه والتمثيل".

وأما "ما" في كلام المصنف في قوله: "ما صفاتها كصفات النار": فهي نافية، وذلك لما سبق له أن هذا الكلام في صورة الإثبات ومعنى النفي، وأما معنى الجمع في قوله:"كصفات النار": فلوقوع {كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ} الآية مشبهًا به، والمشبه متعدد، ذكر فيه أشياء ستة: الأنهار الأربعة مكررة، ثم قيل:{مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ} ثم {ومَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ} ، فيجب تقدير ما يقابلها في طرف المشبه به، وقد ذكر فيه شيئان: الخلود في النار وسقي الماء الحميم. وعلى تقدير ابن جني: لا يجب تقدير صفات على الجمع؛ لما ذكر من أنه جائز أن يقال: مررت برجلين مثل رجال، وعكسه.

قوله: (وقرئ: "أسن"): قرأ ابن كثير: بالقصر، والباقون: بالمد.

قوله: (فلا يعود قارصًا ولا حازرًا): الجوهري: "القارص: اللبن الذي يحذي اللسان، وفي المثل: عدا القارص فحزر، أي: جاوز إلى أن حمض"، و "الحازر- بتقديم الزاي-: اللبن الحامض".

?

ص: 340

والمعنى: ما هو إلا التلذذ الخالص، ليس معه ذهاب عقل ولا خمار ولا صداع، ولا آفة من آفات الخمر، {مُصَفًّى} لم يخرج من بطون النحل، فيخالطه الشمع وغيره، {ماءً حَمِيمًا} قيل: إذا دنا منهم شوى وجوههم، وانمازت فروة رءوسهم، فإذا شربوه قطع أمعاءهم.

[{وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ماذا قالَ آنِفًا أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ} 16]

هم المنافقون، كانوا يحضرون مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسمعون كلامه، ولا يعونه، ولا يلقون له بالًا تهاونًا منهم، فإذا خرجوا قالوا لأولي العلم من الصحابة: ماذا قال الساعة؟ على جهة الاستهزاء. وقيل: كان يخطب، فإذا عاب المنافقين خرجوا، فقالوا ذلك للعلماء. وقيل: قالوه لعبد الله بن مسعود. وعن ابن عباس: أنا منهم، وقد سميت فيمن سئل.

{آنِفًا} - وقرئ: "أنفًا" على "فَعِل"-: نصب على الظرف،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (والمعنى: ما هو إلا التلذذ الخالص، ليس معه ذهاب عقل ولا خمار ولا صداع ولا آفة من آفات الخمر): كل هذا المعنى يعطيه الوصف بقوله: {لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ} تعريضًا بخمور الدنيا، كقوله تعالى:{لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ} [الصافات: 47]، ويدل على التعريض تفسيره "المصفى" بقوله:"لم يخرج من بطون النحل، فيخالطه الشمع وغيره"، اعتبر فيهما معنى الوصف بإحدى صفتي الذات، وخصصهما، إذ لولا التعريض لم يفد فائدةً أخرى.

قال القاضي: "وفي ذلك مثل لما يقوم مقام الأشربة في الجنة بأنواع ما يستلذ منها في الدنيا، بالتجريد عما ينقصها وينغصها، والتوصيف بما يوجب غزارتها واستمرارها".

قوله: (وانمازت فروة رؤوسهم): الجوهري: "مزت الشيء أميزه ميزًا: عزلته وفرزته، وكذلك: ميزته تميزًا فانماز".

قوله: (أنفًا): قرأها ابن كثير.

?

ص: 341

قال الزجاج: هو من: استأنفت الشيء: إذا ابتدأته. والمعنى:ماذا قال في أوّل وقت يقرب منا.

[{وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ} 17]

{زادَهُمْ} الله {هُدىً} بالتوفيق، {وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ} أعانهم عليها، أو: آتاهم جزاء تقواهم. وعن السدي: بين لهم ما يتقون. وقرئ: "وأعطاهم"، وقيل: الضمير في {زَادَهُمْ} لقول الرسول، أو لاستهزاء المنافقين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (هو من: استأنفت الشيء: ابتدأته): روي عن المصنف: "الآنف: اسم للساعة التي قبل ساعتك التي أنت فيها، مشتق من الأنف، ولتقدمه الوقت الحاضر كأنه بمعنى: المتقدم، ومنه: أنفة الصبا: لأوله، ويقال: روضة أنف: لم ترع، أي: لما أول يرعى".

قوله: ({وآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} أعانهم عليها، أو آتاهم جزاء تقواهم): والأول أوفق لتأليف النظم؛ لما سبق أن أغلب آيات هذه السورة الكريمة روعي فيها التقابل، فقوبل {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} بقوله:{والَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى} ، لأن الطبع يحصل من تزايد الرين، وترادف ما يزيد في الكفر، وقوله:{واتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ} بقوله: {وآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} ، فيحمل على كمال التقوى، وهو أن يتنزه العارف عما يشغل سره عن الحق، ويتبتل إليه بشر اشره، وهو التقوى الحقيقي المعنى بقوله:{اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} [آل عمران: 102]، فإن المزيد على مزيد الهدى مزيد لا مزيد عليه.

?

ص: 342

[{فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَاتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها فَأَنَّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ} 18]

{أَنْ تَاتِيَهُمْ} بدل اشتمال من {السَّاعَةَ} ، نحو:{أَن تَطَؤُهُمْ} من قوله: {رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ} [الفتح: 25]. وقرئ: "إن تأتهم"، بالوقف على {السَّاعَةَ} واستئناف الشرط، وهي في مصاحف أهل مكة كذلك.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وفي الترفع عن متابعة الهوى: النزوع إلى المولى، والعزوف عن شهوات هذه الأدنى.

ثم في إسناد {وآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} إلى الله تعالى، وإسناد متابعة الهوى إليهم: إنما إلى معنى قوله صلى الله عليه وسلم: {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} [الشعراء: 80]، وتلويح إلى أن متابعة الهوى مرض روحاني، وملازمة التقوى دواء إلهي، {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ} [الإسراء: 82].

قوله: ({أَن تَاتِيَهُم} بدل اشتمال): قال الزجاج: "موضع "أن": نصب على البدل من {السَّاعَةَ}، المعنى: فهل ينظرون إلا أن تأتيهم الساعة بغتة، كقوله: {ولَوْلا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ ونِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ} [الفتح: 25]، والمعنى: لولا أن تطؤوا رجالًا مؤمنين ونساءً مؤمنات".

قوله: (وقرئ: "إن تأتهم"، بالوقف على {السَّاعَةَ}): قال ابن جني: "قرأها أبو عمرو ابن العلاء: هذا استئناف شرط، لأنه وقف على {إِلَّا السَّاعَةَ}، ثم قال: "إن تأتهم بغتةً فقد جاء أشراطها"، فإن قلت: الشرط لا بد معه من الشك من الله تعالى، ومعناه: منهم، أي: أن شكوا في مجيئها بغتةً فقد جاء أشراطها، أي: علاماتها، فهلا توقعوها وتأهبوا لوقوعها".

?

ص: 343

فإن قلت: فما جزاء الشرط؟ قلت: قوله: {فَأَنَّى لَهُمْ} ، ومعناه: إن تأتهم الساعة فكيف لهم ذكراهم، أي: تذكرهم واتعاظهم إذا جاءتهم الساعة، يعني: لا تنفعهم الذكرى حينئذ، كقوله تعالى:{يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى} [الفجر: 23]. فإن قلت: بم يتصل قوله: {فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها} على القراءتين؟ قلت: بإتيان الساعة؛ اتصال العلة بالمعلول، كقولك: إن أكرمني زيد فأنا حقيق بالإكرام أكرمه.

والأشراط: العلامات، قال أبو الأسود:

فإن كنت قد أزمعت بالصّرم بيننا .... فقد جعلت أشراط أوّله تبدو

وقيل: مبعث محمد خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم وعليهم منها، وانشقاق القمر، والدخان. وعن الكلبي: كثرة المال والتجارة، وشهادة الزور وقطع الأرحام، وقلة الكرام وكثرة اللئام.

وقرئ: "بغتة" بوزن: جربة، وهي غريبة لم ترد في المصادر أختها،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقلت: فالكلام حينئذ ذو جملتين، قال أبو البقاء:" {فَأَنَّى لَهُمْ} خبر {ذِكْرَاهُمْ}، والشرط معترض، أي: إني لهم ذكراهم إذا جاءتهم، وقيل: التقدير: إني لهم الخلاص إذا جاء تذكرتهم"، ولعل هذا أسهل مأخذًا من اختيار المصنف؛ لما يؤدي إلى جعل الكل كلامًا واحدًا، ويلزم التعاطل.

قوله: (على القراءتين): أي: المشهورة، وهي {أَن تَاتِيَهُم} ، والشاذة، وهي:"إن تأتهم".

قوله: (كثرة المال والتجارة): يعني: للعرب، وإلا فالعجم لم تزل كذلك، وهو من قوله صلوات الله عليه:"وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاة يتطاولون في البنيان".

قوله: (وقرئ: "بغتةً"): وهي في الشواذ، قال ابن جني: "وهي قراءة أبي عمرو- في رواية

?

ص: 344

وهي مروية عن أبي عمرو، وما أخوفني أن تكون غلطة من الراوي على أبي عمرو، وأن يكون الصواب:

"بغتة"، بفتح الغين من غير تشديد، كقراءة الحسن فيما تقدم.

[{فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْواكُمْ} 19]

لما ذكر حال المؤمنين وحال الكافرين، قال: إذا علمت أن الأمر كما ذكر؛ من سعادة هؤلاء وشقاوة هؤلاء،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هارون، وفعله لم يأت في المصادر، ولا في الصفات، إنما هو مختص بالاسم، منه: الشربة: اسم موضع، ومنه: الجربة: الجماعة"، الجوهري: "الجربة- بالفتح وتشديد الباء-: العانة من الحمير، وربما سموا الأقوياء من الناس إذا كانوا جماعةً متساوين".

قوله: (لما ذكر حال المؤمنين وحال الكافرين قال: إذا علمت) إلى آخره: يعني: لما قوبل بين ذكري المؤمن والكافر، وفصل بين وصفيهما من السعادة والشقاوة، من مفتتح السورة مرةً بعد أخرى، علم أن اسم الذات- عز شأنه وجل سلطانه- في هذا المقام متجل بتجلي الهيبة والجلال، ومعلم أن مسماه هو الذي يهدي ويضل، ويسعد ويشقي، وهو المتصرف في ملكه وملكوته ما شاء كيف يشاء، {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء: 23]، فينبغي للمكلف أن يكون على حذر من سطوة كبريائه، فيتواضع لعظمة جلاله، لأنه بمرأى منه ومسمع في متقلبه ومثواه، ولم يزل يسترحم لنفسه، ويستغفر لتقصيره، ولذلك أمر أفضل خلقه بالاستغفار:{واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ولِلْمُؤْمِنِينَ والْمُؤْمِنَاتِ} .

?

ص: 345

فاثبت على ما أنت عليه من العلم بوحدانية الله، وعلى التواضع وهضم النفس، باستغفار ذنبك وذنوب من على دينك،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (فاثبت على ما أنت عليه من العلم بوحدانية الله تعالى، وعلى التواضع وهضم النفس، باستغفار ذنبك وذنوب من على دينك): فقدر مضافًا، قال القاضي:"وفي إعادة الجار وحذف المضاف إشعار بفرط احتياجهم وكثرة ذنوبهم، وأنها جنس آخر".

وقلت- والعلم عند الله-: أن المراد باستغفار القوم: دعوتهم إلى ما يزيل أوضارهم؛ من الكفر بالله تعالى والنفاق وسائر المعاصي، والنظم يقتضي هذا؛ لأن قوله:{فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إلَهَ إلاَّ اللَّهُ} مترتب بالفاء على قوله: {فَهَلْ يَنظُرُونَ إلاَّ السَّاعَةَ} ، يعني: إذا تيقنت أن الساعة آتية وقد جاء أشراطها، فخذ بالأهم فالأهم، والأولى فالأولى، فتمسك بالتوحيد، ونزه الله عما لا ينبغي، ثم طهر نفسك بالاستغفار عما لا يليق بك من ترك الأولى، فإذا صرت كاملًا في نفسك، فكن مكملًا لغيرك، فاستغفر للمؤمنين.

فإذن: المراد باستغفار المؤمنين والمؤمنات: ما به يزول كفرهم ونفاقهم ومعاصيهم من العلم والعمل، وبالمؤمنين: العموم؛ سواء كان مؤمنًا مخلصًا أو كافرًا منافقًا؛ تغليبًا، يدل على الأول: قوله تعالى: {واللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ ومَثْوَاكُمْ} ، فإنه عبارة عن الوعد والوعيد على أعمال الخير والشر، وعلى الثاني: قوله تعالى: {ويَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وذُكِرَ فِيهَا القِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} الآيات، فالاستغفار محمول على عموم المجاز.

?

ص: 346

والله يعلم أحوالكم ومتصرفاتكم ومتقلبكم في معايشكم ومتاجركم، ويعلم حيث تستقرون في منازلكم، أو متقلبكم في حياتكم ومثواكم في القبور، أو متقلبكم في أعمالكم ومثواكم من الجنة والنار، ومثله حقيق بأن يتقى ويخشى، وأن يستغفر ويسترحم.

وعن سفيان بن عيينة: أنه سئل عن فضل العلم، فقال: ألم تسمع قوله حين بدأ به، فقال:{فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ} ، فأمر بالعمل بعد العلم، وقال:{اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ} [الحديد: 20]، إلى قوله:{سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} [الحديد: 21]، وقال:{وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ} [الأنفال: 28]، ثم قال بعد:{فَاحْذَرُوهُمْ} [التغابن: 14]،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ونظير معنى ترتب الفاء السابق: ما رويناه في "صحيحي" البخاري ومسلم عن أنس: "أن رجلًا سأل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، متى الساعة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أعددت لها؟ فكان الرحل استكان، ثم قال: ما أعددت لها كبير صيام ولا صدقة، ولكني أحب الله ورسوله، قال: أنت مع من أحببت"، وفي رواية:"قال أنس: ما فرحنا بشيء فرحنا بقول النبيصلى الله عليه وسلم: "أنت مع من أحببت"، قال أنس: فأنا أحب النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر، وأرجو أن أكون معهم، وإن لم أعمل أعمالهم".

قوله: (أنه سئل عن فضل العلم، فقال: ألم تسمع قوله حين بدأ به): يعني: فضل العلم إنما يظهر إذا قرن بالعمل، لأنه تعالى إنما بدأ به في هذه الآيات؛ ليؤذن أنه كالمقدمة للعمل والتتمة للواجب، ولا يحسن العلم ولا له فضل ولا مزية إذا لم يستتبع العمل، ولا يصح العمل إذا لم يصدر عن علم.

وجواب ابن عيينة من الأسلوب الحكيم- من قبيل قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} [البقرة: 215]، وقوله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ

?

ص: 347

وقال: {وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} [الأنفال: 41]، ثم أمر بالعمل بعد.

[{وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلى لَهُمْ * طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ} 20 - 21]

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ} [البقرة: 189]-؛ سألوه عن فضل العلم، فأجاب بأن فضل العلم إنما يظهر إذا جعل وسيلةً إلى العمل، كما أن النفقة إنما تكون معتدًا بها إذا وقعت موقعها، أي: الواجب أن يسألوا عن العلم وعن العمل به، لا عنه وحده.

قوله: (ثم أمر بالعمل بعد): أي: بعد العلم هاهنا. وعن بعضهم: "ثم أمر بالقسمة والصرف إلى مصارفها في موضع آخر"، وليس بذاك، لأن قوله:{فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} [الأنفال: 41] الآية، فيه بيان الصرف إلى المصارف، لأن قوله:{فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} دل على ذلك؛ لما فيه: أن أربعة أخماس الغنمية تصرف إلى المحاربين، والخمس الباقي إلى الله والرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل.

على أن المراد بالعمل ما يشق على المكلف، كما في الأمثلة الأخرى، بل دل على ذلك ما بعد "اعلموا"، وهو تقييد العلم بقوله:{إِنْ كُنْتُمْ آَمَنْتُمْ بِاللَّهِ} [الأنفال: 41]، فإن فيه معنى الأمر بقطع الطمع عن ذلك الخمس، والاقتناع بما قسم لهم من الأخماس الأربعة، كما قال المصنف في موضعه:"المعنى: أن كنتم آمنتم بالله فاعلموا أن الخمس من الغنيمة يجب التقرب به للهذ، فاقطعوا عنه أطماعكم، واقتنعوا بالأخماس الأربعة، وليس المراد بالعلم: العلم المجرد، ولكنه العلم المضمن بالعمل والطاعة لأمر الله"، لأن العلم المجرد يستوي فيه المؤمن والكافر، ألا ترى كيف صرح بلفظ الأمر في قوله:"فاقطعوا عنه أطماعكم، واقتنعوا".

?

ص: 348

كانوا يدعون الحرص على الجهاد، ويتمنونه بألسنتهم، ويقولون:{لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ} في معنى الجهاد، {فَإِذا أُنْزِلَتْ} وأمروا فيها بما تمنوا وحرصوا عليه كاعوا وشق عليهم، وسقطوا في أيديهم، كقوله:{فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ} [النساء: 77].

{مُحْكَمَةٌ} مبينة غير متشابهة لا تحتمل وجها إلا وجوب القتال. وعن قتادة: كل سورة فيها ذكر القتال فهي محكمة، وهي أشدّ القرآن على المنافقين. وقيل لها: محكمة؛ لأنّ النسخ لا يرد عليها من قبل أنّ القتال قد نسخ ما كان من الصفح والمهادنة، وهو غير منسوخ إلى يوم القيامة. وقيل: هي المحدثة، لأنها حين يحدث نزولها لا يتناولها النسخ، ثم تنسخ بعد ذلك أو تبقى غير منسوخة. وفي قراءة عبد الله:"سورة محدثة"، وقرئ:"فإذا نزلت سورة وذكر فيها القتال" على البناء للفاعل ونصب "القتال".

{الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} هم الذين كانوا على حرف غير ثابتي الأقدام، {نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ} أي: تشخص أبصارهم جبنًا وهلعًا وغيظًا، كما ينظر من أصابته الغشية عند الموت، {فَأَوْلى لَهُمْ} وعيد بمعنى: فويل لهم، وهو أفعل؛ من الولي، وهو القرب، ومعناه الدعاء عليهم بأن يليهم المكروه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (كاعوا): أي: تأخروا وجبنوا، الأساس:"كع الرجل، وكعكعه الخوف، فتكعكع"، الجوهري:"كعت عن الشيء أكيع، وأكاع: لغة في: كععت عن الأمر أكع: إذا هبته وجبنت".

قوله: (ومعناه الدعاء عليهم بأن يليهم المكروه): روى الواحدي عن الأصمعي: "معنى قولهم في التهديد: أولى لك: وليك مكروه، وقاربك ما تكرهه". وروي عن أبي علي: أنه علم للويل مبني على وزن "أفعل"، من لفظ "الويل" على القلب، أصله:"أويل"، وهو غير منصرف، كأحمد، للعلمية وكونه على وزن "أفعل".

?

ص: 349

{طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ} كلام مستأنف، أي: طاعة وقول معروف خير لهم. وقيل: هي حكاية قولهم، أي: قالوا: طاعة وقول معروف، بمعنى: أمرنا طاعة وقول معروف، وتشهد له قراءة أبيّ:"يقولون: طاعة وقول معروف".

{فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ} أي: جدّ، والعزم والجد لأصحاب الأمر، وإنما يسندان إلى الأمر إسنادًا مجازيًا، ومنه قوله تعالى:{إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [الشورى: 43]. {فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ} فيما زعموا من الحرص على الجهاد، أو: فلو صدقوا في إيمانهم، وواطأت قلوبهم فيه ألسنتهم.

[{فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ * أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ} 22 - 23]

عسيت وعسيتم: لغة أهل الحجاز، وأما بنو تميم فيقولون: عسى أن تفعل، وعسى أن تفعلوا، ولا يلحقون الضمائر، وقرأ نافع بكسر السين، وهو غريب، وقد نقل الكلام من الغيبة إلى الخطاب على طريقة الالتفات؛ ليكون أبلغ في التوبيخ.

فإن قلت: ما معنى: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ

أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ}؟ قلت: معناه: هل يتوقع منكم الإفساد؟ فإن قلت: فكيف يصح هذا في كلام الله عز وعلا، وهو عالم بما كان وما يكون؟ قلت: معناه: أنكم لما عهد منكم أحقاء بأن يقول لكم كل من ذاقكم، وعرف تمريضكم، ورخاوة عقدكم في الإيمان: يا هؤلاء ما ترون؟ هل يتوقع منكم -إن توليتم أمور الناس، وتأمرتم عليهم، لما تبين منكم من الشواهد، ولاح من المخايل- {أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ} تناحرًا على الملك وتهالكًا على الدنيا؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقال صاحب "الكشف": {فَأَوْلَى لَهُمْ} مبتدأ وخبر، وهو اسم التهديد والوعيد، كأنه قال: الوعيد لهم، و "أولى" غير منصرف، لأنه على وزن الفعل، وصار اسمًا للوعيد، وقول المفسرين: وليك شر فاحذر، لا يريدون به أن "أولى" فعل، وإنما ذاك تفسير على المعنى.

قوله: (تناحرًا): أي: تحارصًا وتهالكًا، تهالك على الفراش: سقط.

?

ص: 350

وقيل: إن أعرضتم وتوليتم عن دين رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته أن ترجعوا إلى ما كنتم عليه في الجاهلية من الإفساد في الأرض، بالتغاور والتناهب وقطع الأرحام، بمقاتلة بعض الأقارب بعضًا ووأد البنات؟

وقرئ: "وليتم"، وفي قراءة على بن أبي طالب رضي الله عنه:"توليتم"؛ أي: إن تولاكم ولاة غشمة خرجتم معهم، ومشيتم تحت لوائهم، وأفسدتم بإفسادهم؟ وقرئ:{وَتُقَطِّعُوا} ، و"تقطعوا"؛ من التقطيع والتقطع.

{أُولئِكَ} إشارة إلى المذكورين، {لَعَنَهُمُ اللَّهُ} لإفسادهم وقطعهم الأرحام، فمنعهم ألطافه وخذلهم، حتى صموا عن استماع الموعظة، وعموا عن إبصار طريق الهدى.

ويجوز أن يريد بـ {الَّذِينَ آمَنُوا} : المؤمنين الخلص الثابتين، وأنهم يتشوفون إلى الوحي إذا أبطأ عليهم، فإذا أنزلت سورة في معنى الجهاد، رأيت المنافقين فيما بينهم يضجرون منها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وقيل: أن أعرضتم وتوليتم): عطف على قوله: (إن توليتم أمور الناس"، ومرجع معنى التوقع إلى الخلق، كقوله:{وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} [الصافات: 147].

قوله: (وقرئ: {وتُقَطِّعُوا} و "تقطعوا"): الأولى: هي المشهورة، والثانية: شاذة.

قوله: (ويجوز أن يريد بـ {الَّذِينَ آمَنُو}: المؤمنين الخلص): عطف على قوله: "كانوا يدعون الحرص على الجهاد، ويتمنونه بألسنتهم"، وعلى الوجه الأول: قوله: {رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} من باب التجريد؛ جرد من الذين آمنوا القائلين: {لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ} : {الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} ، وهم هم، وعلى الثاني: غير الأولى، ولذلك قال: "رأيت المنافقين فيما بينهم

?

ص: 351

[{أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها} 24]

{أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ} ويتصفحونه وما فيه من المواعظ والزواجر ووعيد العصاة، حتى لا يجسروا على المعاصي، ثم قال:{أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها} ، و"أم" بمعنى: بل، وهمزة التقرير، للتسجيل عليهم بأن قلوبهم مقفلة لا يتوصل إليها ذكر. وعن قتادة: إذن -والله- يجدوا في القرآن زاجرًا عن معصية الله لو تدبروه، ولكنهم أخذوا بالمتشابه فهلكوا.

فإن قلت: لم نكرت "القلوب"، وأضيفت "الأقفال" إليها؟ قلت: أما التنكير: ففيه وجهان: أن يراد: على قلوب قاسية مبهم أمرها في ذلك،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يضجرون منها". والجملة مستأنفة على التقديرين، والتقدير الأخير أنسب للتنافي والتقابل الواقع بين الفريقين في آيات هذه السورة- كما مر-، وقرينتها ستجيء، وهي قوله:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وأَطِيعُوا الرَّسُولَ} [محمد: 33] الآية، وستقف عليه.

قوله: (يجدوا في القرآن زاجرًا عن معصية الله): فيه تجريد، كقوله:{لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21].

قوله: (أخذوا بالمتشابه فهلكوا): من قوله: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ} [آل عمران: 7]، والتدبر في القرآن: تمييز المحكم من المتشابه، وجعله أصلًا يؤول إليه معنى المتشابه.

قوله: (أن يراد: على قلوب قاسية مبهم): نحوه ما أنشد ابن جني:

أمير المؤمنين على صراط .... إذا اعوج الموارد مستقيم

?

ص: 352

أو يراد: على بعض القلوب، وهي قلوب المنافقين. وأما إضافة "الأقفال": فلأنه يريد الأقفال المختصة بها، وهي أقفال الكفر التي استغلقت فلا تنفتح.

وقرئ: "إقفالها"؛ على المصدر.

[{إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلى لَهُمْ * ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ * فَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ * ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ} 25 - 28]

{الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ} جملة من مبتدأ وخبر وقعت خبرًا لـ"إنّ"، كقولك: إنّ زيدًا عمرو مرّ به، {سَوَّلَ لَهُمْ}: سهل لهم ركوب العظائم، من السول، وهو الاسترخاء، وقد اشتقه من السؤل من لا علم له بالتصريف والاشتقاق جميعًا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وهذا كقولك: أمير المؤمنين على الصراط المستقيم، لا فرق بينهما؛ لأن مفاد نكرة الجنس مفاد معرفته، من حيث كان في كل جزء منه معنى ما في جملته. تم كلامه.

فكأنه جعل قلوبهم جنس القلوب، ادعاء لكمال معنى القساوة فيها، ولذلك قال:"على قلوب قاسية"، وهو قريب إلى التجريد.

قوله: (على بعض القلوب): روى السلمي عن ابن عطاء: قلوب أقفلت عن التدبر، وألسن منعت عن التلاوة، وأسماع صمت عن الاستماع، ومن القلوب قلوب كشف عنها الغطاء، فلا تكون لها راحةً إلا التلاوة أو الاستماع أو التدبر، فشتان ما بين الحالتين.

قوله: (وقد اشتقه من السؤل من لا علم له بالتصريف والاشتقاق): علم الاشتقاق باحث عن أخذ صيغة مع شروط الأخذ لا غير، وعلم التصريف باحث عن كيفية المأخوذ،

?

ص: 353

{وَأَمْلى لَهُمْ} ومدّ لهم في الآمال والأماني، وقرئ:"وأملي لهم"، يعني: إنّ الشيطان يغويهم وأنا أنظرهم، كقوله تعالى:{أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ} [آل عمران: 178]، وقرئ:"وأملي لهم" على البناء للمفعول، أي: أمهلوا ومدّ في عمرهم.

وقرئ: "سوّل لهم"، ومعناه: كيد الشيطان زين لهم، على تقدير حذف المضاف.

فإن قلت: من هؤلاء؟ قلت: اليهود كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم من بعد ما تبين لهم الهدى، وهو نعته في التوراة. وقيل: هم المنافقون.

{الذين قَالُوا} اليهود، والذين {كَرِهُوا مَا نّزَّلَ اللهُ} المنافقون. وقيل: عكسه، وأنه قول المنافقين لقريظة والنضير:{لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لنخرجنّ مَعَكُمْ} [الحشر: 11]. وقيل: {بَعْضِ الْأَمْرِ} : التكذيب برسول الله صلى الله عليه وسلم، أو بـ"لا إله إلا الله"،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وعن الهيئات والحالات الحاصلة في المأخوذ، والقياس التصريفي يقتضي أن يقال: سأل إذ لا موجب للتليين.

قال صاحب"التقريب": وليس مشتقًا من السؤل، كما توهمه بعضهم؛ إذ لا يساعده التصريف، لأنه كان حقه"سأل" بالهمز، ولا الاشتقاق؛ لأن السؤل بمعنى الحاجة، فعل بمعنى مفعول، وليس في {سَوَّلَ} معنى السؤال، وشرط الاشتقاق اتفاق المعنى.

قوله: (إن الشيطان يغويهم، وأنا أنظرهم): قال الواحدي: "ويحسن الوقوف على قوله: {سَوَّلَ لَهُمْ} لأنه فعل الشيطان، والإملاء فعل الله، وعلى قول الحسن: لا يحسن الوقف؛ لأنه يقول: الشيطان مد لهم في الأمل".

قوله: (أو بـ"لا إله إلا الله"): هذا التكذيب لا يستقيم إلا إذا حمل على أن المنافقين قالوا ذلك للمشركين، لأن اليهود أيضًا موحدون.

?

ص: 354

أو ترك القتال معه. وقيل: هو قول أحد الفريقين للمشركين: سنطيعكم في التضافر على عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم والقعود عن الجهاد معه. ومعنى: {فِي بَعْضِ الْأَمْرِ} في بعض ما تأمرون به، أو في بعض الأمر الذي يهمكم، {وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ} ، وقرئ:{إِسْرَارَهُمْ} على المصدر، قالوا ذلك سرًّا فيما بينهم، فأفشاه الله عليهم، فكيف يعملون وما حيلتهم حينئذ؟

وقرئ: "توفاهم"، ويحتمل أن يكون ماضيًا، ومضارعًا قد حذفت إحدى تاءيه، كقوله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ} [النساء: 97]. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: لا يتوفى أحد على معصية إلا يضرب من الملائكة في وجهه ودبره.

{ذلِكَ} إشارة إلى التوفي الموصوف، {ما أَسْخَطَ اللَّهَ} من كتمان نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، و {رِضْوانَهُ} الإيمان برسول الله.

[{أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغانَهُمْ * وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ} 29 - 30]

{أَضْغانَهُمْ} أحقادهم، وإخراجها: إبرازها لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، وإظهارهم على نفاقهم وعداوتهم لهم، وكانت صدورهم تغلي حنقًا عليهم.

{لَأَرَيْناكَهُمْ} لعرفناكهم ودللناك عليهم، حتى تعرفهم بأعيانهم لا يخفون عليك، {بِسِيماهُمْ} بعلامتهم، وهو أن يسمعهم الله تعالى بعلامة يعلمون بها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (في التضافر): بالضاد المعجمة، الجوهري:"تضافروا على الشيء: تعاونوا عليه".

قوله: ({لأَرَيْنَاكَهُمْ} لعرفناكهم): قال الزجاج: "كما تقول: قد أريتك هذا الأمر، أي: قد عرفتك إياه".

قوله: (ودللناك عليهم حتى تعرفهم بأعيانهم): روينا في " مسند أحمد بن حنبل" عن

?

ص: 355

وعن أنس رضي الله عنه: ما خفي على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية شيء من المنافقين، كان يعرفهم بسيماهم، ولقد كنا في بعض الغزوات، وفيها تسعة من المنافقين يشكوهم الناس، فناموا ذات ليلة، وأصبحوا وعلى جبهة كل واحد منهم مكتوب: هذا منافق.

فإن قلت: أي فرق بين اللامين في {فَلَعَرَفْتَهُمْ} و {لَتَعْرِفَنَّهُمْ} ؟ قلت: الأولى هي الداخلة في جواب «لو» ، كالتي في {لَأَرَيْناكَهُمْ} كررت في المعطوف، وأما اللام في {وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ} فواقعة مع النون في جواب قسم محذوف.

{فِي لَحْنِ الْقَوْلِ} في نحوه وأسلوبه. وعن ابن عباس: هو قولهم: مالنا -إن أطعنا- من الثواب؟ ولا يقولون: ما علينا -إن عصينا- من العقاب. وقيل: اللحن: أن تلحن بكلامك، أي: تميله إلى نحو من الأنحاء، ليفطن له صاحبك، كالتعريض والتورية، قال:

ولقد لحنت لكم لكيما تفقهوا .... واللّحن يعرفه ذوو الألباب

وقيل للمخطئ: لاحن؛ لأنه يعدل بالكلام عن الصواب.

[{وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ} 31]

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أبي مسعود: "خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أن منكم منافقين، فمن سميت فليقم، ثم قال: قم يا فلان، حتى سمى ستةً وثلاثين".

قال: (ولا يقولون: ما علينا أن عصينا): يعني: كان حقهم على ما هم عليه من العصيان أن يقولوا: ما لنا- أن عصينا- من العقاب، فأتوا على أسلوب ما يؤذن المدح، بقولهم: ما لنا-إن أطعنا- من الثواب.

قوله: (أن تلحن بكلامك): أي: بمثله من الأنحاء، وأنشد الزجاج قول الشاعر:

منطق صائب وتلحن أحيا نًا وخير الحديث ما كان لحنا

?

ص: 356

{أَخْبارَكُمْ} ما يحكى عنكم، وما يخبر به عن أعمالكم، ليعلم حسنها من قبيحها؛

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أي: خير الحديث من مثل هذه ما كان لا يعرفه كل أحد، إنما يعرف أمرها في أنحاء قولها. هذا هو المراد من قول المصنف:"كالتعريض والتورية"، أي: الإيهام.

الراغب: "اللحن: صرف الكلام عن سننه الجاري عليه، إما بإزالة الإعراب أو التصحيف، وهو المذموم، وذلك أكثر استعمالًا، وإما بإزالته عن التصريح وصرفه بمعناه إلى تعريض وفحوى، وهو محمود من حيث البلاغة، وإليه قصد بقول الشاعر- عند أكثر الأدباء-:

وخير الحديث ما كان لحنا

وإياه قصد بقوله: {ولَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ القَوْلِ} ، ومنه قيل للفطن لما يقتضي فحوى الكلام: لحن، وفي الحديث:"لعل بعضكم ألحن بحجته من بعض"، أي: ألسن وأفصح وأبين كلامًا، وأقدر على الحجة".

قوله: (وما يخبر به عن أعمالكم، ليعلم حسنها من قبيحها): أي: عبر بـ {أَخْبَارَكُمْ} عن "أعمالكم" في قوله: {ونَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} على سبيل الكناية، لأن الإخبار تابع لوجود المخبر عنه، المعنى: يختبر أخباركم، أن كان الخبر حسنًا فالمخبر عنه- الذي هو العمل- حسن، وإن كان الخبر قبيحًا فالعمل أيضًا قبيح.

وقال ابن الحاجب في تفسير قوله تعالى: {حَتَّى نَعْلَمَ المُجَاهِدِينَ مِنكُمْ} : " العلم يطلق باعتبار الرؤية، والشيء لا يرى حتى يقع، أو بمعنى المجازاة، المعنى: حتى نجازي المجاهدين منكم والصابرين".

?

ص: 357

لأن الخبر على حسب المخبر عنه؛ إن حسنًا فحسن، وإن قبيحًا فقبيح. وقرأ يعقوب:"ونبلو"، بسكون الواو؛ على معنى: ونحن نبلو أخباركم. وقرئ: "وليبلونكم" و"يعلم"، و"يبلو" بالياء.

وعن الفضيل: أنه كان إذا قرأها بكى وقال: اللهم لا تبلنا، فإنك إن بلوتنا فضحتنا، وهتكت أستارنا، وعذبتنا.

[{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ} 32]

{وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ} التي عملوها في دينهم يرجون بها الثواب؛ لأنها مع كفرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم باطلة، وهم قريظة والنضير، أو سيحبط أعمالهم التي عملوها، والمكايد التي نصبوها في مشاقة الرسول، أي: سيبطلها فلا يصلون منها إلى أغراضهم، بل يستنصرون بها، ولا يثمر لهم إلا القتل والجلاء عن أوطانهم. وقيل: هم رؤساء قريش، والمطعمون يوم بدر.

[{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ} 33]

{وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ} أي: لا تحبطوا الطاعات بالكبائر،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ومعنى الابتلاء: أن الله تعالى يعاملنا بما يعامل بعضنا بعضًا، فقوله:"ليعلم حسنها" -أي: حسن الأعمال- تعليل لابتلاء الأعمال.

وقوله: (لأن الخبر على حسب المخبر عنه): تعليل لإطلاق"الأخبار" على"الأعمال".

قوله: (وقرئ "وليبلونكم" و"يعلم" و"يبلو" بالياء): أبو بكر، والباقون بالنون.

قوله: (لا تحبطوا الطاعات بالكبائر): الانتصاف: "الكبائر لا تحبط الحسنات، {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا} [النساء: 40]، {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ

?

ص: 358

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

السَّيِّئَاتِ} [هود: 114]، والكبيرة عند المعتزلة: تحبط الصالحات، ولو كانت مثل زبد البحر، وما أورده الزمخشري من الآثار وجب رده على قاعدة الحق بالتأويل، فإن لم يقبل التأويل فطريقه أن يحسن الظن بالمنقول عنه، وتغليط قائله، وكلام ابن عمر: ظاهره أولى بنصرة أهل السنة، والآية محمولة عندنا على الإخلال بركن أو شرط يقتضي البطلان من أصله، لا أنه يبطل بعد استكمال شرائط الصحة والقبول".

وقال القاضي: " {لا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} كما أبطل هؤلاء بالكفر والنفاق، أو لا تبطلوا بالعجب والرياء والمن والأذى ونحوها، وليس فيه دليل على إحباط الطاعات بالكبائر".

وقلت: أما قصية النظم: فإنه تعالى لما حكى عن المؤمنين الذين قالوا: {لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ} [محمد: 20]، وكانوا يدعون بذلك الحرص على الجهاد، وحين أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال جبنوا وكعوا وأبوا إلا مخالفة طاعة الله ورسوله، وذمهم على ذلك ذمًا بليغًا، وأطنب فيه، حتى ختمه بقوله:{إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا} إلى قوله: {لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ} ، أتبع ذلك قوله:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وأَطِيعُوا الرَّسُولَ ولا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} ، أي: لا تكونوا أمثالهم فيما أمرتم به من الجهاد في سبيل الله، فتجبنوا فيه، فإن ذلك نفاق وتشبيه بالكفرة الذين صدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول، فسيحبط الله أعمالكم، كما أبطل أعمالهم.

?

ص: 359

كقوله تعالى: {لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} إلى أن قال: } أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ} [الحجرات: 2]، وعن أبي العالية: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرون أنه لا يضر مع الإيمان ذنب، كما لا ينفع مع الشرك عمل، حتى نزلت:{وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ} ، فكانوا يخافون الكبائر على أعمالهم. وعن حذيفة: فخافوا أن تحبط الكبائر أعمالهم. وعن ابن عمر: كنا نرى أنه ليس شيء من حسناتنا إلا مقبولًا، حتى نزل:{وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ} ، فقلنا: ما هذا الذي يبطل أعمالنا؟ فقلنا: الكبائر الموجبات والفواحش، حتى نزل:{إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ} [النساء: 116]، فكففنا عن القول في ذلك، فكنا نخاف على من أصاب الكبائر، ونرجو لمن لم يصبها. وعن قتادة رحمه الله: رحم الله عبدًا لم يحبط عمله الصالح بعمله السيئ.

وقيل: لا تبطلوها بمعصيتهما، وعن ابن عباس: لا تبطلوها بالرياء والسمعة، وعنه: بالشك والنفاق، وقيل: بالعجب، فإنّ العجب يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، وقيل: ولا تبطلوا صدقاتكم بالمنّ والأذى.

[{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} 34]

{ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ} قيل: هم أصحاب القليب، والظاهر العموم.

[{فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ} 35]

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فالحاصل أنه من باب التغليظ والتقابل، ويؤيده تعقيبه بقوله:{فَلا تَهِنُوا وتَدْعُوا إلَى السَّلْمِ} بالفاء، وفصله بقوله:{ولَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} .

قوله: (قيل: هم أصحاب القليب): أي: قليب بدر، وهم قريش.

?

ص: 360

{فَلا تَهِنُوا} فلا تضعفوا ولا تذلوا للعدوّ، {وَ} لا {تَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ} ، وقرئ:"السلم"، وهما المسالمة، {وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ} أي: الأغلبون الأقهرون، {وَاللَّهُ مَعَكُمْ} أي: ناصركم. وعن قتادة: لا تكونوا أوّل الطائفتين ضرعت إلى صاحبتها بالموادعة. وقرئ: "ولا تدّعوا"؛ من: ادّعى القوم وتداعوا: إذا دعوا، نحو قولك: ارتموا الصيد وترموه. و"تدعوا" مجزوم لدخوله في حكم النهي، أو منصوب لإضمار "إن"، ونحو قوله تعالى:{وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ} : قوله تعالى: {إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى} [طه: 68].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وقرئ: "السلم") بكسر السين: أبو بكر وحمزة، والباقون: بفتحها.

قوله: (ضرعت إلى صاحبتها): الأساس: "ضرع له وإليه ضرعًا: إذا استكان وخشع، وهو يتضرع إليه، ولم يزل ضارعًا حتى فعلت كذا"، وعن بعضهم: ضرع؛ أي: مال على سبيل الخضوع، فهو ضرع، سمي بالمصدر للمبالغة، وضرعت: إذا استكانت، وفتح الراء خطأ.

قوله: (بالموادعة): الجوهري: "هي المصالحة".

قوله: (ونحو قوله: {وأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ}: قوله: {إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى}): يعني: نظيره في كونه تقريرًا للغلبة والقهر، وقد صدرت ب"إن" المؤكدة، وحليت بلام التعريف، وفي لفظ العلو، وصيغة التفضيل. نعم ليس فيه تكرار الضمير ولا الاستئناف، لكنه حال مقررة لمعنى النهي، مردوفة بما يزيدها تقريرًا وتبيينًا، أي: لا ينبغي أن تتضرعوا إلى الصلح، والحال أنتم قاهرون عليهم، وأن الله ناصركم عليهم في الدنيا، وخاذلهم، وهو موفي أجوركم في العقبى.

?

ص: 361

{وَلَنْ يَتِرَكُمْ} : من: وترت الرجل: إذا قتلت له قتيلًا من ولد أو أخ أو حميم، أو حربته، وحقيقته: أفردته من قريبه أو ماله، من الوتر، وهو الفرد، فشبه إضاعة عمل العامل وتعطيل ثوابه بوتر الواتر، وهو من فصيح الكلام، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام:«من فاتته صلاة العصر، فكأنما وتر أهله وماله» ، أي: أفرد عنهما قتلًا ونهبًا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قال مكي: " {وأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ} الجملة حال من الضمير المرفوع في"تدعوا"، وكذلك {واللَّهُ مَعَكُمْ} {ولَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} ".

قوله: (أو حربته): الجوهري: "حرب الرجل ماله؛ أي: سلبه، فهو محروب".

قوله: (وهو من فصيح الكلام): لأنه تعالى أجرى عمل العامل مجرى القريب والمال، شبه تعطيل ثواب العمل بوتر الواتر في الهلكة والخسران، ثم استعير لجانب المشبه اللفظ المستعمل في جانب المشبه به، وهو {يَتِرَكُمْ} ، ونحوه في الإجراء قوله تعالى:{يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء: 88 - 89]؛ جعل بالادعاء القلب السليم من أفراد جنس المال والبنين، ثم استثنى بقوله:{إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} بعض أفراد ذلك الجنس.

قال مكي: " {يَتِرَكُمْ} و {تَهِنُوا}: حذفت منهما الفاء، وهي واو، وأصله: "توهنوا" و"يوتركم"، حذفت لوقوعها بين ياء وكسرة، وأتبع سائر أمثلة الفعل المستقبل الحذف وإن لم يكن فيه ياء، على الإتباع، لئلًا يختلف الفعل".

قوله: (من فاتته صلاة العصر كأنما وتر أهله وماله): أخرجه النسائي عن نوفل، ورواية البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الذي تفوته صلاة العصر، فكأنما وتر أهله وماله".

?

ص: 362

[{إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ * إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ * ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ} [36 - 38]

{يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ} ثواب إيمانكم وتقواكم، {وَلا يَسْئَلْكُمْ} أي: ولا يسألكم جميعها، إنما يقتصر منكم على ربع العشر.

ثم قال: {إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ} أي: يجهدكم ويطلبه كله، والإحفاء: المبالغة وبلوغ الغاية في كل شيء، يقال: أحفاه في المسألة: إذا لم يترك شيئا من الإلحاح، وأحفى شاربه: إذا استأصله، {تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ} أي: تضطغنون على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتضيق صدوركم لذلك، وأظهرتم كراهتكم ومقتكم لدين يذهب بأموالكم، والضمير في {يُخْرِجْ} لله عز وجل، أي: يضغنكم بطلب أموالكم، أو للبخل، لأنه سبب الاضطغان.

وقرئ: "نخرج" بالنون، و"يخرج" بالياء والتاء مع فتحهما، ورفع "أضغانكم".

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ثم قال: {إن يَسْأَلْكُمُوهَا}): يعني: الجملة الشرطية كالتعليل لقوله: " {ولا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ}، أي: لا يسألكم جميعها، إنما يقتصر منكم على ربع العشر"، روى الواحدي عن السدي أنه قال:"إن يسألكم جميع ما في أيديكم {تَبْخَلُوا ويُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ} يظهر بغضكم وعداوتكم لله ورسوله، ولكنه فرض عليكم يسيرًا، وهو ربع العشر"، فقول المصنف:"أي: يضغنكم بطلب أوالكم": معناه: يظهر بغضكم بطلب جميع أوالكم، وكذا معنى "يذهب بأموالكم"، أي: يهلكها، كقوله تعالى:{ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ} [البقرة: 17].

قوله: (وقرئ: "نخرج" بالنون): السبعة.

?

ص: 363

{هؤُلاءِ} موصول بمعنى: الذين، صلته {تُدْعَوْنَ} ، أي: أنتم الذين تدعون، أو: أنتم -يا مخاطبون- هؤلاء الموصوفون، ثم استأنف وصفهم، كأنهم قالوا: وما وصفنا؟ فقيل: {تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} قيل: هي النفقة في الغزو، وقيل: الزكاة، كأنه قيل: الدليل على أنه لو أحفاكم لبخلتم وكرهتم العطاء واضطغنتم: أنكم تدعون إلى أداء ربع العشر، فمنكم ناس يبخلون به.

ثم قال: {وَمَنْ يَبْخَلْ} بالصدقة وأداء الفريضة، فلا يتعداه ضرر بخله، وإنما يَبْخَلُ عَلى نَفْسِهِ، يقال: بخلت عليه وعنه، وكذلك ضننت عليه وعنه، ثم أخبر أنه لا يأمر بذلك ولا يدعو إليه لحاجته إليه، فهو الغني الذي تستحيل عليه الحاجات، ولكن لحاجتكم وفقركم إلى الثواب.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (أو: أنتم- يا مخاطبون- هؤلاء الموصوفون): فعلى هذا فيه توبيخ عظيم، وتحقير من شأنهم لأجل الوصف بالبخل، قال في قوله:{ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ} [البقرة: 85]: "هو استبعاد لما أسند إليهم من القتل والإجلاء والعدوان، بعد أخذ الميثاق منهم وإقرارهم.

والمعنى: ثم أنتم بعد ذلك هؤلاء المشاهدون، يعني: أنكم قوم آخرون غير أولئك المقرين؛ تنزيلًا لتغير الصفة منزلة تغير الذات" فالمعنى هاهنا: إنا فرضنا عليكم ربع العشر ليسهل عليكم، إذ لو طلبنا منكم جميع أموالكم لبخلتم وأظهرتم بغض الله ورسوله، والدليل عليه: أنكم- مع ذلك التسهيل- هؤلاء المشاهدون الموصوفون بأنكم تدعون إلى أداء ربع العشر، فمنكم ناس يبخلون به.

قوله: (يقال: بخلت عليه وعنه): وعن بعضهم: بخل عن نفسه: مضمن بمعنى البعد، أي: يبعد الخير عن نفسه على طريق البخل. ويمكن أن يقال: يصدر البخل عن نفسه، لأنها مكان للبخل ومنبعه، كقوله تعالى:{وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ} [الحشر: 9].

?

ص: 364

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقال القاضي: "البخل: يعدى ب"عن" وب"على" لتضمنه معنى الإمساك، فإنه إمساك عن مستحق"، لكن قول المصنف هذا بعد قوله السابق مشعر بعدم التفرقة في الاستعمال، كما عليه مذهب النحويين دون أهل المعاني، فإنه لما أكد معنى جزاء الشرط- وهو قوله:"فلا يتعداه ضرر بخله"- بقوله: وإنما يبخل على نفسه، وأتى ب"على" وخالف، لأنه في التنزيل:{عَنْ نَفْسِهِ} ، اعتذار له بقوله:"يقال: بخل عليه وعنه"، أي: أنهما سيان في الاستعمال.

قال الحريري في"درة الغواص": "الفعل اللازم يعدى تارةً بهمزة النقل، كقولك: خرج زيد وأخرجته، وأخرى بالباء كقولك: خرج زيد وخرجت به، واختلف النحويون: هل بين حرفي التعدية فرق أم لا؟ فقال الأكثرون: هما بمعنى واحد، وقال المبرد: بينهما فرق؛ وهو أنك إذا قلت: "أخرجت زيدًا" كان المعنى: حملته على الخروج، وإذا قلت: خرجت بزيد، فمعناه: خرجت واستصحبته معك، والقول الأول أصح".

وقال صاحب "الضوء": "معنى التعدية في: ذهبت به وأذهبته": واحد، وفي سائر المواضع يفيد مع معنى التعدية معنى آخر، وهاهنا لم يفد شيئًا سواها".

وقلت: فعلى هذا: الشرط والجزاء متقاربان في المعنى، كقولك تعالى:{رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ} [آل عمران: 192]، و {فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ} [آل عمران: 185]، وقولهم:"من أدرك مرعى الصمان فقد أدرك"، فيكون المعنى: من يبخل عن أداء ربع العشر بعد ذلك التقريع والتوبيخ فقد بالغ في البخل، وكان هو البخيل في الحقيقة. روينا

ص: 365

{وَإِنْ تَتَوَلَّوْا} معطوف على {وَإِن تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا} ، {يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ} يخفق قومًا سواكم على خلاف صفتكم راغبين في الإيمان والتقوى، غير متولين عنهما، كقوله:{وَيَاتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ} [إبراهيم: 19، فاطر: 16]، وقيل: هم الملائكة، وقيل: الأنصار، وعن ابن عباس: كندة والنخع، وعن الحسن: العجم، وعن عكرمة: فارس والروم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عن الترمذي عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أديت زكاة مالك فقد قضيت ما عليك".

ولإرادة التوكيد ذيل الكلام بقوله: {واللَّهُ الغَنِيُّ وأَنتُمُ الفُقَرَاءُ} ، وجعله كالاعتراض بين المتقابلين، أعني قوله:{وإن تُؤْمِنُوا وتَتَّقُوا} وقوله: {وإن تَتَوَلَّوْا} ، وهما المعطوفان المعنيان بقوله:" {وإن تَتَوَلَّوْا} معطوف على {وإن تُؤْمِنُوا} ".

والتعريف في {الغَنِيُّ} و {الفُقَرَاءُ} للجنس، فآذنا بكمال الغنى ونهاية الفقر، ثم كونهما خبرين وهما معرفتان: دلا على الحصر، نظيره قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * إِنْ يَشَا يُذْهِبْكُمْ وَيَاتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ} [فاطر: 15 - 16]، والمعنى: أنتم جنس الفقراء الكاملون فيه، والله هو الغني على الإطلاق، فهو غني عنكم وعن عبادتكم، فإن لم تحمدوه أنتم يستبدل قومًا غيركم؛ من يحمد ولا يكفر مثلكم.

قوله: (يخلق قومًا سواكم): أي: "يستبدل": يحتمل استبدال الوصف واستبدال الذات، كما مر في قوله تعالى:{يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ} [إبراهيم: 48]، والذي يقتضيه المقام: الثاني، وقوله:"يخلق قومًا سواكم": يشير إلى ذلك، ولهذه الدقيقة استشهد بقوله:{وَيَاتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ} [إبراهيم: 19، فاطر: 16].

ص: 366

وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القوم، وكان سلمان إلى جنبه، فضرب على فخذه، وقال:«هذا وقومه، والذي نفسي بيده، لو كان الإيمان منوطًا بالثريا لتناوله رجال من فارس» .

وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة محمد صلى الله عليه وسلم كان حقًا على الله أن يسقيه من أنهار الجنة» .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القوم، وكان سليمان) الحديث: أخرجه الترمذي عن أبي هريرة.

تمت السورة

حامدًا لله، ومصليًا على رسول الله صلى الله عليه وسلم

* * *

ص: 367

‌سورة الفتح

مدنية، وهي تسع وعشرون آية

بسم الله الرحمن الرحيم

[{إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا * وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا} 1 - 3]

هو فتح مكة، وقد نزلت مرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مكة عام الحديبية عدة له بالفتح، وجيء به على لفظ الماضي على عادة رب العزة سبحانه في أخباره، لأنها في تحققها وتيقنها بمنزلة الكائنة الموجودة، وفي ذلك من الفخامة والدلالة على علو شأن المخبر ما لا يخفى.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

سورة الفتح

مدنية، وهي تسع وعشرون آية

بسم الله الرحمن الرحيم

قوله: (وفي ذلك من الفخامة): أي: في مجيء الماضي لتنزيل الكائن منزلة الواقع المتحقق من الفخامة ما لا يكتنه كنهه، لأن هذا الأسلوب إنما يرتكب في أمر يعظم مناله، ويعز الوصول إليه، ولا يقدر على نيله إلا من له قهر وسلطان ومن يغلب ولا يغالب، ولذلك ترى أكثر أحوال

ص: 368

فإن قلت: كيف جعل فتح مكة علة للمغفرة؟ قلت: لم يجعل علة للمغفرة، ولكن لاجتماع ما عدّد من الأمور الأربعة، وهي المغفرة وإتمام النعمة وهداية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

القيامة واردةً على هذا المنهج، لأن فتح مكة من أمهات الفتوح، وبه دخل الناس في دين الله أفواجًا، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالاستغفار والتأهب للمسير إلى دار القرار، ولو أخذ من ذلك معنى صيغة التعظيم، ليتم به معنى العظمة، بلغ الغاية.

قوله: (كيف جعل فتح علةً للمغفرة): أي: الفتح فعل الله لا فعله حتى يكون علةً للمغفرة، لذلك قال القاضي:" {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ} علة للفتح من حيث إنه مسبب عن جهاد الكفار، والسعي في إعلاء الدين وإزاحة الشرك، وتكميل النفوس الناقصة قهرًا، ليصير ذلك بالتدريج اختيارًا، وتخليص الضعفة عن أيدي الظلمة".

وقلت: يمكن أن يقال: إنما جعل فتح مكة علة للمغفرة، لأنه سبب لأن يؤمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالاشتغال بخاصة نفسه، بعد بذل المجهود فيما كلف به من تبليغ الرسالة ومجاهدة أعداء الدين، وبالإقبال على التقوى، واستدراك الفرطات، كما قال الله تعالى:{إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} [النصر: 1]، إلى قوله:{فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} [النصر: 3].

قوله: (ولكن لاجتماع ما عدد): خلاصة الجواب: أن العلل متعدد، وهو المعطوفات الأربعة، على أن يراد بقوله:{ويَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا} : الفتح، فتؤخذ الزبدة والخلاصة من المجموع، فعبر به عن العلل، كما قال:"ليجمع لك بين عز الدارين"، وكان كذلك لأن هذا الفتح هو فتح الفتوح، وهدم به منار الجاهلية، وكمل الدين، وأتمت النعم، كما قال:{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3].

ص: 369

الصراط المستقيم والنصر العزيز، كأنه قيل: يسرنا لك فتح مكة، ونصرناك على عدوّك، لنجمع لك بين عز الدارين وأغراض العاجل والآجل. ويجوز أن يكون فتح مكة من حيث إنه جهاد للعدوّ سببًا للغفران والثواب.

والفتح: الظفر بالبلد عنوة أو صلحًا، بحرب أو بغير حرب، لأنه منغلق ما لم يظفر به، فإذا ظفر به وحصل في اليد فقد فتح.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

روى السلمي عن [ابن] عطاء: جمع للنبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآية بين النعم المختلفة؛ من الفتح والمغفرة وتمام النعمة والهداية والنصرة. وعن جعفر الصادق: تمام النعمة: أن جعله حبيبه، وأقسم بحياته، ونسخ له شرائع الرسل أجمع، وعرج به إلى المحل الأدنى، وحفظه في المعراج حتى ما زاغ البصر وما طغى، وبعثه إلى الأبيض والأسود، وأحل له الغنائم، وجعله سيد ولد آدم، وقرن ذكره بذكره، ورضاه برضاه، وجعله أحد ركني التوحيد.

قوله: (لأنه منغلق ما لم يظفر به): الراغب: "الفتح: إزالة الإغلاق والإشكال، وهو ضربان: أحدهما: يدرك بالبصر، كفتح الباب والغلق والقفل والمتاع، قال تعالى:{وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ} [يوسف: 65]، {وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ} [الحجر: 14]. والثاني: ما يدرك بالبصيرة، كفتح الهم، وهو إزالة الغم، وذلك ضربان: أحدهما: في الأمور الدنيوية كغم يفرج، وفقر يزال بإعطاء المال، قال تعالى:{فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام: 44]، أي: وسعنا، والثاني: فتح المنغلق من العلوم، نحو: فلان فتح من العلم بابًا مغلقًا.

وقوله تعالى: {إنَّا فَتَحْنَا لَكَ} : قيل: عنى فتح مكة، وقيل: بل عنى ما فتح على النبي صلى الله عليه وسلم

ص: 370

وقيل: هو فتح الحديبية، ولم يكن فيه قتال شديد، ولكن ترام بين القوم بسهام وحجارة، وعن ابن عباس: رموا المشركين حتى أدخلوهم ديارهم، وعن الكلبي: ظهروا عليهم حتى سألوا الصلح. فإن قلت: كيف يكون فتحًا وقد أحصروا، فنحروا وحلقوا بالحديبية؟ قلت: كان ذلك قبل الهدنة، فلما طلبوها وتمت كان فتحًا مبينًا.

وعن موسى بن عقبة: أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية راجعًا، فقال رجل من أصحابه: ما هذا بفتح، لقد صدّونا عن البيت، وصد هدينا، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «بئس الكلام هذا، بل هو أعظم الفتوح، وقد رضي المشركون أن يدفعوكم عن بلادهم بالراح، ........

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

من العلوم والهدايات التي هي ذريعة إلى الثواب والمقامات المحمودة التي صارت سببًا لغفران ذنوبه.

وفاتحة كل شيء: مبدؤه الذي يفتح به ما بعده، وقيل: افتتح فلان كذا: إذا بتدأ به، وفتح عليه كذا: إذا أعلمه ووقفه عليه، قال تعالى:{أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ} [البقرة: 76]، وفتح القضية فتاحًا: فصل الأمر فيها وأزال الإغلاق، قال تعالى:{رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ} [الأعراف: 89]، والاستفتاح: طلب الفتح، قال تعالى:{وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا} [البقرة: 89]، أي: يستنصرون ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: يطلبون من الله بذكره الظفر، وقيل: يستعلمون خبره مرة، ويستنبطونه من الكتب مرة.

وباب فتح: مفتوح في عامة أحواله، وغلق: بخلافه، وروي:(من وجد بابًا غلقًا وجد إلى جانبه بابًا فتحًا) ".

قوله: (بالراح): الجوهري: "الراح: جمع راحة، وهي الكف، وأراح الرجل: رجعت إليه نفسه بعد الإعياء وأراح إبله؛ أي: ردها".

ص: 371

ويسألوكم القضية، ويرغبوا إليكم في الأمان، وقد رأوا منكم ما كرهوا».

وعن الشعبي: نزلت بالحديبية، وأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الغزوة ما لم يصب في غزوة، أصاب أن بويع بيعة الرضوان، وغفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر، وظهرت الروم على فارس، وبلغ الهدي محله، وأطعموا نخل خيبر، وكان في فتح الحديبية آية عظيمة، وذلك أنه نزح ماؤها حتى لم يبق فيها قطرة، فتمضمض رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم مجه فيها، فدرت بالماء، حتى شرب جميع من كان معه. وقيل: فجاش الماء حتى امتلأت، ولم ينفد ماؤها بعد.

وقيل: هو فتح خيبر، وقيل: فتح الروم، وقيل: فتح الله له بالإسلام والنبوّة والدعوة بالحجة والسيف، ولا فتح أبين منه وأعظم، وهو رأس الفتوح كلها؛ إذ لا فتح من فتوح الإسلام إلا وهو تحته ومتشعب منه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ويسألوكم القضية): أي: الصلح، كما جاء في الحديث:"هذا ما قاضى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم "، النهاية:"هذا ما قاضى عليه؛ قاضى: هو فاعل من القضاء للفصل والحكم، وأصله: القطع، وقضاء الشيء: إحكامه وإمضاؤه والفراغ منه". ويؤيده قوله بعيد هذا: "ومن قضيته أن سكن قلوب المؤمنين بصلح الحديبية".

قوله: (أنه نزح ماؤها): عن البخاري عن البراء قال: "تعدون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحًا، ونحن نعد [الفتح] بيعة الرضوان يوم الحديبية، كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع عشرة مئة، والحديبية بئر، فنزحناها، فلم نترك منها قطرة، فبلغ ذلك النبيصلى الله عليه وسلم، فأتاها، فجلس على شفيرها، ثم دعا بإناء، فتوضأ، ثم مضمن ودعا، ثم صبه فيها، فتركناها غير بعيد، ثم إنها أصدرتنا ما شئنا نحن وركابنا".

ص: 372

وقيل: معناه قضينا لك قضاء بينًا على أهل مكة أن تدخلها أنت وأصحابك من قابل، لتطوفوا بالبيت؛ من الفتاحة، وهي الحكومة. وكذا عن قتادة.

{ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ} يريد: جميع ما فرط منك، وعن مقاتل: ما تقدم في الجاهلية وما بعدها، وقيل: ما تقدم من حديث مارية، وما تأخر من امرأة زيد.

{نَصْرًا عَزِيزًا} فيه عز ومنعة، أو وصف بصفة المنصور إسنادًا مجازيًا، أو عزيزًا صاحبه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ما تقدم من حديث ماربة): وحديث ماربة: هو ما رواه المصنف في سورة التحريم: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلا بمارية في يوم عائشة رضي الله عنها، وعلمت بذلك حفصة، فقال لها: اكتمي علي، وقد حرمت مارية على نفسي"، إلى آخر القصة، لكن قوله تعالى:{لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} يدل على أنه ترك الأولى، لا أنه صلوات الله عليه ارتكب الذنب.

ويجوز أن يراد بالذنب: تعجيل رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل البريء على ما روى ابن عبد البر في "الاستيعاب" عن أنس قال: "إن رجلًا كان يتهم بأم إبراهيم؛ أم ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: اذهب فاضرب عنقه، فأتاه علي، فإذا هو في ركي يتبرد فيها، فقال له: اخرج، فناوله يده، فأخرجه، فإذا هو مجبوب ليس له ذكر، فكف علي عنه، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: والله لمجبوب"، وقال أبو عمر:"هذا الرجل المتهم كان ابن عم مارية القبطية، أهداه معها المقوقس، وأظنه الخصي الذي يقال له: مأبور".

قوله: (أو عزيزًا صاحبه): فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، فصار "عزيزًا هو"، فاستتر الضمير، فصار مرفوعًا بعد أن كان بارزًا مجرورًا.

ص: 373

[{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيمانًا مَعَ إِيمانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَكانَ ذلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا * وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيرًا * وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} 4 - 7]

{السَّكِينَةَ} للسكون، كالبهيتة للبهتان، أي: أنزل الله في قلوبهم السكون والطمأنينة بسبب الصلح والأمن، ليعرفوا فضل الله عليهم بتيسير الأمن بعد الخوف، والهدنة غب القتال، فيزدادوا يقينًا إلى يقينهم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: ({السَّكِينَةَ} السكون): الراغب: "قيل: هو ملك يسكن قلب المؤمن ويؤمنه، كما روي: "إن السكينة لتنطق على لسان عمر"، وقيل: والعقل، ويقال: له سكينة: إذا سكن عن الميل إلى الشهوات، وعن الرعب؛ قال: {وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ} [الرعد: 28]، وقيل: السكينة والسكن: واحد، وهو زوال الرعب".

وروى السلمي عن ابن عطاء: السكينة: نور يقذف في القلب يبصر به مواقع الصواب.

ص: 374

أو أنزل فيها السكون إلى ما جاء به محمد عليه السلام من الشرائع، {لِيَزْدادُوا إِيمانًا} بالشرائع مقرونًا إلى إيمانهم، وهو التوحيد. عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن أوّل ما أتاهم به النبي صلى الله عليه وسلم التوحيد، فلما آمنوا بالله وحده أنزل الصلاة والزكاة، ثم الحج، ثم الجهاد، فازدادوا إيمانًا إلى إيمانهم.

أو أنزل فيها الوقار والعظمة لله عز وجل ولرسوله، ليزدادوا باعتقاد ذلك إيمانًا إلى إيمانهم. وقيل: أنزل فيها الرحمة ليتراحموا، فيزداد إيمانهم.

{وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ} يسلط بعضها على بعض، كما يقتضيه علمه وحكمته، ومن قضيته أن سكن قلوب المؤمنين بصلح الحديبية، ووعدهم أن يفتح لهم، وإنما قضى ذلك ليعرف المؤمنون نعمة الله فيه، ويشكروها، فيستحقوا الثواب، فيثيبهم، ويعذب الكافرين والمنافقين لما غاظهم من ذلك وكرهوه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وقيل: أنزل فيها الرحمة): أي: في قلوبهم. فسر إنزال السكينة بوجوده: أولها: حصول الطمأنينة والأمن في قلوب المؤمنين بعد الخوف، ليتمكنوا مما يزيد به إيمانهم، فإن الخائف من العدو قلق مزعج. وثانيها: السكون إلى التوحيد، وهو مجرد التصديق، والازدياد بانضمام الأعمال الصالحة إليه، كقوله تعالى:{الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} . وثالثها: حصول الوقار في القلب ليكون سببًا لقوة اليقين، كما قال عليه السلام:{وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة: 260]. ورابعها: الرحمة. والوجه المختار هو الأول، كما سيجيء.

قوله: ({ولِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ} [يسلط بعضها على بعض] كما يقتضيه علمه وحكمته، ومن قضيته أن سكن): إِشارة إلى أن هاتين الفقرتين- أعني: {ولِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ وكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} - وردتا معترضتين بين العلة، وهي قوله:{لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ والْمُؤْمِنَاتِ} ، وبين معللها، وهو قوله:{أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ} ، ولذلك عممهما وجعل بعض قضاياهما إنزال السكينة والطمأنينة بسبب الصلح، والأمن في قلوب المؤمنين،

ص: 375

وقع "السوء" عبارة عن رداءة الشيء وفساده، و"الصدق" عن جودته وصلاحه، فقيل في المرضي الصالح من الأفعال: فعل صدق، وفي المسخوط الفاسد منها: فعل سوء، ومعنى {ظَنَّ السَّوْءِ}: ظنهم أن الله تعالى لا ينصر الرسول والمؤمنين، ولا يرجعهم إلى مكة ظافرين فاتحيها عنوة وقهرًا، {عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ} أي: ما يظنونه ويتربصونه بالمؤمنين فهو حائق بهم ودائر عليهم، والسوء: الهلاك والدمار.

وقرئ: {دَائِرَةُ السَّوْءِ} بالفتح؛

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليكون ذلك الإنزال سببًا لعرفان المؤمنين فضل الله عليهم بتيسير الأمن بعد الخوف، ثم يكون ذلك العرفان سببًا لأن يتلقوها بالشكر من الأعمال الصالحة، فيستأهلوا به الثواب، فيثيبهم بإدخالهم جنات تجرى من تحتها الأنهار، ويرغم أعداءهم من المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات بالتعذيب، فظهر أنه اختار من الوجوه الأربعة سابقتها، فقوله:"ليعرف المؤمنون نعمة الله": هو المذكور في الوجه الأول: "ليعرفوا فضل الله بتيسير الأمن".

روينا عن الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج عن أنس: "لما نزلت: {إنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا} إلى {فَوْزًا عَظِيمًا} مرجعه من الحديبية، وهم يخالطهم الحزن والكآبة، وقد نحر الهدي بالحديبية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد أنزلت على آية هي أحب إلى من الدنيا جميعًا"، وفي رواية الترمذي عن أنس:"فقالوا: هنيئًا مريئًا يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، لقد بين الله لك ما يفعل بك، فماذا يفعل بنا؟ فأنزل الله: {لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ والْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} ".

قوله: (وقرئ: {دَائِرَةُ السَّوْءِ} بالفتح): كلهم إلا أبا عمرو وابن كثير.

?

ص: 376

أي: الدائرة التي يذمونها ويسخطونها، فهي عندهم دائرة سوء، وعند المؤمنين دائرة صدق.

فإن قلت: هل من فرق بين السُّوء والسَّوء؟ قلت:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (فهي عندهم دائرة سوء، وعند المؤمنين دائرة صدق): الأساس: "ودارت به دوائر الزمان، وهي صروفه، ويتربص بكم الدوائر"، الراغب:"الدائرة: الخط المحيط، ثم عبر بها عن الحادثة، والدورة والدائرة في المكروه: كالدولة في المحبوب، قال تعالى: {نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ} [المائدة: 52]، {عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ} [التوبة: 98]، أي: يحيط بهم السوء إحاطة الدائرة بمن فيها، فلا سبيل إلى الانفكاك منه بوجه"، وسبق تمام تقرير"الدائرة" في آخر المائدة.

قوله: (هل من فرق بين السوء والسوء): فإن قلت: هل السؤال مستدرك، لأنه قال:"والسوء_ أي: بالضم_: الهلاك والدمار، وقرئ: {دَائِرَةُ السَّوْءِ} بالفتح، أي: الدائرة التي يذمونها"؟ قلت: لا، لأنه ذكره مجملًا بحسب الاستعمال، فسأل ليشرحه مفصلًا بحسب اللغة أيضًا.

اعلم أن الدائرة مطلقة يصح استعمالها في العذاب مرة، وفي الذم تارة، وفي الصدق أخرى، ولذلك قال:"وعند المؤمنين دائرة صدق"، وهو من إضافة الموصوف إلى الصفة للبيان على المبالغة، قال في سورة براءة:"السوء: بالضم، وهو العذاب، والسوء: بالفتح، وهو ذم للدائرة، كقولك: رجل سوء، في نقيض قولك: رجل صدق، لأن من درات عليه ذام لها".

ولما كان "السوء" بالضم ظاهرًا في معنى العذاب والهلاك، لم يحتج إلى التأويل، وبالفتح بمعنى الذم لم يكن مطلقًا، لأنها بالنسبة إلى لمؤمنين محمودة، احتيج إلى تأويل "الدائرة"، وأن يقال: إنها بالنسبة إلى الكافرين مذمومة، لأن من دارت عليه ذام لها، وهو المراد من قوله:"وكانت الدائرة محمودة، فكان حقها أن لا تضاف إليه إلا على التأويل الذي ذكرنا"، يعني:

ص: 377

هما كالكُره والكَره، والضُّعف والضَّعف، مِن: ساء، إلا أنّ المفتوح غلب. في أن يضاف إليه ما يراد ذمه من كل شيء، وأما "السوء" بالضم: فجار مجرى الشر الذي هو إلى المفتوح لكونه مذمومًا، وكانت الدائرة محمودة، فكان حقها أن لا تضاف إليه إلا على التأويل الذي ذكرنا، وأما دائرة السوء -بالضم-: فلأن الذي أصابهم مكروه وشدة، فصح أن يقع عليه اسم السوء، كقوله عزّ وعلا:{إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً} [الأحزاب: 17].

[{إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} 8 - 9]

{شاهِدًا} تشهد على أمّتك، كقوله:{وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: "السوء - بالفتح -: الدائرة التي يذمونها ويسخطونها، وهي عندهم دائرة سوء، وعند المؤمنين: دائرة صدق".

قال صاحب "التقريب": المفتوح غلب في المذموم بالإضافة، والمضموم كالشر في نفسه لا بالإضافة، ولذلك أضيف"الظن" إلى المفتوح؛ لكونه مذمومًا بالإضافة، لا في نفس الأمر.

الراغب: "السوء_ بالضم_: كل ما يغم الإنسان من الأمور الدنيوية والأخروية، والنفسة والبدنية، والخارجة؛ من فوات مال أو فقد حميم، وعبر بـ"السوأى" عن كل ما يقبح، ولذلك قوبل ب"الحسنى" في قوله تعالى: {ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى} [الروم: 10]، كما قال: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى} [يونس: 26]، وقوله تعالى: {عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ}، أي: ما يسوءهم في العاقبة".

قوله: (كالكره والكره): الجوهري: "عن الفراء: الكره_ بالضم_: المشقة، يقال: قمت على كره؛ أي: على مشقة، قال: وأقامني فلان على كره_ بالفتح_: إذا أكرهك عليه، وكان لكسائي يقول: الكره والكره لغتان، وأكرهته على كذا: حملته عليه كرها".

ص: 378

(لِيُؤْمِنُوا) الضمير للناس، (وَيُعَزِّرُوهُ) ويقووه بالنصرة، (وَيُوَقِّرُوهُ) ويعظموه، (وَيُسَبِّحُوهُ) من التسبيح أو من السبحة، والضمائر لله عز وجل، والمراد بتعزير الله: تعزير دينه ورسوله صلى الله عليه وسلم. ومن فرق الضمائر فقد أبعد.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: ("ويعزروه" ويقووه بالنصرة): الراغب: "التعزير: النصرة مع التعظيم، قال تعالى: {وَعَزَّرْتُمُوهُمْ} [المائدة: 12]، والتعزير: ضرب دون الحد، وذلك يرجع إلى الأول، فإن ذلك تأديب، والتأديب نصرة ما، لكن الأول نصرة بقمع العدو عنه، والثاني: نصرة بقمعه عن عدوه، فإن أفعال الشر عدو للإنسان، فمتى قمعته عنها فقد نصرته، وعلى هذا في الحديث: (انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا، فقال: أنصره مظلومًا، فكيف أنصره ظالمًا؟ قال: تكفه عن الظلم) ".

قوله: (والمراد بتعزير الله: تعزير دينه): رفع للتوهم، يعني: التعزير والتوقير غير مانع من إجراء الضمائر على سنن واحد، لجواز إطلاقهما على الله تعالى، ويؤيده قوله تعالى:{إن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ ويُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد: 7]، وقول الحواريين:{نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ} [آل عمران: 52، الصف: 1]، وقول نوح عليه السلام:{مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا} [نوح: 13].

قوله: (ومن فرق الضمائر فقد أبعد): قال صاحب "المرشد": {وَتُوَقِّرُوهُ} : قال أبو حاتم: هو وقف؛ لأن التعزير والتوقير للنبي صلى الله عليه وسلم، والتسبيح لله تعالى، فأراد أن يفرق بين

ص: 379

وقرئ: {لِتُؤْمِنُوا

وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ}، بالتاء، والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأمّته.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ما هو صفة للنبي صلى الله عليه وسلم، وبين ما هو لله تعالى. وأراد المصنف بقوله:"فقد أبعد": رد هذا؛ لأنه بعيد عن منهج النظم المعجز، وقال في قوله تعالى:{أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ} [طه: 39]: "الضمائر كلها راجعة إلى موسى عليه السلام، ورجوع بعضها إليه وبعضها إلى التابوت: فيه هجنة؛ لما يؤدي من تنافر النظم" الذي هو أم إعجاز القرآن، والقانون الذي وقع عليه التحدي، ومراعاته أهم ما يجب على المفسر.

وقوله: (وقرئ: {لِتُؤْمِنُوا

وتُعَزِّرُوهُ} بالتاء): ابن كثير، والباقون: بالياء التحتانية.

قوله: (والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأمته): هذا يحتمل وجهين:

أحدهما: أن يراد: الخطاب في قوله: {إنَّا أَرْسَلْنَاكَ} لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي قوله:{وتُعَزِّرُوهُ} لأمته، وعليه كلام الواحدي، وقال:"ومن قرأ بالتاء فمعناه: قل لهم _يا محمد_: لتؤمنوا بالله، وتعزروه وتعينوه وتنصروه بالسف واللسان، وتوقروه وتعظموه وتبجلوه، وتسبحوه بكرة وأصيلًا"، فعلى هذا: أن كان اللام للتعليل يكون المعلل محذوفًا، أي: لتؤمنوا بالله وكيت وكيت فعل ذلك الإرسال، أو للأمر على طريقة:{فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا} [يونس: 58]، على قراءة التاء الفوقانية. وهذا الوجه موافق للقراءة بالياء التحتانية.

ص: 380

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

والثاني: أن يكون الخطاب في: {لِتُؤْمِنُوا} إلى آخره: لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأمته، فيكون تعميمًا بعد تخصيص، نحو قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ} [الطلاق: 1]، خص النبي صلى الله عليه وسلم بالنداء وعم الخطاب، وقوله تعالى:{وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ} [الزمر: 33]، قال:"هو رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء بالحق وآمن به، أراد به إياه ومن تبعه".

وقوله: "مأمورًا بالإيمان برسالة نفسه كسائر المسلمين": روينا عن أبي هريرة قال: "شهدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حنينًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل ممن يدعي الإسلام: هذا من أهل النار، فلما حضر القتال قاتل الرجل من أشد القتال، وكثرت به الجراح، فجاء رجل فقال: يا رسول الله، أرأيت الذي تحدث أنه من أهل النار، قد قاتل في سبيل الله أشد القتال، فكان بعض الناس يرتاب، فبينما هو على ذلك، إذ وجد الرجل ألم الجراح، فأهوى بيده إلى كنانته، فانتزع سهمًا منها، فانتحر به، فاشتد رجال من المسلمين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، صدق الله حديثك، قد انتحر فلان وقتل نفسه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الله أكبر، أشهد أني عبد الله ورسوله، يا بلال قم فأذن: لا يدخل الجنة إلا مؤمن، وإن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر". أخرجه البخاري ومسلم.

روينا في "مسند أحمد بن حنبل" عن معاوية: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتشهد مع المؤذنين"، وفي رواية أخرى عن علقمة بن أبي وقاص قال: إني لعند معاوية إذ أذن مؤذنه، فقال

ص: 381

وقرئ: "وتعزروه" بضم الزاى وكسرها، و"تعزروه" بضم التاء والتخفيف، و"تعززوه" بالزايين، و"توقروه" من: أوقره، بمعنى وقره.

وتسبحوا الله {بُكْرَةً وَأَصِيلًا} ، عن ابن عباس: صلاة الفجر وصلاة الظهر والعصر.

[{إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} 10]

لما قال: {إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ} أكده تأكيدًا على طريقة التخييل،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

معاوية كما قال، فلما قال: حي على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، فلما قال: حي على الفلاح، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وقال بعد ذلك ما قال المؤذن، ثم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذلك.

قوله: (و"تعزروه" بضم الزاي وكسرها): قال ابن جني: "بالضم: قراءة الجحدري، معناه: تمنعوه أو تمنعوا دينه ونبيه، كقوله تعالى: {إن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ} [محمد: 7]، فهو على حذف المضاف، وأما "تعزروه" بالتشديد: فتمنعوا منه بالسيف، وعزرت فلانًا: أي: فخمت أمره. وقرأ محمد بن اليماني: بالزايين، أي: تجعلوه عزيزًا".

قوله: (أكده تأكيدًا على طريقة التخييل): يعني: لما روعيت المشاكلة بين قوله: {إنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ} وبين قوله: {إنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ} ، بني عليها قوله:{يَدُ اللَّهِ} على سبيل

ص: 382

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الاستعارة التخييلة، تتميمًا لمعنى المشاكلة، وهو كالترشيح للاستعارة، أي: إذا كان الله مبايعًا، ولا بد للمبايع_ كما تعورف واشتهر_ من الصفقة باليد، فتتخيل اليد لتأكيد معنى المشاكلة، وإلا فجل جنابه الأقدس عن الجارحة.

هذا هو المراد من قول صاحب "المفتاح": "وأما حسن الاستعارة التخييلية: فأن تكون تابعة للكناية، ثم إذا انضم إليها المشاكلة كانت أحسن وأحسن".

روى الواحدي عن ابن كيسان: "قوة الله ونصرته فوق قوتهم وتصرتهم، أي: ثق بنصرة الله لك لا بنصرتهم وإن ييايعوك". وقال الزجاج: "المعنى: يد الله في الوفاء فوق أيديهم_ أو: في الثواب فوق أيديهم_ في الصاعة، أو يد الله في المنة عليهم في الهداية فوق أيديهم في الطاعة".

وقلت: هذه الوجوه لا تنطبق على تأويل المصنف، لأن قوله:{إنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ} : معناه: ما يبايعون أحد إلا الله، أي: ليست تلك المبايعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل مع الله، ثم لما أريد مزيد توكيد قيل:{يَدُ اللَّهِ} ، أي: لا تظنن أن الأمر على خلافه، ألا تشاهد يد الله كيف حصلت فوق أيديهم، كما يفعل المتبايعان. وفي اختصاص الفوقية تتميم معنى الظهور.

وقال أبو البقاء: " {إنَّمَا يُبَايِعُونَ} خبر "إن"، و {يَدُ اللَّهِ} مبتدأ، وما بعده: الخبر، والجملة خبر آخر ل"إن"، أو حال من ضمير الفاعل في {يُبَايِعُونَ}، أو مستأنف".

ص: 383

فقال: {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} ، يريد: أن يد رسول الله التي تعلو أيدي المبايعين: هي يد الله، والله تعالى منزه عن الجوارح وعن صفات الأجسام، وإنما المعنى: تقرير أن عقد الميثاق مع الرسول كعقده مع الله، من غير تفاوت بينهما، كقوله:{مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ} [النساء: 80]، والمراد: بيعة الرضوان.

{فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ} فلا يعود ضرر نكثه إلا عليه، قال جابر بن عبد الله رضي الله عنه:"بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة على الموت، وعلى أن لا نفرّ، فما نكث أحد منا البيعة إلا جد بن قيس، وكان منافقًا، اختبأ تحت إبط بعيره، ولم يسر مع القوم".

وقرئ: "إنما يبايعون لله"؛ أي: لأجل الله ولوجهه،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة على الموت): روينا عن الإمام أحمد بن حنبل ومسلم والترمذي والنسائي عن جابر: "بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لا نفر، ولم نبايعه على الموت".

ولمسلم: "سئل جابر: كم كنتم يوم الحديبية؟ قال: كنا أربع عشرة مئة، فبايعناه وعمر رضي الله عنه آخذ بيده صلوات الله عليه تحت الشجرة، وهي سمرة، فبايعناه، غير جد بن قيس الأنصاري، اختفى تحت بطن بعيره".

وفي رواية: "على الموت".

ص: 384

وقرئ: {يّنكُثُ} بضم الكاف وكسرها، و {بِمَا عَاهَدَ} و"عهد"، {فَسَيُؤْتِيهِ} بالنون والياء، يقال: وفيت بالعهد وأوفيت به، وهي لغة تهامة، ومنها قوله:{أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1]، {وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ} [البقرة: 177].

[{سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا فَاسْتَغْفِرْ لَنا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} 11]

هم الذين خلفوا عن الحديبية، وهم أعراب غفار ومزينة وجهينة وأشجع وأسلم والديل، وذلك أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أراد المسير إلى مكة عام الحديبية معتمرًا، استنفر من حول المدينة من الأعراب وأهل البوادي ليخرجوا معه؛

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وقرئ: {يَنْكُثُ} بضم الكاف وكسرها): والضم: المشهورة، والكسر: شاذ.

قوله: ({فَسَيُؤْتِيهِ} بالنون والياء): بالنون: نافع وابن كثير وابن عامر، والباقون: بالياء.

قوله: (وفيت بالعهد): الراغب: "الوافي: الذي بلغ التمام، يقال: درهم واف، وكيل واف، واوفيت الكيل والوزن، ووفى بعهده: إذا تمم العهد، والقرآن جاء ب"أوفى"، وفي قوله: {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} [النجم: 37]: إشارة إلى قوله: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ} [البقرة: 124]، وتوفية الشيء: بذله وافيًا، ووفى إبراهيم حيث بذل المجهود في جميع ما طولب به؛ من بذل ماله في الإنفاق في طاعته، وبذل ولده الذي هو أعز من نفسه، واستيفاء الشيء: تناوله وافيًا، قال تعالى: {وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ} [آل عمران: 25] ". و"العهد: حفظ الشيء وماعاته حالًا بعد حال، وسمي الموثق الذي تلزم مراعاته: عهدًا، قال تعالى: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا} [الإسراء: 34]، وعهد فلان إلى فلان بعهد، أي: ألقى العهد إليه، وأوصاه بحفظه، {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آَدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ} [طه: 115] ".

ص: 385

حذرًا من قريش أن يعرضوا له بحرب أو يصدوه عن البيت، وأحرم هو صلى الله عليه وسلم، وساق معه الهدي، ليعلم أنه لا يريد حربًا، فتثاقل كثير من الأعراب، وقالوا: يذهب إلى قوم قد غزوه في عقر داره بالمدينة، وقتلوا أصحابه، فيقاتلهم، وظنوا أنه يهلك، فلا ينقلب إلى المدينة، واعتلوا بالشغل بأهاليهم وأموالهم، وأنه ليس لهم من يقوم بأشغالهم.

وقرئ: "شغَّلتنا" بالتشديد. {يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} تكذيب لهم في اعتذارهم، وأن الذي خلفهم ليس بما يقولون، وإنما هو الشك في الله والنفاق، وطلبهم للاستغفار أيضًا ليس بصادر عن حقيقة.

{فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ} فمن يمنعكم من مشيئة الله وقضائه، {إِنْ أَرادَ بِكُمْ} ما يضركم من قتل أو هزيمة،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (في عقر داره): النهاية: "في الحديث: "عقر دار الإسلام: الشام"، أي: أصله وموضعه، كأنه أشار به إلى وقت الفتن، أي: يكون الشام يومئذ آمنًا منها، وأهل الإسلام به أسلم، وعقر الدار_ بالضم والفتح_: أصلها". الراغب: "عقر الدار والحوض وغيرهما: أصلها، يقال: له عقر، وفيل: ما غزي قوم في عقر دارهم قط إلا ذلوا".

قوله: (فمن يمنعكم من مشيئة الله تعالى وقضائه {إِنْ أَرَادَ بِكُمْ} ما يضركم) إلى آخره: الانتصاف: "هذه الآية من اللف، أي: من يملك لكم من الله شيئًا أن أراد بكم ضرًا، ومن يحرمكم النفع أن أراد بكم نفعًا، لأن "من يملك" يستعمل في الضر، كقوله:{فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ} [المائدة: 17]، {فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا} [المائدة: 41]، {فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا} [الأحقاف: 8].

ص: 386

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وسر اختصاص دفع المضرة: أنه تعالى أضاف الملك في هذه المواضع باللام، ودفع المضرة نفع، وليس كذلك حرمان المنفعة، فهو ضرر عائد عليه لا له، وإنما انتظمت هذه الآية كذلك، لأن القسمين يشتركان في أن كل واحد منهما نفي لدفع المقد من ير وشر، فلما تقاربا أدرجهما في عبارة واحدة، وخص عبارة دفع الضرر لأنه المتوقع لهؤلاء، إذ الآية تهديد ووعيد.

وفي نظيره قوله تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ} [الأحزاب: 17]، والعصمة أبدًا تكون من الشر، فهاتان الآيتان توأمتان".

وقلت: ويعضد هذا التأويل ما رواه الواحدي عن ابن عباس: "من يمنعكم من عذاب الله أن أراد بكم ضرًا أو أراد بكم نفعًا".

هذا ولا ارتياب أن {يَمْلِكُ} هاهنا غير مستعمل فيما وضع له، قال في "الأساس":"ملك الشيء وامتلكه وتملكه، ومن المجاز: ملك نفسه عند الفضب، وملك علبه أمره: إذا استولى عليه"، وعلى هذا: يجعل {يَمْلِكُ} مجازًا من "يمنع"_ كما عليه ظاهر كلام المصنف_ أو تضمينًا بوساطة "من"، وتكون اللام مزيدة مثلها في قوله تعالى:{رَدِفَ لَكُمْ} [النمل: 72]، ولما عقب بقوله:{إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا} وجب تقدير مشيئة الله مطلقًا؛ ليتناول مشيئة الضر والنفع، فتكون القرينتان_ أعني:{إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا} _ تقسيمًا له، ثم جعل المجموع عبارة على سبيل الكناية الإيمائية عن أنه ضار ولا نافع إلا هو.

والنظم يساعد عليه؛ لأن الخطاب مع قوم تثاقلوا عن الحرب حين استنفروا، قالوا: نذهب إلى قوم عزوه في عقر داره، ثم جاؤوا معتذرين: أن أموالنا وأهلينا شغلتنا عن الاستنفار معك، ولم ين ذلك خيرًا لنا، فجئنا تائبين مستغفرين، فاستغفر لنا.

ص: 387

{أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعًا} من ظفر وغنيمة. وقرئ: {ضّرًّا {، بالفتح والضم.

الأهلون: جمع أهل. ويقال: أهلات، على تقدير تاء التأنيث، كأرض وأرضات، وقد جاء: أهلة، وأمّا أهال فاسم جمع، كليال.

[{بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِب َ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا} 12]

وقرئ: "إلى أهلهم"، "وزين" على البناء للفاعل، وهو الشيطان، أو الله عز وجل، وكلاهما جاء في القرآن؛ {وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ} [النمل: 24]، و {زَيَّنَّا لَهُمْ} [النمل: 4].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ولما لم يكونوا مثل أولئك الذين قال الله فيهم: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ} [النساء: 64] نبه الله سبحانه وتعالى رسول صلى الله عليه وسلم بقوله: {يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} ثم أمره يحبيبهم بأجوبة ثلاثة على الترقي، بقوله أولًا على سبيل الكلام المنصف تعريضًا بغيرهم من المحقين والمبطلين:{فَمَن يَمْلِكُ لَكُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا إنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرَّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا} ، يعني: ليس مالك النفع والضر إلا هو، فلا أهلكم وأموالكم ولا القعود في بيوتكم ينفعكم أن أراد بكم ضرًا، كما في أحد، ولا الشخوص إلى الغزو ومقاتلة الأعداء تضركم أن أراد بكم نفعًا من الظفر والغنيمة، كما في بدر. ثم أضرب عن هذا الجواب إلى قوله:{بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} ، وفيه نوع تهديد، ولكن على الإيهام، ثم ترقى وصرح بمكنون ضمائرهم والكشف عن فضائحهم في قوله:{بَلْ ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرَّسُولُ والْمُؤْمِنُونَ إلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا} ، والله أعلم.

قوله: (وقرئ: {ضَرَّا} بالفتح والضم): حمزة والسائي: بالضم، والباقون: بالفتح.

ص: 388

والبور: من بار، كالهلك: من: هلك، بناء ومعنى، ولذلك وصف به الواحد والجمع والمذكر والمؤنث، ويجوز أن يكون جمع بائر، كعائذ وعوذ. والمعنى: وكنتم قومًا فاسدين في أنفسكم وقلوبكم ونياتكم لا خير فيكم، أو: هالكين عند الله مستوجبين لسخطه وعقابه.

[{وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَعِيرًا} 13]

{لِلْكافِرِينَ} مقام مقام "لهم"؛ للإيذان بأنّ من لم يجمع بين الإيمانين -الإيمان بالله وبرسوله- فهو كافر، ونكر {سَعِيرًا} لأنها نار مخصوصة، كما نكر {نَارًا تَلَظَّى} [الليل: 14].

[{وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} 14]

{وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ} يدبره تدبير قادر حكيم، فيغفر ويعذب بمشيئته، ومشيئته تابعة لحكمته، وحكمته المغفرة للتائب وتعذيب المصر، {وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} رحمته سابقة لغضبه؛ حيث يكفر السيئات باجتناب الكبائر، ويغفر الكبائر بالتوبة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (كعائذ وعوذ)، الجوهري:"العوذ: الحديثات النتاج من الإبل والخيل، واحدتها عائذ".

قوله: ({لِلْكَافِرِينَ} مقام مقام "لهم"): أي: أقيم الظاهر_ وهو {لِلْكَافِرِينَ} _ مقام المضمر، وهو:"لهم".

قوله: (ومشيئه تابعة لحكمته، وحكمته المغفرة للتائب): الانتصاف: "تقدم منه أمثال ذلك حملًا للقرآن على رأيه". وقلت: يريد: أن فيه تحريفين: أحدهما: جعل المشيئة تابعة للحكمة، والحكم بالعكس. وثانيهما: قيد الغفران باجتناب الكبائر، والكبائر بالتوبة.

واعلم أنه يمكن أن يقال_ والله أعلم_: أن قوله: {ولِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ} الآية: موقعه موقع التذييل لقوله تعالى: {ومَن لَّمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ}

ص: 389

[{سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَاخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلاَّ قَلِيلًا} 15]

{سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ} الذين تخلفوا عن الحديبية: {إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ} إلى غنائم خيبر. {أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ} - وقرئ: "كلم الله"-: أن يغيروا موعد الله لأهل الحديبية، وذلك أنه وعدهم أن يعوّضهم من مغانم مكة مغانم خيبر، إذا قفلوا موادعين لا يصيبون منهم شيئًا. وقيل: هو قوله تعالى: {لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا} [التوبة: 83].

{تَحْسُدُونَنا} أن نصيب معكم من الغنائم، قرئ بضم السين وكسرها، {لا يَفْقَهُونَ} لا يفهمون إلا فهمًا {قَلِيلًا} ، وهو فطنتهم لأمور الدنيا دون أمور الدين، كقوله:{يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا} [الروم: 7].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الآية، على أن يقدر له ما يقابله من قوله: ومن آمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا للمؤمنين الجنان، فلا يقيد شيء منه؛ ليؤذن بالتصرف التام، والمشيئة النافذة، والغفران الكامل، والرحمة الشاملة.

قوله: (أن يغيروا موعد الله): تفسير لقوله: {أَن يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ} ، وقوله:"وقرئ: كلهم الله": معترض بين التفسير والمفسر، وقوله:"قيل: هو قوله تعالى: {قُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا} " عطف على قوله: "يغيروا موعد الله لأهل الحديبية".

و"كلم الله": هي قراءة حمزة والكسائي، والباقون:{كَلامَ اللَّهِ} .

وفي القول الثاني نظر؛ لأن قوله: {قُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا} [التوبة: 83]: نازل في المتخلفين عن غزوة تبوك من المنافقين، وكانت تلك الغزوة في رجب سنة تسع، وغزوة الحديبية في سنة ست، كما ذكره ابن الجوزي في "الوفا".

قوله: (قرئ بضم السين وكسرها): أي: {تَحْسُدُونَنَا} ، بالضم: المشهورة، وبالكسر: شاذة.

ص: 390

فإن قلت: ما الفرق بين حرفي الإضراب؟ قلت: الأوّل: إضراب معناه: ردّ أن يكون حكم الله أن لا يتبعوهم وإثبات الحسد، . والثاني: إضراب عن وصفهم بإضافة الحسد إلى المؤمنين، إلى وصفهم مما هو أطم منه، وهو الجهل وقلة الفقه.

[{قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَاسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذابًا أَلِيمًا} 16]

{قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ} هم الذين تخلفوا عن الحديبية، {إِلى قَوْمٍ أُولِي بَاسٍ شَدِيدٍ} يعني: بني حنيفة قوم مسيلمة، وأهل الردّة الذين حاربهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (إلى وصفهم بما هو أطم منه): النهاية: "طم الشيء: إذا عظم، وطم الماء: إذا كثر".

الانتصاف: "الإضراب الأول هو المعروف، والثاني هو المستغرب المستعذب الذي ليس فيه مباينة بين الأول والثاني، بل زيادة تنبيه، ومبالغة متمكنة، والمنسوب إليهم ثانيًا أشد؛ فإنهم في الأول جهلوا شيئًا مخصوصًا بنسبتهم المؤمنين إلى الحسد، والثاني نسبتهم إلى الجهل المطبق".

وقلت: الإضراب الأول واقع في كلام المتخلفين، والثاني في كلام الله عز وجل، وقوله تعالى:{سَيَقُولُ المُخَلَّفُونَ} : أخبر الله تعالى أنهم سيقولون للمؤمنين: إذا ذهبتم إلى الغزو لا تمنعونا من متابعتكم، ومنعكم إيانا ذلك ليس من حكم الله، بل هو من عند أنفسكم؛ حسدًا أن نصيب من الغنائم شيئًا. ثم أضرب الله عن المجموع بقوله:{بَلْ كَانُوا لا يَفْقَهُونَ} ، والحاصل أن ردهم حكم الله وإثباتهم الحسد كان من قلة التفكير وسوء الظن بالمسلمين، ودع ذلك، بل كان بجهل منهم وقلة عقل لما يلزم منه؛ إما رد حكم الله، أو نسبة التقول على الله والحسد إلى أولئك السادة، وإيثار هذه الأدنى على الحياة السرمدية. وفيه: أن الجهل غاية في الذم، وحب الدنيا ليس من شيمة العالم العاقل.

ص: 391

لأن مشركي العرب والمرتدين هم الذين لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف عند أبي حنيفة، ومن عداهم من مشركي العجم وأهل الكتاب والمجوس تقبل منهم الجزية. وعند الشافعي: لا تقبل الجزية إلا من أهل الكتاب والمجوس، دون مشركي العجم والعرب.

وهذا دليل على إمامة أبي بكر الصديق رضي الله عنه؛ فإنهم لم يدعوا إلى حرب في أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن بعد وفاته، وكيف يدعوهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مع قوله تعالى:{فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا} [التوبة: 83]؟ !

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وهذا دليل على إمامة أبي بكر الصديق رضي الله عنه: وتقريره: ما ذكره الإمام قال: الداعي في قوله: {سَتُدْعَوْنَ إلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَاسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ} لا يخلو من أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو الأئمة الأربعة ومن بعدهم. لا يجوز الأول لقوله تعالى:{لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ} إلى قوله: {سَتُدْعَوْنَ} الآية، ولا علي رضي الله تعالى عنه، لأنه رضي الله عنه إنما قاتل البغاة والخوارج، وتلك المقاتلة للإسلام؛ ولما بطلت الأقسام تعين أن المراد بالداعي: أبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، ثم إنه تعالى أوجب طاعتهم، وأوعد على مخالفتهم بقوله:{فَإن تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وإن تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُم مِّن قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} .

ص: 392

وقيل: هم فارس والروم. ومعنى {يُسْلِمُونَ} : ينقادون، لأنّ الروم نصارى، وفارس مجوس، يقبل منهم إعطاء الجزية.

فإن قلت: عن قتادة: أنهم ثقيف وهوازن، وكان ذلك في أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلت: إن صح ذلك فالمعنى: لن تخرجوا معي أبدًا ما دمتم على ما أنتم عليه من مرض القلوب والاضطراب في الدين،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (عن قتادة: أنهم ثقيف): يعني: ذكرت أن ليس الداعي في قوله: {سَتُدْعَوْنَ} رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكيف يدعوهم وقد قال:{لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا} [التوبة: 83]، وقد روي عن قتادة: أن المدعو ثقيف وهوازن، فيكون الداعي هو رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وأجاب: أن هذا المطلق مقيد، إما بقيد: ما دمتم على ما أنتم عليه من مرض القلوب، وحين دعاهم زال عنهم ذلك المرض، وإما بقيد قوله:"إلا متطوعين"، وبيأنه: أن ذلك الموعد _الذي دل عليه قوله: {يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ} _ هو أنهم لا يتبعون رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا متطوعين لا نصيب لهم في المغنم.

وقال محيي السنة: " {قُل لَّن تَتَّبِعُونَا} إلى خيبر، {كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ} أي: من قبل مرجعنا إليكم؛ أن غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية، ليس لغيرهم فيها نصيب".

فاللام في" الموعد" للعهد بشهادة قوله فيما سبق: " {أَن يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ} أي: يغيروا موعد الله لأهل الحديبية"، فإن ذلك الموعد_ على قول مجاهد_ هذا المذكور، فعلى هذا:"أو على قول مجاهد" عطف على قوله: "فالمعنى: لن تخرجوا معي أبدًا ولن تقاتلوا معي عدوا ما دمتم على ما أنتم عليه"، أو: لن تخرجوا أبدًا إلا متطوعين لا نصيب لكم في المغنم، بناء على قول مجاهد.

ص: 393

أو على قول مجاهد: كان الموعد أنهم لا يتبعون رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا متطوعين لا نصيب لهم في المغنم.

{كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ} يريد: في غزوة الحديبية.

{أَوْ يُسْلِمُونَ} معطوف على {تُقَاتِلُونَهُمْ} ، أي: يكون أحد الأمرين؛ إما المقاتلة، أو الإسلام، لا ثالث لهما. وفي قراءة أبيّ:"أو يسلموا"؛ بمعنى: إلى أن يسلموا.

[{لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذابًا أَلِيمًا} 17]

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (متطوعين): الجوهري: "التطوع بالشيء: التبرع به، المطوعة: الذين يتطوعون بالجهاد".

قوله: (معطوف على {تُقَاتِلُونَهُمْ}، أي: يكون أحد الأمرين؛ إما المقاتلة أو الإسلام، لا ثالث لهما): أي: لا تؤخذ الجزية أن أريد ب"القوم": مشركو العرب، و"الإسلام" محمول على حقيقته، ولا يترك سدى أن أريد ب"القوم": المجوس والنصارى _ذكر المجوس والنصارى، ولم يذكر اليهود؛ لأن القوم ما دعوا إلى اليهود، لأن اليهود ما اجتمع لهم رأي بعد ذلك، ولا كانت لهم شوكة وبأس شديد_ و"الإسلام" محمول على الانقياد.

والعطف يحتمل أمرين_ كما قال في "المفصل"_: "الرفع على الإشراك بين {يُسْلِمُونَ} و {تُقَاتِلُونَهُمْ}، أو على الابتداء".

وقال ابن الحاجب في "الشرح": "الرفع على الإشراك بين {يُسْلِمُونَ} و {تُقَاتِلُونَهُمْ} على معنى التشريك بينهما في عامل واحد، حتى كأنك عطفت خبرًا على خبر، أو على الابتداء،

ص: 394

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يعني بقوله: "أو على الابتداء": على الاستئناف بجملة معربة إعراب نفسها غير مشترك بينها وبين ما قبلها في عامل واحد، ومثلها بقول:"أو هم يسلمون"، ليظهر الفرق بين هذا التقدير والتقدير الأول؛ إذا الجملة الاسمية لا تكون معطوفة على جملة فعلية باعتبار التشريك، ولكن باعتبار الاستقلال".

وقال في "الأمالي": "الرفع فيه وجهان: أحدهما: أن يكون مشتركًا بينه وبين {تُقَاتِلُونَهُمْ} في العطف، والآخر: أن يكون جملة مستقلة معطوفة على الجملة التي قبلها باعتبار الجملة لا باعتبار الأفراد، و {تُقَاتِلُونَهُمْ} فيه معنى الأمر، وإن كان صيغته صيغة الخبر، ولا يستقيم أن يكون مجردًا عن معنى الأمر لأنه يؤدي إلى أن لا ينفك الوجود عن أحدهما لصدق الإخبار، ونحن نرى الوجود ينفك عنهما.

ولا نقول: إنه يمتنع لما تؤدي إليه "أو" من الشك، وذلك في حق العالم باطل، فإنا على يقين نعلم أن "أو" تأتي لأحد الأمرين إذا كان المخبر عنه لا ينفك عن أحدهما، وليس ذلك عن شك، بل عن قطع أنه كذلك، كقولك: الجسم إما أن يكون ساكنًا أو متحركًا، وكذلك ما أشبهه مما يلزم أن يكون على أحد الأمرين في عقليته أو وجوده، وإنما يلزم الشك في الإخبار عن أمر معين في الوجود، وقع أو سيقع على أحد أمرين، فهاهنا قد يتوهم لزوم الشك من المخبر، كقولك: زيد إما مريض وإما معافى.

وإذا ثبت أن {تُقَاتِلُونَهُمْ} في معنى الأمر، فـ {يُسْلِمُونَ}: إما في معنى الأمر فيصح المعنى، ويكون المعنى: الواجب عليكم إما القتال وإما الإسلام منهم، وهذا واضح، وعلم أن

ص: 395

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الإسلام لا يسقط عنهم بالقتال من المسلمين من دليل آخر، وإما أن لا يكون {يُسْلِمُونَ} في معنى الأمر، فيكون المعنى الإخبار بأن أحد الأمرين لا ينفك عن الوجود، وهو إما وجوب القتال منكم، أو حصول الإسلام منهم".

قلت: أما قوله: "أن يكون جملة مستقلة معطوفة على الجملة قبلها باعتبار الجملة لا باعتبار الأفراد"، فمناه: أن قوله: {تُقَاتِلُونَهُمْ} مجرور المحل صفة لـ {قَوْمٍ} ، فإذا عطف {أَوْ يُسْلِمُونَ} عليه باعتبار الأفراد، كان حكمهما سواء، وأما إذا عطف لا من هذه الجهة، بل بالنظر [إلى] أنها جملة كانت مستقلة.

ويؤيده ما ذكره ابن جني في "المحتسب"، قال:"أما قراءة العامة بالنصب: {وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ} [الرحمن: 7] فمعطوف على {يَسْجُدَانِ} [الرحمن: 6] وحدها، وهي جملة من فعل وفاعل، والعطف يقتضي التماثل في تركيب الجمل، فالتقدير: ورفع السماء، فلما أضمر" رفع"، فسره بقوله:{رَفَعَهَا} ، كقولك: قام زيد وعمرًا ضربته، أي: وضربت عمرًا، لتعطف جملة من فعل وفاعل، على أخرى مثلها.

وفي نصب "السماء" على القراءة العامة ردًا على أبي الحسن في امتناعه أن يقول: زيد ضربته وعمرًا كلمته، على تقدير: وكلمت عمرًا، عطفًا على: ضربته، لأن قوله:"ضربته" جملة ذات موضع من الإعراب، لكونها خبرًا للمبتدأ، و" كلمت عمرًا" لا موضع لهامن الإعراب، لأنها ليست خبرًا عن "زيد"؛ لخلوها من ضميره، فلا تعطف جملة غير ذات موضع على جملة ذات موضع؛ إذ العطف نظير التثنية، فينبغي أن يتناسب المعطوف والمعطوف عليه.

ص: 396

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وهذا ساقط عند سيبويه، وذلك أن ذلك الموضوع من الإعراب لما لم يخرج إلى اللفظ سقط حكمه، وجرت الجملة ذات الموضع كغيرها من الجملة غير ذات الموضع، كما أن الضمير في اسم الفاعل لما لم يظهر إلى اللفظ جرى مجرى ما لا ضمير فيه، فقيل في تثنيته: قائمان، كما قيل: فرسان ورجلان، بل إذا كان اسم الفاعل قد يظهر ضميره إذا جرى على غير من هوله، ثم أجري مع ذلك مجرى ما لا ضمير فيه لما لم يظهر في بعض الموضع، كان ما لا يظهر فيه الإعراب أصلًا أحرى أن يسقط الاعتداد به". تم كلام ابن جني.

وأما تلخيص الكلام: فهو أن يقال: لا بد من تأويل {تُقَاتِلُونَهُمْ} بالأمر؛ ليستقيم المعنى، ولا نقول: إنه يمتنع الحمل على الإخبار لأجل كلمة"أو" لأنها موضوعة للشك، وهو في حق الله تعالى محال، وكيف نقول به ونحن نعلم يقينًا أن "أو" في الأخبار ليست منحصرة في الشك، لأن "أو" التنويعية، وهي أن تأتي لأحد الأمرين إذا كان المخبر عنه لا ينفك عن أحدهما، نحو: الجسم إما أن يكون ساكنًا أو متحركًا، بل نقول: إنما يمتنع الإخبار لأن قوله: {تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ} ليس من هذا القبيل؛ لما نرى أن الوجود ينفك عنهما، وهو أن لا تحصل مقاتلة هؤلاء ولا إسلام أولئك، إما بالهذنة أو أن يتركوا سدى.

وإذا ثبت أن {تُقَاتِلُونَهُمْ} في معنى الأمر: فلا يخلو من أن يحمل {يُسْلِمُونَ} على الأمر أيضًا أم لا. فالمعنى على الأول: الواجب عليكم إما القتال وإما الإسلام منهم. ويرجع المعنى على الثاني إلى الإخبار بأن أحد الأمرين لا ينفك عنه الوجود؛ إما وجوب القتال منكم أو حصول الإسلام منهم، وإنما يستقيم هذا على الأمر، لأن الأمر للوجوب، وليس الإخبار بحصول وجوب القتال كالإخبار بحصول وقوع القتال.

ص: 397

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فظهر بهذا معنى قول المصنف: "يكون أحد الأمرين؛ إما المقاتلة أو الإسلام، ولا ثالث لها".

هذا، والذي يقتضيه المقام ما ذهب غليه صاحب "التخمير" حيث قال:"وإذا رفعت هذا الفعل فعلى أن "أو" هي العاطفة، ثم هذه الجملة المعطوفة: إما أن تكون بظاهرها فعلية أو اسمية، وعلى الاسمية تقديره: أو هم يسلمون.

فإن سألت: أليس من شأن العطف المناسبة بين المعطوف والمعطوف عليه؟ أجبت: إذا قلت: الجملة الفعلية اسمية كانت المناسبة أكثر، لأن هذه الجملة حينئذ تخرج إلى باب الكناية، والمعنى: تقاتلونهم أو لا تقاتلونهم لأنهم يسلمون.

وقلت: يعني: وضع "هم يسلمون" موضع "لا تقلونلونهم"؛ لأنهم إذا أسلموا سقط عنهم قتالهم ضرورة، "أو" إذن للتريد، لكن على سبيل الاستعارة، والجملتان إخباريتان، وبيان ذلك أن قوله تعالى:{قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ} وارد على سنن الإخبار التوبيخي في حق من تخلف عن غزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاؤوا معتذرين، يعني: أن الله سبحانه وتعالى سيعاملكم بعد هذه الغزوة بغزوة أخرى معاملة من يختبر أحوال من هو تحت قهره وملكته، فيأمره بأمر وينظر: هل يمتثل أمره أم لا، فإن أطاع يثيبه، وإلا يعاقبه، يدل عليه ترتب قوله:{فَإن تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وإن تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُم مِّن قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} ، ورفع الجناح عن المضرورين في قوله:{لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ ولا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ ولا عَلَى المَرِيضِ} ، والتذييل بقوله:{ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ} الآية.

ص: 398

نفى الحرج عن هؤلاء من ذوي العاهات في التخلف عن الغزو. وقرئ: "ندخله" و"نعذبه"، بالنون.

[{لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا * وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَاخُذُونَها وَكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} 18 - 19]

هي بيعة الرضوان، سميت بهذه الآية، وقصتها: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم حين نزل الحديبية بعث جوّاس بن أمّية الخزاعي رسولًا إلى أهل مكة، فهموا به،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وتحرير المعنى: ستدعون إلى قوم ذوي شوكة عظيمة وأصحاب عدد لنبلوكم؛ أهل تقاتلونهم أم لا وتتخلفون عن داعيكم كما تخلفتم الآن، والاستدعاء ليس إلا لاختباركم وامتثالكم الأمر، وإلا فالقوم يدخلون في الإسلام: إما باستبصار من عند أنفسم وتفكر، أو أن يقدر الله غيركم من يقاتلهم ليسلموا. ولهذا الدقيقة كنى بالجملة الاسمية عن الفعلية _وهي الخبر عن المبتدأ المقدر_ على تقوي الحكم.

فظهر أن الكلام وارد على التمثيل، و"أو" الترديدية مستعارة هاهنا، كما استعير كلمة الترجي في قوله:{لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} ، والله أعلم.

قوله: (وقرئ: "ندخله" و"نعذبه" بالنون): نافع وابن عامر.

قوله: (هي بيعة الرضوان، سميت بهذه الآية): أي: أنزل الله تعالى في هذه البيعة: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} ، فسميت بها،

الراغب: "الرضوان: الرضا الكثير، ولما كان أعظم الرضا رضا الله خص لفظ" الرضوان" في القرآن بما كان من الله تعالى".

ص: 399

فمنعه الأحابيش، فلما رجع دعا بعمر رضي الله عنه ليبعثه، فقال: إني أخافهم على نفسي، لما عرف من عداوتي إياهم، وما بمكة عدوىّ يمنعني، ولكنى أدلك على رجل هو أعز بها مني، وأحب إليهم؛ عثمان بن عفان، فبعثه، فخبرهم أنه لم يأت بحرب، وإنما جاء زائرًا لهذا البيت معظمًا لحرمته، فوقروه، وقالوا: إن شئت أن تطوف بالبيت فافعل، فقال: ما كنت لأطوف قبل أن يطوف رسول الله صلى الله عليه وسلم، واحتبس عندهم، فأرجف بأنهم قتلوه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا نبرح حتى نناجز القوم"، ودعا الناس إلى البيعة، فبايعوه تحت الشجرة، وكانت سمرة، قال جابر بن عبد الله: لو كنت أبصر لأريتكم مكانها.

وقيل: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسًا في أصل الشجرة، وعلى ظهره غصن من أغصانها، قال عبد الله بن المغفل: وكنت قائمًا على رأسه وبيدي غصن من الشجرة أذب عنه، فرفعت الغصن عن ظهره، فبايعوه على الموت دونه، وعلى أن لا يفروا، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:«أنتم اليوم خير أهل الأرض» .

وكان عدد المبايعين ألفًا وخمس مئة وخمسة وعشرين، وقيل: ألفًا وأربع مئة،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (الأحابيش): عن بعضهم: واحدها: أحبوش، وهو الفرج من قبائل شتى، يقال: تحبشوا من كل قبيلة، أي: تجمعوا، فصار لهم سواد لكثرتهم، فشبهوا بالحبش.

قوله: (عثمان بن عفان): يروى مرفوعًا ومفتوحًا؛ فالرفع على أن يكون خبر مبتدأ محذوف، والفتح على أن يكون بدلًا من "رجل".

قوله: (حتى نناجز): الجوهري: المناجزة في الحرب: المبارزة والمقاتلة".

قوله: (وقيل: ألفًا وأربع مئة): هذا هو الصحيح، كما رويناه في حديث مسلم في البيعة، قال:"كنا أربع عشرة مئة"، وعن البخاري في حديث نزح بئر الحديبية.

ص: 400

وقيل: ألفًا وثلاث مئة.

{فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ} من الإخلاص وصدق الضمائر فيما بايعوا عليه، {فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ} أي: الطمأنينة والأمن بسبب الصلح على قلوبهم، {وَأَثابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا} ، وقرئ:"وآتاهم"، وهو فتح خيبر غب انصرافهم من مكة، وعن الحسن: فتح هجر، وهو أجلّ فتح، اتسعوا بثمرها زمانًا، {وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَاخُذُونَها} هي مغانم خيبر، وكانت أرضًا ذات عقار وأموال، فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وعن الحسن: فتح هجر): وفيه نظر؛ لأن "هجرًا" على ما ذكره صاحب "النهاية": "إما قرية قريبة من المدينة التي منها القلال، أو هجر البحرين"، ولم يذكر أحد من الأءمة أنه صلى الله عليه وسلم غزاها، وذكر محيي السنة:"أنه صلى الله عليه وسلم لما رجع من الحديبية أقام بالمدينة بقية ذي الحجة، ورجع بقية المحرم سنة سبع إلى خيبر".

قوله: (هي مغانم خيبر): "الغنم: معروف، والنغم: إصابته والظفر به، ثم استعمل في كل مظفور به من جهة العدا وغيرهم، والمغنم: ما يغنم، وجمعه مغانم".

ص: 401

ثم أتاه عثمان رضي الله عنه بالصلح، فصالحهم، وانصرف بعد أن نحر بالحديبية، وحلق.

[{وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَاخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِراطًا مُسْتَقِيمًا} 20]

{وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً} وهي ما يفيء على المؤمنين إلى يوم القيامة، {فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ} المغانم، يعني: مغانم خيبر، {وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ} يعني: أيدي أهل خيبر وحلفاؤهم من أسد وغطفان حين جاءوا لنصرتهم، فقذف الله في قلوبهم الرعب، فنكصوا. وقيل: أيدي أهل مكة بالصلح، {وَلِتَكُونَ} هذه الكفة {آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ} وعبرة يعرفون بها أنهم من الله تعالى بمكان، وأنه ضامن نصرهم والفتح عليهم. وقيل: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح مكة في منامه، ورؤيا الأنبياء صلوات الله عليهم وحي، فتأخر ذلك إلى السنة القابلة، فجعل فتح خيبر علامة وعنوانًا لفتح مكة،

{وَيَهْدِيَكُمْ صِراطًا مُسْتَقِيمًا} ويزيدكم بصيرة ويقينًا، وثقة بفضل الله.

[{وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا} 21]

{وَأُخْرى} معطوفة على {هَذِهِ} ، أي: فعجل لكم هذه المغانم ومغانم أخرى {لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها} وهي مغانم هوازن في غزوة حنين، وقال:{لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا} لما كان فيها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ثم أتاه عثمان رضي الله عنه بالصلح): عطف على قوله: "فبايعوه تحت الشجرة"، إلى قوله:"فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنتم اليوم خير أهل الأرض"، لا على قوله:"فقسمها عليهم"، لأن فتح خيبر كان بعد مرجعه رضي الله عنه من مشركي أهل مكة بمدة مديدة.

ص: 402

من الجولة، {قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها} أي: قدر عليها واستولى، وأظهركم عليها، وغنمكموها.

ويجوز في "أُخْرى": النصب بفعل مضمر، يفسره {قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها} ، تقديره: وقضى الله أخرى قد أحاط بها، وأما {لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها} فصفة لـ"أخرى"، والرفع على الابتداء؛ لكونها موصوفة بـ {لَمْ تَقْدِرُوا} ، و {قَدْ أَحَاطَ اللهُ بِهَا}: خبر المبتدأ، والجرّ بإضمار "رب".

فإن قلت: قوله تعالى: {وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ} [الفتح: 20]، كيف موقعه؟ قلت: هو كلام معترض، ومعناه: ولتكون الكفة آية للمؤمنين فعل ذلك، ويجوز أن يكون المعنى: وعدكم المغانم، فعجل هذه الغنيمة وكف الأعداء لينفعكم بها، ولتكون آية للمؤمنين إذا وجدوا وعد الله بها صادقًا، لأنّ صدق الإخبار عن الغيوب معجزة وآية، ويزيدكم بذلك هداية وإيقانًا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (الجولة): النهاية: "في حديث الصديق: "أن للباطل نزوة، ولأهل الحق جولة"، أي: غلبة؛ من: جال في الحرب على قرنه يجول"، وعن بعضهم: وهي عبارة عن هزيمة المسلمين، فأحسن في العبارة عنها على عادة المترسلين، وقيل: الجولة: هي الهزيمة مع الرجوع إلى القتال، ثم الهزيمة، ثم الرجوع.

قوله: (والجر بإضمار): أي في "أخرى"، وعلى هذا {لَمْ تَقْدِرُوا} صفة، و {قَدْ أَحَاطَ} جواب "رب".

قوله: (ولتكون الكفة آية للمؤمنين): عن بعضهم: فإن قيل: ما وجه المنة في كف أيدي المؤمنين عن الكافرين؟ قلت: وجهه ما بعده من قوله: {ولَوْلا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ} [الفتح: 25] الآية.

قوله: (ويجوز أن يكون المعنى: وعدكم): فعلى هذا: {ولِتَكُونَ آيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ} عطف على علة أخرى محذوفة، وعلى أن تكون معترضة: المعلل محذوف.

ص: 403

[{وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا * سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} 22 - 23]

{وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} من أهل مكة ولم يصالحوا، وقيل: من حلفاء أهل خيبر لغلبوا وانهزموا، {سُنَّةَ اللَّهِ} في موضع المصدر المؤكد، أي: سن الله غلبة أنبيائه سنة، وهو قوله:{لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي} [المجادلة: 21].

[{وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا} 24]

{أَيْدِيَهُمْ} أيدي أهل مكة، أي: قضى بينهم وبينكم المكافة والمحاجزة بعد ما خولكم الظفر عليهم والغلبة، وذلك يوم الفتح، وبه استشهد أبو حنيفة رحمه الله على أنّ مكة فتحت عنوة لا صلحًا، وقيل: كان ذلك في غزوة الحديبية؛ لما روي: أنّ عكرمة بن أبي جهل خرج في خمس مئة، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم من هزمه وأدخله حيطان مكة. وعن ابن عباس: أظهر الله المسلمين عليهم بالحجارة حتى أدخلوهم البيوت.

وقرئ: {تَعْمَلُونَ} ، بالتاء والياء.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وبه استشهد أبو حنيفة رضي الله عنه [على] أن مكة فتحت عنوة لا صلحًا): هذا يخالف تفسير المصنف لقوله: {إنَّا فَتَحْنَا} [الفتح: 1]: "الفتح: الظفر بالبلد عنوة أو صلحًا، بحرب أو بغير حرب".

قوله: (وقرئ: {تَعْمَلُونَ} بالتاء والياء): أبو عمرو: بالياء التحتانية.

ص: 404

[{هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابًا أَلِيمًا} 25]

وقرئ: {وَالْهَدْيَ} و"الهدي" بتخفيف الياء وتشديدها، وهو ما يهدى إلى الكعبة، بالنصب عطفًا على الضمير المنصوب في {صَدُّوكُمْ} ، أي: صدّوكم وصدّوا الهدي، وبالجر عطفًا على {الْمَسْجِدِ الحَرَامِ} ، بمعنى: وصدّوكم عن نحر الهدي، {مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ} محبوسًا عن {أَن يَبْلُغَ} ، وبالرفع على: وصدّ الهدي.

و{مَحِلَّهُ} : مكانه الذي يحل فيه نحره، أي يجب، وهذا دليل لأبي حنيفة على أن المحصر محل هديه الحرم. فإن قلت: فكيف حل رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه، وإنما نحر هديهم بالحديبية؟ قلت: بعض الحديبية من الحرم، وروي: أن مضارب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت في الحل، ومصلاه في الحرم. فإن قلت: فإذن قد نحر في الحرم، فلم قيل:{مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ} ؟ قلت: المراد: المحل المعهود، وهو منى.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (يحل فيه نحره، أي: يجب): "يجب": من الوقوع، لا من الوجوب، قال تعالى:{فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا} [الحج: 36]، روي عن المصنف:"محل الهدي: مكان حلوله، أي: وجوبه ووقوعه، ومحل الدين: وقت حلوله، أي: وجوبه ووقوعه".

قوله: (فكيف حل رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا السؤال وراد على مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه، وعند الشافعي رضي الله عنه: محل الهدي حيث أحصر، وقد مر تحقيقه في سورة البقرة.

قوله: (مضارب رسول الله صلى الله عليه وسلم: المغرب: "ضرب الخيمة، وهو المضرب للقبة، بفتح الميم وكسر الراء، ومنه: كانت مضارب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحل، ومصلاه في الحرم".

ص: 405

{لَمْ تَعْلَمُوهُمْ} صفة الرجال والنساء جميعًا، و {أَنْ تَطَؤُهُمْ} بدل اشتمال منهم أو من الضمير المنصوب في {تَعْلَمُوهُمْ} ، والمعرة: مفعلة؛ من عره: بمعنى: عراه، إذا دهاه ما يكرهه ويشق عليه. و {بِغَيْرِ عِلْمٍ} متعلق بـ {أَنْ تَطَؤُوهُمْ} ،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (من: عره، بمعنى: عراه؛ إذا دهاه ما يكرهه): الراغب: "المعتر: المعترض للسؤال، يقال: عره واعتره، وعررت بك حاجتي، والعر والعز: الجرب الذي يعر البدن، ومنه قيل للمضرة: معرة؛ تشبيهًا بالعر الذي هو الجرب".

قوله: ({بِغَيْرِ عِلْمٍ} متعلق بـ {أَن تَطَئُوهُمْ}): فيكون حالًا من الضمير المرفوع في {تَطَئُوهُمْ} ، أو المنصوب، وتقديره: أن تطؤوهم غير عالمين بهم، قال أبو البقاء:"هو حال من الضمير المجرور_ أي: في {مِّنْهُم} _، أو صفة لـ {مَّعَرَّةٌ} ".

والمعنى على قول المصنف: لولا رجال مؤمنون صفتهم أنكم غير عالمين بوطئهم غير عالمين بهم، قال الإمام:"يلزم على قوله التكرير، فالأولى أن يقال: أن قوله: {بِغَيْرِ عِلْمٍ} يكون في موضعه، المعنى: {فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ}، أي: أن وطئتموهم غير عالمين لزمتكم سبة الكفار بغير علم، أي: بجهل، لا يعلمون أنكم معذورون فيه، أو فتصيبكم منهم معرة غير معلومة، وهي ما يحصل من القتل الخطأ، ومن حصول الأذى على البريء".

وقلت: يمكن أن يقال: لا يلزم التكرار؛ لأن المراد أنه متعلق بما دل عليه {أَن تَطَئُوهُمْ} ، والمعنى: لولا رجال مؤمنون، ومن صفتكم أنكم غير عالمين بوطئهم، فتطؤوهم وأنتم غير عالمين بهم، فيكون ذلك سببًا لأن تصيبكم منهم المعرة، وهي ما قال:"يصيبهم وجوب الدية والكفارة، وسوء قالة المشركين".

ص: 406

يعني: أن تطؤوهم غير عالمين بهم، والوطء والدوس: عبارة عن الإيقاع والإبادة، قال:

ووطئتنا وطأ على حنق .... وطأ المقيّد نابت الهرم

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وإن آخر وطأة وطئها الله بوج» ، والمعنى: أنه كان بمكة قوم من المسلمين مختلطون بالمشركين غير متميزين منهم،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ووطئتنا وطأ على حنق): "الحنق": الحقد الشديد، و"المقيد": البعير الذي عليه القيد، وخصه لأن وطأنه أثقل، كما خص الحنق لأن إبقاءه أقل، وخص "نابت الهرم" لأن هشمه أسهل. الأساس:"يقال: أذل من الهرمة؛ واحدة الهرم، وهو يبيس الشبرق أذل الحمض"، وأنشد البيت، يقول: أثرت فينا تأثير الحنق الغضبان، كما يؤثر البعير المقيد إذا وطئ هذا النبت.

قوله: (وإن آخر وطأة وطئها الله بوج): النهاية: "المعنى: أن آخر أخذة أو وقعة أوقعها الله تعالى بالكفار كانت بوج، وكانت غزوة الطائف آخر غزوات رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه لم يغز بعدها إلا غزوة تبوك، ولم يكن فيها قتال".

الراغب: "وطؤ الشيء فهو وطيء بين الوطاءة والطئة والطأة، ووطئته برجلي أطؤه وطأ ووطاءة، وفي الحديث: "اللهم اشدد وطأتك على مضر"، أي: ذللهم، ووطئ

ص: 407

ولا معروفي الأماكن، فقيل: ولولا كراهة أن تهلكوا ناسًا مؤمنين بين ظهراني المشركين، وأنتم غير عارفين بهم، فتصيبكم بإهلاكهم مكروه ومشقة، لما كف أيديكم عنهم. وحذف جواب «لولا» لدلالة الكلام عليه، ويجوز أن يكون {لَوْ تَزَيَّلُوا} كالتكرير لـ"لولا رجال مؤمنون"؛ لمرجعهما إلى معنى واحد، ويكون {لَعَذَّبْنَا} هو الجواب.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

امرأته: كناية عن الجماع، وصار كالتصريح للعرف فيه، والمواطأة: وأصله: أن يطأ الرجل برجله موطئ صاحبه".

قوله: (ويجوز أن يكون {لَوْ تَزَيَّلُوا} كالتكرير لـ"لولا رجال مؤمنون): يعني: تخيص المعنى الأول: أن هناك قومًا مختلطين بالمشركين غير متميزين منهم، وهو ضد "تزيلوا"، لأن معناه: حصل التميز وتفرق المانع، و"لولا": لا متناع الشيء لوجود غيره، و"لو" لامتناع الشيء لامتناع غيره، فيكون مقتضى جوابهما واحدًا، فكان تكريرًا.

الانتصاف: "إنما كان مرجعهما هاهنا واحدًا، وإن كانت "لولا" تدل على الامتناع لوجود غيره، و"لو" تدل على الامتناع للامتناع؛ لأن "لولا" دخلت هاهنا على وجود معناه العدم، إذ التزيل معناه المفارقة، فصار ثبوتًا، وكان جدي يختار الوجه الثاني، ويجعله تطرئة لطول الكلام".

وقلت: ولعل المختار الأول؛ لأنه حينئذ يقرب من باب الطرد والعكس، لأن التقدير: لولا وجود رجال مؤمنين مختلطين بالمشركين غير متميزين منهم لوقع ما كان جزاء لكفرهم وصدرهم، ولو حصل التميز وارتفع الاختلاط لحصل التعذيب.

ص: 408

فإن قلت: أي معرة تصيبهم إذا قتلوهم وهم لا يعلمون؟ قلت: يصيبهم وجوب الدية والكفارة، وسوء قالة المشركين أنهم فعلوا بأهل دينهم مثل ما فعلوا بنا من غير تمييز، والمأثم إذا جرى منهم بعض التقصير.

فإن قلت: قوله تعالى: {لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ} تعليل لماذا؟ قلت: لما دلت عليه الآية وسيقت له؛ من كف الأيدي عن أهل مكة، والمنع من قتلهم، صونًا لمن بين أظهرهم من المؤمنين، كأنه قال: كان الكف ومنع التعذيب ليدخل الله في رحمته، أي: في توفيقه لزيادة الخير والطاعة مؤمنيهم، أو: ليدخل في الإسلام من رغب فيه من مشركيهم، {لَوْ تَزَيَّلُوا} لو تفرقوا وتميز بعضهم من بعض؛ من: زاله يزيله. وقرئ: "لو تزايلوا".

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقال الإمام: "يحتمل أن يقال: جوابه ما دل عليه قوله تعالى: {هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوكُمْ}، يعني: استحقوا لأن لا يهملوا، ولولا رجال مؤمنون لوقع ما استحقوه، كما يقول القائل: هو سارق، ولولا فلان لقطعن يده".

قوله: (لما دلت عليه الآية وسيقت له): يعني: هو تعليل للمجموع، قال الإمام:"والمعنى: فعل ما فعل ليدخل، لأن هناك أفعالًا من الألطاف والهداية وغيرهما، لا يقال إنك ذكرت أن المانع للوطء وجود رجال مؤمنين، كأنه قيل: كف أيديكم لئلا تطؤوا، فكيف يكون لشيء آخر؟ لأنا نقول: المعنى: كف أيديكم لئلا تطؤوا ليدخلوا، كما يقال: أطمعته ليشبع ليغفر الله لي".

قوله: (أو: ليدخل في الإسلام): يعني: إذا قيد {مَنْ يَشَاءُ} بالمؤمنين، فالمناسب أن

ص: 409

[{إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} 26]

{إِذْ} يجوز أن يعمل فيه ما قبله، أي: لعذبناهم، أو صدوهم عن المسجد الحرام في ذلك الوقت، وأن ينتصب بإضمار: اذكر.

والمراد بـ"حمية الذين كفروا" و"سكينة المؤمنين" -والحمية: الأنفة، والسكينة: الوقار-: ما روي: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل بالحديبية، بعثت قريش سهيل بن عمرو القرشي، وحويطب بن عبد العزى، ومكرز بن حفص بن الأخيف، على أن يعرضوا على النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجع من عامه ذلك، على أن تخلي له قريش مكة من العام القابل ثلاثة أيام، ففعل ذلك، وكتبوا بينهم كتابًا، فقال عليه الصلاة والسلام لعلي رضي الله عنه:"اكتب بسم الله الرحمن الرحيم"،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تفسر "الرحمة" بالتوفيق، فتكون مراعاة جانب طائفة من المؤمنين والمؤمنات سببًا لمزيد التوفيق والخير والطاعة، وإذا قيد بالمشركين، فالوجه أن تفسير "الرحمة" بالإسلام، لأن المشركين إذا شاهدوا مراعاة المسلمين ورحمة الله في شأن طائفة من المؤمنين بأن منع من تعذيب أعداء الدين بعد الظفر بهم، لأجل اختلاطهم بهم، رغبوا في مثل هذا الدين والانخراط في زمرة المرحومين.

قوله: (أو صدوهم): عن بعضهم: الصواب: أو صدوكم، بل الأولى ذلك؛ لأن له وجهًا، أي: صد المشركون المسلمين إذ جعل.

قوله: (لما نزل بالحديبية، بعثت قريش) الحديث إلى آخره: قد ذكره الأئمة في أحاديث شتى بروايات مختلفة، ومضى شيء منه في هذا الكتاب.

ص: 410

فقال سهيل وأصحابه: ما نعرف هذا، ولكن اكتب: باسمك اللهم، ثم قال:"اكتب: هذا ما صالح عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل مكة"، فقالوا: لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت، ولا قاتلناك، ولكن اكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله أهل مكة، فقال عليه الصلاة والسلام:"اكتب ما يريدون، فأنا أشهد أني رسول الله، وأنا محمد بن عبد الله"، فهمّ المسلمون أن يأبوا ذلك، ويشمئزوا منه، فأنزل الله على رسوله السكينة، فتوقروا وحلموا.

و{كَلِمَةَ التَّقْوى} : "بسم الله الرحمن الرحيم" و"محمد رسول الله"، قد اختارها الله لنبيه وللذين معه؛ أهل الخير ومستحقيه ومن هم أولى بالهداية من غيرهم، وقيل: هي كلمة الشهادة، وعن الحسن: كلمة التقوى: هي الوفاء بالعهد، ومعنى إضافتها إلى التقوى: أنها سبب التقوى وأساسها، وقيل: كلمة أهل التقوى. وفي مصحف الحرث بن سويد صاحب عبد الله: "وكانوا أهلها وأحق بها"، وهو الذي دفن مصحفه أيام الحجاج.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (فأنا أشهد): قيل: معناه: المعجزة على يدي بعد الدعوى، كما أن شهادة الله إظهار المعجزة على يد النبي، أو نقول: فإذا ثبتت نبوته بالمعجزة إذا قال: أنا نبي، كان كالتوكيد والتقرير لذلك. وقلت: المعنى: أنا نبي ثابت النبوة بالمعجزة، وثابت الرسالة بإنزال الكتاب علي، سواء شهدوا أو لم يشهدوا.

قوله: (و {كَلِمَةَ التَّقْوَى}: "بسم الله الرحمن الرحيم"): روى الترمذي عن أبي بن كعب، عن النبي صلى الله عليه وسلم:" {وأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى}، قال: لا إله إلا الله".

قوله: (الحارث بن سويد): قال صاحب "جامع الأصول": "هو من كبار تابعي الكوفة وثقاتهم، وقد سئل أحمد بن حنبل عنه، قال: مثل هذا يسأل عنه؟ ! يعني: لجلالة قدره وعلو منزلته، وروى عن ابن مسعود، مات في آخر أيام عبد الله بن الزبير".

ص: 411

[{لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا} 27]

رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل خروجه إلى الحديبية: كأنه وأصحابه قد دخلوا مكة آمنين، وقد حلقوا وقصروا، فقصّ الرؤيا على أصحابه، ففرحوا واستبشروا، وحسبوا أنهم داخلوها في عامهم، وقالوا: إن رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم حق، فلما تأخر ذلك قال عبد الله بن أبي وعبد الله بن نفيل ورفاعة بن الحرث: والله ما حلقنا ولا قصرنا ولا رأينا المسجد الحرام، فنزلت.

ومعنى: {صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا} : صدقه في رؤياه ولم يكذبه، تعالى الله عن الكذب وعن كل قبيح علوًّا كبيرًا، فحذف الجارّ وأوصل الفعل، كقوله تعالى:{صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ} [الحزاب: 23].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ومعنى: {صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا}: صدقة في رؤياه ولم يكذبه): الراغب: "الصدق ولا كذب: أصلهما في القول، ماضيًا كان أو مستقبلًا، وعدًا أو غيره، ولا يكونان بالقصد الأول إلا في القول، ولا يكونان في القول إلا في الخبر، ولذلك قال تعالى: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا} [النساء: 122]، وقال: {إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ} [مريم: 54]، وقد يكونان بالعرض في غير الخبر، كالاستفهام والأمر والدعاء، نحو قولك: "أزيد في الدار؟ " فإن في ضمنه إخبارًا بكونه جاهلًا بحال زيد، وقولك: "لا تؤذني" مضمن لمعنى أنه يؤذيك، وقولك: "واسني" مضمن لمعنى: أنك محتاج إلى المواساة.

والصدق: مطابقة القول الضمير والمخبر عنه معًا، وإلا لم يكن صدقًا تامًا، بل إما

ص: 412

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أن لا يوصف بالصدق، أو يوصف تارة بالصدق وتارة الكذب، على نظرين مختلفين، كقوله كافر غير معتقد:"محمد رسول الله"، فصدقه لكون المخبر عنه كذلك، وكذبه لمخالفة الضمير.

وقد يستعملان في كل ما يحق ويحصل في الاعتقاد، نحو: صدق ظني وكذب، ويستعملان في فعل الجوارح، نحو: صدق في القتال_ إذا وفي حقه وفعل ما يجب_ وكذب في القتال، قال تعالى:{رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} [الأحزاب: 23]، أي: حققوا العهد.

وقوله تعالى: {لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ} [الأحزاب: 8]: أي: يسأل من صدق بلسانه عن صدق فعله؛ تنبيها أنه لا يكفي الاعتراف بالحق دون تحريه بالفعل، وقوله تعالى:{لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا} : هذا صدق بالفعل، وهو التحقيق، أي: حقق رؤيته، وعليه قوله تعالى:{وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ} [الزمر: 33]: أي: حقق ما أورده قولًا بما تحراه فعلًا.

ويعتبر عن كل فعل فاضل ظاهرًا باظنًا بالصدق، فيضاف إليه ذلك الفعل، كقوله تعالى:{فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ} [القمر: 55]، وعلى هذا:{أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ} [يونس: 2]، وقوله:{أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ} [الإسراء: 80]، {وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآَخِرِينَ} [الشعراء: 84]، فإن ذلك سؤال أن يجعله الله صالحًا، بحيث إذا أثنى عليه من بعده، لم يكن ذلك الثناء كذبًا، كما قال:

إذا نحن أثنينا عليك بصالح .... فانت كما نثني وفوق الذي نثني".

ص: 413

فإن قلت: بم تعلق {بِالْحَقِّ} ؟ قلت: إمّا بـ {صَدَقَ} ، أي: صدقه فيما رأى، وفي كونه وحصوله صدقًا ملتبسًا بالحق، أي: بالغرض الصحيح والحكمة البالغة، وذلك ما فيه من الابتلاء والتمييز بين المؤمن المخلص، وبين من في قلبه مرض. ويجوز أن يتعلق بـ {الرُّؤْيَا} حالًا منها، أي: صدقه الرؤيا ملتبسًا بالحق، على معنى: أنها لم تكن من أضغاث الأحلام. ويجوز أن يكون {بِالْحَقِّ} قسمًا؛ إمّا بالحق الذي هو نقيض الباطل، أو بالحق الذي هو من أسمائه، و {لَتَدْخُلُنَّ}: جوابه، وعلى الأوّل: هو جواب قسم محذوف.

فإن قلت: ما وجه دخول {إِنْ شاءَ اللَّهُ} في أخبار الله عز وجل؟ قلت: فيه وجوه: أن يعلق عدته بالمشيئة تعليمًا لعباده أن يقولوا في عداتهم مثل ذلك، متأدّبين بأدب الله، ومقتدين بسنته، وأن يريد: لتدخلنّ جميعًا إن شاء الله ولم يمت منكم أحدًا، أو كان ذلك على لسان ملك، فأدخل الملك: إن شاء الله، أو هي حكاية ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه، وقصّ عليهم. وقيل: هو متعلق بـ {آمِنِينَ} .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (فيه وجوه): تلخيصها: أن قوله: {إن شَاءَ اللَّهُ} : إما من كلام الله عز وجل، أو من كلام الملك عليه السلام، أو الرسول صلى الله عليه وسلم.

وعلى أن يكون من كلام الله تعالى فهو: إما متعلق بـ {لَتَدْخُلُنَّ} أو بـ {آمِنِينَ} ، وإذا كان الأول فإيراده: إما للتعليم أو للتبرك، وإما أن المراد: لتدخلن جميعًا، وإذا تعلق بـ {آمِنِينَ} كان المعنى ما ذكره في قوله:{ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ} [يوسف: 99]: "أسلموا وآمنوا في دخولكم أن شاء الله، والتقدير: ادخلوا مصر آمنين أن شاء الله دخلتم".

وعلى أن يكون من كلام الملك: فإنه لما ألقى كلام الله على النبي صلى الله عليه وسلم ألقى هذه الكلمةمن تلقاء نفسه تبركًا.

وعلى أن يكون من كلام الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه: فإنه صلوات الله عليه لما قص الرؤيا على أصحابه أتى بتأويلها مؤكدًا بالقسمية، لأن رؤيا الأنبياء وحي، ثم إنه تعالى لما ذكر {لَقَدْ

ص: 414

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ} استأنف بقوله: {لَتَدْخُلُنَّ} ، ليكون جوابًا لمن قال عند ذلك: فبم صدقه الله؟ فقيل: في قوله: {لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرَامَ إن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ} .

وقد طعن صاحب "التقريب" في بعض الوجوه على الإجمال.

وقلت: إذا كان من كلام الله، ولم يكن تعليمًا للعباد، ويراد: لتدخلن جميعًا أن شاء الله، ولم يمت منكم أحد، كان المراد: لتدخلن جميعًا أن شاء الله ولم يمت أحد، لكن الله تعالى أمات بعضهم. وفيه بعد. وإذا كان من كلام الملك: فظاهر الرد؛ لأن الزايدة من كلام الغير كيف تدخل في كلام الله تعالى؟ ! وأولى الوجوده: أن يكون تعليمًا للعباد، وتكون كلمة تاديب تذكر في أثناء الكلام تيمنًا وتبركًا.

روى الواحدي عن أبي العباس أحمد بن حيي: "استثنى الله تعالى فيما يعلم؛ ليستثني الخلق فيما لا يعلمون، وأمر بذلك في قوله: {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الكهف: 23 - 24] "، وكذا عن الإمام، وقال أيضًا:"عن ذلك لتحقيق الدخول؛ لأن المؤمنين أرادوا الدخول، وأبوا الصلح، فقيل: تدخلون، لكن لأا بجلادتكم ولا بإرادتكم، وإنما تدخلون بمشيئة الله وإرادته".

وقلت: ويعضده قوله تعالى: {فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا} ، وتفسير المصنف:"فعلم ما لم تعلموا من الحكمة والصواب في تأخير فتح مكة إلى العام القابل".

ص: 415

{فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا} من الحكمة والصواب في تأخير فتح مكة إلى العام القابل، {فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ} أي: من دون فتح مكة، {فَتْحًا قَرِيبًا} وهو فتح خيبر، لتستروح إليه قلوب المؤمنين إلى أن يتيسر الفتح الموعود.

[{هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا} 28]

{بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ} بدين الإسلام، {لِيُظْهِرَهُ} ليعليه {عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ} على جنس الدين كله، يريد: الأديان المختلفة من أديان المشركين والجاحدين من أهل الكتاب، ولقد حقق ذلك سبحانه، فإنك لا ترى دينًا قط إلا وللإسلام دونه العز والغلبة. وقيل: هو عند نزول عيسى حين لا يبقى على وجه الأرض كافر. وقيل: هو إظهاره بالحجج والآيات.

وفي هذه الآية تأكيد لما وعد من الفتح، وتوطين لنفوس المؤمنين على أنّ الله تعالى سيفتح لهم من البلاد، ويقيض لهم من الغلبة على الأقاليم، ما يستقلون إليه فتح مكة.

{وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا} على أنّ ما وعده كائن، وعن الحسن: شهد على نفسه أنه سيظهر دينك.

[{مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانًا سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} 29]

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (لتستروح إليه قلوب المؤمنين): الأساس: "قد روحت بهم ترويحًا، وأرحته من التعب، فاستراح، واستروحت إلى حديثه".

قوله: (ويقيض لهم): المغرب: "قيض له كذا: قدره، ومنه: ملكًا مقيضًا".

ص: 416

{مُحَمَّدٌ} إما خبر مبتدأ، أي: هو محمد؛ لتقدّم قوله: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ} ، وإما مبتدأ، و {رَسُولُ اللهِ} عطف بيان، وعن ابن عامر أنه قرأ:"رسولَ الله"؛ بالنصب على المدح.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (أي: هو محمد؛ لتقدم قوله: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ}): يعني: لما ذكر الله تعالى أنه بذاته اختص بإرسال ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم الموصوف بصفات الكمال، وهو الذي بجلالته خصه بذلك الخطب الجليل والأمر الخطير، استأنف بقوله:{مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ} ؛ ليكون موردًا للسؤال؛ وأن ذلك الموصوف من هو ثم ابتدأ: {والَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} ؛ تشريفًا لهم وكرامة، نحو قوله:{هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 62]، ولا كذلك على الوجه الثاني، قال صاحب "المرشد":"الوقف على {رَّسُولُ اللَّهِ}: حسن".

قوله: (و {رَّسُولُ اللَّهِ} عطف بيان): فيه إشارة إلى ما ينبغي، وأن على المسلمين أن لا يسموه باسمه، ويكون" رسول الله" عندهم في كثرة الدوران بمنزلة البيان لا سمه تعظيمًا وتبجيلًا، قال الله تعالى:{لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا} [النور: 63]، أي: لا تجعلوا تسميته ونداءه بينكم يسمي بعضكم بعضًا، بل يا نبي الله، ويا رسول الله.

وقال القاضي: " {مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ}: جملة مبينة للمشهود به_ أي: هو متعلق بقوله: {وكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا} _، ويجوز أن يكون {رَّسُولُ اللَّهِ} صفة، و {مُحَمَّدٌ} خبر مبتدأ محذوف، أو مبتدأ، {والَّذِينَ مَعَهُ} معطوف عليه، وخبرهما: {أَشِدَّاءُ} ".

ص: 417

{وَالَّذِينَ مَعَهُ} أصحابه، {أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ} جمع شديد ورحيم، ونحوه:

{أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ} [المائدة: 54]، {وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} [التوبة: 73]، {بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 128]، وعن الحسن: بلغ من تشدّدهم على الكفار: أنهم كانوا يتحرّزون من ثيابهم أن تلزق بثيابهم، ومن أبدانهم أن تمس أبدانهم، وبلغ من ترحمهم فيما بينهم أنه كان لا يرى مؤمن مؤمنًا إلا صافحه وعانقه.

والمصافحة: لم تختلف فيها الفقهاء، وأما المعانقة: فقد كرهها أبو حنيفة رحمه الله،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ونحوه: {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ}): أي: هو من أسلوب التكميل، فإنه لو اكتفى بقوله:{أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} لأوهم أن ذلك للعجز، فكمل بقوله:{أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} ، فاقترن بما ينبئ عن التواضع، ولا يؤدي إلى التكبر، كذا قوله:{أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ} : لو اكتفى به لأوهم الفظاظة والغلظة، فكمل بقوله:{رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} ، يعني: أنهم مع كونهم أشداء على الأعداء رحماء فيما بينهم أرباب وقار وترحم.

قوله: (والمصافحة: لم يختلف فيها الفقهاء): عن البراء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا التقى المسلمان فتصافحا وحمدا الله واستغفراه غفر لهما" أخرجه أبو داود، وفي رواية الترمذي:"ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يتفرقا".

وقال الشيخ محيي الدين النواوي في "الأذكار": "المصافحة مستحبة عند كل لقاء، وأما ما اعتاده الناس بعد صلاة الصبح والعصر فلا أصل له، ولكن لا بأس به، فإن أصل المصافحة سنة، وكونهم محافظين عليها في بعض الأوحوال، ومفرطين في كثير منها: لا يخرج ذلك البعض عن كونه من المصافحة التي ورد الشرع بأصلها. وقد ذكر الشيخ الإمام أبو محمد ابن عبد السلام في كتابه "القواعد": أن البدع على خمسة أقسام: واجبة ومحرمة ومكروهة

ص: 418

وكذلك التقبيل، قال: لا أحب أن يقبل الرجل من الرجل وجهه ولا يده ولا شيئًا من جسده. وقد رخص أبو يوسف في المعانقة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ومستحبة ومباحة، ومن البدع المباحة: المصافحة عقيب الصبح والعصر". انتهى ما في " الأذكار".

قوله: (وكذلك التقبيل): عن الترمذي عن أنس قال: سمعت رجلًا يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا رسول الله، الرجل منا يلقى أخاه أو صديقه، أينحني له؟ قال: لا، قال: أفيلتزمه ويقبله؟ قال: لا، قال: أيأخذ بيده ويصافحه؟ قال: نعم". فزاد رزين بعد قوله: "ويقبله؟ قال: لا": "إلا أن يأتي من سفر".

وفي "الأذكار": عن الترمذي عن عائشة رضي الله عنها قالت: "قدم زيد بن حارثة المدينة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي، فقرع الباب، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يجر ثوبه، فاعتنقه وقبله"، قال الترمذي: هذا حديث حسن. قال الشيخ محيي الدين النواوي: "التقبيل والمعانقة لا بأس به عند القدوم من سفر ونحوه، مكروه كراهة تنزيه في غيره، وأما الامرد الحسن فيحرم بكل حال، والمذهب الصحيح عندنا: يحرم النظر إلى الأمرد الحسن ولو كان بغير شهودة، وقد أمن الفتنه فهو حرام، كالمرة، لكونه في معناها".

قوله: (وقد رخص أبو يوسف في المعانقة): روى أبو داود: "سئل أبو ذر: هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصافحكم إذا لقيتموه؟ قال: ما لقيته قط إلا صافحني، وبعث إلى ذات يوم ولم أكن في أهلي، فجئت، فأخبرت أنه صلى الله عليه وسلم أرسل إلي، فأتيته وهو على سريره فالتزمني، فكانت تلك أجود أجود".

ص: 419

ومن حق المسلمين في كل زمان أن يراعوا هذا التشدّد وهذا التعطف، فيتشدّدوا على من ليس على ملتهم ودينهم ويتحاموه، ويعاشروا إخوتهم في الإسلام متعطفين بالبر والصلة، وكف الأذى، والمعونة، والاحتمال، والأخلاق السجيحة.

ووجه من قرأ: "أشداء" و"رحماء" بالنصب: أن ينصبهما على المدح، أو على الحال بالمقدّر في {مَعَهُ} ، ويجعل {تَراهُمْ} الخبر.

{سِيماهُمْ} علامتهم، وقرئ:"سيماؤهم"، وفيها ثلاث لغات؛ هاتان والسيماء، والمراد بها: السمة التي تحدث في جبهة السجاد من كثرة السجود،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (والأخلاق السجيحة): الجوهري: الإسجاح: حسن العفو، والسجيحة: الطبيعية".

قوله: (ووجه قراءة من قرأ: "أشداء" و"رحماء"): قال ابن جني: "وهي قراءة الحسن، وهو نصب على الحال، أي: "محمد رسول الله والذين معه"، فـ"معه" خبر "الذين"، و"أشداء": حال، أي: هم معه على هذه الحال، فجعله حالًا من الضمير في {مَعَهُ} لأمرين: أحدهما: قربه منه، وبعده عن" الذين"، وثانيهما: ليكون العامل في الحال هو العامل في ذي الحال، ولو جعلته حالًا من "الذين" كان العامل في الحال غير العامل في صاحبه، وإن كان ذلك جائزًا، أو شئت نصبتهما على المدح".

قوله: (أو على الحال بالمقدر في {مَعَهُ}): تقديره: صاحبوه أشداء رحماء.

قوله: ({سِيمَاهُمْ} علامتهم): النهاية: "الأصل فيها الواو تمد وتقصر". معنى قوله: " {مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ} يفسرها": أن "السيما" العلامة مطلقًا، ويراد هنا المعنى الخاص، فسر وبين {مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ} ، وكان من حق الظاهر أن يقال:"الأثر الذي يؤثره السجود"، فوضع المصنف موضعه:"التأثير"؛ ليطابق قوله: {سِيمَاهُمْ فِي وجُوهِهِم} مبالغة.

الجوهري: "التأثير: بقاء الأثر على الشيء".

ص: 420

وقوله: {مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ} يفسرها، أي: من التأثير الذي يؤثره السجود، وكان كل من العليين -عليّ بن الحسين زين العابدين، وعليّ بن عبد الله بن عباس أبي الأملاك- يقال له: ذو الثفنات، لأنّ كثرة سجودهما أحدثت في مواقعه منهما أشباه ثفنات البعير.

وقرئ: {مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ} و"من آثار السجود"، وكذا عن سعيد بن جبير: هي السمة في الوجه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (أبي الأملاك): أي: أبي الخلفاء، تعريض بأنهم كانوا ملوكًا ولم يكونوا خلفاء.

قوله: (ذو الثفنات): الجوهري: "ثفنات البعير: ما يقع على الأرض من أعضائه إذا غلظ".

ص: 421

فإن قلت: فقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تعلبوا صوركم» ، وعن ابن عمر رضي الله عنه: أنه رأى رجلًا قد أثر في وجهه السجود، فقال: إن صورة وجهك أنفك، فلا تعلب وجهك، ولا تشن صورت؟ . قلت: ذلك إذا اعتمد بجبهته على الأرض لتحدث فيه تلك السمة، وذلك رياء ونفاق يستعاذ بالله منه، ونحن فيما حدث في جبهة السجاد الذي لا يسجد إلا خالصًا لوجه الله، وعن بعض المتقدّمين: كنا نصلى فلا يرى بين أعيننا شيء، ونرى أحدنا الآن يصلى فيرى بين عينيه ركبة العنز، فما ندري: أثقلت الأرؤس أم خشنت الأرض. وإنما أراد بذلك من تعمد ذلك للنفاق.

وقيل: هو صفرة الوجه من خشية الله. وعن الضحاك: ليس بالندب في الوجوه، ولكنه صفرة. وعن سعيد بن المسيب: ندى الطهور وتراب الأرض. وعن عطاء: استنارت وجوههم من طول ما صلوا بالليل، كقوله:«من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار» .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (فلا تعلب وجهك): العلب_ بفتح العين المهملة وسكون اللام_: الأثر.

النهاية: "في حديث ابن عمر: "أنه رأى رجلًا بأنفه أثر السجود، فقال: لا تعلب صورتك"، يقال: علبه: إذا وسمه وأثر فيه، والعلب والعلب: الأثر، أي: لا تؤثر فيها بشدة اتكائك على أنفك في السجود".

قوله: (ليس بالندب في الوجوه): النهاية: "الندب_ بالتحريك_: أثر الجرح إذا لم يرتفع عن الجلد".

قوله: (استنارت وجوههم من طول ما صلوا): قال الإمام: "هو ما يظهره الله في وجوه الساجدين نهارًا إذا قاموا بالليل متهجدين، هذا محقق لما يشاهد الفرق بين الساهر في اللهو واللعب، وبين الساهر في الذكر والشكر، أي: نورهم في وجوههم لتوجههم نحو الحق، ومن يحاذي الشمس يتنور وجهه، على أن نورها عارضي، والله نور السماوات

ص: 422

{ذلِكَ} الوصف {مَثَلُهُمْ} ، أي: وصفهم العجيب الشأن في الكتابين جميعًا، ثم ابتدأ فقال:{كَزَرْعٍ} يريد: هم كزرع. وقيل: تم الكلام عند قوله: {ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ} ، ثم ابتدئ:{وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ} ، ويجوز أن يكون {ذَلِكَ} إشارة مبهمة أوضحت بقوله:{كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ} ، كقوله:{وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ} [الحجر: 66]. وقرئ: "الأنجيل" بفتح الهمزة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

والأرض، فمن يتوجه إليه بكليته_ كما قال: وجهت وجهي لله_ لا بد أن يظهر في وجهه نور تبهر منه الأنوار".

وروى السلمي عن عبد العزيز المكي: ليس هو النحولة والصفرة، ولكنه نور يظهر على وجوه العابدين، يبدو من باظنهم على ظاهرهم، يتبين ذلك للمؤمنين، ولو كان ذلك في زنجي أو حبشي.

وعن بعضهم: ترى على وجوههم هيبة لقرب عهدهم بمناجاه سيدهم، قال ابن عطاء: ترى عليهم خلع الأنوار لائحة، وقال عامر بن عبد القيس: كاد وجه المؤمن يخبر عن مكنون عمله، وكذلك وجه الكافر.

قوله: (وقيل: تم الكلام عند قوله) إلى آخره: وفي "المرشد": قال أبو حاتم: والتمام {مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ} يعني: صفتهم ونعتهم، قال: ثم يبتدئ: {ومَثَلُهُمْ فِي الإنجِيلِ كَزَرْعٍ} جعل صفتهم في التوراة أنهم أشداء على الكفار، وصفتهم في الإنجيل أنهم كزرع أخرج شطأه فازره، وقد أجاز غيره أن يقول:{ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ ومَثَلُهُمْ فِي الإنجِيلِ كَزَرْعٍ} كأنهم جعلوا مثلهم وصفتهم في التوراة والإنجيل شيئًا واحدًا.

ص: 423

{شَطْأَهُ} فراخه، يقال: أشطأ الزرع: إذا فرخ. وقرئ: "شطأه" بفتح الطاء، و"شطاه"، بتخفيف الهمزة، و"شطاءه" بالمدّ، و"شطه"، بحذف الهمزة ونقل حركتها إلى ما قبلها، و"شطوه" بقلبها واوًا.

{فَآزَرَهُ} من المؤازرة، وهي المعاونة، وعن الأخفش: أنه أفعل. وقرئ: "فأزره" بالتخفيف والتشديد، أي: فشدّ أزره وقوّاه. ومن جعل "آزر": أفعل، فهو في معنى القراءتين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وقرئ: "شطأه" بفتح الطاء): ابن كثير وابن ذكوان: "شطأه" بتحريك الطاء، والباقون: بإسكانها.

قوله: ("شطاه" بتخفيف الهمزة): قال ابن جني: "قراءة عيسى الهمداني_ بخلاف_: "شطاءه" بتحريك الطاء ممدودًا مهموزًا، وقرأ عيسى: "شطاه"، وقرأ الجحدري: "شطوه".

والشطء: فراخ الزرع، وجمعه: شطوء، ويقال أيضًا: هو الورق، والشطء: السنبل أيضًا، شطأ الزرع شطأ، ومنه قولهم_ عندي_: شاطئ النهر والوادي، لأنه ما برز منه وظهر، ولهذا سموه بالسيف، لأنه من لفظ "السيف" ومعناه، ألا تراهم يصفون السيف بالصقال، وأما "شطوه" بالواو: فلا يخلو أن يكون لغة أو بدلًا من الهمزة. ولا يكون "الشطء" إلا في البر والشعير".

قوله: (" فأزره"): قرأ ابن ذكوان: "فأزره" بالقصر، والباقون: بالمد.

قوله: (فهو في معنى القراءتين): يعني: "آزر" إما "فاعل" من المؤازرة: المعاونة، أو "أفعل" من الأزر؛ القوة، كما قال الأخفش، وقوله:"في معنى القراءتين"، أي:"آزر" إذا جعل "أفعل" يجمع معنى التخفيف والتشديد.

ص: 424

{فَاسْتَغْلَظَ} فصار من الدقة إلى الغلظ، {فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ} فاستقام على قصبه، جمع ساق. وقيل: مكتوب في الإنجيل: "سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر". وعن عكرمة: أخرج شطأه بأبي بكر، فآزره بعمر، فاستغلظ بعثمان، فاستوى على سوقه بعلي.

وهذا مثل ضربه الله لبدء أمر الإسلام وترقيه في الزيادة إلى أن قوى واستحكم، لأنّ النبي صلى الله عليه وسلم قام وحده، ثم قوّاه الله بمن آمن معه، كما يقوي الطاقة الأولى من الزرع ما يحتف بها مما يتولد منها، حتى يعجب الزرّاع.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الراغب: "أصل الأزر: الإزار الذي هو اللباس، يقال: إزار وإزارة ومئزر، ويكنى بالإزار عن المرأة، وقوله تعالى: {اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي} [طه: 31]، أي: أتقوى به، والأزر: القوة الشديدة، وآزره: أعانه وقواه، وأصله من شد الإزار، يقال: آزرته فتأزر، أي: شددت أزره، وهو حسن الإزرة، وأزرت البناء وآزرته: قويت أسافله، وتأزر النبات: طال وقوي، وآزرته ووازرته: صرت وزيره، وأصله الواو".

قوله: (أخرج شطأه بأبي بكر): روى محيي السنة في "العالم" قريبًا منه، وروى قي "شرح السنة" عن مالك، وذكر بين يديه رجل ينتقص أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقرأ مالك هذه الآية:{مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ والَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} إلى قوله: {لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفَّارَ} ، ثم قال:"من أصبح من الناس في قلبه على أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد أصابته الآية".

ص: 425

فإن قلت: قوله: {لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ} تعليل لماذا؟ قلت: لما دل عليه تشبيههم بالزرع؛ من نمائهم وترقيهم في الزيادة والقوّة، ويجوز أن يعلل به {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا} ، لأنّ الكفار إذا سمعوا بما أعدّ لهم في الآخرة مع ما يعزهم به في الدنيا غاظهم ذلك.

ومعنى {مِنْهُمْ} : البيان، كقوله تعالى:{فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ} [الحج: 30].

عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة الفتح فكأنما كان ممن شهد مع محمد فتح مكة» .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تمت السورة

حامدًا لله، ومصليًا على رسول الله صلى الله عليه وسلم

* * *

ص: 426

‌سورة الحجرات

مدنية، وهي ثمان عشرة آية

بسم الله الرحمن الرحيم

[{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} 1]

قدّمه وأقدمه: منقولان بتثقيل الحشو والهمزة، من قدمه إذا تقدّمه في قوله تعالى:{يَقْدُمُ قَوْمَهُ} [هود: 98]،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

سورة الحجرات

مدنية، وهي ثمان عشرة آية

بسم الله الرحمن الرحيم

قوله: (قدمه وأقدمه: منقولان بتثقيل الحشو والهمزة): أي: منقولان من المتعدي مفعول واحد إلى مفعولين، الجوهري: "أقدمه وقدمه بمعنى، قال لبيد:

فمضى وقدمها وكانت عادة منه إذا هي عردت إقدامها

أي: تقدمها".

الراغب: "القدم: قدم الرجل، وبه اعتبر التقدم والتأخر، ويقال: قديم وحديث؛ باعتبار الزمانين، وإما بالشرف، نحو: فلان متقدم على فلان، أي: أشرف منه، والقدم

ص: 427

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وجود فيما مضى، والبقاء: وجود فيما يستقبل، وقد ورد في وصف الله تعالى:"يا قديم الإحسان"، ولم يرد في شيء من القرآن والآثار الصحيحة "القديم" في وصف الله تعالى، والمتكلمون يصفونه به، وأكثر ما يستعمل "القديم" يستعمل باعتبار الزمان، نحو:{كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ} [يس: 39].

ويقال: قدمت كذا، قال تعالى:{أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ} [المجادلة: 13]، وقدمت فلانا أقدمه: إذا تقدمته، قال تعالى:{يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [هود: 98].

وقال تعالى: {لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ} : قيل: معناه: لا تتقدموا، وتحقيقه: لا تسبقوه بالقول والحكم، بل افعلوا ما يرسمه كما يفعله العباد المكرمون، وهم الملائكة حيث قال:{لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ} [الأنبياء: 27].

وقدمت إليه بكذا: إذا أمرته قبل وقت الحاجة إلى الفعل، وقبل أن يدهمه الأمر أو الناس، وقدمت به: أعلمته قبل وقت الحاجة، ومنه قوله تعالى:{وقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكُم بِالْوَعِيدِ} [ق: 28]، وركب فلان مقاديمه: إذا مر على وجهه".

ص: 428

ونظيرهما معنى ونقلًا: سلفه وأسلفه، وفي قوله:{لا تُقَدِّمُوا} من غير ذكر مفعول وجهان: أحدهما: أن يحذف ليتناول كل ما يقع في النفس مما يقدّم. والثاني: أن لا يقصد قصد مفعول ولا حذفه، ويتوجه بالنهى إلى نفس التقدمة، كأنه قيل: لا تقدموا على التلبس بهذا الفعل، ولا تجعلوه منكم بسبيل، كقوله:{هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ} [غافر: 68].

ويجوز أن يكون: من قدّم؛ بمعنى: تقدّم،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (معنى ونقلًا): أما معنى: فلأن التسليف التقديم، ومنه السلفة_ بالضم_: ما يتعجله الرجل من الطعام قبل الغذاء، تقول منه: سلف الرجل تسليفًا، وأما نقلًا فهو قوله: سلفه وأسلفه، منقولان من: سلفه.

قوله: (أن يحذف ليتناول كل ما يقع في النفس مما يقدم): أي يترك مفعول ليعم تناوله، فإنه إذا ذكر قصر عليه.

قوله: (أن لا يقصد [قصد] مفعول ولا حذفه): أي: يقصد إلى نفس الفعل وحقيقته، نحو:"فلان يعطي ويمنع"، أي: يوجدهما ويفعل حقيقتهما إبهامًا للمبالغة، قال صاحب "التسير": أي: لا تقدموا قولًا ولا فعلًا على قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعله مما سبيله أن يؤخذ عنه من أمر الدين، بل انتظروا حكمه فيه، فإن حكمه حكم الله، لأنه لا يقضي إلا بأمر الله تعالى.

قوله: (كقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ}): أي يوحدهما، ووجه المشابهة: أن الإحياء والإماته من شأن من اتصف بصفة الألوهية ومن مصححها، كذا من شأن من اتصف بصفة الإيمان، بل من شأن من يصدق ويقال في حقه:"الذين آمنوا": أن يجتنب التلبس بهذا الفعل.

قوله: (ويجوز أن يكون من: قدم؛ بمعنى: تقدم): أي: يكون لازمًا، الجوهري:"وقدم بين يديه، أي: تقدم، قال تعالى: {لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ} ".

ص: 429

كوجه وبين، ومنه مقدّمة الجيش: خلاف ساقته، وهي الجماعة المتقدّمة منه، وتعضده قراءة من قرأ:"لا تقدموا" بحذف إحدى تاءي "تتقدموا"، إلا أن الأوّل أملأ بالحسن وأوجه، وأشدّ ملاءمة لبلاغة القرآن، والعلماء له أقبل.

وقرئ: "لا تقدموا"؛ من القدوم، أي: لا تقدموا إلى أمر من أمور الدين قبل قدومهما، ولا تعجلوا عليهما.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ويعضده قراءة من قرأ: "لا تقدموا" بحذف إحدى تاءي "تتقدموا"): قال ابن جني: "وهي قراءة الضحاك ويعقوب، أي: لا تفعلوا ما تؤثرونه وتتركوا ما أمركم الله ورسوله، وهذا معنى قراءة العامة: {لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ}، أي: لا تقدموا أمرًا على ما أمركم الله، والمفعول محذوف".

قوله: (إلا أن الأول أملًا بالحسن): الأساس: "نظرت إليه، فملأت منه عيني، وهو يملأ العين حسنًا، قال النمر:

ألم ترها تربك غداة قامت .... بملء العين من كرم وحسن".

أي: إذا قدر أنه متعد ثم حذف المفعول؛ إما للعموم أو لإرادة إجراء المتعدي مجرى اللازم، كان أحسن وأبلغ، وإن بعدت المسافة من جعله ابتداء لازمًا؛ لما عرفت من الشيوع والمبالغة غير مرة.

قوله: (وقرئ: "لا تقدموا"؛ من القدوم): الجوهري: "قدم من سفره قدومًا ومقدمًا_بفتح الدال_ وقدم_ بالفتح_ يقدم قدومًا، أي: تقدم"، فعلى هذا: شبه تعجيلهم في قطع

ص: 430

وحقيقة قولهم: جلست بين يدي فلان: أن يجلس بين الجهتين المسامتتين ليمينه وشماله قريبًا منه، فسميت الجهتان: يدين؛ لكونهما على سمت اليدين مع للقرب منهما توسعًا، كما يسمى الشيء باسم غيره إذا جاوره وداناه في غير موضع، وقد جرت هذه العبارة ها هنا على سنن ضرب من المجاز، وهو الذي يسميه أهل البيان: تمثيلِا، ولجريها هكذا فائدة جليلة ليست في الكلام العريان، وهي تصوير الهجنة والشناعة فيما نهوا عنه من الإقدام على أمر من الأمور دون الاحتذاء على أمثلة الكتاب والسنة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الحكم في أمر من أمور الدين بقدوم المسافر عن سفره؛ إيذانًا بشدة رغبتهم فيه، نحوه قوله تعالى:{وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا} [الفرقان: 23].

قوله: (كما يسمى الشيء باسم غيره إذا جاوره وداناه): يعني: هو من المجاز الذي يسمى بتسمية الشيء باسم مجاوره، نحو: جرى الميزاب، وسال الوادي.

قوله: (على سنن ضرب من المجاز): المغرب: "سنن الطريق: معظمه ووسطه، وقوله: فمر السهم في سننه، أي: في طريقه مستقيمًا كما هو لم يتغير، أي: لم يرجع عن وجهه".

قوله: (وهو الذي يسميه أهل البيان تمثيلًا): أي: استعارة تمثيلية، شبه تعجيل الصحابة في إقدامهم على قطع الحكم في أمر من أمر الدين بغير إذن الله ورسوله، بحال من تقدم بين يدي متبوعه إذا سارا في الطريق، وأنه في العادة مستهجن، ثم استعمل في جانب المشبه ما كان مستعملًا في جانب المشبه به من الألفاظ، والغرض تصوير كمال الهجنة، وتقبيح قطع الحكم بغير إذن الله ورسوله.

ومثله قوله تعالى في حق الملائكة: {لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ} [الأنبياء: 27]، أصله: لا يسبق قولهم قوله، فنسب السبق إليهم، وجعل "القول" محله؛ تنبيها على استهجان السبق المعرض به للقائلين على الله ما لم يقله.

قوله: (دون الاحتذاء على أمثلة الكتاب): هو افتعال من الحذو، وفيه معنى الاعتمال،

ص: 431

والمعنى: أن لا تقطعوا أمرًا إلا بعد ما يحكمان به ويأذنان فيه، فتكونوا: إما عاملين بالوحي المنزل، وإما مقتدين برسول الله صلى الله عليه وسلم. وعليه يدور تفسير ابن عباس. وعن مجاهد: لا تفتاتوا على الله شيئًا حتى يقصه على لسان رسوله.

ويجوز أن يجرى مجرى.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كالاكتساب والكسب. الجوهري: "يقال: حذوت النعل بالنعل حذوا: إذا قدرت كل واحدة على صاحبتها"، وضمن معنى "قدر"، وعدي ب"علي"، يقال: قدرت عليه الثواب فانقدر، أي: جاء على المقدار، فأفاد المبالغة بناء وتضمينًا.

قوله: (لا تفتاتوا على الله شيئًا): الأساس: "افتات فلان عليكم برأية: سبقكم به، ولم يشاوركم في الحديث"، وفي مجمل اللغة":"الافتئات: افتعال من الفوت، وهو السبق إلى الشيء دون ائتمار من يؤتمر، وقيل: فلان لا يفتات عليه، أي: يعمل شيء دون أمره".

قوله: (ويجوز أن يجرى): معطوف على قوله: "وقد جرت هذه العبارة" إلى آخره، أي: ويجوز أن يجرى قوله تعالى: {لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ} مجرى هذا الأسلوب، وأن يكون ذكر الله عز وجل تمهيدًا لذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتعظيمًا لحرمته وإجلاله، وعلى الأول: كان المراد منه حكم الله ونص كتابه.

وهذا الأسلوب أبلغ وللمعاني أشمل، والتمثيل له أظهر، لأنه إذ حفظ مجلسه صلوات الله عليه من الفلتات والسقطات، ووقر جانبه من رفع الأصوات، كان التقديم بين يدي حكم الله أنهى، والمحافظة عليه أولى وأخرى.

ومن ثم عقب بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ} ، وكرر النداء، وسموا بالمؤمنين؛ إيذانًا بالتنبيه على ما غفلوا عنه، وأن الإيمان هو الذي يقتضي ذلك، وفصل ذلك

ص: 432

قولك: سرني زيد وحسن حاله، وأعجبت بعمرو وكرمه، وفائدة هذا الأسلوب: الدلالة على قوّة الاختصاص، ولما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من الله بالمكان الذي لا يخفى، سلك به ذلك المسلك.

وفي هذا تمهيد وتوطئة لما نقم منهم فيما يتلوه من رفع أصواتهم فوق صوته، لأنّ من أحظاه الله بهذه الأثرة،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المجمل أولًا بقوله: {لا تَرْفَعُوا} [الحجرات: 2]، وثانيًا بقوله:{إنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ} [الحجرات: 4]، وثالثًا بقوله:{إن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ} [الحجرات: 6]، ورابعًا بقوله:{واعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ} [الحجرات: 7]، وعلل كل ذلك بقوله:{لَعَنِتُّمْ ولَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمَانَ} [الحجرات: 7].

ثم استطرد ما فيه بيان توخي حسن المعاشرة مع الأصحاب والإخوان، وإصلاح ذات البين، والتنزه عن الفرطات من التنابز والغيبة وغير ذلك.

ولما فرغ من بيان إيجاب التهيب لمجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وإحلال جانبه، وشرح الصحبة مع الإخوان، شرع في بيان ما هم عليه من محافظة تقوى الله والإيمان والإسلام، وأعاد التنبيه، وأعلم المنادى بقوله:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وأُنثَى} [الحجرات: 13] إلى آخر السورة.

قوله: (قولك: سرني زيد وحسن حاله): وعن بعضهم: الأصل أن بقول: سرني حسن حاله، وأعجبني كرمه خصوصًا، أي: له خصال محمودة كاملة، وهي معجبة لي، خصوصًا كرمه، ولكن أردت المبالغة، فذكرت اسمه اولًا.

قوله: (نقم منهم): الأساس: "نقمت منه كذا: أنكرته عليه وعبته، {وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا} [البروج: 8].

قوله: (بهذه الأثرة): الأثرة: اسم الاستئثار.

ص: 433

واختصه هذا الاختصاص القوي، كان أدنى ما يجب له من التهيب والإجلال أن يخفض بين يديه الصوت، ويخافت لديه بالكلام. وقيل: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تهامة سرية سبعة وعشرين رجلًا، وعليهم المنذر بن عمرو الساعدي، فقتلهم بنو عامر، وعليهم عامر بن الطفيل، إلا ثلاثة نفر نجوا، فلقوا رجلين من بني سليم قرب المدينة، فاعتزيا لهم إلى بني عامر، لأنهم أعز من بني سليم، فقتلوهما وسلبوهما، ثم أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:«بئسما صنعتم، كانا من سليم، والسلب ما كسوتهما» ، فوداهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزلت. أي: لا تعملوا شيئًا من ذات أنفسكم حتى تستأمروا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وعن مسروق: دخلت على عائشة في اليوم الذي يشك فيه، فقالت للجارية: اسقه عسلًا، فقلت: إني صائم، فقالت: قد نهى الله عن صوم هذا اليوم، وفيه نزلت.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (فاعتزيا لهم إلى بني عامر): يعني: أنهما انتسبا إلى بني عامر حين سئلا عن نسبهما، وظنا أن به النجاة، لأن بني عامر كانوا اعز من بني سليم.

قوله: (والسلب ما كسوتهما): أي: ما سلبتم عنهما من الثبات كان لي، أنا كسوتهما، وكانت هذه الخلعة أمارة على الإسلام.

قوله: (فوداهما): أي: أعطى ديتهما.

قوله: (وفيه نزلت): من تمام كلام عائشة رضي الله عنهما، وفي "المعالم":"روى مسروق عن عائشة: أنه في النهي عن يوم الشك، أي: لا تصوموا قبل أن يصوم نبيكم".

ومسروق: ذكره صاحب"الجامع" في عداد التابعين، وقال:"هو مسروق بن الأجدع بن مالك الهمداني الكوفي، أسلم قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وأدرك الصدر الأول من الصحابة، وكان خصيصًا بابن مسعود، روى عنه الكثير، وكانت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها تبنت مسروقًا، ومات بالكوفة سنة اثنتين وستين".

ص: 434

وعن الحسن: أنّ أناسًا ذبحوا يوم الأضحى قبل الصلاة، فنزلت، وأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعيدوا ذبحًا آخر.

وهذا مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه، إلا أن تزول الشمس. وعند الشافعي: يجوز الذبح إذا مضى من الوقت مقدار الصلاة.

وعن الحسن أيضًا: لما استقرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة أتته الوفود من الآفاق، فأكثروا عليه بالمسائل، فنهوا أن يبتدئوه بالمسألة حتى يكون هو المبتدئ. وعن قتادة: ذكر لنا أنّ ناسًا كانوا يقولون: لو أنزل فيه كذا لكان كذا، فكره الله ذلك منهم، وأنزلها.

وقيل: هي عامة في كل قول وفعل، ويدخل فيه: أنه إذا جرت مسألة في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسبقوه بالجواب،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وهذا مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه: ويؤيده ما روينا عن البخاري ومسلم والترمذي وأبي داود والنسائي عن البراء قال: "ذبح أبو بردة بن نيار قبل الصلاة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أبدلها، فقال: يا رسول الله، ليس عندي إلا جذعة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اجعلها مكانها، ولن تجزئ عن أحد بعدك".

وفي رواية: أنه صلى الله عليه وسلم قال: "أن أول ما نبدأ به في يومنا هذا نصلي، ثم نرجع فننحر، فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا، ومن ذبح قبل فإنها هو لحم قدمه لأهله، ليس من النسك في شيء، وكان أبو بردة بن نيار قد ذبح"، الحديث.

قوله: (وقيل: هي عامة في كل قول وفعل): هذا هو الذي عليه النظم، كما قررناه.

ص: 435

وأن لا يمشى بين يديه إلا لحاجة، وأن يستأنى في الافتتاح بالطعام.

{وَاتَّقُوا اللَّهَ} فإنكم إن اتقيتموه عاقتكم التقوى عن التقدمة المنهي عنها، وعن جميع ما تقتضي مراقبة الله تجنبه، فإن التقيّ حذر لا يشافه أمرًا إلا عن ارتفاع الريب وانجلاء الشك في أن لا تبعة عليه فيه،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فإن قلت: أي: فرق بين هذا القول وما سبق في القول الأول: "وقد جرت هذه العبارة على سنن ضرب من المجازة"؟ قلت: ذلك مجاز باعتبار التمثيل وتشبيه معقول بمحسوس كما سبق، والمفعول مقدر، كما أشار إليه بقوله:"والمعنى: أن لا تقطعوا أمر إلا بعد ما يحكمان به، ويأذنان فيه"، فلا يقدر معنى الحقيقة فيه بنحو:"وأن لا يمشى بين يديه"، وهذا مجاز باعتبار القدر المشترك، وأن الحقيقة فرد من أفراد ذلك المجاز، وإليه أومئ في أول السورة:"ويتوجه النهي إلى نفس التقدمة"، ويسمى في الأصول بعموم المجاز، وفي الصناعة بالكناية، لأنها لا تنافي إرادة الحقيقة أيضًا.

قول: (وأن يستأنى): الجوهري: "تأنى في الأمر: ترفق وتنظر، واستأنى به؛ أي: انتظر به".

قوله: (لا يشافه أمرًا): الأساس: "شافهت البلد والأمر: إذا دانيته".

قوله: (في أن لا تبعة عليه): متعلق ب"الشك"، أي: التقي لا يداني ولا يقارب أمرًا متجاوزًا عن حالة من الأوحوال إلا عن حالة اجتهد فيها، وكشف عنها، ورفع الشك في أنه لا تبعة عليه في مباشرة ذلك الأمر، وهو مقتبس من قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يبلغ العبد أن يكون

ص: 436

وهذا كما تقول لمن يقارف بعض الرذائل: لا تفعل هذا، وتحفظ مما يلصق بك العار. فتنهاه أوّلًا عن عين ما قارفه، ثم تعم وتشيع، وتأمره بما لو امتثل فيه أمرك لم يرتكب تلك الفعلة، وكل ما يضرب في طريقها ويتعلق بسببها.

{إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ} لما تقولون {عَلِيمٌ} بما تعملون، وحق مثله أن يتقى ويراقب.

[{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ} 2]

إعادة النداء عليهم: استدعاء منهم لتجديد الاستبصار عند كل خطاب وارد، وتطرية الإنصات لكل حكم نازل، وتحريك منهم لئلا يفتروا ويغفلوا عن تأملهم وما أخذوا به عند حضور مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأدب.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

من المتقين حتى يدع ما لا بأس به؛ حذرًا مما به البأس"، أخرجه الترمذي وابن ماجه عن عطية السعدي.

قوله: (لا تفعل هذا، وتحفظ مما يلصق بك العار): يعني: قوله: {واتَّقُوا اللَّهَ} مع تعليله بقوله: {إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} : كالتذييل لما سبق، والتوكيد لما يتضمنه بالطريق البرهاني، وإليه الإشارة بقوله:"وتأمره بما لو امتثل فيه أمرك لم يرتكب تلك الفعلة".

قوله: (وكل ما يضرب في طريقها): الأساس: "وهم ضربائي، ومنه قولهم: هو ضربه وضريبه، أي: مثله"، أي: لم يرتكب تلك الفعلة وكل ما يشبهها.

النهاية: "وفي حديث عمر بن عبد العزيز: "إذا ذهب هذا وضرباؤه"، وهم الأمثال".

قوله: (وما أخذوا به): النهاية: "يقال: أخذ فلان بذنبه، أي: حبس وجوزي عليه"، وإنما

ص: 437

الذي المحافظة عليه تعود عليهم بعظيم الجدوى في دينهم، وذلك أنّ في إعظام صاحب الشرع إعظام ما ورد به، ومستعظم الحق لا يدعه استعظامه أن يألو عملًا بما يحدوه عليه، وارتداعًا عما يصده عنه، وانتهاء إلى كل خير.

والمراد بقوله: {لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} : أنه إذا نطق ونطقتم، فعليكم أن لا تبلغوا بأصواتكم وراء الحدّ الذي يبلغه بصوته،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بين "ما أخذوا" بقوله: "من الأدب"؛ لأن المراد به التأدب الذي أدبهم الله في قوله: {لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ} ، ولذلك كان "وما أخذوا" عطفًا تفسيريًا على "تأملهم"، فأراد بالأدب: التأدب؛ إطلاقًا للمسبب على السبب، أي: لا تغفلوا عن التأمل فيما أخذوا به في قوله: {لا تُقَدِّمُوا} ، لأن السابق بساط هذه الآية، ووطاء لذكرها، كما سيجيء.

قوله: (تعود عليهم بعظيم الجدوى): الأساس: "عاد علينا فلان بمعروفه، وما أكثر عائدة فلان على قومه".

قوله: (أن يألو عملًا): الجوهري: "ألا [الرجل] يألو، أي: قصر، وفلان لا يألوك نصحًا".

قوله: (يحدوه عليه): بالحاء المهملة، وروي بالجيم وليس بشيء؛ لقوله:"وارتداعًا عما يصده عنه". النهاية: "في حديث الدعاء: "لا تحدوني عليها خلة واحدة"، أي: لا تبغثني وتسوقني عليها خصلة واحدة، وهو من حدو الإبل، فإنه من بعث الأشياء على سوقها".

وتلخيصه: أنهم إذا تأدبوا بذلك الأدب وحفظوه، تكسبهم المحافظة عليه تعظيم دينهم، لأن في إعظام صاحب الشرع إعظام الدين، ومن يريد تعظيم دينه لا يخليه ذلك التعظيم أن يقصر في عمل يبعثه ويسوقه إلى الاستعظام، ولا يقصر أيضًا في ارتداع ما يمنعه عن الاستعظام، ولا يقصر أيضًا في أن ينتهي إلى كل خير لأجل ذلك الاستعظام.

ص: 438

وأن تغضوا منها بحيث يكون كلامه عاليًا لكلامكم، وجهره باهرًا لجهركم، حتى تكون مزيته عليكم لائحة، وسابقته واضحة، وامتيازه عن جمهوركم كشية الأبلق غير خاف، لا أن تغمروا صوته بلغطكم، وتبهروا منطقه بصخبكم.

وبقوله: {وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ} : أنكم إذا كلمتموه وهو صامت، فإياكم والعدول عما نهيتم عنه من رفع الصوت، بل عليكم أن لا تبلغوا به الجهر الدائر بينكم، وأن تتعمدوا في مخاطبته القول اللين المقرّب من الهمس الذي يضادّ الجهر، كما تكون مخاطبة المهيب المعظم، عاملين بقوله عز اسمه:{وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ} [الفتح: 9].

وقيل معنى: {وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ} لا تقولوا له: يا محمد، يا أحمد، وخاطبوه بالنبوّة. قال ابن عباس: لما نزلت هذه الآية، قال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله، والله لا أكلمك إلا السرار أو أخا السرار حتى ألقى الله. وعن عمر رضي الله عنه: أنه كان يكلم النبي صلى الله عليه وسلم كأخي السرار، لا يسمعه حتى يستفهمه، وكان أبو بكر إذا قدم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (عاليًا لكلامكم): اللام جيء بها لضعف عمل اسم الفاعل، وكذا في "باهرًا لجهركم". الجوهري:"بهرة بهرًا، أي: غلبه"، وكذا "علوت الرجل: غلبته".

قوله: (وبقوله: {ولا تَجْهَرُوا}): عطف على قوله: "بقوله: {لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ} ".

قوله: (قال أبو بكر رضي الله عنه: ياو رسول الله، والله لا أكلمك إلا السرار أو أخا السرار): روينا عن البخاري والترمذي والنسائي عن عبد الله بن الزبير قال: "قدم ركب من بني تميم على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكر رضي الله عنه: أمر القعقاع بن معبد، وقال عمر رضي الله عنه: أمر الأقرع بن حابس، فقال أبو بكر: ما أردت إلا خلافي، وقال عمر: ما أردت خلافك، فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما، فنزلت".

ص: 439

على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد، أرسل إليهم من يعلمهم كيف يسلمون، ويأمرهم بالسكينة والوقار عند رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وليس الغرض برفع الصوت ولا الجهر: ما يقصد به الاستخفاف والاستهانة، لأنّ ذلك كفر، والمخاطبون مؤمنون، وإنما الغرض صوت هو في نفسه، والمسموع من جرسه: غير مناسب لما يهاب به العظماء، ويوقر الكبراء، فيتكلف الغض منه، وردّه إلى حدّ يميل به إلى ما يستبين فيه المأمور به من التعزير والتوقير.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وفي رواية: "كاد الخيران أن يهلكا، قال ابن الزبير: فكان عمر بعد إذا حدث [النبي صلى الله عليه وسلم] بحديث، حدثه كأخي السرار، لم يسمعه حتى يستفهمه".

قال في "الفائق": كأخي السرار: أي: كلامًا مثل المسارة وشبهها لخفض صوته، والكاف في محل النصب؛ صفة مصدر محذوف، والضمير في "لا يسمعه" يرجع إلى الكاف، و"لا يسمعه" صفة لقوله:(كأخي السرار) ".

قوله: (وليس الغرض): عطف على قوله: "والمراد بقوله: {لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ} "، يعني: أنهم وإن نهوا عن رفع الصوت والجهر، لكن لي الغرض بذلك أنهم كانوا مباشرين ما يلزم منه الاستخفاف والاستهانة برسول الله صلى الله عليه وسلم، وكيف وهم خير الناس؟ ! بل الغرض أن التصويت بحضرته بنفسه مباين لتوقيره وتعزيزه.

ويدل على هذا التأويل قوله: "ولم يتناول النهي أيضًا [رفع الصوت] الذي لا يتأذى به"، يعني: وإن كان الغرض في النهي الزجر عن التصويت نفسه، لكن ما بلغ إلى حد يحرم مطلقًا، لأنه إذا تناط به مصلحة من المصالح، ويكون مأمورًا به، كان واجبًا.

ص: 440

ولم يتناول النهي أيضًا رفع الصوت الذي لا يتأذى به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ما كان منهم في حرب، أو مجادلة معاند، أو إرهاب عدوّ، أو ما أشبه ذلك، ففي الحديث: أنه قال عليه الصلاة والسلام للعباس بن عبد المطلب لما انهزم الناس يوم حنين: «اصرخ بالناس» ، وكان العباس أجهر الناس صوتًا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

والحاصل: أن النهي تناول الصوت الذي يتأذى به الرسول صلى الله عليه وسلم، وقوله:"والمسموع من جرسه" زيادة وبيان.

الأساس: "ما سمعناه له جرسًا ولا همسًا، وهو الخفي من الصوت، وجرس الكلام: نغم به، والحروف كلها مجروسة إلا أحرف اللين".

"إلى حد يميل به": "يميل به" صفة "حد"، وضمير الفاعل يعود عليه، والضمير في "به" عائد إلى "الصوت"، وفاعل "يستبين":"المأمور به"، والضمير في "فيه" عائد إلى "ما"، و"من التعزير" بيان المأمور به، أي: فيتكلف المكلف رد الصوت إلى حد يميل به إلى ما يظهر فيه التوقير المأمور به.

قوله: (قال صلى الله عليه وسلم للعباس بن عبد المطلب لما انهزم الناس: "اصرخ بالناس"): روى مسلم عن العباس قال: "شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين، ولزمت أنا وأبو سفيان بن الحارث ابن عبد المطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم نفارقه"، وساق الحديث إلى قوله:"ولى المسلمون مدبرين فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يركض على بغلته قبل الكفار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عباس، ناد أصحاب السمرة، فقال عباس_ وكان رجلًا صيتًا_: قفلت بأعلى صوتي: أين أحصاب السمرة، قال: فوالله لكأن عطفتهم حين سمعوا بصوتي عطفة البقر على أولادها" الحديث وكنية العباس في "الاستيعاب" و"الجامع": أبو الفضل.

ص: 441

يروى: أنّ غارة أتتهم يومًا، فصاح العباس: يا صباحاه، فأسقطت الحوامل لشدّة صوته. وفيه يقول نابغة بني جعدة:

زجر أبي عروة السّباع إذا .... أشفق أن يختلطن بالغنم

زعمت الرواة أنه كان يزجر السباع عن الغنم، فيفتق مرارة السبع في جوفه.

وفي قراءة ابن مسعود: "لا ترفعوا بأصواتكم"، والباء مزيدة محذوّ بها حذو التشديد في قول الأعلم الهذلي:

رفعت عيني بالحجا

ز إلى أناس بالمناقب

وليس المعنى في هذه القراءة: أنهم نهوا عن الرفع الشديد؛

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (يا صباحاه): هذه كلمة يقولها المستغيث، وأصلها إذا صاحوا للغارة، لأنهم أكثر ما كانوا يغيرون عند الصباح، فكأنه يقول: يا صباحاه، قد غشينا العدو.

قوله: (رفعت عيني بالحجاز إلى أناس بالمناقب): التشديد في "رفعت" للمبالغة، والمناقب: اسم موضع، واتفق أن ابن مسعود كان هذليًا والأعلم كذا، روي عن المصنف: أن كلا الأعلمين كانا هذليين، ابن مسعود أعلم؛ من العلم، والثاني: اسمه أعلم؛ لكونه مقطوع الشفة.

قوله: (وليس المعنى في هذه القراءة): يعني: في قراءة ابن مسعود، أي: أن الباء دلت على

ص: 442

تخيلًا أن يكون ما دون الشديد مسوغًا لهم، ولكن المعنى: نهيهم عما كانوا عليه من الجلبة، واستجفاؤهم فيما كانوا يفعلون.

وعن ابن عباس: نزلت في ثابت بن قيس بن شماس، وكان في أذنه وقر، وكان جهوري الصوت، فكان إذا تكلم رفع صوته، وربما كان يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيتأذى بصوته. وعن أنس: أن هذه الآية لما نزلت فقد ثابت، فتفقده رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبر بشأنه، فدعاه، فسأله، فقال: يا رسول الله، لقد أنزلت إليك هذه الآية، وإني رجل جهير الصوت، فأخاف أن يكون عملي قد حبط، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لست هناك، إنك تعيش بخير، وتموت بخير، وإنك من أهل الجنة".

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المبالغة؛ لأنها مثل التشديد في "رفعت"، وهو للمبالغة، فدل دليل الخطاب على جواز رفع الصوت دون الشديد لكن الآية نازلة في شأن قوم لهم الجلبة والاستجفاء والغلظة، ونهيهم عما كانوا عليه، نحوه قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَاكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} [آل عمران: 130].

قوله: (في ثابت بن قيس): روى البخاري ومسلم عن أنس: لما نزلت هذه الآية جلس ثابت بن قيس في بيته، وقال: أنا من أهل النار، واحتبس عن النبي صلى الله عليه وسلم، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ، فقال:"يا أبا عمرو، ما شأن ثابت؟ أشتكى؟ " قال سعد: إنه جاري، وما علمت له بشكوى، فأتاه سعد، فقال: أنزلت هذه الآية، ولقد علمتم أني أرفعكم صوتًا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنا من أهل النار، فذكر ذلك سعد للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"بل هو من أهل الجنة".

قوله: (لست هناك): كناية عن نزاهته عما ظن في نفسه.

ص: 443

وأمّا ما يروى عن الحسن: أنها نزلت فيمن كان يرفع صوته من المنافقين فوق صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم: فمحمله -والخطاب للمؤمنين- على أن ينهى المؤمنون ليندرج المنافقون تحت النهي؛ ليكون الأمر أغلظ عليهم وأشق.

وقيل: كان المنافقون يرفعون أصواتهم ليظهروا قلة مبالاتهم، فيقتدي بهم ضعفة المسلمين.

وكاف التشبيه في محل النصب، أي: لا تجهروا له جهرًا مثل جهر بعضكم لبعض. وفي هذا: أنهم لم ينهوا عن الجهر مطلقًا، حتى لا يسوغ لهم أن يكلموه إلا بالهمس والمخافتة، وإنما نهوا عن جهر مخصوص مقيد بصفة، أعني: الجهر المنعوت بمماثلة ما قد اعتادوه منهم فيما بينهم، وهو الخلو من مراعاة أبهة النبوّة وجلالة مقدارها، وانحطاط سائر الرتب، وإن جلت عن رتبتها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (فمحمله): جواب "أما"، و"على أن ينهى" متعلق ب"محمله" خبرًا، و"الخطاب للمؤمنين" جملة اعتراضية.

قوله: (ليكون الأمر أغلظ): وذلك من إفادة التعريض التوبيخي، كأنهم ليسوا ممن يستحقون المخاطبة، لأنهم بعداء مطرودين تحقيرًا بشأنهم، وازدراء بحالهم، كقوله تعالى لعيس عليه السلام:{أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [المائدة: 116].

قوله: (بمماثلة ما قد اعتادوه منه): الضمير في "اعتادوه" عائد إلى "ما"، و"منه" بيان، والضمير فيه للجهر، أي: الجهر المشابه لما اعتادوه فيما بينهم.

قوله: (وهو الخلو من مراعاة ابهة النبوة وجلالة مقدارها): نظر إلى تخصيص ذكر "النبي" في قوله: {لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} . انظر - أيها المتأمل - في استقرار هذه

ص: 444

{أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ} منصوب الموضع، على أنه مفعول له، وفي متعلقه وجهان: أحدهما: أن يتعلق بمعنى النهي، فيكون المعنى: انتهوا عما نهيتم عنه لحبوط أعمالكم، أي: لخشية حبوطها، على تقدير حذف المضاف، كقوله تعالى:{يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا} [النساء: 176]. والثاني: أن يتعلق بنفس الفعل، ويكون المعنى: أنهم نهوا عن الفعل الذي فعلوه لأجل الحبوط، لأنه لما كان بصدد الأداء إلى الحبوط، جعل كأنه فعل لأجله، وكأنه العلة والسبب في إيجاده على سبيل التمثيل، كقوله تعالى:{لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا} [القصص: 8].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الكلمة في مقام التبجيل والتعظيم، ثم انظر إلى لفظ" رسوله" في قوله:{لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ} في مقام الاحتذاء على أمثلة الكتاب والسنة؛ لتقف على سر قوله صلى الله عليه وسلم: "لا، والنبي الذي أرسلت"، فيما رويناه في "صحيح البخاري" عن البراء بن عازب قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، ثم قل: اللهم أسلمت نفسي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت، ونبيك الذي أرسلت، فإن مت من ليلتك فأنت على الفطرة، واجعلهن آخر ما تتكلم به"، قال: فرددتها على النبي صلى الله عليه وسلم، فلما بلغت:"آمنت بكتابك الذي أنزلت، ونبيك الذي أرسلت"، قلت:"ورسولك"، قال:"لا، ونبيك الذي أرسلت".

النهاية: "إنما رد عليه ليختلف اللفظان، ويجمع له الثنائين؛ معني النبوة والرسالة، ويكون تعديدًا للنعمة في الحالتين، وتعظيمًا للمنة على الوجهين. والرسول أخص من النبي، لأن كل رسول نبي، وليس كل نبي رسولًا، وقيل: النبي: مشتق من النباوة، وهو الشيء المرتفع".

وقلت: هذا المعنى أنسب فيما نحن بصدده، والله أعلم.

قوله: (على سبيل التثميل): أي: تشبيه الحال بالحال، فإن فعلهم لما أدى إلى الحبوط، فكأنهم قصدوا لأجله، كقوله تعالى:{لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا} [القصص: 8]، وقوله:"لأجل الحبوط" متعلق بقوله: "فعلوه"، أي: فعلوا رفع الصوت لأجل الحبوط.

ص: 445

فإن قلت: لخص الفرق بين الوجهين. قلت: تلخيصه: أن يقدر الفعل في الثاني مضمومًا إليه المفعول له، كأنهما شيء واحد، ثم يصب النهى عليهما جميعًا صبًا، وفي الأوّل: يقدر النهي موجهًا على الفعل على حياله، ثم يعلل له منهيًا عنه.

فإن قلت: بأي النهيين تعلق المفعول له؟ قلت: بالثاني عند البصريين، مقدرا إضماره عند الأوّل، كقوله:{آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا} [الكهف: 96]، وبالعكس عند الكوفيين، وأيهما كان: فمرجع المعنى إلى أنّ الرفع والجهر كلاهما منصوص أداؤه إلى حبوط العمل.

وقراءة ابن مسعود: "فتحبط أعمالكم": أظهر نصًّا بذلك، لأنّ ما بعد الفاء لا يكون إلا مسببًا عما قبله، فيتنزل الحبوط من الجهر منزلة الحلول من الطغيان في قوله تعالى:{فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي} [طه: 81].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (تلخيصه: أن يقدر الفعل في الثاني) إل آخره: تلخيصه ما قال صاحب" التقريب": "والفرق أن الفعل المهني معلل في الأول، والفعل المعلل منهي في الثاني"، وعن بعضهم:"إذا رفعتم حبطت أعمالكم، فالحبط نتيجة في الوجه الثاني، وفي الوجه الأول: {أَنْ تَحْبَطَ} تعليل للنهي لا للفعل نفسه، كأنه قيل: لم تنهانا؟ فقيل: خيفة حبط الأعمال، أو: لم لا نرفع؟ فقيل: أن تحبط".

قوله: (ثم يعلل له): الفعل سند إلى الجار والمجرور، والضمير المجرور للفعل، و"منهيًا" حالي منه، أي: يعلل الفعل حال كونه منهيًا عنه.

قوله: (في قوله تعالى: {فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي}) يعني: قرأ الكسائي: "فيحل" بضم الحاء في قوله تعالى: {وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي} ، والمعنى: لا يكن منكم طغيان، فحلول غضب مني. وكذا ها هنا: لا يكن منكم رفع الصوت، فحبوط عمل مني.

ص: 446

والحبوط: من: حبطت الإبل: إذا أكلت الخضر فنفخ بطونها، وربما هلكت، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام:«وإن مما ينبت الربيع لما يقتل حبطًا، أو يلم» ،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وهذه الفاء عند البصريين تنصب بإضمار "أن" بشرطين: أحدهما: السببية، والثاني: أن يكون قبلها أمر أو نهي أو استفهام أو نفي أو تمن أو ترج، وهي في الحقيقة عاطفة ما بعدها بتأويل المصدر على مصدر ما قبلها، فيقدر فيه "أن" لتعذر غيرها، لا أنها ناصبة بنفسها.

ثم قوله: {وأَنتُمْ لا تَشْعُرُونَ} تتميم للمعنى، وإعلام بأن النبي صلى الله عليه وسلم ينبغي أن يجل ويعظم غاية الإجلال والإعظام، وأنه قد يفعل الشيء مما لا يشعر به في أمر النبي صلى الله عليه وسلم، فيكون ذلك مهلكًا لفاعله وقائله، ولذلك قال بعض الفقهاء: من لم يحتشم في كلامه بحضرة الرسالة، وبدر منه ما ينبئ عن أدنى نقص، وجب قتله. وهو مذهب مالك وأصحابه، رضي الله عنهم.

قوله: (وإن مما ينبت الربيع): روينا عن البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه عن أبي سعيد قال: "جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر، فقال: أن مما أخاف عليكم بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها، فقال رجل: أو يأتي الخير بالشر يا رسول الله؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورأينا أنه ينزل عليه، فأفاق يسمح عنه الرخصاء"، وفي رواية:"أين السائل آنفًا؟ أن الخير لا يأتي إلا الخير، وإن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطًا أو يلم، إلا آكلة الخضر، فإنها أكلت، حتى إذا امتد خاصر تاها استقبلت عين الشمس، فثلطت ومالت، ثم رتعت، وإن هذا المال خضر حلو، ونعم صاحب المسلم هو لمن أعطى منه المسكين واليتيم وابن السبيل _أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن من يأخذه بغير حقه، كالذي يأكل ولا يشبع، ويكون عليه شهيدًا يوم القيامة".

ص: 447

ومن أخواته: حبجت الإبل: إذا أكلت العرفج فأصابها ذلك.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الشرح: الرحضاء: عرق يغسل الجلد لكثرته، ويستعمل في مرض الحمى، "أو يلم": أي: يقرب ويدنو من الهلاك، " الثلط": الرجيع الرقيق، يقال: حبطت الدابة حبطًا_بالتحريك_: إذا أصابت مرعى طيبًا، فأفرطت حتى تنفخت وماتت، وذلك أن الربيع ينبت أحرار العشب، فتستكثر منه الماشية لا ستطابتها، فيؤدي إلى الهلاك أو يقاربه، و"الخضر"_ بكسر الضاد_: نوع من البقول، ليس من أحرارها وجيدها، وإنما ترعاها المواشي إذا لم تجد سواها، فلا تكثر منها، ولا تستمرئها.

ضرب صلوات الله عليه في الحديث مثلين: أحدهما للمفرط في جمع الدنيا والمنع من حقها، والآخر للمقتصد في أخذها للنفع، فقوله:"أن مما ينبت الربيع": مثل للمفرط الذي يأخذ الدنيا بغير حقها، ويمنعها مستحقها، فإنه تعرض للهلاك في الآخرة بدخول النار، وفي الدنيا بأذى الناس له، وحسدهم إياه، وقوله:"إلا آكلة الخضر": مثل للمقتصد في جمع المال من حقه، فإنه بنجوة من وبالها.

فقوله: "وإن مما ينبت الربيع لما يقتل حبطًا": ما" الأولى: موصولة، والثانية: موصوفة، أي: وإن الذي ينبته الربيع لشيء يقتل حبطًا؛ مصدر لا من فعله، لأنه في معنى القتل.

أما قوله: "أو كما قال": فقال محيي الدين النواوي: "ينبغي لمن يروي حديثًا بالمعنى أن بقول عقبه: "أو كما قال"، "أو نحو هذا"، أو ما أشبه هذا من الألفاظ، روي هذا عن عبد الله ابن مسعود وأبي الدرداء وأنس وغيرهم".

قوله: (حبجت الإبل): النهاية: "في حديث ابن الزبير: "إنا لا نموت حبجًا على

ص: 448

وأحبض عمله: مثل أحبطه، وحبط الجرح وحبر: إذا غفر، وهو نكسه وتراميه إلى الفساد.

جعل العمل السيئ في إضراره بالعمل الصالح كالداء والحرض لمن يصاب به، أعاذنا الله من حبط الأعمال، وخيبة الآمال.

وقد دلت الآية على أمرين هائلين: أحدهما: أن فيما يرتكب من يؤمن من الآثام ما يحبط عمله. والثاني: أن في آثامه ما لا يدرى أنه محبط، ولعله عند الله كذلك، فعلى المؤمن أن يكون في تقواه كالماشي في طريق شائك لا يزال يحترز ويتوقى ويتحفظ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مضاجعنا، كما يموت بنو مروان": الحبج_ بفتحتين_: أن يأكل البعير لحاء العرفج، ويسمن عليه، وربما بشم منه فقتله، عرض بهم لكثرة أكلهم وإسرافهم في ملاذ الدنيا، وأنهم يموتون بالتخمة".

قوله: (والحرض): بالحاء المهملة، النهاية:"أحرضه المرض: إذا أفسد بدنه وأشفى على الهلاك".

قوله: (وقد دلت الآية على أمرين هائلين): الانتصاف: "الزمخسري يعتقد أن الكبائر محبطة للأعمال موجبة للخلود في النار، وأخذ من هذه الآية: أن رفع الصوت بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم معصية لا تبلغ الشرك، وقد جعلها محبطة، وخوف العباد من إحباط الأعمال.

وجوابه: أن المراد النهي عن رفع الصوت على الإطلاق، والحذر عما يتوقع منه من إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم، وإيذاؤه كفر محبط للعمل، فنهى عن رفع الصوت محذوًا فيه عما يؤول إليه، ولو كان الأمر على ما يعتقده الزمخشري لم يكن لقوله:{وأَنتُمْ لا تَشْعُرُونَ} معنى؛ إذ الأمر منحصر في أن يكون كفرًا محبطًا لكونه مؤذيًا، أو غير مؤذ فيكون محبطًا على رأيه، والإحباط واقع على كل حال.

وكلامنا هذا مرتب على مقدمتين: الأولى: أن رفع الصوت مما يحصل فيه الأذى، وهو

ص: 449

[{إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} 3]

{امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى} من قولك: امتحن فلان لأمر كذا، وجرب له، ودرب للنهوض به، فهو مضطلع به غير وانٍ عنه. والمعنى: أنهم صبر على التقوى، أقوياء على احتمال مشاقها.

أو: وضع الامتحان موضع المعرفة، لأنّ تحقق الشيء باختباره، كما يوضع الخبر موضعها، فكأنه قيل: عرف الله قلوبهم للتقوى، وتكون اللام متعلقة بمحذوف، واللام هي التي في قولك: أنت لهذا الأمر، أي: كائن له ومختص به، قال:

أنت لها -أحمد- من بين البشر

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أمر مشاهد، حتى أن الشيخ يتأذى برفع صوت التلميذ، فكيف برتبة النبوة وما تستحقه من الإجلال ولإعظام. الثانية: أن إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم كفر".

وقلت: ويمكن أن يقال: أن مقام التعريض التوبيخي_ كما سبق_ اقتضى المبالغة، واستدعى أن ينزل أذاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم برفع الصوت منزلة الكفر تغليظًا؛ إجلالًا لمجلسه صلوات الله عليه، ثم يترتب عليه ما ترتب على الكفر الحقيقي من الإحباط، كقوله تعالى:{وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} إلى قوله: {وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 97]، معنى:{وأَنتُمْ لا تَشْعُرُونَ} على هذا: أنتم لا تشعرون أن ذلك بمنزلة الكفر المحبط، وليس كسائر المعاصي.

قوله: (أنت لها_ أحمد_ من بين البشر): أوله:

وقصيدة رائقة ضوعتها

ص: 450

أعدّاء من لليعملات على الوجى؟

وهي مع معمولها منصوبة على الحال. أو: ضرب الله قلوبهم بأنواع المحن والتكاليف الصعبة لأجل التقوى، أي: لتثبت وتظهر تقواها، ويعلم أنهم متقون؛ لأن حقيقة التقوى لا تعلم إلا عند المحن والشدائد والاصطبار عليها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أي: معجبة، راقني الشيء: أعجبني. وعن بعضهم: "أحمد": يجوز أن يكون أفعل التفصيل، وأن يكون علمًا، أي: أنت يا أحمد كائن لها ومختص بها.

قوله: (أعداء من لليعملات على الوجى): تمامه:

وأضياف ليل بيتوا لنزول؟

وفي بعض النسخ من المتن: "أعداء"، الهمزة للنداء، وهو اسم رجل يرثيه، يقول تحسرًا وتوجعًا: من يؤدي الأضياف، وقد بهرهم السعي، وأتعبهم الطلب، ومن ينزل السفر، وقد أرمتهم النوق السراع إلى المهالك، حتى حفيت نعالهم، أي: من يخلص اليعملات من الوجى بأن ينزل صاحبها، ويقصي مهامه، فيتخلص من السير.

قوله: (وهي مع معمولها منصوبة على الحال): التقدير: كائنة للتقوى، و"هي" أي: المحذوف، " مع معمولها" أي: التقوى، وإنما أنثه لأنه بمعنى"محصلة" أو" مختصة".

ص: 451

وقيل: أخلصها للتقوى؛ من قولهم: امتحن الذهب وفتنه: إذا أذابه، فخلص إبريزه من خبثه ونقاه. وعن عمر رضي الله عنه: أذهب الشهوات عنها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (من قولهم: امتحن الذهب): فسر {امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى} بوجوه:

أحدها: أنه من الكناية التلويحية، عبر عن كونهم مغرقين في التقوى كاملين فيها بقوله:{امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى} ، لأن الامتحان والتجربة يوجب مزاولة الأمر ومعالجته مرة بعد أخرى، وذلك يوجب التمرن فيه، والمتمرن مضطلع فيه، وفي المثل:"أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب"، فعلى هذا: مجاز الآية راجع إلى العباد، نحو قوله تعالى:{وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} [الصافات: 147].

وثانيها: أنه من إطلاق السبب على المسبب، فإن الامتحان سبب المعرفة، وهو المراد من قوله:"لأن تحقق الشيء باختباره"، وهو لوجهين: أحدهما: أن اللام في "التقوى" صلة محذوف، وهو حال من المفعول، وهو {قُلُوبَهُمْ}. وثانيها: أن تكون اللام للتعليل، والمعنى: وضرب الله قلوبهم بأنواع المحن والتكاليف الصعبة لأجل التقوى، وإثبات العلم هنا كإثباته في قوله تعالى:{وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ} [آل عمران: 140]، قال:"وليعلمهم علمًا يتعلق به الجزاء"، ومن ثم عقبه بقوله:{لَهُم مَّغْفِرَةٌ وأَجْرٌ عَظِيمٌ} ، فتكون "أو ضرب الله" عطفًا على "عرف الله".

ص: 452

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وثالثها: أن يكون تمثيلًا، شبة خلوص قلوبهم عن شوائب الكدورات النفسانية، وتصرع دواعيهم عن اللذات الشهوانية بعد طول المجاهدات ومقاساة المكابدات، بخلوص الذهب الإبريز الذي عرض على النار، ونقي من الخبث والزبد الذي يذهب جفاء.

قال الواحدي: "تقدير الكلام: امتحن الله قلوبهم فأخلصها للتقوى، فحذف "الإخلاص" لدلاله" الامتحان" عليه، ولهذا قال قتادة: أخلص الله قلوبهم".

وقلت: هذا الوجه أنسب؛ لأن الكلام وارد في مدح أولئك السادة الكرام، وفي التعريض ممن لسوا على وصفهم، ومن ثم قال في فاصلة الآية السابقة:{وأَنتُمْ لا تَشْعُرُونَ} ، واللاحقة:{أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ} فإن قلت: ذهبت في ما مر أن اختصاص "النبي" بالذكر في الآية الثانية لتبجيل جانب الرسول صلى الله عليه وسلم، وذكر"رسوله" في الأولى لأجل الاحتذاء على أمثلة الكتاب والسنة، فلم خولف ورجع في الثالثة إلى ما بدئ به؟

قلت: ليؤذن بأفضال الله في حق أولئك الكلمة، وتأديبه إياهم، وأنهم إنما غضوا أصواتهم عند رسول الله، ولم يرفعوا بها مثل أولئك؛ لأن الله زين باطنهم باكتساء لباس التقوى، حتى سرى إلى ظاهرهم بالتأدب بين يدي المولى، ومن أرسله إليهم وأكرمهم به، ومن ثم نسب {امْتَحَنَ} إلى الله تعالى، وجيء به ماضيًا، وأسند {يَغُضُّونَ} إليهم، وأتي به مضارعه دالًا به على الاستمرار، كأنه قيل: أن الذين دأبهم وعادتهم التأدب في حضرة الرسالة إنما

ص: 453

والامتحان: افتعال؛ من: محنه، وهو اختبار بليغ أو بلاء جهيد، قال أبو عمرو: كل شيء جهدته فقد محنته، وأنشد:

أتت رذايا باديًا كلالها .... قد محنت واضطربت آطالها

قيل: أنزلت في الشيخين رضي الله عنهما، لما كان منهما من غض الصوت والبلوغ به أخا السرار.

وهذه الآية -بنظمها الذي رتبت عليه؛ من إيقاع الغاضين أصواتهم اسمًا لـ"إنّ" المؤكدة، وتصيير خبرها جملة من مبتدأ وخبر معرفتين معًا؛ والمبتدأ: اسم الإشارة، واستئناف الجملة المستودعة ما هو جزاؤهم على عملهم، وإيراد الجزاء نكرة مبهمًا أمره -ناظرة في الدلالة على غاية الاعتداد والارتضاء لما فعل الذين وقروا رسول الله صلى الله عليه وسلم من خفض أصواتهم، وفي الإعلام بمبلغ عزة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقدر شرف منزلته، وفيها تعريض بعظيم ما ارتكب الرافعون أصواتهم، واستيجابهم ضد ما استوجب هؤلاء.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اختصوا به؛ لأته تعالى هو الذي أدبهم بإرسال الرسول صلى الله عليه وسلم، وإنزال الكتاب والحكمة، حتى هذبوا هذا التهذيب.

قوله: (أتت رذايا) البيت: الرذية: الناقة المهزولة من السير، والجميع: الرذايا، والمذكر: رذي، و"الإطل": الخاصرة، والجمع: الآطال.

قوله: (وهذه الآية): يعنى قوله: {إنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ} ، فقوله:"هذه الآية" مبتدأ موصوف، والخبر قوله:"ناظرة"، و"بنظمها" متعلق بـ"ناظرة"، أي: هذه الآية دالة بواسطة نظمها على غاية الاعتداد. وفي تلك القيود التي ذكرها إشارة إلى خواص تضمنها التركيبان.

ص: 454

[{إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ {4 - 5]

والوراء: الجهة التي يواريها عنك الشخص بظله من خلف أو قدام، و {مِن} لابتداء الغاية، وأنّ المناداة نشأت من ذلك المكان.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أما التركيب الأول_ وهو قوله: {الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ} إلى قوله {لِلتَّقْوَى} _ ففيه خواص:

إحداها: إيقاع "الغاضين أصواتهم" اسمًا لـ"إن" المؤكدة، وفائدته توكيد مضمون الجملة وتقريره، مع تصوير ما كان يصدر من أولئك الكلمة في حضرة الرسالة من التأديب الله. نحوه في التقرير:{وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا} [يوسف: 23].

وثانيها: تصيير خبرها جملة من مبتدأ وخبر، وفائدته الحصر المستفاد من تعريفها، نحو: زيد المنطلق، يعني: هم الذين شرفهم الله تعالى بإخلاص القلوب دون غيرهم، تعريضًا بأولئك الذين لم يعضوا أصواتهم.

وثانيها: إيقاع المبتدأ الثاني اسم إشارة؛ ليؤذن بأن من سبق ذكره إنما امتحن الله قلوبهم لأنهم اكتسبوا تلك الفضيلة بها.

وأما التركيب الثاني ففيه فائدتان: إحداهما: قطعها عن الجملة الأولى، فأخلاها عن الرابط اللفظي_ وهو الفاء_ لتحرك أريحية السامع، وتحمله على: ما جزاء أولئك السادة في العقبى، ليضم مع اختصاصهم بهذه المنقبة الأسنى؟ فيجاب: بأن لهم عند الله القربى والزلفى.

وثانيتهما: تنكير" المغفرة" ليدل على ضرب عظيم في بابه، لا يكتنه كنهه، ولا يقادر قدره.

لله در المصنف في إبراز هذه المحاسن، وفي إرشاده إلى جهات تلك النكات.

قوله: (بطلله): الجوهري: "يقال: حيا الله طللك، وطلالتك، يعني: شخصك"، فقوله:

ص: 455

فإن قلت: أفرق بين الكلامين؛ بين ما تثبت فيه وما تسقط عنه؟ قلت: الفرق بينهما: أنّ المنادي والمنادى في أحدهما يجوز أن يجمعهما الوراء، وفي الثاني: لا يجوز لأنّ الوراء تصير بدخول "من" مبتدأ الغاية، ولا يجتمع على الجهة الواحدة أن تكون مبتدأ ومنتهى لفعل واحد، والذي يقول: ناداني فلان من وراء الدار، لا يريد وجه الدار ولا دبرها،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

"يواريها عنك الشخص بطله": معناه: يخفيها ذو طلل بطلله. والجوهري: "واريت الشيء: إذا أخفيته، وتوارى هو: استتر، ووراء: بمعنى: خلف، وقد يكون بمعنى: قدام، وهي من الأضداد، قال الأخفش: يقال: لقيته من وراء، فترفعه على الغاية إذا كان غير مضاف".

قوله: (أفرق بين الكلامين): على الأمر، أي: أفرق بين كلام تثبت فيه"من" وكلام تسقط منه" من".

قوله: (أن المنادى في أحدهما يجوز أن يجمعها الوراء، وفي الثاني: لا يجوز) إلى آخره: هذا الفرق ظاهر، قال صاحب "التقريب": وفيه نظر؛ لأن المبتدأ والمنتهى: إما المنادى_ على ما هو التحقيق_ أو الجهة، فإن كان الأول جاز أن يجمعهما "لوراء" في إثبات "من" وفي إسقاطه؛ لتغاير المبتدأ والمنتهى، وإن كان الثاني فالجهة: إما ذات أجزاء أو عديمة الأجزاء، فإن كان الأول جاز أن يجمعهما في إثبات"من" أيضًا باعتبار أجزاء الجهة، وإن كان الثاني لم يجز أن يجمعهما؛ لا في إثبات"من" ولا في إسقاطه لاتحاد المورد، والتحقيق أن الفعل يبتدئ من الفاعل، وينتهي إلى المفعول، ويقع في الظرف، وأن "من وراء الحجرة" و"وراءها" كلاهما ظرف، كصليت من خلف الإمام وخلفه، ومن قبل اليوم وقبله، ومعنى الابتداء غير محقق، والفرق تعسف.

ص: 456

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فيقال: لا بد من الفرق؛ صونًا لكلام الله من العبث، لاسيما قد في تقرر في أول البقرة عند قوله:{ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ} [البقرة: 17]: أن صاحب المعاني يعتبر حروف الصلات، وينظر إلى مواقعها، ولا ارتياب أن"وراء" من الظروف المبهمة، فبدخول "من" يتعين له ابتداء، وهو من الأمور النسبية، فلا بد له من الانتهاء، وأن يكون المنتهى مكانًا غير المكان الذي نشأ منه النداء، وهو الجهة المسماة ب"الوراء"، إذ كل جزء من أجزائه يصدق أنه منشأ النداء، فجعل تلك الجهة نفس المنتهى يلزم أن يجتمع على الجهة الواحدة أن تكون مبتدأ ومنتهى.

وتحرير المعنى: أنه لو قيل: "ينادونك وراء الحجرات" لكان الغرض في الإيراد إنكار أنهم كانوا ينادونه وراء الحجرات، وفهم منه أنهم لو نادوه في غير تلك الجهة لم تكن منكرًا، ولكن الغرض في الإنكار أنهم كانوا ينادونه من الخارج، وهو في الحجرة، فأريد إنكار هذه الصورة المنكرة الواقعة خصوصًا، فزيد"من" لتدل على الابتداء والانتهاء، وأنهم خارجون، وهو_ صلوات الله عليه_ داخل، وإليه الإشارة بقوله:"والإنكار لم يتوجه عليهم من قبل أن النداء وقع" إلى آخره.

ونظيره ما سبق قبل هذا في قراءة ابن مسعود: "لا ترفعوا بأصواتكم فوق صوت النبي": أن في زيادة الباء الدلالة على النهي كما كانوا عليه من الجلبة، وسبق بيانه.

ويؤيده قول القاضي: " {مِنْ} ابتدائية، فإن المناداة نشأت من جهة الوراء، وفائدتها: الدلالة أن المنادي داخل الحجرة، إذ لا بد أن يخلف المبتدأ والمنتهى بالجهة".

ص: 457

ولكن أي قطر من أقطارها الظاهرة كان مطلقًا بغير تعيين واختصاص، والإنكار لم يتوجه عليهم من قبل أنّ النداء وقع منهم في أدبار الحجرات أو في وجوهها، وإنما أنكر عليهم أنهم نادوه من البرّ والخارج مناداة الأجلاف بعضهم لبعض، من غير قصد إلى جهة دون جهة.

والحجرة: الرقعة من الأرض المحجورة بحائط يحوط عليها، وحظيرة الإبل تسمى: الحجرة، وهي فعلة، بمعنى: مفعولة، كالغرفة والقبضة، وجمعها: الحجرات؛ بضمتين، والحجرات؛ بفتح الجيم، والحجرات؛ بتسكينها، وقرئ بهنّ جميعًا. والمراد: حجرات نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت لكل واحدة منهنّ حجرة.

ومناداتهم من ورائها: يحتمل أنهم قد تفرّقوا على الحجرات متطلبين له، فناداه بعض من وراء هذه، وبعض من وراء تلك، وأنهم قد أتوها حجرة حجرة فنادوه من ورائها، وأنهم نادوه من وراء الحجرة التي كان فيها، ولكنها جمعت إجلالًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولمكان حرمته.

والفعل وإن كان مسندًا إلى جميعهم، فإنه يجوز أن يتولاه بعضهم، وكان الباقون راضين، فكأنهم تولوه جميعًا، فقد ذكر الأصم: أنّ الذي ناداه عيينة بن حصن والأقرع بن حابس.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (الحجرات؛ بضمتين): وهي المشهورة، قال الزجاج:"تقرأ {الْحُجُرَاتِ} بضم الجيم، ويجوز بتسكينها، ولا أعلم أحدًا قرأ به، وواحد "الحجرات": حجرة، والفتح بدل من الضمة لثقل الضمتين".

قوله: (ولكنها جمعت إجلالًا): عن بعضهم: قولك: "في مجالسك" أبلغ من قولك: "في مجلسك"، كأن الجمع يبطل خصوصية حجرة دون حجرة.

ص: 458

والإخبار عن أكثرهم بأنهم لا يعقلون: يحتمل أن يكون فيهم من قصد بالمحاشاة، ويحتمل أن يكون الحكم بقلة العقلاء فيهم قصدًا إلى نفي أن يكون فيهم من يعقل، فإنّ القلة تقع موقع النفي في كلامهم.

وروي: أن وفد بني تميم أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت الظهيرة وهو راقد، فجعلوا ينادونه: محمد، اخرج إلينا، فاستيقظ فخرج، ونزلت. وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم فقال: «هم جفاة بني تميم،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (من قصد بالمحاشاة): أي: استثنى بـ {أَكْثَرُهُمْ} ، فإنه يدل على أن بعضهم لم يكونوا كذلك. الأساس: "أساؤوا حاشى فلانًا، وأنا أحاشيك من كذا، وقال:

وما أحاشي من الأقوام من أحد"

معناه: ويحتمل أن يكون في القوم من قصد استثناؤه وإخراجه من الحكم، بقلة العقل، ف"أكثرهم" استثناء معنوي، قال صاحب" التقريب": وإنما قال: {أَكْثَرُهُمْ} ؛ لأن البعض قد يعقل.

قوله: (فإن القلة تقع موقع النفي): قال الحماسي:

قليل التشكي للمهم يصيبه

أي: عديم التشكي.

ص: 459

لولا أنهم من أشدّ الناس قتالًا للأعور الدجال لدعوت الله عليهم أن يهلكهم».

فورود الآية على النمط الذي وردت عليه: فيه مالا يخفى على الناظر؛ من بينات إكبار محل رسول الله صلى الله عليه وسلم وإجلاله، منها: مجيئها على النظم المسجل على الصائحين به بالسفه والجهل، لما أقدموا عليه، ومنها: لفظ "الحجرات" وإيقاعها كناية عن موضع خلوته. ومقيله مع بعض نسائه، ومنها: المرور على لفظها بالاقتصار على القدر الذي تبين به ما استنكر عليهم، ومنها: التعريف باللام دون الإضافة، ومنها: أن شفع ذمهم باستجفائهم واستركاك عقولهم وقلة ضبطهم لمواضع التمييز في المخاطبات،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (لولا أنهم من أشد الناس قتالًا للأعور الدجال): وفي رواية البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وهم_ يعني: بني تميم_ أشد أمتي على الدجال".

قوله: (المرور على لفظها): أي: لفظ الحجرات، والأساس:"مررت به وعليه مرًا مرورًا، ومر الأمر واستمر: مضى"، يعني: قال: {الْحُجُرَاتِ} ومضى عليه، يعني: ما زاد عليه، ولم يقل: حجرات نسائك، بل اكتفى بالقدر من الكناية لئلا توحشه، لأنها تكفي لمن يقف على الرمز والإشارة الخفية في أن النداء في هذه الآية أمر منكر.

قوله: (التعريف باللام دون الإضافة): أي: لم يقل: "من وراء حجراتك"؛ لأن المراد المعهود الذهني، يعني: لا يلتبس أن مثل هذا التعظيم لا يكون في حجرات سائر الناس.

قوله: (أن شفع ذمهم باستجفائهم): أي: قرن ذمهم ذلك، وهو قوله:{الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن ورَاءِ الحُجُرَاتِ} ، بقوله:{أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ} ، فأوقع قوله:{أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ} خبرًا لـ"إن" واسمها الموصولة المشتملة على الصلة المشعرة بأن خبرها مما يستهجن منه، ويد من صدر منه النداء من وراء الحجرات بالجافي الغليظ وقلة العقل، وإنما فعل ذلك ليسلي

ص: 460

تهوينًا للخطب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتسلية له، وإماطة لما تداخله من إيحاش تعجرفهم وسوء أدبهم، وهلم جرًّا من أوّل السورة إلى آخر هذه الآية.

فتأمّل كيف ابتدأ بإيجاب أن تكون الأمور التي تنتمي إلى الله ورسوله متقدّمة على الأمور كلها من غير حصر ولا تقييد، ثم أردف ذلك النهي عما هو من جنس التقديم؛ من رفع الصوت والجهر، كأن الأوّل بساط للثاني ووطاء لذكره، ثم ذكر ما هو ثناء على الذين تحاموا ذلك، فغضوا أصواتهم؛ دلالة على عظيم موقعه عند الله، ثم جيء على عقب ذلك بما هو أطم، وهجنته أتم؛ من الصياح برسول الله صلى الله عليه وسلم في حال خلوته ببعض حرماته من وراء الجدر، كما يصاح بأهون الناس قدرًا؛ لينبه على فظاعة من أجروا إليه وجسروا عليه؛

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان يلحقه من الوحشة من سوءاتهم، فقيل له: هون عليك، واعف عنهم، فإن أكثرهم لا يعقلون، إذ العقل يقتضي حسن الأدب ومراعاة الحشمة، لا سيما لمن كان بهذا المنصب.

قوله: (تعجرفهم): الجوهري: "جمل فيه عجرفة: كأن فيه خرقًا وقلة مبالاة لسرعته".

الأساس: "في كلامه عجرفة وتعجرف، أي: جفوة".

قوله: (من غير حصر ولا تقييد): تفسير للحصر، أراد الإبقاء على الإطلاق، نحو: فلان يعطي ويمنع. وقد سبق بيانه في أول السورة.

قوله: (ما أجروا إليه): أي: سبقوا إليه، قال الحماسي:

هم قطعوا الأرحام بيني وبينهم وأجروا إليها واستحلوا المحارما

قال المرزوقي: "الإجراء يستعمل في المنكر المذموم، ومفعوله محذوف، كأنه قيل: أجروا فعلهم إليها".

ص: 461

لأنّ من رفع الله قدره على أن يجهر له بالقول حتى خاطبه جلة المهاجرين والأنصار بأخي السرار، كان صنيع هؤلاء من المنكر الذي بلغ من التفاحش مبلغًا، ومن هذا وأمثاله يقتطف ثمر الألباب، وتقتبس محاسن الآداب، كما يحكى عن أبي عبيد -ومكانه من العلم والزهد وثقة الرواية ما لا يخفى- أنه قال: ما دققت بابًا على عالم قط حتى يخرج في وقت خروجه.

{أَنَّهُمْ صَبَرُوا} في موضع الرفع على الفاعلية، لأنّ المعنى: ولو ثبت صبرهم. والصبر: حبس النفس عن أن تنازع إلى هواها، قال الله تعالى:{وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ} [الكهف: 28]، وقولهم: صبر عن كذا، محذوف منه المفعول،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (عن أبي عبيد): عن بعضهم: هو القاسم بن سلام الكوفي، وأبو عبيدة: معمر بن المثنى التيمي، كان أستاذًا لأبي عبيد.

قوله: (لأن المعنى: ولو ثبت صبرهم): قال القاضي: "المعنى: لو ثبت انتظارهم حتى تخرج، فإن "أن" دلت بما في حيزها على المصدر، ودلت بنفسها على الثبوت، ولذلك وجب إضمار الفعل".

قوله: (عن أن تنازع إلى هواها): الجوهري: "نزع إلى أهله ينزع نزاعًا، أي: اشتاق، وأنزع القوم: إذا نزعت إبلهم إلى أوطانها".

قوله: (صبر عن كذا): محذوف فيه المفعول، ويروى:"على كذا"، يقال: صبر عليه، أي: نفسه.

ص: 462

وهو النفس، وهو حبس فيه شدّة ومشقة على المحبوس، فلهذا قيل للحبس على اليمين أو القتل: صبر. وفي كلام بعضهم: الصبر مرّ، لا يتجرّعه إلا حرّ.

فإن قلت: هل من فرق بين {حَتَّى تَخْرُجَ} و"إلى أن تخرج"؟ قلت: إنّ «حتى» مختصة بالغاية المضروبة، تقول: أكلت السمكة حتى رأسها، ولو قلت: حتى نصفها، أو صدرها: لم يجز، و «إلى» عامّة في كل غاية، فقد أفادت «حتى» بوضعها: أنّ خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم غاية قد ضربت لصبرهم، فما كان لهم أن يقطعوا أمرًا دون الانتهاء إليه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (إن "حتى" مختصة بالغاية المضروبة): يعني: "حتى" نص في بيان الغاية، وبت للحكم، وأن لا رخصه لهم دون هذه الغاية، بخلاف"إلى" فإنها مطلقة تحتمل أمورًا، قال في قوله تعالى:{وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة: 6]: "إلى: تفيد معنى الغاية مطلقًا، فأما دخولها في الحكم وخروجها: فأمر يدور مع الدليل".

قال صاحب"التقريب": "حتى: تختص بالغاية المضروبة، وإلى: عامة في كل غاية، لا يقال: أكلت السمكة حتى نصفها، ويقال: إلى نصفها، فإنها قال:{حَتَّى تَخْرُجُ} ليفيد أنه غاية، ليس لهم أن يقطعوا أمرًا دون الانتهاء إليها.

وبيانه: أن اختصاصها بالغاية المضروبة، أي: المعينة، معناه: أن ما بعد "حتى" داخل في حكم ما فبلها، فالرأس مأكول من قوله:"حتى رأسها"؛ إذ لو لم يكن مأكولًا، وانتهى الأكل قبله بجزء آخر سوى الرأس، لكان ذلك الجزء غاية، فلم تكن مختصة بهذه الغاية المضروبة، وهو خلاف وضعها، وأما "إلى" فلا تختص، بل قد يدخل ما بعدها، وقد لا يدخل، فقد تكون له غاية أخرى سوى ما بعد "إلى".

ص: 463

فإن قلت: فأي فائدة في قوله: {إِلَيْهِمْ} ؟ قلت: فيه أنه لو خرج، ولم يكن خروجه إليهم ولأجلهم، للزمهم أن يصبروا إلى أن يعلموا أنّ خروجه إليهم.

{لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ} : في «كان» : إما ضمير فاعل الفعل المضمر بعد "لو"، وإما ضمير مصدر {صَبَرُوا} ، كقولهم: من كذب كان شرًّا له، {وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} بليغ الغفران والرحمة واسعهما، فلن يضيق غفرانه ورحمته عن هؤلاء إن تابوا وأنابوا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فقوله: {حَتَّى تَخْرُجُ} يدل على أنه لا غاية لخيرية صبرهم قبل الخروج، فليس لهم أن يقطعوا أمرًا قبل الانتهاء إليه، وإلا لانتهت الخيرية لغاية قبل الخروج، ولا يلزم ذلك في "إلى".

وكان الأولى أن يقول: إن "حتى" تفيد أنه لا تنتهي خيرية صبرهم بعد الخروج أيضًا، فكما أن حكم الأكل يشمل الرأس، فحكم خيرية الصبر يشمل زمان الخروج أيضًا، فيكون أبلغ، ولو قال:"إلى" لم يلزم، لأن ما بعد "إلى" لا يلزم دخوله في حكم ما قلبه، والله أعلم". تم كلامه.

قوله: (وإما ضمير مصدر {صَبَرُوا}): قال القاضي: "المعنى: لكان الصبر خيرًا لهم من الاستعجال، لما فيه من حفظ الأدب، وتعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم، الموجبين للثناء والثواب والإسعاف بالمسؤول".

قال الواحدي: "قدم بنو تمتم على النبي صلى الله عليه وسلم لفداء ذراريهم التي سبيت، وقال مقاتل: يعني ب"الخير": أنهم لو صبروا لخلي سبيلهم بغير فداء، فلما نادوه أعتق نصف ذراريهم وفادى نصفهم، يقول الله عز وجل: ولو صبروا لكنت تعتق كلهم".

ص: 464

[{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ * وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} 6 - 8]

بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الوليد بن عقبة أخا عثمان لأمّه -وهو الذي ولاه عثمان الكوفة بعد سعد بن أبي وقاص، فصلى بالناس وهو سكران صلاة الفجر أربعًا، ثم قال: هل أزيدكم، فعزله عثمان عنهم- مصدّقا إلى بني المصطلق، وكانت بينه وبينهم إحنة، فلما شارف ديارهم ركبوا مستقبلين له، فحسبهم مقاتليه، فرجع وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: قد ارتدوا ومنعوا الزكاة، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (مصدقًا): أي: بعثه صلوات الله عليه آخذًا للصدقة.

النهاية: "قال الخطابي: إن "المصدق"_ بتخفيف الصاد_: العامل، فإنه وكيل الفقراء في القبض، فله أن يتصرف لهم بما يراه؛ مما يؤدي إليه اجتهاد".

وأما قصة الوليد بن عقبة: ففيها للمفسرين اختلاف، والصحيح ما روى الإمام أحمد ابن حنبل في "مسنده" عن عيسى بن دينار عن أبيه: "أن الحارث بن ضرار الخزاعي قدم على سول الله صلى الله عليه وسلم، فبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قومه يدعوهم إلى الإسلام، ويجمع الزكاة، فضرب وقتًا بينه وبين رسول لله صلى الله عليه وسلم ليبعث إليه رسولًا ليقبض الزكاة، فاحتبس الرسول عن الوقت، فظن الحارث أنه قد حدثت سخطة من الله ورسوله، فانطلق مع سروات قومه يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان من أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أنه بعث الوليد بن عقبة إلى الحارث ليقبض ما كان عنده، فلما أن بلغ بعض الطريق فرق ورجع، وقال: يا رسول الله، الحارث منعني الزكاة، وأراد قتلي، فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم البعث إلى الحارث.

ص: 465

وهمّ أن يغزوهم، فبلغ القوم فوردوا وقالوا: نعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله، فاتهمهم، فقال:«لتنتهنّ أو لأبعثنّ إليكم رجلًا هو عندي كنفسي، يقاتل مقاتلتكم، ويسبى ذراريكم» ، ثم ضرب بيده على كتف علي رضي الله عنه. وقيل: بعث إليهم خالد بن الوليد، فوجدهم منادين بالصلوات متهجدين، فسلموا إليه الصدقات، فرجع.

وفي تنكير "الفاسق" و"النبأ": شياع في الفساق والأنباء، كأنه قال: أي فاسق جاءكم بأيّ نبإ، فتوقفوا فيه وتطلبوا بيان الأمر وانكشاف الحقيقة، ولا تعتمدوا قول الفاسق، لأنّ من لا يتحامى جنس الفسوق لا يتحامى الكذب الذي هو نوع منه.

والفسوق: الخروج من الشيء والانسلاخ منه، يقال: فسقت الرطبة عن قشرها، ومن مقلوبه: فقست البيضة: إذا كسرتها وأخرجت ما فيها، ومن مقلوبه أيضًا: قفست الشيء: إذا أخرجته عن يد مالكه مغتصبًا له عليه، ثم استعمل في الخروج عن القصد والانسلاخ من الحق، قال رؤبة:

فواسقًا عن قصدها جوائرا

وقرأ ابن مسعود: "فتثبتوا"، والتثبت والتبين: متقاربان، وهما طلب الثبات والبيان والتعرّف.

ولما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم والذين معه بالمنزلة التي لا يجسر أحد أن يخبرهم بكذب، وما كان يقع مثل ما فرط من الوليد إلا في الندرة؛ قيل:{إِن جَاءَكُمْ} بحرف الشك.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

استقبل الحارث البعث قرب المدينة، وقال لهم: إلى من بعثتم؟ قالوا: إليك، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إليك الوليد بن عقبة، فزعم أنك منعته الزكاة، وأردت قتله، فلما دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم قاله أيضًا، قال: لا، والذي بعثك بالحق، ما رأيته، وما أتاني، وما أقبلت إلا حين احتبس علي رسول رسول الله، فنزلت:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} الآية".

قوله: (قيل: {إن جَاءَكُمْ} بحرف الشك): جواب "لما"، وقوله:"وما كان يقع" إلى آخره: اعتراض.

ص: 466

وفيه: أنّ على المؤمنين أن يكونوا على هذه الصفة، لئلا يطمع فاسق في مخاطبتهم بكلمة زور. {أَنْ تُصِيبُوا} مفعول له، أي: كراهة إصابتكم {قَوْمًا بِجَهالَةٍ} -حال، كقوله:{وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ} [الأحزاب: 25]-، يعني: جاهلين بحقيقة الأمر وكنه القصة. والإصباح: بمعنى الصيرورة. والندم: ضرب من الغم، وهو: أن تغتمّ على ما وقع منك تتمنى أنه لم يقع، وهو غم يصحب الإنسان صحبة لها دوام ولزام، لأنه كلما تذكر المتندّم عليه راجعه؛ من الندام: وهو لزام الشريب ودوام صحبته،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وفيه أن على المؤمنين أن يكونوا على هذه الصفة): أي: أدمج في الآية أن على المؤمنين أن يكونوا على تثبت من الأمر لئلا يطمع فاسق، وذلك من حرف التنبيه، وإيقاع {آمَنُوا} صلة للموصول، وجعلها سبيًا لما بعده من الحرف الموضوع لنداء البعيد، وقد نودي به القريب المقاطن على أن الخطاب الذي يتلوه معني به جدًا.

الراغب: "في قوله: {إن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} تنبيه على أنه أن كان الخبر عظيمًا له قدر، فحقه أن يتوقف فيه_ وإن علم أو غلب صحته على الظن_ حتى يعاد النظر فيه، ويتبين فضل تبين".

وقوله: (من الندام): متعلق بقوله: "والندم ضرب من الغم"، أي: مأخوذ منه.

قوله: (لزام الشريب): الجوهري: "شريبك: الذي يشاربك، ويورد إبله مع إبلك، وهو فعيل بمعنى: مفاعل، مثل: نديم وأكيل"، وروي عن المصنف: أن هذه المسألة مختلف فيها، وهي أنه كلما يتذكر الإنسان ذنبًا، هل يجب عليه تجديد الندم أم يكفيه الندم مرة، ففي هذه الآية إشارة إلى أنه يجب عليه كلما تذكره أن يندم، لأن لفظ الندم ينبئ عن اللزوم، فينبغي أن يكون ملازمًا للندوم كلما تذكر.

ص: 467

ومن مقلوباته: أدمن الأمر: أدامه، ومدن بالمكان: أقام به، ومنه: المدينة، وقد تراهم يجعلون الهم صاحبًا، ونجيًّا، وسميرًا، وضجيعَا، وموصوفَا بأنه لا يفارق صاحبه.

الجملة المصدّرة بـ"لو": لا تكون كلامًا مستأنفًا، لأدائه إلى تنافر النظم،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وقد تراهم يجعلون الهم صاحبًا): بيان لقوله: "وهو غم يصحب الإنسان صحبة لها دوام".

قوله: (لا تكون كلامًا مستأنفًا، لأدائه إلى تنافر النظم): قال أبو البقاء: " {لَوْ يُطِيعُكُمْ} مستأنف، ويجوز أن يكون حالًا، والعامل فيه الاستقرار، وإنما جاز ذلك من حيث جاز أن يقع صفة للنكرة، كقولك: مررت برجل لو كلمته لكلمني، أي: متهيئ لذلك".

وقلت: إنما لم يحسن الاستئناف، لأن قوله:{واعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ} لو جعل موردًا للسؤال استجهالًا لهم بما كان يصدر منهم من الفلتات التي لا تليق بحضرة الرسالة، فنزلوا لذلك منزلة من لا يعلم أن فيهم رسول الله؛ بأن يقولوا: ما بالنا ورسول الله مستقر فينا، لم يقع قوله:{لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ ولَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمَانَ} موقعه في الجواب، ولكن إذا جعل حالًا، بمعنى: أن فيكم من حاله أنه أرسله الله تعالى، وخصه بمنصب الرسالة، ولا يقطع أمرًا إلا بالوحي النازل، فيجب عليكم أن لا تحاولوا أن يعمل في الحوادث على مقتضى ما يعن لكم من رأي واستصواب حال حسن.

ويمكن أن يوجه طريق الاستئناف بأنه تعالى لما أرشدهم طريق الصواب بقوله: {إن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} ، أي: استعملوا التأني فيما سنح لكم من الأمور، والتروي في كشف الأحوال، لئلا ترجعوا إلى كلام بعض الفساق فتتورطوا فيما تندمون منه، نبههم أيضًا أن فيهم رسول الله، الناطق بالنسبة العادلة، والصادع بالحكمة الساطعة، لا يرجع عن رأي كل

ص: 468

ولكن متصلًا بما قبله حالًا من أحد الضميرين في {فِيكُمْ} ؛ المستتر المرفوع، أو البارز المجرور، وكلاهما مذهب سديد. والمعنى: أن فيكم رسول الله على حالة يجب عليكم تغييرها، أو: أنتم على حالة يجب عليكم تغييرها، وهي أنكم تحاولون منه أن يعمل في الحوادث على مقتضى ما يعنّ لكم من رأي واستصواب، فعل المطواع لغيره التابع له فيما يرتئيه، المحتذي على أمثلته، ولو فعل ذلك {لَعَنِتُّمْ} ، أي: لوقعتم في العنت والهلاك، يقال: فلان يتعنت فلانًا، أي: يطلب ما يؤدّيه إلى الهلاك، وقد أعنت العظم: إذا هيض بعد الجبر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

زائغ، ولا يعمل بهوى كل مبطل، فاقتدوا به في ذلك، فاتجه لهم أن يسألوا: لم كان ذلك فقيل: لو يطيع بعضًا منكم في كثير من الأمر لعنتم، ثم قال للبعض الآخر:{ولَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمَانَ} .

ويؤيده ما قال الواحدي: " {أَن تُصِيبُوا} أي: لئلا تصيبوا {قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ}، ثم وعظهم فقال: {واعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ}، أي: اتقوا أن تكذبوه وتقولوا باطلًا، فإن الله يخبره به، فتفضحوا. ثم قال: {لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ} مما تخبرونه فيه بالباطل، لوقعتم في الإثم والهلاك، ثم خاطب المؤمنين الذين لا يكذبون، فقال: {ولَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمَانَ} ".

قوله: (فيما يرتئيه المحتذي): أي: يراه المقتدي لنفسه، قيل: يقال: ارتأى فلان، أي: رأى رأيا لنفسه، مثل: استوى: أخذ السواء لنفسه.

الأساس: "وارتأى في الأمر، وارتأيت رأيًا في كذا، والرأي: ما ارتأى فلان، وفلان يتراءى برأي فلان: يميل إلى رأيه، ويأخذ به، واسترأيته: طلبت منه رأيه".

قوله: (إذا هيض بعد الجبر): وروي عن المصنف أنه قال: هذا يكون أشد من الكسر، وقد روي أن الحجاج جنس يريد بن المهلب، وكان يعذبه بأنواع العذاب، وكان لا يسمع له

ص: 469

وهذا يدل على أن بعض المؤمنين زينوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم الإيقاع ببني المصطلق، وتصديق قول الوليد، وأن نظائر ذلك من الهنات كانت تفرط منهم، وأن بعضهم كانوا يتصوّنون ويزعهم جدّهم في التقوى عن الجسارة على ذلك، وهم الذين استثناهم بقوله:{وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ} ، أي: إلى بعضكم، ولكنه أغنت عن ذكر "البعض" صفتهم المفارقة لصفة غيرهم،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أنين، وكان الحجاج يحب أن يسمع له أنينًا ليشفي منه، فقيل له: أن رجله كسرت في حرب كذا وجبرت، فينبغي أن يوضع على تلك الرجل، ففعلوا، فأن.

قوله (من الهنات): وهي خصال في الشر، النهاية:"يقال: في فلان هنات، أي: خصال شر، ولا يقال في الخبر".

الانتصاف: "من هنات المعتزلة توريكهم على عثمان رضي الله عنه، وتوقفهم في الحكم بفسق قبله، وقد عرض هاهنا بأنه ولى الوليد عوضًا عن سعد بن أبي وقاص؛ أحد العشرة المبشرة، وعرض به في قوله: "أن من الصحابة من كان تصدر منه هنات"، فافهم من تعرضنا ما عرض به في عثمان رضي الله عنه، نسأل الله العصمة".

قوله: (ويزعهم): أي: يكفهم، النهاية:"في الحديث: "من يزع السلطان أكثر ممن يزع القرآن"، أي: يكف عن ارتكاب العظائم مخافة السلطان أكثر ممن يكفه مخافة القرآن والله تعالى، يقال: وزعه يزعه وزعًا، فهو وازع: إذا كفه ومنعه".

قوله: (أغنت عن ذكر "البعض" صفتهم المفارقة لصفة غيرهم): يعني: نزل التغاير بين الوصفين منزلة التغاير بين الذاتين، وذلك أن العطف بـ"لكن" في الجملتين يوجب التغاير بينهما بالنفي الإثبات، فيقدر معنى قوله:{لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ} بقرينة الحال،

ص: 470

وهذا من إيجازات القرآن ولمحاته اللطيفة، التي لا يفطن لها إلا الخواص. وعن بعض المفسرين: هم الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وما بعد كلمة الاستدراك، وبالاستئناف بقوله:{أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ} المفيد للتخصيص والتعريض بواسطة ضمير الفصل: ما حبب إلى بعضكم الإيمان؛ تغليظًا، لأن من تصدى لتزيين الرسول صلى الله عليه وسلم في الإيقاع بقوم مؤمنين غافلين بريئين، وجسر على ارتكاب تلك العظيمة، لم يكن محبوبًا إليه الإيمان، ويقدر معنى قوله:{حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمَانَ} : حبب إلى بعضكم، لأن من تصون من مثل تلك الهنات، ويزعه جده في التقوى عن ارتكابها، كان محبًا للإيمان، فكأنه قيل: ما حبب إلى بعضكم الإيمان، ولكن حبب إلى بعض آخر منكم الإيمان. وهذا أيضًا تفسير لقوله بعد هذا:"المغايرة مفقودة من حيث للفظ، حاصلة من حيث المعنى".

والذي يدل على التغليظ: التعريض بقوله: {وكَرَّهَ إلَيْكُمُ الكُفْرَ والْفُسُوقَ} بقوله: {أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ} ، وإلى هذا المعنى أومأ الواحدي بقوله:" {لَوْ يُطِيعُكُمْ} أي: الرسول صلى الله عليه وسلم، {فِي كَثِيرٍ} مما تخبرونه فيه بالباطل، لوقعتم في عنت، ثم خاطب المؤمنين الذي لا يكذبون، فقال: {ولَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمَانَ} ".

قوله: (وعن بعض المفسرين: هم الذين امتحن الله قلوبهم): فيه إشارة إلى بيان النظم، يعني: كما رزق أولئك السعداء لزوم التأدب في حضرة الرسالة من خفض الصوت، أرشدوا إلى تصديق ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم، وإلى امتثال ما يقدم إليه، فيلزم من هذا أن الباقين هم الذين حرموا توفيق التأدب بحضرته، فوقعوا في العنت، فيكون قوله:{إنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن ورَاءِ الحُجُرَاتِ} الآيتين، كالاستطراد لحديث رفع الصوت.

وفيه: أن التأدب رأس الحسنات، وأساس الخيرات.

ص: 471

وقوله: {أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ} -والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أي: أولئك المستثنون هم الراشدون- يصدق ما قلته.

فإن قلت: ما فائدة تقديم خبر "أنَّ" على اسمها؟ قلت: القصد إلى توبيخ بعض المؤمنين على ما استهجن الله منهم؛ من استتباع رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم لآرائهم، فوجب تقديمه لانصباب الغرض إليه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (أي: أولئك المستثنون هم الراشدون، يصدق ما قلته): التاء في "ما قلته" خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم، وفي أكثر النسخ:"يصدق ما قلته"، بضم التاء؛ خبر لقوله:"قوله"، وهو الوجه، يعني: دل {أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ} منطوقًا ومفهومًا على أن القوم فرقتان، وأن حكم التغاير في الوصف بمنزلة حكم التغاير في الذات، وأن بعد "لكن" بمنزلة المخصص لما قبله.

قوله: (القصد إلى توبيخ بعض المؤمنين): قال صاحب "التقريب": وفيه نظر، لأن المقتضي للتوبيخ على استتباعهم رأيه: كونه رسولًا، لا كونه فيهم، فكان أولى بالتقديم، فلعل توجيهه: أن تقديم التوبيخ أهم، و {فِيكُمْ} من جملة كلام التوبيخ، لأن قوله:{لَوْ يُطِيعُكُمْ} مع جوابه: حال من {فِيكُمْ} ، فتقديم جزء التوبيخ كتقديمه، لكن إنما يتمشى لو استقل أن {فِيكُمْ} مع الشرطية كلامًا، ولكن قوله:{رَسُولَ اللَّهِ} عمدة جملة التوبيخ معنى وإعرابًا، فلا استبداد بدونه، فليتأمل.

وقلت: قد تقرر عند علماء البيان: أن في تقديم ما رتبته التأخير من جزء الجملة إيذانًا بأن الكلام فيه، لأنهم يقدمون الأهم، وهاهنا التوبيخ وإن كان واردًا على الجملة، على كونه رسولًا كما سبق، لكن في تقديم الظرف تتميم لذلك المعنى، واستبعاد له؛ لأن المعنى: أتستتبعون رأيه لرأيكم، وأنه رسول من الله، ومهبط وحيه، فكيف وهو مستقر فيكم، وأنتم بين يديه شاهدين مجلسه، ولستم غائبين كغيركم. نزلهم لذلك الفعل كأنهم اعتقدوا أنه غائب عنهم، فلو أخر {فِيكُمْ} لم يتفطن لتلك النكتة السرية، ولا يتفطن لأمثالها إلا أمثال المصنف.

ص: 472

فإن قلت: فلم قيل: {يُطِيعُكُمْ} دون: أطاعكم؟ قلت: للدلالة على أنه كان في إرادتهم استمرار عمله على ما يستصوبونه، وأنه كلما عنّ لهم رأي في أمر كان معمولًا عليه، بدليل قوله:{فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ} كقولك: فلان يقري الضيف ويحمي الحريم، تريد: أنه مما اعتاده ووجد منه مستمرًّا.

فإن قلت: كيف موقع {لكِنْ} وشريطتها مفقودة من مخالفة ما بعدها لما قبلها نفيًا وإثباتًا؟ قلت: هي مفقودة من حيث اللفظ، حاصلة من حيث المعنى، لأن الذين حبب إليهم الإيمان قد غايرت صفتهم صفة المتقدّم ذكرهم، فوقعت "لكنّ" في حاق موقعها من الاستدراك.

ومعنى "تحبيب الله" و"تكريهه": اللطف والإمداد بالتوفيق، وسبيله الكناية، كما سبق،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (كما سبق): قيل: ما سبق هو قوله: "أن بعضهم كانوا نون، ويزعهم جدهم في التقوى"، ولعل هذا القائل ظن أن الكاف متعلق بقوله:"وسبيله الكناية"، وليس به؛ لأن هذا السابق ليس بكناية عن اللطف والإمداد والتوفيق، بل هو متصل بقوله:"حاصلة من حيث المعنى"، وما توسط بينهما تفسير لمعنى تحبيب الله، واعتراض بين المتعلق والمتعلق، ذلك أنه سأل: أن مقتضى "لكن" في هذا الكلام مفقود، وأجاب: أن مقتضاها حاصل من حيث المعنى، وأن ما بعدها موصوف بما يلزم منه مغايرة ما قبلها.

ومثل هذا المعنى سبق عند قوله: "ولكنه أغنت عن ذكر "البعض" صفتهم المفارقة لصفة غيرهم"، كما سبق شرحه قبيل هذا.

وأما بيان الكناية: فإن قوله: {حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمَانَ} ، {وكَرَّهَ إلَيْكُمُ الكُفْرَ والْفُسُوقَ}: لازمان للطف والتوفيق، كما أن محبه الكفر وكراهية الطاعة رديفان للخذلان، ومثل هذا المعنى ما سبق في الكلام، وعندنا إسناد المحبة والكراهية إلى الله حقيقة.

ص: 473

وكل ذي لب وراجع إلى بصيرة وذهن لا يغبى عليه أن الرجل لا يمدح بغير فعله، وحمل الآية على ظاهرها يؤدّي إلى أن يثنى عليهم بفعل الله، وقد نفى الله هذا عن الذين أنزل فيهم:{وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا} [آل عمران: 188].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وكل ذي لب وراجع إلى بصيرة): هذا استدلال على أن المراد بتحبيب الإيمان وتزيينه في القلب وتكريه الكفر: اللطف والتوفيق كناية، لأنه تعالى خلق في قلوبهم الإيمان وكراهة الفسق تحقيقًا وتصريحًا بدليل عقلي، بل وجداني ضروري.

قال صاحب "التقريب": وما أثنى على المؤمنين بالتحبيب والتكريه، وهما فعل الله تعالى، ولا يمدح الرجل بفعل غيره، لأن مدحهم بوجود المحبب فيهم لا بالتحبيب، كما يصح المدح بالجمال والحسن.

الانتصاف: "ترك الزمخشري الحق لخيال اعتمده في الشاهد؛ أن الإنسان لا يمدح بفعل غيره، وأبطل ما صرحت به الآية من نسبة ذلك إلى الله وحده، وكيف تترك أدلة العقل وصريح النقل في قوله: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الرعد: 16] وأمثاله، بقياس الغائب على المشاهد، فهذا تحريف لكتاب الله، فإن الله تعالى أعطى وأثنى، ومنح ومدح، ولا موجود إلا الله وصفاته وأفعاله بعضها محل بعض، فماذا يقول في ثناء الله على رسله باصطفائه لهم، أهو بها اكتسبوه، أو بما وهبهم فاتهبوه؟ فإن قال بالأول خرج عن الملة، وإن قال بالثاني فسلم الأمر".

وقال الإمام: "المعني بقوله: {حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمَانَ وزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ}: قربه إليكم، وأدخله في قلوبكم، ثم زينه فيها، بحيث لا تفارقونه، ولا يخرج من قلوبكم، ومن أحب شيئًا وطال لبثه فيه فقد يمل، والإيمان كل يوم يزداد فيه نشاطًا، بل كل من كانت عبادته أكثر، وتحمله لمشاق التكاليف أتم، كان ذلك عنده ألذ وأكمل، ولهذا قال في الأول: {حَبَّبَ إلَيْكُمُ}، وفي الثاني: {وزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ}، كأنه قربه إليهم، ثم أقامه فيهم".

ص: 474

فإن قلت: فإنّ العرب تمدح بالجمال وحسن الوجوه، وذلك فعل الله، وهو مدح مقبول عند الناس غير مردود؟ قلت: الذي سوّغ ذلك لهم أنهم رأوا حسن الرواء، ووسامة المنظر -في الغالب- يسفر عن مخبر مرضي وأخلاق محمودة، ومن ثم قالوا: أحسن ما في الدميم وجهه،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقلت: (قوله: "وحمل الآية على ظاهرها يؤدي إلي أن يثنى عليهم بفعل الله" بعيد عن المقام؛ لأن {وَلَكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمَانَ وزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ} غير وارد على المدح، بل على سبيل الامتنان، وأنه تعالى هو_ بفضله وكرمه_ اختصهم به ليحمدوه على ذلك الإنعام، لا أنه يمدحهم، ولذلك قرره بقوله:{وكَرَّهَ إلَيْكُمُ الكُفْرَ والْفُسُوقَ والْعِصْيَانَ} على سبيل الطرد والعكس، ثم فرع عليه قوله:{أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ} مدحًا وتعريضًا، فأثبت الخلق أولًا، وقرنه بالكسب ثانيًا، ومدحهم عليه.

قوله: (في الغالب يسفر عن مخبر مرضي): قيده ب"الغالب"، لئلا يرد نحو قول أبي الطيب:

وما الحسن في وجه الفتى شرفًا له .... إذا لم يكن في فعله والخلائق

ونظر حكيم إلى غلام حسن، فاستنطقه، فرآه بليدًا، فقال: نعم البيت لو كان فيه ساكن.

ومنه قوله تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ} [المنافقون: 4]، قال:"شبهوا بالأصنام في حسن صورهم وقلة جدواهم". وروينا عن مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله لا ينظر إلى أجسامكم، ولا إلى صوركم"، والحق أن تلك الأخلاق الفاضلة يحدثها الله تعالى، ويزرعها أين شاء، كقوله تعالى:{وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} [الشمس: 7 - 8].

ص: 475

فلم يجعلوه من صفات المدح لذاته، ولكن لدلالته على غيره، على أن من محققة الثقات وعلماء المعاني من دفع صحة ذلك، وخطأ المادح به، وقصر المدح على النعت بأمّهات الخير، وهي الفصاحة والشجاعة والعدل والعفة، وما يتشعب منها، ويرجع إليها، وجعل الوصف بالجمال والثروة وكثرة الحفدة والأعضاد وغير ذلك مما ليس للإنسان فيه عمل: غلطًا ومخالفة عن المعقول.

والْكُفْرَ: تغطية نعم الله تعالى وغمطها بالجحود، والْفُسُوقَ: الخروج عن قصد الإيمان ومحجته بركوب الكبائر، وَالْعِصْيانَ: ترك الانقياد والمضي لما أمر به الشارع،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (فلم يجعلوه من صفات المدح لذاته): أي: لم يجعلوا حسن المنظر من صفات المدح أصالة؛ لما ينبغي أن يستعمل المدح في الفضائل الاختيارية، وإذا استعمل في غيرها أول ما يؤول إليها، فذهب فيه إلى الحقيقة والمجاز، وذهب القاضي إلى أنه للقدر المشترك حيث قال" المدح: هو الثناء على الجميل مطلقًا"، وقال الجوهري: "المدح: الثناء الحسن"، وقال الراغب: "كل حمد مدح، وليس كل مدح حمدًا"، وقال الإمام: "يقال: مدحت اللؤلؤة والفرس، ولا يقال: حمدتهما".

قوله: (والكفر تغطية نعم الله وغمطها بالجحود): الراغب: "الكفر: عبارة عن الستر، وكفر النعمة: سترها، وحقيقة الكفر: ستر نعمة الله، وأعظم الكفر ما كان مقابلًا لأعظم النعم، وهو ما يتوصل به إلى الإيمان واستحقاق الثواب، ومن قابل تلك النعمة بالكفران، فهو الكافر المطلق، ولذلك صار الكفر في الإطلاق: جحود الوحدانية والنبوة والشرائع".

ص: 476

والعرق العاصي: العاند، واعتصت النواة: اشتدّت. والرشد: الاستقامة على طريق الحق مع تصلب فيه؛ من الرشادة، وهي الصخرة، قال أبو الوازع: كل صخرة رشادة، وأنشد:

وغير مقلّد وموشّمات .... صلين الضّوء من صمّ الرّشاد

و{فَضْلًا} مفعول له، أو مصدر من غير فعله.

فإن قلت: من أين جاز وقوعه مفعولًا له، والرشد فعل القوم، والفضل فعل الله، والشرط أن يتحد الفاعل؟ قلت: لما وقع "الرشد" عبارة عن التحبيب والتزيين والتكريه، مسندة إلى اسمه تقدست أسماؤه، صار الرشد كأنه فعله، فجاز أن ينتصب عنه، أو لا ينتصب عن {الرَّاشِدُونَ} ، ولكن عن الفعل المسند إلى اسم الله تعالى، والجملة التي هي:{أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ} اعتراض، أو عن فعل مقدر، كأنه قيل: جرى ذلك -أو كان ذلك- فضلًا من الله.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (والعرق العاصي): هو الذي لم يرقأ دمه، الأساس:"ومن المجاز: عرق عاص لا يرقأ دمه".

قوله: (وغير مقلد) البيت: "المقلد": هو الوتد، و"الموشمات": حجارة الأثافي، صليت الرجل النار: أدخلته النار، أي: لم يبق من الدار سوى الأوتاد التي تقلد بها الحبال وأحجار الأثافي، وقيل: يصف يعملات غير مقلدات يسرعن في السير بالقوة، بحيث تظهر النار من الأحجار في سيرها.

قوله: (لما وقع "الرشد" عبارة عن التحبيب): أي: كناية عنه، لأن "الرشد" دل على تحبيبهم، وتحبيبهم على أن الله حبب إليهم.

ص: 477

وأما كونه مصدرًا من غير فعله، فأن يوضع موضع "رشدًا"، لأنّ رشدهم فضل من الله لكونهم موفقين فيه. والفضل والنعمة: بمعنى الإفضال والإنعام.

{وَاللَّهُ عَلِيمٌ} بأحوال المؤمنين وما بينهم من التمايز والتفاضل، {حَكِيمٌ} حين يفضل وينعم بالتوفيق على أفاضلهم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الانتصاف: "قد بينا أن "الرشد" مخلوق لله تعالى، فلا سؤال من هذا الوجه، بل من جهة أن الله تعالى خاطب خلقه باللغة المعهودة، وفيها نسبة الفعل إلى فاعل حقيقة كان أو مجازًا، فـ"زيد" في "مات زيد": فاعل، وقد نسب"الرشد" إليهم على أساس أنهم فاعلوه، وإن كان مجازًا في الاعتقاد، فيجاب عنه بجواب الزمخشري، أو بأن الرشد هاهنا يستلزم كون الله مرشدًا، إذ هو مطاوع" أرشده فرشد"، فتصح المطابقة. وهو عكس قوله: {يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا} [الرعد: 12]، لأنهم هناك مفعولون في معنى الفاعلين، فصح بواسطته استلزام المطاوعة، فتصحح مسألة البرق بتقدير المفعول، وتصحح هذه بتقدير الفاعل".

وقلت: لعل تقدير الأول: هو الذي يريكم البرق فرأيتموه خائفين طامعين، والثاني: أولئك هم الراشدون بأن أرشدهم الله فضلًا ونعمة.

قوله: (وأما كونه مصدرًا من غير فعله): ذكر أن {فَضْلًا} : إما مفعول له أو مصدر، وكما فرع من بيان الأول، شرع في بيان الثاني، وقال: أما كونه مصدرًا من غير فعله، فإن الأصل: أولئك هم الراشدون رشدًا، فوضع موضع"رشدًا":{فَضْلًا} ؛ لأن رشدهم كان مسببًا عن فضل الله، ولولا فضله لما رشدوا.

وقوله: (يفضل وينعم بالتوفيق على أفاضلهم): والضمير للصحابة، والأفاضل: من حبب إليه الإيمان، كما قال:"لأن الذين حبب إليهم الإيمان قد غايرت صفتهم صفة المقدم ذكرهم".

ص: 478

[{وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} 9]

عن ابن عباس رضي الله عنه قال: وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على مجلس بعض الأنصار، وهو على حمار، فبال الحمار، فأمسك عبد الله ابن أبي بأنفه، وقال: خل سبيل حمارك فقد آذانا نتنه، فقال عبد الله بن رواحة: والله إنّ بول حماره لأطيب من مسكك -وروى: حماره أفضل منك، وبول حماره أطيب من مسكك-، ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وطال الخوض بينهما حتى استبا وتجالدا، وجاء قوماهما، وهما الأوس والخزرج، فتجالدوا بالعصي -وقيل: بالأيدي والنعال والسعف-، فرجع إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصلح بينهم، ونزلت. وعن مقاتل: قرأها عليهم فاصطلحوا.

والبغي: الاستطالة والظلم وإباء الصلح، والفيء: الرجوع، وقد سمى به الظل والغنيمة، لأنّ الظل يرجع بعد نسخ الشمس،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على مجلس بعض الأنصار) الحديث: مخرج في "الصحيحين" عن أنس من غير هذه الرواية، وأوردناه في أول البقرة.

قوله: (وهما الأوس والخزرج): قيل ابن رواحة: خزرجي، وابن أبي: أوسي.

قوله: (وقد سمي به الظل والغنيمة، لأن الظل يرجع) إلى آخره: الراغب: "الفيء: الرجوع إلى حالة محمودة، قال تعالى:{فَإن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} ، {فَإن فَاءُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ

ص: 479

والغنيمة: ما يرجع من أموال الكفار إلى المسلمين. وعن أبي عمرو: "حتى تفي" بغير همز؛ ووجهه: أنّ أبا عمرو خفف الأولى من الهمزتين الملتقيتين، فلطفت على الراوي تلك الخلسة، فظنه قد طرحها.

فإن قلت: ما وجه قوله: {اقْتَتَلُوا} ، والقياس:"اقتتلتا" كما قرأ ابن أبي عبلة، أو "اقتتلا" كما قرأ عبيد بن عمير؛ على تأويل الرهطين أو النفرين؟ قلت: هو مما حمل على المعنى دون اللفظ، لأنّ "الطائفتين" في معنى القوم والناس. وفي قراءة عبد الله:"حتى يفيئوا إلى أمر الله، فإن فاءوا فخذوا بينهم بالقسط".

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

رَّحِيمٌ} [البقرة: 226]، ومنه: فاء الظل، وقيل للغنيمة التي لا يلحق بها مشقة: فيء، قال الله تعالى:{وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ} [الحشر: 7]، قال بعضهم: سمي ذلك بالفيء الذي هو الظل، تنبيها على أن أشرف أعراض الدنيا يجرى مجرى ظل زائل، والفئة: الجماعة المتظاهرة التي يرجع بعضهم إلى بعض في التعاضد".

قوله: (ووجهه: أن أبا عمرو خفف الأولى من الهمزتين): أي: في "تفيء" وفي "إلى"، قال بعضهم: هذه الرواية خلاف المذهب، لأن أبا عمرو خفف الثانية لا الأولى.

قوله: (هو مما حمل على المعنى دون اللفظ): الانتصاف: "قد أنكر النحاة الحمل على لفظ "من" بعد الحمل على معناها، وفي الآية حمل على المعنى بقوله: {اقْتَتَلُوا}، ثم على اللفظ بقوله: {بَيْنَهُمَا}، والفرق: أن "من" فيها إيهام، فيلزم الإيهام بعد التفسير، وأما "الطائفة" فلا إيهام فيها، إذ لفظها مفرد أبدًا، ومعناها جمع أبدًا".

ص: 480

وحكم الفئة الباغية: وجوب قتالها ما قاتلت -وعن ابن عمر: "ما وجدت في نفسي من شيء ما وجدته من أمر هذه الآية، إن لم أقاتل هذه الفئة الباغية كما أمرنى الله"، قاله بعد أن اعتزل-، فإذا كافت وقبضت عن الحرب أيديها تركت، وإذا تولت عمل بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: يا ابن أم عبد، هل تدري كيف حكم الله فيمن بغى من هذه الأمّة؟ قال: الله ورسوله أعلم. قال: لا يجهز على جريحها، ولا يقتل أسيرها، ولا يطلب هاربها، ولا يقسم فيؤها».

ولا تخلو الفئتان من المسلمين في اقتتالهما: إما أن تقتتلا على سبيل البغي منهما جميعًا، فالواجب في ذلك: أن يُمشى بينهما بما يصلح ذات البين، ويثمر المكافة والموادعة، فإن لم تتحاجزا ولم تصطلحا وأقامتا على البغي: صير إلى مقاتلتهما.

وإما أن يلتحم بينهما القتال لشبهة دخلت عليهما، وكلتاهما عند أنفسهما محقة، فالواجب: إزالة الشبهة بالحجج النيرة والبراهين القاطعة، واطلاعهما على مراشد الحق، فإن ركبتا متن اللجاج، ولم تعملا على شاكلة ما هديتا إليه ونصحتا به، من اتباع الحق بعد وضوحه لهما، فقد لحقتا بالفئتين الباغيتين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (لا يجهز على جريحها): يقال: أجهرت على الجريح: إذا أسرعت بقتله وأتممت عليه، النهاية:"في حديث علي رضي الله عنه: "لا يجهز على جريحهم"، أي: من صرع منهم لا يقتل، لأنهم مسلمون، والقصد من قتالهم: دفع شرهم، فإذا لم يكن ذلك إلا بقتلهم قتلوا".

ص: 481

وإما أن تكون إحداهما الباغية على الأخرى، فالواجب أن تقاتل فئة البغي إلى أن تكف وتتوب، فإن فعلت أصلح بينهما وبين المبغى عليها بالقسط والعدل، وفي ذلك تفاصيل: إن كانت الباغية من قلة العدد بحيث لا منعة لها، ضمنت بعد الفيئة ما جنت، وإن كانت كثيرة ذات منعة وشوكة لم تضمن، إلا عند محمد بن الحسن رحمه الله، فإنه كان يفتي بأن الضمان يلزمها إذا فاءت. وأمّا قبل التجمع والتجند أو حين تتفرق عند وضع الحرب أوزارها، فما جنته ضمنته عند الجميع.

فمحمل الإصلاح بالعدل في قوله: {فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ} على مذهب محمد: واضح منطبق على لفظ التنزيل، وعلى قول غيره: وجهه: أن يحمل على كون الفئة قليلة العدد، والذي ذكروا أن الغرض إماتة الضغائن وسل الأحقاد، دون ضمان الجنايات: ليس بحسن الطباق للمأمور به من أعمال العدل ومراعاة القسط.

فإن قلت: فلم قرن بالإصلاح الثاني العدل دون الأوّل؟ قلت: لأنّ المراد بالاقتتال في أول الآية: أن تقتتلا باغيتين معًا، أو راكبتي شبهة، وأيتهما كانت: فالذي يجب على المسلمين أن يأخذوا به في شأنهما:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وفي ذلك تفاصيل): أي: في القسط والعدل.

قوله: (إن كانت الباغية): شروع في التفصيل.

قوله: (منطبق على لفظ التنزيل): فإن قوله: {فَإن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا} إلى آخره، يقتضي لزوم الضمان إذا فاءت مطلقًا، قليلة كانت أو كثيرة.

قوله: (أن يحمل على كون الفئة قليلة العدد): أي: يحتمل حكم الآية على هذا الوجه، دون الوجه الثاني.

قوله: (ليس بحسن الطباق للمأمور به): أي: المأمور به_ وهو العدل، بقوله:{وأَقْسِطُوا} _ مطلق متناول لجميع ما يطلق عليه اسم العدل، وكذا تقييد {فَأَصْلِحُوا} بقوله:{بِالْعَدْلِ} ،

ص: 482

إصلاح ذات البين، وتسكين الدهماء بإراءة الحق والمواعظ الشافية، ونفي الشبهة، إلا إذا أصرتا، فحينئذ تجب المقاتلة. وأما الضمان فلا يتجه، وليس كذلك إذا بغت إحداهما، فإنّ الضمان متجه على الوجهين المذكورين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وهو مستغن عنه، لأن الإصلاح مع الظلم محال، وتذييل الكلام بقوله:{إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ} : يقتضي أن العدل مطلوب لذاته، فهو حسن في جميع الأمور، فاختصاصه بأمر دون أمر بعيد، وغير مطابق لهذه التوكيدات، قال في أول النساء:"أن الأمر كله يدور مع العدل، فأين ما وجدتم العدل فعليكم به".

قوله: (ذات البين): قال في أول الأنفال: " {ذَاتَ بَيْنِكُمْ}: أحوال بينكم، يعني: ما بينكم من الأحوال حتى تكون حال ألفة ومحبة واتفاق، ولما كانت الأحوال ملابسة للبين، قيل لها: ذات البين".

قوله: (وتسكين الدهماء): النهاية: "الدهماء: الفتنة المظلمة، ومنه حديث حذيفة: أتتكم الدهيماء ترمي بالرضف".

قوله: (متجه على الوجهين المذكورين): أحدهما: أن تكون الفئة قليلة العدد، وثانيهما: أن تكون كثيرة على رأي محمد بن الحسن.

ص: 483

{وَأَقْسِطُوا} أمر باستعمال القسط على طريق العموم، بعد ما أمر به في إصلاح ذات البين، والقول فيه مثله في الأمر باتقاء الله على عقب النهى عن التقديم بين يديه.

والقسط -بالفتح-: الجور؛ من القَسط، وهو اعوجاج في الرجلين، وعود قاسط: يابس، وأقسطته الرياح. وأمّا القِسط بمعنى: العدل، فالفعل منه: أقسط، وهمزته للسلب، أي: أزال القسط، وهو الجور.

[{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} 10]

هذا تقرير لما ألزمه من تولى الإصلاح بين من وقعت بينهم المشاقة من المؤمنين، وبيان أن الإيمان قد عقد بين أهله -من السبب القريب والنسب اللاصق- ما إن لم يفضل الأخوّة ولم يبرز عليها، لم ينقص عنها، ولم يتقاصر عن غايتها.

ثم قد جرت عادة الناس على أنه إذا نشب مثل ذلك بين اثنين من إخوة الولاد، لزم السائر أن يتناهضوا في رفعه وإزاحته، ويركبوا الصعب والذلول؛

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (والقول فيه مثله في الأمر باتقاء الله): وقال فيه: "هذا كما تقول لمن يقارب بعض الرذائل: لا تفعل هذا، وتحفظ مما يلصق بك العار".

فعلى هذا قوله: {وأَقْسِطُوا إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ} من عطف العام على الخاص، أو تذييل للسابق وتقرير له، وقوله:{إنَّمَا المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ} تعليل للأمر بالإصلاح بين الطائفتين من المؤمنين، ولما كان التعليل إنما يؤتى به، فيثبت المعلل ويقرره، قال:"هذا تقرير لما ألزمه من تولي الإصلاح".

قوله: (ما أن لم يفضل): "ما": بمعنى: شيء، و"إن": شرطية، والجواب:"لم ينقص"، والجملة مفعول "عقد".

قوله: (ولم يبرز): لم يفق، الأساس:"برز على الغاية وعلى الأقران".

ص: 484

مشيًا بالصلح، وبثا للسفراء بينهما، إلى أن يصادف ما وهى من الوفاق من يرقعه، وما استشن من الوصال من يبله، فالأخوة في الدين أحق بذلك وبأشدّ منه. وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ما وهى): مفعول "يصادف"، والفاعل:"وقدم المفعول ليعود الضمير في "من يرقعه" إليه، و"وهى" صلة "ما"، ما راعى المناسبة بين "وهى" وبين "يرقعه"، إذ لو قال: "ما خرق ويرقعه"، أو "وهى وقوى"، كان أحسن، راعى بين "استثن" و"يبله".

قوله: (استثن): النهاية: "في حديث عمر بن عبد العزيز: "إذا استثن ما بينك وبين الله فابلله بالإحسان إلى عباده"، أي: إذا أخلق"، ومنه: شنان القربة.

قوله: (من يبله): من قوله صلوات الله عليه: "بلوا الأرحام ولو بالسلام"، أي: بروها بصلتها، وهم يطلقون النداوة على الصلة، كما يطلقون اليبس على القطيعة.

قوله: (المسلم أخو المسلم): الحديث: من رواية البخاري ومسلم والترمذي وأبي داود عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، التقوى هاهنا_ ثلاثًا_، ويشير إلى صدره، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل

ص: 485

ولا يخذله، ولا يعيبه، ولا يتطاول عليه في البنيان، فيستر عنه الريح إلا بإذنه، ولا يؤذيه بقتار قدره»، ثم قال:«احفظوا، ولا يحفظ منكم إلا قليل» .

فإن قلت: فلم خص الاثنان بالذكر دون الجميع؟ قلت: لأن أقل من يقع بينهم الشقاق اثنان، فإذا لزمت المصالحة بين الأقل كانت بين الأكثر ألزم، لأنّ الفساد في شقاق الجمع أكثر منه في شقاق الاثنين. وقيل: المراد بالأخوين: الأوس والخزرج.

وقرئ: "بين إخوتكم" و"إخوانكم"،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المسلم على المسلم حرام، دمه وعرضه وماله، إلى الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم".

قوله: (بقتار قدره): الجوهري: "القتار: ريح الشواء، وقد قتر اللحم يقتر_ بالكسر_: إذا ارتفع قتاره".

قوله: (وقرئ: "بين إخوتكم وإخوانكم"): قال ابن جني: "قرأ زيد بن ثابت وابن مسعود والحسن_ بخلاف_: "إخوانكم"، وهي تدل على أن قراءة العامة التي هي: {بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ}: لفظها لفظ التثنية، ومعناها: الجماعة، أي: كل اثنين فصاعدًا من المسلمين اقتتلا، والإضافة لمعنى الجنس، نحو قولهم: لبيك وسعديك، فليس المراد به إجابتين اثنتين، ولا إسعادين اثنين، ألا ترى إلى الخليل كيف فسره بقوله: كلما كنت في أمر فدعوتني أجبتك إليه، وساعدتك عليه. ونحوه في إفادة المضاف لمعنى الجنسية: قولهم: منعت العراق قفيزها ودرهمها، أي: قفزانها ودراهمها".

ص: 486

والمعنى: ليس المؤمنون إلا إخوة، وأنهم خلص لذلك متمحضون، قد انزاحت عنهم شبهات الأجنبية، وأبى لطف حالهم في التمازج والاتحاد أن يقدموا على ما يتولد منه التقاطع، فبادروا قطع ما يقع من ذلك -إن وقع- واحسموه.

{وَاتَّقُوا اللَّهَ} فإنكم إن فعلتم لم تحملكم التقوى إلا على التواصل، والائتلاف، والمسارعة إلى إماطة ما يفرط منه، وكان عند فعلكم ذلك وصول رحمة الله إليكم، واشتمال رأفته عليكم، حقيقًا بأن تعقدوا به رجاءكم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (والمعنى: ليس المؤمنون إلا إخوة، وأنهم خلص لذلك) إلى قوله: (فبادروا قطع ما يقع من ذلك): إشارة إلى ترتيب قوله: {فَأَصْلِحُوا} على وصف الأخوة، وأن في أداة الحصر الدلالة على دفع الزاعم أن أخوة الإيمان متقاصرة عن أخوة النسب، ومفضولة عنها، وإليه الإشارة بقوله فيما سبق:"وبيان أن الإيمان قد عقد بين أهله من السبب القريب، والنسب اللاصق، ما أن لم يفضل الأخوة، لم ينقص عنها"، وأن في جعل {إخْوَةٌ} خبرًا لـ {إنَّمَا المُؤْمِنُونَ} التشبيه الذي في قوله: إنما زيد أسد، ووجه الشبه: هو ما يفهم من قوله: "ثم قد جرت عادة الناس على أنه أن نشب مثل ذلك بين اثنين من إخوة الولاد، لزم السائر أن يتناهضوا في رفعه" إلى آخره، ولذلك قال:"فبادروا".

ثم قوله: {واتَّقُوا اللَّهَ} تذييل للكلام، كأنه قيل: هذا الإصلاح من جملة التقوى، فإذا فعلتم التقوى دخل فيه هذا التواصل، وإليه الإشارة بقوله:"فإنكم أن فعلتم لم تحملكم التقوى إلا على التواصل"، ويجوز أن يكون عطفًا على {فَأَصْلِحُوا} ، أي: واصلوا بين أخويكم بالصلح، واحذروا الله من أن تتهاونوا فيه.

ثم علل ذلك بقوله: {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} ، و"لعل" من الله في الله في هذا المقام: إطماع من الكريم الرحيم، إذا أطمع فعل ما يطمع فيه لا محالة، ولهذا قال:"وكان عند فعلكم ذلك وصول رحمة الله إليكم"، إلى قوله:"حقيقًا بأن تعقدوا به رجاءكم".

ص: 487

[{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} 11]

القوم: الرجال خاصة؛ لأنهم القوّام بأمور النساء، قال الله تعالى:{الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ} [النساء: 34]، وقال عليه الصلاة والسلام:«النساء لحم على وضم إلا ما ذب عنه» ، والذابون هم الرجال، وهو في الأصل: جمع قائم، كصوّم وزوّر، في جمع: صائم وزائر، أو تسمية بالمصدر، عن بعض العرب: إذا أكلت طعامًا أحببت نومًا وأبغضت قومًا، أي: قيامًا. واختصاص "القوم" بالرجال: صريح في الآية،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (النساء لحم على وضم): وفي "الفائق": روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: "ما بال رجال لا يزال [أحدهم] كاسرًا وسادة عند امرأة مغزية، يتحدث إليها وتتحدث إليه، عليكم بالجنبة فإنها عفاف، إنما النساء لحم على وضم، إلا ما ذب عنهن"، كسر الوسادة: أن تثنيه وتتكئ عليه، ثم تأخذ في الحديث؛ فعل الزير، المغزية: التي غزا زوجها، الجنبة: الناحية من كل شيء، الوضم: ما وقيت به اللحم من الأرض".

وكذا روى الميداني قال: "لا يخلون رجل بمغيبة، أن النساء لحم على وضم".

النهاية: "الوضم: الخشبة أو البارية التي يوضع عليها اللحم، تقيه من الأرض، أي: إنهن في الضعف مثل ذلك اللحم الذي لا يمتنع على أحد، إلا أن يذب عنه أو يدفع. شبه عمر رضي الله عنه النساء وقلة امتناعهن على طلابهن من الرجال باللحم ما دام على وضم".

ص: 488

وفي قول زهير:

أقوم آل حصن أم نساء؟

وأما قولهم في قوم فرعون وقوم عاد: هم الذكور والإناث، فليس لفظ "القوم" بمتعاط للفريقين، ولكن قصد ذكر الذكور، وترك ذكر الإناث؛ لأنهن توابع لرجالهن.

وتنكير "القوم" والنساء يحتمل معنيين: أن يراد: لا يسخر بعض المؤمنين والمؤمنات من بعض، وأن يقصد إفادة الشياع،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (أقوم آل حصن أم نساء): أوله:

وما أدري وسوف إخال أدري

أما صراحة اختصاص "القوم" بالرجال في الآية: فمن عطف {وضلَا نِسَاءٌ} على {قَوْمٌ} ، وفي الشعر: من جعل أحد المتساويين يلي الهمزة، والآخر يلي "أم".

قوله: (وأن يقصد إفادة الشياع): الانتصاف: "لو عرف المؤمنين فقال: "لا يسخر المؤمنين والمؤمنات بعضهم من بعض" لعم، ومراد الزمخشري أن في التنكير يحصل أن كل جماعة منهية على التفصيل، والتعرض في النهي لكل جماعة على الخصوص، ومع التعريف نهي الكل لا على التفصيل، بل على الشمول، والنهي على التفصيل أوقع".

وقلت: استغراق الجنس أيضًا مراد منه التفصيل، والمعرف_ بتعريف العهد الذهني_ يفيد التفصيل أيضًا كالنكرة، إذ المعنى: لا يسخر من هو مسمى بالقوم من قوم مثله.

قال ابن جني: "مفاد نكرة الجنس مفاد معرفته؛ من حيث كان في كل جزء منه معنى ما في جملته، ألا ترى إلى قول الشاعر:

وأعلم أن تسليمًا وتركًا .... للا متشابهان ولا سواء

ص: 489

وأن تصير كل جماعة منهم منهية عن السخرية، وإنما لم يقل: رجل من رجل، ولا امرأة من امرأة، على التوحيد؛ إعلامًا بإقدام غير واحد من رجالهم، وغير واحدة من نسائهم، على السخرية، واستفظاعًا للشأن الذي كانوا عليه، ولأنّ مشهد الساخر لا يكاد يخلو ممن يتلهى ويستضحك على قوله، ولا يأتي ما عليه من النهي والإنكار، فيكون شريك الساخر وتلوه في تحمل الوزر، وكذلك كل من يطرق سمعه، فيستطيبه، ويضحك به، فيؤدي ذلك -وإن أوجده واحد- إلى تكثر السخرة وانقلاب الواحد جماعة وقومًا.

وقوله تعالى: {عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ} كلام مستأنف، قد ورد مورد جواب المستخبر عن العلة الموجبة لما جاء النهي عنه، وإلا فقد كان حقه أن يوصل بما قبله بالفاء. والمعنى: وجوب أن يعتقد كل أحد أن المسخور منه ربما كان عند الله خيرًا من الساخر، لأنّ الناس لا يطلعون إلا على ظواهر الأحوال، ولا علم لهم بالخفيات، وإنما الذي يزن عند الله: خلوص الضمائر وتقوى القلوب، وعلمهم من ذلك بمعزل، فينبغي أن لا يجترئ أحد على الاستهزاء بمن تقتحمه عينه إذا رآه رث الحال،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فهذا في المعنى كقولك: أن التسليم والترك لا متشابهان ولا سواء".

قوله: (واستفظاعًا للشأن الذي كانوا عليه): يعني: إنما جمع، ولم يقل:"رجل من رجل"، لأن النهي ورد على الحالة الواقعة بين الأقوام، كقوله تعالى:{لَا تَاكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} [آل عمران: 130].

قوله: (يتلهى): أي: طلب منه اللهو والضحك على قول الساخر.

قوله: (ولا يأتي ما عليه): أي: لا يفعل هذا الجليس ما يجب عليه من نهي المنكر.

ص: 490

أو ذا عاهة في بدنه، أو غير لبيق في محادثته، فلعله أخلص ضميرًا، وأتقى قلبًا، ممن هو على ضدّ صفته، فيظلم نفسه بتحقير من وقره الله، والاستهانة بمن عظمه الله.

ولقد بلغ بالسلف إفراط توقيهم وتصونهم من ذلك أن قال عمرو بن شرحبيل: لو رأيت رجلًا يرضع عنزًا، فضحكت منه، خشيت أن أصنع مثل الذي صنعه. وعن عبد الله بن مسعود: البلاء موكل بالقول، لو سخرت من كلب لخشيت أن أحوّل كلبًا.

وفي قراءة عبد الله: "عسوا أن يكونوا" و"عسين أن يكن"، فـ"عسى" على هذه القراءة هي ذات الخبر، كالتي في قوله:{فَهَلْ عَسَيْتُمْ} [محمد: 22]، وعلى الأولى: التي لا خبر لها، كقوله:{وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا} [البقرة: 216].

واللمز: الطعن والضرب باللسان. وقرئ: "ولا تلمزوا" بالضم، والمعنى: وخصوا أنفسكم -أيها المؤمنون- بالانتهاء عن عيبها والطعن فيها، ولا عليكم أن تعيبوا غيركم ممن لا يدين بدينكم، ولا يسير بسيرتكم، ففي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:«اذكروا الفاجر بما فيه، كي يحذره الناس» ، وعن الحسن في ذكر الحجاج: أخرج إلي بنانًا قصيرة قلما عرقت فيها الأعنة في سبيل الله،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (أو غير لبيق): الجوهري: "اللبيق: الرجل الحاذق".

قوله: (قلما عرقت فيها الأعنة): وعن بعضهم: أي: يأخذ بالأعنة في الجهاد حتى يعرق ويبتل بالعرق.

وقلت: هو مما روينا عن مسلم عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من خير معاش الناس لهم: رجل ممسك بعنان فرسه في سبيل الله، يطير على متنه، كلما سمع هيعة_ أو فزعة_ طار على متنه يبتغي القتل أو الموت مظانه".

ص: 491

ثم جعل يطبطب شعيرات له، ويقول: يا أبا سعيد، يا أبا سعيد. وقال لما مات: اللهم أنت أمته، فاقطع سنته، فإنه أتانا أخيفش أعيمش يخطر في مشيته، ويصعد المنبر حتى تفوته الصلاة، لا من الله يتقي، ولا من الناس يستحي، فوقه الله، وتحته مائة ألف أو يزيدون، لا يقول له قائل: الصلاة أيها الرجل، الصلاة أيها الرجل، هيهات دون ذلك السيف والسوط.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ولو روي بالغين المعجمة لكان وجهًا؛ ليكون من قوله: غرق اللجام بالحلية، ولجام مغرق، منه: الإغراق في القول، وهو المبالغة، وأغرق الرامي النزع. ذكره في "الأساس".

والحاصل أنه كناية عن جبنه، كما قالت الخارجية فيه:

أسد علي وفي الحروب نعامة .... فتخاء تنفر من صفير الصافر

وفي قوله: "بنانًا قصيرة" إدماج واستتباع لدلالته على تحقيره خلقًا وخلقًا، أي: قامة وجودًا.

قوله: (يطبطب شعيرات): أي: يحرك شاربه، الجوهري:"الطبطبة: صوت الماء ونحوه، وقد تطبطب".

قوله: (أخيفش): الجوهري: "الخفش: صغر في العين، وضعف في البصر خلقة، والرجل: أخفش"، و"العمش في العين: ضعف الرؤية، مع سيلان دمعها في أكثر أوقاتها، والرجل: أعمش"، ويخطر؛ أي: يتبختر.

قوله: (هيهات): أي: بعد هذا القول، أي: لا يمكن أن يقال له: الصلاة أيها الرجل، لأن دون ذلك السيف، أي: بين يدي أمرهم بالمعروف القتل والضرب.

ص: 492

وقيل: معناه لا يعب بعضكم بعضًا، لأنّ المؤمنين كنفس واحدة، فمتى عاب المؤمن المؤمن فكأنما عاب نفسه. وقيل: معناه: لا تفعلوا ما تلمزون به، لأن من فعل ما استحق به اللمز، فقد لمز نفسه حقيقة.

والتنابز بالألقاب: التداعي بها؛ تفاعل من: نبزه، وبنو فلان يتنابزون ويتنازبون، ويقال: النبز والنزب: لقب السوء، والتلقيب المنهي عنه، وهو ما يتداخل المدعوّ به كراهة؛ لكونه تقصيرًا به وذمًّا له وشينًا، فأما ما يحبه مما يزينه وينوّه به فلا بأس به.

روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من حق المؤمن على أخيه: أن يسميه بأحب أسمائه إليه» . .....

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وقيل: معناه: لا تفعلوا): هو مع ما عطف عليه: عطف على قوله: "وخصوا أنفسكم_ أيها المؤمنون_ بالانتهاء"، فقوله:"أنفسكم": المراد: جنسكم، ومن هو على صفتكم في الإيمان، قال في سورة النساء عند قوله:{وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [النساء: 29]: "من كان من جنسكم من المؤمنين" فإن دليل الخطاب على معنى الاختصاص، وأن من لم يتصف بصفة الإيمان خارج من هذا الحكم، ولهذا قال:"خصوا أنفسكم_ أيها المؤمنون_ بالانتهاء"، وأتى بحديث الحجاج، ويعضده قوله:{بِئْسَ الاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيمَانِ} ، ومعناه كما قال:"استقباح الجمع بين الإيمان وبين الفسق الذي يأباه الإيمان".

وعلى الوجه الثاني: المراد من ذكر "النفس": شدة الاتصال، والإيذان بأن المؤمنين لعلقة الاتحاد في الإيمان كأنهم نفس واحدة، فمن نبز أخاه فقد نبز نفسه. وعلى الثالث: هو من إطلاق المسبب على السبب، يعني: لا تتصفوا بما أن سمع بكم سامع عابكم بسببه.

والوجه الأول فيه تعسف وترخص في غيبة الفاسق، ولذلك غلب محمد بن سيرين الحسن، والوجه الثاني أوجه لموافقته:{لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ} ، وقوله:{إنَّمَا المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ} ، وبقوله:{ولا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا} .

قوله: (روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: "من حق المؤمن على أخيه أن يسميه بأحب أسمائه إليه"):

ص: 493

ولهذا كانت التكنية من السنة والأدب الحسن، قال عمر رضي الله عنه: أشيعوا الكنى فإنها منبهة. ولقد لقب أبو بكر بالعتيق والصدّيق، وعمر بالفاروق، وحمزة بأسد الله،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عن أبي داود عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم، فأحسنوا أسماءكم"، وعن الترمذي عن عائشة:"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغير الاسم القبيح".

قوله: (منبهة): أي: سبب للرفعة، والنباهة: الرفعة.

قوله: (لقب أبو بكر بالعتيق): عن الترمذي عن عائشة قالت: "دخل أبو بكر على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنت عتيق الله من النار. قالت: فمن يومئذ سمي عتيقًا".

قوله: (وعمر بالفاروق): قال صاحب "الجامع": يقال: به تمت الأربعون، وظهر الإسلام يوم إسلامه، وسمي الفاروق لذلك"، وعن الترمذي عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اللهم أعز الإسلام بأبي جهل بن هشام أو بعمر بن الخطاب، فأصبح، فغدا عمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسلم".

قوله: (وحمزة بأسد الله): قال صاحب "الجامع": "وهو أسد الله، وكان إسلامه حمية، فاعتز الإسلام بإسلامه".

ص: 494

وخالد بسيف الله، وقلّ من المشاهير في الجاهلية والإسلام من ليس له لقب، ولم تزل هذه الألقاب الحسنة في الأمم كلها من العرب والعجم تجرى في مخاطباتهم ومكاتباتهم من غير نكير.

روي عن الضحاك: أن قومًا من بنى تميم استهزؤا ببلال وخباب وعمار وصهيب وأبي ذرّ وسالم مولى [أبي] حذيفة، فنزلت. وعن عائشة رضي الله عنها: أنها كانت تسخر من زينب بنت خزيمة الهلالية، وكانت قصيرة. وعن ابن عباس: أن أمّ سلمة ربطت حقويها بسبيبة، وسدلت طرفها خلفها، وكانت تجرّه، فقالت عائشة لحفصة: انظري ما تجرّ خلفها، كأنه لسان كلب. وعن أنس: عيرت نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم أمّ سلمة بالقصر. وعن عكرمة عن ابن عباس: أن صفية بنت حيّى أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: إن النساء يعيرنني ويقلن: يا يهودية بنت يهوديين، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم:«هلا قلت: إن أبي هارون، وإن عمي موسى، وإن زوجي محمد» .

روي: أنها نزلت في ثابت بن قيس، وكان به وقر، وكانوا يوسعون له في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسمع، فأتى يومًا وهو يقول: تفسحوا،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وخالد بسيف الله): عن الترمذي عن أبي هريرة قال: "مر خالد علينا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من هذا؟ فقلت: خالد بن الوليد، فقال: نعم عبد الله خالد بن الوليد، سيف من سيوف الله".

قوله: (بسبيبة): النهاية: "السبائب: جمع سبيبة، وهي شقة من الثياب، أي نوع كان، وقيل: هي من الكتان".

ص: 495

حتى انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لرجل: تنح، فلم يفعل، فقال: من هذا؟ فقال الرجل. أنا فلان، فقال: بل أنت ابن فلانة. يريد أمًّا كان يعير بها في الجاهلية، فخجل الرجل، فنزلت، فقال ثابت: لا أفخر على أحد في الحسب بعدها أبدًا.

{الِاسْمُ} ها هنا بمعنى: الذكر، من قولهم: طار اسمه في الناس بالكرم أو باللؤم، كما يقال: طار ثناؤه وصيته، وحقيقته: ما سما من ذكره وارتفع بين الناس، ألا ترى إلى قولهم: أشاد بذكره، كأنه قيل: بئس الذكر المرتفع للمؤمنين بسبب ارتكاب هذه الجرائر أن يذكروا بالفسق.

وفي قوله: {بَعْدَ الْإِيمانِ} ثلاثة أوجه: أحدها: استقباح الجمع بين الايمان وبين الفسق الذي يأباه الإيمان ويحظره، كما تقول: بئس الشأن بعد الكبرة الصبوة. والثاني: أنه كان في شتائمهم لمن أسلم من اليهود: يا يهودي يا فاسق، فنهوا عنه،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ثناؤه وصيته): الجوهري: "الصيت: الذكر الجميل الذي ينتشر في الناس، دون القبيح".

قوله: (وفي قوله: {بَعْدَ الإيمَانِ} ثلاثة أوجه): الانتصاف: "أقرب الوجوه الثلاثة: أولها؛ بعد أن يصرف الذم إلى نفس الفسق، لأن الاسم هو المسمى والزمخشري جزم، لأن الاسم عنده التسمية، والوجه الثاني: يحمل فيه الاسم على التسمية صريحًا، والثالث: أن الفاسق غير مؤمن، والأول هو الجاري على قاعدة السنة".

قوله: (بعد الكبرة): عن بعضهم: على فلان كبرة: إذا كبر وأسن، ويقال: فلان كبرة ولد أبويه_ بكسر الكاف_: إذا كان أكبرهم، يستوي فيه المذكر والمؤنث.

ص: 496

وقيل لهم: بئس الذكر أن تذكروا الرجل بالفسق واليهودية بعد إيمانه، والجملة على هذا التفسير متعلقة بالنهى عن التنابز. والثالث: أن يجعل من فسق غير مؤمن، كما تقول للمتحول عن التجارة إلى الفلاحة: بئست الحرفة الفلاحة بعد التجارة.

[{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَاكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ} 12]

يقال: جنبه الشر: إذا أبعده عنه، وحقيقته: جعله منه في جانب، فيعدى إلى مفعولينن قال الله عز وجل:{وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ} [إبراهيم: 35]، ثم يقال في مطاوعه: اجتنب الشر، فتنقص المطاوعة مفعولًا. والمأمور باجتنابه هو بعض الظن، وذلك البعض موصوف بالكثرة، ألا ترى إلى قوله:{إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} ؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (والجملة على هذا التفسير): أي: على أن تفسير {بِئْسَ الاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيمَانِ} بما "أنه كان في شتائمهم لمن أسلم من اليهود: يا يهودي، يا فاسق": كالتعليل لقوله: {ولا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ} ، يعني: لا تشتموهم بهذه الألفاظ، لأنه قبيح.

وعلى التفسير الأول والثالث: الجملة متعلقة بقوله: {ولا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ} ، على أن معناه: لا تفعلوا ما تلمزون به، كما نص عليه فيما سبق، أي: لا تتصفوا بما أن سمع بكم سامع عابكم بسببه، وهو لوجهين: أحدهما: أن لا يكون ثمة انتقال من وصف إلى وصف، بل يكون جمعًا بينهما، كما قال:"أحدهما: استقباح الجمع بين الإيمان وبين الفسق"، واستشهد له بقوله:"بئس الشأن بعد الكبرة الصبوة"، وثانيهما: أن يحصل الانتقال من وصف إلى وصف، وتحويلًا منه إليه، وهو أقرب إلى مذهبه، لأن الفسق والإيمان عنده لا يجتمعان، واستشهد له بقوله:"بئست الحرفة الفلاحة بعد التجارة".

قوله: (ألا ترى إلى قوله: {إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ}): تعليل للأمر بالاجتناب، يعني: يجب

ص: 497

فإن قلت: بين الفصل بين "كَثِير"، حيث جاء نكرة، وبينه لو جاء معرفة. قلت: مجيئه نكرة يفيد معنى البعضية، وإنّ في الظنون ما يجب أن يجتنب، من غير تبيين لذلك ولا تعيين، لئلا يجترئ أحد على ظنّ إلا بعد نظر وتأمّل، وتمييز بين حقه وباطله بأمارة بينة، مع استشعار للتقوى والحذر، ولو عرف لكان الأمر باجتناب الظنّ منوطًا بما يكثر منه دون ما يقل، ووجب أن يكون كل ظنّ متصف بالكثرة مجتنبًا، وما اتصف منه بالقلة مرخصا في تظننه.

والذي يميز الظنون التي يجب اجتنابها عما سواها: أنّ كل ما لم تعرف له أمارة صحيحة وسبب ظاهر: كان حرامًا واجب الاجتناب، وذلك إذا كان المظنون به ممن شوهد منه الستر والصلاح، وأونست منه الأمانة في الظاهر، فظنّ الفساد والخيانة به محرّم، بخلاف من اشتهر بين الناس بتعاطى الريب والمجاهرة بالخبائث، عن النبي صلى الله عليه وسلم:«إن الله تعالى حرّم من المسلم دمه وعرضه وأن يظنّ به ظنّ السوء» ، وعن الحسن: كنا في زمان الظن بالناس حرام، وأنت اليوم في زمان اعمل واسكت، وظنّ بالناس ما شئت. وعنه: لا حرمة لفاجر. وعنه: إن الفاسق إذا أظهر فسقه وهتك ستره هتكه الله، وإذا استتر لم يظهر الله عليه لعله أن يتوب. وقد روي: من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أن يحمل التنكير في {كَثِيرًا} على "البعض"؛ لأن قوله: {إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ} تعليل للأمر بالاجتناب، والمطابقة بين العلة والمعلول واجبة.

قوله: (مع استشعار): الجوهري: "استشعر فلان الخوف: أي: أضمره".

قوله: (اعمل واسكت وظن بالناس ما شئت): أي: اشتغل بخاصة نفسك، ولا تختلط بالناس، وكن على حذر منهم، لما ورد:"الحزم سوء الظن".

ص: 498

والإثم: الذنب الذي يستحق صاحبه العقاب، ومنه قيل لعقوبته: الأثام؛ فعال منه، كالنكال والعذاب والوبال، قال:

لقد فعلت هذي النّوى بي فعلة .... أصاب النّوى قبل الممات أثامها

والهمزة فيه عن الواو، كأنه يثم الأعمال، أي: يكسرها بإحباطه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (لقد فعلت) البيت: "أصاب النوى قبل الممات": أي: ممات النوى، أراد أن يدعو على النوى بأن لا يموت حتى يلقى جزاء ما فعل، أي: فعلت النوى في فعلة سيئة، ثم قال على سبيل الدعاء: أصاب النوى جزاءها، ويجوز أن يراد: ممات نفسه، أراد أن يدعو لنفسه بأن لا يموت حتى يرى ما يلحق بالنوى من الجزاء على فعله، فيتسلى بذلك.

قوله: (والهمزة فيه عوض عن الواو، كأنه يثم الأعمال، أي: يكسرها): قال صاحب "الفرائد": "وثم" من باب "ضرب"، و"أثم" من باب "علم"، فمن أي وجه يلزم أن تكون الهمزة من الواو، وإنما مال بهذا الكلام إلى مذهبه".

الجوهري: "الإثم: الذنب، وقد أثم الرجل_ بالكسر_ إثما ومأثمًا: إذا وقع في الإثم"، و"الوثم: الدق والكسر، ووثم يثم: أي: عدًا".

عن بعضهم: الإثم والأثام: اسم للأفعال المبطئة عن الثواب، قال الله تعالى:{أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ} [البقرة: 206]؛ أي: حملته على فعل ما يؤثمه، {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا} [الفرقان: 68]؛ أي: عذابًا، فسماه "أثامًا" لما كان منه، وكذلك تسمية النبات والشحم بندى لما كانا منه.

ص: 499

وقرئ: "ولا تحسسوا" بالحاء، والمعنيان متقاربان، يقال: تجسس الأمر: إذا تطلبه وبحث عنه؛ تفعل من الجس، كما أن التلمس -بمعنى: التطلب- من اللمس، لما في اللمس من الطلب، وقد جاء بمعنى الطلب في قوله تعالى:{وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ} ، والتحسس: التعرّف؛ من الحس، ولتقاربهما قيل لمشاعر الإنسان: الحواس؛ بالحاء والجيم.

والمراد: النهي عن تتبع عورات المسلمين ومعايبهم والاستكشاف عما ستروه. وعن مجاهد: خذوا ما ظهر، ودعوا ما ستره الله. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خطب، فرفع صوته، حتى أسمع العواتق في خدورهنّ، قال: "يا معشر من آمن بلسانه،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (قيل لمشاعر الإنسان: الحواس؛ بالحاء والجيم): الراغب: "أصل الجس: مس العرق بنبضه للحكم به على الصحة والسقم، وهو أخص من الحس_ بفتح الحاء_، فإن الحس: تعرف ما يدركه الحس، والجس_ بالجيم_: تعرف حال ما من ذلك، ومن لفظ الجس اشتق: الجاسوس".

قوله: (حتى أسمع العواتق): قال في "الفائق": "العاتق: الشابة أول ما أدركت، قال ابن الأعرابي: إنما سميت عاتقًا لأنها عتقت من الصبا، وبلغت أن تتزوج".

قوله: (يا معشر من آمن بلسانه): روى أبو داود عن أبي برزة الأسلمي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا معشر من آمن بلسانه، ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإن من تتبع عوراتهم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه".

"تتبع الله": مشاكلة، أي: جازاه، نحو: كما تدين تدان.

ص: 500

ولم يخلص الإيمان إلى قلبه، لا تتبعوا عورات المسلمين، فإن من تتبع عورات المسلمين تتبع الله عورته حتى يفضحه، ولو في جوف بيته. وعن زيد بن وهب: قلنا لا بن مسعود: هل لك في الوليد بن عقبة ابن أبي معيط تقطر لحيته خمرًا؟ فقال ابن مسعود: إنا قد نهينا عن التجسس، فإن ظهر لنا شيء أخذنا به.

غابه واغتابه: كغاله واغتاله، والغيبة: من الاغتياب، كالغيلة: من الاغتيال، وهو: ذكر السوء في الغيبة، وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الغيبة،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وعن زيد بن وهب) الحديث: أخرجه أيضًا أبو داود.

قوله: (كغاله واغتاله): الراغب: "الغول: إهلاك الشيء من حيث لا يحس به، يقال: غاله واغتاله".

قوله: (وهو: ذكر السوء في الغيبة): الراغب: "الغيبة: أن يذكر الإنسان [غيره] بما فيه من عيب من غير أن أحوج إلى ذكره، قال تعالى: {ولا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا} ".

وقال الشيخ محيي الدين النواوي: "الغيبة: كل ما أفهمت به غيرك نقصان مسلم عاقل، وهو حرام". قوله: "ما أفهمت به غيرك": متناول للفظ الصريح والكناية والرمز والتعريض والكناية والإشارة بالعين واليد والرأس.

قوله: (وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الغيبة): الحديث مع تغيير يسير: أخرجه مسلم والترمذي وأبو داود عن أبي هريرة.

ص: 501

فقال: «أن تذكر أخاك بما يكره، فإن كان فيه فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته» ، وعن ابن عباس: الغيبة إدام كلاب الناس.

{أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ} تمثيل وتصوير لما يناله المغتاب من عرض المغتاب على أفظع وجه وأفحشه، وفيه مبالغات شتى، منها: الاستفهام الذي معناه التقرير، ومنها: جعل ما هو في الغاية من الكراهة موصولًا بالمحبة، ومنها: إسناد الفعل إلى "أحدكم"، والإشعار بأن أحدًا من الأحدين لا يحب ذلك، ومنها: أن لم يقتصر على تمثيل الاغتياب بأكل لحم الإنسان، حتى جعل الإنسان أخًا، ومنها: أن لم يقتصر على أكل لحم الأخ حتى جعل ميتًا. وعن قتادة: كما تكره إن وجدت جيفة مدوّدة أن تأكل منها، كذلك فاكره لحم أخيك وهو حي.

وانتصب {مَيْتًا} على الحال من "اللحم"، ويجوز أن ينتصب عن "الأخ"، وقرئ:"ميتًا"، ولما قرّرهم عز وجل بأنّ أحدًا منهم لا يحب أكل جيفة أخيه، عقب ذلك بقوله:{فَكَرِهْتُمُوهُ} ، معناه: فقد كرهتموه واستقرّ ذلك، وفيه معنى الشرط، أي: إن صحّ هذا فكرهتموه، وهي الفاء الفصيحة، أي: فتحققت -بوجوب الإقرار عليكم، وبأنكم لا تقدرون على دفعه وإنكاره؛ لإباء البشرية عليكم أن تجحدوه- كراهتكم له وتقذركم منه، فليتحقق أيضًا أن تكرهوا ما هو نظيره من الغيبة والطعن في أعراض المسلمين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (فقد بهته): النهاية: "البهت: الكذب والافتراء، يقال: بهته يبهته".

قوله: (وقرئ: "ميتًا"): بتشديد الياء: نافع، والباقون: بإسكانها.

قوله: (ولما قررهم تعالى بأن أحدًا منهم لا يجب أكل جيفة أخيه، عقب ذلك بقوله:{فَكَرِهْتُمُوهُ} : يعني: لما ضرب لهم ذلك المثل على أبلغ الوجوه، وصدره بهمزة التقرير، رتب عليه قوله:{فَكَرِهْتُمُوهُ} ؛ إيذانًا بتبكيتهم، وأنه لا يمكنهم من أن لا يجيبوا بقولهم: لا نحبه، وهو المراد من قوله:"يوجب الإقرار عليكم، وبأنكم لا تقدرون على دفعه وإنكاره، لإباء البشرية عليكم أن تجحدوه".

?

ص: 502

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وللاهتمام بشأن هذا المعنى أوقع اعتراضًا بين الفعل؛ أعني: "فتحققت"، وبين فاعله؛ أي:"كراهتكم"، فعند ذلك يقال لهم:"فكرهتموه"، تقريرًا لجوابهم، وتثبيتًا لكراهتهم واستقذارهم ذلك، وتمهيدًا لأن يعقب بقوله:"فليحقق أيضًا أن تكرهوا ما هو نظيره من الغيبة والطعن في أعراض المسلمين".

ويؤيد هذا ما جاء في نسخة الإمام المغفور [له] نظام الدين الطوسي: {فَكَرِهْتُمُوهُ} معناه: فقد كرهتموه، واستقر ذلك، وفيه معنى الشرط، أي: أن صح هذا فكرهتموه، وهي الفاء الفصيحة، أي:"فتحققت" إلى آخره.

والفاء مثلها في قول الشاعر:

قالوا: خراسان أقصى ما يراد بنا .... ثم القفول فقد جئنا خراسانا

روى السيد ابن الشجري في "الأمالي": أن أبا علي ذكر في كتاب "التذكرة" أن المعنى: فكما كرهتموه فاكرهوا الغيبة واتقوا الله. فقوله: {واتَّقُوا اللَّهَ} عطف على قوله: "فاكرهوا"؛ لدلالة الكلام عليه، كقوله تعالى:{اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ} [البقرة: 60]، أي: فضرب فانفجرت، وقوله:{فَكَرِهْتُمُوهُ} كلام مستأنف، وإنما دخلت الفاء لما في الكلام من معنى الجواب، فكأنهم لما قالوا_ في جواب قوله:{أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَاكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا} _: لا، فقال:{فَكَرِهْتُمُوهُ} ، أي: فكما كرهتموه فاكرهوا الغيبة. فإذن: المعنى على: فكما كرهتموه، وإن لم تكن"كما" مذكورة، كما أن قولهم:"ما تأتيني فتحدثني"، المعنى: ما تأتيني فكيف تحدثني؟ ! وإن لم تكن "كيف" مذكورة، وإنما هي مقدرة".

ثم قال السيد: "هذا التقدير بعيد؛ لأنه قدر المحذوف موصولًا، وهو "ما" المصدرية، وحذف الموصول وإبقاء صلته رديء ضعيف، ولو قدر المحذوف مبتدأ لكان جيدًا، لأن حذف المبتدأ كثير، أي: فهذا كرهتموه، والجملة المقدرة مبتدئية، لا أمرية كما قدرها أبو علي، وإنما قدرها أمرية ليعطف عليها قوله:{واتَّقُوا اللَّهَ} ، فإنها أمرية أيضًا، ولا حاجة إليها، لأن

ص: 503

وقرئ: "فكرهتموه"، أي: جبلتم على كراهته. فإن قلت: هلا عدّي بـ"إلى"، كما عدّي في قوله:{وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ} [الحجر: 7]، وأيهما القياس؟ قلت: القياس تعدّيه بنفسه، لأنه ذو مفعول واحد قبل تثقيل حشوه، تقول: كرهت الشيء، فإذا ثقل استدعى زيادة مفعول، وأما تعدّيه بـ"إلى" فتأوّل وإجراء لـ"كره" مجرى "بغض"، لأنّ "بغض" منقول من: بغض إليه الشيء، فهو بغيض إليه، كقولك: حب إليه الشيء، فهو حبيب إليه.

والمبالغة في "التواب" للدلالة على كثرة من يتوب عليه من عباده، أو لأنه ما من ذنب يقترفه المقترف إلا كان معفوًا عنده بالتوبة، أو لأنه بليغ في قبول التوبة، منزل صاحبها منزلة من لم يذنب قط، لسعة كرمه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: {واتَّقُوا اللَّهَ} عطف على الجملة النهيية، وهي:{ولا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا} ، والعطف على المذكورة أولى من المقدرة، والإشارة في المبتدأ الذي قدرته_ وهو "هذا"_ موجهة إلى الأكل الذي وصفه الله، كأنه لما قدر أنهم قالوا:"لا"، في جواب قوله:{أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَاكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا} ، قيل: فهذا كرهتموه، والغيبة مثله. فتأمل".

وقال ابن الحاجب في "الأمالي": "إنه تعالى لما نهى عن الغيبة شبهها بما هو مكروه من معتادهم، وهو أكل لحم المغتاب ميتًا، وأتى به على صفة الإنكار؛ تنبيها على أنه مما لا يفعلونه، ثم كان ذلك التنبيه سبيلًا لذكر تحقق الكراهة وثبوتها مسببًا عن هذا التشبيه الذي قصد به تأكيد كراهة ما نهي عنه، إذ به يتحقق توبيخهم في وقوعهم في الغيبة المشبهة بما يأبونه ويكرهونه".

قوله: (بليغ في قبول التوبة): يعني: تواب: فعال؛ تقتضي الكثرة، وهي إما بحسب تعدد التائبين أو تعدد ذنوب كثيرة لتائب واحد، أو أنه إذا تاب عن ذنب واحد أغرق في العفو.

ص: 504

والمعنى: واتقوا الله بترك ما أمرتم باجتنابه، والندم على ما وجد منكم منه، فإنكم إن اتقيتم تقبل الله توبتكم، وأنعم عليكم بثواب المتقين التائبين.

وعن ابن عباس: أن سلمان كان يخدم رجلين من الصحابة، ويسوّي لهما طعامهما، فنام عن شأنه يومًا، فبعثاه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يبغي لهما إدامًا، وكان أسامة على طعام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ما عندي شيء، فأخبرهما سلمان، فعند ذلك قالا: لو بعثناه إلى بئر سميجة لغار ماؤها، فلما راحا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال لهما: مالي أرى خضرة اللحم في أفواهكما، فقالا: ما تناولنا لحمًا، فقال: إنكما قد اغتبتما، فنزلت.

[{يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوبًا وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} 13]

{مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى} من آدم وحوّاء. وقيل: خلقنا كل واحد منكم من أبٍ وأمٍّ، فما منكم أحدٌ إلا وهو يدلي بمثل ما يدلي به الآخر، سواءً بسواء، فلا وجه للتفاخر والتفاضل في النسب. والشعب: الطبقة الأولى من الطبقات الست التي عليها العرب، وهي: الشعب، والقبيلة، والعمارة، والبطن، والفخذ، والفصيلة. فالشعب يجمع القبائل، والقبيلة تجمع العمائر، والعمارة تجمع البطون، والبطن تجمع الأفخاذ، ........

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (إلى بئر سميجة): بالجيم على التصغير، ويروى:"سحيمة" بالحاء المهملة، قيل: هي بئر من آبار مكة، ولم أجدلها ذكرًا في الكتب المعتبرة.

قوله: (خضرة اللحم): النهاية: "في الحديث: "أن الدنيا حلوة خضرة"، أي: غضة طرية ناعمة".

قوله: (وهو يدلي): المغرب: "فلان يدلي إلى الميت بذكر، أي: يتصل، ودلاه من سطح بحبل، أي: أرسله، فتدلى".

ص: 505

والفخذ تجمع الفصائل؛ خزيمة شعب، وكنانة قبيلة، وقريش عمارة، وقصي بطن، وهاشم فخذ، والعباس فصيلة. وسميت الشعوب؛ لأنّ القبائل تشعبت منها.

وقرئ: "لتتعارفوا" و"لتعارفوا" بالإدغام، و"لتعرفوا"، أي: لتعلموا كيف تتناسبون، و"لتتعرفوا". والمعنى: أنّ الحكمة التي من أجلها رتبكم على شعوب وقبائل هي أن يعرف بعضكم نسب بعض، فلا يعتزى إلى غير آبائه، لا أن تتفاخروا بالآباء والأجداد، وتدعوا التفاوت والتفاضل في الأنساب.

ثم بين الخصلة التي بها يفضل الإنسان غيره، ويكتسب الشرف والكرم عند الله، فقال:{إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ} ، وقرئ:"أنّ" بالفتح، كأنه قيل: لم لا يتفاخر بالأنساب؟ فقيل: لأنّ أكرمكم عند الله أتقاكم لا أنسبكم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (و"لتعرفوا"): قال ابن جني: "وهي قراءة ابن عباس، والمفعول محذوف، أي: لتعرفوا ما أنتم محتاجون إليه، كقوله:

وما علم الإنسان إلا ليعلما

أي: ليعلم ما علمته، أي: ليعلم ما يدعو إلى علم ما علمه، وما أعذب هذا الحذف، وما أغربه لمن يعرف مذهبهم".

قوله: (ثم بين الخصلة التي بها يفضل الإنسان غيره): يعني: فصل قوله: {إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} عما قبله ليكون الكلام الأول كالمورد للسؤال، وذلك أنه تعالى لما علل الخلق بالتعارف، على معنى: ليس التشعب والقبائل للتفاضل والتفاخر، بل لأن يعرف بعض

ص: 506

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه طاف يوم فتح مكة، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:«الحمد الله الذي أذهب عنكم عبية الجاهلية وتكبرها، يا أيها الناس، إنما الناس رجلان: مؤمن تقي كريم على الله، وفاجر شقيّ هين على الله» ، ثم قرأ الآية. وعنه عليه السلام:"من سرّه أن يكون أكرم الناس فليتق الله". وعن ابن عباس: كرم الدنيا الغنى، وكرم الآخرة التقوى.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الخلق بعضًا، ويتميز شخص من شخص، فقيل: بأي شيء التفاخر؟ ومن الذي يستحق المأثرة والمفخرة؟ فقيل: من هو أتقى لله وأخشى له، ومن يكون عالمًا بالله وبصفاته.

قال في "المرشد": "الوقف على {لِتَعَارَفُوا} تام، وقال أبو حاتم: ولا يجوز: لتعرفوا أن أكرمكم عن الله أتقاكم، لم يجعلهم شعوبًا وقبائل ليعرفوا أن أكرمهم عند الله أتقاهم، وإنما جعلهم كذلك ليعرف بعضهم نسب بعض وقرابته".

قوله: (أنه طاف يوم فتح مكة) الحديث: من رواية الترمذي عن ابن عمر: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس يوم فتح مكة فقال: يا أيها الناس، أن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية وتعاظمها بآبائها، فالناس رجلان؛ برتقي كريم على الله، وفاجر شقي هين على الله، الناس كلهم بنو آدم، وخلق الله آدم من تراب، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وأُنثَى وجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} ".

النهاية: "عبية الجاهلية: الكبر، وتضم عينها وتكسر، وهي "فعولة" أو" فعلية"، فإن كانت "فعولة" فهي من التعبية، لأن المتكبر ذو تلكف وتعبية، وإن كانت "فعلية" فهي من عياب الماء، وهو أوله وارتفاعه".

ص: 507

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الراغب: "عبأت الجيش: هيأته، وعبية الجاهلية: ما هي مدخرة في أنفسهم من حميتهم المذكورة في قوله تعالى: {إذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الجَاهِلِيَّةِ} [الفتح: 26] "، قيل: كبرها؛ من عب البحر: إذا زخر.

وفي معناه: ما رواه الإمام أحمد بن حنبل عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنسابكم هذه ليست بمسة على أحد، كلكم بنو آدم، طف الصاع بالصاع لم تملؤوه، ليس لأحد على أحد فضل إلا بدين أو تقوى، كفى بالرجل أن يكون بذيئا ً فاحشًا بخيلًا".

النهاية: "أي: قريب بعضكم من بعض، بقال: هذا طف المكيال وطفافه وطفافه، أي: ما قرب من ملئه، وقيل: هو ما علا فوق رأسه، ويقال له أيضًا: طفاف بالضم، والمعنى: كلكم في الانتساب إلى أب واحد بمنزلة واحدة في النقص والتقاصر عن غاية التمام، وشبههم في نقصانهم بالمكيل الذي لم يبلغ أن يملأ المكيال، ثم أعلمهم أن التفاضل ليس بالنسب، ولكن بالتقوى".

الراغب: "كل شيء يشرف في بابه فإنه يوصف بالكرم، قال بعض العلماء: الكرم كالحرية، إلا أن الحرية قد تقال في المحاسن الصغيرة، والكرم لا يقال إلا في المحاسن الكبيرة، وقوله تعالى:{إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [فإنما كان كذلك] لأن الكرم

ص: 508

وعن يزيد بن شجرة: مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم في سوق المدينة، فرأى غلامًا أسود يقول: من اشتراني فعلى شرط؛ لا يمنعني عن الصلوات الخمس خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاشتراه رجل، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يراه عند كل صلاة، ففقده يومًا، فسأل عنه صاحبه، فقال: محموم، فعاده، ثم سأل عنه بعد ثلاثة أيام، فقال: هو لما به، فجاءه وهو في ذمائه، فتولى غسله ودفنه، فدخل على المهاجرين والأنصار أمر عظيم، فنزلت.

[{قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌؤ 14]

الإيمان: هو التصديق بالله مع الثقة وطمأنينة النفس. والإسلام: الدخول في السلم، والخروج من أن يكون.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الأفعال المحمودة، وأكرمها ما يحصل به أشرف الوجوه، وأشرف الوجوه: ما يقصد به وجه الله، فمن قصد ذلك بمحاسن فعله فهو التقي، فإذن: أكرم الناس أتقاهم".

قوله: (هو لما به): روي عن المصنف أنه قال: أي: هو متهيئ للموت الذي لاصق به، لا بدله منه. وقال غيره: أي: هو مملوك لما به، وهو مرض موته، والذماء: الحشاشة، وهي بقية الروح في المذبوح.

قوله: (الإيمان: هو التصديق بالله مع الثقة): قال الزجاج: "الفرق بين المؤمن والمسلم: هو أن الإسلام إظهار الخضوع والقبول لما أتى به النبي صلى الله عليه وسلم، وبذلك يسحقن الدم، فإذا كان مع ذلك اعتقاد وتصديق بالقلب، فصاحبه مؤمن مسلم، قال الله تعالى: {إنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ}، أي: أولئك إذا قالوا: "مؤمنون" فهم الصادقون. وأما من أظهر قبول الشريعة، واستسلم لدفع المكروه، فهو في الظاهر مسلم، وباطنه غير مصدق، فهو الذي

ص: 509

حربًا للمؤمنين بإظهار الشهادتين. ألا ترى إلى قوله: {وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ} ، فاعلم أنّ ما يكون من الإقرار باللسان من غير مواطأة القلب: فهو إسلام، وما واطأ فيه القلب اللسان فهو إيمان.

فإن قلت: ما وجه قوله: {قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا} ، والذي يقتضيه نظم الكلام أن يقال:"قل: لا تقولوا: آمنا، ولكن قولوا: أسلمنا"، أو "قل: لم تؤمنوا، ولكن أسلمتم"؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يقول: "أسلمت"، لأن الإيمان لا بد في الشريعة أن يكون صاحبه صديقًا، لأن قولك "آمنت بكذا وكذا" معناه: صدق به".

الراغب: "الإسلام في الشريعة ضربان: أحدهما دون الإيمان، وهو الاعتراف باللسان، وبه يحقن الدم، حصل معه الاعتقاد أو لم يحصل، وإياه عني بقوله: {قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا ولَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا}. والثاني فوق الإيمان، وهو أن يكون مع الاعتراف اعتقاد بالقلب، ووفاء بالفعل، واستسلام لله في جميع ما قضى وقدر، كما ذكر عن إبراهيم عليه السلام: {إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [البقرة: 131] ".

قوله: (حربًا للمؤمنين): أي: عدوًا، الجوهري:"أنا حرب لمن حاربني؛ أي: عدو".

قوله: (والذي يقتضيه نظم الكلام): يعني: قوله: {قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا ولَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا} : رد لقول الأعراب: "آمنا"، وظاهر ما تقتضيه كلمة الاستدراك أن يجابوا بقوله:"لا تقولوا: آمنا، ولكن قولوا: أسلمنا"، فيجاء بإثبات القول مع نفيه، أو بترك القول في القرينتين ويقال:"لم تؤمنوا، ولكن أسلمتم".

ص: 510

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وأجاب أن مقتضى كلمة الاستدراك حاصل من حيث المعنى اشتمال الكلام على فوائد جمة، أما قوله:{لَّمْ تُؤْمِنُوا} فتكذيب لدعوتهم ودفع لما انتسبوا إليه، يعني: ادعيتم بقولكم: "آمنا": أننا أحدثنا الإيمان، وهو كذب محض، لأنه ما صدر منك الإيمان قط، وقوله:{قُولُوا أَسْلَمْنَا} : أمر بالاعتراف بما أحدثوا من الانقياد ظاهرًا من غير مواطأة من القلب.

ثم في كل من القرينتين عدول من أصل؛ أما الأولى: فإن الأصل أن يقال: "كذبتم"، أو "لا تقولوا: آمنا"، لتوافق قرينتها، فعدل من "كذبتم" إلى {لَّمْ تُؤْمِنُوا}؛ لئلا يلبسوا لمن يكافحهم به جلد النمر، على أن المطلوب حاصل بأبلغ وجه، لأن الآية التالية مقابلة لهذه، وفيها: {أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} تعريضًا بأن هؤلاء هم الكاذبون، على سبيل الحصر، ويحصل من ذلك ذمهم ومدح من يضادهم على سبيل البت والقطع، وهو المراد من قوله: "ورب تعريض لا يقاومه التصريح".

وعدل من "لا تقولوا: آمنا" إلى ما عليه التلاوة، لنه لو قيل:"لا تقولوا: آمنا"، لا ستهجن من الشارع، لأنه لم يبعث إلا للدعوة إلى الإيمان، لا للنهي عنه، وإلى معناه ينظر قول الفرزدق:

ما قال "لا" قط إلا في تشهده .... لولا التشهد لم ينطق بذاك فم

وأما القرينة الثانية: فإنها أيضًا مشتملة على نكتة، لأن مقتضى الظاهر_ على ما جاء في السؤال_ أن يقال:"أسلمتم"، ليطابق:{لَّمْ تُؤْمِنُوا} ، فعدل إلى:{قُولُوا أَسْلَمْنَا} ؛ ليعلمهم أن اللائق بحالهم أن يقال لهم: "قولوا: أسلمنا"؛ ليؤذن بأن تلك الدعوى باطلة، وأنها بمجرد اللسان،

ص: 511

قلت: أفاد هذا النظم تكذيب دعواهم أوّلًا، ودفع ما انتحلوه، فقيل:{قَلْ لَمْ تُؤْمِنُوا} ، وروعي في هذا النوع من التكذيب أدب حسن حين لم يصرّح بلفظه، فلم يقل: كذبتم، ووضع {لَمْ تُؤْمِنُوا} -الذي هو نفي ما ادعوا إثباته- موضعه، ثم نبه على ما فعل من وضعه موضع "كذبتم" في قوله في صفة المخلصين:{أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} ، تعريضًا بأن هؤلاء هم الكاذبون، ورب تعريض لا يقاومه التصريح، واستغنى بالجملة التي هي {لَمْ تُؤْمِنُوا} عن أن يقال:"لا تقولوا: آمنا"؛ لاستهجان أن يخاطبوا بلفظ مؤدّاه النهي عن القول بالإيمان، ثم وصلت بها الجملة المصدّرة بكلمة الاستدراك محمولة على المعنى، ولم يقل:"ولكن أسلمتم"؛ ليكون خارجًا مخرج الزعم والدعوى، كما كان قولهم:{آمَنَّا} كذلك، ولو قيل:"ولكن أسلمتم"، لكان خروجه في معرض التسليم لهم والاعتداد بقولهم، وهو غير معتدّ به.

فإن قلت: قوله: {وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ} بعد قوله: {قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا} يشبه التكرير من غير استقلال بفائدة متجددة. قلت: ليس كذلك، فإن فائدة قوله:{لَمْ تُؤْمِنُوا} هو تكذيب دعواهم، وقوله:{وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ} توقيت لما أمروا به أن يقولوه،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لأن القول قد يستعمل في الزعم، ولو قيل:"أسلمتم"، لكان خلوًا من هذه النكتة، وإليه الإشارة بقوله:"ولو قيل: ولكن أسلمتم، لكان خروجه في معرض التسليم لهم، والاعتداد بقوله".

قال صاحب "النهاية: "وفي الحديث: "لما أراد صلى الله عليه وسلم أن يعتكف ورأى الأخبية في المسجد، فقال صلى الله عليه وسلم: آلبر تقولون بهن"، أي: أتظنون وترون وترون أنهن أردن البر؟ "، أي: نساءه صلى الله عليه وسلم.

قوله: (توقيت لما أمروا به): أي: تعيين وتبيين، المغرب:"الوقت: من الأزمنة المهمة، ثم استعمل في كل حد، ومنه قولهم: هل في ذلك وقت، أي: حد بين القليل والكثير، وقد اشتقوا منه، فقالوا: وقت الله الصلاة ووقتها؛ أي: بين وقتها وحدده".

ص: 512

كأنه قيل لهم: وَلكِنْ قُولُوا: "أَسْلَمْنا" حين لم تثبت مواطأة قلوبكم لألسنتكم. لأنه كلام واقع موقع الحال من الضمير في {قُولُوا} ، وما في "لَمَّا" من معنى التوقع: دال على أن هؤلاء قد آمنوا فيما بعد.

{لَا يَلِتْكُمْ} لا ينقصكم ولا يظلمكم، يقال: ألته السلطان حقه أشدّ الألت، وهي لغة غطفان، ولغة أسد وأهل الحجاز: لاته ليتًا، وحكى الأصمعي عن أمّ هشام السلولية أنها قالت: الحمد لله الذي لا يفات ولا يلات، ولا تصمه الأصوات. وقرئ باللغتين:{لَا يَلِتْكُمْ} ، و"لا يألتكم"، ونحوه في المعنى:{فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا} ] الأنبياء: 47].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (لأنه كلام واقع موقع الحال): تعليل لقوله: "توقيت لما أمروا به"، يعني: أن قوله: {ولَمَّا يَدْخُلِ الإيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} بمنزلة الحال المقيدة للمطلق، المعينة لمعنى قوله:{قُولُوا أَسْلَمْنَا} ، لأن قوله:{ولَمَّا يَدْخُلِ الإيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} أبين منه، ولذلك أوقع موضع "لما":"حين"، وجعله كالقيد لقوله:"قولوا: "أسلمنا"_ في قوله: {وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا} _حين لم تثبت مواطأة قلوبكم لألسنتكم".

قوله: (دال على أن هؤلاء قد آمنوا فيما بعد): قال المصنف: "لما: في المعنى التوقع، وهي في النفي نظيرة "قد" في الإثبات"، يعني: دخول الإيمان في قلوبكم متوقع، وأنتم الآن لستم من الإيمان على شيء، فلا تقولوا: آمنا. حاصل الجواب: أنه تكرير، لكنه مستقل بفائدة زائدة، لأنه علم من الأول نفي الإيمان عنهم، ومن الثاني نفيه مع توقيع حصوله.

قوله: (الحمد لله الذي لا يفات): أي: لا يسبق، الأساس:"فاتني بكذا: سبقني وذهب به عني".

قوله: (ولا تصمه الأصوات): أي: لا تجده أصم، يقال: أصممته، أي: وجدته أصم.

قوله: (وقرئ باللغتين): قرأ أبو عمرو: "ولا يألتكم"؛ بهمزة ساكنه بعد الياء، وإذا خفف

ص: 513

ومعنى طاعة الله ورسوله: أن يتوبوا عما كانوا عليه من النفاق، ويعقدوا قلوبهم على الإيمان، ويعملوا بمقتضياته، فان فعلوا ذلك تقبل الله توبتهم، ووهب لهم مغفرته، وأنعم عليهم بجزيل ثوابه.

وعن ابن عباس: أنّ نفرًا من بنى أسد قدموا المدينة في سنة جدبة، فأظهروا الشهادة، وأفسدوا طرق المدينة بالعذرات، وأغلوا أسعارها، وهم يغدون ويروحون على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقولون: أتتك العرب بأنفسها على ظهور رواحلها، وجئناك بالأثقال والذراري، يريدون الصدقة ويمنون عليه، فنزلت.

[{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} 15]

ارتاب: مطاوع "رابه"؛ إذا أوقعه في الشك مع التهمة. والمعنى: أنهم آمنوا، ثم لم يقع في نفوسهم شك فيما آمنوا به، ولا اتهام لمن صدّقوه واعترفوا بأنّ الحق معه.

فإن قلت: ما معنى "ثم" ها هنا، وهي للتراخي، وعدم الارتياب يجب أن يكون مقارنًا للإيمان، لأنه وصف فيه، لما بينت من إفادة الإيمان معنى الثقة والطمأنينة التي حقيقتها التيقن وانتفاء الريب؟ قلت: الجواب على طريقين:

أحدهما: أنّ من وجد منه الإيمان ربما اعترضه الشيطان أو بعض المضلين بعد ثلج الصدر، فشككه، وقذف في قلبه ما يثلم يقينه،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أبدلها ألفًا، والباقون بغير همز ولا ألف:{لا يَلِتْكُم} . قال الواحدي: "لا يألتكم: من ألت يألت ألتكم: من ألت يألت ألتًا: إذا نقص، ويقال أيضًا: لات يليت ليتًا، بهذا المعنى".

قوله: (بعد ثلج الصدر): الأساس: "ثلجت نفسه بكذا: بردت وسرت، والحمد لله على بلج الحق وثلج اليقين".

ص: 514

أو نظر هو نظرًا غير سديد يسقط به على الشك، ثم يستمرّ على ذلك راكبًا رأسه لا يطلب له مخرجًا، فوصف. المؤمنون حقًّا بالبعد عن هذه الموبقات. ونظيره قوله:{ثُمَّ اسْتَقامُوا} [فصلت: 30].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (راكبًا رأسه كالدابة التي يمر بها السير، ولا تشعر أين المقصد، وإليه الإشارة بقوله:"لا يطلب له مخرجًا".

قوله: (ونظيره قوله: {ثُمَّ اسْتَقَامُوا}): وعن بعضهم: "ذكر {ثُمَّ اسْتَقَامُوا} في "حم السجدة" مثالًا لتراخي الرتبة، والوجهان في تراخي الزمان، فلا يناسبه".

قلت: الوجه الأول نظيره قطعًا؛ لأن قوله هنا: "فوصف المؤمنون حقًا بالبعد عن هذه الموبقات"، أي: المذكورات من قوله: "ربما اعترضه الشيطان" إلى آخره، وقوله هناك:"ثم ثبتوا على الإقرار ومقتضياته" متقاربان معنى، فدل قوله:{الَّذِينَ آمَنُوا} على أنهم من الذين وجد منهم الإيمان، ومثل هذا الإيمان قد لا يؤمن فيه من اعتراض شيطان، وإضلال مضل _كقوله:{الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ} [فصلت: 30]_، فعقب بقوله:{ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا} ، ليؤذن بأنهم في الرسوخ كالجبال، لا يزلزلهم اعتراض معترض ولا إضلال مضل، كقوله:{ثُمَّ اسْتَقَامُوا} [فصلت: 30].

وأما الوجه الثاني: فمرجعه إلى الأول في أن الثاني أعلى رتبة من الأول، لأنه حينئذ من باب قوله: {وَمَلَائِكَتِهِ

وَجِبْرِيلَ} [البقرة: 98]، وقوله:{فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ} [الرحمن: 68]، يدل عليه قوله في السؤال:"عدم الارتياب يجب أن يكون مقارنًا للإيمان، لأنه وصف فيه"، وقال هنا:"وزوال الريب لما كان ملاك الإيمان أفرد بالذكر"، وكان من حق الظاهر أن

ص: 515

والثاني: أنّ الإيقان وزوال الريب لما كان ملاك الإيمان، أفرد بالذكر بعد تقدّم الايمان؛ تنبيهًا على مكانه، وعطف على الإيمان بكلمة التراخي؛ إشعارًا باستقراره في الأزمنة المتراخية المتطاولة، غضًّا جديدًا.

{وَجاهَدُوا} يجوز أن يكون المجاهد منويًا،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يجاء بالواو - كما في المثالين -، ولكن عدل إلى كلمة التراخي للإشعار باستقراره غضًا طريًا مع طول الزمان، ما اعترضه شيطان، ولا اعتراه مضل.

والفرق بين الاستمرارين هو أن الاستمرار_ على الأول_ استمرار المجموع، نحو:{ثُمَّ اسْتَقَامُوا} [فصلت: 30]، أي: استمر إيمانهم مع عدم الارتياب، وعلى الثاني: الاستمرار معتبر في الجزء الأخير، ولذلك قال:"غضًا طريًا"، وإذا كان عدم الارتياب_ كما قال في السؤال_ "مقارنًا للإيمان، لأنه وصف فيه""، كيف يتصور تراخيه عن الإيمان بحسب الزمان حقيقة؟ ! قوله: (يجوز أن يكون المجاهد منويًا): "المجاهد": بفتح الهاء. اعلم أن هاهنا ألفاظًا ثلاثة: أحدهما: {وَجَاهَدُوا} ، وهو مطلق يجوز أن يقصد به العموم؛ ليتناول جميع ما يصح إطلاقه عليه، وأن يترك على إطلاقه، فلا ينوى له المجاهد؛ ليفيد أنهم يوجدون تلك الحقيقة، ويستفرغون وسعهم وجهدهم عنها.

وثانيها: قوله: {وَأَنْفُسِهِمْ} ، وقد علق به {فِي سَبِيلِ اللهِ} ، وهو أيضًا يحتمل الغزو، وأن يقصد به العموم في العبادات، لأنها كلها في سبيله وجهته.

ص: 516

وهو العدوّ المحارب أو الشيطان أو الهوى، وأن يكون "جاهد" مبالغة في: جهد. ويجوز أن يراد بالمجاهدة بالنفس: الغزو، وأن يتناول العبادات بأجمعها، وبالمجاهدة بالمال: نحو ما صنع عثمان رضي الله عنه في جيش العسرة، وأن يتناول الزكوات وكل ما يتعلق بالمال من أعمال البر التي يتحامل فيها الرجل على ماله لوجه الله.

{أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} الذين صدقوا في قولهم: آمنا، ولم يكذبوا،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وثالثها: قوله: {بِأَمْوَالِهِمْ} ، وحكمه حكم "أنفسهم". وقد اعتبر المصنف كل ذلك في تقريره.

فإن قلت: في التنزيل: {بِأَمْوَالِهِمْ} مقدم على" أنفسهم"، فلم خالف؟ قلت: ليؤذن بأن المجاهدة بالنفس أعلى رتبة من المجاهدة بالمال وحده، وأصل في الاعتبار، وإنما قدم في التنزيل تعريضًا بالإنسان وحرصه على جمع المال، فإن الحريص يبذل مهجته في تحصيل المال، وأن المال شقيق الروح، وهو العيار في الإخلاص، لأن المنافق قد يغزو للأغراض، ولكن لا يتسهل له بذل المال.

قوله: (نحو ما صنع عثمان رضي الله عنه جيش العسرة): روى الإمام أحمد بن حنبل في "مسنده" عن عبد الرحمن بن سمرة قال: "جاء عثمان رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم بألف دينار في ثوبه، حين جهز جيش العسرة، فصبها في حجر النبي صلى الله عليه وسلم، فجعل يقلبها بيده، وقال: ما ضر ابن عفان ما عمل بعد اليوم، يرددها مرارًا".

قوله: (يتحامل فيها): في "النهاية": "تحاملت الشيء: تكلفته على مشقة".

ص: 517

كما كذب أعراب بني أسد، أو: هم الذين إيمانهم إيمان صدق وإيمان حق وجدّ وثبات.

[{قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} 16]

يقال: ما علمت بقدومك، أي: ما شعرت به ولا أحطت به، ومنه قوله:{أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ} وفيه تجهيل لهم.

[{يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ * إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ} 17 - 18]

يقال: منّ عليه بيد أسداها إليه، كقولك: أنعم عليه، وأفضل عليه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (أو: هم الذين إيمانهم إيمان صدق): يعني: من الجائز أن يحمل الكلام على مذهب من يجعل الضمير فصلًا، ولا يرى له محلًا، فيفيد الاختصاص وأن هؤلاء لم يكذبوا كما كذب أعراب بني أسد، يعني: في قولهم: "آمنا"، أو على قول من يرى له محلًا، فيفيد تقوي الحكم، وأنهم آمنوا إيمان صدق وجد وثبات.

والأول أوجه لما سبق أن قوله: {أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} تعريض، وأنه هو المنبه على أن قوله:{لَّمْ تُؤْمِنُوا} وضع موضع "كذبتم".

قوله: (وفيه تجهيل لهم): عن بعضهم: أي: أتجعلون الله محيطًا بدينكم، فيعلم ظاهره وباطنه وتفصيله، وفيه تهكم بهم، ولا يكو معناه: أتعلمون الله دينكم، لأن معنى ذلك: أتجعلون الله عالمًا بعد الجهل. يريد: أن الباء في {أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ} ليست بزائدة، بل هي لتضمين العلم معنى الإحاطة.

ص: 518

والمنة: النعمة التي لا يستثيب مسديها. من يزلها إليه، واشتقاقها من "المنّ" الذي هو القطع، لأنه إنما يسديها إليه ليقطع بها حاجته لا غير، من غير أن يعمد لطلب مثوبة، ثم يقال: منّ عليه صنعه، إذا اعتده عليه منة وإنعامًا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (مسديها): النهاية: "في الحديث: "من أسدى إليكم معروفًا فكافئوه"، أسدى وأولى وأعطى: يقال: أسديت إليه معروفًا أسدي إسداء".

قوله: (من يزلها إليه): النهاية: "في الحديث: "من أزلت إليه نعمة فليشكرها"، أي: أسديت إليه وأعطيها، وأصلها من الزليل، وهو انتقال الجسم من مكان إلى مكان، فاستعير لانتقال النعمة من المنعم إلى المنعم عليه، يقال: زلت منه نعمة، وأزلها إليه".

قوله: (واشتقاقها من المن): الراغب: "المن: ما يوزن به، والمنة: النعمة الثقيلة، وذلك على وجهين:

أحدهما: بالفعل، فيقال: من عليه؛ إذا أثقله بالنعمة، قال تعالى:{يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} [إبراهيم: 11]، وذلك في الحقيقة لا يكون إلا الله تعالى. والثاني: بالقول: وذلك مستقبح فيما بين الناس إلا عند كفران النعمة، قيل: وإذا كفرت النعمة حسنت المنة.

وقوله تعالى: {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لاَّ تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ} : فالمنة منهم بالقول، ومنه الله عليهم بالفعل، وهو هدايته إياهم كما ذكر. وقوله تعالى:{لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} : قيل: غير معدود، كما قال:{بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: 10]، وقيل: غير مقطوع ولا منقوص.

ومنه: المنون؛ للمنية، لأنها تنقص العدد، وتقطع المدد، وقيل: المنة بالقول من

ص: 519

وسياق هذه الآية فيه لطف ورشاقة، وذلك أنّ الكائن من الأعاريب قد سماه الله إسلامًا، ونفى أن يكون -كما زعموا- إيمانًا، فلما منوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان منهم، قال الله سبحانه وتعالى لرسوله عليه السلام: إنّ هؤلاء يعتدّون عليك بما ليس جديرًا بالاعتداد به من حدثهم الذي حق تسميته أن يقال له: "إسلام"، فقل لهم: لا تعتدوّا عليّ إسلامكم، أي: حدثكم المسمى "إسلامًا" عندي لا "إيمانًا"، ثم قال: بل الله يعتدّ عليكم أن أمدّكم بتوفيقه حيث هداكم للإيمان، على ما زعمتم وادعيتم أنكم أرشدتم إليه ووفقتم له، إن صحّ زعمكم وصدقت دعواكم، إلا أنكم تزعمون وتدعون ما الله عليم بخلافه.

وفي إضافة "الإسلام" إليهم،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هذا، لأنها تقطع النعمة، وتقتضي قطع الشكر.

قوله: (وسياق هذه الآية فيه لطف ورشاقة): وبيانه: أن الأعراب لما قدموا المدينة، وأظهروا الشهادة، وكانوا يغدون ويروحون على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويمنون عليه صلوات الله عليه بقولهم:"آمنا"، وساقوا الكلام مساق الإخبار عن إحداث الإيمان ليكون في معرض الامتنان، فأمر الله سبحانه وتعالى حبيبه صلوات الله عليه أن يجيب عن إحداث الإيمان، بقوله:{قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا ولَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا} ، ثم نبهه على مكان الامتنان بقوله:{يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا} ، وأمره بأن يجيب عنه بقوله:{قُل لاَّ تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإيمَانِ} ، فوضع موضع:"ما ليس جديرًا بالاعتداد".

قوله: (إسلامكم): والاستثناء في قوله: "إلا أنكم تزعمون" منقطع.

قوله: (وفي إضافة "الإسلام" إليهم): يعني: معنى إضافة "الإسلام" إليهم: أنه الإسلام الذي تعورف واشتهر من أمثالهم، وما يليق أن ينسب إليهم. ومعنى إيراد "الإيمان" غير مضاف إليهم، بل محلى بلام التعريف: أنه الإيمان الكامل، وما يقال له عند الله وعند الموحدين: إنه إيمان.

ص: 520

وإيراد "الإيمان" غير مضاف: ما لا يخفى على المتأمل، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، تقديره: إن كنتم صادقين في ادعائكم الإيمان، فلله المنة عليكم.

وقرئ: "إن هداكم"، بكسر الهمزة، وفي قراءة ابن مسعود:"إذ هداكم".

وقرئ: {تَعْمَلُونَ} ، بالتاء والياء، وهذا بيان لكونهم غير صادقين في دعواهم، يعني: أنه عز وجل يعلم كل مستتر في العالم، ويبصر كل عمل تعملونه في سركم وعلانيتكم، لا يخفى عليه منه شيء، فكيف يخفى عليه ما في ضمائركم، ولا يظهر على صدقكم وكذبكم؟ ! وذلك أنّ حاله مع كل معلوم واحدة لا تختلف.

عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة الحجرات أعطي من الأجر بعدد من أطاع الله وعصاه» .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقريب من هذا البحث ما يقال في قوله تعالى: {طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ} [النور: 53]، أي: الذي يطلب منكم طاعة معروفة فعلًا، أو طاعتكم طاعة معروفة قولًا.

قوله: (قرئ: {تَعْمَلُونَ} بالتاء والياء): ابن كثير: بالياء التحتانية، والباقون: بالتاء.

قوله: (ولا يظهر على صدقكم): أي: لا يطلع الله.

قوله: (أن حاله): الضمير لله عز وجل، والأولى والأقرب إلى الأدب: أن شأنه عز وجل، لقوله تعالى:{كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَانٍ} [الرحمن: 29].

تمت السورة

حامدًا لله تعالى، ومصليًا على رسوله.

* * *

ص: 521

‌سورة ق

مكية، وهي خمس وأربعون آية

بسم الله الرحمن الرحيم

[{ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ * بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ * أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُرابًا ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ} 1 - 3]

الكلام في {ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ * بَلْ عَجِبُوا} نحوه في {ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ * بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا} [ص: 1 - 2] سواءً بسواء، لالتقائهما في أسلوب واحد،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

سورة ق

مكية، وهي خمس وأربعون آية

بسم الله الرحمن الرحيم

قوله: (لالتقائهما في الأسلوب واحد): وذلك أن عطف" القرآن" على {ق} نحو عطف {وَالْقُرْآنِ} على {ص} [ص: 1] في أسلوب التجريد، نحو: مررت بالرجل الكريم والنسمة المباركة، و {المَجِيدِ} هنا نحو {ذِي الذِّكْرِ} ، لأن المراد بالذكر الشرف والشهرة، وقول الكافرين:{هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ} ، وتعجبهم من مجيء منذر منهم ومن جنسهم: كان من عزتهم وشقاقهم، قال المصنف: "كأنه قال: أقسمت بصاد والقرآن ذي الذكر إنه لمعجز، ثم

ص: 522

و {المجِيدِ} : ذو المجد والشرف على غيره من الكتب، ومن أحاط علمًا بمعانيه، وعمل بما فيه؛ مجد عند الله وعند الناس،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قال: {بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ} واستكبار عن الإذعان لذلك والاعتراف بالحق، {وَشِقَاقٍ} لله ورسوله". فكذلك المعنى: أقسمت بـ {ق والْقُرْآنِ المَجِيدِ} إنه لمعجز، ثم قال: بل عجب الكفار من أن جاءهم بهذا الكتاب المعجز واحد منهم، فتعززوا لذلك عن الإذعان للحق وشاقوا لله ورسوله.

الراغب: "بل: هاهنا لتصحيح الأول وإبطال الثاني، أي: ليس امتناعهم من الإيمان بالقرآن أن لا مجد للقرآن، ولكن لجهلهم، ونبه بقوله: {بَلْ عَجِبُوا} على جهلهم، لأن التعجب مش الشيء يقتضي الجهل بسببه".

قوله: (و {المَجِيدِ}: ذو المجد والشرف): النهاية: "في أسماء الله تعالى: المجيد والماجد، والمجد في كلامهم: الشرف الواسع، ورجل ماجد: مفضال كثير الخير شريف، والمجيد: فعيل منه للمبالغة، وقيل: هو الكريم الفعال، وقيل: إذا قارن شرف الذات حسن الفعال سمي مجدًا".

الراغب: "المجد: السعة في الكرم والجلالة، يقال: مجد يمجد مجدًا ومجادة وأصل المجد من قولهم: مجدت الإبل: إذا حصلت في مرعى كثير واسع، ووصف القرآن بالمجيد لكثرة ما يتضمن من المكارم الدنيوية والأخروية، والتمجيد من العبد لله تعالى: بالقول وذكر الصفات الحسنة، ومن الله للعبد: بإعطائه الفضل".

وقلت: من اهتدى بهديه، واعتصم به، وعمل بما فيه، وتدبر معانيه: مجد عند الله، روينا عن مسلم وأحمد بن حنبل والدارمي عن عامر بن واثلة: أن عمر رضي الله عنه سأل نافع

ص: 523

أو هو بسبب من الله المجيد، فجاز اتصافه بصفته.

قوله: {بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ} إنكار لتعجبهم مما ليس بعجب، وهو أن ينذرهم بالمخوف رجل منهم قد عرفوا وساطته فيهم وعدالته وأمانته، ومن كان على صفته لم يكن إلا ناصحًا لقومه مترفرفًا عليهم، خائفًا أن ينالهم سوء،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ابن الحارث، وكان استعمله على أهل مكة: من استعملت على أهل البوادي؟ قال: ابن أبزى، قال: ومن ابن أبزى؟ قال: مولى من موالينا، قال: أستخلفت عليهم مولى؟ ! قال: إنه قارئ لكتاب الله عالم بالفرائض، قال عمر رضي الله عنه: أما أن نبيكم صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا، ويضع به آخرين".

وعن الدرامي وابن ماجه عن أنس رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن لله أهلين من خلقه، يا رسول الله، من هم؟ قال: أهل القرآن": زاد ابن ماجه: "أهل الله وخاصته".

فعلى هذا: وصف القرآن بالمجيد باعتبار عامله على الإسناد المجازي، نحو: نهاره صائم، أو سمي مجيدًا لأن المتكلم به مجيد، فوصف بصفة من هو بسببه على الإسناد المجازي، نخو قوله:{يس * وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ} [يس: 2].

قوله: (أو هو بسبب من الله): قيل: الباء في "بسبب" للملابسة، وكل ما يربط به شيء بشيء أو يجعل متعلقًا به منتسبًا إليه: سمي سببًا، ومن في "من الله" اتصالية.

قوله: ({بَلْ عَجِبُوا أَن جَاءَهُم}): الضمير في {عَجِبُوا} للكافرين، وإن لم يجر لهم ذكر، فإن قوله:{فَقَالَ الكَافِرُونَ} جار مجرى التفسير.

قوله: (مترفرفًا عليهم): الأساس: "ذهب من كان يحفه ويرفه، أي: يضمه ويحبه ويشفق عليه، من: يرف ولده أو حبيبه، وبات يرف شفتيها: يرشفهما".

ص: 524

ويحل بهم مكروه، وإذا علم أنّ مخوفًا أظلهم، لزمه أن ينذرهم ويحذرهم، فكيف بما هو غاية المخاوف ونهاية المحاذير، وإنكار لتعجبهم مما أنذرهم به من البعث، مع علمهم بقدرة الله تعالى على خلق السماوات والأرض وما بينهما، وعلى اختراع كل شيء وإبداعه، وإقرارهم بالنشأة الأولى، ومع شهادة العقل بأنه لا بدّ من الجزاء.

ثم عوّل على أحد الإنكارين بقوله: {فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ * أَإِذا مِتْنا} ، دلالة على أن تعجبهم من البعث أدخل في الاستبعاد وأحق بالإنكار،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وإنكار لتعجبهم مما أنذرهم): عطف على قوله: "إنكار لتعجبهم مما ليس بعجب": أراد أن قوله: {أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ} دل على معنيين: على معنى المنذر به، وهو البعث والرجع، كما سيجيء في كلامه أن عامل الظرف"ما دل عليه المنذر من المنذر به"، وهو البعث، وعلى من قام به الإنذار، وهو الرسول.

ولما كان أحد المنكرين_ وهو إنكار البعث_ أعظمهما، عول الكلام عليه، وقال:{فَقَالَ الكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ} ، فوضع {الكَافِرُونَ} موضع الضمير؛ إشعارًا بعنادهم، أي: هذا الذي تنذر به من البعث والرجع شيء عجيب، وهو المراد من قوله:"و {هَذَا} إشارة إلى الرجع"، أي: الرجع المفهوم من قوله: {مُنْذِرٌ مِنْهُمْ} ، كما تقرر. ويؤيده أيضًا قوله بعد هذا:"استبعادًا لإنكارهم ما أنذروا به من البعث".

ثم قرروا ذلك مزيدًا للكشف والبيان بقولهم: {أَئِذَا مِتْنَا وكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا} ، لأن معناه: أحين نموت ونبلى نرجع. فحينئذ يحسن الوقف عند قوله: {وكُنَّا تُرَابًا} فيكون قوله: {ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ} هو الجواب، ويكون من كلام الله تعالى؛ ردًا لقوهم ذلك.

قال القاضي: "حكى تعجبهم مبهمًا، ثم فسره بما بعده"، ولأنه أدخل في الإنكار؛ إذ الأول استبعاد، والثاني استقصار لقدرة الله تعالى.

ص: 525

ووضع {الْكَافِرُونَ} موضع الضمير؛ للشهادة على أنهم في قولهم هذا مقدمون على الكفر العظيم.

و{هَذَا} إشارة إلى "الرجع"، و"إذا" منصوب بمضمر، معناه: أحين نموت ونبلى نرجع؟ {ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ} مستبعد مستنكر، كقولك: هذا قول بعيد، وقد أبعد فلان في قوله، ومعناه: بعيد من الوهم والعادة. ويجوز أن يكون "الرجع" بمعنى: المرجوع، وهو الجواب، ويكون من كلام الله تعالى؛ استبعادًا لإنكارهم ما أنذروا به من البعث، والوقف قبله على هذا التفسير حسن.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (أن يكون"الرجع" بمعنى: المرجوع): أي: قال الله تعالى جوابًا لقولهم وردًا لزعمهم: {ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ} ، بمعنى: ما يرجع إليه حاصل كلامهم وماله؛ بعيد. وعن بعضهم: قوله: "وهو الجواب"، أي: الجواب الذي جاء به الكفار جواب بعيد، والجواب هو قولهم:{أَئِذَا مِتْنَا} فإنهم إنما قالوا ذلك جوابًا لقول المسلمين: إنا نبعث ونرجع بعد الموت. وفيه نظر؛ لأنه قال: "وهو الجواب، ويكون من كلام الله تعالى"، ولا ارتياب أن قوله:{أَئِذَا مِتْنَا وكُنَّا تُرَابًا} ليس من كلام الله تعالى، بل هو داخل في حيز قولهم:{فَقَالَ الكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ * أَئِذَا مِتْنَا} ، وهو أحد الإنكارين، كما علم من كلامه.

ثم إن. قوله: {ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ} : أن كان تتمة لكلامهم لم يجز الوقف على {تُرَابًا} ، وإن كان من كلام الله جوابًا عن قولهم جاز الوقف لاختلاف القائلين.

وفي"المرشد": "الوقف الكافي: {وكُنَّا تُرَابًا}، والتمام: {ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ} ".

وقال الزجاج: "جواب القسم محذوف، يدل عليه:{أَئِذَا مِتْنَا} ، المعنى: ق والقرآن المجيد إنكم مبعوثون، فعجبوا، فقالوا: أإذا متنا، أي: أنبعث إذا متنا؟ ويجوز أن يكون الجواب:

ص: 526

وقرئ: "إذا متنا"، على لفظ الخبر، ومعناه: إذا متنا بعد أن نرجع، والدال عليه {ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ} .

فإن قلت: فما ناصب الظرف إذا كان "الرجع" بمعنى: المرجوع؟ قلت: ما دل عليه المنذر من المنذر به، وهو البعث.

[{قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ} 4]

{قَدْ عَلِمْنا} ردّ لاستبعادهم الرجع، لأن من لطف علمه حتى تغلغل إلى ما تنقص الأرض من أجساد الموتى، وتأكله من لحومهم وعظامهم، كان قادرًا على رجعهم أحياء كما كانوا. عن النبي صلى الله عليه وسلم:«كل ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب» .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

{قَدْ عَلِمْنَا} ، أي: لقد علمنا، وحذف اللام لأن ما قبلها عوض منها، كما قال:{وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا} إلى قوله: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا} [الشمس: 1، 9] ".

قوله: (فما ناصب الظرف إذا كان "الرجع" بمعنى: المرجوع؟ ): يعني: إذا كان "الرجع" بمعنى المصدر، يصح أن يكون دالًا على عامل الظرف، لأن كليهما من كلام القوم، أي: أنبعث إذا متنا؟ كما قدر الزجاج، وإذا كان بمعنى: المرجوع، والمراد به جوابهم، وهو من كلام الله، كيف يصح أن يكون دالا على العامل؟ !

قوله: (عجب الذنب): روينا عن البخاري ومسلم وأبي دواد والنسائي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظيم واحد، وهو عجب الذنب، منه يركب الخلق يوم القيامة". النهاية: "العجب _بالسكون_: العظم الذي في أسفل الصلب، وهو العسيب من الدواب".

ص: 527

وعن السدي: {ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ} ما يموت فيدفن في الأرض منهم، {كِتابٌ حَفِيظٌ} محفوظ من الشياطين ومن التغير، وهو اللوح المحفوظ، أو حافظ لما أودعه وكتب فيه.

[{بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ} 5]

{بَلْ كَذَّبُوا} إضراب أتبع الإضراب الأوّل، للدلالة على أنهم جاءوا بما هو أفظع من تعجبهم، وهو التكذيب بالحق الذي هو النبوّة الثابتة بالمعجزات في أوّل وهلة من غير تفكر ولا تدبر،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (بما هو أفظع من تعجبهم): أشار إلى أن في الكلام ترقيًا من الأدنى إلى الأغلظ، وذلك أنه تعالى لما تضمن قوله:{مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ} معنى المنذر به والرسول، وعول على أحدهما، وقدمه على الآخر، ورده أبلغ رد، جاء بالآخر، وأضرب عما أثبت من تعجبهم بما هو أفظع من ذلك الإضراب؛ لكونه أنكر من الأول.

ويمكن أن يقال: أن المراد بـ"لحق" كما قال بعده: "الإخبار بالبعث"، فيكون المضرب عنه قوله:{فَقَالَ الكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ} ، أي: دع قولهم ذلك، فإن هاهنا ما هو أفظع منه، وهو تكذيبهم الحق الذي ما خلق السماوات والأرض إلا له، وهو جزاء المكلفين على أعمالهم، كقوله تعالى:{إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} إلى قوله: {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ} [يونس: 4].

ويعضده تعقيبه بقوله: {أَفَلَمْ يَنظُرُوا إلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا} إلى قوله: {كَذَلِكَ الخُرُوجُ} .

ويجوز أن يكون المراد ب"الحق": القرآن، ويكون المضرب عنه {ق والْقُرْآنِ المَجِيدِ}. قوله:(في أول وهلة): النهاية: "في أول شيء، والوهلة: المرة من الفزع، أي: لقيته أول فزعتها بلقاء إنسان"، هذه الوهلة مستفادة من كلمة {لَمَّا} .

ص: 528

{فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ} مضطرب -يقال: مرج الخاتم في أصبعه وجرج-، فيقولون تارة: شاعر، وتارة: ساحر، وتارة: كاهن، لا يثبتون على شيء واحد: وقرئ: "لما جاءهم" بكسر اللام، و"ما" المصدرية، واللام هي التي في قولهم: لخمس خلون، أي: عند مجيئه إياهم، وقيل:"الْحَقِّ": القرآن، وقيل: الإخبار بالبعث.

[{أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ} 6]

{أَفَلَمْ يَنْظُرُوا} حين كفروا بالبعث إلى آثار قدرة الله في خلق العالم، {بَنَيْناها} رفعناها بغير عمد، {مِنْ فُرُوجٍ} من فتوق، يعني: أنها ملساء سليمة من العيوب، لا فتق فيها ولا صدع ولا خلل، كقوله:{هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ} [الملك: 3].

[{وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ} 7 - 8]

{مَدَدْناها} دحوناها، {رَواسِيَ} جبالًا ثوابت لولا هي لتكفأت، {مِنْ كُلِّ زَوْجٍ} من كل صنف {بَهِيجٍ} يبتهج به لحسنه.

{تَبْصِرَةً وَذِكْرى} لتبصر به ونذكر كل {عَبْدٍ مُنِيبٍ} راجع إلى ربه، مفكر في بدائع خلقه. وقرئ:"تبصرة وذكرى" بالرفع، أي: خلقها تبصرة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (لتكفأت): النهاية: "كفأت الإناء وأكفأته: إذا كببته، وإذا أملته".

قوله: (أي: خلقها تبصرة): يعني: هي خبر مبتدأ محذوف، وقال أبو البقاء:"النصب مفعول له أو حال من المفعول له، أي: تبصيرًا، أو مصدر، أي: بصرناهم تبصرة". وقال القاضي: " {تَبْصِرَةً وذِكْرَى} علتان للأفعال المذكورة معنى، وإن انتصبا عن الفعل الأخير".

ص: 529

[{وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكًا فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ * وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ * رِزْقًا لِلْعِبادِ وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذلِكَ الْخُرُوجُ} 9 - 11]

{ماءً مُبارَكًا} كثير المنافع، {وَحَبَّ الْحَصِيدِ} وحب الزرع الذي من شأنه أن يحصد، وهو ما يقتات به من نحو الحنطة والشعير وغيرهما.

{باسِقاتٍ} طوالًا في السماء: وفي قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم: "باصقات" بإبدال السين صادًا لأجل القاف، {نَضِيدٌ} منضود بعضه فوق بعض، إما أن يراد: كثرة الطلع وتراكمه، أو كثرة ما فيه من الثمر.

{رِزْقًا} على: أنبتناها رزقًا، لأنّ الإنبات في معنى الرزق، أو على أنه مفعول له، أي: أنبتناها لنرزقهم، {كَذلِكَ الْخُرُوجُ} كما حييت هذه البلدة الميتة، كذلك تخرجون أحياء بعد موتكم، والكاف في محل الرفع على الابتداء.

[{كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ * وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوانُ لُوطٍ * وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ} 12 - 14]

أراد بفرعون: قومه، كقوله:{مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ} [ينس: 83]، لأنّ المعطوف عليه "قوم نوح"، والمعطوفات جماعات.

{كُلٌّ} يجوز أن يراد به: كل واحد منهم، وأن يراد: جميعهم، إلا أنه وحد الضمير الراجع إليه على اللفظ دون المعنى، {فَحَقَّ وَعِيدِ} فوجب وحل وعيدي، وهو كلمة العذاب، وفيه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وتهديد لهم.

[{أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ} 15]

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (والكاف في محل الرفع على الابتداء): روي عن المصنف رحمه الله: {كَذَلِكَ} الخبر، وهو الظاهر، ولكونه مبتدأ وجه، وهو أن يقال:"ذلك الخروج" مبتدأ وخبر على تأويل: أبو يوسف أبو حنيفة، والكاف كـ"مثل" في: مثل زيد أخوك.

ص: 530

عيي بالأمر: إذا لم يهتد لوجه عمله، والهمزة للإنكار. والمعنى: أنا لم نعجز -كما علموا- عن الخلق الأول، حتى نعجز عن الثاني، ثم قال: هم لا ينكرون قدرتنا على الخلق الأوّل، واعترافهم بذلك في طيه الاعتراف بالقدرة على الإعادة، {بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ} أي: في خلط وشبهة، قد لبس عليهم الشيطان وحيرهم، ومنه قول علي رضي الله عنه: يا حار، إنه لملبوس عليك، اعرف الحق تعرف أهله.

ولبس الشيطان عليهم: تسويله إليهم أن إحياء الموتى أمر خارج عن العادة، فتركوا لذلك القياس الصحيح: أن من قدر على الإنشاء كان على الإعادة أقدر.

فإن قلت: لم نكر "الخلق الجديد"، وهلا عرّف كما عرّف "الخلق الأول"؟ قلت: قصد في تنكيره إلى: خلق جديد له شأن عظيم وحال شديد، حق من سمع به أن يهتم به ويخاف، ويبحث عنه، ولا يقعد على لبس في مثله.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (قصد في تنكيره إلى: خلق جديد له شأن عظيم): الانتصاف: "كلام الزمخشري في هذا المقام لا ينتظم، ولعله ضل في النسخ، ومراده ثلاثة أسئلة: لم عرف "الخلق الأول"، ونكر "اللبس" و"الخلق الجديد"؟

واعلم أنه يؤتى مرة بالتنكير للتفخيم؛ لما فيه من الإبهام، كأنه أفخم من أن يحاط به معرفة، ومرة يقصد به تقليل المنكر، فتنكير "اللبس" للتعظيم، كأنه قال: في لبس أي لبس، وتنكير" الخلق الجديد" للتقليل والتهوين لأمره بالنسبة إلى "الخلق الأول"، أو يكون للتفخيم، كأنه قيل: هو أعظم من أيكون ملتبسًا عليه، فلعل إشارة الزمخشري إلى هذا".

وقلت: قد سلك المصنف مسلكًا وعرًا، لأنه ذهب إلى أن قوله:{أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ} دل على أنه لزم من إنكارهم الإعادة إنكار الأمر المقرر، وهو العلم بالخلق الأول، ثم دل الإضراب عنه أن ليس ذلك الإنكار مما يلزم منه إنكار الخلق الأول، لأنه لبس من الشيطان،

ص: 531

[{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} 16]

الوسوسة: الصوت الخفي، ومنها: وسواس الحلي، ووسوسة النفس: ما يخطر ببال الإنسان ويهجس في ضميره من حديث النفس، والباء مثلها في قولك: صوت بكذا وهمس به، ويجوز أن تكون للتعدية، والضمير للإنسان،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وخلط وحيرة منهم، وكان من حق الظاهر أن يقال: إنهم لا ينكرون الخلق الأول، بل هم في لبس من الخلق الثاني، فوضع موضعه ما يقوي شبهتهم واستبعادهم من قوله:"جديد"، ونكره تنكير تعظيم لينبه على أنه خلق جديد له شأن عظيم، ولذلك قولوا:{هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} [سبأ: 7]، {وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} [السجدة: 10]، ولمثل هذا ينبغي أن يهتم ويخاف منه ويبحث.

والحاصل: أن الخلق الجديد بالنسبة إليهم أمر عظيم، وبالنسبة إلى الله أسهل وأهون، وكان الواجب عليهم إزالة تلك الشبهة بالقياس الصحيح، فهم ما بحثوا عن ذلك، وداموا على ما كانوا عليه، فوقعوا في تلك الورطة.

وأما قضية النظم: فإن الفاء في {أَفَعَيِينَا} عطف الجملة على جملة قوله: {أَفَلَمْ يَنظُرُوا إلَى السَّمَاءِ} ، والهمزة دخلت بين المعطوفين لمزيد الإنكار، والدليل الأول: آفاقي، والثاني: أنفسي، كأنه قيل: أفلم ينظروا أنا لم نعجز عن خلق السماوات والأرض، فيعلموا أن خلق أمثالهم أسهل على اعتقادهم، كما تعالى:{أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ} [يس: 81]، ثم قيل: ألم يعلموا أنا لم نعجز عن الخلق الأول، وهو الإخراج عن العدم المحض، ثم قال:{بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ} .

قوله: (والباء مثلها في قولك: صوت بكذا): أي: الباء صلة، كما تقول: ينطق به، وفي الكواشي: ونعلم ما تحدثه نفسه، والباء زائدة.

ص: 532

أي: ما تجعله موسوسًا، و {مَا} مصدرية، لأنهم يقولون: حدّث نفسه بكذا، كما يقولون: حدثته به نفسه، قال:

وأكذب النّفس إذا حدّثتها

{وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ} مجاز، والمراد: قرب علمه منه،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (أي: ما تجعله_ يعني: ما تجعل نفسه_ موسوسًا): أي: ويعلم الله جعل النفس الإنسان موسوسًا. "ما": على الأول: موصولة، والضمير في {بِهِ} راجع إلى "ما"، أي الشيء الذي توسوس به نفسه، وعلى الثاني: مصدر، والضمير في {بِهِ} للإنسان.

وفي نسخة: "موسوسًا" بفتح الواو، أي: موسوسًا به، فحذف "به".

قوله: (لأنهم يقولون: حدث نفسه بكذا، كما يقولون: حدثته به نفسه): وهو نعليل لتصحيح القول بأن الضمير للإنسان، فجعل الإنسان مع نفسه_ أي: ذاته_ شخصين تجري بينهما مكالمة ومحادثة، تارة هو يحدثها، وأخرى هي تحدثه.

قال في قوله تعالى: {وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ} [البقرة: 9]: "وأن يراد حقيقة المخادعة، أي: وهم في ذلم يخدعون أنفسهم حيث يمنونها الأباطيل، ويكذبونها فيما يحدثونها به، وأنفسهم كذلك تمنيهم وتحدثم بالأماني"، وقال في آخر:"المراد بالأنفس: ذواتهم".

قوله: (واكذب النفس إذا حدثتها): تمامه:

إن صدق النفس يزري بالأمل

قال الميداني: "المعنى: لا تحدث نفسك بأنك لا تظفر، فإن ذلك يثبطك".

ص: 533

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقال غيره: مثله قول الآخر:

وإذا صدقت النفس لم تترك لها .... أملًا وتأمل ما اشتهى المكذوب

وبعده:

غير أن لا تكذبنها في التقى .... واخزها بالبر لله الأجل

وقال الأصمعي: هو مأخوذ من قول لبيد:

وإذا هممت بأمر شر فاتئد .... وإذا هممت بأمر خير فافعل

قال الميداني: "سئل بشار: أي بيت قالته العرب أشعر؟ قال: أن تفضيل بيت واحد على الشعر كله لشديد، لكن أحسن الشاعر في قوله:

واكذب النفس إذا حدثتها".

وقال الآخر:

وللنفوس وإن كانت على وجل .... من المنية آمال تقويها

والمرء. يبسطها والدهر يقبضها .... والنفس تنشرها والموت يطويها

وقيل: الأمل رحمة من الله، ولولا ذلك لم غرس غارس شجرًا، ولا أرضعت مرضعة ولدًا.

ص: 534

وأنه يتعلق بمعلومه منه ومن أحواله تعلقًا لا يخفى عليه شيء من خفياته، فكأن ذاته قريبة منه، كما يقال: الله في كل مكان، وقد جل عن الأمكنة، و {حَبْلِ الوَرِيدِ}: مثل في فرط القرب، كقولهم: هو مني مقعد القابلة ومعقد الإزار، وقال ذو الرمة:

والموت أدنى لي من الوريد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وأنه يتعلق بمعلومه منه): الضمير في "أنه" لعلمه تعالى، وفي "معلومه" لله تعالى، وفي "منه" للإنسان.

قوله: (فكأن ذاته قريبة منه): قال القاضي: "أي: ونحن أعلم بحاله ممن كان أقرب إليه {مِنْ حَبْلِ الوَرِيدِ} تجوز بقرب الذات لقرب العلم، لأنه موجبه".

قوله: (هو مني مقعد القابلة): وذلك إذا لصق به من بين يديه، الشيء أن كان بعيدًا قالوا: هو مني مناط الثريًا، وإن كان قريبًا قالوا: هو مني مقعد القابلة ومعقد الإزار، وإن كان وسطًا قالوا: هو منك فوق اليد، وبسطة الرمح، وغلوة الرامي، وعدوة الفرس.

قوله: (والموت أدنى لي من الوريد): قيل: أوله:

هل أغدون في عيشة رغيد

وعن بعضهم: في "ديوانه":

ما دون وقت الأجل المعدود .... نقص ولا في الظمء من مزيد

موعود رب صادق الموعود .... والله أدنى لي من الوريد

والموت يلقى أنفس الشهود

ص: 535

والحبل: العرق، شبه بواحد الحبال، ألا ترى إلى قوله:

كأن وريديه رشاءا خلب

والوريدان: عرقان مكتنفان لصفحتى العنق في مقدمهما متصلان بالوتين، يردان من الرأس إليه، وقيل: سمي "وريدًا" لأنّ الروح ترده.

فإن قلت: ما وجه إضافة "الحبل" إلى "الوريد"، والشيء لا يضاف إلى نفسه؟ قلت: فيه وجهان: أحدهما: أن تكون الاضافة للبيان، كقولهم: بعير سانية. والثاني: أن يراد حبل العاتق، فيضاف إلى الوريد، كما يضاف إلى العاتق؛ لاجتماعهما في عضو واحد،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الشهود: الحضور، والظمء_ بالظاء والهمز_: مدة الأجل، والأصل: ما بين الشريين.

قوله: (كأن وريديه رشاءا خلب): الرشاء_ بالمد_: حبل البئر، والخلب_ بالتسكين_: الليف، جعل"كأن" بعد التخفيف عاملة، كما كان قبله، ونصب "وريديه".

الراغب: "الوريد: عرق يتصل بالكيد والقلب، وفيه مجاري الروح، قال تعالى: {ونَحْنُ أَقْرَبُ إلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوَرِيدِ} أي: روحه".

قوله: (بعير سانية): وهي الناقة التي يستقى عليها، وهي الناضحة أيضًا، وقيل في المثل:"سير السواني سفر لا ينقطع"، وفي بعض النسخ:"بعير سائبة"، وهي الناقة التي تسيب في الجاهلية.

قوله: (لاجتماعهما في عضو واحد): أي: اجتماع الحبل والوريد في صفحة العنق، وذلك أن هذا الحبل هو الذي امتد من العاتق إلى صفحة العنق، فيضاف إلى الوريد لاتصاله به، كما يضاف إلى العاتق.

ص: 536

كما لو قيل: حبل العلياء مثلًا.

[{إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ * ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} 17 - 18]

{إِذْ} منصوب بـ {أَقْرَبُ} ، وساغ ذلك لأنّ المعاني تعمل في الظرف متقدّمة ومتأخرة، والمعنى: أنه لطيف يتوصل علمه إلى خطرات النفس وما لا شيء أخفى منه، وهو أقرب من الإنسان من كل قريب حين يتلقى الحفيظان ما يتلفظ به؛ إيذانًا بأن استحفاظ الملكين أمر هو غني عنه، وكيف لا يستغني عنه وهو مطلع على أخفى الخفيات؟ وإنما ذلك لحكمة اقتضت ذلك، وهي ما في كتبة الملكين وحفظهما، وعرض صحائف العمل يوم يقوم الأشهاد، وعلم العبد بذلك مع علمه بإحاطة الله بعمله: من زيادة لطف له في الانتهاء عن السيئات والرغبة في الحسنات.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «إنّ مقعد ملكيك على ثنيتيك، ولسانك قلمهما، وريقك مدادهما، وأنت تجري فيما لا يعنيك، لا تستحي من الله، ولا منهما» .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (حبل العلباء): النهاية: "العلباء: عصب في العنق يأخذ إلى الكاهل، وهما علبا وان يمينًا وشمالًا، وما بينهما منبت عرف الفرس"

قوله: (لأن المعاني تعمل في الظرف): قيل: إن "أفعل" لا يعمل في الظاهر، لكن فيه معنى الفعل، وذلك القدر يكفي في أن يعمل في الظرف، فإن معنى قولهم:"إنه لا يعمل": لا يعمل في الفاعل والمفعول الظاهرين، والمراد من قولهم:"المعاني": ما فيه معنى الفعل، كاسم الإشارة والجار والمجرور، فألحق اسم التفضيل بهما لضعفه في العمل.

قوله: (إيذانًا): مفعول له، ومعلله محذوف، أي: قال تعالى ذلك للإيذان.

قوله: (ثنيتيك): وهما السنان المتقدمان.

ص: 537

ويجوز أن يكون تلقي الملكين بيانًا للقرب، يعني: ونحن قريبون منه مطلعون على أحواله مهيمنون عليه، إذ حفظتنا وكتبتنا موكلون به، والتلقي: التلقن بالحفظ والكتبة. والقعيد: المقاعد، كالجليس بمعنى: المجالس، وتقديره: عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد من المتلقيين، فترك أحدهما لدلالة الثاني عليه، كقوله:

كنت منه ووالدي .... بريئًا

{رَقِيبٌ} ملك يرقب عمله، {عَتِيدٌ} حاضر، واختلف فيما يكتب الملكان: فقيل: يكتبان كل شيء حتى أنينه في مرضه، وقيل: لا يكتبان إلا ما يؤجر عليه أو يؤزر به، ويدل عليه قوله عليه السلام: «كاتب الحسنات على يمين الرجل، وكاتب السيئات على يسار الرجل، وكاتب الحسنات أمين على كاتب السيئات، فإذا عمل حسنة كتبها ملك اليمين عشرًا، وإذا عمل سيئة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال: دعه سبع ساعات

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ويجوز أن يكون تلقي الملكين بيانًا للقرب): أي: تعليلًا له، كما قال صاحب "التقريب"، فـ"إذ" للتعليل، وقوله:"ويجوز" عطف على قوله: "وهو أقرب من الإنسان من كل قريب، حين يتلقى الحفيظان".

قوله: (كنت منه ووالدي بريئًا): أوله:

رماني بأمر كنت منه ووالدي .... بريئا ومن أجل الطوي رماني

أي: رماني بأمر كنت منه وكان والدي منه بريئًا.

قوله: (أو يؤزر به): روي عن المصنف: أجره: إذا ضربه بالأجر، ووزره: إذا ضربه بالوزر، كما يقال: ركبه: إذا ضربه بالركبة، ورأسه: إذا ضربه بالرأس.

ص: 538

لعله يسبح أو يستغفر»، وقيل: إنّ الملائكة يجتنبون الإنسان عند غائطه وعند جماعه.

وقرئ: "ما يلفظ" على البناء للمفعول.

[{وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ * لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ} 19 - 22]

لما ذكر إنكارهم البعث، واحتج عليهم بوصف قدرته وعلمه، أعلمهم أن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (لما ذكر إنكارهم البعث، واحتج عليهم بوصف قدرته وعلمه، أعلمهم): بيان لنظم الآية، وأن قوله:{وجَاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ} متصل بمفتتح السورة، و"الإنكار": هو قولهم: {أَئِذَا مِتْنَا وكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ} ، و"الوصف بالعلم": في موضعين:

أحدهما: قوله: {قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ} ، أي: لا تخفى علينا أجزاؤهم المتفرقة المتلاشية في تخوم الأرضين، ردًا لقولهم:{أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} ، وأما قوله:{وعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ} فتأكيد له، أي: عندنا تفاصيل تلك الأجزاء جزءًا فجزءًا، شيئًا فشيئًا، نعلمه كما يعلم من يكون عنده كتاب ينظر إليه ويحفظه بتفاصيله، حرفًا حرفًا، بابًا بابًا؛ تقريبًا لكم.

وثانيها قوله: {ونَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ} إلى آخر الآيات، وإثباته على طريق يعلم منه تفاصيل أفعال المكلف وأواله، كما أن إثبات الأول لتفاصيل أجزائه وأعضائه، وإنما أخر هذا النوع من العلم ليتخلص منه إلى أحوال انتقاله من هذه الدار إلى الأخرى.

وأما "إثبات القدرة": فكما سبق على نوعين: آفاقي، وإليه الإشارة بقوله:{أَفَلَمْ يَنظُرُوا إلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ} ، أو أنفسي، وهو المراد من قوله:{أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ} ، وقد سبق مرارًا أن إثبات الحشر والنشر إنما يتم ويتمشى إذا ثبت أنه تعالى عالم بكل المعلومات، وقادر على كل المقدورات، ويخبر عنه الصادق. ما أحسن هذا النظم.

ص: 539

ما أنكروه وجحدوه هم لا قوه عن قريب عند موتهم وعند قيام الساعة، ونبه على اقتراب ذلك بأن عبر عنه بلفظ الماضي، وهو قوله:{وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ} ، {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ} .

و{سَكْرَةُ المَوْتِ} : شدّته الذاهبة بالعقل، والباء في {بِالحَقِّ} للتعدية، يعني: وأحضرت سكرة الموت حقيقة الأمر الذي أنطق الله به كتبه، وبعث به رسله، أو: حقيقة الأمر وجلية الحال؛ من سعادة الميت وشقاوته. وقيل: الحق: الذي خلق له الإنسان؛ من أن كل نفس ذائقة الموت.

ويجوز أن تكون الباء مثلها في قوله: {تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ} [المؤمنون: 20]، أي: وجاءت ملتبسة بالحق، أي: بحقيقة الأمر، أو بالحكمة والغرض الصحيح، كقوله:{خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ} [الأنعام: 73].

وقرأ أبو بكر وابن مسعود رضي الله عنهما: "سكرة الحق بالموت"؛ على إضافة "السكرة" إلى "الحق"، والدلالة على أنها السكرة التي كتبت على الإنسان وأوجبت له، وأنها حكمة، والباء للتعدية؛ لأنها سبب

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ونبه على اقتراب ذلك [بأن عبر عنه] بلفظ الماضي): يعني: إذا كان الشيء المتوقع قريب الوقوع، أو أسباب وقوعه متأخرة: يعدل في الإخبار عنه من المستقبل إلى الماضي؛ دلالة على حصوله، نحو قولك:"اشتريت كذا" حال انعقاد الأسباب، وحصول التراضي، ومنه قوله: مت.

قوله: (والدلالة): عطف على "إضافة" عطف تفسير وإعلام بأن الإضافة من إضافة البيان.

قوله: (والباء للتعدية): أي: الباء في "بالموت" في قراءة "سكرة الحق بالموت" متصل بـ"جاءت"، وهي إما سببية، لأن مجيء هذه السكرة التي أوجبها الله تعالى للإنسان حكمة

ص: 540

زهوق الروح لشدتها، أو لأنّ الموت يعقبها، فكأنها جاءت به. ويجوز أن يكون المعنى: جاءت ومعها الموت.

وقيل: سكرة الحق: سكرة الله، أضيفت إليه تفظيعًا لشأنها وتهويلًا. وقرئ:"سكرات الموت".

{ذلِكَ} إشارة إلى "الموت"، والخطاب للإنسان في قوله:{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ} على طريق الالتفات، أو إلى "الحق" والخطاب للفاجر، {تَحِيدُ} تنفر وتهرب، وعن بعضهم: أنه سأل زيد بن أسلم عن ذلك، فقال: الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فحكاه لصالح بن كيسان، فقال: والله ما سنّ عالية، ولا لسان فصيح،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لابد أن تكون سببًا لزهوق الروح، أو لا تكون سببه، لكن هذه السكرة لما ترتب عليها الموت كانت كأنها جاءت بالموت.

قوله: (أو إلى "الحق"، والخطاب للفاجر): يعني: {وجَاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالْحَقِّ} إن اتصل بقوله: {بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ} ، وقوله:{كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ} ، وهم الذين قالوا:{أَئِذَا مِتْنَا وكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ} : فالمناسب أن يكون المشار إليه بقوله {ذَلِكَ} : "الحق"، يدل عليه قوله:"لما ذكر إنكارهم البعث، واحتج عليهم بوصف قدرته وعلمه، أعلمهم أن ما أنكروه وجحدوه هم لا قوه عن قريب" أي" جاءك_ أيها الفاجر_ الحق الذي أنكرته.

وإن اتصل بقوله: {ولَقَدْ خَلَقْنَا الإنسَانَ} ، ويكون الخطاب للجنس، وفيهم البر والفاجر، كما قال الحسين بن عبد الله العباسي، فالمناسب أن يكون المشار إليه:"الموت".

والالتفات لا يفارق الوجهين، ولا ثاني هو الوجه؛ لمجيء قوله بعد ذلك:{وجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وشَهِيدٌ} ، وتفصيله:{أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ} ، {وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ} .

قوله: (ما سن عالية): نفي للصفة على المبالغة دون الموصوف، يدل عليه قوله:"ولا لسان فصيح"، نحو قولك: ما عندي كتاب يباع، تريد نفي البيع وحده.

ص: 541

ولا معرفة بكلام العرب، هو للكافر. ثم حكاهما للحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، فقال: أخالفهما جميعًا، هو للبر والفاجر.

{ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ} على تقدير حذف المضاف، أي: وقت ذلك يوم الوعيد، والإشارة إلى مصدر "نفخ".

{سائِقٌ وَشَهِيدٌ} ملكان، أحدهما يسوقه إلى المحشر، والآخر يشهد عليه بعمله، أو ملك واحد جامع بين الأمرين، كأنه قيل: معها ملك يسوقها ويشهد عليها، ومحل {مَعَها سائِقٌ}: النصب على الحال من {كُلُّ} ؛ لتعرّفه بالإضافة إلى ما هو في حكم المعرفة.

قرئ: "لقد كنت

عنك غطاءك فبصرك" بالكسر؛ على خطاب النفس، أي: يقال لها لقد كنت.

جعلت الغفلة كأنها غطاء غطي به جسده كله، أو غشاوة غطى بها عينيه، فهو لا يبصر شيئًا، فإذا كان يوم القيامة تيقظ، وزالت الغفلة عنه وغطاؤها، فيبصر ما لم يبصره من الحق، ورجع بصره -الكليل عن الإبصار لغفلته- حديدًا لتيقظه.

[{وَقالَ قَرِينُهُ هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ} 23]

{وَقالَ قَرِينُهُ} هو الشيطان الذي قيض له في قوله: {نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} [الزخرف: 36]،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (لتعرفه بالإضافة): قيل: أصل "كل" أن تضاف إلى الجمع، كـ"أفعل" التفضيل، وإنما كانت في حكم المعرفة لأنها بإضافتها إلى "النفس" صارت شاملة لجميع النفوس، فكأنه قيل: كل النفوس، فتعين مدلولها، فصارت معرفة.

ص: 542

يشهد له قوله: {قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ} [ق: 27]، {هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ} هذا شيء لديّ وفي ملكتي عتيد لجهنم، والمعنى: أن ملكًا يسوقه، وآخر يشهد عليه، وشيطانًا مقرونًا به، يقول: قد أعتدته لجهنم وهيأته لها بإغوائى وإضلالي.

فإن قلت: كيف إعراب هذا الكلام؟ قلت: إن جعلت {مَا} موصوفة،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (يشهد له قوله: {قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ}): يعني: الذي يدل على أن "القرين" هو الشيطان: هذه الآية، وفيه نظر؛ لأن القرين الأول حين قال: هذا ما أعتدته لجهنم، وهيأته لها، بإغوائي وإضلالي_ كما قال_، كيف يقول:{رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ} ؟ ولذلك قال الواحدي: "القرين الأول: الملك الذي كان يكتب عمله السيئ في الدنيا، يقول لربه: وكلتني به، وقد أحضرته، وهو قوله: {هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ}، يعني: الشخص الذي أتى به، و"ما" بمعنى "من"، والقرين الثاني: الشيطان"، وله أن يقول: أن الشيطان حين رأى ملكًا يسرق الكافر، وآخر يشهد عليه، قال ذلك القول، فلما سمع خطاب الله عز وجل:{أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ} ، وقوله:{فَأَلْقِيَاهُ فِي العَذَابِ الشَّدِيدِ} تبرأ منه وكذب.

قوله: (إن جعلت {مَا} موصوفة): بمعنى: شيء، و {عَتِيدٌ} صفة لها أو موصولة، و {لَدَيَّ} صلتها، و {عَتِيدٌ} بدل من الموصولة، ولإبهامها جاز إبدال النكرة منها، قال أبو البقاء:" {هَذَا} مبتدأ، وفي {مَا} وجهان: أحدهما: أنها نكرة، و {عَتِيدٌ} صفتها، و {لَدَيَّ} معمول {عَتِيدٌ}، ويجوز أن يكون {لَدَيَّ} صفة أيضًا، فيتعلق بمحذوف، وتكون {مَا لَدَيَّ} خبر {هَذَا}. والثاني: أن تكون {مَا} موصولة، و {لَدَيَّ} صلتها، و {عَتِيدٌ} خبر {مَا}، والجملة خبر {هَذَا}، ويجوز أن تكون {مَا} بدلًا من {هَذَا}، ويجوز أن يكون {عَتِيدٌ} خبر مبتدأ محذوف، ويكون {مَا لَدَيَّ} خبرًا عن {هَذَا}، أي: هو عتيد، ولو جاء ذلك في غير القرآن لجاز نصبه على الحال".

ص: 543

فـ {عَتِيدٌ} : صفة لها، وإن جعلتها موصولة فهو بدل، أو خبر بعد خبر، أو خبر مبتدأ محذوف.

[{أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ * الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ فَأَلْقِياهُ فِي الْعَذابِ الشَّدِيدِ} 24 - 26]

{أَلْقِيا} خطاب من الله تعالى للملكين السابقين؛ السائق والشهيد، ويجوز أن يكون خطابًا للواحد على وجهين: أحدهما: قول المبرد: أن تثنية الفاعل نزلت منزلة تثنية الفعل لاتحادهم، كأنه قيل: ألق ألق، للتأكيد. والثاني: أنّ العرب أكثر ما يرافق

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فإن قلت: لم لم يذكر إبدال {عَتِيدٌ} عن {مَا} إذا كانت موصوفة؟ قلت: الموصولة مع الصلة في تأويل المفرد، فجاز إبداله منه، ولا كذلك الموصوفة.

قوله: (فهو بدل): أي: {عَتِيدٌ} بدل من الموصول، قال صاحب "التقريب": ولإبهامه جاز إبدال النكرة منه.

قوله: (أو خبر بعد خبر): كقولهم: "القرآن كلام الله غير مخلوق"، فقولهم:"القرآن" مبتدأ، و"كلام الله" خبره، و"غير مخلوق" خبر آخر، لا أن يكون "كلام الله" بدلًا من قوله:"القرآن"، وفي كونهما خبرين فائدة، لأن معناه: القرآن كلام الله كما يقوله المحقون، لا مختلق كما يقوله المبلطون.

قوله: (ويجوز أن يكون خطابًا للواحد): التعريف في "الواحد" للعهد، والمعهود قوله:"أو ملك واحد جامع بين الأمرين".

قوله: (ألق ألق): قيل: وجهه أنه حذف الفعل الثاني، ثم أتى بفاعله وفاعل الفعل الأول على صورة ضمير الاثنين متصلًا بالفعل الأول.

قوله: (أكثر): مبتدأ، خبره محذوف، وقوله:"اثنين" مفعول "يرافق"، أي: أكثر مرافقة الرجل اثنين، حاصل هذا على الكوفي، أما المذهب السديد البصري: فـ"اثنين" حال سد مسد الخبر، أي: أكثر مرافقة الرجل حاصل إذا كانا اثنين، والجملة خبر "أن".

ص: 544

الرجل منهم اثنين، فكثر على ألسنتهم أن يقولوا: خليليّ وصاحبيّ، وقفا وأسعدا، حتى خاطبوا الواحد خطاب الاثنين، عن الحجاج أنه كان يقول: يا حرسيَّ اضربا عنقه.

وقرأ الحسن: "ألقين" بالنون الخفيفة، ويجوز أن تكون الألف في {أَلْقِيا} بدلًا من النون؛ إجراء للوصل مجرى الوقف.

{عَنِيدٍ} معاند مجانب للحق معاد لأهله.

{مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ} كثير المنع للمال عن حقوقه، جعل ذلك عادة له لا يبذل منه شيئًا قط، أو مناع لجنس الخير أن يصل إلى أهله يحول بينه وبينهم. قيل: نزلت في الوليد بن المغيرة، كان يمنع بني أخيه من الإسلام، وكان يقول: من دخل منكم فيه لم أنفعه بخير ما عشت، {مُعْتَدٍ} ظالم متخط للحق، {مُرِيبٍ} شاك في الله وفي دينه.

{الَّذِي جَعَلَ} مبتدأ مضمن معنى الشرط، ولذلك أجيب بالفاء، ويجوز أن يكون {الَّذِي جَعَلَ} .....

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (خاطبوا الواحد خطاب الاثنين): كما في قوله:

فإن تزجراني_ يا ابن عفان_ أنزجر .... وإن تدعاني أحم عرضًا ممنعا

قوله: (يا حرسي): الحرس_ بفتحتين_: حرس السلطان، وهم الحراس، الواحد: حرسي، لأنه صار اسم جنس، فنسب إليه، ولا تقول: حارس، إلا أن تذهب به إلى معنى الحراسة دون الجنس، ذكر في "الصحاح". قيل: هذا يدل على أن الحجاج أطلقه على الواحد، لأنه صار اسم جنس، ثم ثناه، فقال: يا حرسي اضربا، لى لفظ التثنية المضافة قيل: هذا يدل على أن الحجاج أطلقه على الواحد، لأنه صار اسم جنس، ثم ثناه، فقال: يا حرسي اضربا، على لفظ التثنية المضافة إلى ياء المتكلم عند النداء، وفيه بحث.

ص: 545

منصوبًا بدلًا من كُلَّ كَفَّارٍ ويكون فَأَلْقِياهُ تكريرًا للتوكيد.

[{قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ وَلكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ} 27]

فإن قلت: لم أخليت هذه الجملة عن الواو، وأدخلت على الأولى؟ قلت: لأنها استؤنفت كما تستأنف الجمل الواقعة في حكاية التقاول، كما رأيت في حكاية المقاولة بين موسى وفرعون. فإن قلت: فأين التقاول ها هنا؟ قلت: لما قال قرينه: {هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ} ، وتبعه قوله:{قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ} ، وتلاه:{لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ} ، علم أنّ ثم مقاولة من الكافر، لكنها طرحت لما يدل عليها، كأنه قال: رب هو أطغاني، فقال قرينه: ربنا ما أطغيته.

وأمّا الجملة الأولى فواجب عطفها للدلالة على الجمع بين معناها ومعنى ما قبلها في الحصول، أعني: مجيء كل نفس مع الملكين، وقول قرينه ما قال له.

{ما أَطْغَيْتُهُ} : ما جعلته طاغيًا، وما أوقعته في الطغيان، ولكنه طغى واختار الضلالة على الهدى، كقوله:{وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي} [إبراهيم: 22].

[{قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ * ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَما أَنَا بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ} 38 - 29]

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ويكون {فَأَلْقِيَاهُ} تكريرًا للتوكيد): نحوه قوله تعالى: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا} [القمر: 9]، قال:"أي: كذبوه تكذيبًا على عقب تكذيب".

قوله: (في حكاية المقاولة بين موسى وفرعون): أي: في سورة بني إسرائيل، وكذلك في الشعراء.

ص: 546

{قالَ لا تَخْتَصِمُوا} استئناف، مثل قوله:{قالَ قَرِينُهُ} ، كأن قائلًا قال: فماذا قال الله؟ فقيل: قال: لا تختصموا. والمعنى: لا تختصموا في دار الجزاء وموقف الحساب، فلا فائدة في اختصامكم، ولا طائل تحته، وقد أوعدتكم بعذابي على الطغيان في كتبي وعلى ألسنة رسلي، فما تركت لكم حجة عليّ، ثم قال: لا تطمعوا أن أبدل قولي ووعيدي، فأعفيكم عما أوعدتكم به، {وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} فأعذب من ليس بمستوجب للعذاب.

والباء في {بِالْوَعِيدِ} مزيدة، مثلها في {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} ، أو معدية؛ على أن «قدّم» مطاوع بمعنى:«تقدّم» ، ويجوز أن يقع الفعل على جملة قوله:{ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} ، ويكون {بِالْوَعِيدِ} حالًا، أي: قدّمت إليكم هذا ملتبسًا بالوعيد مقترنًا به، أو قدّمته إليكم موعدًا لكم به.

فإن قلت: إنّ قوله: {وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ} واقع موقع الحال من {لا تَخْتَصِمُوا} ، والتقديم بالوعيد في الدنيا، والخصومة في الآخرة، واجتماعها في زمان واحد واجب؟ قلت: معناه: ولا تختصموا وقد صح عندكم إني قدمت إليكم بالوعيد، وصحة ذلك عندهم في الاخرة.

فإن قلت: كيف قال: {بِظَلَّامٍ} على لفظ المبالغة؟ قلت: فيه وجهان: أحدهما: أن يكون من قولك: هو ظالم لعبده، وظلام لعبيده. وأن يراد: لو عذبت من لا يستحق العذاب لكنت ظلامًا مفرط الظلم، فنفى ذلك.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (أو قدمته إليكم موعدًا لكم به): فعلى هذا {بِالْوَعِيدِ} حال من الفاعل، وعلى الأول من المفعول.

قوله: (فيه وجهان: أن يكون من قولك: هو ظالم): وقد مر بيانه مرارًا.

الانتصاف: "أراد أن "فعالًا" ورد بمعنى: فاعل، أو المنسوب في المعتاد إلى الملوك من الظلم على حسب ملكهم؛ أن عظيما فعظيم، وإن حقيرًا فحقير، فلما كان ملك الله على كل

ص: 547

[{يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَاتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ} 30]

قرئ: {نَقُولُ} بالنون والياء، وعن سعيد بن جبير:"يوم يقول الله لجهنم"، وعن ابن مسعود والحسن:"يقال". وانتصاب "اليوم" بـ"ظلام" أو بمضمر، نحو: أذكر وأنذر، ويجوز أن ينتصب بـ"نفخ"، كأنه قيل: ونفخ في الصور يوم نقول لجهنم، وعلى هذا يشار بذلك إلى {يَوْمَ نَقُولَ} ، ولا يقدّر حذف المضاف.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

شيء، فلو نسب إليه لكان ظالمًا، والقدرية ظنوا أنه لو عاقب على ما قضى لكان ظالمًا لعبده، فيكون ظلامًا لكثرتهم، فهذه الآية ترد عليهم".

قوله: (قرئ: {نَقُولُ} بالنون والياء): نافع وأبو بكر: بالياء، والباقون: بالنون.

قوله: (ويجوز أن ينتصب بـ"نفخ"): قيل: إذا انتصب {يَوْمَ نَقُولُ} بـ"نفخ": يكون {ذَلِكَ} - في قوله: {ذَلِكَ يَوْمُ الوَعِيدِ} - إشارةً إلى {يَوْمَ نَقُولُ} ، فلا يحتاج إلى تقدير حذف المضاف، لأن المعنى: ذلك اليوم- أي: يوم نقول لجهنم- هو يوم الوعيد، فيصح الحمل عليه من غير التقدير، وأما إذا لم يكن منصوبًا بـ"نفخ"، ويكون قوله:{ذَلِكَ} إشارةً إلى النفخ، فلا يصح الحمل عليه من غير التقدير، ولهذا قال:"أي: وقت ذلك يوم الوعيد، والإشارة إلى مصدر (نفخ) "، ولا يقال: النفخ في الصور يوم الوعيد.

ص: 548

وسؤال جهنم وجوابها: من باب التخييل الذي يقصد به تصوير المعنى في القلب وتثبيته، وفيه معنيان: أحدهما: أنها تمتلئ مع اتساعها وتباعد أطرافها حتى لا يسعها شيء، ولا يزاد على امتلائها، لقوله:{لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ} [السجدة: 13]. والثاني: أنها من السعة بحيث يدخلها من يدخلها، وفيها موضع للمزيد.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وسؤال جهنم وجوابها: من باب التخييل): الانتصاف: " تقدم إنكار لفظ "التخييل" في قوله: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} [المائدة: 64]، {وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [الزمر: 67]، وها هنا أولى، فإن تلك الآيات لا بد من حملها على المجاز، والمنكر لفظ التخييل الذي استعمل في الباطل، كقوله: {يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى} [طه: 66]، وها هنا سؤال جهنم وجوابها حقيقة، كما ورد: "تحاجت الجنة والنار"، و"اشتكت النار إلى ربها"، ولا مانع من ذلك، فقد سبح الحصى، وسلم الحجر على النبي صلى الله عليه وسلم، ولو فتح باب المجاز فيه لاتسع الخرق، بخلاف الآيات الواردة في الصفات".

وقلت: هذا هو الحق الذي لا محيد عنه، روينا عن البخاري ومسلم والترمذي عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لا تزال جهنم يلقى فيها، وتقول: هل من مزيد؟ حتى يضع رب العرش_ وفي رواية: رب العزة_ فيها قدمه، فينزوي بعضها إلى بعض، وتقول: قط قط، بعزتك وكرمك، ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشئ الله خلقًا، فيسكنهم فضل الجنة".

وعنهم عن أبي هريرة قال: "اختصمت الجنة والنار، فقالت الجنة: يا رب، ما لها لا يدخلها إلا ضعفاء الناس وسقطهم، وقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين، فقال للجنة:

ص: 549

ويجوز أن يكون {هَلْ مِنْ مَزِيدٍ} استكثارًا للداخلين فيها، واستبداعًا للزيادة عليهم لفرط كثرتهم، أو طلبًا للزيادة غيظًا على العصاة. و"المزيد": إما مصدر كالمحيدو المميد، وإما اسم مفعول كالمبيع.

[{وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ * ادْخُلُوها بِسَلامٍ ذلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ * لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها وَلَدَيْنا مَزِيدٌ} 31 - 35]

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أنت رحمتي، أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنار: أنت عذابي أصيب بك من أشاء، ولكل واحدة منكما ملؤها، قال أما الجنة فإن الله لا يظلم من خلقه أحدًا، وأنه ينشئ للنار من يشاء، فيلقون فيها، فتقول: هل من مزيد؟ ويلقون فيها، فتقول: هل من مزيد؟ حتى يضع قدمه فيها، فتمتلئ، وينزوي بعضها إلى بعض، وتقول: قط قط". وموضع التأويل "التقدم" فقط.

قوله: (ويجوز أن يكون): ابتداء تفسير لقوله تعالى: {هَلْ مِن مَّزِيدٍ} بناء على الوجهين السابقين من السعة على النشر، فقوله:"استكثارًا للداخلين فيها" مفرع على قوله: "أنها تمتلئ مع اتساعها حتى لا يسعها شيء"، وقوله:"أو طلبًا للمزيد" مبني على قوله: "إنها من السعة بحيث يدخلها من يدخلها، وفيها موضع للمزيد"، والاستفهام في قوله:{هَلْ مِن مَّزِيدٍ} : إذا كان بمعنى استكثار الداخلين كان في معنى النفي، وهو مشكل؛ لأنه حينئذ بمعنى الداخلين كان في معنى النفي، وهو مشكل؛ لأنه حينئذ بمعنى الإنكار، والمخاطب الله عز وجل، ولا يلائمه أيضًا معنى الحديث الذي أوردناه.

قوله: (والمميد): المحيد والمميد بمعنى، الجوهري:"ماد الشيء يميد ميدًا: تحرك، وماد الرجل: تبختر".

قوله: (وإما اسم مفعول): أي: يقال: هل من يزاد؟ كما يقال: هل من يباع؟

ص: 550

{غَيْرَ بَعِيدٍ} نصب على الظرف، أي: مكانًا غير بعيد، أو على الحال، وتذكيره لأنه على زنة المصدر، كالزئير والصليل، والمصادر يستوي في الوصف بها المذكر والمؤنث، أو على حذف الموصوف، أي: شيئًا غير بعيد، ومعناه التوكيد، كما تقول: هو قريب غير بعيد، وعزيز غير ذليل.

وقرئ: {تُوعَدُونَ} بالتاء والياء، وهي جملة اعتراضية، و {لِكُلِّ أَوَّابٍ} بدل من قوله:{لِلْمُتَّقِينَ} بتكرير الجارّ، كقوله: {لِلَّذِينَ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (كالزئير والصليل): الجوهري: "الزئير": صوت الأسد في صدره، وقد زأر يزأر زأرًا وزئيرًا"، و"صل المسمار وغيره يصل صليلًا، أي: صوت".

قوله: (أي: شيئًا غير بعيد، ومعناه التوكيد): قال صاحب "الفرائد": القرب والبعد أمران نسبيان، قد يكون الشيء قريبًا إلى شيء، وبعيدًا بالنسبة إلى آخر، فقوله:{غَيْرَ بَعِيدٍ} يفيد أن الجنة قريبة لهم، ثم لم يكن لها بعد بوجه ما.

وقال ابن الحاجب: "يجوز أن يكون نعتًا لمصدر محذوف، أي: قربت في من غير بعيد، وإنما عبر عنه بالمضي لتحقيقه أو لتقريبه، والمراد بالتحقيق هاهنا كونه حقًا لا باطلًا، لا الوقوع الحاصل، وأما {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ} [القمر: 1] و {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ} [الأنبياء: 1]: فهذان حاصلان".

قوله: (وعزيز غير ذليل): روي عن المصنف أنه قال: لأنه يجوز أن يتناول العزيز ذل ما من بعض الوجوه، إلا أن الغالب عليه العز، فيقال:"غير ذليل" ليزال ذلك التوهم، وذلك في كل تأكيد.

قوله: (قرئ {تُوعَدُونَ} بالتاء والياء): ابن كثير: بالياء التحتانية، والباقون: بالتاء.

ص: 551

اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ} [الأعراف: 75]، و {هَذَا} إشارة إلى الثواب، أو إلى مصدر "أزلفت"، و"الأوّاب": الرجاع إلى ذكر الله تعالى، و"الحفيظ": الحافظ لحدوده.

و{مَنْ خَشِيَ} بدل بعد بدل تابع لـ"كل"، ويجوز أن يكون بدلًا عن موصوف {أوّابٍ} و {حَفِيظٍ} ، ولا يجوز أن يكون في حكم {أَوَّابٍ} و {حَفِيظٍ} ، لأنّ "مِنْ" لا يوصف به، ولا يوصف من بين الموصولات إلا بـ"الذي" وحده، ويجوز أن يكون مبتدأ خبره: يقال لهم: {ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ} ، لأنّ "مَنْ" في معنى الجمع، ويجوز أن يكون منادى؛ كقولهم: من لا يزال محسنًا أحسن إليّ، وحذف حرف النداء للتقريب.

{بِالْغَيْبِ} حال من المفعول، أي: خشيه وهو غائب لم يعرفه وكونه معاقبًا إلا بطريق الاستدلال، أو صفة لمصدر {خَشِيَ} ، أي: خشيه خشية ملتبسة بالغيب، حيث خشي عقابه وهو غائب، أو خشيه بسبب الغيب الذي أوعده به من عذابه، وقيل: في الخلوة حيث لا يراه أحد.

فإن قلت: كيف قرن بالخشية اسمه الدال على سعة الرحمة؟ قلت: للثناء البليغ على الخاشي، وهو خشيته، مع علمه أنه الواسع الرحمة،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ولا يجوز أن يكون في حكم {أَوَّابٍ} و {حَفِيظٍ}): يعني: لو كان في حكم {أَوَّابٍ} و {حَفِيظٍ} ، وهما صفتان لموصوف محذوف، لزم أن تكون "من" صفة، و"من" لا تكون صفة.

قوله: (للتقريب): أي: لأنه منادى قريب، كما قال في قوله تعالى:{يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا} [يوسف: 29].

قوله: (للثناء البليغ على الخاشي): أي: وصفهم بالحزم الشديد، لأن صفة الرحمانية تقتضي تعليق الرجاء العظيم بها، وهم ما اغتروا، بل علقوا الخشية بها، كقوله تعالى:{وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ} [لقمان: 33، وفاطر: 5]، ومنه ما يحكى أن كثيرًا لما مدح عبد الملك بقوله:

ص: 552

كما أثني عليه بأنه خاش مع أنّ المخشي منه غائب، ونحوه:{وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} [المؤمنون: 60]، فوصفهم بالوجل مع كثرة الطاعات.

وصف القلب بالإنابة، وهي الرجوع إلى الله؛ لأنّ الاعتبار بما ثبت منها في القلب، يقال لهم:{ادْخُلُوها بِسَلامٍ} أي: سالمين من العذاب وزوال النعم، أو مسلمًا عليكم؛ يسلم عليكم الله وملائكته، {ذلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ} أي: يوم تقدير الخلود، كقوله:{فَادْخُلُوها خالِدِينَ} [الزمر: 73]، أي: مقدرين الخلود.

{وَلَدَيْنا مَزِيدٌ} هو ما لم يخطر ببالهم، ولم تبلغه أمانيهم، حتى يشاؤه. وقيل: إن السحاب تمرّ بأهل الجنة، فتمطرهم الحور، فتقول: نحن المزيد الذي قال الله عز وجل: {وَلَدَيْنا مَزِيدٌ} .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

على ابن أبي العاصي دلاص حصينة .... أجاد المسدي نسجها فأذالها

قال: فهلا قلت في كما قال الأعشى:

وإذا تكون كتيبة ملمومة .... شهباء يخشى الذائدون نزالها

كنت المقدم غير لابس جنة .... بالسيف تضرب معلمًا أبطالها

قال: وصفه بالخرق، ووصفتك بالحزم.

قوله: (فتمطرهم الحور، فتقول: نحن المزيد): روينا في "مسند الإمام أحمد بن حنبل" عن أبي سعيد، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أن الرجل ليتكئ في الجنة سبعين سنة قبل أن

ص: 553

[{وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ} 36]

{فَنَقَّبُوا} -وقرئ بالتخفيف-: فخرقوا في البلاد ودوّخوا، والتنقيب: التنقير عن الأمر والبحث والطلب، قال الحرث بن حلزة:

نقّبوا في البلاد من حذر المو .... ت وجالوا في الأرض كلّ مجال

ودخلت الفاء للتسبيب عن قوله: {هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا} ، أي: شدّة بطشهم أبطرتهم، وأقدرتهم على التنقيب، وقوّتهم عليه.

ويجوز أن يراد: فنقب أهل مكة في أسفارهم ومسايرهم في بلاد القرون، فهل رأوا لهم محيصًا حتى يؤملوا مثله لأنفسهم. والدليل على صحته قراءة من قرأ:"فَنَقَّبُوا"؛

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يتحول، ثم تأتيه امرأة، فتضرب على منكبه، فينظر وجهه في خدها أصفى من المرآة، وإن أدنى لؤلؤة عليها تضيء ما بين المشرق والمغرب، فتسلم عليه، فيرد السلام، ويسألها: من أنت؟ فتقول: وأنا المزيد" الحديث.

قوله: (ودوخوا): الجوهري: "داخ البلاد يدوخها: قهرها واستولى عليها، وكذلك دوخ البلاد".

وقوله: (والتنقيب: التنقير في الأمر): الراغب: "النقب في الحائط: كالثقب في الخشب، ويقال: نقب القوم: ساروا، قال تعالى: {فَنَقَّبُوا فِي البِلادِ}، والمنقبة: طريق منفذ في الجبال، استعيرت لفعل الكريم، إما لكونه تأثيرًا له، وإما لكونه منهجًا في رفعه".

قوله: (والدليل على صحته قراءة من قرأ: "فنقبوا"): أي: قول من قال: "فنقب أهل مكة"، قال ابن جني:"هي قراءة ابن عباس وأبي العالية ويحيي بن يعمر، وهذا أمر للحاضرين ولمن بعدهم، وهو "فعلوا" من النقب، أي: ادخلوا وغوروا فإنكم لا تجدون محيصًا".

ص: 554

على الأمر، كقوله:{فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ} [التوبة: 2]، وقرئ بكسر القاف مخففة؛ من النقب، وهو أن يتنقب خف البعير، قال:

ما مسّها من نقب ولا دبر

والمعنى: فنقبت أخفاف إبلهم، أو: حفيت أقدامهم ونقبت، كما تنقب أخفاف الإبل، لكثرة طوفهم في البلاد، {هَلْ مِنْ مَحِيصٍ} من الله، أو: من الموت.

[{إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} 37]

{لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ} أي: قلب واع، لأنّ من لا يعي قلبه فكأنه لا قلب له، وإلقاء السمع: الإصغاء، {وَهُوَ شَهِيدٌ} أي: حاضر بفطنته،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قلت: فالفاء على هذا للتعقيب، وفيه التفات، المعنى: كم أهلكنا قبلكم من قرن هم أشد منك بطشًا، فجربوا أنتم أنفسكم أن أتاكم عذاب من الله، أو ما كتب لكم من الأجل، فإنكم لا تجدون لكم ملجأ أو مخلصًا، أو سيروا في الأرض فهل ترون لتلك القرون محيصًا، حتى تؤملوا مثله لأنفسكم.

قوله: (ما مسها من نقب ولا دبر): أوله:

أقسم بالله أبو حفص عمر

"نقبت الإبل: إذا صارت فيها النقبة، وهي أول الجرب، وجمعها: نقب، ونقب البعير: إذا رقت أخفافه"، قاله الجوهري. هذا المعنى أقرب إلى المقصود، شكا بعضهم إلى عمر رضي الله عنه نقب إبله وعجزه عن الغزو عليها، فلم يصدقه عمر رضي الله عنه، فأنشد.

ص: 555

لأنّ من لا يحضر ذهنه فكأنه غائب، وقد ملح الإمام عبد القاهر في قوله لبعض من يأخذ عنه:

ما شئت من زهزهة والفتى .... بمصقلاباذ لسقي الزروع

أو: وهو مؤمن شاهد على صحته وأنه وحي من الله، أو: وهو بعض الشهداء في قوله: {لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ} [البقرة: 143]، وعن قتادة: وهو شاهد على صدقه من أهل الكتاب لوجود نعته عنده.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وقد ملح الإمام): وقيل: ملح الشاعر: إذا أتى بشيء مليح، ملح الشيء_ بالضم_ ملوحة وملاحة، أي: حسن، الأساس:"فلان يتملح ويتظرف".

قوله: (لبعض من يأخذ عنه): أي: يستفيد مه، قيل: الفتى: أبو عامر الجرجاني، وفي "المطلع":

يجيء في فضلة وقت له .... مجيء من شاب الهوى بالنزوع

ثم ترى جلسة مستوفز .... قد شددت أحماله بالنسشوغ

ما شئت من زهزهة والفتى .... بمصقلا باذ لسقس الزروع

الزهزهة: التحسين، معرب، يقال عند الاستحسان:"زه"، زه"، قال: "ويجوز أن يكون قلب الهز، وكرره مبالغة في الهز"، يعني: أن قول التلميذ في حال تعليمي إياه: "زه، زه" كثير، وقلبه غائب عنه، وذاهب إلى مصقلاباذ لسقي زروعه، وهو محلة بجرجان، فـ"ما" إبهامية، و"من" بيان، وهو مقول محذوف، أي: ترى جلسة مستوفز قائلًا ما شئت من "زه زه" وقلبه غافل.

قوله: (أو: وهو بعض الشهداء): اعلم أن قوله: {وهُوَ شَهِيدٌ} عطف على صلة الموصول، و"الشهيد": إما بمعنى الحاضر أو القائم بالشهادة، والمعنى على الأول: أن فيما

ص: 556

وقرأ السدي وجماعة: "ألقي السمع" على البناء للمفعول،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ذكرنا من الآيات الظاهرة والبيانات الشافية لذكر لمن كان له قلب شرحه الله تعالى للإسلام، فهو على نور يدرك الحق أول ما يسطع نوره نور قلبه، فيؤمن من غير فكر وروية، كقلوب العارفين والصديقين، كما آمن الصديق رضوان الله عليه كذلك، أو اتعاظ بمن هو دون أولئك، فيحتاج في القبول إلى إلقاء السمع واستحضار الذهن، كأرباب النهى، فإنهم ما آمنوا إلا بعد الروية واستعمال الفكر ومشاهدة المعجزات القاهرة.

وعلى أن يراد بـ"الشهيد": القائم بالشهادة، لا بد من شرط الإيمان لتقبل شهادتهم، إما في الدنيا وهو كل مؤمن؛ بر وفاجر، وإما في العقبى وهو بعض المؤمنين الذين تقبل شهادتهم على سائر الأمم، وهو المراد من استشهاده بقوله:{لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} [البقرة: 143].

وقيل: يتذكر بالقرآن أحد رجلين؛ إما رجل له قلب وعقل يعرف معجزته، فيؤمن به، وإما رجل سميع مسترشد.

قوله: ("ألقي السمع" على البناء للمفعول): قال صاحب "التقريب": السمع: إما له وإما لغيره، فعلى الأول: معناه ألقي السمع منه، أو سمعه، ليرجع الضمير إلى الموصول، وعلى الثاني: معناه: لمن ألقى غيره السمع وفتحه فحسب في حال كونه شهيدًا، والمراد: لمن شهد وحضر ذهبه حال غفلة الناس وقتحهم السمع فقط بلا تفطن، وظاهره: أو غابوا حال تفطنه، فيصدق أنه تفطن حال غيبتهم، وهو المطلوب، ثم إما أن يقدر تكرير الموصول في المعطوف أو لا يقدر، فالوجه الأول: أن فيه ذكرى لمن تفطن بنفسه، أو لغير متفطن ولكنه مصغ إلى متفطن، والثاني: أن فيه ذكرى للشحص حال تفطنه، أو حال إصغائه إلى متفطن أن لم يكن حال تفطنه، فالذكرى على الأول: باعتبار شخصين، وعلى الثاني: بإعتبار شخص له حالين.

ص: 557

ومعناه: لمن ألقى غيره السمع، وفتح له أذنه فحسب، ولم يحضر ذهنه، وهو حاضر الذهن متفطن. وقيل: ألقي سمعه أو السمع منه.

[{وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ * فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبارَ السُّجُودِ * وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ * يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ * إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ} 38 - 43]

اللغوب: الإعياء، وقرئ بالفتح؛ بزنة: القبول والولوع، قيل: نزلت في اليهود -لعنت- تكذيبًا لقولهم: خلق الله السماوات والأرض في ستة أيام، أوّلها الأحد، وآخرها الجمعة، واستراح يوم السبت، واستلقى على العرش. وقالوا: إنّ الذي وقع من التشبيه في هذه الأمة إنما وقع من اليهود، ومنهم أخذ.

{فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ} أي: اليهود، ويأتون به من الكفر والتشبيه. وقيل: فاصبر على ما يقول المشركون من إنكارهم البعث؛ فإنّ من قدر على خلق العالم قدر على بعثهم والانتقام منهم. وقيل: هي منسوخة بآية السيف. وقيل: الصبر مأمور به في كل حال.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقلت: حاصل قول المصنف: أن "ألقي": إما أن يقدر له الموصول ليعطف على الموصول، فيكون المعنى: أن في ذلك لتذكرة لمن كان له قلب، أو لمن ألقى غيره من الناس أسماعهم للقرآن، ولم يحصروا أذهانهم، والحال أن هذا المتذكر وحده متفطن متيقظ حاضر الذهن، أو لا يقدر؛ فيعطف "أو ألقي" على الصلة، فيكون المعنى: ألقي سمعه أو السمع منه.

وفيه تعريض بالمنافقين؛ روى الواحدي عن ابن عباس أنه قال: "كان المنافقون يجلسون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يخرجون، فيقولون: ماذا قال آنفًا، وقال: ليس معهم قلوبهم".

ص: 558

{بِحَمْدِ رَبِّكَ} حامدًا ربك، والتسبيح محمول على ظاهره، أو على الصلاة، فالصلاة {قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ}: الفجر، {وَقَبْلَ الْغُرُوبِ}: الظهر والعصر، {وَمِنَ اللَّيْلِ}: العشاءان، وقيل: التهجد.

{وَأَدْبارَ السُّجُودِ} : التسبيح في آثار الصلوات -والسجود والركوع يعبر بهما عن الصلاة-، وقيل: النوافل بعد المكتوبات، وعن علي رضي الله عنه: الركعتان بعد المغرب، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم:«من صلى بعد المغرب قبل أن يتكلم كتبت صلاته في عليين» ، وعن ابن عباس: الوتر بعد العشاء. والأدبار: جمع دبر، وقرئ:"وإدبار"؛ من: أدبرت الصلاة: إذا انقضت وتمت، ومعناه: ووقت انقضاء السجود، كقولهم: آتيك خفوق النجم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (من صلى بعد المغرب): روى صاحب "الجامع" عن رزين عن مكحول يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم: "من صلى بعد المغرب قبل أن يتكلم ركعتين_ وفي رواية: أربع ركعات__ رفعت صلاته في عليين".

قوله: (وقرئ: "وإدبار"): الحرميان وحمزة: "وإدبار" بكسر الهمزة، والباقون: بفتحها، قال أبو البقاء:"بالفتح: جمع دبر، وبالكسر: مصدر "أدبر"، أي: وقت إدبار السجود".

ص: 559

{وَاسْتَمِعْ} يعني واستمع لما أخبرك به من حال يوم القيامة، وفي ذلك تهويل وتعظيم لشأن المخبر به والمحدّث عنه، كما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال سبعة أيام لمعاذ بن جبل:«يا معاذ، اسمع ما أقول لك» ، ثم حدّثه بعد ذلك.

فإن قلت: بم انتصب "اليوم"؟ قلت: بما دل عليه {ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ} ، أي: يوم ينادي المنادي يخرجون من القبور.

و{يَوْمَ يَسْمَعُونَ} : بدل من {يَوْمَ يُنادِ} و {الْمُنادِ} إسرافيل، ينفخ في الصور وينادي: أيتها العظام البالية، والأوصال المتقطعة، واللحوم المتمزقة، والشعور المتفرّقة، إنّ الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء. وقيل: إسرافيل ينفخ وجبريل ينادي بالحشر.

{مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ} من صخرة بيت المقدس، وهي أقرب الأرض من السماء باثني عشر ميلًا، وهي وسط الأرض. وقيل: من تحت أقدامهم، وقيل: من منابت شعورهم، يسمع من كل شعرة: أيتها العظام البالية.

و{الصَّيْحَةَ} النفخة الثانية، {بِالْحَقِّ} متعلق بـ {الصَّيْحَةَ} ، والمراد به: البعث والحشر للجزاء.

[{يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِراعًا ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ} 44]

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (واستمع لما أخبرك به): يعني: أطلق الأمر بقوله: {وَاسْتَمِعْ} ، إذا التقدير:"لما أخبرك به"، ثم أوقع {يَوْمَ يُنَادِ} على تقدير حذف المضاف بيانًا للمقدر، كما قال:"من حال يوم القيامة"؛ لما في الإبهام والتفسير تهويل وتعظيم بشأن المخبر به، قال صاحب "الكشف": المعنى: استمع حديث يوم ينادي، فحذف المضاف، وهو مفعول به، وليس بالظرف.

قوله: (قال سبعة أيام): "سبعة أيام": ظرف "قال"، ومقوله:"اسمع ما أقول".

ص: 560

وقرئ: {تَشَقَّقُ} ، و"تشقق" بإدغام التاء في الشين، و"تشقق" على البناء للمفعول، و"تنشق". {سِرَاعًا} حال من المجرور، {عَلَيْنا يَسِيرٌ} تقديم الظرف يدل على الاختصاص، يعني: لا يتيسر مثل ذلك الأمر العظيم إلا على القادر الذات الذي لا يشغله شأن عن شأن، كما قال:{ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ} [لقمان: 28].

[{نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ} 45]

{نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ} تهديد لهم وتسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، {بِجَبَّارٍ} -كقوله:{بِمُصَيْطِرٍ} - حتى تقسرهم على الإيمان، إنما أنت داع وباعث، وقيل: أريد التحلم عنهم وترك الغلظة عليهم، ويجوز أن يكون من: جبره على الأمر؛ بمعنى: أجبره عليه، أي: ما أنت بوال عليهم تجبرهم على الإيمان.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (قرئ: {تَشَقَّقُ} و"تشقق" بإدغام التاء في الشين): الكوفيون وأبو عمرو: بتخفيف الشين، والباقون: بتشديدها، وبنا المجهول: شاذة، وكذا "تتشقق".

قوله: ({وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ}): أي: سهولة خلقكم وبعثكم كسهولة خلق نفس واحدة.

ص: 561

و"على" بمنزلته في قولك: هو عليهم، إذا كان واليهم ومالك أمرهم، {مَنْ يَخافُ وَعِيدِ} كقوله:{إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها} [النازعات: 45]، لأنه لا ينفع إلا فيه، دون المصر على الكفر.

عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «من قرأ سورة (ق) هوّن الله عليه تارات الموت وسكراته» .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (تارات الموت): الأساس: "فعل ذلك تارات، وتارة بعد أخرى"، وعن بعضهم: رات الموت: أحواله وسكراته، وسكراته، وإفاقته تارة وغشيانه أخرى.

تمت السورة

حامدًا لله تعالى ومصليًا على رسول الله صلى الله عليه وسلم

* * *

ص: 562