المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌سورة البقرة مدنية، وهي مئتان وسبع وثمانون آية بسم الله الرحمن الرحيم [(الم)] الم - فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف) - جـ ٢

[الطيبي]

فهرس الكتاب

‌سورة البقرة

مدنية، وهي مئتان وسبع وثمانون آية

بسم الله الرحمن الرحيم

[(الم)]

الم اعلم أنّ الألفاظ التي يتهجى بها أسماء،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

سورة البقرة

مدنية، وهي مئتان وسبع وثمانون آية غير آية نزلت يوم عرفة بمنى.

بسم الله الرحمن الرحيم

قوله: (الألفاظ التي يتهجى بها)، الأساس: تعلم هجاء الحروف وتهجيتها وتهجيها وهو يهجوها ويتهجاها: يعددها. وقيل لرجل من قيس: أتقرأ القرآن؟ فقال: والله ما أهجو منه حرفاً. ومن المجاز: فلانٌ يهجو فلاناً هجاءً: يعد معايبه.

ص: 5

مسمياتها الحروف المبسوطة التي منها ركبت الكلم، فقولك (ضاد) اسم سمى به «ضه» من ضرب إذا تهجيته، وكذلك:((را))، ((با)): اسمان لقولك: ((ره)((به)) وقد روعيت في هذه التسمية لطيفة، وهي أن المسميات لما كانت ألفاظا كأساميها وهي حروف وحدان والأسامي عدد حروفها مرتق إلى الثلاثة، اتجه لهم طريق إلى أن يدلوا في التسمية على المسمى، ........

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (الحروف المبسوطة)، أي: حروف المباني المنثورة المفردة لا المركبة.

قوله: (ضه)، بغير إفصاح الهاء وإنما كتبت على لفظ الواقف. والضمير في ((تهجيته)) يعود إلى ((ضه))، وقيل: إلى ((ضرب))، وهو أحسن. و ((تسمي)) من قولهم: سميت زيداً: إذا ذكرته، لا من التسمية بمعنى: وضع الاسم للمسمى. وأما التسمية بمعنى الوضع فهو المراد من قوله: ((وقد روعيت في هذه التسمية)).

قوله: (وحدانٌ)، وهو جمع واحدٍ كركبانٍ جمع راكب.

قوله: (اتجه لهم)، يقال: اتجه لأمر كذا، أي: وجه وجهه إليه، الجوهري: اتجه له رأيٌ، أي: سنح.

قال الإمام قطب الدين الفالي تغمده الله بغفرانه: اعلم أن تصدير الاسم بالحرف المسمى يتوقف على ثلاثة أمورٍ:

أحدها: كون المسمى لفظاً؛ إذ لو كان معنًى لا لفظاً لم يمكن تصدير الاسم.

والثاني: كون المسمى حرفاً واحداً ليقع في الصدر.

والثالث: كون الاسم ثلاثياً؛ إذ لو كان الاسم حرفاً واحداً كالمسمى اتحد الاسم والمسمى، ولو كان اثنين لم يستقم أيضاً لوجهين:

ص: 6

فلم يغفلوها، وجعلوا المسمى صدر كل اسم منها كما ترى، إلا الألف فإنهم استعاروا الهمزة مكان مسماها لأنه لا يكون إلا ساكنا.

ومما يضاهيها في إيداع اللفظ دلالة على المعنى: التهليل، والحولقة، والحيعلة، والبسملة وحكمها - ما لم تلها العوامل - أن تكون ساكنة الأعجاز موقوفة كأسماء الأعداد، فيقال: ألف لام ميم، كما يقال: واحد اثنان ثلاثه فإذا وليتها العوامل أدركها الإعراب.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أما أولاً: فلأن الاسم المتمكن لا يكون على حرفين.

وأما ثانياً: فلأن الحرف الثاني إما أن يكون صحيحاً، أو معتلاً، فإن كان صحيحاً لم يستقم لما مر، وإن كان معتلاً فلا يستقيم أيضاً لذلك، ولأنه قابلٌ للتنوين، وعند التنوين يسقط حرف لعلة، لاجتماع الساكنين. فإذا سقط حرف العلة عاد محذوراً اتحاد الاسم والمسمى، فتعين أن يكون ثلاثياًّ؛ إذ لا احتياج إلى الزيادة في المعنى.

قوله: (فلم يغفلوها)، الأساس: فلاةٌ غفلٌ: لا علم فيها، ونعمٌ أغفالٌ: لا سمة عليها.

المعنى: لم يجعلوا الأسامي أغفالاً لا سمة عليها من المسمى.

وقيل: لم يغفلوها: لم يتركوها، من قولك: أغفلت الشيء، إذا تركته. والضمير راجعٌ إلى الطريق أو إلى اللطيفة أي: ما تركوا تلك الطريق غير مسلوكةٍ، واللطيفة غير مرعية.

قوله: (استعاروا الهمزة مكان مسماها)، أي: مسمى الهمزة مكان مسمى الألف؛ لأن الألف اسم مدةٍ ساكنةٍ قبلها فتحة.

ذكر ابن جني في ((سر الصناعة)): أن الألف في الأصل اسم الهمزة، واستعمالهم إياها في غيرها توسع. وذلك أن الهمزة تصير هذه المدة إذا أتى في آخر الاسم، ثم لما غلب استعمال الألف في هذه المدة أهمل ما وضع عليها.

ص: 7

كقولك: هذه ألف، وكتبت ألفاً، ونظرت إلى ألف وهكذا كل اسم عمدت إلى تأدية ذاته فحسب، قبل أن يحدث فيه بدخول العوامل شيء من تأثيراتها، فحقك أن تلفظ به موقوفا. ألا ترى أنك إذا أردت أن تلقي على الحاسب أجناسا مختلفة ليرفع حسبانها، كيف تصنع؟ وكيف تلقيها أغفالا من سمة الإعراب؟ فتقول: دار، غلام، جارية، ثوب، بساط. ولو أعربت ركبت شططا.

فإن قلت: لم قضيت لهذه الألفاظ بالاسمية؟ وهلا زعمت أنها حروف كما وقع في عبارات المتقدّمين؟ قلت: قد استوضحت بالبرهان النير أنها أسماء غير حروف، فعلمت أن قولهم خليق بأن يصرف إلى التسامح، وقد وجدناهم متسامحين

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (إلى تأدية ذاته فحسب)، الجوهري: أحسبني الشيء: كفاني. وحسبك درهمٌ، أي: كفاك. وذلك أن اللفظ موضوعٌ للمعنى، وحركات اللفظ الإعرابية دالةٌ على أحوال المعنى، فإذا لم يرد باللفظ إلا مجرد معناه يجاء به عرياًّ عما يدل على الأحوال الطارئة عليها عند الإعراب.

قوله: (ليرفع)، أي: ليضبط، الأساس: ومن المجاز: ارفع هذا الشيء: خذه.

قوله: (كما توقع)، صفة مصدرٍ محذوف. وفاعل ((وقع)) ضميرٌ يرجع إلى أنها حروف، الأساس: زعم فلانٌ أن الأمر كيت وكيت زعماً ومزعماً: إذا شك أنه حق أو باطل. وفي قوله مزاعم.: إذا لم يوثق به.

توجيه السؤال: لم قطعت الحكم باسميتها ولم لا تزعم كزعمهم؟

قوله: (قد استوضحت)، الأساس: وضحته وأوضحته واستوضحته: وضعت يدي على عيني أطلب أن يضح لي. واستوضح عن هذا الشيء: بحث عنه.

ص: 8

في تسمية كثير من الأسماء التي لا يقدح إشكال في اسميتها كالظروف وغيرها بالحروف، ومستعملين الحرف في معنى الكلمة، وذلك أن قولك:((ألف)) دلالته على أوسط حروف ((قال)) و ((قام)) دلالة ((فرس)) على الحيوان المخصوص، لا فضل فيما يرجع إلى التسمية بين الدلالتين.

ألا ترى أنّ الحرف: ما دلّ على معنى في غيره، وهذا كما ترى دال على معنى في نفسه ولأنها متصرف فيها

بالإمالة كقولك: ((با))، ((تا)). وبالتفخيم كقولك:((يا)((ها)). وبالتعريف، والتنكير، والجمع والتصغير، والوصف

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (كالظروف)، يعني نحو قبل وبعد، ويعدون ((إذا)) و ((متى)) من حروف الشرط؛ لأنهم لما رأوا أن بعض الأسماء بمنزلة الحروف في كونها لا تتم في الاستعمال إلا بانضمام شيءٍ معها، استعاروا لها اسم الحرف.

قوله: (ومستعملين الحرف في معنى الكلمة)، روينا عن الترمذي والدارمي عن ابن مسعودٍ: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من قرأ حرفاً من كتاب الله فله مائة حسنة، والحسنة بعشر أمثالها. لا أقول: (الم) حرف، ولكن ألفٌ حرفٌ، ولامٌ حرفٌ، وميمٌ حرفٌ)).

قال القاضي: المراد به غير المعنى الذي اصطلح عليه- وهو المعنى اللغوي- فإن تخصيصه به عزفٌ مجددٌ، ولعله سماه باسم مدلوله.

قوله: (وذلك أن قولك ألف)، هذا شروعٌ في البرهان الذي استوضح منه اسمية هذه الألفاظ. أتى بحد الاسم وخواصه من التعريف والتنكير والتصغير.

ص: 9

والإسناد، والإضافة، وجميع ما للأسماء المتصرفة. ثم إنى عثرت من جانب الخليل على نص في ذلك. قال سيبويه: قال الخليل يوما وسأل أصحابه: كيف تقولون إذا أردتم أن تلفظوا بالكاف التي في ((لك)))، والباء التي في ((ضرب))؟ فقيل: نقول: باء، كاف فقال: إنما جئتم بالاسم، ولم تلفظوا بالحرف، وقال: أقول: ((كهْ))، ((بهْ)). وذكر أبو على في كتاب ((الحجة)) في:(يس): وإمالة (يا)، أنهم قالوا: يا زيد، في النداء. فأمالوا وإن كان حرفا، قال: فإذا كانوا قد أمالوا ما لا يمال من الحروف من أجل الياء، فلأن يميلوا الاسم الذي هو ((يس)) أجدر. ألا ترى أنّ هذه الحروف أسماء لما يلفظ بها؟ فإن قلت: من أي قبيل هي من الأسماء: أمعربة أم مبنية؟ ........

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (من جانب الخليل)، كنايةٌ عن تعظيمه كقولك: المجلس العالي. وحق له ذلك لما روى الأنباري: أن الخليل بن أحمد البصري كان سيد أهل العربية قاطبةً في علمه وزهده واستخراجه مسائل النحو وتعليله. أخذ من أبي عمرو بن العلاء وأخذ منه سيبويه.

قوله: (أقول: كه، به)، بإفصاح الهاء هاهنا للفصل.

قوله: (وذكر أبو علي)، قال الأنباري: هو أبو علي الحسن بن أحمد بن عبد الغفار الفارسي، كان من أكابر أئمة النحو، وعلت منزلته في النحو حتى قيل: ما كان بين سيبويه وأبي عليٍّ أفضل منه. صنف كتباً كثيرةً منها كتاب ((الحجة في علل القراءات السبع)).

قوله: (من أي قبيلٍ هي من الأسماء: أمعربةٌ أم مبنية؟ )، السؤال مبنيٌّ على الخلاف في أن الأسماء قبل التركيب هل هي معربةٌ أم مبنية؟

ص: 10

قلت: بل هي أسماء معربة، وإنما سكنت سكون زيد وعمرو وغيرهما من الأسماء حيث لا يمسها إعراب لفقد مقتضيه وموجبه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قال الزجاج: هذه الحروف [ليست] تجري مجرى الأسماء المتمكنة والأفعال المضارعة التي يجب لها الإعراب، وإنما هي تقطيع الاسم المؤلف الذي لا يجب له الإعراب إلا مع كماله.

وقال: أجمع النحويون أن هذه الحروف مبنيةٌ على الوقف، بمعنى أنك تقدر أن تسكت على كل حرف وتجمع بين الساكنين كما بني العدد على السكون.

وقال ابن الحاجب: المعرب: المركب الذي لم يشبه مبني الأصل.

وفي سؤاله نوع إنكارٍ على جعل الألفاظ إما موقوفةً أو معربةً على ما بنى الكلام السابق عليه، وهو:((وحكمها ما لم تلها العوامل أن تكون موقوفةً، فإذا وليتها العوامل أدركها الإعراب)) أي: الألفاظ الموقوفة من أي قبيلٍ هي من الأسماء؟ فإنها لا تخلو من هذين القبيلين. وما هذا التقسيم وتصريحه بذكر الأسماء إلا لمزيد الإنكار؛ ف ((أم)) في قوله: ((أم مبنية)) منقطعة، والهمزة فيها للإنكار، كأنه قال: أمعربةٌ؟ ثم أضرب عن هذا السؤال وأنكر أن تكون معربةً فقال: هي مبنيةٌ لفقد مقتضى الإعراب، وهو التركيب كما عليه مذهب ابن الحاجب وغيره. ولذلك أجاب بالإضراب عن السؤال في كونها مبنيةً، وقال:((بل هي أسماءٌ معربة)) كزيدٍ وعمرو، وأقحم الأسماء أيضاً لمزيد الإنكار على كونها مبنية، أي: هي أسماءٌ غير

ص: 11

والدليل على أنّ سكونها وقف وليس ببناء: أنها لو بنيت لحُذي بها حذو:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مشابهةٍ للحروف كأين وكيف، بل هي أسماءٌ متمكنةٌ كزيدٍ وعمروٍ. وهذا مطابقٌ لحده المعرب في ((المفصل)):((المعرب: المركب الذي يختلف آخره باختلاف العوامل، أي: من شأنه أن يختلف)).

ويجوز أن تكون ((أم)) متصلةً و ((بل)) إضرابٌ عن التردد. أي: سؤالك هذا يشعر بأنك مترددٌ في كونها معربةً، وليست بقاطعٍ فيه، فاقطع بأنها معربةٌ، فالمضرب لازم التركيب.

وقيل: الأصل في الكلمات إذا كن قابلاتٍ للإعراب، الإعراب الذي هو مسبب التركيب؛ لأن وضع الألفاظ لمسيس الحاجة إلى التعاون والتعارف، فوضعت بإزاء المعاني الذهنية لتفيد النسب دون المعاني المفردة، وإلا فتدور فقطعها عن التركيب عارضٌ كعروض الوقف، فاغتفر فيها التقاء الساكنين عند عروض عدم التركيب كما عند عروض الوقف، ولا يسكن آخر ما لا يقبل الإعراب إذا عدد نحو: أين، وكيف، وحيث، وحين؛ لأن حركتها لازمةٌ فلا تزول لعارض، وإنما زالت في الوقف للضرورة.

وقال المالكي: لم يبعد من الصواب رأي من جعله معرباً حكماً؛ إذ لو كان مبنياًّ لم يسكن وصلاً، إذا عددت نحو زيدٍ وعمرو؛ إذ لم يرد مبنيٌّ كذلك.

قوله: (إن سكونها وقف)، الوقف: قطع الكلمة عما بعدها، وهذه الفواتح وإن وصلت بما بعدها لفظاً، لكنها موقوفةٌ نيةً. يعني: أن سكونها ليس للبناء/، فإن الأسماء المبنية: إما مبنيةٌ

ص: 12

((كيف))، و ((أين))، و ((هؤلاء)). ولم يقل:((ص)((ق))، ((ن)) مجموعا فيها بين الساكنين. فإن قلت: فلم لفظ المتهجي بما آخره ألف منها مقصورا، فلما أعرب مدّ فقال: هذه باء، وياء، وهاء وذلك يخيل أن وِزانها وزان قولك ((لا)) مقصورة فإذا جعلتها اسما مددت فقلت: كتبت (لاء)؟ قلت: هذا التخيل يضمحل بما لخصته من الدليل والسبب في أن قُصرت متهجاة، ومدّت حين مسها الإعراب: أنّ حال التهجي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

على الحركة نحو كيف، وأين، وهؤلاء، أو على السكون على وجهٍ لا يلزم منه التقاء الساكنين ك: متى، وحتى. وهذه ليست كذلك؛ لأنها لو بينت لقيل: صاد وقاف بالفتح كالمبنيات، ولم يقل: صادٍ وقافٍ كزيدٍ وعمروٍ، جمعاً بين الساكنين.

قوله: (فلم لفظ المتهجي)، يعني: كأن القياس على ما ذهبت في نحو ((صاد)) و ((قاف)) أن يقال: ((باء)) و ((تاء)) مهموزةً ساكنةً، وحين لفظ المتهجي، حال التهجي مقصورةً، وممدودةً حالة التركيب، خيل حرفيتها مقصورةً، واسميتها ممدودةً، كقول حسان يمدح النبي صلى الله عليه وسلم.

ما قال قط إلا في تشهده

لولا التشهد لم يسمع له لاء

ويؤيده ما روينا عن الدارمي عن جابرٍ قال: ((وما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً قط، فقال: لا)).

وأجاب: أن كونها مقصورةً ليس لكونها حرفاً، بل لأمرٍ آخر وهو طلب الخفة، فلم يعلم من ذلك حرفيتها، فوجب الرجوع إلى تلخيص الدليل وهو البرهان النير.

ص: 13

خليقة بالأخف الأوجز، واستعمالها فيه أكثر. فإن قلت: قد تبين أنها أسماء لحروف المعجم، وأنها من قبيل المعربة، وأن سكون أعجازها عند الهجاء لأجل الوقف، فما وجه وقوعها على هذه الصورة فواتح للسور؟ قلت:

فيه أوجه: أحدها وعليه إطباق الأكثر: أنها أسماء السور.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (قد تبين أنها أسماءٌ)، يعني أطنبت في تقرير كونها أسماء، وتركت المقصود الأولى وهو وجه وقوعها على هذه الصورة المخصوصة في أوائل السور من بيان فائدتها، وكيفية إعرابها فيها، وتخصيص كلٍّ من السور التي فاتحتها بما اختصت به، وتخصيص أعدادها وغير ذلك، فإن كل ذلك هو المطلوب في التفسير.

ودل على هذا الإنكار الفاء في قوله: ((فنا وجه وقوعها؟ )).

وأجاب عن ذلك بوجوهٍ ثلاثة: وهي أنها أسماءٌ للسور، أو هي كقرع العصا، أو أنها تقدمةٌ لدلائل الإعجاز، وضمن هذه الوجوه الثلاثة ما يقتضيها من الفوائد، ومن كونها معربةً أو محكيةً. ومن اختصاص أعدادها وغير ذلك كما سيرد، فعلم من هذا البيان أن الأبحاث السابقة كانت كالمقدمة للاحقة.

قوله: (لحروف المعجم)، الجوهري: العجم: النقط بالسواد.

ومنه حروف المعجم وهي الحروف المقطعة التي يختص أكثرها بالنقط. ومعناه حروف الخط المعجم، كما تقول: مسجد الجامع، أي: مسجد اليوم الجامع. وناسٌ يجعلون المعجم بمعنى الإعجام مصدراً مثل المخرج والمدخل، أي: من شأن هذه الحروف أن تعجم.

قوله: (وعليه إطباق الأكثر)، قال الإمام: هو قول أكثر المتكلمين واختيار الخليل وسيبويه.

ص: 14

وقد ترجم صاحب الكتاب الباب الذي كسره على ذكرها في حد ما لا ينصرف ب ((باب أسماء السور)) وهي في ذلك على ضربين:

أحدهما ما لا يتأتى فيه إعراب، نحو:((كهيعص))، و ((المر)).

والثاني: ما يتأتى فيه الإعراب، وهو إما أن يكون اسما فردا كصاد وقاف ونون، أو أسماء عدّة مجموعها على زنة مفرد ك: حم. وطس. ويس. فإنها موازنة لقابيل وهابيل، وكذلك طسم يتأتى فيها أن تفتح نونها، وتصير ((ميم)) مضمومة إلى طس فيجعلا اسماء واحد كدارابجرد فالنوع الأول محكي ليس إلا وأما النوع الثاني فسائغ فيه الأمران: الإعراب، والحكاية قال قاتل محمد بن طلحة السجاد وهو شريح ابن أوفى العبسي

يُذَكِّرُنِى حَامِيمَ وَالرُّمْحُ شَاجِرٌ

فَهَلَّا تَلَا حَامِيمَ قَبْلَ التَّقَدُّمِ.

فأعرب حاميم ومنعها الصرف، وهكذا كل ما أعرب من أخواتها لاجتماع سببى منع الصرف فيها، وهما: العلمية، والتأنيث.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (كسره)، أي جمعه، الأساس: ومن المجاز: كسر الطائر جناحيه كسراً: ضمهما للوقوع، وكسر الكتاب على عدة أبوابٍ وفصول.

قوله: (وهي في ذلك)، أي الفواتح في كونها أسماءً للسور.

قوله: (قاتل محمد بن طلحة)، في الاستيعاب)): هو محمد بن طلحة بن عبيد الله القرشي، المعروف بالسجاد. قتل يوم الجمل، وكان طلحة أمره أن يتقدم للقتال فنثل درعه بين رجليه وقام عليها، وكلما حمل عليه رجلٌ قال: نشدتك ب ((حم)) حتى شد عليه العبسي فقتله، وأنشأ يقول:

ص: 15

والحكاية: أن تجيء بالقول بعد نقله على استبقاء صورته الأولى كقولك: دعني من ((تمرتان))، وبدأت بـ ((الحمد للَّه))، وقرأت ((سورة أنزلناها)). قال:

وَجَدْنا في كِتَابِ بَنى تَمِيم

أَحَقُّ الْخَيْلِ بالرَّكْضِ المُعَارُ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وأشعث قوامٍ بآيات ربه

قليل الأذى فيما ترى العين مسلم

خرقت له بالرمح جيب قميصه

فخر صريعاً لليدين وللفم

على غير شيءٍ غير أن ليس تابعاً

علياًّ، ومن لا يتبع الحق يظلم

يذكرني .... ، البيت.

فلما رآه علي رضي الله عنه بين القتلى، استرجع وقال: إن كان لشاباًّ صالحاً، ثم قعد كئيباً.

سمي السجاد لتعبده.

شجر الرمح: اختلف. والتشاجر: التخاصم. وكل شيءٍ دخل في بعضٍ فقد تشاجر.

قيل: المراد بقوله: ((حم)) قوله تعالى: (قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إلاَّ المَوَدَّةَ فِي القُرْبَى)، وهو في ((حم)) الشورى [الآية: 23].

قوله: (دعني من تمرتان)، جوابٌ عن قول من قال: يكفيك تمرتان، أو هاتان تمرتان.

قوله: (أحق الخيل)، كأنه من قول الشاعر:

أعيروا خيلكم ثم اركضوها

أحق الخيل بالركض المعار

يقال: ركض فلانٌ دابته: إذا ضرب جنبيها برجله لتعدو. المعار: من عار الفرس، إذا انفلت، وذهب يميناً وشمالاً من مرحه، وأعاره صاحبه، فهو معارٌ،

وفي ((الصحاح)): البيت للطرماح، وقال الصغاني: وهو خطأٌ، البيت لبشر بن أبي

ص: 16

وقال ذو الرّمّة:

سَمِعْتُ النَّاسَ يَنْتَجِعُونَ غَيثاً

فَقُلْتُ لِصَيْدَح انْتَجِعى بِلَالا

وقال آخر:

تَنَادَوْا بالرَّحِيلِ غَداً

وَفي تَرْحَالِهمْ نَفْسِى

وروى منصوبا ومجرورا. ويقول أهل الحجاز في استعلام من يقول: رأيت زيدا، من زيداً؟

وقال سيبويه: سمعت من العرب

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

خازم. وقال أبو عبيدة: والناس يعتقدون أنه من الإعارة بمعنى العارية، وهو خطأ، ومعناه على هذا: أن صاحبه لم يشفق عليه، فغيره أحق أن لا يشفق.

قوله: (لصيدح): صيدح علم ناقة ذي الرمة.

قوله: (بلالاً)، قال في ((الجامع)): هو بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، كان على البصرة.

((الناس)) مرفوعٌ على الحكاية، كأنه سمع قائلاً يقول: الناس ينتجعون غيثاً.

النجعة: طلب الكلأ والخير. وفي ((انتجعي)) مشاكلةٌ لقوله: ينتجعون غيثاً.

قوله: (وروي منصوباً ومجروراً)، هذا العطف دل على كونه مرفوعاً، فالرفع على الابتداء، أي: الرحيل غداً. أي: ينادون بهذا القول. والنصب على ارحل الرحيل. والجر على اللفظ.

((وفي ترحالهم نفسي)) أي: هلاك نفسي أو استقر في ترحالهم نفسي.

ص: 17

لا من أين يافتى. فإن قلت: فما وجه قراءة من قرأ: صادَ، وقافَ، ونونَ مفتوحات؟ قلت: الأوجه أن يقال: ذاك نصب وليس بفتح، وإنما لم يصحبه التنوين لامتناع الصرف على ما ذكرت. وانتصابها بفعل مضمر. نحو: اذكر وقد أجاز سيبويه مثل ذلك في: حم، وطس، ويس لو قرئ به.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (لا من أين يا فتى)، يقول الرجل لآخر: من أين يا فتى؟ فيقول: لا من أين يا فتى، أي: لا تسألني عن نسبي ومقامي، وسل عن حسبي ومناقبي.

قوله: (فما وجه قراءة من قرأ صاد؟ )، قال الزجاج: قرأ عيسى صاد وقاف ونون بالفتح لالتقاء الساكنين. وقرأ عبد الله بن أبي إسحاق بالكسر. والفاء في السؤال دلت على الإنكار على الكلام السابق، وهو قوله ((فسائغٌ فيه الأمران: الإعراب، والحكاية)) يعني: أين الإعراب أم أين الحكاية على هذه القراءة؟ فإنها تدل على كونها مبنيةً لما أسلفت أنها لو بينت لحذي بها حذو أين وكيف، أي: فتح آخرها. فإذن هذه الحركات ليست بإعرابيةٍ لفقد المقتضي، ولا هي للوقف؛ لأن المحكية إنما يوقف عليها بالسكون كما سبق.

وأجاب: لا نسلم فقد المقتضي؛ لأن التقدير ((اذكر)).

ويجوز أن يحرك على التقاء الساكنين في لغة من جد في الهرب عنه، كما في (وَلا الضَّالِّينَ).

قال الزجاج: فالفتح في صاد ونحوه لالتقاء الساكنين؛ لأن الفتحة تختار مع الألف في التقاء الساكنين، قال سيبويه: إذا رخمت ((إسحار)) اسم رجلٍ مشدد الراء قلت في ترخيمه: يا إسحار أقبل، ففتحت لالتقاء الساكنين.

ص: 18

وحكى أبو سعيد السيرافي أنّ بعضهم قرأ: يس. ويجوز أن يقال: حرّكت لالتقاء الساكنين، كما قرأ من قرأ: وَلَا الضَّالِّينَ.

فإن قلت: هلا زعمت أنها مقسم بها؟ وأنها نصبت قولهم: نعمَ اللَّه لأفعلن، وأيِ اللَّه لأفعلن، على حذف حرف الجر وإعمال فعل القسم. وقال ذو الرمة:

أَلَا رُبَّ مَنْ قَلْبى لَهُ اللَّهَ نَاصِح.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وحكى أبو سعيد السيرافي)، قال الأنباري: إنه كان من أكابر الفضلاء، زاهداً لا نظير له في علم العربية، ولو لم يكن له سوى ((شرح كتاب سيبويه)) لكفاه فضلاً.

قوله: (ألا رب من قلبي له الله ناصحٌ)، تمامه:

ومن قلبه لي في الظباء السوانح

أي: ألا رب من قلبي له ناصحٌ، أحلف بالله. أضمر الفعل بعد أن أعلمه فيه على حذف الجار، تقول: أنا أحبه، فأنصحه بقلبي، وقلبه نافرٌ عني نفور الظباء. ويمكن أن يكون المعنى: قلبه مستقرٌّ في الظباء.

والسانح: ما أتاك من يمينك من طائرٍ وظبي، والعرب تتيمن به، والبارح: ما أتاك عن يسارك، والعرب تتشاءم به.

ص: 19

وقال آخر:

فَذَاكَ أَمَانَةُ اللَّهِ الثَّرِيدُ

قلت: إنّ القرآن والقلم بعد هذه الفواتح محلوف بهما، فلو زعمت ذلك لجمعت بين قسمين على مقسم عليه واحد وقد استكرهوا ذلك.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (فذاك أمانة الله)، صدره:

إذا ما الخبز تأدمه بلحمٍ

أي: فذاك أمانة الله الثريد.

قوله: (إن القرآن والقلم بعد هذه الفواتح محلوفٌ بهما)، حاصل الجواب: أنه لا يجوز أن تكون هذه الفواتح مقسماً بها، ومنصوباً كما ذكرتم؛ لأن الواو حينئذٍ: إما للقسم، أو للعطف. ولا سبيل إلى الأول؛ لاجتماع قسمين على مقسمٍ عليه واحدٍ وهو مستكره، ولا إلى الثاني؛ لمخالفته الثاني الأول في الإعراب، فبقي أن يكون معمولاً لفعلٍ مضمرٍ، فعلى هذا قوله:((قال الخليل)) إلى قوله: ((هذا)) اعتراضٌ على سبيل الاستطراد مبينٌ لقوله: ((وقد استكرهوا ذلك)).

بيانه: أن الخليل جعل ((الواو)) في قوله: ((والليل)) للقسم، و ((الواو)) في ((والنهار)) للعطف. فاشتركا في معنى القسيمة، فيجوز تلقيهما بمقسمٍ عليه واحدٍ. ولو قدر أن يكون الثاني أيضاً حرف قسمٍ؛ لزم أن يكونا قسمين مستقلين. والأفصح حينئذٍ أن يتلقى كل منهما بمقسمٍ عليه، كقولك: بالله لأفعلن، تالله لأخرجن. وإن جاز أن يقال: وحقك وحق زيدٍ لأفعلن للتأكيد، لكن لم يحسن ذلك الحسن؛ ولذلك استكرهوه.

ص: 20

قال الخليل في قوله عز وجل: (وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى، وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى، وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى): الواوان الأخريان ليستا بمنزلة الأولى، ولكنهما الواوان اللتان تضمان الأسماء إلى الأسماء في قولك: مررت بزيد وعمرو، والأولى بمنزلة الباء والتاء. قال سيبويه: قلت للخليل: فلم لا تكون الأخريان بمنزلة الأولى؟ فقال: إنما أقسم بهذه الأشياء على شيء، ولو كان انقضى قسمه بالأوّل على شيء لجاز أن يستعمل كلاما آخر، فيكون كقولك باللَّه لأفعلنّ، باللَّه لأخرجنّ اليوم. ولا يقوى أن تقول:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قال أبو علي: والذي يمنع هذا: أن القسم يبقى متعلقاً بغير مقسم عليه؛ ألا ترى أنه إذا قال: قاف أو صاد، فنصبه بأنه مقسم به، لم يتلقه محلوف عليه، يدل على ذلك استئنافك باسم آخر لا يجوز عطفة على هذا الاسم الأول إذا قدرته مقسما به لانجراره بالواو. فهذا التأويل الذي ذكرنا امتناعه في هذه الفواتح لا يخلو الاسم المنجر فيه من أحد أمرين: إما أن يكون معطوفاً على ما قبله، وإما أن يكون مستأنفاً منقطعاً منه.

ولا يجوز أن يكون معطوفا على ما قبلة لانجراره وانتصاب المعطوف عليه، فإذا لم يجز ذلك؛ ثبت أنه منقطع مما قبله، وأن الواو للقسم لا للعطف، وإذا كان كذلك، لم يكن الأول قسماً؛ ألا ترى أن الخليل وسيبويه لم يجيزا في قوله تعال:(وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى) الآية [الليل: 1] كون الواوين اللتين بعد الأولي قسما كالأولي فقالا فيهما: إنهما للعطف لما كان يلزم من إجازة ذلك بقاء القسم الأول غير متعلق بمقسم عليه. تم كلامه.

واستدل الخليل أيضا على أن الواو الثاني للعطف بأنه لو وضع موضعها "ثم" و"الفاء" كما يقال: وحياتي ثم حياتك لأفعلن: لم يتغير المعنى وهما حرف عطف.

وأعترض عليه بأنه لو جعل الواو في: (وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى)[الليل: 2] للعطف؛ للزم العطف على معمولي عاملين متغايرين، وهو غير سائغ.

ص: 21

وحقك وحق زيد لأفعلنّ. والواو الأخيرة واو قسم لا يجوز إلا مستكرها قال: وتقول وحياتي ثم حياتك لأفعلنّ فثم هاهنا بمنزلة الواو. هذا ولا سبيل فيما نحن بصدده إلى أن تجعل الواو للعطف لمخالفة الثاني الأول في الإعراب. فان قلت: فقدّرها مجرورة بإضمار الباء القسمية لا بحذفها، فقد جاء عنهم: اللَّه لأفعلن مجرورا،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وأجاب المصنف بأنه لما تنزلت الواو التي في ((الليل)) منزلة الباء والفعل حتى لم يجز ذكر الفعل معها، صارت كأنها هي العاملة نصبا وخفضا، فصارت كعاملٍ له عملان كقولك: إن زيدا قائم وعمرا قاعد؛ فعومل معها معاملتهما.

الانتصاف: في قوله تعالى: (وَالصَّافَّاتِ صَفًّا* فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا* فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا)[الصافات: 1 - 3] دليل على صحة مذهب الخليل وسيبويه، فوقوع الفاء هاهنا كوقوع الواو في قوله تعالى:(وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى* وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى) ولم يفترق الحال إلا بما أعطته الفاء من تفاوت الترتيب.

قوله: (هذا)، من فصل الخطاب، أي: مضي هذا. ثم شرع في بيان ما هو المقصود من كلامه، ونحوه قوله تعالى:(هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآَبٍ)[ص: 55] فإنه تعالى كلما فرغ من نوع من الكلام وأراد الشروع في نوع آخر، فصل بقوله:((هذا)). وقيل: هذا فصل أحسن من وصل.

قوله: (فقدرها مجرورة)، مسبب عما قبله يعني لم يقدر صاد وقاف ونون مجرورة بإضمار حرف الجر لا بحذفها حتى يتم للك العطف؟ والفرق بين أن يكون مضمراً وبين أن

ص: 22

ونظيره قولهم: لاه أبوك غير أنها فتحت في موضع الجر لكونها غير مصروفة، واجعل الواو للعطف حتى يستتب لك المصير إلى نحو ما أشرت إليه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يكون محذوفا هو: أن المضمر أثره باق؛ كقولك: الأسد الأسد، والمحذوف لا أثر له؛ كقوله تعالى:(وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ)[يوسف: 82]. ويجوز أن يكون من باب قوله:

بدالي أني لست مدرك ما مضي

ولا سابق شيئا إذا كان جانيا

قوله: (لاه أبوك)، أصله: لله أبوك.

قال أبو على: قال سيبويه: حذفوا اللامين منه: لام الإضافة واللام الأخرى.

وقيل: المحذوف لام الأصل والمبقى الزائد، خلافا لسيبويه.

قال أبو على: فلهم أن يقولوا: إن الزائد جاء لمعنى، وهو أولى بأن يترك؛ لأنه إذا حذف زالت لحذفه دلالته التي جاء لها. وقد رأيناهم يحذفون من نفس الكلمة في نحو: لم يك، ولا أدر، ولم أتل، إذا كان في الذي أبقى دليل على ما ألقى. فعلى هذا المحذوف من هذا الاسك ما هو من نفسه والمبقى الزائد.

وقيل: معنى التعجب في: ((لاه أبوك)) أنهم يفيدون بذكر اللام المفيدة للاختصاص: أن الله تعالى لكمال قدرته مختص بإيجاد مثل هذا الشيء العجيب الشأن.

قوله: (يستتب)، الأساس: استتب الطريق: ذل وانقاد، كقولهم: طريق معبد. واستتب

ص: 23

قلت: هذا لا يبعد عن الصواب، ويعضده ما رووا عن ابن عباس رضى اللَّه عنه أنه قال: أقسم اللَّه بهذه الحروف. فإن قلت: فما وجه قراءة بعضهم ص وق بالكسر؟ قلت: وجهها ما ذكرت من التحريك لالتقاء الساكنين، والذي يبسط من عذر المحرّك: أن الوقف لما استمرّ بهذه الأسامى، شاكلت لذلك ما اجتمع في آخره ساكنان من المبنيات، فعوملت تارة معاملة «الآن» وأخرى معاملة «هؤلاء». فإن قلت: هل تسوّغ لي في المحكية مثل ما سوّغت لي في المعربة من إرادة معنى القسم؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

له الأمر: استقام. ويجوز أن يقال للاستقامة والتمام: الاستتباب، أي: طلب التباب الذي هو الهلاك؛ لأن التباب يتبع التمام. كما قيل: إذا تم أمر دنا نقصه.

قوله: (عن ابن عباس: أقسم الله بهذه الحروف)، قال الإمام: أقسم الله بها لشرفها؛ لأنها مباني كتبه المنزلة وأسمائه الحسنى وصفاته العليا وأصول كلام الأمم.

قوله: (فما وجه قراءة بعضهم: صاد؟ )، سؤال آخر على تحريك هذه الحروف كما سبق في قوله:((فما وجه قراءة من قرأ ((صاد)) بالنصب؟ )).

وأجاب: أنه على تقدير الحكاية دون الإعراب؛ لكونها غير مصروفة.

والمراد بقوله: ((ما ذكرت من التحريك لالتقاء الساكنين)) ما سبق في جواب السؤال السابق على فتح صاد.

قوله: (هل تسوغ لي في المحكية)، والمحكية كما مضى نوعان: نوع لا يتأتى فيه الإعراب ألبتة نحو: (كهيعص)[مريم: 1] و (الم)[البقرة: 1]، ونوع سائغ فيه الإعراب أيضا نحو:((حم)) و ((ق)).

ص: 24

قلت: لا عليك في ذلك، وأن تقدّر حرف القسم مضمراً في نحو قوله عز وجل:(حم وَالْكِتابِ الْمُبِينِ)[الدخان: 2]، كأنه قيل: أقسم بهذه السورة، وبالكتاب المبين: إنا جعلناه. وأما قوله صلى الله عليه وسلم «حم لا يبصرون» فيصلح أن يقضى له بالجرّ والنصب جميعاً على حذف الجار وإضماره. فان قلت: فما معنى تسمية السور بهذه الألفاظ خاصة؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (لا عليك)، أي: لا بأس عليك في ذلك. ثم عطف عليه على سبيل البيان قوله: ((وأن تقدر)) أي: لا بأس عليك أن تقدر في المحكية حرف القسم مضمرا عاملا عمل الجر فيما يشبه (حم* وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ)[الدخان: 1 - 2] يعنى فيما بعده الواو، ولا يقدره محذوفا لئلا يجتمع قسمان على مقسم عليه واحد، أو يحصل الاختلاف في المعطوف والمعطوف عليه في الإعراب كما سبق.

وأما قوله صلى الله عليه وسلم: ((حم لا ينصرون)) فعلى تقدير سؤال، يعنى: فيما لم يأت بعده الواو في المحكية ما تقول فيه؟ فقال: وفي مثله يجوز الجر والنصب على حذف الجار وإضماره لزوال المانع وهو الواو.

قوله: (حم لا ينصرون)، روى الترمذي وأبو داود عن المهلب عمن سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول:((إن بيتكم العدو فقولوا: (حم) لا ينصرون)).

ص: 25

قلت: كأن المعنى في ذلك الإشعار بأن الفرقان ليس إلا كلما عربية معروفة التركيب من مسميات هذه الألفاظ، كما قال عز من قائل:(قُرْآناً عَرَبِيًّا)[يوسف: 2].

فإن قلت: فما بالها مكتوبة في المصحف على صور الحروف أنفسها، لا على صور أساميها؟ قلت: لأنّ الكلم لما كانت مركبة من ذوات الحروف، واستمرّت العادة متى تهجيت ومتى قيل للكاتب: اكتب كيت وكيت أن يلفظ بالأسماء وتقع في الكتابة الحروف أنفسها، عمل على تلك الشاكلة المألوفة في كتابة هذه الفواتح.

وأيضاً فإن شهرة أمرها، وإقامة ألسن الأسود والأحمر لها،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قال في ((الفائق)): والذي يؤدي إليه النظر في معنى هذا الحديث: أن السور السبع التي في أوائلها ((حم)) سور لها شأن، فنبه صلوات الله عليه أن ذكرها لشرف منزلتها وفخامة شأنها مما يستظهر به على إنزال رحمة الله في نصرة المسلمين، وفل شوكة الكفار، وقوله:((لا ينصرون)) كلام مستأنف؛ كأنه حين قال: ((قولوا: (حم)، وقال له قائل: ماذا يكون إذا قلت هذه الكلمة؟ فقال: ((لا ينصرون)).

قوله: (كأن المعنى في ذلك الإشعار) إلى آخره. فإن قلت: أليس هذا المعنى يفيده الوجه الثاني من الوجوه الثلاثة في الفواتح وهو قوله: ((أن يكون ورودها على نمط التعديد كالإيقاظ وقرع العصا)

قلت: لأن هذا المعنى إنما يفيده هذا الوجه بحسب التناسب بين الاسم والمسمى من غير قصد في التسمية إليه، وهناك يفيده قصدا أوليا، ومن ثم قال:((كأن المعنى)) على التشبيه دون الجزم. وفيه إشارة إلى مذهبه على سبيل الإدماج.

ص: 26

وأنّ اللافظ بها غير متهجاة لا يحلى بطائل منها، وأنّ بعضها مفرد لا يخطر ببال غير ما هو عليه من مورده؛ أمنت وقوع اللبس فيها، وقد اتفقت في خط المصحف أشياء خارجة عن القياسات التي بنى عليها علم الخط والهجاء،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقوله: (وأن اللافظ بها) وقوله: (وأن بعضها مفرد)، معطوفان على شهرة أمرها، يعني: لا يخطر ببال أن المراد من ((ق)) و ((ن)) و ((ص)) الأوامر، أو فائدة أخرى يعبأ بها حتلا يحتاج أن يكتب قاف ونون وصاد لئلا تلتبس.

قوله: (غير متهجاة)، أي: أن يتلفظ ((ق)) مفردة من غير أن يقال: قاف.

قوله: (لا يحلى بطائل)، حليت منه بطائل، أي: ظفرت منه بفائدة، الأساس: ومن المجاز: حلى فلان في صدري وفي عينى، وهو حلو اللقاء وحلو الكلام.

وفيه: وله عليه طول: فضل، وهو غير طائل: غير فاضل.

قوله: (وأن بعضها)، أي: بعض أسامي حروف التهجي، يعني: ورود بعض هذه الفواتح نحو ث، ص، ن، مفرداً لا يخطر ببال من يراه مكتوبا كذا- غير المعني المراد به وهو الاسم الملفوظ به. وضمير ((مورده)) عائد إلى البعض، أي: أن ذلك البعض المكتوب على حرف واحد وارد على ذلك الملفوظ الذي هو الاسم.

قوله: (أمنت وقوع اللبس)، خبر ((إن)) في قوله:((فإن شهرة أمرها)).

قوله: (علم الخط)، قال ابن الحاجب: الخط تصوير اللفظ بحرف هجائه، إي: اللفظ المقصود تصويره. فإذا قيل: اكتب زيدا، تكتب مسمى زاي وياء ودال. والأصل في كل كلمة أن تكتب بصورة لفظها بتقدير الابتداء بها والوقوف عليها.

ص: 27

ثم ما عاد ذلك بضير ولا نقصان لاستقامة اللفظ وبقاء الحفظ، وكان اتباع خط المصحف سنة لا تخالف.

قال عبد اللَّه بن درستويه في كتابه: المترجم بكتاب الكتاب المتمم: في الخط والهجاء خطان لا يقاسان:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (عبد الله بن درستويه)، قال الأنباري: كان أحد النحاة المشهورين، والأدباء المذكورين. ألف كتابه في ((الهجاء))، وهو من أحسنها.

ووجدت في كتاب صنف في هذا الفن: اعلم أن كتابة المصحف مثبتة بخط واحد على الأحرف السبعة، وهي تنقسم إلى ما يوافق القياس، وإلى ما لا يوافقه، بل يتلقى بالقبول؛ لأنها سنة واجبة الاتباع؛ لأنه رسم زيد بن ثابت رضي الله عنه، أمين رسول الله صلى الله عليه وسلم وكاتب وحيه، علم من هذا العلم ما لم يعلم غيره، وما خالفه إنما خالف لحكمة بليغة ومعرفة خفية؛ ألا ترى إلى قوله تعالى:(مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) فإنه كتب بلا ألف، ولا يجوز إثباتها؛ لأن إثباتها يؤدي إلى مخالفة من قرأ بغير ألف، وكذلك قوله تعالى:(فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ)[يوسف: 15] كتبت بالياء من غير ألف، إذ لو أثبتت لبطلت قراءة من قرأ بالوحدة، ولو كتبت بالهاء لبطلت قراءة من قرأ بالجمع.

قوله: (بكتاب الكتاب)، أي: بكتاب الكتابة. وفي بعض النسخ: ((بكتاب الكتاب)) بالتشديد.

ص: 28

خط المصحف، لأنه سنة، وخط العروض لأنه يثبت فيه ما أثبته اللفظ ويسقط عنه ما أسقطه.

الوجه الثاني: أن يكون ورود هذه الأسماء هكذا مسرودة على نمط التعديد، كالإيقاظ، وقرع العصا لمن تحدّى بالقرآن وبغرابة نظمه

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (خط المصحف وخط العروض)، مبتدأ، و "خطان لا يقاسان" خبره. قدم على المبتدأ للتشويق، كقول الشاعر: ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتها

شمس الضحى وأبو إسحاق والقمر

قوله: (هكذا)، صفة مصدر محذوف، و "الإيقاظ" خبر "يكون"، و "مسرودة" حال. وصاحبها "هذه الأسماء"، والعامل "الورود" أي: الوجه الثاني: أن يكون ورود هذه الأسماء متتابعة على طريقة التعداد كالتنبيه لمن يرد عليه امر له شأن وفيه فخامة ليتلقاه بالقبول. قوله: (مسرودة)، الأساس: سرد الحديث والقراءة: جاء بهما على ولاء. قوله: (وقرع العصا)، أصله من قولهم: إن العصا قرعت لذي الحلم، يضرب لمن إذا نبه انتبه.

قال الميداني: ذو الحلم: عامر بن الظرب، كان من حكماء العرب، لا يعددل بفهمه فهم، فلما طعن في السن أنكر من عقله شيئا، فقال لبنيه: إنه قد كبرت سني، وعرض لي

ص: 29

وكالتحريك للنظر في أن هذا المتلو عليهم وقد عجزوا عنه عن آخرهم كلام منظوم من عين ما ينظمون منه كلامهم؛ ليؤديهم النظر إلى أن يستيقنوا أن لم تتساقط مقدرتهم دونه، ولم تظهر معجزتهم عن أن يأتوا بمثله بعد المراجعات المتطاولة، وهم أمراء الكلام وزعماء الحوار، وهم الحرّاص على التساجل في اقتصاب الخطب، والمتهالكون على الافتنان في القصيد والرجز، ولم يبلغ من الجزالة وحسن النظم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

سهو، فإذا رأيتموني خرجت من كلامي وأخذت في غيره، فاقرعوا لي المحجن بالعصا. قوله:(وقد عجزوا عنه عن آخرهم)، أي: عجزوا صادرا عن آخرهم، فإذا صدر العجز عن آخرهم؛ فيكون قد صدر عن جميعهم متجاوزا عن آخرهم.

قوله: (دونه)، أي: عند الوصول إليه. والضمير عائد إلى المتلو عليهم.

قوله: (معجزتهم)، يروى بكسر الجيم وفتحها، الجوهري: عجزت عن كذا أعجز بالكسر عجزا ومعجزة ومعجزة ومعجزة ومعجزا، ومعجزا أيضا بالفتح على القياس.

قوله: (الحوار)، الأساس: كلمته فما أحار جوابا، أي: ما رجع.

قوله: (على التساجل)، الأساس: ومن المجاز: ساجله: فاخره. وله من المجد سجل سجيل: ضخم. واقتضب الكلام: ارتجله.

قوله: (في القصيدة)، القصيد والقصيدة كالسفين والسفية.

قوله: (الرجز)، الرجز: ضرب من الشعر، الجوهري: الرجز داء يصيب الإبل في أعجازها، فإذا ثارت الناقة ارتعشت فخذاها ساعة ثم تنبسط. ومنه سمى الرجز من الشعر لتقارب أجزائه وقلة حروفه.

ص: 30

المبالغ التي بزت بلاغة كل ناطق، وشقت غبار كل سابق، ولم يتجاوز الحدّ الخارج من قوى الفصحاء، ولم يقع وراء مطامح أعين البصراء إلا لأنه ليس بكلام البشر، وأنه كلام خالق القوى والقدر

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وشقت غبار كل سابق)، وهو من قول قصير:"فأركب العصا، فإنه لا يشق غباره".

قال الميداني: وكانت العصا فرشا لجذيمة. يضرب لمن لا يجارى.

فإن قلت: هل من فرق بين ما في الكتاب وما في المثل؟ قلت: ما في المثل هي للسبق، والمقام مقام مدح السابق؛ فينبغي أن يكنى به عن عدم لحوق اللاحق. وما في الكتاب إثبات له، والمقام مقام مدح اللاحق؛ فالواجب أن يعبر به عن السبق على السابق.

قوله: (مطامح)، الأساس: طمحت ببصري إليه، وطمح المتكبر يعينه: شخص بها.

قوله: (إلا لأنه ليس من كلام البشر)، استثناء من قوله:"إن لم تتساقط"، ومن المنفيات المعطوفة عليه.

الانتصاف: هذا الفصل أتى فيه ببلاغة لكنه أفسدها بالنفي، وطول فيه حتى انتهى إلى الإثبات، وهو متقد على المتبني قوله في الخيل:

ص: 31

وهذا القول من القوة والخلاقة بالقبول بمنزلٍ. ولناصره على الأوّل

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فلا ركبت بها إلا إلى ظفر

ولا حصلت بها إلا على أمل

وقلت: ليت شعري كيف ينتقد على مثله في بلاغته، أم كيف يقاس هذا الكلام ببيت أبي الطيب؟ فإنه أوهم في البداية دعاء السوء وما يدخل منه في وهل السامع ما لا ينجبر بما يستدرك بعده، وإن المصنف سلك مسلك التشويق إلى ما يرد في الإنتهاء؛ أتى أولا بقرينتين مشتملتين على سلب مقدرة الخصوم وبيان عجزهم وهما قوله:"لم تتساقط مقدرتهم دونه، ولم تظهر معجزتهم عن أن يأتوا بمثله"، ثم عقبهما بقرائن ثلاث مضمنات صفات بليغة للقرآن لتؤدي بالسامع إلى مبلغ لا يتمالك إلا طلب العثور على المطلوب. وكأن هذا الزاعم ـ بعد أن حرم الوقوف على الأساليب ـ ما تلي عليه قوله:(بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ ولا نَصَبٌ ولا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ولا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الكُفَّارَ ولا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ)[التوبة: 120] والعجب أن المنفيات الثلاث الأولى مؤذنات بما هو عليهم، والقرينيتين الأخريين مشتملتان على ما هو لهم، ولا يبعد أن المصنف اقتبس كلامه من أسلوب الآية.

قوله: (والخلاقة)، الأساس: وهو خليق بكذا: كأنما خلق له وطبع عليه. وقد خلق خلاقة.

قوله: (بمنزل)، أي: بمنزل بعيد، ومنه قول صاحب "المفتاح": إن التركيب متى وقع موقعه رفع شأن الكلام في باب البلاغة إلى حيث يناطح السماك.

ص: 32

أن يقول: إن القرآن إنما نزل بلسان العرب مصبوبا في أساليبهم واستعمالاتهم، والعرب لم تتجاوز ما سموا به مجموع اسمين، ولم يسم أحد منهم بمجموع ثلاثة أسماء وأربعة وخمسة، والقول بأنها أسماء السور حقيقة: يخرج إلى ما ليس في لغة العرب، ويؤدّى أيضاً إلى صيرورة الاسم والمسمى واحداً، فإن اعترضت عليه بأنه قول مقول على وجه الدهر وأنه لا سبيل إلى ردّه، أجابك بأن له محملا سوى ما يذهب إليه، وأنه نظير قول الناس: فلان يروى: قفا نبك، وعفت الديار. ويقول الرجل لصاحبه: ما قرأت؟ فيقول (الحمد لله) و (براءة من الله ورسوله)[التوبة: 1]، و (يوصيكم الله في أولادكم) [النساء: 11]، و (الله نور السماوات والأرض) [النور: 35].

وليست هذه الجمل بأسامى هذه القصائد وهذه السور، والآي، وإنما تعنى رواية القصيدة التي ذاك استهلالها، وتلاوة السورة أو الآية التي تلك فاتحتها. فلما جرى الكلام على أسلوب

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قال القاضي: هذا الوجه أقرب إلى التحقيق، وأوفق للطائف للتنزيل، وأسلم من لزوم النقل ووقوع الإشتراك في الأعلام من واضع واحد؛ فإنه يعود بالنقص على ما هو مقصود من العلمية.

وقال السجاوندي: والمروي عن الصدر الأول في التهجي أنها أسرار بين الله وبين نبيه صلوات الله عليه. وقد تجرى بين المجرمين كلمات معماة تشير إلى سر بينهما، وتفيد تحريض الحاضرين إلى إستماع ما بعد ذلك. وهذا معنى قول السلف: حروف التهجي إبتلاء لتصديق المؤمن وتكذيب الكافر.

ص: 33

من يقصد التسمية، واستفيد منها ما يستفاد من التسمية، قالوا ذلك على سبيل المجاز دون الحقيقة.

وللمجيب عن الاعتراضين على الوجه الأول أن يقول: التسمية بثلاثة أسماء فصاعدا مستنكرة لعمري وخروج عن كلام العرب، ولكن إذا جعلت اسما واحداً على طريقة حضر موت، فأما غير مركبة منثورة نثر أسماء العدد فلا استنكار فيها لأنها من باب التسمية بما حقه أن يحكى حكاية،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هذا وهي أعلام توقظ من رقدة الغفلة بنصح التعليم، وتنشط في إلقاء السمع على شهود القلب للتعظيم، كمن أراد الإخبار بمهم حرك الحاضر بيديه، أو صاح به صرة، ليقبل بكله عليه. ومصداق ذلك أن معظمها معقبة بذكر الكتاب. وقد قلبت الرأي ظهرا لبطن في تأويل معاني هذه الحروف سنين، ونيفت الأقاويل المختارة على الستين، ولم أتحصل على ثلج اليقين ولا ظفر الجهد على المراد قادر اليمين، حتى استروحت إلى هذا الوجه من التحري. ثم إني بعد التجاسر والإمتناع إذا بثعلب سقى الله عهده وهو الإمام الموثوق برأيه، يقول: حروف التهجي تنبيه في معرض ألا، وكفى بلطف الله في تجاذب الآراء موئلا.

قوله: (ولكن إذا جعلت)، استدراك عن مقدر، أي: التسمية مستنكرة لا في جميع الصور، ولكن إذا جعلت إسما واحدًا على طريقة "جضرموت" في إعتبار الإعراب في آخره.

قوله: (غير مركبة منثورة)، منصوبان بمضمر، أي: فأما إذا جعلت غير مركبة، منثورة فلا إستنكار في التسمية.

ص: 34

كما سموا: بتأبط شراً، وبرق نحره، وشاب قرناها. وكما لو سمى: بزيد منطلق، أو بيت شعر.

وناهيك بتسوية سيبويه بين التسمية بالجملة والبيت من الشعر، وبين التسمية بطائفة من أسماء حروف المعجم، دلالة قاطعة على صحة ذلك.

وأما تسمية السورة كلها بفاتحتها، فليست بتصيير الاسم والمسمى واحداً، لأنها تسمية مؤلف بمفرده، والمؤلف غير المفرد.

ألا ترى أنهم جعلوا اسم الحرف مؤلفاً منه ومن حرفين مضمومين إليه، كقولهم: صاد، فلم يكن من جعل الاسم والمسمى واحداً حيث كان الاسم مؤلفاً والمسمى مفرداً. الوجه الثالث: أن ترد السور مصدرة بذلك ليكون أوّل ما يقرع الأسماع مستقلا بوجه من الإعراب، وتقدمة من دلائل الإعجاز .........

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وناهيك)، أي: كافيك وحسبك بتسوية سيبويه.

ومن قوله في "باب الترخيم": "ولو رخمت "تأبط شراً" من الأسماء لرخمت رجلاً يسمى بقول عنترة:

يا دار عبلة بالجواء تكلمي"

قوله: (ألا ترى أنهم جعلوا اسم الحرف)، أي: كما أن تسمية المفرد بالمركب في الحروف لا تصير الإسم والمسمى واحدا، كذلك عكسه.

قوله: (ليكون أول ما يقرع الأسماع مستقلاً بوجه من الإعراب)، والفرق بين هذا الوجه والسابق ذكره: أن دلالة هذا على الإعجاز والغرابة من نفسه؛ لصدورها عمن لم يجر منه

ص: 35

وذلك أنّ النطق بالحروف أنفسها كانت العرب فيه مستوية الأقدام: الأميون منهم وأهل الكتاب، بخلاف النطق بأسامى الحروف، فإنه كان مختصاً بمن خط وقرأ وخالط أهل الكتاب وتعلم منهم، وكان مستغرباً مستبعداً من الأمى التكلم بها استبعاد الخط والتلاوة، كما قال عز وجل:(وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ)[العنكبوت: 48].

فكان حكم النطق بذلك مع اشتهار أنه لم يكن ممن اقتبس شيئا من أهله - حكم الأقاصيص المذكورة في القرآن، التي لم تكن قريش ومن دان بدينها في شيء من الإحاطة بها

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

التعليم، ودلالة ذاك عليه بإعتبار التنبيه على غرابة نظم القرآن؛ فلو تحدى به كاتب وقارئ لجاز، بخلاف الثاني. فالوجهان يدوران مع تفسير قوله تعالى:(فَاتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ)[البقرة: 23] في أن الضمير في "مثله" إما لرسول الله، أو للقرآن كما سيجيء.

قال صاحب "التقريب": وفيه ضعف؛ لانه يمكن تعلمه لول بسماع من صبي في أقصر زمان.

والجواب: أن صدور مثل هذه الألفاظ من مثله، وهو ممن لم يمارس الخط والقراءة، ولم يشتهر به، سواء تعلم أو لم يتعلم بديع وغريب، فكان حكمه حكم العرب العرباء إذا تكلم بالزنجية مثلاً، فمطلق التكلم به منه غريب. والمقصود من إثبات الغرابة في الفواتح ليس إلا التنبيه على ما يرد بعدها من الإنجاز.

قوله: (ومن دان بدينها)، النهاية:"كانت قريش ومن دان بدينهم" أي: اتبعهم في دينهم ووافقهم عليه، واتخذ دينهم له دينا وعبادة.

ص: 36

في أن ذلك حاصل له من جهة الوحى، وشاهد بصحة نبوته، وبمنزلة أن يتكلم بالرطانة من غير أن يسمعها من أحد.

واعلم أنك إذا تأملت ما أورده اللَّه عز سلطانه في الفواتح من هذه الأسماء. وجدتها نصف أسامى حروف المعجم «1» أربعة عشر سواء، وهي: الألف، واللام، والميم، والصاد، والراء، والكاف، والهاء، والياء، والعين، والطاء، والسين، والحاء، والقاف، والنون - في تسع وعشرين سورة على عدد حروف المعجم.

ثم إذا نظرت في هذه الأربعة عشر وجدتها مشتملة على أنصاف أجناس الحروف، بيان ذلك:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (في أن ذلك حاصل له من جهة الوحي)، متعلق بقوله:"وكان حكم النطق" وهو وجه التشبيه.

قوله: (وبمنزلة)، عطف على قوله:"حكم الأقاصيص".

قوله: "بالرطانة"، الأساس: كلمة بالرطانة، ورطن له يرطن: كلمه بالعجمية.

قوله: (أربعة عشر سواء)، وقال بعده:"في تسع وعشرين سورة على عدد حروف المعجم" لما كان نصفه الحقيقي على الكسر جعله النصف تقريبا كما فعل في أجناس الحروف وقال: "ومن المستعلية نصفها"، فأورد ثلاثة مع أنها سبعةن وكذا في حروف القلقلة.

قيل: فيه نظر لتأكيد بقوله: "سواء".

وأجيب: أن "سواء" صفة أربعة عشر، ولا يتعلق "بنصف أسامي حروف المعجم".

قوله: (وجدتها مشتملة على أنصاف أجناس الحروف)، يشكل بحروف الذلاقة وهي:

ص: 37

أن فيها من المهموسة نصفها: الصاد، والكاف، والهاء، والسين، والحاء. ومن المجهورة نصفها: الألف، واللام، والميم، والراء، والعين، والطاء، والقاف، والياء، والنون. ومن الشديدة نصفها: الألف، والكاف، والطاء، والقاف؛ ومن الرخوة نصفها: اللام، والميم، والراء، والصاد، والهاء، والعين، والسين، والحاء، والياء، والنون. ومن المطبقة نصفها: الصاد، والطاء. ومن المنفتحة نصفها: الألف، واللام، والميم، والراء، والكاف، والهاء، والعين، والسين، والحاء، والقاف، والياء، والنون؛ ومن المستعلية نصفها:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(مر بنفل)، وهي ستة، وذكر منها أربعة وهي:(مر بل)، وبحروف المصمتة وهي ما عداها، وذكر منها عشرة، فكأنه أكثر من الذبلقة ونقص من المصمتة لسهولة الذلاقة وثقل المصمتة.

قوله: (من المهموسة)، وهي:"ستشحثك خصفه".

قوله: (من المجهورة)، وهي ما ينحصر جرى النفس مع تحركه. وحروفها:"ظل قو ربض إذ غزا جند مطيع".

قوله: (ومن الشديدة)، وهي ما ينحصر جري الصوت عند إسكانه في مخرجه فلا يجري، وحروفها:"أجدك قطبت".

والرخوة: وهي ما عدا الشديدة.

والمطبقة: وهي ما ينطبق على مخرجه الحنك، وحروفها:"صضطظ".

والمنفتحة: هي ما يخالف المطبقة.

والمستعلية: هي ما يرتفع اللسان بها إلى الحنك وحروفها: "خفق" وحروف المطبقة.

ص: 38

القاف، والصاد، والطاء. ومن المنخفضة نصفها: الألف، واللام، والميم، والراء، والكاف، والهاء، والياء، والعين، والسين، والحاء، والنون. ومن حروف القلقلة نصفها: القاف، والطاء. ثم إذا استقريت الكلم وتراكيبها، رأيت الحروف التي ألغى اللَّه ذكرها من هذه الأجناس المعدودة مكثورة بالمذكورة منها، فسبحان الذي دقت في كل شيء حكمته.

وقد علمت أن معظم الشيء وجله ينزل منزلة كله. وهو المطابق للطائف التنزيل واختصاراته، فكأن اللَّه عز اسمه عدّد على العرب الألفاظ التي منها تراكيب كلامهم، إشارة إلى ما ذكرت من التبكيت لهم وإلزام الحجة إياهم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

والمنخفضة: هي ما عدا المستعلية.

والقلقلة: هي ما ينضم إلى الشدة فيها ضغط في الوقف، وحروفها:"قدطبج"

قوله: (مكثورةً بالمذكورة)، أي: مغلوبة بالكثرة، أي: المذكورة غالبة على غير المذكورة، ومنه: كاثرة، أي: غالبه بالكثرة.

قوله: (فكأن الله)، قيل، إنما ذكر بلفظ كأن لأنه ذكر بعضه، وأراد الكل.

قوله: (من التبكيت)، وهو إلزام الخصم بما يعتقده من الحجة.

والذي ذكره: ما في الوجهين الأخيرين من معنى التحدي.

تقريره على الوجه الأول: أن هذا القرآن الذي عجزتم عنه منظوم من جنس ما تنظمون منه كلامهم، وانتم تعرفون انه كذلك، فإذا عجزتم عن الإتيان بمثله؛ فأذعنوا للحق.

وعلى الوجه الثاني: أن محمدا صلوات الله عليه اشتهر عندكم أنه ممن لم يمارس الخط والكتابة، ولم يقتبس العلم من أحد؛ فقد أتي بهذا البحر الزاخر، فاتركوا العناد.

ص: 39

ومما يدل على أنه تغمد بالذكر من حروف المعجم أكثرها وقوعا في تراكيب الكلم «2» . أن الألف واللام لما تكاثر وقوعهما فيها جاءتا في معظم هذه الفواتح مكرّرتين. وهي: فواتح سورة البقرة، وآل عمران، والروم، والعنكبوت ولقمان، والسجدة، والأعراف، والرعد، ويونس، وإبراهيم، وهود، ويوسف، والحجر. فان قلت: فهلا عدّدت بأجمعها في أوّل القرآن؟ ومالها جاءت مفرقة على السور؟ قلت: لأنّ إعادة التنبيه على أنّ المتحدّى به مؤلف منها لا غير، وتجديده في غير موضع واحد أوصل إلى الغرض وأقرّ له في الأسماع والقلوب من أن يفرد ذكره مرة، وكذلك مذهب كل تكرير جاء في القرآن فمطلوب به تمكين المكرر في النفوس وتقريره. فان قلت: فهلا جاءت على وتيرة واحدة؟ ولم اختلفت أعداد حروفها

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (كل تكرير)، إعلم أن التكرير: إما تكرير الألفاظ بنفسها كقوله تعالى (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)[الرحمن: 13]، وإما تكرير المعاني من غير النظر إلى الألفاظ؛ فهو كتكرير هذه الألفاظ في السور، فالمكرر هو التنبيه نفسه وإن إختلفت الألفاظ.

قوله: (فهلا جاءت على وتيرة واحدة)، الوتيرة: الطريقة.

غن قلت: ما معنى الفاءات في الأسئلة وهي: "فهلا عددت؟ " و"فهلا جاءت؟ " و"فما وجه اختصاص كل سورة؟ " قلت: الأولى مسببة من جعل الفواتح كقرع العصا، وجعلها تقدمة لدلائل الإعجاز: أي: هذان السببان يوجبان أن تذكر مجموعة في صدر الكلام؛ فلم فرقت؟

والثانية مسببة عن قوله: "لأن إعادة التنبيه على أن المتحدى به مؤلف" يعني كان يحصل التنبيه بمجرد الإيراد؛ فهلا أجريت على نسق واحد على أن التكرير يستدعيه؟

ص: 40

فوردت ص وق ون على حرف، وطه وطس ويس وحم على حرفين، والم والر وطسم على ثلاثة أحرف، والمص والمر على أربعة أحرف، وكهيعص وحم عسق على خمسة أحرف؟ قلت: هذا على إعادة افتنانهم في أساليب الكلام، وتصرفهم فيه على طرق شتى ومذاهب متنوّعة.

وكما أن أبنية كلماتهم على حرف وحرفين إلى خمسة أحرف لم تتجاوز ذلك، سلك بهذه الفواتح ذلك المسلك. فإن قلت: فما وجه اختصاص كل سورة بالفاتحة التي اختصت بها؟ قلت: إذا كان الغرض هو التنبيه - والمبادي كلها في تأدية هذا الغرض سواء لا مفاضلة - كان تطلب وجه الاختصاص ساقطا، كما إذا سمى الرجل بعض أولاده زيداً والآخر عمراً، لم يقل له: لم خصصت ولدك هذا بزيد وذاك بعمرو؟ لأنّ الغرض هو التمييز وهو حاصل أية سلك ولذلك لا يقال: لم سمى هذا الجنس بالرجل وذاك بالفرس؟ ولم قيل للاعتماد الضرب؟ وللانتصاب القيام؟ ولنقيضه القعود؟ فإن قلت: ما بالهم عدوّا بعض هذه الفواتح آية دون بعض؟ قلت: هذا علم توقيفى لا مجال للقياس فيه كمعرفة السور.

أمّا الم فآية حيث وقعت من السور المفتتحة بها. وهي ست. وكذلك المص آية، والمر لم تعدّ آية، والر ليست بآية في سورها الخمس، وطسم آية في سورتيها، وطه ويس آيتان، وطس ليست بآية،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

والثالثة: مسببة عن الجوابين يعني: هب أن التكرير لإعادة التنبيه، وأن إختلافها على عادة إفتنانهم؛ فما وجه إختصاص مواقعها في كل سورة؟

قوله: (آية سلك)، أية: ظرف "حاصل" وهي موصولة، والمضاف إليه محذوف لكونها لازمة الإضافة، والضمير في "سلك" راجع إلى الرجل، أي: أية طريق سلكها؟

قوله: (للاعتماد)، وهو وقوع الشئ على الشئ، الجوهري: إعتمدت على الشئ: إتكأت عليه.

ص: 41

وحم آية في سورها كلها، وحم عسق آيتان، وكهيعص آية واحدة، وص وق ون ثلاثتها لم تعدّ آية.

هذا مذهب الكوفيين ومن عداهم، لم يعدّوا شيئا منها آية. فإن قلت: فكيف عدّ ما هو في حكم كلمة واحدة آية؟ قلت: كما عدّ (الرحمن)[الرحمن: 1]، و (مدهامتان) [الرحمن: 64] وحدها آيتين على طريق التوقيف. فإن قلت: ما حكمها في باب الوقف؟ قلت: يوقف على جميعها وقف التمام إذا حملت على معنى مستقل غير محتاج إلى ما بعده، وذلك إذا لم تجعل أسماء للسور ونعق بها كما ينعق بالأصوات أو جعلت وحدها أخبار ابتداء محذوف كقوله عز قائلا:(الم اللَّهُ) أى: هذه (الم)، ثم ابتدأ فقال (اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) [آل عمران: 1 - 2]. فإن قلت: هل لهذه الفواتح محل من الإعراب؟ قلت: نعم لها محل فيمن جعلها أسماء للسور لأنها عنده كسائر الأسماء الأعلام. فإن قلت: ما محلها؟ قلت: يحتمل الأوجه الثلاثة،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (هذا مذهب الكوفيين)، والذي يعلم من كتاب "المرشد": هو أن الفواتح في السور كلها آيات عند الكوفيين من غير تفرقة بينها.

قوله: (أو جعلت وحدها أخبار إبتداء)، عطف على قوله:"لم تجعل"، وقوله:"ونعق بها" عطف عليه على سبيل البيان؛ كأنه قيل: إذا نعق بالفواتح أو لم ينعق، وجعلت أسماء للسور على حذف المبتدأ، تكون على كلتا الحالتين مستقلة، فيوقف عليها.

قوله: (هل لهذه الفواتح محل من الإعراب؟ )، قيل: هو مستدرك؛ لأنه قد علم غير مرة أنها معربة وعلم محلها.

قلت: التكرير إنما يصار إليه، لمعان شتى منها: أن يعاد ليعلق عليه معنى آخر، وها هنا لما قال:"أو جعلت وحدها أخبار إبتداء محذوف" ليكون الوقف عليها تاما، سأل هذا السؤال ليعلق عليه المسألتين في حالتي النصب والجر على تقدير القسم، فعلم عدم جواز الوقف عليها إن عنى كونها مقسما بها، وإن عنى بها منصوبة ب"اذكر" يجوز الوقف.

ص: 42

أما الرفع: فعلى الابتداء، وأما النصب والجرّ، فلما مرّ من صحة القسم بها وكونها بمنزلة اللَّه واللَّه على اللغتين. ومن لم يجعلها أسماء للسور، لم يتصوّر أن يكون لها محل في مذهبه، كما لا محل للجمل المبتدأة وللمفردات المعدّدة.

[(ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ)].

فإن قلت: لم صحت الإشارة بذلك إلى ما ليس ببعيد؟ قلت: وقعت الإشارة إلى الم بعد ما سبق التكلم به وتقضى، والمتقضى في حكم المتباعد، وهذا في كل كلام. يحدّث الرجل بحديث ثم يقول: وذلك ما لا شك فيه. ويحسب الحاسب ثم يقول: فذلك كذا وكذا. وقال اللَّه تعالى: (لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ)[البقرة: 68]. وقال: (ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي)[يوسف: 37]، ولأنه لما وصل من المرسل

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (فعلى الابتداء)، أراد بالإبتداء اعم من أن يكون مبتدأ أو خبرا؛ فإن الإبتدائية هو رافعها كما هو مذهب المحققين.

قوله: (لما مر)، يعني في جواب قوله:"هل تسوغ في المحكية مثل ما سوغت لي في المغربة؟ " وهو قوله: "أن يقضي له بالجر والننصب جميعا".

قوله: (ولأنه لما وصل)، معطوف من حيث المعنى على قوله:"وقعت الإشارة" فإنه لما قال: "لم صحت الإشارة ب"ذلك" إلى ما ليس ببعيد" أجاب: إنما صحت الإشارة لأنه أشير بها إلى (الم) بعد ما سبق، "ولأنه لما وصل من المرسل" إلى آخره.

ص: 43

. ..

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقوله: "وقيل: معناه ذلك الكتاب" جواب آخر مستقل، يعني: ليس المشار إليه (الم) ليلزم المحذور؛ بل هو الكتاب، وهو من حيث كونه موعودا في حكم البعيد، وإنما جازت الإشارة إلى الآتي لتصوره أولا في الذهن.

قال في قوله تعالى: (قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ)[الكهف: 78]: قد تصور بينهما حلول ميعاد، فأشار إليه وجعله مبتدأ وأخبر عنه، وأما الوعد، فقد قال الواحدي والإمام: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وعد بقوله: (إنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً)[المزمل: 5] فأشير بذلك إلى ذلك.

وقال الزجاج: القرآن ذلك الكتاب الذي وعدوا به على لسان موسى وعيسى عليهما السلام، ودليله قوله تعالى:(وكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا)[البقرة: 89]. ويؤيده ما روينا عن الدرامي عن كعب: "عليكم بالقرآن فإنه فهم العقل، ونور الحكمة، وينابيع العلم. وأحدث الكتب بالرحمن عهدا. وقال في التوراة: يا محمد، إني منزل عليك توراة حديثة، تفتح بها أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا".

ثم المشار إليه إن كان ما وعد بقوله: "ثقيلاً" كما ذهب إليه الإمام؛ فالمناسب أن يكون (الم) اسما للسورة؛ وهي المشار إليها، وإن كان كل القرآن؛ فالمناسب أن يكون تعدادا ليؤذن أن ذلك الموعد مركب من هذه الحروف.

والأحسن ما ذكره صاحب "المفتاح": قال: (ذَلِكَ الكِتَابُ) ذهاباً إلى بعده درجة.

ص: 44

إلى المرسل إليه، وقع في حد البعد، كما تقول لصاحبك وقد أعطيته شيئا: احتفظ بذلك.

وقيل معناه: ذلك الكتاب الذي وعدوا به. فإن قلت: لم ذكر اسم الإشارة - والمشار إليه مؤنث وهو السورة؟ قلت: لا أخلو من أن أجعل الكتاب خبره أو صفته. فإن جعلته خبره، كان ذلك في معناه ومسماه مسماه، فجاز إجراء حكمه عليه في التذكير، كما أجرى عليه في التأنيث في قولهم: من كانت أمّك. وإن جعلته صفته، فإنما أشير به إلى الكتاب صريحاً لأنّ اسم الإشارة مشار به إلى الجنس الواقع صفة له. تقول: هند ذلك الإنسان، أو ذلك الشخص فعل كذا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقال الإمام: إن الفواتح وإن كانت حاضرة نظرا إلى صورتها؛ لكنها غائبة نظرا إلى أسرارها وحقائقها، أو لكونها يعسر على البشر الإطلاع عليها كأنها غائبة.

قوله: (احتفظ بذلك)، الأساس: إحتفظ بالشئ، وتحفظ به: عني بحفظه. وإحتفظ بما أعطيتك؛ فإن له شأنا.

قوله: (كان ذلك في معناه ومسماه مسماه، فجاز إجراء حكمه عليه)، قال ابن جني: حكى الأصمعي عن أبي عمرو قال: سمعت رجلاً من اليمن يقول: فلان لعوب، جاءته كتابي فاحتقرته. فقل: أتقول: جاءته كتابي؟ فقال: أليس بصحيفة!

وفي "حواشي" المصنف: هذا كقوله في الشمس: (هَذَا رَبِّي) لكونه الخبر مذكرا؛ ذكر المبتدأ، وهو قياس مطرد في كل ضمير يقع بين مبتدأ وخبر مختلفين في التذكير والتأنيث.

ص: 45

وقال الذبياني:

نُبِّئْتُ نُعْمَى على الهِجْرانِ عاتِبةً

سُقْيَا ورُعْيَا لِذَاكَ العاتِبِ الزَّارِى

فإن قلت: أخبرنى عن تأليف (ذلِكَ الْكِتابُ) مع (الم). قلت: إن جعلت (الم) اسما للسورة ففي التأليف وجوه: أن يكون (الم) مبتدأ، و (ذلِكَ). مبتدأ ثانياً، و (الْكِتابُ) خبره، والجملة خبر المبتدأ الأوّل.

ومعناه: أنّ ذلك الكتاب هو الكتاب الكامل، كأن ما عداه من الكتب في مقابلته ناقص، وأنه

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (نبئت نعمى) البيت، الزاري: من زريت بالفتح زراية: إذا عبت عليه، نعمى: اسم إمراأة، وحكمها حكم هند في الصرف وعدمه، "عاتبة": ثالث مفاعيل نبئت، " على الهجران" متعلق بعاتبة، ويجوز أن يكون حالا من المفعول الأول.

قوله: (والجملة خبر المبتدأ الأول)، إنما صح وليس فيها العائد؛ لأن اسم الإشارة قائم مقامه.

قوله: (ومعناه: أن ذلك هو الكتاب)، الضمير فصل، أذن بإدخاله بين المبتدأ والخبر أن التركيب مفيد للحصر، وأذن بقوله "الكامل" أن التعريف في الخبر للجنس، وأذن بإقحام أذاة التشبيه في قوله:"كأن ما عداه من الكتب في مقابلته ناقص" أن الحصر على المبالغة دون الحقيقة.

قال ابن جني: إن من عادتهم أن يوقعوا على الشئ الذي يختصونه بالمدح اسم الجنس؛ ألا تراهم كيف سموا الكعبة بـ"البيت"، وكتاب سيبويه بـ"الكتاب"!

ص: 46

الذي يستأهل أن يسمى كتابا، كما تقول: هو الرجل، أى الكامل في الرجولية، الجامع لما يكون في الرجال من مرضيات الخصال. وكما قال:

هُمّ الْقَوْمُ كلُّ الْقَوْمِ يا أُمَّ خَالِدِ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقال القاضي: إن اسم الجنس كما يستعمل لمسماه مطلقا، يستعمل لما يستجمع المعاني المخصوصة به المقصودة منه، ولذلك يسلب عن غيره.

قوله: (يستأهل)، الأساس: فلان أهل لكذا، واستأهل لذلك، وهو مستأهل له. وقد سمعت أهل الحجاز يستعملونه إستعمالاً واسعاً.

وعد الحريري هذه الكلمة من جملة أوهام الخواص، وسيجئ بيانه في تفسير قوله تعالى (إنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً) [البقرة: 30].

قوله: (هم القوم كل القوم يا أم خالد)، صدره:

وإن الذي حانت بفلج دماؤهم.

حانت: هلكت. والموصول على نحو قوله تعالى: (وخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا)[التوبة: 69].

ص: 47

وأن يكون الكتاب صفة. ومعناه: هو ذلك الكتاب الموعود، وأن يكون (الم) خبر مبتدإ محذوف، أى هذه الم، ويكون ذلك خبراً ثانياً،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فلج: اسم موضع بالبصرة. والمعني: إن الذين هدرت دماؤهم وأريقت بهذا الوضع هم القوم، أي: هم المشهورون بالرجولية والبراعة، الموصوفون بكمال الشهامة والشجاعة.

قوله: (وأن يكون الكتاب صفة)، قال القاضي: وهو مصدر سمي به المفعول للمبالغة، أو فعال بني للمفعول كاللباس، ثم أطلق على المنظوم قبل أن يكتب؛ لأنه مما يكتب وأصل الكتب الجمع، ومنه الكتيبة.

الراغب: الكتب: ضم أديم إلى أديم بالخياطة، وفي التعارف: ضم الحروف بعضها إلى بعض في الخط؟ وقد يقال ذلك للمضموم بعضها إلى بعض في اللفظ؛ ولهذا سمي كتاب الله وإن لم يكتب كتابا كقوله تعالى: (الم* ذَلِكَ الكِتَابُ)[البقرة: 1 - 2] وقوله: (إنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الكِتَابَ)[مريم: 30].

ويعبر عن الإثبات والاقدير والإيجاب والعرض والكتابة. ووجه ذلك: أن الشئ يراد، ثم يقال، ثم يكتب؛ فالإرادة مبدأ، والكتابة منهى، ثم يعبر عن المراد الذي هو المبدأ إذا أريد به توكيده بالكتابة التي هي المنتهى قال تعالى:(كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا ورُسُلِي)[المجادلة: 21] وقال تعالى: (قُل لَّن يُصِيبَنَا إلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا)[التوبة: 51]. ويعبر بالكتابة عن القضاء الممضى أو ما يصير في حكم الممضى، وقد حمل على هذا قوله:(بَلَى ورُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ)[الزخرف: 80] وقوله تعالى: (أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمَانَ)[المجادلة: 22].

ص: 48

أو بدلاً، على أن الكتاب صفة، وأن يكون:(هذه الم) جملة، وذلك الكتاب جملة أخرى. وإن جعلت (الم) بمنزلة الصوت، كان ذلك مبتدأ، خبره (الكتاب)، أى ذلك الكتاب المنزل هو الكتاب الكامل. أو الكتاب صفة والخبر ما بعده، أو قدّر مبتدأ محذوف، أى هو - يعنى المؤلف من هذه الحروف - ذلك الكتاب.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (أو بدلاً على أن الكتاب صفة)، هذا القيد ينبئ أن على تقدير كونه خبرا لا يلزم ذلك، فيجوز أن يكون صفة لـ"ذلك". وأن يكون (ذَلِكَ) مبتدأ، والكتاب خبره، والجملة خبر ثان، ولو جعل بلا ذلك تعين كون الكتاب صفة؛ لأن البدل عن المفرد لا يكون جملة، ونظيره قولك: هذا زيد أخوك الكريم، ولأنك إذا قلت:(ذَلِكَ) وتسكت، ثم تبتدئ (الكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ) [البقرة: 2] ركبت متعسفا.

قوله: (وذلك الكتاب جملة أخرى)، وفصلها لكونها مقررة لها. قال: نبه أولا على أنه الكلام المتحدى به ثم أشير إليه بأنه الكتاب المنعوث بغاية الكمال.

قوله: (بمنزلة الصوت)، شامل للوجهين الأخيرين: قرع العصا، والتقدمة للإعجاز؛ ولهذا قيد الكتاب بالمنزل، يعني تنبهوا أن هذا الكتاب هو الكتاب الكامل الذي عجزتم عن الإتيان بمثله، وهو منزل بلسانكم. وإنما قد هذا الوجه والوجه السابق بقوله:"الكامل" لأن الكتاب إذا وقع خبرا، كان التعريف للجنس، فيفيد الحصر لمعنى الكمال كما سبق، وإذا وقع صفة لذلك كان اللام للعهد، ويعود المعنى إلى أنه الكتاب الموعود.

قوله: (يعني المؤلف من هذه الحروف)، وكان من حق الظاهر أن يقول: هذه الحروف ذلك الكتاب، لكن هذه الحروف لما كانت دالة على المركب المؤلف فيما بعده قيل:"المؤلف من هذه" تسمية للدال باسم مدلوله.

ص: 49

وقرأ عبد اللَّه: (الم* تنزيل الكتاب لا ريب فيه. وتأليف هذا ظاهر. والريب: مصدر رابنى، إذا حصل فيك الريبة. وحقيقة الريبة: قلق النفس واضطرابها، ومنه: ما روى الحسن بن على قال: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك فإن الشك ريبة، وإنّ الصدق طمأنينة» أى فإن كون الأمر مشكوكا فيه مما تقلق له النفس ولا تستقرّ. وكونه صحيحا صادقا مما تطمئن له

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وتأليف هذا ظاهر)، يعنى (الم) على أنها اسم للسورة مبتدأ، خبره:((تنزيل الكتاب)). و ((تنزيل)) بمعنى المنزل، ويجوز أن يكون (الم) خبر مبتدأ محذوف و ((تنزيل الكتاب لا ريب فيه)) مبتدأ وخبر. وعلى أنها تعديد الحروف ارتفع ((تنزيل الكتاب)) على أنه خبر مبتدأ محذوف، أو هو مبتدأ خبره ((لا ريب فيه)).

قوله: (دع ما يريبك)، والحديث من رواية الترمذي والنسائي:((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإن الصدق طمأنينة، والكذب ريبة)). المعنى: دع ما اعترض لك الشك فيه منقلبا إلى ما لا شك فيه، يقال: دع ذلك إلى ذلك، أي: استبدله به، أو دع ذلك ذاهبا إلى غيره، وقوله:((إن الصدق طمأنينة والكذب ريبة))، جاء ممهدا لما تقدمه.

المعنى: إذا وجدت نفسك ترتاب في الشيء فاتركه؛ فإن نفس المؤمن تطمئن إلى الصدق، وترتاب من الكذب. فارتيابك في الشيء مبني على كونه باطلا؛ فاحذره، واطمئنانك إلى الشيء مشعر بكونه حقا، فاستمسك به. وهذا مخصوص بذوي النفوس الشريفة القدسية الطاهرة من أوضار الذنوب، وأوساخ الآثام. فظهر أن قوله:((إن الشك ريبة)) لا يستقيم رواية ولا دراية.

ص: 50

وتسكن. ومنه: ريب الزمان، وهو ما يقلق النفوس ويشخص بالقلوب من نوائبه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

روينا عن أحمد بن حنبل والدارمي، عن وابصة بن معبد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: ((جئت تسأل عن البر والإثم؟ )) قال: نعم، فجمع أصابعه، فضرب بها صدره وقال:((استفت نفسك، استفت نفسك يا وابصة ثلاثاً؛ البر ما اطمأنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس، وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك)).

الراغب: الفرق بين الشك والمرية والريب والإرابة والتخمين والحدس والوهم والخيال والحسبان والظن- أن الشك: هو وقوف النفس بين شيئين متقابلين بحيث لا يترجح أحدهما على الآخر بأمارة والمرية: هي التردد في المتقابلين، وطلب الأمارة؛ مأخوذ من مرى الضرع، أي: مسحه للدر، فكأنه يحصل مع الشك تردد في طلب ما يقتضي غلبة الظن.

والريب: أن يتوهم في السيء أمر ما، ثم ينكشف عما توهم فيه.

والإرابة: أن يتوهمه فينكشف خلاف ما توهم؛ ولذلك قيل: القرآن فيه إرابة وليس فيه ريب.

والتخمين: توهم لا عن أمارة.

والحدس: إسراع الحكم بما يأتي به الهاجس من غير توقف فيه؛ مأخوذ من حدس في سيره، أي: أسرع.

والوهم: صورة تتصورها في نفسك سواء كان لها وجود من خارج كصورة إنسان ما، أو لم يكن لها وجود كعنقاء مغرب.

والخيال: تصور ما أدركته الحاسة في النفس.

ص: 51

ومنه أنه مر بظبي حاقف فقال: "لا يربه أحد بشيء". فإن قلت: كيف نفى الريب على سبيل الاستغراق؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

والحسبان: اعتقاد عن أمارة اعتددت به، سواء كام له وجود في الحقيقة أو لم يكن؛ وهو مشتق من حسبت الحساب.

والظن أعم معنى من ذلك كله؛ فإنه اعتقاد عن أمارة مما قد ثبت، فمتى كانت تلك الأمارة ضعيفة جرى مجرى خلت وحسبت، ومتى كانت قوية جرى مجرى علمت.

قوله: (أنه مر بظبي حاقف)، عن مالك والنسائي عن البهزي:((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يريد مكة وهو محرم حتى إذا كان بالأثاية بين الرويثة والعرج إذا ظبي حاقف في ظل وفيه سهم، فزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر رجلاً يقف عنده لا يريبه أحد من الناس حتى يجاوزوه)).

وقال صاحب ((الجامع)): الظبي الحاقف: الذي انحنى وتثنى في نومه. لا يريبه، أي: لا يزعجه ولا يتعرض له.

الأثاية بضم الهمزة وبالثاء المثلثة وبالياء تحتها نقطتان: موضع معروف بطريق الجحفة إلى مكة، وبعضهم يكسر الهمزة، والرويثة بلفظ التصغير، والثاء المثلثة.

قوله: (كيف نفي الريب على سبيل الاستغراق)، يعني: أنه تعالى نفي عنه الريب بالكلية،

ص: 52

وكم من مرتاب فيه! قلت: ما نفى أنّ أحداً لا يرتاب فيه،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فينبغي أن لا يتصور فيه الريب، ولا ما يتعلق به من وجود المرتاب وقد كثر المرتابون.

قوله: (ما نفى أن أحداً لا يرتاب فيه)، قيل: إن ((نفى)) مسند إلى ما بعده و ((لا)) زائدة، أي: ما نفى عدم ارتياب أحد، وفيه ضعف.

وقيل: أن ((نفى)) مسند إلى ضمير الريب، واللام مقدر في قوله:((أن أحدا)) والتحقيق: أنه مسند إلى ما بعده و ((لا)) غير مزيدة، وأن ((أحدا)) مثله في قوله تعالى:((لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ)) [الأحزاب: 32] يعني لم يقصد بالنفي الاستغراقي نفي كل واحد واحد لا يرتاب فيه، وإنما قصد نفي كل فرد من الريب، ويدل عليه قوله:((وإنما: المنفي كونه متعلقا للريب)) وتعليله بقوله: ((لأنه من وضوح الدلالة)) إلى آخره، يعنى: ما نفى الريب بحيث ينتفي به المرتابون وإنما نفى المرتابون. وإنما نفي بطريق يرشد إلى أنه لا ينبغي لمرتاب أن يرتاب فيه؛ فإذن الكلام مع المرتابين، ويدل عليه أيضا تصدير الكلام بأسامي حروف التهجي؛ لأنها كالتنبيه وقرع العصا لهم، كأنه قيل: أيها المرتابون، تنبهوا من رقدة الجهالة، واعلموا أن القرآن من وضوح الدلالة وسطوع البرهان بحيث لا ينبغي لمرتاب أن يقع فيه، فينطلق على هذا استشهاده بقوله تعالى:(وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا)[البقرة: 23] وتفسيره: فيتحققوا عند عجزهم أن ليس فيه مجال للشبهة. وكلام صاحب ((المفتاح)): ويقلبون هذه القضية مع المنكر إذا كان معه ما إذا تأمله ارتدع كقوله تعالى في حق القرآن: (لَا رَيْبَ)[البقرة: 2].

ص: 53

وإنما المنفي كونه متعلقا للريب ومظنة له لأنه من وضوح الدلالة وسطوع البرهان بحيث لا ينبغي لمرتاب أن يقع فيه. ألا ترى إلى قوله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَاتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ)[البقرة: 23]! فما أبعد وجود الريب منهم؟ وإنما عرفهم الطريق إلى مزيل الريب، وهو أن يحرزوا أنفسهم،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (مظنة له)، قال في ((النهاية)): المظنة بالكسر: مفعلة من الظن، أي: الموضع الذي يظن به الشيء. ومنه حديث: ((طلبت الدنيا من مظان حلالها)) أي: المواضع التي أعلم فيها الحلال. ناسب هذا التفسير معنى الآية من حيث إنه تعالى جعل القرآن كظرف أخلي عن الريب، يعني: ليس القرآن ظرفا للريب، ولا الريب مما يصلح أن يكون مظروفا له ومتعلقا به.

قوله: (أن يقع فيه)، أي: يظعن، الأساس: وقع الشيء على الأرض وقوعا. ومن المجاز: وقع فيه: اغتابه.

وفاعل ((يقع)) ضمير المرتاب، والضمير في ((فيه)) للقرآن، أي: لا ينبغي لمرتاب أن يطعن فيه.

قوله: (فما أبعد وجود الريب عنهم)، أي: خاطب المصرين على الريب الجازمين فيه بما يدل على خلوهم عنه، ولم يقصد به أنهم غير مرتابين، وإنما قصد به إرشادهم وتعريفهم الطريق إلى مزيل الريب على سبيل الاستدراج، يعني: أن الارتياب من العاقل في مثل هذا المقام واجب الانتفاء، فلا يفرض إلا كما تفرض المحالات، وأنتم عقلاء ألباء، تفكروا فيه، وجربوا نفوسكم، وانظروا هل تجدون فيه مجالا للريب.

قال في قوله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ): ((وما أبعد)) وفيها مر ((ما نفي))؛ لأن ((لا)) صريحة في النفي، و ((إن)) هنا متضمنة له.

ص: 54

ويروزوا قواهم في البلاغة، هل تتم للمعارضة أم تتضاءل دونها؟ فيتحققوا عند عجزهم أن ليس فيه مجال للشبهة ولا مدخل للريبة. فإن قلت: فهلا قدّم الظرف على الريب، كما قدّم على الغول في قوله تعالى:(لا فِيها غَوْلٌ)[الصافات: 47]؟ قلت: لأنّ القصد في إيلاء الريب حرف النفي، نفى الريب عنه، وإثبات أنه حق وصدق لا باطل وكذب، كما كان المشركون يدّعونه، ولو أولى الظرف لقصد إلى ما يبعد عن المراد، وهو أنّ كتابا آخر فيه الريب لا فيه، كما قصد في قوله:(لا فِيها غَوْلٌ) تفضيل خمر الجنة على خمور الدنيا بأنها لا تغتال العقول كما تغتالها هي، كأنه قيل: ليس فيها ما في غيرها من هذا العيب والنقيصة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (يروزوا)، الجوهري: رزته أروزه، أي: جربته وخبرته.

قوله: (تتضاءل)، النهاية: وفي الحديث: ((أن إسرافيل يتضاءل من خشية الله)، أي: يتصاغر تواضعا له. وتضاءل الشيء: إذا انقبض وانضم بعضه إلى بعض، والضئيل: النحيف.

قوله: (أن ليس فيه مجال)، مفعول ((فيتحققوا))، الجوهري: حققت الأمر وأحققته أيضا: إذا تحققته وصرت منه على يقين.

قوله: (فهلا قدم الظرف)، معنى الفاء أنه حين حقق الجواب أن المنفي كونه متعلقا للريب ومظنة له، فهم أن الكلام في كون القرآن ليس مظنة للريب، لا في الريب، وكان تقديم الظرف أهم.

فأجاب أن الظاهر وإن اقتضي ذلك، لكنه منعه مانع؛ وهو توهم إثبات الريب في غيره من الكتب السماوية، فسلك به مسلكا لا يؤدي إلى ذلك، وحصل المقصود.

قوله: (كما تغتالها هي)، الجوهري: أي: ليس فيها غائلة الصداع.

ص: 55

وقرأ أبو الشعثاء: (لا ريب فيه) بالرفع، والفرق بينها وبين المشهورة، أنّ المشهورة توجب الاستغراق، وهذه تجوّزه. والوقف على:(فِيهِ) هو المشهور

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قال أبو عبيدة: الغول: أن تغتال عقولهم، أي: تذهب بها، أبرز الضمير للتأكيد، وإلا فليس هنا موضع للإبراز لعدم اللبس.

قوله: (قرأ أبو الشعثاء)، قال في (الجامع): أبو الشعثاء بفتح الشين وسكون العين: اسمه سليم بن الأسود المحاربي، تابعي مشهور.

قوله: (وهذه تجوزه)، أي: الاستغراق.

قال الإمام: والذي يدل على إيجاد المشهور للاستغراق أن نفي الجنس نفي الماهية، وهو يقتضي نفي كل فرد من أفرادها، فلو ثبت فرد من أفرادها ثبتت الماهية، وأما قولنا:((لَا رَيْبَ فِيهِ)) بالرفع؛ فهو، وإن كانت نكرة في سياق النفي؛ لكنه نقيض قولنا:((رَيْبَ فِيهِ))، وهو يحتمل أن يكون إثباتا لفرد واحد منها، ونفيه يفيد انتفاءه.

وقال الزجاج: إذا قلت: لا رجل في الدار؛ جاز أن يكون فيها رجلان، وإذا قلت: لا رجل في الدار؛ فهو نفي عام.

قوله: (والوقف على (فيه) هو المشهور)، قال الإمام: الوقف على (فيه) أولى؛ لأنه

ص: 56

وعن نافع وعاصم أنهما وقفا على: (لا رَيْبَ) ولا بد للواقف من أن ينوى خبراً، ونظيره قوله تعالى:(قالُوا لا ضَيْرَ)[الشعراء: 50]، وقول العرب: لا بأس، وهي كثيرة في لسان أهل الحجاز. والتقدير:(لا ريب فيه).

(فِيهِ هُدىً) الهدى مصدر على فعل، كالسرى والبكى؛

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يكون الكتاب نفسه هدي، ولما تكرر في التنزيل أنه هدي وهو نور، وعلى (لا ريب) لا يكون الكتاب نفسه هدي؛ بل يكون فيه هدي.

قوله: (ولا بد للواقف من أن ينوي خبراً)؛ لأنه إذا لم ينوه يلزم الشروع في الكلام الثاني قبل تمام الأول.

قال في ((المرشد)): إن جعلت ((لا ريب)) بمعنى حقا كأنك قلت: ((الم ذلك الكتاب حقا))، فالوقف عليه تام، وإليه ذهب الزجاج، وقال: لأن ((لا شك)) بمعنى حقا.

قوله: (والهدي مصدر كالسري)، اضطرب كلام سيبوسه في الهدي؛ فمرة يقول: هو عوض من المصدر؛ لأن فعلاً لا يكون مصدراً، وأخرى يقول: هو مصدر هدي، وقال أيضاً: قلما يكون ما ضم أوله من المصادر إلا منقوصاً؛ لأن فعلاً لا يكاد يرى مصدراً من غير ثبات الياء والواو، فدل على أنه مصدر كالبكاء والسرى.

واعلم أن المصنف استدل على مطلوبه وهو: أن الهدى هي الدلالة الموصلة إلى البغية بوجوه ثلاثة:

ص: 57

وهو الدلالة الموصلة إلى البغية، بدليل وقوع الضلالة في مقابلته. قال اللَّه تعالى:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أحدها: وقوع الهدى في الآيتين في مقابلة الضلال، والضلالة هي الخيبة، وحيث وقعت مقابلة لها، كان معناها مقابلاً لمعناها.

وثانيها: استعمال المهدي في موضع المدح كمعتد، يعني: أن المهدي اسم مفعول من هدى والمعتدي اسم فاعل من اهتدى، وكما يوصف المرء بالمعتدي في مقام المدح لوصوله إلى البغية، يوصف بالمهدي أيضًا، ولولا اعتبار هذا القيد في مسمى الهدى؛ لم يكن الوصف بكونه مهديًا مدحًا.

وثالثها: أن "اهتدى مطاوع هدى" إلى آخره، ومعناه. أنا إذا قلنا: انكسر الإناء، كانت الفائدة الإخبار بحصول معنى الانكسار من تعلق فعل الكسر بما قام به الانكسار الذي هو أثر الكسر، كذا قولنا: اهتدى، بالوصول إلى البغية من تعلق هدى بمن قام به الاهتداء الذي هو أثر الهدى، لو لم يكن في مسمى الهدى الإيصال إلى البغية معتبرًا، يلزم أن يكون المطاوع في خلاف معنى المطاوع الذي هو أثره، فقوله:"ولأن اهتدى" معطوف على قوله: "بدليل وقوع الصلالة" وقوله: "يقال" عطف على "وقوع" أي: بدليل قولهم: ويجوز أن يعطف على الدليل.

قال صاحب "التقريب": وفي الوجوه الثلاثة نظر؛ لأن:

الأول: معارض بقوله تعالى: (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى)[فصلت: 17].

والثاني: أن المدح حاصل بالتمكين من الاستدلال وإن لم يوصل إلى البغية.

والثالث: بقولهم: أمرته فلم يأمر.

لعلة اقتدى بالإمام؛ حيث قال في "تفسيره": الهدى عبارة عن الدلالة.

ص: 58

(أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى)[البقرة: 16]، وقال تعالى:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقال صاحب "الكشاف": "هي الدلالة الموصلة إلى البغية". والذي يدل على صحة القول الأول، وفساد الثاني، أنه لو كان كون الدلالة الموصلة إلى البغية معتبرة في مسمى الهدى لامتنع حصول الهدى عند عدم الاهتداء، لكن الله تعالى أثبت الهدى مع عدم الاهتداء في قوله:(وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى)[فصلت: 17]. ثم أجاب عن:

الوجه الأول: أن الفرق بين الهدى والاهتداء معلوم بالضرورة، فمقابل الهدى هو الإضلال، ومقابل الاهتداء هو الضلال؛ فجعل الهدى في مقابلة الضلالة ممتنع.

وعن الثاني: أن المنتفع بالهدى يسمى مهديًا، وغير المنتفع به لا يسمى مهديًا؛ لأن الوسيلة إذا لم تفض إلى المقصود كانت نازلة منزلة المعدوم.

وعن الثالث: أن الائتمار مطاوع الأمر، يقال: أمرته فائتمر، ولم يلزم منه أن يكون من شرط كونه أمرًا حصول الائتمان فكذا هذا.

والجواب عن قوله: "أثبت الهدى مع عدم الاهتداء" يعني في قوله تعالى: (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى)[فصلت: 17] أي: بدلوا العمى بالهدى رغبة عن الهدى، واستحبابًا للعمى كما في قوله تعالى:(أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى)[البقرة: 16].

وعن قوله: "فجعل الهدى في مقابلة الضلالة ممتنع": أنه لو كان ممتنعًا لم يقع في الآيتين،

ص: 59

(لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ)[سبأ: 24]. ويقال: مهدى، في موضع المدح،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ولأن المراد بالمقابلة في الصناعة: الجمع بين اللفظين الدالين على المعنيين المتضادين حقيقة أو تقديرًا، أي: سواء كانا متعديين أو لازمين، أو أحدهما متعديًا والآخر لازمًا. وفي الآيتين هذا المعنى موجود وسيما في الثانية؛ فإنه صريح فيها، لتوسيط كلمة التقابل.

وعن قوله: "أن المنتفع بالهدى يسمى مهديًا" بمعنى: أن المهدي إنما دل على المدح بالمجاز، والقرينة مقام المدح. فلا تثبت الحقيقة بقرينة المقام، أن يقال: إن المراد بقوله: يقال: مهدي في موضع المدح أن المهدي من الأوصاف التي تستعمل في المدح مطلقًا، لا أنه يعرضه ذلك، وعن قوله: أمرته فلم يأتمر ما قاله البزدوي في "اصوله": ألا ترى أن أمر فعل متعد لازمة ائتمر، ولا وجود للمتعدي إلا أن يثبت لازمه، كالكسر لا يتحقق إلا بالانكسار، فقضيته الأمر لغة أن لا يثبت إلا بالامتثال إلا أن ذلك لو ثبت بالأمر نفسه، لسقط الاختيار من المأمور أصلاً، وللمأمور عندنا ضرب من الاختيار.

معنى هذا الكلام: أن أصحاب اللغة ما أثبتوا لكل فعل متعد لازمًا إلا إذا اتفقا في الوجود.

قال ابن الحاجب: معنى المطاوعة حصور فعل عن فعل؛ فالثاني مطاوع لأنه طاوع الأول، والأول مطاوع لأنه طاوعه الثاني، فإذا وجد المطاوع يجب أن لا يختلف عنه المطاوع.

فإذن معنى: أمرته فائتمر، جعلته مؤتمرًا فائتمر، لكن معنى الائتمار معنى سقوط الاختيار ولزوم الجبر، فعرض له عارض فوجب العدول عن الحقيقة.

ص: 60

كمهتدٍ؛ ولأن "اهتدى" مطلوع "هدى"، ولن يكون المطاوع في خلاف

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هذا وإن الواجب توخي الجمع بين القولين، ورفع الحاجز بين البحرين بتحقيق معنى الهدى: أهي حقيقة في الدلالة المطلقة مجاز في الدلالة المخصوصة أو عكسه؟ أم هي مشتركة بينهما؟ أم موضوعة للقدر المشترك وهو البيان.

روينا في "صحيح الإمام محمد بن إسماعيل البخاري": فهنديناهم: دللناهم على الخير الشر، كقوله:(وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ)[البلد: 10] وكقوله: (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ)[الإنسان: 3] والهدى الذي للإرشاد بمعنى أصعدناه؛ من ذلك قوله تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ)[الأنعام: 90].

وقال الزجاج والواحدي: معناه البيان.

وقال الجوهري: الهدى: الرشاد والدلالة.

وقال صاحب "المطلع": معنى الهداية في اللغة: الدلالة، يقال: هداه في الدين يهديه هداية، إذا دله على الطريق.

والهدى يذكر لحقيقة الإرشاد أيضًا؛ ولهذا جاز النفي والإثبات، قال تعالى:(إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ)[القصص: 56]، وقال تعالى:(وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)[الشورى: 52].

وفي كلام المصنف إشعار بأن الهدى حقيقة في الدلالة الموصلة إلى البغية، مجاز في مجرد الدلالة وذلك قوله في "حم" السجدة. "أليس معنى "هديته": حصلت فيه الهدى؟ والدليل عليه قولك: هديته فاهتدى، بمعنى تحصيل البغية، فكيف ساغ استعماله في الدلالة المجردة؟

ص: 61

معنى أصله ألا ترى إلى نحو غمه فاغتم، وكسره فانكسر، وأشباه ذلك؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ولهذا انتصب لإقامة الدليل على حقيقتها في هذا المعنى، وأنها حقيق أن تحمل عليه في هذا المقام؛ لاقتضاء مدح الكتاب وكونه كاملاً في بابه.

والإمام لما رأى الدلالة منصوبة في كونها حقيقة في ملق الدلالة، انتصب لإبطال مذهبه؛ هربًا من الاشتراك إلى المجاز، وكأن الزجاج والواحدي ذهبًا إلى القول بالقدر المشترك بين المفهومين، ولكل وجهة هو موليها، والله أعلم.

والقول الجامع ما ذكره الراغب، قال:"الهداية دلالة بلطف، ومنه الهدية، وهو أدى الوحش: متقدماتها لكونها هادية لسائرها. وخص ما كان دلالة بـ "فعلت" نحو: هديته الطريق، وما كان من الإعطاء بـ" افتعلت" نحو: أهديت الهدية. وأما نحو قوله تعالى: (فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ)[الصفات: 23] فعلى التهكم.

والهداية: هي الإرشاد إلى الخيرات قولاً وفعلاً، وهي من الله تعالى على منازل، بعضها يرتب على بعض، لا يصح حصول الثاني إلا بعد الأول، ولا الثالث إلا بعد الثاني.

فأولها: إعطاؤه العبد القوى التي بها يهتدي إلى مصالحه، إما تسخيراً وإما طوعًا؛ كالحواس الخمس، والقوة المفكرة، وعلى ذلك قوله تعالى:(أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى)[طه: 50]، (وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى) [الأعلى: 3].

وثانيها: الهداية بالدعاء وبعثه الأنبياء، وإياها عني بقوله:(وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا)[السجدة: 24].

وثالثها: هداية يوليها صالحي عباده بما اكتسبوه من الخيرات، وهي المعنى بقوله:(وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ)[الحج: 23]، وقوله:{أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} [الأنعام: 90]، (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) [العنكبوت: 69].

قال بعض المحققين: الهدى من الله كثير، ولا يبصره إلا البصير، ولا يعمل به إلا اليسير ألا ترى إلى نجوم السماء ما أكثرها، ولا يهتدي بها إلا العلماء!

ص: 62

فإن قلت: فلم قيل: (هُدىً لِلْمُتَّقِينَ) والمتقون مهتدون؟ قلت: هو كقولك للعزيز المكرم: أعزك اللَّه وأكرمك، تريد طلب الزيادة إلى ما هو ثابت فيه واستدامته، كقوله:(اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ)[الفاتحة: 6].

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ورابعها: التمكين من مجاورته في دار الخلد، وإياها عني بقوله:(وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا)[الأعراف: 43] فإذا ثبت ذلك، فمن الهداية مالا ينفى عن أحد بوجه، ومنها ما ينفي عن بعض ويثبت لبعض؛ ومن هذا الوجه قال تعالى:(إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ)[القصص: 56] فإنه عني الهداية التي هي التوفيق وإدخال الجنة، دون التي هي الدعاء كقوله تعالى:(وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)[الشورى: 52].

قوله: (فلم قيل)، الفاء فيه تدل على إنكار ما تقدم؟ يعني لما دللت على أن الهدى هي الدلالة الموصولة إلى البغية لا مطلق الدلالة، فحينئذ كيف يستقيم (هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) والمتقوم هم المهتدون؟

وأجاب بجوابين:

أحدهما: باعتبار الثبات والزيادة.

وثانيهما: باعتبار ما يؤول، وكذا الفاء في السؤال الآتي بعده إنكار على جوابه الثاني، أي: إذا كان المراد بالمتقين ما ذكرت، فلم ارتكب المجاز وترك الحقيقة؟

وأجاب أيضًا بوجهين:

أحدهما: إثبات الاختصار الذ يهو حلية القرآن.

وثانيهما: رعاية براعة الاستهلال.

ص: 63

ووجه آخر؛ وهو أنه سماهم عند مشارفتهم لاكتساء لباس التقوى: متقين، كقول رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم "من قتل قتيلا فله سلبه".

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (عند مشارفتهم لاكتساء لباس التقوى)، مقتبس من قوله تعالى:(وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ)[الأعراف: 26] واحتذاء على أسلوب (فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ)[النحل: 112] فالاستعارة تحقيقية؛ لأن المشبه المتروك: إما عقلي وهو أن يستعار اللباس لماي غشى الإنسان ويتلبس به من انشراح الصدر، وقذف النور في القلب، والتخلص من مضيق الضلال وظلمات الكفر، قال الله تعالى:(فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا)[الأنعام: 125]. وإما حسي بأن يستعار اللباس لماي ظهر في الإنسان من شعائر الإسلام ونوره وحسن الطلعة، وبهاء المنظر، قال الله تعالى:(سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ)[الفتح: 29].

ثم قوله: "الاكتساء" ترشيح لهذه الاستعارة، وقوله:"عند مشارفتهم" استعارة أخرى واقعة على الاستعارة، الأساس: شارف البلد، وساروا إليهم حتى إذا شارفوها. فعظم التقوى التي هي من لوازم الإسلام، وجعلها دار السلام. المغنى: سماهم متقين عند مشارفتهم مدينة السلام لدخول دار التقوى، فراعى في اللفظ الترقي أيضًا، لتطابق المعنى وهو كون هذا المجاز باعتبار ما يؤول إليه.

قوله: (من قتل قتيلاً)، الحديث من رواية البخاري ومسلم وغيرهما "من قتل قتيلاً له عليه بينه فله سلبه".

ص: 64

وعن ابن عباس: «إذا أراد أحدكم الحج فليعجل فإنه يمرض المريض وتضل الضالة، وتكتفّ الحاجة» فسمى المشارف للقتل والمرض والضلال: قتيلا ومريضاً وضالة.

ومنه قوله تعالى: (وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً)[نوح: 27]، أى صائراً إلى الفجور والكفر. فإن قلت: فهلا قيل هدى للضالين؟ قلت: لأن الضالين فريقان: فريق علم بقاؤهم على الضلالة وهم المطبوع على قلوبهم، وفريق علم أنّ مصيرهم إلى الهدى فلا يكون هدى للفريق الباقين على الضلالة، فبقى أن يكون هدى لهؤلاء، فلو جيء بالعبارة المفصحة عن ذلك لقيل: هدى للصائرين إلى الهدى بعد الضلال، فاختصر الكلام بإجرائه على الطريقة التي ذكرنا، فقيل: هدىً للمتقين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وعن ابن عباس)، الحديث إن صح فهو موقوف على ابن عباس، وهو من رواية أبي داود عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ومن أراد الحج فليتعجل" وليس فيه الزيادات.

قوله: (ومنه قوله تعالى)، وإنما فصله للفرق؛ لأن الأمثلة السابقة إنما صير إليها لأن الفاعل كان ملابسًا له مجتهدًا فيه، فنزل لذلك منزلة الحاصل، ولا كذلك ها هنا لكن نزل اجتهاد الأب منزلة اجتهاد المولود المعدوم مبالغة في عنادهم.

قوله: (بإجرائه على الطريقة التي ذكرنا)، وهي المجاز باعتبار المآل.

ص: 65

وأيضاً فقد جعل ذلك سلما إلى تصدير السورة التي هي أولى الزهراوين،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وأيضًا فقد جعل ذلك)، قيل: معطوف على قوله: "فاختصروا" ويجوز أن يعطف على "فقيل"، أي: فاختصر فقيل؛ فقد جعل ذلك الاختصار وذلك القول سلمًا إلى تصدير السورة.

والفاءات كلها للتعقيف: وهذا كقوله تعالى: (فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ)[البقرة: 54] وفيه معنى الترقي، وقد روعي معنى التناسب بين السلم والترقي والتصدير والزهراوين والسنام، والمقصود من العدول رعاية حسن المطلع، والاحتراز عن لفظ يوحش السامعين.

والسنام مقتبس من قوله صلوات الله عليه "رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد".

و"أولى الزهراوين" من قوله صلى الله عليه وسلم: "اقرؤوا الزهراوين: البقرة وآل عمران، فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو غيايتان، أو كأنهما فرقان من طير صواف، تحاجان عن صاحبهما" أخرجه مسلم عن أبي أمامة الباهلي، وقد روى الدارمي عن بريدة مثله.

قال التوريشتي: "الزهراوين" أي: المنبرتين. والأزهر: المنبر، ومنه قيل المنيرين: الأزهران. وفيه تنبيه على أن مكان السورتين مما عداهما مكان القمرين من سائر النجوم فيما يتشعب منهما لذوي الأبصار.

الغياية: كل شيء أظل الإنسان فوق رأسه من السحابة وغيرها.

ص: 66

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فرقان من الطير: طائفتان، وقيل: للقطيع من الغنم: فرق.

تحاجان، أي: تدفعان عن صاحبهما وتذبان عنه. مثل السورتين مرة بغمامتين، وكره بغيايتين، وتارة بفرقين؛ لينبه على أنهما يظلان صاحبها عن حر الموقف وكرب القيامة. وإدخال "أو" في "غيايتان أو فرقان" إنما كان للتقسيم، لا من تردد الرواة.

وقلت: أوقع صلوات الله عليه القراءة أولاً على النيرين ثم بينهما بقوله: "البقرة وآل عمران" ولولاهما كان استعارة، فالتشبيه واقع على حد التجريد كقوله تعالى:(حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ)[البقرة: 187] هذا بالنظر إلى البيان.

وأما بالنظر إلى المعاني، فالتركيب من باب قوله: هل ادلك على الإكرام الأفضل فلان؟ كما مضى في آخر "الفاتحة" ثم أتى بنوع آخر من التشبيه هو قوله: كأنهما فرقان من الطير؛ بيانًا لترتيب طبقات أهل الإيمان، ولتمييز درجاتهم، فآذن بتشبيهه الأول بأن تينك المظلتين على غير ما عليه المظلة المتعارفة في الدنيا؛ فإنها وإن كانت لدفع كرب الحر عن صاحبها ولتكرمته، لكن لم تخل عن نوع كدورة وشائبة نصب، وتلك - رزقنا الله تعالى منها - مبرأة عن ذلك، لكونهما كالنيرين في النور والإشراق، مسلوبتي الحرارة والكرب. وآذن بتشبيهه الثاني بأنهما مع كونهما مشرقتين مشبهتين بمظلة من خص بالملك الذي لا ينبغي لأحد من بعده، ثم بولغ فيه وزيد "تحاجان" لينبه به على أن تلك الفرقتين من الطير على غير ما عليه طير نبي الله سليمان عليه السلام؛ من كونهما حاميتين صاحبهما، ذابتين عنه، وعلى عكس ذلك حال الكفار في ظلهم، قال الله تعالى:(وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ* فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ* وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ* لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ)[الواقعة: 41 - 44] قوله: (لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ) نفي لصفتي الظل المطلوبتين منه، وهما البرودة

ص: 67

وسنام القرآن وأول المثاني، بذكر أولياء اللَّه والمرتضين من عباده.

والمتقى في اللغة اسم فاعل، من قولهم: وقاه فاتقى. والوقاية: فرط الصيانة. ومنه: فرس واق، وهذه الدابة تقى من وجاها، إذا أصابه ظلع ٌ من غلظ الأرض ورقة الحافر، فهو يقي حافره أن يصيبه أدنى شيء يؤلمه. وهو في الشريعة الذي يقي نفسه تعاطى ما يستحق به العقوبة من فعلٍ أو تركٍ. واختلف في الصغائر،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

والكرم، يريد أنه ظل لا كسائر الظلال، وفيه تحكم بأصحابه. و "أو" في الحديث للتنويع، والثانية غير الأولى؛ فإنها لتنويع في التشبيه، والأولى للتنويع في المشبه به في تشبيه واحد، ثم إنهما وإن تفاوتا في الاعتبار؛ فإن الغيابة أفضل من الغمامة، ولكن دون الفرقين بمنازل كما قررنا، ولذلك كرر أداة التشبيه والمشبه. انظر إلى هذه الأسرار في الكلام النبوي، والله أعلم.

قوله: (وسنام القرآن)، استعارة تخيلية؛ شبه السورة بالسنام لأن الفاتحة كالرأس للقرآن.

قوله: (أول المثاني)، قيل: المثاني جميع القرآن لقوله تعالى: (كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ)[الزمر: 23] والأولى أن يقال: إنها السبع الطول؛ لأن "البقرة" ليست بأول القرآن.

قال المصنف في قوله تعالى: (وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي)[الحجر: 87] سبع آيات وهي "الفاتحة"، أو سبع سور وهي الطول.

قوله: (من وجاها)، الأساس: وجي الماشي: إذا حفي؛ وهو أن يرق القدم أو حافر الفرس، الجوهري: وجي الفرس بالكسر، وهو أن يجد وجعًا في حافره.

قوله: (تعاطى)، أي: تناول، الأساس: لا تعطوه الأيدي، وفلان يتعاطى ما لا ينبغي له.

ص: 68

وقيل الصحيح أنه لا يتناولها، لأنها تقع مكفرة عن مجتنب الكبائر.

وقيل: يطلق على الرجل اسم المؤمن لظاهر الحال، والمتقى لا يطلق إلا عن خبرة، كما لا يجوز إطلاق العدل إلا على المختبر. ومحل (هُدىً لِلْمُتَّقِينَ) الرفع، لأنه خبر مبتدإ محذوف، أو خبر مع (لا رَيْبَ فِيهِ) لذلك، أو مبتدأ إذا جعل الظرف المقدّم خبراً عنه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (أنه لا يتناولها)، قيل: الضمير في "أنه" راجع إلى "ما" في "ما يستحق به العقوبة" أي: ما يستحق به العقوبة لا يتناول الصغائر، بل إلى ما دل عليه المتقي وهو التقوى، أي التقوى لا يتناول اجتناب الصغائر.

يدل عليه قول الإمام: اختلفوا في أنه هل يدخل اجتناب الصغائر في التقوى! ولا نزاع في وجوب التوبة عن الكل؛ وإنما النزاع في أنه إذا لم يتوق الصغائر هل يستحق هذا الاسم؟

ويمكن أن يقال: إن الإصرار على الصغائر مما يسلب العدالة؛ فكيف بالتقوى؟ وأيضًا قوله: "الوقاية فرط الصيانة" يوجب أن يتناولها؛ ويؤيده ما روينا عن عطية السعدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرًا مما به بأس" أخرجه الترمذي، وابن ماجة. نعم ذلك من أعلى مناصب الصديقين، بل يكاد يختص بالنبيين.

الراغب: التقوى: هو جعل النفس في وقاية مما يخاف، هذا حقيقته، ثم يسمى تارة الخوف تقوى، والتقوى خوفًا. وفي التعارف: حفظ النفس عن كل ما يؤثم، ولها منازل:

الأول: ترك المحظور، وذلك لا يتم إلا بترك المباح كما جاء "من يرتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه" وقيل: من لم يجعل بينه وبين محارم الله سترًا من حلال؛ فحقيق أن يقع فيها.

ص: 69

ويجوز أن ينصب على الحال، والعامل فيه معنى الإشارة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

والثاني: أن يتعاطى الخير مع تجنب الشر، وإياه عن بقوله:(وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا)[الزمر: 73].

والثالث: التبري من كل شيء سوى الله تعالى، وهو المعنى بقوله:(اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ)[آل عمران: 102] وهذه المنازل مرتب بعضها فوق بعض.

قوله: (ويجوز أن ينصب على الحال، والعامل فيه معنى الإشارة)، روى صاحب "الإقليد": عن المصنف قال: سئلت بمكة - حرسها الله تعالى - عن ناصب الحال في قوله تعالى: (وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا)[هود: 72]. فقلت: ما في حرف التنبيه أو في اسم الإشارة من معنى الفعل فقيل: أم استقر من أصولهم أن العامل في الحال وذيها يجب أن يكون في العامل واحدًا، وقد اختلف العامل هنا حيث جعلته في الحال المعنى الذي ذكرته، قيل ذيها معنى الابتداء، فقلت: تحقيق الكلام أن التقدير: هذا بعلى أنبه عليه شيخًا، أو أشير إليه؛ فالضمير هو ذو الحال والعامل فيه وفي الحال واحد كما ترى.

وقال ابن الحاجب: إن اسم الإشارة إذا تقيد بحال لم يكن الخير مقيدًا؛ بدليل قولهم: هذا زيد قائمًا، فإن الخبر بـ"زيد" غير مقيد بالقيام. وقال: لأن المعنى المشار إليه قائمًا زيد، فإن زعم زاعم أنه مقيد بأنه إذا كان قائمًا فهو زيد أيضًا، فإخباره بـ"زيد" إنما هو في حال القيام لم يستقيم؛ لأنه يؤدي إلى أن يكون غير زيد في غير حال القيام.

ص: 70

أو الظرف،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقال اليمني: ولقائل أن يقول: إن من الأفعال ما لا يقبل التقييد، فإن قولك: عرفت زيدًا قائمًا، فغن المعرفة الحاصلة حال القيام ليست مقيدة بحال القيام حتى إنها تزول بزواله، بل هي حاصلة بعد ذلك في جميع الأحوال؛ وإنما ذكرت ليعرف أنه كان كذلك عند المعرفة، والمعرفة مستمرة، وكذلك جميع أفعال العلم.

فإن قيل: إن الخبر هو المبتدأ في المعنى بمعنى أنه يصدق عليه، فيكون تقييدًا المبتدأ تقييدًا للخبر. ثم كلامه.

ويقرب من هذا الكلام ما ذكره الزجاج: إنك إذا قلت: هذا زيد قائمًا، إن قصدت أن تخبر به من لم يعرف زيدًا لم يجز؛ لأنه يكون زيدًا ما دام قائمًا، فإذا زال عند القيام فليس بزيد وإنما تقول: هذا زيد قائمًا لمن يعرف زيدًا، فيعمل في الحال التنبيه، أي: انتبه لزيد في حال قيامه، أو أشير إلى زيد في حال قيامه؛ لأن "هذا" إشارة إلى ما حضر، وقال: هذا من لطيف النحو وغامضه.

وأبو علي قرر أن هذا المعنى حيث لم يتكلم عليه في "الإغفال" بشيء وصرح المصنف وأبو البقاء في أول "لقمان" أن قوله: (هدى) في قوله: (الم* تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ* هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ)[لقمان: 1 - 3] حال من (آيات) والعامل اسم الإشارة.

قوله: (أو الظرف)، روي بالرفع واجر، والأول هو المشهور، أي: العامل في الحال "فيه" لكونه قائمًا مقام استقر، وذو الحال الضمير المجرور، لأنه مفعول معنوي باعتبار استقرار الريب فيه.

ص: 71

والذي هو أرسخ عرقا في البلاغة أن يضرب عن هذه المحال صفحاً، وأن يقال إن قوله:(الم) جملة برأسها، أو طائفة من حروف المعجم مستقلة بنفسها. و (ذلِكَ الْكِتابُ) جملة ثانية. و (لا رَيْبَ فِيهِ) ثالثة. و (هُدىً لِلْمُتَّقِينَ) رابعةٌ.

وقد أصيب بترتيبها مفصل البلاغة،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقيل: لا يجوزُ أن يكون حالاً من الضمير المستتر في الظرف العائد إلى الريب لاستلزام نسبة الهدى إلى الريب.

قوله: (والذي هو أرسخُ عرقاً)، فيه لطيفةٌ، فإنه رمز به تعريضاً أن الاعتبار اللفظي الذي لا يُساعده المعنى كشجرةٍ خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار، والذي شُد عضده بالمعنى كشجرةٍ طيبةٍ أصلها ثابتٌ وفرعها في السماء.

قوله: (أن يُضرب عن هذا المحال صفحاً)، أي: عن البحث عن محل هذه الجمل بالطريق المذكور؛ فإنها لا طائل تحتها، وأن اللائق ببلاغة القرآن أن يُسلك به طريقُ المعاني والبيان، فإنها هي الطلبة وما عداها ذرائع إليها، وهي المرامُ وما سواها أسبابُ للتسلق عليها.

قوله: (صفحاً)، المرزوقي: صفحت عنه: عفوت عن جرمه. ويقال: أعرضت عن هذا الأمر صفحاً: إذا تركته.

قوله: (مستقلةٌ بنفسها)، أي غير مفتقرة إلى انضمام شيءٍ معها، إما لأنها كالإيقاظ وقرع العصا، أو كتقدمة الإعجاز.

قوله: (مفصل البلاغة)، الجوهري: يقال لمن أصاب الحُجة: إنه طبق المفصل، النهاية: أصلُ التطبيق إصابة المفصل وهو طبق العظمين، أي: ملتقاهما فيفصل بينهما.

ص: 72

وموجب حسن النظم، حيث جيء بها متناسقة هكذا من غير حرف نسق، وذلك لمجيئها متآخية آخذا بعضها بعنق بعض. فالثانية متحدة بالأولى معتنقة لها، وهلم جراً إلى الثالثة والرابعة.

بيان ذلك أنه نبه أولا على أنه الكلام المتحدّى به، ثم أشير إليه بأنه الكتاب المنعوت بغاية الكمال. فكان تقريراً لجهة التحدي، وشدّاً من أعضاده. ثم نفى عنه .......

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وموجب حسن النظم)، بفتح الجيم، أي: موضع إيجاب حسن النظم ومكانه ومستقره.

قوله: (متآخية)، أي: متناسبة. يقال: آخاه مؤاخاةً وإخاءً، وتأخيت أخاً، أي: اتخذت. وفي قوله: "آخذاً [بعضها] بعنق بعضٍ" تأكيدٌ للمؤاخاة وترشيحٌ للاستعارة.

قوله: (وهلم جرا)، جراً، منصوبٌ على الحال عند البصريين، وعلى المصدر عند الكوفيين. قال ابن جني:"جراً" مصدرٌ وقع حالاً، أي جاراً، أو منجراً.

الجوهري: وتقول: كان ذاك عام كذا، وهلم جراً إلى اليوم. قيل: هلم جراً، مثلٌ لأمثالٍ. قال المُفضل: تعالوا على هيئتكم كما يسهل عليكم.

قوله: (نبه أولاً على أنه الكلام المتحدى به)، أما على تأويله على أنها أسماءٌ للسور، فلقوله:"الإشعار بأن الفرقان ليس إلا كلماتٍ عربيةً معروفة التركيب من مسميات هذه الألفاظ"، وأما على أنها طائفةٌ من حروف المعجم، فلما مر مراراً.

ص: 73

أن يتشبث به طرف من الريب، فكان شهادة وتسجيلا بكماله، لأنه لا كمال أكمل مما للحق واليقين، ولا نقص أنقص مما للباطل والشبهة.

وقيل لبعض العلماء: فيم لذتك؟ فقال: في حجة تتبختر اتضاحا، وفي شبهة تتضاءل افتضاحا. ثم أخبر عنه بأنه هدى للمتقين، فقرّر بذلك كونه يقيناً لا يحوم الشك حوله، وحقا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. ثم لم تخل كل واحدة من الأربع، بعد أن رتبت هذا الترتيب الأنيق،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وفي قوله "شداً من أعضاده" اقتباسٌ من قوله تعالى: (سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ)[القصص: 35]، ومراعاةٌ لمعنى المؤاخاة في قوله:"متآخية"، وترشيحٌ للاستعارة.

قوله: (وتسجيلاً بكماله)، الأساس: سجَّل عليهم، وكتابٌ مسجل، وكتب عليه سجلاً يعني قوله:(لَا رَيْبَ فِيهِ)[البقرة: 2] تأكيدٌ لمعنى ذلك الكتاب، وهو كونه كاملاً لا كمال أكمل منه، ولا يكون كاملاً كذا إلا أن يكون حقاً وصدقاً، لا باطلاً وكذباً؛ فلا يحوم الشك حوله.

قوله: (فقرر بذلك كونه يقيناً لا يحوم الشك حوله)، أي: كونه هادياً تأكيدٌ لقوله: (لا رَيْبَ فِيهِ)؛ لأنه لا يكون هادياً إذا كان فيه مجالٌ للشبهة، ففي قوله:"لا يحوم الشك حوله" كنايةٌ كقوله:

فما جازه جودٌ، ولا حل دونه

ولكن يصير الجود حيث يصير

وهذه المبالغة مستفادةٌ من إيقاع المصدر خبراً لـ"هو" كما أن المبالغة في الجملة الثانية حصلت من تعريف الخبر، وفي الثالثة: من الاستغراق.

قوله: (الأنيق)، أي: العجيب، الأساس: هذا شيءٌ أنيقٌ، وآنقٌ ومونقٌ، وآنقني: أعجبني.

ص: 74

ونظمت هذا النظم السرى؛ من نكتة ذات جزالة. ففي الأولى الحذف والرمز إلى الغرض بألطف وجه وأرشقه، وفي الثانية ما في التعريف من الفخامة. وفي الثالثة ما في تقديم الريب على الظرف. وفي الرابعة الحذف. ووضع المصدر

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (السري)، أي: العظيم، الأساس: يقال: فلانٌ من السراة، ومن أهل السرو؛ وهو السخاءُ في مروءة. ومن المجاز: سروات الطريق: معاظمها وظهورها.

الراغب: السري من السرو، أي: الرفعة. يقال: رجلٌ سريٌ.

قوله: (ففي الأولى الحذف)، أي: حذف المبتدأ، أي: هذه (الم) إذا جعلت اسماً للسورة.

قوله: (والرمز إلى الغرض) أي: التحدي: وأُريد بألطف وجهٍ، كونها مشيرةً إلى أن المُتحدى به من جنس ما تنظمون منه كلامكم على سبيل الاستدراج.

وطفي الثانية ما في التعريف من الفخامة" وهي: الدلالة على كونه كاملاً في بابه.

و"في الثالثة ما في تقديم الريب على الظرف" وهو الدلالة على نفي الريب عنه بالكلية من غير أن يتعرض لإبطال غيره.

و"في الرابعة الحذف" أي: هو هُدى، ووضع المصدر موضع اسم الفاعل على طريقة رجلٍ عدل، وإيراده منكراً، أي: هادياً لا يكتنه كنهه. والإيجاز حيث لم يقل: هدى للضالين الصائرين إلى التقوى؛ رعايةً لحسن المطلع.

قال القاضي: وتستتبع السابقة منها اللاحقة استتباع الدليل للمدلول؛ فإنه لما نبه أولاً على إعجاز المتحدى به- لزم منه أنه الكتاب البالغ درجة الكمال، واستلزم ذلك أن لا يتشبث الريب بأطرافه؛ إذ لا أنقص مما يعتريه الشك، وما كان كذلك؛ كان لا محالة هدى للمتقين

ص: 75

الذي هو «هدىً» موضع الوصف الذي هو «هاد» وإيراده منكراً. والإيجاز في ذكر المتقين.

زادنا اللَّه اطلاعا على أسرار كلامه، وتبيينا لنكت تنزيله، وتوفيقاً للعمل بما فيه!

[(الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ)].

(الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ) إما موصول بـ (المتقين) على أنه صفة مجرورة، أو مدح منصوب، أو مرفوع بتقدير: أعنى الذين يؤمنون، أو هم الذين يؤمنون. وإما مقتطع عن المتقين مرفوع على الابتداء مخبر عنه ب (أُولئِكَ عَلى هُدىً).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (أو مدحٌ منصوبٌ أو مرفوع)، فيه لف.

قال أبو علي: إذا ذُكرت صفاتٌ للمدح أو الذم وخولف بعضها في الإعراب فقد خولف للافتنان.

وقال المرزوقي في قوله:

إنا بني نهشلٍ لا ندعي لأبٍ

هو أنه لو جعله خبراً، كان قصده إلى تعريف نفسه عند المخاطب، وكان لا يخلو فعله لذلك من خمولٍ فيهم، وجهلٍ من المخاطب بشأنهم، فإذا جُعل اختصاصاً فقد أمن الأمرين جميعاً، فقال مفتخراً: إنا- أذكر من لا يخفى شأنه - لا نفعل.

ص: 76

فإذا كان موصولاً كان الوقف على (المتقين) حسناً غير تامّ، وإذا كان مقتطعاً، كان وقفاً تاماً

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقال شارح "الهادي": شرطُ هذا الأسلوب كون الممدوح مشهوراً، والصفة صالحةً للتمدح بها؛ ومن ثم لم يجز: زيدٌ الكريم في الدار، وعند المخاطب زيودٌ. ولا زيدٌ الإسكاف فيها، وهو مشهور. نعم، لو أريد الذم لجاز، فعلى هذا لو جعل (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ) [البقرة: 3] صفةً لأوهم خمول المتقين ولم يعلم أن الصفات مادحةٌ، فسلك به ذلك المسلك، ليكون نصاً في المراد.

قوله: (حسناً غير تام)، قال السجاوندي: الوقوف على مراتب:

لازم: وهو الذي وُصل غير المرام؛ كقوله تعالى: (وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ* يُخَادِعُونَ)[البقرة: 8 - 9] فلو وصل "يخادعون" صارت صفةً للمؤمنين، فينتفي الخداع عنهم، ويتقرر الإيمان خالصاً عن الخداع، كما تقول: وما هو بمؤمنٍ مخادعٍ. والمراد نفي الإيمان وإثبات الخداع.

ومطلق: وهو ما يحسن الابتداءبما بعده. هذا هو الذي عناه المصنف بقوله: "مقتطعٌ عن المتقين، مرفوعٌ بالابتداء".

وجائز: وهو ما يجوز الوصل فيه والفصل؛ لتجاذب الموجبين من الطرفين. وحمل قوله:

ص: 77

فإن قلت: ما هذه الصفة؟ أواردةٌ بياناً وكشفا للمتقين أم مسرودة مع المتقين تفيد غير فائدتها؟ أم جاءت على سبيل المدح والثناء كصفات اللَّه الجارية عليه تمجيداً؟ قلت: يحتمل أن ترد على طريق البيان والكشف،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

"حسنٌ غير تام" على هذا القسم حسن؛ لأن اعتبار الصفة يقتضي الوصل، واعتبار الفاصلة وأنها آخر آيةٍ يقتضي الفصل.

قوله: (ما هذه الصفة)، كرر الاستفهام وجعل الأول توطئةً للثاني تفخيماً لها، يعني أرى لهذه الصفة في هذا المقام شأناً وموقعاً رفيعاً، بين لي موقعاً.

قوله: (بياناً وكشفاً)، أي: مفهومها مفهوم المتقين كما تجيء الصفة معرفةً لموصوفها نحو الجسم العريض، العميق، الطويل، يحتاج إلى حيز يشغله.

قوله: (أم مسرودةٌ مع المتقين)، أي: تابةٌ للموصوف، ومخصصةٌ إياه، نحو: زيدٌ التاجر عندنا؛ لأن مفهوم التاجر غير مفهوم زيدٍ، وهو المراد بقوله:"تفيد غير فائدتها" أي: فائدة الصفة الواردة على البيان والكشف، وذلك أن فائدتها متحدةٌ متساويةٌ مع الموصوف في المعنى.

قوله: (مسرودةٌ)، الأساس: ومن المجاز: نجومٌ سردٌ: متتابعةٌ، وتسرد الدر: تتابع في النظام.

قوله: (كصفات الله الجارية عليه تمجيداً)، كقوله: (هُوَ اللَّهُ

الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ) [الحشر: 23] أي: يكون مدحاً للمتقين كما يُمدح بصفاته؛ لأنه على جهة الإيضاح، ولا على سبيل التفصلة والإبانة والتفرقة؛ إذ ليس تعالى بالمشارك في اسمه المبارك، وإنما هي تماجيد لذاته المكونة لجميع الذوات.

ص: 78

لاشتمالها على ما أسست عليه حال المتقين من فعل الحسنات وترك السيئات.

أمّا الفعل فقد انطوى تحت ذكر الإيمان الذي هو أساس الحسنات ومنصبها، وذكر الصلاة والصدقة لأنّ هاتين أُمّا العبادات البدنية والمالية، وهما العيار على غيرهما.

ألم تر كيف سمى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم الصلاة عماد الدين، وجعل الفاصل بين الإسلام والكفر ترك الصلاة؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (لأن هاتين أما العبادات: البدنية والمالية)، فإن قلت: هل في وصف الإيمان بالأساسي، والصلاة والصدقة بالأم من نكتة؟ قلت: أجل، فيه نكت وأجلها: أن الأعمال: إما قلبية وأعظمها اعتقاد حقية التوحيد والنبوة والمعاد؛ إذ لولاه لكان سائر الأعمال كسرابٍ بقيعةٍ يحسبه الظمآن ماءً، أو بدنيةٌ وأصلها الصلاة؛ لأنها الفارقة بين الكُفر والإسلام، وهي عمود الدين، وهي الأم التي يتشعب منها سائر الخيرات والمبرات، أو ماليةٌ وهي الإنفاق لوجه الله، وهي التي إذا وُجدت علم الثبات في الإيمان كما قال:(وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ)[البقرة: 265].

قوله: (العيار)، الأساس: عاير المكاييل والموازين: قايسها. أي: هما الشاهدان المعدلان، بمعنى من كانت فيه هاتان العبادتان كان ذلك دليلاً على أنه يقيم سائر العبادات، ولم يقل: العياران؛ ملاحظةً لمعنى المصدر.

قوله: (كيف سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم عماد الدين؟ )، روينا عن الترمذي وابن ماجه عن معاذٍ في حديث طويل:"رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد".

قوله: (وجعل الفاصل بين الإسلام والكفر ترك الصلاة)، روينا عن الإمام أحمد بن حنبلٍ عن بُريدة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر".

ص: 79

وسمى الزكاة قنطرة الإسلام، وقال اللَّه تعالى:(وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ* الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ)[فصلت: 6 - 7]؟ فلما كانتا بهذه المثابة كان من شأنهما استجرار سائر العبادات واستتباعها. ومن ثم اختصر الكلام اختصاراً، بأن استغنى عن عدّ الطاعات بذكر ما هو كالعنوان لها، والذي إذا وجد لم تتوقف أخواته أن تقترن به، مع ما في ذلك من الإفصاح عن فضل هاتين العبادتين.

وأما الترك فكذلك. ألا ترى إلى قوله تعالى: (إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ)[العنكبوت: 45]! ويحتمل أن لا تكون بيانا للمتقين، وتكون صفة برأسها دالة على فعل الطاعات، ويراد بالمتقين الذين يجتنبون المعاصي.

ويحتمل أن تكون مدحا للموصوفين بالتقوى، وتخصيصاً للإيمان بالغيب،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وسمى الزكاة قنطرة الإسلام)، هذا الحديث ضعفه الصغاني.

وقوله: (وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ* الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ)[فصلت: 6 - 7] " جعل منع الزكاة هنا من أوصاف المشركين تعريضاً بالمؤمنين وحثاً على أدائها، وتخويفاً شديداً من منعها، وجعل النفقة في سبيل الله دليلاً على الثبات على الإيمان في قوله:(وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ)[البقرة: 265].

قوله: (والذي إذا وُجد)، عطفٌ على "ما هو" على سبيل البيان.

قوله: (أن يقترن به)، صح بإدغام النون التي هي لام الكلمة في النون التي هي ضمير أخواته.

ص: 80

وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة بالذكر إظهاراً لإنافتها على سائر ما يدخل تحت حقيقة هذا الاسم من الحسنات.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (لإنافتها)، أي: لشرفها وعلو منزلتها، الجوهري: النوف: السنام، وناف الشيء: طال وارتفع ذكره.

واعلم أن للقاضي صاحب "الأنوار" تغمده الله بغفرانه كلاماً رفيعاً في هذا المقام، فلا بد من إيراده، قال: التقوى على ثلاث مراتب:

الأولى: التوقي عن العذاب المخلد بالتبرؤ عن الشرك، وعليه قوله تعالى:(وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى)[الفتح: 26]، وقوله تعالى:(أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى)[الحجرات: 3] وفي الشعراء: (قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ)[الشعراء: 11].

والثانية: التجنب عن كل ما يؤثم من فعلٍ أو تركٍ، حتى الصغائر عند قومٍ، وهو المتعارف بالتقوى في الشرع، والمعنى بقوله:(وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا)[الأعراف: 96].

والثالثة: أن يتنزه عما يشغل سره عن الحق، ويتبتل بشراشره، وهو التقوى الحقيقي المطلوب بقوله:(اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ)[آل عمران: 102]، فعلى هذا قوله تعالى:(الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ) مترتبة على المرتبة الأولى ترتيب التحلية على التخلية، والتصوير على التصقيل. وقد فسر المتقون ها هنا على الأوجه الثلاثة.

وقلت: إذا جُعل (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) الآية [البقرة: 3] كشفاً وبياناً للمتقين؛ كان من الوجه الثاني، وإذا جعل مدحاً؛ كان من الوجه الثالث، وإذا جعل صفة مخصصةً؛ كان من الوجه الأول.

ص: 81

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ثم في جعل (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ) صفةً مخصصةً للمتقين، وأن يراد بالمتقين الذين يجتنبون عن المعاصي، كما ذهب إليه المصنف وتبعه صاحب "المفتاح"- نظرٌ؛ لأن الصفة حينئذٍ على غير ما عليه الكاشفة، فيكون مفهومها غير مفهوم الموصوف كما قال:"تفيد غير فائدتها".

فإذا قيل: المراد بالمتقين المجتنبون عن المعاصي! فهم منه أنهم الذين يأتمرون بأمر الله تعالى، وينتهون عما نهى الله عنه؛ لقوله تعالى:(لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ)[التحريم: 6] فكيف يُقال: الذين يؤمنون بالغيب غير الذين يجتنبون عن المعاصي، أما لو أريد بهم الذين يجتنبون عن الشرك كما هو الوجه الأول للقاضي- وذُكر نحوه في "الوسيط"- أفادت الصفة ما هو المطلوب من هذا الوجه، وهو التحلية بعد التخلية وجاءت قارة في مكانها. وفي اختيار المصنف ذلك رمزٌ إلى المذهب كما صرح به في قوله:(وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)[البقرة: 5].

واعلم أن الصفة الفارقة تستدعي الاشتراك في الموصوف فيما يقع له الامتياز بالصفة، فإذا قلت: زيدٌ التاجر عندنا، وجب الاشتراك فيما يقع له الامتياز بصفة التجارة، كذلك "المتقين" إنما يتصور فيه الاشتراك باعتبار (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) إلى آخره، فينبغي أن يتصور من هو متحل به، ومن هو معزولٌ عنه؛ ليختص بالوصف من قُصد إيراده له، وذلك لا يصح إلا بالقول بأنهم يجتنبون الشرك. وأما إذا قلت: الذين يجتنبون المعاصي؛ فلا يستقيم لما ذكرناه من وجوب الاشتراك فيما يقع له الامتياز بالوصف.

فإن قلت: لم لا يجوز أن يكون القصد في إيراد المتقين إرادة المجتنبين عن المعاصي، فلما التبس عند السامع، أتى بالوصف قرينةً دالةً على المقصود؟

ص: 82

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قلت: لا يخلو أن يراد بالوصف فعل الطاعات لا غير، كما عليه ظاهر كلام المصنف، أو مع الاجتناب عن المعاصي.

فالأول لا يصح؛ لأن منطوق الوصف غير مانعٍ للمعصية، على أن أغلب المتصفين به غير معصومين.

والثاني كذلك؛ لأن مفهوم الوصف مفهوم الموصوف كما في الصفة الكاشفة؛ فيكون القصد في إيراد الوصف تمييزه عن الحقائق، والمقدر أن الوصف مفيدٌ غير فائدة الكشف.

فإن قلت: تحمل المعاصي على المناهي وحدها؟

قلت: لا يستقيم؛ لأن العاصي خلاف المطيع. قال في "سورة الحجرات": العصيان: ترك الانقياد والمضي لما أمر به الشارع. وفي "الذاريات": الكبيرة والصغيرة يجمعهما اسم العصيان. على أن مفهوم (يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) يوجب أن المجتنب عن المعاصي قد لا يكون موصوفاً به، فيكون كافراً، والكافر هو المارق المارد، فكيف يقال له: إنه المتقي المجتنب عن المعاصي؟ !

فإن قلت: ما الفرق بين قوله أولاً: "من الإفصاح عن فضل هاتين العبادتين"، وقوله ثانياً:"إظهاراً لإنافتها على سائر ما يدخل تحت حقيقة الحسنات"؟

قلت: على الأول ذكر الصلاة والزكاة من باب إطلاق البعض على الكل، والشرط في هذا النوع من المجاز إيراد أشرف ما في ذلك الشيء كما قال. وقد علمت أن معظم الشيء وجُله ينزل منزلة كله؛ فتضمن هذا المعنى أفضلية هاتين العبادتين؛ ولهذا قال: "مع ما في ذلك

ص: 83

والإيمان إفعال من الأمن. يقال: أمنته وآمنته غيرى. ثم يقال: آمنه إذا صدّقه. وحقيقته: آمنه التكذيب والمخالفة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

من الإفصاح عن فضل هاتين العبادتين" أي: لزم من ذلك هذا على سبيل الإدماج، وأما على الثاني، فلم يذكر المذكورات لاستجلاب الغير؛ بل هي المرادة أولاً، وإنما يُرجح ذكرها لفضلها على غيرها ابتداء.

قوله: (ثم يقال: آمنه إذا صدقه)، أي: الإيمان إفعالٌ من الأمن لغةً، ثم نقل إلى المفهوم الشرعي وهو التصديق لعلاقة الأمن من التكذيب والمخالفة.

قال الراغب: ولما كان من لوازم الإيمان التصديق قالوا: الإيمان هو التصديق، وقال: ولا يكون التصديق قالوا: الإيمان هو التصديق، وقال: ولا يكون التصديق إلا عن علمٍ؛ ولذلك قال تعالى: (إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ)[الزخرف: 86] فالإيمان: اسمٌ لثلاثة أشياء: علمٌ بالشيء، وإقرارٌ به، وعملٌ بمقتضاه إن كان لذلك المعلوم عملٌ كالصلاة والزكاة. هذا هو الأصل، ثم قد يستعمل في كل واحدٍ من هذه الثلاثة فيقال: فلانٌ مؤمن، أي: أنه مقرٌ بما يحصن دمه وماله؛ وبذلك حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجارية، فسألها ما سألها، ثم قال:"أعتقها فإنها مؤمنة".

ويقال: مؤمنٌ، ويراد به أنه يعرف الأدلة الإقناعية التي يحصل معها سكون النفس، وإياه عنى صلى الله عليه وسلم:"من قال: لا إله إلا الله مخلصاً دخل الجنة".

ص: 84

وأمّا تعديته بالباء فلتضمينه معنى أقرّ وأعترف. وأمّا ما حكى أبو زيد عن العرب: ما آمنت أن أجد صحابة - أى ما وثقت - فحقيقته: صرت ذا أمن به، أى ذا سكون وطمأنينة، وكلا الوجهين حسن في (يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) أى يعترفون به أو يثقون بأنه حق. ويجوز أن لا يكون (بالغيب) صلة للإيمان، وأن يكون في موضع الحال؛

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ويقال: مؤمنٌ، ويعنى به أنه يسكن قلبه إلى الله تعالى من غير أن يلتفت إلى شيءٍ من العوارض الدنيوية، وغيان عنى بقوله:(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) الآية [الأنفال: 2].

قوله: (أما تعديته بالباء)، هذا على تقدير السؤال والجواب؛ يعني إذا كان حقيقة الإيمان منقولةً من "أمِنَ" فما باله عُدي بالباء ولم يُعد بنفسه كما سبق؟ فأجاب: إن تعديته بالباء من باب التضمين.

قال ابن جني: لو جمعت تضمينات العرب لاجتمعت مجلدات.

قال المصنف: من شأنهم أنهم يضمنون الفعل معنى فعلٍ آخر، فيجرونه مجراه، ويستعملونه استعماله.

وقلت: ولو زيد مع إرادة معنى المضمن كان أحسن، كما تقول: أحمدُ إليك فلاناً، أي: أُنهي إليك حمد فلانٍ. قال في "سورة الكهف": الغرض في التضمين إعطاء مجموع معنيين، وذلك أقوى من إعطاء معنى.

قوله: (وأما ما حكى أبو زيدٍ)، قال الأنباري: هو سعيد بن أوسٍ الأنصاري البصري، وكان سيبويه إذا قال: سمعت الثقة، أراد به أبا زيد.

ص: 85

أي: يؤمنون غائبين عن المؤمن به. وحقيقته: ملتبسين بالغيب، كقوله:(الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ)[فاطر: 18]، (لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ) [يوسف: 52]. ويعضده ما روى «أن أصحاب عبد اللَّه ذكروا أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وإيمانهم، فقال ابن مسعود: إنّ أمر محمد كان بيناً لمن رآه. والذي لا إله غيره، ما آمن مؤمن أفضل من إيمان بغيبٍ، ثم قرأ هذه الآية

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هذا أيضاً جوابٌ عن سؤالٍ آخر مقدر، يعني ليس في هذه الرواية مما ذكرت شيءٌ فأجاب: أن الهمزة للصيرورة، أي: صرت ذا سكونٍ به وطمأنينة. فإن الذي أومن وجد من نفسه سكوناً وطمأنينة، كما أن الخائف يجد قلقاً واضطراباً.

الأساس: ما أومن بشيءٍ، أي: ما أصدق وما أثق، وما أومنُ أن أجد صحابةً- يقوله ناوي السفر- أي: ما أثق أن أظفر بمن أرافقه. فعلى هذا رجع هذا الوجه إلى المجاز، لقوله:"وحقيقته"، وهذا يشير إلى أن لابد من ذلك القيد في تعريف التضمين لئلا يدخل فيه هذا الوجه وجميع الاستعارات الواقعة في التبعية.

قوله: (وحقيقته: ملتبسين بالغيب)، أي: يرجع معنى الغيب إليهم، أي: يصدقون وهم غائبون عن نظر المؤمن به، وهو الرسول صلى الله عليه وسلم؛ يدلُّك على هذا قوله:"ويعضده" حديث ابن مسعودٍ وفيه: "ما آمن مؤمنٌ إيماناً أفضل من إيمانٍ بغيب" أي: هو غائبٌ عن حضرة الرسول صلى الله عليه وسلم. ومعنى الحديث مُخرجٌ في "سنن الدارمي عن أبي عبيدة بن الجراح، أنه قال: يا رسول الله، أحدٌ خيرٌ منا، أسلمنا وجاهدنا معك؟ قال: "نعم، قومٌ يكونون من بعدكم، يؤمنون بي ولم يروني".

ص: 86

فإن قلت: فما المراد بالغيب إن جعلته صلة؟ وإن جعلته حالا؟ قلت: إن جعلته صلة كان بمعنى الغائب، إمّا تسمية بالمصدر من قولك. غاب الشيء غيبا، كما سمى الشاهد بالشهادة. قال اللَّه تعالى:(عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ)[الزمر: 46]. والعرب تسمى المطمئن من الأرض غيباً. وعن النضر بن شميل: شربت الإبل حتى وارت غيوب كلاها. يريد بالغيب: الخمصة التي تكون في موضع الكلية، إذا بطنت الدابة انتفخت. وإما أن يكون فيعلا فخفف، كما قيل «قيل» وأصله: قيل: والمراد به الخفي الذي لا ينفذ فيه ابتداء إلا علم اللطيف الخبير، وإنما نعلم منه نحن ما أعلمناه، أو نصب لنا دليلا عليه. ولهذا لا يجوز أن يطلق فيقال: فلان يعلم الغيب. وذلك نحو الصانع وصفاته، والنبوّات وما يتعلق بها، والبعث والنشور،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (فما المراد بالغيب؟ )، يعني: رجحت وجه الحال بالحديث، كأن معنى الغيب يختلف باختلاف الوجهين فبيِّن ذلك.

قوله: (المطمئن)، يُروى بكسر الهمزة وبفتحها. فبالكسر: الصفة، وبالفتح: الاسم.

قوله: (الخمصة)، النقرة والحفرة، ويقال للجوع أيضاً، كقولهم: ليس للبطنة خيرٌ من خمصةٍ تتبعها. والبطنة: الامتلاء من الطعام.

قوله: (وإنما تعلم منه نحن ما أعلمناه، أو نصب لنا دليلاً عليه)، فيه تقسيمٌ لما جمع في حكم الغيب.

وقوله: (وذلك نحو الصانع)، إلى آخره: تفريقٌ، فإن قوله:"نحو الصانع وصفاته والنبوات وما يتعلق بها" يتعلق بقوله: "أو نصب لنا دليلاً".

وقوله: (والبعث والنشور)، إلى آخره يتعلق بقوله:"ما أعلمناه" أي: بالنص، وهذا مبنيٌ على ما قال الإمام وهو: أن كل مقدمةٍ لا يمكن إثبات النقل إلا بعد ثبوتها؛ فإنه لا يمكن إثباتها بالنقل، وكل ما كان إخباراً عن وقوع ما جاز وقوعه، وجاز عدمه، لا يمكن معرفته إلا

ص: 87

والحساب والوعد والوعيد، وغير ذلك.

وإن جعلته حالا كان بمعنى الغيبة والخفاء، فإن قلت: ما الإيمان الصحيح؟ قلت: أن يعتقد الحق ويعرب عنه بلسانه، ويصدّقه بعمله. فمن أخل بالاعناد - وإن شهد وعمل - فهو منافق. ومن أخل بالشهادة فهو كافر. ومن أخل بالعمل فهو فاسق ........

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بالحس أو بالنقل، ولا شبهة أن إثبات الصانع والنبوات من قبيل الأول، وإثبات الحشر والنشر وما يتعلق بهما من قبيل الثاني.

الراغب: الغيب: ما لا يقع تحت الحواس، ولا تقتضيه بدائه العقول؛ وإنما يُعلم إما بواسطة علمٍ ما، واستشهادٍ به عليه، وإما بخبر الصادق.

قوله: (كان بمعنى الغيبة والخفاء)، والفرق بين هذا الوجه والأول هو أن على الأول "بالغيب" مفعولٌ به، والإيمان مضمنٌ معنى الإقرار، أو مجازٌ من الوثوق؛ فلا يصدق الغيب على الرسول صلى الله عليه وسلم بالنسبة إلى الصحابة رضوان الله عليهم، وعلى الثاني يكون الإيمان بمعنى التصديق، ويكون مفعوله محذوفاً على طريقة العموم أو المبالغة؛ ليقع على جميع ما يجب أن يؤمن به، سواءٌ كان غائباً أو حاضراً، وهذا الوجه يختص بغير الصحابة كما مضى.

قوله: "أن يعتقد الحق)، التعريف فيه للعهد، أي: الحق الذي تحقق عند المسلمين أنه ما هو، وهو: التصديق بما عُلم بالضرورة أنه من دين محمدٍ صلوات الله عليه، كالتوحيد والنبوة والبعث والجزاء وما يتصل بها.

قوله: (ويُعرب عنه)، أي: عن المذكورات بأن يُقر بالشهادتين؛ فإنها جامعةٌ لتلك المعاني، ومفصحةٌ عنها، ويصدقه بعمله؛ لأن مقتضى ذلك كله العمل، وهو أمارةٌ على ما في ضميره.

قوله: (ومن أخل بالشهادة فهو كافر)، فيه نظر.

ص: 88

ومعنى إقامة الصلاة تعديل أركانها وحفظها من أن يقع زيغ في فرائضها وسننها وآدابها، من أقام العود - إذا قوّمه. أو الدوام عليها والمحافظة؛

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قال الإمام: من عرف الله بالدليل، ولم يجد من الوقت ما يتلفظ بكلمة الشهادة: هل يُحكم بإيمانه؟ وكذا لو وجد من الوقت ما أمكنه التلفظ به؟ رُوي عن الغزالي: نعم. والامتناع من النطق يجري مجرى المعاصي التي تؤتى مع الإيمان. ويعضده ما روينا عن البخاري عن حُميدٍ، عن أنسٍ قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا كان يوم القيامة، شُفعت، فقلت: يا رب، أدخل الجنة من كان في قلبه خردلةٌ؛ فيدخلون، ثم أقول: أدخل الجنة من كان في قلبه أدنى شيء". والذي يعتذر له أن المراد بالإخلال هو أن يقصد به على سبيل الجحود والعناد كما فعل أبو طالبٍ وصرح به في قوله:

وعرضت ديناً لا محالة أنه

من خير أديان البرية دينا

لولا الملامة أو حذاري سُبةً

لوجدتني سمحاً بذاك مبينا

قوله: (ومعنى إقامة الصلاة: تعديل أركانها)، أي: هو استعارةٌ تبعيةٌ؛ شبه تعديل المصلي أركان الصلاة وحفظها من أن يقع فيها زيغٌ بتقويم الرجل العود المعوج، فقيل: يقيمون، وأريد: يعدلون.

قوله: (أو الدوام عليها)، فعلى هذا هو كنايةٌ تلويحية؛ عبر عن الدوام بالإقامة، فإن

ص: 89

عليها، كما قال عز وعلا:(الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ)[المعارج: 23]، (وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ) [المؤمنون: 9]، من: قامت السوق إذا نفقت، وأقامها. قال:

أَقَامَتْ غَزَالةُ سُوقَ الضِّرَابِ

لِأَهْلِ العِرَاقيْنِ حَولًا قَمِيطاً

لأنها إذا حوفظ عليها، كانت كالشئ النافق الذي تتوجه إليه الرغبات ويتنافس فيه

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إقامة الصلاة بمعنى تعديل أركانها وحفظها من أن يقع زيغٌ في فرائضها مُشعرةٌ بكونها مرغوباً فيها، وإضاعتها وتعطيلها يدل على ابتذالها؛ كالسوق إذا شوهدت قائمةً دلت على نفاق سلعتها، ونفاقها يدل على توجه الرغبات إليها، وتوجه الرغبات يستدعي الاستدامة، بخلافها إذا لم تكن قائمة، فعلى هذا المراد من قوله:"من قامت السوق" أي: من باب: قامت السوق، لا أنه منقولٌ من قامت السوق.

قوله: ((عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ))، الأساس: هو مُحافظ على سبحة الضحى: مواظبٌ عليها. ومن المجاز: قام على الأمر: دام وثبت، وأقامه: أدامه. ومنه ما روى مسلمٌ عن جابر: "لو تركتيها ما زال قائماً" قاله لأم مالكٍ حين عصرت العُكة التي كانت تهدي فيها للنبي صلى الله عليه وسلم. ذكره الصغاني في "مشارق الأنوار".

قوله: (أقامت غزالة) البيت، غزالة هي التي خرجت على الحجاج، والضراب: المضاربة بالسيوف، والعراقين: البصرة والكوفة.

قميطاً: تاماً.

قوله: (ويتنافس فيه)، الجوهري: شيءٌ نفيسٌ: ينافس فيه ويرغب. وهذا أنفس ماله: أحبه وأكرمه عنده.

ص: 90

المحصلون، وإذا عطلت وأضيعت، كانت كالشئ الكاسد الذي لا يرغب فيه. أو التجلد والتشمر لأدائها. وأن لا يكون في مؤدّيها فتور عنها ولا توانٍ، من قولهم: قام بالأمر، وقامت الحرب على ساقها. وفي ضدّه: قعد عن الأمر، وتقاعد عنه - إذا تقاعس وتثبط - أو أداؤها، فعبر عن الأداء بالإقامة لأنّ القيام بعض أركانها،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (أو التجلد والتشمر)، فعلى الوجوه "يقيمون" مسندٌ إلى المصلي، وعلى هذا الوجه مسندٌ إلى الصلاة باعتبار أن المصلي إذا أقام الصلاة كانت هي قائمةً على نحو: نهاره صائمٌ وليله قائم؛ ألا ترى إلى قوله: "وأن لا يكون في مؤديها فتور" فإنه لا يقال: نهاره صائم إلا لمن صام الدهر كله، ولا ليله قائم، إلا لمن لا ينام فيه، وكذا قوله:"قامت الحرب على ساقها" من الإسناد المجازي؛ لأنه نحو قوله تعالى: (حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا)[محمد: 4].

قوله: (وتثبط)، الجوهري: ثبطه عن الأمر تثبيطاً: شغله عنه.

قوله: (أو أداؤها)، أي: معنى إقامة الصلاة: أداؤها. فعبر عن الأداء بالإقامة؛ لأن القيام بعض أركانها، فإذن المراد بالإقامة إيجاد فعل القيام ليصح تعليله بقوله:"لأن القيام بعض أركانها".

وتحرير هذا المقام، أن قوله:(يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ) ليس على ظاهره؛ فهو إما استعارةٌ تبعيةٌ، أو كنايةٌ عن الدوام من: قامت السوق، إذا راجت ونفقت؛ لأن نفاقها مشعرٌ بتوجه الرغبات إليها، وهو يدل على المحافظة وهي على الدوام، أو مجازٌ في الإسناد، بمعنى يجعلون الصلاة قائمةً؛ فيفيد التجلد والتشمر، وأنها مؤداةٌ على وفور رغبةٍ ومزيد نشاطٍ كقولهم: قامت الحرب على ساقها، أو بمعنى: يوجدون قيامها، أي: يقومون فيها، فأسند القيام إليها على المجاز، فيفيد أنهم يؤدونها من باب إطلاق معظم الشيء على كله.

ص: 91

كما عبر عنه بالقنوت - والقنوت: القيام - وبالركوع وبالسجود،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

واختار القاضي الوجه الأول وقال: تأويل "يقيمون الصلاة: يُعدلون أركانها، ويحفظونها من الزيغ أظهر؛ لأنه أشهر، وإلى الحقيقة أقرب وأفيد، لتضمنه التنبيه على أن الحقيق بالمدح من راعى حدودها الظاهرة من الفرائض والسنن، وحقوقها الباطنة كالخشوع والإقبال بقلبه على الله تعالى، لا المصلون الذين هم عن صلاتهم ساهون، ولذلك ذُكر في سياق المدح: (وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ) [النساء: 162] وفي معرض الذم: (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ) [الماعون: 4] ".

والإمام اختار الوجه الثاني وقال: الأولى حملُ الكلام على ما يحصل معه الثناء العظيم؛ وذلك لا يحصل إلا إذا حملنا الإقامة على إدامة فعلها من غير خللٍ في أركانها وشرائطها.

قلت: هذا أولى من قول القاضي لما مر لنا في تقرير الكناية؛ فإنها جامعةٌ لجميع المعاني المطلوبة فيها.

الراغب: إقامة الصلاة: توفية حدودها وإدامتها، وتخصيص الإقامة فيه تنبيهٌ على أنه لم يُرد إيقاعها فقط؛ ولهذا لم يؤمر بالصلاة، ولم يمدح بها إلا بلفظ الإقامة نحو:(وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ) ولم يقل: المصلين إلا في المنافقين؛ حيث قال: (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ* الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ)[الماعون: 4 - 5] ومن ثم قيل: إن المصلين كثيرٌ، والمقيمين لها قليل، كما قال عمر رضي الله عنه: الحاج قليلٌ والراكب كثير. وكثيرٌ من الأفعال التي حث الله تعالى على توفية حقه ذكره بلفظ الإقامة: (وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ)[المائدة: 66] ونحو: (وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ)[الرحمن: 9].

ص: 92

وقالوا: سبح، إذا صلى لوجود التسبيح فيها (فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ) [الصافات: 143].

والصلاة: فعلة من صلى، كالزكاة من زكى. وكتابتها بالواو على لفظ المفخم. وحقيقة صلى: حرّك الصلوين لأن المصلى يفعل ذلك في ركوعه وسجوده،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (سبح إذا صلى)، إنما استشهد لهذا المثال بقول البلغاء أولاً وبالقرآن ثانياً؛ لأنه أخفى من أخواته، وأقل استعمالاً منها.

فإن قلت: أليس من شرط هذا المجاز أن يكون هذا البعض أشرف وأعظم مما في ذلك الشيء، وهذه الاختلافات تُشعر بتعظيم الشيء على نفسه؟

قلت: خولف ليؤذن بأن أركان الصلاة كلها بحيث إذا سُمي أي واحدٍ منها وأريد به الكل كفى به شرفاً، على حد قولها: هم كالحلقة المفرغة، لا يُدرى أين طرفاها.

قوله: (وكتابتها بالواو على لفظ المفخم)، قيل: التفخيم على ثلاثة أوجه: ترك الإمالة، وإخراجُ اللام من أسفل اللسان كما في اسم الله، والإمالة إلى الواو كما في اسم الصلاة.

قوله: (حرك الصلوين)، بيان للعلاقة، الأساس: ضرب الفرس صلويه بذنبه: ما عن يمينه وشماله، ومنه مُصلي السابق.

الجوهري: الكاذة: ما نتأ من اللحم في أعلى الفخذ.

ص: 93

ونظيره: كفر اليهودي إذا طأطأ رأسه وانحنى عند تعظيم صاحبه لأنه ينثني على الكاذتين، وهما الكافرتان. وقيل للداعي: مصلّ، تشبيها في تخشعه بالراكع والساجد. وإسناد الرزق إلى نفسه؛ للإعلام بأنهم ينفقون الحلال الطلق الذي يستأهل أن يضاف إلى اللَّه، ويسمى رزقا منه

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ذكر ابن جني في "المحتسب": قال أبو علي رحمه الله: الصلاة من الصلوين؛ وذلك لأن أول ما يشاهد من أحوال الصلاة إنما هو تحريك الصلوين للركوع، فأما القيام فلا يختص بالصلاة دون غيرها. قال ابن جني: هو حسن.

قوله: (وقيل للداعي)، كأنه جوابٌ عن سؤال سائلٍ أن الداعي يُسمى مصلياً وهو لا يحرك الصلوين.

قال الإمام: هذا الاشتقاق يُفضي إلى الطعن في كون القرآن حُجةً؛ لأن الصلاة من أشهر الألفاظ، واشتقاقه من تحريك الصلوين من أبعد الأشياء معرفةً، ولو جوزنا ذلك- ثم إنه خفي واندرس بحيث لا يعرفه إلا الآحاد- لجاز مثله في سائر الألفاظ، ولو جاز لما قطعنا بأن مراد الله من هذه الألفاظ ما تتبادر أفهامنا إليه، بل لعل المراد تلك المعاني المندرسة.

وأجاب القاضي: أن اشتهار اللفظ في المعنى الثاني مع عدم اشتهاره في الأول لا يقدح في نقله.

قوله: (الطلق)، النهاية: الطلق بالكسر: الحلال، يقال: أعطيته من طلق مالي، أي: من صفوته وطيبه.

قوله: (أن يضاف إلى الله ويسمى رزقاً)، قال القاضي: الرزق في اللغة: الحظ، قال تعالى:

ص: 94

وأدخل (من) التبعيضة؛ صيانة لهم وكفا عن الإسراف والتبذير المنهي عنه. وقدّم مفعول الفعل دلالة على كونه أهم، كأنه قال: ويخصون بعض المال الحلال بالتصدّق به

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ)[الواقعة: 82] والعُرف خصصه بتخصيص الشيء بالحيوان وتمكينه من الانتفاع به.

والمُعتزلة لما استحالوا من الله أن يُمكن من الحرام؛ لأنه منع من الانتفاع به، وأمر بالزجر عنه- قالوا: الرزق لا يتناول الحرام. ألا ترى أنه أسند الرزق هاهنا إلى نفسه إيذاناً بأنهم ينفقون الحلال الطلق، فإن إنفاق الحرام لا يوجب المدح، وأصحابنا جعلوا الإسناد للتعظيم والتحريض على الإنفاق، واختصاص "مما رزقناهم" بالحلال للقرينة، وتمسكوا بشمول الرزق للحرام، وأنه لو لم يكن رزقاً لم يكن المغتذي به طول عمره مرزوقاً. وليس كذلك لقوله تعالى:(وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا)[هود: 6].

قلت: قوله: "جعلوا الإسناد للتعظيم" معناه: أن الرزق وإن كان كله من الله، لكن من شرط ما يُضاف إليه من الأفعال أن يكون الأفضل فالأفضل، كما قال إبراهيم عليه السلام:(وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ)[الشعراء: 80] وقوله تعالى: (أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ)[الفاتحة: 7].

الانتصاف: المعتزلة أثبتوا خالقاً غير الله ورازقاً غيره، وقد قال الله تعالى:(هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ)[فاطر: 3].

ص: 95

وجائز أن يراد به الزكاة المفروضة، لاقترانه بأخت الزكاة وشقيقتها، وهي الصلاة، وأن تراد هي وغيرها من النفقات في سبل الخير، لمجيئه مطلقاً يصلح أن يتناول كل منفق. وأنفق الشيء وأنفده أخوان. وعن يعقوب: نفق الشيء، ونفد واحد،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الراغب: الرزق: لفظٌ مشتركٌ للحظ الجاري تارة، وللنصيب تارة، ولما يصل إلى الجوف ويتغذى به.

(وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ)[البقرة: 3] محمولٌ على المباح؛ لأنه حث على الإنفاق ومدحٌ لفاعله، ولأنه مضافٌ إلى الله عز وجل والإنفاق كما يكون من المال والنعم الظاهرة يكون من النعم الباطنة كالعلم والقوة والجاه. والجود التام: بذل العلم، ومتاع الدنيا عرضٌ زائل. وقال بعض المحققين في الآية: ومما خصصناهم من أنوار المعرفة يفيضون.

قوله: (بأخت الزكاة)، أي: بالصلاة، فوضعها موضعها للإشعار بالعلية.

قوله: (وعن يعقوب)، هو ابن إسحاق السكيت. قال الأنباري: كان من أكابر أهل اللغة. قال المبرد: ما رأيت للبغداديين كتاباً خيراً من كتاب ابن السكيت في اللغة وهو: "إصلاح المنطق". وأما حكاية قول ابن السكيت في "الإصلاح" فهو: نفق الزاد ينفق نفقاً: إذا نفد.

ص: 96

وكل ما جاء مما فاؤه نون وعينه فاء، فدالّ على معنى الخروج والذهاب ونحو ذلك إذا تأملت.

[(وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ)].

فإن قلت: (وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ) أهم غير الأوّلين أم هم الأوّلون؟ وإنما وسط العاطف كما يوسط بين الصفات في قولك هو الشجاع والجواد، وفي قوله:

إلَى المَلِكِ الْقَرْمِ وَابْنِ الْهمامِ

وَلَيْثِ الْكَتِيبَةِ في المُزْدَحمْ

وقوله:

يَا لَهْفَ زَيَّابَةَ لِلْحَارِثِ الصَّـ

ابِحِ فالغَانِم فَالْآيِبِ؟

قلت: يحتمل أن يراد

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (إلى الملك القرم)، البيت. القرم: الفحل المكرم الذي لا يُحمل عليه، ثم سمي به السيد.

والهمام: من أسماء الملوك؛ لعظم همتهم، أو لأنهم إذا هموا بأمرٍ فعلوه. والكتيبة: الجيش. وازدحم القوم: إذا وقع بعضهم على بعضٍ. ومنه قيل للمعركة: مزدحم؛ لأنها موضع المزاحمة.

قوله: (يا لهف زيابة)، البيت. اللهف: كلمة استغاثة يُتحسر بها على ما فات. والزيابة: اسم أبي القائل. والحارث: من غزاهم وصبحهم وغنم منهم، وآب إلى قومه سالماً والصابح من: صبحت القوم: إذا أتيتهم صباحاً.

ص: 97

بهؤلاء مؤمنو أهل الكتاب كعبد اللَّه بن سلام وأضرابه من الذين آمنوا، فاشتمل إيمانهم على كل وحى أنزل من عند اللَّه، وأيقنوا بالآخرة إيقاناً زال معه ما كانوا عليه من أنه لا يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى وأنّ النار لن تمسهم إلا أياماً معدودات،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (كعبد الله بن سلام)، قال في "الجامع": هو عبد الله بن سلام بن الحارث، من بني قينقاع الإسرائيلي. وكان اسمه الحصين فسماه النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله، وسلام: بتخفيف اللام. قينقاع: بفتح القاف وضم النون وبالعين المهملة.

قوله: (وأضرابه)، قال المصنف: أكثر الناس على أن الأضراب جمع ضربٍ بفتح الضاد، وعندي بكسرها فعلٌ بمعنى مفعول- كالعجز- وهو الذي يُضرب به المثل. ولا بد في المضروب به مثلاً والمضروب فيه من المماثلة. وقال غيره: الضرباء والأضراب: الأمثال، سمعت غير واحدٍ من العرب يقولون: هذا ضربه، أي: مثله بكسر الضاد. ويعضده مثل ومثيل، وشبهٌ وشبيه، وأنهم جمعوه على أضراب.

قوله: (فاشتمل إيمانهم)، الفاء سببية، تقديره: آمنوا بالقرآن بعد أن كانوا مؤمنين بكتابهم؛ فلزم من إيمانهم بهذا اشتمال الإيمان على كل وحي. ثم قوله: "وأيقنوا بالآخرة" مشعرٌ بأن في الكلام تغييراً، وأن أصل الكلام: الذين آمنوا بما أُنزل إليك، وما أُنزل من قبلك، وأيقنوا بالآخرة؛ فأتى بالمضارع، وقدم الجار والمجرور، وأبرز الضمير، وبنى عليه لإعطاء معنى التخصيص مع التأكيد، على منوال قوله:(لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ)[الإسراء: 100] ليكون تعريضاً بمن لم يؤمن منهم، وبأن إيمانهم بالآخرة على خلاف ما هي عليه مع التردد فيهم، وأن إيمان المؤمنين مستمر الوقوع.

ص: 98

واجتماعهم على الإقرار بالنشأة الأخرى، وإعادة الأرواح في الأجساد، ثم افتراقهم فرقتين: منهم من قال: تجرى حالهم في التلذذ بالمطاعم والمشارب والمناكح على حسب مجراها في الدنيا ودفعه آخرون فزعموا أن ذلك إنما احتيج إليه في هذه الدار من أجل نماء الأجسام ولمكان التوالد والتناسل، وأهل الجنة مستغنون عنه فلا يتلذذون إلا بالنسيم والأرواح العبقة، والسماع اللذيذ والفرح والسرور، واختلافهم في الدوام .....

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (واجتماعهم)، روي مرفوعاً ومجروراً؛ فالرفع عطفٌ على قوله:"ما كانوا عليه"، والجر على قوله:"أنه لا يدخل الجنة". المعنى: زال مع هذا الإيقان زعماتهم أنه لا يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى، وزال أيضاً ما كانوا عليه من خلط الحق مع الباطل، وهو الإقرار بالنشأة الأخرى، ثم افتراقهم فرقتين: فرقةٌ منهما موافقةً للمسلمين، وفرقةٌ مخالفةٌ لهم في قولهم بالتلذذ الجسماني، وفي الدوام والانقطاع.

قوله: (الأرواح العبقة)، الجوهري: الريح واحدة الرياح والأرياح، وقد تُجمع على أرواح؛ لأن أصلها الواو، وإنما جاءت بالياء لانكسار ما قبلها، فإذا رجعوا إلى الفتح عادت إلى الواو، كقولك: أروح الماء، وتروحت بالمروحة، الأساس: عبق به الطيب: لزمه، وامرأة عبقة: تطيبت بأدنى طيبٍ، فلم تذهب عنها ريحه أياماً. وقال أبو الطيب:

مسكية النفحات إلا أنها

وحشيةٌ بسواهم لا تعبق

قوله: (واختلافهم)، عطفٌ على "افتراقهم" لا على "اجتماعهم"؛ ليكون في حكم "ثم" في التراخي. المعنى: أنهم اجتمعوا على الإقرار بإعادة الأرواح إلى الأجساد، ثم حصلت لهم التفرقة في كيفية الأحوال، والاختلاف في كمية الزمان.

ص: 99

والانقطاع، فيكون المعطوف غير المعطوف عليه. ويحتمل أن يراد وصف الأوّلين. ووسط العاطف على معنى أنهم الجامعون بين تلك الصفات وهذه. فإن قلت: فإن أريد بهؤلاء غير أولئك، فهل يدخلون في جملة المتقين أم لا؟ . قلت: إن عطفتهم على (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) دخلوا وكانت صفة التقوى مشتملة على الزمرتين من مؤمنى أهل الكتاب وغيرهم. وإن عطفتهم على (لِلْمُتَّقِينَ) لم يدخلوا. وكأنه قيل: هدى للمتقين، وهدى للذين يؤمنون بما أنزل إليك. فإن قلت: قوله: (بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ) إن عنى به القرآن بأسره والشريعة عن آخرها، فلم يكن ذلك منزلا وقت إيمانهم، فكيف قيل أنزل بلفظ المضىّ؟ وإن أريد المقدار الذي سبق إنزاله وقت إيمانهم فهو إيمان ببعض المنزل واشتمال الإيمان على الجميع سالفه ومترقبه واجب. قلت: المراد المنزل كله وإنما عبر عنه بلفظ المضىّ وإن كان بعضه مترقباً، تغليبا للموجود على ما لم يوجد، كما بغلب المتكلم على المخاطب، والمخاطب على الغائب فيقال:

أنا وأنت فعلنا، وأنت وزيد تفعلان. ولأنه إذا كان بعضه نازلا وبعضه منتظر النزول جعل كأن كله قد نزل وانتهى نزوله، ويدل عليه قوله تعالى:(إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى)[الأحقاف: 30] ولم يسمعوا جميع الكتاب، ولا كان كله منزلا، ولكن سبيله سبيل ما ذكرنا. ونظيره قولك: كل ما خطب به فلان فهو فصيح، وما تكلم بشيء إلا وهو نادر. ولا تريد بهذا الماضي منه فحسب دون الآتي، لكونه معقوداً بعضه ببعض، ومربوطا آتيه بماضيه. وقرأ يزيد بن قطيب بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ على لفظ ما سمى فاعله. وفي تقديم (بِالْآخِرَةِ) وبناء (يُوقِنُونَ) على:(هُمْ) تعريض بأهل الكتاب وبما كانوا عليه من إثبات

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وفي تقديم "بالآخرة" وبناء (يُوقِنُونَ) على (هُمّ) تعريضٌ) إلى آخره، أي: قصد بهذين الاعتبارين تينك الخاصيتين- أعني: التخصيص وتقوّي الحكم- تعريضاً بهم،

ص: 100

أمر الآخرة على خلاف حقيقته، وأنّ قولهم ليس بصادر عن إيقان، وأن اليقين ما عليه من آمن بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك. والإيقان: إتقان العلم بانتفاء الشك والشبهة عنه. وبِالْآخِرَةِ تأنيث الآخر الذي هو نقيض الأوّل، وهي صفة الدار بدليل قوله:(تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ)[القصص: 83]، وهي من الصفات الغالبة، وكذلك الدنيا. وعن نافع أنه خففها بأن حذف الهمزة وألقى حركتها على اللام، كقوله (دَابَّةُ الْأَرْضِ) [سبأ: 14].

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فقوله: "تعريضٌ بأهل الكتاب" توطئة، وقوله:"بما كانوا عليه" وقوله: "وأن قولهم" إني آخره، عطفٌ عليه على طريقة: أعجبني زيدٌ وكرمه. وهذان المعطوفان تفسيران لقوله: "وفي تقديم "بالآخرة"" وقوله: "وبناء "يوقنون"" على سبيل النشر، فدل التقديم على التخصيص، وأن إيمانهم مقصورٌ على الآخرة الحقيقية لا يتجاوز إلى ما أثبته اليهود، وهو أنه لا يدخل الجنة إلا من كان هوداً، وأنه لا تمسهم النار إلا أياماً معدودات، وأن أهل الجنة يتلذذون بالنسيم والأرواح العبقة، وهو المارد بقوله:"من إثبات أمر الآخرة على خلاف حقيقته" ودل بناء "يوقنون" على "هم" على تحقيق إيقانهم وثباته، وهو المراد بقوله:"وأن قولهم ليس بصادرٍ عن إيقانٍ، وأن اليقين ما عليه من آمن بما أُنزل إليك"، ثم بمجموعها دل على أن اليهود على خلاف ذلك تعريضاً، فعلى هذا قوله:"وأن اليقين ما عليه" ليس معطوفاً على "تعريضٌ" كما ظُن، وإنما لم يُحمل قوله:"وبناء "يوقنون" على "هم"" على التخصيص؛ لأن القول بتقوى الحُكم يفيد التحقيق ويستلزم التخصيص بالتعريض، والقول بالتقديم لا يفيد إلا التخصيص، فكان أولى.

قوله: (والإيقان: إتقان العلم بانتفاء الشك والشبهة عنه). قال القاضي: اليقين: إتقان العلم بنفي الشبهة عنه نظراً واستدلالاً، ولذلك لا يوصف به العلم القديم والعلوم الضرورية.

وقال الإمام: لا يُقال: تيقنت أن السماء فوقي، ويقال: تيقنت ما أردته بكلامك.

ص: 101

وقرأ أبو حية النميري (يوقنون) بالهمز، جعل الضمة في جار الواو كأنها فيه، فقلبها قلب واو «وجوه» و «وقتت». ونحوه:

لَحُبَّ المُؤْقِدَانِ إلَىَّ مُؤْسَى

وَجَعدَةُ إذْ أَضَاءَهُمَا الْوَقُودُ

[(أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)]

(أُولئِكَ عَلى هُدىً): الجملة في محل الرفع إن كان (الذين يؤمنون بالغيب) مبتدأ وإلا فلا محلّ لها. ونظم الكلام على الوجهين: أنك إذا نويت

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقال الراغب: اليقين من صفة العلم فوق المعرفة والدراية وأخواتها، يقال: عِلم يقينٍ، ولا يقال: معرفة يقينٍ، وهو سكون النفس مع ثبات الحكم، يقال: استيقن وأيقن.

قوله: (لحب المؤقدان) البيت لجرير. وموسى وجعدة ابناه، وهما عطفا بيانٍ لقوله:"المؤقدان" كانا يوقدان نار القرى، وقوله:"إذ أضاءهما" بدل اشتمال منهما، يحمد فعالهما ويشكر صنيعهما، المعنى: حبب الله إلي وقت إضاءة وقودهما إياهما، ونحوه في البدل قوله تعالى:(وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ)[مريم: 16]، أي: اذكر وقت انتباذهما، واللام في "لحب المؤقدان" للقسم، هكذا روى سيبويه بقلب الواو في "الموقدان"، وموسى همزه.

"لحب" يُروى بضم الحاء وفتحها.

الجوهري: يُقال: أحبه فهو محب، وحبه يحبه بالكسر فهو محبوبٌ، ولقد حببت بالكسر، أي: صرت حبيباً.

قوله: (وإلا فلا محل لها) من الإعراب، قيل: فيه نظر لأنه لو كان الموصول الثاني مبتدأ، فكذلك محلها الرفع، فالحق أن يقال: إن كان أ؛ د الموصولين مبتدأ، فهو في محل الرفع.

ص: 102

الابتداء بـ (الذين يؤمنون بالغيب)؛ فقد ذهبت به مذهب الاستئناف. وذلك أنه لما قيل: (هُدىً لِلْمُتَّقِينَ) واختصّ المتقون بأنّ الكتاب لهم هدى، اتجه لسائل أن يسأل فيقول: ما بال المتقين مخصوصين بذلك؟ فوقع قوله: (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) إلى ساقته، كأنه جواب لهذا السؤال المقدّر. وجيء بصفة المتقين المنطوية تحتها خصائصهم التي استوجبوا بها من اللَّه أن يلطف بهم، ويفعل بهم ما لا يفعل بمن ليسوا على صفتهم، أى الذين هؤلاء عقائدهم وأعمالهم، أحقاء بأن يهديهم اللَّه ويعطيهم الفلاح.

ونظيره قولك: أحبّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم الأنصار الذين قارعوا دونه، وكشفوا الكرب عن وجهه، أولئك أهل للمحبة. وإن جعلته تابعاً للمتقين، وقع الاستئناف على أولئك كأنه قيل: ما للمستقلين بهذه الصفات قد اختصوا بالهدى؟ فأجيب بأنّ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وأجيب: أن المصنف في صدد أن يذكر في الآية وجوهاً ثلاثة، ويشير في التقرير إلى بيان الفرق؛ فبنى الكلام أولاً على الوجهين اللذين هما أقوى الوجوه وعليهما تعويل أهل المعاني دون الثالث، ثم سأل نفسه: هل يجوز ذلك التقدير؟ أي: أن يجري الموصول الثاني على الابتداء و"أولئك" خبره، لأن الوجه الأخير لا يحسن حسنهما لخلوه عن الاستئناف ولزوم فك الموصولين. ولهذه اللطيفة قُدِّم الاستئناف المنطوي على بيان الموجب على الآخرة، وكما روعيت هذه اللطيفة روعيت المناسبة بين الوجهين أيضاً حيث قال أولاً:"نويت" مقرونةً بإذا، وثانياً:"وإن جعلته تابعاً" وإنما كان الوجه الأول أحسن الوجوه لما ذكرنا من بيان الموجب، ولإيقاع "أولئك" خبراً له، وهو أيضاً موجبٌ كما سيجيء.

قوله: (ما للمستقلين بهذه الصفات)، الأساس: ومن المجاز: هو مستقلٌ بنفسه: إذا كان ضابطاً لأمره.

النهاية: يقال: أقل الشيء يُقله، واستقله يستقله، إذا رفعه وحمله، وفي الحديث:"حتى تقالت الشمس" أي: استقلت في السماء، وارتفعت وتعالت.

ص: 103

أولئك الموصوفين، غير مستبعد أن يفوزوا دون الناس بالهدى عاجلا، وبالفلاح آجلا. واعلم أنّ هذا النوع من الاستئناف يجيء تارة بإعادة اسم من استؤنف عنه الحديث، كقولك: قد أحسنت إلى زيد، زيد حقيق بالإحسان

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أي: ما للمتقين الذين هذه المذكورات حدهم، أو ما للكاملين بهذه الصفات؟ وقد راعى فيه معنى لا يلزم منه الموجب، بخلافه في الأول فليتدبر.

ولإفادة اللام الاختصاص: أعني في "المتقين"، قال في هذا الوجه:"أن يفوزوا دون الناس"، وفي الأول:"بمن ليسوا على صفتهم" وقال أولاً: "استوجبوا" بناءً على مذهبه، وثانياً:"غير مستبعدٍ أن يفوزوا" لأن الأول مبني على العلية، ثم الأنسب أن يجرى "المتقين" في الوجه الأول على الحقيقة، وهم الثابتون على التقوى، ليستقيم قوله:"استوجبوا بها من الله أن يلطف بهم"، وفي الثاني على المجاز، كما قال:(هُدىً) للصائرين إلى الهدى بعد الضلال، فيستقيم قوله:"غير مستبعد أن يفوزوا دون الناس بالهدى عاجلاً".

قوله: (هذا النوع) الإشارة بـ"هذا" إلى المذكور قبلُ، فإنه لا يخرج عن هذين القسمين، ويُفهم منه أن من الاستئناف أنواعاً تأتي على غير هذا النوع، ومن قوله تعالى:(اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ)[البقرة: 15] بعد قوله: (إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ)[البقرة: 14]، وغير ذلك.

قوله: (زيدٌ حقيقٌ بالإحسان) جوابٌ عن قول من قال- إذا قُلت: أحسنت إلى زيدٍ: ما له أُحسن إليه؟ أي: هو حقيقٌ بالإحسان لما فيه من الخصال المرضية والخلال الحميدة كما في الوجه الثاني في تفسير الآية؛ لأن الوصف حينئذٍ حده، أو مدحه لقوله:"ما للمستقلين بهذه الصفات"، وقولك: صديقك القديم، جوابٌ عن قوله- حين قلت له: أحسنت إلى زيد: ما له أحُسِنُ إليه ولم يستوجب مني الإحسان؟ أي: استوجب منك الإحسان لكونه

ص: 104

وتارةً بإعادة صفته، كقولك: أحسنت إلى زيد صديقك القديم أهل لذلك منك فيكون الاستئناف بإعادة الصفة أحسن وأبلغ، لانطوائها على بيان الموجب وتلخيصه. فإن قلت: هل يجوز أن يجرى الموصول الأوّل على المتقين، وأن يرتفع الثاني على الابتداء و (أولئك) خبره؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

صديقاً لك، كما في الوجه الأول، لأن الصفة حينئذٍ لغير الكشف والمدح، لقوله:"ما لا يفعل بمن ليسوا على صفتهم"؛ فعلى الأول استحق الإحسان لما هو فيه، وعلى الثاني لما له عليك، وهذا أبين في تلخيص الموجب، لتخصيصه، أي: بما يستحق عليك الإحسان، ولكن ذاك أدخل في التمدح كأن ذاته لكونها مستجمعةً للخلال المرضية مستحقةٌ للإحسان.

على أن (أُولَئِكَ) في الآية ليس كالمثال، فإن إيراد اسم الإشارة هنا، كإعادة الموصوف مع صفاته المذكورة، وذلك أن "المتقين" لما حكم عليهم بكون الكتاب هُدى لهم، ثم أجرى عليهم تلك الصفات شيئاً فشيئاً، كما ذكر في "الفاتحة" مُيزوا غاية التمييز، فاستحقوا لذلك التمييز التام أن يفوزوا بالهدى عاجلاً، وبالفلاح آجلاً.

ويؤيد هذا التأويل قول القاضي: إذا كان (أُولَئِكَ) استئنافاً، كان نتيجة الأحكام والصفات المتقدمة. تم كلامه. فَوِزان قوله تعالى:(هُدًى لِلْمُتَّقِينَ)[البقرة: 2] إلى قوله: (يُنْفِقُونَ) وزانُ قوله: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)[الفاتحة: 2] إلى (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ)[الفاتحة: 4]، ووزان قوله:(إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)[الفاتحة: 5] وزان قوله: (أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)[البقرة: 5]، وها هنا سرٌ دقيقٌ وهو: أنه تعالى حكى في مفتتح كتابه الكريم مدح العبد لبارئه بسبب إحسانه إليه، وترقى فيه ثم مدح الباري هاهنا عبده بسبب هدايته له، وترقى فيه على أسلوبٍ واحد.

ص: 105

قلت: نعم، على أن يجعل اختصاصهم بالهدى والفلاح تعريضاً بأهل الكتاب

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (نعم على أن يُجعل اختصاصهم بالهدى والفلاح تعريضاً) يعني: إنما يجوزُ ذلك إذا جُعل الغرض في بناء (أُوْلَئِكَ) على "الذين"، ودلالة الاختصاص الذي يُعطيه معنى التركيب، التعريض بأهل الكتاب؛ ليكون قطع الكلام من الأول، وجعله جملةً بحيالها، والعدول من تلك المواقع المستحسنة لغرضٍ صحيح.

فإن قلت: هل يجوز أن يكون (أُولَئِكَ عَلَى هُدًى) على الوجهين السابقين تعريضاً؟

قلت: ليس بواضح، لأن الغرض في الاستئناف الأول بيان موجب أن الكتاب هدىً لهم، أي: إنما كان الكتاب هدى لهم، لأنهم على هدىً لا يكتنه كنهه. وفي الاستئناف الثاني بيان جزاء أولئك الموصوفين بتلك الصفات الفائقة، فوجب أن يقال: لهم الهدى عاجلاً، والفلاح آجلاً. نعم لو أريد التعريض على سبيل الإدماج لجاز، بخلافه في تلك الصورة؛ لأن الغرض الأول هو التعريض. قال:"إذا كان الكلام منصباً إلى غرضٍ من الأغراض، جُعل سياقه له وتوجهه إليه كأن ما سواه مرفوضٌ مطرح".

وذهب صاحب "المفتاح": إلى أن الجملة على هذا من مستتبعات (هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ)، وقدره:"هو هدى"، وقال (هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ) تقريرٌ وتوكيدٌ لقوله:(لَا رَيْبَ فِيهِ). فعُلم منه أنه على الوجوه السابقة كان مستتبعاً للمتقين، وهو يحتمل وجهين:

أحدهما: أن يراد بالمتقين: الضالون الصائرون إلى الهدى كما في الوجه الثاني من الكتاب، فعطف هذه الجملة على السابقة على سبيل الحصول والوجود وتفويض الترتب إلى الذهن. يعني: إذا كان الكتاب هدى للضالين الصائرين إلى الهدى، فلأن يكون هدىً للذين شرعوا وصدقوا ما يجب تصديقه أحرى وأولى.

ص: 106

الذين لم يؤمنوا بنبوّة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وهم ظانون أنهم على الهدى وطامعون أنهم ينالون الفلاح عند اللَّه. وفي اسم الإشارة الذي هو (أولئك) إيذان بأنّ ما يرد عقيبه فالمذكورون قبله أهل لاكتسابه من أجل الخصال التي عدّدت لهم،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وثانيهما: أن يُراد بهم الثابتون على التقوى كما في الوجه الأول، فالعطف حينئذٍ من حيث الجملة لا بالنظر إلى أنها مؤكدةٌ للسابق إذ لا تحسن هذه أن تكون مؤكدةً مثلها، بل تكون مستطردةً ولا يمنع العاطف من الاستطراد كما في قوله:(وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ)[الأعراف: 26] وتقريره: أنه لما قيل: إن الكتاب هدىً للمتقين الموصوفين بتلك الصفات النابهة، استتبع هذا الحديث حديث أهل الكتاب الذين جمعوا بين الإيمان بهذا الكتاب الكريم وبجميع ما نزل من الكتب السماوية، فأورد في الذكر على طريق التخصيص تعريضاً بمن لم يؤمن منهم.

قوله: (فالمذكورون قبله أهلٌ لاكتسابه) معنى كونهم على هدىً وحصول الفلاح لهم أمارةٌ لاستئهالهم للهدى والفلاح، لأجل اتصافهم بتلك الصفات، وهذا إنما يقع موقعه إذا اعتبر الاستئناف من قوله:(أُولَئِكَ عَلَى هُدًى)[البقرة: 5] كما سبق تقريره آنفاً لا من قوله: (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ)[البقرة: 3] لأنه يلزم من إجراء الأوصاف على المتقين استئهالهم الهدى والفلاح، ويلزم من الاستئناف كون الكتاب هدىً، اللهم إلا أن يُجعل الموجب مركباً.

ولعل المقصود من ركوب الاستئناف الأول تقرير المذهب؛ يعني: إنما كان الكتاب هدىً للمتقين، لكونهم على هدىً وأي هدىً! فاستوجبوا لذلك أن يهتدوا بالكتاب، لأنهم أوجبوا على الله الهداية بعملهم كما قال:"بخصائصهم التي استوجبوا من الله أن يلطف بهم".

وقوله: (فالمذكورون قبله) واردٌ على مذهب الأخفش، وهو: أنّ "إنَّ" و"أنَّ" لا يمنعان دخول الفاء في خبر المبتدأ، فهو كقوله تعالى:(إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ)[البروج: 10] ولكن معناه معنى قوله تعالى: (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ)[النحل: 53] ألا ترى أنك لو جعلت مضمون قوله: (فَمِنَ اللَّهِ) هو المشروط، لكان المعنى:

ص: 107

كما قال حاتم: وللَّه صعلوك ثم عدّد له خصالا فاصلة، ثم عقب تعديدها بقوله:

فَذلِكَ إنْ يَهْلِكْ فَحسْبى ثَنَاؤُهُ

وَإنْ عاشَ لَمْ يَقْعُدْ ضَعِيفاً مُذَمَّمَا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أن استقرارها بهم سببٌ لحصولها من الله، وهو من التعكيس، وإذا جعلت الإخبار بنفس الجزاء هو المشروط كما تقول: والذي استقر بكم من نعمةٍ فإني أُخبركم أنه من الله، استقام. كذا هاهنا ورود ما ورد عقيب أولئك سبب الإخبار أن المذكورين أهلٌ لاكتسابه.

قوله: (ثم عدد له خصالاً فاضلةً) إشارةً إلى سائر الأبيات، وهي:

ولله صعلوكٌ يساور همه

ويمضي على الأحداث والدهر مقدما

فتى طلباتٍ لا يرى الخمص ترحةً

ولا شبعةً إن نالها عد مغنما

إذا ما رأى يوماً مكارم أعرضت

تيمم كبراهن ثمت صمما

ترى رُمحه أو نبله أو مجنه

وذا شُطبٍ عضب الضريبة مخذما

وأحناء سرج قاترٍ، ولجامه

عتاد فتى هيجا وطرفاً مسوما

فذلك إن يهلك فحسني ثناؤه

وإن عاش لم يقعد ضعيفاً مذمما

"ولله صعلوكٌ" كقولك: ولله القائل، ولله أنت، أي: لله القدرة على خلق قائل هذا الكلام، وهذا يُقال عند صدور كلامٍ غريب وفعلٍ عجيب. والتقدير: أنت صنيعه ومختاره، فله القدرة على خلق مثلك.

الصعلوك: الفقير، وصعاليك العرب: ذؤبانها أي: الذين يتلصصون.

المساورة: المواثبة، والخمص: الجوع، والترح: الشدة. شطبة السيف: طريقته التي في متنه، خذمه: قطعه بسرعة، وسيفٌ مخذم وخذم: قطاع.

ص: 108

ومعنى الاستعلاء في قوله: (عَلى هُدىً) مثل لتمكنهم من الهدى، واستقرارهم عليه، وتمسكهم به. شبهت حالهم بحال من اعتلى الشيء وركبه. ونحوه: هو على الحق وعلى الباطل. وقد صرّحوا بذلك في قولهم: جعل الغواية مركباً،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أعرضت، أي: ظهرت واستبانت. قاتر: واقٍ لا يعقر ظهر الفرس، وحسنى: مصدر بمعنى حسنٍ، مثل بُشرى بمعنى بشارة، وقيل: هو اسمٌ من الإحسان.

يقول: لله در فقيرٍ يواثب همته ويمضي مقدماً على الدهر، والحال أنه فتى طلباتٍ يتجدد طلبه كل ساعة، والدهر يسعف بمطلوبه بجده ورشده، ولا يرى الجوع شدةً، ولا الشبع غنيمةً، لعلو همته، فمثله إن يهلك فحسنٌ ثناؤه، وإن يعِشْ يعِشْ ممدوحاً معززاً.

قوله: (مثلٌ لتمكنهم) أي: هو استعارةٌ تمثيليةٌ واقعةٌ على سبيل التبعية، يدل عليه قوله:"شُبهت حالهم": وتقريره أن يُقال: شبهت حالهم وهي تمكنهم من الهدى واستقرارهم عليه، وتمسكهم به، بحال من اعتلى الشيء وركبه، ثم استعير للحالة التي هي المشبه المتروك كلمة الاستعلاء المستعملة في المشبه به.

ويدلك على أن الاستعارة التبعية تمثيليةٌ الاستقراء، وبه يشعر قول صاحب "المفتاح" في استعارة لعل: فتشبه حال المكلف وكيت وكيت بحال المرتجي المخير إلى آخره. وليكن هذا المعنى على ذكر منك لينبهك على أن أحد وجهي المجاز في (خَتَمَ اللهُ)[البقرة: 7] من الاستعارة والتمثيل على هذا.

قوله: (وقد صرحوا بذلك) أي: بإرادتهم معنى الاستعلاء والركوب فيما يُشبه الآية، وقولهم:"هو على الحق وعلى الباطل" من قولهم: "جعل الغواية مركباً" أي: كالمركب، فهو من التشبيه. وقالوا:"امتطى الجهل" أي: اتخذ الجهل مطيةً، وهو أيضاً تشبيه، وأما قوله: "واقتعد

ص: 109

وامتطى الجهل، واقتعد غارب الهوى. ومعنى (هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ) أى منحوه من عنده وأوتوه من قبله، وهو اللطف والتوفيق الذي اعتضدوا به على أعمال الخير، والترقي إلى الأفضل فالأفضل. ونكر (هدى)،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

غارب الهوى" فهو استعارةٌ: إما تحقيقيةٌ أو تخييليةٌ. و"اقتعد" ترشيحٌ لها نحو قوله:

وعُري أفراس الصبا ورواحله

قوله: (ومعنى (هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ)) مبتدأ، و"منحوه من عنده" خبره، فأقحم "أي"التفسيرية، لمزيد البيان، أو معنى هدىً من ربهم هذا القول، فحذف القول وجيء بتفسيره كما سيجيء في قوله:(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ)[البقرة: 11].

قوله: (أي: منحوه من عنده وأوتوه من قبله) يعني: أن "من" هاهنا لابتداء الغاية فلا يصح إلا بتقدير "عند" نحو قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ)[الأعراف: 206]، وهو أيضاً لا يصح إلا بالكناية، فيرجع حاصله: أوتوه من قِبَله، أي: بتوفيقه ولطفه، واللطف ما يختار عنده المكلف الطعة على مذهبه، وسيجيء تحقيقه بعد هذا.

قوله: (والترقي إلى الأفضل فالأفضل) والفاء مثلها في قوله صلوات الله عليه: "الأمثل فالأمثل"، فهي للتعقيب على سبيل الاستمرار إلى ما لا نهاية له.

المعنى: إذا ساعدتهم ألطاف الله، وتداركهم توفيقه، اقتدروا على عملٍ من الأعمال الحسنة، وهذا العمل يستنزل لهم لُطفاً جديداً أفضل منه، فيستجدوا به عملاً أعلى من ذلك،

ص: 110

ليفيد ضربا مبهماً لا يبلغ كنهه، ولا يقادر قدره كأنه قيل: على أى هدى، كما تقول: لو أبصرت فلانا لأبصرت رجلا. وقال الهذلي:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فعلى هذا، فاللطف يدعو إلى العمل، والعمل إلى استجلاب اللطف، فلا يزال اللطف والعمل يتناوبان حتى يتمكنوا على الأعمال، فتصير فيهم صفةً راسخة. وإليه ينظر ما روي:"من عمل بما علم، ورثه الله علم ما لم يعلم".

وروي عن الجنيد: "الحسنة بعد الحسنة ثواب الحسنة، والذنب بعد الذنب عقوبة الذنب".

قوله: (لا يبلغ كنهه)، الأساس: سله عن كنه الأمر: عن حقيقته وكيفيته، واكتنه الأمر: بلغ كنهه وغايته.

قوله: (لا يقادر قدره)، الأساس: قدرت الشيء أقدره، وهذا شيءٌ لا يقادر قدره، وقدرت أن فلاناً يفعل كذا، وفلانٌ يقادرني: يطلب مساواتي، وتقادر الرجلان: طلب كل واحدٍ مساواة الآخر.

ص: 111

فَلَا وَأَبِي الطّيْرِ المُرِبَّةِ بالضُّحَى

عَلى خالِدٍ لَقدْ وَقَعْتِ على لَحَم

والنون في: (مِنْ رَبِّهِمْ) أدغمت بغنة وبغير غنة. فالكسائى، وحمزة، ويزيد، وورش في رواية والهاشمي عن ابن كثير لم يغنوها. وقد أغنها الباقون إلا أبا عمرو. فقد روى عنه فيها روايتان. وفي تكرير (أُولئِكَ) تنبيه على .......

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (فلا وأبي الطير المربة) البيت: نقل عن المصنف أنه كان يقول: ما أفصحك يا بيت المربة! أي: الملازمة، من أرب بالمكان: إذا أقام به، وقد كان خالدٌ هذا رفيع الشأن، على القدر، فاستعظم لحمه حيث نكره، وبسبب تعظيمه اللحم استعظم الطير الواقعة عليه، حيث أقسم بأبيها؛ والإقسام بالشيء دليلٌ على تعظيمه، وكذلك الكُنى تدل على التعظيم.

ثم إن جعلت "لا" زائدةً، كان جواب القسم:"لقد وقعت"، وفيه إشعارٌ من حيث الالتفات بالتعظيم، ومن حيث إن سبب الإقسام بها كونها واقعةً على ذلك اللحم فيه تعظيم الشيء بنفسه، فيعود إلى معنى قول الطائي:

وثناياك إنها إريض.

وقوله تعالى: (حم* وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ* إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا)[الزخرف: 1 - 3]، وإن لم تُجعل "لا" زائدةً بل رداً لكلامٍ سابقٍ، أي: ليس الأمر كما زعمت وحق أبي الطير، يكون جواب القسم ما دلت عليه "لا"، ثم ابتدأ بإنشاء قسم آخر، أي: والله لقد وقعت على لحمٍ، كقوله تعالى:(لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ)[القيامة: 1] فيكون صفةً للطير على تأويل: الطير المقول في حقه ذلك.

ص: 112

أنهم كما ثبتت لهم الأثرة بالهدى، فهي ثابتة لهم بالفلاح فجعلت كلّ واحدة من الأثرتين في تمييزهم بالمثابة التي لو انفردت كفت مميزة على حيالها. فإن قلت: لم جاء مع العاطف؟ وما الفرق بينه وبين قوله: (أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ، أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ)[الأعراف: 179] قلت: قد اختلف الخبران هاهنا فلذلك دخل العاطف، ......

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (كما ثبتت لهم) لا يجوز أن تُحمل "الكاف" على التشبيه؛ لأن "الفاء" التي في قوله: "فهي" مانعةٌ من جعل ما بعدها مشبهاً به، بل "الكاف" للقِران في الوقوع كما في قولك: كما حضر زيدٌ قام عمروٌ، والمعنى: كما حصلت الأثرة بالهدى ما توقف حصول الفلاح عقيبه؛ جعل الفلاح المتوقع في الآجل حاصلاً مع حصول الهدى في العاجل، مبالغةً، وما اكتفى بذلك، بل غير العبارة، وأبرز الجملة الثانية وهي قوله:"فهي ثابتةٌ" في معرض الاسمية وبناها على تقوي الحكم ليشير به إلى مبالغةٍ أخرى في الآية سوى التكرار، وهي تعريف ما يعطيه الخبر، وتوسيط الضمير في الجملة الثانية بخلاف الأولى.

قوله: (الأثرة بالهدى) الأثرة: التقدم والاختصاص؛ من الإيثار، الأساس: ولهم مآثر، أي: مساع يأثرونها عن آبائهم، وهو أثيري، أي: الذي أوثره وأقدمه، وله عندي أثرةٌ، وهو ذو أثرةٍ عند الأمير.

قوله: (على حيالها)، الجوهري: قعد حياله وبحياله، أي: بإزائه. وأصله الواو.

المغرب: وأعطى كل واحدٍ على حياله، أي: بانفراده.

قوله: (قد اختلف الخبران) أي: الجملتان الواقعتان خبرين عن (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ) فإن معنى (أُولَئِكَ عَلَى هُدًى): أنهم متمكنون الآن على الهداية، ومعنى (وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) أنهم في الآخرة يفوزون بمباغيهم ومآربهم، فبينهما اختلافٌ من وجهٍ، واتفاقٌ من وجه، فتوسطت

ص: 113

بخلاف الخبرين ثمة فإنهما متفقان لأن التسجيل عليهم بالغفلة وتشبيهم بالبهائم شيء واحد، فكانت الجملة الثانية مقرّرة لما في الأولى فهي من العطف بمعزل (وهُمُ): فصلٌ، وفائدته: الدلالة على أن الوارد بعده خبر لا صفة، والتوكيد، وإيجاب أن فائدة المسند ثابتة للمسند إليه دون غيره. أو هو مبتدأ و (المفلحون) خبره، والجملة خبر أولئك.

ومعنى التعريف في (الْمُفْلِحُونَ): الدلالة على أن المتقين هم الناس الذين عنهم بلغك أنهم يفلحون في الآخرة كما إذا بلغك أن إنسانا قد تاب من أهل بلدك، فاستخبرت من هو؟ فقيل زيد التائب، أى هو الذي أخبرت بتوبته. أو على أنهم الذين إن حصلت صفة المفلحين،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بين كمال الاتصال وكمال الانقطاع، فدخل العاطف، بخلافه في قوله تعالى:(أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ)[الأعراف: 179] الآية، هذا إذا قدروا الاستئناف من قوله:(الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ)، وأما إذا قُدر من "أولئك" فالمراد بالخبرين الإخبار. والأظهر أن المراد بالخبرين قوله:(عَلَى هُدًى) وقوله: (هُمُ الْمُفْلِحُونَ)؛ فاختلافهما يؤدي إلى اختلاف الجملتين، وإن اتحد المبتدأ فيهما، وكذلك اتفاقهما في تلك الآية يوجب اتفاق الجملتين.

قوله: (أو هو مبتدأٌ و (الْمُفْلِحُونَ) خبره) فعلى هذا تكون الجملة من باب تقوّي الحكم، أو من التخصيص على نحو: هو عارف.

قوله: (ومعنى التعريف) مبتدأٌ و"الدلالة" الخبر. وفي قوله: "هم الناس الذين بلغك" إشارةٌ إلى أن التعريف للعهد.

وفي قوله: (أو على أنهم الذين إن حصلت صفة المفلحين) دلالةٌ على أن التعريف في هذا الوجه للجنس، فإذا جُعل للعهد كان قصراً للمسند على المسند إليه، فالفلاح لا يتعدى إلى

ص: 114

وتحققوا ما هم، وتصوّروا بصورتهم الحقيقية، فهم هم لا يعدون تلك الحقيقة. كما تقول لصاحبك: هل عرفت الأسد وما جبل عليه من فرط الإقدام؟ إن زيداً هو هو. فانظر كيف كرّر اللَّه عز وجل التنبيه على اختصاص المتقين بنيل ما لا يناله أحد على طرق شتى، وهي: ذكر اسم الإشارة، وتكريره، وتعريف المفلحين، وتوسيط الفصل بينه وبين أولئك ليبصرك مراتبهم ويرغبك في طلب ما طلبوا، وينشطك لتقديم ما قدّموا، ويثبطك عن الطمع الفارغ والرجاء الكاذب،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

غيرهم، وإذا جُعل للجنس، أفاد أن المسند إليه مقصورٌ على المسند، فلا يعدون من الفلاح إلى صفةٍ أخرى، فيلزم على الأول اختصاصهم بالفلاح دون غيرهم. ولما كان الكلام وارداً على التعريض بأهل الكتاب يعود عدم الفلاح إليهم.

قوله: (وتحققوا ما هم) أي: أيّ شيءٍ هم؟ وهذه الجملة مفعولٌ ثانٍ لتحققوا وهو متضمنٌ لمعنى العلم، كأنه قيل: وعلموا أي شيءٍ هم، وهذا لا يسمى تعليقاً، وإنما التعليق أن يقع بعده ما يسد مسد المفعولين جميعاً كقولك: علمت أيهما عمروٌ، وعلمتُ أزيدٌ منطلقٌ أم عمرو، وإذا قلت: علمت أزيدٌ منطلقٌ أم هو كاتبٌ، كانت هذه الجملة واقعةً موقع ثاني مفعولي علمت.

قوله: (وتصوروا بصورتهم) أي: لو قُدر أن معنى المفلحين تصور بصورته الحقيقية، فالمتقون لا يعدون تلك الحقيقة، وهذا معنى قولنا: إن المسند إليه مقصورٌ على المسند، ويقرب منه قول الطائي:

ولو صورت نفسك لم تزدها

على ما فيك من كرم الطباع

قوله: (ويثبطك عن الطمع الفارغ، والرجاء الكاذب) وهذا تلويحٌ إلى الوعيد.

ص: 115

والتمني على اللَّه ما لا تقتضيه حكمته ولم تسبق به كلمته.

اللهمّ زينا بلباس التقوى، واحشرنا في زمرة من صدرت بذكرهم سورة البقرة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقوله: (والتمني على الله ما لا تقتضيه حكمته) معناه: توقع الثواب من غير عملٍ باطلٌ، لامتناع الثواب بدون العمل على مذهبه، وتلخيص كلامه: أن المتقي من صدر منه تلك الخصال المذكورة، فمن أخل بشيءٍ منها لم يكن متقياً، ومن لم يكن متقياً لم يكن مفلحاً، بدليل تكرير ما كُرر، ومن لم يكن مفلحاً، لا خلاص له من العذاب السرمد.

وأجاب القاضي: المراد بالمفلحين: الكاملون في الفلاح، ويلزم عدم كمال الفلاح لمن ليس على صفتهم، لا عدم الفلاح رأساً.

وقلت: يمكن أن يقال: إن قوله تعالى: (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ)[البقرة: 3] صفةٌ مادحةٌ، أو مخصصةٌ على ما قررناه، لا كاشفةٌ ولا مخصصة على ما ذكره من التفسير للمتقي لما أبطلناه، وأن المراد بالمتقين المجتنبون عن الشرك، فيدخل العاصي في هذا الحكم، وهذا التأويل أوفق لتأليف النظم مما ذهب إليه المصنف لدخول أكثر المسلمين في الحكم، فتتطابق هذه الآية وقوله:(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ)[البقرة: 6] وقوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ)[البقرة: 8] ويحسن تقسيمه.

افتتح سبحانه بذكر الذين أخلصوا دينهم، وواطأت قلوبهم ألسنتهم، ثم ثنى بالذين محضوا الكفر ظاهراً وباطناً، ثم ثلث بالذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، إذ لو حُمل على ما قال، لم يدخل فيه سوى الأفراد منهم كقوله تعالى:(وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ)[سبأ: 13].

فإن قلت: كيف جاز أن يكون العاصي مفلحاً؟

ص: 116

والمفلح: الفائز بالبغية كأنه الذي انفتحت له وجوه الظفر ولم تستغلق عليه. والمفلج - بالجيم - مثله. ومنه قولهم المطلقة: استفلحى بأمرك بالحاء والجيم. والتركيب دال على معنى الشق والفتح، وكذلك أخواته في الفاء والعين، نحو: فلق، وفلذ، وفلى.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قلت: كما جاز أن يكون مصطفىً في قوله تعالى: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا)[فاطر: 32]، وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لو جُعل القرآن في إهابٍ ثم أُلقي في النار ما احترق"، أخرجه الدارمي عن عقبة بن عامر. هذا مثلٌ لبركة مجاورته، فكيف بالمؤمن الذي تولى حفظه وتفسيره وإن كان عاصياً.

وروينا عن البخاري ومسلمٍ والترمذي، عن أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"أتاني جبريل، فبشرني أنه من مات من أمتك لا يُشرك بالله شيئاً، دخل الجنة، قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق! ".

وفي رواية: أنه صلى الله عليه وسلم قال: "ما مِن عبدٍ قال: لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة، قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق! ثم قال في الرابعة: على رغم أنف أبي ذر".

قوله: (استفلحي) أي: فُوزي بأمرك واستبدي؛ وهو من كنايات الطلاق.

ص: 117

[(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ)].

لما قدّم ذكر أوليائه وخالصة عباده بصفاتهم التي أهلتهم لإصابة الزلفى عنده، وبين أن الكتاب هدى ولطف لهم خاصة، قفى على أثره بذكر أضدادهم وهم العتاة المردة من الكفار الذين لا ينفع فيهم الهدى، ولا يجدى عليهم اللطف،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

روى في "الفائق" عن ابن مسعود: إذ قال الرجل لامرأته: استفلحي بأمرك والحقي بأهلك، فقبلت، فواحدةٌ بائنة. أي: استبدي به، واقتطعيه إليك من غير أن تنازعيه.

وقال أيضً: كل ما فيه فاءٌ ولامٌ ففيه معنى الشق، فلق الصبح، أي: شق، وفلذ، أي: قطع، وفلى، هو من فلوته عن أمه، إذا فطمته، وفلوته بالسيف وفليته إذا ضربته به.

قال الراغب: الفلح: الشق، وقيل: الحديدُ بالحديد يفلح، أي: يشق، والفلاح: الأكار، وكذلك الفلاح: الظفر وإدراك البغية، وذلك ضربان: دنيوي وأخروي، فالدنيوي: الظفر بالسعادات التي تطيب بها حياة الدنيا، وهو البقاء والغنى والعز، وفلاحٌ أخروي وذلك أربعة اشياء: بقاءٌ بلا فناء، وغنى بلا فقر، وعزٌّ بلا ذل، وعلمٌ بلا جهل، ولذلك ورد:"لا عيش إلا عيشُ الآخرة"، وقال تعالى:(وإِنَّ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ)[العنكبوت: 64]، وقال:(أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)[المجادلة: 22].

ص: 118

وسواء عليهم وجود الكتاب وعدمه، وإنذار الرسول وسكوته. فإن قلت: لم قطعت قصة الكفار عن قصة المؤمنين ولم تعطف كنحو قوله: (إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ* وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ) وغيره من الآي الكثيرة؟ قلت: ليس وزان هاتين القصتين وزان ما ذكرت: لأن الأولى فيما نحن فيه مسوقة لذكر الكتاب وأنه هدى للمتقين، وسيقت الثانية لأن الكفار من صفتهم كيت وكيت، فبين الجملتين تباين في الغرض والأسلوب، وهما على حدّ لا مجال فيه للعاطف

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (تباينٌ في الغرض والأسلوب)، أما الغرض فلأن الأولى مسوقةٌ لوصف الكتاب بكونه هادياً كاملاً في بابه، بالغاً في إيصال المهديين إلى منتهى مباغيهم، والثانية واردةٌ لذم الكفار، وأن إنذارهم بالكتاب لا ينفع فيه، وأما الأسلوب، فلأن الثانية مصدرةٌ بحرف التوكيد التي يُتلقى بها الطالب أو المنكر عريةً عن الفنون البيانية والصنعة البديعية المستدعية، لذلك توخى العطف كقوله:(إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ* وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ)[الانفطار: 13 - 14]، وإن فيها صنعة التقابل والترصيع، فإن العطف بين الجملتين جائزٌ بشرط رعاية التناسب، وبين المفردين بشرط اتحاد التصورات.

قوله: (لا مجال للعاطف فيه) قيل: فيه نظر، لأن قوله:"سواءٌ وجود الكتاب وعدمه" مشعرٌ بأنها مسوقةٌ لوصف الكتاب.

قلت: المطلوب من الوصف هنا تعظيم الكتاب وتفخيم شأنه، فإن الموصوف إنما يكتسب المدح إذا كانت الصفة صالحة للتمدح بها. ولا شك أن كون الكتاب غير منتفعٍ به للمصرين على الكفر لا يصلح للمدح، لأن القصد من سوق الآيات مدح الكتاب.

وأما قوله: "سواءٌ وجود الكتاب وعدمه" بيانٌ لنظم الآي، وأن ذكر الكفار على سبيل

ص: 119

فإن قلت: هذا إذا زعمت أن الذين يؤمنون جار على المتقين، فأمّا إذا ابتدأته وبنيت الكلام لصفة المؤمنين، ثم عقبته بكلام آخر في صفة أضدادهم، كان مثل تلك الآي المتلوّة. قلت: قد مرّ لي أن الكلام المبتدأ عقيب المتقين سبيله الاستئناف، وأنه مبنىّ على تقدير سؤال،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الاستطراد لذكر المؤمنين، وكون الكتاب هادياً لهم كما قال صاحب المفتاح: هذا كما يكون في حديث ويقع في خاطرك بغتةً حديثٌ آخر بينهما جامعٌ، لكن غير ملتفتٍ إليه لبُعد مقامك عنه، ويدعوك إلى ذكره داعٍ، فتورده مفصولاً.

قوله: (كان مثل تلك الآي) يعني قوله: (إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ* وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ)[الانفطار: 13 - 14] ونحوها لانقطاعها عما قبلها، وابتداء جملةٍ أخرى متآخيةٍ لما بعدها بالتقابل، فإذن لا يمتنع إدخال العاطف بينهما.

وخلاصة الجواب: أن (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) الآية [البقرة: 6] ليست على منوال (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ)[البقرة: 3] لا صفةً ولا استئنافاً كما سبق. نعم، هي واردةٌ على الاستئناف استطراداً لا مدحاً، لأن "إنّ" مستدعيةٌ للطلب أو الإنكار، لكونها لتأكيد النسبة كأنه لما قيل: إن الكتاب هادٍ للمتقين، وموصلٌ لهم إلى مباغيهم، تردد السامع في هذا الاختصاص قائلاً: لم اختص المتقون بتلك الهداية؟ وما بال الكفرة محرومين عنه؟ فقيل: لأن الذين كفروا مُصرون على كفرهم، وأن الله ختم على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم. والحاصل: أن هذه الآية تابعةٌ للتابع وهو "الذين يؤمنون" لا صفةٌ للكتاب، لأنها لا يصلح للتمدح بها مثلها، فتدبر.

ص: 120

فذلك إدراج له في حكم المتقين، وتابع له في المعنى وإن كان مبتدأ في اللفظ فهو في الحقيقة كالجارى عليه.

والتعريف في الَّذِينَ كَفَرُوا يجوز أن يكون للعهد،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (إدراج) يعني: هو تعليل للحكم، كأنه قيل: الكتاب هدىً للمتقين؛ لاختيارهم تلك الفضائل النابهة، وكذا حكمه إذا جعل وصفاً له، لما عرفت أن ترتب الحكم على الوصف المناسب يُشعر بالعلية، فتدبر.

قوله: (والتعريف في (الَّذِينَ كَفَرُوا)) يعني المراد بالذين كفروا قومٌ بأعيانهم فيطابقه قوله: (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ)[البقرة: 6] فإذن لا إشكال فيه، ويجوز أن يكون التعريف للجنسن فيكون اللفظ بظاهره متناولاً لكل من صمم ولمن لم يصمم، كالمشترك، ويكون قوله:(سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ) قرينةً مبينةً لأحد مفهوميه.

قال القاضي: وتعريفُ الموصول للجنس متناولٌ لمن صمم على الكفر وغيرهم، فخص منهم غير المصرين بما أسند إليهم.

وقلت: حملُ قول المصنف على المطلق والمقيد أظهر عنده من الحمل على الخاص والعام، يدل عليه قوله في تفسير قوله تعالى:(وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ)[البقرة: 228]: أراد ذوات الأقراء.

فإن قلت: كيف جاز إرادتهن خاصةً واللفظ يقتضي العموم؟

قلت: بل هو مطلقٌ في تناول الجنس صالحٌ لكله وبعضه، فجاء في أحد ما يصلح له كالاسم المشترك، وذلك أن دليل الخصوص عند الحنفية جملةٌ مستقلةٌ بنفسها، نص عليه

ص: 121

وأن يراد بهم ناس بأعيانهم كأبى لهب وأبى جهل والوليد بن المغيرة وأضرابهم، وأن يكون للجنس متناولا كلّ من صمم على كفره تصميما لا يرعوى بعده وغيرهم، ودل على تناوله للمصرين الحديث عنهم باستواء الإنذار وتركه عليهم، و (سَواءٌ) اسم بمعنى الاستواء وصف به كما يوصف بالمصادر

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

البزدوي بقوله: "دليل الخصوص يشبه الناسخ بصيغته؛ لأنه نص قائمٌ بنفسه"، فعلى هذا:"إن الذين كفروا" لفظٌ مطلقٌ يتناول كل من صمم على الكفر ومن لم يصمم؛ فدل على تناوله- أي: إرادته- المصرين هاهنا حديث استواء الإنذار وتركه، ودل على تناوله المنافقين انضمام قوله تعالى:(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ)[البقرة: 8] معها.

قوله: (وأن يراد [بهم] ناسٌ بأعيانهم) عطفٌ تفسيري.

قوله: (من صمم)، الجوهري: صمم في السير، أي: مضى، وصمم، أي: عض ونيب فلم يرسل ما عض.

قوله: (لا يرعوي)، النهاية: في الحديث "شر الناس رجلٌ يقرأ كتاب الله ولا يرعوي إلى شيءٍ منه" أي: لا يكف ولا ينزجر عن منهياته، وقد ارعوى عن القبيح يرعوي ارعواءً، وقيل: الارعواء: الندم على الشيء والانصراف عنه وتركه.

قوله: (كما يُوصف بالمصادر) روي عن المصنف: الوصف بالمصدر نحو رجل صومٌ وعدلٌ على وجهين: أن يقدر مضافاً محذوفاً، أي: ذو صومٍ، وذو عدلٍ، وأن يُجعل أنه تجسيمٌ من الصوم والعدل مبالغةً. والمبالغة ها هنا أن الإنذار وعدم الإنذار نفس السواء.

ص: 122

ومنه قوله تعالى: (تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ)[آل عمران: 64]، (فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ) [فصلت: 10] بمعنى مستوية وارتفاعه على أنه خبر لإنّ، و (أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ) في موضع المرتفع به على الفاعلية كأنه قيل: إنّ الذين كفروا مستو عليهم إنذارك وعدمه. كما تقول: إنّ زيدا مختصم أخوه وابن عمه.

أو يكون (أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ) في موضع الابتداء، (وَسَوَاءٌ) خبراً مقدّما بمعنى: سواء عليهم إنذارك وعدمه، والجملة خبر لإنّ. فإن قلت: الفعل أبداً خبر لا مخبر عنه فكيف صحّ الإخبار عنه في هذا الكلام؟ قلت: هو من جنس الكلام المهجور فيه جانب اللفظ إلى جانب المعنى، وقد وجدنا العرب يميلون في مواضع من كلامهم مع المعاني ميلا بيناً،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: ((فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً)[فصلت: 10]) بالجر شاذٌ، وبالنصب مشهور.

قوله: (من جنس الكلام المهجور) قال القاضي: والفعل إنما يمتنع الإخبار عنه إذا أريد به تمام ما وضع له، أما إذا أطلق، وأريد به اللفظ، أو مطلق الحديث المدلول عليه ضمناً على الاتساع، فهو كالاسم في الإضافة والإسناد إليه كقوله تعالى:(وَإذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا)[البقرة: 13] وقوله: (يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ)[المائدة: 119] وقولهم: ((تسمع بالمعيدي خيرٌ من أن تراه)). وإنما عدل هنا عن المصدر إلى الفعل لما فيه من إيهام التجدد.

قوله: (يميلون

مع المعاني)، الأساس: مال معه ومايله ومال إليه: أحبه. والمعنى يميلون مصاحبين المعاني، أو يدورون معها ولا يبالون بالألفاظ كما في قولهم: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، عطفوا الاسم على الفعل على تأويل: لا يكن منك أكل السمك وشرب اللبن.

ص: 123

من ذلك قولهم: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، معناه لا يكن منك أكل السمك وشرب اللبن، وإن كان ظاهر اللفظ على ما لا يصح من عطف الاسم على الفعل. والهمزة وأم مجرّدتان لمعنى الاستواء، وقد انسلخ عنهما معنى الاستفهام رأساً

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هذا التقدير على غير المتعارف، فإنه قال في قوله تعالى:(وَلا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الحَقَّ)[البقرة: 42]: إن ((الواو)) بمعنى الجمع، أي: لا تجمعوا لبس الحق بالباطل وكتمان الحق كمسألة السمكة، لكن المعنى يعود إليه، لأن المنهي في الظاهر في قوله:((لا يكن منك أكل السمك وشرب اللبن)) هو الأكل والشرب على منوال (فَلا يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ)[الأعراف: 2]، ولا أرينك ها هنا، وإنما المنهي المخاطب بأن يجانب الأكل والشرب على أبلغ وجه، وقد علم جواز الانفراد، فتوجه النهي إلى الجمع لما يورث الداء المحذر منه.

وأما بيان الجمع، فهو ما قال صاحب ((الضوء)): هذه ((الواو)) تسمى واو الجمع، وهي بمعنى ((مع))، لأن المراد: لا تأكل السمك مع شربك اللبن، وله أن يأكل كل واحدٍ منهما على حدة، وليس له أن يجمع بينهما في وقتٍ واحد، وإن أردت أن تكفه عن كل واحدٍ منهما، قلت: لا تأكل السمك وتشرب اللبن بالجزم، والفعل بعدها مع ((أن)) المضمرة منصوب المحل على أنه مفعولٌ معه كما في قولهم: ما صنعت وإياك. ونحوه في ((الإقليد)).

قوله: (((والهمزة)) و ((أم)) مجردتان) شروعٌ في التفسير على طريقٍ يؤكد معنى الجواب، لأن معنى ((الهمزة)) و ((أم)) أيضاً من جنس الكلام المهجور؛ يعني أن همزة الاستفهام تفيد شيئين: السؤال والاستواء، فإنك إذا قلت: أزيدٌ عندك أم عمرو؟ كان المعنى: أخبرني أيهما عندك؟ و ((أخبرني)) سؤالٌ، و ((أيهما عندك)) يؤذن بالاستواء، ألا ترى أن المجيب بأيهما أجاب كان مصيباً في الجواب.

قال صاحب ((التقريب)): وفيه نظرٌ، لأنهما لو كانا للاستواء لما أخبر عنه بـ ((سواء))، فلعل

ص: 124

قال سيبويه: جرى هذا على حرف الاستفهام كما جرى على حرف النداء قولك: اللهمّ اغفر لنا أيتها العصابة، يعنى أنّ هذا جرى على صورة الاستفهام ولا استفهام، كما أن ذلك جرى على صورة النداء ولا نداء.

ومعنى الاستواء: استواؤهما في علم المستفهم عنهما لأنه قد علم أن أحد الأمرين كائن، إمّا الإنذار وإمّا عدمه، ولكن لا بعينه، فكلاهما معلوم بعلم غير معين. وقرئ:(أَأَنْذَرْتَهُمْ) بتحقيق الهمزتين، والتخفيف أعرب وأكثر، ....

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراد: أنهما كانا للاستفهام عن مستويين فجردا عن الاستفهام، بقي أنهما للمستويين، ولا تكرار لإدخال ((سواء)) عليه، لأن المعنى: أن المستويين في العلم مستويان في عدم النفع، وإنما جردا عن الاستفهام ليقع فاعلاً لسواء، لأن الاستفهام يمنع ذلك لصدارته، ولكونه لأحد الأمرين، والاستواء يقتضي متعدداً، فبالتجريد ارتفع المانعان.

قوله: (قال سيبويه: جرى هذا) قال ابن الحاجب: اعلم أن في كلامهم حملاً لمعانٍ في الأصل، ثم نقلوها إلى معان أخر مع تجريدها عن أصل معناها، وهذا في أبوابٍ منها قولهم: سواءٌ علي أقمت أم قعدت، سؤالٌ عن تعيينٍ مع التسوية بينهما، ثم نقل إلى الخبر بمعنى التسوية من غير سؤال، ومنها: قولهم: يا أيها الرجل، أصله تخصيص المنادى بطلب إقباله عليك، ثم نقل إلى معنى الاختصاص مجرداً عن معنى طلب الإقبال في قولك: أما أنا فأفعل كذا يا أيها الرجل.

قوله: (بعلمٍ غير معين) صح ((معين)) بكسر الياء في نسخة المصنف. لعل المراد أن المستفهم كما إذا استفهم بقوله: أزيدٌ عندك أم عمرو؟ يعلم أن أحدهما عنده، لكن لا يعينه ويطلب منه التعيين، كذلك المستفهم بقوله: أأنذرتهم أم لم تنذرهم يعلم أن أحد الأمرين كائنٌ، ولكن لا يعينه، فيجب التأويل، والقول بأن حرف الاستفهام منسلخٌ عن معنى الطلب إلى الاستواء.

ص: 125

وبتخفيف الثانية بين بين، وبتوسيط ألف بينهما محققتين، وبتوسيطها والثانية بين بين، وبحذف حرف الاستفهام، وبحذفه وإلقاء حركته على الساكن قبله، كما قرئ (قَدْ أَفْلَحَ). فإن قلت: ما تقول فيمن يقلب الثانية ألفاً؟ قلت: هو لاحن خارج عن،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وبتخفيف الثانية) عطفٌ على قوله: ((بتحقيق الهمزتين)) وقوله: ((والتخفيف أعرب وأكثر)) اعتراضٌ بين المعطوف والمعطوف عليه، إنما قدم للاهتمام، والقراءة بتحقيق الهمزتين لابن عامرٍ وعاصمٍ وحمزة والكسائي ((وبتخفيف الثانية بَيْنَ بَيْن)) لابن كثيرٍ ونافعٍ وأبي عمرو، وهشامٌ وورشٌ يبدلها ألفاً، والقياس أن تكون بين بين، وابن كثيرٍ لا يدخل بينهما ألفاً، وقالون وهشامٌ وأبو عمروٍ يدخلونها، وبحذف حرف الاستفهام، وبحذفه وإلقاء حركته على الساكن قبله، وهو ((عليهم آنذرتهم))، القراءتان شاذتان.

قال ابن جني: حذف الهمزة قراءة ابن محيصن وهو للتخفيف، كراهة اجتماع الهمزتين.

والقرينة مجيء ((أم))، وقد حذف في غير موضع، منه بيت الكتاب:

لعمري ما أدري وإن كنت دارياً

بسبع رمين الجمر أم بثمان

أي: أبسبع؟ قيل: فلعل في الآية حذف همزة الفعل؟ وأجيب: أنه قد ثبت جواز حذف همزة الاستفهام، وأما حذف همزة الفعل في الماضي، فبعيد.

قوله: (ما تقول فيمن يقلب الثانية ألفاً) وهي روايةٌ ثانيةٌ لورش.

قوله: (هو لاحنٌ خارجٌ). فإن قلت: هذا طعنٌ فيما هو من القراءات السبع الثابتة بالتواتر، وهو كفر.

ص: 126

كلام العرب خروجين: أحدهما الإقدام على جمع الساكنين على غير حدّه - وحدّه أن يكون الأوّل حرف لين والثاني حرفا مدغماً نحو قوله: (الضالين)،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قلت: ليس بكفرٍ، لأن التواتر ما نقل بين دفتي مصحف ((الإمام))، وهذا من قبيل الأداء، ونحوه المد وتخفيف الهمزة.

قال الكواشي: وفي زعمه نظر، من قلب الهمزة ألفاً يشبع الألف إشباعاً زائداً على مقدار الألف الخارجة عادةً، ليكون الإشباع فاصلاً بين الساكنين، وهما: الألف المقلوبة والنون. وذكر ابن الحاجب في وجه من قرأ ((محياي)) بإسكان الياء وصلاً، هذا المعنى. وقيل: طريق التخفيف ليس بخطأ، وأنشد للفرزدق:

فارعي فزارة لا هناك المرتع

أي: هنأك.

وقال: حسان:

سالت هذيل رسول الله فاحشةً

ضلت هذيل بما قالت ولم تصب

وإذا ثبت مثله في كلام الفصحاء ونقل عمن ثبتت عصمته من الغلط، يجب القبول، وأما القراء فهم أعدل من النحاة، فوجب المصير إلى قولهم.

ص: 127

وخويصة. والثاني: إخطاء طريق التخفيف لأن طريق تخفيف الهمزة المتحرّكة المفتوح ما قبلها أن تخرج بين بين فأما القلب ألفاً فهو تخفيف الهمزة الساكنة المفتوح ما قبلها كهمزة رأس. والإنذار: التخويف من عقاب اللَّه بالزجر عن المعاصي. فإن قلت: ما موقع (لا يُؤْمِنُونَ)؟ قلت: إمّا أن يكون جملة مؤكدة للجملة قبلها، أو خبراً لإنّ والجملة قبلها اعتراض.

[(خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ)].

الختم والكتم أخوان لأن في الاستيثاق من الشيء بضرب الخاتم عليه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وخويصة)، النهاية: في الحديث: ((بادروا بالأعمال ستاًّ: وخويصة أحدكم)) يريد حادثة الموت التي تخص كل إنسانٍ، وهي تصغير خاصة، وصغرت لاحتقارها في جنب ما بعدها من البعث والعرض والحساب وغير ذلك. والحديث من رواية الإمام أحمد ومسلم عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((بادروا بالأعمال ستاًّ: الدخان، والدجال، ودابة الأرض، وطلوع الشمس من مغربها، وأمر العامة، وخويصة أحدكم)).

قوله: (والإنذار: التخويف) قال القاضي: إنما اقتصر عليه، لأنه أوقع في القلب وأشد تأثيراً في النفس من حيث إن دفع الضر أهم من جلب النفع، فإذا لم ينفع فيهم، كانت البشارة بعدم النفع أولى.

قوله: (والجملة قبلها اعتراض) والفرق بين المعترضة والمؤكدة- على أن المعترضة أيضاً مؤكدة-: هو أن المعترضة أحسن موقعاً، وألطف مسلكاً، وفيه مع التوكيد الاهتمام بشأنها لتخللها بين الكلام، وقال القاضي: إذا كانت معترضةً كانت علةً للحكم.

قوله: (الختم والكتم أخوان)، الراغب: الختم والطبع: الأثر الحاصل عن نقش، ويتجوز

ص: 128

كتماً له وتغطيةً؛ لئلا يتوصل إليه ولا يطلع عليه. والغشاوة الغطاء فعالة من غشاه إذا غطاه، وهذا البناء لما يشتمل على الشيء كالعصابة والعمامة. فإن قلت: ما معنى الختم على القلوب والأسماع وتغشية الأبصار؟ قلت: لا ختم ولا تغشية ثم على الحقيقة، وإنما هو من باب المجاز،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

به، يقال: ختمت كذا في الاستيثاق من الشيء والمنع منه، نظراً إلى ما يحصل من المنع بالختم على الكتب والأبواب، ويقال ذلك، ونعني به بلوغ آخر الشيء نظراً إلى أنه آخر فعلٍ يفعل به في إحراز الشيء، ومنه قيل: ختمت القرآن. وقد قيل: للإنسان ثلاثة أنواعٍ من الذنوب يقابلها في الدنيا ثلاث عقوباتٍ، الأول: الغفلة عن العبادات، وذلك يورث جسارةً على ارتكاب الذنوب، وهي المشار إليها بقوله:((إن المؤمن إذا أذنب أورث في قلبه نكتةً سوداء، وإن تاب ونزع واستغفر، صقل قلبه، وإن زاد زادت حتى تغلق قلبه)).

والثاني: الجسارة على ارتكاب المحارم، إما لشهوةٍ تدعوه إليه، أو شرارةٍ تحسنه في عينه، فتورثه وقاحةً، وهي المعبر عنها بالرين في قوله تعالى:(كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ)[المطففين: 14].

والثالث: الضلال، وهو أن يسبق إلى اعتقاد مذهبٍ باطل، وأعظمه الكفر، فلا يكون تلفتٌ منه بوجهٍ إلى الحق، وذلك يورثه هيئةً تمرنه على استحسانه المعاصي، واستقباحه للطاعات، وهو المعبر عنه بالختم والطبع في قوله تعالى:(وخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وقَلْبِهِ)[الجاثية: 23] و (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ)[النحل: 108]، وبالأقفال في قوله تعالى:(أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا)[محمد: 24] إلى غير ذلك.

ص: 129

ويحتمل أن يكون من كلا نوعيه وهما الاستعارة والتمثيل. أما الاستعارة فأن تجعل قلوبهم لأن الحق لا ينفذ فيها،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ويحتمل أن يكون من كلا نوعيه) لا يخلو لفظه عن اتساع ما، لأنه جعل التمثيل نوعاً من المجاز، وقسيماً للاستعارة. بيانه: أنه إن عنى بالتمثيل ما هو واقعٌ على سبيل التشبيه، بأن يكون وجهه منتزعاً من عدة أمورٍ غير حقيقيةٍ، فهو ليس بمجاز، وإن أراد به الاستعارة التمثيلية، فهو ليس قسيماً للاستعارة، بل هو قسمٌ منها. والأظهر أن يقال: المجاز نوعان: مرسلٌ، واستعارة. والاستعارة نوعان: تمثيليةٌ، وغير تمثيليةٌ، ككونها تخييليةً، أو تحقيقيةً، أو مكنية، والعذر أن الاستعارة التمثيلية غلب عليها اسم التمثيل، ولا يكاد يطلق عليها اسم الاستعارة كما استقرينا من كلامه، منه ما قال في قوله تعالى:(واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا)[آل عمران: 103]: يجوز أن يكون تمثيلاً لاستظهاره به، ووثوقه بحمايته بامتساك المتدلي من مكانٍ مرتفعٍ بحبلٍ وثيق، وأن يكون استعارة، وبقية الاستعارات يطلق عليها اسم الاستعارة مطلقاً، ونحوه قول أبي الطيب:

فإن تفق الأنام، وأنت منهم

فإن المسك بعض دم الغزال

وذلك أنهم إذا رأوا أن بعض أنواع الجنس له مزيةٌ على سائر أنواعه يخرجونه من ذلك الجنس ويجعلونه جنساً آخر، كذا ها هنا.

قوله: (فإن تجعل قلوبهم) إلى آخره، شروع في بيان كيفية التشبيه الذي هو واقعٌ في طريق هذه الاستعارة، ليعلم منه كيفية استخراج الاستعارة؛ وذلك أن قوله:((أن تجعل قلوبهم)) بسبب عدم نفوذ الحق فيها ((كأنها مستوثقٌ منها بالختم)) كقولك في الاستعارة المكنية في قول الهذلي.

ص: 130

ولا يخلص إلى ضمائرها من قبل إعراضهم عنه واستكبارهم عن قبوله واعتقاده، وأسماعهم لأنها تمجه وتنبو عن الإصغاء إليه وتعاف استماعه كأنها مستوثق منها بالختم، وأبصارهم لأنها لا تجتلى آيات اللَّه المعروضة ودلائله المنصوبة كما تجتليها أعين المعتبرين المستبصرين كأنما غطى عليها وحجبت، وحيل بينها وبين الإدراك. وأمّا التمثيل فأن تمثل حيث لم يستنفعوا بها في الأغراض الدينية التي كلفوها

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وإذا المنية أنشبت أظفارها

جعلت المنية بسبب اغتيالها الأرواح كأنها سبعٌ ذو أظفارٍ وأنياب، ثم ذكرت المنية، وأريدت المنية المشكلة على صورة السبع في التخييل، وجعلت القرينة ما يلازم السبع المشبه به، ونسبت إليها على سبيل الاستعارة التخييلية، لأن المكنية لا تنفك عن التخييلية، كذا ها هنا تجعل القلوب استعارةً مكنيةً عن قلوبٍ متخيلةٍ على صورة شيءٍ مستوثقٍ منه، ثم ينسب إليها لازم ذلك الشيء، وهو الختم بعد التخييل، قائلاً:(خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ)، والذي يؤيد أن هذه الاستعارة مكنيةٌ تصريح التشبيه في القلوب بقوله:((كأنها مستوثق منها))؛ لأن الاستعارة بالكناية هي التي يذكر فيها المشبه، ويراد به المشبه به.

قوله: (ولا يخلص)، الجوهري: خلص إليه الشيء: وصل.

قوله: (فأن تمثل) أي: تشبه حالة قلوبهم وسمعهم وأبصارهم، وهي عدم انتفاعها الأغراض الدينية بسبب منع قبول الحق، بحالة أشياء ضرب حجابٌ- أي: حدٌّ فاصلٌ- بينها وبين الاستنفاع بها بالختم والتغشية، ثم استعير لجانب المشبه لفظ ((الختم)) جاعلاً القرينة نسبته إلى القلوب، فيكون من الاستعارة التمثيلية الواقعة على طريق التبعية كما مر في قوله: (أُوْلَئِكَ

ص: 131

وخلقوا من أجلها بأشياء ضرب حجاب بينها وبين الاستنفاع بها بالختم والتغطية. وقد جعل بعض المازنيين الحبسة في اللسان والعىّ ختما عليه فقال:

خَتَمَ الالهُ عَلى لِسَانِ عُذَافِرٍ

خَتْماً فلَيْسَ عَلى الكلامِ بقَادِرِ

وإذا أَرَادَ النُّطْقَ خِلْتَ لِسَانَهُ

لَحْماً يُحَرِّكُهُ لِصَقْرٍ نَاقِرِ

فإن قلت: فلم أسند الختم إلى اللَّه تعالى، وإسناده إليه يدل على المنع

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ) [البقرة: 5] ويؤيده قوله بعيد هذا: ((ويجوز أن تضرب الجملة كما هي مثلاً)). ودل على أن التشبيه مركبٌ قوله: ((بأشياء ضرب حجابٌ بينها وبين الاستنفاع بها)) لأنه مشبهٌ به، ولابد من تقدير مثله في جانب المشبه فيقال:((فأن تمثل)) أي: تشبه قلوبهم؛ لأن الحق لا ينفذ فيها ليستنفعوا بها في الأغراض الدينية، فظهر أن الاستعارة في ((ختم)) على الأول تخييلية، وفي القلوب مكنية، وعلى الثاني تبعيةٌ واقعةٌ على طريق الاستعارة التمثيلية، فصح قوله:((لا ختم ولا تغشية ثم على الحقيقة)) وإنما قلنا: تبعية، لأن ((ختم)) فعلٌ، والاستعارة واقعةٌ في مصدره، والمراد ما في القلوب من المنع من قبول الحق.

قوله: (ختم الإله) البيت، عذافرٌ بالعين المهملة وضمها والذال المعجمة: اسم رجلٍ، ويقال: جملٌ عذافرٌ، أي: قويٌ شديد.

قوله: (فلم أسند الختم إلى الله) إلى آخره، هذا السؤال والجواب مبنيٌّ على مذهبه. والسؤال الأول والجواب مشتركٌ بينهم وبين أهل السنة.

قال القاضي: المراد بالختم والتغشية أن يحدث في نفوسهم هيئةً تمرنهم على استحباب الكفر والمعاصي واستقباح الإيمان والطاعات.

ص: 132

من قبول الحق والتوصل إليه بطرقه وهو قبيح واللَّه تعالى عن فعل القبيح علوا كبيرا لعلمه بقبحه وعلمه بغناه عنه. وقد نص على تنزيه ذاته بقوله: (وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ)[ق: 29]، (وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ) [الزخرف: 76]، (إِنَّ اللَّهَ لا يَامُرُ بِالْفَحْشاءِ) [الأعراف: 28]، ونظائر ذلك مما نطق به التنزيل؟ قلت: القصد إلى صفة القلوب بأنها كالمختوم عليها. وأما إسناد الختم إلى اللَّه عز وجل، فلينبه على أنّ هذه الصفة في فرط تمكنها وثبات قدمها كالشئ الخلقي غير العرضي. ألا ترى إلى قولهم: فلان مجبول على كذا ومفطور عليه، يريدون أنه بليغ في الثبات عليه

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقلت: فالإحداث فعل الله حقيقةً، والختم والتغشية مجازٌ كما مر.

قوله: (لعلمه بقبحه) يعني من ارتكب قبيحاً إنما يرتكبه لأمرين: إما للجهل بكونه قبيحاً، أو للاحتياج إلى فعله. والله تعالى منزهٌ عنهما.

و((الفاء)) في ((فلم)) دلت على إنكار، يعني: أن الختم لما كان عبارةً عن المنع من قبول الحق فلم أسند إلى ذاته.

قوله: (القصد إلى صفة القلوب بأنها كالمختوم عليها) أي: المقصود من الإسناد المبالغة في الإباء عن قبول الحق، فعبر عن المبالغة بقوله:((كالمختوم عليها))، هذا خلاصة الجواب، والوجوه الآتية بيانٌ لهذا المعنى على طرقٍ شتى.

قوله: (فلينبه) هذا هو الوجه الأول من الوجوه وخلاصته: أن (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ) الآية بكاملها معبرةٌ عن فرط تمكن الكفر فيهم على الكناية الإيمائية: وهي أن تؤخذ الزبدة والخلاصة من الجملة من غير اعتبار مفرداتها بالحقيقة والمجاز.

قال المصنف في قوله تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى)[طه: 5]: هذا كنايةٌ عن الملك، قالوا: فلانٌ استوى على العرش، يريدون ملك وإن لم يقعد على السرير البتة، وإليه الإشارة

ص: 133

وكيف يتخيل ما خيل إليك وقد وردت الآية ناعية على الكفار شناعة صفتهم وسماجة حالهم، ونيط بذلك الوعيد بعذاب عظيم!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بقوله: ((فلانٌ مجبولٌ على كذا، ومفطورٌ عليه، يريدون أنه بليغٌ في الثبات عليه)) قال صاحب المفتاح في قول الطائي:

أبين فما يزرن سوى كريمٍ

وحسبك أن يزرن أبا سعيد

إنه في إفادة أن أبا سعيدٍ كريمٌ، غير خاف.

قوله: (وكيف يتخيل ما خيل) تعريضٌ بأهل السنة وتوهينٌ لدلائلهم، يعني أنها متخيلاتٌ لا حقيقة لها، وهي ما حكى الإمام في ((تفسيره)): القائلون بأن أفعال العباد مخلوقةٌ لله تعالى لهم قولان: أحدهما: أن الختم هو خلق الكفر في قلوب الكفار. وثانيهما: أنه خلق الداعية التي إذا انضمت إلى القدرة صار مجموع القدرة معها سبباً موجباً لوقوع الكفر، وللمنع عن قبول الإيمان.

وقال محيي السنة: معناه: حكم الله على قلوبهم بالكفر لما سبق من علمه الأزلي فيهم.

قوله: (وقد وردت الآية ناعيةً على الكفار) أي: مظهرةً لهفواتهم؛ من قولهم: فلانٌ نعى على فلانٍ ذنوبه: إذا أظهرها وشهرها.

وقال القاضي: الختم والتغشية من حيث إن الممكنات مستندةٌ إلى الله تعالى، واقعةٌ بقدرته أسندت إليه، ومن حيث إنهما مسببان مما اقترفوه وردت ناعيةً عليهم شناعة صفتهم ووخامة عاقبتهم، ثم الآية تعليلٌ للحكم السابق وبيان ما يقتضيه.

ص: 134

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقلت: تقريره أن الآية جاريةٌ مجرى السبب الموجب لكون الهدى لا ينفع فيهم، فإن الله تعالى لما أظهر تصميمهم على الكفر بقوله:(سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ)[البقرة: 6] اتجه لسائلٍ أن يقول: ما بالهم كذلك؟ فأوقع قوله: (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ) إلى نهايته جواباً منطوياً على بيان الموجب، وقد بولغ في المعنى حيث جعل الختم على القلوب ليمنع من الفكر في الدلائل المقولة الصرفة، وعلى السمع لئلا تنفذ في القلوب بسببه الدلائل المسموعة، وجعل على البصر الغشاوة لئلا تصل إليها الدلائل المبصرة ليستدلوا بها على وجود منشئها، فسد الطرق عليهم من كل وجه.

أما صاحب ((الانتصاف)) فقد أطنب في هذا المقام، وقال: قد اشتمل كلام الزمخشري على مفاسد:

أحدها: الخروج عن دليل العقل الدال على أن لا موجد إلا الله.

الثانية: محالفة دليل النقل المؤيد له كقوله تعالى: (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ)[الرعد: 16]، (هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ) [فاطر: 3].

الثالثة: غلطٌ في أن ما يقبح غائباً، وهي قاعدةٌ باطلة.

الرابعة: قالوا: لو كانت أفعال العباد مخلوقةً لله، لما عابها، ولما عاقب عليها بناءً على قاعدة الحسن والقبح، ولم يعلموا أن هذه الملازمة تلزمهم أيضاً، لأنه يقبح شاهداً أن يمكن الإنسان من القبائح والفواحش وهو بمرأًى منه وبمسمعٍ مع قدرته على رده، وهو كإعطاء سيفٍ باترٍ لفاجرٍ يقطع الطريق ويسبي الحريم، وهو قبيحٌ في الشاهد. فإن قالوا: نعم، لكن ذلك لحكمةٍ أستأثر الله تعالى بعلمها، ففرقوا بين الغائب والشاهد، فيقال: ما ذكرتموه إن صلح جواباً كان جواباً عم اعترضتم، فلم لا سلمتم الأمر إلى الله تعالى في أول الأمر؟ والواجب على العبد أن يلاحظ الفرق بين الحركة الاختيارية والاضطرارية فيخرج عن الجبر، ثم يلاحظ الأدلة الدالة على أنه لا خالق إلا الله، فيخرج عن الاعتزال.

ص: 135

ويجوز أن تضرب الجملة كما هي - وهي (خَتَم اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ) - مثلاً، كقولهم: سال به الوادي، إذا هلك. وطارت به العنقاء، إذا أطال الغيبة، وليس للوادي ولا للعنقاء عمل في هلاكه ولا في طول غيبته وإنما هو تمثيل مثلت حاله في هلاكه بحال

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ويجوز أن تضرب الجملة كما هي) هذا هو الوجه الثاني من الوجوه، وهو مبنيٌّ على التمثيل، وهو الذي عناه صاحب ((المفتاح)) بقوله: التشبيه التمثيلي متى فشا استعماله على سبيل الاستعارة سمي مثلاً. والفرق بين هذا التمثيل والذي سبق في قوله: ((ختم))، هو أن في ذلك الاستعارة واقعةٌ في الختم فقط على سبيل التبعية، وهنا الاستعارة في الجملة برأسها، وإليه الإشارة بقوله:((أن تضرب الجملة كما هي مثلاً)). ثم هذا الوجه يقدر على ثلاثة أضربٍ:

أحدهما: أن تكون قلوبٌ موجودةٌ ختم الله تعالى عليها نحو قلوب الأغتام. الأساس: الغتمة: عجمةٌ في النطق، ورجلٌ أغتم وقوم غتمٌ وأغتام من الغتم، وهو الأخذ بالنفس.

وثانيهما: كذلك نحو قلوب البهائم.

وثالثهما: قلوبٌ مقدرةٌ ختمها لا وجود لها.

قوله: (ولا للعنقاء عملٌ في هلاكه) عن الميداني، قال الخليل: سميت عنقاء؛ لأنه كان في عنقها بياض كالطوق، ويقال: لطولٍ في عنقها. قال الكلبي: كان لأهل الرس نبيٌّ يقال له حنظلة بن صفوان، وكان بأرضهم جبلٌ مصعدة ميلٌ، وكانت تنتابه طائرةٌ كأعظم ما يكون لها عنقٌ طويلٌ فجاعت ذات يوم، وأعوزت الطير، فانقضت على صبيٍّ، فذهبت به فسميت ((عنقاء مغرب))، لأنها تغرب كل ما أخذته، ثم انقضت على جارية فشكوا ذلك إلى نبيهم،

ص: 136

من سال به الوادي، وفي طول غيبته بحال من طارت به العنقاء فكذلك مثلت حال قلوبهم فيما كانت عليه من التجافي عن الحق بحال قلوب ختم اللَّه عليها نحو قلوب الأغتام «1» التي هي في خلوّها عن الفطن كقلوب البهائم، أو بحال قلوب البهائم أنفسها، أو بحال قلوب مقدّر ختم اللَّه عليها حتى لا تعبى شيئا ولا تفقه، وليس له عز وجل فعل في تجافيها عن الحق ونبوّها عن قبوله، وهو متعال عن ذلك. ويجوز أن يستعار الإسناد في نفسه من غير اللَّه للَّه، فيكون الختم مسنداً إلى اسم اللَّه على سبيل المجاز. وهو لغيره حقيقة. تفسير هذا: أنّ للفعل ملابسات شتى يلابس. الفاعل والمفعول به والمصدر والزمان والمكان والمسبب له فإسناده إلى الفاعل حقيقة، وقد يسند إلى هذه الأشياء على طريق المجاز المسمى استعارة وذلك لمضاهاتها للفاعل

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فقال: اللهم خذها، واقطع نسلها، فأصابتها صاعقةٌ فاحترقت، فضرب بها العرب مثلاً وأنشد البحتري.

أتت دون ذاك الدهر أيام جرهمٍ

وطارت بذاك العيس عنقاء مغرب

قوله: (ويجوز أن يستعار) هذا هو الوجه الثالث وهو: أن يستعار إسناد الفعل من الفاعل الحقيقي لفاعلٍ غير حقيقي.

قوله: (في نفسه) أي: نفس الإسناد من غير النظر إلى المسند والمسند إليه، فإن كل واحدٍ منهما حقيقةٌ لا مجاز إلا في مجرد الحكم، كما يقال: أنبت الربيع البقل.

قوله: (وقد يسند إلى هذه الأشياء على طريق المجاز المسمى استعارة) وقد يختلج في بعض الخواطر أن معنى الاستعارة ها هنا ليس على حده، وذلك بأن يذكر أحد طرفي التشبيه، ويراد به الطرف الآخر، بل هو على حده وموقعه.

ص: 137

في ملابسة الفعل، كما يضاهي الرجل الأسد في جراءته فيستعار له اسمه؛ فيقال في المفعول به: عيشة راضية،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نعم، الفرق بين هذه الاستعارة وبين الاستعارة في المفرد، هو أن الاستعارة هناك واقعةٌ في الموضوع اللغوي واللفظ المفرد بسبب علاقة التشبيه، كما ترى بين الأسد والإنسان بسبب علاقة الجرأة الموجودة فيهما، وها هنا الاستعارة واقعةٌ في النسبة لدليلٍ عقلي بسبب التشبيه بين الفاعل الحقيقي والفاعل المجازي، فكما أن المستعار هناك لفظ الأسد للشجاع، كذلك في قولنا: أنبت الربيع البقل، المستعار إسناد الإنبات من الفاعل الحقيقي وهو الله عز وجل للفاعل المجازي وهو الربيع بسبب دوران الإنبات معه. قال صاحب المفتاح: مثل ما يرى الربيع في: ((أنبت الربيع البقل)) من نوع شبهٍ بالفاعل المختار من دوران الإنبات معه وجوداً وعدماً، ثم قال: وإن لم يكن هذا الشبه بين المذكور والمتروك كما لو قلت: أنبت الربيع البقل، نسبت إلى ما تكره)).

وإنما قلنا: إن نسبة الإنبات إلى الله على الحقيقة لما يتبادر إلى فهم الموحد من ذلك كما يتبادر إلى الفهم من لفظ الأسد الحيوان المفترس، فالطرف المتروك هنا إسناد الإنبات إلى الله والمذكور تعلق الربيع به، وهو حصوله في أوانه، ولذلك كان المقدر: أنبت الله البقل وقت الربيع، فقوله:((وذلك لمضاهاتها الفاعل)) تعليلٌ لجعل الإسناد استعارةً، أي: إنما جعلناه استعارةً لذلك، لأنه تقرر أن الاستعارة هي المجاز الذي العلاقة بينه وبين الحقيقة التشبيه.

ص: 138

و: ماء دافق، وفي عكسه: سيل مفعم. وفي المصدر: شعر شاعر، وذيل ذائل. وفي الزمان: نهاره صائم. وليله قائم. وفي المكان: طريق سائر، ونهر جار. وأهل مكة يقولون: صلى المقام. وفي المسبب: بنى الأمير المدينة، وناقة ضبوث وحلوب. وقال:

إذَا رَدَّ عَافِى الْقِدْرِ مَنْ يَسْتَعِيرُها

فالشيطان هو الخاتم في الحقيقة أو الكافر، إلا أنّ اللَّه سبحانه لما كان هو الذي أقدره ومكنه، أسند إليه الختم كما يسند الفعل إلى المسبب

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وفي عكسه سيل مفعمٌ) مفعم، بفتح العين، من: أفعم السيل الوادي: إذا ملأه، وإنما قال:((عكسه)) لأنه جعل في الأول المفعول فاعلاً، وفي هذا جعل الفاعل مفعولاً، فإن السيل يُفعِمُ ولا يُفعَمُ.

قوله: (ذيلٌ ذائلٌ)، الأساس: وذالت: الجارية وتذيلت: تبخترت ساحبةً ذيلها، وأذاله: أهانه، وذال بنفسه ذيلاً. وهو في ذيلٍ ذائل: في هوان شديد.

قوله: (ناقةٌ ضبوث))، الأساس: ضبث الشيء، وضبث عليه: إذا قبض عليه وجسه، ومن المجاز: ناقةٌ ضبوثٌ: يشك في سمنها فضبثت، وإنما جعلت ضابثةً لما بها من الداعي إلى الضبث، ومثله الحلوب والركوب.

قوله: (إذا رد عافي القدر من يستعيرها) أوله:

فلا تسأليني واسألي خليقتي

الخليقة: الخلق والطبيعة. عافي القدر: من العفوة والعفاوة وهي: ما يبقى في أسفل القدر من المرقة، وموضع ((عافي)) رفعٌ على الفاعلية، لأنه هو الذي يرد المستعير ويمنع المعير من إعارة القدر، والفاعل على الحقيقة صاحب القدر، وهكذا كانوا يفعلونه في تناهي القحط وشدة الزمان.

ص: 139

ووجه رابع؛ وهو أنهم لما كانوا على القطع والبت ممن لا يؤمن ولا تغنى عنهم الآيات والنذر، ولا تجدى عليهم الألطاف المحصلة ولا المقربة إن أعطوها؛ لم يبق - بعد استحكام العلم بأنه لا طريق إلى أن يؤمنوا طوعا واختياراً - طريق إلى إيمانهم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ووجهٌ رابع) تلخيصه: أنهم لما كانوا مصرين على الكفر متمكنين عليه، وما كان الطريق إلى الإيمان سوى القسر والإلجاء، فكنى عن ترك القسر والإلجاء بالختم، وهي من التلويحية: أن قوله تعالى: (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ)[البقرة: 7] على زعمه مشعرٌ بأن الله تعالى لم يقسرهم، ولم يلجئهم إلى الإيمان، وترك القسر والإلجاء مشعرٌ بأن القسر والإلجاء مقتضى حالهم؛ لأن الترك إنما كان لئلا ينتقض غرض التكليف، وهو حصول الاختيار للابتلاء، وإلا كان الحق أن يقسر؛ لأنه الطريق إلى إيمانهم. وكون القسر والإلجاء مقتضى حالهم، مشعرٌ بأن الآيات والنذر لا تغني عنهم، والألطاف لا تجدي عليهم، وكون الآيات والألطاف لا تنفعهم مشعرٌ بأن ترامي أمرهم في التصميم أقصى غاياته ومدى نهاياته، فانظر بين الكناية وبين المطلوب بها كم ترى من لوازم وملوحات!

قوله: (ولا تجدي عليهم الألطاف المحصلة ولا المقربة)، قال نجم الدين الزاهدي الخوارزمي في كتاب ((الصفوة)): اللطف في عرف المتكلمين: هو ما يختار عنده المكلف الطاعة تركاً وإتياناً. ثم إن اللطف إذا كان محصلاً للواجب يسمى توفيقاً، وإذا كان محصلاً لترك القبيح يسمى عصمةً، وإذا كان مقرباً من الواجب أو ترك القبيح يسمى لطفاً مقرباً.

قوله: (إن أعطوها) شرط، والجزاء ما دل عليه ما قبله. وقوله:((لم يبق)) جواب ((لما)) وقوله: ((بأنه لا طريق)) متصلٌ بالعلم، وقوله:((عبر)) جواب ((إذا)).

ص: 140

إلا القسر والإلجاء، وإذا لم تبق طريق إلا أن يقسرهم اللَّه ويلجئهم ثم لم يقسرهم ولم يلجئهم لئلا ينتقض الغرض في التكليف - عبر عن ترك القسر والإلجاء بالختم، إشعاراً بأنهم الذين ترامى أمرهم في التصميم على الكفر والإصرار عليه إلى حدّ لا يتناهون عنه إلا بالقسر والإلجاء،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وفي ((شرح مقامات المصنف)): الألطاف عند المتكلمين: هي المصالح، وهي الأفعال التي عندها يطيع المكلف أو يكون أقرب إلى الطاعة على سبيل الاختيار، ولولاها لم يطع أو لم يكن أقرب مع تمكنه في الحالين، والواحد لطف بضم اللام وسكون الطاء، وقد لطف الله بعبده يلطف، وأما الألطاف الهدايا، فالواحد لطفٌ بفتح اللام والطاء، قال:

كمن لنا عنده التكريم واللطف

والفعل منه: ألطف.

وقال أهل السنة والجماعة في مسألة خلق الأفعال: إن لله تعالى لطفاً لو فعل بالكفار لآمنوا اختياراً، غير أنه تعالى لم يفعل وهو في فعله متفضلٌ، وفي تركه عادلٌ، ولا يجب على الله تعالى الأصلح ولا الصلاح.

وقال الشيخ أبو القاسم القشيري في كتاب ((مفاتيح الحجج ومصابيح النهج)): اللطف قدوة الطاعة على الصحيح، ويسمى ما يقرب العبد إلى الطاعة ويوصل دواعيه إلى الخير أيضاً لطفاً، والتوفيق ما تتفق به الطاعة، وهو القدرة التي تصلح للطاعة، واختص هذا

ص: 141

وهي الغاية القصوى في وصف لجاجهم في الغى واستشرائهم في الضلال والبغي. ووجه خامس: وهو أن يكون حكاية لما كان الكفرة يقولونه تهكما بهم من قولهم: (قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ، وَفِي آذانِنا وَقْرٌ، وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ)[فصلت: 5]،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الاسم بما يتفق به الخير دون ما يتفق به الشر عرفاً شرعياً، والخذلان: قدرة المعصية، والحرمان قدرة الكفر، والله سبحانه وتعالى قادرٌ على ما لو فعل بالمؤمن لكفر، وعلى ما لو فعل بالكافر لآمن، وليس لأحدٍ عليه سبحانه وتعالى حقٌّ مستحق، وكل ما يفعله فمنه جميل.

قوله: (وهي الغاية)، الضمير عائدٌ إلى العبارة الدال عليها قوله:((عبر)) أو إلى التعبير، والتأنيث باعتبار الخبر.

قوله: (واستشرائهم) أي: لجاجهم، الأساس: استشرى في الأمر وفي العدو: لج فيه. وشري البرق: كثر لمعانه.

قوله: (ووجهٌ خامس) وحاصله: أنه تعالى حكى كلام الكفار على سبيل التهكم، فإن الكفرة لما قالوا:(قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إلَيْهِ وفِي آذَانِنَا وقْرٌ ومِنْ بَيْنِنَا وبَيْنِكَ حِجَابٌ)[فصلت: 5] فجيء بقوله: (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ)[البقرة: 7] معبراً عن كلامهم على سبيل التهكم والوعيد والتهديد، فقوله:(خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ) كقولهم: (قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إلَيْهِ) و (وَعَلَى سَمْعِهِمْ) كقولهم: (وفِي آذَانِنَا وقْرٌ) لأن الوقر في الأذن يمنع من نفوذ الصوت فيها، وقوله:(وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ) كقولهم: (ومِنْ بَيْنِنَا وبَيْنِكَ حِجَابٌ) فإن الغشاوة هي الحجاب. قيل: هذا الوجه أحسن الوجوه، ويقال: لأنه أسهل في استخراج المقصود، ولم يحتج إلى استفراغ القوى وبذل المجهود، وإلا فأين الثريا من الثرى، على ما يلزم منه فك الرابطة الاستئنافية في بيان الموجب بينها وبين الجملة السابقة.

ولله در القائل: ومستودعات هذا الفن لا تتضح إلا باستبراء خاطرٍ وقاد، ولا تنكشف جواهرها إلا لبصيرة ذي طبعٍ نقاد، ثم نقول: من رفع الختم عن تفسيره لختم الله، فقد حل له

ص: 142

ونظيره في الحكاية والتهكم قوله: (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَاتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ)[البينة: 1]. فإن قلت: اللفظ يحتمل أن تكون الأسماع داخلة في حكم الختم وفي حكم التغشية، فعلى أيهما يعوّل؟ قلت: على دخولها في حكم الختم لقوله تعالى: (وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ، وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً)[الجاثية: 23]،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الشروع في هذا الكتاب، وقد علم أنه من رجالٍ تصدوا لكشف الحجاب، وإلا فليترك القوس لباريها، وعند الله العلم بالصواب.

قوله: ((لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا)[البينة: 1])، قيل: كان الكفار من الفريقين: أهل الكتاب وعبدة الأوثان يقولون قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم: لا ننفك مما نحن عليه من ديننا ولا نتركه حتى يبعث النبي الموعود الذي هو مكتوبٌ في التوراة والإنجيل، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به، فحكى الله تعالى كلامهم كما كانوا يقولون على سبيل الوعيد والتهديد، ولو كان هذا ابتداء إخبارٍ من الله تعالى لكان الانفكاك متحققاً موجوداً عند مجيء الرسول صلى الله عليه وسلم.

قوله: (على دخولها في حكم الختم) قال القاضي: لأنهما لما اشتركا في الإدراك من جميع الجهات جعل ما يمنعهما من خاص فعلمهما الختم الذي يمنع من جميع الجهات، وإدراك الأبصار لما اختص بجهة المقابلة، جعل المانع لها عن فعلها الغشاوة المختصة بتلك الجهة.

ص: 143

ولوقفهم على سمعهم دون قلوبهم. فإن قلت: أىّ فائدة في تكرير الجارّ في قوله: (وَعَلى سَمْعِهِمْ)؟ قلت: لو لم يكرّر لكان انتظاما للقلوب والأسماع في تعدية واحدة وحين استجدّ للأسماع تعدية على حدة، كان أدل على شدة الختم في الموضعين. ووحد السمع كما وحد البطن في قوله:

كلوا في بعض بطنكم تعفوا

يفعلون ذلك إذا أمن اللبس. فإذا لم يؤمن كقولك: فرسهم، وثوبهم، وأنت تريد الجمع رفضوه. ولك أن تقول: السمع مصدر في أصله، والمصادر لا تجمع،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ووحد السمع)، المغرب: اسمع: الأذن، وأصله المصدر. قيل: وقد يطلق مجازاً على القوة الحالة في الغشاء المفترش عند الصماخ بها تدرك الأصوات، فعلى هذا الوجه المراد بالسمع الآلة، ولم يلمح فيه الأصل.

قوله: (كلوا في بعض بطنكم تعفوا) تمامه:

فإن زمانكم زمنٌ خميص

الخميص: الجائع، أي: ذو خمص كقوله: (عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ)[الحاقة: 21] يقال: عف يعف عفاًّ ومنه العفة، وهي الكف عما لا يحل. أي: اقتنعوا بالقليل من الطعام، تعفوا عن طلب الحرام، فإن زمانكم زمن الضيق والجذب، واستعمل البطن في موضع البطون إرادة بطن كل واحدٍ منهم، ويفعل ذلك إذا أمن اللبس مثل قولهم: سمعهم وقلبهم وبطنهم، فإن من المعلوم أن لكل واحدٍ منهم سمعاً واحداً، وقلباً وبطناً، وإذا خيف اللبس في مثل الثوب والفرس، فلابد في حال الجمع أن يجمع، لأنه لا يبعد أن يكون للجميع فرسٌ واحدٌ، أو ثوبٌ واحد.

ص: 144

فلمح الأصل. يدل عليه جمع الأذن في قوله: (وَفِي آذانِنا وَقْرٌ)[فصلت: 5]؛ وأن تقدّر مضافا محذوفا: أى وعلى حواس سمعهم. وقرأ ابن أبى عبلة: وعلى أسماعهم. فإن قلت: هلامنع أبا عمرو والكسائي من إمالة (أبصارهم) ما فيه من حرف الاستعلاء وهو الصاد؟ قلت: لأنّ الراء المكسورة تغلب المستعلية، لما فيها من التكرير كأن فيها كسرتين، وذلك أعون شيء على الإمالة وأن يمال له ما لا يمال. والبصر نور العين، وهو ما يبصر به الرائي ويدرك المرئيات. كما أن البصيرة نور القلب، وهو ما به يستبصر ويتأمل. وكأنهما جوهران لطيفان خلقهما اللَّه فيهما آلتين للإبصار والاستبصار. وقرئ (غشاوة) ........

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (يدل عليه)، أي: على لمح معنى المصدرية في اسم العضو قوله تعالى: (وفِي آذَانِنَا وقْرٌ)[فصلت: 5] حيث جمع الأذن لأنها ليست في الأصل مصدراً.

قوله: (وأن تقدر مضافاً محذوفاً)، فعلى هذا الوجه: السمع مصدرٌ وليس بمعنى الأذن كما في الوجهين الأولين، أي: على حواس هذه الحقيقة.

قوله: (وكأنهما جوهران لطيفان) الضمير راجعٌ إلى البصر والبصيرة، وفي ((فيهما)) إلى العين والقلب. وقوله:((آليتين))، إما حالٌ من مفعول ((خلقهما))، أو مفعولٌ ثانٍ له. فخلق بمعنى جعل. المعنى كأنه تعالى خلق في العين والقلب آليتين للإبصار والاستبصار، وهما النوران، شبه العرض بالجوهر في قوله:((كأنهما جوهران)) مبالغةً في كونهما مقصودين من العين والقلب.

قوله: (وقرئ: ((غشاوةً))) إلى آخره، القراءات كلها شواذ، والمشهورة (غِشَاوَةٌ) بكسر الغين المعجمة مع الألف بعد الشين والرفع، ولم يذكرها، وهو على وزن فعالة.

قال الزجاج: كل ما اشتمل عليه الشيء مبنيٌّ على فعالةٍ نخو العمامة والقلادة، وكذلك أسماء الصناعات، فإن الصناعة مشتملةٌ على كل ما فيها نحو الخياطة والقصارة، وكذلك ما استولى على اسمٍ، فاسم ما استولى عليه: الفعالة؛ نحو الحلاقة والإمارة.

ص: 145

بالكسر والنصب. و (غشاوة) بالضم والرفع. و (غشاوةً) بالفتح والنصب، وغشوة: بالكسر والرفع. و (غشوةٌ) بالفتح والرفع والنصب، و (عشاوة) بالعين غير المعجمة والرفع، من العشا. والعذاب: مثل النكال بناء ومعنى لأنك تقول: أعذب عن الشيء، إذا أمسك عنه. كما تقول: نكل عنه. ومنه العذب لأنه يقمع العطش ويردعه، بخلاف الملح فإنه يزيده، ويدل عليه تسميتهم إياه نقاخا لأنه ينقخ العطش، أي: يكسره؛ وفراتاً؛ لأنه يرفته على القلب، ثم اتسع فيه فسمي كل ألم فادح عذاباً وإن لم يكن نكالاً، أى: عقاباً يرتدع به الجاني عن المعاودة.

والفرق بين العظيم والكبير، أن العظيم نقيض الحقير، والكبير نقيض الصغير،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

و(غِشَاوَةٌ) بالرفع على الابتداء عند سيبويه، وعلى إعمال الظرف عند الأخفش، ويؤيد الثاني العطف على الجملة الفعلية، أي: واستقر على أبصارهم غشاوة. ومن قرأ بالنصب فعلى تقدير: وجعل على أبصارهم غشاوة، وأما العشاوة بالعين المهملة، فمن قولهم: عشى يعشى، إذا صار أعشى، وعشا يعشو: إذا جعل نفسه كأنه أعشى، قال تعالى:(ومَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ)[الزخرف: 36].

قوله: (لأنك تقول) تعليلٌ للمعنى، لأن البناء ظاهرٌ، وإنما كان مثله في المعنى؛ لأن النكول ارتداعٌ عما يراد الإقبال إليه، كما أن العذاب يردع الجاني عن المعاودة إلى الجناية.

قوله: (يرفته)، الأساس: رفت الشيء: فته بيده كما يرفت المدر والعظم البالي.

قوله: (كل ألمٍ فادحٍ عذاباً)، الأساس: فدحني، أثقلني، ونزل بهم خطبٌ فادح.

ص: 146

فكأن العظيم فوق الكبير، كما أن الحقير دون الصغير. ويستعملان في الجثث والأحداث جميعاً، تقول: رجل عظيم وكبير، تريد جثته أو خطره.

ومعنى التنكير أن على أبصارهم نوعا من الأغطية غير ما يتعارفه الناس، وهو غطاء التعامي عن آيات اللَّه. ولهم من بين الآلام العظام نوع عظيم لا يعلم كنهه إلا اللَّه.

اللهم أجرنا من عذابك ولا تبلنا بسخطك يا واسع المغفرة.

[(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ* يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ* فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ)].

افتتح سبحانه بذكر الذين أخلصوا دينهم للَّه وواطأت فيه قلوبهم ألسنتهم ووافق سرهم علنهم وفعلهم قولهم. ثم ثنى بالذين محضوا الكفر ظاهراً وباطناً قلوبا وألسنة. ثم ثلث

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقال السجاوندي: العذاب: إيصال الألم إلى الحي مع الهوان، فإيلام الأطفال والبهائم ليس بعذاب.

[قوله]: (فكان العظيم فوق الكبير) الفاء جوابٌ لشرطٍ محذوف، يعني: إذا كان الحقير مقابلاً للعظيم، والصغير للكبير؛ يلزم أن يكون العظيم فوق الكبير؛ لأن العظيم لا يكون حقيراً؛ لأن الضدين لا يجتمعان، والكبير قد يكون حقيراً كما أن الصغير قد يكون عظيماً؛ لأن كلا منهما ليس بضد للآخر. قال:

وبضدها تتبين الأشياء

ص: 147

بالذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم وأبطنوا خلاف ما أظهروا وهم الذين قال فيهم: (مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ، لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ)[النساء: 143]، وسماهم المنافقين، وكانوا أخبث الكفرة وأبغضهم إليه وأمقتهم عنده لأنهم خلطوا بالكفر تمويهاً وتدليساً، وبالشرك استهزاء وخداعا. ولذلك أنزل فيهم (إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ) ووصف حال الذين كفروا في آيتين، وحال الذين نافقوا في ثلاث عشرة آية، نعى عليهم فيها خبثهم ونكرهم،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (آمنوا بأفواههم) أي: أظهروا كلمة الإيمان وهو المراد من قوله: (ءَامَنَّا) وقوله: (ولم تؤمن قلوبهم)[المائدة: 41] أي: لم يكن ذلك القول عن تصديق القلب، لأن مكان التصديق القلب لقوله تعالى:(كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمَانَ)[المجادلة: 22] وهو المراد من قوله: (وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ)[البقرة: 8].

اعلم أن الإيمان إن كان مجرد التصديق بالجنان، فنسبته إلى القلب حقيقة، وإلى غيره مجاز، ومن ثم فسرنا قوله ((آمنوا بأفواههم)) بقولنا: أظهروا كلمة الإيمان، وإن كان مجموع التصديق والأعمال، فنسبته إلى الشخص حقيقةٌ وإلى بعض الجوارح مجاز.

قوله: (تمويهاً) هو من: موهت الشيء: طليته بذهبٍ أو فضةٍ، والتدليس في البيع كتمان عيب السلعة عن المشتري.

قوله: (نعى عليهم فيها خبثهم) أي: شنع عليهم قولهم: (آمَنَّا بِاللَّهِ) والحال أنهم غير مؤمنين ((ونكرهم)) أي: دهاءهم، وذلك أنهم ادعوا مع الإيمان بالله الإيمان باليوم الآخر لقوله بعد هذا:((إفراطهم في الخبث وتماديهم في الدعارة)).

قوله: (ونكرهم) بالضم والفتح، الجوهري: يقال للرجل إذا كان فطناً منكراً: ما أشد نكره، بالفتح والضم.

ص: 148

وفضحهم وسفههم، واستجهلهم، واستهزأ بهم، وتهكم بفعلهم، وسجل بطغيانهم، وعمههم ودعاهم صما بكما عمياً، وضرب لهم الأمثال الشنيعة. وقصة المنافقين عن آخرها معطوفة على قصة الذين كفروا كما تعطف الجملة على الجملة. وأصل (ناس) أناس، حذفت همزته تخفيفاً كما قيل: لوقة، في ألوقة. وحذفها مع لام التعريف كاللازم لا يكاد يقال الأناس. ويشهد لأصله إنسان وأناس وأناسى وإنس. وسموا لظهورهم وأنهم يؤنسون أى يبصرون، كما سمى الجنّ لاجتنانهم. ولذلك سموا بشراً. ووزن ناس فعال لأن الزنة على الأصول. ألا تراك تقول في وزن «قه»: ........

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وفضحهم) عطفٌ على قوله: ((نعى عليهم فيها خبثهم ونكرهم)) على سبيل البيان، لأن إظهار خبثهم ونكرهم هي الفضيحة نفسها.

قوله: (وسفههم) أي: سماهم سفهاء في قوله: (أَلا إنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ)[البقرة: 13]((واستجهلهم))، أي: نسبهم إلى الجهل في قوله: (وَلَكِن لاَّ يَعْلَمُونَ)(وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ)، ((واستهزأ بهم)) في قوله:(اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ)، ((وسجل بطغيانهم)) حيث أضاف الطغيان إليهم.

قوله: (كما تعطف الجملة على الجملة) يحتمل وجهين:

أحدهما: أن تعطف من حيث حصول مضمون الجملتين في الوجود.

وثانيهما: أن الجهة الجامعة بين من محض الكفر ظاهراً وباطناً، وبين من أظهر الإيمان وأبطن الكفر: التوافق في الكفر.

قوله: (لوقة، في ألوقة) الألوقة: طعامٌ من زبدٍ، قال ابن الكلبي: هو الزبد والرطب، وأنشد:

وإني لمن سالمتم لألوقةٌ

وإني لمن عاديتم سم أسود

ص: 149

افعل؟ وليس معك إلا العين وحدها؟ وهو من أسماء الجمع كرخال. وأما نويس فمن المصغر الآتي على خلاف مكبره كأنيسيان ورويجل. ولام التعريف فيه للجنس. ويجوز أن تكون للعهد، والإشارة إلى الذين كفروا المارّ ذكرهم كأنه قيل: ومن هؤلاء من يقول. وهم عبد اللَّه بن أبىّ وأصحابه ومن كان في حالهم من أهل التصميم على النفاق. ونظير موقعه موقع القوم في قولك: نزلت ببني فلانٍ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (من أسماء الجمع) الفرق بين الجمع الحقيقي وبين اسم الجمع: أن اسم الجمع في حكم الإفراد، بدليل جواز التصغير فيه، ولا يجوز تصغير الجمع الحقيقي إذا كان جمع الكثرة. مثال اسم الجمع: ركبٌ، وسفرٌ، وصحبٌ، يجوز أن يقال: ركيبٌ، سفيرٌ، صحيبٌ، ولا يجوزون في جمع الكثرة، بل يجب أن يرد إلى واحده أو إلى جمع قلته إن وجد.

قوله: (كرخالٍ)، الجوهري: الرخل بكسر الخاء: الأنثى من أولاد الضأن، والذكر حملٌ والجمع رخال، يريد أن وزن أناسٍ كوزن رخالٍ لا أنه جمعٌ مثله لأنه قال في ((الأعراف)) في قوله تعالى:(قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ)[الأعراف: 160] الأناس: اسم جمعٍ غير تكسيرٍ نحو رخال.

قوله: (ونظير موقعه) يعني: أن اللام في الناس للجنس وهو المختار، ويجوز أن يكون للعهد الخارجي التقديري، فإن قوله:(إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ)[البقرة: 6] في معنى الناس؛ لأن الواجب في العهد الخارجي أن يكون هناك ما يشار إليه، وهو إما تحقيقيٌّ كقوله تعالى:(كَمَا أَرْسَلْنَا إلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً (15) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ) [المزمل: 15 - 16] أو تقديريٌّ: وهو إما أن يكون في الكلام ما يدل عليه كما في الآية والمثال، لأن بني فلانٍ في معنى القوم، أو يكون

ص: 150

فلم يقروني والقوم لئام. و"من" في (مَنْ يَقُولُ) موصوفة، كأنه قيل: ومن الناس ناس يقولون كذا، كقوله (من المؤمنين رجال) [الفتح: 25]؛ إن جعلت اللام للجنس. وإن جعلتها للعهد فموصولة، كقوله:(وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ)[التوبة: 61]. فإن قلت: كيف يجعلون بعض أولئك والمنافقون غير المختوم على قلوبهم؟ قلت: الكفر جمع الفريقين معاً وصيرهم جنساً واحداً. وكون المنافقين نوعا من نوعي هذا الجنس - مغايراً للنوع الآخر بزيادة زادوها على الكفر الجامع بينهما من الخديعة والاستهزاء - لا يخرجهم من أن يكونوا بعضا من الجنس فإن الأجناس إنما تنوّعت لمغايرات وقعت بين بعضها وبعض. وتلك المغايرات إنما تأتى بالنوعية ولا تأبى الدخول تحت الجنسية. فإن قلت: لم اختص بالذكر الإيمان باللَّه والإيمان باليوم الآخر؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بين المتكلم والمخاطب حصةٌ معهودةٌ من جنسٍ كقوله تعالى: (إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) إذا أريد به أبو جهلٍ والمغيرة.

قال صاحب ((الفرائد)): الوجه أن يكون اللام للعهد ولا وجه أن يكون للجنس؛ لأن (مِنَ النَّاسِ) خبر (مَن يَقُولُ)، فلو كان للجنس لكان المعنى: من يقول من الناس، والظاهر أنه لا فائدة فيه. وأما إن كانت للعهد، فمعناه: ومن الناس المذكورين جماعةٌ يقولون كذا، ولم يلزم أن تكون موصولةً في العهد بل يجوز كلاهما.

وكذا قال صاحب ((التقريب)): يحتمل ((من)) أن تكون موصولةً إن جعل التعريف للجنس، وموصوفةً إن جعل للعهد. ومنع بعضهم أن يكون للعهد و ((من)) موصولةً، وقال: بل اللام للجنس و ((من)) موصوفة، فإن المراد ب ((الذين كفروا)) الذين محضوا الكفر ظاهراً وباطناً، وبينهم وبين المنافقين تنافٍ، فلم يكونوا نوعاً تحت ذلك الجنس، وكيف وقد حكم على أولئك بالختم على القلوب وغيره، فعلم كفرهم الأصلي، وعلى هؤلاء بقوله:(أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى)[البقرة: 16] وأشار إلى تمكنهم من الهدى وتنور فطرتهم.

وقلت: إن التفصي عن هذا المقام لا يستتب إلا ببيان كيفية نظم الآيات، فإنه محك

ص: 151

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

البلاغة، ومنتقد البصيرة، ومضمار النظار ومتفاضل الأنظار، ولا يهتدي إليه من ديدنه المجادلة ودأبه المماراة، ولم يتكلم عن مقتضى الحال، ولم يعين لكل مقامٍ مقالاً، وليس كل ما يصح تقديره بحسب اللغة أو النحو يعتبر عند علماء هذا الفن، فإن ذلك قد يعد من النعيق في بعض المقامات؛ ألا ترى إلى المصنف في سورة ((طه)) في قوله تعالى:(أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ)[طه: 39] كيف بالغ فيه حيث قال: ((حتى لا تفرق الضمائر، فيتنافر عليك النظم الذي هو أم إعجاز القرآن، والقانون الذي وقع عليه التحدي، ومراعاته أهم ما يجب على المفسر)) وفي سورة ((الحاقة)) في قوله: (فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ* وأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ)[الحاقة 5 - 6] كيف ذهب إلى أن المعني بقوله: ((بالطاغية)) بالواقعة المجاوزة للحد في الشدة ليطابق قوله: (بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ)، وعدل عن حمله على المصدر، وأنه الظاهر؛ لأن الطاغية كالعافية، أي: بطغيانهم، لأن الواجب رعاية حسن النظم بين آي التنزيل. وكم له أمثال ذلك! فالواجب على من يخوض في هذا الكتاب، لا سيما في كتاب الله المجيد، أن يستوعب معرفة جميع المقامات، وجميع خواص التراكيب لينزل كلاًّ في مقامه.

إذا علم هذا فنقول: إذا كان النظم هو ما ذكر افتتح سبحانه وتعالى بذكر الذين أخلصوا دينهم لله تعالى، ثم ثنى بذكر الذين محضوا الكفر ظاهراً وباطناً، وثلث بالذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، فالواجب حمل التعريف في الأقسام الثلاثة: إما على الجنس بأسرها، وإما على العهد برمتها، وإذا حمل على الجنس فلا يجوز أن يقال:((من)) في (مَن يَقُولُ) موصولةٌ كما قال أبو البقاء: هذه الآيات استوعبت أقسام الناس، فالآيات الأول تضمنت ذكر المخلصين في الإيمان، وقوله:(إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) تضمن من أبطن الكفر وأظهره، وهذه الآية تضمنت ذكر

ص: 152

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

من أظهر الإيمان وأبطن الكفر، و ((من)) للتبعيض، و ((مَنْ)) نكرةٌ موصوفةٌ، ويضعف أن تكون بمعنى ((الذي)) لأن الذي يتناول قوماً بأعيانهم، والمعنى ها هنا محتملةٌ للجنس كما في (إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) [البقرة: 6]، فيلزم الإبهام أيضاً.

قلت: الموصوفة نصٌّ في الشياع، بخلاف الموصولة لاحتمال الأمرين فيها، وبيان الظاهر إيقاعه الموصولة في مقابلة الموصوفة، وكذا قوله قبيل هذا:((ومن هؤلاء من يقول: وهو عبد الله ابن أبي وأصحابه)). بقي أن يقال: فما معنى قوله: ((ومن الناس من يقول)) وأي فائدة فيه؟ فيقال: إنه تعالى نظم الآيات الثلاث في سلكٍ واحدٍ، لكن خص كل صنفٍ بفنٍّ من الفنون، لا سيما خص هذا الصنف بمبالغاتٍ وتشديداتٍ لم يخص الصنفين بها كما قرره المصنف، وأبرز أيضاً نفس التركيب إبرازاً غريباً حيث قدم الخبر على المبتدأ، وأبهمه غاية الإبهام، ونكر المبتدأ ووصفه بصفاتٍ عجيبةٍ ليشوق السامع إلى ذكر ما بعده من قبائحهم ونكرهم نعياً عليهم، وتعجيباً من شأنهم. يعني: انظروا إلى هؤلاء الخبثة، وقبيح ما ارتكبوه كيف اختصموا من بين سائر الناس بما لم يرض العاقل أن ينتسب إليه! نعم، لم يفد شيئاً أن لو أريد مجرد الإخبار، ونظيره قوله تعالى:(مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ)[الأحزاب: 23] أي: امتاز من بين سائر المؤمنين بهذه المناقب الشريفة رجالٌ كرماءٌ، فدل التنكير في ((رجال)) على تعظيم جانبهم كما دل الإبهام في (مَن يَقُولُ) على خلاف ذلك ها هنا.

وأما إذا حمل التعريف في الناس على العهد فيقال: المراد بالمتيقن من شاهد حضرة الرسالة من الصحابة المنتجبين، وينصره تقدير إرادة أهل الكتاب، أعني عبد الله بن سلامٍ وأصحابه من قوله تعالى:(وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ)[البقرة: 4] معطوفاً على

ص: 153

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ)[البقرة: 3] فعلى هذا يحمل قوله تعالى: (إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) على قومٍ بأعيانهم كأبي جهل وأبي لهب والوليد وأضرابهم، وأن يراد بقوله:(وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا)[البقرة: 8] عبد الله بن أبي ومعتب بن قشير وجد بن قيسٍ وأشباههم، فلا وجه إذن لقول من قال: ويحتمل أن تكون موصوفةً إن جعلت التعريف للعهد، لأن المراد بقوله:(مَن يَقُولُ) حينئذٍ قومٌ بأعيانهم وأشخاصهم كعبد الله بن أبي وأصحابه، فكيف تجعل موصوفةً، لأن ((من)) نكرةٌ والقوم معهودون!

ثم إني بعد برهةٍ من الزمان وقفت على ما أشار إليه المصنف في قوله تعالى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْدًا مَّمْلُوكًا لاَّ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ ومَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا) الآية [النحل: 75] بقوله ((الظاهر أن ((من)) موصوفة، كأنه قيل: وحرًّا رزقناه؛ ليطابق (عَبْدًا)، ولا يمتنع أن تكون موصولة))، يريد أن الآية من باب التضاد، فالظاهر أن تراعى المطابقة من كلمات القرينتين، فإذا قلت: عبداً مملوكاً والحر الذي رزقناه؛ ذهبت المطابقة وفاتت الطلاوة، فلا يذهب إليه إلا الكز الجافي الغليظ الجاسي.

وأما الجواب عن قول من قال: بينهم وبين المنافقين تنافٍ، فهو عين ما ذكره المصنف في الجواب عن سؤاله ((كيف يجعلون بعض أولئك والمنافقون غير المختوم على قلوبهم))؛ لأن هذا السؤال واردٌ على قوله:((ويجوز أن تكون للعهد والإشارة إلى الذين كفروا المار ذكرهم كأنه قيل: ((ومن هؤلاء من يقول))، والمار ذكرهم على ما سبق في الكتاب: أبو لهبٍ وأبو جهلٍ والوليد بن المغيرة وأضرابهم، فإذا جعل التعريف في الناس للمعهودين و (مَن يَقُولُ) يكون بعضاً منهم، لزم أن يكونوا في حكمهم في كونهم مختوماً على قلوبهم، وليس كذلك لما ذكر من قوله:((افتتح سبحانه بذكر المخلصين، ثم ثنى بذكر الذين محضوا الكفر ظاهراً وباطناً، وثلث بالذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم)) وإليه الإشارة بقوله: ((والمنافقون غير المختوم على قلوبهم)).

ص: 154

قلت: اختصاصهما بالذكر كشف عن إفراطهم في الخبث،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وأجاب: أن ((الكفر جمع الفريقين معاً)) إلى آخره، يعني: كون هؤلاء مخصوصين بحكم النفاق لا يخرجهم من جنس المصممين، بل يفيد تميزهم عنهم بما لم يتصفوا به، وإليه الإشارة بقوله:((بزيادةٍ زادوها على الكفر الجامع بينهما))، فالتعريف في قوله:((الكفر جمع الفريقين معاً)) وقوله: ((الكفر الجامع بينهما)) للعهد وهو الكفر الخاص، لأنه جنسٌ أيضاً باعتبار النوعين، وهذا من فصيح الكلام ووجيزه؛ لأن الجنس إذا أطلق شاع في جميع متناولاته إن لم تنتهض قرينةٌ على إرادة البعض، فإذا حصلت القرينة قيدت، فإذا كررت كرر، فإنه تعالى لما قال:(إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) تناول جميع الفرق من الكفرة، فقيد بقوله:(سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ) بالمصممين، ثم قيده مرةً أخرى مع ذلك القيد بقوله:(وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ). ونحوه قول الأصوليين: يجوز تخصيص ما بقي غير محصور، وكيف لا يكون المنافقون مختوماً على قلوبهم، وقد صح المصنف بعد هذا في قوله:(ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ)[البقرة: 17]! والأوجه أن يراد الطبع بقوله: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ)[البقرة: 18].

ثم إني عثرت بعد هذا التقرير على كلامٍ من جانب الإمام أفضل المتأخرين القاضي ناصر الدين- تغمده الله برضوانه- ما شد بعضده، قال: واللام فيه للجنس و ((مَنْ) موصوفةٌ إذ لا عهد، فكأنه قال: ومن الناس ناسٌ يقولون، وقيل: للعهد، والمعهودون: هم الذين كفروا، و ((مَنْ)) موصولةٌ مرادٌ بها ابن أبيًّ وأصحابه ونظراؤه، فإنهم من حيث إنهم صمموا على النفاق دخلوا في عداد الكفار المختوم على قلوبهم، واختصاصهم بزيادةٍ زادوها على الكفر لا يأبى دخولهم في هذا الجنس، فإن الأجناس إنما تتنوع بزياداتٍ تختلف فيها أبعاضها.

قوله: (اختصاصهما)، فاعله: الله، يعني: إنما خصهما بالذكر من بين سائر قبائحهم للكشف عن إفراطهم في الخبث.

ص: 155

وتماديهم في الدعارة لأن القوم كانوا يهوداً، وإيمان اليهود باللَّه ليس بإيمان، لقولهم:(عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ)[التوبة: 30]، وكذلك إيمانهم باليوم الآخر، لأنهم يعتقدونه على خلاف صفته، فكان قولهم:(آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ) خبثاً مضاعفاً، وكفراً موجهاً، لأن قولهم هذا لو صدر عنهم لا على وجه النفاق وعقيدتهم عقيدتهم، فهو كفر لا إيمان. فإذا قالوه على وجه النفاق خديعة للمسلمين واستهزاء بهم، وأروهم أنهم مثلهم في الإيمان الحقيقي، كان خبثا إلى خبث، وكفراً إلى كفر. وأيضا فقد أوهموا في هذا المقال أنهم اختاروا الإيمان من جانبيه، واكتنفوه من قطريه، وأحاطوا بأوّله وآخره

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (في الدعارة) أي: الفسق والخبث. الجوهري: يقال: هو خبيثٌ داعرٌ بين الدعر والدعارة.

قوله: (موجهاً) أي: ذا وجهين. الأساس: ومن المجاز: كساءٌ موجهٌ: له وجهان. وأحدب موجهٌ له حدبتان من خلفٍ وقدام؛ لأنهم أظهروا في هاتين المسألتين ما يخالف اعتقادهم؛ لأنهم قالوا: عزيرٌ ابن الله، والآخرة لا يكون فيها إلا تلذذ الأرواح بالروائح العبقة وما شاكل ذلك، فلما علموا أن عمدة ما ينكره المسلمون عليهم هو هذان الأمران، تعرضوا لهما وصرحوا بالاعتراف بهما مع أنهم باقون على اعتقادهم الأصلي، وغرضهم إجراء أحكام المسلمين عليهم وكان ذلك غاية دهائهم ومكرهم.

قوله: (وأيضاً): ابن السكيت: هو مصدر قولك: آض يئيض أيضاَ، أي: عاد، وإذا قال: فعلت ذاك أيضاً، قلت: قد أكثرت من أيضٍ.

قوله: (وأيضاً فقد أوهموا) عطفٌ على جواب ((إذا)) وهو ((كان خبثاً إلى خبثٍ)) أي: إذا قالوه على وجه النفاق كان خبثاً مضاعفاً مع إيهام أنهم أحاطوا بالإيمان من جانبيه.

ص: 156

وفي تكرير الباء أنهم ادعوا كل واحد من الإيمانين على صفة الصحة والاستحكام. فإن قلت: كيف طابق قوله: (وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ) قولهم (آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ) والأول في ذكر شأن الفعل لا الفاعل، والثاني في ذكر شأن الفاعل لا الفعل؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وفي تكرير الباء) وذلك أن في العطف على المظهر المجرور لا يجب إعادة الجار كما في المضمر نحو: مررت به وبعمروٍ، فكرر ها هنا ليؤذن بالاستقلال والأصالة.

قوله: (كيف طابق) تقرير السؤال: أن قولهم: ((آمنا)) مسوقٌ لذكر شأن الفعل، أي: أحدثنا الإيمان، وليس في شأن الفاعل، فلما كان الدعوى في إحداث الإيمان أتوا بجملةٍ فعليةٍ، ولو كان في شأن الفاعل لقيل: نحن آمنا، وحدنا دون غيرنا، فكيف طابقه قوله:(وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ) وأنه في ذكر شأن الفاعل لإيلاء ضمير الفاعل حرف النفي، وقد أجمعوا على أنه يفيد التخصيص. قال المصنف في تفسير قوله تعالى:(ومَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيز)[هود: 91]: دل إيلاء الضمير حرف النفي على أن الكلام واقعٌ لا في الفعل، كأنه قيل: وما أنت علينا بعزيزٍ بل رهطك هم الأعزة عندنا.

وذكر صاحب ((المفتاح)): ويحترز أن يقال: ما أنا ضربت إلا زيداً، لأن نقض النفي ب ((إلا)) يقتضي أن تكون قد ضربته، وتقديمك ضميرك وإيلاؤك حرف النفي يقتضي أن تكون قد ضربته. ونقل أن ظاهر كلام الشيخ عبد القاهر على أن في ما يليه حرف النفي القطع بأنه يفيد التخصيص مضمراً كان أو مظهراً، معرفاً أو منكراً.

ص: 157

قلت: القصد إلى إنكار ما ادعوه ونفيه، فسلك في ذلك طريق أدّى إلى الغرض المطلوب. وفيه من التوكيد والمبالغة ما ليس في غيره، وهو إخراج ذواتهم وأنفسهم من أن تكون طائفة من طوائف المؤمنين؛ لما علم من حالهم المنافية لحال الداخلين

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (القصد إلى إنكار ما ادعوه) وحاصله: أن التركيب وإن دل على الاختصاص لكن ها هنا ما يأبى أن يحمل عليه، لأنه واردٌ في إنكار ما ادعوه؛ وذلك أن المنافقين ادعوا أنهم اختاروا الإيمان بجانبيه، وأحاطوا بأوله وآخره حيث خصوا ذكر الإيمان بالله واليوم الآخر من بين خصاله، وادعوا الاستحكام والتأكيد مع ذلك، حيث كرروا ذكر الباء، وما ادعوا أنهم اختصوا بهما دون سائر الناس، لينكر عليهم دعوى الاختصاص، فوجب المصير إلى التأويل والحمل على الكناية الإيمائية ليفيد التأكيد ويحصل التطابق.

بيانه: أنه تعالى لما أولى الضمير حرف النفي وحكم عليهم بأنهم ليسوا بمؤمنين، وكان ذلك جواباً عن دعوتهم أنهم اختاروا الإيمان بجانبيه على صفة الإحكام، دل على إخراج ذواتهم وأنفسهم من أن يكونوا طائفةً من طوائف المؤمنين، وإذا شهد عليهم بذلك لزم نفي ما ادعوه على سبيل البت والقطع.

وقلت: هذا إنما يصح لو قيل: وما هم من المؤمنين؛ إذ ليس قوله: وما هو بمؤمنٍ مثل ما هو من المؤمنين، لكن الأول أبلغ؛ لأنه نفيٌ لأصل الإيمان، والثاني نفيٌ للكمال.

ويمكن أن يجري الكلام على التخصيص، وأن يكون الكلام في الفاعل، ويكون موقع السؤال قول المصنف:((وأروهم أنهم مثلهم في الإيمان الحقيقي)) وذلك لما ادعوا أنهم يوافقون المسلمين في المسألتين، وأن إيمانَهم كإيمانِهم قيل:(وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ) على قصر الإفراد؛ لأنهم ادعوا الشركة في الإيمانين الحقيقيين فردوا باختصاص المؤمنين بهما دونهم، كقوله تعالى:(ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهُمْ لَمِنكُمْ ومَا هُم مِّنكُمْ)[التوبة: 59]. والمقام يساعد هذا التقرير دون الأول، وذلك أن سياق الكلام لبيان خبث المنافقين ودعارتهم كما ذكر، فإذا ادعوا رفع المخالفة من البين، ارتفع المنازعة، وإنما المنازعة بينهما في هاتين المسألتين أقوى من سائر المسائل، وادعاء

ص: 158

في الإيمان. وإذا شهد عليهم بأنهم في أنفسهم على هذه الصفة، فقد انطوى تحت الشهادة عليهم بذلك نفى ما انتحلوا إثباته لأنفسهم على سبيل البت والقطع. ونحوه قوله تعالى:(يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها)[المائدة: 37]، هو أبلغ من قولك: وما يخرجون منها. فإن قلت: فلم جاء الإيمان مطلقا في الثاني وهو مقيد في الأوّل؟ قلت: يحتمل أن يراد التقييد ويترك لدلالة المذكور عليه، وأن يراد بالإطلاق أنهم ليسوا من الإيمان في شيء قط، لا من الإيمان باللَّه وباليوم الآخر،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حصولهما أدعى لرفع المخالفة، فكان اختصاصهما أهم من غيرهما. ألا ترى إلى قول الفقهاء: الفلسفي إذا قال: أشهد أن الباري علة الموجودات أو مبدؤها أو سببها، ولم يكن ذلك إيماناً حتى يقر بأنه مخترع ما سواه ومحدثه بعد أن لم يكن. ذكره شارح ((اللباب)).

وأما تشبيه التركيب بقوله: (يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ ومَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا)[المائدة: 37] فصحيحٌ، ولكن لا يتم به غرضه، وذلك أن قوله:(آمَنَّا) نحو: (يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُوا) وأن قوله: (وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ) نحو قوله: (ومَا هُم بِخَارِجِينَ) ولكن قوله: (ومَا هُم بِخَارِجِينَ) نصٌّ في الاختصاص كما سيأتي بيانه في موضعه.

قوله: (ما انتحلوا)، الأساس: قال شعراً فنحله غيره، وانتحل شعر غيره: إذا ادعاه لنفسه.

قوله: (يحتمل أن يراد التقييد) حاصل الجواب: إنما حذف المفعول لدلالة المذكور عليه، أو حذف لتعم الفائدة، ولئلا يقصره السامع على ما يذكر معه، ويحتمل أن ينزل منزلة اللازم نحو: فلانٌ يعطي ويمنع.

قوله: (قط)، الجوهري: إذا كانت بمعنى ((حسب)) وهو الاكتفاء فهي مفتوحةٌ ساكنةٌ الطاء، تقول: رأيته مرةً واحدةً فقط، وقط بضم الطاء معناها الزمان، يقال: ما رأيته قط.

ص: 159

ولا من الإيمان بغيرهما. فإن قلت: ما المراد باليوم الآخر؟ قلت: يجوز أن يراد به الوقت الذي لا حدّ له وهو الأبد الدائم الذي لا ينقطع، لتأخره عن الأوقات المنقضية. وأن يراد الوقت المحدود من النشور إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، لأنه آخر الأوقات المحدودة الذي لا حدّ للوقت بعده. والخدع: أن يوهم صاحبه خلاف ما يريد به من المكروه. من قولهم: ضب خادع وخدع، إذا أمر الحارش يده على باب جحره أو همه إقباله عليه ثم خرج من باب آخر. فإن قلت: كيف ذلك ومخادعة اللَّه والمؤمنين لا تصح لأن العالم الذي لا تخفى عليه خافية لا يخدع، والحكيم الذي لا يفعل القبيح لا يخدع، والمؤمنون وإن جاز أن يخدعوا لم يجز أن يخدعوا.

ألا نرى إلى قوله:

واسْتَمْطَرُوا مِنْ قُرَيْشٍ كلَّ مُنْخدِعِ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (أن يراد به الوقت الذي لا حد له) يريد أن اليوم هنا: الوقت. وهو إما أن يعبر به عن الوقت الذي لا انقضاء له وبإزائه الوقت الذي له انقضاءٌ، وهو الأيام الدنيوية، وأوان البرزخ، وأوان النشور لفصل القضاء ولتعاقبه إياها سمي باليوم الآخر، وأن يعبر به عن الوقت المحدد، أي: الذي عينه الله تعالى بقوله: (فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ)[المعارج: 4]، وسمي باليوم الآخر لكونه آخر الأيام المنقضية ومن جملتها، وتلك محدودةٌ في علمه الخاص.

قوله: (والخدع أن يوهم صاحبه خلاف ما يريد به من المكروه) وزاده القاضي: لينزله عما هو بصدده. وقال الإمام: إظهار ما يوهم السلامة، وإبطان ما يقتضى الإضرار بالغير أو التخلص منه. يشير إلى أن تعريفه ليس بجامعٍ، ولعل قوله:((من المكروه)) يشمل تخلصه منه؛ لأن العدو يكره خلاص عدوه، وفي قوله:((ثم خرج من بابٍ آخر)) رمزٌ إليه.

قوله: (واستمطروا من قريشٍ كل منخدعٍ) تمامه:

إن الكريم إذا خادعته انخدعا

ص: 160

وقول ذي الرمّة:

إنَّ الحَليمَ وذَا الإِسْلامِ يُخْتَلَبُ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قائله الفرزدق، والاستمطار: الاستسقاء، أي: اطلبوا العطاء، فإنه يعطيه كالمطر، و ((من قريشٍ)) بيان كل منخدعٍ، وهو حالٌ منه. قيل: كان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما كلما صلى عبدٌ له أعتقه، فقيل له: من خادعنا بالله ننخدع [له].

وقيل في حق أبيه: كان أعقل من أن يُخدع، وأروع من أن يَخدع، ولا يبعد أن يحمل البيت على التلميح؛ وذلك أن عمر رضي الله عنه صعد المنبر وقال: اللهم إنا كنا إذا أقحطنا استسقينا بنبيك، فتسقينا، وإنا نستسقيك اليوم بعم نبيك- يعني: عباساً- فاسقنا، فسقوا في الحال، فقال عقيل بن أبي طالب:

بعمي سقى الله البلاد وأهلها

عشية يستسقي بشيبته عمر

توجه بالعباس في الجدب داعياً

فما حار حتى جاد بالديمة المطر

قوله: (إن الحليم وذا الإسلام يختلب) القائل ذو الرمة، وأوله:

تلك الفتاة التي علقتها عرضاً

ص: 161

فقد جاء النعت بالانخداع ولم يأت بالخدع؟ قلت: فيه وجوه. أحدها: أن يقال كانت صورة صنعهم مع اللَّه حيث يتظاهرون بالإيمان وهم كافرون، صورة صنع الخادعين. وصورة صنع اللَّه معهم - حيث أمر بإجراء أحكام المسلمين عليهم وهم عنده في عداد شرار الكفرة وأهل الدرك الأسفل من النار - صورة صنع الخادع، وكذلك صورة صنع المؤمنين معهم حيث امتثلوا أمر اللَّه فيهم فأجروا أحكامهم عليهم. والثاني: أن يكون ذلك ترجمة عن معتقدهم وظنهم أن اللَّه ......

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

العلق: الحب، يقال: نظرةٌ من ذي علق، عرضاً، أي: اعتراضاً من غير قصدٍ ونيةٍ بل بمخادعةٍ، ثم قال: إن الحليم .. البيت. الخلابة: الخديعة باللسان، يقال منه: خلبه يخلبه بالضم واختلبه مثله.

قوله: (بإجراء أحكام المسلمين عليهم) يعني به جريان التوارث وإعطاء السهم من المغنم وغيرهما. هذا الوجه من الاستعارة التبعية الواقعة على طريق التمثيلية كما سبق في قوله: (عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ)[البقرة: 5]، ألا ترى إلى قوله:((كانت صورة صنعهم مع الله حيث يتظاهرون بالإيمان وهم كافرون)) إلى آخره كيف دل على بيان الحالة المتوهمة المنتزعة من عدة أمور.

قوله: (وأهل الدرك) صح بالرفع عطفاً على محل ((في عداد)). قال: الدرك الأسفل: الطبق الذي في قعر جهنم. الراغب: الدرك كالدرجِ لكن الدرجُ يقال اعتباراً بالصعود، والدرك اعتباراً بالحدور، ولهذا قيل: درجات الجنة، ودركات النار، ولتصور الحدور في النار سميت هاويةً.

قوله: (ترجمةً عن معتقدهم وظنهم) هذا كما مر في آخر الوجوه المذكورة في قوله: (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ)[البقرة: 7].

ص: 162

ممن يصح خداعه لأن من كان ادعاؤه الإيمان باللَّه نفاقا لم يكن عارفا باللَّه ولا بصفاته، ولا أن لذاته تعلقا بكل معلوم، ولا أنه غنى عن فعل القبائح فلم يبعد من مثله تجويز أن يكون اللَّه في زعمه مخدوعا ومصابا بالمكروه من وجه خفى، وتجويز أن يدلس على عباده ويخدعهم. والثالث: أن يذكر اللَّه تعالى ويراد الرسول صلى الله عليه وسلم لأنه خليفته في أرضه، والناطق عنه بأوامره ونواهيه مع عباده، كما يقال:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (لم يكن عارفاً بالله ولا بصفاته) إلى آخره، مبنيٌّ على صيغة الجمع مع التفريق والتقسيم، فجمع ذات الله العليا وصفاته الحسنى في:((لم يكن عارفاً بالله ولا بصفاته))، وأما التفريق فهو قوله:((ولا أن لذاته)) أي: أنهم لم يعلموا أنه من حيث ذاته له تعلقٌّ بكل معلومٍ جزئيٍّ وكلي، وقوله:((ولا أنه غنيّ)) أي: لم يعلموا أنه من حيث صفاته غنيٌّ عن القبائح.

وأما التقسيم فهو قوله: ((فلم يبعد من مثله تجويز أن يكون الله في زعمه مخدوعاً ومصاباً بالمكروه من وجهٍ خفيٍّ)) أي: أنهم حين لم يعلموا أن لذاته تعلقاً بكل معلومٍ، زعموا أنه ممن يخدع.

وقوله: (وتجويز أن يدلس على عباده ويخدعهم) أي: حين لم يعلموا أنه من حيث صفاته غنيٌّ عن القبائح، حوزوا أنه ممن يَخدع.

الانتصاف: قوله: ((عالمٌ لذاته)) والصواب أنه عالمٌ بعلمٍ عام التعلق بجميع المعلومات، ثم إنه تعالى لما كان عالماً بعلمٍ عام التعلق استحال كونه مخدوعاً، ولما أنه لا يقع في الوجود شيءٌ إلا بقدرته، يمتنع أن يكون خادعاً لما فيه من الإشعار بالعجز عن المكافحة، لكن لما جاء في مقابلة خداع المنافقين صار كقوله:(ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ)[آل عمران: 54].

قوله: (أن يدلس) المدلس: هو الذي يظهر خلاف مراده، ومنه أخذ التدليس في الحديث، لأن الراوي يوهم السماع ممن لم يسمع منه.

ص: 163

قال الملك كذا ورسم كذا وإنما القائل والراسم وزيره أو بعض خاصته الذين قولهم قوله ورسمهم رسمه. مصداقه قوله: (إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ، يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ)[الفتح: 10]، وقوله:(مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ)[النساء: 80]. والرابع: أن يكون من قولهم: أعجبنى زيد وكرمه، فيكون المعنى يخادعون الذين آمنوا باللَّه. وفائدة هذه الطريقة قوة الاختصاص، ولما كان المؤمنون من اللَّه بمكان، سلك بهم ذلك المسلك. ومثله:(وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ)[التوبة: 62]، وكذلك:(إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ)[الأحزاب: 57].

ونظيره في كلامهم: علمت زيدا فاضلا، والغرض فيه ذكر إحاطة العلم بفضل زيد لا به نفسه لأنه كان معلوما له قديما كأنه قيل: علمت فضل زيد ولكن ذكر زيد توطئة وتمهيد لذكر فضله. فإن قلت: هل للاقتصار بخادعت على واحد وجه صحيح؟ قلت: وجهه أن يقال: عنى به «فعلت» إلا أنه أخرج في زنة «فاعلت» ؛

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

واعلم أن الخداع قد يكون حسناً إذا كان الغرض استنزال الغير من ضلالٍ إلى رشدٍ، كما يفعل الأب البار بابنه من حيلةٍ تدعوه إلى ترك شرٍّ أو تعاطي خير. ومن تأمل جميع استدراجات التنزيل على لسان الرسل في دعوة الأمم، عاين معنى الخداع وشاهده.

قوله: (أعجبني زيدٌ وكرمه) أي: أعجبني كرم زيدٍ. والتركيب يشبه البدل والمبدل منه من حيث التوظئة والتمهيد والتفسير والتأكيد، ويفترق من حيث إن المبدل في حكم المنحى. والمعطوف عليه هنا مقصودٌ بالذكر، ومرادٌ في الحكم، فكان لذات زيدٍ أيضاً مدخلاً في الإعجاب، ومن ثم قال:((ولما كان المؤمنون من الله بمكانٍ سلك بهم ذلك المسلك)) أي: لما كان المؤمنون من الله بمنزلةٍ عظيمةٍ واختصاصٍ قويٍّ كأنه سرى خداعهم إلى خداعه تعالى. ويدل على الفرق قوله في المثال ((إحاطة العلم بفضل زيدٍ لا به نفسه)) إذ ليس فيه ذكر العاطف، فلا يكون فيه معنى الاختصاص بل مجرد التوطئة كما في المبدل. والمصنف كثيراً يسلك في تراكيبه هذا الفن من العطف ويشبه أن يسمى بالعطف التفسيري.

ص: 164

لأن الزنة في أصلها للمغالبة والمباراة، والفعل متى غولب فيه فاعله جاء أبلغ وأحكم منه إذا زاوله وحده من غير مغالب ولا مبار لزيادة قوة الداعي إليه. ويعضده قراءة من قرأ:(يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا) وهو أبو حيوة. و (يُخادِعُونَ) بيان لـ (يَقُولُ)، ويجوز أن يكون مستأنفا كأنه قيل: ولم يدعون الإيمان كاذبين وما رفقهم في ذلك؟ فقيل (يُخَادِعُونَ). فان قلت: عمّ كانوا يخادعون؟ قلت: كانوا يخادعونهم عن أغراض لهم ومقاصد منها متاركتهم وإعفاؤهم عن المحاربة وعما كانوا يطرقون به من سواهم من الكفار. ومنها اصطناعهم بما يصطنعون به المؤمنين من إكرامهم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اعلم أن الوجه الثالث والرابع لا تستقيم جواباً للسؤال إلا أن يحمل خادعت على خدعت لما في تنزيل الله سبحانه وتعالى اسمه المقدس منزلة اسم رسوله، وجعل تمهيداً لذكر المؤمنين في هذا المقام للدلالة على الغضب الشديد على اعتدائهم، وإرادة الانتصار ممن يحاول خدعهم، وإنزال الهوان بهم، فلا يدخل في المعنى إثبات الخداع في جانب المؤمنين والله أعلم. ومن ثم عقبهما بقوله:(هل للاقتصار بخادعت على واحدٍ وجهٌ صحيح).

قوله: (والمباراة)، الجوهري: فلانٌ يباري فلاناً، أي: يعارضه ويفعل مثل فعله، قال المصنف: هذا كما جاء يخاشي الله، أي: يخشاه خشيةً عظيمة.

قوله: (رفقهم) أي: نفعهم، الأساس: ومن المجاز: هذا الأمر رافقٌ بك وعليك، ورفيق: نافعٌ بك، وأرفقني هذا الأمر ورفق بي: نفعني.

قوله: (عم كانوا يخادعون؟ ) أي: عن أي شيءٍ من الأعراض كان يصدر خداعهم؟ ففيه تضمين معنى الصدور.

قوله: (متاركتهم

واصطناعهم

واطلاعهم) هذه المصادر ثلاثتها مضافةٌ إلى المفعول، والفاعل المسلمون، والمفعول المنافقون. أي: متاركة المنافقين المسلمون، أي: لا يكلفونهم على المحاربة ويحمونهم عن الغير، ويحسنون إليهم كما يحسنون إلى المسلمين ويطلعونهم على أسرارهم.

قوله: (يطرقون به)، الأساس: ومن المجاز: طرقه الزمان، أي: نوائبه، وأصابته طارقةٌ من الطوارق، ويقال: اصطنعت عنده صنيعةً، قال تعالى:(واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي)[طه: 41].

ص: 165

والإحسان إليهم وإعطائهم الحظوظ من المغانم ونحو ذلك من الفوائد، ومنها اطلاعهم - لاختلاطهم بهم - على الأسرار التي كانوا حراصا على إذاعتها إلى منابذيهم.

فإن قلت: فلو أظهر عليهم حتى لا يصلوا إلى هذه الأغراض بخداعهم عنها. قلت: لم يظهر عليهم لما أحاط به علما من المصالح التي لو أظهر عليهم لانقلبت مفاسد واستبقاء إبليس وذرّيته ومتاركتهم وما هم عليه من إغواء المنافقين وتلقينهم النفاق أشدّ من ذلك. ولكن السبب فيه ما علمه تعالى من المصلحة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (منابذيهم)، الأساس: من المجاز: نبذ إلى العدو: رمى إليه بالعهد ونقضه، ونابذه منابذةً.

قوله: (فلو أظهر عليهم) جواب ((لو)) محذوفٌ، أي: لو جعل الله تعالى نفاقهم ظاهراً على المسلمين إظهاراً جلياً حتى لا يصلوا إلى أغراضهم، ماذا كان؟ ولا يجوز أن يكون ((أظهر عليهم)) بمعنى أطلع عليهم إلا على تقدير حذفٍ، أي: أطلع الله على المؤمنين على أسرار المنافقين.

قوله: (لانقلبت مفاسد) منها: أنهم إذا ستروا على المنافقين أحوالهم، خفي على المخالفين أمرهم، وحسبوا أنهم من جملة المسلمين وأن كلمتهم واحدة، فكان ذلك سبباً لاجتنابهم عن محاربة المسلمين لكثرة عددهم، بل يؤدي ذلك إلى استشعار الخوف منهم، وإذا أظهر الله عليهم، انقلبت إلى العكس.

ومنها: أنهم إذا سمعوا مخاشنة المسلمين مع من يصحبهم، ومن اشتهر أنه منهم، كان ذلك سبباً لنفرتهم وعدم تآلفهم؛ روينا عن البخاري ومسلمٍ والترمذي عن جابرٍ، قال عمر رضي الله عنه: ألا نقتل يا نبي الله هذا الخبيث، يعني عبد الله بن أبيٍّ بن سلول؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم:((لا يتحدث الناس أنه كان يقتل أصحابه)) هذا مبنيٌّ على رعاية الأصلح، وإلا فالله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.

ص: 166

فإن قلت: ما المراد بقوله: (وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ)؟ قلت: يجوز أن يراد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (فإن قلت: ما المراد بقوله: (وَمَا يَخْدَعُونَ إلاَّ أَنفُسَهُمْ)) [البقرة: 9] يعني أنك فسرت ((يخادعون الله)) بما فسرت. فما معنى (وَمَا يَخْدَعُونَ إلاَّ أَنفُسَهُمْ) والمخادعة إنما تكون بين اثنين، فكيف يخادع أحدٌ نفسه؟ وأجاب عنه بوجوهٍ ثلاثةٍ أحدها: أن قوله: (وَمَا يَخْدَعُونَ إلاَّ أَنفُسَهُمْ)، ذكر لمشاكلته ((يخادعون الله)) المراد به الاستعارة كما سبق، أي: لما كان ذلك مبنياً على المفاعلة، جعل الذي من طرفٍ واحدٍ مثله، روماً للمشاكلة. قال الواحدي: فلما وقع الاتفاق على الألف في قوله (يُخَادِعُونَ اللَّهَ) أجرى الثاني على الأول، طلباً للتشاكل.

وقال المرزوقي في قول الطائي:

لا تسقني ماء الملام فإنني

صبٌّ قد استعذبت ماء بكائي

لما قال في آخر البيت: ((ماء بكائي)) قال في الأول: ((ماء الملام)) فأقحم اللفظ على اللفظ إذ كان من سببه، كقوله تعالى:(وجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا)[الشورى: 40] فالثانية جزاءٌ وليست بسيئةٍ، فجاء باللفظ على اللفظ إذ كان من سببه، فكذا ها هنا، لما كان خداع أنفسهم- أي: إيصال الضرر إليها- مسبباً عن تلك المخادعة المشبهة بمغافلة المخادعين ومصاحباً له، قيل: يخادعون، فجاء باللفظ على اللفظ.

وثانيهما: أن يراد حقيقة المخادعة الواقعة بين اثنين، لكن على أسلوب التجريد. قال ابن الأثير: إنهم يجردون من أنفسهم شخصاً آخر، ثم يخاطبونه كخطاب الغير. قال الأعشى:

ص: 167

وما يعاملون تلك المعاملة المشبهة بمعاملة المخادعين إلا أنفسهم لأن ضررها يلحقهم، ومكرها يحيق بهم، كما تقول: فلان يضارّ فلانا وما يضارّ إلا نفسه، أى: دائرة الضرار راجعة إليه وغير متخطية إياه، وأن يراد حقيقة المخادعة أى: وهم في ذلك يخدعون أنفسهم حيث يمنونها الأباطيل ويكذبونها فيما يحدثونها به، وأنفسهم كذلك تمنيهم وتحدّثهم بالأمانى وأن يراد: وما يخدعون فجيء به على لفظ «يفاعلون» للمبالغة. وقرئ: (وَمَا يَخْدَعونَ)، و (يُخَدِّعون) من خدَّع. و (يَخدعون) بفتح الياء

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ولن تطيق وداعاً أيها الرجل

وإليه الإشارة بقوله: ((وهم في ذلك يخدعون أنفسهم، وأنفسهم كذلك تمنيهم وتحدثهم)).

قوله: (وأن يراد: وما يخدعون) هذا الجواب وما قبله صريحٌ في أن السؤال عن استعمال ((يُخادِعون)) في جانبٍ واحد. والوجه الثالث أيضاً تجريدٌ لكن من جانبٍ واحدٍ، كأن كل واحدٍ منهم جرد من نفسه شخصاً يخدعه.

قوله: (وَمَا يَخْدَعُونَ) قرأها عاصمٌ وحمزة والكسائي وابن عامرٍ، والباقون:(وَمَا يَخْدَعُونَ) قراءة عبد السلام بن شداد والجارود.

ص: 168

بمعنى: يختدعون. ويخدعون. ويخادعون على لفظ ما لم يسم فاعله. والنفس: ذات الشيء وحقيقته. يقال عندي كذا نفساً. ثم قيل للقلب: نفس لأن النفس به. ألا ترى إلى قولهم: (المرء بأصغريه)؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هذا على قولك: خدعت زيداً نفسه، أي: عن نفسه على إرادة الإيصال، أو يحمل على المعنى، فيضمر له ما ينصبه، وذلك أن قولك: خدعت زيداً عن نفسه، يدخله معنى انتقصته نفسه، وملكت عليه نفسه، وهذا من أسد مذاهب العربية؛ وذلك أنه موضعٌ يملك فيه المعنى عنان الكلام، فيأخذه إليه ويصرفه بحسب ما يؤثره، وجملته: أنه متى كان فعلٌ من الأفعال في معنى فعلٍ آخر، فكثيراً ما يجزى أحدهما مجرى صاحبه، فيعدل في الاستعمال به إليه، ويحتذى به في تصرفه حذو صاحبه، وإن كان طريق الاستعمال والعرف ضد مأخذه؛ ألا ترى إلى قوله تعالى:(هَل لَّكَ إلَى أَن تَزَكَّى)[النازعات: 18] أي: في أن تزكى، فنظر معه معنى قولك: أجذبك إلى كذا، وأدعوك إليه.

قوله: (ثم قيل للقلب: نفسٌ) إطلاقاً لاسم المسبب على السبب، ولذلك قال:((لأن النفس به)) أي: النفس تقوم بالقلب.

قوله: (المرء بأصغريه) قال الميداني: يعني بهما القلب واللسان، وقيل لهما: الأصغران لصغر حجمهما. ويجوز أن يسميا الأصغرين ذهاباً إلى أنهما أكثر ما في الإنسان معنىً وفضلاً، كما قيل: أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب، والجالب للباء معنى القيام كأنه قال: المرء تقوم معانيه بهما، ويكمل المرء بهما، وأنشد لزهيرٍ:

وكائن ترى من صامتٍ لك معجبٍ

زيادته أو نقصه في التكلم

ص: 169

وكذلك بمعنى الروح، وللدم نفس؛ لأن قوامها بالدم. وللماء نفس لفرط حاجتها إليه: قال اللَّه تعالى: (وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ)[الأنبياء: 30].

وحقيقة نفس الرجل بمعنى عين أصيبت نفسه، كقولهم: فلان يؤامر نفسيه - إذا تردّد في الأمر اتجه له رأيان وداعيان لا يدرى على أيهما يعرج كأنهم أرادوا .......

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لسان الفتى نصفٌ، ونصفٌ فؤاده

فلم يبق إلا صورة اللحم والدم

فالنفس على هذا بمعنى الجملة لقوله: المرء بأصغريه.

قوله: (وكذلك بمعنى الروح) عطفٌ على قوله: ((والنفس ذات الشيء)) أي: وكذلك جاء النفس بمعنى الروح. وقوله: ((ثم قيل للقلب نفسٌ)) مجازٌ متفرعٌ على الأول.

وقوله: (للدم نفسٌ) متفرعٌ على الثاني يدل عليه قوله: ((لأن قوامها)) أي: قوام الروح بالدم، لأنه مقابلٌ لقوله:((لأن النفس به)).

قال في الأساس: ومن المجاز: دفق نفسه، أي: دمه. وعن النخعي: كل شيءٍ ليست له نفسٌ سائلةٌ فإنه لا ينجس الماء. ومنه: النفاس.

وقوله: (وحقيقة نفس الرجل) متفرعٌ على الأول.

قوله: (وقولهم) مبتدأٌ، والخبر ((كأنهم))، والعائد محذوف، و ((إذا)) ظرف قولهم.

ص: 170

داعي النفس، وهاجسي النفس فسموهما: نفسين، إما لصدورهما عن النفس، وإما لأن الداعيين لما كانا كالمشيرين عليه والآمرين له، شبهوهما بذاتين فسموهما نفسين. والمراد بالأنفس هاهنا ذواتهم. والمعنى بمخادعتهم ذواتهم: أن الخداع لاصق بهم لا يعدوهم إلى غيرهم ولا يتخطاهم إلى من سواهم. ويجوز أن يراد قلوبهم ودواعيهم وآراؤهم.

والشعور علم الشيء علم حس. من الشعار. ومشاعر الإنسان: حواسه. والمعنى أن لحوق ضرر ذلك بهم كالمحسوس، وهم لتمادى غفلتهم كالذي لا حسّ له. واستعمال المرض في القلب يجوز أن يكون حقيقة ومجازاً؛ فالحقيقة:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (هاجسي النفس)، النهاية: الهاجسة: هي ما يهجس في الضمائر، أي: ما يخطر بها ويدور فيها من الأحاديث والأفكار.

قوله: (إما لصدورهما عن النفس) أي: هو من إطلاق المحل وإرادة الحال.

قوله: (ذواتهم: أن الخداع لاصقٌ بهم) مبنيٌّ على الوجه الأول في الجواب عن معنى المخادعة على طريق المشاكلة، وقوله:((ويجوز أن يراد قلوبهم)) على الوجه الثاني على سبيل التجريد.

قوله: (واستعمال المرض في القلب يجوز أن يكون حقيقةً) تحقيقه ما أشار إليه الإمام: أن الإنسان إذا صار مبتلًى بالحسد والنفاق ومشاهدة المكروه، ودام به، فربما صار سبباً لتغير مزاج القلب وتألمه.

قال أبو الطيب:

والهم يخترم النفوس مخافةً

ويشيب ناصية الصبي ويهرم

ص: 171

أن يراد الألم كما تقول في جوفه مرض. والمجاز أن يستعار لبعض أعراض القلب، كسوء الاعتقاد، والغل، والحسد والميل إلى المعاصي، والعزم عليها، واستشعار الهوى، والجبن، والضعف، وغير ذلك مما هو فساد وآفة شبيهة بالمرض،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ثم قال: في قوله: ((فالحقيقة أن يراد الألم)) نظر؛ لأن الألم مسببٌ عن المرض لا نفس المرض.

قال القاضي: المرض: حقيقةٌ فيما يعرض للبدن، فيخرجه عن الاعتدال الخاص به، ويوجب الخلل في أفعاله، ومجازٌ في الأعراض النفسانية التي تخل بكمالها كالجهل وسوء العقيدة والحسد والضغينة وحب المعاصي، لأنها مانعةٌ عن نيل الفضائل أو مؤديةٌ إلى زوال الحياة الحقيقية الأبدية.

قوله: (كسوء الاعتقاد) إلى آخره، جعل أمراض القلب على نوعين:

أحدهما: ما يتعلق بالدين وهو المراد بقوله: ((كسوء الاعتقاد)) وهو الكفر والبدعة.

وثانيهما: ما يتعلق بالأخلاق، وهو إما ما يصدر به عن فاعله الرذائل، وهو المراد بقوله:((الغل والحسد والميل إلى المعاصي)) وجعل طلب الشهوات شعاراً له. أو يمنعه من نيل الفضائل وهو المراد بقوله: ((والجبن والضعف)) فإن الجبن يمنعه من الشجاعة وكف الأذى عن نفسه وطلب معالي الأمور، والضعف يمنعه عن بذل المعروف، ويحمله على أن يقنع بسفساف الأمور، ولهذا لما نشر هذا الكلام جاء بلفظة ((أو)) في الوجهين الآخرين. ومعنى الاستئناف في قوله:(فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ)[البقرة: 10] كمعنى الاستئناف في قوله: (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ)[البقرة: 7].

ص: 172

كما استعيرت الصحة والسلامة في نقائض ذلك. والمراد به هنا ما في قلوبهم من سوء الاعتقاد والكفر، أو من الغل والحسد والبغضاء، لأن صدورهم كانت تغلى على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين غلاً وحنقاً ويبغضونهم البغضاء التي وصفها اللَّه تعالى في قوله:(قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ)[آل عمران: 118]، ويتحرقون عليهم حسدا (إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ) [آل عمران: 120]، وناهيك مما كانمن ابن أبىّ وقول سعد بن عبادة لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ويتحرقون) من حرق نابه، أي: سحقه حتى يسمع له صريفٌ، فهو كنايةٌ عن الغيظ الذي جلبه الحسد.

قوله: (ناهيك)، الجوهري: يقال: هذا رجلٌ ناهيك من رجل، أي: أنه بجده وغنائه ينهاك عن تطلب غيره. والباء في قوله: ((بما كان من ابن أبيٍّ)) كالباء في حسبك بزيدٍ. المعنى: يكفيك ما كان من ابن أبي بن سلول من الحسد والبغضاء أي: شدة البغض.

روينا عن الشيخين: البخاري ومسلم، عن أسامة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ركب على حمارٍ، وأردف أسمة بن زيدٍ يعود سعد بن عبادة، قبل وقعة بدرٍ، فسارا حتى مرا بمجلسٍ فيه عبد الله ابن أبي بن سلول قبل إسلامه، وفي المجلس أخلاطٌ من المسلمين والمشركين واليهود، وفي المسلمين عبد الله بن رواحة، فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة، خمر عبد الله ابن أبي أنفه بردائه، ثم قال: لا تغبروا علينا، فسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل فدعاهم إلى الله وقرأ عليهم القرآن، فقال عبد الله ابن أبي: أيها المرء، إنه لا أحسن مما تقول، إن كان حقًّا فلا تؤذونا به في مجالسنا، وارجع إلى رحلك، فمن جاءك فاقصص عليه، فقال عبد الله بن رواحة: بلى يا رسول الله، فاغشنا به في مجالسنا، فإنا نحب ذلك، واستب المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا يتثاورون، فلم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكنوا ثم ركب صلى الله عليه وسلم فسار حتى دخل على سعد بن عبادة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:((يا سعد، ألم تسمع إلى ما قال أبو حباب؟ )) يريد صلى الله عليه وسلم

ص: 173

اعف عنه يا رسول اللَّه واصفح، فواللَّه لقد أعطاك اللَّه الذي أعطاك ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة أن يعصبوه بالعصابة، فلما ردّ اللَّه ذلك بالحق الذي أعطاكه شرق بذلك. أو يراد ما تداخل قلوبهم من الضعف والجبن والخور؛ لأن قلوبهم كانت قوية؛ إما لقوة طمعهم فيما كانوا يتحدثون به أن ريح الإسلام تهب حيناً .....

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد الله ابن أبي، ((قال، كذا وكذا))، فقال: يا رسول الله اعف عنه، ثم ساقا الحديث كما أورده المصنف مع تغييرٍ سيرٍ. فالحديث دل على أن ابن أبي كان كافراً محضاً، ولم يكن منافقاً حينئذٍ، والذي يعلم من ظاهر كلام المصنف أنه كان منافقاً، ولعل مراده من إيراد قصته مجرد إظهار الحسد والبغضاء دون النفاق.

قوله: (هذه البحيرة) البحيرة: كل قريةٍ واسعة، قال في ((الفائق)): البحيرة: المدينة، يقولون: هذه بحيرتنا، أي: أرضنا وبلدتنا.

قوله: (أن يعصبوه) من العصابة؛ العمامة يعصب بها الرأس، وهو كنايةً عن التسويد، لأن العمائم تيجان العرب.

قوله: (شرق بذلك) الشرق: الشجى والغصة. وقد شرق بريقه، أي: غص ولم يقدر على إساغته لتعاظمه إياه، كأنه اعترض في حلقه فغص به كما يغص الشارب بالماء.

قوله: (أن ريح الإسلام) قال: الريح: الدولة شبهت في نفوذ أمرها وتمشيتها بالريح وهبوبها، وأنشد:

ص: 174

ثم تسكن ولواءه يخفق أياما ثم يقرّ، فضعفت حين ملكها اليأس عند إنزال اللَّه على رسوله النصر وإظهار دين الحق على الدين كله. وإما لجرامتهم وجسارتهم في الحروب فضعفت جبناً وخورا حين قذف اللَّه في قلوبهم الرعب وشاهدوا شوكة المسلمين وإمداد اللَّه لهم بالملائكة. قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:«نصرت بالرعب مسيرة شهر» ». ومعنى زيادة اللَّه إياهم مرضاً أنه كلما أنزل على رسوله الوحى فسمعوه كفروا به فازدادوا كفراً إلى كفرهم، فكأن اللَّه هو الذي زادهم ما ازدادوه إسنادا للفعل إلى المسبب له، كما أسنده إلى السورة في قوله:(فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ)[التوبة: 125]؛ لكونها سبباً؛ أو كلما زاد رسوله نصرة وتبسطا في البلاد ونقصاً

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إذا هبت رياحك فاغتنمها

فعقبى كل خافقةٍ سكون

قوله: (نصرت بالرعب مسيرة شهر) في حديثٍ طويلٍ أخرجه البخاري ومسلم والنسائي.

الرعب: الفزع والخوف. قال صاحب ((الجامع)): وذلك أن أعداء النبي صلى الله عليه وسلم كان قد أوقع الله في قلوبهم الرعب، فإذا كان بينه صلوات الله عليهم وبينهم مسيرة شهرٍ، هابوه وفزعوا منه فلا يقدموا على لقائه.

قوله: (فازدادوا كفراً إلى كفرهم) هذا على تقدير أن يكون المراد بالمرض سوء الاعتقاد.

قوله: (إسناداً للفعل) مصدرٌ لفعلٍ محذوفٍ. وفيه إشارةٌ إلى مذهبه، يعني: أنه تعالى لما كان سبباً للفعل وهو إنزاله الوحي أسند ازدياد المرض إلى نفسه.

ص: 175

من أطراف الأرض ازدادوا حسدا وغلا وبغضا وازدادت قلوبهم ضعفا وقلة طمع فيما عقدوا به رجاءهم وجبنا وخورا. ويحتمل أن يراد بزيادة المرض الطبع. وقرأ أبو عمرو في رواية الأصمعى: (مرضٌ) و (مرضاً) بسكون الراء:

يقال ألم فهو أَلِيمٌ كوجع فهو وجيع ووصف العذاب به نحو قوله:

تحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وَجِيعُ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ازدادوا حسداً وغلاً) هذا على التفسير الثاني.

قوله: (أن يراد بزيادة المرض الطبع) يؤيد هذا الوجه إعادة ذكر المرض المنكر، وعدم الاكتفاء بالضمير في قوله:(فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا)؛ لأن النكرة إذا أعيدت دلت على غير ما تدل عليه أولاً، ففيه لمحةٌ من معنى قوله تعالى:(كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ)[المطففين: 14] وقوله صلى الله عليه وسلم: ((إن العبد إذا أخطأ خطيئةً نكتت في قلبه نكتةٌ، فإذا هو نزع واستغفر وتاب صقل قلبه، وإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه وهو الران)) أخرجه أحمد بن حنبلٍ والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة.

قوله: (وقرأ أبو عمرو) وهي شاذة. قال ابن جني: لا يجوز ((مرضٌ)) مخففاً من مرض، لأن المفتوح لا يخفف إلا شاذًّا، وإنما ذلك في المكسورة والمضمومة، فينبغي أن يكون أصله من مرضٍ لغةٌ في مرض كالحَلْبِ والحَلَب.

قوله: (تحية بينهم ضربٌ وجيع) أنشد أوله الزجاج:

وخيلٍ قد دلفت لهم بخيلٍ

ص: 176

وهذا على طريقة قولهم: جدّ جدّه.

والألم في الحقيقة للمؤلم كما أنّ الجدّ للجادّ، والمراد بكذبهم قولهم آمنا باللَّه وباليوم الآخر. وفيه رمز إلى قبح الكذب وسماجته، وتخييل أن العذاب الأليم لاحق بهم من أجل كذبهم. ونحوه قوله تعالى:(مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا)[نوح: 25]،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أي: أصحاب خيل، دلفت: دنوت، يقال: دلفت الكتيبة في الحرب، أي: تقدمت، والتحية مصدر حييته تحيةً، أي: رب جيشٍ قد تقدمت إليها بجيشٍ، والتحية بينهم: الضرب بالسيف لا القول باللسان كما هو العادة، والوجيع في الحقيقة المضروب لا الضرب.

قوله: (طريقة قولهم: جَدَّ جِدُّه) أي: طريقة الإسناد المجازي. قيل: يجوز أن يكون ((أليم)) بمعنى مؤلم، كالسميع بمعنى المسمع، والنذير بمعنى المنذر، وأنشد الزجاج لعمرو بن معدي كرب:

أمن ريحانة الداعي السميع

يؤرقني وأصحابي هجوع

وقال: معنى السميع: المسمع.

قوله: (وفيه رمزٌ إلى قبح الكذب) وهو من باب التعريض، عرض بالمؤمنين، فإن المؤمن متى سمع أن العذاب ترتب على الكذب دون النفاق- على أن النفاق من أعظم أنواع الكفر، وأن صاحبه في الدرك الأسفل من النار- تخيل في نفسه تغليظ معنى الكذب، وتصور سماجته فانزجر منه أعظم الانزجار، وإليه الإشارة بقوله:(وإنما خصت الخطيئات استعظاماً لها، وتنفيراً عن ارتكابها)) وهذا المعنى يشبه ما في قوله تعالى: (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ ومَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويُؤْمِنُونَ بِهِ)[غافر: 7] وحملة العرش ليسوا ممن لا يؤمنون، وذكر الإيمان لشرفه والترغيب فيه، وإنما خص هذا النوع، وهو التعريض بالرمز إذ الرمز إشارةٌ إلى المقصود من قريب مع نوع خفاءٍ، والتعريض كذلك.

ص: 177

والقوم كفرة، وإنما خصت الخطيئات استعظاما لها وتنفيرا عن ارتكابها. والكذب: الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو به وهو قبيح كله. وأما ما يروى عن إبراهيم عليه السلام أنه كذب ثلاث كذبات؛

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وأما ما يروى عن إبراهيم صلوات الله عليه: أنه كذب ثلاث كذباتٍ) جوابٌ عن سؤالٍ مقدرٍ يرد على قوله: ((هو قبيحٌ كله)) وهو يحتمل أن يكون مخصصاً لذلك العام، وأن يراد أن هذا لا يعد كذباً، لأنه تعريضٌ، ومن ثم قيل: إن في المعاريض لمندوحةً عن الكذب.

ويدل على أن مراد المصنف هو الاحتمال الأول: قوله في ((الصافات)): ((والصحيح أن الكذب حرامٌ إلا إذا عرض وروى)) والذي قاله إبراهيم عليه السلام تعريضٌ، لأنه جاء بأداة الاستثناء، لكن الاحتمال الثاني أولى أن يصار إليه، لأن حد الكذب على ما قال ((هو الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو به)) لا يصدق عليه، فإن المعاريض والمجازات والنصوص الواردة على العموم أخبارٌ مقيداتٌ بالقرائن المانعة عن الحمل على الكذب؛ إما لفظاً، أو تقديراً بحسب اقتضاء المقام، ومن ثم قال صاحب ((المفتاح)): إن الكذاب لا ينصب دليلاً على كذبه.

وأما تخصيص هذا العام، فهو إذا أريد بالكذب المكيدة في الحرب، والتقية، وإرضاء الزوج، والصلح بين المتخاصمين على ما روينا عن البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي عن أم كلثوم بنت عقبة: أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((ليس الكذاب الذي يصلح بين اثنين، فيقول خيراً وينمي خيراً)). وزاد مسلم: ولم أسمعه يرخص في شيءٍ مما يقول الناس

ص: 178

فالمراد التعريض، ولكن لما كانت صورته صورة الكذب سمى به،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كذبٌ إلا في ثلاثٍ، يعني الحرب والإصلاح بين الناس وحديث الرجل زوجته، وحدي المرأة زوجها.

وفي أفراد ((الترمذي)): يا أيها الناس، ما يحملكم على أن تتابعوا على الكذب كتتابع الفراش في النار؟ الكذب كله على ابن آدم حرام إلا في ثلاث خصال: رجلٌ كذب امرأته ليرضيها، ورجلٌ كذب في الحرب، فإن الحرب خدعة، ورجلٌ كذب بين مسلمين ليصلح بينهما. رواه عن أسماء بنت يزيد.

قوله: (فالمراد التعريض) وهو اللفظ المشار به إلى جانب، والغرض جانبٌ آخر، ويسمى تعريضاً لما فيه من التعوج عن المطلوب، يقال: نظر إليه بعرض وجهه، أي: بجانبه، ومنه المعاريض في الكلام، وهو التورية بالشيء.

وتفسيره الكذبات بالتعريض يوافق ما روينا عن ((الترمذي)) عن أبي سعيدٍ في حديث الشفاعة ((فيأتون إبراهيم فيقول: إني كذبت ثلاث كذبات)) ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما منها كذبةٌ إلا ما حل بها عن دين الله)) أي: خاصم وجادل وذب عن دين الله، وتلك الكذبات على ما روينا في حديثٍ آخر في الشفاعة عن الشيخين والترمذي عن إبراهيم عليه السلام:((إني كذبت ثلاث كذبات)) وفي روايةٍ فقال: وذكر قوله في الكوكب: (هَذَا رَبِّي) وقوله في

ص: 179

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

آلهتهم: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا)، وقوله:(إنِّي سَقِيمٌ). ووجه التوفيق: أن قوله صلى الله عليه وسلم: ((ما حل)) أي: جادل، وهو معنى التعريض، لأنه نوعٌ من الكناية، ونوعٌ من التعريض يسمى بالاستدراج، وهو: إرخاء العنان مع الخصم في المجاراة ليعثر حيث يراد تبكيته، فسلك إبراهيم عليه السلام مع القوم هذا المنهج.

أما قوله في الكوكب: (هَذَا رَبِّي) فقال المصنف: ((فكان أبوه وقومه يعبدون الأصنام والكواكب، فأراد أن ينبههم على الخطأ في دينهم، ويرشدهم إلى أن شيئاً منها لا يصلح للإلهية لقيام دليل الحدوث فيها، وأن وراءها محدثاً أحدثها)).

وأما قوله: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا) فتنبيهٌ على أن الإله الذي لم يقدر على دفع المضرة عن نفسه كيف يرجى منه دفع الضرر عن الغير.

وأما قوله: (إنِّي سَقِيمٌ) فإنه عليه السلام أوهمهم أنه استدل بأمارة علم النجوم على أنه سقيمٌ ليتركوه، فيفعل بالأصنام ما أراد أن يفعل، أو سقيمٌ لما أجد من الغيظ والحنق باتخاذكم النجوم آلهةً، وفيه توقيفٌ على إبطال علم النجوم.

فإن قلت: فإذا شهد له الصادق المصدوق بالبراءة، فما له يشهد على نفسه بها على أن تسميتها وأنها معاريض بالكذبات إخبارٌ بالشيء على خلاف ما هو به؟

قلت: نحن وإن أخرجناها عن مفهوم الكذبات باعتبار التورية وسميناها معاريض، فلا ننكر أن صورتها صورة التعوج عن المستقيم، فالحبيب قصد إلى براءة ساحة الخليل عما لا يليق بها، فسماها معاريض، والخليل لمح إلى مرتبة الشفاعة هنالك، وأنها مختصةٌ بالحبيب، فتجوز في

ص: 180

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الكذبات. ألا ترى إلى ما رواه أنسٌ وأخرجه الشيخان: ((فيأتون آدم فيقولون: اشفع لذريتك فيقول: لست لها)) وفي روايةٍ: ((لست هناكم)) فيذكر خطيئته، وعلى هذا نوحٌ وإبراهيم وموسى عليهم السلام إلى قوله:((فيأتون فأستأذن على ربي)) الحديث. وإلا فما وجه ذكر الخطيئات وقد غفرت لهم بالنصوص القاطعة.

ويمكن أن يقال: إنهم من هول ذلك اليوم، وما بهم من شأن أنفسهم، يدفعونهم بذلك. ويعضده ما أخرجه الشيخان والترمذي عن أبي هريرة في حديثٍ طويلٍ: ((فيأتون إبراهيم فيقولون: أنت نبي الله وخليله، اشفع لنا إلى ربك، فيقول لهم: إني ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني كنت كذبت ثلاث كذبات، فذكرها

نفسي نفسي نفسي! اذهبوا إلى غيري)) الحديث.

ونظيره قوله تعالى: (يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لا عِلْمَ لَنَا)[المائدة: 109]. قال المصنف: ((قيل هو من هول ذلك اليوم يفزعون ويذهلون عن الجواب)). هكذا ينبغي أن يتصور هذا المقام، فإنه من مزال الأقدام، ألا ترى إلى الإمام كيف ذهل عن ذلك، وطعن في الأئمة، وقال في سورة يوسف:((الأولى ألا تقبل مثل هذه الأحاديث لئلا يلزمنا تكذيب الأنبياء))، ولا شك أن صونهم من نسبة الكذب إليهم أولى من صون الرواة، والله أعلم.

ص: 181

وعن أبي بكر رضى اللَّه عنه وروى مرفوعاً: «إياكم والكذب فإنه مجانب للإيمان» وقرئ (يكذبون) من "كذبه" الذي هو نقيض صدقه أو من كذّب الذي هو مبالغة في كذب، كما بولغ في صدق فقيل: صدّق. ونظيرهما: بان الشيء وبين، وقلص الثوب وقلص؛

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وروي مرفوعاً) المرفوع: هو الحديث الذي أسند إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما كان مجانباً للإيمان لما مضى أن الإيمان هو التصديق، والتصديق أمانٌ للمُصَدَّقِ عما يتوهم من المٌصَدَّقِ من خوف التكذيب، ويطابقه من حيث المعنى ما أورد الإمامان مالكٌ وأحمد بن حنبلٍ في ((مسنديهما)) عن مالك بن صفوان، قلنا: يا رسول الله، أيكون المؤمن جباناً؟ قال:((نعم))، قيل: أيكون المؤمن بخيلاً؟ قال: ((نعم))، قيل: أيكون المؤمن كذاباً؟ قال: ((لا)).

قوله: (وقرئ: (يكذبون)) وهي قراءة نافعٍ وابن كثيرٍ وأبي عمروٍ وابن عامر، وقرأ الكوفيون بالتخفيف وفتح الياء.

قوله: (قَلَصَ الثوب وقلَّصَ) أي: انزوى بعد الغسل.

ص: 182

أو بمعنى الكثرة كقولهم: موتت البهائم، وبركت الإبل، أو من قولهم: كذب الوحشي إذا جرى شوطا ثم وقف لينظر ما وراءه لأن المنافق متوقف متردّد في أمره، ولذلك قيل له مذبذب. وقال عليه السلام:(مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين، تعير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (أو بمعنى الكثرة) عطفٌ على قوله: ((هو مبالغة))، والفرق بين الكثرة والمبالغة: أن الكثرة تفيد صدور هذا المعنى من الشخص مراراً كثيرةً، والمبالغة لا تستدعي المرات، بل المراد أن الشخص في نفسه بليغٌ في كذبه، كأنه بمنزلة مارٍ كثيرة. قال في سورة ((مريم)):((الصديق من أبنية المبالغة كالضحيك، والمراد كثرة ما صدق به من غيوب الله وآياته وكتبه ورسله، أو كان بليغاً في الصدق لأن ملاك أمر النبوة الصدق)).

قوله: (ومن قولهم: كذب الوحشي) عطفٌ على قوله: ((ومن كذبه الذي هو نقيض صدقه))؛ فعلى هذا هو استعارةٌ تبعيةٌ واقعةٌ على التمثيل لقوله: ((لأن المنافق متوقفٌ مترددٌ في أمره))، ولقوله صلى الله عليه وسلم:((مثل المنافق)) إلى آخره. والحديث أخرجه مسلمٌ والترمذي؛ والرواية: ((كالشاة)) قال التوربشي: العائرة أكثر ما تستعمل في الناقة وهي التي تخرج من الإبل إلى أخرى ليضربها الفحل، ثم اتسع في المواشي.

قوله: (بين الغنمين) أي: ثلتين، فإن الغنم اسم جنس. أي: المنافق يتردد بين الثلتين فلا يستقر على حالٍ، ولا يثبت مع إحدى الطائفتين كالشاة العائرة التي تطلب الفحل.

قلت: وفيه أيضاً معنى سلب الرجولية عنهم، وتصوير شناعة فعلهم.

ص: 183

[(وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ* أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ* وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ* وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ* اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ* أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ*)].

(وَإِذا قِيلَ لَهُمْ) معطوف على (يكذبون). ويجوز أن يعطف على: (يَقُولُ آمَنَّا)؛ لأنك لو قلت: ومن الناس من إذا قيل لهم لا تفسدوا، كان صحيحاً، والأوّل أوجه ......

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (والأول أوجه) قال صاحب ((التقريب)): إنما كان أوجه، لأنه أقرب، وليفيد تسببه للعذاب أيضاً.

وقلت: وليؤذن أن صفة الفساد يحترز منها لقبحها كما يحترز عن الكذب تعريضاً كما سبق، ويمكن أن ينصر القول الثاني بأن يقال: إن في العطف على (يَقُولُ آمَنَّا)[البقرة: 8] تصييراً للآيات على سنن تعديد قبائحهم كما ذكره، نعى عليهم فيها خبثهم ونكرهم، ولا شك أن قوله:(فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ) الآية [البقرة: 10] متعلقٌ بقوله: (وَمَا يَخْدَعُونَ إلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ) على سبيل التعليل، فإذا عطف على ((يكذبون)) يكون تابعاً للتابع وإذا عطف على ((يقول)) كان مستقلاًّ مثله مذيلاً بقوله:(أَلا إنَّهُمْ هُمُ المُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ)[البقرة: 12] كما ذيلت الآيات السابقة واللاحقة، ومن ثم فضل قول المتنبي:

إذا كان مدحٌ فالنسيب المقدم

أكل فصيحٍ قال شعراً متيم؟ !

على قوله:

مغاني الشعب طيباً في المغاني

بمنزلة الربيع من الزمان

ص: 184

والفساد: خروج الشيء عن حال استقامته وكونه منتفعا به، ونقيضه الصلاح، وهو الحصول على الحالة المستقيمة النافعة. والفساد في الأرض: هيج الحروب والفتن، لأن في ذلك فساد ما في الأرض وانتفاء الاستقامة عن أحوال الناس والزروع والمنافع الدينية والدنيوية. قال اللَّه تعالى:(وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ)[البقرة: 205]، (أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ) [البقرة: 30]. ومنه قيل لحرب كانت بين طيء: حرب الفساد. وكان فساد المنافقين في الأرض. أنهم كانوا يمايلون الكفار ويمالئونهم على المسلمين بإفشاء أسرارهم إليهم وإغرائهم عليهم،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لأن المصراع الأول في البيت الأول مستقلٌ بنفسه بخلافه في الثاني، وأيضاً إذا ترتب إيجاب العذاب على الكذب وحده، ليكون سبباً مستقلاًّ، واستوجب هذا القول عذاباً آخر أفظع منه؛ لإطلاقه، كان أبسط للكلام وأشرح له لا سيما المقام يقتضي الإطناب.

قوله: (لأن في ذلك فساد ما في الأرض) تعليلٌ لتسمية هيج الفتن بالفساد؛ لأن هيج الفتن سببٌ لانتفاء استقامة أحوال الناس من سفك الدماء وهلاك الزروع، وممالأة المنافقين الكفار على المسلمين سببٌ لهيج الحروب كما قال، فتكون الممالأة سبباً بعيداً، وأما قوله تعالى:(وإذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ)[البقرة: 205] فهو إشارةٌ إلى هيج الحروب والفتن، وقوله:(ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ)[البقرة: 205] إشارةٌ إلى فساد أحوال الناس والزروع.

وقوله: (حرب الفساد) قيل: سمى هذا الحرب به؛ لأنهم مثلوا فيها بأنواع المثل؛ جدعوا الأنوف وصلموا الآذان.

قوله: (يمالئونهم)، النهاية: في حديث عمر رضي الله عنه: ((لو تمالأ عليه أهل صنعاء لأقدتهم به))، أي: تساعدوا واجتمعوا وتعاونوا، ومنه حديث عليٍّ رضي الله عنه: والله ما قتلت عثمان، ولا مالأت على قتله، أي: ما ساعدت ولا عاونت.

ص: 185

وذلك مما يؤدي إلى هيج الفتن بينهم، فلما كان ذلك من صنيعهم مؤديا إلى الفساد قيل لهم: لا تفسدوا، كما تقول للرجل: لا تقتل نفسك بيدك، ولا تلق نفسك في النار، إذا أقدم على ما هذه عاقبته. و «إنما» لقصر الحكم على شيء، كقولك: إنما ينطق زيد، أو لقصر الشيء على حكم كقولك: إنما زيد كاتب. ومعنى إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ أن صفة المصلحين خلصت لهم وتمحضت من غير شائبة قادح فيها من وجه من وجوه الفساد. وأَلا مركبة من همزة الاستفهام وحرف النفي، لإعطاء معنى التنبيه على تحقق ما بعدها، والاستفهام إذا دخل على النفي أفاد تحقيقا كقوله:(أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ)[القيامة: 40].

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الراغب: مالأته: عاونته وصرت من ملئه، أي: جمعه، نحو: شايعته، أي: صرت من شيعته.

قوله: (إنما لقصر الحكم على شيءٍ) أي: لقصر المسند على المسند إليه كقولك: إنما ينطلق زيدٌ. فهو لقصر الانطلاق على زيدٍ؛ لأنه فرع قولك: ما ينطلق إلا زيدٌ، فيلزم أن لا يكون أحدٌ منطلقاً، ولا يلزم أن لا يكون له صفةٌ غير الانطلاق.

قوله: (أو لقصر الشيء على حكم) أي: لقصر المسند إليه على المسند كقولك: إنما زيدٌ كاتبٌ، فهو لقصر زيدٍ على الكتابة؛ لأنه فرع قولك: ما زيدٌ إلا كاتبٌ، فيلزم أن لا يكون له صفةٌ غيرها، ولا يلزم أن لا يكون غيره كاتباً، وقوله تعالى:(إنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ)[البقرة: 11] من قبيل الثاني، وتقريره: أن المسلمين لما قالوا لهم: لا تفسدوا في الأرض، توهموا أن المسلمين أرادوا بذلك أنكم تخلطون الإفساد بالإصلاح، فأجابوا: بأنا مقصورون على الإصلاح لا نتجاوز إلى الإفساد ولا نتخطى إليه بوجهٍ من الوجوه، فيلزم منه عدم الخلط. وإليه أومأ بقوله:((إن صفة المصلحين خلصت لهم)) إلى آخره فهو لقصر الإفراد، فأجيبوا بالقصر القلبي وهو (أَلا إنَّهُمْ هُمُ المُفْسِدُونَ) [البقرة: 12]، لإفادة ضمير الفصل وتعريف الجنس في الخبر أنهم

ص: 186

ولكونها في هذا المنصب من التحقيق، لا تكاد تقع الجملة بعدها إلا مصدّرة بنحو ما يتلقى به القسم. وأختها التي هي «أما» من مقدّمات اليمين وطلائعها:

أَمَا والّذِى لا يَعْلَمُ الغَيْبَ غَيْرُهُ

أَمَا والّذِى أَبْكَى وأَضحَكَ ......

ردّ اللَّه ما ادعوه من الانتظام في جملة المصلحين أبلغ ردّ وأدله على سخط عظيم، .......

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إن تصورت صفة المفسدين، وتحققوا ما هم، فهم هم لا يعدون تلك الحقيقة، كما سبق في:(وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ)[البقرة: 5].

قال القاضي: تصوروا الفساد تصور الصلاح لما في قلوبهم من المرض (أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا)[فاطر: 8].

قوله: (من مقدمات اليمين وطلائعها) طليعة الجيش: ما يتقدم الجيش، فاستعير ها هنا للمقدمة.

قوله: (أما والذي لا يعلم الغيب غيره) تمامه:

ويحيي العظام البيض وهي رميم

قوله: (أما والذي أبكى وأضحك) تمامه:

والذي

أمات وأحيا والذي أمره الأمر

وجواب القسم بعده:

لقد تركتني أحسد الوحش أن أرى

أليفين منها لا يروعهما الذعر

ص: 187

والمبالغة فيه من جهة الاستئناف وما في كلتا الكلمتين ألا. وإن من التأكيدين وتعريف الخبر وتوسيط الفصل. وقوله: (لا يَشْعُرُونَ).

أتوهم في النصيحة من وجهين: أحدهما تقبيح ما كانوا عليه لبعده من الصواب وجرّه إلى الفساد والفتنة. والثاني: تبصيرهم الطريق الأسد من اتباع ذوى الأحلام، ودخولهم في عدادهم فكان من جوابهم أن سفهوهم لفرط سفههم، وجهلوهم لتمادى جهلهم. وفي ذلك تسلية للعالم مما يلقى من الجهلة. فإن قلت: كيف صح أن يسند (قيل) إلى (لا تفسدوا) و (آمنوا) وإسناد الفعل إلى الفعل مما لا يصح؟ قلت: الذي لا يصح هو إسناد الفعل إلى معنى الفعل، وهذا إسناد له إلى لفظه، كأنه قيل: وإذا قيل لهم هذا القول وهذا الكلام،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (والمبالغة فيه من جهة الاستئناف) أي: ترك العاطف ليفيد ضرباً من المبالغة، وذلك أن ادعاءهم الإصلاح لأنفسهم على ما ادعوه مع توغلهم في الإفساد مما يشوق السامع أن يعرف ما حكم الله تعالى عليهم، وكان وروده هكذا أي: على التشويق، يفيد المبالغة، فإن الشيء إذا وجد بعد الطلب كان أعز مما فوجئ به من غير التعب.

وفي قوله: (لاَّ يَشْعُرُونَ) أيضاً تأكيدٌ؛ لأن الشعور عِلْمُ الشيء عِلْمَ حسٍّ، فإذا نفى شعورهم كان أدعى لظهور الفساد، ولأن من ركب متن الفساد وله شعورٌ بقبحه ربما نزل منه، ولكن إذا فقد الشعور به بلغ غايته.

قوله: (أتوهم) هذا شروعٌ في تفسير قوله تعالى: (وَإذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ)[البقرة: 13] بعد ما فرغ من تفسير قوله: (وَإذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا)[البقرة: 11] على سبيل ترتيب النظم، أي: المسلمون نصحوا المنافقين أولاً: بإزالة ما لا ينبغي وهو الإفساد في الأرض، وثانياً: بتحصيل ما ينبغي وهو الإصلاح بإتباع دين الحق والانخراط في زمرة المؤمنين.

ص: 188

فهو نحو قولك: ألِفٌ: ضربٌ من ثلاثة أحرف. ومنه:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مثل استيعابه النصيحة من قطريها واحتيازها من جانبيها بمن أتى الشيء من جميع أكنافه، وهو مقتبسٌ من قوله تعالى:(لآتِيَنَّهُم مِّنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ومِنْ خَلْفِهِمْ)[الأعراف: 17] أي: لآتينهم في الوسوسة من جميع جهاتها. قال المصنف: ((هذا مثلٌ لوسوسته وتسويله ما أمكنه)).

قوله: (فهو نحو قولك: ألفٌ: ضربٌ) قال صاحب ((الفرائد)): وفيه نظر، لأن ((ضربٌ)) هنا ليس بفعل، و ((لا تفسدوا)) فعلٌ باعتبار، والجملة تذكر بعد القول مفعولاً بها كقولك: قلت لا تفعل، فأقيمت مقام الفاعل بعد ترك الفاعل، وأسند الفعل إليها بالنظر إلى أنها كلام، وقوله:((ضربٌ)) ليس بفعلٍ، يعني أنه تأويل لفظ ((ضَرَبَ)) ولم يرد ب ((ضَرْب)) الإخبار عن الضرب الحاصل في الزمان الماضي، بخلافه في: لا تفسدوا، فإنه أريد به معناه، أي: طلبوا إنشاء عدم الإفساد، غير أن الجملة في مقول بمنزلة المفعول به في فعلٍ آخر، ومنظورٌ إلى كونها كلاماً مفرداً.

وأجيب عنه: أن قوله: ((ألفٌ ضربٌ)) مثل: ((لا تفسدوا)) من حيث الإسناد إلى اللفظ وهذا يكفي في التشبيه، وذلك أن الفعل إذا أسند إليه اعتبار اللفظ لا يخلو إما أن لا يكون للمعنى فيه مدخلٌ رأساً كقولك: ألفٌ ضربٌ من ثلاثة أحرفٍ، أو يكون له مدخلٌ ما، كقوله تعالى:(وَإذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا)[البقرة: 11]. وأما تخصيصه بالمفعول به، ففيه كلام.

قال ابن الحاجب في ((الأمالي)): الجملة الواقعة بعد القول إذا بني لما لم يسم فاعله، تقوم مقام الفاعل كقوله تعالى:(وَإذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا) وكذلك ما أشبهه، لأن القول تحكى بعده الجمل في موضع نصبٍ بالاتفاق، إلا أنها هي مصدرٌ أو مفعولٌ به، وإن قلنا: لا يتعدى، كانت الجملة في

ص: 189

"زعموا: مطية الكذب" و «ما» في (كما) يجوز أن تكون كافة مثلها في: (رُبَما)، ومصدرية مثلها في:(بِما رَحُبَتْ)[التوبة: 25]. واللام في (الناس) للعهد، أي: كما آمن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ومن معه. أو هم ناس معهودون كعبد اللَّه بن سلام وأشياعه لأنهم من جلدتهم ومن أبناء جنسهم، أى: كما آمن أصحابكم وإخوانكم، ........

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

موضع نصبٍ بالمصدر، وكان ثم غير المصدر من المفاعيل أقيم كل واحدٍ مقام الفاعل وإن لم يكن تعين المصدر.

وقال في ((شرح المفصل)): ومتعلق القول في المعنى هو القول، وإنما يكون فيه خصوصيةٌ تذكر خاصيته فيتوهم أنه متعلقٌ به، وليس كذلك.

وتحقيق القول ما ذكره أبو البقاء، قال: القائم مقام الفاعل مصدرٌ وهو القول، وأضمر لأن الجملة بعده تفسره، والتقدير: وإذا قيل لهم قولٌ هو لا تفسدوا.

قوله: (زعموا مطية الكذب) مبتدأٌ وخبر. قال صاحب ((النهاية)): إن الرجل إذا أراد السير إلى بلدٍ والظعن في حاجةٍ، ركب مطيته وسار حتى يقضي أربه، فشبه ما يقدمه المتكلم أمام كلامه ويتوصل به إلى غرضه من قوله: زعموا كذا وكذا، بالمطية التي يتوصل بها إلى الحاجة، وإنما يقال:((زعموا)) في حديثٍ لا سند له ولا ثبت فيه، وإنما يحكى عن الألسن على سبيل البلاغ.

قوله: (من جلدتهم) جملتهم، الجوهري: أجلاد الرجل: جسمه وبدنه، كقولهم: فلانٌ بضعةٌ مني، وفي الحديث ((لحمه لحمي، ودمه دمي)) أي: هو مني ومن جملتي.

ص: 190

أو للجنس، أي: كما آمن الكاملون في الإنسانية. أو جعل المؤمنون كأنهم الناس على الحقيقة، ومن عداهم كالبهائم في فقد التمييز بين الحق والباطل .........

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (أو جعل المؤمنون كأنهم الناس على الحقيقة). اعلم أن التعريف الجنسي يحمل ادعاءً، تارةً على الكمال كما في قوله تعالى:(الم* ذَلِكَ الكِتَابُ)[البقرة: 1 - 2] وقد سبق تقريره، وأخرى على الحصر كما في هذا الوجه، وإليه الإشارة بقوله:((ومن عداهم كالبهائم))، وكان يمكن أن يحمل الأول على الحصر أيضاً، فإن الجنس لا يتعدد، وحين وجد كتبٌ غيره مثل التوراة والإنجيل والزبور، حمل الحصر على الكمال.

قال القاضي: إن اسم الجنس يستعمل لما يستجمع المعاني المخصوصة به والمقصودة منه، ولذلك يسلب عن غيره فيقال: إنه ليس بإنسان.

وقال الإمام في قوله تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ)[البقرة: 185]: وهذا يدل على أن المتقين في قوله تعالى: (هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ) هم كل الناس، فمن لا يكون متقياً كأنه ليس بناس.

الراغب: كل اسم نوعٍ فإنه يستعمل على وجهين: أحدهما دلالةٌ على المسمى وفضلاً بينه وبين غيره، والثاني: لوجود المعنى المختص به، وذلك هو الذي يمدح به في نحو:

إذ الناس ناسٌ والزمان زمان

وذلك أن كل ما أوجده الله تعالى في هذا العالم جعله صالحاً لفعلٍ خاصٍّ ولا يصلح لذلك العمل سواه، كالفرس للعدو الشديد، والبعير لقطع الفلاة البعيدة، وعلى ذلك الجوارح كاليد والرجل والعين، والإنسان أوجد لأن يعلم ويعمل بحسبه، فكل شيءٍ لم يوجد كاملاً لما خلق له، لم يستحق اسمه مطلقاً، بل قد ينفى عنه كقولهم: فلانٌ ليس بإنسانٍ، أي: لا يوجد فيه المعنى

ص: 191

والاستفهام في (أَنُؤْمِنُ) في معنى الإنكار. واللام في (السُّفَهاءُ) مشارٌ بها إلى الناس، كما تقول لصاحبك: إن زيداً قد سعى بك، فيقول: أو قد فعل السفيه. ويجوز أن تكون للجنس، وينطوى تحته الجاري ذكرهم على زعمهم واعتقادهم؛

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الذي قد خلق لأجله، فقوله تعالى:(وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ)[البقرة: 10] هو اسم جنسٍ لا غير، وقوله:(كَمَا آمَنَ النَّاسُ)[البقرة: 13] معناه كما يفعل من وجد فيه تمام فعل الإنسانية الذي يقتضيه العقل والتمييز وهم الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.

قوله: (مشارٌ بها إلى الناس) وهم المار ذكرهم آنفاً، وهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، أو عبد الله بن سلام وأشياعه؛ لأن السفهاء عبارةٌ عن الناس، ويتغير معنى السفهاء بتغير إرادة معنى الناس، من كونه جنساً أو عهداً على كلا التقديرين فيه.

قوله: (أو قد فعل السفيه! ) قال شارح ((الهادي)): اللام في ((السفهاء)) للعهد: وذلك أن لام العهد منها ما يجيء من غير نكرة، وذلك بأن يذكر اسمٌ يستدعي صفةً، فتذكر الصفة معرفةً باللام، كما إذا قيل: شتمك زيدٌ، فتقول: أو قد فعل السفيه! فإن قوله: شتمك زيدٌ، تنبيه على سفاهة زيدٍ، كأنه قال: اعترض لك سفيهٌ. وقد يجيء على غير هذا الحد، وهو أن يكون زيدٌ مشهوراً بصفةٍ، فمتى ذكر زيدٌ علم صفته. والآية تنزل على الوجهين: أما أولاً، فلأن صفة الإيمان عندهم تستدعي صفة السفاهة، فلما ذكر الإيمان ذكر الصفة معرفةً، وأما ثانياً: فلأن المؤمنين عندهم مشهورون أو مجبولون على السفاهة، فكلما ذكروا بادر معنى السفاهة إلى أذهانهم الخبيثة.

قوله: (وينطوي تحته الجاري ذكرهم) فعلى هذا اسم الجنس شاملٌ لهؤلاء وغيرهم، ولما كان سوق الكلام لهؤلاء دخلوا فيه دخولاً أولياً، وهذا أبلغ لما فيه من الكناية كقوله تعالى:(فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الكَافِرِينَ)[البقرة: 89] واللام في "الكافرين" للجنس.

ص: 192

لأنهم عندهم أعرق الناس في السفه. فإن قلت: لم سفهوهم واستركوا عقولهم، وهم العقلاء المراجيح؟ قلت: لأنهم لجهلهم وإخلالهم بالنظر وإنصاف أنفسهم، اعتقدوا أن ما هم فيه هو الحق وأن ما عداه باطل، ومن ركب متن الباطل كان سفيها ولأنهم كانوا في رياسة وسطة في قومهم ويسار، وكان أكثر المؤمنين فقراء ومنهم موال كصهيب وبلال وخباب، فدعوهم سفهاء تحقيرا لشأنهم. أو أرادوا عبد اللَّه بن سلام وأشياعه ومفارقتهم دينهم وما غاطهم من إسلامهم،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (أعرق الناس في السفه)، الأساس: فلانٌ معرقٌ في الكرم واللؤم، وهو عريق فيه، وفلانٌ يعارق صاحبه: يفاخره بعرقه، واعترقت الشجرة: ضربت بعروقها.

قوله: (استركوا عقولهم) أي: عدوا عقولهم ركيكةً.

قوله: (المراجيح) جمع مرجاح، وهو الذي له رزانة العقل ورصانته. قال في ((الأساس)): ومن المجاز: رجلٌ راجح العقل، وقومٌ مراجيح الحلم.

قوله: (لأنهم لجهلهم) هذا الجواب مبنيٌّ على أن اللام في ((السفهاء)) للجنس، وقوله:((ولأنهم كانوا في رئاسةٍ)) على أن اللام للعهد. والمراد به رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه. وقوله: ((أو عبد الله بن سلام)) عطفٌ على قوله: ((ولأنهم كانوا في رئاسةٍ)) فاللام للعهد أيضاً.

المعنى: أرادوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لأنهم كانوا في رئاسةٍ، أو أرادوا عبد الله بن سلام، فرجع معنى نسبتهم السفهاء على أن اللام للجنس إلى أن ما هم فيه هو الحق، وأن ما عداه هو الباطل؛ لعموم ((من)) في قوله:((ومن ركب متن الباطل كان سفيهاً)) فيدخل فيه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وعبد الله وأشياعه، ورجع على تقدير العهد: إما إلى أن اليسار والرئاسة هو الرشد، والفقر والعدم هو السفه. هذا بالنسبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وإما إلى أن من ثبت على دينهم هو الرشيد، ومن فارقه هو السفيه هذا بالنسبة إلى عبد الله وأشياعه.

ص: 193

وفت في أعضادهم. قالوا ذلك على سبيل التجلد توقياً من الشماتة بهم مع علمهم أنهم من السفه بمعزل، والسفه سخافة العقل وخفة الحلم. فان قلت: فلم فصلت هذه الآية بـ: (لا يَعْلَمُونَ)، والتي قبلها ب:(لا يَشْعُرُونَ)؟ قلت: لأن أمر الديانة والوقوف على أن المؤمنين على الحقّ وهم على الباطل، يحتاج إلى نظر واستدلال حتى يكتسب الناظر المعرفة، وأما النفاق وما فيه من البغي المؤدّى إلى الفتنة والفساد في الأرض فأمر دنيوىّ مبنى على العادات، معلوم عند الناس، خصوصا عند العرب في جاهليتهم وما كان قائما بينهم من التغاور والتناحر والتحارب والتحازب، فهو كالمحسوس المشاهد؛

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وفت في أعضادهم)، الأساس: وفت في عضده: إذا كسر قوته، وفرق عنه أعوانه.

قوله: (لم فصلت) التفصيل من الفاصل كالتقفية من القافية. وفصلت الآية إذا جعل لها فاصلة. وهذا مما يقوي مذهبنا في الخطبة في قوله: ((فصله سوراً وسورة آيات)).

قوله: (من التغاور والتناحر)، الأساس: صبحتهم الغارة، وبينهم التغاور والتناحر، وانتحروا على الأمر، وتناحروا عليه: تشاجروا، وحزب قومه فتحزبوا، أي: صاروا طوائف، وفلانٌ يحازب فلاناً: ينصره ويعاونه، وإنما قال: كالمحسوس، لأن المذكورات معانٍ لكن أماراتها ظهرت ظهور المحسوس.

قوله: (فهو كالمحسوس) قيل: دخول الفاء فيه: إما لتضمن المبتدأ وهو قوله: ((وما كان قائماً)) معنى الشرط، وإما للعطف على قوله:((وأما النفاق)) إلى آخره. ثم إن قوله: ((وإما النفاق)) إلى قوله: ((في جاهليتهم)) تفسيرٌ للآية الأولى من الآيتين المفصلتين ب ((لا يشعرون))، وقوله:((وما كان قائماً)) إلى قوله: ((كالمحسوس المشاهد)) للآية الثانية فتدبر.

وقلت: والتحقيق فيه أن قوله: ((وما فيه من البغي)) عطفٌ تفسيريٌّ على ((النفاق))

ص: 194

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

و((ما كان قائماً بينهم)) عطفٌ على ((جاهليتهم)) على نحو: أعجبني زيدٌ وكرمه؛ لاستدعاء الضمير في ((بينهم)) أن يكون المرجع إليه العرب. وقوله: ((فأمرٌ دنيوي)) جواب ((أما)). قوله: ((فهو كالمحسوس)) عطفٌ على ((فأمرٌ دنيوي)) مترتبٌ عليه. وأما مع ما بعده عطفٌ على قوله: ((لأن أمر الديانة)) من حيث المعنى، لأن ((أما)) تفصيليةٌ تستدعي التثنية والتكرير.

وتلخيص المعنى: أما أمر الديانة، فأمرٌ أخرويٌّ يحتاج إلى دقة نظرٍ، فلذلك فصلت الآية التي اشتملت على الإيمان بقوله:(لاَّ يَعْلَمُونَ)، وأما أمر البغي والفساد فأمرٌ دنيويٌّ فهو كالمحسوس المشاهد لا يحتاج إلى دقة نظر، فلذلك فصلت الآية ب ((لا يشعرون)).

الراغب: أصل الشعور من الشعر، ومنه الشعار: الثوب الذي يلي الجسد. وشعرت كذا يستعمل على وجهين: تارةً يؤخذ من مس الشعر، ويعبر به عن اللمس، وعنه استعمل المشاعر للحواس، فإذا قيل: فلانٌ لا يشعر، فذلك أبلغ في الذم من قولهم: إنه لا يسمع ولا يبصر؛ لأن حس اللمس أعم من حس السمع والبصر، وتارةً يقال: شعرت كذا، أي: أدركت شيئاً. وقالوا: فلانٌ يشق الشعر في كذا، إذا دقق النظر فيه، ومنه أخذ الشاعر لإدراكه دقائق المعاني.

فظهر أن ((شعرت)) يستعمل بمعنى: أحسست، وبمعنى أدركت وفطنت، فقوله:(وَمَا يَشْعُرُونَ) في الآية الأولى نفيٌ للإحساس عنهم، وفي هذه الآية نفي الفطنة، لأن معرفة الصلاح والفساد تدرك بالفطنة، وفي الآية التي بعدهما نفي العلم، وفي نفيها على هذه الوجوه تنبيهٌ لطيفٌ ومعنىً دقيقٌ، وذلك أنه بين في الأول أن في استعمالهم الخديعة نهايةً للجهل الدال على عدم الحس، وفي الثاني: أنهم لا يفطنون، تنبيهاً على أن ذلك لازمٌ لهم؛ لأن من لا حس له لا فطنة له، وفي الثالث: أنهم لا يعلمون، تنبيهاً أن ذلك أيضاً لازمٌ لهم لأن من لا فطنة له، لا علم له.

ص: 195

ولأنه قد ذكر السفه، وهو جهل فكان ذكر العلم معه أحسن طباقا له. مساق هذه الآية بخلاف ما سيقت له أوّل قصة المنافقين فليس بتكرير، لأن تلك في بيان مذهبهم والترجمة عن نفاقهم، وهذه في بيان ما كانوا يعملون عليه مع المؤمنين من التكذيب لهم والاستهزاء بهم ولقائهم بوجوه المصادقين وإيهامهم أنهم معهم، فإذا فارقوهم إلى شطار دينهم صدقوهم ما في قلوبهم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ولأنه قد ذكر السفه) جوابٌ آخر عن السؤال وهو من باب المطابقة المعنوية، إذ لو كانت لفظيةً لقيل: لا يرشدون، فإن الرشد مقابلٌ للسفه، أو قيل: ألا إنهم هم الجهلاء ليقابل ((لا يعلمون)).

قوله: (مساق هذه الآية) أي قوله: (وَإذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا)[البقرة: 14] بخلاف ما سيقت له أول قصة المنافقين، أي: قوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا) المعنى: دلت الآية الأولى على بيان ما يعتقده المنافقون، فيندرج في ذلك القول من هو موسومٌ بسمة النفاق، لأنه لا معنى للنفاق شرعاً سوى ذلك، وهي بمنزلة حدهم ليمتازوا به عن قسمتهم. والثانية: على بيان الحالة المخصوصة بأولئك مع المؤمنين ومع أصحابهم، وتحريره أن قوله تعالى:(وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ) إبداء لخبثهم ونكرهم، وكشفٌ عن إفراطهم في الدعارة وادعاء أنهم مثل المؤمنين في الإيمان الحقيقي، وأنهم أحاطوه من جانبيه، ومن ثم نفى ذلك عنهم بقوله:(وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ) وفسر بقوله تعالى: (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا)[البقرة: 9] وعلل بقوله: (فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ)[البقرة: 10] وأن قوله تعالى: (وَإذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا)[البقرة: 14] بيانٌ لدأبهم وعادتهم، وأنهم حين استقبلوا المؤمنين دفعوهم عن أنفسهم بقولهم:(آمَنَّا) استهزاءاً وسخريةً، ولذلك أتى بالجملة الشرطية، وعقب بقوله:(اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ)[البقرة: 15].

قوله: (من التكذب لهم) التكذب تكرير الكذب في مهلةٍ نحو تجرعه.

قوله: (إلى شطار دينهم)، الجوهري: الشطار: جمع شاطرٍ، وهو الذي أعيا أهله خبثاً.

ص: 196

وروي أن عبد اللَّه بن أبىّ وأصحابه خرجوا ذات يوم فاستقبلهم نفر من أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فقال عبد اللَّه: انظروا كيف أردّ هؤلاء السفهاء عنكم، فأخذ بيد أبى بكر فقال: مرحبا بالصدّيق سيد بنى تيم وشيخ الإسلام وثانى رسول اللَّه في الغار، الباذل نفسه وماله لرسول اللَّه. ثم أخذ بيد عمر فقال: مرحبا بسيد بنى عدىّ الفاروق القوىّ في دين اللَّه، الباذل نفسه وماله لرسول اللَّه. ثم أخذ بيد علىّ فقال: مرحباً بابن عم رسول اللَّه وختنه سيد بنى هاشم ما خلا رسول اللَّه. ثم افترقوا فقال لأصحابه: كيف رأيتمونى فعلت؟ فأثنوا عليه خيراً، فنزلت. ويقال لقيته ولاقيته إذا استقبلته قريباً منه،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (سيد بني تميم) وفي بعض النسخ، وهو خطأٌ لما في ((الجامع)): هو أبو بكر عبد الله بن عثمان أبي قحافة بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي، وكذا: عبد الله بن عثمان أبي قحافة بن عامر بن عمرو في ((الاستيعاب)).

قوله: (لقيته ولاقيته؛ إذا استقبلته) قال شارح ((الهادي)): وقد يفسر الكلام ب ((إذا)) تقول: عسعس الليل: إذا أظلم تفسيراً لعسعس، لكنك إذا فسرت جملةً فعليةً مستندةً إلى ضمير المتكلم ب ((أي)) ضممت تاء الضمير، فتقول: استكتمته سري، أي: سألته كتمانه، بضم تاء ((سألته))، لأنك تحكي كلامه المعبر عن نفسه، وإذا فسرتها بـ ((إذا)) فتحت فقلت: إذا سألته كتمانه، لأنك تخاطبه، أي: أنك تقول ذلك إذا فعلت ذلك الفعل، وأنشدوا في ذلك المعنى:

إذا كتبت بـ ((أي)) فعلاً تفسره

فضم تاءك فيه ضم معترف

وإن تكن بـ ((إذا)) يوماً تفسره

ففتحة التاء أمرٌ غير مختلف

ص: 197

وهو جاري ملاقي ومراوقي. وقرأ أبو حنيفة: وإذا لاقوا. وخلوت بفلان وإليه، إذا انفردت معه. ويجوز أن يكون من «خلا» بمعنى: مضى، و"خلاك ذمّ": أى عداك ومضى عنك. ومنه: القرون الخالية، ومن «خلوت به» إذا سخرت منه. وهو من قولك: خلا فلان بعرض فلان يعبث به. ومعناه: وإذا أنهوا السخرية بالمؤمنين إلى شياطينهم وحدّثوهم بها. كما تقول: أحمد إليك فلاناً، وأذمّه إليك. و (شياطينهم): الذين ماثلوا الشياطين في تمرّدهم. وقد جعل سيبويه نون الشيطان في موضع من كتابه أصلية، وفي آخر زائدة. والدليل على أصالتها قولهم: تشيطن، واشتقاقه من «شطن» إذا بعد لبعده من الصلاح والخير. ومن «شاط» إذا بطل إذا جعلت نونه زائدة. ومن أسمائه:"الباطل".

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قال بعض الشارحين ل ((المفصل)): وسره أن ((أي)) تفسيرٌ فينبغي أن يطابق ما بعدها لما قبلها، والأول مضموم، فالثاني مثله، و ((إذا)) شرطٌ تعلق بقول المخاطب على فعله الذي ألحقه بالضمير فمحالٌ فيه الضم.

قوله: (ومرواقي) مخففاً؛ معناه: رواق بيتي لي رواق بيته.

النهاية: الرواق: هو ما بين يدي البيت، وقيل: رواق البيت: سماوته.

قوله: (خلوت بفلانٍ وإليه)، الأساس: خلا بنفسه: انفرد، واستخليت الملك فأخلاني، أي: خلا معي. ومن المجاز: خلى فلانٌ مكانه: مات، ولا أخلى الله مكانك: دعاءٌ بالبقاء، وخلا به: سخر به وخدعه؛ لأن الساخر والمخادع يخلوان به، يريان النصح والخصوصية، وتضمن خلا معنى الإنهاء. قال السجاوندي:(وَإذَا خَلَوْا إلَى شَيَاطِينِهِمْ) في معرض أفضوا، أي: خلوا من المؤمنين إلى الشياطين، وهو أبلغ من قولك بشياطينهم.

قوله: (كما تقول: أحمد إليك) أي: ضمن ((أحمد)) معنى الإنهاء، أي: أنهي إليك حمد فلان. النهاية: في حديث ابن عباس: ((أحمد إليكم غسل الإحليل)) أي: أرضاه لكم وأتقدم فيه إليكم.

ص: 198

(إِنَّا مَعَكُمْ) إنا مصاحبوكم وموافقوكم على دينكم. فإن قلت: لم كانت مخاطبتهم المؤمنين بالجملة الفعلية، وشياطينهم بالاسمية محققة بأن؟ قلت: ليس ما خاطبوا به المؤمنين جديراً بأقوى الكلامين وأوكدهما، لأنهم في ادّعاء حدوث الإيمان منهم ونشئه من قبلهم، لا في ادعاء أنهم أوحديون في الإيمان غير مشقوق فيه غبارهم، وذلك إما لأنّ أنفسهم لا تساعدهم عليه، إذ ليس لهم من عقائدهم باعث ومحرّك، وهكذا كل قول لم يصدر عن أريحية وصدق رغبة واعتقاد. وإما لأنه لا يروج عنهم لو قالوه على لفظ التوكيد والمبالغة. وكيف يقولونه ويطمعون في رواجه وهم بين ظهراني المهاجرين والأنصار الذين مثلهم في التوراة والإنجيل؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (أريحية)، الجوهري: الأريحي: الواسع الخلق. قال في ((النهاية)): رجلٌ أريحيٌّ إذا كان سخيًّا يرتاح للندى ويحبه.

قوله: (لا يروج عنهم لو قالوه على لفظ التوكيد) يشهد بذلك أنهم لما قالوا: (نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ)[المنافقون: 1] على سبيل التوكيد أجيبوا بقوله: (واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ)[المنافقون: 1] أي: فيما ادعوا أن تلك الشهادة من صميم قلوبهم.

قوله: (ظهراني المهاجرين)، النهاية: في قوله: فأقاموا بين ظهرانيهم، أي: أقاموا بينهم على سبيل الاستظهار والاستناد إليهم، وزيدت فيه ألفٌ ونونٌ مفتوحةٌ تأكيداً، ومعناه: أن ظهراً منهم قدامه، وظهراً وراءه، فهو مكنوفٌ من جانبيه، ثم كثر حتى استعمل في الإقامة بين القوم مطلقاً.

قوله: (الذين مثلهم في التوراة والإنجيل) يعني أن الله تعالى مدحهم في هذين الكتابين على لسان ذينك الرسولين بهذه الأوصاف التي دلت على رجاحة عقولهم وشدة ذكائهم وصلابتهم في دين الله، ومن ثم علل التمثيل بقوله:(لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفَّارَ)[الفتح: 29] فكيف تروج عندهم تصلفاتهم.

ص: 199

ألا ترى إلى حكاية اللَّه قول المؤمنين: (رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا)[آل عمران: 16]؟

وأما مخاطبة إخوانهم، فهم فيما أخبروا به عن أنفسهم من الثبات على اليهودية،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ألا ترى إلى حكاية الله) استئنافٌ على تقدير سؤالٍ، كأن قائلاً يقول: لزم من قولك: إنهم لو ساعدتهم أنفسهم عليه أو روج عنهم ما قالوه، لأكدوا كلامهم، وما أمارة ذلك؟ فقيل: ألا ترى أن المسلمين كيف أوردوا في مثل هذا التركيب ما قدروا عليه من التأكيد لنا أنهم كانوا أوحديين فيه، فساعدتهم أنفسهم عليه، وكان ذلك مقبولاً منهم. وحاصل التأويل: أن معنى التوكيد الذي تعطيه ((إن)) ها هنا ليس راجعاً إلى المخاطب في إزالة تردده أو نفي شكه، بل إلى المتكلم في إظهار نشاطه ووفور ارتياحه إيذاناً بأن المقام خليقٌ بالإطناب وإبداء ارتياحه ونشاطه، وإعلاماً بأن السامع يتلقاه بالقبول، ويصغي إليه بشراشره.

فإن قلت: فكيف سمحت أريحيتهم حتى قالوا: آمنا بالله وباليوم الآخر بتكرير الباء المؤكدة، أم كيف ادعوا أنهم اختاروا الإيمان من جانبيه، واكتنفوه من قطريه، وهم بين ظهراني أولئك المتوسمين؟

قلت: ولذلك قال: ((مساق هذه الآية بخلاف ما سيقت له أول قصة المنافقين)) لأن مساق تلك للتقية ولخداعهم ودعوى أنهم مثل المؤمنين في الإيمانين ليجروا عليهم أحكامهم، ويعفوهم من المحاربة والمقاتلة. يؤيده بيانه بقوله:(يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا)[البقرة: 9] فهو جديرٌ بالتوكيد، ومساق هذه مساق الاستهزاء والاستخفاف بعد استقرار تلك الدعوى، فهو بالخلو عن التوكيد أحرى.

قوله: (وأما مخاطبة إخوانهم) عطفٌ على قوله: ((ليس ما خاطبوا به المؤمنين)).

ص: 200

والقرار على اعتقاد الكفر، والبعد من أن يزلوا عنه على صدق رغبة ووفور نشاط وارتياح للتكلم به، وما قالوه من ذلك فهو رائج عنهم متقبل منهم، فكان مظنة للتحقيق ومئنة للتوكيد. فإن قلت: أنى تعلق قوله: (إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ) بقوله: (إِنَّا مَعَكُمْ)؟ قلت: هو توكيد له؛ لأن قوله: (إِنَّا مَعَكُمْ) معناه الثبات على اليهودية، .......

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (على صدق رغبةٍ) خبرٌ عن قوله: ((فهم فيما أخبروا به)).

قوله: (مظنةً للتحقيق)، النهاية: المظنة بكسر الظاء: موضع الشيء ومعدنه. والقياس فتح الظاء وإنما كسرت لأجل الهاء.

قوله: (ومئنةً للتوكيد)، الفائق: في الحديث ((إن طول الصلاة وقصر الخطبة مئنةٌ من فقه الرجل المسلم)) قال أبو زيد: إنه لمئنةٌ من ذاك، وإنهن لمئنة، أي: مخلقة، وكل شيءٍ دلك على شيءٍ فهو مئنةٌ له، وحقيقتها: أنها مفعلةٌ من معنى ((إن)) التأكيدية غير مشتقةٍ من لفظها؛ لأن الحروف لا يشتق منها، وإنما ضمنت حروف تركيبها لإيضاح الدلالة على أن معناها فيها.

قوله: (قلت: هو توكيدٌ) يرجع حاصل الجواب إلى وجوهٍ ثلاثةٍ لاحتمال (إنَّا مَعَكُمْ) على طريق الكناية أموراً ثلاثة.

أحدها: إنا على دينكم ومذهبكم فيصح توكيده إذن بقوله: (إنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ) بمعنى ندفع دين مخالفيكم بالاستهزاء.

ص: 201

وقوله: (إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ) ردّ للإسلام ودفع له منهم، لأن المستهزئ بالشيء المستخف به منكر له ودافع لكونه معتدا به، ودفع نقيض الشيء تأكيد لثباته أو بدل منه، لأن من حقر الإسلام فقد عظم الكفر. أو استئناف، كأنهم اعترضوا عليهم حين قالوا لهم:(إِنَّا مَعَكُمْ)، فقالوا: فما بالكم إن صح أنكم معنا توافقون أهل الإسلام فقالوا: (إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ). والاستهزاء: السخرية والاستخفاف، .........

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وثانيهما: إنا مصاحبوكم في دينكم، لا نفارقكم لاحترامكم؛ لأن من توخى تعظيم الشيء لا يفارقه، فحينئذٍ يستقيم بيانه وتفسيره بقوله:(إنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ)؛ لأن مَنْ وضع مِن مقدار العدو وحقر شأنه، فقد عظم قدر وليه، فكان قوله:(إنَّا مَعَكُمْ) كالتوطئة؛ لأن من حق الظاهر أن يقولوا لأصحابهم: (إنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ) بعد قولهم للمؤمنين: (آمَنَّا) والفرق: أنه جعل الجملة الثانية في تأويل الأولى في الأول ليصح التوكيد، وبالعكس في الثاني ليستقيم التفسير، هذا على تقدير أن يكون بدل الكل تفسيراً للمبدل كما سبق في ((الفاتحة)). ويجوز أن يقال: إن قوله: (إنَّا مَعَكُمْ) دل على تعظيم الكفر، وقوله:(إنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ) دل على تحقير الإسلام، ولزم من مفهومه تعظيم الكفر كما قال المصنف ((لأن من حقر الإسلام فقد عظم الكفر)) فقد اشتمل الثاني على معنى الأول مع الزيادة. والفرق بين هذا الوجه وبين الأول، وهو كونه تأكيداً أو تفسيراً: أنه اعتبر في الأول مفهوم الثاني، لتقرير المعنى الأول، واعتبر في هذه العبارة والمفهوم معاً، ولا بعد فيه؛ لأن الكناية لا تنافي إرادة الحقيقة.

وثالثها: إنا موافقوكم وموالوكم، فإن هذا القول يحمل أصحابهم لأن ينكروا عليهم ويقولوا: إن صح أنكم معنا فما بالكم توافقون أهل الإسلام في الإيمان؟ فقالوا: (إنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ) يعني نظهر لهم الموافقة على دينهم لنقف على أسرارهم ونأخذ من أموالهم وغنائمهم.

قوله: (والاستهزاء: السخرية)، الراغب: الاستهزاء: ارتياد الهزء، وإن كان قد يعبر به

ص: 202

وأصل الباب الخفة من الهزء؛ وهو القتل السريع. وهزأ يهزأ: مات على المكان. عن بعض العرب: مشيت فغلبت فظننت لأهز أنّ على مكاني. وناقته تهزأ به: أى تسرع وتخف. فإن قلت: لا يجوز الاستهزاء على اللَّه تعالى، لأنه متعال عن القبيح، والسخرية من باب العيب والجهل. ألا ترى إلى قوله:(قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ)، فما معنى استهزائه بهم؟ قلت: معناه إنزال الهوان والحقارة بهم، لأنّ المستهزئ غرضه الذي يرميه هو طلب الخفة والزراية ممن يهزأ به، وإدخال الهوان والحقارة عليه، والاشتقاق -كما ذكرنا- شاهد لذلك

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عن تعاطي الهزء كالاستجابة في كونها ارتياداً للإجابة وإن كان قد يجري مجرى الإجابة.

قوله: (فلغبت)، الجوهري: اللغوب: الإعياء، تقول منه: لغب يلغب بالضم لغوباً ولغبت بالكسر لغةٌ ضعيفة.

قوله: (لأن المستهزئ غرضه الذي يرميه هو طلب الخفة) فيه إشارةٌ إلى ما سبق من القانون في (غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ)[الفاتحة: 7] فالاستهزاء من المخلوق: الفعل الذي يصدر من الجاهل عبثاً، وغرضه فيه طلب هوان المستهزأ به، فيحمل ها هنا على المعنى الثاني دون الأول، وهو من باب إطلاق السبب على المسبب، ثم في قوله:((غرضه)) مع قوله ((يرميه)) رعاية التناسب، فإن الرامي يرمي الغرض، أي: الهدف.

قوله: (والزراية بمن يهزأ به) قيل: الزراية تعدى ب ((على))، وإنما عدي هنا بالباء لتضمنه معنى استخف. الأساس: أزريت به: قصرت به وحقرته، وزريت عليه فعله: عبته وعنفته.

قوله: (والاشتقاق كما ذكرنا) وهو قوله: ((أصل الباب الخفة من الهزء)).

ص: 203

وقد كثر التهكم في كلام اللَّه تعالى بالكفرة. والمراد به تحقير شأنهم وازدراء أمرهم، والدلالة على أن مذاهبهم حقيقة بأن يسخر منها الساخرون ويضحك الضاحكون. ويجوز أن يراد به ما مر في:(يُخادِعُونَ) من أنه يجرى عليهم أحكام المسلمين في الظاهر، وهو مبطن بادخار ما يراد بهم، وقيل: سمى جزاء الاستهزاء باسمه كقوله: (وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها)[الشورى: 40]، (فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ) [البقرة: 194].

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وقد كثر التهكم)، النهاية: في حديث أسامة: ((فخرجت في أثر رجلٍ منهم جعل يتهكم بي))، أي: يستهزئ ويستخف.

قوله: (والدلالة على أن مذاهبهم) إلى آخره، يعني: أن الاستهزاء مما يذم من الأخلاق، وكاد أن يكون حراماً، فلا يجوز إسناده إلى أدون الخلق، فإسناده إلى الله تعالى لإيذانٌٌ بالمبالغة في ذم مذهبهم. المعنى: أن مذهبهم مكان الاستهزاء وموقعه، وحقيقٌ على كل عالمٍ كاملٍ أن يوقع الاستهزاء فيه، فإنه قد أذن الله فيه، وندب إليه.

قوله: (ما مر في (يُخَادِعُونَ)) أي: في الوجه الأول م الوجوه المذكورة فيه، وذلك بأن شبه صورة صنع الله معهم حيث أمر بإجراء أحكام المسلمين عليهم بصورة صنع الخادع، كذلك شبه صورة صنع الله من إجراء أحكام المسلمين عليهم في الظاهر- وهو مبطنٌ بادخار العذاب- صورة صنع الهازئ مع المهزوء به، وهو من الاستعارة التبعية.

قوله: (وهو مبطنٌ) الضمير فيه لقوله: ((إجراء للأحكام))، المدلول عليه بقوله:((يجرى)) قيل: ثوبٌ مبطنٌ بالقطن إذا كان حشوه قطناً. المعنى: أجرى عليهم أحكام المسلمين من الموارثة والمناكحة وغيرهما، وفي ضمن هذا ما يراد بهم من العذاب والهوان، كما أنك إذا أحسنت إلى صاحبك وفي ضمنه ما يورث الهوان، فإنه إذا وقف على فعلك قال لك: أتسخر مني وتستهزئ بي.

ص: 204

فإن قلت: كيف ابتدئ قوله: (اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ) ولم يعطف على الكلام قبله «1» . قلت: هو استئناف في غاية الجزالة والفخامة. وفيه أن اللَّه عز وجل هو الذي يستهزئ بهم الاستهزاء الأبلغ، الذي ليس استهزاؤهم إليه باستهزاءٍ،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (هو استئنافٌ في غاية الجزالة) قيل: بيان الجزالة هو: أن حكاية حال المنافقين في الذي قبله لما كانت تحرك السامعين أن يسألوا: ما مصير أمرهم، وعقبى حالهم، وكيف معاملة الله إياهم؟ لم يكن من البلاغة أن يعرى الكلام عن الجواب، فلزم المصير إلى الاستئناف.

وقلت: ما ذكر بيانٌ لكيفية ورود الاستئناف في هذا المقام، لا بيان جزالته، إذ حقيقة الاستئناف هو أن تجعل الجملة السابقة كالمورد للسؤال، فيجاب بالجملة الثانية، وقول المصنف:((في غاية الجزالة)) يقتضي أمراً آخر، وتقريره أن يقال: كان من مقتضى الظاهر أن تصدر الجملة باسم المؤمنين، لأن المستهزأ بهم هم كما في قوله تعالى:(إنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ* وإذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ)[المطففين: 29 - 30] إلى قوله تعالى: (فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفَّارِ يَضْحَكُونَ)[المطففين: 34]، فلما صدرت بذكر اسم الله الجامع لجميع الصفات وبنى الخبر عليه ليتقوى الحكم، وأبرز الفعل على صيغة المضارع المؤذن بالاستمرار لاستدعاء الجواب، ليكون أبلغ من كلامهم، دل ذلك كله على جزالة الاستئناف وفخامته، ولزم منه تعظيم جانب المؤمنين، وأنه تعالى هو الذي يتولى الاستهزاء البليغ بنفسه تعالى. وكفى الله المؤمنين القتال.

وقد أشار إلى هذه المعاني بقوله: ((وفيه أن الله هو الذي يستهزئ بهم)) وقوله: ((وفيه أن الله

ص: 205

ولا يؤبه له في مقابلته، لما ينزل بهم من النكال ويحل بهم من الهوان والذل. وفيه أن اللَّه هو الذي يتولى الاستهزاء بهم انتقاما للمؤمنين، ولا يحوج المؤمنين أن يعارضوهم باستهزاء مثله. فان قلت: فهلا قيل اللَّه مستهزئ بهم ليكون طبقا لقوله: (إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ) قلت: لأن (يستهزئ) يفيد حدوث الاستهزاء وتجدده وقتا بعد وقت، .......

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هو الذي يتولى الاستهزاء بهم. وقد أتى في التفسير ب ((أن)) ووسط الجملة ضمير الفصل المؤذن بالاختصاص ليشير إلى أن بناء ((يستهزئ)) على ((الله)) مفيدٌ للاختصاص، ولهذا نفى احتياج المؤمنين إلى الاستهزاء بقوله:((ولا يحوج المؤمنين إلى أن يعارضوهم)).

وقد نص في ((المزمل)) في قوله: (واللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ والنَّهَارَ)[المزمل: 20] أنه مفيدٌ للاختصاص.

قوله: (لا يؤبه له)، النهاية: في الحديث ((لا يؤبه له)) أي: لا يحفل به لحقارته.

قوله: (وقتاً بعد وقت) أي: حالاً فحالاً على الاستمرار، وإفادة الفعل المضارع ذلك من اقتضاء المقام، فإنك إذا قلت في مقام المدح: فلانٌ يقري الضيف ويحمي الحريم، عنيت أنه اعتاده واستمر عليه، لا أنك تخبر عنه بأنه سيفعله، فكذا أنه تعالى يخبر أن معاملته مع هؤلاء القوم إنما تقع على هذه الحالة، وإليه الإشارة بقوله:((وهكذا كانت نكايات الله فيهم)).

ويمكن أن يقال: إن هذا الاستمرار أبلغ من الدوام الذي يعطيه معنى الجملة الاسمية؛ لأن النفس إذا اعتادت الشيء ألفته ولا تحب مفارقته، قال:

ص: 206

وهكذا كانت نكايات اللَّه فيهم وبلاياه النازلة بهم (أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ) وما كانوا يخلون في أكثر أوقاتهم من تهتك أستار وتكشف أسرار، ونزول في شأنهم واستشعار حذر من أن ينزل فيهم (يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ)، (قُلِ اسْتَهْزِؤُا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ) [التوبة: 64].

وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ من مدّ الجيش وأمده إذا زاده وألحق به ما يقويه ويكثره. وكذلك مدّ الدواة وأمدها: زادها ما يصلحها. ومددت السراج والأرض؛ .......

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ألفت الضنى لما تطاول مكثه

فلو زال عن جسمي بكته الجوارح

الانتصاف: على الاستمرار جاء قوله تعالى: (إنَّا سَخَّرْنَا الجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ والإشْرَاقِ (18) والطَّيْرَ مَحْشُورَةً) [ص: 18 - 19] لما كان التسبيح من الوظائف المتكررة أتى فيه بالفعل، وحشر الطير أمرٌ دائمٌ فذكر فيه اسم المفعول.

قوله: (نكايات الله فيهم)، النهاية: يقال: نكيت في العدو أنكي نكاية؛ إذا أكثرت فيه الجراح والقتل، فوهنوا لذلك، وقد يهمز تقول: نكأت القرحة أنكؤها: إذا قشرتها.

قوله: (واستشعار حذرٍ)، الجوهري: استشعر فلانٌ خوفاً، أي: أضمره.

قوله: (من أن ينزل فيهم) أي: في شأنهم وحقهم ما يفتضحون به، ويكشف عن دغلهم وسوء دخلتهم، ومع ذلك لم يكن ينفعهم ذلك الاستشعار حيث كان ينزل الله تعالى ما كانوا يحذرون منه، واستشهد لذلك بقوله:(يَحْذَرُ المُنَافِقُونَ) الآية [التوبة: 64].

قوله: (من: مد الجيش وأمده) فمعنى (وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ)[البقرة: 15] نوليهم ونعطيهم مدداً في الطغيان، من مد الجيش، أي: أعطاهم مدداً.

ص: 207

إذا استصلحتهما بالزيت والسماد. ومده الشيطان في الغى وأمده: إذا واصله بالوساوس حتى يتلاحق غيه ويزداد انهما كافيه. فإن قلت: لم زعمت أنه من المدد دون المد في العمر والإملاء والإمهال؟ قلت: كفاك دليلا على أنه من المدد دون المد قراءة ابن كثير وابن محيصن: (وَيَمُدُّهُمْ)، وقراءة نافع:(وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ)[الأعراف: 202]، على أن الذي بمعنى أمهله إنما هو مدّ له مع اللام كأملى له. فان قلت: فكيف جاز أن يوليهم اللَّه مددا في الطغيان وهو فعل الشياطين؟ ألا ترى إلى قوله تعالى: (وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ)[الأعراف: 202]؟ قلت: إما أن يحمل على أنهم لما منعهم اللَّه ألطافه التي يمنحها المؤمنين، وخذلهم بسبب كفرهم وإصرارهم عليه، بقيت قلوبهم بتزايد الرين والظلمة فيها، تزايد الانشراح والنور في قلوب المؤمنين فسمى ذلك التزايد مدداً. وأسند إلى اللَّه سبحانه لأنه مسبب عن فعله بهم بسبب كفرهم؛ .........

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (انهماكاً فيه)، الجوهري: انهمك الرجل في الأمر، أي: جد ولج، وكذلك تهمك في الأمر.

قوله: (كأملى له)، الجوهري: أمليت له في غيه: إذا أطلت. وأملى الله له، أي: أمهله وطول له.

وأما قراءة نافع: (يَمُدُّونَهُمْ)[الأعراف: 202] فمن الإمداد من المدد، لا من المد في العمر، ولأنه لا يعدى إلا باللام.

وأجاب القاضي: أن أصله يمد لهم بمعنى يملي لهم، ويمد في أعمارهم كي ينتهوا ويطيعوا، فما زادوا إلا طغياناً وعمهاً، فحذفت اللام وعدي الفعل بنفسه، أي: نمدهم استصلاحاً وهم مع ذلك يعمهون، ويؤيده قول الجوهري: مده في غيه، أي: أمهله.

ص: 208

وإما على منع القسر والإلجاء وإما على أن يسند فعل الشيطان إلى اللَّه لأنه بتمكينه وإقداره والتخلية بينه وبين إغواء عباده. فإن قلت: فما حملهم على تفسير المدّ في الطغيان بالإمهال وموضوع اللغة كما ذكرت لا يطاوع عليه؟ قلت: استجرّهم إلى ذلك خوف الإقدام على أن يسندوا إلى اللَّه ما أسندوا إلى الشياطين ولكن المعنى الصحيح ما طابقه اللفظ وشهد لصحته، وإلا كان منه بمنزلة الأروى من النعام،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (فما حملهم على تفسير المد في الطغيان بالإمهال) والضمير للمفسرين؟

قال الزجاج: يمدهم: يمهلهم. وكذا في الواحدي. وقال محيي السنة: يمدهم: يتركهم ويمهلهم، والمد والإمداد واحدٌ وأصله الزيادة إلا أن المد أكثر في الشر، والإمداد في الخير.

وقال الإمام: والأولى أن يقال من المد بمعنى الإملاء والإمهال؛ لأنه تعالى لا يمدهم بالشر، على أن أكثر ما جاء في القرآن من الإمداد فبالخير نحو:(وأَمْدَدْنَاهُم بِفَاكِهَةٍ)[الطور: 22](ويُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وبَنِينَ)[نوح: 12] ومن المد فبالشر نحو: (ونَمُدُّ لَهُ مِنَ العَذَابِ مَدًا)[مريم: 79](وإخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ)[الأعراف: 202].

قوله: (الأروى)، الجوهري: الأروى: الأنثى من الوعول وثلاث أراوي على وزن أفاعيل، فإذا كثرت فهي الأروى على أفعل بغير قياس. وهي تسكن الجبال والوعور، والنعام تسكن البوادي والسهل، فبينهما بعدٌ، يضرب هذا المثل لمن يحاول أن يجمع بين المتنافيين.

ص: 209

ومن حق مفسر كتاب اللَّه الباهر وكلامه المعجز، أن يتعاهد في مذاهبه بقاء النظم على حسنه والبلاغة على كمالها وما وقع به التحدّى سليما من القادح، فإذا لم يتعاهد أوضاع اللغة فهو من تعاهد النظم والبلاغة على مراحل. ويعضد ما قلناه قول الحسن في تفسيره: في ضلالتهم يتمادون، وأن هؤلاء من أهل الطبع. والطغيان: الغلو في الكفر، ومجاوزة الحدّ في العتوّ. وقرأ زيد بن على رضى اللَّه عنه:(في طغيانهم) بالكسر

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ويعضد ما قلناه قول الحسن) فإنه فسر ((نمدهم)) بقوله: في ضلالتهم يتمادون. وقال: ((إن هؤلاء من أهل الطبع)) لأن الطبع يحصل من تزايد الرين وترادف ما يزيد في الكفر، فيكون من المدد لا من الإمهال. ويروى:((وأن هؤلاء)) بفتح ((أن)) فيكون عطفاً على قول الحسن ودليلاً آخر، ويمكن أن يقال: إن معنى ((يتمادون)) يبلغون المدى والغاية في الضلال، وهي بالإمهال أليق، ويكون الطبع مسبباً عنه؛ لأن الإمهال في الكفر يتمادى إلى الطبع، قال الله تعالى:(فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ)[الحديد: 16].

قوله: (والطغيان: الغلو في الكفر ومجاوزة الحد في العتو).

الراغب: يقال: طغا يطغو ويطغى. وحكي: طغيت. والفرق بين عدا وطغى وبغى: أن العدوان تجاوز المقدار المأمور بالانتهاء إليه والوقوف عنده، وعلى ذلك قال:(فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ)[البقرة: 194] أي: تجاوز معكم المقدار المأمور بالانتهاء إليه فتجاوزوا معه بقدره، لتكون العدالة محفوظةً في المجازاة، وأما الطغيان فتجاوز المكان الذي وقفت فيه، ومن أخل بما عين له من المواقف الشرعية والمعارف العقلية فلم يرعها فيما يتحراه ويتعاطاه، فقد طغى، وعلى ذلك:(لَمَّا طَغَا المَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الجَارِيَةِ)[الحاقة: 11] أي: تجاوز الحد الذي كان عليه من قبل، والبغي: طلب تجاوز قدر الاستحقاق، تجاوزه أم

ص: 210

وهما لغتان؛ كلقيان ولقيان، وغنيان وغنيان. فان قلت: أى نكتة في إضافته اليهم؟ قلت: فيها أن الطغيان والتمادي في الضلالة مما اقترفته أنفسهم واجترحته أيديهم، وأن اللَّه بريء منه ردّاً لاعتقاد الكفرة القائلين:(لو شاء اللَّه ما أشركنا)[الأنعام: 148]، ونفياً لوهم من عسى يتوهم. عند إسناد المدّ إلى ذاته لو لم يضف الطغيان اليهم ليميط الشبه ويقلعها ويدفع في صدر من يلحد في صفاته. ومصداق ذلك أنه حين أسند المدّ إلى الشياطين، أطلق الغىّ ولم يقيده بالإضافة في قوله:(وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ)[الأعراف: 202].

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لم يتجاوزه، وأصله الطلب، ويستعمل في التكبر، لأن المتكبر طالب منزلةٍ ليس لها بأهل.

قوله: (كلُقْيان) من اللقاء. و ((غُنْيان)) من: غني به غنيةً، وغنيت المرأة بزوجها غنياناً، أي: استغنت.

قوله: (ويدفع في صدر من يلحد)، الأساس: دفعته عني ودفعت في صدره.

قوله: (يلحد) أي: يميل عن الحق. هذا تعصبٌ قويٌّ ولفظٌ فاحشٌ. حيث جمع أهل الحق مع الكفرة بالعطف، وخص الإلحاد بهم. والمعنى: أنه أزال معنى ((يمدهم)) عن موضعه حيث جعل الإسناد مجازيًّا، وجعل تزايد الرين بمعنى منع الألطاف، وأمال ((طغيانهم)) إلى مذهبه وليس ما ذهب إليه أولى من العكس على اعتبار الإسناد أولى من اعتبار الإضافة؛ لأن الإضافة يصار إليها بأدنى ملابسة كما في قوله:

إذا قال قدني قال بالله حلفةً

لتغني عني ذا إنائك أجمعا

ص: 211

والعمه: مثل العمى، إلا أن العمى عامّ في البصر والرأى، والعمه في الرأى خاصة، وهو التحير والتردّد، لا يدرى أين يتوجه. ومنه قوله:

أعمى الهدى بالجاهلين العمه

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وأن الإسناد إذا جعل مجازيًّا يشترط فيه أن يكون بين الفاعل الحقيقي وغير الحقيقي تعلق شبهٍ، وإلا لم يصح، لكن له شغفٌ بنضرة مذهبه، وأيضاً إسناد الطغيان إليهم لا ينافي مذهب أهل الحق؛ لأن فعل العبد يستند إلى الله تعالى خلقاً وتقديراً، ويضاف إلى العبد اقترافاً وكسباً. فمعنى الإضافة إرادة الطغيان الذي عرف صدوره عنهم ونظيره:(وسَعَى لَهَا سَعْيَهَا)[الإسراء: 19]، وأن الغي في قوله:(يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ)[الأعراف: 202] مقيد بالتعريف فهو مثل الإضافة؛ لأنه إنما يصح المدد في أمرٍ ثابت.

الانتصاف: فعل العبد الاختياري له اعتباران: أحدهما: وجوده وحدوثه، وما هو عليه من وجوه التخصيص، وذلك منسوبٌ إلى القدرة والإرادة. والثاني: تميزه عن القسري الضروري، وهو منسوبٌ من هذه الجهة إلى العبد، وهو الكسب المراد في مثل قوله تعالى:(فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ)[الشورى: 30] فمدهم في الطغيان مخلوقٌ لله تعالى، فأضافه إليه، ومن حيث كونه واقعاً على وجه الاختيار، وهو الكسب أضافه إليهم.

قوله: (لا يدري أين يتوجه) وهو استئنافٌ على سبيل البيان لقوله: ((وهو التحير والتردد)) والتردد يستعمل مجازاً في التحير. الأساس: ومن المجاز: رجلٌ مترددٌ حائرٌ بائر.

قوله: (بالجاهلين العمه) تمامه:

ومهمهٍ أطرافه في مهمهِ

أعمى الهدى بالجاهلين العُمَّهِ

ص: 212

أي الذين لا رأي لهم ولا دراية بالطرق. وسلك أرضاً عمهاء: لا منار بها ومعنى اشتراء الضلالة بالهدى: اختيارها عليه واستبدالها به، على سبيل الاستعارة، لأنّ الاشتراء فيه إعطاء بدل وأخذ آخر. ومنه:

أَخَذْتُ بالجُمَّةِ رَاساً أزْعَرَا

وبالثَّنَايَا الْوَاضِحَاتِ الدَّرْدَرَا

وبالطَّوِيلِ العُمْرِ عُمْراً حَيْدَرَا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

العمه: جمع عمهٍ وعامهٍ، أي: المهمه طريقةٌ مشتبهةٌ على العمي إذ ليس فيه جادةٌ أو منارٌ يهتدى به.

قوله: (لأن الاشتراء) تعليل الاستعارة، يعني: إنما جاز استعارة الاشتراء للاستبدال لما يجمعهما معنى الإعطاء والأخذ. وأصل المبايعة بذل الثمن لتحصيل ما يطلب من الأعيان أو المنافع، وهي تنقسم إلى: مبايعةٍ بناضٍّ، وإلى مبايعة سلعةٍ بسلعة، ويقال في الأول لآخذ السلعة: المشتري، ولآخذ الناض: بائع. وفي الثاني يطلق على كل واحدٍ منهما اسم البائع والمشتري، ولهذا عد البيع والشراء من الأضداد، ومتا تدخله الباء الثمن، والآخر المثمن، ثم استعير للإعراض عما في يده محصلاً به غيره، سواءٌ كان من المعاني أو الأعيان.

قوله: (أخذت بالجمة) الأبيات، قيل: هي لأبي النجم. والجمة بالضم: مجتمع شعر الرأس. وهي أكثر من الوفرة، والأزعر: الأصلع الذي قل شعره، والدردر: مغرز الأسنان

ص: 213

كما اشْتَرَى المُسْلِمُ إذْ تَنَصَّرَا

وعن وهب: قال اللَّه عز وجل فيما يعيب به بنى إسرائيل: تفقهون لغير الدين، وتعلمون لغير العمل، وتبتاعون الدنيا بعمل الآخرة. فان قلت: كيف اشتروا الضلالة بالهدى وما كانوا على هدى؟ قلت: جعلوا لتمكنهم منه وإعراضه لهم. كأنه في أيديهم، فإذا تركوه إلى الضلالة فقد عطلوه واستبدلوها به، ........

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الساقطة الباقية الأصول، والجيذر بالجيم والذال المعجمة: القصير. والمراد بقوله: ((كما اشترى المسلم إذ تنضرا)) جبلة بن الأيهم الغساني على ما روى الواقدي: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب كتاباً إلى أجناد الشام أن جبلة ورد إلي في سراة قومه، وأسلم فأكرمته، ثم سار إلى مكة، فطاف فوطئ إزاره رجلٌ من بني فزارة، فلطمه جبلة، فهشم بها أنفه، وكسر ثناياه، فاستعدى الفزاري على جبلة إلي، فحكمت: إما العفو، وإما القصاص، فقال: أتقتص مني وأنا ملكٌ وهو سوقةٌ، فقلت: شملك وإياه الإسلام، فما تفضله إلا بالعاقبة، فسأل جبلة التأخير إلى الغد، فلما كان من الليل ركب في بني عمه، ولحق بالشام مرتداً، وفي رواية: أنه ندم على ما فعل، وأنشد:

تنصرت بعد الحق عاراً للطمةٍ

ولم يك فيها لو صبرت لها ضرر

فأدركني فيها لجاج حميةٍ

فبعت لها العين الصحيحة بالعور

فياليت أمي لم تلدني وليتني

صبرت على القول الذي قال لي عمر

قوله: (جعلوا لتمكنهم منه وإعراضه لهم كأنه في أيديهم) اعلم أن موقع ((أولئك)) هنا بعد ذكر المنافقين وإجراء أوصافهم وقبائحهم عليهم في موقع ((أولئك)) في قوله تعالى: (أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ)[البقرة: 5] على أحد وجهيه، فإن السامع بعد سماع ذكرهم، وإجراء تلك

ص: 214

ولأن الدين القيم هو فطرة اللَّه التي فطر الناس عليها، فكل من ضل فهو مستبدل خلاف الفطرة والضَّلالَةَ الجور عن الفصد وفقد الاهتداء. يقال. ضلّ منزله، و"ضل دريص نفقه"

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الأوصاف المميزة عليهم، لابد أن يسأل: من أين دخل على أولئك هذه الهنات؟ فيجاب: بأن أولئك المستبعدين إنما جسروا عليها، وارتكبوا تلك الرذائل؛ لأنهم كانوا قد أبطلوا استعداداتهم الفطرية السليمة عن النقائص، واستبدلوا الضلالة بالهدى، فخسرت صفقتهم، وفقدوا الاهتداء إلى الطريق المستقيم، فلذلك وقعوا في تيه الضلالات.

قوله: ((وإعراضه)) يقال: أعرض له، إذا أبدى عرضه، أي: جانبه. الجوهري: أعرض لك الخير، إذا أمكنك، والله أعلم.

قوله: (هو فطرة الله) روينا عن البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة: ((ما من مولودٍ إلا يولد على الفطرة، ثم يقول اقرؤوا: (فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا)[الروم: 30] فأبواه يهودانه)) الحديث. قال صاحب ((الجامع)): كل مولودٍ إنما يولد في مبدأ الخلقة، وأصل الجبلة على الفطرة السليمة، والطبع المتهيئ لقبول الدين، فلو ترك عليها لاستمر على لزومها ولم يفارقها إلى غيرها؛ لأن هذا الدين حسنه موجودٌ في النفوس، وإنما يعدل عنه لآفةٍ من الآفات البشرية والتقليد. وقلت: فعلى هذا الوجه إثبات الهدى لهم مجازٌ باعتبار ما كان، وعلى الوجه الأول مجازٌ باعتبار ما يؤول، حيث جعل التمكن من الهدى بمنزلة حصول الهدى.

قوله: (ضل دريصٌ نفقه). قال الميداني: هو ولد الفأر واليربوع وأشباه ذلك. ونفقه: جحره، ويقال: ضل عن سواء السبيل، إذا مال عنه، وضل المسجد والدار، إذا لم يهتد إليهما، ولم يعرفهما؛ يضرب لمن يعنى بأمره ويعد حجةً لخصمه، فينسى عند الحاجة.

ص: 215

فاستعير للذهاب عن الصواب في الدين. والربح: الفضل على رأس المال، ولذلك سمى الشف، من قولك: أشف بعض ولده على بعض، إذا فضله. ولهذا على هذا شف. والتجارة: صناعة التاجر، وهو الذي يبيع ويشترى للربح. وناقة تاجرة: كأنها من حسنها وسمنها تبيع نفسها. وقرأ ابن أبى عبلة (تجاراتهم). فإن قلت: كيف أسند الخسران إلى التجارة وهو لأصحابها؟ قلت: هو من الإسناد المجازى، وهو أن يسند الفعل إلى شيء يتلبس بالذي هو في الحقيقة له، كما تلبست التجارة بالمشترين. فإن قلت: هل يصح: ربح عبدك وخسرت جاريتك، على الإسناد المجازى؟ قلت: نعم إذا دلت الحال. وكذلك الشرط في صحة: رأيت أسداً، وأنت تريد المقدام إن لم تقم حال دالة لم يصح. فإن قلت: هب أنّ شراء الضلالة بالهدى وقع مجازاً في معنى الاستبدال، فما معنى ذكر الربح والتجارة؟ كأن ثمّ مبايعة على الحقيقة؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (فاستعير للذهاب) هذا بيانٌ للعلاقة بين الحقيقة اللغوية والحقيقة الشرعية.

قوله: (إذا دلت الحال) وهي كما اشترى عبداً أو جاريةً ليتجر فيهما، فربح أو خسر فيهما، وإنما شرط ذلك؛ لأنه من الجائز أن يكونا مأذونين في التجارة فيكون الإسناد حقيقياً.

قوله: (وكذلك الشرط في صحة: رأيت أسداً) نبه به على قرب معنى الإسناد المجازي من الاستعارة المصرحة، يعني: أن الإسناد يستعار من الفاعل الحقيقي لغير الحقيقي بسبب تعلق أحدهما بالآخر؛ لقيام القرينة، كما أن لفظ الأسد يستعار من الأسد الحقيقي للشجاع بسبب التشبيه لقيام القرينة.

قوله: (كأن ثم مبايعةً على الحقيقة) يعني: سلمنا أن الشراء على المجاز لقرينة استعمال الهدى والضلالة معه فيما تصنع بقوله: (رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ)[البقرة: 16] فإنه لا يقرن إلا بالشراء الحقيقي، كأن بين إرادة المجاز وبين هذا التفريغ منافاة؟

وخلاصة الجواب: أنهم إذا أرادوا المبالغة في الاستعارة بنوا كلامهم على حديث المستعار منه كأنهم نسوا حديث التشبيه والاستعارة ولم يخطر منهم على بال.

ص: 216

قلت: هذا من الصنعة البديعة التي تبلغ بالمجاز الذروة العليا، وهو أن تساق كلمة مساق المجاز، ثم تقفى بأشكال لها وأخوات، إذا تلاحقن لم تر كلاما أحسن منه ديباجة وأكثر ماء ورونقا، وهو المجاز المرشح. وذلك نحو قول العرب في البليد:(كأن أذني قلبه خطلاوان)،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (من الصنعة البديعة) أي: الغريبة المستحسنة التي يتوخى بها تزيين الكلام، ويتحرى بها حسن النظام، وتسمى بالتتميم، وهو تابعٌ يفيد الكلام مبالغةً وإليه أشار بقوله:((وأتبعه ما يشاكله)) إلى قوله: ((ويتم بانضمامه إليه تمثيلاً)) والترشيح وإن كان يبحث عنه في البيان لكنه من المستحسنات البديعية لا من الدلالات الالتزامية، ولهذا قال:((لم تر كلاماً أحسن ديباجةً، وأكثر ماءً ورونقاً منه)) على أن الصنعة البديعية قد تطلق على مجموع المعاني والبيان والبديع؛ تسميةً الشيء باسم أشهر أقسامه.

قوله: (أحسن [منه] ديباجةً) الديباج: فارسيٌّ معرب. الأساس: ومن المجاز: دبج المطر الأرض يدبجها بالضم دبجاً، ودبجها زينها بالرياض، ولهذه القصيدة ديباجةٌ حسنةٌ، إذا كانت محبرة.

قوله: (خطلاوان)، الجوهري: أذنٌ خطلاء بينة الخطل، أي: مسترخية. ومنه سمي الأخطل الشاعر.

ص: 217

جعلوه كالحمار، ثم رشحوا ذلك روما لتحقيق البلادة، فادعوا لقلبه أذنين، وادعوا لهما الخطل، ليمثلوا البلادة تمثيلا يلحقها ببلادة الحمار مشاهدة معاينة. ونحوه:

ولَما رَأَيْتُ النَّسْرَ عَزَّ ابْنَ دَايَةٍ

وعَشَّشَ في وَكْرَيْهِ جَاشَ لهُ صَدْرِى.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (جعلوه) أي: البليد كالحمار، ظاهره يؤذن بأن المشبه الشخص، وإنما المشبه قلبه، لكن في الحقيقة يعود المعنى إليه، فلذلك قال:((جعلوه كالحمار)). وإنما ذكر القلب وأريد الشخص؛ لأن القلب محل الفهم والذكاء، والاستعارة التي في الأذن تخييلية، وفي القلب مكنية؛ شبه قلبه بالحمار في البلادة تشبيهاً بليغاً، ثم أخذ الوهم في تصويره بصورة الحمار بعينه واختراع ما يلازم صورته من الأذنين، ثم أطلق على ذلك المخترع المتوهم اسم المحقق، وإليه الإشارة بقوله:((فادعوا لقلبه أذنين))، وجعلت القرينة إضافتهما إلى القلب، وقوله:((خطلاوان)) ترشيحٌ لهذه الاستعارة؛ لأن ذكر الخطل متفرعٌ على إثبات الأذنين المستعارتين، وإليه الإشارة بقوله:((وادعوا لهما الخطل))، تقدير الكلام: أذنا قلبه كأنهما خطلاوان. والفاء في ((فادعوا)) مثلها في قوله تعالى: (فَتُوبُوا إلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ)[البقرة: 54] لأن قوله: ((فادعوا)) إلى آخره عين قوله: ((جعلوه كالحمار)) كما أن القتل عين التوبة، أي: عزموا على جعله كالحمار فادعوا.

قوله: (مشاهدةً معاينةً) حالان مترادفتان، أو متداخلتان، كقولك للمسافر: راشداً مهديًّا.

قوله: (ولما رأيت النسر) البيت، النسر: طائرٌ يوصف بطول العمر. عز: غلب. وابن دأيةً: الغراب، الجوهري: دأية البعير: ما يقع عليه ظلفة الرحل فتعقره، ومنه قيل للغراب: ابن دأية.

ص: 218

لما شبه الشيب بالنسر، والشعر الفاحم بالغراب، أتبعه ذكر التعشيش والوكر. ونحوه قول بعض فتاكهم في أمّه:

فما أُمُّ الرّدين وإنْ أَدَلَّتْ

بِعالِمَةٍ بأَخْلاقِ الْكِرَامِ

إذَا الشّيْطانُ قَصَّعَ في قَفَاها

تَنفّقْناهُ بالحُبُلِ التُّوَامِ

أى إذا دخل الشيطان في قفاها استخرجناه من نافقائه بالحبل المثنى المحكم. يريد: إذا حردت وأساءت الخلق اجتهدنا في إزالة غضبها وإماطة ما يسوء من خلقها. استعار التقصيع أوّلا، ثم ضم إليه التنفق، ثم الحبل التوام. فكذلك لما ذكر سبحانه الشراء أتبعه ما يشاكله ويواخيه وما يكمل ويتم بانضمامه إليه،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

استعار للشيب النسر وللشباب الغراب، ثم رشحها بالوكرين، وهما: الرأس واللحية.

قوله: (فتاكهم)، الجوهري: الفاتك الجريء، والجمع: الفتاك، والفتك: أن يأتي الرجل صاحبه وهو غافلٌ حتى يشد عليه فيقتله.

قوله: (فما أم الردين) البيت: أدلت من الإدلال. أي: لا تحفظ حد الإدلال. القاصعاء:

ص: 219

تمثيلاً لخسارهم وتصويراً لحقيقته. فإن قلت: فما معنى قوله (فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ)؟ قلت: معناه أنّ الذي يطلبه التجار في متصرفاتهم شيئان:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الطريق المستوي، وهي إحدى جمري اليربوع، والنافقاء: موضع يرققه ولا ينفذه مخافة أن يقف عليه الصائد، فإذا طلب من القاصعاء خرج من النافقاء برأسه، ومنه سمي المنافق؛ لأنه يدخل في الإسلام ثم يخرج منه من غير الوجه الذي دخل فيه، وإنما جاء بالتقصيع مصدراً ليشير إلى أن الاستعارة في قصع تبعيةٌ، ورشح الاستعارة بأن ضم التنفق والحبل التؤام إليها. وأما وجه مناسبة القفا فهو أن سوء الخلق من الحمق. والحمق ينسب إلى القفا كما يقال: فلانٌ عريض القفا، ويروى: إنك لعريض الوساد، وفيه أنها مبالغةٌ في سوء الخلق بعيدة النزوع عنه، وأنه مثل الحارس الماهر حيث يعلم استخراج الصيد من مكامنه بلطائف الحيل والأسباب المتناسبة.

قوله: (ما معنى [قوله: ] (فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ)؟ )، وفي بعض النسخ:(فما معنى) بالفاء، يعني: هب أنك حملت (فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ) على الترشيح لكونه ملائماً للمستعار منه، فما معنى قوله:(وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ) فإنه معطوفٌ عليه ولا يصلح أن يكون ترشيحاً؛ لأنه غير ملائمٍ للمستعار منه، وأجاب: أنه وإن لم يصلح أن يكون ترشيحاً للاستعارة لكن يصلح أن يكون تجريداً لها؛ لأنه يحسن أن يوصف التاجر بأنه ليس مهتديًا لطرق التجارة، فكما أن مطلوب التجار في متصرفاتهم الربح، كذلك مطلوبهم سلامة رأس المال، ولا يسلم رأس المال إلا بمعرفة طرق التجارة. وها هنا رأس مالهم التمكن على

ص: 220

سلامة رأس المال، والربح. وهؤلاء قد أضاعوا الطلبتين معاً، لأن رأس ما لهم كان هو الهدى، فلم يبق لهم مع الضلالة. وحين لم يبق في أيديهم إلا الضلالة، لم يوصفوا بإصابة الربح. وإن ظفروا بما ظفروا به من الأغراض الدنيوية لأن الضال خاسر دامر؛

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهدى، والربح حصول الفلاح في الآجل، وحين لم يبق في أيديهم إلا الضلال، فقد أضاعوا الطلبتين. والحاصل: أن هذه الصفقة استتبعت شيئين: أحدهما: الوصف بعدم الربح، والثاني: ظهور عدم الخبرة بصنعة التجارة. والذي يؤكد أن السؤال عن معنى انضمام (وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ) مع قوله: (فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ) سؤاله عن معنى (فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ) بقوله: ((فما معنى ذكر الربح والتجارة، وإتيان هذا السؤال بعد الفراغ من ذلك السؤال وجوابه)). ولأجل أن السؤال عن معنى اقتران القرينتين يجب أن يقال: إن قوله (وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ) لطرق التجارة عطفٌ على قوله ((لم يوصفوا)) ليطابق الجواب السؤال.

فإن قلت: لو كان (وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ) تجريداً للاستعارة لم قدر ((مهتدين لطرق التجارة))؟ قلت: ليرشدك إلى اكتساب المعطوف من المعطوف عليه معناه بحسب المقام. ومما يدل على أن قوله: (وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ) وصفٌ ملائمٌ للمستعار له أنك لو قلت: أولئك الذين استبدلوا الضلالة بالهدى، فما كانوا مهتدين، كان على ظاهره.

قال القاضي: رأس مالهم كان الفطرة السليمة، والعقل الصرف، فلما اعتقدوا هذه الضلالات بطل استعدادهم، واختل عقلهم، ولم يبق لهم رأس مالٍ يتوسلون به إلى درك الحق ونيل الكمال، فبقوا خاسرين آيسين عن الربح فاقدين للأصل.

قوله: (لأن الضال خاسرٌ دامر) تعليلٌ لقوله: ((لم يوصفوا بإصابة الربح)). وقوله: ((ولأنه

ص: 221

ولأنه لا يقال لمن لم يسلم له رأس ماله: قد ربح، (وما كانوا مهتدين): لطرق التجارة كما يكون التجار المتصرفون العالمون بما يربح فيه ويخسر.

[(مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ* صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ)].

لما جاء بحقيقة صفتهم عقبها بضرب المثل زيادة في الكشف وتتميما للبيان

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لا يقال)) عطفٌ على التعليل، والتقدير: لم يوصفوا بإصابة الربح، ولأنه لا يقال، يعني أن قوله:(فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ): إما أن يحمل على الخسران، أو على عدم الربح، وإلى الأول الإشارة بقوله:((لأن الضال خاسرٌ دامر))، وإلى الثاني بقوله:((لمن لم يسلم)) إلى آخره لأنه يصح عرفاً أن يقال لمن ضيع رأس ماله: إنه ما ربح، كما يصح أن يقال: إنه خسر. ثم في تخصيص ذكر نفي الربح في التنزيل، مع تضييع رأس المال لطيفةٌ، وهي تصوير خيبتهم، وتخييل فوت مطلوبهم، وفي انضمام (وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ) إليه تجهيل أمرهم وتسفيه رأيهم وسلب رشدهم.

قوله: (لما جاء بحقيقة صفتهم) يعني أن قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ)[البقرة: 8] إلى هنا جارٍ مجرى الصفات الكاشفة عن حقيقة المنافقين. فلما فرغ منها عقبها ببيان تصوير تلك الحقيقة، وأبرزها في معرض المشاهد المحسوس تتميماً للبيان، ونعم ما قال القاضي: التمثيل إنما يصار إليه لرفع الحجاب عن المعنى الممثل له، ليبرزه في صورة المشاهد ليساعد فيه الوهم العقل ويصالحه عليه، فإن المعنى الصرف إنما يدركه العقل مع منازعةٍ من الوهم؛ لأن من طبعه ميل الحس وحب المحاكاة، ولذلك شاعت الأمثال.

ص: 222

ولضرب العرب الأمثال، واستحضار العلماء المثل والنظائر - شأن ليس بالخفي في إبراز خبيات المعاني، ورفع الأستار عن الحقائق، حتى تريك المتخيل في صورة المحقق، والمتوهم في معرض المتيقن، والغائب كأنه مشاهد. وفيه تبكيت للخصم الألد، وقمع لسورة الجامح الأبىّ، ولأمر مّا أكثر اللَّه في كتابه المبين وفي سائر كتبه أمثاله، وفشت في كلام رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وكلام الأنبياء والحكماء. قال اللَّه تعالى:(وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ)[العنكبوت: 43]، ومن سور الإنجيل سورة الأمثال. والمثل في أصل كلامهم: بمعنى المثل، وهو النظير. يقال: مثل ومثل ومثيل، كشبه وشبه وشبيه. ثم قيل للقول السائر .......

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وفيه تبكيت)، الأساس: بكته بالحجة وبكته: غلبه، تقول: بكته حتى أسكته، وبكته: قرعه على الأمر، وألزمه ما عيَّ بالجواب عنه، وبكته بالعصا: ضربه.

قوله: (للخصم الألد)، الجوهري: رجل ألد بين اللدد، وهو شديد الخصومة.

قوله: (الأبيّ)، الجوهري: أبى فلان: امتنع، فهو آبٍ وأبي وأبيان بالتحريك. وإنما كان كذلك؛ لأن إبراز حاله في صورة المثل أردع له من مجرد تقرير الحجة عليه كما في قصة الخصماء مع داود عليه السلام.

قوله: (ثم ثيل للقول السائر)، أي: ثم نقل هذا المعنى إلى القول السائر، أي: المشهور الدائر بين الناس، الذي هو كالعلم للتشبيه، ولأجل كونه علما للتشبيه حوفظ عليه وحمي عن التغيير.

قال الميداني: حقيقة المثل: ما جعل كالعلم للتشبيه بالحال الأولى، قال كعب بن زهير:

كانت مواعيد عرقوبٍ لها مثلاً

وما مواعيده إلا الأباطيل

ص: 223

الممثل مضربه بمورده: مثل، ولم يضربوا مثلا، ولا رأوه أهلا للتسيير، ولا جديرا بالتداول والقبول، إلا قولا فيه غرابة من بعض الوجوه. ومن ثمّ حوفظ عليه وحمى من التغيير

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله "مواعيد عرقوب" علم لكل ما لا يصلح من المواعيد والأعلام لا تتغير.

قوله: (الممثل مضربه بمورده)، مورد المثل: هو الحال التي صدر فيها المثل عن مرسله، ومضربه: الحال التي شبهت بها. أي: تشبه حالة مضربه بحالة مورده. مثاله قولهم: "في الصيف ضيعت اللبن". مورد المثل هو: أن دختنوس بنت لقيط بن زرارة، كانت تحت عمرو ابن عمرو، وكان شيخا ففركته، فطلقها، ثم تزوجها فتى وأجدبت، فبعثت إلى عمرو تطلب منه حلوبة، فقال عمرو:"في الصيف ضيعت اللبن"، فذهب مثلا. ومضرب المثل حصول حالة من يطلب شيئا قد فوته على نفسه في أوانه؛ لأن فخواه مشابه لذلك، فيستعار المثل بعينه من غير تغيير، وهو تذكير صيغة "ضيعت" لاستعماله في المذكر، بل يورد هكذا على صيغة المؤنث، وإلا لم يكن عارية لذلك.

قوله: (قولاً فيه غرابة) أي: قولاً حاصلاً أو مستقرا فيه الغرابة. قال في "الأساس": يقال: رمى فأغرب، أي: أبعد المرمى، وتكلم فأعرب، إذا جاء بغرائب الكلام ونوادره، وقد غربت

ص: 224

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هذه الكلمة، أي: غمضت فهي غريبة، ومنه: مصنف الغريب. وقال فيه: وهذا كلام نادر: غريب خارج عن المعتاد.

واعلم أن غموضة الكلام وكونه نادرًا، إما أن يكون بحسب المعنى، أو اللفظ، أما الأول فأن ترى فيه أثر التناقض، أو التنافي ظاهرًا، مثال الأول في غير المثل قوله تعالى:(ومَا رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ)[الأنفال: 17]، فأثبت الرمية لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأن صورتها وجدت منه، ونفاها عنه، لأن أثرها فعل الله تعالى، فكان الله عز وجل هو فاعل الرمية على الحقيقة، وقوله تعالى:(ولَكُمْ فِي القِصَاصِ حَيَاةٌ)[البقرة: 179] قال: كلام فصيح لما فيه من الغرابة، وهو أن القصاص قتل وتفويت للحياة، وقد جعل طرفًا ومكانًا للحياة. وفي المثل: قول الحكم بن عبد يغوث: رب رمية من غير رام، أثبت الرمي ونفى الرامي. ومثال الثاني ما روي في الحديث:"إن من البيان لسحر" حكم بأن بعض البيان سحر، والمشبه مباح مندوب والمشبه به حرام محظور. وأما الثاني: فأما أن يحصل فيه ألفاظ نادرة لا يستعملها العامة نحو قول الحباب بن المنذر: أنا جذيلها المحكك، وعذيقها المرجب. يضرب في المجرب الذي يستشفى برأيه وعقله، جذيل: تصغير الجذل، أصل الشجر، المحكك: الذي تتحكك به الإبل الجربى، وهو عود ينصب في مبارك الإبل، والعذيق: تصغير العذق بفتح العين: النخلة، المرجب: الذي جعل له الدعامة بأن يبنى حولها من الحجارة، وذلك إذا كانت كريمة. أو أن يكون فيه حذف أو إضمار كما في قوله:"رب رمية من غير رام"، أي: رب رمية مصيبة من رام مخطئ، أو مراعاة للمشاكلة نحو: كما تدين

ص: 225

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تدان، أي: كما تجازي تجازى، أي: كما تعمل تجازى، فسمي الابتداء جزاء، إلى غير ذلك، وهو المراد من قوله:"فيه غرابة من بعض الوجوه" أي: الغرابة في المثل مطلوبة لا من كل الوجوه بل إن حصلت من بعض الوجوه المذكورة صح واستقام. وروى الميداني عن إبراهيم النظام. يجتمع في المثل أربع لا تجتمع في غيره من الكلام: إيجاز اللفظ، وإصابة المعنى، وحسن التشبيه، وجودة الكناية، فهو نهاية البلاغة. وزاد ابن المقفع: والوسعة في شعوب الحديث.

وقلت: "إن من البيان لسحراً" إذ المعنى أن بعض البيان يعمل عمل السحر لحدة عمله في سامعه، وسرعة قبول القلب له، وأما حسن التشبيه فأن يكون مورد المثل مما له صلاحية الممثل به لحسن موقعه وندرته كما في الحديث. روى الميداني: أن عمرو بن أهتم، والزبرقان وفدا على النبي صلى الله عليه وسلم، فسأل عمرًا عن صاحبه فقال: مطاع في أدنيه، شديد العارضة مانع لما وراء ظهره. قال الزبرقان: إنه ليعلم مني أكثر من هذا، ولكنه حسدني، فقال: أما والله إنه لزمر المروءة، ضيق العطن، أحمق الولد، لئيم الخال، والله ما كذبت في الأولى، ولقد صدقت في الآخرة، ولكني رجل رضيت فقلت أحسن ما عملت، وسخطت فقلت أقبح ما وجدت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"إن من البيان لسحرًا". يضرب في استحسان المنطق وإيراد الحجة البالغة، وفيه أيضًا معنى قول ابن المقفع: والوسعة في شعوب الحديث.

ص: 226

فإن قلت: ما معنى (مثلهم كمثل الذي استوقد نارا)؟ ، وما مثل المنافقين ومثل الذي استوقد نارا حتى شبه أحد المثلين بصاحبه؟ قلت: قد استعير المثل استعارة الأسد للمقدام، للحال أو الصفة أو القصة، إذا كان لها شأن وفيها غرابة، كأنه قيل: حالهم العجيبة الشأن كحال الذي استوقد نارا، وكذلك قوله: ........

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وأما جودة الكناية، وهي أخذ الزبدة والخلاصة منه، فينبغي أن يكون صحيحًا مشروطًا فيه ما شرط في وجه التشبيه، كما في قوله:"رب رمية من غير رام". فإنه كالعلم لكل من أصاب في شيءٍ ولم يكن أهلاً له، والله أعلم.

قوله: (ما معنى (مَثَلُهُمْ)) أي: كيف قال: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا)[البقرة: 17] والمثل كما علم إما بمعنى النظير لغة، أو بمعنى القول السائر اصطلاحًا، فأين ذلك النظير أم أين القول السائر حتى يشبه أحدهما بالآخر؟

قوله: (وما مثل المنافقين؟ ) عطف تفسيري على قوله "ما معنى"، وخلاصة الجواب: أن المثل بعد النقل استعير لمعنى الحال أو القصة. فهو مجاز بعد النقل.

قوله: (إذا كان لها شأن)"إذا" في أكثر النسخ مغير بإسقاط الألف، ولا حاجة إليه؛ لأن "إذا" يرد أيضًا لمجرد الظرفية، فلا بأس أن يعمل "قد استعير" فيه وإن كان للمعنى. قال صاحب التخمير: قال الإمام عمر الجنزي: فاوضت جار الله في قوله تعالى: (وَالنَّجْمِ إذَا هَوَى)[النجم: 1] ما العامل في الظرف؟ أعني "إذا". فقال: العامل فيه ما تعلق به "الواو"، فقلت: كيف يعمل فعل الحال في المستقبل؟ وهذا لأن معناه: أقسم الآن، وليس معناه: أقسم بعد هذا، فرجع وقال: العامل فيه مصدر محذوف وتقديره: وهوي النجم إذا هوى. فعرضته

ص: 227

(مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ)[الرعد: 35]، أى وفيما قصصنا عليك من العجائب: قصة الجنة العجيبة. ثم أخذ في بيان عجائبها؛ (وللَّه المثل الأعلى)[النحل: 60] أي: الوصف الذي له شأن من العظمة والجلالة. (مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ)[الفتح: 29] أي: صفتهم وشأنهم المتعجب منه.

ولما في المثل من معنى الغرابة قالوا: فلان مثلة في الخير والشر، فاشتقوا منه صفة للعجيب الشأن. فإن قلت: كيف مثلت الجماعة بالواحد؟ قلت: وضع الذي موضع الذين، كقوله:(وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا)[التوبة: 69]، والذي سوّغ وضع

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

على زين المشايخ فلم يستحسن قوله الثاني، والوجه: أن "إذا" قد انسلخ عنه معنى الاستقبال وصار للوقت المجرد، ونحوه: آتيك إذا حمر البسر؛ لأن معناه: آتيك وقت احمراره، فقد عري عن معنى الاستقبال، لأنه قد وقعت الغنية بقولك: آتيك.

قوله: (فلان مثلة في الخير والشر)، "في الخير والشر" يتعلق "بقالوا" لا بمثلة، أي: يستعملون هذه اللفظة في الخير والشر، لكن استعماله في معنى الخير قليل، ومنه قول الحريري:

أنا في العالم مثله

ولأهل العلم قبله

قوله: (فاشتقوا) عطف على "قالوا" على التعقيب؛ عطف (فَاقْتُلُوا) على (فَتُوبُوا).

قوله: (وخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا)[التوبة: 69]) هذا إذا جعل ضمير الفاعل للذي.

ص: 228

"الذي" موضع "الذين"- ولم يجز وضع القائم موضع القائمين ولا نحوه من الصفات أمران: أحدهما: أنّ «الذي» لكونه وصلة إلى وصف كل معرفة بجملة، وتكاثر وقوعه في كلامهم، ولكونه مستطالا بصلته، حقيق بالتخفيف، ولذلك نهكوه بالحذف فحذفوا ياءه ثم كسرته ثم اقتصروا به على اللام وحدها في أسماء الفاعلين والمفعولين. والثاني: أن جمعه ليس بمنزلة جمع غيره بالواو والنون. وإنما ذاك علامة لزيادة الدلالة،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المعنى: خضتم مشبهين بالذين خاضوا، أو خوضًا مثل خوض الذين خاضوا، وإذا جعل الضمير العائد محذوفا وجب أن يكون "الذي" على بابه، أي: وخضتم خوضًا مثل الذي خاضوه. فإن قلت: ليس قوله: (الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا)[البقرة: 17] مثل (كَالَّذِي خَاضُوا) لاختلاف صلتيهما مفردًا وجمعًا، وقرينة التخفيف في المستشهد جمع الصلة.

قلت: سيجيء أن الآية بحسب عود الضمير من (بِنُورِهِمْ) إلى الموصولة يحتمل أمرين، فيجوز أن يحمل على الوجه الضعيف للتخفيف، على أن الآية التي نحن بصددها إذا حمل على التشبيه المفرق يوجب تقدير الجمع. قال أبو البقاء:(الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا) أراد "الذين"، فحذف النون لطول الكلام بالصلة، ومثله:(والَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ) ثم قال: (أُوْلَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ)[الزمر: 33].

قوله: (نهِكوه) بالكسر، صح عن نسخة الأصل. الجوهري: نهك، أي: دنف وضني.

قال في "المفصل": ولاستطالتهم إياه بصلته مع كثرة الاستعمال خففوه من غير وجه، فقالوا:"اللذ" بحذف الياء، ثم "اللذ" بحذف الحركة، ثم حذفوه رأسًا واجتزوا عنه بالحرف الملتبس به، وهو لام التعريف، وأورد بأن الذي بكمالها للتعريف، واللام بانفرادها للتعريف.

قوله: (وإنما ذاك علامة) قيل: يريد أن لفظة "الذي" كما تصلح للمفرد تصلح أيضًا للجمع

ص: 229

ألا ترى أن سائر الموصولات لفظ الجمع، والواحد فيهن واحد. أو قصد جنس المستوقدين. أو أريد الجمع أو الفوج الذي استوقد نارا. على أنّ المنافقين وذواتهم لم يشبهوا بذات المستوقد حتى يلزم منه تشبيه الجماعة بالواحد إنما شبهت قصتهم بقصة المستوقد. ونحوه قوله:(مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً)[الجمعة: 5]، وقوله:(يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ)[محمد: 20] ووقود النار: سطوعها وارتفاع لهبها. ومن أخواته: وقل في الجبل إذا صعد وعلا، والنار: جوهر لطيف مضيء حارّ محرق. والنور: ضوءها وضوء كل نير، وهو نقيض الظلمة. واشتقاقها من نار ينور إذا نفر لأنّ فيها حركة واضطرابا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كسائر الموصولات مثل "من" و"ما" وغيرهما، فلما ألحق به "الياء" و"النون" اختص بالجمع، ولا كذلك سائر الأسماء التي جمعت بالواو والنون، لأنها بدونهما لا تكون للجمع.

قال القاضي: إنما جاز ذلك في "الذي" ولم يجز في نحو: القائم، لأنه غير مقصود، والمقصود الوصف بالجملة التي هي صلته، وهو وصلة إلى وصف المعرفة بها لأنه ليس باسم تام بل هو كالجزء منه، فحقه أن لا يجمع كما لم تجمع أخواتها.

قوله: (على أن المنافقين وذواتهم لم يشبهوا) يعني: أن التشبيه واقع في المضاف والمضاف إليه معًا، لا في المضاف إليه وحده، والتطابق من هذا الوجه حاصل كما في الآية المستشهد بها أولاً، وفي الثانية التشبيه واقع في النظرين وما يتصل بهما، لا فيما يتصل بهما وحده.

قوله: (وذواتهم)، وفي أكثر النسخ بكسر التاء، وفي بعضها بالفتح. وجهه: أنه قال في "المغرب": ذو بمعنى الصاحب يقتضي شيئين: موصوفًا ومضافًا إليه، تقول للمؤنث: امرأة ذات مال، وللثنتين ذواتا مال، وللجماعة ذوات مالٍ، هذا أصل الكلمة ثم اقتطعوا عنها مقتضيها،

ص: 230

والنور مشتق منها. والإضاءة. فرط الإنارة. ومصداق ذلك قوله: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً)[يونس: 5]، وهي في الآية متعدية،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وأجروها مجرى الأسماء التامة المستقلة بأنفسها غير المقتضية لما سواها، فقالوا: ذات قديمة أو محدثة، ونسبوا إليها كما هي من غير تغيير علامة التأنيث، فقالوا: الصفات الذاتية، واستعملوها استعمال النفس والشيء، وعن أبي سعيد: كل شيءٍ ذات، وكل ذاتٍ شيءٍ. وقال في الكواشي في قوله تعالى:(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وبَنَاتُكُمْ)[النساء: 23]: بناتكم: جمع بنتٍ، فلام الكلمة محذوف والتاء عوض منه وليست بتاء تأنيث؛ لأن تاء التأنيث لا يسكن ما قبلها ومع ذلك فتكسر تاء بنات في حالة النصب تشبيها لها بما في آخرها تاء التأنيث كمسلماتٍ. إلا يونس فإنه يقول: رأيت بناتك فتحًا يجعلها كالتاء الأصلية.

قوله: (والنور مشتق منها) أي: من النار. الراغب: النور والنار: أحدهما مشتق من الآخر من حيث إنه قلما ينفك أحدهما عن الآخر، ولهذا قال:(نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ)[الحديد: 13] فاستعمل فيه الاقتباس الذي هو للنار.

قوله: (وهي في الآية متعدية) فعلى هذا الهاء موصولة مفعول به، أي: أضاءت النار ما حول المستوقد ويجوز أن تكون غير متعدية فيسند لفعل ما إلى "ما" على تأويل: أضاءت الأماكن التي حول المستوقد، أو يسند إلى ضمير النار، فعلى هذا ينتصب (مَا حَوْلَهُ) على الظرفية أي: أضاءت النار في الأمكنة التي حول المستوقد، وإنما أضاء إشراق النار فيما حوله

ص: 231

ويحتمل أن تكون غير متعدية مسندة إلى (ما حوله). والتأنيث للحمل على المعنى لأنّ ما حول المستوقد أماكن وأشياء. ويعضده قراءة ابن أبى عبلة (ضاءت). وفيه وجه آخر، وهو أن يستتر في الفعل ضمير النار. ويجعل إشراق ضوء النار حوله بمنزلة إشراق النار نفسها، على أنّ ما مزيدة أو موصولة في معنى الأمكنة. و (حَوْلَهُ) نصب على الظرف وتأليفه للدوران والإطافة. وقيل للعام: حول لأنه يدور. فإن قلت: أين جواب لما؟ قلت: فيه وجهان: أحدهما أن جوابه ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ. والثاني: أنه محذوف كما حذف في قوله: (فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ). وإنما جاز حذفه لاستطالة الكلام مع أمن الإلباس للدالّ عليه، وكان الحذف أولى من الإثبات لما فيه من الوجازة، مع الإعراب عن الصفة التي حصل عليها المستوقد بما هو أبلغ من اللفظ في أداء المعنى، كأنه قيل: فلما أضاءت ما حوله خمدت .....

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لا هي نفسها لكن يجعل إشراق ضوء النار بمنزلة إشراق النار في نفسها؛ لأن ضوء النار لما كان محيطا بالمستوقد مشرقا فيما حوله غاية الإشراق، أسند الفعل إلى النار نفسها إسنادًا للفعل إلى الأصل كقولهم: بنى الأمير للمدينة.

قوله: (فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ)[يوسف: 15] وجوابه المحذوف: فعلوا به ما فعلوا من الأذى.

قوله: (بما هو أبلغ من اللفظ في أداء المعنى) يعني لو صرح بالجواب على ما يقتضيه حال مستوقد نار أضاءت ما حوله، أوهم أن ذلك محصور، ولما حذف أشعر بأن الأمر بلغ من الفظاعة والشدة إلى ما لا يدخل تحت الوصف، وهذا من السحر البياني، لأنه آذن بأن الإيجاز استقل بمعانٍ لا يستقلها الإطناب، لكن في كلامه تسامح، لأنه قدر المحذوف ما لو صرح به لما اجتزئ به، فيجب أن يقدر بعد قوله:"بعد الكدح في إحياء النار" وغير ذلك مما لا يدخل تحت الوصف كما قال في قوله تعالى: (حَتَّى إذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا)[الزمر: 73]: حذف جواب "إذا"، لأنه في صفة ثواب أهل الجنة، فدل بحذفه على أنه شيء لا يحيط به الوصف.

ص: 232

فبقوا خابطين في ظلام، متحيرين متحسرين على فوت الضوء، خائبين بعد الكدح في إحياء النار. فإن قلت: فإذا قدّر الجواب محذوفا فبم يتعلق (ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ)؟ قلت: يكون كلاما مستأنفاً. كأنهم لما شبهت حالهم بحال المستوقد الذي طفئت ناره،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وللواحدي في هذا المقام كلام حسن، فلابد من التعرض له، قال: مثل هؤلاء المنافقين لما أظهروا كلمة الإيمان، واستناروا بنورها، واعتزوا بعزها، وآمنوا، فناكحوا المسلمين ووارثوهم، وأمنوا على أموالهم وأولادهم، فلما ماتوا عادوا إلى الظلمة والخوف وبقوا في العذاب، كمثل رجل أوقد نارًا في ليلة مظلمة في مفازة فاستضاء بها واستدفأ ورأى ما حوله فاتقى ما يحذر ويخاف وأمن، فبينا هو كذلك إذ طفئت ناره، فبقي مظلما خائفا متحيرا. فمعنى إذهاب الله نور المنافقين هو أن يسلبهم ما أعطوا من النور مع المؤمنين في الآخرة، وكان من حق ظاهر النظم أن يكون اللفظ:"فلما أضاءت ما حوله أطفأ الله ناره"، ليشاكل جواب "لما" معنى هذه القصة. ولما كان إطفاء النار مثلا لإذهاب نورهم أقيم إذهاب النور مقام الإطفاء، وجعل جواب "لما" اختصارًا وإيجازًا.

وقلت: على هذا التقدير في هذا التمثيل إيجازان: أحدهما: إيجاز في الشطر الأول من الممثل له، وهو مثل هؤلاء المنافقين لما أظهروا كلمة الإيمان، واستناروا بنورها واعتزوا بعزها، وآمنوا فناكحوا المسلمين ووارثوا وأمنوا على أموالهم وأولادهم حيث اقتصر على قوله:(مَثَلُهُمْ) لدلالة الشطر الأول من الممثل به عليه وهو قوله: (كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ)[البقرة: 17]. وثانيهما: إيجاز في الشطر الثاني من الممثل به وهو قوله: فبينا هو كذلك إذ طفئت ناره فبقى مظلمًا خائفًا متحيرًا، حيث لم يذكر منه شيئًا، واكتفى بذكر الشطر الثاني من الممثل له وهو قوله:(ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ)[البقرة: 17].

قوله: (بعد الكدح) مستفاد من السين في قوله: (اسْتَوْقَدَ نَارًا).

ص: 233

اعترض سائل فقال: ما بالهم قد أشبهت حالهم حال هذا المستوقد؟ فقيل له: ذهب اللَّه بنورهم. أو يكون بدلا من جملة التمثيل على سبيل البيان. فإن قلت: قد رجع الضمير في هذا الوجه إلى المنافقين فما مرجعه في الوجه الثاني؟ قلت: مرجعه الذي استوقد لأنه في معنى الجمع. وأما جمع هذا الضمير وتوحيده في: (حَوْلَهُ)، فللحمل على اللفظ تارة، وعلى المعنى أخرى. فإن قلت: فما معنى إسناد الفعل إلى اللَّه تعالى في قوله: (ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ)؟ قلت: إذا طفئت النار بسبب سماوي ريح أو مطر، فقد أطفأها اللَّه تعالى وذهب بنور المستوقد. ووجه آخر، وهو أن يكون المستوقد في هذا الوجه مستوقد نار لا يرضاها اللَّه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (أو يكون بدلاً من جملة التمثيل) أي: يكون تفسير المجموع قوله: (كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ) خمدت فبقوا متحيرين متحسرين؛ لأن حاصله وتلخيصه: ذهب الله بنور المنافقين، وتركهم في ظلمات لا يبصرون، والبدل كما علم في "الفاتحة" كالبيان والتفسير للمبدل.

قوله: (قد رجع الضمير في هذا الوجه) يعني: إذا كان الجواب محذوفًا، وكان (ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ) استئنافًا، أو بدلاً، يرجع الضمير في (بِنُورِهِمْ) إلى المنافقين، وأما إذا كان الجواب (ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ) لا يجوز أن يرجع إليهم، ولا بأس في تسميته بالوجه الثاني وإن كان مذكورًا أولاً؛ لأن كلا من الوجهين ثانٍ للآخر، كقوله تعالى:(ثَانِيَ اثْنَيْنِ إذْ هُمَا فِي الغَارِ إذ)[التوبة: 40] أي: مصيرهما، ونظيره قوله في قوله تعالى:(وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وأَرْجُلَكُمْ)[المائدة: 6]: "فعطفت- أي: الأرجل- على الرابع المسموح".

قوله: (فما معنى إسناد الفعل إلى الله تعالى) دلت "الفاء" على إنكار أن يكون (ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ) جوابًا، يعني إنما جاز إسناد إذهاب نور المنافقين إلى الله تعالى؛ لأنه جزاء لفعلهم، وأما إسناد إذهاب نور المستوقدين فلا يجوز لكونه عبثًا والعبث قبيح، بناء على مذهبه.

ص: 234

ثم إما أن تكون ناراً مجازية كنار الفتنة والعداوة للإسلام، وتلك النار متقاصرة مدّة اشتعالها قليلة البقاء. ألا ترى إلى قوله:(كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ)[المائدة: 64]، وإما ناراً حقيقية أوقدها الغواة ليتوصلوا بالاستضاءة بها إلى بعض المعاصي، ويتهدوا بها في طرق العبث، فأطفأها اللَّه وخيب أمانيهم. فإن قلت: كيف صح في النار المجازية أن توصف بإضاءة ما حول المستوقد؟ قلت: ........

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وتلخيص الجواب: أن الإسناد في قوله تعالى: (ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ) إذا جعل مجازيًا يجوز أن يحمل قوله: (الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا) على نار أوقدها بعض الناس للانتفاع بها من نحو الاستدفاء وإضاءة ما حوله وغير ذلك، فأطفأها ريح أو مطر، وإنما جاز إسناده إلى الله تعالى لأنه سبب بعيد، وإذا جعل الإسناد حقيقة احتمل أن يراد بالنار نار الفتنة، وأن يراد نار حقيقية أو قدها الغواة، بناء على أن إطفاء تلك النيران مستحسن في العقول.

وقال القاضي: معنى الإسناد إلى الله تعالى أن الكل بفعله، إذا طفئت النار بسبب سماوي. يريد أن الإسناد مجازي على طريقة: هزم الأمير الجند.

قوله: (نارًا مجازية) وعلى هذا حصل التداخل بين التشبيه والمجاز، فأدخل الاستعارة في المشبه به، كما أدخل التشبيه في قوله:"كأن أذني قلبه خطلاوان"، في الاستعارة هناك، وجعله ترشيحًا لها كما مر.

وأما قوله: (وتلك النار متقاصرة) فموضوع موضع يطفئها الله سريعًا، يدل عليه قوله:(أَطْفَأَهَا اللَّهُ) في قوله: (كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ)[المائدة: 64].

ص: 235

هو خارج على طريقة المجاز المرشح فأحسن تدبره. فإن قلت: هلا قيل ذهب اللَّه بضوئهم؟ لقوله: (فَلَمَّا أَضاءَتْ)؟ قلت: ذكر النور أبلغ لأنّ الضوء فيه دلالة على الزيادة. فلو قيل: ذهب اللَّه بضوئهم، لأوهم الذهاب بالزيادة وبقاء ما يسمى نوراً، والغرض إزالة النور عنهم رأساً وطمسه أصلاً،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (المجاز المرشح) يريد أنه لما استعار لإثارة الفتنة لفظ النار قفاها بالإضاءة، فإنها صفة ملائمة لها.

قوله: (والغرض إزالة النور) والحاصل: أن نفي القليل يوجب نفي الكثير، دون العكس، وفي معناه:(فَلا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ ولا تَنْهَرْهُمَا)[الإسراء: 23]. قال صاحب "الفلك الدائر": هذا غير صحيح، فإنا تصفحنا كتب اللغة فلم نجدها شاهدة لما ذكر ولا الاصطلاح العرفي مساعد له.

وقال ابن السكيت- وإنه ثقة بالإجماع- في كتاب "إصلاح المنطق"، في باب فعل وفعل بكسر الفاء وضمها مع سكون العين باختلاف المعنى: النير: علم الثوب، والنور: الضياء فجعلهما شيئًا واحدًا، وليس في قوله تعالى:(هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً والْقَمَرَ نُورًا)[يونس: 5] ما يدل على الاختلاف. والجواب عن قوله: إن ابن السكيت جعلهما شيئًا واحدًا؛ هو أن ابن السكيت بين معناه الحقيقي بحسب الوضع لا الاستعمال، وقد تقرر في أول هذه الآية، أن هذا الاعتبار بحسب الاستعمال، وحيث قال: ومصداق ذلك قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً) الآية [يونس: 5]، وأن الأصل ما ذكره ابن السكيت.

ص: 236

ألا ترى كيف ذكر عقيبه (وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ)! والظلمة عبارة عن عدم النور وانطماسه، وكيف جمعها، وكيف نكرها، وكيف أتبعها ما يدل على أنها ظلمة مبهمة لا يتراءى فيها شبحان وهو قوله (لا يُبْصِرُونَ). فان قلت: فلم وصفت بالإضاءة؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقال في "الأساس": أشرق ضوء الشمس وضياؤها وأضواؤها، وقولهم: فلان أضوأ من الشمس وأنور من البدر.

وأما قوله: ليس في قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً والْقَمَرَ نُورًا)[يونس: 5] ما يدل على الاختلاف، فيقال له: أفلا تقابل الآية بقوله تعالى: (فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً)[الإسراء: 12] وقوله تعالى: (وجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا)[نوح: 16] حتى يعلم الاختلاف للاستعمال!

قوله: (ألا ترى كيف ذكر عقبيه

وكيف جمعها، وكيف نكرها) كرر "كيف" ليؤذن باستقلال كل واحد من المذكورات فيما قصد إليه، أي: أنها ظلمات متكاثفة بتتابع القطر وظلمة غمامه مع ظلمة الليل، وأنها ظلمات لا يكتنه كنهها. ثم قوله:(لاَّ يُبْصِرُونَ) كالتتميم والإيغال كقولها:

كأنه علم في رأسه نار

وجعله بمنزلة اللازم من قبيل: فلان يعطي ويمنع.

قوله: (فلم وصفت بالإضاءة) الفاء تدل على إنكار الكلام السابق. ومبنى سؤاله السابق "هلا قيل: ذهب الله بضوئهم"، هو أن المجاوبة بين صدر الكلام وعجزه مطلوبة، فلما قيل:

ص: 237

قلت: هذا على مذهب قولهم: للباطل صولة ثم يضمحل. ولريح الضلالة عصفة ثم تخفت، ونار العرفج مثل لنزوة كل طماح. والفرق بين أذهبه وذهب به:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(أَضَاءَتْ) فالمناسب أن يقال: بضوئهم، ليكون من باب رد العجز على الصدر، وأجاب عنه بأن مراعاة تلك النكتة- وهي إزالة النور بالكلية- اقتضت المخالفة، ثم سأل ثانيا على الإنكار:"فلم وصفت بالإضاءة؟ " يعني إذا كان الغرض إزالة النور بالكلية، وأنه لو قيل: ذهب الله بضوئهم، لم يحصل الغرض، فما الذي استدعى وصف النار بالإضاءة دون الإنارة، إذ لو قيل: فلما أنارت ما حوله لحصل المقصود أيضًا وتجاوب النظم؟ وأجاب بما معناه: أنه أدمج في الكلام معنى الباطل، وتحريره: أن سياق الكلام كان في إثبات ضوء أو نور كيف ما كان، ثم إزالته ليحصل غرض التمثيل، ففي إيراده على هذه الطريقة إشعار بمعنى البطلان أيضًا، فإنه ثبت عند ذوي البصائر وأرباب النهى قوة ظهور الباطل في بدء الحال ثم اضمحلاله سريعًا في المآل، فقيل:(فَلَمَّا أَضَاءَتْ) ليثبت أولاً الإفراط في إشراق النار ثم (ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ) ليثبت التفريط فيه ثانيًا، ليكون على وزان قولهم: للباطل صولة ثم يضمحل. وفي هذا التقرير إيذان بأن الواجب أن يحمل التنكير في قوله: (اسْتَوْقَدَ نَارًا) على التعظيم والتهويل، وأن يجعل الإسناد في "أضاءت" للنار على المجاز، كما سبق.

قوله: (ونار العرفج مثل لنزوة كل طماح) أي: هذا اللفظ وهو نار العرفج، علم لهذا المعنى وقد أسلفنا أن حقيقة المثل: ما جعل علما للتشبيه لحال الأول، فإن نار العرفج علم لحال من تراه يخوض في أمر مع شرهٍ قويٍّ، ثم تراه ينخفض عنه سريعًا. والعرفج: شجر ينبت في السهل، الواحدة عرفجة. والنزوة: الطفرة، ومنه: نزا الذكر على الأنثى، والطماح: الشره.

قوله: (والفرق بين أذهبه وذهب به) وقد ذهب إلى هذا الفرق أبو العباس المبرد، ذكره الحريري في "درة الغواص". قال صاحب "المثل السائر": كل من ذهب بشيء فقد أذهبه،

ص: 238

أن معنى "أذهبه": أزاله وجعله ذاهبا. ويقال: ذهب به إذا استصحبه ومضى به معه. وذهب السلطان بماله: أخذه (فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ)، (إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ) [المؤمنون: 91]. ومنه: ذهبت به الخيلاء. والمعنى: أخذ اللَّه نورهم وأمسكه، (وما يمسك فلا مرسل له) [فاطر: 2]، فهو أبلغ من الإذهاب. وقرأ اليماني: أذهب اللَّه نورهم) .....

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وليس كل من أذهب شيئًا فقد ذهب به، لأن قولنا: ذهب به يفهم منه أنه استصحبه معه، وأمسكه عن الرجوع إلى الحالة الأولى، وليس كذلك "أذهبه".

وقال صاحب "الفلك الدائر": وفيه نظر؛ لأن كلا اللفظين يدلان على معنى واحد؛ لأن الأفعال اللازمة تعدى تارة بحرف الجر، وأخرى بالهمزة، كما تقول: أخرجت زيدًا من البلد، وخرجت بزيد منه، وليس معنى الثاني أنك أخرجت زيدًا واستصحبته معك، وكذا عن صاحب "الضوء" أنه قال: ويكون للتعدية إلى معنى آخر، وها هنا لم يفد شيئًا سواها.

والجواب: أنهما وإن اشتركا في معنى التعدية، لكن لم قلت: إنهما مشتركان في تأدي معنى واحد؟ وهل النزاع إلا في هذا؟ فإن الهمزة ها هنا للإزالة والباء للمصاحبة، وصاحب المعاني لا ينظر إلا إلى الفرق بينهما، واستعمال كل منهما في مقامه، لا إلى التعدية نفسها فإن البحث عنها وظيفة النحوي. ويؤيده ما قاله المصنف في "الأعراف": "فإن قلت: كيف قيل: (مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ومِنْ خَلْفِهِمْ)[الأعراف: 17] بحرف الابتداء (وعَنْ أَيْمَانِهِمْ وعَن شَمَائِلِهِمْ)[الأعراف: 17] بحرف المجاوزة؟ قلت: المفعول فيه عدي إليه الفعل نحو تعديته إلى المفعول به، فكما اختلفت حروف التعدية في ذاك، اختلفت في هذا، وكانت لغة تؤخذ ولا تقاس، وإنما يفتش عن صحة موقعها فقط، فلما سمعناهم يقولون: جلس عن يمينه، وعلى يمينه، وعن شماله، وعلى شماله،

ص: 239

و"ترك": بمعنى طرح وخلى، إذا علق بواحد، كقولهم: تركه ترك ظبى ظله. فإذا علق بشيئين كان مضمناً معنى صير، فيجري مجرى أفعال القلوب كقول عنترة:

فَتَرَكْتُهُ جَزَرَ السِّبَاعِ يَنُشْنَهُ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قلنا: معنى "على يمينه" أنه تمكن من جهة اليمين تمكن المستعلي من المستعلى عليه، ومعنى "عن يمينه"، أي: جلس متجافيا عن صاحب اليمين، منحرفًا عنه غير ملاصق له".

وقال في "طه": "ومعنى الاستعلاء في (عَلَى النَّارِ) [طه: 10]: أن أهل النار يستعلون المكان القريب منها، كما قال سيبويه- في مررت بزيدٍ-: إنه لصوق بمكانٍ يقرب من زيد".

قوله: (ترك ظبي ظله) أي: كناسه الذي يستظل به في شدة الحر، فيأتيه الصائد فيثيره فلا يعود إليه أبدًا، يضرب فيمن ترك الأمر تركًا لا يعود إليه أبدًا. قاله الميداني.

قوله: (فتركته جزر السباع ينشنه) تمامه:

ما بين قلة رأسه والمعصم

قبله:

فشككت بالرمح الطويل ثيابه

ليس الكريم على القنا بمجرم

وروي: فتركنه بالنون، والضمير "للقنا" وفي رواية: يقضمن حسن بنانه والمعصم.

الجزر: جمع الجزيرة، وهي الشاة التي أعدت للذبح، والنوش: التناول، والقضم: الأكل بمقدم الأسنان. يقول: صيرته طعمة للسباع، أي: قتلته فجعلته عرضة للسباع حتى تناولته وأكلته بمقدم أسنانها.

ص: 240

ومنه قوله: (وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ) أصله: هم في ظلمات، ثم دخل ترك فنصب الجزأين.

والظلمة: عدم النور. وقيل: عرض ينافي النور. واشتقاقها من قولهم: ما ظلمك أن تفعل كذا: أى ما منعك وشغلك، لأنها تسدّ البصر وتمنع الرؤية. وقرأ الحسن (ظلمات) بسكون اللام وقرأ اليماني (في ظلمة) على التوحيد. والمفعول الساقط

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ومنه قوله: (وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ)) يوهم أن تقدير الآية مقصور على هذا الوجه دون الأول، ولكن جاء في "الأمالي" عن ابن الحاجب: أن على الأول مفعول "ترك": "هم"، و (فِي ظُلُمَاتٍ) و (لاَّ يُبْصِرُونَ) حالان مترادفان من المفعول، فيقال: إن المصنف إنما ترك ذكره لظهوره، والوجه الثاني: لما كان متضمنا لفائدة التضمين وعلى قاعدة وأصل في الإعراب وهي: أن بعض الأفعال التي تقتضي مفعولين مبنية على أصل الأخبار.

وقال ابن الحاجب: (وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ) كقولك: صيرت زيدًا عالمًا فاضلاً، لأنها في معنى الأخبار، فكما جاز تعدد الأخبار جاز تعددها، ويجوز أن يكون الأول هو المفعول، والثاني حالاً من الضمير في قوله "تركهم" أي: تركهم مستقرين في ظلماتٍ في حال كونهم لا يبصرون، ويجوز أن يكون الأول حالاً، والثاني هو المفعول، أي: صيرهم غير مبصرين في حال كونهم في ظلمات.

قوله: (والظلمة عدم النور) وزاد الإمام: عما من شأنه أن يستنير.

قوله: (وقيل: عرض ينافي النور) فعلى هذا الظلمة أمر وجودي، ويدل عليه قوله تعالى:(وجَعَلَ الظُّلُمَاتِ والنُّورَ)[الأنعام: 1].

ص: 241

من (لا يبصرون) من قبيل المتروك المطرح الذي لا يلتفت إلى إخطاره بالبال، لا من قبيل المقدر المنوي، كأنّ الفعل غير متعدّ أصلا، نحو (يَعْمَهُونَ) في قوله:(وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ)[الأنعام: 110]. فإن قلت: فيم شبهت حالهم بحال المستوقد؟ قلت: في أنهم غب الإضاءة خبطوا في ظلمة وتورّطوا في حيرة. فان قلت:

وأين الإضاءة في حال المنافق؟ وهل هو أبداً إلا حائر خابط في ظلماء الكفر؟ قلت: المراد ما استضاءوا به قليلا من الانتفاع بالكلمة المجراة على ألسنتهم،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (فيم شبهت حالهم بحال المستوقد) والذي عليه المعنيون بشأن هذا الكتاب: أن السؤال عن وجه التشبيه؛ قالوا: المعنى ما وجه التشبيه؟ ثم بين الوجه من ثلاثة أوجه، ولما ذكر الوجه الأول من تلك الوجوه، أورد سؤالاً وأجاب عنه، ثم شرع في الوجهين الأخيرين فتدبر، وقالوا: إن الضمير في "أنهم غب الإضاءة" للمستوقدين، والذي نذهب إليه: أن السؤال عن المشبه، ومورده قوله السابق: إنما شبهت قصتهم بقصة المستوقد، وأن الضمير للمنافقين، وإن كان ظاهر اللفظ يشعر بأن السؤال عن الوجه فافهم، فإن هذا المقام من مزال الأقدام. فإذن المعنى: في أي حال من أحوال المنافقين وقع التشبيه بحال المستوقد؟ فإن حالات المنافقين فيها كثيرة كما سبقت من ابتداء ذكرهم إلى أن انتهت إلى ما نحن بصدده، فلا بد من تخصيص بعضها بهذا التشبيه، ولهذا وقع الاختلاف في الجواب وتعدد الوجوه، ولا كذلك إذا كان السؤال عن الوجه. ثم نقول: إنا لو فرضنا أن يكون هذا السؤال عن الوجه، فلا يخلو: إما أن يكون هذا التشبيه مفرقًا أو مركبًا كان الوجه ما ذكره صاحب "المفتاح"، حيث قال: وجه تشبيه المنافقين بالذين شبهوا بهم في الآية هو رفع الطمع إلى تيسير مطلوبهم بسبب مباشرة أسبابه القريبة مع تعقيب الحرمان والخيبة لانقلاب الأسباب.

ص: 242

ووراء استضاءتهم بنور هذه الكلمة ظلمة النفاق التي ترمى بهم إلى ظلمة سخط اللَّه وظلمة العقاب السرمد. ويجوز أن يشبه بذهاب اللَّه بنور المستوقد اطلاع اللَّه

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وليس في الأجوبة التي أوردها المصنف ما يدل على ذلك، ولا على ما يقاربه، وأما إذا كان مفرقًا، فالوجه في غاية الظهور، فلا يحتاج إلى السؤال والجواب كما في بيت امرئ القيس:

كأن قلوب الطير رطبًا ويابسًا لدى وكرها العناب والحشف البالي

لأن الوجه فيه متعدد بحسب تعدد المشبه والمشبه به، واستخراجه سهل، على أن السؤال من الوجه إنما يحسن إذا تعين الطرفان، وها هنا المشبه غير معلوم؛ لأن في قوله:(مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا)[البقرة: 17] المشبه مثلهم وليس فيه ظاهرًا ما يصح أن يقابل بما في المشبه به، فوجب السؤال عنه، ولمثل هذا المعنى أورد في التمثيل الثاني:"قد شبه المنافق في التمثيل الأول بالمستوقد نارًا، وإظهاره الإيمان بالإضاءة، وانقطاع انتفاعه بانطفاء النار، فماذا شبه في التمثيل الثاني بالصيب وبالظلمات؟ "، ثم أعرض عن هذا السؤال بقوله:"والصحيح أن التمثيلين من التمثيلات المركبة".

وأما بيان كون الاختلاف في الجواب دالا على المدعى، فهو أن قوله:"في أنهم غب الإضاءة خبطوا في ظلمة، وتورطوا في حيرة" لا يصلح أن يكون وجهًا في التشبيه المركب والمفرق؛ لما تقرر أن الوجه أمر مشترك يعم الطرفين، وها هنا ليس كذلك، لأنه لا يخلو من أن تكون الإضاءة فيه حقيقة أو مجازًا، فإن كان حقيقة فتختص بالمستوقد، وإن كان مجازًا فبالمنافق، وعلى التقديرين لا يكون مشتركًا، فلا يكون وجها فيجب حمله على أحدهما، فخصصناه بالمنافقين على المجاز، ليكون مشبهًا، فيرد عليه سؤاله:"وأين الإضاءة في حال المنافق؟ " وينطبق

ص: 243

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عليه الجواب المراد: "ما استضاؤوا به قليلاً من الانتفاع بالكلمة المجراة على ألسنتهم" إلى آخره فإنه في بيان مجاز المشبه.

وأما الجواب الثاني، وهو قوله:"ويجوز أن يشبه بذهاب الله بنور المستوقد" إلى آخره، والثالث وهو قوله:"والأوجه أن يراد الطبع" فمن الدلائل القاطعة على ما قصدناه.

بيان الوجه الثاني: أن المشبه بالاستضاءة هو انتفاعهم من المؤمنين بالمتاركة والإعفاء عن المحاربة، والإحسان إليهم، وإعطائهم الحظوظ من المغانم، وبذهاب الله بنور المستوقد إذهاب الله ذلك الانتفاع بكشف أسرارهم وافتضاحهم بين المؤمنين بإطلاعهم على أفعالهم، فيكون الاطلاع على النفاق مترتبًا على الانتفاع، كما أن الذهاب مترتب على الإضاءة في حال المستوقد.

ويفترق هذا الوجه من الوجه الأول في إرادة معنى (ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ) دون الإضاءة والانتفاع، فإن المراد بالإضاءة في الوجهين الانتفاع بالكلمة المجراة على ألسنتهم، وبالإذهاب في الأول ظلمة العقاب، وفي الثاني إطلاع الله المؤمنين على أسرارهم.

وبيان الوجه الثالث: هو أن المشبه بالاستضاءة هو الانتفاع المذكور، وبالإذهاب الطبع المرتب على عدم منح الألطاف، وتركهم على ما هم عليه، فإنه سبب لتراكم الرين والطبع على قلوبهم، فصح إيقاع الطبع مشبهًا، وأنه بمنزلة إذهاب النور في طرف المشبه به، لأن نورهم، أي: انتفاعهم لما كان سببًا عن إظهارهم الإيمان وموافقتهم المسلمين في الظاهر، وكان تركهم على هذه الحالة سببًا لتراكم الرين فكلما ازداد الرين، قل الانتفاع والإضاءة، إلى أن ينتهي الرين إلى الطبع، فحينئذ لم يتمالكوا أن يجروا على ألسنتهم كلمة الإيمان، قال الله تعالى:(قَدْ بَدَتِ البَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ومَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ)[آل عمران: 116] فانقطع لذلك الانتفاع بالكلية، فصح التشبيه، هذا على تقدير أن يكون (ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ) جزاء الشرط والضمير للمستوقدين، وأما إذا قدر الجزاء محذوفًا، تكون دلالة "ذهب الله" على هذا المعنى دلالة النائب على المنوب.

ص: 244

على أسرارهم وما افتضحوا به بين المؤمنين واتسموا به من سمة النفاق. والأوجه أن يراد الطبع، لقوله:(صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ). وفي الآية تفسير آخر: وهو أنهم لما وصفوا بأنهم اشتروا الضلالة بالهدى، عقب ذلك بهذا التمثيل ليمثل هداهم الذي باعوه بالنار المضيئة ما حول المستوقد، والضلالة التي اشتروها وطبع بها على قلوبهم بذهاب اللَّه بنورهم وتركه إياهم في الظلمات. وتنكير النار للتعظيم. كانت حواسهم سليمة .......

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وما افتضحوا) قيل: هو عطف على "اطلاع الله".

وأما الجواب الرابع وهو قوله: "وفي الآية تفسير آخر" فكذا يقوي قولنا: إن تقدير السؤال: في أي حالة من حالات المنافقين وقع التشبيه؟ فإن حالات المنافقين فيها كثيرة.

تقريره: أن تلك الأجوبة كانت مبنية على أن المراد من الحال المسؤول عنها ما يعلم من تفسيره قوله: () حيث قال: "كانت صورة صنيعهم مع الله- حيث يتظاهرون بالإيمان وهم كافرون- صورة صنع المخادعين، وصورة صنع الله معهم- حيث أمر بإجراء أحكام المسلمين عليهم، وهم عنده في عداد شرار الكفرة وأهل الدرك الأسفل من النار- صورة صنع الخادع" إلى آخره. وهذا الجواب مبني على أن الحالة التي وقع التشبيه فيها هي ما في الآية السابقة وهي قوله: (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدَى)[البقرة: 16]. ألا ترى كيف صرج بالمشبه والمشبه به بقوله: "ليمثل هداهم الذي باعوه بالنار المضيئة"! فالحق أن هذا جواب ثان، والجواب الأول متفرع عليه الوجهان.

قوله: (والأوجه أن يراد الطبع) لما أن قوله: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ)[البقرة: 18] واقع استئنافًا على بيان الموجب.

قوله: (كانت حواسهم سليمة)، الراغب: الصم: صلابة من اكتناز الأجزاء، ومنه قيل: حجر أصم وصخرة صماء، وقيل لرأس القارورة: الصمام، والبكم: اعتقال اللسان، وأصله فيمن يولد أخرس، والعمى قد يقال في عدم البصيرة والبصر جميعًا، فمن ترك الإصغاء إلى

ص: 245

ولكن لما سدّوا عن الإصاخة إلى الحق مسامعهم، وأبوا أن ينطقوا به ألسنتهم، وأن ينظروا ويتبصروا بعيونهم جعلوا كأنما أيفت مشاعرهم وانتقضت بناها التي بنيت عليها للإحساس والإدراك كقوله:

صُم إذا سَمِعُوا خَيْراً ذُكِرْتُ بِهِ

وإنْ ذُكِرْتُ بسُوءٍ عِنْدَهُمْ أَذِنُوا

أَصَمُّ عَمَّا سَاءَهُ سَمِيعُ

أَصَمُّ عَنِ الشَّىْءِ الَّذِى لا ارِيدُهُ

وأَسْمَعُ خَلْقِ اللَّهِ حِينَ أُرِيدُ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الحكمة الربانية، وأعرض عن الطريق الأخروية واشتغل عن تعرف حالهما، ولم ينعم تدبرهما، صح أن تستعمل هذه الألفاظ فيه، والآية مبنية على الآية الأولى ومفسرة بحسب تفسيرها.

قوله: (وأن ينظروا ويتبصروا بعيونهم) زاد في العبارة في هذا القسم، وأكد فيه، حيث بين النظر بالتبصر وصرح بذكر العين، وبناه من التفعل؛ لأن بديهة النظر لا تجدي ألبتة، والنظرة الأولى حمقاء، فلابد من بناء ثان على الأول، وإعمال التفكير فيه لينتفع به.

قوله: (إيفت) أي: صارت ذا آفةٍ. الجوهري: الآفة: العاهة. وقد إيف الزرع، أي: أصابته آفة فهو مؤوف مثال معوف، والبنى: بالضم مقصورة مثل البنى يقال: بنية وبنى، وبنية وبنى.

قوله: (أذنوا) هو من: أذنت الشيء أذنا، إذا أصغيت إليه، وأنشد الجوهري قبلة لقعنب:

إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحًا

مني، وما أذنوا من صالح دفنوا

ص: 246

فأَصمَمتُ عَمْراً وأَعْمَيتُهُ

عَنِ الجُودِ والفَخْرِ يَوْمَ الفَخَار،

فإن قلت: كيف طريقته عند علماء البيان؟ قلت: طريقة قولهم:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (فأصممت عمرًا) البيت. أي: وجدته أصم، "وأعميته"، أي: وجدته أعمى.

قوله: (كيف طريقته) قيل: أي: هو حقيقة أم مجاز؟ ثم إن كان مجازًا، أهو من باب التمثيل أو الاستعارة؟ وليس بذاك، بل توجيه السؤال أن يقال: ذكرت أن قوله: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ)[البقرة: 18] ليست على ظواهرها؛ لأن حواسهم كانت سليمة، وأنها محمولة على تلك المعاني، فمن أي أسلوب هو في البيان؟ فأجاب: إنه من باب التشبيه، ثم أورد عليه أن مبنى التشبيه أن يذكر طرفاه، وهو المشبه والمشبه به، فهل يسمى استعارة أم لا؟ فأجاب بأنه لا يسمى استعارة؛ لأن المستعار له مذكور وهم المنافقون، ثم منع هذا التعليل بقوله:"طوى ذكرهم عن الجملة بحذف المبتدأ" وتقريره: أنه ثبت في البيان أن شرط الاستعارة أن يكون المشبه المتروك مطويًا في جملة وقعت الاستعارة فيها، فلو ذكر في غيرها من الجمل لا يضرها، ألا ترى إلى قوله:

قامت تظللني من الشمس

نفس أعز علي من نفسي

قامت تظللني ومن عجب

شمس تظللني من الشمس

فإن قوله: "شمس تظللني" عد استعارة، وإن علم من السابق أنه تشبيه، كذا ها هنا هذه الجملة معراة عن ذكر المشبه، وإن علم مما سبق ذكرهم، فانسلق إلى أنه استعارة، وإليه الإشارة بقوله:"طوى ذكرهم عن الجملة". وأجاب أن المطوي في حكم المنطوق؛ لأن الكلام لا يتم إلا به، بخلافه في البيت، فإن تلك الجملة مستقلة.

ص: 247

هم ليوث؛ للشجعان، وبحور للأسخياء. إلا أنّ هذا في الصفات، وذاك في الأسماء، وقد جاءت الاستعارة في الأسماء والصفات والأفعال جميعاً. تقول: رأيت ليوثا، ولقيت صما عن الخير، ودجا الإسلام، وأضاء الحق. فإن قلت: هل يسمى ما في الآية استعارة؟ قلت: مختلف فيه. والمحققون على تسميته تشبيها بليغاً لا استعارة؛ ........

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (هم ليوث للشجعان، وبحور للأسخياء) أي: تشبيه بحذف الأداة، والوجه كأنه قيل: هم كالليوث وكالصم إلا أن الفرق بينهما من حيث الاسم والصفة، وكما جاءت الاستعارة على الأصالة في الأسماء وعلى التبعية في الصفات والأفعال كذا تجيء في التشبيه؛ لأن مبنى الاستعارة على التشبيه فقوله:"رأيت ليوثًا ولقيت صما، ودجا الإسلام، وأضاء الحق" استعارات لا تشبيهات، فإذا جوز ذلك في الفرع، ففي الأصل بطريق الأولى.

قوله: (ودجا الإسلام)، الأساس: ومن المجاز ثوب داج: سايغ غطى جسده كله، وثوب الإسلام داج.

قوله: (تشبيهًا بليغًا) وذلك أن حق التشبيه ذكر أركانه الأربعة: المشبه والمشبه به، وأداته ووجهه، وحين لم يذكر ها هنا الأداة دل على الحمل، ولما لم يذكر الوجه دل على العموم.

وأما حذف المسند إليه، فيه بلاغة أم لا؟ فمذهب صاحب المفتاح: لا، لكون المقدر كالملفوظ، لكن لا يخلو من نوع مبالغة، فإن دلالة المسند على المسند إليه المقدر في نحو:

أسد علي وفي الحروب نعامة

قريب من نحو دلالة الأسد على الشجاع في قولك: رأيت أسدًا يرمي، ولهذا اختلف فيه.

ص: 248

لأنّ المستعار له مذكور وهم المنافقون. والاستعارة إنما تطلق حيث يطوى ذكر المستعار له، ويجعل الكلام خلواً عنه صالحاً لأن يراد به المنقول عنه والمنقول إليه، لولا دلالة الحال أو فحوى الكلام، كقول زهير:

لَدَى أَسَدٍ شَاكِى السِّلاحِ مُقَذَّفٍ

لَهُ لِبَدٌ أَظْفارُهُ لَمْ تُقَلَّمِ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (يطوى ذكر المستعار له) ليس بكلي؛ لأن ذلك مشروط في الاستعارة المصرحة، أما المكنية فبخلافه.

قوله: (ويجعل الكلام خلوا عنه، صالحا لأن يراد به المنقول عنه والمنقول إليه) مبني على القول بالدعاء الذي هو أصل الاستعارة، وإلا فمعنى الحقيقة هو المبادر إلى الفهم عند خلو الكلام عن القرينة، وإلى الاستعارة عند وجودها؛ وذلك أن المتكلم عند إرادة الاستعارة يدعي أولا أن المشبه داخل في جنس المشبه به، وفرد من أفراد حقيقته، فالمستعار كاللفظ المشترك الدائر بين مفهوميه، ولولا القرينة المبينة لم يعلم المراد.

قوله: (لدى أسد شاكي السلاح) الشوكة شدة البأس، والحدة في السلاح، وقد شاك الرجل، أي: ظهرت شوكته وحدته، فهو شائك السلاح، وشاكي السلاح مقلوب منه، مقذف: كثير اللحم، ناقة مقذفة مكتنزة اللحم، كأنما قذفت به قذفا. لبد: جمع لبدة، وهي الشعر الذي على رقبته يتلبد.

قوله: (أظفاره لم تقلم) أي: براثنه لا يعتريها ضعف، يقال للضعيف: مقلوم الظفر، واجتمع في البيت تجريد الاستعارة مع ترشيحها، والبيت مستشهد به لقيام دلالة الحال على الاستعارة.

ص: 249

ومن ثم ترى المفلقين السحرة منهم كأنهم يتناسون التشبيه ويضربون عن توهمه صفحاً.

قال أبو تمام:

ويُصْعِدُ حتَّي يَظُنَّ الجَهُولُ

بأَنَّ لهُ حاجَةً في السَّمَاء

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ومن ثم) تعليل لقوله: ((ويجعل الكلام خلوا عنه صالحاً لأن يراد به المنقول عنه)) أي: حقيقة ((والمنقول إليه)) أي: ادعاء، ولأن المشبه داخل في جنس المشبه به فرد من أفراد حقيقة ((يتناسون التشبيه)) في الترشيح كأنه لم يخطر منهم على بال، ولا رأوه ولا طيف خيال.

فإن قلت: الكلام في تناسي التشبيه مسوق للاستعارة كما يفهم من كلامه، وهذا تشبيه كما تقرر من مفهوم كلام صاحب المفتاح؟ قلت: ذكره للمبالغة والإيذان بأنهم إذا كانوا مع التشبيه والاعتراف بالأصل يسوغون أن لا يبنوا إلا على الفرع الذي هو المشبه به، فهم إلى تسويغ ذلك مع جحد الأصل في الاستعارة أقرب.

قوله: (المفلقين)، الجوهري: الفلق بالكسر: الداهية والأمر العجيب تقول منه: أفلق الرجل، وشاعر مفلق.

الأساس: شاعر مفلق يأتي بالفلق وهو الأمر العجيب.

قوله: (ويصعد) البيت، والضمير في ((يصعد)) للمدوح، ساق سمو منزلته وارتقاءه

ص: 250

ولبعضهم:

لا تَحْسَبُوا أَنَّ في سِرْبالهِ رَجُلًا

ففِيهِ غَيْثٌ ولَيْثٌ مُسْبِلٌ مُشْبِل

وليس لقائل أن يقول: طوى ذكرهم عن الجملة بحذف المبتدإ فأتسلق بذلك إلى تسميته استعارة لأنه في حكم المنطوق به، نظيره قول من يخاطب الحجاج:

أَسَدٌ عَلَىَّ وفي الحُرُوبِ نَعَامَةٌ

فَتْخاءُ تَنْفُرُ مِنْ صَفِيرِ الصَّافِرِ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مدارج الكمال مساق علوه المكاني، واللام في ((الظن)) جواب القسم، والبيت مثال الاستعارة.

قوله: (لا تحسبوا) البيت، والبيت مستشهد به من حيث اللفظ كما تقول في شجاع: هذا ليس بإنسان بل هو أسد؛ ألا ترى كيف يفترس ويصول.

قوله: (مسبل)، الأساس: أسبل المطر: أرسل دفعة وتكاثف كأنما أسبل سترا.

قوله: (فأتسلق)، الجوهري: تسلق الجدار: تسوره. أي ترك التشبيه وارتقى إلى الاستعارة، لأنها تدرج من التشبيه لحذف أحد طرفيه وذكر الآخر، وفي حذف المبتدأ إيهام لتطهيره اللسان عنه.

قوله: (أسد علي) البيت، وبعده:

هلا حملت على غزالة في الوغى

بل كان قلبك في جناحي طائر

فتخاء: مسترخية الجناح. والصفير: صوت المكاء، والنعام يضرب به المثل في الجبن.

قيل: قتل الحجاج شبيبا الخارجي، فحاربته امرأته سنة، وهزمت الحجاج وهي تتبعه، فقيل له ذلك تغييرا، أي: هلا حملت على هذه المرأة في الوغى بل كان قلبك في الوجيب والخفقان كأنه في جناحي الطير.

ص: 251

ومعنى (لا يَرْجِعُونَ): أنهم لا يعودون إلى الهدى بعد أن باعوه، أو عن الضلالة بعد أن اشتروها، تسجيلا عليهم بالطبع. أو أراد أنهم بمنزلة المتحيرين

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ومعنى (لا يَرْجِعُونَ)) أي: (لا يَرْجِعُونَ) متعلقه محذوف. الأساس: رجع إلى رجوعا ومرجعا ورجعى، ورجعته أنا رجعا. فإما أن يقدر المتعلق ((إلى))، فالرجوع إذن بمعنى الإعادة إلى ما كان، فالمعني:((لا يعودون إلى الهدي))؛ لأن المراد تمكنهم من الهدي، وإما أن يقدر ((عن)) فالمعنى:((لا يرجعون عن الضلالة))، فإن المتمسك بالشيء لا يرجع عنه، وإما أن لا يقدر شيء، ويترك على الإطلاق، والوجهان المتقدمان مبنيان على أن وجه التشبيه في التمثيل مستنبط من قوله:(أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى)[البقرة: 16] والوجه الأخير من قوله: (ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ)، المعني به قوله:((إنهم غب الإضاءة، خبطوا في ظلمة، وتورطوا في حيرة)).

قوله: (تسجيلا عليهم بالطبع) اعلم أن في تفريعه هذا اللفظ على قوله: ((بعد أن باعوه)) أو ((بعد أن اشتروها)) وإيقاعه مفعولا له للقول المقدر، أي: قيل: فهم لا يرجعون، تسجيلا عليهم، دقيقة جليلة ولطيفة سنية، لأنه آذن به أن هذا القول أيضا متفرع على قوله تعالى:(أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى)[البقرة: 16] وتتميم لذلك المعنى، نحو قوله:(فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ) وقوله: (وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ)؛ لآن المشتري والبائع إذا بتا المبايعة بحيث لا يكون لأحدهما الخيار والرجوع إلى السلعة كتبا صكا على ذلك، ثم أثبت الحاكم سجله تأكيدا على تأكيد، فهذا هو معنى الطبع، لأن الطبع: تراكم الرين وتزايد في الكفر، فعلى هذا جملة التمثيل كالمعترضة بين التتميم أعني:(صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ)[البقرة: 18] والمتمم وهو قوله: (أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ) الآية [البقرة: 16] وعلى الوجه الثاني وهو قوله: ((أو أراد

ص: 252

الذين بقوا جامدين في مكانهم لا يبرحون، ولا يدرون أيتقدّمون أم يتأخرون؟ وكيف يرجعون إلى حيث ابتدءوا منه.

[(أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ* يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ*)].

ثم ثنى اللَّه سبحانه في شأنهم بتمثيل آخر ليكون كشفا لحالهم بعد كشف، وإيضاحا غب إيضاح

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أنهم بمنزلة المتحيرين"، قوله:(صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ) كالتتميم لجملة التمثيل، ويمكن أن ينظر في الترشيح والتجريد والتتميم معنى الترقي ليشمل جميع شرائط التجارة؛ لأن المقصود من التجارة حصول الربح، وحفظ رأس المال، وهؤلاء في هذه الصفقة أضاعوا هاتين الطلبتين، فعلم من ذلك فقد اهتدائهم لطرق التجارة. ومن وقف على كونه دخيلاً في صنعة التجارة ربما اشتغل بالتلافي، ويرجع إلى البائع ويعتذر إليه ليرد رأس ماله، ويرجع عن الغبن الفاحش، وهؤلاء حرموا كل ذلك فدمروا.

قوله: (وكيف يرجعون) عطف على "أيتقدمون أم يتأخرون" ضمن "لا يدرون" معنى العلم، وعلق عمله حيث أتى بالحملتين مصدرتين بحرف الاستفهام، و"كيف" مفعول "يرجعون" على تأويل جواب الاستفهام.

قوله: (ثم ثنى الله تعالى) هو عطف على قوله: "عقبها بضرب المثل" في قوله: "ولما جاء بحقيقة صفتهم عقبها".

قوله: (غب إيضاح)، الجوهري: الغب: أن ترد الإبل الماء يومًا وتدعه يومًا.

ص: 253

وكما يجب على البليغ في مظانّ الإجمال والإيجاز أن يجمل ويوجز فكذلك الواجب عليه في موارد التفصيل والإشباع أن يفصل ويشبع. أنشد الجاحظ:

يُوحُونَ بالخُطَبِ الطِّوَالِ وتَارَةً

وَحْىَ المُلَاحِظِ خِيفةَ الرُّقَباءِ

ومما ثنى من التمثيل في التنزيل قوله: (وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ وَلَا الظُّلُماتُ وَلَا النُّورُ وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ، وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ)[فاطر: 19 - 21]، وألا ترى إلى ذى الرمّة كيف صنع في قصيدته:

أَذَاكَ أَمْ نَمَشٌ بالْوَشْي أَكْرَعُه؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وكما يجب على البليغ) الواو للاستئناف، والكلام إلى تمام بيت الجاحظ معترض، والكاف في "كما" مرفوع المحل و"ما" موصولة، ولذلك جيء بالفاء في الخبر، وهو "فكذلك".

قوله: (يرمون بالخطب)، الأساس: ومن المجاز: رأيت الناس يرمون الطائف، أي: يقصدونه وهذا الكلام بعيد المرامي.

قوله: (وحي الملاحظ) منصوب على المصدر، أي: يشيرون رمزًا.

قوله: (وألا ترى) ويروى بغير "الواو"، وإذا كان بغير "الواو" فهو كالبيان لم امر، وإذا كان "بالواو" فهو عطف على "مما ثني".

قوله: (أذاك أم نمش بالوشي أكرعه) تمامه:

مسفع الخد غادٍ ناشط شبب

النمش بالفتح: نقط بيض وسود، ومنه: ثور نمش بكسر الميم، وهو الوشي الذي فيه نقط. بالوشي: صفة النمش، وأكرعه فاعله. مسفع الخد: أسود. الجوهري: السفعة في الوجه: سواد في خدي المرأة الشاحبة. ناشط: يخرج من أرضٍ إلى أرضٍ. وشبب: ثور مسن قد

ص: 254

أَذَاكَ أَمْ خَاضِبٌ بالسَّىِّ مَرْتَعُهُ؟

فإن قلت: قد شبه المنافق في التمثيل الأوّل بالمستوقد نارا، وإظهاره الإيمان بالإضاءة، وانقطاع انتفاعه بانطفاء النار،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

استحكم أسنانه. والأكرع: جمع الكراع، وهو الوظيف وهو ما بين الركبة إلى الرسغ. يقول: أذاك الحمار الوحشي الذي مر ذكره يشبه ناقتي، أم ثور ملمع مسفع الخد.

قوله: (أذاك أم خاضب بالسي مرتعه) تمامه:

أبو ثلاثين أمسى وهو منقلب

الخاضب: الظليم. والظليم إذا أكل الربيع احمرت ساقاه، وأطراف ريشه. و"السي": ما استوى من الأرض. و"أبو ثلاثين" أي: ثلاثين فرخًا، فهو منقلب، أي: منصرف إلى وكره. كرر التشبيه، وشبه ناقته تارة بالحمار، وأخرى بالثور، ثم بالنعام في السرعة والخفة.

قوله: (وإظهاره الإيمان بالإضاءة) قيل: فيه نظر، والأولى أن يقال: إظهاره الإيمان بالاستيقاد، وانتفاعه بالإضاءة؛ لأن المنافق إذا شبه بالمستوقد، ففعله وهو إظهار الإيمان يكون كالاستيقاد لا محالة، وما يحصل له من إظهار الإيمان يكون كالإضاءة الحاصلة من الاستيقاد. هذا هو التحقيق.

وقلت: تحقيق هذا المقام أن التشبيه واقع في صفة المنافقين وصفة المستوقدين كقوله تعالى: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا)[البقرة: 17] وصفة المنافقين إظهار الإيمان بالكلمة المجراة على ألسنتهم، وصفة المستوقدين مزاولة الوقود ومحاولة الاستيقاد، وكما أن هذه المزاولة عقيب هذه الإضاءة على ما قال تعالى:(فَلَمَّا أَضَاءَتْ)، كذلك ذلك الإظهار أورث أن تجري عليهم أحكام المسلمين من المتاركة والاصطناع والإحسان إليهم، فإنها منافع بمنزلة

ص: 255

فماذا شبه في التمثيل الثاني بالصيب وبالظلمات وبالرعد وبالبرق وبالصواعق؟ قلت: لقائل أن يقول: شبه دين الإسلام بالصيب؛ لأنّ القلوب تحيا به حياة الأرض بالمطر. وما يتعلق به من شبه الكفار بالظلمات،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الإضاءة، يدل عليه قوله فيما سبق:"وأين الإضاءة في حال المنافق" وجوابه: أن "المراد ما استضاؤوا به قليلاً من الانتفاع بالكلمة المجراة على ألسنتهم" ثم كما ترتب على تلك الإضاءة إذهاب النور بالكلية كذلك ترتب على هذه الإضاءة انقطاع الانتفاع وهو المراد بقوله: "وانقطاع انتفاعه بانطفاء النار" ولا شك أن انقطاع الانتفاع متوقف على ثبوته، فالتقدير: شبه الإظهار بالاستيقاد والانتفاع بالإضاءة لدلالة كلامه السابق وهو قوله: "ما استضاؤوا به قليلاً من الانتفاع" على أن الانتفاع مشبه بالإضاءة. هذا التقرير وهو قوله: "قد شبه المنافق" إلى آخره؛ هذا التقرير يؤيد أيضًا ما ذهبنا إليه من أن السؤال فيما سبق في قوله: "فيم شبهت" عن المشبه لا عن الوجه.

قوله: (شبه دين الإسلام بالصيب) لما كان الكلام فيه تشبيه حال المنافقين بذوي الصيب، فكانوا ملتبسين بالمسلمين تجري عليهم أحكامهم، دخل دين الإسلام بالتشبيه.

قال القاضي: شبه أنفس المنافقين بأصحاب الصيب، وإيمانهم المخالط بالكفر والخداع بصيبٍ فيه ظلمات ورعد وبرق من حيث إنه وإن كان نافعًا في نفسه لكنه لما وجد في هذه الصورة، عاد نفعه ضرًا، وشبه نفاقهم حذرًا عن نكايات المؤمنين، وما يطرقون به من سواهم من الكفرة بجعل الأصابع في الآذان من الصواعق حذر الموت.

قوله: (وما يتعلق به) روي مجهولاً. قيل: الضمير المجرور إذا رجع إلى "الدين"، لا يبقى للموصول عائد، ولو روي مرفوعًا لرجع الضمير المستتر فيه إلى الموصول، وفي "به" إلى "الدين"، لكان وجهًا، لكن الرواية بالضم.

ص: 256

وما فيه من الوعد والوعيد بالرعد والبرق. وما يصيب الكفرة من الأفزاع والبلايا والفتن من جهة أهل الإسلام بالصواعق. والمعنى: أو كمثل ذوى صيب. والمراد كمثل قوم أخذتهم السماء على هذه الصفة فلقوا منها ما لقوا. فإن قلت: هذا تشبيه أشياء بأشياء فأين ذكر المشبهات؟ وهلا صرح به كما

في قوله: (وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَلَا الْمُسِيءُ)[غافر: 58]! وفي قول امرئ القيس:

كأنَّ قُلُوبَ الطَّيْرِ رَطْباً ويابِساً

لَدَى وَكْرِها العُنَّابُ والحَشَفُ البَالِى؟

قلت: كما جاء ذلك صريحاً فقد جاء مطويا ذكره على سنن الاستعارة،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وما فيه) الضمير المجرور "للدين"، والمستتر المتحول إلى الظرف للموصول.

قوله: (وما فيه من الوعد والوعيد بالرعد والبرق) فيه لف ونشر.

قوله: (وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ)[غافر: 58] شبه المسئ بالأعمى، ومن عمل صالحًا بالبصير، وأتى بالمشبه والمشبه به فيهما على طريقة اللف والنشر من غير ترتيبٍ كما أتى امرؤ القيس بهما على الترتيب. والأول أحسن لأنه أدل على جودة ذهن السامع بأن يرد كلا منه إلى ما هو له.

قوله: (كأن قلوب الطير) البيت، الحشف: أردأ التمر. والبالي من بلي الشيء بلاء بفتح الباء وبلى بكسرها، يصف بازيًا يصيد الطيور، ورطبًا ويابسًا حالان. والعامل "كأن"، كقولك: كأنك مقاتلاً الأسد أي: أشبهك به في حال القتال.

قوله: (على سنن الاستعارة) أي: الاستعارة المصرحة، فإن المشبه فيها مطوي أبدًا، والفرق أن المتروك في التشبيه منوي مراد، وفي الاستعارة منسي غير مراد، فقول تعالى:(مَثَلُهُمْ)

ص: 257

كقوله تعالى: (وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ)[فاطر: 12]، (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَماً لِرَجُلٍ) [الزمر: 29]. والصحيح الذي عليه علماء البيان لا يتخطونه:

أنّ التمثيلين جميعاً

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مشبه مبهم، والمشبه به قوله:(كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا)[البقرة: 17] إلى آخره، وهو مشتمل على أشياء معدودةٍ مستدعيةٍ لما يقابلها من المشبه في الطرف الآخر ليتم أمر التشبيه، وكذلك كان في حكم المذكور كما استدعى الإخبار في قوله تعالى:(صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ)[البقرة: 18] المبتدأ، ولذلك لم يكن استعارة بخلافه في قوله:(وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ)[فاطر: 12] وقوله: (رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ)[الزمر: 29] فإن المراد بالأول الكافر والمؤمن، وبالثاني الكافر وإشراكه الأصنام بالله، والمؤمن وتفرده بإله واحد. فشبه الكافر مع آلهته بعيدٍ قد اشترك فيه شركاء بينهم اختلاف، كل واحدٍ منهم يدعي عبوديته، ويريد أن يتفرد له بالخدمة، فذاك بأمره، وهذا بنهاه، متحير لا يدري رضاء أيهم يتحري، وشبه المؤمن مع توحيده بعبدٍ قد سلم لمالكٍ واحدٍ، فهو معتنق لما لزمه من الخدمة، معتمد على مولاه فيما يصلحه ويهمه، فهو مجتمع القلب. ولا يستدعي الإتيان سوى القرينة الصارفة عن إرادة الحقيقة، والصارف فيهما سياق الكلام فكانتا استعارتين.

قوله: (والصحيح) جواب آخر عن قوله: "فأين ذكر المشبهات" أو يقال: إنه جواب آخر عن السؤال الأول، فإنه سأل أولاً بقوله:"قد شبه المنافق في التمثيل الأول" إلى آخره. وقدر في الجواب المشبهات كلها، ثم سأل: فأين هذه المقدرات؟ وأجاب عنه: أنه مطوي مراد، ثم أتى بالوجه الصحيح بل الظاهر هذا؛ لأن المشبه في هذا الوجه أيضًا مطوي منوي لكن بوجهٍ آخر، فإذا هو عطف على قوله:"ولقائل أن يقول" ودل قوله في الجواب: "ولقائل أن يقول" على ضعف القول الأول.

ص: 258

من جملة التمثيلات المركبة دون المفرّقة، لا يتكلف الواحد واحد شيء يقدر شبهه به، وهو القول الفحل والمذهب الجزل، بيانه: أنّ العرب تأخذ أشياء فرادى، معزولاً بعضها من بعض، لم يأخذ هذا بحجزة ذاك فتشبهها بنظائرها، كما فعل امرؤ القيس وجاء في القرآن، وتشبه كيفية حاصلة من مجموع أشياء قد تضامّت وتلاصقت حتى عادت شيئا واحدا، بأخرى مثلها كقوله تعالى:(مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ) الآية [الجمعة: 5]. الغرض تشبيه حال اليهود في جهلها بما معها من التوراة وآياتها الباهرة، بحال الحمار في جهله بما يحمل من أسفار الحكمة، وتساوى الحالتين عنده من حمل أسفار الحكمة وحمل ما سواها من الأوقار، لا يشعر من ذلك إلا بما يمرّ بدفيه

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (لا يتكلف) استئناف على سبيل البيان، أو حال، المعنى: أن التمثيلين من جملة التمثيلات المركبة فلا تحتاج إلى أن يقدر في طرف المشبه ما يقابل واحدًا واحدًا معزولاً بعضها عن بعض.

قوله: (بيانه) أي: بيان وقوع التمثيلين في كلامهم، لا بيان القول الفحل، وأما جزالة هذا الوجه فإنك تتصور في المركب الهيئة الحاصلة من تقارن تلك الصور وكيفياتها المتضامة، فيحصل في النفس منه ما لا يحصل من المفردات، كما إذا تصورت من مجموع الآية مكابدة من أدركه الوبل الهطل مع تكاثف ظلمة الليل وهيئة انتساج السحاب بتتابع القطر، وصوت الرعد الهائل، والبرق الخاطف، والصاعقة المحرقة، ولهم من خوف هذه الشدائد حركات من يحذر الموت، حصل لك منه أمر عجيب وخطب هائل بخلاف ما إذا تكلفت لواحدٍ واحدٍ مشبهًا به.

قوله: (كقول تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ) الآية [الجمعة: 5]. فإن قلت: كيف استشهد بها هنا للتمثيل المركب، وقد استشهد بها للمفرد في قوله:"لم يشبهوا بذات المستوقد وإنما شبهت قصتهم بقصتهم"؟ قلت: ليريك أن الآية أيضًا يسوغ فيها الأمران، وأن القول القوي الذي عليه علماء البيان هو الأخير.

ص: 259

من الكدّ والتعب. وكقوله: (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ)[الكهف: 45]، المراد قلة بقاء زهرة الدنيا كقلة بقاء الخضر. فأما أن يراد تشبيه الأفراد بالأفراد غير منوط بعضها ببعض ومصيرة شيئاً واحدًا، فلا. فكذلك لما وصف وقوع المنافقين في ضلالتهم وما خبطوا فيه من الحيرة والدهشة شبهت حيرتهم وشدّة الأمر عليهم بما يكابد من طفئت ناره بعد إيقادها في ظلمة الليل، وكذلك من أخذته السماء في الليلة المظلمة مع رعد وبرق وخوف من الصواعق. فإن قلت: الذي كنت تقدّره في المفرّق من التشبيه من حذف المضاف وهو قولك «أو كمثل ذوي صيب

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (فأما أن يراد تشبيه الأفراد بالأفراد) متعلق بقوله: "الغرض تشبيه حال اليهود في جهلها" إلى آخره، إيجاز بحذف "إما" في أحد الفصلين، أي: إما أن يراد تشبيه المركب بالمركب فهو المرام، وإما أن يراد تشبيه المفرد بالمفرد، فلا.

قوله: (فكذلك لما وصف وقوع المنافقين في ضلالتهم) هذا شروع في بيان التشبيهين على أن الوجه فيهما غير حقيقي، منتزع من عدة أمورٍ، فعند هذا يحسن السؤال عن بيان الوجه في التشبيهين، فإن ذلك مشكل، فيقال: فيم شبهت حال المنافقين بحال المستوقدين وبحال ذوي الصيب؟ والجواب عنها ما ذكره صاحب "المفتاح": فإن وجه تشبيه المنافقين بالذين شبهوا بهم إلى آخره كما سبق. وأن قوله تعالى: (كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ)[البقرة: 19] إلى آخره تمثيل لما أن وجه الشبه بينهم وبين المنافقين هو أنهم في المقام المطمع في حصول المطالب ونجح المآرب، لا يحظون إلا بضد المطموع فيه من مجرد مقاساة الأهوال.

قوله: (الذي كنت تقدره في المفرق من التشبيه من حذف المضاف، وهو قولك: أو كمثل ذوي صيب) يعني: لا بد في التشبيه المفرق من تقدير "ذوي"؛ لأن التشبيه حينئذٍ ليس بين

ص: 260

هل تقدّر مثله في المركب منه؟ قلت: لولا طلب الراجع في قوله تعالى: (يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ) ما يرجع إليه لكنت مستغنيا عن تقديره لأنى أراعى الكيفية المنتزعة من مجموع الكلام فلا علىّ أوَلِىَ حرف التشبيه مفرد يتأتى التشبيه به أم لم يله. ألا ترى إلى قوله: (إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا) الآية، كيف ولى الماء الكاف، وليس الغرض تشبيه الدنيا بالماء ولا بمفرد آخر يتمحل لتقديره. ومما هو بين في هذا قول لبيد:

وما النَّاسُ إلّا كالدِّيَارِ وأَهْلُهَا

بِهَا يَوْمَ حَلُّوهَا وغَدْواً بَلَاقِعُ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ذوات المنافقين والصيب نفسه، بل بين ذواتهم وذوات ذوي الصيب، ومن تقدير "مثل" أيضًا؛ لأن التشبيه أيضًا ليس بين صفة المنافقين وبين ذوات ذوي الصيب، بل بين صفتهم وصفتهم، لأن هذا التشبيه يقتضي التساوي بين الطرفين من جملة الوجوه، فإذا جعل التشبيه مركبًا هل يجب التطابق في مثل ذلك؟ وأجاب: أن مثل ذلك التطابق ليس بشرطٍ في المركب، لكن اقتضى ذلك التقدير أمران آخران: أحدهما ضمير الجمع في قوله: (يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ) فإنه يستدعي مرجوعًا إليه يناسبه، فلا بد من تقدير "ذوي"، وثانيهما: عطف هذا التمثيل على التمثيل الأول، فالواجب تقدير لفظ "مثل" أيضًا.

قوله: (ومما هو بين في هذا) أي: في أن المراعى هي الكيفية المنتزعة لا النظر فيما يلي حروف التشبيه أي شيءٍ كان، فإن الشاعر جاء في التشبيه بأداة الحصر، وهو يقتضي أن لا يكون الناس إلا مشبهين بالديار، وليس كذلك إذا لم تراع فيه الكيفية.

قوله: (وما الناس إلا كالديار) البيت، قوله:"بلاقع" خبر مبتدأٍ محذوف، "وغدوا" متعلق به والجملة حال عطفًا على قوله:"وأهلها بها" و"يوم" ظرف للمقدر في "بها" الذي هو الخبر. أي: الناس كالديار مأهولة يوم حلوا فيها، وبلاقع يوم رحلوا عنها. بعده:

ص: 261

لم يشبه الناس بالديار، وإنما شبه وجودهم في الدنيا وسرعة زوالهم وفنائهم، بحلول أهل الديار فيها ووشك نهوضهم عنها، وتركها خلاء خاوية.

فإن قلت: أي التمثيلين أبلغ؟ قلت: الثاني، لأنه أدل على فرط الحيرة وشدّة الأمر وفظاعته، ولذلك أُخر، وهم يتدرجون في نحو هذا من الأهون إلى الأغلظ. فإن قلت: لم عطف أحد التمثيلين على الآخر بحرف الشك؟ قلت: أو في أصلها لتساوى شيئين فصاعدا في الشك، ثم اتسع فيها فاستعيرت للتساوى في غير الشك؛

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وما المرء إلا كالشهاب وضوئه

يحور رمادًا بعد إذ هو ساطع

وما المال والأهلون إلا وديعة

ولابد يومًا أن ترد الودائع

قوله: (ووشك نهوضهم) أي: قرب رحيلهم. الأساس: وشك وأوشك أن يفعل، ويوشك أن يخرج، وأخاف وشك البين.

قوله: ("أو" في أصلها لتساوي شيئين [فصاعدًا] في الشك) إلى قوله: "فاستعيرت للتساوي". وتبعه صاحب "التخمير" بلا تغييرٍ في العبارة.

قال صاحب "الفرائد": الوجه أن يقال: "أو" لتعليق الحكم بأحد المذكورين فصاعدًا، والتفاوت في المؤدى إنما يقع بحسب التركيب الذي وقعت فيه، فإن وقعت في الخبر، فالحاصل تعلق الحكم بأحدهما، وهو غير معين، فأمكن أن يقع الشك فيه، وإن وقعت في الطلب ولم يمكن وقوع الشك فيه، أفاد التخيير والإباحة، والحاصل أيضًا تعلق الحكم بأحدهما وذلك غير مانعٍ لتعلق الحكم بكل واحدٍ منهما، فعلى هذا لم تلزم الاستعارة وهي في المواضع كلها على معناها.

قلت: حاصل تقريره: أن "أو" حقيقة في القدر المشترك بين الشك والتخيير والإباحة وهو تعليق الحكم بأحد الأمرين.

ص: 262

وذلك قولك: جالس الحسن أو ابن سيرين، تريد أنهما سيان في استصواب أن يجالسا، ومنه قوله تعالى:(وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً)[الإنسان: 24]، أى الآثم والكفور متساويان في وجوب عصيانهما، فكذلك قوله:(أَوْ كَصَيِّبٍ) معناه أن كيفية قصة المنافقين مشبهة لكيفيتى هاتين القصتين، وأن القصتين سواء في استقلال كل واحدة منهما بوجه التمثيل، فبأيتهما مثلتها فأنت مصيب، وإن مثلتها بهما جميعا فكذلك

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقال الحديثي: دلالة الثلاثة، أعني:"أو" و"أما" و"أم"على أحد الشيئين لا غير، وأما الشك والتخيير والإباحة وغيرها، فإنها من صفات الكلام الذي هي فيه، وإضافتها إليها مجازًا.

وقال ابن الحاجب في "شرح المفصل": إنما قال -أي المصنف-: "ويقال في "أو" و"أما" إنهما للشك" بلفظة "يقال" تنبيهًا على أن ذلك ليس بلازم إذ قد يكون المتكلم غير شاك، بل يكون مبهمًا، أما في الأمر، فيقال للتخيير، والإباحة على وضعها لإثبات الحكم لأحد الأمرين، إلا أنه إن حصلت قرينة يفهم معها أن الأمر غير حاجرٍ عن الآخر، مثل قولك: جالس الحسن أو ابن سيرين سمي الإباحة، وإلا سمي تخييرًا، وهو لأحد الأمرين في الموضعين. وإنما علم نفي حجر الأمر عن الآخر في الإباحة من أمرٍ خارجًٍ كما في النهي نحو قوله تعالى:(وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آَثِمًا أَوْ كَفُورًا)[الإنسان: 24] جاء التعميم من جهة النهي الداخل على معنى النفي؛ لأن المعنى قبل وجود النهي على بابه، ومصير المعنى: ولا تطع واحدًا منهما، فلا يحصل الانتهاء عن أحدهما حتى ينتهي عنهما مطلقًا. روي أن المصنف كتب في بعض الحواشي: تقول: كل خبزًا أو لحمًا، كأنك قلت: كل أحدهما، فإذا نفيت هذا، وقلت: لا تأكل خبزًا أو لحمًا، فكأنك قلت: لا تأكل شيئًا منهما.

وقلت: وجه التوفيق بين كلامي المصنف في "الكشاف" و"المفصل" هو أن "أو" في أصل اللغة موضوعة لتساوي شيئين في الشك، ثم فيه طريقان:

ص: 263

والصيب: المطر الذي يصوّب، أى ينزل ويقع، ويقال للسحاب: صيب أيضا. قال الشماخ يصف سحابةً:

وأَسْحَمَ دَانٍ صَادِقِ الرَّعْدِ صَيِّب

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أحدهما: أن يستعار لمعنى التخيير "أو" الإباحة لعلاقة تعليق الحكم بأحد المذكورين كما يستعار الأسد للشجاع لعلاقة الجراءة.

وثانيهما: أن يحمل على عموم المجاز لتعليق الحكم بأحد المذكورين، فيقال:"أو" أما في الخبر، فإنها للشك، وفي الأمر للتخيير والإباحة، وعلى الأول ورد في "الكشاف"، وعلى الثاني في "المفصل"، وفي كلام الزجاج إشعار بما ذهب إليه المصنف وقال:"أو" في قوله تعالى: (أَوْ كَصَيِّبٍ) دخلت لغير شك، وهذه يسميها الحذاق باللغة "أو" الإباحة، والمعنى: أن التمثيل مباح لكم في المنافقين، إن مثلتموهم بالمستوقدين فذلك مثلهم، أو مثلتموهم بأصحاب فهو مثلهم، أو مثلتموهم جميعًا فهما مثلاهم.

وقلت: إن اختصاص الحذاق، أي: المهرة بهذا المعنى دون من سواهم، دليل على دقة هذا المعنى. ولم يكن كذلك إذا كان حقيقة لاستواء الحذاق وغيرهم من أهل اللغة فيه. وهذا خلاف تلك القاعدة، وهي أن "أو" في الأمر للإباحة لكونها داخلة ها هنا على الخبر، وهي للإباحة، ولأن "أو" عند الإطلاق يتبادر منها الشك دون ما سواه من المعاني، وذلك أمارة الحقيقة.

قوله: (وأسحم دانٍ صادق الرعد صيب) صدره:

عفا آيه نسج الجنوب مع الصبا

الأسحم: السحاب الأسود، ذانٍ: قريب من الأرض، صادق الرعد، أي: غير خلب، المعنى: محا آثار ربع المحبوب وغير رسومه، اختلاف هاتين الريحين، وتتابع هبوبهما؛ مثل

ص: 264

وتنكير صيب لأنه أريد نوع من المطر شديد هائل. كما نكرت النار في التمثيل الأول. وقرئ: كصائب، والصيب أبلغ. والسماء: هذه للمظلة. وعن الحسن: أنها موج مكفوف. فان قلت: قوله: (مِنَ السَّماءِ) ما الفائدة في ذكره؟ والصيب لا يكون إلا من السماء. قلت: الفائدة فيه أنه جاء بالسماء معرفة؛

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اختلاف الريحين بنسج الصانع الثوب، فإن إحدى الريحين بمنزلة السدى، والأخرى كاللحمة فإن ريح الصبا تهب من جانب المشرق، والجنوب من يمين من يكون متوجه المشرق.

قوله: (أنها موج مكفوف) روينا عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث طويل: "هل تدرون ما فوقكم؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، قال:"فإنها الرقيع، سقف محفوظ، وموج مكفوف" أخرجه الترمذي، مكفوف: مدفوع، أي: كف أن يسيل. النهاية: كل سماءٍ يقال لها رقيع، وقيل: هو اسم سماء الدنيا.

قوله: (الفائدة فيه أنه جاء بالسماء معرفة) يوهم أنه غير مطابق للسؤال؛ لأنه لم يسأل

ص: 265

فنفى أن يتصوّب من سماء، أى من أفق واحد من بين سائر الآفاق، لأنّ كل أفق من آفاقها سماء، كما أن كل طبقة من الطباق سماء في قوله:(وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها). الدليل عليه قوله:

ومِنْ بُعْدِ أَرْضٍ بَيْنَنا وسَمَاءِ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عما عرض للفظ السماء من التعريف، بل سأل أن قوله:(مِنَ السَّمَاءِ) ما الفائدة في ذكره؟ بل الجواب المطابق قوله بعد ذلك: "وفيه أن السحاب من السماء ينحدرن ومنها يأخذ ماءه" ليرد زعم المخالف، وكان من الظاهر تقديم هذا على ذلك.

قلت: قد يذكر الشيء إما لكونه مقصودًا بالذات، أو ليعلق عليه أمر آخر، وذلك الأمر موقوف على ذكر ذلك الشيء. وهاهنا المقصود الاستغراق والمبالغة، ولم يكن يحصل ذلك إلا بذكر السماء معرفة، فجيء بها كما ترى، واستجلب ذكره المعنى الثاني، وهو رد زعم المخالف على سبيل الإدماج، أي: إشارة النص، فذكره، ولو عكس لم تكن المبالغة مقصودًا أوليًا، وإنما قلنا: المقصود المبالغة ليطابق ذكر السماء ذكر الصيب؛ لأن فيه مبالغاتٍ شتى كما ذكرن وإليه الإشارة بقوله: "كما جاء بصيب" إلى آخره.

قوله: (ومن بعد أرضٍ بيننا وسماء) صدره:

ص: 266

والمعنى: أنه غمام مطبق آخذ بآفاق السماء، كما جاء بصيب. وفيه مبالغات من جهة التركيب والبناء والتنكير. أمد ذلك بأن جعله مطبقا. وفيه أن السحاب من السماء ينحدر ومنها يأخذ ماءه، لا كزعم من يزعم أنه يأخذه من البحر،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فأوه لذكراها إذا ما ذكرتها

سمى بعض الأرض أرضًا، وبعض السماء سماءً، وأريد ببعد السماء والأرض ما يقابل من السماء والأرض التي بينهما، ولا يجوز أن يراد بالسماء المطلقة؛ لأنها ليست بينه وبينها.

قوله: (من جهة التركيب) لأنها ركبت من صادٍ، وهي مطبقة مستعلية، وياءٍ مشددة، وباءٍ وهي من الشديدة.

قوله: (والبناء) لأنها بنيت على وزن فيعل، وهي صفة مشبهة تدل على شيءٍ ثابت. قال السجاوندي: وهو بناء يختص بالمعتل وفيه مبالغة.

وقوله: (والتنكير) لأنه تنكير تهويل.

قوله: (بأن جعله مطبقًا) حيث عرف السماء باللام الاستغراقية.

قوله: (لا كزعم من يزعم أنه يأخذه من البحر) قال الإمام: من الناس من قال: المطر إنما يحصل من ارتفاع أبخرة رطبةٍ من الأرض إلى الهواء، فتنعقد هناك من شدة برد الهواء، ثم تنزل مرة أخرى، والله تعالى أبطل ذلك المذهب هنا بأن بين أن ذلك الصيب نزل من السماء. وكذلك بقوله:(وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا)[الفرقان: 48] وبقوله: (وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ)[النور: 43].

ص: 267

ويؤيده قوله تعالى: (وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ)[النور: 43]. فان قلت: بم ارتفع (ظلمات)؟ قلت: بالظرف على الاتفاق لاعتماده على موصوف. والرعد: الصوت الذي يسمع من السحاب، كأن أجرام السحاب تضطرب وتنتفض

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (بالظرف على الاتفاق) يريد: أنك لو قلت ابتداءً: "فيه ظلمات" فعند الأخفش ارتفاعه على الفاعلية؛ لأنه لم يشترط الاعتماد، وعند سيبويه ارتفاعه على الابتداء لاشتراطه الاعتماد، وإذا اعتمد الظرف على شيء جاز إعماله كما في الآية، لأنه وصف "صيب" به، فارتفاعه على الفاعلية بالاتفاق.

قوله: (والرعد: الصوت الذي يسمع من السحاب) إلى آخره، والصحيح الذي عليه التعويل هو ما روينا عن الترمذي، عن ابن عباس رضي الله عنه، قال: أقبلت يهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: أخبرنا عن الرعد ما هو؟ قال: "ملك من الملائكة موكل بالسحاب، معه مخازيق من نارٍ يسوقها بها حيث شاء الله"، فقالوا: فما هذا الصوت الذي يسمع؟ قال: "زجره حتى تنتهي حيث أمرت، فقالوا: صدقت".

النهاية: المخاريق: جمع مخراق، وهو في الأصل ثوب يلف ويضرب به الصبيان بعضهم بعضًا، أراد أنها آلة تزجر بها الملائكة السحاب وتسوقه، ويفسره حديث ابن عباسٍ:"البرق سوط من نورٍ تزجر به الملائكة السحاب".

قوله: (تنتفض)، الجوهري: نفضت الثوب والشجر أنفضه نفضًا، إذا حركته لينتفض.

ص: 268

إذا حدتها الريح فتصوّت عند ذلك من الارتعاد.

والبرق الذي يلمع من السحاب، من برق الشيء بريقا إذا لمع. فان قلت: قد جعل الصيب مكانا للظلمات فلا يخلو من أن يراد به السحاب أو المطر، فأيهما أريد فما ظلماته؟ قلت: أما ظلمات السحاب فإذا كان أسحم مطبقا فظلمتا سجمته وتطبيقه مضمومة إليهما ظلمة الليل. وأما ظلمات المطر فظلمة تكاثفه وانتساجه بتتابع القطر، وظلمة إظلال غمامه مع ظلمة الليل. فان قلت: كيف يكون المطر مكانا للبرق والرعد وإنما مكانهما السحاب؟ قلت إذا كانا في أعلاه ومصبه وملتبسين في الجملة فهما فيه. ألا تراك تقول: فلان في البلد، وما هو منه الا في حيز يشغله جرمه. فان قلت: هلا جمع الرعد والبرق أخذا بالأبلغ كقول البحتري:

يَا عَارِضاً مُتَلِّفعاً ببُرُودِهِ

يَخْتالُ بَيْنَ بُرُوقِهِ ورُعُودِهِ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (من الارتعاد) لم يرد أن أصله منه؛ لأن أصله من الرعدة، بل أراد أن فيه معنى الاضطراب والحركة.

قوله: (مضمومة إليهما ظلمة الليل) قيل: ظلمة الليل من أين تستفاد من الآية وليس فيها ما يدل عليه؟ والعجب أنه كررها، فيقال: تستفاد من الجمع، ومقام المبالغة، فإن أقل الجمع ثلاثة، فلذلك اعتبر الأعداد على التقديرين.

قوله: (في أعلاه ومصبه) هو من إطلاق أحد المتجاورين على الآخر، والمقصود في الاستشهاد بالبلد المجاورة، لا أنه من إطلاق الكل على البعض. قال السجاوندي:"فيه ظلمات" أي: في وقته.

قوله: (يا عارضًا) البيت. العارض: السحاب. يقال: تلفعت، أي: تلحَّفْتُ كما تلحَّفَتِ المرأة بمرطها، والاختيال: التبختر.

ص: 269

وكما قيل: (ظلمات)؟ قلت: فيه وجهان: أحدهما أن يراد العينان، ولكنهما لما كانا مصدرين في الأصل - يقال: رعدت السماء رعداً وبرقت برقاً؛ روعي حكم أصلهما بأن ترك جمعهما وإن أريد معنى الجمع. والثاني: أن يراد الحدثان كأنه قيل: وإرعاد وإبراق. وإنما جاءت هذه الأشياء منكرات، لأن المراد أنواع منها، كأنه قيل: فيه ظلمات داجية، ورعد قاصف، وبرق خاطف. وجاز رجوع الضمير في يجعلون إلى أصحاب الصيب مع كونه محذوفا قائما مقامه الصيب، كما قال:(أَوْ هُمْ قائِلُونَ)[الأعراف: 4]، لأن المحذوف باق معناه وإن سقط لفظه. ألا ترى إلى حسان كيف عوّل على بقاء معناه في قوله:

يُسْقَوْنَ مِنْ وِرْدِ البَرِيصِ عليْهِمُ

بَرْدَي يُصَفِّقُ بالرَّحِيقِ السَّلْسَلِ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (العينان) أي: اسمان لا مصدران.

قوله: (وإن أريد معنى الجمع)"الواو" بمعنى مع، أي: ترك الجمع لفظًا مع إرادته معنى. ولو روي "إن" بالكسر على الشرطية كان أظهر.

قوله: (الحدثان) يجوز فيه الرفعن ويراد به المصدر، وكسر النون ويراد به تثنية الحدث، وهو مصدر أيضًا، وصح بالكسر.

قوله: (أَوْ هُمْ قَائِلُونَ)[الأعراف: 4] فإن "هم" والضمير في "قائلون" يرجع إلى المضاف المحذوف عند قوله: (وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا) أي: أهلكنا أهلها، وإنما ذكر تقدر "ذوي" فيما سبق على سبيل الاستطراد، وذكره هناهنا على سبيل الأصالة وحل التركيب.

قوله: (يسقون) البيت، قبله:

لله در عصابةٍ نادمتها

يومًا بجلق في الزمان الأول

أولاد حفنة حول قبر أبيهم

قبر ابن مارية، الكريم المفضل

بيض الوجوه كريمة أحسابهم

شم الأنوف من الطراز الأول

ص: 270

حيث ذكر يصفق لأن المعنى ماء بردي، ولا محل لقوله:(يَجْعَلُونَ) لكونه مستأنفاً، لأنه لما ذكر الرعد والبرق على ما يؤذن بالشدّة والهول، فكأن قائلا قال: فكيف حالهم مع مثل ذلك الرعد؟ فقيل: (يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ) ثم قال: فكيف حالهم مع مثل ذلك البرق؟ فقيل: يكاد البرق يخطف أبصارهم. فان قلت: رأيس الأصبع هو الذي يجعل في الأذن، فهلا قيل أناملهم؟ قلت: هذا من الاتساعات في اللغة التي لا يكاد الحاصر يحصرها، كقوله:(فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ)[المائدة: 6]، (فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما) [المائدة: 6]، أراد البعض الذي هو إلى المرفق والذي إلى الرسغ. وأيضاً ففي ذكر الأصابع من المبالغة ما ليس في ذكر الأنامل

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يغشون حتى ما تهر كلابهم

لا يسألون عن السواد المقبل

اللاحقين فقيرهم بغنيهم

والمنفقين على اليتيم الأرمل

جلق؛ بكسر الجيم وتشديد اللام: موضع بدمشق، بردى: وادي دمشق، والبريص: نهر متشعب منه، تصفيق الشراب: أن يتحول من إناءٍ إلى إناء. والرحيق: صفوة الخمر. وماء سلسل وسلسال، أي: سهل الدخول إلى الحلق. والشاعر عول على بقاء المعنى حيث ذكر "يصفق" لأن المعنى "ماء بردى"، وكان القياس "تصفق" بالتاء المعجمة بنقطتين من فوق؛ لأن في "بردى" ألف التأنيث. "الطراز الاول": هو الذي يبدأ بذكره في الخصال الحميدة.

الأساس: ومن المجاز: ما أحسن طارز فلانٍ وطرزه، وهو طريقته في عمله، وهذا الكلام الحسن من طراز فلانٍ، وهو من الطراز الأول.

ص: 271

فإن قلت: فالأصبع التي تسدّ بها الأذن أصبع خاصة، «3» فلم ذكر الاسم العام دون الخاص؟ قلت: لأن السبابة فعالة من السب؛ فكان اجتنابها أولى بآداب القرآن. ألا ترى أنهم قد استبشعوها فكنوا عنها بالمسبحة والسباحة والمهللة والدّعاءة. فان قلت: فهلا ذكر بعض هذه الكنايات؟ قلت: هي ألفاظ مستحدثة لم يتعارفها الناس في ذلك العهد، وإنما أحدثوها بعد. وقوله مِنَ الصَّواعِقِ متعلق بيجعلون، أى: من أجل الصواعق يجعلون أصابعهم في آذانهم، كقولك: سقاه من العيمة «1» . والصاعقة: قصفة رعد تنقض معها شقة من نار، قالوا: تنقدح من السحاب إذا اصطكت أجرامه، وهي نار لطيفة حديدة. لا تمرّ بشيء إلا أتت عليه، إلا أنها مع حدتها سريعة الخمود. يحكى أنها سقطت على نخلة فأحرقت نحو النصف ثم طفئت. ويقال: صعقته الصاعقة إذا أهلكته، فصعق أى مات إما بشدة الصوت أو بالإحراق. ومنه قوله تعالى:(وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً)[الأعراف: 143]. وقرأ الحسن: من الصواقع وليس بقلب للصواعق؛

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (من العيمة). العيمة: اشتهاء اللبن، يقال: عام إلى اللبن. أي: اشتهاه. قال صاحب "الضوء": يروى: "عن العيمة"، أي: بعده عنها وجاوز به حكمها إلى الري، وإن شئت قلته بـ "من" على معنى سقاه من جهة العيمة، وهذا من عمل من تم كلامه. و"من" هذه كما في قوله تعالى:(وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا)[مريم: 53] أي: من أجل رحمتنا.

قوله: (قصفة رعد)، الجوهري: رعد قاصف: شديد الصوت، والقصف: الكسر. تنقض، أي: تسقط.

قوله: (إلا أتت عليه) أي: أهلكته ووطئته وطأ مفنيًا. الأساس: أتى عليهم الدهر: أفناهم. وقال أبو زيد: الصاعقة: نار تسقط من السماء في رعدٍ شديد.

قوله: (ومنه قوله تعالى: (وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا)[الأعراف: 143]) أي: ومنه مجاز قوله تعالى: (وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا) كقوله في قوله تعالى: (فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ)[البقرة: 55]:

ص: 272

لأنّ كلا البناءين سواء في التصرف، وإذا استويا كان كل واحد بناء على حياله. ألا تراك تقول: صقعه على رأسه، وصقع الديك، وخطيب مصقع: مجهر بخطبته. ونظيره «جبذ» في «جذب» ليس بقلبه لاستوائهما في التصرف. وبناؤها إما أن يكون

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

"وموسى عليه السلام لم تكن صعقته موتًا، ولكن غشية بدليل قوله:(فَلَمَّا أَفَاقَ)[الأعراف: 143] إذ لو حمل على الاشتقاق لناقض بين كلامين.

قوله: (سواء في التصرف) أي: فيما يلزم الفعل من التشعب والاشتقاق، فيقال: صقع الديك، وخطيب مصقع، وصقعه على رأسه، ولو كان مقلوبًا لم يتجاوز عن صورةٍ واحدة.

الراغب: الصاعقة والصاقعة يتقاربان، وهما الهدة الكبيرة إلا أن الصقع يقال في الأجسام الأرضية، والصعق في الأجسام العلوية. وقال بعض أهل اللغة: الصاعقة ثلاثة أوجه: الموت كقوله تعالى: (فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ)[الزمر: 68] والعذاب كقوله تعالى: (أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ)[فصلت: 13] والنار كقوله: (وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ)[الرعد: 13]. وما ذكره فهي أشياء متولدة من الصاعقة، فإن الصاعقة هي الصوت الشديد من الجو، ثم تكون منه نار فقط، أو عذاب أو موت، وهي في ذاتها شيء واحد، وهذه الأشياء تأثيرات منها.

قوله: (وبناؤها) أي: بناء الصاعقة "إما أن يكون صفة لقصفة الرعد" لأن فاعلة صفة للمؤنث، يجئ جمعها على فواعل نحو: ضاربةٍ وضوارب، أو هو فاعل صفة للمذكر وهو الرعد، والتاء للمبالغة، فيجمع على فواعل شاذًا نحو فارسٍ وفوارس، أو هي فاعلة اسم المؤنث نحو كاتبةً وكواتب.

ص: 273

صفة لقصفة الرعد، أو للرعد، والتاء مبالغة كما في الراوية، أو مصدرا كالكاذبة والعافية. وقرأ ابن أبى ليلى: حذار الموت، وانتصب على أنه مفعول له كقوله:

وأَغْفِرُ عَوْرَاءَ الكَرِيمِ ادِّخَارَهُ

والموت فساد بنية الحيوان. وقيل: عرض لا يصح معه إحساس معاقب للحياة. وإحاطة اللَّه بالكافرين مجاز. والمعنى: أنهم لا يفوتونه

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وأغفر عوراء الكريم ادخاره) تمامه:

وأعرض عن شتم اللئيم تكرما

قائله حاتم. العوراء: الكلمة القبيحة، أي: أسترها لتبقى الصداقة، وأدخره ليومٍ أحتاج إليه، لأن الكريم إذا فرط منه قبح ندم على فعله، ومنعه كرمه أن يعود إلى مثله، واستشهد به لكونه مضافًا إلى المعرفة وهو نادر كقوله تعالى:(حَذَرَ الْمَوْتِ)[البقرة: 19] أي: ادخاره وتكرمًا، كلاهما مفعول له.

قوله: (وقيل: عرض لا يصح معه إحساس، معاقب للحياة) هذا يدل على أن الموت في الوجه الأول ليس بعرضٍ بل هو أمر عدمي.

وقال القاضي: وقيل: عرض يضاد الحياة لقوله تعالى: (خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ)[الملك: 2] ورد بأن الخلق بمعنى التقدير، والإعدام مقدر.

قوله: (وإحاطة الله بالكافرين مجاز) أي: الاستعارة تمثيلية شبهت حالة إنزال الله عذابه على الكافرين من كل جانبٍ بحيث لا محيد لهم عنه، بحالة الجيش الذي صبح القوم وقد أحاط بهم عن آخرهم، فلا يفوت منهم أحد، يؤيده قوله في موضع آخر:"والإحاطة بهم من ورائهم مثل لأنهم لا يفوتونه كما لا يفوت فائت الشيء المحيط به".

ص: 274

كما لا يفوت المحاط به المحيط به حقيقة. وهذه الجملة اعتراض لا محل لها. والخطف: الأخذ بسرعة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (المحاط به: المحيط به) لا ضمير في "المحاط" لأنه يعدى بالجار إلى المفعول به، والضمير المجرور عائد إلى اللام، والضمير في "المحيط" عائد إلى اللام فيه وفي "به" الثاني إلى المحاط. المعنى: كما لا يفوت الذي أحيط به من كل جانبٍ من قصده وأحاط به.

قوله: (وهذه الجملة اعتراض لا محل لها) فإن قلت: كيف يصح أن تقع معترضة وهي لتأكيد معنى المعترض فيها، والكلامان اللذان اعترضت هذه فيهما في شأن ذوي الصيب، وهو الممثل به وهذه بعض أحوال المنافقين الممثل له؟

قلت: هذا من وجيز الكلام وبليغه؛ وذلك أن مقتضى الظاهر أن يذكر هذا قبيل "كصيب" ليكون بعضًا من أحوال المشبه، فنزل هنا ليدل على ذلك، ويعطي معنى التأكيد في هاتين الجملتين. وفيه من الغرابة: أنه مؤكد بحال المشبه به، وهو من حال المشبه، وفائدته شدة المناسبة بين المشبه والمشبه به، وأن المشبه مما يهتم بشأنه ويعتني بحاله، وهذا المعنى قريب مما مر في (ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ) [البقرة: 17] وأنه في حال المنافقين على جزاء الشرط، وأنه من حال المستوقدين.

والأوجه أن يقال: إن قوله: (بِالْكَافِرِينَ) من وضع المظهر موضع المضمر إشعارًا باستئهال أصحاب ذوي الصيب ذلك لكفرانهم نعم الله تعالى. ومثل هذا التتميم في المشبه به مما يقوي المقصود في التمثيل من المبالغة، ونحوه قوله تعالى:(مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ)[آل عمران: 117]. قال: "شبه بحرث قومٍ ظلموا أنفسهم، فأهلك عقوبة لهم على معاصيهم؛ لأن الإهلاك عن سخطٍ أشد

ص: 275

وقرأ مجاهد (يخطف) بكسر الطاء، والفتح أفصح وأعلى، وعن ابن مسعود:(يختطف)،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وأبلغ". وينصره قوله في التشبيه الأول: أن يكون المستوقد في هذه الوجه مستوقد نارٍ لا يرضاها الله تعالى، أوقدها الغواة ليتوصلوا بالاستضاءة بها إلى بعض المعاصي، ويتهدوا بها في طرق العيث فأطفأها الله تعالى وخيب أمانيهم.

قال القاضي: "كاد" وضعت لمقاربة الخبر من الوجود لعروض سببه، لكنه لم يوجد، إما لفقد شرط، أو لعروض مانع، و"عسى" موضوعة لرجائه، فهي خبر محض، ولذلك جاءت متصرفة بخلاف "عسى"، وخبرها مشروط فيه أن يكون مضارعًا تنبيهًا على أنه المقصود بالقرب من غير "أن" حملاً لها على "عسى" كما تحمل عليها بالحذف عن خبرها لمشاركتها في أصل معنى المقاربة.

قوله: (قرأ مجاهد: يخطف). القراءات كلها شواذ. قال ابن جني: "حكى الفراء عن بعض القراء: "يخطف" بنصب الياء والخاء والتشديد، ثم قال ابن جني: أصله: يختطلف فأدغم التاء في الطاء؛ لأنهما من مخرجٍ واحد، ولأن التاء مهموسة، والطاء مجهورة، والمجهور أقوى صوتًا من المهموس. ومتى كان الإدغام يقوي الحرف المدغم حسن ذلك، وعلته: أن الحرف إذا أدغم خفي فضعف، فإذا أدغم في حرفٍ أقوى منه، استحال لفظ المدغم إلى لفظ المدغم، فيه، فقوي. لقوته، وكان في ذلك تدارك وتلافٍ لما جني على الحرف المدغم، فأسكن

ص: 276

وعن الحسن: (يخطف)، بفتح الياء والخاء، وأصله يختطف. وعنه:(يخطف) بكسرهما على إتباع الياء الخاء. وعن زيد بن على: يخطف، من خطف. وعن أبىّ: يتخطف، من قوله:(يُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ)[العنكبوت: 67].

(كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ) استئناف ثالث كأنه جواب لمن يقول: كيف يصنعون في تارتى خفوق البرق وخفيته؟ وهذا تمثيل لشدة الأمر على المنافقين بشدته على أصحاب الصيب وما هم فيه من غاية التحير والجهل بما يأتون وما يذرون، إذا صادفوا من البرق خفقة، مع خوف أن يخطف أبصارهم، انتهزوا تلك الخفقة فرصة فخطوا خطوات يسيرة، فإذا خفى وفتر لمعانه بقوا واقفين متقيدين عن الحركة، (ولو شاء اللَّه) لزاد في قصيف الرعد فأصمهم، أو في ضوء البرق فأعماهم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

"التاء" لإدغامها، و"الخاء" قبلها ساكنة، فنقلت الفتحة إليها، وقلبت التاء طاء، وأدغمت في الطاء فصارت "يخطف". ومنهم من إذا أسكن "التاء" ليدغمها، كسر الخاء لالتقاء الساكنين، فاستغنى بكسرتها عن نقل الفتحة إليها، فيقول: يخطف. ومنهم من يكسر حرف المضارعة إتباعًا لكسرة فاء الفعل بعده فيقول: يخطف".

قوله: (استئناف ثالث) الأول: (يَجْعَلُونَ) والثاني: (يَكَادُ الْبَرْقُ).

قوله: (وهذا- أي: قوله: (يَكَادُ الْبَرْقُ) - تمثيل)، أي: تتميم للتمثيل لا أنه تمثيل آخر، فقوله:"وما هم فيه" إلى آخره بيان معنى (كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ) وعطف تفسيري على شدة الأمر على المنافقين كما أن (كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ) بيان لقوله: (يَكَادُ الْبَرْقُ) والباءان- في "بشدته" و"بما يأتون ويذرون" أي: يزاولونه ويتركونه- يتعلقان بقوله: "تمثيل".

ص: 277

و (أضاء) إما متعد بمعنى: كلما نوّر لهم ممشى ومسلكا أخذوه والمفعول محذوف. وإما غير متعد بمعنى: كلما لمع لهم مَشَوْا في مطرح نوره وملقى ضوئه. ويعضده قراءة ابن أبى عبلة: كلما ضاء لهم والمشي: جنس الحركة المخصوصة. فإذا اشتد فهو سعى. فإذا ازداد فهو عدو. فإن قلت: كيف قيل مع الإضاءة: (كلما)، ومع الإظلام:(إذا)؟ قلت لأنهم حراص على وجود ما همهم به معقود من إمكان المشي وتأتيه، فكلما صادفوا منه فرصة انتهزوها، وليس كذلك التوقف والتحبس. و (أظلم): يحتمل أن يكون غير متعد وهو الظاهر، وأن يكون متعدياً منقولاً من ظلم الليل،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فإن قلت: هذا يوهم أن التشبيه الثاني مفرق، مع أن المنصف رجع عنه بقوله:"والصحيح الذي عليه علماء البيان". قلت: هذا لا يأبى التمثيل؛ لأن شرطه أن يكون منتزعًا؛ من عدة أمور، وكل ما ذكر في طرف المشبه به أمر يتوهم ويعتبر مثله في طرف المشبه، إذ لو اختل أمر منه اختل التمثيل كما صرح به صاحب "المفتاح" بقوله: والذي نحن بصدده من الوصف غير الحقيقي أحوج منظورٍ فيه إلى التأمل، لا سيما المعاني التي ينتزع منها، فربما ينتزع من ثلاثةٍ فأورث الخطأ لوجوب انتزاعه من أكثر.

قوله: (فإذا ازداد فهو عدو (فإن قيل: فالمقام يقتضي عدوًا لا مشيًا لانتهازهم الفرصة، قلنا: بل يقتضي المشي لما سبق من قوله: (حَذَرَ الْمَوْتِ)[البقرة: 19] و (يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ)[البقرة: 20]، فإنهم لغاية تحيرهم ودهشتهم لا يمكن لهم المشي أيضًا عند الفرصة فكيف بالعدو، وإليه الإشارة بقوله:"من إمكان المشي".

قوله: (انتهزوها)، الجوهري: انتهزت الفرصة إذا اغتنمتها.

ص: 278

وتشهد له قراءة يزيد بن قطيب: (أظلم)، على ما لم يسم فاعله. وجاء في شعر حبيب ابن أوس:

هُمَا أَظْلَمَا حالَىَّ ثُمَّتَ أَجْلَيَا

ظَلَامَيْهُما عنْ وَجْهِ أَمْرَدَ أَشْيَبِ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وتشهد له قراءة يزيد بن قطيب) قيل: فيه نظر؛ لم لا يجوز أن يكون الفعل مسندًا إلى الجار والمجرور كقوله تعالى: (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ)[الفاتحة: 7]؟

والجواب: أن الجار والمجرور ليس صلة للإظلام، بل هو طرف مستقر كما في الاستعمال، و"على" مثلها في قوله:

زارت عليها للظلام رواق

ومن النجوم قلائد ونطاق

قوله: (هما أظلما حالي) البيت، وقبله:

أحاولت إرشادي فعقلي مرشدي

أم استمت تأديبي فدهري مؤدبي

استمت، أي: تجشمت وطلبت، "هما أظلما"، أي: العقل والدهر، "حالي"، أي: الشيب والشباب، "ثمت أجليا" يقال: للقوم إذا كانوا مقبلين على شيءٍ، محدقين به ثم انكشفوا عنه: قد أفرجوا عنه وأجلوا عنه. "أمرد"، أي: في السن، و"أشيب" أي: في الرأي، ويجوز أن يريد أنه شاب في حال المرد لعظم ما ناله من الشدائد، وإنما أضاف الإظلام إلى العقل لأن العاقل لا يطيب له عيش.

قوله: (عن وجه أمرد أشيب) يريد به نفسه، جرد شخصًا أمرد يخاطب عاذلته، أي: لا تخاطبيني لإرشادي في الكرم، فعقلي يرشدني، ولا تجشمي تأديبي، فإن الدهر مؤدبي.

ص: 279

وهو وإن كان محدثا لا يستشهد بشعره في اللغة، فهو من علماء العربية، فاجعل ما يقوله بمنزلة ما يرويه. ألا ترى إلى قول العلماء: الدليل عليه بيت الحماسة، فيقتنعون بذلك لوثوقهم بروايته وإتقانه. ومعنى قامُوا وقفوا وثبتوا في مكانهم. ومنه: قامت السوق، إذا ركدت وقام الماء: جمد. ومفعول شاءَ محذوف، لأن الجواب يدل عليه. والمعنى: ولو شاء اللَّه أن يذهب بسمعهم وأبصارهم لذهب بها، ولقد تكاثر هذا الحذف في «شاء» و «أراد» لا يكادون يبرزون المفعول إلا في الشيء المستغرب كنحو قوله:

فلَوْ شِئْتُ أَنْ أَبْكِى دَماً لَبَكَيْتُهُ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وإن كان محدثًا) الشعراء طبقات: الجاهليون مثل امرئ القيس، وزهير بن أبي سلمى، وطرفة، والذين أدركوا الجاهلية ثم أسلموا مثل لبيد، وحسان، والمتقدمون من الإسلاميين كفرزدق وجرير، والمحدثون كأبي تمام والبحتري.

قوله: (فاجعل ما يقوله) أي: إنه موثوق به في الرواية، فلو لم يسمع من العرب لم يقل. قال ابن الأنباري: هو حبيب بن أوس بن الحارث بن قيسٍ الطائي شامي الأصل، قدم بغداد وجالس فيها الأدباء، وعاشر العلماء، وقد روى عنه أحمد بن أبي طاهرٍ وغيره أخبارًا مسندةً، ورثاه الحسن بن وهب:

فجع القريض بخاتم الشعراء

وغدير روضتها حبيب الطائي

ماتا معًا فتجاورا في حفرةٍ

وكذاك كانا قبل في الأحياء

قوله: (فلو شئت أن أبكي دمًا لبكيته) تمامه:

عليه ولكن ساحة الصبر أوسع

ص: 280

وقوله تعالى: (لَوْ أَرَدْنَا أَن نَتَخِذَ لَهوًّا لَاتَخذْنَاهُ مِن لَدُنَا)[الأنبياء: 17]، (لَوْ أَرادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً) [الزمر: 4]، وأراد: ولو شاء اللَّه لذهب بسمعهم بقصيف الرعد، وأبصارهم بوميض البرق. وقرأ ابن أبى عبلة:(لأذهب بأسماعهم)، بزيادة الباء كقوله:(وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى اَلتَهلُكَةِ)[البقرة: 195]. والشيء: ما صح أن يعلم ويخبر عنه. قال سيبويه - في ساقة الباب المترجم بباب مجارى أواخر الكلم من العربية -: وإنما يخرج التأنيث من التذكير. ألا ترى أن الشيء يقع على كل ما أخبر عنه من قبل أن يعلم أذكر هو أم أنثى؟ . والشيء: مذكر، وهو أعم العام،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أتى بالمفعول لأن بكاء الدم مستغرب، ونصب دمًا باعتبار تضمين البكاء معنى الصب.

قوله: (وأراد: ولو شاء الله) عطف على قوله: "والمعنى ولو شاء الله" يعني كما أن مفعول شاء محذوف كذا متعلق "لذهب" محذوف وهو "بقصيف" و"بوميض".

قال القاضي: فائدة قوله تعالى: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ)[البقرة: 20] إبداء المانع لذهاب سمعهم وأبصارهم مع قيام ما يقتضيه، والتنبيه على أن تأثير الأسباب في مسبباتها مشروط بمشيئة الله، وأن وجودها مرتبط بأسبابها.

وقلت: وفائدته الراجعة إلى الممثل له هي أنه تعالى يمهل المنافقين فيما هم فيه ليتمادوا في الغي والفساد ليكون عذابهم أشد.

قوله: (بأسماعِهم" بزيادة الباء) يعني دلت الهمزة على التعدية، والباء كعضادةٍ للتعدية وتأكيدها كما يعضد الباب بعضادتيه.

قوله: (وهو أعم العام) كلام المصنف لا كلام سيبويه، وهو لفظ يقع على كل مذكر ومؤنث، ثم إنه لا يستعمل إلا مذكرًا، فلولا أن المذكر أصل لوقع التغليب للفرع.

ص: 281

كما أن اللَّه أخص الخاص يجرى على الجسم والعرض والقديم. تقول: شيء لا كالأشياء أى معلوم لا كسائر المعلومات، وعلى المعدوم والمحال فان قلت: كيف قيل عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وفي الأشياء ما لا تعلق به للقادر كالمستحيل وفعل قادر آخر؟ قلت: مشروط في حد القادر أن لا يكون الفعل مستحيلا فالمستحيل مستثنى في نفسه عند ذكر القادر على الأشياء كلها، فكأنه قيل: على كل شيء مستقيم قدير. ونظيره: فلان أمير على الناس أى على من وراءه منهم، ولم يدخل فيهم نفسه وإن كان من جملة الناس

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (كما أن الله أخص الخاص) يريد به قوله: "وأما الله فمختص بالمعبود بالحق ولا يطلق على غيره".

قوله: (وعلى المعدوم والمحال)، الانتصاف: الشيء عندنا مختص بالموجود فلا يدخل فيه المستحيل، وعند المعتزلة يدخل فيه المعدوم، وأما المستحيل فلا يدخل فيه فلا يرد السؤال. فإن قيل: إذا كان المعدوم لا يسمى شيئًا، وإذا وجد صار شيئًا لا تتعلق القدرة به، إذ القدرة إنما تتعلق بالشيء أول وجوده، فكيف يكون قادرًا على شيء؟ فجوابه: أنه من باب: "من قتل قتيلاً" أي: تسمية الشيء باسم ما يؤول إليه، كأنه قال: قادر على كل ما يصير شيئًا.

الإنصاف: وفيه نظر، فإن القدرة تتعلق به في أول زمن وجوده، وهو في أول زمن وجوده شيء بلا خلافٍ بين المسلمين، إذ لو لم يكن شيئًا في أول وجوده لم يكن شيئًا في ثاني الأحوال.

قال القاضي: الشيء يختص بالوجود؛ لأنه في الأصل مصدر شاء، أطلق بمعنى شاءٍ تارة، أي: مريدٍ، والمريد يكون موجودًا، وحينئذٍ يتناول البارئ تعالى كما قال:(قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ)[الأنعام: 19] وبمعنى مشئٍ أخرى، أي: مشئٍ وجوده، وما شاء الله وجوده

ص: 282

وأما الفعل بين قادرين فمختلف فيه. فإن قلت: ممّ اشتقاق القدير؟ قلت: من التقدير، لأنه يوقع فعله على مقدار قوّته واستطاعته وما يتميز به عن العاجز.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فهو موجود، أي: موجود حالاً أو مالاً، أو أعم منه على حسب مشيئته، وعليه قوله تعالى:(إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)[البقرة: 20] وهو المراد بقول المصنف: "مشروط في حد القادر بأن لا يكون الفعل مستحيلاً".

قوله: (فمختلف فيه) يعني بين المعتزلة؛ فمن جوزه قال: إن القادر منا غير مستقل، أي: ليس سببًا تامًا، ومن منعه قال: إن اجتماع قدرتي قادرين مستقلين على فعلٍ واحدٍ ممتنع. وقيل: مختلف بين المعتزلة وأهل السنة، فإنهم قالوا: فعل العبد مقدور له من جهة الكسب، ومقدور لله من جهة الإيجاد.

الانتصاف: المعتزلة زعموا أن ما تعلقت به قدرة العبد لا تتعلق به قدرة الله سبحانه وتعالى؛ إذ قدرة العبد مستغنية بنفسها، وأما أهل السنة، الخالق عندهم هو الله الواحد القهار، فتتعلق قدرته بالفعل، وتتعلق به قدرة العبد لا للتأثير، ولذلك لم يحيلوا مقدورًا بين قادرين.

قوله: (لأنه يوقع فعله على مقدار قوته). قال القاضي: القدرة: هو التمكن من إيجاد الشيء. وقيل: صفة تقتضي التمكن، وقيل: قدرة العبد: هيئة بها يتمكن من الفعل، وقدرة الله: عبارة عن نفي العجز عنه، والقادر هو الذي إن شاء فعل، وإن لم يشأن لم يفعل، والقدير هو الفعال لما يشاء على ما يشاء، ولذلك قلما يوصف به غير البارئ. واشتقاق القدرة من القدر؛ لأن القادر

ص: 283

[(يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)].

لما عدّد اللَّه تعالى فرق المكلفين من المؤمنين والكفار والمنافقين، وذكر صفاتهم وأحوالهم ومصارف أمورهم، وما اختصت به كل فرقة مما يسعدها ويشقيها، ويحظيها عند اللَّه ويرديها، أقبل عليهم بالخطاب، وهو من الالتفات المذكور عند قوله:(إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)[الفاتحة: 5]،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يوقع الفعل على مقدار قوته، أو على مقدار ما تقتضيه مشيئته، وفيه دليل على أن الحادث حال حدوثه، والممكن حال إمكانه مقدوران، وأن مقدور العبد مقدور الله، لأنه شيء.

فقول المصنف: "اشتقاق القدير من التقدير" يؤول بقولنا: اشتقاقه من القدر بمعنى التقدير، إذ لا يستقيم أن يشتق الثلاثي من المزيد.

الراغب: القدرة إذا وصف بها الإنسان، فاسم لهيئةٍ له يتمكن بها من فعل شيءٍ ما، وإذا وصف الله تعالى بها فنفي للعجز عنه، ومحال أن يوصف غير الله بالقدرة المطلقة معنى، وإن أطلق عليه [لفظًا]، بل حقه أن يقال: قادر على كذا، ومتى قيل: هو قادر، فعلى سبيل معنى التقييد، ولهذا لا أحد غير الله يوصف بالقدرة من كل وجه، والقدير هو الفاعل لما يشاء على قدر ما تقتضيه الحكمة لا زائدًا عليه ولا ناقصًا عنه، ولهذا لا يوصف به إلا الله، قال الله تعالى:(إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)[البقرة: 20] والمقتدر يقاربه نحو: (عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ)[القمر: 55] لكن قد يوصف به البشر، فإذا استعمل في الله فمعناه معنى القدير، وفي البشر بمعنى المتكلف والمكتسب للقدرة.

ص: 284

وهو فنّ من الكلام جزل، فيه هزّ وتحريك من السامع، كما أنك إذا قلت لصاحبك حاكيا عن ثالث لكما: إنّ فلانا من قصته كيت وكيت، فقصصت عليه ما فرط منه، ثم عدلت بخطابك إلى الثالث فقلت: يا فلان من حقك أن تلزم الطريقة الحميدة في مجارى أمورك، وتستوي على جادّة السداد في مصادرك ومواردك، نبهته بالتفاتك نحوه فضل تنبيه، واستدعيت إصغاءه إلى إرشادك زيادة استدعاء، وأوجدته بالانتقال من الغيبة إلى المواجهة هازاً من طبعه ما لا يجده إذا استمررت على لفظ الغيبة، وهكذا الافتنان في الحديث والخروج فيه من صنف إلى صنف، يستفتح الآذان للاستماع،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وأوجدته) أي: صيرته واجدًا، من: أوجدته الشيء فوجده، وأوجده الله مطلوبه، أي: أظفره به. المعنى: صيرته واجدًا شيئًا هازًا من طبعه، ولولا هذا الالتفات لما وجد السامع ذلك الشيء الهاز.

قوله: (والخروج من صنفٍ إلى صنفٍ يستفتح الآذان للاستماع). واعلم أن كل عدولٍ عن الظاهر من البليغ، سواء كان التفاتًا أو غيره، تنبيه على مكان لطيفةٍ مثارها مقتضى المقام، فمتى وقع عند بليغٍ مثله، وتنبه لها، استهش نفسه لقبولها.

قال صاحب "المفتاح": ولأمرٍ ما تجد أرباب البلاغة وفرسان الطراد يستكثرون من هذا الفن في محاوراتهم.

واللطيفة التي يتضمنها هذا المقام هي أنه تعلى لما عدد الفرق الثلاث بمسمعٍ منهم، مخاطبًا غيرهم، ووصف كل فرقةٍ بما اختصت به مما يسعدها ويشقيها، ويحظيها ويرديها؛ أقبل عليهم بقوله:(يَا أَيُّهَا النَّاسُ) يعني: أيها المؤمنون كما شرفتكم ورفعت منزلتكم ومنحكتم الكتاب الكامل، ففزتم بالهدى عاجلاً، وبالفلاح آجلاً، دوموا على ما أنتم فيه، ولا تتوانوا، وزيدوا في الشكر والتقوى، لأزيدنكم في النعمة والإفضال، ويا أيها الكافرون أقلعوا عما أنتم

ص: 285

ويستهش الأنفس للقبول، وبلغنا بإسناد صحيح عن إبراهيم عن علقمة: أنّ كل شيء نزل فيه: (يا أَيُّهَا النَّاسُ) فهو مكي، و (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) فهو مدنى، فقوله:(يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ) خطاب لمشركي مكة .........

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فيه، وارجعوا عن عبادة غير الله الذي لا نفع فيه، ولا ضر، وتوجهوا إلى عبادة من خلقكم وآباءكم، وجعل لكم الأرض فراشًا والسماء بناءً، ورزقكم وكيت وكيت، ويا أيها المنافقون، اعلموا أني عالم بما في ضمائركم وأسراركم، وأعلم ما تأتون وما تذرون، فأخلصوا العبادة لخالقكم الذي أنعم عليكم وعلى أسلافكم لعلكم تتقون، فتحذرون عن النفاق.

قوله: (وبلغنا) إلى آخره معطوف على قوله: "لما عدد الله تعالى" لأن معناه أن الخطاب شامل للمؤمن والكافر والمنافق، ومعنى "بلغنا" إلى آخره: أن الخطاب مختص بمشركي مكة. وأما قوله: "يا أيها الناس مكي، ويا أيها الذين آمنوا مدني" فمذكور في "معالم التنزيل" و"الوسيط" و"الكواشي" نحوه، ولم أجده في كتب الحديث.

قوله: (فقوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ) خطاب لمشركي مكة) تفريع على هذه الرواية.

روى الإمام عن القاضي: أن هذا الذي ذكراه -يعني إبرايهم وعلقمة- إن كان الرجوع فيه إلى النقل فمسلم، وإن كان السبب فيه حصول المؤمنين بالمدينة على الكثرة دون

ص: 286

و «يا» حرف وضع في أصله لنداء البعيد، صوت يهتف به الرجل بمن يناديه. وأما نداء القريب فله أى والهمزة، ....

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مكة، فضعيف، لأنه يجوز أن يخاطب المؤمنين مرة بصفتهم ومرة باسم جنسهم، وقد مؤمر من ليس بمؤمنٍ بالعبادة كما يؤمر المؤمن بالاستمرار على العبادة والازدياد منها، فالخطاب في الجميع ممكن.

وقال القاضي: الجموع وأسماؤها المحلاة باللام المعمول حيث لا عهد، ويدل عليه صحة الاستثناء، والتوكيد بما يفيد العموم، كقوله تعالى:(فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ)[الحجر: 30]، واستدلال الصحابة بعمومها شائعًا ذائعًا، فالناس يعم الموجودين وقت النزول لفظًا ومن سيوجد، لما تواتر من دين محمدٍ صلوات الله عليه أن مقتضى خطابه وأحكامه شامل للقبلين، ثابت إلى قيام الساعة إلا ما خصه الدليل.

الراغب: "قد تقدم أن الناس يستعمل على وجهين: أحدهما: المشار به إلى الصورة المخصوصة، وذلك عام في الصغير والكبير، والعاقل وغير العاقل. والثاني: المشار به إلى المختص بقوى العلم والعمل المحكم، وهو المستعمل على طريق المدح، ولذلك يقال: فلان أكثر إنسانية من فلان؛ لاختصاص هذا المعنى بقبول الزيادة والنقصان. وهذا المعنى هو المراد في هذا الموضع. والعبادة: نهاية التذلل في الخدمة، وبذل الطاقة وذلك في مقابلة أعظم النعم، ولا يستحقها غير الله؛ لأنه هو الذي له أعظم النعم، والعبادة تقال في ثلاثة أشياء: اعتقاد الحق، وتحري الحق، وعمل الخير، وعبادة الله كما تكون في فعل الواجبات قد تكون في فعل

ص: 287

ثم استعمل في مناداة من سها وغفل وإن قرب. تنزيلاً له منزلة من بعد، فإذا نودي به القريب المفاطن فذلك للتأكيد المؤذن بأن الخطاب الذي يتلوه معني به جداً

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المباحات، وذلك إذا قصد بالفعل وجه الله وتحري مرضاته. قال بعضهم: مباحات أولياء الله كلها واجبات، وواجباتهم نوافل، فقيل: كيف ذلك؟ قال: لأنهم لا يقومون على تناول مباح لهم كالأكل والشرب حتى يضطروا إليه، فيصير تناولها متحتمًا، ويلتزمون من الفرائض فوق ما يلزمهم حتى يصير فرضهم متنفلاً. وبهذا النظر قيل: عند أكمل الصالحين تنزل الرحمة. وفرق بين قوله: (اُعْبُدُوا اللَّهَ) وبين قوله: (اعْبُدُوا رَبَّكُمْ) لأن في الثاني إيجاب العبادة بواسطة رؤية النعمة التي بها تربيتهم وقوامهم، وفي "اعبدوا الله" إيجاب عبادته بمراعاته عز وجل من غير واسطةٍ، وعلى ذلك قوله:(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ)[الحج: 1] وقوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ)[البقرة: 278] فحيث ذكر الناس ذكر الرب، وحيث ذكر الإيمان ذكر الله".

قوله: (ثم استعمل) أي: "يا" موضوعة لنداء البعيد حقيقة، وإذا استعملت في القريب على المجاز، فلا يخلو أن يراد بالبعد البعد بحسب المنزلة والمرتبة، إما من جهة المتكلم، كقوله تعالى:(يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي)[هود: 44] إظهارًا لعظمته وكبريائه، وإبداءً لشأن عزته وتهاونًا بالمنادى وتبعيدًا له، وإما من جهة المخاطب، كما يقول: يا رب، ويا الله، هضمًا للنفس واستبعادًا لها عن مظان الزلفى، أو البعد بحسب الغفلة والبلادة كما يقال: يا هذا، إن البغاث بأرضنا يستنسر. وكقوله:

فانعق بضأنك يا جرير ....

ص: 288

فإن قلت: فما بال الداعي يقول في جؤاره: يا رب، ويا اللَّه، وهو أقرب إليه من حبل الوريد، وأسمع به وأبصر؟ قلت: هو استقصار منه لنفسه، واستبعاد لها من مظانّ الزلفى وما يقرّبه إلى رضوان اللَّه ومنازل المقرّبين، هضما لنفسه،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أو بحسب التفطن، وأن الخطاب بمكانٍ بعيدٍ عن التفكر لما فيه من المعاني الدقيقة، أو أنه معني به جدًا كما نحن بصدده، فينزل لذلك المخاطب منزلة الغافل تهييجًا وإلهابًا ليتلقاه بشراشره ومجامع قلبه.

قال المصنف في قوله تعالى: (حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ)[الأنفال: 65] أي: سمهم حرضًا كما يقال: ما أراك إلا ممرضًا في هذا الأمر، ليهيجه ويحرك منه.

قوله: (في جؤاره)، النهاية: الجؤار: رفع الصوت والاستغاثة، ومنه الحديث:"لخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله".

قوله: (وأسمع به وأبصر) عطف على جملة قوله: "وهو أقرب إليه من حبل الوريد". قال أبو البقاء في قوله تعالى: (لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ)[الكهف: 26]: الهاء في "أبصر به" تعود على الله وموضعها رفع، والباء زائدة أي: أبصر الله. وهكذا في فعل التعجب الذي هو على لفظ الأمر.

قوله: (واستبعاد لها من مظان الزلفى) تفسير لقوله: "استقصار منه لنفسه" وكذا "ما يقربه" تفسير لقوله "من مظان الزلفى" وكذا "إقرارًا علهيا بالتفريط في جنب الله" تفسير

ص: 289

وإقراراً عليها بالتفريط في جنب اللَّه مع فرط التهالك على استجابة دعوته والإذن لندائه وابتهاله، و «أى» وصلة إلى نداء ما فيه الألف واللام، كما أنّ «ذو» و «الذي» وصلتان إلى الوصف بأسماء الأجناس ووصف المعارف بالجمل، وهو اسم مبهم مفتقر إلى ما يوضحه ويزيل إبهامه، فلا بد أن يردفه اسم جنس أو ما يجرى مجراه يتصف به حتى يصح المقصود بالنداء، فالذي يعمل فيه حرف النداء هو «أي» ،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لقوله: (هضمًا لنفسه" وقوله: "مع فرض التهالك" حال من فاعل "إقرار" أي يستبعد نفسه من القرب من رضوان الله لأجل إقراره بالتفريط مصاحبًا الحرص على استجابة الدعوة؛ لأن الله تعالى إنما يستجيب دعوة الضعيف الخاضع الذليل الذي يستعطفه ويظهر افتقاره ومسكنته.

قوله: (التهالك)، النهاية: في الحديث "فتهالكت عليه" أي: سقطت عليه، ورميت بنفسي فوقه، فهو كناية عن الحرص.

قوله: (والأذن لندائه)، النهاية: أذن يأذن أذنًا بالتحريك: استمع، وفي الحديث:"ما أذن الله لشيءٍ ما أذن لنبي يتغنى بالقرآن" أخرجه البخاري ومسلم، أي: ما استمع الله لشيءٍ كاستماعه لنبي يتغنى بالقرآن، أي: يتلوه جهرًا.

قوله: (فلا بد أن يردفه اسم جنس) قال ابن الحاجب: لأنه مبهم الذات، فكان وصفه بما يدل على ذاتياته أولاً هو الوجه؛ لأن الوصف بالمعاني الخارجة فرع على معرفة الذات، ولذلك كان المبهم مستبدًا بصحة الوصفية بأسماء الأجناس دون غيره لما فيه من الإبهام.

قوله: (أو ما يجري مجراه) من اسم الإشارة نحو: يا أيهذا الرجل.

ص: 290

والاسم التابع له صفته، كقولك: يا زيد الظريف إلا أن «أيا» لا يستقل بنفسه استقلال «زيد» فلم ينفك من الصفة.

وفي هذا التدرّج من الإبهام إلى التوضيح ضرب من التأكيد والتشديد. وكلمة التنبيه المقحمة بين الصفة وموصوفها لفائدتين: معاضدة حرف النداء ومكانفته بتأكيد معناه، ووقوعها عوضا مما يستحقه أىّ من الإضافة. فان قلت: لم كثر في كتاب اللَّه النداء على هذه الطريقة ما لم يكثر في غيره؟ قلت: لاستقلاله بأوجه من التأكيد وأسباب من المبالغة: لأن كل ما نادى اللَّه له عباده - من أوامره ونواهيه، وعظاته وزواجره ووعده ووعيده، واقتصاص أخبار الأمم الدارجة عليهم، وغير ذلك مما أنطق به كتابه - أمور عظام، وخطوب جسام، ومعان - عليهم أن يتيقظوا لها، ويميلوا بقلوبهم وبصائرهم إليها، وهم عنها غافلون. فاقتضت الحال أن ينادوا بالآكد الأبلغ. فإن قلت: لا يخلو الأمر بالعبادة من أن يكون متوجها إلى المؤمنين والكافرين جميعاً، أو إلى كفار مكة خاصة، على ما روى عن علقمة والحسن، فالمؤمنون عابدون ربهم فكيف أمروا بما هم ملتبسون به؟ وهل هو إلا كقول القائل:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (لفائدتين) إحداهما: تأكيد معنى النداء؛ لأن النداء تنبيه. وثانيتهما: أن "أيًّا" مستدعيةٌ للإضافة، فحيث فكت عنها عوض بها ليشتغل بها عنها.

قوله: (ومكانفته)، الجوهري: المكانفة: المعاونة.

قوله: (ما لم يكثُر في غيره)"ما" يُمكن أن تكون موصولةً، أي: الكثرة التي لم تكثر في غيره، أو مصدريةً أي: كثر كثرةً لم تكثر في غيره من الكلام.

قوله: (كقول القائل) وهو أبو تمام. وقبله:

نعمةُ الله فيك، لا أسأل اللـ

ــه إليها نعمى سوى أن تدوما

ص: 291

فلَوَ انِّى فَعَلْتُ كُنْتُ مَنْ تَسْ

أَلُهُ وهُوَ قائمٌ أنْ يَقُوما

وأما الكفار فلا يعرفون اللَّه، ولا يقرّون به فكيف يعبدونه؟ قلت: المراد بعبادة المؤمنين: ازديادهم منها وإقبالهم وثباتهم عليها.

وأما عبادة الكفار فمشروط فيها ما لا بد لها منه وهو الإقرار. كما يشترط على المأمور بالصلاة شرائطها من الوضوء والنية وغيرهما وما لا بد للفعل منه، فهو مندرج تحت الأمر به وإن لم يذكر، حيث لم ينفعل إلا به، وكان من لوازمه. على أنّ مشركي مكة كانوا يعرفون اللَّه ويعترفون به (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) [الزخرف: 87]. فان قلت: فقد جعلت قوله: (اعْبُدُوا) متناولا شيئين معاً: الأمر بالعبادة، والأمر بازديادها. قلت: الازدياد من العبادة عبادة وليس شيئاً آخر. فإن قلت: (رَبَّكُمُ) ما المراد به؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أي: نعمة الله حاصلة فيك، شاملة عليك لا اسأل الله النعمة الحاصلة لك ولكن اسأله دوام تلك النعمة، فلو أني سألت النعمة الحاصلة لك، لكنت كمن يسأل قائمًا أن يقوم فإنه من من تحصيل الحاصل.

قوله: (فمشروط فيها ما لا بد لها منه) وهذه مسألة أصولية وهي أن وجوب الشيء مطلقًا يوجب وجوب ما لا يتم إلا به وكان مقدورًا. قل: فيه خلاف، فعند من قال: المعارف ضرورية فالأمر بالعبادة للكافرين جائز، ومن قال: إنها غير ضروريةٍ قال: الأمر للكافر بالعبادة، الأمر بما هو من متمماتها، فيسلتزم الأمر بالمعرفة.

قوله: (وليس شيئًا آخر) وها هنا بحث وهو أن اللفظ إذا أطلق وهو محتمل لمعنيين، فلا يخلو إما: أن يطلق على حقيقتين مختلفتين كاللفظ المشترك، أو على أفراد حقيقةٍ واحدةٍ كالجنس، أو على حقيقةٍ ومجاز، وأما القسم الأول والثالث فلا يجوز إرادتهما معًا، فبقي الثاني: وهو المراد بقوله: "والأمر بازدياد العبادة عبادة وليس شيئًا آخر"؛ لأن تلك الزيادة أيضًا عبادة.

ص: 292

قلت: كان المشركون معتقدين ربوبيتين: ربوبية اللَّه، وربوبية آلهتهم. فإن خصوا بالخطاب فالمراد به اسم يشترك فيه رب السموات والأرض والآلهة التي كانوا يسمونها أربابا وكان قوله (الَّذِي خَلَقَكُمْ) صفة موضحة مميزة. وإن كان الخطاب للفرق جميعاً، فالمراد به «ربكم» على الحقيقة. و (الذي خلقكم) صفة جرت عليه على طريق المدح والتعظيم. ولا يمتنع هذا الوجه في خطاب الكفرة خاصة، إلا أن الأول أوضح وأصح. والخلق: إيجاد الشيء على تقدير واستواء. يقال: خلق النعل، إذا قدرها وسواها بالمقياس. وقرأ أبو عمرو:(خلقكم) بالإدغام.

وقرأ أبو السميقع: وخلق من قبلكم. وفي قراءة زيد بن على: (وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) وهي قراءة مشكلة، ووجهها على إشكالها أن يقال: أقحم الموصول الثاني بين الأول وصلته تأكيداً، كما أقحم جرير في قوله:

يا تَيْمُ تَيْمَ عَدِيّ لا أَبَا لَكُمُ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (فالمراد به ربكم على الحقيقة). أي: الرب الذي إذا خوطب به مطلقًا سائر الناس لا يتبادر إلى ذهن أحدٍ غير الله تعالى. والفرق أن الرب في الأول متعدد، والمربوب واحد. أي: طائفة واحدة فلذلك يجيء اللبس، وفي الثاني: بالعكس فلا لبس.

قوله: (ولا يمتنع هذا الوجه) أي: أن تكون الصفة جارية على المدح في خطاب الكفرة، لأنهم كانوا يقولون: هؤلاء شفعاؤنا، والرب الحقيقي هو هو. وأيضًا فإذا سمعوه من جانب الحق لم يشبه عليهم، والأول أصح لما تعورف بينهم، ولأن قول السحرة (قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ* رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ) [الأعراف: 121 - 122] ليس إلا لدفع الاحتمال.

قوله: (وهي قراءة مشكلة) لأن فيها موصولين وصلة واحدة. والإقحام: الإدخال بالشدة.

قوله: (يا تيم تيم عدي لا أبالكم) عجزه:

ص: 293

"تيماً" الثاني بين الأول وما أضيف إليه، وكإقحامهم لام الإضافة بين المضاف والمضاف إليه في: لا أبالك: ولعل للترجى أو الإشفاق. تقول: لعل زيداً يكرمني. ولعله يهينني.

وقال اللَّه تعالى: (لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى)[طه: 44]، (لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ) [الشورى: 17]. ألا ترى إلى قوله: (وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها)[الشورى: 18]. وقد جاءت على سبيل الإطماع في مواضع من القرآن، ولكن لأنه إطماع من كريم رحيم، إذا أطمع فعل ما يطمع فيه لا محالة، لجرى إطماعه مجرى وعده المحتوم وفاؤه به. قال من قال: إن «لعل» بمعنى «كى» ، و «لعل» لا تكون بمعنى «كى» ، ولكن الحقيقة ما ألقيت إليك. وأيضا فمن ديدن الملوك وما عليه أوضاع أمرهم ورسومهم أن يقتصروا في مواعيدهم التي يوطنون أنفسهم على إنجازها على أن يقولوا: عسى، ولعل، ونحوهما من الكلمات،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لا يلقينكم في سوأةٍ عمر

وذلك أن عمر بن لجأٍ التيمي أراد أن يهجو جريرًا، فخاطب جرير قبيلة يتمٍ وقال: لا تتركوا عمر أن يهجوني فيصيبكم شري. قال المصنف: فإن قيل: يا تيم كلام مفيد بنفسه، فجاز وقوع تيم الثاني تأكيدًا له بخلاف "والذين" في الآية، فإنه غير مفيدٍ فكيف يجوز تأكيده بمن؟ والجواب: أن "الذين" مفيد أيضًا فائدة الإشارة وإن كان المشار إليها مبهمًا، ولهذا رجع الضمير إليه، والضمير إليه، والضمير إنما يرجع إلى المفيد فإنك تقول: الذي فعلته.

قوله: (لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى)[طه: 44] مثال الترجي. وقوله: (لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ)[الشورى: 17] مثال الإشفاق، وكذا المثالان السابقان.

قوله: (قال من قال) معلل قوله: "لأنه إطماع".

قوله: (وأيضًا فمن ديدن الملوك) عطف على قوله "إطماع من كريم" من حيث المعنى.

ص: 294

أو يخيلوا إخالة. أو يظفر منهم بالرمزة أو الابتسامة أو النظرة الحلوة، فإذا عثر على شيء من ذلك منهم، لم يبق للطالب ما عندهم شك في النجاح والفوز بالمطلوب. فعلى مثله ورد كلام مالك الملوك ذى العز والكبرياء. أو يجيء على طريق الإطماع دون التحقيق لئلا يتكل العباد، كقوله:(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً، عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ)[التحريم: 8]. فان قلت: ف «لعل» التي في الآية ما معناها وما موقعها؟ قلت: ليست مما ذكرناه في شيء، لأن قوله: (خَلَقَكُمْ

لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)، لا يجوز أن يحمل على رجاء اللَّه تقواهم لأن الرجاء لا يجوز على عالم الغيب والشهادة: وحمله على أن يخلقهم راجين للتقوى ليس بسديد أيضاً

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (أو يخيلوا إخالةً)، الجوهري: وقد أخالت السحاب وأخيلت وخايلت، إذا كانت ترجى المطر. وأخلت فيه خالاً من الخير، أي: رأيت فيه مخيلته. وعن يعقوب: وخلت الشيء خيلاً وخيلةً ومخيلةً، أي: ظننته.

قوله: (أو يجئ على طريق الإطماع) عطف على قوله: "وقد جاءت على سبيل الإطماع" كأنه قيل: "لعل" إما تجيء على سبيل الإطماع مع التحقيق مجازًا أو على طريق الإطماع دون التحقيق حقيقة.

قوله: (راجين للتقوى ليس بسديد) أي: لا يصح إسناد الرجاء إليهم حين خلقهم الله تعالى؛ لأنهم حينئذٍ لم يكونوا عالمين بالرجاء ولا بالتقوى، ولا بشيءٍ من المعاني حتى تتوجه أذهانهم إليها. ويمكن أن يقال: لم لا يجوز أن يكون: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)[البقرة: 21] على هذا حالاً مقدرة؟ قيل في جوابه: لأنهم حالة الخلق ليسوا براجين ولا مقدرين الرجاء، وأجيب: إن لم يجز مقدرين الرجاء بكسر الدال لم لا يجوز مقدرين بفتحها. قال في قوله تعالى: (وَبَشَّرْنَاهُ

ص: 295

ولكن «لعل» واقعة في الآية موقع المجاز لا الحقيقة، لأن اللَّه عز وجل خلق عباده ليتعبدهم بالتكليف، وركب فيهم العقول والشهوات، وأزاح العلة في أقدارهم وتمكينهم وهداهم النجدين، ووضع في أيديهم زمام الاختيار، وأراد منهم الخير والتقوى، فهم في صورة المرجوّ منهم أن يتقوا ليترجح أمرهم - وهم مختارون بين الطاعة والعصيان، كما ترجحت حال المرتجى بين أن يفعل وأن لا يفعل، ومصداقه:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا) [الصافات: 112]: حال مقدرة، وقدر:(وَبَشَّرْنَاهُ) بوجود إسحاق (نَبِيًّا)، أي: بأن توجد مقدرة نبوته.

قوله: (وهداهم النجدين) أي: طريقي الخير والشر.

قوله: (لترجح أمرهم)، الأساس: رجحت الشيء وزنته بيدي ونظرت ما ثقله. ومن المجاز: رجح أحد قوليه على الآخر، وترجح في القول: تميل فيه.

قوله: (حال المرتجى) أي: الذي يتوقع منه الفعل حقيقة كما قال صاحب "المفتاح": فتشبه حال المكلف الممكن من فعل الطاعة والمعصية- أي: مع تكليف الله أياه للابتلاء- بحال المرتجى المخير بني أن يفعل وأن لا يفعل- أي: مع مرتجيه الذي لا يعلم العاقبة- ثم استعير لجانب المشبه "لعل" جاعلاً قرينة الاستعارة علم الذي لا تخفى عليه خافية فيه. فهو من الاستعارة التبعية. قالوا: قوله: "لأن الرجاء لا يجوز على الله" إلى قوله: "ليس بسديد" هذا إنما يلزم إذا علق "لعل" بـ "خلقكم" وأما إذا علق بقوله: (اعْبُدُوا رَبَّكُمُ) اتقاءً واحترازًا من عقابه، أو اعبدوا راجين أن تحصل لكم التقوى التي هي غاية العبادة بحسب تفسي "لعل" بمعنى الترجي أو الإشفاق، فلا يكون مجازًا. وعليه قول القاضي في "تفسيره":(لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)

ص: 296

قوله تعالى: (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا)[هود: 7، الملك: 2]، وإنما يبلو ويختبر من تخفى عليه العواقب، ولكن شبه بالاختبار بناء أمرهم على الاختيار. فإن قلت: كما خلق المخاطبين لعلهم يتقون، فكذلك خلق الذين من قبلهم لذلك،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حال من الضمير في (اعْبُدُوا) كأنه قال: اعبدوا ربكم راجين أن تنخرطوا في سلك المتقين الفائزين بالهدى والفلاح المستوجبين جوار الله تعالى؛ نبه به على أن التقوى منتهى درجات السالكين، وهو التبري من كل شيءٍ سوى الله تعالى إلى الله، وأن العابد ينبغي أن لا يتغير بعبادته، ويكون ذا خوفٍ ورجاءٍ، قال الله تعالى (يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا) [السجدة: 16] (وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ)[الإسراء: 57] أو من مفعول (خَلَقَكُمْ) والمعطوف عليه على معنى: أنه خلقكم ومن قبلكم في صورة من يرجى منه التقوى ليترجح أمره باجتماع أسبابه وكثرة الدواعي إليه.

قلت: لعل اختيار المصنف القول الثاني لكونه أقرب إلى مذهبه. واعلم أن الذي يفهم من ظاهر كلام المصنف أن "لعل" مشترك في الترجي والإشفاق، وفي الإطماع ملحق بـ "عسى".

قال ابن الحاجب: "لعل" معناها التوقع، وقد يكون التوقع للمرجو والمخوف، ولكنه كثر في المرجو حتى صار غالبًا عليها.

قلت: وأما كونها للإطماع فلتضمنها معنى "عسى"، ومن ثم عومل معها معاملتها في قوله:

لعلك يومًا أن تلم ملمة

ص: 297

فلم قصره عليهم دون من قبلهم؟ قلت: لم يقصره عليهم، ولكن غلب المخاطبين على الغائبين في اللفظ والمعنى على إرادتهم جميعاً

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قال الزجاج: "عسى" معناها الطمع والإشفاق والإطماع من الله واجب. تم كلامه.

ثم الإطماع إما راجع إلى المتكلم فيكون لتحقيق ما يطمع فيه؛ لأنه كريم، أو عظيم الشأن، أو إلى السامع فلا يكون للتحقيق. وقال ابن الحاجب: ومنهم من زعم أنها في حق الله لتحقيق ما تعلقت به، ويقف عليه في قوله تعالى:(لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى)[طه: 4]. ولم يتذكر ولم يخش، ومنهم من زعم أن معناها في مثل ذلك للتعليل، ويقف عليه في مثل (لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ) [الشورى: 17]، وإليه الإشارة بقوله:"لعل لا تكون بمعني كي" أي: لا تظنن أن "لعل" بمعنى "كي" على الحقيقة، ومن قال: إنه بمعنى "كي" إنما قال لأنه حين رأي قائلها يستعملها في تحقيق المطلوب وإنجاز الموعود، زعم أنها بمعنى "كي"، وذلك إنما نشأ من المقام، فإن القائل: إما كريم لا يجوز إخلاف إطماعه لكرمه وشمول رحمته، وإما عظيم نطق بها إبداءً لعظمته، وإظهارًا لأبهته، فالرمزة من مثله تقوم مقام مبالغاتٍ شتى من غيره. وما هذا شأنه لا يكون حقيقة.

فإن قلت: قوله "ليست مما ذكرناه في شيءٍ" يقتضي أن لا تكون "لعل" بمعنى "كي"، ومرجع تقريره الذي سيذكره إلى ذلك بدليل قوله:"خلقكم للاستيلاء"، وقوله بعد ذلك "خلقكم لكي تتقوا".

قلت: إن المصنف كان في بيان مجيء "لعل" على الحقيقة، وقال: هي للترجي والإشفاق،

ص: 298

فإن قلت: فهلا قيل تعبدون؛ لأجل (اعبدوا)، أو: اتقوا؛ لمكان (تتقون) ليتجاوب طرفا النظم. قلت: ليست التقوى غير العبادة حتى يؤدّى ذلك إلى تنافر النظم،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وضم إليهما معنى الإطماع، وبنى عليه مسألة المجاز فيها، وهي بمعنى كي. وأما قوله:"ليست مما ذكرناه في شيءٍ" فمعناه: أن المذكور في معنى "لعل" لا يجوز حمل الآية على شيءٍ من ذلك، أما بمعنى "كي" لتكون من حمل النقيض على النقيض بواسطة التلميح من الكريم الذي إذا أطمع فعل، ومن العظيم الذي إذا رضي قطع، فالمقام يأباه؛ لأن المقصود من الإيراد الاختبار والابتلاء؛ لقوله:(لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا)[الملك: 2]، فلا يحصل ذلك إلا على طريق الاستعارة التبعية كما سبق، فطريق المجازين مختلف، وإن كان مآلهما إلى معنى "كي"، والله أعلم.

الانتصاف: كلام الزمخشري حسن إلا قوله: "وأراد منهم التقوى" فإنه على مذهبه، والله تعالى مريد عند أهل السنة من كل أحدٍ ما وقع منه. وقال أيضًا، كلامه:"وأقدرهم وألقى بأيديهم زمام الاختيار" خطأ.

قوله: (فهلا قيل: تعبدون) يعني من الصنعة البديعية رد العجز على الصدر، وهو أن يجعل أحد اللفظين المكررين في أول الفقرة والآخر في آخرها، كقوله:(وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ)[الأحزاب: 37] وأول الآية الأمر بالعبادة وآخرها في ذكر التقوى، فلو جعل مقدمتها مطابقةً لسياقها بأن يقال: يا أيها الناس اتقوا، أو بالعكس بأن يقال: لعلكم تعبدون، لحصل المطلوب.

ص: 299

وإنما التقوى قصارى أمر العابد ومنتهى جهده. فإذا قال: (اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ) للاستيلاء على أقصى غايات العبادة كان أبعث على العبادة، وأشدّ إلزاما لها، وأثبت لها في النفوس. ونحوه أن تقول لعبدك: احمل خريطة الكتب، فما ملكتك يمينى إلا لجرّ الأثقال. ولو قلت: لحمل خرائط الكتب لم يقع من نفسه ذلك الموقع.

[(الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)].

قدّم سبحانه من موجبات عبادته وملزمات حق الشكر له خلقهم أحياء قادرين أوّلا لأنه سابقة أصول النعم ومقدمتها، والسبب في التمكن من العبادة والشكر وغيرهما، ثم خلق الأرض التي هي مكانهم ومستقرّهم الذي لا بدّ لهم منه،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وحاصل الجواب: أن المطابقة حاصلة من حيث المعنى مع إعطاء معنى المبالغة، وهي: أن التقوى عرفًا عبارة عن الإتيان بجميع المأمورات والانتهاء عن جميع المنهيات، وإليه الإشارة بقوله:"والتقوى قصارى أمر العابد ومنتهى جهده" ويمكن أن يكون الأسلوب من باب الترقي، والمراد في "لعلكم" معنى الترجي، لكن معناه راجع إلى المكلف، أي: اعملوا في عبادة ربكم علم من يرجو الترقي فيها من الأهون إلى الأغلظ.

الانتصاف: قوله: "خلقكم للاستيلاء على أقصى غاية العبادة" مفرع على مذهبه، والأليق أن يقال: خلقكم على حالةٍ من حقكم معها أن لا تدعوا من جهدكم في التقوى شيئًا.

الإنصاف: لا يرد عليه ما ذكره؛ لأن خلقهم للاستيلاء أعم من كون الاستيلاء منهم أو من الله تعالى، وحينئذٍ يخص عمومه بأن المراد من خلق ذلك.

قوله: (خلقهم أحياءً قادرين) نحو قوله تعالى: (وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ)[الشعراء: 149] على أنهما حالان مترادفتان مقدرتان.

ص: 300

وهي بمنزلة عرصة المسكن ومتقلبه ومفترشه، ثم خلق السماء التي هي كالقبة المضروبة والخيمة المطنبة على هذا القرار، ثم ما سوّاه عز وجل من شبه عقد النكاح بين المقلة والمظلة بإنزال الماء منها عليها. والإخراج به من بطنها - أشباه النسل المنتج من الحيوان - من ألوان الثمار رزقا لبنى آدم، ليكون لهم ذلك معتبرا: ومتسلقا إلى النظر الموصل إلى التوحيد والاعتراف؛

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله (المُقِلَةِ والمُظِلَةِ) أي: الأرض والسماء، ومنه الحديث:((ما أقلت الغبراء وأظلت الخضراء على أصدق لهجه من أبى ذر)).

قوله: (المنتج)، الجوهري: نتجت الناقه على ما لم يسم فاعله تنتج نتاجا و ((من الحيوان ((متعلق بالمنتج، و ((من ألوان)) بيان ((أشباه)).

قوله: (ليكون لهم ذلك معتبراً ومُتَسلَقاً) أي: مدرجا ومصعدا يرقون منه إلى معرفة التوحيد، وهو تعليل لقوله:((قدم سبحانه وتعالى من موجبات عبادته)) وقوله: ((فيتيقنوا عند ذلك)) نتيجته. أما بيان الترقي فهو: أنه تعالى منعم على الأطلاق، فلا بد من ظهور هذه الصفة، ومظهرها وجود المعم عليه وهو المكلف وإليه الإشارة بقوله:((خلقهم))، لابد من تمكنه مما خلق له أيضا، وهو أن يكون حيا قادرا، ولما كان الخلق والقدرة كالمقدمة للمطلوب قال:((ومقدمتها والسبب في التمكن من العبادة والشكر))، ولما أن القيام بالشكر والعبادة مسبوق بمعرفه المنعم والمعبود احتج إلى التفكر والنظر المؤدى إلى تلك المعرفة. وأول شيء يقع نظر المكلف إليه مقره ومكانه، وإليه الإشاره بقوله:((ثم خلق الأرض التي هي مكانهم ومستقرهم))، ثم بعد هذا النظر إذا ساعدهم التوفيق بأن يأخذوا في العروج من السفليات إلى العلويات

ص: 301

ونعمة يتعرفونها فيقابلونها بلازم الشكر، ويتفكرون في خلق أنفسهم وخلق ما فوقهم وتحتهم، وأن شيئا من هذه المخلوقات كلها لا يقدر على إيجاد شيء منها، فيتيقنوا عند ذلك أن لا بدّ لها من خالق ليس كمثلها، حتى لا يجعلوا المخلوقات له أندادا وهم يعلمون أنها لا تقدر على نحو ما هو عليه قادر. والموصول مع صلته إمّا أن يكون في محل النصب وصفا كـ (الذي خلقكم)، أو على المدح والتعظيم. وإمّا أن يكون رفعا على الابتداء وفيه ما في النصب من المدح. وقرأ يزيد الشامي: بساطا. وقرأ طلحة: مهادا. ومعنى جعلها فراشا وبساطا ومهادا للناس: أنهم يقعدون عليها وينامون ويتقلبون كما يتقلب أحدهم على فراشه وبساطه ومهاده. فإن قلت:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وآثارها، فينظروا إلى هذه السماء التي هي كالسقف لمفترشهم، وإليه الإشارة بقوله:((ثم خلق السماء التي هي كالقبة المضروبة على هذا القرار)) أي: المقر والمفترش، ثم ينظروا بعد النظر إليها إلى ما يحصل من ازدواجها مع مفترشها التي هي فراشهم من أنواع الثمار والنبات، وإليه الإشارة بقوله:((ثم ما سواه - أي: ما سواه الله عز وجل من شبه عقد النكاح)). ثم إن المصنف ضمن في دلائل الآفاق دلائل الأنفس على سبيل الإدماج، بأن جعل دليل الأنفس مشبها به، ودليل الآفاق مشبها، وذلك قوله:"أشباه النسل المنتج من الحيوان" لينضم إلى دليل الآفاق دليل الأنفس، لله دره وبيانه وتقريره.

قوله: (يتعرفونها)، الجوهري: تعرفت ما عند فلان، أي: تطلبت حتى عرفت. أي: يطلبون ما به يعرفون وجود النعمة ليقابلوها بلازم الشكر، أي: العبادة؛ لأن الشكر لغة: الثناء على المحسن بما أولاكه من المعروف، ولازمه آداب الجوارح في العمل، وتحقيق مراضيه بالقلب وثناؤه باللسان. وقيل: المراد ((بلازم الشكر)): الشكر اللازم.

قوله: (وإما أن يكون رفعا على الابتداء) أي: على أنه خبر لمبتدأ محذوف

ص: 302

هل فيه دليل على أنّ الأرض مسطحة وليست بكرّية؟ قلت: ليس فيه إلا أن الناس يفترشونها كما يفعلون بالمفارش سواء كانت على شكل السطح أو شكل الكرة، فالافتراش غير مستنكر ولا مدفوع، لعظم حجمها واتساع جرمها وتباعد أطرافها. وإذا كان متسهلا في الجبل وهو وتد من أوتاد الأرض، فهو في الأرض ذات الطول والعرض أسهل. والبناء مصدر سمى به المبنى - بيتا كان أو قبة أو خباء أو طرافا - وأبنية العرب: أخبيتهم، ومنه بنى على امرأته، لأنهم كانوا إذا تزوجوا ضربوا عليها خباء جديدا. فإن قلت: ما معنى إخراج الثمرات بالماء وإنما خرجت بقدرته ومشيئته؟ قلت: المعنى أنه جعل الماء سببا في خروجها ومادّة لها، كماء الفحل في خلق الولد، وهو قادر على أن ينشئ الأجناس كلها بلا أسباب ولا موادّ كما أنشأ نفوس الأسباب والموادّ، ولكن له في إنشاء الأشياء مدرجا لها من حال إلى حال، وناقلا من مرتبة إلى مرتبة حكما ودواعي يجدد فيها لملائكته والنظار بعيون الاستبصار من عباده عبرا وأفكاراً صالحة، وزيادة طمأنينة، وسكون إلى عظيم قدرته وغرائب حكمته، .........

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (بيتا كان أو قبة أو خباء)، الجوهري: واحد الأخبية من وبر أو صوف، لا من شعر، وهو على عمودين أو ثلاثة، وما فوق ذلك، فهو بيت، والطراف: بيت من أدم.

قوله: (ومنه: بنى على امرأته)، النهاية: البناء: الدخول بالزوجة، والأصل فيه أن الرجل كان إذا تزوج امرأه بنى عليها قبة ليدخل بها فيها.

قوله: (وسكون إلى عظيم قدرته)، الأساس: سكنت إلى فلان: استأنست به، ومالي سكن، أي: من أسكن إليه من امرأه وحميم. والتدرج إلى الشيء العظيم سبب لمؤانسة المرء به، كما أن المبادهة به سبب للاستيحاش، ألا ترى إلى إرشاد إبراهيم قومه إلى التوحيد، كيف

ص: 303

ليس ذلك في إنشائها بغتة من غير تدريج وترتيب. و «من» في (مِنَ الثَّمَراتِ) للتبعيض بشهادة قوله: (فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ)[فاطر: 27]، وقوله:(فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ)[فاطر: 27]، ولأنّ المنكرين أعني: ماء، ورزقا. يكتنفانه. وقد قصد بتنكيرهما معنى البعضية فكأنه قيل: وأنزلنا من السماء بعض الماء، فأخرجنا به بعض الثمرات، ليكون بعض رزقكم. وهذا هو المطابق لصحة المعنى، لأنه لم ينزل من السماء الماء كله،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أخذ في إبطال معتقدهم شيئا فشيئا، والأخذ من الأدون إلى الأعلى من الكوكب أولا، ثم القمر ثانيا، ثم الشمس ثالثا، ثم قوله:(يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ)] الأنعام: 78 - 79 [إذ لو خاطبهم أولا بالتوحيد لم يقع هذا الموقع.

قوله: ] بشهادة قوله: (فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ)[يعنى قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ)] الأعراف: 57 [لأنه تعالى لم يرد بقوله: (سَحَابًا ثِقَالًا) كل السحاب، ولا بالبلد الميت جميع الأراضي، ولا أنزل من السحاب الثقال كل الماء، ولا أخرج جميع الثمرات، بل أراد بالكل الأكثر، ما يستعمل الكل في التنزيل بمعنى أكثر، منه قوله تعالى: (تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا)] الأحقاف: 25 [وقوله: (وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ)] النمل: 16 [، (وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ)] النمل: 23 [، وأما قوله: (فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ)] فاطر: 27 [فدلالته على البعضية من حيث الجمعية والتنكير لأنها جمع قلة.

قوله: (لأنه لم ينزل من السماء الماء كله) أي: لم ينزل من السماء كل الماء الذى أخرج به كل الثمرات؛ لأن بعضا من الثمرات مخرج من غير ماء السماء بدليل قوله: ((وأنزلنا من السماء بعض الماء، فأخرجنا به بعض الثمرات)) وقوله: ((ولا أخرج بالمطر جميع الثمرات)).

ص: 304

ولا أخرج بالمطر جميع الثمرات، ولا جعل الرزق كله في الثمرات. ويجوز أن تكون للبيان كقولك: أنفقت من الدراهم ألفا. فإن قلت: فيم انتصب (رِزْقاً)؟ قلت: إن كانت «من» للتبعيض. كان انتصابه بأنه مفعول له. وإن كانت مبنية، كان مفعولاً لـ"أخرج". فإن قلت: فالثمر المخرج بماء السماء كثير جمّ .........

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فإن قلت: يخالفه ما قال في ((الزمر)): ((كل ماء في الأرض فهو من السماء ينزل منها إلى الصخرة ثم يقسمه)).

قلت: على تقدير صحة هذه الرواية، ((الفاء)) في قوله "فأخرج به" مستدعية للإخراج بعد الإنزال بلا تراخ عادة، ومفهومه: أن بعضا من الثمرات مخرج على غير هذه الصورة، وهي ما يسقى بماء الآبار والعيون والأنهار فإنها متراخية عادة عن الإنزال، لأنه تعالى استودعها الجبال، ثم أجراها في الأرض وأخرج بها بعض الثمرات.

قوله: (إن كانت ((من)) للتبعيض كان انتصابه بأنه مفعول له) قيل: إذا كانت ((من)) للتبعيض يكون محلها منصوبا على المفعول به، ورزقا على المفعول له، ومحل ((لكم)) منصوب على أنه مفعول به لـ ((رزقا)) لأنه مصدر، وإن كانت للتبين كانت حالا ورزقا مفعول به، و ((لكم)) صفة لـ ((رزقا)).

وقيل: إذا قلت: أكلت من هذا الخبز، تكون ((من)) للتبعيض لا غير، وإذا قلت: أكلت من هذا الخبز الجيد بنصب الجيد، كان للبيان، وعلى أن تكون ((من)) مفعولا به كانت اسما كـ ((عن)) في قول الشاعر:

فلقد أراني للرماح دريةً

من عن يميني مرة وأمامي

ص: 305

فلم قيل: (الثمرات) دون الثمر والثمار؟ قلت: فيه وجهان، أحدهما أن يقصد بالثمرات جماعة الثمرة التي في قولك: فلان أدركت ثمرة بستانه، تريد ثماره.

ونظيره قولهم: كلمة الحويدرة، لقصيدته. وقولهم للقرية: المدرة، ......

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الدرية: هي الحلقة التي يتعلم عليها الطعن، والمعنى من جانب يميني فـ ((من)) في الآية و ((عن)) في البيت مجازان عن متعلق معناهما كما قال صاحب المفتاح: ونازلان منزلتهما في الاعتبار، قال المصنف في (حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا)] يوسف: 31 [: حاش: حرف من حروف الجر وضعت موضع التنزيه والبراءة. والدليل عليه قراءة من قرأ ((حاشاً لله)) بالتنوين، فإن قلت: فلم جاز أن لا ينون - أي في المشهورة - بعد إجرائه مجرى براءة؟

قلت: مراعاة لأصله الذى هو الحرفية؛ ألا ترى إلى قولهم: جلست من عن يمينه، كيف تركوا ((عن)) غير معرب على أصله.

قوله: (أن يُقصَدَ بالثمراتِ جماعة الثمرة) يريد أن مفرد الثمرات الثمرة التي يُرادُ بها الثمارُ. والثمرات مشتملةٌ على أفرادٍ، كل فرد منها ثمار، فإذن تفيد الثمرات من الكثرة ما لا تقيده الثمار، وإن كانت جمع قلة.

قوله: (ونظيرُه) أي: نظير إرادة الثمار بالثمرة.

قوله: (كلمة الحويدرة) الحويدرة: اسم شاعر، تصغير حادرة، واسمه قطبة بن محصن. روى أن حسانا كان إذا قيل له: أنشدنا، قال: هل أنشدكم كلمة الحويدرة؟

أي: قصيدته العينية التي مستهلها:

ص: 306

وإنما هي مدر متلاحق. والثاني: أنّ الجموع يتعاور بعضها موقع بعض لالتقائها في الجمعية، كقوله:(كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ)[الدخان: 25]، و (ثَلاثَةَ قُرُوءٍ) [البقرة: 228].

ويعضد الوجه الأوّل قراءة محمد بن السميقع: من الثمرة، على التوحيد. وقَبْلِكُمْ صفة جارية على الرزق إن أريد به العين، وإن جعل اسما للمعنى فهو مفعول به، كأنه قيل: رزقا إياكم. فإن قلت: بم تعلق (فَلا تَجْعَلُوا)؟

قلت: فيه ثلاثة أوجه: أن يتعلق بالأمر. أى اعبدوا ربكم فلا تجعلوا له أَنْداداً لأنّ أصل العبادة وأساسها التوحيد، وأن لا يجعل للَّه ندّ ولا شريك. أو بلعل، على أن ينتصب (تجعلوا) .....

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بكرت سميه بكرة فتمتع

وغدت غدو مفارق لم يربع

ابن السكيت: ربع الرجل: إذا وقف وتحبس.

قوله: (وإن جعل اسما للمعنى) أي: مصدرا، فهو مفعول به، كأنه قيل: أعطاكم، وهو المراد بقوله:((رزقا إياكم)) كما تقول: رزقه العلم والمال أي: أولاه وأعطاه.

قوله: (فيه ثلاثة أوجه) والوجوه ذكرها القاضي ملخصا قال: (فَلَا تَجْعَلُوا) متعلق ((باعبدوا)) على أنه نهي معطوف عليه، أو نفي منصوب بإضمار ((أن)) جواب له، أو بـ ((لعل)) على أن نصب (تَجْعَلُوا) نصب (فَاطَّلَعَ) في قوله تعالى:(لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ)] غافر: 36 - 37 [إلحاقا لها بالأشياء السته؛ لاشتراكها في أنها غير موجبة، المعنى: إن تتقوا لا تجعلوا لله أندادا، أو ((بالذي)) جعل إن استأنفت به على أنه نهي وقع خبرا على تأويل مقول فيه: لا تجعلوا، فالفاء للسببية أدخلت عليه لتضمن المبتدأ معنى الشرط، والمعنى: من خصكم بهذه النعم الجسام والآيات العظام ينبغي أن لا يشرك به.

ص: 307

انتصاب، (فأطلع) في قوله عز وجل:(لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ* أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى)[غافر: 36 - 37] في رواية حفص عن عاصم، أى خلقكم لكي تتقوا وتخافوا عقابه فلا تشبهوه بخلقه، أو بالذي جعل لكم، إذا رفعته على الابتداء، أى هو الذي خصكم بهذه الآيات العظيمة والدلائل النيرة الشاهدة بالوحدانية، فلا تتخذوا له شركاء. والند: المثل. ولا يقال إلا للمثل المخالف المناوئ. قال جرير:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقلت: والوجه الأول للمصنف مبنى على أنه منصوب جوابا للأمر، ولذلك علله بقوله:((لأن أصل العبادة التوحيد، وأن لا يجعل له ند ولا شريك))، وأما على عطف النهي على الأمر، فالآية مثل قوله تعالى:(وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا)] النساء: 36 [.

والوجه الثانى في الكتاب على غير ما ذهب إليه القاضي لأنه لم يجعل ((لعل)) على تأويل الشرط، بل جعلها بمعنى ((كي)) على تشبيه الحالة بالحالة في قوله تعالى:(لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ)] غافر: 36 [، ثم الاستعارة على سبيل التبعية كما مضى.

والوجه الثالث غير مخالف لقوله: ((وإن زاد فيه لفظة ((هو)) حيث قال: ((هو الذى خلقكم)) لأنه في بيان المعنى لا تقدير الكلام، وفيه إشارة إلى معنى الاختصاص؛ لأنه استئناف بإعادة صفة من استؤنف عنه الحديث))، فكأن سائلا حين سمع قوله:(اعْبُدُوا رَبَّكُمْ) سأل: ما بالنا نخضه بالعبادة وأن لا نشرك به شيئا؟ فقيل: لأنه هو الذى خصكم بهذه الآيات العظيمة والدلائل النيرة. وفي الوجوه إشارة إلى الإشعار بالعلية؛ لأن الحكم مترتب على الأوصاف.

قوله: (حفكم)، الأساس: حفوا به واحتفوا: أطافوا، وهم حافون به وحففته بالناس: جعلتهم حافين به.

قوله: (المناوئ)، الأساس: نؤتُ بالحمل: نهضت به، وناوأت الرجل: عاديته، ومعناه: ناهضته للعداوة.

ص: 308

أتَيماً تَجْعَلُون إِلَىَّ نِداًّ

وما تَيْمٌ لِذِى حَسَب نَدِيدَا

وناددت الرجل: خالفته ونافرته، من ندّ ندا إذا نفر. ومعنى قولهم: ليس للَّه ندّ ولا ضدّ نفى ما يسدّ مسدّه، ونفي ما ينافيه

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (أتيما تجعلون) البيت. ضمن ((تجعلون)) معنى ((يضمون))، أي: يضمون إلى تيما ويجعلونه ندا. ويجوز أن يكون ((تيما)) مفعولا لفعل محذوف، أي: يضمون وينسبون إلى، تيما يجعلونه ندا لى، وأن يكون إلى مع متعلقة المحذوف حالا من ندا.

قوله: (ونافرته)، الأساس: نافرته إلى الحكم فنفرني عليه، أي حاكمته فغلبني عليه، وأصل المنافرة قولهم: أينا أعز نفرا.

قوله: (ليس لله ند ولا ضد) لف. وقوله: ((نفي ما يسد مسده، ونفي ما ينافيه)) نشر.

الراغب: ند الشيء: مشاركه في الجوهر. وذلك ضرب من المماثلة فإن المثل يقال في أي مشاركة كانت، فكل ند مثل ولا ينعكس، يقال: نده ونديده ونديدته. والضدان: الشيئان اللذان تحت جنس واحد وينافي كل منهما الآخر في أوصافه الخاصة، وبينها أبعد البعد، كالخير والشر والسواد والبياض، وما لم يكونا تحت جنس واحد كالحلاوة والحركة لا يقال لهما ضدان، قالوا: الضد هو أحد المتقابلين، فإن المتقابلين هما الشيئان المختلفان بالذات وكل واحد قبالة الآخر، ولا يجتمعان في شيء واحد في وقت واحد وذلك أربعة أشياء: الضدان، والمتناقضان كالضعف والنصف والوجود والعدم، والنفي والإثبات في الأخبار، وكثير من أهل اللغة والمتكلمين يجعلون كل ذلك من المتضادات ويقول: الضدان ما لا يصح اجتماعهما

ص: 309

فإن قلت: كانوا يسمون أصنامهم باسمه ويعظمونها بما يعظم به من القرب، وما كانوا يزعمون أنها تخالف اللَّه وتناويه. قلت: لما تقرّبوا إليها وعظموها وسموها آلهة، أشبهت حالهم حال من يعتقد أنها آلهة مثله، قادرة على مخالفته ومضادّته فقيل لهم ذلك على سبيل النهكم. كما تهكم بهم بلفظ الندّ، شنع عليهم،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في محل واحد. وقيل: الله تعالى لا ضد له ولا ند؛ لأن الند هو الاشتراك في الجوهر، والضد هو أن يعتقب الشيئان المتنافيان على جنس واحد، والله تعالى منزه عن أن يكون له جوهر، فإذا لا ضد له ولا ند، وقال تعالى:(وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا)] مريم: 82 [أي: منافين لهم.

قوله: (كانوا يسمون) توجيه السؤال: أن الكفرة كانوا يجعلون أصنامهم مساوية لله تعالى في التسميه والتقرب إليهم، وما كانوا يزعمون أنهم يخالفون الله في شيء من ذلك حتى يكونوا أندادا فكيف قيل:(فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا)] البقرة: 22 [، وخلاصة الجواب: أن هذه التسمية، أي: تسمية الله إياها أندادا على التهكم لأنهم ينزلون الضد مقام الضد لضرب من التهكم كقوله تعالى: (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ)] آل عمران: 21 [استحقارا لهم وازدراء لفعلهم، أي: أنتم لا تعلمون أن مثل هذا التعظيم والتسمية تؤدى إلى جعلها قادرة على مخالفته ومناوأته، فهي استعارة مصرحة تحقيقية أصلية واقعة على سبيل التهكم.

قوله: (شنع عليهم) يعنى: كما تهكم بهم بإثبات الند بولغ فيه بأن أوثر، لفظ الجمع، يعنى لم يكتفوا بذلك الفعل الشنيع حتى ضموا إليه ما زادت به الشناعة، فيكون من باب الإيغال كقولها:

ص: 310

واستفظع شأنهم بأن جعلوا أنداداً كثيرة لمن لا يصح أن يكون له ندّ قط. وفي ذلك قال زيد بن عمرو بن نفيل حين فارق دين قومه:

أرَبًّا واحِداً أمْ ألْفُ رَبٍ

أدِينُ إذَا تَقَسَّمَتِ الأُمُورُ

وقرأ محمد بن السميقع: فلا تجعلوا للَّه ندا. فإن قلت: ما معنى (وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)؟ قلت: معناه: وحالكم وصفتكم أنكم من صحة تمييزكم بين الصحيح والفاسد،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كأنه علم في رأسه نار

قوله: (أربا واحدا) البيت، أدين، أي: أتخذه دينا. تقسمت الأمور، أي تفرقت الأحوال، من قولهم: تقسمهم الدهر فتقسموا: فرفهم فتفرقوا، من ((الصحاح)). أي: إذا تفرقت الأمور وفوض اختيار هذا الأمر إلى أختار ربا واحدا أم ألف رب؟ أي: كيف أترك ربنا واحدا وأختار أربابا متعددة كقوله تعالى: (أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ)] يوسف: 39 [وبعده:

تركت اللات والعزى جميعاً

كذلك يفعل الرجل البصير

روينا عن البخاري عن ابن عمر كان يحدث عن رسول الله - صل الله عليه وسلم-: ((أنه لقى زيد بن عمرو ابن نفيل بأسفل بلدح وذلك قبل أن ينزل على النبي - صل الله عليه وسلم- الوحي، فقدم إليه رسول الله - صل الله عليه وسلم- سفرة فيها لحم، فأبى أن ياكل منها، ثم قال زيد: إنى لا آكل مما تذبحون على أنصابكم، ولا آكل إلا ما ذكر اسم الله عليه)).

قوله: (معناه: وحالكم وصفتكم) يريد أن موقع (وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) موقع الحال المقررة لجهة الإشكال المتضمنة لمعنى التعجب والتعجيب كقوله تعالى: (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ

ص: 311

والمعرفة بدقائق الأمور وغوامض الأحوال، والإصابة في التدابير، والدهاء والفطنة، بمنزل لا تدفعون عنه.

وهكذا كانت العرب، خصوصاً ساكن والحرم من قريش وكنانة، لا يصطلى بنارهم في استحكام المعرفة بالأمور وحسن الإحاطة بها. ومفعول (تعلمون) متروك كأنه قيل: وأنتم من أهل العلم والمعرفة. والتوبيخ فيه آكد، أى أنتم العرّافون المميزون.

ثم إنّ ما أنتم عليه في أمر ديانتكم من جعل الأصنام للَّه أندادا، هو غاية الجهل ونهاية سخافة العقل.

ويجوز أن يقدر: وأنتم تعلمون أنه لا يماثل. أو: أنتم تعلمون

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا)] البقرة: 28 [أي: لا تجعلوا لله أندادا والحال أنكم من صحة التمييز والمعرفة بمنزلة، يعنى جعلكم لله أندادا مع هذا الصارف القوى مظنة تعجب وتعجيب.

فـ ((ثم)) في قوله: ((ثم إن ما أنتم عليه)) للاستبعاد كما في قوله تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآَيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا)] السجده: 22 [.

قوله: (لا يصطلى بنارهم)، النهاية: وفي حديث السقيفة: ((أنا الذى لا يصطلى بناره))

الاصطلاح: افتعال من صلى النار إذا تسخن بها. أي: أنا الذى لا يتعرض لحربي يقال: فلان لا يصطلى بناره: إذا كان شجاعا لا يطاق. ومعناه: لا تنال ناره لرفعة شانه حتى يصطلى بها، ونظيره: لا يشق غبارهم، فهما كنايتان عن علو المرتبة والسبق.

قوله: (وأنتم من أهل العلم والمعرفة) هذا على تنزيل المعتدى منزلة اللازم، أي: أنكم توجدون على هذه الحقيقة إيهاما للمبالغة، وإليه الإشارة بقوله ((أنتم العرافون المميزون)).

قوله: (وأنتم تعلمون أنه لا يماثل) إلى آخره، إشارة إلى قصد التعميم وعدم القصر على المذكور؛ إذا لو ذكر واحد مما ذكره المصنف لاقتصر عليه.

ص: 312

ما بينه وبينها من التفاوت. أو: وأنتم تعلمون أنها لا تفعل مثل أفعاله، كقوله:(هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ)[الروم: 40].

[(وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَاتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ)].

لما احتج عليهم بما يثبت الوحدانية ويحققها، ويبطل الإشراك ويهدمه، وعلم الطريق إلى إثبات ذلك وتصحيحه، وعرفهم أنّ من أشرك فقد كابر عقله وغطى على ما أنعم عليه من معرفته وتمييزه - عطف على ذلك ما هو الحجة على إثبات نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم، وما يدحض الشبهة في كون القرآن معجزة، وأراهم كيف يتعرفون؛ .........

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وعلم الطريق إلى إثبات ذلك) أي: إثبات التوحيد وإبطال الشرك كأنه قال: يا أيها الناس، اعلموا أن لكم معبوداً بجب عليكم عبادته؛ لأنه خلقكم وخلق آباءكم، وجعل لكم مظلة ومقلة، وأنعم عليكم بإنزال المطر وإخراج الثمر؛ فإذا لا تجعلوا له شريكا. فالتعليم هو ترتب الحكم على الأوصاف.

قوله: (وغطى على ما أنعم عليه) يشير إلى قوله: (وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)] البقرة: 22 [أي: لا يخفي عليكم بطلان أمر الأصنام وحقيقة ألوهية الملك العلام، فلا تكابروا عقولكم ولا تغطوا على ما رزقكم من المعرفة.

قوله: (وأراهم) عطف على قوله ((عطف على ذلك)) على سبيل التفسير و ((بإرشادهم)) متعلق بقوله: ((أراهم))، والمراد بالإرشاد ما سبق في قوله تعالى:(لا رَيْبَ فِيهِ)] البقرة: 2 [وطريقة الإتيان بـ ((إن)) الشرطية المستدعية للشك وخلو الجزم في مقام القطع ليحزر أنفسهم ويجربوا طباعهم، فقوله:((على إثبات نبوة محمد -صل الله عليه وسلم-)) في مقابلة ما يثبت الوحدانية، ((وما يدحض الشبة)) في مقابلة ((ويبطل الإشراك ويهدمه)((وأراهم كيف يتعرفون)) في مقابلة ((علم الطريق إلى إثبات ذلك))، فطريق إثبات التوحيد هو التفكر في خلق أنفسهم وما يرتفقون به على الترتيب كما سبق، والتنبيه عليه بقوله (وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ).

ص: 313

أهو من عند اللَّه كما يدعى، أم هو من عند نفسه كما يدعون. بإرشادهم إلى أن يحزروا أنفسهم ويذوقوا طباعهم وهم أبناء جنسه وأهل جلدته. فإن قلت: لم قيل: (مِمَّا نَزَّلْنا) على لفظ التنزيل دون الإنزال؟ قلت:

لأن المراد النزول على سبيل التدريج والتنجيم، وهو من محازه لمكان التحدي. وذلك أنهم كانوا يقولون:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ويذوقوا طباعهم)، الجوهري: ذقت القوس: إذا جذبت وترها لتنظر ما شدتها.

قوله: (وهو من محازه) قيل: المعنى: النزول على سبيل التدريج من محاز استعمال لفظ التنزيل.

وقلت: يأباه الجمع والتعليل على أنه من توضيح الواضح، والوجه أن يقال: هو راجع إلى معنى قوله: لم قيل: نزلنا دون أنزلنا؟ لأنه من محازه ومواقعه، و ((من)): إما ابتدائي أو تبعيضي، أي: ناس منه أو بعض مواقعه، لأن فوائده كثيرة؛ أما بالنسبة إلى رسول الله? فلضبط ألفاظه وتسهيل حفظه ثم التدرج إلى معرفة معانيه، وأما بالنسبة إلى المؤمنين فللتوقيف على ما يفتقرون إليه من المصالح السانحة، وأما بالنسبة إلى المخالفين فلإزاحة خللهم وتبكيتهم كما نحن بصدده، ولذلك علله بقوله ((لمكان التحدي)) وبين مقام التحدي بقوله:((ذلك أنهم كانوا يقولون)) إلى آخره. ألا ترى حين لم يقصد هذه المعاني كيف جيء بلفظ الإنزال في نحو قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ)] البقرة: 4 [وقوله (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ)] الكهف: 1 [إلى غير ذلك! فليتأمل مواقعها.

قال القاضي: إنما قال (مِمَّا نَزَّلْنَا) لأن نزوله نجما فنجما على ما عليه أهل الشعر والخطابة مما يريبهم كما حكى الله تعالى عنهم: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآَنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً)] الفرقان: 32 [، فكان الواجب تحديهم على هذا الوجه إزالة للشبهة، وإلزاماً للحجة.

ص: 314

لو كان هذا من عند اللَّه مخالفاً لما يكون من عند الناس، لم ينزل هكذا نجوما سورة بعد سورة وآيات غب آيات، على حسب النوازل وكفاء الحوادث «2» وعلى سنن ما نرى عليه أهل الخطابة والشعر، من وجود ما يوجد منهم مفرقا حيناً فحيناً، وشيئاً فشيئا حسب ما يعنّ لهم من الأحوال المتجددة والحاجات السانحة، لا يلقى الناظم ديوان شعره دفعة، ولا يرمى النائر بمجموع خطبه أو رسائله ضربة، فلو أنزله اللَّه لأنزله خلاف هذه العادة جملة واحدة: قال اللَّه تعالى: (وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً)[الفرقان: 32]. فقيل: إن ارتبتم في هذا الذي وقع إنزاله هكذا على مهل وتدريج، فهاتوا أنتم نوبة واحدة من نوبه، وهلموا نجماً فرداً من نجومه؛

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: ((من محازه))، الأساس: قطع فأطاب المحز ومن المجاز: تكلم أو أشار فأصاب المحز.

قوله: (وكفاء الحوادث)، الأساس: قولهم: لا كفاء له، مصدر بمعنى المكافأة، وضع موضع المكافئ، قال حسان:

وروح القدس ليس له كفاء

أي: مكافئ مقاوي، وهو كفؤ بين الكفاءة. الجوهري: كل شيء يساوى شيئا حتى يكون مثله فهو مكافئ له.

قوله: (فقيل: إن ارتبتم) عطف على قوله ((كانوا يقولون)).

ص: 315

سورة من أصغر السور، أو آيات شتى مفتريات. وهذه غاية التبكيت، ومنتهى إزاحة العلل. وقرئ (على عبادنا) يريد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وأمته. والسورة: الطائفة من القرآن المترجمة التي أقلها ثلاث آيات. وواوها إن كانت أصلا، فإما أن تسمى بسورة المدينة وهي حائطها، لأنها طائفة من القرآن محدودة محوّزة على حيالها، كالبلد المسوّر، أو لأنها محتوية على فنون من العلم وأجناس من الفوائد، كاحتواء سورة المدينة على ما فيها. وإما أن تسمى بالسورة التي هي الرتبة. قال النابغة:

ولرَهْطِ حَرَّابٍ وقَدٍ سُورَةٌ

في المَجْدِ لَيْسَ غُرَابُهَا بمُطَارِ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وهذه غاية التبكيت) أي: هذه الحجة غاية التبكيت؛ لأنها إفحام للخصم يعنى ما يريد به بطلان الشيء؛ وذلك أنهم كانوا يقولون: لم لم ينزل القرآن جملة واحدة ليكون على خلاف ما نشاهده من الشعراء والخطباء؛ إذا لو كان كلام الله لم يكن على سنن ما يرى عليه الخطابة والشعر؟ فأجيبوا بأن النزول هكذا كما هو دأبكم وعادتكم أسهل لكم أن تأتوا بمثله إذا تحديتم به فلا يشق عليكم معارضته، فلو نزل جملة واحدة وتحديتم بها لصعب عليكم معارضته، فإذا لم تأتوا بأقصر سورةٍ منه فقد دل على حقيقته وبطلان قولكم، فألزموا بعين ما أرادوا بطلانه وهذا قريب من القول بالموجب.

قوله: (ولرهط حراب) البيت. حراب بالراء المهملة، وقد بالدال غير المعجمة.

قوله: (ليس غرابها بمطار) كناية عن كثرة الرهطين ودوام المجد لهما؛ فإن النبات والشجر إذا كثر في موضع قيل: لا يطير غرابه؛ لأن الغراب إذا وقع في المكان الخصيب أصاب فيه

ص: 316

لأحد معنيين، لأن السور بمنزلة المنازل والمراتب يترقى فيها القارئ: وهي أيضاً في أنفسها مترتبة: طوال وأوساط وقصار، أو لرفعة شأنها وجلالة محلها في الدين. وإن جعلت واوها منقلبة عن همزة، فلأنها قطعة وطائفة من القرآن، كالسؤرة التي هي البقية من الشيء والفضلة منه. فان قلت: ما فائدة تفصيل القرآن وتقطيعه سوراً؟ قلت: ليست الفائدة في ذلك واحدة. ولأمر ما أنزل اللَّه التوراة والإنجيل والزبور وسائر ما أوحاه إلى أنبيائه على هذا المنهاج مسوّرة مترجمة السور. وبوّب المصنفون في كل فنّ كتبهم أبوابا موشحة الصدور بالتراجم. ومن فوائده: أنّ الجنس إذا انطوت تحته أنواع، واشتمل على أصناف، كان أحسن وأنبل وأفخم من أن يكون ببّاناً واحداً

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ما لا يحتاج معه إلى أن ينتقل منه إلى مكان آخر. والوجه: أن يراد أنه لا يرام هذه المرتبة لكونها منيعة رفيعة.

قوله: (ببانا واحداً) روى البخاري أنه سمع عمر رضى الله عنه يقول: ((لولا أن أترك آخر الناس بباناً واحداً ليس لهم من شيء ما فتحت على قرية إلا قسمتها كما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر، ولكنى أتركها خزانة لهم يقسمونها)).النهاية: عن أبي عبيد: لا أحسبه عربياً. قال

ص: 317

ومنها: أن القارئ إذا ختم سورة أو بابا من الكتاب ثم أخذ في آخر كان أنشط له وأهز لعطفه، وأبعث على الدرس والتحصيل منه لو استمر على الكتاب بطوله. ومثله المسافر، إذا علم أنه قطع ميلا، أو طوى فرسخا، أو انتهى إلى رأس بريد؛

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أبو سعيد الضرير: ليس في كلامهم ببان، والصحيح عندنا:((بيانا واحداً))، أي: لأسوين بينهم في العطاء حتى يكونوا شيئا واحداً لا فضل لأحد على غيره. وقال الأزهري: ليس كما ظن، وهذا حديث مشهور رواه أهل الإتقان، وكأنها لغة يمانيه.

قوله: (رأس بريد) قال في ((الفائق)): ((سمى المسافة التي بين السكتين بريدا، والسكة الموضع الذى كان يسكنه الفيوج المرتبون من رباط أو قبة أو نحو ذلك وبعد ما بين السكتيرن الفرسخان، فكان يرتب في كل سكة بغال. والبريد في الأصل البغل وهي كلمة فارسية أي: ((بريده دم))، لأن بغال البريد كانت محذوفة الأذناب، فعربت وخففت، ثم سمي

ص: 318

نفس ذلك منه ونشطه للسير. ومن ثم جزأ القرّاء القرآن أسباعاً وأجزاء وعشوراً وأخماساً. ومنها أن الحافظ إذا حذق السورة، اعتقد أنه أخذ من كتاب اللَّه طائفة مستقلة بنفسها لها فاتحة وخاتمة؛ فيعظم عنده ما حفظه، ويجل في نفسه ويغتبط به، ومنه حديث أنس رضى اللَّه عنه: «كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران، جد فينا ومن ثمة كانت القراءة في الصلاة بسورة تامة أفضل. ومنها أنّ التفصيل سبب تلاحق الأشكال والنظائر وملاءمة بعضها لبعض. وبذلك تتلاحظ المعاني ويتجاوب النظم، إلى غير ذلك من الفوائد والمنافع ......

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الرسول الذي يركب البريد باسمه. قال الصغاني: الفيج الذى تسميه أهل العراق الركابي والساعي، وهو معرب.

قوله: (حذق السورة)، الجوهري: حذق الصبي القرآن، إذا مهر فيه.

قوله: (جد فينا) روينا عن البخاري ومسلم عن أنس ((أن رجلا كان يكتب للنبي? وكان قد قرأ ((البقرة)) و ((آل عمران)) وكان الرجل إذا قرأ ((البقرة)) و ((آل عمران)) جد فينا)) الحديث، النهاية:((جد فينا))، أي: عظم قدره وصار ذا جد.

قوله: (كانت القراءة في الصلاة بسورة تامة أفضل). قال الرافعي رحمه الله: ((وأوصل الاستحباب يتأذى بقراءة شيء من القرآن، لكن السورة أحب حتى إن السورة القصيرة أولى من بعض سورة طويلة)).

ص: 319

(مِنْ مِثْلِهِ): متعلق (بسورةٍ) صفة لها، أي: بسورة كائنة من مثله. والضمير لما نزلنا، أو لعبدنا. ويجوز أن يتعلق بقوله:(فَاتُوا) والضمير للعبد ........

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: ((مِنْ مِثْلِهِ) متعلق (بِسُورَةٍ). قال الزجاج: وللعلماء فيه قولان: قال بعضهم: من مثل القرآن؛ كقوله تعالى: (فَاتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ)] هود: 13 [وقال بعضهم: من مثله، أي: من بشرٍ مثله. وقالى القاضي: (مِنْ مِثْلِهِ) صفه ((سورة))، أي: بسورة مماثلة للقرآن في البلاغة وحسن النظم، أو لعبدنا، ومن للابتداء، أي: بسورةٍ كائنة ممن هو على حاله من كونه بشراً أميا لم يقرأ الكتب، ولم يتعلم العلوم، أو صلة (فَاتُوا) والضمير للعبد. تم كلامه.

لا يقال: إنه إن جعل (مِنْ مِثْلِهِ) صفه لـ ((سورة))، فإن كان الضمير للمنزل فمن للبيان، وإن كان للعبد فمن للابتداء، وهو ظاهر. فعلى هذا إن تعلق قوله:(مِنْ مِثْلِهِ) بقوله: (فَاتُوا) فلا يكون الضمير للمنزل؛ لأنه يستدعى كونه للبيان، والبيان يستدعى تقديم مبهم، ولا تقديم، فتعين أن يكون للابتداء لفظاً أو تقديراً، أي: اصدروا وأنشئوا واستخرجوا من مثل العبد بسورةٍ؛ لأن مدار الاستخراج هو العبد لا غير، فلذلك تعين في الوجه الثاني عود الضمير إلى العبد؛ لأن هذا وأمثاله ليس بوافٍ، ولذلك تصدى للسؤال بعض فضلاء الدهر، وقال: قد استبهم قوله صاحب ((الكشاف)) حيث جوز في الوجه الأول كون الضمير لـ ((ما نزلنا)) تصريحا، وحظره في الوجه الثاني تلويحاً، فليت شعرى ما الفرق بين ((فأتوا بسورة كائنة من مثل ما نزلنا)) و ((فأتوا من مثل ما نزلنا بسورة))! !

ص: 320

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وأجيب: إنك إذا اطلعت على الفرق بين قولك لصاحبك: أتيت برجل من البصرة، أي: كائن منها، وبين قولك: أتيت من البصرة برجل، عثرت على الفرق بين المثالين، وزال عنك التردد والارتياب. ثم نقول: إن ((من)) إذا تعلق بالفعل يكون إما ظرفا لغوا، و ((من)) للابتداء، أو مفعولا به و ((من)) للتبعيض، إذ لا يستقيم أن يكون بيانا لاقتضائه أن يكون مستقرا، والمقدر خلافه، وعلى تقدير أن يكون تبعيضا فمعناه: فأتوا بعض مثل المنزل بسورة، وهو ظاهر البطلان.

وعلى أن يكون ابتداءً لا يكون المطلوب بالتحدي الإتيان بالسورة فقط؛ بل بشرطٍ أن يكون بعضا من كلامٍ مثل القرآن، وهذا على تقدير استقامته بمعزل عن المقصود واقتضاء المقام؛ لأقله نظير، فكيف للكل! فالتحدي إذا بالسورة الموصوفة بكونها من مثله في الإعجاز، وهذا إنما يتأتى إذا جعل الضمير ((لما نزلنا))، و ((من مثله)) صفة لسورة، ((ومن)) بيانية فلا يكون المأتى به مشروطاً بذلك الشرط؛ لأن البيان والمبين كشيء واحد؛ كقوله تعالى:(فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ)] الحج: 30 [. ويعضده قول المصنف في سوره ((الفرقان)): إن تنزيله مفرقا وتحديهم بأن يأتوا ببعض تلك التفاريق كلما نزل شيء منها أدخل في الإعجاز، وأنور للحجة من أن ينزل كله جملة واحدة ويقال لهم: جيئوا بمثل هذا الكتاب في فصاحته مع بعد ما بين طرفيه، أي: طوله.

فإن قلت: إذا كان المال إلى المطلوب المبالغة والإتيان بمثل أقصر سورة يكون القول بأن الضمير للعبد مردودا، وقد قيل به، ونقله الزجاج وغيره؟

ص: 321

فإن قلت: وما "مثله" حتى يأتوا بسورة من ذلك المثل؟ قلت: معناه فأتوا بسورة مما هو على صفته في البيان الغريب وعلو الطبقة في حسن النظم،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قلت: ولهذا جعله المصنف مرجوحا بقوله: لأنهم إذا خوطبوا، وهم الجم الغفير بأن يأتوا بطائفه يسيرة من جنس ما أتى به واحد منهم كان أبلغ في التحدي من أن يقال: ليأت أحد بنحو ما أتى به هذا الواحد.

قوله: (فإن قلت: وما مثله حتى يأتوا بسورة من ذلك المثل) تلخيصه: أنه تعالى تحدى بإتيان مثل المنزل ومثل الرسول، ولا بد أن يكون المطلوب شيئا يتوجه إليه الطلب، فما ذلك الشيء الذى هو نظير هذا المنزل وهذا الرسول حتى يؤتى به؟

واعلم أن الجواب مبنى على قاعدة: وهي أن التشبيه أكثر ما يقع في إلحاق النظير بالنظير والمثيل بالمثيل، وربما لا يراد فيه النظير والمقابل، بل مجرد وصف يشركهما في أمر، وإن شئت فجرب في قوله تعالى:(إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ)] آل عمران: 59 [

قال المصنف: فإن قلت: كيف شبه به وقد ولد بغير أب، وآدم وجد بغير أب وأم؟

قلت: هو مثيله في أحد الطرفين فلا يمنع اختصاصه دونه بالطرف الآخر؛ لأن المماثلة مشاركة في بعض الأوصاف، ولأنه شبه به في أنه وجد وجودا خارجا عن العادة المستمرة، وهما في ذلك نظيران. وما نحن بصدده من قبيل الأول دون الثاني؛ ألا ترى إلى قوله:((بسورة مما هو على صفته في البيان الغريب)) وقوله: ((ولا قصد إلى مثل ونظير))! فإذن لو قدر أن يكون المأتى به شعرا أو خطبة ويكون المتصف بوصف البلاغة الفائقة والنظم الأنيق استقام وصح. ولو أريد به النظير لأوهم؛ لأن المراد نظيره في كونه مشتملا على علوم الأولين والآخرين، أو نظيره في كونه منزلا من عند الله بليغا فصيحا، أو نظيره? في كونه نبيا أميا فصيحا، ومن المثال الذي

ص: 322

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ورد ولم يرد من المثل النظير والمثيل: قول القبعثرى: مثل الأمير حمل على الأدهم والأشهب.

فإن قلت: المثال لا يصلح للاستشهاد؛ لأن المقصود منه أن الأمير يحمل على الأدهم والأشهب، ولا معنى لقولنا: فأتوا بسورة من المنزل أو من محمد صلوات الله عليه وسلم.

قلت: والعجب أن المثال أيضا مستشهد به لمجرد الوصفية دون الكناية، فإن المقصود من إثبات الوصف فيه الكناية، وتشبيه الآية به وقع في مجرد الوصفية دون ملزومها، وقد سبق أن هذا القدر لا يمنع من إيراد التشبيه.

فإن قلت: أوضح لي الفرق بين المثل إذا كان بمعنى الصفة، وبينه إذا كان بمعنى النظير، فإن المذكور لا يشفي الغليل.

قلت: على الأول الصفة مقصودة أولية ويتبعها الموصوف ضمنا، وعلى الثاني كلاهما مطلوبان معا؛ لأن نظير الشيء هو الذى يقابله ويباريه. قال في الأساس: وهو ناظره بمعنى مناظره، أي: مقابله ومماثله، وهي نظيرتها. وعن الزهري: لا تناظر بكتاب الله وبكلام رسول الله، أي: لا تقابله ولا تجعل مثلا له.

قال الراغب: النظير: المثل، وأصله المناظرة كأنه ينظر كل واحد منهما إلى صاحبه فيباريه.

فالنظير أخص، ولذلك قدرنا في المثال كونه منزلا من عند الله بليغا فصيحا. ولما كان الأول

ص: 323

أو فأتوا ممن هو على حاله من كونه بشرا عربياً أو أمياً لم يقرأ الكتب ولم يأخذ من العلماء، ولا قصد إلى مثل ونظير هنالك. ولكنه نحو قول القبعثرى للحجاج - وقد قال له: لأحملنك على الأدهم -: مثل الأمير حمل على الأدهم والأشهب. أراد: من كان على صفة الأمير من السلطان والقدرة وبسطة اليد. ولم يقصد أحدا يجعله مثلا للحجاج. وردّ الضمير إلى المنزل أوجه، لقوله تعالى:(فَاتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ)[يونس: 38]. (فَاتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ)[هود: 13]، (عَلى أَنْ يَاتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَاتُونَ بِمِثْلِهِ) [الإسراء: 88]، ولأن القرآن جدير بسلامة الترتيب والوقوع على أصح الأساليب، والكلام مع ردّ الضمير إلى المنزل أحسن ترتيباً؛ وذلك أن الحديث في المنزل لا في المنزل عليه، وهو مسوق إليه ومربوط به، فحقه أن لا يفك عنه برد الضمير إلى غيره. ألا ترى أن المعنى: وإن ارتبتم في أنّ القرآن منزل من عند اللَّه. فهاتوا أنتم نبذاً مما يماثله ويجانسه. وقضية الترتيب لو كان الضمير مردوداً إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أن يقال: وإن ارتبتم في أنّ محمداً مُنزل عليه فهاتوا قرآنا من مثله. ولأنهم إذا خوطبوا جميعاً - وهم الجم الغفير بأن ........

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أعم قدرنا أن يكون المأتى به شعراً أو خطبة أو غير ذلك، وهو المختار لاقتضاء المقام وإرخاء العنان، والله أعلم.

قوله: (أو أمياً) عطف على ((عربياً)) ممن لا كتاب له أصلا كالعرب، أو ممن له كتاب لكنه لم يقرأ ولم يتعلم. قال في قوله تعالى:(وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ)] آل عمران: 20 [أي: الذين لا كتاب لهم من مشركي العرب.

قوله: (وهم الجم الغفير)، النهاية: روى جما غفيرا، يقال: جاء القوم جما غفيرا، والجماء الغفير، أي: مجتمعين كثيرين. ويقال: جاؤوا الجم الغفير، وأصل الكلمة من الجموم والجمة، وهو الاجتماع والكثرة.

ص: 324

يأتوا بطائفة يسيرة من جنس ما أتى به واحد منهم، كان أبلغ في التحدّى من أن يقال لهم: ليأتى واحد آخر بنحو ما أتى به هذا الواحد، ولأنّ هذا التفسير هو الملائم لقوله:(وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ)، والشهداء جمع شهيد بمعنى الحاضر أو القائم بالشهادة .......

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

والغفير من الغفر وهو التغطية والستر. فجعلت الكلمتان في موضع الشمول والإحاطة.

ولم يقولوا: الجماء إلا موصوفة، وهو اسم وضع موضع المصدر.

قوله: (هو الملائم لقوله: (وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ)) الآية] البقرة: 23 [، إن كان المراد بالشهداء الأصنام كما سيجئ فدعاؤهم حينئذ لأجل الاستظهار والتعاون، ولا معنى لاستظهارهم بها أن يأتوا بسورة واحدة من مثل محمد? وكذا إن أريد بالشهداء القائمون بالشهادة ليشهدوا لهم أنهم أتوا برجل من مثله.

قوله: (والشهداء جمع شهيد)، قال القاضي: الشهيد بمعنى الحاضر أو القائم بالشهادة، أو الناصر، أو الإمام، وكأنه سمي به لأنه يحضر النوادي وتبرم بمحضره الأمور؛ إذا التركيب للحضور، إما بالذات أو التصور، ومنه قيل للمقتول في سبيل الله: شهيد، لأنه حضر ما كان يرجوه، أو الملائكة حضروه.

الراغب: الشهادة تبين الشيء الحاضر. ولما كان تبين الشيء على ضربين: تبين بالبصر وتبين بالبصيرة، والحضور على ضربين: حضور بالذات وحضور بالتصور، صارت الشهادة تستعمل على أوجه، فيقال لحصول قربة ومنزلة، ومنه قيل: استشهد فلان وهو شهيد، كأنه حضر وتبين ما كان يرجوه. وقالوا: أنا شاهد لهذا الأمر، أي: عارف به متصور له، إشارة إلى

ص: 325

ومعنى (دون): أدنى مكان من الشيء. ومنه الشيء الدون، وهو الدنىّ الحقير، ودوّن الكتب، إذا جمعها، لأن جمع الأشياء إدناء بعضها من بعض وتقليل المسافة بينها. يقال: هذا دون ذاك، إذا كان أحط منه قليلا. ودونك هذا: أصله خذه من دونك. أى من أدنى مكان منك فاختصر واستعير للتفاوت في الأحوال والرتب فقيل زيد دون عمرو في الشرف والعلم. ومنه قول من قال لعدوّه

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قولهم: لئن غبت عن عيني فما غبت عن قلبي. وأما الشهادة المتعارفة فأصلها الحضور بالقلب والتبيين، ثم يقال ذلك إذا عبر باللسان، ثم يقال لكل ما يدل على شيء. إن لم يكن قولاً. فقوله. (وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ) قد فسر على كل ما يقتضيه لفظ الشهادة.

قوله: (ومنه الشيء الدون) أي: مأخوذ من هذا الأصل. وكذا جميع الأمثلة.

قوله: (فاختصر) معطوف على قوله: "أصله خذه من دونك"، وقوله:"واستعير" على قوله: "أي: من أدنى مكان" يعني لما كثر استعمال في هذه المعاني استعير في معنى المرتبة مطلقاً بأن شبهت المراتب المعنوية بالمكانية واستعير لها ما كان مستعملاً هناك، ثم اتسع فيها، فجعل مثلاً لكل تجاوز حد من غير نظر إلى الاستعارة.

وقال الزجاج: ومعنى "من دون المؤمنين" في قوله تعالى "لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ"[آل عمران: 28] أنه لا يتناول الولاية من مكان دون مكان المؤمنين، والكلام جار على المثل في المكان كما تقول: زيدٌ دونك، وليس معناه أنه في متسفل، وأنت في مرتفع، ولكن جعلت الشرف بنزلة الارتفاع في المكان، والخسة كالاستفال فيه، والمعنى: أن المكان المرتفع في باب الولاية مكان المؤمنين دون الكافرين.

ص: 326

وقد راءاه بالثناء عليه: أنا دون هذا وفوق ما في نفسك، واتسع فيه فاستعمل في كل تجاوز حدّ إلى حدّ وتخطى حكم إلى حكم.

قال اللَّه تعالى: (لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ)[آل عمران: 28] أى لا يتجاوزوا ولاية المؤمنين إلى ولاية الكافرين.

وقال أمية:

يا نَفْسُ مالَكِ دُونَ اللَّهِ مِنْ وَاقِى

أي: إذا تجاوزت وقاية اللَّه ولم تناليها لم يقك غيره. و (مِنْ دُونِ اللَّهِ) متعلقٌ بـ (ادعوا) أو بـ (شهدائكم)، فإن علقته بـ (شهدائكم) فمعناه:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وقد راءاه)، الجوهري: راءى فلانٌ الناس يرائيهم مراءاةً ورايأهم مرايأة على القلب بمعنى. وفي "مقدمة الأدب". راءى الناس بعمله: أراهم عمله. فالباء صلة. قال الميداني: هذا قول علي رضي الله عنه لرجل مدحه نفاقا.

قوله: ((مِنْ دُونِ اللَّهِ) متعلق بـ (ادعوا) أو بـ (شهداءكم)) اعلم أن "من دون الله" إما متعلق بشهدائكم أو بادعوا، والشهداء إما بمعنى الحاضر أو القائم بالشهادة. و"دون" إما بمعنى غير، أو قدام، فإذا علق بشهدائكم اختص أن يكون بمعنى القائم بالشهادة. والشاهد إما الأصنام أو مدارة القوم فعلى أن يراد به الأصنام (من دون الله) إما في محل النصب على الحال، قال أبو البقاء:"من دون الله" في موضع الحال والعامل محذوف أي: "شهدائكم"

ص: 327

ادعوا الذين اتخذتموهم آلهة من دون اللَّه وزعمتم أنهم يشهدون لكم يوم القيامة أنكم على الحق؛ أو: ادعوا الذين يشهدون لكم بين يدي اللَّه من قول الأعشى:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

منفردين عن الله. وهو المراد بقوله: "ادعوا الذين اتخذتموهم آلهة من دون الله وزعمتم أنهم يشهدون لكم" أو على الظرف والعامل ما في الشهداء من معنى الفعل. وهو المراد من قوله: "أو ادعوا الذين يشهدون لكم بين يدي الله"، وعلى التقديرين المراد بالشهداء الأصنام، يدل عليه قوله بعد ذكرهما:"وفي أمرهم أن يستظهروا بالجماد" إلى قوله: "غاية التهكم".

وعلى أن يكون القائم بالشهادة المداره، المضاف محذوف. المعنى: ادعوا شهداءكم متجاوزين من أولياء الله ومن المؤمنين، وادعوا غيرهم فانظروا هل يشهدون لكم، وعلى هذا الأمر واردٌ على سبيل إرخاء العنان والكلام المصنف؛ لأنهم إذا سمعوا هذا الكلام تفكروا فيه، وأيقنوا أنهم لا يشهدون لهم بذلك، لأنهم زعماء الحوار وأرباب الفصاحة، يميزون بين كلام فصيح وأفصح، وبليغ وأبلغ، ويأنفون عن الكذب.

إذا عُلق بـ"ادعوا "يعمُّ الشهداء في القائم بالشهادة وفي الحاضر، فعلى أن يراد القائم بالشهادة الشهيدُ مطلقٌ غير مقيد بقوله (مِنْ دُونِ اللَّهِ) كما في الأول؛ لأنه حينئذٍ قيدٌ للفعل و"من" لابتداء الغاية كما سبق في قوله تعالى (فَاتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ) فيكون الدعاء قد ابتدئ من دون الله، والمراد بالشاهد حينئذٍ الشاهد العدل، لأن الشاهد إذا أطلق عرفاً بادر إلى الذهن هذا، ومن ثمَّ قال في الأول:"من دون أولياء ومن غير المؤمنين"، وهاهنا:"وادعوا شهداء من الذين شهادتهم بينة تصحح بها الدعاوي"، وعلى هذا الأمر للتبكيت؛ لأنهم مُقرون بأن ليس لهم شهداء عادلون تصحح بهم الدعاوي يشهدون لهم بذلك.

ولقرب هذا الوجه من السابق وهو أن يراد بشهدائكم المدارة قال: "وتعليقه بالدعاء

ص: 328

تُرِيكَ القَذَى مِنْ دُونِهَا وهِىَ دُونَهُ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في هذا الوجه جائز". وعلى أن يراد بالشهيد الحاضر، ففي الكلام تخصيصٌ بحسب المفهوم؛ لأن الدعاء إذا قُيِّد بمن دون الله يكون غير متناول لله تعالى، ولهذا قال: "فادعوا كل من يشهد لكم واستظهروا به من الجن والإنس إلا الله"، والأمر ُعلى هذا للتعجيز والتحدي مطلقاً ولهذا قال: "وادعوا شهدائكم من دون الله" إلى قوله: "والجن والإنسُ شاهدوكم". ويؤيده قوله: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَاتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَاتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا)[الإسراء: 88] وفي التقسيم وجوهٌ أخر، وللبحث فيه مجال فليتأمل.

واعلم أن التفرقة بين الوجوه توجب التفرقة بين المعاني، فإذا أريد بالشهداء الأصنام كان الأمر بقوله:(وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ) للتهكم، وإن أريد به الرؤساء، كان الأمر للاستدراج وإرخاء العنان، وإن أريد به الناس العدول، كان لإظهار التبكيت، وإن أريد به الناصر والمستظهر به من دون الله، كان الأمر للتحدي والتعجيز كما سبق تفصيله.

قوله: (تُريك القذى من دونها وهي دونه) قيل تمامه:

إذا ذاقها من ذاقها يتمطق

أي: تريك الزجاجة القذى من قدامها وهي قدام القذى.

الأساس: ودونه خرط القتاد، أي: أمامه. يتمطق، أي: يمص شفتيه من لذاذتها.

وروى ابن حمدون في "التذكرة": أن الوليد بن عبد الملك قال لابن الأقرع أنشدني قولك في الخمر، فأنشده:

ص: 329

أي: تريك القذى قدّامها وهي قدّام القذى، لرقتها وصفائها. وفي أمرهم أن يستظهروا بالجماد الذي لا ينطق في معارضة القرآن بفصاحته: غاية التهكم بهم؛ أو (وادعوا شهداءكم من دون اللَّه) أي: من دون أوليائه ومن غير المؤمنين، ليشهدوا لكم أنكم أتيتم بمثله. وهذا من المساهلة وإرخاء العنان والإشعار بأنّ شهداءهم وهم مدارة القوم، الذين هم وجوه المشاهد وفرسان المقاولة والمناقلة، تأبى عليهم الطباع وتجمح بهم الإنسانية والأنفة أن يرضوا لأنفسهم الشهادة بصحة الفاسد البين عندهم فساده واستقامة المحال الجلى في عقولهم إحالته، وتعليقه بالدعاء في هذا الوجه جائز. وإن علقته بالدعاء فمعناه: ادعوا من دون اللَّه شهداءكم، يعنى لا تستشهدوا باللَّه، .......

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كميت إذا شجت ففي الكأس وردها

لها في عظام الشاربين دبيب

تريك القذى من دونها وهي دونه

لوجه أخيها في الإناء قطوب

فقال الوليد: شربتها ورب الكعبة، قال: لئن كان وصفي لها رابك فقد رابني معرفتك بها. فعلى هذا ابن الأقرع إما ضمن المصراع، أو كان من التوارد.

قوله: (مداره القوم)، الجوهري: درهت عن القوم: دفعت عنهم، مثل درأت، وهو مبدل منه نحو هراق، والمدره: زعيم القوم والمتكلم عنهم، والجمع المداره.

قوله: (والأنفة) الأساس: ومن المشتق من الأنف: فيه أنفةٌ وأنفٌ، وأنف من كذا، ألا تراهم قالوا: الأنف من الأنفِ! الجوهري: أنف من الشيء تأنف أنفاً: استنكف.

ص: 330

ولا تقولوا: اللَّه يشهد أنّ ما ندعيه حق، كما يقوله العاجز عن إقامة البينة على صحة دعواه وادعوا الشهداء من الناس الذين شهادتهم بينة تصحح بها الدعاوى عند الحكام. وهذا تعجيز لهم وبيان لانقطاعهم وانخذالهم. وأنّ الحجة قد بهرتهم ولم تبق لهم متشبثاً غير قولهم: اللَّه يشهد أنا صادقون. وقولهم هذا: تسجيل منهم على أنفسهم بتناهي العجز وسقوط القدرة. وعن بعض العرب أنه سئل عن نسبه فقال: قرشىّ والحمد للَّه. فقيل له: قولك «الحمد للَّه» في هذا المقام ريبة. أو ادعوا من دون اللَّه شهداءكم: يعنى أنّ اللَّه شاهدكم لأنه أقرب إليكم من حبل الوريد، وهو بينكم وبين أعناق رواحلكم. والجن والإنس شاهدوكم فادعوا كل من يشهدكم واستظهروا به من الجن والإنس إلا اللَّه تعالى، لأنه القادر وحده على أن يأتى بمثله دون كل شاهد من شهدائكم، فهو في معنى قوله:(قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ) الآية [الإسراء: 88].

[(نْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ)].

لما أرشدهم إلى الجهة التي منها يتعرّفون أمر النبي صلى الله عليه وسلم وعلى آله، ........

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (يعني أن الله شاهدكم) أي: حاضركم، وقوله:"لأنه أقرب إليكم" تعليل للتفسير أي: الشهيد بمعنى الحاضر، لقوله تعالى:(وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ)[ق: 16] ولقوله صلوات الله عليه: "وهو بينكم وبين أعناق رواحلكم" والحديث من رواية البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي موسى في حديث طويل: "اربعوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً، إنكم تدعون سميعاً بصيراً، وهو معكم، والذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته" وهو مثلٌ لقربِ القريب، الجوهري: اربع على نفسك: أي: ارفق بنفسك وكف.

قوله. (لما أرشدهم [الله] إلى الجهة) يعني بقوله (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا)[البقرة: 23] حيث أتى بـ"إن" في موضع الجزم لكون الكلام مع المرتابين، والغرض استدراجهم إلى

ص: 331

وما جاء به حتى يعثروا على حقيقته وسرّه وامتياز حقه من باطله. قال لهم فإذا لم تعارضوه ولم يتسهل لكم ما تبغون وبان لكم أنه معجوز عنه، فقد صرح الحق عن محضه ووجب التصديق فآمنوا وخافوا العذاب المعدّ لمن كذب. وفيه دليلان على إثبات النبوّة: صحة كون المتحدى به معجزاً، والإخبار بأنهم لن يفعلوا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أن يحزروا نفوسهم ويجربوا قواهم، فيعثروا على سرِّه وامتياز حقه، قال لهم: فإذا لم تعارضوه، أي: رتب على ذلك الإرشاد جملتين شرطيتين: أولاهما: محذوفة الجزاء، وثانيتهما: محذوفة الشرط لتكميل ذلك الإرشاد وتتميم التحقيق فيه.

بيانه: أن قوله: "فإذا لم تعارضوه، ولم يتسهل لكم ما تبتغون، وبان لكم أنه معجوز عنه" هو معنى قوله تعالى: (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا) وهو الشرط الأول، "فقد صرح الحق عن محضة ووجب التصديق" جزاءٌ لهذا الشرط المذكور. وقوله:((فآمنوا وخافوا العذاب)) هو معنى قوله: (فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) وهو جزاءُ شرطٍ مقدر، أي: إذا "صرح الحق عن محضه ووجب التصديق فآمنوا وخافوا العذاب". يدل على هذا المقدر تصريحه بعد بقوله: "إنهم إذا لم يأتوا بها، وتبين عجزهم عن المعارضة فقد صح عندهم صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا صح عندهم صدقه ثم لزموا العناد استوجبوا العذاب".

قوله: (صرح الحق عن محضة)، الجوهري: الصريح: اللبن الخالص، والمحض كذلك.

الأساس: لبن صريحٌ: ذهبت رغوته وخلص.

الميداني: صرح الحق عن محضه، أي: انكشف الأمر وظهر، وقال أبو عمرو: أي: انكشف الباطل واسبتان الحق فعرف.

قوله: (وفيه دليلان) أي: في قوله تعالى: (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا) الآية.

ص: 332

وهو غيب لا يعلمه إلا اللَّه. فان قلت: انتفاء إتيانهم بالسورة واجب، فهلا جيء بـ «إذا» الذي للوجوب دون «إن» الذي للشك. قلت: فيه وجهان: أحدهما: أن يساق القول معهم على حسب حسبانهم وطمعهم، وأن العجز عن المعارضة كان قبل التأمّل كالمشكوك فيه لديهم لاتكالهم على فصاحتهم واقتدارهم على الكلام.

والثاني: أن يتهكم بهم كما يقول الموصوف بالقوة الواثق من نفسه بالغلبة على من يقاويه: إن غلبتك لم أبق عليك وهو يعلم أنه غالبه ويتيقنه تهكما به. فإن قلت: لم عبر عن الإتيان بالفعل وأى فائدة في تركه إليه؟ قلت: لأنه فعل من الأفعال. تقول: أتيت فلانا، فيقال لك: نعم ما فعلت. والفائدة فيه: ........

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (على حسب حسبانهم) فإنهم كانوا يقولون: لو نشاء لقلنا مثل هذا.

قوله: (على من يقاويه) أي: يعارضه. قاويته فقويته، أي: غلبته.

الأساس:

وهم يتقاوون الفطيمة في الدم

وتقاوينا الدلو تقاوياً: إذا جمعوا شفاههم على شفتها فشرب كل واحدٍ ما أمكنه.

قوله: (لم أُبقِ عليك)، الجوهري: أبقيت على فلان: إذا أرعيت عليه ورحمته، يقال: لا أبقى الله عليك إن أبقيت علي.

قوله: (لأنه فعل من الأفعال)، الراغب: لفظ الفعل أعم معنىً من سائر أخواته نحو الصنع والإبداع والإحداث والخلق والكسب والعمل؛ لأن الإبداع أكثر ما يقال في إيجادٍ عن عدمٍ، وليس حقيقة ذلك إلا لله تعالى، والإحداث في إيجاد الأعيان والأعراض معاً، والعمل

ص: 333

أنه جار مجرى الكناية التي تعطيك اختصاراً ووجازة تغنيك عن طول المكنى عنه. ألا ترى أنّ الرجل يقول: ضربت زيداً في موضع كذا على صفة كذا، وشتمته ونكلت به، ويعد كيفيات وأفعالا، فتقول: بئسما فعلت. ولو ذكرت ما أنبته عنه، لطال عليك، وكذلك لو لم يعدل عن لفظ الإتيان إلى لفظ الفعل، لاستطيل أن يقال: فإن لم تأتوا بسورة من مثله.

ولن تأتوا بسورة من مثله. فإن قلت: (وَلَنْ تَفْعَلُوا) ما محلها؟ قلت: لا محل لها لأنها جملة اعتراضية. فإن قلت: ما حقيقة «لن» في باب النفي؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لا يقال إلا فيما كان عن فكر ورويةٍ، ولهذا قُرن بالعلم حتى قال بعض الأدباء: قُلِب لفظُ العمل عن لفظ العلم تنبيهاً أنه من مقتضاه. والصنع يقال في إيجاد الصورة في المواد كالصياغة والبناء، والخلق تقدير الأعراض الجسمانية وإيجادها، وقد يقال للتقدير من غير إيجادٍ، ولأن الخلق لا يستعمل إلا في إيجاد الأجسام وأعراضها امتُنِعَ من إطلاق الخلق على القرآن.

قوله: (جار مجرى الكناية) يريد بها الكناية اللغوية، وهي عدم التصريح بالشيء وتسميةُ الضمائر بها من هذا القبيل، ويمكن أن يحمل على الاصطلاحية: وهي أن يُنفى العام لينتفي الخاص. وهذا أبلغ لكن قوله: "جار مجرى الكناية" لا يساعد عليه؛ لأن ظاهره أن قوله: (وَلَنْ تَفْعَلُوا) أجري مجرى الضمير في أنه إذا تقدم أشياء يُجاء به أو باسم الإشارة فيعبر بهما عنها كقوله تعالى: (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئولاً)[الإسراء: 36].

قوله: (ونكلت به)، الجوهري: يقال: نكل به تنكيلاً: إذا جعله نكالاً وعِبرةً لغيره.

قوله: (جملة اعتراضية)، الكواشي: واوها استئنافية، ولا محلَّ لها من الإعراب، لأنها لم تقع موقع المفرد، ولا هي مستحقةٌ للإعراب في نفسها.

ص: 334

قلت: «لا» و «لن» أختان في نفى المستقبل، إلا أن في «لن» توكيداً وتشديداً. تقول لصاحبك: لا أقيم غداً، فإن أنكر عليك قلت: لن أقيم غداً، كما تفعل في: أنا مقيم، وإنى مقيم. وهي عند الخليل في إحدى الروايتين عنه

أصلها «لا أن» وعند الفراء «لا» أبدلت ألفها نونا. وعند سيبويه وإحدى الروايتين عن الخليل: حرف مقتضب لتأكيد نفى المستقبل. فإن قلت: من أين لك أنه إخبار بالغيب على ما هو به حتى يكون معجزة؟ قلت: لأنهم لو عارضوه بشيء لم يمتنع أن يتواصفه الناس ويتناقلوه؛

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (تقول لصاحبك: لا أُقيم غداً، فإن أنكر عليك قلت: لن أقيم غداً) مثاله في الإثبات قولك لخالي الذهن: أنا مقيمٌ غداً، فإذا تردد قلت: إني مقيم غداً، ثم إذا أنكر قلت: إني لمقيمٌ غداً.

قوله" (أصله: لا أن) قيل: حذفت همزة "أن" لكثرتها في الكلام، وذهبت الألف من "لا" في الدرج لاجتماع الساكنين فبقي اللام من "لا" والنون من "أن" فجُمِعا وقيل: لن، وقد جاء في الشعر على أصله:

يُرجى المرء ما لا أن يلاقي

وتعرض دون أقربه خطوب

المعنى: يُرجي المرء ما لن يلاقيه ولن يجده.

قوله: (مقتضب) أي: مرتجل، الأساس: ومن المجاز: اقتضب الكلام: ارتجله، واقتضب حديثه: انتزعه واقتطعه.

ص: 335

إذ خفاء مثله فيما عليه مبنى العادة محال، لا سيما والطاعنون فيه أكثف عدداً من الذابين عنه، فحين لم ينقل علم أنه إخبار بالغيب على ما هو به فكان معجزة. فإن قلت: ما معنى اشتراطه في اتقاء النار انتفاء إتيانهم بسورة من مثله؟ قلت: إنهم إذا لم يأتوا بها وتبين عجزهم عن المعارضة، صح عندهم صدق رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وإذا صح عندهم صدقه ثم لزموا العناد ولم ينقادوا ولم يشايعوا، استوجبوا العقاب بالنار،

.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (إذ خفاءُ مثله) الضمير راجعٌ إلى "شيء"، و"فيما عليه" ظرف "محال" أي: خفاء ما وهو على صفة ذلك الشي المعارض به من الخطر والفخامة محالٌ فيما جرت به العادة. هذا الجواب مبني على قاعدةٍ أصولية. أي: علم أنهم ما أتوا بمثله لأنهم لو أتوا به لتواتر بين العالمين لتوفر الدواعي على نقله، وحين لم ينقل علم عدم الإتيان، فكان الإخبار عنه إخباراً بالغيب. فيكون معجزةً.

قوله: (أكثف عدداً)، الأساس: كتف الشئ: كثر مع الالتفاف، وتكاثف عددهم.

قوله. (ما معنى اشتراطه في اتقاء النار انتفاء إتيانهم بسورة) أي: كيف يترتب على قوله: (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا) أي: إن لم تأتوا بسورةٍ من مثله. قوله: (فَاتَّقُوا النَّارَ) لأن عدم إتيانهم بمثله لا يصح أن يكون سبباً لاتقاء النار: لأنه تقرر أن الشرط سبب للجزاء ، على أن الكلام مع المرتابين وهم ينكرون النار فكيف يتقونها؟

وأجاب بأن "فاتقوا" ليس جوابا للشرط المذكور، بل هو منبئ عن شرط محذوفو كما أن اتقاء النار كناية عن ترك العناد، وإليه الإشارة بقوله:"وإذا صح عندهم صدقه، ثم لزموا العناد، استوجبوا العقاب" هذا السؤال والجواب يرد قول الزاعم أن قوله: (فَاتَّقُوا) - صريحا كان أو كناية- جواب لقوله: (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا)، بل جزاء لشرط محذوف يستدعيه قوله:(وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ)] البقرة: 23 [.

ص: 336

فقيل لهم: إن استبنتم العجز فاتركوا العناد فوضع (فَاتَّقُوا النَّارَ) موضعه؛ لأنّ اتقاء النار لصيقه وضميمه ترك العناد، من حيث أنه من نتائجه لأنّ من اتقى النار ترك المعاندة.

ونظيره أن يقول الملك لحشمه: إن أردتم الكرامة عندي فاحذروا سخطى. يريد: فأطيعونى واتبعوا أمرى، وافعلوا ما هو نتيجة حذر السخط. وهو من باب الكناية التي هي شعبة من شعب البلاغة. وفائدته الإيجاز الذي هو من حلية القرآن، وتهويل شأن العناد بإنابة اتقاء النار منابه وإبرازه في صورته، مشيعاً ذلك بتهويل

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (فقيل لهم: إن استبنتم) عطف على قوله "تبين عجزهم" إلى أخره، والفاء مثلها في قوله:(فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا)] البقرة: 54 [.

قول: (لأن اتقاء النار لصيقه وضميمه ترك العناد) ظاهره يوهم أنه من باب المجاز: لأنه مشعر بأن اتقاء النار ملزوم ترك العناد لقوله: "اتقاء النار لصيقه" أي: لازمه ترك العناد، ثم قوله بعد ذلك:"وهو من باب الكناية" بخلافه لكن الشرط في الكناية التساوي بين الملزوم واللازم فكان كل واحد ملزوم الآخر، ولهذا فسر "لصيقه" بقوله:"ضميمه"، ونحوه قولهم: رعينا الغيث. وأما الإمام فقد جعله من إقامة المؤثر مقام الأثر؛ لأن اتقاء النار سبب لترك العناد.

قوله: (فائدته الإيجار) لأن أصل المعنى إذا استبنتم العجز فاتركوا العناد الذي يستلزم تركه اتقاء النار: فأنيب (فَاتَّقُوا النَّارَ) مناب المذكور جميعاً، يدل عليه قوله:"يريد فأطيعوني واتبعوا أمري وافعلوا ما هو نتيجة حذر السخط" أي: المذكور جميعاً مرادٌ من قوله: "فاحذروا سخطي"، ولو لم يكن كناية بان كان مجازا لم يصح إرادة المجموع.

قوله: (وإبرازه في صورته مشيعاً) الضمير في "إبرازه" للعناد، وفي "صورته" لاتقاء النار "مشيعاً" حال من اتقاء النار، والعامل قوله:"إنابة"؛ يريد أن في إيثار الكناية على التصريح فائدتين أخريين:

ص: 337

صفة النار وتفظيع أمرها. والوقود: ما ترفع به النار. وأمّا المصدر فمضموم، وقد جاء فيه الفتح. قال سيبويه: وسمعنا من العرب من يقول: وقدت النار وقوداً عاليا. ثم قال: والوقود أكثر، والوقود الحطب. وقرأ عيسى بن عمر الهمدانىّ - بالضم - تسمية بالمصدر، كما يقال: فلان فخر قومه وزين بلده. ويجوز أن يكون مثل قولك: حياة المصباح السليط، أى ليست حياته إلا به فكأنّ نفس السليط حياته، .....

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إحداهما: تصوير معنى المكني عنه وأن العناد هو النار، والسامع عند ذكر النار يستحضر صورتها فيمتلئ قلبه رعباً وخوفاً، فإنك إذا أردت أن تقول: فلان جواد، قلت: فلان جبان الكلب، مهزولُ الفصيل، فصورت صفة الجود تصويراً بليغاً، فإن جبن الكلب يدل على مشاهدته وجوهاً إثر وجوه، وهي مشعرةٌ بكثرة تردد الضيفان، وهي بكونه مضيافاً، وهو بكونه جوداً.

وثانيتهما: التمكن من انضمام قوله: (وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) الآية إليه تتميماً لذلك التهويل والرعب وترتبه للتصوير.

قوله: (الهمداني) قال صاحب "الجامع": همدان بفتح الهاء وسكون الميم وبالدال المهملة: أبو قبيلةٍ واسمه أوشلة بن مالك بن زيدٍ بن ربيعة.

قوله: (فلان فخر قومه) أي: الذي يفتخر به قومه: كقولك: ضرب الأمير، أي: مضروبه.

قوله: (حياة المصباح السليط) ولا يبعد على هذا أن يكون من باب "رجلٌ عدلٌ"

ص: 338

فإن قلت: صلة «الذي» و «التي» يجب أن تكون قصة معلومة، للمخاطب، فكيف علم أولئك أن نار الآخرة توقد بالناس والحجارة؟ قلت: لا يمتنع أن يتقدّم لهم بذلك سماع من أهل الكتاب، أو سمعوه من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، أو سمعوا قبل هذه الآية قوله تعالى في سورة التحريم (ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ) فإن قلت: فلم جاءت النار الموصوفة بهذه الجملة منكرة في سورة التحريم، وهاهنا معرّفة؟ قلت: تلك الآية نزلت بمكة، فعرفوا منها ناراً موصوفة بهذه الصفة. ثم نزلت هذه بالمدينة مشاراً بها إلى ما عرفوه أوّلاً. فإن قلت: ما معنى قوله تعالى: وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ؟ قلت: معناه أنها نار ممتازة عن غيرها من النيران، بأنها لا تتقد إلا بالناس والحجارة، .....

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

والمعنى ليس وقود النار إلا الناس: لأن الناس بمنزلة الحطب، وعلى الأول يجوز أن يكون هناك وقود آخر.

قوله: (تلك الآية نزلت بمكة ثم نزلت هذه بالمدينة)، الانتصاف: يعني بآية سورة التحريم (قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا) لكني لم أقف على خلاف أن سورة التحريم مدنية، والقصة أنها شاهدة بصحة ذلك، والظاهر أن الزمخشري وهم في قوله: إنها مكية.

وقلت: يؤيده ما رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب العسل والحلواء، وكان إذا انصرف من العصر دخل على نسائه، فيدنو من إحداهن، فدخل على حفصة بنت عمر رضي الله عنهما" وساقوا الحديث إلى قوله: فنزل (لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ)] التحريم: 1 [، وكذلك قوله تعالى بعدها: (جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ) [التحريم: 9] وإنما نجم النفاق في المدينة.

ص: 339

وبأن غيرها إن أريد إحراق الناس بها أو إحماء الحجارة أو قدت أوّلا بوقود ثم طرح فيها ما يراد إحراقه أو إحماؤه، وتلك - أعاذنا اللَّه منها برحمته الواسعة - توقد بنفس ما يحرق ويحمى بالنار، وبأنها لإفراط حرّها وشدّة ذكائها إذا اتصلت بما لا تشتعل به نار، اشتعلت وارتفع لهبها. فإن قلت: أنار الجحيم كلها موقدة بالناس والحجارة، أم هي نيران شتى منها نار بهذه الصفة؟ قلت: بل هي نيران شتى، منها نار توقد بالناس والحجارة، يدل على ذلك تنكيرها في قوله تعالى:(قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً)[التحريم: 6]، (فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى) [الليل: 14]. ولعل لكفار الجن .......

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وفي "جامع الأصول": تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة بمكة في شوالٍ سنة عشر من النبوة، وأعرس بها بالمدينة في شوال سنة اثنتين من الهجرة، وتزوج حفصة في سنة ثلاث من الهجرة. قيل: لعل أن تكون هذه السورة مدنية، وهذه الآية وحدها مكية.

قلت: لا يجوز على مذهبه: لأنه قال فيما سبق: بلغنا بإسنادٍ صحيح أن كل شئ نزل فيه: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) فهو مكي، و (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا) فهو مدني، وهذه الآية مصدرة بـ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا) فهو منافٍ لما قيل، ومناقض لقوله، فحينئذٍ تعريف النار إما أن يكون لسماعهم إياها من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو من أهل الكتاب.

قوله: (وشدة ذكائها)، المغرب: أصل التركيب يدل على التمام ومنه: ذكاء السن بالمد لنهاية الشباب، وذكا النار بالقصر لتمام اشتعالها.

الجوهري: ذكت النار تذكو ذكًا مقصوراً، أي: اشتعلت.

وفي "الأساس": ذكت النار تذكو ذكاء، وأصابه ذكاء النار وذكا النار: بالمد والقصر.

قوله: (يدل على ذلك تنكيرها) أي: على أن نيران الآخرة نيران شتى. قيل: فيه نظر،

ص: 340

وشياطينهم ناراً وقودها الشياطين، كما أنّ لكفرة الإنس ناراً وقودها هم، جزاء لكل جنس بما يشاكله من العذاب. فإن قلت: لم قرن الناس بالحجارة وجعلت الحجارة معهم وقوداً. قلت: لأنهم قرنوا بها أنفسهم في الدنيا، حيث نحتوها أصناما وجعلوها للَّه أنداداً أو عبدوها من دونه: قال اللَّه تعالى: (إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ)[الأنبياء: 98]، وهذه الآية مفسرة لما نحن فيه. فقوله:(إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) في معنى الناس والحجارة، و (حَصَبُ جَهَنَّمَ) في معنى وقودها. ولما اعتقد الكفار في حجارتهم المعبودة من دون اللَّه أنها الشفعاء والشهداء الذين يستشفعون بهم ويستدفعون المضارّ عن أنفسهم بمكانهم، جعلها اللَّه عذابهم، فقرنهم بها محماة في نار جهنم، إبلاغا في إيلامهم، .......

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لأن التنكير في قوله: (قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا)] التحريم: 6 [لا يدل على تنوع نار الآخرة، وغايته أنه دل على تنوع النار مطلقاً، والجواب من وجهتين:

أحدهما: أن النار ناران: نارٌ لغوية وهي المتعارف] عليها [، ونار شرعية وهي نار الآخرة، فإذا توعد المكلف بالنار بادرت الشرعية، والتنكير يدل على نوعية تلك النار.

وثانيهما: أن التنويع بحسب من وعد بها، فإن من توعد بها في الآية هم المؤمنون، لقوله تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا) وفي الثانية الكافرون لقوله: (لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى* الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى)] الليل: 15 - 16 [. وأيضا دل هذا الحصر على الاختصاص.

قوله: (بمكانهم) متعلق بقوله: "يستدفعون" وهو مقابل لقوله: "يستشفعون بهم"، والمكان كناية عن مرتبتهم ومنزلتهم. وإنما قيد دفع المضرة به: لان الشافع إنما يدفع عن المشفوع بمكانته ومنزلته عند من يشفع له، أو كناية عن قوتهم وشوكتهم فيدفعون بها عنهم مضرة عدوهم.

قوله: (جعلها الله عذابهم فقرنهم بها محماة) الفاء فيه كما في قوله تعالى: (فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) للتعقيب والتفسير.

ص: 341

وإغراقاً في تحسيرهم، ونحوهم ما يفعله بالكانزين الذين جعلوا ذهبهم وفضتهم عدّة وذخيرة فشحوا بها ومنعوها من الحقوق، حيث يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم. وقيل: هي حجارة الكبريت، وهو تخصيص بغير دليل وذهاب عما هو المعنى الصحيح الواقع المشهود له بمعاني التنزيل (أُعِدَّتْ) هيئت لهم وجعلت عدّة لعذابهم. وقرأ عبد اللَّه، (أعتدت)، من العتاد بمعنى العُدة ......

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (في تحسيرهم) في نسخة الصمصام والمعزي: بالحاء المهملة، وفي بعض النسخ بالخاء المعجمة، والتخسير: الإهلاك، والتحسير: التلهف على الشيء الفائت.

قوله: (وقيل: هي حجارة الكبريت) روى محيي السنة عن ابن عباس وأكثر المفسرين ذلك. وقالوا: لأنها أكثر التهاباً، وهو دليل عظم النار. قال القاضي: إن صحت الرواية فلعل المراد أن الأحجار كلها لتلك كحجارة الكبريت لسائر النيران. وقيل: هذا ابلغ لأن الغرض تعظيم صفة هذه النار، والإيقاد بحجارة الكبريت لا يدل على قوة النار نفسها، أما لو حُمل على سائر الأحجار على أنها توقد إيقاد حجارة الكبريت بلغ النهاية، وفيه أن تلك النار تعلقت في أول أمرها بالحجارة التي طبعها إطفاء النار تعلق النار بالكبريت.

قوله: (المشهود له) أي: الذي استشهد له من التنزيل، وهو قوله:(إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ)] الأنبياء: 98 [، ولا دليل لهم من التنزيل ولا من غيرها على إرادة حجارة الكبريت، وهو المراد بقوله:"تخصيص بغي دليل".

قوله: (من العتاد بمعنى العدة)، الجوهري: العتاد: العدة، يقال: أخذ للأمر عدته وعتاده، أي: أهبته وآلته. وقال: أعده لأمر كذا، أي: هيأه له.

والاستعداد للأمر: التهيؤ له. والأول من. عتد، والثاني من: عدد.

ص: 342

[(وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ)].

من عادته عز وعلا في كتابه أن يذكر الترغيب مع الترهيب، ويشفع البشارة بالإنذار إرادة التنشيط، لاكتساب ما يزلف؛ والتثبيط عن اقتراف ما يتلف. فلما ذكر الكفار وأعمالهم وأوعدهم بالعقاب، قفاه ببشارة عباده الذين جمعوا بين التصديق والأعمال الصالحة من فعل الطاعات وترك المعاصي، وحموها من الإحباط بالكفر والكبائر بالثواب.

فإن قلت: من المأمور بقوله تعالى: (وَبَشِّرِ)؟ قلت: يجوز أن يكون رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وأن يكون كل أحد

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (والتثبيط) يقال: ثبطه عن الأمر تثبيطا: شغله عنه.

قوله: (وحموها من الإحباط بالكفر والكبائر) قال الإمام: القول بالإحباط باطل؛ لأن من أتى بالإيمان والأعمال الصالحة استحق الثواب الدائم، فإذا أتى بعده بالكفر استحق العقاب الدائم، ثم لا يخلو من أن يوجدا معاً، وهو محال، أو أن يندفعا، وليس زوال الباقي لطريان الطارئ أولى من اندفاع الطارئ لقيام الباقي، فيبطل القول بالإحباط، وعند هذا تعين أن يقال: إن العبد لا يستحق على الطاعة ثوابا ولا على المعصية عقاباً استحقاقاً عقلياً واجبا، وهو قول أهل السنة واختيارنا، وبه يحصل الخلاص من ظلمات هذه الورطة.

قوله: (بالثواب) هو متعلق بقوله: "ببشارة عباده".

ص: 343

كما قال عليه الصلاة والسلام «بشر المشاءين إلى المساجد في الظلم بالنور التام يوم القيامة لم يأمر بذلك واحداً بعينه. وإنما كل أحد مأمور به، وهذا الوجه أحسن وأجزل لأنه يؤذن بأن الأمر لعظمه وفخامة شأنه محقوق بأن يبشر به كل من قدر على البشارة به. فإن قلت: علام عطف هذا الأمر ولم يسبق أمر ولا نهى يصح عطفه عليه؟

قلت: ليس الذي اعتمد بالعطف هو الأمر حتى يطلب له مشاكل من أمر أو نهى يعطف عليه إنما المعتمد بالعطف هو جملة وصف ثواب المؤمنين، فهي معطوفة على جمة وصف عقاب الكافرين، كما تقول: زيد يعاقب بالقيد والإرهاق، وبشر عمراً بالعفو والإطلاق.

ولك أن تقول: هو معطوف على قوله: (فَاتَّقُوا) كما تقول

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (بشر المشائين إلى المساجد) الحديث اخرجه أبو داود والترمذي.

قوله: (ليس الذي اعتمد بالعطف هو الأمر) يعني إذا حصلت الجهة الجامعة وقوي شأنها بين المعطوف والمعطوف عليه كما وجدت في هاتين الآيتين وهي شبه التضاد لا يبالي بالاختلاف من حيثية الخبري والطلبي في أجزائهما فإن ذلك إنما يعتبر عند عطف المفرد على المفرد، وأما في العطف الجملي، فيجوز ذلك بالتأويل. هذا تلخيص كلامه، مع أن ظاهر قوله:"هو جملة وصف ثواب المؤمنين" يوهم بتأويل الطلبي بالخبري وليس بذلك؛ لأن الواجب في الموضعين العكس، فإن قوله تعالى (الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)] الجاثية: 28 [قوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا) مجملان واردان على الخطاب فوجب تأويل التفصيل بما يناسبهما من الأمر وجعل الخبري في تأويل الطلبي.

قوله: (ولك أن تقول: هو معطوف على قوله: (فَاتَّقُوا)) قال الخطيب في

ص: 344

يا بني تميم احذروا عقوبة ما جنيتم، وبشر يا فلان بنى أسد بإحساني إليهم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

"الإيضاح" بعد أن نقل كلام المصنف: هذا كلامه، وفيه نظرٌ لا يخفى على المتأمل. ثم كتب في الحواشي: لأن قوله: (فَاتَّقُوا) جزاءٌ وما بعده في حكمه، فلهذا امتنع.

قلت: هذا سؤال اتفق الناس على وروده، وقدر صاحب "المفتاح":"قُل" قبل (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) ليكون معطوفاً عليه هرباً من هذا. والجواب عنه: أن كل هذا توهم؛ لأن المصنف لم يجعل قوله: (فَاتَّقُوا) جواباً لقوله: (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا) حتى يلزم المحذور، وإنما جعله جزاء لشرط محذوف كما قررناه وحققنا القول فيه في قوله: "ولما أرشدهم إلى الجهة التي منها يتعرفون أمر النبي صلى الله عليه وسلم، ولا بد من ذلك التقدير لتتم الملازمة: لأن قوله: (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا)] البقرة: 23 [يستدعي ذلك؛ لأن المقصود منه إزالة الريب وإثبات صحة ما ادعاه كأنه قيل: وإن كنتم في شك من صحة نبوته وصدق قوله: إن القرآن منزل عليه من عند الله، فأتوا بسورة من مثله، فإن لم تقدروا على ذلك، وأنتم فرسان البلاغة، فقد صح صدقه، وإذا صح صدقه المعاند النار، وبشر يا محمد المصدق بالجنة.

ثم إني بعد برهة من الزمان عثرت على تحقيق هذا المقام من جانب الإمام القاضي ناصر الدين تغمده الله برضوانه قال: " (وَبَشِّرِ) عطف على (فَاتَّقُوا) لأنهم إذا لم يأتوا بما يعارضه بعد التحدي ظهر إعجازه، وإذا ظهر ذلك فمن كفر به استوجب العقاب، ومن آمن به استحق الثواب، وذلك يستدعي أن يخوف هؤلاء ويبشر هؤلاء.

ثم على هذا التقدير يشتمل العطف على جهات من الحسن والمزايا منها: قرب المعطوف

ص: 345

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

من المعطوف عليه، ومنها رعاية الجهة الجامعة الوهمية بين (بَشِّرِ) و (اتَّقُوا) لأنه في معنى أنذروا العقلية لاتفاقهما في المسببية، ومنها: اجتماع ثلاث مقابلات، ومنها حذف العجز من الشطر الأول والصدر من الثاني المؤذن بالإيجاز الذي هو حلية القرآن.

وأما عدم اتحاد المسند إليه في (فَاتَّقُوا) و (بَشِّرِ) فمضمحل نظراً إلى هذه الوجوه، على أن الاتحاد حاصل كما قررناه.

هذا وإن الوجه الأول أقضى لحق البلاغة وأدعى لتلاؤم النظم، لأن قوله:(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ) خطابٌ عام يشمل الفريقين: الموافق والمعاند كما سبق، وأن قوله:(وَإِنْ كُنْتُمْ) إلى آخره قوله: (وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) تفصيله، فقوله:(وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ) إلى قوله: (أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) مختص بالفريق المخالف ومضمونة الإنذار، إن قوله:(وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) مختص بالفريق الموافق، ومضمونه البشارة، كأنه تعالى أوحي إلى حبيبه صلوات الله عليه أن يدعو الناس قاطبة إلى عبادة الله ويرشدهم إلى معرفته، ثم امره ان ينذر من أبي وعاند، ويبشر من آب وعبد، وهذا هو المعتمد، ولهذا قال في الوجه الأول:"إنما المعتمد في العطف هو جملة وصف ثواب المؤمنين" وقال في الوجه الثاني: "ولك أن تقول: هو معطوف على قوله: فاتقوا"، ويعضده قول الشيخ صاحب "الفرائد": هو معطوف على الخبر الذي قبله: لأنه مشتمل على معنى الأمر، كأنه قيل: وأنذر وبشر. ويوافقه ما ذهب إليه صاحب "المفتاح" في قوله تعالى (وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)] يس: 54 [قال. غنه خطاب عام لأهل المحشر، ومن قوله: " إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ"] يس: 55 [إلى قوله: (وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ)] يس: 59 [تفصيل لما أجمله، وأن التقدير: إن أصحاب الجنة منكم يا أهل المحشر، ومآله إلى معنى: فليمتازوا عنكم يا أهل المحشر إلى الجنة حتى يصح عطف (وَامْتَازُوا الْيَوْمَ) على قوله: (إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ).

ص: 346

وفي قراءة زيد بن علي رضي الله عنه: (وَبَشِّرِ) على لفظ المبنىّ للمفعول عطفاً على: (أُعِدَّتْ). والبشارة: الإخبار مما يظهر سرور المخبر به. ومن ثم قال العلماء: إذا قال لعبيده: أيكم بشرنى بقدوم فلان فهو حرّ، فبشروه فرادى، عتق أوّلهم، لأنه هو الذي أظهر سروره بخبره دون الباقين. ولو قال مكان «بشرنى» «أخبرنى» عتقوا جميعاً، لأنهم جميعاً أخبروه. ومنه: البشرة لظاهر الجلد. وتباشير الصبح: ما ظهر من أوائل ضوئه. وأما (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ)[آل عمران: 21]: فمن العكس في الكلام الذي يقصد به الاستهزاء الزائد

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (عطفاً على (أُعِدَّتْ)) فعلى هذا يدخل في حيز الصلة، ويكون بشارة للمؤمنين عن الخلاص عنها من جملة تنكيل الكافرين، فيجتمع لهم التعذيب مع التنوير كما قال في آخر "النساء":"إن الإحسان إلى العدو مما يغم العدو".

قوله: (والبشارة: الإخبار بما يظهر سرور المخبر به)، الراغب: بشرت الرجل وأبشرته: أخبرته بسار يبسط بشرة وجهه، وذلك ان النفس إذا سرت انتشر الدم انتشار الماء في الشجرة. وبين هذه الألفاظ فروق، فإن بشرته بالتخفيف عام، وأبشرته نحو أحمدته، وبشرته على التكثير، واستبشر إذا وجد ما يبشره من الفرح، قال تعالى:(وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ)] آل عمران: 170 [.

قوله: (وأما (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) فمن العكس) أي: من الاستعارة التهكمية؛ استعار البشارة للنذارة بواسطة اشتراك الضدين من حيث اتصاف كل بمضادة صاحبتها، فنزلت البشارة منزلة النذارة، ثم يل على التبعية: فبشرهم بدل فأنذرهم.

ص: 347

في غيظ المستهزأ به وتألمه واغتمامه، كما يقول الرجل لعدوّه: أبشر بقتل ذرّيتك ونهب مالك. ومنه قوله:

فَأعْتَبُوا بِالصَّيْلَمِ

والصالحة نحو الحسنة في جريها مجرى الاسم. قال الحطيتة:

كيْفَ الهِجَاءُ وما تَنْفَكُّ صَالِحَةٌ

مِنْ آلِ لَامٍ بظهْرِ الغَيْبِ تَاتِينِي.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (فأعتبوا بالصيلم) أوله:

غضبت تميم ان تقتل عامرٌ

يوم النسار فأعتبوا الصيلم

اسم الشاعر: بشر بن أبي خازم.

يوم النسار: وقعة كانت لبني أسدٍ وذُبيان على بني جشم بن معاوية، والنسار ماءٌ لبني عامر.

فأعتبوا، أي: أزيل العتب، كأشكى في إزالة الشكوى. والصيلم: الداهية والسيف أيضاً.

قوله: (كيف الهجاء) البيت، الحطيئة بالهمز: الرجل القصير، وسمي الحطيئة لدمامته وقصره. واللام أيضاً مهموزة. الباء في "بظهر الغيب" للحال، أي: ملتبساً بظهر الغيب، أي. غائبين، والظهر مقحم لتأكيد معنى الغيب كما ورد في الحديث:"أفضل الصداقة ما كان عن ظهر غنى".

"تأتيني": خبر "ما تنفك"، أي. ما يزال.

ص: 348

والصالحات: كل ما استقام من الأعمال بدليل العقل والكتاب والسنة، واللام للجنس. فإن قلت: أى فرق بين لام الجنس داخلة على المفرد، وبينها داخلة على المجموع؟ قلت: إذا دخلت

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قال صاحب "كامل التاريخ": وكان من سبب قول الحُطيئة: أن النعمان دعا بحلةٍ من حُلل الملوك وقال للوفود وفيهم أوس بن حارثة بن لأم الطائي: احضروا في غد، فإني مُلبسٌ هذه الحُلة أكرمكم، فلما كان الغد حضروا إلا أوساً فقيل له، فقال: إن كان المراد غيري فأجمل الأشياء بي أن لا أحضر، إن كنت المراد فسأطلب، فلما جلس النعمان ولم ير أوساً، فطلب وقيل: احضر آمنا مما خفت، فحضر وألبس الحلة، فحسده قوم من أهله وقالوا للحطيئة: اهجه ولك ثلاث مئة ناقة فقال. كيف الهجاء .... البيت.

قوله: (والصالحات: كل ما استقام من العمال بجليل العقل والكتاب والسنة)، قال القاضي: الصالحات من الأعمال ما سوغه الشرع وحسنه، والتأنيث على تأويل الخصلة أو الخلة، واللام فيها للجنس، وعطف العمل على الإيمان مرتبا للحكم عليها إشعاراً بأن السبب في استحقاق هذه البشارة مجموع الأمرين، فإن الإيمان المعبر بالتصديق أسٌّ، والعمل الصالح كالبناء عليه، ولا غناء بأس لا بناء عليه، ولذلك قلما ذُكرا مفردين، وفيه دليلٌ على أنها خارجةٌ عن مسمى الإيمان، إذ الأصلُ ان الشئ لا يعطف على نفسه وما هو داخل فيه.

ص: 349

على المفرد كان صالحا لأن يراد به الجنس إلى أن يحاط به، وأن يراد به بعضه إلى الواحد منه، وإذا دخلت على المجموع صلح أن يراد به جميع الجنس، وأن يراد به بعضه لا إلى الواحد منه لأن وزانه في تناول الجمعية في الجنس وزان المفرد في تناول الجنسية،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الراغب: قيل ما ذكر الله تعالى الإيمان إلا قرن به الأعمال الصالحة؛ تبينها على أن الاعتقاد لا يغني من دون العمل، فالعلم أس والعمل بناء، ولا غناء للأسِّ ما لم يكن بناءٌ، كما لا بناء ما لم يكن له أسٌّ، ولذلك قيل: لولا العمل لم يطلب العلم، ولولا العلم لم يكن عمل، فإذن حقهما أن يتلازما.

قلت: مذهب السلف الصالح والصحابة بخلافه كما نص في "شرح السنة". وأما قوله: لا يعطف على الشئ ما هو داخل فيه، فمنقوص بقوله:"وملائكته وجبريل"، وفائدته: الإيذان بان الأعمال الصالحة أنفع الأجزاء وبها كما لها (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ)] فاطر: 10 [أو أن أصل الكلام. وبشر المؤمنين، كما في قوله: (نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ)] الصف: 13 [فجيء بأبسط تعريضاً بالكافرين الذين عاندوا بعد ظهور الحق وهو عجزهم عن المعارضة، ونحوه تعبيرك عن المتقي العارف بقولك: الذي يؤمن ويصلى ويزكي، أي: يفعل الواجبات ويجتنب عن الفواحش.

قوله: (صالحاً لا يراد به الجنس) اعلم: ان تعريف الجنس عنده بمنزلة المطلق، أي: اللفظ الشائع على جنسه، فكما أن المطلق يصح حمله على الحقيقة من حيث هي هي، وعلى بعض

ص: 350

والجمعية في جمل الجنس لا في وحدانه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الحقيقة، وعلى كل بحسب التقييد وعدمه، كذلك هذا التعريف يدل عليه قوله:"صالحاً لأن يراد به الجنس، وأن يراد به بعضه"، وتصريحه في قوله:(وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ)[البقرة: 228]: اللفظ مطلق في تناول الجنس صالح لكله وبعضه، فجاء في أحد ما يصلح له كالاسم المشترك. فقوله:"صالحاً لأن يراد به الجنس إلى أن يحاط به" تقرير لبيان الاستغراق؛ لأن "إلى" لانتهاء الغاية فلا بد من الابتداء. يعني: إذا دخلت على المفرد وقصد الاستغراق تناول َفرداً فرداً من الحقيقة إلى أن يستغرقها إذا لم تنتهض قرينةٌ لإرادة البعض، وأما إذا انتهضت القرينة حمل على بعض تلك الحقيقية بحسب الإقتضاء إلى أن يحمل على الواحد منها، وكذا إذا دخلت على المجموع، لكن يفترق الحكم بحسب الاعتبار؛ لأن المجموع إذا أريد به الشمول والاستغراق كالمفرد لا يكون حقيقة فيه بل مجازاً؛ إطلاقاً للجمع على الجنس، قال البزدوي: قولك: والله لا أتزوج النساء، ولا أكلم العبيد وبني آدم، إنَّ ذلك يقع على الأقل ويحتمل الكل؛ لأن هذا جمعٌ صار مجازاً عن اسم الجنس، وبقي معنى الجمع من وجهٍ في الجنس، فكان الجنس أولى. تم كلامه.

وإذا أريد بالمجموع البعض ينتهي المراد إلى أقل ما يطلق عليه اسم الجمع، فعلى هذا اللفظ المجموع المستغرق للجنس بحسب الجموع وحدانه الجموع، فلا يدخل تحته إلا ما فيه

ص: 351

فإن قلت: فما المراد بهذا المجموع مع اللام؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الجنسية من الجموع، فلا يبعد على هذا أن يكون حقيقة كالمفرد، فقوله:"وزانه في تناول الجمعية في الجنس" معناه ما يعتبر فيه معني الجموع في الجنس، وذلك أن الجنس من حيث هو هو لا متعدد ولا لا متعدد لكن يتحقق مع كل منهما، فتحققه مع المتعدد يكون تارة باعتبار الأفراد وأخرى باعتبار الجموع. والحاصل: أن وزان اللفظ المجموع المحلى باللام في تناوله الجمعية في الجنس وزان المفرد في تناوله الجنسية، فكما يصح أن يطلق المفرد ويراد به جميع ما فيه الجنسية بحسب أفراده، وأن يراد بعض ما فيه الجنسية، كذا يصح أن يطلق الجمع ويراد به جميع ما فيه الجمعية في الجنس وأن يراد بعض ذلك. فإذن لا يدخل في هذا الاعتبار الواحد، إذ الجمعية في جمل الجنس لا في وحدانه، فعلى هذا ينبغي أن يقدر بعد قوله:"صلح أن يراد به جميع الجنس لا إلى الواحد" بقرينة المذكور حتى يصح التعليل بقوله: "لأن وزانه" إلى آخره، وينطبق عليه قول صاحب"المفتاح": الاستغراق في المفرد أشمل منه في الجمع، ويؤيده قول ابن عباس في قوله تعالى:(آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ)[البقرة: 285]: إن كتابه أكثر من كتبه.

قوله: (فما المراد بهذا المجموع) الفاء مسبب عن المقدم ذكره، أي: إذا كانت اللام داخلة على المجموع ويصلح أن يراد جميع الجنس وأن يراد بعضه فما المراد بقوله: "وعملوا الصالحات"؟ إن كان جميع الجنس، فليس ذلك من وسع المكلف، وإن كان البعض فما المخصص، أي: المقيد؟

وأجاب: إن المخصص على حسب حال المؤمن في مواجب التكليف، فمن ليس له مال فلا تجب عليه الزكاة، ومن لم يكن له استطاعة لم يجب عليه الحج، وكذا المسافر والمريض والصبي والمجنون علي هذا.

ص: 352

قلت: الجملة من الأعمال الصحيحة المستقيمة في الدين على حسب حال المؤمن في مواجب التكليف. والجنة: البستان من النخل والشجر المتكاثف المظلل بالتفاف أغصانه. قال زهير:

تَسقِى جَنَّةً سُحُقَا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (الجملة من الأعمال الصحيحة المستقيمة في الدين) فالأعمال كالجنس تشمل الصحيحة وغيرها، والصحيحة إلى آخره كالفصل، وبالصحيحة خرجت الفاسدة سواء كانت في الدين أم لا، وبالمستقيمة خرجت من الأعمال الصحيحة ما لا تعلق لها بالدين.

قوله: (في مواجب التكليف) أي: مساقطه، المغرب: الوجوب: اللزوم، يقلب: وجب البيع، ويقال: أوجب الرجل: إذا عمل ما تجب به الجنة أو النار. ويقال للحسنة والسيئة: موجبة، والوجبة: السقوط، يقال: وجب الحائط.

عن مسلم عن جابر قال: سأل أعرابي النبي صلى الله عليه وسلم: ما الموجبتان؟ قال: "من مات لا يشرك به شيئا دخل الجنة، ومن مات يشرك به دخل النار".

قوله: (تسقي) تمامه.

كأن عيني في غربي مقتلة

من النواضح تسقي جنة سحقا

"في غربي"خبر كأن، رجل مقتل: مجرب، والمقتلة: الناقة المرناطة المذللة. والغربان:

ص: 353

أي نخلاً طوالاً. والتركيب دائر على معنى الستر، وكأنها لتكاثفها وتظليلها سميت بالجنة التي هي المرّة، من مصدر جنه إذا ستره، كأنها سترة واحدة لفرط التفافها. وسميت دار الثواب «جنة» لما فيها من الجنان. فإن قلت: الجنة مخلوقة أم لا؟ قلت: قد اختلف في ذلك. والذي يقول إنها مخلوقة يستدل بسكنى آدم وحواء الجنة وبمجيئها في القرآن على نهج الأسماء الغالبة اللاحقة بالأعلام؛

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الدلوان الضخمان. والناضج: البعير يُستقى عليه. وتخصيص النواضح والمقتلة لأنها تخرج الدلو ملآن بخلاف الصعبة فإنها تنفر فيسيل الماء من نواحي الغرب فلا يبقى منه إلا صبابة. والسحوق من النخيل الطويلة والجمع سحق، وأراد بالجنة النخل؛ لأنها أحوج إلى الماء، والطوال منها أكثر احتياجاً من القصار، وفي قوله:"في غربي" تجريدية.

قوله: (سميت بالجنة) أي: سميت الجنة وهي البستان (بالجنة التي هي المرة من مصدر جنة) لما بينهما من مناسبة السترة الواحدة؛ وذلك أن البستان إذا كبرت أشجارها وتقاربت أغصانها والتفت بعضها ببعض صارت كأنها سترة واحدة.

قوله: (لما فيها من الجنان) تعليل للتسمية، يعني سميت دار الثواب بالجنة وإن كانت مشتملة على أنواع من النعم سوى الأشجار المتكاثفة لكثرة جنانها، كما أن دار العقاب سميت بالنار لكونها أعظم أنواع العقاب، أو روعيت في هذه التسمية تلك السترة الواحدة أيضاً، فإن دار الثواب سميت بالجنة التي هي المرة من مصدر "جَنَّه" لجنانها المتلاصقة المتباينة من غير فرج، فصيرت كأنها سترة واحدة.

قوله: (على نهج الأسماء الغالبة) وذلك: أن الجنة كانت تطلق على كل بستان متكاثفٍ

ص: 354

كالنبي والرسول والكتاب ونحوها. فان قلت: ما معنى جمع الجنة وتنكيرها؟ قلت: الجنة اسم لدار الثواب كلها، وهي مشتملة على جنان كثيرة مرتبة مراتب على حسب استحقاقات العاملين، لكل طبقة منهم جنات من تلك الجنان

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أغصان أشجارها، ثم غلبت على دار الثواب. وإنما قال:"اللاحقة بالأعلام" لكونها غير لازمة اللام. وتحقيق القول: أنها منقولة شرعية على سبيل التغليب، وإنما تغلب إذا كانت موجودة معهودة كالأسماء الغالبة، كذلك اسم النار منقولة لدار العقاب على سبيل الغلبة، وإن اشتملت على الزمهرير والمهل والضريع وغير ذلك، ولولا ذلك لما كان يغني عن المذكورات طلب الوقاية عن مطلق النار.

قوله: (كالنبي والرسول والكتاب) أي: القرآن، يعني في عرف الشرع لا العرف العام بدليل قوله:"وبمجيئها في القرآن على نهج الأسماء الغالبة".

قوله: (الجنة) أي: الجنة اسمٌ لدار الثواب كلها كما سبق أنها سترة واحدة فجئ بها مجموعة ليدل على تعددها، ومنكرة ليدل على تنوعها واختلافها، لأن كل عدد من تلك الأعداد لجماعة، فتختلف الجنان بحسب اختلاف استحقاق ساكنيها.

قوله: "مراتب" منصوبة على المصدرية من مرتبة. قال القاضي: الجنان على ما ذكره ابن عباس سبع: الفردوس، والعدان، والنعيم، ودار الخلد، وجنة المأوى، ودار السلام، وعليون، في كل واحدة منها مراتب ودرجات متفاوتة علي حسب تفاوت الأعمال والعمال، لا لذاته، فإنه لا يكافئ النعم السابقة، فضلا من أن يقتضي ثوابا وجزاء فيما يستقبل، بل بجعل

ص: 355

فإن قلت: أما يشترط في استحقاق الثواب بالإيمان والعمل الصالح أن لا يحبطهما المكلف بالكفر والإقدام على الكبائر وأن لا يندم على ما أوجده من فعل الطاعة وترك المعصية؟ فهلا شرط ذلك؟ قلت: لما جعل الثواب مستحقا بالإيمان والعمل الصالح، والبشارة مختصة بمن يتولاهما، وركز في العقول أن الإحسان إنما يستحق فاعله عليه المثوبة والثناء، إذا لم يتعقبه بما يفسده ويذهب بحسنه، وأنه لا يبقى مع وجود مفسده إحساناً، وأعلم بقوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم وهو أكرم الناس عليه وأعزهم:(لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ)[الزمر: 65]، وقال تعالى المؤمنين:(وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ)[الحجرات: 2] كان اشتراط حفظهما من الإحباط والندم كالداخل تحت الذكر. فان قلت: كيف صورة جرى الأنهار من تحتها؟ قلت: كما ترى الأشجار النابتة على شواطئ الأنهار الجارية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الشارع ومقتضى وعده، ولا على الإطلاق، بل بشرط أن يستمر عليه حتى يموت وهو مؤمن لقوله تعالى:(وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ)[البقرة: 217] وقوله تعالى لنبيه صلوات الله عليه: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ)[الزمر: 65] ونحوهما، ولعله تعالى لم يقيدها هنا استغناءً بها.

قوله: (كما ترى الأشجار النابتة) هذا تشبيه صورة ما لم يعرف ولم يشاهد بصورة ما تعورف وشوهد، وإلا فأين المشبه به أن يكون من المشبه! قال صاحب "المفتاح": كما إذ قيل لك: ما لون عمامتك؟ قلت: كلون هذه، وأشرت إلى عمامة لديك.

والشرط في المشبه به أن يكون أعرف من المشبه وإن لم يكن أقوي منه في الوجه، وعليه قوله:(وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا).

ص: 356

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فإن قلت: جوابه غير مطابق للسؤال؛ سأل عن كيفية جرى الأنهار تحت الأشجار وأجاب عن الأشجار النابتة على شواطئ الأنهار.

قلت: في السؤال والجواب اختصار، وتحريره أن يقال: إن قوله تعالى: (جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ)[البقرة: 25]"من" فيه لابتداء الغاية، وذلك يقتضي أن يكون ابتداء الجري من تحت أشجار الجنات وأصولها، وهذا على غير ما هو عليه المشاهد.

وأجاب بجوابين:

أحدهما: أن "تحتها" صفة موصوف محذوف، والمعنى: جنات تجري الأنهار من مكان كائن تحت الأشجار كما تري الأشجار النابتة على شواطئ الأنهار.

وثانيهما: أنه لا يبعد ذلك، لأن أوصاف الجنة على خلاف المشاهد كما روى عن مسروق: أن أنهار الجنة تجري في غير أخدود. وقد ذكر الوجهين في تفسير قوله تعالى: (تَحْتَكِ سَرِيًّا)[مريم: 24] وقال: في أحد الوجهين قيل: تحتها أسفل من مكانها كقوله: (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ)[البقرة: 25].

ص: 357

وعن مسروق: أن أنهار الجنة تجرى في غير أخدود. وأنزه البساتين وأكرمها منظراً ما كانت أشجاره مظللة، والأنهار في خلالها مطردة. ولولا أن الماء الجاري من النعمة العظمى واللذة الكبرى، وأن الجنان والرياض وإن كانت آنق شيء وأحسنه لا تروق النواظر ولا تبهج الأنفس ولا تجلب الأريحية والنشاط، حتى يجرى فيها الماء، وإلا كان الأنس الأعظم فائتا، والسرور الأوفر مفقوداً، وكانت كتماثيل لا أرواح فيها، وصور لا حياة لها، لما جاء اللَّه تعالى بذكر الجنات مشفوعا بذكر الأنهار الجارية من تحتها مسوقين على قرن واحد كالشيئين لا بد لأحدهما من صاحبه، ولما قدّمه على سائر نعوتها. والنهر: المجرى الواسع فوق الجدول ودون البحر. يقال لبردى:

نهر دمشق، وللنيل: نهر مصر. واللغة العالية «النهر» بفتح الهاء. ومدار التركيب على السعة، وإسناد الجري إلى الأنهار من الإسناد المجازى كقولهم: بنو فلان يطؤهم الطريق، .......

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (من غير أخدود)، الجوهري: هو شق في الأرض مستطيل.

قوله: (لما جاء الله) جواب "لولا".

قوله: (مشفوعاً) صح بغير إلا عن المعزى.

قوله: (واللغة العالية)، المغرب: العالية ما فوق نجد وتهامة. وقيل: العالية: الفصيحة التي كثر استعمالها في كلام الفحصاء.

الأساس: هذا شعرٌ علوي، أي: عالي الطبقة.

قوله: (يطؤهم الطريق) أي: يقصدهم العفاة، وهو كناية عن وجودهم، والإسناد مجازي على نحو: طريق سائر: لأنه لما كثر في الطريق وطء العفاة كأنها هي التي تطؤهم.

ص: 358

وصيد: عليه يومان. فإن قلت: لم نكرت الجنات وعرّفت الأنهار. قلت: أما تنكير الجنات فقد ذكر. وأما تعريف الأنهار فأن يراد الجنس، كما تقول: لفلان بستان فيه الماء الجاري والتين والعنب وألوان الفواكه، تشير إلى الأجناس التي في علم المخاطب. أو يراد أنهارها، فعوّض التعريف باللام من تعريف الإضافة كقوله:(وَاشْتَعَلَ الرَّاسُ شَيْباً)[مريم: 4]؛ أو يشار باللام إلى الأنهار المذكورة في قوله: (فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ، وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ) - الآية [محمد: 15]. وقوله (كُلَّما رُزِقُوا) لا يخلو من أن يكون صفة ثانية لجنات، أو خبر مبتدأ محذوف، أو جملة مستأنفة؛

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وصيد عليه يومان) أصله صيد الوحوش على الفرس مدة يومين، أسند الفعل إلى الظرف على المجاز.

قوله: (وأما تنكير الجنات فقد ذكر) أنها نكرت ليدل على تنوعها واختلافها بحسب استحقاق ساكنيها، وأما تعريف الأنهار فقد ذكر في فائدتها وجوها ثلاثة:

أحدها: أن المراد بالتعريف الجنس؛ ليشير بها إلى ما هو حاضر في ذهن المخاطب. وأنت تعلم أن الشيء لا يكون حاضراً في الذهن إلا أن يكون عظيم الخطر معقودا به الهمم، أي: تلك الأنهار التي عرفت أنها النعمة العظمي واللذة الكبرى، فإن الرياض وإن كانت آنق شيء لا تبهج النفس حتى تكون بها الأنهار كما سبق.

وثانيها: أن ينبه على أن هذه الأنهار المتعددة لتلك الجنان المتنوعة بحسب التوزيع كقولهم: ركبوا خيولهم.

وثالثها: ليعلم أن هناك أنهارا معهودة بين المخاطب والمخاطب. والمراد إحضارها فلا بد من الإشارة إليها.

ص: 359

لأنه لما قيل: (أن لهم جناتٍ)؛ لم يخل خلد السامع أن يقع فيه أثمار تلك الجنات أشباه ثمار جنات الدنيا، أم أجناس أخر لا تشابه هذه الأجناس؟ فقيل إنّ ثمارها أشباه ثمار جنات الدنيا، أى أجناسها أجناسها وإن تفاوتت إلى غاية لا يعلمها إلا اللَّه. فان قلت: ما موقع مِنْ ثَمَرَةٍ؟ قلت: هو كقولك: كلما أكلت من بستانك من الرمان شيئا حمدتك. فموقع (مِنْ ثَمَرَةٍ) موقع قولك من الرمان، كأنه قيل: كلما رزقوا من الجنات من أى ثمرة كانت من تفاحها أو رمّانها أو عنبها أو غير ذلك رزقا قالوا ذلك. فمن الأولى والثانية كلتاهما لابتداء الغاية لأنّ الرزق قد ابتدئ من الجنات، والرزق من الجنات قد ابتدئ من ثمرة. وتنزيله تنزيل أن تقول: رزقني فلان، فيقال لك: من أين؟ فتقول: من بستانه، فيقال: من أى ثمرة رزقك من بستانه؟ فتقول: من الرمّان

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (قيل: (أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ)) قوله: "أن" يروى بالفتح على الحكاية وهو الوجه.

قوله: (فـ"من" الأولى والثانية كلتاهما لابتداء الغاية) وعلى ما قدره متعلقتان بـ"رزقوا". وقال القاضي: وكلتاهما واقعتان موقع الحال، وكلما نصب على الظرف، "ورزقا" مفعول به، وصاحب الحال الأولى "رزقا"، والثانية ضمير الرزق المستكن فى الحال. والمعنى كل حين رزقوا مرزوقاً مبتدأ من الجنات مبتدأ من ثمرة، قيد الرزق بكونه مبتدأ من الجنات، وابتداؤه منها بابتدائه من ثمرة فيها.

قوله: (وتنزيله) التنزيل: حط الكلام درجة درجةّ، فكأن أصله كان شيئاً آخر فنزلت إلى هذه المرتبة. قال في "النهاية": نزلت عن الأمر: إذا تركته، كأنك كنت مستعلياً عليه، وفي الحديث: أن أبا بكر رضي الله عنه "أنزله أبا" أي: جعل الجد في منزلة الأب وأعطاه نصيبه من الميراث.

ص: 360

وتحريره أن (رزقوا) جعل مطلقا مبتدأ من ضمير الجنات، ثم جعل مقيدا بالابتداء من ضمير الجنات، مبتدأ من (ثمرةٍ)، وليس المراد بالثمرة التفاحة الواحدة أو الرمانة الفذة على هذا التفسير، وإنما المراد النوع من أنواع الثمار.

ووجه آخر: وهو أن يكون (مِنْ ثَمَرَةٍ) بيانا على منهاج قولك: رأيت منك أسداً

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وتحريره)، الأساس: حرر الكتاب: حسنة وخلصه بإقامة حروفه وإصلاح سقطه.

فإن قلت: ما معنى قوله أولا: "موقعه موقع قولك من الرمان" ثم ثانيا: "وتنزيله تنزيل أن تقول: رزقني فلان" وثالثا: "تحريره: أن تقول (رُزِقُوا) جعل"؟ قلت: الأول لبيان الموقع وكونه صفة الفعل، والثاني: لبيان المعني وأن مرجع "من" الابتدائية على تقدير السؤال والجواب. والثالث: لبيان خلاصة المعنى وزبدته.

قوله: (وليس المراد بالثمرة التفاحة

على هذا التفسير) أي: على أن تكون "من" ابتدائية في (مِنْ ثَمَرَةٍ) لأن "رزقا" هو بمعنى مرزوقا، وهو أعم من أن يكون من الجنة أو من مكان غيرها، ومن أن يكون ثمرة أو غيرها من المأكولات، فخص عموم الأمكنة بقوله:(مِنْهَا) وعموم المأكولات بقوله: (مِنْ ثَمَرَةٍ) لكن بقي عاما في هذا الجنس، فلا وجه لتخصيصها بثمرة دون ثمرة فضلا عن أن تكون جناه واحدة. وفي نظيرة بقوله:"رزقني فلان، فيقال لك: من أين؟ فتقول: من بستانه، فيقال: من أي ثمرة رزقك من بستانه؟ فتقول: من الرمان" إيمان ألى هذا المعنى فقوله: "من الرمان" بيان للنوع، ويبعد أن يجاب عن قوله: من أي ثمرة بقوله: من الرمان الفذ، إذا ليس السؤال عن العدد.

قوله: (رأيت منك أسداً) يعني هو من باب التجريد وهو: أن ينتزع من ذي صفةٍ آخر مثله فيها، إيهاما لكمالها فيه، كأنك جردت من المخاطب شيئا يشبه الأسد وهو نفسه. كذا هنا

ص: 361

تريد أنت أسد. وعلى هذا يصح أن يراد بالثمرة النوع من الثمار، والجنات الواحدة. فإن قلت: كيف قيل (هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ)؟ وكيف تكون ذات الحاضر عندهم في الجنة هي ذات الذي رزقوه في الدنيا؟ قلت: معناه هذا مثل الذي رزقناه من قبل. وشبهه بدليل قوله (وأتوا به متشابهاً)، وهذا كقولك: أبو يوسف أبو حنيفة، تريد أنه لاستحكام الشبه كأن ذاته ذاته

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

جرَّد من ثمرة رزقاً وهو هي، فيكون رزقاً أخص من "ثمرة"؛ لأن الثمرة ذات أوصاف فانتزع منها وصف المرزوقية، أي: التي يقع الأكل عليها لكمال هذا المعنى فيه، فالرزق على هذا مخرج من قوله:(مِنْ ثَمَرَةٍ) وعلى الأول بالعكس. ولهذا لم يجز أن يراد على الأول بالثمرة التفاحة الواحدة أو الرمان الفذ، وجاز ذلك على الثاني:"والجناة الواحدة" إشارة إلى ذلك.

قوله: (وعلى هذا يصح أن يراد بالثمرة النوع من الثمار والجناة الواحدة) لأن قوله: (مِنْ ثَمَرَةٍ) يدل على نوع من الثمار، فانتزع منها ما وقع عليه اسم الرزق، أي: الأكل، فيصح أن يراد بها التفاحة الواحدة، ويصح أيضا أن يراد بها النوع من الثمار، وذلك أن تخصيص الثمرة التي مدلولها النوع من أنواع الثمار إما باعتبار تعيين النوع عن الشخص كما في قوله تعالى:(وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ)[النور: 45] قال صاحب "المفتاح": أي: نوع من الماء مختص بتلك الدابة، أو من ماءٍ مخصوصٍ وهي النطفة.

قوله: (والجناة)، الجوهري: الجنى: ما يجتنى من الشجرة، يقال: أتانا بجناةٍ طيبةٍ لكل ما اجتنى.

قوله: (كأن ذاتَه ذاتُه) أي: هو تشبيهٌ بحذف الأداة ووجهه نحو قولك: زيدٌ أسد. قال الإمام: لما اتحدا في الحقيقة وإن تغايراً بالعدد صح أن يقال: هذا هو ذاك؛ لأن الوحدة النوعية لا تنافيها الكثرة بالشخص.

ص: 362

فإن قلت: إلام يرجع الضمير في قوله: (وَأُتُوا بِهِ)؟ قلت: إلى المرزوق في الدنيا والآخرة جميعاً لأنّ قوله: (هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ) انطوى تحته ذكر ما رزقوه في الدارين. ونظيره قوله تعالى: (إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما)[النساء: 135]، أي: بجنسى الغنى والفقير لدلالة قوله: غنياً أو فقيراً على الجنسين. ولو رجع الضمير إلى المتكلم به لقيل أولى به على التوحيد. فإن قلت: لأى غرض يتشابه ثمر الدنيا وثمر الجنة، وما بال ثمر الجنة لم يكن أجناسا أخر؟ قلت: لأنّ الإنسان

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقال القاضي: هذا إشارة الى نوع ما رزقوا، كقولك مشيراً إلى نهر جار: هذا الماء لا ينقطع، فإنك لا تعني به العين المشاهد منه بل النوع المعلوم المستمر بتعاقب جريانه وإن كانت الإشارة إلى عينه.

وقال صاحب"الفرائد": الإشارة بقوله: "هذا" إلى النوع فلا حاجة إلى التأويل الذي ذكره.

وقلت: قوله تعالى (وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا) يخوجه إلى التأويل؛ لأنه اعتراض يقرر أمر المعترض فيه، أو حال مقيد، وإليه الإشارة بقوله:"بدليل قوله: (وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا) ".

قوله: (لأن قوله: (هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ) انطوى تحته ذكر ما رزقوه في الدارين) أي: المشبه والمشبه به مشتملان على معنى المرزوق في الدارين؛ يعني من أراد أن يعبر عن قوله: هذا الذي رزقنا في الآخرة مثل الذي رزقنا في الدنيا بلفظ جامع له أن يقول: المرزوق في الدنيا والآخرة، وهذا الطريق في البيان يسمى بالكناية الإيمائية، فالضمير المفرد راجع إلى المفهوم الواحد الذي تضمنه اللفظان، فلو رجع إلى الملفوظ وهو المشبه والمشبه به لقيل: وأتوا بهما، ونظيره في رجوع الضمير إلى المعنى دون اللفظ قوله تعالى:(إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا)[النساء: 135] إذ لو اعتبر اللفظ لقيل: "أولى به" على الأفراد؛ لأن الضمير في الشرط

ص: 363

بالمألوف آنس، وإلى المعهود أميل، وإذا رأى ما لم يألفه نفر عنه طبعه وعافته نفسه، ولأنه إذا ظفر بشيء من جنس ما سلف له به عهد وتقدّم له معه ألف، ورأى فيه مزية ظاهرة، وفضيلة بينة، وتفاوتا بينه وبين ما عهد بليغاً، أفرط ابتهاجه واغتباطه، وطال استعجابه واستغرابه، وتبين كنه النعمة فيه، وتحقق مقدار الغبطة به. ولو كان جنساً لم يعهده وإن كان فائقا، حسب أنّ ذلك الجنس لا يكون إلا كذلك، فلا يتبين موقع النعمة حق التبين. فحين أبصروا الرمانة من رمان الدنيا ومبلغها في الحجم، وأن الكبرى لا تفضل عن حدّ البطيخة الصغيرة، ثم يبصرون رمّانة الجنة تشبع السكن،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وهو قوله: "إن يكن" راجع إلى المشهود عليه في قوله تعالى: (كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ) أى: المشهود عليه (غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا) ليتطابق الشرط والجزاء، لكن لما كان المانع من الشهادة على الأقرباء غالباً إما خوف الفقر عليهم إذا كانوا أغنياء، أو تضررهم بها إذا كانوا فقراء عم الصفتين بتثنية الضمير، أي: الله أولى بجنس المتصف بصفة الغني، وبجنس المتصف بصفة الفقر، سواء كان مشهوداً عليه أو غيره، وأعلم بمصالحه وبما ينفعه، فيدخل في هذا العالم المشهود عليه دخولاً أولياً، وهذا أيضاً كناية إيمائية. يدل على العموم قوله:"بجنسي الغني والفقير".

قوله: (مزية)، الجوهري: المزية الفضيلة ولا ينبني منها فعل. وفي "حاشية الصحاح": يقال: أمزيته عليه، أي: فضلته.

الأساس: تميزت علينا: تفضلت، أي: رأيت لك الفضل علينا، ومزيت فلانا فضلته.

قوله: (وتبين كنه النعمة فيه) فاعله الإنسان، الجوهري: تبين الشيء: ظهر، وتبينته أنا.

قوله: (تشبع السكن)، النهاية: السكن بفتح السين وسكون الكاف: أهل البيت، جمع ساكن كصاحب وصحب.

ص: 364

والنبقة من نبق الدنيا في حجم الفلكة، ثم يرون نبق الجنة كقلال هجر، كما رأوا ظل الشجرة من شجر الدنيا وقدر امتداده، ثم يرون الشجرة في الجنة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعه، كان ذلك أبين للفضل، وأظهر للمزية، وأجلب للسرور، وأزيد في التعجب من أن يفاجئوا ذلك الرمان وذلك النبق من غير عهد سابق بجنسهما. وترديدهم هذا القول ونطقهم به عند كل ثمرة يرزقونها، دليل على تناهى الأمر وتمادى الحال في ظهور المزية وتمام الفضيلة، وعلى أنّ ذلك التفاوت العظيم ....

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (والنبقة)، النهاية: النبق بفتح النون وكسر الباء، وقد يسكن: ثمر السدر، واحدته نبقة. أشبه شيء بالعناب قبل أن تشد حمرته.

قوله: (حجم الفلكة)، الجوهري: الفلكة المغزل سميت لاستدارتها.

قول: (كفلان هجر)، المغرب: القلة: حب عظيم، وهي معرفة بالحجاز والشام، وعن الأزهري: تأخذ القلة مزادة كبيرة، وتملأ الراوية قلتين، وأراها سميت قلالاً؛ لأنها تقل، أي: ترفع إذا ملئت.

الجوهري: هجر: مذكر مصروف، اسم بلد.

قوله: (يسير الراكب) عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إن في الجنة شجرة يسير الراكب الجواد المضمر السريع مئة عام لا يقطعها" أخرجه البخاري ومسلم. ولثبوت هذا المشبه به عن الأثبات الثقاب وكونه أعرف من المشبه أوقعه مشبها به في قوله: "كما رأوا" إذ التقدير: فحين أبصروا الرمانة والنبقة رؤية مثل رؤيتهم ظل الشجرة.

ص: 365

هو الذي يستملي تعجبهم، ويستدعى تبجحهم في كل أوان. عن مسروق: نخل الجنة نضيد من أصلها إلى فرعها، وثمرها أمثال القلال، كلما نزعت ثمرة عادت مكانها أخرى، وأنهارها تجرى في غير أخدود، والعنقود اثنتا عشرة ذراعاً.

ويجوز أن يرجع الضمير في: (وأُتُوا بِهِ) إلى الرزق، كما أن هذا إشارة إليه، ويكون المعنى: أن ما يرزقونه من ثمرات الجنة يأتيهم متجانساً في نفسه، كما يحكى عن الحسن: يؤتى أحدهم بالصحفة فيأكل منها، ثم يؤتى بالأخرى فيقول: هذا الذي أتينا به من قبل، فيقول الملك: كل، فاللون واحد والطعم مختلف. وعنه صلى الله عليه وسلم:«والذي نفس محمد بيده» إن الرجل من أهل الجنة ليتناول الثمرة ليأكلها فما هي بواصلة إلى فيه حتى يبدّل اللَّه مكانها مثلها» فإذا أبصروها والهيئة هيئة الأولى قالوا ذلك. والتفسير الأوّل هو هو.

فإن قلت: كيف موقع قوله: (وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً) من نظم الكلام؟ قلت: هو كقولك: فلان أحسن بفلان ونعم ما فعل. ورأى من الرأى كذا وكان صوابا. ومنه قوله تعالى: (وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ)[النمل: 34]، وما أشبه ذلك من الجمل التي تساق في الكلام معترضة للتقرير.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (يستملي)، الجوهري: يقال: استمليت الكتاب: سألته أن يملى علي.

قوله: (تبجحهم) التبجح: الفرح، والصحفة. كالصعقة، والجمع صحاف.

قواه: (متجانساً في نفسه) أي: يجانس بعضه بعضاً، ولا يجانس ثمر الدنيا، فعلى هذا (مِنْ ثَمَرَةٍ) بيان "رزقاً".

قوله: (هو هو) أي: هو الكامل المعلوم كقوله:

ص: 366

والمراد بتطهير الأزواج: أن طهرن مما يختص بالنساء من الحيض والاستحاضة، وما لا يختص بهنّ من الأقذار والأدناس. ويجوز لمجيئه مطلقاً: أن يدخل تحته الطهر من دنس الطباع وطبع الأخلاق الذي عليه نساء الدنيا، مما يكتسبن بأنفسهنّ، ومما يأخذنه من أعراق السوء والمناصب الرديئة والمناشئ المفسدة، ومن سائر عيوبهنّ ومثالبهنّ وخبثهنّ وكيدهنّ. فإن قلت:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أنا أبو النجم وشِعري شعري

قال القاضي: والأول أظهر لمحافظته على عموم (كُلَّمَا)، فإنه يدل على ترديدهم هذا القول كل مرة رزقوا، فلا يصح في الوجه الثاني هذا القول إذا أتوا به أول مرة، ولأن الداعي لهم إلى ذلك فرط استغرابهم، وتبجحهم بما وجدوا من التفاوت العظيم في اللذة والتشابه البليغ في الصورة.

وقلت: ويفوت أيضاً على الثاني غرض الاستئناس وفائدة الاستئناف، وقد مر أن موقع "كلما" إما صفة جناتٍ، أو جملةٌ مستأنفة كما قدره:"أثمار الجنات أشباه ثمار الدنيا أم أجناس أخر"، ومن المقرر في علم المعاني حسن موقع الاستئناف في الكلام، وإنما يظهر حسنه على الوجه الأول لانقطاعه لفظاً.

قوله: (أعراق السوء)، الأساس: فلان معرقٌ له في الكرم أو اللؤم وهو عريق فيه، وتداركته أعراق صدق أو سوء.

قوله: (والمناصب)، الأساس: ومن المجاز: هو يرجع إلى منصب صدق ونصاب صدق، وهو أصله الذي نصب به وركب فيه، ومنه نصاب السكين؛ لأنها رُكِّبَت فيه.

ص: 367

فهلا جاءت الصفة مجموعة كما في الموصوف؟ قلت: هما لغتان فصيحتان؛ يقال: النساء فعلن، وهنّ فاعلات وفواعل، والنساء فعلت، وهي فاعلة. ومنه بيت الحماسة:

وإذَا العَذَارَى بِالدُّخَانِ تَقَنَّعَتْ

واسْتَعْجَلَتْ نَصْبَ القُدُورِ فملَّتِ

والمعنى وجماعة أزواج مطهرة. وقرأ زيد بن على: (مطهرات) وقرأ عبيد بن عمير: مطهرة، بمعنى متطهرة. وفي كلام بعض العرب: ما أحوجنى إلى بيت اللَّه. فأطهر به أطهرة. أى فأتطهر به تطهرة. فإن قلت: هلا قيل طاهرة؟ قلت: في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (كما الموصوف) أي كما الموصوف مجموعٌ، فـ"ما" كافةٌ مُهيئةٌ لدخول الكاف على الكافة.

قوله: (وإذا العذارى بالدخان) البيت المرزوقي: العذارى جمع عذراء يقول: وإذا أبكار النساء صبرت على دخان النار صار كالقناع لوجهها، ولم تصبر على إدراك ما في القدور فشوت في الملة على قدر ما تعلل نفسها به من اللحم لدفع ضرر الجوع المفرط من اشتداد السنة. خصت العذارى بالذكر لفرط حيائهن ولتصونهن عن كثير مما يبتذل فيه غيرهن، وجعل نصب القدور مفعول "استعجلت"على السعة. وجواب إذا في البيت الذي يليه:

دارت بأرزاق العفاة مغالق

بيدي من قمع العشار الجلة

المغالق: القداح في الميسر. والقمع: جمع قمعه وهي القطعة من السنام، يقال: سنام قمع، أي: عظيم. والجلة-بكسر الجيم-من الإبل: المسان، وهو جمع جليل كصبي وصبية. يقول: إذا صار الزمان كذا دارت القداح في الميسر بيدي لإقامة أرزاق الطلاب من أسنمة النوق السمان الكبار الحوامل التي قرب عهدها بوضع الحمل. وسميت القداح مغالق لأن الجزور يغلق عندها ويهلك بها.

ص: 368

(مطهرة) فخامة لصفتهنّ ليست في طاهرة، وهي الإشعار بأن مطهراً طهرهنّ. وليس ذلك إلا اللَّه عز وجل المريد بعباده الصالحين أن يخوّلهم كلّ مزية فيما أعدّ لهم. والخلد: الثبات الدائم والبقاء اللازم الذي لا ينقطع. قال اللَّه تعالى: (وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ، أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ)[الأنبياء: 34]. وقال امرؤ القيس:

ألَا انْعَمْ صَبَاحاً أيُّهَا الطَّلَلُ البَالِى

وهَلْ يَنْعَمَنْ مَنْ كانَ في العُصُرِ الخَالى!

وهَلْ يَنْعَمَنْ إلّا سَعِيدٌ مُخَلّدٌ

قَلِيلُ الهُمُومِ مَا يَبِيتُ بأوْجَالِ!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (والبقاء اللازم الذي لا ينقطع) هذا مذهبه، واستدل به على خلود أهل الكبائر في النار، ويقيده في قوله تعالى:(وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا)[النساء: 93]. على أن ابن جني نقل عن أحمد بن يحيى: الخلد: داخل القلب، واستدل بقول امرئ القيس:

وهل ينعمن إلا سعيد مخلد

يعني به من يلبس الخلد: السوار والقرط. أي: الصبي والصبية يدل عليه قوله:

قليل الهموم لا يبيت بأوجال

وأنشد في معناه:

تصفو الحياة لجاهل أو غافل

عما مضي منها وما يتوقع

ص: 369

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقال القاضي: والخلد والخلود في الأصل: الثبات المديد دام أم لم يدم، ولذلك قيل للأثافي والأحجار: خوالد، ولو كان وضعه للدوام كان التقييد بالتأبيد في قوله:(خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا)[النساء: 57] لغواً، واستعماله حيث لا دوام كقولهم: وقف مخلد، يوجب اشتراكاً أو مجازاً.

فإن قيل: الأبدان مركبة من أجزاء متضادة الكيفية للاستحالات المؤدية إلى الانفكاك والانحلال، فكيف يعقل خلودها؟

قلنا: إنه تعالى وتعظم يعيدها بحيث لا يعتورها الاستحالة، بل يجعل أجزاءها متفاوتة في الكيفية متساوية في القوة لا يقوى شيء منها على إحالة الآخر، متعانقة متلازمة لا ينفك بعضها عن شيء كما يشاهد في بعض المعادن. هذا وإن قياس ذلك العالم على ما نجده ونشاهده، من نقص العقل وضعف البصيرة.

وقد ذكر الراغب نحواً من هذا، ثم قال: ليس لهذا القول وجه إلا التوقيف ولا مدخل للاجتهاد فيه، والذي يستبعده المتفلسفون هو أنهم يريدون أن يتصوروا أبداناً متناولة لأطعمة لا استحالة فيها ولا تغير لها، ولا يكون منها فضولات، وتصور ذلك محال. وذلك أن التصور هو إدراك الوهم ما أدركه الحس، وما لا يدرك الحس جزءه ولا كله كيف يمكنه تصوره؟ ولو كان للإنسان سبيل إلى تصور ذلك لما قال تعالى:(فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ)[السجدة: 17]، وما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مخبراً عن الله تعالى: "أعددت

ص: 370

[(إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفاسِقِينَ* الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ)].

سيقت هذه الآية لبيان أنّ ما استنكره الجهلة والسفهاء

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأت ولا أذن سمعت ولا خطر علي قلب بشر". والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

وقلت: اعلم أن قوله: (وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) تكميل في غاية من الحسن ونهاية من الكمال، وذلك أن النعم وإن جلت منزلتها، والترفه وإن عظمت رفعته لا يتم ولا يكمل إذا تصور انقطاعها وتوهم زوالها، وأما إذا علم أنها باقية دائمة يزيد بها الابتهاج ويتم الفرح فلا ينغص ذلك العيش، ولا يكدر ذلك الصفو، والى هذا المعنى ينظر قول امرئ

القيس: "ألا انعم صباحاً" البيتين.

انعم صباحاً: كلمة تحية من: أنعم ينعم؛ إذا طاب عيشه، أي: طاب عيشك في الصباح، وإنما خص الصباح به؛ لأن الغارات والمكاره تقع صباحا.

الأوجال: جمع وجل وهو الخوف، والعصر: الدهر. يخاطب الطلل الدارس من ديار المحبوبة بالنعم والطيب ثم قال: وكيف ينعم من كان في زمن الفراق والخلو من الأهل والأحباب! وهل ينعمن إلا سعيد مخلد آمناً من المخاوف والآفات! ولا يكون ذلك إلا في دار الخلد للمؤمنين، اللهم اجعلنا من زمرة الداخلين فيها.

قوله: (سيقت هذه الآية) أي: قوله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي) قال الإمام: إنه تعالى لما بين

ص: 371

وأهل العناد والمراء من الكفار واستغربوه من أن تكون المحقرات من الأشياء مضروبا بها المثل- ليس بموضع للاستنكار والاستغراب، من قبل أنّ التمثيل إنما يصار إليه لما فيه من كشف المعنى ورفع الحجاب عن الغرض المطلوب، وإدناء المتوهم من المشاهد. فان كان المتمثل له عظيما كان المتمثل به مثله،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أن القرآن معجزٌ أتى بشبهةٍ أوردها الكفار قدحاً في ذلك وأجاب عنها، وتقرير الشبهة: أنه جاء في القرآن ذكر النحل والذباب والعنكبوت، وهذه الأشياء لا تليق بكلام البلغاء فضلاً عن كلام الله المجيد.

وأجاب: إن صغر هذه الأشياء لا يقدح في البلاغة إذا كان ذكرها مشتملا على حكم بالغة.

والمؤلف وإن لم يصرح بهذا المعني لكن أومى إليه في كلامه، فعلى هذا نظم هذه الآية بما قبلها نظم قوله:(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ)[البقرة: 6] في كونها جملة مستطردة كما ذكره الإمام.

وقلت: تلك في أحوالهم وهذه في أقوالهم.

قوله: (أو أهل العناد) أي: المستنكرون طائفتان: طائفة لا يعلمون، وأخرى يعلمون ولكن يعاندون.

قوله: (فإن كان المتمثل له عظيما كان المتمثل به مثله) لم يرد به التشبيه التمثيلي أو الاستعارة التمثيلية بل أعم. وفيه. أن المشبه وإن كان فرعا في إلحاقه بالمشبه به لكنه أصل في إيراد المشبه به من كونه عظيما أو حقيرا أو غيرهما من الصفات. وإليه الإشارة بقوله: "فليس

ص: 372

وإن كان حقيرا كان المتمثل به كذلك. فليس العظم والحقارة في المضروب به المثل إذاً إلا أمراً تستدعيه حال المتمثل له وتستجرّه إلى نفسها، فيعمل الضارب للمثل على حسب تلك القضية. ألا ترى إلى الحق لما كان واضحاً جلياً أبلج، كيف تمثل له بالضياء والنور؟ وإلى الباطل لما كان بضد صفته، كيف تمثل له بالظلمة؟ ولما كانت حال الآلهة التي جعلها الكفار أنداداً للَّه تعالى لا حال أحقر منها وأقلّ، ولذلك جعل بيت العنكبوت مثلها في الضعف والوهن، وجعلت أقلّ من الذباب وأخس قدراً، وضربت لها البعوضة فالذي دونها مثلا لم يستنكر ولم يستبدع، ولم يقل للمتمثل: استحى من تمثيلها بالبعوضة، لأنه مصيب في تمثيله، محق في قوله، سائق للمثل على قضية مضربه، محتذ على مثال

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

العظم والحقارة في المضروب به" إلى آخره، فإذا اقتضى وصف آلهتهم بأن تثبت لها صفة الحقارة فلا بد أن يجاء بالممثل به ما يشتمل على معنى الحقارة كما نحن بصدده. ولما اقتضى وصف التكليف العظمة والفخامة في قوله تعالى:(إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) الآية [الأحزاب: 72] جاء بالمثل به كما ترى.

قوله: (لم يستنكر) جواب "لما" أي: لم يستنكر ضرب البعوضة لها مثلاً.

قوله: (قضية مضربه) أي: موضع ضرب المثل فيه.

اعلم أن المستعار في التمثيل إذا كان قولاً سائراً يشبه مضربه بمورده سمي مثلاً، وإن لم يكن للمضرب موردٌ سمي تمثيلا، وكلام الله وارد على الثاني دون الأول.

قوله: (محتذ على مثال) هو افتعال من الحذو، وفيه معنى الاعتمال.

الجوهري: حذوت النعل بالنعل إذا قدرت كل واحدة على صاحبتها. وضمن معنى قدر، وعدى بـ"على"

ص: 373

ما يحتكمه ويستدعيه، ولبيان أنّ المؤمنين الذين عادتهم الإنصاف والعمل على العدل والتسوية والنظر في الأمور بناظر العقل، إذا سمعوا بمثل هذا التمثيل علموا أنه الحق الذي لا تمرّ الشبهة بساحته، والصواب الذي لا يرتع الخطأ حوله،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ما يحتكمه) يقال: احتكمه الى الحاكم: ذهب به إليه واستصحبه معه واستجره. والضمير المستتر في "يحتكمه" عائد إلى الممثل له، أي: الذي ضرب لأجله المثل نحو حال الآلهة مثلاً، والبارز إلى ما.

قوله: (ولبيان أن المؤمنين) عطف على قوله: "لبيان أن ما استنكره" على طريقة: أعجبني زيد وكرمه؛ لأنه تفصيله، بدليل عطف قوله:"وأن الكفار" على قوله: "أن المؤمنين" ثم قوله: "إن ذلك سبب زيادة الهدى وانهماك الفاسقين" كالنشر للمعطوفين. وتحريره: أن الآية من باب الجمع مع التقسيم والتفريق والتذييل، وتفسيره لها موافق لهذه الصنعة.

أما الجمع فقوله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا)[البقرة: 26]، لأنها متضمنة لحقية المثل وباطلية مستنكريه، وإليه أومى بقوله:"لم يستنكر ولم يستبدع" وبقوله: لأنه مصيب في تمثيله محق في قوله".

ولما كان أصل الكلام مسوقاً للكفار، وذكر المؤمنين فيه على التبعية، صرح بذكرهم ونسب إليهم الاستنكار، ولم يذكر المؤمنين، لكن أثبت فيه الحقية التي هي مما ينسب إلى المؤمنين.

وأما التقسيم، فالجملتان المصدرتان بـ "إما" لأنهما تفصيلا ما اشتمل عليه الكلام السابق، فجعل الحق منسوباً إلى صاحبه. والإنكار مضافاً إلى أهله، وإليه الإشارة بقوله:"وأن المؤمنين الذين عادتهم" وبقوله: "وأن الكفار الذين غلبهم الجهل".

ص: 374

وأنّ الكفار الذين غلبهم الجهل على عقولهم، وغصبهم على بصائرهم فلا يتفطنون ولا يلقون أذهانهم، أو عرفوا أنه الحق إلا أنّ حب الرياسة وهوى الألف والعادة لا يخليهم أن ينصفوا، فإذا سمعوه عاندوا. وكابروا وقضوا عليه بالبطلان، وقابلوه بالإنكار، وأنّ ذلك سبب زيادة هدى المؤمنين،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وأما التفريق فقوله: تعالى: (يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا) حيث بين لكل من الفريقين مآل أمره من الضلال والهدى، وهو المراد بقوله:"وأن ذلك سبب زيادة هدى للمؤمنين" وبقوله: "وانهماك الفاسقين في غيهم وضلالهم".

وأما التذييل فقوله: (وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ* الَّذِينَ يَنْقُضُونَ) فخص الضلال بهم على الحصر ليختص الهداية بالمؤمنين لتقابلهما، والله أعلم.

قوله: (على بصائرهم) بدل اشتمال من الضمير المنصوب في "غصبهم" كقولك: سلب زيد ثوبه، الأساس: غصب على عقله.

الصحاح: الغصب: أخذ الشيء ظلماً، تقول: غصبه منه وغصبه عليه.

والفاء في قوله: "فلا يتفطنون" مسببة عن "غلبهم الجهل" وقوله: "أو عرفوا" متفرع على ما سبق أن المنكرين طائفتان: جاهل ومعاند المشار إليه بقوله: "إنما استنكره الجهلة والسفهاء وأهل العناد والمراد من الكفار". والفاء في "فإذا سمعوه" مثلها في "فلا يتفطنون" مسببة عن قوله: "أو عرفوا أنه الحق" وهو عطف على "غلبهم الجهل" داخل في حيز صلة الموصول الذي هو صفة لاسم "إن"، وهما في الظاهر خبران لـ"إن"، والفاء تدخل في خبر الاسم الموصوف بالموصول المتضمن للشرط. وأن لا يمنع من ذلك على مذهب

ص: 375

وانهماك الفاسقين في غيهم وضلالهم. والعجب منهم كيف أنكروا ذلك وما زال الناس يضربون الأمثال بالبهائم والطيور وأحناش الأرض والحشرات والهوام، وهذه أمثال العرب بين أيديهم مسيرة في حواضرهم وبواديهم قد تمثلوا فيها بأحقر الأشياء فقالوا:"أجمع من ذرّة"، و"أجرأ من الذباب"،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الأخفش. قال الخبيصي: والمفتوحة مثلها، أي: في جواز دخول الفاء على الخبر كقوله تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ)[الأنفال: 41].

قوله: (وانهماك)، الجوهري: انهمك الرجل في الأمر: إذا جد ولج.

قوله: (وأحناش الأرض)، الجوهري: الحنش بالتحريك: كل ما يصاد من الطير والهوام، والجمع الأحناش. والحنش أيضاً: الحية، والحشرات: صغار دواب الأرض.

قوله: (أجمع من ذرةٍ) قال الميداني: قال الشاعر في الذروة وجمعها:

تجمع للوارث جمعاً كما

تجمع في قريتها الذرة

يزعمون أنها تدخر ف يقراها قوت سبع سنين.

قوله: (وأجرأ من الذباب) وذلك أن الذباب يقع على أنف الملك، وعلى جفن الأسد، فإذا ذيد يعود، قال الراجز:

ص: 376

و"أسمع من قراد"، و"أصرد من جرادة"، و"أضعف من فراشة"، و"آكل من السوس". وقالوا في البعوضة:"أضعف من بعوضة"، و"أعز من مخ البعوض". وكلفتنى مخ البعوض. ولقد ضربت الأمثال في الإنجيل بالأشياء المحقرة؛

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إنما سُمي الذباب ذباباً

حيث يهوي وكلما ذُبَّ آبا

قوله: (وأسمع من قراد) لأنه يسمع أصوات أخفاف الإبل من مسيرة يوم فيتحرك لها. قال أبو زياد الأعرابي: ربما رحل الناس عن دارهم بالبادية وتركوها قفاراً، والقردان منتشرةٌ في أعطان الإبل وأعقار الحياض، ثم يرجعون بعد عشرٍ أو عشرين سنة فيجدون القردان في تلك المواضع أحياءً وقد أحست بروائح الإبل.

قال ذو الرمة:

بأعقاره القردان هزلى كأنها

نوادر صيصاء الهبيد المحطم

إذا سمعت وطء الركاب تنغشت

حشاشاتها في غير لحمٍ ولا دم

الصيصاء: صغار الحنظل. والهبيد: حب الحنظل.

قوله: (وأصرد من جرادة) وذلك أنها لا تُرى في الشتاء أبداً لقلة صبرها على البرد، يقال: صرد الرجل يصرد صرداً فهو صردٌ ومصراد للذي يجد البرد سريعاً، كلها في "مجمع الأمثال".

ص: 377

كالزوان والنخالة. وحبة الخردل، والحصاة،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (كالزوان)، الجوهري: الزوان: حَبٌّ مرٌ يُخالط البر، بفتح الزاء وضمها وقد يُهمز. قال الإمام: قال: مثل ملكوت السماء كمثل رجلٍ زرع في قريته حنطةً جيدةً نقيةً، فلما نام الناس جاء عدوه فزرع الزوان، فقال عبيد الزارع: يا سيدنا أليس حنطة جيدة نقية زُرعت في قريتك؟ قال: بلى، قالوا: فمن أين هذا الزوان؟ قال: لعلكم إن ذهبتم أن تلقطوا الزوان تقلعوا معه حنطةً، دعوهما يتربيان جميعاً حتى الحصاد، فأمر الحصادين أن يلقطوا الزوان من الحنطة إلى الجرائن وأن يربطوه حزماً، ثم يحرق بالنار ويجمعوا الحنطة إلى الجرائن.

التفسير: الزارع أبو البشر، والقرية: العالم، والحنطة: الطاعة، وزارع الزوان: إبليس، والزوان: المعاصي، والحصادون: الملائكة الذين يتوفون بني آدم.

قوله: (والنخالة) قال: لا تكونوا كمنخلٍ يخرج منه الدقيق الطيب ويمسك النخالة، كذلك أنتم تخرج الحكمة من أفواهكم وتبقون الغل في صدوركم.

قوله: (وحبة الخردل) قال: أضرب لكم مثلاً آخر يشبه ملكوت السماء: لو أن رجلاً أخذ حبة خردلٍ وهي أصغر الحبوب فزرعها في قريته، فلما نبتت عظمت حتى صارت كأعظم شجرةٍ من البقول، وجاء طير السماء فعشش في فروعها، وكذلك الهدى من دعا إليه ضاعف الله أجره وعظمه ورفع ذكره، ونجى من اقتدى به.

قوله: (والحصاة) قال: قلوبكم كالحصاة التي لا تنضجها النار، ولا يُلينها الماء، ولا تنسفها الرياح.

ص: 378

والأرضة، والدود، والزنابير. والتمثيل بهذه الأشياء وبأحقر منها مما لا تغنى استقامته وصحته على من به أدنى مسكة، ولكن ديدن المحجوج المبهوت الذي لا يبقى له متمسك بدليل ولا متشبث بأمارة ولا إقناع، أن يرمى لفرط الحيرة والعجز عن إعمال الحيلة بدفع الواضح وإنكار المستقيم والتعويل على المكابرة والمغالطة إذا لم يجد سوى ذلك معوّلا.

وعن الحسن وقتادة: لما ذكر اللَّه الذباب والعنكبوت في كتابه وضرب للمشركين به المثل، ضحكت اليهود وقالوا: ما يشبه هذا كلام اللَّه. فأنزل اللَّه عز وجل هذه الآية. والحياء تغير وانكسار يعترى الإنسان من تخوّف ما يعاب به ويذم. واشتقاقه من الحياة. يقال: حيي الرجل، كما يقال: نسي .......

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (والأرضة) قال: لا تدخروا ذخائركم حيث السوس والأرضة فتفسدها، ولا في البرية حيث اللصوص والسموم فيسرقها اللصوص وتحرقها السموم، ولكن ادخروا ذخائركم عند الله.

قوله: (والزنابير) قال: لا تثيروا الزنابير فتلدغكم، فكذلك لا تخاطبوا السفهاء فيشتموني، كلها في "التفسير الكبير".

قوله: (عن إعمال الحيلة) متعلق بقوله: "أن يرمي"، كما تقول: رميت عن القوس.

قوله: (والتعويل) بالجر عطفٌ تفسيريٌ على قوله: "وإنكار المستقيم"، و"إذا لم يجد" ظرف "أن يرمي".

قوله: (نسي) الرجل، فهو نسٍ على فَعِلٍ: إذا اشتكى نساه.

الجوهري: قال الأصمعي: النسا بالفتح مقصور: عرقٌ يخرج من الورك فيستبطن الفخذين ثم يمر بالعرقوب حتى يبلغ الحافر.

ص: 379

وحشي وشظي الفرس، إذا اعتلت هذه الأعضاء. جعل الحي لما يعتريه من الانكسار والتغير، منتكس القوّة منتقص الحياة، كما قالوا: هلك فلان حياء من كذا، ومات حياء، ورأيت الهلاك في وجهه من شدّة الحياء. وذاب حياء، وجمد في مكانه خجلا. فإن قلت: كيف جاز وصف القديم سبحانه به. ولا يجوز عليه التغير والخوف والذم، وذلك في حديث سلمان قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: (إن اللَّه حي كريم يستحي إذا رفع إليه العبد يديه أن يردّهما صفرا حتى يضع فيهما خيرا). قلت: هو جار على سبيل التمثيل مثل تركه تخييب العبد وأنه لا يردّ يديه صفرا من عطائه لكرمه بترك من يترك ردّ المحتاج إليه حياء منه. وكذلك معنى قوله: (إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يضرب مثلاً) ......

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وحشي) الحشى: الربو. وقد حشي بالكسر: إذا اشتكى حشاه.

قوله: (وشظي)، الجوهري: الشظي: عظمٌ مستدقٌ ملزقٌ بالذراع، فإذا تحرك من موضعه قيل: شظي الفرس. قال القاضي: الحياء انقباض النفس عن القبيح مخافة الذم، وهو الوسط بين الوقاحة التي هي الجرأة على القبائح والخجل الذي هو انحصار النفس عن الفعل مطلقاً، فإذا وصف به الباري تعالى، فالمراد اللازم للانقباض. كما أن المراد من رحمته وغضبه إصابةُ المعروف والمكروه اللازمين لمعنييهما.

قوله: (في حديث سلمان) والحديث رواه أبو داود والترمذي.

الانتصاف: تأويل الحديث به لازمٌ، وأما الآية فلا تحتاج إلى التأويل؛ لأن الحياء مسلوبٌ عنه تعالى، فهو كقولك: إنه تعالى ليس بجسمٍ ولا عرض.

ص: 380

أي: لا يترك ضرب المثل بالبعوضة ترك من يستحيى أن يتمثل بها لحقارتها. ويجوز أن تقع هذه العبارة في كلام الكفرة، فقالوا: أما يستحيى رب محمد أن يضرب مثلا بالذباب والعنكبوت فجاءت على سبيل المقابلة وإطباق الجواب على السؤال. وهو فنّ من كلامهم بديع، وطراز عجيب، منه قول أبي تمام:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الإنصاف: وفي كلام الزمخشري ما يدل على أن التأويل إنما يحتاج إليه في الخبر لا في الآية فقف عليه.

قلت: يرده إثباته الترك في تأويل الحديث بقوله: "مثل تركه" ونفيه في تأويل الآية بقوله: "أي: لا يُترك ضرب المثل" والفرق بين قولنا: إنه تعالى ليس بجسمٍ ولا عرضٍ وما في الآية واحلديث، هو: أن القصد في ذلك التنزيه وما لا يجوز أن يُنسب إليه تعالى، وفي الآية القصد إلى تجويز ضرب المثل وأن الحياء غيرُ مانعٍ منه. وفي الحديث القصد إلى تركه تخييب العبد، وأن الحياء مانعٌ من التخييب، فالمقاصد مختلفة والمقامات متباينة، فهما قريبان من ترتب الحكم على الوصف المناسب، فلا بد من اعتبار المجاز.

قوله: (على سبيل المقابلة، وإطباق الجواب) اعلم أن ها هنا ألفاظاً يذكرها أرباب البديع، أحدها المقابلة: وهي الجمع بين شيئين متوافقين أو أكثر وبين ضديهما، وثانيها: المطابقة: وهي أن يجمع بين متضادين، وثالثها: المشاكلة وهي: أن يذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته، والآية من قبيل النوع الأخير وإن سماه المصنف باسم النوع الأول، لكن المشاكلة على التقدير إذ لولا قولهم: أما يستحيي رب محمدٍ أن يضرب مثلاً بالذباب والعنكبوت على سبيل الإنكار لم يحسن قوله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي) جواباً عنه، وبيت أبي تمام من المشاكلة التي لم ترد على السؤال والجواب وإن تأخر فيه المصاحب عن المصاحب، ومثله قوله:

ص: 381

مَنْ مُبْلِغٌ أَفْناءَ يَعْرُبَ كُلَّها

أَنِّى بَنَيْتُ الجَارَ قبْلَ المَنْزِلِ.

وشهد رجل عند شريح. فقال: إنك لسبط الشهادة. فقال الرجل: إنها لم تجعد عنى. فقال: للَّه بلادك، وقبل شهادته. فالذي سوغ بناء الجار وتجعيد الشهادة هو مراعاة المشاكلة. ولولا بناء الدار لم يصح بناء الجار. وسبوطة الشهادة لامتنع تجعيدها. وللَّه درّ أمر التنزيل وإحاطته بفنون البلاغة وشعبها، لا تكاد تستغرب منها فنا إلا عثرت عليه فيه على أقوم مناهجه وأسدّ مدارجه. وقد استعير الحياء فيما لا يصح فيه:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لا تسقني ماء الملام فإنني

صبٌّ قد استعذبت ماء بكائي

فإن المرزوقي عده من المشاكلة. وقول الشاهد: "إنها لم تُجعد عني" جواباً عن قول شريح: "إنك لسبط الشهادة" يحتمل أن يكون من المطابقة بالنظر إلى اللفظين؛ لأن السبط ضد الجعد، وأن يكون من المشاكلة، إذ لو قال شريحٌ: إنك لبديه الشهادة لم يحسن منه: لم تجعد عني. وموقع الاستشهاد هذا القسم، ولذلك قال:"لولا سبوطة الشهادة لامتنع تجعيدها".

وأما قوله: "فجاءت على سبيل المقابلة" فلم يرد منه المعنى المصطلح عليه بل ما يصح أن يقابل به الكلام؛ لأن قوله: "وإطباق الجواب على السؤال" عطفٌ تفسيريٌ عليه، والمصنف سلك في هذا المقام طريق التشابه في الكلام، فهو مفتقرٌ إلى تقادح الآراء واستنباط الأساليب حتى يصرح المحض.

قوله: (أفناء يعرب) فناء الدار ساحتها، والجمع أفنية. يقال: هو من أفناء الناس إذا لم يُعلم ممن هو، ويعرب هو ابن قحطان سمى به القبيلة.

قوله: (وقد استعير الحياء) يتعلق بالجواب الأول وهو قوله: "هو جارٍ على سبيل التمثيل"

ص: 382

إذَا مَا اسْتَحَيْنَ المَاءَ يَعْرِضُ نفْسَهُ

كرَعْنَ بِسبْتٍ في إناءٍ مِنَ الوَرْدِ

وقرأ ابن كثير في رواية شبل (يستحى) بياء واحدة. وفيه لغتان: التعدي بالجارّ والتعدي بنفسه. يقولون: استحييت منه واستحييته، وهما محتملتان هاهنا. وضرب المثل: اعتماده وصنعه، من ضرب اللبن وضرب الخاتم، ......

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تعلق الجملة الحالية بعاملها، وقد مر مراراً أن الاستعارة التبعية قد تقع على سبيل التمثيل، يعني: استعير الحياء للترك بعد التشبيه في كلام الله، وقد جاء مثله في كلامهم، واعترض بين الجواب ومتعلقه الجواب الثاني على سبيل الاستطراد؛ اهتماماً بشأنه لما اشتمل على بديع المعاني، وقد نبه عليه بقوله:"ولله در أمر التنزيل، وإحاطته بفنون البلاغة! ".

قوله: (إذا ما استحين) البيت للمتنبي. أي: تركن، والضمير للنوق.

كرع الماء يكرع كروعاً: إذا تناوله بفيه من موضعه.

السبت: بكسر السين المهملة: جلود البقر المدبوغة بالقرظ. شبه مشافر الإبل به. عنى بالإناء جلد البقرة فيها الماء، وبالورد الأزهار. يصف الإبل وكثرة مياه الأمطار المحفوفة بالأزهار، فكأن الماء يعرض نفسه عليها، والإبل تستحيي من رد الماء إذا كثر عرض نفسه عليها فتكرع فيه بمشافر كأنها السبت.

قوله: (وقرأ ابن كثير) وهي شاذة: وإن نُسبت إلى الإمام.

قوله: (وضرب المثل اعتماده وصنعه)، الراغب: الضرب إيقاع شيءٍ على شيءٍ، ولتصور اختلاف الضرب خولف بين تفاسيرها كضرب الشيء باليد والعصا والسيف ونحوها،

ص: 383

وفي الحديث: اضطرب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم خاتما من ذهب. و (ما) هذه إبهامية وهي التي إذا اقترنت باسم نكرة أبهمته إبهاماً وزادته شياعا وعموما، كقولك: أعطنى كتابا مّا، تريد أى كتاب كان. أو ضلة للتأكيد، كالتي في قوله:(فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ) كأنه قيل: لا يستحيى أن يضرب مثلا حقاً أو البتة، هذا إذا نصبت (بَعُوضَةً)،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وضرب الدراهم اعتباراً بضربه بالمطرقة، وقيل له: الطبع اعتباراً بتأثير السكة فيه، وبذلك شبه السجية فقيل لها: الضريبة والطبيعة، والضرب في الأرض: الذهاب فيها، وهو ضربها بالأرجل، وضرب الخيمة لضرب أوتادها بالمطرقة، وتشبيهاً بضرب الخيمة، قال تعالى:(وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ)[البقرة: 61] أي: التحفتهم الذلة التحاف الخيمة، ومنه استعير:(فَضَرَبْنَا عَلَى آَذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا)[الكهف: 11] وضرب المثل هو من ضرب الدراهم، وهو ذكر شيءٍ أثره يظهر في غيره، والاضطراب كثرة الذهاب في الجهات من الضرب في الأرض.

قوله: (اضطرب رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتماً من ذهب) الحديث من رواية الشيخين وأبي داود والترمذي والنسائي عن ابن عمر في رواية "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اتخذ خاتماً من ذهب وجعل فصه مما يلي بطن كفه، ونقش فيه: محمد رسول الله، واتخذ الناس مثله، فلما رآهم قد اتخذوا رمى به وقال: "لا ألبسه أبداً" ثم اتخذخاتماً من فضة فاتخذ الناس خواتيم الفضة.

قوله: (كأنه قيل: لا يستحيي) فذلكةٌ لما سبق وتلخيصٌ لما فُسِّر؛ وذلك أن قوله: "حقاً" يتعلق بالوجه الأول، أن الله لا يترك المثل الحق والتمثيل الذي يقع في موقعه كيف ما كان؛ حقيراً كان أو عظيماً؛ لأن المقصود البيان الجلي وكشف معنى الممثل له على وفق الحاجة،

ص: 384

فإن رفعتها فهي موصولة، صلتها الجملة لأن التقدير: هو بعوضة، فحذف صدر الجملة كما حذف في:(تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ)[الأنعام: 154] ووجه آخر حسن جميل، وهو أن تكون التي فيها معنى الاستفهام لما استنكفوا من تمثيل اللَّه لأصنامهم بالمحقرات قال: إنّ اللَّه لا يستحي أن يضرب للأنداد ما شاء من الأشياء المحقرة مثلا، بله البعوضة فما فوقها، كما يقال: فلان لا يبالى بما وهب ما دينار وديناران.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فالذين آمنوا يعلمون أنه الحق من ربهم، فعلى هذا انتصاب "حقاً" على أنه صفة "مثلاً" لا على المصدرية كما سبق إلى بعض الأوهام. وأن قوله:"ألبتة" يتعلق بالوجه الثاني، وهو أن تكون "ما" مزيدةً، يعني أن الله لا يترك ضرب المثل ألبتة، لما فيه من الفوائد الجليلة والمنافع الكثيرة، لأنه أوقع في القلب وأقلع للشبه، وذلك أن "ما" إذا كانت إبهاميةً تُعطي معنى التنكير في "مثلاً" وتزيد في شيوعه، ولهذا قلنا: أي مثلٍ كان، وأن "ما" المؤكدة تؤكد معنى مضمون الجملة، وإليه الإشارة بقوله:"ألبتة"، ويعضده ما جاء في "المفصل": قولك: ما إن رأيت زيداً، الأصل: ما رأيت، ودخول "إن" صلةٌ أكدت معنى النفي.

قال القاضي: تسمية "ما" مزيدةً لا يُعنى بها اللغو الضائع، فإن القرآن كله هدىً وبيان؛ بل "ما" لم توضع لمعنىً يراد منه، وإنما وضعت لأن تذكر مع غيره فتفيد له وثاقةً وقوةً، وهو زيادةٌ في الهدى.

قوله: (بله)، النهاية: بله من أسماء الأفعال، كرويد ومه وصه، يقال: بله زيداً، بمعنى: دعه واتركه، وقد يوضع موضع المصدر، فيقال: بله زيدٍ، كأنه قيل: ترك زيدٍ.

ص: 385

والمعنى: أن للَّه أن يتمثل للأنداد وحقارة شأنها بما لا شيء أصغر منه وأقل، كما لو تمثل بالجزء الذي لا يتجزأ وبما لا يدركه لتناهيه في صغره إلا هو وحده بلطفه، أو بالمعدوم، كما تقول العرب: فلان أقل من لا شيء في العدد. ولقد ألم به قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ)[العنكبوت: 42]

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (بالجزء الذي لا يتجزأ) هو في عبارة المتكلمين. وعندهم: أن الأجسام البسيطة من أجزاءٍ صغارٍ لا تنقسم أصلاً.

قوله: (إلا هو وحده بلطفه) أي: بلطف إدراكه. قال في قوله تعالى: (وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)[الأنعام: 103]: وهو للطف إدراكه يُدرك تلك الجواهر اللطيفة التي لا يدركها مدرك.

قوله: (أقل من لا شيء) قيل: "شيء" مجرورٌ بـ (من)، ولا زائدة. المعنى: فلانٌ في حسبان الناس كأقل شيء. أو لا تكون زائدةً أي: أقل من المعدوم، أو غيره ملتفتٍ إليه.

قوله: (ألم به) أي: نزل بهذا المعنى، أي: بالحكم على الشيء بلا شيء، الأساس: ألم: نزل، ومن المجاز: ألم بالأمر، أي: لم يتعمق به، الجوهري: غلامٌ ملمٌ: قارب البلوغ.

قوله: ((إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ)[العنكبوت: 42]) قال أبو البقاء: "ما" في (مَا يَدْعُونَ) استفهامٌ منصوبٌ بـ (يَدْعُونَ) لا بـ (يَعْلَمُ)، و (مِن شَيءٍ) تبينٌ، ويجوز أن تكون نافيةً، و (مِن) زائدةً، و (شيئًا) مفعول (يَدْعُونَ).

ص: 386

وهذه القراءة تُعزى إلى رؤبة بن العجاج، وهو أمضغ العرب للشيح والقيصوم، والمشهود له بالفصاحة، وكانوا يشبهون به الحسن، وما أظنه ذهب في هذه القراءة إلا إلى هذا الوجه، وهو المطابق لفصاحته. وانتصب (بَعُوضَةً) بأنها عطف بيان لـ (مثلاً). أو مفعول لـ (يضرب)، و (مَثَلًا): حال عن النكرة مقدمة عليه، .......

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقيل: نفى أن يكون مدعوهم شيئاً، وما للنفي، والوقف على (إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ)، ثم الابتداء بقوله:(مَا يَدْعُونَ) حسنٌ وهو موقع الاستشهاد.

قوله: (رؤبة بن العجاج) قال القتبي في "طبقات الشعراء": هو رؤبة بن العجاج ابن رؤبة، من بني مالك بن سعد بن زيد مناة بن تميم. وأبوه لقي أبا هريرة رضي الله عنه وسمع منه أحاديث. قال ابن جني: فروايةُ "بعوضةٌ" بالرفع حكاها أبو حاتمٍ عن أبي عبيدة عن رؤبة، المعنى: لا يستحيي أن يضرب الذي هو بعوضةٌ مثلاً، فحذف العائد إلى الموصول وهو ضعيفٌ؛ لأن هو ليس بفضلةٍ كما في ضربت الذي كلمت، أي: كلمته.

ص: 387

أو انتصبا مفعولين فجرى «ضرب» مجرى «جعل» . واشتقاق البعوض من البعض وهو القطع كالبضع والعضب. يقال: بعضه البعوض. وأنشد:

لَنِعْمَ البَيْتُ بَيْتُ أَبى دِثارٍ

إذَا مَا خافَ بعضُ القَوْمِ بَعْضَا

ومنه: بعض الشيء لأنه قطعه منه. والبعوض في أصله صفة على فعول كالقطوع فغلبت، وكذلك الخموش.

(فَما فَوْقَها) فيه معنيان: أحدهما: فما تجاوزها وزاد عليها في المعنى الذي ضربت فيه مثلا، وهو القلة والحقارة، نحو قولك لمن يقول:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (أو انتصبا مفعولين) أي: (مَثَلًا) و (بَعُوضَةً). قيل: هذا أبعد الوجوه لندرة مجيء مفعولي جعل وأمثاله نكرتين لأنها من دواخل المبتدأ والخبر.

قوله: (لنعم البيت بيت أبي دثار)، قيل: أبو دثار: كنية البعوض لدثوره، أي: دروسه بالنهار.

قال ابن الأعرابي: أبو دثار: الكلة، أي: نعم البيت الكلة في ليالي الصيف إذا خاف بعض القوم من عض البعوض.

قوله: (الخموش)، الجوهري: الخموش بفتح الخاء: البعوض لغة هذيل. والخموش: الخدوش وقد خمش وجهه.

ص: 388

فلانٌ أسفل الناس وأنذلهم: هو فوق ذاك، تريد: هو أبلغ وأعرق فيما وصف به من السفالة والنذالة. والثاني: فما زاد عليها في الحجم، كأنه قصد بذلك ردّ ما استنكروه من ضرب المثل بالذباب والعنكبوت، لأنهما أكبر من البعوضة. كما تقول لصاحبك - وقد ذمّ من عرفته يشح بأدنى شيء فقال فلان بخل بالدرهم والدرهمين -: هو لا يبالى أن يبخل بنصف درهم فما فوقه، تريد بما فوقه ما بخل فيه وهو الدرهم والدرهمان، كأنك قلت: فضلا عن الدرهم والدرهمين. ونحوه في الاحتمالين ما سمعناه

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (يشح)، الجوهري: شححت بالكسر تشح، وشححت أيضاً تشح. قيل: هو في موضع ثاني مفعولي "عرفته" داخل في صلة الموصول، والوجه أن يكون حالاً.

قوله: (هو لا يبالي) مقولٌ لقوله: "تقول لصاحبك" هذا الوجه إنما يُذهب إليه إذا سمع كلامٌ ذكر فيه ما يحتمل أحقر وأصغر منه، فيؤتى بما يحتمله من الصغر، ليترقى منه إلى ما ذكره المخاطب، فإن الكفار لما استنكروا ضرب المثل بالذباب والعنكبوت، فقيل لهم:(إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً)[البقرة: 26] فضلاً عما يقولونه وهو المثل بالذباب والعنكبوت، وعليه مثال الدرهم والدرهمين.

الانتصاف: لا يستقيم المعنى على ما أشار إليه الزمخشري؛ لأن هذا الاستفهام إنما يقع للإنكار تنبيهاً بالأدنى على الأعلى، كما تقول: فلانٌ يُعطي الأموال ما الدينار وما الديناران؟ وأما ههنا فهم أنكروا ضرب المثل بالذباب، فلا يستقيم أن تكون البعوضة فما فوقها في الصغر أو الكبر على اختلاف المذهبين تنبيهاً بالأقل على الأكثر؛ إذ هي وما فوقها الأكثر في الحقارة! ولا تجد لتصحيح المعنى وجهاً. وإنما أطلت لأنه موضعٌ ضيقٌ يبعد فهمه، وحسبك بمعنىً انعكس فيه فهم الزمخشري.

ص: 389

في "صحيح" مسلم عن إبراهيم عن الأسود قال: دخل شباب من قريش على عائشة رضى اللَّه عنها وهي بمنى وهم يضحكون. فقالت: ما يضحككم؟ قالوا: فلان خرّ على طنب فسطاط فكادت عنقه - أو عينه- أن تذهب. فقالت: لا تضحكوا؛

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الإنصاف: لو تأمل كلامه لوجد جواب اعتراضه فيه؛ لأنه قال: أُجيبوا بأن الله لا يستحيي أن يضرب مثلاً من الأمثال ما شاء؛ فما البعوضة فما فوقها؟ وذلك أن المسلوب عن الله أن يضرب مثلاً وهو نكرةٌ في سياق النفي، فيعم كل مثلٍ على اختلاف أنواعه عن الله، فما البعوضة، أي: الكل في الجواز سواء، فما البعوضة فما دونها في الحقارة؟ إذ المبالغة في تقليله لا يخرج عن كونه مثلاً، والكل جائزٌ، ولا يلزم من الاستفهام بـ"ما" أن يكون من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى، وقد يكون للإنكار على من سمع قاعدةً قد تقررت فسأل شيئاً من جزئياتها وقال: لِمَ جاز هذا مع وضوح الدليل على جواز الكل؟ وأُشير إلى أن الجميع علةٌ واحدة، وليس بعجيبٍ ما وهم فيه من ضيق مجال هذا البحث.

وقلت: كلام صاحب "الإنصاف" يُشعر بأن وقله تعالى: (مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا) من باب التذييل، وأنه يؤكد معنى العموم في قوله:(أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا) وتكرير (بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا) للاستيعاب والشمول كقوله تعالى: (وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا)[مريم: 62] سواءٌ اعتبرت الصغر أو الكبر أفاد الاستيعاب.

والذي يُفهم من كلام المصنف: أن الوجه الأول من باب الترقي كقوله تعالى: (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى)، والثاني من باب الأولوية كقوله تعالى:(فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا)[الإسراء: 23]، وإلى الأول الإشارة بقوله:"تريد هو أبلغ وأعرق فيما وصف به"، وإلى الثاني بقوله:"كأنك قلت: فضلاً عن الدرهم والدرهمين".

ص: 390

إني سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال «ما من مسلم يشاك شوكة فما فوقها إلا كتبت له بها درجة ومحيت بها عنه خطيئة» يحتمل فما عدا الشوكة وتجاوزها في القلة وهي نحو نخبة النملة في قوله عليه الصلاة والسلام: «ما أصاب المؤمن من مكروه فهو كفارة لخطاياه حتى نخبة النملة وهي عضتها. ويحتمل ما هو أشد من الشوكة وأوجع كالخرور على طنب الفسطاط. فإن قلت: كيف يضرب المثل بما دون البعوضة وهي النهاية في الصغر؟ قلت: ليس كذلك، فإن جناح البعوضة أقل منها وأصغر بدرجات، وقد ضربه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم مثلا للدنيا، وفي خلق اللَّه حيوان أصغر منها ومن جناحها، ربما رأيت في تضاعيف الكتب العتيقة دويبة لا يكاد يجليها للبصر الحادّ إلا تحركها، فإذا سكنت فالسكون يواريها، ثم إذا لوحت لها بيدك حادت عنها وتجنبت مضرتها،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (يُشاك شوكةً) عن بعضهم: أراد المعنى لا العين، وهي المرة من شاك، ولو أراد العين لقال: بشوكةٍ، وفيه نظر.

النهاية: شيك الرجل فهو مشوكٌ: إذا دخل في جسمه شوكة.

الحديث أخرجه البخاري ومسلمٌ ومالكٌ والترمذي. وأما قوله: "ما أصاب المؤمن من مكروهٍ" الحديث، فلم أقف له على رواية.

قوله: (كالخرور على طُنُب الفسطاط)، الجوهري: الفسطاط بيت من شعر.

قوله: (وقد ضربه رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلاً للدنيا) روينا عن الترمذي عن سهل بن سعد،

ص: 391

فسبحان من يدرك صورة تلك وأعضاءها الظاهرة والباطنة وتفاصيل خلقتها ويبصر بصرها ويطلع على ضميرها، ولعل في خلقه ما هو أصغر منها وأصغر (سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ) [يس: 36]، وأنشدت لبعضهم:

يَا مَنْ يَرَى مَدَّ البَعُوضِ جَنَاحَها

في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ البَهِيمِ الألْيَلِ

ويَرَى عُرُوقَ نِيَاطِها في نَحْرِها

والمُخَّ في تِلْكَ العِظَامِ النّحَّلِ

اغْفِرْ لِعبْدٍ تابَ مِنْ فَرَطاتِهِ

ما كانَ مِنْهُ في الزَّمانِ الأوَّلِ.

وفَأَمَّا حرف فيه معنى الشرط، ولذلك يجاب بالفاء. وفائدته في الكلام أن يعطيه فضل توكيد. تقول: زيد ذاهب. فإذا قصدت توكيد ذاك وأنه لا محالة ذاهب وأنه بصدد الذهاب وأنه منه عزيمة قلت: أمّا زيد فذاهب. ولذلك قال سيبويه في تفسيره: مهما يكن من شيء فزيد ذاهب. وهذا التفسير مدل بفائدتين: بيان كونه توكيداً، ....

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضةٍ ما سقى كافراً منها شربة ماء".

قوله: (يا من يرى) الأبيات، الجوهري: النياط: عرقٌ عُلِّق به القلب من الوتين، فإذا قُطع مات صاحبه.

قوله: (أما زيدٌ فذاهب) قال الزجاج: الفاء دخلت في قوله: (فَيَعْلَمُونَ) لأن "أمّا"

ص: 392

وأنه في معنى الشرط. ففي إيراد الجملتين مصدّرتين به - وإن لم يقل: فالذين آمنوا يعلمون، والذين كفروا يقولون- إحماد عظيم لأمر المؤمنين، واعتداد بعلمهم أنه الحق، ونعى على الكافرين إغفالهم حظهم وعنادهم ورميهم بالكلمة الحمقاء.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تأتي بمعنى الشرط والجزاء كأنه إذا قال: أما زيدٌ فقد آمن وأما عمرو فقد كفر، قيل: مهما يكن من شيءٍ فقد آمن زيدٌ، ومهما يكن من شيءٍ فقد كفر عمرو.

قلت: وتحريره: أي شيءٍ قُدر من الموانع والحوادث لا يمنع زيداً من افيمان. ويلزم منه أن الإيمان منه عزيمةٌ، ولهذا كرر العبارة. وفي "الإقليد": عن عبد القاهر: حق زيدٍ أن يكون بعد الفاء، لأنه جوابٌ وجزاءٌ إلا أنه حذف فعل الشرط وقدم المبتدأ وهو زيدٌ على الفاء وجُعل التقديم عوضاً من الفعل المحذوف.

قوله: (إحمادٌ عظيم) ليس من أحمدته، أي: صادفته محموداً، وإنما هو من أحمدت صنيعه، وأحمدت الأرض: رضيت سكناها، وجاورته فأ؛ مدت جواره. قاله في "الأساس" في قسم المجاز. وقيل: حُكمٌ بكونه محموداً، كالإكفار حكمٌ بكونه كافراً.

قوله: (ورميهم بالكلمة الحمقاء) وصف الكلمة بالحمقاء إذا لم تصدر عن فكرٍ ورويةٍ، بل يُرمى بها جزافاً. وقصد بها وصف صاحبها على الإسناد المجازي كما وصف القرآن في قوله:(وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ)[يس: 2] بصفة من هو بسببه، لتكون كنايةً عن حُمق صاحب الكلمة؛ ليصح التقابل بين هذه القرينة وبين قوله:(فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ)[البقرة: 26].

قال القاضي: وكان من حق الكلام: وأما الذين كفروا فلا يعلمون؛ ليطابق قوله: "يعلمون"، لكن لما كان قولهم هذا دليلاً واضحاً على جهلهم عدل إليه على سبيل الكناية ليكون كالبرهان عليه.

ص: 393

والْحَقُّ الثابت الذي لا يسوغ إنكاره. يقال: حق الأمر، إذا ثبت ووجب. وحقت كلمة ربك، وثوب محقق: محكم النسج.

و(ماذا) فيه وجهان: أن يكون ذا اسماً موصولا بمعنى الذي، فيكون كلمتين. وأن يكون (ذا) مركبة مع (ما) مجعولتين اسماً واحداً فيكون كلمة واحدة، فهو على الوجه الأوّل مرفوع المحل على الابتداء وخبره ذا مع صلته. وعلى الثاني منصوب المحل في حكم (ما) وحده لو قلت: ما أراد اللَّه. والأصوب في جوابه أن يجيء على الأوّل مرفوعاً، وعلى الثاني منصوباً، ليطابق الجواب السؤال. وقد جوّزوا عكس ذلك تقول - في جواب من قال: ما رأيت؟ - خير، أى المرئي خير. وفي جواب ما الذي رأيت؟ خيراً، أى رأيت خيراً. وقرئ قوله تعالى:(يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ)[البقرة: 219] بالرفع والنصب على التقديرين.

والإرادة نقيض الكراهة، وهي مصدر أردت الشيء إذا طلبته نفسك ومال إليه قلبك. وفي حدود المتكلمين: الإرادة معنى يوجب للحي حالاً

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (والحق الثابت الذي لا يسوغ إنكاره) قال القاضي: الحق يعم الأعيان الثابتة والأفعال الصائبة والأقوال الصادقة.

قوله: (كما تقول في جواب من قال: ما رأيت؟ خيرٌ) استشهادٌ للتعكيس، وسيجيء إن شاء الله في "النحل" أن مدار المطابقة على موافقة السائل ومخالفته في قوله تعالى:(مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ)[النحل: 24].

قوله: (أردت الشيء؛ إذا طلبته نفسك ومال إليه قلبك) قال القاضي: الإرادة: نزوع النفس وميلها إلى الفعل بحيث يحملها عليه، ويقال للقوة التي هي مبدأ النزوع. والأول مع

ص: 394

لأجلها يقع منه الفعل على وجه دون وجه. وقد اختلفوا في إرادة اللَّه، فبعضهم على أنّ للباري مثل صفة المريد منا التي هي القصد، وهو أمر زائد على كونه عالما غير ساه. وبعضهم على أن معنى إرادته لأفعاله هو أنه فعلها وهو غير ساه ولا مكره. ومعنى إرادته لأفعال غيره أنه أمر بها. والضمير في (أَنَّهُ الْحَقُّ) للمثل، أو لـ (أن يضرب)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الفعل والثاني قبله، وكلٌ من المعنيين غير متصورٍ اتصاف البارئ تعالى به، ولذلك اختلف في معنى إرادته، وقيل: علمه باشتمال الأمر على النظام الأكمل والوجه الأصلح، فإنه يدعو القادر إلى تحصيله. والحق أنها ترجيح أحد مقدوريه على الآخر، وتخصيصه بوجهٍ دون وجه.

وقال الإمام: إنها صفةٌ تقتضي رجحان أحد طرفي الجائز على الآخر؛ لا في الوقوع بل في الإيقاع، واحترزنا بهذا القيد عن القدرة.

قوله: (عالماً غير ساهٍ) بيانٌ لقوله: "عالماً"؛ يريد أن المراد من الإرادة مجرد القصد، وهو أمرٌ زائدٌ على معنى العلم المراد منه غير ساهٍ. والوجه الآتي بخلافه.

قوله: (وبعضهم على أن معنى إرادته) قال المصنف في كتاب "المنهاج": وقيل: معنى قوله: الله مريدٌ لأفعاله: أنه فعلها غير ساهٍ ولا مكرهٍ. "ومريدٌ لأفعال غيره": أنه أمر بها وليس له مثل صفة المريد منا، وهي القصد والميل. ومن أثبت له صفة المريد منا فهو عنده مريدٌ بمعنى الحادث وهو الإرادة، ويلزمه إثبات عرضٍ لا في محل. وعند الأشعري: هو مريدٌ بمعنى

ص: 395

وفي قولهم (ماذا أراد اللَّه بهذا) استرذال واستحقار كما قالت عائشة رضى اللَّه عنها في عبد اللَّه بن عمرو بن العاص: يا عجباً لابن عمروٍ هذا!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

القديم. وعند النجار: مريدٌ لذاته، ويلزمهما أن يريد المعاصي فيكون كارهاً مريداً لشيءٍ واحدٍ في حالة واحدة.

وقال الإمام في "نهاية العقول": القائلون بنفي الإرادة من المعتزلة أبو الهذيل والنظام والجاحظ والبلخي والخوارزمي قالوا: لا معنى للإرادة والكراهية شاهداً وغائباً إلا الداعي والصارف، وذلك في حقنا هو العالم باشتمال الفعل على المصلحة أو الاعتقاد أو الظن بذلك، والله سبحانه وتعالى لما استحال في حقه الاعتقاد والظن فلا جرم أنه لا معنى للداعي والصارف في حقه إلا علمه باشتمال الفعل على المصلحة والمفسدة. وقال أصحابنا: إن الأمر قد ينفك عن الإرادة، وتمام الكلام مذكور في الأصول.

قوله: (يا عجباً لابن عمرو هذا) روينا عن عبيد بن عميرٍ قال: بلغ عائشة رضي الله عنها: أن عبد الله بن عمرٍ ويأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن فقالت: يا عجباً لابن

ص: 396

(مَثَلًا) نصب على التمييز كقولك لمن أجاب بجواب غث:ماذا أردت بهذا جواباً؟ ولمن حمل سلاحاً ردياً. كيف تنتفع بهذا سلاحاً؛ أو على الحال، كقوله:(هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً)[الأعراف: 73].

وقوله: (يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً) جارٍ مجرى التفسير والبيان للجملتين المصدّرتين بأما، وأن فريق العالمين بأنه الحق وفريق الجاهلين المستهزئين به كلاهما موصوف بالكثرة، وأنّ العلم بكونه حقاً من باب الهدى الذي ازداد به المؤمنون نوراً إلى نورهم، وأنّ الجهل بحسن مورده من باب الضلالة التي زادت الجهلة خبطا في ظلمائهم. فإن قلت: لم وصف المهديون بالكثرة - والقلة صفتهم (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ)[سبأ: 13]، (وَقَلِيلٌ ما هُمْ) [ص: 24] ........

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عمرو هذا. وفيه: "كنت أغتسل ورسول الله في إناءٍ واحدٍ وما أزيدُ أن أفرغ على رأسي ثلاث إفراغات" أخرجه مسلم.

قوله: (أو على الحال) قال أبو البقاء: "مثلاً" حالٌ من اسم الله، أو من "هذا" أي: متمثلاً أو متمثلاً به. والمصنف اختار الثاني لقوله: (هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آَيَةً)[الأعراف: 73].

قوله: (جارٍ مجرى التفسير والبيان للجملتين) لأن كلتا الجملتين مشتملةٌ على الكثرة وعلى معنى الضلالة والهدى وهو قوله: (فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ)[البقرة: 26] و (فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ) فبين بقوله: (يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا) ذلك وكشف المعنى، وكذا تفسيره هذا، فقوله:"وإن فريق العالمين" و"فريق الجاهلين" جارٍ مجرى التفسير لقوله: "جارٍ مجرى التفسير والبيان"، وكذا قوله:"وأن العلم بكونه حقاً" وقوله: "وأن الجهل بحسن مورده" تفسيرٌ للتفسير على طريقة: أعجبني زيدٌ وكرمه.

ص: 397

"الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة، "وجدت الناس أخبر تقله"؟

..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (الناس كإبلٍ مئة) الحديث أخرجه البخاري ومسلمٌ والترمذي عن ابن عمر.

النهاية: أي: المرضي المنتجب من الناس كالنجيب من الإبل القوي على الأحمال الذي لا يوجد في كثيرٍ من الإبل. قال الأزهري: الراحلة هي البعير القوي على الأسفار والأحمال التام الخلق، يقع على الذكر والأنثى، والهاء فيه للمبالغة.

قوله: (وجدت الناس أخبر تقله) قال الميداني: ويجوز: "وجدت الناس" بالرفع على الحكاية، أي: سمعت هذا القول، ومن نصب "الناس" نصبه بالأمر، أي: اخبر الناس. "ووجدت" بمعنى: عرفت، أي: عرفت هذا المثل، والهاء في "تقله" للسكت بعد حذف العائد أصله: اخبر الناس تقلهم ثم حذف الضمير، ثم أدخل هاء الوقف، والجملة في محل النصب بـ"وجدت" أي: وجدت الأمر كذلك. قال أبو عبيد: جاءنا الحديث عن أبي الدرداء، وقال: خرج الكلام على لفظ الأمر ومعناه الخبر، يريد أنك إذا خبرتهم قليتهم، يُضرب في ذم الناس وسوء معاشرتهم. وقالوا: اخبر تقله، مفعولٌ ثانٍ لوجدت، أي: وجدتهم مقولاً فيهم هذا القول. ومعناه: ما منهم من أحدٍ إلا وهو مسخوطٌ بالفعل عند الخبرة.

ص: 398

قلت: أهل الهدى كثير في أنفسهم، وحين يوصفون بالقلة إنما يوصفون بها بالقياس إلى أهل الضلال. وأيضاً فإنّ القليل من المهديين كثير في الحقيقة وإن قلوا في الصورة، فسموا ذهاباً إلى الحقيقة كثيراً:

إنَّ الكِرَامَ كثِيرٌ في البِلادِ وإنْ

قَلُّوا، كَمَا غَيْرُهُمْ قَلُّ وإنْ كَثُروا

وإسناد الإضلال إلى اللَّه تعالى إسناد الفعل إلى السبب؛ لأنه لما ضرب المثل فضل به قوم واهتدى به قوم، تسبب لضلالهم وهداهم. وعن مالك بن دينار رحمه الله أنه دخل على محبوس قد أخذ بمال عليه وقيد، فقال: يا أبا يحيى، أما ترى ما نحن فيه من القيود؟ فرفع مالك رأسه فرأى سلة فقال:

.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (قُلٌّ وإن كثروا)، الأساس: في ماله قلةٌ وقُلٌّ، والربا وإن كثر فهو إلى قُلٍّ، والحمد لله على القل والكثر.

قوله: (إن الكرام) البيت، الانتصاف: والاستشهاد بالبيت غير مستقيمٍ لأن معناه: أنهم وإن كانوا قليلاً فالواحد منهم كالكثير، قال:

وواحدٌ كالألف إن أمرٌ عنى

الإنصاف: المهديون في الآية كثيرٌ في أنفسهم وقليلٌ بالنسبة إلى غيرهم، فليس البيت من معنى الآية في شيء.

ص: 399

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقلت: كلاهما اتفقا على أن الجواب الأول هو المقصود في تفسير الآية، لأن المعنى: المهديون كثيرون في أنفسهم لأنهم كانوا جماً غفيراً، ولكن بالنسبة إلى الكافرين كانوا قليلين. وأما الجواب الثاني والبيت المستشهد به فليسا من المعنى في شيء، إذ لو أريد هذا المعنى لقيل: يُضل به قليلاً ويهدي به كثيراً. ويمكن أن يقال: إن المعنى يُضل به الناقضين الذين إن عدوا كانوا كثيرن، ويهدي به الكاملين الذين إن اعتدوا كانوا كثيرين كقوله: قليلٌ إذا عُدوا كثيرٌ إذا شدوا.

على أن سؤال المصنف المؤسس على قاعدته عن أصله مدفوع؛ لأنه إن أراد معنى العموم فقوله: (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ)[سبأ: 13] مع سائر الأمثلة لا يقابل الكافرين؛ لأن ذلك القليل لا يوجد إلا في الأنبياء وأفراد المؤمنين، بل المقابل عامة المؤمنين من أمة محمد صلوات الله عليه الذين علموا أن ما يقوله حقٌّ وصواب، سواءٌ كانوا مطيعين أو عاصين، فيدخل فيه من سيق له الكلام دخولاً أولياً، وهو الذي يقتضيه النظم، وإن أراد خصوص السبب، فقد أبعد المرمى؛ لأن الكلام واقعٌ في الطاعنين في ضرب الأمثال، القائلين: أما يستحيي رب محمدٍ أن يضرب بالذباب والعنكبوت مثلاً؟ وماذا أراد الله بهذا مثلاً؟ وذلك أن الضمير في (أَنَّهُ الْحَقُّ) كما صرح به للمثل أو لـ"أن يضرب"، وفي "به" في "يضل به""ويهدي به" كذلك، لما قال:(يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا) جارٍ مجرى التفسير والبيان للجملتين المصدرتين والطاعنون في ضرب الأمثال ما بلغوا مبلغ المؤمنين الذين حازوا قصب السبق، وشهد الله تعالى به في قوله:(وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)[التوبة: 100] فضلاً عن أن يزيدوا عليهم.

ص: 400

لمن هذه السلة؟ فقال: لي، فأمر بها تنزل، فإذا دجاج وأخبصة، فقال مالك: هذه وضعت القيود على رجلك. وقرأ زيد بن على: يَضل به كثير. وكذلك: وما يَضل به إلا الفاسقون. والفسق: الخروج عن القصد. قال رؤبة:

فَوَاسِقاً عَنْ قَصْدِها جَوَائرَا

والفاسق في الشريعة الخارج عن أمر اللَّه بارتكاب الكبيرة، وهو النازل بين المنزلتين أى بين منزلة المؤمن والكافر، وقالوا إنّ أوّل من حدّ له هذا الحدّ: أبو حذيفة واصل بن عطاء رضى اللَّه عنه وعن أشياعه. وكونه بين بين أنّ حكمه

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (فأمر بها تنزل) بالرفع على حذف أن وهو بدلُ اشتمالٍ من الضمير في بها كقوله تعالى: (وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا)[الزمر: 17].

قوله: (فواسقاً عن قصدها جوائرا) أوله:

يذهبن في نجدٍ وغوراً غائرا

القصد: الطريق المستقيم، "غوراً": عطفٌ على محل الجار والمجرور، يصف نوقاً يمشين في المفاوز يذهبن عن استقامة الطريق.

قوله: (النازل بين المنزلتين) قال القاضي: الفاسق في الشرع: الخارج عن أمر الله بارتكاب الكبيرة، وله درجاتٌ ثلاث: الأولى: التغابي وهو أن يرتكبها أحياناً مستقبحاً إياها، والثانية: الانهماك وهو أن يعتاد ارتكابها غير مبالٍ بها. والثالثة: الجحود وهو أن يرتكبها مستوصباً إياها، فإذا شارف هذا المقام وتخطى خططه خلع ربقة الإيمان من عنقه ولابس الكفر. وما دام هو في

ص: 401

حكم المؤمن في أنه يناكح ويوارث ويغسل ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين. وهو كالكافر في الذمّ واللعن والبراءة منه واعتقاد عداوته، وأن لا تقبل له شهادة. ومذهب مالك بن أنس والزيدية: أنّ الصلاة لا تجزئ خلفه. ويقال للخلفاء المردة من الكفار: الفسقة. وقد جاء الاستعمالان في كتاب اللَّه. (بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ)[الحجرات: 11]. يريد اللمز والتنابز (إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ)[التوبة: 67]. النقض: الفسخ وفك التركيب. فإن قلت: من أين ساغ استعمال النقض في إبطال العهد؟ قلت: من حيث تسميتهم العهد بالحبل على سبيل الاستعارة؛ .........

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

درجة التغابي والانهماك فلا يُسلب عنه اسم المؤمن لاتصافه بالتصديق الذي هو مسمى الإيمان، والمعتزلة لما قالوا: الإيمان عبارةٌ عن مجموع التصديق والإقرار والعمل، والكفر تكذيب الحق وجحوده؛ جعلوه قسماً ثالثاً نازلاً بين منزلتي المؤمن والكافر؛ لمشاكلته كل واحدٍ منهما في بعض الأحكام.

قوله: (للخلعاء) هو جمع خليعٍ. الأساس: ومن المجاز: خلع فلانٌ رسنه وعذاره، فعدا على الناس بشره. وقيل لكل شاطرٍ: خليع.

قوله: (وقد جاء الاستعمالان) أي: استعمال اسم الفاسق على المؤمن والكافر.

قوله: (النقض: الفسخ)، الراغب: النقض فسخ المبرم، وأصله في طاقات الحبل، والنكث مثله.

قوله: (من حيث تسميتهم العهد بالحبل) أي: لما سموا العهد بالحبل على سبيل الاستعارة كما في قوله: "إن بيننا بين القوم حبالاً" أي: عهداً، جسروا أن يستعملوا النقض في إبطال

ص: 402

لما فيه من ثبات الوصلة بين المتعاهدين. ومنه قول ابن التيهان في بيعة العقبة: يا رسول اللَّه، إنّ بيننا وبين القوم حبالا ونحن قاطعوها، فنخشى إنّ اللَّه عز وجل أعزّك وأظهرك أن ترجع إلى قومك وهذا من أسرار البلاغة ولطائفها؛

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

العهد، وذلك أن شبه العهد بالحبل لما فيه من ثبات الوصلة تشبيهاً بليغاً حتى إنه حبلٌ من الحبال، ثم أخذ الوهم في تصويره بصورة الحبل، وتخييله بالحبل، واختراع ما يلازم الحبل من النقض، ثم إطلاق النقض المحقق على ذلك المخترع على سبيل الاستعارة التخييلية، ثم إضافته إلى العهد المتخيل ليكون قرينةً مانعةً عن إرادة العهد الحقيقي، ولو لم يُذكر النقض لم يُعلم أن العهد مكان الاستعارة، وإليه رمز المصنف بقوله:"أن يسكتوا عن ذكر الشيء المستعار" أي: الحبل "ثم يرمزوا إليه بذكر شيءٍ من روادفه" أي: النقص، "فيُنبهوا بتلك الرمزة على مكانه" أي: الحبل المستعار، وعلى هذا المثالان.

قوله: (التيهان) وفي "الحواشي": صح عن نسخة المصنف بفتح الياء، وبكسرها خطأٌ ذكره المرزوقي في "شرح الحماسة". قلت: بل هو أصوب لما في "جامع الأصول": ابن التيهان اسمه أبو الهيثم مالك بن التيهان الأنصاري صحابيٌ كبيرٌ شهد العقبة الأولى والثانية، وشهد بدراً وأُحداً والمشاهد كلها، التيهان: بفتح التاء فوقها نقطتان وبتشديد الياء تحتها نقطتان وكسرها. ذكره في موضعين من كتابه.

قوله: (في بيعة العقبة) وهي العقبة الثانية في ثلاث عشرة من النبوة، والعقبة الأولى في سنة إحدى عشرة منها، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج في الموسم يعرض نفسه على القبائل، فبينا هو عند العقبة لقي رهطاً من الخزرج، فجلس معهم وعرض عليهم الإسلام، وتلا القرآن،

ص: 403

أن يسكتوا عن ذكر الشيء المستعار، ثم يرمزوا إليه بذكر شيء من روادفه، فينبهوا بتلك الرمزة على مكانه. ونحوه قولك: شجاع يفترس أقرانه، وعالم يغترف منه الناس، وإذا تزوّجت امرأة فاستوثرها. لم تقل هذا إلا وقد نبهت على الشجاع والعالم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فأجابوه وانصرفوا راجعين، وكانوا ستة نفرٍ، فلما كان العام المقبل قدم منهم اثنا عشر رجلاً منهم ابن التيهان، قال عبادة بن الصامت: بايعناه بيعة النساء على أن لا نُشرك بالله شيئاً، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتانٍ نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف. قال ابن التيهان: بيننا وبين القوم حبالٌ إلى آخره، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال:"الدم بالدم، والهدم بالهدم، أنتم مني وأنا منكم". أورده ابن الجوزي في كتاب "الوفا في سيرة المصطفى".

والحبال- في قول ابن التيهان- استعارةٌ مصرحة عن العهد والقرينة مقتضى المقام، و"قاطعوها" ترشيحٌ لها.

"وأن يسكتوا" في الكتاب بدلٌ من قوله: "هذا" أي: سكوتهم "عن ذكر الشيء المستعار" إلى آخره "من أسرار البلاغة".

قوله: (فاستوثرها)، الأساس: فراشٌ وثير: وطيءٌ، وقد وُثر وثارةً، ومن المجاز: وثرت وثارةً، إذا سمنت، قال القطامي:

وكأنما اشتمل الضجيع بريطةٍ

لا بل تزيد وثارةً وليانا

قوله: (لم تقل هذا) أي: "يفترس" مثلاً إلا وقد دللت به على أن المراد بقولك: شجاعٌ: أسدٌ، ولا يكون أسداً إلا أن يكون استعارةً مكنيةً كما سبق، وذلك بأن يذكر اسم الشجاع

ص: 404

بأنهما أسد وبحر، وعلى المرأة بأنها فراش والعهد: الموثق. وعهد إليه في كذا: إذا وصاه به ووثقه عليه. واستعهد منه: إذا اشترط عليه واستوثق منه .......

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الذي هو المشبه، ويراد به اسم الأسد المشبه به أولاً، وهو الآن متخيلٌ، وإنما سميت مكنيةً لدلالة لازم المشبه به على مكانه، فتفطن لها، واحذه حذو ما نبه عليه المصنف، فإن غلط الناس فيها كثير، وحيث لم يفهموه خطؤوا صاحب "المفتاح".

وأما قول صاحب "التقريب": إنها على الاستعارة المرشحة، فبعيد؛ لأن القرينة لا تكون ترشيحاً، بل الترشيح قوله:(مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ)[البقرة: 27]؛ لأن الترشيح تفريعٌ على الاستعارة وتتميمٌ لها، ولا يأتي إلا بعد تمامها.

قوله: (وعلى المرأة بأنها فراش) وإنما أعاد الجار ليفرق بين الأمثلة، وقد فرقها في قوله:"وإذا تزوجت امرأة" حيث عدل إلى الشرطية، ولو قلت: شجاعٌ يفترس أقرانه، وعالمٌ يغترف منه الناس، وامرأةٌ وثيرة، لنسبت إلى ما تكره، ولجمعت بين الضرغام والنعام.

قوله: (واستعهد) عطفٌ على قوله: "عهد إليه" أي: العهد مطلقاً: الموثق، فإذا استعمل بـ"إلى" كان بمعنى وصاه به، وإذا استعمل بـ"من"، كان بمعنى الاشتراط، والقدر المشترك الموثق، كما قال "العهد: الموثق" ولهذا قدر في المعنيين "وثقه عليه واستوثق منه"، ولابد من الأول من قبول من يُعهد إليه، وفي الثاني لزوم الوفاء من الطرفين، يدل عليه استشهاده بقوله:(وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ)[البقرة: 40] والصريح فيه قوله تعالى: (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَاتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ)[البقرة: 38] إلى قوله: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا) الآية [البقرة: 39].

ص: 405

والمراد بهؤلاء الناقضين لعهد اللَّه: أحبار اليهود المتعنتون، أو منافقوهم، أو الكفار جميعاً. فإن قلت: فما المراد بعهد اللَّه؟ قلت: ما ركز في عقولهم من الحجة على التوحيد كأنه أمر وصاهم به ووثقه عليهم، وهو معنى قوله تعالى:(وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى)[الأعراف: 172]؛ أو أخذ الميثاق عليهم بأنهم إذا بعث إليهم رسول - يصدقه اللَّه بمعجزاته - صدّقوه واتبعوه،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الراغب: العهد: حفظ الشيء ومراعاته حالاً بعد حال. وعهد فلانٌ إلى فلان يعهد، أي: ألقى العهد إليه، وأوصاه بحفظه، وعهد الله تارةً يكون بما ركزه في عقولنا وتارةً بما أمرنا به بكتابه وسنة رسوله، وتارةً بما نلتزمه وليس بلازمٍ في أصل الشرع كالنذور وما يجري مجراها، وعلى هذا قوله تعالى:(وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ)[التوبة: 75] والمعاهد في أصل الشرع يختص بمن دخل من الكفار في عهد المسلمين، وكذلك ذو العهد، ومنه الحديث:"لا يقتل المؤمن بكافرٍ ولا ذو عهدٍ في عهده" وباعتبار الحفظ قيل للوثيقة بين المتعاقدين عهدة، وقولهم: في هذا الأمر عهدةٌ لما أُمر به بأن يستوثق منه. ويقال: العهد للدار، لمراعاة الرجوع إليها.

قوله: (ما ركز في عقولهم) مناسبٌ لقوله: "عهد إليه في كذا" فعلى هذا أخذ الميثاق تمثيلٌ بدليل قوله: "كأنه أمرٌ وصاهم به".

فقوله: (وهو معنى قوله: (وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ)[الأعراف: 172]) بيانٌ لقوله: "ما ركز في عقولهم من الحجة" وقوله: "أو أخذ الميثاق عليهم" مناسبٌ لقوله: "واستعهد منه: إذا اشترط عليه"، ويدل عليه تصريح الشرط بأنهم إذا بُعث إليهم رسولٌ صدقوه واتبعوه.

ص: 406

ولم يكتموا ذكره فيما تقدّمه من الكتب المنزلة عليهم، كقوله:(وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ)[البقرة: 40]. وقوله في الإنجيل لعيسى صلوات اللَّه عليه: «سأنزّل عليك كتاباً فيه نبأ بنى إسرائيل، وما أريته إياهم من الآيات، وما أنعمت عليهم وما نقضوا من ميثاقهم الذي واثقوا به، وما ضيعوا من عهده إليهم» وحسن صنعه للذين قاموا بميثاق اللَّه تعالى وأوفوا بعهده، ونصره إياهم، وكيف أنزل بأسه ونقمته بالذين غدروا ونقضوا ميثاقهم ولم يوفوا بعهده، لأنّ اليهود فعلوا باسم عيسى ما فعلوا باسم محمد صلى اللَّه عليهما وسلم من التحريف والجحود وكفروا به كما كفروا به، وقيل:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (فيما تقدمه) متعلقٌ بقوله: "ذكره" وقيل: متعلقٌ بقوله: "أخذ" وليس بذلك.

قوله: (في الإنجيل) أي: في حق الإنجيل. والمراد بقوله: "كتاباً" هو الإنجيل، نحو قوله تعالى لرسولنا صلوات الله عليه:(إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا)[المزمل: 5] والقول الثقيل هو القرآن.

قوله: (وما أريته) عطفٌ تفسيري لقوله: "بني إسرائيل"، على تقدير مضافٍ، أي: نبأ بني إسرائيل أريته إياهم.

قوله: (لأن اليهود فعلوا باسم عيسى) قيل: إلى هاهنا تم كلام الله في الإنجيل. وفي قوله: "من عهده" التفاتٌ، وقوله:"لأن اليهود" كلام المصنف، وهو متعلقٌ بقوله:"في الإنجيل" والظاهر أنه تعليلٌ لانضمام قوله: "في الإنجيل" مع قوله: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ)[البقرة: 40] وكلاهما مثالان لقوله: "أو أخذ الميثاق عليهم بأنهم إذا بعث" إلى آخره، أي: أن الله تعالى

ص: 407

هو أخذ اللَّه العهد عليهم أن لا يسفكوا دماءهم، ولا يبغى بعضهم على بعض، ولا يقطعوا أرحامهم. وقيل: عهد اللَّه إلى خلقه ثلاثة عهود: العهد الأوّل الذي أخذه على جميع ذرّية آدم، الإقرار بربوبيته وهو قوله تعالى:(وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ من بني آدَمَ)[الأعراف: 172]؛ وعهد خص به النبيين أن يبلغوا الرسالة ويقيموا الدين ولا يتفرّقوا فيه، وهو قوله تعالى:(وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ)[الأحزاب: 7]؛ وعهدٌ خصّ به العلماء وهو قوله: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ)[آل عمران: 187]. والضمير في (ميثاقه) للعهد، ....

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أخذ الميثاق عليهم بأنه إذا بُعث إليهم رسولٌ يصدقه بمعجزاته صدقوه، ولم يكتموا ذكره المثبت في الكتب المنزلة عليهم كما كتب في "التوراة"، واستعهد من اليهود فيها: أنه إذا جاءهم الرسول النبي الأمي ويصدقه الله بالمعجزة يؤمنوا به ويصدقوه، يدل عليه قوله: سأنزل إلى آخره؛ لأن فيه تسليةً للمسيح عليه السلام، وأنه من زُمرة من كذبته اليهود ونقضوا ميثاق الله فيه، ولم يوفوا بعهده. ووعد بأنه سينتقم له منهم البتة.

قوله: (والضمير في (مِيثَاقِهِ) للعهد) أي: الضميرُ فيه: إما للعهد أو لله تعالى، وعلى التقديرين الميثاق: إما اسمٌ لما تقع به الوثاقة، أي: الاستحكام، وإما مصدر. فهذه وجوه أربعة:

الوجه الأول مناسبٌ لقوله في الجواب "ما ركز في عقولهم من الحجة على التوحيد"، لإيقاع قوله: طمن قبوله وإلزامه أنفسهم" بياناً "لما وثقوا به"، ولا بد في هذا الوجه من القبول ممن يعهد إليه، لما سبق في قوله:(أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى)[الأعراف: 172].

والرابع منها مناسبٌ للوجه الثاني في الجواب وهو قوله: "أو أخذ الميثاق عليهم بأنهم إذا بُعث إليهم رسولٌ صدقوه" لقوله: "من آياته وكتبه وإنذار رسله"، ولا يجب على هذا الوجه

ص: 408

وهو ما وثقوا به عهد اللَّه من قبوله وإلزامه أنفسهم. ويجوز أن يكون بمعنى توثيقه، كما أنّ الميعاد والميلاد، بمعنى الوعد والولادة. ويجوز أن يرجع الضمير إلى اللَّه تعالى، أى من بعد توثقته عليهم، أو من بعد ما وثق به عهده من آياته وكتبه وإنذار رسله. ومعنى قطعهم ما أمر اللَّه به أن يوصل: قطعهم الأرحام وموالاة المؤمنين، ......

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

القبول لما سبق في قوله تعالى: (فَإِمَّا يَاتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ) وقوله: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ).

والوجه الثاني والثالث عامّان، ولهذا ما قيدهما بشيء، أما تقدير الوجه الثاني: فالمعنى الذين ينقضون عهد الله من بعد توثقتهم العهد مع الله بالقبول والتزموه، أو من بعد توثقة الله العهد بالشرط الذي شرط، وعلى هذا الوجه الثالث.

قوله: (قطعهم الأرحام) قال القاضي: ويحتمل كل قطيعةٍ لا يرضاها الله تعالى وسائر ما فيه رفض خيرٍ وتعاطي شر، فإنه يقطع الوصلة بين الله وبين العبد المقصودة بالذات.

وقلت: ذهب القاضي إلى العموم، وخصه المصنف بالوجهين، ولا منافاةً؛ لأن قوله:(الَّذِينَ يَنْقُضُونَ) متصلٌ بقوله: (إِلَّا الْفَاسِقِينَ)، وهو: إما مظهرٌ وضع موضع المضمر، وهم الطاعنون في التمثيلات الواردة في التنزيل. وقوله:(إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا)[البقرة: 26] ردٌّ عليهم، وحينئذٍ لا يخلو: إما أن يُراد بهم المشركون، فالمراد بقطع الأرحام عداوتهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإما أن يراد بهم أهل الكتاب، فالمراد قطعهم ما بين الأنبياء من الوُصلةِ والاتحاد حيث آمنوا ببعض وكفروا ببعضٍ، وإما عامٌّ في جميع الفسقة، فحينئذٍ يُحمل على ما قاله القاضي، ويدخل فيه أحد الفريقين على البدل دخولاً أوليًّا بشهادة سياق الكلام، والله أعلم.

ص: 409

وقيل: قطعهم ما بين الأنبياء من الوصلة والاتحاد والاجتماع على الحق، في إيمانهم ببعض وكفرهم ببعض. فإن قلت: ما الأمر؟ قلت: طلب الفعل ممن هو دونك وبعثه عليه، وبه سمي الأمر الذي هو واحد الأمور؛ لأن الداعي الذي يدعو إليه من يتولاه شبه بآمر يأمره به، فقيل له: أمر؛ تسمية للمفعول به بالمصدر كأنه مأمور به، كما قيل له شأن. والشأن: الطلب والقصد. يقال: شأنت شأنه، أي قصدت قصده.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الراغب: أما ذمهم بقطع ما أمر الله به أن يوصف فذمٌ برفض الخيرات وتعاطي السيئات، وذلك أن التقاطع يحصل من رفض المحبة والعدالة، ورفضهما سبب كل فساد، فإن القوم إذا أحبوا وعدلوا تواصلوا، وإذا تواصلوا تعاونوا، وإذا تعاونوا عمروا، وإذا عمروا أمروا. وبالعكس: إذا تباغضوا وظلموا تدابروا وتخاذلوا، وإذا تخاذلوا لم يعمل بعضهم لبعضٍ فهلكوا. ولهذا قال صلى الله عليه وسلم:"لا تقاطعوا ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً كما أمركم الله". ولذلك حثنا على الاجتماعات في الجمعات والجماعات؛ لكون ذلك سبباً إلى الألفة، بل لذلك عظَّم الله تعالى المنة على المؤمنين بقوله:(لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ)[الأنفال: 63].

قوله: (واحد الأمور) أي: القصد والشأن، لأن الأمر المصطلح عليه جمعه: الأوامر.

قوله: (لأن الداعي الذي يدعو إليه) والضمير في "إليه" راجعٌ إلى الأمر بمعنى الشأن، وكذا المنصوب في "يتولاه"، لا إلى الفعل كما ظُنَّ؛ لأن التشبيه واقعٌ بين الأمر الذي هو بمعنى الشأن وبين الأمر الذي هو طلب الفعل، و"من يتولاه" مفعول يدعو، أي: شبه الداعي الذي

ص: 410

(هُمُ الْخاسِرُونَ)؛ لأنهم استبدلوا النقض بالوفاء، والقطع بالوصل، والفساد بالصلاح وعقابها بثوابها.

[(كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ* هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)].

معنى الهمزة التي في كَيْفَ مثله في قولك: أتكفرون باللَّه

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يدعو من يقصد أمراً بآمر يأمر المتولي، أي: المأمور؛ لأن كل فعل لابد له من باعث وحامل، فشبه ذلك الباعث بالأمر، فصار ذلك الفعل كالمأمور به فسموه بالمصدر؛ كالصيد باسم المصيد. وفي كلامه إيماء إلى أنه منقول عرفي، والتشبيه بيان للعلاقة. قال صاحب "النهاية": الشأن: الخطب والأمر والحال، والجمع: شؤون.

قوله: (استبدلوا النقض بالوفاء) يشير إلى أن تلك الاستعارة التي سبقت في قوله تعالى: (يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ)[البقرة: 27] متضمنة للاستبدال المستعار له البيع والشراء استعارة قوله تعالى: (اشْتَرَوْا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى)[البقرة: 16]، ولهذا ذيل بقوله:(أُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ)، فإن الخسران لا يستعمل إلا في التجارة حقيقة، فيكون قرينة للاستعارة المقدرة، كما أن ثمة النسبة قرينة لها، و"فما ربحت" ترشيح، شبه استبدال النقض بالوفاء المستلزم للعقاب بالاشتراء المستلزم للخسران.

قوله: (وعقابها) الضمير فيه راجع إلى النقض والقطع والفساد، وهي جماعة، كما أن في "بثوابها" راجع إلى نقائضها.

قوله: (معنى الهمزة [التي] في (كَيْفَ) مثله في [قولك]: أتكفرون) يعني: "كيف"

ص: 411

ومعكم ما يصرف عن الكفر ويدعو إلى الإيمان، وهو الإنكار والتعجب. ونظيره قولك: أتطير بغير جناح، وكيف تطير بغير جناح؟ فإن قلت: قولك: أتطير بغير جناح إنكار للطيران، لأنه مستحيل بغير جناح، وأما الكفر فغير مستحيل مع ما ذكر من الإماتة والإحياء. قلت: قد أخرج في صورة المستحيل لما قوى من الصارف عن الكفر والداعي إلى الإيمان. فإن قلت: فقد تبين أمر الهمزة وأنها لإنكار الفعل والإيذان باستحالته في نفسه، أو لقوة الصارف عنه، فما تقول في (كيف)؛ .......

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

سؤال عن الحال، فإذا قيل: كيف زيد؟ كأنه قيل: أصحيح أم سقيم؟ مشغول أم فارغ؟ لأنه إنما يجاب بمثل ذلك، فإذن "كيف" ها هنا متضمن للهمزة، ثم معنى الهمزة فيه الإنكار والتعجب؛ لأنه متفرع على قوله: أتكفرون كما سنبينه، والهمزة فيه للإنكار والتعجب فكذا في كيف. ونقل عن المصنف أنه قال في الفرق بين الهمزة و"كيف": إن "كيف" سؤال تفويض لإطلاقه، وكأن الله تعالى فوض الأمر إليهم في أن يجيبوا بأي شيء أجابوا، ولا كذلك الهمزة، فإنه سؤال حصر وتوقيت، فإنك تقول: أجاءك راكباً أم ماشياً؟ فتوقت وتحصر. ومعنى الإطلاق ما قاله صاحب "المفتاح": "كيف" سؤال عن الحال وهو ينتظم الأحوال كلها، والكفار حين صدور الكفر عنهم لابد من أن يكونوا على إحدى الحالتين: إما عالمين بالله وإما جاهلين به، فإذا قيل: كيف تكفرون بالله؟ أفاد: في حال العلم تكفرون بالله أم في حال الجهل؟ هذا هو معنى التفويض في الآية.

قوله: (لما قوي من الصارف عن الكفر) والصارف هو العلم بكونه تعالى محييهم ثم مميتهم، ثم المرجع والمصير إليه لإيقاع قوله:(وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ) الآية قيداً لقوله: (تَكْفُرُونَ).

قوله: (فما تقول في (كَيْفَ)) يعني: هلا أنكر عليهم ذات الكفر وذات الطيران وهما المنكران لا حالهما، و"كيف" للحال؟ وحاصل الجواب: أن إنكار الذات مستتبع لإنكار الحال،

ص: 412

حيث كان إنكاراً للحال التي يقع عليها كفرهم؟ قلت: حال الشيء تابعة لذاته، فإذا امتنع ثبوت الذات تبعه امتناع ثبوت الحال فكان إنكار حال الكفر لأنها تبيع ذات الكفر ورديفها إنكاراً لذات الكفر، وثباتها على طريق الكناية، وذلك أقوى لإنكار الكفر وأبلغ. وتحريره: أنه إذا أنكر أن يكون لكفرهم حال يوجد عليها. وقد علم أنّ كل موجود لا ينفك عن حال وصفة عند وجوده. ومحال أن يوجد بغير صفة من الصفات كان إنكاراً لوجوده على الطريق البرهاني. والواو في قوله (وَكُنْتُمْ أَمْواتاً) للحال. فإن قلت: فكيف صح أن يكون حالا وهو ماض، ولا يقال جئت وقام الأمير، ولكن وقد قام، لا أن يضمر قد؟ قلت: لم تدخل الواو على: (كُنْتُمْ أَمْواتاً) وحده، ولكن على جملة قوله:(كُنْتُمْ أَمْواتاً) إلى (تُرْجَعُونَ)، كأنه قيل: كيف تكفرون باللَّه وقصتكم هذه وحالكم أنكم كنتم أمواتا نطفا في أصلاب آبائكم؛

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لأن حال الشيء تابعة لذات الشيء، فلو أنكر الذات في هذا المقام [لم] يكن في المبالغة كما إذا أنكر الحال، فيتبعها امتناع الذات، لأن مقتضى الظاهر إنكار الذات. فإذا أنكر لم يكن من الكناية في شيء. وأما إذا أنكرت الحال لتنتفي الذات كان كناية، وكان أبلغ لما يلزم من نفيها نفيه بطريق برهاني؛ لأنه إذا أنكر أن يكون لكفرهم حال يوجد عليها وقد علم أن كل موجود لا ينفك عن حال، فإذا نفي اللازم ينتفي الملزوم، فكان كدعوى الشيء ببينة، وهي كناية إيمائية.

قوله: (ولا يقال: جئت وقام الأمير ولكن: وقد قام) قال صاحب "المفتاح": إنما وجب ذلك ليقربه من زمانك حتى يصلح للحال.

وقال السجاوندي: الفعل الماضي لا يصح أن يكون حالاً؛ لأن الحال مفعول فيها، وما مضى لا يصح أن يقع فيه شيء، فإذا صحبه "قد" وقع حالاً، وذلك أن "قد" حرف معنى، وحرف المعنى إذا دخل على الفعل غيره عما كان عليه من المعنى، فإذا قلت: جئت وقد كتب

ص: 413

فجعلكم أحياء ثم يميتكم بعد هذه الحياة، ثم يحييكم بعد الموت، ثم يحاسبكم. فإن قلت: بعض القصة ماض وبعضها مستقبل، والماضي والمستقبل كلاهما لا يصح أن يقعا حالا حتى يكون فعلا حاضرا وقت وجود ما هو حال عنه، فما الحاضر الذي وقع حالا؟ قلت: هو العلم بالقصة، كأنه قيل: كيف تكفرون وأنتم عالمون بهذه القصة بأولها وآخرها. فإن قلت: فقد آل المعنى إلى قولك: على أى حال تكفرون في حال علمكم بهذه القصة فما وجه صحته؟ قلت: قد ذكرنا أنّ معنى الاستفهام في:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

زيد، لا يجوز أن يكون حالاً إن كانت الكتابة قد انقضت، ويكون إذا شرع في الكتابة، وقد مضى منها جزء لا أنه ملتبس بها، فيفيد "قد" أن زيداً قد شرع في الكتابة، وأنه قد مضى جزء منها، فلمضي ذلك الجزء جيء بالماضي، ولا يقع الماضي حالاً إلا على هذا المعنى، فلهذا لزم أن يكون معه "قد" ظاهرة أو مقدرة.

وقال غيره: لابد في الماضي المثبت من "قد" ظاهرة أو مقدرة؛ لأنه إنما يصلح للحال ما يصح أن يقع فيه الآن أو الساعة، وهذا ممتنع في الماضي المثبت، فلا يكون حالاً، إلا إذا كان معه "قد"، فإنه قد يقرب الماضي من الحال، ولا يحتاج الماضي المنفي إلى ذلك لدلالة ما على نفي الحال، ولهذا يصح تقدير "الآن" أو "الساعة".

قوله: (فقد آل المعنى) يعني رجع معنى قوله: (كَيْفَ تَكْفُرُونَ)"على أي حال تكفرون" ومعنى قوله: (وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً) إلى آخره "في حال علمكم بهذه القصة" كأنه قيل: أجيبوا عن حال كفركم، والحال أنكم عالمون بهذه القصة، فما وجه استقامة هذا الكلام؟

وخلاصة الجواب وتحريره: أن كيف سؤال عن الحال، وتقرر أن حالة الكفر منحصرة في العلم بالصانع والجهل به، فإذا قيد السؤال بإحدى الحالتين فكيف يجاب عنه؟ وخلاصة الجواب: أنا قد دللنا على أن مرجع إنكار حال الكفر إلى إنكار ذاته لا حاله، وذكر الحال للمبالغة فقط، وأن الحال الثانية قيد للمنكر. المعنى: أتكفرون والحال حال العلم، فحصول

ص: 414

(كَيْفَ): الإنكار، وأنّ إنكار الحال متضمن لإنكار الذات على سبيل الكناية، فكأنه قيل: ما أعجب كفركم مع علمكم بحالكم هذه! فإن قلت: إن اتصل علمهم بأنهم كانوا أمواتا فأحياهم ثم يميتهم، فلم يتصل بالإحياء الثاني والرجوع؟ قلت: قد تمكنوا من العلم بهما بالدلائل الموصلة إليه، فكان ذلك بمنزلة حصول العلم. وكثير منهم علموا ثم عاندوا. والأموات: جمع ميت، كالأقوال في جمع قيل. فإن قلت: كيف قيل لهم أموات في حال كونهم جماداً، وإنما يقال ميت فيما يصح فيه الحياة من البنى؟ قلت: بل يقال ذلك لعادم الحياة، كقوله:(بَلْدَةً مَيْتاً)[الفرقان: 49]، (وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ) [يس: 33]، (أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ) [النحل: 21]. ويجوز أن يكون استعارة لاجتماعهما في أن لا روح ولا إحساس. فإن قلت: ما المراد بالإحياء الثاني؟ قلت: يجوز أن يراد به الإحياء في القبر، وبالرجوع: النشور. وأن يراد به النشور، وبالرجوع: المصير إلى الجزاء. فإن قلت: لم كان العطف الأوّل بالفاء والإعقاب بثم؟ قلت: لأنّ الإحياء الأوّل قد تعقب الموت بغير تراخ، وأما الموت فقد نراخى عن الإحياء،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الكفر من العاقل العالم في هذا المقام مظنة تعجب وتعجيب، وحاصلة أن "كيف" قد انسلخ عنه معنى السؤال وتولد معنى الإنكار.

قوله: (جمع قيل)، الجوهري: القيل: ملك من ملوك حمير دون الملك الأعظم، وأصله قيل بالتشديد، كأنه الذي له قول، أي: ينفذ قوله، والجمع أقوال وأقيال أيضاً، ومن جمعه على أقيال لم يجعل الواحد منه مشدداً.

قوله: (لاجتماعهما) أي: اجتماع الجماد وما تصح فيه الحياة في معنى "لا روح ولا إحساس"، يعني شبه الجماد بالميت لجامع أن لا روح ولا إحساس فيهما، ثم استعير اللفظ.

ص: 415

والإحياء الثاني كذلك متراخ عن الموت إن أريد به النشور تراخياً ظاهراً، وإن أريد به إحياء القبر فمنه يكتسب العلم بتراخيه والرجوع إلى الجزاء أيضا متراخ عن النشور. فإن قلت: من أين أنكر اجتماع الكفر مع القصة التي ذكرها اللَّه، ألأنها مشتملة على آيات بينات تصرفهم عن الكفر، أم على نعم جسام حقها أن تشكر ولا تكفر؟ ....

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (فمنه يكتسب العلم) أي: يعلم من استعمال "ثم" في هذا الموضع أن الميت يحيى في القبر للسؤال بعد زمان متراخ. وما يشعر بذلك ما روينا عن مسلم عن عبد الرحمن قال: حضرنا عمرو بن العاص وهو في سياق الموت، فبكى بكاء طويلاً، وحول وجهه إلى الجدار، فجعل ابنه يقول: ما يبكيك يا أبتاه؟ أما بشرك رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا وكذا؟ فأقبل بوجهه فقال

وساق الحديث إلى قوله: فإذا أنا مت فلا يصحبني نائحة ولا نار، فإذا دفنتموني فسنوا علي القبر سناً، ثم أقيموا حول قبري قدر ما ينحر جزور ويقسم لحمها حتى استأنس بكم، وأنظر ماذا أراجع رسل ربي.

وعن أبي داود عن البراء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الميت ليسمع خفق نعالهم إذا ولوا مدربين حين يقال له: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ " الحديث.

وفي "جامع الأصول": سياق الموت: وقت حضور الأجل، كأن روحه تساق لتخرج من جسده. وسننت التراب على الميت: إذا رميته فوقه برفق ولطف.

قوله: (من أين أنكر اجتماع الكفر)"أين" سؤال عن تعميم الأمكنة والأحياز، فاستعير للتعليل، ولذلك فصله بقوله:"لأنها مشتملة على آيات" إلى آخره، ونحوه في التعليل "إذ"

ص: 416

قلت: يحتمل الأمرين جميعاً؛ لأنّ ما عدّده آيات وهي مع كونها آيات من أعظم النعم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

و"حيث"؛ قال المصنف: في "الأحقاف": لاستواء مؤدى التعليل والظرف في قولك: ضربته لإساءته، وضربته إذ أساء، لأنك إذا ضربته في وقت إساءته فإنما ضربته فيه لوجود إساءته فيه، أجريا مجرى التعليل. وقريب منه قول الأصوليين: شرط المجاز العلاقة المعتبر نوعها، نحو السببية القابلية، نحو: سال الوادي، فإن تمكين الوادي للماء من السيلان بمنزلة سبب السيلان، وكذلك موقع صدور المعنى من الآية وتمكينه للمنكر من السؤال بمنزلة السبب فيه.

ثم في الآية مقامان: مقام كونهم كافرين بالله جاحدين لآياته العظام، ومقام كونهم غير شاكرين لنعمه الجسام. وقوله:(وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ) يحتمل أن يكون موقعاً لكلا المعنيين؛ أما النعمة فلأن نعمة الحياة في الدنيا والآخرة مما يستوجب الشكر، وأما الآية فلأن تلك الأطوار آيات عظيمة، فعلى العالم بها الإقرار بعظمة منشئها وبارئها والإيمان به. فما المراد في الآية وما الذي يقتضيه المقام؟

وأجاب بقوله: "يحتمل الأمرين جميعاً" يعني لا منافاة بين المعنيين، فيجوز إرادتهما معاً لما يجمعهما معنى النعمة.

وقلت: بل الواجب تنزلهما عليهما لما استؤنف بقوله: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً) الآيات [البقرة: 29] على سبيل البيان، وهي متضمنة للنعمة والآيات جميعاً. وأما قول بعضهم: إن الكفر بمعنى الكفران لا يعدى بالباء، فجوابه: أن باب المجاز والتضمين غير

ص: 417

(لَكُمْ) لأجلكم ولانتفاعكم به في دنياكم ودينكم. أما الانتفاع الدنيوي فظاهر. وأمّا الانتفاع الديني فالنظر فيه وما فيه من عجائب الصنع الدالة على الصانع القادر الحكيم، وما فيه من التذكير بالآخرة وبثوابها وعقابها، لاشتماله على أسباب

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مسدود، واقتضاء المقام حاكم لا يخالف، على أنهما من واد واحد، أي: كلاهما يتعديان بالباء كقوله تعالى: (وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ)[العنكبوت: 67].

قال الراغب: الكفر عبارة عن الستر، وكفر النعمة: سترها، يقال كفر كفراً وكفوراً نحو: شكر شكراً وشكوراً. وحقيقة الكفر ستر نعمة الله، لما كانت نعمة الله إجمالاً ثلاثاً: خارجية كالمال والجاه، وبدنية كالصحة والقوة، ونفسية كالعقل والفطنة، صار الشكر والكفر ثلاثة أنواع. وأعظم الكفر ما كان مقابلاً لأعظم النعم، وهو ما يتوصل به إلى الإيمان واستحقاق الثواب، ومن قابل تلك النعمة بالكفران فهو الكافر المطلق، ولذلك صار الكفر في الإطلاق جحود الوحدانية والنبوة والتشريع.

قال القاضي: الإماتة من النعم العظيمة المقتضية للشكر، لكونها وصلة إلى الحياة الثانية التي هي الحياة الحقيقية؛ كما قال:(وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ)[العنكبوت: 64] مع أن المعدود عليهم نعمة هو المعنى المنتزع من القصة بأسرها وهو العلم.

قوله: (فيه وما فيه) الضمير في الموضعين لـ (مَا فِي الأَرْضِ) كرر للتوطئة على موال: أعجبني زيد وكرمه، فـ "ما" فيه معطوف على الضمير المجرور ولا يحتاج إلى إعادة الجار لكونه كالبدل في مجرد التوطئة لا التنحية؛ لأن لذات زيد في المثال أيضاً مدخلاً في التعجب منه. المعنى: فالنظر في ما في الأرض وفي العجائب الكائنة فيه.

ص: 418

الأنس واللذة من فنون المطاعم والمشارب والفواكه والمناكح والمراكب والمناظر الحسنة البهية، وعلى أسباب الوحشة والمشقة من أنواع المكاره كالنيران والصواعق والسباع والأحناش والسموم والغموم والمخاوف. وقد استدل بقوله:(خَلَقَ لَكُمْ) على أنّ الأشياء التي يصح أن ينتفع بها. ولم تجر مجرى المحظورات في العقل خلقت في الأصل مباحة مطلقا لكل أحد أن يتناولها ويستنفع بها. فإن قلت: هل لقول من زعم أنّ المعنى خلق لكم الأرض وما فيها وجه صحةٍ؟ قلت: إن أراد بالأرض الجهات السفلية دون الغبراء كما تذكر السماء وتراد الجهات العلوية؛ ......

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (خلقت في الأصل مباحة مطلقاً)، الانتصاف: هذا مذهب فرقة من المعتزلة بنوه على التحسين والتقبيح.

الإنصاف: قال بهذا جماعة من أهل السنة من الشافعية والحنفية، واختاره الإمام فخر الدين في "محصوله" وجعله من القواعد الكلية، فليس المذهب مختصاً بهم كما زعم.

وقال القاضي: الآية تقتضي إباحة الأشياء النافعة ولا يمنع اختصاص بعضها لأسباب عارضة، فإنه يدل على أن الكل للكل، لا أن كل واحد لكل واحد، والتعيين إنما يستفاد من دليل منفصل. وكذا عن الإمام.

ص: 419

جاز ذلك، فإنّ الغبراء وما فيها واقعة في الجهات السفلية. و (جَمِيعاً) نصب على الحال من الموصول الثاني. والاستواء: الاعتدال والاستقامة. يقال: استوى العود وغيره، إذا قام واعتدل، ثم قيل: استوى إليه كالسهم المرسل إذا قصده قصداً مستوياً، من غير أن يلوى على شيء. ومنه استعير قوله:(ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ) أي: قصد إليها بإرادته ومشيئته بعد خلق ما في الأرض، من غير أن يريد فيما بين ذلك خلق شيء آخر. والمراد بالسماء: جهات العلو، كأنه قيل: ثم استوى إلى فوق

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (جاز ذلك) أي: قول من زعم أن المعنى بقوله: (خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً) خلق الأرض وما فيها، إنما يصح إذا كنى بالأرض عن الجهات السفلية دون حقيقة الأرض التي هي الغبراء؛ لأن الغبراء وما فيها واقعة في الجهات السفلية، وأما إذا أجريت على الحقيقة فلا، فإن الشيء لا يحصل في نفسه ولا يكون طرفاً لها. وينصر الأول إفراد السماء والمراد جهات العلو في الوجه المختار.

قوله: (ثم قيل: استوى إليه)، الأساس: ومن المجاز: استويت إليك: قصدتك قصداً لا ألوي على شيء. ولما لم يكن في الاعتدال والاستقامة التواء سمي به القصد المستوي مجازاً، بقرينة التعدية "بإلى". الأساس: قصدته وقصدت إليه. ثم شبه بهذا القصد الذي يختص بالأجسام إرادته الخاصة تعالى عن صفات المخلوقين، ثم استعير لها ما كان مستعملاً في المشبه به استعارة مصرحة تبعية.

قوله: (المراد بالسماء جهات العلو) إنما عدل إلى هذا التأويل لفقدان المطابقة بين ذكر السماء والضمير في "فسواهن" إفراداً وجمعاً، فأصل الكلام حينئذ: ثم استوى إلى فوق فسوى سبع سموات، ألا ترى حين جعل "السماء في معنى الجنس" أو قال: السماء "جمع سماوة" كيف جعل الضمير للسماء لحصول المطابقة، فإذن المعنى على التقديرين الأخيرين: ثم أراد

ص: 420

والضمير في (فَسَوَّاهُنَّ) ضمير مبهم. وسَبْعَ سَماواتٍ تفسيره، كقولهم: ربه رجلاً. وقيل الضمير راجع إلى السماء. والسماء في معنى الجنس. وقيل جمع سماءة، والوجه العربي هو الأوّل. ومعنى تسويتهنّ: تعديل خلقهنّ، وتقديمه، وإخلاؤه من العوج والفطور، أو إتمام خلقهن (وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) فمن ثم خلقهنّ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تسوية السماوات، فسواهن سبعاً، كقوله تعالى:(فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ)[البقرة: 54] أي: فاعزموا على التوبة فاقتلوا أنفسكم، لكن الأول أقضى لحق البلاغة ومقام إرادة تفضيل خلق السماوات على الأرض، بدليل إيثار "ثم" الدالة على التراخي في الرتبة وأدعى له، فإفراد السماء لإرادة جهة فوق مؤذن بالتفضيل، إذ التعبير عنها بها تعظيم لها، مع أن في تصوير الفوقية في هذا الجانب تصوير ضدها فيما يقابلها، ولرتبة هذه الفائدة أبهم ضمير السماوات ليشوق إلى ما يبينه، ثم جيء بها تفسيراً له، فحصل من ذلك مزيد التفخيم لشأنها، وإن شئت فجرب ذوقك في قولك: ربه رجلاً، وقولك: رب رجل، لتعرف الفرق.

وليس في إرادة الجنسية تلك الفوائد، ولا في الجمعية مع أن تلك لغة غير فصيحة، وإليه الإشارة بقوله:"والوجه العربي الأول". وأما الفرق بين النصين فإن الضمير في (فَسَوَّاهُنَّ) إذا رجع إلى السماء على المعنى كان (سَبْعَ سَمَاوَاتٍ) حالاً، أي: فسواهن كائنة سبع سماوات، أو سبع سماوات متعددة على أنها حال موطئة نحو:(أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً)[يوسف: 2] وإذا كان الضمير مبهماً كان (سَبْعَ سَمَاوَاتٍ) نصباً على التمييز، والتفسير نحو: ربه رجلاً. نص على هذين النصبين في سورة "حم السجدة".

قوله: (وقيل: جمع سماءة) قال الزجاج: والسماء لفظها واحد ومعناها الجمع، ويجوز أن تكون السماء جمعاً كأن واحدها سماءة.

ص: 421

خلقاً مستوياً محكما من غير تفاوت، مع خلق ما في الأرض على حسب حاجات أهلها ومنافعهم ومصالحهم. فإن قلت: ما فسرت به معنى الاستواء إلى السماء يناقضه (ثم) لإعطائه معنى التراخي والمهلة قلت: (ثم) هاهنا لما بين الخلقين من التفاوت وفضل خلق السماوات على خلق الأرض، لا للتراخي في الوقت كقوله:(ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا). على أنه لو كان لمعنى التراخي في الوقت لم يلزم ما اعترضت به، لأن المعنى أنه حين قصد إلى السماء لم يحدث فيما بين ذلك - أى في تضاعيف القصد إليها - خلقاً آخر. فإن قلت: أما يناقض هذا قوله: (وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها)؟ قلت: لا لأنّ جرم الأرض تقدم خلقه خلق السماء. وأمّا دحوها فمتأخر. وعن الحسن: خلق اللَّه الأرض في موضع بيت المقدس كهيئة الفهر، عليها دخان ملتزق بها، ثم أصعد الدخان وخلق منه السموات، وأمسك الفهر في موضعها وبسط منها الأرض، فذلك قوله:(كانَتا رَتْقاً)[الأنبياء: 30]؛ وهو الالتزاق.

[(وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ* وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلاَّ ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ* قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ)]

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (يناقضه) يعني فسرت الاستواء بأنه تعالى قصد إلى السماء بعد خلق ما في الأرض من غير أن يريد فيما بين ذلك خلق شيء آخر، هذا يقتضي أن لا يتخلل بينهما زمان، ومعنى "ثم" التراخي في الزمان. وأجاب عنه من وجهين، أحدهما: أن "ثم" ها هنا مستعارة للتراخي

ص: 422

(وَإِذْ) نصب بإضمار "اذكر"، ويجوز أن ينتصب بـ (قالوا). والملائكة: ........

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في الرتبة كما في قوله تعالى: (ثُمَّ كَانَ مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا)[البلد: 17]، فإن اسم "كان" ضمير يرجع إلى فاعل:(فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ)[البلد: 11] وهو الإنسان الكافر، وقوله:(فَكُّ رَقَبَةٍ* أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ* يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ* أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ)[البلد: 13 - 16] تفسير للعقبة، والترتيب الظاهري يوجب تقديم الإيمان عليهما، لكن "ثم" ها هنا للتراخي في الرتبة.

وثانيهما: أن قولنا: إنه تعالى لم يحدث فيما بين ذلك شيئاً، لا يقتضي التعاقب.

قال الإمام: "ثم" ها هنا من جهة تعديد النعم كما تقول لصاحبك: أليس قد منحتك هذا، ثم رفعت منزلتك، ثم دفعت الخصوم عنك! ولعل بعض ما أخره قد تقدم. فـ "ثم" على هذا مجاز لمجرد التعاقب.

قوله: ((وَإِذْ) نصب بإضمار "اذكر") قال القاضي: "إذ" ظرف وضع لزمان نسبة ماضية وقع فيه أخرى، كما وضع "إذا" لزمان نسبة مستقبلة وقع فيه أخرى، واستعملتا للتعليل والمجازاة، ولذلك يجب إضافتهما إلى الجمل كحيث في المكان، ومحلهما النصب على الظرفية أبداً. وفيه نظر؛ لأن "إذا" قد تقع اسماً كما تقول: إذا يقوم زيد، إذا يقعد عمرو.

قوله: (ويجوز أن ينتصب بـ (قَالُوا)) والأول أوجه؛ لأن تقدير "اذكر" يقتضي تذكيراً متجدداً فيكون كقصة مستقلة، ولا كذلك العطف فيكون قوله:(هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ)[البقرة: 29] تذكيراً لدلائل الآفاق، وهذه لدلائل الأنفس؛ إما على سبيل كونها نعمة من الله تعالى، أو هي بنفسها آيات. وقد سبق أن هذه الآية كالبيان لقوله:(وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ) من جهة النعمة والآية. ويحصل بالتفرقة الترقي من الأدنى إلى الأعلى، أما كونها

ص: 423

جمع (ملأك) على الأصل، كالشمائل في جمع شمأل. وإلحاق التاء لتأنيث الجمع. وجاعِلٌ من جعل الذي له مفعولان، دخل على المبتدأ والخبر وهما قوله:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

آيات فلأن الترقي من دلائل الآفاق إلى الأنفس باب عظيم في الاستدلال؛ ألا ترى إلى قوله: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ)[فصلت: 53] قال حجة الإسلام: الطبيعيون رأوا في تشريح الأعضاء من عجائب صنع الله وبدائع حكمته ما اضطروا معه إلى الاعتراف بفاطر حكيم مطلع على غايات الأمور. وأما كونها نعمة فلا شك أن نعمة خلق الأنفس وتشريفها بالخلافة وتكريمها بسجود الملائكة أعظم من خلق ما في الأرض لهم جميعاً.

قوله: (جمع "ملأك" على الأصل) أي: أصله: ملأك، بالهمز ثم ترك الهمز لكثرة الاستعمال، فملا جمعوه ردوه إلى الأصل، وقد استعمل المفرد أيضاً مع الهمزة كما أنشده الزجاج لبعضهم:

فلست لإنسي، ولكن لملأك

تنزل من جو السماء يصوب

وقال القاضي: ذهب أكثر المسلمين إلى أن الملائكة أجسام لطيفة قادرة على التشكل بأشكال مختلفة مستدلين بأن الرسل كانوا يرونهم كذلك.

ص: 424

(فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) فكانا مفعوليه، ومعناه مُصير في الأرض خليفة. والخليفة: من يخلف غيره. والمعنى خليفة منكم، لأنهم كانوا سكان الأرض فخلفهم فيها آدم وذرّيته. فإن قلت: فهلا قيل: خلائف، أو خلفاء؟ قلت: أريد بالخليفة آدم، واستغنى بذكره عن ذكر بنيه كا استغنى بذكر أبى القبيلة في قولك: مضر وهاشم. أو أريد من يخلفكم، أو خلفا يخلفكم فوحد لذلك. وقرئ: خليقة بالقاف ويجوز أن يريد: خليفة مني، لأنّ آدم كان خليفة اللَّه في أرضه وكذلك كل نبىّ (إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ) [ص: 26]. فإن قلت: لأى غرض أخبرهم بذلك؟ .....

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ويجوز أن يريد خليفة مني) عطف على قوله: "المعنى خليفة منكم" يعني لفظة "من" مقدرة في التنزيل، وهي صفة للخليفة، أي: كائنة منكم أو مني، وعلى الأول الخليفة بمعنى الخلف، الجوهري: الخلف: القرن بعد القرن. قال الله تعالى: (إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ)[الأعراف: 69]. وعلى الثاني: بمعنى السلطان فكان يرد على الوجه الأول أن يقال: كان المناسب أن يجاء بالخليفة جمعاً فلم جيء مفرداً؟ فأجاب بما ذكر، ثم أكد الجواب بالقراءة الشاذة لأنها مناسبة لأن يكون "خليفة" بمعنى الجمع. الجوهري: الخليقة: الخلائق، ويقال: هم خليقة الله، وهم خلق الله، وهو في الأصل مصدر، فعلل ذلك الوجه، ثم شرع في الوجه الثاني، فالخليفة على هذا غير محتاجة أن تفسر بالجمع.

قوله: ((إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ)[ص: 26]) استشهاد لكون آدم خليفة من الله تعالى في أرضه؛ لأن المراد بالخليفة حينئذ من يجري في الأرض أحكام الله على سنن العدل ونهج الصواب، يدل عليه ترتب قوله:(فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ) على الوصف بجعله خليفة في الأرض، ولهذا لما فقد هذا المعنى بعد الخلفاء الراشدين، قال صلى الله عليه وسلم: "الخلافة في أمتي ثلاثون

ص: 425

قلت: ليسألوا ذلك السؤال ويجابوا بما أجيبوا به فيعرفوا حكمته في استخلافهم قبل كونهم، صيانة لهم عن اعتراض الشبهة في وقت استخلافهم. وقيل ليعلم عباده المشاورة في أمورهم قبل أن يقدموا عليها، وعرضها على ثقاتهم ونصحائهم، وإن كان هو بعلمه وحكمته البالغة غنيا عن المشاورة. (أَتَجْعَلُ فِيها): تعجب من أن يستخلف مكان

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

سنة، ثم ملك بعد ذلك" رواه الترمذي عن سفينة، وروى أبو داود عنه: "خلافة النبوة ثلاثون سنة، ثم يؤتي الله الملك من يشاء".

الراغب: إنما استخلف الله تعالى آدم لقصور المستخلف عليه أن يقبل التأثير من المستخلف وذلك ظاهر، فإن السلطان جعل الوزير بينه وبين رعيته إذ هم أقرب إلى قبولهم منه، وكذا الواعظ جعل بين العامة والعلماء الراسخين، فإن العامة أقبل منهم من العالم الراسخ، وليس ذلك لعجزه بل لعجز العامة عن القبول منه.

قوله: (صيانة لهم عن اعتراض الشبهة) الضمير للملائكة، و"صيانة" مفعول له لقوله:"أخبرهم" المقدر بعد قوله: "قلت" الدال عليه أخبرهم في السؤال، ولا يجوز أن يكون الضمير لبني آدم لأن الصيانة غير مقارنة عند الإخبار.

قوله: (وقيل ليعلم عباده) عطف على قوله: "قلت: ليسألوا".

قوله: (تعجب من أن يستخلف) أي: ولدت الهمزة معنى التعجب، لأنه لا يجوز أن يحمل على الإنكار لئلا يلزم منه اعتراضهم على حكم الله تعالى، وهذا لا يليق بمرتبة الملائكة، قال الله تعالى:(لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ)[الأنبياء: 27].

ص: 426

أهل الطاعة أهل المعصية وهو الحكيم الذي لا يفعل إلا الخير ولا يريد إلا الخير. فإن قلت: من أين عرفوا ذلك حتى تعجبوا منه وإنما هو غيب؟ قلت: عرفوه بإخبار من اللَّه، أو من جهة اللوح، أو ثبت في علمهم أنّ الملائكة وحدهم هم الخلق المعصومون، وكل خلق سواهم ليسوا على صفتهم؛ أو قاسوا أحد الثقلين على الآخر؛ .........

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (عرفوه بإخبار من الله تعالى) قال السدي: لما قال الله لهم ذلك قالوا: وما يكون من ذلك الخليفة؟ قال: يكون ذرية يفسدون في الأرض ويقتل بعضهم بعضاً.

قوله: (أن الملائكة وحدهم هم الخلق المعصومون) فيه مبالغات شتى: إحداها: إقامة المظهر موضع المضمر ليؤذن بالعلية، يعني: حقيقة الملائكة خليقة بأن توصف بالعصمة؛ لأن خليقتهم تقتضي ذلك، وثانيتها: تأكيدها، وثالثتها: نفي هذا الحكم عن الغير بالتصريح بقوله: "وحدهم" بعد أن نفاه بتعريف الخبر وبتوسيط ضمير الفصل، وأكد ذلك بقوله:"وكل خلق سواهم ليسوا على صفتهم"، وفيه تعصب لمذهبه.

قوله: (أو قاسوا أحد الثقلين على الآخر) قال المفسرون: خلق الله السماوات والأرض والملائكة والجن، وأسكن الملائكة السماء، والجن الأرض، فعبدوه، ثم ظهر فيهم الحسد

ص: 427

حيث أسكنوا الأرض فأفسدوا فيها قبل سكنى الملائكة. وقرئ: (ويسفُك) بضم الفاء، و (يُسْفِك)، و (يُسَفَّك) من أسفك. وسفَّكَ. والواو في (وَنَحْنُ) للحال، كما تقول: أتحسن إلى فلان وأنا أحق منه بالإحسان!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

والبغي، فاقتتلوا وأفسدوا، فبعث الله إليهم جنداً من الملائكة، فطردوهم عنها، وألحقوهم بشعوب الجبال والجزائر.

وقال القاضي: كأنهم علموا أن المجعول خليفة ذو ثلاث قوى عليها مدار أمره: شهوية وغضبية تؤديان به إلى الفساد وسفك الدماءن وعقلية تدعوه إلى المعرفة والطاعة، ونظروا إليها مفردة، وقالوا: ما الحكمة في استخلافه وهو باعتبار تينك القوتين لا تقتضي الحكمة إيجاده فضلاً عن استخلافه، وأما باعتبار القوة العقلية فنحن نقيم ما يتوقع منها سليماً عن معارضة تلك المفاسد، وغفلوا عن فضيلة كل واحدة من القوتين إذا صارت مهذبة مطواعة للعقل متمرنة على الخير كالعفة والشجاعة ومجاهدة الهوى والإنصاف، ولم يعلموا أن التركيب يفيد ما يقصر عنه الآحاد كالإحاطة بالجزئيات واستنباط الصناعات، واستخراج منافع الكائنات من القوة إلى الفعل الذي هو المقصود من الاستخلاف، وإليه أشار تعالى إجمالاً بقوله:(إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ).

قوله: (أتحسن إلى فلان وأنا أحق منه) قال القاضي: هي حال مقررة لجهة الإشكال كقولك: أتحسن إلى أعدائك وأنا الصديق المحتاج، والمقصود: الاستفسار عما رجحهم- مع ما هو متوقع منهم- على الملائكة المعصومين في الاستخلاف، لا العجب والتفاخر.

ص: 428

والتسبيح: تبعيد اللَّه عن السوء، وكذلك تقديسه، من سبح في الأرض والماء. وقدس في الأرض: إذا ذهب فيها وأبعد. و (بِحَمْدِكَ) في موضع الحال، أى نسبح حامدين لك وملتبسين بحمدك لأنه لولا إنعامك علينا بالتوفيق واللطف لم نتمكن من عبادتك

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (والتسبيح: تبعيد الله من السوء)، الراغب: التسبيح: أصله من السبح وهو سرعة الذهاب في الماء، واستعير لجري النجوم في الفلك، ولجري الفرس. وتسبيح الله تعالى: تنزيهه بالقول والحكم، وسبحان: مصدر ككفران، ومعنى (نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ) أي: نسبحك والحمد لك أو نسبحك بأن نحمدك.

وقال السيد ابن الشجري: إن شئت علقت الباء بالتسبيح، أي: نسبح بالثناء عليك، وإن شئت قدرت: نسبح متلبسين بحمدك.

قوله: (لأنه لولا إنعامك علينا بالتوفيق [واللطف] لم نتمكن من عبادتك) تعليل لتقييد التسبيح بالحمد، أي: تسبيحنا مقيد بشكرك وملتبس به، يعني لولا الحمد لم يصدر الفعل، إذ كل حمد من المكلف يستجلب نعمة متجددة، ويستصحب توفيقاً إلهياً، ومنه قول داود عليه السلام: يا رب، كيف أقدر أن أشكرك وأنا لا أصل إلى شكر نعمتك إلا بنعمتك. وأنشد:

ص: 429

(أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ) أي أعلم من المصالح في ذلك ما هو خفي عليكم. فإن قلت: هلا بين لهم تلك المصالح؟ قلت: كفى العباد أن يعلموا أن أفعال اللَّه كلها حسنة وحكمة، وإن خفى عليهم وجه الحسن والحكمة. على أنه قد بين لهم بعض ذلك فيما أتبعه من قوله (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها) واشتقاقهم «آدم» من الأدمة، ومن أديم الأرض، نحو اشتقاقهم «يعقوب» من العقب، «إدريس» من الدرس، و «إبليس» من الإبلاس. وما آدم إلا اسم أعجمى: وأقرب أمره أن يكون على فاعل، كآزر، وعازر، وعابر وشالخ. وفالغ، وأشباه ذلك (الْأَسْماءَ كُلَّها) أي أسماء المسميات فحذف المضاف اليه لكونه معلوما مدلولا عليه بذكر الأسماء، لأن الاسم لا بدله من مسمى، وعوض منه اللام كقوله:(وَاشْتَعَلَ الرَّاسُ)[مريم: 4]. فإن قلت: هلا زعمت أنه حذف المضاف وأقيم المضاف اليه مقامه، وأن الأصل: وعلم آدم مسميات الأسماء؟ قلت: لأن التعليم وجب تعليقه بالأسماء لا بالمسميات كقوله: .........

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إذا كان شكري نعمة الله نعمة

علي له في مثلها يجب الشكر

فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله

وإن طالت الأيام واتسع العمر؟ !

وإن مس بالنعماء عم سرورها

وإن مس بالضراء أعقبها الأجر

قوله: (على أنه قد بين لهم بعض ذلك) يعني أن "ما" في (مَا لا تَعْلَمُونَ) إن كان عاماً يشمل من المصالح ما لا يدخل تحت الحصر، لكن خص منها البعض بما أتبعه من قوله:(وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ) فإن اتصافه بعلم لا تعلمه الملائكة دليل على أنه جامع للكمالات التي بعضها هذا المذكور، فمن هذا الطريق يكون مبيناً مكشوفاً.

قوله: (لأن التعليم وجب تعليقه بالأسماء لا بالمسميات) إلى آخره "الانتصاف": هو يفر

ص: 430

(أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ)[البقرة: 31]، (أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ) [البقرة: 33]، فكما علق الإنباء بالأسماء لا بالمسميات ولم يقل: أنبؤنى بهؤلاء، وأنبئهم بهم، وجب تعليق التعليم بها. فان قلت: فما معنى تعليمه أسماء المسميات؟ قلت: أراه الأجناس التي خلقها، وعلمه أن هذا اسمه فرس، وهذا اسمه بعير، وهذا اسمه كذا، وهذا اسمه كذا، وعلمه أحوالها وما يتعلق بها من المنافع الدينية والدنيوية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

من أن الاسم هو المسمى. وقوله (ثُمَّ عَرَضَهُمْ) دليل عليه، فإن المعروض المسميات بالاتفاق، وأيضاً فإن معرفة الذوات وما أودع فيها من الخواص والأسرار أهم من معرفة أسمائها، وغاية ما في قوله:(بِأَسْمَاءِ هَؤُلاء) الإضافة المقتضية للمغايرة، وهو عندنا مثل قولك: نفس زيد، وحقيقته، والمراد: أنبئوني بحقائق هؤلاء، فإن الحقائق والذوات أعم من أسماء هؤلاء المشار إليهم، وهذا هو المصحح للإضافة. وعلى الجملة، الخلاف في هذه المسالة لفظي.

وقال القاضي: الاسم باعتبار الاشتقاق ما يكون علامة للشيء ودليلاً يرفعه إلى الذهن من الأسماء والصفات والأفعال. واستعماله عرفاً في اللفظ الموضوع لمعنى سواء كان مركباً أو مفرداً مخبراً عنه أو خبراً أو رابطة بينهما. واصطلاحاً: في المفرد الدال على معنى في نفسه غير مقترن بأحد الأزمنة. والمراد في الآية إما الأول، أو الثاني وهو يستلزم الأول؛ لأن العلم بالألفاظ من حيث الدلالة متوقف على العلم بالمعاني. المعنى: أنه تعالى خلق آدم، وألهمه معرفة ذوات الأشياء وخواصها وأسمائها وأصول العلوم وقوانين الصناعات وكيفية آلاتها. وقلت: هذا المعنى مفهوم من كلام المصنف من قوله: "أراه الأجناس التي خلقها وعلمه" إلى آخره.

وقال القاضي: الاسم إن أريد به اللفظ فغير المسمى؛ لأنه يتألف من أصوات مقطعة غير قارة، ويختلف باختلاف الأمم والأعصار، ويتعدد تارة ويتحد أخرى، والمسمى لا يكون

ص: 431

(ثُمَّ عَرَضَهُمْ) أي: عرض المسميات. وإنما ذكر لأن في المسميات العقلاء فغلبهم. وإنما استنبأهم وقد علم عجزهم عن الإنباء على سبيل التبكيت.

(إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) يعني: في زعمكم أني أستخلف في الأرض مفسدين .......

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كذلك. وإن أريد به ذات الشيء، فهو المسمى لكنه لم يشتهر بهذا المعنى، وقوله تعالى:(سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ)[الأعلى: 1] المراد به اللفظ؛ لأنه كما يجب تنزيه ذاته تعالى وصفاته عن النقائص، يجب تنزيه الألفاظ الموضوعة لها عن سوء الأدب. وإن أريد به الصفة كما هو رأي الشيخ أبي الحسن الأشعري، انقسم انقسام الصفة عنده: إلى ما هو نفس المسمى، وإلى ما هو غيره، وإلى ما ليس هو ولا غيره.

وقلت: إن أريد به التحدي فبمجرد تعليم الأسماء يحصل المقصود، وإن أريد به إظهار الشرف والمزية كقوله تعالى:(وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ)[المجادلة: 11] فلابد من تعليم الحقائق، وهو الظاهر. وفي "إيجاز البيان":"وقع التعليم بالوحي في أصول الأسماء والمصادر ومبادئ الأفعال والحروف عند حصول أول اللغة في الاصطلاح، ثم بزيادة الهداية في التصريف والاشتقاق، فأفادت هذه الآية أن علم اللغة فوق التحلي بالعبادة، فكيف علم الشريعة التي هي الحكمة! ".

قوله: (على سبيل التبكيت)، الأساس: بكته بالحجة، وبكته: غلبه بالحجة وألزمه ما عي بالجواب عنه؛ لأن الملائكة إذا سئلوا بقوله: (أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاء) لا محيد لهم إلا أن يقولوا: لا علم لنا.

قوله: ((إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ)[يعني]: في زعمكم أني أستخلف في الأرض مفسدين). فإن

ص: 432

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قلت: هذا يخالف قول الواحدي: إن تقديره: إن كنتم صادقين أني لا أخلق خلقاً إلا كنتم أعلم وأفضل منه. وأيضاً، إن الكلام في العلم والسؤال فيه، فلا يناسبه قول المصنف، وهو كما تقول: إن كنت نجاراً فخط قميصي.

قلت: ما ذهب إليه المصنف أولى وأحرى بأن يتلقى بالقبول، لأنه كالقول بالموجب، وبيانه: أن الملائكة لما بنوا دعواهم على المبالغة في طرفي الإفراط والتفريط في نسبة الفساد على بني آدم، والصلاح إلى أنفسهم، حيث صدروا قولهم:"أتجعل فيها" بهمزة الاستبعاد، وكرروا الظرف، وعطفوا سفك الدماء على الفساد، وبنوا الخبر وهو "نسبح" على "نحن"، ليتقوى به الحكم، وقيدوا التسبيح بالتحميد، وعطفوا عليه التقديس؛ أي: نحن أولى بالاستخلاف منهم لما لا يصدر منا إلا محض الصلاح وهم بخلافه دونهم، قيل لهم:(إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ) أي: إنكم نظرتم إلى ظاهر ما يقتضي القوة الشهوانية والغضبية من الفساد وسفك الدماء، وغفلتم عما أودعت فيهما من الصلاح، وفي هذا الوجود أسرار عجيبة لا يحصى عددها، ولا يكتنه كنه عظم نفعها، وبعض ذلك هذا المتحدى به وهو العلم بأسماء المسميات، فأنبئوني بها إن كنتم صادقين في زعمكم أني أستخلف في الأرض مفسدين، وأنتم أحقاء بالخلافة دونهم. أي: ليس المانع ما نفيتموه، ولا السبب ما أثبتموه، وإنما قلنا: بعض ذلك هذا المتحدى به؛ لأن الواو العاطفة التي تستوجب معطوفاً عليه، هو مع المعطوف بيان لقوله:(إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ)، كالواو في قوله تعالى حكاية عن داود وسليمان:(وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ)[النمل: 15]، وإنما لم يذكر لئلا ينحصر عليه، ويفيد أكثر من ذلك، فوجب أن تقدر فوائد لا عدد لها بالنسبة إلى معلوم الله، وإليه الإشارة بقوله:"وبين لهم بعض ما أجمل من المصالح في قوله: (وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ) " وهذا الأسلوب من الجواب نحو قوله تعالى: (فَاتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ)[البقرة: 23]. قال المصنف: إن رتبتم أن القرآن منزل

ص: 433

سفاكين للدماء؛ إرادة للرد عليهم،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فهاتوا أنتم طائفة يسيرة من جنس ما أتى به. لكن أصحابه لا يرضون منه هذا التقدير، لما يلزم من فضل البشر على الملائكة.

تنبيه: واعلم أن قوله: (وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ)[البقرة: 30] ينتظم في سلك جوامع الكلم التي هي من حلية التنزيل، فأتى بلفظ السفك الدال على الإراقة والإجراء كالمائع، وخص بالمضارع المنبئ في مثل هذا المقام عن الاستمرار، نحو: فلان يقري الضيف، ويحمي الحريم. وجمع الدماء وحلى بلام الاستغراق ليصور شناعة ذلك الفعل ويستوعب الأزمنة، ويتضمن جميع أنواع الدماء: المحظور كحروب الفساد والفتن والفتك وقتل النفس المحرمة، والواجب كالمجاهدة مع أعداء الدين، قال تعالى:(فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ)[التوبة: 111]، والمباح كسفح دماء الحيوان المأكول، والمصلحي الديني كأنواع القصاص، والسياسي كحفظ نظام المملكة. قال:

لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى

حتى يراق على جوانبه الدم

فإذاً من لوازم هذا الخليفة وخواصه أن يكون سفاكاً للدماء، لينتظم أمر معاشه ومعاده، ونحن معاشر الملائكة أبرياء من جميع كل ذلك؛ لأن دأبنا التسبيح والتحميد، وعادتنا التقديس والتهليل، فنودوا من سرادقات الجلال:(إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ). والله أعلم.

قوله: (إرادة للرد عليهم) قيل: هو مفعول له، لقوله:"استنبأهم" واعترض قوله: (إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ) في لفظ "الكشاف" تقريراً لكون الاستنباء على سبيل التبكيت. والوجه أن يكون مفعولاً له للقول المقدر عند قوله: (إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ) أي: قال ذلك إرادة للرد عليهم. وقوله: "على سبيل التبكيت" متعلق باستنبأهم، ويتم به الكلام، وقوله:"وقد علم عجزهم عن الإنباء" اعتراض أو حال، وقوله:(إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ) شروع في التفسير.

ص: 434

وأن فيمن يستخلفه من الفوائد العلمية التي هي أصول الفوائد كلها، ما يستأهلون لأجله أن يستخلفوا. فأراهم بذلك وبين لهم بعض ما أجمل من ذكر المصالح في استخلافهم في قوله (إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ). وقوله:(أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) استحضار لقوله لهم: (إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ)،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وأن فيمن يستخلفه) قيل: هو عطف على "الرد"، وقوله:"ما يستأهلون" اسم "أن" وفيمن يستخلفه خبره. قال الحريري في "درة الغواص في أوهام الخواص": يقولون: فلان يستأهل الإكرام وهو مستأهل للإنعام، ولم تسمع هاتان اللفظتان في كلام العرب، ولا صوب اللفظ بهما أحد من أعلام الأدب. ووجه الكلام أن يقال: فلان يستحق التكرمة، وهو أهل لإسداء المكرمة، فأما قول الشاعر:

لا بل كلي يا مي واستأهلي

إن الذي أنفقت من ماليه

فإنه عنى بلفظ "استأهلي": اتخذي الإهالة، وهي ما يؤتدم به من السمن والودك. وفي أمثال العرب: استأهلي إهالتي وأحسني إيالتي، أي: خذي صفو طعمتي وأحسني القيام بخدمتي.

قوله: (من الفوائد) بيان "ما" و"فأراهم" عطف على جملة: إرادة إلى آخره، وذلك إشارة إلى المذكور كله، وفي قوله:"إني أعلم" ظرف لقوله: "أجمل" وقيل: قوله "فأراهم، وبين" متوجهان إلى "بعض ما أجمل"، ويجوز أن يكون "بين" عطفاً على "أراهم" على سبيل البيان.

ص: 435

إلا أنه جاء به على وجه أبسط من ذلك وأشرح.

وقرئ: (وعُلّم آدمُ)، على البناء للمفعول. وقرأ عبد اللَّه:(عَرَضَهُن). وقرأ أُبىّ: (عَرَضَهَا). والمعنى عرض مسمياتهن أو مسمياتها: لأن العرض لا يصح في الأسماء. وقرئ: (أنبيِهِم)، بقلب الهمزة ياء (وأنبِهم)، بحذفها والهاء مكسورة فيهما.

[(وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ* وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ* فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ*)].

السجود للَّه تعالى على سبيل العبادة، ولغيره على وجه التكرمة، .........

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (على وجه أبسط) لأنه قال أولاً: (إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ) ثم قال: (إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) الآية [البقرة: 33] وإنما قال: "أبسط من ذلك" ولم يقل: بيان له، لأن معلومات الله سبحانه وتعالى لا نهاية لها، وغيب السماوات والأرض وما يبدونه وما يكتمونه لم يكن قطرة من تلك الأبحر، لكنه نوع بسط لذلك المجمل.

قال القاضي: إنما أجري على وجه أبسط ليكون كالحجة عليهم، فإنه تعالى لما علم ما خفي عليهم من أمور السماوات والأرض وما ظهر لهم من أحوالهم الظاهرة والباطنة، علم ما لا يعلمون، وفيه تعريض بمعاتبتهم على ترك الأولى، وهو أن يتوقفوا مترصدين أن يبين لهم.

قوله: (على وجه التكرمة). قال القاضي: هذا المسجود له بالحقيقة الله تعالى، وجعل آدم قبلة سجودهم تفخيماً لشأنه، أو سبباً لوجوبه، وكأنه تعالى لما خلقه بحيث يكون المسجود

ص: 436

كما سجدت الملائكة لآدم، وأبو يوسف وإخوته له، ويجوز أن تختلف الأحوال والأوقات فيه. وقرأ أبو جعفر (للملائكةُ اسجدوا) بضم التاء للاتباع. ولا يجوز استهلاك الحركة الإعرابية بحركة الإتباع إلا في لغة ضعيفة، كقولهم:(الْحَمْدِ لِلَّهِ).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[له] أنموذجاً للمبدعات كلها بل الموجودات بأسرها، ونسخة لما في العالم، وذريعة للملائكة إلى استيفاء ما قدر لهم من الكمال، أمرهم بالسجود تذللاً لما رأوا فيه من عظيم قدرته وباهر آياته، وشكراً لما أنعم عليهم بواسطته. واللام فيه كاللام في قول حسان:

أليس أول من صلى لقبلتكم

وأعرف الناس بالقرآن والسنن

أو في قوله: (أَقِمْ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ)[الإسراء: 78].

قوله: (أن تختلف الأحوال والأوقات) يعني: أحوال الأمم السالفة وأوقاتهم مخالفة لأحوال هذه الأمة وأوقاتها، أي: يجوز أن يقتضي التعظيم في وقت وحالة السجود دون وقت وحالة أخرى.

قوله: (ولا يجوز استهلاك الحركة الإعرابية بحركة الإتباع) قال السجاوندي: "للملائكة

ص: 437

(إِلَّا إِبْلِيسَ) استثناء متصل، لأنه كان جنياً واحداً بين أظهر الألوف من الملائكة مغموراً بهم، فغلبوا عليه في قوله:(فَسَجَدُوا)، ثم استثنى منهم استثناء واحد منهم. ويجوز أن يجعل منقطعاً.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اسجدوا" بالضم في غاية الضعف؛ لأن حركة ألف الوصل غير لازمة فكيف تحذف لها حركة إعراب مستحقة لإعراب! وإتباع ضم الجيم إنما يجوز في الساكن نحو "قالت اخرج" [يوسف: 31] ولا تقول: للرجل اخرج فإنه لا يجوزه أحد، لكن لعل عجوزاً رأت بناتها مع رجل فقالت: أفي السوتنتنه؟ تريد: أفي السوءة أنتنه. ولا يحسن حمل القرآن على مثل هذا التعسف.

وروى أبو الحسن الفارسي عن أبي بكر بن مهران: أن التاء عند أبي جعفر بين الضم والكسر، استثقل الخروج من الكسر إلى ضمات "اسجدوا" أي: الجيم والدال والهمزة في التقدير، بخلاف نون "للإنسان اكفر" فإنه قد تسكن هاء التأنيث على كل حال كقولهم:

ص: 438

(أَبى): امتنع مما أمر به (وَاسْتَكْبَرَ) عنه، (وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ): من جنس كفرة الجن وشياطينهم، فكذلك أبى واستكبر كقوله:(كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ)[الكهف: 50].

السكنى: من السكون لأنها نوع من اللبث والاستقرار. و (أَنْتَ):

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لما رأى أن لادعه ولا شبع

مال إلى أرطاة حقف فاضطجع

فكان مثل (وَقَالَتْ اخْرُجْ) ولا تسكن نون "الإنسان" في الأصل.

قوله: (فلذلك أبى واستكبر) يشير إلى قوله: (وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ)[البقرة: 34]، جملة مذيلة أو معترضة واردة على سبيل التعليل نحو قوله تعالى:(ثُمَّ اتَّخَذْتُمْ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ)[البقرة: 92] أي: أنتم قوم عادتكم الظلم، فلذلك اتخذتم العجل إلهاً.

وقال القاضي: (وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ) أي: في علم الله، أو صار من الكافرين باستقباحه أمر الله إياه بالسجود لآدم اعتقاداً بأنه أفضل منه، والأفضل لا يحسن أن يؤمر بالتخضع للمفضول.

قوله: (كقوله تعالى: (كَانَ مِنْ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ)[الكهف: 50]) يعني: هذا الترتيب من حيث المعنى كالترتيب من حيث اللفظ في قوله تعالى: (مِنْ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ) بشهادة الفاء، يعني: إنما صدر منه الفسق؛ لأنه كان من الجن، فكونه من الجن ككونه من الكافرين في صدور الفسق والتكبر عنه، وفيها معنى قولهم: الغايات سابقة في التقدم، لاحقة في الوجود.

ص: 439

تأكيد للمستكن في: (اسْكُنْ) ليصح العطف عليه. و (رَغَداً) وصف للمصدر، أي أكلاً رغداً واسعا رافها. و (حَيْثُ) للمكان المبهم، أي: أيّ مكان من الجنة (شِئْتُما) أطلق لهما الأكل من الجنة على وجه التوسعة البالغة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ليصح العطف عليه) فإن قيل: كيف يصح العطف "وزوجك" لا يرتفع باسكن، فإنك لا تقول: اسكن غلامك؛ لأن الغائب لا يؤمر بلفظ الحاضر فيقال: قد اندرج الغائب في حكم الحاضر لقضية العطف على سبيل التغليب فينسحب عليه حكمه.

قال القاضي: إنما لم يخاطبها أولاً تنبيهاً على أنه المقصود بالحكم، والمعطوف تبع له.

الراغب: إن قيل: ما الفرق بين أن يقال: افعل أنت وقومك كذا، وبين أن يقال: افعلوا كذا؟ قيل: الأول تنبيه على أن المقصود بالحكم هو المخاطب والباقون تبع له، وأنه لولاه لما كانوا مأمورين بذلك، وعلى نحوه:(قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى)[طه: 49] وليس كذا إذا قال: افعلوا.

قوله: (على وجه التوسعة) أي: بالغ في جانب الأمر ليكون مزيلاً للعذر في التناول، وبالغ أيضاً في النهي حيث قال:(وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنْ الظَّالِمِينَ)[البقرة: 35] يعني لا تحوما حولها فضلاً عن أن تتناولا بالأكل، وميزها أكمل تمييز بقوله:"هذه"، وجعل القربان منها سبباً لأن يكونا من زمرة الظالمين، ومنخرطين في سلكهم.

الراغب: القصد بالنهي عن قرب الشيء تأكيد للحظر ومبالغة في النهي، وذلك أن القرب من الشيء مقتض للألفة، والألفة داعية للمحبة، ومحبة الشيء كما قيل: حبك الشيء

ص: 440

المزيحة للعلة، حين لم يحظر عليهما بعض الأكل ولا بعض المواضع الجامعة للمأكولات من الجنة، حتى لا يبقى لهما عذر في التناول من شجرة واحدة بين أشجارها الفائتة للحصر، وكانت الشجرة فيما قيل «الحنطة» أو «الكرمة» أو «التينة» وقرئ (ولا تِقربا) بكسر التاء. وهذى، والشجرة، بكسر الشين. والشيرة بكسر الشين والياء. وعن أبى عمرو أنه كرهها، وقال: يقرأ بها برابرة مكة وسودانها

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يعمي ويصم والعمى عن القبيح، والصمم عن المنهي عنه هما الموقعان فيه. والسبب الداعي إلى الشر منهي عنه، كما أن السبب الداعي إلى الخير مأمور به، وعلى ذلك ورد "ومن رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه".

قوله: (المزيحة للعلة)، النهاية: زاح عن الأمر يزيح: زال وذهب. أي: لا يتسببان في تناولهما بعلة من العلل.

قوله: (من شجرة واحدة) متعلق بالتناول، تحتمل هذه الوحدة أن تكون شخصية، فاللام في "الشجرة" للعهد، وأن تكون نوعية، واللام للجنس، والأول أظهر لإزاحة العذر والمبالغة في التوسعة.

قوله: (برابرة مكة) قوم بالمغرب جفاة كالأعراب في رقة الدين وقلة العلم. قال في

ص: 441

(مِنَ الظَّالِمِينَ) من الذين ظلموا أنفسهم بمعصية اللَّه (فَتَكُونا) جزم عطف على: (تَقْرَبا) أو نصب جواب للنهى. الضمير في: (عَنْها) للشجرة. أي فحملهما الشيطان على الزلة بسببها. وتحقيقه: فأصدر الشيطان زلتهما عنها. و «عن» هذه مثلها في قوله تعالى: (وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي)[الكهف: 82]. وقوله:

يَنهَوْنَ عَنْ أَكْلٍ وعَنْ شُرْبِ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

"الفائق": البربرة: كثرة الكلام ويحكى أن إفريقيس أبا بلقيس غزا البربر فقال: ما أكثر بربرتهم، فسموا بذلك.

قوله: (فحملهما الشيطان على الزلة بسببها) يشير أن "أزلهما"- على أن يكون الضمير في "عنها" للشجرة- متضمن لمعنى "أصدر"، و"عن" حينئذ للسببية، كما في قوله:"ينهون عن أكل وعن شرب" أي: إن الشيطان إنما قدر على إصدار الزلة عن الشجرة بسبب الوسوسة بأن يقول: هذه شجرة الخلد، فكلا لتخلدا، أو لأن أكلها سبب لصيرورتكما ملكين، هذا هو المراد بقوله:"فحملهما الشيطان على الزلة بسببها" أي: بسبب الشجرة.

قوله: ((وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي)) أي: ما أصدرت ما فعلته عن اجتهادي ورأيي، وإنما فعلته بأمر الله.

قوله: (ينهون عن أكل وعن شرب) قبله:

يمشون دسماً حول قبته

ينهون، أي: يتناهون في السمن. الأساس: انتهى الشيء: بلغ النهاية وتناهى البعير سمناً، وجمل نهي، وناقة نهية. يقول: إن كون الأضياف متناهين صدر بسبب الأكل والشرب. يصف مضيافاً صدر عنه الأضياف شباعاً.

ص: 442

وقيل: فأزلهما عن الجنة: بمعنى أذهبهما عنها وأبعدهما، كما تقول: زلّ عن مرتبته. وزل عني ذاك: إذا ذهب عنك وزل من الشهر كذا. وقرئ: (فأزالهما).

(مِمَّا كانا فِيه) من النعيم والكرامة، أو من الجنة إن كان الضمير للشجرة في (عَنها). وقرأ عبد اللَّه:(فوسوس لهما الشيطان عنها). وهذا دليل على أن الضمير للشجرة، لأن المعنى صدرت وسوسته عنها. فان قلت: كيف توصل إلى إزلالهما ووسوسته لهما بعد ما قيل له: اخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ؟ . قلت:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وقرئ: فأزالهما) قرأها حمزة. قال الزجاج: هو من: زلت وأزالني غيري، وأزلهما، من: زللت وأزلني غيري. وهذه القراءة تشد من عضد التفسير الأخير ولذلك عقبه بها.

قوله: (أو من الجنة) معطوف على قوله: "من النعيم والكرامة" أي: "ما" في (مِمَّا كَانَا فِيهِ) إما عبارة عن النعيم والكرامة إن كان الضمير في "عنها" للجنة. أي: أذهبهما عن الجنة، فأخرجهما من نعيمها والكرامة فيها، أو عن الجنة إن كان الضمير في "عنها" للشجرة. أي: أصدر الشيطان زلتهما عن الشجرة فأخرجهما من الجنة.

الانتصاف: يشهد للضمير أن يعود على الجنة قوله تعالى: (كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنْ الْجَنَّةِ)[الأعراف: 27].

الإنصاف: وهو سهو؛ لأن الذي أعاد الضمير إلى الشجرة قال: فأصدر الشيطان زلتهما عن الشجرة، وذلك لا ينافي إخراج الشيطان إياهما عن الجنة، ولا يمكن نسبة الإخراج إلى الشجرة. ولقد كان هذا الوجه قوياً وعن تأييده غنياً.

ص: 443

يجوز أن يمنع دخولها على جهة التقريب والتكرمة كدخول الملائكة، ولا يمنع أن يدخل على جهة الوسوسة ابتلاء لآدم وحواء. وقيل: كان يدنو من السماء فيكلمهما. وقيل: قام عند الباب فنادى. وروى أنه أراد الدخول فمنعته الخزنة، فدخل في فم الحية حتى دخلت به وهم لا يشعرون.

قيل: (اهْبِطُوا): خطاب لآدم وحواء وإبليس: وقيل والحية. والصحيح أنه لآدم وحواء والمراد هما وذريتهما، لأنهما لما كانا أصل الإنس ومتشعبهم جعلا كأنهما الإنس كلهم. والدليل عليه قوله:(قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ)[طه: 123]، ويدل على ذلك قوله:(فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ* وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ)[البقرة: 38 - 39]. وما هو إلا حكم يعم الناس كلهم.

ومعنى (بعضكم لبعض عَدُوٌّ) ما عليه الناس من التعادي والتباغي وتضليل بعضهم لبعض. والهبوط: النزول إلى الأرض

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (يجوز أن يمنع دخولها على جهة التقريب والتكرمة) يريد أن الأمر بالخروج معلل بقوله: (فَإِنَّكَ رَجِيمٌ)[الحجر: 34] فدل على أن الجنة دار المقربين فلا يسكنها اللعين، فإذا دخل لغير التكرمة لا تمنع منه. ويمكن أن يعبر بالأمر عن مطلق الطرد والإهانة، فلا يلزم على هذا وجوب الخروج.

قوله: (ومعنى (بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ)[البقرة: 36] ما عليه الناس من التعادي والتباغي). وقال القاضي: "بعضكم لبعض" حال استغني فيها عن الواو بالضمير. أي: متعادين.

ص: 444

(مُسْتَقَرٌّ): موضع استقرار، أو استقرار ومَتاعٌ وتمتع بالعيش إِلى حِينٍ يريد إلى يوم القيامة. وقيل إلى الموت.

[(فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ* قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فَإِمَّا يَاتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ* وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ)]. [37 - 39]

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقلت: وقوله: (وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ)(حال مقدرة أيضاً، ويجوز أن يكون قوله: (بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) جملة مستأنفة على تقدير السؤال.

قوله: (يريد إلى يوم القيامة. وقيل: إلى الموت) والوجه الأول يشكل بمعنى قوله: "متاع" بمعنى "تمتع بالعيش" قال صاحب الكواشي: لكل إنسان مكان في الأرض يستقر فيه، ويتمتع بما قسم له فيه مدة حياته وبعد مماته.

قلت: هذا معنى قوله تعالى في "الأعراف": (قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ* قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ)[الأعراف: 24 - 25] فالمتاع بمعنى التحقير في الاستمتاع والتقليل في المكث على نحو قوله تعالى: (إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ)[غافر: 39]. ويمكن أن يجعل المتاع بمعنى التمتع في العيش على تقدير حصول الثواب والعقاب للمؤمن والكافر في القبر. وأما تمتع الكافر فعلى التهكم والتغليب. والوجه الأول أظهر.

وقوله: (إِلَى حِينٍ) متعلق بخبر المبتدأ وهو قوله: "لكم"، أي: مستقر ثبت لكم إلى حين، فإذا جعل (مُسْتَقَرٌّ) بمعنى المصدر، وكذا "متاع" يجوز تعلقه بهما، ولا يجوز إذا أريد موضع

ص: 445

معنى تلقي الكلمات استقبالها بالأخذ والقبول والعمل بها حين علمها. وقرئ بنصب آدم ورفع الكلمات: على أنها استقبلته بأن بلغته واتصلت به. فإن قلت: ما هنّ؟ قلت: قوله تعالى: (رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا) الآية [الأعراف: 23]. وعن ابن مسعود رضى اللَّه عنه: «إن أحب الكلام إلى اللَّه ما قاله أبونا آدم حين اقترف الخطيئة: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدّك، لا إله إلا أنت ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت» . وعن ابن عباس رضى اللَّه عنهما قال: «يا رب ألم تخلقني بيدك؟ قال: بلى. قال: يا رب ألم تنفخ فىّ الروح من روحك؟ قال: بلى. قال: يا رب ألم تسبق رحمتك غضبك؟ قال: بلى. قال: ألم تسكني جنتك؟ قال: بلى. قال: .........

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الاستقرار؛ لأن اسم المكان لا يعمل. قال أبو البقاء: يجوز (إِلَى حِينٍ) أن يكون صفة لمتاع، أي: متاع كائن إلى حين.

قوله: (استقبالها بالأخذ والقبول والعمل بها حين علمها) فعلى هذا هو مستعار من استقبال الناس بعض الأعزة إذا قدم بعد طول الغيبة؛ لأنهم حينئذ لا يدعون شيئاً من الإكرام إلا فعلوه، وإكرام الكلمات الواردة من الحضرة الإلهية العمل بها.

قوله: (وقرئ بنصب آدم ورفع الكلمات) قراءة ابن كثير وعلى هذه القراءة أيضاً استعارة.

ص: 446

يا رب إن تبت وأصلحت أراجعي أنت إلى الجنة؟ قال: نعم واكتفى بذكر توبة آدم دون توبة حواء، لأنها كانت تبعا له، كما طوى ذكر النساء في أكثر القرآن والسنة لذلك. وقد ذكرها في قوله:(قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا). فَتابَ عَلَيْهِ فرجع عليه بالرحمة والقبول. فإن قلت: لم كرر: (قُلْنَا اهْبِطُوا)؟ قلت: للتأكيد ولما نيط به من زيادة قوله: (فَإِمَّا يَاتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً) .....

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (أراجعي) صح من نسخة المصنف بالتخفيف، ومن نسخة زين المشايخ بالتشديد، وهو السماع، وتوجيهه مشكل إلا أن يجعل جمعاً، وهو مستبعد أيضاً.

قوله: ((فَتَابَ عَلَيْهِ) فرجع عليه بالرحمة والقبول) الراغب: التوب ترك الذنب على أجمل الوجوه، وهو أبلغ ضروب الاعتذار، فإن الاعتذار على ثلاثة أوجه: إما أن يقول المعتذر: لم أفعل، أو يقول: فعلت لأجل كذا، أو يقول: فعلت وأسأت وقد أقلعت، ولا رابع لذلك، وهذا الأخير هو التوبة، والتوبة في الشرع: ترك الذنب لقبحه، والندم على ما فرط منه، والعزيمة على ترك المعاودة، وتدارك ما أمكنه أن يتدارك من الأعمال بالإعادة، فمتى اجتمع هذه الأربعة فقد كملت شرائط التوبة، وتاب إلى الله، فذكر "إلى الله" يقتضي الإنابة، وتاب الله عليه، أي: قبل توبته، والتائب يقال لباذل التوبة. ولقابل التوبة التواب، ويقال ذلك لله تعالى لكثرة قبوله التوبة من العباد.

قوله: (ولما نيط به من زيادة قوله: (فَإِمَّا يَاتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى)[البقرة: 38] يعني كرر "اهبطوا" ليعلق عليه معنى آخر غير الأول، اهتماماً به، ويسمى هذا الأسلوب في البديع بالترديد، قال ابن هانئ:

ص: 447

فإن قلت: ما جواب الشرط الأول؟ قلت: الشرط الثاني مع جوابه كقولك: إن جئتني فان قدرت أحسنت إليك. والمعنى: فإما يأتينكم منى هدى برسول أبعثه إليكم وكتاب أنزله عليكم بدليل قوله: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا) في مقابلة قوله:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

صفراء لا تنزل الأحزان ساحتها

لو مسها حجر مسته سراء

اعلم أن قوله: "اهبطوا" في هذا المقام، يجوز أن يحمل على موضوعه الحقيقي وعلى غير موضوعه على سبيل الكناية؛ لأن الكناية لا تنافي إرادة معنى الحقيقة أيضاً، فينزل على انحطاط بعد الرفعة مكاناً ومرتبة، أما المكان فمن الجنة إلى الأرض، وأما المرتبة فمما كانا فيه من النعيم والكرامة، فعلق على "اهبطوا" أولاً النزول مما كانوا عليه من التحاب والتواد والتوافق التي هي من خواص أهل الجنة، قال الله تعالى:(وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ)[الحجر: 47] إلى التباغض والتعادي وما عليه الناس من الشر، وإليه الإشارة بقوله:(بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) ومن الخلود والدوام إلى الفناء والزوال، وإليه الإشارة بقوله:(وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ). ولما أراد أن ينتقل من هذا النوع من الانحطاط إلى نوع آخر من البلاء والمشقة وهو الابتلاء بالتكليف، أعاد اللفظ وهو قوله:(قُلْنَا اهْبِطُوا) وعلق عليه قوله: (فَإِمَّا يَاتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ) الآيات.

وأما قوله: (فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ) فحقه من حيث الوقوع أن يذكر بعد ذكر الهبوطين؛ لأن التوبة إنما صدرت وهو على الأرض، لكن قدم وعقب بالفاء الفصيحة؛ ليدل على مزيد الاهتمام بشأن التوبة، وليؤذن به على أن الذنب مما يجب أن يحترز منه، وعلى تقدير صدوره يجب أن يعقب بالتوبة ولا يمهل، فالمعنى: قلنا ذلك، فهبط آدم، فتلقته الكلمات أو تلقاها آدم، ولهذا صرح باسمه، ولكرامته خصه دون غيره.

قوله: (بدليل قوله: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا)) أي: يدل على تقييد "هدى" برسول أبعثه وكتاب

ص: 448

(فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ) فإن قلت: فلم جيء بكلمة الشك وإتيان الهدى كائن لا محالة لوجوبه؟ قلت: للإيذان بأنّ الإيمان باللَّه والتوحيد لا يشترط فيه بعثة الرسل

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أنزله، وقوع (وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا) في مقابلة (فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ)، فلما كان الجزاء الذي هو الجملة الشرطية مع ما عطف عليه، مقيداً بالآيات والتكذيب، يقدر الشرط الأول كذلك؛ لأن متابعة الهدى وتكذيبه مسببان عن بعثة الرسل، وإنزال الكتب، فالتقدير: فإما يأتينكم مني الرسل والكتب، فمن صدقهما فلا خوف عليه، ومن كذبهما فهو من أصحاب النار.

قوله: (لوجوبه) أي: رعاية الأصلح واجبة على الله تعالى بناءً على مذهبه، وتلخيص جوابه: أنها واجبة لكن هي عبارة عن منح العقل ونصب الأدلة. والهدى في الآية عبارة عن بعثة الرسل وإنزال الكتب، وهما ليسا واجبين على الله تعالى.

قوله: (للإيذان بأن الإيمان بالله والتوحيد) إلى آخره يؤذن بأن الكلام باق على الشك. وقال الزجاج: إن الجزاء إذا جاء في الفعل معه النون الثقيلة أو الخفيفة لزمتها "ما"، ومعنى لزومها إياها معنى التوكيد، وكذلك معنى دخول النون في الشرط التوكيد. قال صاحب الكواشي:"ما" تؤكد أول الفعل والنون آخره.

قال صاحب "المرشد": وإنما زيدت "ما" ها هنا لتأكيد الفعل الذي بعد حرف الشرط؛ شبهوها بلام القسم المؤكدة للفعل كقولك: والله لأعطين، وهي أكدت أول الفعل والنون المشددة آخره. كذلك ها هنا، ولئن سلم الشك، فإنها جارية على خلاف مقتضى الظاهر، وذلك أن الله تعالى لما أمر آدم عليه السلام بما أمر، ونهاه عما نهى على المبالغة والتوكيد كما سبق وشوهد منه بعد ذلك عدم العزيمة، وعلم من حال أولاده أنهم مجبولون على العجلة وقلة

ص: 449

وإنزال الكتب، وأنه إن لم يبعث رسولاً ولم ينزل كتاباً كان الإيمان به وتوحيده واجباً لما ركب فيهم من العقول ونصب لهم من الأدلة ومكنهم من النظر والاستدلال. فإن قلت: الخطيئة التي أهبط بها آدم إن كانت كبيرة فالكبيرة لا تجوز على الأنبياء، وإن كانت صغيرة، فلم جرى عليه ما جرى بسببها من نزع اللباس والإخراج من الجنة والإهباط من السماء، كما فعل بإبليس ونسبته إلى الغىّ والعصيان ونسيان العهد وعدم العزيمة والحاجة إلى التوبة؟ قلت: ما كانت إلا صغيرة مغمورة بأعمال قلبه من الإخلاص والأفكار الصالحة التي هي أجل الأعمال وأعظم الطاعات. وإنما جرى عليه ما جرى، تعظيما للخطيئة وتفظيعاً لشأنها وتهويلا، ليكون ذلك لطفاً له ولذرّيته في اجتناب الخطايا واتقاء المآثم، والتنبيه على أنه أخرج من الجنة بخطيئةٍ واحدة،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الثبات، ومائلون إلى حب الشهوات، قال:(فَإِمَّا يَاتِيَنَّكُمْ) على الشك، إيذاناً بأنه من غير أولي العزم، قال الله تعالى:(وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً)[طه: 115] قال صاحب "المفتاح": إن استعملت "إن" في مقام الجزم لم يخل عن نكتة كتنزيل المخاطب منزلة الجاهل لعدم جريه على موجب العلم، كما يقول الأب لابن لا يراعي حقه: إن لم أكن لك أباً فكيف تراعي حقي. فدل ذلك على أن لابد من إنزال الكتب وبعثة الرسل تفضلاً وإحساناً، فلا يلزم ما ذكره من وجوب الإيمان باستقلال العقل.

قال صاحب "التقريب": إنما كرر (قُلْنَا اهْبِطُوا) للتأكيد ولزيادة (فَإِمَّا يَاتِيَنَّكُمْ)، وجواب الشرط الأول الشرط الثاني مع جوابه. وإنما جاء بالشك في (إِمَّا يَاتِيَنَّكُمْ) للإيذان بأن الوجوب- وجوب العقاب- إنما يكون بعد البعثة، والدلالة على أنه لا يجب على الله رعاية الأصلح. وقال القاضي: إنما جيء بحرف الشك، وإتيان الهدى كائن لا محالة؛ لأنه محتمل في نفسه غير واجب عقلاً، وكرر لفظ الهدى ولم يضمر؛ لأنه أراد بالثاني أعم من الأول، وهو ما

ص: 450

فكيف يدخلها ذو خطايا جمة. وقرئ: (فمن تبع هُدَيَّ)، على لغة هذيل، (فلا خوفَ) بالفتح.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أتى به الرسل واقتضاه العقل، أي: فمن تبع ما أتاه مراعياً فيه ما يشهد به العقل، فلا يحل بهم مكروه للعلية فيخافوا، ولا يفوت عنهم محبوب فيحزنوا.

وقلت: إتيان الهدى في الثانية من وضع المظهر موضع المضمر للعلية، فدل على أن الهدى بالنظر إلى ذاته واجب الإتباع. وبالنظر إلى أنه أضيف إلى الله تعالى إضافة تشريف أحرى وأحق أن يتبع، وهذا موافق لقول المصنف. (وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا) في مقابلة (فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ) فالمقابل له حكم المقابل.

قوله: (هدي على لغة هذيل) حكى ابن جني: هي قراءة أبي الطفيل وعيسى بن عمر الثقفي، وهي لغة فاشية في هذيل وغيرهم؛ أن يقلبوا الألف من آخر المقصور إذا أضيف إلى ياء المتكلم [ياء]، وأنشد قطرب:

يطوف بي عكب في معد

ويطعن بالصملة في قفيا

قال أبو علي: إن وقوع ياء المتكلم بعد الألف موضع ينكسر فيه الصحيح نحو: هذا غلامي، ولما لم يتمكنوا من كسر الألف قلبوها ياء، وشبهوا ذلك بقولك: مررت بالزيدين، لما لم يتمكنوا ن كسر الألف للجر قلبوها ياء.

ص: 451

[(يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ* وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ)].

إِسْرائِيلَ هو يعقوب عليه السلام لقب له، ومعناه في لسانهم: صفوة اللَّه، وقيل عبد اللَّه. وهو بزنة إبراهيم وإسماعيل غير منصرف مثلهما لوجود العلمية والعجمة. وقرئ إسرائل، وإسرائلّ. وذِكرهم النعمة: أن لا يخلوا بشكرها، ويعتدّوا بها، ويستعظموها، ويطيعوا ماتحها. وأراد بها ما أنعم به على آبائهم مما عدّد عليهم: من الإنجاء من فرعون وعذابه ومن الغرق. ومن العفو عن اتخاذ العجل، والتوبة عليهم، وغير ذلك، وما أنعم به عليهم من إدراك زمن محمد صلى الله عليه وآله وسلم المبشر به في التوراة والإنجيل. والعهد يضاف إلى المعاهِد والمعاهَد جميعا. يقال أوفيت بعهدي، أى بما عاهدت عليه كقوله:(وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ)[التوبة: 111] وأوفيت بعهدك: أى بما عاهدتك عليه. ومعنى (وَأَوْفُوا بِعَهْدِي) وأوفوا بما عاهدتموني عليه من الإيمان بى والطاعة لي، كقوله:(وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ)[الفتح: 10]، (وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ) [التوبة: 75]، (رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ) [الأحزاب: 23]، (أُوفِ بِعَهْدِكُمْ): بما عاهدتكم عليه من حسن الثواب على حسناتكم (وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) فلا تنقضوا عهدى. وهو من قولك: زيداً رهبته،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (مما عدد عليهم) بيان "ما أنعم"، و"من الإنجاء" بيان "ما عدد"، و"من العفو" عطف على "من الإنجاء".

قوله: (وأوفوا بما عاهدتموني عليه) خبر قوله: "ومعنى (وَأَوْفُوا بِعَهْدِي) ".

قوله: (وهو من قولك: زيداً رهبته) أي: من باب الإضمار على شريطة التفسير. قال الزجاج: إياي: نصب بالأمر كأنه قال: ارهبوني، ويكون الثاني مفسراً لهذا الفعل.

ص: 452

وهو أوكد في إفادة الاختصاص من (إِيَّاكَ نَعْبُدُ)[الفاتحة: 5]. وقرئ (وأُوَفِّ) بالتشديد: أي أبالغ في الوفاء بعهدكم، كقوله:(مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها)[النمل: 189]، ......

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وهو أوكد في إفادة الاختصاص من (إِيَّاكَ نَعْبُدُ)) قال القاضي: وإنما كان آكد لما فيه مع التقديم من تكرير المفعول، والفاء الجزائية الدالة على تضمن الكلام معنى الشرط، كأنه قيل: إن كنتم راهبين شيئاً فارهبون.

وقلت: هذا على خلاف رأي المصنف؛ لأنه جعل التركيب من باب الإضمار على شريطة التفسير لقوله: "هو من قولك: زيداً رهبته"، فإن هذا التركيب آكد في إفادة الاختصاص من "إياك نعبد" إذا قدرت المفسر بعد المنصوب لتكرير الجملة المفيدة للتخصيص، بخلاف "إياك نعبد"، فإن فيه تقديماً فقط.

قال صاحب "المفتاح": وأما زيداً عرفته، فأنت بالخيار، إن شئت قدرت المفسر قبل المنصوب، وحملته على التأكيد، وإن شئت قدرته بعده، وحملته على باب التخصيص. والمقام يقتضي الثاني لسياق الكلام وسباقه.

وأما إذا جعل من باب الشرط، فلا وجه أن يقابل بقوله:"إياك نعبد" إذ لا مناسبة بينهما. نعم لو قدر: إن كنتم تخصون أحداً بألوهية، فخصوني بها أفاد التخصيص، لكن تقدير الشرط أحط وأضعف من "إياك"؛ لأن التقديم يستدعي وقوع الفعل جزماً، والشرط على الفرض والتقدير.

فإن قلت: كيف عطف الجملة المؤكدة على مؤكدها والعطف يقتضي المغايرة؟ قلت: المغايرة حاصلة، لأن المراد من التكرار الترقي من الأهون إلى الأغلظ، فإن في التعقيب اتصال الرهبة برهبة هي أعلى منها من غير تخلل شيء آخر، كقولهم: الأفضل فالأفضل، والأكرم

ص: 453

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فالأكرم، لم يريدوا به أفضلين وأكرمين، بل الترقي إلى انتهاء الوسع والإمكان. قال المصنف في قوله تعالى:(كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا)[القمر: 9] أي: كذبوه تكذيباً على عقب تكذيب. ففيه إشعار بمزيد الاختصاص.

ثم قوله: "أوكد في إفادة الاختصاص من إياك نعبد" يقتضي أنه أوكد منه وحده، لكن إذا ضم معه (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) [الفاتحة: 5] كان هذا أوكد لتصريح التكرير والتعميم في "نستعين" على ما سبق في الفاتحة.

الراغب: إنما ذكر في الآية الأولى "فارهبون" وفي الأخرى "فاتقون"؛ لأن الرهبة دون التقوى، فحيثما خاطب الكافة عالمهم ومقلدهم وحثهم على [ذكر] النعمة التي يشتركون فيها، أمرهم بالرهبة التي هي مبادئ التقوى، وحيثما خاطب العلماء منهم، وحثهم على مراعاة آياته والتنبيه لما يأتي به أولو العزم من الرسل، أمرهم بالتقوى التي هي منتهى الطاعة.

وقوله: "وأوفوا بما عاهدتموني عليه من الإيمان والطاعة لي" أوف "بما عاهدتكم عليه من حسن الثواب على حسناتكم".

اعلم أن المصنف قال فيما سبق: إن العهد الموثق، وعهد إليه في كذا: إذا وصاه ووثقه عليه، واستعهد منه: إذا اشترط عليه، واستوثق منه. واللائق بهذا المقام هذا الثاني. فيكون المراد بالعهد ما استعهد من آدم في قوله تعالى:(فَإِمَّا يَاتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ)[البقرة: 38] إلى آخره لتنتظم الآيات، يؤكده عطف قوله:(وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ)[البقرة: 41] على "أوفوا" على سبيل التفسير، وفي كلامه إشعار به.

ص: 454

ويجوز أن يريد بقوله: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِي) ما عاهدوا عليه ووعدوه من الإيمان بنبىّ الرحمة والكتاب المعجز. ويدل عليه قوله: (وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ) أوّل من كفر به، أو أول فريق أو فوج كافر به، أو: ولا يكن كل واحد منكم أوّل كافر به، كقولك: كسانا حلة، أي كل واحدٍ منا .........

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ويجوز أن يريد) عطف على قوله: "ومعنى وأوفوا بعهدي" وعلى الأول العهد عام كما في قوله تعالى: (فَإِمَّا يَاتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى)، وعلى هذا خاص، والآيات الثلاث المستشهد بها لأجل أن العهد مع الله تعالى فحسب. ولما كان عطف قوله:(وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ)[البقرة: 41] على سبيل البيان على هذا الوجه ظاهراً، قال:"ويدل عليه قوله: وآمنوا" لما يفهم من الأمر بالإيمان بالمنزل أن المراد بالأمر السابق الأمر بالإيمان بالمنزل عليه، وأنه نبي الرحمة بناءً على أن عطف الخاص يخصص العام، وأما على الأول فهو من عطف الخاص على العام، وجعل الأول توطئة للثاني؛ تنبيهاً على علو مرتبة هذا المنزل ونباهة منزلة هذا المنزل عليه، وفضله على سائر المرسلين صلوات الله عليهم أجمعين.

قوله: (أو: أول فريق، أو فوج

، أو: ولا يكن كل واحد) إنما قدر هذه التقادير لما أن خبر كان مفرد لفظاً، والاسم جماعة. قال القاضي: أول: أفعل لا فعل له، وقيل: أصله "أوأل" من: وأل، فأبدلت همزته واواً تخفيفاً غير قياسي، أو أأول من آل فقلبت همزته واواً وأدغمت.

ص: 455

وهذا تعريض بأنه كان يجب أن يكونوا أوّل من يؤمن به لمعرفتهم به وبصفته. ولأنهم كانوا المبشرين بزمان من أوحى إليه والمستفتحين على الذين كفروا به، وكانوا يعدون اتباعه أول الناس كلهم، فلما بعث كان أمرهم على العكس كقوله:(لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَاتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ) إلى قوله: (وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ)[البينة: 1 - 4]، (فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ) [البقرة: 89]، ويجوز أن يراد: ولا تكونوا مثل أول كافر به، يعنى من أشرك به من أهل مكة. أى: ولا تكونوا وأنتم تعرفونه مذكورا في التوراة موصوفاً،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وهذا تعريض) أي: قوله: (وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ) تعريض بما يجب عليهم لمقتضى حالهم، ولما تكلموا به من الاستفتاح والبشارة، والتعريض أنواع منها: أن يكون الكلام مسوقاً لأجل موصوف غير مذكور كما تقول في عرض من يؤذي الناس: فلان رجل مؤمن يصلي ويزكي ولا يؤذي الناس. ويتوصل به على نفي الإيمان عن المؤذي.

ومنها: أن يساق به لمقتضى الحال على طريقة قوله:

أروح لتسليم عليك وأغتدي

وحسبك بالتسليم مني تقاضيا

وما نحن بصدده من هذا القبيل.

قوله: (والمستفتحين) الاستفتاح: الاستنصار. أي: كانوا يقولون: قد آن مبعث النبي الأمي الذي نجده في التوراة والإنجيل، فنحن نؤمن به ونقاتلكم معه.

ص: 456

مثل من لم يعرفه وهو مشرك لا كتاب له. وقيل: الضمير في (به) لما معكم، لأنهم إذا كفروا بما يصدّقه فقد كفروا به. والاشتراء استعارة للاستبدال كقوله تعالى:(اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى)[البقرة: 16]، وقوله:

كَمَا اشْتَرَى المُسْلِمُ إذْ تَنَصَّرَا

وقوله:

فإنِّى شَرَيْتُ الحِلْمَ بَعْدَك بالجَهْلِ

يعنى: ولا تستبدلوا بآياتي ثمنا وإلا فالثمن هو المشترى به. ......

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (لأنهم إذا كفروا بما يصدقه فقد كفروا به) يعني لا تكونوا أول من كفر بالتوراة، لأنه صلوات الله عليه مصدق في التوراة لما فيها من صفته ونعته، فإذا كفرتم بالمصدق لزم أن تكفروا بالمصدق.

قوله: (كما اشترى المسلم إذ تنصرا) أي: كما استبدل المسلم بالإسلام الكفر حتى اختار النصرانية، مضى بيانه.

قوله: (فإني شريت الحلم بعدك بالجهل) قبله:

فإن تزعميني كنت أجهل فيكم

"كنت أجهل" ثاني مفعولي "تزعميني" وقيل: الزعم بمعنى القول لوقوع الجملة بعده، أي: أن تقول كنت أجهل الناس فيمك، فإني بدلت حالي بعدك، واستبدلت الحلم بالجهل، والأناة بالطيش، والرفق بالخرق.

قوله: (وإلا فالثمن هو المشترى به) وتقريره: أن الاشتراء استعارة للاستبدال، وإن لم يكن استعارة له لزم أن يكون الثمن في قوله تعالى:(ثَمَناً قَلِيلاً) هو المشترى، والثمن المتعارف هو

ص: 457

والثمن القليل: الرياسة التي كانت لهم في قومهم، خافوا عليها الفوات لو أصبحوا أتباعا لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فاستبدلوها - وهي بدل قليل ومتاع يسير - بآيات اللَّه وبالحق الذي كل كثير إليه قليل، وكل كبير إليه حقير، فما بال القليل الحقير. وقيل كانت عامّتهم يعطون أحبارهم من زروعهم وثمارهم، ويهدون إليهم الهدايا، ويرشونهم الرشا على تحريفهم الكلم، وتسهيلهم لهم ما صعب عليهم من الشرائع. وكان ملوكهم يدرّون عليهم الأموال ليكتموا أو يحرّفوا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المشترى به، وها هنا المشتري به الآيات، لأن الباء تدخل على الثمن، فلما دخل على "آياتي" صار هو المشترى به، وصار (ثَمَناً قَلِيلاً) هو المبيع؛ يريد: أن هذه الاستعارة استعارة لفظية لا معنوية، فاستعير الشراء لمجرد الاستبدال من غير نظر إلى التشبيه كما يستعار لأنف الإنسان المرسن. قال المصنف في قوله تعالى:(طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ)[الصافات: 65] الطلع للنخلة، فاستعير لما طلع من شجرة الزقوم من حملها؛ إما استعارة لفظية أو معنوية. وأما التشبيه بقوله:(أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى)[البقرة: 16] فلمجرد استعارة الاشتراء للاستبدال، ويمكن أن يكون استعارة معنوية، بولغ أولاً بأن شبه هذا الاستبدال في كونه مرغوباً فيه بالبيع والشراء، ثم زيد في المبالغة بأن قلبت القضية، وجعل الثمن مبيعاً، والمبيع ثمناً، ونحوه في القلب قوله تعالى:(إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا)[البقرة: 275]. فجعلت الآيات في الابتذال والامتهان وكونها ذرائع إلى سائر مباغيهم كالدراهم المبذولة لقضاء الحوائج. ومقام التقريع والنعي على بني إسرائيل وسوء صنيعهم يقتضي هذه المبالغة، وإليه ينظر ما روينا عن الدارمي، قال أبو موسى:"إن هذا القرآن كائن لكم أجراً، وكائن لكم وزراً، وكائن لكم ذكراً، اتبعوا القرآن ولا يتبعكم القرآن، فإن من يتبع القرآن يهبط به في رياض الجنة، ومن يتبعه القرآن يزج في قفاه فيقذفه في جهنم".

ص: 458

[(وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ* وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ)].

الباء التي في (بِالْباطِلِ) إن كانت صلة مثلها في قولك: لبست الشيء بالشيء خلطته به، كأن المعنى: ولا تكتبوا في التوراة ما ليس منها فيختلط الحق المنزل بالباطل الذي كتبتم، حتى لا يميز بين حقها وباطلكم، وإن كانت باء الاستعانة كالتي في قولك: كتبت بالقلم، كان المعنى: ولا تجعلوا الحق ملتبسا مشتبها بباطلكم الذي تكتبونه وَتَكْتُمُوا جزم داخل تحت حكم النهى بمعنى: ولا تكتموا. أو منصوب بإضمار أن، والواو بمعنى الجمع، أى ولا تجمعوا لبس الحق بالباطل وكتمان الحق، كقولك: لا تأكل السمك وتشرب اللبن. فإن قلت: لبسهم وكتمانهم ليسا بفعلين

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وإن كانت باء الاستعانة) والفرق: أن الخلط يستدعي مخلوطاً ومخلوطاً به. قال الجوهري: خلطت الشيء بغيره فاختلطا، فإذا جعلت صلة كان "بالباطل" مفعولاً مثل الأول، فخلطهم أن يكتبوا شيئاً آخر مثل المنزل، فإذا كتبوه اختلط مع الحق، فالمنهي الكتبة نفسها، لأنها مستلزمة للاختلاط، ومن ثم قال:"ولا تكتبوا فيختلط الحق بالباطل" وجعل "فيختلط" جواباً للنهي، وإذا جعلت للاستعانة كان المنهي جعل مكتوبهم سبباً للاشتباه، ولهذا قال:"ولا تجعلوا الحق مشتبهاً بباطلكم" أي: بسبب باطلكم. وقال "الذي تكتبونه" أي: الذي أنتم مشتغلون به وهو دأبكم وعادتكم، فقوله:"ملتبساً" ثاني مفعولي جعل.

قوله: (والواو بمعنى الجمع) قال في "الإقليد": هذه الواو تسمى واو الصرف؛ لأنها تصرف المعطوف عن إعراب المعطوف عليه.

قوله: (لبسهم وكتمانهم) تقريره: أن اللبس والكتمان متلازمان، فليست المسألة كقولهم: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، ليصح دخول واو الجمع بينهما. وأجاب بما تلخيصه: أن لبس

ص: 459

متميزين حتى ينهوا عن الجمع بينهما، لأنهم إذا لبسوا الحق بالباطل فقد كتموا الحق؟ قلت: بل هما متميزان، لأن لبس الحق بالباطل ما ذكرنا من كتابتهم في التوراة ما ليس منها. وكتمانهم الحق أن يقولوا: لا نجد في التوراة صفة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، أو حكم كذا. أو يمحوا ذلك. أو يكتبوه على خلاف ما هو عليه. وفي مصحف عبد اللَّه:(وتكتمون)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الحق بالباطل على ما بيناه في الوجهين، إظهار ما به يشتبه ما في التوراة، وكتمان الحق إخفاء ما في التوراة؛ إما بالقول بأن يقولوا: لا نجد فيها كذا، أو بالفعل بأن يمحوا ذلك، أو يكتبوه على خلاف ما هو عليه، فقوله:"أو حكم كذا" عطف على "صفة محمد" صلوات الله عليه، وهو حكم الزاني المحصن، ورجمه كما سيجيء حديثه. وقوله:"أو يمحوا" عطف على قوله: "أن يقولوا".

فإن قلت: فعلى هذا يلزمك جواز فعلهم اللبس بدون الكتمان وعكسه، كما في مسألة السمكة.

قلت: لا نسلم جواز فعل كل واحد منهما على الانفراد كما في مسألة السمكة، فإن نهي الجمع لا يدل على جواز البعض ولا على عدمه، وإنما يعلمان من دليل آخر، أما في مسألة السمكة فمن الطب، وأما في الآية فلاستبداد قبح كل منهما. وبقي أن يقال: إذا كان كذلك فما فائدة الجمع؟

والجواب: فائدته المبالغة في النعي عليهم وإظهار قبح أفعالهم من كونهم جامعين بين الفعلين اللذين إن انفرد كل منهما كان مستقلاً في القبح، وعلى قراءة الجزم وإن دل على المبالغة لكن تفوت فائدة النعي عليهم.

قوله: (وفي مصحف عبد الله: وتكتمون) قال القاضي: هذه القراءة تعضد قول من

ص: 460

بمعنى كاتمين (وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ): في حال علمكم أنكم لابسون كاتمون، وهو أقبح لهم، لأنّ الجهل بالقبيح ربما عذر راكبه. (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وءَاتُوا الزَّكَاةَ): يعني صلاة المسلمين وزكاتهم. (وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ) منهم؛ لأنّ اليهود لا ركوع في صلاتهم. وقيل «الركوع» الخضوع والانقياد لما يلزمهم في دين اللَّه. ويجوز أن يراد بالركوع: الصلاة، كما يعبر عنها بالسجود، وأن يكون أمرا بأن يصلى مع المصلين، يعنى في الجماعة، كأنه قيل: وأقيموا الصلاة وصلوها مع المصلين، لا منفردين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قال: إن "الواو" للجمع، لأن المعنى: وأنتم تكتمون، وفيه إشعار بأن استقباح اللبس لما يصحبه من كتمان الحق.

قوله: (يعني صلاة المسلمين وزكاتهم) قال القاضي: يعني أن غيرهما كلا صلاة ولا زكاة، أمرهم بفروع الإسلام بعدما أمرهم بأصولها، وفيه دليل على أن الكفار مخاطبون بها. والزكاة: من زكا الزرع: إذا نما، فإن إخراجها يستجلب تزكية في المال، ويثمر للنفس فضيلة الكرم، أو من الزكاة بمعنى الطهارة؛ فإنها تطهر المال من الخبث والنفس من البخل.

قوله: (لأن اليهود) تعليل لاختصاص الركوع بالذكر مع أنه داخل في الأمر بإقامة الصلاة.

ص: 461

[(أَتَامُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ* وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخاشِعِينَ* الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ)].

(أَتَامُرُونَ): الهمزة للتقرير مع التوبيخ والتعجيب من حالهم. والبرّ سعة الخير والمعروف. ومنه البر لسعته، ويتناول كل خير. ومنه قولهم: صدقت وبررت. وكان الأحبار يأمرون من نصحوه في السر من أقاربهم وغيرهم باتباع محمد صلى الله عليه وسلم ولا يتبعونه. وقيل كانوا يأمرون بالصدقة ولا يتصدّقون، وإذا أتوا بصدقات ليفرّقوها خانوا فيها. وعن محمد بن واسع: بلغني أنّ ناسا من أهل الجنة اطلعوا على ناس من أهل النار فقالوا لهم: قد كنتم تأمروننا بأشياء عملناها فدخلنا الجنة. قالوا كنا نأمركم بها ونخالف إلى غيرها (وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ) وتتركونها من البر كالمنسيات (وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ): تبكيت، مثل قوله:(وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)[البقرة: 42] يعني: تتلون التوراة وفيها نعت محمد صلى الله عليه وسلم، أو فيها الوعيد على الخيانة وترك البر ومخالفة القول العمل

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (صدقت وبررت) أي: بررت في صدقك، كما يقال: كذبت وفجرت، أي: فجرت في كذبك هذا.

قوله: (وقيل: كانوا يأمرون بالصدقة) فعلى هذا البر بمعنى الإحسان، وعلى الأول بمعنى الإيمان.

قوله: (كالمنسيات) أشار بالكاف إلى أن المراد بقوله: "تنسون": تتركون على الاستعارة التبعية؛ لأن أحداً لا ينسى نفسه بل يحرمها من الخير، ويتركها كما يترك الشيء المنسي مبالغة لعدم المبالاة والغفلة فيما ينبغي أن يفعله.

قوله: ((وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ)[البقرة: 44] تبكيت مثل قوله: (وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)[البقرة: 22]) يعني: كما وقع (وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) حالاً من فاعل "لا تلبسوا" على سبيل التبكيت

ص: 462

(أَفَلا تَعْقِلُونَ): توبيخ عظيم، بمعنى: أفلا تفطنون لقبح ما أقدمتم عليه حتى يصدكم استقباحه عن ارتكابه، وكأنكم في ذلك مسلوبو العقول، لأن العقول تأباه وتدفعه،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وإلزام الخصم، كذلك (وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ) حال من فاعل (أَتَامُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ) للتبكيت، وأيضاً كما اختلف تقدير متعلق "تعلمون" باختلاف تفسير "لا تلبسوا الحق بالباطل" في الوجهين على ما سبق، كذلك يختلف تقدير متعلق "يتلون" باختلاف تفسير "أتأمرون" في تلك الوجوه الثلاثة المذكورة من الأمر باتباع محمد صلوات الله عليه ولا يتبعونه، والأمر بالصدقة ولا يتصدقون، والأمر بالصدقة والخيانة فيها. فأتى بها في التقدير على طريقة النشر بلا ترتيب. ولما كان الوجهان الأخيران قولاً واحداً كما سبق، جاء بـ "أو" وعطف عليه قوله:"ومخالفة" على "الخيانة" بالواو.

فإن قلت: هل يحتمل قوله: (وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) ما احتمل في قوله: (فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)[البقرة: 22] من جعله بمنزلة اللازم مبالغة، أي: أنتم من أهل العلم والمعرفة؟

قلت: لا، لأنه عقب بقوله:(أَتَامُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ) الآية وهو مثل قوله: (كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً)[الجمعة: 5] وقوله: (أَفَلا تَعْقِلُونَ) تقريع بعد التبكيت، أي: كأنكم مسلوبو العقول وكالحمار يحمل أسفاراً، فكيف يثبت لهم العلم الفائق كما أثبت لدهاة العرب هناك! وفي هذا إيذان بأن فعل اليهود كان أفحش من فعل المشركين؛ لأن مخالفة النص الجلي مع اعتقاد وجوبه مخالفة لأمر الله وأمر العقل، ومخالفة أمر العقل مخالفة له فحسب.

قوله: (مسلوبو العقول؛ لأن العقول تأباه وتدفعه) فيه إيماء إلى أن قوله: (أَفَلا تَعْقِلُونَ)

ص: 463

ونحوه: (أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ)[الأنبياء: 67]. (وَاسْتَعِينُوا) على حوائجكم إلى اللَّه (بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ) أي: بالجمع بينهما، وأن تصلوا صابرين على تكاليف الصلاة، محتملين لمشاقها وما يجب فيها - من إخلاص القلب، وحفظ النيات، ودفع الوساوس ومراعاة الآداب، والاحتراس من المكاره مع الخشية والخشوع، واستحضار العلم بأنه انتصاب بين يدي جبار السموات، ليسأل فك الرقاب عن سخطه وعذابه. ومنه قوله تعالى:(وامر أهلك بالصلاة واصطبر عليها)[طه: 132] أو: واستعينوا على البلايا والنوائب بالصبر عليها والالتجاء إلى الصلاة عند وقوعها. وكان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم .....

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مطلق يجري مجرى اللازم. قال القاضي: العقل في الأصل الحبس، سمي به إدراك الإنسان؛ لأنه يحبسه عما يقبح، ويعقله على ما يحسن، ثم القوة التي بها النفس تدرك هذا الإدراك. المعنى: فلا عقل لكم يحبسكم عما تعلمون وخامة عاقبته، أو: أفلا تعقلون قبح صنيعكم فيصدكم عنه.

قوله: (وأن تصلوا صابرين) عطف تفسيري على قوله: "بالجمع بينهما" وكذا قوله: "وأن يستعان" عطف على قوله: "الدعاء"، والضمير في قوله:"بأنه انتصاب" راجع إلى الصلاة، والتذكير باعتبار الخبر لا إلى الجمع كما ظن؛ لأنه متعلق بقوله:"واستحضار العلم"، وهو عطف على "إخلاص القلب فيها"، و"ليسأل" تعليل "انتصاب"، وإنما قدم الصبر على الصلاة لأنه لا يمكن حصول الصلاة كاملة إلا بالصبر.

ص: 464

إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة. وعن ابن عباس: أنه نعى إليه أخوه قثم وهو في سفر، فاسترجع وتنحى عن الطريق فصلى ركعتين أطال فيهما الجلوس، ثم قام يمشى إلى راحلته وهو يقول:(واستعينوا بالصبر والصلاة). وقيل: الصبر الصوم، لأنه حبس عن المفطرات. ومنه قيل لشهر رمضان: شهر الصبر. ويجوز أن يراد بالصلاة الدعاء، وأن يستعان على البلايا بالصبر، والالتجاء إلى الدعاء، والابتهال إلى اللَّه تعالى في دفعه (وَإِنَّها) الضمير للصلاة أو للاستعانة. ويجوز أن يكون لجميع الأمور

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (إذا حزبه أمر) وفي رواية حذيفة: "إذا حزنه أمر صلى" أخرجه أبو داود. حزنه بالنون، وفي "الكشاف" بالباء الموحدة من تحت. وكذا في "النهاية": إذا حزبه أمر صلى، أي: إذا نزل به هم أو أصابه غم.

قوله: (فزع إلى الصلاة)، النهاية: في حديث الكسوف "فافزعوا إلى الصلاة"، أي: الجؤوا إليها، واستعينوا بها على دفع الأمر الحادث.

قوله: (فاسترجع) أي: قال: إنا لله وإنا إليه راجعون. قال صاحب "الجامع": قثم بضم القاف وفتح الثاء المثلثة. وكان والياً لعلي رضي الله عنه على مكة، واستشهد بسمرقند زمن معاوية.

قوله: ((وَإِنَّهَا) الضمير للصلاة)، الراغب: خصها برد الضمير؛ لأنها أرفع منزلة

ص: 465

التي أمر بها بنو إسرائيل ونهوا عنها من قوله: (اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ) إلى (وَاسْتَعِينُوا). (لَكَبِيرَةٌ): لشاقة ثقيلة من قولك: كبر علىّ هذا الأمر، (كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ) [الشورى: 13]. فإن قلت: مالها لم تثقل على الخاشعين والخشوع في نفسه مما يثقل؟ قلت: لأنهم يتوقعون ما ادّخر للصابرين على متاعبها فتهون عليهم. ألا ترى إلى قوله تعالى: (الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ)؟ أي: يتوقعون لقاء ثوابه ونيل ما عنده، ويطمعون فيه. وفي مصحف عبد اللَّه: يعلمون. ومعناه: يعلمون أن لا بد من لقاء الجزاء فيعملون على حسب ذلك

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

من الصبر، لأنها تجمع ضروباً من الصبر، إذ هي حبس الحواس على العبادة، وحبس الخواطر والأفكار على الطاعة؛ ولهذا قال تعالى:(وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ)، وأما الصلاة التي تخف على غير الخاشع فمسماة باسمها وليست في حكمها، بدلالة قوله عز وجل:(إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ)[العنكبوت: 45] وقلما ترى صلاة غير الخاشعين تنهى عن الفحشاء والمنكر، ونظيره في رد الضمير:(وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّوا إِلَيْهَا)[الجمعة: 11] أعيد الضمير إلى التجارة دون اللهو لما كانت سبباً في الانفضاض.

قوله: (لأنهم يتوقعون) معللة مقدر؛ لأن تقدير السؤال: ما للصلاة لم تثقل على الخاشعين، والحال أن الخشوع في الصلاة في نفسه ثقيل كما علم من قوله:(الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ)[المؤمنون: 2]، وما يكون ثقيلاً في نفسه كيف يكون سبباً لخفة صلاتهم؟ وأجاب: إنما يكون سبباً لخفة صلاتهم "لأنهم يتوقعون" إلى آخره.

قوله: (أي: يتوقعون لقاء ثوابه) مذهبه قال في "يونس" في قوله تعالى: (قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا)[يونس: 15]: كيف جاز النظر على الله وفيه معنى المقابلة!

ص: 466

ولذلك فسر (يظنون) بـ: يتيقنون. وأما من لم يوقن بالجزاء ولم يرج الثواب، كانت عليه مشقة خالصة فثقلت عليه كالمنافقين والمراءين بأعمالهم. ومثاله من وعد على بعض الأعمال والصنائع أجرة زائدة على مقدار عمله، فتراه يزاوله برغبة ونشاط وانشراح صدر ومضاحكة لحاضريه، كأنه يستلذ مزاولته بخلاف حال عامل يتسخره بعض الظلمة. ومن ثمّ قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم (وجعلت قرّة عيني في الصلاة)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ولذلك فسر (يَظُنُّونَ) بـ: يتيقنون) أي: ولأجل ما قرأ عبد الله: (يعلمون) - ومعناه ما ذكر- فسر يظنون بـ: يتيقنون، قال: الظن ها هنا بمعنى اليقين. ولو كانوا شاكين كانوا ضلالاً كافرين، والظن بمعنى اليقين موجود، قال دريد بن الصمة:

فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج

سراتهم في الفارسي المسرد

قوله: (وأما من لم يوقن بالجزاء ولم يرج الثواب كانت عليه مشقة) هذا يعلم من مفهوم قوله: (وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ)[البقرة: 45]، لأنه في معنى: لا يهون على أحد إلا على الخاشعين، فإنه استثناء مفرغ من كلام موجب فلابد من تأويل.

قوله: (يتسخره بعض الظلمة)، الجوهري: تسخره: كلفه عملاً بغير أجرة.

قوله: (وجعلت قرة عيني في الصلاة) الحديث من رواية النسائي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حبب إلي الطيب والنساء، وجعل قرة عيني في الصلاة".

ص: 467

وكان يقول ((يا بلال روّحنا)) والخشوع: الإخبات والتطامن. ومنه:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (يا بلال روحنا) الحديث من رواية أبي داود عن سالم بن الجعد قال: قال رجل من خزاعة: ليتني صليت فاسترحت، فكأنهم عابوا ذلك عليه، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أقم الصلاة يا بلال أرحنا بها" أي: أذن بالصلاة نسترح بأدائها من شغل القلب بها، قيل: كان اشتغاله بالصلاة راحة له، فإنه كان يعد غيرها من الأعمال الدنيوية تعباً، وكان يستريح بالصلاة لما فيها من مناجاة الله تعالى، ولهذا قال:"وقرة عيني في الصلاة"، وما أقرب الراحة من قرة العين، يقال: أراح الرجل واستراح إذا رجع نفسه إليه بعد الإعياء، كلها في "النهاية".

الراغب: الصلاة جامعة للعبادات وزائدة عليها لأنها لا تصح إلا ببذل مال ما، جار مجرى الزكاة فيما يستر به العورة، ويطهر به البدن، وامتساك في مكان مخصوص يجري مجرى الاعتكاف، وتوجه إلى الكعبة يجري مجرى الحج، وذكر الله تعالى ورسوله يجري مجرى الشهادتين، ومجاهدة في مدافعة الشيطان جارية مجرى الجهاد، وإمساك عن الأطيبين جار مجرى الصوم، وفيها ما ليس في شيء من العبادات الأخرى من وجوب القراءة وإظهار الخشوع والركوع والسجود وغير ذلك.

وقلت: وفيها ما قال صلوات الله عليه: "وجعلت قرة عيني في الصلاة" الذي هو أصل ذلك كله.

قوله: (الخشوع: الإخبات والتطامن) الراغب: الخشوع: الضراعة، وأكثر ما يستعمل فيما

ص: 468

الخشعة للرملة المتطامنة. وأما الخضوع فاللين والانقياد. ومنه: خضعت بقولها إذا لينته.

[(يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ* وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ)].

وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ نصب عطف على: (نِعْمَتِيَ) أى اذكروا نعمتي وتفضيلي عَلَى الْعالَمِينَ على الجم الغفير من الناس، كقوله تعالى:(بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ)[الأنبياء: 71] يقال: رأيت عالما من الناس يراد الكثرة يَوْماً يريد يوم القيامة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يوجد على الجوارح، والضراعة أكثر ما تستعمل فيما يوجد في القلب، ولذلك قيل فيما روي:"إذا ضرع القلب خشعت الجوارح"(تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً)[فصلت: 39] كناية.

قوله: (خضعت بقولها: إذا لينته) مأخوذ من قوله تعالى: (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنْ النِّسَاءِ إِنْ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ)[الأحزاب: 32].

قوله: (على الجم الغفير من الناس) ذهب الإمام: أن الآية بظاهرها تدل على أن يكونوا أفضل من الصحابة، وليس كذلك.

وقلت- والله أعلم-: "العالمين" كما سبق: اسم لذوي العلم من الملائكة والثقلين، أو لكل ما علم به الخالق، وهو عام يقبل التخصيص بالعلم بالبعض من أربعة أوجه:

أحدها: من حيث الأشخاص، وهو المراد بقوله:"على الجم الغفير من الناس" وهو مجاز من باب إطلاق الكل على الأكثر نحو قوله تعالى: (وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ)[النمل: 16] (وَأُوتِيَتْ مِنْ

ص: 469

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كُلِّ شَيْءٍ) [النمل: 23] فعلى هذا يلزم تفضيلهم على غير الصحابة رضوان الله عليهم وهم الجم الغفير.

وثانيها: من حيث المكان كما في الآية المستشهد بها (وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ)[الأنبياء: 71] أي: أهل الشام، كقوله تعالى:(الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ)[الإسراء: 1] ولا يجوز حمل الآية عليه.

وثالثها: أن يختص بالبعض بحسب اختصاص أمر ما. قال الإمام: "العالمين" عام لكنه مطلق في الفضل، والمطلق يكفي في صدقه صورة واحدة، فيلزم أن يكونوا أفضل من غيرهم في أمر واحد، وغيرهم أفضل منهم فيما عدا ذلك الأمر.

وقلت: هذا بعيد؛ لأن سياق الكلام لبيان الامتنان عليهم وتعداد النعم الفائقة، وهذا إنما يمكن إذا حملنا التفضيل على غير الصحابة من الجم الغفير.

ورابعها: خص به بحسب اعتبار الزمان. قال محيي السنة: "على العالمين" أي: عالمي زمانهم، وذلك التفضيل وإن كان في حق الآباء لكن يحصل به الشرف للأبناء. وقال القاضي: يريد به تفضيل آبائهم الذين كانوا في عصر موسى عليه السلام وبعده قبل أن يغيروا، بما منحهم من العلم والإيمان، وجعلهم أنبياء وملوكاً مقسطين.

وقلت: الحق هذا الوجه، وقضية النظم شاهدة بذلك، وبيانه أن المصنف كثيراً ما يذهب إلى أن الكلام إذا كرر كان للتأكيد، ولما يناط به من زيادة ليست مع الأول، وها هنا كرر نداءهم بقوله:(يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ)[البقرة: 40] فعلق بها:

ص: 470

(لا تَجْزِي) لا تقضي عنها شيئا من الحقوق. ومنه الحديث في جذعة بن نيار: «تجزى عنك ولا تجزى عن أحد بعدك» . و (شَيْئاً) مفعول به،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أولاً: النعمة التي اختصت بالذين شاهدوا حضرة الرسالة، وأنزل إليهم ما يصدق ما معهم، ومنحوا ما كانوا يتمنون من الاستفتاح على الكفار بنبي الرحمة.

وثانياً: النعمة التي أنعمها الله تعالى على آبائهم وأسلافهم من تفضيلهم على عالمي زمانهم بالعلم والحكمة والنبوة، وبإنجائهم من فرعون وعقابه، وفلق البحر، وتظليل الغمام، وغير ذلك. فالواجب: حمل الكلام على هذا لا على ما ذهب إليه المصنف لئلا يختل النظم، ويؤيده ما ذكره الزجاج: أذكرهم الله عز وجل نعمته عليهم في أسلافهم، والدليل على ذلك قوله:(وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ)[البقرة: 49] والمخاطبون بالقرآن لم يروا فرعون ولا آله. ولكنه أذكرهم أنه لم يزل منعماً عليهم؛ لأن إنعامه على أسلافهم إنعام عليهم، والدليل عليه: أن العرب تجعل ما كان لآبائها فخراً لها، وما كان فيه ذم تعده عاراً عليها.

ولعل مراد المصنف من تخصيص هذا العام وتفسير العالمين بالجم الغفير من الناس أن لا تدخل الملائكة في العالمين حتى لا يلزم أن يكون البشر أفضل منهم كما ذهب إليه في قوله تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) إلى قوله: (وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً)[الإسراء: 70] لأن بعض الأصحاب استدل بهذه الآية التي نحن بصددها على فضل البشر.

قوله: (ومنه الحديث في جذعة ابن نيار) روينا في "صحيح البخاري" قال أبو بردة بن نيار خال البراء: يا رسول الله، فإني نسكت شاتي قبل الصلاة، وعرفت أن اليوم يوم أكل وشرب، وأحببت أن تكون شاتي أول ما يذبح في بيتي، فذبحت شاتي، وتغديت قبل أن آتي الصلاة. قال:"شاتك شاة لحم"، قال: يا رسول الله، فإن عندنا عناقاً جذعة هي أحب إلي من شاتين،

ص: 471

ويجوز أن يكون في موضع مصدر، أي قليلاً من الجزاء، كقوله تعالى:(وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً)[مريم: 60]، ومن قرأ (لا تجزئ) من أجزأ عنه إذا أغنى عنه، فلا يكون في قراءته إلا بمعنى شيئا من الإجزاء. وقرأ أبو السرار الغنوي: لا تجزى نسمة عن نسمة شيئا. وهذه الجملة منصوبة المحل صفة ليوما. فإن قلت: فأين العائد منها إلى الموصوف؟ قلت: هو محذوف تقديره: لا تجزى فيه. ونحوه ما أنشده أبو علي:

تَرَوَّحِى أَجْدَرُ أَنْ تَقِيلِي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أفتجزي عني؟ قال: "نعم، ولن تجزي عن أحد بعدك"، الحديث وفي "مسند أحمد بن حنبل" نحوه. الجذع من الشاة، ما دخل في السنة الثانية. ابن نيار بكسر النون وتخفيف الياء والراء.

قوله: (أي: قليلاً من الجزاء) فعلى هذا نزل المتعدي منزلة اللازم للمبالغة، ومن ثم استشهد بقراءة من قرأ "لا تجزئ" من: أجزأ عنه.

قوله: (فلا يكون في قراءته إلا بمعنى: شيئاً من الإجزاء) أي: بمعنى المصدر، لأنه لازم تعدى إلى المفعول به بـ "عن".

قوله: (تقديره: لا تجزي فيه) قال الزجاج: وحذف "فيه" ها هنا جائز؛ لأن "في" مع الظروف محذوفة تقول: أتيتك اليوم، وأتيتك في اليوم. فإذا أضمرت قلت: أتيتك فيه، ويجوز أتيتكه، ولو قلت: الذي تكلمت فيه زيد، لم يجز: الذي تكلمت زيد بدله.

قوله: (تروحي أجدر أن تقيلي) تمامه:

غداً بجنبي بارد ظليل

ص: 472

أي: ما أجدر بأن تقيلى فيه. ومنهم من ينزل فيقول: اتسع فيه، فأجرى مجرى المفعول به فحذف الجار ثم حذف الضمير كما حذف من قوله:

......... أو مال أصابوا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (أي: أجدر) وفي نسخة: "ما أجدر"، وصح "ما أجدر" في المتن عن المعزي. و"ما" موصوفة، صفتها "أجدر" منصوبة بـ "تروحي" على تأويل مكاناً أو مراحاً. و"أجدر" أفعل التفضيل، وفاعله ضمير مستكن للمراح، و"الباء" المقدر في "أن" صلة أجدر، والمفضل عليه محذوف يقول: جدي يا ناقة في السير واطلبي مراحاً أحق بأن تقيلي فيه من مكان أنت فيه.

تروحي: من الرواح وهو السير فيما بعد الزوال، و"تقيلي" من القيلولة. وفي "محتسب ابن جني": أصله ائتي مكاناً أجدر بأن تقيلي فيه، فحذف ائتي لدلالة تروحي عليه، فصار: تروحي مكاناً أجدر بأن تقيلي فيه، ثم حذف الموصوف الذي هو مكاناً فصار أجدر بأن تقيلي فيه، ثم حذف الباء تخفيفاً فصار أن تقيلي فيه، ثم حذف "في" فصار أن تقيليه، ثم حذف العائد المنصوب فصار كما ترى، ففيه خمسة أعمال. هذا الذي عناه المصنف بقوله:"ومنهم من ينزل" أي: يحط به درجة فدرجة.

قوله: (أو مال أصابوا) أوله:

فما أدري أغيرهم تناء

وطول العهد أو مال أصابوا

وقبله:

ألا أبلغ معاتبتي وقولي

بني عمي فقد حسن العتاب

ص: 473

ومعنى التنكير: أن نفسا من الأنفس لا تجزى عن نفس منها شيئا من الأشياء، وهو الإقناط الكلي القطاع للمطامع.

وكذلك قوله: (وَلا تُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ) أي فدية لأنها معادلة للمفدي. ومنه الحديث ((لا يقبل منه صرف ولا عدل)) أي توبة ولا فدية. وقرأ قتادة: (ولا يَقبل منها شفاعة)، على بناء الفعل للفاعل وهو اللَّه عز وجل، ونصب الشفاعة. وقيل: كانت اليهود تزعم أن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم فأويسوا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وسل هل كان لي ذنب إليهم

هم منه- فأعتبهم- غضاب

كتبت إليهم كتباً مراراً

فلم يرجع إلي لها جواب

وبعده:

فمن يك لا يدوم له وفاء

وفيه حين يغترب انقلاب

فعهدي دائم لهم وودي

على حال إذا شهدوا وغابوا

قال السيد ابن الشجري في "الأمالي" قائلها: الحارث بن كلدة، وقد خرج إلى الشام وكتب بها إلى بني عمه، فلم يجيبوه. وإنما قال: أم مال أصابوا؛ لأن الغنى في أكثر الناس يغير الإخوان على إخوانهم، وهي من ألطف عتاب وأحسنه.

قوله: (وكذلك قوله: "ولا تقبل منها شفاعة) أي: إقناط كلي.

قوله: (ومنه الحديث) الحديث من رواية أبي داود عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

ص: 474

فإن قلت: هل فيه دليل على أنّ الشفاعة لا تقبل للعصاة؟ قلت: نعم؛

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

"من تعلم صرف الكلام ليسبي به قلوب الرجال- أو الناس- لم يقبل الله منه يوم القيامة صرفاً ولا عدلاً". قال صاحب "الجامع": صرف الكلام: ما يتكلفه الإنسان من الزيادة فيه من وراء الحاجة، والاستباء: افتعال من السبي، كأنه ينهب بكلامه قلوب السامعين، العدل: الفرض، والصرف: النافلة، وقيل: الصرف: التوبة. والعدل: الفدية، سميت لأنها تصرف من الحال الذميمة إلى الحميدة.

الراغب: تفسيرهم العدل والصرف بالفريضة والنافلة من حيث إن العدل هو المساواة وتعاطيه واجب، والصرف: الزيادة الحاصلة عن التصرف، وتعاطيه تبرعوهما كالعدل والإحسان.

وقلت: في تخصيص السبي بالذكر في الحديث نكتة وهي أنه صلوات الله عليه استعار للميل إلى الباطل لفظ السبي الذي يختص بالغارة، ويفهم منه أنه إذا أميلت إلى الحق بسبب الكلمات المونقة في الترهيب والترغيب لم يدخل في هذا الوعيد.

قوله: (هل فيه دليل على أن الشفاعة لا تقبل للعصاة؟ ) ثم قوله: (نعم) فيه نظر؛ لأن سياق الآية على العموم كقوله تعالى: (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ* وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ* وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ* لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَانٌ يُغْنِيهِ)[عبس: 34 - 37] فالسؤال إنما يحسن عن التخصيص؛ لأنها هل تدل على أن الشفاعة لا تقبل للعصاة وغير العصاة. والتخصيص من وجهين:

أحدهما: بحسب المكان والزمان، فإن مواقف القيامة ومقدار زمانها فيه سعة وطول، لعل هذه الحالة في ابتداء وقوعها وشدة أمره، ثم يأذن بالشفاعة.

ص: 475

لأنه نفى أن تقضي نفس عن نفس حقاً أخلت به من فعل أو ترك، ثم نفى أن يقبل منها شفاعة شفيع فعلم أنها لا تقبل للعصاة. فإن قلت: الضمير في (وَلا يُقْبَلُ مِنْها) إلى أى النفسين يرجع؟ قلت: إلى الثانية العاصية غير المجزى عنها، وهي التي لا يؤخذ منها عدل. ومعنى لا يقبل منها شفاعة: إن جاءت بشفاعة شفيع لم يقبل منها. ويجوز أن يرجع إلى النفس الأولى، على أنها لو شفعت لها لم تقبل شفاعتها، كما لا تجزى عنها شيئا، ولو أعطت عدلا عنها لم يؤخذ منها وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ يعنى ما دلت عليه النفس المنكرة من النفوس الكثيرة والتذكير بمعنى العباد والأناسى، كما تقول: ثلاثة أنفس.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وثانيهما: بحسب الأشخاص، إذ لابد لهم من التخصيص في غير العصاة لمزيد الدرجات، ونحن نخصص في العصاة بما روينا من الأحاديث الصحيحة المروية عن البخاري ومسلم وغيرهما من الأئمة الثقات ما يبلغ مبلغ التواتر منها في حديث طويل:"ثم أشفع فيحد لي حداً، فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة" قال: لا أدري أفي الثالثة أو في الرابعة قال: "فأقول: يا رب ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن" أي: وجب الخلود.

وقال القاضي: إن الآية مخصوصة بالكفار للآيات والأحاديث الواردة في الشفاعة، ويؤيده أن الخطاب معهم، والآية نزلت رداً لما كانت اليهود تزعم أن آباءهم تشفع لهم. وهذا القول مذكور في "الكشاف".

قوله: (ولو أعطت عدلاً عنها) الضمير المستتر المرفوع راجع إلى النفس الأولى في (لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً)، والمجرور عائد على النفس الثانية.

قوله: (والتذكير بمعنى العباد) عطف على قوله: "يعني ما دلت عليه النفس المنكرة" أي: يعني الله تعالى بالضمير في "هم لا ينصرون" ما دلت عليه النفس المنكرة من النفوس الكثيرة،

ص: 476

[(وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ)]49.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

والتذكير بمعنى العباد، وحق الظاهر أن يقال: ولا هي تنصر، فخولف بأن جمع الضمير، والمرجوع إليه مفرد، وذكره وهو مؤنث، والجمع باعتبار أن النفس المنكرة في سياق النفي دلت على أن هناك نفوساً كثيرة، وكل واحدة منها لا تجزي عن الأخرى شيئاً، والتذكير بتأويل:"تلك الأنفس عبيد مقهورون مذللون تحت سلطان الله وملكه".

قال القاضي: وكأنه أريد بالآية نفي أن يدفع العذاب أحدٌ عن أحدٍ من كل وجه محتمل، فإنه إما أن يكون قهراً أو غيره، والأول: النصرة، والثاني: إما أن يكون مجاناً أو غيره، والأول: أن يشفع له، والثاني: إما بأداء ما كان عليه وهو أن يجزي عنه، أو بغيره، وهو أن يعطي عدلاً.

وقلت: هذا على التقسيم العقلي، وأما البياني فإن الآية من أسلوب الترقي، ولذلك اختار المصنف في تفسير "تجزي": تقضي، على "تغني"، كأنه قيل: النفس الأولى غير قادرة على استخلاص صاحبها من قضاء الواجبات، وتدارك التبعات؛ لأنها مشتغلة عنها بشأنها (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ* وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ* وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ* لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَانٌ يُغْنِيهِ) [عبس: 34 - 37] ثم إن قدرت على سعي ما مثل الشفاعة فلا يقبل منها، وإن زادت عليها بأن يضم معها الفداء فلا يؤخذ منها، وإن حاولت الخلاص بالقهر والغلبة- وأنى لها ذلك- فلا تتمكن منه، فالترقي من السعي إلى السعي.

فإن قلت: لم خالف المفسرين مثل الزجاج ومحيي السنة وغيرهما؟ على أن صاحب

ص: 477

أصل (ءالِ) أهل، ولذلك يصغر بأهيل، فأبدلت هاؤه ألفاً. وخص استعماله بأولى الخطر والشأن كالملوك وأشباههم، فلا يقال آل الإسكاف والحجام .........

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

"الإيجاز" قال: وقيل: "تجزي": تقضي وتغني. و"تغني" أبلغ؛ لأن "تغني" يكون نقصاً وبدفع ومنع.

قلت: لا يخلو حينئذ من أن يكون عطف "لا يقبل" إلى آخره على (لا تَجْزِي) من باب عطف الخاص على العام، أو من باب عطف البيان على المبين، أو من باب فحوى الخطاب كقوله تعالى:(فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا)[الإسراء: 23] كأنه قيل: لا يغني عنها شيئاً قليلاً فكيف بالشفاعة ثم بالفداء ثم بالنصرة! والأول ضعيف؛ لأن المقصود من إفراد الذكر بعد الاشتراك الإيذان بأن ذلك الفرد قد خرج من ذلك الجنس لاكتسابه ما به تميز عنه من الفضائل، وها هنا أفراد المعطوف عليه مذكورة، وأما الثاني فلا يقبله من عنده أدنى مسكة من الذوق، والثالث غير مستبعد لاجتماع الترقي من قوله:(وَلا يُقْبَلُ) إلى آخره مع فحوى الخطاب، لكن أين هذا من ذاك، والقول ما قالت حذام، والله أعلم.

قوله: (آل الإسكاف)، الأساس: وهو إسكاف من الأساكفة: هو الخراز، وقيل: كل صانع. قال الجوهري: الثاني غير معروف.

ص: 478

و (فِرْعَوْنَ) علم لمن ملك العمالقة، كقيصر: لملك الروم، وكسرى: لملك الفرس. ولعتوّ الفراعنة اشتقوا: تفرعن فلان، إذا عتا وتجبر. وفي ملح بعضهم:

قَدْ جَاءَهُ الْمُوسَى الْكَلُومُ فَزَادَ فِى

أقْصَى تَفَرْعُنِهِ وَفَرْطِ عُرَامِهِ

وقرئ: (أنجيناكم)، (ونجيتكم). (يَسُومُونَكُمْ) من سامه خسفاً إذا أولاه ظلما. قال عمرو بن كلثوم:

إذَا مَا الْمَلْكُ سَامَ النَّاسَ خَسْفاً

أَبَيْنَا أَنْ يَقِرَّ الْخَسْفُ فِينَا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (العمالقة) أي: الجبابرة، وهم الذين كانوا بالشام من بقية قوم عاد، الواحد: عمليق وعملاق.

قوله: (سامه خسفاً إذا أولاه ظلماً)، الأساس: سامه خسفاً: أولاه ذلاً وهواناً. يقال: رضي بالخسف وبات على الخسف: على الجوع. وشربوا على الخسف: على غير ثفل.

الراغب: السوم: الذهاب في ابتغاء الشيء، فهو لفظ لمعنى مركب من الذهاب والابتغاء، فأجري مجرى الذهاب في قولهم: سامت الإبل، فهي سائمة. ومجرى الابتغاء في قولهم: سمته كذا، قال تعالى:(يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ)[البقرة: 49] وقيل: سيم فلان الخسف: الظلم والنقصان، ومنه السوم في البيع.

قوله: (إذا ما الملك سام) البيت. قال ابن الأنباري: المَلْكُ والمَلِكُ لغتان. قيل: هو

ص: 479

وأصله من سام السلعة إذا طلبها. كأنه بمعنى يبغونكم سُوءَ الْعَذابِ ويريدونكم عليه. والسوء: مصدر السيئ: يقال أعوذ باللَّه من سوء الخلق وسوء الفعل، يراد قبحهما. ومعنى (سوء العذاب) والعذاب كله سيئ: أشدّه وأفظعه، كأنه قبحه بالإضافة لي سائره. (يُذَبِّحُونَ): بيان لقوله: (يسومونكم)؛ ولذلك ترك العاطف كقوله تعالى: يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا وقرأ الزهري (يذبحون) بالتخفيف كقولك: قطعت الثياب وقطعتها. وقرأ عبد اللَّه: (يقتلون).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تخفيف الملِك، الخسف: الظلم والنقصان. يقول: إذا حمل الملك الناس على الظلم أبينا أن نحمل ذلك ونقر به، وموضع "أن نقر" نصب بأبينا.

قوله: (كأنه قبحه) أي: كأن أشد العذاب قبح العذاب بالنسبة إلى سائره. قال الزجاج: العذاب كله سوء فإنما نكر؛ لأنه أبلغ ما يعامل به من يجني، أي: من يبلغ الإساءة ما لا غاية بعده.

قوله: ((يُذَبِّحُونَ): بيان لقوله: (يَسُومُونَكُمْ))، كما أن "يضاهون" بيان لقوله:(وَقَالَتْ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ)[التوبة: 30] الآية، كما ترك العاطف هناك ترك ها هنا.

ولقائل أن يقول: هذا غير مستقيم، لأن "يضاهون" ليس بياناً، والدليل عليه قوله هناك:

ص: 480

وإنما فعلوا بهم ذلك لأنّ الكهنة أنذروا فرعون بأنه يولد مولود يكون على يده هلاكه، كما أنذر نمروذ. فلم يغن عنهما اجتهادهما في التحفظ، وكان ما شاء اللَّه.

والبلاء المحنة إن أشير بـ (ذلكم) إلى صنيع فرعون. والنعمة إن أشير به إلى الإنجاء.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المعنى: الذين كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليهود والنصارى يضاهي قولهم قول قدمائهم. وليس فيه ما يشعر به أنه بيان.

ويجاب بأن يقال: إنه بيان لقوله: (ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ) وذلك التقدير لا ينافيه، فإنه تعالى لما حكم عليهم أن هذا القول قول باطل ولا معنى له، بينه بقوله:"يضاهي قولهم قول المشركين: الملائكة بنات الله" دفعاً لوهم من عسى أن يزعم أن هؤلاء أهل كتاب، لعل قولهم عن نص أو دليل عقلي، فقال: بل قولهم مثل قول المشركين في البطلان وعدم الحجة.

قوله: (والنعمة إن أشير به إلى الإنجاء)، الراغب: بلي الثوب بلى وبلاء، أي: خلق، ومنه بلو سفر وبلي سفر، أي: أبلاه السفر، وبلوته: أي: اختبرته كأني أخلقته من كثرة اختباري له، وسمي الغم بلاء؛ لأنه يبلي الجسم، وسمي التكليف بلاء من أوجه: الأول: أن التكاليف كلها مشاق. والثاني: أنها اختبارات، ولهذا قال:(وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ)[محمد: 31] والثالث: أن اختبار الله للعباد تارة بالمسار ليشكروا، وتارة بالمضار ليصبروا، والقيام بحقوق الصر أيسر، ولهذا قال عمر رضي الله عنه: بلينا بالضراء فصبرنا، وبلينا بالسراء فلم نصبر، ولهذا قال علي رضي الله عنه: من وسع عليه دنياه فلم يعلم أنه قد مكر به، فهو مخدوع عن عقله. وقال تعالى:(وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ)[الأنبياء: 35].

ص: 481

[(وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ)].

(فَرَقْنا): فصلنا بين بعضه وبعض حتى صارت فيه مسالك لكم. وقرئ: فرّقنا، بمعنى فصلنا. يقال: فرق بين الشيئين، وفرّق بين الأشياء لأن المسالك كانت اثنى عشر على عدد الأسباط. فإن قلت: ما معنى بِكُمُ؟ قلت: فيه أوجه: أن يراد أنهم كانوا يسلكونه ويتفرّق الماء عند سلوكهم، فكأنما فرق بهم كما يفرق بين الشيئين بما يوسط بينهما، وأن يراد فرقناه بسببكم وبسبب إنجائكم، وأن يكون في موضع الحال، بمعنى فرقناه ملتبسا بكم كقوله:

تَدُوسُ بِنَا الْجَمَاجِمَ وَالتَّرِيبا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وإذا قيل: ابتلى فلان فلاناً وأبلاه يتضمن أمرين: أحدهما: تعرف حاله والوقوف على ما يجهل من أمره، والثاني: ظهور جودته ورداءته وربما قصد الأمران أو أحدهما، وإذا قيل: بلاه الله وأبلاه فالمراد الثاني، لأنه تعالى علام الغيوب.

قوله: (تدوس بنا) البيت للمتنبي وأوله:

كأن خيولنا كانت قديماً

تسقى في قحوفهم الحليبا

فمرت غير نافرة عليهم

تدوس بنا الجماجم والتريبا

التريب: جمع التربية وهي عظام الصدر. والعرب تسقي اللبن كرام خيولهم، يقول: إن خيلنا كانت تسقى اللبن في أقحاف رؤوس الأعداء وألفت بها، فلذلك وطئت رؤوسهم

ص: 482

أي تدوسها ونحن راكبوها. وروى أنّ بنى إسرائيل قالوا لموسى: أين أصحابنا لا نراهم؟ قال: سيروا فإنهم على طريق مثل طريقكم. قالوا: لا نرضى حتى نراهم. فقال: اللهم أعنى على أخلاقهم السيئة. فأوحى إليه: أن قل بعصاك هكذا، فقال بها على الحيطان، فصارت فيها كوى. فتراموا وتسامعوا كلامهم (وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ) إلى ذلك وتشاهدونه لا تشكون فيه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وصدورهم، ونحن عليها ولم تنفر. فالظرف على هذا مستقر. وعلى الوجهين لغو. وفرق بين الباء السببية والاستعانة، فإن باء الاستعانة كالآلة، وأن البحر فرق بواسطتهم. والسببية آذنت بأن الله تعالى فرقه بسببهم ولأجل إنجائهم، لكن ليس فيه أنه فرق بواسطتهم أم بشيء آخر. وعلى الملابسة ليس فيها نصوصية الأمر، قال السلمي: أما الاستعانة فنحو: كتبت بالقلم، وهذا في كل موضع اتصلت بآلة متوسطة بين الفاعل والمفعول، وأما المصاحبة فنحو: خرج زيد بثيابه، وتكون سببية نحو: أخذت بذنبه، أي: بسببه، وأما التعدية فنحو: خرجت به.

قوله: (أن قل بعصاك)، النهاية: العرب تجعل القول عبارة عن جميع الأفعال، وتطلقه على غير الكلام، فتقول: قال بيده، أي: أخذ، وقال برجله، أي: مشى، وقال بثوبه، أي: رفعه، وقال بالماء على يده، أي: قلب، ويقال: قال بمعنى مال وأقبل وضرب وغير ذلك.

قوله: ((وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ) إلى ذلك وتشاهدونه لا تشكون فيه) جعل "تنظرون" من النظر بالبصر، والظاهر الإطلاق.

الراغب: النظر نظران: نظر بصر، ونظر بصيرة، والأول كالخادم للثاني، والنظر أصله

ص: 483

[(وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ* ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)].

لما دخل بنو إسرائيل مصر بعد هلاك فرعون ولم يكن لهم كتاب ينتهون إليه، وعد اللَّه موسى أن ينزل عليه التوراة، وضرب له ميقاتا ذا القعدة وعشر ذى الحجة. وقيل:(أَرْبَعِينَ لَيْلَةً)؛ لأنّ الشهور غررها بالليالي. وقرئ (واعَدْنا)؛ لأن اللَّه تعالى وعده الوحى ووعد المجيء للميقات إلى الطور (مِنْ بَعْدِهِ): من بعد مضيه إلى الطور. (وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ) بإشراككم (ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ) حين تبتم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

للمناظر، كأنه ينظر كل واحد إلى صاحبه في المشاكلة كالنظرين. ولما احتملت الآية المعنيين قيل: معناها وأنتم تشاهدونه ولا تشكون فيه، وعلى ذل حمل قوله تعالى:(فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً)[يونس: 92] وقيل: معناها وأنتم تعتبرون بذلك.

قوله: (وقيل: (أَرْبَعِينَ لَيْلَةً)) أي: في القرآن، لا أنه قول مفسر، وكذا قوله:"وقرئ (وَاعَدْنَا) ".

قوله: (لأن الشهور) أي: شهور العرب، وهي إنما تبتدئ من الليالي برؤية الهلال، وسيجيء بعد هذا تحقيقه في قوله تعالى:(يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً)[البقرة: 234].

قوله: (لأن الله تعالى وعده الوحي ووعد المجيء إلى الطور للميقات) ومن فوائد صاحب "التقريب" رحمه الله: وعدته وعداً وعدة وموعداً، ويستعمل في الخير والشر، قال الله تعالى:(أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً)[طه: 86] وقال: (النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا)[الحج: 72] ويتعدى إلى مفعولين.

ص: 484

(مِنْ بَعْدِ ذلِكَ): من بعد ارتكابكم الأمر العظيم، وهو اتخاذكم العجل لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ: إرادة أن تشكروا النعمة في العفو عنكم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إن قيل: في قول أهل التفسير: وعد موسى المجيء إلى الطور، ووعد الله إليه الوحي، إشكال، ووجه تقريره: أن "أربعين" إما أن يكون منتصباً على الظرفية، أو على المفعول به لظهور بعد غيرهما من المنصوبات أو امتناعه. والأول ممتنع؛ لأن المواعدة لم تكن في أربعين، وكذا الثاني، لأن المواعدة إنما تتعلق بالأحداث والمعاني لا بنفس الحدث والأزمنة، ولا جائز أن يقدر مضاف، لأنه لو قدر إما أن يقدر المذكوران، أي: الوحي والمجيء، وهو ممتنع؛ لأن تقدير مضافين، إلى شيء واحد حذفا من اللفظ غير معهود في العربية، بخلاف ما لو كانا ملفوظين نحو: بين ذراعي وجبهة الأسد، أو أن يقدر أمر واحد منهما أو غيره، والأول أيضاً ممنوع؛ لأن أحدهما غير مواعد من الطرفين بل كليهما، والثاني غير جائز؛ لأن المنقول ذلك الأمران، على أن المواعدة تقتضي شيئين. وأجاب باختيار الثالث، ونقدر أمراً يتضمنهما لتصحيح المعنى واللفظ، نحو الملاقاة فإنها تستقيم من الجانبين، واللقاء الموعود من الله تعالى لأجل الوحي، ومن موسى عليه السلام لأجل استماعه.

وغرض المفسرين من ذلك التقدير بيان المعنى، وأن الموعود من كل جانب ماذا، لا بيان الإعراب، على أنه يجوز تفكيك "واعدنا" إلى فعلين لإضمار المعنيين باعتبارين، كأنه قيل: نحن وعدنا وحي أربعين، أي: الوحي بعد أربعين، ووعد هو مجيء أربعين، أي: المجيء بعد أربعين. فإن "واعدنا"، وإن كان واحداً لفظاً فهو متعدد معنى، ونظيره قولك: بايع الزيدان عمراً؛ لأن المعنى باع زيد من عمرو، وباع أيضاً صاحبه منه؛ لا أن المفاعلة صدرت منهما دفعة فوجب التفكيك. هذا تلخيص كلامه.

قوله: (من بعد ارتكابكم الأمر العظيم) ودل على عظم الأمر إتيان "ذلك" للبعيد، والمشار إليه قريب.

قوله: ((لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) إرادة أن تشكروا) فسر الرجاء بالإرادة، لأن الرجاء إرادة

ص: 485

[(وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ* وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)].

الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ يعنى الجامع بين كونه كتاباً منزلاً، وفرقانا يفرق بين الحق والباطل: يعنى التوراة، كقولك: رأيت الغيث والليث، تريد الرجل الجامع بين الجود والجرأة. ونحوه قوله تعالى:(وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً)[الأنبياء: 48]، يعني: الكتاب الجامع بين كونه فرقانا وضياء وذكراً؛ ........

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

شيء حصوله غير معلوم، وهو على عالم الغيب والشهادة غير جائز، فجعله مجازاً عن مطلق الإرادة بناءً على مذهبه؛ لأن مراد الله قد يتخلف عن إرادته عندهم، وعلى مذهبنا استعمال "لعل" تمثيل. المعنى: نحن عاملناهم معاملة من يدر النعم على الغير متوالية، وهو غير ملتفت إليها، ولا يشكر المنعم، والمنعم لا يقطع خيره رجاء أن يقلع عن فعله، ثم استعمل هنا ما كان مستعملاً هناك نعياً عليهم في التمادي في الغفلة، والتناهي في كفران النعم.

قوله: (يعني الجامع بين كونه كتاباً منزلاً وفرقاناً) يريد أن الكتاب والفرقان عبارتان عن معبر واحد وهو التوراة بعد تأويلها بالصفتين، يدل عليه قوله آخراً:"يعني التوراة"، هذا نحو قولك إذا أردت أن ترسم التوراة تقول: هي الكتاب المنزل على موسى عليه السلام، الفارق بين الحق والباطل، وهو من باب الكناية التي يطلب بها نفس الموصوف. نحو قولك في مستوي القامة: عريض الأظفار، وتريد به الإنسان. وأما "الواو" فهي الداخلة بين الصفات للإعلام باستقلال كل منها وهي الإشارة بقوله:"رأيت الغيث والليث"، وعليه قوله:(وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْراً)[الأنبياء: 48] يعني التوراة.

ص: 486

أو التوراة. والبرهان: الفارق بين الكفر والإيمان من العصا واليد وغيرهما من الآيات، أو الشرع الفارق بين الحلال والحرام، وقيل الفرقان: انفراق البحر. وقيل: النصر الذي فرّق بينه وبين عدوّه، كقوله تعالى:(يَوْمَ الْفُرْقانِ)[الأنفال: 41]، يريد به يوم بدر.

حُمل قوله (فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) على الظاهر وهو البخع. وقيل: معناه قتل بعضهم بعضاً. وقيل: أمر من لم يعبد العجل أن يقتلوا العبدة. وروى أن الرجل كان يبصر ولده ووالده وجاره وقريبه، فلم يمكنهم المضي لأمر اللَّه تعالى، .....

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (أو التوراة والبرهان الفارق) وهو عطف على قوله: "الجامع بين كونه كتاباً" أي: المراد بمجموع اللفظين التوراة، أو يراد بالكتاب التوراة، وبالفرقان البرهان الفارق، وهو غير التوراة لبيانه بقوله:"من العصا واليد"، فتحصل المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه إذن.

قوله: (أو الشرع) عطف على قوله: "البرهان الفارق" فإذن العطف إما من باب قوله: (وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ)[البقرة: 98] أو من باب التجريد؛ لأن التوراة مشتملة على الشرع الفارق بين الحلال والحرام، فجرد منها هذه الصفة لكمالها فيها، ثم عطف عليها وهي هي. قال الزجاج: يجوز أن يكون "الفرقان" الكتاب بعينه إلا أنه أعيد ذكره، وعنى به أنه يفرق بين الحق والباطل. قال المصنف في (ص): هو اسم السورة (وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ) السورة بعينها، كما تقول: مررت بالرجل الكريم وبالنسمة المباركة، ولا تريد بالنسمة غير الرجل.

قوله: (البخع)، الأساس: بخع الشاة: بلغ بذبحها القفا، ومن المجاز: بخعه الوجد إذا بلغ منه المجهود.

قوله: (فلم يمكنهم المضي لأمر الله تعالى). الراغب: وقد طعن بعض الملحدة وزعم أن قتل النفس مستقبح في العقل، وهذا الجاهل إنما استقبحه لكونه جاهلاً بأن لنفوسنا خالقاً،

ص: 487

فأرسل اللَّه ضبابة وسحابة سوداء لا يتباصرون تحتها، وأمروا أن يحتبوا بأفنية بيوتهم، ويأخذ الذين لم يعبدوا العجل سيوفهم، وقيل لهم: اصبروا، فلعن اللَّه من مدّ طرفه أو حل حبوته أو اتقى بيد أو رجل، فيقولون: آمين، فقتلوهم إلى المساء حتى دعا موسى وهرون وقالا: يا رب، هلكت بنو إسرائيل، البقية البقية، فكشفت السحابة ونزلت التوبة. فسقطت الشفار من أيديهم، وكانت القتلى سبعين ألفا. فإن قلت: ما الفرق بين الفاءات؟ قلت: الأولى للتسبيب لا غير، لأن الظلم سبب التوبة. والثانية للتعقيب لأن المعنى فاعزموا على التوبة فاقتلوا أنفسكم، من قبل أن اللَّه تعالى

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بأمره يستبقيها وبأمره يفنيها، وأن لها بعد هذه الحياة التي هي لعب ولهو حياة سرمدية كما قال الله تعالى:(وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ)[العنكبوت: 64] وأن قتلها بأمره يوصلها إلى حياة خير منها، ومن علم أن الإنسان في هذه الدنيا كمجاهد أقيم على ثغر يحرسه، ووال على بلد يسوسه، وأنه مهما استرده، فلا فرق بين أن يأمره بخروجه بنفسه، أو يأمر غيره بإخراجه، وهذا واضح لمن تصور حالتي الدنيا والآخرة، وعرف قدر الحياتين والميتتين فيهما.

قوله: (اصبروا، فلعن الله) الفاء للتعقيب داخلة على شرط مقدر، تقديره: اصبروا، فمن لم يصبر لعنه الله، فوضع "من مد طرفه" إلى آخره موضع الضمير إشعاراً بالعلية.

قوله: (البقية البقية)! وهي منصوبة بفعل مضمر، أي: سلم البقية.

قوله: (للتسبيب لا غير) يعني ليست للعطف، كقولهم: الذي يطير فيغضب زيد الذباب.

قوله: (والثانية للتعقيب)، اعلم أن حمل الفاء على التعقيب يحتمل وجهين:

أحدهما: أن يكون قتل أنفسهم عين التوبة، فحينئذ يحتاج إلى تقدير "فاعزموا على التوبة فاقتلوا" لئلا يلزم عطف الشيء على نفسه، وإليه الإشارة بقوله:"من قبل أن الله جعل توبتهم قتل أنفسهم".

ص: 488

جعل توبتهم قتل أنفسهم. ويجوز أن يكون القتل تمام توبتهم. فيكون المعنى: فتوبوا، فأتبعوا التوبة القتل تتمة لتوبتكم، والثالثة متعلقة بمحذوف، ولا يخلو إما أن ينتظم في قول موسى لهم فتتعلق بشرط محذوف، كأنه قال: فإن فعلتم فقد تاب عليكم. وإمّا أن يكون خطابا من اللَّه تعالى لهم على طريقة الالتفات. فيكون التقدير: ففعلتم ما أمركم به موسى فتاب عليكم بارئكم. فإن قلت: من أين اختص هذا الموضع بذكر البارئ؟ ......

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وثانيهما: أن يكون قتل أنفسهم تتمة للتوبة، فتكون التوبة مشتملة على القول المتعارف والفعل المخصوص، فيصح العطف بدون التقدير.

قوله: (ففعلتم ما أمركم به موسى) والذي أمر به موسى هو قوله: (فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ)[البقرة: 54] أي: قال لكم موسى: توبوا إلى بارئكم، فتبتم فتبنا عليكم، فالفاء إذن فصيحة؛ لأنها تفصح عن محذوف غير شرط هو سبب لما بعده. والأولى أن علة التسمية اختصاصها بكلام الفصحاء، كما سيجيء في قوله:(فَانفَجَرَتْ)[البقرة: 60]، وأما الفاء في قول المصنف:"فيكون التقدير" فجواب شرط محذوف، يعني: التقدير على طريقة الشرط ما ذكر، وعلى طريقة الالتفات هذا المذكور، فيكون لفظ بارئكم في "الكشاف" في قوله:"فتاب عليكم بارئكم" مقصوداً بالذكر وإن لم يكن في التنزيل.

فإن قلت: فما فائدة هذه الزيادة في الكتاب؟

قلت: فائدتها بيان موقع النكتة في الالتفات، وهي مزيد الاعتناء بلفظ البارئ الدال على المعنى الذي تضمنه جوابه عن السؤال الآتي، كأنه يشير به إلى أن الضمير في "فتاب" يعود إلى البارئ المذكور، فيكون لفظ "البارئ" مقصوداً، بخلافه إذا قيل: فتبنا لأنه لا دلالة له عليه، والمقام يقتضي مزيد التوبيخ والتقريع لا التعظيم، ومن ثم كرر لفظ البارئ ولا كذلك في

ص: 489

قلت: البارئ: هو الذي خلق الخلق بريئا من التفاوت (ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ)[الملك: 3] ومتميزاً بعضه من بعض بالأشكال المختلفة والصور المتباينة، .......

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الشرط؛ لأنه على ظاهره يقتضي العود إلى البارئ؛ لأنه من تتمة كلام موسى، ولهذا لم يصرح بـ "البارئ" في التقدير.

فإن قلت: من أين نشأ الالتفات؟ وكيف موقعه؟

قلت: من قوله: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ)[البقرة: 54] يعني اذكروا يا بني إسرائيل وقت قول موسى لقومه: فتوبوا إلى بارئكم، فامتثلتم أمره، فتبتم، فتبنا عليكم، فرجع إلى الغيبة.

قوله: (البارئ: هو الذي خلق الخلق بريئاً من التفاوت)، الراغب: أصل البرء: خلوص الشيء عن غيره، إما على سبيل التفصي منه، أو على سبيل الإنشاء عنه، فعلى التفصي قولهم: بريء فلان من مرضه، والبائع من عيوب مبيعه، وصاحب الدين من دينه، ومنه استبراء الجارية. وعلى سبيل الإنشاء قولهم: برأ الله الخلق، وقوله صلوات الله عليه:"والذي فلق الحبة وبرأ النسمة".

فإن قلت: ما معنى قوله: "ومتميزاً بعضه من بعض بالأشكال المختلفة" بعد قوله: "بريئاً من التفاوت"؟

قلت: معنى التفاوت: عدم التناسب، فكأن بعضه يفوت بعضاً ولا يلائمه، ومعنى التميز: التفريق، فاليد متميزة عن الرجل لكن ملائمة لها من حيث الصغر والكبر والغلظ والدقة، كقوله تعالى:(أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ)[طه: 50] أي: أعطى كل شيء صورته وشكله الذي يناسب المنفعة المنوطة به.

ص: 490

فكان فيه تقريع بما كان منهم من ترك عبادة العالم الحكيم الذي برأهم بلطف حكمته على الأشكال المختلفة أبرياء من التفاوت والتنافر، إلى عباد البقرة التي هي مثل في الغباوة والبلادة. - في أمثال العرب: أبلد من ثور - حتى عرضوا أنفسهم لسخط اللَّه ونزول أمره بأن يفك ما ركبه من خلقهم، وينثر ما نظم من صورهم وأشكالهم، حين لم يشكروا النعمة في ذلك، وغمطوها بعبادة من لا يقدر على شيء منها.

[(وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ* ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ* وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)] 55 - 57].

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

واعلم أن هذه التوبة وهي قوله: (فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ) مناسبة لذكر البارئ دون سائر الصفات في هذا المقام؛ لأن معناه كما قال: خلقهم "أبرياء من التفاوت" وهي نعمة جسيمة، وكان من حق الشكر أن يخصوا من له هذه الصفة بالعبادة دون غيره، فلما عكسوا هذه القضية، وكفروا هذه النعمة بأن عبدوا ما هو على ضده، أي: لا تميز له أصلاً، استرد منهم تلك النعمة بأن أمروا بالقتل وفك ذلك التركيب الأنيق. ما أحسن هذا البيان!

قوله: (والتنافر) عطف على "التفاوت" على سبيل البيان لما فسر أن معنى التفاوت عدم التناسب، فعدم التناسب هو التنافر، أو على "ترك عبادة العالم"، وفيه تنافر.

قوله: (حتى عرضوا) غاية قوله: "من ترك عبادة العالم" أي: تركوا عبادة العالم الحكيم مائلين إلى عبادة البقر حتى أورثهم التعرض لسخط الله.

قوله: (وغمطوها)، الأساس: غمط النعمة: احتقرها ولم يشكرها.

ص: 491

قيل: القائلون السبعون الذين صعقوا. وقيل قاله عشرة آلاف منهم (جَهْرَةً): عياناً، وهي مصدر من قولك: جهر بالقراءة وبالدعاء، كأنّ الذي يرى بالعين جاهر بالرؤية، والذي يرى بالقلب مخافت بها، وانتصابها على المصدر، لأنها نوع من الرؤية فنصبت بفعلها كما تنصب القرفصاء بفعل الجلوس، أو على الحال بمعنى:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (السبعون الذين صعقوا) قال محيي السنة: إن الله تعالى أمر موسى عليه السلام أن يأتيه في ناس من بني إسرائيل، يعتذرون إليه من عبادة العجل، فاختار السبعين وقال لهم: صوموا وتطهروا وطهروا ثيابكم، ففعلوا، فخرج بهم إلى طور سيناء لميقات ربه، فقالوا: اطلب لنا نسمع كلام ربنا، فلما دنا موسى إلى الطور وقع عليه عمود الغمام، فضرب دونه الحجاب، وسمعوه يكلم موسى، يأمره وينهاه، فلما انكشف الغمام، فقالوا له: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، فأخذتهم الصاعقة، فلما هلكوا جعل موسى يبكي ويقول: ماذا أقول لبني إسرائيل وقد أهلكت خيارهم؟ فلم يزل يناشد ربه حتى أحياهم.

قوله: (كأن الذي يرى بالعين جاهر بالرؤية) يعني: استعمال جهرة ها هنا على الاستعارة، لأنها مسبوقة بالتشبيه، أي: استعير الجهر للرؤية، وفائدتها كمال الرؤية بحيث لا يضام فيها. الأساس: جهر الشيء: إذا ظهر، وأجهرته أنا، وأجهر فلان ما في صدره، ورأيته جهرة، أيك عياناً، وجهر بكذا، أي: أعلنه، وقد جهر بكلامه وبقراءته: رفع بهما صوته.

الراغب: الجهر: يقال لظهور الشيء بإفراط إما لحاسة البصر نحو: رأيته جهاراً، قال تعالى:(لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً)[البقرة: 55] ومنه: جهر البئر: إذا أظهر ماءها، وقيل: ما في القوم أحد يجهر عيني، والجوهر: فوعل منه، وهو ما إذا بطل بطل محموله، وسمي بذلك لظهوره للحاسة، وإما لحاسة السمع، قال تعالى: (إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ

ص: 492

ذوي جهرة. وقرئ «جهرة» بفتح الهاء، وهي إمّا مصدر كالغلبة. وإما جمع جاهر. وفي هذا الكلام دليل على أن موسى عليه الصلاة والسلام رادّهم القول وعرّفهم أن رؤية ما لا يجوز عليه أن يكون في جهة محال؛ وأن من استجاز على اللَّه الرؤية فقد جعله من جملة الأجسام والأعراض، فرادّوه بعد بيان الحجة ووضوح البرهان، ولجوا فكانوا في الكفر كعبدة العجل، فسلط اللَّه عليهم الصعقة كما سلط على أولئك القتل تسوية بين الكفرين ودلالة على عظمهما بعظم المحنة.

و(الصَّاعِقَةُ): ما صعقهم، أي: أماتهم. قيل: نار وقعت من السماء فأحرقتهم. وقيل: صيحة جاءت من السماء. وقيل: أرسل اللَّه جنودا سمعوا بحسِّها

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مِنْ الْقَوْلِ) [الأنبياء: 110] وقيل: كلام جهوري وجهير يقال لرفيع الصوت ولمن يجهر بحسنه.

قوله: (وفي هذا الكلام دليل على أن موسى عليه السلام رادهم القول وعرفهم) قيل: الدليل تسليط الصعقة عليهم؛ لأنه لولا ذلك لما سلط عليهم الصعقة، لكونهم معذورين إذ لم يعلموا أنه تعالى ممتنع الرؤية، فثبت أن موسى عليه السلام عرفهم ذلك وهم رادوه.

وقلت: الوجه الذي لا محيد عنه أن ذلك الدليل هو قولهم: لن نؤمن لك، لأن (لن) في النفي بمنزلة (أن) في الإثبات في كونهما يقعان في صدر الجملة الإنكارية كما سبق في قوله: كما تقول لصاحبك: لا أقيم غداً، وإن أنكر عليك قلت: لن أقيم غداً. وليس في الكلام أن من استجاز على الله الرؤية فقد جعله من جملة الأجسام. نعم فيه إنكار مطلقاً، وأقصى ما يقال في ذلك أنه تعالى مما لا يجوز أن يرى في الجملة، وذلك لا يفيد عموم الأحوال والأوقات، وليس فيه ما يلزم منه تكفير القوم.

ص: 493

فخرُّوا صعقين ميتين يوما وليلة. وموسى عليه السلام، لم تكن صعقته موتاً ولكن غشية، بدليل قوله:(فلما أفاق)[الأعراف: 143]. والظاهر أنه أصابهم ما ينظرون إليه لقوله (وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ).

وقرأ علىّ رضى اللَّه عنه: (فأخذتكم الصاعقة).

(لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) نعمة البعث بعد الموت، أو نعمة اللَّه بعد ما كفرتموها إذا رأيتم بأس اللَّه في رميكم بالصاعقة وإذاقتكم الموت .......

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وتشبيههم بعبدة العجل إن كان بسبب طلب الرؤية لا يصح، فإن موسى عليه السلام طلبها في المرة الأولى عند مجيئه إلى الطور، ولم يكن معه القوم كما بيناه في "الأعراف"، وإن كان للصعقة فهو كذلك، وإن كان بسبب قولهم:"لن نؤمن لك" فحق، وإنما سلط الله عليهم الصعقة لأنهم امتنعوا من الإيمان بموسى بعد إظهاره المعجزات، والإيمان بالأنبياء واجب بعد إثباتهم النبوة بإظهار المعجزة، ولا يجوز لهم بعد ذلك اقتراح المعجزات؛ لأنه باب من التعنت، ولهذا عاقبهم الله تعالى.

قوله: (لم تكن صعقته موتاً ولكن غشية بدليل قوله: (فَلَمَّا أَفَاقَ)[الأعراف: 143]) هذا يوهم أن صعقته كانت في هذه المرة بل صعقته وإفاقته في المرة الأولى كما بيناه في "الأعراف".

قوله: ((لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) نعمة البعث) وكون البعث نعمة ما ذكره الزجاج: بعثكم بعد الموت، وأعلمكم أن قدرته عليكم هذه، وأن الإقالة بعد الموت، أي: الإعادة لا شيء بعدها، أي: لا نعمة أظهر منها، وهي كالمضطرة إلى عبادة الله.

قوله: (أو نعمة الله بعدما كفرتموها) والنعمة على هذا إيمانهم قبل [ما] رادهم موسى،

ص: 494

(وَظَلَّلْنا): وجعلنا الغمام تظلكم. وذلك في التيه، سخر اللَّه لهم السحاب تسير بسيرهم تظلهم من الشمس وينزل بالليل عمود من نار يسيرون في ضوئه، وثيابهم لا تتسخ ولا تبلى، وينزل عليهم الْمَنَّ -وهو الترنجبين- مثل الثلج. من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، لكل إنسان صاع، ويبعث اللَّه الجنوب فتحشر عليهم السَّلْوى - وهي السمانى- فيذبح الرجل منها ما يكفيه. (كُلُوا) على إرادة القول. (وَما ظَلَمُونا) يعنى: فظلموا بأن كفروا هذه النعم وما ظلمونا، فاختصر الكلام بحذفه لدلالة (وما ظلمونا) عليه.

[(وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ * فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ)].

(الْقَرْيَةَ): بيت المقدس. وقيل أريحاء من قرى الشام، أُمِروا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقولهم: لن نؤمن لك، أي: فأخذتكم الصاعقة لعلكم تشكرون نعمة الإيمان فلا تعودوا إلى طلب ما لا يجوز. وقوله: "إذا رأيتم" ظرف تشكرون.

قوله: (يعني فظلموا بأن كفروا) يريد أن "الواو" في (وَمَا ظَلَمُونَا)[البقرة: 53] تستدعي معطوفاً عليه هو مترتب على ما قبله، كقوله تعالى:(وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ) بعد قوله: (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً)[النملك 15] والفاء في "فظلموا" مجاز لغير مترتب، على أسلوب قولك: أنعمت عليه فكفر، أي: ليشكر، فكفر، وضعوا الكفر موضع الشكر فظلموا، ونحوه قوله:(وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ) أي شكر رزقكم (أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ)[الواقعة: 82]. وإنما قال: "فظلموا بأن كفروا هذه النعم" ولم يقل: فظلموا بأن لم يمتثلوا الأمر؛ لأنهم امتثلوا الأمر لكن ما عملوا بمقتضاه، أي: الشكر.

قوله: (أريحاء)، النهاية: أريحاء بفتح الهمزة وكسر الراء والحاء المهملة: اسم قرية بالغور قريباً من بيت المقدس.

ص: 495

بدخولها بعد التيه. الْبابَ: باب القرية. وقيل: هو باب القبة التي كانوا يصلون إليها - وهم لم يدخلوا بيت المقدس في حياة موسى عليه الصلاة والسلام أمروا بالسجود عند الانتهاء إلى الباب شكراً للَّه وتواضعاً. وقيل: السجود: أن ينحنوا ويتطامنوا داخلين؛ ليكون دخولهم بخشوع وإخبات. وقيل: طوطئ لهم الباب ليخفضوا رؤسهم فلم يخفضوها، ودخلوا متزحفين على أوراكهم. (حِطَّةٌ) فِعلة من الحط كالجِلسة والرِّكبة، وهي خبر مبتدأ محذوف، أي مسألتنا حطة، أو أمرك حطة. والأصل النصب بمعنى: حطّ عنا ذنوبنا حطة. وإنما رفعت لتعطى معنى الثبات، كقوله:

صَبْرٌ جَمِيلٌ فَكِلَانَا مُبْتَلَى

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (طؤطئ لهم الباب) أي: خفض وحط، الأساس: طأطأت يدي بعنان الفرس: إذا خفضت يدك ولم ترفعها. ومن المجاز: طأطأت المرأة سترها: حطته.

قوله: ((حِطَّةٌ) فعلة من الحط) قال صاحب "الإقليد": فعلة في صرفها مذهبان: منهم من يعطيها حكم نفسها فيمنعهما من الصرف للعلمية والتأنيث، وهو مذهب المصنف ووجهه لما كانت علماً باعتبار الجنس بقيت على علميتها، وإن أطلق على واحد، كأسامة إذا أطلقت على واحد من الآساد، ومنهم من يعطيها حكم موزونها فيقول: وزن ناصرة: فاعلة بالتنوين؛ لأن باب "أسامة" في جريه علماً على كل واحد من المشكلات، لكونه في المعنى نكرة.

قوله: (أو أمرك حطة) أي: شأنك حطة، أي: حط الذنوب.

قوله: (صبر جميل فكلانا مبتلى) أوله:

شكا إلي جملي طول السرى

يا جملي ليس إلي المشتكى

ص: 496

والأصل: صبراً على اصبر صبراً. وقرأ ابن أبي عبلة بالنصب على الأصل. وقيل: معناه: أمرنا حِطة، أي: أن نحُط في هذه القرية ونستقرّ فيها. فإن قلتُ: هل يجوز أن تُنصب حطة في قراءة من نصبها بـ (قولوا)، على معنى: قولوا هذه الكلمة؟ قلت: لا يبعد. والأجود أن تنصب بإضمار فعلها، وينتصب محل ذلك المضمر بـ (قولوا). وقرئ (يُغفر لكم) على البناء للمفعول بالياء والتاء

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وقيل: معناه: أمرنا حطة) قال الإمام: هذا قول أبي مسلم الأصفهاني معناه: أمرنا حطة، أي: نحط في هذه القرية ونستقر فيها، وزيف القاضي ذلك، قال: لو كان المراد ذلك لم يكن غفران خطاياهم متعلقاً به، وقوله:(وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ)[البقرة: 58] يدل على أن غفران الخطايا كان لأجل قولهم حطة. وقال الإمام: ويمكن الجواب عنه: بأنهم لما حطوا في تلك القرية حتى يدخلوا سجداً مع التواضع، كان الغفران متعلقاً به.

وقلت: يشكل بقوله تعالى: (فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ)[البقرة: 59] ويمكن أن يقال: إن الأمر بذلك القول كان لمحض التعبد، وحين لم يعرفوا وجه الحكمة بدلوه بما اتجه لهم من الرأي، فعذبوا لذلك.

قوله: (وقرئ "يغفر لكم") بالياء التحتانية: نافع، وبالتاء: ابن عامر.

ص: 497

(وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ) أي: من كان محسناً منكم كانت تلك الكلمة سبباً في زيادة ثوابه، ومن كان مسيئا كانت له توبة ومغفرة. (فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا) أي: وضعوا مكان حطة (قَوْلًا) غيرها. يعنى: أنهم أمروا بقول معناه التوبة والاستغفار، فخالفوه إلى قول ليس معناه معنى ما أمروا به، ولم يمتثلوا أمر اللَّه. وليس الغرض أنهم أمروا بلفظ بعينه وهو لفظ الحطة فجاؤوا بلفظ آخر. لأنهم لو جاؤوا بلفظ آخر مستقل بمعنى ما أمروا به، لم يؤاخذوا به. كما لو قالوا مكان حطة: نستغفرك ونتوب إليك. أو اللهم اعف عنا وما أشبه ذلك. وقيل: قالوا مكان (حطة): حنطة .........

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (أي من كان محسناً منكم كانت تلك الكلمة سبباً في زيادة ثوابه، ومن كان مسيئاً كانت له توبة ومغفرة) أخرج المعطوف والمعطوف عليه، وهما نغفر وسنزيد مع متعلقهما مخرج الشرط والجزاء؛ إعلاماً أن كلاً منهما جواب للأمر وهو قوله:"قولوا"، وإن كان الثاني غير مجزوم، وأن اللام في (المحسنين) للعهد، يدل عليه قوله:"من كان محسناً منكم". فظهر من هذا البيان أن في الكلام جمعاً مع التفريق، أما الجمع فإن قوله:(وَقُولُوا حِطَّةٌ) جمع الفريقين: المسيء والمحسن معاً في هذا القول المخصوص، وأما التفريق فقوله:(نَغْفِرْ)(وَسَنَزِيدُ).

فإن قلت: كيف يكون "وسنزيد" عطفاً على "نغفر" وهو مجزوم؟

أجاب القاضي: إنما أخرجه عن صورة الجواب إلى الوعد إيهاماً بأن المحسن بصدد ذلك وإن لم يفعله، فكيف إذا فعله! وأنه تعالى يفعله لا محالة.

قلت: أراد أن الاستزادة إذا كانت عن وعد الله كانت أقطع مما إذا كانت مسببة عن فعلهم.

قوله: (وقيل: قالوا مكان (حِطَّةٌ): حنطة) هذا يشعر بأن القول الأول أقوى، وهو قوله:"ليس الغرض أنهم أمروا بلفظ بعينه وهو لفظ الحطة" قال الزجاج: كأنه قيل لهم: قولوا:

ص: 498

وقيل: قالوا بالنبطية: (حِطًّا سُمَقَاثا) أي: حنطة حمراء، استهزاء منهم بما قيل لهم، وعدولا عن طلب ما عند اللَّه إلى طلب ما يشتهون من أغراض الدنيا. وفي تكرير (الَّذِينَ ظَلَمُوا) زيادة في تقبيح أمرهم. وإيذان بأنّ إنزال الرجز عليهم لظلمهم. وقد جاء في سورة الأعراف:(فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ)[الأعراف: 133] على الإضمار. والرجز: العذاب. وقرئ بضم الراء. وروي أنه مات منهم في ساعة بالطاعون أربعة وعشرون ألفاً. وقيل: سبعون ألفاً ....

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

احطط عنا ذنوبنا حطة، فحرفوا هذا القول وقالوا لفظة غير التي أمروا بها. ولذلك سماهم ظالمين بقوله:(فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا)[البقرة: 59].

قوله: (بالنبطية)، النهاية: النبط والنبيط: جيل معروف، كانوا ينزلون بالبطائح بين العراقين. ومنه قول ابن عباس: نحن قريش من النبط من أهل كوثى. قيل: إن إبراهيم عليه السلام ولد بها، وكان النبط سكانها.

قوله: (وفي تكرير (الَّذِينَ ظَلَمُوا)) أي: في وضع المظهر موضع المضمر إشعار بالعلية، وهي أن إنزال الرجز عليهم كان بسبب ظلمهم، ولذلك علله بقوله:"لظلمهم" فقوله تعالى: (بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ)[البقرة: 58] داخل في حيز الصلة، وسبب للظلم لا الإنزال، فيكون إنزال العذاب مسبباً عن الظلم المسبب عن الفسق، كما قيل: إن صغائر الذنوب تؤدي إلى كبائرها. ونحوه قوله تعالى: (وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ)[البقرة: 61]. وموقع "كان" في هذا المكان من مجازه؛ قال الراغب: "كان" ما استعمل منه في جنس الشيء متعلقاً بوصف له: تنبيه على أن ذلك الوصف لازم له، قليل الانفكاك، كقوله تعالى:(وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُوراً)[الإسراء: 67].

ص: 499

[(وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ)].

عطشوا في التيه فدعا لهم موسى بالسقيا فقيل له: (اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ)، واللام إمّا للعهد والإشارة إلى حجر معلوم، فقد روي أنه حجر طوري حمله معه، وكان حجراً مربعاً له أربعة أوجه كانت تنبع من كل وجه ثلاث أعين،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (عطشوا في التيه) شروع في تفسير قوله تعالى: (وَإِذْ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ)[البقرة: 60]. اعلم أن قوله هذا بعد قوله "أمروا بدخولها بعد التيه" في تفسير قوله تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ)[البقرة: 58] ثم قوله: "وذلك في التيه" في تفسير قوله تعالى: (وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمْ الْغَمَامَ)[البقرة: 57] مؤذن بأن الآيات واردة على التقديم والتأخير، فيتجه لقائل أن يقول: ما بالها ما قصت على ترتيب الواقعة؟

والجواب عنه ما قاله المصنف في قوله تعالى: (وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَاتُمْ فِيهَا)[البقرة: 72]: كل ما قص من قصص بني إسرائيل إنما قص تعديداً لما وجد منهم. فكذا ها هنا لو قصت متصلات مرتبات كانت كقصة واحدة، فالتفريق دل على أن القصد تعديد النعم، وتقريع لهم على كفرانها نعمة غب نعمة، فإنها وإن كانت قصة واحدة لكنها نعم متعددة، ومن ثم كرر فيها لفظة "إذ" أي: اذكروا وقت كذا نعمة كذا، وصرح في بعضها ذكر موسى عليه السلام، وأعاده مرة من بعد أخرى.

قوله: (بالسقيا)، النهاية: السقيا بالضم: اسم من قولك: سقى الله عباده الغيث وأسقاهم.

ص: 500

لكل سبط عين تسيل في جدول إلى السبط الذي أمر أن يسقيهم، وكانوا ست مئة ألف، وسعة المعسكر اثني عشر ميلا. وقيل أهبطه آدم من الجنة فتوارثوه، حتى وقع إلى شعيب، فدفعه إليه مع العصا. وقيل هو الحجر الذي وضع عليه ثوبه حين اغتسل إذ رموه بالأدرة، ففرّ به، فقال له جبريل: يقول لك اللَّه تعالى: ارفع هذا الحجر، فإنّ لي فيه قدرة ولك فيه معجزة، فحمله في مخلاته. وإمّا للجنس، أي اضرب الشيء الذي يقال له: الحجر. وعن الحسن: لم يأمره أن يضرب حجراً بعينه وهذا أظهر في الحجة وأبين في القدرة. وروي: أنهم قالوا: كيف بنا لو أفضينا إلى أرض ليست فيها حجارة؟ فحمل حجراً في مخلاته فحيثما نزلوا ألقاه. وقيل: كان يضربه بعصاه فينفجر، ويضربه بها فييبس. فقالوا: إن فقد موسى عصاه مُتنا عطشا، فأوحي إليه: لا تقرع الحجارة، وكلمها تطعك، لعلهم يعتبرون. وقيل: كان من رخام وكان ذراعا في ذراع. وقيل: مثل رأس الإنسان. وقيل:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (هو الحجر الذي وضع عليه ثوبه حين اغتسل إذ رموه بالأدرة) روينا عن البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كانت بنو إسرائيل يغتسلون عراة، ينظر بعضهم إلى سوأة بعض، وكان موسى عليه السلام يغتسل وحده، فقالوا: والله ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلا أنه آدر. قال: فذهب مرة يغتسل فوضع ثوبه على حجر، ففر الحجر بثوبه، قال: فجمح موسى بإثره يقول: ثوبي، حجر، ثوبي، حجر، حتى نظرت بنو إسرائيل إلى سوأة موسى، فقالوا: والله ما بموسى من أدرة" الحديث. وليس فيه أنه هذا الحجر.

النهاية: الأدرة بالضم: النفخة بالخصية، يقال: رجل آدر.

جمح في إثره، أي: أسرع إسراعاً لا يرده شيء.

ص: 501

كان من أسّ الجنة طوله عشرة أذرع على طول موسى، وله شعبتان تتقدان في الظلمة، وكان يحمل على حمار. (فَانْفَجَرَتْ) الفاء متعلقة بمحذوف، أي فضرب فانفجرت. أو فإن ضربت فقد انفجرت، كما ذكرنا في قوله:(فَتابَ عَلَيْكُمْ)[البقرة: 54]، وهي على هذا فاء فصيحة لا تقع إلا في كلام بليغ. وقرئ:(عَشِرَة) بكسر الشين وبفتحها .......

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (من أس الجنة) قيل في هذه الرواية إشكال؛ لأن هذا مذكور في وصف العصا في عامة التفاسير، وأن عصاه كان من آس الجنة بالمد، طوله عشرة أذرع على طول موسى، وله شعبتان تتقدان في الظلمة نوراً، فلا أدري من أين عن له ذلك.

قلت: لعله لما رأى قول المفسرين: اضرب بعصاك الحجر، وكانت من آس الجنة طولها عشرة أذرع على طول موسى، ولها شعبتان تتقدان في الظلمة نوراً. واسمها عليق، حملها آدم عليه السلام من الجنة، فتوارثها الأنبياء حتى وصلت إلى شعيب فأعطاها موسى عليه السلام، قال مقاتل: اسم العصا نبعة. ذكرها بطولها محيي السنة. حسب أنهم وصفوا الحجر، فأخذ في وصفه بما وصفت العصا، ثم عن له أن الآس مصحف، والدليل أنه في وصف الحجر قوله:"وكان يحمل على حمار".

قوله: (وهي على هذا فاء فصيحة) ظاهره يقتضي أن الفاء على التقدير الثاني فصيحة، وفي كلام صاحب "المفتاح" ما يشعر أن الفاء الفصيحة هي التي تقع في جزاء الشرط، ولهذا عرفت أنها هي الفاء التي دلت على محذوف غير شرط هو سبب عما بعد الفاء. فإذن الواجب حمله على الوجه الأول.

ص: 502

وهما لغتان (كُلُّ أُناسٍ): كل سبط، (مَشْرَبَهُمْ): عينهم التي يشربون منها (كُلُوا): على إرادة القول (مِنْ رِزْقِ اللَّهِ): مما رزقكم من الطعام -وهو المنّ والسلوى- ومن ماء العيون. وقيل: الماء ينبت منه الزروع والثمار، فهو رزق يؤكل منه ويُشرب

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقلت: ويعضد هذا قوله: "لا تقع إلا في كلام بليغ" وفاء النتيجة يكثر وقوعها في الكلام العامي. ولا يبعد أن يقال: إن المراد من قوله: "على هذا" أي: على أنها محتملة لهذين المعنيين، ووجه تسميتها بالفصيحة كونها مختصة بكلام الفصحاء لقوله:"لا تقع إلا في كلام بليغ" بالحصر، ووجد في الحاشية المنسوبة إليه:"الفاء" في "فتاب" تسمى فصيحة يستدل بها على فصاحة المتكلم، يقال: كلام فصيح، وكلمة فصيحة، وصفت الفاء بها على الإسناد المجازي كما وصف القرآن في قوله تعالى:(ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَليْكَ مِنْ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ)[آل عمران: 58] بصفة من هو بسببه، لأن الحكيم هو المتكلم، وإنما اختصت بكلام البلغاء، لأن المراد بالحذف الدلالة على أن المأمور لم يتوقف عن إتباع الأمر، فكان المطلوب من المأمور الانفجار لا الضرب، ومثل هذا المعنى الدقيق لا يذهب إليه إلا الفصيح، ونحوه مذكور في "الأعراف".

قوله: ((مِنْ رِزْقِ اللَّهِ) مما رزقكم من الطعام- وهو المن والسلوى- ومن ماء العيون) يريد أن الرزق عام يطلق على جميع ما يختص بالعبد، يقال: رزق المال والولد والعلم وغير ذلك بحسب المقام، وخص ها هنا من المأكول بالمن والسلوى، ومن المشروب بالماء بقرينة قوله:(وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى)[البقرة: 57] وقوله: (قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ)[البقرة: 60] ويجوز أن يخصص بالماء بقرينة حديث الاستسقاء، وعلق عليه (كلوا) لأن الماء ينبت منه الزرع والثمار، وهو المراد بقوله:"فهو رزق يؤكل منه ويشرب" فعلى هذا من حق الكلام أن يقال: كلوا واشربوا منه، أي: من المشروب بدل من رزق الله، ولما كان الماء مما لا يؤكل فلو حمل على المأكول والمشروب معاً، لزم استعمال اللفظ في مفهوميه: حقيقته ومجازه، فبدل بالرزق ليشملهما، ولا يلزم المحذور، فحينئذ (مِنْ رِزْقِ اللَّهِ) ها هنا مظهر أقيم موضع المضمر من غير لفظه السابق. وهذا القول ضعيف؛ لأنه لو كان كذلك لما طلبوا ذلك بقولهم: (يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا

ص: 503

والعَثي: أشدّ الفساد، فقيل لهم: لا تتمادوا في الفساد في حال فسادكم لأنهم كانوا متمادين فيه.

[(وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثَّائِها وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها قالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ) 61].

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تُنْبِتُ الأَرْضُ) [البقرة: 61] ولا يلتئم أيضاً قولهم: (لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ) إلا على أن يحمل (مِنْ رِزْقِ اللَّهِ) على المن والسلوى.

قوله: (والعثي: أشد الفساد، فقيل لهم: لا تتمادوا في الفساد) الفاء متعلق بمحذوف، المعنى: العثي أشد الفساد، لما أريد أن ينهى القوم عنه أكد الفعل المنهي بالحال فقيل لهم: لا تتمادوا في الفساد في حال فسادكم، لأن القوم كانوا متمادين فيه.

فإن قلت: التقييد بالحال يوهم أن المنهي أشد الفساد لا الفساد مطلقاً.

قلت: يختلف المعنى باختلاف المقام، فالقوم لما كانوا على التمادي في الفساد نهوا عما كانوا عليه، وتعليله بقوله:"لأنهم كانوا متمادين فيه" إشارة إلى هذا المعنى، ونحوه قوله تعالى:(لا تَاكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً)[آل عمران: 130] فالحال إذن مؤكدة ومن ثم قال في: "حال فسادكم" أي: الفساد الذي خص بكم، وهو التمادي فيه. نعم لو نهى من أراد ذلك الفساد يلزم من المفهوم أن لا يكون نفس الفساد منهياً، فالحال حينئذ منتقلة. وإليه ذهب القاضي حيث قال: إنما قيده، لأنه وإن غلب في الفساد، فقد يكون منه ما ليس بفساد، كمقابلة الظالم المعتدي بفعله،

ص: 504

كانوا فلاّحة فنزعوا إلى عِكرهم فأَجِموا ما كانوا فيه من النعمة وطلبت أنفسهم الشقاء. (عَلى طَعامٍ واحِدٍ): أرادوا ما رزقوا في التيه من المنّ والسلوى. فإن قلت: هما طعامان فما لهم قالوا: (على طعام واحد)؟ قلت: أرادوا بالواحد ما لا يختلف ولا يتبدّل، ولو كان على مائدة الرجل ألوان عدّة يداوم عليها كل يوم لا يبدّلها، قيل: لا يأكل فلان إلا طعاما واحدا يراد بالوحدة نفى التبدّل والاختلاف. ويجوز أن يريدوا أنهما ضرب واحد، لأنهما معاً من طعام أهل التلذذ والتترف، ونحن قوم فلاحة أهل

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ومنه ما يتضمن صلاحاً راجحاً، كقتل الخضر الغلام، وخرقه السفينة. وعليه قوله تعالى:(فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ)[البقرة: 194] لكن المقام ناب عنه؛ لأن الآية واردة في قوم مخصوصين. قال أبو البقاء: مفسدين حال مؤكدة؛ لأن قوله: (لا تَعْثَوْا) لا تفسدوا.

قوله: (فنزعوا إلى عكرهم) أي: اشتاقوا إلى أصلهم. النهاية: وفي حديث قتادة: ثم عادوا إلى عكرهم، عكر السوء، أي: أصل مذهبهم الرديء، قيل: العكر: العادة والديدن.

قوله: (فأجموا) أبو زيد: أجمت الطعام بالكسر إذا كرهته.

قوله: (أنهما ضرب واحد) أي: يجمعهما كونهما من طعام أهل التلذذ. وهذا أخص من الأول؛ لأنه بالنسبة غليه نسبة النوع على الجنس؛ لأن المراد من الطعام على الأول ما يؤكل ولا يختلف، وعلى الثاني: النوع من الطعام وهو كونه من طعام أهل التلذذ، فالأول يعم الفقراء والأغنياء، والثاني يخص الأغنياء.

قوله: (ونحن قوم فلاحة) أي: أهل زراعات، وهذا طعام المترفين وأهل التنعم، وهو لا يليق بنا، ولهذا عقب الله الإنكار بقوله: ادخلوا مصر، أي: ادخلوا فيما فيه سبب تعبكم ومشقتكم، واشتغلوا بالزراعة والفلاحة، فأنتم أهل لذلك.

ص: 505

زراعاتٍ فما نريد إلا ما ألفناه وضرينا به من الأشياء المتفاوتة كالحبوب والبقول ونحو ذلك. ومعنى (يُخْرِجْ لَنا): يظهر لنا ويوجد. والبقل ما أنبتته الأرض من الخضر. والمراد به أطايب البقول التي يأكلها الناس كالنعناع والكرفس والكرّاث وأشباهها. وقرئ (وقُثائها) بالضم. والفوم: الحنطة. ومنه فوّموا لنا، أي: اخبزوا. وقيل الثوم. ويدل عليه قراءة ابن مسعود: (وثومها) وهو للعدس والبصل أوفق. (الَّذِي هُوَ أَدْنى) الذي هو أقرب منزلة وأدون مقداراً. والدنو والقرب يعبر بهما عن قلة المقدار. فيقال: هو داني المحل. وقريب المنزلة، كما يعبر بالبعد عن عكس ذلك فيقال: هو بعيد المحل وبعيد الهمة يريدون الرفعة والعلو. وقرأ زهير الفرقبي: (أدنأ) بالهمزة من الدناءة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وضرينا)، النهاية: يقال: ضري بالشيء يضرى ضراوة فهو ضار، إذا اعتاده.

قوله: (والفوم: الحنطة) قال الزجاج: لا اختلاف عند أهل اللغة أن الفوم: الحنطة، وسائر الحبوب التي تختبز يلحقها اسم الفوم، وقال بعضهم: يجوز أن يكون الفوم الثوم، وهذا لا يعرف، ولأن ها هنا ما يمنعه، وهو أن يطلب القوم طعاماً لا بر فيه، والبر أصل هذا كله.

قوله: (وهو للعدس والبصل أوفق) أي: حمل الفوم على الثوم أوفق من الحنطة، لما أتبع بقوله:(وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا) لأن العدس يطبخ بالثوم والبصل.

قوله: (الفرقبي)، النهاية: الفرقبية والثرقبية: ثياب مصرية بيض من كتان. وروي بقافين منسوب إلى قرقوب مع حذف الواو في النسب، كسابري في سابوري.

ص: 506

(اهْبِطُوا مِصْراً) وقرئ: (اهبطوا)، بالضم: أي: انحدروا إليه من التيه. يقال: هَبط الواديَ. إذا نزل به، وهبط منه، إذا خرج. وبلاد التيه: ما بين بيت المقدس إلى قنّسرين، وهي اثنا عشر فرسخا في ثمانية فراسخ.

ويحتمل أن يريد العلم وإنما صرفه مع اجتماع السببين فيه وهما التعريف والتأنيث، لسكون وسطه كقوله:(ونوحا)[آل عمران: 33]، (ولوطا) [الأنعام: 86]. وفيهما العجمة والتعريف، وإن أريد به البلد فما فيه إلا سبب واحد، وأن يريد مصراً من الأمصار. وفي مصحف عبد اللَّه وقرأ به الأعمش:(اهبطوا مصرَ) بغير تنوين كقوله: (ادخلوا مصر)[يوسف: 99]. وقيل: هو مصرائيم فعرّب. (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ): جعلت الذلة محيطة بهم مشتملة عليهم، فهم فيها كما يكون في القبة من ضربت عليه. أو ألصقت بهم حتى لزمتهم ضربة لازب، كما يضرب الطين على الحائط فيلزمه،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (فهم فيها) مبتدأ وخبر، والكاف في "كما" صفة مصدر محذوف، و (ما) مصدرية. أي: فهم مستقرون فيها استقرار من ضربت عليه القبة في القبة.

قوله: (أو ألصقت) معطوف على "جعلت" أي: الاستعارة إما أن تكون في الذلة بأن شبهت الذلة بالقبة المضروبة على شيء شاملة له من كل جانب، ثم بولغ في التشبيه، فحذف المشبه به وأقيم المشبه مقامه، فأثبت لها الضرب على طريق التخييلية، فتكون استعارة مكنية، وإما أن تكون في الفعل، وهو ضربت، فاستعير لمعنى "ألصقت" على سبيل التبعية، فتكون مصرحة، فإذن لا تكون "ضربت" في الآية على باب قوله:

إن السماحة والمروءة والندى

في قبة ضربت على ابن الحشرج

كما ظن.

ص: 507

فاليهود صاغرون أذلاء أهل مسكنة ومدقعة. إما على الحقيقة، وإما لتصاغرهم وتفاقرهم، خيفة أن تضاعف عليهم الجزية. (وَباءو بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ) من قولك: باء فلان بفلان، إذا كان حقيقاً بأن يقتل به، لمساواته له ومكافأته، أي: صاروا أحقاء بغضبه. (ذلِكَ): إشارة إلى ما تقدّم من ضرب الذلة والمسكنة والخَلاقة بالغضب، أي: ذلك بسبب كفرهم وقتلهم الأنبياء وقد قتلت اليهود - لعنوا - شعيا وزكريا ويحيى وغيرهم: فإن قلت: قتل الأنبياء لا يكون إلا بغير الحق فما فائدة ذكره؟ قلت: معناه أنهم قتلوهم بغير الحق عندهم، لأنهم لم يقتلوا ولا أفسدوا في الأرض فيقتلوا. وإنما نصحوهم ودعوهم إلى ما ينفعهم فقتلوهم، فلو سئلوا وأنصفوا من أنفسهم لم يذكروا وجها يستحقون به القتل عندهم. وقرأ علىّ رضي الله عنه:(ويقتّلون) بالتشديد.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قال الراغب: الضرب: إيقاع شيء على شيء، ولتصور اختلاف الضرب خولف بين تفاسيرها، كضرب الشيء باليد، والعصا، والسيف ونحوها، وضرب الدراهم اعتباراً بضربه بالمطرقة، وقيل له: الطبع اعتباراً بتأثير السكة فيه، وبذلك شبه السجية فقيل لها: الضريبة، والضرب في الأرض: الذهاب فيها، وهو ضربها بالأرجل، وضرب الخيمة بضرب أوتادها بالمطرقة، وتشبيهاً بضرب الخيمة قال تعالى:(وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ)[البقرة: 61] أي: التحفتهم الذلة التحاف الخيمة، ومنه قوله تعالى:(فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً)[الكهف: 11] وضرب المثل وهو من ضرب الدراهم، وهو ذكر شيء أثره يظهر في غيره. والاضطراب كثرة الذهاب في الجهات من الضرب في الأرض.

قوله: (ومدقعة)، الأساس: فقير مدقع ومدقع وقد أدقع ودقع: لصق بالدقعاء وهو التراب من شدة الفقر، وأدقعه الفقر.

ص: 508

(ذلِكَ): تكرار للإشارة. (بِما عَصَوْا) بسبب ارتكابهم أنواع المعاصي واعتدائهم حدود اللَّه في كل شيء، مع كفرهم بآيات اللَّه وقتلهم الأنبياء. وقيل: هو اعتداؤهم في السبت. ويجوز أن يشار بذلك إلى الكفر وقتل الأنبياء على معنى أن ذلك بسبب عصيانهم واعتدائهم، لأنهم انهمكوا فيهما وغلوا حتى قست قلوبهم فجسروا على جحود الآيات وقتل الأنبياء، أو ذلك الكفر والقتل مع ما عصوا.

[(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ)].

(إن الذين آمنوا) بألسنتهم من غير مواطأة القلوب وهم المنافقون (وَالَّذِينَ هادُوا): والذين تهوّدوا. يقال: هاد يهود. وتهوّد إذا دخل في اليهودية، .......

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: ((ذَلِكَ) تكرار للإشارة) كرر ليناط به ما لم ينط به أولاً، واعلم أن فيما سلكه من التفسير دقة نظر، وفضل تأمل؛ وذلك أنه لما جعل ذلك تكريراً، والمشار إليه ما سبق من ضرب الذلة والمسكنة، جعل في كلامه الباء في قوله:(بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ) بمعنى مع، وحين لم يجعل اسم الإشارة تكريراً جوز أن تكون الباء في (بِمَا عَصَوْا) سببية تارة، وبمعنى "مع" أخرى.

والسبب في أن اسم الإشارة إذا جعل مكرراً يوجب اختصاص معنى المعية في الأول، والسببية في الثاني، هو أن مدخول الباء الثانية لا يخلو من أن يكون بدلاً من مدخول الباء الأولى بإعادة العامل، كقوله تعالى:(لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ)[الأعراف: 75] أو كررت لاستقلال كل من السببين على نحو قوله تعالى: (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ)[البقرة: 7]، والأول بعيد لتقاصر معنى الثاني عن الأول، ويلزم من الثاني توارد السببين المستقلين على مسبب واحد.

ص: 509

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وأما المعية فتقتضي اجتماع أشياء في معنى سبب واحد، كأنه قال: ضربت عليهم الذلة والمسكنة بسبب عصيانهم واعتدائهم المنضم معهما الكفر وقتل الأنبياء، ثم أقحم ذلك تأكيداً للأول، ولا كذلك إذا لم يكن تكراراً؛ لأن المشار إليه بذلك الأول هو ما سبق من ضرب الذلة والمسكنة والخلاقة بالغضب. وبالثاني كفرهم بآيات الله وقتل الأنبياء، ثم الباء إن كانت سببية يكون ضرب الذلة والمسكنة واستحقاق الغضب مسبباً عن الكفر والقتل، وهما مسببان عن العصيان والاعتداء على وجه الترقي، فإن صغائر الذنوب سبب يؤدي إلى ارتكاب كبائرها، كما أن صغار الطاعات أسباب مؤدية إلى تحري كبارها، وإذا كانت بمعنى "مع" لا يكون كذلك.

فإن قلت: لم جعل الباء في (بِمَا عَصَوْا) سببية، وقدمه، وفي التنزيل مؤخر، وفي (بِأَنَّهُمْ يَكْفُرُونَ) بمعنى "مع" في الوجه الأول، وعكس في ثاني الوجهين من الثاني.

قلت: لأن تقديم العصيان والاعتداء على وجه الترقي الكفر والقتل في الأول أولى من تأخيرهما، وإن كن تعليلاً واحداً للترتيب في الوجود، وتأخيرهما في الثاني أحرى لإرادة تكرير الكفر والقتل تشديداً عليهم، على أن لفظة "ذلك" على الأول لا تمنع من التقديم والتأخير، لكونها مزيدة مؤكدة، وعلى الثاني مانعة؛ لكونها مشيرة إلى الكفر والقتل، كأنه قيل: ضربت عليهم الذلة والمسكنة؛ لأنهم كفروا وقتلوا، وأنهم ما اكتفوا بهما، بل ضموا إليهما العصيان والاعتداء. وهو ينظر إلى قولها:

ص: 510

وهو هائدٌ، والجمع هود. (وَالنَّصارى) وهو جمع نصران. يقال: رجل نصران، وامرأة نصرانة، قال:

نصرانة لم تحنف.

والياء في نصرانىّ للمبالغة كالتي في أحمرىّ. سموا لأنهم نصروا المسيح. وَالصَّابِئِينَ وهو من صبأ إذا خرج من الدين وهم قوم عدلوا عن دين اليهودية والنصرانية وعبدوا الملائكة مَنْ آمَنَ من هؤلاء الكفرة إيمانا خالصا ودخل في ملة الإسلام دخولا أصيلا وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ الذي يستوجبونه بإيمانهم وعملهم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كأنه علم في رأسه نار

انظر إلى هذه الرموز الدقيقة مع الإيجاز.

قوله: ((وَالنَّصَارَى) وهم جمع نصران) أي: وهو جمع نصران بدليل (وَالصَّابِئِينَ)، وهو من صبأ. وفي نسخة:"هو" بدل "هم".

قوله: (نصرانة لم تحنف) أنشد الزجاج أوله:

فكلتاهما خرت وأسجد رأسها

كما سجدت نصرانة لم تحنف

أسجد رأسها، أي: طأطأ، تحنف الرجل: إذا أسلم، أي: عمِل عملَ الحنيفية، والضمير في "رأسها" راجع إلى لفظ "كلتاهما" وأنث لتأنيثها.

قوله: ((مَنْ آمَنَ) من هؤلاء الكفرة) جمع المنافقين واليهود والنصارى والصابئين في

ص: 511

فإن قلت: ما محل (من آمن)؟ قلت: الرفع إن جعلته مبتدأ خبره (فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ) والنصب إن جعلته بدلا من اسم إنّ والمعطوف عليه. فخبر إنّ في الوجه الأول الجملة كما هي وفي الثاني فلهم أجرهم. والفاء لتضمن «من» معنى الشرط.

[(وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ* ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ* وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ* فَجَعَلْناها نَكالاً لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ)].

(وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ) بالعمل على ما في التوراة. (وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ) حتى قبلتم وأعطيتم الميثاق. وذلك أن موسى عليه السلام جاءهم بالألواح فرأوا ما فيها .......

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: "الكفرة" لأن الكفر يشملهم، وهذا العام بعد الكلام في قوم مخصوصين دليل على أن الكلام فيه استطراد، وما هو قبله من قوله:(وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ) مستطرد أيضاً، بيان ذلك: أنه تعالى لما حكى إنكار موسى عليه السلام على اليهود استبدالهم الذي هو أدنى بالذي هو خير، بعد تعداد النعم عليهم، جاء بقوله:(وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ) استطراداً حاكياً سوء صنيعهم بالأنبياء، وكفرهم واعتدائهم، يعني أنهم قوم بهت معكوسو الرأي في سائر الأمور، وليس هذا ببدع منهم، ألا ترى إلى أنه تعالى كيف ضرب عليهم الذلة والمسكنة، وغضب عليهم بسبب كفرهم وقتلهم الأنبياء، وعصيانهم بعد أخذ الميثاق، ورفع الطور وغير ذلك! فإنهم لما غلوا في التمادي في الطغيان أبدل الله مكان عزهم الذلة والمسكنة، ثم أراد الله أن يبين للعباد عظيم رحمته، وشمول كرمه ورأفته، فعم الكفرة، يعني ما بال هؤلاء إذا رجعوا إلى الله تعالى وتابوا وآمنوا بنبي الرحمة! بل غيرهم ممن هو أشد منهم كفراً، إذا دخلوا في ملة الإسلام دخولاً أصيلاً، وعملوا صالحاً، فلهم أجرهم، والدليل على الاستطراد العود إلى خطاب اليهود بقوله:(وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا) الآية [البقرة: 63].

ص: 512

من الآصار والتكاليف الشاقة، فكبرت عليهم وأبوا قبولها، فأمر جبريل فقلع الطور من أصله، ورفعه وظلله فوقهم وقال لهم موسى: إن قبلتم وإلا أُلقى عليكم، حتى قبلوا. خُذُوا على إرادة القول. (ما آتَيْناكُمْ) من الكتاب (بِقُوَّةٍ) بحدّ وعزيمة (وَاذْكُرُوا ما فِيهِ) واحفظوا ما في الكتاب وادرسوه ولا تنسوه ولا تغفلوا عنه (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) رجاء منكم أن تكونوا متقين، أو قلنا خذوا واذكروا إرادة أن تتقوا. (ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ) ثم أعرضتم عن الميثاق والوفاء به (فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ) بتوفيقكم للتوبة لخسرتم. وقرئ:(خذوا ما آتيتكم) و (تذكروا)، و (اذّكروا). و (السَّبْتِ): مصدر سبتت اليهود إذا عظمت يوم السبت، وإن ناساً منهم اعتدوا فيه أى جاوزوا ما حدّ لهم فيه من التجرّد للعبادة وتعظيمه واشتغلوا بالصيد. وذلك أن اللَّه ابتلاهم فما كان يبقى حوت في البحر إلا أخرج خرطومه يوم السبت، .....

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (حتى قبلوا) فيه لطيفة، وهي: أن تظليل الطور ومقالة موسى معهم امتد زماناً حتى قبلوا، وعلى عكسه قوله:(اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ)[البقرة: 60].

قوله: (واذكروا إرادة أن تتقوا) قال القاضي: هذا عند المعتزلة، أي: قلنا: خذوا وذاكروا إرادة أن تتقوا.

وقلت: والحاصل أن "لعلكم" إن جعل تعليلاً لقوله: خذوا وذاكروا، كان على حقيقته، لأنه راجع إليهم، وإذا علق بـ "قلنا" المقدر كان تعليلاً لفعل الله تعالى، فيجب تأويله بالإرادة على مذهبه.

قوله: (فما كان يبقى حوت)"كان" زائدة كما في قوله:

وجيران لنا كانوا كرام

ص: 513

فإذا مضى تفرّقت، كما قال:(تَاتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَاتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ)[الأعراف: 163]، فحفروا حياضا عند البحر وشرعوا إليها الجداول، فكانت الحيتان تدخلها فيصطادونها يوم الأحد. فذلك الحبس في الحياض هو اعتداؤهم: قِرَدَةً خاسِئِينَ خبر ان أى كونوا جامعين بين القردية والخسوء، وهو الصغار والطرد فَجَعَلْناها يمنى المسخة (نَكالًا) عبرة تنكل من اعتبر بها أي: تمنعه، ومنه: النكل: القيد. (لِما بَيْنَ يَدَيْها) لما قبلها وَما خَلْفَها وما بعدها من الأمم والقرون لأن مسختهم ذكرت في كتب الأولين فاعتبروا بها، واعتبر بها من بلغتهم من الآخرين: أو أريد بما بين يديها: ما بحضرتها من القرى والأمم. وقبل نكالاً: عقوبة منكلة (لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: ((شُرَّعاً)) أي: ظاهرة على وجه الماء، يقال: شرع علينا فلان: إذا دنا منا وأشرف علينا.

قوله: ((قِرَدَةً خَاسِئِينَ) خبران) أي: (خَاسِئِينَ) خبر بعد خبر، إذ لو لم يكن لكان وصفاً لقردة، فالواجب خاسئة، أو حالاً من اسم "كان" على بعد.

قوله: (ما بحضرتها من القرى والأمم) ترك معنى "وما خلفها" في هذا الوجه لظهورها، أيك القرى التي ليست بحضرتها، فـ "ما" على الوجه الأول والثاني في "ما قبلها" و"ما خلفها" بمعنى "من" لقوله:"من الأمم" لاعتبار وصف المعتبرين تعظيماً، لأن (ما) إذا وضع موضع "من" كقوله: سبحان ما سخركن لنا، تعتبر الوصفية فيه بحسب المقام.

ص: 514

لأجل ما تقدّمها من ذنوبهم وما تأخر منها (وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ) للذين نهوهم عن الاعتداء من صالحي قومهم، أو لكل متق سمعها.

[(وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَامُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ* قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ* قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ* قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ* قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ* وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَاتُمْ فِيها وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ* فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) 67 - 73].

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وعلى الوجه الثاني: "ما" بمعنى ذوي العقول وغيرهم، وهو أبلغ من الأول لما انضم مع اعتبار الأمم اعتبار الآثار والأطلال. ومجاز نسبة الاعتبار إلى القرى راجع إلى الأهل، كأنه قيل: جعلنا خراب القرى ومسخة أهاليها عبرة تمنع من اعتبر في خراب القرى وإهلاك أهاليها من ارتكاب ما ارتكبوه من العدوان.

وعلى الوجه الثالث- وهو أن يراد بالنكال العقوبة لا العبرة- "ما" الأولى على ظاهرها، والثانية بمعنى "من" لأن المسخة الحاضرة يصح جعلها نكالاً، أي: عذاباً بسبب الجناية الماضية، لكن لا يصح جعلها نكالاً لما بعدها من الجناية التي لم توجد، ولهذا قال الواحدي: إن "ما" الثانية بمعنى "من" أي: نكالا ًلمن بعدهم من بني إسرائيل؛ يعني إذا رضوا بها، كقوله:(وَيَقْتُلُونَ الأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ)[آل عمران: 112] وفي "الكواشي": أي: ما عملت من الجناية التي قبل المسخ، ولما عملت وقت المسخ، فالضمير المجرور في "خلفها" عائد إلى "ما" في

ص: 515

كان في بني إسرائيل شيخ موسر فقتل ابنه بنو أخيه ليرثوه، وطرحوه على باب مدينة ثم جاءوا يطالبون بديته، فأمرهم اللَّه أن يذبحوا بقرة ويضربوه ببعضها ليحيا فيخبرهم بقاتله قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً أتجعلنا مكان هزو، أو أهل هزو، أو مهزوءًا بنا،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا) التي هي عبارة عن الجناية لا إلى المسخة. وتأويل ما ذهب إليه المصنف أقرب إلى أن يجعل الضمير في "خلفها" راجعاً إلى المسخة، أي: جعلناها منكلة لما بين يديها، أي: لأجل ما تقدمها من ذنوبهم، ولأجل اعتبار من تأخر من تلك المسخة.

وحاصل كلام المصنف: أن "ما" في "ما قبلها" إما أن تجرى على العموم أو لا، والثاني: إما أن تجرى على ذوي العقول أو على وصفهم، فالوجه الأول محمول على الثاني لإيقاع قوله:"من الأمم والقرون" بياناً له، والثاني على الأول بجعله "من الأمم والقرى" بياناً لـ "ما بحضرتها" والثالث على الثالث لما بين ما بقوله:"من ذنوبهم".

قوله: (فقتل ابنه بنو أخيه) قال المعزي: الصواب: فقتله بنو عمه، لقوله في آخر القصة: ولم يورث قاتل بعد ذلك؛ لأن المورث الأب لا ابنه المقتول، ولأن قاتل الابن لا يمنع الإرث من الأب بلا خلاف، وقيل في العذر: فقتل ابنه بنو أخيه بعد موت الشيخ، وفيه تعسف على أن المفسرين مثل محيي السنة، والواحدي وصاحب "المطلع": رووا أنه كان في بني إسرائيل رجل غني له ابن عمر فقير لا وارث له فلما طال عليه موته قتله ليرثه.

قوله: (مكان هزء) أي: هزء مصدر لا يصلح أن يقع مفعولاً ثانياً لأنه على تأويل خبر المبتدأ فيقدر المضاف، فهو إما على مكان هزء، أو أهل هزء، أو يجعل الهزء بمعنى المهزوء به؛ تسمية المفعول به بالمصدر، كقوله تعالى:(أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ)[المائدة: 96] أي: مصيده،

ص: 516

أو الهزو نفسه لفرط الاستهزاء مِنَ الْجاهِلِينَ لأن الهزو في مثل هذا من باب الجهل والسفه ......

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أو تجعل الذات نفس المعنى، نحو رجل عدل، ويرجع معنى "مكان هزو" كناية إلى المبالغة فيه.

قوله: (لأن الهزء في مثل هذا من باب الجهل والسفه)، أي: هذا المقام لا يصلح للاستهزاء، فإنه مقام الإرشاد وتبيين الأحكام، وتعيين الإبهام، فالاستهزاء فيه يعد من السفه. ويعلم منه أن الهزء إذا وقع في موقعه نحو قوله تعالى:(فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ)[آل عمران: 21] ليزيد غيظ المستهزأ به، فيرتدع عما هو عليه، عين العلم والإرشاد. فوضع الجاهل موضع الهازئ للدلالة على أن الهازئ جاهل، وفسر الجهل بالسفه، ليؤذن أن العالم حليم.

قال الزجاج: فانتفى موسى عليه السلام من الهزء، لأن الهازئ جاهل لاعب.

قال القاضي: نفى عليه السلام عن نفسه ما رمي به على طريقة البرهان، وأخرج ذلك في صورة الاستعاذة.

وقلت: عنى بقوله: "طريقة البرهان" طريقة الكناية حيث نفى عن نفسه أن يكون داخلاً في زمرة الجاهلين، وواحداً منهم، وتمم المبالغة بالاستعاذة، أي: إن الهزء في مقام الإرشاد كاد أن يكون كفراً، فصحت الاستعاذة منه، فالمطابقة بين جواب موسى عليه السلام وبين كلامهم من حيث المعنى.

قال الراغب: الجهل على ثلاثة أضرب: الأول: خلو النفس من العلم، هذا هو الأصل، والثاني: اعتقاد الشيء بخلاف ما هو عليه، والثالث: فعل الشيء بخلاف ما حقه أن يفعل،

ص: 517

وقرئ «هزؤا» بضمتين. «وهزءاً» بسكون الزاي نحو (كفؤا) و (كفئا)، وقرأ حفص:(هزوا) بالضمتين والواو وكذلك «كفوا» [الإخلاص: 4].

والعياذ واللياذ من واد واحد. في قراءة عبد اللَّه: (سل لنا ربك ما هي) سؤال عن حالها وصفتها. وذلك أنهم تعجبوا من بقرة ميتة يضرب ببعضها ميت فيحيا، فسألوا عن صفة تلك البقرة المجيبة الشأن الخارجة عما عليه البقر. والفارض: المسنة، وقد فرضت فروضا فهي فارض. قال خفاف بن ندبة: .....

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

سواء اعتقد فيه اعتقاداً صحيحاً أو فاسداً، كمن ترك الصلاة متعمداً، وعلى ذلك قوله تعالى:(قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِينَ) فجعل فعل الهزء جهلاً، وقال عز وجل:(فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ)[الحجرات: 6].

قوله: (قرئ: هزؤاً، بضمتين) الجماعة سوى حمزة، فإنه قرأ بالسكون.

قوله: (أنهم تعجبوا من بقرة ميتة) يعني ما هي؟ يسأل به عن الجنس وحقيقة الشيء، وحقيقة البقرة غير مسئول عنها؛ لأن الضمير راجع إلى البقرة المذكورة، وهي بقرة فذة مبهمة، فامتنع السؤال بما عن حقيقتها، فرجع إلى صفاتها، ثم إلى أقربها من الحقيقة وما بها تمتاز الحقيقة عن الحقائق وعن سائر أنواعها، كأنها صارت حقيقة أخرى، على منوال قوله:

ص: 518

لَعَمْري لَقَدْ أَعْطَيْتُ ضَيْفَكَ فَارِضاً

تُسَاقُ إلَيْهِ مَا تَقُومُ عَلَى رِجْلِ

وكأنها سميت فارضا؛ لأنها فرضت سنها، أي: قطعتها، وبلغت آخرها. والبكر: الفتية. والعوان النصف. قال:

نَوَاعِمُ بَيْنَ أَبْكَارٍ وَعُونِ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وإن تفق الأنام وأنت منهم

فإن المسك بعض دم الغزال

ألا ترى أنهم لما سمعوا بقوله: (لا شِيَةَ فِيهَا)[البقرة: 71] أمسكوا عن السؤال وقالوا: (الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ)[البقرة: 71] وإليه الإشارة بقوله: "الخارجة عما عليه البقر"، قال الزجاج: إنما سألوا ما هي؛ لأنهم لا يعلمون أن بقرة يحيا بضرب بعضها ميت. وقال القاضي: ما هي، أي: ما حالها وصفتها؟ وكان حقهم أن يقولوا: أي بقرة هي؟ أو كيف هي؟ لأن "ما" يسأل به عن الجنس غالباً، لكنهم لما رأوا ما أمروا به على حال لم يوجد بها شيء من جنسه، أجروه مجرى ما لم يعرفوا حقيقته ولم يروا مثله.

قوله: (لعمري لقد أعطيت) البيت، يصف مضيفاً.

قوله: (ما تقوم على رجل) أي: ما كانت تقدر القيام لشدة هزالها.

قوله: (نواعم بين أبكار وعون) للطرماح، قبله قوله:

ص: 519

وقد عوّنت. فإن قلت: (بين) يقتضى شيئين فصاعداً، فمن أين جاز دخوله على (ذلك)؟ قلت: لأنه في معنى شيئين حيث وقع مشارا به إلى ما ذكر من الفارض والبكر. فإن قلت: كيف جاز أن يشار به إلى مؤنثين، وإنما هو للإشارة إلى واحد مذكر؟ قلت: جاز ذلك على تأويل ما ذكر وما تقدّم، للاختصار في الكلام،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ظعائن كنت أعهدهن قدماً

وهن لذي الأمانة غير خون

طوال متل أعناق الهوادي

نواعم بين أبكار وعون

حسان مواضع النقب الأعالي

غراث الوشح صامتة البرين

متل أعناق الهوادي، أي: طويلة العنق، غراث الوشح كناية عن دقة خصرها، كما أن صامتة البرين كناية عن غلظ ساقها، والبرين: الخلخال.

قوله: (وقد عونت) أي: صارت عواناً.

قوله: (لأنه في معنى شيئين) قال القاضي: ذلك إشارة إلى ما ذكر من الفارض والبكر، فلذلك أضيف إليه "بين"، فإنه لا يضاف إلا إلى متعدد. قال السجاوندي: وعندي أن المراد في وسط زمان الصلاح للعوان واعتداله. تقول: سافرت إلى الروم وطفت بين ذلك، فالمشار إليه عوان. وهذا أولى لئلا يفوت معنى (بَيْنَ ذَلِكَ) لأن "عوان" هي النصف كما قال. وقال الجوهري: العوان هو النصف في سنها من كل شيء، والجمع عون، وبقرة عوان: لا فارض ولا بكر. وفائدة قوله: "عوان" بعد ما نفى أن تكون بكراً أو أن تكون فارضاً، هو أنه احتمل أن تكون عجلاً أو جنيناً، فقال: عوان، لإزالة اللبس ونفي الاحتمال.

ص: 520

كما جعلوا «فعل» نائباً عن أفعال جمة تذكر قبله: تقول للرجل: نعم ما فعلت، وقد ذكر لك أفعالا كثيرة وقصة طويلة، كما تقول له: ما أحسن ذلك! وقد يجرى الضمير مجرى اسم الإشارة في هذا. قال أبو عبيدة قلت لرؤبة في قوله:

فِيهَا خُطُوطٌ مِنْ سَوَادٍ وَبَلَقْ

كَأَنَّهُ فِى الْجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهَقْ

إن أردت الخطوط فقل: كأنها، وإن أردت السواد والبلق فقل: كأنهما. فقال: أردت كأن ذاك، ويلك! والذي حسن منه أنّ أسماء الإشارة تثنيتها وجمعها وتأنيثها ليست على الحقيقة وكذلك الموصولات. ولذلك جاء الذي بمعنى الجمع

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (كما جعلوا "فعل" نائباً عن أفعال جمة) أي: كما أن الفعل الواحد يجعل كناية عن أفعال شتى، وكيفيات متعددة، كما سبق في قوله تعالى:(فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا)[البقرة: 24] كذلك يجعل اسم الإشارة كناية عن المذكور، ثم يتفرع على اسم الإشارة الضمير بأن يجعل كناية عن المذكورات توسعة في الكلام كما في شعر رؤبة.

قوله: (فيها خطوط) الضمير للبقرة. و"التوليع": اختلاف الألوان، و"البهق": بياض وسواد يظهر في الجلد.

قوله: (ويلك) أي: هذا سهل لا يسأل.

قوله: (ليست على الحقيقة) قيل: لأنها ليست على شاكلتها في أسماء الأجناس، ألا ترى أن "ذا" موضوع للمفرد المذكر، و"الذي" في الموصول كذلك، و"اللذان" موضوع للمثنى، وليست تثنية "الذي"، و"الذين" هكذا موضوع للجمع.

ص: 521

(ما تُؤْمَرُونَ) أي ما تؤمرونه بمعنى تؤمرون به من قوله أمرتك الخير أو أمركم بمعنى مأموركم تسمية للمفعول به بالمصدر، كضرب الأمير. الفقوع أشد ما يكون من الصفرة وأنصعه.

يقال في التوكيد: أصفر فاقع ووارس، كما يقال أسود حالك وحانك، وأبيض يقق ولهق. وأحمر قانى وذريخى. وأخضر ناضر ومدهامّ. وأورق خطبانىّ وأزمك ردانىّ. فإن قلت: فاقع هاهنا واقع خبراً عن اللون، فلم يقع توكيداً لصفراء

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (أمرتك الخير) تمامه:

أمرتك الخير فافعل ما أمرت به

فقد تركتك ذا مال وذا نشب

قيل: قائله عباس بن مرداس، وقيل: خفاف بن ندبة، أي: أمرتك بالخير بدليل قوله: فافعل ما أمرت به، ولأن الأمر لا يستعمل إلا بالباء. "ذا مال" أي: ذا إبل وماشية. والنشب: المال الأصيل، وهو اسم يجمع الصامت والناطق. حذف من الآية الجار إيجازاً وأمناً من الإلباس، وأوصل الفعل ثم حذف الضمير.

قوله: (وأنصعه) الناصع: الخالص من كل شيء، ويقال: أبيض ناصع، وأصفر ناصع، وأصفر وارس، الورس: نبت أصفر تتخذ منه الغمرة للوجه، تقول منه: أورس الرمث، أي: اصفر ورقه، فهو وارس. والرمث: بالكسر مرعى من مراعي الإبل، وهو من الحمض.

"أسود حالك" حلك الشيء يحلك حلوكة: اشتد سواده. وأسود حالك وحانك بمعنى.

"وأبيض يقق"، أي: شديد البياض، واللهق بالتحريك: الأبيض، وشيء لهق إذا كان شديد البياض.

"وأحمر قانئ"، قنأ الرجل لحيته بالخضاب، وقد قنأت هي من الخضاب إذا اشتدت حمرتها.

ص: 522

قلت: لم يقع خبرا عن اللون إنما وقع توكيداً لصفراء، إلا أنه ارتفع اللون به ارتفاع الفاعل واللون من سببها وملتبس بها، فلم يكن فرق بين قولك صفراء فاقعة وصفراء فاقع لونها. فإن قلت: فهلا قيل صفراء فاقعة؟ وأى فائدة في ذكر اللون؟ قلت: الفائدة فيه التوكيد، لأنّ اللون اسم للهيئة وهي الصفرة، فكأنه قيل: شديدة الصفرة صفرتها، فهو من قولك: جدّ جدّه، وجنونك مجنون. وعن وهب: إذا نظرت إليها خيل إليك أن شعاع الشمس يخرج من جلدها والسرور لذة في القلب عند حصول نفع أو توقعه. وعن على رضى اللَّه عنه: «من لبس نعلا صفراء قل همه لقوله تعالى: "تسرّ الناظرين»

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

"ومدهام" ادهام الشيء: إذا اسود، قال تعالى:(مُدْهَامَّتَانِ)[الرحمن: 64] أي: سوداوان من شدة الخضرة من الري، والعرب تقول لكل أخضر: أسود.

"وأورق" من الحمام والإبل الذي له لون الرماد.

و"خطباني" منسوب إلى الخطبان: وهو الحنظل إذا صارت فيه خطوط خضر.

والرمكة من الإبل الذي اشتدت كمتته حتى يدخلها السواد، يقال: جمل أرمك. والرادن: الزعفران: يقال للشيء إذا خالط حمرته صفرة: أحمر رادني وناقة رادنية.

قوله: (فلم يكن فرق بين: صفراء فاقعة، وصفراء فاقع لونها) أي: في كونهما مؤكدين للصفراء، وإلا فالثاني أوكد كما ذكر.

قوله: (من قولك: جد جده) أي: من باب الإسناد المجازي. قال تأبط شراً:

إذا المرء لم يحتل وقد جد جده

أضاع وقاسى أمره وهو مدبر

ص: 523

وعن الحسن البصري (صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها) سوداء شديدة السواد. ولعله مستعار من صفة الإبل لأن سوادها تعلوه صفرة. وبه فسر قوله تعالى: (جِمالَتٌ صُفْرٌ)[المرسلات: 33]، قال الأعشى:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قال المرزوقي: جد جده إذا ازداد جده جداً. ونحوه قولك: حتى استدق نحولها، أي: ازداد دقتها دقة، "وجنونك مجنون" من قوله:

جنونك مجنون ولست بواجد

طبيباً يداوي من جنون جنون

قوله: (سوداء شديدة السواد) قال صاحب "المطلع": فيه نظر؛ لأن قوله: (فَاقِعٌ لَوْنُهَا) يرده. وقال القاضي: لأن الصفرة بهذا المعنى لا تؤكد بالفقوع.

والجواب ما جاء عن الزجاج: فهذه كلها صفات مبالغة في الألوان، وقد قال بعضهم: صفراء ها هنا سوداء.

قلت: لأن صفراء إذا أكد بالفقوع يدل على خلوص الصفرة فيها، ثم إذا روعي معنى الإسناد المجازي معها دل على أن المراد بذلك التأكيد المبالغة في الصفرة لا الخلوص فيها، فدلت هاتان المبالغتان على أنها بلغت الغاية في بابها، وكل لون إذا قوي واشتد أخذ بالعين كالسواد، ولهذا وصفت الخضرة إذا قويت بالإدهام.

قوله: (ولعله مستعار) لأن الأصل في استعمال الأصفر وإرادة الأسود في الجمل، فنقل إلى البقر.

ص: 524

تِلْكَ خَيْلِي مِنْهُ وَتِلْكَ رِكَابِى

هُنَّ صُفْرٌ أَوْلَادُهَا كَالزَّبِيبِ

(ما هِيَ) مرة ثانية تكرير للسؤال عن حالها وصفتها، واستشكاف زائد ليزدادوا بيانا لوصفها.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم «لو اعترضوا أدنى بقرة فذبحوها لكفتهم، ولكن شدّدوا فشدّد اللَّه عليهم» والاستقصاء شؤم. وعن بعض الخلفاء أنه كتب إلى عامله بأن يذهب إلى قوم فيقطع أشجارهم ويهدم دورهم، فكتب إليه: بأيهما أبداً؟ فقال: إن قلت لك بقطع الشجر سألتنى: بأى نوع منها أبدأ؟ وعن عمر بن عبد العزيز: إذا أمرتك أن تعطى فلانا شاة سألتنى: أضائن أم ماعز؟ فإن بينت لك قلت: أذكر أم أنثى؟ فإن أخبرتك قلت: أسوداء أم بيضاء؟ فإذا أمرتك بشيء فلا تراجعني. وفي الحديث «أعظم الناس جرماً من سأل عن شيء لم يحرم فحرم لأجل مسألته»

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (تلك خيلي) البيت، يقول: خيلي وإبلي سود وأولادها سود.

قوله: (لو اعترضوا أدنى بقرة)، الجوهري: عن محمد ابن الحنفية: كل الجبن عرضاً. قال الأصمعي: يعني اعترضه واشتره ممن وجدته، ولا تسأل عمن عمله، أمن عمل أهل الكتاب أم من عمل المجوس.

قوله: (وفي الحديث: أعظم الناس جرماً) الحديث رواه البخاري ومسلم وأبو داود عن

ص: 525

(إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا): أي: إنّ البقر الموصوف بالتعوين والصفرة كثير فاشتبه علينا أيها نذبح. وقرئ: تشابه، بمعنى تتشابه بطرح التاء وإدغامها في الشين. وتشابهت ومتشابهة ومتشابه. وقرأ محمد ذو الشامة: إن الباقر يشابه، بالياء والتشديد. جاء في الحديث «لو لم يستثنوا لما بينت لهم آخر الأبد» أى: لو لم يقولوا إن شاء اللَّه. والمعنى: إنا لمهتدون إلى البقرة المراد ذبحها، أو إلى ما خفى علينا من أمر القاتل (لا ذَلُولٌ): صفة لبقرة بمعنى بقرة غير ذلول، يعنى لم تذلل للكراب وإثارة الأرض،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

سعد بن أبي وقاص: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إن أعظم المسلمين جرماً من سأل عن شيء لم يحرم على الناس فحرم من أجل مسألته". قيل: ظاهر الحديث دل على أن اقتراح السؤال على الأنبياء غير جائز؛ لأنهم مأمورون بالتبليغ، وبيان ما يجب كشفه، ولا يقصرون في ذلك، فمن سألهم عن شيء من ذلك فكأنه ينسبهم إلى التقصير، فهو جريمة من السائل، فقد يعاقبه الله تعالى بما هو مناسب لجريمته، وذلك بأن يحرم عليه المسئول عنه، فإذا حرم عليه يسري ذلك التحريم إلى جميع المكلفين لعموم حكم الشرع، فيكون هو سبباً لتحريم ذلك على الناس، فيعظم جرمه.

يؤيد هذا التأويل ما روينا عن البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "دعوني ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم".

قوله: (وقرأ محمد ذو الشامة) قيل: هو محمد الباقر. قال صاحب "الجامع": هو محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، وسمي الباقر؛ لأنه تبقر في العلم، أي:

ص: 526

ولا هي من النواضح التي يسنى عليها لسقى الحروث، و «لا» الأولى للنفي، والثانية مزيدة لتوكيد الأولى، لأن المعنى: لا ذلول تثير وتسقي، .........

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

توسع. وفيه نكتة لطيفة حيث عدل من الباقر إلى "ذو الشامة" لدفع إيهام أن قراءته موافقة للبقية.

الجوهري: الباقر: جماعة بقر مع رعاتها وهي موافقة للقراءة المشهورة (إِنَّ الْبَقَرَ) من حيث الشمول، لأن جنس، أي: اشتبه علينا تلك البقرة الخارجة من جنس البقر الداخلة في جنس آخر، وذلك البيان قاصر غير واف لعموم التناول، ألا ترى حين سمعوا بقوله:(مسلمة) أي: معفاة سلمها أهلها من العمل والركوب والذبح وغير ذلك مما يتعاناه أرباب البقر، قالوا:(الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ)[البقرة: 71]! وأن هذا الوصف بعد الأوصاف السابقة يخرجها مما عليه البقر المتعارف، وإنما فسرت (مسلمة) بما ذكر؛ لأنها مطلقة، فيتناول جميع ما يدخل في المعنى، فعلى هذا هي تتميم لمعنى قوله:(لا ذَلُولٌ) إلى آخره، وقوله:(لا شِيَةَ) تتميم لقوله: (صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا). وهذا التقرير يوضح أن سؤالهم الأول بقولهم: "ما هي" كان عن الجنس كما مر، وأن تماديهم ومراجعتهم في السؤال كان تكشفاً لحقيقة البقرة المعينة المخصوصة.

قوله: (النواضح) جمع الناضحة. والناضح: البعير الذي يستقى عليه، وهي السانية أيضاً.

قوله: (لأن المعنى: لا ذلول تثير [الأرض] وتسقي) قال الزجاج: معناه: ليست بذلول ولا بمثيرة للأرض ولا تسقي الحرث.

ص: 527

على أنّ الفعلين صفتان لذلول، كأنه قيل: لا ذلول مثيرة وساقية. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمى: (لا ذلول)، بمعنى لا ذلول هناك: أى حيث هي، وهو نفى لذلها ولأن توصف به فيقال: هي ذلول. ونحوه قولك: مررت بقوم لا بخيل ولا جبان. أى فيهم، أو حيث هم. وقرئ تسقى بضم التاء من أسقى (مُسَلَّمَةٌ) سلمها اللَّه من العيوب أو معفاة من العمل سلمها أهلها منها، كقوله:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قلت: هذا التفسير على أسلوب قوله:

على لا حب لا يهتدى بمناره

نفياً للأصل والفرع، وانتفاء الملزوم بانتفاء لازمه.

قوله: (وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي) في "جامع الأصول": هو عبد الله بن حبيب بن ربيعة السلمي الكوفي، وهو أحد أعلام التابعين وثقاتهم، صحب علياً وسمع منه.

قوله: (وهو نفي لذلها ولأن توصف به) وهو عطف تفسيري، أي: الذلول الذي هو ضد الصعب، لو كان في مكان البقرة كانت البقرة موصوفة به ضرورة؛ لأن الصفة تقتضي موصوفاً، فلما لم يكن في مكانها لم تكن موصوفة به، فهو من باب الكناية نحو قولهم: مجلس فلان مظنة الجود والكرم.

قوله: (من أسقى) قيل: سقى وأسقى بمعنى واحد. قال لبيد:

سقى قومي بني مجد وأسقى

نميراً والقبائل من هلال

ص: 528

أَوْ مَعْبَرَ الظَّهْرِ يُنْبِى عَنْ وَلِيَّتِهِ

مَا حَجَّ رَبُهُ فِى الدُّنْيَا وَلَا اعْتَمَرَا

أو مخلصة اللون، من سلم له كذا إذا خلص له، لم يشب صفرتها شيء من الألوان (لا شِيَةَ فِيها): لا لمعة في نقبتها من لون آخر سوى الصفرة، فهي صفراء كلها حتى قرنها وظلفها. وهي في الأصل مصدر وشاه وشيا وشية، إذا خلط بلونه لونا آخر، ومنه ثور موشى القوائم (جِئْتَ بِالْحَقِّ) أى بحقيقة وصف البقرة، وما بقي إشكال في أمرها. (فَذَبَحُوها) أي: فحصلوا البقرة الجامعة لهذه الأوصاف كلها فذبحوها.

وقوله (وَما كادُوا يَفْعَلُونَ) استثقال لاستقصائهم واستبطاءٌ لهم، ......

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (أو معبر الظهر) البيت (ربه) باختلاس الحركة من الهاء ليستقيم الوزن. استشهد به سيبويه لذلك ضرورة. والمعبر من الإبل: الذي يترك وبره لا يجز سنتين ليتوفر.

و"ينبي" من: نبا الشيء عنه ينبو، أي: تجافى وتباعد. عن وليته: أي: برذعته، سميت بذلك، لأنها تلي الجلد، والجمع الولايا. أراد ينبي وليته فزاد "عن" وإذا كثر الوبر على سنامه نبت وليته وارتفعت.

وما حج ربه: أي: صاحبه ما قصد سفر الحج حتى يحتاج إلى جز وبره.

قوله: (لا لمعة في نقبتها) أي: لونها. قال ذو الرمة:

ولاح أزهر مشهور بنقبته

كأنه حين يعلو عاقراً لهب

قوله: ((بِالْحَقِّ) أي: بحقيقة وصف البقرة) أي: لم يتضمن قولهم: "بالحق" أن ما جئت به من قبل كان باطلاً، وإنما أرادوا الآن جئت بما تحققنا المراد منها.

ص: 529

وأنهم لتطويلهم المفرط وكثرة استكشافهم، ما كادوا يذبحونها، وما كادت تنتهي سؤالاتهم، وما كاد ينقطع خيط إسهابهم فيها وتعمقهم. وقيل: وما كادوا يذبحونها لغلاء ثمنها. وقيل: لخوف الفضيحة في ظهور القاتل. وروى أنه كان في بنى إسرائيل شيخ صالح له عجِلة فأتى بها الغيضة وقال: اللهم إنى أستودعكها لابنى حتى يكبر، وكان براً بوالديه، فشبت وكانت من أحسن البقر وأسمنه، فساوموها اليتيم وأمّه حتى اشتروها بملء مسكها ذهباً، وكانت البقرة إذ ذاك بثلاثة دنانير وكانوا طلبوا البقرة الموصوفة أربعين سنة. فإن قلت: كانت البقرة التي تناولها الأمر بقرة من شق البقر غير مخصوصة، ثم انقلبت مخصوصة بلون وصفات، فذبحوا المخصوصة، فما فعل الأمر الأوّل؟ قلت: رجع منسوخا لانتقال الحكم إلى البقرة المخصوصة، والنسخ قبل الفعل جائز. على أنّ الخطاب كان لإبهامه متناولا لهذه البقرة الموصوفة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ما كاد ينقطع خيط إسهابهم) خيط إسهابهم استعارة، وينقطع ترشيح لها. قال القاضي:"كاد" من أفعال المقاربة، وضع لدنو الخبر حصولاً، وإذا دخل عليه النفي فالصحيح أنه كسائر الأفعال، ولا ينافي قوله:(وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ)[البقرة: 71] قوله: (فَذَبَحُوهَا) لاختلاف وقتيهما، إذ المعنى ما قاربوا أن يفعلوا حتى انقطعت سؤالاتهم، وانتهت تعللاتهم، ففعلوا كالمضطر الملجأ.

قلت: يدفعه فاء الفصيحة كما سيجيء.

قوله: (وكان براً بوالديه) والظاهر أن الابن بر بوالديه.

قوله: (من شق البقر)، الأساس: خذ من شق الثياب: من عرضها ولا تختر.

قوله: (على أن الخطاب) أي: أقول: إن الأمر الأول رجع منسوخاً مع جواز القول بأن الأمر الأول ثابت، وقضية النسخ المخالفة بين الناسخ والمنسوخ.

ص: 530

كما تناول غيرها. ولو وقع الذبح عليها بحكم الخطاب قبل التخصيص لكان امتثالا له، فكذلك إذا وقع عليها بعد التخصيص (وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً) خوطبت الجماعة لوجود القتل فيهم (فَادَّارَاتُمْ) فاختلفتم واختصمتم في شأنها، ........

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقلت: الفرق بين الوجهين هو: أنه لما نظر إلى نفس الحكم، وأنه ورد على السعة والتخيير، ثم انقلب إلى التعيين، جعل الثاني ناسخاً، ولما اعتبر اللفظ وإبهامه، أي: إطلاقه وشيوعه في جنسه، جعله كالعام المتناول لهذه البقرة الموصوفة ولغيرها ثم خصصه، والمخصص إذا تأخر عن العام لا يكون ناسخاً بالاتفاق.

وإنما قلنا: كالعام لأن اسم الجنس إذا كان معرفاً باللام، أو بالإضافة، أو كان نكرة في سياق النفي، يفيد العموم، وهذه ليست كذلك. ونقل عن أبي منصور الماتريدي رحمه الله أنه قال: الأمر بالذبح في الابتداء على مآل الأمر، ولكنهم أمروا بالسؤال عنها، والبحث عن أحوالها؛ ليصلوا إلى ما هو المراد بالأمر، لا أنه تعالى أحدث لهم ذلك بالسؤال الذي ذكروا.

وقال القاضي: عود الكنايات في قوله تعالى: (إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ)[البقرة: 68] وإجراء تلك الصفات يدل على أن المراد بها معينة، ويلزمه تأخير البيان، ومن أنكر ذلك زعم أن المراد بها بقرة من شق البقر غير مخصوصة، ثم انقلبت مخصوصة بسؤالهم، ويلزمه النسخ قبل الفعل، فإن التخصيص إبطال للتخيير الثابت بالنص، والحق جوازهما، ويؤيد الرأي الثاني ظاهر اللفظ، وتقريعهم بالتمادي، وزجرهم على المراجعة بقوله:(فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ)[البقرة: 68].

ص: 531

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقلت: المعنى يساعد القول بأن هذه القضية كانت من باب الحكم عقيب العلم بصفة المحكوم عليه عند القائل، كما تقتضيه قصة الشيخ، واستيداعه البقرة عند الله، وإن عارضه الحديث الضعيف:"لو اعترضوا أدنى بقرة فذبحوها لكفتهم"؛ لأن عود الكنايات كما قال القاضي، لاسيما مراراً ثلاثاً، وبناء اسم البقرة على المسند إليه بعد الوصف، مبني على أن الجواب عن البيان، كأنه قيل: المأمور بذبحها هذه البقرة الموصوفة، لما تقرر في علم البيان أن في إيقاع الخبر نفس المبتدأ إيذاناً بأن القصد في الكلام نفس المبتدأ، وأن الخبر لتعيينه، وذلك أنهم تعجبوا من بقرة ميتة يضرب ببعضها ميت فيحيا، فسألوا عن صفة تلك البقرة العجيبة الشأن، الخارجة عما عليه البقر، فأعيدت في الجواب وبني عليها الوصف، وإلى هذا المعنى أشار الشيخ أبو منصور: أمروا بالسؤال عنها والبحث عن أحوالها؛ ليصلوا إلى ما هو المراد من الأمر. وقد سبق أن معنى الجنس في قراءة العامة (إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا)[البقرة: 70] وقراءة ذي الشامة "إن الباقر" دل على أن الأسئلة صدرت عن تكشف حال البقرة، وعند الكشف التام (قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ). وأيضاً إن الفاء في قوله:(فَذَبَحُوهَا) كما قدرها المصنف- فصيحة- آذنت بأنهم سارعوا في الذبح ولم يتوقف امتثالهم أمر الله عند التمييز التام لمحة كما نص عليه في الأعراف عند قوله: (أَنْ اضْرِب بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ)[الأعراف: 160].

فإن قلت: هذا معارض بقوله: (فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ) وقوله: (وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ) لما دل ذلك على تثاقلهم وتثبطهم في الامتثال.

ص: 532

لأنّ المتخاصمين يدرأ بعضهم بعضاً، أى يدفعه ويزحمه. أو تدافعتم، بمعنى طرح قتلها بعضكم على بعض، فدفع المطروح عليه الطارح. أو لأنّ الطرح في نفسه دفع. أو دفع بعضكم بعضاً عن البراءة واتهمه (وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ) مظهر لا محالة .....

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قلت: وجه الجمع أن يقال: سارعوا في امتثال أمر الله عند ظهور الحق، والحال أن بشريتهم، وهي خوف الفضيحة، دعت إلى أن يمتنعوا من ذلك، وتلخيصه: رجحوا جانب الله على جانبهم. ووجه آخر: (وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ) قبل تبين الحال، فاختلف الجهتان على التقديرين.

قوله: (لأن المتخاصمين يدرأ) تعليل لوجه الكناية في قوله: (فَادَّارَاتُمْ)[البقرة: 72] بمعنى اختصمتم؛ لأن الدرأ لازم الخصومة.

قوله: (فدفع المطروح) الفاء مثلها في قوله تعالى: (فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ)[البقرة: 54]، فهو كالتعليل للتفسير، ولهذا عطف عليه قوله:"أو لأن الطرح في نفسه دفع"، والفرق أن الطارح في الأول لا يصير دافعاً إلا بعد دفع المطروح عليه، بخلاف الثاني، فإنه دافع ابتداء لما يلزم من طرحه دفعه عن نفسه، وعلى الوجوه الثلاثة كناية.

قوله: (أو دفع بعضكم بعضاً عن البراءة) عطف على "طرح قتلها" وذلك بأن يقول صاحبه: أنت متهم ولست ببريء، فالمدفوع البراءة من الجانبين.

قوله: (مظهر لا محالة) يعني: دل بناء اسم الفاعل، وهو مخرج على المبتدأ، على الثبات وتوكيد الحكم، وهذا عندنا بحسب التفضل والكرم، وعند المعتزلة لرعاية الأصلح؛ لأن الاختلاف في باب القتل يؤدي إلى الفساد والفتنة، وهو خلاف إرادته تعالى، قال الله تعالى:(وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ)[البقرة: 205].

ص: 533

ما كتمتم من أمر القتل لا يتركه مكتوماً. فإن قلت: كيف أعمل (مخرج) وهو في معنى المضىّ؟ قلت: وقد حكى ما كان مستقبلاً في وقت التدارؤ كما حكى الحاضر في قوله: (باسِطٌ ذِراعَيْهِ)[الكهف: 18]. وهذه الجملة اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه وهما (فَادَّارَاتُمْ)، و (فَقُلْنا) والضمير في (اضْرِبُوهُ): إمّا أن يرجع إلى النفس والتذكير على تأويل الشخص والإنسان، وإمّا إلى القتيل لما دل عليه من قوله:(ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ). بِبَعْضِها ببعض البقرة. واختلف في البعض الذي ضرب به، فقيل: لسانها، وقيل: فخذها اليمنى، وقيل: عجبها، وقيل: العظم الذي يلي الغضروف وهو أصل الأذن، وقيل: الأذن، وقيل: البضعة بين الكتفين. والمعنى: فضربوه فحيى، فحذف ذلك لدلالة قوله:(كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى) وروى أنهم لما ضربوه قام بإذن اللَّه وأوداجه تشخب دماً وقال: قتلني فلان وفلان لا بنى عمه، ثم سقط ميتاً، فأخذا وقتلا، ولم يورّث قاتل بعد ذلك. (كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى): .........

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (كما حكي الحاضر) يعني أن كلاً من اسمي الفاعل عند نزول القرآن كان ماضياً لكن (مُخْرِجُ) حكاية لما كان مستقبلاً في وقت التدارؤ، و (بَاسِطٌ) حكاية للحاضر عند بسط الكلب ذراعيه، فقد اشتركا في أن كلاً منهما حكاية عند النزول، وفائدتها: استحضار تينك الصورتين في مشاهدة السامع؛ تعجيباً له.

قوله: (وقيل: عجبها). العجب: أصل الذنب، وهو من كل دابة: ما ضمت عليه الورك من أصل الذنب. قيل: العجب أمره عجب، وهو أول ما يخلق وآخر ما يخلق.

قوله: (العظم: الذي يلي الغضروف)، الجوهري: وهو ما لان من العظم، وهو الغضروف أيضاً.

واعلم أن هذه الأقوال لا يدل عليها القرآن ولا خبر صحيح، فحسن السكوت عنها.

ص: 534

إما أن يكون خطابا للذين حضروا حياة القتيل بمعنى وقلنا لهم: كذلك يحيى اللَّه الموتى يوم القيامة، (وَيُرِيكُمْ آياتِهِ)

ودلائله على أنه قادر على كل شيء؛ (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ): تعملون على قضية عقولكم. وأن من قدر على إحياء نفس واحدة قدر على إحياء الأنفس كلها لعدم الاختصاص حتى لا تنكروا البعث. وإما أن يكون خطابا للمنكرين في زمن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم. فإن قلت: هلا أحياه ابتداء؟ ولم شرط في إحيائه ذبح البقرة وضربه ببعضها؟ قلت: في الأسباب والشروط حكم وفوائد،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وإما أن يكون خطاباً للمنكرين) فعلى هذا لا يحتاج إلى تقدير القول، وكاف الخطاب في قوله تعالى:(كَذَلِكَ)[البقرة: 73] نحو الخطاب في قوله:

إذا أنت أكرمت الكريم ملكته

وذلك لأن أمر إحياء الموتى عظيم، يجب أن يخاطب كل من يصح أن يخاطب ويتأتى منه الاستماع، فيدخل هؤلاء فيه دخولاً أولياً: يدل عليه قوله: (وَيُرِيكُمْ).

قوله: (في الأسباب والشروط حكم وفوائد) تمهيد للجواب. والجواب: "وإنما شرط ذلك"، وقوله:"وما في التشديد عليهم" عطف على قوله: "ما في ذبح البقرة" بدون لام التعليل. وقوله: "وليعلم" عطف على قوله "لما في ذبح البقرة" مع اللام. وفي هذا الاختلاف من العطف إيذان بأن في الشرط فائدتين: إحداهما: عملية، وثانيتهما اعتقادية. والأولى: إما عامة في نفس الذبح فيهم وفي غيرهم، أو خاصة بتلك القصة، أي: ناشئة منها. أما الاعتقاد فهو المراد بقوله: "ليعلم بما أمر من مس الميتِ بالميتِ، وحصول الحياة عقيبه، أن المؤثر هو المسبب". أما الفائدة العامة فهي ما ذكره من "التقرب وأداء التكليف واكتساب الثواب"، وأما الخاصة بذلك الذبح فهي قوله:"من اللطف لهم ولآخرين في ترك التشديد والمسارعة" إلى آخره. وفي قول المصنف: "إن المؤثر هو المسبب لا الأسباب" إبطال لمذهبه في كثير من المواضع.

ص: 535

وإنما شرط ذلك لما في ذبح البقرة من التقرّب وأداء التكاليف واكتساب الثواب والإشعار بحسن تقديم القربة على الطلب، وما في التشديد عليهم لتشديدهم من اللطف لهم، ولآخرين في ترك التشديد والمسارعة إلى امتثال أوامر اللَّه تعالى وارتسامها على الفور، من غير تفتيش وتكثير سؤال، ونفع اليتيم بالتجارة الرابحة، والدلالة على بركة البرّ بالوالدين، والشفقة على الأولاد، وتجهيل الهازئ بما لا يعلم كنهه ولا يطلع على حقيقته من كلام الحكماء، وبيان أنّ من حق المتقرّب إلى ربه أن يتنوّق في اختيار ما يتقرب به،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (المسارعة) عطف على قوله: "ترك التشديد".

قوله: (والدلالة على بركة البر بالوالدين والشفقة على الأولاد). أما البر فقوله فيما سبق: "وكان براً بوالديه"، وأما الشفقة فقوله:"اللهم إني أستودعكها لابني".

قوله: (وتجهيل الهازئ) أي: لما في التشديد عليهم لأجل تشديدهم تجهيل للهازئ. يعني: لما شددوا على أنفسهم وقالوا: (أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً)[البقرة: 67] أجيبوا بقوله: (أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِينَ) فعلم تجهيل الهازئ، وأن الهازئ: من لا يعلم كنه كلام الحكماء. فيه تعريض بأنه عالم بما يقول الحكماء وأنه حكيم.

قوله: (أن يتنوق). تنوق في الأمر: تأنق فيه. وعمله بنيقة، أي: باشر فيه وأتمه بحذاقة. قال الحريري في "درة الغواص في أوهاهم الخواص": تنوق في الشيء، والأفصح تأنق كما روي للمنصور رحمه الله:

تأنقت في الإحسان لم آل جاهداً

إلى ابن أبي ليلى فصيره ذما

فوالله ما آسى على فوت شكره

ولكن فوت الرأي أحدث لي هما

واشتقاقه من الأنق وهو الإعجاب بالشيء.

ص: 536

وأن يختاره فتىّ السنّ غير قحم ولا ضرع، حسن اللون بريئاً من العيوب يونق من ينظر إليه، وأن يغالى بثمنه، كما يروى عن عمر رضى اللَّه عنه أنه ضحى بنجيبة بثلاثمائة دينار، وأنّ الزيادة في الخطاب نسخ له، وأن النسخ قبل الفعل جائز وإن لم يجز قبل وقت الفعل وإمكانه لأدائه إلى البداء، وليعلم بما أمر من مس الميت بالميت وحصول الحياة عقيبه أن المؤثر هو المسبب لا الأسباب، لأن الموتين الحاصلين

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وفي أمثالهم: ليس المتعلق كالمتأنق. أي: ليس القانع بالعلقة، وهي البلغة، كالذي يبلغ النقاوة والغاية.

ويضرب أيضاً للجاهل الذي يدعي الحذق: خرقاء ذات نيقة.

قوله: (غير قحم) أي: غير مسنة مهزولة، الجوهري: شيخ قحم، أي: هم.

قوله: (ولا ضرع). الضرع بالتحريك: الضعيف. وقيل: الحديثة السن.

قوله: (وإن لم يجز قبل وقت الفعل وإمكانه) أي: يمكن المكلف من أدائه في ذلك الوقت. وصورته أن تقول: صل غداً وقت الظهر، وقبل الظهر تقول: لا تصل وقت الظهر، والحال أن المكلف متمكن من الفعل في الظهر.

قوله: (لأدائه إلى البداء) أي: البداية، من قولهم: بدا له في الرأي بداء بالمد والرفع. وأهل السنة قالوا: لا يلزم البداء؛ لأن هذا الأمر والنهي راجع إلى امتحان المكلف بإطاعته الآمر وعصيانه، وعزم قلبه، وعدم عزمه وابتلائه، كما إذا قال السيد لعبده: اذهب غداً راجلاً إلى مواضع كذا، وقبل الغد يقول: اذهب راكباً، وغرضه الابتلاء. واعلم أنه جمع بين التشديد عليهم لتشديدهم وبين نفع اليتيم، فيلزم من التشديد أن تكون البقرة غير معينة، ومن نفع اليتيم أن تكون معينة، وبينهما تناف كما سبق.

ص: 537

في الجسمين لا يعقل أن تتولد منهما حياة. فإن قلت: فما للقصة لم تقص على ترتيبها، وكان حقها أن يقدّم ذكر القتيل والضرب ببعض البقرة على الأمر بذبحها، وأن يقال: وإذ قتلتم نفسا فادّارأتم فيها فقلنا اذبحوا بقرة واضربوه ببعضها؟ قلت: كل ما قص من قصص بنى إسرائيل إنما قص تعديداً لما وجد منهم من الجنايات، وتقريعاً لهم عليها، ولما جدّد فيهم من الآيات العظام

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (فما للقصة لم تقص) إلى آخره، قيل: فيه نظر، لأنه قال:"الأصل أن يقدم ذكر القتل والضرب ببعض البقرة على الأمر بذبحها"، وحقه أن يقال: أن يقدم ذكر القتيل والأمر بالذبح على الأمر بضرب بعضها، كما قدره آخراً في السؤال.

وأجيب: أن المراد أن هذه الآية التي ذكر فيها ذكر القتيل والضرب كان من حقها أن تقدم على الآية التي ذكر فيها الأمر بالذبح.

فإن قلت: الإشكال باق؛ لأن القصة بجملتها لا يجوز تقديمها على تلك القصة، فإن فيها الأمر بالضرب، وهو متأخر عن الأمر بالذبح.

قلت: بل القصة مستقلة في الدلالة ولابد من إضمار: "اذبحوا" سواء قدمتها أو أخرتها؛ لأنها محتوية إجمالاً على القصة بتمامها مع قرب طرفيها، ففتحت بذكر القتل، وختمت بإحياء القتيل، ووسطت بضرب المذبوح، ومع ذلك ما أجمل فيها من التنبيه على ما أضمر اعتراضاً واستطراداً، فقوله:(وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ)[البقرة: 72] اعتراض بين المعطوفين، فدل به على التقريع ونبه به على تقدير ما يحصل به ذلك الإخراج من الأمر بالذبح، وقوله:(كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى)[البقرة: 73] استطراد عبر به عن الاقتدار على البعث، ونبه به على حصول إحياء القتيل. وقوله:(وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)[البقرة: 73] تذييل وتنبيه غب تنبيه، وتقريع بعد تقريع، فحينئذ تقرير الآية: وغذ قتلتم نفساً فادارأتم فيها، فقلنا: اذبحوا بقرة، واضربوه ببعضها، فذبحتم وضربتم به فأحيا الله القتيل، فأخبركم بقاتله، وقلنا: كذلك يحيي الله الموتى.

ص: 538

وهاتان قصتان كل واحدة منهما مستقلة بنوع من التقريع وإن كانتا متصلتين متحدتين، فالأولى: لتقريعهم على الاستهزاء وترك المسارعة إلى الامتثال وما يتبع ذلك،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ونظير هذه القصة قوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيراً* فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيراً)[الفرقان: 35 - 36]. قال: أراد اختصار القصة، فذكر حاشيتها: أولها وآخرها؛ لأنهما المقصود من القصة، أعني إلزام الحجة ببعثه الرسل، واستحقاق التدمير بتكذيبهم. فإذا قدمت القصة كان قوله:(إِنَّ اللَّهَ يَامُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً)[البقرة: 67] إلى آخره كالتفصيل والبيان لكيفية الأمر بالذبح المطوي وما يتصل به، والبيان لا يكون مستقلاً بل تتمة للمبين، فيكون التقريع واحداً، وإذا أخرتها كما هي عليه لم تكن بياناً، وكان مستقلاً فيما قصد به من تنبيه التقريع، ولذلك غير السياق وقيل:(وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَامُرُكُمْ) فانظر إلى هذه الرموز، وإلى ذلك الإيجاز والتعجيز، ولله در المصنف ودقيق إشاراته!

قوله: (وما يتبع ذلك) عطف على "تقريعهم"، لا على "الاستهزاء"، إذ ليس في تلك القصة غير الاستهزاء. وترك المسارعة شيء يتوجه إليه التقريع، وكذا "ما يتبعه" عطف على "التقريع" لا على "قتل النفس"، إذ ليست "الآية العظيمة" مما يرد عليها التقريع، وفيه إشارة إلى صنعة الإدماج، يعني: سيقت القصتان للتقريع، وأدمج فيها هذه الفوائد، والإشارة "بذلك" إلى المذكور السابق، أي: يتبع التقريع وترك المسارعة من الفوائد المتكاثرة كما عددها في قوله: "لما في ذبح البقرة من التقرب" إلى قوله: "وأن النسخ قبل الفعل جائز"؛ لأن تلك الفوائد تابعة للأمر بذبح البقرة، وقوله:"وما يتبعه من الآية العظيمة" هو الذي عناه بقوله: "وليعلم بما أمر من مس الميت بالميت وحصول الحياة عقيبه" إلى آخره، وهو مستفاد من قوله تعالى:(كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى)، فظهر أن الجواب السابق كان منطوياً على هذين الاعتبارين.

ص: 539

والثانية للتقريع على قتل النفس المحرّمة وما يتبعه من الآية العظيمة. وإنما قدّمت قصة الأمر بذبح البقرة على ذكر القتيل لأنه لو عمل على عكسه لكانت قصة واحدة، ولذهب الغرض في تثنية التقريع. ولقد روعيت نكتة بعد ما استؤنفت الثانية استئناف قصة برأسها أن وصلت بالأولى، دلالة على اتحادهما بضمير البقرة لا باسمها الصريح في قوله:(اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها)؛ حتى تبين أنهما قصتان فيما يرجع إلى التقريع وتثنيته بإخراج الثانية مخرج الاستئناف مع تأخيرها، وأنها قصة واحدة بالضمير الراجع إلى البقرة.

[(ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) 74].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وإنما قدمت قصة الأمر بذبح البقرة) هو الجواب، والسابق كالمقدمة والتمهيد له لئلا يلزم التكرار.

قوله: (ولقد روعيت) عطف على قوله "قدمت"، وقوله:"أن وصلت" بدل من "نكتة".

وقوله: (بضمير البقرة) متعلق "بوصلت"، و"دلالة": مفعول له لقوله: "أن وصلت" قدم المفعول له على متعلق الفعل للاهتمام، وإنما جيء بقوله:"ولقد روعيت" بلام القسم ليؤكد به ما قصده في الجواب، يريد: الذي يؤكد ما ذهبنا إليه من جعل القصة الواحدة قصتين اعتبار العائد، وإليه الإشارة بقوله:"حتى يتبين أنهما قصتان فيما يرجع إلى التقريع" إلى آخره.

فإن قلت: اسم البقرة كالضمير في الاتصال، بل هو أشد اتصالاً منه إذا جيء به معرفاً باللام؛ لأن المعرف باللام إذا أعيد كان عين الأول.

قلت: نعم، لكن الربط بالمضمر ألصق لاستقلال المظهر.

ص: 540

معنى (ثُمَّ قَسَتْ): استبعاد القسوة من بعد ما ذكر مما يوجب لين القلوب ورقتها ونحوه: (ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ)[الأنعام: 2].

وصفة القلوب بالقسوة والغلظ مثل لنبوّها عن الاعتبار وأنّ المواعظ لا تؤثر فيها. وذلِكَ إشارة إلى إحياء القتيل، أو إلى جميع ما تقدّم من الآيات المعدودة (فَهِيَ كَالْحِجارَةِ): فهي في قسوتها مثل الحجارة (أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً) منها، و (أشد) معطوف على الكاف، إما على معنى أو مثل أشد قسوة، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. وتعضده قراءة الأعمش بنصب الدال عطفاً على الحجارة. وإما على: أو هي أنفسها أشدّ قسوة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (معنى (ثُمَّ قَسَتْ) استبعاد) يعني: ثم موضوعة للتراخي في الزمان، وهنا مجاز للاستبعاد؛ لأن قسوة قلوبهم لم تتجدد بعد زمان، فهو نحو قولك لصاحبك: وجدت مثل تلك الفرصة ثم لم تنتهزها! يعني: يبعد من العاقل ارتكاب هذا المحذور بعد حصول ما ينافيه، ويقلعه من الآيات البينات المذكورة فيما سبق.

قوله: (مثل لنبوها عن الاعتبار) أي: قست قلوبهم: استعارة تبعية واقعة على سبيل التمثيل، شبهت حالة قلوبهم، وهي نبوها عن الاعتبار، بحالة قسوة الحجارة في أنها لا يجدي فيها لطف العمل.

قوله: (بنصب الدال) أي: بفتحها؛ لأنه مجرور، قال الزجاج: من قرأ (أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً) بالرفع فعلى: أو هي في نفسها أشد قسوة، ومن نصب فهو خفض في الأصل بمعنى الكاف، و"أشد" أفعل لا ينصرف، وهو نعت ففتح، وهو في موضع جر.

قوله: (وإما على: أو هي في نفسها أشد) يعني: (أَشَدُّ) مرفوع، وهو عطف على

ص: 541

والمعنى: أن من عرف حالها شبهها بالحجارة، أو بجوهر أقسى منها وهو الحديد مثلاً. أو من عرفها شبهها بالحجارة، أو قال: هي أقسى من الحجارة. فإن قلت: لم قيل: أشد قسوة، وفعل القسوة مما يخرج منه أفعل التفضيل وفعل التعجب؟ قلت: لكونه أبين وأدلّ على فرط القسوة. ووجه آخر، وهو أن لا يقصد معنى الأقسى، .........

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الكاف، إما على تقدير مثل، ومعنى قراءة الأعمش سواء في أن المراد قلوبهم مشبهة بجواهر أقسى من الحجارة، أو لا يقدر الشيء، فيكون المعنى: هي أقسى من الحجارة فلا يكون تشبيهاً، ولذلك قال:"أو قال"، ففي الكلام لف ونشر.

قوله: (والمعنى أن من عرف حالها شبهها) إلى آخره. وإنما أخرج الكلام مخرج الشرطية ليؤذن بأن مرجع الشك إلى الناس؛ لأن الله تعالى لا يشك، كقوله تعالى:(وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ)[الصافات: 147]. ولو حمل "أو" على معنى "بل" نحو ما أنشده الجوهري:

بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى

وصورتها أو أنت في العين أملح

كان أحسن التئاماً مع قوله: (وَإِنَّ مِنْ الْحِجَارَةِ) الآية [البقرة: 74]، من التردد في التشبيه. وكيف وقد قال هو:"تقرير لقوله (أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً) "؟

قوله: (وهو أن لا يقصد معنى الأقسى)، اعلم أن الأصل في "أفعل" التفضيل أن يبنى من ثلاثي مجرد ليس بلون ولا عيب، وإذا قصد ذلك فيما ليس كذلك توصل بمثل أشد ضرورة، ولا ضرورة في الآية إلى التوصل به لاستقامة بيانه من القسوة. ولابد في هذا الإطناب في كلام الله المجيد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه من فائدة، وهي: إما أن يجاء به لمزيد البيان والتوضيح، وإليه أشار بقوله:"لكونه أبين وأدل على فرط القسوة"،

ص: 542

ولكن قصد وصف القسوة بالشدة، كأنه قيل: اشتدت قسوة الحجارة، وقلوبهم أشدّ قسوة. وقرئ: قساوة. وترك ضمير المفضل عليه لعدم الإلباس، كقولك: زيد كريم وعمرو أكرم.

وقوله (وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ): بيان لفضل قلوبهم على الحجارة في شدّة القسوة، وتقرير لقوله:(أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً). وقرئ «وإن» بالتخفيف، وهي «إن» المخففة من الثقيلة التي تلزمها اللام الفارقة. ومنها قوله تعالى:(وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ)[يس: 32]. والتفجر: التفتح بالسعة والكثرة. وقرأ مالك بن دينار (ينفجر) بالنون. يَشَّقَّقُ يتشقق. وبه قرأ الأعمش ......

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وإما أن يقصد معنى الاشتراك في الشدة نفسها، والتأويل بما قال:"اشتدت قسوة الحجارة وقلوبهم أشد قسوة"، فظهر أن إتيان "أشد" في قولك: ما أشد حمرته! لمجرد التوصل إلى البناء، فلا يكون مقصوداً بالذات، بخلافه في الآية، فإنه مقصود بذاته، ولذلك قال:"لا يقصد معنى الأقسى، لكن قصد وصف القسوة بالشد"، ويندفع بهذا إيراد صاحب "التقريب": في قوله: "اشتدت قسوة الحجارة وقلوبهم أشد قسوة" نظر؛ لأن أشد لو كان محمولاً على القسوة أفاد هذا، ولكنه محمول على القلوب، فيفيد أن قلوبهم أشد قسوة لا أن قسوتها أشد قسوة، وإن أراد أنهما اشتركا في شدة القسوة، وهي أزيد في الشدة، فلا يفيده هذا اللفظ، لأن معناه: أن قسوتها أشد، لا أن شدة قسوتها أزيد، وإنما كان يفيده لو قال: فهي أزيد شدة قسوة.

قوله: ((وَإِنَّ مِنْ الْحِجَارَةِ) بيان لفضل قلوبهم على الحجارة)، فالواو في قوله:(وَإِنَّ مِنْ الْحِجَارَةِ) عطفت البيان على المبين، والأولى أنها استئنافية، والجملة كما هي مذيلة للتشبيه كقوله تعالى:(وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً)[النساء: 125]، والدليل على كونها مذيلة قوله:"وتقرير"؛ لأن المذيلة كالمعترضة مؤكدة، وسيجيء في "الأنعام" أن التأكيد أيضاً نوع بيان، ويجوز أن تكون الواو للحال من الحجارة في قوله:"كالحجارة"، أو من المقدرة في قوله:(أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً) وهو منها.

ص: 543

والمعنى: إنّ من الحجارة ما فيه خروق واسعة يتدفق منها الماء الكثير الغزير، ومنها ما ينشق انشقاقا بالطول أو بالعرض فينبع منه الماء أيضا يَهْبِطُ يتردّى من أعلى الجبل. وقرئ بضم الباء. والخشية مجاز عن انقيادها لأمر اللَّه تعالى، وأنها لا تمتنع على ما يريد فيها، وقلوب هؤلاء لا تنقاد ولا تفعل ما أمرت به. وقرئ (تَعْمَلُونَ) بالياء والتاء، وهو وعيدٌ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (والمعنى: إن من الحجارة ما فيه خروق واسعة) إلى آخره، فيه على ما فسر معنى التتميم دون الترقي، ليكون على وزان قوله تعالى:(الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)[الفاتحة: 3] إذ لو أريد الترقي لقيل: إن منها لما يشقق فيخرج منه الماء، وإن منها لما يتفجر منه الأنهار. وفائدته: استيعاب جميع الانفعالات التي على خلاف طبيعة هذا الجوهر، وهو أبلغ من الترقي. نعم، الترقي من قوله:(لَمَا يَتَفَجَّرُ) إلى آخره إلى قوله: (وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ) تتميم للتتميم.

قوله: (وأنها لا تمتنع) إلى آخره: عطف على سبيل التفسير على قوله: "مجاز عن انقيادها لأمر الله، يعني: أثبت للحجارة الخشية على سبيل المجاز لفائدتين: إحداهما: التصريح في المبالغة في كونها منقادة لأمر الله، وثانيتهما: التعريض بأن قلوب هؤلاء لا تنقاد البتة.

قوله: (من خشية الله يتعلق بالكل)، أي: كل ذلك من خشية الله.

قوله: (وقرئ (تَعْمَلُونَ) بالياء والتاء). ابن كثير ونافع ويعقوب وأبو عمرو: بالتاء الفوقانية، والباقون: بالياء.

ص: 544

[(أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ* وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ قالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ* أَوَ لا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ)].

(أَفَتَطْمَعُونَ): الخطاب لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ أن يحدثوا الإيمان لأجل دعوتكم ويستجيبوا لكم، كقوله:(فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ)[العنكبوت: 26]، يعنى اليهود، (وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ): طائفة فيمن سلف منهم يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ وهو ما يتلونه من التوراة (ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ) كما حرّفوا صفة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وآية الرّجم، وقيل كان قوم من السبعين المختارين سمعوا كلام اللَّه حين كلم .........

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: ((أَفَتَطْمَعُونَ) الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم. الراغب: الطمع: نزوع النفس إلى الشيء بشهوة له، يقال: طمعت طمعاً وطماعية فهو طمع وطامع، ولما كان أكثر الطمع من جهة الهوى، قيل: الطمع طبع، والطمع يدنس الإهاب.

قوله: (وآية الرجم). روينا عن البخاري ومسلم ومالك وأبي داود والترمذي، عن ابن عمر: أتي النبي صلى الله عليه وسلم برجل وامرأة من اليهود قد زنيا، فقال لليهود:"ما تصنعون بهما؟ " قالوا: نسخم وجوههما ونخزيهما، قال:"فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين" فجاؤوا بها، فقالوا لرجل ممن يرضون أعور: اقرأ، فقرأ حتى انتهى إلى موضع منها، فوضع يده عليه، قال صلى الله عليه وسلم:"ارفع يدك" فرفع يده فإذا فيه آية الرجم، فقال: يا محمد، إن عليهما الرجم، ولكنا نكاتمه بيننا". الحديث.

قوله: (وقيل: كان قوم) عطف من حيث المعنى على قوله: "طائفة"، وعلى الأول معنى

ص: 545

موسى بالطور وما أمر به ونهى، ثم قالوا: سمعنا اللَّه يقول في آخره: إن استطعتم أن تفعلوا هذه الأشياء فافعلوا، وإن شئتم فلا تفعلوا فلا بأس. وقرئ: كلم اللَّه، مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ من بعد ما فهموه وضبطوه بعقولهم ولم تبق لهم شبهة في صحته (وَهُمْ يَعْلَمُونَ) أنهم كاذبون مفترون. والمعنى: إن كفر هؤلاء وحرّفوا فلهم سابقة في ذلك. وَإِذا لَقُوا يعنى اليهود (قالُوا): قال منافقوهم (آمَنَّا) بأنكم على الحق، وأنّ محمدا هو الرسول المبشر به (وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ): الذين لم ينافقوا إِلى بَعْضٍ الذين نافقوا قالُوا عاتبين عليهم (أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ) بما بين لكم في التوراة من صفة محمد. أو قال المنافقون لأعقابهم يرونهم التصلب في دينهم: (أتحدّثونهم)؛ إنكارا عليهم أن يفتحوا عليهم شيئا في كتابهم فينافقون المؤمنين وينافقون اليهود

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

التحريف: التغيير والتبديل، وعلى الثاني: إثبات ما ليس في الكتاب وكتمان ما هو ثابت فيه كما قال في تفسير قوله: (وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ)[البقرة: 42].

قوله: ((وَإِذَا لَقُوا) يعني: اليهود) أي: جماعة اليهود، منافقيهم وغير منافقيهم، ثم خص بقوله:(قَالُوا آمَنَّا) المنافقين منهم بهذا القول، وعلم من المفهوم أن غير المنافقين كانوا ساكتين حينئذ، وإليه الإشارة بقوله:"قال منافقوهم: آمنا"، قال تعالى:(وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ)[البقرة: 76] يعني تلك الجماعة: المنافقين وغير المنافقين، ثم خص بقوله:(قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ) غير المنافقين منهم بهذا القول، أي: قال الذين لم ينافقوا عاتبين على الذين نافقوا: أتحدثونهم، فعلم أن المنافقين كانوا معاتبين ساكتين، ويجوز على هذا أن يراد بالمعاتبين المنافقون أنفسهم، فإنهم كانوا يعاتبون بقاياهم ينافقون المؤمنين وينافقون اليهود.

قيل: قوله: "أو قال المنافقون" عطف على قوله: "قال منافقوهم"، والظاهر أنه عطف على "قالوا عاتبين"، والأوفق لتأليف النظم أن يحمل اليهود في قول المصنف: " (وَإِذَا لَقُوا)

ص: 546

(لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ): ليحتجوا عليكم بما أنزل ربكم في كتابه، ........

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يعني اليهود" على الفريق المحرفين منهم، فيكون الضمير في "لقوا" راجعاً إلى قوله تعالى: (وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ)[البقرة: 75] لأنه قسيم لقوله: (وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ)[البقرة: 78] كما سيجيء، ولأن قولهم:(أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ) لا يليق إلا بمن عقل الكتاب لا بالعامي، وينصره ما روى محيي السنة عن ابن عباس والحسن وقتادة:(وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا) يعني منافقي اليهود الذين آمنوا بألسنتهم، إذا لقوا المؤمنين المخلصين (قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلا) رجع (بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ) ككعب بن الأشرف وكعب بن أسيد ورؤساء اليهود، لاموهم على ذلك (قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ): بما قضى الله عليكم في كتابكم أن محمداً حق وقوله صدق.

الانتصاف: يوضح اختلاف الضميرين المذكورين قوله تعالى: (وَإِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ)[البقرة: 232]، الضمير الأول للأزواج، والثاني للأولياء لشمول الخطاب.

قوله: (بما أنزل ربكم في كتابه). قيل: إن المصنف جعل (عِنْدَ رَبِّكُمْ) بدلاً من قوله: به؛ لأن ما فتح الله وما أنزل ربكم في كتابه بمعنى واحد.

وقلت: بل قوله: "بما أنزل ربكم في كتابه" تفسير للآية وتلخيص معناها، فلا يكون بدلاً ولا متعلقاً بقوله:(لِيُحَاجُّوكُمْ). قال صاحب التقريب: "عند" حال من المجرور في "به"، أو

ص: 547

جعلوا محاجتهم به، وقولهم هو في كتابكم هكذا محاجة عند اللَّه. ألا تراك تقول: هو في كتاب اللَّه هكذا. وهو عند اللَّه هكذا، بمعنى واحد (يَعْلَمُ) جميع (ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ)، ومن ذلك إسرارهم الكفر وإعلانهم الإيمان.

[(وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلاَّ أَمانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ* فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ)].

(وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ) لا يحسنون الكتب فيطالعوا التوراة ويتحققوا ما فيها (لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ): التوراة (إِلَّا أَمانِيَّ): إلا ما هم عليه من أمانيهم،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

متعلق بـ "يحاجوكم" إن أريد بـ "عند ربكم" يوم القيامة. وقال القاضي: في الثاني نظر؛ لأن الإخفاء لا يدفعه.

قوله: (جعلوا محاجتهم به) أي: جعل اليهود محاجة المسلمين بما فتح الله عليهم محاجة عند الله. يعني إذا قال المسلمون: "هو في كتابكم هكذا"، كأنهم قالوا:"هو عند الله كذا" وهما بمعنى واحد من حيث المؤدى لا المبالغة؛ لأن الثاني أبلغ لأنك فيه تصحح أن ما في الكتاب ثبت وصح، وأنه كلام الله ونازل من عنده، فالحكم به كالحكم بين يدي الله. وروي عن الأنباري أنه قال:(عِنْدَ رَبِّكُمْ) معناه: في حكم ربكم، كما تقول: هذا حلال عند أبي حنيفة، أي: في حكمه، والمعنى: ليكون لهم حجة عند الله في الدنيا والآخرة.

قوله: ((أُمِّيُّونَ) لا يحسنون الكتب)، قال الزجاج: أمي منسوب إلى ما عليه جبلة أمه، أي: لا يكتب، فهو في أنه لا يكتب على ما ولد عليه.

ص: 548

وأن اللَّه يعفو عنهم ويرحمهم ولا يؤاخذهم بخطاياهم، وأن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم وما تمنيهم أحبارهم من أنّ النار لا تمسهم إلا أياما معدودة. وقيل: إلا أكاذيب مختلفة سمعوها من علمائهم فتقبلوها على التقليد. قال أعرابى لابن دأب في شيء حدث به: أهذا شيء رويته، أم تمنيته، أم اختلقته وقيل: إلا ما يقرؤن من قوله:

تَمَنَّى كِتَابَ اللَّهِ أَوَّلَ لَيْلَهِ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قال صاحب "النهاية": وفي الحديث: "إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب"، أراد أنهم على أصل ولادة أمهم أنهم لم يتعلموا الكتابة والحساب.

قوله: (وأن الله يعفو عنهم) إلى آخره: عطف تفسيري بيان لقوله: "من أمانيهم".

قوله: (وقيل: إلا ما يقرؤون). فإن قلت: إلا ما يقرؤون كيف يناسب قوله: (أُمِّيُّونَ)؟ قلت: إن الأمي ربما قدر على قراءة ما، كما أنه يقدر على كتابة. وروينا عن البخاري ومسلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الصلح، أخذ الكتاب وليس يحسن يكتب، فكتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله. وهذا القدر لا يقدح في التسمية بالأمي، ولهذا قال المصنف:"أميون لا يحسنون الكتب فيطالعوا التوراة ويتحققوا ما فيها".

ص: 549

والاشتقاق من منى إذا قدّر، لأن المتمنى يقدّر في نفسه ويحزر ما يتمناه، وكذلك المختلق والقارئ يقدر أن كلمة كذا بعد كذا. و (إلا أمانىّ) من الاستثناء المنقطع. وقرئ:(أمانى) بالتخفيف. ذكر العلماء الذين عاندوا بالتحريف مع العلم والاستيقان، ثم العوامّ الذين قلدوهم، ونبه على أنهم في الضلال سواء، لأن العالم عليه أن يعمل بعلمه، وعلى العامي أن لا يرضى بالتقليد والظن وهو متمكن من العلم. (يَكْتُبُونَ الْكِتابَ) المحرّف (بِأَيْدِيهِمْ) تأكيد، وهو من محاز التأكيد، كما تقول لمن ينكر معرفة ما كتبه: يا هذا كتبته بيمينك هذه. مِمَّا يَكْسِبُونَ من الرُّشا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (من الاستثناء المنقطع). فإن قلت: لم لا يجوز أن يقدر ليعلمون مفعولاً ثانياً، فيكون متصلاً؟

قلت: لا يجوز؛ لأن قوله: (لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ) بيان لقوله: (وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ)، أي: أميون لا معرفة لهم بالكتاب.

قوله: (العلماء الذين عاندوا) شروع في بيان نظم الآيات. يعني: أن الله تعالى أنكر على المسلمين طمعهم في إيمان اليهود بقوله: (أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ)[البقرة: 75]، ثم قسمهم فرقتين بعثاً على رفع الطمع عنهم، لكونهما في الضلال سواء: الفرقة الأولى: العلماء الذين عاندوا وحرفوا مع العلم والاستيقان، وهو المراد بقوله تعالى:(وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ)[البقرة: 75]، والفرقة الأخرى: العوام الذين قلدوهم، وهو المراد بقوله:(وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ)[البقرة: 78]، ثم نبه على التعليل لرفع الطمع بقوله:(أَفَلا تَعْقِلُونَ).

وقوله: (وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ) يعني لا يطمع في أحد منهم، لأنهم في الضلال سواء، ويجوز أن يجعل الضمير في "يظنون" للفريقين، فنفى عن العلماء العلم في قوله:"أو لا يعلمون" على

ص: 550

[(وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ* بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ* وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ)].

(إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً): أربعين يوماً عدد أيام عبادة العجل. وعن مجاهد: كانوا يقولون مدّة الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما نعذب مكان كل ألف سنة يوما. (فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ) متعلق بمحذوف تقديره: إن اتخذتم عند اللَّه عهدا فلن يخلف اللَّه عهده .......

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

سبيل الإنكار حيث لم يعملوا بموجبه، وعن المقلدين بقوله:(لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ)، ثم حكم أنهم في الظن المؤدي إلى الضلال سواء كقوله:(إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ)[الأنعام: 116]، وعليه ورد كلام القاضي: قد يطلق الظن بإزاء العلم على كل رأي واعتقاد من غير قاطع، وإن جزم به صاحبه، كاعتقاد المقلد والزائغ عن الحق لشبهة، فعلى هذا في الآيات جمع وتقسيم، ثم جمع: جمع الفريقين في قوله: (أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ) ثم قسمهم فريقين: علماء ومقلدين، ثم جمعهم في "يظنون".

قوله: (متعلق بمحذوف تقديره: إن اتخذتم عند الله عهداً) فاعلموا أن الله لن يخلف عهده، فالجملة الشرطية معترضة، والأصل: أأتخذتم عند الله عهداً أم تقولون على الله ما لا تعلمون؟ ! ويمكن أن تكون الفاء سببية، ليكون اتخاذ العهد مرتباً عليه عدم إخلاف الله عهده، فالمنكر إذن المجموع؛ لأنهم لما قالوا:(لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُودَةً) أنكر عليهم هذا القول، يعني: هذا الذي تقولونه لا يكون إلا بأن عاهدتم الله عليه، فهو لا يخلف وعده، ويؤيده إعادة "لن".

ص: 551

(وأَمْ) إمّا أن تكون معادلة بمعنى أى الأمرين كائن على سبيل التقرير، لأن العلم واقع بكون أحدهما. ويجوز أن تكون منقطعة بَلى إثبات لما بعد حرف النفي وهو قوله:(لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ) أى بلى تمسكم أبدا، بدليل قوله:(هُمْ فِيها خالِدُونَ). (مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً) من السيئات، يعنى كبيرة من الكبائر، (وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ) تلك واستولت عليه، كما يحيط العدوّ ولم يتفص عنها بالتوبة. وقرئ:(خطاياه)، ......

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (و (أَمْ) إما أن تكون معادلة بمعنى: أي الأمرين كائن)، وهي "أم" المتصلة، ومعنى الاتصال أن تكون معادلة للهمزة، وقرينة لها وتجريا مجرى "أي" فقولك: أزيد عندك أم عمرو؟ بمنزلة: أيهما عندك؟ والمنقطعة تكون بمعنى الهمزة وبل، كقولك: إنها لإبل أم شاء؟ فكأنه حين أخبر أنها لإبل، اعتراه شك، فأخذ يسأل، وأضرب عن الإخبار، فقال: بل هي شاء، فكأنه تعالى أضرب عن الإنكار السابق، واستأنف إنكاراً آخر أبلغ منه.

قوله: (بكون آخرهما)، ويروى: أحدهما، والأول أصح في نسخة المعزي، و"آخرهما" هو قوله:(أَمْ تَقُولُونَ) لكون الاستفهام للتقرير، ولأن العلم تعليل للتقرير، وهذا القول كان مسموعاً منهم، وأما اتخاذهم عند الله عهداً فلا.

قوله: (ولم يتفص) أي: لم يتخلص بالتوبة. هذا مذهبه. قال القاضي: أي: الخطيئة استولت عليه وشملت جملة أحواله حتى صار كالمحاط بها لا يخلو عنها شيء من جوانبه، وهذا إنما يصح في شأن الكافر؛ لأن غيره إن لم يكن له سوى تصديق قلبه وإقرار لسانه فلم تحط الخطيئة به، ولذلك فسرها السلف بالكفر. وتحقيق ذلك: أن من أذنب ذنباً ولم يقلع عنه استجره إلى معاودة مثله والانهماك فيه وارتكاب ما هو أكبر منه، حتى تستولي عليه الذنوب وتأخذ بمجامع قلبه، فيصير بطبعه مائلاً إلى المعاصي، مستحسناً إياها، معتقداً أن لا لذة سواها،

ص: 552

و (خطيئاته). وقيل في الإحاطة: كان ذنبه أغلب من طاعته. وسأل رجل الحسن عن الخطيئة قال: سبحان اللَّه: ألا أراك ذا لحية وما تدرى ما الخطيئة!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مبغضاً لمن يمنعه عنها، مكذباً لمن ينصحه فيها، كما قال تعالى:(ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوءَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ)[الروم: 10].

قلت: وما يعضد قول السلف الصالح أن الآية وردت لرد زعم اليهود بأن النار لن تمسهم إلا أياماً معدودة وإثبات الوعيد بالخلود في النار، فجيء بها عاماً ليدخلوا فيه دخولاً أولياً، ثم أردفت بما هي مقابلة لمعناها، وهي وصف المؤمنين، وختمت بذكر الخلود، وذلك قوله تعالى:(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)[البقرة: 82] وهو عطف على قوله: (مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً)[البقرة: 81]، وغير معنى الشرطية فيها إلى الثبوت الصرف لترجيح جانب الرحمة.

قال السجاوندي: تقول: من دخل داري فأكرمه، دخول الفاء يقتضي إكرام كل من دخل لكن على خطر أن لا يكرم، وفي الذي دخل مع الفاء يكرم حقيقة، فلذلك قال:(مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً) و (الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ

فَلَهُمْ) [البقرة: 274] فيما لا يكون.

قوله: (كان ذنبه أغلب من طاعته) هذا أيضاً مبني على مذهبه والقول بالموازنة والإحباط، وقد سبق إبطاله.

قوله: (سبحان الله، ألا أراك ذا لحية)، تعجب منه ومن سؤاله، يعني: بلغت مبلغ الكمال وأنت ناقص لم تعلم ما وجب عليك تعلمه.

ص: 553

انظر في المصحف فكل آية نهى فيها اللَّه عنها وأخبرك أنه من عمل بها أدخله النار فهي الخطيئة المحيطة.

[(وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ) 83].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (فهي الخطيئة المحيطة)، الضمير راجع إلى ما يرجع الضمير في "عنها" غليها، وهي الخطيئة المقيدة، والضمير في "أنه" للشأن.

والخطيئة والسيئة متقاربتان، غلا أن الخطيئة أكثر ما تستعمل فيما لا يكون مقصوداً إليه في نفسه، بل يكون القصد إلى شيء آخر لكن تولد منه ذلك الفعل، كمن يرمي صيداً فأصاب إنساناً، أو شرب مسكراً فجنى جناية، وفي "الأساس": أخطأ في المسألة وفي الرأي، وخطئ خطأ عظيماً؛ إذا تعمد الذنب، ويقال: لأن تخطئ في العلم خير من أن تخطئ في الدين، وقيل: هما واحد.

الراغب: الخطيئة والسيئة يتقاربان، لكن الخطيئة أكثر ما تقال فيما لا يكون مقصوداً إليه في نفسه، بل يكون القصد سبباً لتولد ذلك الفعل كمن يرمي صيداً وأصاب إنساناً، أو شرب مسكراً فجنى في سكره جناية. ثم السبب سببان: سبب محظور كشرب المسكر وما يتولد من الخطأ عنه غير متجاف عنه، قال تعالى:(وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَاتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ)[الأحزاب: 5]. فالخطيئة هنا هي التي لا تكون عن قصد إلى فعله، وقوله تعالى:(نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ)[البقرة: 58] فهي المقصود إليها. والخاطئ هو القاصد للذنب وعلى قوله تعالى: (لا يَاكُلُهُ إِلاَّ الْخَاطِئُونَ)[الحاقة: 37]، وقد سمى الذنب خاطئة في قوله تعالى:(وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ)[الحاقة: 9] أي: الذنب العظيم، نحو قولهم: شعر شاعر.

ص: 554

(لا تَعْبُدُونَ): إخبار في معنى النهى، كما تقول: تذهب إلى فلان تقول له كذا، تريد الأمر، وهو أبلغ من صريح الأمر والنهى، لأنه كأنه سورع إلى الامتثال والانتهاء، فهو يخبر عنه وتنصره قراءة عبد اللَّه وأبىّ (لا تعبدوا) ولا بدّ من إرادة القول، ويدل عليه أيضاً قوله:(وَقُولُوا).

وقوله (وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً) إما أن يقدّر: وتحسنون بالوالدين إحسانا. أو وأحسنوا. وقيل: هو جواب قوله: (أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ) إجراء له مجرى القسم، كأنه قيل: وإذ أقسمنا عليهم لا تعبدون. وقيل: معناه أن لا تعبدوا، فلما حذفت «أن» رفع، كقوله: .......

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ويدل عليه أيضاً) أي: على أن الإخبار في معنى النهي، عطف قوله:"قولوا" عليه وهو أمر؛ لأن المناسب أن يعطف إنشائي على إنشائي أو ما في معناه.

قوله: (وإذ أقسمنا عليهم لا تعبدون)، قال أبو البقاء: في إعراب (لا تَعْبُدُونَ) وجوه: أحدها: أنه جواب قسم دل عليه المعنى، أي: أحلفناهم أو قلنا لهم: بالله لا تعبدون، وثانيها: أن مراده أي: أخذنا ميثاق بني إسرائيل على أن لا تعبدوا إلا الله، فحذف حرف الجر ثم حذف "أن" فارتفع الفعل، وثالثها: نصب على الحال، أي: أخذنا ميثاقهم موحدين، وهي حال مصاحبة ومقدرة لأنهم كانوا وقت أخذ ميثاقهم موحدين، والتزموا الدوام على التوحيد، ولو جعلتها حالاً مصاحبة فقط- على أن يكون التقدير: أخذنا ميثاقهم ملتزمين الإقامة على التوحيد- جاز، ولو جعلتها حالاً مقدرة- على أن يكون التقدير: أخذنا ميثاقهم مقدرين التوحيد أبداً ما عاشوا- جاز، ورابعها: لفظه لفظ الخبر ومعناه النهي.

ص: 555

أَلَا أَيُّهذَا الزّاجِري أَحْضُرَ الوَغَى

ويدل عليه قراءة عبد اللَّه (أن لا تعبدوا)، ويحتمل (أن لا تعبدوا) أن تكون «إن» فيه مفسرة، وأن تكون أن مع الفعل بدلاً عن الميثاق، كأنه قيل: أخذنا ميثاق بنى إسرائيل توحيدهم وقرئ بالتاء حكاية لما خوطبوا به،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى). قائله طرفة، وتمامه:

وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي

الوغى: الصوت. ومنه قيل للحرب: الوغى. والتقدير: أن أحضر الوغى، فلما حذف "أن" حذف أثره. يقولك أيها اللائمي على حضور الحرب وشهود اللذات هل تخلدني إن كففت عنهما؟

الوغى: يكتب بالياء؛ لأن الألف يؤذن أنه مقلوب عن الواو، وليس في الأسماء اسم أوله واو وآخره واو إلا الواو.

قولهك (وأن تكون أن مع الفعل بدلاً عن الميثاق)، و"أن" على هذا: ناصبة، فتجعل الجملة كما هي عبارة عن معنى التوحيد؛ لأن معنى قوله:"ألا تعبدوا إلا الله" التوحيد، وهذا البدل ليس في حكم المنحى لقوله:"ميثاق بني إسرائيل توحيدهم".

قوله: (وقرئ بالتاء)، قرأها ابن عامر، وأبو عمرو، ونافع، وعاصم، وابن كثير، وقرأ حمزة والكسائي بالياء؛ لأن بني إسرائيل اسم ظاهر، والأسماء الظاهرة كلها غيب.

ص: 556

وبالياء لأنهم غيب. (حُسْناً) قولاً هو حسن في نفسه؛ لإفراط حسنه. وقرئ (حسنا). و (حسنى) على المصدر كبشرى. (ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ) على طريقه الالتفات أى توليتم عن الميثاق ورفضتموه، (إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ):

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (هو حسن في نفسه لإفراط حسنه) يريد أن "حسنا" مصدر وصف به للمبالغة نحو: رجل عدل. قال الواحدي: الحسن لغة في الحسن كالرَّشَدِ والرُّشد.

قوله: (وقرئ حسناً)، قرأ حمزة والكسائي "حسناً" بالفتح، والباقون: بالضم، وأما "حسنى" فشاذة.

قوله: (وحسنى على المصدر كبشرى) كأنه رد لقول الزجاج؛ لأنه قال: أما حسنى فخطأ لا ينبغي أن يقرأ به، ونحو باب الأفعل والفعلى لا يستعمل إلا بالألف واللام كقوله تعالى:(إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى)[الأنبياء: 101].

قال القاضي: والمراد بقوله: (حُسْناً): ما فيه تخلق وإرشاد؛ لأن المتكلم إما أن يتكلم من جهة نفسه فينبغي أن لا يصدر منه إلا ما يدخل تحت مكارم الأخلاق، وإما من جهة مخاطبه فكذا ينبغي أن لا يتكلم إلا بما يرشده إلى طريق الحق والصراط المستقيم.

قوله: ((ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ) على طريقة الالتفات)، وهو من الغيبة في قوله:(أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ) إلى الخطاب، والفائدة التأنيب والتوبيخ، استحضرهم فوبخهم.

ص: 557

قيل: هم الذين أسلموا منهم (وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ): وأنتم قومٌ عادتكم الإعراض عن المواثيق، والتولية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (قيل: هم الذين أسلموا منهم). قال القاضي: لعل الخطاب مع الموجودين منهم في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ومن قبلهم على التغليب.

وقلت: فالأوفق أن يقال: إن أصل الكلام: "ثم تولوا وهم معرضون"، لقوله:(وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ)، أي: اذكر وقت أخذنا ميثاق بني إسرائيل، وتوليهم وإعراضهم عن ذلك، فعدل إلى خطاب الموجودين منهم تغليباً، وإشعاراً بأن التولي الذي حصل منهم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ليس ببدع منهم؛ لأنه دأبهم ودأب أسلافهم، فلا يكون في الكلام التفات، ولا يصح أن يكون حالاً كما في قوله:(ثُمَّ اتَّخَذْتُمْ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ)[البقرة: 92].

قوله: (وأنتم قوم عادتكم الإعراض)، يشير إلى أنه من الاعتراض والتذييل كما سيجيء في قوله:(ثُمَّ اتَّخَذْتُمْ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ)[البقرة: 92].

وقيل: لا يجوز أن تكون الواو للحال، لأن التولي والإعراض واحد. ورد بما روى صاحب "التخمير" عن أبي علي: الحال مؤكدة في قوله تعالى: (ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ)[التوبة: 25] لأن في "وليتم" دلالة على أنهم مدبرون.

الراغب: (وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ) حال مؤكدة إذا جعلا شيئاً واحداً، وقيل: إن التولي والإعراض مثل مأخوذ من سلوك الطريق. وإذا اعتبرنا حال سالك المنهج في تركه سلوكاً، فله حالتان: إحداهما: أن يرجع عوده على بدئه، وذلك هو التولي، والثانية: أن يترك المنهج ويأخذ في عرض الطريق، والمتولي أقرب أمراً من المعرض، لأنه متى ندم على رجوعه سهل

ص: 558

[(وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ* ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَإِنْ يَاتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ* أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ)].

(لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ): لا يفعل ذلك بعضكم ببعض. جعل غير الرجل نفسه. إذا اتصل به أصلا أو دينا. وقيل: إذا قتل غيره فكأنما قتل نفسه، لأنه يقتص منه (ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ) بالميثاق واعترفتم على أنفسكم بلزومه (وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ) عليها،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عليه العود إلى سلوك المنهج، والمعرض- من حيث ترك المنهج وأخذ في عرض الطريق- يحتاج إلى طلب منهجه، فيعسر عليه العود إليه، وهذا غاية الذم؛ لأنهم جمعوا بين العود عن السلوك، والإعراض عن المسلك. وقيل: إن التولي قد يكون لحاجة تدعو إلى الانصراف مع ثبوت العقد، والإعراض هو الانصراف عن الشيء بالقلب.

قوله: (جعل غير الرجل نفسه) أي: جعل غير الرجل إذا اتصل به من جهة الأصل أو الدين بمنزلة نفسه، ثم نسب إلى نفسه ما كان منسوباً إلى الغير، فهو من باب المجاز بأدنى ملابسة، وقوله:"إذا قتل غيره فكأنما قتل نفسه" من باب إطلاق المسبب على السبب.

ص: 559

كقولك: فلان مقرّ على نفسه بكذا شاهد عليها. وقيل: وأنتم تشهدون اليوم يا معشر اليهود على إقرار أسلافكم بهذا الميثاق (ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ): استبعاد لما أسند اليهم من القتل والإجلاء والعدوان بعد أخذ الميثاق منهم وإقرارهم وشهادتهم. والمعنى ثم أنتم بعد ذلك هؤلاء المشاهدون، يعنى أنكم قوم آخرون غير أولئك المقرّين؛

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (كقولك: فلان مقر على نفسه [بكذا] شاهد عليها). قال القاضي: (وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ)[البقرة: 84] توكيد، كقولك: أقر فلان شاهداً على نفسه.

وقلت: إنه لما قال: أقر فلان، احتمل أنه تكلم بما يلزم منه الإقرار، فأزيل الاحتمال بقوله: شاهداً على نفسه، أي: أقر إقراراً يشبه شهادة من يشهد على غيره بإثبات البينة له.

قوله: (وقيل: وأنتم تشهدون) يعني: وأنتم تشهدون: إما جار على الالتفات السابق على رأي المصنف، والخطاب مع الحاضرين فحسب، وعلى رأي القاضي: هو جار على سنن الخطاب السابق مع اليهود الحاضرين لحضرة الرسالة على التغليب، لكن أخذ الميثاق والإقرار والشهادة من أسلافهم، فخوطبوا به، لكونهم أولادهم، ويجوز أن يخص قوله:(وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ) وحده بالحاضرين، وعلى الأول يجوز أن يكون (وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ) حالاً على سبيل التتميم، وعلى هذا عطف جملة على جملة للإلزام والتبكيت.

قوله: (ثم أنتم بعد ذلك هؤلاء). "ثم" للاستبعاد. يعني: أيها الحاضرون أنتم بعد أخذ الميثاق عليكم، وإقراركم به، وشهادتكم عليه، هؤلاء الناقضون. وكان من حق الظاهر:(ثُمَّ أَنْتُمْ) بعد ذلك التوكيد في الميثاق نقضتم العهد، فتقتلون أنفسكم، وتخرجون فريقاً منكم من ديارهم، أي: صفتكم الآن غير الصفة التي كنتم عليها، فأدخل "هؤلاء" وأوقع خبراً لـ "أنتم" وجعل قوله:(تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ)[البقرة: 85] جملة مبينة مستقلة لتفيد أن الذي تغير هو الذات نفسها، نعياً عليهم بشدة وكادة أخذ الميثاق، ثم تساهلهم فيه وقلة المبالاة به.

ص: 560

تنزيلاً، لتغير الصفة منزلة تغير الذات، كما تقول: رجعت بغير الوجه الذي خرجت به. وقوله (تَقْتُلُونَ) بيان لقوله (ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ)، وقيل: هؤلاء موصول بمعنى الذين. وقرئ: (تظاهرون) بحذف التاء وإدغامها، و (تتظاهرون) بإثباتها،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (رجعت بغير الوجه الذي خرجت به)، يعني: ما أنت بالذي كنت من قبل، وكأنك أذهب بك، وجيء بغيرك، وفي الحديث:"دخل بوجه غادر، وخرج بوجه كافر".

قوله: ((تَقْتُلُونَ) بيان)، كأنه لما قيل:(ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاء) قالوا: كيف نحن؟ فجيء بقوله: (تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ) تفسيراً له.

قوله: (وقيل: (هَؤُلاء) موصول بمعنى: الذين). قال أبو البقاء: ويضعف أن يكون (هَؤُلاء) خبراً بمعنى "الذين" و (تَقْتُلُونَ) صفته؛ لأن مذهب البصريين أن "هؤلاء" لا يكون بمنزلة "الذين"، وأجازه الكوفيون.

قوله: (وقرئ: (تَظَاهَرُونَ)) بحذف التاء وتخفيف الظاء: قرأها عاصم وحمزة والكسائي، و"تظاهرون" بإدغام التاء: الباقون، و"تتظاهرون" و"تظهرون": شاذتان. قال القاضي: "تظاهرون": حال من فاعل "تخرجون"، أو من مفعوله، أو كليهما، والتظاهر: التعاون، من الظهر.

ص: 561

و (تظهرون) بمعنى: تتظهرون، أي: تتعاونون عليهم. وقرئ: (تفدوهم)، و (تفادوهم)، و (أسرى)، و (أسارى).

(وَهُوَ): ضمير الشأن، ويجوز أن يكون مبهما تفسيره (إِخْراجُهُمْ)، (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ) أي: بالفداء (وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ) أي: بالقتال والإجلاء. وذلك أنّ قريظة كانوا حلفاء الأوس، والنضير كانوا خلفاء الخزرج،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وقرئ: "تفدوهم" و (تُفَادُوهُمْ))، والثانية قراءة نافع وعاصم والكسائي، والأولى قراءة الباقين. و"أسرى" لحمزة وحده، و (أُسَارَى) للباقين.

قوله: (ويجوز أن يكون مبهماً، تفسيره: (إِخْرَاجُهُمْ)) كما في قوله تعالى: (إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا)[المؤمنون: 37] هذا الضمير مبهم لا يعلم ما يعنى به إلا بما يتلوه من بيانه، كما تقول: هي العرب تقول ما شاءت.

قال أبو البقاء: يجوز أن يكون هو ضمير الإخراج المدلول عليه بقوله: (وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ)[البقرة: 85] ويكون: "محرم" الخبر، وإخراجهم: بدل من الضمير في "محرم"، أو من هو"، وأن يكون هو ضمير الشأن، و"محرم": خبره، وإخراجهم: مرفوع بـ "محرم"، ويجوز أن يكون إخراجهم مبتدأ، و"محرم" خبر مقدم، والجملة خبر "هو".

قوله: (وذلك أن قريظة كانوا حلفاء)، اعلم أن الذين كانوا نازلين بيثرب فرقتان: اليهود وهما قبيلتان: بنو قريظة والنضير، والمشركون وهما أيضاً قبيلتان: الأوس والخزرج، وكان

ص: 562

فكان كل فريق يقاتل مع حلفائه، وإذا غلبوا خربوا ديارهم وأخرجوهم، وإذا أسر رجل من الفريقين جمعوا له حتى يفدوه. فعيرتهم العرب وقالت كيف تقاتلونهم ثم تفدونهم، فيقولون: أمرنا أن نفديهم وحرم علينا قتالهم، ولكنا نستحيى أن نذل حلفاءنا.

والخزي: قتل بنى قريظة وأسرهم وإجلاء بنى النضير. وقيل الجزية. وإنما ردّ من فعل منهم ذلك إلى أشد العذاب، لأن عصيانه أشدّ. وقرئ:(تردّون) و (تعملون) - بالياء والتاء - (فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ) عذاب الدنيا بنقصان الجزية، ولا ينصرهم أحد بالدفع عنهم. وكذلك عذاب الآخرة.

[(وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً ........

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بينهم- أي: بين الأوس والخزرج- ثارات ومناصبات، فاستحلف الأوس قريظة، والخزرج النضير لنصرتهم على صاحبهم، ولم يكن بين اليهود مخالفة ولا قتال، وإنما كانوا يقاتلون لأجل حلفائهم.

قوله: (وإذا أسر رجل من الفريقين) أي: من بني قريظة والنضير، "جمعوا" أي: كلا الفريقين "حتى يفدوه" من المشركين.

قوله: (فيقولون: أمرنا أن نفديهم). روى محيي السنة عن السدي: أن الله أخذ على بني إسرائيل في "التوراة": أن لا يقتل بعضهم بعضاً، ولا يخرج بعضهم بعضاً من ديارهم، وأيما عبد أو أمة وجدتموه من بني إسرائيل فاشتروه بما قام من ثمنه وأعتقوه.

قوله: (و (تَعْمَلُونَ))، بالياء: نافع وابن كثير وأبو بكر، وبالتاء الفوقانية: الباقون.

ص: 563

كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ* وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً ما يُؤْمِنُونَ* وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ)].

(الْكِتابَ): التوراة آتاه إياها جملة واحدة. ويقال: قفاه إذا أتبعه من القفا. نحو ذنبه، من الذنب. وقفاه به: أتبعه إياه، يعنى: وأرسلنا على أثره الكثير من الرسل، كقوله تعالى:(ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا)[المؤمنون: 44] وهم: يوشع وأشمويل وشمعون وداود وسليمان وشعياً وأرمياً وعزير وحزقيل وإلياس واليسع ويونس وزكريا ويحيى وغيرهم. وقيل (عِيسَى) بالسريانية أيشوع. و (مَرْيَمَ) بمعنى الخادم. وقيل: المريم بالعربية من النساء، كالزير من الرجال. وبه فسر قول رؤبة:

قُلْتُ لِزَيْرٍ لَمْ تَصِلْهُ مَرْيَمُهْ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وأشمويل)، قيل: هو تعريب إسماعيل، وليس به؛ لأن قوله:(وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ)[البقرة: 87] يأباه، اللهم إلا أن يراد أن هذا غير إسماعيل الذي هو ابن إبراهيم عليهما السلام، وهو بعيد أيضاً، لأن أشمويل هذا على ما أورده أبو عبد الله محمد الكسائي في كتاب "المبتدأ": أشمويل بن يام بن حام من ولد هارون عليه السلام، وذكره الله تعالى في قوله:(أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمْ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)[البقرة: 246] والنبي أشمويل، وقال لهم:(هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُوا)[البقرة: 246].

قوله: (قلت لزير لم تصله مريمه)، بعده:

ضليل أهواء الصبا تندمه

ص: 564

ووزن «مريم» عند النحويين «مفعل» لأن فعيلا بفتح الفاء لم يثبت في الأبنية كما ثبت نحو عثير وعليب. (الْبَيِّناتِ): المعجزات الواضحات والحجج، كإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص والإخبار بالمغيبات.

وقرئ: وآيدناه. ومنه: آجده بالجيم إذا قوّاه. يقال: .....

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

القصيدة قالها رؤبة في أبي جعفر الدوانيقي.

قال الجوهري: الزير من الرجال: الذي يحب محادثة النساء ومجالستهن. ومريم: مفعل بفتح الميم وسكون الراء من رامه يريمه ريماً، أي: برحه وفارقه. ومن ثم قيل: مريم للمرأة التي تكثر زيارة الرجال، كأنها سميت بذلك تمليحاً كما يقال: كافور للأسود.

وقال أبو البقاء: ومريم: علم أعجمي، ولو كان مشتقاً من رام يريم، كان مريماً بفتح الميم وسكون الياء، وقد جاء في الأعلام بفتح الياء نحو مزيد، وهو على خلاف القياس.

والضليل بتشديد اللام: مبالغة في الضلال، والتندم بمعنى: الندم، واللام في "لزير" بمعنى لأجل، نحو قوله تعالى:(قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا)[مريم: 73] وضليل: مجرور صفة لزير، وفاعله تندمه على الإسناد المجازي على نحو: نهاره صائم.

قوله: (نحو: عثير)، العثير: هو الغبار، ولا تفتح العين فيه، و"عليب": اسم واد لم يجيء على فعيل بضم الفاء وسكون العين غيره. ويجوز فيه الصرف ومنعه.

قوله: (آجده، بالجيم: إذا قواه)، الأيد والآد: القوة، تقول منه: آيدته على أفعلته، وتقول من الأيد: أيده تأييداً، أي: قواه.

ص: 565

الحمد للَّه الذي آجدني بعد ضعف، وأوجدني بعد فقر. (بِرُوحِ الْقُدُسِ): بالروح المقدّسة، كما تقول: حاتم الجود، ورجل صدق. ووصفها بالقدس كما قال:(وَرُوحٌ مِنْهُ) فوصفه بالاختصاص والتقريب للكرامة. وقيل: لأنه لم تضمه الأصلاب، ولا أرحام الطوامث. وقيل بجبريل. وقيل بالإنجيل كما قال في القرآن:(رُوحاً مِنْ أَمْرِنا)[الشورى: 52]. وقيل: باسم اللَّه الأعظم الذي كان يحيى الموتى بذكره. والمعنى: ولقد آتينا يا بنى إسرائيل أنبياءكم ما آتيناهم َفَكُلَّما جاءَكُمْ ......

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الجوهري: ناقة أجد: إذا كانت قوية موثقة الخلق، وآجدها الله، وهي موجدة القرا، أي: موثقة الظهر.

قوله: (كما تقول: حاتم الجود)، والأصل حاتم الجواد، ثم حاتم الجود. فهو من باب إضافة الموصوف إلى الصفة للمبالغة في الاختصاص، ففي الصفة القدس منسوب إليها، أي: روح مقدسة، وفي الإضافة بالعكس، نحو: مال زيد. قال المصنف في قوله: (عَذَابَ الْخِزْيِ)[فصلت: 16]: أضاف العذاب إلى الخزي على أنه وصف للعذاب كما تقول: فعل السوء، تريد الفعل السيئ.

قوله: (كما قال: (وَرُوحٌ مِنْهُ)[النساء: 171])، التشبيه واقع للمبالغة في الكرامة، أي: فوصفها بالقدس للكرامة، كما وصفه بالاختصاص للكرامة. الفاء في قوله:"فوصفه" تفسيرية، لأنه لا يجوز تشبيه الوصف بالقول ففسره بالوصف ليصح.

قوله: (وقيل: لأنه لم تضمه) عطف من حيث المعنى على قوله: "ووصفها بالقدس"، أي: وصف روح عيسى بالقدس، لمطلق طهارته وبراءته عن الرذائل، وقيل:"لأنه لم تضمه الأصلاب".

ص: 566

رَسُولٌ منهم بالحق (اسْتَكْبَرْتُمْ) عن الإيمان به، فوسط بين الفاء وما تعلقت به همزة التوبيخ والتعجيب من شأنهم. ويجوز أن يريد: ولقد آتيناهم ما آتيناهم ففعلتم ما فعلتم. ثم وبخهم على ذلك. ودخول الفاء لعطفه على المقدّر. فإن قلت: هلا قيل وفريقا قتلتم؟ . قلت: هو على وجهين: أن تراد الحال الماضية، لأنّ الأمر فظيع

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (فوسط بين الفاء وما تعلقت به همزة التوبيخ)، يعني: قوله تعالى: (أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ) مسبب عن قوله: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ)[البقرة: 87]، ولهذا دخلت "الفاء" عليه على تقدير: نحن أنعمنا عليكم ببعثة موسى، وإيتائه الكتاب، ثم أتبعناه الرسل، وبإيتاء عيسى البينات، لتشكروا تلك النعم بالتلقي بالقبول، فعكستم بأن كذبتم فريقاً، وقصدتم قتل آخرين على نحو:(وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ)[الواقعة: 82]، ثم أدخل بين المسبب والسبب همزة التوبيخ والتعجيب لتعكيسهم فيما يجب عليهم.

واعلم أن إدخال الهمزة في أثناء الكلام خلاف الأصل؛ لأن رتبتها صدر الكلام، لكنهم قد يقحمونها للتأكيد، قال أبو البقاء: دخلت "الفاء" ها هنا لتربط ما بعدها بما قبلها، والهمزة للتوبيخ.

وقال الزجاج: الألف في قوله: "أفأنت" في قوله تعالى: (أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنقِذُ مَنْ فِي النَّارِ)[الزمر: 19] جاءت مؤكدة معادة لما طال الكلام؛ لأنه لا يصلح أن تأتي بألف الاستفهام في الاسم وألف أخرى في الخبر.

واعلم أن هذا أصل في العربية وقانون يرجع إليه سيما في هذا "الكتاب"، فإنه قد يكرر فيه هذا المعنى مراراً.

قوله: (ويجوز أن يريد: ولقد آتيناهم) فعلى هذا ما عقبوا الإتيان محذوف وهو قوله:

ص: 567

فأريد استحضاره في النفوس وتصويره في القلوب، وأن يراد: وفريقاً تقتلونهم بعد لأنكم تحومون حول قتل محمد صلى الله عليه وسلم لولا أنى أعصمه منكم. ولذلك سحرتموه، .........

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

"ففعلتم ما فعلتم" فهو كناية عن عين التكذيب والقتل وغير ذلك من قبائحهم وعنادهم. ثم استأنف الكلام موبخاً لهم على ذلك، مصدراً الجملة بهمزة الإنكار قائلاً:(أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ) على تقدير: أكفرتم وخالفتم، فكلما جاءكم رسول. وهو المراد بقوله:"الفاء لعطفه على المقدر" وهو كفرتم. هذا تقدير صاحب "المفتاح". فالهمزة على الوجه الأول مقحمة، وعلى الثاني: لا.

وتلخيصه: أن "الفاء" في قوله: "أفكلما" إما سببية أو عاطفة، فإذا كانت سببية يكون ما بعدها مسبباً عما قبلها على سبيل التعكيس، فلا يجب تقدير مسبب آخر، فتكون الهمزة مقحمة بين السبب والمسبب، وإذا كانت عاطفة فيجب تقدير مسبب عن الإيتاء قبل الهمزة، وتقدير المعطوف عليه بعدها، والوجه هو الأخير لما يحصل منه تنبيه التقريع والتوبيخ إجمالاً وتفصيلاً.

وقيل: المقدر "ففعلتم ما فعلتم". وليس بذلك، ويدفعه "ثم" في قوله:"ثم وبخهم" لأنه يستدعي إنشاء كلام متراخ في المرتبة، والفاء العاطفة تنافيه، ولأن المشار إليه بقوله:"على ذلك" هو "فعلتم ما فعلتم". قال القاضي: الفاء في قوله: (فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ) للسببية أو التفصيل، يعني لقوله:(اسْتَكْبَرْتُمْ)، بمعنى: أنفتم أو تعظمتم من أن تكونوا أتباعاً، لأنهم كانوا متبوعين فآثروا الدنيا على الآخرة أيضاً.

ص: 568

وسممتم له الشاة. وقال صلى الله عليه وسلم عند موته «ما زالت أُكلة خيبر تعادّنى، فهذا أوان قطعت أبهرى» (غُلْفٌ): جمع أغلف،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ما زالت أكلة خيبر تعادني) روينا عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في مرضه الذي مات فيه: "يا عائشة، ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر، وهذا أوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السم" أخرجه البخاري، وليس في الرواية "تعادني".

وفي "النهاية": تعادني وتعاودني، أي: يراجعني أثر سمها في أوقات معدودة.

الجوهري: العداد: اهتياج وجع اللديغ؛ وذلك إذا تمت له سنة مذ يوم لدغ اهتاج به الألم، يقال: عادته اللسعة إذا أتته لعداد، قال الشاعر:

ألاقي من تذكر آل ليلى

كما يلقى السليم من العداد

النهاية: الأبهر: عرق مستبطن القلب، فإذا انقطع لم تبق معه حياة، وقيل: هو عرق منشؤه من الرأس، ويمتد إلى القدم، وله شرايين تتصل بأكثر الأطراف والبدن، فالذي في الرأس منه يسمى النأمة، ويمتد إلى الحلق، فيسمى الوريد، وإلى الصدر، فيسمى الأبهر، وإلى الظهر، فيسمى الوتين، والفؤاد معلق به، وإلى الفخذ، فيسمى النسا، وإلى الساق فيسمى الصافن.

وكان من حديث الشاة المسمومة على ما روينا عن أبي هريرة، أنه قال: لما فتحت خيبر، أهديت لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاة فيها سم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إني سائلكم عن شيء، فهل أنتم صادقي عنه؟ " قالوا: نعم يا أبا القاسم، فقال لهم:"من أبوكم؟ " قالوا: فلان، قال: "كذبتم بل

ص: 569

أي: هي خلقة وجبلة مغشاة بأغطية لا يتوصل إليها ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ولا تفقهه، مستعار من الأغلف الذي لم يختن، كقولهم:(قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه)[فصلت: 5]، ثم ردّ اللَّه أن تكون قلوبهم مخلوقة كذلك لأنها خلقت على الفطرة والتمكن من قبول الحق، بأن اللَّه لعنهم وخذلهم بسبب كفرهم، فهم الذين غلفوا قلوبهم بما أحدثوا من الكفر الزائغ عن الفطرة وتسببوا بذلك لمنع الألطاف التي تكون

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أبوكم فلان"، قالوا: صدقت وبررت، قال: "فهل أنتم صادقي عن شيء إن سألتكم عنه؟ " قالوا: نعم، يا أبا القاسم، وإن كذبناك عرفت كما عرفته في أبينا، وساق الحديث إلى أن قال: "هل جعلتم في هذه الشاة سماً؟ " قالوا: نعم. قال: "فما حملكم على ذلك؟ " قالوا: أردنا إن كنت كاذباً أن نستريح منك، وإن كنت صادقاً لم يضرك" رويناه في "صحيح البخاري".

قوله: (أي: هي خلقة وجبلة مغشاة) مغشاةٌ: خبر "هي"، و"خلقة" و"جبلة" منصوبتان: إما تمييزاً أو حالاً أو ظرفاً.

قوله: (فهم الذين غلفوا قلوبهم بما أحدثوا) إلى آخره فيه إشعار بادعاء التخصيص على ما يقتضيه مذهبه، يعني هم الذين تسببوا بأن غلفوا قلوبهم، لا أنها مخلوقة لله، يدل عليه ادعاؤهم أن قلوبهم مجبولة على الكفر. ورد الله قولهم بقوله:(بَلْ لَعَنَهُمْ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ)[البقرة: 88]. فقوله: "لعنهم الله" على هذا وضع موضع: غلف الله.

والجواب ما ذكره صاحب "الانتصاف": إنما كذبهم في ادعائهم عدم الاستطاعة والتمكن، وإنما هم اختاروا الكفر على الإيمان، فوقع اختيارهم مقارناً بخلق الله إياه في قلوبهم بعد ما أنشأهم على الفطرة إقامة للحجة عليهم.

ص: 570

للمتوقع إيمانهم وللمؤمنين. (فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ): فإيماناً قليلاً يؤمنون، و"ما" مزيدةٌ، وهو إيمانهم ببعض الكتاب. ويجوز أن تكون القلة بمعنى العدم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقلت: في قوله: (بَلْ لَعَنَهُمْ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ) ترق إلى الأغلظ، ورد لقولهم مما ادعوه أبلغ رد، كأنهم قالوا: نحن من الذين ختم الله على قلوبهم، فردوا: بل أنتم مطرودون، وأكفر منهم حيث جعلتم ما هو سبب للإيمان سبباً للكفر قديماً كما قال:(أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُكُمْ اسْتَكْبَرْتُمْ)[البقرة: 87] وحديثاً حيث جاءكم كتاب من عند الله مصدق لما معكم، ورسول كنتم تستفتحون بقدومه على الكفار، فكذبتم بالكتاب وكفرتم بالرسول، فلذلك كرر اللعنة، وجعله تتميماً للآية بقوله:(فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ) وعقبه بقوله: (فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ)[البقرة: 90].

قوله: (و"ما" مزيدة) قال أبو البقاء: "ما" مزيدة و"قليلاً" صفة مصدر محذوف أي: فإيماناً قليلاً ما يؤمنون، وقيل: صفة لظرف، أي: فزماناً قليلاً يؤمنون، ولا يجوز أن تكون "ما" مصدرية لأن "قليلاً" لا يبقى له ناصب. وقيل: نافية، وفيه ضعف لتقدم معمول "ما" في حيز "ما" النافية عليها.

قوله: (بمعنى العدم)، النهاية: هذا اللفظ يستعمل في نفي أصل الشيء كما جاء في الحديث: "أنه كان يقل اللغو" أي: لا يلغو أصلاً. ومنه قول الحماسي:

قليل التشكي .....

أي: عديمه.

ص: 571

وقيل: (غُلْفُ) تخفيف "غُلف" جمع "غِلاف"، أى قلوبنا أوعية للعلم فنحن مستغنون بما عندنا عن غيره. وروى عن أبى عمرو: قلوبنا غلف، بضمتين.

(كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) هو القرآن (مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ) من كتابهم لا يخالفه. وقرئ: (مصدّقا) على الحال. فإن قلت: كيف جاز نصبها عن النكرة؟ قلت: إذا وصف النكرة تخصص فصح انتصاب الحال عنه، وقد وُصِفَ «كِتَابٌ» بقوله «من عند اللَّه». وجواب "لما" محذوفٌ؛ وهو نحو: كذبوا به، واستهانوا بمجيئه، وما أشبه ذلك يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا يستنصرون على المشركين،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وروي عن أبي عمرو: "قلوبنا غلف" بضمتين) وهي شاذة وإن نسبت إلى الإمام.

قوله: (وجواب "لما" محذوف، وهو نحو: كذبوا به واستهانوا بمجيئه وما أشبه ذلك) يعني حذف الجواب ليدل على الإبهام والشيوع. نقل الإمام عن المبرد: أن "لما" الثانية تكرار لطول الكلام، والجواب: كفروا به، كقوله تعالى:(أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَاباً وَعِظَاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ)[المؤمنون: 35] كرر أنكم، والجواب الجملة الشرطية، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به.

وقال أبو البقاء: هذا ضعيف، لأن "لما" لا تجاب بالفاء، إلا أن يذهبوا به مذهب الأخفش في أن الفاء زائدة.

ص: 572

إذا قاتلوهم قالوا: اللهم انصرنا بالنبي المبعوث في آخر الزمان الذي نجد نعته وصفته في التوراة، ويقولون لأعدائهم من المشركين: قد أظل زمان نبىّ يخرج بتصديق ما قلنا فنقتلكم معه قتل عاد وإرم: وقيل معنى (يَسْتَفْتِحُونَ): يفتحون عليهم ويعرفونهم أنّ نبيا يبعث منهم قد قرب أوانه .....

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقلت: والمعنى أيضاً لا يساعد عليه؛ لأن الشرط كلام في شأن الكتاب، والجزاء في شان الرسول، فلا يتطابق الشرط والجزاء.

فإن قلت: نظيره قوله تعالى بعد هذا: (وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ)[البقرة: 101] لأن نبذ الكتاب هو الجزاء، وهو كلام في الكتاب، والشرط كلام في الرسول.

قلت: الفرق ظاهر، لأن ذكر الرسول فيما نحن بصدده وهو قوله:(وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا) تابع لذكر الكتاب، وقيد للفعل، وتتميم للمعنى، فلا يصح أن يمحض الجزاء بذكر الرسول، بخلافه في تلك الآية، فإن ذكر الرسول كالتمهيد لذكر الكتاب، فلذلك استقام "نبذ فريق" أن يكون جزاء، وأما المعنى الذي عليه كلام المصنف. فإن قوله:(وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ) جملة حالية مقررة لجهة الإشكال، "وقد" مقدرة، أي: انظروا إلى عناد هؤلاء، فإنهم لما جاء الكتاب المصدق لما معهم، والحال أنهم كانوا من قبل يستنصرون على الكفار بمن أنزل عليه الكتاب، كذبوا به واستهانوا، وقوله:(فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ)[البقرة: 89] جملة معطوفة على الجملة الأولى بعد تمامها، لتدل الأولى على سوء معاملتهم مع الكتاب الذي هو مصدق لما معهم، والثانية مع الرسول الذي كانوا يستفتحون به ويعرفونه حق معرفته.

قوله: (أظل زمان نبي)، الجوهري: هو من قولك: أظلك فلان، إذا دنا منك كأنه ألقى عليك ظله، ثم قيل: أظلك أمر وأظلك شهر كذا.

ص: 573

والسين للمبالغة، أى يسألون أنفسهم الفتح عليهم، كالسين في استعجب واستسخر، أو يسأل بعضهم بعضا أن يفتح عليهم (فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا) من الحق (كَفَرُوا بِهِ) بغياً وحسداً وحرصاً على الرياسة. (عَلَى الْكافِرِينَ) أى عليهم وضعا للظاهر موضع المضمر؛

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقوله: (يَسْتَفْتِحُونَ) معناه: يستعملون خبره من الناس، وقيل: يطلبون من الله تعالى بذكره الظفر، وقيل: كانوا يقولون: إنا ننصر بمحمد صلوات الله عليه على عبدة الأوثان.

قوله: (والسين للمبالغة) أي: هو من باب التجريد، جردوا من أنفسهم أشخاصاً، وسألوهم الفتح. المعنى: يا نفس عرفي الكافرين أن نبياً يبعث إليهم وهو المراد بقوله: "أي يسألون أنفسهم الفتح عليهم"، ومنه قولهم: مر مستعجلاً. أي: مر طالباً للاستعجال من نفسك مكلفاً إياها التعجيل.

قوله: (أو يسأل بعضهم بعضاً أن يفتح عليهم) يعني أن أهل الكتاب كان يقول بعضهم لبعض: انصرني على الكافرين نقاتل مع النبي المبعوث. هذا مثل الوجه الأول في أن السين مجرى على الحقيقة. وفي أن الفتح مضمن معنى النصرة بواسطة "على"، والوجه الثاني من قولهم: فتح عليه كذا، إذا أعلمه ووقفه عليه، كقولهم: أتحدثونهم بما فتح الله عليكم. ويجوز أن يراد: أو يسأل بعضهم بعضاً أن يعلموا الكفار أن نبياً يبعث.

الراغب: الاستفتاح: طلب الفتح، والفتح ضربان: فتح إلهي، وهو النصرة بالوصول إلى العلوم والهدايات التي هي ذريعة إلى الثواب والمقامات المحمودة، وفتح دنيوي، وهو النصرة في الوصول إلى اللذات البدنية.

ص: 574

للدلالة على أنّ اللعنة لحقتهم لكفرهم. واللام للعهد. ويجوز أن تكون للجنس ويدخلوا فيه دخولا أوّليا.

[(بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ* وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) 90 - 91].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (دخولاً أولياً) أي: قصدياً؛ لأن لفظ الكافرين يعم اليهود وغيرهم من سائر المشركين، لكن اليهود داخلون في هذا العام دخولاً قصدياً؛ لأن الكلام سيق بالأصالة فيهم، وهو من الكناية؛ لأن اللعنة إذا شملت الكافرين أجمع- وهؤلاء منهم-، فيلزم أن تلحقهم على البت والقطع، وهو أقوى مما إذا قيل: فلعنة الله عليهم.

فإن قلت: قولك: هو من الكناية ينافي تقريرك وهو أن اللعنة إذا شملت الكافرين إلى آخره لما تقرر أن الكناية هي الانتقال من لازم الشيء إلى ملزومه.

قلت: لا منافاة؛ لأن هذه الكناية تسمى إيمائية، وإنما يصار إليها إذا كان الموصوف مبالغاً في ذلك الوصف، ومنهمكاً فيه، حيث إذا ذكر خطر ذلك الوصف بالبال نحو قولهم لمن يقتني رذيلة من الرذائل ويصر عليها: أنا إذا نظرتك خطر ببالي سبابك وسباب كل من هو بصددك وأبناء جنسك. فاليهود لما بالغوا في الكفر والعناد وكتمان أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ونعى الله عليهم ذلك، صار الكفر كأنه صفة غير مفارقة لذكرهم، فكان هذا الكلام لازماً لذكرهم ورديفه وأنهم أولى الناس دخولاً فيه، لكونهم تسببوا لاستجلاب هذا القول في غيرهم، وبذلوا أنفسهم فيه، وأنشد صاحب "المفتاح" في المعنى:

ص: 575

"ما": نكرةٌ منصوبةٌ مفسرة لفاعل "بئس"، بمعنى: بئس شيئاً اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ. والمخصوص بالذم: (أَنْ يَكْفُرُوا). و (اشْتَروْا) بمعنى باعوا بَغْياً حسداً وطلبا لما ليس لهم، ......

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إذا الله لم يسق إلا الكرام

فسقى وجوه بني حنبل

وقال: إنه في إفادة كرم بني حنبل كما ترى، لا خفاء فيه.

قوله: (ما نكرة منصوبة) قال أبو البقاء: "ما" نكرة موصوفة، و"اشتروا" صفتها، و"أن يكفروا" مخصوص بالذم.

قوله: (و (اشْتَرَوْا) بمعنى: باعوا) وهو من الأضداد. فالأنفس بمنزلة المثمن والكفر بمنزلة الثمن؛ لأن أنفسهم لا تشترى بل تباع، فهو على الاستعارة. أي: إنهم اختاروا الكفر على الإيمان، وبذلوا أنفسهم فيه، وإنما وضع الأنفس موضع الإيمان، ليؤذن بأن الأنفس إنما خلقت للعلم والعمل به المعبر عنه بالإيمان، فلما بدلوا الإيمان بالكفر فكأنهم بدلوا الأنفس به.

قوله: (بَغْياً): حسداً) قوله: حسداً تفسير لقوله تعالى: (بَغْياً) ثم قوله: "وطلباً لما ليس لهم" تفسير للحسد؛ لأن البغي الذي هو الظلم. أعم من الحسد، ففسره بالحسد لاقتضاء الكلام.

ص: 576

وهو علة (اشْتَرَوا). (أَنْ يُنَزِّلَ): لأن ينزل، أو: على أن ينزل، أي: حسدوه على أن ينزّل اللَّه مِنْ فَضْلِهِ الذي هو الوحى عَلى مَنْ يَشاءُ وتقتضي حكمته إرساله .........

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ومعنى الحسد طلب ما ليس من حق العبد؛ لأن إزالة النعمة التي عرف الله موقعها في المحسود ليس لأحد توخي زواله، وقيل:"طلباً" عطف على "حسداً" وكلاهما تفسير لقوله: (بَغْياً). وقيل: التقدير: اشتروا لبغيهم وبغوا لحسدهم، والأول هو الوجه لقوله:"أي: حسدوه على أن ينزل الله" وقد صرح الواحدي به حيث قال: (بَغْياً)، أي: حسداً.

قال اللحياني: بغيت على أخيك بغياً، أي: حسدته، فالبغي: أصله الحسد، ثم سمي الظلم بغياً؛ لأن الحاسد يظلم المحسود جهده طلباً لإزالة نعم الله عنه.

وينصره قول الزجاج: كفروا بغياً وعداوة للنبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم لم يشكوا في نبوته، وإنما حسدوه على ما أعطاه الله تعالى، فإنه لم يتجاوز عن معنى الحسد، وأي داء أدوى منه!

قوله: (وهو علة (اشْتَرَوْا)) قال القاضي: وهو علة (أَنْ يَكْفُرُوا) دون اشتروا، للفصل.

وقلت: المعنى مع الأول؛ لأن فيه إبدال أنفسهم بالكفر كان لمجرد العناد الذي هو نتيجة الحسد، كأنه قيل: بئس الاستبدال! استبدال أنفسهم بالكفر لأجل محض الحسد، على أن قوله:"أن يكفروا" مخصوص بالذم فلا يكون فاصلاً.

ص: 577

(فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ): فصاروا أحقاء بغضب مترادف، لأنهم كفروا بنبىّ الحق وبغوا عليه. وقيل كفروا بمحمد بعد عيسى. وقيل بعد قولهم:(عُزَيرٌ ابنُ اللَّهِ)[التوبة: 30]، وقولهم:(يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ)[المائدة: 64]، وغير ذلك من أنواع كفرهم. (بِما أَنْزَلَ اللَّهُ) مُطلقٌ فيما أنزل اللَّه من كل كتاب.

(قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا) مقيد بالتوراة، (وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ) أي: قالوا ذلك والحال أنهم يكفرون بما وراء التوراة وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ منها،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (فصاروا أحقاء بغضب مترادف) دل على كونهم أحقاء به ترتب الحكم على الوصف بالفاء، والمعنى: فلذلك تمكنوا في الغضب تمكن الملاك في ملكهم ومبوئهم، ومنه الحديث:"فليتبوأ مقعده من النار" وإليه أومى الزجاج بقوله: معنى باؤوا: احتملوا، يقال: قد بؤت بهذا الذنب، أي: احتملته، أي: باؤوا بغضب على غضب. أي: بإثم استحقوا به النار على إثم تقدم استحقوا به النار.

قوله: (والحال أنهم يكفرون بما وراء التوراة). قال القاضي: "يكفرون" حال من الضمير في "قالوا"، ووراء في الأصل مصدر جعل ظرفاً، ويضاف إلى الفاعل فيراد به ما يتوارى به وهو خلفه، وإلى المفعول ويراد به ما يواريه وهو قدامه، وهو من الأضداد.

قوله: ((لِمَا مَعَهُمْ) منها) "من" بيان "ما"، والضمير في "منها" للتوراة، وقيل:"من" للتبعيض، والضمير للكتاب، أي: الذي معهم وهو التوراة بعض الكتاب.

ص: 578

غير مخالفٍ له. وفيه رَدّ لمقالتهم، لأنهم إذا كفروا بما يوافق التوراة فقد كفروا بها. ثم اعترض عليهم بقتلهم الأنبياء مع ادّعائهم الإيمان بالتوراة والتوراة لا تسوّغ قتل الأنبياء.

[(وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ* وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قالُوا سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَما يَامُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)]

(وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ) يجوز أن يكون حالاً، أي: عبدتم العجل وأنتم واضعون العبادة غير موضعها. وأن يكون اعتراضا بمعنى: وأنتم قوم عادتكم الظلم. وكرّر رفع الطور لما نيط به من زيادة ليست مع الأول مع ما فيه من التوكيد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وفيه رد لمقالتهم) أي: أدمج في إيقاع "وتكفرون" حالاً من فاعل "تؤمن" هذا المعنى يعني: أنهم في هذه الدعوى شاهدون على أنفسهم بالكفر.

قوله: (وأن يكون اعتراضاً) أي: تذييلاً؛ لأن المعترضة هي التي اعترضت بين كلام، أو بين كلامين متصلين معنى، والتذييل ما يؤكد به تمام الكلام. والفرق بين أن تكون حالاً وبينها أن تكون اعتراضاً، أن الحال لبيان هيئة المعمول، والاعتراض لتأكيد الجملة بتمامها، ومن ثم قال في الحال:"وأنتم واضعون العبادة غير موضعها"، وفي الاعتراض:"وأنتم قوم عادتكم الظلم" أي: دأب الظلم استمر منكم، وعبادة العجل نوع منه، وأيضاً الجملة الحالية مقيدة للمطلق، فتكون كالمخصص للعام، والمعترضة أعم مما اعترضت فيه، وإليه الإشارة بقوله:"وأنتم قوم عادتكم الظلم".

قوله: (كرر رفع الطور لما نيط به من زيادة ليست مع الأولى) وذلك أنه ذكر في الأولى:

ص: 579

(وَاسْمَعُوا) ما أمرتم به في التوراة، (قالُوا سَمِعْنا) قولك (وَعَصَيْنا) أمرك. فإن قلت: كيف طابق قوله جوابهم؟ قلت: طابقه من حيث أنه قال لهم: (واسمعوا)، وليكن سماعكم سماع تقبل وطاعة، فقالوا:(سمعنا)، ولكن لا سماع طاعة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ) وذكر ها هنا: (وَاسْمَعُوا)، والمراد بقوله:(خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ) التلقي بالقبول والتمسك بما فيه مع وفور نشاط. وبقوله: (وَاسْمَعُوا) العمل بما فيه، والطاعة لأوامره، وحفظ ما فيه، وكذلك معنى:(وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ)، وقال ثمة:(ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ) وها هنا (سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا) وهو مثله؛ لأن من سمع وعصى، فقد تولى بعد الميثاق، وأما الزيادة فهي قوله:(وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمْ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ) الآية والمراد بكفرهم ذلك العصيان والتولي فوضعه موضع المضمر ليدل على أن ذلك العصيان والتولي هو كفر منهم وجحود بالآيات وكفران بتلك النعم، وانه أدى إلى عبادة العجاجيل، وبأن يخاطبوا بقوله:(بِئْسَمَا يَامُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ) على سبيل التهكم والسخرية إلى غير ذلك، والله أعلم.

قوله: (وليكن سماعكم سماع تقبل) ومرجعه إلى القول بالموجب. أمرهم بالسماع فأجابوه، ولكن على طريق العصيان، ونظيره قوله تعالى:(وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ)[التوبة: 61].

الراغب: قوله: اسمعوا معناه: افهموا، وقيل: اعملوا به، ووجه ذلك: أن الشيء يسمع ثم يتخيل، ثم يفهم، ثم يعقل، ثم يعمل به إن كان ذلك المسموع مما يقتضي عملاً، ولما كان السماع مبدأ والعمل غاية، وما بينهما وسائط، صح أن يذكر ويراد به بعض الوسائط، وأن يعنى به الغاية وهي العمل.

ص: 580

(وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ) أي: تداخلهم حبه والحرص على عبادته كما يتداخل الثوب الصبغ. وقوله (فِي قُلُوبِهِمُ) بيانٌ لمكان الإشراب كقوله: (إِنَّما يَاكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً)[النساء: 10]

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (أي: تداخلهم حبه

كما يتداخل الثوب الصبغ) قال الزجاج: معناه: سقوا حب العجل، فحذف الحب وأقيم العجل مقامه.

النهاية: وفي الحديث: "وأشربته قلوبكم" أي: سقيته قلوبكم كما يسقى العطشان الماء: وأشرب قلبه كذا، أي: حل محل الشراب واختلط كما يختلط الصبغ بالثوب.

الراغب: من عادتهم إذا أرادوا مخامرة حب أو بغض في القلب أن يستعيروا لها اسم الشراب إذ هو أبلغ منجاع في البدن، ولذلك قالت الأطباء: الماء مطية الأغذية والأدوية، وبركوبها يبلغ أقاصي الأمكنة، قال:

تغلغل حيث لم يبلغ شراب

ولا حزن ولم يبلغ سرور

وقيل: الأصل حب العجل، فحذف المضاف، وليس في إثباته من المبالغة [ما] في حذفه، لأنه نبه أن فرط شغفهم به أثبت صورة العجل في قلوبهم راسخة.

قوله: ((فِي قُلُوبِهِمْ) بيان لمكان الإشراب)؛ وذلك أن قوله: وأشربوا حب العجل مبهم كقوله تعالى: (قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي)[طه: 25] كما أن "صدري" بيان لقوله: "لي"

ص: 581

(بِكُفْرِهِمْ): بسبب كفرهم. (بِئْسَما يَامُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ): بالتوراة؛ لأنه ليس في التوراة عبادة العجاجيل.

وإضافة الأمر إلى إيمانهم تهكم، كما قال قوم شعيب (أَصَلاتُكَ تَامُرُكَ) [هو: 87]، وكذلك إضافة الإيمان إليهم.

وقوله (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) تشكيك في إيمانهم، وقدح في صحة دعواهم له.

[(قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ* وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ)].

(خالِصَةً) نصب على الحال من (الدَّارُ الآَخِرَةُ) والمراد الجنة،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لأنه أفاد أن شيئاً ما عنده محتاج إلى الشرح، فبين بقوله: صدري ذلك المبهم، كذلك قوله:(وَأُشْرِبُوا) مبهم. لا يعلم منه أي مكان من أمكنة جسدهم تداخل فيها الحب. فبين أن المكان هو قلوبهم، وهذا من المبالغات والإيذان بأن المقام يقتضي مزيد التقرير.

قوله: ((خَالِصَةً) نصب على الحال من (الدَّارُ الآخِرَةُ)) قيل: الوجه أن تكون حالاً من الضمير المستتر في الخبر العائد إلى الدار الآخرة، لأن اسم كان لا يقع عنه الحال.

قال الحديثي: إن الأفعال الناقصة لا تعمل في الحال؛ لأنه لم يؤت بها لنسبة حدث محقق إلى فاعلها حتى يقتضي متعلقات، يعني إذا قلت: كان زيد قائماً، لم ترد به أن زيداً ثبت، بل تريد به أن القيام المنسوب إليه ثبت لا غير، وذلك حاصل لزيد وإن لم تذكر "كان"، ولذا توهم كثير أنه لا دلالة لها على الحدث، بل وضعها للدلالة على مجرد الزمان، فلذا لم تعمل إلا في الاسم والخبر.

ص: 582

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وفي كلام صاحب "المفتاح" ما يشعر بهذا المعنى، قال: إن الخبر هناك هو نفس المسند لا بقيد للمسند إنما تقييده هو كان؛ ويمكن أن يجاب عنه بأن يقال: إن كونها لثبوت القيام المنسوب إلى المسند إليه لا يمنع عملها في الحال، فالحال حينئذ قيد للمقيد. وقالوا: دليل كون اسم "كان" فاعلاً: أن المصنف وابن الحاجب لم يذكرا اسم "كان" في المرفوعات، على أنهما أوردا خبرهما في المنصوبات. وذكر ابن الحاجب في شرح خبري "كان" و"أن" ما يشعر باختياره كونه فاعلاً.

قال أبو البقاء: خبر "كان" لكم و"عند الله" ظرف و"خالصة" حال. والعامل "كان" أو الاستقرار، أو الخبر "عند الله" و"خالصة" حال، فالعامل فيها إما "عند الله" أو ما يتعلق به أو كان أو لكم.

وقال ابن جني في "الدمشقيات": يدل على جواز نصب "كان" وأخواتها الأحوال قول الشاعر:

فكونوا أنتم وبني أبيكم

تمامه:

مكان الكليتين من الطحال

وقوله:

ص: 583

أي: سالمةً لكم خاصةً بكم ليسَ لأحدٍ سواكم فيها حق. يعنى إن صحّ قولكم: .....

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فكان وإياها كحران

وأنشد:

صخب كأن دعاء عبد منافه

في رأسه، عقب الصباح الجافل

جوز أن يكون "في رأسه" حالاً من الدعاء، و"عقب الصباح" خبراً، وأن يكون "في رأسه" متعلقاً بنفس الدعاء.

وقال السيد ابن الشجري في "الأمالي": ومن منع إعمال "كان" في الأحوال فغير مأخوذ بقوله؛ لأن الحال فضلة في الخبر منكورة، فرائحة الفعل تعمل فيها، فما ظنك بـ "كان" وهي فعل متصرف تعمل الرفع والنصب في الاسم الظاهر والمضمر، وليست "كان" في نصبها الحال بأسوأ حالاً من حرف التنبيه واسم الإشارة. وحكى أبو زكريا في "شرح المتنبي" عن أبي العلاء المعري أنه قال: زعم بعض النحويين أن "كان" لا تعمل في الحال.

قوله: (خاصة بكم)، الراغب: الخالص كالصافي لكن الصافي يقال فيما لم يكن فيه قبل شوب، دون خالص، فإنه لا يقال إلا فيما كان فيه شوب فزال منه.

ص: 584

(لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُودا) ً. و (النَّاسِ) للجنس، وقيل: للعهد وهم المسلمون. (فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ)؛ لأنّ من أيقن أنه من أهل الجنة اشتاق إليها وتمنى سرعة الوصول إلى النعيم والتخلص من الدار ذات الشوائب، كما روى عن المبشرين بالجنة ما روى. كان على رضى اللَّه عنه يطوف بين الصفين في غلالة، فقال له ابنه الحسن: ما هذا بزي المحاربين: فقال: يا بنىّ لا يبالى أبوك على الموت سقط، أم عليه سقط الموت. وعن حذيفة رضى اللَّه عنه أنه كان يتمنى الموت، فلما احتضر قال: حبيب جاء على فاقة، لا أفلح من ندم. يعني على التمني. وقال عمار بصفين: الآن ألاقى الأحبة محمداً وحزبه،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (بين الصفين) أي: بين صف العدو وصف المسلمين.

قوله: (جاء على فاقة) أي: تمنيت الموت وجاءني وقت حاجتي إليه، ثم قال:"لا أفلح من ندم" يريد: تمنيت فلما جاء ما ندمت، فعم وقال: لا أفلح، وهو يحتمل الدعاء أيضاً، والله أعلم.

قوله: (بصفين) قال الصغاني: صفين: موضع قرب الرقة على شاطئ الفرات على الجانب الغربي بين الرقة وبالس. وكانت وقعة صفين سنة سبع وثلاثين غرة صفر، وهي وقعة بين علي ومعاوية رضي الله عنهما.

صفين: بكسر الصاد المهملة وكسر الفاء.

ص: 585

وكان كل واحد من العشرة يحب الموت ويحنّ إليه. وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «لو تمنوا الموت لغص كل إنسان بريقه فمات مكانه وما بقي على وجه الأرض يهودى» .

(بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ) بما أسلفوا من موجبات النار من الكفر بمحمد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (كل واحد من العشرة) وهم العشرة المبشرة. روينا عن عبد الرحمن بن عوف قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعد ابن أبي وقاص في الجنة، وسعيد بن زيد في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة" أخرجه الترمذي، ولأبي داود نحوه.

وتخصيص العشرة بعد ذكر المبشرين بالجنة يدل أن المراد بالمبشرين أعم من العشرة، ومن ثم ذكر عماراً وحذيفة.

قوله: (يحب الموت)، الراغب: لأن المحبة داعية إلى الشوق، والشوق داع إلى محبة لقاء المحبوب، ومحبة لقائه داعية إلى تأتي سهول السبيل إليه، ولا سبيل إلى الطريق إليه إلا بالموت، فيجب أن يكون الموت متمنى. وقيل: سرور المؤمن بموته كسرور القادم إذا ورد على أهله. وفي الحديث: "من أحب لقاء الله، أحب الله لقاءه".

قوله: (بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ) بما أسلفوا من موجبات النار). قال القاضي: ولما كانت اليد

ص: 586

وبما جاء به، وتحريف كتاب اللَّه، وسائر أنواع الكفر والعصيان. وقوله (وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً) من المعجزات، لأنه إخبار بالغيب، وكان كما أخبر به، كقوله:(وَلَنْ تَفْعَلُوا)[البقرة: 24] فإن قلت: ما أدراك أنهم لم يتمنوا؟ قلت: لأنهم لو تمنوا لنقل ذلك كما نقل سائر الحوادث، ولكان ناقلوه من أهل الكتاب وغيرهم من أولى المطاعن في الإسلام أكثر من الذرّ، وليس أحد منهم نقل ذلك. فإن قلت: التمني من أعمال القلوب وهو سرّ لا يطلع عليه أحد، فمن أين علمت أنهم لم يتمنوا؟ قلت: ليس التمني من أعمال القلوب، إنما هو قول الإنسان بلسانه: ليت لي كذا، فإذا قاله قالوا: تمنى، وليت: كلمة التمني، ومحال أن يقع التحدي بما في الضمائر والقلوب ولو كان التمني بالقلوب وتمنوا لقالوا: قد تمنينا الموت في قلوبنا، ولم ينقل أنهم قالوا ذلك

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

العاملة مختصة بالإنسان وآلة لقدرته، بها عامة صنائعه، ومنها أكثر منافعه، عبر بها عن النفس تارة، وعن القدرة أخرى.

وقلت: الظاهر أن قوله: (وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً)[البقرة: 95] الآية جملة معترضة كقوله: (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا)[البقرة: 24] وينصره قول الزجاج: "ولتجدنهم" حال من فاعل "قل": المعنى: أنك لتجدنهم في حال دعائهم إلى تمني الموت أحرص الناس على حياة. فالآية معترضة بين الحال وعاملها.

قوله: ("ليت" كلمة التمني) يعني إذا قال الرجل بلسانه كذا، قال أهل اللغة: إنه تمنى، فعبروا عن القول بالتمني، وقالوا أيضاً: إن كلمة "ليت" للتمني.

قوله: (ومحال أن يقع التحدي)، وذلك أن قوله:(فَتَمَنَّوْا) طلب للتمني على سبيل التحدي، وإنما يظهر العجز إذا لم يصدر منهم ما طلب منهم. وقوله:"ولو كان التمني" تنزل

ص: 587

فإن قلت: لم يقولوه لأنهم علموا أنهم لا يصدّقون. قلت: كم حكى عنهم من أشياء قاولوا بها المسلمين من الافتراء على اللَّه وتحريف كتابه وغير ذلك مما علموا أنهم غير مصدقين فيه ولا محمل له إلا الكذب البحت ولم يبالوا، فكيف يمتنعون من أن يقولوا إنّ التمني من أفعال القلوب وقد فعلناه، مع احتمال أن يكونوا صادقين في قولهم وإخبارهم عن ضمائرهم، وكان الرجل يخبر عن نفسه بالإيمان فيصدّق مع احتمال أن يكون كاذبا لأنه أمر خافٍ لا سبيل إلى الاطلاع عليه. (وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) تهديد لهم. (وَلَتَجِدَنَّهُمْ) هو من وجد بمعنى: علم؛ المتعدي إلى مفعولين في قولهم: وجدت زيداً ذا الحفاظ ومفعولاه "هم"(أَحْرَصَ). فإن قلت: لم قال: (عَلى حَياةٍ) بالتنكير؟ قلت: لأنه أراد حياة مخصوصة وهي الحياة المتطاولة، ولذلك كانت القراءة بها أوقع من قراءة أبىّ (على الحياة). (وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا) محمول على المعنى لأن معنى أحرص الناس: أحرص من الناس. فإن قلت: ألم يُدخلِ (الذين أَشْرَكُوا) تحت الناس؟ قلت: بلى، ولكنهم أفردوا بالذكر؛

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في الجواب. أي: ولئن سلم أن التمني بالقلوب، فلابد من الإظهار بالقول بأن يقولوا: تمنيناً بقلوبنا رداً منهم لقوله: (وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً) ولكن ما نقل أنهم قالوه. فعلم أنهم ما تمنوا.

قوله: (لم يقولوه) وارد على الجواب الثاني، يعني إذا قدر أن التمني من أعمال القلوب، لا يجب أن يقولوا بألسنتهم: تمنيناً، ليدفعوا قوله تعالى:(وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ) لقيام المانع، وهو عدم تصديق المؤمنين إياهم، فالتمني واقع فلا يكون معجزة، وأجاب: أن عدم تصديق المؤمنين ليس بمانع لأن يقولوا: تمنيناً؛ لأنه تعالى كم حكى عنهم من أشياء لم يصدقهم المؤمنون فيها، فهذا من ذلك.

قوله: (محمول على المعنى) قال صاحب "الإقليد": تقول: زيد أفضل من القوم، ثم تحذف "من" وتضيفه. والمعنى على إثبات "من".

ص: 588

لأن حرصهم شديد. ويجوز أن يراد: وأحرص من الذين أشركوا، فحذف لدلالة (أَحْرَصَ النَّاسِ) عليه. وفيه توبيخ عظيم: لأنّ الذين أشركوا لا يؤمنون بعاقبة ولا يعرفون إلا الحياة الدنيا، فحرصهم عليها لا يستبعد لأنها جنتهم، فإذا زاد عليهم في الحرص من له كتاب وهو مقرّ بالجزاء كان حقيقاً بأعظم التوبيخ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قال صاحب "المرشد": فإن قلت: فلم جيء بـ "من" في الثاني دون الأول؟ قلت: لأن "أفعل" إذا أضفته إلى جملة هو بعضها لم يحتج إلى ذكر من، فهو إما إضافة الواحد إلى جنسه، أو إضافة البعض إلى الكل فتقول: زيد أفضل الناس، وعبدك خير العبيد. فلو قلت: عبدك خير الأحرار، وزيد أفضل إخوته، لم يجز، لأن إخوة زيد غير زيد، وهو خارج من جملتهم، ولو قلت: زيد أفضل الإخوة، جاز، لأنه أحد الإخوة، فعلى هذا قوله:(وَلَتَجِدَنَّهُمْ) يعني: علماء اليهود أحرص الناس، أضافهم إلى ما بعدهم؛ لأنهم من جملة الناس، ثم قال:(وَمِنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا) والمراد بالمشركين المجوس في أصح الأقاويل، للتحية التي كانت لهم إذا عطس العاطس قالوا: عش ألف سنة، وهم غير اليهود، فهو مثل: زيد أفضل من إخوته.

ولا يبعد أن يحمل على هذا قول المصنف: "وقيل: أراد بالذين أشركوا المجوس" وقوله: "ويجوز أن يراد: وأحرص "من الذين أشركوا" عطف على قوله: "محمول على المعنى" وهذا قول مقاتل فيكون "من الذين أشركوا" عطفاً على ثاني مفعولي "لتجدنهم" على حذف "أحرص" لدلالة الأول عليه.

فإن قلت: ما الفرق بين الوجهين، وعائدتهما راجعة إلى شدة حرصهم، وأنهما من باب عطف الخاص على العام كقوله:"وملائكته وجبريل"؟

ص: 589

فإن قلت: لم زاد حرصهم على حرص المشركين؟ قلت: لأنهم علموا - لعلمهم بحالهم - أنهم صائرون إلى النار لا محالة والمشركون لا يعلمون ذلك.

وقيل: أراد بالذين أشركوا المجوس، لأنهم كانوا يقولون لملوكهم: عش ألف نيروز وألف مهرجان. وعن ابن عباس رضى اللَّه عنه: هو قول الأعاجم: زى هزار سال. وقيل (وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا) كلامٌ مبتدأ، أى ومنهم ناس (يَوَدُّ أَحَدُهُمْ)، على حذف الموصوف كقوله:(وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ)[الصافات: 164]. و (الذين أشركوا) على هذا: مشارٌ به إلى اليهود؛ لأنهم قالوا: (عُزَيْرٌ ابنُ اللَّهِ)[التوبة: 30]. والضمير في (وَما هُوَ) لـ (أَحَدُهُمْ). و (أَنْ يُعَمَّرَ) فاعلٌ (بمزحزحه)، .........

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قلت: الثاني أبلغ لإرادة تكرير "أحرص".

قوله: (وقيل: أراد بالذين أشركوا المجوس) قال الواحدي: هو قول أبي العالية والربيع، وإنما وصفوا بالإشراك لأنهم يقولون بالنور والظلمة، ويزدان وإهرمن، وهم موصوفون بالحرص على الحياة، ولهذا تحيتهم: زي هزار سال.

قوله: (و (الَّذِينَ أَشْرَكُوا) على هذا مشار به إلى اليهود) يعني: أقيم المظهر مقام المضمر، ولهذا قدر "ومنهم ناس" ليؤذن أن الموحد يحب لقاء الله كما أن المشرك يكره لقاء الله، ولهذا قال المعري: هذا الوجه أحسن وأعرب.

ص: 590

أي: وما أحدهم بمن يزحزحه من النار تعميره. وقيل: الضمير لما دل عليه (يُعَمَّرَ) من مصدره، و (أَن يُعَمَّرَ) بدل منه، ويجوز أن يكون (هُوَ) مبهماً، و (أَن يُعَمَّرَ) مُوضِّحه. والزحزحة: التبعيد والإنحاء. فإن قلت: (يَوَدُّ أَحَدُهُمْ) ما موقعه؟ قلت: هو بيان لزيادة حرصهم على طريق الاستئناف. فإن قلت: كيف اتصل لو يعمر بيودّ أحدهم؟ قلت: هو حكاية لودادتهم. و «لو» في معنى التمني، وكان القياس: لو أعمر، إلا أنه جرى على لفظ الغيبة لقوله:(يَوَدُّ أَحَدُهُمْ) كقولك: حلف باللَّه ليفعلنّ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (أي: وما أحدهم بمن يزحزحه من النار تعميره) أي: ليس أحد منهم يخلصه من النار طول عمره بسبب أعماله الصالحة. المعنى ينظر إلى قوله صلى الله عليه وسلم حين سئل: أي الناس خير؟ قال: "من طال عمره وحسن عمله"، وقيل: فأي الناس شر؟ قال: "من طال عمره وساء عمله". أخرجه أحمد بن حنبل عن أبي بكرة.

قوله: (دل عليه (يُعَمَّرُ) من مصدره) كأنه قيل: وما التعمير بمزحزحه من العذاب تعميره.

قوله: (و (أَن يُعَمَّرُ) موضحه). قال أبو البقاء: هو ضمير التعمير، وقد دل عليه قوله:(لَوْ يُعَمَّرُ) و (أَن يُعَمَّرُ) بدل من "هو"، ولا يجوز أن يكون هو ضمير الشأن؛ لأن المفسر لضمير الشأن مبتدأ وخبر، ودخول الباء في "بمزحزحه" يمنع من ذلك، وكذا عن الزجاج، وهذا غير وارد على المصنف، لأنه لم يجعله ضمير الشأن بل على نحو:(فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ)[البقرة: 29].

قوله: (وكان القياس لو أعمر) لأن الذي صدر منهم من القول هو على حكاية النفس، لكن نظر إلى ظاهر "يود" فأجري مجراه، فهو قريب من المشاكلة.

ص: 591