المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

[) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى - فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف) - جـ ٥

[الطيبي]

فهرس الكتاب

[) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلاَّ عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً (].

روي أن عبد الرحمن بن عوف صنع طعاما وشرابا فدعا نفرا من أصحاب

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (روي أن عبد الرحمن بن عوف)، روينا عن الترمذي وأبي داود، عن عليٌّ رضي الله عنه، قال: صنع لنا ابن عوفٍ طعاماً فأكلنا، وسقانا خمراً قبل أن تحرم فأخذت منا، وحضرت الصلاة فقدموني فقرأت: قل يا أيها الكافرون، لا أعبد ما تعبدون، ونحن نعبد ما تعبدون، قال: فخلطت، فنزلت:(لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأَنتُمْ سُكَارَى).

اعلم أنه تعالى بعد ما أتم بيان أحكام ذوي الأرحام، وأطنب فيه وفيما يتعلق بها؛ أخذ في بيان شرع آخر من الأحكام التي تتعلق بالعبادة، وهي: إما أن تتعلق بالقلوب، أو بالجوارح، والأول: إما أن يختص بالله عز وجل، أو بالخلق؛ فالذي يختص بالله هو المراد بقوله:(واعْبُدُوا اللَّهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا)[النساء: 36] والذي يتعلق بالخلق هو المراد بقوله: (وبِالْوَالِدَيْنِ إحْسَانًا وبِذِي القُرْبَى والْيَتَامَى والْمَسَاكِينِ والْجَارِ)[النساء: 36]، ثم حث على التواضع والجود بذم الكبر والبخل بقوله:(إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا)[النساء: 36]، (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ) [النساء: 37]، وذم الإنفاق الذي لا يكون لوجه الله، وقرنه بالكفر حيث قال:(والَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ ولا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِالْيَوْمِ الآخِرِ)[النساء: 38]، وبالغ في قلع الرياء وقمع الشرك الخفي حيث ترقى إلى نفي الشرك الجلي بقوله:(ومَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ)[النساء: 39]، ثم حرض على الإخلاص في الإنفاق بقوله:(إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ) الآية [النساء: 40]، ثم أتى

ص: 5

رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حين كانت الخمر مباحة، فأكلوا وشربوا، فلما ثملوا وجاء وقت صلاة المغرب قدموا أحدهم ليصلي بهم، فقرأ: أعبد ما تعبدون، وأنتم عابدون ما أعبد، فنزلت. فكانوا لا يشربون في أوقات الصلوات، فإذا صلوا العشاء شربوها فلا يصبحون إلا وقد ذهب عنهم السكر وعلموا ما يقولون. ثم نزل تحريمها.

ومعنى) لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ (لا تغشوها ولا تقوموا إليها، واجتنبوها، كقوله: (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى)[الإسراء: 32]، (لا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ) [الأنعام: 151]. وقيل معناه: ولا تقربوا مواضعها وهي المساجد، لقوله عليه الصلاة والسلام:(جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم) وقيل: هو سكر النعاس وغلبة النوم، كقوله:

......... وَرَانُوا

بِسُكْرِ سِنَاتِهِمْ كُلَّ الرُّيُونِ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

من الأعمال ما يتعلق بالجوارح وخص بالصلاة التي هي أعظمها، وقدم ذكر ما هو متوقفٌ عليه من رفع الجنابة والحدث بقوله:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ).

قوله: (ثملوا)، الجوهري: ثَمِلَ الرجل- بالكسر- ثَمَلاً: إذا أخذ فيه الشراب، فهو ثَمِلٌ، أي: نشوان.

قوله: (كل الريون)، الرين والغين: ما يركب القلب، ران الرجل بالشراب وران الشراب بالرجل: إذا جعله رايناً، أي: ثقيلاً، والسنات: جمع سنة، وهي مقدمة النوم. قوله:((رانوا)) من المصراع الأول، و ((بسكر)) من المصراع الثاني، ووجد في ((ديوان الطرماح)) ممن قصيدته:

وركب قد بعثت إلى ردايا

طلائح مثل أخلاق الجفون

مخافة أن يرين النوم فيهم

بسكر سناتهم كل الريون

الردية: الناقة المهزولة. طلائح: جمع طليحة، وهي ناقةٌ جهدها السير وهزلها.

ص: 6

وقرئ: (سكارى) بفتح السين. (وسكرى) على أن يكون جمعاً، نحو: هلكى وجوعى، لأن السكر علة تلحق العقل. أو مفرداً بمعنى: وأنتم جماعةٌ سكرى، كقولك: امرأة سكرى وسكرى بضم السين كحبلى على أن تكون صفة للجماعة. وحكى جناح بن حبيش: كسلى وكسلى بالفتح والضم. (وَلا جُنُباً): عطفٌ على قوله: (وَأَنْتُمْ سُكارى)؛ لأن محل الجملة مع الواو النصب على الحال، كأنه قيل: لا تقربوا الصلاة سكارى ولا جنباً، والجنب: يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث؛ لأنه اسم جرى مجرى المصدر الذي هو الإجناب. (إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ): استثناء من عامة أحوال المخاطبين، وانتصابه على الحال. فإن قلت: كيف جمع بين هذه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (لأن السكر علة)، أي: باب فعلٍ للعلل والأمراض.

قوله: (كأنه قيل: لا تقربوا الصلاة سكارى ولا جنباً)، فإن قلت: ما فائدة المخالفة بين الحالين؟ قلت- والعلم عند الله-: فائدتها: الإشعار بأن قربان الصلاة مع السكر منافٍ لحال المسلمين، ومن يناجي الحضرة الصمدانية، دل عليه الخطاب ب ((أنتم))؛ ولهذا قرنه بقوله:(حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ)، والمجنبون لا يعدمون إحضار القلب؛ ومن ثم رخص لهم بالأعذار.

قوله: (والجنب يستوي) إلى آخره. من هذا يعلم أن كل اسمٍ يقع موقع المصدر يجري فيه ما ذكر، ولا تختص به المصادر، كرجلٍ عدلٍ وامرأةٍ عدل؛ ولهذا وصف الجنب بالجمع في قوله:((بالجنب الذين لم يغتسلوا))، قال أبو البقاء: : والجنب يفرد مع التثنية، والجمع في اللغة الفصحى يذهب به مذهب الوصف بالمصادر، ومنه من يجمعه ويثنيه.

قوله: (من عامة أحوال المخاطبين)، أراد بالمخاطبين: المجنبين، ولهم أحوالٌ جمةٌ ما عدا حال السفر، فنهوا عن قربا الصلاة إلا في حال السفر، يعني: لا تقربوا الصلاة وأنتم جنبٌ على تقديرٍ من التقادير، وفي حالٍ من الأحوال إلا في حال السفر.

ص: 7

الحال والحال التي قبلها؟ قلت: كأنه قيل: لا تقربوا الصلاة في حال الجنابة، إلا ومعكم حال أخرى تعذرون فيها، وهي حال السفر، وعبور السبيل عبارة عنه. ويجوز أن لا يكون حالاً، ولكن صفة لقوله:(جُنُباً)، أي: ولا تقربوا الصلاة جنباً غير عابري سبيل، أي: جنباً مقيمين غير معذورين. فإن قلت: كيف تصح صلاتهم على الجنابة لعذر السفر؟ قلت: أريد بالجنب: الذين لم يغتسلوا كأنه قيل: لا تقربوا الصلاة غير

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ويجوز أن لا يكون حالاً ولكن صفة) و ((إلا)) - على الصفة- بمعنى ((غير))، والفرق بين أن يكون حالاً وبين أن يكون صفةً هو أنه- على الحال- يفيد أنه لا يجوز قربان الصلاة في حال الجنابة قط؛ إلا أن يكون مسافراً؛ فدل الحصر على أن العذر غير متعدد، ثم مجيء قوله:(وإن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ) يبطل معنى الحصر، بخلافه إذا جعل صفة، ويكون المعنى: لا تقربوا الصلاة جنباً مقيمين، فيحسن:(وإن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ)؛ لجواز ترادف القيد.

قال صاحب ((المفتاح)): إذا قلت: زيدٌ المنطلق، أو: المنطلق زيدٌ؛ لزم ألا يكون غير زيدٍ منطلقاً؛ ولذلك ينهى أن يقال: زيدٌ المنطلق وعمرو، بالواو، ولا ينهى: زيدٌ المنطلق لا عمرو.

قوله: (كيف تصح صلاتهم على الجنابة لعذر السفر؟ ) هذا السؤال واردٌ على مفهوم قوله: ((لا تقربوا الصلاة جنباً مقيمين غير معذورين))؛ لأن ضمير ((صلاتهم)) راجعٌ إليهم؛ فدل مفهوم الوصف على جواز قربان الصلاة للجنب عند طرآن السفر، وأجاب: أن ليس المراد بالجنب كل من أجنب، بل أريد: الجنب المقيم الواجد للماء؛ لقرينة (حَتَّى تَغْتَسِلُوا)، ولذلك قدر:((غير مغتسلين حتى تغتسلوا)).

المعنى: لا تقربوا الصلاة مع هذا القيد حتى تغتسلوا، إلا أن تكونوا مسافرين، فإن الحكم حينئذٍ غير ما ذكر، وهو جواز قربان الصلاة مع كونه جنباً فاقداً للماء.

ص: 8

مغتسلين حتى تغتسلوا، إلا أن تكونوا مسافرين. وقال: من فسر الصلاة بالمسجد: معناه: لا تقربوا المسجد جنباً إلا مجتازين فيه، إذا كان الطريق فيه إلى الماء، أو كان الماء فيه أو احتلمتم فيه. وقيل إن رجالاً من الأنصار كانت أبوابهم في المسجد، فتصيبهم الجنابة ولا يجدون ممرّا إلا في المسجد فرخص لهم. وروي أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لم يأذن لأحد أن يجلس في المسجد أو يمرّ فيه وهو جنب إلا لعلي رضى اللَّه عنه، لأن بيته كان في المسجد. فإن قلت: أدخل في حكم الشرط أربعة؛ وهم: المرضى، والمسافرون، والمحدثون، وأهل الجنابة فبمن تعلق الجزاء الذي هو الأمر بالتيمم عند عدم الماء منهم؟ قلت: الظاهر أنه تعلق بهم جميعاً، وأنّ المرضى إذا عدموا الماء لضعف حركتهم وعجزهم عن الوصول إليه؛ فلهم أن يتيمموا، وكذلك السفر إذا عدموه لبعده، والمحدثون وأهل الجنابة كذلك إذا لم يجدوه لبعض الأسباب. وقال الزجاج: الصعيد: وجه الأرض ترابا كان أو غيره، وإن كان صخراً لا تراب عليه؛ لو ضرب

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (إذا كان الطريق فيه إلى الماء). هذا مذهب أبي حنيفة رحمه الله، وجوز الشافعي رحمه الله للجنب عبور المسجد مطلقاً.

قوله: (أو يمر به وهو جنبٌ لعلي رضي الله عنه. روينا عن الترمذي، عن أبي سعيدٍ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا علي، لا يحل لأحدٍ يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك))، وقال علي بن المنذر: قلت لضرار بن صرد: ما معنى الحديث؟ قال: لا يحل لأحدٍ يستطرقه جنياً غيري وغيرك.

قوله: (الصعيد: وجه الأرض). قال الزجاج: قال الله تعالى: (فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا)[الكهف: 107]، أعلم الله أن الصعيد يكون زلقاً، والصعدات: الطرقات، وإنما سمي

ص: 9

المتيمم يده عليه ومسح، لكان ذلك طهوره، وهو مذهب أبى حنيفة رحمة اللَّه عليه. فإن قلت: فما يصنع بقوله تعالى في سورة المائدة: (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ)[المائدة: 6] أي: بعضه، وهذا لا يتأتى في الصخر الذي لا تراب عليه؟ قلت. قالوا: إنّ «من» لابتداء الغاية. فإن قلت: قولهم إنها لابتداء الغاية قول متعسف، ولا يفهم أحد من العرب من قول القائل: مسحت برأسه من الدهن ومن الماء ومن التراب إلا معنى التبعيض، قلت: هو كما تقول. والإذعان للحق أحق من المراء.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

صعيداً لأنها نهاية ما يصعد عليه من باطن الأرض، ولا أعلم بين أهل اللغة اختلافاً في أن الصعيد: وجه الأرض. واستدل الشافعي بأن التركيب يدل على الارتفاع والعلو، ولا يكون الارتفاع إلا من الغبار.

قوله: (من المراء) المراء: المجادلة، وأصل استعماله في الشك، وقد أنصف المصنف من نفسه في هذه المسألة وهو حنفي!

الانتصاف: ويحتمل أن تعود الهاء في (مِنْهُ) على الحدث المذكور، كما تقول: تيممت من الجنابة؛ وهي إما للتعليل، أو لابتداء الغاية.

قلت: يبعد أن يترك اللفظ الصريح القريب ويعتبر البعيد المتأول، على أن قوله:(فَتَيَمَّمُوا) متسببٌ عن كونهم محدثين؛ لأنه جواب الشرط فلا يحتاج إلى تعليلٍ آخر، وعليه قول أبي العلاء:

سطوت ففي وظيف الصعب قيدٌ

بذاك وفي وتيرته عران

إذا جعل المشار إليه الاستعصاء لا السطو؛ لئلا يلزم التكرار في التعليل.

ص: 10

(إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً): كناية عن الترخيص والتيسير، لأنّ من كانت عادته أن يعفو عن الخطائين ويغفر لهم آثر أن يكون ميسراً غير معسر. فإن قلت: كيف نظم في سلكٍ واحدٍ .......

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الوظيف: مستدق الذراع، والصعب: نقيض الذلول، والوتيرة: حجاب ما بين المنخرين، والعران: العود الذي يجعل في وتيرة أنف البختي.

قوله: (كنايةٌ عن الترخيص والتيسير) يريد أن قوله: (إنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًا غَفُورًا) كالتعليل بقوله: (وإن كُنتُم مَّرْضَى) إلى آخره، والعفو والغفران يستدعيان سبق جرم، وليس في ذلك الإعذار ما يشم منه رائحته؛ فلا يصح إجراؤه على ظاهره، فوجب العدول إلى الترخيص والتيسير، ويؤيده مجيء قوله:(مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ ولَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ)[المائدة: 6] في مثل هذه الآية في المائدة، وفي تخصيص الوصفين إدماجٌ لشدة لإيجاب الطهارة في الصلاة، وأن أصل الأمر أن لا يؤتى بها إلا بالطهارة الكاملة؛ لأنها مثولٌ بين يدي جبار السماوات والأرض، وأن الترخيص بالطهارة بالتراب بابٌ من العفو والغفران، وإذا كان حال الطهارة الظاهرة إلى هذه المثابة، فما بال الطهارة الباطنة! ثم في مثل هذا التشديد في مقدمات الصلاة إيذانٌ بعلو منزلتها ورفعة مرتبتها، وكيف لا وهي أعظم العبادات التي ما خلقت الكائنات إلا لها! ومن ثم فصلت آية المائدة بقوله:(ولِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)[المائدة: 6] والله أعلم.

قوله: (كيف نظم في سلكٍ واحد؟ ) أي: هذه المذكورات الأربعة أسبابٌ لأشياء مختلفة، فكيف جمعها بحرف النسق والجهة الجامعة مفقودة؟ وخلاصة الجواب: أن المسببات وإن اختلفت لكن جمعها حكمٌ واحد، وهو الرخصة في التيمم؛ لأن الخطاب بقوله:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) لجميع الأمة الذين وجب عليهم التطهر، وأعوزهم الماء لأعذار جمةٍ من المرض، والسفر، والخوف من العدو السبع، والحبس، وعدم آلة الاستقاء، وغير ذلك مما يدخل تحت هذا المعنى، وأقدمها في استحقاق الرخصة وأغلبها وقوعاً: السفر والمرض،

ص: 11

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[فخصهما] بالذكر أولاً بقوله: (وإن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ)، ثم عطف عليهما قوله:(أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ) على إرادة أنهما مشتملان على سائر ما يدخل تحت العذر على طريقة قوله: (ولَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ المَثَانِي والْقُرْآنَ العَظِيمَ)[الحجر: 87] عطف القرآن- وهو مجموع التنزيل- على قوله: (سَبْعًا مِّنَ المَثَانِي) وهو الفاتحة؛ ليؤذن بتقدمها على مزيد شرفها؛ فعلى هذا (أَوْ) في قوله: (أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم) غير التي في قوله: (أَوْ عَلَى سَفَرٍ)، لأنها عطفت على مجموع جنسٍ واحد، وهو على كل من وجب عليه التطهر وأعوزه الماء على نوعيه، قال القاضي: ووجه هذا التقسيم أن المترخص بالتيمم إما محدثٌ أو جنب، والحال المقتضية في غالب الأمر مرضٌ أو سفر، والجنب لما سبق ذكره اقتصر على بيان حاله، والمحدث لما لم يجر ذكره ذكر من أسبابه ما يحدث بالذات وما يحدث بالعرض، واستغنى عن تفصيل أحواله بتفصيل حال الجنب وبيان العذر مجملاً؛ كأنه قيل: وإن كنتم جنباً: مرضى أو على سفر، أو محدثين جئتم من الغائط، أو لامستم النساء فلم تجدوا ماءً.

وقلت: هذا التفسير متفرعٌ على مذهب الشافعي رضي الله عنه؛ لأن الملامسة على هذا بمعنى المس لا الجماع.

روى مالكٌ عن ابن عمر، أنه كان يقول: قبلة الرجل امرأته وجسها بيده من الملامسة، فمن قبل امرأته أو جسها بيده فعليه الوضوء.

وعنه أيضاً، عن ابن مسعودٍ أنه كان يقول: من قبلة الرجل امرأته الوضوء.

وبيان ذلك أن قوله: (أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ) عطفٌ من حيث المعنى على قوله: (جُنُبًا)، فلما ذكر المقتضي للترخص في المعطوف عليه- أعني المرض والسفر- استغنى عن ذكره في المعطوف؛ فحينئذٍ التقدير: لا تقربوا الصلاة وأنتم

ص: 12

بين المرضى والمسافرين، وبين المحدثين والمجنبين، والمرض والسفر سببان من أسباب الرخصة، والحدث سبب لوجوب الوضوء، والجنابة سبب لوجوب الغسل؟ قلت: أراد سبحانه أن يرخص للذين وجب عليهم التطهر وهم عادمون للماء في التيمم بالتراب، فخص أوّلاً من بينهم مرضاهم وسفرهم؛ لأنهم المتقدّمون في استحقاق بيان الرخصة لهم بكثرة المرض والسفر وغلبتهما على سائر الأسباب الموجبة للرخصة، ثم عم كل من وجب عليه التطهر وأعوزه الماء؛ لخوف عدو أو سبع أو عدم آلة استقاء أو إرهاق في مكان لا ماء فيه وغير ذلك بما لا يكثر كثرة المرض والسفر. وقرئ: من غيط، قيل هو تخفيف غيط، كهين في هين. والغيط بمعنى الغائط.

[(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ* وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ وَكَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيراً)].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

سكارى حتى تعلموا ما تقولون، ولا جنباً حتى تغتسلوا، ولا محدثين من الغائط أو اللمس حتى تتوضؤوا وإن كنتم مرضى أو على سفر، سواءٌ كنتم مجنبين أو محدثين فلم تجدوا ماءً فتيمموا، هذا أبعد من التعسف وأقرب إلى حسن النظم؛ لأن المقصود من الآية بيان النهي عن قربان الصلاة للموانع الثلاثة؛ أعني: السكر والجنابة والحدث، وبيان الترخص في المانعين الأخيرين عند طرآن العذر، ولا يلزم أيضاً التكرير في حكم المجنبين.

قوله: (أو إرهاق) الجوهري: يقال: أرهقني فلانٌ إثماً حتى رهقته، أي: حملني إثماً حتى حملته له.

قوله: (وقرئ: من غيط) قال أبو البقاء: وهي قراءة ابن مسعود، وفيه وجهان، أحدهما: هو مصدر يغوط، وكان القياس غوطاً فقلبت الواو ياءً وأسكنت وانفتح ما قبلها لخفتها، وثانيهما: أنه أراد الغيط فخفف، مثل: سيد وميت، والجمهور: الغائط، على فاعل، والفعل منه: غاط المكان يغوط: إذا اطمأن.

ص: 13

(أَلَمْ تَرَ) من رؤية القلب، وعدى بـ (إلى) على معنى: ألم ينته علمك إليهم؟ أو بمعنى: ألم تنظر إليهم؟ (أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ) حظاً من علم التوراة، وهم أحبار اليهود (يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ): يستبدلونها بالهدى، وهو البقاء على اليهودية بعد وضوح الآيات لهم على صحة نبوّة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وأنه هو النبي العربي المبشر به في التوراة والإنجيل. (وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا) أنتم أيها المؤمنون سبيل الحق كما ضلوه، وتنخرطوا في سلكهم لا تكفيهم ضلالتهم بل يحبون أن يضل معهم غيرهم. وقرئ:(أن يضلوا) بالياء؛ بفتح الضاد وكسرها.

(وَاللَّهُ أَعْلَمُ) منكم (بِأَعْدائِكُمْ) وقد أخبركم بعداوة هؤلاء وأطلعكم على أحوالهم وما يريدون بكم فاحذروهم، ولا تستنصحوهم في أموركم، ولا تستشيروهم (وَكَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيراً) فثقوا بولايته ونصرته دونهم، ولا تبالوا بهم فإن اللَّه ينصركم عليهم ويكفيكم مكرهم.

[(مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَاسْمَعْ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (على معنى: ألم ينته علمك إليهم؟ )، وذلك أن فعل القلوب يتعدى بنفسه إلى مفعولين، وحيثما تعدى- ((إلى)) وجب أن يجعل بمعنى النظر، أو يضمن معنى الانتهاء. قال الزجاج:(أَلَمْ تَرَ) بمعنى: ألم تخبر؟ وقال أهل اللغة: ألم تعلم؟ : ألم ينته علمك إلى هؤلاء، ومعناه: اعرفهم.

قوله: (ويُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا): السبعة، و (((أن يضلوا)) بالياء؛ بفتح الضاد وكسرها): شاذ، وهو من قولهم: ضللت الدار والمسجد: إذا لم تعرف موضعها.

قوله: (ولا تستنصحوهم) أي: لا تقبلوا نصيحتهم.

ص: 14

غَيْرَ مُسْمَعٍ وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً)].

(مِنَ الَّذِينَ هادُوا): بيان لـ (لذين أوتوا نصيباً من الكتاب)؛ لأنهم يهود ونصارى، وقوله:(وَاللَّهُ أَعْلَمُ)، وقوله:(وَكَفى بِاللَّهِ)، (وَكَفى بِاللَّهِ): جُمل توسطت بين البيان والمبين على سبيل الاعتراض؛ أو بيان لـ"أعدائكم"، وما بينهما اعتراض أو صلة لـ (نصيراً) [النساء: 45]، أي: ينصركم من الذين هادوا، كقوله: (وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (لأنهم يهودٌ ونصارى) يهودٌ صح بالتنوين، وإن كان فيه علميةٌ وتأنيث؛ لأنه أريد التنكير، وفي نسخةٍ بغير تنوين، قال المصنف: من الأسماء ما يتعاقب عليه التعريفان: التعريف باللام وبالعلمية، كاليهود والمجوس.

قوله: (أو بيان ل ((أعدائكم)) وما بينهما اعتراض) بيانه: أن قوله تعالى: (واللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ)[النساء: 45] بعد قوله: (الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الكِتَابِ)[النساء: 44] المشتمل على الفريقين: اليهود والنصارى، مشعرٌ بتهديدٍ عظيم، ووعيدٍ شديدٍ لبعضٍ منهم على سبيل الإبهام، فبين بقوله:(مِنَ الَّذِينَ هَادُوا) ذلك البعض المبهم، والآية تنظر إلى معنى قوله تعالى:(لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا اليَهُودَ والَّذِينَ أَشْرَكُوا ولَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إنَّا نَصَارَى)[المائدة: 82]. وعلل العداوة على طريقة الاستئناف بقوله: (يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ)[المائدة: 13]، كأن سائلاً سأل: لم تفردت اليهود بعداوة النبي صلى الله عليه وسلم دون النصارى؟ فقيل: لأنهم حرفوا اسمه ووصفه من التوراة وكتموا الحق وأخذوا على ذلك الرشى وأظهروا المسبة بقولهم: (رَاعِنَا)[البقرة: 104] إخفاءٍ لأمره، وحطا لمنزلته، ولما كان الكلام فيه تسليةٍ لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ووعدٌ على نصرته وقهر أعدائه؛ كان قوله:(وكَفَى بِاللَّهِ ولِيًا وكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا)[النساء: 45] اعتراضاً ومؤكداً له، وفي تكرير الاعتراض دلالةٌ على الانتقام الشديد والتسلية التامة.

قال الزجاج: (واللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ)، أي: هو أعرف بهم فيعلمكم ما هم عليه.

ص: 15

الَّذِينَ كَذَّبُوا) [الأنبياء: 77]، ويجوز أن يكون كلاما مبتدأ، على أن (يُحَرِّفُونَ) صفة مبتدأ محذوف تقديره: من الذين هادوا قوم يحرفون. كقوله:

وَمَا الدَّهْرُ إلّا تَارَتَانِ فَمِنْهُمَا

أَمُوتُ وَأُخْرَى أَبْتَغِى الْعَيْشَ أَكْدَحُ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وكَفَى بِاللَّهِ ولِيًا وكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا) أعلمهم الله تعالى أن عداوة اليهود وغيرهم من الكفار لا تضرهم شيئاً؛ إذ ضمن لهم النصرة والولاية، وظهر بهذا التقدير ضعف قول صاحب ((الانتصاف)): إن المراد بتحريف الكلم ها هنا مثل قولهم: (غَيْرَ مُسْمَعٍ ورَاعِنَا)، ولم يقصد ها هنا تبديل الأحكام لقوله تعالى:(لَيًا بِأَلْسِنَتِهِمْ)، وأما في المائدة فالظاهر أن المراد الأحكام وتبديلها كالرجم؛ لقوله عقبه:(إنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ)[المائدة: 41]، فظهر مناسبة (مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ) [المائدة: 41] في المائدة؛ لأنهم نقلوا الحكم عن موضعه الذي وضعه الله تعالى فيه، واستقر فيه؛ فصار بنقله كالغريب، ولا يوجد مثله في تحريف الكلم إلا على بعد، ولولا اشتمال لفظهم على السخرية لما عظم أمره.

وقلت: والعجب أنه كيف ذهل عن قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ ويُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ)[النساء: 44] وهل الاشتراء والإضلال إلا في التبديل والتحريف وأخذ الرشى عليه؟

وكذا عطف (يَقُولُونَ) على (يُحَرِّفُونَ) يقتضي المغايرة.

قوله: ((ونَصَرْنَاهُ مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا))، قال المصنف:((هو النصر الذي مطاوعه: انتصر)). الأساس: نصره الله على عدوه ومن عدوه، وانتصرت منه، ويجوز أن يكون مضمناً معنى انتقم. الجوهري: نصره الله على عدوه ينصره نصراً، وانتصر منه: انتقم.

قوله: (وما الدهر إلا تارتان) البيت، الكدح: العمل والسعي والكسب، أي: الدهر قسمان: قسمٌ يموت فيه الشخص، وقسم يعيش فيه ولكن في تعب؛ يريد أنه لا راحة فيه.

ص: 16

أي: فمنهما تارة أموت فيها. (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ): يميلونه عنها ويزيلونه؛ لأنهم إذا بدلوه ووضعوا مكانه كلما غيره، فقد أمالوه عن مواضعه التي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: ((يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ): يميلونها عنها). الراغب: حرف الشيء: طرفه، وحروف الهجاء: أطراف الكلمة، وانحرف عن كذا وتحرف واحترف، والاحتراف: طلب حرفةٍ للمكتسب، والحرفة: الحالة التي يلزمها في ذلك نحو القعدة والجلسة، وتحريف الشيء: إمالته كتحريف القلم، وتحريف الكلام: أن تجعله على حرفٍ من الاحتمال، يمكن حمله على الوجهين، قال تعالى:(يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ).

قوله: (لأنهم إذا بدلوه) تعليلٌ لتأويل (يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ) بقوله: ((يزيلونه))؛ لأن حقيقته يحرفونه ويميلونه.

المغرب: الحرف: الطرف، ومنه الانحراف والتحرف: الميل إلى الحرف، وفي التنزيل:(مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ)[الأنفال: 16]، أي: مائلاً له وأن يصير بحرفٍ لأجله، وهو من مكائد الحرب. ف (يُحَرِّفُونَ) إذا كان بمعنى ((يزيلون)) كان كناية؛ لأنهم إذا بدلوه ووضعوا مكانه كلما غيره لزم أنهم أمالوه عن مواضعه وحرفوه. واختلاف التفسيرين بحسب اختلاف القول في فعل اليهود بتغيير التوراة. قال الإمام: وفي كيفية التحريف وجوه:

الأول: أنهم كانوا يبدلون اللفظ بلفظٍ آخر، نحو تحريفهم ((أسمر ربعة)) عن موضعه ووضع ((آدم طوالٌ)) موضعه، ونظيره قوله تعالى:(فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ)[البقرة: 79]، فإن قيل: كيف يمكن هذا في الكتاب الذي بلغت آحاد حروفه وكلماته مبلغ التواتر؟ قلنا: لعل القوم كانوا قليلين وكذا العلماء فتواطؤوا على التبديل.

الثاني: أن المراد بالتحريف إلقاء الشبه الباطلة والتأويلات الفاسدة، وجر اللفظ من

ص: 17

وضعها اللَّه فيها، وأزالوه عنها. وذلك نحو تحريفهم «أسمر ربعة» عن موضعه في التوراة بوضعهم:«آدم طوال» مكانه، ونحو تحريفهم:«الرجم» بوضعهم «الحدّ» بدله. فإن قلت: كيف قيل هاهنا (عَنْ مَواضِعِهِ) وفي المائدة: (مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ)[المائدة: 41]؟ قلت: أمّا (عَنْ مَواضِعِهِ) فعلى ما فسرناه من إزالته عن مواضعه التي أوجبت حكمة اللَّه وضعه فيها بما اقتضت شهواتهم من إبدال غيره مكانه. وأمّا (مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ) فالمعنى: أنه كانت له مواضع هو قمن بأن يكون فيها، فحين

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

معناه الحق إلى باطلٍ بوجوه الحيل اللفظية؛ كما تفعله المبتدعة في زماننا.

الثالث: أنهم كانوا يحرفون كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقلت: يؤيد الأول ما روينا في ((صحيح البخاري)) عن عبد الله بن عباس، قال: كيف تسألون أهل الكتاب عن شيءٍ وكتابكم الذي أنزل على رسوله أحدث تقرؤونه محضاً لم يشب، وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدلوا كتاب الله وغيروه، وكتبوا بأيديهم الكتاب، وقالوا: هو من عند الله، لشتروا به ثمناً قليلاً!

قوله: (طوال) الطوال بالضم: الطويل، يقال: طويلٌ وطوال، يعني به رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال محيي السنة:(يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ)، (مَّوَاضِعِهِ) يعني: صفة محمدٍ صلوات الله عليه. وفي قوله: ((أسمر ربعةٌ)) نظرٌ؛ لأنه كان ربعةً من القوم، أبيض مشرباً بحمرة، رواه الترمذي عن إبراهيم بن محمدٍ من ولد علي.

قوله: (هو قمنٌ) بالتحريك والكسر، أي: خليق. الجوهري: يقال: أنت قمنٌ أن تفعل كذا بالتحريك، أي: خليقٌ وجدير، لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث.

ص: 18

حرفوه تركوه كالغريب الذي لا موضع له بعد مواضعه ومقارّه، والمعنيان متقاربان. وقرئ:"يحرّفون الكلام" والكلم - بكسر الكاف وسكون اللام-: جمع كلمة؛ تخفيف كلمة. قولهم: (غَيْرَ مُسْمَعٍ) حال من المخاطب، أي: اسمع وأنت غير مسمع، وهو قول ذو وجهين، يحتمل الذمّ، أي: اسمع منا مدعوا عليك بـ: لا سمعت؛ .....

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (والمعنيان متقاربان) وذلك أن ((عن)) للمجاوزة و ((بعد)) نقيض قبل، والمجاوزة عن الشيء مسبوقٌ باستقباله والوصول إليه بعد أن يكون [ذلك] الشيء قارًّا في مكانه.

ومعنى قوله: (مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ)[المائدة: 41]: من بعد أن كان قارًّا في موضعه ثابتاً فيه لا ينبغي أن يزال عنه. نعم، الثاني أبلغ؛ لأن اقتضاء الاستقرار فيه من مقتضى ذلك الشيء، ولهذا قال:((هو قمنٌ بأن يكون فيها))، وفي الأول: من أمرٍ خارجيٍّ وهو المراد بقوله: ((أوجبت حكمة الله وضعه فيها)).

قوله: (تخفيف كلمة). قال المصنف: كما يقال: اللبن في جمع اللبنة تخفيف اللبنة.

قوله: (وهو قولٌ ذو وجهين) وهو المسمى في البديع بالتوجيه، وهو: إيراد كلامٍ محتملٍ لوجهين مختلفين الذم والمدح.

الراغب: السمع: قوةٌ في الأذن بها تدرك الأصوات، وفعله يقال له: السمع أيضاً، وقد سمع سمعاً، ويعتبر تارةً بالسمع عن الأذن، قال تعالى:(خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ)[البقرة: 7]، وتارةً عن الطاعة؛ تقول: اسمع ما أقول لك، و: لم تسمع ما قلت، أي: لم تفهم، وقوله:(سَمِعْنَا وعَصَيْنَا)[النساء: 46] أي: فهمنا ولم نأتمر بك، وقوله:(واسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ)[النساء: 46] إما دعاءٌ للإنسان أو دعاءٌ عليه، فالأول نحو: أسمعك الله، أي: لا جعلك الله أصم، والثاني نحو: أسمعت فلاناً، إذا سببته، وروي أن أهل الكتاب كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم ذلك، ويوهمون أنهم يدعون له وهم يدعون عليه بذلك.

ص: 19

لأنه لو أجيبت دعوتهم عليه لم يسمع، فكان أصم غير مسمع، قالوا ذلك اتكالاً على أنّ قولهم: لا سمعت، دعوة مستجابة؛ أو اسمع غير مجاب إلى ما تدعو إليه، ومعناه: غير مسمعٍ جواباً يوافقك، فكأنك لم تسمع شيئاً؛ أو اسمع غير مسمعٍ كلاماً ترضاه، فسمعك عنه نابٍ. ويجوز على هذا أن يكون (غَيْرَ مُسْمَعٍ) مفعول "اسمع"، أي: اسمع كلاماً غير مسمع إياك؛ لأن أذنك لا تعيه نبوّاً عنه. ويحتمل المدح، أي: اسمع غير مسمع مكروهاً، من قولك: أسمع فلان فلاناً: إذا سبه. وكذلك قولهم (راعِنا) يحتمل: راعنا نكلمك، أي: ارقبنا وانتظرنا. ويحتمل شبه كلمة عبرانية أو سريانيةٍ كانوا يتسابون بها، وهي: راعينا، فكانوا سخرية بالدين، وهزؤا برسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يكلمونه بكلام محتمل ينوون به الشتيمة والإهانة، ويظهرون به التوقير والإكرام.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (لأنه لو أجيبت) تعليل قوله: ((يحتمل الذم)) أي: (غَيْرَ مُسْمَعٍ) يحتمل الذم؛ لأنه لو أجيبت دعوتهم لكان أصم، فعلى هذا (غَيْرَ مُسْمَعٍ) يجري مجرى اللازم واردٌ على الدعاء، ولهذا لم يقدر له معمولاً كما قدره في الوجوه الآتية.

قوله: (ويجوز على هذا) أي: على أن يكون المعنى: اسمع غير مسمع كلاماً ترضاه لجامع نبو السمع عن المسموع. واعلم أن قوله: (غَيْرَ مُسْمَعٍ) إما حالٌ من فاعل ((اسمع))، أو مفعولٌ به؛ وعلى الأول: إما هو من حذف المتعلق للتعميم، أو مُجَرى مجرى اللازم، وهو المراد من قوله:((وأنت غير مسمع)) أو يقدر له معمولٌ إما جواباً أو كلاماً. ولما كان هذا المعنى الأخير موافقاً لتقدير المفعول به قرنه به.

قوله: (يحتمل: راعنا نكلمك) إلى آخره، جملةٌ مستأنفةٌ على سبيل البيان لوجه التشبيه، أي: قولهم هذا أيضاً قولٌ ذو وجهين يحتمل إذا أريد (رَاعِنَا) نكلمك، والذم إذا كانت شبه كلمةٍ عبرانية.

قوله: (فكانوا سخريةً) مسببٌ عن قوله، وهو قوله:(قولٌ ذو وجهين))، يعني: إذا كان هذا القول ذا وجهين فهم أهل سخرية، أو كانوا يكلمونه سخريةً واستهزاءً.

ص: 20

(لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ): فتلا بها وتحريفاً، أي: يفتلون بألسنتهم الحق إلى الباطل، حيث يضعون (راعِنا) موضع (انْظُرْنا)، و (غَيْرَ مُسْمَعٍ) موضع: لا أسمعت مكروها. أو يفتلون بألسنتهم ما يضمرونه من الشتم إلى ما يظهرونه من التوقير نفاقاً. فإن قلت: كيف جاؤوا بالقول المحتمل ذى الوجهين بعد ما صرحوا وقالوا: (سمعنا وعصينا)؟ قلت: جميع الكفرة كانوا يواجهونه بالكفر والعصيان. ولا يواجهونه بالسب ودعاء السوء، ويجوز أن يقولوه فيما بينهم، ويجوز أن لا ينطقوا بذلك، ولكنهم لما لم يؤمنوا جعلوا كأنهم نطقوا به. وقرأ أبيّ:(وأنظرنا)، من الإنظار وهو الإمهال. فان قلت: إلام يرجع الضمير في قوله: (لَكانَ خَيْراً لَهُمْ)؟ قلت إلى (أَنَّهُمْ قالُوا)؛ لأن المعنى: ولو ثبت قولهم: (سمعنا وأطعنا) لكان قولهم ذلك (خيراً لهم وَأَقْوَمَ) وأعدل وأسدّ، (وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ) أي: خذلهم بسبب كفرهم، وأبعدهم عن ألطافه، (فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا) إيماناً (قَلِيلًا)، أي: ضعيفاً ركيكاً لا يعبأ به، وهو إيمانهم بمن خلقهم مع كفرهم بغيره، أو أراد بالقلة العدم، كقوله:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (أي: يفتلون بألسنتهم) إشارةً إلى أن (لَيًا) حالٌ من فاعل (يَقُولُونَ)، قال أبو البقاء والكواشي:(لَيًا بِأَلْسِنَتِهِمْ) مفعولٌ له، أو مصدرٌ في موضع الحال، أي: لاوين ألسنتهم استهزاءً وكذلك (وطَعْنًا)، والأصل في ((ليّ)): لوي؛ فقلبت الواو ياءً وأدغمت.

قوله: (ويجوز أن يقولوه) أي: سمعنا وعصينا.

قوله: (لأن المعنى: ولو ثبت قولهم) يريد أنه ثبت في النحو أن الواقعة بعد ((لو)) في تأويل الفاعل للفعل المقدر؛ لأن ((لو)) لابد أن يليها الفعل. قال القاضي: وإنما يجب حذف الفعل بعد ((لو)) في مثل ذلك لدلالة ((أن)) عليه ووقوعه موقعه.

ص: 21

قَلِيلُ التَّشَكِّي لِلْمُهِمِّ يُصِيبُهُ

أى عديم التشكي، أو (إلا قليلاً) منهم قد آمنوا.

[(يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً)].

(أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً) أي: نمحو تخطيط صورها من عين وحاجب وأنف وفم (فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها) فنجعلها على هيئة أدبارها، وهي الأقفاء مطموسة مثلها. والفاء للتسبيب، وإن جعلتها للتعقيب على أنهم توعدوا بعقابين أحدهما عقيب الآخر، ردها على أدبارها بعد طمسها؛ فالمعنى: أن نطمس وجوها فننكسها، الوجوه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (قليل التشكي للمهم يصيبه). تمامه:

كثير الهوى شتى النوى والمسالك

أي: هو كثير الهم مختلف الوجوه والطرق لا يقف أمله على فنٍّ واحد؛ بل يتجاوز إلى فنونٍ مختلفةٍ، صبورٌ على النوائب، لا يكاد يشتكي منها، واستعمل لفظ القليل وقصد به إلى نفي الكل، والمعنى على هذا: ليس لهم إيمانٌ إلا إيماناً يدل على أن لا إيمان لهم ألبتة، كقوله تعالى:(لا يَذُوقُونَ فِيهَا المَوْتَ إلاَّ المَوْتَةَ الأُولَى)[الدخان: 56].

قوله: (أو (إلاَّ قَلِيلاً) منهم قد آمنوا) فعلى الأول (إلاَّ قَلِيلاً) مستثنىً من مصدر (يُؤْمِنُونَ)، وعلى هذا ((من)) فاعله.

قوله: (والفاء للتسبيب) فيكون إرادة الطمس سبباً لردها على أدبارها، أي: أردنا أن نردها إلى أدبارها ففعلنا، فلا يكون الرد غير الطمس؛ ولهذا قال:((فنجعلها على هيئة أدبارها)).

قوله: (فالمعنى: أن نطمس وجوهاً) جزاءٌ لقوله: ((وإن جعلتها للتعقيب)).

ص: 22

إلى خلف، والأقفاء إلى قدّام؛ ووجه آخر وهو أن يراد بالطمس القلب والتغيير، كما طمس أموال القبط فقلبها حجارة؛ وبالوجوه رؤوسهم ووجهاؤهم، أي: من قبل أن نغير أحوال وجهائهم، فنسلبهم إقبالهم ووجاهتهم، ونكسوهم صغارهم وإدبارهم، أو نردهم إلى حيث جاءوا منه، وهي: أذرعات الشام، يريد: إجلاء بنى النضير.

فإن قلت: لمن الراجع في قوله: (أَوْ نَلْعَنَهُمْ) قلت: للوجوه؛ إن أريد الوجهاء، أو لأصحاب الوجوه؛ لأن المعنى: من قبل أن نطمس وجوه قوم أو يرجع إلى (الَّذِين َأُوتُوا الْكِتابَ) على طريقة الالتفات. (أَوْ نَلْعَنَهُمْ): أو نجزيهم بالمسخ كما مسخنا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ووجهٌ آخر) عطفٌ على قوله: ((أي: نمحو تخطيط صورها))، يريد أن الطمس مشتركٌ بين محو الأثر وقلب الحقيقة. الأساس: طمس الأثر وانطمس، وطمسته الريح، وطمس على أموال آل فرعون، ذكره في قسم الحقيقة. والمعنى الثاني: لما لم يكن ظاهراً في الوجوه جعلها عبارةً عن الوجهاء، وفسر الطمس بتغيير أحوالهم وقلب العز إلى ذل؛ لذلك قال:((فنسلبهم إقبالهم ونكسوهم صغارهم)).

قوله: (أو نردهم) عطفٌ على قوله: ((فنسلبهم))، والفاء في ((فنسلبهم)) للتسبيب لا غير كما سبق؛ لأن معنى سلب إقبالهم ومعنى تغيير حال وجهائهم واحد، والفاء في ((نردهم)) المقدر قيل: يحتمل التعقيب أيضاً، على معنى أن يكون الإجلاء بعد تغيير أحوالهم، فيكون عقاباً غب عقاب، والتسبب أظهر لقوله بعده:((فإن كان الطمس تبديل أحوال رؤسائهم أو إجلاءهم إلى الشام)).

قوله: (وجوه قوم) فعلى هذا التنوين في قوله تعالى: (وجُوهًا) عوضٌ من المضاف إليه، وعلى الأول: للتفخيم؛ ولهذا قال: ((وجهائهم)).

قوله: (على طريقة الالتفات) أراد الالتفات من الخطاب المستفاد من البدء في قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ) إلى الغيبة في قوله: (أَوْ نَلْعَنَهُمْ).

ص: 23

أصحاب السبت. فإن قلت: فأين وقوع الوعيد؟ قلت: هو مشروط بالإيمان، وقد آمن منهم ناس، وقيل: هو منتظر، ولا بدّ من طمسٍ ومسخٍ لليهود قبل يوم القيامة؛ ولأنّ اللَّه أوعدهم بأحد الأمرين؛ بطمس وجوه منهم، أو بلعنهم- فإن الطمس تبديل أحوال رؤسائهم- أو إجلائهم إلى الشام، فقد كان أحد الأمرين، وإن كان غيره فقد حصل اللعن، فإنهم ملعونون بكل لسان، والظاهر اللعن المتعارف دون المسخ؛ ألا ترى إلى قوله:(قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ)[المائدة: 60].

(وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا): فلا بدّ أن يقع أحد الأمرين إن لم يؤمنوا.

[(إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً)].

فإن قلت:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (هو مشروطٌ بالإيمان) صح من الأصل، أي: بعدم الإيمان، كقوله تعالى:(يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا)[النساء: 176]، أي: كراهة أن تضلوا.

قوله: (ولأن الله أوعدهم) جوابٌ آخر، يعني أنه تعالى جاء ب ((أو)) في قوله:(أَوْ نَلْعَنَهُمْ) فلابد من وقوع أحد الأمرين: إما الطمس، وإما اللعنة. ثم الطمس إن أريد به سلب الإقبال أو الإجلاء إلى الشام فقد حصلا، أما الإجلاء فلا ارتياب فيه، وأما سلب الإقبال فهو بضرب الجزية عليهم، وإن أريد طمس وجوههم على أدبارهم حقيقةً كما في الوجه الأول، فهو وإن لم يحصل؛ فقد حصل اللعن.

قوله: (والظاهر) عطفٌ على قوله: ((أو نجزيهم بالمسخ)، والسؤال لا يرد على هذا؛ لأن اللعن واقعٌ، فإنهم ملعونون بكل لسان، وبين وجه الظهور بقوله تعالى: (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ

) الآية [المائدة: 60] لأنه تعالى عطف (وجَعَلَ مِنْهُمُ القِرَدَةَ والْخَنَازِيرَ) - وهو المسخ- على قوله: (لَّعَنَهُ اللَّهُ)؛ فالظاهر المغايرة بين المعطوفين.

ص: 24

قد ثبت أن اللَّه عز وجل يغفر الشرك لمن تاب منه، وأنه لا يغفر ما دون الشرك من

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (قد ثبت أن الله تعالى يغفر الشرك لمن تاب) إلى آخره، توجيهه: أنه ثبت عند علماء أهل العدل أن حكم الشرك وما دونه من الكبائر سواءٌ في أنهما لا يغفران قبل التوبة ويغفران بعدها، فما وجه قوله:(لا يَغْفِرُ) و ((يغفر))؟ وما فائدة التقييد بقوله: (لِمَن يَشَاءُ)؟ وجه الجواب: أن فائدة التقييد أن يبين به عدم التوبة في الأول، والتوبة في الثاني.

انظر إلى هذا التعسف حيث جعل الأمرين المتنافيين متوجهين إلى معنىً واحد، يراد به معنيان متضادان معاً!

الانتصاف: عسر الآية بتفسيرها على مذهبه؛ لأنه إن كان المراد ((لمن لم يتب)) فيهما، فلم قيد ما دون الشرك؟ وإن كان المراد ((لمن تاب)) فلم أطلق الشرك؟ فتأولها كما ترى، على أن التوبة عندهم موجبةٌ للعفو؛ فلا يجوز تعليقها بالمشيئة.

وقال القاضي: فيه تقييدٌ بلا دليل؛ إذ ليس عموم آيات الوعيد بالمحافظة أولى من الوعد، ونقضٌ لمذهبهم؛ فإن تعليق الأمر بالمشيئة ينافي وجوب التعذيب قبل التوبة، ووجوب الصفح بعدها، فالآية كما هي حجةٌ عليه.

وقلت: أما المثال الذي ذكره وهو ((أن الأمير لا يبذل الدينار لمن لا يستأهله ويبذل القنطار لمن يستأهله))؛ فلا يصح للاستشهاد؛ لأنه يحتمل أن يراد به أن الملك حكيمٌ حازمٌ في أموره عازفٌ بما يفعله لا يعطي إلا من يستحقه ولا يمنع إلا من لا يستحقه؛ لأنه يضع الشيء في موضعه، وأن يراد أنه ذو جبروتٍ مستبدٌّ برأيه، ومتصرفٌ في ملكه كيف شاء أو أراد، على أن المقام يقتضي الثاني كما سبق في سورة آل عمران عند قوله تعالى:(لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ)[آل عمران: 128].

الراغب: إن قيل لمَ لم يشترط في قوله تعالى: (إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ) التوبة؟ قيل: إن المشرك إنما يلزمه الاسم ما دام يلزمه الوصف؛ فإذا زال وصفه زال اسم الشرك

ص: 25

الكبائر إلا بالتوبة، فما وجه قوله:(إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ)؟ قلت: الوجه أن يكون الفعل المنفي والمثبت جميعاً موجهين إلى قوله تعالى: (لِمَنْ يَشاءُ)، كأنه قيل: إن اللَّه لا يغفر لمن يشاء الشرك، ويغفر لمن يشاء ما دون الشرك، على أنّ المراد بالأول من لم يتب، وبالثاني من تاب، ونظيره قولك: إنّ الأمير لا يبذل الدينار ويبذل القنطار لمن يشاء، تريد لا يبذل الدينار لمن لا يستأهله، ويبذل القنطار لمن يستأهله. (فَقَدِ افْتَرى إِثْماً) أي: ارتكبه وهو مفترٍ مفتعل ما لا يصح كونه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عنه؛ فإذا كان كذلك فالمشرك ما دام مشركاً لا يغفر له، ومن تاب زال عنه اسم الشرك، فإذاً التائب الذي يغفر له ليس هو المشرك، بل هو المؤمن في الحقيقة، ومتى أطلق عليه اسم المشرك فعلى اعتبار الماضي.

وقوله: (أَن يُشْرَكَ بِهِ) موضعه النصب، أي: لا يغفر الشرك، وقيل: لا يغفر من أجل أن يشرك به، أي: لا يغفر من أجل الشرك شيئاً من الذنوب.

تنبيه: إن الذنوب قد تغفر مع انتفاء الشرك كما قال: (إنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ المُحْسِنِينَ)[الأعراف: 56].

قوله: ((فَقَدِ افْتَرَى إثْمًا)، أي: ارتكبه) قال القاضي: أي: ارتكب ما يستحقر دونه الآثام، وهو إشارةٌ إلى المعنى الفارق بينه وبين سائر الآثام، والافتراء كما يطلق على القول يطلق على الفعل، وكذلك الاختلاق.

وقلت: لا يعلم منه أنه مشتركٌ أو مجازٌ وحقيقةٌ. والظاهر من كلام المصنف أنه- أي: ارتكبه- استعارةٌ تبعية، شبه ما لا يصح كونه من الفعل بما لا يصح ثبوته من القول، ثم استعمل في الفعل ما كان مستعملاً في القول من الافتراء، وإليه الإشارة بقوله:((مفتعلٌ ما لا يصح كونه)).

ص: 26

[(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً* انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفى بِهِ إِثْماً مُبِيناً)].

(الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ): اليهود والنصارى، قالوا:(نحن أبناء اللَّه وأحباؤه)[المائدة: 18]، (وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى) [البقرة: 111]، وقيل: جاء رجال من اليهود إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بأطفالهم، فقالوا: هل على هؤلاء ذنب؟ قال: "لا"، قالوا: واللَّه ما نحن إلا كهيئتهم ما عملناه بالنهار كفر عنا بالليل، وما عملناه بالليل كفر عنا بالنهار، فنزلت. ويدخل فيها كل من زكى نفسه ووصفها بزكاء العمل وزيادة الطاعة والتقوى والزلفى عند اللَّه. فإن قلت: أما قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: «واللَّه إني لأمين في السماء أمين في الأرض» ؟ قلت: إنما قال ذلك حين قال له المنافقون: اعدل في القسمة؛ إكذاباً لهم، إذ وصفوه بخلاف ما وصفه به ربه، وشتان

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ووصفها بزكاء العمل وزيادة الطاعة والتقوى والزلفى عند الله تعالى) عطفٌ على ((زكى نفسه)) على سبيل البيان، كأن الذي ذكره هو حد التزكية، قال القاضي: التزكية: نفي ما يستقبح فعلاً أو قولاً.

وقال الراغب: التزكية: إما بالفعل؛ وهو أن يتحرى الإنسان ما فيه تطهير بدنه، وذلك يصح أن ينسب إلى العبد، كقوله تعالى:(قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا)[الشمس: 9]، وإلى من يأمره بفعله، كقوله تعالى:(خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وتُزَكِّيهِم بِهَا)[التوبة: 103]. وإما بالقول؛ وذلك بالإخبار عنه بذلك، ومدحه به، ومحظورٌ على الإنسان أن يفعل ذلك بنفسه، لا بالشرع فقط؛ بل بمقتضى العقل أيضاً من غير داعٍ إلى ذلك، فالتزكية في الحقيقة هي: الإخبار عما ينطوي عليه الإنسان، ولا يعرف ذلك إلا الله؛ ولهذا قال:(بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ).

قوله: (إنما قال ذلك حين قال له المنافقون: اعدل في القسمة) يعني أنه صلوات الله

ص: 27

من شهد اللَّه له بالتزكية، ومن شهد لنفسه أو شهد له من لا يعلم.

(بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ): إعلام بأن تزكية اللَّه هي التي يعتدّ بها، لا تزكية غيره؛

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عليه ما قال ذلك افتخاراً؛ بل قاله إخباراً عما شرفه الله بتلك الكرامة، وردًّا لمن وصفه بخلاف ما وصفه الله تعالى إبلاغاً لما أوحي إليه، روينا عن البخاري ومسلمٍ وأبي داود والنسائي، عن أبي سعيدٍ في حديثٍ طويل، وفيه: بعث عليٌّ رضي الله عنه وهو باليمن إلى النبي صلى الله عليه وسلم بذهبيةٍ في تربتها؛ فقسمها بين أربعة، وفيه: فأقبل رجلٌ غائر العينين ناتئ الجبين، كث اللحية، مشرف الوجنتين، محلوق الرأس، فقال: يا محمد، اتق الله! فقال:((فمن يطيع الله إذا عصيته؟ فيأمنني على أهل الأرض ولا تأمنوني! ))، فسأل خالد بن الوليد قتله، فمنعه، وفي روايةٍ لمسلم:((ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر السماء صباحاً ومساءًا! )).

قوله: (إعلامٌ بأن تزكية الله هي التي يعتد بها) يعني: قوله تعالى: (بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ) كلامٌ واردٌ على الإضراب لما سبق، فوجب تنزيل ما قبل كلمة الإضراب على ما يصح أن يكون مضرباً عما بعدها، وهو إثبات تزكيةٍ منهم لأنفسهم لا يعتد بها؛ لأجل أنهم جاهلون عاجزون، كأنهم لما زكوا أنفسهم ادعوا أنهم عارفون بأحوال أنفسهم وأنها صالحةٌ للتزكية، لما فيها من الخلال المرضية، وأنهم قادرون أيضاً على استيفاء جميع ما يستحقونه من الثواب على ما لأجله زكوا أنفسهم، وهو العمل والطاعة والتقوى، فرد عليهم ذلك بأن قيل لهم: ليس كما تزعمون؛ بل الله هو وحده يزكي، ولا يزكي إلا من يشاء وأراده واصطفاه لذلك بأن وفقه لقمع رذائل النفس الأمارة، وهداه إلى العروج إلى مدارج الكمال ومعارج القدس، وأنه هو وحده قادرٌ على الوفاء بما يستأهلونه من الزلفى عنده والكرامات، فيوفيهم على النقير والقطمير، هذا على أن يجعل (ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً) تكميلاً لقوله:(بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ) وإليه لمح بقوله: ((يثابون على زكائهم ولا ينقص من ثوابهم)).

ص: 28

لأنه هو العالم بمن هو أهل للتزكية. ومعنى (يزكي من يشاء): يزكي المرتضين من عباده الذين عرف منهم الزكاء فوصفهم به. (وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا) أي: الذين يزكون أنفسهم يعاقبون على تزكيتهم أنفسهم حق جزائهم، أو من يشاء يثابون على زكائهم ولا ينقص من ثوابهم، ونحوه (فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى) [النجم: 32].

(كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ) في زعمهم أنهم عند اللَّه أزكياء! (وَكَفى) بزعمهم هذا (إِثْماً مُبِيناً) من بين سائر آثامهم.

[(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً* أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً)].

الجبت: الأصنام وكل ما عبد من دون اللَّه، والطاغوت: الشيطان. وذلك أن حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف اليهوديين خرجا إلى مكة مع جماعة من اليهود يحالفون قريشاً على محاربة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فقالوا: أنتم أهل كتابٍ وأنتم أقرب إلى

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وإذا جعل تأكيداً لمعنى الإنكار والتعجب المتولد من الوعيد في قوله: (أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ)؛ كان تذييلاً له، وإليه الإشارة بقوله:((يعاقبون على تزكيتهم أنفسهم حق جزائهم))، واتصال قوله:(انظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ) بما قبله من حيث إنه تعالى لما عجبه صلوات الله عليه من تزكيتهم أنفسهم ونسبهم إلى الجهل والعجز؛ أمره بالتفكر في مآل [تلك] التزكية، وأنها تؤدي إلى الافتراء على الله، وادعاء أنهم مقربون عند الله ذوو زلفى؛ لأن المزكى من طهره الله من جميع الآثام ومحضه من الرذائل، واصطفاه لقربه، وهذا أعظم ما ينبئ عن الجهل والعجز؛ ولذلك قال تعالى:(وكَفَى بِهِ إثْمًا مُّبِينًا)، وأشار المصنف إليه بقوله:(((وكَفَى) بزعمهم هذا (إثْمًا مُّبِينًا) من بين آثامهم)).

ثم إنه تعالى كرر كلمة التعجب، وهو قوله:(أَلَمْ تَرَ) لإناطة نوعٍ آخر من قبائح أهل الكتاب بها.

ص: 29

محمدٍ منكم إلينا فلا نأمن مكركم، فاسجدوا لآلهتنا حتى نطمئن إليكم ففعلوا فهذا إيمانهم بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ؛ لأنهم سجدوا للأصنام وأطاعوا إبليس فيما فعلوا. وقال أبو سفيان: أنحن أهدى سبيلاً أم محمد؟ فقال كعب:ماذا يقول محمد؟ قالوا يأمر بعبادة اللَّه وحده، وينهى عن الشرك. قال: وما دينكم؟ قالوا: نحن ولاة البيت، نسقي الحاج، ونقري الضيف، ونفك العاني، وذكروا أفعالهم، فقال: أنتم أهدى سبيلاً.

[(أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً* أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً* فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً)].

وصف اليهود بالبخل والحسد وهما شرّ خصلتين؛ يمنعون ما أوتوا من النعمة ويتمنون أن تكون لهم نعمة غيرهم فقال: (أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ) على أن (أم) منقطعة، ومعنى الهمزة لإنكار أن يكون لهم نصيب من الملك ثم قال:(فَإِذاً لا يُؤْتُونَ)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (أنتم أهدى سبيلاً) فيه إشعارٌ بأن قوله تعالى: (هَؤُلاءِ) وضع موضع (أَنتُمْ) ليميزه أكمل تمييز؛ فعلى هذا قوله: (لِلَّذِينَ كَفَرُوا) معناه: أنهم يخاطبون غيرهم لأجل الذين كفروا، وأن سبيل هؤلاء ظهر ظهور المحسوس فلا يبقى مع أحدٍ فيه شكٌّ عناداً منهم، وتغطيةً للحق الواضح الجلي، ولعل الله تعالى وضع موضع قولهم الدال على الظلم قوله:(مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا) إشعاراً بأنهم ظلموا في ذلك حيث وضعوا الذم موضع المدح.

قوله: (وهما شر خصلتين) أي: إذا اعتبر الخصال خَصْلتَيْنِ خَصْلتَيْنِ، فهما شر كل خَصْلتَيْنِ خَصْلتَيْن، وأما إفراد ((شر)) فلجواز إفراده ومطابقته، والإفراد أخصر.

قوله: (فقال: (أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ) يتعلق بقوله: ((وصف اليهود)) يعني: أراد أن يصفهم بالبخل فقال: (أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ)، وبالحسد فقال:(أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ).

ص: 30

أي: لو كان لهم نصيب من الملك فإذاً لا يؤتون أحداً مقدار نقير؛ لفرط بخلهم، والنقير: النقرة في ظهر النواة، وهو مثل في القلة كالفتيل والقطمير.

والمراد بالملك: إما ملك أهل الدنيا، وإما ملك اللَّه كقوله:(قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ)[الإسراء: 100]، وهذا أوصف لهم بالشح، وأحسن لطباقه نظيره من القرآن، ويجوز أن يكون معنى الهمزة في (أم) لإنكار أنهم قد أوتوا نصيباً من الملك وكانوا أصحاب أموال وبساتين وقصور مشيدة، كما تكون أحوال الملوك. وأنهم لا يؤتون أحداً مما يملكون شيئاً. وقرأ ابن مسعود: (فإذاً

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (لطباقه) الضمير ل ((هذا))، وقد أضاف إلى الفاعل، و ((نظيره)): مفعوله، وإنما كان أوصف لهم بالشح وأحسن لطباق القرآن؛ لأنه أعرق في بيان شحهم حيث جعل نصيبهم من الملك ما ليس شيءٌ أوسع منه، وهو ملك الله، ووصف منعهم لشيءٍ ليس شيءٌ أقل منه، وهو النقرة في النواة، فأعرق في طرفي الإفراط والتفريط.

قوله: (الإنكار أنهم قد أوتوا) والفرق بين الوجهين أن الإنكار على الأول متوجهٌ إلى أن يكون لهم نصيبٌ من الملك فقط، أي: ليس لهم نصيب، فالفاء جزاءٌ لشرطٍ محذوف، يعني: إن قدر أن لهم نصيباً فإذاً لا يؤتون الناس نقيراً، وإليه أشار بقوله:((لو كان لهم نصيبٌ من الملك))، وعلى الثاني متوجهٌ إلى أن يكون لهم نصيب، وإلى أنهم لا يؤتون أحداً شيئاً؛ فالإنكار منصبٌ على الأمرين، يعني: أوتوا نصيباً من الملك ليشكروا وينفقوا في سبيل الله؛ فجعلوه سبباً للإمساك، كقوله تعالى:(وتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ)[الواقعة: 82]، فالفاء سببيةٌ، نحو اللام في قوله:(فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًا)[القصص: 8].

قوله: (وكانوا أصحاب أموالٍ وبساتين)، واستشهادٌ لإثبات الملك لهم، وهي جملةٌ حالية؛ فالهمزة على الثاني للإنكار والتقرير، ومعناه: لما كان، وعلى الأول للإنكار فقط، ومعناه: لم يكن.

ص: 31

لا يؤتوا)، على إعمال "إذن" عملها الذي هو النصب، وهي ملغاة في قراءة العامة، كأنه قيل: فلا يؤتون الناس نقيراً إذن. (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ): بل أيحسدون رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين؟ على إنكار الحسد واستقباحه! وكانوا يحسدونهم على ما آتاهم اللَّه من النصرة والغلبة وازدياد العزّ والتقدّم كل يوم. (فَقَدْ آتَيْنا): إلزام لهم بما عرفوه من

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (على إعمال ((إذن)) عملها الذي هو النصب، وهي ملغاةٌ في قراءة العامة)، قال الزجاج: وأما رفع (يُؤْتُونَ) فعلى معنى: فلا يؤتون الناس نقيراً إذن، ومن نصب قال: فإذن لا يؤتوا، وهو شاذ، والمصحف لا يخالف. قال سيبويه:((إذن: في عوامل الأفعال بمنزلة ((أظن)) في عوامل الأسماء))، فإذا ابتدأت ((إذن)) وأنت تريد الاستقبال نصبت لا غير، تقول: إذن أكرمك، فإذا جعلتها معترضةً ألغيتها فقلت: أنا إذن أكرمك، فإن أتيت بها مع الواو والفاء قلت: فإذن أكرمُك، وإن شئت: فإذن أكرمَك، فمن نصب بها جعل الفاء ملصقةً بها في اللفظ والمعنى، ومن رفع ((أكرمُك)) جعل ((إذن)) لغواً، وجعل الفاء في المعنى معلقةً ب ((أكرمُك))، المعنى: فأكرمُك إذن، وتأويل ((إذن)): إذا كان الأمر كما ذكرت أو كما جرى.

قوله: (كأنه قيل: فلا يؤتون الناس نقيراً إذن) ولما كان ((إذن)) جواباً وجزاءً فلابد من السؤال، والسؤال هنا مقدر، فكأنه لما قيل منكراً:(أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ)، أي: ليس لهم ذلك ولا ينبغي، اتجه لسائلٍ أن يقول: فلو قدر أن يكون لهم نصيبٌ من الملك فماذا يكون حينئذٍ؟ فقيل: فلا يؤتون الناس نقيراً، ثم أقحم ((إذن)) توكيداً.

قوله: (على إنكار الحسد) متعلقٌ بقوله: ((بل أيحسدون)) من حيث المعنى، يعني:((أم)) منقطعةٌ بمعنى ((بل))، والهمزة واردةٌ على إنكار الحسد.

قوله: ((فَقَدْ آتَيْنَا): إلزامٌ لهم بما عرفوه) فالفاء في (فَقَدْ) مثلها في قوله تعالى: (يَا أَهْلَ الكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ أَن تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ ولا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُم بَشِيرٌ ونَذِيرٌ)[المائدة: 19] وقول القائل:

ص: 32

إيتاء اللَّه الكتاب والحكمة. (آلَ إِبْراهِيمَ): الذين هم أسلاف محمد صلى الله عليه وسلم وأنه ليس ببدع أن يؤتيه اللَّه مثل ما أوتي أسلافه. وعن ابن عباس: الملك في آل إبراهيم ملك يوسف وداود وسليمان. وقيل: استكثروا نساءه، فقيل لهم: كيف استكثرتم له التسع وقد كان لداود مائة ولسليمان ثلاثمائة مهيرة وسبعمائة سرية؟ (فَمِنْهُمْ): فمن اليهود، (مَنْ آمَنَ بِهِ) أي: بما ذكر من حديث آل إبراهيم. (وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ) وأنكره مع علمه بصحته؛ أو: من اليهود من آمن برسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، ومنهم من أنكر نبوّته؛ أو: من آل إبراهيم من آمن بإبراهيم ومنهم من كفر كقوله: .......

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قالوا: خراسان أقصى ما يراد بنا

ثم القفول، فقد جئنا خراسانا

أي: إن صح ما قلتم من أن خراسان المقصد؛ فقد جئناه، وأين لنا الخلاص؟

فالمعنى: إن حسدتموه على إيتاء الكتاب والحكمة والملك؛ فقد علمتم أن ذلك ليس ببدع؛ لأن أسلافه قد أوتوا ذلك.

قوله: (ما أوتي أسلافه) صح بالرفع؛ لأن ((أوتي)) مسندٌ إليه، ومفعوله الثاني محذوفٌ، أي: أوتي أسلافه إياه.

قوله: (وقيل: استكثروا نساءه) ولا يبعد أن يعد هذا من بدع التفاسير لما يلزم من اختصاص الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم كما في قوله تعالى: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ)[آل عمران: 173] والمراد نعيم بن مسعود، كما يقال: فلانٌ يركب الخيل.

وتأويل (يَحْسُدُونَ): يتعيبون؛ لأنهم ما حسدوه صلى الله عليه وسلم باستكثار النساء بل عابوه، وأبعد من ذلك تأويل قوله:(فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إبْرَاهِيمَ الكِتَابَ والْحِكْمَةَ وآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا)[النساء: 54] بقوله: ((وقد كان لداود مئةٌ)) إلى آخره، والتفسير هو الأول.

ص: 33

(فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ)[الحديد: 26].

[(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزاً حَكِيماً)].

(بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها) أبدلناهم إياها. فإن قلت: كيف تعذب مكان الجلود العاصية جلود لم تعص؟ قلت: العذاب للجملة الحساسة، وهي التي عصت لا للجلد. وعن فضيل: يجعل النضيج غير نضيج. وعن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: «تبدّل جلودهم كل يوم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (فَمِنْهُم مُّهْتَدٍ) قبله: (ولَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وإبْرَاهِيمَ وجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ والْكِتَابَ فَمِنْهُم مُّهْتَدٍ)[الحديد: 26]. هذا هو الوجه؛ لأن الفاء تفصيليةٌ لابد من سبق مجمل، وذلك هو قوله:(فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إبْرَاهِيمَ الكِتَابَ والْحِكْمَةَ)[النساء: 54] لقوله: (وجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ والْكِتَابَ)، وآل إبراهيم يدخل فيه المسلمون والمشركون واليهود والنصارى.

قوله: (العذاب للجملة الحساسة) قال الإمام: المعذب هو الإنسان، والجلد ليس منه، بل هو كالشيء الملتصق به، فإذا جدد الله الجلد حتى صار سبباً لوصول العذاب إليه لم يكن ذلك تعذيباً إلا للعاصي، وكذا عن القاضي والزجاج. وقلت: هذا مبنيٌّ على أن الإنسان غير البدن.

قوله: (وعن فضيل: يجعل النَّضيج غير نَضيج) فالمغايرة في الصفة لا في الذات، كقولك: بدلت الخاتم قرطاً، والوجه ما قال الإمام أيضاً: أنه لا يسأل عما يفعل، بل إنه تعالى قادرٌ على أن يوصل إلى أبدانهم آلاماً عظيمةً من غير إدخالهم النار مع أنه تعالى أدخلهم النار.

ص: 34

سبع مرّات». وعن الحسن: سبعين مرّة يبدّلون جلوداً بيضاء كالقراطيس (لِيَذُوقُوا الْعَذابَ): ليدوم لهم ذوقه ولا ينقطع، كقولك للعزيز: أعزّك اللَّه أي: أدامك على عزّك وزادك فيه. (عَزِيزاً): لا يمتنع عليه شيء مما يريده بالمجرمين (حَكِيماً) لا يعذب إلا بعدل من يستحقه.

[(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً* إِنَّ اللَّهَ يَامُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً)].

ظَلِيلٌ: صفة مشتقة من لفظ الظلّ؛ لتأكيد معناه. كما يقال: ليل أليل، ويوم أيوم، وما أشبه ذلك؛ وهو ما كان فيناناً لا جوب فيه، ودائماً لا تنسخه الشمس، وسجسجاً لا حرّ فيه ولا برد، وليس ذلك إلا ظل الجنة، رزقنا اللَّه بتوفيقه لما يزلف إليه التفيؤ تحت ذلك الظل! وفي قراءة عبد اللَّه:"سيدخلهم" بالياء. (أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ) الخطاب عامّ لكل أحد في كل أمانة. وقيل: نزلت في عثمان بن طلحة بن عبد الدار، وكان سادن الكعبة. وذلك: أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حين دخل مكة يوم الفتح أغلق عثمان باب الكعبة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (فيناناً) أي: كثير الأفنان منبسطاً متصلاً لا فرج فيه لالتفات الأشجار.

قوله: (وسجسجاً). النهاية: وفي الحديث: ((ظل الجنة سجسج))، أي: معتدلٌ لا حر فيه ولا قر، ومنه حديث ابن عباس:((هواؤها السجسج)).

قوله: (سادن الكعبة). النهاية: سدانة الكعبة: خدمتها وتولى أمرها وفتح بابها وإغلاقه، يقال: سدن يسدن سدانة فهو سادنٌ، والجمع: سدنة.

ص: 35

وصعد السطح، وأبى أن يدفع المفتاح إليه، وقال: لو علمت أنه رسول اللَّه لم أمنعه، فلوى علي بن أبي طالب رضي الله عنه يده، وأخذه منه وفتح، ودخل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وصلى ركعتين، فلما خرج سأله العباس أن يعطيه المفتاح ويجمع له السقاية والسدانة، فنزلت، فأمر عليًّا أن يردّه إلى عثمان ويعتذر إليه، فقال عثمان لعليّ: أكرهت وآذيت ثم جئت ترفق، فقال: لقد أنزل اللَّه في شأنك قرآناً، وقرأ عليه الآية، فقال عثمان: أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأشهد أن محمداً رسول اللَّه، فهبط جبريل وأخبر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أن السدانة في أولاد عثمان أبداً. وقيل هو خطاب للولاة بأداء الأمانات والحكم بالعدل. وقرئ:(الأمانة) على التوحيد. (نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ): «ما» إما أن تكون منصوبة موصوفة بـ (يعظكم) به، وإما أن تكون مرفوعة موصولة به، كأنه قيل: نعم شيئاً يعظكم به،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (فلوى عليٌّ رضي الله عنه يده) فإن قلت: كيف لوى يده وهو على سطح الكعبة، والباب مغلقٌ وعليٌّ رضي الله عنه لم يتخلص إليه؟ قلت: في الكلام حذف، يعني: صعد عثمان سطح الكعبة من خوف دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، فطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم المفتاح، فقيل له: إنه مع عثمان، فدعاه فنزل وجاء، فطلب منه فامتنع وأبى

إلى آخره. وفي ((معالم التنزيل)) ما يقارب من هذا المعنى، ومن هذا الأسلوب: قوله تعالى: (فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وفِيهِ يَعْصِرُونَ (49) وقَالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ) [يوسف: 49 - 50] أي: فرجع إليه الرسول وأخبره بمقالة يوسف، وسمع الملك به، ونزع إليه وقال: إيتوني به.

قوله: (موصولة به) أي: ب (يَعِظُكُم) أي: ((ما)) موصولةٌ صلتها (يَعِظُكُم)، قال أبو البقاء:(نِعِمَّا يَعِظُكُم): الجملة خبر (إنَّ)، و ((ما)) إما بمعنى الشيء معرفةٌ تامة و (يَعِظُكُم) صفة موصوفٍ محذوفٍ وهو المخصوص بالمدح، أي: نعم الشيء شيءٌ يعظكم به، ويجوز: نعم الشيء شيئاً يعظكم به، والمخصوص بالمدح محذوف، أو ((ما)) بمعنى ((الذي)) وما بعدها صلتها، وهو فاعل ((نعم)) والمخصوص محذوف، أي: نعم الذي يعظكم به بتأدية الأمانة

ص: 36

أو نعم الشيء الذي يعظكم به. والمخصوص بالمدح محذوف، أي: نعما يعظكم به ذاك، وهو المأمور به من أداء الأمانات والعدل في الحكم. وقرئ (نعما) بفتح النون.

[(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلاً)].

لما أمر الولاة بأداء الأمانات إلى أهلها، وأن يحكموا بالعدل؛ أمر الناس بأن يطيعوهم، وينزلوا على قضاياهم. والمراد بأولي الأمر منكم: أمراء الحق؛ لأن أمراء الجور اللَّه ورسوله بريئان منهم، فلا يعطفون على اللَّه ورسوله في وجوب الطاعة لهم، واختيار الحق، والأمر بهما، والنهي عن أضدادهما، كالخلفاء الراشدين، ومن تبعهم بإحسان. وكان الخلفاء يقولون: أطيعونى ما عدلت فيكم، فإن خالفت فلا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

والحكم بالعدل، قيل: في كلامه نظر؛ لأنه قد تقرر أن فعل نعم إذا كان مظهراً التزم أن يكون محلىًّ بلام الجنس أو مضافاً إليه، خرجه في ((المفصل))، والجواب ما قال ابن الحاجب في قوله تعالى:(بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ)[البقرة: 90] جاز أن يكون ((ما)) بمعنى: الذي، وجاز أن تقع فاعله، لما فيها من الإبهام، كالمعرف باللام، أي: لام الجنس.

قوله: (وقرئ: ((نعما)) بفتح النون): ابن عامرٍ وحمزة والكسائي؛ لأن أصله: ((نعم)) فأتى به على الأصل.

قوله: (لأن أمراء الجور الله ورسوله بريئان منهم، فلا يعطفون على الله ورسوله في وجوب الطاعة لهم) مذهبه، لما روينا عن مسلمٍ والدارمي، عن عوف بن مالك، عن

ص: 37

طاعة لي عليكم. وعن أبى حازم: أن مسلمة بن عبد الملك قال له: ألستم أمرتم بطاعتنا في قوله: (وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ)؟ قال: أليس قد نزعت عنكم إذا خالفتم الحق بقوله: (فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ)! وقيل: هم أمراء السرايا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال:((من ولي عليه والٍ، فرآه يأتي شيئاً من معصية الله، فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعن يداً من طاعة الله)).

قوله: (وعن أبي حازم) الجامع: هو أبو حازمٍ سلمة بن دينارٍ المدني القاضي، من عباد أهل المدينة وثقاتهم والمشهور من تابعيهم، روى عنه مالكٌ والثوري وابن عيينة وغيرهم.

قوله: (أليس قد نزعت عنكم إذا خالفتم الحق بقوله: (فَإن تَنَازَعْتُمْ)) يعني: الفاء في (فَإن تَنَازَعْتُمْ) متصلةٌ بالأخير، مستدعيةٌ لما ترتب عليه من جملةٍ بأن يقال: وأطيعوا أولي الأمر منكم إن لم تنازعوهم في شيءٍ من الحق بما كانوا على المنهج المستقيم، فإن تنازعتم فيه بانحرافهم عن العدل: فلا؛ ولذلك لم يعد ((أطيعوا)) كما أعاد في (وأَطِيعُوا الرَّسُولَ)؛ ليؤذن بأنه لا استقلال لهم في الطاعة استقلال الرسول، ألا ترى كيف عقب بقوله:(إن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ)[النساء: 59] إلهاباً وتهييجاً؟ يعني: قضية الإيمان بالله، وبأن لا مصير إلا إليه؟ وأن لا حكم إلا له: أن لا يأخذكم في الله لومة لائم، وأن لا تجاملوهم بصدق الأمير، بل خاصموهم ونازعوهم وردوهم إلى الحق البحت والصدق المحض، وذلك خيرٌ لكم وأحسن عاقبةً.

قوله: (السرايا). النهاية: السرية: طائفةٌ من الجيش يبلغ أقصاها أربع مئة، تبعث إلى العدو، وسموا بذلك لأنهم يكونون خلاصة العسكر وخيارهم، من الشيء السري أي: النفيس.

ص: 38

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «من أطاعنى فقد أطاع اللَّه ومن عصاني فقد عصى اللَّه، ومن يطع أميرى فقد أطاعنى ومن يعص أميرى فقد عصاني» . وقيل: هم العلماء الدينون الذين يعلمون الناس الدين، ويأمرونهم بالمعروف، وينهونهم عن المنكر. (فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ): فإن اختلفتم أنتم وأولو الأمر منكم في شيء من أمور الدين، (فردّوه إلى اللَّه ورسوله)، أى: ارجعوا فيه إلى الكتاب والسنة. وكيف تلزم طاعة أمراء الجور.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (من أطاعني فقد أطاع الله)، الحديث رواه البخاري ومسلمٌ عن أبي هريرة.

قوله: (هم العلماء الدينون). روى محيي السنة، عن ابن عباسٍ وجابرٍ: أولو الأمر: هم الفقهاء والعلماء الذين يعلمون الناس معالم دينهم، وهو قول الحسن والضحاك ومجاهد، ودليله:(ولَوْ رَدُّوهُ إلَى الرَّسُولِ وإلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ)[النساء: 83].

وروى الدارمي عن عطاءٍ، أنه قال:(أُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ): أولي العلم والفقه، وطاعة الرسول: إتباع الكتاب والسنة.

قال القاضي: قوله تعالى: (فَإن تَنَازَعْتُمْ) أي: أنتم وأولو الأمر منكم (فِي شَيْءٍ) من أمور الدين، هذا يؤيد أن يراد بأولي الأمر: أمراء المسلمين؛ إذ ليس للمقلد أن ينازع المجتهد في حكمه بخلاف المرؤوس، إلا أن يقال: الخطاب لأولي الأمر على طريقة الالتفات، أي: إن تنازعتم في شيءٍ فيرد العلماء إلى الكتاب والسنة. واستدل به منكرو القياس لأنه أوجب رد المختلف إلى الكتاب والسنة دون القياس. وأجيب بأن رد المختلف إنما يكون بالتمثيل والبناء على الكتاب والسنة، وهو القياس. وقال الزجاج: لا يخلو الرد من أحد الأمرين إما القياس، وإما أن يقولوا: الله ورسوله أعلم.

ص: 39

وقد جنح اللَّه الأمر بطاعة أولي الأمر بما لا يبقى معه شك، وهو أن أمرهم أولاً بأداء الأمانات وبالعدل في الحكم، وأمرهم آخراً بالرجوع إلى الكتاب والسنة فيما أشكل. وأمراء الجور لا يؤدّون أمانة، ولا يحكمون بعدل، ولا يردون شيئاً إلى كتابٍ ولا إلى سنة، إنما يتبعون شهواتهم حيث ذهبت بهم، فهم منسلخون عن صفات الذين هم أولو الأمر عند اللَّه ورسوله، وأحق أسمائهم اللصوص المتغلبة. (ذلِكَ): إشارة إلى الرد، أي: الرد إلى الكتاب والسنة (خَيْرٌ) لكم وأصلح، (وَأَحْسَنُ تَاوِيلًا): وأحسن عاقبة. وقيل: أحسن تأويلاً من تأويلكم أنتم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (جنح الله الأمر بطاعة أولي الأمر). الأساس: ومن المجاز: هو مقصوص الجناح: للعاجز، وهو في جناح طائر: إذا وصف بالقلق والدهش، وركب جناحي نعامةٍ: إذا جد في الأمر وعجل. جعل الأمر بطاعة أولي الأمر بمنزلة الطائر الذي يحتاج في نهوضه للطيران إلى جناحين، وجعل أحد جناحيه أداء الأمانة والعدل، والآخر التمسك بالكتاب والسنة؛ فهو من الاستعارة المكنية المستلزمة للتخييلية، ووجه التشبيه هو افتقار ما به يقدر على سرعة المشي المطلوب، فكما أن الطائر يفتقر في طيرانه إلى الجناحين؛ فكذا الأمير في تنفيذ أمره يفتقر إلى هاتين الخصلتين؛ ولذا قيل: الدين والملك توأمان، وفيه إدماجٌ، لافتقار المتصدي لأمر الخلافة إلى هاتين الخصلتين.

قوله: (بما لا يبقى معه شكٌّ) أي: في أنه لا يلزم طاعة أمراء الجور.

قوله: (وأحسن عاقبةً). الأساس: ومن المجاز: طبخت الدواء حتى آل المنوان منه إلى منٍّ واحد، وتقول: لا تعول على الحسب تعويلاً فتقوى الله أحسن تأويلاً، أي: عاقبةً.

قوله: (من تأويلكم أنتم) أي: رد المتنازع فيه إلى الكتاب والسنة ليعلم الحكم بهما: أحسن من جهة الحكم من الرد إلى تأويلكم ليعلم الحكم من تأويلكم، وفيه أن الكتاب

ص: 40

[(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً* وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً* فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ إِحْساناً وَتَوْفِيقاً* أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً)].

روي أن بشراً المنافق خاصم يهوديا فدعاه اليهودي إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ودعاه المنافق إلى كعب بن الأشرف، ثم إنهما احتكما إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فقضى لليهودي، فلم يرضَ المنافق وقال: تعال نتحاكم إلى عمر بن الخطاب، فقال اليهودي لعمر: قضى لنا رسول اللَّه فلم يرض بقضائه، فقال للمنافق: أكذلك؟ قال: نعم، فقال عمر: مكانكما حتى أخرج إليكما، فدخل عمر فاشتمل على سيفه، ثم خرج فضرب به عنق المنافق حتى برد، ثم قال: هكذا أقضي لمن لم يرض بقضاء اللَّه ورسوله، فنزلت. وقال جبريل: إنّ عمر فرق بين الحق والباطل، فقال له رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"أنت الفاروق". والطاغوت: كعب بن الأشرف، سماه اللَّه طاغوتاً لإفراطه في الطغيان، وعداوة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم؛

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

والسنة مقدمان على القياس والاجتهاد؛ ولذا أكد الضمير المجرور بالمرفوع تتميماً للمعنى، فالتأويل على حقيقةٌ. الأساس: أول القرآن وتأوله، وأول الحكم إلى أهله: رده إليهم. ذكره في الحقيقة.

قوله: حتى برد). النهاية: أي: مات.

قوله: (سماه الله طاغوتاً لإفراطه في الطغيان). الأساس: فلانٌ طاغٍ باغٍ، وتمادى به الطغيان والطغوى، وأطغاه ماله. النهاية: الطاغوت: الشيطان، أو: ما يزين لهم أن يعبدوه من الأصنام، والطاغوت يكون واحداً وجمعاً.

ص: 41

أو على التشبيه بالشيطان، والتسمية باسمه؛ أو جعل اختيار التحاكم إلى غير رسول اللَّه على التحاكم إليه تحاكماً إلى الشيطان، بدليل قوله:(وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ).

وقرئ (بما أنزل)، و (ما أنزل) على البناء للفاعل. وقرأ عباس بن الفضل:(أن يكفروا بها) ذهاباً بالطاغوت إلى الجمع، كقوله:(أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ)[البقرة: 257]. وقرأ الحسن (تعالوا) بضم اللام، على أنه حذف اللام من تعاليت تخفيفاً، كما قالوا: ما باليت به بالة، وأصلها بالية، كعافية، وكما قال الكسائي في:"آية": إن أصلها «آيية» فاعلة، فحذفت اللام، فلما حذفت وقعت واو الجمع بعد اللام، من

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (أو على التشبيه) عطفٌ على قوله: ((لإفراطه في الطغيان)) من حيث المعنى، وقوله:((أو جعل اختيار التحاكم)) عطفٌ على قوله: ((الطاغوت: كعب بن الأشرف))، يعني: الطاغوت، يجوز أن يراد به كعب بن الأشرف لطغيانه؛ سمي به إما مراعاةً لوجه التناسب بين الاسم والمسمى، أو على التشبيه بالشيطان واستعارة اسمٍ له كتسمية الرجل بالأسد؛ لما وجد فيه من الخداع [والجريرة] كالشيطان، وأن يراد به الشيطان نفسه، فيكون حكماً عامًّا فمن يختار التحاكم إلى غير الرسول صلى الله عليه وسلم، فيدخل فيه كعب بن الأشرف دخولاً أولياً، وينصر هذا الوجه إيقاع قوله:(وقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ) حالاً من الضمير المرفوع في (يَتَحَاكَمُوا) وإيراد قوله: (ويُرِيدُ الشَّيْطَانُ) عطفاً على الحال، أو حالاً من الضمير المرفوع في (يَكْفُرُوا)، والشيطان مظهرٌ وضع موضع المضمر، وعلى الوجهين الأولين لا يلتئم هذا الالتئام؛ لأنهم إنما أمروا أن يكفروا بالشيطان لا بكعبٍ في قوله تعالى: (فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ ويُؤْمِنْ بِاللَّهِ [البقرة: 256].

قوله: (وقرأ عباس بن الفضل). في ((أسماء الرجال)) للذهبي: هو عباس بن الفضل الأنصاري المقرئ بالموصل، ولي القضاء، وهو واهي الحديث.

ص: 42

تعال، فضمت فصار (تعالوا)، نحو تقدموا، ومنه قول أهل مكة: تعالي، بكسر اللام للمرأة، وفي شعر الحمداني:

تَعَالِي أُقَاسِمْك الْهمُومَ تَعَالِي

والوجه فتح اللام. (فَكَيْفَ) يكون حالهم؟ وكيف يصنعون؟ يعني أنهم يعجزون عند ذلك فلا يصدرون أمراً ولا يوردونه .. (إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ) من التحاكم إلى غيرك، واتهامهم لك في الحكم. (ثُمَّ) حين يصابون فيعتذرون إليك، و (يَحْلِفُونَ) ما أردنا بتحاكمنا إلى غيرك (إِلَّا إِحْساناً) لا إساءة (وَتَوْفِيقاً) بين الخصمين، ولم نرد مخالفة لك، ولا تسخطاً لحكمك، ففرج عنا بدعائك، وهذا وعيد لهم على فعلهم، وأنهم سيندمون عليه حين لا ينفعهم الندم، ولا يغني عنهم الاعتذار عند حلول بأس اللَّه. وقيل: جاء أولياء المنافق

يطلبون بدمه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وفي شعر الحمداني) هو أبو فراسٍ سعيد بن حمدان يخاطب حمامةً قبله:

أيا جارةً ما أنصف الهر بيننا

تعالي أقاسمك الهموم تعالي

تعالي تري روحاً لدي ضعيفةً

تردد في جسم يعذب بال

أيضحك مأسورٌ وتبكي طليقةٌ

ويسكت محزونٌ ويندب سال

قوله: (ما أردنا بتحاكمنا إلى غيرك (إلاَّ إحْسَانًا) لا إساءةً) من التراكيب التي منعها صاحب ((المفتاح)).

قوله: (وقيل: جاء أولياء المنافق) عطفٌ على قوله: ((فكيف يكون حالهم وكيف يصنعون؟ ))، فعلى الأول: الاستفهام في (فَكَيْفَ): تعجيبٌ للسامع من حال عجزهم عند الاعتذار، والثاني: استبعادٌ لما يصدر منهم من الأفعال التي كل واحدٍ منها أبعد وأنكر

ص: 43

وقد أهدره اللَّه، فقالوا: ما أردنا بالتحاكم إلى عمر إلا أن يحسن إلى صاحبنا بحكومة العدل والتوفيق بينه وبين خصمه، وما خطر ببالنا أنه يحكم له بما حكم به. (فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ): لا تعاقبهم لمصلحة في استبقائهم، ولا تزد على كفهم بالموعظة والنصيحة عما هم عليه، (وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغاً): بالغ في وعظهم بالتخفيف والإنذار. فإن قلت: بم تعلق قوله: (فِي أَنْفُسِهِمْ)؟ قلت: بقوله: (بَلِيغاً) أي: قل لهم قولاً بليغاً في أنفسهم، مؤثراً في قلوبهم، يغتمون به اغتماماً، ويستشعرون منه الخوف استشعاراً، وهو التوعد بالقتل والاستئصال إن نجم منهم النفاق وأطلع قرنه، وأخبرهم أن ما في نفوسهم من الدغل والنفاق معلوم عند اللَّه، وأنه لا فرق بينكم وبين المشركين، وما هذه المكافة إلا لإظهاركم الإيمان، وإسراركم الكفر وإضماره، فإن فعلتم ما تكشفون به غطاءكم لم يبق إلا السيف؛ أو يتعلق بقوله:(قُلْ لَهُمْ) أي: قل لهم في معنى أنفسهم الخبيثة وقلوبهم المطوية على النفاق قولا بليغاً،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

من الآخر، يعني: ألا ترى إلى مكابرتهم كيف تحاكموا إلى غير الرسول صلى الله عليه وسلم ثم علموا أن صاحبهم مهدر الدم جاؤوا يطلبون بدمه، والعاقل لا يفعل شيئاً مثل هذا الفعل.

قوله: (نجم منهم النفاق وأطلع قرنه) مقتبسٌ من الحديث: ((الشمس تطلع بين قرني الشيطان))، قال خباب:((هذا قرنٌ قد طلع)) أراد قوماً أحداثاً نبغوا بعد أن لم يكونوا، يعني القصاص.

قوله: (وأنه لا فرق بينكم) عطفٌ على قوله: ((أن ما في نفوسهم))، وفيه التفاتٌ من الغيبة إلى الخطاب، وهو قريبٌ من قوله تعالى:(سَتُغْلَبُونَ وتُحْشَرُونَ)[آل عمران: 12] بالتاء والياء.

قوله: (وما هذه المكافة؟ ) أي: المحاجزة عن الحرب. الأساس: كففته عن الشر، فكف عنه، فهو كافٌّ ومكفوف، كافوهم أي: حاجزوهم، وتكافوا: تحاجزوا.

ص: 44

وأنّ اللَّه يعلم ما في قلوبكم، لا يخفى عليه فلا يغني عنكم إبطانه، فأصلحوا أنفسكم وطهروا قلوبكم، وداووها من مرض النفاق وإلا أنزل اللَّه بكم ما أنزل بالمجاهرين بالشرك من انتقامه، وشراً من ذلك وأغلظ؛ أو قل لهم في أنفسهم خالياً بهم ليس معهم غيرهم، مسارًّا لهم بالنصيحة؛ لأنها في السر أنجع، وفي الإمحاض أدخل (قولاً بليغاً): يبلغ منهم ويؤثر فيهم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وأن الله يعلم ما في قلوبكم) عطفٌ تفسيريٌّ على قوله: ((بليغاً))، فالبليغ: من البلاغة، ولهذا أتى بالكلام الشافي والبيان الوافي، قال الزجاج: يقال: قولٌ بليغ، وقد بلغ القول، وبلغ الرجل يبلغ بلاغةً، وهو بليغٌ: إذا كان يبلغ بعبارة لسانه كنه ما في قلبه.

الراغب: القول البليغ: إذا اعتبر بنفسه، فهو ما يجمع أوصافاً ثلاثةً: أن يكون صواباً، وطبقاً للمعنى المقصود به لا زائداً ولا ناقصاً عنه، وصدقاً في نفسه، وإذا اعتبر بالمقول له والقائل فهو الذي يقصد به قائله الحق ويجد من المقول له قبولاً، ويكون وروده في الموضع الذي يجب أن يورد فيه. وعلى الأول، أي: إذا تعلق: (فِي أَنفُسِهِمْ) بقوله: (بَلِيغًا)، البليغ: من البلوغ والوصول؛ ولهذا قال: مؤثراً في قلوبهم، فجعل (أَنفُسِهِمْ) ظرفاً ليتمكن القول في قلوبهم تمكن المظروف في الظرف.

قوله: (أو قل لهم في أنفسهم خالياً بهم) عطفٌ على قوله: ((قل لهم في معنى أنفسهم)) هذا الوجه مشتركٌ مع الوجه الثاني من حيث إن (فِي أَنفُسِهِمْ) متعلقٌ ب ((قل))، ومع الوجه الأول في التأثير، والفرق بين التأثيرين اختلاف الجهة، وهو أن المؤثر هناك إيقاع (أَنفُسِهِمْ) ظرفاً للقول، وها هنا النصيحة في السر.

قوله: (ويؤثر فيهم) عطفٌ تفسيريٌّ على قوله: ((يبلغ منهم)) يعني: يتمكن منهم من جهة الإبلاغ. النهاية: في حديث عائشة، قالت لعليٍّ رضي الله عنهما يوم الجمل: قد بلغت منا البلغين، بكسر الباء والغين المعجمة مع فتح اللام على الجمع، ومعناه قد بلغت منا كل المبلغ.

ص: 45

[(وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً* فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً)].

(وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ): وما أرسلنا رسولاً قط (إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ): بسبب إذن اللَّه في طاعته، وبأنه أمر المبعوث إليهم بأن يطيعوه ويتبعوه؛ لأنه مؤدّ عن اللَّه؛ فطاعته طاعة اللَّه، ومعصيته معصية اللَّه. و (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ) [النساء: 80]. ويجوز أن يراد: بتيسير اللَّه وتوفيقه في طاعته.

(وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) بالتحاكم إلى الطاغوت ........

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (أن يراد بتيسير الله تعالى) فالباء في (بِإذْنِ اللَّهِ) على هذا كما في قولك: كتبت بالقلم، يعني: جرت سنة الله بأن يوفق الأمة علة طاعة نبيه، والمعنى على الأول: وما أرسلنا من رسولٍ إلا ليظهر المعجزة، ويثبت النبوة، ثم يأتي للقوم بكتابٍ لإثبات الرسالة، وفيه مثل قوله:(أَطِيعُوا اللَّهَ وأَطِيعُوا الرَّسُولَ)[النساء: 59]، وهو المراد من قوله:((أمر المبعوث إليهم بأن يطيعوه)).

قوله: ((إذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ) بالتحاكم إلى الطاغوت) إشارةٌ إلى اتصال هذه الآية بقوله: (أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ) إلى قوله: (يَتَحَاكَمُوا إلَى الطَّاغُوتِ)[النساء: 60] وذلك أنه تعالى لما نعى عليهم نفاقهم وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم بالإعراض عنهم وأن يهددهم بالقول البليغ، جاء بقوله تعالى:(ومَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلاَّ لِيُطَاعَ)[النساء: 64] للتعليل والتخلص إلى التوبة، يعني: لم يكن ذلك التشنيع والقول البليغ إلا لعصيانهم وترك التحاكم إليك، والانتهاء إلى الطاغوت، والصدور عما أنزله الله إلى الرسول، ولو أنهم مع هذا الظلم العظيم تابوا بأن يعتذروا إليك ويتوسلوا بشفاعتك إلى الله تعالى لتاب الله عليهم؛ لأنا ما أرسلناك لأمرٍ من الأمور إلا لتطاع ولا لتخالف قطعاً؛ ففيه تعظيمٌ لشأن متابعيه وتوبيخٌ عظيمٌ لمخالفيه، ثم رشح هذا التعظيم بالالتفات تتميماً لتعظيم جانبه، وتنبيهاً على علو

ص: 46

(جاؤُكَ) تائبين من النفاق متنصلين عما ارتكبوا، (فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ) من ذلك

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مكانته، وفي قوله:((إلى طريقة الالتفات)) إشعارٌ بأن هذا الأسلوب- وهو وضع المظهر موضع المضمر- من وادي الالتفات، وليس بالالتفات حقيقةً، كما دل وضع الرسول مكان ضميره على فخامة شفاعة الرسول؛ دل وضع اسم الله الجامع في قوله:(لَوَجَدُوا اللَّهَ) موضع ضميره، بحسب تجليه في هذا المقام على فخامة قبولها من جانب الله تعالى، قال في قوله تعالى:(ومَن تَابَ وعَمِلَ صَالِحًا فَإنَّهُ يَتُوبُ إلَى اللَّهِ مَتَابًا)[الفرقان: 71] أي: ((فإنه تائبٌ إلى الله تعالى الذي يعرف حق التائبين، والذي يحب التوابين ويحب المتطهرين)).

قوله: ((جَاءُوكَ) تائبين من النفاق) إلى قوله: (فاستغفروا): إذنٌ بأن ما بعد الفاء في (فَاسْتَغْفَرُوا) إما مسببٌ عن محذوف، وهو حالٌ عن فاعل (جَاءُوكَ)، أو متعقبٌ له؛ فعلى الأول الاستغفار غير التوبة، وعلى الثاني عينها كما في قوله تعالى:(فَتُوبُوا إلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ)[البقرة: 54].

الراغب: استغفار الإنسان وتوبته يمكن أن يقال: هما في الحقيقة واحدٌ لكن اختلافهما بحسب اعتبارهما بغيرهما، فالاستغفار يقال إذا استعمل في الفزع إلى الله تعالى وطلب الغفران منه، والتوبة تقال إذا اعتبر بترك العبد ما لا يجوز فعله وفعل ما يجب، ولا يكون الإنسان طالباً في الحقيقة لغفران الله تعالى إلا بإتيان الواجبات وترك المحظورات، ولا يكون تائباً إلا إذا حصل على هذه الحالة. ويمكن أن يقال: الاستغفار مبدأ التوبة والتوبة تمام الاستغفار؛ ولهذا قال تعالى: (واسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ)[هود: 90].

فإن قلت: هذا مخالفٌ لما ذهبت إليه أن الاستغفار متعقبٌ للتوبة. قلت: إذا اعتبر في التوبة الندم فقط فلا شك بتقدمها، وإذا اعتبر فيها المجموع لابد من تأخرها، وأما معنى ثم في قوله:(ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ) فلتفاوت الرتبة.

قوله: (متنصلين). الأساس: أنصلت السهم: نزعت نصله، ونصلته: ركبت نصله،

ص: 47

بالإخلاص، وبالغوا في الاعتذار إليك من إيذائك بردّ قضائك حتى انتصبت شفيعاً لهم إلى اللَّه ومستغفراً؛ (لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً) لعلموه تواباً، أي: لتاب عليهم. ولم يقل: واستغفرت لهم، وعدل عنه إلى طريقة الالتفات، تفخيماً لشأن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وتعظيماً لاستغفاره، وتنبيهاً على أن شفاعة من اسمه الرسول من اللَّه بمكان. (فَلا وَرَبِّكَ) معناه: فو ربك، كقوله تعالى:(فَوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ)[الحجر: 92]، و «لا» مزيدة لتأكيد معنى القسم، كما زيدت في:(لِئَلَّا يَعْلَمَ)[الحديد: 29]؛ لتأكيد وجود العلم. و (لا يُؤْمِنُونَ): جواب القسم. فإن قلت: هلا زعمت أنها زيدت لتظاهر "لا" في (لا يُؤْمِنُونَ)؟ قلت: يأبى ذلك استواء النفي والإثبات فيه؛ وذلك قوله:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ونصلته تنصيلاً، ومن المجاز: نصل بحقي صاغراً: أخرجه، وتنصل من ذنبه، وفي الحديث:((من لم يقبل من متنصلٍ صادقاً أو كاذباً لم يرد على الحوض)).

قوله: (يأبى ذلك استواء النفي والإثبات) يريد أن ((لا)) في: (فَلا ورَبِّكَ) جاءت لتوكيد معنى القسم، لا لتوافق ((لا)) في (لا يُؤْمِنُونَ)؛ لأن إثبات ((لا)) في القسم، سواءٌ كان الجواب منفيًّا أو مثبتاً جائز، فإن قوله تعالى:(إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ)[الحاقة: 40] مثبت، وقد جيء بالقسم مؤكداً ب ((لا)) في قوله:(فَلا أُقْسِمُ)، فلو كان للتظاهر لما جاءت في المثبت، قال صاحب ((التقريب)): وفيه نظر؛ إذ يحتمل أن يقال: إنه تأكيد النفي في المنفي فقط، بل وجه المنع أن ((لا)) حينئذٍ تتمة الجواب، فيلزم الفصل بين أجزاء الجواب بالجملة القسمية، فيقال: إن القسم لما اتحد مع الجواب اتحاد المفرد في قوله تعالى: (وإنَّ مِنكُمْ لَمَنْ لَّيُبَطِّئَنَّ)[النساء: 72] حتى اكتفى الجواب في إيقاعه صلةً للموصول اغتفر الفصل فيه، قال أبو البقاء: فيه وجهان، أحدهما: أن الأولى زائدة، وقيل: إن الثانية زائدة، والقسم معترضٌ بين النفي والمنفي، وثانيهما: أن ((لا)) لنفي مقدر، أي: فلا يفعلون، ثم قال:(فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ).

ص: 48

(فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ* وَما لا تُبْصِرُونَ* إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ)[الحاقة: 38 - 40]. (فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ): فيما اختلف بينهم واختلط، ومنه: الشجر؛ لتداخل أغصانه. (حَرَجاً): ضيقاً، أي: لا تضيق صدورهم من حكمك، وقيل: شكاً، لأنّ الشاك في ضيق من أمره حتى يلوح له اليقين. (وَيُسَلِّمُوا): وينقادوا ويذعنوا لما تأتي به من قضائك، لا يعارضوه بشيء، من قولك: سلم الأمر للَّه، وأسلم له، وحقيقة "سلم نفسه وأسلمها": إذا جعلها سالمة له خالصة. و (تَسْلِيماً): تأكيد للفعل بمنزلة تكريره،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الانتصاف: أراد الزمخشري أنها لما زيدت حيث لا يكون القسم نفياً دلت على أنها إنما تزاد لتأكيد القسم؛ فجعلت كذلك في النفي، والظاهر عندي أنها هنا لتوطئة القسم، وهو لم يذكر مانعاً منه؛ إنما ذكر مجملاً لغير هذا، وذلك لا يأبى مجيئها في النفي على الوجه الآخر من التوطئة، على أن دخولها على المثبت فيه نظر، فلم يأت في الكتاب العزيز إلا مع القسم بالفعل:(لا أُقْسِمُ بِهَذَا البَلَدِ)[البلد: 1]، (لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيَامَةِ) [القيامة: 1]، (فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ) [الواقعة: 75]، (فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ) [الحاقة: 38]، ولم يأت إلا في القسم بغير الله، وله سرٌّ ثانٍ: أن يكون ها هنا لتأكيد القسم، وذلك أن المراد بها تعظيم المقسم به في الآيات المذكورة؛ فكأنه بدخولها يقول: إعظامي لهذه الأشياء المقسم بها كلا إعظام؛ إذ هي تستوجب فوق ذلك، وإنما يذكر هذا التوهم وقوع عدم تعظيمها فيؤكد بذلك ويفعل القسم ظاهراً، وفي القسم بالله الوهم زائلٌ فلا يحتاج إلى تأكيد، فتعين حملها على الموطئة، ولا تكاد تجدها في غير الكتاب العزيز داخلةً على قسمٍ مثبت، أما في النفي فكثير.

قوله: (وحقيقة سلم نفسه له) يعني: ((سلم)) متعدٍّ إلى مفعولين أحدهما: بالواسطة، والآخر: بغير واسطة، فحذف الأول للإطلاق، والثاني لقرينة الكلام، ولذلك قدر ((ويذعنوا لما تأتي به من قضائك)).

قوله: (و (تَسْلِيمًا): تأكيدٌ للفعل بمنزلة تكريره). قال الزجاج: المصادر المؤكدة

ص: 49

كأنه قيل: وينقادوا لحكمه انقياداً لا شبهة فيه بظاهرهم وباطنهم. قيل: نزلت في شأن المنافق واليهودي، وقيل: في شأن الزبير وحاطب بن أبي بلتعة وذلك أنهما اختصما إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في شراجٍ من الحرّة كانا يسقيان بها النخل،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بمنزلة ذكرك الفعل ثانياً، كأنك إذا قلت: سلمت تسليماً فقد قلت: سلَّمتُ سلَّمت.

قوله: (نزلت في شأن الزبير وحاطب بن أبي بلتعة) هذا خطأٌ، لما روينا عن البخاري ومسلمٍ وغيرهما، عن عروة بن الزبير، قال: خاصم الزبير رجلاً من الأنصار في شراج الحرة

الحديث، إلى قوله:((في صريح الحكم))، وجل جانب حاطبٍ أن يتكلم بما يتغير به رسول الله صلى الله عليه وسلم ويلحقه من الحفيظة ما لحقه، وقد شهد الله له بالإيمان في قوله تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ)[الممتحنة: 1] وأنه شهد بدراً والحديبية، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:((لا يدخل النار أحدٌ شهد بدراً والحديبية))، وأنه حليف الزبير بن العوام، ذكره في ((الاستيعاب))، وقال صاحب ((الجامع)): هو حاطب بن راشدٍ اللخمي، وهو حليف قريش، ويقال: إنه من مذحج، وقيل: هو حليف الزبير بن العوام، وقيل: هو من أهل اليمن، والأكثر أنه حليفٌ لبني أسد بن عبد العزى، وقلت: فلا خلاف إذاً أنه لم يكن أنصاريًّا.

قوله: (شراج الحرة)، النهاية: الشرجة: مسيل الماء من الحرة إلى السهل، والشرج جنسٌ لها، والشراج: جمعها، والحرة: أرضٌ ذات حجارةٍ سود، والجدر: المسناة، وهو ما رفع حول المزرعة كالجدار.

ص: 50

فقال: «اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك» فغضب حاطبٌ وقال: لأن كان ابن عمتك، فتغير وجه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، ثم قال:«اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر واستوف حقك ثم أرسله إلى جارك» . كان قد أشار على الزبير برأي فيه السعة له ولخصمه، فلما أحفظ

رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، استوعب للزبير حقه في صريح الحكم، ثم خرجا فمرا على المقداد فقال: لمن كان القضاء؟ فقال الأنصاري: قضى لابن عمته ولوى شدقه، ففطن يهودي كان مع المقداد فقال: قاتل اللَّه هؤلاء يشهدون أنه رسول اللَّه ثم يتهمونه في قضاء يقضى بينهم! وأيم اللَّه لقد أذنبنا ذنباً مرّةً في حياة موسى فدعانا إلى التوبة منه، وقال: اقتلوا أنفسكم، ففعلنا، فبلغ قتلانا سبعين ألفاً في طاعة ربنا حتى رضي عنا، فقال ثابت بن قيس بن شماس: أما واللَّه إنّ اللَّه ليعلم مني الصدق، لو أمرني محمد أن أقتل نفسي لقتلتها. وروي أنه قال ذلك ثابت وابن مسعود وعمار بن ياسر، فقال

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (لأن كان ابن عمتك) أي: لأجل أن الزبير ابن عمتك حكمت له بأن يسقي أرضه قبلي، و ((أن)) مخففةٌ من الثقيلة، أم الزبير وهي: صفية بنت عبد المطلب بن هاشم.

قوله: (ثم خرجا فمرا على المقداد

، فقال: قاتل الله هؤلاء) إلى آخره. هكذا في أكثر النسخ، وفي نسخةٍ معتمدة:((ثم خرجا فمرا على المقداد فقال: لمن كان القضاء؟ فقال الأنصاري: قضى لابن عمته ولوى شدقه، ففطن يهوديٌّ كان مع المقداد، فقال: قاتل الله هؤلاء)) إلى آخره. هذا هو الصحيح، وعليه التعويل، وكذا في ((معالم التنزيل))؛ لأن الرواية الأولى توهم أن المقداد كان يهوديًّا أسلم، وليس كذلك، فإن صاحبي ((الاستيعاب)) و ((الجامع)) ذكرا أنه كان كنديًّا، وقيل: قضاعيًّا، وقيل: حضرميًّا، وقيل: زهريًّا، والصحيح أنه بهراوي.

ص: 51

رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده إنّ من أمتى رجالا الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي» . وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: واللَّه لو أمرنا ربنا لفعلنا، والحمد للَّه الذي لم يفعل بنا ذلك، فنزلت الآية في شأن حاطبٍ ونزلت في شأن هؤلاء.

[(وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً* وَإِذاً لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً* وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً)].

(وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) أي: لو أوجبنا عليهم مثل ما أوجبنا على بني إسرائيل من قتلهم أنفسهم، أو خروجهم من ديارهم حين استتيبوا من عبادة العجل، (ما فَعَلُوهُ إِلَّا) ناس (قَلِيلٌ مِنْهُمْ) وهذا توبيخ عظيم، والرفع على البدل من الواو في (فَعَلُوهُ)، وقرئ:(إلا قليلاً) بالنصب على أصل الاستثناء، أو على "إلا فعلاً قليلاً". (ما يُوعَظُونَ بِهِ) من اتباع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وطاعته والانقياد لما يراه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (أي: لو أوجبنا عليهم) هذا تفسير قوله: (ولَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ)، قال الزجاج: حق ((لو)) أن تليها الأفعال إلا أن المشددة تقع بعدها؛ لأنها تنوب عن الاسم والخبر، تقول: ظننت أنك عالمٌ، أي: ظننت علمك، فناب هنا- أي: في هذه الآية- عن الفعل والاسم كما نابت هناك عن الاسم والخبر.

قوله: (وقرئ: ((إلا قليلاً))، بالنصب): ابن عامر، وبالرفع: الباقون، قال أبو البقاء: بالرفع بدلٌ من الضمير المرفوع وعليه المعنى؛ لأن المعنى: فعله قليلٌ منهم، و (مِّنْهُمْ): صفة (قَلِيلٌ).

قوله: (أو على: إلا فعلاً قليلاً) فعلى هذا الاستثناء مفرغ، و (مِّنْهُمْ): بيانٌ للضمير

ص: 52

ويحكم به؛ لأنه الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى. (لَكانَ خَيْراً لَهُمْ) في عاجلهم وآجلهم، (وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً) لإيمانهم، وأبعد من الاضطراب فيه. (وَإِذاً): جواب لسؤال مقدرٍ، كأنه قيل:وماذا يكون لهم أيضاً بعد التثبيت؟ فقيل: وإذن لو ثبتوا (لَآتَيْناهُمْ)؛ لأن "إذن" جواب وجزاء، (مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً)، كقوله:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في ((فعلوا))، كقوله تعالى:(لَيَمَسَّنَّ الَذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ)[المائدة: 73] على التجريد، وعلى أصل الاستثناء (مِّنْهُمْ): للتبعيض، قال الزجاج: والنصب جائزٌ في غير القرآن على (مَا فَعَلُوهُ)، استثنى قليلاً منهم.

وقلت: في كلامه إشعارٌ بأن النصب غير مختار، فلا يحمل القرآن عليه، وقال ابن الحاجب: لا بعد أن يكون أقل القراء على الوجه الأقوى وأكثرهم على الوجه الذي هو دونه، بل التزم بعض الناس أنه يجوز أن يجمع القراء على غير الأقوى.

وقلت: بل يكون إجماعهم على قراءتهم دليلاً على أن ذلك هو القوي؛ لأنهم هم المتقنون الآخذون عن مشكاة النبوة، وأن تعليل النحاة غير ملتفتٍ إليه.

قوله: (لأن ((إذن)) جوابٌ وجزاء) تعليلٌ للتقدير، يعني: لما قال تعالى: (لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وأَشَدَّ تَثْبِيتًا) اتجه لسائلٍ أن يسأل عن جزاء التثبيت على الإيمان فأوقع (إذًا لآتَيْنَاهُم) جواباً لهذا السؤال وجزاءً لتثبيت، واللام في (لآتَيْنَاهُم) جواب ل ((لو)) محذوفاً كما قدره، وفي هذا التقدير تكلفاتٌ شتى، إحداها: أنه لم يعلم أن المعطوف عليه لهذه الجملة- يعني (وإذًا لآتَيْنَاهُم) - ماذا؟ وثانيها: تقدير السؤال و ((نحن)) مستغنيً عنه، وثالثها: حذف ((لو))، والظاهر أنها معطوفةٌ على قوله:(لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ) ليكون جواباً آخر لقوله: (ولَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ)، كأنه قيل: ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيراً لهم في الدنيا، وأشد تثبيتاً في الدين، وإذاً لآتيناهم في الآخرة أجراً عظيماً تفضلاً من عندنا، لا وجوباً. هذا هو الوجه ذهاباً ومذهباً، ويؤيده ما قال المرزوقي في قوله:

ص: 53

(وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً)[النساء: 40] في أنّ لمراد العطاء المتفضل به من عنده، وتسميته أجراً؛ لأنه تابع للأجر لا يثبت إلا بثباته، (وَلَهَدَيْناهُمْ): وللطفنا بهم ووفقناهم لازدياد الخيرات.

[(وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً* ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيماً)].

الصديقون: أفاضل صحابة الأنبياء الذين تقدموا في تصديقهم؛ كأبي بكرٍ الصديق رضى اللَّه عنه، وصدقوا في أقولهم وأفعالهم،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إذن لقام بنصري معشرٌ خشنٌ

إذن لقام: جواب ((لو))، كأنه أجيب بجوابين، وهذا كما تقول: لو كنت حراًّ لاستقبحت ما يفعله العبيد، إذن لاستحسنت ما يفعله الأحرار، وقال المرزوقي: واللام في ((لقام)) جواب يمينٍ مضمرة، والتقدير: إذن والله لقام. وأما قوله: (ولَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا) بعد فعل (مَا يُوعَظُونَ) وتثبيت الإيمان والوعد بالأجر؛ فللدلالة على أن فعل الطاعات سببٌ لجلب التوفيق، وهو لاستزادة عملٍ يستجد توفيقاً إلى أن ينتهي السالك إلى مخدع القرب والانخراط في زمرة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً. اللهم وفقنا لذلك بمنك وكرمك!

قوله: (العطاء المتفضل به من عنده). الراغب: إنما قال: (مِّن لَّدُنَّا)؛ لأنه تعالى لا يكاد ينسب إلى نفسه من النعم إلا ما كان أجلها قدراً وأعظمها خطراً.

ص: 54

وهذا ترغيب للمؤمنين في الطاعة؛ حيث وعدوا مرافقة أقرب عباد اللَّه إلى اللَّه وأرفعهم درجات عنده (وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وهذا ترغيبٌ للمؤمنين في الطاعة حيث وعدوا مرافقة أقرب عباد الله إلى الله تعالى وأرفعهم درجاتٍ عنده). الراغب: قيل: قسم الله تعالى عباده في هذه الآية أربعة أقسام، وجعل لهم أربعة منازل بعضها دون بعض، وحث كافة الناس أن لا يتأخروا عن منزلٍ واحدٍ منهم:

الأول: هم الأنبياء الذين تمدهم قوةٌ إلهية، ومثلهم كمن يرى الشيء عياناً من قريب ولذلك قال تعالى في صفة نبينا صلى الله عليه وسلم:(أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى)[النجم: 12].

والثاني: الصديقون، وهم الذين يتأخرون عن الأنبياء في المعرفة، ومثلهم كمن يرى الشيء عياناً من بعيد، وإياه عنى عليٌّ رضي الله عنه حيث قيل له: هل رأيت الله؟ فقال: ما كنت لأعبد ربًّا لم أره! ثم قال: لم تره العيون بشواهد العيان، ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان.

والثالث: الشهداء، وهم الذين يعرفون الشيء بالبراهين، ومثلهم كمن يرى الشيء في المرآة من مكان قريب، كحال حارثة حيث قال: كأني انظر إلى عرش ربي بارزاً، وإياه قصد النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال:((اعبد الله كأنك تراه)).

الرابع: الصالحون، وهم الذين يعملون الشيء بالتقليد، ومثلهم كمن يرى الشيء من بعيدٍ في مرآة، وإياه قصد النبي صلى الله عليه وسلم بقوله:((اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك))، أي: كن من الشهداء بما تكتسبه من العلم والعمل الصالح، فإن لم تكن منهم فكن من الصالحين.

ص: 55

فيه معنى التعجب؛ كأنه قيل: وما أحسن أولئك رفيقاً! ولاستقلاله بمعنى التعجب. قرئ: (وحسن) بسكون السين، يقول المتعجب: حسن الوجه وجهك، وحسن الوجه وجهك؛ بالفتح والضم مع التسكين. والرفيق: كالصديق والخليط في استواء

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (فيه معنى التعجب)، كقول القائل:

وجارة جساسٍ أبأنا بنابها

كليباً غلت نابٌ كليبٌ بواؤها

قال المصنف: وفي فحوى هذا الفعل دليلٌ على التعجب من غير لفظ تعجب، ألا ترى أن المعنى: ما أغلى ناباً بواؤها- أي: كفؤها- كليب!

قوله: (يقول المتعجب: حسن الوجه) أي: بسكون السين. الجوهري: وقد حسن الشيء، وإن شئت خففت الضمة فقلت: حسن الشيء، ولا يجوز أن تنقل الضمة إلى الحاء لأنه خبرٌ، وإنما يجوز النقل إذا كان بمعنى المدح أو الذم؛ لأنه يشبه في جواز النقل ب ((نعم)) و ((بئس))، وذلك أن الأصل فيهما نعم وبئس، فسكن ثانيهما ونقلت حركته إلى ما قبله، وكذلك كل ما كان في معناهما.

وقال الراغب: الحسن عبارةٌ عن كل مبهجٍ مرغوب إما عقلاً أو هوى أو حسًّا، والحسنة يعبر بها عن كل ما يسر من نعمةٍ تنال الإنسان في نفسه وبدنه وأحواله، والسيئة تضادها. والحسن أكثر ما يقال في تعارف العامة في المستحسن بالبصر، يقال: رجلٌ حسنٌ وحسانٌ، وامرأةٌ حسناء وحسانةٌ، وأكثر ما جاء في التنزيل من الحسن فللمستحسن من جهة البصيرة، منه قوله تعالى:(الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ)[الزمر: 18].

قوله: (والرفيق كالصديق). قال الزجاج: (رَفِيقًا) منصوبٌ على التمييز ينوب عن رفقاء، وقال بعضهم: لا يجوز أن ينوب الواحد عن الجميع إلا أن يكون من أسماء الفاعلين،

ص: 56

الواحد والجمع فيه، ويجوز أن يكون مفرداً بين به الجنس في باب التمييز. وروي: أنّ ثوبان مولى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كان شديد الحب لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قليل الصبر عنه، فأتاه يوماً وقد تغير وجهه، ونحل جسمه، وعرف الحزن في وجهه، فسأله رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عن حاله فقال: يا رسول اللَّه ما بي من وجع غير أني إذا لم أرك اشتقت إليك، واستوحشت وحشةً شديدةً حتى ألقاك، فذكرت الآخرة، فخفت أن لا أراك هناك؛ لأني عرفت أنك ترفع مع النبيين، وإن أدخلت الجنة كنت في منزلٍ دون منزلك، وإن لم أدخل فذاك حين لا أراك أبداً، فنزلت، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لا يؤمن عبدٌ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فلو قال: حسن القوم رجلاً، لم يجز عنده، ولا فرق بين ((رفيقٍ)) و ((رجل)) في هذا المعنى؛ لأن الواحد في التمييز ينوب عن الجماعة، وكذلك في المواضع التي لا تكون إلا جماعةً نحو قولك: هو أحسن فتىً وأجمله، المعنى: هو أحسن الفتيان وأجملهم إذا كان الموضع لا يلبس، كقوله:

في حلقكم عظمٌ وقد شجينا

أراد: في حلوقكم عظام.

قوله: (إن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم. الاستيعاب: هو أبو عبد الله ثوبان بن بجدد، من أهل السراة، والسراة: موضعٌ بين مكة واليمن، أصابه سبيٌ فاشتراه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعتقه ولم يزل يكون معه إلى أن توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قوله: (فذاك) أي: فذاك الوقت الذي أخاف أني لا أراك، وروي:((حين)) منصوباً.

قوله: (والذي نفسي بيده، لا يؤمن عبدٌ) الحديث من رواية البخاري ومسلم، عن أبي هريرة:((لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين)).

ص: 57

حتى أكون أحبّ إليه من نفسه وأبويه وأهله وولده والناس أجمعين»، وحكي ذلك عن جماعةٍ من الصحابة. (ذلِكَ): مبتدأ، و (الْفَضْلُ): صفته، و (مِنَ اللَّهِ): الخبر، ويجوز أن يكون (ذلك): مبتدأ، و (الفضل من اللَّه): خبره، والمعنى: أنّ ما أعطي المطيعون من الأجر العظيم، ومرافقة المنعم عليهم من اللَّه؛ لأنه تفضل به عليهم تبعاً لثوابهم، (وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيماً) بجزاء من أطاعه؛ أو أراد أنّ فضل المنعم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: ((ذَلِكَ): مبتدأ و (الفَضْلُ مِنَ اللَّهِ): خبره). الراغب: هو كقولك: ذاك الرجل وهذا المال، تنبيهاً على كماله، فإن الشيء إذا عظم أمره يوصف باسم جنسه، وقوله:(مِنَ اللَّهِ) في موضع الحال، أو خبر مبتدأٍ مضمر.

قوله: (أو أراد أن فضل المنعم) عطفٌ على قوله: ((والمعنى: أن ما أعطي المطيعون))، يريد أن المشار إليه بقوله:(ذَلِكَ الفَضْلُ): إما مضمون الآيات الثلاث من قوله: (وإذًا لآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا)[النساء: 67] إلى قوله: (وحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا)[النساء: 69]، فيكون قوله:(ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ) الآية [النساء: 69] كالتذييل لقوله: (وإذًا لآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (67) ولَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا)؛ لأن الهداية إلى الصراط المستقيم هو السبب في المرافقة مع المنعم عليهم، يدل عليه إبدال (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) من (الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ) في الفاتحة، فيدخل في هذا المقام المطيعون الذين منحوا الأجر العظيم دخولاً أوليًّا، أو المشار إليه ما دل عليه قوله:(الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ)[النساء: 69]، فعلى هذا فائدة الإشارة التحريض على اكتساب ما اكتسبوه، والإيذان بالتجرد عما يشغلهم عن الله والتبتل إليه، والانقطاع عما سوى الله، وفائدته على الأول مزيد الامتنان عليهم، وأما قوله:(وكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا): بجزاء من يطع))، وثانياً:((وكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا) بعباده؛ فهو يوفقهم على حسب أحوالهم))، والوجه هو أن يكون المشار إليه مضمون الآيات الثلاث؛ لأن هذه الآية كالفذلكة لها مقررةٌ لمعناها ومقاصدها، قال في قوله تعالى: (فَصِيَامُ

ص: 58

عليهم ومزيتهم من اللَّه؛ لأنهم اكتسبوه بتمكينه وتوفيقه (وكفى باللَّه عليماً) بعباده، فهو يوفقهم على حسب أحوالهم.

[(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً)].

(خُذُوا حِذْرَكُمْ): الحذر والحذر بمعنى كالإثر والأثر، يقال: أخذ حذره: إذا تحفظ واحترز من المخوف، كأنه جعل الحذر آلته التي يقي بها نفسه ويعصم بها روحه؛ والمعنى: احذروا واحترزوا من العدوّ ولا تمكنوه من أنفسكم، (فَانْفِرُوا) إذا نفرتم إلى العدوّ؛

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ وسَبْعَةٍ إذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ) [البقرة: 196]: وفائدة الفذلكة في كل حساب: أن يعلم العدد جملةً كما علم تفصيلاً ليحاط به من جهتين فيتأكد العلم، وهذا المعنى يهدم القاعدة التي بناها في تفسير الأجر اللدني في قوله:(وإن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا ويُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا)[النساء: 40] وقوله: (وإذًا لآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا) بالتفضل به من عنده وتسميته أجراً؛ لأنه تابعٌ للأجر من وجهين، أحدهما: تعرف الفضل، وهو خبر (ذَلِكَ) الدال على الحصر؛ فدل على دفع إرادة المجاز من الأجر اللدني، أي: ذلك هو الفضل لا شيءٌ آخر، وثانيهما: تعلق (مِنَ اللَّهِ) به، أي: ذلك من الله لا من العامل، والله أعلم:

قوله: (جعل الحذر آلته) أي: استعار للسلاح الحذر بقرينة (خُذُوا) كقوله تعالى: (والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ والإيمَانَ)[الحشر: 9]، جعل الإيمان متبوأ بمنزلة الدار، يعني: أنهم متمكنون في الإيمان تمكن الرجل في الدار.

قوله: (إذا نفرتم إلى العدو). النهاية: وفي الحديث: ((وإذا استنفرتم فانفروا)

ص: 59

إما (ثُباتٍ): جماعاتٍ متفرّقةً سريةً بعد سرية، وإما (جَمِيعاً) أي: مجتمعين كوكبةً واحدة، ولا تتخاذلوا فتلقوا بأنفسكم إلى التهلكة. وقرئ:(فانفروا) بضم الفاء.

[(وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً* وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً)].

اللام في: (لَمَنْ) للابتداء بمنزلتها في قوله: (إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ)[النحل: 18]، وفي (لَيُبَطِّئَنَّ) جواب قسم محذوف، تقديره: وإنّ منكم لمن أقسم باللَّه ليبطئن، والقسم وجوابه صلة "من"، والضمير الراجع منها إليه ما استكن في:(لَيُبَطِّئَنَّ)، والخطاب

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

والاستنفار: الاستنجاد والاستنصار، أي: إذا طلب منكم النضرة فأجيبوا وانفروا خارجين إلى الإعانة، ونفير القوم: جماعتهم الذين ينفرون في الأمر.

قوله: (ثُبَاتٍ): جماعات متفرقة). قال الزجاج: واحدته: ثبةٌ، قال سيبويه: ثبةٌ: تجمع ثبون وثبين في الرفع والنصب والخفض جمعت بالواو والنون؛ لأنهما جعلتا عوضاً من حذف آخر الكلمة.

قوله: (كوكبةً واحدةً). الجوهري: كوكب الشيء: معظمه، وكوكب الروضة: نورها، وإيراده ها هنا مجاز؛ لأن القوم إذا اجتمعوا متوافقين متعاضدين فالرائي: إما العدو فيمتلئ خلده هيبةً، أو الولي فتقر عينه زينةً.

قوله: (والقسم وجوابه صلة ((من)))، وبهذا يعلم أن الجملة القسمية مع جوابها خبرية، فلا يمتنع وقوعه صلةً للموصول، وقيل: الصلة بالحقيقة جواب القسم، والقسم كالتأكيد، قال ابن الحاجب في ((شرح المفصل)): القسم جملةٌ إنشائيةٌ يؤكد بها جملةٌ أخرى. وقال الزجاج: (من): موصولةٌ بالجالب للقسم، تقديره: وإن منكم لمن- أحلف والله- ليبطئن.

ص: 60

لعسكر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم والمبطئون منهم: المنافقون؛ لأنهم كانوا يغزون معهم نفاقاً. ومعنى (لَيُبَطِّئَنَّ): ليتثاقلن وليتخلفن عن الجهاد. وبطأ: بمعنى أبطأ، كغتم: بمعنى: أغتم؛ إذا أبطأ. وقرئ: (لَيُبَطِّئَنَّ) بالتخفيف يقال: بطأ عليَّ فلان وأبطأ عليَّ وبطؤ نحو: ثقل، ويقال: ما بطأ بك؟ ، فيعدى بالباء، ويجوز أن يكون منقولاً من بطؤ، نحو ثقل من ثقل، فيراد: ليبطئن غيره وليثبطنه عن الغزو، وكان هذا ديدن المنافق عبد اللَّه ابن أبيّ، وهو الذي ثبط الناس يوم أحد. (فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ): من قتلٍ أو هزيمة. (فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ): من فتح أو غنيمة. (لَيَقُولَنَّ) وقرأ الحسن: (ليقولن) بضم اللام إعادةً للضمير إلى معنى (من)؛ لأن قوله: (لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ) في معنى الجماعة. وقوله:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

والنحويون مجمعون على أن ((ما)) و ((من)) و ((الذي)) لا يوصلن بالأمر والنهي إلا بما يضمر معها من ذكر الخبر، وأن لام القسم إذا جاءت مع هذه الحروف فلفظ القسم وما أشبه لفظه مضمرٌ معها.

قوله: (ويجوز أن يكون منقولاً) أي: متعديًا بالتثقيل، وهو عطفٌ على قوله:((ومعنى (لَّيُبَطِّئَنَّ): ليتثاقلن)).

قوله: (وقرأ الحسن: ((ليقولن))). قال ابن جني: قرأ الحسن: ((ليقولن)) بضم اللام على الجمع، أعاد الضمير على معنى ((من))، لا على لفظها التي هي قراءة الجماعة؛ وذلك أن قوله تعالى:(وإنَّ مِنكُمْ لَمَنْ لَّيُبَطِّئَنَّ) لا يعني به رجلاً واحداً، ولكن معناه: أن هناك جماعةً هذا وصف كل واحدٍ منهم، فلما كان جمعاً في المعنى أعيد الضمير إلى معناه دون لفظه، كقوله تعالى:(ومِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ)[يونس: 42].

الانتصاف: في هذه القراءة نكتةٌ غريبة، وهي العود إلى معنى ((من)) بعد الحمل على لفظها، وأنكر بعضهم وجوده في القرآن؛ لما يلزم من الإجمال بعد البيان، وهو خلاف

ص: 61

(كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ) اعتراض بين الفعل الذي هو (لَيَقُولَنَّ) وبين

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

البلاغة؛ لأنه يؤدي إلى أن العود إلى لفظها ليس بمفصح عن معناها، بل تناوله للمعنى المبهم، فوقوعه بعد البيان عسر، ومنهم من عد موضعين وهذه القراءة ثالثة.

قوله: ((كَأَن لَّمْ تَكُن بَيْنَكُمْ وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ) اعتراض)، قيل: هذا الاعتراض في غاية الجزالة؛ إذ يفيد أنهم يحسدونكم مما يصل إليكم من الخير، كأن لم يكن بينكم وبينهم مودة، وقلت: التحقيق فيه: أن قولهم: (يَا لَيْتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا) طلبٌ لما لا يمكن حصوله، وهذا القول منهم يشبه قول من فاته مصاحبة من كان يرافقه ويصل إليه منه المبرات فأيس من ذلك، فكان قوله:(كَأَن لَّمْ تَكُن بَيْنَكُمْ وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ) أي: مصاحبةٌ، مؤكداً لهذا المعنى، وإلى هذا المعنى ينظر قوله:((لأن المنافقين كانوا يوادون المؤمنين ويصادقونهم في الظاهر))، لكن إنما يحسن استعماله فيما إذا استعمل في مودةٍ صافية ومحبةٍ صادقة؛ إما تلهفاً وتحسراً على فوات المحبوب ومصافاته، قال:

كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا

أنيسٌ ولم يسمر بمكة سامر

أو تعبيراً لمن نسي ذلك وانقلب إلى البغضاء والعداوة بعد تلك المصافاة. ولما لم يكن حال المنافقين من هذين الوصفين في شيءٍ قال: ((فكيف يوصفون بالمودة إلا على وجه العكس؟ ))، أي: الاستعارة التهكمية، قال الإمام: إنه تعالى حكى عن هذا المنافق سروره وقت نكبة المسلمين، ثم أراد أن يحكي حزنه عند دولتهم بسبب أنه فاتته الغنيمة؛ فقبل أن يتم قوله: (ولَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِّنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ

) إلى قوله: (يَا لَيْتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا) ألقى في البين قوله: (كَأَن لَّمْ تَكُن بَيْنَكُمْ وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ)، والمراد التعجب، كأنه تعالى يقول: انظروا إلى ما يقول هذا المنافق، كأنه ليس بينكم أيها المؤمنون وبينه مودةٌ ولا مخالطةٌ أصلاً.

ص: 62

مفعوله؛ وهو (يا لَيْتَنِي)؛ والمعنى: كأن لم تتقدم له معكم موادّة، لأن المنافقين كانوا يوادّون المؤمنين ويصادقونهم في الظاهر، وإن كانوا يبغون لهم الغوائل في الباطن، والظاهر أنه تهكم؛ لأنهم كانوا أعدى عدوّ للمؤمنين وأشدهم حسداً لهم، فكيف يوصفون بالمودّة إلا على وجه العكس تهكماً بحالهم.

وقرئ: (فأفوز) بالرفع عطفاً على (كنت معهم)؛ لينتظم الكون معهم. والفوز معنى التمني؛ فيكونا متمنيين جميعاً، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف، بمعنى فأنا أفوز في ذلك الوقت.

[(فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً* وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً* الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الراغب: قيل: قوله: (كَأَن لَّمْ تَكُن) اعتراضٌ متعلقٌ بالجملة الأولى وتقديره: قال: قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيداً، كأن لم تكن بينكم وبينه مودة؛ فأخر ذلك، وذلك مستقبحٌ في العربية؛ فإنه لا يفصل بين بعض الجملة التي دخل في إثباتها، ويجوز أن يكون حكايةً عنهم، أي: ليقولن لمن ثبطهم: كأن لم تكن بينكم وبين محمدٍ مودة؛ حيث لم يستعينوا بكم ثم يقولون: يا ليتني كنت معهم، فيكون القول الأول منهم إثارةً للشر، والقول الثاني منهم إظهاراً للحسد، وقيل: في قوله: (قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ) منةٌ منه على قومه من المنافقين؛ إذ ثبطهم عن الخروج وأنه قد ظهر ثمرة نصيحته، وفي قوله:(يَا لَيْتَنِي) إيهامٌ للذين قالوا لهم: إن ذلك كان بإيثار الرسول لمن أخرجهم من دونهم. وفي الآيتين تنبيهٌ على أن عامة الناس لا يعتدون إلا أعراض الدنيا.

ص: 63

سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً)].

(يَشْرُونَ): بمعنى يشترون ويبيعون قال ابن مفرغ:

وَشَرَيْتُ بُرْداً لَيْتَنِى

مِنْ بَعْدِ بُرْدٍ كُنْتُ هَامَهْ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: ((يَشْرُونَ) بمعنى: يشترون ويبيعون) والفاء في قوله: ((فالذين يشترون)) تفصيليةٌ، بدليل قوله:((والذين يبيعون))، وقيل: هذا مبنيٌّ على جواز استعمال اللفظ المشترك في معنيين معاً، وهو مختلفٌ فيه، والجواب: أن التفصيل مبنيٌّ على تفسير (الَّذِينَ يَشْرُونَ) فإذا عبر به عن المبطئين كان بمعنى يشترون، وإذا عبر به عن الثابتين المخلصين كان بمعنى يبيعون، وهذا يدور على معنى الفاء في قوله:(فَلْيُقَاتِلْ) إن جعلت للتعقيب رجع المعنى إلى يشترون لأنها رابطةٌ لهذا المعنى بقوله: (وإنَّ مِنكُمْ لَمَنْ لَّيُبَطِّئَنَّ) الآية، فيكون تعييراً لهم بما يفعلون من النفاق والتثبيط، وذلك من وضع قوله:(الَّذِينَ يَشْرُونَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ) موضع الضمير، يعني: هلا قاتل هؤلاء المبطئون الذين أثروا الحياة الدنيا على الآخرة! وإليه الإشارة بقوله: ((وعظوا بأن يغيروا ما بهم من النفاق)).

وإن جعلت جزاءً لشرطٍ محذوفٍ فالمعنى راجعٌ على يبيعون فإنه تعالى لما حرض المؤمنين على القتال بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُوا جَمِيعَاً) أتى بذكر المنافقين المبطئين، فقال:(وإنَّ مِنكُمْ لَمَنْ لَّيُبَطِّئَنَّ)، ثم قال:(فَلْيُقَاتِلْ) لئلا يؤثر فيهم تثبيطهم، يعني: إن صد هؤلاء عن القتال لمرض في قلوبهم وضعفٍ في نياتهم فقاتلوا أنتم أيها المخلصون، فوضع موضعه:(الَّذِينَ يَشْرُونَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ)) للإشعار بالعلية، يعني: إن صد هؤلاء المبطئون فليقاتل البذالون أنفسهم في سبيل الله، الذين آثروا الحياة الباقية على هذه الفانية، واستبشاراً بما يحصل لهم من الفوز بالربح العظيم على بيعهم أنفسهم في سبيل الله، (فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ) [التوبة: 111]، وقوله:(ومَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ)[النساء: 74] تذييلٌ؛ لأنه تأكيدٌ للتحريض.

قوله: (وشريت برداً) البيت، بعده:

ص: 64

فالذين يشترون الحياة الدنيا بالآخرة هم المبطئون، وعظوا بأن يغيروا ما بهم من النفاق، ويخلصوا الإيمان باللَّه ورسوله، ويجاهدوا في سبيل اللَّه حق الجهاد؛ والذين يبيعون هم المؤمنون الذين يستحبون الآجلة على العاجلة ويستبدلونها بها، والمعنى: إن صدّ الذين مرضت قلوبهم وضعفت نياتهم عن القتال فليقاتل الثابتون المخلصون. ووعد المقاتل في سبيل اللَّه ظافراً أو مظفوراً به إيتاء الأجر العظيم على اجتهاده في إعزاز دين اللَّه. (وَالْمُسْتَضْعَفِينَ): فيه وجهان أن يكون مجروراً عطفاً على (سبيل اللَّه) أي: في سبيل اللَّه وفي خلاص المستضعفين، ومنصوباً على اختصاص، يعني: واختص من سبيل اللَّه خلاص المستضعفين؛ لأنّ سبيل اللَّه عام في كل خير، وخلاص المستضعفين من المسلمين من أيدي الكفار من أعظم الخير وأخصه. والمستضعفون: هم الذين أسلموا بمكة وصدّهم المشركون عن الهجرة فبقوا بين أظهرهم مستذلين مستضعفين يلقون منهم الأذى الشديد، وكانوا يدعون اللَّه بالخلاص ويستنصرونه، فيسر اللَّه لبعضهم الخروج إلى المدينة، وبقي بعضهم إلى الفتح حتى جعل اللَّه لهم من لدنه خير ولى وناصر؛ وهو محمد صلى الله عليه وسلم فتولاهم أحسن التولي، ونصرهم أقوى النصر، ولما خرج استعمل على أهل مكة عتاب بن أسيد،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هامةً تشكو الصدى

بين المشقر واليمامه

وبرداً: اسم غلام القائل، باعه فندم على بيعه فتمنى الموت؛ لأن الهامة عندهم عبارةٌ عن الموت، ومن زعماتهم أن عظام الميتة تصير هامةً وتطير، وأن الرجل إذا قتل خرجت روحه من رأسه فتصيح: وافلاناه؛ إذا لم يطلب ثأره وأخذ ديته، والصدى: العطش، المشقر واليمامة: موضعان.

قوله: (ونصرهم أقوى النصر). قال المصنف: لما صبروا جاء بالمهاجرين إليهم لحسن صبرهم، قال:

ص: 65

فرأوا منه الولاية والنصرة كما أرادوا، قال ابن عباس: كان ينصر الضعيف من القوي، حتى كانوا أعز بها من الظلمة. فإن قلت: لم ذكر الولدان؟ قلت: تسجيلاً بإفراط ظلمهم؛ حيث بلغ أذاهم الولدان غير المكلفين، إرغاماً لآبائهم وأمهاتهم، ومبغضةً لهم لمكانهم، ولأن المستضعفين كانوا يشركون صبيانهم في دعائهم، استنزالاً لرحمة اللَّه بدعاء صغارهم الذين لم يذنبوا، كما فعل قوم يونس، وكما وردت السنة بإخراجهم في الاستسقاء. وعن ابن عباسٍ: كنت أنا وأمى من المستضعفين من النساء والولدان. ويجوز أن يراد بالرجال والنساء: الأحرار والحرائر، وبالولدان: العبيد والإماء، لأنّ العبد والأمة يقال لهما: الوليد والوليدة. وقيل للولدان والولائد: الولدان؛ لتغليب الذكور على الإناث، كما يقال: الآباء والإخوة. فإن قلت: لم ذكر الظالم وموصوفه مؤنث؟ قلت: هو وصف للقرية إلا أنه مسند إلى أهلها، فأعطي إعراب القرية؛

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وليس الذي يتبع الوبل رائداً

كمن جاءه في داره رائد الوبل

قوله: (كان ينصر الضعيف من القوي)، وقد سبق أن ((نصر)) إذا عدي ب ((من)) كان مضمناً معنى انتقم.

قوله: (إرغاماً) نصب مفعولٍ له؛ لقوله: ((بلغ))، وحذف اللام؛ لأن ((بلغ أذاهم)) في معنى يؤذون، فيكون فعلاً لفاعل الفعل المعلل.

قوله: (ولأن المستضعفين) عطفٌ على قوله: ((تسجيلاً))، وإنما جاء باللام؛ لأنه ليس فعلاً لفاعل الفعل المعلل الذي هو: ذكر، المحذوف لدلالة قوله:((لم ذكر الولدان)) لأجل بلوغ أذى المشركين إليهم أيضاً، ((ولأنهم كانوا يشركون صبيانهم في دعائهم)) يعني: أن قوله تعالى: (الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا) الآية، وقع صفةً للجمع فوجب لذلك أن يدخلوا في الحكم؛ لأن الأصل اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في المتعلقات؛ ولهذا قال:((كانوا يشركون صبيانهم في دعائهم؛ استنزالاً لرحمة الله تعالى)).

قوله: (هو وصفٌ للقرية) قيل: إذا كانت الصفة فعلاً لنفس الموصوف تبعته في:

ص: 66

لأنه صفتها، وذكر؛ لإسناده إلى الأهل، كما تقول: من هذه القرية التي ظلم أهلها، ولو أُنث فقيل: الظالمة أهلها؛ لجاز، لا لتأنيث الموصوف، ولكن لأن الأهل يذكر ويؤنث. فإن قلت: هل يجوز: من هذه القرية الظالمين أهلها؟ قلت: نعم، كما تقول:"التي ظلموا أهلها" على لغة من يقول: أكلونى البراغيث، ومنه:(وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا)[الأنبياء: 3] رغب اللَّه المؤمنين ترغيباً، وشجعهم تشجيعاً بإخبارهم أنهم إنما

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

التذكير والتأنيث، والتعريف والتنكير، والتثنية والجمع والإفراد، والإعراب، وإذا كانت فعلاً لما هو من سببه لم تتبعه إلا في التعريف والتنكير والإعراب، فلما كان الظالم صفةً للقرية، وفعل ما هو من سببها؛ تبعته في الإعراب والتعريف ولم تتبعه في التأنيث، وذكر لتذكير الفاعل وهو الأصل.

الانتصاف: ها هنا نكتة؛ وهي أن الظلم ينسب في القرآن إلى القرية مجازاً: (وكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ)[الطلاق: 8]، (وكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ) [القصص: 58]، (قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَاتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ) [النحل: 112]، وها هنا نسب الظلم إلى أهلها؛ إذ المراد مكة، فرفعت عن نسبة الظلم إليها.

قوله: (رغب الله المؤمنين ترغيباً وشجعهم تشجيعاً) وذلك من ترتب حكم المقاتلة في قوله: (فَقَاتِلُوا) على الوصفين، أعني قوله:(الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)، وقوله:(والَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ)، أي: من شأن المؤمنين أن يقاتلوا في سبيل الله فيكون الله ناصرهم ومقويهم، ومن شأن الكفار أن يقاتلوا في سبيل الشيطان فناصرهم الشيطان، وإذا كان كذلك فأنتم أيها المؤمنون ما لكم لا تقاتلون في سبيل الله، وفي شأن المستضعفين من الرجال والنساء والولدان؟ ولم تقاعدتم عن حرب حزب الشيطان مع قيام موجب الظفر وخذلان العدو؟ وفي وضع المظهر- وهو الشيطان- موضع المضمر من غير لفظه السابق وهو الطاغوت، وتعليل المقاتلة معه بقوله:(إنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا): مزيد تهييجٍ وتشجيع.

ص: 67

يقاتلون في سبيل اللَّه، فهو وليهم وناصرهم، وأعداؤهم يقاتلون في سبيل الشيطان فلا وليّ لهم إلا الشيطان، وكيد الشيطان للمؤمنين إلى جنب كيد اللَّه للكافرين أضعف شيءٍ وأوهنه.

[(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً)].

(كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ)، أي: كفوها عن القتال؛ وذلك أن المسلمين كانوا مكفوفين عن مقاتلة الكفار ما داموا بمكة، وكانوا يتمنون أن يؤذن لهم فيه، (فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ) بالمدينة كع فريق منهم؛ لا شكا في الدين، ولا رغبة عنه، ولكن نفوراً من الإخطار

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (كع فريقٌ). النهاية: يقال: كع الرجل عن الشيء يكع كعًّا، فهو كاعٌّ: إذا جبن عنه وأحجم، فإن قلت: هذا يدل على أن فريقاً ممن كانوا يتمنون أن يؤذن لهم في القتال ما جبنوا، بل ثبتوا وقضوا ما كان عليهم، وشكر الله سعيهم، فإذاً ما معنى التوبيخ والتعجب في قوله تعالى:(أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ)؟ كأنهم كانوا متجاوزين حد ما أمروا به مثل أولئك الفريق! قلت: نعم؛ إنما دخلوا في حكم أولئك لأنهم شاركوهم في طلب ما كفوا عنه، ودخلوا في زمرة الذين قيل فيهم:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ)[الحجرات: 1]، وإنما ذكر الفرقة التي جبنت دون الأخرى للتعيير، وأنهم ما وفوا بما تمنوا من طلبتهم وترك الممتثلين بما كتب عليهم؛ لأنهم وإن أخطؤوا في ذلك التمني، لكنهم صدقوا في ما عزم عليهم من القتال، فالأولون أخطؤوا خطأين، وهؤلاء خطأً واحداً.

والفاء في (فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتَالُ) فصيحةٌ؛ إذ التقدير: (أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وأَقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكَاةَ)، كيف تمنوا القتال؟ فلما كتب عليهم القتال جبن فريقٌ منهم، وإليه الإشارة بقوله:((وكانوا يتمنون أن يؤذن لهم)). وفي صلة الموصول- أعني قوله: (أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وأَقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكَاةَ) - معنى قوله: (لَكُمْ دِينُكُمْ ولِيَ دِينِ)[الكافرون: 6]، ولذلك قال:((كانوا مكفوفين عن قتال الكفار ما داموا بمكة)).

ص: 68

بالأرواح، وخوفاً من الموت. (كَخَشْيَةِ اللَّهِ): من إضافة المصدر إلى المفعول. فإن قلت ما محل (كَخَشْيَةِ اللَّهِ) من الإعراب؟ قلت: محله النصب على الحال من الضمير في (يَخْشَوْنَ)، أي: يخشون الناس مثل أهل خشية اللَّه، أي: مشبهين لأهل خشية اللَّه، (أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً) بمعنى: أو أشد خشية من أهل خشية اللَّه. و (أشد) معطوفٌ على الحال. فإن قلت: لم عدلت عن الظاهر وهو كونه صفة للمصدر ولم تقدر: يخشون خشية مثل خشية اللَّه، بمعنى: مثل ما يخشى اللَّه؟ قلت: أبى ذلك قوله: (أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً)؛ لأنه وما عطف عليه في حكم واحد، ولو قلت: يخشون الناس أشد خشية لم يكن إلا حالاً عن ضمير الفرق، ولم ينتصب انتصاب المصدر، لأنك لا تقول: خشي فلانٌ أشد خشية، فتنصب "خشية"، وأنت تريد المصدر، إنما تقول: أشد خشيةٍ فتجرّها، وإذا نصبتها لم يكن (أشد خشية) إلا عبارة عن الفاعل حالاً منه، اللهم إلا أن تجعل

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (أبى ذلك قوله: (أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً)؛ لأنه وما عطف عليه في حكم واحد). قال ابن الحاجب في ((الأمالي)): وفيه نظر، لم لا يجوز أن يكون (أَشَدَّ) منصوباً بفعلٍ مضمرٍ دل عليه (يَخْشَوْنَ) الأول؟ أي: يخشون الناس خشيةً مثل خشية الله، أو يخشون الناس أشد خشيةً، فتكون الكاف نعتاً لمصدرٍ محذوف، و (أَشَدَّ): حالاً، وهذا أولى؛ لأنها جرت الكاف على ظاهرها، ولا يلزم ما ذكروه من أن المعطوف يشارك المعطوف عليه في العامل؛ لأن ذلك في المفردات وهذه جمل، ولأن قوله:(فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا)[البقرة: 200] لا يجوز فيه الحال، ولا يستقيم إلا على هذا، فينبغي أن يكون هذا مثله لموافقته في اللفظ.

قوله: (لا تقول: خشي فلانٌ أشد خشيةً، فتنصب ((خشيةً))، وأنت تريد المصدر، إنما تقول: أشد خشيةٍ فتجرها). قال أبو البقاء في قوله تعالى: (أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا): ((أفعل)) تضاف إلى ما بعدها إذا كان من جنس ما قبلها، كقولك: ذكرك أشد ذكرٍ، ووجهك أحسن وجهٍ، أي: أشد الأذكار وأحسن الوجوه، وإذا نصبت ما بعدها كان غير الذي قبلها،

ص: 69

الخشية خاشية وذات خشية، على قولهم جد جده، فتزعم أن معناه: يخشون الناس خشية مثل خشية اللَّه، أو: خشية أشد خشية من خشية اللَّه، ويجوز على هذا أن يكون محل (أَشَدَّ) مجروراً عطفاً على (كَخَشْيَةِ اللَّهِ) تريد: كخشية اللَّه أو كخشيةٍ أشد خشية منها. (لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ): استزادة في مدة الكف، واستمهال إلى وقتٍ آخر، كقوله:(لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ)[المنافقون: 10].

(وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا) ولا تنقصون أدنى شيءٍ من أجوركم على مشاق القتال، فلا ترغبوا عنه، وقرئ:(ولا يظلمون) بالياء.

[(أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كقولك: زيدٌ أفره عبداً، فالفراهة للعبد، لا لزيد، والمذكور قبل (أَشَدَّ) هو الذكر، والذكر لا يذكر حتى يقال: الذكر أشد ذكراً، وإنما يقال: أشد ذكرٍ بالإضافة؛ لأن الثاني هو الأول. والذي قاله أبو عليٍّ وابن جني وغيرهما: أنه جعل الذكر ذاكرًا على المجاز، كما يقال: زيدٌ أشد ذكراً من عمرو.

وقال ابن الحاجب: إن أفعل التفضيل إذا ذكر بعده ما هو من جنسه وجب أن يكون محفوظاً؛ لأن الغرض نسبة شيءٍ إلى شيءٍ اشترك هو وهم في ذلك المعنى وزاد عليهم، وهو في هذا مخالفٌ لباب الإضافة من حيث إنه يجب إضافته إلى شيءٍ هو بعضه، فالتقدير: يخشون الناس مشبهين لأهل خشية الله أو أشد، ف (أَشَدَّ) على هذا في موضع نصبٍ عطفاً على الكاف. ويجوز أن يكون:(كَخَشْيَةِ اللَّهِ) على ظاهرها: نعتاً لمصدرٍ محذوف، فيكون (أَشَدَّ) من باب قولهم: جد جده؛ لأنه جعل للخشية خشيةً مبالغةً، فيكون ذكر (خَشْيَةً) بعد (أَشَدَّ) على معنى أنه للخشية.

قوله: (استزادةٌ في مدة الكف) يعني: في (لَوْلا) معنى التمني والطلب، والمعنى: ليتنا أخرنا، فولد (لَوْلا) معنى السؤال.

ص: 70

هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً* ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً)].

قرئ: (يُدْرِكْكُمُ) بالرفع وقيل: هو على حذف الفاء، كأنه قيل: فيدرككم الموت، وشبه بقول القائل:

مَنْ يَفْعَلِ الْحَسَنَاتِ اللَّهُ يَشْكُرُهَا

ويجوز أن يقال: حمل على ما يقع موقع (أَيْنَما تَكُونُوا) وهو: أينما كنتم، كما حُمِلَ:

ولا ناعب

على ما يقع موقع «ليسوا مصلحين» وهو: ليسوا بمصلحين، فرفع كما رفع زهير:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (من يفعل الحسنات الله يشكرها). تمامه:

والشر بالشر عند الله مثلان

وفي رواية: سيان، واستشهد بأنه على تقدير حذف الفاء، أي: فالله يشكرها.

قوله: (وهو: أينما كنتم) فإن الشرط إذا وقع ماضياً يجوز في الجزاء الرفع والجزم؛ وإنما جاز الرفع لأن العامل لما لم يعمل (في القريب منه فلأن لا يعمل) في البعيد أولى.

قوله: (كما حمل: ولا ناعبٍ) أي: في قول الشاعر:

مشائيم ليسوا مصلحين عشيرةً

ولا ناعبٍ إلا ببينٍ غرابها

((ولا ناعبٍ)): عطفٌ على محل ((مصلحين))؛ إذ التقدير: ليسوا بمصلحين، فإنه يوهم أن الباء في ((بمصلحين)) موجودةٌ، ثم عطف عليه مجروراً.

ص: 71

يَقُولُ لَا غَائِبٌ مَالِي وَلَا حَرِمُ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (يقول: لا غائبٌ مالي ولا حرم)، أوله:

وإن أتاه خليلٌ يوم مسألةٍ

قبله:

هو الجواد الذي يعطيك نائله

عفواً ويظلم أحياناً فينظلم

الخليل: الفقير، والخلة: الحاجة والفقر، أي: محتاج مختل، ويوم مسألة، أي: حاجة، قائله: زهير يمدح هرم بن سنان، يقول: لا يعتل إذا أتاه اخلي وسأله من ماله بعلةٍ حتى يحرمه، بل يقول: لا غائب مالي بل هو حاضر، ولا حرم أي: لا حرمان لك مني، رفع ((يقول)) وهو جزاء الشرط لما ذكرنا. وقد خاف ها هنا ما ذكره في آل عمران عند قوله:(ومَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ)[آل عمران: 30] قال: لا يصح أن تكون ((ما)) شرطية، لارتفاع (تَوَدُّ)، ولم يجعل هن رفع (يُدْرِككُّمُ) مانعاً على أنه أول الشرط بالماضي.

الانتصاف: في قوله: ((حمل على ما يقع موقع (أَيْنَمَا تَكُونُوا) وهو: أينما كنتم)) نظرٌ، أما ((ولا ناعبٍ)) فلأن الباء اطرد دخولها في خبر ((ليس)) توطئةً فجاز الحمل عليه. وأما تقدير (أَيْنَمَا) في معنى كلامٍ آخر يرتفع معه (يُدْرِككُّمُ) فلم يشتهر ولم يوجد له نظير، وبيت زهيرٍ محمولٌ بنقل سيبويه على التقديم والتأخير، أي: يقول: لا غائبٌ مالي ولا حرمٌ إن أتاه خليلٌ، كقول الشاعر:

يا أقرع بن حابسٍ يا أقرع

إنك إن يصرع أخوك تصرع

فليس من قبيل: ولا ناعبٍ.

ص: 72

وهو قول نحوي سيبوي. ويجوز أن يتصل بقوله: (وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا)، أي: ولا تنقصون شيئاً مما كتب من آجالكم، أينما تكونوا في ملاحم حروب أو غيرها،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (أي: ولا تنقصون شيئاً مما كتب من آجالكم، أينما تكونوا في ملاحم حروبٍ أو غيرها)، فعلى هذا:((أين)): ظرف (لا يُظْلَمُونَ)، و (يُدْرِككُّمُ): استئناف، وعلى الأول:(أَيْنَمَا): شرط، وجزاؤه (يُدْرِككُّمُ)، والجملة استئنافية.

الانتصاف: هذا حجةٌ واضحةٌ عليه في أن القتل في المعركة لا يعارض الأجل المقدر.

وقلت: قد مضى في آل عمران عند قوله تعالى: (فَادْرَءُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ المَوْتَ إن كُنتُمْ صَادِقِينَ)[آل عمران: 168] بيان مذهبه، وهو أنهم دفعوا القتل عن أنفسهم بالقعود، وعلى هذا التفسير قوله:(يُدْرِككُّمُ المَوْتُ) تقريرٌ لمعنى قوله: (ولا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً)[النساء: 77]، على طريقة الطرد والعكس؛ لأن منطوق الأول على هذا التفسير: أن آجالكم مقدرةٌ لا تنقص وإن أقحمتم أنفسكم في الأخطار، ومفهومه: أنها لا تزيد وإن أحصنتموها في بروجٍ مشيدة الأقطار، وبالعكس في قوله:(يُدْرِككُّمُ المَوْتُ ولَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ)، فمعنى قوله:(قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ)[النساء: 77] على هذا أن التمتع في الدنيا إنما يكون في أزمنةٍ قلائل، وقوله:(ولا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً)) تتميمٌ له. علم من الأول أن الحياة في وشك الزوال، ومن الثاني أنها مع ذلك مقدرة الآجال، والجملتان جوابٌ عن قولهم:(لَوْلا أَخَّرْتَنَا إلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ). وقريبٌ منه قوله تعالى: (قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الفِرَارُ إن فَرَرْتُم مِّنَ المَوْتِ أَوِ القَتْلِ وإذًا لاَّ تُمَتَّعُونَ إلاَّ قَلِيلاً)[الأحزاب: 16]، وعلى أن يتم الكلام عند قوله:(ولا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً) قوله: (قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ) جاء على عمومه، والمراد من قوله:(ولا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً)، لا ينقص من سعيكم في نصرة الدين وسائر أعمالكم، ويكون قوله:(قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ)) ردعاً لهم على جبنهم وخوفهم من الناس لمحبة الدنيا، والركون إلى حطامها، وإيثارها على الجهاد الذي هو الحياة الأخروية، وهو كالتمهيد للجواب، يعني:(أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ المَوْتُ)، وهو استئنافٌ لبيان أن جبنهم وخوفهم من الناس لا ينفعهم البتة؛ لأن الآجال مقدرة، لا ينفع الحذر إذا جاء القدر.

ص: 73

ثم ابتدأ قوله: (يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ)، والوقف على هذا الوجه على (أينما تكونوا).

والبروج: الحصون. (مشيدةٍ) مرفعة. وقرئ: (مُشَيَّدَةٍ) من شاد القصر إذا رفعه أو طلاه بالشيد وهو الجصّ. وقرأ نعيم بن ميسرة: (مُشَيَّدَةٍ) بكسر الياء؛ وصفاً لها بفعل فاعلها، مجازاً كما قالوا: قصيدةٌ شاعرة، وإنما الشاعر فارضها.

السيئة تقع على البلية والمعصية، والحسنة على النعمة والطاعة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (والبروج: الحصون. (مُّشَيَّدَةٍ): مرفعةٌ). الراغب: البروج: القصور، وسمي بروج النجوم لمنازلها المختصة بها، وقوله تعالى:(ولَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ) يصح أن يراد بها بروجٌ في الأرض، وتكون إشارةً إلى ما قال الشاعر:

ولو كنت في غمدان يحرس بابه

أراجيل أحبوشٌ وأسود آلف

إذاً لأتتني حيث كنت منيتي

يحث بها هادٍ لإثري قائف

وأن يراد بها (بروج النجوم)، ويكون لفظ المشيدة فيها على سبيل الاستعارة، وتكون الإشارة بالمعنى إلى نحو ما قال زهير:

ومن هاب أسباب المنايا ينلنه

ولو نال أسبب السماء بسلم

قوله: (السيئة تقع على البلية والمعصية، والحسنة على النعمة والطاعة). الراغب: الحسنة والسيئة من الألفاظ المشتركة؛ ك ((الحيوان)) الذي يقع على الإنسان والفرس والحمار، أو من الأسماء المختلفة كالعين، ولو أن قائلاً قال: الحيوان متكلم، والحيوان غير متكلم، وأراد بالأول الإنسان، وبالثاني الفرس والحمار: لم يكن مناقضاً؛ وكذا إذا قيل: العين في الوجه، والعين ليس في الوجه، وأريد بالأولى الجارحة، وبالثانية عين الميزان أو السحاب، وكذلك

ص: 74

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الآية: إذا أريد بالحسنة والسيئة في الآية الثانية غير الذي أريد بهما في الآية الأولى. وقلت: ويمكن أن يقال: لما عقب (وإن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ) بقوله: (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ المَوْتُ) ناسب أن تحمل الحسنة الأولى على النعمة، والسيئة على البلية، ولما أردف قوله:(مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ) بقوله: (وأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً) ناسب أن يحملا على ما يتعلق بالتكليف من المعصية والطاعة؛ ولذلك غير العبارة في قوله: (وإن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ) وقوله: (مَا أَصَابَكَ).

قال الراغب: فإن قيل: ما الفرق بين قولك: هذا من عند الله، وهذا من الله؛ حتى قال في الأول:(قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ) وقال في الثاني: (فَمِنَ اللَّهِ)؟ قيل: إن قوله: من عند الله أعم؛ فإنه قد يقال فيما كان يرضاه ويسخطه، وفيما يحصل، وقد أمر به ونهى، ولا يقال: هو من الله إلا فيما يرضاه ويأمره، وبهذا النظر قال عمر رضي الله عنه: إن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فمن الشيطان. فالنفس المذكورة في قوله تعالى:(إنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ)[يوسف: 53]، ومقتضى الآية كقوله:(مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا)[القصص: 89]، وقوله:(ومَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وجُوهُهُمْ فِي النَّارِ) الآية: [القصص: 90].

فإن قيل: إذا كان معنى الآية على ما ذكرت في أنه أريد به الثواب والعقاب؛ فهلا قال: ما أصابك من حسنة وسيئة فمن نفسك، إذا كان مقتضى ثوابه وعقابه فعل العبد؟ قيل: إنما نسب الله تعالى الحسنة إلى نفسه في الثواب تنبيهاً على أنه سبب الخيرات، ولولاه لما حصل بوجهٍ، فإنه يكسبه العبد بإرادةٍ من الله تعالى وأمرٍ وحثٍّ وتوفي، وأما السيئة وإن كانت بإرادةٍ من الله تعالى فليس بأمرٍ منه ولا حثٍّ ولا توفي، ومع ذك أدب بذلك عباده يراعوا فيما ينالهم من نعمته عليهم وينسبوا الحسنات إليه ويعملوا أنه سبب كل خيرٍ

ص: 75

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

آت، وأنه لولاه لما حصل منها شيء، وعلى هذا قول عليٍّ رضي الله تعالى عنه: لا تخش إلا ذنبك، ولا ترج إلا ربك، وقال القاضي: الآيتان كما ترى لا حجة لنا فيهما ولا للمعتزلة.

وأما الإمام فقد أطنب فيه كل الإطناب بتعديد الأقوال والتراجيح، فاختار منها العموم، قال: قوله: (وإن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِندِ اللَّهِ) يفيد العموم في كل الحسنات من النعم والطاعات، (وإن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ) يفيد العموم في كل السيئات من البلايا والمعاصي، ثم قوله:(قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ) صريحٌ في أن الجميع من الله، فكانت الآية دالةً على أن جميع الطاعات والمعاصي من الله تعالى وهو المطلوب.

وما اختاره المصنف من اختصاصهما بالنعمة والبلية أولى، والمقام له أدعى، لا سيما سبب النزول، ولفظة الإصابة إنما تستعمل فيما ذكر شائعاً ذائعاً، وفي الطاعة والمعصية نادراً، لكن يشكل بما أنه تعالى إنما نفى أن تكون الحسنة والسيئة المخصوصتان من عند غيره بقوله:(قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ)، ثم أثبت أن تلك الحسنة من الله والسيئة من نفس العبد، والتقصي منه إنما يحصل ببيان فائدة ذكر (عِندِ)، والتمييز بلفظة (هَذِهِ)، وليست إلا لاستقلال الاستناد، كأنه قيل: ليست هذه السيئة المشخصة إلا من تلقاء نفسك ومن قبلك، وليس لله تعالى فيها قضاءٌ ولا قدر، ونحوه قوله:(وعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا)[الكهف: 65]، أي: بغير واسطة تعليم معلم، قال في قوله تعالى:(حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم)[البقرة: 109]: ((تمنيهم ذلك من عند أنفسهم، ومن قبل شهواتهم، ولا من قبل التدين والميل مع الحق))، ألا ترى كيف أثبت ونفى، وكان يلزم منه تعدد الخالق كمذهب المجوس؟

ولما لم يكن قصد اليهود في الإيراد هذا- بل ما ذكره المصنف من قوله: ((أضافوها إليك وقالوا: هي من عندك وما كانت إلا بشؤمك)) لكن لزم منه ذلك- رد الله تعالى عليهم بقوله: (قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ) هذا المؤدي اللازم أولاً، لكونه أهم؛ لأنه ذبٌّ عما يلزم نسبته إلى

ص: 76

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الله تعالى من الشرك ظاهراً، ثم وبخهم وعنفهم حيث رتب عليه بالفاء قوله:(فَمَالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا)، وجاء باسم الإشارة تحقيراً، وخص الفقه بالذكر تسجيلاً عليهم بعدم الفطنة، أي: فما لهؤلاء الجهلة لا يفطنون ما يتفوهون من لزوم تعدد الخالق المستلزم للشرك المؤدي إلى فساد العالم، ثم استؤنف بما هو حقيقة الجواب قائلاً:(مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ) على الخطاب العام، ليدخلوا فيه دخولاً أوليًّا مشتملاً على نوعٍ من الالتفات، أخبر عنهم أولاً على سبيل الغيبة في قوله:(وإن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا)، ثم جعلهم كالحاضرين المشاهدين في قوله تعالى:(فَمَالِ هَؤُلاءِ) نعياً عليهم سوء مقالتهم إلى غيرهم، ثم صيرهم كالمخاطبين في قوله:(مَا أَصَابَكَ) مزيداً للتوبيخ على ما نسبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من إضافة الشؤم إليه، وأبرز الجواب على صورة القول بالموجب، قرر أولاً ما أرادوا من قولهم، ثم كر إلى إبطاله وقلعه من سنخه، أي: صدقت أيها القائل فيما قلت: هذه من عند الله، لكن كذبت فيما زعمت: هذه من عندك؛ بل هو من شؤم نفسك الخبيثة وتكذيبك الحق الجلي بقولك: إن محمداً ليس بمبعوثٍ إلى الكل، وإن بعثته مختصةٌ بالعرب، فظهر من هذا التقرير اختلاف جهتي نفي المشيئة وإثباتها من حيث الإيجاد والسبب، وإلى الأول يلمح قوله:((فرد الله عليهم بقوله تعالى: (قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ) يبسط الأرزاق ويقبضها)) وإلى الثاني بقوله: ((لأنك السبب فيها)).

ولما فرغ سبحانه وتعالى من رد القوم في الأمرين؛ شرع يسلي حبيبه صلوات الله عليه وسلامه مما أضافوا إليه من أن السيئة بسببك ومن قولهم: إنك لست بمبعوثٍ إلى الكل بقوله: (وأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً)، فإنه دل بعبارة النص على ما قال المصنف:((لست برسول العرب وحدهم، أنت رسول العرب والعجم))، ودل بإشارته بواسطة لفظ الإرسال والعموم وإيثار صيغة التعظيم وخطاب الرسول على معنى قوله تعالى:(ومَا أَرْسَلْنَاكَ إلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ)[الأنبياء: 107]، يعني: كيف يتصور فيه السوء؟ وإنه رحمةٌ مهداةٌ للعالمين. وكفى بقوله تعالى: (وكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا) على إرادة التسلي، والله تعالى أعلم بمراده من كلامه.

ص: 77

قال اللَّه تعالى: (وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)[الأعراف: 168]. وقال: (إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ)[هود: 114] والمعنى: وإن تصبهم نعمة من خصبٍ ورخاءٍ نسبوها إلى اللَّه، وإن تصبهم بليةٌ من قحطٍ وشدة أضافوها إليك، وقالوا: هي من عندك وما كانت إلا بشؤمك، كما حكى اللَّه عن قوم موسى:(وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ)[الأعراف: 131]، وعن قوم صالح:(قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ)[النمل: 47]. وروي عن اليهود - لعنت - أنها تشاءمت برسول اللَّه؛ فقالوا: منذ دخل المدينة نقصت ثمارها، وغلت أسعارها، فردّ اللَّه عليهم بقوله:(قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) يبسط الأرزاق ويقبضها على حسب المصالح. (لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً) فيعلموا أن اللَّه هو الباسط القابض، وكل ذلك صادر عن حكمةٍ وصواب.

ثم قال: (ما أَصابَكَ) يا إنسان، خطاباً عاماً (مِنْ حَسَنَةٍ) أي: من نعمةٍ وإحسانٍ (فَمِنَ اللَّهِ): تفضلاً منه وإحساناً وامتناناً وامتحاناً (وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ): من بليةٍ ومصيبةٍ (فَمِن نَّفْسِكَ): لأنك السبب فيها بما اكتسبت يداك، (وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ) [الشورى: 30].

وعن عائشة رضي الله عنها: "ما من مسلم يصيبه وصب ولا نصب حتى الشوكة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ثم قال تعالى: (مَا أَصَابَكَ) يا إنسان، خطاباً عامًّا) يعني: أنه من باب قوله:

إذا أنت أكرمت الكريم ملكته

وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا

أي: الخطاب لعامته بحيث لا يختص بأحدٍ دون أحد.

قوله: (وعن عائشة رضي الله عنها: ((ما من مستلم))) الحديث من رواية البخاري ومسلمٍ وغيرهما، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما من مصيبةٍ تصيب المؤمن إلا كفر الله عنه بها، حتى الشوكة يشاكه)).

ص: 78

يشاكها، وحتى انقطاع شسع نعله إلا بذنب، وما يعفو اللَّه أكثر".

(وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا)، أي: رسولاً للناس جميعاً، لست برسول العرب وحدهم،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الجوهري: شاكتني الشوكة: إذا دخلت في جسده.

قوله: (أي: رسولاً للناس جميعاً) يريد أن تقديم (لِلنَّاسِ) على عامله وهو (رَسُولاً) يفيد في هذا المقام معنى القصر القلبي، وبيانه أن اللام في (لِلنَّاسِ) للاستغراق، وهو في مقابلة البعض؛ لأنه رد لزعم اليهود أنه مبعوثٌ إلى العرب خاصةً دون كل الناس، وإليه الإشارة بقوله:((لست برسول العرب وحدهم، أنت رسول العرب والعجم)) أي: جميع أصناف الناس؛ لأن معنى القصر القلبي: رد المخاطب إلى إثبات ما ينفيه، ونفي ما يثبته من الحكم.

والظاهر أن القائلين اليهود؛ لأنه تعالى لما رد عليهم ما قالوه في حقه صلى الله عليه وسلم: (وإن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِندِ اللَّهِ وإن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِندِكَ) بقوله: (قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ)، كما يدل عليه قول المصنف:((روي عن اليهود- لعنت- أنها تشاءمت برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: منذ دخل المدينة نقصت ثمارها، فرد الله عليهم بقوله: (قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ)))، وكان ذلك أمراً يتعلق بالأمور الدنيوية، أتى برد آخر على ما يتعلق بالأمور الدينية استطراداً، وهو قوله تعالى:(وأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً).

وإنما أوثر التعريف الاستغراقي على العهد والجنس؛ لأنه إذا جعل للعهد والمقام فقد أثبت بعثته إلى بعضٍ دون بعض، وإذا رد زعمهم أنه لم يبعث إليهم بل بعث إلى العرب فتنتفي بعثته عن العرب ويختص، وهو خلف. وأما الجنس فلا يصح أيضاً، لأن الكلام حينئذٍ مع جنس الناس وجنس الجن، ولا قائل: إنه لم يبعث إلى الإنس بل بعث إلى الجن. وأما قصر الإفراد فلا يصح أيضاً؛ لأنه لا يزعم أحدٌ من المخالفين أنه بعث إلى الجن والإنس، فيرد أنه مختصٌّ بالإنس.

قال أبو البقاء: (رَسُولاً): حالٌ مؤكدة، أي: ذا رسالة، ويجوز أن يكون مصدراً، و (لِلنَّاسِ) متعلقٌ بـ (أَرْسَلْنَا).

ص: 79

أنت رسول العرب والعجم، كقوله:(وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ)[سبأ: 28]، (قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً) [الأعراف: 158]. (وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً) على ذلك، فما ينبغي لأحدٍ أن يخرج عن طاعتك واتباعك.

[(مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً)].

(مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ)؛ لأنه لا يأمر إلا بما أمر اللَّه به، ولا ينهى إلا عما نهى اللَّه عنه فكانت طاعته في امتثال ما أمر به، والانتهاء عما نهى عنه طاعة اللَّه.

وروي أنه قال: «من أحبنى فقد أحبّ اللَّه، ومن أطاعنى فقد أطاع اللَّه» فقال المنافقون: ألا تسمعون إلى ما يقول هذا الرجل، لقد قارف الشرك وهو ينهى أن يعبد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقال القاضي: (رَسُولاً): حالٌ قصد بها التأكيد إن علق الجار بالفعل، والتعميم إن علق بها: رسولاً للناس. وإنما اختار المصنف هذا الوجه ليطابق المقام؛ لأن الكلام مع اليهود كما سبق؛ ولهذا استشهد بالآيتين الدالتين على العموم، على أن يكون (كَافَّةً) صفة مصدرٍ محذوف، أي: إلا رسالةً كافةً عامةً محيطةً بهم، وعلى أن يكون حالاً من الكاف، أي: جامعاً للناس في الإنذار على: وما أرسلناك إلا كافًّا للناس عن الكفر والمعاصي.

قوله: ((فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) لأنه لا يأمر إلا بما أمر الله) إلى آخره. هذا التعليل يفيده لفظ (الرَّسُولَ)؛ لأنه من وضع المظهر موضع الضمير للإشعار بعلية إيجاب الطاعة له، يدل عليه السياق وهو قوله:(وأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً)، والسياق وهو قوله:(ومَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا)، وكان من الظاهر: ومن تولى فقد عصى الله؛ بقوله: (فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ)، فوضع موضعه (فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا) ليدل على المبالغة؛ لأن هذا الكلام إنما يخاطب به من ظن أنه حفيظٌ عليهم وعلى أن يردهم من العصيان إلى الطاعة، وهذا يبنى على أن القوم قد أوغلوا في العصيان.

ص: 80

غير اللَّه، ما يريد هذا الرجل إلا أن نتخذه ربا كما اتخذت النصارى عيسى، فنزلت.

(وَمَنْ تَوَلَّى) عن الطاعة فأعرض عنه، (فَما أَرْسَلْناكَ) إلا نذيراً لا حفيظاً ومهيمناً عليهم، تحفظ عليهم أعمالهم، وتحاسبهم عليها، وتعاقبهم، كقوله:(وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ)[الأنعام: 107].

[(وَيَقُولُونَ طاعَةٌ فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً)].

(وَيَقُولُونَ) إذا أمرتهم بشيءٍ: (طاعَةٌ) بالرفع، أي: أمرنا وشأننا طاعة، ويجوز النصب بمعنى: أطعناك طاعةً، وهذا من قول المرتسم: سمعاً وطاعةً، وسمعٌ وطاعةٌ. ونحوه قول سيبويه: وسمعنا بعض العرب الموثوق بهم يقال له: كيف أصبحت؟ فيقول: حمد اللَّه وثناءٌ عليه، كأنه قال: أمري وشأني حمد اللَّه، ولو نصب حمد اللَّه وثناءً عليه كان على الفعل، والرفع يدل على ثبات الطاعة واستقرارها.

(بَيَّتَ طائِفَةٌ): زورت طائفة وسوت (غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ) خلاف ما قلت وما

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (من قول المرتسم). الأساس: ومن المجاز: رسمت له أن يفعل كذا فارتسمه، وأنا أرتسم مراسمك لا أتخطاها، ومنه: ارتسم: إذا دعا، كأنه أخذ بما رسم الله له من الالتجاء إليه.

قوله: (زورت طائفةٌ) يروى بالراء والزاي بعد الواو، يقال: زورت في نفسي كلاماً ثم قلته، أي: دبرت، ومنه قول عمر رضي الله عنه: زورت في نفسي كلاماً أقوم به يوم السقيفة، فقام به أبو بكرٍ رضي الله عنه. ورواه أبو عبيدة بتقديم الزاي على الراء، وقد خطئ، وليس بخطأٍ؛ لأن المصنف ذكره في ((الفائق)) في كتاب الزاي، في سقيفة بني

ص: 81

أُمرت به، أو خلاف ما قالت وما ضمنت من الطاعة؛ لأنهم أبطلوا الرد لا القبول، والعصيان لا الطاعة، وإنما ينافقون بما يقولون ويظهرون، والتبييت: إما من البيتوتة؛ لأنه قضاء الأمر وتدبيره بالليل، يقال: هذا أمر بيت بليلٍ، وإما من أبيات الشعر؛ لأن الشاعر يدبرها ويسويها. (وَاللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ): يثبته في صحائف أعمالهم، ويجازيهم عليه على سبيل الوعيد؛ أو يكتبه في جملة ما يوحى إليك، فيطلعك على أسرارهم فلا يحسبوا أن إبطانهم يغني عنهم. (فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ): ولا تحدّث نفسك بالانتقام منهم، (وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ) في شأنهم، فإنّ اللَّه يكفيك معرّتهم، وينتقم لك منهم إذا قوي أمر الإسلام وعز أنصاره. وقرئ:(بَيَّتَ طائِفَةٌ) بالإدغام وتذكير الفعل؛ لأنّ تأنيث الطائفة غير حقيقي، ولأنها في معنى الفريق والفوج.

[(أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً)].

تدبُّر الأمر: تأمُّله والنظر في إدباره وما يؤل إليه في عاقبته ومنتهاه، ثم استعمل

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ساعدة حين اختلفت الأنصار على أبي بكر، فجاء أبو بكرٍ رضي الله عنه فما ترك شيئاً مما كنت زورته، قال أبو زيد: كلامٌ مزورٌ ومزوق أي: محسن، وقيل: مهياٌ مقوًّى. من قول ابن الأعرابي: الزور: القوة، وليس له زور، أي: قوة رأي. وفي ((النهاية)) في باب الزاي: في حديث عمر: كنت زورت في نفسي مقالةً، أي: هيأت وأصلحت.

قوله: (معرتهم). النهاية: المعرة: الأمر القبيح المكروه والأذى، وهي مفعلةٌ من العر، وأصل المعرة: موضع العر، وهو الجرب.

قوله: (وقرئ: ((بيت طائفةٌ)) بالإدغام): قرأ أبو عمروٍ وحمزة بإدغام التاء في الطاء، والباقون بفتح التاء من غير إدغام.

قوله: (تدبر الأمر: تأمله)، قال المصنف: في قوله: (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ) الآية،

ص: 82

في كل تأمل، فمعنى تدبر القرآن: تأمل معانيه وتبصر ما فيه.

(لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً): لكان الكثير منه مختلفاً متناقضاً، قد تفاوت نظمه وبلاغته ومعانيه، فكان بعضه بالغاً حدّ الإعجاز، وبعضه قاصراً عنه يمكن معارضته، وبعضه إخباراً بغيبٍ قد وافق المخبر عنه، وبعضه إخباراً مخالفاً للمخبر عنه، وبعضه دالاً على معنى صحيحٍ عند علماء المعاني، ......

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فوائد، منها: وجوب النظر في الحجج والدلالات، وبطلان التقليد، وبطلان وقل من يقول: القرآن لا يفهم المراد بظاهره، وبطلان قول من يقول: إن المعارف الدينية ضرورية، وفيها الدلالة على صحة القياس، والدلالة على أن أفعال العباد ليست بخلق الله تعالى لوجود التناقض فيها، وفيه نظر.

الراغب: التدبر: النظر في دبر الأمور وتأملها، وأصله من الدبر، ومنه الدبور، وقد يقال ذلك في تأمل الشيء بعد حصوله، ومعرفة خيره من شره، وصلاحه من فساده، كقولك: تدبرت فيما فعل فلان فوجدته سديداً، وإلى هذا نظر المصنف في قوله:((ثم استعمل في كل تأمل)).

قوله: (دالاًّ على معنًى صحيحٍ عند علماء المعاني). إنما خص علماء المعاني؛ لأن جل التركيب التنزيلي وارد لا على مقتضى الظاهر، فمن لم يمارس هذا العلم وما منح الفضل الإلهي من سلامة فطرةٍ واستقامة طبيعةٍ وشدة ذكاءٍ وصفاء قريحة: بادر إلى بيان الاختلاف وإظهار التناقض، وإذا نظر صاحبه إليه استنبط من ذلك الاختلاف معاني تحرق منها الأوهام وتسلب بها العقول. قال السجاوندي: الاختلاف هو الذي يرجع به إليه عيب التناقض لا التجنس وبسط وجوه المعاني وتشعب الآراء في التفسير والتأويل، وهو برهان الكمال، واختلاف الجاهل فيه لا يؤثر في كماله كما لم يصر كذباً بتكذيب الجاهلين، وقد قال الله تعالى:(ولَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ)[هود: 110].

ص: 83

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وها نحن نبين لك بلسانهم ما تقتضيه الحال في هذا المقام؛ وهو أن ((لو)) لامتناع الشيء لامتناع غيره، فإذا دخلت على المثبت جعلته منفيًّا وبالعكس، فإذن المعنى: ما وجدوا في القرآن اختلافاً كثيراً؛ لأنه كان من عند الله، فمن ذهب إلى أن الوصف تخصيصٌ وإثبات للحكم فيما عدا المذكور؛ التزم الاختلاف في القليل، لكن غير مخل، كالناسخ والمنسوخ والمتشابه والعام والخاص ونحو ذلك. قلت: كلا، إنما يذهب إلى ذلك إذا لم يوجد للتخصيص فائدةٌ سواه، وها هنا الكلام في قومٍ مخصوصين في شأن البلاغتين؛ لأنهم تحدوا بهذا القرآن، وعجزوا عن الإتيان بمثله، ومع ذلك تقاعدوا عن الإيمان به، فأنكر عليهم، وقيل في حقهم:(أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ) الآية، وفائدة الوصف: أن الواجب من حيث الظاهر أن يجدوا اختلافاً كثيراً؛ لكونهم أكثر من حصى البطحاء ورمال الدهناء مع كونهم فرسان البلاغة لا يشق غبارهم في ميدان الطراد مع تهالكهم وحرصهم على الدفع بإظهار الاختلاف، فلما لم يظفروا بشيء منه؛ علم أن القرآن ليس من كلام البشر، بل هو من كلام خالق القوى والقدر، فوجب عليهم أن يتدبروا في ذلك، ويظهروا الإيمان به، نحو قوله تعالى:(لا تَاكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً)[آل عمران: 130]، وقوله:(ولا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُم مِّنْ إمْلاقٍ)[الإسراء: 31]. هذا وأما من جهة المعاني: فإن قولك: ما وجدوا في القرآن اختلافاً كثيراً؛ فمن باب قوله: (مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ يُطَاعُ)[غافر: 18]، وقول الشاعر:

على لا حبٍ لا يهتدى بمناره

فيحتمل أن لا يكون ثمة اختلافاً ولا كثرة، وأن يكون اختلافاً غير كثير؛ فدل على الأول اقتضاء المقام على ما سبق. ووجهٌ آخر؛ وهو أن يكون في الكلام حذف، أي: يتغافلون، وهم الذين لا يصطلي بنارهم في المعرفة والفطنة، فلا يتفكرون في هذا القرآن وأنه من عند الله؛ إذ ليس فيه اختلافٌ قط، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً، فما لهم لا يؤمنون به؟ ! فتكون الجملة الشرطية معطوفةٌ على هذا المقدر. والله أعلم.

ص: 84

وبعضه دالاً على معنى فاسدٍ غير ملتئم، فلما تجاوب كله بلاغة معجزةً فائتةً لقوى البلغاء، وتناصر صحة معانٍ وصدق إخبار، علم أنه ليس إلا من عند قادر على ما لا يقدر عليه غيره، عالم بما لا يعلمه أحد سواه. فإن قلت: أليس نحو قوله: (فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ)[الأعراف: 107]، (كَأَنَّها جَانٌّ) [النمل: 10]؛ (فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ)[الحجر: 92]، (فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ) [الرحمن: 39]؛ من الاختلاف؟ قلت: ليس باختلافٍ عند المتدبرين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ليس باختلافٍ عند المتدبرين). قال على الأول: إن العصا كانت عند انقلابها حيةً صغيرةً، ثم تزايد جرمها حتى صارت ثعباناً، فالجان أول حالها والثعبان مآلها، أو كانت في شخص الثعبان وسرعة حركة الجان. وعلى الثاني: إن يوم القيامة يومٌ طويل، وفيه مواطن، فيسألون في مواطن ولا يسألون في أخر.

الراغب: إن للإنسان هاديين: الشرع والعقل، أحدهما أصلٌ للآخر، فبين تعالى أن الذي أتاكم به من الشرع لو كان من عند غير الله لكان مقتضى العقل يخالفه، فلما لم يوجد بينه وبين العقل منافاةٌ علم أنه من عند الله، فإن قيل: فقد ورد في الشرع أشياء يقتضي العقل خلافها، قيل: كلا، فإن جميع ما ورد به الشرع لا ينفك من وجهين: إما شيءٌ يحكم به العقل لكونه حسناً، مثل: الاشتغال بعبادة الرب مطلقاً، أو يكون غير مهتدٍ إلى معرفته لا أنه يستقبحه، فبين الشرع حسنه، وذلك كأعداد الصلوات وهيئاتها وأركانها في كونها عبادةً على وجهٍ دون وجه، وأما أن يأتي الشرع بشيءٍ قد قضى العقل بكونه قبيحاً فليس بموجود، وبعض الناس يصور أشياء ينفر الطبع منها، كعاداتٍ جارية أو اعتقاداتٍ فاسدة؛ وذلك أنهم لم يفرقوا بينه وبين حكم العقل، وظنوا أن حكم العقل حكمٌ بضد الشرع كذبح البهائم.

ص: 85

[(وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلاَّ قَلِيلاً* فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَاسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَاساً وَأَشَدُّ تَنْكِيلاً)].

هم ناس من ضعفة المسلمين الذين لم تكن فيهم خبرة بالأحوال ولا استبطان

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (هم ناسٌ من ضعفة) أي: ((هم)) في (وإذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الخَوْفِ)، وقوله:((كانوا إذا بلغهم)) جملةٌ مبنيةٌ ومن ثم لم يجئ بالعاطف، فإن قلت: كيف اتصال هذه الآية بما قبلها؟ قلت- والله أعلم-: إنه تعالى لما حرض المؤمنين على القتال بقوله: (فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا)[النساء: 4]، وزاد التحريض ثانياً بقوله:(ومَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ والْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ والنِّسَاءِ)[النساء: 5]، وترقى فيه ثالثاً إلى قوله:(الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ)[النساء: 6]، وربع بالتعيير لبعض من جبن عن القتال من المؤمنين، وبالغ في الرد عليه حتى بلغ إلى أن قال: إن الآجال مقدرةٌ والحذر لا يزيد في العمر، والاقتحام في المهالك لا ينقص منه، وكان حديثاً مناسباً للقضاء والقدر، فاستطرد ذكر المنافقين القائلين بما ينافي القدر، وأجاب عنهم: أن الكل بقضائه وقدره، وزجرهم ونسبهم إلى الجهل كما سبق، ثم أرشدهم إلى التفكر في النصوص الواردة في القرآن في ذلك بقوله:(أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ)[النساء: 82] عاد إلى حديث الذين كفوا وجبنوا وأمثالهم، وعيرهم بنوعٍ آخر حيث قال:(وإذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ)، ولما فرغ من حديثهم كر إلى التحريض في القتال قائلاً:(فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إلاَّ نَفْسَكَ) مزيداً لإلهاب المؤمنين؛ حيث خص رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخطاب وبالأمر بالقتال، وختم به أمر المقاتلة والمعاملة مع أعداء الله، ولما أراد أن يأخذ في شرعٍ آخر، وهو حن المعاشرة مع أولياء الله- وهو قوله تعالى:(وإذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ) - جعل قوله: (مَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً)

ص: 86

للأمور، كانوا إذا بلغهم خبر عن سرايا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من أمنٍ وسلامة، أو خوفٍ وخللٍ (أَذاعُوا بِهِ)، وكانت إذاعتهم مفسدة. ولو ردوا ذلك الخبر إلى رسول اللَّه وإلى أولي الأمر منهم وهم كبار الصحابة البصراء بالأمور، أو الذين كانوا يؤمرون منهم؛ (لَعَلِمَهُ): لعلم تدبير ما أخبروا به (الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ): الذين يستخرجون تدبيره بفطنهم وتجاربهم، ومعرفتهم بأمور الحرب ومكايدها. وقيل: كانوا يقفون من رسول اللَّه وأولي الأمر على أمنٍ ووثوقٍ بالظهور على بعض الأعداء، أو على خوف واستشعارٍ فيذيعونه، فينتشر فيبلغ الأعداء، فتعود إذاعتهم مفسدة. (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر) وفوّضوه إليهم، وكانوا كأن لم يسمعوا، لعلم الذين يستنبطون تدبيره كيف يدبرونه وما يأتون ويذرون فيه؟ وقيل: كانوا يسمعون من أفواه المنافقين شيئاً من الخبر عن السرايا مظنوناً غير معلوم الصحة فيذيعونه، فيعود

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تخلصاً إليه؛ لأن الشفاعة الحسنة: هي التي روعي بها حقٌّ، ودفع بها شرٌّ، وجلب خير، (واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ وهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ) [الأحزاب: 4].

قوله: (أو الذين كانوا يؤمرون منهم) عطفٌ على قوله: ((كبراء الصحابة)) أي: علماؤهم المجتهدون منهم، والوجهان مبنيان على تفسير قوله تعالى:(أَطِيعُوا اللَّهَ وأَطِيعُوا الرَّسُولَ وأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ)[النساء: 59] على ما سبق.

قوله: ((الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ): الذين يستخرجون تدبيره). الراغب: الاستنباط: خرج الشيء من أصله كاستنباط الماء من البئر، والجوهر من المعدن، وذلك كالإثارة في خرج التراب، واستعير للحديث، ومنه النبط، لاستنباطهم الأرض وعمارتها، والآية تقتضي أن لا يقدم الإنسان على ما لا يتحقق جواز الإقدام عليه، ولا يقول إلا عن بصيرة، وعلى ذلك قوله تعالى:(ولا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ)[الإسراء: 36].

قوله: (وقيل: كانوا يسمعون من أفواه المنافقين) عطفٌ على قوله: ((وقيل: كانوا يقفون

ص: 87

ذلك وبالاً على المؤمنين، (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر)، وقالوا: نسكت حتى نسمعه منهم، ونعلم هل هو مما يذاع أو لا يذاع؟ (لعلمه الذين يستنبطونه منهم) لعلم صحته وهل هو مما يذاع أو لا يذاع؛ هؤلاء المذيعون، وهم (الذين

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأولي الأمر)) وهو عطفٌ على قوله: ((كانوا إذا بلغهم خبرٌ عن سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم). اعلم أن ما ذاعت به ضعفة المسلمين مما يجب إخفاؤه: إما أن يكون من أسرار المؤمنين أو المنافقين، والأول: إما أن تكون الأسرار التي سمعوها في أمر المسلمين من غيرهم، أو سمعوها من الرسول صلى الله عليه وسلم وأولي الأمر.

أما المعنى على الوجه الأول: فهو أن الضعفة إذا سمعوا من أمر عساكر المسلمين شيئاً من الخير والشر أفشوا وأورث ذلك فساداً في أمر المؤمنين، فقيل لهم: لو سكتوا عن ذلك ولم يعلموا سوى الرسول والصحابة لتداركوا ذلك بحيث لا يؤدي إلى الفساد.

وعلى الثاني: أنهم إذا وقفوا على أحوال الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة رضوان الله عليهم من الأمن أو الخوف أظهروها، وكان ذلك خللاً في أمورهم، ولو فوضوا ذلك إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه لدبروا وأصلحوا ذلك الخلل.

وعلى الثالث: إذا سمع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من المنافقين أراجيف في سرايا المؤمنين بادرت الضعفة إلى الإشاعة ولم يصبروا حتى ينظر الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه: هل هو مما يذاع أم لا؟

ف ((من)) في (يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ) على الوجهين الأولين: بيانيةٌ تجريدية، وعلى الثالث: ابتدائية؛ ولهذا قال في هذا الوجه: (((الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ) من الرسول وأولي الأمر، أي: يتلقونه ويستخرجون علمه من جهتهم))، فعلى هذا (الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ): الضعفة، وعلى الوجهين الأولين: المراد بهم الرسول صلى الله عليه وسلم وكبراء الصحابة، فيكون من وضع المظهر موضع المضمر للإشعار بالعلية، وفيه تنبيهٌ على علو منزلة المجتهدين.

قوله: (هؤلاء المذيعون) فاعل ((لعلم))، وقوله:((وفوضوه إليهم))، وقوله:((وقالوا: نسكت)) كلاهما من عطف التفسير.

ص: 88

يستنبطونه) من الرسول وأولي الأمر، أي: يتلقونه منهم، ويستخرجون علمه من جهتهم. يقال: أذاع السر وأذاع به، قال:

أَذَاعَ بِهِ فِى النَّاسِ حتَّى كَأَنَّهُ

بِعَلْيَاءَ نَارٌ أُوقِدَتْ بِثَقُوب

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وأذاع به). الانتصاف: في اجتماع الهمزة والباء نظر؛ لأنهما تتعاقبان، وهو الذي اقتضى الزمخشري أن يقول:((فعلوا به الإذاعة)) ليخرجها عن الباء المعاقبة للهمزة.

الإنصاف: على الأول لا تجعل الهمزة للتعدية؛ بل ذاع وأذاع بمعنًى، ولا يمنع اجتماعهما مع الباء نحو: سرى به وأسرى به.

وقلت: ويعضده قراءة من قرأ: (تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ)[المؤمنون: 20] بضم الباء، وسيجيء الكلام فيه.

وقال أبو البقاء: الألف في (أَذَاعُوا) بدلٌ من ياء، يقال: ذاع الأمر يذيع، والباء زائدة، وقيل: حمل على معنى: تحدثوا به.

الانتصاف: في هذه الآية تأديبٌ حسنٌ لمن يحدث بكل ما سمع وكفى به كذباً، وخصوصاً عن مثل الأعداء الناصبين.

وقلت: نحوه في الحديث: ((كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع))، أخرجه مسلمٌ وأبو داود، عن أبي هريرة.

قوله: (أذاع به في الناس) البيت، قبله:

ص: 89

ويجوز أن يكون المعنى: فعلوا به الإذاعة وهو أبلغ من أذاعوه. وقرئ: (لعَلِمَهُ) بإسكان اللام كقوله:

فَإنْ أَهْجُهُ يَضجَرْ كَمَا ضَجْرَ بَازِلٌ

مِنَ الْأُدْمِ دَبْرَتْ صَفْحَتَاهُ وَغَارِبُهْ

والنبط: الماء يخرج من البئر أول ما تحفر، وإنباطه واستنباطه: إخراجه واستخراجه، فاستعير لما يستخرجه الرجل بفضل ذهنه من المعاني والتدابير فيما يعضل ويهم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أمنت على السر امرأ غير حازمٍ

ولكنه في النصح غير مريب

علياء: اسم موضع، والثقوب: ما ثقبت به النار.

قوله: (فعلوا به الإذاعة) يريد أن قوله: (أَذَاعُوا) على باب قول الشاعر:

.. يجرح في عراقبيها نصلي

جعل لازماً، ثم عومل معه معاملة اللازم فعدي بالباء، المعنى: جعلوه موضعاً للإذاعة ومكانها؛ ولهذا قال: ((وهو أبلغ من أذاعوه)). وروي عن سيبويه: ظننت بك ذاك، أي: جعلتك مكاناً للظن.

قوله: (فإن أهجه) البيت، يضجر: من ضجر الرجل بالشيء يضجر: إذا تبرم به، والبازل: الشاب من البعير، والأدم: البيض؛ وإنما خصها لأنها أرق جلوداً، يقال: أدبرت العير تدبر، أي: تقرح، صفحتاه، أي: جانبا ظهره وغاربه، يقول: إن أهجه يضجر كما يضجر من الدبر النوق.

قوله: (فيما يعضل ويهم) نشرٌ للمعاني والتدابير.

ص: 90

(وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ) وهو إرسال الرسول وإنزال الكتاب والتوفيق، (لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ): لبقيتم على الكفر (إِلَّا قَلِيلًا) منكم، أو: إلا اتباعاً قليلاً.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ): لبقيتم على الكفر (إلاَّ قَلِيلاً) منكم، أو: إلا إتباعاً قليلاً)، الأول: استثناءٌ من فاعل ((اتبعتم))، والثاني من مصدره.

الانتصاف: في قول الزمخشري نظر؛ إذ جعل الاستثناء من الجملة التي وليها بناءً على ظاهر الإعراب، ويفسد المعنى؛ إذ يلزم منه جواز أن ينتقل الإنسان من الكفر إلى الإيمان، ومن إتباع الشيطان إلى معصيته؛ وليس لله تعالى عليه فضلٌ في ذلك معاذ الله منه؛ لأن لولا: حرف امتناعٍ لوجود، يدل على أن امتناع إتباع المؤمنين الشيطان في الكفر إنما كان لوجود فضل الله عليهم، فالفضل منع من إتباع الشيطان، فإذا استثنيت منها فقد سلبت تأثير فضل الله في امتناع الإتباع عن البعض المستثنى وجعلتهم مستبدين بإتباع الإيمان وعصيان الشيطان الداعي إلى الكفر بأنفسهم لا بفضل الله، كما تقول: لولا مساعدتي لك لسلبت أموالك إلا قليلاً، فلا تجعل لمساعدتك أثراً في إبقاء القليل وإنما مننت عليه ببقاء تأثير المساعدة في أكثر ماله؛ ومن ثم أعاد القاضي أبو بكرٍ الاستثناء على ما قبل الجملة الأخيرة ثم اتخذها دليله في الرد على من جزم بعود الاستثناء إذا تعقب، حملاً إلى الجملة الأخيرة.

وقال الإمام: ظاهر هذا الاستثناء يوهم أن ذلك القليل وقع لا بفضل الله ولا برحمته، ومعلومٌ أن ذلك محال؛ فعند ذلك اختلف المفسرون، قيل: الاستثناء راجعٌ إلى قوله: (أَذَاعُوا)، فالتقدير: إذا جاءهم أمرٌ من الأمن أو الخوف أذاعوا به إلا قليلاً، فأخرج من هذه الإذاعة بعضهم، قيل: راجعٌ إلى قوله: (لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ) إلا القليل، قال الفراء والمبرد: القول الأول أولى؛ لأن ما يعلم بالاستنباط فالأقل يعلمه والأكثر يجهله، وقيل: الاستثناء متعلقٌ بقوله: (ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ورَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ)؛ لأن حرف الاستثناء إلى ما يليه ويتصل به أولى؛ فهذا القول لا يتمشى إلا إذا فسرنا الفضل والرحمة

ص: 91

لما ذكر في الآي قبلها تثبطهم عن القتال، وإظهارهم الطاعة وإضمارهم خلافها؛

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بشيءٍ خاص، وفيه وجهان، الأول: وهو قول جماعة من المفسرين: إن المراد بفضل الله ورحمته إنزال القرآن وبعثة محمدٍ صلى الله عليه وسلم، المعنى: لولا بعثة محمدٍ وإنزال القرآن لاتبعتم الشيطان وكفرتم بالله إلا القليل منكم، فإنهم ما تبعوا الشيطان وما كفروا، مثل قس ابن ساعدة وورقة بن نوفل وزيد بن عمرو بن نفيل. وثانيهما: ما ذكر أبو مسلم، وهو أن المراد بفضل الله ورحمته النصرة والمعونة، المعنى: لولا حصول النصرة والظفر على سبيل التتابع لاتبعتم الشيطان وتركتم الدين إلا القليل منكم، وهم أهل البصائر النافذة والعزائم المتمكنة من أفاضل المؤمنين الذين يعلمون أنه ليس من شرط كون الدين حقًّا حصول الدولة في الدنيا، أو باطلاً الانكسار والانهزام؛ بل مدار الأمر في كونه حقًّا أو باطلاً على الدليل. وهذا أحسن الوجوه وأقربها إلى التحقيق.

وقلت: يشهد للقول الأول من هذين القولين قوله تعالى: (مَن يُطِعِ الرَّسُولَ)[النساء: 80] وقوله تعالى: (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ)، وللقول الثاني قوله تعالى:(وإذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ)، وبعده:(فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إلاَّ نَفْسَكَ). وأما كلام المصنف فلا يمكن تصحيحه لتقييده بالتوفيق.

قوله: (لما ذكر في الآي قبلها تثبيطهم عن القتال) وهي قوله تعالى: (فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتَالُ إذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ)[النساء: 77] الآيات، وسبيل هذه الآية والفاء في (فَقَاتِلْ) مع الآيات السابقة سبيل الفاء في قوله:(فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ)[النساء: 74] مع ما قبله، وهو قوله تعالى: (وإنَّ مِنكُمْ لَمَنْ لَّيُبَطِّئَنَّ

) الآية [النساء: 2]، لكن هذا الخطاب مع الرسول صلى الله عليه وسلم وذلك مع المؤمنين كما سبق. وقال الزجاج: الفاء في (فَقَاتِلْ) جواب قوله: (ومَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) الآية [النساء: 4]، ويجوز أن يكون متصلاً بقوله تعالى:(ومَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)[النساء: 5] أي: أي شيءٍ لكم في ترك القتال؟ (فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)، فأمره بالجهاد ولو قاتل وحده؛ لأنه

ص: 92

قال: (فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) إن أفردوك وتركوك وحدك (لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ): غير نفسك وحدها أن تقدّمها إلى الجهاد، فإنّ اللَّه هو ناصرك لا الجنود، فإن شاء نصرك وحدك كما ينصرك وحولك الألوف. وقيل: دعا الناس في بدر الصغرى إلى الخروج، وكان أبو سفيان واعد رسول اللَّه اللقاء فيها، فكره بعض الناس أن يخرجوا؛ فنزلت، فخرج وما معه إلا سبعون لم يلو على أحد، ولو لم يتبعه أحد لخرج وحده. وقرئ:(لا تكلف) بالجزم على النهي، و (لا نكلف) بالنون وكسر اللام، أي: لا نكلف نحن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ضمن له النصر، وروي عن أبي بكرٍ الصديق رضي الله عنه في الردة قال: لو خالفتني يميني جاهدتها بشمالي.

الراغب: إن قيل: كيف قال: (لا تُكَلَّفُ إلاَّ نَفْسَكَ) وقد بعث لتكليف الناس؟ قيل: لم يعن بالتكليف الاستدعاء الذي رشح له؛ بل للتحريض وتحريض الناس على الخروج معه، ألا ترى أنه قال:(وحَرِّضِ المُؤْمِنِينَ)؟ وهذه الآية تقتضي أن على الإنسان أن لا يني في نصرة الحق وإن تفرد. وقال بعض العارفين: من طلب رفيقاً في سلوك طريق الحق فلقلة يقينه وسوء معرفته، فالمحقق للسعادة والعارف بالطريق إليها لا يعرج على رفيقٍ ولا يبالي بطول طريق، فمن خطب الحسناء لم يغله المهر.

قوله: (غير نفسك وحدها) لم يرد به أن ((إلا)) هنا بمعنى: غير؛ بل إنها من الاستثناء المفرغ وفيه معنى الحصر؛ ولهذا أكده بقوله: ((وحدها)) أي: لا تكلف شيئاً إلا أن تقدم نفسك إلى الجهاد، وقوله:((أن تقدمها للجهاد)) بيانٌ لقوله: ((غير نفسك)).

قوله: (لم يلو على أحد). الأساس: ومر لا يلوي على أحد: لا يقيم عليه ولا ينتظره.

ص: 93

إلا نفسك وحدها. (وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ): وما عليك في شأنهم إلا التحريض فحسب لا التعنيف بهم. (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَاسَ الَّذِينَ كَفَرُوا): وهم قريش، وقد كف بأسهم، فقد بدا لأبي سفيان وقال: هذا عام مجدب، وما كان معهم زاد إلا السويق، ولا يلقون إلا في عامٍ مخصبٍ فرجع بهم. (وَاللَّهُ أَشَدُّ بَاساً) من قريشٍ (وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا) تعذيباً.

[(مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً)].

الشفاعة الحسنة: هي التي روعي بها حق مسلم، ودفع بها عنه شر، أو جلب إليه خير، وابتغي بها وجه اللَّه، ولم تؤخذ عليها رشوة، وكانت في أمرٍ جائزٍ، لا في حدّ من حدود اللَّه، ولا في حق من الحقوق، والسيئة: ما كان بخلاف ذلك. وعن مسروقٍ أنه شفع شفاعة فأهدى إليه المشفوع جاريةً فغضب وردها، وقال: لو علمت ما في قلبك لما تكلمت في حاجتك، ولا أتكلم فيما بقي منها. وقيل: الشفاعة الحسنة هي الدعوة للمسلم، لأنها في معنى الشفاعة إلى اللَّه. وعن النبي:«من دعا لأخيه المسلم بظهر الغيب استجيب له؛ قال له الملك: ولك مثل ذلك» فذلك النصيب. والدعوة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وقد كف بأسهم) أتى بقوله: ((قد)) للتحقيق، مشيراً به إلى أن (عَسَى) استعمل للتحقيق. قال الزجاج:((عسى)) في اللغة للطمع، والطمع والإشفاق من الله تعالى واجبٌ، كأنه قال: إن الله سيكف بأس الذين كفروا.

قوله: (من دعا لأخيه) وفي روايةٍ لمسلم، عن أبي الدرداء، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول:((ما من عبدٍ يدعو لأخيه بظهر الغيب إلا قال الملك: ولك بمثل))، والظهر قد يزاد في مثل هذا إشباعاً للكلام وتمكيناً، قاله صاحب ((النهاية)).

قوله: (فذلك النصيب) يريد أن معنى النصيب في قوله: (يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا)

ص: 94

على المسلم بضد ذلك. (مُقِيتاً): شهيداً حفيظاً. وقيل: مقتدراً، وأقات على الشيء قال الزبير بن عبد المطلب:

وَذِى ضِغْنٍ نَفَيْتُ السُّوءَ عَنْهُ

وَكُنْتُ عَلَى إسَاءَتِهِ مُقِيتَا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هذا المذكور، وفيه أن معنى الكفل بضد ذلك؛ ولذلك قال:((والدعوة على المسلم بضد ذلك)).

الراغب: فإن قيل: فلم فرق بينهما في الحسنة: (نَصِيبٌ)، وفي السيئة:(كِفْلٌ)؟ قيل: يجوز أنه لما كان النصيب يقال فيما يقل ويكثر، والكفل لا يقال إلا في المثل، جاء في السيئة بلفظ الكفل؛ تنبيهاً على معنى المماثلة، وإشارةً؟ إلى ما قال:(ومَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إلاَّ مِثْلَهَا)[الأنعام: 160]، وقد قيل: الكفل أكثر ما يقال في الشيء الرديء، فنبه بلفظه على ذلك تنبيهاً على قوله:(وجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا)[الشورى: 40]، فإن قيل: فقد قال: (يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ)[الحديد: 28] وليس ذلك بمذموم، قيل: إنه عنى ها هنا بالكفلين: الكفلين من رحمته يتكفلان به من العذاب، فضارع اللفظان والمعنيان مختلفان، فلما حث الله تعالى في الآية المتقدمة على تكليف ما أمره وتحريض المؤمنين ورجائه الظفر بالكفار، بين ها هنا أن من أعان غيره في فعلٍ حسنٍ فله نصيبٌ في ثوابه، وإن أعانه في فعلٍ سيئ فله كفلٌ منه.

وقلت: في الآية حثٌّ على الشفاعة الحسنة في حق الإخوان رجاء الثواب؛ ولهذا قال الشاعر:

ومن يفرد الإخوان فيما ينوبهم

تصبه الليالي مرةً وهو مفرد

قوله: (وذي ضغنٍ) البيت، الضغن: الحقد، يقول: رب ذي ضغنٍ علي كففت السوء عنه مع القدرة.

ص: 95

وقال السموأل:

أَلِي الْفَضْلُ أَمْ عَلَيّ إذَا حُو

سِبْتُ إنِّى عَلَى الْحِسَابِ مُقِيتُ

واشتقاقه من القوت؛ لأنه يمسك النفس ويحفظها.

[(وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً)].

الأحسن منها أن يقول: وعليكم السلام ورحمة اللَّه، إذا قال: السلام عليكم،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ألي الفضل أم علي) البيت، قبله:

ليت شعري- وأشعرن- إذا ما

قربوها منشورةً ودعيت

وأشعرن: جملةٌ معترضة، قربوها منشورة: عبارةٌ عن الصحف، كقوله تعالى:(وإذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ)[التكوير: 10] ودعيت: أي: حين يدعى كل أناسٍ بإمامهم، وقوله:((إني على الحساب مقيت)) جملةٌ أخرى وقعت سادةً مسد معمولي ((ليت شعري))، وعلقت بهمزةٍ مقدرةٍ يدل عليها قوله:((ألي الفضل)).

قوله: (واشتقاقه من القوت). قال الزجاج: (مُّقِيتًا): مشتقٌ من القوت، يقال: قت الرجل أقوته قوتاً: إذا حفظت نفسه بما يقوته، والقوت: اسم لذلك الشيء الذي يحفظ به النفس، والله الحفيظ؛ لأنه تعالى يعطي الشيء على قدر الحاجة من الحفظ.

قوله: (الأحسن منها أن يقول: وعليكم السلام)، فسر التحية بالسلام لكونه سبباً للحياة، ثم عبر عنه بها عرفاً.

الراغب: التحية من قولهم: حيا الله فلاناً، أي: جعل له حياةً، وذلك إخبارٌ ثم يجعل دعاءً، ثم يقال: وحيا فلانٌ فلاناً: إذا قال له ذلك وحكم به، كما يقال: أضللت فلاناً

ص: 96

وأن يزيد: وبركاته إذا قال: ورحمة اللَّه. وروي: أنّ رجلاً قال لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: السلام عليك، فقال:«وعليك السلام ورحمة اللَّه» . وقال آخر: السلام عليك ورحمة اللَّه، فقال:«وعليك السلام ورحمة اللَّه وبركاته» ، وقال آخر: السلام عليك ورحمة اللَّه وبركاته، فقال «وعليك» فقال الرجل: نقصتنى، فأين ما قال اللَّه؟ وتلا الآية، فقال:"إنك لم تترك لي فضلاً فرددت عليك مثله". (أَوْ رُدُّوها): أو أجيبوها بمثلها، ورد السلام ورجعه: جوابه بمثله؛ لأن المجيب يرد قول المسلم ويكره، وجواب التسليمة واجب، وعن أبي يوسف رحمه الله: من قال لآخر: أقرئ فلاناً السلام، وجب عليه أن يفعل. وعن النخعي: السلام سنة والردّ فريضة، وعن ابن عباس: الردّ واجب، وما من رجلٍ يمرّ على قومٍ مسلمين فيسلم عليهم ولا يردّون عليه، إلا نزع عنهم روح القدس، وردّت عليه الملائكة. ولا يرد السلام في الخطبة وقراءة القرآن جهراً، ورواية

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وأرشدته، إذا حكمت بذلك. وأصل التحية من الحياة، ثم يقال لكل دعاءٍ:((تحيةٌ))، لكون جميعه غير خارجٍ عن كونه حياةً أو سبب حياة: إما دنيوية وإما أخروية.

وإن قيل: على أي وجهٍ جعل قولهم: ((السلام)) تحية الملتقيين؟ قيل: السلام والسلم واحد، بدليل قوله:(فَقَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ)[الذاريات: 25]، ولما كان الملتقيان من الأجانب قد يحذر أحدهما الآخر؛ استعمل هذه اللفظة تنبيهاً من المخاطِب أني بذلت لك ذلك وطلبته منك، ونبه المجيب إذا قال: وعليك السلام على نحو ذلك، ثم صار ذلك مستعملاً في الأجانب والأقارب والأعادي والأصادق، تنبيهاً أني أسأل الله ذلك لك.

قوله: (وجواب التسليمة واجب) ثم قوله: (والرد فريضة)، يدل على أن الفرض والواجب سيان.

قوله: (نزع عنهم روح القدس). النهاية: أصل النزع: الجذب والقلع، ومنه نزع القوس: إذا جذبها، قيل: معناه: نزع التأييد والتوفيق والبركة، وروح القدس: جبريل، ومنه

ص: 97

الحديث، وعند مذاكرة العلم، والأذان، والإقامة. وعن أبي يوسف: لا يسلم على لاعب النرد والشطرنج، والمغني، والقاعد لحاجته، ومطير الحمام، والعاري من غير عذرٍ في حمام أو غيره. وذكر الطحاوي أن المستحب ردّ السلام على الطهارة. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه تيمم لردّ السلام. قالوا:

ويسلم الرجل إذا دخل على امرأته، ولا يسلم على أجنبية، ويسلم الماشي على القاعد، والراكب على الماشي، وراكب الفرس على راكب الحمار، والصغير على الكبير، والأقل على الأكثر، وإذا التقيا ابتدرا. وعن أبي حنيفة: لا يُجهر بالرد. يعني: الجهر الكثير. وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم» ، أي: وعليكم ما قلتم؛ لأنهم كانوا يقولون: السام عليكم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها لحسان: ((إن روح القدس لا يزال يؤيدك ما نافحت عن الله ورسوله)). أي: إن شعرك الذي تنافح به عن الله وعن رسوله يلهمك الملك سبيله، نافح أي: دافع، والمنافحة والمكافحة: المدافعة والمضاربة.

قوله: (وعن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه تيمم لرد السلام) عن أبي الجهيم قال: أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغائط، فلقيه رجل فسلم عليه فلم يرد عليه حتى أقبل على الحائط، فوضع يده على الحائط ثم مسح وجهه ويديه، ثم رد على الرجل السلام، رواه البخاري ومسلم وغيرهما.

قوله: (ويسلم الماشي على القاعد) عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يسلم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد، والقليل على الكثير))، أخرجه الشيخان والترمذي وأبو داود.

قوله: (إذا سلم عليكم أهل الكتاب) عن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:((إذا سلم عليكم اليهود فإنما يقول أحدهم: السام عليك، فقل: وعليك))، أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي.

ص: 98

وروي: «لا تبتدئ اليهوديّ بالسلام، وإن بدأك فقل: وعليك» . وعن الحسن: يجوز أن تقول للكافر: وعليك السلام، ولا تقل: ورحمة اللَّه؛ فإنها استغفار. وعن الشعبي:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ورووا عن أنس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:((إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم))، قال صاحب ((الجامع)): السام: الموت. قال الخطابي: عامة المحدثين يروون هذا الحديث بإثبات الواو في ((وعليكم))، وكان سفيان بن عيينة يرويه بغير واو، وقال: هو الصواب؛ لأنه إذا حذف الواو صار قولهم الذي قالوه بعينه مردوداً عليهم خاصة، وإذا أثبت الواو وقع الاشتراك معهم والدخول فيما قالوه؛ لأن الواو تجمع بين الشيئين.

وقلت: روينا في ((صحيح البخاري)) من عدة نسخ مقروءة، عن أنس بن مالكٍ رضي اله عنه، قال: مر يهوديٌّ برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: السام عليك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:((وعليك))، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:((أتدرون ما يقول؟ قال: السام عليك))، قالوا: يا رسول الله، ألا نقتله؟ قال:((لا، إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم)) في الموضعين بالواو، وقد تكرر أن بدخول الواو العاطفة قد تقطع عن ما عطفت عليه لإفادة العموم بحسب اقتضاء المقام، فيقدر: عليك اللعنة وعليك الغضب وعليك السام ونحوها، يؤيده ما روينا أيضاً في ((الصحيح)) عن عائشة قالت: استأذن رهطٌ من اليهود على النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: السام عليك، فقلت: بل عليكم السام واللعنة، فقال:((يا عائشة، إن الله عز وجل رفيقٌ يحب الرفق بالأمر كله))، قلت: أو لم تسمع ما قالوا؟ قال: ((قلت: وعليكم)) يريد- والله أعلم- أني قلت ما قلت وزدت عليه لكن بالرفق.

قوله: (يجوز أن تقول للكافر: وعليكم السلام). الراغب: حق من يؤتى شيئاً أن يؤتي مثله وأحسن منه، والسلام ها هنا السلم، وهو أصله، قال: وهذا أمرٌ منه تعالى أن من

ص: 99

أنه قال لنصراني سلم عليه: وعليك السلام ورحمة اللَّه، فقيل له، فقال: أليس في رحمة اللَّه يعيش؟

وقد رخص بعض العلماء في أن يبدأ أهل الذمة بالسلام إذا دعت إلى ذلك حادثة تحوج إليهم، وروي ذلك عن النخعي. وعن أبي حنيفة: لا تبدأه بالسلام في كتابٍ ولا غيره. وعن أبي يوسف: لا تسلم عليهم ولا تصافحهم، وإذا دخلت فقل: السلام على من اتبع الهدى، ولا بأس بالدعاء له بما يصلحه في دنياه. (عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً) أي: يحاسبكم على كل شيء من التحية وغيرها.

[(اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً)].

(لا إِلهَ إِلَّا هُوَ): إما خبر مبتدأ، وإما اعتراض، والخبر (لَيَجْمَعَنَّكُمْ)، ومعناه:(اللَّه) - واللَّه - (ليجمعنكم إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ)،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بذل لكم السلام من الكفار- بأن يروم الدخول في الشرع- فابذلوا له، كقوله تعالى:(وإن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا)[الأنفال: 61] وأمره بأن يرد على باذلها مثلها، وذلك بأن يبذل له الأمان مما خافه أو أكثر منه، بأن يبين أن له ما له وعليه ما عليه من النصرة والموالاة.

قوله: (وقد رخص بعض العلماء في أن يبدأ أهل الذمة بالسلام). روينا عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:((لا تبدؤوا اليهود ولا النصارى بالسلام، وإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه))، أخرجه مسلمٌ وأبو داود والترمذي.

قوله: ((اللَّهُ) - والله- (لَيَجْمَعَنَّكُمْ)) فالقسم مع جوابه خبر (اللَّهُ)، تأويله ما مضى في قوله:(لَمَنْ لَّيُبَطِّئَنَّ)[النساء: 72].

ص: 100

أي: ليحشرنكم إليه. والقيامة والقيام، كالطلابة والطلاب، وهي: قيامهم من القبور، أو قيامهم للحساب، قال اللَّه تعالى:(يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ)[المطففين: 6]. (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً)؛ لأنه عز وعلا صادق لا يجوز عليه الكذب؛ وذلك أنّ الكذب مستقل بصارفٍ عن الإقدام عليه وهو قبحه،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (أي: ليحشرنكم إليه)، قال أبو البقاء:(إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ)، قيل: التقدير: في يوم القيامة، وقيل: هي على بابها، أي: ليجمعنكم من القبور، فعلى هذا يجوز أن يكون حالاً، أي: يجمعنكم مفضين إلى حساب يوم القيامة.

والمصنف ما ذهب إلى الحال ولا إلى التضمين؛ بل سلك فيه طرق المجاز بحسب مقتضى التركيب، فإن القسم في قوله:((والله ليجمعنكم إلى يوم القيامة)) يوجب اضطرار الناس إلى أن يجتمعوا فيه، وهو معنى ((ليحشرنكم إليه)) أي: يضطركم إلى المحشر، قال في ((الأساس)): حشرت السنة الناس: أهبطتهم إلى الأمصار.

قوله: (لأنه عز وعلا صادقٌ) تعليلٌ لمعنى المبالغة الذي يعطيه قوله: (ومَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا)، وذلك من تخصيص اسمه الجامع، و ((من)) الاستفهامية وبناء أفعل لمطلق الزيادة، يعني أن من اسمه الله كيف يجوز عليه الكذب؟ لأنه كاملٌ في ذاته منزهٌ عن النقائص، والكذب نقيصةٌ فبينهما تناف.

قوله: (مستقلٌّ بصارف). قال الجوهري: يقال: أقل الجرة: أطاق حملها. النهاية: وفي حديث العباس: ((فحثا في ثوبه ثم ذهب يقله فلم يستطع)). يقال: أقل الشيء يقله: إذا رفعه وحمله، وقال: الاستقلال بمعنى الارتفاع والاستبداد، فقوله:((مستقلٌّ بصارف)) أي: مستبدٌّ بما يصرف القائل عن الإقدام عليه وهو قبحه، أي: قبحه وحده يصرف الكذاب عن التكلم به.

ص: 101

ووجه قبحه الذي هو كونه كذباً وإخباراً عن الشيء بخلاف ما هو عليه، فمن كذب لم يكذب إلا لأنه محتاج إلى أن يكذب؛ ليجرّ منفعةً أو يدفع مضرة، أو هو غنيٌّ عنه، إلا أنه يجهل غناه، أو هو جاهلٌ بقبحه، أو هو سفيهٌ لا يفرق بين الصدق والكذب في إخباره، ولا يبالي بأيهما نطق، وربما كان الكذب أحلى على حنكه من الصدق. وعن بعض السفهاء: أنه عوتب على الكذب فقال: لو غرغرت لهواتك به ما فارقته. وقيل لكذاب: هل صدقت قط؟ فقال: لولا أني صادق في قولي: لا، لقلتها. فكان الحكيم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ووجه قبحه) مبتدأ، والخبر: الموصول مع صلته، والضمير المرفوع في الصلة عائدٌ إليه، أو يقال: إن الموصول مقحم، كقراءة من قرأ:((الذين من قبلكم))، قال: أقحم الموصول الثاني من الأول وصلته، وفي بعض النسخ:((وجه قبحه هو كونه كذباً)) وهو الوجه، وقيل: ووجه قبحه، معطوفٌ على قوله:((قبحه))، ودل الموصول على هذا؛ أي: الصارف هو قبحه ووجه قبحه أي: سبب قبحه، ثم وصف قوله:((وجه قبحه)) بقوله: ((الذي

)) إلى آخره، فكأنه أشار إلى أن قبح الكذب ذاتيٌّ، ففيه تعسف.

قوله: (لو غرغرت لهواتُك)، وروي:((لهَواتِك)) بالنصب على أنه مفعول، يقال: الراعي يغرغر بصوته، أي: يردده في حلقه. النهاية: اللهوات: جمع لهاتٍ، وهي لحماتٌ في سقف أقصى الفم، وإنما خصها بالذكر لأنه ما يتلذذ به الإنسان من المأكول والمشروب ينتهي إليها، قال ابن هانئ:

إذا ما أتت دون اللهاة من الفتى

دعا همه من صدره برحيل

وخص الغرغرة لإرادة الإكثار منه، ولعل هذا القائل ما أطرق سمعه ما روينا عن الترمذي، عن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:((إذا كذب العبد تباعد عنه الملك ميلاً من نتن ما جاء به)).

ص: 102

الغني الذي لا يجوز عليه الحاجات، العالم بكل معلومٍ منزهاً عنه كما هو منزه عن سائر القبائح.

[(فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً)].

(فِئَتَيْنِ) نصب على الحال، كقولك: مالك قائماً. روي أنّ قوما من المنافقين استأذنوا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في الخروج إلى البدو معتلين باجتواء المدينة، فلما خرجوا لم يزالوا راحلين مرحلةً مرحلةً حتى لحقوا بالمشركين، فاختلف المسلمون فيهم، فقال

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (فِئَتَيْنِ) نصبٌ على الحال) قال القاضي: عامله (لَكُمْ) كقولك: ما لك قائماً، و (فِي المُنَافِقِينَ) حالٌ من (فِئَتَيْنِ) أي: متفرقين فيهم، أو من الضمير، أي: فما لكم تفترقون فيهم، ومعنى الافتراق يفيده قوله:(فِئَتَيْنِ)، قال أبو البقاء: يجوز أن يكون (فِي المُنَافِقِينَ)) حالاً من (فِئَتَيْنِ) أي: فئتين مفترقتين في المنافقين، فلما قدمه نصبه على الحال. وقال الزجاج: قال سيبويه: إذا قلت: ما لك قائماً؟ فمعناه: لم قمت؟ ونصب على تأويل: أي شيءٍ يستقر لك في هذه الحال؟

قوله: (باجتواء المدينة). النهاية: في حديث العرنيين: ((فاجتووا المدينة))، أي: أصابهم الجوى، وهو المرض وداء الجوف إذا تطاول، وذلك إذا لم يوافقهم هواؤها واستوخموها، ويقال: اجتويت البلد: إذا كرهت المقام فيه وإن كنت في نعمة.

المغرب: عرنة: وادٍ بحذاء عرفات، وبتصغيرها سميت عرينة، وهي قبيلةٌ ينسب إليها العرنيون.

ص: 103

بعضهم: هم كفار. وقال بعضهم: هم مسلمون. وقيل: كانوا قوماً هاجروا من مكة ثم بدا لهم، فرجعوا وكتبوا إلى رسول اللَّه: إنا على دينك، وما أخرجنا إلا اجتواء المدينة والاشتياق إلى بلدنا. وقيل:

هم قوم خرجوا مع رسول اللَّه يوم أُحدٍ ثم رجعوا. وقيل: هم العرنيون الذين أغاروا على السرح وقتلوا بساراً. وقيل: هم قوم أظهروا الإسلام وقعدوا عن الهجرة. ومعناه: ما لكم اختلفتم في شأن قوم نافقوا نفاقاً ظاهراً، وتفرقتم فيه فرقتين؟ وما لكم لم تبتوا القول بكفرهم؟ (وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ)، أي: ردهم في حكم المشركين كما كانوا. (بِما كَسَبُوا) من ارتدادهم ولحوقهم بالمشركين، واحتيالهم على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، أو:(أركسهم) في الكفر بأن خذلهم حتى ارتكسوا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (إنا على دينك) حكاية ما كتبوا، لكن قوله:((وما أخرجنا إلا اجتواء المدينة)) لا يستقيم مع قوله: ((كانوا قوماً هاجروا من مكة))، إلا أن يقال: هاجروا من مكة إلى المدينة، ثم بدا لهم فرجعوا.

قوله: (أغاروا على السرح) أي: النعم السارحة. النهاية: السرح: اسم جمعٍ وليس بتكسير ((سارح))، أو هو تسميةٌ بالمصدر مبالغة.

قوله: (قتلوا يساراً). الاستيعاب: يسار: مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان نوبياً، وهو الراعي الذي قتله العرنيون الذين استاقوا ذود رسول الله صلى الله عليه وسلم فقطعوا يديه ورجليه وغرزوا الشوك في لسانه وعينيه حتى مات.

قوله: ((أَرْكَسَهُم) أي: ردهم في حكم المشركين). الراغب: الركس والنكس: الرذل، والركس أبلغ؛ لأن النكس: ما جعل أسفله أعلاه، والركس: ما جعل رجيعاً بعد ما كان طعاماً، فهو كالرجس، يقال: أركسه وركسه، وأركس أبلغ، كما أن ((أسقاه)) أبلغ من ((سقاه)).

ص: 104

فيه لما علم من مرض قلوبهم. (أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا): أن تجعلوا من جملة المهتدين (مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ): من جعله من جملة الضلال وحكم عليه بذلك، أو خذله حتى ضلّ. وقرئ:(رَكَسَهم)، و (رُكِسوا فيها).

[(وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (مَن جعَله مِن جُملةِ الضُّلاّل) مبنيُّ على تفسيرِ {أرّكَسَهُم} بقوله: "رَدَّهم في حُكم المشركين"، وقوله:"أو خَذَلَه حتَّى ضَلَّ" على تفسيرِه بقولهِ: أرّكَسَهُم} في الكُفر بأن خَذَلَهم"، فعلى الأول:{أرّكَسَهُم} مُطلق؛ ولذلك أدخَلَهم في زُمرةِ المشركين، وعلى الثاني: متعلقُهُ ما يُعْلَمُ من الإنكارِ في قولهِ: {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ} أي: فِرقتَيْن، يقولون: أهم مؤمنونَ أم كافرون؟ ثم قولُه: {أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ} إنكار بعدَ إنكار، وقولُه:{وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً} تذييلٌ للتأكيد بقَلْعِ قاعدةِ بناءِ الاعتزالِ وبهَدْمِ بناءِ التفسيرين عليها، ألا ترى كيف أعادَ الاسمَ الجامعَ المفيدَ في هذا المقام معنى الجَبَروتِ مرَّتينِ وعدَلَ من خطابِ الجماعةِ إلى خطابِ العامِّ ليَدخُلَ فيه كلُّ من يتأَتَّى منهُ الوِجْدان، ومِن جُملتِهم الضُّلال! ونكَّر {سَبيلاً} أي: لا تجدُ أيُّها المخاطبُ أي سبيلٍ تريد بأي وجهٍ كان.

قوله: (ورُكِسوا فيها) يعني: في قوله تعالى: {كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا} [النساء: 91]، فإنه قُرئ هناك:"ورُكِسُوا فيها"، وإنما ذكره هاهنا لن كليهما بابُ الإفعال، وقُرِئ في القراءة الشاذة بالتفعيل مع أنهما من أصلٍ واحد، ولا يجوزُ أن يقال: قُرِئَ: "ورُكِسوا" فيها- أي: في هذه الآية - لفسادِ المعنى.

ص: 105

نَصِيراً* إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً* سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَامَنُوكُمْ وَيَامَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً مُبِيناً)].

(فَتَكُونُونَ): عطف على (تَكْفُرُونَ)، ولو نصب على جواب التمني لجاز. والمعنى: ودّوا كفركم فكونكم معهم شرعاً واحداً فيما هم عليه من الضلال واتباع دين الآباء. فلا تتولوهم وإن آمنوا حتى يظاهروا إيمانهم بهجرة صحيحةٍ هي للَّه

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (فكَوْنكُم معهم شَرعاً). النِّهاية: في الحديثِ "أنتُم فيه شَرَعٌ سواءٌ"، أي: مُتساوونَ لا فضلَ لأحدِكم فيه على الآخَر.

قولُه: (فلا تتوَلَّوهُم وإن آمنوا حتَّى يُظاهِروا) تفسيرٌ لقوله: {فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا} ، جعل {حَتَّى} غاية للمقدار، وهُو الإيمان؛ لأن الهجرة غيرُ نافعةٍ بدونِه، قوله:{فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ} مسبب عن قوله: {وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ} ، و {وَدُّوا} بدلٌ من قوله:{بِمَا كَسَبُوا} [النساء 88]، والكلام مصبوبٌ في قالبٍ واحد، يعني: ما لكم تختلفونَ في أمرِ أقوام منافقينَ؟ والحالُ أن اللهَ تعالى رَدَّهم في حُكم المشركينَ بسببِ ما كسبوا، وهُو وِدادتُهم كُفرَكم، وإذا كان كذلك فلا تختلفوا فيهم ولا تتولَّوْهم حتى يُهاجِروا في سبيل الله، أي: يَرجِعوا من جميع ذلك رُجوعاً كالمُهاجَرةِ منَ الأوطان، فإن توَلَّوا عن هذه المُهاجَرةِ فحُكمُهم حُكمُ المشركينَ بأن يُقتَلوا حيثُ وُجدوا، وبأن يُجانبوا مُجانبةً كُلِّية. ولا يُستبعَدُ حملُ المُهاجَرةِ على المُجانبة عنِ الذنوب والمخالفةِ لأمرِ الله؛ لما ورَدَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم:"المسلمُ مَن سَلِمَ المسلمونَ مِن لسانهِ ويَدِه، والمُهاجِر مَن هجرَ ما نهى اللهُ عنه". أخرجَه البخاريُ وأبو داود، عن عبدِ الله بن عَمْرو.

ص: 106

ولرسوله، لا لغرضٍ من أغراض الدنيا، مستقيمةٍ ليس بعدها بداء ولا تعرّب. (فَإِنْ تَوَلَّوْا) عن الإيمان المظاهر بالهجرة الصحيحة المستقيمة فحكمهم حكم سائر المشركين يقتلون حيث وجدوا في الحلّ والحرم، وجانبوهم مجانبةً كليةً، وإن بذلوا لكم الولاية والنصرة فلا تقبلوا منهم. (إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ): استثناء من قوله: (فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ)، ومعنى:(يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ): ينتهون إليهم ويتصلون بهم. وعن أبي عبيدة:

هو من الانتساب، وصلت إلى فلانٍ واتصلت به: إذا انتميت إليه. وقيل: إن الانتساب لا أثر له في منع القتال، فقد قاتل رسول اللَّه بمن معه من هو من أنسبائهم. والقوم هم الأسلميون؛ كان بينهم وبين رسول اللَّه عهد؛ وذلك أنه وادع

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الراغب: الهجرة: تَرْكُ الشيءِ والإعراضُ عنه، مكاناً كان أو خليطاًن وسُمِّي القبيحُ منَ الكلامِ هُجْرا، وسُمِّي المُهاجِرُ، لتركه وطنه، وصار اسم مدحٍ في الإسلام، وسُمِّي مَن رفضَ فُضولاتِ شهواتِه: مُهاجراً.

ثم إن المصنفَ وضعَ موضعَ {فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ} قوله: "يُقتلُونَ حيث وُجدوا"، وموضعَ {وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً} "جانبوهم مجانبة كلية" إلى آخره؛ بياناً لمعنى الاستمرار. وأما قولُه:"جانبوهم مجانبةً كلية" فإخراجٌ للكلامِ على غيرِ مقتضى الظاهر؛ إذ الظاهر "وتجانبون"؛ ليقعا خبرينِ للإيذانِ بشدةِ المجانبة، وذلك من تكرير قوله:{فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ} ؛ ومِن ثمَّ بالغَ فيه حيثُ قال: "مجانبةً كلية وإن بذلَوا لكُم الولايةَ والنصرةَ" يعني: لا يوجد منكم ولايةٌ لهم قط؛ فداوموا على العداوة.

قوله: (ليس بعَدها بداءٌ ولا تعرُّب) مثل لترك التذبذب لا إلى هؤلاءِ ولا إلى هؤلاء، وبداء أي: نزول بالبادية، ولا تعرب، أي: عودٌ إلى العرب الذين يسكنون المدن.

قوله: (استثناء من قوله: {فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ} أي: من الضمير في {فَخُذُوهُمْ} ، لا من الضمير في {فَلا تَتَّخِذُوا} وإن كان أقربَ لأن اتخاذَ الوليِّ منهم حرامٌ.

ص: 107

وقت خروجه إلى مكة هلال بن عويمر الأسلمي على أن لا يعينه ولا يعين عليه، وعلى أنّ من وصل إلى هلال ولجأ إليه فله من الجوار مثل الذي لهلال. وقيل: القوم بنو بكر بن زيد مناة كانوا في الصلح أَوْ جاؤُكُمْ لا يخلو من أن يكون معطوفاً على صفة قوم، كأنه قيل: إلا الذين يصلون إلى قوم معاهدين، أو قوم ممسكين عن القتال لا لكم ولا عليكم؛ أو على صلة (الذين)، كأنه قيل: إلا الذين يتصلون بالمعاهدين، أو الذين لا يقاتلونكم. والوجه العطف على الصلة لقوله:(فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا) بعد قوله: (فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ)، فقرّر أن كفهم عن القتال أحد سببى استحقاقهم لنفي التعرض

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ممسكينَ عن القتال، لا لكم ولا عليكم) تفسيرٌ لقوله: {أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ} أي: لأجلكم.

قوله: (والوجه العطفُ على الصِّلة) لقوله: {فَإِنْ اعْتَزَلُوكُمْ} يعني: مجيء قوله: {فَإِنْ اعْتَزَلُوكُمْ} بعد قوله: {فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ} يشعر بأن السبب عن المنع عن التعرض لهم شيئان، أحدهما: اتصالهم بقوم معاهدين، وثانيهما: كفهم عن القتال بسبب إظهار أن قلوبهم تنقبض عن مقاتلتكم، فيكونُ قوله:{فَإِنْ اعْتَزَلُوكُمْ} مقررا للسبب الثاني، يعني: إن جاؤوكم يريدون الإمساك عن القتال لا لكم ولا عليكم فإن تموا على هذا بأن اعتزلوكم وألقوا إليكم السَّلَمَ؛ فلا تتعرضوا لهم البتة. وإذا عطفَ على الصفة يبقى سببُ عدم التعرُّضِ واحداً، وهو أن يصلوا إلى قوم معاهدين أو إلى قوم كافِّينَ فلا يكون قوله:{وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمْ السَّلَمَ} مقرراً لقوله: {حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ} ؛ لأن ذلك وصف لقول آخرين غير من ترتب عليه قوله: {فَإِنْ اعْتَزَلُوكُمْ} ؛ لأنه مترتب على قوله: {فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ} ثم أورد السؤال وقال: "كل واحدٍ من الاتصالين له تأثير" إلى آخره، وهو ظاهر.

قوله: (فقرر أن كفهم عن القتال) فاعله: مجيء قوله: {فَإِنْ اعْتَزَلُوكُمْ} بعد قوله: {فَخُذُوهُمْ} ، وعلى هذا قوله:{فَإِنْ اعْتَزَلُوكُمْ} تقرير لحكم اتصالهم.

ص: 108

عنهم، وترك الإيقاع بهم. فإن قلت: كل واحدٍ من الاتصالين له تأثير في صحة الاستثناء، واستحقاق إزالة التعرّض الاتصال بالمعاهدين والاتصال بالمكافين، لأنّ الاتصال بهؤلاء أو هؤلاء دخول في حكمهم، فهلا جوزت أن يكون العطف على صفة (قوم)، ويكون قوله:(فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ) تقريراً لحكم اتصالهم بالمكافين واختلاطهم بهم وجريهم على سننهم! قلت: هو جائزٌ ولكن الأول أظهر وأجرى على أسلوب الكلام. وفي قراءة أبيّ: (بينكم وبينهم ميثاق جاؤوكم حصرت صدورهم) بغير "أو"، ووجهه أن يكون:(جاؤُكُمْ)، بياناً لـ (يصلون)، أو بدلاً، أو استئنافاً، أو صفة بعد صفةٍ لـ (قوم). (حصرت صدورهم) في موضع الحال بإضمار "قد"؛ والدليل عليه قراءة من قرأ:(حصرةً صدورهم) و (حصرات صدورهم). و (حاصراتٍ صدورهم)، وجعله المبرد صفة لموصوف محذوفٍ على: أو جاؤوكم قوماً حصرت صدورهم. وقيل: .......

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (أظهرُ وأجرى على أسلوب الكلام)، وذلك أن قوله:{سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَامَنُوكُمْ وَيَامَنُوا قَوْمَهُمْ} مشابه لقوله: {جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ} ، وقد رتب عليه قوله:{فَإِنْ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمْ السَّلَمَ} الآية، فالأولى جرى الكلام على أسلوب واحد وأن يترتب قوله:{فَإِنْ اعْتَزَلُوكُمْ} على قوله: {أَوْ جَاءُوكُمْ} حتى يكون المراد من قوله: {فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ} وقول: {أَوْ جَاءُوكُمْ} وقوله: {فَإِنْ اعْتَزَلُوكُمْ} هم الذين تولوا وأعرضوا عن الإيمان، وقوله:{وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ} جملة معترضة للامتنان على المؤمنين، وتعليل بأن حصر صدورهم ما كان إلا لقذف الله الرعب فيها.

قوله: (أو جاؤوم قوماً حصرت صدورهم) فعلى هذا "قوماً" حال موطئة، كقوله تعالى:{قُرْآناً عَرَبِيّاً} [يوسف: 2].

ص: 109

هو بيان لـ (جاؤكم)، وهم بنو مدلج؛ جاءوا رسول اللَّه غير مقاتلين، والحصر: الضيق والانقباض. (أَنْ يُقاتِلُوكُمْ): عن أن يقاتلوكم، أو كراهة أن يقاتلوكم.

فإن قلت: كيف يجوز أن يسلط اللَّه الكفرة على المؤمنين؟ قلت: ما كانت مكافتهم إلا لقذف اللَّه الرعب في قلوبهم، ولو شاء لمصلحةٍ يراها من ابتلاءٍ ونحوه لم يقذفه، فكانوا متسلطين مقاتلين غير مكافين، فذلك معنى التسليط. وقرئ:(فلقتلوكم) بالتخفيف والتشديد. (فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ): فإن لم يتعرضوا لكم، (وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ)، أي: الانقياد والاستسلام. وقرئ بسكون اللام مع فتح السين، (فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا): فما أذن لكم في أخذهم وقتلهم. (سَتَجِدُونَ آخَرِينَ): هم قوم من أسدٍ وغطفان، وكانوا إذا أتوا المدينة أسلموا وعاهدوا ليأمنوا المسلمين، فإذا رجعوا إلى قومهم كفروا ونكثوا عهودهم. (كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ) كلما دعاهم قومهم إلى قتال المسلمين (أُرْكِسُوا فِيها): قلبوا فيها أقبح قلبٍ وأشنعه، وكانوا شراً فيها من كل عدوّ. (حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ): حيث تمكنتم منهم. (سُلْطاناً مُبِيناً): حجةً واضحةً لظهور عداوتهم، وانكشاف حالهم في الكفر والغدر، وإضرارهم بأهل الإسلام أو تسلطا ظاهراً حيث أذنا لكم في قتلهم.

[(وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (هو بيان لـ {جَاءُوكُمْ} وذلك أن مجيئهم غير مقاتلين، و {حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ} في معنى واحد.

قوله: (وهم بنو مدلج) بالضم، قيل: بنو مدلج: قبيلة من كنانة، وهم القافة.

قوله: ({أُرْكِسُوا فِيهَا} قلبوا فيها أقبح قلب وأشنعه) الأساس. أركَسَه ورَكَسَه: قلبه على رأسه، وهو مركوسٌ منكوس.

ص: 110

رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً* وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً)].

(وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ) وما صح له ولا استقام ولا لاق بحاله، كقوله:(وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ)[آل عمران: 161]، (وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها) [الأعراف: 89]. (أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً) ابتداءً غير قصاص (إِلَّا خَطَأً): إلا على وجه الخطأ.

فإن قلت: بم انتصب (خطأ)؟ قلت: بأنه مفعول له، أي: ما ينبغي له أن يقتله لعلة من العلل إلا للخطأ وحده. ويجوز أن يكون حالاً بمعنى لا يقتله في حال من الأحوال إلا في حال الخطأ، وأن يكون صفةً للمصدر إلا قتلاً خطأ. والمعنى أن من شأن المؤمن أن ينتفي عنه وجود قتل المؤمن ابتداء البتة، إلا إذا وجد منه خطأ من غير قصد؛ بأن يرمى كافراً فيصيب مسلماً، أو يرمى شخصاً على أنه كافر فإذا هو مسلم.

وقرئ: (خطاءً) بالمد، و (خطاً) بوزن "عمىً" بتخفيف الهمزة.

وروي أنّ عياش بن أبي ربيعة - وكان أخا أبي جهلٍ لأمّه - أسلم وهاجر خوفاً من قومه إلى المدينة، وذلك قبل هجرة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فأقسمت أمه لا تأكل ولا تشرب ولا يؤويها سقفٌ حتى يرجع، فخرج أبو جهل ومعه الحرث بن زيد بن أبى أنيسة فأتياه وهو في أُطم، ففتل منه أبو جهلٍ في الذروة والغارب، وقال: أليس محمد يحثك

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (في أُطُم). النهاية: الأطمُ بالضم: بناء مرتفع، وجمعه: آطامٌ.

قوله: (ففتَلَ منه أبو جهل). النهاية: وفي حديث الزبير: فما زال يَفِتلُ في الذروةِ والغاربش حتى أجابته عائشةُ رضي الله عنها إلى الخروج، والغاربُ: مقدمُ السَّنام، والذِّروة:

ص: 111

على صلة الرحم؟ انصرف وبرّ أمك، وأنت على دينك، حتى نزل وذهب معهما، فلما فسحا عن المدينة كتفاه وجلده كل واحدٍ مائة جلدة، فقال للحارث: هذا أخي فمن أنت يا حارث؟ للَّه عليّ إن وجدتك خالياً أن أقتلك، وقدما به على أمه، فحلفت لا يحل كتافه أو يرتد، ففعل ثم هاجر بعد ذلك وأسلم. وأسلم الحارث وهاجر، فلقيه عياشٌ بظهر قباء، ولم يشعر بإسلامه، فأنحى عليه فقتله، ثم أخبر بإسلامه فأتى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فقال: قتلته ولم أشعر بإسلامه؛ فنزلت. (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) فعليه تحرير رقبة، والتحرير: الإعتاق، والحر والعتيق: الكريم؛ لأن الكرم في الأحرار، كما أن اللؤم في العبيد، ومنه: عتاق الخيل وعتاق الطير؛ لكرامها، وحرّ الوجه: أكرم موضعٍ منه، وقولهم للئيم: عبد، وفلان عبد الفعل، أي: لئيم الفعل. والرقبة: عبارة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أعلاه، أي: لا زال يُخادعُها ويتلطَّفُها حتى أجابته. والأصل فيه أن الرجل إذا أراد أن يؤنس البعير الصعب ليزمه فينقاد له، جعل يمر يده عليه ويمسح غاربه ويفتل وبره حتى يستأنس ويضع عليه الزمام.

قوله: (كتافُه) كتفت الرجلَ: شددت يديه إلى خلفٍ بالكتاف، وهو حبل.

قوله: (فسحا عن المدينة) أي: بعدا. النهاية: وفي حديث أم زرع: وبيتها فساح، أي: واسع.

قوله: (قباء). المُغرب: قُباءُ بالضم والمد: من قُرى المدينة، يُنَوَّنُ ولا يُنوَّن.

قوله: (فأنحَى عليه) أي: أقبل عليه. الأساس: أنحى عليه باللوائم: إذا أقبل عليه، وأنحى عليه بالسوط والسيف.

ص: 112

عن النسمة، كما عبر عنها بالرأس في قولهم: فلان يملك كذا رأسا من الرقيق. والمراد برقبة مؤمنة: كل رقبة كانت على حكم الإسلام عند عامة العلماء. وعن الحسن: لا تجزئ إلا رقبة قد صلت وصامت ولا تجزئ الصغيرةن وقاس عليها الشافعي كفارة الظهار، فاشترط الإيمان. وقيل: لما أخرج نفسا مؤمنة عن جملة الأحياء لزمه أن يدخل نفسا مثلها في جملة الأحرار؛ لأن إطلاقها من قيد الرق كإحيائها من قبل أن الرقيق ممنوع من تصرف الأحرار. {مسلمة إلى أهله} : مؤداة إلى ورثته يقتسمونها كما يقتسمون الميراث، لا فرق بينها وبين سائر التركة في كل شيء؛ يقضى منها الدين، وتنفذ الوصية، وإذا لم يبق وارثا فهي لبيت المال؛ لأن المسلمين يقومون مقام الورثة، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(أنا وارث من لا وارث له)، وعن عمر رضي الله عنه: أنه قضى بدية المقتول، فجاءت امرأته تطلب ميراثها من عقله، فقال: لا أعلم لك شيئا، إنما الدية للعصبة الذين يعقلون عنه، فقام الضحاك بن سفيان الكلابي فقال: كتب إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرني أن أورث امرأة أشيم الضبابي من عقل زوجها أشيم، فورثها عمر. وعن ابن مسعود: يرث كل وارث من الدية غير القاتل.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (عن النسمة). النهاية: النسمةُ: النفس والروح، وكل دابة فيها روح فهي نسمة، وإنما يُراد الناس.

قوله: (كانت على حكم الإسلام) أي: محكوماً عليها بالإسلام؛ وإن كانت صغيرة. قاله القاضي.

قوله: (يعقلون عنه). المغُرب: عقلتُ القتيل: أعطيت ديته، وعقلت عن القاتل: لزمته ديته فأديتها عنه.

النهاية: العقل: الدية، وأصله أن القاتل كان إذا قتل قتيلاً جمع الدية من الإبل، فعقلها بفناء أولياء المقتول، أي: شدها في عقلها ليسلمها إليهم، فسميت الدية عقلاً بالمصدر.

ص: 113

وعن شريك: لا يقضى من الدية دين، ولا تنفذ وصية. وعن ربيعة: الغرة لأم الجنين وحدها، وذلك خلاف قول الجماعة. (فإن قلت): على من تجب الرقبة والدية؟ قلت: على القاتل إلا أن الرقبة في ماله، والدية تتحملها عنه العاقلة، فإن لم تكن له عاقلة فهي في بيت المال، فإن لم يكن، ففي ماله (إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا): إلا أن يتصدقوا عليه بالدية، ومعناه: العفو، كقوله:(إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ)[البقرة: 237]، ونحوه:(وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ)[البقرة: 280]. وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «كل معروف صدقة» . وقرأ أبيّ: (إلا أن يتصدقوا). فإن قلت: بم تعلق (أن يصدقوا) وما محله؟ قلت: تعلق بـ"عليه"، أو بـ (مسلمة)؛ كأنه قيل: وتجب عليه الدية، أو يسلمها إلا حين يتصدقون عليه، ومحلها النصب على الظرف بتقدير حذف الزمان، كقولهم: أجلس ما دام زيد جالساً، ويجوز أن يكون حالاً من (أهله)، بمعنى: إلا متصدقين.

(مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ) من قومٍ كفارٍ أهل حرب؛ وذلك نحو رجل أسلم في قومه الكفار، وهو بين أظهرهم لم يفارقهم، فعلى قاتله الكفارة إذا قتله خطأ، وليس على عاقلته لأهله شيء، لأنهم كفار محاربون. وقيل: كان الرجل يسلم ثم يأتي قومه وهم مشركون، فيغزوهم جيش المسلمين، فيقتل فيهم خطأ؛ لأنهم يظنونه كافراً مثلهم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (العاقلة). النهاية: هم العصبة والأقارب من قبل الأب الذين يُعطون دية قتيل الخطأ، وهي صفة جماعة عاقلة، وأصلها: اسم فاعلة من العقل، وهي من الصفات الغالية.

قوله: (بم تعلق {أَنْ يَصَّدَّقُوا}؟ ) إشارة إلى أن الاستثناء مفرغ، و"إلا" لغوٌ، كقولك: قرأت إلا يوم الجمعة.

قوله: (تعلق بـ "عليه")، قيل: بـ "عليه" المحذوف عند قوله: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} ، هذا باطل؛ لأن تحرير الرقبة حق الله لا يسقط بعفو الولي. نعم، يجوز أن تتعلق بـ"عليه" المقدر في قوله:{وَدِيَةٌ} ؛ لأنها عطف على "تحرير"، وإليه أشار بقوله:"ويجب عليه الدية، أو يُسلمها إلا حين يتصدقون عليه". وإذا عُلِّق بـ {مُسَلَّمَةٌ} يكون عطف "دية" على "تحرير" من قبيل الانسحاب عطف مفرد على مفرد.

ص: 114

(وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ) كفرةٍ لهم ذمة؛ كالمشركين الذين عاهدوا المسلمين، وأهل الذمة من الكتابيين فحكمه حكم مسلم من مسلمين. (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ) رقبةً، بمعنى: لم يملكها ولا ما يتوصل به إليها؛ فعليه صِيامُ (شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ): قبولاً من اللَّه ورحمة منه، من "تاب اللَّه عليه" إذا قبل توبته، يعني: شرع ذلك توبةً منه، أو نقلكم من الرقبة إلى الصوم توبة منه.

هذه الآية فيها من التهديد والإيعاد والإبراق والإرعاد أمر عظيم، وخطب غليظ.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (فحكمه حكمُ مسلم من المسلمين) في وجوب الكفارة والدية، ولعل ذلك فيما إذا كان المقتول معاهداً وكان له وارث مسلم، قاله القاضي، وفيه نظرٌ.

قوله: (شرع ذلك توبةً منه). قال القاضي: توبة: نصبٌ على المفعول له، أي: شرع ذلك توبة، أو على المصدر، أي: وتاب الله عليه توبة.

قوله: (والإبراق والإرعاد). النهاية: في حديث ابني مليكة: إن أمنا ماتت حين رعد الإسلام وبرق، أي: حين جاء بوعيده وتهديده، يقال: رعد وبرق وأرعد وأبرق: إذا توعد وتهدد.

روى شارح "الفصيح" عن أبي عمرو أنه احتج بقول الكميت:

أرعد وأبرق ما تريد

ـد فما عيدك لي بضمائر

الراغب: البرقُ: لمعان السحاب، يقال: برق وأبرق وبرق، يقال في كل ما يلمع كسيف: بارق، وبرق يقال في العين إذا اضطربت وجالت من خوف، قال تعالى: {فَإِذَا

ص: 115

ومن ثم روي عن ابن عباس ما روي: من أن توبة قاتل المؤمن عمداً غير مقبولة. وعن سفيان: كان أهل العلم إذا سئلوا قالوا: لا توبة له، وذلك محمولٌ منهم على الاقتداء بسنة اللَّه في التغليظ والتشديد، وإلا فكل ذنبٍ ممحو بالتوبة، وناهيك بمحو الشرك دليلاً. وفي الحديث:«لزوال الدنيا أهون على اللَّه من قتل امرئ مسلم» . وفيه: «لو أن رجلاً قتل بالمشرق وآخر رضي بالمغرب لأشرك في دمه» . وفيه: «إن هذا الإنسان بنيان اللَّه، ملعون من هدم بنيانه» . وفيه «من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة جاء يوم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بَرِقَ الْبَصَرُ} [القيامة: 7] وتصور من البرق ما يظهر من تخويفه فقيل: برق فلان وأبرق: إذا تهدد.

قوله: (عن ابن عباس: أن توبة قاتل المؤمن عمداً غير مقبولة)، هو ما روينا عن الترمذي وابن ماجه والنسائي، عن ابن عباس، أنه سئل عن من قتل مؤمناً متعمدا ًثم تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى، فقال ابن عباس: فأنى له التوبة وقد سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول: "يجيء المقتول متعلقاً بالقاتل تشخب أوداجه دماً فيقول: أي رب، سل هذا: فيم قتلني؟ " في قوله: "نبيكم" توبيخ للسائل.

قوله: (لزوال الدنيا) الحديث رواه الترمذي وأبو داود، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم.

قوله: (بشطر كلمة) الحديث أخرجه ابن ماجه، عن أبي هريرة رضي الله عنه،

ص: 116

القيامة مكتوب بين عينيه: آيس من رحمة اللَّه». والعجب من قوم يقرؤون هذه الآية، ويرون ما فيها ويسمعون هذه الأحاديث العظيمة، وقول ابن عباس بمنع التوبة؛ ثم لا تدعهم أشعبيتهم وطماعيتهم الفارغة، واتباعهم هواهم، وما يخيل إليهم مناهم، أن يطمعوا في العفو عن قاتل المؤمن بغير توبة؟ (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها) [محمد: 24]. ثم ذكر اللَّه سبحانه وتعالى التوبة في قتل الخطأ لما عسى يقع من

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قيل: قال سفيان: هو أن يقول في اقتل: اق.

قوله: (أشعبيتهم وطماعيتهم) الثاني تفسير للأول، قال الميداني: أشعب: رجلٌ من المدينة يقال له: أشعب بن جبير، مولى عبد الله بن الزبير، وعن أبي عبيدة أنه اجتمع عليه غلمة يعاتبونه، وكان مزاحاً ظريفاً فآذاه الغلمة، فقال لهم: إن في دار فلان عرساً فانطلقوا إليه ثمة فهو أنفع لكم؛ فانطلقوا وتركوه، فلما مضوا قال: لعل الذي قلت حق فمضى في أثرهم فلم يجد شيئاً وظفروا به فآذوه.

قوله: (ثم ذكر الله) قيل: هو عطف على الجملة المتقدمة من حيث المعنى، أي: ترك ذكر التوبة في هذه الآية مع الاحتياج إليها مانع عن الطمع، ثم ذكر التوبة في قتل الخطأ مع أنها غير محتاج إليها حسم للطمع؛ لأن معنى قوله: "والعجب

" إلى آخره: هو أن قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً} إلى آخره مانع عن الطمع. وقلت: هو عطف على قوله: "هذه الآية فيها من التهديد والإيعاد والإبراق والإرعاد أمر عظيم" يعني: في هذه الآية من الدلالة على التهديد والوعيد ما بلغت غايتها حتى قال ابن عباس: إن توبة قاتل المؤمن عمداً غير مقبولة، وتعاضدت فيها بالأحاديث، ثم في مقارنتها مع الآية السابقة المشتملة على التوبة مع أنها مستغنية عنها - حسم للأطماع وأي حسم، فعلى هذا الآية الأولى كالتتميم للثانية، ولفظة "ثم" في كلام المصنف مشعرة بأن دلالة الاقتران أبلغ من سائر ما ساعدت الآية من الأحاديث.

ص: 117

نوع تفريط فيما يجب من الاحتياط والتحفظ فيه؛ حسم للأطماع وأي حسم؟ ولكن لا حياة لمن تنادي! فإن قلت: هل فيها دليلٌ على خلود من لم يتب من أهل الكبائر؟ قلت: ما أبين الدليل فيها، وهو تناول قوله:(وَمَنْ يَقْتُلْ) أي قاتل كان من مسلمٍ أو كافرٍ، تائبٍ أو غير تائبٍ، إلا أن التائب أخرجه الدليل، فمن ادعى إخراج المسلم غير التائب فليأت بدليل مثله.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ولكن لا حياة لمن تنادي) أوله:

لقد أسمعت لو ناديت حيًّا

قبله:

ونار لو نفخت بها أضاءت

ولكن أنت تنفخ في رماد

قال أهل السنة: الله أكرم من أن يجمع من يوحده ومن يجحده في العذاب السرمد، وقد وعد بأنه يغفر ما دون الشرك، وإن رغم أنف من يتحجر الواسع!

قوله: (فليأت بدليل مثله). قال الإمام: هذه الآية مخصوصة في موضعين، أحدهما: أن يكون القتل العمد غير عدوان كما في القصاص، والثاني: أن يكون القتل العمد العدوان متداركاً بالتوبة، وإذا ثبت [دخول] التخصيص فيه في الصورتين بالاتفاق فنحن نخصص أيضاً فيما إذا حصل العفو، بدليل قوله تعالى:{وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 116] وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً} [الزمر: 53].

وقال القاضي: الجمهور أن هذه الآية مخصصة بمن لم يتب؛ لقوله تعالى: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ} [طه: 82] ونحوه، وهو عندنا إما مخصوص بالمستحل له كما ذكره عكرمة وغيره، وروى أنه نزل في مقيس بن صبابة وجد أخاه قتيلاً في بني النجار ولم يظهر قاتله، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدفعوا إليه ديته، فدفعوا إليه، ثم حمل على مسلم فقتله ورجع إلى مكة

ص: 118

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مرتداً، أو المراد بالخلود: المُكثُ الطويل؛ فإن الدلائل متظاهرة على أن عصاة المسلمين لا يدوم عذابهم.

والذي يمكن أن يُقال- والعلم عند الله - أن الذي يقتضيه نظم الآيات أن الآية من أسلوب التغليظ، كقوله تعالى:{وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 97]، فإنه قال:{وَمَنْ كَفَرَ} أي: لم يحج، تغليظاً وتشديداً على تاركه. وقوله صلى الله عليه وسلم للمقداد بن الأسود حين سأله عن قتل من أسلم من الكفار بعد أن قطع يده في الحرب:"لا تقتله، فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله وإنك بمنزلته قبل أن يقول الكلمة التي قال". أخرجه البخاري ومسلم.

وبيانه: أن قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً} دل على أن قتل المؤمن ليس من شأن المؤمن، ولا يستقيم منه ولا يصح له ذلك، فإنه إن فعل خرج عن أن يقال: إنه مؤمن، ثم استثنى من هذا العام قتل الخطأ تأكيداً ومبالغة، أي: لا يصح ولا يستقيم إلا في هذه الحالة، وهذه الحالة منافية لقتل العمد، فإذا لا يصح منه قتل العمد البتة، ثم ذيل هذه المبالغة تغليظاً وتشديداً بقوله:{وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً} ، يعني: كيف يستقيم من المؤمن قتل المؤمن عمداً وأنه من شأن الكفار الذين جزاؤهم الخلود في النار وحلول غضب الله ولعنته عليهم، وإن شئت أن تحقق هذا المعنى فانظر إلى تفسيره لقوله تعالى:{الزَّانِي لا يَنكِحُ إلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً} إلى قوله: {وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [النور: 3] وإلى ما لخصناه فيه، ثم إلى قوله في تفسيره قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ} إلى قوله: {وَالْكَافِرُونَ هُمْ الظَّالِمُونَ} [البقرة: 254]: "كيف جعل ترك الزكاة من صفات

ص: 119

[(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً)].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الكفار، أي: الكافرون هم الذين يتركون الزكاة"، فعلى المؤمن أن لا يتصف بصفتهم، وكتابه مشحون من هذا الأسلوب.

والعجب أنه حمل قول ابن عباس في الآية على التغليظ والتشديد ونسي ذلك في الآية، لكن شغفه بمذهبه يدعوه إلى التناسي، والحق أنه إن صدر عن المؤمن مثل هذا الذنب فمات ولم يتب فحكمه إلى الله تعالى: إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه بقدر ما يشاء ثم يخرجه إلى الجنة، روينا في "سنن أبي داود"، عن أبي مجلز: هي جزاؤه، فإن شاء الله أن يتجاوز عن جزائه فعل، قال الواحدي: والأصل في هذا أن الله تعالى يجوز أن يُخلف الوعيد وإن كان لا يجوز أن يخلف الوعد، وبهذا وردت السنة، وأنشد للأول:

وإني وإن أوعدته ووعدته

لمخلف إيعادي ومنجز موعدي

فإذن لا مدخل لذكر التوبة وتركها في الآية، ولا يُفتقر لإخراج المؤمن من النار إلى دليل كما قال، ولا إلى تخصيص العام كما ذهب إليه الإمام، ولا إلى تفسير الخلود بالمكث الطويل كما قال القاضي، {وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ}

ص: 120

(فَتَبَيَّنُوا)، وقرئ:(فتثبتوا)، وهما من التفعل بمعنى الاستفعال، أي: اطلبوا بيان الأمر وثباته، ولا تتهوكوا فيه من غير روية. وقرئ:(السلم) و (السلام) وهما الاستسلام، وقيل: الإسلام. وقيل: التسليم الذي هو تحية أهل الإسلام.

(لَسْتَ مُؤْمِناً)، وقرئ:(مؤمناً) بفتح الميم، من آمنه، أي: لا نؤمنك، وأصله: أن مرادس بن نهيكٍ رجلاً من أهل فدك، أسلم ولم يسلم من قومه غيره، فغزتهم سرية لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كان عليها غالب بن فضالة الليثي، فهربوا وبقي مرداس لثقته بإسلامه، فلما رأى الخيل ألجأ غنمه إلى عاقولٍ من الجبل وصعد فلما تلاحقوا وكبروا كبر ونزل، وقال: لا إله إلا اللَّه محمد رسول اللَّه، السلام عليكم، فقتله أسامة بن زيد واستاق غنمه، فأخبروا رسول اللَّه فوجد وجداً شديداً، وقال:"قتلتموه إرادة ما معه"، ثم قرأ الآية على أسامة، فقال: يا رسول اللَّه استغفر لي، قال:"فكيف بلا إله إلا اللَّه"؟ قال أسامة: فما زال يعيدها حتى وددت أن لم أكن أسلمت إلا يومئذ، ثم استغفر لي، وقال:"أعتق رقبة". (تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا): تطلبون الغنيمة التي هي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ولا تتهوكوا). النهاية: التهوك: التحير، وفي الحديث:"أمتهوكون أنتم كما تهوكت اليهود والنصارى؟ ".

قوله: (فغزتهم سريةٌ

كان عليها غالب بن فضالة)، وفي "الاستيعاب": أن مرداس ابن نهيك الفزاري كان يرعى غنماً، فهجمت عليه سرية رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيها أسامة بن زيد وأميرها سلمة بن الأكوع، ثم ذكر ما ذكره المصنف مع تغيير فيه.

قوله: (عاقول من الجبل). الجوهري: العاقول من النهر والوادي والرمل: المعوج منه.

قوله: (فكيف بلا إله إلا الله؟ ! ) أي: كيف تصنع لو خاصمتك هذه الكلمة؟

ص: 121

حطام سريع النفاد، فهو الذي يدعوكم إلى ترك التثبت وقلة البحث عن حال من تقتلونه. (فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ) يغنمكموها تغنيكم عن قتل رجل يظهر الإسلام ويتعوّذ به من التعرض له لتأخذوا ماله. (كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ): أول ما دخلتم في الإسلام سمعت من أفواهكم كلمة الشهادة، فحصنت دماءكم وأموالكم من غير انتظار الاطلاع على مواطأة قلوبكم لألسنتكم. (فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ) بالاستقامة والاشتهار بالإيمان والتقدم، وإن صرتم أعلاماً فيه، فعليكم أن تفعلوا بالداخلين في الإسلام كما فعل بكم، وأن تعتبروا ظاهر الإسلام في المكافة، ولا تقولوا: إن تهليل هذا لاتقاء القتل لا لصدق النية، فتجعلوه سلماً إلى استباحة دمه وماله وقد حرّمهما اللَّه. وقوله:(فَتَبَيَّنُوا) تكرير للأمر بالتبين؛ ليؤكد عليهم. (إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً) فلا تتهافتوا في القتل وكونوا محترزين محتاطين في ذلك.

[(لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً* دَرَجاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً)].

(غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ) قرئ بالحركات الثلاث،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (فعليكم أن تفعلوا) تفسير لقوله تعالى: {فَتَبَيَّنُوا} ، أي: كذلك كنتم فمن الله عليكم، وإذا كان كذلك "فعليكم أن تفعلوا بالداخلين في الإسلام كما فُعل بكم" من عدم تكشف حالكم وما تنجز بكم.

قوله: ({غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ} قُرئ بالحركات الثلاث) بالنصب: نافع وابن عامر والكسائي، والباقون بالرفع، وبالجر شاذ.

وأما حديث زيد بن ثابت فرواه البخاري والترمذي وأبو داود والنسائي.

ص: 122

فالرفع صفة لـ (لقاعدون)، والنصب استثناء منهم، أو حالٌ عنهم، والجرّ صفة لـ (المؤمنين). والضرر: المرض أو العاهة من عمى أو عرجٍ أو زمانةٍ أو نحوها. وعن زيد بن ثابت: كنت إلى جنب رسول اللَّه، فغشيته السكينة، فوقعت فخذه على فخذي، حتى خشيت أن ترضها، ثم سُري عنه فقال:"اكتب"، فكتبت في كتفٍ: (لا يَسْتَوِي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (فالرفع: صفة لـ {الْقَاعِدُونَ} لأن القاعدين غير معين، يعني: هو مثل قولهم:

ولقد أمر على اللئيم يَسُبُّني.

قال الزجاج: {غَيْرُ} صفة للقاعدين، وإن كان أصلها أن تكون صفة للنكرة، المعنى: لا يستوي القاعدون الذين هم غيرُ أولي الضرر، أي: الأصحاء والمجاهدون وإن كانوا كلهم مؤمنين، والرفع أيضاً يجوز على الاستثناء، أي: لا يستوي القاعدون والمجاهدون إلا أولو الضرر، فإنهم يساوون المجاهدين؛ لأن الذي أقعدهم عن الجهاد الضرر. وتبعه الواحدي في هذا الوجه.

قوله: (أو حال عنهم). قال الزجاج: المعنى: لا يستوي القاعدون في حال صحتهم والمجاهدون، كما تقول: جاءني زيدٌ غير مريض، أي: صحيحاً، ويجو الخفض صفة لـ {الْمُؤْمِنِينَ} .

قوله: (فغشيته السكينة). النهاية: السكينة: الوقار والسكون، يريد ما كان يعرض له من السكون والغيبة عند نزول الوحي، وقيل: أراد به هاهنا الرحمة.

قوله: (سُرِّى عنهُ). النهاية: أي: كُشِفَ عنه وأزيل، يقال: سَروتُ الثوب وسريتُه: إذا خلعته، والتشديد فيه للمبالغة، أي: أزيل عنه ما نزل به من بَرْحاءِ الوحي.

ص: 123

الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ)، فقال ابن أمّ مكتومٍ وكان أعمى: يا رسول اللَّه، وكيف بمر لا يستطيع الجهاد من المؤمنين؟ فغشيته السكينة كذلك، ثم قال:"اقرأ يا زيد" فقرأت: (لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)، فقال:(غير أولى الضرر)، قال زيد: أنزلها اللَّه وحدها، فألحقتها، والذي نفسي بيده لكأني أنظر إلى ملحقها عند صدعٍ في الكتف. وعن ابن عباس: لا يستوي القاعدون عن بدرٍ والخارجون إليها. وعن مقاتل: إلى تبوك. فإن قلت: معلوم أن القاعد بغير عذر والمجاهد لا يستويان، فما فائدة نفي الاستواء؟ قلت: معناه الإذكار بما بينهما من التفاوت العظيم، والبون البعيد، ليأنف القاعد ويترفع بنفسه عن انحطاط منزلته، فيهتز للجهاد ويرغب فيه وفي ارتفاع طبقته، ونحوه:(هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ)[الزمر: 9] أريد به التحريك من حمية الجاهل وأنفته ليهاب به إلى التعلم، ولينهض بنفسه عن ضعة الجهل إلى شرفِ العلم. (فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ): جملة موضحة لما نفي من استواء القاعدين والمجاهدين كأنه قيل: ما لهم لا يستوون، فأجيب بذلك. والمعنى على القاعدين غير أولي الضرر؛ لكون الجملة بياناً للجملة الأولى المتضمنة لهذا الوصف ....

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (صدع في الكتف) يقال: صدعت الرداء صدعاً: إذا شققته، والاسم: الصدع بالكسر، والصدع في الزجاجة، بالفتح. كانوا يكتبون في كتف الشاة لقلة القراطيس عندهم.

قوله: (ليهاب به إلى التعلم). النهاية: أهبت بالرجل: إذا دعوته إليك، وفي حديث الدعاء:"وقويتني على ما أهبت به إليه من طاعتك"، وقيل: هو من: أهاب الراعي بغنمه، أي: صاح بها لتقف أو ترجع

قوله: (عن ضعة). النهاية: هي الذم والهوان والدناءة، وقد وضُعَ ضعة فهو وضيع، والهاء عوضٌ من الواو المحذوفة.

قوله: (والمعنى: على القاعدين غير أولي الضرر) قيل: فيه نظر، بل الصواب: على القاعدين أولي الضرر، يدل عليه قول الواحدي: فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم

ص: 124

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

على القاعدين، يعني: من أهل العُذر درجة، وقوله أيضاً: أما المفضلون درجة فهم الذين فضلوا على القاعدين الأضراء.

والحاصل أن المراد بقوله تعالى: {لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ} أن بين المجاهدين والقاعدين غير الأضراء بوناً بعيداً، وأن ليس بين المجاهدين والقاعدين الأضراء هذا البون، لكن بينهم تفاوت؛ فاحتاج هذا التفاوت إلى البيان، فبين بقوله:{فَضَّلَ اللَّهُ} في الموضعين هذا التفاوت، وكلتا الجملتين بيان، لا الجملة الأولى كما يشعر به كلام صاحب "الكشاف"، وفي كلامه اضطراب متناف! وقال صاحب "التقريب" بعد ما حكى كلام المصنف: المفضلون درجة من فضلوا على القاعدين الأضراء، ودرجات من فضلوا على المتخلفين بإذن، وفيه نظر؛ لأنه فسر القاعدين بغير أولي الضرر، وإنما يستقيم على تفسيره بالأضراء كما في "المعالم" و"اللباب".

وقلت- والله أعلم-: إن كلام المصنف والواحدي إن أمعن النظر فيهما متوافقان، ولا مخالفة إلا في كلمات لا ضرر فيها. وأما قول المصنف:{فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ} جملة موضحة لما نُفي من استواء القاعدين والمجاهدين" فالمراد منه أنه وما عطف عليه من قوله: {فَضَّلَ اللَّهُ} الثاني كلاهما بيان وإيضاح للجملة الأولى، وهو قوله:{لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ} ، ولابد من التطابق بين البيان والمبيَّن، والمذكور في البيان شيئان وليس في المبين سوى ذكر {غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ} ، فالواجب أن يقدر ما يوافقه من قوله: لا يستوي القاعدون أولو الضرر وغير أولي الضرر، وهو من أسلوب الجمع التقديري؛ لدلالة التفضيل على المفضل، وعليه قوله تعالى: {وَمَنْ يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ

ص: 125

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أُجُورَهُمْ} إلى قوله تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ} الآية [النساء: 172 - 173]، فعلى هذا قوله تعالى:{فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ} جملة موضحة، معناه: الكلام الذي ذُكر فيه هذا اللفظ، أي: فضل الله وهو مجموع الآيتين، وقوله:"والمعنى: على القاعدين غير أولي الضرر" معناه على من اشتمل عليه هذا الكلام مذكوراً ومقدراً، وهو على ما سبق منطوٍ على أولي الضرر (وغير أولي الضرر)، و"على" في قوله:"والمعنى: على القاعدين غير أولي الضرر" متعلق بهذا المقدر وهو مطلق فضل الله، لا المذكور في التنزيل أولاً وثانياً، أي: فضل الله المجاهدين على القاعدين أولي الضرر وغير أولي الضرر، وتحرير المعنى: مطلق فضل الله المجاهدين: جملة موضحة بناء على إطلاق قوله تعالى: {غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ} ، يدل عليه أنه لم يقيد قوله:{فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ} بأحد القيدين، أعني:{دَرَجَةً} و {دَرَجَاتٍ} ، بل أورده مطلقاً ومبهماً؛ ومن ثم توجه عليه السؤال الذي أورده وأجاب عنه بالتفصيل، ولو كان الكلام مفصلاً كان السؤال الذي أورده وأجاب عنه بالتفصيل، ولو كان الكلام مفصلاً كان السؤال مستدركاً والفاء في قوله:"فمن هم" يدل على الإنكار، ويؤيد هذا القول ما روى البخاري والترمذي، عن ابن عباس رضي الله عنهما: لا يستوي القاعدون من المؤمنين عن بدر، والخارجون ليها.

وفي رواية الترمذي: لما نزلت غزوة بدر قال عبد الله بن جحش وابن أم مكتوم: إنا أعميان يا رسول الله؛ فهل لنا رخصة؟ فنزلت {لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ} و {فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً} ، فهؤلاء القاعدون غير أولي الضرر، فضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً درجات منه على القاعدين من المؤمنين غير أولي الضرر.

ص: 126

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقال القاضي: كرر تفضيل المجاهدين وبالغ فيه إجمالاً وتفصيلاً، وتعظيماً للجهاد وترغيباً فيه.

وقيل: الأول ما خولهم في الدنيا من الغنيمة والظفر وجميل الذكر، والثاني ما جعل لهم في الآخرة. وهذا يوافق ما ذكره الراغب، وهو قوله: إن قيل: لم كرر الفضل وأوجب في الأول درجة وفي الثاني درجات وقيدها بقوله: {وَمِنْهُ} وأردفها بالمغفرة والرحمة؟ قيل: عني بالدرجة: ما يؤتيه في الدنيا من الغنيمة ومن السرور بالظفر وجميل الذكر، وبالدرجات: ما يُنجز لهم في الآخرة، ونبه بالإفراد في الأول والجمع في الثاني: أن ثواب الدنيا في جنب ثواب الآخرة يسير، وقيدها بقوله:{وَمِنْهُ} ليعظمها، وأردفها بالمغفرة والرحمة إيذاناً بالوصول إلى الدرجات بعد الخلاص من التبعات، وقيل: إن المغفرة تقال اعتباراً بإزالة الذنوب، والرحمة تقال اعتباراً بإيجاب التوبة وإدخال الجنة، والدرجات: هي المنازل الرفيعة بعد إدخال الجنة.

وقلت: والذي تقتضيه البلاغة وسداد النظم هذا، وبيانه: أن قوله: {فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ} جملة موضحة لما نُفي" الاستواء فيه، والقاعدون على التقييد السابق من أن المراد به غير الأضراء فحسبن وإنما كرر {فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ} ليناط به من الزيادة ما لم يُنط به أولاً، فالفضل الأول: الظفر والغنيمة والذكر الجميل في الدنيا، والثاني: المقامات السنية والدرجات العالية والفوز بالرضوان والغفران في العقبى؛ يدل عليه قوله تعالى: {وَكُلاًّ} أي: وكل فريق من القاعدين غير أولي الضرر والمجاهدين {وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} في الجنة، يعني: لهم الفضل في الدنيا ثم الجميع في الجنة؛ لحسن عقيدتهم وخلوص نيتهم، وإنما التفاوت في الأجر الجزيل والدرجات العالية وفي الفوز بالرضوان، كما قال تعالى: {أَجْراً عَظِيماً * دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً}، ويعضده ما ورد في الحديث: "إن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري الغابر". رواه البخاري ومسلم عن أبي سعيد.

ص: 127

(وَكُلًّا): وكل فريقٍ من القاعدين والمجاهدين (وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى)، أي: المثوبة الحسنى، وهي الجنة، وإن كان المجاهدون مفضلين على القاعدين درجة. وعن النبي صلى الله عليه وسلم:«لقد خلفتم بالمدينة أقواماً ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم» . وهم الذين صحت نياتهم ونصحت جيوبهم، وكانت أفئدتهم تهوي إلى الجهاد، وبهم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هذا تفسيرٌ مبين موافقٌ للنظم ولا تعقيد فيه، ولا يحتاج أيضاً إلى جعل المجاهدين صنفين كما ينبئ عنه ظاهر كلامه:"أما المفضلون درجة واحدة فهم الذين فضلوا على القاعدين الأضراء، وأما المفضلون درجات فالذين فضلوا .. "إلخ، ويطابقه أيضاً سبب النزول المذكور في الكتاب عن زيد بن ثابت، وأخرجه أبو داود بتمامه وذكر البخاري طرفاً منه، وملائم لحديث الأضراء على ما روينا عن البخاري وأبي داود وابن ماجه عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم:"ولقد خلفتم بالمدينة أقواماً ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم"، قاله حين رجع من غزوة تبوك فدناً من المدينة، فالحديثان يؤذنان بالمساواة بين المجاهدين والأضراء، وعليه دلالة مفهوم الصفة والاستثناء في {غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ} ، وكلام الزجاج: إلا أولو الضرر، فإنهم يساوون المجاهدين، كذا في "المعالم". وعلى الجواب الذي أجاب به المصنف وذهب إليه الواحدي لا يلزم المساواة، فيلزم خلاف ما تقتضيه الصفة أو الاستثناء.

قوله: (صحت نياتهم ونصحت جيوبهم) هو من باب قولهم: نهاره صائم وليله قائم، مبالغةً في غخلاصهم ونقاء سريرتهم عن الدخل، ويجوز أن يكون كناية، كقوله:

ص: 128

ما يمنعهم من المسير من ضررٍ أو غيره. فإن قلت: قد ذكر اللَّه تعالى مفضلين درجة ومفضلين درجات، فمن هم؟ قلت: أما المفضلون درجةً واحدةً فهم الذين فضلوا على القاعدين الأضراء، وأما المفضلون درجاتٍ فالذين فضلوا على القاعدين الذين أذن لهم في التخلف؛ اكتفاء بغيرهم، لأن الغزو فرض كفاية.

فإن قلت: لم نصب (دَرَجَةً) و (أَجْراً) و (دَرَجاتٍ)؟ قلت: نصب قوله: (دَرَجَةً)؛ لوقوعها موقع المرة من التفضيل؛ كأنه قيل: فضلهم تفضيلة واحدة، ونظيره قولك: ضربه سوطاً، بمعنى: ضربه ضربةً، وأما (أَجْراً) فقد انتصب بـ"فضل" لأنه في معنى: أجرهم أجراً، و (درجات)، و"مغفرة"، "ورحمة" بدل من (أجراً)، ويجوز أن ينتصب (دَرَجاتٍ) نصب (درجة)، كما تقول: ضربه أسواطاً بمعنى: ضرباتٍ؛ كأنه قيل: وفضله تفضيلاتٍ، ونصب (أَجْراً عَظِيماً) على أنه حالٌ عن النكرة التي هي: درجات مقدمة عليها، وانتصب (مغفرة ورحمة) بإضمار فعلهما، بمعنى: وغفر لهم ورحمهم (مغفرة ورحمة).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تبينت بمنجاةٍ من اللوم بيتها

قوله: (الأضراء) جمع ضرير. النهاية: في الحديث: جاء ابن أم مكتوم يشكو ضرارته، الضرارة هاهنا: العمى، والرجل ضرير، وهو من الضر: سوء الحال. الراغب: الضر: اسم عام لكل ما يضر الإنسان في بدنه ونفسه، وعلى سبيل الكناية عبر عن الأعمى بالضرير. وقال ابن عباس:{أُوْلِي الضَّرَرِ} : أهل العذر، وقد ذكر عامة ما أجمله هاهنا في قوله تعالى:{لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ} الآية [النور: 61].

ص: 129

[(إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَاواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً* إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً* فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُوراً)].

(تَوَفَّاهُمُ) يجوز أن يكون ماضيا كقراءة من قرأ: (توفتهم)؛ ومضارعاً، بمعنى: تتوفاهم، كقراءة من قرأ:(توفاهم) على مضارع وفيت؛ بمعنى: أن اللَّه يوفي الملائكة أنفسهم فيتوفونها، أي: يمكنهم من استيفائها فيستوفونها (ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ): في حال ظلمهم أنفسهم. (قالُوا) قال الملائكة للمتوفين: (فِيمَ كُنْتُمْ): في أي شيء كنتم من

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: ({تَوَفَّاهُمْ} يجوز أن يكون ماضياً، كقراءة من قرأ: (توفتهم)، ومضارعاً، بمعنى: تتوفاهم). قال الزجاج: المعنى: إن الذين توفتهم الملائكة، وذُكر الفعل لأنه فعل جميع، ويجوز أن يكون استقبالاً، أي: إن الذين تتوفاهم الملائكة، وحذفت التاء الثانية لاجتماع التاءين.

وقلت: إذا حُملَ {تَوَفَّاهُمْ} على المضارع يكون من باب حكاية الحال الماضية؛ ولذلك أوقع {قَالُوا} خبراً لـ {إِنَّ} . قال أبو البقاء: والعائد محذوفٌ، أي: قالوا لهم، ويجوز أن يكون {قَالُوا} حالاً من {الْمَلائِكَةُ} ، و"قد" معه مقدرة، وخبر {إِنَّ}:{فَأُوْلَئِكَ} ، ودخلت الفاء لما في {الَّذِينَ} من الإبهام المشابه للشرط، وأن لا يمتنع ذلك؛ لأنها لا تُغير معنى الابتداء.

قوله: (في حال ظلمهم أنفسهم). قال الزجاج: والأصل: ظالمين أنفسهم، فحذفت النون استخفافاً، والمعنى على ثبوتها.

ص: 130

أمر دينكم؟ وهم ناسٌ من أهل مكة أسلموا ولم يهاجروا حين كانت الهجرة فريضة. فإن قلت: كيف صح وقوع قوله: (كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ) جواباً عن قولهم: (فِيمَ كُنْتُمْ) وكان حق الجواب أن يقولوا: كنا في كذا، أو لم نكن في شيء؟ قلت: معنى (فِيمَ كُنْتُمْ): للتوبيخ بأنهم لم يكونوا في شيءٍ من الدين، حيث قدروا على المهاجرة ولم يهاجروا، فقالوا:(كنا مستضعفين)؛ اعتذاراً مما وبخوا به، واعتلالاً بالاستضعاف، وأنهم لم يتمكنوا من الهجرة حتى يكونوا في شيء، فبكتتهم الملائكة بقولهم:(أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها) أرادوا: أنكم كنتم قادرين على الخروج من مكة إلى بعض البلاد التي لا تمنعون فيها من إظهار دينكم، ومن الهجرة إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، كما فعل المهاجرون إلى أرض الحبشة، وهذا دليلٌ على أن الرجل إذا كان في بلد لا يتمكن فيه من إقامة أمر دينه كما يجب لبعض الأسباب- والعوائق عن إقامة الدين لا تنحصر- أو علم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (حين كانت الهجرة فريضة)، عن البخاري عن مجاهد قال: قلت لابن عمر: أريد أن أهاجر إلى الشام، فقال: لا هجرة بعد الفتح، أو قال: بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن جهاد ونية، فانطلق فاعرض نفسك، فإن وجدت شيئاً وإلا رجعت.

قوله: (لم يكونوا في شيء من الدين)، أي: من أمر الدين لا من أمر الجهاد ولا من الهجرة، ولا من نصر المؤمنين ولامن ترك الكفار إرغاماً لهم، كأنه قيل: في أي أمر كنتم من أمور الدين؟ يعني: لو تركتم الجهاد والهجرة والنصرة، قالوا: تركنا ذلك؛ لأنا لم نتمن منها لضعفنا.

قوله: (والعوائق عن إقامة الدين لا تنحصر) جملة معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه، "وحقت": جواب "إذا". وقوله: "بلده" مُظهرٌ وُضع موضع المضمر الراجع إلى "بلد".

ص: 131

أنه في غير بلده أقوم بحق اللَّه، وأدوم على العبادة؛ حقت عليه المهاجرة، وعن النبي صلى الله عليه وسلم:«من فرّ بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبراً من الأرض استوجبت له الجنة، وكان رفيق أبيه إبراهيم ونبيه محمد» . اللهم إن كنت تعلم أن هجرتي إليك لم تكن إلا للفرار بديني فاجعلها سبباً في خاتمة الخير، ودرك المرجوّ من فضلك، والمبتغى من رحمتك، وصل جواري لك بعكوفى عند بيتك بجوارك في دار كرامتك يا واسع المغفرة.

ثم استثنى من أهل الوعيد المستضعفين الذين لا يستطيعون حيلة في الخروج؛ لفقرهم وعجزهم، ولا معرفة لهم بالمسالك.

وروي: أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بعث بهذه الآية إلى مسلمي مكة، فقال جندب بن ضمرة- أو ضمرة بن جندب - لبنيه: احملوني، فإني لست من المستضعفين، وإني لأهتدي الطريق، واللَّه لا أبيت الليلة بمكة، فحملوه على سريرٍ متوجهاً إلى المدينة، وكان شيخاً كبيراً فمات بالتنعيم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (استوجبت) قيل: معناه: وجبت، وحقيقته: طلبت الجنة له الوجوب، ويروى: استوجبت، مجهولاً.

قوله: (جندب بن ضمرة، أو ضمرة بن جندب) والصحيح في "الاستيعاب": جُندبُ ابن ضمرة الجندعي، لما نزلت {أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا} فقال: اللهم قد أبلغت في المعذرة والحجة ولا معذرة لي ولا حجة، ثم خرج وهو شيخ كبير فمات في بعض الطريق، فقالت الصحابة: مات قبل أن يهاجر، فلا ندري أعلى ولاية هو أم لا؟ فنزلت الآية.

قوله: (فمات بالتنعيم). المغرب: التنعيم: موضع قريب من مكة عند مسجد عائشة رضي الله عنها.

ص: 132

فإن قلت: كيف أدخل الولدان في جملة المستثنين من أهل الوعيد فكأنهم كانوا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (كيف أدخل الولدان في جملة المستثنين؟ ) تلخيصه: كيف أدخل الولدان في جملة الذين استثناهم من أهل الوعيد المذكور في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ} إلى قوله: {فَأُوْلَئِكَ مَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ} ؟ فالاستثناء يوهم أن الولدان داخلون في الوعيد دخول الرجال والنساء إذا استطاعوا واهتدوا؟ فأجاب عن السؤال بوجوه ثلاثة: أحدها: أن الاستطاعة والاهتداء إنما يُتصور في الرجال والنساء؛ لأنهم قد يكونون مستطيعين ومهتدين، وقد لا يكونون، وأما الولدانُ فلايتصور فيهم ذلك؛ إذ العجز متمكن فيهم لا ينفك عنهم، فكانوا خارجين من جملتهم في الوعيد ضرورة، فإذا لم يدخلوا فيه لم يخرجوا بالاستثناء. ويتوجه على هذا التقرير سؤال وهو: أنهم إذا لم يخرجوا بالاستثناء كيف قرنهم في جملة المستثنين؟ قالوا في الجواب: إنما قرنهم بهم ليبين أنا لرجال والنساء الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً، صاروا في انتفاء الذنب بمنزلة الولدان مبالغة؛ لأن المعطوف عليه يكتسب معنى المعطوف لمشاركتهما في الحكم، ويقرب منه ما ذكره في تفسير قوله:{وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ} [المائدة: 6] في قراءة الجر، قال:"فعطفت الأرجل على الرؤوس لا لتمسح، لكنه لينبه على وجوب الاقتصاد في صب الماء عليها"، وقال أيضاً في قوله تعالى:{سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمْ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ} [آل عمران: 181]: "جعل قتلهم الأنبياء قرينة لقولهم: {إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ} [آل عمران: 181] إيذاناً بأنهما في العظم أخوان، وبأن هذا ليس بأول ما ارتكبوه من العظائم".

وثانيها: أن الولدان وإن لم يكونوا داخلين حقيقة؛ فهم داخلون مجازاً، قال القاضي: إنما قرنهم بهم للمبالغة في الأمر والإشعار بأنهم على صدد وجوب الهجرة، فإنهم إذا بلغوا وقدروا على الهجرة فلا محيص لهم عنها، وأن أقوامهم يجب عليهم أن يهاجروا بهم متى أمكنت.

ص: 133

يستحقون الوعيد مع الرجال والنساء لو استطاعوا حيلة واهتدوا سبيلاً؟ قلت: الرجال والنساء قد يكونون مستطيعين مهتدين، وقد لا يكونون كذلك، وأما الولدان فلا يكونون إلا عاجزين عن ذلك؛ فلا يتوجه عليهم وعيد؛ لأن سبب خروج الرجال والنساء من جملة أهل الوعيد إنما هو كونهم عاجزين، فإذا كان العجز متمكناً في الولدان لا ينفكون عنه، كانوا خارجين من جملتهم ضرورة، هذا إذا أريد بالولدان الأطفال، ويجوز أن يراد المراهقون منهم الذين عقلوا ما يعقل الرجال والنساء؛ فيلحقوا بهم في التكليف، وإن أريد بهم العبيد والإماء البالغون فلا سؤال.

فإن قلت: الجملة التي هي (لا يَسْتَطِيعُونَ) ما موقعها؟ قلت: هي صفةٌ لـ (المستضعفين)، أو لـ (الرجال والنساء والولدان)، وإنما جاز ذلك والجمل نكرات، لأن الموصوف وإن كان فيه حرف التعريف فليس لشيءٍ بعينه، كقوله:

وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِى

فإن قلت: لم قيل (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ) بكلمة الإطماع؟ قلت: للدلالة على أن ترك الهجرة أمر مضيقٌ لا توسعة فيه، حتى أن المضطر البين الاضطرار من حقه أن يقول: عسى اللَّه أن يعفو عني، فكيف في غيره!

[(وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً)].

(مُراغَماً): مهاجراً وطريقاً يراغم بسلوكه قومه؛ أي: يفارقهم على رغم أنوفهم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقلت: فعلى هذا المبالغة راجعة إلى وجوب الهجرة، وأنها خارجة عن حكم سائر التكاليف؛ حيث أوجبت على من لم يجب عليه شيء.

قوله: ({مُرَاغَماً}: مهاجراً). قال الزجاج: معنى "مُراغم": مهاجر؛ لأن المهاجر لقومه والمراغم بمنزلة واحدة، وإن اختلفت الكلمتان، قال:

ص: 134

والرغم: الذلّ والهوان، وأصله لصوق الأنف بالرغام، وهو التراب، يقال: راغمت الرجل: إذا فارقته وهو يكره مفارقتك لمذلةٍ تلحقه بذلك، قال النابغة الجعدي:

كَطَوْدٍ يُلَاذُ بِأَرْكَانِهِ

عَزِيزِ الْمَرَاغِمِ وَالْمَذْهَبِ

وقرئ: (مرغماً). وقرئ (ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ) بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، وقيل: رفع الكاف منقول من الهاء، كأنه أراد أن يقف عليها، ثم نقل حركة الهاء إلى الكاف، كقوله:

مِنْ عَنَزِيّ سَبَّنِى لَمْ أضْرِبْهُ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إلى بلد غير داني المحل

بعيد المراغم والمضطرب

ليس المُراغم إلا المضطرب في حال الهجرة، وإن كان مشتقاً من الرغام: التراب، فمعنى راغمت فلاناً: هجرته وعاديته.

قوله: (كطود يُلاذ بأركانه) البيت، الطود: الجبل، يُلاذ: أي يلجأ، عزيز المراغم: صعب المسالك.

قوله: (من عنزي سبني لم أضربه)، قبله:

عجبت والدهر كثيرٌ عجبه.

وعنزيٌّ: منسوبٌ إلى عنزة، وهي قبيلة. قال ابن جني: أراد "لم يُدركه" جزماً، غير أنه قوي الوقف على الكلمة فنَقَل الحركة من الهاء إلى الكاف؛ فلما نُقلت الضمة صار "يدركه" فحرك الهاء بالضم على أول حالها، ثم لم يعد إليها الضمة التي كان نقلها إلى الكاف عنها بل أقر الكاف على ضمها فقال: يدركه الموت. وأنشد محمد بن الحسن:

ص: 135

وقرئ: (يُدْرِكْهُ) بالنصب على إضمار "أن"، كقوله:

وَأَلْحَقُ بِالْحِجَازِ فَأَسْتَرِيحَا

(فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ): فقد وجب ثوابه عليه. وحقيقة الوجوب: الوقوع

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إن ابن أحوص معروفاً فبلغه

في ساعديه إذا رام العلا قصر

أي: فبلغه، ثم نقل الضمة من الهاء إلى الغين؛ فصار: فبلغه، ثم حرك الهاء بالضم وأقر ضمة الغين عليها بحالها فقال فبلغه؛ وذلك أنهم قد أكثروا نقل هذه الضم عن هذه الهاء، فإذا نُقلت إلى موضع قرت عليه وثبتت ثبات الواجب فيه فاعرفه.

قوله: ("يدركه"، بالنصب). قال ابن جني: وهي قراءة الحسن، وهي على إضمار "أن"، ومن أبيات "الكتاب":

سأترك منزلي لبني تميم

وألحق بالحجاز فأستريحا

قال ابن جني: والآية على كل حال أقوى من ذلك لتقدم الشرط قبل المعطوف.

وقيل: هو مثل أكرمني وأكرمك، أي: ليكن من إكرام وإكرام مني. المعنى: من يكن له خروج من بيته وأدركه الموت، والتقدير في البيت: سيكون ترك وإلحاق، وقيل: نصب "وألحق" ضعيف؛ لأنه ليس في جواب الأشياء الستة؛ وأجيب: أن فعل المضارع كالتمني والترجي.

قوله: (فقد وجب ثوابه عليه) تلخيص معنى الجزاء، وقوله:"فقد علم الله كيف يثيبه وذلك واجب عليه" تحرير معناه وتقرير ما يؤدي إليه التركيب من المبالغة؛ لأن قوله:

ص: 136

والسقوط، (فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها) [الحج: 36]، ووجبت الشمس: سقط قرصها. والمعنى: فقد علم اللَّه كيف يثيبه، وذلك واجب عليه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

{فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} مردوف قوله: "فقد علم الله كيف يثيبه"، كما أن قوله تعالى:{وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ} [البقرة: 143] مقابل له؛ لأن معناه: لنعلمه علماً يتعلق به الجزاء، وهو أن يعلمه موجوداً ثابتاً، فأطلق العلم الخاص وأراد ثبوت المعلم الخاص وهو التمييز بين الثابت والناكص، وها هنا بالعكس؛ أطلق المعلوم الخاص وهو وقوع الأجر العظيم على العلم الخاص وهو العلم بكيفية الثواب، وهو من باب الكناية التي اللازم فيها مساوٍ؛ لأن العلم تابع للمعلوم والمعلوم كذلك، ثم في انضمام إقامة المظهر موضع المضمر في الجزاء وهو قوله:{عَلَى اللَّهِ} معه؛ لأن الأصل: {وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ} شبه الدلالة على أنه وقع أجر عظيم لا يُقادر قدره ولا يكتنه كنهه، ولا يعلم كيفية إثابته إلا من هو مسمى بذلك الاسم الجامع، فدل ذلك على أن العمل الذي هذا ثوابه أمرٌ عظيم وخطب جسيم، وفي مقارنة هذا الشرط مع الشرط السابق الدلالة على أن من هاجر له إحدى الحسنيين: إما أن يورث عدو الدين مذلة وهواناً بسبب مفارقته إياه واتصاله إلى الخير والسعة، وغما أن يدركه الموت ويصل إلى السعادة الحقيقية والنعيم الدائم.

قال الإمام: كأنه قيل: أيها الإنسان، إن كنت إنما تكره الهجرة عن وطنك خوفاً من أن تقع في المشقة فلا تخف؛ فإن الله تعالى يمنحك من النعم الجليلة والمراتب العظيمة في مهاجرتك ما يصير سبباً لرغم أنوف أعدائك ولسعة عيشك؛ وإنما قدم {مُرَاغَماً} على السعة؛ لأن ابتهاج الإنسان برغم العداء أشد من ابتهاجه بسعة عشه، وفيه أن من قصد طاعة ثم عجز عن إتمامها كتب الله له ثواب تلك الطاعة، كالمريض يعجز عما يفعله في حال صحته من الطاعة فيكتب له ثواب ذلك العمل. وأما الكلام في إيجاب الثواب

ص: 137

وروي في قصة جندب بن ضمرة: أنه لما أدركه الموت أخذ يصفق بيمينه على شماله، ثم قال: اللهم هذه لك، وهذه لرسولك، أبايعك على ما بايعك عليه رسولك، فمات حميداً، فبلغ خبره أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فقالوا: لو توفي بالمدينة لكان أتم أجراً. وقال المشركون وهم يضحكون: ما أدرك هذا ما طلب؛ فنزلت.

وقالوا: كل هجرة لغرض ديني من طلب علم، أو حج، أو جهاد، أو فرارٍ إلى بلدٍ يزداد فيه طاعة أو قناعة وزهداً في الدنيا، أو ابتغاء رزق طيب؛ فهي هجرة إلى اللَّه ورسوله، وإن أدركه الموت في طريقه، فأجره واقع على اللَّه.

[(وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوَا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا)].

الضرب في الأرض: هو السفر. وأدنى مدة السفر الذي يجوز فيه القصر عند أبي حنيفة: مسيرة ثلاثة أيام ولياليهنّ سير الإبل

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

على الله تعالى فإنا لا نُنازع في الوجوب؛ لكن بحكم الوعد والعلم والتفضل والكرم، لا بحكم الاستحقاق.

وقال المصنف: إنما قيل: {ثُمَّ يُدْرِكْهُ} لبيان أن الأجر إنما يستقيم إذا لم يحبط العمل، حتى جاء الموت. وقلت: ويمكن أن يقال: إن مقتضى الظاهر هو أن يقال: ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ومات يُثبه؛ فوضع موضع مات: {يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ} إشعاراً بمزيد الرضا عن الله تعالى؛ وأن الموت الهداية من الله تعالى؛ لأنه سبب الوصول إلى ذلك الأمر العظيم الذي لا ينال إلا بالموت؛ ثم عدل من العطف بالواو {ثُمَّ} تتميماً لهذه الدقيقة وأن مرتبة الخروج دون هذه المرتبة.

ص: 138

ومشي الأقدام على القصد، ولا اعتبار بإبطاء الضارب وإسراعه، فلو سار مسيرة ثلاثة أيام ولياليهنّ في يوم، قصر، ولو سار مسيرة يوم في ثلاثة أيام؛ لم يقصر. وعند الشافعي رضي الله عنه: أدنى مدة السفر أربعة بُرُدٍ مسيرة يومين.

وقوله: (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ) ظاهره التخيير بين القصر والإتمام، وأن الإتمام أفضل، وإلى التخيير ذهب الشافعي رضي الله عنه. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه أتم في السفر. وعن عائشة رضي الله عنها: اعتمرت مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة، حتى إذا قدمت مكة قلت: يا رسول اللَّه، بأبي أنت وأمي! قصرت وأتممت، وصمت وأفطرت. فقال:"أحسنت يا عائشة"، وما عاب عليّ. وكان عثمان رضي الله عنه يتم ويقصر. وعند أبي حنيفة: القصر في السفر عزيمة غير رخصةٍ، لا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ومشى الأقدام على القصد)، الأساس: ومن المجاز: قصد في الأمر؛ إذا لم يجاوز فيه الحد ورضي بالتوسط؛ لأنه في ذلك يقصد الأسد.

قوله: (أربعة بُردٍ)، النهاية: البريد: فرسخان، وقيل: أربعة. ومضى تفسيره مستقصى في أول البقرة.

قوله: (وعن عائشة رضي الله عنها الحديث مذكور في "سسن النسائي"، قال القاضي: قول عمر رضي الله عنه: صلاة المسافر ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم، إن صح فمؤول بأنه كالتام في الصحة والإجزاء. وقول عائشة: أول ما فُرضت الصلاة فُرضت ركعتين، لا ينفي جواز الزيادة؛ فلا حاجة إلى تأويل الآية، فإنهم ألغوا الأربع فكان منة أن يخطر ببالهم أن ركعتي السفر فيهما قصر ونقصان.

ص: 139

يجوز غيره. وعن عمر رضي الله عنه: صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم. وعن عائشة رضي الله عنها: أول ما فرضت الصلاة فرضت ركعتين ركعتين، فأقرت في السفر وزيدت في الحضر. فإن قلت: فما تصنع بقوله: (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا)؟ قلت: كأنهم ألفوا الإتمام؛ فكانوا مظنة لأن يخطر ببالهم أن عليهم نقصاناً في القصر فنفى عنهم الجناح؛ لتطيب أنفسهم بالقصر ويطمئنوا إليه. وقرئ: (تقصروا) من أقصر، وجاء في الحديث إقصار الخطبة، بمعنى: تقصيرها؛ وقرأ الزهري (تقصروا) بالتشديد. والقصر ثابت بنص الكتاب في حال الخوف خاصة؛ وهو قوله (إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا)، وأمّا في حال الأمن فبالسنة.

وفي قراءة عبد اللَّه: (من الصلاة أن يفتنكم) ليس فيها (إِنْ خِفْتُمْ)، على أنه مفعول له، بمعنى: كراهة أن يفتنكم. والمراد بالفتنة: القتال والتعرّض بما يكره.

[(وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَاخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ وَلْتَاتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَاخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً* فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَانَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً) 102 - 103].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: "والقصر ثابت بنص الكتاب في حال الخوف خاصة"، وهو قوله تعالى:{إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمْ} ). قال القاضي: أن يفتنكم شريطة باعتبار الغالب في ذلك الوقت؛ ولذلك لم يعتبر مفهومها كما لم يعتبر في قوله: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} [البقرة: 229]، وتظاهرت السنن على جوازه أيضاً في حال الأمن.

ص: 140

(وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ) يتعلق بظاهره من لا يرى صلاة الخوف بعد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم؛ حيث شرط كونه فيهم، وقال من رآها بعده: إن الأئمة نواب عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في كل عصر، قوّام بما كان يقوم به؛ فكان الخطاب له متناولاً لكل إمام يكون حاضر الجماعة في حال الخوف، فعليه أن يؤمّهم كما أمّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم الجماعات التي كان يحضرها. والضمير في (فِيهِمْ) للخائفين. (فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ): فاجعلهم طائفتين، فلتقم إحداهما معك، فصل بهم. (وَلْيَاخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ): الضمير إمّا للمصلين وإمّا لغيرهم؛ فإن كان للمصلين، فقالوا: يأخذون من السلاح ما لا يشغلهم عن الصلاة، كالسيف والخنجر ونحوهما؛ وإن كان لغيرهم فلا كلام فيه. (فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا) يعني: غير المصلين (مِنْ وَرائِكُمْ) يحرسونكم.

وصفة صلاة الخوف عند أبي حنيفة: أن يصلي الإمام بإحدى الطائفتين ركعة إن كانت الصلاة ركعتين، والأخرى بإزاء العدو، ثم تقف هذه الطائفة بإزاء العدو وتأتي الأخرى فيصلي بها ركعة ويتم صلاته، ثم تقف بإزاء العدوّ وتأتي الأولى فتؤدي الركعة بغير قراءةٍ وتتم صلاتها، ثم تحرس وتأتي الأخرى فتؤدي الركعة بقراءةٍ وتتم صلاتها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (فاجعلهم طائفتين فلتقم) أي: الفاء في {فَلْتَقُمْ} تفصيلية؛ بدليل عطف قوله: {طَائِفَةٌ أُخْرَى} عليه؛ فلابد من المجمل، وهو"فاجعلهم طائفتين".

قوله: (يعني غير المصلين) أي: الفارغين من السجود الذاهبين إلى العدو، مع أنهم في الصلاة بعدُ.

قوله: (فتؤدي الركعة بغير قراءة) وذلك أن الإمام قد قرأ في الركعة الثانية وهم كانوا في الصلاة وإن كانوا في وجه العدو، بخلاف الطائفة الأخرى؛ لأنهم اقتدوا بالإمام في الركعة الثانية وأتم الإمام صلاته؛ فلابد لهم من القراءة في ركعتهم الثانية؛ إذ لم يكونوا مقتدين بالإمام حينئذ.

ص: 141

والسجود على ظاهره عند أبي حنيفة، وعند مالك: بمعنى الصلاة؛ لأن الإمام يصلي- عنده- بطائفةٍ ركعة ويقف قائماً حتى تتم صلاتها وتسلم وتذهب، ثم يصلي بالثانية ركعة ويقف قاعداً حتى تتم صلاتها ويسلم بهم. ويعضده:(وَلْتَاتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ). وقرئ: (وأمتعاتكم). فإن قلت: كيف جمع بين الأسلحة وبين الحذر في الأخذ؟ قلت: جعل الحذر، وهو التحرّز والتيقظ، آلة يستعملها الغازي، فلذلك جمع بينه وبين الأسلحة في الأخذ،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وعند مالك بمعنى الصلاة) أي: السجود بمعنى الصلاة.

وكذا عند الشافعي؛ لقول أصحابه: والأولى بكل فرقة ركعة، لكن ينتظر الفرقة الثانية في التشهد ثم يسلم بهم كما فعله صلى الله عليه وسلم بذات الرقاع، روينا عن صالح بن خوات، عمن صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم ذات الرقاع صلاة الخوف: أن طائفة صفت معه، وطائفة تجاه العدو، فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته ثم ثبت جالساً فأتموا لأنفسهم، ثم سلم بهم، أخرجه البخاري ومسلم.

وأما صورة صلاة الحنفية فعن ابن عمر قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف بإحدى الطائفتين ركعة والطائفة الأخرى مواجهة العدو، ثم انصرفوا وقاموا في مقام أصحابهم مقبلين على العدو، وجاء أولئك ثم صلى بهم النبي صلى الله عليه وسلم ركعة، ثم قضى هؤلاء ركعة وهؤلاء ركعة، رواه البخاري ومسلم وغيرهما.

قوله: (ويعضده) أي: ويعضد قول مالك قوله تعالى: {وَلْتَاتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ} يعني نفي في هذه الآية عن الطائفة التي تقابل تلك الطائفة السابقة الصلاة؛ فينبغي أن يثبت لتلك الطائفة ما نُفي من هؤلاء وهي الصلاة، وما أتوا به صلاة، فوجب أن تُحمل السجدة على الصلاة

ص: 142

وجعلا مأخوذين، ونحوه قوله تعالى:(وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ)[الحشر: 9]. جعل الإيمان مستقراً لهم ومتبوأ لتمكّنهم فيه؛ فلذلك جمع بينه وبين الدار في التبوّء. (فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ): فيشدون عليكم شدة واحدة. ورخص لهم في وضع الأسلحة إن ثقل عليهم حملها بسبب ما يبلهم في مطر، أو يضعفهم من مرض. وأمرهم مع ذلك بأخذ الحذر؛ لئلا يغفلوا فيهجم عليهم العدو. فإن قلت: كيف طابق الأمر بالحذر

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وجُعِلا مأخوذين) يريد أنه تعالى نظم المعقول وهو الحذرُ بعد الاستعارة في سلك المحسوس وهو الأسلة في حم الأخذ، مبالغةً في الحذر، كما نظم الإيمان في سلك الدار في حكم التبوؤ لتمنهم فيه تمكنهم في الدار.

قوله: (فيشدون عليكم شدة) الشدة بالفتح: الحملة الواحدة. الأساس: شدوا عليهم شدة صادقة.

قوله: (كيف طابق الأمر بالحذر؟ ) يعني: مجيء قوله: {إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً} بعد الأمر بالحر إيذان بأن الأمر بالحذر معلل بهذه العلة، وليس كذلك؛ بل الأمر بالحذر مسبب عن اعتزاز العدو وغلبته، وأجاب أنه تعالى لما أمرهم بالحذر من العدو أوهمهم به غلبة العدو؛ لأن الحذر غالباً مسبب عن توقع مروه من جانب العدو، فأراد أن يبين أن هذا الأمر على خلاف المتعارف، فقال تعالى:{إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً} ليعلموا أن ذلك الأمر غير معلل بعلتهم، ونحوه قوله تعالى:{وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195] نهاهم أن يلقوا أنفسهم إلى التهلكة، وهو في الظاهر أمر بالإحجام عن الحرب؛ لكن المراد عكسه، ألا ترى إلى قول أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه: فكانت التهلكة الإقامة في الأهل والمال وترك الجهاد؟ فالأمر بالحذر والنهي عن الإلقاء في التهلكة - في الحقيقة- راجعان إلى التحفظ في الأمور، والتيقظ في التدبير، وهو تعمد وقاية بأمر الجهاد، فإذا امتثلوا هذا النهي والأمر يثيبهم الله بأن يهين عدوهم ويحدهم ويبشرهم

ص: 143

قوله: (إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً)؟ قلت: الأمر بالحذر من العدو يوهم توقع غلبته واعتزازه، فنفي عنهم ذلك الإيهام بإخبارهم أنّ اللَّه يهين عدوهم ويخذله وينصرهم عليه لتقوى قلوبهم، وليعلموا أن الأمر بالحذر ليس لذلك، وإنما هو تعبد من اللَّه كما قال:(وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ)[البقرة: 195]. (فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ): فإذا صليتم في حال الخوف والقتال (فَاذْكُرُوا اللَّهَ): فصلوها (قِياماً): مسايفين

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عليهم، فإذا الأمر والنهي معللان عن الوعد باعتزاز المؤمنين، وحاصله أن قوله:{وَخُذُوا حِذْرَكُمْ} وقوله: {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195] من الكلام الذي له معنيان: قريب وبعيد، والمراد بعيد منهما، فإن قوله:{وَخُذُوا حِذْرَكُمْ} المعنى القريب منه: التحرز عن العدو بسبب شوكته وإعزازه والبعيد منه: القيام بأمر الجهاد وربط الجأش في القتال، وأريد منه هذا الثاني؛ ولذلك علل بقوله:{إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً} ، يعني: إنما شرع الأمر بأخذ الحذر لإقامة الجهاد مع العدو، والتحفظ في الحرب؛ ليهين الله العدو وينصركم عليه.

قوله: (واعتزازه). الأساس: تعزز لحم الناقة: اشتد وصلب، وأنا معتز ببني فلان ومستعز بهم، وقوله تعالى:{فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ} [يس: 14]: قوينا.

قوله: ({فَإِذَا قَضَيْتُمْ الصَّلاةَ}: فإذا صليتم)، فالقضاء إذن بمعنى الأداء؛ لمجيء قوله:{فَإِذَا اطْمَانَنتُمْ} عقيبه، وإليه الإشارة بقوله:"فإذا اطمأننتم وأمنتم فاقضوا ما صليتم"، فالقضاء ليس بمعنيٍّ به في مذهب الشافعي رضي الله عنه، قال القاضي:{فَإِذَا قَضَيْتُمْ الصَّلاةَ} أي: إذا أرتم أداء الصلاة واشتد الخوف فصلوها كيفما أمكن، {فَإِذَا اطْمَانَنتُمْ} أي: سنت قلوبكم من الخوف؛ {فَأَقِيمُوا} أي: فعدلوا واحفظوا أركانها وشرائطها وأتوا بها تامة. وقال الأزهري: القضاء: على وجوه مرجعها إلى انقطاع الشيء وتمامه، وكل ما أُحكِم عمله وأُتم وخُتم أو أُدى أو أُوجب أو أُعلم أو أُنفذ أو أُمضي فقد قُضي، فالقضاء موضوع للقدر المشترك بين هذه المفهومات، وهو انقطاع الشيء في النهاية.

ص: 144

ومقارعين، (وَقُعُوداً): جاثين على الركب مرامين، (وَعَلى جُنُوبِكُمْ): مثخنين بالجراح. (فَإِذَا اطْمَانَنْتُمْ) حين تضع الحرب أوزارها وأمنتم (فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ) فاقضوا ما صليتم في تلك الأحوال التي هي أحوال القلق والانزعاج. (إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً): محدوداً بأوقاتٍ لا يجوز إخراجها عن أوقاتها على أي حالٍ كنتم: خوف أو أمن. وهذا ظاهرٌ على مذهب الشافعي رحمه الله في إيجابه الصلاة على المحارب في حالة المسايفة والمشي والاضطراب في المعركة إذا حضر وقتها، فإذا اطمأن فعليه القضاء. وأما عند أبي حنيفة رحمه الله فهو معذور في تركها إلى أن يطمئن. وقيل: معناه: فإذا قضيتم صلاة الخوف فأديموا ذكر اللَّه مهللين مكبرين مسبحين داعين بالنصرة والتأييد في كافة أحوالكم من قيام وقعود واضطجاع، فإن ما

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (مثخنين بالجراح). النهاية: الإثخان في الشيء: المبالغة فيه والإكثار منه، يقال: أثخنه المرض، أي: أثقله ووهنه.

قوله: (وهذا ظاهر على مذهب الشافعي)؛ وذلك أن الاستئناف بقوله: {إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً} كالتعليل للأمر بإتيان الصلاة كيفما كان؛ ففيه تحديد للوقت وتعيينه، فيجب أن يكون وقت وجوبه حينئذٍ.

قوله: (فإذا اطمأن فعليه القضاء) هذا ليس بالمذهب لقوله: وقضى المختلة دون عذر عام إلى قوله: أو مباح قتال.

قوله: (وقيل: معناه: فإذا قضيتم صلاة الخوف فأديموا) عطفٌ على قوله: "فإذا صليتم" فالفاعل الأول مثله في قوله: {فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ} [البقرة: 54]؛ لأن الذكر حينئذٍ غير الصلاة، كما أن القتل غير التوبة لقوله:"فصلوها قياماً مسايفين" إلى آخره، وعلى هذا الذكر غير الصلاة، وهذا الوجه موافق لمذهب الشافعي رضي الله عنه؛ لقوله:"فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة فأتموها".

ص: 145

أنتم فيه من خوف وحرب جدير بذكر اللَّه ودعائه واللجأ إليه. (فَإِذَا اطْمَانَنْتُمْ): فإذا أقمتم (فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ): فأتموها.

[(وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَالَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَالَمُونَ كَما تَالَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً)].

(وَلا تَهِنُوا): ولا تضعفوا ولا تتوانوا (فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ): في طلب الكفار بالقتال والتعرض به لهم. ثم ألزمهم الحجة بقوله: (إِنْ تَكُونُوا تَالَمُونَ)، أي: ليس ما تكابدون من الألم بالجرح والقتل مختصاً بكم، إنما هو أمر مشترك بينكم وبينهم، يصيبهم كما يصيبكم، ثم إنهم يصبرون عليه ويتشجعون، فما لكم لا تصبرون مثل صبرهم مع أنكم أولى منهم بالصبر؛ لأنكم (تَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ) من إظهار دينكم على سائر الأديان، ومن الثواب العظيم في الآخرة. وقرأ الأعرج:(أن تكونوا تألمون) بفتح الهمزة، بمعنى: ولا تهنوا لأن تكونوا تألمون. وقوله: (فَإِنَّهُمْ يَالَمُونَ كَما تَالَمُونَ) تعليل. وقرئ: (فإنهم ييلمون كما تيلمون).

وروي: أن هذا في بدر الصغرى، كان بهم جراح فتواكلوا. (وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً): لا يكلفكم شيئاً ولا يأمركم ولا ينهاكم إلا لما هو عالم به مما يصلحكم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ثم ألزمهم الحجة) أي: للمسلمين، يعني: لما قال لهم: ولا تهنوا ولا تتوانوا في طلب القتال والتعرض للكفار؛ قطع معاذيرهم بقوله تعالى: {إِنْ تَكُونُوا تَالَمُونَ} إلى آخره.

قوله: {فَإِنَّهُمْ يَالَمُونَ كَمَا تَالَمُونَ} تعليل) أي: للنهي، يعني: لا تضعفوا لأجل الألم؛ لأنهم أيضاً يألمون، ومعكم ما يجب عليكم الصبر معه، هو رجاؤكم من الله إظهار دينكم على سائر الأديان والثواب في الآخرة، وعلى الأول جزاء للشرط.

قوله: (فإنهم ييلمون) شاذ، كُسرت حرف المضارعة فانقلبت الهمزة ياء.

قوله: (فتواكلوا) أي: فشلوا وضعفوا عن القتال. الأساس: وَكَلَ إليه الأمر وُكولاً،

ص: 146

[(إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً* وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً)].

روي: أنّ طعمة بن أبيرق أحد بني ظفر سرق درعاً من جار له اسمه قتادة بن النعمان في جراب دقيق، فجعل الدقيق ينتثر من خرقٍ فيه، وخبأها عند زيد بن السمين، رجلٍ من اليهود، فالتمست الدرع عند طعمة فلم توجد، وحلف ما أخذها وما له بها علمٌ، فتركوه واتبعوا أثر الدقيق حتى انتهى إلى منزل اليهودي فأخذوها، فقال: دفعها إلىّ طعمة! وشهد له ناسٌ من اليهود، فقالت بنو ظفر: انطلقوا بنا إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم. فسألوه أن يجادل عن صاحبهم وقالوا: إن لم تفعل هلك وافتضح وبرئ اليهودي. فهمَّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أن يفعل وأن يعاقب اليهودي. وقيل: هم أن يقطع يده. فنزلت. وروي أن طعمة هرب إلى مكة وارتد، ونقب حائطاً بمكة ليسرق أهله، فسقط الحائط عليه فقتله. (بِما أَراكَ اللَّهُ): بما عرفك وأوحى به إليك.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ووكلته إلى الله وواكلته، وتواكلوا، وفلانٌ وكل ووكلة تكلة ومواكل: ضعيف يتكل على غيره.

قوله: (روى أن طمعة بن أبيرق) القصة ذكرها الترمذي عن قتادة بن النعمان، وفيها اختلاف، وطعمة بفتح الطاء عن الصغاني، ورُوي بكسرها.

قوله: (ليسرق أهله) أي: ليسرق متاع أهله، وقوله بعده:"ليسرق" بالتشديد، أي: يُنسب إلى السرقة، ونحوه: فسقته وفجرته: إذا نبته إلى الفسق والفجور.

قوله: ({بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ}: بما عرفك) يعني: أراك من الرأي الذي هو الاعتقاد، لا من العلم؛ لأنه يستدعي ثلاثة مفاعيل، قال أبو البقاء: الفعل: رأيت الشيء: إذا ذهبت إليه،

ص: 147

وعن عمر رضي الله عنه: لا يقولنّ أحدكم قضيت بما أراني اللَّه، فإنّ اللَّه لم يجعل ذلك إلا لنبيه صلى الله عليه وسلم، ولكن ليجتهد رأيه؛ لأن الرأي من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كان مصيباً؛ لأن اللَّه كان يريه إياه، وهو منا الظن والتكلف. (وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً): ولا تكن لأجل الخائنين مخاصما للبرآء، يعني لا تخاصم اليهود لأجل بني ظفر، (وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ) مما هممت به من عقاب اليهودي.

[(وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً* يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ وَكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً* ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فَمَنْ يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً* وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً)].

(يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ): يخونونها بالمعصية، كقوله:(عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ)[البقرة: 187]، جُعلت معصية العصاة خيانة منهم لأنفسهم، كما جعلت ظلماً لها؛ لأنّ الضرر راجع إليهم. فإن قلت: لم قيل (لِلْخائِنِينَ)؛

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وهو من الرأي، وهو متعد إلى مفعول واحد، وبعد الهمزة إلى مفعولين أحدهما الكاف والآخر محذوف، أي: أراكه، وقيل: المعنى علمك، وهو متعد إلى مفعولين أيضاً.

قوله: (جعلت مصيبة العصاة خيانة منهم). الراغب: الخيانة والنفاق واحد، إلا أن الخيانة تقال اعتباراً بالعهد والأمانة، والنفاق يقال اعتباراً بالدين، ثم يتداخلان، فالخيانة: مخالفة الحق بنقض العهد في السر، ونقيض الخيانة الأمانة، يقال: خُنت فلاناً وخنت أمانة فلان، وعليه قوله تعالى:{لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ} [الأنفال: 27].

ص: 148

و (يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ)، وكان السارق طعمة وحده؟ قلت: لوجهين: أحدهما: أنّ بنى ظفرٍ شهدوا له بالبراءة ونصروه، فكانوا شركاء له في الإثم. والثاني: أنه جمع؛ ليتناول طعمة وكل من خان خيانته، فلا تخاصم لخائن قط، ولا تجادل عنه.

فإن قلت: لم قيل: (خَوَّاناً أَثِيماً) على المبالغة؟ قلت: كان اللَّه عالماً من طعمة بالإفراط في الخيانة وركوب المآثم، ومن كانت تلك خاتمة أمره لم يشك في حاله.

وقيل: إذا عثرت من رجل على سيئةٍ فاعلم أن لها أخواتٍ. وعن عمر رضي الله عنه: أنه أمر بقطع يد سارق، فجاءت أمه تبكي وتقول: هذه أوّل سرقة سرقها فاعف عنه. فقال: كذبت، إن اللَّه لا يؤاخذ عبده في أول مرة. (يَسْتَخْفُونَ): يستترون

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (لمَ قيل: {خَوَّاناً أَثِيماً}؟ ) يعني: أن طعمة قد سرق هذه السرقة الواحدة، فكيف قيل له:{خَوَّاناً أَثِيماً} على المبالغة؛ وأجاب: من كانت تلك خاتمة حاله، وهي أن يسرق ثم يهرب ويرتد وينقب حائطاً فيسقط عليه فيقتله، لم يشك أنه قد أفرط في الخيانة؛ لأن الله تعالى لا يؤاخذ عبده في أول مرة كما قاله عمر رضي الله عنه، ويمكن أن يحمل على مجرد المبالغة وأن تلك السرقة كانت عظيمة بالغة حدها حتى خوطب بسببها أفضل الخلق بقوله تعالى:{وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً} ، نحوه سيجيء في الأنفال عند قوله تعالى:{وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ} [الأنفال: 51]. قال: "الظلام للتكثير لأجل العبيد، أو لأن العذاب من العظم بحيث لولا الاستحقاق لكان المعذب بمثله ظلاماً بليغ الظلم".

قوله: ({يَسْتَخْفُونَ}: يستترون) فإن قلت: فسر أولاً {يَسْتَخْفُونَ} بقوله: "يستترون {مِنَ النَّاسِ} حياءً"، وثانياً بقوله:"ولا يستحيون منه" فهل من فرق؟ قلت: لا؛ لأنه جعل العلة الغائبة في الأول الحياء لينبه على أن {يَسْتَخْفُونَ} في الثاني كناية عن الحياء، فاكتفى في الثاني بذلك إيجازاً، ويمكن أن يقال: إن الاستخفاء من الله تعالى مُحال؛ لاستواء الجهر والخفاء عنده؛ فجُعل مجازاً عن الحياء، وأما الناس فعلى خلافه، فيجوز أن يُحمل على الحقيقة تارة وعلى الكناية أخرى؛ فلذلك فرق بين التركيبين.

ص: 149

(مِنَ النَّاسِ) حياءً منهم وخوفاً من ضررهم، (وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ): ولا يستحيون منه، (وَهُوَ مَعَهُمْ):

وهو عالمٌ بهم مطلعٌ عليهم لا يخفى عليه خافٍ من سرهم، وكفى بهذه الآية ناعيةً على الناس ما هم فيه من قلة الحياء والخشية من ربهم مع علمهم- إن كانوا مؤمنين- أنهم في حضرته لا سترة ولا غفلة ولا غيبة وليس إلا الكشف الصريح والافتضاح. (يُبَيِّتُونَ): يدبرون ويزوّرون، وأصله أن يكون بالليل، (ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ) وهو تدبير طعمة أن يرمي بالدرع في دار زيد ليسرّق دونه ويحلف ببراءته.

فإن قلت: كيف سمي التدبير قولاً وإنما هو معنى في النفس؟ قلت: لما حدّث بذلك نفسه سمي قولاً على المجاز، ويجوز أن يراد بالقول: الحلف الكاذب الذي حلف به بعد أن بيته، وتوريكه الذنب على اليهودي. (ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ):"ها" للتنبيه في "أنتم" و"أولاء"، وهما مبتدأٌ وخبر. و (جادَلْتُمْ) جملة مبينة لوقوع "أولاء" خبراً، كما تقول لبعض الأسخياء: أنت حاتم تجود بمالك، وتؤثر على نفسك. ويجوز أن يكون "أولاء" اسماً موصولاً بمعنى "الذين"، و (جادلتم) صلته، .........

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وكفى بهذه الآية ناعية على الناس) يعني: أن هذه الآية وإن نزلت في شأن طعمة وبني ظفر، لكن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب؛ فعلى العاقل أن يعتبر بمضمونها، لا سيما المؤمن يجتنب عن قلة الحياء وقلة خشية من علمه أنه في حضرته؛ فأوقع قوله:"إن كانوا مؤمنين" اعتراضاً بين الفعل ومعموله؛ تشديداً وتغليظاً.

قوله: (وتوريكه الذنب) عطف على "الحلف". الأساس: ورك عليه السيف: حمل عليه، وورك عليه ذنبه. قوله:{جَادَلْتُمْ} ولم يقل: ها أنتم جادلتم؛ ليكون أفخم، فلو قيل: أنت تجود بمالك، لم يكن كما لو قيل: أنت حاتم تجود بمالك؛ فكانت الجملة المبينة كالتعليل.

قوله: (ويجوز أن يكون "أولاء" اسماً موصولاً". قال الزجاج: "ها": للتنبيه في "أنتم"، وأعيدت في "أولاء"، والمعنى: ها أنتم الذين جادلتم؛ لأن "هؤلاء" و"هذا" يكونان في الإشارة للمخاطبين في أنفسهم بمنزلة: الذين، وقد يكون لغير المخاطبين، كقوله:

ص: 150

والمعنى: هبوا أنكم خاصمتم عن طعمة وقومه في الدنيا، فمن يخاصم عنهم في الآخرة إذا أخذهم اللَّه بعذابه؟ وقرأ عبد اللَّه:(عنه)، أي: عن طعمة. (وَكِيلًا):

حافظاً ومحامياً من بأس اللَّه وانتقامه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

.. وهذا تحملين طليق

أي: الذي تحملين.

قوله: (والمعنى: هبوا أنكم خاصمتم عن طعمة وقومه). قال الواحدي: الخطاب مع جماعة من الأنصار من قرابة طعمة جادلوا عنه وعن قومه. وقلت: فعلى هذا صح قول الكواشي: الخطاب في قوله: {وَلا تُجَادِلْ عَنْ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ} للرسول صلى الله عليه وسلم والمراد غيره؛ وذلك أن قوله: {هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ جَادَلْتُمْ} خطاب للجماعة عن مجادلة سابقة عنهم، والمذكور من قبل {وَلا تُجَادِلْ عَنْ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ} فيجب حمله على ذلك، وعلى هذا ورد {وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً} ، ولعله صلوات الله وسلامه خوطب بذلك؛ لأنه ما زجرهم ولا عنفهم كأنه جادل عنهم، ويعضده قوله تعالى:{وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ} إلى قوله: {وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً} ، وفي قوله تعالى:{وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} إشارة إلى أن القرآن خُلق له صلوات الله عليه وتأديب من الله له.

قوله: ({وَكِيلاً}: حافظاً). الوكيل حقيقة: هو من وُكِلَ إليه الأمر ثم استعير للحافظ؛ لأن الوكيل حافظ.

ص: 151

(وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً): قبيحاً متعدّياً يسوء به غيره كما فعل طعمة بقتادة واليهودي، (أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ)

بما يختص به، كالحلف الكاذب.

وقيل: (ومن يعمل سوءاً) من ذنب دون الشرك، (أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ) بالشرك. وهذا بعث لطعمة على الاستغفار والتوبة؛ لتلزمه الحجة مع العلم بما يكون منه؛ أو لقومه لما فرط منهم من نصرته والذب عنه.

[(وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً* وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً)].

(فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ) أي: لا يتعدّاه ضرره إلى غيره، فليبق على نفسه من كسب السوء (خَطِيئَةً): صغيرة، (أَوْ إِثْماً): أو كبيرة، (ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً) كما رمى

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وقيل: {وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً} من ذنب) عطفٌ على قوله: {سُوءاً} : قبيحاً"؛ لأن السوء لغة هو القبيح، قال في "الأساس": هو اسم جامع لكل آفةٍ وداء، يقال: ساء عمله وساءت سيرته، وأساء ما وُجِد منه.

قوله: (مع العلم بما يكون منه) أي: مع أن الله تعالى عالم بما سيقع منه، وهو ما روى أنه هرب إلى مكة وارتد ونقب حائطاً، إلى آخر القصة.

يعني أن الله تعالى كان عالماً بأنه لا يتوب ولا يغفر له ولا يرحمه، ومع ذلك قال في حقه:{ثُمَّ يَسْتَغْفِرْ اللَّهَ يَجِدْ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً} ؛ لئلا يكون له حجة، وهي أن الله تعالى ما بعثني على التوبة حتى أتوب.

قوله: (أو لقومه) أي: بُعِثَ لهم على الاستغفار والتوبة، لا لإلزام الحجة.

قوله: ({خَطِيئَةً}: صغيرة). قال أبو البقاء: الهاء في {يَرْمِ بِهِ} تعود على الإثم، وفي عودها عليه دليل على أن الخطيئة في حكم الإثم، وقيل: تعود على أحد الشيئين المدلول عليه بـ {أَوْ} ، وقيل: تعودُ على الكسب المدلول عليه بقول: {وَمَنْ يَكْسِبْ} .

ص: 152

طعمة زيداً، (فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْماً)؛ لأنه بكسب الإثم آثم، وبرمي البريء باهت، فهو جامع بين الأمرين. وقرأ معاذ بن جبل رضي الله عنه:(ومن يكسب) بكسر الكاف والسين المشددة، وأصله: يكتسب.

[(وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَما يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً)].

(وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ) أي: عصمته وألطافه وما أوحى إليك من الاطلاع على سرّهم (لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ): من بني ظفر (أَنْ يُضِلُّوكَ) عن القضاء بالحق وتوخي طريق العدل مع علمهم بأن الجاني هو صاحبهم؛ فقد روي: أن ناساً منهم كانوا يعلمون كنه القصة، (وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ)؛ لأن وباله عليهم، (وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ)؛ لأنك إنما عملت بظاهر الحال، وما كان يخطر ببالك أن الحقيقة على خلاف ذلك. (وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ) من خفيات الأمور وضمائر القلوب، أو من أمور الدين والشرائع.

ويجوز أن يراد بالطائفة بنو ظفر، ويرجع الضمير في:(مِنْهُمْ) إلى الناس. .......

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (لأنه بكسب الإثم آثم وبرمي البريء باهتٌ) إشارة إلى أن في لفظ التنزيل لفظًّا ونشراً من غير ترتيب؛ لأنه أتى في التفسير بالترتيب، والأسلوب من باب تكرير الشرط والجزاء، نحو: من أدرك الصمان فقد أدرك المرعي، فينبغي أن يحمل التنكير في قوله:{بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً} على التفخيم والتهويل؛ ومن ثم الدلالة على بُعد مرتبة البهتان من ارتكاب الإثم نفسه.

قوله: (ويجوز أن يُراد بالطائفة بنو ظفر) عطف على قوله: "من بني ظفر"، و {طَائِفَةٌ

ص: 153

وقيل: الآية في المنافقين.

[(لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً)].

(لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ): من تناجي الناس (إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ): إلا نجوى من أمر، على أنه مجرور بدلٌ من (كثير)، كما تقول: لا خير في قيامهم إلا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مِنْهُمْ} على الأول: بعضُ بني ظفر، على هذا: كلهم؛ لأنهم بعض الناس، والناس تحتمل الجنس والعهد.

قوله: (وقيل: الآية في المنافقين) عطف على قوله: "من بني ظفر" أيضاً، أي: لهمت طائفة من المنافقين. الراغب: إن قيل: قد كانوا هموا بذلك فكيف قال: {وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ} ؟ قيل: في ذلك جوابان، أحدهما: أن القوم كانوا مسلمين، ولم يهموا بإضلال النبي صلى الله عليه وسلم، وكان ذلك عندهم جواباً، والثاني: أن القصد إلى نفي تأثير ما هموا به كقولك: فلان شتمك وأهانك لولا أني تداركت؛ تنبيهاً على أن أثر فعله لم يظهر.

قوله: (إلا نجوى من أمر بصدقة). الراغب: النجوى يقال للحديث الذي ينفرد به اثنان فصاعداً؛ لقوله تعالى: {وَإِذْ هُمْ نَجْوَى} [الإسراء: 47]، وإذا جُعلت للقوم فـ {مَنْ}: مجرورٌ على البدل، أو منصوب على الاستثناء، وإن جعلتها للحديث فتقديره: إلا نجوى من أمر بصدقة، ولما كان التناجي مكروهاً في الأصل حتى قيل:{إِنَّمَا النَّجْوَى مِنْ الشَّيْطَانِ} [المجادلة: 10] صار ذلك من الأفعال التي تقبح ما لم يقصد به وجه محمود، كالمكر والخديعة؛ فبين تعالى أن النجوى لم تحسن ما لم تخص بها هذه الوجوه المستثناة، وخص هذه الثلاثة لأنها متضمنة للأفعال الحسنة كلها؛ وذلك أنه نبه بالصدقة على الأفعال الواجبة، فخُصت

ص: 154

قيام زيد؛ ويجوز أن يكون منصوباً على الانقطاع، بمعنى: ولكن من أمر بصدقةٍ ففي نجواه الخير. وقيل:

المعروف: القرض، وقيل إغاثة الملهوف، وقيل هو عامّ في كل جميل.

ويجوز أن يراد بالصدقة الواجب، وبالمعروف ما يتصدق به على سبيل التطوّع.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لكونها أكثر نفعاً في إيصال الخير إلى الغير، ونبه بالمعروف على النوافل التي هي الإحسان والتفضل، وبالإصلاح بين الناس على سياستهم وما يؤدي إلى نظم شملهم وإيقاع الألفة بينهم.

قوله: (منصوباً على الانقطاع) أي: على الاستثناء المنقطع، قال أبو البقاء: يجوز أن يراد بالنجوى: القوم الذين يتناجون، ومنه قوله:{وَإِذْ هُمْ نَجْوَى} [الإسراء: 47]؛ فالاستثناء متصل: إما جراً بدلاً من {نَجْوَاهُمْ} ، وإما نصباً على أصل الاستثناء.

قوله: (هو عام في كل جميل). الراغب: يقال لكل ما يستحسنه العقل ويعترف به: معروف، ولكل ما يستقبحه وينكره: مُنكر؛ ووجه ذلك: أن الله تعالى ركز في العقول معرفة الخير والشر، كما رمز إليه بقوله:{فِطْرَتَ اللَّهِ} [الروم: 30] و {صِبْغَةَ اللَّهِ} [البقرة: 138]، وعلى ذلك المعروف: ما اطمأن إليه القلب واطمأنت إليه النفس، واطمئنانها إليه لمعرفتها به. وقلت: وإليه ينظر حديث وابصة بن معبد حين جمع صلى الله عليه وسلم أصابعه وضرب بها صدره، فقال:"استفت نفسك يا وابصة" ثلاثاً، "البر: ما اطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في نفسك وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك". أخرجه أحمد بن حنبل والدارمي.

ص: 155

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «كلام ابن آدم كله عليه لا له، إلا ما كان من أمر بمعروفٍ أو نهى عن منكرٍ، أو ذكر اللَّه» . وسمع سفيان رجلاً يقول: ما أشد هذا الحديث، فقال: ألم تسمع اللَّه يقول (لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ) فهو هذا بعينه، أو ما سمعته يقول (وَالْعَصْرِ* إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ) [العصر: 1 - 2] فهو هذا بعينه. وشرط في استيجاب الأجر العظيم أن ينوي فاعل الخير عبادة اللَّه، والتقرّب به إليه، وأن يبتغى به وجهه خالصاً، لأن الأعمال بالنيات. فإن قلت: كيف قال: (إِلَّا مَنْ أَمَرَ)، ثم قال:(وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ)؟ قلت: قد ذكر الأمر بالخير؛ ليدل به على فاعله؛ لأنه إذا دخل الآمر به في زمرة الخيرين كان الفاعل فيهم أدخل. ثم قال: (وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ) فذكر الفاعل وقرن به الوعد بالأجر العظيم، ويجوز أن يراد: ومن يأمر بذلك،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (كلام ابن آدم كله عليه لا له) الحديث مخرج في "سنن الترمذي" وابن ماجه.

قوله: (فهو هذا بعينه) أي: لا تفاوت فيما يرجع إليه المعنى، لكن هذه الآية أخص من الحديث؛ لقوله:{مِنْ نَجْوَاهُمْ} ، والحديث أخص من تلك الآية؛ لقوله:{إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ} [العصر: 2]، وهو أعَمُّ من الكلام.

قوله: (كيف قال: (إلا من أمر؟ ) تلخيص السؤال: أن قوله: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ} تذييل لقوله: {إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ} ، فينبغي أن يكون مطابقاً للمذيل، ولا مطابقة بين أمر الفعل وفاعله ظاهراً، فأجاب بقوله:"قد ذكر الأمر بالخير". وخُلاصته: أنه لابد من التأويل؛ إما بأن يجعل القرينة الأولى كناية عن الفاعل ليحصل التطابق بالطريق الأولى، أو أن يجعل الكناية كناية عن الأمر لشموله وتناوله إياه، وبيان الأول: أنه تعالى لما رتب على إقدام أمر الخير قوله: {فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً} [النساء: 114] عُلِم أن فاعل ذلك أولى بأن يؤتي أجره، بل بأن يُضاعف ويعظم ثوابه.

ص: 156

فعبر عن الأمر بالفعل كما يعبر به عن سائر الأفعال، وقرئ: يؤتيه، بالياء.

[(وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً* إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً* إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ إِناثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطاناً مَرِيداً* لَعَنَهُ اللَّهُ وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً* وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً* يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاَّ غُرُوراً* أُولئِكَ مَاواهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصاً)].

(وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ) وهو السبيل الذي هم عليه من الدين الحنيفي القيم، وهو دليل على أن الإجماع حجةٌ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (فعبر عن الأمر بالفعل) فإن الفعل قد يُعبر به عن جميع الأفعال، فتقول: خلعت على زيد ومنحته جزيلاً وأكرمته وعظمته، فيقال لك: نعم ما فعلت، فكني بقوله: نعم ما فعلت، عن تلك الأفعال المذكورة اختصاراً، والجواب الأول أقرب إلى معنى قوله:{وَالْعَصْرِ} .

قوله: (وقرئ: "يؤتيه"، بالياء): حمزة وأبو عمرو، والباقون: بالنون الفوقانية.

قوله: (وهو دليل على أن الإجماع حجة) نقل الإمام عن الشافعي رضي الله عنه، أنه سُئل عن أي آية من كتاب الله تدل على أن الإجماع حجة؟ فقرأ القرآن ثلاث مئة مرة حتى وجد هذه الآية، فإن قيل: لا يُسلم أن عدم اتباع سبيل المؤمنين يصدق عليه أنه اتباعٌ لغير سبيل المؤمنين؛ لأنه لا يمنع أن لا يتبع سبيل المؤمنين ولا غير سبيل المؤمنين.

ص: 157

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

والجواب: أن المتابعة عبارة عن الإتيان بمثل فعل الغير؛ فإذا كان من شأن غير المؤمنين أن لا يقتدوا في أفعالهم بالمؤمنين، فكل من لم يتبع من المؤمنين سبيل المؤمنين فقد أتى بفعل غير المؤمنين واقتفى أثرهم؛ فوجب أن يكون متبعاً لهم.

قال القاضي: إذا كان اتباع غير سبيلهم محرماً كان اتباع سبيلهم واجباً؛ لأن ترك إتباع سبيلهم ممن عرف سبيلهم اتباع غير سبيلهم.

وقلتُ: فإن قيل: الوعيد مرتبٌ على الكل، كقولك: إن دخلت الدار وكلمت زيداً فأنت طالق؛ فأجيب أن الوعيد مرتبٌ على كل واحد من المشاقة واتباع غير سبيل المؤمنين؛ لأن المشاقة وحدها مستقلة في اقتضاء الوعيد، فيكون ذكر اتباع غير سبيل المؤمنين لغواً. فإن قيل: إن المعطوف عليه مقيد بتبين الهدى فلزم في المعطوف ذلك، فإذاً لم يكن في الإجماع فائدة؛ لأن الهدي عامٌ لجميع الهداية، ومنها دليل الإجماع، وإذا حصل الدليل لم يكن للمدلول فائدة. وأجيب: أن المراد بالهداية: الدليل على التوحيد والنبوة؛ فالمعنى: مخالفة المؤمنين بعد دليل التوحيد والنبوة حرام، فيكون الإجماع مقيداً في الفروع بعد تبين الأصول.

وقال الراغب: لا حجة في الآية على ثبوت الإجماع؛ لأن المراد بقوله: {الْمُؤْمِنِينَ} الإيمان لا ذووه، فكل موصوف عُلق به حكم، نحو أن يُقال: اسلك سبيل الصائمين والمصلين؛ يعني بذل الحث على الاقتداء بهم في الصلاة والصيام، لا في فعل آخر، وكذا إذا قيل:{سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ} يعني به سبيلهم في الإيمان لا غير. وقلت: المراد من {سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ} سبيل الجامعين لكل فضيلة ومنقبة؛ لأن ذكره هاهنا للمدح لا للعلة، وكونهم متبعين مقتدين بدليل قوله:{وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ} ، ويعضده قضية النظم؛ وذلك أن الطائفة الذين جادلوا عن طعمة هموا بأن يُزلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن طريق العدل مع علمهم بأن الجاني هو صاحبهم، لولا أن تداركه فضل الله ورحمته بان أنزل عليه الكتاب والحكمة

ص: 158

لا تجوز مخالفتها كما لا تجوز مخالفة الكتاب والسنة؛ لأنّ اللَّه عز وعلا جمع بين اتباع سبيل غير المؤمنين وبين مشاقة الرسول في الشرط، وجعل جزاءه الوعيد الشديد، فكان اتباعهم واجباً كموالاة الرسول. (نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى): نجعله والياً لما تولى من الضلال؛ بأن نخذله، ونخلي بينه وبين ما اختاره، (وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ). وقرئ:

(ونصله) بفتح النون من صلاه. وقيل: هي في طعمة وارتداده وخروجه إلى مكة.

(إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) تكرير للتأكيد، وقيل: كرّر لقصة طعمة،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وعلمه أمور الدين والشرائع؛ لوقع في ورطة العنت والمشقة. وليس ما فعل هؤلاء بمتابعة لسبيل المؤمنين؛ فإن سبيلهم التفادي عن مخالفة الرسول ومشاقته، والتجانب عما يُضاد الحق والعدل؛ لكن سبيل غير المؤمنين متابعة الشيطان الذي يدعوهم إلى عبادة الأوثان؛ ولذلك عقبه بقوله تعالى:{إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَاناً مَرِيدا} تغليظاً، أي: ما يعبدون بعبادة الأصنام إلا شيطاناً؛ لأنه هو الذي أغراهم على عبادتها فأطاعوه؛ فعلى هذا قوله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ} كالتذييل لقصة طعمة وقومه: فيدخل في هذا المقام كل ما فيه مُشاقة الرسول صلى الله عليه وسلم ومخالفة سبيل المؤمنين بأي وجه كان.

روينا عن الترمذي، عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:"إن الله لا يجمع أمتي على ضلالة، ويد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار".

وأما قوله: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} إما تأكيد للآية السابقة في هذه السورة المعادلة لها، أو كررت لتعلقها بخاتمة قصة طعمة وأصحابه ليكون كالتكميل بذكر الوعد بعد ما ذكر الوعيد الذي ضُمن في الآيات.

الراغب: في قوله تعالى: {بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى} إشارة إلى أن صغائر الأولياء أعظم

ص: 159

وروي: أنه مات مشركاً. وقيل: جاء شيخ من العرب إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فقال: إني شيخ منهمك في الذنوب، إلا أني لم أشرك باللَّه شيئاً منذ عرفته وآمنت به، ولم أتخذ من دونه ولياً، ولم أوقع المعاصي جرأة على اللَّه ولا مكابرة له، وما توهمت طرفة عين أني أعجز اللَّه هرباً، وإني لنادم تائب مستغفر، فما ترى حالي عند اللَّه؟ فنزلت وهذا الحديث ينصر قول من فسر (مَنْ يَشاءُ) بالتائب من ذنبه.

(إِلَّا إِناثاً): هي اللات والعزى ومناة. وعن الحسن: لم يكن حيّ من أحياء العرب إلا ولهم صنم يعبدونه يسمونه: أنثى بني فلان. وقيل: كانوا يقولون في أصنامهم هنّ بنات اللَّه. وقيل: المراد الملائكة؛ لقولهم: الملائكة بنات اللَّه. وقرئ (أنثاً) جمع أنيثٍ أو أُناث، (ووثناً) و (أثناً) بالتخفيف والتثقيل جمع وثن، كقولك:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

من كبائر العامة؛ وذلك أنه لا يُعذر العالم فيما يرتكبه كما يُعذر الجاهل؛ لأن من لا يعرف الحق يستحق العقوبة بتركه للمعرفة؛ لأن العمل لا يلزم حتى يعرفه، والعالم يستحق العقوبة بترك معرفته وترك استعماله، وقصد تعالى بقوله:{نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ} أن من لم يتبين له الهدي فقد يجعل الله له نوراً يهديه، ومن صار معانداً قطع عنه التوفيق، ويترك هو وهواه، وانقطاع التوفيق هو المعنى باللعن والطرد، وإليه أشار الشاعر بقوله:

إذا لم يكن عون من الله للفتى

فأول ما يجنى عليه اجتهاده

قوله: (وقرئ: "أنثا" جمع أنيث أو أُناث، و"وُثْناً" و"أُثُناً"). قال أبو البقاء: ويُقرأ "أنُثاً"، مثل: رسل؛ فيجوز أن تكون صفة مفردة مثل: امرأة جُنبن وأن يكون جمع أنيث، كقليب وقلب. وقال الزجاج:"انثاً": جمع أناثٍ وإناثٍ وأنث، مثل: مثال ومُثُل،

ص: 160

أَسدٌ وأُسدٌ، وقلب الواو ألفا نحو «أُجوه» في "وجوه". وقرأت عائشة رضي الله عنها:(أوثاناً). (وَإِنْ يَدْعُونَ): وإن يعبدون بعبادة الأصنام (إِلَّا شَيْطاناً)؛ لأنه هو الذي أغراهم على عبادتها فأطاعوه، فجعلت طاعتهم له عبادة، و (لَعَنَهُ اللَّهُ وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ): صفتان بمعنى: شيطاناً مريداً جامعاً بين لعنة اللَّه، وهذا القول الشنيع. (نَصِيباً مَفْرُوضاً): مقطوعاً واجباً فرضته لنفسي، من قولهم: فرض له في العطاء، وفرض الجند: رزقه. قال الحسن: من كل ألف تسعمائة وتسعين إلى النار (وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ) الأماني الباطلة من طول الأعمار، وبلوغ الآمال، ورحمة اللَّه للمجرمين بغير توبة، والخروج من النار بعد دخولها بالشفاعة ونحو ذلك.

وتبتيكهم الآذان: فعلهم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

و"أُثُناً": جمع وثن، والأصل: وُثُن، والواو إذا ضُمت جاز إبدالها همزة نحو:{وَإِذَا الرُّسُلُ أوُقِّتَتْ} [المرسلات: 11].

قوله: (جامعاً بين لعنة الله وهذا القول الشنيع)؛ وذلك أن الواو حين دخلت بين الصفتين أفادت مجرد الجمعية دون المغايرة. قال أبو البقاء: يجوز أن يكون {لَعَنَهُ اللَّهُ} مستأنفاً على الدعاء، أي: فعل ما استحق به اللعن من استكباره عن السجود والتعبد؛ فعلى هذا {وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ} جملة مستطردة، و {لَعَنَهُ اللَّهُ} معترضة، كقولهم للملوك في أثناء الكلام: أبيت اللعن.

قوله: ({مَفْرُوضاً}: مقطوعاً واجباً). قال الزجاج: أصل الفرض: القطع، والفرضة: الثلمة تكون في النهر، والفرض في القوس: الحز الذي يُشد به الوتر، وفريضة الله: ما جعل الله على العباد أمراً حتماً عليهم قاطعاً.

ص: 161

بالبحائر؛ كانوا يشقون أذن الناقة إذا ولدت خمسة أبطنٍ وجاء الخامس ذكراً، وحرموا على أنفسهم الانتفاع بها. وتغييرهم خلق اللَّه: فقء عين الحامي وإعفاؤه عن الركوب. وقيل: الخصاء، وهو في قول عامة العلماء مباحٌ في البهائم، وأما في بنى آدم فمحظور. وعند أبي حنيفة يكره شراء الخصيان وإمساكهم واستخدامهم؛ لأن الرغبة فيهم تدعو إلى خصائهم. وقيل: فطرة اللَّه التي هي دين الإسلام. وقيل للحسن: إن عكرمة يقول: هو الخصاء، فقال: كذب عكرمة، هو دين اللَّه. وعن ابن مسعود: هو الوشم، وعنه:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (بالبحائر). النهاية: كانوا إذا تابعت الناقة بين عشر إناث لم يُركب ظهرها، ولم يجز وبرها، ولم يحلب لبنها إلا ضيف، وتركوها مسيبة لسبيلها وسموها سائبة، فما ولدت بعد ذلك من أنثى شقوا أذنها وخلوا سبيلها وحرم منها ما حرم من أمها وسموها البحيرة، من: بحر: إذا شق أذنها. وحكى الزمخشري: بحيرة وبُحُر كصريمة وصُرم، وهي التي صُرمت أذنها، أي: قُطعت.

قوله: (فقء عين الحامي). الفقء: القلع، والحامي: هو الفحل الذي طال مكثه عندهم، فإذا لقي ولد ولده حُمي ظهره فلا يُركب، ولا يُجز وبره، ولا يمنع من مرعى.

قوله: (وقيل: فطرة الله التي هي دين الإسلام). الراغب: في الآية إشارة إلى أن كل ما جعله الله كاملاً بفطرته جعله الإنسان ناقصاً بسوء تدبيره، وتغيير خلق الله هو: أن كل ما أوجده الله تعالى لفضيلة فاستعان الإنسان به في رذيلة فقد غير خلقه، وقد دخل في عمومه جعل الله للإنسان شهوة الجماع ليكون سبباً للتناسل على وجه مخصوص؛ فاستعان به في السفاح واللواط، وكذا المخنث إذا نتف لحيته وتقنع تشبهاً بالنساء، والفتاة إذا ترجلت متشبهة بالفتيان، ودخل في عمومه أيضاً كل ما حلله الله فحرموه أو حرمه فحللوه، وإلى هذه الجملة أشار المفسرون.

قوله: (فقال: كذب عكرمة هو دين الله) يعني قوله: {لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً

ص: 162

"لعن اللَّه الواشرات والمتنمصات والمستوشمات المغيرات خلق اللَّه". وقيل التخنث.

[(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً)].

(وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا): مصدران: الأول مؤكد لنفسه، والثاني مؤكد لغيره، (وَمَنْ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مَفْرُوضاً} يقتضي أن يفسر {فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ} بما هو أبلغ من الخصاء، فإذا المراد بتغيير الخلق ما أشار إليه الحديث النبوي:"كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو يُنصرانه أو يمجسانه". ولناصر قول عكرمة أن يقول: قول الشيطان: ولأضلنهم ولأمنينهم؛ دل على التغيير في الدين، وأُطلق ليشمل كل ما يصح فيه الإضلال والأماني، وقوله: لآمرنهم، إلى آخره؛ دل على التغيير في خلق الظاهر في النعام تارة وفي الإنسان أخرى، والله أعلم.

قوله: (الواشرات). النهاية: الواشرة: المرأة التي تحد أسنانها وترقق أطرافها تتشبه بالشواب، كأنه من وشرت الخشبة بالميشار، غير مهموز.

والمتنمصة والنامصة: التي تنتف شعور الوجوه. قال في "النهاية": وبعضهم يرويه "المنتمصة" بتقديم النون على التاء. والمتوشمة: من الوشم، وهو أن يغرز الجلد بغبرة ثم يُشى بكحل أو نيل فيزرق أثره. والمستوشمة: التي تطلب ذلك.

قوله: (الأول مؤكد لنفسه)؛ لأن قوله: {سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً} يدل على الوعد؛ إذ الوعد هو الإخبار عن إيصال المنافع قبل وقوعه، "والثاني: مؤكد لغيره" نحو قولك: هو عبد الله حقاً، فقوله: "حقاً" يفيد معنى لم يُفد "هذا عبد الله" لا لفظاً ولا عقلاًن لكن الخبر من حيث هو خبر يحتمل الصدق والكذب، فقولك: "حقاً" بقصر الجملة على أحد الاحتمالين، أي: أحق حقاً؟ فقولك: "حقاً" تأكيدٌ للمقدر لا للمذكور.

ص: 163

أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا): توكيد ثالث بليغ. فإن قلت: ما فائدة هذه التوكيدات؟ قلت: معارضة مواعيد الشيطان الكاذبة وأمانيه الباطلة لقرنائه بوعد اللَّه الصادق لأوليائه، ترغيباً للعباد في إيثار ما يستحقون به تنجز وعد اللَّه، على ما يتجرعون في عاقبته غصص إخلاف مواعيد الشيطان.

[(لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً* وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً)].

في (لَيْسَ) ضمير وعد اللَّه، أي: ليس ينال ما وعد اللَّه من الثواب (بِأَمانِيِّكُمْ وَلا) بـ (أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ)، والخطاب للمسلمين؛ لأنه لا يتمنى وعد اللَّه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (توكيد ثالث بليغ)؛ وذلك أن الجملة تذييل للكلام السابق، والتذييل مؤكد للمُذيل. وأما المبالغة فمن الاستفهام وتخصيص اسم الذات الجامع وبناء أفعل وإيقاع القول تمييزاً. وكل ذلك إعلام منه بأن حديثه صدق محض، وإنكار أن قول الصدق يتعلق بقائل آخر أحق منه.

قوله: (معارضة مواعيد الشيطان الكاذبة) إشارة إلى بيان النظم، يعني: كما أوقع قوله: {يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمْ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً} تذييلاً لقوله: {إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثاً} الآية، أوقع قوله:{وَعْدَ اللَّهِ حَقّاً وَمَنْ أَصْدَقُ مِنْ اللَّهِ قِيلاً} خاتمة لقوله: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} الآية؛ ليوازي بين الوعدين، ويقابل بين الترغيبين فيختار المؤمنون الأعمال الصالحة على ما يدعو إليه الشيطان بأمانيه الباطلة ومواعيده الكاذبة، فيتخلصوا من غصص إخلاف مواعيده بما يفوزوا به من إنجاز ما وُعدوا من الله تعالى الذي هو أصدق القائلين. ثم وازن بين قوله:{وَمَا يَعِدُهُمْ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً} وبين قوله: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنْ اللَّهِ قِيلاً} من جهة وضع المظهر موضع المضمر فيهما ومن النفي المستفاد من الاستفهام وما إلى غير ذلك ليتحقق المعارضة.

ص: 164

إلا من آمن به، وكذلك ذكر أهل الكتاب معهم؛ لمشاركتهم لهم في الإيمان بوعد اللَّه. وعن مسروقٍ والسدي: هي في المسلمين. وعن الحسن: ليس الإيمان بالتمني، ولكن ما وقر في القلب وصدّقه العمل، إن قوما ألهتهم أماني المغفرة حتى خرجوا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قولُه: (ليس الإيمانُ بالتمني)، فإن قلت: كيف الجمعُ بين هذا وبين قوله: "لأنه ايتمنى وعد اله إلا من آمن به"؟ والجواب: ما قاله الراغب المُنَى، كالقفا: التقديرُ، يقالُ: مَنَى لكَ، أي: قدَّرَ لك المُقدر، التمني: تقدير الشيء في نفسه وتصويره فيها، وذلك قد يكون عن تخمين وظن، وقد يكون عن روية وبناء على أصل، ولما كان أكثره عن تخمين صار الكذب له أملك، فأكثر التمني تصور ما لا حقيقة له، قال تعالى:{أَمْ لِلإِنسَانِ مَا تَمَنَّى} [النجم: 24]، والمنية: الصورة الحاصلة في النفس من تمني الشيء، ولما كان الكذب تصور ما لا حقيقة له وإيراده باللفظ صار التمني كالمبدأ للكذب، فصح أن يُعبر عن الكذب بالتمني، وعلى ذلك ما روى عن عثمان رضي الله عنه أنه قال: ما تغنيت ولا تمنيت منذ أسلمت. وأما قول المصنف: "لا يتمنى عد الله إلا من آمن به" فهو ينظر إلى قوله: وقد يكون عن روية وبناء على أصل.

قوله: (ما وقر في القلب). النهاية: وقر في صدره، أي: سن فيه وثبت؛ من الوقار، وقد وقر يقر وقاراً، وفي الحديث:"لم يفضلكم أبو بكر بكثرة صوم ولا صلاة، ولكنه لشيء وقر في القلب".

ص: 165

من الدنيا ولا حسنة لهم، وقالوا: نحسن الظنّ باللَّه، وكذبوا؛ لو أحسنوا الظنّ باللَّه لأحسنوا العمل. وقيل: إنّ المسلمين وأهل الكتاب افتخروا، فقال أهل الكتاب: نبينا قبل نبيكم، وكتابنا قبل كتابكم. وقال المسلمون: نحن أولى منكم، نبينا خاتم النبيين، وكتابنا يقضي على الكتب التي كانت قبله. فنزلت.

ويحتمل أن يكون الخطاب للمشركين؛ لقولهم: إن كان الأمر كما يزعم هؤلاء لنكونن خيراً منهم وأحسن حالاً؛ (لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَداً)[مريم: 77]، (إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى) [فصلت: 50]، وكان أهل الكتاب يقولون:(نحن أبناء اللَّه وأحباؤه)[المائدة: 18]، (لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة) [البقرة: 80]، ويعضده تقدم ذكر أهل الشرك قبله. وعن مجاهد: إن الخطاب للمشركين. قوله: (مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ)، وقوله:(وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ) بعد ذكر تمنى أهل الكتاب نحو من قوله: (بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ)[البقرة: 81]، وقوله:(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ)[البقرة: 82] عقيب قوله: (وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: ({لأوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً} أولها: {أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً} [مريم: 77].

قوله: (ويعضده تقدم ذكر أهل الشرك) يعني قوله: {إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثاً} [النساء: 117] وإقسام الشيطان: ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم.

قوله: ({مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ} وقوله: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ} أراد أن نظم هذه الآية كنظم تلك الآية، ذكر هاهنا {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ} وبعده:{مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ} ، ثم قال:{وَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ} ، كما ذكر هناك {لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ} [البقرة: 80]، وهو التمني، وبعده:{مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً} [البقرة: 81] ثم قال: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [البقرة: 82].

ص: 166

النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً) [البقرة: 80]. وإذا أبطل اللَّه الأماني وأثبت أن الأمر كله معقود بالعمل، وأن من أصلح عمله فهو الفائز، ومن أساء عمله فهو الهالك؛ تبين الأمر ووضح، ووجب قطع الأماني، وحسم المطامع، والإقبال على العمل الصالح، ولكنه نصح لا تعيه الآذان ولا تلقى إليه الأذهان. فإن قلت: ما الفرق بين (من) الأولى والثانية؟ قلت: الأولى للتبعيض، أراد: ومن يعمل بعض الصالحات؛ لأنّ كلاً لا يتمكن من عمل كل الصالحات؛ لاختلاف الأحوال، وإنما يعمل منها ما هو تكليفه وفي وسعه، وكم من مكلفٍ لا حج عليه ولا جهاد ولا زكاة، وتسقط عنه الصلاة في بعض الأحوال. والثانية لتبيين الإبهام في:(مَنْ يَعْمَلْ). فإن قلت: كيف خُصَّ الصالحون بأنهم لا يظلمون وغيرهم مثلهم في ذلك؟ قلت: فيه وجهان: أحدهما: أن يكون الراجع في: (وَلا يُظْلَمُونَ) لعمال الصالحات وعمال السوء جميعاً. والثاني: أن يكون ذكره عند أحد الفريقين دالاً على ذكره عند الآخر؛ لأن كلا الفريقين مجزيون بأعمالهم لا تفاوت بينهم؛ ولأن ظلم المسيء أن يزاد في عقابه، وأرحم الراحمين معلوم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ولكنه نُصحٌ لا تعيه الآذان) تعريض بأهل السنة! لكنهم لا يقولون بوجوب الجزاء على ما عملوا، فكيف يلتفتون إلى مجرد الأماني؟ بل يرجون رحمته فضلاً منه؛ لا بالعمل كما جاء في الأحاديث الصحيحة.

قوله: (والثانية لتبين الإبهام في {مَنْ يَعْمَلْ} . قال أبو البقاء: {مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى} في موضع الحال من المستكين في {يَعْمَلْ} ، و {مَنْ}: للبيان، أو: حالٌ من {الصَّالِحَاتِ} ، و {مَنْ}: للابتداء، أي كائنة من ذكر أو أنثى، و {مِن} الأولى زائدة عند الأخفش، وصفة عند سيبويه.

قوله: (ولأن ظلم المسيء) عطفٌ على قوله: "لأن كلا الفريقين"، والفاء في قوله:"فكان ذكره مستغني عنه" للنتيجة، وقيل: دليل ثالث على التخصيص.

ص: 167

أنه لا يزيد في عقاب المجرم، فكان ذكره مستغنى عنه، وأما المحسن فله ثوابٌ، وتوابع للثواب من فضل اللَّه هي في حكم الثواب؛ فجاز أن ينقص من الفضل؛ لأنه ليس بواجب، فكان نفي الظلم دلالة على أنه لا يقع نقصان في الفضل.

[(وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلاً)].

(أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ): أخلص نفسه للَّه وجعلها سالمة له لا تعرف لها رباً ولا معبوداً سواه، (وَهُوَ مُحْسِنٌ): وهو عامل للحسنات تارك للسيئات (حَنِيفاً): حالٌ من المتبع، أو من (إبراهيم)، كقوله:(بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)[البقرة: 135]؛ وهو الذي تحنف، أي: مال عن الأديان كلها إلى دين الإسلام.

(وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا): مجازٌ عن اصطفائه واختصاصه بكرامة تشبه كرامة الخليل عند خليله، والخليل: المخال، وهو الذي يخالك، أي: يوافقك

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (فجاز أن يُنقص من الفضل؛ لأنه ليس بواجب)، وفيه بحث؛ لأن زيادة الثواب إذا لم تكن واجبة لم يقع في تخلفها الظلم. والجواب على مذهب أهل السنة: أن الثواب فضل، فهو كالواجب بسبب الوعد، ففي تخلفه خلفٌ في الوعد، فأطلق اللم وأريد خلف الوعد، أي: ولا ينقصون مما وُعدوا به شيئاً، وعلى مذهبه: أن الفضل لما جُعل في حكم الثواب أجرى عليه ما يجري على الثواب؛ مبالغة في الإلحاق، فقوله:{وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً} تذييل للكلام السابق عندنا، وعطفٌ على قوله:{يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ} عنده، أي: يدخلون الجنة جزاء لعمالهم ولا يظلمون نقيراً من فضل الله، الذي هو تابع للجزاء.

قوله: (تُشبه كرامة الخليل) بعد قوله: "مجاز عن اصطفائه" إيذانٌ بأن المجاز من باب الاستعارة التمثيلية.

قوله: (وهو الذي يُخالك، أي: يوافقك). الراغب: الخلل: انفراج الشيئين، يقال: خللته،

ص: 168

في خلالك، أو يسايرك في طريقك، من الخل؛ وهو الطريق في الرمل؛ أو يسدّ خللك كما تسدّ خلله، أو يداخلك خلال منازلك وحجبك. فإن قلت: ما موقع هذه الجملة؟ قلت: هي جملة اعتراضيةٌ لا محل لها من الإعراب، كنحو ما يجيء في الشعر من قولهم:"وَالْحَوَادِثُ جَمَّةٌ"، فائدتها تأكيد وجوب اتباع ملته؛ لأن من

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أي: أصبت خلله، فاستعير منه الخليل إما لتخلل كل واحد منهما قلب الآخر، كما قيل: الحبيب لوصول كل واحد منهما إلى حبة قلب الآخر، قال الشاعر:

قد تخللت مسلك الروح مني

وبذا سمي الخليل خليلا

أو لأنه تخلل أحوال الآخر، وعرف سرائره، أو لاعتبار افتقار كل واحدٍ منهما. وقوله:{وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً} على الاعتبار الأخير، وهو افتقاره إلى الله تعالى في كل حال، وهذا الفقر أشرف غنى بل أشرف فضيلة يكتسبها الإنسان، ولهذا ورد: اللهم أغنني بالافتقار إليك، ولا تفقرني بالاستغناء عنك.

قوله: (في خلالك) أي: في خصالك. الأساس: هذه خلة صالحة، وفيه خلال حسنة، يعني: هو مأخوذ من هذه المعاني ثم استعمل في حق الله تعالى على سبيل الاستعارة، هذا وإذا جعل السبب في التسمية القصة الآتية فيكون من باب المشاكلة؛ لأن جوابه عليه الصلاة والسلام: بل من عند خليلي الله، في مقابلة قولها: من خليلك المصري كما سبق في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً} [البقرة: 26].

قوله: (كنحو ما يجيء في الشعر) إشارة إلى قول امرئ القيس:

ألا هل أتاها والحوادث جمة

بأن امرأ القيس بن تملك بيقرا

ص: 169

بلغ من الزلفى عند اللَّه أن اتخذه خليلاً، كان جديراً بأن تتبع ملته وطريقته. ولو جعلتها معطوفة على الجملة قبلها لم يكن لها معنى. وقيل: إن إبراهيم عليه السلام بعث إلى خليلٍ له بمصر في أزمة أصابت الناس يمتار منه. فقال خليله: لو

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الباء مزيدة في المرفوع، أي: هل أتاها بيقرة امرئ القيس؟ أي: موته أو انتقاله من بلد إلى بلد، وتملك: اسم أمه.

قوله: (لم يكن لها معنى)؛ لأنه لا يخلو من أن يعطف على قوله: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً} أو على صلة "من" أو على خبر الجملة الحالية {وَهُوَ مُحْسِنٌ} ، لا يجوز الأول؛ لأن قوله:{وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ} اعتراض وتوكيد لمعنى قوله: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ} وبيان أن الصالحات ما هي؟ وأن المؤمن من هو؟ وليس في {وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً} ذلك، على أن عطف الإخبارية على الإنشائية من غير جامع قوي يدعو إلى مُمتنع، ولا يجوز الثاني والثالث من له أدنى مسكة.

فإن قلت: لم لا يجوز أن تكون الجملة استطرادية كقوله تعالى: {وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ} إلى قوله: {وَمِنْ كُلٍّ تَاكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً} [فاطر: 12] عطف {وَمِنْ كُلٍّ} على أنه استطرادية؟ قلت: لا يجوز؛ لأن من شرط العطف في الاستطراد أن يكون للمعطوف نوع مناسبة بأصل الكلام، وهو {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ} الآية [النساء: 124]، وهي هاهنا مفقودة كما في قوله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ} [البقرة: 6] على ما مر، ولا يحسن أن يكون حالاً لما يفوت من فائدة وضع المظهر موضع المضمر، وتخصيص ذكر الخُلة للتنصيص على أنه ممن يجب أن يُرغب في اتباع ملته؛ فتعين أن يكون اعتراضاً وتذييلاً؛ لما في اعتبارهما مظنة العلية، وبيان الموجب؛ أي: ومن أحسن ديناً ممن اتبع ملة إبراهيم؛ لاصطفاء الله إياه وأنه الممدوح المستعد لخُلة الله لما فيه من غاية الكمالات البشرية.

قوله: (في أزمةٍ). الأساس: ومن المجاز: أزم عيهم الدهر فأزمتهم أزمة، وسنة أزوم، عليه، ثم قيل: سنةٌ آزمةٌ: إذا أمسكت المطر.

ص: 170

كان إبراهيم عليه السلام يطلب الميرة لنفسه لفعلت، ولكنه يريدها للأضياف، فاجتاز غلمانه ببطحاء لينةٍ فملئوا منها الغرائر حياء من الناس، فلما أخبروا إبراهيم عليه السلام ساءه الخبر، فحملته عيناه وعمدت امرأته إلى غرارةٍ منها فأخرجت أحسن حوّارى، واختبزت واستنبه إبراهيم عليه السلام، فاشتم رائحة الخبز، فقال: من أين لكم؟ فقالت امرأته: من خليلك المصري، فقال: بل من عند خليلي اللَّه عز وجل، فسماه اللَّه خليلاً.

[(وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً)].

(وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ) متصل بذكر العمال الصالحين والصالحين، ومعناه: أن له ملك أهل السموات والأرض، فطاعته واجبة عليهم. (وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً)؛ فكان عالماً بأعمالهم فمجازيهم على خيرها وشرها، فعليهم أن يختاروا لأنفسهم ما هو أصلح لها.

[(وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ببطحاء لينة). النهاية: البطحاء: الحصى الصغار.

قوله: (فحملته عيناه) أي: غلبه النوم، من قولهم: حمل على قرنه حملة صادقة.

قوله: (حواري) بالضم وتشديد الواو والراء المفتوحة. النهاية: وهو الخبز الذي نُخل مرة بعد مرة، من التحوير: التبييض.

قوله: ({وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} متصل بذكر العمال، الصالحين والصالحات) يعني بقوله: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ} الآية، على أن ذكر أحد الفريقين يدل على ذكر الآخر؛ لأنهم مجزيون بأعمالهم كما سبق، ويكون كالتعليل لوجوب العمل؛ ولهذا جاء بـ "أن" في قوله:"أن له ملك أهل السماوات والأرض؛ فطاعته واجبة عليهم"، ويكون قوله:{وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً} اعتراضاً بين العلة والمعلول حثاً على الترغيب في العمل الصالح، وردعاً وزجراً عن المعاصي والكفر على أبلغ الوجوه.

ص: 171

فِي يَتامَى النِّساءِ اللاَّتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيماً)].

"ما يُتْلى": في محل الرفع، أي: اللَّه يفتيكم والمتلوّ (فِي الْكِتابِ) في معنى اليتامى، يعني قوله:(وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى)[النساء: 3]، وهو من قولك: أعجبني زيد وكرمه، ويجوز أن يكون "ما يُتْلى عَلَيْكُمْ" مبتدأ، و (فِي الْكِتابِ) خبره، على أنها جملة معترضة. والمراد بالكتاب: اللوح المحفوظ؛ تعظيماً للمتلو عليهم، وأن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: ("ما يُتلى": في محل الرفع). قال أبو البقاء: هو معطوف على اسم الله، أو على ضمير الفاعل في {يُفْتِيكُمْ} ، وجرى الجار والمجرور مجرى التوكيد.

وقال القاضي: وساغ العطف على الضمير المستكن للفصل، فيكون الإفتاء مسنداً إلى الله تعالى وإلى ما في القرآن، نحو: أغناني زيدٌ وعطاؤه. وعليه قول المصنف: "أعجبني زيدٌ وكرمه"؛ وذلك أن قوله: {اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ} بمنزلة: "أعجبني زيد"؛ جيء به للتوطئة والتمهيد، وقوله:{وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ} بمنزلة: و"كرمه"؛ لأنه المقصود بالذكر.

قوله: (تعظيماً للمتلو عليهم) مفعولٌ له لقوله: "المراد بالكتاب: اللوح المحفوظ"، وإنما فسره في هذا الوجه باللوح المحفوظ لما يُذاق معه مع معنى التعظيم حلاوة حُسن النظام؛ إذ المعترضة من أسلوب التحاسين، ولو أريد به القرآن لتعطل من حلية التزيين وانخرط في سلك قول الشاعر:

ذكرت أخي فعاودني

صداع الرأس والوصب

ص: 172

العدل والنصفة في حقوق اليتامى من عظائم الأمور المرفوعة الدرجات عند اللَّه التي تجب مراعاتها والمحافظة عليها، والمخل بها ظالم متهاون بما عظمه اللَّه. ونحوه في تعظيم القرآن:(وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ)[الزخرف: 4]. ويجوز أن يكون مجروراً على القسم، كأنه قيل: قل: اللَّه يفتيكم فيهنّ، وأقسم بما يتلى عليكم في الكتاب. والقسم- أيضاً- لمعنى التعظيم. وليس بسديدٍ أن يعطف على المجرور في:(فِيهِنَّ)؛ لاختلاله من حيث اللفظ والمعنى. فإن قلت: بم تعلق قوله: (فِي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وبيان الاعتراض أن قوله: {فِي يَتَامَى النِّسَاءِ} بدل من قوله: {فِيهِنَّ} واعترض بين البدل والمبدل قوله: {وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ} أي: اللوح المحفوظ؛ فعلى هذا قوله: {قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ} معناه: كلام الله- أي: القرآن- يفتيكم فيهن، ثم أكد هذا المعنى بأن قيل: ما يتلى عليكم ثابت مستقر في اللوح المحفوظ عند مليك عظيم الشأن، كقوله تعالى:{وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا} [الزخرف: 4] في شأنكم في أمر يفتيه كتابٌ هذا شأنه، فيكون من عظائم الأمور" تفسير لقوله:"تعظيماً للمتلو عليهم"، فيلزم من هذا التعظيم إيجاب مراعاتها والمحافظة عليها، ويفهم منه أن الإخلال بها وضع للشيء في غير موضعه، وفي هذا الوجه وفي أن يكون "ما يُتلى" مجروراً على القسم لا يكون في الآية ما يومئ إلى أن الفتوى في أي شيء هو.

قال الإمام: الاستفتاء لايقع عن ذوات النساء؛ وإنما في حال من حالاتهن وصفة من صفاتهن، وتلك الحالة غير مذكورة في هذه الآية؛ فكانت الآية مجملة غير دالة على الأمر الذي وقع فيه الاستفتاء. وقلت: ويكون التفصيل ما سبق في أول السورة من الآيتين كما سيجيء.

قوله: (من حيث اللفظ والمعنى). أما اللفظ: فإنه لا يجوز العطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار، وأما المعنى: فلأنه لا يستقيم أن يقال: يفتيكم في حق ما يتلى عليم، فغن قلت: لم لا يجوز أن يقال: الله يفتيكم في الكتاب بما يرويه المستفتي من قوله: {وَإِنْ

ص: 173

يَتامَى النِّساءِ)؟ قلت: في الوجه الأوّل هو صلة (يُتْلى)، أي: يتلى عليكم في معناهن، ويجوز أن يكون (فِي يَتامَى النِّساءِ) بدلاً من (فِيهِنَّ)؛ وأما في الوجهين الآخرين فبدل لا غير. فإن قلت: الإضافة في (يَتامَى النِّساءِ) ما هي؟ قلت: إضافة بمعنى «مِنْ» ، كقولك: عندي سحق عمامة. وقرئ: (في ييامى النساء) بياءين على قلب همزة "أيامى" ياءً.

(لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ)، وقرئ:(ما كتب اللَّه لهنّ)، أي: ما فرض لهن من الميراث، وكان الرجل منهم يضم اليتيمة إلى نفسه وما لها، فإن كانت جميلة تزوجها وأكل المال، وإن كانت دميمةً عضلها عن التزوج حتى تموت فيرثها. (وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ): يحتمل: في أن تنكحوهن لجمالهن، و: عن أن تنكحوهن لدمامتهن.

وروي: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، كان إذا جاءه ولي اليتيمة نظر، فإن كانت جميلة غنية قال: زوّجها غيرك، والتمس لها من هو خير منك، وإن كانت دميمة ولا مال

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى} [النساء: 3]؟ قلت: لا يجوز؛ لأن معنى {فِيهِنَّ} : في حقهن، وشأنهن يأباه للاختلاف بين المعطوف والمعطوف عليه. قال في "المُغرب": اشتقاق الفتوى من الفتى؛ لأنها جواب في حادثة أو إحداث حكم أو تقوية لبيان مشكل، فالحادثة: هو السؤال عن خوف عدم القسط في حق اليتامى لقوله: "والمتلو في الكتاب في معنى اليتامى" وبيانه بقوله: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى} .

قوله: (إضافة بمعنى "مِن" كقولك: عندي سحق عمامة). قال القاضي: هي إضافة الشيء إلى جنسه. وقال أبو البقاء: قال الكوفيون: التقدير: في النساء اليتامى، فأضاف الصفة إلى الموصوف.

ص: 174

لها قال: تزوجها فأنت أحق بها. (وَالْمُسْتَضْعَفِينَ): مجرورٌ معطوف على (يتامى). وكانوا في الجاهلية إنما يورثون الرجال القوام بالأمور دون الأطفال والنساء. ويجوز أن يكون خطاباً للأوصياء، كقوله:(وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ)[النساء: 2].

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ويجوز أن يكون خطاباً للأوصياء) عطف على قوله: "أي: الله يفتيكم، والمتلو في الكتاب في معنى اليتامى"؛ إذ المراد بهم الأولياء؛ بدليل قوله: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى} [النساء: 3]، وكان قوله:"وكان الرجل منهم يضم اليتيمة إلى نفسه" إلى آخره، متفرعاً على ذلك التقدير، فيعلم منه أن الخطاب كان للأولياء والاستفتاء في شأن زواج اليتامى وتوريثهن؛ ولهذا قال:{وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى} ، وعلى هذا الوجه الكلام في شأن أموالهن؛ لأن الأوصياء لا تصرف لهم إلا في الأموال؛ ولهذا استشهد بقوله تعالى:{وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ} [النساء: 2].

فالحاصل أن الخطاب إذا جُعل للأولياء كان المعنىُّ به حكم الزواج والتوريث، فالمناسبة بالمتلو أن يكون قوله:{وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا} ، وإذا جُعل للأوصياء؛ كان الكلام في الأموال، فالمناسب بالمتلو أن يكون قوله:{وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ} .

وتحريره: أن هذه الآية واردة في بيان أنهم استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فتوى مبهمة في شأن اليتامى، لا ندري أهي في شأن أزواجهن أو أموالهن؟ فلذلك احتملت الأمرين.

وأما جواب الاستفتاء فقد سبق في الآيتين من أول هذه السورة؛ أحداهما: قوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} الآية، وثانيتهما:{وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ} وفي كلامه إشعار بأن هذه الآيات مرتبطة بالآيات الواردة في أول السورة، فهي سابقة عليها بالرتبة؛ لأن جواب الاستفتاء قد أحيل إلى تلك الآيتين، والآيات المتخللة بين اللامين للامتنان في البيان.

قال الإمام: إن عادة الله عز وجل في ترتيب هذا الكتاب الكريم واقعة على أحسن الوجوه، وهو أنه تعالى يذكر شيئاً من الأحكام ثم يذكر عقيبه آيات كثيرة في الوعد والوعيد

ص: 175

(وَأَنْ تَقُومُوا): مجرورٌ كـ (المستضعفين)، بمعنى: يفتيكم في يتامى النساء وفي المستضعفين وفي أن تقوموا. ويجوز أن يكون منصوباً، بمعنى: ويأمركم أن تقوموا. وهو خطاب للأئمة في أن ينظروا لهم ويستوفوا لهم حقوقهم، ولا يخلوا أحداً يهتضمهم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

والترغيب والترهيب، ويمزج بها آيات دالة على كبرياء الله وجلال قدرته وعم إلهيته، ثم يعود على ما بدأ به تعالى من بيان الأحكام، وهذا أحسن أنواع الترتيب وأقربها إلى التأثير؛ لأن التكليف بالأعمال الشاقة لا يقع موقع القبول إلا إذا كان مقروناً بالوعد والوعيد، وهما لا يؤثران إلا عند القطع بغاية كمال من صدر عنه الوعد والوعيد.

قوله: ({وَأَنْ تَقُومُوا} مجرورٌ كـ {الْمُسْتَضْعَفِينَ}). قال أبو البقاء: {الْمُسْتَضْعَفِينَ} عطف على المجرور في {يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ} ، وكذلك {وَأَنْ تَقُومُوا} ، وهذا أيضاً عطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار، وقد ذكره الكوفيون، ويجوز أن يكون منصوباً: عطفاً على موضع {فِيهِنَّ} أي: ويبين لكم حال المستضعفين، وبهذا التقدير يدخل في مذهب البصريين، والجيد أن يكون معطوفاً على {يَتَامَى النِّسَاءِ} .

قوله: (بمعنى: ويأمركم أن تقوموا. وهو خطابٌ للأئمة) فيكون عطفاً على قوله: {يُفْتِيكُمْ} ، يعني: يُفتي الأولياء والأوصياء بما أفتاهم، ويأمر الأئمة أن ينظروا إليهم ويتفقدوا حالهم ويستوفوا حقوقهم من الأولياء في الميراث، ولا يخلوا أحد يهتضمهم في معنى الزواج، فقوله:"أن يكون منصوباً" أي: منصوباً بالاتصال ونزع الخافض، والمعنى على الأول: قل الله يفتيكم أيها الأولياء في يتامى النساء أن لا تعضلوهن في النكاح وأن تقوموا لهن بالعدل والتسوية، أو: الله يفتيكم أيها الأوصياء في اليتامى بأن لا تتبدلوا الخبيث، وهو اختزال أموالهن بالطيب، وهو حفظها، وأن تقوموا فيها بالقسط، أي: لا إفراط في النفقة ولا تفريط فيها.

ص: 176

[(وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً)].

(خافَتْ مِنْ بَعْلِها): توقعت منه ذلك لما لاح لها من مخايله وأماراته.

والنشوز: أن يتجافى عنها بأن يمنعها نفسه، ونفقته، والمودة والرحمة التي بين الرجل والمرأة، وأن يؤذيها بسب أو ضرب. والإعراض: أن يعرض عنها؛ بأن يقل محادثتها ومؤانستها، وذلك لبعض الأسباب؛ من طعنٍ في سنّ، أو دمامة، أو شيء في خَلقٍ أو خُلق، أو ملالٍ، أو طموح عينٍ إلى أخرى، أو غير ذلك. فلا بأس بهما في أن يصلحا بينهما. وقرئ:(يصالحا) و (يصلحا) بمعنى: يتصالحا، ويصطلحا، ونحو "اصلح":"اصبر" في "اصطبر". (يُصْلِحا): في معنى مصدر كل واحدٍ من الأفعال الثلاثة. ومعنى الصلح: أن يتصالحا على أن تطيب له نفساً عن القسمة أو عن بعضها،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وقرئ: "يصالحا"). قال صاحب "التيسير": {أَنْ يُصْلِحَا} ، بضم الياء وإسكان الصاد وكسر اللام: الكوفيون، والباقون: بفتح الياء والصاد واللام مع تشديد الصاد وإثبات ألف بعدها. وقال أبو البقاء: (يصالحا) قرئ بتشديد الصاد وألف بعدها، وأصله:"يتصالحا" فأبدلت التاء صاداً وأدغمت، و {صُلْحاً} على هذا واقع موقع "تصالح"، ويقرأ بتشديد الصاد من غير ألف، وأصله يصتلحا فأبدلت التاء صاداً وأدغمت فيها الأولى، وقرئ:"يصطلحا" بإبدال التاء طاء، و {صُلْحاً} عليهما في موضع "اصطلاح".

والمصدر لم يتغير على القراءة، وإليه الإشارة بقوله:" {صُلْحاً} في معنى مصدر كل واحدٍ من الأفعال الثلاثة".

ص: 177

-كما فعلت سودة بنت زمعة حين كرهت أن يفارقها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وعرفت مكان عائشة من قلبه فوهبت لها يومها، وكما روي: أن امرأة أراد زوجها أن يطلقها لرغبته عنها، وكان لها منه ولد، فقالت: لا تطلقني ودعني أقوم على ولدى وتقسم لي في كل شهرين، فقال: إن كان هذا يصلح فهو أحب إلي! فأقرّها. أو تهب له بعض المهر، أو كله، أو النفقة فإن لم تفعل فليس له إلا أن يمسكها بإحسان أو يسرحها (وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) من الفرقة أو من النشوز والإعراض وسوء العشرة؛ أو هو خير من الخصومة في كل شيء. أو: الصلح خير من الخيور، كما أن الخصومة شر من الشرور. وهذه الجملة اعتراض، وكذلك قوله وَأُحْضِرَتِ (الْأَنْفُسُ الشُّحَّ)، ومعنى

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (كما فعلت سودة بنت زمعة)، روينا عن الترمذي، عن ابن عباس: خشيت سودة أن يطلقها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: لا تطلقني، أمسكني واجعل يومي لعائشة، ففعل، فنزلت الآية.

قوله: (ودعني أقوم) أي: أنا أقوم، على الاستئناف.

قوله: (إن كان هذا يصلح) أي: هذا الذي أومأت إليه إن كان مما يصلح بيني وبينك ويرفع الخلاف الذي يقع بين الزوجين إذا فُقد ما يوافقها من المحبة والمباشرة وحسن المعاشرة؛ فهو أحب غليَّ، وعلى هذا حديث سودة رضي الله عنها.

قوله: (خير من الخيور). قال المصنف: الخيور ورد في كلام فصيح فاقتديت به، وهو قياس واستعمال. قال القاضي: لا يجوز أن يراد به التفضيل، بل بيان أنه من الخيور، كما أن الخصومة شر من الشرور.

قوله: ({وَأُحْضِرَتْ الأَنفُسُ الشُّحَّ} قال الإمام: المعنى: أن الشح جُعِل كالأمر المجاور

ص: 178

إحضار الأنفس الشح: أن الشح جعل حاضرا لها لا يغيب عنها أبداً ولا تنفك عنه، يعني أنها مطبوعة عليه. والغرض أن المرأة لا تكاد تسمح بقسمتها وبغير قسمتها، والرجل لا تكاد نفسه تسمح بأن يقسم لها وأن يمسكها إذا رغب عنها وأحب غيرها. (وَإِنْ تُحْسِنُوا) بالإقامة على نسائكم وإن كرهتموهن وأحببتم غيرهن، وتصبروا على ذلك مراعاة لحق الصحبة، (وَتَتَّقُوا) النشوز والإعراض وما يؤدي إلى الأذى والخصومة؛ (فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ) من الإحسان والتقوى (خَبِيراً) وهو يثيبكم عليه. وكان عمران بن حطان الخارجي من أدمّ بنى آدم، وامرأته من أجملهم،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

للنفوس اللازم لها، يعني أن النفس مطبوعة على الشحن وهذا معنى قول المصنف:"إن الشح قد جعل حاضراً لها لا يغيب عنها"، واللام في "لها" لضعف عمل اسم الفاعل. قال أبو البقاء:"حضر" متعد إلى مفعول واحد، نحو: حضر القاضي اليوم امرأة، وبالهمز إلى مفعولين: أحضرت زيداً الطعام، والمفعول الأول هاهنا {الأَنفُسِ} ، أقيم مقام الفاعل. وأما معنى الاعتراض فهو أن قوله:{وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} تأكيد لما يحثهم الله تعالى على الصلح بقوله: {أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً} وأن قوله: {وَأُحْضِرَتْ الأَنفُسُ الشُّحَّ} تأكيد لما في معنى الصلح بين الزوجين في هذا المقام؛ وذلك أن كلا من الزوجين يطلب ما تدعو إليه نفسه وإليه الإشارة بقوله: "إن المرأة لا تكاد تسمح بقسمتها وبغير قسمتها، والرجل لا تكاد نفسه تسمح بأن يقسم لها وأن يمسها إذا رغب عنها".

قوله: (وبغير قسمتها) أي: أن تهب له بعض المهر أو كله أو النفقة، هذا رد إلى أول الكلام، وهو قوله:"أن تطيب نفساً عن القسمة، أو تهب له بعض المهر، أو كله".

قوله: (وهو يثيبكم عليه) إشارة إلى أن قوله: {فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ} جزاء لقوله: {وَإِنْ تُحْسِنُوا} ، وأن علم الله تعالى إذا تعلق بعمل العبد لابد أن يجزيه.

قال القاضي: أقام كونه عالماً بأعمالهم مقام إثابته إياهم عليها الذي هو في الحقيقة

ص: 179

فأجالت في وجهه نظرها يوما ثم تابعت الحمد للَّه، فقال: مالك؟ قالت: حمدت اللَّه على أنى وإياك من أهل الجنة، قال: وكيف؟ قالت: لأنك رزقت مثلي فشكرت، ورزقت مثلك فصبرت، وقد وعد اللَّه الجنة عباده الشاكرين والصابرين.

[وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً)].

(وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا) ومحال أن تستطيعوا العدل بَيْنَ النِّساءِ والتسوية حتى لا يقع ميل البتة ولا زيادة ولا نقصان فيما يجب لهن، فرفع لذلك عنكم تمام العدل وغايته، وما كلفتم منه إلا ما تستطيعون بشرط أن تبذلوا فيه وسعكم وطاقتكم لأنّ تكليف ما لا يستطاع داخل في حدّ الظلم، (وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) [فصلت: 46]. وقيل: معناه أن تعدلوا في المحبة. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقسم بين نسائه، فيعدل

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

جواب لقوله: {وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا} إقامة السبب مقام المسبب.

قوله: ({وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا} ومحال)، قوله:"ومحال" معنى قوله: "لن"، كما قال في "المص":{لَنْ تَرَانِي} [الأعراف: 143]: تأكيد وبيان؛ لأن المنفي مناف لصفاته"، كقوله تعالى: {لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً} [الحج: 73]، وإنما كان مُحالاً لأن العدل - وهو أن لا يقع ميلٌ البتة- متعذر؛ ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مع جلالة شأنه يقسم بين نسائه ويعدل، ويقول: "هذه قسمتي فيما أملك، فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك".

قوله: (لأن تكليف ما لايستطاع داخل في حد الظلم) فيه لطيفة، وهي أن الأمر بالعدل هنا هو تكليف ما لا يُستطاع؛ فكان الأمر بالعدل بينهن ظُلماً، وفيه إشارة إلى مذهبه.

قوله: (أنه كان يقسم بين نسائه) الحديث أخرجه الترمذي وأبو داود والنسائي.

ص: 180

ويقول: «هذه قسمتي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك» ، يعني المحبة؛ لأن عائشة رضي الله عنها كانت أحب إليه. وقيل: إن العدل بينهن أمر صعب بالغٌ من الصعوبة حداً يوهم أنه غير مستطاع، لأنه يجب أن يسوى بينهن في القسمة، والنفقة، والتعهد، والنظر، والإقبال، والممالحة، والمفاكهة، والمؤانسة، وغيرها مما لا يكاد الحصر يأتي من ورائه، فهو كالخارج من حدّ الاستطاعة، هذا إذا كن محبوباتٍ كلهن فكيف إذا مال القلب مع بعضهن؟ ! (فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ): فلا تجوروا على المرغوب عنها كل الجور فتمنعوها قسمتها من غير رضاً منها، يعني: أن اجتناب كل الميل مما هو في حد اليسر والسعة، فلا تفرطوا فيه إن وقع منكم التفريط في العدل كله، وفيه ضرب من التوبيخ. (فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ): وهي التي ليست بذات بعل ولا مطلقة قال:

هَلْ هيَ إلّا حَظَّةٌ أَوْ تَطْلِيقْ

أوْ صَلَفٌ أَوْ بَيْنَ ذَاكَ تَعْلِيقْ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (إن العدل بينهن) هو عطف على قوله: "ومحال أن تستطيعوا"، والحاصل أن المراد بقوله:{وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا} إما أنه محال، أو أنه صعب.

قوله: (مما لا يكاد الحصر يأتي من ورائه) تمثيل، أي: يحيط به إحاطة تامة كما يحيط المصبح بالعدو، كقوله تعالى:{وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ} [البروج: 20].

قوله: (وفيه ضرب من التوبيخ)، أي: في قوله: {فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ} لما يُفهم منه أن بعض الميل غير منهي عنه، وهو ما لا يدخل تحت الوُسع، فإن ما لا يُدرك له لا يُترك كله! يعني: إذا كان اجتناب كل الميل في حد اليسر فلم تفرطون في ذلك؟ وحين رخص لكم بعض الميل فلم لا تنصفون من أنفسكم وتقصرون في المأمور؟

قوله: (هل هي إلا حظة؟ ) قيل: الضمير للقصة، أي: لا تكون قصة هذه المرأة إلا

ص: 181

وفي قراءة أبيّ: (فتذروها كالمسجونة)، وفي الحديث:«من كانت له امرأتان يميل مع إحداهما جاء يوم القيامة وأحد شقيه مائل» .

وروي: أنّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعث إلى أزواج رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بمال، فقالت عائشة رضي الله عنها: أإلى كل أزواج رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بعث عمر مثل هذا؟ قالوا: لا، بعث إلى القرشيات بمثل هذا وإلى غيرهنّ بغيره. فقالت: ارفع رأسك! فإن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كان يعدل بيننا في القسمة بماله ونفسه! فرجع الرسول فأخبره، فأتم لهن جميعاً. وكان لمعاذٍ امرأتان فإذا كان عند إحداهما لم يتوضأ في بيت الأخرى، فماتتا في الطاعون فدفنهما في قبرٍ واحد. (وَإِنْ تُصْلِحُوا) ما مضى من ميلكم وتتداركوه بالتوبة، (وَتَتَّقُوا) فيما يستقبل، غفر اللَّه لكم.

[(وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ وَكانَ اللَّهُ واسِعاً حَكِيماً)].

وقرئ: (وإن يتفارقا) بمعنى: وإن يفارق كل واحدٍ منهما صاحبه (يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا): يرزقه زوجاً خيراً من زوجه، وعيشاً أهنأ من عيشه.

والسعة الغنى. والمقدرة: والواسع: الغنى المقتدر.

[(وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ غَنِيًّا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هذه الأشياء المذكورة، وقيل: التقدير: هل حالها إلا هذه الأمور؟ الحظة والحظوة: أن تحظو المرأة عند زوجها وأخيها، والصلف: ضد ذلك، وفي تقسيمه تعقيد.

قوله: (من كانت له امرأتان) الحديث مُخرج في "سنن" أبي داود والترمذي.

قوله: (ارفع رأسك) كناية عن التنبيه والاستيقاظ، أي: تفطن لما تفعل.

ص: 182

حَمِيداً* وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً* إِنْ يَشَا يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَاتِ بِآخَرِينَ وَكانَ اللَّهُ عَلى ذلِكَ قَدِيراً)].

(مِنْ قَبْلِكُمْ): متعلق بـ (وصينا)، أو بـ (أوتوا). (وَإِيَّاكُمْ): عطفٌ على (الَّذِينَ أُوتُوا). و (الْكِتابَ): اسم للجنس يتناول الكتب السماوية. (أَنِ اتَّقُوا): بأن اتقوا، أو تكون (أن) المفسرة؛ لأنّ التوصية في معنى القول. وقوله:(وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ) عطف على (اتقوا)؛ لأنّ المعنى: أمرناهم وأمرناكم بالتقوى، وقلنا لهم ولكم: إن تكفروا فإنّ للَّه،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (أمرناهم وأمرناكم بالتقوى وقلنا لهم ولكم: إن تكفروا) يؤذن أن قوله: {وَإِنْ تَكْفُرُوا} مقول للقول المحذوف، والجملة معطوفة على جملة {وَصَّيْنَا} مع معموله، ثم قوله:{وَإِنْ تَكْفُرُوا} عطف على {اتَّقُوا} مخالف لذلك، ويمكن أن يقال: إنه من باب قوله:

علفتها تبناً وماءً بارداً

إذ لا يجوز أن يقال: أمرناكم أن تكفروا فإن لله. فإن قلت: ولم كرر "أمرنا" وقد قال: {وَإِيَّاكُمْ} عطف على {الَّذِينَ} . وقال أبو البقاء: وحُكم الضمير المعطوف الانفصال. وقدر صاحب "الكشف": وصيناهم وإياكم؟ قلت: لينبه على أن العطف من باب التقدير لا الانسحاب؛ إيذاناً بتكرير الوصية وأنها توصية غب توصية على تكرير الأزمنة، ولم تكن توصية واحدة، وإليه الإشارة بقوله تعالى:{وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} من الأمم السالفة ووصيناكم، وينصره قوله تعالى:{شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ} [الشورى: 13]. وقوله: "وأمرناهم بالتقوى" يؤذن أن {أَنْ} في قوله: {أَنْ اتَّقُوا} مصدرية وقد

ص: 183

والمعنى: إن للَّه الخلق كله، وهو خالقهم ومالكهم والمنعم عليهم بأصناف النعم كلها،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

دخلت على الأمر، وهو جائز؛ قال في سورة يونس في قوله تعالى:{وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ} [يونس: 105]: "وقد سوغ سيبويه أن يوصل "أن" بالأمر والنهي، وشبه ذلك بقولهم: أنت الذي تفعل".

قوله: (والمعنى: إن لله الخلق كله) هذا شروع في التفسير، وفي نظم التركيب وخاصيته. اعلم أن في قوله تعالى:{وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} إثبات الصفة لله تعالى المقتضية أن يترتب عليها حكم له شأن، وقوله: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ

} إلى آخره متضمن للأمر بالتقوى، والنهي عن الكفر، وهو صالح لأن يترتب على الوصف؛ لأنه مناسبه، لكن الواو التي في قوله:{وَلَقَدْ وَصَّيْنَا} مانعة من الترتيب، والصفة داعية إلى أن المقتضي يجب أن يكون أكثر مما ذكر؛ فوجب تقدير معطوف عليه مرتب على الوصف بالفاء ليعطف {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا} مانعة من الترتيب، والصفة داعية إلى أن المقتضي يجب أن يكون أكثر مما ذكر؛ فوجب تقدير معطوف عليه مرتب على الوصف بالفاء ليعطف {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا} عليه؛ فيتم به الغرض، ومثله في هذا الاعتبار قوله تعالى:{وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ} [النمل: 15]؛ لأن شكر نعمة العلم تقتضي أكثر من القول اللساني، ثم المناسب بعد ذلك أن يُنزل مطلق قوله:{وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} مع ما فيه من معنى الاختصاص بتقديم الظرف وتكرير "ما" والجار والتعميم فيه على معنى يشتمل على المقدر والمذكور، والمصنف اعتبر كل هذه المعاني في تقديره؛ حيث قال:"إن لله الخلق، وهو خالقهم ومالكهم والمنعم عليهم بأصناف النعم كلها، فحقه أن يكون مطاعاً في خلقه غير معصي، يتقون عقابه ويرجون ثوابه"، ثم قوله تعالى:{فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} وقع جواباً لقوله: {وَإِنْ تَكْفُرُوا} لبيان المبالغة في التوصية على ما يعطيه المعطوف مع المعطوف عليه من المعنى السابق؛ فيجب لذلك حمل {وَإِنْ تَكْفُرُوا} على الكفر بالله الذي هو كفرانٌ لتلك النعمة السابقة من ترك توحيده وعبادته وإماطة تقواه وحمل جوابه على معنى يطابقه، وذلك قوله:"فإن لله في سماواته وأرضه، من يوحده ويعبده ويتقيه" أي: يشكره ويحمده، ثم جاء بقوله:{وَكَانَ اللَّهُ غَنِيّاً حَمِيداً} تذييلاً له.

ص: 184

فحقه أن يكون مطاعاً في خلقه غير معصىّ. يتقون عقابه ويرجون ثوابه.

(ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب) من الأمم السالفة، ووصيناكم (أن اتقوا اللَّه) يعني: أنها وصية قديمة ما زال يوصي اللَّه بها عباده، لستم بها مخصوصين؛ لأنهم بالتقوى يسعدون عنده، وبها ينالون النجاة في العاقبة. وقلنا لهم ولكم: وإن تكفروا فإنّ للَّه في سماواته وأرضه من الملائكة والثقلين من يوحده ويتقيه ويعبده، (وَكانَ اللَّهُ) مع ذلك (غَنِيًّا) عن خلقه وعن عبادتهم جميعاً مستحقاً لأن يحمد لكثرة نعمه وإن لم يحمده أحد منهم. وتكرير قوله:(لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ) تقرير لما هو موجب تقواه؛ ليتقوه فيطيعوه ولا يعصوه،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فظهر من هذا البيان تقييد قوله: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} في الموضعين بحسب المقامين، بقي الثالث فيُحمل على القدرة الكاملة المختصة به تعالى ليكون قوله:{وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً} تذييلاً، والجملة كالتكميل لقوله:{وَكَانَ اللَّهُ غَنِيّاً حَمِيداً} وإن لم يذهب إليه فيضم معهما صفة المقدرة ويكون كالتخلص منها إلى قوله تعالى: {إِنْ يَشَا يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ} ، فإنه كما قال:"وهذا غضب عليهم وتخويف وبيان لاقتداره" إن لم يتقوا ولم يشكروا. قال صاحب "النهاية": يقال: وكل فلان فلاناً: إذا استكفاه أمره ثقة بكفايته أو عجزاً عن القيام بأمر نفسه، والوكيل في أسماء الله تعالى: هو القيم والكفيل بأرزاق العباد، وحقيقته أنه يستقل بالأمر الموكول إليه.

قال القاضي: {وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً} راجع إلى قوله: {يُغْنِ اللَّهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ} [النساء: 13]، فإنه تعالى توكل بكفايتهما، وما بينهما تقرير لذلك.

وقلتُ: ليس بذاك؛ لأن الآيات على ما سبق في بيان التوصية في التقوى والتمسك بالتوحيد، والاشتغال بالعبادة وكلة الأمور إلى موكلها والعزوف عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود، وغير ذلك من الفنون المختلفة إلى خاتمة السورة، وكل من القرائن تذييل لما ذيل به ما مر، تعم الكل، تقرير لما سبق من مفتتح السورة.

ص: 185

لأن الخشية والتقوى أصل الخير كله. (إِنْ يَشَا يُذْهِبْكُمْ): يفنكم ويعذبكم كما أوجدكم وأنشأكم، (وَيَاتِ بِآخَرِينَ): ويوجد إنساً آخرين مكانكم، أو خلقاً آخرين غير الإنس، (وَكانَ اللَّهُ عَلى ذلِكَ) من الإعدام والإيجاد (قَدِيراً): بليغ القدرة، لا يمتنع عليه شيءٌ أراده. وهذا غضب عليهم وتخويف وبيان لاقتداره.

وقيل: هو خطاب لمن كان يعادى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من العرب، أي: إن يشأ يمتكم ويأت بناسٍ آخرين يوالونه.

ويروى: أنها لما نزلت ضرب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بيده على ظهر سلمان وقال: «إنهم قوم هذا» يريد أبناء فارس.

[(مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً)].

(مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا): كالمجاهد يريد بجهاده الغنيمة (فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ): فما له يطلب أحدهما دون الآخر والذي يطلبه أخسهما؟ !

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (لأن الخشية التقوى أصل الخير كله)، هذا تعليل للتقرير، أي: كرر موجب التقوى، وهو كونه مالكاً للسماوات والأرض؛ ليقرر موجبه وهو التقوى.

قوله: (وقيل: هو خطابٌ لمن يعادي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى الأول كان خطاباً عاماً تابعاً للكلام السابق، وتقرير المعنى التهديد والوعيد كما مر، وإنما قال:"بليغ القدرة لا يمتنع عليه شيء أراده" لمجيء "قدير" على "فعيل"، ولتخصيص الاسم الجامع وإتيان {ذَلِكَ} والمشار إليه قريب، والجملة تذييل.

قوله: (فما له يطلب أحدهما دون الآخر والذي يطلبه أخسهما؟ ) هذا التوبيخ والإنكار مستفاد من إيقاع قوله: {فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ} جزاء للشرط، ولا يستقيم أن يقع جزاء إلا بتقدير الإخبار والإعلام المتضمن للتوبيخ والتقريع؛ لأن الجزاء ينبغي أن يكون مسبباً عن الشرط، بأن يُقال: إن من جاهد أو تعلم العلم أو انفق ماله أو عمل عملاً

ص: 186

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يريدُ به الغنيمة أو الصيت أو الرياء يوجب أن يوبخ وينكر عليه بأني قال في حقه: ما هذه الدناءة والضعة؟ أرضيت بالخسيس الفاني وتركت الرفيع الباقي؟ مالك لا تريد بذلك وجه الله تعالى وطلب مرضاته ليمنحك ما تريده ويتبعه هذا الخسيس أيضاً راغماً أنفه؟

روينا في "مسند أحمد بن حنبل" عن زيد بن ثابت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من كان همه الآخرة جمع الله شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت نيته الدنيا فرق الله عليه ضيعته، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كُتب له".

فالآية عامة تقتضي أكثر من المذكور، وإنما خصصنا المذكورات بالذكر تأسياً بالحديث المشهور، وهُو ما روينا عن مسلم والترمذي والنسائي، عن أبي هريرة رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أول الناس يُقضي عليه يوم القيامة رجل استشهد، فأُتي به، فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال: كذبت! ولكنك قاتلت لأن يقال جريء، فقد قيل، ثم أُمر به فسُحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن، فأُتي به، فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت! ولكنك تعلمت ليُقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال: هو قارئ، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجلٌ وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله، فأُتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تُحب أن يُنفق فيها إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت! ولكنك فعلت ليقال: هُو جواد، فقد قيل، ثم أمر به فسُحب على وجهه حتى ألقي في النار". وإنما خص المصنف المجاهد بالذكر لأنه أقدمهم؛ لأن بذل الروح والمال أقرب إلى الرياء.

ص: 187

لأن من جاهد للَّه خالصاً لم تخطئه الغنيمة، وله من ثواب الآخرة ما الغنيمة إلى جنبه كلا شيءٍ! والمعنى: فعند اللَّه ثواب الدنيا والآخرة له إن أراده حتى يتعلق الجزاء بالشرط.

[(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً)].

(قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ): مجتهدين في إقامة العدل حتى لا تجوروا (شُهَداءَ لِلَّهِ): تقيمون شهاداتكم لوجه اللَّه كما أمرتم بإقامتها، (وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ): ولو كانت الشهادة على أنفسكم أو آبائكم أو أقاربكم. فإن قلت: الشهادة على الوالدين والأقربين أن تقول: أشهد أن لفلانٍ على والديّ كذا، أو على أقاربي، فما معنى الشهادة على نفسه؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (إن أراده، حتى يتعلق الجزاء بالشرط) يعني: لابد من تقدير هذا لبيان الربط؛ وذلك بتقدير الضمير العائد من الجزاء إلى الشرط، وقوله تعالى:{وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً} تذييل بمعنى التوبيخ، يعني: كيف يُرائي المرائي وإن الله سميع بما يهجس في خاطره ويسمع ما تأمره دواعيه، بصيرٌ بأحواله كلها ظاهرها وباطنها فيجازيه على ذلك؟

قوله: {قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ} : مجتهدين في إقامة العدل حتى لا تجوروا). الراغب: أمر الله تعالى كل إنسان بمراعاة العدالة، ونبه بلفظ {قَوَّامِينَ} على أن ذلك لا يكفي مرة أو مرتين؛ بل يجب أن يكون على الدوام، فالأمور الدينية لا اعتبار بها ما لم تكن على الدوام، ومن عدل مرة أو مرتين لا يكون في الحقيقة عادلاً، وجعلهم شهداء لله؛ تعظيماً لمراعاة العدالة، وأنهم بالحفظ لها يصيرون من شهداء الله، وانتصاب {شُهَدَاءَ} على الحال لقوله:{قَوَّامِينَ} أو صفة لها، أو يكون {قَوَّامِينَ} حالاً و {شُهَدَاءَ} خبر كان.

ص: 188

قلت: هي الإقرار على نفسه؛ لأنه في معنى الشهادة عليها بإلزام الحق لها. ويجوز أن يكون المعنى: وإن كانت الشهادة وبالاً على أنفسكم أو على آبائكم وأقاربكم؛ وذلك أن يشهد على من يتوقع ضرره من سلطان ظالم أو غيره. (إِنْ يَكُنْ): إن يكن المشهود عليه (غَنِيًّا) فلا تمنع الشهادة عليه لغناه طلباً لرضاه، (أَوْ فَقِيراً) فلا يمنعها ترحماً عليه، (فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما): بالغني والفقير، أي: بالنظر لهما وإرادة مصلحتهما، ولولا أن الشهادة عليهما مصلحة لهما لما شرعها، لأنه أنظر لعباده من كل ناظر. فإن قلت: لم ثني الضمير في: (أَوْلى بِهِما)؟ وكان حقه أن يوحد؛ لأن قوله (إن يكن غنياً أو فقيراً) في معنى: إن يكن أحد هذين. قلت: قد رجع الضمير إلى ما دل عليه قوله: (إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً) لا إلى المذكور؛ فلذلك ثُني ولم يفرد، وهو جنس الغنيِّ وجنس الفقير، كأنه قيل: فاللَّه أولى بجنسي الغني والفقير، أي: بالأغنياء والفقراء. وفي قراءة أُبي: (فاللَّه أولى بهم)، وهي شاهدة على ذلك. وقرأ عبد اللَّه:(إن يكن غنيٌ أو فقير)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (إلى ما دل عليه قوله تعالى: {إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً}، لا إلى المذكور). قال أبو البقاء: اسم "كان" مضمر فيها دل عليه تقدم ذكر الشهادة، أي: إن كان الخصم أو كل واحد من المشهود عليه والمشهود له، وذلك أن كل واحد منهما يجوز أن يكون غنياً وأن يكون فقيراً، وقد يكونان غنيين وقد يكونان فقيرين؛ فلما كانت الأقسام عند التفصيل على ذلك ولم تُذكر، أتى بـ {أَوْ} ليشمل على هذا التفصيل، فعلى هذا الضمير في {بِهِمَا} عائدٌ على المشهود له والمشهود عليه على أي وصف كانا عليه لا على المذكور، وقيل: الضمير عائدٌ إلى ما دل عليه الكلام، والتقدير: فالله أولى بالغني والفقير، لدلالة الاسمين عليه. وخالصة مراد المصنف الذهاب إلى التعميم في الجنسين ليدخل في العموم المراد دخولاً أولياً.

قوله: (هي شاهدة على ذلك)، أي: قراءة أُبيِّ شاهدة على أن المراد الجنس؛ لأن الجمع والمطلق يلتقيان في العموم؛ ولهذا فسر جنسي الفقير والغني بـ "الأغنياء والفقراء".

ص: 189

على «كان» التامة. (أَنْ تَعْدِلُوا) يحتمل العدل والعدول، كأنه قيل: فلا تتبعوا الهوى كراهة أن تعدلوا بين الناس، أو إرادة أن تعدلوا عن الحق. (وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا): وإن تلووا ألسنتكم عن شهادة الحق أو حكومة العدل، أو تعرضوا عن الشهادة بما عندكم وتمنعوها. وقرئ:(وإن تلوا أو تعرضوا)، بمعنى: وإن وليتم إقامة الشهادة أو أعرضتم عن إقامتها، (فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً) وبمجازاتكم عليه.

[(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً)].

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا): خطاب للمسلمين. ومعنى (آمَنُوا): اثبتوا على الإيمان وداوموا عليه وازدادوه. (وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ): المراد به جنس ما أنزل على الأنبياء قبله من الكتب. والدليل عليه قوله: (وَكُتُبِهِ). وقرئ: (وكتابه) على إرادة الجنس. وقرئ: (نزل) و (أنزل) على البناء للفاعل. وقيل: الخطاب لأهل

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وقُرئ: {وَإِنْ تَلْوُوا} الجماعة إلا ابن عامر وحمزة. قال أبو البقاء: {وَإِنْ تَلْوُوا} يُقرأ بواوين الأولى منهما مضمومة، وهي من: لوى يلوي، وتُقرأ بواوٍ واحدة ساكنة، وفيه وجهان؛ أحدهما: أصله "تلووا" كالقراءة الأولى، إلا أنه أبدل الواو المضمومة همزة ثم ألقى حركتها على اللام، والثاني: أنه مِن: وَليَ الشيء، أي: وإن تتلوا الحكم أو تعرضوا عنه، أو: إن تتولوا الحق في الحُكم.

قوله: ({نَزِّلَ} و {أُنزِلَ} قرأهما نافع وعاصم وحمزة والكسائي.

ص: 190

الكتاب، لأنهم آمنوا ببعض الكتب والرسل وكفروا ببعض. وروي: أنه لعبد اللَّه بن سلام، وأسدٍ وأسيدٍ ابني كعب. وثعلبة ابن قيس، وسلام بن أخت عبد اللَّه بن سلام، وسلمة ابن أخيه، ويامين بن يامين، أتوا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا رسول اللَّه، إنا نؤمن بك وبكتابك وموسى والتوراة وعزير، ونكفر بما سواه من الكتب والرسل، فقال عليه الصلاة والسلام:«بل آمنوا باللَّه ورسوله محمد وكتابه القرآن وبكل كتاب كان قبله» فقالوا: لا نفعل، فنزلت، فآمنوا كلهم. وقيل: هو للمنافقين، كأنه قيل: يا أيها الذين آمنوا نفاقاً آمنوا إخلاصاً. فإن قلت: كيف قيل لأهل الكتاب (وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ) وكانوا مؤمنين بالتوراة والإنجيل؟ قلت: كانوا مؤمنين بهما فحسب، وما كانوا مؤمنين بكل ما أنزل من الكتب؛ فأمروا أن يؤمنوا بالجنس كله؛ ولأن إيمانهم ببعض الكتب لا يصح إيماناً به، لأن طريق الإيمان به هو المعجزة، ولا اختصاص لها ببعض الكتب دون بعض، فلو كان إيمانهم بما آمنوا به لأجل المعجزة لآمنوا به كله، فحين آمنوا ببعضه علم أنهم لم يعتبروا المعجزة؛ فلم يكن إيمانهم إيماناً، وهذا الذي أراد عز وجل في قوله:(وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا* أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا)[النساء: 150 - 151]. فإن قلت: لم قيل: (نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ) و (أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ)؟ قلت: لأن القرآن نزل مفرّقا منجماً في عشرين سنةً بخلاف الكتب قبله. ومعنى قوله:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (لأن القرآن نزل مفرقاً [منجماً] في عشرين سنة]، والصحيح: في ثلاث وعشرين سنة، روينا عن البخاري ومسلم، عن ابن عباس رضي الله عنهما: أُنزل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن أربعين فمكث ثلاث عشرة سنة، ثم أمر بالهجرة فهاجر إلى المدينة فمكث بها عشراً، ثم توفى صلوات الله عليه وسلامه.

ص: 191

(وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ) الآية: ومن يكفر بشيءٍ من ذلك (فَقَدْ ضَلَّ)؛ لأن الكفر ببعضه كفر بكله، ألا ترى كيف قدم الأمر بالإيمان به جميعاً!

[(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً)].

(لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا): نفى للغفران والهداية، وهي اللطف على سبيل المبالغة التي تعطيها اللام،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ومن يكفر بشيء من ذلك) أي: من المذكور من قوله: {بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} ، يريد أن قوله:{وَمَنْ يَكْفُرْ} تذييل للكلام السابق وتأكيدٌ له؛ فيجب أن يكون جميع الكفر منفياً فيه ومنهياً عنه، كما أن المأمور في المذيل الإيمان بجميع ما يجب الإيمان به، وإليه الإشارة بقوله:"ألا ترى كيف قدم الأمر بالإيمان به جميعاً؟ " والضمير في "به" للمذكور، وليس به لما أنه لم يذكر فيه الإيمان بالملائكة واليوم الآخر. وأجيب أن الإيمان بالكتب المنزلة إيمانٌ بالملائكة الذين نزلوا بها- ولذلك كرر "نزَّلَ" - وإيمانٌ باليوم الآخر لاشتمال الكتب عليه.

قوله: (على سبيل المبالغة التي تعطيها اللام). هذا يؤذن أن اللام زيدت في خبر "كان" لتأيد النفي على المذهب الكوفي، وطعن فيه أبو البقاء وقال في إعراب قوله:{مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ} [آل عمران: 179]: خبر {كَانَ} محذوف، أي: ما كان الله مُريداً لأن يذر، ولا يجوز أن يكون الخبر {لِيَذَرَ}؛ لأن الفعل بعد اللام ينتصب بـ "أن" فيصير التقدير: ما كان الله ليترك المؤمنين على ما أنتم عليه، وخبرُ "كان" هو اسمها في المعنى، وليس المترك هو الله تعالى. وقال الكوفيون اللام زائدة والخبر هو الفعل، وهو ضعيف؛ لأن ما بعدها قد انتصب، فإن كان النصب باللام نفسها فليست بزائدة، وإن كان بـ "أن" ففاسد.

وقال صاحب "الإقليد" في جواب سؤال مشتمل على هذا المعنى: قولك: لم أكن

ص: 192

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لأفعل، نفيٌ لقولك: ستفعل، فجيب أن يُضمر "أن" ليتمحض للاستقبال، وإنما التزم إضمارها؛ لأنها قد زيدت لتأكيد النفي، فقولك: لم أكن لأفعل آكد من: لم أكن أفعل، فمعنى الأول: لم أكن للفعل، وفيه نفي نفس الفعل، ومعنى الثاني نفي إيجاد الفعل، ونفي إيجاد الفعل لا يلزم منه نفي الفعل ولا ينعكس، فعُلم أن اللام زائدة، والزائدة مستلزمة للمستقبل، فناسب إضمارها.

أما قوله: المصدر لا يقع خبراً عن الجثة. فجوابه: أن امتناع وقوع المصدر خبرا ًعن الجثة لعدم كونه دالاً بصيغته على فاعل وعلى زمان دون زمان. والفعل المُصدر بـ "أن" يدل عليهما، فيجوز الإخبار به وإن لم يجز بالمصدر، ولا سيما وقد التزم إضمار "أنْ" فضلة ومنتظماً في نمط الفعل المحقق المتأول باسم الفاعل. ويؤيد ما ذكرت كل من الفارق إطباقهم عن آخرهم على الإخبار بالفعل المصدر بـ "أن" في خبر "عسى"، نحو: عسى زيدٌ أن يخرج، وإنما جوزوا ذلك مع امتناع استعمال المصدر موضع الفعل المُصدر بـ "أنْ" هنالك. والإخبار إذن بالفعل ودخول "أنْ"؛ يكون علماً على المستقبل؛ لأن "عسى" للإخبار بوقوع حادث في الزمان المستقبل مع رجاء، فلابد أن يكون علماً للاستقبال.

وقلتُ: المبالغة على اختيار أبي البقاء أيضاً حاصلة؛ لأن اللام تستدعي مُقدراً هو عاملها، كما يقال: ما كان الله مريداً لأن يغفر لهم، فإذا نفيت إرادة الفعل لينتفي الفعل انتفاء للسبب لإرادة انتفاء المسبب؛ كان أبلغ من انتفاء الفعل ابتداء، قوله تعالى:{أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ} [يونس: 18].

اعلم أنه قد مر في قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً} [النساء: 92] أن دخول كان للمبالغة في نفي الفعل الداخلة هي علية لتقدير جهة نفيه عموماً باعتبار الكون، وخصوصاً باعتبار الفعل المخصوص، فهو نفي مرتين، وزيد هاهنا اللام لمزيد إرادة التأكيد.

ص: 193

والمراد بنفيهما نفى ما يقتضيهما وهو الإيمان الخالص الثابت، والمعنى: إنّ الذين تكرر منهم الارتداد وعهد منهم ازدياد الكفر والإصرار عليه، يستبعد منهم أن يحدثوا ما يستحقون به المغفرة ويستوجبون اللطف من إيمان صحيح ثابت يرضاه اللَّه، لأن قلوب أولئك - الذين هذا ديدنهم - قلوب قد ضريت بالكفر ومرنت على الردّة، وكان الإيمان أهون شيءٍ عندهم وأدونه؛ حيث يبدو لهم فيه كرّة بعد أخرى، وليس المعنى: أنهم لو أخلصوا الإيمان بعد تكرار الردّة ونصحت توبتهم لم يقبل منهم ولم يغفر لهم؛ لأنّ ذلك مقبول؛ حيث هو بذل للطاقة واستفراغ للوسع، ولكنه استبعاد له واستغراب، وأنه أمرٌ لا يكاد يكون، وهكذا ترى الفاسق الذي يتوب ثم يرجع ثم يتوب ثم يرجع، لا يكاد يرجى منه الثبات، والغالب أنه يموت على شرِّ حالٍ وأسمج صورة. وقيل: هم اليهود، آمنوا بالتوراة وبموسى، ثم كفروا بالإنجيل وبعيسى، ثم ازدادوا كفراً بكفرهم بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ويؤيده تفسيره لقوله: {وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ} [الأعراف: 43] بقوله: "واللام لتوكيد النفي، أي: وما كان يستقيم أن نكون مهتدين لولا هداية الله".

قوله: (ضربت بالكفر). النهاية: يقال: ضري بالشيء يضري ضراوة، أي: عادة ولهجا به لا يُصبر عنه.

قوله: (حيث يبدو لهم) فاعل "يبدو" مصدره المضمر فيه، وهو: بداء، يقال: بدا لهم في هذا الأمر بداء، ممدود: نشأ له رأي.

قوله: (وقيل: هم اليهود) عطف على قوله: "المعنى: إن الذين تكرر منهم الارتداد" أي: داوموا على ذلك الفعل؛ ولهذا قال: "حيث يبدو لهم فيه كرة بعد أخرى"، وعلى الثاني: التكرير للمعدود؛ ولهذا أتى بالإنجيل وعيسى، والتوراة وموسى.

ص: 194

[(بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً* الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً)].

(بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ): وضع (بَشِّرِ) مكان: "أخبر" تهكما بهم. و (الَّذِينَ) نصبٌ على الذمّ، أو رفعٌ بمعنى: أريد الذين، أو: هم الذين. وكانوا يمايلون الكفرة ويوالونهم، ويقول بعضهم لبعض: لا يتم أمر محمدٍ فتولوا اليهود. (فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً): يريد لأوليائه الذين كتب لهم العز والغلبة على اليهود وغيرهم، وقال:(وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ)[المنافقون: 8].

[(وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً* الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (كانوا يمايلون)، ويروي: يمالئون، الكفرة. النهاية: وفي حديث عمر رضي الله عنه: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لأقدتهم به، أي: تساعدوا واجتمعوا وتعاونوا.

قوله: (وقال: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [المنافقون: 8] استشهاد لإرادة العزة لأوليائه من قوله: {فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ} ، والفاء في {فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ} للتعقيب، وهو تتميم لمعنى الإنكار، أي: يطلبون العزة عند الكفار بعد أن عرفوا أن العزة لله جميعاً. قال الزجاج: العزة: المنعة وشدة الغلبة، وهو مأخوذ من قولهم: أرض عزاز. قال الأصمعي: العزاز من الأرض: الصلب ذات الحجارة، يُقال: يعز عليَّ أن تفعل، أي: يشتد. وأما قولهم: قد عز الشيء إذا لم يوجد، فتأويله: أنه صَعُب أن يوجد.

ص: 195

وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً)].

(أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ) هي "أن" المخففة من الثقيلة، والمعنى: أنه إذا سمعتم، أي: نزل عليكم أنّ الشأن كذا، والشأن ما أفادته الجملة بشرطها وجزائها، و (أن) مع ما في حيزها في موضع الرفع بـ (نزل) أو في موضع النصب بـ (نزّل) فيمن قرأ به، والمنزل عليهم في الكتاب: هو ما نزل عليهم بمكة، من قوله:(وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ)[الأنعام: 68]؛ وذلك أن المشركين كانوا يخوضون في ذكر القرآن في مجالسهم فيستهزئون به، فنهي المسلمون عن القعود معهم ما داموا خائضين له، وكان أحبار اليهود بالمدينة يفعلون نحو فعل المشركين، فنهوا أن يقعدوا معهم كما نهوا عن مجالسة المشركين بمكة، وكان الذين يقاعدون الخائضين في القرآن من الأحبار هم المنافقون، فقيل لهم: إنكم إذاً مثل الأحبار في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (والمنزل عليهم في الكتاب هو ما نُزل عليهم بمكة) يعني: هذه الآية- وهي قوله: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ} - تذكار للمسلمين ما نزل عليهم بمكة من قوله: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} [الأنعام: 68]، يعني: أنسيتم ما قد نزل عليكم بمكة أن إذا سمعتم المستهزئين يستهزئون بالقرآن فأعرضوا عنهم، فكيف تُجالسون الأحبار والمنافقين وهم يستهزئون بالقرآن؟ !

أما قوله: "والمنزل عليهم في الكتاب هو ما نزل عليهم بمكة" فهو على خلاف ما يقتضيه ظاهر الآية؛ لأن الظاهر أن المنزل قوله: {أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ} بعينه، لكن لما لم توجد بعينها ووُجد ما يناسبها في المعنى حُمل عليه.

قوله: (وكان الذين يقاعدون الخائضين في القرآن من الأحبار هم المنافقون) شُروع في تفسير قوله: {إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ} ، وقوله:"من الأحبار" بيانٌ للخائضين و"هم المنافقون" خبرُ

ص: 196

الكفر. (إِنَّ اللَّهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ) يعني: القاعدين والمقعود معهم. فإن قلت: الضمير في قوله: (فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ) إلى من يرجع؟ قلت: إلى من دل عليه (يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها)، كأنه قيل: فلا تقعدوا مع الكافرين بها والمستهزئين بها. فإن قلت: لم يكونوا مثلهم بالمجالسة إليهم في وقت الخوض؟ قلت: لأنهم إذا لم ينكروا عليهم كانوا راضين، والراضي بالكفر كافر. فإن قلت: فهلا كان المسلمون بمكة حين كانوا يجالسون الخائضين من المشركين منافقين! قلت: لأنهم كانوا لا ينكرون

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كان، وقوله:{إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ} تعليل للنهي؛ يعني: لا تقعدوا مع هؤلاء لأنكم إن قعدتم معهم تكونوا مثلهم كافرين؛ فعلى هذا في تفسيره إشكال؛ لأن هذا الاتصال يقتضي ألا يكون المخاطبون بقوله: {إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ} المنافقين؛ لأن الذين نُهوا عن مجالسة المشركين بمكة عند خوضهم في القرآن واستهزائهم لم يكونوا منافقين؛ لأن نجم النفاق إنما ظهر بالمدينة وغلبتهم كانوا يهوداً كما عُلم من كتابه، وقوله:"كان الذين يُقاعدون الخائضين في القرآن من الأحبار هم المنافقون، فقيل لهم: إنكم مثلهم" يستدعي أن يكونوا منافقين لا غير، بشهادة إيقاع "هم المنافقون" خبر كان، و"هم": ضمير فصل أو تأكيد، والوجه أن يكون الخطاب بقوله:{إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ} مع المسلمين الذين كانوا يُقاعدون المشركين بمكة، ويُقاعدون المنافقين بالمدينة، وتشبيههم بالمنافقين للتغليظ والزجر والتوبيخ، وأن يراد بقوله:{جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ} الخائضون بالمدينة ومكة من المنافقين والكافرين، ويؤيد هذا التقرير قول الواحدي: وكان المنافقون يجلسون إلى أحبار اليهود فيسخرون من القرآن؛ فنهى الله المسلمين عن مجالستهم. وكذلك قول المصنف: "قيل: وذلك أن المشركين كانوا يخوضون" إلى آخره، وقال القاضي:{إِذاً} ملغاة لوقوعها بين الاسم والخبر؛ ولذلك لم يذكر بعدها الفعل.

قوله: (فهلا كان المسلمون بمكة) إلى قوله: (منافقين) الظاهر أن تفسيره لقوله: {جَامِعُ

ص: 197

لعجزهم، وهؤلاء لم ينكروا مع قدرتهم، فكان ترك الإنكار لرضاهم. (الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ): إما بدل من (الذين يتخذون)، وإما صفة للمنافقين، أو نصب على الذم منهم. (يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ) أي: ينتظرون بكم ما يتجدد لكم من ظفر أو إخفاق. (أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ) مظاهرين، فأسهموا لنا في الغنيمة. (أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ): ألم نغلبكم ونتمكن من قتلكم وأسركم فأبقينا عليكم، (وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) بأن ثبطناهم عنكم، وخيلنا لهم ما ضعفت به قلوبهم، ومرضوا في قتالكم، وتوانينا في مظاهرتهم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ} على أن يُراد بالمنافقين المسلمون، والصحيح ما تقرر نهم الخائضون بالمدينة من المنافقين، والكافرون خائضون بمكة، وهذه الجملة كالتعليل للنهي السابق، أي: لا تقعدوا مع الفريقين؛ لأنكم إن قعدتم معهم تكونوا مثلهم منافقين كافرين مستحقين النار؛ لأن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعاً.

قوله: ({الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ} إما بدلٌ من {الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ}، وإما صفة للمنافقين)، والظاهر أن المراد بالمنافقين ما سبق في قوله:{بَشِّرْ الْمُنَافِقِينَ} لا في قوله: {إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ} ؛ لأنه ذهب إلى أنهم المسلمون، ولا في قوله:{إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ} ؛ لأنه ذهب إلى أن المخاطبين بقوله: {إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ} المنافقون، فلا يلتئم مع قوله:{الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ} ؛ لأن الخطاب حينئذ مع المؤمنين، ولذلك جعله بدلاً من {الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ} .

وعلى المختار: المخاطبون: المسلمون، فيصح الإبدال والوصف أو الذم من القريب، وإليه ذهب أبو البقاء تنبيهاً للمسلمين على الاحتراز من القعود معهم، وإنما خُصوا به دون الكافرين لأن أصل الكلام وارد فيهم، وذكر الكافرين تابع لذكرهم.

قوله: (أو إخفاق). النهاية: الإخفاق: أن يغزو فلا يغنم شيئاً، وكذلك كل طالب حاجة، من الخفق، أي: التحرك؛ أي: صادفت الغنيمة خافقة غير ثابتة مستقرة.

قوله: (ومرضوا) أي: فرطوا وقصروا وجبنوا.

ص: 198

عليكم، فهاتوا نصيباً لنا بما أصبتم. وقرئ:(وَنَمْنَعْكُمْ) بالنصب بإضمار "أن"، قال الحطيئة:

أَلَمْ أَكُ جَارَكُمْ وَيَكُونَ بَيْنِى

وَبَيْنَكُمُ الْمَوَدَّةُ وَالإِخَاءُ

فإن قلت: لم سمي ظفر المسلمين فتحاً، وظفر الكافرين نصيبا؟ قلت: تعظيما لشأن المسلمين وتخسيساً بحظ الكافرين؛ لأن ظفر المسلمين أمر عظيم تفتح لهم أبواب السماء حتى ينزل على أوليائه. وأمّا ظفر الكافرين، فما هو إلا حظ دنيءٍ، ولمظة من الدنيا يصيبونها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وقرئ: "ونمنعكم"، بالنصب بإضمار "أنْ" فالتقدير: ألم يكن منا الاستحواذ والمنع؟ كقولك: لا تأكل السمك وتشرب اللبن.

قوله: (لأن ظفر المسلمين أمر عظيم) إلى قوله: (وأما ظفر الكافرين فما هو إلا حظ دنيء)، ولذلك ذيل الكلام بقوله:{وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً} فجيء بـ"لن" المؤكدة، ونكر {سَبِيلاً} للتعظيم والتهويل، أي: تسلطاً تاماً كما للمسلمين عليهم. الراغب: حمل الفقهاء ذلك على الحكم، فقالت الشافعية: الإسلام يعلو ولا يُعلى، قالوا: ويقتضي ذلك أن لا يملك الكافر عبداً مسلماً ولا يصح شراؤه، وألا يُقتل مؤمن بكافر. واستدلت الحنفية على أن من ارتد انقطعت العصمة بينه وبين امرأته قبل انقضاء العدة، فلا يكون له عيها سبيل. قال القاضي: وهو ضعيف؛ لأن الآية لا تنفي أن يكون السبيل إذا عاد إلى الإيمان قبل مُضي العدة.

قوله: (ولمظة). النهاية: اللمظة- بالضم -: مثل النكتة من البياض.

ص: 199

[(إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً* مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً)].

(يُخادِعُونَ اللَّهَ): يفعلون ما يفعل المخادع من إظهار الإيمان وإبطان الكفر (وَهُوَ خادِعُهُمْ): وهو فاعل بهم ما يفعل الغالب في الخداع؛ حيث تركهم معصومي الدماء والأموال في الدنيا، وأعدّ لهم الدرك الأسفل من النار في الآخرة. ولم يخلهم في العاجل من فضيحةٍ وإحلال بأسٍ ونقمةٍ ورعبٍ دائم. والخادع: اسم فاعلٍ من خادعته فخدعته، إذا غلبته، وكنت أخدع منه. وقيل: يعطون على الصراط نوراً كما يعطى المؤمنون، فيمضون بنورهم ثم يطفأ نورهم ويبقى نور المؤمنين، فينادون:(انظرونا نقتبس من نوركم)[الحديد: 13]. (كُسالى) قرئ بضم الكاف وفتحها، جمع كسلان، كسكارى في سكران، أي: يقومون متثاقلين متقاعسين كما ترى من يفعل شيئاً على كرهٍ لا عن طيبة نفسٍ ورغبة. (يُراؤُنَ النَّاسَ): يقصدون بصلاتهم الرياء والسمعة، (وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا): ولا يصلون إلا قليلاً، لأنهم لا يصلون قط غائبين عن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (من خادعته). رُوي عن المصنف أنه قال: هو من: فاعلته ففعلته، ولولا المانع الذي هو حزف الحلق لوجب ضم الدال في "يخدعهم"؛ لأن كل ما كان من باب المغالبة تضم العين في مضارعة إلا إذا منع مانع.

قوله: (فينادون: {انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ} ، قال في تفسيره:{انْظُرُونَا} ، أي:"انتظرونا؛ لأنهم يُسرع بهم إلى الجنة البروق الخاطفة"، أو: انظروا إلينا لنستضيء بكم.

قوله: (قط) بالتشديد بمعنى: البتة، وبالتخفيف بمعنى: لا غيرن قاله المطرزي.

ص: 200

عيون الناس إلا ما يجاهرون به، وما يجاهرون به قليل أيضاً لأنهم ما وجدوا مندوحةً من تكلف ما ليس في قلوبهم لم يتكلفوه. أو: ولا يذكرون اللَّه بالتسبيح والتهليل إلا ذكرا قليلا في الندرة، وهكذا ترى كثيراً من المتظاهرين بالإسلام لو صحبته الأيام والليالي لم تسمع منه تهليلة ولا تسبيحة ولا تحميدة، ولكن حديث الدنيا يستغرق به أوقاته لا يفتر عنه. ويجوز أن يراد بالقلة العدم. فإن قلت: ما معنى المراءاة وهي مفاعلة من الرؤية؟ قلت: فيها وجهان: أحدهما: أن المرائي يريهم عمله وهم يرونه استحسانه.

والثاني: أن يكون من المفاعلة بمعنى التفعيل، فيقال: راءى الناس، بمعنى: رأاهم، كقولك: نعمه وناعمه، وفنقه وفانقه وعيش مفانق. روى أبو زيد: رأت المرأة المرأة الرجل، إذا أمسكتها لترى وجهه. ويدل عليه قراءة ابن أبى إسحاق: يرؤونهم بهمزة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (إلا ما يُجاهرون به) استثناء منقطع، و"ما" في "ما وجدوا": مصدرية، يعني: ما دام يحصل لهم سعة في أن لا يذكروا لا يذكرون.

قوله: (ولكن حديث الدنيا) بالنصب على نزع الخافض وإضمار العامل، المعنى: لكن يستغرق بحديث الدنيا أوقاته، أو: لم يُسمع منه تهليلة ولكن يُسمع حديث الدنيا، ويروي حديث مرفوع.

قوله: (كقولك: نعمه). النعمة بالفتح: التنعيم، ويقال: نعمه وناعمه فتنعم وتفنق، أي: تنعم، وفنقه غيره تفنيقاً وفانقه.

قوله: (رأت المرأة) قال أبو زيد: رأيت الرجل ترئية: إذا أمسكت له المرآة لينظر فيها وجهه، عن الجوهري. قوله:(يرؤونهم)، وفي التلاوة:{يُرَاءُونَ النَّاسَ} ، فأضمر الشيخ.

ص: 201

مشدّدة: مثل: يرعونهم، أي: يبصرونهم أعمالهم ويراءونهم كذلك. (مُذَبْذَبِينَ): إمّا حال نحو قوله: (وَلا يَذْكُرُونَ) عن واو (يراءون)، أي: يراؤونهم غير ذاكرين (مذبذبين). أو نصب على الذم.

ومعنى (مُذَبْذَبِينَ): ذبذبهم الشيطان والهوى بين الإيمان والكفر، فهم متردّدون بينهما متحيرون. وحقيقة المذبذب: الذي يذب عن كلا الجانبين، أي: يذاد ويدفع فلا يقرّ في جانب واحد، كما قيل: فلان يرمى به الرحوان، إلا أن الذبذبة فيها تكريرٌ ليس في الذب، كأن المعنى: كلما مال إلى جانب ذُب عنه. وقرأ ابن عباس (مُذَبْذَبِينَ) بكسر الذال، بمعنى: يذبذبون قلوبهم أو دينهم أو رأيهم، أو بمعنى: يتذبذبون، كما جاء صلصل وتصلصل بمعنى. وفي مصحف عبد اللَّه:(متذبذبين). وعن أبي جعفر: (مدبدبين) بالدال غير المعجمة وكأن المعنى: أخذ بهم تارةً في دبةٍ وتارةً في دبة، فليسوا بماضين على دبة واحدة، والدبة: الطريقة، ومنها: دبة قريش. و (ذلِكَ):

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (يرعونهم) هو من باب التفعيل من الرعي، والغرض من إيراد ذكره تبيين كيفية التلفظ بقوله:"يروونهم" لا مراعاة المعنى.

قوله: (يبصرونهم أعمالهم) تفسير لهذه القراءة.

قوله: (يُرمي به الرجوان). الجوهري: الرجوان: حافتا البئر، فإذا قالوا: رُمي به الرجوان أرادوا أنه طُرح في المهالك. النهاية: الرجا، مقصور: ناحية الموضع، وتثنيته: رجوان، وجمعه: أرجاء.

قوله: (أخذ بهم) مرفوع المحل لإسناد "أُخذ" إليه، أي: وُجدوا تارة في طريقة، وأخرى في طريقة، وفي إتيان "أُخذ" إيذان بالمشارفة.

قوله: (دُبَّةُ قريش). النهاية: في حديث ابن عباس: "اتبعوا دُبَّةَ قريش، ولا تفارقوا الجماعة"، الدبة، بالضم: الطريقة.

ص: 202

إشارة إلى الكفر والإيمان (لا إِلى هؤُلاءِ): لا منسوبين إلى هؤلاء فيكونون مؤمنين، (لا إِلى هؤُلاءِ): ولا منسوبين إلى هؤلاء فيسمون مشركين.

[(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً مُبِيناً)].

(لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ): لا تتشبهوا بالمنافقين في اتخاذهم اليهود وغيرهم من أعداء الإسلام أولياء. (سُلْطاناً): حجة بينة، يعني: أن موالاة الكافرين بينة على النفاق. وعن صعصعة ابن صوحان: أنه قال لابن أخٍ له: خالص المؤمن وخالق الكافر والفاجر، فإن الفاجر يرضى منك بالخلق الحسن، وإنه يحق عليك أن تخالص المؤمن.

[(إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً* إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً)].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: {لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ} : لا تتشبهوا)، إنما ذهب إلى التشبيه؛ لأن الكلام السابق واللاحق في المنافقين.

قوله: ({سُلْطَاناً}: حجة). قال الزجاج: السلطان: الحجة، وإنما يقال للأمير: سُلطان؛ لأنه ذو الحجة، والعرب تؤنث السلطان وتذكره، ومن أنثها قال: إنها بمعنى الحجة، ومن ذكرها ذهب على معنى صاحب السلطان.

قوله: (صعصعة بن صوحان). الجامع: هو تابعيٌّ من أصاب علي رضي الله عنه شهد معه مشاهده، وروى عنه الشعبي، هو صوحان بضم الصاد المهملة وبالحاء المهملة.

قوله: (وخالق الكافر). النهاية: من تخلق للناس، أي: تكلف أن يُهر من خلقه خلاف ما ينطوي عليه.

ص: 203

(الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ): الطبق الذي في قعر جهنم، والنار سبع دركات، سميت بذلك لأنها متداركة متتابعة بعضها فوق بعض، وقرئ بسكون الراء، والوجه التحريك، لقولهم: أدراك جهنم. فإن قلت: لِمَ كان المنافق أشدّ عذابا من الكافر؟ قلت: لأنه مثله في الكفر، وضم إلى كفره الاستهزاء بالإسلام وأهله ومداجاتهم (وَأَصْلَحُوا) ما أفسدوا من أسرارهم وأحوالهم في حال النفاق.

(وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ) ووثقوا به كما يثق المؤمنون الخلص، (وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ) لا يبتغون بطاعتهم إلا وجهه (فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ): فهم أصحاب المؤمنين ورفقاؤهم في الدارين. (وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً) عَظِيماً فيشاركونهم فيه ويساهمونهم. فإن قلت: مَن المنافق؟ قلت: هو في الشريعة من أظهر الإيمان وأبطن الكفر. وأمّا تسمية من ارتكب ما يفسق به بالمنافق فللتغليظ، كقوله «من ترك الصلاة متعمداً فقد كفر» ومنه قوله عليه صلى الله عليه وسلم:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: ({الدَّرْكِ الأَسْفَلِ}: الطبق الذي في قعر جهنم). الراغب: الدرك كالدرج، لكن الدرج يقال اعتباراً بالصعود، والدرك اعتباراً بالحدور، ولهذا قيل: درجات الجنة، ودركات النار، ولتصور الحدور في النار سُميت هاوية، ويقال للحبل الذي يوصل به آخر ليدرك الماء: درك.

قوله: (والوجه التحريك لقولهم: أدراك جهنم). قال الزجاج: الدرك بالحركة والسكون لغتان حكاهما أهل اللغة؛ إلا أن الاختيار الفتح لإجماع الناس عليها ولأن أحداً من المحدثين ما رواها إلا بالفتح، ولأن أفعالاً لا تكون جمع فعلٍ بالسكون إلا في الشذوذ، وإنما هو جمعُ فعل بالحركة.

قوله: (ومداجاتهم). الجوهري: المداجاة: المداراة.

ص: 204

«ثلاث من كنّ فيه فهو منافق، وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم: من إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان» . وقيل لحذيفة رضي الله عنه: مَن المنافق؟ فقال: الذي يصف الإسلام ولا يعمل به. وقيل لابن عمر: ندخل على السلطان، ونتكلم بكلام فإذا خرجنا تكلمنا بخلافه، فقال: كنا نعدّه من النفاق. وعن الحسن: أتى على النفاق زمان وهو مقروع فيه، فأصبح وقد عمم وقلد وأعطى سيفاً، يعنى الحجاج.

[(ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكانَ اللَّهُ شاكِراً عَلِيماً)].

(ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ) يتشفى به من الغيظ، أم يدرك به الثأر، أم يستجلب به نفعاً، أم يستدفع به ضرراً كما يفعل الملوك بعذابهم؟ وهو الغنيّ الذي لا يجوز

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ثلاث من كن فيه) الحديث مخرجٌ في "مسند أحمد بن حبنل".

قوله: (ثلاث) مبتدأ، وقوله:"من كن فيه" إلى آخره: صفته، والخبر "من ذا" إلى آخره، والمضاف محذوف، أي: خصال من إذا.

قوله: (على النفاق) أي: على أهله، ثم أفرد الضمائر اعتباراً باللفظ، نحو:{وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا} [يوسف: 82] وابرز النفاق إبرازاً للأصل على المبالغة والاستعارة، المعنى: كان المنافقون في السالف مقهورين مرتدعين، فصاروا مرأسين قاهرين قد استباحوا دماء الناس، فكنى بقوله:"عمم وقلد" عن الترؤس والتسلط، لقولهم: العمائم تيجان العرب.

قوله: (وهو مقروعٌ فيه) أي: مقهور. النهاية: تقول: أقرعته: إذا قهرته بكلامك، أو يكون بمعنى الردع، يُقال: قُرع الرجل: إذا ارتدع.

ص: 205

عليه شيء من ذلك. وإنما هو أمر أوجبته الحكمة أن يعاقب المسيء، فإن قمتم بشكر نعمته، وآمنتم به فقد أبعدتم عن أنفسكم استحقاق العذاب. (وَكانَ اللَّهُ شاكِراً): مثيباً موفياً أجوركم، (عَلِيماً) بحق شكركم وإيمانكم.

فإن قلت: لم قدم الشكر على الإيمان؟ قلت: لأن العاقل ينظر إلى ما عليه من النعمة العظيمة في خلقه وتعريضه للمنافع، فيشكر شكراً مبهماً، فإذا انتهى به النظر إلى معرفة المنعم آمن به ثم شكر شكراً مفصلاً، فكان الشكر متقدماً على الايمان، وكأنه أصل التكليف ومداره.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (أن يعاقب المسيء) بدلٌ من "هو"، أي: وإنما معاقبة المسيء أمرٌ أوجبته الحكمة.

قوله: (وتعريضه للمنافع) يقال: عرضت فلاناً لكذا، أي: نصبته له، يعني: أن الله تعالى ما أراد إلا الخير والأصلح فخلق العباد ليعرضهم لما أراده، وفيه إيماء إلى إثبات رعاية الأصلح على المبالغة.

قوله: (فيشكر شكراً مبهماً، فإذا انتهى به النظر إلى معرفة المنعم آمن به ثم شكر شكراً مفصلاً)، ولخصه القاضي حيث قال: وإنما قدم الشكر لأن النظر يُدرك النعمة أولاً فيشكر شكراً مبهماً، ثم يمعن النظر حتى يعرف المنعم فيؤمن به، وكذا عن الإمام. وقال صاحب "التقريب": وفيه نظر؛ لأن الإيمان لا يستدعي عرفان المؤمن به بذاته؛ بل يعارض، فكان حاصلاً حينما عرف الإنعام، فما أوجب الشكر أوجب الإيمان، فالجواب أن الواو لا توجب الترتيب.

وقلت: أما الكلام الأول فلا بأس به، وأما الجواب فمنظور فيه، وحاشاً لمقتني علمي الفصاحة والبلاغة أن يرضى في كلام الله المجيد بمثل هذا القول؛ فإن في كل تقديم ما مرتبته التأخير لله تعالى أسراراً لا يعلم كنهها إلا هو، ألا ترى إلى قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ

ص: 206

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الإِنسَانَ} [الرحمن: 1 - 3] كيف استلزم التقديم أن معرفة الغايات والكمالات سابقة في التقديم لاحقة في الوجود تنبيهاً على أن المقصود الأول من خلق الإنسان تعليم ما به يرشد إلى ما خُلق له من العبادة؟

وكذا أُشير بهذا التقديم إلى معرفة مرتبة أخرى من الشكر وموجبه.

قال الشيخ العارف المحقق أبو إسماعيل عبد الله الأنصاري: الشكر اسم لمعرفة النعمة؛ لأنها السبيل إلى معرفة المنعم، ومعاني الشكر: معرفة النعمة، ثم قبول النعمة، ثم الثناء بها، ودرجاته ثلاث، إلى آخره، فلنقرر ذل بلسان أهل المعاني؛ وهو: أن المكلف في بدء الحال إذا نظر إلى ما عليه من نعمة الخلق والرزق والتربية تنبعث منه حركة إلى معرفة المالك المنعم. فهذه الحركة تسمى باليقظة والشكر القلبي والشكر المبهم، فإذا شكر العبد هذا الشكر وفق لنعمةٍ أرفع من تلك النعمة؛ وهي المعرفة بأنه الواحد الأحد الصمد، الواسع الرحمة، المثيب المعاقب؛ فيسجد شكراً فوق ذلك ويضيف إلى الشكر القلبي الشكر بآداب الجوارح والنداء على الجميل، ويقول:

أفادتكم النعماء مني ثلاثة

يدي ولساني والضمير المحجبا

هذا الذي عناه بقوله: "ثم شكر شكراً مفصلاً". وحاصله: أن الكلام فيه إيجازان؛ لأن الشكر المذكور في التلاوة شكرٌ مبهم، وموجبه نعمة سابقة مستتبعة لمعرفة مبهمة، والإيمان المذكور إيمان مفصل مستتبع لشكر مفصل غير مذكور، هذا وإن الذي يقتضيه النظم الفائق أن هذا الخطاب مع المنافقين، وأن قوله:{مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ} متصل بقوله: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً* إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ

ص: 207

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً} وتنبيه لهم على أن الذي ورطهم في تلك الورطة كفرانهم نعم الله، وتهاونهم في شكر ما أوتوا، وتفويتهم على أنفسهم بنفاقهم البُغية العظمى وهي الإسعاد بصحبة أفضل الخلق، والانخراط في زُمرة الذين مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل، فإذا {تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُوْلَئِكَ} حكمهم أن ينتظموا في سلك أولئك السعداء من المؤمنين بعدما كانوا في عداد أخبث الكافرين، وسوف ينالون مع المؤمنين الدرجات العالية، ويفوزون بالرضوان بعدما كانوا مستأهلين الدركات السفلى من النيران.

ثم التفت تقريعاً لهم أن ذلك العذاب كان منهم وبسبب تقاعدهم وكفرانهم تلك النعمة الرفيعة، وتفويتهم على أنفسهم تلك الفرصة السنية، وإلا فإن الله غني عن عذابهم فضلاً عن أن يوقعهم في تلك الورطات، فقوله:{إِنْ شَكَرْتُمْ} فذلكة لمعنى الرجوع من الإفساد في الأرض إلى الإصلاح فيها، ومن اللجأ إلى الخلق إلى الاعتصام بالله، ومن الرياء في الدين إلى الإخلاص فيه، فقوله تعالى:{وَآمَنْتُمْ} تفسير له وتقرير لمعناه، أي: وآمنتم الإيمان الذي هو حائزٌ لتلك الخلال الفواضل، جامع لتلك الخصال الكوامل، فتقديم الشكر على الإيمان، وحقه التأخير في الأصل، إعلام بأن الكلام فيه، وأن الآية السابقة مسوقة لبيان كفران نعمة الله العظمى والكفر تابع له، فإذا أخر الشكر أخل بهذه الأسرار واللطائف.

ومن ثم ذيل الآية على سبيل التعليل بقوله تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً} ، أي: هل يجازي الشاكر إلا الشاكر إلا الشكور؟ قال الإمام: المراد من الشاكر في حقه تعالى: كونه مثيباً على الشكر، ومن كونه عليماً: أنه عالم بجميع الجزئيات، فلا يقع الغلط أصلاً، فيوصل الثواب كاملاً إلى الشاكرين.

وقلت: ولما فرغ من إيراد بيان رحمته وتقرير إظهار رأفته، جاء بقوله: {لا يُحِبُّ اللَّهُ

ص: 208

[(لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً* إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً)].

(لَّا مَنْ ظُلِمَ): إلا جهر من ظلم استثنى من الجهر الذي لا يحبه اللَّه جهر المظلوم. وهو أن يدعو على الظالم ويذكره بما فيه من السوء. وقيل: هو أن يبدأ بالشتيمة فيرد على الشاتم (وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ)[الشورى: 41]. وقيل: ضاف رجل قوما فلم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الْجَهْرَ بِالسُّوءِ} تتميماً لذلك وتعليماً للعباد بالتخلق بأخلاق الله تعالى من الأغضاء عن الجاني والتعطف فيما بين الإخوان، وأوقع قوله:{فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً} جزاء للشرط متمماً للتميم، يعني أن الله تعالى مع كونه قادراً على الانتقام فإنه يعفو ويصفح، فأنتم أحق وأحرى به؛ لأنكم غير قادرين، كما قال:

فعفوت عني عفو مقتدرٍ

أحلت له نعمٌ فألفاها

وإليه الإشارة بقوله: "يعفو عن الجانين مع قدرته على الانتقام، فعليكم بسنة الله".

انظر أيها المتأمل إلى عظيم حلم الله تعالى في حق العباد. ولنختم الكلام بما روينا عن البخاري ومسلم، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم سبيٌ، فإذا امرأة من السبي تسعى، فإذا وجدت صبياً في السبي أخذته فألزقته ببطنها فأرضعته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أرأيتم هذه المرأة طارحة ولدها في النار؟ "، قلنا: لا والله، فقال:"لله أرحم بعباده من هذه المرأة بولدها". يا واسع الرحمة والمغفرة أفض علينا شآبيب رحمتك وغفرانك، وسحائب فضلك ورضوانك.

قوله: ({وَلَمَنْ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ}) استشهاد لقوله: "أن يبدأ بالشتيمة فيُرد على الشاتم".

ص: 209

يطعموه، فأصبح شاكياً، فعوتب على الشكاية؛ فنزلت. وقرئ:(إِلَّا مَنْ ظُلِمَ) على البناء للفاعل للانقطاع، أي: ولكن الظالم راكب ما لا يحبه اللَّه فيجهر بالسوء. ويجوز أن يكون (مَنْ ظُلِمَ) مرفوعاً، كأنه قيل: لا يحب اللَّه الجهر بالسوء إلا الظالم على لغة من يقول: ما جاءني زيد إلا عمرو، بمعنى: ما جاءني إلا عمرو، ومنه: (قل لا يَعْلَمُ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ويجوز أن يكون {إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ} مرفوعاً) عطفٌ على قوله: "للانقطاع".

قوله: (على لغة من يقول)، أي: لغة بني تميم، وعليه قول الشاعر:

عشية ما يُغني الرماح مكانها

ولا النبل إلا المشرفي المصمم

أي: لا يغني إلا المشرفي.

قوله: (ما جاءني زيدٌ إلا عمرو)، ونقل عن سيبويه أنه قال: أصل قولك: ما جاءني زيدٌ إلا عمرو: ما جاءني إلا عمرو، فهو استثناء مفرغ يلزم منه نفي المجيء عن كل من عدا عمراً، ثم أدخل فيه زيداً تأكيداً لنفي المجيء عن زيد، فقوله:{لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ} تقديره: لا يحب الجهر بالسوء أحدٌ إلا الظالم، فأدخل لفظة {اللَّهُ} تأكيداً لنفي محبته، يعني: لله سبحانه وتعالى اختصاص في عدم محبته ليس لأحد غيره ذلك، وكذا قوله: لا يعلم الغيب أحدٌ إلا الله، ثم أدخل {مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} [النمل: 65] تأكيداً.

قال صاحب "الانتصاف": وجه تنظير المصنف بالآية أن الظالم لا يندرج في المستثنى منه كما أن الله تعالى مقدس أن يكون في السماوات أو الأرض. وكلامه في هذا الفصل لا يظهر ولا يتحقق لي منه ما يسوغ مجاراته لانغلاق عباراته. وقلت: عليه أن ينظر في حل تركيبه في سورة النمل ليتحقق له.

ص: 210

مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ) [النمل: 65]. ثم حث على العفو، وأن لا يجهر أحد لأحد بسوء وإن كان على وجه الانتصار بعد ما أطلق الجهر به، وجعله محبوباً، حثاً على الأحب إليه، والأفضل عنده، والأدخل في الكرم والتخشع والعبودية. وذكر إبداء الخير وإخفاءه؛ تشبيباً للعفو، ثم عطفه عليهما؛ اعتداداً به وتنبيهاً على منزلته،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وذكر إبداء الخير) عطف على قوله: "حث على العفو"، وقوله:"بعدما أطلق" ظرف "حث"، والمراد بقوله:"أطلق الجهر به" إباحته على المظلوم، وبقوله:"جعله محبوباً" استثناؤه من قوله: {لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ} ، يعني: لما أراد أن يحُث الناس على العفو بعدما أباح الجهر وجعله محبوباً ذكر إبداء الخير وإخفاءه وجعله توطئة وتمهيداً لذكر العفو، ثم عطف العفو عليهما لأجل الحث على الأحب والأفضل عنده.

قوله: (تشبيباً) أي: توطئة وتمهيداً من تشبيب القصيدة، وهو تزيينها بما يتقدم على التخلص إلى المدح من التغزل. الأساس: قصيدة حسنة الشباب، وهو التشبيب، وشبب قصيدته بفلانة. يريد أن إيقاع قوله:{إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ} توطئة وتمهيداً لذكر العفو على طريقة قوله: {وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ} [التوبة: 62] بمعنى: رسوله أحق أن رضوه، وذكر الله للدلالة على مكانة الرسول صلى الله عليه وسلم عند الله تعالى دلالة على أن للعفو مكاناً وسيطاً في معنى العزم على الخير وفعله، ويدل على أن إبداء الخير وإخفاءه توطئة، وأن معنى العفو هو المقصود بالذكر بصريح العفو في الجزاء ليرتبط الجزاء بالشرط، وفيه التنبيه على التخلق بأخلاق الله تعالى والترجي لعفو الله، يعني: جعل لكم العفو مع المقدرة شعاراً لأنفسكم سبباً لأن تنبهوا على أن الله يعفو عن الجانين مع قدرته على الانتقام فيعفو عنكم ما انفرط منكم فتحتاجون إلى عفوه. ولقد ألم به قوله صلوات الله عليه وسلامه لأبي مسعود الأنصاري حين ضرب غلامه: "لله أقدر عليك منك على هذا الغلام" الحديث، أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي.

ص: 211

وأن له مكاناً في باب الخير وسيطاً. والدليل على أن العفو هو الغرض المقصود بذكر إبداء الخير وإخفائه قوله فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً أي: يعفو عن الجانين مع قدرته على الانتقام، فعليكم أن تقتدوا بسنة اللَّه.

[(إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً* أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً)].

جعل الذين آمنوا باللَّه وكفروا برسله، أو آمنوا باللَّه وببعض رسله وكفروا ببعض كافرين باللَّه ورسله جميعا لما ذكرنا من العلة، ومعنى اتخاذهم بين ذلك

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وسيطاً) يقال: فلان وسيط في قومه: إذا كان أوسطهم نسباً وأرفعهم محلاً.

قوله: (وجعل الذين آمنوا بالله وكفروا برسله) يريد أن قوله: {وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ} عطف تفسيري على قوله: {يَكْفُرُونَ} ؛ لأن هذه الإرادة عين الكفر بالله؛ لأن من كفر برسل الله كفر بالله، كالبراهمة. وأما قوله:{وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ} فعطف على صلة الموصول، والواو بمعنى "أو" التنويعية، فالأولون فرقوا بين الإيمان بالله ورسله، والآخرون فرقوا بين رسل الله فآمنوا ببعض وكفروا ببعض كاليهود، ثم جمع بين كفر المشركين وكفر أهل الكتاب في قوله:{أُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ حَقّاً} ؛ وقد مر في البقرة في قوله: {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} [البقرة 196] أن الواو قد تجيء بمعنى "أو".

قوله: (كافرين بالله ورسله جميعا) هو ثاني مفعولي "جعل"، وفي قوله:"لما ذكرنا من العلة" إشارة إلى قوله- في تفسير قوله تعالى: {آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ} إلى قوله: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ} [النساء: 136]-: "لأن إيمانهم ببعض الكتب لا يصح إيمانا"، إلى قوله:"وهذا الذي أراده عز وجل في قوله: {وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً} "، وبيان التعليل أن قوله:

ص: 212

سبيلا: أن يتخذوا دينا وسطا بين الإيمان والكفر كقوله: {ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا} ، أي طريقا وسطا في القراءة، وهو ما بين الجهر والمخافتة، وقد أخطؤوا، فإنه لا واسطة بين الكفر والإيمان، ولذلك قال:{أولئك هم الكافرون حقا} ، أي: هم الكاملون في الكفر. و {حقا} : تأكيد لمضمون الجملة، كقولك: هو عبد الله حقا، أي: حق ذلك حقا، وهو كونهم كاملين في الكفر؛ أو هو صفة لمصدر الكافرين، أي: هم الذين كفروا كفرا حقا ثابتا يقينا لا شك فيه.

[{والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف يؤتيهم أجورهم وكان الله غفورا رحيما} 152]

فإن قلت: كيف جاز دخول {بين} على {أحد} وهو يقتضي شيئين فصاعدا؟ قلت: إن أحدا عام في الواحد المذكر والمؤنث وتثنيتهما وجمعهما، تقول: ما رأيت

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

{أُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ حَقّاً} واقع خبراً لـ {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ} {أُوْلَئِكَ} إذا وقع خبراً لموصوف سابق آذن بأن ما بعده جدير بمن قبله لاكتسابه تلك الخصال المعددة، فقد ظهر أن قوله:{إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ} الآية [النساء: 36]، وما توسطت بين العلة والمعلول من الجمل والآيات إما معترضة أو مستطردة عند إمعان النظر.

قوله: (هم الكاملون في الكفر) يدل عليه توسط الفصل بين المبتدأ والخبر المعرف بلام الجنس، كقوله تعالى:{الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ} [البقرة: 1 - 2]، فجيء بقوله:{حَقّاً} لتأكيد مضمون الكمال، أي: قولي بأن هذا كفرٌ كامل حق لا باطل، وعلى تقدير أن يكون {حَقّاً} صفة للمصدر المؤكد للمسند يكون بمعنى: ثابتاً، واللام حينئذ للعهد، أي: هم الذين صدر منهم الكفر البتة، فقوله:"يقيناً لا شك فيه"، هو معنى المصدر المحذوف، وهذا أبلغ من الأول بحسب تأكيد الإسناد، والأول أبلغ من جهة إثبات الكمال.

ص: 213

أحداً، فتقصد العموم، ألا تراك تقول: إلا بني فلان؟ وإلا بنات فلان؟ فالمعنى: ولم يفرقوا بين اثنين منهم أو بين جماعة، ومنه قوله تعالى:(لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ)[الأحزاب: 32]. (سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ) معناه: أنّ إيتاءها كائن لا محالة وإن تأخر فالغرض به توكيد الوعد وتثبيته لا كونه متأخراً.

[(يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ وَآتَيْنا مُوسى سُلْطاناً مُبِيناً* وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ وَقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً* فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً* وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً* وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّباعَ الظَّنِّ وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً* بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً* وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً)].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (أن إيتاءها كائنٌ لا محالة)، رُوي عن المصنف أنه قال: الفعل الذي هو للاستقبال موضوع لمعنى الاستقبال بصيغته، فإذا دخل عليه "سوف" أكد ما هو موضوع له من إثبات الفعل في المستقبل لا أن يعطى ما ليس فيه من أصله، فهو في مقابلة "لن"، ومنزلته من "يفعل" منزلة "لن" في "لا تفعل" لنفي المستقبل، فإذا وضع "لن" موضع "لا" أكد المعنى الثابت وهو نفي المستقبل، فإذا كل واحدٍ من "سوف" و"لن" حقيقته التأكيد؛ ولهذا قال سيبويه:"لن تفعل" نفي "سوف تفعل".

ص: 214

روي: أنّ كعب بن الأشرف وفنحاص بن عازورا وغيرهما قالوا لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: إن كنت نبياً صادقاً فأتنا بكتابٍ من السماء جملةً كما أتى به موسى. فنزلت. وقيل: كتاباً إلى فلان وكتاباً إلى فلان أنك رسول اللَّه، وقيل: كتاباً نعاينه حين ينزل، وإنما اقترحوا ذلك على سبيل التعنت- قال الحسن: ولو سألوه لكي يتبينوا الحق لأعطاهم- وفيما آتاهم كفاية. (فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى): جواب لشرطٍ مقدرٍ معناه: إن استكبرت ما سألوه منك (فَقَدْ سَأَلُوُا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ)، وإنما أسند السؤال إليهم وإن وجد من آبائهم في أيام موسى - وهم النقباء - السبعون، لأنهم كانوا على مذهبهم، وراضين بسؤالهم، ومضاهين لهم في التعنت. (جَهْرَةً): عياناً بمعنى: أرناه نره جهرة. (بِظُلْمِهِمْ): بسبب سؤالهم الرؤية، ولو طلبوا أمراً جائزاً لما سموا ظالمين ولما أخذتهم الصاعقة،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (كتاباً نعاينه حين ينزل) على الأول. {مِنْ} في {مِنْ السَّمَاءِ} : بيان، والمراد به الكتاب السماوي كالتوراة والإنجيل والفرقان، وعلى الوجهين {مِنَ}: ابتداء، أي: كتاباً يُبتدأ نزوله من السماء.

قوله: (وإنما اقترحوا ذلك على سبيل التعنت). الراغب: اقترحت الجمل: ابتدعت ركوبه، واقترحت كذا على فلان: ابتدعت التمني عليه، واقترحت بئراً: استخرجت ماء قراحاً.

قوله: (وفيما آتاهم) حالٌ من فاعل "اقترحوا"، وكلام الحسن اعتراض.

قوله: (إن استكبرت ما سألوه منك {فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ} كقولك: إن تعتد بإكرامك إياي الآن فاعتد بإكرامي إياك أمس، وفي إتيان الجزاء بالماضي إيذان بالإعلام بالتأسي للتسلي.

قوله: (ولو طلبوا أمراً جائزاً لما سُموا ظالمين) جوابه أن معنى اللم: وضع الشيء في غير موضعه، وكونهم طالبين الرؤية على التعنت يكفي في إطلاق اسم الظلم عليهم.

ص: 215

كما سأل إبراهيم صلوات الله عليه أن يريه إحياء الموتى فلم يسمه ظالماً، ولا رماه بالصاعقة، فتبا للمشتبهة ورمياً بالصواعق. (وآتَيْنا مُوسى سُلْطاناً مُبِيناً): تسلطاً واستيلاءً ظاهراً عليهم حين أمرهم بأن يقتلوا أنفسهم حتى يتاب عليهم فأطاعوه واحتبوا بأفنيتهم، والسيوف تتساقط عليهم فيا لك من سلطانٍ مبين! (بِمِيثاقِهِمْ): بسبب ميثاقهم، ليخافوا فلا ينقضوه. (وَقُلْنا لَهُمُ) والطور مطل عليهم:(ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً)، و (لا تعدوا في السبت)، وقد أخذ منهم الميثاق على ذلك، وقولهم: سمعنا وأطعنا، ومعاهدتهم على أن يتموا عليه، ثم نقضوه بعد. وقرئ:(لا تعتدوا). و (لا تعدّوا) بإدغام التاء في الدال (فَبِما نَقْضِهِمْ): فبنقضهم، «وما» مزيدة للتوكيد. فإن قلت: بم تعلقت الباء، وما معنى التوكيد؟ قلت: إما أن يتعلق بمحذوف، كأنه قيل: فبما نقضهم ميثاقهم فعلنا بهم ما فعلنا، وإما أن يتعلق بقوله:(حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ)[النساء: 160]. على أنّ قوله: (فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا)[النساء: 160] بدلٌ من قوله: (فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ). وأما التوكيد فمعناه: تحقيق أنّ العقاب أو تحريم الطيبات

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (والطور مُطل عليهم). النهاية: في حديث صفية بنت عبد المطلب: فأطل علينا يهودي، أي: أشرف، وحقيقته: أوفى علينا بطلله، وهو شخصه.

قوله: (أن يتموا عليه) أي: على قولهم: سمعنا وأطعنا. النهاية: تم على الأمر: استمر، وفي حديث معاوية: أن تممت على ما تريد.

قوله: (و"لا تعدوا" بإدغام التاء في الدال): نافع.

قوله: ({حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ}) يذكر بعد الآيات الثلاث.

قوله: (وأما التوكيد) إلى آخره، أي: معنى "ما" المزيدة للتوكيد مع تقدم المعمول على

ص: 216

لم يكن إلا بنقض العهد وما عطف عليه من الكفر وقتل الأنبياء وغير ذلك. فإن قلت: هلا زعمت أن المحذوف الذي تعلقت به الباء ما دل عليه قول: (بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها)، فيكون التقدير: فبما نقضهم ميثاقهم طبع اللَّه على قلوبهم (بل طبع اللَّه عليها بكفرهم)؟ قلت: لم يصح هذا التقدير لأنّ قوله: (بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

العامل هو هذا؛ ولهذا قال: "تحقيق أن العقاب لم يكن إلا بنقض العهد" حيث جاء بأداة الحصر الدال عليها التقديم، ونبه على التوكيد بقوله:"تحقيق أن العقاب".

قوله: (لم يصح هذا التقدير) وقد ذكر هذا التقدير أبو البقاء، وفسر صاحب "التقريب" كلام المصنف بقوله: أي: لا يتعلق بـ {طَبَعَ} مقدراً؛ لدلالة {بَلْ طَبَعَ} عليه؛ لأنه وارد لإنكار قولهم: {قُلُوبُنَا غُلْفٌ} أي: لا تصل إليها الموعظة، أي: لم يخلقها الله تعالى مطبوعاً عليها غير قابلة للوعظ، فالطبع منتف حقيقة، فلا يقدر الطبع سبباً معللاً بالنقض. وفيه نظر؛ لأن {بَلْ طَبَعَ} دال على طبع عارض بكفرهم، فجاز أن يُقدر طبعٌ عارضٌ بنقضهم، فالطبعان متوافقان في العروض.

وقلت: مرادف المصنف أن {بَلْ طَبَعَ اللَّهُ} متعلق بقولهم: {قُلُوبُنَا غُلْفٌ} رد وإنكار له، كما جاء صريحاً في البقرة:{وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمْ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَا يُؤْمِنُونَ} [البقرة: 88]، فلو قدر لقوله:{فَبِمَا نَقْضِهِمْ} متعلقاً مثله يصير التقدير: فبما نقضهم وكفرهم وقولهم: قلوبنا غُلف طبع الله عليها {بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} فيكون رداً لهذا الكلام وإنكاراً له لا لقولهم: قلوبنا غلفٌن والمعنى عليه.

هذا نظم لطيف، ولكن لا وجه للتشنيع، ولقوله:"وكمذهب المجبرة"؛ لأن لأهل السُّنة أن يقولوا: إنه تعالى إنما رد قولهم؛ لأنهم ادعوا أن قلوبهم في أوعية وأغشية، وأن ما يقوله صلوات الله وسلامه عليه لا ينفذ فيها، فأضرب الله تعالى عن ذلك بقوله:{بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} أي: بله ذلك! بل هو شيء أعظم منه وهو الطبع والختم؛ لأنهم أبطلوا

ص: 217

ردّ وإنكار لقولهم: (قُلُوبُنا غُلْفٌ)، فكان متعلقاً به، وذلك أنهم أرادوا بقولهم:(قُلُوبُنا غُلْفٌ): أنّ اللَّه خلق قلوبنا غلفاً، أي: في أكنةٍ لا يتوصل إليها شيءٌ من الذكر والموعظة، كما حكى اللَّه عن المشركين:(وقالوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ)[الزخرف: 20]، وكمذهب المجبرة أخزاهم اللَّه، فقيل لهم: بل خذلها اللَّه ومنعها الألطاف بسبب كفرهم، فصارت كالمطبوع عليها، لا أن تخلق غلفاً غير قابلةٍ للذكر ولا متمكنةً من قبوله. فإن قلت: علام عطف قوله (بِكُفْرِهِمْ)؟ قلت: الوجه أن يعطف على: (فَبِما نَقْضِهِمْ) ويجعل قوله: (بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ) كلاماً تبع قوله: (وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ) على وجه الاستطراد. يجوز عطفه على ما يليه من قوله: (بِكُفْرِهِمْ). فإن قلت: ما معنى المجيء بالكفر معطوفاً

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

استعداداتهم بالكلية بالكفر بمحمد بعد وضوح البينات. وأيضاً، يجوز أن يُراد:{بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا} ، أي: ليس كما ادعوا من أن قلوبهم أوعية العلم ما ذكر في البقرة.

الانتصاف: هؤلاء قوم زعموا أن لهم على الله حجة بخلق قلوبهم غير قابلة للحق ولا متمكنة منه، فكذبهم بأنه تعالى خلق قلوبهم على الفطرة، والإيمان من جنس مقدورهم كما هو من جنس مقدور المؤمنين، وهو المعبر عنه بالتمكن، فقامت حجة الله عليهم، فالإنسان نفرق بين دخوله في الإيمان والطيران في الهواء بإمكان الأول دون الثاني فلله الحجة، فاتجه الرد عليهم لا من الوجه الذي زعمته المعتزلة من إثبات قدرة يخلقون بها وافق مشيئة الله أم لا؛ ولذلك قال عقيبه:{فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} [الأنعام: 149] فرد عليهم ورد الأمور إلى المشيئة.

قوله: (ما معنى المجيء بالكفر معطوفاً؟ ) السؤال واردٌ على الجوابين، يعني: ذكرت أن قوله: "بكفرهم" في قوله: {وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَاناً} عطفٌ إما على {فَبِمَا نَقْضِهِمْ} أو على ما يليه من قوله: {بِكُفْرِهِمْ} ، وكلاهما فاسدان لما يلزم منهما عطف الشيء

ص: 218

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

على نفسه. وأجاب أولاً بجواب مُجمل صالح للوجهين، ثم أتى لكل بجواب مفصل، فقال:"قد تكرر"، يعني: أن كل واحدة من الكفرات الثلاث لانضمامها إلى معنى أخرجها من مفهوم الأخرى، فقوله:{وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ} لما عقب قوله: {لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ} خُص بكفرهم بموسى عليه الصلاة والسلام، و"كفرهم" الثالث لما اقترن بقوله:{وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً * وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى} خُص بعيسى عليه الصلاة والسلام، و"كفرهم" الثاني لما وقع في حيز الإضراب وكان جواباً عن تعنتهم وقولهم:{قُلُوبُنَا غُلْفٌ} ، ومُذيلاً العطف، وإليه الإشارة بقوله:"قد تكرر منهم الكفر لأنهم كفروا بموسى ثم بعيسى ثم بمحمد صلى الله عليه وسلم؛ فعطف بعض كُفرهم على بعض".

وأما الجواب عن السؤال على قوله: "والوجه أن يعطف على {فَبِمَا نَقْضِهِمْ} "؛ فهو أن "بكفرهم" الثالث مع ما عطف عليه من قوله: {وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ} ، {وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى} ، عطف على قوله:{فَبِمَا نَقْضِهِمْ} مع ما عُطف عليه من قولهم: {وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمْ الأَنْبِيَاءَ} وقولهم: {قُلُوبُنَا غُلْفٌ} ، فلا يلزم أيضاً المحذور؛ لأن للهيئة الاجتماعية اعتباراً غير اعتبار الأفراد، وأما على قوله:"ويجوز عطفه على ما يليه" فهو قوله: "أو {بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} ومعهم بين كفرهم" وهو من عطف المجموع على المفرد. هذا وإن اختياره أن يكون من عطف المجموع على المجموع لقوله: "والوجه أن يُعطف على {فَبِمَا نَقْضِهِمْ} " لأنه مر فيما سبق أن قوله: " {بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} ردُّ وإنكار لقولهم: {قُلُوبُنَا غُلْفٌ} أقحم بين المعطوف والمعطوف عليه مستطرداً اهتماماً، وفيه أن قولهم:{قُلُوبُنَا غُلْفٌ} أم القبائح المذكورة، وعلى الوجه الأخير يجوز أن يكون التوالي كلها مستطردة، وفي هذا الوجه إيذانٌ باستقلال المفرد استقلال المجموع. ولعمري إنه كذلك؛ إذ كفرهم بمحمد صلوات الله عليه وسلامه لا يوازيه كفر!

وعلى الوجه المختار الواو الداخلة على قوله: {وَبِكُفْرِهِمْ} الثالث غيرُ الواوات السابقة واللاحقة؛ لأن تلك لعطف المفرد على المفرد، وهذه لعطف المجموع على المجموع.

ص: 219

على ما فيه ذكره، سواء عطف على ما قبل حرف الإضراب، أو على ما بعده، وهو قوله:(وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ) وقوله: (بِكُفْرِهِمْ)؟ قلت: قد تكرّر منهم الكفر؛ لأنهم كفروا بموسى ثم بعيسى ثم بمحمدٍ صلوات اللَّه عليهم أجمعين. فعطف بعض كفرهم على بعض، أو عطف مجموع المعطوف على مجموع المعطوف عليه، كأنه قيل: فيجمعهم بين نقض الميثاق، والكفر بآيات اللَّه، وقتل الأنبياء، وقولهم: قلوبنا غلف، وجمعهم بين كفرهم وبهتهم مريم، وافتخارهم بقتل عيسى عاقبناهم. أو: بل طبع اللَّه عليها بكفرهم وجمعهم بين كفرهم وكذا وكذا. والبهتان العظيم: هو التزنية. فإن قلت: كانوا كافرين بعيسى عليه السلام، أعداء له، عامدين لقتله، يسمونه الساحر ابن الساحرة، والفاعل ابن الفاعلة، فكيف قالوا (إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ)؟ قلت: قالوه على وجه الاستهزاء كقول فرعون: (إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ)[الشعراء: 27]. ويجوز أن يضع اللَّه الذكر الحسن مكان ذكرهم القبيح في الحكاية عنهم؛ رفعاً لعيسى عما كانوا يذكرونه به وتعظيماً لما أرادوا بمثله، كقوله:(لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً)[الزخرف: 9 - 10]. روي: أنّ رهطاً

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (هو التزنية) أي: النسبة إلى الزنى.

قوله: (ويجوز أن يضع الله الذكر الحسن مكان ذكرهم القبيح). الإنصاف: هذا وجهٌ حسنٌ واستشهادٌ جيد، فإنه تعالى قال في الزخرف عقيب ذلك:{قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ} [طه: 52] إلى قوله: {فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى} [طه: 53]، فأول الكلام حكاية قول موسى، وآخره إخبار الله عن نفسه بالتكلم، وبعضهم يعده التفاتاً، وليس منه. وقلت: وقد ذكرنا أن الذي في "طه" التفات.

قوله: ({خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ} [الزخرف: 9]) إلى آخر الآية، وُضع موضع قولهم: الله فقط.

ص: 220

من اليهود سبوه وسبوا أمّه، فدعا عليهم: «اللهم أنت ربي وبكلمتك خلقتني، اللهم العن من سبني وسب والدتي؛ فمسخ اللَّه من سبهما قردةً وخنازير، فأجمعت اليهود على قتله، فأخبره اللَّه بأنه يرفعه إلى السماء ويطهره من صحبة اليهود، فقال لأصحابه: أيكم يرضى أن يلقى عليه شبهي فيقتل ويصلب ويدخل الجنة؟ فقال رجلٌ منهم: أنا فألقى عليه شبهه فقتل وصلب. وقيل: كان رجلاً ينافق عيسى فلما أرادوا قتله قال: أنا أدلكم عليه، فدخل بيت عيسى، فرفع عيسى وألقي شبهه على المنافق، فدخلوا عليه فقتلوه وهم يظنون أنه عيسى. ثم اختلفوا فقال بعضهم: إنه إله لا يصح قتله. وقال بعضهم: إنه قد قتل وصلب. وقال بعضهم: إن كان هذا عيسى فأين صاحبنا؟ وإن كان هذا صاحبنا فأين عيسى؟ وقال بعضهم رفع إلى السماء.

وقال بعضهم: الوجه وجه عيسى، والبدن بدن صاحبنا. فإن قلت:(شُبِّهَ) مسند إلى ماذا؛ إن جعلته مسنداً إلى المسيح، فالمسيح مشبه به، وليس بمشبه، وإن أسندته إلى المقتول، فالمقتول لم يجر له ذكر؟ قلت: هو مسندٌ إلى الجار والمجرور، وهو (لَهُمُ)، كقولك: خُيل إليه، كأنه قيل: ولكن وقع لهم التشبيه. ويجوز أن يسند إلى ضمير المقتول؛ لأنّ قوله: (إنا قتلنا) يدل عليه، كأنه قيل: ولكن شبه لهم من قتلوه. (إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ): استثناء منقطع؛ لأنّ اتباع الظن ليس من جنس العلم، يعني: ولكنهم يتبعون الظن. فإن قلت: قد وصفوا بالشك، والشك: أن لا يترجح أحد الجائزين، ثم وصفوا بالظن، والظن: أن يترجح أحدهما، فكيف يكونون شاكين ظانين؟ قلت: أريد أنهم شاكون ما لهم من علم قط، ولكن إن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وقيل: كان رجلٌ ينافق عيسى)، وفي أكثر النسخ:"كان رجلاً" بالنصب، والأول هو الوجه، يعرف بالتأمل.

قوله: (والشك أن لا يترجح

، والظن أن يترجح) تفسير للشيء بلازمه؛ لأن الشك هو الاعتقاد الذي لا يترجح معه أحد الجائزين.

ص: 221

لاحت لهم أمارة فظنوا، فذاك

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (فظنوا فذاك) وهو عطف على "إن لاحت"، "فذاك": جواب للشرط، أي: فذاك هو الظن، يريد أنهم من الشاكين الذين لا يترجح لهم أحد الجائزين قط لكن يحصل لهم أحياناً بما يلوح لهم من الأمارة والترجح بزعمهم، ثم إذا خفت الأمارة عادوا إلى التردد، وهذه الحالة أبلغ في التحير من مجرد الشك، وإليه الإشارة بقوله:"فذاك" الرجحان، أي: ليس برجحان لأنه لا ينقذهم من ورطة الشك إلا مزيد التحير، فقوله:{مِنْ عِلْمٍ} مبتدأ و {مِنْ} : زائدة لتأكيد النفي، والظرف المقدم خبر، و {بِهِِ}: حالٌ من الضمير المستكن في الظرف.

وقيل يحتمل أن يكون التقدير: إنهم لفي شك في جميع الأوقات إلا وقت اتباع الظن؛ لظهور الأمارة إن لاحت لهمن وما لهم من علم قط، ويكون الاستثناء متصلاً مفرغاً. وقدم قوله:{مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ} على الاستثناء لأن المقصود من هذا الكلام نفي العلم عنهم.

وقلتُ: هذا مبنيٌّ على جواز الاستثناء المفرغ في الكلام الموجب، نحو: قرأت إلا يوم كذا، ومنعه المصنف في سورة الأنبياء حيث قال:"إن أعمَّ العام يصح نفيه ولا يصح إيجابه"، وقالوا: يجوز أن يقال: ما في الدار أحدٌ إلا زيدٌ، ولا يصح: كان في الدار إلا زيداً، أي: في الدار جميع الأشياء إلا زيدٌ، وقال في "التوبة" في قوله تعالى:{وَيَابَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ} [التوبة: 32]: "كيف جاز أبي الله إلا كذا، ولا يقال كرهت أو أبغضت إلا زيداً؟ وأجاب: قد أجرى "أبي" مُجرى "لم يُرد" لكونه مقابلاً لقوله: {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ} " على أن المقام لا يقتضي إلا ما ذهب إليه المصنف كما شرحنا كلامه من إثبات الشك على التحقيق والمبالغة فيه؛ وذلك لمجيء إن واللام وتخصيص ذكر الاتباع، فإذا لم يرد بقوله:{إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ} المبالغة، فلم لم يقتصر على الظن ولم يقل: وما لهم بذلك من علم إلا الظن ولم يكتف في التفسير بقوله: "وإن لاحت لهم أمارة فظنوا" وأطنب بقوله: "فذاك"؟

ص: 222

(وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً): وما قتلوه قتلاً يقيناً، أو ما قتلوه متيقنين كما ادّعوا ذلك في قولهم (إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ). أو يجعل (يَقِيناً) تأكيداً لقوله:(وَما قَتَلُوهُ)، كقولك: ما قتلوه حقاً، أي: حق انتفاء قتله حقاً. وقيل: هو من قولهم: قتلت الشيء علماً ونحرته علماً إذا تبلغ فيه علمك، وفيه تهكم، لأنه إذا نُفي عنهم العلم نفياً كلياً بحرف الاستغراق، ثم قيل: وما علموه علم يقينٍ وإحاطة - لم يكن إلا تهكماً بهم.

(لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ) جملة قسمية واقعة صفة لموصوف محذوف تقديره:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (أو يُجعل {يَقِيناً} تأكيداً) عطفٌ على قوله: "ما قتلوه قتلاً يقيناً"، يعني:{يَقِيناً} يجوز أن يكون صفة مصدر محذوف، وأن يكون حالاً، وعلى التقديرين يعود المعنى إلى عدم تعين القتل منهم، قال الإمام: يعني أنهم شاكون في أنه هل قتلوه؟ ثُم أكد ذلك بأنهم قتلوا ذلك الشخص الذي قتلوه لا على يقين أنه عيسى؛ بل حين قتلوه كانوا شاكين في أنه هل هو عيسى أم لا؟ ويجوز أن يكون تأكيداً لقوله: "ما قتلوه" فيعودُ المعنى إلى تعيُّنِ عدم القتل. قال الإمام: أخبر الله تعالى أنهم شاكون في أنه هل قتلوه يقيناً؟ ثم أخبر محمداً صلى الله عليه وسلم بأن اليقين حاصلٌ في أنهم ما قتلوه، وهذا الاحتمال أولى من الأول لقوله:{بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ} ؛ لأنه إنما يصح هذا الإضراب إذا تقدم القطع واليقين بعدم القتل. وأما قول المصنف: "لم يكن إلا تهكماً" فمعناه: أن الله تعالى إذا نفى عنهم علم إحاطة؛ لزم بالمفهوم إثبات نوع من العلم، فلا يستقيم هذا مع قوله:{مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ} ، إلا بأن يقال: إن هذا منفي أيضاً بالتهكم، فحينئذ يتكرر انتفاء العلم عنهم فيكون التكرير لتعليق قوله:{بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ} به.

قوله: (قتلت الشيء علماً). قال الزجاج: تقول: أنا أقتل الشيء علماً، أي: أعلمه علماً. الأساس: ومن المجاز: قتلته علماً وخُبراً، ومنه: قتلت الخمرة، أي: مزجتها.

ص: 223

وإن من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمننّ به. ونحوه: (وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ)[الصافات: 164]، (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها) [مريم: 71]. والمعنى: وما من اليهود والنصارى أحدٌ إلا ليؤمننّ قبل موته بعيسى، وبأنه عبد اللَّه ورسوله، يعني: إذا عاين قبل أن تزهق روحه حين لا ينفعه إيمانه؛ لانقطاع وقت التكليف. وعن شهر بن حوشب: قال لي الحجاج: آية ما قرأتها إلا تخالج في نفسي شيء منها، يعني هذه الآية، وقال إني أوتى بالأسير من اليهود والنصارى فأضرب عنقه، فلا أسمع منه ذلك، فقلت: إن اليهودي إذا حضره الموت ضربت الملائكة دبره ووجهه، وقالوا: يا عدوّ اللَّه أتاك موسى نبياً فكذبت به، فيقول: آمنت أنه عبد نبىّ. وتقول للنصراني: أتاك عيسى نبياً فزعمت أنه اللَّه أو ابن اللَّه، فيؤمن أنه عبد اللَّه ورسوله حيث لا ينفعه إيمانه، قال: وكان متكئاً فاستوى جالساً فنظر إليّ وقال: ممن؟ قلت: حدثني محمد بن عليّ بن الحنفية. فأخذ ينكت الأرض بقضيبه، ثم قال: لقد أخذتها من عينٍ صافية، أو من معدنها. قال الكلبي: فقلت له: ما أردت إلى أن تقول: حدثني محمد بن عليّ بن الحنفية. قال: أردت أن أغيظه، يعني بزيادة اسم عليّ؛ لأنه مشهور بابن الحنفية. وعن ابن عباس: أنه فسره كذلك، فقال له عكرمة: فإن أتاه رجل فضرب عنقه؟ قال: لا تخرج نفسه حتى يحرّك بها شفتيه، قال: وإن خرّ من فوق بيتٍ أو احترق أو أكله سبع؟ قال: يتكلم بها في الهواء ولا تخرج روحه حتى يؤمن به. وتدل عليه قراءة أُبيّ: (إلا ليؤمننّ به قبل

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وإن من أهل الكتاب أحدٌ إلا ليؤمنن به) أي: ليس من أهل الكتاب أحد يتصف بصفة ما إلا بأن يقال في حقه: والله ليؤمنن به؛ لأن الجملة القسمية الإنشائية لا تقع صفة إلا بالتأويل.

قوله: (ما أردت إلى أن تقول) أي: ما أنهى إرادتك إلى قولك، كما تقول: أرغب على الله، أي: أنهى رغبتي إلى الله.

قوله: (وتدل عليه قراءة أُبيٍّ) على أن المعنى: وما من اليهود والنصارى أحدٌ إلا ليؤمنن

ص: 224

موتهم) بضم النون على معنى: وإن منهم أحد إلا سيؤمنون به قبل موتهم، لأنّ أحداً يصلح للجمع. فإن قلت: ما فائدة الإخبار بإيمانهم بعيسى قبل موتهم؟ قلت: فائدته الوعيد، وليكون علمهم بأنهم لا بدّ لهم من الإيمان به عن قريب عند المعاينة، وأن ذلك لا ينفعهم؛ بعثاً لهم وتنبيهاً على معاجلة الإيمان به في أوان الانتفاع به، وليكون إلزاماً للحجة لهم، وكذلك قوله:(وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً): يشهد على اليهود بأنهم كذبوه، وعلى النصارى بأنهم دعوه ابن اللَّه.

وقيل: الضميران لعيسى، بمعنى: وإن منهم أحد إلا ليؤمننّ بعيسى قبل موت عيسى، وهم أهل الكتاب الذين يكونون في زمان نزوله.

روي: أنه ينزل من السماء في آخر الزمان، فلا يبقى أحدٌ من أهل الكتاب إلا يؤمن به، حتى تكون الملة واحدة، وهي ملة الإسلام، ويهلك اللَّه في زمانه المسيح الدجال، وتقع الأمنة حتى ترتع الأسود مع الإبل، والنمور مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان بالحيات، ويلبث في الأرض أربعين سنة، ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون ويدفنونه. ويجوز أن يراد أنه لا يبقى أحد من جميع أهل الكتاب إلا ليؤمننّ به على أن اللَّه يحييهم في قبورهم في ذلك الزمان، ويعلمهم نزوله وما أنزل له، ويؤمنون به حين لا ينفعهم إيمانهم.

وقيل: الضمير في: (بِهِ) يرجع إلى اللَّه تعالى. وقيل: إلى محمد صلى الله عليه وسلم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

به قبل موته بعيسى؛ لأن هذا القارئ صرح بأن الضمير في موته للقوم، وفائدته ترجيح هذا القول على القول الآتي.

قوله: (وقيل: الضميران لعيسى عليه الصلاة والسلام، بمعنى: وإن منهم أحد إلا ليؤمنن بعيسى قبل موت عيسى) أي: حين نزوله. الانتصاف: يُبعده قوله: {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً} ظاهره التهديد، فكيف يهدد من آمن حين ينفع الإيمان؟ ويجوز أن لا يراد التهديد، كما قال في حق هذه الأمة:{وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً} [النساء: 41].

ص: 225

[(فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً (160) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً (161) لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً)].

(فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا) فبأي ظلم منهم. والمعنى: ما حرمنا عليهم الطيبات إلا لظلمٍ عظيمٍ ارتكبوه، وهو ما عدّد لهم من الكفر والكبائر العظيمة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ما حرمنا عليهم الطيبات إلا لظُلمٍ عظيم). الحصر مستفاد من تقديم الجار والمجرور على العامل، والتعظيم من التنكير.

قوله: (وهو ما عدد لهم من الكفر والكبائر العظيمة). اعلم أنه قرر أولاً أن الباء في {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ} [النساء: 155]: إما يتعلق بمحذوف؛ أي: فعلنا بهم ما فعلنا، وغما مُتعلقٌ بـ {حَرَّمْنَا} على أن قوله:{فَبِظُلْمٍ مِنْ الَّذِينَ هَادُوا} بدلٌ من قوله: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ} . قال أبو البقاء: وتكرار الفاء في البدل لطول الكلام. فقوله: "وهو ما عدد لهم من الكفر والكبائر" إشارة إلى أن البدل هو المختار، فيلزم أن كفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم وبعيسى عليه الصلاة والسلام أيضاً موجبات لتحريم الطيبات، وقد صرح الواحدي به حيث قال: وصدوا عن دين الله وعن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، فحرم الله عليهم عقوبة لهم ما ذكر في قوله تعالى:{وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ} الآية [الأنعام: 146]، وعلى ما فسر المصنف الصد في هذا المقام لا يُفهم ذلك ولا يدفعه فهو مبهم؛ لكن يلزم ذلك من الإبدال، والظاهر إنما حرم عليهم ذلك في شريعة موسى عليه الصلاة والسلام يدل عليه قوله:{كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ} [آل عمران: 93]. قال المصنف: "وهو رد على اليهود وتكذيب لهم

ص: 226

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حيث أرادوا براءة ساحتهم مما نعى عليهم في قوله تعالى: {فَبِظُلْمٍ مِنْ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} إلى قوله: {عَذَاباً أَلِيماً} ، وقوله تعالى:{وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ} الآية [الأنعام: 126]، فإنهم جحدوا ما نطق به القرآن من تحريم الطيبات عليهم ببغيهم وظُلمهم، وقالوا: لسنا بأول من حرمت عليه، وما هو إلا تحريم قديم، فحرمت علينا كما حرمت على من قبلنا، وغرضهم تكذيب شهادة الله عليهم بالبغي واللم، فأراد أن يحاجهم على هذا، قال:{قُلْ فَاتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا} [آل عمران: 93]، قال:"أراد أن يحاجهم بكتابهم من أن تحريم ما حرم عليهم حادثٌ بسبب ظلمهم وبغيهم لا تحريم قديم". وقوله تعالى حكاية عن عيسى عليه الصلاة والسلام: {وَلأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} [آل عمران: 50]، قال المصنف:"وما حرم الله عليهم في شريعة موسى من الشحوم والثروب ولحوم الإبل والسمك وكل ذي ظفر، فأحل لهم عيسى بعض ذلك"، وإذا تقدر ذلك؛ فالوجه أن يكون متعلق {فَبِمَا نَقْضِهِمْ} "فعلنا بهم ما فعلنا" لتتخلص من هذه الورطة، وكذلك متعلق {وَبِصَدِّهِمْ} ، ويكون قوله:{وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} عطفاً على ذلك المقدر لاقتضائه معطوفاً عليه، وأقيم {لِلْكَافِرِينَ} مقام المضمر للإشعار بالعلية، والمقدر من نحو اللعنة وضرب الذلة والمسنة واستحقاق غضب الله وما أشبه ذلك ليجمع لهم نكال الدارين، وإنما ذكر معلول الوُسطى، وهو {حَرَّمْنَا} ؛ لونه أخف من الآخرين، وأما الفاء في {فَبِظُلْمٍ} فغير الفاء في "فبنقضهم"؛ لأنها فصيحة، أي: وأخذنا منهم ميثاقاً غليظاً، فما لبثوا إلا ريثما نقضوا عهد الله؛ فبنقضهم وكذا وكذا فعلنا بهم ما فعلنا، وهذا متجه لأنه لما أتم قصة عيسى عليه الصلاة والسلام وفُهم منها ظلمهم في حقه قال:{فَبِظُلْمٍ مِنْ الَّذِينَ هَادُوا} أي: لا غرو في ذلك من هؤلاء؛ لأن ديدن من هو متسم بقوله: {الَّذِينَ هَادُوا} وسمتهم: اللم، ألا ترى كيف حرم عليهم نبيهم

ص: 227

والطيبات التي حرّمت عليهم: ما ذكره في قوله: (وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ)[الأنعام: 146]. وحرّمت عليهم الألبان، وكلما أذنبوا ذنبا صغيراً أو كبيراً حرّم عليهم بعض الطيبات من المطاعم وغيرها. (وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً) ناسا كثيراً أو صدّاً كثيراً (بِالْباطِلِ): بالرشوة التي كانوا يأخذونها من سفلتهم في تحريف الكتاب. (لكِنِ الرَّاسِخُونَ) يريد من آمن منهم، كعبد اللَّه بن سلام وأضرابه، (والراسخون في العلم): الثابتون فيه، المتقنون المستبصرون. (وَالْمُؤْمِنُونَ) يعني المؤمنين

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وكتابُهم طيبات الأطعمة لشؤم ظلمهم؟ ثم كرر عطف معاملتهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصد عن دينه وكتمان ذكره وذكر كتابه إلى آخره على ما سبق عطف جملة على جملة، وبهذا يتخلص من القول بتكرير الفاء في البدل.

ومنع صاحب "الكشف" في قوله تعالى: {أَنَّهُ مَنْ تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ} [الحج: 4] قول من قال: إن التي بعد الفاء بدلٌ من الأولى، وقال: إنه قولٌ فاسد؛ لأنه لا تدخل الفاء بين البدل والمُبدل منه؛ ولهذا أفسدنا قول من قال فيما تقدم: إن قوله: {فَبِظُلْمٍ مِنْ الَّذِينَ هَادُوا} بدلٌ من قوله: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ} [النساء: 155] والله أعلم.

قوله: ({بِالْبَاطِلِ}: بالرشوة التي كانوا يأخذونها من سفلتهم في تحريف الكتاب)، قال الواحدي: يعني ما أخذوه من الرشي في الحكم وغير ذلك. وقلتُ: هذا أولى؛ لأنه مطلق في كل باطل، وتقييده من غير دليل لا يجوز، على أن المقام يقتضي الإطلاق؛ لأن الإستدراك بقوله:{لَكِنْ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} إلى آخره يقتضي المبالغة والعموم في مقابله.

وأيضاً، قوله:{وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} معناه: منعوا الناس من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، فيدخل فيه التحريف دخولاً أولياً.

قوله: ({الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} الثابتون فيه). الراغب: الراسخ في العلم: هو الذي لا

ص: 228

منهم، أو "المؤمنون" من المهاجرين والأنصار. وارتفع الراسخون على الابتداء. و (يُؤْمِنُونَ) خبره. و (الْمُقِيمِينَ): نصب على المدح - لبيان فضل الصلاة- وهو باب واسع، وقد كسره سيبويه على أمثلة وشواهد. ولا يلتفت إلى ما زعموا من وقوعه لحناً في خط المصحف، وربما التفت إليه من لم ينظر في الكتاب ولم يعرف مذاهب العرب وما لهم في النصب على الاختصاص من الافتنان، وغبي عليه أنّ السابقين الأوّلين الذين مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل؛ كانوا أبعد همةً في الغيرة على الإسلام، وذبّ المطاعن عنه من أن يتركوا في كتاب اللَّه ثلمة ليسدّها من بعدهم وخرقا يرفوه من يلحق بهم. وقيل: هو عطف على (بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ) أي: يؤمنون بالكتب

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تعترضه شبهة لتمكنه في معرفته وتحققه بها وكونه من الذين قال فيهم: {الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا} [الحجرات: 15]، فنبه أن الراسخين في اللم يعرفون معنى النبوة ويعتبرونه، فحيثما وجدوه تبعوه، ولما اقتص عن اليهود ما كان منهم وألزمهم المذمة، بين أن الراسخين لم يذهبوا مذهبهم.

قوله: ({وَالْمُقِيمِينَ} نصبٌ على المدح

وهو باب واسع)، أي: نصبٌ على الاختصاص. قال الزجاج: هذا باب يسمونه باب المدح، وقد بينوا فيه صحته وجودته، فإذا قلت: مررت بزيد الكريم، وأنت تريد أن تُخلص زيداً من غيره فالخفض حتى يتميز، وإذا أردت المدح والثناء فإن شئت نصبت الكريم، وإن شئت رفعته، وأنشدوا:

لا يبعدن قومي الذين هم

سُم العداة وآفة الجزر

النازلين بكل معترك

والطيبين معاقد الأزر

قوله: (من أن يتركوا في تاب الله ثلمة ليسدها من بعدهم) لا يريد أنهم وجدوا ثلمة

ص: 229

وبالمقيمين الصلاة وهم الأنبياء. وفي مصحف عبد اللَّه: "والمقيمون": بالواو، وهي قراءة مالك بن دينار، والجحدري، وعيسى الثقفي.

[(إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً* وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً* رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً* لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً)].

(إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ): جواب لأهل الكتاب عن سؤالهم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أن ينزل عليهم كتابا من السماء، واحتجاج عليهم بأنّ شأنه في الوحى إليه كشأن سائر الأنبياء الذين سلفوا.

وقرئ (زبورا) بضم الزاى جمع زبر وهو الكتاب.

(وَرُسُلًا) نصب بمضمر في معنى: (أوحينا إليك)، وهو:"أرسلنا" ........

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فأصلحوها إلا هذه، بل ما وجدوها أصلاً فيتركوها؛ كما وُصِفَ مجلسُ رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا تُثني فلتاتُه" أي: لا فلتات ولا انثناء، وقال:

على لا حبٍ لا يُهتدى بمنارِهِ

قوله: ({وَرُسُلاً} نصب بمضمر في معنى {أوحينا إليك} وهو "أرسلنا") يعني:

ص: 230

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

"أوحينا" لا يجوز أن يعمل في "رُسُلاً"؛ لأنه تعدى بـ "إلى"، ويُمكن أن يقال: بالحذف والاتصال؛ لأن الكلام في الإيحاء لا في الإرسال، فعلى هذا {قَصَصْنَاهُمْ} ، و {لَمْ نَقْصُصْهُمْ}: صفتان لـ {رُسُلاً} ، وعلى أن يكون {قَصَصْنَاهُمْ} مفسراً للعامل يبقى {رُسُلاً} مطلقاً، وهو الوجه، مثله في قوله تعالى:{وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ} [فاطر: 4]، قال صاحب "المفتاح": رُسُلٌ وأي رسل؟ ! ذوو عددٍ كثير، وأولو آيات ونُذرٍ، وأهل أعمار طوال، وأصحاب صبرٍ وعزمٍ، وما أشبه ذلك.

ومقام التسلية والنظم المعجز يقتضيان ذلك، وبيانه: أن قوله تعالى: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِنْ السَّمَاءِ} مؤذنٌ بأن طلبهم هذا مما اغتم به حبيب الله صلوات الله وسلامه عليه؛ ولذلك أوقع قوله: {فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ} جواباً لشرط محذوف يدل عليه سياق الكلام، قال: وهو من أحاسن الحُذوفن ونحوه قول الشاعر:

قالوا: خُراسان أقصى ما يُراد بنا

ثم القفول، فقد جئنا خراسانا

أي: إن صح ما قلتم: إن خراسان المقصد فقد جئناه وأين لنا الخلاص؟ ومن ثم قدر: "إن استكبرت ما سألوه فقد سألوا موسى أكبر من ذلك"، ثم عد قبائحهم، ونعى عليهم غيهم وعنادهم، ولما فرغ من ذلك أتى بنوع آخر من التسلية متضمناً للاحتجاج، مخاطباً به حبيبه صلوات الله عليه وسلامه، وآثر صيغة التعظيم تعظيماً للوحي والمُوحى إليه قائلاً:{إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ} أي: لك أسوةٌ بالأنبياء السالفة فتأس بهم، {وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} [هود: 120]؛ لأن شأن وحيك كشأن وحيهم، فبدأ بذكر نوح عليه الصلاة والسلام؛ لأنه أول نبيٍّ قاسى الشدائد من الأمة، وعطف عليه النبيين من بعده وخص منهم إبراهيم إلى داود عليه السلام تشريفاً لهم وتعظيماً لشانهم، وترك ذكر موسى عليه الصلاة والسلام ليُبرزه مع ذكرهم بقوله تعالى:{وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً} على نمط أعم من الأول؛ لأن قوله: {وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْك

ص: 231

و"نبأنا" وما أشبه ذلك. أو بما فسره (قصصناهم). وفي قراءة أبيّ: (ورسل قد قصصناهم عليك من قبل ورسل). وعن إبراهيم ويحيى بن وثاب: أنهما قرءا: (وَكَلَّمَ اللَّهُ) بالنصب. ومن بدع التفاسير أنه من الكلم، وأن معناه وجرّح اللَّه موسى بأظفار المحن ومخالب الفتن. (رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ): الأوجه أن ينتصب على المدح. ويجوز انتصابه على التكرير. فإن قلت: كيف يكون للناس على اللَّه حجة قبل الرسل، وهم محجوجون بما نصبه اللَّه من الأدلة التي النظر فيها موصل إلى المعرفة، والرسل

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ} من التقسيم الحاضر مزيداً لشرفه واختصاصه بوصف التكلم دونهم، أي: رسلاً فضلهم واختارهم وآتاهم الآيات البينات والمعجزات الباهرات إلى ما لا يُحصى، وخص موسى بالتكليم؛ ولذلك اختير في {رُسُلاً} أن يكون مطلقاً، وثلث ذكرهم على أسلوب يجمعهم في وصف عام على جهة المدح والتعظيم سار في غيرهم، وهو ونهم مبشرين ومنذرين، وجعلهم حجة الله على خلقه طُرًّا لقطع معاذيرهم، فيدخل في هذا القسم كل من دعا إلى هدى وبشر وأنذر كالعلماء؛ فظهر من هذا التقدير طبقات الداعين إلى الله بأسرهم، فالآية بدلالة عبارتها صريحة في التسلية؛ لأن الخطاب بقوله:{إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} مطابق لقوله: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ} [النساء: 153]، وقد سبق أن وروده للتسلية، وبدلالة إشارتها مبنية على الاحتجاج؛ ولذلك قال:"واحتجاج عليهم بأن شأنه في الوي كشأن سائر الأنبياء".

قوله: (ومن بدع التفاسير)، وإنما كان بدعاً لأن الكلام على ما سبق واردٌ في شان الوحي والكتاب المنزل؛ فلا يدخل فيه هذا المعنى.

قوله: (الوجه أن ينتصب على المدح)، يعني: في نصب {رُسُلاً} وجهان؛ أحدهما: التكرير، وهو أن يعلق به ثانياً ما لم يعلق به أولاً من المعنى، وثانيهما: النصب على المدح، وأنت تعلمُ أن الشرط فيه أن يكون الممدوح مشهوراً معروفاً بصفات الكمال، ويكون هذا الوصف المذكور منتهى في بابه، فكم بين الاعتبارين!

قوله: (وهم محجوجون بما نصبه الله من الأدلة التي النظر فيها موصل إلى المعرفة)

ص: 232

في أنفسهم لم يتوصلوا إلى المعرفة إلا بالنظر في تلك الأدلة، ولا عرف أنهم رسل اللَّه إلا بالنظر فيها؟ قلت: الرسل منبهون عن الغفلة، وباعثون على النظر، كما ترى علماء أهل العدل والتوحيد، مع تبليغ ما حملوه من تفضيل أمور الدين وبيان أحوال التكليف وتعليم الشرائع، فكان إرسالهم إزاحة للعلة وتتميما لإلزام الحجة، لئلا يقولوا: لولا أرسلت إلينا رسولاً فيوقظنا من سنة الغفلة، وينبهنا لما وجب الانتباه له. وقرأ السلمي:(لكنّ اللَّه يشهد) بالتشديد. فإن قلت: الاستدراك لا بدّ له من مستدرك فما هو في قوله: (لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ)؟ قلت: لما سأل أهل الكتاب إنزال الكتاب من السماء، وتعنتوا بذلك، واحتج عليهم بقوله:(إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ) قال: (لَكِنِ اللَّه يَشْهَدُ)، بمعنى: أنهم لا يشهدون، ولكن اللَّه يشهد. وقيل: لما نزل (إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ)، قالوا: ما نشهد لك بهذا، فنزل:(لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ). ومعنى شهادة اللَّه بما أنزل إليه: إثباته لصحته بإظهار المعجزات، كما تثبت الدعاوى بالبينات. وشهادة الملائكة: شهادتهم بأنه حق وصدق. فإن قلت: بم يجابون لو قالوا: بم يعلم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الانتصاف: مذهبهم في التحسين والتقبيح يجرهم إلى إثبات أحكام الله تعالى بمجرد العقل من غير بعثة رسل، فيجبون ويحرمون ويبيحون، ومما أوجبوه النظر في أدلة التوحيد قبل الشرع، ومن تركه ترك واجباً واستحق العقاب وقامت عليه الحجة، فإذا تليت عليهم هذه الآية وشهدت عليهم أن الحجة إنما قامت على الخلق بالأحكام الشرعية حرفوا النص وقالوا: الرسل تتمم حجج الله وتنبه على ما يوجبه العقل قبل بعثتهم، وكذلك قوله تعالى:{وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} [الإسراء: 15]، وربما أشكل هذا الفصل على من طالعه من كلام الزمخشري؛ لأن المعرفة والتوحيد طريقهما العقل لا النقل، لكن المعرفة متلقاة من العقل والوجوب متلقى من الشرع والنقل المحض.

قوله: (من تبليغ ما حُملوه) حال من فاعل "منبهون" أي: الرسل منبهون على دليل العقل حال كونهم مصاحبين دليل النقل.

ص: 233

أن الملائكة يشهدون بذلك؟ قلت: يجابون بأنه يعلم بشهادة اللَّه؛ لأنه لما علم بإظهار المعجزات أنه شاهد بصحته علم أن الملائكة يشهدون بصحة ما شهد بصحته؛ لأنّ شهادتهم تبع لشهادته. فإن قلت: ما معنى قوله: (أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ)، وما موقعه من الجملة التي قبله؟ قلت: معناه أنزله ملتبساً بعلمه الخاص الذي لا يعلمه غيره،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (معناه: أنزله ملتبساً بعلمه الخاص). اعلم أن هذا المقام مما يُحتاج فيه إلى تدقيق نظر لتفصيل الوجوه وامتياز بعضها من بعض، فقوله:{بِعِلْمِهِ} إما أن يُجري على المجاز، أو على الحقيقة، والجار والمجرور على الأول حالٌ من المفعول، ويحتمل أمرين في الثاني: أما المعنى على الوجه الأول فهو ما ذكره "أنزله ملتبساً بعلمه الخاص الذي لا يعلمه غيره"، فالعلم على هذا مجاز من التأليف على نظم وأسلوب يعجز عنه كل بليغ، والعلاقة هي النسبة التي بين الفاعل والفعل؛ لأن الفاعل المتقن الحكيم لا يصدر منه إلا الفعل المحكم البديع، ولا ارتياب في أن مثل هذا العلم الخاص يصلح أن يشهد الله تعالى به على صحة الدعوى؛ ولهذا كان قوله:{أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ} بياناً للشهادة؛ حيث قال: "وأن شهادته بصحته أنه أنزله بالنظم المعجز الفائت للقدرة"، ونحوه قوله تعالى:{وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَاتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ} [البقرة: 23]: "أي: فأتوا بسورة من مثل القرآن في البيان الغريب، وعلو الطبقة في حسن النظم".

وعلى الوجه الثاني: الجار والمجرور: إما حال من الفاعل؛ فالمعنى "أنزله وهو عالمٌ بأنك أهل لإنزاله إليك" لأنك من أولي العزم لا تألوا جهداً في تبليغه، وإليه الإشارة بقوله:"وأنك مبلغه"، ويمكن أن يقال: أنزله وهو عالمٌ بأنك أهل لأن ينزل علي وأن يتحدى بمثل لونك رجلاً أمياً لم تقرأ الكتب وما باشرت العلماء على منوال {فَاتُوا بِسُورَةٍ} [البقرة: 23] من مثل محمد، أي: ممن هو على حاله من كونه بشراً عربياً أمياً، أو من المفعول، فالمعنى "أنزله ملتبساً بما علم من المصالح مشتملاً عليه"، فقوله:"مشتملاً عليه" بدل

ص: 234

وهو تأليفه على نظم وأسلوب يعجز عنه كل بليغ وصاحب بيان. وموقعه مما قبله موقع الجملة المفسرة؛ لأنه بيان للشهادة، وأن شهادته بصحته أنه أنزله بالنظم المعجز الفائت للقدرة. وقيل: أنزله وهو عالمٌ بأنك أهل لإنزاله إليك وأنك مبلغه. وقيل: أنزله مما علم من مصالح العباد مشتملا عليه. ويحتمل: أنه أنزله وهو عالم به، رقيبٌ عليه، حافظ له من الشياطين برصدٍ من الملائكة، والملائكة يشهدون بذلك كما قال في آخر سورة الجنّ، ألا ترى إلى قوله:(وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ)[الجن: 28]؟ والإحاطة بمعنى العلم. (وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً) وإن لم يشهد غيره؛ لأنّ التصديق بالمعجزة هو الشهادة حقاً (قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ)[الأنعام: 19].

[(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالاً بَعِيداً* إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً* إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً)].

(كَفَرُوا وَظَلَمُوا): جمعوا بين الكفر والمعاصي، وكان بعضهم كافرين وبعضهم ظالمين أصحاب كبائر، ....

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

من الحال، والضمير المجرور لـ "ما". مثله قوله تعالى:{الر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [إبراهيم: 1].

قوله: (ويحتمل أنه أنزله وهو عالم به) تفسيرٌ آخر، وهو أنه ضمن العلم معنى الرقيب والحافظ وجعل الجار والمجرور حالاً من الفاعل، وقرينة التضمين قران العلم بشهادة الملائكة؛ لأنه حينئذ على وزان قوله في سورة الجن:{فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً} [الجن: 27، 28]؛ ومن ثم قال: "رقيب عليه برصد من الملائكة، والملائكة يشهدون"، وعلى هذين الوجهين {أَنزَلَهُ} لا يكون بياناً كما في الوجهين السابقين؛ بل يكون تكريراً لتعلق ما به عُلق.

قوله: (أو كان بعضهم كافرين وبعضهم ظالمين) يريد أنه من باب قول حسان:

ص: 235

لأنه لا فرق بين الفريقين في أنه لا يغفر لهما إلا بالتوبة وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً لا يلطف بهم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فمن يهجو رسول الله منكم

ويمدحه وينصره سواء

أي: ومن يمدحه فحذف الموصول.

قوله: (لأنه لا فرق بين الفريقين). الإنصاف: عدل عن الظاهر لعقيدته، والآية تنبو عنه؛ لأنه جعل الكفر والظلم كليهما صلة فيلزم وقوع الفعلين جميعاً من كل واحد من أفراده، فإذا قلت: الزيدون قاموا فقد أسندت القيام لكل واحد، وكذلك إذا عطفت عليه، وقيل: لو كان المراد ما قال لقيل: الذين كفروا والذين ظلموا كما في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا} [البقرة: 62].

وقلت: وأما قضية النظم فإن الاستدراك في قوله: {لَكِنْ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ} [النساء: 166] مُنادٍ بأن الخطب قد بلغ الغاية وأن المنكرين قد جاوزوا حد العناد، ويؤيده قول المصنف:"لما سأل أهل الكتاب إنزال الكتاب من السماء وتعنتوا بذلك واحتج عليهم بقوله: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} [النساء: 163] قال: {لَكِنْ اللَّهُ يَشْهَدُ} بمعنى أنهم لا يشهدون لكن الله يشهد"، فدل هذا على أن الحجة أفحمتهم، ولم يبق في أيديهم سوى العناد ولبس طريق الحق والصد عن سبيل الله؛ لأنهم أهل الكتاب، فحينئذ اتجه لسائل أن يقول: فما حكم الله على أولئك البعداء؟ فقيل: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالاً بَعِيداً} ، وكرر ذلك ليُناط به قوله:{لَمْ يَكُنْ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ} مزيداً لذلك النعي، ليؤذن بأنهم متعنتون مكابرون واضعون الشيء في غير موضعه مستوجبون لكل نكال وإهانة؛ ولذل عم الخطاب في قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ} [النساء: 170] تنبيهاً لهم على الحث في النظر وتعريضاً بأن أهل الكتاب ما تابعوا الحق وما التفتوا إلى الدليل وركبوا متن الباطل واللجاج، فإذا لا مدخل لحكاية أصحاب الكبائر في هذا النص.

ص: 236

فيسلكون الطريق الموصل إلى جهنم. أو لا يهديهم يوم القيامة طريقا إلا طريقها (يَسِيراً)، أي: لا صارف له عنه.

[(يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً* يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً)].

(فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ) - وكذلك (انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ) - انتصابه بمضمر، وذلك أنه لما بعثهم على الإيمان وعلى الانتهاء عن التثليث، علم أنه يحملهم على أمر فقال:(خَيْراً لَكُمْ) أي: اقصدوا، أو ائتوا أمراً خيراً لكم مما أنتم فيه من الكفر

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (فيسلكون الطريق الموصل إلى جهنم) هذا على أن الهدى هي الدلالة الموصلة إلى البُغية، وهي على سبيل التهكم من باب قوله:

تحية بينهم ضربٌ وجيع

وقوله: (أولاً يهديهم يوم القيامة) على أن الهداية مجرد الدلالة.

قوله: (لا صارف له عنه) أي: لله تعالى عن ذلك، أي: عن عدم الغفران وعن الهداية إلى طريق جهنم.

قوله: (أي: اقصدوا أو ائتوا أمراً خيراً لكم). قال الزجاج: اختلفوا في نصب {خَيْراً} ، قال الكسائي: انتصب لخروجه من الكلام، يقال في الكلام التام: لتقومنخيراً لكن وانته خيراً لك، بالنصب، وفي الناقص يقال: إن تنته خيرٌ لك، بالرفع. وقال الفراء: انتصب

ص: 237

والتثليث. وهو الإيمان والتوحيد. (لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ): غلت اليهود في حط المسيح عن منزلته، حيث جعلته مولودا لغير رشدة، وغلت النصارى في رفعه عن مقداره حيث جعلوه إلها. (وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ): وهو تنزيهه عن الشريك والولد. وقرأ جعفر بن محمد: (إِنَّمَا الْمَسِيحُ) بوزن السكيت. وقيل لعيسى: كلمة اللَّه) وكلمةٌ منه؛ لأنه وجد بكلمته وأمره لا غير، من غير واسطة أب ولا نطفة. وقيل: له روح اللَّه وروح منه لذلك؛ لأنه ذو روحٍ وجد من غير جزء من ذى روح، كالنطفة المنفصلة من الأب الحيّ، وإنما اخترع اختراعاً من عند اللَّه وقدرته خالصةً. ومعنى (أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ): أوصلها إليها وحصلها فيها (ثَلاثَةٌ) خبر مبتدأٍ محذوف، فإن صحت الحكاية عنهم أنهم يقولون: هو جوهر واحد ثلاثة أقانيم: أقنوم الأب، وأقنوم الابن، وأقنوم روح القدس، وأنهم يريدون بأقنوم الأب الذات، وبأقنوم الابن العلم، وبأقنوم روح القدس: الحياة، فتقديره اللَّه ثلاثة وإلا فتقديره: الآلهة ثلاثة،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بـ {انتَهُوا خَيْراً لَكُمْ} لأنه متصل بالأمر وهو من صفته، ألا ترى إلى قولك: انته هو خيرٌ لك، فلما أسقطت هو اتصل بما قبله؟ قال الزجاج لم يبين الفراء ولا الكسائي أنه من أي المنصوبات هو، وقال الخليل وجميع البصريين: هذا محمول على المعنى؛ لأنك إذا قلت: انته خيراً لك؛ فأنت تدفعه عن أمر وتدخله في غيره، كأنك قلت: انته وائت خيراً لك أو: ادخل فيما هو خيرٌ لك.

قلت: كلام المصنف مبني على هذا المذهب! وقيل: التقدير: انتهوا يكن خيراً لكم.

قوله: (اخترع اختراعاً). الأساس: اخترع الله الأشياء: ابتدعها من غير سبب، كأنه لم يجعل الأمر سبباً في الوجود؛ ولهذا أكده بقوله:"وقدرته خالصة"، وهي حالٌ من قدرته.

قوله: (وإلا فتقديره: الآلهة ثلاثة) أي: إن لم تصح الرواية فتقديره: الآلهة ثلاثة: الله،

ص: 238

والذي يدل عليه القرآن التصريح منهم بأن اللَّه والمسيح ومريم ثلاثة آلهة، وأنّ المسيح ولد اللَّه من مريم. ألا ترى إلى قوله:(أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ)[المائدة: 116]، (وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ) [التوبة: 30]. والمشهور المستفيض عنهم أنهم يقولون: في المسيح لاهوتية وناسوتية من جهة الأب والأم. ويدل عليه قوله: (إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ)، فأثبت أنه ولد لمريم اتصل بها اتصال الأولاد بأمّهاتها، وأن اتصاله باللَّه عز وعلا من حيث أنه رسوله وإنه موجود بأمره وابتداعه جسداً حياً من غير أب، فنفى أن يتصل به اتصال الأبناء بالآباء، وقوله:(سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ). وحكاية اللَّه أوثق من حكاية غيره.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وعيسى، وروح القدس. تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً، كقوله تعالى:{لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ} [المائدة: 73]، يعني: أنهم مستوون في الإلهية، ويقال في العرف عند إلحاق اثنين بواحد في وصف: هم ثلاثة، أي: إنهما شبيهان له.

قوله: (والذي يدل عليه) يعني: حُكي عن النصارى المذهبان، والذي يدل عليه القرآن المذهب الثاني.

قوله: (ويدل عليه قوله) أي: على أنهم يقولون في المسيح اللاهوتية والناسوتية؛ رده الله بـ {إِنَّمَا} ، فإنه من القصر الإفرادي، نفي بقوله:{إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ} أحد ما أثبتوه وهو اللاهوتية، وقصر الحكم على الآخر وهو الناسوتية بقوله:{ابْنُ مَرْيَمَ} ، وقوله:{سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ} عطف على قوله: {إِنَّمَا الْمَسِيحُ} .

قوله: (وحكاية الله أوثق) متعلق بقوله: "والذي يدل عليه القرآن" أي: والحال أن حكاية الله أوثق من حكاية غيره، أي: ما حكى الله عنهم من القول بالذوات دون الأقانيم، والجُمل التي توسطت بين الحال وعاملها معترضة.

اعلم أن الحكيم الفاضل يحيى بن عيسى بن جزلة صاحب "المنهاج في الطب" كان نصرانياً، وبعدما أسلم وحسن إسلامه صنف رسالة رداً على النصارى، وقال فيها: زعمت النصارى أن الله تعالى جوهر واحد، ثلاثة أقانيم: أقنوم الأب، وأقنوم الابن، وأقنوم روح

ص: 239

ومعنى (سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ): سبحه تسبيحاً من أن يكون له ولد. وقرأ الحسن: إن يكون، بكسر الهمزة ورفع النون، أي: سبحانه ما يكون له ولد، على أنّ الكلام جملتان. (لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ): بيانٌ لتنزهه عما نسب إليه، يعنى أنّ كل ما فيهما خلقه وملكه، فكيف يكون بعض ملكه جزأ منه؟ على أن الجزء إنما يصح في الأجسام، وهو متعالٍ عن صفات الأجسام والأعراض. (وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا) يكل إليه الخلق كلهم أمورهم، فهو الغنى عنهم وهم الفقراء إليه.

[(لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً) 172].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

القدس، فإنه واحد في الجوهر مختلف بالأقانيم، وقال بعضهم: إنها أشخاص وذوات، وقال بعضهم: إنها خواص، فإن أقنوم الأب الذات، وأقنوم الابن هو الكلمة، وهي العلم وإنها لم تزل متولدة من الأب لا على سبيل التناسل، بل كتوليد ضياء الشمس عن الشمس، وأقنوم روح القدس هو الحياة، وأنها لم تزل فائضة من الأب والابن، واختلفوا في الاتحاد، فقالت اليعقوبية: إنها بمعنى الممازجة، كمُمازجة النار بالفحمة، فالجمرة ليست ناراً خالصة ولا فحمة، وهذا موافق لقولهم: إن الله تعالى نزل من السماء وتجسد من روح القدس وصار إنساناً؛ ولذلك قالوا: المسيح جوهر من جوهرين، وأقنوم من أقنومين. وقلت: هذا هو القول باللاهوت والناسوت. وقال الحكيم: فظاهر قول نسطور: أن الاتحاد على معنى المساكنة؛ وأن الكلمة جعلته محلاً، ولذلك قالوا: جوهران، أقنومان، على غير ذلك من الأقوال، وإذا كان هذا الاختلاف ثابتاً في فرق النصارى منقولاً عنهم يصح حينئذ أن يُراد من قوله:{وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ} أي: ولا تقولوا: وجوهر واحد، ثلاثة أقانيم، وأن يُراد من قوله:{اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [المائدة: 116] الذوات الثلاث، وأن يُراد بقوله:{إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ} وقوله سبحانه: {أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ} القول باللاهوت والناسوت؛ وذلك أن الله تعالى حكى في كل مكان حكاية فرقة من فرقهم، {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون} [الصافات: 180].

ص: 240

(لَن يَسْتَنْكِفَ): لن يأنف ولن يذهب بنفسه عزة من نكفت الدمع. إذا نحيته عن خدك بإصبعك (ولَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ): ولا من هو أعلى منه قدراً،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ولن يذهب بنفسه عزة) كناية عن عدم التكبر؛ لأن المتكبر هو الذي يضع نفسه فوق منزلتها ويذهب بها عن طورها فلا ينقاد لأحد. الراغب: العبودية متضمنة للمذلة إذا اعتبرت بغير الله، وإذا اعتبرت بالله كانت مقر الشرف؛ فلهذا لا استنكاف منها، والاستكبار طلب التكبر بغير استحقاق، والتكبر قد يكون باستحقاق؛ وذلك إذا كان طلباً لعزة النفس والتلطف عن الأعراض الدنيوية، والفرق بينهما: أن الاستنكاف تكبر في تركه أنفة، وليس في الاستكبار ذلك.

قوله: (ولا من هو أعلى منه قدراً). قال محي السنة: يستدل بتفضيل الملائكة على البشر بهذه الآية؛ لأن الله ارتقى من عيسى إلى الملائكة ولا يرتقي إلا إلى الأعلى؛ إذ لا يقال: لا يستنكف فلان من كذا ولا عبده، وإنما يقال: ولا مولاه. ولا حجة لهم فيه؛ لأنه لم يقل ذلك رفعاً لمقامهم على مقام البشر، بل رداً على الذين يقولون: الملائكة آلهة، كما رد على النصارى قولهم: المسيح ابن الله، ونحوه عن صاحب "الفرائد".

وقال القاضي: الآية رد على عبدة المسيح والملائكة فلا يتجه ذلك وإن سُلم اختصاصها بالنصارى؛ لأن الكلام فيهم، فلعله أراد بالعطف المبالغة باعتبار التكثير دون التكبير، كقولك: أصبح الأمير لا يخالفه رئيس ولا مرؤوس، وإن أراد به التكبير فغايته تفضيل المقربين من الملائكة- وهم الكروبيون - على المسيح من الأنبياء؛ وذلك لا يستلزم فضل أحد الجنسين على الآخر مطلقاً والنزاع فيه.

وقال صاحب "التقريب": المثال لا يصحح به الكُلِّي، لأنه إنما يدل لسبق العلم بزيادة البحر على حاتم، أما إذا قلت: لا يفعله زيدٌ ولا عمرو، لم يفهم التفضيل؛ فدلالتها على

ص: 241

وأعظم منه خطراً، وهم الملائكة الكروبيون الذين حول العرش، كجبريل وميكائيل وإسرافيل، ومن في طبقتهم. فإن قلت: من أين دلّ قوله: (ولَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ) على أنّ المعنى: ولا من فوقه؟ قلت: من حيث أنّ علم المعاني لا يقتضي غير ذلك، .........

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تفضيل الملائكة تتوقف على معرفة أفضليتهم وبالعكس فيدور؛ ولأن الواو لا توجب الترتيب، ولأنه يدل على أن جميع الملائكة أفضل لأنها جمع معرف فيفيد العموم لا أن كل واحد أفضل وهو المطلوب، وإن ادعى أنه ذوقي وجداني فالوجدانيات لا يستدل بها على الخصم.

وقلت: الجواب الصحيح أن يقال: إن قوله: "أن الكلام إنما سيق لرد مذهب النصارى" فوجب أن يقال لهم: لن يترفع عيسى عن العبودية ولا من هو أرفع درجة؛ لأن هذا الرد غنما يتمشى معهم وينتهض للحجة عليهم إذا سلموا أن الملائكة أفضل من عيسى عليه الصلاة والسلام، ودونه خرط القتاد! فكيف والنصارى يرفعون درجته إلى الإلهية؟

قوله: (وهم الملائكة الكروبيون). قال في "الفائق": الكروبيون سادة الملائكة، منهم جبريل وميكائيل وإسرافيل، هم المربون، وكرب: إذا قرب، قال أمية بن أبي الصلت:

كروبية منهم ركوع وسُجد

قوله: (إن علم المعاني لا يقتضي غير ذلك)، هذا الحصر ممنوعٌ، وغايته أنه باب الترقي، وتقريره ما ذكره الإمام، قال: رُوي أن وفد نجران، وساق القصة بتمامها كما في الكتاب، وقال: معناه: أنكم إن استنكفتم عن أن يكون عيسى عبد الله، وتزعمون أنه ابن الله أو كما قالوا؛ بسبب أنه كان يخبر عن المغيبات ويأتي بخوارق العادات من إحياء الموتى؛ فإن اطلاع الملائكة على المغيبات أكثر، وقدرتهم على التصرف في هذا العالم أشد؛ وكيف لا وجبريل عليه الصلاة والسلام قلع مدائن لوط بريشة واحدة من جناحه؟ وأيضاً، إنكم

ص: 242

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إنما تتخذون عيسى رباً وإلاها؛ لأنه وُجد بغير أب، فالملائكة أولى لأنهم وُجدوا بغير أب وأم، وإذا كانوا مع هذا لا يستنكفون فالمسيح أولى.

وقلت: والذي يقتضيه النظم أن يكون الأسلوب من باب التتميم والمبالغة لا الترقي؛ وذلك أن قوله تعالى: {إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ} إثبات للتوحيد على القصر، وتقرير لصفة الفردانية على الوجه الأبلغ؛ لأن المعنى: ما الله إلا واحد فردٌ في الإلهية لا شريك له فيها، ولا يصح أن يسمى غيره إلهاً، وأن قوله:{لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} إثبات لصفة المالكية والخالقية على الاختصاص أيضاً؛ وذلك بتقديم الظرف على المبتدأ، وفيه أن ما سواه مملوكه تحت تصرفه وتدبيره ومن جملته المسيح والملائكة وكل ما عُبِدَ من دون الله، وأن قوله:{وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً} إثبات لكمال قدرته على الاختصاص أيضاً، وبيان أن غيره غيرُ مستقل بنفسه وأن أموره موكولة إليه لا إلى غيره، ثم إنه تعالى لما قرر الفردانية والمالكية والقدرة التامة، كل ذلك على الاختصاص- أتبعه قوله:{لَنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ} إلى آخر الآيات؛ بياناً وتذييلاً وتقريراً لاستحقاقه العبودية وإنكار أن أحداً يستنكف ويستكبر عن عبادته، المعنى: لا يستقيم بعد هذا التقرير أن يتصور أن أحداً يستكبر على الله ويستنكف عن عبوديته، المعنى: لا يستقيم بعد هذا التقرير أن يُتصور أن أحداً يستكبر على الله ويستنكف عن عبوديته: لا الذي تتخذونه أنتم أيها النصارى إلها لكمال فيه، ولا من اتخذه غيركم من الملائكة لقربهم من الله. وإنما قلنا: لكمال فيه؛ لأن في تصريح ذكر المسيح بعد سبق ذكره من قوله: {إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ} إشعاراً بالعلية. وأيضاً، قد تقرر أن المعرف إذا أعيد كان الثاني عين الأول؛ وإذا كان كذلك يحصل بين تخصيص ذر الروح وبين ذكر المقرب فرقٌ، وهذا هوا لجواب عن قوله الآتي:"ويدل عليه دلالة ظاهرة بينة تخصيص المقربين"، وبهذا البيان ظهر أن ذكر الملائكة المقربين للاستطراد- كما قال محيي السنة - لم يقل رفعاً لمقامهم على مقام البشر؛ بل رداً على الذين يقولون: الملائكة آلهة، كما رد على

ص: 243

وذلك أنّ الكلام إنما سيق لرد مذهب النصارى وغلوّهم في رفع المسيح عن منزلة العبودية، فوجب أن يقال لهم: لن يترفع عيسى عن العبودية ولا من هو أرفع منه درجةً، كأنه قيل: لن يستنكف الملائكة المقرّبون من العبودية، فكيف بالمسيح؟ ويدل عليه دلالة ظاهرةً بينة تخصيص المقرّبين؛ لكونهم أرفع الملائكة درجة وأعلاهم منزلةً. ومثاله قول القائل:

وَمَا مِثْلُهُ مِمَّنْ يُجَاوِدُ حَاتِمٌ

وَلَا الْبَحْرُ ذُو الْأَمْوَاجِ يَلْتَجُّ زَاخِرُهْ

لا شبهة في أنه قصد بالبحر ذى الأمواج: ما هو فوق حاتم في الجود. ومن كان له ذوق فليذق مع هذه الآية قوله: (وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصارى)[البقرة: 120]

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

النصارى، وتبين بقوله:{وَمَنْ يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ} الآية، أن الكلام في العبودية ونفي الاستنكاف لا الأفضلية؛ لكونه تذييلاً للكلام السابق.

قوله: (وما مثله ممن يجاود) البيت، أي: وما مثله حاتمٌ مما يجاود، وقيل: الصواب: وما مثله ممن يجاوده حاتم، أي: لا يقدر حاتم على مجاودة مثل الممدوح، وجاودت الرجل، من الجود، مثل: ما جدته من المجد، التج البحر: ارتفع.

قوله: (فليذق مع هذه الآية) أي: ليجرب الفكر ليعلم أن الفرق بينهما في معنى الأفضلية. أما الموازنة بين الاثنين فهي أن قوله: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى} [البقرة: 120] كلام واردٌ في انتفاء الرضا عن الفريقين على المبالغة؛ نفي الرضا أولاً عمن هو أبعدُ في الرضا وهم اليهود، ثم عمن هو أقرب إليه وهم النصارى، على معنى: لا يرضى عنك من هو أقرب إلى الرضا وهم النصارى، فكيف بمن هو أبعد منه؟ لقوله تعالى:{لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا} الآية [المائدة: 82]. فالمعنى على زعمه: لن يستنكف الملائكة المقربون مع جلالتهم وقرب منزلتهم من أن يكونوا عبيداً لله، فكيف بالمسيح الذي هو دونهم؟ وقلت: قد مر أنه من باب التتميم لا الترقي.

ص: 244

حتى يعترف بالفرق البين. وقرأ علىّ رضى اللَّه عنه: عُبيداً للَّه، على التصغير.

وروي: أن وفد نجران قالوا لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: لم تعيب صاحبنا؟ قال: "ومن صاحبكم" قالوا: عيسى، قال: وأى شيء أقول؟ قالوا: تقول: إنه عبد اللَّه ورسوله، قال:"إنه ليس بعارٍ أن يكون عبداً للَّه". قالوا: بلى، فنزلت: أي: لا يستنكف عيسى من ذلك فلا تستنكفوا له منه، فلو كان موضع استنكافٍ لكان هو أولى بأن يستنكف؛ لأنّ العار ألصق به. فإن قلت: علام عطف قوله: (ولَا الْمَلائِكَةُ)؟ قلت: لا يخلو إمّا أن يعطف على (المسيح) أو على اسم (يكون)، أو على المستتر في (عَبْداً)؛ لما فيه من معنى الوصف لدلالته على معنى العبادة، كقولك: مررت برجلٍ عبدٍ أبوه، فالعطف على (المسيح) هو الظاهر لأداء غيره إلى ما فيه بعض انحرافٍ عن الغرض، وهو أن المسيح لا يأنف أن يكون هو ولا من فوقه موصوفين بالعبودية، أو أن يعبد اللَّه هو ومن فوقه. فإن قلت: قد جعلت الملائكة وهم جماعة "عبداً" للَّه في هذا العطف، فما وجهه؟ قلت: فيها وجهان: أحدهما: أن يراد ولا كل واحدٍ من الملائكة، أو ولا الملائكة المقرّبون أن يكونوا عباداً للَّه، فحذف ذلك لدلالة (عبد الله) عليه إيجازاً، وأمّا إذا عطفتهم على الضمير في (عَبْداً) فقد طاح هذا السؤال ......

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (فلا تستنكفوا له) أي: لعيسى عليه الصلاة والسلام.

قوله: (منه) أي: من أن يكون عبداً.

قوله: (لا يأنف أن يكون هو ولا من فوقه) هذا على أن يكون عطفاً على اسم {يَكُونُ} ، وإنما كان منحرفاً لأن إسناد عدم الاستنكاف حينئذ منه لا من الملائكة، والذي سيق له الكلام عدم استنكاف الملائكة أيضاً، قال صاحب "التقريب": وجود "لا" في المعطوف يستدعي العطف على المسيح؛ لأنه المنفي أولاً.

قوله: (طاح) أي: سقط هذا السؤال؛ لأن {يَكُونُ} يدل على معنى العبادة، كأنه قيل: أن تعبد الله؛ لأن فعل الجماعة يوجد متقدماً عليها.

ص: 245

قرئَ: (فسنَحْشُرُهُمْ) بضم الشين وكسرها وبالنون.

[(فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذاباً أَلِيماً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً* يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً* فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً)].

فإن قلت: التفصيل غير مطابق للمفصل لأنه اشتمل على الفريقين، والمفصل على فريق واحد. قلت: هو مثل قولك: جمع الإمام الخوارج، فمن لم يخرج عليه كساه وحمله، ومن خرج عليه نكل به، وصحة ذلك لوجهين، أحدهما: أن يحذف ذكر أحد الفريقين لدلالة التفصيل عليه، ولأنّ ذكر أحدهما يدل على ذكر الثاني، كما حذف أحدهما في التفصيل في قوله عقيب هذا:(فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ). والثاني: وهو أن الإحسان إلى غيرهم مما يغمهم، فكان داخلاً في جملة التنكيل بهم، فكأنه قيل: ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر، فسيعذب بالحسرة إذا رأى أجور العاملين وبما يصيبه من عذاب اللَّه. البرهان والنور المبين: القرآن. أو أراد بالبرهان دين الحق أو رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم. وبالنور المبين: ما يبينه ويصدقه من الكتاب المعجز (فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ): في ثواب مستحق وتفضل (وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ): إلى عبادته (صِراطاً مُسْتَقِيماً): وهو طريق الإسلام. والمعنى: توفيقهم وتثبيتهم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (فسنحشرهم) القراءتان شاذتان، والمشهور بالياء وضم الشين.

قوله: (والثاني، وهو أن الإحسان) حاصله أن قوله: {فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً} وعيد للمستنكفين بالعذاب، وقوله:{فَأَمَّا الَّذِينَ} تفصيلٌ للعذاب، فصله بنوعي العذاب؛ أحدهما: النكال، وثانيهما: عذاب الحسرة وشماتة الأعداء، وحاصل الجوابين أن قوله:{فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً} من اللف، إما على الحذف، أو على التضمين.

ص: 246

[(يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالاً وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)].

روي: أنه آخر ما نزل من الأحكام. كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في طريق مكة عام حجة الوداع، فأتاه جابر بن عبد اللَّه فقال: إنّ لي أختاً فكم آخذ من ميراثها إن ماتت؟ وقيل: كان مريضاً فعاده رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فقال: إني كلالة، فكيف أصنع في مالي؟ فنزلت (إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ): ارتفع (امرؤاً) بمضمر يفسره الظاهر، ومحل (لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ) الرفع على الصفة لا النصب على الحال، أي: إن هلك امرؤ غير ذي ولد، والمراد بالولد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (روي أنه آخر ما نزل من الأحكام) روينا عن البخاري ومسلم والترمذي، عن البراء قال: آخر آية نزلت آية الكلالة، وآخر سورة نزلت سورة براءة.

وأما حديث جابر فرواه الشيخان وغيرهما، قال: مرضت فأتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني وأبو بكر رضي الله عنه وهما ماشيان، وفي رواية: وعندي سبع أخوات، فأفقت، فقلت: يا رسول الله، ألا أوصي لأخواتي بالثلثين؟ قال:"أحسن"، قلت: بالشطر؟ قال: "أحسن"، ثم خرج، وقال:"يا جابر، قد أُنزل فبين الذي لأخواتك فجعل لهن الثلثين"، وكان جابر يقول: أنزلت في هذه الآية.

قوله: (لا النصب على الحال)؛ لأن ذا الحال نكرة غير موصوفة، فإن {هَلَكَ} مفسر للفعل المحذوف لا صفة.

قوله: (والمراد بالولد الابن) إلى آخره، قيل: الأولى أن يُجرى الولد على عمومه ليشمل الابن والبنت؛ فإن الأخت مع وجود البنت الواحدة ترث بالعصوبة لا لخصوصية كون

ص: 247

الابن وهو اسم مشترك يجوز إيقاعه على الذكر وعلى الأنثى؛ لأن الابن يسقط الأخت ولا تسقطها البنت إلا في مذهب ابن عباس، وبالأخت التي هي لأب وأم دون التي لأم، لأنّ اللَّه تعالى فرض لها النصف وجعل أخاها عصبةً وقال:(لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ)[النساء: 110]، وأما الأخت للأم فلها السدس في آية المواريث مسوّى بينها وبين أخيها. (وَهُوَ يَرِثُها): وأخوها يرثها إن قدر الأمر على العكس من موتها وبقائه بعدها. (إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ)، أي: ابن؛ لأن الابن يسقط الأخ دون البنت. فإن قلت: الابن لا يسقط الأخ وحده، فإن الأب نظيره في الإسقاط، فلم اقتصر على نفي الولد؟ قلت: بين حكم انتفاء الولد، ووكل حكم انتفاء الوالد إلى بيان السنة،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

النصيب نصفاً، ويوضح ذلك قوله تعالى:{فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ} ، فإن الثلثين إنما يجوزان بشرط عدم الولد لا بشرط عدم الابن فقط، والحاصل أنه تعالى فرض للأخت النصف عند عدم الولد، وهو مطرد لا إشكال في منطوقه، وأما إذا انتفى قيد عدم الولد فالحكم أيضاً ظاهر؛ لأنه إن كان له ابن وبنت فليس للأخت شيء، وإن كان له بنتان فليس لها النصف، وكذا إن كان له بنت؛ لأنها حينئذ ترث بالعصوبة كما قررنا.

قوله: (وبالأخت التي هي لأب وأم أو لأب دون التي لأم) عطف على قوله: "بالولد الابن" يريد أن قوله: {وَلَهُ أُخْتٌ} وإن كان مطلقاً لكنه مقيد. قال الإمام: في الآية تقييدات ثلاثة؛ أحدها: أن ظاهرها يقتضي أن الأخت تأخذ النصف عند عدم الولد، فأما عند وجود الولد فلا، وليس كذلك؛ بل شرط كون الأخت بحيث تأخذ النصف أن لا يكون للميت ابن، فإن كان له بنت؛ فالأخت تأخذ النصف أيضاً، وثانيها: أن ظاهرها يقتضي أنه إذا لم يكن للميت ولدٌ ووالد، فإن الأخت لا ترث مع الوالد بالإجماع، وثالثها: أن قوله: {وَلَهُ أُخْتٌ} يقتضي إطلاقها، وليس كذلك؛ بل الشرط أن لا تكون الأخت من الأم والأخ من الأم؛ لأن الله تعالى قد بين حكم كل واحد منهما.

ص: 248

وهو قوله صلى الله عليه وسلم: (ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى عصبة ذكر) والأب أولى من الأخ، وليسا بأول حكمين بين أحدهما بالكتاب والآخر بالسنة، ويجوز أن يدل حكم انتفاء الولد على حكم انتفاء الوالد؛ لأن الوالد أقرب إلى الميت من الوالد، فإذا ورث الأخ عند انتفاء الأقرب فأولى أن يرث عند انتفاء الأبعد؛ ولأن الكلالة تنتاول انتفاء الوالد والولد جميعا، فكان ذكر انتفاء أحدهما دالا على انتفاء الآخر. فإن قلت: إلى من يرجع ضمير التثنية والجمع في قوله: {فإن كانتا اثنتين} ، {وإن كانوا إخوة}؟ قلت: أصله: فإن كان من يرث بالأُخُوة اثنتين، وإن كان من يرث بالأخوة ذكورا وإنانا، وإنما قيل:{فإن كانتا} و (إن كانوا) كما قيل: من كانت أمك، فكما أنث ضمير (من) لمكان تأنيث الخبر، كذلك ثني وجمع ضمير من يرث في {كانتا} و {كانوا}؛ لمكان تثنية الخبر وجمعه. والمراد بالإخوة: الإخوة والأخوات؛ تغليبا لحكم الذكورة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (فإذا ورث الأخ عند انتفاء الأقرب فأولى أن يرث عند انتفاء الأبعد)، قال صاحب "التقريب": وفيه نظر، ووجه النظر أن طريقة الأولوية غنما تحسن في الإثبات هنا، كما تقول: إذا ورث عند وجود الابن فلأن يرث عند وجود الأب أولى؛ لأنه أبعد عن الابن، وأما في النفي فلا؛ لأن الحك كما ثبت بانتفاء الصارف القوي لا يلزم أن يثبت بانتفاء الضعيف. وقلت: يمكن أن يقال: إن أصل الكلام: يستفتونك في الكلالة قل الله يفتيكم فيها إن امرؤ هل يورث كلالة، كما في قوله تعالى:{وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً} [النساء: 12]، ولا يخفى أن الكلالة هو: من لا يخلف أحد عمودي النسب - أعني الوالد والولد - فخص الولد بالذكر دلالة على انه الأولى في هذا المعنى من الأب ومراعاة جانبه أحرى.

قوله: (تغليباً) هو مفعول له؛ لأن قوله: والمراد في معنى قولك: أراد بالإخوة؛ فهو فعلٌ لفاعل الفعل المعلل، فحذف اللام، ويجوز أن يكون مفعولاً مطلقاً، أي: غلب حكم الذكورة تغليباً.

ص: 249

(أَنْ تَضِلُّوا) مفعول له. ومعناه: كراهة أن تضلوا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ومعناه كراهة أن تضلوا)، قال الإمام: قال البصريون: المضاف محذوف. أي: يبين الله لكم كراهة أن تضلوا، كقوله تعالى:{وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ} [يوسف: 82]. وقال الكوفيون: حرف النفي محذوف؛ أي: يبين الله لكم لئلا تضلوا، كقوله تعالى:{إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا} [فاطر: 41] أي: لئلا تزولا. وقال الزجاج: إن "لا" تُضمر؛ لأن حذف حرف النفي لا يجوز ولكن يراد للتوكيد، ويجوز حذف المضاف، وهو كثير. وقال الجرجاني صاحب "النظم": يبين الله لكم الضلالة لتعلموا أنها ضلالة فتجتنبوها.

الراغب: {يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا} أي: لترجعوا إلى كتابه إذا جهلتم فتعلموا منه، أي: يبين الله لكم ضلالكم الذي من شأنكم أن تُنجزوه إذا تُركتم وشأنكم، ومن تبين له الضلالة تبين له الحق؛ فإن معرفة أحدهما مضمن لمعرفة الآخر، ولا يتم من دونه، وقد قال تعالى:{فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ} ، بل هذا أبلغ من قولهم: يبين الله لكم أن لا تضلوا؛ لأن في معرفة الشر معرفة الخير، وليس في معرفة الخير المعرفتان جميعاً، فالإنسان إذا تُرك عن المزاجر والنواهي ولم يؤخذ بمقتضى العقل صار بالطبع بهيمة.

وقلت: النظم مع صاحب النظم؛ لأن هذه الخاتمة ناظرة على الفاتحة، وهي قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ} [النساء: 1]، فإن براعة الاستهلال دلت إجمالاً على أنهم كانوا على أمور يجب اجتنابها وضلالة أن يُتقى منها؛ ومن ثم فصلت أولاً بقوله:{وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ} [النساء: 2]؛ قال المصنف: "كانوا مستغنين عن أموال اليتامى بما رزقهم الله تعالى ومع ذلك يطمعون فيها"، وثانياً: بقوله: {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} [النساء: 4]؛

ص: 250

عن النبي صلى الله عليه وسلم: "من قرأ سورة النساء فكأنما تصدّق على كل مؤمنٍ ومؤمنةٍ ورث ميراثاً، وأعطي من الأجر كمن اشترى محرّراً، وبُرئ من الشرك، وكان في مشيئة اللَّه من الذين يتجاوز عنهم".

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قال: "في الآية دليل على ضيق المسلك ووجوب الاحتياط"، وثالثاً: بقوله: {وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ} [النساء: 5]؛ قال: "هو أمرٌ لكل أحد ألا يخرج ماله إلى أحد من السفهاء"، ورابعاً: بقوله: {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ} [النساء: 7]؛ قال: "كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء والأطفال ويقولون: لا يرث إلا من طاعن بالرماح"، وخامساً: بقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَاكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى} [النساء: 10]، وسادساً: بقوله: {وَاللاَّتِي يَاتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ} [النساء: 19] الآيات؛ قال: "كانوا يبلون النساء بضروب من البلايا ويظلمونهن بأنواع من الظلم

" إلى آخره، وثامناً: بقوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} [النساء: 39]، وعاشراً: بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَاكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [النساء: 29]، وعاشراً: بقوله: {وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ} [النساء: 32]

وهلم جرا إلى هذه الغاية؛ ومن ثم رجع عوداً إلى بدء من حديث الميراث بقوله تعالى: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ} ، فظهر أن التقدير: يبين الله ضلالكم لئلا تضلوا؛ فالعلة محذوفة والمفعول مذكور على خلاف تقدير الجمهور، والله أعلم.

تمت السورة بحمد الله

ص: 251

‌سورة المائدة

مدنية وهي مائة وعشرون آية

بسم الله الرحمن الرحيم

[(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلاَّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ)].

يقال وفى بالعهد وأوفى به ومنه: (والموفون بعهدهم)[البقرة: 177]. والعقد: العهد الموثق، شبه بعقد الحبل ونحوه، قال الحطيئة:

قَوْمٌ إذَا عَقَدُوا عَقْداً لِجَارِهِمِ

شَدُّوا الْعِنَاجَ وَشَدُّوا فَوْقَهُ الْكَرَبَا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

سورة المائدة

مئة وثلاث وعشرون آية

بسم الله الرحمن الرحيم

قوله: (قومٌ إذا عقدوا عقداً) البيت، العناج في الدلو العظيمة: حبلٌ أو بطان يشد في أسفلها، ثم يشد بالعراقي فيكون عوناً وللأوذام، فإذا انقطعت الأوذام أمسكها العناج، فإذا كانت الدلو خفيفة فعناجها خيط يشد في إحدى آذانها إلى العرقوة، والكرب:

ص: 252

وهي عقود اللَّه التي عقدها على عباده وألزمها إياهم من مواجب التكليف. وقيل: هي ما يعقدون بينهم من عقود الأمانات ويتحالفون عليه ويتماسحون من المبايعات ونحوها، والظاهر أنها عقود اللَّه عليهم في دينه من تحليل حلاله، وتحريم حرامه، وأنه كلام قدم مجملاً، ثم عقب بالتفصيل وهو قوله:(أُحِلَّتْ لَكُمْ) وما بعده.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الحبل الذي يُشد في وسط العراقي ثم يُثنى ثم يُثلث ليكون هذا يلي الماء فلا يعفن الحبل الكبير، والوذم: السيور التي بين آذان الدلو وأطراف العراقي، والعراقي: بفتح العين والراء والقاف مقصورة، والعرقوتان: الخشبتان اللتان تعرضان على الدلو كالصليب، يصف قومه بوفاء العهد، استعار للعهد عقد الحبل على الدلو، ثم رشح الاستعارة مرة بشد العناج وأخرى بشد الكرب؛ لأنهما للتوثيق والاحتياط، بوعده:

قوم هم الأنف والأذناب غيرهم

ومن يسوي بأنف الناقة الذنبا

قوله: (من مواجب التكليف)، الأساس: وجب البيع وأوجبته: ألزمته، وفعلت ذلك إيجاباً لحقك، وهذا أقل مواجب الأخوة، فعلى هذا المراد بوفاء العهود جميع ما ألزمه الله تعالى من التكاليف، ولا يختص بتحليل الحلال ولا بتحريم الحرام.

قوله: (والظاهر أنها عقود الله [عليهم] في دينه من تحليل حلاله وتحريم حرامه). قال الكواشي: ذكر هذه المقدمة ثم عقبها بالأحكام ليلتزموا العمل بها، كقولك للرجل: افعل ما آمرك به، ثم تذكر له ما تريده منه، وذلك أنه تعالى أمر المكلفين بوفاء العقود وأتى بقوله:{أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ} مفصولاً عنه على سبيل البيان، وعقبه بما هو مشتمل على تحريم الحرام وتحليل الحلال.

ص: 253

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقلت: الظاهر هو الأول، لأن "العقود" جمعٌ محلي باللام مستغرق لجميع ما يصدق عليه أنه عقود الله تعالى من الأصول والفروع، ولكن المذكور في السورة أمهاتها وأصولها منصوصاً. وسائر ما يستتبعه مفهوماً ومرموزاً، فقوله تعالى:{وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} [المائدة: 2] وقوله تعالى: {كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ} [المائدة: 8] وقوله: {اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة: 8] وقوله: {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ} [المائدة: 66]، ثم كَرَّ إلى ذكر الصلاة وعلق به قرينتها التي هي الزكاة في قوله تعالى:{وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمْ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمْ الزَّكَاةَ} [المائدة: 12]، وأومأ إلى الحج بتعظيم شعائر الله في قوله:{جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِلنَّاسِ} [المائدة: 97]، وأما المعاملات فقد أدمج في قوله:{شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ} [المائدة: 106] ما يمكن أن يستنبط منه بعض أحكامها، وكذا المناكحات في قوله:{وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [المائدة: 5]. هذا، وإن قسم الجراحات والحدود والجهاد والأطعمة والأشربة والحكومات وغيرها، السورة مملوءة منها مشحونة بها، ومن أراد أن يستوعب جميع ما يتعلق بربع الجراح فلا يعوزه ذلك نصاً وإشارة، ولأمر ما أخر نزول هذه السورة وفذلكت بقوله تعالى:{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً} [المائدة: 3].

روينا عن الترمذي، عن عبد الله بن عمرو: آخر سورة أنزلت: المائدة.

ص: 254

البهيمة: كلّ ذات أربع في البرّ والبحر، وإضافتها إلى الأنعام للبيان، وهي الإضافة التي بمعنى «من» كخاتم فضة. ومعناه: البهيمة من الأنعام.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وعنه، عن ابن عباس أنه قرأ {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} الآية، وعنده يهودي، فقال: لو أنزلت علينا هذه الآية لاتخذناها عيداً، فقال ابن عباس: فإنها نزلت في يوم عيدين، في يوم جمعة، ويوم عرفة. ونحوه عند البخاري ومسلم، عن عمر رضي الله عنه.

الراغب: العقود باعتبار المعقود والعاقد ثلاثة أضرب: عقد بين الله وبين العبد، وعقد بين العبد ونفسه، وعقد بينه وبين غيره من البشر، وكل واحد باعتبار الموجب له ضربان: ضربٌ أوجبه العقل، وهو ما ذكر الله معرفته في الإنسان فيتوصل إليه إما ببديهة العقل وإما بأدنى نظر، دل عليه قوله تعالى:{وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ} الآية [الأعراف: 172]، وضرب أوجبه الشرع، وهو ما دل عليه كتاب الله وسنة نبيه، فذلك ستة أضرب، وكل واحد من ذلك إما أن يلزم ابتداء، أو يلزم بالتزام الإنسان إياه، والثاني أربعة أضرب، فالأول: واجب الوفاء؛ كالنذور المتعلقة بالقرب، نحو أن يقول: عليَّ أن أصوم إن عافاني الله، والثاني: مستحب الوفاء به ويجوز تركه، كمن حلف على ترك فعل مباح فإن له أن يكفر عن يمينه ويفعل ذلك، والثالث: مستحب ترك الوفاء به، وهو ما قال صلى الله عليه سلم:"إذا حلف أحدكم على شيء فرأى غيره خيراً منه فليأت الذي هو خير منه وليكفر عن يمينه"، والرابع: واجب ترك الوفاء به، نحو أن يقول: عليَّ أن أقتل فلاناً المسلم، فيحصل من ضرب ستة في أربعة أربعةٌ وعشرون ضرباً، وظاهر الآية يقتضي كل عقد سوى ما كان تركه قربة أو واجباً.

قوله: (ومعناه البهيمة من الأنعام). قال الزجاج: كل حي لا يميز فهو بهيمة، لأنه أبهم عن

ص: 255

(إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ إلا محرّم): ما يتلى عليكم من القرآن، من نحو قوله:(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ)[المائدة: 3]، أو (إلا ما يتلى عليكم) آية تحريمه. والأنعام: الأزواج الثمانية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أن يميز، فأعلم الله عز وجل أن الذي أحل لنا مما أبهم هذه الأشياء.

الراغب: البهيمة: ما لا نطق له من الحيوان، ثم اختص في التعارف بما عدا السباع والطير، ثم استعملت في الأزواج الثمانية إذا كانت معها الإبل، ولا يدخل في لك الخيل والبغال والحمير، ووجه إضافتها إلى الأنعام كقوله تعالى:{فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الأَوْثَانِ} [الحج: 30].

قوله: ({إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ} آية تحريمه) عطفٌ على قوله: "إلا محرم ما يتلى عليكم"، وإنما قدر ذلك لأنه لابد من المناسبة بين المستثنى والمستثنى منه في الاتصال، فلا يستقيم استثناء الآيات من البهيمة، فيقدر إما المضاف كما يقال: إلا محرم ما يتلى عليكم، أي: الذي حرمه المتلو، وإما الفاعل، بأن يقال: إلا البهيمة التي يتلى عليكم آية تحريمها، فقوله:"آية تحريمه" يشعر بأن الأصل هذا ثم حُذف المضاف الذي هو آية، وأقيم المضاف إليه مقامه وهو "تحريمه"، ثم حذف المضاف ثانياً وأقيم الضمير المجرور مقامه فانقلب الضمير المجرور مرفوعاً واستتر في {يُتْلَى} وعاد إلى {ما} كقوله:

أسال البحار فانتحى للعقيق

أي: أسال سُقيا سحابه. وقال أبو البقاء: {إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ} استثناء متصل، والتقدير: أحلت لكم بهيمة النعام إلا الميتة، وما أهل لغير الله مما ذكر في الآية الثالثة من السورة.

ص: 256

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقال محيي السنة: {إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ} أي: ما ذُكِر في قوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ} إلى قوله: {وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ} [المائدة: 3]، وهذا هو المراد من قول المصنف:"إلا محرم ما يُتلى عليكم من القرآن من نحو قوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ} ".

انظر أيها المتأمل في نظم هذه الآيات، فإنها مدمج بعضها في بعض وارد على أسلوب عجيب ونمط بديع، وذلك أنه تعالى لما أراد أن يشرع في عقد من العقود المعتبرة فيا لدين، وهو شرعية مناسك الحج، وتعظيم شعائر الله، على وجه يستتبع أحكاماً جمة، ذكر تحليل بهيمة الأنعام توطئة وتسبيباً لذكر تعظيم شعاره، واستثنى منها ما هي محرمة على الإبهام المستدعي للتفصيل والبيان، وجعل قوله:{غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} قيداً للتوطئة ليتخلص منها إلى المقصود بسببه مشتملاً على معنى رفع الحرج امتناناً، كما قال تعالى: أحللنا لكم بعض الأنعام في حال امتناعكم من الصيد وأنتم محرمون لئلا نحرج عليكم، ثم أتى بما اجري له الكلام معظماً مفخماً، فكرر النداء والتنبيه، وذكر المؤمنين بعد استهلال السورة به اعتناء بشأن المتلو بعده وعم النهي في تحليل شعائر الله، واستطرد قصة حجاج اليمامة، ليشير به إلى أن الحيلولة بين الشعائر وبين المتنسكين بها وإن كانوا مخالفين بل مجرمين: تحليل لشعائر الله المنهي عنها، وأوقع ما كان موافقاً لمعنى القيد والتخلص من قوله:{وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} [المائدة: 2] اعتراضاً بين القصة ليكون إشارة وإدماجاً إلى أن القاصدين ما داموا محرمين مبتغين فضلاً من ربهم كانوا كالصيد عند المحرم فلا تتعرضوا لهم، وإذا حللتم أنتم وهم فشأنكم وإياهم؛ لأنهم صاروا كالصيد المباح أبيح لكم تعرضهم حينئذ.

ولما فرغ من بيان ما أجري له الكلام أصالة شرع في بيان ما أجمل فيما أتى به، تمهيداً وتوطئة، وهو قوله:{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ} [المائدة: 3]، وكما أورد ما كان متصلاً بالتوطئة في

ص: 257

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المعنى اعتراضاً في القصة؛ أورد ما هو متصل بالمقصود معنى اعتراضاً في التفصيل ليصير الأصل والفرع شيئاً واحداً، وذلك قوله:{الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ} وقوله: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3]، وإنما قلنا: إنه متصل بالمقصود لأن التعريف في {الْيَوْمَ} إشارة إلى ذلك اليوم الذي نهوا فيه عن تحليل شعائر الله وتعريض القاصدين، وأشار بالاعتراض الأول، وهو قوله:{إِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} [المائدة: 2] إلى معنى دقيق، وهو أن هذا يوم لكم اليد والسلطان على الناس فلا تخيفوهم وإن كانوا مجرمين؛ وإليه الإشارة بقوله:"ومعنى الاعتداء: الانتقام منهم بإلحاق مكروه بهم، وتعاونوا على العفو والإغضاء ولا تعاونوا على الانتقام والتشفي"، وبالاعتراض الثاني، وهو قوله:{الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ} إلى قوله: {دِيناً} [المائدة: 3] إلى أن لا تخافوا الناس أيضاً وأبشروا بإكمال الدين الحنيفي وهدم منار الجاهلية كلها، ومنها إبطال مناسكهم.

وعن محيي السنة، عن سعيد بن جبير وقتادة:{أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} فلم يحج معكم مشرك، وإليه أشار المصنف بقوله:"وهدم منار الجاهلية ومناسكهم وإن لم يحج معكم مشرك". وأبرز هذا الاعتراض في معرض الإيجاز الجامع، لأنه متضمن لجميع ما هو مفتقر إليه من أمور الدين من الأصول والفروع، وأمور الدنيا من الفتح والظفر والأمن من الأعداء على سبيل الإدماج، فاجتمع في هذا المقام أساليب جمة، فنذكر بعض ما يحضرنا الآن، منها: حسن المطلع، ضمن قوله:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} معنى براعة الاستهلال لاشتمال السورة مفتتحاً ومختتماً على العقود.

ومنها: حُسن المطلب حيث جيء بـ"يا" الدالة على نداء البعيد وقرنت بحرف التنبيه تنبيهاً على أن المتلو بعدها معني به جداً.

ص: 258

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ومنها: أنه أوقع الموصولة متصلة بصلة تحث على الوفاء بالعهد وإن من حق من اتصف بوصف الإيمان الوفاء بالعهد، ومنها: أنه خص العقد بالذكر ليؤذن بالالتزام التام، ثم ذيل الكلام بما يشد من عضد الطلب وهو قوله:{إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ} ، لأنه عزل به آمر العقل وداعي الهوى، ورفع به منصب النص ومتابعة الهدى.

ومنها: التكرير، وهو: إعادة {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} [المائدة: 2] تأكيداً وتشديداً لتعظيم شعائر الله.

ومنها: حُسن المخلص، والتسبيب، والإيهام، والتفصيل، والاعتراض، والإدماج، والإيجاز الجامع، والاستطراد على ما سبق بيانها.

ومنها: التتميم، وهو: توخي المبالغة في النهي عن تعرض القاصدين مع كونهم مشركين وإن كانوا مجرمين.

ومنها: عكس التغليظ، وهو وصف الكافرين بصفة المؤمنين من الوصف بابتغاء الفضل والرضوان وإن حصل في العدو المناوئ.

ومنها: التكميل، وهو تعقيب {أَكْمَلْتُ} بـ {وَأَتْمَمْتُ} ، وسيجيء بيان ثلاثتها.

ومنها: التذييل، وهو قوله:{وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً} [المائدة: 3]، لأن من أنعم الله عليه بنعمة الإسلام لم تبق نعمة إلا أصابته، كما ذكره في سورة الفاتحة.

ومنها: المطابقة: طابق بين قوله: {أُحِلَّتْ لَكُمْ} وبين قوله: {لا تُحِلُّوا} [المائدة: 2] بالنفي والإثبات تارة، وبينه وبين {حُرِّمَتْ} [المائدة: 3] بحسب التضاد أخرى.

ومنها: المقابلة المعنوية، وهي في قوله:{وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2].

ص: 259

وقيل: (بهيمة الأنعام): الظباء وبقر الوحش ونحوها، كأنهم أرادوا ما يماثل الأنعام ويدانيها من جنس البهائم في الاجترار وعدم الأنياب، فأضيفت إلى الأنعام لملابسة الشبه.

(غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ) نصب على الحال من الضمير في: (لَكُمْ) أي: أحلت لكم هذه الأشياء لا محلين الصيد.

وعن الأخفش أن انتصابه عن قوله: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ).

وقوله: (وَأَنْتُمْ حُرُمٌ) حال عن (مُحلّى الصيد) كأنه قيل: أحللنا لكم بعض الأنعام في حال امتناعكم من الصيد وأنتم محرمون، لئلا نحرج عليكم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ومنها: عطف الخاص على العام، عطف {الْقَلائِدَ} على {الْهُدَى} ، ثم {الْهُدَى} على "الشعائر"، قال في سورة الحج:"الشعائر وهي الهدايا، لأنها من معالم الحج".

قوله: (وقيل: {بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ}: الظباء وبقر الوحش)، الراغب: لما علم في سورة الأنعام تحليل الأنعام نبه بقوله: {بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ} على تحليل البهيمة الجارية مجرى الأنعام، فيكون لهذه الآية دلالة على تحليل البهيمة وتحليل الأنعام؛ لأن المخاطبة للمسافرين إذا كانوا حلالاً، وعلى ذلك قول من قال: بهيمة الأنعام هي بقر الوحش والظباء.

قوله: {وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} حال عن {مُحِلِّي الصَّيْدِ} ، ومحلي: اسم فاعل مضاف إلى المفعول، وحذف النون للإضافة، والحالان متداخلان.

قوله: (أحللنا لكم بعض الأنعام) وإنما صرح بالبعض نظراً على المعنى، وإلى ما الاستثناء أبقاه.

قوله: (وأنتم محرمون) أي: داخلون في الإحرام أو في الحرم.

ص: 260

(إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ) من الأحكام، ويعلم أنه حكمة ومصلحة. و"الحُرم": جمع حرامٍ وهو المحرم.

[(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ)].

الشعائر: جمع شعيرة وهي: اسمُ ما أشعر، أي: جعل شعاراً وعلماً للنسك من مواقف الحج ومرامي الجمار، والمطاف والمسعى، والأفعال التي هي علامات الحج يعرف بها من الإحرام، والطواف والسعي والحلق والنحر. والشهر الحرام: شهر الحج.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ويعلم أنه حكمة ومصلحة) يريد أن قوله: {إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ} تذييل للكلام السابق وتعليل لشرعية العقود والأحكام كلها، وفيه دلالة على أن إرادة العموم من قوله:{أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} - وهي عقود الله التي عقدها على عباده وألزمها إياهم من مواجب التكليف - هي الوجه، وأن أحكام الله تعالى تعبدية لا مجال للعقل فيها، ومن ثم عقبه بما يتعلق بمناسك الحج من مواقفه ومرامي الجمار، والمطاف والمسعى والأفعال التي تقف عندها العقول، وتتحير دونها الأوهام.

الراغب: الحكم والحكمة من أصل واحد، إلا أنه إذا كان في القول قيل له: حُكمٌ وقد حَكم، وإذا كان في الفعل قيل له: حكمةٌ وحُكم وله حِكم؛ فإذا قلت: حكمت بكذا فمعناه: قضيت فيه بما هو حكمة، وإن كان يقال: حكم فلان بالباطل، بمعنى أجرى الباطل مجرى الحكمة، فحكم الله تعالى مقتض للحكمة لا محالة، فنبه بقوله:{إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ} على أن

ص: 261

والهدي: ما أُهدي إلى البيت وتقرب به إلى اللَّه من النسائك، وهو جمع هديةٍ كما يقال: جديٌ في جمع جدية السرج. والقلائد: جمع قلادةٍ، وهي ما قلد به الهدي من نعلٍ أو عروةٍ مزادةٍ، أو لحاء شجرٍ أو غيره.

وآمّوا المسجد الحرام: قاصدوه، وهم الحجاج والعمار. وإحلال هذه الأشياء أن يتهاون بحرمة الشعائر، وأن يحال بينها وبين المتنسكين بها، وأن يحدثوا في أشهر الحج ما يصدّون به الناس عن الحج، وأن يتعرض للهدي بالغصب أو بالمنع من بلوغ محله.

وأما (القلائد) ففيها وجهان:

أحدهما: أن يراد بها ذوات القلائد من الهدي، وهي البدن، وتعطف على (الهدى) للاختصاص، وزيادة التوصية بها لأنها أشرف الهدي، كقوله:(وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ)[البقرة: 89] كأنه قيل: والقلائد منها خصوصاً.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ما يريده يجعله حكمة حثاً للعباد على الرضا به، فالله تعالى يحكم ما يريد، وحكمه ماض، ومن رضي بحكمه استراح في نفسه وهدي لرشده، ومن سخط نفذ حكمه واكتسب بسخطه سخط الله وإهانته، كما ورد:"من لم يرض بقضائي ولم يصبر على بلائي ولم يشكر لنعمائي فليطلب رباً سواي".

قوله: (جدية السرج)، النهاية: الجدية: بسكون الدال: شيء يُحشى ثم يربط تحت دفتي السرج والرحلن ويجمع على جديات وجدي بالكسر.

ص: 262

والثاني: أن يُنهى عن التعرض لقلائد الهدى مبالغة في النهى عن التعرض للهدى، على معنى: ولا تحلوا قلائدها فضلاً أن تحلوها كما قال: (وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ)[النور: 31] فنُهي عن إبداء الزينة مبالغة في النهى عن إبداء مواقعها.

(وَلَا آمِّينَ): ولا تحلوا قوما قاصدين المسجد الحرام (يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ): وهو الثواب (وَرِضْواناً): وأن يرضى عنهم، أي: لا تتعرضوا لقوم هذه صفتهم، تعظيماً لهم واستنكاراً أن يتعرض لمثلهم. قيل: هي محكمة. وعن النبي صلى الله عليه وسلم «المائدة من آخر القرآن نزولاً، فأحلوا حلالها وحرموا حرامها» . وقال الحسن: ليس فيها منسوخ. وعن أبي ميسرة: فيها ثماني عشرة فريضةً وليس فيها منسوخ. وقيل: هي منسوخةٌ. وعن ابن عباسٍ: كان المسلمون والمشركون يحجون جميعاً،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (تعظيماً) مفعول له لقول مقدر، أي: قال الله تعالى: {يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَاناً} الآية، تعظيماً لهم، وقوله:"استنكاراً أن يتعرض لمثلهم" عطف تفسيري لقوله: "تعظيماً لهم". روى محيي السنة أن هذه الآية نزلت في الحُطم شُريح بن ضُبيعة، دخل المدينة وحده، وخلف خيله خارج المدينة، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: إلام تدعو الناس؟ قال: "إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة"، قال: حسنٌ، إلا أن لي أمراء لا أقطع أمراً دونهم، لعلي أسلم وآتي بهم، ثم خرج، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"دخل بوجه كافر، وخرج بوجه غادر"، فمر بسرح المدينة فاستاقه، فتبعوه فلم يدركوهن فلما كان العام القابل خرج حاجاً معه تجارة عظيمة، وقد قلدوا الهدي، فقال المسلمون: يا رسول الله، هذا الحطم قد خرج، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"إنه قد قلد الهدي"، فقالوا: هذا شيء كنا نفعله في الجاهلية، فأبى النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى الآية.

ص: 263

فنهى اللَّه المسلمين أن يمنعوا أحدا عن حج البيت بقوله (لا تُحِلُّوا)، ثم نزل بعد ذلك (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ) [التوبة: 28]، (ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ) [التوبة: 17].

وقال مجاهد والشعبي: (لا تُحِلُّوا) نسخ بقوله: (وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ)[التوبة: 5]. وفسر ابتغاء الفضل بالتجارة، وابتغاء الرضوان بأنّ المشركين كانوا يظنون في أنفسهم أنهم على سداد من دينهم، وأنّ الحج يقربهم إلى اللَّه، فوصفهم اللَّه بظنهم.

وقرأ عبد اللَّه: (ولا آمي البيت الحرام) على الإضافة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وابتغاء الرضوان: بأن المشركين كانوا يظنون بأنفسهم أنهم على سداد من دينهم). وقلت: الفائدة في الذكر المبالغة في عدم التعرض، وفي تعظيم الوصف، كما قال: لا تتعرضوا لقوم هذه صفتهم، يعني: انظروا على الوصف ولا تنظروا إلى من اتصف به، فعظموه أين وجدتموه وإن كان في عدو مناوئ، فإنه حقيق بالتعظيم، وهذا يُضاد التغليظ في قوله تعالى:{وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ} [آل عمران: 97] حثاً للمسلمين على الاتصاف به، وتأليفاً لقلوب المخالفين، وفيه إشارة إلى أن الرغبة في الحج هي علامة الإيمان، وعنه أمارة الكفر.

قوله: (ولا آمي البيت الحرام). قال أبو البقاء: {وَلا آمِّينَ} : ولا قتال آمين أو أذى آمين، وقرئ في الشواذ:"ولا آمي البيت" بحذف النون والإضافة، {يَبْتَغُونَ} في موضع الحال من الضمير في {آمِّينَ} ولا يجوز أن تكون صفة لـ {آمِّينَ} ، لأن اسم الفاعل إذا وُصِفَ لم يعمل في الاختيار.

ص: 264

وقرأ حميد بن قيس والأعرج: تبتغون، بالتاء على خطاب المؤمنين.

(فَاصْطادُوا) إباحة للاصطياد بعد حظره عليهم، كأنه قيل: وإذا حللتم فلا جناح عليكم أن تصطادوا.

وقرئ بكسر الفاء. وقيل: هو بدل من كسر الهمزة عند الابتداء. وقرئ: وإذا أحللتم، يقال حلّ المحرم وأحلّ.

«جرم» يجرى مجرى «كسب» في تعديه إلى مفعول واحد واثنين. تقول: جرم ذنباً، نحو كسبه، وجرمته ذنباً، نحو: كسبته إياه. ويقال: أجرمته ذنباً، .........

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (حُميد بن قيس والأعرج) وفي نسخة: "الأعرج" بلا واو، وهو الأصح. في "جامع الأصول" قال: أبو صفوان حُميد بن قيس الأعرج المكي مولى لآل الزبير، ويقال: مولى لبني فزارة، سمع مجاهداً وعطاء، وروى عنه مالك والثوري.

قوله: ("تبتغون" بالتاء على خطاب المؤمنين) وهذا أبلغ من الأول في الإنكار، لأنه تعالى أثبت للكفار الفضل الكائن من خالقهم ورازقهم، ثم أنكر على المسلمين ابتغاء ذلك، وفيه شمة من معنى الحسد، كما تقول: تُعارضني فيما رزقني ربي، ويظهر على الخطاب فائدة تخصيص الرب بالذكر.

قوله: (إباحة للاصطياد بعد حظره عليهم). قال الزجاج: ومثله: لا تدخلن هذه الدار حتى تؤدي ثمنها، فإذا أديت فادخلها، أي: إذا أديت أبيح لك دخولها.

قوله: (وقرئ بكسر الفاء) أي: فاصطادوا، وقيل: كسر الفاء إمالة لإمالة ما بعده، نحو:"عماداً" على مذهب من يميله.

ص: 265

على نقل المتعدي إلى مفعول بالهمزة إلى مفعولين، كقولهم: أكسبته ذنباً. وعليه قراءة عبد اللَّه: (ولا يجرمنكم) بضم الياء، وأوّل المفعولين على القراءتين ضمير المخاطبين، والثاني:(أَنْ تَعْتَدُوا). و (أَنْ صَدُّوكُمْ) بفتح الهمزة متعلق بالشنآن بمعنى العلة، والشنآن: شدّة البغض. وقرئ: بسكون النون، والمعنى: ولا يكسبنكم بغض قومٍ لأن صدّوكم الاعتداء، ولا يحملنكم عليه. وقرئ:(إن صدوكم) على «إن» الشرطية. وفي قراءة عبد اللَّه: (إن يصدوكم).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وقُرِئَ بسكون النون) أي: : "شنآن": أبو بكر وابن عامر في الموضعين، والباقون: بفتحها.

قوله: (لأن صدوكم) هو متعلق بقوله: "بُغضُ قوم" على التعليل "والاعتداء" مفعول "يُكسبنكم". تلخيص المعنى: لا يحملنكم على الاعتداء بُغض قوم تبغضونهم لأجل أن صدوكم عن المسجد الحرام. قال الواحدي: لا يحملنكم بُغض كفار مكة أن صدوكم يوم الحديبية عن المسجد الحرام أن تعتدوا على حُجاج اليمامة فتستحلوا منهم محرماً.

قوله: (على "إن" الشرطية) ابن كثير وأبو عمرو، والباقون: بفتحها، وقيل: فيه ضعف من حيث إنهم لا يقدرون على الصد بعد فتح مكة، ويمكن أن يُحمل على الفرض والتقدير للمبالغة، وبيانه: أن قريشاً وصدهم إياكم يوم الحديبية كان عناداً وبغياً؛ لان من شأن البيت الحرام وتعظيم شعائر الله وحُرمتها أن لا يصد من يقصده، فصدهم ذلك في عدم الاعتداد كلا صد فحقه أن يُفرض كما يُفرض المحالات، قال صاحب "المفتاح" في قوله تعالى:{أَفَنَضْرِبُ عَنكُمْ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ} [الزخرف: 5]: فيمن قرأ: (إن

ص: 266

ومعنى صدّهم إياهم عن المسجد الحرام: منع أهل مكة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين يوم الحديبية عن العمرة، ومعنى الاعتداء: الانتقام منهم بإلحاق مكروهٍ بهم.

(وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى): على العفو والإغضاء (وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ): على الانتقام والتشفي، ويجوز أن يراد العموم لكل برّ وتقوىً، وكل إثمٍ وعدوانٍ، فيتناول بعمومه العفو والانتصار.

[(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ ما ذَكَّيْتُمْ وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) 3].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كنتم)، بالكسر لقصد التوبيخ والتجهيل في ارتكاب الإسراف وتصوير أن الإسراف من العاقل في مثل هذا المقام واجب الانتفاء حقيق أن لا يكون ثبوته له إلا على مجرد الفرض.

قوله: (ويجوز أن يُراد العموم لكل بر وتقوى)، وهذا أولى لتصير الآية من جوامع الكلم ويكون تذييلاً للكلام السابق، فيدخل في البر والتقوى جميع مناسك الحج، قال الله تعالى:{فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج: 32] والعفو والإغضاء أيضاً، وفي النهي عن الإثم والعدوان عدم التعرض لقاصدي البيت الحرام دخولاً أولياً، وعلى الوجه الأول يكون عطفاً على {وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ} من حيث المعنى، لأنه من باب لا أرينك ها هنا، كأنه قيل: لا تعتدوا على قاصدي البيت الحرام لأجل أن صدكم قريش عن البيت الحرام، وتعاونوا على العفو والإغضاء، ومن ثم قيل: الوقف على {أَنْ تَعْتَدُوا} لازم؛ لأن الاعتداء منهيٌّ عنه والتعاون

ص: 267

كان أهل الجاهلية يأكلون هذه المحرمات؛ البهيمة التي تموت حتف أنفها، والفصيد وهو الدم في المباعر، يشوونها ويقولون: لم يحرم من فزد له.

(وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ) أي: رفع الصوت به لغير اللَّه، وهو قولهم: باسم اللات والعزى عند ذبحه.

(وَالْمُنْخَنِقَةُ): التي خنقوها حتى ماتت، أو انخنقت بسببٍ. (وَالْمَوْقُوذَةُ): التي أثخنوها ضرباً بعصا، أو حجرٍ حتى ماتت. (وَالْمُتَرَدِّيَةُ): التي تردّت من جبلٍ، أو في بئرٍ فماتت. (وَالنَّطِيحَةُ): التي نطحتها أخرى فماتت بالنطح

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

على البر مأمور به. و"تقوى" أصلها "وَقْيا" من وقيت، فقلبت ياؤه واواً على قياس باب فعلى من الياء اسماً، ثم قُلبت واوُ الأولى تاء كما في قولك: تقي وهي غير منصرفة.

قوله: (تموت حتف أنفها)، النهاية: الحتف: كانوا يتخيلون أن روح المريض تخرج من أنفه، فإن جُرح تخرج من جراحته.

قوله: (في المباعر) هي موضع البعر، وهي الأمعاء.

قوله: (من فزدله) قال الميداني: الفصيد. دمٌ كان يُجعل في معي- من: فصد عرق البعير - ثم يُشوى ويطعم الضيف، النهاية: أصله فُصدَ له، فصار "فُزد له" بالزاي، ثم خفف بالزاي على لغة طييء، وأول من تكلم به حاتم، معناه: لم يُحرم من الضيافة من عُمل له الفصيد، وهذا مثلٌ، ومعناه: لم يُحرم من نال بعض حاجته وإن لم ينلها كلها.

ص: 268

(وَما أَكَلَ السَّبُعُ) بعضه (إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ): إلا ما أدركتم ذكاته وهو يضطرب اضطراب المذبوح، وتشخب أوداجه. وقرأ عبد اللَّه:(والمنطوحة). وفي روايةٍ عن أبي عمرو: (السَّبُعُ) بسكون الباء. وقرأ ابن عباسٍ:

(وأكيل السبع).

(وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ) كانت لهم حجارةٌ منصوبةٌ حول البيت يذبحون عليها ويشرحون اللحم عليها، يعظمونها بذلك ويتقربون به إليها، تسمى الأنصاب، والنصب واحد. قال الأعشى:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: ({وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ} بعضه) أي: وما أكل منه السبع فمات، قال القاضي: هذا يدل على أن جوارح الصيد إذا الصيد إذا أكلت مما اصطادته لم تحل.

قوله: (إلا ما أدركتم ذكاته). قال الزجاج: التذكية: أن يدرك ما يباح أكله من الحيوان وفيه بقية تشخب معها الأوداج وتضطرب اضطراب المذبوح الذي أدرك ذكاته، وأصل الذكاة في اللغة: تمام الشيء، فمنه الذكاء في السن، والذكاء في الفهم، وهو أن يكون تماماً سريع القبول، وذكيت النار: تممت اشتعالها، فمعنى {مَا ذَكَّيْتُمْ}: أدركتم ذبحه على التمام، وقال القاضي: ومعنى {مَا ذَكَّيْتُمْ} : ما أدركتم ذكاته وفيه حياة مستقرة، والذكاة شرعاً: قطع الحلقوم والمريء بمحدد.

قوله: (وتشخب أوداجه)، النهاية: السيلان، وأصل الشخب: ما يخرج من تحت يد الحالب عند كل غمزة وعصرة لضرع الشاة، الأوادح: هي ما أحاط بالعنق من العروق التي يقطعها الذابح، واحدها: ودجٌ بالتحريك.

ص: 269

وَذَا النَّصْبِ الْمَنْصُوبِ لَا تَعْبُدَنَّهُ

لِعَاقِبَةٍ وَاللَّهَ رَبَّكَ فَاعْبُدَا

وقيل: هو جمع، والواحد نصاب. وقرئ (النُّصُبِ) بسكون الصاد.

(وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ): وحُرِّم عليكم الاستقسام بالأزلام؛ أي: بالقداح، كان أحدهم إذا أراد سفراً، أو غزواً، أو تجارةً، أو نكاحاً، أو أمراً من معاظم الأمور ضرب بالقداح، وهي مكتوبٌ على بعضها: نهاني ربي، وعلى بعضها: أمرني ربي، وبعضها غُفلٌ، فإن خرج الآمر مضى لطيته، وإن خرج الناهي أمسك، وإن خرج الغفل أجالها عوداً. فمعنى الاستقسام بالأزلام: طلب معرفة ما قُسم له مما لم يقسم له بالأزلام. وقيل: هو الميسر. وقسمتهم الجزور على الأنصباء المعلومة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وذا النصب المنصوب لا تعبدنه) البيت. تمامه:

لعاقبة والله ربك فاعبدا

ولو لم يكن النصب واحداً لقال: المنصوبات أو المنصوبة، ولقال: ذي مكان ذا، ولقال: لا تعبدنها.

قوله: (فاعبُدا) أصله فاعبد، فأبدل النون ألفاً.

قوله: (غُفلٌ) أي: لاسمة عليها، النهاية: الأغفال: الأرض المجهولة التي ليس فيها أثرٌ تُعرف به.

قوله: (مضى لطيته)، النهاية: فعلة من: طوى، وفي الحديث لما عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه على قبائل العرب، قالوا: يا محمد، اعمد لطيتك، أي: امض لوجهك وقصدك.

قوله: (أجالها عوداً) أي: عائداً، أو: أعادها عوداً.

ص: 270

(ذلِكُمْ فِسْقٌ): الإشارة إلى الاستقسام، أو إلى تناول ما حرّم عليهم؛ لأنّ المعنى: حرّم عليكم تناول الميتة وكذا وكذا.

فإن قلت: لم كان استقسام المسافر وغيره يالأزلام- لتعرف الحال- فسقاً؟ قلت: لأنه دخول في علم الغيب الذي استأثر به علام الغيوم وقال: (لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ)[النمل: 65] واعتقاد أنّ إليه طريقاً وإلى استنباطه. وقوله: أمرني ربي، ونهاني ربي، افتراءٌ على اللَّه، وما يدريه أنه أمره أو نهاه؟ ! والكهنة والمنجمون بهذه المثابة. وإن كان أراد بالرب الصنم، فقد روي أنهم كانوا يجيلونها عند أصنامهم، فأمره ظاهر.

(الْيَوْمَ) لم يرد به يوماً بعينه، وإنما أراد به الزمان الحاضر وما يتصل به ويدانيه من الأزمنة الماضية والآتية، كقولك: كنت بالأمس شاباً، وأنت اليوم أشيبُ، فلا تريد بالأمس اليوم الذي قبل يومك، ولا بـ"اليوم" يومك، ونحوه «الآن» في قوله:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (والكهنة والمنجمون بهذه المثابة). قال الزجاج: لا فرق بين ذلك وبين المنجمين، فلا يقال: لا أخرج من أجل نجم كذا، وأخرج من أجل طلوع نجم كذا، لأنه دخول في علم الله تعالى الذي هو غيب، وهو حرام كالأزلام، والاستقسام بالأزلام فسق، والفسق: اسم لكل ما أعلم الله عز وجل أنه مخرج عن الحلال إلى الحرام، نقل الشيخ محي الدين النووي رحمه الله تعالى في "شرح مسلم" عن القاضي: كانت الكهانة في العرب ثلاثة أضرب، أحدها: أن يكون للإنسان ولي من الجن يخبره بما يسترقه من السمع من السماء، وهذا

ص: 271

الآنَ لمَّا ابْيَضَّ مَسْرُبَتِى

وَعَضَضْتُ مِنْ نَابِى عَلَى لَجذَمِ

وقيل: أريد يوم نزولها، وقد نزلت يوم الجمعة- وكان يوم عرفة- بعد العصر في حجة الوداع.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

القسم بطل من حين بعث الله نبينا صلى الله عليه وسلم، والثاني: أن يخبره بما يطرأ ويكون في أقطار الأرض وما خفي عنه مما قرب أو بعد، وهذا لا يبعد وجوده، ونفت المعتزلة وبعض المتكلمين هذين الضربين وأحالوهما، ولا استحالة في ذلك ولا بُعد في وجوده، ولكنهم يصدقون ويكذبون، والنهي عن تصديقهم والسماع منهم عام، والثالث: المنجمون، وهذا الضرب يخلق الله في بعض الناس قوة ما لكن الكذب فيه أغلب، ومن هذا الفن العرافة، وصاحبها عراف: وهو الذي يستدل على الأمور بأسباب ومقدمات يدعى معرفتها بها كالزجر بالطير والطرق بالحصا، وهذه الأضرب كلها سميت كهانة، وقد أكذبهم الشرع ونهى عن تصديقهم وإتيانهم.

قوله: (الآن لما ابيض مسربتي، وعضضت من نابي على جذم)، المسربة، بضم الراء: الشعر المستدق الذي يأخذ من الصدر إلى السرة، والجذم: الأصل، ويريد هنا أصل الأسنان، يقول: تحاتت أسناني من الكبير حتى عضضت على أصله، قال الميداني: يُضرب للمنجذ المحنك، أي: المُجرب.

قوله: (وقد نزلت يوم الجمعة وكان يوم عرفة)، روينا عن الترمذي، عن عمر رضي الله عنه: أنزلت يوم عرفة، وفي رواية: بعرفات في يوم الجمعة. رواه أحمد بن حنبل في "مسنده" أيضاً.

ص: 272

(يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ): يئسوا منه أن يبطلوه، وأن ترجعوا محللين لهذه الخبائث بعد ما حرّمت عليكم.

وقيل: يئسوا من دينكم أن يغلبوه، لأن اللَّه عز وجل وفى بوعده من إظهاره على الدين كله. (فَلا تَخْشَوْهُمْ) بعد إظهار الدين وزوال الخوف من الكفار، وانقلابهم مغلوبين مقهورين بعد ما كانوا غالبين (وَاخْشَوْنِي): وأخلصوا لي الخشية. (أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ): كفيتكم أمر عدوّكم وجعلت اليد العليا لكم، كما تقول الملوك: اليوم كمل لنا الملك وكمل لنا ما نريد: إذا كفوا من ينازعهم الملك، ووصلوا إلى أغراضهم ومباغيهم. أو: أكملت لكم ما تحتاجون إليه في تكليفكم من تعليم الحلال والحرام والتوقيف على الشرائع وقوانين القياس وأصول الاجتهاد.

(وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي) بفتح مكة ودخولها آمنين ظاهرين، .......

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وأخلصوا لي الخشية) دل على الخلوص ورود الأمر بعد النهي.

قوله: (كفيتكم أمر عدوكم) يريد أن قوله: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3] جُملة مستأنفة لبيان موجب نهي الخشية، وهو بظاهره لا يدل على ذلك، فأولها بقوله:"كفيتكم أمر عدوكم" على سبيل الكناية، أي: لا تخشوهم واخشوني لأني كفيت شرهم، وجعلت اليد العليا لكم.

قوله: (وقوانين القياس وأصول الاجتهاد)، قال الإمام: المرادُ بإكمال الدين: أنه تعالى بيَّن حُكم جميع الوقائع، بعضها بالنص، وبعضها بطريق يُعرف الحكم بها، وأمر بالاستنباط وتعبد المكلفين به، فكان ذلك بياناً في الحقيقة.

قوله: ({وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} بفتح مكة) متفرعٌ على قوله: "كفيتكم أمر عدوكم" على

ص: 273

وهدم منار الجاهلية ومناسكهم وأن لم يحجّ معكم مشرك، ولم يطف بالبيت عريان. أو أتممت نعمتي عليكم بإكمال أمر الدين والشرائع كأنه قال:(اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي) بذلك، لأنه لا نعمة أتمّ من نعمة الإسلام.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

التكميل؛ لما عُلم من الأول: زوال الخوف وحصول الأمن، ومن الثاني: الغلبة وقهر الأعداء، فإنه لما وصفهم بحصول الأمن وكفاية شر الأعداء رأى الوصف غير تام فكمل بالفتح والنصرة وقهر الأعداء.

قوله: (أو أتممت عليكم نعمتي بإكمال أمر الدين والشرائع) متفرعٌ على قوله: "أو أكملت لكم ما تحتاجون إليه في تكليفكم"، والإتمام بمعنى التتميم الاصطلاحي، فإن قوله:{أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} دل بمفهومه على نعمة خطيرة فتنبه، وتممه بقوله:{وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} بذلك"، أي: بإكمال الدين، وقوله: "لأنه لا نعمة أتم من نعمة الإسلام". روى الإمام عن القفال أنه قال: الشرع أبداً كان كاملاً وإن الشرائع في كل وقت كانت كافية بحسب اقتضاء ذلك الوقت، لكن بحسب النسبة على بعضها كانت كاملة وأكمل، ولهذا كان يُزاد في كل وقت ويُنسخ، وأما في آخر زمان المبعث فإنه تعالى أنزل شريعة كاملة وحكم ببقائها إلى يوم القيامة، ولذلك قال تعالى:{أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} ، ويمكن أن يقال: إن الشرائع كانت كاملة في كل زمان بالنسبة إلى أهله، وكل من كان مكلفاً فيه، لكن كمالها بالنسبة إلى جميع المكلفين إلى آخر الزمان إنما حصل في ذلك اليوم.

الراغب: قيل: إن الأديان الحق كلها جارية مجرى دين واحد، وكان قبل الإسلام في النقص

ص: 274

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بين إفراط وتفريط بالإضافة إلى شريعتنا، وذلك على حسب ما كنت تقتضي حكمة الله تعالى في كل زمان، فكمله الله تعالى بالنبي صلى الله عليه وسلم، وجعله وسطاً مصوناً عن الإفراط والتفريط، كما قال تعالى:{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} [البقرة: 143]، وكما قال صلى الله عليه وسلم:"مثلُ الأنبياء كرجل بني داراً فأكملها وأحسنها إلا موضع لبنة، وجعل الناس يدخلونها ويتعجبون ويقولون: لولا موضع تلك اللبنة" أخرجه البخاري والترمذي عن جابر، وزاد مسلم في حديثه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فأنا موضع تلك اللبنة جئت فختمت الأنبياء". قال الراغب: هذا هو الذي يقتضي أن تكون شريعته مؤبدة ولا تُنسخ ولا تغير، فالأشياء في التغيير والتنقل مالم تكمل، فإذا كمُلت فتغييرها فسادٌ لها، ولهذا قال:{فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ} [يونس: 32].

فإن قيل: كيف يقال: إن الأديان كلها ناقصة قبل المبعث وأن يكون دينه صلى الله عليه وسلم قبل ذلك اليوم ناقصاً؟ قيل: الكامل والناقص من الأسماء المتضايفة التي تُقال باعتبار بعضها ببعض، كالصبي إذا اعتبر بالرجل فهو غير كامل، وإذا اعتبر بمن هو على سنه فهو كامل إذا لم يكن مؤوفاً، فكذلك دين الأنبياء قبل النبي صلى الله عليه وسلم: إذا اعتبر بأهل زمانهم كان كاملاً، وإذا اعتبر بدين النبي صلى الله عليه وسلم وزمانه لم يكن كاملاً، وليس النقصان المستعمل هو النقص المذموم، فلفظة ناقص تستعمل على وجهين.

فإن قيل: كيف يقال: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ} ودينه دين إبراهيم عليهما الصلاة والسلام حيث قال: {مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ} [الحج: 78]؟ قيل: إن هذا الدين

ص: 275

(وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً) يعني: اخترته لكم من بين الأديان، وآذنتكم بأنه هو الدين المرضى وحده (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ) [آل عمران: 85]، (إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً) [الأنبياء: 92].

فإن قلت: بم اتصل قوله (فَمَنِ اضْطُرَّ)؟ قلت: بذكر المحرّمات. وقوله: .....

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هو دين إبراهيم من حيث إنهما داعيان إلى الحق ومشتركان في الأصول، لكن الذي شُرع على لسان إبراهيم كان مبدأ الإسلام، وما شُرع على لسان محمد صلى الله عليه وسلم كان خاتمة الإسلام، ولهذا كان مؤبداً ناسخاً لفروع ما تقدم، وإليه أشار بقوله:{لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ} [التوبة: 33] وهذا ظاهر لمن عرف قوانين الكلام.

قوله: (اخترته لكم من بين سائر الأديان) يعني ضمن "رضى" معنى "اختار" لتعديته باللام دون "عن"، ودل الاختيار على المختار منه، وهو سائر الأديان.

قوله: (وآذنتكم) عطفٌ على قوله: "اخترته"، وفيه إيذان إلى معنى الإدماج وإشارة النص، يعني: إنما خصصت الإسلام الذكر وأوقعت الدين تمييزاً عنه لأوذنكم بأنه هو الدين المرتضى دون غيره لما عرفتم من قوله: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} [آل عمران: 85] وإنما أوردت لفظ {لَكُمْ} لأعلمكم أني ما اخترت لغيركم هذا الدين، كقوله تعالى:{وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} [البقرة: 179]، وذلك لما عرفتم من قوله تعالى:{إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} [الأنبياء: 92]. قال في تفسيره: "هذه إشارة إلى ملة الإسلام، أي: أن ملة الإسلام هي ملتكم التي يجب أن تكونوا عليها لا تنحرفون عنها يشار إليها ملة واحدة غير مختلفة". ومثل دلالة قوله تعالى: {وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً} على قوله: "إنه

ص: 276

(ذلِكُمْ فِسْقٌ) اعتراض أكد به معنى التحريم، وكذلك ما بعده لأن تحريم هذه الخبائث من جملة الدين الكامل والنعمة التامة والإسلام المنعوت بالرضا دون غيره من الملل. ومعناه: فمن اضطرّ إلى الميتة أو إلى غيرها (فِي مَخْمَصَةٍ): في مجاعةٍ (غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ): غير منحرفٍ إليه، كقوله:(غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ)[البقرة: 173](فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ): لا يؤاخذه بذلك.

[(يَسْئَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ)].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هو الدين المرضي وحده" بالاختصاص مع انضمام قوله: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} [آل عمران: 85] دلالة قوله تعالى: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً} [الأحقاف: 15] مع قوله: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} [البقرة: 233]، على أن مدة الحمل ستة أشهر.

الراغب: نبه بقوله: {وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً} على أن الإسلام هو الدين المرتضى على الإطلاق لا تبديل له ولا تغيير، وسائر الأديان قبله كان مرتضى وقتاً دون وقت، وعلى وجه دون وجه، ولقوم دون قوم، وهذا الدين بعد أن شُرع كان مرتضى في كل وقت، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في موسى:"لو كان حياً ما وسعه إلا اتباعي"، ولأجل ذلك قال تعالى:{وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85].

قوله: ({ذَلِكُمْ فِسْقٌ}: اعتراض) وكذلك ما بعده، وهي سبع جُمل، وفي هذا الاعتراض البليغ، وتقدم بيان تحريما المطعم على سائر الأحكام إيذانٌ باهتمام أمر المطعم، وأن قاعدة الأمر

ص: 277

في السؤال معنى القول؛ فلذلك وقع بعده (مَاذا أُحِلَّ لَهُمْ)، كأنه قيل: يقولون لك ماذا أحلّ لهم؟ وإنما لم يقل:ماذا أحلّ لنا؛ حكاية لما قالوه، لأنّ (يسألونك) بلفظ الغيبة، كما تقول أقسم زيد ليفعلنّ. ولو قيل: لأفعلنّ وأُحِلَّ لنا، لكان صواباً.

و(ماذا) مبتدأ، و (أُحِلَّ لَهُمْ) خبره كقولك: أي: شيء أحل لهم؟ ومعناه:ماذا أحل لهم من المطاعم كأنهم حين تلا عليهم ما حرّم عليهم من خبيثات المآكل سألوا عما أحلّ لهم منها، فقيل:(أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ) أي: ما ليس بخبيث منها، وهو كل ما لم يأت تحريمه في كتاب أو سنة أو قياس مجتهد.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وأساس الدين مبني عليه، لأن به يتمكن المكلف من العبادة، ويؤيده ما روينا عن مسلم والترمذي، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [المؤمنون: 51]، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [البقرة: 172]، ثُم ذكر الرجل يُطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغُذي بالحرام، فأنى يُستجاب لذلك؟ "، ومسلم لم يذكر الملبس، انظر إلى الحديث أيضاً كيف كر إلى قوله:"وغُذي بالحرام" بعد قوله: "ومطعمه حرام".

قوله: (وهو كل ما لم يأت تحريمه في كتاب أو سنة)، الراغب: الطيب التام هو الذي يستلذ عاجلاً وآجلاً، وذلك هو الحلال الذي لا يعقب مأثماً.

ص: 278

(وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ) عطف على (الطيبات) أي: أحل لكم الطيبات وصيد ما علمتم فحذف المضاف. أو تجعل (ما) شرطية، وجوابها (فَكُلُوا).

والجوارح: الكواسب من سباع البهائم والطير، كالكلب والفهد والنمر والعقاب والصقر والبازي والشاهين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (أو تجعل {مَا} شرطية) عطفٌ على قوله: "وصيد ما علمتم فحذف المضاف"، فعلى الأول:{ما} موصولة، و {مِنْ الْجَوَارِحِ} بيانية، وعلى هذا:{ما} شرطية على تقدير المضاف أيضاً، رُوي عن المصنف أنه سُئل عنه وقيل: فإذن يبطل كونها شرطية؟ فقال: لا، لأن المضاف إلى الاسم الحامل لمعنى الشرط في حكم المضاف إليه، تقول: غلام من تضرب أضرب.

وقال صاحب "اللباب": فإن تقدم أسماء الشرط الجار فالمعنى الموجب لها التصدر، فقدر قبله لاتحاده بها، فعلى هذا يكون تقدير غلام من تضرب أضرب: إن تضرب غلام زيد أضرب، وفيه بحث؛ لأنه ليس من مواضع وضع المظهر موضع المضمر في الجزاء- يعني قوله:{مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} وُضع موضع ضمير"صيد ما علمتم" لما دل ذلك على التعظيم والفخامة- لكن هو من التكرير الذي لا يُناط به حكم آخر من قوله: {وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ} الآية.

ويُمكن أن يقال: إن السائل كأنه كان متردداً في حل ما أمسكه الضواري، فتقدم في الجواب {أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ} وعطف عليه "صيد ما علمتم" اختصاصاً له، ثم زيد في المبالغة بأن جعل الجزاء عين الشرط، ويجوز أن لا يُقدر المضاف فتكون الجملة الشرطية معطوفة على جملة قوله:{أُحِلَّ لَكُمْ} ، فعلى هذا "أو تجعل" في الكتاب عطفٌ على قوله:" {وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ} عطفٌ على {الطَّيِّبَاتُ} ".

ص: 279

والمكلب: مؤدّب الجوارح ومضريها بالصيد لصاحبها، ورائضها لذلك بما علم من الحيل وطرق التأديب والتثقيف، واشتقاقه من الكلب، لأن التأديب أكثر ما يكون في الكلاب فاشتقّ من لفظه لكثرته من جنسه. أو لأن السبع يسمى كلباً. ومنه قوله عليه السلام «اللهم سلط عليه كلباً من كلابك» فأكله الأسد.

أو من الكلب الذي هو بمعنى الضراوة. يقال: هو كلب بكذا، إذا كان ضاريا به. وانتصاب (مُكَلِّبِينَ) على الحال من (علمتم).

فإن قلت. ما فائدة هذه الحال وقد استغنى عنها بـ (علمتم) قلت: فائدتها أن يكون من يعلم الجوارح نحريراً في علمه،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ومُضريها بالصيد) التضرية: الإضراء، الأساس: سبعٌ ضار، وقد ضري بالصيد ضراوة، وأضرى الصائد الكلب والجارح، ومن المجاز: ضري فلان بكذا وعلى كذا: إذا لهج به، وأضريته وضريته وضريت عليه.

قوله: (والتثقيف) الأساس: ومن المجاز: أدبه وثقفه، ولولا تثقيف، ولولا تثقيفك وتوفيقك لما كنت شيئاً، وهل تهذبت وتثقفت إلا على يدك؟

النهاية: غلام ثقف، أي: ذو فطنة وذكاء.

قوله: (اللهم سلط عليه كلباً من كلابك)، الحديث موضوع، وسيجيء الكلام عليه في سورة النجم.

ص: 280

مدرّبا فيه، موصوفا بالتكليب. و (تُعَلِّمُونَهُنَّ) حالٌ ثانيةٌ، أو استئناف. وفيه فائدة جليلةٌ: وهي أن على كلّ آخذ علماً أن لا يأخذه إلا من أقتل أهله علماً وأنحرهم دراية وأغوصهم على لطائفه وحقائقه، وإن احتاج إلى أن يضرب إليه أكباد الإبل، فكم من آخذ عن غيره متقن، قد ضيع أيامه وعضّ عند لقاء النحارير أنامله!

(مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ) من علم التكليب، لأنه إلهام من اللَّه ومكتسب بالعقل. أو مما عرفكم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (مُدرباً) من الدربة: التجربة، الأساس: درب بالأمر دُربة، وتدرب، وهو دربٌ به: عالم، وهو مجرب مُدرب.

قوله: (اقتل أهله علماً) أي: أبلغهم، يقال: قتل أرضاً عالمها، أي: ذللها بالعلم، ورجلٌ مُقتل: مجرب.

الأساس: ومن المجاز: دابة مقتلة: مذللة قد مرنت على العمل وقتلته خُبراً وعلماً.

قوله: (أن يضرب إليه أكباد الإبل) أي: تُركب الإبل وتُضرب على أكبادها بالرجل، مقتبس من قوله صلوات الله وسلامه عليه:"يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل يطلبون العلم فلا يجدون أحداً أعلم من عالم المدينة"، اخرجه الترمذي عن أبي هريرة، قال عبد الرزاق: هو مالك بن أنس، وكذا قال ابن عيينة.

قوله: ({مِمَّا عَلَّمَكُمْ اللَّهُ} من علم التكليب، لأنه إلهام من الله تعالى ومكتسب بالعقل، أو مما عرفكم الله أن تعلموه) إلى آخره، هذا الثاني أولى، فدلت الحال الأولى على أن معلم الكلب ينبغي أن يكون مدرباً في تلك الصفة، يعلم لطائف الحيل وطرق التأديب فيها كما عليه جملة الصيادين، ولا شك أن ذلك لا يتم إلا بالإلهام والعقل الذي منحه الله تعالى، والحال الثانية

ص: 281

أن تعلموه من اتباع الصيد بإرسال صاحبه، وانزجاره بزجره، وانصرافه بدعائه، وإمساك الصيد عليه، وأن لا يأكل منه. وقرئ:(مُكَلِّبِينَ) بالتخفيف. وأفعل وفعل يشتركان كثيراً. والإمساك على صاحبه: أن لا يأكل منه، لقوله صلى الله عليه وسلم لعديّ بن حاتم:«وإن أكل منه، فلا تأكل، إنما أمسك على نفسه» وعن علي رضي الله عنه: إذا أكل البازي فلا تأكل.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

على أنه ينبغي أن يكون فقيهاً عالماً بالشرائط المعتبرة في الشرع "من اتباع الصيد بإرسال صاحبه، وانزجاره بزجره، وانصرافه بدعائه، وإمساك الصيد عليه، وأن لا يأكل منه"، وفيه إدماج لتلك الفائدة الجليلة التي ذكرها مع الإشارة إلى أن العالم وإن كان أوحدياً متبحراً في العلوم ينبغي أن يكون محدثاً ملهماً من عند الله تعالى، مجانباً مشارب علمه عن كدوره الهوى ولوث النفس الأمارة، مستعداً لفيضان العلوم اللدنية، مقتبساً من مشكاة الأنوار النبوية.

والذي يؤيد هذا التأويل ما روينا عن البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي، عن عدي: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت: إنا قوم نتصيد بهذه الكلاب، فقال:"إذا أرسلت كلابك المعلمة، وذكرت اسم الله فكل مما أمسكن عليك إلا أن يأكل الكلب فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه، وإن خالطها كلبٌ من غيرها فلا تأكل".

قوله: (أن تُعلموه) هو مفعول ثان لقوله: "مما عرفكم"، والضمير المنصوب في "تعلموه" عائد إلى "ما"، والمفعول الثاني محذوف، أي: مما عرفكم الله أن تعلموه الكلب، وقوله:"من اتباع" بيان "ما.

قوله: (على نفسه) حالٌ، أي: مستعلياً ومستولياً عليها كما تقتضي طبيعته وجبلته، لا على

ص: 282

وفرق العلماء، فاشترطوا في سباع البهائم ترك الأكل لأنها تؤدّب بالضرب، ولم يشترطوه في سباع الطير. ومنهم من لم يعتبر ترك الأكل أصلاً، ولم يفرق بين إمساك الكل والبعض. وعن سلمان وسعد بن أبي وقاص وأبي هريرة رضي الله عنهم: إذا أكل الكلب ثلثيه وبقي ثلثه وذكرت اسم اللَّه عليه فكل.

فإن قلت: إلام رجع الضمير في قوله: (وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ)؟ قلت. إما أن يرجع إلى (مما أمسكن) على معنى: وسموا عليه إذا أدركتم ذكاته، أو إلى (وما علمتم من الجوارح) أي: سموا عليه عند إرساله.

[(الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ)].

(وطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ) قيل: هو ذبائحهم. وقيل: هو جميع مطاعمهم، ويستوي في ذلك جميع النصارى. وعن علي رضي الله عنه: أنه استثنى نصارى بني تغلب وقال: ليسوا على النصرانية ولم يأخذوا منها إلا شرب الخمر، وبه أخذ الشافعي. وعن ابن عباس أنه سئل عن ذبائح نصارى العرب فقال: لا بأس. وهو قول عامة التابعين، وبه أخذ أبو حنيفة وأصحابه.

وحكم الصابئين حكم أهل الكتاب عند أبى حنيفة. وقال صاحباه: هم صنفان: صنف يقرؤون الزبور ويعبدون الملائكة. وصنف لا يقرؤون كتاباً ويعبدون النجوم،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أنفسكم، فعُلِم أن العقل لا استقلال له في أمور الدين، وأن العلوم الدينية المشوبة بهوى النفس لا اعتداد بها.

ص: 283

فهؤلاء ليسوا من أهل الكتاب. وأما المجوس فقد سُنّ بهم سنة أهل الكتاب في أخذ الجزية منهم دون أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم. وقد روي عن أبي المسيب أنه قال: إذا كان المسلم مريضاً فأمر المجوسي أن يذكر اسم اللَّه ويذبح، فلا بأس. وقال أبو ثور: وإن أمره بذلك في الصحة فلا بأس وقد أساء.

(وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ) فلا عليكم أن تطعموهم، لأنه لو كان حراماً عليهم طعام المؤمنين لما ساغ لهم إطعامهم. (والْمُحْصَناتُ): الحرائر، أو العفائف. وتخصيصهن بعث على تخير المؤمنين لنطفهم. والإماء من المسلمات يصح نكاحهن بالاتفاق، وكذلك نكاح غير العفائف منهن، وأما الإماء الكتابيات؛ فعند أبي حنيفة: هن كالمسلمات، وخالفه الشافعي. وكان ابن عمر لا يرى نكاح الكتابيات ويحتج بقوله (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمنّ) [البقرة: 221] ويقول: لا أعلم شركاً أعظم من قولها: إن ربها عيسى. وعن عطاء: قد أكثر اللَّه المسلمات،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وكان ابن عمر لا يرى نكاح الكتابيات)، الراغب: وإذا سُئل عن ذلك يقرأ: {وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ} [البقرة: 221]، ويقول في قوله:{وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} أي: من الذين كانوا منهم وأسلموا، كقوله تعالى:{مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ} [آل عمران: 113]، وغيره حمل قوله:{وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ} [البقرة: 221] على أهل الأديان والمجوس، وأكد ذلك بقوله تعالى:{لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [المجادلة: 22]، والنكاح يقتضي المودة، كقوله:{خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الروم: 21]، وقال من جوز التزوج بهن: إن المودة المنهي عنها هي المودة الدينية، وأما المودة الزوجية فهي غير محظورة.

ص: 284

وإنما رخص لهم يومئذٍ. (مُحْصِنِينَ): أعفاء. (وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ): صدائق، والخدن يقع على الذكر والأنثى (وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ) بشرائع الإسلام وما أحلّ اللَّه وحرّم.

[(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)].

(إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ) كقوله: (فإذا قرأت القرآن فاستعذ باللَّه)[النحل: 98] وكقولك: إذا ضربت غلامك فهوّن عليه، في أن المراد إرادة الفعل.

فإن قلت: لم جاز أن يعبر عن إرادة الفعل بالفعل؟ قلت: لأن الفعل يوجد بقدرة الفاعل عليه وإرادته له، وهي قصده إليه وميله وخلوص داعيته، فكما عبر عن القدرة على الفعل بالفعل في قولهم: الإنسان لا يطير، والأعمى لا يبصر؛ أي: لا يقدران على الطيران والإبصار، ومنه قوله تعالى:(نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ)[الأنبياء: 104].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: ({وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ}: بشرائع الإسلام وما أحل الله وحرم) يريد أن قوله: {وَمَنْ يَكْفُرْ} إلى آخره كالتذييل والتأكيد لقوله: {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ} تعظيماً لشأن ما أحله الله وما حرمه، وتغليظاً على من خالف ذلك.

قوله: (الإنسان لا يطير) وضع "يطير"، الذي هو المسبب عن القدرة، موضع السبب الذي هو القدرة عليه، وهو الذي عناه بقوله:"فكما عُبر عن القدرة على الفعل بالفعل".

ص: 285

يعني: إنا كنا قادرين على الإعادة، كذلك عُبر عن إرادة الفعل بالفعل، وذلك أن الفعل مسبب عن القدرة والإرادة، فأقيم المسبب مقام السبب للملابسة بينهما، ولإيجاز الكلام، ونحوه من إقامة المسبب مقام السبب قولهم: كما تدين تدان؛ عبر عن الفعل المبتدأ الذي هو سبب الجزاء بلفظ الجزاء الذي هو مسبب عنه.

وقيل: معنى (قمتم إلى الصلاة): قصدتموها؛ لأنّ من توجه إلى شيءٍ وقام إليه كان قاصداً له لا محالة، فعبر عن القصد له بالقيام إليه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وقيل: معنى {قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ}: قصدتموها) عطفٌ على قوله: " {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ} كقوله: {فَإِذَا قَرَاتَ الْقُرْآنَ} [النحل: 98] "، وقيل في الفرق: إن المعنى على الأول: إذا أردتم القيام إلى الصلاة وقصدتموها، وعلى هذا: إذا أردتم الصلاة وقصدتموها، وفيه نظرٌ، لأن الإرادة هي القصد المخصوص لما فسرها بقوله:"وهو قصده إليه وميله وخلوص داعيه" بل المراد من القصد مطلق الميل من غير الداعية الخالصة التي تستلزم النية.

وأيضاً يُفهم من إرادة القيام إلى الصلاة الأخذ في مقدمتها وشرائطها، ومن ثم عقبها بقوله:{فَاغْسِلُوا} وليس كذلك القصد إلى مُطلق الصلاة والأول أوجه.

وقال القاضي: وفائدة هذه الطريقة التنبيه على أن من أراد العبادة ينبغي أن يبادر إليها بحيث لا ينفك الفعل عن الإرادة.

الراغب: ظاهر الآية يقتضي أن لا يجب في الوضوء النية، والقول بوجوبها يقتضي زيادة في النص، والزيادة في النص تقتضي النسخ، ونسخ القرآن لا يجوز اتفاقاً بخبر الواحد وبالقياس، فلا يصح إذاً إثبات النية، وقال بعض الشافعية: بل الآية تقتضي إيجاب النية، لأن معنى قوله تعالى:{إِذَا قُمْتُمْ} : إذا أردتم، ولو لم يكن معناه ذلك لم يكن لذكره فائدة،

ص: 286

فإن قلت: ظاهر الآية يوجب الوضوء على كل قائم إلى الصلاة محدث وغير محدث، فما وجهه؟ قلت: يحتمل أن يكون الأمر للوجوب، فيكون الخطاب للمحدثين خاصة، وأن يكون للندب. وعن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم والخلفاء بعده، أنهم كانوا يتوضؤون لكل صلاة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقال بعضهم: الآية تقتضي الترتيب، لأن الفاء في قوله:{فَاغْسِلُوا} تقتضي ترتب غسل الوجه على القيام، فإذا ثبت ترتب غسل الوجه على القيام ثبت في غيره؛ لأن أحداً لم يفصل، وليس ذلك بشيء، فإن الفاء وإن اقتضى الترتيب فإن مقتضى ذلك في الجملة لا في البعض، ولم يقتض ترتيب الأعضاء المأمور بغسلها بعضها على بعض، والأظهر أن الترتيب اقتضاه قول النبي صلى الله عليه وسلم:"أبدأ بما بدأ الله به"، وفعله الذي فعله بياناً للآية، وقد رتب ثم قال:"هذا وضوءٌ لا يقبل الله الصلاة إلا به".

ويمكن أن يقال: والنظم أيضاً يقتضي الترتيب؛ لأنه لو لم يرد ذلك لأوجب تقديم الممسوح أو تأخيره عن المغسول، ولأنهم يقدمون الأهم فالهم، فالأحوط مراعاة الترتيب.

الانتصاف: قوله: "لان الفعل يوجد بقدرة القادر

" إلى آخره يستقيم من السُّني والمعتزلي، السني يقول: الفعل يوجد بقدرة العبد مقارناً لها، والمعتزلي يقول: مخلوقاً بها.

قوله: (وأن يكون للندب). قال صاحب "الفرائد": لا يجوز أن يكون للندب، لأن الإجماع مُنعقد على أن الوضوء للصلاة فرض، لأن الأمر للوجوب إلا لمانع، وقال: أما الجواب عن السؤال الذي أورده في "الكشاف" فهو أن يقال: تقدير الآية: وأنتم محدثون، بوجهين، أحدهما: أنه يستحيل بدون هذا التقدير أن يتفصى المكلف عن عهدة التكليف؛ لأنه إذا

ص: 287

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: "من توضأ على طهر كتب اللَّه له عشر حسناتٍ".

وعنه عليه السلام: أنه كان يتوضأ لكل صلاةٍ، فلما كان يوم الفتح مسح على خفيه فصلى الصلوات الخمس بوضوءٍ واحدٍ، فقال له عمر: صنعت شيئاً لم تكن تصنعه! فقال: «عمداً فعلته يا عمر» يعنى بياناً للجواز.

فإن قلت: هل يجوز أن يكون الأمر شاملاً للمحدثين وغيرهم، لهؤلاء على وجه الإيجاب، ولهؤلاء على وجه الندب؟ قلت: لا، لأنّ تناول الكلمة لمعنيين مختلفين من باب الإلغاز والتعمية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أراد القيام إلى الصلاة وجب عليه أن يتوضأ، فإذا توضأ وأراد القيام إلى الصلاة وجب عليه مرة أخرى أن يتوضأ، وهلم جراً، وثانيهما: أن التيمم بدل من الوضوء، لقوله تعالى:{فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [المائدة: 6]، والبدل لا يمكن أن يكون مخالفاً للمبدل منه في السبب، وإلا لا يكون البدل بدلاً، فلما كان موجب التيمم عند عدم الماء حالة الحدث كان كذلك في الوضوء؛ لأنه إما سببٌ أو شرط.

قوله: (من توضأ على طهر) الحديث أخرجه الترمذي عن ابن عمر.

قوله: (فلما كان يوم الفتح مسح على خفيه) الحديث رواه بريدة، وأورده مسلم وأبو داود والترمذي، وليس فيه أنه كان يتوضأ لكل صلاة.

قوله: (الإلغاز والتعمية) لم يرد به الإلغاز المتعارف، وهو أن يطلق لفظة لها معنيان: قريبٌ وبعيد، ويراد بها البعيد غير مصحوبة بالقرينة، بل مراده أن اللفظ عند إرادة الحقيقة لا

ص: 288

وقيل: كان الوضوء لكل صلاة واجباً أوّل ما فرض، ثم نسخ.

و(إلى) تفيد معنى الغاية مطلقاً. فأما دخولها في الحكم وخروجها، فأمر يدور مع الدليل، فمما فيه دليل على الخروج قوله:(فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يحتاج إلى القرينة، وعند إرادة المجاز يفتقر إليها، فلا يُعلم المقصود قطعاً، ومن قال بالقدر المشترك، وهو رجحان الفعل على الترك، لا يلزمه الإلغاز.

الانتصاف: قد أجاز ذلك الشافعي رضي الله عنه وغيره، ثم ما ذكره الزمخشري مبني على أن الأمر مشترك بين الوجوب والندب، أما إذا قلنا: إنه بمجرد الطلب، وهو القدر المشترك، صح تناولهما، فللمحدثين وجوباً، وللمتطهرين ندباً.

قوله: (وقيل: كان الوضوء) عطف على قوله: "يحتمل أن يكون".

قوله: (كان الوضوء لكل صلاة واجباً أول ما فُرض ثم نُسخ)، قال القاضي: وهو ضعيف، لقوله صلى الله عليه وسلم:"المائدة من آخر القرآن نزولاً، فأحلوا حلالها وحرموا حرامها"، وروينا في "مسند أحمد بن حنبل"، عن جبير بن نفير، قال: دخلت على عائشة رضي الله عنها، فقالت: هل تقرأ سورة المائدة؟ قلت: نعم، قالت: فإنها آخر سورة نزلت، فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه، وما وجدتم من حرام فحرموه. وعن الترمذي، عن عبد الله بن عمرو، قال: آخر سورة أنزلت سورة المائدة.

قوله: {إِلَى} تفيد معنى الغاية مطلقاً)، قال صاحب "الفرائد": ذكر صاحب "الكشاف"

ص: 289

لأن الإعسار علة الإنظار، وبوجود الميسرة تزول العلة، ولو دخلت الميسرة فيه لكان مُنظراً في كلتا الحالتين معسراً وموسراً. وكذلك (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ) [البقرة: 187] لو دخل الليل لوجب الوصال. ومما فيه دليل على الدخول قولك: حفظت القرآن من أوله إلى آخره؛ لأنّ الكلام مسوق لحفظ القرآن كله. ومنه قوله تعالى: (مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى)[الإسراء: 1] لوقوع العلم بأنه لا يسرى به إلى بيت المقدس من غير أن يدخله.

وقوله: (إِلَى الْمَرافِقِ) و (إِلَى الْكَعْبَيْنِ) لا دليل فيه على أحد الأمرين، فأخذ كافة العلماء بالاحتياط فحكموا بدخولها في الغسل. وأخذ زفر وداود بالمتيقن فلم يدخلاها. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يدير الماء على مرفقيه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في "المفصل"، أن "إلى" لا يدخل ما بعدها فيما قبلها، بخلاف "حتى"، وذكر هاهنا أن "إلى" لمطلق الغاية. وقلت: الذي ذكره في "المفصل": و"حتى" في معناه، إلا أنها تفارقها في أن مجرورها يجب أن يكون آخر جزء من الشيء أو ما يلاقي آخر جزء منه. وقال أيضاً: إن من حق "حتى" أن يدخل ما بعدها فيما قبلها، وهذا لا يدل على أن حكم "إلى" ما ذكره، بل حكمها أعم كما ذكره في "الكتاب". وفي "الإقليد": و"إلى" مطلقة تستعمل في كل غاية. نعم، هو مما خالف فيه النحويون على ما ذكره ابن الحاجب: وقد جاءت "إلى" وما بعدها داخل في الحكم فيما قبلها، وجاءت ما بعدها غير داخل، فمنهم من حكم بالاشتراك، ومنهم من حكم بظهور الدخول، ومنهم من حكم بظهور انتفاء الدخول، وعليه النحويون، ووجوب دخول المرافق في وجوب الغسل ليس من ظاهر الآية، وإنما حملُ ذلك من السنة.

قوله: ) فأخذ كافة العلماء بالاحتياط، فحكموا بدخولها في الغسل، واخذ زفر وداود

ص: 290

(وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ): المراد إلصاق المسح بالرأس، وماسح بعضه ومستوعبه بالمسح كلاهما ملصق للمسح برأسه، فقد أخذ مالكٌ بالاحتياط فأوجب الاستيعاب أو أكثره على اختلاف الرواية. وأخذ الشافعي باليقين، فأوجب أقل ما يقع عليه اسم المسح وأخذ أبو حنيفة ببيان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وهو ما روى: أنه مسح على ناصيته. وقدر الناصية بربع الرأس.

قرأ جماعة: (وَأَرْجُلَكُمْ) بالنصب، فدل على أن الأرجل مغسولة.

فإن قلت: فما تصنع بقراءة الجر ودخولها في حكم المسح؟ قلت: الأرجل من بين الأعضاء الثلاثة المغسولة تغسل بصب الماء عليها،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بالمتيقن). وفي "الهداية": المرفقان والكعبان يدخلان في الغسل عندنا، خلافاً لزفر، وهو يقول: إن الغاية لا تدخل تحت المُغيا، كالليل في الصوم. ولنا: أن هذه الغاية لإسقاط ما وراءها، إذ لولاها لاستوعبت الوظيفة الكل، وفي باب الصوم لمد الحكم إليها، إذ اسم الصوم على الإمساك ساعة. وعني بالمتيقن: ما يقابل الاحتياط، وهو ما يفيده الخطاب بمنطوقه ولا زيادة عليه.

قوله: (والمراد إلصاق المشح بالرأس). قال القاضي: والباء تدل على تضمين الفعل معنى الإلصاق، فكأنه قيل: وألصقوا المسح برؤوسكم، وذلك لا يقتضي الاسيتعاب، بخلاف ما لو قيل: وامسحو رؤوسكم، فإنه كقوله: واغسلوا وجوهكم.

قوله: (قرأ جماعة: {وَأَرْجُلَكُمْ} بالنصب): نافع وابن عامر واكسائي وحفص، والباقون: بالجر.

ص: 291

فكانت مظنة للإسراف المذموم المنهي عنه، فعطفت على الثالث الممسوح لا لتمسح، ولكن لينبه على وجوب الاقتصاد في صب الماء عليها

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (فعطفت على الرابع)، وفي نسخة:"على الثالث"، وقيل: هذا أشبه بإيراد القرآن، ولكن لما كانت الأعضاء الثلاثة المغسولة عبارة عن الوجه واليدين والرجلين فالرابع هذا. وقلت: الرابع أحسن لإيراد الكتاب، لأنه جعل المغسول ثلاثة، فالرابع هو الممسوح ونحوه سبق في تفسير قوله تعالى:{مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً} [البقرة: 17]، قال:"قد رجع الضمير في هذا الوجه إلى المنافقين، فما مرجعه في الثاني؟ " إلى الأول.

وميل المصنف في عبارته إلى أن الجر على الجوار، قال ابن الحاجب: والخفض على الجوار ليس بجيد؛ إذ لم يأت في الكلام الفصيح، وإنما هو شاذ في كلام من لا يؤبه له من العرب. قال القاضي: والخفض على الجوار كثيرٌ في القرآن والشعر، كقوله تعالى:{عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ} [هود: 84]، {وَحُورٌ عِينٌ} [الواقعة: 22] بالجر في قراءة حمزة والكسائي، وقوله:"جُحر ضب خرب" وللنحاة باب في ذلك، وفائدته: التنبيه على أنه ينبغي أن يقتصد في صب الماء عليها ويغسل غسلاً يقرب من المسح.

وقال أبو البقاء: (وحور عين) على قراءة من جر، معطوف على قوله:{بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ} [الواقعة: 18]، والمعنى مختلف، إذ ليس المعنى يطوف عليهم ولدان مخلدون بحور عين، والجوار مشهور عندهم في الإعراب، والصفات، وقلب الحروف، والتأنيث، فمن الإعراب: ما ذكروا من الصفات، قوله:{فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ} [إبراهيم: 18]، وإنما العاصف الريح، ومن قلب

ص: 292

وقيل إِلَى الْكَعْبَيْنِ فجيء بالغاية إماطة لظنّ ظانّ يحسبها ممسوحة، لأن المسح لم تضرب له غاية في الشريعة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الحروف: إنه ليأتينا بالغدايا والعشايا، ومن التأنيث: ذهبت بعض أصابعه، ومنه قولهم: قامت هند؛ فلم يجيزوا حذف التاء إذا لم يفصل بينهما فإن فصلوا أجازوا، ولا فرق بينهما إلا المجاورة وعدم المجاورة.

قوله: (وقيل {إِلَى الْكَعْبَيْنِ}) عطف على قوله: "فعُطفت"، ويمكن أن يُجعل هذا جواباً عن قول ابن الحاجب، وذلك أن العطف على الجوار إنما يكون محذوراً إذا وقع الإلباس، وأما إذا انتهضت القرينة على توخي المراد وارتفع بها اللبس فلا بأس، كما أنه تعالى لما عطف الأرجل على الرؤوس وأوهم اشتراكاً في المسح استدرك ذلك بضرب الغاية في الأرجل ليؤذن أن حكمها حكم المغسولة مع رعاية الاقتصاد في صب الماء.

وحمل الزجاج الجر على غير الجوار وقال: ويجوز "أرجلكم" بالخفض على معنى: فاغسلوا، لأن قوله:{إِلَى الْكَعْبَيْنِ} قد دل عليه، لأن التحديد يفيد الغسل كما في قوله:{إِلَى الْمَرَافِقِ} ، ولو أريد المسح لم يحتج إلى التحديد، كما قال في الرؤوس:{وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} من غير تحديد وتنسيق الغسل على المسح، كما قال الشاعر:

يا ليت بعلك قد غدا

متقلداً سيفاً ورمحاً

أي: حاملاً رمحاً، واختار صاحب "الانتصاف" هذا الوجه، وكذا ابن الحاجب في "الأمالي" ورد الأول، وقال: هذا الأسلوب، أي: عطف "أرجلكم" على "رؤوسكم" مع

ص: 293

وعن علي رضي الله عنه: أنه أشرف على فتية من قريشٍ، فرأى في وضوئهم تجوزاً، فقال: ويل للأعقاب من النار، فلما سمعوا جعلوا يغسلونها غسلاً، ويدلكونها دلكاً. وعن ابن عمر: كنا مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فتوضأ قوم وأعقابهم بيض تلوح، فقال:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إرادة كونه مغسولاً، من باب الاستغناء بأحد الفعلين عن الآخر، والعرب إذا اجتمع فعلان متقاربان في المعنى ولكل واحد متعلق جوزت ذكر أحد الفعلين وعطفت متعلق المحذوف على المذكور حسب ما يقتضيه لفظه، حتى كأنه شريكه في أصل الفعل، كقوله: علفتها تبناً وماء بارداً. وقلت: هذا الوجه والعطف على الجوار متقاربان في المعنى، لان صاحب المعاني إذا سئل عن فائدة إضمار قوله: حاملاً والاكتفاء بقوله: متقلداً دون العكس لابد أن يزيد على فائدة الإيجاز بأن يقول: إن الرمح صار في عدم الكلفة في حمله بمنزلة السيف، لا سيما إذا ورد مثل هذا التركيب في كلام الحكيم سبحانه وتعالى، وهنا سر أدق منه، وذلك أنه تعالى لما بين حد الأيدي راعى المطابقة بين الأيدي والمرافق بالجمع، وحين بين حد الأرجل وضع التثنية موضع الجمع، وأنت قد عرفت أن البلغاء إنما يعدلون عن مقتضى الظاهر إلى خلافه لنكتة، والنكتة هاهنا: أنه تعالى لما قرن الرجل مع الرأس الممسوح واهتم بشأنه، أخرجه بهذا المخرج لئلا يتوهم متوهم أن حكمه حكم الممسوح بخلاف المرفقين، كأنه قيل: يا أمة محمد، اغسلوا أيديكم إلى المرافق، ويعمد كل واحد منكم إلى غسل ما يشمل الكعبين من الرجل الواحدة.

قوله: (تجوزا)، النهاية:"تجوزوا في الصلاة": خففوها وأسرعوا بها، والمراد بها هنا: التخفيف في الوضوء.

ص: 294

«ويل للأعقاب من النار» ، وفي رواية جابر:«ويل للعراقيب» . وعن عمر أنه رأى رجلاً يتوضأ، فترك باطن قدميه، فأمره أن يعيد الوضوء، وذلك للتغليظ عليه. وعن عائشة رضي الله عنها: لأن تقطعا أحب إليّ من أن أمسح على القدمين بغير خفين. وعن عطاءٍ: واللَّه ما علمت أن أحداً من أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم مسح على القدمين. وقد ذهب بعض الناس إلى ظاهر العطف فأوجب المسح. وعن الحسن: أنه جمع بين الأمرين. وروي عن الشعبي: نزل القرآن بالمسح والغسل سنة. وقرأ الحسن: (وأرجلكم) بالرفع بمعنى: وأرجلكم مغسولة أو ممسوحة إلى الكعبين. وقرئ (فَاطَّهَّرُوا) أي: فطهروا أبدانكم، وكذلك (ليطهركم)، وفي قراءة عبد اللَّه:(فأمّوا صعيداً).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ويل للأعقاب من النار) الحديث من رواية البخاري ومسلم والترمذي والنسائي، عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً لم يغسل عقبيه، قال:"ويل للأعقاب من النار"، وفي رواية:"ويلٌ للعراقيب من النار".

قوله: (بمعنى: وأرجلكم مغسولة أو ممسوحة) يعني دل على الإضمار قوله تعالى: {فَاغْسِلُوا} أو {وَامْسَحُوا} فلا شك أن تغيير الجملة من الفعلية إلى الاسمية وحذف خبرها يدل على إرادة ثبوتها وظهورها، وأن مضمونها مسلم الحكم ثابت لا يلتبس، وإنما يكون كذلك إذا جُعلت القرينة ما عُلم من منطوق القراءتين ومفهومهما وشوهد وتعورف من فعل الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه وسُمع منه واشتهر فيما بينهم، كما سبق عن عطاء: والله ما علمت أن أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح على القدمين، كل هذا دافع لتفسير هذه القراءة

ص: 295

(ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ) في باب الطهارة، حتى لا يرخص لكم في التيمم (وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ) بالتراب إذا أعوزكم التطهر بالماء.

(وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ): وليُتمّ برخصه إنعامه عليكم بعزائمه (لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) نعمته فيثيبكم.

[(وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ)].

(وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ) وهي نعمة الإسلام (وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ) أي: عاقدكم به عقداً وثيقاً، هو الميثاق الذي أخذه على المسلمين حين بايعهم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في حال اليسر والعسر، والمنشط والمكره، فقبلوا وقالوا: سمعنا وأطعنا. وقيل: هو الميثاق ليلة العقبة وفي بيعة الرضوان.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بقوله: "وأرجلكم مغسولة أو ممسوحة" على الترديد؛ لا سيما العدول عن الإنشائية إلى الإخبارية كأنهم: سارعوا فيه وهو يخبر عنه كما مر مراراً.

قوله: (أعوزكم) يقال: أعوزني المطلوب: أعجزني واشتد علي، النهاية: العوز، بالفتح: العدم، وهو سوء الحال.

قوله: (وليتم برخصه إنعامه عليكم بعزائمه) المعنى: جعل الله نعمة الرخصة تتميماً لنعمة العزائم، ثم تمم بهما نعمة الإسلام، ويخلص إلى قوله:{وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} . النهاية: عوازم الأمور: فرائضها التي عزم الله عليكم، والعزائم: الجد والصبر.

قوله: (على السمع والطاعة) عن البخاري ومسلم وغيرهما، عن عُبادة بن الصامت، قال: بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره.

ص: 296

[(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ* وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ* وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ)].

عدّى (يَجْرِمَنَّكُمْ) بحرف الاستعلاء مضمنا معنى فعل يتعدّى به،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

النهاية: المنشط: مفعل من النشاط، وهو الأمر الذي تنشط له وتؤثر فعله، وهو مصدر بمعنى النشاط، وروى الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه في "مسنده"، عن عبادة بن الصامت: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ بايعناه على السمع والطاعة في النشاط والكسل، وعلى النفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفيه: وعلى أن ننصر رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قدم علينا يثرب فنمنعه مما نمنع منه أنفسنا وأزواجنا وأبناءنا ولنا الجنة، قال ابن الجوزي: كانت هذه المبايعة في العقبة الثانية في سنة ثلاث عشرة من النبوة، وأما العقبة الأولى ففي سنة إحدى عشرة، قال عبادة بن الصامت: فبايعناه بيعة النساء: أن لا نشرك بالله شيئاً، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف، وأما بيعة الرضوان: فقد روينا عن مسلم والترمذي والدارمي والنسائي، عن جابر، في قوله تعالى:{لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} [الفتح: 18] قال: بايعناه على أن لا نفر ولم نبايعه على الموت، ولمسلم: سُئل جابر: كم كانوا يوم الحديبية؟ قال: كنا أربع عشرة مئة، فبايعناه وعمر ىخذ بيده تحت الشجرة.

ص: 297

كأنه قيل: ولا يحملنكم. ويجوز أن يكون قوله: (أَنْ تَعْتَدُوا) بمعنى على أن تعتدوا، فحذف مع أن ونحوه قوله صلى الله عليه وسلم:«من اتبع على مليءٍ فليتبع» ؛ لأنه بمعنى: أحيل.

وقرئ (شَنَآنُ) بالسكون. ونظيره في المصادر (ليان)، والمعنى: لا يحملنكم بغضكم للمشركين على أن تتركوا العدل،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ويجوز أن يكون قوله: {أَنْ تَعْتَدُوا} بمعنى: على أن تعتدوا) يريد أن قوله: {لا يَجْرِمَنَّكُمْ} لما عُدي هاهنا بـ "على" على تضمين "لا يحملنكم" يجوز أن يُعدى أيضاً في أول السورة عند قوله: {لا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا} [المائدة: 2] بالتضمين وتقدير "على" لاستوائهما في تأدية المعنى، وكان مفعولاً ثانياً فيما سبق.

قوله: (من أُتبع على ماليء فليتبع) أي: عدى "أتبع" بـ "على" لما تضمن معنى "أحيل"، وألا فالقياس "أتبع مليا" كقوله تعالى:{فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ} [الشعراء: 60].

النهاية: في حديث الحوالة: "إذا أتبع أحدكم على مليء فيتبع"، أي: إذا أحيل على قادر فليحتل، قال الخطابي: أصحاب الحديث يروونه "اتبع" بتشديد التاء، وصوابه بسكون التاء بوزن:"أكرم"، وليس هذا أمراً على الوجوب، وإنما هو على الرفق والأدب.

قوله: (ونظيره في المصادر: ليان): والليان بالفتح: المصدر من اللين، نقول: هو في ليان من العيش، أي: في نعيم. الجوهري: ولواه بدينه لياً ولياناً، أي: مطله.

قوله: (لا يحملنكم بغضكم للمشركين) وذلك أن الله تعالى لما فتح مكة أمر المسلمين بان لا يكافئوا كفار مكة بما سلف منهم، وأن يعدلوا في القول والفعل والحكم.

ص: 298

فتعتدوا عليهم بأن تنتصروا منهم وتتشفوا بما في قلوبكم من الضغائن بارتكاب ما لا يحل لكم من مثله، أو قذفٍ، أو قتل أولاد أو نساءٍ، أو نقض عهدٍ، أو ما أشبه ذلك. (اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى): نهاهم أوّلاً أن تحملهم البغضاء على ترك العدل، ثم استأنف فصرّح لهم بالأمر بالعدل؛ تأكيداً وتشديداً، ثم استأنف فذكر لهم وجه الأمر بالعدل، وهو قوله:(هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى) أي: العدل أقرب إلى التقوى، وأدخل في مناسبتها، أو: أقرب إلى التقوى لكونه لطفاً فيها. وفيه تنبيهٌ عظيمٌ على أن وجود العدل مع الكفار الذين هم أعداء اللَّه إذا كان بهذه الصفة من القوة، فما الظنّ بوجوبه مع المؤمنين الذين هم أولياؤه وأحباؤه؟ (لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ): بيان للوعد بعد تمام الكلام قبله، كأنه قال: قدّم لهم وعداً فقيل: أي: شيء وعده لهم؟ فقيل: (لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (أو: أقرب إلى التقوى) أي: أنتم متقون والعدل أنسب إليكم من غيركم، أو: أنتم طالبون للتقوى فاعدلوا فإنه سبب فيها ووسيلة إليها، وهو المراد من قوله:"لكونه لطفاً فيها".

الراغب: إن قيل: كيف قال: {أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} و"أفعل" إنما تقال في شيئين اشتركا في أمر واحد لأحدهما مزية؟ وقد علمنا أن لا شيء من التقوى ومن فعل الخير إلا وهو من جملة العدالة، فما معنى قوله:{هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} ؟ قيل: إن "أفعل"- وإن كان كما ذكرت -وقد تستعمل على تقدير بناء الكلام على اعتقاد المخاطب في الشيء في نفسه قطعاً لكلامه وإظهاراً لتبكيته، فيقال لمن اعتقد مثلاً في زيد فضلاً، وإن لم يكن فيه فضل، ولكن لا يمكنه أن ينكر أن عمراً أفضل منه، فقال: اخدم عمراً هو أفضل من زيد، وعلى ذلك قوله تعالى:{أَاللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ} [النمل: 59] وقد عُلم أن لا خير فيما يشركون.

قوله: (كأنه قال: قدم لهم وعدا) يعني: لما كان قوله: {لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} بياناً لقوله: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} على سبيل الاستئناف، وكان الواجب

ص: 299

أو يكون على إرادة القول بمعنى وعدهم وقال لهم مغفرة. أو على إجراء (وعد) مجرى "قال" لأنه ضرب من القول. أو يجعل (وعد) واقعاً على الجملة التي هي لهم مغفرة، كما وقع (تركنا) على قوله:(سَلامٌ عَلى نُوحٍ)[الصافات: 79] كأنه قيل: ........

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

رعاية المطابقة بين البيان والمبين، وقد أتى في البيان باللام، فوجب أن يؤول المبين بما يشتمل عليها، ولذلك قال:"كأنه قيل: قدم لهم وعداً" ليون مورداً للسؤال المتضمن للام، وهو قوله: "أي شيء وعده لهم؟ ونظيره قوله تعالى: {قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ} [المؤمنون: 86 - 87]، قال الإمام: هذا محمول على المعنى، لأن معناه: لمن السماوات؟ فقيل: لله، ونحوه قول الشاعر:

معاوي إننا بشر فأسجح

فلسنا بالجبال ولا الحديدا

قوله: (أو على إجراء {وَعَدَ} مجرى "قال" (. قال الزجاج: "وعد" بمنزلة "قال"؛ لأن الوعد لا ينعقد إلا بالقول.

قوله: (واقعاً على الجملة) أي: هو مفعول به، أي: وعد هذا القول وهو قوله: {لَهُمْ مَغْفِرَةً} .

قوله: (كما وقع "تركنا")، قال المصنف: هذه الكلمة، وهي {سَلامٌ عَلَى نُوحٍ} [الصافات: 79]، يعني: يسلمون عليه تسليماً ويدعون له، من الكلام المحكي، كقولك: قرأت {سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا} [النور: 1]، قيل: لو لم يكن على الحكاية لكان القياس "سلاماً"؛ لأنه مفعول "تركنا"، أي: تركنا سلاماً عليه.

ص: 300

وعدهم هذا القول وإذا وعدهم من لا يخلف الميعاد هذا القول، فقد وعدهم مضمونه من المغفرة والأجر العظيم، وهذا القول يتلقون به عند الموت ويوم القيامة، فيسرون به ويستروحون إليه ويهوّن عليهم السكرات والأهوال قبل الوصول إلى الثواب.

[(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ)]. الْمُؤْمِنُونَ)].

روي أن المشركين رأوا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وأصحابه قاموا إلى صلاة الظهر يصلون معاً، وذلك بعسفان في غزوة ذي أنمار،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وإذا وعدهم من لا يخلف الميعاد هذا القول فقد وعدهم مضمونه) يريد أن هذه الآية تفيد ما أفاده قوله تعالى في الفتح: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً} [الفتح: 29]، وإن كان القصد هاهنا القول وهناك الموعود؛ لأن الكريم إذا نطق بالوعد لا يخلف وعده، وكان الموعود حاصلاً، ولهذه الطريقة فائدة زائدة، وهي استرواح السامع باللفظ مع توطين النفس بإنجازه، فيسهل عليه تحمل المشاق، ولذلك جاء قوله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} [فصلت: 30] واسترواحاً عند حضور الموت.

قوله: (ويستروحون إليه)، الجوهري: أراح الرجل: رجعت نفسه إليه بعد الإعياء، وأروح واستروح واستراح بمعنى، فيا لكلام لف ونشر بغير ترتيب.

قوله: (أن المشركين رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه قاموا) قيل: "قاموا": حال، و"قد" مُقدرة، ولو كان من رؤية القلب لكان مفعولاً ثانياً.

ص: 301

فلما صلوا ندموا أن لا كانوا أكبوا عليهم فقالوا: إنّ لهم بعدها صلاة هي أحب إليهم من آبائهم وأبنائهم، يعنون: صلاة العصر وهموا بأن يوقعوا بهم إذا قاموا إليها، فنزل جبريل بصلاة الخوف، وروي أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أتى بني قريظة ومعه الشيخان وعليّ رضي الله عنهم يستقرضهم دية مسلمين قتلهما عمرو بن أمية الضمري خطأ يحسبهما مشركين، فقالوا: نعم يا أبا القاسم، اجلس حتى نطعمك ونقرضك، فأجلسوه في صفةٍ وهموا بالفتك به، وعمد عمرو بن جحاشٍٍ إلى رحىً عظيمةٍ يطرحها عليه، فأمسك اللَّه يده ونزل جبريل فأخبره، فخرج. وقيل: نزل منزلاً وتفرق الناس في العضاه يستظلون بها، فعلق رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم سلاحه بشجرةٍ، فجاء أعرابي فسلّ سيف رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ثم أقبل عليه فقال: من يمنعك منى؟ قال: "اللَّه"، قالها ثلاثاً. فشام الأعرابي السيف فصاح رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بأصحابه فأخبرهم وأبى أن يعاقبه. يقال: بسط إليه لسانه: إذا شتمه، وبسط إليه يده: إذا بطش به. (وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ)[الممتحنة: 2] ومعنى بسط اليد: مدّها إلى المبطوش به. ألا ترى إلى قولهم: فلان

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ألا كانوا أكبوا عليهم) أي: هلا كانوا، وهي كلمة التنديم، فالجملة مبينة لقوله:"ندموا"ن وقيل: أصله: ندموا على أن لا كانوا، فحذف "على" ثم أدغم النون في اللام.

قوله: (وهموا بالفتك به)، النهاية: الفتك: هو أن يأتي صاحبه وهو غافل فيشد عليه فيقتله.

قوله: (وقيل: نزل منزلاً تفرق الناس) نحوه رواه الشيخان عن جابر.

قوله: (في العضاه)، النهاية: العضاه: شجر أم غيلان، وكل شجر عظيم له شوك، الواحدة: عضة بالتاء.

قوله: (فشام) شام السيف: سلها، وشامها: أغمدها، وهو من الأضداد.

ص: 302

بسيط الباع، ومديد الباع، بمعنى. (فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ): فمنعها أن تمدّ إليكم.

[(وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً وَقالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ* فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)].

لما استقر بنو إسرائيل بمصر بعد هلاك فرعون أمرهم اللَّه بالمسير إلى أريحاء أرض الشام، وكان يسكنها الكنعانيون الجبابرة، وقال لهم: إني كتبتها لكم داراً قراراً فاخرجوا إليها وجاهدوا من فيها، وإني ناصركم، وأمر موسى عليه السلام بأن يأخذ من كل سبط نقيباً يكون كفيلاً على قومه بالوفاء بما أمروا به؛ توثقةً عليهم، فاختار النقباء وأخذ الميثاق على بني إسرائيل، وتكفل لهم به النقباء، وسار بهم، فلما دنا من أرض كنعان بعث النقباء يتجسسون، فرأوا أجراماً عظيمة وقوّة وشوكةً، فهابوا ورجعوا وحدّثوا قومهم، وقد نهاهم موسى عليه السلام أن يحدثوهم، فنكثوا الميثاق، إلا كالب بن يوفنا، من سبط يهوذا، ويوشع بن نون من سبط أفراييم بن يوسف، وكانا من النقباء. والنقيب: الذي ينقب عن أحوال القوم ويفتش عنها، كما قيل له: عريف، لأنه يتعرفها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (والنقيب: الذي يُنقب عن أحوال القوم). قال الزجاج: النقب: الطريق في الجبل، وإنما قيل: نقيب لأنه يعلم دخيلة أمر القوم، ويعرف مناقبهم، وهو الطريق إلى معرفة أمورهم، يقال: فلان حسن النقيبة، أي: جميل الخليقة، وهذا الباب كله معناه التأثير في الشيء الذي له عُمق، من ذلك نقبت الحائط، أي: بلغت في النقب آخره.

ص: 303

(إِنِّي مَعَكُمْ) أي: ناصركم ومعينكم. (وعَزَّرْتُمُوهُمْ): نصرتموهم ومنعتموهم من أيدي العدوّ. ومنه: التعزير: وهو التنكيل والمنع من معاودة الفساد. وقرئ: بالتخفيف، يقال: عزرت الرجل: إذا حطته وكنفته. والتعزير والتأزير من وادٍ واحدٍ، ومنه: لأنصرنك نصراً مؤزراً، أي: قوياً.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وهو التنكيل والمنع). قال الزجاج: عزرتموه: نصرتموه، لأن العزر في اللغة: الرد، وعزرت فلاناً أي: أدبته، معناه: فعلت به ما يردعه عن القبيح، كما أن نكلت به معناه: فعلت به ما يجب أن يُنكل عن المعاودة، والناصر يرد عن صاحبه أعداءه، وهو يستلزم التعظيم والتوقير، ومن فسر التعزير بالتعظيم أراد هذا، قلت: فهو حقيقة في الرد والمنع، وكناية عن التعظيم والنصرة.

وقال الراغب: التعزير: النصرة مع التعظيم، قال تعالى:{وَتُعَزِّرُوهُ} [الفتح: 9]، والتعزير: ضربٌ دون الحد، وذلك يرجع إلى الأول، فإنه تأديب والتأديب نصرة ما، لكن الأول: نصرة بقمع العدو عنه، والثاني: نصرة لقهره عن عدوه، فإن أفعال الشر عدو للإنسان، فمتى قمعته عنها فقد نصرته، وعلى هذا قوله صلى الله عليه وسلم:"انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً"، فقال: أنصره مظلوماً، فكيف أنصره ظالماً؟ قال:"تكفه عن الظلم"، وقلت: الحديث من رواية البخاري والترمذي عن أنس، فقال رجل: يا رسول الله، أنصره إذا كان مظلوماً أفرأيت إن كان ظالماً كيف أنصره؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"تحجزه أو تمنعه عن الظلم، فإن ذلك نصره".

قوله: (نصراً مؤزراً)، قاله ورقه بن نوفل، وهو ابن عم خديجة في حديث مشهور أخرجه الشيخان.

ص: 304

وقيل: معناه: ولقد أخذنا ميثاقهم بالإيمان والتوحيد وبعثنا منهم اثني عشر ملكاً يقيمون فيهم العدل ويأمرونهم بالمعروف وينهونهم عن المنكر. واللام في (لَئِنْ أَقَمْتُمُ) موطئة للقسم، وفي (لَأُكَفِّرَنَّ) جواب له، وهذا الجواب سادّ مسدّ جواب القسم والشرط جميعاً

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وقيل: معناه: ولقد أخذنا ميثاقهم) عطف على قوله: "لما استقر بنو إسرائيل بمصر بعد هلاك فرعون". اعلم أن أخذ الميثاق هاهنا يحتمل معنيين، أحدهما: ميثاق الأمر بالجهاد والتأكيد فيه، فالنقباء على هذا نُقباء العسكر وعُرفاؤه، والمناسب أن تفسر {إِنِّي مَعَكُمْ} بقوله:"أي: ناصركم ومعينكم" و"عزرتموهم" بقوله: "منعتموهم ونصرتموهم"، وثانيهما: يحتمل العهد بالإيمان وتوثيق أمر التوحيد، فالنقيب على هذا: معلم الخير، والحاكم العدل، والمناسب بقوله:{إِنِّي مَعَكُمْ} أن يقال: إني أوفقكم على الخير، وبقوله: عزرتموهم: وقرتموهم، كقوله تعالى:{وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ} [الفتح: 9].

فإن قلت: الإيمان بالرسل مقدم على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة فلم أخر ذكره في قوله تعالى: {لَئِنْ أَقَمْتُمْ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمْ الزَّكَاةَ} الآية؟ قلت: هذه الجملة، اعني قوله:{وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمْ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً} كناية إيمائية عن المجاهدة ونصرة دين الله ورسله والإنفاق في سبيله، كأنه قيل: لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وجاهدتم في سبيل الله. يدل عليه قوله: {وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ} [المائدة: 21]، قال: أي: "لا ترتدوا على أدباركم في دينكم لمخالفتكم أمر ربكم وعصيانكم نبيكم"، وإنما وقع الاهتمام بشأن هذه القرينة دون الأوليين وأبرزت في معرض الكناية لأن القوم كانوا يتقاعدون عن القتال ويقولون لموسى عليه الصلاة والسلام:{اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} [المائدة: 24]، وينصر هذا حمل النقباء على نُقباء العسكر.

ص: 305

(بَعْدَ ذلِكَ): بعد ذلك الشرط المؤكد المعلق بالوعد العظيم. فإن قلت: من كفر قبل ذلك أيضا فقد ضلّ سواء السبيل

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (بعد ذلك الشرط المؤكد المعلق بالوعد العظيم) قيل: ينهي من ظن أن المراد بالوعد هاهنا الوعيد، لأن الشرط {لَئِنْ أَقَمْتُمْ الصَّلاةَ} إلى قوله:{قَرْضاً حَسَناً} ، والوعد {لأكَفِّرَنَّ} إلى آخره، وانظر إليهم كم خبطوا في الحواشي؟ وكادوا يُضلون كثيراً بعد أن ضلوا، لولا أن الله تعالى أعطى القوس باريها!

وقلت: لو أريد هذا المعنى لقيل: "بعد ذلك الشرط المعلق به الوعد العظيم"، كما قال القاضي، لأنه لا يقال: الشرط معلق بالجزاء معلق بالشرط، والحق أن الوعد العظيم هو قوله تعالى:{إِنِّي مَعَكُمْ} ، وأي وعد أعظم من ذلك؟ لأنه مشتمل على جميع ما يصح فيه الوعد من النصرة، وتكفير الذنوب، وإدخال الجنة، والغفران والرضوان، والرؤية وغيرها، وتعلق الشرط به، وهو قوله تعالى:{لَئِنْ أَقَمْتُمْ} إلى آخره، من حيث المعنى، كما تقول لصاحبك: أنا معنى في حقك جداً إن خدمتني لم أضيع سعيك، أفعل بك وأصنع بك وكيت وكيت، فالشرط مع الجزاء مقرر لمعنى الجملة الأولى، وحاصل معنى قوله:"الشرط المعلق بالوعد" يعود إلى الشرط المتعلق بالوعد، لأن المعنى الصحيح: ومن كفر بعد ذلك الميثاق، وذلك البعث، وقول الله تعالى:{إِنِّي مَعَكُمْ} إلى قوله تعالى: {فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} ؛ لأن قوله: {وَقَالَ اللَّهُ} عطف على {أَخَذْ} على سبيل البيان والتوضيح؛ لأنه مشتمل على الشرط، وهو قوله:{لَئِنْ أَقَمْتُمْ الصَّلاةَ} إلى آخره، وقد سبق في البقرة أن العهد: الموثق، وعهد إليه: إذا وصاه به، واستعهد منه: إذا اشترط عليه. وكرر فيه اسمه الجامع لمزيد التوكيد والتقرير، وأن وعداً وعده الله عز وجل لا خلاف فيه البتة، وأن من نقض ذلك العهد فقد ضل ضلالاً بعيداً.

ص: 306

قلت: أجل، ولكن الضلال بعده أظهر وأعظم، لأنّ الكفر إنما عظم قبحه لعظم النعمة المكفورة، فإذا زادت النعمة زاد قبح الكفر وتمادى (لَعَنَّاهُمْ): طردناهم وأخرجناهم من رحمتنا. وقيل: مسخناهم. وقيل: ضربنا عليهم الجزية.

(وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً): خذلناهم ومنعناهم الألطاف حتى قست قلوبهم. أو أملينا لهم ولم نعاجلهم بالعقوبة حتى قست. وقرأ عبد اللَّه: (قسية) أي: ردية مغشوشة، من قولهم: درهم قسىّ وهو من القسوة لأنّ الذهب والفضة الخالصين فيهما لين والمغشوش فيه يبس وصلابة، والقاسي والقاسح - بالحاء - أخوان في الدلالة على اليبس والصلابة وقرئ:(قسية) بكسر القاف للإتباع.

(يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ): بيان لقسوة قلوبهم؛ لأنه لا قسوة أشدّ من الافتراء على اللَّه وتغيير وحيه. (وَنَسُوا حَظًّا): وتركوا نصيباً جزيلاً وقسطاً وافياً (مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ): من التوراة؛ يعني: أن تركهم وإعراضهم عن التوراة إغفال حظ عظيم، أو قست قلوبهم وفسدت فحرّفوا التوراة،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (أجل، ولكن الضلال بعده أظهر) اعتزال خفي، لأنه مبني على قاعدة الحسن والقبح العقلي.

قوله: (وقرأ عبد الله: "قسية") بتشديد الياء من غير ألف، وكذا حمزة والكسائي، والباقون: بتخفيفها وبالألف.

قوله: (أوقست قلوبهم وفسدت فحرفوا) عطف على قوله: " {يُحَرِّفُونَ}: بيان لقسوة قلوبهم"، وقوله:"لأنه لا قسوة أشد من الافتراء على الله تعالى" تعليل لاتحاد معنى البيان والمبين، لأن معنى قولهم: قلوبهم قاسية، فيه نوع خفاء من حيث إن من قسا قلبه فعل أفعال أهل العناد، فأزال بقوله:{يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ} الإبهام، نحوه قوله: " {وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا

ص: 307

وزالت أشياء منها عن حفظهم. وعن ابن مسعود رضي الله عنه: قد ينسى المرء بعض العلم بالمعصية، وتلا هذه الآية. وقيل: تركوا نصيب أنفسهم مما أمروا به ........

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ} [البقرة: 8 - 9] لم يعطف {يُخَادِعُونَ} على ما قبله لكونه مبيناً له من حيث إنهم حين كانوا يوهمون بألسنتهم أنهم آمنوا وما كانوا مؤمنين بقلوبهم قد كانوا في حكم المخادعين، قاله صاحب "المفتاح"، فقوله: قد كانوا في حكم المخادعين مثل قول المصنف: "لا قسوة أشد من الافتراء"، وعلى الوجه الثاني:{يُحَرِّفُونَ} استئناف لبيان المقتضي وما حالهم بعد التحريف، ولذلك أتى بالفاء السببية في قوله:"فحرفوا" كأنه قيل: ما فعلوا إذاً؟ فقيل: يحرفون الكلم ونسوا حظاً مما ذكروا به، كما قال ابن مسعود: ينسى المرء بعض العلم بالمعصية.

وقلت: وفيه أن بركة الطاعة، والعمل بما علم موجبة لازدياد العلم، ما قيل: من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم، وأشار المصنف بقوله:"فحرفوا التوراة وزالت أشياء منها" إلى أن قوله: "نسوا"، من النسيان، وهو ماض عطف على {يُحَرِّفُونَ} وجاء على المضارع بمعنى الاستمرار ليناسبه، كما قال في قوله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ} [فاطر: 29]: "يُداومون على تلاوته وهي شأنهم وديدنهم"، وعلى الوجه الأول: أي: إذا كان نسوا بمعنى تركوا، يكون حالاً من فاعل {يُحَرِّفُونَ} ، وقد: مُقدرة.

قوله: (وقيل: تركوا نصيب أنفسهم) عطف على قوله: "وتركوا نصيباً جزيلاً"، فعلى

ص: 308

من الإيمان بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم وبيان نعته. (وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ) أي: هذه عادتهم وهجيراهم، وكان عليها أسلافهم، كانوا يخونون الرسل وهؤلاء يخونونك، ينكثون عهودك، ويظاهرون المشركين على حربك، ويهمون بالفتك بك، وأن يسموك.

(عَلى خائِنَةٍ) على خيانةٍ، أو على فعلةٍ ذات خيانةٍ، أو على نفسٍ أو فرقةٍ خائنةٍ. ويقال: رجلٌ خائنةٌ، كقولهم: رجلٌ راوية للشعر؛ للمبالغة. قال:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الأول التنكير في قوله: {وَنَسُوا حَظّاً} ، للتكثير والتعظيم، ولهذا قال:"إغفال حظ عظيم" يعني: نبذوا التوراة وراء ظهورهم ولم يعملوا بما فيها فكان إعراضهم عن التوراة إغفال حظ عظيم، وعلى الثاني: التنكير للنوع، والمتروك بعض ما فيها؛ وهو الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، فالنصيب بمعنى المفروض، ولهذا بينه بقوله:"مما أمروا به من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم".

قوله: (ويظاهرون المشركين على حربك) يعني: يوم الأحزاب "ويهمون بالفتك بك"، يعني يوم أتيت بني قريظة ومعك الشيخان وعلي، "وأن يسموك" يعني: يوم خيبر، والذي يقتضيه النظم أن قوله تعالى:{وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ} الثاني جيء به مكرراً لإناطة قصد فتك اليهود بالرسول صلى الله عليه وسل ونجاته منهم به، ثم بيان نقضهم ميثاقهم قديماً وحديثاً واستحقاقهم لذلك اللعن وضرب الذلة والمسكنة، وجعل قلوبهم قاسية حتى حرفوا كتاب الله؛ ليجتنب المؤمنون عن مثل فعلهم، ويحفظوا عهد الله ومواثيقه، وقد سبق في الكتاب في إحدى الروايات أن سبب نزول الآية: إتيان رسول الله صلى الله عليه وسلم بني قريظة والشيخين وعلي ليعينوهم على الدية، وروى محيي السنة، عن مجاهد وعكرمة والكلبي وابن يسار، أنه بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم المنذر ابن عمرو الساعدي، وهو احد النقباء يوم العقبة، في ثلاثين راكباً إلى بني عامر، فلقوا عامر ابن الطفيل فاقتتلوا فقتل المنذر وأصحابه إلا عمرو بن امية الضمري وآخر لقيا رجلين من بني سُليم، وكان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم موادعة، فانتسبا إلى بني عامر فقتلاهما، وقدم

ص: 309

حَدَّثْتَ نَفْسَكَ بِالْوَفَاءِ وَلَمْ تَكُنْ

لِلْغَدْرِ خَائِنَةً مَضَلَّ الْأُصْبُعِ

وقرئ: (على خيانة مِنْهُمْ). (إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ): وهم الذين آمنوا منهم. (فَاعْفُ عَنْهُمْ) بعث على مخالفتهم. وقيل هو منسوخ بآية السيف. وقيل: فاعف عن مؤمنيهم ولا تؤاخذهم بما سلف منهم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قومهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يطلبون الدية، فخرج صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر وعثمان وعلي وطلحة وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهم، ودخلوا على كعب بن الأشرف وبني النضير يستعينهم على عقلهما، وكانوا قد عاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم على ترك القتال وعلى أن يعينوه في الديات، وساق الحديث على نحو ما ساقه المصنف قبل هذا.

وأما قوله: {وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمْ} فقد أتى به تمهيداً وتوطئة لقوله: {وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ} وتقريراً بأن اليهود دأبهم وديدنهم قديماً وحديثاً نقض العهود. ثم المناسب إلى النظم أن يحمل الميثاق على ميثاقهم بالإيمان والتوحيد، ويؤيده قوله بعيد هذا:"أي: مثل ميثاقهم بالإيمان بالله وبالرسل وبأفعال الخير"، والفاء في {فَبِمَا نَقْضِهِمْ} فصيحة، أي: أخذ الله ميثاقهم وأكده وكيت وكيت فما ثبتوا على الميثاق، وما التفتوا إلى تلك التشديدات ونقضوا الميثاق فبنقضهم لعناهم.

قوله: (حدثت نفسك بالوفاء) البيت، قبله:

أقرين إنك لو رأيت فوارسي

بغمايتين إلى جوانب ضلفع

قرين: اسم ضيف نزل على القائل وطمع في جاريته، ومُغل الأصبع: نصبٌ على النداء.

ص: 310

[(وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ)].

(أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ): أخذنا من النصارى ميثاق من ذكر قبلهم من قوم موسى، أي: مثل ميثاقهم بالإيمان باللَّه والرسل وبأفعال الخير، وأخذنا من النصارى ميثاق أنفسهم بذلك.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قال الزجاج: "خائنة" على المبالغة، لأن الشاعر يخاطب رجلاً يقول: لا تخن فتغل إصبعك في المتاع، أي: تدخلها للخيانة، وقيل: مُغل الأصبع: خائن اليد، يقول: لو رأيت فوارسي لخفت وما غدرت فطمعت في جاريتي، غمايتين: جبلين متناوحين، أي: متقابلين.

قوله: (أو أخذنا من النصارى ميثاق أنفسهم) يريد أن الضمير المضاف إليه في {مِيثَاقَهُمْ} لليهود على حذف المضاف لقوله: "أي: مثل ميثاقهم" ليستقيم المعنى، إذ لا يكون ميثاق النصارى غير ميثاق اليهود، أو للنصارى من غير حذف، فعلى الأول قد شبه أخذ ميثاق النصارى بأخذ ميثاق اليهود، والوجه أن يكون الضمير للنصارى لاختلاف العبارتين والحالتين، أتى في الأولى بالجملة القسمية، وهي {وَلَقَدْ أَخَذْنَا} [المائدة: 12]، وعرى الثانية عن التوكيد، وقيل ثمة:{فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ} مع "ما" المؤكدة إلى ذُكروا به، وهاهنا {فَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ} . ثم انظر كم التفاوت بين جزاء النقيضين لتقف على تمام المراد، وذلك أن اليهود لما كانوا قوماً بهتاً شديدي الشكيمة جيء بما يدل على قوة الأمر ليؤذن بالقسر والقهر، ويؤيده قوله تعالى:{وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمْ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ} [البقرة: 63]. قال المصنف: " {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ} بالعمل على ما في التوراة، {وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمْ الطُّورَ}

ص: 311

فإن قلت: فهلا قيل: من النصارى؟ قلت: لأنهم إنما سموا أنفسهم بذلك ادعاءً لنصرة اللَّه، وهم الذين قالوا لعيسى: نحن أنصار اللَّه، ثم اختلفوا بعد: نسطورية، ويعقوبية، وملكانية. أنصارا للشيطان.

(فَأَغْرَيْنا): فألصقنا وألزمنا من غرى بالشيء إذا لزمه ولصق به وأغراه غيره .....

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حتى قبلتم وأعطيتم الميثاق". وأما النصارى فلسهولة مأخذهم ولين جانبهم عرى ما نُسب إليهم عن التوكيد والتشديد، وينصره قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ} [الصف: 14] أي: كونوا مثلهم في القبول بنشاط قلب ووفور رغبة، وإنما قدم الجار والمجرور على العامل وأثرت الصلة والموصول على العبارة المختصرة، أي: النصارى، للتعريض بالمؤمنين ليثبتوا على عهودهم ولا ينسوا ما ذكرهم الله تعالى به، أي: لا يكونوا مثل هؤلاء المدعين المخصوصين من بين سائر المدعين بأخذ الميثاق منهم، ونسيانهم حظاً مما ذكروا به، وتلخيصه: كما أمرناكم في تلك الآية أن تكونوا مثلهم في تلك الخصلة نحذركم في هذه الآية أن تقفوا أثرهم في تلك الهناة، وإنما سميناهم مُدعين لقوله: "إنما سموا أنفسهم بذلك ادعاء لنصرة الله"، والله أعلم.

قوله: (فهلا قيل: من النصارى؟ ) يعني: ما فائدة العدول عن النصارى إلى الإطناب؟ وأجاب: أنه إنما عدل لتصور تلك الحالة في ذهن السامع وتقرر عنده أنهم ادعوا نُصرة دين الله، نحو قوله تعالى:{وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ} [يوسف: 23]، عدل عن اسمها زيادة لتقرير المُراودة.

الانتصاف: لما كان المقصود في هذه الآية ذمهم بنقض الميثاق المأخوذ عليهم بنصرة الله، وبما يدل على أنهم لم يوفوا بما عاهدوا عليه من النصرة عدل عن قوله: من "النصارى" إلى قوله: {وَمِنْ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى} ، فحاصل ما صدر منهم قولٌ بلا فعل.

ص: 312

ومنه الغراء الذي يلصق به بَيْنَهُمُ بين فرق النصارى المختلفين. وقيل: بينهم وبين اليهود، ونحوه. (وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً) [الأنعام: 129]، (أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَاسَ بَعْضٍ) [الأنعام: 69].

[(يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ* يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ)].

(يا أَهْلَ الْكِتابِ): خطاب لليهود والنصارى. (مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ) من نحو صفة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، ومن نحو الرجم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ومنه: الغراء)، الجوهري: هو ما يتخذ من السمك ليلصق به الشيء، إذا فتحت الغين قصرت، وغن كسرت مددت.

قوله: ({نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً}) هذا إذا أريد به التولية، قال المصنف:"نخليهم حتى يتولى بعضهم بعضاً كما فعل الشياطين وغواة الإنس".

قوله: ({أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً})، قال:"يخلطكم فرقاً مختلفين على أهواء شتى".

روى الواحدي عن الزجاج: قال: {فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ} أي: صاروا فرقاً يكفر بعضهم بعضاً.

ص: 313

(وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ) مما تخفونه لا يبينه إذا لم تضطر إليه مصلحة دينية، ولم يكن فيه فائدة إلا اقتضاء حكم وصفته مما لا بدّ من بيانه، وكذلك الرجم وما فيه إحياء شريعة وإماتة بدعة. وعن الحسن: ويعفو عن كثير منكم لا يؤاخذه.

(قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ) يريد: القرآن لكشفه ظلمات الشرك والشك، ولإبانته ما كان خافياً عن الناس من الحق. أو لأنه ظاهر الإعجاز.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: ({وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} مما تُخفونه لا يبينه إذا لم تضطر إليه مصلحة دينية) إلى آخره، هذا يؤذن أن صفة الرسول صلى الله عليه وسلم وأمر الرجم مما اضطر إليهما لمصالح، وفيهما فوائد جمة، ولذلك لم يعف عنهما.

قوله: (وصفته) وهو مبتدأ، والخبر:"مما لابد من بيانه"، "وما فيه إحياء شريعة وإماتة بدعة" من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

قوله: (لكشفه ظلمات الشرك) تعليل لتسمية القرآن بالنور، وقوله:"لإبانته" تعليل لوصفه بالمبين.

قوله: (أو لأنه ظاهر الإعجاز) على أن {مُبِينُ} من: بان الشيء، وعن الواحدي، عن قتادة:{نُّورٌ} ، يعني النبي صلى الله عليه وسلم، وهو اختيار الزجاج، وما ذهب إليه المصنف أوفق لتكرير قوله:{قَدْ جَاءَكُمْ} بغير عاطف، فعلق به أولاً: وصف الرسول صلى الله عليه وسلم، وثانياً: وصف الكتاب، وأحسن منه ما سله الراغب حيث قال: بين في الآية الأولى والثانية النعم الثلاث التي خص بها العباد، وهي النبوة والعقل والكتاب، وذكر في الآية الثالثة ثلاثة أحكام يرجع كل واحد إلى نعمة مما تقدمن فقوله:{يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ} يرجع إلى قوله: {قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا} ، أي: يهدي

ص: 314

(مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ): من آمن به (سُبُلَ السَّلامِ): طرق السلامة والنجاة من عذاب اللَّه أو سبل اللَّه.

[(لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)].

قولهم إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ معناه بت القول، على أن حقيقة اللَّه هو المسيح لا غير. قيل:

كان في النصارى قوم يقولون ذلك. وقيل: ما صرّحوا به ولكن مذهبهم يؤدّى إليه، حيث اعتقدوا أنه يخلق ويحيى ويميت ويدبر أمر العالم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بالبيان إلى طريق السلامة من اتبعه وتحرى مرضاة الله، وقوله:{وَيُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} يرجع إلى قوله: {قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ اللَّهِ نُورٌ} ، وقوله:{وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} يرجع إلى قوله: {وَكِتَابٍ مُبِينٍ} ، كقوله تعالى:{هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 2]، وسيجيء تفسير هذه الآية في سورة النور.

قوله: (بت القول على أن حقيقة الله هو) وذلك أن الخبر إذا عُرف باللام أفاد القصر سواء كان التعريف فيه عهداً أو جنساً، فإذا ضُم معه ضمير الفصل ضاعف تأكيده معنى القصر، فإذا صُدرت الجملة بـ"إن" بلغ الكمال في التحقيق.

قوله: (كان في النصارى قوم يقولون ذلك)، الراغب: إن قيل: إن أحداً لم يقل: الله هو المسيح، وإن قالوا: المسيح هو الله، وذلك أن عندهم أن المسيح من لاهوت وناسوت، فيقولون: يصح أن يُقال: المسيح هو اللاهوت وهو ناسوت، كما يصح أن يقال: الإنسان هو

ص: 315

(فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً): فمن يمنع من قدرته ومشيئته شيئاً؟ (إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ) من دعوه إلها من المسيح وأمّه، دلالةً على أن المسيح عبد مخلوق كسائر العباد.

وأراد بعطف (مَنْ فِي الْأَرْضِ) على: (الْمَسِيحَ

وَأُمَّهُ) أنهما من جنسهم لا تفاوت بينهما وبينهم في البشرية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حيوان وهو نبات لما كان مركباً منهما، ولا يصح أن يقال: اللاهوت هو المسيح كما لا يصح أن يقال: الحيوان هو الإنسان، قيل: إنهم قالوا: هو المسيح على وجه آخر غير ما ذكرت، وهو ما رُوي عن محمد بن كعب القُرظي: أنه لما رُفع عيسى عليه الصلاة والسلام اجتمع طائفة من علماء بني إسرائيل فقالوا: ما تقولون في عيسى؟ فقال أحدهم: أو تعلمون أن أحداً يحيي الموتى إلا الله تعالى؟ فقالوا: لا، فقالوا: أتعلمون أن أحداً يعلم الغيب إلا الله؟ فقالوا: لان فقالوا: أتعلمون أن أحداً يبرئ الأكمه والأبرص إلا الله؟ قالوا: لا، قالوا: فما الله إلا من هذا وصفه، أي: حقيقة الإلهية فيه، وهذا كقولك: الكريم زيدٌ، أي: حقيقة الكرم في زيد، وعلى هذا قوله تعالى:{إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ} .

قوله: (دلالة على أن المسيح) مفعول له، أي: قال الله تعالى هذا القول دلالة.

قوله: (وأراد بعطف {مَنْ فِي الأَرْضِ}) عطف على جملة قولنا: قال الله تعالى هذا القول دلالة، وإنما أقيم المظهر موضع المضمر في قوله:{أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ} وإن لم يقل: يهلكه إرادة الدلالة أنه عبدٌ مطيع؛ لأن المسيح هو الصديق، وعطف عليه أمه لمزيد الدلالة على أنه عبد مخلوق؛ لأن الخالق لا أم له، ثم عطف عليه:{مَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعاً} إرادة الدلالة على أنهما من جنس من في الأرض لا تفاوت بينهما، وكل ذلك تتميمات يزيد الكلام بها مبالغة.

ص: 316

(يَخْلُقُ ما يَشاءُ) أي: يخلق من ذكر وأنثى ويخلق من أنثى من غير ذكرٍ كما خلق عيسى، ويخلق من غير ذكر وأنثى كما خلق آدم، أو يخلق ما يشاء كخلق الطير على يد عيسى معجزةً له، وكإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وغير ذلك، فيجب أن ينسب إليه ولا ينسب إلى البشر المجرى على يده.

[(وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ)].

(أَبْناءُ اللَّهِ) أشياع ابني اللَّه عزير والمسيح، كما قيل لأشياع أبى خبيب وهو عبد اللَّه بن الزبير «الخبيبون» وكما كان يقول رهط مسيلمة: نحن أنبياء اللَّه. ويقول أقرباء الملك وذووه وحشمه: نحن الملوك؛ ولذلك قال مؤمن آل فرعون: (لكم الملك اليوم)[غافر: 29].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (أي: يخلق من ذكر وأنثى ويخلق من أنثى) إلى آخره، يريد أن قوله:{يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ} جاء هاهنا مبيناً لما هو المراد من قوله: {وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} بحسب اقتضاء المقام، يعني أن الله تعالى مالك العالم كله قهراً وتصرفاً وخلقاً لها على أنحاء مختلفة، فلا ينبغي لكم حين شاهدتم خلاف العادة في المسيح أن تقولوا: هو إله، أو نظرتم إلى أنه الواسطة في خلق الطير أن تقطعوا النسبة منا وتنسبوا إليه، هذا هو المراد من قوله:"فيجب أن ينسب إليه ولا ينسب إلى البشر المُجرى على يده".

قوله: (أبي خبيب، وهو عبد الله بن الزبير)، وخبيب اسم ابنه، والخبيبان: عبد الله وابنه، فمن روى "الخبيبون" على الجمع يريدهما وأخاه مصعباً، قاله الجوهري.

الإنصاف: قوله: في أصحاب أبي خبيب، فإنه جار على الانتساب حقيقة، ولو سثمي كل واحد منهم أبا خبيب لكان مثالاً صحيحاً، وفيه بحث.

ص: 317

(فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ) فإن صحّ أنكم أبناء اللَّه وأحباؤه، فلم تذنبون وتعذبون بذنوبكم فتمسخون وتمسكم النار أياما معدودات على زعمكم؟ ولو كنتم أبناء اللَّه، لكنتم من جنس الأب، غير فاعلين للقبائح ولا مستوجبين للعقاب، ولو كنتم أحباءه، لما عصيتموه ولما عاقبكم! (بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ) من جملة من خلقٍ من البشر، (يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ): وهم أهل الطاعة، (وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ): وهم العصاة.

[(يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) 19].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فإن قلت: تأويله: نحن أشياع ابني الله، لا يلتئم مع قوله:"لو كنتم أبناء الله لكنتم من جنس الأب" ولا مع قوله تعالى: {بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ} ، قلت: لما ادعوا أنهم أشياع ابني الله ثم حذفوا المضاف وأقاموا المضاف إليه مقامه كأنهم قالوا: نحن متصفون بهما، ولسنا من جنس عامة البشر المخلوقين، كقوله تعالى:{مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ} [الأحزاب: 40]، وكذلك قالوا: نحن أبناء الله ونحن الملوك، فرد عليهم بقوله:{بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ} ، وبينه بقوله:{يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ} أي: يعاملكم معاملة سائر الناس لا مزية لكم عليهم، روى الواحدي عن ابن قتيبة: يعنون أنه تعالى من دبه وعطفه علينا كالأب المشفق.

وقلت: أما اتصال هذه الآية بما قبلها فهو أنه تعالى لما أجاب عن قول القائلين في المسيح: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ} بقوله: {قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنْ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ} [المائدة: 17] أتى بما يناسبها من حديث الغلاة من أهل الكتاب وادعائهم أنهم أبناء الله، وأجاب بما يقرب من ذلك الجواب، وهو قوله تعالى:{قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ} ، والله أعلم.

ص: 318

(يُبَيِّنُ لَكُمْ) إما أن يقدّر: المبين، وهو الدين والشرائع، وحذفه لظهور ما ورد الرسول لتبيينه. أو يقدّر: ما كنتم تخفون، وحذفه لتقدّم ذكره، أو لا يقدر ويكون المعنى: يبذل لكم البيان، ومحله النصب على الحال؛ أي: مبيناً لكم.

(وعَلى فَتْرَةٍ) متعلق بـ (جاءكم) أي: جاءكم على حين فتور من إرسال الرسل وانقطاع من الوحى. (أَنْ تَقُولُوا): كراهة أن تقولوا (فَقَدْ جاءَكُمْ) متعلق بمحذوفٍ، أي: لا تعتذروا فقد جاءكم. وقيل: كان بين عيسى ومحمد صلوات اللَّه عليهما خمسمائة وستون سنة. وقيل: ستمائة. وقيل: أربعمائة ونيف وستون.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (لتقدم ذكره) وهو قوله تعالى: {قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنْ الْكِتَابِ} [المائدة: 15].

قوله: ({عَلَى فَتْرَةٍ} متعلق: بـ {جَاءَكُمْ}). وقال أبو البقاء: {عَلَى فَتْرَةٍ} في موضع الحال من الضمير في {يُبَيِّنَ لَكُمْ} ، ويجوز أن يكون حالاً من الضمير المجرور في {لَكُمْ} و {مِنْ الرُّسُلِ}: نعت لفترة. وقال الإمام: يقال: فتر الشيء فتوراً: إذا سكنت حدته وصار أقل مما كان عليه، وسميت المدة التي بين الأنبياء "فترة" لفتور الدواعي في العمل بتلك الشرائع.

الراغب: إن بعثة الأنبياء من ضرورات العباد التي لا يُستغنى عنها، فعامة الناس يجهلون جزئيات مصالحهم وكلياتها، وخاصتهم يعرفون كلياتها دون جزئياتها، ولا يمكنهم أن يعرفوا الكليات على التحقيق إلا بعد انقضاء كثير من عمرهم، فسهل الله السبيل عليهم بمن يهديهم إلى مصالحهم.

ص: 319

وعن الكلبي: كان بين موسى وعيسى ألف وسبعمائة سنةٍ، وألف نبي وبين عيسى ومحمد صلوات اللَّه عليهم أربعة أنبياءٍ، ثلاثة من بني إسرائيل، وواحدٌ من العرب: خالد بن سنان العبسي. والمعنى: الامتنان عليهم، وأن الرسول بعث إليهم حين انطمست آثار الوحي أحوج ما يكون إليه ليهشوا إليه ويعدّوه أعظم نعمةٍ من اللَّه، وفتح بابٍ إلى الرحمة، وتلزمهم الحجة فلا يعتلوا غداً بأنه لم يرسل إليهم من ينبههم عن غفلتهم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (خالد بن سنان العبسي). قال صاحب "الكامل في التاريخ": إن خالد بن سنان العبسي كان نبياً، ومن معجزاته أن ناراً ظهرت بأرض العرب فافتتنوا بها وكادوا يتمسحون، فأخذ خالد عصاه ودخلها حتى توسطها ففرقها فطفئت وهو في وسطها، وقيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم، قال فيه:"ذلك نبي ضيعه قومه"، فأتت ابنته النبي صلى الله عليه وسلم فآمنت به.

قوله: (أحوج ما يكونون إليه). أحوج منصوب على الظرفية بدلاً من قوله: "حين انطمست" و"ما": مصدرية، و"كان": تامة، أي: أحوج أوقاتهم، على أن إسناد الاحتياج إلى الوقت مجازٌ كما في: أخطب ما يكون الأمير قائماً، فأحوج الأوقات عبارة عن الوقت الذي كانوا فيه.

قوله: (ليهشوا)، الجوهري: وقد هششت بفلان، بالكسر: أهش هشاشة: إذا خفقت إليه وارتحت له، ورجلٌ هش بش، ويناسب هذا المقام ما قال الإمام في"المعالم": إنه عند مقدم النبي صلى الله عليه وسلم كان العالم مملوءاً من الكفر والضلالة، أما اليهود: فكانوا في المذاهب الباطلة في

ص: 320

[(وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ* يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ* قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ* قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ* قالُوا يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ)].

(جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ): لأنه لم يبعث في أمّة ما بعث في بنى إسرائيل من الأنبياء (وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً لأنه ملكهم بعد فرعون ملكه، وبعد الجبابرة ملكهم ولأنّ الملوك تكاثروا فيهم تكاثر الأنبياء. وقيل: كانوا مملوكين في أيدى القبط فأنقذهم اللَّه، فسمى إنقاذهم ملكاً. وقيل: الملك: من له مسكنٌ واسعٌ فيه ماءٌ جارٍ. وقيل: من له بيت وخدم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

التشبيه والافتراء على الأنبياء، وتحريف التوراة، وأما النصارى: فقد قالوا بالتثليث والأب والابن والحلول والاتحاد، وأما المجوس: فأثبتوا إلهين: يزدان وأهرمن، وتحليل نكاح الأمهات، وأما العرب فانهمكوا في عبادة الأصنام، والفساد في الأرض، فلما بُعث صلوات الله عليه انقلبت الدنيا من الباطل إلى الحق، ومن الظلمة إلى النور، وانطلقت الألسنة بتوحيد الله، واستنارت العقول بمعرفة الله، ورجع الخلق من حب الدنيا إلى حب المولى، وإذا كان لا معنى للنبوة إلا تكميل الناقصين في القوة: العلمية والعملية، ورأينا أنه حصل هذا الأثر بمقدم سيدنا محمد صلوات الله عليه أكثر مما ظهر بمقدم سائر الأنبياء، علمنا أنه سيدهم وقدوتهم.

قوله: (من له بيت وخدم). روى البخاري عن عبد الله بن عمرو أنه سأله رجلٌ فقال: ألسنا من فقراء المهاجرين؟ فقال عبد الله: ألك امرأة تأوي إليها؟ قال: نعم، قال: ألك

ص: 321

وقيل: من له مال لا يحتاج معه إلى تكلف الأعمال وتحمل المشاق. (ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ): من فلق البحر، وإغراق العدوّ، وتظليل الغمام، وإنزال المنّ والسلوى، وغير ذلك من الأمور العظام، وقيل: أراد عالمي زمانهم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مسكن تسكنه؟ قال: نعم، قال: فأنت من الأغنياء، قال: فإن لي خادماًن قال: فأنت من الملوك.

الراغب: الملك ضربان: ملك هو التملك والتولي، وملك هو القوة على ذلك تولى أو لم يتول، فمن الأول قوله تعالى:{إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا} [النمل: 34]، ومن الثاني:{إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً} [المائدة: 20]، فجعل النبوة مخصصة والملك فيهم عاماً، فإن الملك هنا هو القوة التي ترشح بها للرياسة لا أنه جعل كلهم متولين للأمر، فذلك مناف للحكمة، كما قيل: لا خير في كثرة الرؤساء، وقال بعضهم: الملك: اسم لكل من يملك السياسة، إما في نفسه، وذلك بالتمكين من زمام قواه وصرفها عن هواها، وإما في غيره، سواء تولى ذلك أو لم يتول على ما تقدم، وقلت: يؤيد الأول ما روينا عن البخاري ومسلم والترمذي وأبي داود، عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول:"كلكم راع ولكم مسؤول عن رعيته" الحديث.

قوله: (وقيل: أراد عالمي زمانهم) عطف من حيث المعنى على قوله: " {مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنْ الْعَالَمِينَ} من فلق البحر" يعني: إن جعلت {الْعَالَمِينَ} عاماً وجب تخصيص {مَا} ، لئلا

ص: 322

(الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ): أرض بيت المقدس. وقيل: الطور وما حوله. وقيل: الشام. وقيل: فلسطين ودمشق وبعض الأردن. وقيل: سماها اللَّه لإبراهيم ميراثاً لولده حين رفع على الجبل، فقيل له: انظر فلك ما أدرك بصرك، وكان بيت المقدس قرار الأنبياء ومسكن المؤمنين. (كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ): قسمها لكم وسماها، أو خط في اللوح أنها لكم.

(وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ): ولا تنكصوا على أعقابكم مدبرين من خوف الجبابرة جبناً وهلعاً، وقيل: لما حدثهم النقباء بحال الجبابرة رفعوا أصواتهم بالبكاء وقالوا: ليتنا متنا بمصر، وقالوا: تعالوا نجعل علينا رأساً ينصرف بنا إلى مصر. ويجوز أن يراد: لا ترتدوا على أدباركم في دينكم بمخالفتكم أمر ربكم، وعصيانكم نبيكم: فترجعوا خاسرين ثواب الدنيا والآخرة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يلزم أنهم أوتوا ما لم تؤت هذه الأمة من الكرامة والفضل وغير ذلك، وإن خصصته بعالمي زمانهم، فـ {مَا} باقية على عمومها، إذ لا محذور، والتقدير قيل: أراد بـ {الْعَالَمِينَ} : عالمي كل زمان، وبالإيتاء: ما اختص ببني إسرائيل، وقيل: أراد به: عالمي زمانهم، وبالإيتاء: ما اشترك به غيرهم.

قوله: (بعض الأردن)، الجوهري: هو اسم نهر وكورة بالشام.

قوله: (أو خط في اللوح أنها لكم) عطف على قوله: "قسمها"، و"قسمها" و"سماها" واردان على أن {كَتَبَ} مجاز عنهما. الأساس: ومن المجاز: كُتب عليه كذا: قضي عليه، وكتب الله الأجل والرزق، وكتب على عباده الطاعة، وعلى نفسه الرحمة، وهذا كتاب الله أي: قدره، وسألني بعض المغاربة ونحن في الطواف عن القدر، فقلت: هو في السماء مكتوب وفي الأرض مكسوب، ومنه ما روينا في حديث القدر:"ثم يبعث الله ملكاً بأربع كلمات، بكتب: رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد"، أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن مسعود.

ص: 323

الجبار: «فعال» من: جبره على الأمر بمعنى: أجبره عليه، وهو العاتي الذي يُجبر الناس على ما يريد.

(قالَ رَجُلانِ): هما كالب ويوشع (مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ) الله ويخشونه، كأنه قيل: رجلان من المتقين، ويجوز أن تكون الواو لبني إسرائيل، والراجع إلى الموصول محذوف، تقديره: من الذين يخافهم بنو إسرائيل، وهم الجبارون، وهما رجلان منهم (أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا) بالإيمان فآمنا، قالا لهم: إن العمالقة أجسامٌ لا قلوب فيها، فلا تخافوهم وازحفوا إليهم فإنكم غالبوهم، يشجعانهم على قتالهم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

واعلم أنه حين عد الأقوال الأربعة في تفسير الأرض المقدسة، كان من حقه أن يفسر بعده معنى {كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} على الوجهين المذكورين في معنى {كَتَبَ} من أنه "خط في اللوح أو سماها" لكن أوقع في البين للاهتمام قولاً يفهم منه ترجيح القول الأول من الأقوال الأربعة، يشهد له قوله:"وكان بيت المقدس قرار الأنبياء"، وأولوية الوجه الأول من الوجهين المذكورين في تفسير {كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} يدل عليه قوله:"سماها الله لإبراهيم". وأما الجبل الذي رُفع عليه الخليل عليه السلام، فقد روى الإمام: أنه جبل لبنان، والله أعلم.

الراغب: معنى {كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} أي: أوجبها عليكم، إن قيل: فقد كان يجب أن يقول: كتب الله عليكم على هذا، قيل: إنما ذكر {لَكُمْ} لمعنى لطيف، وهو أنه نبه أنه أوجب عليهم وجوباً يستحقون به ثواباً يحصل لهم، وذلك كقولك لمن يرى متأذياً بشيء أوجب، فيقال: هذا لك لا عليك؛ تنبيهاً على الغاية التي هي الثواب، وإذا قيل: كتب عليه فليس اللفظ يقتضي معنى الغاية التي هي الثواب، بل يقتضي مجرد الإيجاب والله أعلم.

قوله: (عن العمالقة أجسام)، قال صاحب "الكامل": قال ابن إسحاق: هم أولاد عمليق

ص: 324

وقراءة من قرأ: (يخافون) بالضم شاهدةٌ له، وكذلك (أنعم اللَّه عليهما) كأنه قيل: من المخوفين. وقيل: هو من الإخافة، ومعناه: من الذين يخوفون من اللَّه بالتذكرة والموعظة. أو يخوّفهم وعيد اللَّه بالعقاب.

فإن قلت: ما محل (أنعم اللَّه عليهما)؟ قلت: إن انتظم مع قوله: (من الذين يخافون) في حكم الوصف لـ (رجلان) فمرفوع، وإن جعل كلاماً معترضاً فلا محلّ له.

فإن قلت: من أين علما أنهم غالبون؟ قلت: من جهة إخبار موسى بذلك، وقوله تعالى:(كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ) وقيل: من جهة غلبة الظن، ........

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ابن لاوذ بن سام، ومنهم كانت الجبابرة بالشام الذين يقال لهم: الكنعانيون، والفراعنة بمصر، وأن أهل البحرين وعمان منهم.

قوله: (وقراءة من قرأ: "يخافون"، بالضم شاهدة له) أي: شاهدة لأن تكون الواو في {يَخَافُونَ} لبني إسرائيل؛ لما يلزم أن يكون الرجلان من العمالقة، وكذلك {أَنْعَمَ اللَّهُ} ، لأن هذا القيد إنما يليق بمن أسلم من الكفار لا بمن هو مؤمن كما في الوجه السابق.

قوله: (وقيل: هو من الإخافة) أي: يخافون بالضم، فعلى هذان المراد بالذين يخافون: بنو إسرائيل، وعلى الأول: العمالقة، فيكون مجهولاً من: خاف يخاف. قال أبو البقاء: يُقرأ (يُخافون) بضم الياء، وله معنيان، أحدهما: أنه من قولك: خيف الرجل، أي: خوف، والثاني: أن يكون المعنى: يخافهم غيرهم، كقولك: فلان مخوف، أي: يخافه الناس.

قوله: (إن انتظم). انتظم متعدياً ولازماً. الجوهري: طعنه فانتظمه، أي: اختله.

ص: 325

وما تبينا من عادة اللَّه في نصرة رسله، وما عهدا من صنع اللَّه لموسى في قهر أعدائه، وما عرفا من حال الجبابرة. و (الباب): باب قريتهم. (لَنْ نَدْخُلَها) نفى لدخولهم في المستقبل على وجه التأكيد المؤيس.

و(أَبَداً): تعليقٌ للنفي المؤكد بالدهر المتطاول، و (ما دامُوا فِيها): بيان للأبد. (فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ) يحتمل أن لا يقصدوا حقيقة الذهاب، ولكن كما تقول: كلمته فذهب يجيبني، تريد: معنى الإرادة والقصد للجواب، كأنهم قالوا: أريدا قتالهم. والظاهر أنهم قالوا ذلك استهانة باللَّه ورسوله وقلة مبالاةٍ بهما واستهزاءً، وقصدوا ذهابهما حقيقة بجهلهم وجفاهم وقسوة قلوبهم التي عبدوا بها العجل وسألوا بها رؤية اللَّه عز وجل جهرة، والدليل عليه مقابلة ذهابهما بقعودهم.

ويحكى أنّ موسى وهرون عليهما السلام خرّا لوجوههما قدّامهم لشدّة ما ورد عليهما، فهموا برجمهما، ولأمرٍ ما قرن اللَّه اليهود بالمشركين وقدمهم عليهم في قوله تعالى:(لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا)[المائدة: 82].

[(قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (25) قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَاسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ) 25 - 26].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: ({مَا دَامُوا فِيهَا}: بيان للأبد)، قال الشاعر:

وأكرم أخاك الدهر ما دمتما معاً

كفى بالممات فرقة وتنائيا

قوله: "ما دمتما" بدل من "الدهر".

قوله: (أريدا) بفتح الهمزة وكسر الراء، أمر من: أراد.

قوله: (لوجوههما) قوله تعالى: {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4].

ص: 326

لما عصوه وتمرّدوا عليه وخالفوه وقالوا ما قالوا من كلمة الكفر ولم يبق معه مطيع موافق يثق به إلا هارون؛ (قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ) لنصرة دينك (إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي) وهذا من البث والحزن والشكوى إلى اللَّه والحسرة ورقة القلب التي بمثلها تستجلب الرحمة وتستنزل النصرة، ونحوه قول يعقوب عليه السلام:(إنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ)[يوسف: 86].

وعن علي رضي الله عنه: أنه كان يدعو الناس على منبر الكوفة إلى قتال البغاة، فما أجابه إلا رجلان فتنفس الصعداء ودعا لهما، وقال: أين تقعان مما أريد!

وذكر في إعراب (وأخى) وجوهٌ: أن يكون منصوباً عطفاً على (نفسي) أو على الضمير في (إنى) بمعنى: ولا أملك إلا نفسي، وإن أخي لا يملك إلا نفسه.

ومرفوعاً عطفاً على محل إن واسمها، كأنه قيل: أنا لا أملك إلا نفسي، وهارون كذلك لا يملك إلا نفسه، أو على الضمير في (لا أملك)، وجاز للفصل.

ومجروراً عطفاً على الضمير في (نفسي) وهو ضعيفٌ لقبح العطف على ضمير المجرور إلا بتكرير الجار.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (فتنفس الصعداء) وهي التنفس البارد الطويل الممدود.

قوله: (أو على الضمير في {إِنِّي} بمعنى: ولا أملك). قال أبو البقاء: المعنى: لا أملك إلا نفسي، ولا يملك أخي إلا نفسه.

قوله: (ومجروراً عطفاً على الضمير في {نَفْسِي} . قال الزجاج: جائز أن يكون المعنى: لا أملك إلا نفسي ولا أملك إلا نفس أخي، لأن أخاه إذا كان مطيعاً له فهو ملك طاعته.

ص: 327

فإن قلت: أما كان معه الرجلان المذكوران؟ قلت: كأنه لم يثق بهما كل الوثوق، ولم يطمئن إلى ثباتهما، لما ذاق على طول الزمان واتصال الصحبة من أحوال قومه وتلونهم وقسوة قلوبهم، فلم يذكر إلا النبي المعصوم الذي لا شبهة في أمره.

ويجوز أن يقول ذلك لفرط ضجره عند ما سمع منهم تقليلاً لمن يوافقه. ويجوز أن يريد: ومن يؤاخينى على ديني؟

(فَافْرُقْ) فافصل (بَيْنَنا) وبينهم، بأن تحكم لنا بما نستحق، وتحكم عليهم بما يستحقون، وهو في معنى الدعاء عليهم؛ ولذلك وصل به قوله:(فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ) على وجه التسبيب. أو: فباعد بيننا وبينهم وخلصنا من صحبتهم، كقوله:(وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)[التحريم: 11].

(فَإِنَّها): فإن الأرض المقدسة (مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ): لا يدخلونها ولا يملكونها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (أما كان معه الرجلان المذكوران؟ ) أي: كيف قال: لا أملك إلا نفسي وأخي على الحصر، وكان معه كالبٌ ويوشع مطيعين متقين؟

قوله: (ولذلك وصل به قوله: {فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ} على وجه التسبيب)، يعني: لما دعا موسى عليه السلام بقوله: {فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} عقب سبحانه وتعالى ما يدل على استجابة دعائه بقوله تعالى: {فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ} ، ولا شك أن الحصول في التيه، والمنع من الدخول في الأرض المقدسة، من أشد البلاء، ولولا اشتمال دعائه على الدعاء عليهم لم يحسن هذا الترتيب، هذا إذا قدر أن موسى عليه الصلاة والسلام كان معهم في التيه وكان روحاً له وسلاماً لا عقوبة، وقوله:"أو فباعد بيننا وبينهم" هذا إذا قيل: إنه عليه الصلاة والسلام لم يكن معهم فيها كما سيجيء.

ص: 328

فإن قلت: كيف يوفق بين هذا وبين قوله: (الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ)؟ [المائدة: 21] قلت: فيه وجهان، أحدهما: أن يراد: كتبها لكم بشرط أن تجاهدوا أهلها فلما أبوا الجهاد قيل: (فإنها محرمة عليهم).

والثاني: أن يراد فإنها محرمةٌ عليهم أربعين سنةً، فإذا مضت الأربعون كان ما كتب. فقد روي أن موسى سار بمن بقي من بني إسرائيل، وكان يوشع على مقدمته، ففتح أريحاء وأقام فيها ما شاء اللَّه، ثم قبض صلوات اللَّه عليه. وقيل: لما مات موسى بعث يوشع نبياً، فأخبرهم بأنه نبيّ اللَّه، وأن اللَّه أمره بقتال الجبابرة، فصدقوه وبايعوه وسار بهم إلى أريحاء، وقتل الجبارين وأخرجهم، وصار الشام كله لبني إسرائيل.

وقيل: لم يدخل الأرض المقدسة أحد ممن قال: (إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها) وهلكوا في التيه ونشأت نواشئ من ذرّياتهم فقاتلوا الجبارين ودخلوها.

والعامل في الظرف إما (مُحَرَّمَةٌ) وإما (يَتِيهُونَ)، ومعنى (يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ): يسيرون فيها متحيرين لا يهتدون طريقاً. والتيه: المفازة التي يتاه فيها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (كتبها لكم بشرط أن تجاهدوا) يؤيد هذا الوجه عطف قوله: {وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ} على قوله: {ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} ، فإنهم لما خالفوا النهي هذا خسروا وتاهوا، فقوله:" بشرط أن تجاهدوا" مستنبط من الجملة المنهية، وفي هذا العطف دلالة على جواز تقييد المطلق به فليتأمل.

قوله: (والعامل في الظرف) أي: {أَرْبَعِينَ سَنَةً} (إما {مُحَرَّمَةٌ} وإما {يَتِيهُونَ}) قال أبو البقاء: {أَرْبَعِينَ سَنَةً} ظرف لـ {مُحَرَّمَةٌ} ، فالتحريم على هذا مؤقت، و {يَتِيهُونَ} حال من الضمير المجرور، وقيل: هي ظرف لـ {يَتِيهُونَ} ، فالتحريم على هذا غير مؤقت، وقال الزجاج: نصبه بـ {مُحَرَّمَةٌ} خطأ، لأنه جاء في التفسير أنها محرمة عليهم أبداً فنصبه

ص: 329

روي أنهم لبثوا أربعين سنة في ستةً فراسخ يسيرون كل يوم جادين، حتى إذا سئموا وأمسوا إذا هم بحيث ارتحلوا عنه، وكان الغمام يظللهم من حرّ الشمس، ويطلع لهم عمود من نورٍ بالليل يضيء لهم، وينزل عليهم المنّ والسلوى، ولا تطول شعورهم، وإذا ولد لهم مولود كان عليه ثوب كالظفر يطول بطوله.

فإن قلت: فلم كان ينعم عليهم بتظليل الغمام وغيره وهم معاقبون؟ قلت: كما ينزل بعض النوازل على العصاة عركاً لهم، وعليهم مع ذلك النعمة متظاهرة.

ومثل ذلك مثل الوالد المشفق يضرب ولده ويؤذيه ليتأدب ويتثقف، ولا يقطع عنه معروفه وإحسانه.

فإن قلت: هل كان معهم في التيه موسى وهرون عليهما السلام؟ قلت: اختلف في ذلك، فقيل لم يكونا معهم لأنه كان عقاباً، وقد طلب موسى إلى ربه أن يفرق بينهما وبينهم. وقيل: كانا معهم إلا أنه كان ذلك روحاً لهما وسلاماً، لا عقوبةً، كالنار ....

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بـ {يَتِيهُونَ} ، قيل: عذبهم الله عز وجل بأن مكثوا في التيه أربعين سنة سيارة لا يقر بهم القرار، إلى أن مات البالغون الذين عصوا الله، ونشأ الصغار وولد من لم يدخل في جملتهم في المعصية.

قوله: (ثوب كالظفر). النهاية: وفي الحديث: "كان لباس آدم عليه الصلاة والسلام الظفر"، أي: شيء يشبه الظفر في بياضه وصفائه وكثافته.

قوله: (عركاً لهم) من قولهم: عرك أذنيه، تأديباً.

قوله: (ويثقب) أي: يتقدم ويستوي.

ص: 330

لإبراهيم، وملائكة العذاب. وروي أن هرون مات في التيه، ومات موسى بعده فيه بسنةٍ، ودخل يوشع أريحاء بعد موته بثلاثة أشهرٍ، ومات النقباء في التيه بغتة، إلا كالب ويوشع.

(فَلا تَاسَ). فلا تحزن عليهم، لأنه ندم على الدعاء عليهم، فقيل: إنهم أحقاء - لفسقهم - بالعذاب، فلا تحزن ولا تندم.

[(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ* لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ* إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ* فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ* فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قالَ يا وَيْلَتى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ* مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ)].

هما ابنا آدم لصلبه: قابيل وهابيل، أوحى اللَّه إلى آدم أن يزوّج كل واحدٍ منهما توأمة الآخر، وكانت توأمة قابيل أجمل، واسمها إقليما، فحسد عليها أخاه وسخط فقال لهما آدم: قرّبا قرباناً، فمن أيكما تقبل زوّجها، فقبل قربان هابيل بأن نزلت نار فأكلته، فازداد قابيل حسداً وسخطاً وتوعده بالقتل. وقيل: هما رجلان من بني إسرائيل.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (فمن أيكما ُقبل) قيل: الفاء جزاء شرط محذوف، والجملة من الشرط والجزاء جواب الأمر، أي: قربا قرباناً فإنكما إن تقربا قرباناً فمن أيكما قبل زوجها.

قوله: (وقيل: هما رجلان من بني إسرائيل) عطف على قوله: "هما ابنا آدم لصلبه" أي: من

ص: 331

(بِالْحَقِّ): تلاوةً ملتبسةً بالحق والصحة، أو: اتله نبأ ملتبساً بالصدق موافقاً لما في كتب الأوّلين، أو: بالغرض الصحيح وهو تقبيح الحسد؛ لأن المشركين وأهل الكتاب كلهم كانوا يحسدون رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ويبغون عليه، أو: اتل عليهم وأنت محق صادقٌ. و (إِذْ قَرَّبا) نصب بالنبأ، أي: قصتهم وحديثهم في ذلك الوقت. ويجوز أن يكون بدلاً من النبأ، أي: اتل عليهم النبأ نبأ ذلك الوقت؛ على تقدير حذف المضاف.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

صُلبه، وقيل:"لصُلبه": بدل من "آدم"، واللام في "الصلبه" هي معنى الإضافة، أي: هما ابنا صلبه، وفيه نوع مجاز.

قوله: (تلاوة ملتبسة بالحق)، قال صاحب "التقريب": الباء في {بِالْحَقِّ} إما للملابسة، أي: ملتبساً بالحق والصدق، وهو إما صفة للتلاوة، أو حال من النبأ، أو عن فاعل "اتل"، وإما للسببية، أي: اتل بالغرض الصحيح. وقلت: هذا تلخيص كلام المصنف! لكن ليس الباء في قوله: "بالغرض الصحيح" لتسبيب، بل هي صلة "ملتبساً"، لأن "بالغرض": عطف بالواو، وفي الأصح على "بالصدق"، يدل عليه قوله في "الأحقاف" في قوله:{مَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ} [الأحقاف: 3]: "إلا خلقاً ملتبساً بالحكمة والغرض الصحيح".

واعلم أن "الحق" يجيء على معانٍ. الأساس: حق الله الأمر حقاً: أثبته وأوجبه، وهذا قول حق، وأحق الرجل: إذا قال حقاً وادعاه، وهو محق غير مبطل، ومن المجاز: كلام محقق، أي: محكم النظم، فقوله:"أو تلاوة ملتبسة بالحق والصحة" مبني على المجاز، لأن {بِالْحَقِّ} حينئذٍ: صفة للتلاوة، ومن حق التلاوة أن تكون على الصحة والاستحكام عُرياً عن الفساد، وقوله ثانياً:"نبأ ملتبساً بالصدق" مبني على قول: "هذا قول حق" لأن {بِالْحَقِّ} حينئذ: صفة للنبأ، ومن حق النبأ أن لا يتطرق إليه كذب بل يكون صدقاً محضاً، ومع ذلك لا يكون عبثاً باطلاً بل يكون لغرض صحيح، ونحوه قوله تعالى:{رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً} [آل عمران: 191] قال:

ص: 332

والقربان: اسم ما يتقرّب به إلى اللَّه من نسيكة أو صدقة، كما أنّ الحلوان اسم ما يحلى؛ أي: يعطى.

يقال: قرّب صدقة وتقرّب بها؛ لأن "تقرّب" مطاوع "قرّب"، قال الأصمعى: تقربوا قرف القمع فيعدى بالباء حتى يكون بمعنى قرب.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

"ما خلقته خلقاً باطلاً بغير حكمة، بل خلقته لداعي حكمة عظيمة، وهو أن تجعلها مساكن للمكلفين وأدلة لمعرفتك". وقوله ثالثاً: "وأنت محق صادق" مبني على قوله: أحق الرجل: إذا قال حقاً وادعاه، وهو محق غير مبطل، لأن {بِالْحَقِّ} حينئذ: صفة للتالي، لأن الحال في الحقيقة وصف، فينبغي للنبي أن يكون صادقاً فيما يُنبئ عنه وأن يكون محقاً في نفسه، ولما كان جل الحكمة من إيراد القصص في هذا الكتاب الكريم تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وتهذيباً للأمة، والمشركون وأهل الكتاب كانوا يحسدونه، فجيء بهذه القصة المتضمنة لسوء مغبة الحاسد تقبيحاً لهم على حدسهم، وتصبيراً للرسول صلى الله عليه وسلم من شر كيدهم.

قوله: (والقربان: اسم ما يتقرب به إلى الله تعالى). قال أبو البقاء: هو في الأصل مصدر، وقد وقع هاهنا موقع المفعول به، والأصل: إذ قربا قربانين، ولم يثن للمح الأصل. وقال أبو علي: تقديره: إذ قرب كل واحد منهما قرباناً.

قوله: (تقربوا قرف القمع)، النهاية: القرف: الوسخ، والقمع: الإناء الذي يُترك في رؤوس الظروف لتُملأ بالمائعات، وفي حاشية "الصحاح" بخط ابن الحبيب الكاتب من تصحيح الصاغاني: قال الأصمعي: حدثني أبو عمرو بن العلاء، قال سيف بن ذي يزن الحميري ين قاتل الحبشة:

قد علمت ذات مْ نطع

أتى إذا م موت نع

أضربهم بذا مْ قلعْ

اقتربوا قرف مْ قمع

ص: 333

فإن قلت: كيف كان قوله: (إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) جواباً لقوله: (لَأَقْتُلَنَّكَ)؟ قلت: لما كان الحسد لأخيه على تقبل قربانه هو الذي حمله على توعده بالقتل، قال له: إنما أتيت من قبل نفسك لانسلاخها من لباس التقوى، لا من قبلي، فلم تقتلني؟ وما لك لا تعاتب نفسك ولا تحملها على تقوى اللَّه التي هي السبب في القبول؟ فأجابه بكلام حكيمٍ مختصرٍ جامعٍ لمعانٍ.

وفيه دليل على أنّ اللَّه تعالى لا يقبل طاعة إلا من مؤمن متق، فما أنعاه على أكثر

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قال: أراد: ذات النطع فإذا الموت كنع، وبذا القلع، وقرف القمع، فأبدل من لام التعريف ميماً، وقوله: قرف القمع: أراد أنهم أوساخ أذلاء كالوسخ الذي يُقرف من القمع، ونصب "قرف" على النداء، قوله: كنع، أي: قرب، وقلع: سيف منسوب إلى مرج القلعة بالتحريك، وهو موضع بالبادية.

قوله: (بكلام حكيم) أي: ذي حكمة، أي: وصف بصفة صاحبه، كقوله تعالى:{يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ} [يس: 1 - 2] أي: هذا الجواب واردٌ على أسلوب الحكيم لأنه تلقاه بغير ما يتطلب وبما هو أهم له من القتل، وإليه الإشارة بقوله:"وما لك لا تحملها على تقوى الله التي هي السبب في القبول".

قوله: (فما أنعاه! )، الجوهري: فلان ينعي على فلان ذنوبه، أي: يُظهرها ويشهرها، والضمير يعود على قوله:{إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ} على تأويل القول، وهو منصوب، كزيد في قولك: ما أحسن زيداً، والفعل منسوب إليه، كذا قال ابن الحاجب في "شرح المفصل"، و"أعمالهم" أيضاً منصوب به لاقتضاء النفي مفعولاً، إذ الأصل الآية ناعية على العاملين أعمالهم.

ص: 334

العاملين أعمالهم! وعن عامر بن عبد اللَّه: أنه بكى حين حضرته الوفاة، فقيل له: ما يبكيك فقد كنت وكنت؟ قال: إني أسمع اللَّه يقول: (إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ).

(ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ): قيل: كان أقوى من القاتل وأبطش منه، ولكنه تخرج عن قتل أخيه واستسلم له خوفاً من اللَّه؛ لأنّ الدفع لم يكن مباحاً في ذلك الوقت؛ قاله مجاهد وغيره.

(إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ): أن تحتمل إثم قتلى لك لو قتلتك وإثم قتلك لي.

فإن قلت: كيف يحمل إثم قتله له، ولا تزر وازرة وزر أخرى؟ قلت: المراد بمثل إثمي؛ على الاتساع في الكلام، كما تقول: قرأت قراءة فلانٍ، وكتبت كتابته؛ تريد: المثل، وهو اتساع فاشٍ مستفيض، لا يكاد يستعمل غيره، .......

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (قد كنتَ وكنتَ) أي: كنت عابداً صالحاً ونحوهما.

قوله: (أن تحتمل إثم قتلى لك) تأويل لقوله: {أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي} ، وليس بتفسيره، يعني أنه كناية عن إرادة تمكنه منه، قال تعالى:{بَاءَ بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ} [الأنفال: 16] أي: حل مبوأ ومعه غضب الله، ونحوه قولك: تربع فلان في لحمه، ومنه ما ورد في "الصحيح":"أبوء لك بنعمتك علي وأبوء لك بذنبي"، وتأويلهم إياه بـ "أعترف"، وقال الشاعر:

أنكرت باطلها وبؤت بحقها

أي: أقررت بحقها.

قوله: (المراد: بمثل إثمي؛ على الاتساع)، ومعنى الاتساع: أن ينسب إلى شيء ما لا تصح استقامته إلا بتقدير، نحو: ما مر في قوله تعالى: {هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ} [البقرة: 25]،

ص: 335

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

و"أبو يوسف أبو حنيفة" و"قضية ولا أبا حسن"، وسبق قبيل هذا في قوله:{وَمِنْ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ} [المائدة: 14]، على أن يراد ميثاق اليهود، وصحح بقوله:"بمثل ميثاقهم"، فلو أريد هاهنا بقوله:{أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي} : أن تحمل عين ما جنيته فيصح تصحيحه بقوله: "بمثل إثمي"، لكن تنظيره بقوله:{وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [فاطر: 18] مشكل؛ لأنه فسره في فاطر بقوله: "إن كل نفس في القيامة لا تحمل إلا وزرها الذي اقترفته، لا تؤخذ نفس بذنب نفس"، اللهم إلا أن لا يحمل قوله:"لاتؤخذ نفس بنفس" على التفسير، بل على أن مرجع المعنى إليه.

وذكر القاضي المعنيين، قال: المعنى: إنما أستسلم لك إرادة أن تحمل إثمي لو بسطت إليك يدي وإثمك ببسطك يدك إليّ، ونحوه:"المستبان .. " الحديث، ويجوز أن يكون المراد بالإثم عقوبته، وإرادة عقاب العاصي جائزة، وهاهنا معنى آخر رواه محيي السنة عن مجاهد: إني أريد أن يكون عليك خطيئتي التي عملتها إذا قتلتني وإثمك فتبوء بخطيئتي ودمي جميعاً. وفي "النهاية": في الحديث: "أبوء بنعمتك علي وأبوء بذنبي" أي: ألتزم وأرجع وأقر، وأصل البواء: اللزوم، ومنه الحديث: فقد باء به أحدهما، أي: التزمه ورجع به.

ص: 336

ونحوه قوله صلى الله عليه وسلم: «المستبان ما قالا فعلى البادي ما لم يعتد المظلوم» على أنّ البادي عليه إثم سبه، ومثل إثم سب صاحبه، لأنه كان سبباً فيه، إلا أن الإثم محطوطٌ عن صاحبه، معفوّ عنه، لأنه مكافئ مدافع عن عرضه، ألا ترى إلى قوله:«ما لم يعتد المظلوم؟ » لأنه إذا خرج من حدّ المكافأة واعتدى لم يسلم.

فإن قلت: فحين كف هابيل قتل أخيه واستسلم وتحرج عما كان محظوراً في شريعته من الدفع، فأين الإثم حتى يتحمل أخوه مثله، فيجتمع عليه الإثمان؟ قلت: هو مقدّرٌ، فهو يتحمل مثل الإثم المقدّر، كأنه قال: إني أريد أن تبوء بمثل إثمي لو بسطت يدي إليك.

وقيل: (بِإِثْمِي) بإثم قتلي (وَإِثْمِكَ): الذي من أجله لم يتقبل قربانك.

فإن قلت: فكيف جاز أن يريد شقاوة أخيه وتعذيبه بالنار؟ قلت: كان ظالما وجزاء الظالم حسن جائز أن يراد. ألا ترى إلى قوله تعالى: (وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ)؟ وإذا جاز أن يريده اللَّه، جاز أن يريده العبد، لأنه لا يريد إلا ما هو حسن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (المستبان ما قالا). قال الصاغاني في "كشف الحجاب": الحديث أخرجه مسلم من رواية أبي هريرة وأنس: "المستبان ما قالا، فهو على البادي حتى يعتدي المظلوم". "المستبان": مبتدأ، وقوله:"ما قالاه فعلى البادي" جملة شرطية خبر له، و"ما" في قوله:"ما لم يعتد المظلوم" في رواية الكتاب: مصدرية، فيها معنى المدة، وهي ظرف لمتعلق الجار والمجرور الذي هو خبر المبتدأ، المعنى: المستبان الذي قالا: استقر ضرره على الذي بدأ بالسب مدة عدم اعتداء المظلوم، أي: ما لم يتجاوز المظلوم حد ما سبه البادي، فإذا جاوز استقر ضرر ما قالا عليهما معاً.

قوله: (وإذا جاز أن يريده الله تعالى جاز أن يريده العبد)، الانتصاف: فيه ما يدل على أن

ص: 337

والمراد بالإثم: وبال القتل وما يجره من استحقاق العقاب. فإن قلت: لم جاء الشرط بلفظ الفعل والجزاء بلفظ اسم الفاعل، وهو قوله: (لَئِنْ بَسَطْتَ

ما أَنَا بِباسِطٍ)؟ قلت: ليفيد أنه لا يفعل ما يكتسب به هذا الوصف الشنيع. ولذلك أكده بالباء المؤكدة للنفي.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في الكائنات ما لا يريده الله، وهو القبائح كلها، وهو الشرك الخفي، وإنما أراد إثم أخيه وعقوبته لأنه أراد: لا أعاقبك ولا أقتلك، ولما لم يكن بد من إرادة أحد الأمرين؛ إما إثمه بتقدير دفعه عن نفسه فيقتل أخاه، أو إثم أخيه، وكان غير مريد للأول، اضطر إلى الثاني، ولم يرد إثم أخيه بعينه، بل أراد ترك المدافعة، فيلزم منها ذلك، وهو كما يتمنى المسلم الشهادة فيتضمن ذلك أن يبوء الكافر بإثمه لكن لم يقصد إثم الكافر بعينه بل أراد بذل نفسه لله تعالى، وجاء إثم الكافر ضمناً.

قوله: (أنه لا يفعل ما يكتسب به هذا الوصف الشنيع) أي: لا أفعل فعلاً يُشتق منه هذا الوصف، وهو أن يقال مثلاً: هو باسط اليد، فإن الفعل الصادر عن الشخص ملزوم كونه فاعلاً، فإذا انتفى اللازم لينتفي الملزوم على الكناية كان أبلغ وأدل على شناعة الفعل.

الانتصاف: صيغة الفعل لا تُعطي إلا حدوث معناه من الفاعل لا غيرن أما اتصاف الذات به فذلك لما كان يعطيه اسم الفاعل عدل من الفعل إلى الاسم تغليطاً، إذ يصير ذلك كالسمة العلامة الثابتة.

قلت: قصده أن يبالغ في الامتناع، ولو وجه على هذا لكان العكس أولى، إذ لا يلزم من نفي الاتصاف المذكور نفي الحدوث، وفي التركيب أيضاً تأكيد ومبالغة، لأن اللام في {لَئِنْ} موطئة للقسم و {مَا أَنَا بِبَاسِطٍ} جواب القسم وسد مسد جواب الشرط.

ص: 338

(فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ): فوسعته له ويسرته. من طاع له المرتع: إذا اتسع.

وقرأ الحسن: (فطاوعت) وفيه وجهان: أن يكون مما جاء من فاعل بمعنى "فعل"، وأن يراد أنّ قتل أخيه كأنه دعا نفسه إلى الإقدام عليه فطاوعته ولم تمتنع، و (له) لزيادة الربط، كقولك: حفظت لزيدٍ ماله. قيل: قتل وهو ابن عشرين سنةً، وكان قتله عند عقبة حراء. وقيل: بالبصرة في موضع المسجد الأعظم.

(فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً): روي أنه أوّل قتيلٍ قتل على وجه الأرض من بني آدم، ولما قتله تركه بالعراء لا يدري ما يصنع به، فخاف عليه السباع، فحمله في جرابٍ على ظهره سنةً، حتى أروح وعكفت عليه السباع،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: ({فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ}: فوسعته له ويسرته). قال الزجاج: طوعت: فعلتن من الطوع، والعرب تقول: طاع لهذه الظبية أصول هذه الشجرة، وطاع له كذا وكذا، أي: أتاه طوعاً.

قوله: (و {لَهُ} لزيادة الربط)، وهو مثل قوله تعالى:{أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} [الشرح: 1]، وقوله: حفظت لزيد ماله، أي: حفظت مال زيد.

قوله: (حراء)، قال الخطابي: أخطؤوا فيه في ثلاثة مواضع، قالوا: حرى ففتحوا الحاء وهي مكسورة، وأمالوا في غير موضع الإمالة، لأن الراء قبل الألف مفتوحة كراشد، فإنه لا يجوز فيه الإمالة، ولا تجوز إمالته، لأن الراء قبل الألف مفتوحة، كما لا يجوز إمالة راشد ورافع، وقصروا الألف وهي ممدودة.

قوله: (بالعراء) بالمد: الفضاء بلا سُترة.

ص: 339

فبعث اللَّه غرابين فاقتتلا فقتل أحدهما الآخر، فحفر له بمنقاره ورجليه ثم ألقاه في الحفرة (قالَ يا وَيْلَتى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ).

ويروى أنه لما قتله اسودّ جسده وكان أبيض فسأله آدم عن أخيه فقال: ما كنت عليه وكيلاً! فقال: بل قتلته ولذلك اسودّ جسدك. وروي أنّ آدم مكث بعد قتله مئة سنةٍ لا يضحك، وأنه رثاه بشعرٍ! وهو كذب بحت، وما الشعر إلا منحول ملحون، وقد صحّ أن الأنبياء عليهم السلام معصومون من الشعر. (لِيُرِيَهُ): ليريه اللَّه، أو ليريه الغراب، أي: ليعلمه، لأنه لما كان سبب تعليمه، فكأنه قصد تعليمه على سبيل المجاز. (سَوْأَةَ أَخِيهِ): عورة أخيه وما لا يجوز أن ينكشف من جسده. والسوأة: الفضيحة لقبحها. قال:

يَا لَقَوْمِ لِلسَّوْأةِ السَّوْآء

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (رثاه بشعر)، وهو على ما رواه محيي السنة:

تغيرت البلاد ومن عليها

فوجه الأرض مغبر قبيح

تغير كل ذي طعم ولون

وقل بشاشة الوجه الصبيح

ورُوي عن ابن عباس أنه قال: من قال: إن آدم قال شعراً فقد كذب، إن محمداً صلوات الله عليه وسلامه والنبياء كلهم في النهي عن الشعر سواء، لكن رثاه آدم بالسريانية فلم يزل يُنقل حتى وصل إلى يعرب بن قحطان، وهو اول من خط بالعربية، فنظر في المرثية فقدم وأخر وجعله شعراً عربياً.

قوله: (يا لقوم للسوأة)، الأساس: ووقعت في السوأة السواء، قال أبو زبيد:

ص: 340

أي: للفضيحة العظيمة، فكنى بها عنها. (فَأُوارِيَ) بالنصب على جواب الاستفهام. وقرئ بالسكون على: فأنا أواري. أو على التسكين في موضع النصب للتخفيف. (مِنَ النَّادِمِينَ) على قتله لما تعب فيه من حمله وتحيره في أمره، وتبين له من عجزه وتلمذه للغراب، واسوداد لونه، وسخط أبيه، ولم يندم ندم التائبين.

(مِنْ أَجْلِ ذلِكَ): بسبب ذلك وبعلته. وقيل: أصله من أجل شراً: إذا جناه يأجله أجلاً، ومنه قوله:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لم يهب حرمة النديم وحقت

يا لقومي للسوأة السوآة

الجوهري: السوأة السواء: الخلة القبيحة، وامرأة سواء: قبيحة.

قوله: (أو على التسكين في موضع النصب للتخفيف) قال المبرد: هذا من الضرورات الحسنة التي يجوز مثلها في النثر.

قوله: (ولم يندم ندم التائبين)، الراغب: الندم والندامة: التحسر من تغير رأي في أمر فائت، قال تعالى:{فَأَصْبَحَ مِنْ النَّادِمِينَ} ، وأصله من منادمة الحزن له، والنديم والندمان والمنادم متقارب.

قوله: (وقيل: أصله من: أجل شراً: إذا جناه). قال الحريري في "درة الغواص": معنى قولهم: فعلته من جرائك، أي: من جريرتك، كما أن معنى قولهم: من أجلك، أي: من كسبك وجنايتك، والعرب تقول: فعلته من أجلك بفتح الهمزة وكسرها، وفي الحديث:"أن امرأة دخلت النار من جراء هرة ربطتها، فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض". وأُنشد للحياني بالمد والقصر:

ص: 341

وَأَهْلِ خِبَاءٍ صَالحٍ ذَاتُ بَيْنِهِمْ

قَدم احْتَرَبُوا فِى عَاجِلٍ أَنَا آجِلُهْ

كأنك إذا قلت: من أجلك فعلت كذا، أردت: من أن جنيت فعله وأوجبته، ويدل عليه قولهم: من جراك فعلته، أي: من أن جررته بمعنى: جنيته، وذلك إشارةً إلى القتل المذكور؛ أي: من أن جنى ذلك القتل الكتب وجرّه (كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ)، و (مِنْ) لابتداء الغاية، أي: ابتدأ والكتب نشأ من أجل ذلك، ويقال: فعلت كذا لأجل كذا، وقد يقال: أجل، كذا، بحذف الجار وإيصال الفعل قال: أجل أنّ اللَّه قد فضلكم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أمن جراً بني أسد غضبتم

ولو شئتم لكان لكم جوار

ومن جراء ناصرتم عبيداً

لقوم بعدما وُطيء الخُبارُ

الخبار: الأرض اللينة.

قوله: (وأهل خباء) البيت، رُوي "أهل" بالحركات الثلاث، أنا آجله: أي: جالبه وكاسبه، يقول: أهل خباء كانوا ذوي صلح وأمن قد وقعوا في الحرب عاجلاً، وأنا جالب عليهم ذلك الحرب وجانيه، يصف نفسه بأنه مهياج للفتنة.

قوله: (من أن جنيت فعله وأوجبته) أي: فعلت كذا بسبب أن جنيت فعله وأوجبته.

قوله: (من جراك)، الجوهري: فعلت ذلك من جراك وجرائك، أي: من أجلك، لغة في جراك بالتشديد.

قوله: (أجل أن الله قد فضلكم) تمامه، أنشد الجوهري لعدي بن زيد يصف جارية:

فوق من أحكأ صلباً بإزار

ص: 342

وقرئ: (من أجل ذلك) بحذف الهمزة وفتح النون لإلقاء حركتها عليها.

وقرأ أبو جعفر: (من أجل ذلك) بكسر الهمزة، وهي لغةٌ، فإذا خفف كسر النون ملقياً لكسرة الهمزة عليها. (بِغَيْرِ نَفْسٍ): بغير قتل نفس، لا على وجه الاقتصاص. (أَوْ فَسادٍ) عطفٌ على (نفسٍ) بمعنى: أو بغير فساد (فِي الْأَرْضِ) وهو الشرك، وقيل: قطع الطريق. (وَمَنْ أَحْياها): ومن استنقذها من بعض أسباب الهلكة، قتلٍ أو غرقٍ أو حرقٍ أو هدمٍ أو غير ذلك.

فإن قلت: كيف شبه الواحد بالجميع وجعل حكمه كحكمهم؟ قلت: لأن كل إنسان يدلي بما يدلي به الآخر من الكرامة على اللَّه وثبوت الحرمة، فإذا قتل فقد أهين ما كرم على اللَّه وهتكت حرمته، وعلى العكس، فلا فرق إذاً بين الواحد والجميع في ذلك.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أي: فضلكم بحسب وعفة، أحكأت العقدة وأحكيتها، أي: شددتها.

قوله: (وقرئ: "من أجل ذلك") قرأها ورش عن نافع.

قوله: (يُدلي بما يُدلي به الآخر) أي: يتوصل، النهاية: ومنه حديث استسقاء عمر رضي الله عنه: وقد دلونا به إليك مستشفعين به، يعني: العباس رضي الله عنه، وهو من الدلو؛ لأنه يتوصل به إلى الماء.

الراغب: إن الناس لما كانوا كجسم واحد، ونسبة أحدهم إليه كنسبة أعضاء الجسم الواحد إليه، صار الساعي في إهلاك بعض الجسم كالساعي في إهلاكهم؛ كما أن اساعي في إهلاك بعض الجسم كالساعي في إهلاك كله، صار قتل الواحد كقتل الناس.

ص: 343

فإن قلت: فما الفائدة في ذكر ذلك؟ قلت: تعظيم قتل النفس وإحيائها في القلوب ليشمئز الناس عن الجسارة عليها، ويتراغبوا في المحاماة على حرمتها؛ لأنّ المتعرّض لقتل النفس إذا تصوّر قتلها بصورة قتل الناس جميعاً عظم ذلك عليه فثبطه، ......

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (فما الفائدة في ذكر ذلك؟ ) أي: في ذكر المذكور من تشديد أمر قتل النفس وإحيائها، وإيراد التشبيهين؟ يُعلم ذلك من الجواب وبيان التصوير المستفاد من التشبيهين، هذا ما عليه كلام الناس، والأظهر أن يكون المشار إليه بذلك تنزيل الواحد منزلة الجماعة، والفاء شاهدة عليه، أي: أن تنزيل الواحد منزلة الجماعة خلاف الظاهر، فما الفائدة في ذلك؟ وكذا قوله في الجواب:"لأن المتعرض لقتل النفس إذا تصور" إلى آخره.

فإن قلت: فما المشار إليه بذلك في التنزيل؟ قلت: قال الواحدي: القتل، أي: بسبب قتل قابيل أخاه فرضنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفساً بغير نفس وجب عليه القصاص، والظاهر أن المشار إليه تعظيم أمر القتل، وعن بعض المفسرين: وإنما ذكر بني إسرائيل دون الناس لأن الكتاب نزل عليهم بهذا ووجب عليهم، وكانت التوراة أول كتاب نزل فيه تعظيم القتل، وفي كلام المصنف:"المسفرون في القتل لا يبالون بعظمته" إيماء إلى هذا المعنى، وقلت: وفي تخصيص ذكرهم دون الناس إيذانٌ بأنهم أشد تمادياً في الطغيان، والمعني: بسبب هذه العظيمة وبغلتها كتبنا في التوراة تعظيم القتل وشددنا عليهم وأرسلنا رسلنا تتراً، وأنزلنا عليهم البينات توصية فيه لعلهم يرجعون، ثم إن كثيراً منهم بعد هذه التوكيدات لمجاوزون في القتل حده ولا يبالون بعظمته.

قوله: (عظم ذلك) إشارة إلى المتصور، والضمير المستتر في "فثبطه" عائد إلى المتصور، أو إلى العظيم، والضمير المنصوب عائد إلى "المتعرض".

ص: 344

وكذلك الذي أراد إحياءها. وعن مجاهدٍ: قاتل النفس جزاؤه جهنم وغضب اللَّه والعذاب العظيم، ولو قتل الناس جميعاً لم يزد على ذلك. وعن الحسن: يا ابن آدم، أرأيت لو قتلت الناس جميعاً، أكنت تطمع أن يكون لك عمل يوازي ذلك، فيغفر لك به؟ كلا إنه شيءٌ سوّلته لك نفسك والشيطان، فكذلك إذا قتلت واحداً.

(بَعْدَ ذلِكَ) بعد ما كتبنا عليهم وبعد مجيء الرسل بالآيات (لَمُسْرِفُونَ) يعني: في القتل لا يبالون بعظمته.

[(إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ* إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)].

(يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ): يحاربون رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، ومحاربة المسلمين في حكم محاربته. (وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً): مفسدين، أو لأنّ سعيهم في الأرض لما كان على طريق الفساد، نزل منزلة:(ويفسدون في الأرض)، فانتصب (فساداً) على المعنى، ويجوز أن يكون مفعولاً له، أي: للفساد.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ومحاربة المسلمين في حكم محاربته) أي: محاربة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففيه تمهيد بعد تمهيد، فذكر الله تعالى تمهيد لذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم تمهيد لذكر المسلمين، لأن قطاع الطريق إنما يحاربون غير رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قوله: (أو لأن سعيهم في الأرض) أي: {فَسَاداً} ، إما حال بمعنى: مفسدين، أو مفعول مطلق، لأن قوله:{وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ} بمعنى: يفسدون، لأن سعيهم في الأرض لم يكن غير الفساد.

ص: 345

نزلت في قوم هلال بن عويمرٍ، وكان بينه وبين رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عهدٌ، وقد مرّ بهم قوم يريدون رسول اللَّه، فقطعوا عليهم. وقيل: في العرنيين، فأوحي إليه: أنّ من جمع بين القتل وأخذ المال قتل وصلب، ومن أفرد القتل قتل، ومن أفرد أخذ المال قطعت يده لأخذ المال ورجله لإخافة السبيل، ومن أفرد الإخافة نفى من الأرض.

وقيل: هذا حكم كل قاطع طريقٍ، كافراً كان أو مسلماً. ومعناه:(أَنْ يُقَتَّلُوا) من غير صلب، إن أفردوا القتل (أَوْ يُصَلَّبُوا) مع القتل إن جمعوا بين القتل والأخذ.

قال أبو حنيفة ومحمد رحمهما اللَّه: يصلب حياً ويطعن حتى يموت (أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ) إن أخذوا المال، (أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ) إذا لم يزيدوا على الإخافة.

وعن جماعةٍ منهم الحسن والنخعي: أن الإمام مخير بين هذه العقوبات في كل قاطع طريقٍ من غير تفصيلٍ. والنفي: الحبس عند أبى حنيفة، وعند الشافعي: النفي من بلدٍ إلى بلدٍ لا يزال يطلب وهو هارب فزعاً. وقيل: ينفى من بلده،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (فأوحي إليه: أن من جمع بين القتل) إلى آخره، وعلى هذا {أَوْ} في الآية للتنويع.

قوله: (أن الإمام مخير بين هذه العقوبات في كل قاطع طريق من غير تفصيل)، قال شارح "البزدوي": نظر هذا القائل أن كلمة {أَوْ} للتخيير حقيقة، فيجب العمل بها إلى أن يقوم دليل المجاز، ولأن قطع الطريق في ذاته جناية واحدة، وهذه الجزية ذُكرت بمقابلتها فيصلح كل واحد جزاء له، فيثبت التخيير كما في كفارة اليمين، والجواب: لا يمكن القول بالتخيير هاهنا، لأن الجزاء على حسب الجناية ويزداد بزيادتها وينقص بنقصانها، قال تعالى:{وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى: 40]، فيبعد أن يُقال: عند غلظ الجناية يُعاقب بأخف الأنواع وعند خفتها بأغلظها، وذلك أن المحاربة تتفاوت أنواعها في صفة الجناية من تخويف، أو أخذ مال، أو قتل نفس، أو جمع بين القتل وأخذ المال، والمذكور في الآية أجزية متفاوتة في

ص: 346

وكانوا ينفونهم إلى دهلك؛ وهو بلدٌ في أقصى تهامة، وناصع؛ وهو بلدٌ من بلاد الحبشة. (خِزْيٌ): ذلّ وفضيحة. (إِلَّا الَّذِينَ تابُوا): استثناءٌ من المعاقبين؛ عقاب قطع الطريق خاصةً، وأما حكم القتل والجراح وأخذ المال، فإلى الأولياء، إن شاءوا عفوا، وإن شاءوا استوفوا. وعن علي رضى اللَّه عنه: أنه الحرث بن بدر جاءه تائباً بعد ما كان يقطع الطريق، فقبل توبته ودرأ عنه العقوبة.

[(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)].

الوسيلة: كل ما يتوسل به؛ أي: يتقرّب من قرابةٍ أو صنيعة أو غير ذلك، فاستعيرت لما يتوسل به إلى اللَّه تعالى من فعل الطاعات وترك المعاصي. وأنشد للبيد:

أَرَى النَّاسَ لَا يَدْرُونَ مَا قَدْرُ أمْرِهِمْ

أَلَا كُلُّ ذّي لُبٍ إلىَ اللَّهِ وَاسِلُ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

معنى التشديد والغلظة، فوقع الاستغناء بتلك المقدمة عن بيان تقسيم الأجزية على أنواع الجناية نصاً، وهذا التقسيم يرجع إلى أصل لهم، وهو أن الجملة إذا قوبلت بالجملة ينقسم البعض على البعض، كما يقال لمن يسأل عن حدود الكبائر: هي جلد مئة، أو ثمانين، أو الرجم، أو القطع، يُفهم منه التقسيم والتفصيل لا التخيير، فكذا هاهنا، فظهر أن معنى الآية: أن جزاء المحاربين لا يخلو من هذه الأنواع: إما أن يُقتلوا من غير صلب إن أفردوا القتل، أو يُصلبوا مع القتل إن جمعوا بين أخذ المال والقتل، أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف إن أفردوا الأخذ، أو ينفوا من الأرض إن أفردوا إخافة السابلة.

قوله: (دهلك) غير منصرف، للعجمة والتأنيث.

قوله: (أرى الناس لا يدرون) البيت، أوله.

ص: 347

[(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ* يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ)].

(لِيَفْتَدُوا بِهِ): ليجعلوه فديةً لأنفسهم، وهذا تمثيلٌ للزوم العذاب لهم، وأنه لا سبيل لهم إلى النجاة منه بوجهٍ.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «يقال للكافر يوم القيامة: أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهباً، أكنت تفتدى به؟ فيقول: نعم، فيقال له: قد سئلت أيسر من ذلك» .

و(لو) مع ما في حيزه خبر (إن).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ألا كل شيء ما خلا الله باطل

وكل نعيم لا محالة زائل

المعنى: الناس لا يدرون ما هم فيه من خطر الدنيا وسرعة فنائها، فكل ذي لب يتوسل إلى الله بطاعة وعمل صالح، واسل: ذو وسيلة، نحو لابنٍ وتامر، أي: متقرب.

قوله: (وهذا تمثيل للزوم العذاب لهم) يعني قوله: {لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً} إلى آخر الآية إذا أخذته بجملته كان كناية عن لزوم العذاب لهم من غير نظر إلى مفردات التركيب. وقلت: ويمكن أن يكون كناية عن أن الوسائل حينئذ غير نافعة، فيكون وزان الآية مع قوله:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ} وزان قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَاتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمْ الظَّالِمُونَ} [البقرة: 254].

قوله: (يقال للكافر يوم القيامة) الحديث، رواه البخاري ومسلم مع تغيير يسير.

ص: 348

فإن قلت: لم وحد الراجع في قوله: (لِيَفْتَدُوا بِهِ) وقد ذكر شيئان؟ قلت: نحو قوله:

فَإنِّى وَقَيَّارٌ بِهَا لَغَرِيبُ

أو على إجراء الضمير مجرى اسم الإشارة، كأنه قيل: ليفتدوا بذلك. ويجوز أن يكون الواو في: (مِثْلَهُ) بمعنى «مع» فيتوحد المرجوع إليه.

فإن قلت: فبم ينصب المفعول معه؟ قلت: بما يستدعيه (لو) من الفعل، لأن التقدير: لو ثبت أن لهم ما في الأرض.

قرأ أبو واقدٍ: (أن يخرجوا) بضم الياء من (أخرج)، ويشهد لقراءة العامّة قوله:(بِخارِجِينَ).

وما يروى عن عكرمة: أن نافع بن الأزرق قال لابن عباس: يا أعمى البصر أعمى القلب، تزعم أن قوما يخرجون من النار

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (فإني وقيار بها لغريب) قبله

دعاك الهوى والشوق لما ترنحت

هتوف الضحى بين الغصون طروب

تجاوبها ورق الحمام لصوتها

فكل لكل مسعد ومجيب

فمن يك أمسى بالمدينة رحله

فإني وقيار بها لغريب

أي: إني لغريب وقيار كذل، قيل: قيار: اسم جمله، وقيل: فرسه، وقيل: غلامه الأسود.

قوله: (الواو في {وَمِثْلَهُ} بمعنى "مع") قال المصنف: جوزوا أن يقال جاءني زيد وعمرو، أي: مع عمرو. قلت: فعلى هذا {مَعَهُ} في التنزيل تأكيد.

ص: 349

وقد قال اللَّه تعالى: (وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها) فقال: ويحك، اقرأ ما فوقها. هذا للكفار؛ فمما لفقته المجبرة وليس بأول تكاذيبهم وفراهم، وكفاك بما فيه من مواجهة ابن الأزرق ابن عمّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وهو بين أظهر أعضاده من قريش وأنضاده من بني عبد المطلب، وهو حبر الأمّة وبحرها ومفسرها بالخطاب الذي لا يجسر على مثله أحدٌ من أهل الدنيا، ويرفعه إلى عكرمة دليلين ناصين أن الحديث فرية ما فيها مرية.

[(وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ* فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ* أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (أعضاده)، الأساس: ومن المجاز: هم أعضاد وأنضاد لغديده وأنصاره، وهم نضده وأنضاده: لأعمامه وأخواله.

قوله: (وبرفعه إلى عكرمة، دليلين ناصين أن الحديث فرية)، "برفعه": عطف على "بما فيه"، يعني: أن عكرمة مولى لابن عباس، كيف ينقل هذا الكلام بهذه العبارة في حق مولاه؟ قال صاحب "الجامع": عكرمة كان مولى لابن عباس، أصله من بربر، أحد فقهاء مكة وتابعيها، قيل لسعيد بن جبير: هل أحد أعلم منك؟ قال: عكرمة؟ فيقال: إن أهل السنة ما نقلوها ولا يتمسكون بها، بل بالأحاديث الصحيحة المخرجة في كتب الأئمة المتقنين مثل البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي وغيرهم، وبالتقديم المؤذن بالاختصاص في قوله:{وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْ النَّارِ} [البقرة: 167] كما سبق في البقرة، فلينظر هناك، وروينا في "مسند الإمام أحمد بن حنبل"، عن طلق بن حبيب قريباً مما رُوي من حديث عكرمة، قال:

ص: 350

(وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ) رفعهما على الابتداء والخبر محذوف عند سيبويه، كأنه قيل: وفيما فرض عليكم السارق والسارقة؛ أي: حكمهما. ووجه آخر وهو أن يرتفعا بالابتداء، والخبر:(فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما)، ودخول الفاء لتضمنهما معنى الشرط، لأنّ المعنى: والذي سرق والتي سرقت فاقطعوا أيديهما، والاسم الموصول يضمن معنى الشرط.

وقرأ عيسى بن عمر بالنصب، وفضلها سيبويه على قراءة العامة لأجل الأمر لأنّ (زيداً فاضربه) أحسن من (زيدٌ فاضربه).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كنت من أشد الناس تكذيباً بالشفاعة حتى لقيت جابر بن عبد الله فقرأت عليه كل آية ذكر الله فيها خلود أهل النار، قال: فإن الذي قرأت هم أهلها المشركون، لكن قوماً أصابوا ذنوباً فعذبوا بها ثم أخرجوا، صُمتا - وأهوى بيديه إلى أذنيه - إن لم أكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول:"يخرجون من النار"، ونحن نقرأ ما تقرأ.

قوله: (لأن "زيداً فاضربه" أحسن من "زيد فاضربه"). عن المصنف: "أن الفاء في قوله: {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} [المدثر: 3] لمعنى الشرط، كأنه قيل: وما كان فلا تدع تكبيره"، فعلى هذا يُقدر للمثال: زيداً أي شيء كان فلا تدع فاضربه؛ لأن كليهما لمعنى الشرط، وإنما كان أحسن؛ لأن الشرط يختص بالفعل، والمنصوب أدعى للفعل من المرفوع. وقال الزجاج: الجماعة أولى بالاتباع ولا أحب القراءة بالنصب، لأن اتباع القراءة سُنة، والذي يدل على أن الرفع أجود في:{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ} ، {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي} [النور: 2] قوله تعالى: {وَاللَّذَانِ يَاتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا} [النساء: 16]، قال أبو العباس محمد بن يزيد المبرد: والاختيار أن يكون "السارق والسارقة" رفعاً بالابتداء، لأن القصد لا إلى واحدٍ بعينه وليس هو مثل: زيداً

ص: 351

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فاضربه، وإنما هو كقولك: من سرق فاقطع يده، ومن زنى فاجلده، وقال شارح "اللباب" في قوله:

وقائلة: خولان فانكح فتاتهم

إن "خولان": مبتدأ، و"فانكح: خبره، وقد أدخل عليه الفاء، والتقدير: هؤلاء خولان فانكح، كما تقول: زيدٌ فليقم إليه، أي: هذا زيد، فدخول الفاء يدل على أن وجود هذه القبيلة علة لأن يتزوج منها ويتقرب إليها لحسن نسائها وشرفها.

وقلت: رجع معنى قوله زيد فاضربه، بالرفع، إلى استحقاق زيد للضرب بما اكتسب ما يستوجبه، وإن ذلك معهود بين المخاطب والمتكلم، فيكون من باب ترتب الحكم على الوصف المناسب مثل قوله:{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا} ، وليس كذلك: زيداً فاضربه، لأنه من باب الاختصاص مع التأكيد كما سبق في قوله تعالى:{وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} [البقرة: 40] فصح قول المبرد: وليس هو مثل زيداً فاضربه. وقال صاحب "الفرائد": الأمر لا يصلح أن يكون خبراً، فيتأول إما بقوله: فمقول فيهما، أي: اقطعوا، أو أن المبتدأ لما كان متضمناً للشرط وأنه جواب له صح أن يكون خبراًن كأنه قيل: إن يسرقا فاقطعوا.

قوله: (وفضلها سيبويه على قراءة العامة)، الانتصاف: الاستقراء يدل على أن العامة لا تتفق على غير الأفصح، وجدير بالقرآن ذلك، وسيبويه يُحاشي من اعتقاد ورود القرآن على غير الأفصح، وحمله على الشاذ، وهذا لفظ سيبويه ليُعلم براءته من ذلك، قال في باب الأمر والنهي بعد أن ذكر المواضع التي يختار فيها النصب، وتلخيصه: أن من بني الاسم على فعل الأمر فذلك موضع اختيار النصب، ثم قال كالموضح لامتياز هذه الآية عما اختار فيه

ص: 352

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

النصب، أما قوله تعالى:{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا} [المائدة: 38]، {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا} [النور: 2] فلم بُين على الفعل لكن على مثال: {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ} ، ثم قال بعده:{فِيهَا أَنْهَارٌ} [محمد: 15]، يريد سيبويه تمييز هذه الآية عما اختار فيه النصب بأنه في هذه الآية ليس الاسم مبنياً على الفعل بخلاف غيرها، ثم قال سيبويه: وإنما وضع المثل للحديث الذي ذكره بعده، فكأنه قال: ومن القصص مثل الجنة، فهو محمول على هذا، وكذلك {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي} ثم جاء {فَاجْلِدُوا} بعد أن مضى فيهما الرفع، يريد سيبويه انه لم يكن الاسم مبنياً على الفعل المذكور بعده، بل بُني على محذوف، وجاء الفعل طارئاً عليه.

قال سيبويه: وقد جاء:

وقائلةٍ: خولان فانكح فتاتهم

فجاء بالفعل بعد أن عمل فيه المضمر، كذلك {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ} أي: فيما فرض عليكم. وقد قرأ ناس: "والسارق والسارقة" بالنصب، وهو في العربية على ما ذكرت لك من القوة، ولكن أبت العامة إلا الرفع. يريد أن قراءة النصب جاء الاسم فيها مبنياً على الفعل وغيرُ معتمدٍ على متقدم، فكان قوياً بالنسبة إلى الرفع حيث بنى الاسم على الفعل لا على الرفع حين يعتمد الاسم على المحذوف المتقدم، وقد سبق منه أنه يخرجه من الباب الذي يختار فيه النصب، والتبس على الزمخشري، لأنه ظن أن الكل باب واحد، ألا تراه قال:"زيداً فاضربه، أحسن من: زيدٌ" رجح النصب مطلقاً، وسيبويه صرح أن الكلام في الآية مع الرفع مبني على كلام متقدم، وحققه بأن الكلام واقع بعد قصص وأخبار، ولو كان كما نه الزمخشري لم يحتج سيبويه إلى تقدير إضمار خبر، بل يرفعه بالابتداء والأمر خبره، فتلخيصه: أن النصب له وجه واحد على الفعل، والرفع على وجهين أضعهما بناء الكلام على الفعل، وأقواهما رفعه بخبر مبتدأ محذوف فتحمل القراءة المشهورة على القوي.

ص: 353

(أَيْدِيَهُما): يديهما، ونحوه (فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما) [التحريم: 4]، اكتفى بتثنية المضاف إليه عن تثنية المضاف، وأريد باليدين اليمينان، بدليل قراءة عبد اللَّه:(والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهم). والسارق في الشريعة: من سرق من الحرز.

والمقطع. الرسغ. وعند الخوارج: المنكب. والمقدار الذي يجب به القطع عشرة دراهم عند أبي حنيفة، وعند مالك والشافعي رحمهما اللَّه ربع دينارٍ. وعن الحسن: درهمٌ. وفي مواعظه: احذر من قطع يدك في درهمٍ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (اكتفى بتثنية المضاف إليه عن تثنية المضاف). قال الزجاج: وحقيقة هذا الباب أن ما كان في الشيء منه واحد لم يثن ولفظ به على لفظ الجمع، لأن الإضافة تبينه، فإذا قلت: أشبعت بطونهما، عُلم أن للاثنين بطنين فقط، وأصل التثنية الجمع، لأنك إذا ثنيت الواحد فقد جمعت واحداً إلى واحد، وكان الأصل أن يقال في "رجلان": اثنا رجال، ولكن "رجلان" يدل على جنس الشيء وعدده، والتثنية يحتاج إليها للاختصار، فإذا لم يكن اختصار رد الشيء إلى أصله، فإذا قلت: قلوبهما، فالتثنية في "هما" قد أغنتك عن تثنية قلب فصار الاختصار هاهنا ترك تثنية قلب، وقال الشاعر:

ظهراهما مثل طيور الترسين

فجاء بالتثنية والجمع في بيت واحد. وحُكي عن سيبويه أنه قال: قد يُجمع المفرد الذي ليس منه شيء إذا أردت به التثنية، وحُكي عن العرب: وضعا رحالهما، يريد رحلي راحلتيهما، وقلت: فعلى هذا لا يستقيم تشبيه ما في الآية بقوله: {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4] لأن لكل من السارق والسارقة يدين اثنتين، فيجوز الجمع وأن تقطع الأيدي جميعاً من حيث ظاهر

ص: 354

(جَزاءً) و (نَكالًا) مفعولٌ لهما. (فَمَنْ تابَ) من السرّاق (مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ): من بعد سرقته (وَأَصْلَحَ) أمره بالتقصي عن التبعات؛ (فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ) ويسقط عنه عقاب الآخرة. وأمّا القطع فلا تسقطه التوبة عند أبي حنيفة وأصحابه. وعند الشافعي في أحد قوليه: تسقطه.

(مَنْ يَشاءُ): من يجب في الحكمة تعذيبه، والمغفرة له من المصرين والتائبين.

وقيل: يسقط حدّ الحربي إذا سرق بالتوبة؛ ليكون أدعى له إلى الإسلام وأبعد من التنفير عنه، ولا يسقط عن المسلم؛ لأن في إقامته الصلاح للمؤمنين والحياة (وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ) [البقرة: 179].

فإن قلت: لم قدّم التعذيب على المغفرة؟ قلت: لأنه قوبل بذلك تقدم السرقة على التوبة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اللغة، فحينئذ يُحتاج إلى تخصيص اليدين باليمينين، بدليل خارجي من نحو قراءة عبد الله كما في "الكشاف".

قوله: (ولا يسقطه عن المسلم، لأن في إقامته الصلاح للمؤمنين). قال الزجاج: التوبة للكفار تدرأ عنهم الحدود التي وجبت عليهم في كفرهم، ليكون ذلك أدعى إلى الدخول في الإسلام، وأما توبة المؤمنين من الزنا والقتل والسرقة لا تدفع عنهم إقامة الحدود، وتدفع عنهم العذاب في الآخرة، لأن في إقامة الحدود الصلاح للمؤمنين والحياة، لقوله تعالى:{وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} [البقرة: 179]، وقيل: حق الله من الحد يسقط إن تاب قبل الظفر ولا يسقط بعده، وحق الآدمي كالقود فهو إلى الولي، وإن تاب بعد الظفر لم تقبل توبته ولا يسقط حده.

قوله: (لأنه قوبل بذلك تقدم السرقة على التوبة)، يريد أن في الآية لفاً ونشراً، الانتصاف:

ص: 355

[(يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَاتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ)].

قرئ: (لا يحزنك) بضم الياء و (يسرعون)، والمعنى: لا تهتم ولا تبال بمسارعة المنافقين (فِي الْكُفْرِ) أي: في إظهاره بما يلوح منهم من آثار الكيدِ للإسلام، ومن موالاة المشركين، فإني ناصرك عليهم وكافيك شرّهم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عنده أن المغفور لهم هم: التائبون، والمعذبون: السراق، فلا تكون المغفرة تبعاً للمشيئة، بل المشيئة تابعة للتوبة، ونحن نعتقد أن المغفرة تابعة للمشيئة في حق غير التائب، فيدخل السارق في عموم قوله:{وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48] وإن لم يتب، وإنما قدم التعذيب لأن السياق للوعيد.

وقلت: الحق هذا، لأن قوله تعالى:{أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} تذييل للكلام السابق من لدن قصة موسى، ومقابلته الجبارين، وقصة قابيل وهابيل، وأحكام قطاع الطريق، وتحريض المؤمنين على الجهاد، وقطع السراق، وقد يخلص به إلى نوع آخر من الكلام، كأنه قيل له: الحكم في ملكه كيف شاء منع أو أعطي، عذب أو عفا، وهو على كل شيء قدير.

قوله: (والمعنى: لا تهتم) في تفسيره: {لا يَحْزُنْكَ} بقوله: "لا تهتم"، وتعليله بقوله:

ص: 356

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

"فإني ناصرك" نظرٌ، لأن النهي عن الحزن لم يكن لأنه خاف شرهم فحزن حتى يقال:"إني ناصرك وكافيك شرهم"، وإنما نُهي عن الحزن لأجل مسارعتهم في الكفر، ثم بين بقوله:{مِنْ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ} بقوله: {وَمِنْ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ} إلى آخر الآية على سبيل التعليل، حيث أوقع تلك الصفات صلات للموصولات، أي: سبب مسارعتهم في الكفر: النفاق وسماع الكذب وتحريف كتاب الله وتغيير أحكامه وكتمان نبوته، وذلك الذي أوقعه في الحزن، ألا ترى كيف أوقع {وَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنْ اللَّهِ شَيْئاً} اعتراضاً مؤكداً لمعنى المعترض فيه؟

ومما يشد من عضد هذا التأويل ما روينا عن مسلم وأحمد وأبي داود وابن ماجه، عن البراء، قال: مر على رسول الله صلى الله عليه وسلم يهودي محممٌ مجلود، فدعاهم، فقال:"هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ "، قالوا: نعم، فدعا رجلاً من علمائهم، فقال:"أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى، هكذا تجدون حد الزنا في كتابكم؟ " قال: لا، ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك، فحده الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا، وكنا إذا أخذنا الشريف تركناه وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، فقلنا: تعالوا نجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه"، فأمر به فرُجم، فأنزل الله تعالى:{يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ} إلى قوله تعالى: {إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ} يقول: ائتوا محمداً، فإن أمركم بالتحميم والجلد فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا، فأنزل الله تعالى:{وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44]، {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ} [المائدة: 45]، {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ} [المائدة: 47] في الكفار كلها، وسيجيء الكلام فيه.

ص: 357

يقال: أسرع فيه الشيب، وأسرع فيه الفساد، بمعنى: وقع فيه سريعاً، فكذلك مسارعتهم في الكفر ووقوعهم وتهافتهم فيه أسرع شيءٍ إذا وجدوا فرصةً لم يخطئوها. و (آمَنَّا) مفعول (قالوا)، و (بِأَفْواهِهِمْ) متعلق بـ (قالوا) لا بـ (آمنا)، و"مِنَ الَّذِينَ هادُوا" منقطعٌ مما قبله، خبرٌ لـ (سماعون)؛ أي: ومن اليهود قومٌ سماعون، ويجوز أن يعطف على (مِنَ الَّذِينَ قالُوا) ويرتفع (سماعون) على: هم سماعون، والضمير للفريقين، أو للذين هادوا.

ومعنى (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ): قابلون لما يفتريه الأحبار ويفتعلونه من الكذب على اللَّه، وتحريف كتابه، من قولك: الملك يسمع كلام فلانٍ. ومنه: (سمع اللَّه لمن حمده).

(سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَاتُوكَ) يعني: اليهود الذين لم يصلوا إلى مجلس رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وتجافوا عنه؛ لما أُفرط فيهم من شدة البغضاء وتبالغٍ من العداوة، أي: قابلون

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وتهافتهم فيه)، النهاية: التهافت: من الهفت، وهو السقوط قطعة قطعة، وأكثر ما يستعمل التهافت في الشر.

قوله: (أسرع شيء) قيل: هو حال، أي: حين وجدوا فرصة تساقطوا على الكفر مسرعين، وأفعل التفضيل يقعُ حالاً إذا كان مضافاً إلى النكرة، نحو: جاءني زيدٌ أحسن ما كان هو عليه، والصحيح أن الظرف، أعني "إذا"، معمول لقوله:"لم يخطئوها"، والجملة مبينة لما قبلها.

قوله: ({سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ}: قابلون لما يفتريه الأحبار). قال الزجاج: الإنسان يسمع الحق والباطل، لكن يقال له: لا تسمع من فلان، أي: لا تقبل قوله، ومنه: سمع الله لمن حمده، أي: تقبل الله منه حمده.

ص: 358

من الأحبار ومن أولئك المفرطين في العداوة الذين لا يقدرون أن ينظروا إليك.

وقيل: سماعون إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لأجل أن يكذبوا عليه، بأن يمسخوا ما سمعوا منه بالزيادة والنقصان، والتبديل والتغيير، سماعون من رسول اللَّه لأجل قومٍ آخرين من اليهود وجهوهم عيوناً ليبلغوهم ما سمعوا منه. وقيل: السماعون: بنو قريظة، والقوم الآخرون: يهود خيبر.

(يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ): يميلونه ويزيلونه (عَِنْ مَواضِعِهِ) التي وضعه اللَّه تعالى فيها، فيهملونه بغير مواضع بعد أن كان ذا مواضع.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (الذين لا يقدرون أن ينظروا إليك) يعني ذمهم أولاً: أنهم سماعون من أعداء الله، قائلون عمن يحرفون كتاب الله، ثم ذمهم ثانياً: أنهم سماعون من أعداء رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين لا يقدرون أن ينظروا إليه فكنى بقوله: {لَمْ يَاتُوكَ} عن أنهم لم يقدروا أن ينظروا إليه صلوات الله عليه لأنهم إذا لم يأتوه لم ينظروا إليه، ودل ذلك على شدة بغضهم له، وذلك على إفراط العداوة.

قوله: (وقيل: سماعون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأجل أن يكذبوا عليه) عطف على قوله: "قابلون لما يفتريه"، فعلى هذا صلة {سَمَّاعُونَ} في الموضعين محذوفة، واللام للتعليل، وعلى الأول صلة. الجوهري: قولهم: سمعك إليَّ، أي: اسمع مني، واستمعت له أي: أصغيت، يقال: تسمعت إليه وسمعت له كله بمعنى، وقرئ:{لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلإٍ الأَعْلَى} [الصافات: 8] مخففاً. قال الواحدي: أي: فريق سماعون للكذب يسمعون منك ليكذبوا عليك: {سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَاتُوكَ} ، يعني يهود خيبر. قال الزجاج: هؤلاء عيون أولئك الغُيب.

قوله: (فيهملونه بغير مواضع بعد أن كان ذا مواضع) معناه ما قال في سورة النساء:

ص: 359

(إِنْ أُوتِيتُمْ هذا) المحرف المزال عن مواضعه (فَخُذُوهُ) واعلموا أنه الحق، واعملوا به، (وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ) وأفتاكم محمدٌ بخلافه (فَاحْذَرُوا) وإياكم وإياه، فهو الباطل والضلال.

وروي أن شريفاً من خيبر زنى بشريفةٍ وهما محصنان وحدّهما الرجم في التوراة، فكرهوا رجمهما لشرفهما، فبعثوا رهطاً منهم إلى بني قريظة ليسألوا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وقالوا: إن أمركم محمدٌ بالجلد والتحميم فاقبلوا، وإن أمركم بالرجم فلا تقبلوا وأرسلوا الزانيين معهم، فأمرهم بالرجم فأبوا أن يأخذوا به فقال له جبريل: اجعل بينك وبينهم ابن صوريا، فقال:"هل تعرفون شاباً أمرد أبيض أعور يسكن فدك يقال له ابن صوريا"؟ قالوا: نعم وهو أعلم يهودي على وجه الأرض! ورضوا به حكماً. فقال له رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "أنشدك اللَّه الذي لا إله إلا هو، الذي فلق البحر لموسى، ورفع فوقكم الطور وأنجاكم وأغرق آل فرعون، والذي أنزل عليكم كتابه وحلاله وحرامه،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

"أما {مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ}، فالمعنى: أنه كانت له مواضع هو قمنٌ بأن يكون فيها، فحين حرفوه تركوه كالغريب الذي لا موضع له بعد مواضعه ومقاره".

قوله: ({إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا} المحرف المزال عن مواضعه) هذا ليس بمقول لهم، بل المصنف وضعه موضع مقولهم، كقوله تعالى:{إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ} [النساء: 157]؛ قال: "يجوز أن يضع الله تعالى الذكر الحسن مكان ذكرهم القبيح".

قوله: (والتحميم) وهو تسويد الوجه، النهاية: وهو من الحممة، وهي الفحمة.

قوله: (كتابه وحلاله وحرامه) عطف الخاص على العام، نحو: ملائكته وجبريل، وليس الحلال والحرام أشرف ما فيه، لكن مقام حكم الزنا وأن الزنا محرم يقتضي ذلك.

ص: 360

هل تجدون فيه الرجم على من أحصن"؟ قال: نعم، فوثب عليه سفلة اليهود فقال: خفت إن كذبته أن ينزل علينا العذاب، ثم سأل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عن أشياء كان يعرفها من أعلامه، فقال: أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأنك رسول اللَّه، النبي الأمي العربي الذي بشر به المرسلون، وأمر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بالزانيين فرجما عند باب مسجده.

(وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ): تركه مفتوناً وخذلانه (فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً) فلن تستطيع له من لطف اللَّه وتوفيقه شيئاً. (أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ) أن يمنحهم من ألطافه ما يطهر به قلوبهم؛ لأنهم ليسوا من أهلها؛ لعلمه أنها لا تنفع فيهم ولا تنجع؛ (إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ)(كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ)[آل عمران: 86].

[(سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ* وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ) 42 - 43].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (تركه مفتوناً وخذلانه)، والعجب أن قوله:{وَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنْ اللَّهِ شَيْئاً} [المائدة: 41] وقع اعتراضاً بين الإعلام بتحريفهم كتاب الله وبين التسجيل بأن ذلك لجل أنه تعالى لا يريد أن يُطهر قلوبهم؛ لأن لفظة {أُوْلَئِكَ} علمٌ بأن الذي يرد عقيبه هو الحامل لمن سبق على اتصافه بذلك الوصف، وموقع هذا الاعتراض بعد إعطاء معنى التوكيد: التعليل، لئلا يتوهم القدري خلاف ما عليه النص القاطع فيحرف كتاب الله ويسلك طريق المجاز، ومع ذلك يقول:"أولئك لم يرد الله أن يمنحهم من ألطافه؛ لأنهم ليسوا من أهلها؛ لعلمه أنها لا تنفع فيهم" نعوذ بالله من الزيغ!

ص: 361

السُّحْت: كل ما لا يحل كسبه، وهو من سحته: إذا استأصله، لأنه مسحوت البركة، كما قال تعالى:(يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا)[البقرة: 276] والربا بابٌ منه.

وقرئ: (لِلسُّحْتِ) بالتخفيف والتثقيل. و (السحت) بفتح السين على لفظ المصدر، من: سحته و (السحت) بفتحتين و (السحت) بكسر السين.

وكانوا يأخذون الرشا على الأحكام وتحليل الحرام. وعن الحسن: كان الحاكم في بني إسرائيل إذا أتاه أحدهم برشوةٍ جعلها في كمه، فأراها إياه وتكلم بحاجته، فيسمع منه ولا ينظر إلى خصمه، فيأكل الرشوة ويسمع الكذب.

وحُكي أن عاملاً قدم من عمله فجاءه قومه، فقدم إليهم العراضة وجعل يحدّثهم بما جرى له في عمله، فقال أعرابي من القوم: نحن كما قال اللَّه تعالى: (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ).

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «كل لحمٍ أنبته السحت فالنار أولى به» .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: ({لِلسُّحْتِ}، بالتثقيل والتخفيف): التثقيل: ابن كثير وأبو عمرو والكسائي، والباقون: بالتخفيف.

قوله: (العُراضة) وهي هدية القادم من سفره. النهاية: قالت امرأة معاذ وقد رجع من عمله: أين ما جئت به مما يأتي به العمال من عراضة أهلهم؟ .

قوله: (كل لحم أنبته السحت فالنار أولى به) الحديث، أخرجه أحمد بن حنبل، عن جابر في "مسنده".

ص: 362

قيل: كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم مخيراً - إذا تحاكم إليه أهل الكتاب - بين أن يحكم بينهم وبين أن لا يحكم. وعن عطاءٍ والنخعي والشعبي: أنهم إذا ارتفعوا إلى حكام المسلمين، فإن شاءوا حكموا، وإن شاؤوا أعرضوا. وقيل: هو منسوخ بقوله: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ).

وعند أبي حنيفة رحمةُ اللَّه عليه: إن احتكموا إلينا حملوا على حكم الإسلام، وإن زنى منهم رجلٌ بمسلمةٍ، أو سرق من مسلم شيئاً أقيم عليه الحدّ. وأما أهل الحجاز فإنهم لا يرون إقامة الحدود عليهم، يذهبون إلى أنهم قد صولحوا على شركهم، وهو أعظم الحدود، ويقولون: إنّ النبي صلى الله عليه وسلم رجم اليهوديين قبل نزول الجزية.

(فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً) لأنهم كانوا لا يتحاكمون إليه إلا لطلب الأيسر .....

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (بين أن يحكم بينهم وبين أن لا يحكم بينهم) منع الحريري مثل هذا التكرير في "درة الغواص"، قال: يقولون: المال بين زيد وبين عمرو، بتكرير بين، فيوهمون فيه، والصواب: بين زيد وعمرو، كما قال تعالى:{مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ} [النحل: 66]، والعلة أن لفظة "بين" تقتضي الاشتراك ولا تدخل إلا على مثنى أو مجموع، كقولك: المال بينهما، والدار بين الإخوة، وأظن أن الذي أوهمهم لزوم تكريره مع الظاهر، وجوب تكريره مع المضمر في مثل قوله تعالى:{قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ} [الكهف: 78]، فقد وهموا فيه في المماثلة بين الموطنين، وهو أن المعطوف على الضمير المجرور من شرط جوازه تكرير الجار فيه، نحو: مررت بك وبزيد.

قوله: ({فَلَنْ يَضُرُّوكَ}، لأنهم كانوا)، اعلم أن أصل الكلام: فإن جاؤوك فأنت مخير بين أن تحكم بينهم وأن تُعرض عنهم، فلا تخف منهم، فإنهم لن يضروك شيئاً، فوضع "لن يضروك" موضع "لا تخف"، وإنما قدر "لا تخف":"لأنهم كانوا لا يتحاكمون إليه" إلى آخره.

ص: 363

والأهون عليهم، كالجلد مكان الرجم فإذا أعرض عنهم وأبى الحكومة لهم شق عليهم وتكرهوا إعراضه عنهم، وكانوا خلقاء بأن يعادوه ويضاروه، فأمن اللَّه سربه.

(بِالْقِسْطِ): بالعدل والاحتياط كما حكم بالرجم. (وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ): تعجيبٌ من تحكيمهم لمن لا يؤمنون به وبكتابه مع أن الحكم منصوص في كتابهم الذي يدّعون الإيمان به.

(ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ): ثم يعرضون من بعد تحكيمك عن حكمك الموافق لما في كتابهم لا يرضون به.

(وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ) بكتابهم كما يدّعون، أو: وما أولئك بالكاملين في الإيمان على سبيل التهكم بهم.

فإن قلت: (فِيها حُكْمُ اللَّهِ) ما موضعه من الإعراب؟ قلت: إمّا أن ينتصب حالاً من (التوراة) وهي مبتدأٌ خبره "عندهم"

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (فأمن الله سربه)، النهاية: فلان آمنٌ في سربه، بالكسر، أي: في نفسه، ويروى بالفتح، وهو المسلك والطريق، يقال: خل سربه، أي: طريقه، فعلى هذا كناية.

قوله: (حالاً من {التَّوْرَاةَ}، وهي مبتدأ خبره "عندهم"). قال أبو البقاء: {كَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ} {كَيْفَ} : حال من ضمير الفاعل في {يُحَكِّمُونَكَ} ، {وَعِنْدَهُمْ التَّوْرَاةُ}: الجملة في موضع الحال، {التَّوْرَاةُ}: مبتدأ، و"عندهم": الخبر، ويجوز أن ترتفع {التَّوْرَاةُ} بالظرف، و {فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ} أيضاً: حال، والعامل فيها ما في "عند" من معنى الفعل، و {حُكْمُ اللَّهِ}: مبتدأ أو معمول الظرف. وقلت: في الكلام أحوال متداخلة، وقول المصنف:"حالاً من {التَّوْرَاةُ} " أي: من الضمير في الخبر للتوراة.

ص: 364

وإما أن يرتفع خبراً عنها، كقولك: وعندهم التوراة ناطقةٌ بحكم اللَّه، وإمّا أن لا يكون له محل، وتكون جملة مبينةٌ؛ لأنّ عندهم ما يغنيهم عن التحكيم، كما تقول: عندك زيد ينصحك ويشير عليك بالصواب، فما تصنع بغيره؟

فإن قلت: لم أنثت التوراة؟ قلت: لكونها نظيرة لموماة ودوداة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وإما أن يرتفع خبراً عنها). قال صاحب "التقريب": {فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ} : خبر للتوراة، و"عند": متعلق بالخبر مقدماً عليه، وفيه تعقيد. وقلتُ: ويمكن أن يقال: إن قوله: {التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ} جملة في تأويل المفرد، يعني: عندهم هذه القضية، وفائدته أن هذا الحكم بين في التوراة غير مخفي، ولهذا قال:"ناطقة بحكم الله".

قوله: (جملة مبينة، لأن عندهم) اللام مبينة، يعني: قوله: {عِنْدَهُمْ التَّوْرَاةُ} معناه: "عندهم ما يغنيهم"، وكذلك قوله:{فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ} متضمن لهذا المعنى، ويحتمل أن يكون تعليلاً، وبيانه: أن قوله تعالى: {وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمْ التَّوْرَاةُ} إنكار عليهم وتعجب في تحكيمهم لمن لا يؤمنون به، و {فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ} إثبات لاستغنائهم عن التحكيم، ودل عليه تقديم الخبر، أي: الحكم الذي يريدونه منصوص فيها لا يحتاجون إلى كتاب آخر، وهو معنى قوله:"عندهم ما يُغنيهم"، وكان بياناً له بهذا التقدير أيضاً.

فإن قلت: قوله: "وعندهم ما يغنيهم" يوهم أن ما في التوراة ثابت، وأنهم يستغنون به عما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذا قوله في المثال:"فما تصنع بغيره؟ "، قلت: هذا إنما يقال في مقام التعجب وذم من يركب متن الباطل ويتعرج عن المنهج الواضح المستقيم ويسأل غير من يرشده إليه تعنتاً ولبساً للحق الجلي.

قوله: (لموماة)، الجوهري: الموماة واحدة الموامي، وهي: المفاوز، أصلها: موموة، على فعللة، وهو مضاعف قلبت واوه ألفاً، وأما الدوداة فما وجدته في كتب اللغة، وفي "الحاشية": أنها أرجوحة الصبي.

ص: 365

ونحوها في كلام العرب. فإن قلت: علام عطف (ثم يتولون)؟ قلت: على (يحكمونك).

[(إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ)].

(فِيها هُدىً) يهدى للحق والعدل (وَنُورٌ) يبين ما استبهم من الأحكام. (الَّذِينَ أَسْلَمُوا): صفةٌ أجريت على "النبيين" على سبيل المدح كالصفات الجارية على القديم سبحانه، لا للتفصلة والتوضيح، وأريد بإجرائها التعريض باليهود وأنهم بعداء من ملة الإسلام التي هي دين الأنبياء كلهم في القديم والحديث، وأنّ اليهودية بمعزلٍ منها،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: {الَّذِينَ أَسْلَمُوا} : صفة أجريت على "النبيين" على سبيل المدح

لا للتفصلة والتوضيح)، الانتصاف: وفيه نظر، فلا يجوز مدح نبي على كونه رجلاً مسلماً؛ لأن النبوة أعظم من الإسلام، فالوجه: أن الصفة ذُكرت لتعظيم نفسها، وتنويه شأنها، إذا وُصف بها عظيم القدر، ومنه وصف الأنبياء بالصلاح، والملائكة بالإيمان في قوله تعالى:{الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ} إلى قوله تعالى: {وَيُؤْمِنُونَ بِهِ} [غافر: 7]، وقد قيل: أوصاف الأشراف أشراف الأوصاف، وقال:

فلئن مدحت محمداً بقصيدتي

فلقد مدحت قصيدتي بمحمد

ولولا حملها على هذا لخرجنا عن قانون البلاغة في الترقي من الأدنى إلى الأعلى لا النزول على عكسها، ما قال المتنبي:

شمس ضحاها هلال ليلتها

در تقاصيرها زبرجدها

ص: 366

وقوله: (الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا) منادٍ على ذلك. (وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ): والزهاد والعلماء من ولد هارون، الذين التزموا طريقة النبيين وجانبوا دين اليهود (بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ): بما سألهم أنبياؤهم حفظه من التوراة؛

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فنزل عن الشمس إلى الهلال وعن الدر إلى الزبرجد فمضغت الألسن عرض بلاغته ومزقت أديم صناعته.

وقلت: والذي يقضي العجب من هذا الفاضل قوله: إن الصفة ذُكرت لتعظيم نفسها وتنويه شأنها إذا وُصف بها عظيم القدر، وليست بصفة مدح، فيقال: إذا لم تكن صفة مدح فهل تكون للتي للتفصلة والتمييز، أو الكشف والتوضيح، أو للتقرير والتوكيد؛ إذ لا خامس! أو كيف يتسنى لك ما تقصد به من التعظيم والتنويه، وكونها مرغوباً فيها إذا لم تحملها على المدح وتقول: إذا كان النبيون مع جلالة قدرهم ورفعة منصبهم يتمدحون بوصف الإسلام فما بال الغير؟ فعند ذلك يحصل التنويه والتغريب، وإليه أشار صاحب "المفتاح" بقوله: لو أريد اختصاره لما انخرط في الذكر {وَيُؤْمِنُونَ بِهِ} [غافر: 7] إذ ليس أحدٌ من مصدقي حملة العرش يُرتاب في إيمانهم، ووجه حسن ذكره إظهار شرف الإيمان وفضله والترغيب فيه.

قوله: ({الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا} منادٍ على ذلك) يعني: في وصف الأنبياء بكونهم مسلمين بعد ذكر التوراة تعريض باليهود وأنهم بعداء عن ملة الإسلام ودين الإسلام ودين الأنبياء، ثم في اقتران {الَّذِينَ أَسْلَمُوا} بقوله:{لِلَّذِينَ هَادُوا} ، لإرادة أن الأنبياء المسلمين يحملون اليهود على أحكام التوراة تصريح فيما عرض به أولاً، والحاصل أن في كل من اللفظتين واختصاصه بالذكر رمزاً لى معنى وإشارة إلى دقيقة على سبيل الإدماج.

ص: 367

أي: بسبب سؤال أنبيائهم إياهم أن يحفظوه من التغيير والتبديل. و (مِنْ) في (مِنْ كِتابِ اللَّهِ) للتبيين. (وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ): رقباء كي لا يبدل؛ والمعنى: يحكم بأحكام التوراة النبيون بين موسى وعيسى، وكان بينهما ألف نبيّ (للذين هادوا) يحملونهم على أحكام التوراة لا يتركونهم أن يعدلوا عنها، كما فعل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من حملهم على حكم الرجم وإرغام أنوفهم، وإبائه عليهم ما اشتهوه من الجلد، ......

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (و {مِن} في {مِنْ كِتَابِ اللَّهِ} للتبيين)، وهذا لا يوافق تفسيره، وهو قوله:"بسبب سؤال أنبيائهم"، لأن "مِنَ" التبيينية تستدعي موصوله، وقد فُسر بما يُنبئ عن كونها مصدرية لكن مراده تلخيص المعنى.

قوله: (وعيسى) معطوف على فاعل الحكم، وهو النبيون.

قوله: ({لِلَّذِينَ هَادُوا} يحملونهم على أحكام التوراة)، الجوهري: حكم بينهم بحكم، أي: قضى، وحكم له وعليه، والمصنف أتى في كلامه بعلى، وهو موهم مبدل من اللام، وليس به، لأن اللام في {لِلَّذِينَ هَادُوا} بمعنى "لأجل" وليست بصلة، مثلها في قوله تعالى:{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْراً مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ} [الأحقاف: 11]، قال المصنف:" {لِلَّذِينَ آمَنُوا}: لأجلهم"، ولا ارتياب بأن النبيين المسلمين إذا حكموا لأجل من يخالفهم إلى وصف اليهودية حملوهم على ما هم عليه من الحق، ولا يتركونهم أن يعدلوا عنه إلى هواهم، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حكم لأجل اليهود في الزانيين دعا ابن صوريا وقال له:"والذي أنزل عليكم الكتاب، هل تجدون فيه الرجم على من أحصن؟ " قال: نعم، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالزانيين فرُجما عند باب مسجده، فرجع مآل المعنى إلى: حكم له، فاللام للعاقبة.

ص: 368

وكذلك حكم الربانيون والأحبار والمسلمون بسبب ما استحفظهم أنبياؤهم من كتاب اللَّه والقضاء بأحكامه، وبسبب كونهم عليه شهداء.

ويجوز أن يكون الضمير في: (اسْتُحْفِظُوا) للأنبياء والربانيين والأحبار جميعا ويكون الاستحفاظ من اللَّه، أي: كلفهم اللَّه حفظه، وأن يكونوا عليه شهداء. (فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ): نهيٌ للحكام

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وكذلك حكم الربانيون) عطف على جملة قوله: "يحكم بأحكام التوراة النبيون"، وقوله:"كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم" كالمستطردة. وقال أبو البقاء: الربانيون: مرفوع المحل بفعل محذوف، أي: ويحكم، هذا إذا علق {بِمَا اسْتُحْفِظُوا} بـ {وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ} فقط، وإنما قال المصنف:"حكم" وفي التنزيل: {يَحْكُمْ} ليؤذن أن ما في التنزيل لحكاية الحال الماضية.

قوله: (ويجوز أن يكون الضمير في {اسْتُحْفِظُوا} للأنبياء والربانيين والأحبار) عطفٌ من حيث المعنى على قوله: "بما سألهم أنبياؤهم"، وكان الضمير على الأول: للربانيين والأحبار، يعني: استحفظوا سؤال الأنبياء الأحبار والربانيين أن لا يُضيعوا أحكام الكتاب ولا يُهملوا شرائعه، وإليه الإشارة بقوله:"أن يحفظوه من التغيير والتبديل"، وإنما سماهم المصنف مسلمين في قوله: و"كذلك حكم الربانيون والأحبار المسلمون" لأنهم حينئذ خلفاء الأنبياء في ذلك المعنى، وإليه الإشارة بقوله:"الذين التزموا طريقة النبيين وجانبوا دين اليهود"، وعلى الثاني {اسْتُحْفِظُوا} معناه: كلفوا حفظه لئلا يُنسى، والمأمور إذن كلهم، والآمر الله عز وجل، و {بِمَا اسْتُحْفِظُوا} على هذا الظاهر أن يكون بدلاً من {بِهَا} بإعادة الباء، قاله أبو البقاء. {وَكَانُوا}: عطف على {اسْتُحْفِظُوا} ، وعلى الأول: الباء في {بِمَا اسْتُحْفِظُوا} للسببية. قال أبو البقاء: في وجه آخر: {بِمَا اسْتُحْفِظُوا} مفعول به، أي: يحكمون بالتوراة

ص: 369

عن خشيتهم غير اللَّه في حكوماتهم وإدهانهم فيها، وإمضائها على خلاف ما أمروا به من العدل لخشية سلطانٍ ظالمٍ، أو خيفة أذية أحد من القرباء والأصدقاء.

(وَلا تَشْتَرُوا): ولا تستبدلوا ولا تستعيضوا (بآيات الله) وأحكامه (ثَمَناً قَلِيلًا): وهو الرشوة وابتغاء الجاه ورضا الناس، كما حرّف أحبار اليهود كتاب اللَّه، وغيروا أحكامه رغبة في الدنيا وطلبا للرئاسة، فهلكوا.

(وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ) مستهيناً به (فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ)، و (الظالمون) و (الفاسقون): وصفٌ لهم بالعتوّ في كفرهم حين ظلموا آيات اللَّه بالاستهانة، وتمرّدوا بأن حكموا بغيرها. وعن ابن عباسٍ رضي الله عنهما: أنّ الكافرين والظالمين والفاسقين أهل الكتاب. وعنه: نعم القوم أنتم، ما كان من حلوٍ فلكم، ومن كان من مرّ فهو لأهل الكتاب، من جحد حكم اللَّه كفر، ومن لم يحكم به وهو مقرّ فهو ظالمٌ فاسقٌ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بسبب استحفاظهم ذلك، و"ما" بمعنى "الذي"، ومن ثم قال المصنف في الأول:"بسبب كونهم شهداء"، وفي الثاني:"وأن يكونوا عليه شهداء"، وقال صاحب "المفتاح": والمفعول المتعدي إليه بغير واسطة أصله التقديم على المتعدي إليه بواسطة، نحو: ضربت الجاني بالسوط.

قوله: (وإدهانهم)، الأساس: ومن المجاز: أدهن في الأمر وداهن: صانع ولاين.

قوله: (لخشية سلطان) ينازع فيه قوله: "إدهانهم وإمضائها".

قوله: (ما كان من حلو فهو لكم) يعني: أيها المسلمون، إن الله تعالى لما أراد مدحكم التي بصفتكم التي هي الإسلام وأوقعها صفة مدح للأنبياء، وحين أراد ذم أهل الكتاب كفرهم وظلمهم وفسقهم.

قوله: (من جحد حكم الله كفر) من كلام ابن عباس رضي الله عنه، روى الواحدي عن

ص: 370

وعن الشعبي: هذه في أهل الإسلام، و (الظالمون) [المائدة: 45] في اليهود، و (الفاسقون) [المائدة: 47] في النصارى. وعن ابن مسعود: هو عام في اليهود وغيرهم. وعن حذيفة: أنتم أشبه الأمم سمتاً ببني إسرائيل،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الوالبي، عن ابن عباس: من جحد شيئاً من حدود الله فقد كفر، ومن أقر بها ولم يحكم بها فهو ظالم فاسق. وقال طاووس: قلت لابن عباس: ومن لم يحكم بما أنزل الله فهو كافر؟ قال: هو به كافر، وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر وملائكته وكتبه ورسله.

ومما يُقوي أن هذه الآيات نازلة في أهل الكتاب، الحديث الذي روينا في تفسير قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ} [آل عمران: 176] عن البراء.

قوله: (وعن الشعبي: هذه في أهل الإسلام) عطف على قوله: "وصف لهم بالعُتو في كفرهم" وهو خبر قوله: {الظَّالِمُونَ} و {الْفَاسِقُونَ} ، وكلام ابن عباس وارد على لك المعنى، فيلزم على قول الشعبي أن يكون المؤمنون أسوأ حالاً من اليهود والنصارى، ويمكن أن يقال: إن المسلمين إذا نُسب إليهم الكفر حُمل على التشديد والتغليظ، والكافر إذا وُصف بالظلم والفسق أشعر بعتوهم في الكفر وتمردهم فيه، ثم الخطاب بقوله:{فَلا تَخْشَوْا النَّاسَ} إن كان مع أهل الكتاب كما يؤدي إليه قول ابن عباس، والفاء جزاء شرط محذوف، أي: إذا استحفظتم أيها الأحبار كتاب الله فلا تخشوا الناس، وإن كان مع المسلمين كما يُنبئ عنه قول الشعبي فالفاء فصيحة، إذ المعنى حينئذ: أنتم أيها المسلمون حين تليت عليكم أخبار النبيين والربانيين والأحبار واستحفاظهم كتاب الله وما عرض باليهود الذين غيروا دين الله وبدلوا كتابه وحكموا بغير ما أنزل الله رغبة في الدنيا ورهبة عن الناس وعرفتم حالهم؛ فلا تكونوا مثلهم فتخشوا الناس وتشتروا بآياتي ثمناً قليلاً.

قوله: (وعن حذيفة: أنتم أشبه الأمم سمتاً ببني إسرائيل) الحديث من رواية أبي واقد

ص: 371

لتركبن طريقهم حذو النعل بالنعل، والقذة بالقذة، غير أنى لا أدرى أتعبدون العجل أم لا؟

[(وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)].

في مصحف أبيّ: (وأنزل اللَّه على بني إسرائيل فيها)،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الليثي، في "جامع الأصول": أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:"والذي نفسي بيده، لتركبن سنن من كان قبلكم" أخرجه الترمذي، وزاد رزين:"حذو النعل بالنعل والقُذة بالقُذة، حتى إن كان فيهم من أتى أمه يكون فيكم، فلا أدري أتعبدون العجل أم لا؟ ".

قوله: (لتركبن) أي: تتبعن، النهاية: في الحديث: "فإذا عُمر قد ركبني" أي: تبعني وجاء على أثري؛ لأن الراكب يسير بسير المركوب، يقال: ركب أثره وطريقه: إذا تبعه، وقال الميداني:"حذو القُذة بالقُذة" أي: مثلاً بمثل، يُضرب في التسوية بين الشيئين، ومثله: حذو النعل بالنعل، والقُذة لعلها من القذ وهو القطع يعني به قطع الريشة المقذوذة على قدر صاحبتها في التسوية، وهي "فُعلة" بمعنى "مفعولة" كاللقمة والغُرفة.

قوله: (في مصحف أبي: "وأنزل الله على بني إسرائيل فيها") يعني: في مصحفه بدل {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا} : "وأنزل الله على بني إسرائيل فيها".

ص: 372

وفيه: (وأن الجروح قصاص). والمعطوفات كلها قرئت منصوبةً، ومرفوعةً، والرفع للعطف على محل (أن النفس) لأن المعنى: وكتبنا عليهم النفس بالنفس- إما لإجراء "كتبنا" مجرى "قلنا"، وإما لأن معنى الجملة التي هي قولك: النفس بالنفس مما يقع عليه الكتابة، كما تقع عليه القراءة، تقول: كتبت: (الحمد للَّه)، وقرأت:(سورة أنزلناها)[النور: 1]، ولذلك قال الزجاج: لو قرئ: إن النفس بالنفس- بالكسر- لكان صحيحاً، أو للاستئناف، والمعنى: فرضنا عليهم فيها

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وفيه) أي: في مصحف أبي بدل {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} : (وأن الجروح قصاص).

قوله: (والمعطوفات كلها قرئت منصوبة)، الكسائي:(والعين بالعين)، وما بعده بالرفع، ورفع ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو، (والجروح) فقط، والباقون كل ذلك بالنصب، قال الزجاج: والرفع على وجهين: أحدهما: العطف على موضع {بِالنَّفْسِ} والعامل فيها معنى وكتبنا عليهم: النفس بالنفس، أي: قلنا لهم: النفس بالنفس، ويجوز كسر "إن" ولا أعلم أحداً قرأ بها، وثانيهما:(رفعُ العين بالعين) على الاستئناف، ويجوز أن يكون عطفاً على المضمر في قوله:{بِالنَّفْسِ} ، المعنى: أن النفس مأخوذة هي بالنفس، و (العين) معطوفة على"هي".

قوله: (كما تقع عليه القراءة) يعني: يكون محل "إن النفس بالنفس" مرفوعاً على الحكاية، و"العين بالعين" معطوف عليه على هذا التقدير، وفيه بحث.

قوله: (أو: للاستئناف) وهو عطف على قوله: "والرفع للعطف".

ص: 373

(أَنَّ النَّفْسَ) مأخوذةٌ (بِالنَّفْسِ): مقتولةٌ بها إذا قتلتها بغير حق، (وَ) كذلك (الْعَيْنَ) مفقوءةٌ (بِالْعَيْنِ)، و (الْأَنْفَ) مجدوعٌ (بِالْأَنْفِ)، (وَالْأُذُنَ) مصلومةٌ (بِالْأُذُنِ)، (وَالسِّنَّ) مقلوعةٌ (بِالسِّنِّ)، (وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ): ذات قصاصٍ، وهو المقاصة، ومعناه: ما يمكن فيه القصاص وتعرف المساواة. وعن ابن عباس رضي الله عنهما؛ كانوا لا يقتلون الرجل بالمرأة فنزلت.

(فَمَنْ تَصَدَّقَ) من أصحاب الحق (بِهِ) بالقصاص وعفا عنه (فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ). فالتصدق به كفارةٌ للمتصدق يكفر اللَّه من سيئاته ما تقتضيه الموازنة، كسائر طاعاته. وعن عبد اللَّه بن عمرو: يهدم عنه من ذنوبه بقدر ما تصدق به. وقيل: فهو كفارةٌ للجاني إذا تجاوز عنه صاحب الحق، سقط عنه ما لزمه. وفي قراءة أُبيّ:(فهو كفارته له) يعني: فالمتصدق كفارته له، أي: الكفارة التي يستحقها له، لا ينقص منها، وهو تعظيمٌ لما فعل، كقوله تعالى:(فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ)[الشورى: 40]، وترغيب في العفو.

[(وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ* وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ) 46 - 47].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ومعناه: ما يمكن فيه القصاص) يعني: جاء قوله: {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} مطلقاً في استيفاء القصاص من كل ما يسمى جرحاً، لكنه مقيد فيما يمكن فيه القصاص وتُعرف المساواة كالمذكورات، وفيما لم تعرف المساواة المحكومة لا غير.

قوله: (ما تقتضيه الموازنة) مذهبه.

قوله: (فالمتصدق كفارته له) أي: فالمتصدق يصدقه له.

قوله: (كقوله: {فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} يعني كأن قوله: "فالمتصدق كفارته له" وعدٌ من الله تعالى

ص: 374

قفيته مثل: عقبته: إذا اتبعته، ثم يقال: قفيته بفلانٍ، وعقبته به، فتعديه إلى الثاني بزيادة الباء.

فإن قلت: فأين المفعول الأول في الآية؟ قلت، هو محذوفٌ، والظرف الذي هو (عَلى آثارِهِمْ) كالسادّ مسدّه؛ لأنه إذا قفى به على أثره فقد قفى به إياه، والضمير في (آثارهم) للنبيين في قوله:(يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا)[المائدة: 44].

وقرأ الحسن: (الإنجيل) بفتح الهمزة فإن صح عنه فلأنه أعجمى خرج لعجمته عن زناة العربية، كما خرج هابيل وآجر. (وَمُصَدِّقاً) عطفٌ على محل (فِيهِ هُدىً) ومحله النصب على الحال. (وَهُدىً وَمَوْعِظَةً) يجوز أن ينتصبا على الحال. كقوله:(مُصَدِّقاً) وأن ينتصبا مفعولاً لهما، كقوله:(وَلْيَحْكُمْ) كأنه قيل: وللهدى والموعظة آتيناه الإنجيل، وللحكم بما أنزل اللَّه فيه من الأحكام.

فإن قلت: فإن نظمت "هُدىً" و"مَوْعِظَةً" في سلك (مصدقاً) فما تصنع بقوله: (وليحكم)؟ قلت: أصنع به ما صنعت بـ"هدى" و"موعظة"

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مؤكداً بقوله: {لَهُ} ، كما تقول: زيدٌ ماله له، فإن "له" تأكيدٌ لدفع توهم من يزعم أن المال الذي لزيد وبيده لغيره، كما أن "على" في قوله:{عَلَى اللَّهِ} تأكيد للوعد لما يقتضيه من الوجوب.

قوله: (فأين المفعول الأول؟ ) إشارة إلى أن الأصل: فقفيناهم على آثارهم، كقولك: قفيته بفلان.

قوله: (يجوز أن ينتصبا على الحال)؛ لأن ما تقدمهما من قوله: {مُصَدِّقاً} : حالٌ، ويجوز أن ينتصبا مفعولاً لهما؛ لأن ما تأخر فيهما من قوله:{وَلْيَحْكُمْ} مفعول له، فيكون التقدير: وللهدى والموعظة والحكم بما أنزل الله فيه من الأحكام، آتيناه الإنجيل، وإنما فصل المصنف ببين التعليلين والثالث لوقوع الفصل في التنزيل بقوله:{لِلْمُتَّقِينَ} ، ولينبه على أن الثالث ليس فعلاً لفاعل الفعل المعلل ومن ثم أتى باللام.

ص: 375

حين جعلتهما مفعولاً لهما، فأقدّر: وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل اللَّه آتيناه إياه.

وقرئ: (وليحكم) على لفظ الأمر بمعنى: وقلنا ليحكم. وروى في قراءة أبى: (وأن ليحكم) بزيادة (أن) مع الأمر على أنّ «أن» موصولةٌ بالأمر: كقولك: أمرته بأن قم كأنه قيل: وآتيناه الإنجيل وأمرنا بأن يحكم أهل الإنجيل.

وقيل: إن عيسى عليه السلام كان متعبداً بما في التوراة من الأحكام لأن الإنجيل مواعظ وزواجر والأحكام فيه قليلة. وظاهر قوله (وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ) يردّ ذلك، وكذلك قوله:(لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً)[المائدة: 48] .......

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (على أن "أن" موصولة بالأمر) أراد بالموصول: ما لا يتم إلا بما بعده، نحو: أريد أن أفعل وجاءني الذي عرفته.

قوله: (وكذلك قوله: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً} ، الراغب: الشرعة والشريعة: الطريقة الظاهرة التي توصل إلى الماء، فهي للدين الذي يوصل إلى الحياة الأبدية كما سُمي به كناية الماء، والمنهاج: الطريق المستقيم، وقيل: الشرعة: إشارة إلى الدين وهو الشرع، والمنهاج إشارة إلى الدليل الذي يوصل إلى معرفته، وقد رُوي عن ابن عباس أنه قال:{شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً} : ديناً وسبيلاً. إن قيل: كيف قال: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً} فاقتضى ذلك أن لكل واحد من الأنبياء شريعة غير شريعة الآخر، وقال في موضع:{شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً} [الشورى: 13] إلى قوله: {أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى: 13]، فذكر أنه شرع لجميعهم شريعة واحدة؟ قيل: الذي استوى فيه الشرائع هو

ص: 376

وإن ساغ لقائلٍ أن يقول: معناه: وليحكموا بما أنزل اللَّه فيه من إيجاب العمل بأحكام التوراة.

[(وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ)].

فإن قلت: أي: فرق بين التعريفين في قوله (وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ) وقوله: (لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ)؟ قلت: الأول تعريف العهد، لأنه عنى به القرآن. والثاني تعريف الجنس، لأنه عنى به جنس الكتب المنزلة: ويجوز أن يقال: هو للعهد؛

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أصول الإيمان والإسلام، أعني: التوحيد والصلاة والزكاة والصوم؛ فإن أصول هذه الأشياء لا ينفك منها شرع بوجه، فأما الذي ذُكر أنه تفرد كل واحد من الأنبياء بفروع العبادات من كيفياتها وكمياتها، فإن ذلك مشروع على حسب مصالح كل أحد، وعلى مقتضى الحكمة في الأزمنة المختلفة، ووجه آخر: أن الشرائع إذا اعتبرت بالشارع ومقتضى حمته يصح أن يقال: إن كلها واحدة، وكذا إذا اعتبرت بالغرض والقصد الذي هو مصلحة المشروع له، وإذا اعتبرت بذوات الأفعال فهي شرائع كثيرة، وعلى هذين النظرين، قال تعالى:{وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ} [القمر: 50] وقال في موضع آخر: {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَانٍ} [الرحمن: 29].

قوله: (لقائل أن يقول: معناه: وليحكموا بما أنزل الله فيه من إيجاب العمل بأحكام التوراة).قال القاضي: هذا خلاف الظاهر، والآية تدل على أن الإنجيل مشتمل على الأحكام، وأن اليهودية منسوخة ببعثة عيسى عليه الصلاة والسلام، وأنه كان مستقلاً بالشرع.

ص: 377

لأنه لم يرد به ما يقع عليه اسم الكتاب على الإطلاق وإنما أريد نوع معلومٌ منه، وهو ما أنزل من السماء سوى القرآن.

(وَمُهَيْمِناً): ورقيباً على سائر الكتب لأنه يشهد لها بالصحة والثبات. وقرئ (وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ) بفتح الميم، أي: هو من عليه بأن حفظ من التغيير والتبديل، كما قال:(لا يَاتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ)[فصلت: 42] والذي هيمن عليه اللَّه عز وجل أو الحفاظ في كل بلدٍ،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (نوع معلوم منه، وهو ما أنزل الله من السماء سوى القرآن) وحاصل الوجه الأول يرجع إلى هذا؛ لأن {الْكِتَابَ} مطلق فيما يصح أن يقال له: كتابٌ، ولا ارتياب أن الكتب الباطلة غير محصورة، فلا يكون القرآن مصدقاً لها، فرجع إلى أن الكتب السماوية هي التي تستحق أن تسمى كتاباً لكمالها، وأن غيرها كأنها ليست بكتاب كما ذكره في قوله:{الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ} [البقرة 1، 2]. نعم، الفرق من حيث المبالغة.

قوله: ("ومهيمناً عليه" بفتح الميم) فعلى هذا لا يكون فيه ضمير، والضمير في {عَلَيْهِ} يعود إلى الكتاب الأول، وعلى تقدير كسر الميم الضمير يعود إلى الكتاب الأول وفي {عَلَيْهِ} إلى الكتاب الثاني.

قوله: (أي: هو من عليه). قال أبو البقاء: أصل مهيمن: ميمن، لأنه مشتق من الأمانة لأن المهيمن الشاهد، وليس في الكلام "همن" حتى تكون الهاء أصلاً.

قوله: (والذي هيمن عليه)، الأساس: هيمن على كذا: إذا كان رقيباً عليه حافظاً، والله عز وجل مهيمن.

قوله: (أو الحفاظ في كل بلد). قلت: هذا أيضاً من حفظ الله، وفي الحقيقة: الله هو الحافظ

ص: 378

لو حُرِّف حَرْفٌ منه، أو حركةٌ أو سكونٌ لتنبه عليه كل أحدٍ ولاشمأزوا رادّين ومنكرين.

ضمن (وَلا تَتَّبِعْ) معنى: ولا تنحرف فلذلك عُدّي بـ"عن"، كأنه قيل: ولا تنحرف عما جاءك من الحق متبعا أهواءهم.

(لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ) أيها الناس (شِرْعَةً) شريعةً. وقرأ يحيى بن وثابٍ: بفتح الشين. (وَمِنْهاجاً): وطريقاً واضحاً

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وحده، لقوله تعالى:{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9]. قال المصنف: "وهو حافظه في كل وقت من كل زيادة ونقصان وتحريف وتبديل، بخالف الكتب المتقدمة، فإنه لم يتول حفظها، وإنما استحفظها الربانيين والأحبار فاختلفوا فيما بينهم بغياًن فكان التحريف، ولم يكل القرآن إلى غير حفظه".

قوله: (لا تنحرف عما جاءك من الحق متبعاً أهواءهم)، هذه الضوابط المذكورة هي التي يعول عليها في التضمين، حيث أوقع الفعل المضمن فيه حالاً، وأقام المضمن مقامه لتعم الفائدة، قال في الكهف:"الغرض في هذا الأسلوب إعطاء مجموع المعنيين، وذلك أقوى من إعطاء معنى واحد".

فإن قلت: هلا حمله على الحال ليكون المعنى: لا تتبع أهواءهم منحرفاً عما جاءك من الحق؟ قلت: المقام يستدعي ذم القوم، وهذا أدخل في الذم، كأنه نهى عن الانحراف عن الحق مطلقاً، ثم أتى بما ظهر أن ذلك الانحراف هو متابعة أهواء أولئك الزائغين؛ إيذاناً بأن أولئك أعلام في الانحراف عن الحق، وكذلك الحال، فإنه قيدٌ للفعل فيوهم أنه تجوز المتابعة إذا زال الانحراف، ويقرب منه قولك:"هل أدلك على أفضل الناس وأكرمهم؟ فلان، فإنه أبلغ من قولك: هل أدلك على فلان الأفضل الأكرم؟ " ذكره المصنف في سورة الفاتحة.

ص: 379

في الدين تجرون عليه. وقيل: هذا دليلٌ على أنا غير متعبدين بشرائع من قبلنا.

(لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً): جماعة متفقةً على شريعةٍ واحدةٍ. أو ذوي أمةٍ واحدةٍ؛ أي: دينٍ واحدٍ لا اختلاف فيه، (وَلكِنْ) أراد (لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ) من الشرائع المختلفة، هل تعملون بها مذعنين معتقدين أنها مصالح .....

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وقيل: هذا دليل على أنا غير متعبدين بشرائع من قبلنا). قال الإمام: احتج القائلون بأن شرع من قبلنا لازم علينا إلا إذا قام الدليل على صيرورته منسوخاً بقوله تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا} الآية [المائدة: 44]، وتقريره: أنه تعالى قال: إن في التوراة هدى ونوراً، والمراد هدى ونور في أصول الشرع وفروعه، ولو كان الحكم غير معتبر بالكلية لما كان فيه هدى ونور، ولأن هذه الآية نزلت في مسالة الرجم فيجب أن تدخل الأحكام أيضاً في الهدى والنور.

وقال أيضاً في قوله تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً} : احتج أكثر العلماء بهذه الآية على أن شرع من قبلنا لم يلزمنا، لأنها تدل على أنه يجب أن يكون كل رسول مستقلاً بشريعة خاصة، فإن قيل: كيف الجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً} إلى قوله تعالى: {أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى: 13] وقال تعالى: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ} [الأنعام: 90]؟ والجواب: أنا الثانية مصروفة إلى ما يتعلق بأصول الدين، والأولى بفروعه، وقال: الخطاب في قوله تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ} : للأمم الثلاث: أمة موسى، وأمة عيسى، وأمة محمد صلوات الله عليهم وسلامه، لأن الآيات السابقة اللاحقة فيهم، وقال: الشرعة: عبارة عن مطلق الشريعة، والمنهاج: عن مكارم الشريعة.

ص: 380

قد اختلفت على حسب الأحوال والأوقات، معترفين بأن اللَّه لم يقصد باختلافها إلا ما اقتضته الحكمة؟ أم تتبعون الشبه وتفرطون في العمل؟

(فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ): فابتدروها وتسابقوا نحوها. (إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ): استئنافٌ في معنى التعليل لاستباق الخيرات. (فَيُنَبِّئُكُمْ): فيخبركم بما لا تشكون معه من الجزاء الفاصل بين محقكم ومبطلكم، وعاملكم ومفرطكم في العمل.

[(وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ) 49].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقلت: أما الاستدلال بقوله: إن الله وصف التوراة بكونها فيها نور وهدى، ثم عقبه بقوله:{يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ} فدل على أن بعض أحكامها معتبر، فضعيف؛ لأنه يكفي في صدق كونها هدى أن يكون هدى قبل النسخ، وأما مسألة الرجم فإنه صلوات الله عليه وسلامه أمر أولاً بالرجم، ولما أبوا دعا بالتوراة تقريراً، وأما آية الرجم فقد ذكرناها في قوله تعالى:{مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ} [البقرة: 106] عن البخاري ومسلم وغيرهما، عن ابن عباس، عن عمر، وفي رواية ابن ماجه:"والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة" مَا نَنسَخْ مِنْ آيَة.

قوله: ({إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ} استئناف في معنى التعليل لاستباق الخيرات)، يعني: هو جواب مع ما يعقبه بسؤال مورده {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} مع ما هو مترتب عليه بالفاء، يعني: أنه تعالى لما خاطب الأمم من المسلمين واليهود والنصارى وغيرهم بقوله: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً} أي: شريعة بحسب ما تقتضيه الأوقات من المصالح؛ ليختبركم أيكم يعتقد أنها

ص: 381

فإن قلت: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ) معطوفٌ على ماذا؟ قلت: على: (الْكِتابَ) في قوله: (وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ)[المائدة: 48] كأنه قيل: وأنزلنا إليك أن احكم على أنّ «أن» وصلت بالأمر، لأنه فعلٌ كسائر الأفعال، ويجوز أن يكون معطوفاً على:(بِالْحَقِّ)[المائدة: 48] أي: أنزلناه بالحق وبأن احكم.

(أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ): أن يضلوك عنه، ويستزلوك، وذلك أن كعب بن أسيدٍ وعبد اللَّه بن صوريا وشاس بن قيسٍ من أحبار اليهود قالوا: اذهبوا بنا إلى محمدٍ نفتنه عن دينه؛ فقالوا له: يا محمد، قد عرفت أنا أحبار اليهود، وأنا إن اتبعناك اتبعتنا اليهود كلهم ولم يخالفونا، وإنّ بيننا وبين قومنا خصومة، فنتحاكم إليك فتقضي لنا عليهم، ونحن نؤمن بك ونصدّقك، فأبى ذلك رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فنزلت.

(فَإِنْ تَوَلَّوْا) عن الحكم بما أنزل اللَّه إليك وأرادوا غيره (فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ) يعني: بذنب التولي عن حكم اللَّه وإرادة خلافه فوضع (بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ) موضع ذلك، وأراد أنّ لهم ذنوباً جمةً كثيرة العدد،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حكمة من الله تعالى وإن خفي عليه وجه الحكمة فيستبق إلى ما شرعه الله تعالى في كل وقت، ولا يتبع هواه، وأيكم يتبع هواه؟ اتجه لهم أن يسألوا: ما تلك الحكمة؟ ومتى تُعلم حقيقتها؟ فأجيبوا: إذا ما رجعتم إلى الله تعالى في دار الجزاء فيجازيكم إما بالثواب أو بالعقاب ليفصل بين المحق والمبطل وبين العامل والمفرط، وحينئذ تعلمون وجه الحكمة ولا تشكون فيه، مثاله: إذا قلت: فما ادري من المقبول منا ومن المردود عند الأمير؟ فيقال لك: إذا رأيت أنه خلع على فلان وعاقب فلاناً علمت المقبول والمردود ولا تشك فيه.

قوله: (ويجوز أن يكون معطوفاً على {بِالْحَقِّ} أي: أنزلناه بالحق وبأن احكم). قلت: ولو جعله عطفاً على {فَاحْكُمْ} من حيث المعنى ليكون التكرير لإناطة قوله: {وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ} كان أحسن.

ص: 382

وأنّ هذا الذنب - مع عظمه بعضها وواحدٌ منها، وهذا الإيهام لتعظيم التولي واستسرافهم في ارتكابه. ونحو "البعض" في هذا الكلام ما في قول لبيدٍ:

أَوْ يَرْتَبِطْ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمَامُهَا

أراد: نفسه، وإنما قصد تفخيم شأنها بهذا الإبهام، كأنه قال: نفسا كبيرة، ونفساً أي: نفس، فكما أن التنكير يعطى معنى التكبير وهو معنى البعضية، فكذلك إذا صرح بالبعض.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (أو يرتبط بعض النفوس حمامها)، أوله:

تراك أمكنة إذا لم أرضها

وقبله:

أو لم تكن تدري نوار بأنني

وصال عقد حبائل جذامها

تراك: ترتفع على الإتباع لـ "وصال" و"جذام"، أو يرتبط: مجزوم عطف على "أرضها" أي: الم تدر المحبوبة أني وصال عقد من يحاول مودتي، وقطاع لمن يقطع محبتي، وأني جوال الفيافي قطاع المهامه، وأني تراك أماكن إذا لم أرضها، أو: ألم يقدر أني أموت فيها؟ يعني: أنه مجتهد في الرحلة إذا لم تعق العوائق، والظاهر أن "أو" بمعنى "بل"، وقد جاء في "الصحاح":{وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} [الصافات: 147] أي: بل يزيدون، وقال الزوزني: المعنى: إني لا أترك الأماكن اجتويها وأقليها، إلى أن أموت.

قوله: (فكذلك إذا صرح بالبعض) يعني: كما وضع التنكير للتعليل الذي فيه معنى البعضية، وقد يُراد به في مثل قوله تعالى حكاية عن السحرة:{إِنَّ لَنَا لأَجْراً} [الأعراف: 113]

ص: 383

(لَفاسِقُونَ): لمتمرّدون في الكفر معتدون فيه، يعنى أنّ التولي عن حكم اللَّه من التمرّد العظيم والاعتداء في الكفر.

[(أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ)].

(أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ) فيه وجهان:

أحدهما: أنّ قريظة والنضير طلبوا إليه أن يحكم بما كان يحكم به أهل الجاهلية من التفاضل بين القتلى. وروي أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال لهم «القتلى بواء» قال: فقال بنو النضير: نحن لا نرضى بذلك فنزلت.

والثاني: أن يكون تعبيراً لليهود بأنهم أهل كتابٍ وعلمٍ، وهم يبغون حكم الملة الجاهلية التي هي هوى وجهل، لا تصدر عن كتاب ولا ترجع إلى وحي من اللَّه تعالى.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

التكثيرُ، كما يُراد من "رب" وهو للتقليل في نحو قوله تعالى:{رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا} [الحجر: 2] التكثير، كذلك حكم البعض، وهو استعارة تمليحية ضد التهكمية.

قوله: (طلبوا إليه) أي: جاؤوا إليه وانتهوا أو توجهوا إليه طالبين.

قوله: (أن يكون تعبيراً لليهود) وعلى الأول كان توبيخاً، أي: يريدون أن يحكموا كما حكم أولئك القوم. ولم يكن مفهوم الجاهلية منظوراً إليه بخلافه في الثاني ليصح التعبير بالجهل، ولذلك قال:"بأنهم أهل كتاب وعلم" وقدر المضاف في الأول: الأهل، وفي الثاني: الملة، كالرجل إذا سُمي بأحمد له اعتباران: مجرد العلمية تارة، ومع الوصف أخرى، ويجوز أن لا يُراد بالجاهلية المشركون، بل كل من نسب إلى الجهل بسبب ابتغائه غير حكم الله تعالى، كما قال الحسن: والحكم حكمان: حكم بعلم، فهو حكم الله، وحكم بجهل، فهو حكم الشيطان.

ص: 384

وعن الحسن: هو عامّ في كل من يبغى غير حكم اللَّه. والحكم حكمان: حكمٌ بعلمٍ، فهو حكم اللَّه، وحكمٌ بجهل فهو حكم الشيطان. وسئل طاوس عن الرجل يفضل بعض ولده على بعض، فقرأ هذه الآية.

وقرئ: (تبغون) بالتاء والياء. وقرأ السلمي: (أفحكم الجاهلية يبغون) برفع "الحكم" على الابتداء، وإيقاع "يبغون" خبراً، وإسقاط الراجع عنه كإسقاطه عن الصلة في (أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا) [الفرقان: 41] وعن الصفة في: الناس رجلان، رجل أهنت، ورجل أكرمت. وعن الحال في «مررت بهندٍ يضرب زيد» .

وقرأ قتادة: (أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ) على أنّ هذا الحكم الذي يبغونه إنما يحكم به أفعى نجران، أو نظيره من حكام الجاهلية، فأرادوا بسفههم أن يكون محمد خاتم النبيين حكما كأولئك الحكام.

اللام في قوله (لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) للبيان كاللام في: (هَيْتَ لَكَ)[يوسف: 23] أي: هذا الخطاب وهذا الاستفهام لقوم يوقنون،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وقرأ قتادة: أفحكم الجاهلية)، وقال أبو البقاء: يُقرأ بفتح الحاء المهملة والكاف والميم، وهو منصوب بـ {يَبْغُونَ} ، أي: أحكم حكم الجاهلية.

قوله: (اللام في قوله: {لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [للبيان] كاللام في: {هَيْتَ لَكَ} أي: بيان لا صلة، وفي {هَيْتَ} ضمير مستتر هو فاعله، و {لَكَ} بيان للمهيت به. قال أبو البقاء:{لْقَوْمٍ} هو في المعنى عند قوم يوقنون، وليس المعنى: أن الحكم لهم، وإنما المعنى: أن الموقن يتدبر حكم الله فيحسن عنده، ومثله:{إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ} [الحجر: 77].

ص: 385

فإنهم هم الذين يتيقنون أن لا أعدل من اللَّه ولا أحسن حكما منه.

[(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ* فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَاتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ* وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خاسِرِينَ)].

لا تتخذوهم أولياء تنصرونهم وتستنصرونهم وتؤاخونهم وتصافونهم وتعاشرونهم معاشرة المؤمنين. ثم علل النهى بقوله: (بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ) أي: إنما يوالي بعضهم بعضاً لاتحاد ملتهم واجتماعهم في الكفر، فما لمن دينه خلاف دينهم ولموالاتهم؟ !

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

للموقنين، وقيل: هي على أصلها، أي: حكم الله للمؤمنين على الكافرين، وكذلك الآية لهم، أي: الحجة لهم، يقول المصنف:"هم الذين يتيقنون أن لا أعدل من الله" هو معنى قول أبي البقاء: إن الموقن يدبر حكم الله فيحسن عنده، أي: هم الذين ينتفعون به.

قوله: (ولا أحسن حكماً منه) إشارة إلى أن الاستفهام في قوله: "من أحسن" للإنكار، والجملة حال مقررة لجهة الإشكال، والخطاب عام أي: أيبتغون حكم أهل الجاهلية؟ والحال أنه لا أحسن حكماً من الله لمن له إيقان بتدبير حكم الله تعالى ويعلم أنه لا أعدل من الله، قال أبو البقاء:{وَمَنْ أَحْسَنُ} : مبتدأ وخبرٌ، وهو استفهام في معنى النفي.

قوله: (فما لمن دينه خلاف دينهم ولموالاتهم) أي: فما يصنع من دينه خلاف دينهم مع موالاتهم ومصافاتهم؟

ص: 386

(وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ) من جملتهم، وحكمه حكمهم، وهذا تغليظ من اللَّه وتشديد في وجوب مجانبة المخالف في الدين واعتزاله، كما قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:«لا تراءى ناراهما» ، ومنه قول عمر رضي الله عنه لأبي موسى في كاتبه النصراني: لا تكرموهم إذ أهانهم اللَّه، ولا تأمنوهم إذ خوّنهم اللَّه، ولا تدنوهم إذ أقصاهم اللَّه.

وروي أنه قال له أبو موسى: لا قوام للبصرة إلا به، فقال: مات النصراني والسلام، يعني هب أنه قد مات، فما كنت تكون صانعاً حينئذٍ فاصنعه الساعة، واستغن عنه بغيره.

(إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) يعني: الذين ظلموا أنفسهم بموالاة الكفر يمنعهم اللَّه ألطافه ويخذلهم مقتاً لهم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (لا تراءى ناراهما) روينا عن الترمذي وأبي داود، عن جرير بن عبد الله، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خثعم فاعتصم ناس منهم بالسجود فأسرع فيهم القتل، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمرهم بنصف العقل، وقال:"أنا برئ من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين"، قالوا: يا رسول الله، لم؟ قال:"لا تتراءى ناراهما".

النهاية: الترائي: تفاعل من الرؤية، يقال: تراءى القوم: إذا رأى بعضهم بعضاً، فإسناد الترائي إلى النارين، جاز من قولهم: داري تنظر إلى دار فلان، أي: تقابلها، يقال: ناراهما مختلفتان، هذه تدعو إلى الله وهذه تدعو إلى الشيطان فكيف يتفقان؟ والأصل في تراءى: تتراءى، فحذف إحدى التاءين تخفيفاً، والمعنى: لا ينبغي لمسلم أن ينزل بالموضع الذي إذا أوقدت فيه ناره تهر لنار المشرك إذا أوقدها في منزله، ولكنه م المسلمين في دارهم.

ص: 387

(يُسارِعُونَ فِيهِمْ): ينكمشون في موالاتهم ويرغبون فيها ويعتذرون بأنهم لا يأمنون أن تصيبهم دائرةٌ من دوائر الزمان؛ أي: صرف من صروفه ودولة من دوله، فيحتاجون إليهم وإلى معونتهم.

وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أنه قال لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: إنّ لي موالي من يهود كثيراً عددهم، وإني أبرأ إلى اللَّه ورسوله من ولايتهم وأُوالى اللَّه ورسوله فقال عبد اللَّه بن أُبيّ: إني رجلٌ أخاف الدوائر، لا أبرأ من ولاية مواليّ وهم يهود بنى قينقاع.

(فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَاتِيَ بِالْفَتْحِ) لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على أعدائه وإظهار المسلمين (أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ) يقطع شأفة اليهود ويجلبهم عن بلادهم،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ينكمشون في موالاتهم)، الجوهري: انكمش وتكمش: أسرع.

قوله: (ودولة من دوله) عطف على "صرف من صروفه"، وهو تفسير للدائرة. الأساس: والدهر دول وعقب ونوب، والله يداول الأيام بين الناس مرة لهم ومرة عليهم. لم يفرق المصنف بين الدولة والدائرة، وفرق بينهما الراغب حيث قال: الدائرة: عبارة عن الخط المحيط، يقال: دار دوراناً، ثم عبر بها عن الحادثة، والدواري: الدهر الدائر بالإنسان، ولذلك قال الشاعر:

والدهر بالإنسان دواري

والدورة والدائرة: في المكروه، كما يقال:"دولة" في المحبوب، قال تعالى:{نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ} .

قوله: (شأفة اليهود)، الجوهري: الشأفة: قرحة تخرج في أسفل القدم فتكوى فتذهب، يقال في المثل: استأصل الله شأفته، أي: أذهبه الله كما أذهب تلك القرحة بالكي.

ص: 388

فيصبح المنافقون نادمين على ما حدثوا به أنفسهم، وذلك أنهم كانوا يشكون في أمر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ويقولون: ما نظن أن يتم له أمرٌ، وبالحرى أن تكون الدولة والغلبة لهؤلاء.

وقيل: (أو أمر من عنده): أو أن يؤمر النبيّ صلى الله عليه وسلم بإظهار أسرار المنافقين وقتلهم، فيندموا على نفاقهم. وقيل: أو أمرٍ من عند اللَّه لا يكون فيه للناس فعلٌ كبني النضير الذين طرح اللَّه في قلوبهم الرعب، فأعطوا بأيديهم من غير أن يوجف عليهم بخيلٍ ولا ركابٍ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (فيصبح المنافقون نادمين على ما حدثوا به أنفسهم)، الراغب: خص لفظ الإصباح لأمرين أحدهما: أنه لما كان أكثر محارباتهم وغاراتهم وقت الصباح كثر عباراتهم عن التعبيرات به، وعلى هذا قول الشاعر:

يا راقد الليل مسروراً بأوله

إن الحوادث قد يطرقن أسحارا

والثاني: أنه لما كان بالإصباح انحماء الظلمة وانتشار الأشعة وظهور ما كان بالليل مستتراً، خُص "فأصبحوا" تنبيهاً على زوال غمة الجهالة وظهور الخفاء، وعليه قولهم: بدا الصبح لذي العينين.

قوله: ({أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ} : أو أن يؤمر النبي صلى الله عليه وسلم عطف على قوله: " {أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ} يقطع شأفة اليهود"، فعلى الأول: الأمر بمعنى الشأن، وعلى الثاني: واحد الأمور.

قوله: (يوجف عليهم)، الجوهري: وجف الشيء، أي: اضطرب، وقال تعالى:{فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ} [الحشر: 6] أي: ما أعلمتم، "فأعطوا بأيديهم" أي: انقادوا وذلوا.

ص: 389

(وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا) قرئ بالنصب عطفاً على أن يأتى، وبالرفع على أنه كلام مبتدأ، أى: ويقول الذين آمنوا في ذلك الوقت.

وقرئ: (يقول) بغير واوٍ، وهي في مصاحف مكة والمدينة والشام كذلك،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: ({وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا} : قرئ بالنصب عطفاً على {أَنْ يَاتِيَ} وهي قراءة أبي عمرو. فإن قيل: كيف يجوز أن يقال: "عسى الله أن يقول الذين آمنوا" لأن {أَنْ يَاتِيَ} خبر "عسى"، والمعطوف عليه في حكمه فيفتقر إلى ضمير يرجع إلى اسم "عسى" ولا ضمير في قوله:{وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا} ، فيصير كقولك:"عسى الله أن يقول الذين آمنوا"، قيل: هو محمول على المعنى لأن معنى "عسى الله أن يأتي بالفتح" ومعنى "عسى أن يأتي الله بالفتح" واحد، كأنه قال:"عسى أن يأتي الله بالفتح ويقول الذين آمنوا"، كما قال:{فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ} [المنافقون: 10] أو أن يبدل {أَنْ يَاتِيَ} من اسم الله، كما أبدل {أَنْ أَذْكُرَهُ} من الضمير في قوله:{وَمَا أَنْسَانِي إِلاَّ الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ} [الكهف: 63]، أو يعطف على لفظ {أَنْ يَاتِيَ} على حذف الضمير، أي: ويقول الذين آمنوا به، أو يعطف على "الفتح" أي: عسى الله أن يأتي بالفتح وبأن يقول الذين آمنوا، وقريب من كل ذلك ما ذكره أبو البقاء.

قوله: (على أنه كلام مبتدأ) المعنى: عسى الله أن يأتي بالفتح فيصير الكافرون نادمين ويقول الذين آمنوا تشفياً عن الغيظ: أهؤلاء الذين أقسموا كيت وكيت؟

قوله: (في ذلك الوقت) أي: وقت الفتح لرسول الله صلى الله عليه وسلم وإظهار المسلمين أو أمر من عنده.

قوله: (وقرئ: "يقول" بغير واو) نافع وابن كثير وابن عامر.

ص: 390

على أنه جواب ٍقائل يقول:فماذا يقول المؤمنون حينئذٍ؟ فقيل: يقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا؟

فإن قلت: لمن يقولون هذا القول؟ قلت: إمّا أن يقوله بعضهم لبعضٍ تعجباً من حالهم، واغتباطاً بما منّ اللَّه عليهم من التوفيق في الإخلاص (أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا) لكم بإغلاظ الأيمان أنهم أولياؤكم ومعاضدوكم على الكفار. وإمّا أن يقولوه لليهود، لأنهم حلفوا لهم بالمعاضدة والنصرة، كما حكى اللَّه عنهم (وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ) [الحشر: 11].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (إما أن يقوله بعضهم لبعض) قال القاضي: أن يقول المؤمنون بعضهم لبعض تعجباً من حال المنافقين، وتبجحاً بما من الله عليهم من الإخلاص.

وقال الإمام: المؤمنون يقولون متعجبين من حال المنافقين عندما أظهروا الميل إلى موالاة أهل الكتاب. أي: كانوا يقسمون بالله جهد أيمانهم إنهم معنا ومن أنصارنا، والآن كيف صاروا موالين لأعدائنا؟

قوله: ({أَقْسَمُوا} لكم بأغلاظ الأيمان) وهو معنى قوله: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} ، قال في سورة النور:"جهد يمينه: مستعار من جهد نفسه: إذا بلغ وُسعها، وذلك إذا بالغ في اليمين وبلغ شدتها ووكادتها"، وقد شرحناه هناك.

قوله: (أن يقولوه لليهود، فإن المنافقين حلفوا لهم بالمعاضدة) قال تعالى: {أَلَمْ تَرى إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمْ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ} [الحشر: 11].

ص: 391

(حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ): من جملة قول المؤمنين، أي: بطلت أعمالهم التي كانوا يتكلفونها في رأي أعين الناس وفيه معنى التعجب كأنه قيل: ما أحبط أعمالهم! فما أخسرهم! أو من قول اللَّه عز وجل شهادة لهم بحبوط الأعمال وتعجباً من سوء حالهم.

[(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَاتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ)].

وقرئ (مَنْ يَرْتَدَّ) و (من يرتدد) وهو في الإمام بدالين، وهو من الكائنات التي أخبر عنها في القرآن قبل كونها.

وقيل: بل كان أهل الردّة إحدى عشرة فرقة: ثلاث في عهد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:

بنو مدلج ورئيسهم ذو الخمار، وهو الأسود العنسي، وكان كاهنا تنبأ باليمن واستولى على بلاده، ........

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: ({حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} من جملة قول المؤمنين) كأن الحاضر لما شاهد فرط اغتباط المؤمنين وتعجبهم من حال المنافقين وسمع قولهم: {أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ} سئل: فماذا تكلموا بعد هذا الكلام؟ فقال: قالوا: حبطت أعمالهم تعجباً إلى تعجبهم واغتباطاً إلى اغتباطهم.

قوله: (قرئ: {مَنْ يَرْتَدِ} و"من يرتدد" بالفك: نافع وابن عامر، وغيرهما: بالإدغام، قال الزجاج: الفك هو الأصل، لأنه إذا سُكن الثاني من المضاعف ظهر التضعيف.

قوله: (وهو الأسود العنسي) وفي حديث الرؤيا عن النبي صلى الله عليه وسلم: "رأيت في المنام كأن في يدي سوارين، فأولتهما كذابين يخرجان من بعدي يقال لأحدهما: مسيلمة صاحب اليمامة،

ص: 392

وأخرج عمال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فكتب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى معاذ بن جبل وإلى سادات اليمن، فأهلكه اللَّه على يدي فيروز الديلمي بيته فقتله وأخبر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بقتله ليلة قتل، فسرّ المسلمون وقبض رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من الغد. وأتى خبره في آخر شهر ربيع الأول.

وبنو حنيفة قوم مسيلمة، تنبأ وكتب إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: من مسيلمة رسول اللَّه إلى محمدٍ رسول اللَّه، أمّا بعد: فإن الأرض نصفها لي ونصفها لك. فأجاب عليه الصلاة والسلام: «من محمد رسول اللَّه إلى مسيلمة الكذاب. أما بعد، فإن الأرض للَّه يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين» ، فحاربه أبو بكر رضي الله عنه بجنود المسلمين، وقتل على يدي وحشي قاتل حمزة، وكان يقول: قتلت خير الناس في الجاهلية، وشرّ الناس في الإسلام، أراد في جاهليتى وإسلامى.

وبنو أسدٍ قوم طليحة بن خويلدٍ، تنبأ فبعث إليه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم خالداً فانهزم بعد القتال إلى الشام ثم أسلم وحسن إسلامه.

وسبعٌ في عهد أبي بكر رضي الله عنه: فزارة قوم عيينة بن حصن، وغطفان قوم قرّة بن سلمة القشيري، وبنو سليم قوم الفجاءة بن عبد يا ليل، وبنو يربوع قوم مالك بن نويرة، وبعض تميم قوم سجاح بنت المنذر المتنبئة، التي زوّجت نفسها مسيلمة الكذاب، وفيها يقول أبو العلاء المعرى في كتاب "استغفر واستغفري":

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

والعنسي صاحب صنعاء"، رواه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة، وفي "الجامع": العنسي بفتح العين وسكون النون: منسوب إلى عنس، وهو يزيد بن مذحج بن أدد بن زيد ابن يشجب.

قوله: (في كتاب "استغفر واستغفري") كتابٌ التزم في قصائده: استغفر واستغفري.

ص: 393

أمَّتْ سجَاحٌ وَوَالاهَا مُسَيْلِمَةٌ

كَذَّابَةٌ فِى بَنِى الدُّنْيَا وَكَذَّابُ

وكندة قوم الأشعث بن قيسٍ، وبنو بكر بن وائلٍ بالبحرين قوم الحطيم بن زيدٍ، وكفى اللَّه أمرهم على يد أبي بكر رضي الله عنه. وفرقةٌ واحدةٌ في عهد عمر رضي الله عنه: غسان قوم جبلة ابن الأيهم نصرته اللطمة وسيرته إلى بلاد الروم بعد إسلامه.

(فَسَوْفَ يَاتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ) قيل: لما نزلت أشار رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى أبي موسى الأشعري فقال: «قوم هذا» .

وقيل: هم ألفان من النخع وخمسة آلاف من كندة وبجيلة، وثلاثة آلاف من أفناء الناس جاهدوا يوم القادسية. وقيل: هم الأنصار.

وقيل: سئل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عنهم فضرب يده على عاتق سلمان وقال: «هذا وذووه» ثم قال: "لو كان الإيمان معلقاً بالثريا لناله رجال من أبناء فارس".

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (أمت سجاح) أمت: بالتخفيف والتشديد من الأيمة والإمامة، الأساس: وقد آمت ايمة وتأيمت، ورجل أيم: طالت عزوبته، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوذ من الأيمة، يقال: هي أيم ما لها قيم.

قوله: (ووالاها مسيلمة) أي: وافقها وتزوجها، وجبلة بن الأيهم مضت قصته في أول البقرة عند قوله تعالى:{أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى} [البقرة: 16].

قوله: (ووالاها مسيلمة) أي: وافقها وتزوجها، وجبلة بن الأيهم مضت قصته في أول البقرة عند قوله تعالى:{أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى} [البقرة: 16].

قوله: (لو كان الإيمان معلقاً بالثريا) الحديث، وقريب منه ما أخرجه البخاري ومسلم والترمذي، عن أبي هريرة.

ص: 394

(يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) محبة العباد لربهم طاعته وابتغاء مرضاته، وأن لا يفعلوا ما يوجب سخطه وعقابه. ومحبة اللَّه لعباده أن يثيبهم أحسن الثواب على طاعتهم ويعظمهم ويثني عليهم ويرضى عنهم، وأما ما يعتقده أجهل الناس وأعداهم للعلم وأهله، وأمقتهم للشرع وأسوؤهم طريقةً، وإن كانت طريقتهم عند أمثالهم من الجهلة والسفهاء شيئاً، وهم الفرقة المفتعلة المتفعلة من الصوف وما يدينون به من المحبة والعشق والتغني على كراسيهم خربها اللَّه، وفي مراقصهم عطلها اللَّه، بأبيات الغزل المقولة في المردان الذين يسمونهم شهداء، وصعقاتهم التي أين عنها صعقة موسى عند دكّ الطور، فتعالى اللَّه عنه علواً كبيراً، ومن كلماتهم: كما أنه بذاته يحبهم، كذلك يحبون ذاته، فإنّ الهاء راجعة إلى الذات دون النعوت والصفات. ومنها: الحب شرطه أن تلحقه سكرات المحبة، فإذا لم يكن ذلك لم تكن فيه حقيقةٌ.

فإن قلت: أين الراجع من الجزاء إلى الاسم المتضمن لمعنى الشرط؟ قلت: هو محذوف معناه: فسوف يأتي اللَّه بقومٍ مكانهم، أو بقومٍ غيرهم، أو ما أشبه ذلك.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وأما ما يعتقده أجهل الناس) عاد إلى التعصب البارد، وتحقيق القول في المحبة ما ذكره في آل عمران.

قوله: (المفتعلة)، الأساس: هذا الكتاب مفتعل، أي: مختلق مصنوع، ويقال للشعر المبتدع الذي أغرب فيه قائله، ويقولون: أعذب الشعر ما كان مفتعلاً.

قوله: (أين عنها؟ ) استفهام وقع صلة للموصول على تأويل: المقول في حق تلك الصعقات: أين عنها صعقة موسى؟ وهو يحتمل وجهين: أحدهما: أنه بحسب زعماتهم، أي: أن هذه أرفع شأناً منها، والثاني: بحسب زعم المصنف، أي: صعقة موسى أرفع شأناً منها.

ص: 395

(أَذِلَّةٍ): جمع ذليلٍ، وأما ذلول فجمعه: ذلل، ومن زعم أنه من الذلّ الذي هو نقيض الصعوبة فقد غبي عنه أنّ ذلولاً لا يجمع على أذلة.

فإن قلت: هلا قيل: أذلةٍ للمؤمنين أعزةٍ على الكافرين؟ قلت: فيه وجهان:

أحدهما: أن يضمن الذلّ معنى الحنوّ والعطف، كأنه قيل: عاطفين عليهم على وجه التذلل والتواضع. والثاني: أنهم مع شرفهم وعلو طبقتهم وفضلهم على المؤمنين خافضون لهم أجنحتهم، ونحوه قوله عز وجل:(أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ)[الفتح: 29] وقرئ: (أذلةً) و (أعزةً) بالنصب على الحال. (وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ) يحتمل أن تكون الواو للحال؛ على أنهم يجاهدون وحالهم في المجاهدة خلاف حال المنافقين، فإنهم كانوا موالين لليهود - لعنت - فإذا خرجوا في جيش المؤمنين خافوا أولياءهم اليهود، فلا يعملون شيئاً مما يعلمون أنه يلحقهم فيه لوم من جهتهم. وأما المؤمنون فكانوا يجاهدون لوجه اللَّه لا يخافون لومة لائم قط .........

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (والثاني: أنهم مع شرفهم) يعني استعير {عَلَى} بدل اللام ليؤذن بأنهم غلبوا غيرهم من المؤمنين في التواضع حتى علوهم بهذه الصفة، وإلى المبالغة أشار بقوله:"خافضون لهم أجنحتهم" وهو مقتبس من قوله تعالى: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ} [الإسراء: 24]، وإنما قال:"مع شرفهم وعلو طبقتهم" ليؤذن بمعنى التكميل، فإنه لما قيل:{أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} أوهم أنهم أذلاء محقرون مصغرون، فكمل بقوله:{أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} بمعنى أنهم مع عزتهم وعلو طبقتهم متواضعون مبالغون فيه لمن يجب أن يتواضع له، نحوه قول الشاعر:

جلوس في مجالسهم رزان

وإن ضيف ألم فهم خفوف

ص: 396

وأن تكون للعطف على أن من صفتهم المجاهدة في سبيل اللَّه، وأنهم صلابٌ في دينهم، إذا شرعوا في أمر من أمور الدين إنكار منكرٍ، أو أمرٍ بمعروف، مضوا فيه كالمسامير المحماة لا يزعهم قول قائلٍ، ولا اعتراض معترضٍ، ولا لومة لائمٍ يشق عليه جدهم في إنكارهم وصلابتهم في أمرهم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (إنكار مُنكر) مجرور بدل من "أمر"، وقوله:"يشق عليه": صفة "لائم"، فإن قلت: أي فرق بين أن يكون قوله: {وَلا يَخَافُونَ} حالاً وبين أن يكون عطفاً، قلت: إذا جعل حالاً كان قيداً لـ {يُجَاهِدُونَ} ، فيكون تعريضاً بمن يجاهد ولم يكن له حال كذلك، ومن ثم قال:"وحالهم في المجاهدة خلاف حال المنافقين"، وإذا جُعل عطفاً على تتميماً لمعنى {يُجَاهِدُونَ} ، فيفيد المبالغة والاستيعاب، وإلى المبالغة الإشارة بقوله:"مضوا فيه كالمسامير المحماة". والعجب أن قوله: "المحماة" أيضاً تتميم لقوله: "مضوا فيه كالمسامير"، قال امرؤ القيس:

حملت ردينياً كأن سنانه

سنا لهب لم يتصل بدخان

وقد ألم إلى معنى "الاستيعاب" بقوله: "لايزعهم قول قائل، ولا اعتراض معترض" وهلم جرا إلى قوله: "لا يخافون شيئاً قط".

قوله: (لا يزعهم)، الجوهري: وزعته أزعه وزعاً: كففته.

قوله: (يشق عليه) الظاهر أن الضمير في "عليه" راجع إلى كل واحد من هؤلاء، وفي "جدهم" إلى المجاهدين، أي: يصعب على كل واحد من القائل والمعترض واللائم جد هؤلاء المجاهدين في إنكارهم المنكر وصلابتهم في أمرهم بالمعروف، ويروي:"ويشق عليهم" وقيل: الضمير في "جدهم" عائد إلى اللائم والمعترض والقائل، فعلى هذا "يشق" لا يكون صفة "لائم" كما في الأول ولا يلتئم مع قوله:{لا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ} .

ص: 397

واللومة: المرّة من اللوم، وفيها وفي التنكير مبالغتان، كأنه قيل: لا يخافون شيئاً قط من لوم أحد من اللوام. و (ذلِكَ): إشارةٌ إلى ما وصف به القوم من المحبة والذلة والعزة، والمجاهدة وانتفاء خوف اللومة. (يُؤْتِيهِ) يوفق له (مَنْ يَشاءُ) ممن يعلم أنّ له لطفاً (واسِعٌ): كثير الفواضل والألطاف. (عَلِيمٌ): بمن هو من أهلها.

[(إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ)].

عقب النهى عن موالاة من تجب معاداتهم ذكر من تجب موالاتهم بقوله تعالى: (إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا) ومعنى (إنما): وجوب اختصاصهم بالموالاة ........

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وفيها وفي التنكير مبالغتان) لأنه ينتفي بانتفاء الخوف من اللومة الواحدة خوف جميع اللومات، لأن النكرة في سياق النفي تعم، ثم إذا انضم معها تنكير فاعلها يستوعب انتفاء خوف جميع اللوام، وهذا تتميم في تتميم، أي: لا يخافون شيئاً من اللوم من أحد من اللوام.

قوله: (أن له لطفاً) أي: أن لطفاً نافع له، فقدم الظرف لكون الاسم نكرة، يعني: يوفق للمحبة والذلة والعزة والمجاهدة وانتفاء الخوف من يعلم أن الألطاف المحصلة والمقربة تجدي فيه ونافع له، فخص العام بما يؤدي إليه مذهبه، وجعل المشيئة تابعة للطف والحكم، على العكس على مذهب أهل السنة، والمعنى: ذلك المذكور من منح الله وفضله، ليس لأحد فيه سعي، يختص بها من يشاء من عباده؛ لأنه تعالى فعال لما يريد، وأنه كثير الفواضل، عليم بكل الأشياء وإن خفي على الخلق وجه حكمته.

قوله: (عقب النهي عن موالاة من تجب معاداتهم) إشارة إلى أن اتصال قوله: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ} بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [المائدة: 51]، وما توسط بينهما من الآيات: يشد من أعضاد النهي.

ص: 398

فإن قلت: قد ذكرت جماعةٌ، فهلا قيل إنما أولياؤكم؟ قلت: أصل الكلام: إنما وليكم اللَّه، فجعلت الولاية للَّه على طريق الأصالة، ثم نظم في سلك إثباتها له إثباتها لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين على سبيل التبع، ولو قيل: إنما أولياؤكم اللَّه ورسوله والذين آمنوا لم يكن في الكلام أصل وتبعٌ.

وفي قراءة عبد اللَّه: (إنما مولاكم).

فإن قلت: (الَّذِينَ يُقِيمُونَ) ما محله؟ قلت: الرفع على البدل من "الذين آمنوا" أو على: هم الذين يقيمون. أو النصب على المدح،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (أصل الكلام: إنما وليكم الله، فجعلت الولاية لله على طريق الأصالة)، قال صاحب "الفرائد": ما ذكره بعيد عن قاعدة الكلام؛ لأنه جعل ما لا يستوي فيه الواحد والجمع جمعاً، وهو الولي، ويمكن أن يقال: التقدير: إنما وليكم الله، ورسوله والذين آمنوا أولياؤكم، فحذف الخبر لدلالة السابق عليه، وفائدة الفضل في الخبر هي التنبيه على أن كونهم أولياء بعد كونه تعالى ولياً لهم بجعله إياهم أولياء ففي الحقيقة هو الولي فحسب، وقلت: مراد المصنف من قوله: "ثم نُظم في سلك إثباتها له إثباتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين" غير ما قدره لا أن قوله: {وَلِيُّكُمْ اللَّهُ} جمع؛ لأنه هرب من هذا المعنى إلى التبعية، فكأنه قال:"إنما وليكم الله وكذلك رسوله والمؤمنون" لتصح التبعية، ففيه مع ما ذكره صاحب "الفرائد" رعاية حسن الأدب مع حضرة الرسالة؛ لأن ذكر المؤمنين بعد ذكر الرسول حينئذ لم يكن للتبعية بل لمجرد الأفضلية.

قوله: (الرفع على البدل

أو على: هم الذين

، أو النصب على المدح)، وإنما عدل عن الوصف لأن الموصول وصلة إلى وصف المعارف بالجمل، والوصف لا يوصف إلا بالتأول، ولذلك قال القاضي:{الَّذِينَ يُقِيمُونَ} صفة لـ {الَّذِينَ آمَنُوا} فإنه جرى مجرى الاسم.

ص: 399

وفيه تمييز للخلص من الذين آمنوا نفاقاً، أو واطأت قلوبهم ألسنتهم إلا أنهم مفرطون في العمل.

(وَهُمْ راكِعُونَ) الواو فيه للحال، أي: يعملون ذلك في حال الركوع، وهو الخشوع والإخبات والتواضع للَّه، إذا صلوا وإذا زكوا.

وقيل: هو حال من (ويؤتون الزكاة) بمعنى: يؤتونها في حال ركوعهم في الصلاة، وإنها نزلت في عليّ كرم اللَّه وجهه حين سأله سائلٌ وهو راكعٌ في صلاته،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (تمييز للخلص من الذين): متعلق بتمييز، وقوله:"أو واطأت": عطف على "آمنوا"، ففي الكلام لف ونشر، فقوله:"تمييز للخلص من الذين آمنوا نفاقاً" وارد على أن يكون {الَّذِينَ يُقِيمُونَ} بدلاً من "الذين آمنوا" تعريضاً بالمنافقين، وقوله:"أو واطأت" أي: تمييز لخلص من المؤمنين الذين واطأت قلوبهم ألسنتهم المفرطين في العمل، على أن يكون مدحاً مرفوعاً، أو منصوباً تعريضاً بالمفرطين من المؤمنين، والمعنى على الأول: لا يكون مؤمناً من آمن نفاقاً، وعلى الثاني: لا يكون ممدوحاً مقرباً عند الله من آمن ولم يضم معه العمل الصالح، إنما جعلناه تعريضاً لما قال:"تمييز"؛ لأن المدح لا يكون تمييزاً إلا على التعريض.

قوله: (وإنها نزلت في علي رضي الله عنه، نحوه روى صاحب "الجامع" عن رزين.

ص: 400

فطرح له خاتمه. كأنه كان مرجاً في خنصره، فلم يتكلف لخلعه كثير عملٍ تفسد بمثله صلاته.

فإن قلت: كيف صح أن يكون لعليّ رضي الله عنه واللفظ لفظ جماعةٍ؟ قلت: جيء به على لفظ الجمع، وإن كان السبب فيه رجلاً واحداً؛ ليرغب الناس في مثل فعله فينالوا مثل ثوابه، ولينبه على أن سجية المؤمنين يجب أن تكون على هذه الغاية من الحرص على البرّ والإحسان وتفقد الفقراء، حتى إن لزهم أمر لا يقبل التأخير وهم في الصلاة، لم يؤخروه إلى الفراغ منها.

[(وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ)].

(فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ) من إقامة الظاهر مقام المضمر، ومعناه: فإنهم هم الغالبون، ولكنهم بذلك جعلوا أعلاماً لكونهم حزب اللَّه. وأصل الحزب: القوم يجتمعون لأمر حزبهم، ويحتمل أن يريد بـ (حِزب اللَّه): الرسول والمؤمنين،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (مرجاً) أي: مضطرباً، المرج بالتحريك: مصدر قولك: مرج الخاتم في إصبعي بالكسر: إذا قلق، قاله الجوهري.

قوله: (ليرغب الناسُ) يعني به تعظيم ذلك الفعل وأن لا يباشره من الناس إلا من يكون عظيماً ينزل منزلة الجماعة، كقوله تعالى:{إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً} [النحل: 120] وأنه مما لا يختص به أحد دون أحد فيتسارع الناس فيه لنيل الكمال.

قوله: (ولينبه على أن سجية المؤمنين) فيه تعظيم الفاعل، يعني: يجب على من اتسم بسمة الإيمان أن يتخلق بخلقه هذا رضي الله عنه ويجعله سجيته وعادته.

قوله: (لزهر أمر)، الجوهري: لزه يلزه لزاً أي: شده وألصقه.

قوله: (ويحتمل أن يريد بـ {حِزْبُ اللَّه}: الرسول والمؤمنين): عطف على قوله: " {فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ} من إقامة المظهر موضع المضمر"، يعني: أقيم {حِزْبُ اللَّه} موضع المضمر من غير

ص: 401

ويكون المعنى: ومن يتولهم فقد تولى حزب اللَّه، واعتضد بمن لا يغالب.

[(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِياءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ* وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُواً وَلَعِباً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ)].

روي أن رفاعة بن زيدٍ وسويد بن الحرث كانا قد أظهرا الإسلام، ثم نافقا، وكان رجال من المسلمين يوادّونهما، فنزلت؛ يعني أن اتخاذهم دينكم هزواً ولعباً لا يصح أن يقابل باتخاذكم إياهم أولياء، بل يقابل ذلك بالبغضاء والشنآن والمنابذة. وفصل المستهزئين بأهل الكتاب والكفار، وإن كان أهل الكتاب من الكفار إطلاقاً للكفار على المشركين خاصةً، والدليل عليه قراءة عبد اللَّه (ومن الذين أشركوا). وقرئ:(والكفار) بالنصب والجرّ. وتعضد قراءة الجر قراءة أُبيّ: (ومن الكفار).

(وَاتَّقُوا اللَّهَ) في موالاة الكفار وغيرها (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) حقاً؛ لأن الإيمان حقاً يأبى موالاة أعداء الدين. (اتَّخَذُوها) الضمير للصلاة، أو للمناداة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لفظه السابق للإعلام بأنهم أعلام فيه، لما أن قوله:{وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} متضمن لكونهم حزب الله مصرح به ليؤذن بأنهم مشاهير فيه، أو للإشعار بالعلية، والإعلام بأن كونهم غالبين لكونهم حزب الله، {وَإِنَّ جُندَنَا لَهُم الْغَالِبُونَ} [الصافات: 173]، أو جُعل جزاء الشرط في معنى الشرط، كقوله: من أدرك الصمان فقد أدرك المرعي، أي: من تولاهم فقد تولى من يحق له الولاية، وهو المراد بقوله:"فقد تولى حزب الله واعتضد بمن لا يغالب"، وعلى التقديرين: ذكرُ الله تمهيد وتوطئة.

قوله: (وقرئ: {وَالْكُفَّارَ} بالنصب والجر)، الجر أبو عمرو والكسائي، والباقون: بالنصب

ص: 402

قيل: كان رجلٌ من النصارى بالمدينة إذا سمع المؤذن يقول: «أشهد أنّ محمداً رسول اللَّه» قال: حرّق الكاذب، فدخلت خادمه بنارٍ ذات ليلةٍ وهو نائم فتطايرت منها شرارة في البيت فاحترق البيت واحترق هو وأهله. وقيل: فيه دليلٌ على ثبوت الأذان بنص الكتاب لا بالمنام وحده.

(لا يَعْقِلُونَ): لأنّ لعبهم وهزؤهم من أفعال السفهاء والجهلة، فكأنه لا عقل لهم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (فدخلت خادمه)، الجوهري: الخادم واحد الخدم غلاماً كان أو جارية.

قوله: (وقيل: فيه دليل على ثبوت الأذان بنص الكتاب لا بالمنام وحده)، وذلك أنه تعالى أخبر أن نداء الصلاة سبب لاتخاذهم إياها هزوا، وعلله بجهلهم، فدلت الآية على سبيل الإدماج وإشارة النص على ثبوته، ولقائل أن يقول: إن قوله: {وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُواً} إخبار بحصول الاستهزاء عند النداء، والظاهر أن يكون الأذان قبل نزول الآية، والواقع كذلك؛ لأن الأذان شُرع بعيد مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة لما روينا عن البخاري ومسلم والترمذي والنسائي، عن ابن عمر رضي الله عُمر رضي الله عنهما، قال: كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون للصلاة وليس ينادي بها أحد، فتكلموا يوماً في ذلك .. إلى قوله: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا بلال، قم فناد بالصلاة"، والسورة كما سبق آخر سورة نزلت من القرآن.

وفي قول المصنف: "لا بالمنام وحده" إشعار بأن الحديث غير مستقل، والظاهر أن الآية معاضدة للسنة، وأما حديث المنام فمما رويناه عن أبي داود، عن أبي عمير بن أنس، قال: اهتم رسول الله صلى الله عليه وسلم للصلاة كيف يجمع الناس لها، فقيل: انصب راية عند حضور الصلاة، فلم يعجبه، فذكر له القنع، وهو: شبور اليهود، فلم يعجبه، فذُكر له الناقوس فقال: "هو من

ص: 403

[(قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ)].

قرأ الحسن (هل تنقمون) بفتح القاف، والفصيح كسرها. والمعنى: هل تعيبون منا وتنكرون إلا الإيمان بالكتب المنزلة كلها؟ (وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ) فإن قلت: علام عطف قوله (وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ)؟

قلت: فيه وجوهٌ، منها: أن يعطف على (أن آمنا)، بمعنى:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

النصارى"، فانصرف عبد الله بن زيد الأنصاري وهو مهتم لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرِيَ الأذان في منامه، فغدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال: يا رسول الله، إني لبين نائم ويقظان إذ أتاني آتِ فأراني الأذان، وكان عمر رضي الله عنه رآه قبل ذلك فكتمه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قُمْ يا بلال فانظر ما يأمرك به عبد الله بن زيد فافعل"، فأذن بلال

الحديث.

النهاية: الشبور: البوق، وفسر أيضاً بالقنع، واللفظة عبرانية.

قوله: ("هل تنقمون" بفتح القاف) إلى قوله: (هل تعيبون منا وتنكرون إلا الإيمان؟ )، قال الزجاج:{نَقَمُوا} [البروج: 8]- بالفتح والكسر- معناه: بالغت في كراهة الشيء، وأنشد لقيس الرقيات في المعنى:

ما نقموا من بني أمية إلا

أنهم يحلمون إن غضبوا

وقلت: وفي الألفاظ النبوية: "ما ينقم ابن جميل إلا أنه كان فقيراً إذ أغناه الله"، أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة، يعني: غناه أداه إلى كفران النعمة، كقوله تعالى:{وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} [الواقعة: 82].

ص: 404

وما تنقمون منا إلا الجمع بين إيماننا وبين تمرّدكم وخروجكم عن الإيمان! كأنه قيل: وما تنكرون منا إلا مخالفتكم حيث دخلنا في دين الإسلام، وأنتم خارجون منه! ويجوز أن يكون على تقدير حذف المضاف؛ أي: واعتقاد أنكم فاسقون.

ومنها: أن يعطف على المجرور، أي: وما تنقمون منا إلا الإيمان باللَّه وبما أنزل وبأنّ أكثركم فاسقون!

ويجوز أن تكون الواو بمعنى "مع" أي: وما تنقمون منا إلا الإيمان مع أنّ أكثركم فاسقون!

ويجوز أن يكون تعليلاً معطوفاً على تعليل محذوفٍ، كأنه قيل: وما تنقمون منا إلا الإيمان لقلة إنصافكم وفسقكم واتباعكم الشهوات! ويدل عليه تفسير الحسن: بفسقكم نقمتم ذلك علينا.

وروي أنه أتى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم نفرٌ من اليهود فسألوه عمن يؤمن به من الرسل؟ فقال: (آمنا بالله وما أنزل إلينا) إلى قوله: (ونحن له مسلمون)[البقرة: 136] فقالوا حين سمعوا ذكر عيسى عليه السلام: ما نعلم أهل دينٍ أقل حظاً في الدنيا والآخرة منكم ولا ديناً شراً من دينكم، فنزلت. وعن نعيم بن ميسرة:(وإنّ أكثركم) بالكسر. ويحتمل أن ينتصب (وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ) بفعلٍ محذوف يدل عليه .......

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وما تنقمون منا إلا الجمع بين إيماننا وبين تمردكم)، قال أبو البقاء: هذا كقولك للرجل: ما كرهت مني إلا أني محبب إلى الناس وأنك مُبغض، وإن كان قد لا يعترف بأنه مبغض.

قوله: ("وإن أكثركم" بالكسر) وعلى هذا يجوز أن يكون حالاً من ضمير {تَنقِمُونَ} أي: هل تنقمون منا إلا الإيمان والحال أنكم فاسقون، وفيه رائحة من معنى التعليل.

ص: 405

(هل تنقمون) أي: ولا تنقمون أن أكثركم فاسقون، أو يرتفع على الابتداء والخبر محذوفٌ، أي: وفسقكم ثابت معلوم عندكم، لأنكم علمتم أنا على الحق وأنكم على الباطل، إلا أن حب الرياسة وكسب الأموال لا يدعكم فتنصفوا.

[(قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ* وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آَمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ)].

(ذلِكَ): شارة إلى المنقوم، ولا بدّ من حذف مضاف قبله، أو قبل (من) تقديره: بشرّ من أهل ذلك، أو دين من لعنه اللَّه، و (مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ) في محل الرفع على قولك: هو من لعنه اللَّه، كقوله تعالى:(قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ النَّارُ)[الحج: 72]، أو في محل الجر على البدل من "شرّ".

وقرئ: (مَثُوبَةً)(ومَثْوَبةً) ومثالهما: مَشُورَة ومَشْوَرَة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ولابد من حذف مضاف قبله) أي: قبل {ذَلِكَ} ، وهو "المنقوم" أو قبل {مَنْ} أي: قبل {مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ} ؛ لأن الإيمان المشار إليه غيرُ مطابق لقوله: {مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ} في معنى يشترك فيه لفظة "شر"، فيقدر:"الأهل" عند الإيمان أو "الدين" عند من لعنه الله، ليطابقه، فالمعنى: هل أنبئكم بشر من أهل الإيمان بزعمكم؟ هو من لعنه الله، أو: هل أنبئكم بشر من الإيمان بزعمكم؟ هو دين من لعنه الله.

قوله: (في محل الرفع)، قال الزجاج: ومن رفع بإضمار "هو"، كأن قائلاً قال: من ذلك؟ فقيل: هو من لعنه الله.

ص: 406

فإن قلت: المثوبة مختصة بالإحسان، فكيف جاءت في الإساءة؟ قلت: وضعت المثوبة موضع العقوبة على طريقة قوله:

تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وَجِيعُ

ومنه (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ)[آل عمران: 21].

فإن قلت: المعاقبون من الفريقين هم اليهود، فلم شورك بينهم في العقوبة؟ قلت: كان اليهود - لعنوا - يزعمون أن المسلمين ضالون مستوجبون للعقاب، فقيل لهم: من لعنه اللَّه شر عقوبة في الحقيقة واليقين من أهل الإسلام في زعمكم ودعواكم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (على طريقة قوله: تحية بينهم ضرب وجيع) على طريقة الادعاء في المبالغة والتهكم، لا أن المثال من الاستعارة كالآية؛ لأن المشبه هو التحية والمشبه به الضرب، وهما مذكوران بخلافه في الآية، فإن المشبه فيها العقوبة والمشبه به المذكورة المثوبة. نعم، الآية المستشهد بها استعارة تهكمية.

قوله: (من لعنه الله شرٌّ عقوبة في الحقيقة واليقين من أهل الإسلام في زعمكم)، فإن قلت: أليس هذا مشعراً بأن لفظة "شر" مستعمل بالنسبة إلى {مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ} بالحقيقة، وبالنسبة إلى أهل الإسلام بالمجاز؟ قلت: لا؛ لأنه تعالى جعل المفضل والمفضل عليه من جنس واحد على سبيل المبالغة، أحدهما: بالحقيقة، والآخر: بالادعاء على زعم الكفرة، ثم فضل أحدهما على الآخر جرياً على سنن إرخاء العنان، وكلام المصنف ومثله في الأسلوب جعل المال والبنين وسلامة القلب من جنس واحد، ثم استثنى أحد الجنسين من الآخر في قوله تعالى {يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء: 88 - 89]، وهو قريبٌ من القول بعموم المجاز.

ص: 407

(وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ) عطف على صلة (من) كأنه قيل: ومن عبد الطاغوت. وفي قراءة أبيّ: (وعبدوا الطاغوت) على المعنى. وعن ابن مسعودٍ: (ومن عبدوا). وقرئ: (وعابد الطاغوت) عطفاً على (القردة)، و (عابدي)، و (عباد)، و (عُبَّد)، و (عَبُد)، ومعناه: الغلوّ في العبودية، كقولهم: رجلٌ حذرٌ وفطنٌ للبليغ في الحذر والفطنة قال:

أَبَنِي لُبَيْنَى إنَّ أُمَّكُمُ

أَمَةٌ وَإنَّ أبَاكُمُو عَبْدُ

و(عبد) بوزن: حطم، و (عبيد) و (عبد) بضمتين جمع عبيد، و (عبدة) بوزن: كفرة، و (عبد) وأصله عبدةٌ، فحذفت التاء للإضافة، أو هو كخدمٍ في جمع خادمٍ، و (عبد)، و (عباد)، و (أعبد)، و (عبد الطاغوت) على البناء للمفعول، وحٌذف الراجع بمعنى: وعبد الطاغوت فيهم، أو بينهم، و (عبد الطاغوت) بمعنى:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (عبد الطاغوت) قرأ حمزة بضم الباء وكسر التاء، والباقون: بفتح الباء على صيغة الماضي ونصب التاء، وباقي القراءات شواذ، قال الزجاج: ضم الباء وخفض "الطاغوت" ليس بالوجه؛ لأن "عبداً" على فعل ليس من أمثلة الجمع لأنهم فسروه: خدم الطاغوت، ووجهه أن الاسم بُني على فعل، كرجل حذر، أي: حذور، أي: مبالغ في الحذر، بمعنى أنه بالغ في طاعة الشيطان، واللفظ واحد والمعنى جمع، كما تقول للقوم: منكم عبدُ العصا، أي: عبيد العصى.

قوله: (أبني لبيني) وهو اسم امرأة.

قوله: (فحذفت التاء للإضافة) مثل: أبو عُذرة، الأصل: عُذرية، فحذفت الياء كراهة اجتماع الزائد من الياء والمضاف إليه في عَجُزِ الكلمة.

ص: 408

صار الطاغوت معبوداً من دون اللَّه، كقولك:"أمر": إذا صار أميراً، و (عبد الطاغوت) بالجر عطفاً على (مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ).

فإن قلت: كيف جاز أن يجعل اللَّه منهم عُباد الطاغوت؟ قلت: فيه وجهان، أحدهما: أنه خذلهم حتى عبدوه. والثاني: أنه حكم عليهم بذلك ووصفهم به، كقوله تعالى:(وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً)[الزخرف: 19].

وقيل الطاغوت: العجل لأنه معبودٌ من دون اللَّه، ولأن عبادتهم للعجل مما زينه لهم الشيطان، فكانت عبادتهم له عبادة للشيطان وهو الطاغوت. وعن ابن عباسٍ رضي اللَّه تعالى عنه: أطاعوا الكهنة، وكل من أطاع أحداً في معصية اللَّه فقد عبده.

وقرأ الحسن: (الطواغيت).

وقيل: (وجعل منهم القردة): أصحاب السبت (والخنازير): كفار أهل مائدة عيسى. وقيل: كلا المسخين من أصحاب السبت، فشبانهم مسخوا قردة، ومشايخهم مسخوا خنازير.

وروي أنها لما نزلت كان المسلمون يعيرون اليهود ويقولون: يا إخوة القردة والخنازير فينكسون رؤوسهم.

(أُولئِكَ) الملعونون الممسوخون (شَرٌّ مَكاناً) جعلت الشرارة للمكان وهي لأهله. وفيه مبالغة ......

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (حكم عليهم بذلك ووصفهم به) أي: قال في حقهم: إنهم عبدة الطاغوت وسماهم به، هذا مذهبه، ويلزم منه استعمال لفظ المشترك في مفهوميه، لأنه في المعطوف عليه بمعنى "صبر"، وفي المعطوف بمعنى "سمى".

قوله: (جُعلت الشرارة للمكان، وهي لأهله) وفيه وجهان؛ لأنه إذا نُظر إلى أن التمييز فاعل في الأصل؛ أي: شر مكانهم، كان إسناداً مجازياً، نحو: فلان يطؤهم الطريق، وإذا نظر

ص: 409

ليست في قولك: أولئك شر وأضل، لدخوله في باب الكناية التي هي أخت المجاز.

نزلت في ناس من اليهود كانوا يدخلون على رسول اللَّه صلى اللَّه تعالى عليه وسلم يظهرون له الإيمان نفاقاً، فأخبره اللَّه تعالى بشأنهم وأنهم يخرجون من مجلسك كما دخلوا، لم يتعلق بهم شيء مما سمعوا به من تذكيرك بآيات اللَّه ومواعظك.

وقوله: (بِالْكُفْرِ) و (بِهِ) حالان؛ أي: دخلوا كافرين، وخرجوا كافرين، وتقديره: ملتبسين بالكفر. وكذلك قوله: (وَقَدْ دَخَلُوا)(وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا) ولذلك دخلت (قَدْ) تقريباً للماضي من الحال. ولمعنى آخر: وهو أن أمارات النفاق كانت لائحة عليهم، .......

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إلى المعنى في إثبات الشر للمكان، والمراد أهله، كان من الكناية، لأن المكان من حيث هو: لا يوصف بالشر، بل بسبب من حل فيه، فإذا وُصف به يلزم إثباته للحال فيه بالطريق البرهاني، ولما كان الانتقال من الملزوم إلى اللازم مجازاً، ومن عكسه كناية، قال:"أخت المجاز".

قوله: (وكذلك قوله: {وَقَدْ دَخَلُوا} {وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا} يعني: أنهما حالان أيضاً، فعلى هذا في الكلام حالان مترادفان، وكل واحدة منهما مشتملة على حال فتكونا متداخلتين. الانتصاف وفي تصدر الجملة الثانية بالضمير تأكيد لاتحاد حالتهم في الكفر، تقول: لقيت زيداً لما جاء من سفره وهو هو وعبد الحميد عبد الحميد.

وقلت: ليس بذلك، بل هو من تقديم الفاعل المعنوي لإفادة الاختصاص، وخُصت القرينة الثانية به دلالة على [أن] حُكم غير المنافقين من الكفار خلاف ذلك، فإنهم إذا دخلوا كافرين خرجوا مؤمنين لما سمعوا من الذكر والموعظة الناجعة فيهم.

قوله: (ولمعنى آخر): عطف على قوله: "ولذلك دخلت"، قال ابن الحاجب: قد يُسمى

ص: 410

وكان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم متوقعاً لإظهار اللَّه ما كتموه، فدخل حرف التوقع وهو متعلق بقوله:(قالُوا آمَنَّا) أي: قالوا ذلك وهذه حالهم.

[(وَتَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ* لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ) 62 - 63].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حرف تقريب، ويُسمى حرف توكيد ويُسمى حرف تحقيق، وأما معنى التقريب فهو أنك إذا قلت: قد قام زيدٌ، كان دالاً على أن قيامه قريب من إخبارك، بخلاف: قام زيدٌ، وأما معنى التوكيد فهو أنه جواب قولك: هل فعل ولما يفعل، وأما معنى التوقع فكما ذكره الخليل: هذا الكلام لقوم ينتظرون الخبر، أي: إنما يُخبر بذلك من ينتظر الإخبار به في ظنك أو علمك، ومنه: قد قامت الصلاة.

وقلت: ومن حق الظاهر أن يدخُل على ما يتوقعه المخاطب من الفعل والمتوقع هاهنا- كما قال- إظهار ما كتم المنافقون، لكن لما كان قوله:{قَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ} [المائدة: 61] إخباراً عن نوع من نفاقهم وإظهاراً لخديعتهم "وأنهم يخرجون من مجلسك كما دخلوا، لم يتعلق بهم شيء مما سمعوا من تذكيرك بآيات الله"، كان إظهاراً لما يتوقعه من كتمانهم، نحو: توقعك خروج الأمير من داره، فقيل لك: قد ركب الأمير.

قوله: (وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم متوقعاً لإظهار الله ما كتموه)، فإن قلت: إن "قد" موضوعة لتوقع مدخولها، وهاهنا مدخولها عين النفاق، فكيف قال:"لإظهار الله ما كتموه"؟ قلت: لاشك أن المتوقع ينبغي ألا يكون حاصلاً، وكونهم منافقين كان معلوماً عنده صلى الله عليه وسلم، بدليل قوله:"إن أمارات النفاق كانت لائحة عليهم"، فيجب المصير إلى المجاز والقول بإظهار الله ما كتموه، أي: إظهار النفاق.

ص: 411

الإثم الكذب بدليل قوله تعالى: (عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ). وَالْعُدْوانِ: الظلم. وقيل: الإثم: كلمة الشرك. وقولهم عزيز ابن اللَّه. وقيل: الإثم: ما يختص بهم. والعدوان: ما يتعداهم إلى غيرهم.

والمسارعة في الشيء: الشروع فيه بسرعةٍ. (لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ) كأنهم جعلوا آثم من مرتكبي المناكير لأن كلٍ عامل لا يسمى صانعاً، .......

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (الإثم: الكذب بدليل قوله: {عَنْ قَوْلِهِمْ الإِثْمَ} ، الانتصاف: هذا الاستدلال لا يصح؛ لأن الإثم مقول يحتمل كونه كذباً وشركاً، وقلت: الظاهر الأول، ولذلك قال بعده:"وقيل: الإثم: كلمة الشر"، وبيانه: أن الإثم في قوله: {وَتَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ} مطلق متأول لجميع المعاصي والمنهيات، وكان من حق الظاهر أن يُقال بعده: لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عما تنازعوا فيه، فلما أعيد الإثم وخُص بالقول احتمل كلمة الشرك وقول الكذب أيضاً، فدل قرائن الكلام، وهو قولهم: آمناً، على أن المراد الكذب، فخُص به، كقوله تعالى:{وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ} إلى قوله تعالى: {بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} [البقرة: 8 - 10]. وليس في الكلام ما يُنبئ عن ذلك المعنى، فلا يُحمل عليه إلا بالتعسف، وإنما ترك العدوان في الثانية وخص الإثم بالقول - والعلم عند الله- ليؤذن بأن قول الكذب وأكل السحت أفحشها، وهما الأصل في العدوان لا سيما من العلماء، روينا عن الإمامين: مالك وأحمد رضي الله عنهما، عن مالك، عن صفوان رضي الله عنه، قال: قيل: يا رسول الله، أيكون المؤمن جباناً؟ قال:"نعم"، قلنا: أيكون المؤمن بخيلاً؟ قال: "نعم"، قيل: أيكون المؤمن كذاباً؟ قال: "لا".

قوله: (جُمعوا آثم من مرتكبي المناكير). آثم: مفعولٌ ثانٍ لـ"جُعل"، أُفرد لأن أفعل التفضيل استعمل بـ "مِن".

ص: 412

ولا كل عملٍ يسمى صناعة حتى يتمكن فيه ويتدرّب وينسب إليه، وكأن المعنى في ذلك أن مواقع المعصية معه الشهوة التي تدعوه إليها وتحمله على ارتكابها، وأما الذي ينهاه فلا شهوة معه في فعل غيره، فإذا فرط في الإنكار كان أشدّ حالاً من المواقع، ولعمري إن هذه الآية مما يقذ السامع وينعى على العلماء توانيهم .......

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ولا كل عمل يُسمى صناعة حتى يتمكن فيه)، الراغب: الصُّنع أخص من العمل، كما أن العمل أخص من الفعل، وذلك أن الفعل يقال فيما كان من الحيوان وغير الحيوان، وبقصد وعن غير قصد، والعمل لا يُقال إلا ما كان من الحيوان وبقصد، والصنع لا يقال إلا ما كان من الإنسان بقصد واختيار وبعد فكرٍ وتحري إجادة، ولهذا يقال: رجلٌ صانع، أي: حاذق، وثوب صنيع، أي: مُجاد.

قوله: (يقذ السامع)، الجوهري: وقذه يقذه وقذاً: ضربه حتى استرخى وأشرف على الموت. هذا إذا رُوي "يقذ" بكسر القاف مخففة، ومن روى بضمها مشددة يكون من: قذه يقذه. الأساس: قذ الريش بالمقذ: حذف أطرافه، وسهمٌ مقذوذ: مريش، وقذه السهام يقذه، فقوله:"يقذ السامع" أي: يحرضه على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويردعه عن التواني في ذلك، فإن السهم إذا قُذ كان أصوب إلى الرمية، ومثله ما مر في آل عمران في قصة نعيم بن مسعود:"لم يخل ناس يضامونه ويصلون جناح كلامه".

قوله: (وينعي على العلماء توانيهم) إشارة إلى أن {لَوْلا} للتحضيض، قال ابن الحاجب:"لولا" و"لوما" و"هلا" و"إلا": معناها الأمر إذا وقع بعدها المضارع، والتوبيخ إذا وقع بعدها الماضي، فإذا قلت: هلا تُسلم، فأنت حاض على ما وقع بعدها طالب له، وإذا قلت: هلا ضربت زيداً، فأت توبخ على تركه ذلك.

ص: 413

وعن ابن عباس رضى اللَّه عنهما: هي أشدّ آية في القرآن. وعن الضحاك: ما في القرآن آية أخوف عندي منها.

[(وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ)].

غل اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود ومنه قوله تعالى:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقال الإمام: استبعد من علماء أهل الكتاب عدم نهيهم عوامهم وسفلتهم عن المعاصي، وذم تارك النهي عن المنكر أقوى من مرتكبه؛ ولهذا قال في الأول:{لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} وفي الثاني: {يَصْنَعُونَ} ، والأمر في الحقيقة كذلك؛ لأن المعصية مرض الروح وعلاجه العلم بالله وصفاته وأحكامه؛ فإذا حصل ذلك ولم تزل المعصية يكون كمن شرب الدواء ولم يزل المرض، فدل ذلك على أن المرض صعب شديد.

قوله: (غل اليد وبسطها: مجاز عن البخل والجود) هذا مخالف لما في طه في قوله: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5]: "لما كان الاستواء على العرش مما يردف الملك جعلوه كناية عن الملك، ونحوه قولك: يد فلان مبسوطة يد فلان مغلولة، بمعنى أنه جواز أو بخيل".

قلت: قد مر له في قوله تعالى: {لا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ} [آل عمران: 77] أن أمثال هذه النسب بالنظر إلى من يصح إجراؤها عليه: كناية عن عدم المبالاة، وبالنظر على من لا يجوز عليه النظر: مجاز.

ص: 414

(وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ)[الإسراء: 29] ولا يقصد من يتكلم به إثبات يدٍ ولا غل ولا بسطٍ، ولا فرق عنده بين هذا الكلام وبين ما وقع مجازاً عنه لأنهما كلامان متعاقبان على حقيقةٍ واحدةٍ حتى أنه يستعمله في ملكٍ لا يعطي عطاءً قط ولا يمنعه إلا بإشارته من غير استعمال يدٍ وبسطها وقبضها، ولو أعطى الأقطع إلى المنكب عطاءً جزيلاً لقالوا: ما أبسط يده بالنوال! لأن بسط اليد وقبضها عبارتان وقعتا متعاقبتين للبخل والجود، وقد استعملوهما حيث لا تصح اليد كقوله:

جَادَ الْحِمَى بَسْطُ الْيَدَيْنِ بِوَابِلِ

شَكَرَتْ نَدَاهُ تِلَاعُه وَوِهَادُهُ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ولا فرق عنده بين هذا الكلام وبين ما وقع مجازاً عنه) يعني: سواء عند المتكلم أن يقول: فلان مغلول يده، وبين أن يقول: إنه بخيل، وكأن هذين اللفظين كالمترادفين وردا على معنى واحد وهو المنع من الإعطاء، ولما كانت الملازمة متساوية، أعني بين قوله: البخل وغل اليد، جاز استعماله تارة مجازاً وأخرى كناية بحسب مقتضى المقام.

الانتصاف: هذا المجاز يُصور الحقيقة بصورة حسية تلازمها غالباً، والصورة الحسية أثبت في الذهن من المعاني، والجود والبخل معنيان مثلا للحس، وقلت: قد أنصف وما أنصف صاحب "الانتصاف" حيث رد النبأ على التخييل والتصوير مطلقاً في كثير من المواضع من كتابه واستحسنه هاهنا، ولعل رده بحسب اللفظ لا المعنى.

قوله: (جاد الحمى) البيت. جاد: من الجود، جاد المطر فهو جائد والجمع: جود، كصاحب وصحب، والوهاد: جمع الوهدة، وهي ما اطمأن من الأرض، والتلعة: ما ارتفع منها، وقال أبو عمرو: التلاع: مجاري ما ارتفع من الأرض إلى بطون الأودية.

ص: 415

ولقد جعل لبيد للشمال يداً في قوله:

إذْ أصْبَحَتْ بِيَدِ الشِّمَالِ زِمَامُهَا

ويقال: بسط اليأس كفيه في صدري، فجعلت لليأس الذي هو من المعاني لا من الأعيان كفان،

ومن لم ينظر في علم البيان عمى عن تبصر محجة الصواب في تأويل أمثال هذه الآية، ولم يتخلص من يد الطاعن إذا عبثت به.

فإن قلت: قد صح أن قولهم: (يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ) عبارةٌ عن البخل. فما تصنع بقوله: (غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ) ومن حقه أن يطابق ما تقدمه، وإلا تنافر الكلام وزل عن سننه؟ قلت: يجوز أن يكون معناه الدعاء عليهم بالبخل والنكد، ومن ثم كانوا أبخل خلق اللَّه وأنكدهم، ونحوه بيت الأشتر:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (إذ أصبحت بيد الشمال زمامها)، أوله:

وغداة ريح قد كشفت وقرة

والقرة، بالكسر: البرد، شبه الشمال ف تصرفها في القرة على حكم طبيعتها بالإنسان المتصرف لما يكون زمامه بيده، وأثبت لها على سبيل التخييل يداً - وهي من لوازم الإنسان - ليكون قرينة، وحكم الزمام في استعارته للقرة حكم اليد في استعارتها للشمال، فجعل للقرة زماماً ليكون أتم في إثباتها متصرفة، كما جعل للشمال يداً ليكون أبلغ في تصييرها متصرفة فوفى المبالغة حقها من الطرفين، والضمير في "أصبحت" و"زمامها" للقرة، وقيل: للغداة، والأول أظهر.

قوله: (بسط اليأس كفيه). قال:

وقد رابني وهن المُنى وانقباضها

وبسط حديد اليأس كفيه في صدري

ص: 416

بَقِيتُ وَفْري وَانْحَرَفْتُ عَنِ الْعُلَا

وَلَقِيتُ أضْيَافِى بِوَجْهِ عَبُوسِ

ويجوز أن يكون دعاء عليهم بغل الأيدى حقيقة، يغللون في الدنيا أسارى، وفي الآخرة معذبين بأغلال جهنم: والطباق من حيث اللفظ وملاحظة أصل المجاز، كما تقول: سبني سب اللَّه دابره، أي: قطعه، لأنّ السب أصله القطع.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (بقيت وفري وانحرفت عن العُلا) تمامه:

ولقيت أضيافي بوجه عبوس

وبعده:

إن لم أشن على ابن حرب غارة

لم تخل يوماً من نهاب نفوس

"بقيت وفري وانحرفت عن العُلا": اللفظ لفظ الخبر، والمعنى معنى الدعاء، كقوله تعالى:{غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ} ، الوفر: المال الكثير، والعبوس: الكلوح عن الغضب، وشن الغارة وأشن: إذا فرقها على العدو من كل وجه، وابن حرب: معاوية بن أبي سفيان بن حرب، يقول: ادخرت مالي ولم أفرقه فيما يكتسب لي حمداً فعل البخلاء وزهدت في اكتساب المعالي إن لم أشُن على معاوية غارة لا تخلو يوماً من اختلاس نفوس.

قوله: (والطباق من حيث اللفظ وملاحظة أصل المجاز)، يعني: تُعتبر المطابقة في قوله: {يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ} مع قوله: {غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ} في إرادة الحقيقة في الثاني مع ملاحظة أصل المجاز في الأول، وهو غَلُّ اليد لا البخل الذي هو المراد منه الآن، لاستوائهما في التلفظ، كما أن "سب الله" من حيث اللفظ مطابق لقوله:"سبني"، على أن المراد من سب الله قطع الدابر، وهذا نوع من المشاكلة لطيف المسلك بخلافه في قول الشاعر:

ص: 417

فإن قلت: كيف جاز أن يدعو اللَّه عليهم بما هو قبيحٌ وهو البخل والنكد؟ قلت: المراد به: الدعاء بالخذلان الذي تقسو به قلوبهم، فيزيدون بخلاً إلى بخلهم ونكداً إلى نكدهم، أو بما هو مسببٌ عن البخل والنكد من لصوق العار بهم، وسوء الأحدوثة التي تخزيهم وتمزق أعراضهم.

فإن قلت: لم ثنيت اليد في قوله تعالى: (بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ) وهي مفردة في: (يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ)؟ قلت: ليكون ردّ قولهم وإنكاره أبلغ وأدل على إثبات غاية السخاء له ونفى البخل عنه، وذلك أنّ غاية ما يبذله السخي بماله من نفسه أن يعطيه بيديه جميعاً فبني المجاز على ذلك.

وقرئ: (وَلُعِنُوا) بسكون العين. وفي مصحف عبد اللَّه:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قالوا: اقترح شيئاً نجد لك طبخه

قلت: اطبخوا لي جبة وقميصا

فإنه وضع اطبخوا موضع خيطوا لمجرد مراعاة اللفظ دون المعنى.

الانتصاف: والحق أن الله تعالى يدعو عليهم بالبخل، ودعاؤه عبارة عن خلق الشح في قلوبهم والقبض في أيديهم، فليت الزمخشري لم يتحدث في تفسير القرآن إلا من حيث علم البيان، فإنه فيه فارس الفرسان.

قوله: (المراد به: الدعاء بالخذلان). خلاصة الجواب: أنه يجوز أن يدعو عليهم بعدما يصدر منهم ما يوجبه، فإنه تعالى غنما يدعو عليهم بالخذلان إذا صدر عنهم الكفر والمعاصي وبلحوق العار إذا صدر عنهم بالخبل، وأما ابتداء فلا، هذا مذهبه.

قوله: (والنكد)، الجوهري: رجل نكد: عسر، وكدت الركية: قل ماؤها.

ص: 418

(بل يداه بسطان) يقال: يده بسط بالمعروف. ونحوه مشية سجح، وناقة صرح.

(يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ): تأكيد للوصف بالسخاء، ودلالة على أنه لا يتفق إلا على مقتضى الحكمة والمصلحة. روى أن اللَّه تبارك وتعالى كان قد بسط على اليهود حتى كانوا من أكثر الناس ما لا، فلما عصوا اللَّه في محمد صلى الله عليه وسلم وكذبوه كف اللَّه تعالى ما بسط عليهم من السعة، فعند ذلك قال فنحاص بن عازوراء: يد اللَّه مغلولة، ورضي بقوله الآخرون فأشركوا فيه.

(وَلَيَزِيدَنَّ) أي: يزدادون عند نزول القرآن لحسدهم تمادياً في الجحود وكفراً بآيات اللَّه.

(وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ) فكلمهم أبداً مختلف، وقلوبهم شتى، لا يقع اتفاق بينهم ولا تعاضد (كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً): كلما أرادوا محاربة أحد غلبوا وقهروا ولم يقم لهم نصر من اللَّه على أحد قط، وقد أتاهم الإسلام وهم في ملك المجوس

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (سُجُح) بضم السين والجيم ثم الحاء المهملة، الجوهري: يقال: إذا سألت فأسجح، أي: سهل ألفاظك، "وناقة سُرح" ومنسرحة، أي: سريعة، يعني: جمع الخبر والمبتدأ مفرد على تصوير الكثرة فيه مبالغة على أسلوب قوله: ومعي جياعاً.

قوله: (ودلالة على أنه لا ينفق إلا على مقتضى الحكمة والمصلحة) تقييد للمطلق، وهو {يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} ، يعني: من مقتضى الحكمة ألا يؤدي بسط اليدين في العطاء إلى التبذير والإسراف والاصطناع إلى غير الهل، وهو شرط السخاء في الشاهد، وهذا تكميل لا تأكيد، كقوله:

حليم إذا ما الحلم زين أهله

مع الحلم في عين العدو مهيب

ص: 419

وقيل: خالفوا حكم التوراة فبعث اللَّه عليهم بختنصر، ثم أفسدوا فسلط اللَّه عليهم فطرس الروميّ، ثم أفسدوا فسلط اللَّه عليهم المجوس، ثم أفسدوا فسلط اللَّه عليهم المسلمين. وقيل: كلما حاربوا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم نصر عليهم. وعن قتادة رضي الله عنه لا تلقى اليهود ببلدةٍ إلا وجدتهم من أذل الناس.

(وَيَسْعَوْنَ): ويجتهدون في الكيد للإسلام ومحو ذكر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من كتبهم.

[(وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْناهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ* وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ) 65 - 66].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

والتأكيد أن يقال: ينفق كيف يشاء لا يمنعه مانع ولا يكفه من الإنفاق نقص ولا إعدام، لا يبالي بكثرة العطاء، فالإنفاق على الإطلاق مستتبع للحكمة ومشتمل عليها، كما قال صلوات الله عليه وسلامه:"يد الله ملأى لا يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض؟ فإنه لم يغض ما بيده" أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة.

سحاء: خبر بعد خبر، والليل: ظرف، يقال: سح يسح سحاً: هطل، ولما كان ينفق تأكيداً لقوله:{بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} فصله ولم يأت بالواو ولا قيده بها حالاً، قال أبو البقاء:{يُنفِقُ} : مستأنفٌ، فلا يجوز أن يكون حالاً من الهاء لأنها مضاف إليها، ولأن الخبر فاصل بينهما، ولا من اليدين، إذ ليس فيها ضمير يعود إليهما.

قوله: (فطرس الرومي) بالفاء والراء، كذا في الحاشية.

ص: 420

(وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ) مع ما عددنا من سيئاتهم (آمَنُوا) برسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وبما جاء به، وقرنوا إيمانهم بالتقوى التي هي الشريطة في الفوز بالإيمان (لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ) تلك السيئات ولم نؤاخذهم بها (وَلَأَدْخَلْناهُمْ) مع المسلمين الجنة.

وفيه إعلامٌ بعظم معاصي اليهود والنصارى وكثرة سيئاتهم، ودلالة على سعة رحمة اللَّه تعالى وفتحه باب التوبة على كل عاص وإن عظمت معاصيه وبلغت مبالغ سيئات اليهود والنصارى، وأن الإيمان لا ينجي ولا يسعد إلا مشفوعاً بالتقوى، كما قال الحسن: هذا العمود فأين الأطناب؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وفيه إعلامٌ بعظم معاصي اليهود)، يعني: فيه إشارة إلى هذا المعنى على سبيل الإدماج، وذلك أنه تعالى لما عدد سيئاتهم وقبائحهم كان من حق الظاهر أن يُقال: ولو أن أهل الكتاب تابوا لكفرناها عنهم، فوضع موضع تاب: آمن، وصرح بذكر سيئاتهم إيذاناً بأن ليس لهم التنصل من تلك الذنوب العظام إلا بأن يدخلوا في الإسلام؛ لأن الإسلام يهدم ما قبله، وفي قوله:{وَلأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ} إشارة إلى أن الكتابي لا يدخل الجنة ما لم يسلم، ويؤيده ما روينا عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم:"والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار"، أخرجه مسلم.

قوله: (هذا العمود)، قاله للفرزدق حين اجتمع مع الحسن في جنازة، فقال: ما أعددت لهذا المقام؟ قال: شهادة ألا إله إلا الله منذ كذا سنة، فقال له: هذا العمود فأين الأطناب؟ الفاء في "فأين الأطناب" كالفاء في "خولان فانكح"؛ على تأويل: هؤلاء خولان، يعني: هذه الكلمة مستدعية للأعمال الصالحة كما أن هذه القبيلة تستوجب أن تُنكح نساؤها لجمالها، شبه الإسلام بخيمة، وجعل عمودها: كلمة التوحيد، والأعمال الصالحة: الأطناب، فكما أن الخيمة

ص: 421

(وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ): أقاموا أحكامهما وحدودهما وما فيهما من نعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم. (وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ) من سائر كتب اللَّه، لأنهم مكلفون الإيمان بجميعها، فكأنها أنزلت إليهم -وقيل: هو القرآن- لوسع اللَّه عليهم الرزق وكانوا قد قحطوا. وقوله: (لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ): عبارةٌ عن التوسعة، وفيه ثلاث أوجهٍ: أن يفيض عليهم بركات السماء وبركات الأرض، .......

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لا تقوم إلا بالعمود فكذا لا يستقيم الإسلام إلا بالشهادتين، وكما لم يرتفع العمود إلا بالأطناب، كذا الكلمة لا ترتفع إلا بالعمل:{إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 10]، والاستقامة فيها الأوتاد، والتشبيهات مفرقة، تحقيقه: إذا اعتبر مفرداتها مستقلة، وإذا انتزع المشبه من المجموع، كان تمثيلاً، وما في قول الحسن، الشطر الأول منه التشبيه لذكر الطرفين، والثاني: استعارة؛ لأن المشبه المتروك هو الأعمال.

الانتصاف: لما اشترط في هذه الآية مجموع الإيمان والتقوى فالإجماع منا ومنه أن الإيمان يجب ما قبله، فلو مات رجل عقيب دخوله في الإيمان لكفرت عنه سيئاته ولدخل جنات النعيم، فدل على أن اجتماعهما ليس شرطاً؛ هذا إن كانت التقوى الأعمال، وإن كانت أصل وضعها في الخوف من الله، فهذا ثابت لكل مؤمن ولو قارف الكبيرة.

قوله: ({لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ}: عبارة عن التوسعة) لام حسن مبين، لكن تأويله بالوجوه الثلاثة ضعيف، وذلك أن اختصاص الأكل من دون ذكر سائر المنافع لكونها أعظمها ومستتبع سائرها، كقوله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ يَاكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى} [النساء: 10] ثم تكرير قوله: {مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ} لاستيعاب جميع الأحوال والأزمان، كقوله تعالى:{وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً} [مريم: 62] يوجب ألا يقتصر على المذكورات، ولهذا قال القاضي: لوسع عليهم وجعل لهم خير الدارين.

ص: 422

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقلت: هذا في حق من عدد سيئاتهم من أهل الكتاب إذا أقاموا مجرد حدود التوراة والإنجيل، فما ظنك بالسالك العارف إذا قمع هوى النفس وانكمش من عالم الإدبار إلى معارج القدس معتصماً بحبل الله وسنة حبيب الله؟ فإنه تعالى يُفيض على قلبه سجال فضائله وسائب بركاته، فتكمن فيه كمون الأمطار في الأراضي فتظهر ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه كلها، وفي تعليق الأكل من فوق على إقامة التوراة والإنجيل ومن تحت الأرجل، واختصاص {مِنْ} الابتدائية ما يلوح إلى معنى قوله:"من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم"؛ لأنهم إذا أقاموا العمل بكتاب الله استنزل ذلك من فوقهم البركات، فإذا استجدوا العمل بتلك البركات المنزلة وأقاموا عليها بثبات أقدامهم الراسخة استنزل لهم من الله بركات هي أزكى من الأولى، فلا يزال العمل والعلم يتناوبان إلى أن ينتهي السالك على مقام القرب ومنازل العارفين، وفي ذكر الأرجل إشارة إلى حصول ثبات القدم ورسوخ العلم، وفي اقترانها مع "تحت" دلالة على مزيد الثبات، وأنهم من الراسخين المقتبسين علومهم من مشكاة النبوة دون المتزلزلين الذين أخذوا علومهم من الأوهام، ولهذا كتب بعض العارفين بهذه الآية إلى الإمام إرشاداً له إلى معرفة طريقة أهل الله تعالى.

فإن قلت: كيف تلتئم هذه الآية مع السابقة، وهي قوله:{وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا} ؟ قلت: الآيتان واردتان على إظهار الشكوى، ناعيتان قبائحهم، فقيل أولاً: ولو أن أهل الكتاب آمنوا برسول الله وبما جاء به من المعجزات التي ثبتت بمثلها الرسالة كسائر الناس، وخافوا الله وتركوا العناد، لكفر الله عنهم تلك القبائح، ثم ثنى على الترك، أي: دعوا تلك الدلائل الباهرة! ولو أنهم عملوا بمقتضى ما عندهم من النصوص

ص: 423

وأن يكثر الأشجار المثمرة والزروع المغلة وأن يرزقهم الجنان اليانعة الثمار يجتنون ما تهدل منها من رؤوس الشجر، ويلتقطون ما تساقط على الأرض من تحت أرجلهم.

(مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ): طائفةٌ حالها أمم في عداوة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم. وقيل: هي الطائفة المؤمنة عبد اللَّه بن سلام وأصحابه وثمانيةٌ وأربعون من النصارى، و (ساءَ ما يَعْمَلُونَ) فيه معنى التعجب، كأنه قيل: وكثير منهم ما أسوأ عملهم! وقيل: هم كعب بن الأشرف وأصحابه والروم.

[(يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ) 67].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المتظاهرة وما ثبت عندهم من نعته صلى الله عليه وسلم وتركوا التحريف والتبديل، لوسع الله عليهم خير الدارين، ورُوعي فيهما مع معنى التنزيل الترقي أيضاً.

قوله: (اليانعة الثمار)، الجوهري: ينع يينع: إذا نضج، ولم تسقط الياء في المستقبل لتقويها بأختها، وتهدلت أغصان الشجرة، أي: تدلت.

قوله: (حالها أمم في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم أي: متوسط، قال ابن السكيت: الأمم: بين القريب والبعيد، وهو من المقاربة، وقال الإمام: الذين يكونون عدولاً في دينهم ليس فيهم عناد شديد ولا غلظة كاملة، كما قال تعالى:{وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَامَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} [آل عمران: 75].

قوله: (و {سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ} ليس الواو في نظم القرآن، وإنما هو من قول المصنف.

قوله: (ما أسوأ عملهم) أي: كثيرٌ منهم يقول فيحقهم: ما أسوأ عملهم!

ص: 424

(بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ). جميع ما أنزل إليك، وأى شيءٍ أنزل إليك غير مراقب في تبليغه أحداً، ولا خائفٍ أن ينالك مكروهٌ. (وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ): وإن لم تبلغ جميعه كما أمرتك (فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ) - وقرئ: (رسالاته) - فلم تبلغ إذاً ما كلفت من أداء الرسالات، ولم تؤدّ منها شيئاً قط، وذلك أن بعضها ليس بأولى بالأداء من بعضٍ، وإن لم تؤدّ بعضها، فكأنك أغفلت أداءها جميعاً، كما أن من لم يؤمن ببعضها كان كمن لم يؤمن بكلها، لإدلاء كل منها بما يدليه غيرها وكونها كذلك في حكم شيءٍ واحدٍ، والشيء الواحد لا يكون مبلغاً غير مبلغٍ، مؤمناً به غير مؤمنٍ به. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: إن كتمت آية لم تبلغ رسالاتي. وروي عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "بعثني اللَّه برسالاته فضقت بها ذرعاً، فأوحى اللَّه إليّ: إن لم تبلغ رسالاتي عذبتك، وضمن لي العصمة فقويت".

فإن قلت: وقوع قوله: (فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ) جزاء للشرط ما وجه صحته؟ ......

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (جميع ما أنزل إليك) إنما قدر المضاف لأنه صلوات الله عليه وسلامه كان مُبلغاً، فعلى هذا فائدة الأمر المبالغة والكمال، يعني: ربما أتاك الوحي بما تكره أن تُبلغه خوفاً من قومك، فبلغ الكل ولاتخف.

الراغب: فإن قيل: كيف قال: {وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} ؟ وذلك كقولك: إن لم تُبلغ فما بلغت، قيل: معناه: وإن لم تبلغ كل ما أنزل إليك تكون في حكم من لم يُبلغ شيئاً تنبيهاً على أن تقصيرك في بعض ما أمرت به يحبط عملك. واستدل بهذه الآية أنه صلى الله عليه وسلم لا يتم شيئاً مما أنزل الله، بخلاف ما قالت الشيعة: إنه قد كتم أشياء على سبيل التقية، وعن بعض الصوفية: ما يتعلق به مصالح العباد وأمر بإطلاعهم عليه فهو منزه عن كتمانه، وأما ما يخص به من الغيب ولم تتعلق به مصالح أمته فله، بل عليه كتمانه.

ص: 425

قلت: فيه وجهان؛ أحدهما: أنه إذا لم يمتثل أمر اللَّه في تبليغ الرسالات وكتمها كلها كأنه لم يبعث رسولاً كان أمراً شنيعاً لا خفاء بشناعته. فقيل: إن لم تبلغ منها أدنى شيءٍ وإن كان كلمةً واحدة فأنت كمن ركب الأمر الشنيع الذي هو كتمان كلها، ......

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقلت: روى السلمي، عن جعفر في قوله تعالى:{فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى} [النجم: 10] قال: بلا واسطة فيما بينه وبينه سراً إلى قلبه، ولا يعلم به أحدٌ سواه إلا في العقبى حتى يعطيه الشفاعة لأمته، وقال الواسطي: ألقى إلى عبده ما ألقى ولم يظهر ما الذي أوحى لأنه خصه به، وما كان مخصوصاً به كان مستوراً، وما بعثه الله إلى الخلق كان ظاهراً.

وإلى هذا يُنظر معنى ما روينا في "صحيح البخاري" عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاءين، أما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته قُطع هذا البلعوم. قال البخاري: البُلعوم: مجرى الطعام.

قوله: (إن لم تُبلغ منها أدنى شيء وإن كان كلمة واحدة، فأنت كمن ركب الأمر الشنيع)، قال ابن الحاجب: الشرط والجزاء إذا اتحدا كان المراد بالجزاء المبالغة، فوضع قوله:{فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} موضع أمر عظيم، أي: فإن لم تفعل فقد ارتكبت أمراً عظيماً.

الانتصاف: قال: {وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ} ، ولم يقل: وإن لم تبلغ ليتغايرا لفظاً وإن اتحدا معنى، وهو أحسن بهجة من تكرار اللفظ الواحد في الشرط والجزاء، وهذا من محاسن علم البيان.

وقال الإمام: الجمهور على أن المراد من قوله: {وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} : إن لم

ص: 426

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تبلغ واحداً منها كنت كمن لم يبلغ شيئاً منها، وهذا ضعيف، لأن من أتى بالبعض وترك البعض فلو قيل: إنه ترك الكل لكان كذباً، ولو قيل أيضاً: إن مقدار الجرم في ترك البعض مثل مقدار الجرم في ترك الكل، لكان هذا أيضاً محالاً.

وقال القاضي: معناه: أن كتمان بعضها يُضيع ما أُدي منها، كترك بعض أركان الصلاة، فإن غرض الدعوة ينتقض منه، أو يقال: إن لم تفعل كأنك ما بلغت شيئاً منها، كقوله تعالى:{فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً} من حيث إن كتمان البعض والكل سواء في الشناعة واستجلاب العذاب.

وقلتُ: والذي عليه كلام المصنف أنه صلوات الله عليه وسلامه كان مأموراً بتبليغ ما أنزل الله تعالى إليه، وهو إنما يكون ممتثلاً للأمر إذا لم يخالف شيئاً من المأمور به، وإليه الإشارة بقوله:"فلم تُبلغ إذاً ما كلفت من أداء الرسالات ولم تؤد منها شيئاً قط، وذلك أن بعضها ليس أولى من بعض بالأداء". ومن ثم شبه المسألة بالإيمان في قوله: "كما أن من لم يؤمن ببعضها كان من لم يؤمن بكلها"، وذكر في "النساء" أن إيمان أهل الكتاب ببعض الكتب لا يصح إيماناً به، لأن طريق الإيمان إنما هو المعجزة، ولا اختصاص لها ببعض الكتب دون بعض، فلو كان إيمانهم بما آمنوا به إيماناً لأجل المعجزة لآمنوا به كله، فحين آمنوا ببعضه عُلم أنهم لم يعتبروا المعجزة، فلم يكن إيمانهم إيماناً، هذا هو المعنى بقوله في هذا المقام:"لإدلاء كل منها بما يدليه غيرها". وفي تمثيل المسألة بالإيمان نكتة سرية، وهي كما أن على الرسول إبلاغ الكل كذا على المرسل إليه الإيمان بالله، والضمير في "منها" و"غيرها" راجعٌ إلى الرسالات. المُغرِب: يقال: فلان يدلي إلى الميت بذكر، أي: يتصل، ودلى من السطح حبلاً، أي: أرسله فتدلى.

ص: 427

كما عظم قتل النفس بقوله: (فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً)[المائدة: 32].

والثاني: أن يراد: فإن لم تفعل فلك ما يوجبه كتمان الوحى كله من العقاب فوضع السبب موضع المسبب، ويعضده قوله عليه الصلاة والسلام:«فأوحى اللَّه إلىّ إن لم تبلغ رسالاتي عذبتك» .

(وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ): عدةٌ من اللَّه بالحفظ والكلاءة. والمعنى: واللَّه يضمن لك العصمة من أعدائك، فما عذرك في مراقبتهم؟ فإن قلت: أين ضمان العصمة وقد شجّ في وجهه يوم أحد وكسرت رباعيته صلوات اللَّه عليه؟ قلت: المراد أنه يعصمه من القتل.

وفيه: أن عليه أن يحتمل كل ما دون النفس في ذات اللَّه، فما أشد تكليف الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

وقيل: نزلت بعد يوم أحدٍ، و (الناس): الكفار؛ بدليل قوله:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (كما عظم) صفة مصدر محذوف من غير لفه، كأنه قال: عظم ترك تبليغ البعض تعظيماً مثل تعظيم قتل النفس.

قوله: (في ذات الله) أي: في الله، عن البخاري، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة منهم خبيب الأنصاري، فأسر ولما خرج المشركون به من الحرم ليقتلوه، قال:

ولست أبالي حين أقتل مسلماً

على أي شق كان لله مصرعي

وذلك في ذات الإله وإن يشأ

يبارك على أوصال شلو ممزع

قوله: (وقيل: نزلت بعد يوم أحد) عطف على قوله: "والله يضمن لك العصمة من أعدائك"، وعلى الأول: العصمة عامة في كل الأحوال، خاصة من حيث إرادة العصمة من

ص: 428

(إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ)، ومعناه: أنه لا يمكنهم مما يريدون إنزاله بك من الهلاك. وعن أنس: كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يحرس حتى نزلت

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

القتل، وعلى الثاني: خاصة بحسب الزمان عامة في مقتضاها، يعني: أن الله تعالى لا يمكنهم مما يريدون إنزاله بك من الهلاك، لكن يشكل هذا بما استتب لليهود من تمكنهم من أن سموه، ولهذا فسروا قوله تعالى:{وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ} بقولهم: إنهم يبذلون جهدهم في قتله ولذلك سموه، ويمكن أن يقال: إن المعنى: يا أيها الذي تصدى لمنصب الرسالة وتبليغ ما أُنزل إليه، امض لشأنك وأد ما عليك ولا تهتم بأعدائك، فإنه تعالى ضمن لك العصمة من الهلاك بسبب تبليغ الوحي؛ لأنه لا يهدي القوم الكافرين إلى إطفاء نور الله تعالى لقوله تعالى:{وَيَابَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [التوبة: 32]، ففي وضع قوله:{الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} موضع ضمير {النَّاسَ} وإن لم يقل: لا يهديهم إشعارٌ بذلك، ولم يكن تمكين اليهود مما أرادوا به من الهلاك يوم خيبر لأجل التبليغ، بل للذب عن البلاد والأموال والأنفس، وسبق في "البقرة" الحديث الوارد فيه في تفسير قوله:{أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُكُمْ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ} [البقرة: 87].

الراغب: عصمة الأنبياء: حفظه إياهم أولاً: بما خصهم به من صفاء الجوهر، ثم بما أولاهم من الفضائل والأخلاق، ثم بالنصرة وتثبيت أقدامهم، ثم بإنزال السكينة عليهم وبحفظ قلوبهم، وبالتوفيق.

قوله: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُحرس حتى نزلت) الحديث أخرجه الترمذي عن عائشة رضي الله عنها، فعلى هذا التخصيص بحسب الزمان دون الأشخاص كما في الثاني، والمراد بالعصمة: سائر ما يرومه الأعداء من السوء.

ص: 429

فأخرج رأسه من قبة أدم وقال: "انصرفوا يا أيها الناس، فقد عصمنى اللَّه من الناس".

[(قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً فَلا تَاسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ)].

(لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ) أي: على دين يعتد به حتى يسمى شيئاً لفساده وبطلانه، كما تقول: هذا ليس بشيء تريد تحقيره وتصغير شأنه. وفي أمثالهم: أقل من لا شيء.

(فَلا تَاسَ): فلا تتأسف عليهم لزيادة طغيانهم وكفرهم، فإن ضرر ذلك راجع إليهم لا إليك، وفي المؤمنين غنى عنهم.

[(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصارى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ)].

(وَالصَّابِئُونَ) رفع على الابتداء، وخبره محذوف، والنية به التأخير عما في حيز إن من اسمها وخبرها، كأنه قيل: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى حكمهم كذا، والصابئون كذلك، وأنشد سيبويه شاهداً له:

وَإلّا فَاعْلمُوا أنَّا وأنْتُمْ

بُغَاةٌ مَا بَقِينَا فِى شِقَاقِ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وإلا فاعلموا) البيت، بعد:

إذا جُزت نواصي آل بدر

فأدوها وأسري في الوثاق

الشقاق: العداوة، وسببه أن قوماً من آل بدر من الفزاريين جاوروا بني لأم من طييء، فعمد بنو لأم إليهم فجزوا نواصيهم وقالوا: مننا عليكم ولم نقتلكم، وحبسوهم، فقال بشر

ص: 430

أي: فاعلموا أنا بغاة وأنتم كذلك.

فإن قلت: هلا زعمت أن ارتفاعه للعطف على محل (إن) واسمها؟ قلت: لا يصح ذلك قبل الفراغ من الخبر. لا تقول: إن زيداً وعمرو منطلقان.

فإن قلت: لم لا يصح والنية به التأخير، فكأنك قلت: إنّ زيداً منطلقٌ وعمروٌ. قلت: لأني إذا رفعته رفعته عطفاً على محل (إن) واسمها: والعامل في محلهما هو الابتداء، فيجب أن يكون هو العامل في الخبر، لأن الابتداء ينتظم الجزأين في عمله كما تنتظمها "إن" في عملها، فلو رفعت (والصابئون) المنويّ به التأخير بالابتداء، وقد رفعت الخبر بـ (إنّ)، لأعملت فيهما رافعين مختلفين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ابن أبي خازم البيتين، أي: قد جززتم نواصيهم فاحملوا غرامة الجز إلينا وأطلقوا من أسرتم منهم، وإن لم تفعلوا فاعلموا أنا نظلمكم كما أنكم ظلمتمونا، وقدم أنتم للإيذان بأنهم أوغل في البغي؛ لأن بغي القاتل جزاء لبغيهم.

قوله: (للعطف على محل {إنَّ} واسمها)، قال ابن الحاجب: وذلك أن موضع {إنَّ} وما عملت فهي الرفع، لكون المعنى لم يتغير، فجاء العطف لذلك، وأما سائر أخواتها فمخالفة لها في المعنى الذي من أجله صح العطف.

قوله: (لأعملت فيهما) أي: في المبتدأ والخبر، ومعناه: أنه لو رُفع "الصابئون" بالابتداء بأن يكون عطفاً على محل {إنَّ} واسمها، لكان العامل في المبتدأ التجريد، وفي الخبر:{إنَّ} ، فيلزم أن يكون العامل في المبتدأ غير العامل في الخبر، والواجب أن يكون الخبر مرفوعاً بما ارتفع به المبتدأ كما قرر، ولا يمكن تقدير عملين فيه بأن يقال: إنه مرفوع بـ"إن" والابتداء معاً، للقطع بأن اسماً واحداً لا يكون فيه رفعان، قال صاحب "الفرائد": لا يستقيم قوله في الجواب: "لأني إذا رفعته" إلى آخره؛ لأنه لما اعتبر التأخير وجب أن يكون العامل فيه وفي الخبر

ص: 431

فإن قلت: فقوله (والصابئون) معطوفٌ لا بد له من معطوفٍ عليه فما هو؟ قلت: هو مع خبره المحذوف جملةٌ معطوفةٌ على جملة قوله: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا .... ) إلى آخره، ولا محل لها، كما لا محل للتي عطفت عليها.

فإن قلت: ما التقديم والتأخير إلا لفائدة، فما فائدة هذا التقديم؟ قلت: .......

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الابتداء، وإنما لزم إعمال عاملين مختلفين إذا لم ينووا التأخير فيقال له: إن قولك: وجب أن يكون العامل فيه وفي الخبر الابتداء هذا إذا قُدر له خبر آخر كما اختار المصنف وحمل الآية عليه، لكن الكلام فيه أن يكون الخبر هو المذكور بعينه، نعم، رد عليه أن الآية ليست من قبيل: إن زيداً وعمرو منطلقان؛ لأن قوله تعالى: {مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} صالح لكل المذكورين، فهو من قبيل إن زيداً وعمرو منطلق، قال ابن الحاجب: وليس قول من قال: إن زيداً وعمرو قائم من قبيل الممنوع؛ لأن قائم إما أن يُقدر خبراً عن "عمرو"، فيون خبر زيد مقدما، وإما أن يُجعل خبراً عن الاسم الأول وخبر الثاني محذوف، فعلى التقديرين لم يعطف إلا بعد مُضي الخبر، بخلاف: إن زيداً وعمرو منطلقان، فإن ذلك غير ممكن لتشريكهما جميعاً في خبر واحد، وقال أيضاً في شرح قول المصنف في "المفصل": فعلى التقديم والتأخير كأنه ابتدأ بعد ما مضى الخبر، الكلام يحتمل أمرين، أحدهما: ما ذكره في "الكشاف": " {وَالصَّابِئُونَ}: رفع على الابتداء وخبره محذوف"، والآخر: أن قوله: فعلى التقديم والتأخير، أي: فعلى تقدير الخبر مقدماً على "الصابئون" وتقدير "الصابئون" مؤخراً عنه، ويصح في مثل هذا أن يعبر بالتقديم والتأخير، وهذا أولى لما يلزم فيه الحذف فقط، وفي ذلك الحذف وتغيير الموضع، ولأن مذهب سيبويه في قولك: زيد وعمرو قائم أن الخبر للثاني، وخبر الأول محذوف، واستدل على ذلك بقوله:

ص: 432

فائدته التنبيه على أن الصابئين يتاب عليهم إن صح منهم الإيمان، والعمل الصالح، فما الظن بغيرهم؟ وذلك أن الصابئين أبين هؤلاء المعدودين ضلالاً وأشدّهم غياً، وما سموا صابئين إلا لأنهم صبؤا عن الأديان كلها، أي: خرجوا، كما أن الشاعر قدم قوله «وأنتم» تنبيهاً على أن المخاطبين أو غل في الوصف بالبغاة من قومه حيث عاجل به قبل الخبر الذي هو «بغاة» ؛ لئلا يدخل قومه في البغي قبلهم مع كونهم أو غل فيه منهم وأثبت قدماً.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نحن بما عندنا وأنت بما

عندك راضٍ والقول مختلف

لأنه لو كان خبراً عن "نحن" لقال: راضون، هذا تلخيص كلامه.

ونقل أبو البقاء عن سيبويه في قوله تعالى: {وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ} [التوبة: 62]: بأن {أَحَقُّ} : خبر "الرسول"، وخبر الأول محذوف، وهذا أقوى من عكسه؛ لأنه لا يلزم منه التفريق بين المبتدأ والخبر، فيقال: إن قول المصنف: "إنما يقال: تقديم وتأخير للمُزال لا للقار في مكانه": جواب عما عسى أن يتوهم متوهم مثل ما توهم ابن الحاجب في ذلك التقديم والتأخير، ولأنه يفوت على ذلك التقدير الغرض المطلوب من التقديم والتأخير، وهو الاهتمام، وأن الصابئين أشد غياً من هؤلاء، قال صاحب "الفرائد": ويمكن أن يقال: هذا على حد قول من قال: ولا سابق شيئاً، وحق الكلام أن يقول: ولا سابقاً، لأنه بعد قوله:"بدا لي أني لست مدرك ما مضى"، ولكنه قال: ولا سابق؛ لأنه ساغ له أن يقول: لست بمدرك

ص: 433

فإن قلت: فلو قيل: "والصابئين وإياكم" لكان التقديم حاصلاً. قلت: لو قيل هكذا لم يكن من التقديم في شيءٍ، لأنه لا إزالة فيه عن موضعه، وإنما يقال مقدّم ومؤخر للمزال لا للقارّ في مكانه، ومجرى هذه الجملة مجرى الاعتراض في الكلام.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ما مضى، فكأنه قال كذلك، فكذلك هاهنا كأنه قيل: الذين آمنوا والذين هادوا. ولا يلزم هاهنا إعمال عاملين مختلفين؛ لأن الخبر، وهو:{مَنْ آمَنَ} إلى آخره، جُعل خبراً لـ"الصابئون والنصارى"، وخبر {إنَّ} محذوف بدلالة المذكور بعده، وأما فائدة العدول عن النصب إلى الرفع فهي أن مظنة العفو والتجاوز في حق المنافقين وهم المعنيون بـ {الَّذِينَ آمَنُوا} على ما قيل، وفي حق اليهود، أبعد منها في حق الصابئين والنصارى؛ لأن عناد الفريقين واستهزاءهما أكبر، فوجب في حقهما أن يُذكرا في صدر الكلام، ولا يجب في الأخيرين.

قلت: هذا الكلام مبني على أن "النصارى" معطوف على "الصابئون"، لا على {الَّذِينَ هَادُوا} ، ولكن سياق الآية يأبى هذا التقدير؛ لأنها سيقت في شأن أهل الكتاب، وذكر "الصابئون" استطراداً، ويدل عليه قوله تعالى:{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ} ، وكذا الآيات السابقة واللاحقة، وحين كان السياق في سورة الحج على العموم جيء بـ "الصابئين" منسوقاً نسق أخواته، وهاهنا "النصارى" عطف على {الَّذِينَ هَادُوا} لا على "الصابئون"؛ لأنهما مقصودان بالذكر متبوعان دونه فلابد من التزام التقديم.

قوله: (ومجرى هذه الجملة مجرى الاعتراض في الكلام)، وذلك أن الاعتراض هو مما يتخلل في أثناء الكلام لتأكيد مضمون المعترض فيه، وهذا تأكيد لما يلزم من إيراد الكلام لا من مضمونه، ومن ثم قال: كان جارياً "مجرى الاعتراض"، وقلنا: إنه استطراد.

الانتصاف: صدق الزمخشر، لكن يرد عليه أنه لو عطف "الصابئين" ونصبه كما قرأ

ص: 434

فإن قلت: كيف قال: (الَّذِينَ آمَنُوا) ثم قال: (مَنْ آمَنَ)؟ قلت: فيه وجهان: أحدهما: أن يراد بـ (الذين آمنوا): الذين آمنوا بألسنتهم وهم المنافقون، وأن يراد بـ (من آمن): من ثبت على الإيمان واستقام ولم يخالجه ريبة فيه.

فإن قلت: ما محل (من آمن)؟ قلت: إما الرفع على الابتداء وخبره (فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) والفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط، ثم الجملة كما هي خبر (إن) وإما النصب على البدل من اسم (إن) وما عطف عليه، أو من المعطوف عليه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ابن كثير، لأفاد دخولهم في جملة المتوب عليهم، وفُهم من تقديم ذكرهم على "النصارى" ما يُفهم من الرفع، وهو أنهم أوغل في الكفر، وقد تيب عليهم، فالنصارى أولى، ويكون الكلام جملة واحدة مختصرة، والعطف إفرادي، فلم عدل إلى جعله جملتين؟ وجوابه: أنه لو عطفه ونصبه لم يحصل فهم الخصوصية لهؤلاء؛ لأن الأصناف كلها عطف بعضها على بعض عطف المفردات، وهذا الصنف من جملتها، والخبر عنها واحد، وأما الرفع فيقطع عن العطف الإفرادي، وتختص بقية الأصناف بالخبر المذكور، وخبر هذا الصنف مفرد مستقل فيقيد المقصود السابق ذكره، ويفهم من تقديم الخبر من قوة الدلالة ما لا يفيده تأخيره.

وأما قراءة ابن كثير - وإن كان هو من الأئمة - فشاذة بحمل النصب على الاختصاص، أي: أذكر، لئلا تكون مخالفة لقراءته المشهورة ولسائر الأئمة.

قوله: (فيه وجهان)، والظاهر يوهم أنه جواب واحد، لكن المراد من الإيراد: أن {الَّذِينَ آمَنُوا} إن أريد به المنافقون يحمل قوله: {مَنْ آمَنَ} على من أخلص الإيمان، وإن أُريد به المؤمنون الخلص يحمل {مَنْ آمَنَ} على من ثبت على الإيمان، والجواب الأول أقرب إلى الغرض؛ لأن الذي سيقت الآية له التشديد على اليهود والنصارى، فإنهم مع ذلك إن آمنوا

ص: 435

فإن قلت: فأين الراجع إلى اسم (إن)؟ قلت: هو محذوفٌ، تقديره: من آمن منهم، كما جاء في موضع آخر.

وقرئ: (والصابيون) بياء صريحةٍ، وهو من تخفيف الهمزة، كقراءة من قرأ:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وعملوا الصالحات فلهم الفوز العظيم، وذكر المنافقين والصابئين على المبالغة كما سبق، فإذن لم يكن لذكر المؤمنين المخلصين مدخل في الغرض والأسلوب، ولذلك أخره، ولأنهم إذا شركوهم في الخبر، وهو:{مَنْ آمَنَ} بمعنى ثبت على الإيمان، يلزم وجوب اشتراكهم في الخلوص في الإيمان في قوله:{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا} ، وذلك بعيد، ولذلك جعل {مَنْ آمَنَ}: بدلاً من {الَّذِينَ آمَنُوا} وحده في وجه قوله: "على البدل من اسم {إنَّ} وما عُطف عليه أو من المعطوف عليه". قالوا: أراد أن {مَنْ آمَنَ} إما بدل من المجموع من المعطوف عليه والمعطوف، أو بدل من اسم {إنَّ} فحسب.

قلتُ: إذا كان بدلاً من المجموع فالمعنى على ما سبق: أن الصابئين أشد غياً، وأما إذا كان بدلاً من اسم {إنَّ} وحده لزم أن يكون حكم {وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى} حُكم {وَالصَّابِئُونَ} في الرفع والقطع، وتقدير الخبر على ما سبق في "الصابئون" وحده، كأنه قيل: إن الذين آمنوا من آمن منهم فلا خوف عليهم، والذين هادوا والصابئون والنصارى كذلك، فحينئذ يخرج الكلام عن المقصود ويكون ابعد من اختيار صاحب "الفرائد"، وقيل: أراد بقوله: "أو من: المعطوف عليه" المعطوف ففيه ضمير يعود إلى اللام، والضمير المجرور عائد إلى اسم {إنَّ} ، وليس بوجه حسن لما يلزم منه أن يكون بدلاً من المعطوف عيه. أيضاً، لما صرح المصنف في قوله تعالى:{إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ} [التوبة: 25] فحينئذ يلزم التكرار.

قوله: (فأين الراجع؟ ) هذا على تقدير البدلية لا الخبر، لوجود الراجع من قوله:{عَلَيْهِمْ} .

ص: 436

(يستهزيون)، (والصابون) وهو من: صبوت؛ لأنهم صبوا إلى اتباع الهوى والشهوات في دينهم ولم يتبعوا أدلة العقل والسمع. وفي قراءة أبيّ رضي الله عنه: (والصابئين) بالنصب، وبها قرأ ابن كثيرٍ، وقرأ عبد اللَّه:(يا أيها الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون).

[(لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَأَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ)].

(لَقَدْ أَخَذْنا) ميثاقهم بالتوحيد (وَأَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلًا) ليقفوهم على ما يأتون وما يذرون في دينهم. (كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ) جملة شرطية وقعت صفة لـ (رسلاً) والراجع محذوف؛ أي: رسول منهم (بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ): بما يخالف هواهم ويضادّ شهواتهم من مشاق التكليف والعمل بالشرائع.

فإن قلت: أين جواب الشرط، فإن قوله:(فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ) ناب عن الجواب، لأن الرسول الواحد لا يكون فريقين ولأنه لا يحسن أن تقول إن أكرمت أخى أخاك أكرمت.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ولأنه لا يحسن أن تقول: إن أكرمت أخي، أخاك أكرمت). قال صاحب "التقريب": إنما لم يحسن لأن محل تأثير الشرط هو الفعل، وبتقدم المفعول يبعد عن المؤثر، ولأنها تتوهم بادي الرأي بتقدم المفعول شبهها بالجملة الاسمية التي يجب فيها الفاء.

وقلت: الظاهر أن المراد من السؤال برمته طلب المطابقة ومراعاة المناسبة بين الشرط والجزاء من حيث المعنى لا تصحيحه من جهة الإعراب، ومن ثم قال:"لا يحسن"، ألا ترى كيف ذهب أبو البقاء والقاضي إلى أن جواب الشرط:{كَذَبُوا} ، وتقدير السؤال من وجهين:

ص: 437

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أحدهما: أن المذكور في الشرط رسول واحد؛ لأن قوله: {كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ} بيان لقوله: {وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلاً} وتفصيل لصيغة الجمع، أي: كلما جاءهم رسول من الرسل، وفي المذكور فريقان منهم فلا مطابقة.

وثانيهما: أن تقديم المفعول مفيد للاختصاص ولا دلالة في الشرط عليه، والواجب المطابقة أيضاً.

وأجاب عنه: أن الجواب محذوف والجملة مستأنفة على تقدير الجواب عن سؤال مورده الجملة الشرطية مع موصوفها، وذلك أن في إيقاع قوله:"كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم ناصبوه" بعثاً للسامع على أن يقول: كيف كانت مناصبتهم معهم وهم جاؤوا تترى أشتاتاً؟ فقيل مجيباً: بذلوا جهدهم في تكذيب فريق، وانتهزوا فرصاً لقتل آخرين بما أمكن من الكيد، وأما تقديم المفعول في قوله:"فريقاً يقتلون" فللمحافظة على الفاصلة، وفي {كَذَّبُوا} للمطابقة بين القرينتين، نحو:{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} في وجه، وعلى المثال لا تقتضي التقديم أصلاً.

وقال صاحب "الانتصاف": يدل على حذف الجواب مجيئه ظاهراً في الآية التي هي توأمة هذه: {أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُكُمْ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ} [البقرة: 87]، ولو قدر الزمخشري المحذوف بما ظهر في هذه فقال عوض ناصبوه: استكبروا، لكان أولى.

وقلت: لو أتى به لاحتاج إلى تأويل الاستكبار بالمناصبة؛ لأن المقاتلة والتكذيب مسبوقان بالمناصبة، والمناصبة نتيجة الاستكبار وسبب عنه، فقدر المسبب تعليلاً للاعتبار، ألا ترى كيف جيء بالفاء الفصيحة في قوله:{فَفَرِيقاً} ، أي: استكبرتم فناصبتموهم {فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ} [البقرة: 87].

ص: 438

قلت: هو محذوفٌ يدل عليه قوله: (فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ) كأنه قيل: كلما جاءهم رسول منهم ناصبوه، وقوله:(فَرِيقاً كَذَّبُوا) جواب مستأنف لقائل يقول: كيف فعلوا برسلهم؟

فإن قلت: لم جيء بأحد الفعلين ماضياً وبالآخر مضارعاً؟ قلت: جيء بـ (يقتلون) على حكاية الحال الماضية استفظاعاً للقتل، واستحضاراً لتلك الحال الشنيعة للتعجب منها.

[(وَحَسِبُوا أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ) 71].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فإن قلت: كيف ذكر المصنف في البقرة وجهين، حيث قال:"إنما لم يقل: وفريقاً قتلتم؟ لان المراد إما حكاية الحال الماضية أو الاستمرار، أي: فريقاً تقتلونهم بعد لأنكم تحومون حول قتل محمد صلوات الله عليه وسلامه"، وقصر هاهنا على وجه واحد؟ قلت: خصص هذه الآية بحكاية حال أسلافهم لقرينة ضمائر الغيب، وترك تلك الآية على الاحتمالين لقرينة ضمائر المخاطبين، ليكون توبيخاً للحاضرين وتعبيراً لهم بفعل آبائهم، ومن ثم عقب هذه الآية بقصة عيسى عليه الصلاة والسلام وبقوله تعالى:{لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ} الآية [المائدة: 78]، وتلك بقوله:{وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ} ، وبقوله:{وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ} الآيات [البقرة: 88 - 89].

قوله: (ناصبوه)، الأساس: ومن المجاز: نصبنا لهم حرباً، وناصبناهم مناصبة، وناصبت لفلان: عاديته نصباً.

ص: 439

قرئ: (ألا تكون) بالنصب على الظاهر، وبالرفع على:"أن" هي المخففة من الثقيلة، أصله: أنه لا يكون فتنة فخففت «أن» وحذف ضمير الشأن.

فإن قلت كيف دخل فعل الحسبان على "أن" التي للتحقيق؟ قلت: نزل حسبانهم لقوّته في صدورهم منزلة العلم.

فإن قلت: فأين مفعولاً "حسب"؟ قلت: سدّ ما يشتمل عليه صلة "أن" و"أنّ" من المسند والمسند إليه مسدّ المفعولين، والمعنى: وحسب بنو إسرائيل أنه لا يصيبهم من اللَّه فتنة، أي: بلاء وعذاب في الدنيا والآخرة.

(فَعَمُوا) عن الدين (وَصَمُّوا) حين عبدوا العجل، ثم تابوا عن عبادة العجل فـ (تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا) كرةً ثانيةً ......

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (قرئ: {أَلاَّ تَكُونَ} بالنصب): كلهم سوى أبي عمرو وحمزة والكسائي، فإنهم قرؤوا بالرفع.

قوله: (على الظاهر) أي: على "أن" في {أَلاَّ تَكُونَ} هي الناصبة للفعل.

اعلم أن الفعل الواقع قبل "أن" لا يخلو من أن لا يحتمل سوى الشك نحو: طمعت أن تقوم، فلا يجوز في مدخولها إلا النصب، لأن المخففة من الثقيلة للتحقيق، والتحقيق ينافي الشك، أو أن لا يحتمل سوى اليقين فلا تكون ناصبة بل مخففة، كقوله تعالى:{عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى} [المزمل: 20]، أو احتمل الوجهين كما في هذه الآية، فيجوز فيه الأمران.

قوله: (ثم تابوا عن عبادة العجل فـ {تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا} كرة ثانية بطلبهم المحال). وأيضاً، عطف {وَحَسِبُوا} على {كَذَّبُوا} مؤذن أن هذا الحسبان متأخر عن التكذيب والقتل، ولا ارتياب أنهما تأخرا عن زمان موسى عليه الصلاة والسلام، ولعله يتشبث بأن الواو ليست للترتيب، والنظم غير منظور إليه، وقال الزجاج: من قرأ (ألا تكون

ص: 440

بطلبهم المحال غير المعقول في صفات اللَّه وهو الرؤية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فتنة) بالرفع، فالمعنى: أنه لا تكون فتنة، أي: حسبوا فعلهم غير فاتن لهم، وذلك أنهم كانوا يقولون: نهم أبناء الله وأحباؤه فعموا وصموا، يعني أنهم لم يعملوا بما سمعوا ولم يدبروا الآيات فصاروا كالأعمى والأصم، ثم تاب الله عليهم، أي: أرسل إليهم محمداً صلى الله عليه وسلم يعلمهم أن الله قد تاب عليهم إن آمنوا وصدقوا فلم يؤمن أكثرهم فقيل: {ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ} بعد أن ازداد لهم الأمر وضوحاً.

قلت: يرد هذا القول ما سبق أن قوله: {فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ} وارد في حكاية حال أسلاف اليهود دون الحاضرين، و"حسبوا": عطف على قوله: {كَذَّبُوا} يعني: كذبوا وقتلوا وحسبوا أن لا بلاء ولا فتنة، والقول ما ذكره الإمام: أن قوله: {فَعَمُوا وَصَمُّوا} إنما كان برسول أرسل إليهم مثل داود وسليمان وغيرهما، فتاب الله عليهم فوقعت فترة فعموا وصموا، ويؤيده قوله:{لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ} الآيات [المائدة: 17 - 19]، وقوله:{لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ} [المائدة: 78].

قوله: (بطلبهم المحال غير المعقول في صفات الله تعالى، وهو الرؤية): تخصيص من غير دليل، على أن فائدة الفاء في الأولى ومن ثم في الثانية لم تظهر، لعل عنده طلب الرؤية أعظم من عبادة العجل، فجيء بثم للتراخي في الرتبة، أو طلب الرؤية تأخر عن عبادة العجل بمدة مديدة، لكن الذي صرح به في قوله تعالى قال:{لَنْ تَرَانِي} [الأعراف: 143]: أن القوم كانوا معه عليه الصلاة والسلام في هذه المرة وأن طلب الرؤية كان لجلهم، وكانت عبادة العجل من المتخلفين حينئذ، لقوله تعالى:{قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمْ السَّامِرِيُّ} [طه: 85] فلا يصح إذن.

ص: 441

وقرئ: (عموا وصموا) بالضم على تقدير: عماهم اللَّه وصمهم؛ أي: رماهم وضربهم بالعمى والصمم، كما يقال: نزكته: إذا ضربته بالنيزك، وركبته: إذا ضربته بركبتك. (كَثِيرٌ مِنْهُمْ): بدلٌ من الضمير، أو على قولهم: أكلوني البراغيث، أو هو خبر مبتدأٍ محذوفٍ، أي: أولئك كثير منهم.

[(لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَاواهُ النَّارُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ)].

لم يفرق عيسى عليه الصلاة والسلام بينه وبينهم في أنه عبد مربوبٌ كمثلهم، وهو احتجاج على النصارى. (إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ) في عبادته، أو فيما هو مختص به من صفاته أو أفعاله (فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ) التي هي دار الموحدين؛

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (بالنيزك)، الجوهري: هو رمح قصير، فارسي معرب، وقد تكلمت به الفصحاء، وقد نزكه: إذا طعنه.

قوله: (أو فيما هو مختص به من صفاته)، هذا من حيث اللفظ كما في إطلاق "الرحمن" على غير الله، ومن حيث المعنى وصف الغير بمعرفة علم الغيب، قال في أول السورة:"الاستقسام هو: طلب ما قسم لشخص مما لم يقسم له بالأزلام"، وهو الإشراك بالله في علم الغيب، أو أن تُنسب الحوادث إلى الكواكب كما كانوا يقولونه: مطرنا بنوء كذا، وقال تعالى:{وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ} [سبأ: 22]، أو أن تنسب الأفعال إلى العباد، كما يقوله المعتزلة، لا كما يقوله أهل السنة: إن الله تعالى خالق الجواهر والأعراض حقيقة، فلا يقال: إن العبد خالق لأفعال نفسه حقيقة.

ص: 442

أي: حرّمه دخولها ومنعه منه، كما يمنع المحرّم من المحرّم عليه. (وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ): من كلام اللَّه على أنهم ظلموا وعدلوا عن سبيل الحق فيما يقولوا على عيسى عليه السلام، فلذلك لم يساعدهم عليه ولم ينصر قولهم ردّه وأنكره، وإن كانوا معظمين له بذلك ورافعين من مقداره. أو من قول عيسى عليه السلام، على معنى: ولا ينصركم أحد فيما تقولون ولا يساعدكم عليه لاستحالته وبعده عن المعقول. أو ولا ينصركم ناصر في الآخرة من عذاب اللَّه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (كما يمنع المحرم) أي: حرم هنا: استعارة تبعية من المنع.

قوله: ({وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ} من كلام الله تعالى)، وقيل: صح هنا "كلام الله" بغير "من"؛ لأن ما تقدم ليس كلام الله، وفي الوجه الثاني: من قول عيسى عليه الصلاة والسلام بإثبات "مِن"؛ لأن ما تقدمه في القرآن من كلام عيسى.

وقلت: وجود "مِن" وعدمها سواء في صحة المعنى؛ لأن قوله: {وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} تذييل للكلام السابق، وعلى أن يكون تذييلاً لقوله:{لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ} كأن قوله: {وَقَالَ الْمَسِيحُ} أيضاً كلام الله حاكياً كلامه مقرراً لكلامه عز وجل، فنه تعالى لما نعى على النصارى قولهم:{إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ} في أنها كلمة شنعاء وقائلها كافر مبالغ في وضع الشيء غير موضعه أتى بقول عيسى عليه الصلاة والسلام بياناً لتبريه عنهم وخذلانه إياهم فذيله بقوله: {وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ} تأكيداً، وإليه الإشارة بقوله:"رده وأنكره وإن كانوا معظمين له"، وإذا كان تذييلاً لكلام عيسى عليه السلام، وأنه عليه الصلاة والسلام لما سوى بينه وبينهم في العبودية بقوله:{اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ} رداً لزعمهم أن الله هو المسيح، وعلله بقوله:{إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَاوَاهُ النَّارُ} زيادة للتبري عنهم ذيله بقوله: {وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ} مزيداً للتقرير، يعني أني بريء مما تقولون، ولا يصح لي أن أساعدكم

ص: 443

[(لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ* أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ* مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَاكُلانِ الطَّعامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ)].

(مِنْ) في قوله: (وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ) للاستغراق، وهي القدرة مع "لا" التي لنفي الجنس في قولك: لا إله إلا الله،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وأنصركم مع هذا الظلم؛ لأن العارف العالم لا يساعد أحداً على الظلم الفاحش والباطل البين بطلانه، والوجه الأول أبلغ؛ لأن في الجملة القسمية معنى التعجبن وقد قيدت بالحال المقررة لجهة الإشكال، وهي قوله:{وَقَالَ الْمَسِيحُ} ، كأنه قيل: ما أكفرهم، والحال أن عيسى عليه الصلاة والسلام وصاهم بخلافه وبالغ في الوصية وأكدها أبلغ تأكيد.

قوله: ({مِنْ} في قوله: {وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ} للاستغراق، وهي المقدرة مع "لا" التي لنفي الجنس في قولك: لا إله إلا الله). قال صاحب "الإقليد": إن إفادة "مِن" الاستغراقية الاستغراق لأنها تدخل لابتداء الجنس إلى انتهائه، فقولك: هل من رجل؟ تقديره: هل من واحد هذا الجنس إلى أقصاه؟ إلا أنه اكتفى بذكر "مِن" عن ذكر "إلى" لدلالة إحدى الغايتين على الأخرى، وإنما قيل: إن مثل "لا رجل" متضمن لمعنى "مِنَ" الاستغراقية؛ لأن "لا رجل في الدار" أبلغ في النفي من "لا رجل في الدار" بالرفع، ومن "ليس رجل في الدار"، ولا يمكن تقدير ما يكون به كذلك إلا بحرف مؤكد مثبت للاستغراق، فوجب تقدير "مِن"، ولو كانت "لا" مفيدة للاستغراق لذاتها لما جاز قولهم: لا رجل في الدار بل رجلان.

فإن قلت: هذا مخالف لقوله في آل عمران: "ومن" في "ما من إله إلا الله" بمنزلة البناء على الفتح في قوله: "لا إله إلا الله" في إفادة معنى الاستغراق"، قلت: قد وجه هناك أن الفتح

ص: 444

والمعنى: وما إلهٌ قط في الوجود إلا إله موصوف بالوحدانية لا ثاني له، وهو اللَّه وحده لا شريك له: و"من" في قوله: (لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ) للبيان كالتي في قوله تعالى: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ)[الحج: 30].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يجوز أن يكون فرعاً على "مِن"، وأن يكون كالأصل بنفسه، وإذا كان أصلاً جاز أن يُفرع عليه، وإذا كن فرعاً جاز أن يبلغ اشتهاره في الاستعمال بحيث يعكس معه الأمر كالصلاة في عرف الشرع واللغة.

قوله: (وما إله قط في الوجود إلا إله). قال أبو البقاء: {مِنْ} زائدة، و {إِلَه} في موضع مبتدأ، والخبر محذوف، و {إِلاَّ اللَّهَ} بدل من {إِلَه} ، وقال القاضي: ما في الوجود ذات مستحق للعبادة من حيث إنه مبديء جميع الموجودات إلا إله موصوف بالوحدانية متعال عن قبول الشركة، وقال الإمام: في تفسير {لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} : قدر النحويون: لا إله في الوجود، وذلك غير مطابق للتوحيد الحق؛ لأن هذا نفي لوجود الإله الثاني، ولو لم يُضمر هذا الإضمار لكان "لا إله" نفياً لماهية الإله الثاني، ومعلوم أن نفي الماهية أقوى في التوحيد الصرف من نفي الوجود.

وقلت: الإمام اختار مذهب التميمي، والمصنف لو ترك التقدير بقوله:"في الوجود" ليبقى مطلقاً فيتناول الوجود والإمكان وما يجري مجراهما، لكان أولى، وذكر في قوله تعالى:{فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} [الأنفال: 41]: "إذا حذف الخبر واحتمل غير واحد من المقدرات، كقولك: ثابت واجب حق لازم وما أشبه ذلك، كان أقوى لإيجابه من النص على واحد".

ص: 445

فإن قلت: فهلا قيل: وللكافرين عذابٌ أليمٌ؟ قلت: في إقامة الظاهر مقام المضمر فائدة، وهي تكرير الشهادة عليهم بالكفر في قوله:(لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا) وفي البيان فائدةٌ أخرى، وهي الإعلام في تفسير (الذين كفروا منهم) أنهم بمكانٍ من الكفر، والمعنى: ليمسنّ الذين كفروا من النصارى خاصة (عَذابٌ أَلِيمٌ) أي: نوع شديد الألم من العذاب كما تقول: أعطني عشرين من الثياب؛ تريد: من الثياب خاصةً لا من غيرها من الأجناس التي يجوز أن يتناولها "عشرون"، ويجوز أن تكون للتبعيض على معنى: ليمسنّ الذين بقوا على الكفر منهم؛ لأنّ كثيراً منهم تابوا من النصرانية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وفي البيان فائدة أخرى، وهي الإعلام في تفسير {الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ} أنهم بمكان من الكفر)، يعني: لما ذكر أولاً {لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا} على أن التعريف للجنس مبهماً ومعمماً ثم أوقع قوله: {مِنْهُمْ} تفسيراً للمبهم وتخصيصاً للعام، أفاد أنهم علم في الكفر وبمكان منه، قال في قوله تعالى:{أَنْ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * قَوْمَ فِرْعَوْنَ} [الشعراء: 10 - 11]: "سجل عليهم الظلم بأن قدم {الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}، ثم عطفهم عليهم عطف البيان، كأن معنى {الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} وترجمته: {قَوْمَ فِرْعَوْنَ} ".

وقال في الفاتحة: "قولك: هل أدلك على أكرم الناس وأفضلهم؟ فلان أبلغ من فلان الأفضل؛ لأنك ثنيت ذكره مجملاً أولاً ومفصلاً ثانياً، وأوقعت فلاناً تفسيراً للأكرم والأفضل، فجعلته علماً في الكرم والفضل".

ويمكن أن يُقال: إنه من باب رأيت منك أسداًن فجرد من نفس النصارى الذين كفروا، فعُلم أنهم من جنس {الَّذِينَ كَفَرُوا} ، مبالغة لكمال الكفر فيهم.

قوله: (ليمسن الذين بقوا على الكفر منهم) فالتعريف على هذا: للعهد، قال أبو البقاء: منهم: في موضع الحال، إما من {الَّذِينَ} أو من ضمير الفاعل في {كَفَرُوا} .

ص: 446

(أَفَلا يَتُوبُونَ): ألا يتوبون بعد هذه الشهادة المكرّرة عليهم بالكفر، وهذا الوعيد الشديد مما هم عليه، وفيه تعجب من إصرارهم (وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ): يغفر لهؤلاء إن تابوا ولغيرهم.

(قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ) صفة لـ (رسول) أي: ما هو إلا رسولٌ من جنس الرسل الذين خلوا من قبله، جاء بآياتٍ من اللَّه كما أتوا بأمثالها، أن أبرأ اللَّه الأبرص وأحيا الموتى على يده، فقد أحيا العصا وجعلها حيةً تسعى، وفلق بها البحر وطمس على يد موسى، وإن خلقه من غير ذكر، فقد خلق آدم من غير ذكر ولا أنثى. (وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ) أي: وما أمه أيضاً إلا كبعض النساء المصدّقات للأنبياء، المؤمنات بهم، فما منزلتهما إلا منزلة بشرين، أحدهما نبي، والآخر صحابي، فمن أين اشتبه عليكم أمرهما حتى وصفتموهما بما لم يوصف به سائر الأنبياء وصحابتهم مع أنه لا تميز ولا تفاوت بينهما وبينهم بوجه من الوجوه؟ !

ثم صرح ببعدهما عما نسب إليهما في قوله: (كانا يَاكُلانِ الطَّعامَ) لأنّ مَنِ احتاج إلى الاغتذاء بالطعام وما يتبعه من الهضم والنفض لم يكن إلا جسماً مركباً من عظمٍ ولحمٍ وعروقٍ وأعصابٍ،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ألا يتوبون؟ ) فسر {أَفَلا يَتُوبُونَ} به للإيذان بأن الهمزة للإنكار، ولا: نافية، والفاء: عاطفة على محذوف، أي: أيصرون فلا يتوبون؟ ففيه معنى التعجب على الإصرار والتحضيض على التوبة.

قوله: (ثم صرح ببعدهما عما نسب إليهما). قال القاضي: بين أولاً أقصى ما لهما من الكمالات، ودل على أنه لا يوجب لهما الألوهية؛ لأن كثيراً من الناس يشاركهما، ثم نبه على نقصهما، وذكر ما ينافي الربوبية ويقتضي أن يكونا من عداد المركبات، وقلت: يمكن أن تكون

ص: 447

وأخلاطٍ وأمزجةٍ مع شهوةٍ وقرمٍ وغير ذلك؛ مما يدل على أنه مصنوع مؤلف مدبر كغيره من الأجسام.

(كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ) أي: الأعلام من الأدلة الظاهرة على بطلان قولهم أَنَّى يُؤْفَكُونَ كيف يصرفون عن استماع الحق وتأمله؟

فإن قلت: ما معنى التراخي في قوله: (ثم انظر)؟ قلت: معناه ما بين العجبين؛ يعني أنه بين لهم الآيات بياناً عجيباً، وأنّ إعراضهم عنها أعجب منه.

[(قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)].

(ما لا يَمْلِكُ) هو عيسى، أي: شيئاً لا يستطيع أن يضركم بمثل ما يضركم به اللَّه من البلايا والمصائب في الأنفس والأموال، ولا أن ينفعكم بمثل ما ينفعكم به من صحة الأبدان والسعة والخصب، ولأنّ كل ما يستطيعه البشر من المضارّ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الآية على منوال قوله تعالى: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} [التوبة: 43]، رفع من شأنهما أولاً بأقصى ما لهما من الكمال، ثم جيء بالمطلوب، وهو إبطال إلهيتهما بأدنى ما لهما من النقصان لئلا يوحشهما إذا ووجها به ابتداء.

قوله: (وقرم)، الجوهري: القرم، بالتحريك شدة شهوة اللحم، وقد قرمت إلى اللحم، بالكسر: إذا اشتهيته.

قوله: (ولأن كل ما يستطيعه البشر) عطف على جملة قوله: "شيئاً لا يستطيع" من حيث المعنى، ومعلله محذوف، المعنى: لم تعبدون شيئاً لايستطيع أن يضركم ولا أن ينفعكم بمثل ما يملكه الله؟ أو: لم تعبدون ما لا يستطيع شيئاً من النفع والضر البتة؟ أي: العاجز؛ لأن كل

ص: 448

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ما يستطيعه البشر فبإقدار الله وتمكينه، وإنما علل هذا الوجه دون الأول لأن عندهم البشر قادر على الأفعال، فأزال ذلك بقوله:"إن ذلك بإقدار الله تعالى وتمكينه". وأما الأول فاستغنى عنه بقوله: "وهذا دليل قاطع"، لاشتراكه في الوجهين، وعلى الأول:{مَا} في {مَا لا يَمْلِكُ} عامة في جميع الأشياء، نبه به على أن عيسى من جملة المخلوقين فلايصلح للإلهية، وأن يكون شريكاً لله؛ لأنه لا يضركم ولا ينفعكم بمثل ما يضركم به الله وينفعكم.

قال القاضي: وإنما قال: {مَا} ، نظراً إلى ما هو عليه في ذاته توطئة لنفي القدرة عنه رأساً وتنبيهاً على أنه من هذا الجنس، ومن كان له حقيقة تقبل المجانسة والمشاركة فبمعزل عن الألوهية، وإنما قدم الضر لأن التحرز عنه أهم من تحري النفع، وعلى الثاني:"ما" وصف جيء به تحقيراً؛ أي: أتعبدون من دون الله هذا الموصوف الذي لا يملك نفعاً ولا ضُراً؟ وعلى هذين الوجهين بني المصنف قوله: {وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} على اللف والنشر حيث قال أولاً: " {هُو}: متعلق بـ {أَتَعْبُدُونَ} "، فيكون حالاً مقررة لجهة الإشكال تهديداً ووعيداً، وإليه الإشارة بقوله:"أتشركون بالله ولا تخشونه وهو الذي يسمع ما تقولون؟ "، وقال ثانياً:"أتعبدون العاجز؟ " فيون حالاً من معنى {لا يَمْلِكُ} ، ولهذا قال:"أتعبدون العاجز والله هو السميع العليم؟ " تعبيراً وتجهيلاً، ألا ترى كيف صرح بقوله:"العاجز" ليبرشدك بأن {مَا} يُراد بها الوصف.

فإن قلت: هب أن قوله: {السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} دل على التهديد؛ لأن السامع العالم إذا سمع وعلم ما يفعله المجرم يجازيه عليه، فكيف دل على التعبير؟ قلت: إذا دل على القدرة كما قال: "ولن يكون كذلك إلا وهو حي قادر" جاء التعبير كقوله تعالى: {أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ} [الصافات: 125]، ومثل هذين الوجهين سبق في البقرة عند قوله تعالى:{وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} [البقرة: 116].

ص: 449

والمنافع فبإقدار اللَّه وتمكينه، فكأنه لا يملك منه شيئاً. وهذا دليل قاطع على أن أمره مناف للربوبية، حيث جعله لا يستطيع ضراً ولا نفعاً، وصفة الرب أن يكون قادراً على كل شيء لا يخرج مقدور على قدرته.

(وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) متعلق بـ (أتعبدون)، أي: أتشركون باللَّه ولا تخشونه، وهو الذي يسمع ما تقولون ويعلم ما تعتقدون؟ أو أتعبدون العاجز واللَّه هو السميع العليم الذي يصح منه أن يسمع كل مسموع ويعلم كل معلوم، ولن يكون كذلك إلا وهو حى قادر.

[(قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ)].

(غَيْرَ الْحَقِّ) صفة للمصدر؛ أي: لا تغلوا في دينكم غلواً غير الحق؛ أي: غلواً باطلاً؛ لأنّ الغلو في الدين غلوّان:

غلوّ حق: وهو أن يفحص عن حقائقه ويفتش عن أباعد معانيه، ويجتهد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وهذا دليل قاطع على أن أمره مناف للربوبية)؛ لأن الإله هو الضار النافع، وهما اللذان يصححان العبودية؛ لأن المكلف إنما يعبده ليدفع عنه الضر ويجلب له النفع دنيا وعقبى، والتكرير في الضر والنفع للاستيعاب كما في قوله:{بُكْرَةً وَعَشِيّاً} [مريم: 11]، ومن ثم قال:"وصفة الرب أن يكون قادراً على كل شيء".

قوله: ({غَيْرِ الْحَقِّ}: صفة للمصدر). قال أبو البقاء: يجوز أن يكون حالاً من ضمير الفاعل، أي: لا تغلوا مجاوزين.

ص: 450

في تحصيل حججه كما يفعل المتكلمون من أهل العدل والتوحيد رضوان اللَّه عليهم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (كما يفعل المتكلمون من أهل العدل والتوحيد)، الانتصاف: يعني بهم المعتزلة الذين غلوا في التوحيد، فجحدوا الصفات، وغلوا في العدل فجعلوا إرادة الحق جل جلاله مغلوبة بإرادة العبد، يعني بأهل البدع من عداهم، الذين أثبتوا الصفات ولم يثبتوا خالقاً سوى الله تعالى.

وقلت: معنى قوله تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ} ومعنى قوله في النساء: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ} [النساء: 171] واحد، وقد قال المصنف:"غلت اليهود في حط المسيح من منزلته حيث جعلوه مولوداً لغير رشدة، وغلت النصارى في رفعه عن مقداره حيث جعلوه إلها"، والطريق القصد هو ما عليه المسلمون، كذلك القدرية يثبتون القدرة لغير الله مطلقاً، والجبرية يسلبون القدرة من الغير رأساً، وأهل السنة على الصراط المستقيم، وكذلك المعطلة لا يثبتون لله تعالى صفات، والمجسمون يشبهونه بالخلق، وأهل السنة اختاروا القصد والطريق السوي، فالمناسب أن يجعل {غَيْرَ الْحَقِّ}: مصدراً مؤكداً من حيث المعنى لا صفة للمصدر، لأن الغلو لا يكون حقاً.

قال الراغب: الغلو: تجاوز الحد، من قولهم: غلا السهم وغلا السعر، ويستعمل في الإفراط دون التفريط، وكلاهما مذمومان، والخطاب لليهود والنصارى، فالنصارى غلوا في رفعه، واليهود في وضعه، وإنما جمع الهوى بينهما، على أنهم متفاوتو المراد في باطلهم.

ص: 451

وغلوٌّ باطلٌ: وهو أن يتجاوز الحق ويتخطاه بالإعراض عن الأدلة واتباع الشبه، كما يفعل أهل الأهواء والبدع.

(قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ) هم أئمتهم في النصرانية، كانوا على الضلال قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم. (وَأَضَلُّوا كَثِيراً) ممن شايعهم على التثليث. (وَضَلُّوا) لما بعث رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم (عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ): حين كذبوه وحسدوه وبغوا عليه.

[(لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ* كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ* تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ* وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِياءَ وَلكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فاسِقُونَ) 78 - 81].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: ({وَضَلُّوا} : لما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم. أسند {ضَلُّوا} أولاً إلى أسلافهم، وثانياً إلى أعقابهم لئلا يلزم التكرار فيكون الخاطبون غيرهم، وقال الراغب: فيه وجوه: الأول: اريد: قد ضلوا عن سواء السبل، فلما فصل بينه وبين ما يتعلق به أعيد ذكره، كقوله تعالى:{لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنْ الْعَذَابِ} [آل عمران: 188]، الثاني: أن الضال قد يعتقد أنه لا يضل غيره، وهو ضال بذلك، فبين الله تعالى أن هؤلاء ضلوا في أنفسهم وضلوا بإضلالهم غيرهم، كقوله تعالى:{لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} [النحل: 25]، والثالث: أن لله تعالى هاديين: العقل والرسول، والعقل مقدم على الرسول من حيث إنه بالعقل يهتدي إلى معرفة الرسول، فقوله:{قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ} إشارة إلى ضلالهم عن مقتضى العقل، {وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ}: إلى ما أتى به الرسول.

ص: 452

نزّل اللَّه لعنهم في الزبور (عَلى لِسانِ داوُدَ) وفي الإنجيل على لسان عيسى.

وقيل: إن أهل أيلة لما اعتدوا في السبت قال داود عليه السلام: اللهم العنهم واجعلهم آية؛ فمسخوا قردةً، ولما كفر أصحاب عيسى عليه السلام بعد المائدة قال عيسى عليه السلام: اللهم عذب من كفر بعد ما أكل من المائدة عذاباً لم تعذبه أحداً من العالمين، والعنهم كما لعنت أصحاب السبت، فأصبحوا خنازير وكانوا خمسة آلاف رجل، ما فيهم امرأة ولا صبيّ.

(ذلِكَ بِما عَصَوْا) أي: لم يكن ذلك اللعن الشنيع الذي كان سبب المسخ، إلا لأجل المعصية والاعتداء، لا لشيءٍ آخر، ثم فسر المعصية والاعتداء بقوله:(كانُوا لا يَتَناهَوْنَ) لا ينهى بعضهم بعضاً (عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ). ثم قال: (لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ) للتعجيب من سوء فعلهم مؤكداً لذلك بالقسم. فيا حسرةً على المسلمين في إعراضهم عن باب التناهي عن المناكير وقلة عبثهم به، كأنه ليس من ملة الإسلام في شيءٍ مع ما يتلون من كلام اللَّه وما فيه من المبالغات في هذا الباب.

فإن قلت: كيف وقع ترك التناهى عن المنكر تفسيراً للمعصية والاعتداء؟ قلت:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (إلا لأجل المعصية [والاعتداء] لا لشيء آخر). الحصر مستفاد من إيقاع اسم الإشارة استئنافاً والجار والمجرور خبراً له بعد إثبات اللعن والطرد لهم على المبالغة، كأن السامع لما وقف على ما فُعل بهم من اللعن والطرد على لسان نبيين معظمين، استعظم ذلك وتوهم أن له أسباباً شتى فقال: ما سبب ذلك الأمر الفظيع والخطب الهائل؟ فقيل: ذلك بسبب عصيانهم واعتدائهم، وهو عدم التناهي عن المناكير.

قوله: (وقلة عبثهم به) أي: عدم مبالاتهم، ما عبثت بفلان؛ أي: ما باليت به.

ص: 453

من قبل أنّ اللَّه تعالى أمر بالتناهى، فكان الإخلال به معصية وهو اعتداء، لأنّ في التناهى حسبما للفساد فكان تركه على عكسه.

فإن قلت: ما معنى وصف المنكر بـ (فعلوه) ولا يكون النهى بعد الفعل؟ قلت: معناه لا يتناهون عن منكر فعلوه، أو عن مثل منكرٍ فعلوه، أو عن منكرٍ أرادوا فعله، كما ترى أمارات الخوض في الفسق وآلاته تسوّى وتهيأ فتنكر، ويجوز أن يراد: لا ينتهون ولا يمتنعون عن منكرٍ فعلوه، بل يصبرون عليه ويداومون على فعله، ........

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ما معنى وصف المنكر بـ {فَعَلُوهُ}؟ ) يعني: لا يصح أن يكون {فَعَلُوهُ} صفة لـ {مُنكَرِ} ؛ لأن التناهي عن منكر قد سبق ومضى محال.

قوله: (معناه: لا يتناهون عن معاودة منكر فعلوه). قال صاحب "الانتصاف": وفي توبيخهم إشعار بأنهم فعلوا المنكر، وبأنهم لم ينهوا عن أمثاله في المستقبل، ولولا زيادة {فَعَلُوهُ} لما صرح بوقوعها منهم، ودلت الآية على أن متعلق النهي فعل ضد المنهي عنه؛ لأنه عبر عن ترك التناهي بقوله:{لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} ، فسماه بقوله:{لَوْلا يَنْهَاهُمْ الرَّبَّانِيُّونَ} ، إلى قوله:{يَصْنَعُونَ} [المائدة: 63]، وهو أبلغ؛ لأن الصنع أبلغ. ثم كلامه.

ويجوز أن يجري {لا يَتَنَاهَوْنَ} على حكاية الحال الماضية لاكتنافه بالماضيين، كقوله تعالى:{وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ} [فاطر: 9]؛ تصويراً لتناهيهم في التواني عن التناهي عنالأفعال الشنيعة، وهي تركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لينزجر السامع عن ارتكاب مثلها.

قوله: (ويجوز أن يُراد) عطف على معنى قوله: "لا ينهى بعضهم بعضاً"، فوضع يتفاعلون

ص: 454

يقال: تناهى عن الأمر وانتهى عنه إذا امتنع منه وتركه.

(تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ): هم منافقو أهل الكتاب، كانوا يوالون المشركين ويصافونهم. (أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ) هو المخصوص بالذمّ، ومحله الرفع، كأنه قيل: لبئس زادهم إلى الآخرة سخط اللَّه عليهم. والمعنى: موجب سخط اللَّه (وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ) إيماناً خالصاً غير نفاق ما اتخذوا المشركين (أَوْلِياءَ) يعني: إنّ موالاة المشركين كفى بها دليلاً على نفاقهم، وإنّ إيمانهم ليس بإيمانٍ. (وَلكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فاسِقُونَ): متمرّدون في كفرهم ونفاقهم. وقيل معناه: ولو كانوا يؤمنون باللَّه وموسى كما يدّعون، ما اتخذوا المشركين أولياء كما لم يوالهم المسلمون.

[(لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ* وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ* وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ* فَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ* وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ) 82 - 86].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

موضع يفعلون للمبالغة، كما سبق في {يُخَادِعُونَ اللَّهَ} ، كأنهم كانوا في ارتكابهم المناكير مع دواعيهم وآرائهم بمنزلة الأمر الراكب، وإلى المبالغة أشار بقوله:"بل يصبرون ويداومون".

قوله: (وقيل: معناه: ولو كانوا يؤمنون بالله وموسى): عطف على قوله: " {وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ} إيماناً خالصاً"، والمراد بـ "النبي": محمد صلى الله عليه وسلم، وبـ"ما أنزل": القرآن، وعلى هذا المراد بـ "النبي": موسى، وبـ "ما أنزل": التوراة.

ص: 455

وصف اللَّه شدّة شكيمة اليهود وصعوبة إجابتهم إلى الحق ولين عريكة النصارى وسهولة ارعوائهم وميلهم إلى الإسلام، وجعل اليهود قرناء المشركين في شدّة العداوة للمؤمنين، بل نبه على تقدّم قدمهم فيها بتقديمهم على الذين أشركوا، وكذلك فعل في قوله (وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا) [البقرة: 96]، ولعمري إنهم لكذلك وأشدّ. وعن النبىّ صلى الله عليه وسلم «ما خلا يهوديان بمسلم إلا هما بقتله» .

وعلل سهولة مأخذ النصارى وقرب مودّتهم للمؤمنين (بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً) أي:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وعلل سهولة مأخذ النصارى وقرب مودتهم للمؤمنين {بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ}). وقلت: وفي وضع {مَا} الموصولة مع صلتها موضع "النصارى"؛ لأنه في مقابلة ذكر اليهود تتميم لذلك المعنى. فإن قلت: أي فرق بين هذا المعنى في هذا المقام وبينه في قوله تعالى: {وَمِنْ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ} [المائدة: 14]؟ قلت: ولا ارتياب أن المعاني تتفاوت بحسب تفاوت المقامات، فإن مقام المدح يقتضي أن يفسر بما ينبئ عن المدح وبالعكس، ولما كان ذلك المقام مقام نقض الميثاق، كان المعنى على التعبير والتأنيب، وأني قال: من الذين ادعوا على أنفسهم هذا الوصف الفاضل: أخذنا ميثاقهم فنسوا، وقد ذكرنا أن نسبة النسيان إليهم ونقص الميثاق إلى اليهود مراعاة لهذا المعنى، وهو سهولة مأخذهم وشدة شكيمة اليهود، ولكن في قول المصنف في ذلك المقام:"إنما سموا أنفسهم بذلك ادعاء لنصرة الله" تسامح لما كان ينبغي له أن يقول: إنما حكى الله تعالى قولهم ذلك تعبيراً لهم وتذكيراً لما نسبوا إلى أنفسهم ثم نسوه، قال صاحب "الانتصاف": إنما قال: {الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى} تعريضاً لشدة ضلالة اليهود في الكفر إذ قيل لهم: {يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ} الآية [المائدة: 21]، فقالوا: اذهب أنت

ص: 456

علماء وعباداً (وَأَنَّهُمْ) قومٌ فيهم تواضع واستكانةٌ، ولا كبر فيهم، واليهود على خلاف ذلك. وفيه دليل بين على أنّ التعلم أنفع شيءٍ وأهداه إلى الخير، وأدله على الفوز حتى علم القسيسين، وكذلك غم الآخرة والتحدّث بالعاقبة، وإن كان في راهبٍ، والبراءة من الكبر وإن كانت في نصراني، ووصفهم اللَّه برقة القلوب وأنهم يبكون عند استماع القرآن، وذلك نحو ما يحكى عن النجاشيّ رضي الله عنه أنه قال لجعفر بن أبي طالب - حين اجتمع في مجلسه المهاجرون إلى الحبشة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وربك، وقالت النصارى: نحن أنصار الله، وأما التي مرت {وَمِنْ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى} [المائدة: 14] فللتنبيه على أنهم ما وفوا بما عاهدوا عليه، وها هنا لبيان أنهم أقرب حالاً من اليهود.

قوله: ({وَأَنَّهُمْ} قوم فيهم تواضع واستكانة ولا كبر فيهم) تفسير لقوله: {وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ} ، وكان من الظاهر أن يُقال: بأن بعضهم قسيسين ورهباناً وكلهم متواضعون، فعدل إلى ما عليه التلاوة من إعادة "أن" والإتيان بالمضارع لمزيد التحقيق والدلالة على الاستمرار، وأنهم قوم عادتهم التواضع، نحو: فلان يقري الضيف.

قوله: (وكذلك غم الآخرة) عطف على "أن العلم"، "والبراءة من الكبر"عطف على "غم الآخرة"، وذلك وصف لـ {قِسِّيسِينَ} ، وذاك لـ "رهبانا"، وهذا لعامتهم، أي: فيه دليل بين على أن العلم وغم الآخرة والبراءة من الكبر أنفع شيء وأهداه إلى الخير وأدله علىلفوز.

قوله: (ما يحكى عن النجاشي) ستجيء قصته مع جعفر بن أبي طالب رضي الله عنهما في سورة التوبة عند قوله: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ} [التوبة: 100].

ص: 457

والمشركون وهم يغرونه عليهم ويتطلبون عنتهم عنده -: هل في كتابكم ذكر مريم؟ قال جعفر: فيه سورة تنسب إليها، فقرأها إلى قوله:(ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ)[مريم: 34] وقرأ سورة طه إلى قوله: (وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى)[طه: 9] فبكى النجاشي، وكذلك فعل قومه الذين وفدوا على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وهم سبعون رجلاً حين قرأ عليهم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم سورة يس، فبكوا.

فإن قلت: بم تعلقت اللام في قوله: (لِلَّذِينَ آمَنُوا)؟ قلت: بـ (عداوة) و (مودّة) على أنّ عداوة اليهود التي اختصت المؤمنين أشدّ العداوات وأظهرها، وأن مودّة النصارى التي اختصت المؤمنين أقرب المودّات، وأدناها وجوداً، وأسهلها حصولاً. ووصف اليهود بالعداوة والنصارى بالمودّة مما يؤذن بالتفاوت، ثم وصف العداوة والمودّة بالأشدّ والأقرب.

فإن قلت: ما معنى قوله: (تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ)؟ قلت: معناه تمتلئ من الدمع حتى تفيض، لأن الفيض أن يمتلئ الإناء أو غيره حتى يطلع ما فيه من جوانبه، فوضع الفيض الذي هو من الامتلاء موضع الامتلاء، وهو من إقامة

المسبب مقام السبب، أو قصدت المبالغة في وصفهم بالبكاء فجعلت أعينهم كأنها تفيض بأنفسها، أي: تسيل من الدمع من أجل البكاء من قولك: دمعت عينه دمعاً.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ثم وصف العداوة والمودة بالأشد والأقرب) يريد أن هذا الوصف تتميم لذلك المعنى، على أن "أقرب" محمول على قرب الحال لا التفضيل؛ لأن اليهود ليسوا من المودة في شيء.

قوله: (أو قصدت المبالغة) هذا يوهم أن الوجه الأول ليس فيه مبالغة، وكيف به وإنه من المجاز المرسل؟ لكن مراده أن الثاني أبلغ؛ لأنه من الإسناد المجازي، من قولك: نهر جار وطريق سائر. الانتصاف: هذه العبارة أبلغ العبارات، فأولها: فاض دمع عينه، وهو الأصل،

ص: 458

فإن قلت: أي: فرق بين "مِن" و"مِن" في قوله (مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ)؟ قلت: الأولى: لابتداء الغاية على أن فيض الدمع ابتدأ ونشأ من معرفة الحق، وكان من أجله وبسببه، والثانية: لتبيين الموصول الذي هو ما عرفوا. وتحتمل معنى التبعيض على أنهم عرفوا بعض الحق، فأبكاهم وبلغ منهم، فكيف إذا عرفوه كله وقرءوا القرآن وأحاطوا بالسنة؟

وقرئ (ترى أعينهم) على البناء للمفعول.

(رَبَّنا آمَنَّا) المراد به إنشاء الإيمان، والدخول فيه. (فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ): مع أمّة محمدٍ صلى الله عليه وسلم الذين هم شهداء على سائر الأمم يوم القيامة. (لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ)[البقرة: 143] وقالوا ذلك؛ لأنهم وجدوا ذكرهم في الإنجيل كذلك.

(وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ): إنكارٌ استبعادٌ لانتفاء الإيمان مع قيام موجبه وهو الطمع في إنعام اللَّه عليهم بصحبة الصالحين: وقيل: لما رجعوا إلى قومهم لاموهم فأجابوهم بذلك، أو أرادوا: وما لنا لا نؤمن باللَّه وحده لأنهم كانوا مثلثين، .........

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

والثانية: المحولة: فاضت عينه دمعاً، حول الفاعل تمييزاً مبالغة، والثالثة: فاضت عينه من الدمع فلم ينبه على الأصل كما في الثانية، بل أبزر به تعليلاً، وهذا أبلغ؛ لأن التمييز قد اطرد وضعه في هذا الباب موضع الفاعل، نحو: تصبب زيد عرقاً، واشتعل الرأس شيباً، وتفجرت الأرض عيوناً، والتعليل لم يعهد فيه ذلك، فيجوز: فاضت عينه من ذكر الله، كما تقول: فاضت من الدمع، وقد نبه المصنف بقوله:"من أجله وبسببه" على أن من الابتدائية سببيه.

قوله: (وقيل: لما رجعوا). الضمير للوفد الذين قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من عند النجاشي.

ص: 459

وذلك ليس بإيمانٍ باللَّه، ومحل (لا نُؤْمِنُ) النصب على الحال، بمعنى: غير مؤمنين، كقولك مالك قائماً، والواو في (وَنَطْمَعُ) واو الحال. فإن قلت: ما العامل في الحال الأولى والثانية؟ قلت: العامل في الأولى ما في اللام من معنى الفعل، كأنه قيل: أي: شيء حصل لنا غير مؤمنين، وفي الثانية معنى هذا الفعل، ولكن مقيداً بالحال الأولى لأنك لو أزلتها وقلت: وما لنا ونطمع، لم يكن كلاماً، ويجوز أن يكون (وَنَطْمَعُ) حالاً من (لا نؤمن)، على أنهم أنكروا على نفوسهم أنهم لا يوحدون اللَّه، ويطمعون مع ذلك أن يصحبوا الصالحين، وأن يكون معطوفاً على (لا نؤمن) على معنى: وما لنا نجمع بين التثليث وبين الطمع في صحبة الصالحين، أو على معنى:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (والواو في {وَنَطْمَعُ} واو الحال)، أي: ونحن نطمع؛ لأن المضارع المثبت لا يحتاج إليها.

قوله: (مقيداً بالحال الأولى) فيعود المعنى: أي شيء حصل لنا غير مؤمنين طامعين؟ أي: لِمَ لم نكن مؤمنين طامعين؟ وهو موافق للوجه الثاني في العطف كما سيأتي، وهو لـ "ما لنا نجمع بينهما بالدخول في الإسلام".

قوله: (ويجوز أن يكون {وَنَطْمَعُ} حالاً من {لاَّ نُؤْمِنَ})، فعلى هذا الوجه يكونان حالين متداخلتين كما كانتا على الأول مترادفتين، والمعنى: أي شيء حصل لنا غير مؤمنين في حال الطمع؟ وتحريره: ما لنا لا نوحد الله ونطمع مع ذلك مصاحبة الصالحين.

قوله: (وما لنا نجمع بين التثليث) إلى آخره، أي: أي شيء لنا نجمع بين عدم الإيمان والطمع؟ أو: لم لا نجمع بين الإيمان والطمع؟ قال صاحب "التقريب": فعلى الأول ورد المع على النفي، وعلى الثاني ورد النفي على الجمع.

ص: 460

وما لنا لا نجمع بينهما بالدخول في الإسلام، لأن الكافر ما ينبغي له أن يطمع في صحبة الصالحين.

قرأ الحسن: (فآتاهم اللَّه).

(بِما قالُوا): بما تكلموا به عن اعتقاد وإخلاص، من قولك: هذا قول فلان، أي: اعتقاده وما يذهب إليه.

[(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ* وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ)].

(طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ): ما طاب ولذ من الحلال، ومعنى (لا تُحَرِّمُوا): لا تمنعوها أنفسكم كمنع التحريم، أو لا تقولوا: حرّمناها على أنفسنا مبالغة منكم في العزم على تركها تزهداً منكم وتقشفاً. وروي أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وصف القيامة لأصحابه يوماً فبالغ وأشبع الكلام في الإنذار،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (لأن الكافر لا ينبغي له أن يطمع) تعليل لقوله: "لا نجمع بينهما بالدخول في الإسلام"، ويمكن أن ينزل على الوجوه بأسرها.

قوله: (وتقشفا)، النهاية: التقشف: يبس العيش، وقد قشف يقشف، ورجل متقشف أي: تارك للنظافة والترفه.

قوله: (وروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصف القيامة) إلى آخره، نحوه روينا عن البخاري ومسلم، عن أنس، قال: سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نفراً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أنام على فراش، قال: "ما بال أقوام قالوا كذا وكذا؟ ولكني أصلي وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج النساء، فمن

ص: 461

فرقوا واجتمعوا في بيت عثمان بن مظعون، واتفقوا على أن لا يزالوا صائمين قائمين، وأن لا يناموا على الفُرُش، ولا يأكلوا اللحم والودك، ولا يقربوا النساء والطيب، ويرفضوا الدنيا ويلبسوا المسوح ويسيحوا في الأرض، ويجبوا مذاكيرهم،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

رغب عن سنتي فليس مني"، وأما قوله: "إن لأنفسكم عليكم حقاً" فروى أحمد بن حنبل وأبو داود والدارمي، عن عائشة رضي الله عنها؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعثمان بن مظعون في حديث طويل: "إن لأهلك عليك حقاً، وإن لضيفك عليك حقاً، وإن لنفسك عليك حقاً، فصُم وأفطر، وصل ونم".

قوله: (في بيت عثمان بن مظعون)، قال صاحب "الجامع": هو أبو السائب عثمان بن مظعون الجمحي القرشي، أسلم بعد ثلاثة عشر رجلاً، وهاجر الهجرتين، وشهد بدراً، وكان حرم الخمر في الجاهلية، وهو أول من مات من المهاجرين بالمدينة على رأس ثلاثين شهراً من الهجرة، وقيل: بعد اثنين وعشرين شهراً، وقبل النبي صلى الله عليه وسلم وجهه بعد موته، ولما دفن قال:"نعم السلف هو لنا"، ودفن بالبقيع.

قوله: (المسوح)، الجوهري: المسح: البلاس، والجمع أمساح ومسوح.

والمذاكير: جمع الذكر على غير قياس، كأنهم فرقوا بين الذكر الذي هو العضو في الجمع وبين الذكر الذي هو خلاف الأنثى.

ص: 462

فبلغ ذلك رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فقال لهم: "إني لم أؤمر بذلك، إن لأنفسكم عليكم حقاً، فصوموا وأفطروا، وقوموا وناموا، فإني أقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وآكل اللحم والدسم، وآتي النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني" ونزلت.

وروي أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كان يأكل الدجاج والفالوذ. وكان يعجبه الحلواء والعسل، وقال:«إن المؤمن حلو يحب الحلاوة» ، وعن ابن مسعود أن رجلا قال له: إنى حرمت الفراش فتلا هذه الآية، وقال: نَمْ على فراشك وكفر عن يمينك. وعن الحسن: أنه دُعي إلى طعام ومعه فرقد السبخي وأصحابه، فقعدوا على المائدة وعليها الألوان من الدجاج المسمن والفالوذ وغير ذلك، فاعتزل فرقد ناحيةً، فسأل الحسن: أهو صائمٌ؟ قالوا: لا، ولكنه يكره هذه الألوان، فأقبل الحسن عليه وقال: يا فريقد، أترى لعاب النحل بلباب البرّ، بخالص السمن يعيبه مسلمٌ؟ ! وعنه: أنه قيل له: فلانٌ لا يأكل الفالوذ ويقول: لا أؤدّي شكره، قال: أفيشرب الماء البارد؟ قالوا: نعم. قال: إنه جاهلٌ، إن نعمة اللَّه عليه في الماء البارد أكثر من نعمته عليه في الفالوذ. وعنه: إن اللَّه تعالى أدّب عباده فأحسن أدبهم. قال اللَّه تعالى: (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ)[الطلاق: 7] ما عاب اللَّه قوماً وسع عليهم الدنيا فتنعموا وأطاعوا، ولا عذر قوماً زواها عنهم فعصوه.

(وَلا تَعْتَدُوا): ولا تتعدوا حدود ما أحل اللَّه لكم إلى ما حرّم عليكم،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وكان يعجبه الحلواء والعسل)، روينا عن البخاري ومسلم والترمذي، عن عائشة، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الحلواء والعسل.

قوله: (ولا تتعدوا). اعلم أن "لا تعتدوا" إما من المجاوزة، وإما من الظلم، قال الجوهري: التعدي: مجاوزة الشيء إلى غيره، يقال: عديته فتعدى، أي: تجاوز، وعدا عليه: من الظلم،

ص: 463

أو ولا تسرفوا في تناول الطيبات، أو جعل تحريم الطيبات اعتداء وظلماً، فنهى عن الاعتداء ليدخل تحته النهى عن تحريمها دخولاً أولياً لوروده على عقبه، أو أراد: ولا تعتدوا بذلك (وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ) أي: من الوجوه الطيبة التي تسمى رزقاً.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يعدو عداء واعتدى عليه بمعنى، فعلى الأول فيه وجهان، أحدهما: لا تجاوزوا حدود ما عين الله لكم، يعني: من أحل الله له تناول الطيبات ينبغي أن يكون في حيزه، فإذا تجاوز عنه وقع في حيز ما حرمه عليه، كذا فسر قوله:{تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا} في البقرة [الآية: 229]، وقال:"من كان في طاعة الله والعمل بشرائعه فهو متصرف في حيز الحق، فنهي أن يتعداه؛ لأن من تعداه وقع في حيز الباطل"، وثانيهما: لا تسرفوا؛ لأن الإسراف أيضاً تجاوز الحد، والمعنى ظاهر، وعلى أن يكون بمعنى الظلم فيه وجهان أيضاً: ألا يقدر للاعتداء متعلق ليكون مطلقاً فيتناول جميع ما يسمى اعتداء، ويدخل فيه هذا الاعتداء الخاص دخولاً أولياً لوروده عقيبه، وثانيهما: أن يُقدر ما يُنبئ عنه السياق، وإليه الإشارة بقوله:"ولا تعتدوا بذلك" أي: بتحريم الطيبات.

قوله: (التي تسمى رزقاً)، يعني الحلال، فإن الحرام لا يسمى رزقاً عنده، قال القاضي:{حَلالاً} إما مفعول "كلوا"؛ و {مما} : حال منه تقدمت عليه، أو: حال من الموصول، أو: صفة لمصدر محذوف، وعلى الوجوه: لو م يقع الرزق على الحرام لم يكن لذكر الحلال فائدة زائدة.

الراغب: الرزق: يقال لما يجعل غذاء، ويقال للعطية جميعاً، قال تعالى:{وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} [هود: 6] أي: ما تتغذى به، وقال تعالى:{وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [السجدة: 16] أي: ما أعطيناهم، قال بعضهم: هذه الآية تقتضي أن الرزق يقع على الحرام

ص: 464

(حَلالًا): حالٌ مما رزقكم اللَّه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أيضاً؛ لأنه خص فقال: {مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ حَلالاً طَيِّباً} ، فلولا أنه يتناولهما لما كان لتخصيصه فائدة، وقال مخالفه:{حَلالاً طَيِّباً} ، انتصابه على أنه حال مؤكدة، كأنه قيل: كلوا مما رزقكم الله وهو حلال طيب.

قوله: ({حَلالاً}: حال مما رزقكم الله)، وقال في البقرة [الآية: 168]: " {حَلالاً}: مفعول {كَّلُوا}، أو حال {مِمَّا فِي الأَرْضِ} "، لعل اختصاص الحال بهذا المقام دون ذلك المقام؛ لأن الخطاب هنالك عام يدل عليه مجيء {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [البقرة: 172] بعده، وهاهنا خاص بالمؤمنين الذين ضيقوا على أنفسهم وتحرجوا من الحلال، فاقتضى لذلك حالاً مؤكدة، ولهذا أكد بقوله:{وَاتَّقُوا اللَّهَ} وبقوله: {الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ} .

وقلت: الأولى ما قاله أبو البقاء: أن {حَلالاً} : صفة مصدر محذوف، أي: أكلا حلالا، ليكون توسعة في الكل ورفعاً للتضييق، سيما إذا اعتبر معنى {طَيِّباً} معه، وذلك أن ورود هذا الأمر عقيب النهي عن التحريم للطيبات والتشديد فيه بقوله:{لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} يقتضي ما يقابله من التوسعة.

وبيان النظم ما أشار إليه الراغب، قال: لما ذكر حال الذين قالوا: إنا نصارى، ذكر أن منهم قسيسين ورهبانا، فمدحهم بذلك، وكانت الرهبانية قد حرموا على أنفسهم طيبات ما أحل الله لهم، ورأى الله قوماً تشوفوا إلى حالهم وهموا أن يقتدوا بهم، نهاهم عن ذلك، وقوله

ص: 465

(وَاتَّقُوا اللَّهَ): تأكيدٌ للتوصية بما أمر به، وزاده تأكيداً بقوله:(الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ)، لأنّ الإيمان به يوجب التقوى في الانتهاء إلى ما أمر وعما نهى عنه.

[(لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) 89].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تعالى: {وَلا تَعْتَدُوا} يجوز أن يكون حكماً لما دل عليه قوله: {لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا} إلى تناول المحظورات، وأن يكون نهياً عن الطرفين في التفريط والإفراط وحملاً على القصد، فإن قيل: لَِم لم يقل: والله يبغض المعتدين، ليكون أبلغ؟ قيل: بل المذكور أبلغ؛ لأن من المعتدين من لا يوصف بأن الله يبغضه ويوصف بأن الله لا يحبه، وهو من لم يكن اعتداؤه كبيراً.

قوله: {وَاتَّقُوا اللَّهَ} : تأكيد للتوصية بما أمر به)؛ لأن الأمر بالتقوى أمر بالامتثال بجميع ما يجب أن يأتمر به المكلف ونهي عن جميع ما يجب أن يحترز منه، فمنه الأمر بأكل الحلال، أو {وَاتَّقُوا اللَّهَ} في ذلك ما سبق في {وَلا تَعْتَدُوا} ، ولأنه مثله في الإطلاق والتقييد، وكذا في ترتب هذا الحكم على قوله:{وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ} مزيد توكيد لذلك الأمر، يعني: اختصاص الله بإيمانكم يوجب الامتثال بما أمر به والانتهاء عما نهى عنهن ومن جملتها هذا المأمور، وإنما قدرنا الانتهاء ثانياً ولم يقدر المصنف، بل عدى الانتهاء الواحد تارة بـ"إلى"، وأخرى بـ"عن" صورة، ومراده بالثاني غير الأول؛ لأن الأول بمعنى الإفضاء، والثاني مطاوع نهاه فانتهى، فلابد من إضمار؛ لأنه ليس من قبيل: شهد لزيد على عمرو، ورغب عنه إليه، بل من باب قوله:

ص: 466

اللغو في اليمين: الساقط الذي لا يتعلق به حكم: واختلف فيه، فعن عائشة رضي الله عنها أنها سئلت عنه فقالت: هو قول الرجل: لا واللَّه، وبلى واللَّه، وهو مذهب الشافعي.

وعن مجاهد: هو الرجل يحلف على الشيء يرى أنه كذلك، وليس كما ظن، وهو مذهب أبي حنيفة رحمه الله.

و(بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ): بتعقيدكم الأيمان، وهو توثيقها بالقصد والنية.

وروي أن الحسن رضي الله عنه سئل عن لغو اليمين، وكان عنده الفرزدق فقال: يا أبا سعيد، دعني أجب عنك فقال:

وَلَسْتُ بِمَاخُوذٍ بِلَغوٍ تَقُولُهُ

إذَا لَمْ تَعَمَّدْ عَاقِدَاتِ الْعَزَائِمِ

وقرئ: (عقدتم) بالتخفيف، و (عاقدتم)، والمعنى: ولكن يؤاخذكم بما عقدتم إذا حنثتم، فحذف وقت المؤاخذة؛ لأنه كان معلوماً عندهم، أو بنكث ما عقدتم، فحذف المضاف. (فَكَفَّارَتُهُ): فكفارة نكثه، ......

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

متقلداً سيفاً ورمحا

قوله: ("عقدتم"، بالتخفيف): حمزة والكسائي وابن عياش عن عاصم: بالتخفيف، وابن عامر:"عاقدتم"، وهو من فاعل بمعنى فَعَل.

قوله: (فكفارة نكثه) يجوز أن يكون الضمير منه عائداً إلى العقد المدلول عليه بالفعل المتقدم، ويجوز أن يعود إلى الأيمان، قال صاحب "الكشف": ولم يقل: فكفارتها؛ لأن أفعالاً

ص: 467

والكفارة: الفعلة التي من شأنها أن تكفر الخطيئة؛ أي: تسترها.

(مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ): من أقصده، لأنّ منهم من يسرف في إطعام أهله، ومنهم من يقتر. وهو عند أبي حنيفة رحمه الله نصف صاعٍ من برّ، أو صاعٌ من غيره لكل مسكينٍ، أو يغديهم ويعشيهم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إن كان جمعاً فهو في حم المفرد، كقوله تعالى:{وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ} [النحل: 66]، وقال المصنف في سورة النحل: ذكر سيبويه الأنعام في باب ما لا ينصرف في الأسماء المفردة الواردة على أفعال، كقولهم: ثوب أكياس، ولذلك رجع الضمير إليه مفرداً، وأما في {فِي بُطُونِهَا} في سورة المؤمنين فلأن معناه الجمع.

قوله: ({مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ} : من أقصده؛ لأن منهم من يُسرف

، ومنهم من يُقتر)، الأساس: من المجاز: قصد في معيشته واقتصد، وقصد في المر: إذا لم يجاوز فيه الحد ورضي بالتوسط، وهو يحتمل أن يكون بياناً للنوع كما روى محيي السنة، عن عبيدة السلماني: الأوسط: الخبز والخل، والأعلى: الخبز واللحم، والأدنى: الخبز البحت، والكل مجز، أو للمقدار، كما قال القاضي: من أقصده في النوع أو القدر معاً، والذي ذكره المصنف:"وهو عند أبي حنيفة نصف صاع من بر، أو صاع من غيره" جامع لهما؛ لأن المراد من قوله: "من بُر أو غيره" بيان النوع، ومن قوله:"نصف صاع أو صاع" بيان المقدار، وهو القصد أيضاً.

ص: 468

وعند الشافعي رحمه الله: مدّ لكل مسكينٍ. وقرأ جعفر بن محمدٍ: (أهاليكم) بسكون الياء. والأهالي: اسم جمعٍ لأهل: كالليالي في جمع ليلةٍ، والأراضي في جمع أرضٍ. وقولهم:(أهلون) كقولهم: (أرضون) بسكون الراء. وأما تسكين الياء في حال النصب فللتخفيف كما قالوا: رأيت معدي كرب تشبيهاً للياء بالألف.

(أَوْ كِسْوَتُهُمْ): عطفٌ على محل (مِنْ أَوْسَطِ). وقرئ: بضم الكاف، ونحوه: قدوةٌ في: قدوةٍ، .......

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله ({أَوْ كِسْوَتُهُمْ}: عطف على محل {مِنْ أَوْسَطِ})، ونقل في الحواشي عن المصنف: وجهه أن يكون {مِنْ أَوْسَطِ} : بدلاً من "الإطعام"، والبدل هو المقصود، ولذلك كان المبدل منه في حكم المنحى، فكأنه قيل: فكفارته من أوسط ما تطعمون.

وقال القاضي: محله النصب؛ لأنه صفة مفعول محذوف، أي: إن تطعموا عشرة مساكين طعاماً من أوسط ما تطعمون، أو الرفع على البدل من {إِطْعَامُ} ، {َوْ كِسْوَتُهُمْ}: عطف على {إِطْعَامُ} أو على {مِنْ أَوْسَطِ} إن جعل بدلاً.

وقال صاحب "التقريب": قول صاحب "الكشاف": إنما يصح إذا كان محله مرفوعاً إما بدلاً من {إِطْعَامُ} على حذف موصوف، أي: إطعام من أوسط، أو خبر مبتدأ محذوف، أو خبراً بعد خبر، والأظهر أن {كِسْوَتُهُمْ}: عطف على {إِطْعَامُ} ؛ لأن المشهور التخيير بين الخصال الثلاث وعدوا الكسوة منها، و {مِنْ أَوْسَطِ}: إما منصوب على صفة المصدر المقدر، أي: إطعاماً من أوسط، أو على المفعول بإضمار: أعني، أو على المفعول الثاني لـ {إِطْعَامُ} ، أي: أن تُطعمهم من الأوسط، أو مرفوع كما سبق، ولعله إنما عدل عن الأظهر لأن الكسوة اسم ظاهر لا مصدر.

ص: 469

وأسوة في: إسوة، والكسوة: ثوبٌ يغطى العورة. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: كانت العباءة تجزئ يومئذٍ. وعن ابن عمر رضي الله عنهما: إزارٌ، أو قميصٌ، أو رداءٌ، أو كساءٌ. وعن مجاهدٍ: ثوبٌ جامعٌ. وعن الحسن: ثوبان أبيضان.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قال الراغب: والكساء والكسوة: اللباس، فلا يليق عطفه على المصدر، أو لأدائه إلى ترك ذكر كيفية الكسوة، وهو كونها أوسط، ويمكن أن يجاب عن الأول بأن الكسوة إما مصدر، قال الزجاج في "تفسيره": والكسوة: أن يكسوهم نحو إزاره، أو يضمر مصدراً نحو: وإلباس الكسوة، وعلى الثاني بأن يقدر: أو كسوتهم من أوسط ما تكسون، فحذف لقرينة ذكرها في المعطوف عليه، أو بأن تُترك على إطلاقها إما بإرادة إطلاقها أو بإحالة بيانها إلى غيره، أي: غرما ذكر، وأيضاً، العطف على محل {مِنْ أَوْسَطِ} لا يفيد هذا المقصود، وهو تقدير الأوسط في الكسوة، فالإلزام مشترك ويؤدي إلى صحة إقامته مقام المعطوف عليه، وهو غير سديد، تم كلام صاحب "التقريب".

ويُمكن أن يقال: إنما يصار إلى البلد إذا اعتبر معنى المبدل، على نحو: زيد رأيت غلامه رجلاً صالحاً، لا أن يُنحى معناه كما في الحواشي، ولأن أهل المعاني يعتبرون معنى المبدل وجوباً، والنحوي يقول: إن البدل ليس في حكم المنحى من جميع الوجوه، وكذا يوجبون ضمير المبدل في بدل البعض والاشتمال، فالتقدير: فكفارته إطعام من أوسط ما تطعمون أهليكم لعشرة مساكين أو كسوة عشرة مساكين من أوسط ما تكسون أهليكم، هذا وإن المصير إلى البدل يورث الكلام إبهاماً وتبيناً وتوكيداً وتقريراً بخلافه إذا خلا عنه.

قوله: (وأسوة في: إسوة)، النهاية: الأسوة، بكسر الهمزة وضمها: القدوة، والمواساة: المشاركة والمساهمة في المعاش.

ص: 470

وقرأ سعيد بن المسيب واليماني: (أو كأسوتهم) بمعنى: أو مثل ما تطعمون أهليكم إسرافاً كان أو تقتيراً لا تنقصونهم عن مقدار نفقتهم، ولكن تواسون بينهم وبينهم.

فإن قلت: ما محل الكاف؟ قلت: الرفع، تقديره: أو طعامهم كأسوتهم، بمعنى: كمثل طعامهم إن لم يطعموهم الأوسط.

(أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ): شرط الشافعي رحمه الله الإيمان قياساً على كفارة القتل، وأما أبو حنيفة وأصحابه فقد جوّزوا تحرير الرقبة الكافرة في كل كفارة سوى كفارة القتل.

فإن قلت: ما معنى (أو)؟ قلت: التخيير وإيجاب إحدى الكفارات الثلاث على الإطلاق، بأيتها أخذ المكفر فقد أصاب.

(فَمَنْ لَمْ يَجِدْ) إحداها (فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ) متتابعاتٍ عند أبي حنيفة رحمه الله، تمسكاً بقراءة أُبيّ وابن مسعود رضي الله عنهما "فصيام ثلاثة أيام متتابعات"، وعن مجاهد: كل صوم متتابع إلا قضاء رمضان ويخير في كفارة اليمين. (ذلِكَ) المذكور (كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ) ولو قيل: تلك كفارة أيمانكم، لكان صحيحاً بمعنى تلك الأشياء، أو لتأنيث الكفارة. والمعنى:(إِذا حَلَفْتُمْ) وحنثتم. فترك ذكر الحنث لوقوع العلم بأنّ الكفارة إنما تجب بالحنث في الحلف، لا بنفس الحلف، والتكفير قبل الحنث لا يجوز عند أبى حنيفة وأصحابه ويجوز عند الشافعي بالمال إذا لم يعص الحانث.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (والتكفير قبل الحنث لا يجوز عند أبي حنيفة

، ويجوز عند الشافعي بالمال إذا لم يعص الحانث)، أي: بالحنث، كما إذا حلف أن يترك الصلاة، قال الإمام: الآية دلت على أن كل واحد من هذه الأشياء كفارة لليمين عند وجود الحلف، فإذا أداها قبل الحنث أو بعده

ص: 471

(وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ): فبروا فيها ولا تحنثوا أراد الأيمان التي الحنث فيها معصيةٌ، لأن الأيمان اسم جنسٍ يجوز إطلاقه على بعض الجنس وعلى كله. وقيل: احفظوها بأن تكفروها. وقيل: احفظوها كيف حلفتم بها، ولا تنسوها تهاونا بها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وجب أن يخرج عن العهدة. نعم، فيها أن تقديم الكفارة على اليمين غير جائز، ويؤيد هذا ما روينا عن البخاري ومسلم وأبي داود والنسائي، عن أبي موسى: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إني والله - إن شاء الله- لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير".

قوله: (لأن الأيمان اسم جنس) تعليل لقوله: "أراد الأيمان التي الحنث فيها معصية"، يعني: لما قيد المطلق بقوله: {وَاحْفَظُوا} علم خصوصية الأيمان، وأن المراد بها ما الحنث فيها معصية، وذلك ما يلزم من الحنث فيها تحليل حرام الله أو تحريم حلاله. واعلم أن حفظ الأيمان هو مراعاة حقها وتعظيم شأنها، فيتفرع عليها جميع ما ذكر، قال القاضي:{وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ} : بأن تضنوا بها ولا تبذلوها لكل أمر، وقالوا: معنى {وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ} : أمر بترك اليمين بالكلية، وقال الشاعر:

قليل الألايا حافظ ليمينه

وإن بدرت منه الألية برت

الراغب: وجملة الأمر: أن الإنسان مندوب إلى أن لا يحلف، ومتى حلف على ألا يفعل فعلاً يجب أو يستحب أن يفعل فحقه ألا يحنث، ومتى حلف على ما يجب ألا يفعل أو يستحب

ص: 472

(كَذلِكَ): مثل ذلك البيان (يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ): أعلام شريعته وأحكامه (لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) نعمته فيما يعلمكم ويسهل عليكم المخرج منه.

[(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ* إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ)].

أكد تحريم الخمر والميسر وجوها من التأكيد منها تصدير الجملة بـ (إنما)، ومنها أنه قرنهما بعبادة الأصنام، ومنه: قوله عليه الصلاة والسلام:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فحقه أن يحنث في يمينه ويكفر، ومتى حلف على ما يستوي فعله وتركه فإن شاء حنث وكفر، وإن شاء حفظ اليمين.

قوله: (ويسهل عليكم المخرج منه) قيل: الضمير المجرور عائد إلى ما هو عبارة عن الحنث، وقوله:"فما يعلمكم" تقييد لمفعول {تَشْكُرُونَ} به، والظاهر أنه مطلق النعمة، وتقييده إنما يُعلم من مفهوم قوله:{كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ} ؛ لأن هذه الخاتمة كالتذييل للكلام السابق، أي: تشكرون نعمة بياناته الشافية في أمور دينكم.

قوله: (أكد تحريم الخمر والميسر وجوهاً) نصب على المصدر، نحو: ضربت أنواعاً.

قوله: (ومنه قوله صلى الله عليه وسلم أي: من باب قران الخمر بعبادة الأصنام، وليس بوجه آخر.

ص: 473

«شارب الخمر كعابد الوثن» ، ومنها: أنه جعلهما رجساً، كما قال تعالى:(فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ)[الحج: 30]، ومنها: أنه جعلهما من عمل الشيطان، والشيطان لا يأتي منه إلا الشر البحت، ومنها: أنه أمر بالاجتناب، ومنها: أنه جعل الاجتناب من الفلاح، وإذا كان الاجتناب فلاحاً كان الارتكاب خيبةً ومحقةً، ومنها: أنه ذكر ما ينتج منهما من الوبال، وهو وقوع التعادي والتباغض من أصحاب الخمر والقمر، وما يؤدّيان إليه من الصدّ عن ذكر اللَّه، وعن مراعاة أوقات الصلاة.

وقوله: (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) من أبلغ ما ينهى به، كأنه قيل: قد تلي عليكم ما فيهما من أنواع الصوارف والموانع، فهل أنتم مع هذه الصوارف منتهون؟ أم أنتم على ما كنتم عليه، كأن لم توعظوا ولم تزجروا.

فإن قلت: إلام يرجع الضمير في قوله: (فَاجْتَنِبُوهُ)؟ قلت:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (أنه جعلهما رجساً)، الراغب: النجس والرجس متقاربان، لكن النجس يقال فيما يستقذر بالطبع، والرجز والرجس أكثر ما يقال فيما يستقذر بالعقل، ولهذا فسر بالإثم والسخط.

قوله: (من الصد عن ذكر الله)، الراغب: إن قيل: الذي يصد عن ذكر الله هوا لشرب الكثير دون القليل، كما قال تعالى:{لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} [النساء: 43]، فيجب أن يكون هو المحرم، قيل: بل ذلك منهما، فإن القليل داعٍ إلى الكثير، وشُرب الكثير داع إلى ذلك.

ص: 474

إلى المضاف المحذوف، كأنه قيل: إنما شأن الخمر والميسر أو تعاطيهما أو ما أشبه ذلك. ولذلك قال: (رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ).

فإن قلت: لم جمع الخمر والميسر مع الأنصاب والأزلام أولا ثم أفردهما آخراً؟ قلت: لأن الخطاب مع المؤمنين. وإنما نهاهم عما كانوا يتعاطونه من شرب الخمر واللعب بالميسر، وذكر الأنصاب والأزلام لتأكيد تحريم الخمر والميسر، وإظهار أنّ ذلك جميعاً من أعمال الجاهلية وأهل الشرك، فوجب اجتنابه بأسره، وكأنه لا مباينة بين من عبد صنما وأشرك باللَّه في علم الغيب، وبين من شرب خمراً أو قامر، ......

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ولذلك قال: {رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ}) أي: ولأن المقدر: الشأن أو التعاطي أو ما يشبهه قال: {مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ} ليصح الحمل، قال أبو البقاء: إنما أفرد لأن التقدير: إنما فعل هذه الأشياء رجس. قال القاضي: إفراده لأنه خبر الخمر، وخبر المعطوفات محذوف، أو كأنه قال: نما تعاطي الخمر على الأول يلزم المبالغة، لأنه تعالى أمر بالاجتناب عن أعيانها، وإنما قال:{مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ} لأنه مسبب عن تسويله وتزيينه.

قوله: (وأشرك بالله في علم الغيب)، وفي الحاشية: أنه متعلق بقوله: "لا مباينة"، أي: لا فرق بين الشرك وشرب الخمر في علم الله تعالى، التحقيق أنه متعلق بقوله:"أشرك بالله"، والمراد به الأزلام، وذكر في أول السورة:"أن الاستقسام هو: طلب ما قسم للشخص مما لم يقسم له بالأزلام"، وهو الإشراك بالله في علم الغيب، وقال أيضاً:"إن الاستقسام بالأزلام دخول في علم الغيب الذي استأثر به علام الغيوب".

ص: 475

ثم أفردهما بالذكر ليرى أن المقصود بالذكر الخمر والميسر. وقوله: (وَعَنِ الصَّلاةِ) اختصاص للصلاة من بين الذكر كأنه قيل: وعن الصلاة خصوصاً.

[(وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ)].

(وَاحْذَرُوا): وكونوا حذرين خاشين، لأنهم إذا حذروا دعاهم الحذر .........

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ثم أفردهما بالذكر): عطف على "ذكر الأنصاب والأزلام" يعني: أن الكلام إنما سيق لبيان تحريم الخمر والميسر، لا بيان النصاب والأزلام؛ لأن حرمتهما ضروري عند المسلمين، وإنما قرنهما معهما لتأكيد تحريمهما بناء على أن المعطوف عليه يكتسب من معنى المعطوف، وإليه الإشارة بقوله:"وكأنه لا مباينة بين من عبد صنماً وأشرك بالله، وبين من شرب الخمر أو قامر"، والذي يدل على أن ذكر الخمر والميسر هو الأصل، وذكر النصاب والأزلام تابع: إفراد ذكرهما بعد ذلك، وهو قوله {أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ} .

قوله: (اختصاص للصلاة) هذا من باب قوله تعالى: {إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} [يوسف: 4] من حيث الاختصاص بالذكر ومن حيث التكرير؛ لأن تكرير {عن} في قوله: {عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلاةِ} كتكرير {رَأَيْتُهُمْ} ، وقال القاضي: خص الصلاة للإشعار بأن الصاد عنها كالصاد عن الإيمان من حيث إنها عماده، والفارق بينه وبين الكفر، وهو المراد من قوله:"وعن الصلاة خصوصاً".

قوله: ({وَاحْذَرُوا}: وكونوا حذرين)، اعلم أن {وَاحْذَرُوا} مطلق، فاعتبر فيه الوجوه الثلاثة من كون معموله غير منوي تارة، وعاماً تارة، وخاصاً أخرى، فليتأمل.

ص: 476

إلى اتقاء كل سيئة وعمل كل حسنة. ويجوز أن يراد: واحذروا ما عليكم في الخمر والميسر، أو في ترك طاعة اللَّه والرسول. (فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا) أنكم لم تضروا بتوليكم الرسول؛ لأنّ الرسول ما كلف إلا البلاغ المبين بالآيات، وإنما ضررتم أنفسكم حين أعرضتم عما كلفتم.

[(لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)].

رفع الجناح عن المؤمنين في أي: شيء طعموه من مستلذات المطاعم ومشتهياتها إِذا (مَا اتَّقَوْا) ما حرم عليهم منها (وَآمَنُوا): وثبتوا على الإيمان والعمل الصالح وازدادوه (ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا) ثم ثبتوا على التقوى والإيمان (ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا) ثم ثبتوا على اتقاء المعاصي وأحسنوا أعمالهم، أو أحسنوا إلى الناس: واسوهم بما رزقهم اللَّه من الطيبات. وقيل: لما نزل تحريم الخمر قالت الصحابة: يا رسول اللَّه،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: ({وَآمِنُوا} وثبتوا)، وتكرير الثبات على الإيمان والتقوى مؤذن بأن التكرير في الآية ليس لتعليق ما علق بها مرة بعد أخرى على ما قررناه، بل لمجرد التأكيد، وقال القاضي: ويحتمل أن يكون هذا التكرير باعتبار الحالات الثلاث: استعمال الإنسان التقوى والإيمان بينه وبين نفسه، وبينه وبين الناس، وبينه وبين الله تعالى، ولذلك بدل الإيمان بالإحسان في الكرة الثالثة إشارة إلى ما قال صلى الله عليه وسلم في تفسيره، أو باعتبار المراتب الثلاث: المبدأ والمنتهى والوسط، أو باعتبار ما يُتقى، فإنه ينبغي أن يترك المحرمات توقياً من العقاب، والشبهات تحرزاً عن الوقوع في الحرام، وبعض المباحات تحفظاً للنفس عن الخسة وتهذيباً لها عن دنس الطبيعة.

قوله: (وقيل: لما نزل تحريم الخمر قالت الصحابة): عطف على قوله: "رفع الجُناح عن

ص: 477

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المؤمنين"، وعلى الوجه الثاني الآية عامة وردت في أمر خاص، فيدخل فيه من نزلت بسببه دخولا أولياً، وعلى الأول مطلق، فيدخلون فيه كسائر الناس، وعلى التقديرين الآية مقررة لمعنى التوسعة في قوله تعالى: {وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ حَلالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ} [المائدة: 88]؛ لأن معناه: اجمعوا بين أكل الطيبات والاحتراز عن المحظورات، ومعنى هذه الآية على ما فسره المصنف "رفع الجناح عن المؤمنين في أي شيء طعموه من مستلذات المطاعم ومستهياتها إذا ما اتقوا ما حُرم عليهم"، فالمعنيات متقاربان، وقوله تعالى بعد ذلك: {لا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} [المائدة: 89] إرشادٌ إلى طريق إزالة الحنث بما عقدوه من الأيمان على ألا يزالوا صائمين قائمين، كما أوردناه في الحديث الوارد في بيان النزول لتلك الآية، أو قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ} الآية [المائدة: 90]، بيان للنهي عن بعض ما يجب أن ينتهي عنه، وهو الأصل في البواقي لتسميتهم الخمر بأم الخبائث، وهداية إلى بعض ما يجب أن يمتثل به، وهو أم العبادات والعمود والفارق، لقوله صلى الله عليه وسلم: "وعمود الصلاة"، ثم كان قوله:{إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ} الآية، بمنزلة قوله:{إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ} في البقرة [الآية: 173]، لمجيئهما عقيب تحريم الطيبات رداً لزعمهم أن المستلذات من الأطعمة منخرطة في سلك المذكورات، فقصر التحريم عليها دونها، وقد سبق تمام تقريره هناك، وقوله:{لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا} الآية، تفصيل لما مر، إذ المعنى: ليس المطلوب من المؤمنين الزهادة عن المستلذات وتحريم الطيبات، وإنما المطلوب منهم الترقي في مدارج التقوى والإيمان إلى مرات الإخلاص واليقين ومعارج القدس والكمال،

ص: 478

فكيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر ويأكلون مال الميسر فنزلت.

يعني: أن المؤمنين لا جناح عليهم في أي: شيء طعموه من المباحات إذا ما اتقوا المحارم، (ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا)، على معنى: أنّ أولئك كانوا على هذه الصفة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وذلك بأن يثبتوا على الاتقاء عن الشرك وعلى الإيمان بما يجب الإيمان به وعلى الأعمال الصالحات، لتحصل الاستقامة التامة فيتمكن بالاستقامة من الترقي إلى مرتبة المشاهدة ومعارج "أن تعبد الله كأنك تراه"، وهو المعني بقوله:{وَأَحْسِنُوا} ، وبها تُمنح الزلفى عند الله ومحبته. {اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} ، وفي هذا النظم مسحة من معنى قوله صلى الله عليه وسلم:"ليس الزهادة في الدنيا بتحريم الحلال ولا إضاعة المال، ولكن الزهد أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يدك"، رواه الترمذي وابن ماجه.

قوله: (فكيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يشربون؟ )، روينا عن الترمذي، عن البراء، قال: مات رجال من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن تُحرم الخمر، فلما حرمت، قال رجال: كيف بأصحابنا وقد ماتوا وهم يشربون الخمر؟ فنزلت.

قوله: (على معنى: أن أولئك كانوا على هذه الصفة)، يعني: قوله: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا} عام، وقد ورد في هذا الوجه جواباً عن سؤالهم، وكان من الظاهر أن يُقال: ليس عليهم جناح في أي شيء طعموه من المباحات إذا ما اتقوا المحارم، فعدل إلى ذكر الكلمة وبيان أوصافهم ليدل على رفع الجناح عنهم بالطريق البرهاني، وفيه أن من يكون له أمثال هذه الأوصاف الفاضلة لا جُناح عليه من المباحات، وإليه ينظر قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً} [المؤمنون: 51] فقد جمع في المثال، وهو:"ليس على أحد جناح في المباح إذا اتقى المحارم وكان مؤمناً محسناً"، العموم والوصف.

ص: 479

ثناءً عليهم وحمداً لأحوالهم في الإيمان والتقوى والإحسان. ومثاله أن يقال لك: هل على زيد فيما فعل جناح؟ فتقول - وقد علمت أن ذلك أمرٌ مباحٌ -: ليس على أحدٍ جناحٌ في المباح إذا اتقى المحارم، وكان مؤمناً محسناً، تريد: أن زيداً تقيّ مؤمن محسنٌ، وأنه غير مؤاخذٍ بما فعل.

[(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ)].

نزلت عام الحديبية، ابتلاهم اللَّه بالصيد وهم محرمون، وكثر عندهم حتى كان يغشاهم في رحالهم، فيستمكنون من صيده أخذاً بأيديهم وطعناً برماحهم. (لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ): ليتميز من يخاف عقاب اللَّه- وهو غائبٌ منتظرٌ في الآخرة فيتقى الصيد- ممن لا يخافه فيقدم عليه. (فَمَنِ اعْتَدى): فصاد (بَعْدَ ذلِكَ) الابتلاء، فالوعيد لاحق به.

فإن قلت: ما معنى التقليل والتصغير في قوله: (بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ)؟ قلت: قلل وصغر ليعلم أنه ليس بفتنةٍ من الفتن العظام التي تدحض عندها أقدام الثابتين، كالابتلاء ببذل الأرواح والأموال، وإنما هو شبيهٌ بما ابتلي به أهل أيلة من صيد السمك، وأنهم إذا لم يثبتوا عنده، فكيف شأنهم عند ما هو أشدّ منه وقرأ إبراهيم:

(يناله) بالياء.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (قلل وصغر ليعلم أنه ليس بفتنة من الفتن العظام)، الانتصاف: وردت مثل هذه الصيغة في الفتن العظيمة في قوله: {بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ} [البقرة: 155]، بل هو إشارة إلى ما يقع به الابتلاء من هذه الأمور، فهو بعض من كل بالإضافة إلى مقدور الله تعالى، فإنه تعالى قادر على أن يبتليهم بأعظم وأهول منه ليبعثهم بذلك على الصبر، ويدل على ذلك أنه سبق الوعد به قبل حلوله لتوطين النفوس عليه، فإن المفاجأة بالشدائد شديدة الألم، وإذا فكر العاقل وجد ما صرف عنه من البلايا أثر مما وقع فيه بأضعاف لا تقف عنده غايته، فسبحان اللطيف بعباده.

ص: 480

[(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ)].

(حُرُمٌ): محرمون؛ جمع حرام، كردح في جمع رداحٍ. والتعمد: أن يقتله وهو ذاكر لإحرامه، أو عالم أن ما يقتله مما يحرم عليه قتله، فإن قتله وهو ناس لإحرامه أو رمى صيداً وهو يظن أنه ليس بصيد فإذا هو صيد، أو قصد برميه غير صيدٍ فعدل السهم عن رميته فأصاب صيدا فهو مخطئٌ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (في جمع رداح)، الجوهري: الرداح: المرأة الثقيلة الأوراد، والجفنة العظيمة، وكتيبة راح: ثقيلة السير لكثرتها.

قوله: (أن يقتله وهو ذاكر لإحرامه أو عالم أن ما يقتله مما يحرم عليه قتله)، قيل: في هذا التعريف إشكال؛ لأن الترديد يوهم أنه تعريفان مستقلان، وليس به؛ لأن قوله:"أن يقتله وهو ذاكر لإحرامه" ليس بمانع؛ لأنه إذا رمى غير صيد وأصاب صيداً وهو ذاكر لإحرامه، ينبغي أن يكون عمداً، وليس به، فإن قيل: قوله: "أن يقتله وهو ذاكر" يُراد به القصد، فلا يرد مثل هذه الصورة، يقال: مع التسليم يدخل فيه ما إذا لم يعلم أن ما قتله، ولأن الفاء في قوله:"فإن قتله وهو ناس" لتفصيل ما أُجمل في التعريف، والذي يقال في العُذر: إن "أو" هاهنا بمنزلة واو الجمع كما في قوله تعالى: {فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْراً * عُذْراً أَوْ نُذْراً} [المرسلات: 5 - 6] وقوله تعالى: {يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه: 44] وقوله: {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً} [طه: 113]، قال القاضي: واختلف في هذا النهي: هل يلغى حكم الذبح فيلحق مذبوح المحرم بالميتة ومذبوح الوثني أو لا فيكون كالشاة المغصوبة إذا ذبحها الغاصب؟ ، وفي "الحاوي": ومذبوحه ميتة.

ص: 481

فإن قلت: فمحظورات الإحرام يستوي فيها العمد والخطأ، فما بال التعمد مشروطاً في الآية؟ قلت: لأن مورد الآية فيمن تعمد فقد روى أنه عنّ لهم في عمرة الحديبية حمار وحش، فحمل عليه أبو اليسر فطعنه برمحه فقتله، فقيل له: إنك قتلت الصيد وأنت محرم فنزلت ولأن الأصل فعل التعمد، والخطأ لاحق به للتغليظ. ويدل عليه قوله تعالى:(لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ)(وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ).

وعن الزهري: نزل الكتاب بالعمد ووردت السنة بالخطأ. وعن سعيد بن جبيرٍ: لا أرى في الخطأ شيئاً أخذاً باشتراط العمد في الآية. وعن الحسن روايتان.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (أنه عن لهم في عمرة الحديبية حمار وحش، فحمل عليه أبو اليسر)، والصحيح أبو قتادة على ما رويناه عن البخاري ومسلم ومالك والترمذي والنسائي، عن أبي قتادة، قال: كنت في منزل في طريق مكة والقوم محرمون وأنا غير محرم، عام الحديبية، فأبصروا حمار وحش وأنا مشغول، فلم يؤذنوني، فأبصرته فقمت وركبت الفرس ونسيت السوط والرمح، فقلت لهم: ناولوني إياهما، قالوا: لا والله! فنزلت فأخذتهما، فشددت على الحمار فعقرته فوقعوا فيه يأكلونه، فأدركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:"هل معكم منه شيء منه؟ " فناولته العضد فأكلها وهو محرم

الحديث مختصر، وما وجدت حديث أبي اليسر في الأصول.

قوله: (ويدل عليه) أي: على أن الخطأ مُلحق بالعمد، أن الخطأ لا يترتب عليه الوبال والانتقام ضرورة، فحين رتب عليه الوبال عُلم أنه ملحق بالعمد تغليظاً للحكم وتشديداً له.

قوله: (وعن سعيد بن جبير) جواب آخر عن السؤال، يعني: إنما قيد بقوله: {مُتَعَمِّداً}

ص: 482

(فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ): برفع (جزاء) و (مثل) جميعاً، بمعنى: فعليه جزاءٌ يماثل ما قتل من الصيد. وهو عند أبي حنيفة قيمة المصيد يقوّم حيث صيد، فإن بلغت قيمته ثمن هدي تخير بين أن يهدي من النعم ما قيمته قيمة الصيد، وبين أن يشتري بقيمته طعاماً، فيعطى كل مسكين نصف صاع من برّ أو صاعاً من غيره، وإن شاء صام عن طعام كل مسكينٍ يوماً، فإن فضل ما لا يبلُغ طعام مسكين صام عنه يوماً أو تصدّق به. وعند محمدٍ والشافعي رحمهما اللَّه: مثله: نظيره من النعم، فإن لم يوجد له نظير من النعم عدل إلى قول أبي حنيفة رحمه الله.

فإن قلت: فما يصنع من يفسر المثل بالقيمة بقوله: (مِنَ النَّعَمِ) وهو تفسيرٌ للمثل، وبقوله:(هدياً بالغ الكعبة)؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليؤذن أن المخطيء ليس عليه شيء، وهو مذهب داود، والأول: مذهب الجمهور، ودليلهم: قوله تعالى: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً} ، ولا تسقط الحرمة بالخطأ والجهل، كما في حلق الرأس وضمان المال.

قوله: (يُماثل ما قتل من الصيد)، الراغب: المثل يقع على الند الذي هو المماثلة في الجنس، وعلى الشبيه الذي يماثله في الكيفية، وعلى المساواة التي هي المماثلة في الكمية، وعلى المشاكلة التي هي الماثلة في الهيئة، فلما كانت المماثلة لا تختص، صار اللفظ مشتركاً، فاختلف فيه، واعتبر ابن عباس المماثلة في الخلقة، وإليه ذهب سعيد بن جبير وقتادة ومالك والشافعي رضي الله عنهم، واعتبر عطاء ومجاهد المماثلة في القيمة، وإليه ذهب أبو حنيفة وأبو يوسف رضي الله عنهم، واللفظ بالأول أليق لقوله:{مِنْ النَّعَمِ} .

ص: 483

قلت: قد خير من أوجب القيمة بين أن يشتري بها هدياً، أو طعاماً، أو يصوم، كما خير اللَّه تعالى في الآية، فكان قوله:(مِنَ النَّعَمِ) بياناً للهدي المشترى بالقيمة في أحد وجوه التخيير؛ لأن من قوم الصيد واشترى بالقيمة هدياً وأهداه، فقد جزى بمثل ما قتل من النعم. على أن التخيير الذي في الآية بين أن يجزى بالهدى أو يكفر بالإطعام أو بالصوم، إنما يستقيم استقامة ظاهرة بغير تعسف

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (قد خير من أوجب القيمة)، يعني: من فسر قوله: {جَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ} بمعنى: جزاء يماثل ما قُتل من الصيد بالقيمة، لم يقتصر عليه، بل خير بأن يشتري بالقيمة هدياً أو طعاماً أو يصوم كما سبق، فالجزاء حينئذ أحد هذه الأشياء على التخيير، فكان قوله:{مِنْ النَّعَمِ} بياناً للهدي الذي هو أحد هذه الأشياء المرادة من قوله: {جَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ} والحاصل أن قوله: {جَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ} لما كان محتملاً لكل من الثلاثة على البدل، ولم يُعلم بعينه، فجيء بقوله:{مِنْ النَّعَمِ} بياناً لكون المراد به الهدي المشترى، وإنما كان من النعم بياناً لمثل ما قُتل، وهو كما قيلن وهو على ما ذهب إليه القيمة لا الحيوان، لأن من قوم الصيد واشترى بالقيمة هدياً فأهداه فقد جزى بمثل ما قتل من النعم، وهذا البيان مثل البيان الذي ذكره في قوله تعالى:{يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ الأَنْهَارُ} [يونس: 9]، قال:"قوله: {تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ الأَنْهَارُ} بيان لقوله: {يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ} يعني: أن من هداه الله، أي: أقامه على الإيمان وسدده، سبب له الوصول إلى الثواب"، فكان قوله:{تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ الأَنْهَارُ} بياناً لمسبب قوله: {يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ} ، وهو: الوصول إلى الثواب، فكذا هاهنا {مِنْ النَّعَمِ}: بيان لمسبب قوله: {جَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ} ، وهو الهدى المشترى إذا فسر الجزاء بالقيمة.

قوله: (على أن التخيير) أي: الجواب مع ما ذكرت: مع أن التخيير في الآية يطابق هذا التقدير وينبو عن تقدير الخصم هذه الخاتمة، كالتتميم للجواب.

ص: 484

إذا قوّم ونظر بعد التقويم: أي: الثلاثة يختار؟ فأما إذا عمد إلى النظير وجعله الواجب وحده من غير تخيير، فإذا كان شيئاً لا نظير له قوّم حينئذٍ ثم يخير بين الإطعام والصوم، ففيه نبوّ عما في الآية! ألا ترى إلى قوله تعالى:(أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً) كيف خير بين الأشياء الثلاثة، ولا سبيل إلى ذلك إلا بالتقويم؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قلت: لا خفاء في تعسف هذا التقرير وارتكاب خلاف الظاهر مع عدم الفائدة، وأما قوله:"إذا عمد إلى النظير وجعله الواجب وحده من غير تخيير" إلى آخره، فلا يُعرف هذا من مذهب الشافعي، والمنقول عن الأصحاب بخلافه، قال الإمام الرافعي رحمه الله: الصيد ينقسم إلى مثلي، ويعني به: ما له مثل من النعم، وإلى ما ليس بمثلي، أما الأول فجزاؤه على التخيير والتعديل، فيخير بين أن يذبح مثله فيتصدق به على مساكين الحرم، ولا يجوز أن يخرجه حياً، وبين أن يقوم المثل دراهم ولا يجوز أن يتصدق بالدراهم، ولكن يشتري بها طعاماً ويتصدق به على مساكين الحرم، وإن شاء صام عن كل مد من الطعام يوماًن حيث كان، وأما غير المثلي، كالعصافير، فتُقدر قيمته ولا يتصدق بثمنها، بل يجعلها طعاماً، ثم إن شاء تصدق بها وإن شاء صام عن كل مُد يوماً.

وقال صاحب "الروضة": فحصل من هذا أنه في المثل مخير بين الحيوان والطعام والصيام، وفي غيره بين الطعام والصوم، هذا هو المذهب المقطوع به في كتب الشافعي والأصحاب.

وقلت: الفرق بين قولي الإمامين: هو أن أبا حنيفة رضي الله عنه ارتكب المجاز في قوله تعالى: {مِثْلُ مَا قَتَلَ} حيث جعله القيمة كما سبق، وأصحاب الشافعي في قوله:{أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ} كما سبق عن الرافعي، فيخير بين أن يذبح مثله وبين ني قوم المثل دراهم، وروى الإمام

ص: 485

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عن الشافعي رضي الله عنهما: تقويم مثل الصيد أدخل في الضبط من تقويم نفس الصيد؛ لأن هذا عذر للمجاز، وبيان المجاز أن التخيير واقع بين الجزاء الذي هو المثل وبين كفارة طعام، والكفارة لا يجوز أن تكون دراهم لما بينت بقوله:{طَعَامُ} ، فوجب التأويل، والقول بأن من قوم الصيد واشترى بقيمته طعاماً وتصدق به أو عدل الصوم بالطعام فقد كفر بقيمة المثل، وعليه ظاهر الآية؛ لأن {أَوْ كَفَّارَةٌ} عطف على "جزاء"؛ لا على {مِثْلَ} ، أو {عَدْلُ ذَلِكَ}: عطف على {طَعَامُ} لا على {كَفَّارَةٌ} ، وفيه أن معرفة كمية الصيام موقوفة على معرفة كمية الأمداد، ومعرفة كمية الأمداد متوقفة على معرفة كمية قيمة المثل، فالثالث فرع للثاني، والثاني فرع للأول، وعليه ما روى الإمام عن الشافعي، أنه قال: إن المثل من النعم هو الجزاء والطعام بناء عليه، فعدل به كما عدل الصوم بالطعام، وهذا هو المراد من قول الرافعي: فجزاؤه على التخيير والتعديل، فحينئذ وقع التخيير بين ذبح المثل وبين أن يقوم المثل بالدراهم، ثم بين الإطعام وبين الصيام، فكأنه قيل: ومن قتله فعليه جزاء أو كفارة، والكفارة إما صدقة أو صيام. فعلى هذا التخيير في الآية ليس من باب: جالس الحسن أو ابن سيرين، بل من باب قولك: جالس السلطان أو الوزير أو العامي.

ونقل الرافعي أيضاً عن أبي ثور قولاً عن الشافعي: إنها على الترتيب، وهو أضعف الروايتين عن أحمد، وهذا القول أدعى لاقتضاء المقام وأجرى على سنن البلاغة، ومن ثم فرق الله عز شأنه في العبارة بين هذه الآية وبين ما قبلها، وهي قوله:{وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [المائدة: 89]، وذلك أن الجناية هاهنا هي هتك ما شرع الله تعالى لتعظيم شأن

ص: 486

وقرأ عبد اللَّه: (فجزاؤه مثل ما قتل)، وقرئ. (فجزاء مثل ما قتل) على الإضافة، وأصله: فجزاءٌ مثل ما قتل، بنصب "مثل" بمعنى: فعليه أن يجزى مثل ما قتل، ثم أضيف كما تقول: عجبت من ضربٍ زيداً، ثم: من ضَربِ زيدٍ. وقرأ السُّلمي على الأصل. وقرأ محمدُ بن مقاتلٍ: (فجزاءً مثل ما قتل) بنصبهما بمعنى: فليجز جزاءً مثل ما قتل. وقرأ الحسن: (من النعم) بسكون العين، استثقل الحركة على حرف الحلق فسكنه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الكعبة، فالواجب في الخبر رعاية الترتيب فيما يقرب إلى ما فوقه من الحيوان للتعظيم، وهو المراد من قوله تعالى:{هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ} ، وإليه يُلمح قول الشافعي رضي الله عنه: لا يجوز أن يخرجه حياً. ثم الإطعام؛ لأنه بدل منه، ولهذا شرط الشافعي أن يتصدق على مساكين الحرم، ولما كان الصوم لا يناسب هذا المعنى جعله فرعاً للفرع. انظر إلى هذه الأسرار اللطيفة وإلى تدقيق نظر الإمام الشافعي رضي الله عنه، واقطع بأنه كان محدثاً مُلهماً مؤيداً بتأييد الله وتسديده.

قوله: ("فجزاء مثل ما قتل" على الإضافة)، قال الإمام: قرأ عاصم وحمزة والكسائي: {فَجَزَاءٌ} بالتنوين، و {مِثْلُ} بالرفع على أنه صفة لـ "جزاءٌ"، والباقون: على الإضافة، والمعنى على الأول ظاهر، وأما على الثاني فيجب التأويل؛ لأنه ليس عليه جزاء مثل ما قتل في الحقيقة؛ لأن المثل غير مقتول، إنما عليه جزاء المقتول، لأنه قتله، فهو كما تقول: أنا أكرم مثلك وتريد أنا أكرمك، فالتقدير: فجزاء ما قتل من النعم، على الكناية، فالقراءتان دلتا على مذهب الشافعي. وأيضاً، قراءة عبد الله بن مسعود:(فجزاؤه مثل ما قتل من النعم)، صريح فيما قلناه، وحجة أبي حنيفة رضي الله عنه هي: أن لا نزاع أن الصيد المقتول إذا لم يكن له مثل

ص: 487

(يَحْكُمُ بِهِ): بمثل ما قتل (ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ): حكمان عادلان من المسلمين. قالوا: وفيه دليلٌ على أن المثل: القيمة، لأنّ التقويم مما يحتاج إلى النظر والاجتهاد دون الأشياء المشاهدة. وعن قبيصة: أنه أصاب ظبياً وهو محرمٌ فسأل عمر،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فإنه يضمن بالقيمة، فوجب أن تُحمل الآية عليه ليشملها، فإن اللفظ الواحد لا يجوز حمله إلا على المعنى الواحد، والجواب: أن الممالة معلومة، والشارع أوجبها فوجب رعايتها بأقصى الإمكان وإن لم يمكن وجب الاكتفاء بالغير. تم كلام الإمام.

وقال صاحب "الكشف": قال قوم: إنه إذا قرئ (فجزاء مثل ما قتل)، على تقدير: فجزاء مثل المقتول، لا يدخل تحته جزاء المقتول، ألا ترى إلى قول الشاعر:

وقاك الله يا ابنة آل سعد

من الأخوال أمثالي ونفسي

فقال: أمثالي عطف عيه نفسي، ولو كان هو داخلاً في أمثالي لم يقل: ونفسي، ألا ترى أنهم قالوا في رجل قال لعبده: إن دخل داري هذه أحد فأنت حر، فدخل هو: لم يعتق؛ لأنه لما أضاف الدار إلى نفسه خرج عن الحكم المتعلق بدخول أحد.

قوله: (وفيه دليل على أن المثل: القيمة؛ لأن التقويم مما يحتاج إلى النظر)، أجاب الإمام: أن وجوه المشابهة بين النعم والصيد مختلفة، فلابد من الاجتهاد في تمييز الأقوى من الأضعف، ولهذا احتيج إلى الحكمين.

قوله: (وعن قبيصة أنه أصاب ظبياً) الحديث، نحوه روى مالك في "الموطأ"، وفيه

ص: 488

فشاور عبد الرحمن بن عوفٍ، ثم أمره بذبح شاةٍ، فقال قبيصة لصاحبه: واللَّه ما علم أمير المؤمنين حتى سأل غيره، فأقبل عليه ضرباً بالدرّة وقال: أتغمص الفتيا وتقتل الصيد وأنت محرم، قال اللَّه تعالى:(يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ) فأنا عمر، وهذا عبد الرحمن.

وقرأ محمد بن جعفر: (ذو عدل منكم) أراد: يحكم به من يعدل منكم ولم يرد الوحدة. وقيل أراد الإمام.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

دلالة ظاهرة على مذهب الشافعي، وكذا قوله: هدياً بالغ الكعبة، أي: يُساق إليها ويُنحر هناك؛ لأنه إما حال عن جزاء، أو بدل من مثل كما قدر، فتقييد المثل بها إذا كان نظيراً للصيد ظاهر؛ لأن الحال مؤكدة، وأما تقييد القيمة بها فبعيد، والهدي يصح تفسيراً للمثل إذا كان حيواناً لا قيمة؛ لأنها ليست منه، قوال الرافعي: إن المثل ليس معتبراً على التحقيق، فإنما هو على التقريب وليس معتبراً في القيمة بل في الصورة والخلقة؛ لأن الصحابة رضوان الله عليهم حكموا في النوع الواحد من الصيد، بالنوع الواحد من النعم مع اختلاف البلاد وتفاوت الأزمان واختلاف القيم بسببها.

قوله: (ضرباً بالدرة): حال، قال في قوله:{فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ} [الصافات: 93]: أي: فضربهم ضرباً، أو"ضرباً" بمعنى: ضارباً.

قوله: (أنغمص الفُتيا)، النهاية: في حديث عمر لقبيصة: "أتقتل الصيد وتغمص الفتيا؟ "، أي: تحتقرها وتستهين بها، الفتيا: هي الفتوى، يقال: أفتاه في المسألة يفتيه: إذا أجابه، والاسم الفتوى والفتيا.

قوله: (وقرأ جعفر بن محمد)، وفي بعض النسخ:"محمد بن جعفر"، والأول هو

ص: 489

(هَدْياً) حال عن (جزاء) فيمن وصفه بـ (مثل)؛ لأنّ الصفة خصصته فقرّبته من المعرفة، أو بدلٌ عن (مثل) فيمن نصبه، أو عن محله فيمن جرّه، ويجوز أن ينتصب حالاً عن الضمير في (به). ووصف (هدياً) بـ (بالِغَ الْكَعْبَةِ) لأن إضافته غير حقيقية. ومعنى بلوغه الكعبة: أن يذبح بالحرم، فأما التصدّق به: فحيث شئت عند أبي حنيفة، وعند الشافعي: في الحرم.

فإن قلت: بم يرفع (كَفَّارَةٌ) من ينصب (جزاءً)؟ قلت: يجعلها خبر مبتدأ محذوفٍ، كأنه قيل: أو الواجب عليه كفارة، أو يقدر: فعليه أن يجزى جزاء أو كفارة. فيعطفها على "أن يجزي". وقرئ: (أو كفارة طعام مساكين) على الإضافة،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الصحيح، ذكر ابن جني في "المحتسب": ومن ذلك قراءة محمد بن علي وجعفر بن محمد "يحكم به ذو عدل منكم"، وقال: ولم يوحد "ذو" لأن الواحد يكفي في الحكم، لكن أراد معنى "مَنْ"، أي: يحكم به من يعدل، و"مَن" تكون للاثنين كما تكون للواحد، قال:

نكن مثل من يا ذئب يصطحبان

قوله: {هَدْياً} : حال عن "جزاء" فيمن وصفه بـ {مِثْلَ} ) هذا إنما يستقيم على مذهب الأخفش، وهو أن يكون التقدير: فعليه جزاء مثل ما قتل هدياً، فهو: حال عن فاعل الجار والمجرور من غير اعتماد.

قوله: (وقرئ: "أو كفارة طعام مساكين" على الإضافة) نافع وابن عامر، قال الإمام: إنه تعالى لما خير المكلف بين ثلاثة أشياء: الهدي والطعام والصيام، حسنت الإضافة، فكأنه

ص: 490

وهذه الإضافة مبينة كأنه قيل: أو كفارةٌ من طعام مساكين، كقولك: خاتم فضةٍ، بمعنى خاتم من فضةٍ. وقرأ الأعرج:(أو كفارة طعام مساكينٍ) وإنما وحد لأنه واقعٌ موقع التبيين، فاكتفى بالواحد الدال على الجنس. وقرئ:(أو عدل ذلك) بكسر العين، والفرق بينهما أن عدل الشيء: ما عادله من غير جنسه كالصوم والإطعام، وعدله: ما عدل به في المقدار، ومنه عدلاً الحمل؛ لأن كل واحدٍ منهما عدل بالآخر حتى اعتدلا، كأن المفتوح تسمية بالمصدر، والمكسور بمعنى المفعول به، كالذبح ونحوه، ونحوهما الحمل والحمل. و (ذلِكَ): إشارةٌ إلى الطعام (صِياماً) تمييز للعدل كقولك: لي مثله رجلاً. والخيار في ذلك إلى قاتل الصيد عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وعند محمدٍ إلى الحكمين. (لِيَذُوقَ): متعلق بقوله: (فَجَزاءٌ) أي: فعليه أن يجازي أو يكفر ليذوق سوء عاقبة هتكه لحرمة الإحرام. والوبال: المكروه والضرر الذي يناله في العاقبة من عمل سوء لثقله عليه، كقوله تعالى:(فَأَخَذْناهُ أَخْذاً وَبِيلًا)[المزمل: 16]: ثقيلاً. والطعام الوبيل: الذي يثقل على المعدة فلا يستمرأ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قيل: كفارة طعام لا كفارة صيام، وإليه الإشارة بقوله:"وهذه الإضافة مبينة"، وأما قراءة الباقين:{كَفَّارَةٌ} بالتنوين فهو عطف على {فَجَزَاءٌ} ، و {طَعَامُ مَسَاكِينَ}: عطف بيان.

قوله: (واقع موقع التبيين) أي: التمييز، نحو: عشرون درهماً.

قوله: (إن عدل الشيء: ما عادله من غير جنسه)، الراغب: العدالة والمعادلة لفظ يقتضي المساواة، ويستعمل باعتبار المضايفة، والعدل والعدل متقاربان، لكن العدل يستعمل فيما يدرك بالبصيرة، كالأحكام، على ذلك قوله:{أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً} ، والعدل والعديل فيما يدرك بالحاسة، كالموزونات والمعدودات والمكيلات، فالعدل هوا لقسط على سواء، وعلى هذا

ص: 491

(عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ) لكم من الصيد في حال الإحرام قبل أن تراجعوا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وتسألوه عن جوازه. وقيل: عما سلف لكم في الجاهلية منه، لأنهم كانوا متعبدين بشرائع من قبلهم وكان الصيد فيها محرماً. (وَمَنْ عادَ) إلى قتل الصيد وهو محرم بعد نزول النهي (فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ) ينتقم: خبر مبتدأ محذوفٍ، تقديره: فهو ينتقم اللَّه منه، ولذلك دخلت الفاء، ونحوه (فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ) [الحجر: 13]؛ يعني: ينتقم منه في الآخرة.

واختلف في وجوب الكفارة على العائد، فعن عطاءٍ وإبراهيم وسعيد بن جبير والحسن: وجوبها، وعليه عامة العلماء. وعن ابن عباس وشريحٍ: أنه لا كفارة عليه تعلقاً بالظاهر، وأنه لم يذكر الكفارة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

روي: بالعدل قامت السماوات والأرض، تنبيهاً على أنه لو كان ركن من الأركان الأربعة في العالم زائداً على الآخر أو ناقصاً عنه على خلاف مقتضى الحكمة، لم يكن العالم منتظماً.

قوله: (ولذلك دخلت الفاء) يعني: "ينتقم": خبر مبتدأ محذوف، فهو جملة اسمية تحتاج إلى الفاء، ولو لم تكن خبر مبتدأ محذوف لم يحتج إلى الفاء؛ لأن الشرط إذا كان ماضياً والجزاء مضارعاً جاز الرفع وترك الفاء.

قوله: (تعلقاً بالظاهر وأنه لم يذكر الكفارة). قال الإمام: ودليله أنه أعظم من أن يكفر

ص: 492

[(أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ)].

(صَيْدُ الْبَحْرِ): مصيدات البحر مما يؤكل ومما لا يؤكل (وَطَعامُهُ): وما يطعم من صيده. والمعنى: أحل لكم الانتفاع بجميع ما يصاد في البحر، وأحل لكم أكل المأكول منه، وهو السمك وحده عند أبى حنيفة. وعند ابن أبي ليلى: جميع ما يصاد منه، على أن تفسير الآية عنده: أحل لكم صيد حيوان البحر وأن تطعموه.

(مَتاعاً لَكُمْ) مفعولٌ له، أي: أحل لكم تمتيعاً لكم، وهو في المفعول له بمنزلة قوله تعالى:(وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً)[الأنبياء: 72] في باب الحال،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بالتصدق، بل الله ينتقم منه؛ لأن قوله:{فَيَنتَقِمُ اللَّهُ} جزاء، والجزاء كاف، وكونه كافياً يمنع وجوب شيء آخر.

قوله: (وعند ابن أبي ليلى: جميع ما يُصاد منه). قال القاضي: {صَيْدُ الْبَحْرِ} : ما صيد فيه مما لا يعيش إلا في الماء، وهو حلال كله، لقوله صلى الله عليه وسلم في البحر:"هو الطهور ماؤه، والحل ميتته"، وقيل: يحل السمك وما يؤكل نظيره في البر، وقلت: الحديث رواه مالك وأبو داود والترمذي والنسائي، عن أبي هريرة رضي الله عنه: سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إننا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"هو الطهور ماؤه، الحل ميتته".

ص: 493

لأن قوله: (مَتاعاً لَكُمْ) مفعول له مختص بالطعام كما أن (نافلة) حال مختصةٌ بـ (يعقوب)؛ يعني: أحل لكم طعامه تمتيعاً لتنائكم يأكلونه طرياً، ولسيارتكم يتزوّدونه قديداً، كما تزوّد موسى عليه السلام الحوت في مسيره إلى الخضر عليهما السلام. وقرئ:(وطعمه).

و(صيد البر): ما صيد فيه، وهو ما يفرّخ فيه، وإن كان يعيش في الماء في بعض الأوقات كطير الماء عند أبي حنيفة. واختلف فيه فمنهم من حرّم على المحرم كل شيء يقع عليه اسم الصيد، وهو قول عمر وابن عباسٍ، وعن أبي هريرة وعطاء ومجاهد وسعيد بن جبير: أنهم أجازوا للمحرم أكل ما صاده الحلال، وإن صاده لأجله إذا لم يدل ولم يشر، وكذلك ما ذبحه قبل إحرامه وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه رحمه الله، وعند مالك والشافعي وأحمد رحمهم الله: لا يباح له ما صيد لأجله.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (لأن قوله: {مَتَاعاً لَكُمْ}

مختص بالطعام)، لعل ذلك على التقدير الثاني، وهو "أحل لكم صيد حيوان البحر وأن تطعموه"؛ لأن قوله:{صَيْدُ الْبَحْرِ} حينئذ توطئة لذكر {وَطَعَامُهُ} : على طريقة: أعجبني زيدٌ وكرمه، فلا يتعلق به المفعول له، وأما على التقدير الأول فالظاهر أنه لا يختص بالطعام؛ لأن كلا من المعطوف والمعطوف عليه مقصودان بالذكر، ولذلك قُدر "وأحل لكم أكل المأكول منه". قال أبو البقاء: الضمير في {وَطَعَامُهُ} ضمير {الْبَحْرِ} ، وقيل: ضمير الصيد، والمعنى: أباح لهم صيد البحر وأكل صيده، بخلاف صيد البر، و {مَتَاعاً}: مفعول له، وقيل: مصدر، أي: متعتم بذلك تمتيعا.

قوله: (لتنائكم)، الجوهري: تنأت بالبلد تنوءا: إذا قطنته، وهم تناءة البلد، والاسم: التناءة.

ص: 494

فإن قلت: ما يصنع أبو حنيفة بعموم قوله: (صيد البر)؟ قلت: قد أخذ أبو حنيفة رحمه الله بالمفهوم من قوله: (وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً) لأن ظاهره أنه صيد المحرمين دون صيد غيرهم، لأنهم هم المخاطبون فكأنه قيل: وحرم عليكم ما صدتم في البر، فيخرج منه مصيد غيرهم، ومصيدهم حين كانوا غير محرمين. ويدل عليه قوله تعالى:(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ).

وقرأ ابن عباسٍ رضي الله عنه: (وحرّم عليكم صيد البرّ)؟ أي: اللَّه عز وجل. وقرئ (ما دُمْتُمْ) بكسر الدال، فيمن يقول دام يدام.

[(جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ* اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)].

(الْبَيْتَ الْحَرامَ): عطف بيانٍ على جهة المدح لا على جهة التوضيح، كما تجيء

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (قد أخذ أبو حنيفة بالمفهوم)، قيل: هذا استدلال ضعيف؛ لأن المفهوم عنده ليس بحجة، إلا أن يقال: ليس المراد هاهنا المفهوم المخالف، بل المراد ما يُعلم من الآية ويفهم منها، وقلت: يرده قوله: "فيخرج منه مصيد غيرهم ومصيدهم حين كانوا غير محرمين"، ولو أريد الاستدلال بظاهر الآية لكان من باب الاستدلال بعبارة النص، وهو العمل بظاهر ما سيق الكلام له، والأولى أنه خُص بفعل النبي صلى الله عليه وسلم، ولهذا توقفت الصحابة، روينا عن البخاري، عن أبي قتادة: فأحرموا ولم أحرم، فبصروا بحمار وحش، فاستعنتهم فأبوا أن يعينوني، فطعنته فأثبته فأكلنا منه، فقلنا: يا رسول الله، إنا صدنا حمار وحش، وإن عندنا فاضلة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه:"كلوا" وهم محرمون.

قوله: {الْبَيْتَ الْحَرَامَ} : عطف بيان على جهة المدح لا على جهة التوضيح، كما تجيء

ص: 495

الصفة كذلك. (قِياماً لِلنَّاسِ): انتعاشاً لهم في أمر دينهم ودنياهم، ونهوضاً إلى أغراضهم ومقاصدهم في معاشهم ومعادهم، لما يتم لهم من أمر حجهم وعمرتهم وتجارتهم، وأنواع منافعهم. وعن عطاء ابن أبى رباح: لو تركوه عاماً واحداً لم ينظروا ولم يؤخروا (وَالشَّهْرَ الْحَرامَ): الشهر الذي يؤدى فيه الحج، وهو ذو الحجة، لأنّ لاختصاصه من بين الأشهر بإقامة موسم الحج فيه شأناً قد عرّفه اللَّه تعالى. وقيل عنى به جنس الأشهر الحرم. (وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ): والمقلد منه خصوصاً، وهو البدن؛ لأن الثواب فيه أكثر، وبهاء الحج معه أظهر ذلِكَ إشارة إلى جعل الكعبة قياماً للناس، أو إلى ما ذكر من حفظ حرمة الإحرام بترك الصيد وغيره. (لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ) كل شيءٍ، وهو عالمٌ بما يصلحكم وينعشكم .......

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الصفة كذلك)، وذلك أن الأصل في الصفة تمييز الموصوف عن غيره وتخصيصه عما عداه، اللهم إلا إذا كان الموصوف معلوماً مشهوراً، فحينئذ يُعدل إلى المدح، ومن ثم أجرى صفات الله تعالى على المدح، وعلى هذا قول المصنف.

قوله: (انتعاشاً لهم)، الجوهري: نعشه الله ينعشه نعشاً: رفعه، وانتعش العاثر: إذا نهض من عثرته، قال أبو البقاء:{جَعَلَ اللَّهُ} بمعنى: صير، {قِيَاماً}: حال.

قوله: (ونهوضاً إلى أغراضهم): معطوف على "انتعاشاً" على البيان والتفسير، وقوله:"لما يتم" تعليل لقوله: "انتعاشاً ونهوضاً"، كما تقول: جعلت هذا الكتاب مشتملاً على معرفة الإعراب ليتم لمقتبسه الاحتراز عن اللحن في كلامهم.

قوله: ({لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ} كل شيء، وهو عالم بما يصلحكم وينعشكم): بيان لكيفية تعليل قوله: {لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} لقوله ذلك، أتى بالعام ليندرج

ص: 496

مما أمركم به وكلفكم شَدِيدُ الْعِقابِ لمن انتهك محارمه غَفُورٌ رَحِيمٌ لمن حافظ عليها.

[(ما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ)].

(ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ): تشديدٌ في إيجاب القيام بما أمر به، وأن الرسول قد فرغ مما وجب عليه من التبليغ، وقامت عليكم الحجة، ولزمتكم الطاعة، فلا عذر لكم في التفريط.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تحته هذا العلم الخاص، ويمكن أن يكون المعنى: إنما جعلنا الكعبة انتعاشاً لهم في أمر دينهم ودنياهم، أو ذكرنا حفظ حرمة الإحرام ليعلموا أنا نعلم مصالح دنياهم ودينهم فيستدلوا بهذا العلم الخاص على أنه لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السماوات والأرض، ويعلموا أنه تعالى عالمٌ بما وراء ذلك كله.

قال القاضي: ليعلموا أن شرع الأحكام لدفع المضار قبل وقوعها وجلب المنافع المترتبة عليها دليل على حكمة الشارع وكمال علمه، وقوله:{وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} تعميم بعد تخصيص ومبالغة بعد إطلاق.

قوله: (تشديد): خبر {مَا عَلَى الرَّسُولِ} .

قوله: (وأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد فرغ)، قيل: هو عطف على "تشديد"، أي: تشديد في إيجاب القيام وإيذان أن الرسول، ففي الكلام حذف، وقلت: الوجه أن يكون عطفاً تفسيريا ًعلى "إيجاب القيام"، المعنى: أن حكمة بعثة الرسل هي ألا يكون للناس على الله حجة، فإن الله تعالى أرسله إليكم ليبلغ إليكم ما أرسل به من شرائعه، ولا سيما تعظيم شعائره وأعلام دينه، فبلغ وأنذر، فارتفع العذر وأزيحت العلة، وبقي الأمر من جانبكم، إن أطعتموه فاعلموا أن الله غفور رحيم، وإن عصيتموه فإن الله شديد العقاب، هذا هو المعنى بقوله: "تشديد في إيجاب

ص: 497

[(قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)].

البون بين الخبيث والطيب بعيد عند اللَّه تعالى وإن كان قريبا عندكم، فلا تعجبوا بكثرة الخبيث حتى تؤثروه لكثرته على القليل الطيب، فإنّ ما تتوهمونه في الكثرة من الفضل، لا يوازى النقصان في الخبيث، وفوات الطيب، وهو عام في حلال المال وحرامه، وصالح العمل وطالحه، وصحيح المذاهب وفاسدها، وجيد الناس ورديهم ........

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

القيام بما أمر به"، ثم إيقاع هذه الجملة، أعني: {مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ}، معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه، وهذه التأكيدات في إثبات العلم تدل دلالة ظاهرة على أن جعل المشار إليه بقوله: "ذلك ما ذكره الله تعالى من حفظ حرمة الإحرام بترك الصيد وغيره" أولى من جعل الكعبة قياماً، بل كل ما ذكره الله من أول السورة، بل كل ما بلغه صلوات الله عيه وسلامه وما جاء به من الوحي وغيره ليدخل فيه ما تضمنته السورة بالطريق الأولى؛ لأن التأكيدات في إثبات العلم بقوله: {أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} ثم التعميم بقوله: {وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [المائدة: 97]، ثم الوعيد والوعد بقوله: {اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المائدة: 98]، ثم التخصيص بما أجرى هذه التشديدات لأجله من قوله: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ}، وتوسيط هذا الاعتراض، يدل على أن الخطب عظيم، وإلى هذا المعنى ينظر قول المصنف: "وأنا لرسول قد فرغ مما قد وجب عليه من التبليغ" إلى آخره.

قوله: (لا يوازي النقصان [في الخبيث] وفوات الطيب)، يعني: لا يساوي بين كثرة الخبيث وفوات الطيب، فإن الكثرة قوبلت بالخبيث الذي في نفسها، وبفوات الطيب الذي هو خارج منها، فلن يغلب الواحد الاثنين.

قوله: (وهو عام في حلال المال وحرامه)، الراغب: الخبيث هو: الباطل في الاعتقاد والكذب في المقال والطالح في الفعال، وأصله الرديء الدخلة الذي تظهر رداءته في الاختبار. ولهذا قال الشاعر:

ص: 498

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

سبكناه ونحسبه لجيناً

فأبدى الكير عن خبث الحديد

ومتى اعتبر الطيب بالخبيث فهو كالدائرة من النقطة بل كالشيء الذي لا قدر له بالمرئي، فبين الله تعالى أن الطيب وإن استقللتموه فهو خير من الخبيث وإن استكثرتموه حتى يعجبكم كثره، ونبه أن الاعتبار في الأشياء ليس بالقلة والكثرة، بل إنما ذلك بالجودة والرداءة، فالمحمود القليل خير من الذميم الكثير، ولهذا قيل: أقلل وأطب. إن قيل: كيف جعل الخبيث هاهنا كثيراً وقد جعله قليلاً في قوله تعالى: {قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ} [النساء: 77]؟ قيل: استكثاره للخبيث هو على نظر المغترين بالدنيا، واستقلاله هو ما عليه حقيقة الأمر، وقوله:{وَلَوْ أَعْجَبَكَ} ليس بخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم فقط، بل هو خطاب لكل مغتر، كقول الشاعر:

تراه إذا ما جئته متهللاً

كأنك تعطيه الذي أنت سائله

ولأجل أن الخطاب عام من حيث المعنى، قال:{فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الأَلْبَابِ} بلفظ الجمع، والمعنى: استعملوا التقوى راجين أن تبلغوا الفلاح، تنبيهاً على أن التقوى هي التي يُبلغ بها الفلاح.

وقلت: ينبغي تخصيص الجمع بعد تعميم الخطاب؛ يدل عليه الفاء في {فَاتَّقُوا اللَّهَ} ، أي: لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك أيها المخاطب كثرة الخبيث، فإذا كان كذلك فقضية ذي اللب التمييز بينهما لتحري حصول الفلاح.

الراغب: اللب: أشرف أوصاف العقل، وهو اسم الجزء الذي بإضافته إلى سائر أجزاء

ص: 499

(فَاتَّقُوا اللَّهَ) وآثروا الطيب، وإن قل، على الخبيث وإن كثر. ومن حق هذه الآية أن تكفح بها وجوه المجبرة إذا افتخروا بالكثرة كما قيل:

وَكَاثِرْ بِسَعْدٍ إنَّ سَعْداً كَثِيرَةٌ

ولَا تَرْجُ مِنْ سَعْدٍ وَفَاء وَلَا نَصْرَا

وكما قيل:

لَا يَدْهَمَنَّكَ مِنْ دَهْمَائِهِمْ عَدَدٌ

فَإنَّ جُلَّهُمُ بَلْ كُلَّهُمْ بَقَرُ

وقيل: نزلت في حجاج اليمامة، حين أراد المسلمون أن يوقعوا بهم، فنهوا عن الإيقاع بهم وإن كانوا مشركين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الإنسان كلُب الشيء إلى القشور، وباعتباره قيل لضعيف العقل: يراعة، وقصبة، ومنخوب، وخاوي الصدر.

قوله: (تكفح بها وجوه المجبرة)، المكافحة: مصادفة الوجه. الجوهري: كفحته كفحاً: إذا استقبلته كفة كفة، وقال الأصمعي: كافحوهم: إذا استقبلوهم في الحرب بوجوههم ليس دونها ترس ولا غيره.

قوله: (وكاثر بسعد) البيت من الحماسة، بعده:

يروعك من سعد بن عمرو جسومها

وتزهد فيها حين تقتلها خُبراً

قوله: (لا يدهمنك) البيت لأبي تمام، دهمه أمر: إذا غشيه، والدهماء: الجماعة الكثيرة، جانس بين الكلمتين.

وقلت: ما أكثر مكافحته مع أهل السنة والجماعة! ألا يردعه قوله صلوات الله وسلامه

ص: 500

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عليه: "لا تجتمع أمة محمد على الضلالة، ويد الله على الجماعة، ومن شذ شذ في النار" أخرجه الترمذي؟ ألا يزجره قوله: "اتبعوا السواد الأعظم، فإنه من شذ شذ في النار"؟ أما ينبهه من الرقدة قوله: "من خرج من الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه"؟ وما روى مسلم عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:"من خرج من الطاعة وفارق الجماعة مات ميتة جاهلية"؟ والأحاديث المنقولة من الأئمة المتقنين فيه لا تحصى! أم كيف يتجاسر على تسمية من مدحهم الله في كتابه العزيز بقوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110]، وعلى لسان حبيبه:"مثل أمتي مثل المطر لا يدري أوله خير أم آخره" بالخبيث! .

هذا، وإن الآية إن أجريت على العموم لتكون مبنية على إرادة العموم في قوله تعالى:{مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ} ، أو على الخصوص مبنية على خصوصه، ولا يدل على شيء مما ذكره، فتقدير الكلام على الأول: يا أيها الذين تدعون أنكم أرباب النهي وأصحاب العقول، انظروا بعد ما بلغتكم من بيان التوحيد ونفي الشرك، والإرشاد إلى مكارم الأخلاق وقلع الرذائل: هل يستوي ما أدعوكم إليه وما أنتم عليه من اتباع دين آبائكم وقطع الأرحام والفساد في الأرض؟ فاستعملوا قواكم وابذلوا جهدكم في التمييز بين الحق والباطل، واتقوا الله وأنصفوا

ص: 501

[(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَلَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْها وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ* قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ)].

الجملة الشرطية والمعطوفة عليها أعني قوله: (إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ، وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَلَكُمْ) صفة لـ (لأشياء). والمعنى: لا تكثروا مسألة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حتى تسألوه عن تكاليف شاقة عليكم، إن أفتاكم بها وكلفكم إياها

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

من نفوسكم لعلكم تفوزون بالهدى عاجلاً وبالفلاح آجلاً، فعلى هذا: الكلام في الدعوة إلى مُتابعة الحق وطاعة الله ورسوله، وقوله:{وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ} كالتتميم لعدم الاستواء، وقوله:{فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الأَلْبَابِ} من باب إرخاء العنان والبعث على التفكير والحث على التدبر. ونحن نقول أيضاً: يا أمة محمد، هلموا إلى النظر والتفكر فيمن يتبع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم منا ومنكم، ومن ينكص على عقبيه ويتبع هواه الذي يُضله ولا يعمل بالأحاديث الصحيحة المروية عنه حتى يتبين الخبيث منا والطيب! .

وأما تقرير الكلام على الثاني، وهو أن الآية نازلة في حجاج اليمامة كما قال:"وقيل: نزلت في حجاج اليمامة حين أراد المسلمون أن يوقعوا بهم فنهوا"، وقال محي السنة: نزلت في شريح بن ضبيعة البكري وحجاج بكر بن وائل، وقد مضت القصة في أول السورة، وفيها: فلما كان العام القابل خرج، يعني شريحاً، في حجاج بكر بن وائل ومعه تجارة عظيمة، فهموا بهم، فأنزل الله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ} [المائدة: 2]، ففيه: النهي عن التعرض للمشركين القاصدين لزيارة حرم الله لغرض الدنيا، فسماه خبيثاً، وإذا كان التعرض لهم غير جائز في مثل ذلك المقام كيف جاز التعرض لأعراض المسلمين في تفسير كلام الله المجيد؟ تاب الله علينا وعليه.

ص: 502

تغمكم وتشق عليكم وتندموا على السؤال عنها. وذلك نحو ما روى أن سراقة بن مالك أو عكاشة بن محصن قال: يا رسول اللَّه، الحج علينا كل عام؟ فأعرض عنه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حتى أعاد مسألته ثلاث مرّاتٍ، فقال صلى الله عليه وسلم:«ويحك ما يؤمنك أن أقول نعم، واللَّه لو قلت: نعم؛ لوجبت، ولو وجبت ما استطعتم، ولو تركتم لكفرتم، فاتركوني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بأمر فخذوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه» .

(وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ) وإن تسألوا عن هذه التكاليف الصعبة في زمان الوحي، وهو ما دام الرسول بين أظهركم .........

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ما روي عن سراقة بن مالك أو عكاشة)، روى أحمد بن حنبل والترمذي وابن ماجه، عن عي رضي الله عنه، قال: لما نزلت {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} [آل عمران: 97] الآية، قالوا: يا رسول الله، أفي كل عام؟ فسكت، فقالوا: يا رسول الله، أفي كل عام؟ قال:"لا، ولو قلت: نعم، لوجبت"، فأنزل الله تعالى {لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ} الآية.

قوله: (ويحك)، الجوهري: ويح: كلمة رحمة، وويل عكسه، وقال اليزيدي: هما بمعنى واحد، تقول: ويح لزيد وويل لزيد ترفعهما على الابتداء.

قوله: (وإن تسألوا عن هذه التكاليف الصعبة في زمان الوحي) إلى آخره، تقريره يؤذن أن المعطوف عليه، وهو قوله:{إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} ، كالتوطئة والبناء، والثانية كالتفسير للأولى، ولذلك قال:" {إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ}: صفة لـ {أَشْيَاءَ} "، وعم زمان الوحي حيث قال:"ما دام الرسول بين أظهركم يوحى إليه"، قال محيي السنة:

ص: 503

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

{إِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ} معناه: إن صبرتم حتى ينزل القرآن بحكم من فرض أو نهي، وليس في ظاهره شرح ما بكم إيه حاجة ومست حاجتكم إليه، فإذا سألتم عنها حينئذ تُبد لكم، وقرر هذا المعنى الإمام حيث قال: السؤال على نوعين، أحدهما: ما لم يجر ذكره في الكتاب والسنة بوجه ما فهو منهي عنه، وثانيهما: ما نزل به القرآن ولكن السامع لم يفهمه كما ينبغي فهاهنا يجوز السؤال، والفائدة في الذكر أنه تعالى لما منع السؤال أوهم أن جميع السؤال ممنوع، فذكر ذلك تمييزاً لهذا القسم ثم كلامه.

فإن قيل: فإذن يرد سؤال عكاشة، لأن سأل بعد نزول آية الحج كما سيجيء في حديثه، يقال: ما أنكر عليه لسؤاله: أن الأمر يحتمل التكرار أو المرة في المراد منهما، بل لأنه ما تفكر في أن إفادة التكرار مما يصعب على الأمة سيما على سكان القاصية، والدين مبني على اليسر:{وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78]، وكان ذلك مشهوراً عندهم كما روى الإمام، عن أبي ثعلبة الخُشني:"إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها، ونهى عن أشياء فلا تتنتهكوها، وحد حدوداً فلا تعتدوها، وعفا عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها".

قال الراغب: إن الأشياء في البحث عنها وسؤالها ثلاثة أضرب: ضرب يجب السؤال عنه، وهو ما كلف الإنسان به وبه أمر، وإياه توجه أن أفتى الجريح بالاغتسال، فقال:"قتلتموه، هلا سألتموني عنه، شفاء العي السؤال"، وضرب يُكره أو يُحظر السؤال عنه،

ص: 504

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وإياه توجه قوله صلى الله عليه وسلم: "اتركوني ما تركتم، إنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم الأنبياء"، وضرب يجوز السؤال والسكوت عنه، وهو ما يستحب أن يحمد ولا يؤخذ به الإنسان إن بحث عنه واستكشف.

وقال القاضي: الجملة الشرطية وما عطف عيها صفتان لـ {أَشْيَاءَ} ، المعنى: لا تسألوا عن أشياء إن تظهر لكم تغمكم، وإن تسألوا عنها في زمان الوحي تظهر لكم، وهما كمقدمتين تنتجان ما يمنع السؤال، وهو أنه مما يغمهم، والعاقل لا يفعل ما يغمه.

وقلت: وهذا النوع عند علماء البيان يسمى بالكناية الإيمائية، فيفيد القطع بامتناع السؤال، وليس بوجه في الآية، وتقرير المصنف أقرب لما يفهم من دليل الخطاب، والتقييد بالوصف: أن هناك سؤالاً لا يغمهم وهو ما لا يتعلق بالتكاليف الشاقة والأمور التي إن ظهرت أوقعتهم في الحرج والضيق، هذا حسن لولا أن قوله:{تُبْدَ لَكُمْ} يقتضي أن يُخص كقوله تعالى: {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ} [الأحزاب: 37]، ويعضده ما روينا عن البخاري ومسلم والترمذي، عن أنس، قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة ما سمعت مثلها قط، فقال:"لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً"، قال: فغطى أصحاب رسول الله صلى الله عليه سلم وجوههم ولهم خنين، فقال رجل: من أبي؟ فقال: "فلان"، فنزلت هذه الآية:

ص: 505

يُوحى إليه، تُبد لكم تلك التكاليف الصعبة التي تسؤكم، وتؤمروا بتحملها، فتعرّضون أنفسكم لغضب اللَّه بالتفريط فيها.

(عَفَا اللَّهُ عَنْها): عفا اللَّه عما سلف من مسألتكم، فلا تعودوا إلى مثلها.

(وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ): لا يعاجلكم فيما يفرط منكم بعقوبته.

فإن قلت: كيف قال: (لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ) ثم قال: (قَدْ سَأَلَها) .........

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

{لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} ، وفي رواية: فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم حتى أخفوه في المسالة، فصعد ذات يوم المنبر، فقال:"لا تسألوني عن شيء إلا بينته لكم"، فلما سمعوا ذلك أزموا ورهبوا أن يون بين ييدي أمر قد حضر، قال أنس: فجعلت انظر يميناً وشمالاً فإذا كل رجل لاف رأسه في ثوبه يبكي، فأنشأ رجل كان إذا لاحى يدعي إلى غير أبيه، قال: يا نبي الله، من أبي؟ قال:"أبوك حذافة"، ثم أنشأ عمر رضي الله عنه، فقال: رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً، نعوذ بالله من الفتن، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما رأيت في الخير والشر كاليوم قط، إنه صورت لي الجنة والنار حتى رأيتهما دون الحائط"، قال قتادة: يذكر هذا الحديث عند هذه الآية: {لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} . وقد روى الإمام أحمد بن حنبل، عن أبي هريرة رضي الله عنه، وقال فيه: فرجع عبد الله بن حذافة إلى أمه، فقال: ويحك! ما حملك على الذي صنعت؟ قالت: كنا أهل جاهلية وأهل أعمال قبيحة. أزموا: من أزم الإنسان: إذا أطرق ساكتاً من خوف.

قوله: (وتؤمروا) عطف تفسيري على قوله: "تبد لكم".

ص: 506

ولم يقل: قد سأل عنها؟ قلت: الضمير في: (سَأَلَها) ليس براجع إلى (أشياء) حتى تجب تعديته بـ"عن"، وإنما هو راجع إلى المسألة التي دل عليها (لا تَسْئَلُوا) يعني: قد سأل قوم هذه المسألة من الأولين، (ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها) أي: بمرجوعها أو

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (راجع إلى المسألة) أي: إلى المصدر لا إلى المفعول ليُحتاج إلى تعديته بـ "عَنْ". الراغب: {قَدْ سَأَلَهَا} يحتمل وجهين، أحدهما: أنه استخبار إشارة إلى نحو قول أصحاب البقرة حيث سألوا عن أوصافها، فعلى هذا لا فرق بين قوله:"قد سألها" وبين قوله: "قد سأل عنها"، والثاني: أنه استعطاء، إشارة إلى نحو المستنزلين للمائدة من عيسى والسائلين من صالح الناقة؛ فعلى هذا لا يصح أن يقال سأل عنها، وقوله:{ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ} أي: كفروا ولم يعترفوا.

واعلم أن الطلب والسؤال والاستخبار والاستفهام والاستعلام ألفاظ متقاربة، ومرتب بعضها على بعض، فالطلب أعمها؛ لأنه قد يقال فيما تسأله من غيرك، وفيما تطلبه من نفسك، والسؤال لا يقال إلا فيما تطلبه من غيرك، فكل سؤال طلب، وليس كل طلب سؤالاً، والسؤال يقال في الاستعطاف، فيقال: سألته كذا، ويقال في الاستخبار فيقال: سألته عن كذا، وأما الاستخبار فاستدعاء الخبر، وذلك أخص من السؤال، فكل استخبار سؤال وليس كل سؤال استخباراً، والاستفهام: طلب الإفهام، وهو أخص من الاستخبار، فإن قول الله تعالى:{أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي} [المائدة: 116] استخبار وليس باستفهام، وكل استفهام استخبار وليس كل استخبار استفهاماً، والاستعلام: طلب العلم، فهو أخص من الاستفهام، إذ ليس كل ما يفهم يعلم، بل قد يظن ويخمن، وكل استعلام استفهام وليس كل استفهام استعلاماً.

قوله: (بمرجوعها) أي: بما تؤول المسألة به وترجع إليه عند تحقيقها.

ص: 507

بسببها (كافِرِينَ)، وذلك أنّ بنى إسرائيل كانوا يستفتون أنبياءهم عن أشياء، فإذا أمروا بها تركوها فهلكوا.

[(ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ)].

كان أهل الجاهلية إذا نتجت الناقة خمسة أبطن آخرها ذكر، بحروا أذنها، أي: شقوها وحرّموا ركوبها، ولا تطرد عن ماء ولا مرعى، وإذا لقيها المعيى لم يركبها، واسمها البحيرة، وكان يقول الرجل: إذا قدمت من سفري أو برئت من مرضى فناقتى سائبة، وجعلها كالبحيرة في تحريم الانتفاع بها.

وقيل: كان الرجل إذا أعتق عبداً قال: هو سائبة فلا عقل بينهما ولا ميراث. وإذا ولدت الشاة أنثى فهي لهم، وإن ولدت ذكراً فهو لآلهتهم، فإن ولدت ذكراً وأنثى قالوا: وصلت أخاها، فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم. وإذا نتجت من صلب الفحل عشرة أبطن قالوا قد حمى ظهره، فلا يركب، ولا يحمل عليه، ولا يمنع من ماء ولا مرعي.

ومعنى (ما جَعَلَ): ما شرع ذلك ولا أمر بالتبحير والتسييب وغير ذلك، ولكنهم بتحريمهم ما حرّموا (يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ) فلا ينسبون التحريم إلى اللَّه حتى يفتروا، ولكنهم يقلدون في تحريمها كبارهم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (نُتجت الناقة خمسة أبطن)، المغرب: وقد نتجت الناقة نتجاً: إذا رُبي نتاجها حتى وضعت، فهو ناتج، وهو للبهائم كالقابلة للنساء، والأصل: نتجها ولداً، يثعدى إلى مفعولين، فإذا بُني للمفعول الأول قيل: نتجت ولداً: إذا وضعته. النهاية: يقال: نتجت الناقة: إذا ولدت فهي منتوجة، وأنتجت: إذا حملت فهي نتوج، ولا يقال: منتج بكسر التاء.

ص: 508

[(وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَ لَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ)].

الواو في قوله: (أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ) واو الحال قد دخلت عليها همزة الإنكار. وتقديره:

أحسبهم ذلك ولو كان (آباؤهم لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ)؟ والمعنى: أنّ الاقتداء إنما يصح بالعالم المهتدى، وإنما يعرف اهتداؤه بالحجة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: ({أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ} واو الحال). قال أبو البقاء: وجواب "لو" محذوف، أي: أولو كانوا لا يعلمون يتبعونهم، وذهب الراغب إلى أن الواو للعطف والهمزة للتعجب من جهلهم، أي: أيكفيهم ذلك وإن كان آباؤهم لا يعلمون فيفعلون ما يقتضيه علمهم ولا يهتدون بمن له علم؟ وأشير بأنهم من جملة الفرقة الثالثة الذين وُصفوا فيما روي: الناس عالمٌ ومتعلم وحائر بائر لا يطيع مرشداً، وروي عن علي رضي الله عنه: الناس ثلاثة: عالم ربانين ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع وأتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح، ولم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق فيمتنعوا.

وقوله: {لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ} إشارة إلى أنهم هم الرعاع والأتباع.

قوله: (الاقتداء إنما يصح بالعالم المهتدي)، وفيه معنى قول الإمام والقاضي: التقليد المذموم هو أن المقلد لا يعرف بالدليل أن مقلده على الحق أو على الباطل، وأما من عرف اهتداء مقلده بالدليل فهو ليس بمقلد.

ص: 509

[(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)].

كان المؤمنون تذهب أنفسهم حسرة على أهل العتوّ والعناد من الكفرة، يتمنون دخولهم في الإسلام، فقيل لهم:(عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ) وما كلفتم من إصلاحها والمشي بها في طرق الهدى. (لا يَضُرُّكُمْ) الضلال عن دينكم إذا كنتم مهتدين، كما قال عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام:(فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ)[فاطر: 8]، وكذلك من يتأسف على ما فيه الفسقة من الفجور والمعاصي، ولا يزال يذكر معايبهم ومناكيرهم، فهو مخاطبٌ به، وليس المراد ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن من تركهما مع القدرة عليهما فليس بمهتد، وإنما هو بعض الضلال الذين فصلت الآية بينهم وبينه.

وعن ابن مسعودٍ: أنها قرئت عنده فقال: إن هذا ليس بزمانها إنها اليوم مقبولة. ولكن يوشك أن يأتي زمان تأمرون فلا يقبل منكم، فحينئذ عليكم أنفسكم. فهي على هذا تسليةٌ لمن يأمر وينهى فلا يقبل منه، وبسط لعذره

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وإنما هو بعض الضلال) أي: من تركهما مع القدرة فليس بمهتد. (بل هو بعض الضلال الذين فصلت الآية بينهم)، وذلك أن قيل في حق البعض:{مَنْ ضَلَّ} ، وخوطب البعض بقوله:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} ، وأثبت لهم الاهتداء بقوله:{إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} ، وإنما يكونون مؤمنين مهتدين إذا قاموا بمواجبهما من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولم يقصروا فيهما، بل إنما يحسن هذا الخطاب إذا بذلوا جهدهم في ذلك وتحسروا على فوات الإنجاع في القوم، ولذلك استشهد بقوله:{فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ} [فاطر: 8]، فمن نظر إلى ظاهر الآية وأمسك عن الأمر بالمعروف ابتداء دخل في زمرة من قيل في حقه:{مَنْ ضَلَّ} .

قوله: (إن هذا ليس بزمانها) أي: هذا الزمان ليس بزمان العمل بمقتضى ظاهر الآية، وهو ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأن الإمرة والحسبة اليوم مقبولة.

ص: 510

وعنه: ليس هذا زمان تأويلها. قيل: فمتى؟ قال: إذا جعل دونها السيف والسوط والسجن. وعن أبي ثعلبة الخشني: أنه سئل عن ذلك فقال للسائل: سألت عنها خبيراً، سألت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عنها فقال:"ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، حتى إذا ما رأيت شحاً مطاعاً وهوى متبعاً ودنيا مؤثرةً وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك نفسك، ودع أمر العوام، وإنّ من ورائكم أياماً الصبر فيهنّ كقبضٍ على الجمر، للعامل منهم مثل أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عمله".

وقيل: كان الرجل إذا أسلم قالوا له: سفهت آباءك، ولاموه، فنزلت.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وعن أبي ثعلبة الخشني) بضم الخاء المعجمة والنون، الحديث بتمامه رواه الترمذي وابن ماجه.

قوله: (عن ذلك) أي: عن العمل بمقتضى الآية، وقوله: سألت عنها، أي: عن الآية، أي: عن العمل بمقتضاها.

قوله: (ائتمروا بالمعروف) أي: هموا به ولاتشاوروا فيه. النهاية: قيل لكل من فعل فعلاً من غير مشاورة: ائتمر، كأن نفسه أمرته بشيء فائتمر، أي: أطاعها.

قوله: (شحاً مطاعاً). النهاية: الشح: أشد البخل مع الحرص، وفيه أن الشح من جبلة الإنسان، والكامل من لا يطيعه لقوله تعالى:{وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ} [الحشر: 9].

قوله: (ودنيا مؤثرة) أي: مختارة على الآخرة.

قوله: (كان الرجل إذا أسلم قالوا له: سفهت أباك) أي: نسبته إلى السفه. الراغب: قال أبو بكر رضي الله عنه: إني أراكم تناولون هذه الآية: {عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ} وقد عهدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عامنا هذا على هذه الأعواد وهو يقول: "إن الناس إذا تركوا الأمر بالمعروف

ص: 511

(عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ) عليكم: من أسماء الفعل، بمعنى: الزموا إصلاح أنفسكم، ولذلك جزم جوابه. وعن نافع: عليكم أنفسكم، بالرفع. وقرئ (لا يَضُرُّكُمْ) وفيه وجهان أن يكون خبراً مرفوعاً وتنصره قراءة أبي حيوة، لا (يضيركم) وأن يكون جواباً للأمر مجزوماً، وإنما ضمت الراء اتباعاً لضمة الضاد المنقولة إليها من الراء المدغمة. والأصل: لا يضروكم. ويجوز أن يكون نهيا، ولا يضركم، بكسر الضاد وضمها من ضاره يضيره ويضوره.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

والنهي عن المنكر عمهم الله بعقابه، وما بينكم وبين أن يعمكم الله بعقابه إلا أن تتأولوا هذه الآية على غير تأويلها"، وإنما المعنى: لاتقتدوا بآبائكم، واحفظوا أنفسكم، وإذا اهتديتم فليس عليكم من ضلال من خالفكم شيء، كقوله:{لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ} [البقرة: 272]، وقوله:{وَلا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ} [البقرة: 119]. وقلت: حديث أبي بكر أخرجه الترمذي وأبوداود، عن قيس بن أبي حازم، ويعضده النظم، فإن قوله:{قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ} يرمي إلى ذلك.

قوله: (وعن نافع: "عليكم أنفسكم"، بالرفع) هي من طريق شاذة.

قوله: (أن يكون خبراً مرفوعاً)، قال الزجاج: إعراب {لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ} الأجود أن يكون رفعاً على جهة الخبر، أي ليس يضركم من ضل، ويجوز أن يكون جزماً، أي: لا يضرركم، إلا أن الراء الأولى أدغمت في الثانية فضمت الثانية لالتقاء الساكنين، ويجوز على جهة النهي:"لا يضركم"، بفتح الراء وكسرها، وهذا نهي للغائب ويراد به المخاطبون، فإذا قلت: لا يضرركم كفر الكافر، معناه: لا تعدن أنت كفره ضرراً عليك.

ص: 512

[(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ* فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما وَمَا اعْتَدَيْنا إِنَّا إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ* ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَاتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ)].

ارتفع (اثنان) على أنه خبر للمبتدأ الذي هو (شَهادَةُ بَيْنِكُمْ) على تقدير:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قلت: وأما زيادة التقرير فهو أن يقال: إن قوله تعالى: {لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ} لا يخلو من أن يكون مجزوماً على جواب الأمر، فالمعنى: احفظوا أنفسكم والزموا صلاحها لا يضركم من ضل إذا اهتديتم، أي: إذا حفظتموها لا يضركم من ضل، فإن لم تحفظوها بأن تصروا على ذكر مثالبهم يكن سبباً لأن تتضرروا بالملازمة عليها، أو أن يكون نهياً للضلال عن إيصال الضرر إلى المؤمنين على منوال قولهم: لا أرينك هاهنا، أو أن يكون خبراً مرفوعاً على تقدر سؤال، كأنه لما قيل لهم: الزموا أنفسكم واحفظوها عن أن تشتغلوا بمساوئهم قالوا: لِمَذا؟ فأجيبوا: لئلا يضركم ضلال من ضل، هذا وإن الظاهر: الزموا أنفسكم ولا تهتموا بشأنهم ولا تتأسفوا على ما فيه الفسقة من الفجور، فإنا لا نؤاخذكم بفعلهم كأنهم من فرط حرصهم وتهالكهم على صلاحهم حسبوا أنهم يتضررون بفسقهم، فرد عليهم، ولهذا ابتدأ بقوله:"كان المؤمنون تذهب أنفسهم حسرة على أهل العتو"، وعليه قوله تعالى:{فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ} [فاطر: 8].

قوله: (الذي هو {شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ}) اتسع في "بين" وأضيف إليه المصدر، كقوله تعالى:{لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ} [الأنعام: 94] بالرفع.

ص: 513

شهادة بينكم شهادة اثنين. أو على أنه فاعل (شهادة بينكم) على معنى: فيما فرض عليكم أن يشهد اثنان.

وقرأ الشعبي: (شهادة بينكم) بالتنوين. وقرأ الحسن: (شهادة) بالنصب والتنوين، على: ليقم شهادة اثنان، (وإِذا حَضَرَ) ظرفٌ للشهادة، و (حِينَ الْوَصِيَّةِ) بدل منه، إبداله منه دليل على وجوب الوصية، وأنها من الأمور اللازمة التي ما ينبغي أن يتهاون بها مسلمٌ ويذهل عنها. وحضور الموت: مشارفته وظهور أمارات بلوغ الأجل (مِنْكُمْ): من أقاربكم. و (مِنْ غَيْرِكُمْ): من الأجانب.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وفي إبداله منه دليل على وجوب الوصية)، قال الإمام: قالوا: قوله تعالى: {إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ} دليل على وجوب الوصية؛ لأنه تعالى جعل زمان حضور الموت حين زمان الوصية، وهذا إنما يكون إذا كانا متلازمين، وإنما تحصل هذه الملازمة حين وجوب الوصية.

وقلت: والأظهر أن قول المؤلف: "وأنها من الأمور اللازمة التي لا ينبغي أن يتهاون بها" عطف تفسيري على قوله: "وجوب الوصية"، ودلالة على أن الإبدال فيه للتأكيد والتقرير والثبوت دون الوجوب المتعارف، ولهذا اقتصر القاضي وصاحب "التقريب" على التفسير دون المفسر، حيث قالا: وفي إبداله منه تنبيه على أن الوصية مما ينبغي ألا يتهاون فيها، ولم يذكر لفظ الوجوب، ومثله في دلالة الإخباري المنظور فيه المبالغة على الوجوب قوله تعالى:{الزَّانِي لا يَنكِحُ إلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً} [النور: 3]، قال: فيه معنى النهي، ولكن أبلغ وآكد من "لا ينكح".

ص: 514

(إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ): يعني: إن وقع الموت في السفر ولم يكن معكم أحد من عشيرتكم، فاستشهدوا أجنبيين على الوصية، جعل الأقارب أولى لأنهم أعلم بأحوال الميت وبما هو [له] أصلح، وهم له أنصح. وقيل:(مِنْكُمْ): من المسلمين، و (مِنْ غَيْرِكُمْ) من أهل الذمة. وقيل: هو منسوخٌ لا تجوز شهادة الذمي على المسلم، وإنما جازت في أوّل الإسلام لقلة المسلمين وتعذر وجودهم في حال السفر. وعن مكحولٍ: نسخها قوله تعالى: (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ)[الطلاق: 2].

وروي: أنه خرج بديل بن أبى مريم مولى عمرو بن العاص وكان ......

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وروي أنه خرج بديل بن أبي مريم)، والصحيح: بُزيلُ بن أبي مريم بالياء المنقوطة من تحت والضم وفتح الزاي في "تاب الترمذي"، والذي جاء في "كتاب ابن أمير ماكولا": يزيل بن أبي مارية مولى عمرو بن العاص في "الجامع"، وفي "صحيح البخاري" والترمذي وأبي داود، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري وعدي بن بداء، فمات السهمي في أرض ليس بها مسلم، فلما قدموا فقدوا جاما من فضة مخوصاً بذهب، فأحلفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم وُجد الجام بمكة، فقالوا: ابتعناه من تميم وعدي بن بداء، فقام رجلان من أوليائه فحلفا: لشهادتههما أحق من شهادتهما وإن الجام لصاحبهم، قال: وفيهم نزلت هذه الآية.

ص: 515

من المهاجرين مع عدي بن زيد وتميم بن أوسٍ- وكانا نصرانيين- تجاراً إلى الشام، فمرض بديلٌ وكتب كتاباً فيه ما معه، وطرحه في متاعه ولم يخبر به صاحبيه وأمرهما أن يدفعا متاعه إلى أهله، ومات ففتشا متاعه فأخذا إناءً من فضةٍ فيه ثلاث مئة مثقالٍ منقوشاً بالذهب، فغيباه، فأصاب أهل بديلٍ الصحيفة فطالبوهما بالإناء، فجحدا، فرفعوهما إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم؛ فنزلت.

(تَحْبِسُونَهُما): تقفونهما وتصبرونهما للحلف، (مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ): من بعد صلاة العصر، لأنه وقت اجتماع الناس.

وعن الحسن: بعد صلاة العصر أو الظهر؛ لأن أهل الحجاز كانوا يقعدون للحكومة بعدهما. وفي حديث بديلٍ أنها لما نزلت صلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم صلاة العصر ودعا بعديّ وتميمٍ فاستحلفهما عند المنبر فحلفا، ثم وجد الإناء بمكة، فقالوا: إنا اشتريناه من تميم وعدي.

وقيل: هي صلاة أهل الذمّة وهم يعظمون صلاة العصر.

(إِنِ ارْتَبْتُمْ): اعتراضٌ بين القسم والمقسم عليه. والمعنى: إن ارتبتم في شأنهما واتهمتموهما فحلفوهما.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (فيه ثلاث مئة مثقال) تجريد، نحو قولك: في البيضة عشرون رطلاً من حديد، أي: هي نفسه هذا المقدار.

قوله: (وتصبرونهما للحلف). النهاية: في الحديث: "من حلف على يمين صبراً"، أي: ألزم بها وحبس عليها، وكانت لازمة لصاحبها من جهة الحكم.

ص: 516

وقيل: إن أريد بهما الشاهدان فقد نسخ تحليف الشاهدين، وإن أريد الوصيان فليس بمنسوخ تحليفهما.

وعن علي رضي الله عنه: أنه كان يحلف الشاهد والراوي إذا اتهمهما.

والضمير في (به) للقسم، وفي (كانَ) للمقسم له يعني: لا نستبدل بصحة القسم باللَّه عرضاً من الدنيا؛ أي: لا نحلف كاذبين لأجل المال، ولو كان من نقسم له قريباً لنا. على معنى: أن هذه عادتهم في صدقهم وأمانتهم أبداً، وأنهم داخلون تحت قوله تعالى:(كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ)[النساء: 135].

(شَهادَةَ اللَّهِ) أي: الشهادة التي أمر اللَّه بحفظها وتعظيمها. وعن الشعبي أنه وقف على "شهادة" ثم ابتدأ "اللَّه" بالمدّ على طرح حرف القسم وتعويض حرف الاستفهام منه. وروي عنه بغير مدّ على ما ذكر سيبويه أن منهم من يحذف حرف القسم ولا يعوض منه همزةً الاستفهام، فيقول: اللَّه لقد كان كذا. وقرئ: (لملاثمين) بحذف الهمزة وطرح حركتها على اللام وإدغام نون "من" فيها، كقوله:(عاد لولى).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (فقد نُسخ تحليف الشاهدين)، قيل: الناسخ قوله صلى الله عليه وسلم: "البينة على المدعي واليمين على من أنكر"، والله أعلم. وقيل: أول من قاله قس بن ساعدة الإيادي.

قوله: (أن هذه عادتهم في صدقهم)، والدلالة على العادة والتوكيد بقوله:"أبداً"، انضمام {وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} [المائدة: 106] مع قوله: {لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً} تتميماً ومبالغة، يعني: إذا لم يحلف لذي القربى فبالطريق الأولى ألا يحلف للغير أبداً، وهذا إنما يستقيم إذا أريد تحليف الشاهدين دون الوصيين، وذلك أن الشرطية، وهي قوله:{وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} جيء بها لتأكيد المقسم به، أي: لم يكن من عادتنا أن نشتري به ثمناً ولو وُجد ذو قربى.

ص: 517

فإن قلت: ما موقع (تحبسونهما)؟ قلت: هو استئناف كلامٍ، كأنه قيل: بعد اشتراط العدالة فيهما، فكيف نعمل إن ارتبنا بهما، فقيل: تحبسونهما فإن قلت: كيف فسرت (الصلاة) بصلاة العصر وهي مطلقة؟ قلت: لما كانت معروفة عندهم بالتحليف بعدها، أغنى ذلك عن التقييد، كما لو قلت في بعض أئمة الفقه: إذا صلى أخذ في الدرس علم أنها صلاة الفجر. ويجوز أن تكون اللام للجنس، وأن يقصد بالتحليف على أثر الصلاة أن تكون الصلاة لطفاً في النطق بالصدق، وناهية عن الكذب والزور (إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ) [العنكبوت: 45].

(فَإِنْ عُثِرَ): فإن اطلع (عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً) أي: فعلا مّا أوجب إثما، واستوجبا أن يقال إنهما لمن الآثمين (فَآخَرانِ) فشاهدان آخران (يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ) أي: من الذين استحق عليهم الإثم. معناه من الذين جني عليهم وهم أهل الميت وعشيرته. وفي قصة بديلٍ: أنه لما ظهرت خيانة الرجلين، حلف رجلان من ورثته أنه إناء صاحبهما وأنّ شهادتهما أحق من شهادتهما: و (الْأَوْلَيانِ): الأحقان بالشهادة لقرابتهما ومعرفتهما، وارتفاعهما على: هما الأوليان كأنه قيل ومن هما؟ فقيل: الأوليان .........

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: ({فَإِنْ عُثِرَ}: فإن اطلع). الأساس: دابة بها عثار: لا تزال تعثر، وخرج متعثراً في أذياله، ومن المجاز: عثر على كذا: اطلع عله، وأعثره على كذا: أطلعه.

اعلم أن هذه الآية من أشكل ما في القرآن من الإعراب، قاله الزجاج، وقال الواحدي رحمه الله: روى عن عمر رضي الله عنه: هذه الآية أعضل ما في هذه السورة من الأحكام، وقال الإمام: اتفق المفسرون على أن هذه الآية في غاية الصعوبة إعراباً ونظماً وحكماً.

ص: 518

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقال القاضي: ومعنى الآيتين أن المحتضر إذا أراد الوصية ينبغي أن يُشهد عدلين من ذوي نسبه أو دينه على وصيته، فإن لم يجدهما، بأن كان في سفر، فآخران من غيرهم، ثم إن وقع نزاع وارتياب أقسما على صدق ما يقولان بالتغليظ في الوقت، فإن اطلع على أنهما كذبا بأمارة أو مظنة، حلف آخران من أولياء الميت، والحكم منسوخ، إن كان الإثنان شاهدين فنه لا يحلف الشاهدان، لا تعارض يمينهما يمين الوارث، وإن كانا وصيين تُرد اليمين على الورثة إما لظهور خيانة الوصيين، فإن تصديق الوصي باليمين لأمانته، أو لتغيير الدعوى.

وقلت: هذا تلخيص المعنى، وهو في غاية من الجودة، وأما حل مشكل الآية فقد أشار إليه المصنف بحيث لا مزيد عليه.

قال أبو البقاء: قوله: {عَلَى أَنَّهُمَا} ، قائم مقام الفاعل، و"آخران": فاعل فعل محذوف، أي: فليشهد آخران، و {يَقُومَانِ}: صفة "آخران"، و {مِنْ الَّذِينَ}: صفة أخرى لـ "آخران".

قلت: فعلى هذا {الأَوْلَيَانِ} : خبر مبتدأ محذوف والجملة مستأنفة على تقدير سؤال، كأنه لما قيل: فإن عُلم أن الشاهدين قد خانا فيقم شاهدان آخران من الذين جُني عليهم فقيل: من هما؟ فأجيب: الحقان بالشهادة من أقرباء المجني عليه.

وقال الزجاج: قيل: معنى: {اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمْ} أي: فيهم، كما في قوله تعالى:{وَلأصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} [طه: 71]، وقيل: استحق منهم كقوله تعالى: {إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ} [المطففين: 2]، أي: منهم.

ص: 519

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقال صاحب "الكشف": أما ما يُسند إليه استحق فلا يخلو من أن يكون الإيصاء أو الوصية أو الإثم أو الجار والمجرور، وإنما جاز استحق الإثم لأن أخذه ثم فسُمي إثماً كما يسمى ما يؤخذ منك بغير حق مظلمة، قال سيبويه: الملمة: اسم ما أخذ منك، وكذلك سمي هذا المأخوذ باسم المصدر، وأما معنى {عَلَيْهِمْ} فيحتمل أن يكون بمنزلة على في قولك: استحق على زيد مال بالشهادة، أي: لزمه ووجب عليه الخروج منه؛ لأن الشاهدين لما عُثر على خيانتهما استحق عليهما ما ولياه من أمر الشهادة والقيام بها ووجب عليهما الخروج منها وترك الولاية لها، فصار إخراجهما منها مستحقاً عليهما كما يستحق على المحكوم عليه الخروج مما وجب عليه، وأن يكون بمنزلة في، أي: استحق فيهم، وأن يكون بمنزلة من، أي: استحق منهم الإثم.

وقلت: الحق أن يكون استحق مسنداً إلى الإثم، وأن يكون من باب المشاكلة والتضمين لقوله:"ومعناه: من الذين جُني عليهم"، والذي دعاه إلى هذا دعاه إلى هذا التأويل ابتناء قوله:{فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً} على قوله: {إِنَّا إِذاً لَمِنْ الآثِمِينَ} ؛ لأن المعنى: إن كتمنا الحق كنا من الخائنين، ثم إن اطلع على أنهما قد خانا وجنيا على المشهود عليه واستحقا إثماً بذلك فآخران يقومان مقامهما بالشهادة، فكني عن قوله:"قد خانا وجنيا" بقوله: {اسْتَحَقَّا إِثْماً} ليُشاكل الكلام السابق وهو: {إِنَّا إِذاً لَمِنْ الآثِمِينَ} ، يدل عليه قوله:"واستوجبا أن يقال: إنهما لمن الآثمين"، ثم عبر عن المشهود عليهم بقوله:"استحق عليهم الإثم" ليشاكل ما عبر به عن الجاني، وهو {اسْتَحَقَّا إِثْماً}؛ لأن الجاني إذا كُني عنه بأنه استحق الإثم فالمناسب أن يثكنى عن المجني عليه بقوله: استحق الإثم عليه، فقول المصنف:"من الذي جنى عليهم" تخليص المعنى وزُبدته.

ص: 520

وقيل: هما بدل من الضمير في (يقومان) أو من (آخران). ويجوز أن يرتفعا بـ (استحق) أي: من الذين استحق عليهم انتداب الأوليين منهم للشهادة لاطلاعهم على حقيقة الحال. وقرئ: (الأوّلين) على أنه وصف لـ (الذين استحق عليهم) مجرورٌ، أو منصوبٌ على المدح.

ومعنى الأولية: التقدم على الأجانب في الشهادة لكونهم أحق بها، .......

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (هما: بدل من الضمير في {يَقُومَانِ} . قال الزجاج: {الأَوْلَيَانِ} : في قول أكثر البصريين مرتفعان على البدل من الضمير في {يَقُومَانِ} ، المعنى: فليقم الأوليان بالميت مقام هذين الخائنين فيقسمان بالله.

قوله: (ويجوز أن يرتفعا بـ {اسْتَحَقَّ}) أي: {الأَوْلَيَانِ} : يكون فاعل {اسْتَحَقَّ} لا "الإثمُ"، فعلى هذا {اسْتَحَقَّ} بمعنى: استوجب، ولابد من تقدير المضاف؛ لأن الواجب على أهل الميت أن يختاروا من بينهم شخصين من أقارب الميت موصوفين بالأولوية من غيرهم لاطلاعهم على حقيقة الحال، وإليه الإشارة بقوله:" {مِنْ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمْ} انتداب الأوليين".

الجوهري: ندبه لأمر فانتدب له، أي: دعاه له، فأجاب. الأساس: رجل ندب: إذا نُدب لأمر خف له، وفلان مندوب لأمر عظيم وندب لكذا، وإلى كذا، فانتدب له.

قوله: (وقرئ: "الأولين") أي: بالجمع: أبو بكر وحمزة، والباقون:{الأَوْلَيَانِ} على التثنية.

قوله: (على أنه وصف لـ {الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمْ})، المعنى: آخران يقومان من الذين جُني عليهم المقدمين على الأجانب، وقوله:"مجرور" صفةٌ "لوصف".

ص: 521

وقرئ: (الأولين) على التثنية، وانتصابه على المدح. وقرأ الحسن:(الأولان) ويحتج به من يرى رد اليمين على المدعي. وأبو حنيفة وأصحابه لا يرون ذلك، فوجهه عندهم أن الورثة قد ادعوا على النصرانيين أنهما قد اختانا فحلفا، فلما ظهر كذبهما ادعيا الشراء فيما كتما، فأنكر الورثة فكانت اليمين على الورثة، لإنكارهم الشراء.

فإن قلت: فما وجه قراءة من قرأ: (استحق عليهم الأوليان) على البناء للفاعل، وهم على وأبيّ وابن عباس؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وقرئ: "الأولين" بالتثنية، وانتصابه على المدح)، فعلى هذا هو جار على {فَآخَرَانِ يَقُومَانِ} ، لا على {الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمْ} لعدم المطابقة، وإنما يجعله وصفاً كما في قراءة "الأولين"، لاختلافهما نكرة ومعرفة.

قوله: (فوجه عندهم) أي: أصحاب أبي حنيفة رحمه الله، فإن رد اليمين على المدعي غير سائغ عندهم، لكن قوله:"فلما ظهر كذبهما ادعيا الشراء فيما تما، فأنكر الورثة فكانت اليمين على الورثة"، ليس في رواية البخاري والترمذي وأبي داود ما ينبئ عنه، وظاهر التنزيل يأباه؛ لأن ترتب الجزاء، وهو قوله:{فَآخَرَانِ} ، على {فَإِنْ عُثِرَ} ، ثم ترتبه على قوله:{إِنَّا إِذاً لَمِنْ الآثِمِينَ} مانع من تخلل هذا الأجنبي في البين، على أنه تعالى صرح بالرد والتعقيب في قوله:{أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ} وجعله قانوناً لمثل هذا الحكم، والله أعلم.

قوله: (من قرأ {اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمْ الأَوْلَيَانِ} على البناء للفاعل) قراها حفص، أي: حق ووجب عليهم افثم، حق واستحق بمعنى في "المعالم".

ص: 522

قلت: معناه: من الورثة الذين (استحق عليهم الأوليان) من بينهم بالشهادة أن يجرّدوهما للقيام بالشهادة، ويظهروا بهما كذب الكاذبين (ذلِكَ) الذي تقدم من بيان الحكم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (أن يجردوهما) قيل: هو مفعول {اسْتَحَقَّ} ، والفاعل {الأَوْلَيَانِ} ، وقلت: معنى هذا يعود إلى قوله: "استحق عليهم انتداب الأوليين"، و"من بينهم": حال من الفاعل، و"بالشهادة": متعلق بـ {الأَوْلَيَانِ} ، أي: الأحقان بالشهادة، والواو في "ويظهروا" كالواو في قوله:{وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ} [النمل: 15] في إفادة تعويل الترتيب إلى الذهن على مذهب صاحب "المفتاح"، أي: يشهدوا ويظهروا بهما.

قوله: ({ذَلِكَ} الذي تقدم من بيان الحكم) وهو ما ذكر من رد اليمين أو تغيير الحكم على الاختلاف أجدر وأحرى أن يأتوا بالشهادة على وجه التحقيق، و {عَلَى وَجْهِهَا}: حال من الشهادة، أي: محققة، المعنى: أن من حق الشهادة أن تشهد على ما هي عليه أو أن تترك إذا لم تكن محققة مخافة أن يفتضح الشاهد إذا ظهر خلافها، أو "إلى" مقدرة قبل {أَنْ يَاتُوا} ، والتقدير: ذلك الحكم الذي ذكرناه أقرب إلى أن يأتوا بالشهادة على وجهها مما كنتم تفعلونه، وأقرب إلى خوف الفضيحة، فتمتنعوا من ذلك، فعلى هذا {أَوْ يَخَافُوا}: عطف على {أَنْ يَاتُوا} ، فيكون من باب قوله: علفتها تبناً وماءً بارداً، والمعنى ما قاله الواحدي: ذلك الذي حكمنا به من رد اليمين أدنى إلى الإتيان بالشهادة على ما كانت عليه، أو أقرب إلى أن ترد أيمان على أولياء الميت بعد أيمانهم فيحلفوا على خيانتهم وكذبهم فيفتضحوا ويغرموا فلا يحلفون كاذبين إذا خافوا هذا الحكم.

ص: 523

(أَدْنى) أن يأتي الشهداء على نحو تلك الحادثة (بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ): أن تكرّ أيمان شهودٍ آخرين بعد أيمانهم فيفتضحوا بظهور كذبهم كما جرى في قصة بديل. (وَاسْمَعُوا) سمع إجابة وقبول.

[(يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ* إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ)].

(يَوْمَ يَجْمَعُ) بدل من المنصوب في قوله: (وَاتَّقُوا اللَّهَ)[المائدة: 108] وهو من بدل الاشتمال، كأنه قيل: واتقوا اللَّه يوم جمعه، أو ظرف لقوله:(لا يَهْدِي)[ألمائدة: 108] أي: لا يهديهم طريق الجنة يومئذ كما يفعل بغيرهم. أو ينصب على إضمار اذكر. أو (يوم يجمع اللَّه الرسل) كان كيت وكيت

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (أن تكر)، ويروي "تكر" بغير "أن". الجوهري: يقال كره وكر بنفسه، يتعدى ولا يتعدى.

قوله: (وهو من بدل الاشتمال). الانتصاف: يكون منصوباً مفعولاً به لا ظرفاً. الإنصاف: لا يتصور هاهنا بدل الاشتمال؛ لأنه لابد من اشتمال البدل أو المبدل منه على الآخر، وهاهنا يستحيل ذلك، وإنما يتم ذلك ببيان المضمر، فإن تقديره: واتقوا عذاب الله يوم، وحينئذ يصح البدل لاشتمال {يَوْمَ} على العذاب.

ص: 524

و (ماذا) منتصب بـ (أجبتم) انتصاب مصدره على معنى: أي إجابة أجبتم، ولو أريد الجواب لقيل: بماذا أجبتم؟ فإن قلت: ما معنى سؤالهم؟ قلت: توبيخ قومهم، كما كان سؤال الموؤدة توبيخاً للوائد.

فإن قلت: كيف يقولون: (لا عِلْمَ لَنا) وقد علموا بما أجيبوا؟ قلت: يعلمون أن الغرض بالسؤال توبيخ أعدائهم، فيكلون الأمر إلى علمه وإحاطته بما منوا به منهم وكابدوا من سوء إجابتهم إظهاراً للتشكى واللجأ إلى ربهم في الانتقام منهم، وذلك أعظم على الكفرة وأفت في أعضادهم، وأجلب لحسرتهم وسقوطهم في أيديهم؛ إذا اجتمع توبيخ اللَّه وتشكى أنبيائه عليهم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (على معنى: أي إجابة أجبتم؟ ولو أريد الجواب لقيل: بماذا أجبتم؟ )، قال صاحب "المفتاح": أي: سؤال عما يميز أحد المتشاركين عن أمر يعمهما بقول القائل: عندي ثياب، فيقول: أي ثياب هي؟ فيطلب منه وصفاً يميزها عندك عما يشاركها في الثوبية. فالمعنى: أي إجابة أجبتم: إجابة تصديق أو تكذيب، أو إجابة رد أو قبول، طاعة أو عصيان؟ ولو أريد السؤال عن مقولهم بمعنى: ما قالوا لكم؟ لقيل: بماذا، بإدخال الباء، قال القاضي: ماذا: في موضع المصدر، أو بأي شيء أجبتم، فحذف الجار، والمصنف لم يلتفت إلى الثاني.

قوله: (بما منوا به). الجوهري: منوته ومنيته: إذا ابتليته.

قوله: (وأفت في أعضادهم). الأساس: فت في عضده: إذا كسر قوته وفرق أعوانه.

قوله: (وسقوطهم في أيديهم)، الأساس: سقط في يده وأسقط وسقط على المبني للفاعل: ندم، وهو مسقوط في يده وساقط في يده: نادم.

ص: 525

ومثاله أن ينكب بعض الخوارج على السلطان خاصةً من خواصه نكبةً قد عرفها السلطان واطلع على كنهها وعزم على الانتصار له منه، فيجمع بينهما ويقول له: ما فعل بك هذا الخارجي وهو عالم بما فعل به، يريد توبيخه وتبكيته، فيقول له: أنت أعلم بما فعل بي تفويضاً للأمر إلى علم سلطانه، واتكالا عليه، وإظهاراً للشكاية، وتعظيماً لما حل به منه. وقيل: من هول ذلك اليوم يفزعون ويذهلون عن الجواب، ثم يجيبون بعد ما تثوب إليهم عقولهم بالشهادة على أممهم. وقيل: معناه علمنا ساقط مع علمك ومغمور به، لأنك علام الغيوب، ومن علم الخفيات لم تخف عليه الظواهر التي منها إجابة الأمم لرسلهم، فكأنه لا علم لنا إلى جنب علمك

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (أن ينكب)، الأساس: نكب عنه ينكب ونكبت الريح: مالت عن مهاب الرياح، ومن المجاز: نكب في عدوه.

قوله: (للشكاية)، الجوهري: شكوت فلاناً أشكوه شكاية وشكوى وشكاة بفتح الشين المعجمة: إذا أخبرت عنه بسوء فعله بك.

قوله: (وقيل: من هول ذلك اليوم)، ويروي:"هو من هول ذلك اليوم"، الضمير راجع إلى القول، وهو {لا عِلْمَ لَنَا} ، أي: وقيل: هذا القول صدر منهم من هول ذلك اليوم، ثم استأنف بقوله:"يفزعون"، فكأنه قيل: ما بالهم تكلموا به وقد سئلوا عن شيء وأجابوا بما لم يطابق السؤال، فأجيب: لأنهم "يفزعون ويذهلون عن الجواب"، فقوله:"وقيل: هو من هول ذلك اليوم" معطوف على قوله: "يعلمون أن الغرض" أي: يعلمون أن الغرض بالسؤال توبيخ أعدائهم فيكلون الأمر إلى علمه قائلين: {لا عِلْمَ لَنَا} ، ويجوز أنهم يذهلون عن الجواب ويقولون:{لا عِلْمَ لَنَا} ، ثم بعد ما ترجع إليهم عقولهم يجيبون بالشهادة على أممهم.

قوله: (معناه: علمنا ساقط مع علمك)، هذا جواب آخر، على طريقة الأسلوب الحكيم، لأنه جواب بإثبات العلم لله على طريقة يُعلم منها المقصود، وذلك قوله:"لم تخف عليه الظواهر التي منها إجابة الأمم لرسلهم".

ص: 526

وقيل: لا علم لنا بما كان منهم بعدنا، وإنما الحكم للخاتمة، وكيف يخفى عليهم أمرهم وقد رأوهم سود الوجوه زرق العيون موبخين؟

وقرئ: (علام الغيوب) بالنصب على أنّ الكلام قد تم بقوله: (إِنَّكَ أَنْتَ) أي: إنك الموصوف بأوصافك المعروفة من العلم وغيره، ثم نصب (علام الغيوب) على الاختصاص، أو على النداء، أو هو صفةٌ لاسم "إنّ".

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وكيف يخفى عليهم أمرهم؟ ) رد واعتراض على القول اخير، وفيه إضمار، وذلك أنه تعالى لما سألهم بقوله: أي إجابة أجبتم، إجابة قبول أم رد، طاعة او عصيان؟ فقالوا: لا علم لنا بما كان منهم بعدنا، يعني: ما دمنا فيهم أجاب بعضهم إحابة طاعة وقبول، وبعضهم إجابة معصية ورد، فلما توفيتنا كنت أنت الرقيب عليهم، نحن لا نعلم ما كان منهم بعدنا: هل بدلوا وغيروا أم ثبتوا وداموا؟ لأن الحكم للخاتمة، وهذا لا يصح؛ لأن أمارات سوء الخاتمة لائحة من وجوههم وعيونهم، فكيف يقولون: نحن لا نعلم الخاتمة؟

قوله: (أي: إنك الموصوف بأوصافك المعروفة من العلم وغيره)، فالتركيب حينئذ من باب قوله:

أنا أبو النجم وشعري شعري

قوله: (أو هو صفة لاسم "إن")، قيل: فيه نظر؛ لان اسم "إن" ضمير، والضمير لا يوصف. وأجيب أن النظر مدفوع؛ لأنه يذكر الأقوال المذكورة، وبعضهم جوز وصف الضمير، وهذا بناء على ذلك المذهب.

الانتصاف: هو كقوله:

أنا أبو النجم وشعري شعري

الإنصاف: وقع في كلام الزمخشري أنه منصوب على النداء أو الاختصاص أو نعت لاسم

ص: 527

(إِذْ قالَ اللَّهُ) بدلٌ من (يَوْمَ يَجْمَعُ). والمعنى: أنه يوبخ الكافرين يومئذ بسؤال الرسل عن إجابتهم، وبتعديد ما أظهر على أيديهم من الآيات العظام،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

"إن" وهو بعيد؛ لأن المضمرات لا توصف، واسم "إن" ضمير واحد. وفر صاحب "الانتصاف" من ذلك ولم ينبه عليه، وهو من المشكلات.

وقلت: ولا ارتياب أن الكلام إذا قُطع عند قوله: {أَنْتَ} ، كما صرح به وعقبه بقوله:"ثم نُصب" لم يكن لقوله: "علام الغيوب" تعلق إعرابي به، فلا وجه لجعله صفة نحوية، فيكون التقدير: يا علام الغيوب، على النداء، أو: اذكر علام الغيوب، على المدح، او: أعني علام الغيوب، على الوصف والتفسير. فإذن: الجملة الثانية بيان للجملة الأولى من حيث الصفة التي يستدعيها المقام، على طريقة: أنا أبو النجم، وأنت تعلم أن نحو هذا التركيب لا يفيد معنى بنفسه ما لم يستند إلى ما ينبئ عن وصف خاص، وها هنا لما قيل:{إِنَّكَ أَنْتَ} ، يعني إنك أنت الموصوف بأوصافك، لم يُعلم أن الصفة التي يقتضيها المقام ما هي؟ فقيل:"علام الغيوب" للكشف والبيان، والبيان يدل عليه إيقاع قوله:"من العلم وغيره" بياناً لقوله: "بأوصافك المعروفة"، ليكون شاملاً لجميع الأصواف، فيحتاج حينئذ إلى تعيين ما يقتضيه المقام، وكذلك دل قوله:"وشعري شعري" على الوصف الذي يستدعيه "أنا"، أي: أنا ذلك المشهور بالبلاغة والفصاحة، وشعري هو البالغ في الكمال.

قوله: ({إِذْ قَالَ اللَّهُ} بدل من {يَوْمَ يَجْمَعُ} ، وقلت: ولما كان البدل كالتفسير للمبدل ولم يعلم من قوله: {مَاذَا أُجِبْتُمْ} هل السؤال عن تمييز أحد المتشاركين عن أمر يعمهما أو عن مقول الكافرين على تقدير الباء، كما قال القاضي، والذي عيه ظاهر كلام المصنف أن قوله:{مَاذَا أُجِبْتُمْ} مبهم في إجابة قبول أو رد، أتى بقوله:{إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ} إلى آخر السورة بياناً وتفصيلاً لذلك المجمل، وأوضح أن السؤال على طريق التمييز وبيان أن

ص: 528

فكذبوهم وسموهم سحرةً، أو جاوزوا حدّ التصديق إلى أن اتخذوهم آلهةً، كما قال بعض بني إسرائيل فيما أظهر على يد عيسى عليه السلام من البينات والمعجزات:(هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ)[الأحقاف: 7] واتخذه بعضهم وأمه إلهين.

(أَيَّدْتُكَ): قويتك. وقرئ (أيدتك) على: أفعلتك. (بِرُوحِ الْقُدُسِ): بالكلام الذي يحيا به الدين وأضافه إلى القدس، لأنه سبب الطهر من أو ضار الآثام، والدليل عليه قوله تعالى:(تُكَلِّمُ النَّاسَ) و (فِي الْمَهْدِ) في موضع الحال، لأنّ المعنى تكلمهم طفلاً وَكَهْلًا، إلا أن (في المهد) فيه دليلٌ على حدّ من الطفولة. وقيل روح القدس: جبريل صلوات الله عليه أيد به لتثبيت الحجة.

فإن قلت: ما معنى قوله: (فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا)؟ قلت:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الجواب جواب رد لا قبول، ولهذا قال:"والمعنى: أنه توبيخ للكافرين يومئذ"، وختم الآية بقوله تعالى:{فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ} ، وهو الوجه الأول من الوجوه المذكورة في جواب سؤاله:"كيف يقولون: {لا عِلْمَ لَنَا} وقد علموا؟ " ألا ترى كيف بين معنى التمييز بقوله: "فكذبوهم وسموهم سحرة، أو جاوزوا حد التصديق"، حيث ميز احتمال السؤال من التصديق والتكذيب بأحدهما وهو التكذيب؟

قوله: (أو جاوزوا حد التصديق): عطف على "فكذبوهم"، وقوله:"كما قال بعض بني إسرائيل" إلى آخره، نشر لهذين المعنيين.

قوله: (والدليل عليه) أي: على أن المراد بروح القدس: الكلام: إيقاع قوله: {تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً} إما بياناً للجملة الأولى أو استئنافاً.

قوله: (إلا أن {فِي الْمَهْدِ}) يعني كان المراد من قوله: {فِي الْمَهْدِ} : حال الطفولية، لكن في تخصيص ذكر المهد تتميم ومبالغة، ولهذا نكر قوله:"على حد من الطفولة"، ولو قيل: طفلاً، لم تكن تلك المبالغة؛ لأن الطفولية تنتهي وقت البلوغ لقوله تعالى:{وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمْ الْحُلُمَ} [النور: 59].

ص: 529

معناه: تكلمهم في هاتين الحالتين، من غير أن يتفاوت كلامك في حين الطفولة وحين الكهولة الذي هو وقت كمال العقل وبلوغ الأشد والحدّ الذي يستنبأ فيه الأنبياء.

(وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ) خصا بالذكر مما تناوله الكتاب والحكمة، لأن المراد بهما جنس الكتاب والحكمة. وقيل الْكِتابَ: الخط. والْحِكْمَةَ: الكلام المحكم الصواب. (كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ) هيئةٍ مثل هيئة الطير. (بِإِذْنِي) بتسهيلي. (فَتَنْفُخُ فِيها) الضمير للكاف لأنها صفة الهيئة التي كان يخلقها عيسى عليه السلام وينفخ فيها ولا يرجع إلى الهيئة المضاف إليها لأنها ليست من خلقه ولا من نفخه في شيء. وكذلك الضمير في (فتكون). (تُخْرِجُ الْمَوْتى): تخرجهم من القبور وتبعثهم. قيل: أخرج سام بن نوح ورجلين وامرأة وجارية.

(وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ) يعني: اليهود حين هموا بقتله. وقيل: لما قال اللَّه تعالى لعيسى: (اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ) كان يلبس الشعر ويأكل الشجر، .......

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (معناه: تكلمهم في هاتين الحالتين) يعني: فائدة انضمام "كهلاً" مع {فِي الْمَهْدِ} هنا، فعلى هذا يكون الثاني تابعاً للأول، والأحسن ما في كلام الإمام أن الثاني أيضاً معجزة مستقلة؛ لأن المراد: يكلم الناس في الطفولة وفي الكهولة حين ينزل من السماء في آخر الزمان؛ لأنه حين رفع لم يكن كهلاً.

قوله: (لأن المراد بهما جنس الكتاب): تعليل للتخصيص، يعني هو من باب عطف الخاص على العام لمزيد الفضل والشرف.

قوله: (ولا يرجع إلى الهيئة المضاف إليها)، يعني: في قوله: "هيئة مثل هيئة الطير"؛ لأن الثانية مشبهة بها، وهي من خلق الله، بل على الأولى المشبه؛ لأنها من تقديره ومن نفخه.

قوله: (وقيل: لما قال الله لعيسى: {اذْكُرْ نِعْمَتِي} : عطف على قوله: " {إِذْ قَالَ اللَّهُ} بدل من {يَوْمَ يَجْمَعُ} "، فيكون هذا الخطاب في الدنيا.

ص: 530

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وفي كلام المصنف لطيفة، وهي أنه تعالى من عليه بقوله:{اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ} ، وما كانت تلك النعمة نعمة دنيوية؛ لأنه كان يلبس حينئذ الشعر ويأكل الشجر.

وفيه أن هذه النعمة أيضاً من التأييدات القدسية والمنح الإلهية، روي أن فتحا الموصلي رحمه الله رجع ليلة إلى بيته فلم يجد عشاء ولا سراجاً ولا حطباً، فأخذ يحمد الله تعالى ويتضرع إليه ويقول: إلهي، لأي سبب ووسيلة واستحقاق عاملتني بما تعامل به أنبياءك وأولياءك؟

وقضية النظم على هذا الوجه هو أنه تعالى لما خوف الشاهدين خصوصاً والناس عموماً بقوله تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا} [المائدة: 108] بمعنى: واتقوه يوم جمعه الرسل وسؤاله إياهم: بـ {مَاذَا أَجَبْتُمْ} في الدنيا حين أرسلتم إلى القوم؟ وقول الرسل من الهيبة والذهول: {لا عِلْمَ لَنَا} ، اتجه لسائل: ما ذاك السؤال والجواب في الدنيا لا علم لي بذلك؟ فقيل له: اذكر وقت بعثة عيسى عليه الصلاة والسلام إلى القوم وتأييده بالمعجزات الباهرة، وجواب بعض القوم له: هذا سحر مبين، وبعضهم: ثالث ثلاثة، ليعلم ذلك السؤال والجواب، يدل على الأول قوله تعالى:{الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ} ، و"من" في {مِنْهُمْ}: تبعيضية، وعلى الثاني قوله:{أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ} ، ويدل على أن الوجه هو الأول قول عيسى عليه الصلاة والسلام:{وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ} ، قول الله عز وجل:{هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ} الآية [المائدة: 116].

وتقرير الكلام على هذا الوجه: اذكر أيها السائل ذلك الوقت الذي أراد الله سبحانه وتعالى أن يرسل عيسى عليه الصلاة والسلام، وحين أيده بالكتاب والحكمة وضم معه المعجزات، وأمره بدعوة القوم إلى الحكمة والعمل بما في الكتاب، فامتثل الأمر وادعى الرسالة وأظهر المعجزات القاهرة وأفحمهم، فأظهروا العجز، وقال بعضهم: إن هذا إلا سحر مبين، وقال

ص: 531

ولا يدخر شيئاً لغدٍ، يقول: مع كل يومٍ رزقه، لم يكن له بيتٌ فيخرب، ولا ولد فيموت، أينما أمسى بات.

[(وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ* إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ* قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَاكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ* قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ* قالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ)].

(أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ): أمرتهم على ألسنة الرسل. (مُسْلِمُونَ): مخلصون. من: أسلم وجهه للَّه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بعضهم: ثالث ثلاثة على منوال هذا، فأفسح في الوجه الأول وراعى فيه ما يستدعيه المقام من الكلام.

قوله: (لم يكن له بيت فيخرب، ولا ولد فيموت) عقده المعري:

سعد المسيح يسيح في الغبراء لا

ولد يموت ولا بناء يخرب

قوله: ({أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ}: أمرتهم)، قال الزجاج: وأنشدوا:

الحمد لله الذي استقلت

بإذنه السماء واطمأنت

وحي لها القرار فاستقرت

ص: 532

(عِيسَى): في محل النصب على إتباع حركة الابن كقولك: يا زيد بن عمروٍ، وهي اللغة الفاشية، ويجوز أن يكون مضموما كقولك: يا زيد بن عمرو. والدليل عليه قوله:

أَحَارِ بْنَ عَمْرٍو كَأَنِّى خَمِرْ

لأنّ الترخيم لا يكون إلا في المضموم.

فإن قلت: كيف قالوا: (هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ) بعد إيمانهم وإخلاصهم؟ قلت: ما وصفهم اللَّه بالإيمان والإخلاص، وإنما حكى ادعاءهم لهما، ثم أتبعه قوله: .........

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أي: أمرها أن تقر فامتثلت.

قوله: (في محل النصب) أي: الفتح؛ لأن حركته حركة بناء.

قوله: (أن يكون مضموماً كقولك: يا زيد بن عمرو) قيل: هذه لغة قليلة.

قوله: (أحار بن عمرو كأني خمر)، بعده:

ويعدو على المرء ما يأتمر

الخمر: الذي ضربه الخمار، وقيل: الخمر: نبت طيب ترعى فيه الأنعام ويلجأ إليه الناس إذا لم يجدوا طعاماً، ما يأتمر: من الائتمار، أي: مادام يمتثل الأمر، القائل يعابت الحارث ويقول: كأني ذلك النبت يأكلني كل أحد؛ لأني أوافقهم فيما يأمرونني.

قوله: (لأن الترخيم لا يكون إلا في المضموم)، وذلك أن المفتوح مع ما بعده بمنزلة الاسم الواحد كالمركب فلا يُرخم منه، لأنه لو رخم آخر الأول لكان الحذف من الوسط وهو غير سائغ.

ص: 533

"إِذ قالوا" فإذن إنّ دعواهم كانت باطلةً، وإنهم كانوا شاكين، وقوله:(هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ) كلام لا يرد مثله عن مؤمنين معظمين لربهم، وكذلك قول عيسى عليه السلام لهم معناه: اتقوا اللَّه ولا تشكوا في اقتداره واستطاعته، ولا تقترحوا عليه، ولا تتحكموا ما تشتهون من الآيات فتهلكوا إذا عصيتموه بعدها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (أن دعواهم كانت باطلة، وأنهم كانوا شاكين)، قال الزجاج: يحتمل أنهم أرادوا أن يزدادوا تثبيتاً، كقوله صلى الله عليه وسلم:{أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى} [البقرة: 260]، وأن استنزال المائدة كان قبل علمهم أنه أبرأ الأكمه والأبرص، وأما قول عيسى عليه الصلاة والسلام:{اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ} ، فالمراد: لا تقترحوا الآيات ولا تقدموا بين يدي الله ورسوله، وقال الواحدي: لا يدل قولهم على الشك، هذا كما تقول لصاحبك: هل تستطيع أن تقوم؟ أي: هل يسهل عليه إنزال هذه المائدة؟

وقال محيي السنة: لم يكونوا شاكين في قدرة الله، ولكن معناه: هل ينزل أم لا؟ وقيل: {يَسْتَطِيعُ} بمعنى يُطيع، يقال: أطاع واستطاع بمعنى، كقولهم: أجاب واستجاب، معناه: هل يطيعك ربك بإجابة سؤالك؟ وفي الآثار: من أطاع الله أطاعه الله، وأجرى بعضهم على ظاهره.

الانتصاف: هل تستطيع؟ : هل تفعل؟ تقول للقادر: هل تستطيع كذا؟ مبالغة في التقاضي، عبر عن المسبب بالسبب؛ لأن الاستطاعة من أسباب الإيجاد، ومنه تأويل أبي حنيفة:{وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنكِحَ} [النساء: 25] أي: ومن لم يملك، وحمل النكاح على الوطء،

ص: 534

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وجعل الاستطاعة نفس الملك، حتى إن القادر غير المالك عادم للطول، وكنت أستبعد احتمال اللفظ حتى وقفت على هذا القول عن الحواريين، وهو قول الحسن رحمه الله، ويقوي قول الزجاج والواحدي قوله:{وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا} ، {فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ} ؛ ولأن وصفهم بالحواريين ينافي أن يكونوا على الباطل، وأن الله تعالى أمر المؤمنين بالتشبه بهم والاقتداء بسنتهم في قوله:{كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ} [الصف: 14] ن ورسول الله صلى الله عليه وسلم مدح الزبير بقوله: "إن لكل نبي حوارياً، وإن حواري الزبير بن العوام"، أخرجه الترمذي، عن جابر، وقال في الصف:"والحواريون: أصفياؤه، وهم أول من آمن به، وكانوا اثني عشر رجلاً، وحواري الرجل: صفيه وخلصاؤه"، وقراءة الكسائي فإنه قرأ بالتاء وإدغام اللام فيها ونصب الباء، والباقون: بالياء ورفع الباء، أي: هل تستطيع سؤال ربك ما قال، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.

وقلت: ويمكن أن تنزل تلك القراءة على هذه، و {هَلْ} مثلها في قوله تعالى:{هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ} [الإنسان: 1] تقديره: قد يستطيع ربك أن يُنزل علينا مائدة فاسأله حتى ينزل؟

فإن قلت: كيف يطابقه قوله تعالى: {اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ} ؟ قلت: لها أسوة بقراءة الكسائي، وبالرد على إبراهيم منكراً عليه بقوله:{أَوَلَمْ تُؤْمِنْ} في سؤاله: {كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى} [البقرة: 260]، فحينئذ يكون قولهم:{نُرِيدُ أَنْ نَاكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا} مطابقاً لقوله: {بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة: 260]، والله أعلم.

ص: 535

(إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) إن كانت دعواكم للإيمان صحيحة. وقرئ: (هل تستطيع ربك) أي: هل تستطيع سؤال ربك، والمعنى: هل تسأله ذلك من غير صارف يصرفك عن سؤاله. والمائدة: الخوان إذا كان عليه الطعام، وهي من مادّه: إذا أعطاه ورفده كأنها تميد من تقدّم إليه. (وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ): نشهد عليها عند الذين لم يحضروها من بني إسرائيل، أو نكون من الشاهدين للَّه بالوحدانية ولك بالنبوّة، عاكفين عليها، على أن (عليها) في موضع الحال،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (إن كانت دعواكم للإيمان صحيحة)، وقلت: على التأويل الصحيح: واتقوا الله لأنكم مؤمنون، وسيجيء بيان أمثال هذا الشرط في قوله تعالى:{لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ} إلى قوله تعالى: {إِنْ كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً} [الممتحنة: 1].

قوله: (وهي من مادة: إذا أعطاه)، روى الزجاج عن أبي عبيدة: أنها مفعولة، ولفظها فاعلة نحو:{عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ} [الحاقة: 21]، قال الزجاج: إنها فاعلة من ماد يميد: إذا تحرك، فكأنها تميد بما عليها.

قوله: (على أن {عَلَيْهَا} في موضع الحال) لا يخلو إما أن يكون حالاً من اسم "كان" على رأي من يجوز إعمال "كان" في الحال، كما مر في قوله تعالى:{إِنْ كَانَتْ لَكُمْ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ} [البقرة: 94]، أو أن يكون حالاً من الضمير في الظرف الذي هو خبر "كان"، ولا يجوز الثاني لما يلزم من تقدم الحال على العامل المعنوي، فتعين الأول، قال ابن الحاجب: وقد اختلف في مثل: زيد في الدار قائماً، فجوز بعضهم تقديمه؛ لأن التقدير: استقر، أو: مستقر، وبعضهم يجعلون المقدر نسياً منسياً والظرف هو العامل في المعنى، وهو أرجح؛ لأنه لم يثبت مثل: زيدٌ قائماً في الدار، في فصيح الكلام، ولأنه إذا صار من قبيل المنسي صار في حكم العدم وصارت المعاملة مع النائب عنه، كذلك مذهب

ص: 536

وكانت دعواهم لإرادة ما ذكروا كدعواهم الايمان والإخلاص.

وإنما سأل عيسى وأجيب ليلزموا الحجة بكمالها ويرسل عليهم العذاب إذا خالفوا. وقرئ: (ويعلم) بالياء على البناء للمفعول. (وتعلم)(وتكون) بالتاء، والضمير للقلوب.

(اللَّهُمَّ) أصله: يا اللَّه، فحذف حرف النداء، وعوضت منه الميم، و (رَبَّنا) نداء ثان. (تَكُونُ لَنا عِيداً) أي: يكون يوم نزولها عيداً. قيل: هو يوم الأحد ومن ثم اتخذه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المحققين في قولك: سقيا زيداً، أن "زيداً" معمول "سُقيا" لا الفعل المحذوف؛ لأنه في حكم المنسي، بخلاف قولك: ضرباً زيداً؛ لأن حكم الفعل باق، فإن قلت: لم لا يجوز أن يكون حالاً من الضمير في {الشَّاهِدِينَ} ؟ قلت: لا يجوز؛ لأن ما في حيز الصلة ومعمولها لا يتقدم على الموصول.

قوله: (كدعواهم الإيمان)، قيل: كما أن دعواهم للإيمان والإخلاص كانت باطلة، كذلك دعواهم ما ذكروا من قوله:{نُرِيدُ أَنْ نَاكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا} باطلة، ثم أجاب عن سؤال مقدر، وهو أنه إذا كانت دعواهم باطلة كدعوتهم، فلم سأل عيسى عليه الصلاة والسلام المائدة؟ ولم أجابه الله تعالى؟ فأجاب بأن ذلك لإلزام الحجة.

قوله: (و {رَبِّنَا} نداء ثان). قال الزجاج: زعم سيبويه أن "اللهم" كالصوت، وأنه لا يوصف، وأن {رَبِّنَا} منصوب على نداء آخر، وقد سبق في سورة آل عمران في قوله:{قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ} [آل عمران: 26] الكلام فيه.

ص: 537

النصارى عيداً. وقيل: العيد: السرور العائد، ولذلك يقال: يوم عيدٍ، فكان معناه تكون لنا سروراً وفرحاً. وقرأ عبد اللَّه (تكن) على جواب الأمر، ونظيرهما (يَرِثُنِي) و (يَرِثْني).

(لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا) بدل من (لنا) بتكرير العامل، أي: لمن في زماننا من أهل ديننا ولمن يأتى بعدنا. وقيل: يأكل منها آخر الناس كما يأكل أولهم. ويجوز للمتقدمين منا والأتباع. وفي قراءة زيد: (لأولانا وأخرانا) والتأنيث بمعنى الأمّة والجماعة. (عَذاباً) بمعنى تعذيباً، والضمير في:(لا أُعَذِّبُهُ) للمصدر، ولو أريد بالعذاب ما يعذب به، لم يكن بدّ من الباء.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وقيل: العيد: السرور)، فعلى هذا الضمير يعود إلى "المائدة"، ولم يحتج إلى تقدير المضاف، قال أبو البقاء: يجوز أن يكون {لَنَا} خبر "كان"، ويكون {عِيداً}: حالاً من الضمير في الظرف، أو: حالاً من الضمير في "كان" على قول من يقول: إنها عامل في الحياة.

قوله: (وقيل: يأكل منها آخر الناس) يريد أن التكرير في {لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا} لرفع التفاوت بين قوم وقوم، يعني: لا تفاوت بين من يأكل أولاً ومن يأكل آخراً لإنزال الله البركة فيها، ولذا قدم المصنف آخر الناس على أولهم، ومثله في التكرير المعنوي قوله تعالى:{وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً} [مريم: 62]، قال:"يريد الديمومة ولا يقصد الوقتين المعلومين".

قوله: ({عَذَاباً} بمعنى: تعذيباً)، قال أبو البقاء:{عَذَاباً} : اسم المصدر الذي هو التعذيب، كالسلام بمعنى التسليم فيقع موقعه، ويجوز أن يكون مفعولاً به على السعة.

قوله: (والضمير في {لا أُعَذِّبُهُ} للمصدر)، قال صاحب "الكواشي": المعنى: لا أعذب مثل تعذيب الكافر بالله وبعيسى- بعد نزول المائدة - أحداً من العالمين. وقال أبو البقاء:

ص: 538

روي أن عيسى عليه السلام لما أراد الدعاء لبس صوفاً ثم قال: اللهم أنزل علينا، فنزلت سفرةٌ حمراء بين غمامتين؛ غمامة فوقها، وأخرى تحتها، وهم ينظرون إليها حتى سقطت بين أيديهم، فبكى عيسى عليه السلام وقال: اللهم اجعلنى من الشاكرين، اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها مُثلةً وعقوبةً، وقال لهم: ليقم أحسنكم عملاً يكشف عنها ويذكر اسم اللَّه عليها ويأكل منها، فقال شمعون رأس الحواريين: أنت أولى بذلك، فقام عيسى وتوضأ وصلى وبكى، ثم كشف المنديل وقال: بسم اللَّه خير الرازقين، فإذا سمكةٌ مشويةٌ بلا فلوسٍ ولا شوكٍ تسيل دسماً، وعند رأسها ملحٌ، وعند ذنبها خلٌ، وحولها من ألوان البقول ما خلا الكرّاث، وإذا خمسة أرغفةٍ على واحدٍ منها زيتونٌ، وعلى الثاني عسلٌ، وعلى الثالث سمنٌ،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يجوز أن تكون الهاء للعذاب، وفيه وجهان: أن يكون على حذف حرف الجر، أي: لا أعذب به أحداً، وأن يكون مفعولاً به على السعة، ويجوز أن يكون ضمير المصدر المؤكد، نحو: ظننته زيداً منطلقاً ولا تعود الهاء على العذاب الأول، فإن قلت:{لا أُعَذِّبُهُ} صفة لعذاب، وحينئذ لا راجع من الصفة إلى الموصوف، قلت: لماوقع الضمير موقع المصدر والمصدر جنس عام، و {عَذَاباً}: نكرة، كان الأول داخلاً في الثاني نحو: زيد نعم الرجل.

قوله: (ولا تجعلها مثلة وعقوبة)، أراد بالمثلة: العقوبة الغريبة مثل المسخ، قال في قوله:{مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً} [البقرة: 17]: "لما في المثل من الغرابة قالوا: فلان مثلة في الخير والشر، فاشتقوا منه صفة للعجيب الشأن"، ومنه أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن المثلة.

النهاية: يقال: مثلت بالحيوان أمثل به مثلاً: إذا قطعت أطرافه وشوهت به، ومثلت بالقتيل: إذا جدعت أنفه وأذنه أو شيئاً من أطرافه، والاسم: المثلة.

ص: 539

وعلى الرابع جبنٌ، وعلى الخامس قديدٌ. فقال شمعون: يا روح اللَّه، أمن طعام الدنيا أم من طعام الآخرة؟ فقال: ليس منهما، ولكنه شيءٌ اخترعه اللَّه بالقدرة العالية، كلوا ما سألتم واشكروا يمددكم اللَّه ويزدكم من فضله: فقال الحواريون: يا روح اللَّه، لو أريتنا من هذه الآية آية أخرى، فقال: يا سمكة احيى بإذن اللَّه، فاضطربت ثم قال لها: عودي كما كنت، فعادت مشويةً، ثم طارت المائدة، ثم عصوا بعدها فمسخوا قردة وخنازير.

وروي أنهم لما سمعوا بالشريطة وهي قوله تعالى: (فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ) قالوا لا نريد فلم تنزل. وعن الحسن: واللَّه ما نزلت، ولو نزلت لكان عيداً إلى يوم القيامة، لقوله:(وَآخِرِنا). والصحيح أنها نزلت.

[(وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ)].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وعن الحسن: والله ما نزلت)، نقل القاضي عن مجاهد: أن هذا مثل ضربه الله تعالى لمقترحي المعجزات.

قوله: (والصحيح أنها نزلت) أي: المائدة، لقوله تعالى:{إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ} ، ولما روينا عن الترمذي، عن عمار بن ياسر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنزلت المائدة من السماء خُبزاً ولحماً، وأمروا أن لا يخونوا ولا يدخروا لغد، فخانوا وادخروا ورفعوا لغد، فمسخوا قردة وخنازير".

ص: 540

(سُبْحانَكَ) من أن يكون لك شريك. (ما يَكُونُ لِي): ما ينبغي لي. (أَنْ أَقُولَ) قولاً لا يحق لي أن أقوله، (فِي نَفْسِي): في قلبي: والمعنى: تعلم معلومى ولا أعلم معلومك، ولكنه سلك بالكلام طريق المشاكلة وهو من فصيح الكلام وبينه، فقيل: .........

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: {سُبْحَانَكَ} من أن يكون لك شريك)، فإن قلت: قوله: {اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ} لا يقتضي الشركة، بل يقتضي أنهم اتخذوهما إلهين من دون الله، على أنه يوهم إنكار الإفراد، ولأنهم لو اتخذوهما إلهين معه لكان جائزاً؛ لأنك إذا قلت: اتخذت فلاناً دوني حبيباً: جاز إنكار إفراده بالاتخاذ، وأجاب الراغب: أن قوله: "من دوني" يحتمل وجهين، أحدهما: إنكار اتخاذهما معبودين وعدم اتخاذه معبوداً، وذلك أنهم لما عبدوهما معه كان عبادتهما له غير معتد بها؛ لأن الله تعالى لا يرضى أن يعبد معه غيره، والثاني: أن دون هاهنا للقاصر عن الشيء، وهم عبدوا المسيح وأمه، فهما توصلا إلى عبادة الله كما عبد الكفار الأصنام حيث قالوا:{مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3]، فكأنه قيل:{أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ} متوصلين بنا إلى الله؟ {قَالَ سُبْحَانَكَ} متنزهين عن ذلك.

قوله: (سلك بالكلام طريق المشاكلة)، يعني: لو لم تُقل: {مَا فِي نَفْسِي} ، لم يجز أن يقال:{وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} ؛ لأنه لا يجوز أن يُطلق على الله ابتداء اسم النفس، قال الزجاج: النفس في كلامهم لمعنيين، أحدهما: قولهم: خرجت نفس فلان، وفي نفس فلان أني فعل كذا، وثانيهما: جملة الشيء وحقيقته، تقول: فلان قتل نفسه، أي: ذاته، وليس معناه أن القتل وقع ببعضه، فمعنى {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي} أي: ما أضمره ولا علم ما في حقيقتك وما عندك علمه، أي: تعلم ما أعلم ولا أعلم ما تعلم.

وقلت: ولابد من الإقرار بالمشاكلة؛ لأن "ما في النفس"- إن أريد المضمرات - فلا مطابقة من جانب الله، فيجب القول بالمشاكلة، وإن أريد ما في الحقيقة والذات فالمشاكلة من حيث

ص: 541

(فِي نَفْسِكَ) لقوله: (في نفسي). (إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ): تقريرٌ للجملتين معاً، لأن ما انطوت عليه النفوس من جملة الغيوب، ولأن ما يعلمه علام الغيوب لا ينتهى إليه علم أحدٍ.

[(ما قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ* إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)].

(أن) في قوله: (أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ) إن جعلتها مفسرة لم يكن لها بد من مفسر، ......

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الإدخال في الظرفية على أن لابد من القول به من جانب العبد؛ لأن المراد ما في الضمير؛ لقوله: {فِي نَفْسِي} : في قلبي، الراغب: ويجوز أيضاً أن يكون القصد إلى نفي النفس عنه، فكأنه قال: تعلم ما في نفسي ولا نفس لك فأعلم ما فيها، كقول الشاعر:

لا ترى الضب بها ينجحر

أي: لا ضب ولا جُحر بها، فيكون من الضب الانجحار.

قوله: ({إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ}: تقرير للجملتين معاً). قال القاضي: تقرير للجملتين باعتبار مفهومه ومنطوقه. وقلت: دل تصدر الجملة بإن، وتوسيط الفصل، وبناء المبالغة، والجمع المحلي باللام، أن شيئاً من الغيب لا يعزب عن علمه البتة.

قوله: (في قوله: {أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ} إن جعلتها مفسرة) إلى آخره، قال صاحب "الفرائد" رحمه الله: قوله: "لم تخل من أن تكون بدلاً من {أَمَرْتَنِي بِهِ} أو من الهاء" مختل؛ لأن الوجه أن

ص: 542

والمفسر إما فعل القول وإما فعل الأمر، وكلاهما لا وجه له، أما فعل القول فيحكى بعده الكلام من غير أن يتوسط بينهما حرف التفسير، لا تقول: ما قلت لهم إلا أن اعبدوا اللَّه. ولكن: ما قلت لهم إلا اعبدوا اللَّه. وأما فعل الأمر، فمسند إلى ضمير اللَّه عز وجل. فلو فسرته بـ (اعبدوا اللَّه ربي وربكم)، لم يستقم لأن اللَّه تعالى لا يقول: اعبدوا اللَّه ربى وربكم، وإن جعلتها موصولة بالفعل لم تخل من أن تكون بدلاً من (ما أمرتنى به) أو من الهاء في (به) وكلاهما غير مستقيم، لأن البدل هو الذي يقوم مقام المبدل منه. ولا يقال: ما قلت لهم إلا أن اعبدوا اللَّه، بمعنى ما قلت لهم إلا عبادته لأن العبادة لا تقال. وكذلك إذا جعلته بدلا من الهاء لأنك لو أقمت (أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ) مقام الهاء، فقلت: إلا ما أمرتنى بأن اعبدوا اللَّه، لم يصح، لبقاء الموصول بغير راجع إليه من صلته.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يقال: إن جعلتها موصولة بالفعل لم يخل من أن يكون بدلاً أو عطف بيان، فإن كان بدلاً لم يخل من أن يكون بدلاً من {مَا أَمَرْتَنِي} أو من الهاء في {مَا أَمَرْتَنِي بِهِ} ، وكذا إن كان عطف بيان للهاء، ثم أقول: تأويل القول لا يصح منه إذا كان في التقسيم قسم يصح، وهو أن يكون عطف بيان؛ لأن التأويل عند الضرورة، وفائدة التقسيم ثبوت الضرورة ليثبت جواز التأويل.

قوله: (هو الذي يقوم مقام المبدل منه) غير سديد؛ لأنه قال في "المفصل": لا يجب ذلك؛ لأنك تقول في "زيد رأيت غلامه رجلاً صالحاً": إن "رجلاً صالحاً" بدل من "غلامه"، مع أنه لا يقوم مقامه؛ لأنك لو قلت: زيد رأيت رجلاً صالحاً، كان فاسداً. سلمنا، ولكن لم لا يجوز أن يكون بدلاً من {مَا أَمَرْتَنِي بِهِ} ، ويصح أن يقوم مقامه؟

قوله: (ولا يقال: ما قلت لهم إلا: أن اعبدوا الله، بمعنى: ما قلت لهم إلا عبادته؛ لأن العبادة لا تقال). قلت: لا نُسلم ذلك، ويمكن أن يقال معناه: ما قلت لهم إلا عبادته بالنصب، أي:

ص: 543

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الزموا عبادته، ويكون هو المراد من {مَا أَمَرْتَنِي بِهِ} ، وتكون الجملة وهي: الزموا عبادته: بدلاً من {مَا أَمَرْتَنِي بِهِ} من حيث إنها في حكم المفرد؛ لأنها مقولة، و {مَا أَمَرْتَنِي بِهِ} مفرد لفظاً وجملة. يعني سلمنا ولكن لم لا يجوز أن يكون بدلاً من الهاء مع أنه لم يصح أن يقال: إلا ما أمرتني بأن اعبدوا الله؛ لما مر أنه يصح أني قال: زيد رأيت غلامه رجلاً صالحاً بدل من غلامه، مع أنه لم يصح أن يقال: زيد رأيت رجلاً صالحاً، لعدم الراجع إلى المبتدأ، وقد ذكر مختصراً منه صاحب "التقريب".

وقال القاضي: يجوز أن يكون {أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ} : خبر مبتدأ محذوف، أو: مفعول مضمر، أي: هو، أو: أعني.

وقلت: في قوله: "لم يستقم؛ لأن الله تعالى لا يقول: اعبدوا الله ربي وربكم" نظر لما لا يجوز أن عليه الصلاة والسلام نقل معنى كلام الله بهذه العبارة، كأنه قيل: قلت لهم شيئاً سوى قولك لي: قل لهم: اعبدوا الله كما سبق في قوله تعالى: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ} [آل عمران: 12] على قراءة الياء التحتانية، وقد نص الزجاج أن {أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ} يجوز أن يكون في موضع خفض على البدل من الهاء، و {أنِ}: موصولة بـ {اعْبُدُوا اللَّهَ} ، ومعناه: إلا ما أمرتني به بأن يعبدوا الله، ويجوز أن يكون موضعها نصباً على البدل من {مَا} ، المعنى: ما قلت لهم شيئاً إلا أن اعبدوا الله، أي: ما ذكرت لهم إلا عبادة الله، وهذا قريب من قول المصنف:"ما أمرتهم إلا بما أمرتني به بأن اعبدوا الله"؛ لأنه أيضاً وضع ذكرت موضع القول، قال المصنف: كان الأصل ما أمرتهم إلا بما أمرتني به، فوضع القول موضع الأمر نزولاً على قضية الأدب الحسن لئلا يجعل نفسه وربه آمرين معاًن ودل على الأصل بإقحام {أَن} المفسرة.

ص: 544

فإن قلت: فكيف يصنع؟ قلت يحمل فعل القول على معناه لأن معنى (ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ): ما أمرتهم إلا بما أمرتنى به، حتى يستقيم تفسيره بـ (أن اعبدوا اللَّه ربي وربكم). ويجوز أن تكون (أن) موصولة عطف بيان للهاء لا بدلاً.

(وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً): رقيباً كالشاهد على المشهود عليه، أمنعهم من أن يقولوا ذلك ويتدينوا به (فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ) تمنعهم من القول به بما نصبت لهم من الأدلة، وأنزلت عليهم من البينات، وأرسلت إليهم من الرسل.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ويجوز أن تكون {أَن} موصولة عطف بيان للهاء)، قال في "الانتصاف": أراد بعطف البيان السلامة من طرح الأول وخلو الصلة من عائد، ولم يفصل في "المفصل" بين عطف البيان والبدل، إلا في مثل قوله:

أنا ابن التارك البكري بشر

وأنا المعتمد في عطف البيان الأول، والثاني موضح، وفي البدل المعتمد الثاني، والأول بساط له.

قوله: ({وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً}: رقيباً)، فإن قلت: إذا كان "الشهيد" بمعنى "الرقيب" لم عدل منه إلى "الرقيب" في قوله: {كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ} مع أنه ذيل الكلام بقوله: {وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} ؟ قلت: خولف بين العبارتين يميز بين الشهيدين والرقيبين، فكونه عليه الصلاة والسلام رقيباً ليس كالرقيب الذي يمنع ويلزم، بل هو كالشاهد على المشهود عليه ومنعه بمجرد القول، وأنه تعالى هو الذي يمنع منع الإلزام بنصب الأدلة وإنزال البينات وإرسال الرسل.

ص: 545

(إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ) الذين عرفتهم عاصين جاحدين لآياتك مكذبين لأنبيائك. (وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ): القوى القادر على الثواب والعقاب (الْحَكِيمُ): الذي لا يثيب ولا يعاقب إلا عن حكمة وصوابٍ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فإن قلت: قوله: {فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ} بعد قوله: {وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ} ن أليس من قبيل قول المصنف قبل هذا في تفسير قوله تعالى: {قَالُوا لا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ} [المائدة: 109]: "لا علم لنا بما كان منهم بعدنا وأن الحكم للخاتمة"، فكيف رده هناك بقوله:"وكيف يخفى عليهم أمرهم وقد رأوهم سود الوجوه"، كما سبق بيانه؟ قلت: ليس منه؛ لأن عيسى عليه الصلاة والسلام في صدد التنصل والتبري عما نسب إليه من الكلمة الشنعاء وإثباتها فيهم، يدل عليه قوله:{إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ} أي: "الذين عرفتهم عاصين وجاحدين لآياتك ومكذبين لأنبيائك"، كما قال، فأين هذا من ذلك؟

قوله: ({عِبَادُكَ}: الذين عرفتهم) جعل الإضافة في {عِبَادُكَ} بمنزلة التعريف باللام للعهد. الراغب: إن قيل: كيف قال: {عِبَادُكَ} و"العبد" أكثر ما يقال فيمن عبد لا فيمن ملك، وهم لم يعبدوا الله في الحقيقة، إذ قد عبدوا عيسى وأمه؟ قيل: بل "العباد" مستعمل مع الله، فيقال: الناس عباد الله ولا يقال: عباد الأمير إلا على التشبيه، و"العبيد" يقال في الله وفي غيره، ثم الناس كلهم يعبدون الله تسخيراً وقهراً وإن لم يعبدوه طوعاً، فإنهم إذا عبدوا غيره على أنه المنعم عليهم فهم يعبدون الله لأنه هو المنعم، وعلى هذا:{إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً} [مريم: 93] ن فإن قيل: لو كانوا يعبدون الله بفعلهم لما ذموا؟ قيل: إنما يذمون بقصدهم فيما يفعلون؛ لأنهم يقصدون عبادة غير الله، والإنسان مثاب ومعاقب بنيته، ولهذا قال:"الأعمال بالنيات".

وإن قيل: كيف قال: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ} ، وجواب الشرط إنما يصح فيما يقع في

ص: 546

فإن قلت: المغفرة لا تكون للكفار فكيف قال: (وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ)؟ قلت: ما قال إنك تغفر لهم، ولكنه بنى الكلام على: إن غفرت، فقال: إن عذبتهم عدلت، لأنهم أحقاء بالعذاب، وإن غفرت لهم مع كفرهم لم تعدم في المغفرة وجه حكمة لأن المغفرة حسنة لكل مجرمٍ في المعقول. بل متى كان الجرم أعظم جرما كان العفو عنه أحسن.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقوع الشرط، وقد عُلم أن هؤلاء عباده عذبهم أو لم يعذبهم؟ قيل: هذا الكلام فيه إيجاز، وتقديره: إن تعذبهم فإنك تعذب عبادك، أي: من أمرتهم بعبادتك: تنبيهاً أنهم لم يعبدوك فاستحقوا عقابك، إن قيل: وكيف جاز أن يقول: {وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ} فيعرض بسؤاله العفو عنهم مع علمه أنه تعالى قد حكم بأنه من شرك ابلله فقد حرم الله عليه الجنة؟ قيل: إن هذا ليس بسؤال، وإنما هو كلام على طريق إظهار قدرته تعالى على ما يريد وعلى مقتضى حكمه وحكمته، ولهذا قال:{إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} تنبيهاً أنه لا امتناع لحد من عزته، فلا اعتراض في حكمه وحكمته، ولم يقل:"الغفور الرحيم" وإن اقتضاهما الظاهر، قال:

أذنبت ذنباً عظيماً

وأنت للعفو أهل

فإن غفرت ففضل

وإن جزيت فعدل

قوله: (لأن المغفرة حسنة لكل مجرم في المعقول)، قال الإمام: غُفران الشرك جائز عندنا وعند جمهور البصريين من المعتزلة، قالوا: لأن العقاب حق الله تعالى على المذنب، وليس في إسقاطه على الله تعالى مضرة، فوجب أن يكون حسناً، بل دل الدليل السمعي في شرعنا على أنه لا يقع، فلعل هذا الدليل ما كان موجوداً في شرع عيسى عليه الصلاة والسلام.

وقال القاضي: إن تعذبهم فإنك تعذب عبادك، ولا اعتراض على المالك المطلق فيما يفعل بملكه، وإن تغفر لهم فلا عجز ولا استقباح، فإنك القادر القوي على الثواب والعقاب،

ص: 547

[(قالَ اللَّهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)].

قرئ (هذا يَوْمُ يَنْفَعُ) بالرفع والإضافة، وبالنصب إما على أنه ظرف لـ (قال)،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وأن المغفرة مستحسنة لكل مجرم، فإن عذبت فعدل، وإن غفرت ففضل، وعدم غفران الشرك بمقتضى الوعيد فلا امتناع فيه لذات ليمنع الترديد والتعليق.

الراغب: قيل: هذا ليس بسؤال، وإنما هو كلام الله تعالى على طريق إظهار قدرته على كل ما يريد وعلى مقتضى حكمه وحكمته، وتنبيه أنه تعالى جمع القدرة والحكمة، فهو قادر على أن يفعل أي المقتضيين أراد، أي: ولهذا قال: {أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} ولم يقصد سؤال الغفران للكفرة منهم، وإلى نحو هذا قصد الشاعر بقوله:

أذنبت ذنباً عظيماً

وأنت للعفو أهل

فإن غفرت ففضل .. وإن جزيت فعدل

الانتصاف: إنه لم يوافق السنة؛ فإنهم يجوزون العفو عن الكافر عقلاً، لكن السمع يمنع منه، ولا المعتزلة؛ إذ معتقدهم امتناعها على الله عقلاً لمناقضتها الحكمة.

قوله: (وبالنصب إما على أنه ظرف لـ {قَالَ}). أبو البقاء: أي: قال الله تعالى هذا القول في يوم ينفع الصادقين صدقهم، والقول هو:{يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ}

ص: 548

وإما على أنّ (هذا) مبتدأٌ، والظرف خبرٌ، ومعناه: هذا الذي ذكرنا من كلام عيسى واقع (يوم ينفع). ولا يجوز أن يكون فتحا، كقوله تعالى:(يَوْمَ لا تَمْلِكُ)[الانفطار: 9] لأنه مضافٌ إلى متمكنٍ. وقرأ الأعمش: (يومٌ ينفع) بالتنوين، كقوله تعالى:(وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ)[البقرة: 48].

فإن قلت: ما معنى قوله: (يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ) إن أريد صدقهم في الآخرة فليست الآخرة بدار عملٍ، وإن أريد صدقهم في الدنيا فليس بمطابق لما ورد فيه، .........

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وجاء على لفظ الماضي على نحو {وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ} [الأعراف: 44]، وليس ما بعد {قالَ} على الحكاية في هذا الوجه كما في الوجه الآخر.

قوله: (ولا يجوز أن يكون فتحاً كقوله تعالى: {يَوْمَ لا تَمْلِكُ}). روى أبو البقاء عن الكوفيين: {يَوْمَ} في موضع رفع: خبر "هذا"، ولكنه بُني على الفتح لإضافته إلى الفعل، قال: وعندهم يجوز بناؤه وإن أضيف إلى معرف، وعندنا لا يجوز إلا إذا أضيف إلى مبنى، وأنشد الإمام للنابغة:

على حين عاتبت المشيب على الصبا

وقال: بُني لإضافته إلى الماضي، وكذلك قوله:{يَوْمَ لا تَمْلِكُ} لإضافته إلى {لا} ، وقياس الأسماء أن لا تضاف إلا إلى المفردات، فلما خولف في هذه السماء القياس المذكور، وأضيف إلى الجمل، كانت مؤولة بمصدرها فهو مفرد في المعنى، والمخالفة في الثاني أكثر، فلا يرتكب إلا عند الضرورة.

قوله: (فليس بمطابق لما ورد فيه)، يعني: ورود الآية لا يطابق إرادة صدق المكلفين

ص: 549

لأنه في معنى الشهادة لعيسى عليه السلام بالصدق فيما يجيب به يوم القيامة؟ قلت: معناه الصدق المستمر بالصادقين في دنياهم وآخرتهم. وعن قتادة: متكلمان تكلما يوم القيامة، أمّا إبليس فقال: إنّ اللَّه وعدكم وعد الحق، فصدق يومئذ وكان قبل ذلك كاذباً، فلم ينفعه صدقه، وأما عيسى عليه السلام فكان صادقاً في الحياة وبعد الممات فنفعه صدقه.

[(لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)].

فإن قلت: في السموات والأرض العقلاء وغيرهم، فهلا غلب العقلاء، فقيل:"ومن فيهنّ؟ " قلت: «ما» يتناول الأجناس كلها تناولاً عاماً، ألا تراك تقول إذا رأيت شبحاً من بعيدٍ: ما هو؟ قبل أن تعرف أعاقلٌ هو أم غيرهُ؟ فكان أولى بإرادة العموم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الحاصل في الدنيا؛ لأن قوله: {يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ} في بيان شأن شهادة الله تعالى بصدق عيسى عليه الصلاة والسلام فيما يجيب به الله تعالى يوم القيامة، وهو قوله:{سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ} [المائدة: 116] إلى قوله: {فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [المائدة: 118]، كأنه تعالى يقول: صدقت فيما أجبت به، وهذا لا يكون في الدنيا فكيف قال:{يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ} ولم يقل: "صدقت" ليطابق مقتضى الظاهر؟ وأجاب: أن عيسى عليه الصلاة والسلام لما مهد عذره بتلك العبارات الفائقة البالغة في التبري عما يُنسب إليه ونزه الله التنزيه، قابله الله تعالى بالشهادة له بالصدق بما هو أبلغ مما أتى به في التنصل حيث عم المكلفين كلهم وعم أوقاتهم المختصة بالصدق كلها ليدخل عليه الصلاة والسلام في ذلك العام دخولاً أولياً.

قوله: (فكان أولى بإرادة العموم)، يعني: المقام يقتضي العموم و"ما" أعم من غيرها، فكان أولى في الإيراد. وبيان المقام ما ذكره القاضي، قال: في الآية تنبيه على كذب النصارى

ص: 550

عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة المائدة أعطى من الأجر عشر حسنات ومحى عنه عشر سيئاتٍ ورفع له عشر درجاتٍ، بعدد كل يهودي ونصراني يتنفس في الدنيا» .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وفساد دعواهم في المسيح وأمه، وإنما لم يقل: ومن فيهن تغليباً للعقلاء، وقال:{وَمَا فِيهِنَّ} اتباعاً لهم - غير أولى العلم - إعلاماً بأنهم في غاية القصور عن معنى الربوبية والنزول عن رتبة العبودية، وإهانة لهم وتنبيهاً على المجانسة المنافية للألوهية؛ ولأن ما يُطلق متناولاً للأجناس كلها فهو أول بإرادة العموم، والله تعالى أعلم.

ص: 551