الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سورة هود عليه السلام
مكية وهي مئة وثلاث وعشرون آية
بسم الله الرحمن الرحيم
(الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ)
(أُحْكِمَتْ آياتُهُ): نظمت نظماً رصيناً محكماً لا يقع فيه نقض ولا خلل، كالبناء المحكم المرصف. ويجوز أن يكون نقلا بالهمزة،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سورة هود عليه السلام
مكية، وهي مئة وثلاث وعشرون آية
بسم الله الرحمن الرحيم
قوله: (ويجوز أن يكون نقلاً): الضمير في "يكون" راجع إلى (أُحْكِمَتْ)، وهو وعطف على "نظمت نظماً" من حيث المعنى، فعلى الأول: الهمزة ليست للنقل، بل وضع "أحكم" ابتداء لذلك، ومثله "كلم" بالتشديد في قوله تعالى:(وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً)[النساء: 164]، لأنه ليس للتكثير، بل هو موضوع لذلك، قاله ابن الأثير. فقوله:"نقلاً" مصدر فعل محذوف، أي: نقل نقلاً.
من: حكم- بضم الكاف-: إذا صار حكيماً، أي: جعلت حكيمة، كقوله تعالى (آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ) [يونس: 1] وقيل: مُنِعَت من الفساد، من قولهم: أحكمت الدابة: إذا وضعت عليها الحَكَمة لتمنعها من الجماح، قال جرير:
أبَنِي حَنِيفَةَ أَحْكِمُوا سُفَهَاءَكُمْ
…
إنِّى أخَافُ عَلَيْكُمُ أنْ أغْضَبَا
وعن قتادة: أُحكمت من الباطل.
(ثُمَّ فُصِّلَتْ) كما تفصل القلائد بالفرائد، من دلائل التوحيد، والأحكام، والمواعظ والقصص. أو: جعلت فصولاً، سورةً سورة، وآيةً آية. وفرقت في التنزيل، ولم تنزل جملةً واحدة، أو فُصِّل فيها ما يحتاج إليه العباد: أي بين ولخص
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (حكم: [إذا] صار حكيماً): وأنشد للنمر بن تولب:
وأبغض بغيضك بغضاً رويداً
…
إذا أنت حاولت أن تحكما
قال الأصمعي: إذا حاولت أن تكون حكيماً.
قوله: (أبني حنيفة) البيت: يقول: امنعوا سفهاءكم عن إيذائي وشتمي، فإني أخاف أن أغضب وأصيبكم بسوء من هجو وغيره.
قوله: (كما تفصل القلائد بالفرائد)، الراغب: "الفصل: إبانة أحد الشيئين عن الآخر، حتى يكون بينهما فرجة، ومنه قيل: المفاصل، والواحد: مفصل، وفصل القوم عن مكان كذا، وانفصلوا: فارقوه، قال تعالى:(وَلَمَّا فَصَلَتْ الْعِيرُ)[يوسف: 94]، ويستعمل في الأفعال والأقوال، كقوله تعالى:(إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ)[الدخان: 40]،
وقرئ: (أحكمت آياته ثم فصلت)، أي: أحكمتها أنا ثم فصلتها. وعن عكرمة والضحاك: (ثم فصلت)، أي: فرّقت بين الحق والباطل.
فإن قلت: ما معنى (ثم)؟ قلت: ليس معناها التراخي في الوقت، ولكن في الحال، كما تقول: هي محكمة أحسن الإحكام، ثم مفصلةٌ أحسن التفصيل، وفلانٌ كريم الأصل، ثم كريم الفعل
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أي: يفصل بين الناس بالحكم، وفصل الخطاب: ما فيه قطع الحكم، وحكم فيصل، ولسان مفصل، قال تعالى:(كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ) إشارة إلى ما قال: (تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً)[النحل: 89]، والمفصل من القرآن: السبع الأخير، والفواصل: أواخر الآي، وفواصل القلادة: شذر يفصل به بينها".
قوله: (ليس معناها التراخي في الوقت، ولكن في الحال): قوله: "في الحال": يحتمل أمرين:
أن يراد: التراخي في الرتبة- كما مر مراراً-، وأن يراد التراخي في الإخبار، كما قال القاضي، وقال أبو البقاء في غير هذا الموضع: "ثم- ها هنا-: غير مقتضية ترتيباً في المعنى، وإنما
و (كتاب) خبر مبتدأٍ محذوف، و (أحكمت) صفةٌ له، وقوله:(مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) صفةٌ ثانية، ويجوز أن يكون خبراً بعد خبر، وأن يكون صلة لـ (أحكمت) و (فصلت)، أي: من عنده إحكامها وتفصيلها، وفيه طباقٌ حسن، لأنَّ المعنى: أحكمها حكيم وفصلها- أي: بينها وشرحها خبيرٌ عالمٌ بكيفيات الأمور
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رتبت الأخبار بعضها على بعض".
واختلاف المعنيين بحسب اختلاف تفسير اللفظين، أعني:(أُحْكِمَتْ) و (فُصِّلَتْ)، روى المصنف عن قتادة:"أحكمت آياته من الباطل"، وهو من قوله تعالى:(لا يَاتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ)[فصلت: 42].
وقال الإمام: "إحكامها: عبارة عن منع الفساد، أي: لم تنسخ بكتاب كما نسخت الكتب المتقدمة، أو أنها محكمة في أمور: أحدها: أن معانيها التوحيد والعدل والنبوة والمعاد، وهي في غاية من الإحكام، وثانيها: أن آياتها غير متناقضة، والنقض ضد الإحكام، وثالثها: أن ألفاظها بلغت في البلاغة والفصاحة بحيث لم تقبل المعارضة، وهي مشعرة بالإحكام.
وأما اللفظ الثاني: ففيه الوجوه الأربعة المذكورة في الكتاب، فإذا أريد ما قاله قتادة:"أحكمت من الباطل، ثم فصلت كما تفصل القلائد بالفرائد من دلائل التوحيد والأحكام"، كان من باب التراخي في الرتبة، لأن التفصيل أقوى من الإحكام. وإن أريد بت "الإحكام": ما ذكره الإمام من الوجوه، وبـ "التفصيل": تفصيل السور والآيات، أو التفريق في التنزيل، كان من باب الإخبار، كما ذكره أبو البقاء.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ثم أقول- والعلم عند الله-: يمكن أن يقال: إنه من باب الإخبار، وإن المتكلم ينبه السامع على ما اشتمل عليه الكلام من المعاني الفائقة الرائقة، ويقول: إني أنظرك- أيها المتأمل- ملياً في التروي فيما أورده عليك، واستنباط معانيه ودقائقه، واستخراج نكاته ومحاسنه، فحينئذ يقول: شبه ما تضمنه من المعاني المحكمة الرصينة، نحو: دلائل التوحيد، والنبوات، والمعاد، ووضع الأحكام، والإخبار عن القصص والمغيبات، في أن لا اختلاف فيها ولا اضطراب، بالبناء المحكم المرصف الذي لا نقض فيه ولا خلل، مثاله من هذه السورة الكريمة: الكلمة الفاذة الجامعة: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ)[هود: 112]، وشبه ما اشتمل عليه من الألفاظ الحسنة الرشيقة المفرغة في القوالب البديعية بتفصيل القلائد بالفرائد، مثاله فيها:(وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي)[هود: 44].
ثم علل كلاً من الخلتين بما يناسبها من الوصفين، فإن الحكيم: من يحكم الأشياء ويتقنها، ولذلك أحكمت معاقدها، والخبير: من يكون عالماً بحقائق الأشياء، يدرك ما لطف منها وما دق، فيحسن نيقتها، ومن ثم ترتيب مبانيها، فينطبق على هذا التأويل قوله:"هي محكمة أحسن الإحكام، ثم مفصلة أحسن التفصيل، أحكمها حكيم، وفصلها خبير".
وقال السجاوندي: ضمنت الحكم والإحكام، ومنعت الخلل والزلل؛ لفظاً ومعنى، من لدن حكيم في وضع محاسن الأخلاق بإتقان الآيات، خبير في أمر مناظم الأعمال بمصالح السياسات.
وقلت- والله أعلم-: فكما وصف المنزل بالإحكام والتفصيل، ونعت المنزل بالحكيم والخبير، وصف المنزل عليه بالنذير والبشير، وأمر أمته بالتحلية بالعبادة، والتخلية بالاستغفار والإنابة.
[(أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ* وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ* إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)].
(أَلَّا تَعْبُدُوا) مفعولٌ له على معنى: لئلا تعبدوا. أو تكون «أن» مفسرة؛ لأنّ في تفصيل الآيات معنى القول، كأنه قيل: قال لا تعبدوا إلا الله، أو: أمركم أن لا تعبدوا إلا الله (وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا)، أي: أمركم بالتوحيد والاستغفار. ويجوز أن يكون كلاماً مبتدأً منقطعاً عما قبله على لسان النبي صلى الله عليه وسلم،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ثم في العدول من قوله: أحكم آياته الحكيم وفصلها الخبير، إلى الدرجة الثانية: أحكمت آياته ثم فصل الحكيم الخبير، نحو:(يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ* رِجَالٌ)[النور: 36 - 37]، ثم إلى الثالثة الكناية واختصاص (مِنْ لَدُنْ) المنبئ عن على الحضرة الصمدانية، والجناب الفرداني: من الإجلال والتعظيم ما لا يصل إلى كنهه وصف الواصف.
قوله: (كأنه قيل: قال: لا تعبدوا): قيل: لما ذكر أن "أنْ" مفسرة، أتى تارة بالقول الصريح بدون "أن"، وتارة بما في معنى القول مع "أنْ"، وهما سواء.
قوله: (مبتدأ منقطعاً عما قبله): أي: غير متصل بما قبله اتصالاً لفظياً كما في الوجوه، بل اتصالاً معنوياً، كأنه لما قيل له: إنا أنزلنا إليك كتاباً موصوفاً بصفات الكمال؛ امتناناً عليه، قال: فماذا يجب علي إذن؟ فقيل: أن تشتغل بما أمرت به من البشارة والنذارة، وتقول لأمتك: الزموا التوحيد والاستغفار.
إغراءً منه على اختصاص الله بالعبادة. ويدل عليه قوله (إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ) كأنه قال: ترك عبادة غير الله، إنني لكم منه نذير، كقوله تعالى:(فَضَرْبَ الرِّقابِ)[محمد: 4] والضمير في (مِنْهُ) لله عز وجل، أي: إنني لكم نذيرٌ وبشيرٌ من جهته، كقوله:(رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ)[البينة: 2]، أو هي صلة لـ (نذير)، أي: أنذركم منه ومن عذابه إن كفرتم، وأبشركم بثوابه إن آمنتم.
فإن قلت: ما معنى (ثم) في قوله: (ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ)؟ قلت: معناه استغفروا من الشرك، ثم ارجعوا إليه بالطاعة ......
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
…
قوله: (كقوله [تعالى]: (فَضَرْبَ الرِّقَابِ)): يعني: إذا كان: (أَلاَّ تَعْبُدُوا) منقطعاً، فـ "أن" لابد أن تكون مصدرية، فهو بمعنى: ترك عبادة غير الله، والأصل: اتركوا عبادة غير الله تركاً، فحذف الفعل، وقدم المصدر، وأنيب مناب الفعل، وأضيف إلى المعمول، نحو:(فَضَرْبَ الرِّقَابِ)[محمد: 4]، لأن أصله: فاضربوا الرقاب ضرباً، فحذف الفعل، وقدم المصدر، وأنيب مناب الفعل، ثم أضيف إلى المفعول، وفيه اختصار مع إعطاء معنى التأكيد.
وقال القاضي: " (أَلاَّ تَعْبُدُوا) أمر بالتبري عن عبادة الغير، كأنه قيل: ترك عبادة غير الله تركاً، بمعنى: الزموا أو اتركوها تركاً".
قوله: (أو هي صلة لـ (نَذِيرٌ): عطف على قوله: "نذير وبشير من جهته"، وعلى الأول: حال، أي: كائناً من جهته، قال أبو البقاء:"التقدير: نذير كائن منه، فلما قدمه صار حالاً، ويجوز أن يتعلق بـ (نَذِيرٌ)، أي: نذير من أجل عذابه".
قوله: (معناه: استغفروا من الشرك، ثم ارجعوا إليه بالطاعة): فعلى هذا: (ثُمَّ) للتراخي في الحال، كما قال آنفاً:"ليس معناها التراخي في الوقت، ولكن في الحال".
أو استغفروا، والاستغفار توبة، ثم أخلصوا التوبة واستقيموا عليها، كقوله:(ثُمَّ اسْتَقامُوا). [فصلت: 30، والأحقاف: 13].
(يُمَتِّعْكُمْ): يطوّل نفعكم في الدنيا بمنافع حسنةٍ مرضية، من عيشة واسعة، ونعمة متتابعة، (إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى): إلى أن يتوفاكم، كقوله:(فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً)[النحل: 97]، (وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ): ويُعط في الآخرة كل من كان له فضلٌ في العمل وزيادة فيه جزاء فضله لا يبخس منه، أو: فضله في الثواب، .........
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال صاحب "الفرائد": يمكن أن يقال: (اسْتَغْفِرُوا) مما قدمتم من الشرك، والاستغفار لا يتحقق إلا بعد التوبة، لأن الاستغفار باللسان توبة الكذابين، (ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ) أي: دوموا على التوبة، نحو قوله تعالى:(وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى)[طه: 82]، والتراخي في الرتبة.
قلت: هذا معنى الوجه الثاني: "أو استغفروا، فالاستغفار توبة، ثم أخلصوا التوبة واستقيموا عليها"، ومعنى الاستقامة: الدوام على التوبة، ولاشك أن الاستقامة على التوبة أعلى من التوبة نفسها.
وقال القاضي: " (ثُمَّ تُوبُوا): ثم توصلوا إلى مطلوبكم بالتوبة، فإن المعرض عن طريق الحق لابد له من رجوع، وقيل: استغفروا من الشرك، ثم توبوا إلى الله بالطاعة، ويجوز أن تكون (ثُمَّ) لتفاوت ما بين الأمرين".
قوله: (أو فضله في الثواب): عطف على قوله: "جزاء فضله"، فالفضل الأول بمعنى الزيادة، قال السجاوندي: الفضل: هو العمل الزائد على الإيمان، فيقدر مضاف في الثاني ليصح، وهو الجزاء، لأن العمل لا يؤتى في الآخرة، ومن ثم قال:"جزاء فضله" على الوجه الثاني، وهو بمعنى الثواب، من الفضيلة؛ واحدة الفضائل، فلا يقدر شيء، لأنه نفس
والدرجات تتفاضل في الجنة على قدر تفاضل الطاعات (وَإِنْ تَوَلَّوْا): وإن تتولوا، (عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ) هو يوم القيامة، وصف بالكبر كما وصف بالعظم والثقل، وبين عذاب اليوم الكبير بأن مرجعهم إلى من هو قادرٌ على كل شيء، فكان قادراً على أشدّ ما أراد من عذابهم لا يعجزه.
وقرئ: "وإن تولوا"، من: ولى.
[(أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ)].
(يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ): يزورّون عن الحق وينحرفون عنه، لأن من أقبل على الشيء
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الجزاء، فكأنه قيل: يؤت كل ذي فضل ثوابه، أي: جزاء عمله، أما قوله:"والدرجات تتفاضل في الجنة على قدر تفاضل الطاعات"، فتفسيره على الوجه الأول: فإذا لم ينقص من الجزاء شيء تكون درجة كل مكلف بمقدار فضله من الطاعات، وعلى الثاني: فإذا أعطي كل أحد جزاءه يعلم تفاوته بتفاوت تلك الطاعات، نقل محيي السنة عن أبي العالية:"من كثرت طاعاته في الدنيا زادت درجاته في الجنة، لأن الدرجات تكون بالأعمال".
قوله: (وبين عذاب اليوم الكبير بأن مرجعهم إلى من هو قادر على كل شيء): ليس المراد أن جملة قوله: (إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) بيان لنفس العذاب، بل المراد أن هذه الجملة بيان للجملة التي ذكر فيها العذاب، فيلزم منه بيان شدة العذاب، كأنه قيل: أخاف عليكم عذاب اليوم الكبير يوم ترجع الأمور كلها إلى القادر العظيم السلطان الواحد القهار، فأعظم بعذاب معذبه من هذا شأنه.
قوله: (يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ) يزورون عن الحق وينحرفون عنه): يريد: أن ثني الصدور كناية
استقبله بصدره، ومن ازورّ عنه وانحرف ثنى عنه صدره وطوى عنه كشحه (لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ) يعني: ويريدون ليستخفوا من الله، فلا يطلع رسوله والمؤمنين على ازورارهم. ونظير إضمار "يريدون" لقود المعنى إلى إضماره: الإضمار في قوله تعالى: (اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ)[الشعراء: 63]، معناه فضرب فانفلق.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عن الإعراض والانحراف عن الحق، ثم علل بيان الكناية ولزوم اللفظ هذا المعنى بقوله:"من أقبل على الشيء استقبله بصدره، ومن ازور عنه ثنى عنه صدره".
قوله: (ويريدون ليستخفوا): شبهه بقوله: (اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ)[الشعراء: 63] في مجرد إرادة التقدير ليستقيم المعنى، وروي عنه في الحاشية:"ثني الصدور بمعنى الإعراض إظهار للنفاق، فلم يصح أن تتعلق به لام التعليل، فوجب إضمار ما يصح تعلقها به من شيء يستوي معه المعنى، فلذلك قدر: ويريدون ليستخفوا من الله، أي: يظهرون النفاق ويريدون مع ذلك أن يستخفوا، وكذلك (حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ)، معناه: ألا حين يريدون إظهار نفاقهم، ويفعلون ما هو أدل على نفاقهم من ثني الصدور، وهو استغشاء الثياب، يريدون الاستخفاء".
قلت: أراد أنه كان يصدر منهم ثني الصدور واستغشاء الثياب، ويريدون استخفاء ما كانوا يضمرونه من النفاق، وهاتان الحالتان سبباً إظهار النفاق، فلا يصح التعليل بقوله:(لِيَسْتَخْفُوا)، فلابد من تقدير "يريدون"، لتكون الآية نعياً عليهم بسوء صنيعهم وشدة وقاحتهم، أي: أنهم كانوا يفعلون في الحالتين ما به يظهر نفاقهم، وهم مع ذلك يريدون الاستخفاء.
ومعنى (أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ): ويزيدون الاستخفاء حين يستغشون ثيابهم أيضاً، كراهةً لاستماع كلام الله تعالى، كقول نوح عليه السلام:(جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ)[نوح: 7]، ثم قال:(يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ) يعني: أنه لا تفاوت في علمه بين إسرارهم وإعلانهم، فلا وجه لتوصلهم إلى ما يريدون من الاستخفاء، والله مطلعٌ على ثنيهم صدورهم، واستغشائهم ثيابهم، ونفاقهم غير نافقٍ عنده.
روي أنها نزلت في الأخنس بن شريق، وكان يظهر لرسول الله صلى الله عليه وسلم المحبة وله
…
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ.
واللام في "ليستخفوا" صلة "يريدون"، كقوله تعالى:(يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ)[الصف: 8]، يعضده قوله:"يريدون الاستخفاء" في الكرة الثانية.
وفي تكرير كلمة التنبيه، وإقحامه بين الظرف وعامله: الدلالة على الترقي من حالة إلى أخرى أعجب منها؛ استجهالاً لهم، ونظيره إقحام حرف الاستفهام بين المعطوف والمعطوف عليه، والشرط والجزاء، كما مر مراراً.
قال السجاوندي: (لِيَسْتَخْفُوا): يطلبوا الخفاء تكلفاً.
قوله: (ونفاقهم غير نافق): تجنيس اشتقاقي، ولم يرد بهذا النفاق: ما كان يصدر من المنافقين؛ لعطف قوله: "وقيل: نزلت في المنافقين" عليه، بل ما كان يصدر عن بعض المشركين مما يشبه النفاق.
وقال الإمام: "روي أن طائفة من المشركين قالوا: إذا أغلقنا أبوابنا، وأرخينا ستورنا،
منطقٌ حلو، وحسن سياقٍ للحديث، فكان يعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم مجالسته ومحادثته، وهو يضمر خلاف ما يظهر. وقيل: نزلت في المنافقين.
وقرئ: "تثنونى صدورهم"، و"اثنونى": من الثني، كـ"احلولى" من الحلاوة، وهو بناء مبالغة، قرئ بالتاء والياء. وعن ابن عباس رضي الله عنه:"لتثنونى صدورهم".
وقرئ: "تثنونّ"، وأصله: تثنونن؛ تفعوعل من الثن، وهو ما هشَّ وضعف من الكلأ، يريد: مطاوعة صدورهم للثني، كما ينثني الهش من النبات، أو أراد ضعف إيمانهم ومرض قلوبهم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
واستغشينا ثيابنا، وثنينا صدورنا على عداوة محمد صلى الله عليه وسلم، كيف يعلم بنا؟ ! وعلى هذا كان (يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ) كناية عن النفاق"، وقال: "روي أن بعض الكفار كان إذا مر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ثنى صدره، وولاه ظهره، واستغشى ثيابه"، ومن ثم استشهد المصنف بما كان يفعله قوم نوح:(جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ)[نوح: 7].
وأما القول بأنها نزلت في المنافقين، وأن السورة مكية: فمشكل، والله أعلم.
قوله: (وقرئ: "تثنوني"): قال ابن جني: "قرأها ابن عباس ومجاهد ويحيى بن يعمر، وهو "يفعوعل" من أبنية المبالغة لتكرار العين، كقولك: أعشب البلد، فإذا كثر قلت: اعشوشب. واستحلى، وإذا قوي قلت: احلولى".
قوله: (وقرئ: "تثنون"): قال ابن جني: "روي عن ابن عباس، وهو "تفعوعل"؛ من الثن،
وقرئ: "تثنئن"؛ من اثنأن، افعالَّ منه، ثم هُمِز، كما قيل: ابيأضت وادهأمت، وقرئ:"تثنوي"، بوزن ترعوي.
[(وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ)].
فإن قلت: كيف قال: (عَلَى اللَّهِ رِزْقُها) بلفظ الوجوب، وإنما هو تفضل؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وهو ما هش وضعف من الكلأ، أنشد أبو زيد:
يا أيها الفصيل المعني
…
إنك ريان فصمت عني
يكفي اللقوح أكلة من ثن
وأصلها: تثنونن، فلزم الإدغام لتكرير العين إذ كان غير ملحق، وقالوا في "مفعوعل" من رددت: مردود، وأصلها: مردودد، فأسكنت النون الأولى، ونقلت كسرتها إلى الواو، وأدغمت في النون".
قوله: (وقرئ: "تثنئن"): قال ابن جني: "رويت عن عروة الأعشى، وهي "تفعال" من لفظ الثن ومعناه، وأصله: تثنان، فحركت الألف لسكونها وسكون النون الأولى،
قلت: هو تفضلٌ إلا أنه لما ضمن أن يتفضل به عليهم، رجع التفضل واجباً، كنذور العباد. و"المستقرّ": مكانه من الأرض ومسكنه. و"المستودع": حيث كان مودعاً قبل الاستقرار؛ من صُلب، أو رحم، أو بيضة، (وَمُسْتَوْدَعَهَا): كُلٌّ واحدٍ من الدواب ورزقها ومستقرّها ومستودعها في اللوح، يعني: ذكرُها مكتوبٌ فيه مبين.
[(وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ)].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فانقلبت همزة، نحو: ابيأض وابياض، والمعنى: كما أن الثن سريع إلى طالبه غير معتاص على آكله، كذلك صدورهم مجيبة لهم إلى أن يثنوها، ليستخفوا من الله تعالى".
قوله: (هو تفضل إلا أنه لما ضمن أن يتفضل [به] عليهم، رجع التفضل واجباً، كنذور العباد): قال الإمام: "وجب على الله الرزق بحسب الوعد والفضل والإحسان"، فلا يكون كالنذور، وقال القاضي:" (عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا): غذاؤها ومعاشها؛ لتكفله إياه تفضلاً ورحمة، وإنما أتى بلفظ الوجوب تحقيقاً لوصوله، وحملاً على التوكل عليه".
وقلت: (كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) كالتتميم لمعنى وجوب تكفل الرزق، كمن أقر بشيء في ذمته، ثم كتب عليه صكاً.
(وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ) أي: ما كان تحته خلقٌ قبل خلق السموات والأرض وارتفاعه فوقها إلا الماء، وفيه دليلٌ على أنّ العرش والماء كانا مخلوقين قبل السموات والأرض. وقيل: وكان الماء على متن الريح، والله أعلم بذلك، وكيفما كان فالله ممسكٌ كل ذلك بقدرته، وكلما ازدادت الأجرام كانت أحوج إليه وإلى إمساكه.
(لِيَبْلُوَكُمْ) متعلق بـ (خلق)، أي: خلقهن لحكمةٍ بالغة، وهي أن يجعلها مساكن لعباده، وينعم عليهم فيها بفنون النعم، ويكلفهم الطاعات واجتناب المعاصي، فمن شكر وأطاع أثابه، ومن كفر وعصى عاقبه، ولما أشبه ذلك اختبار المختبر قال:(ليبلوكم)، يُريد: ليفعل بكم ما يفعل المبتلى لأحوالكم كيف تعملون؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أي: ما كان تحته خلق قبل خلق السماوات والأرض): يريد: أن معنى الاستعلاء في قوله: (عَلَى الْمَاءِ) ليس استعلاء تمكن واستقرار، بل استعلاء الفوقية، وكان عرشه على ما هو عليه الآن، وكذا الماء، ثم إن الله تعالى خلق السماوات والأرض، ورفع السماوات فوق الأرض، روى الإمام عن الأصم هذا الوجه.
وقال القاضي: " (وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ) معناه: لم يكن حائل بينهما، لا أنه كان موضوعاً على متن الماء، واستدل به على إمكان الخلاء".
قوله: (ولما أشبه ذلك اختبار المختبر قال: (لِيَبْلُوَكُمْ)): أراد أن التركيب من
فإن قلت: كيف جاز تعليق فعل البلوى؟ قلت: لما في الاختبار من معنى العلم، لأنه طريق إليه، فهو مُلابسٌ له، كما تقول: انظر أيهم أحسن وجهاً، واسمع أيهم أحسن صوتاً، لأنّ النظر والاستماع من طريق العلم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الاستعارة التبعية الواقعة على طريقة التمثيل، شبه حال المكلف الممكن المختار مع تعلق علم الله تعالى بأفعاله، بحال المختبر، ثم استعير لجانب المشبه:(لِيَبْلُوَكُمْ) موضع "ليعلم"، وجعل قرينة الاستعارة علم العالم الخبير بما ظهر وما بطن، وسيجيء تمام تقريره في "الملك".
قوله: (لما في الاختبار من معنى العلم): قال صاحب "التقريب": وفيه نظر؛ لأنه ذكر في سورة الملك في نظيره: أنه ليس بتعليق.
قلت: وعلله بقوله: "إنما التعليق أن توقع بعده ما يسد مسد المفعولين جميعاً، كقولك: علمت أيهما عمرو، وعلمت أزيد منطلق"، ومعناه: أن من شرط التعليق أن لا يذكر شيء من المفعولين قبل الجملة، وها هنا سبق المفعول الأول، وهو الضمير المنصوب، فلا يكون تعليقاً.
ويمكن أن يقال: المراد بالتعليق ها هنا أن قوله: (لِيَبْلُوَكُمْ) سبب لما علق عليه الاستفهام، وهو العلم، وقد اكتفى بالسبب- وهو الابتلاء- عن المسبب- وهو العلم-، وعكسه قوله تعالى:(فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَاسِهِ فَفِدْيَةٌ)[البقرة: 196]، أي: فحلق فعليه فدية، وهو المراد من قوله:"لأنه طريق إليه، كما أن النظر والسمع طريقان إليه"، فتقدير الكلام: ليبلوكم فيعلم أيكم أحسن عملاً. هذا تقدير الزجاج في سورة الملك.
يؤيده أن المصنف شبه ما في الفرقان، وهو قوله: (وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً
فإن قلت: كيف قيل: (أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا)، وأعمال المؤمنين هي التي تتفاوت إلى حسن وأحسن، فأمّا أعمال المؤمنين والكافرين فتفاوتها إلى حسن وقبيح؟ قلت: الذين هم أحسن عملاً هم المتقون، وهم الذين استبقوا إلى تحصيل ما هو غرض الله من عباده، فخصهم بالذكر، واطرح ذكر من وراءهم تشريفاً لهم وتنبيهاً على مكانهم منه، ....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أَتَصْبِرُونَ) [الفرقان: 20] بهذه الآية، وكتب في الحواشي:"أن تعلق (أَتَصْبِرُونَ) بقوله: (فِتْنَةً) تعلق (أَيُّكُمْ) بقوله: (لِيَبْلُوَكُمْ)، والمعنى: وجعلنا بعضكم لبعض فتنة لنعلم أيكم أحسن صبراً، كما ابتليناكم لنعلم أيكم أحسن عملاً"، ولا بعد أن يحمل قوله قبيل هذا:"ليفعل بكم ما يفعل المبتلي لأحوالكم كيف تعملون" على هذا، ويقدر "ليعلم كيف تعملون"، فيكون قرينة لهذا المقدر.
وأما في سورة الملك: فهو محمول على التضمين حيث قال: "تضمن معنى العلم، فكأنه قيل: ليعلمكم أيكم أحسن عملا"، وبين التضمين والتقدير بون، ولا يبعد حمل الكلام الواحد على الوجهين المختلفين باعتبارين للتفنن.
قوله: (إلى تحصيل ما هو غرض الله من عباده): مذهبه، وعندنا: على التمثيل، وحاصل الجواب: أن قوله: (أَيُّكُمْ) وإن كان عاماً لفظاً، لكن المراد منه المتقون؛ تشريفاً لهم.
قال السجاوندي: (لِيَبْلُوَكُمْ) إشارة إلى أنه خلق الخلق ليظهر إحسان المحسن، كذا في "الإيجاز"، فعلى هذا لا بعد أن يحمل "أفعل" على الزيادة المطلقة، وسيجيء تقريره في سورة الزمر، المعنى: ليبلوكم أيكم أحسن عمله.
وليكون ذلك لطفاً للسامعين، وترغيباً في حيازة فضلهم. وعن النبي صلى الله عليه وسلم:"ليبلوكم أيكم أحسن عقلاً، وأورع عن محارم الله وأسرع في طاعة الله".
قرئ: "ولئن قلت إنكم مبعوثون"؛ بفتح الهمزة. ووجهه أن يكون من قولهم: ائت السوق عنك تشتري لنا لحماً، وأنك تشتري؛ بمعنى: علك، أى: ولئن قلت ......
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال القاضي: "وإنما ذكر صيغة التفضيل، والاختبار شامل، ليفرق المكلفين باعتبار الحسن والقبح، للتحريض على أحاسن المحاسن، والتحضيض على الترقي دائماً في مراتب العلم والعمل، فإن المراد بالعمل: ما يعم عمل القلب والجوارح، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: "أيكم أحسن عقلا، وأورع عن محارم الله، وأسرع في طاعة الله"، والمعنى: أيكم أكمل علماً وعملاً".
قوله: (قرئ: "ولئن قلت أنكم مبعوثون"؛ بفتح الهمزة): قيل: هي قراءة الأعمش، ولما أن الواجب أن يؤتى بعد القول:"إن" بالكسر، فلما جاء بالفتح، أوله تارة بمعنى:"لعل"،
لهم لعلكم مبعوثون- بمعنى: توقعوا بعثكم وظنوه، ولا تبتوا القول بإنكاره- لقالوا:(إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ) باتين القول ببطلانه. ويجوز أن تضمن (قُلْتَ) معنى: ذكرت.
ومعنى قولهم: (إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ): أنّ السحر أمر باطل، وأن بطلانه كبطلان السحر تشبيهاً له به، أو أشاروا بـ (هذا) إلى القرآن؛ لأنّ القرآن هو الناطق بالبعث، فإذا جعلوه سحراً فقد اندرج تحته إنكار ما فيه من البعث وغيره.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
…
كما نقله عن سيبويه، وأخرى أن "القول" مضمن معنى: الذكر.
قوله: (توقعوا بعثكم وظنوه): فإن قلت: هذا مخالف لمعنى المشهورة، لأن معناه القطع والبت بالبعث، وعليه المعنى؟ قلت: يحمل على الكلام المنصف والاستدراج، أي: تفكروا فيه ولا تبتوا القول ببطلانه، فإنكم إن تفكرتم عثرتم على الجزم بوقوعه، وهو أذعن للخصم.
قوله: (ومعنى قولهم: (إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ)): يريد: أن هذا الجواب غير مطابق ظاهراً لقول الرسل: (إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ)، لكن يريد به زبدته وخلاصته، كأنهم قالوا: إن هذا القول غرور وباطل كبطلان السحر، فيكون كناية عن معنى الباطل.
قوله: (أو أشاروا بـ (هّذَا) إلى القرآن): فالجواب- على هذا- محتو على الدليل، لأنهم إذا أنكروا القرآن، وهو مشتمل على هذا القول وغيره، فيدخل فيه إنكار هذا المعنى بالوجه البرهاني، وهو من الكناية الإيمائية، والمعنى على هذا: ولئن تلوت عليهم من القرآن ما فيه إثبات البعث ليقولن: ما هذا المتلو إلا باطل، وإليه الإشارة بقوله:"لأن القرآن هو الناطق بالبعث".
وقرئ: "إن هذا إلا ساحر مبين"، يريدون الرسول، والساحر: كاذب مبطل.
[(وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ أَلا يَوْمَ يَاتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ)].
(الْعَذابَ): عذاب الآخرة، وقيل: عذاب يوم بدر. وعن ابن عباس: قتل جبريل المستهزئين (إِلى أُمَّةٍ): إلى جماعةٍ من الأوقات، (ما يَحْبِسُهُ): ما يمنعه من النزول؛ استعجالاً له على وجه التكذيب والاستهزاء، و (يَوْمَ يَاتِيهِمْ) منصوبٌ بخبر (ليس)، ويستدل به من يستجيز تقديم خبر "ليس" على "ليس"، وذلك أنه إذا جاز تقديم معمول خبرها عليها، كان ذلك دليلاً على جواز تقديم خبرها، إذ المعمول تابع للعامل، فلا يقع إلا حيث يقع العامل.
(وَحاقَ بِهِمْ): وأحاط بهم (ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ): العذاب الذي كانوا به يستعجلون، وإنما وضع (يستهزئون) موضع "يستعجلون"، لأنّ استعجالهم كان على جهة الاستهزاء، والمعنى: ويحيق بهم إلا أنه جاء على عادة الله في أخباره.
[(وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ*
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرئ: "إن هذا إلا ساحر"): حمزة والكسائي.
قوله: (قتل جبريل المستهزئين): وهم الذين جاء في شأنهم: (إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ)[الحجر: 95]، روى المصنف عن عروة بن الزبير: وهم خمسة نفر. قال ابن عباس: ماتوا كلهم قبل يوم بدر، قال جبريل لرسول الله صلى الله عليه وسلم:"أمرت أن أكفيكهم" إلى آخر القصة.
وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ* إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ)].
(الْإِنْسانَ) للجنس، (رَحْمَةً): نعمةً من صحة وأمن وجدة (ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ) ثم سلبنا تلك النعمة، (إِنَّهُ) شديد اليأس من أن تعود إليه مثل تلك النعمة المسلوبة، قاطعٌ رجاءه من سعة فضل الله، من غير صبرٍ ولا تسليم لقضائه ولا استرجاع (لَيَئُوسٌ كَفُورٌ): عظيم الكفران لما سلف له من التقلب في نعمة الله، نَسَّاءٌ له.
(ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي) أي: المصائب التي ساءتني، (إِنَّهُ لَفَرِحٌ): أشر بطر، (فَخُورٌ) على الناس بما أذاقه الله من نعمائه، قد شغله الفرح والفخر عن الشكر.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وأمن وجدة): وأنشد:
إن الشباب والفراغ والجده
…
مفسدة للمرء أي مفسدة
الجوهري: "وجد في المال وجداً- بالفتح والضم والكسر- وجدة؛ أي: استغنى. وأوجده؛ أي: أغناه".
قوله: (قاطع رجاءه من سعة فضل الله، من غير صبر): وذلك أن الصابر: من يحبس نفسه على التسليم لقضاء الله تعالى راجياً فضل الله، والآيس: قاطع رجاءه قلق مضطرب، لا يثبت على ما ناله من المكروه.
قوله: ((إِنَّهُ لَفَرِحٌ) أشر بطر)، الراغب: "الفرح: انشراح الصدر بلذة عاجلة، وأكثر
(إِلَّا الَّذِينَ) آمنوا، فإنّ عادتهم إن نالتهم رحمةٌ أن يشكروا، وإن زالت عنهم نعمة أن يصبروا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ما يكون في اللذات البدنية الدنيوية، فلهذا قال:(لِكَيْلا تَاسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ)[الحديد: 23]، وقال:(وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا)[الرعد: 26]، ولم يرخص الفرح إلا في قوله:(فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا)[يونس: 58]، وقوله:(وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ)[الروم: 4] ".
قوله: ((إِلاَّ الَّذِينَ) آمنوا، فإن عادتهم إن نالتهم رحمة أن يشكروا، وإن زالت عنهم نعمة أن يصبروا): تفسير لقوله: (إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)، قال القاضي:" (إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا) على الضراء إيماناً بالله، واستسلاماً لقضائه، (وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) شكراً لآلائه سابقها ولاحقها".
وقلت: قد دل عطف قوله: (وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)) على (صَبَرُوا) على أن المراد بالصبر: الإيمان؛ لأنها ضميمته، ودل الصبر على أن المراد بالأعمال الصالحات: الشكر؛ لأنه قرينته، على ما روي:"الإيمان نصفان: نصف صبر، ونصف شكر"، ولأن الاستثناء من الكلام السابق يقتضيه، لأن المصنف حمل الاستثناء على الاتصال، يعني: شأن الإنسان وموجب جبلته: أنه إذا أصاب الضراء بعد السراء لم يصبر- وإليه الإشارة بقوله: "من غير
[(فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ)].
كانوا يقترحون عليه آيات تعنتاً لا استرشاداً، لأنهم لو كانوا مسترشدين لكانت آية واحدة مما جاء به كافية في رشادهم. ومن اقتراحاتهم:(لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ)، وكانوا لا يعتدون بالقرآن ويتهاونون به وبغيره مما جاء به من البينات، .......
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ..
صبر ولا تسليم"-، وإذا انقلبت هذه الحالة لم يشكر- وهو المراد من قوله: "شغله الفرح والفخر عن الشكر"-، ثم استثني من العام: المؤمنون، وإنما وضع (الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) موضع "المؤمنين" كناية ليصرح بهذا المعنى.
وأشار إليه في "لقمان" في قوله: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ)[لقمان: 31]: كأنه قيل: إن في ذلك لآيات لكل مؤمن".
قال الإمام: "إذا حمل "الإنسان" على الجنس يحمل الاستثناء على الاتصال، على منوال قوله: (إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ* إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) [العصر: 2 - 3]، وإذا حمل على الكافر كان الاستثناء منقطعاً، كأنه قيل: من ديدن الكافرين وعادتهم أن لا يصبروا على الضراء، ولا يشكروا على السراء، ولكن عادة المؤمنين الصبر والشكر". والأول هو الوجه.
قوله: (كانوا يقترحون عليه)، الجوهري:"اقترحت عليه شيئاً: إذا سألته إياه من غير روية".
قوله: (ويتهاونون به وبما جاء به من البينات): وفي نسخة: "وبغير ما جاء به"، والأول أظهر.
فكان يضيق صدر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلقي إليهم ما لا يقبلونه ويضحكون منه، فحرّك الله منه وهيجه لأداء الرسالة وطرح المبالاة بردّهم واستهزائهم واقتراحهم بقوله:(فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ) أي: لعلك تترك أن تلقيه إليهم وتبلغه إياهم؛ مخافة ردّهم له وتهاونهم به (وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ) بأن تتلوه عليهم، (أَنْ يَقُولُوا) مخافة أن يقولوا:(لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ) أي: هلا أنزل عليه ما اقترحنا نحن من الكنز والملائكة ولم أنزل عليه ما لا نريده ولا نقترحه.
ثم قال: (إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ) أي: ليس عليك إلا أن تنذرهم بما أوحي إليك، .........
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فحرك الله منه): كقوله: هز من عطفه، وحرك من نشاطه. و"من" للتبعيض، يعني: أنه صلوات الله عليه كان مؤدياً لرسالات ربه، لكن فرض أنه قد يتهاون ويترك بعض ما يوحى إليه، فحرك بعضه ليقوم بكليته بأداء الرسالة، ويطرح المبالاة بردهم واستهزائهم، وتممه بقوله:"وهيجه"، وذلك أن قوله:(فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ) وعيد عظيم وتهديد شديد، نحوه قوله تعالى:(بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ)[المائدة: 67]، أي: وإن تركت شيئاً من ذلك فقد ارتكبت أمراً عظيماً وخطباً خطيراً.
وفي معنى التوقع الذي يعطيه "لعل" أيضاً تهديد، يعني: إن ترك بعض ما يوحى إليه مما ليس من شأنه، ولا ينبغي ولا يستقيم أن يكون، ولا يتصور ذلك إلا على سبيل الفرض لا على سبيل القطع، ومن ثم ناسبه بناء "ضائق" دون "ضيق"- كما قال-:"ليدل على أنه ضيق عارض غير ثابت".
وتبلغهم ما أُمرت بتبليغه، ولا عليك ردّوا أو تهاونوا أو اقترحوا، (وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) يحفظ ما يقولون، وهو فاعل بهم ما يجب أن يفعل، فتوكل عليه، وكل أمرك إليه، وعليك بتبليغ الوحى بقلب فسيح وصدرٍ منشرح، غير ملتفتٍ إلى استكبارهم ولا مبال بسفههم واستهزائهم.
فإن قلت: لم عدل عن "ضيقٍ" إلى "ضائق"؟ قلت: ليدل على أنه ضيق عارض غير ثابت، لأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أفسح الناس صدراً. ومثله قولك: زيد سيد وجواد، تريد السيادة والجواد الثابتين المستقرّين، فإذا أردت الحدوث قلت: سائدٌ وجائد، ونحوه:"كانوا قوماً عامين" في بعض القراءات [الأعراف: 64]، وقول السمهري العكلي:
بِمَنْزِلَةٍ أَمَّا اللّئِيمُ فَسَامِنٌ
…
بِهَا وَكِرَامُ النّاسِ بَادٍ شُحُوبُهَا
[(أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَاتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ)].
(أَمْ) منقطعة، والضمير في (افْتَراهُ) لما يوحى إليك، تحداهم أوّلاً بعشر سور، ثم بسورة واحدة، .......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (بمنزلة أما اللئيم) البيت: "سامن": أي: سمين، والمراد: حدوث السمن، والشحوب: تغير اللون من غم أو سقم، والشحوب: الهزال أيضاً.
قوله: (تحداهم أولاً بعشر سور، ثم بسورة واحدة): كذا عن القاضي. وقال الإمام: "التحدي بعشر سور لابد أن يكون سابقاً على التحدي بسورة واحدة"، وأتى بالمثال
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الذي ذكره المصنف، وقال:"التحدي بالسورة الواحدة ورد في البقرة ويونس، والدليل الذي ذكرناه يقتضي أن تكون هود متقدمة في النزول على يونس والبقرة".
وقال محيي السنة: "أنكر المبرد هذا، وقال: بل نزلت سورة يونس أولاً، وقال: معنى قوله في سورة يونس: (فَاتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ) [يونس: 38]: في الخبر عن الغيب والأحكام والوعد والوعيد، فعجزوا، فقال لهم في هود: إن عجزتم عن الإتيان بسورة مثله في الأخبار والأحكام والوعد والوعيد، فأتوا بعشر سور مثله من غير خبر ولا وعد ولا وعيد، وإنما هي مجرد البلاغة".
وقلت- والعلم عند الله-: والذي يقتضيه المقام أن التي في البقرة ويونس واردة بعد إقامة البرهان على إثبات التوحيد وإبطال الشرك، فالواجب بعد ذلك إقامة البرهان على إثبات نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا تثبت النبوة إلا بإظهار المعجزة، وهي التحدي بسورة فذة من هذا الكتاب الكريم، ولهذا حد المحققون القرآن بأنه: هو الكلام المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم للإعجاز بسورة منه. وما نحن بصدده وارد في تعنت الكفرة واقتراحهم الآيات عناداً واستهزاء، كما قال المصنف:"وكانوا لا يعتدون بالقرآن ويتهاونون به، ويقولون: هلا أنزل عليه ما اقترحنا نحن، ولم أنزل ما لا نريده؟ ! "، بل هو ليس بآية، وإنما هو من افترائك، وليس من عند الله، وكان يضيق لذلك صدره.
واعلم أنه تعالى لما ذكر قوله: (وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ) سلاه صلوات الله عليه بقوله:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)، ولما أضرب عن ذلك الاقتراح، وحكى نوعاً آخر من قبائحهم أعظم من ذلك، وهو طعنهم في القرآن، بقوله:(أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ)، أمر حبيبه صلوات الله عليه وسلامه بأن يجيب عنه بقوله:(قُلْ فَاتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ) على مقتضى سؤالهم، وهو كالقول بالموجب، يعني: هبوا أنه كما تزعمون مفترى، فأتوا أنتم بعشر سور مثله، أي: ما أقول لكم فأتوا بمثله كله، ليس فيه اختلاف من جهة المعاني والألفاظ والإخبار عن المغيبات والقصص والأحكام والأخلاق وغير ذلك، بل نبذاً منه جامعاً لهذه المعاني، ولم يكن فيه تناقض.
واعلم أن المراد بتخصيص العدد إيثار طريق القصد، وما به تختلف المعاني، كما يوجد في الكلام المبسوط الذي له ذيول وتتميمات، وذلك لدفع الافتراء ونفي التهمة، وأنه من عند الله لا من عنده، يعني: لو كان مفترى من عندي لوجدتم فيه اختلافاً كثيراً، وهذا لا يتم بسورة فذة، كسورة الكوثر والإخلاص وأشباههما، كما يتم في التحدي لمجرد إثبات النبوة، قال تعالى:(أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً)[النساء: 82].
قال المصنف: "تدبر القرآن: تأمل معانيه وتبصر ما فيه، (لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً)، أي: لكان الكثير منه متناقضاً، قد تفاوت نظمه وبلاغته ومعانيه، فكان
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعضه بالغاً حد الإعجاز، وبعضه قاصراً عنه يمكن معارضته، وبعضه إخباراً بغيب قد وافق المخبر عنه، وبعضه مخالفاً، وبعضه دالاً على معنى صحيح عند علماء المعاني، وبعضه بخلافه، فلما تجاوب كله بلاغة معجزة فائتة لقوى البلغاء، وتناصر صحة معان وصدق إخبار، علم أنه ليس إلا من عند قادر يقدر على ما لا يقدر عليه غيره، عالم بما لا يعلمه أحد سواه".
وقلت: ومن ثم عقبه بقوله: (فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[هود: 14].
وأما بيان ارتباط قوله: (فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ)) بالفاء بما قبله: فإنه تعالى لما بين أن الحكمة في خلق السماوات والأرض وتدبير الملك ابتلاؤه الناس، بقوله:(وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً)[هود: 7]، ولا ارتياب أن الابتلاء إنما يكون بالأعمال صالحها وسيئها، ثم لابد من الجزاء، ولا يكون ذلك إلا بعد البعث، كما سبق غير مرة، قال لحبيبه صلوات الله عليه: إذا بنيت الأمر على هذه القاعدة، وقلت لهؤلاء المعاندين: إنكم مبعوثون من بعد الموت للجزاء كذبوك أبلغ تكذيب، وإذا أوعدتهم على التكذيب بنزول العذاب العاجل استعجلوه وقالوا: ما يحبسه؟ استهزاء وسخرية، وإن أتيت بآية بينة ومعجزة قاهرة على صدق دعواك تارة اقترحوا آيات أخر تمرداً، وأخرى قالوا: افتراه؛ عناداً.
ثم إنك- أيها المتأمل- إذا أمعنت النظر، وجدت هذه السورة الكريمة إلى خاتمتها مؤسسة على تسلي الحبيب، ودفع نسبة الافتراء من التنزيل، ألا ترى حين شرع في قصة نوح
كما يقول المخابر في الخط لصاحبه: اكتب عشرة أسطرٍ نحو ما أكتب، فإذا تبين له العجز عن مثل خطه قال: قد اقتصرت منك على سطر واحد (مِثْلِهِ) بمعنى: أمثاله، ذهاباً إلى مماثلة كل واحدة منها له (مُفْتَرَياتٍ) صفة لعشر سور.
لما قالوا: افتريت القرآن واختلقته من عند نفسك،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عليه السلام، وقبل أن يسردها، كيف أتى بقوله:(أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ) عاطفاً على مثلها بعد الكلام الطويل، ولهذا ذهب مقاتل إلى أنها في محمد صلوات الله عليه، وإن توسطت بين قصة نوح عليه السلام، ولما استوفى حقها جاء بقوله:(تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا)[هود: 49] مزيداً للتسلي، وحين ختم السورة الكريمة جيء بقوله:(وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ)[هود: 120] إلى قوله: (وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ)[هود: 121]، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
قوله: (كما يقول المخاير في الخط): المخاير: من يقول لصاحبه: خطي خير من خطك، اكتب مثل خطي لننظر أي خطينا خير. الأساس:"خيرة بين الأمرين، فتخير، وخايره في الخط، وتخايروا في الخط وغيره إلى حكم، وخايرته فخرته، أي: كتبت خيراً منه".
قوله: (ذهاباً إلى مماثلة): مفعول له، يعني: وضع الله تعالى (مِثْلِهِ) موضع "أمثاله"، ليدل على اعتبار أفراد المعدود واحداً واحداً، وإليه الإشارة بقوله:"إلى مماثلة كل واحد منها له"، أي: للقرآن.
وليس من عند الله، قاودهم على دعواهم وأرخى معهم العنان وقال: هبوا أني اختلقته من عند نفسي ولم يوح إليّ وأنّ الأمر كما قلتم، فأتوا أنتم أيضاً بكلام مثله مختلق من عند أنفسكم، فأنتم عرب فصحاء مثلي لا تعجزون عن مثل ما أقدر عليه من الكلام. فإن قلت: كيف يكون ما يأتون به مثله، وما يأتون به مفترى وهذا غير مفترى؟ قلت: معناه: مثله في حسن البيان والنظم وإن كان مفترى.
[(فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)].
فإن قلت: ما وجه جمع الخطاب بعد إفراده وهو قوله (لَكُمْ فَاعْلَمُوا) بعد قوله قُلْ؟ قلت: معناه: فإن لم يستجيبوا لك وللمؤمنين لأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين كانوا يتحدّونهم، وقد قال في موضع آخر:(فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ)[القصص: 50]، ويجوز أن يكون الجمع لتعظيم رسول الله صلى الله عليه وسلم كقوله:
فَإنْ شِئْتُ حَرَّمْتُ النِّسَاءَ سِوَاكُمُ
ووجه آخر: وهو أن يكون الخطاب للمشركين، والضمير في (فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا) لـ (من استطعتم) [هود: 13]، يعني: فإن لم يستجب لكم من تدعونه من دون الله إلى المظاهرة على المعارضة، لعلمهم بالعجز عنه وأن طاقتهم أقصر من أن تبلغه (فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ) أي: أنزل ملتبساً بما لا يعلمه إلا الله، من نظم معجز للخلق، وإخبار بغيوب لا سبيل لهم إليه وَاعلموا عند ذلك أَنْ (لا إِلهَ إِلَّا هو) وحده، وأن توحيده واجب والإشراك به ظلم عظيم (فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ): مبايعون بالإسلام بعد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (قاودهم على دعواهم) هو من المقود، وهو الحبل يشد في الزمام، أو اللجام تقاد به الدابة.
هذه الحجة القاطعة، وهذا وجهٌ حسن مطرد.
ومن جعل الخطاب للمسلمين فمعناه: فاثبتوا على العلم الذي أنتم عليه، وازدادوا يقيناً وثبات قدمٍ على أنه منزل من عند الله وعلى التوحيد.
ومعنى (فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) فهل أنتم مخلصون؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وهذا وجه حسن مطرد): أي: الكلام معه ملتئم آخذ بعضه على حجزة بعض، والضمائر متحدة لمخاطب واحد، بخلافه إذا جعل الخطاب في قوله:(فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ) للمسلمين.
وقلت: ومطرد معنى؛ لأن قوله: (فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ) مرتب على السابق بالفاء، وارد في تقرير ما سيق له الكلام من نفي الافتراء وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما اختلقه من عند نفسه، بل هو من عند اله، ويؤيده قول المصنف:"واعلموا عند ذلك أن لا إله إلا هو، وان توحيده واجب، والإشراك به ظلم"، وليس فيه ما يدل على إثبات نبوته، كما في البقرة.
ومعنى قوله: (فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ): فهل أنتم مذعنون ومسلمون أن الذي جاء به محمد ليس بمفترى، بل هو من عند الله، وأنه تعالى أنزله ملتبساً بعلمه، فلا اختلاف فيه، كما قال:(وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً)[النساء: 82]، فإن المنصف إذا تجلت له الحجة لم يتوقف إذعانه.
[(مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ* أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ)].
(نُوَفِّ إِلَيْهِمْ): نوصل إليهم أجور أعمالهم وافيةً كاملةً من غير بخس في الدنيا، وهو ما يرزقون فيها من الصحة والرزق. وقيل: هم أهل الرياء. يقال للقراء منهم: أردت أن يقال: فلان قارئ، فقد قيل ذلك. ولمن وصل الرحمن وتصدّق: فعلت حتى يقال، فقيل. ولمن قاتل فقتل: قاتلت حتى يقال فلان جريء، فقد قيل.
وعن أنس بن مالك: هم اليهود والنصارى، إن أعطوا سائلا أو وصلوا رحماً، عجل لهم جزاء ذلك بتوسعة في الرزق وصحة في البدن.
وقيل: هم الذين جاهدوا من المنافقين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسهم لهم في الغنائم.
وقرئ: "يوفّ" بالياء على أن الفعل لله عز وجل. و"توفَّ إليهم أعمالهم" بالتاء على البناء للمفعول، وفي قراءة الحسن:"نوفي" بالتخفيف وإثبات الياء، لأنّ الشرط وقع ماضياً، كقوله:
يَقُولُ: لَا غائِبٌ مَالِى وَلَا حَرِمُ
(وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها) وحبط في الآخرة ما صنعوه، أو صنيعهم، .......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أن يقال: فلان قارئ، فقد قيل ذلك) إلى آخره: الألفاظ كلها مقتبسة من الحديث المشهور المخرج في "صحيح مسلم"، و"سنن أبي داود" والنسائي.
يعني: لم يكن له ثواب لأنهم لم يريدوا به الآخرة، إنما أرادوا به الدنيا، وقد وفي إليهم ما أرادوا (وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) أي: كان عملهم في نفسه باطلا، لأنه لم يعمل لوجه صحيح، والعمل الباطل لا ثواب له.
وقرئ: "وبطل" على الفعل. وعن عاصم: "وباطلاً" بالنصب، وفيه وجهان: أن تكون (ما) إبهامية وينتصب بـ (يعملون)، ومعناه: وباطلا، أيّ باطل كانوا يعملون، وأن تكون بمعنى المصدر على: وبطل بطلاناً ما كانوا يعملون.
[(أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ)].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) أي: كان عملهم في نفسه باطلاً): قال أبو البقاء: "باطل: خبر مقدم، و (مَا كَانُوا) مبتدأ، والعائد محذوف، أي: يعملونه".
قوله: (وعن عاصم: "وباطلاً"): وهي شاذة، قال ابن جني:"قرأها أبي وابن مسعود، وهو معمول (يَعْمَلُونَ)، و (مَا) زائدة للتوكيد، وفيه دلالة على جواز تقديم خبر "كان" عليها، لأنه إنما يجوز وقوع المعمول بحيث يجوز وقوع العامل، وكأنه قال: ويعملون باطلاً كانوا، ومثله: (أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ) [سبأ: 40]، (إِيَّاكُمْ) معمول (يَعْبُدُونَ)، وقد استدل أبو علي به على التقديم".
وقال القاضي: " (وباطلاً) إذا كان مصدراً كان مثل قوله:
(أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ) معناه: أمّن كان يريد الحياة الدنيا فمن كان على بينة أي: لا يعقبونهم في المنزلة ولا يقاربونهم، يريد أنّ بين الفريقين تفاوتاً بعيداً وتبايناً بيناً، وأراد بهم من آمن من اليهود كعبد الله بن سلام وغيره، (كان على بينة مِنْ رَبِّهِ) أي: على برهانٍ من الله وبيان أنّ دين الإسلام حق وهو دليل العقل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ولا خارجاً من في زور كلام
قوله: ((أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ) معناه: أمن كان يريد الحياة الدنيا، فمن كان على بينة): يعني: قوله: "فمن كان على بينة" عطف بحرف التعقيب على قوله: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا)، ودخلت الهمزة بين المعطوف والمعطوف عليه لمزيد الإنكار، وأن هذا التعقيب منكر، يعني: أيثبت في العقول، ويحصل في الوجود، مثل هذا التعقيب؟ أم كيف يقال: من كان يريد الحياة الدنيا أفمن كان على بينة من ربه، إلى آخره؟ ! أي: لا يحصل ولا يذكر، كما قال:"لا يعقبونهم في المنزلة ولا يقاربونهم"، هذا أبلغ من لو جيء بكلمة التشبيه، كما في قوله:(أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لا يَسْتَوُونَ)[السجدة: 18].
(وَيَتْلُوهُ) ويتبع ذلك البرهان (شاهِدٌ مِنْهُ) أي: شاهد يشهد بصحته، وهو القرآن (مِنْهُ) من الله، أو شاهد من القرآن، فقد تقدّم ذكره آنفاً (وَمِنْ قَبْلِهِ) ومن قبل القرآن (كِتابُ مُوسى) وهو التوراة، أى: ويتلو ذلك البرهان أيضاً من قبل القرآن كتاب موسى
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((وَيَتْلُوهُ): ويتبع ذلك البرهان): يعني: ذكر الضمير في "يتلوه"، وهو دليل النقل باعتبار معنى البرهان في قوله:(بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ)، فساعد العقل النقل.
قوله: (أو شاهد من القرآن، فقد تقدم ذكره): يعني: الضمير في (مِنْهُ): إما لله تعالى؛ بشهادة (مِنْ رَبِّهِ)، والشاهد: القرآن، و"من" ابتداء. أو للقرآن، و"من" بيان، والشاهد أيضاً القرآن على سبيل التجريد، جرد من القرآن الدلائل القاطعة والبراهين الساطعة على كون دين الإسلام حقاً، وجعلها شاهدة، وهي هو.
روى محيي السنة عن الحسين بن الفضل: "هو القرآن ونظمه وإعجازه".
أما قوله: "فقد تقدم ذكره آنفاً": ففيه إرشاد على معرفة استنباط النظم، وتقريره: أنه تعالى
وقرئ: "كتابَ موسى" بالنصب، ومعناه: كان على بينة من ربه، وهو الدليل على أنّ القرآن حق، (وَيَتْلُوهُ): ويقرأ القرآن (شاهِدٌ مِنْهُ) شاهد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لما سلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: (فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ) - من استهزاء المشركين، واقتراحهم الآيات، وطعنهم في القرآن أنه مفترى، فقيل لهم: إن كان مفترى فهاتوا أنتم عشر سور مفتريات مثله، وحين لم تقدروا عليه فاعلموا أنما أنزل بعلم الله، أي: ملتبساً بما لا يعلمه إلا الله من نظم معجز وإخبار بغيوب، وأراد أن يبين أن ذلك الطعن لم يكن من خبرة وتمييز، بل من جهل وحب للشهوات والركون إلى الدنيا، وأنهم من الذين لم يرد الله بهم خيراً، بخلاف من أراد الله هدايته، وهو على بينة من ربه، ويتلوه شاهد منه، ومن قبله كتاب موسى- قال:(مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) الآية [هود: 15]، وعقبها بقوله:(أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ) الآية.
قوله: (ومعناه: كان على بينة من ربه، وهو الدليل على أن القرآن حق): يعني: على قراءة النصب يكون "كتاب موسى" معطوفاً على الضمير في "يتلوه"، وهو ضمير "القرآن"، ويكون المراد من "يتلوه": التلاوة لا غير، ومن "البينة": الدليل على أن القرآن حق، وبيانه: أنه تعالى عقب بقوله: (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ) قوله: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا)، والمراد منهم: المتعنتون الذين كانوا يقترحون الآيات، ولا يعتدون بالقرآن، ويتهاونون به، كأنه قيل: أيستوي من جاءه بينة من ربه ولم يعتد بها لأنه مال إلى الأرض وأخلد إليها ومن كان على بينة من ربه، أي: اعتد بالقرآن وبالدلائل الدالة على صدقه، ثم اشتغل بتلاوته، وكان من قبل ذلك يقرأ التوراة.
ممن كان على بينة، كقوله _وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ) [الأحقاف: 10]، (قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ) [الرعد: 43]، (وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى) ويتلو من قبل القرآن التوراة (إِماماً) كتاباً مؤتماً به في الدين قدوة فيه (وَرَحْمَةً): ونعمة عظيمة على المنزل إليهم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
و"من" في (مِنْهُ) على هذا: تبعيضية، يدل عليه قوله:"شاهد ممن كان على بينة"، والمراد منه: عبد الله بن سلام، و"من" في (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ): هو وأصحابه ممن كانوا على معرفة من صدق نبوة محمد صلوات الله عليه، والدليل على أن المراد بـ "الشاهد" عبد الله: عطف "كتاب موسى" على الضمير المنصوب في "يتلوه"، لأن التالي للكتابين حينئذ من آمن من أهل الكتاب.
وعلى الأول: الشاهد: هو القرآن، والقرينة المقيدة: النظم، على ما سبق بيانه. ومن أراد تقييده بغيرهما فعليه الدليل من الخارج؛ لما ليس في سياق الكلام ما يدل عليه.
قوله: (قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ)[الرعد: 43]): استشهاد لتعاضد الأدلة العقلية والسمعية، فإن شهادة الله هناك: كالبينة في هذه الآية؛ في إظهار الدليل على صدق القرآن من تأليفه على النظم المعجز الفائت لقوى البشر، و"من عنده علم الكتاب": كالشاهد ها هنا، لأن المراد منه علماء أهل الكتاب الذين أسلموا، لأنهم يشهدون بصحته.
قوله: ((إِمَاماً) كتاباً مؤتماً به): قال الزجاج: "أي: ومن قبل هذا كتاب موسى دليلاً على أمر النبي صلى الله عليه وسلم، ونصب (إِمَاماً) على الحال؛ لأن (كِتَابُ مُوسَى) معرفة".
(أُولئِكَ) يعني: من كان على بينة (يُؤْمِنُونَ بِهِ): يؤمنون بالقرآن (وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ) يعني: أهل مكة ومن ضامهم من المتحزِّبين على رسول الله صلى الله عليه وسلم (فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ)، (فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ)، وقرئ:"مُرية"، بضم الميم، وهما الشك (مِنْهُ) من القرآن أو من الموعد.
[(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهادُ هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ* الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ* أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُون* أُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ* لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ)].
(يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ): يحبسون في الموقف وتعرض أعمالهم ويشهد عليهم (الْأَشْهادُ) من الملائكة والنبيين بأنهم الكذابون على الله بأنه اتخذ ولداً وشريكاً، ويقال (أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) فواخزياه ووافضيحتاه. والأشهاد: جمع شاهد أو شهيد، كأصحاب أو أشراف.
(وَيَبْغُونَها عِوَجاً) يصفونها بالاعوجاج وهي مستقيمة، أو يبغون أهلها أن يعوجوا بالارتداد،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فواخزياه ووافضيحتاه) هذا التفجع مستفاد من قوله: (أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ)، كما يستفاد معنى التعجب من قوله قبل هذا:(قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ)[الأنعام: 31] الآية، كأنه قيل: ما أخسرهم، كذلك قوله:(أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) يقال في حقهم عندما يحبسون وتعرض أعمالهم، ويشهد عليهم الأشهاد على رؤوس الخلائق، فتظهر عند ذلك فضيحتهم وخزيهم، حتى إن كل من شاهد حالهم قال: واخزياه ووافضيحتاه.
و (هم) الثانية لتأكيد كفرهم بالآخرة واختصاصهم به (أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ) أي: ما كانوا يعجزون الله في الدنيا أن يعاقبهم لو أراد عقابهم، وما كان لهم من يتولاهم فينصرهم منه ويمنعهم من عقابه، ولكنه أراد إنظارهم وتأخير عقابهم إلى هذا اليوم، وهو من كلام الأشهاد (يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ) وقرئ:(يضعَّف).
(ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ) أراد أنهم لفرط تصامّهم عن استماع الحق وكراهتهم له، كأنهم لا يستطيعون السمع.
ولعل بعض المجبرة يتوثب إذا عثر عليه فيوعوع به على أهل العدل، كأنه لم يسمع الناس يقولون في كل لسان: هذا كلام لا أستطيع أن أسمعه، وهذا مما يمجه سمعي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال القاضي: "فيه تهويل عظيم مما يحيق بهم حينئذ لظلمهم بالكذب على الله".
قوله: (لتأكيد كفرهم بالآخرة واختصاصهم به): أما التأكيد: فمن تكرير (هُمْ)، وأما التخصيص: فمن تقديم (بِالآخِرَةِ) على عامله، ومعناه: أن غيرهم، وإن كانوا كافرين بالآخرة أيضاً، لكن دون هؤلاء، وهؤلاء هم المخصوصون بالكفر الذي لا غاية بعده، ولا أمد ينتهي إليه، حيث جمعوا بين الكفر والصد عن الإيمان وإضلال الناس.
قوله: (وقرئ: "يضعف"): ابن كثير وابن عامر، والباقون:(يُضَاعَفُ).
قوله: (ولعل بعض المجبرة يتوثب إذا عثر عليه): قال في "الانتصاف": "أهل السنة وإن نفوا تأثير استطاعة العبد في الإيجاد، فلا ينفون تأثيرها، وما ينفيها جملة إلا المجبرة، والحق مع الزمخشري في هذا الأمر إلا في قوله: "فيوعوع"، وهب أن المجبرة غلطوا في الاستدلال بها،
ويحتمل أن يريد بقوله: (وَما كانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِياءَ) أنهم جعلوا آلهتهم أولياء من دون الله، وولايتها ليست بشيء، فما كان لهم في الحقيقة من أولياء، ثم بين نفى كونهم أولياء بقوله (ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ)، فكيف يصلحون للولاية؟ وقوله:(يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ) اعتراضٌ بوعيد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كيف يستجيز أن يطلق هذا في كلام الله المجيد، وما ينبغي التسامح فيه، فإن آداب القرآن أضيق من ذلك".
قال الإمام: "واحتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى قد يخلق الكفر في المكلف، قال ابن عباس رضي الله عنهما: إنه تعالى يمنع الكافر من الإيمان في الدنيا، يشهد له قوله: (مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ) - روى نحوه محيي السنة-، قال الجبائي: هذا السمع: إما أن يكون عبارة عن الحاسة، أو عن معنى يخلقه الله تعالى في صماخ الأذن، فكلاهما غير مقدور للعبد، وظاهر الآية لا يقدح في قولنا، وقال: المراد بقوله: (مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ): استثقالهم له ونفورهم عنه، كما تقول: هذا الكلام لا أستطيع أن أسمعه، وهذا مما يمجه سمعي".
وأجاب الإمام عن قوله: "كلاهما غير مقدور للعبد": "أن ورود الآية في معرض الوعيد، فوجب اختصاص هذا المعنى بهم، والمعنى الذي ذهب إليه عام، حتى في حق الأنبياء والملائكة".
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأما قوله: "استثقالهم له ونفورهم عنه" فجوابه: "أن حصول هذا الاستثقال هل يمنع من الفهم أم لا؟ فإن منع فهو المقصود، وإن لم يمنع كان ذلك سبباً أجنبياً عن المعاني المعتبرة في الفهم، فلا تختلف أحوال القلب من العلم والمعرفة بسببه، فكيف يمكن جعله ذماً".
وقلت: أما قضية النظم: فهو أن قوله: (يُضَاعَفُ لَهُمْ الْعَذَابُ) لا يخلو: إما أن يكون من تتمة كلام الأشهاد على سبيل الدعاء عليهم، فإنهم لما عدوا عنادهم وكفرهم المضاعف وضلالهم وإضلالهم الناس، قالوا: ليضاعف لهم العذاب يا رب. أو من كلام الله تعالى تقريراً لقول الأشهاد على الأبلغ، كأنه قيل: الأمر كما قلتم، وأنتم مستوجبون لذلك العذاب المضاعف. فموقع (مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ) على التقديرين: الاستئناف على سبيل التعليل، فإن السامع لما سمع هذه التشديدات والمبالغات عظم عنده أمرهم، فقال تفجعاً عليهم: من أين دخلت على هؤلاء هذه الشقاوة؟ فأجيب: لأن الله تعالى خلقهم أشقياء، وختم على قلوبهم، حتى لا يدخل فيها الحق، وختم على سمعهم؛ لئلا يستطيعوا سماع الحق، وجعل على أبصارهم الغشاوة؛ لئلا يبصروا الدلائل الدالة على التوحيد.
فإذا كان ظاهر النظم هذا، وقد اعتضد بتفسير حبر الأمة، فلا يقال فيه ما قال! اللهم غفراً.
فلو أجيب هذا السائل بما بنى عليه المصنف كلامه، وقيل: لأنهم تصاموا عن استماع الحق وكرهوه، لم يتطابق؛ لأن تلخيص الكلام حينئذ: ما بال هؤلاء المعاندين الذين بلغ عنادهم أقصى الغاية استوجبوا مضاعفة العذاب، فقيل: لأنهم عاندوا وتصاموا وكانوا عن مقتضى البلاغة بمعزل.
ثم موقع: (أُوْلَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ): الاعتراض وتأكيد ما استحقوا به من العذاب، كأنه قيل: أولئك البعداء عن كل
(خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ): اشتروا عبادة الآلهة بعبادة الله، فكان خسرانهم في تجارتهم مالا خسران أعظم منه، وهو أنهم خسروا أنفسهم (وَضَلَّ عَنْهُمْ) وبطل عنهم وضاع ما اشتروه وهو ما (كانُوا يَفْتَرُونَ) من الآلهة وشفاعتها.
(لا جَرَمَ) فُسر في مكانٍ آخر
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
خير كانوا مستأهلين أن يعذبوا عاجلاً، مع انهم في أنفسهم ما كانوا يعجزون الله في الدنيا، وما كان لهم أيضاً ناصر ينصرهم ويمنعهم منه، وحيث أخروا ولم يعاجلوا استحقوا أن يضاعف لهم العذاب.
قوله: (فكان خسرانهم في تجارتهم ما لا خسران أعظم منه): دلت الفاء وتفسير "ما لا خسران" بعده بقوله: "وهو أنهم خسروا أنفسهم" على أن قوله تعالى: (الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ) عبارة عن قوله: "اشتروا عبادة الآلهة بعبادة الله"، لأن الخسران من روادف ما لا ينبغي أن يشترى برأس المال، وكان رأس مالهم أنفسهم؛ لأنهم ما خلقوا إلا لعبادة الله، وحيث عبدوا غير الله فقد ضيعوا ما لأجله خلقت أنفسهم، فصح قوله: إنهم (خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ).
قوله: (مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ) من الآلهة وشفاعتها): عطف "وشفاعتها" على "الآلهة" على منوال: أعجبني زيد وكرمه، لأن المفترى الشفاعة لا الآلهة نفسها.
قوله: ((لا جَرَمَ) فسر في موضع آخر): يعني: لفظة (لا جَرَمَ) يجيء تفسيره في سورة "حم المؤمن" مستقصى، وذكر فيه وجوهاً ثلاثة:
أحدها: أن (لَا) نفي لما ظنوا، و (جَرَمَ) فعل بمعنى "حق"، و"أن" مع ما في حيزه: فاعله، المعنى: لا ينفعهم ذلك الظن، حق أنهم في الآخرة هم الأخسرون. هذا مذهب سيبويه.
(هُمُ الْأَخْسَرُونَ) لا ترى أحداً أبين خسراناً منهم.
[(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ)].
(وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ): واطمأنوا إليه وانقطعوا إلى عبادته بالخشوع والتواضع من الخبت وهي الأرض المطمئنة. ومنه قولهم للشيء: الدنئ الخبيت. قال:
يَنْفَعُ الطَّيِّبُ الْقَلِيلُ مِنَ الرِّزْ
…
قِ وَلَا يَنْفَعُ الْكَثِيرُ الْخَبِيتُ
وقيل: التاء فيه بدل من الثاء
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وثانيها: (جَرَمَ) بمعنى: كسب، و"أن" مع ما في حيزه: مفعوله، والفاعل: ما دل عليه الكلام، أي: كسب ذلك خسرانهم.
فالمعنى: ما حصل من ذلك إلا ظهور خسارهم.
وثالثها: (لا جَرَمَ) بمعنى: لابد، المعنى: لابد أنهم في الآخرة هم الأخسرون.
وفي "الكواشي": محل (لا جَرَمَ) رفع مبتدأ، خبره:(أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ)، و (لا جَرَمَ) كانت في الأصل بمنزلة: لا محالة ولا بد، فحولت إلى معنى القسم، فصارت بمعنى: حقاً، فلذلك يجاب عنها باللام، تقول: لا جرم لآتينك.
قوله: ((هُمْ الأَخْسَرُونَ) لا ترى أحداً أبين خسراناً منهم): أي: هم الكاملون في الخسران، كأن خسران غيرهم في جنب خسرانهم ليس بخسران، وذلك من تصدير الجملة بـ "أن"، وتعريف الخبر بلام الجنس، وتوسيط ضمير الفصل.
قوله: (وقيل: التاء فيه بدل من الثاء): أي: في المستشهد، لا في الآية.
[(مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً أَفَلا تَذَكَّرُونَ)].
شبه فريق الكافرين بـ"الأعمى والأصم"، وفريق المؤمنين بـ"البصير والسميع"، وهو من اللف والطباق. وفيه معنيان: أن يشبه الفريق تشبيهين اثنين، كما شبه امرؤ القيس قلوب الطير بالحشف والعناب، وأن يشبهه بالذي جمع بين العمى والصمم، أو الذي جمع بين البصر والسمع. على أن تكون الواو في (وَالْأَصَمِّ) وفي (وَالسَّمِيعِ) لعطف الصفة على الصفة، كقوله:
الصَّابِحِ فَالْغَانِمِ فَالآيِبِ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وهو من اللف والطباق): أما اللف: فهو ذكر الفريقين، لأن المراد بالفريق الكافر: ما دل عليه قوله: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً)[هود: 18] إلى آخر الآيات، وبالمؤمن: قوله: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)[هود: 23].
والنشر: هو قوله: (كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ)، وإنما قدم "الأعمى والأصم" على "السميع والبصير"؛ لأن تلك الآيات المشار إليها واردة على هذا الترتيب، وكان ذكر المؤمنين فيها كالاستطراد لذكر الكافرين، ولهذا أوجب التأخير.
وأما الطباق: فإنه قوبل "البصير" بـ "الأعمى"، و"السميع" بـ "الأصم".
قوله: (وفيه معنيان): أي: وجهان أو طريقان في اعتبار التشبيه. الانتصاف: "في تنظير الآية ببيت امرئ القيس نظر؛ لأنه شبه كل واحد من الرطب واليابس تشبيهاً واحداً، والآية على التفسير الأول؛ شبه كل واحد من الكافر والمؤمن تشبيهين، والبيت أشبه بالوجه الثاني، لأن كل واحد منهما شبه تشبيهاً واحداً في أمرين مختلفين".
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقلت: يحتمل قول المصنف: "أن يشبه الفريق تشبيهين اثنين" أن يراد منه: أن يشبه كل فريق تشبيهاً واحداً، فيكون تشبيهين اثنين، أو أن يشبه كل فريق تشبيهين اثنين، وهذا الثاني هو المراد، لاستشهاده ببيت امرئ القيس:
كأن قلوب الطير رطباً ويابساً
…
لدى وكرها العناب والحشف البالي
لأنه من تشبيه المفرد بالمفرد، نص عليه صاحب "المفتاح"، وعليه ظاهر كلام المصنف في أول البقرة، شبه بعضاً من قلوب الطير- وهو الرطب منها- بالعناب، وبعضاً منها- وهو اليابس- بالحشف البالي، وكذلك شبه كل فريق من الفريقين تشبيهين؛ بأن شبه فريق الكفار مثلاً؛ بعضاً منهم بالأعمى، وبعضاً بالأصم.
والحاصل: أن التنظير بالبيت لاستقلال كل من المشبه والمشبه به المفرد على حياله، وليس كذلك في الوجه الثاني.
ويحتمل قوله: "أن يشبهه بالذي جمع بين العمى والصمم": أن يكون المراد أن يشبه الفريقين معاً بالذي جمع بين العمى والصمم، وبالذي جمع بين البصر والسمع، لأن الضمير في "أن يشبهه" راجع إلى الفريق، وأن يشبه كل واحد من الفريقين بالذي جمع بين الوصفين، وما يدل على أن الثاني هو المراد: مجيء "أو" التنويعية، وإفراد الموصول في كلام المصنف ها هنا كإفراده في قوله تعالى:(مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً)[البقرة: 17]، وإن كان المشبه جماعة.
(هَلْ يَسْتَوِيانِ) يعني: الفريقين، (مَثَلًا): تشبيهاً.
[(وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ* أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ)].
أي: أرسلنا نوحاً بـ (أني لكم نذير)، ومعناه: أرسلناه ملتبساً بهذا الكلام، وهو قوله (إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ) بالكسر،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فالواو في قوله: "الأصم" وقوله: "السميع على التشبيه الأول لعطف الذات على الذات، وعلى الثاني لعطف الصفة على الصفة، كما قال.
والتشبيه الثاني يحتمل أن يكون مركباً وهمياً؛ بأن يمثل حال فريق الكفار في تعاميهم عن الآيات المنصوبة بين يديهم، وتصامهم عن الآيات المتلوة عليهم، بحال من اجتمع فيه الصفتان العمى والصمم، فهم أبداً في خبط وضلال، لأن الأعمى إذا سمع شيئاً ربما يهتدي إلى الطريق إذا نعق له، والأصم ربما ينتفع بالإشارة، ومن جمع بينهما فلا حيلة فيه. وأن يكون مركباً عقلياً؛ بأن تؤخذ الزبدة والخلاصة من المجموع، والوجه: تمكن الضلال وعدم الانتفاع.
والفرق بين التشبيهين: هو أن الأول تتفاوت فيه حال بعض من الفريق، فإن الأصم أهون حالاً من الأعمى، وعلى الثاني: لا تفاوت البتة.
قوله: (أي: أرسلنا نوحاً بـ "أني لكم"): قدر الباء لأن ابن كثير وأبا عمرو قرآ بالفتح، والباقون: بالكسر، جعل الجار والمجرور حالاً من المفعول، وإنما قال:"والمعنى على الكسر"، لأن قوله:(إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ) في الأصل مقول، والكسر لازم بعد القول، فاتصل به الجار، فغير اللفظ دون المعنى، ولهذا قال:"ملتبساً بهذا الكلام"، كما في قولك: كأن
فلما اتصل به الجارّ فتح كما فتح في "كَأَنْ" والمعنى على الكسر، وهو قولك: إنّ زيداً كالأسد. وقرئ بالكسر على إرادة القول.
(أَنْ لا تَعْبُدُوا) بدل من (إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ)، أي: أرسلناه بأن لا تعبدوا (إِلَّا اللَّهَ)، أو تكون (أن) مفسرة متعلقة بـ (أرسلنا) أو بـ (نذير).
وصف "اليوم" بـ (أليم) من الإسناد المجازى لوقوع الألم فيه. فإن قلت: فإذا وصف به العذاب؟ قلت: مجازى مثله، لأنّ الأليم في الحقيقة هو المعذب، ونظيرهما قولك: نهارك صائم، وجدّ جدّه.
[(فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما نَراكَ إِلاَّ بَشَراً مِثْلَنا وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
زيداً أسد، والأصل: إن زيداً كالأسد، فنقل الكاف، وفتح الهمزة، والمعنى المعنى، قال أبو البقاء:(قال أني) بالفتح: على تقدير: "بأني"، وهو في موضع نصب، أي: أرسلناه بالإنذار، أي: منذراً".
قوله: (فإذا وصفه به العذاب؟ ): يعني: فهذا حكم "الأليم" إذا وصف به اليوم، فإذا وصف به العذاب، فما حكمه؟
قوله: (ونظيرهما [قولك]: نهارك صائم، وجد جده): إشارة إلى الفرق بين المجازين في الإسناد، نزل الظرف في الأول منزلة الشخص نفسه، لكثرة مباشرته الصوم فيه، كأنه واقع فيه، وفي الثاني: جعل وصف الشخص كالشخص، وأسند إليه ما كان مسنداً إليه، لاستبداده به.
الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّايِ وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ)].
(الْمَلَأُ): الأشراف من قولهم: فلان مليء بكذا، إذا كان مطيقاً له، وقد ملؤوا بالأمر، لأنهم ملؤوا بكفايات الأمور واضطلعوا بها وبتدبيرها. أو لأنهم يتمالؤون؛ أي: يتظاهرون ويتساندون، أو لأنهم يملئون القلوب هيبة والمجالس أبهة أو لأنهم ملاء بالأحلام والآراء الصائبة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (واضطلعوا بها)، الجوهري:"يقال: فلان مضطلع بهذا الأمر، أي: قوي عليه، وهو مفتعل من الضلاعة، والضلاعة: القوة وشدة الأضلاع".
قوله: (أو لأنهم يملؤون القلوب هيبة): هو من: ملأت الإناء- بالفتح- أملؤه ملأً، فهو متعد، وفي "مقدمة الأدب": ملئ الإناء- بالكسر- فهو ملآن، لازم، وعليه قوله:"أو لأنهم ملاء بالأحلام والآراء الصائبة"، قيل: قوله: "أو لأنهم" عطف على قوله: "من قولهم: فلان مليء بكذا"، وفي الكلام حذف تقديره:"أو من قولهم: تمالؤوا؛ أي: تعاونوا، لأنهم يتمالؤون"، وكذا "أو لأنهم" ثالثاً.
وقلت: ويمكن أن يكون معطوفاً على التعليل السابق، وذلك:"ملأ" حقيقة هو: ملأت
(ما نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا) تعريض بأنهم أحق منه بالنبوة، وأنّ الله لو أراد أن يجعلها في أحد من البشر لجعلها فيهم، فقالوا: هب أنك واحد من الملأ ومواز لهم في المنزلة،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الإناء، والأشراف إنما سموا بـ "الملأ" لأنهم أعضاد الملك وأعوانه؛ يدبرون أمور مملكته، قال في "الأساس":"ملأت الإناء، وهو ملآن، وأوعية ملاء، ومن المجاز: نظرت إليه فملأت منه عيني، ومالأه: عاونه، وأصلها المعاونة في الملء، ثم عمت، ومنه: هو مليء بكذا: مضطلع به".
فإذن التقدير: الملأ: الأشراف، مأخوذ من قولهم: فلان مليء بكذا، أو من: مالأه: عاونه، أو من: ملأت الإناء، أو من: ملؤ الإناء، لأنهم ملؤوا بكفايات الأمور، أو لأنهم يتمالؤون، أو لأنهم يملؤون القلوب هيبة، أو لأنهم ملاء بالأحلام، فهو من اللف التقديري، والوجه الأول أمتن الوجوه؛ لجعلهم في استقلالهم في الأمور وتمرنهم فيها كالأوعية لها، وإليه الإشارة بقوله:"لأنهم ملؤوا بكفايات الأمور"، ثم الوجه الأخير، لأن المعنى: أنهم لحسن الآراء والتدابير الصائبة ملؤوا بالأمور، قال أبو الطيب:
الرأي قبل شجاعة الشجعان
…
هو أول وهي المحل الثاني
قوله: ((مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِثْلَنَا) تعريض بأنهم أحق منه بالنبوة): يعني: أننا في البشرية سواء، ولنا المزية بكوننا شرفاء عظماء، لأن القائلين الملأ الذين يملؤون القلوب هيبة والمجالس أبهة، نحوه قولهم:(لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ)[الزخرف: 31].
قوله: (فقالوا: هب أنك واحد من الملأ، ومواز لهم في المنزلة): تنبيه على مكان
فما جعلك أحق منهم؟ ألا ترى إلى قولهم: (وما نرى لكم علينا من فضل)؟
أو أرادوا أنه كان ينبغي أن يكون ملكا لا بشر. والأراذل جمع الأرذل، كقوله:(أَكابِرَ مُجْرِمِيها)[الأنعام: 123]، «أحاسنكم أخلاقاً» .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التعريض والتفكر في استحقاقهم لها دونه؛ لتنزلهم عن مراتبهم، قال الحريري: "يقولون: هب أني فعلت، وهب أنه فعل، والصواب: إلحاق الضمير المتصل به، فيقال: هبني فعلت، وهبه فعل، قال أبو دهبل الجمحي:
هبوني امرأ منكم أضل بعيره
…
له ذمة إن الذمام كثير
ومعنى "هبني": أي: عدني واحسبني، فكان فيه معنى الأمر من: وهب".
قوله: (كان ينبغي أن يكون ملكاً، لا بشراً): يعني: دل قوله: (وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ) على أن مطلق الأفضلية مطلوب في الرسالة، ونحن وأنت مستوون في البشرية، لا فضل لأحد الفريقين على الآخر، فينبغي أن تكونوا من جنس هو أفضل من البشر، لتختصوا بها دوننا، وليس ذلك إلا الملكية، ففيه اعتزال خفي، والمقام يدفعه.
قوله: (والأراذل: جمع الأرذل، كقوله تعالى: (أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا)): أراد أنه جمع اسم التفضيل مضافاً، كما في الآية، وفي الحديث النبوي:"ألا أخبركم بأحبكم إلي، وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة: أحاسنكم أخلاقاً"، أخرجه الترمذي عن جابر.
وقرئ: (بادى الرأي)، بالهمز وغير الهمز، بمعنى: اتبعوك أوّل الرأي: أو ظاهر الرأي، وانتصابه على الظرف، أصله: وقت حدوث أوّل رأيهم، أو وقت حدوث ظاهر رأيهم فحذف ذلك وأقيم المضاف إليه مقامه.
أرادوا: أنّ اتباعهم لك إنما هو شيء عنّ لهم بديهة من غير روية ونظر، وإنما استرذلوا المؤمنين لفقرهم وتأخرهم في الأسباب الدنيوية، لأنهم كانوا جهالاً ما كانوا يعلمون إلا ظاهراً من الحياة الدنيا، فكان الأشرف عندهم من له جاه ومال، كما ترى أكثر المتسمين بالإسلام يعتقدون ذلك ويبنون عليه إكرامهم وإهانتهم، ولقد زلّ عنهم
أن التقدّم في الدنيا لا يقرب أحداً من الله وإنما يبعده، ولا يرفعه بل يضعه، فضلا أن يجعله سبباً في الاختيار للنبوّة والتأهيل لها!
على أن الأنبياء عليهم السلام بعثوا مرغبين في طلب الآخرة ورفض الدنيا، مزهدين فيها، مصغرين لشأنها وشأن من أخلد إليها، فما أبعد حالهم من الاتصاف بما يبعد من الله، والتشرف بما هو ضعة عند الله ......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (قرئ: (بَادِي الرَّايِ) بالهمز وغير الهمز): بالهمز: أبو عمرو وحده، قال أبو علي:"من لم يهمز أراد: فيما بدا من الرأي وظهر، ومن همز أراد: أول الرأي ومبدأه، والمعنى على الأول: ما اتبعك إلا الأراذل فيما ظهر لهم من الرأي، أي: لم يعقبوه بنظر فيه، وعلى الثاني: اتبعوك في أول الرأي من غير أن يتبعوا الرأي بفكر وروية، والكلمتان متقاربتان معنى".
وقال أبو البقاء: " (بَادِي): ظرف، وجاء على "فاعل" كما جاء على "فعيل"، نحو: قريب وبعيد، والعامل:(مَا نَرَاكَ)، أي: نراك فيما يظهر لنا من الرأي، أو في أول أمرنا،
(مِنْ فَضْلٍ) من زيادة شرف علينا تؤهلكم للنبوّة، (بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ) فيما تدّعونه.
[(قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ* وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالاً إِنْ أَجرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ* وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ* وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً اللَّهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ* قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَاتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ)].
(أَرَأَيْتُمْ): أخبرونى (إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ): على برهان (مِنْ رَبِّي) وشاهدٍ منه يشهد بصحة دعواي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ بإيتاء البينة على أن البينة في نفسها هي الرحمة، ويجوز أن يريد بـ"البينة": المعجزة، وبـ"الرحمة": النبوّة.
فإن قلت: فقوله (فَعُمِّيَتْ) ظاهر على الوجه الأوّل، فما وجهه على الوجه الثاني؟ وحقه أن يقال فعميتا؟ قلت: الوجه أن يقدّر "فعميت بعد البينة"، وأن يكون
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أو العامل: (اتَّبَعَكَ)، أي: اتبعوك في أول الرأي فيما ظهر منه من غير أن يبحثوا"، وهو المراد من قول المصنف: "أرادوا أن اتباعهم لك إنما هو شيء عن لهم بديهة"، والوجه الأول لأبي البقاء بعيد، وليس المعنى عليه.
قوله: (على أن البينة في نفسها هي الرحمة): فعلى هذا العطف من باب: أعجبني زيد وكرمه، لأن كونه عليه السلام على برهان من ربه لم يكن إلا بإيتاء الله له ما يشهد بصحة دعواه من المعجزة، وهو الرحمة بعينه، فلما كان المراد من البينة هذا فسر بقوله:(وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ)، ولذلك أفرد الضمير في قوله:(فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ).
حذفه للاقتصار على ذكره مرة: ومعنى "عميت" خفيت.
وقرئ: (فعميت) بمعنى: أخفيت. وفي قراءة أُبي: "فعماها عليكم".
فإن قلت: فما حقيقته؟ قلت: حقيقته أن الحجة كما جعلت بصيرة ومبصرة جعلت عمياء، لأنّ الأعمى لا يهتدي ولا يهدي غيره، فمعنى فعميت عليكم البينة فلم تهدكم، كما لو عمي على القوم دليلهم في المفازة بقوا بغير هادٍ.
فإن قلت: فما معنى قراءة أُبيّ؟ قلت: المعنى: أنهم صمموا على الإعراض عنها، فخلاهم الله وتصميمهم، فجعلت تلك التخلية تعمية منه، والدليل عليه قوله (أَنُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ) يعني أنكرهكم على قبولها .......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرئ: (فَعُمِّيَتْ)): حفص وحمزة والكسائي بالتشديد وضم العين.
قوله: (فما حقيقته؟ ): أي: فما تحقيق نسبة العمى إلى البينة؟ وأجاب: أن النسبة واردة على طريق الاستعارة، يدل عليه قوله:"فعميت عليكم البينة فلم تهدكم، كما لو عمي على القوم دليلهم في المفازة بقوا بغير هاد"، وقد ورد عكسه في قوله تعالى:(وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً)[الإسراء: 59]، أي: آية مبصرة، أي: كما جاءت هذه النسبة، كذلك ما نحن بصدده.
قوله: (فما معنى قراءة أبي؟ ): "فعماها عليكم"؛ حيث أسند إلى الله تعالى، وهو قبيح على مذهبه.
قوله: (والدليل عليه): أي: على أن المراد التخلية وعدم الإكراه، والإنكار في قوله:(أَنُلْزِمُكُمُوهَا) بمعنى: أنكرهكم على قبولها.
ونقسركم على الاهتداء بها، وأنتم تكرهونها ولا تختارونها، ولا إكراه في الدين؟ !
وقد جيء بضميري المفعولين متصلين جميعاً. ويجوز أن يكون الثاني منفصلاً، كقولك: أنلزمكم إياها. ونحوه: (فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ)[البقرة: 137] ويجوز: فسيكفيك إياهم. وحُكي عن أبي عمروٍ إسكان الميم. ووجهه أنّ الحركة لم تكن إلا خلسة خفيفة، فظنها الراوي سكوناً. والإسكان الصريح لحن عند الخليل وسيبويه وحذاق البصريين، لأن الحركة الإعرابية لا يسوغ طرحها إلا في ضرورة الشعر.
والضمير في قوله: (لا أَسْئَلُكُمْ) راجع إلى قوله لهم: (إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ* أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأما تقريره على مذهب أهل السنة: قال نوح عليه السلام: إذا كان الله تعالى عماها عليكم فلابد لكم من الكراهية، فكيف ألزمكم عليه إذن، وقريب منه في المعنى قول نوح أيضاً:(وَلا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ)[هود: 34].
قوله: (وحكي عن أبي عمرو): أي: على طريق شاذ، والخلسة- بالضم-: اسم من: خلست الشيء إذا سلبته.
قوله: (لا يسوغ [طرحها] إلا في ضرورة الشعر): نحو قوله:
فاليوم أشرب غير مستحقب
وقرئ: "وما أنا بطارد الذين آمنوا" بالتنوين على الأصل.
فإن قلت: ما معنى قوله (إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ)؟ قلت: معناه أنهم يلاقون الله فيعاقب من طردهم. أو يلاقونه فيجازيهم على ما في قلوبهم من إيمان صحيح ثابت- كما ظهر لي منهم وما أعرف غيره منهم- أو على خلاف ذلك مما تقرفونهم به من بناء إيمانهم على بادئ الرأي من غير نظر وتفكر. وما عليّ أن أشق عن قلوبهم وأتعرّف سر ذلك منهم حتى أطردهم إن كان الأمر كما تزعمون، ونحوه:(وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ) الآية [الأنعام: 52]، ......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
استحقبه: احتمله، ومنه قيل: أحقب فلان الإثم.
قوله: (أو على خلاف ذلك): عطف على قوله: "على ما في قلوبهم من إيمان صحيح"، يعني: أنكم تزعمون أنهم ليسوا على صحة من الإيمان واليقين فأطردهم، وليس ذلك إلي، فأنا أنظر إلى ظاهر الحال، إن حسابهم إلا على ربي، فهو كما علل الله سبحانه وتعالى نهي الطرد في قوله:(وَلا تَطْرُدْ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ) بقوله: (مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ) إلى قوله: (فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنْ الظَّالِمِينَ)[الأنعام: 52]، وإليه الإشارة بقوله:"ونحوه: (وَلا تَطْرُدْ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ) ".
قوله: (أن أشق عن قلوبهم): ضمن "شق" معنى "كشف"، وعداه تعديته، أي: ما علي أن أكشف عما في قلوبهم شقاً، يدل عليه الحديث:"هلا شققت قلبه".
أو: هم مصدقون بلقاء ربهم موقنون به عالمون أنهم ملاقوه لا محالة.
(تَجْهَلُونَ): تتسافهون على المؤمنين وتدعونهم أراذل، من قوله:
أَلَا لَا يَجْهَلَنْ أَحَدٌ عَلَيْنَا
أو تجهلون بلقاء ربكم. أو تجهلون أنهم خير منكم.
(مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ): من يمنعني من انتقامه (إِنْ طَرَدْتُهُمْ)، وكانوا يسألونه أن يطردهم ليؤمنوا به، أنفةً من أن يكونوا معهم على سواء.
(أَعْلَمُ الْغَيْبَ) معطوفٌ على (عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ) أي: لا أقول عندي خزائن الله، ولا أقول: أنا أعلم الغيب. ومعناه: لا أقول لكم: عندي خزائن الله،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أو: هم مصدقون): جواب آخر، يعني: تزعمون أنهم ما آمنوا على بصيرة منهم، فأطردهم، أي: ما أطردهم لأنهم فازوا بأعلى درجات الإيقان، وحازوا قطري الإيمان، حيث أيقنوا بلقاء الله في الدار الآخرة.
قوله: (ألا لا يجهلن أحد علينا): تمامه:
فنجهل فوق جهل الجاهلينا
أي: لا يسفهن أحد علينا، فنسفه عليهم فوق سفههم، أي: نجازيهم بسفههم جزاء وافياً، سمى جزاء الجهل جهلاً للمشاكلة.
قوله: (ومعناه: لا أقول لكم: عندي خزائن الله) إلى آخر تفسير هذه الآية: إعلام بأنها تضمنت أجوبة عن شبه أوردها القوم في الطعن في نبوة نوح عليه السلام في الآية المتقدمة، وهي قوله:(فَقَالَ الْمَلأ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ) الآية [هود: 27].
فأدعي فضلاً عليكم في الغنى، حتى تجحدوا فضلى بقولكم:(وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ)، ولا أدعي علم الغيب حتى تنسبوني إلى الكذب والافتراء، أو حتى أطلع على ما في نفوس أتباعي وضمائر قلوبهم (وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ) حتى تقولوا لي ما أنت إلا بشر مثلنا،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أولها: قالوا: (مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِثْلَنَا)[هود: 27]، أرادوا: أنك لست ملكاً حتى تكون رسولاً، ولئن سلم عدم استحالة الرسالة للبشر لم تكن أنت أحق بها منا، وذلك أنهم جزموا على أن الرسالة مقصورة على الملكية، وحين ادعاها استبعدوها وأنكروها، ولذلك أجابوه بما يجاب به المنكر من إيتاء (مَا) و (إِلَّا)، وأجاب عنه بقوله:(وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ)، يعني: مع أني أدعي النبوة لا أدعي الملكية، لأن البشرية غير قادحة في النبوة، لأن من حق الرسول أن يباشر أمته بالدليل والحجة، ثم بالهداية إلى طريق الحق، لا بالصورة والخلقة، فمن كان كذلك كان أحق بالنبوة كائناً من كان، وإليه الإشارة بقوله:(وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ) حتى تقولوا لي: ما أنت إلا بشر مثلنا.
وثانيها: قالوا: (وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا)[هود: 27]، يعني: لو كنت نبياً لاتبعك الأكياس من الناس والأشراف منهم، وأجاب بقوله:(وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمْ اللَّهُ خَيْراً)، يعني: ليس الشرف والرفعة بالحسب والمال، بل الشرف إنما يحصل بإيتاء الله العبد خير الدارين بسبب الإيمان والإخلاص، كقوله تعالى:(يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ)[الأنعام: 52، والكهف: 28]، وإليه الإشارة بقوله:"إن الله لن يؤتيهم خيراً في الدنيا والآخرة لهوانهم عليه".
وثالثها: قالوا: (وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ)[هود: 27]، أي: مال وجاه، يعني: لو كنت صادقاً لكنت شريفاً حسيباً، وكأن الأشرف عندهم من له جاه ومال، وأجاب بقوله: (وَلَا
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ)، يعني: ماأثبت دعواي بكوني ذا مال وحسب لتتبعوني، بل ما جئت إلا لرفض الدنيا جاهها ومالها، لأنهما سببا الطغيان، وإليه الإشارة بقوله:"لا أدعي فضلاً عليكم في الغنى حتى تجحدوا فضلي".
ورابعها: قالوا: (بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ)[يونس: 27]، يعني: اتباع هؤلاء الأراذل الذين من صفتهم أنهم جهلاء يسرعون في متابعتك بديهاً من غير فكر وروية، وقبولك إياهم من غير أن تطلع على حالهم وتعرف سرهم: أمارات منصوبة على كونكم كاذبين. وأجاب بقوله: (وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ)، يعني: ما علي أن أعلم الغيب حتى أطلع على ما في ضمائر أتباعي، فإن الأنبياء إنما يجرون الأحكام على ظواهرها، والله متولي السرائر، وإليه الإشارة بقوله:"حتى أطلع على ما في نفوس أتباعي وضمائرهم".
فإن قلت: إن كانت هذه الآية جواباً عن الشبه التي تضمنت تلك الآية، فما تلك الآيات الثلاث التي توسطت بينهما؟ قلت- والله أعلم-: هي مقدمة وتمهيد للجواب، فإن قوله:(يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ) إثبات لنبوته، يعني: ما قلت لكم: (إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ* أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ)[هود: 25 - 26] إلا عن تقدمة بينة على إثبات نبوتي وصحة دعواي، لكن خفيت عنكم وعميت حتى أوردتم تلك الشبهة الواهية، ومع ذلك ليس نظري فيما ادعيت إلا إلى الهداية، وأني لا أطمع أجراً، حتى ألازم الأغنياء منكم، وأطرد الفقراء، وأنتم تجهلون هذا المعنى حيث تقولون: اطرد الفقراء! وأن الله ما بعثني إلا في الترغيب في طلب الآخرة ورفض الدنيا، فمن ينصرني إن كنت أخالف ما جئت به، ثم شرع في الجواب على سبيل التفصيل، كما سبق.
ولما أطنب نبي الله في الجواب بتمهيد المقدمة، وأفحمهم بذلك التفصيل، وألقمهم الحجر، قالوا:(يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا)[هود: 32].
ولا أحكم على من استرذلتم من المؤمنين - لفقرهم- أن الله لن يؤتيهم خيراً في الدنيا والآخرة لهوانهم عليه، كما تقولون، مساعدة لكم ونزولاً على هواكم.
(إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ) إن قلت شيئاً من ذلك، والازدراء: افتعال من زرى عليه إذا عابه. وأزرى به: قصر به، يقال ازدرته عينه، واقتحمته عينه.
[(قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادْلتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَاتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الْصَّادِقِينَ)].
(جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا) معناه: أردت جدالنا وشرعت فيه فأكثرته، كقولك: جاد فلان فأكثر وأطاب (فَاتِنا بِما تَعِدُنا) من العذاب المعجل.
[(قالَ إِنَّما يَاتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شاءَ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ* وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ* أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ)].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (استرذلتم من المؤمنين): تفسير لقوله: (تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ)، قال القاضي:"إسناد الازدراء إلى الأعين للمبالغة والتنبيه على أنهم استرذلوهم بادي الرأي من غير روية وبما عاينوا من رثاثة حالهم وقلة منالهم دون تأمل في معانيهم وكمالاتهم".
وقلت: هذا التفسير ما أحسنه طباقاً لقولهم: (وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِي الرَّايِ).
قوله: (جاد فلان فأكثر): كقوله تعالى: (فَإِذَا قَرَاتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ)[النحل: 98].
(إِنَّما يَاتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ) أي: ليس الإتيان بالعذاب إليّ، إنما هو إلى من كفرتم به وعصيتموه (إِنْ شاءَ) يعني إن اقتضت حكمته أن يعجله لكم. وقرأ ابن عباس رضي الله عنه:"فأكثرت جدلنا".
فإن قلت: ما وجه ترادف هذين الشرطين؟ قلت: قوله: (إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ): جزاؤه ما دلّ عليه قوله (لا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي)، وهذا الدال في حكم ما دلّ عليه، فوصل بشرط كما وصل الجزاء بالشرط في قولك: إن أحسنت إليّ أحسنت إليك إن أمكننى.
فإن قلت: فما معنى قوله (إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ)؟ قلت: إذا عرف الله من الكافر الإصرار فخلاه وشأنه ولم يلجئه، سمى ذلك إغواءً وإضلالاً،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرأ ابن عباس: "فأكثرت جدلنا"): قال ابن جني: "الجدل: اسم بمعنى الجدال والمجادلة، والجدال: هو الاقتواء على خصمك بالحجة، قال تعالى: (وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً) [الكهف: 54]، أي: مغالبة بالقول وتقوياً".
قوله: (وهذا الدال في حكم ما دل عليه): يعني: قوله: (إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ) جزاؤه محذوف، وقوله:(وَلا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي) دال عليه، فيقدر له مثله، ثم هذا الدال على حكم المدلول- أي: الجزاء- على التوسع، لأن الجزاء لا يتقدم على الشرط.
قوله: (فوصل): أي قيد ما هو في حكم الجزاء وساد مسده بشرط، وهو قوله:(إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ)، كما قيد جزاء قولك:"إن أحسنت إلي أحسنت إليك إن أمكنني"- وهو "أحسنت" الثاني- بالشرط الثاني، وهو "إن أمكنني"، فصار التقدير: إن كان الله يريد
كما أنه إذا عرف منه أنه يتوب ويرعوى فلطف به: سمى إرشاداً وهداية.
وقيل: (أَنْ يُغْوِيَكُمْ): أن يهلككم؛ من غوىً الفصيل غوىً: إذا بشم فهلك، ....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أن يغويكم لا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم.
قال الإمام: "هذا الشرط المؤخر في اللفظ مقدم في الوجود، فإذا قال الرجل لامرأته: أنت طالق إن دخلت الدار، كان المفهوم أن ذلك الطلاق من لوازم الدخول، فإذا قال بعده: إن أكلت الخبز، كان المعنى: أن تعلق الجزاء بذلك الشرط الأول مشروط بحصول الشرط الثاني، والشرط مقدم على المشروط في الوجود، فعلى هذا إن حصل الشرط الثاني تعلق الجزاء بذلك الشرط الأول، وإن لم يحصل الثاني لم يتعلق الجزاء بذلك الشرط الأول".
وقال في "الانتصاف": "ونظيره قول القائل: أنت طالق إن شربت إن أكلت، وهي مسألة اعتراض الشرط، والمنقول عن الشافعية أنها إن شربت ثم أكلت لم يحنث، وإن أكلت ثم شربت حنث، وهذا الفرق مبناه على جعل الجزاء للشرط الأخير لا الذي يليه، ثم جعلهما معاً جزاء للشرط الأول، وعليه إعراب الزمخشري هذه الآية".
وقال القاضي: "هذا جواب لما أوهموا من أن جداله كلام بلا طائل، وفيه دليل على أن إرادة الله يصح تعليقها بالإغواء، وأن خلاف مراده محال".
قوله: (إذا بشم)، الجوهري:"البشم: التخمة، وبشم الفصيل من كثرة شرب اللبن".
ومعناه: أنكم إذا كنتم من التصميم على الكفر بالمنزلة التي لا تنفعكم معها نصائح الله ومواعظه وسائر ألطافه، كيف ينفعكم نصحى؟
(فَعَلَىَّ إِجْرامِي) و"إجرامي" بلفظ المصدر والجمع، كقوله:(والله يعلم إسرارهم)[محمد: 26] و"أسرارهم". ونحو: جرم وأجرام قفل وأقفال. وينصر الجمع أن فسره الأولون بـ"آثامي". والمعنى: إن صح وثبت أنى افتريته، فعليّ عقوبة إجرامي، أي: افترائى. وكان حقي حينئذ أن تعرضوا عنى وتتألبوا علىّ (وَأَنَا بَرِيءٌ) يعنى ولم يثبت ذلك وأنا بريء منه. ومعنى (مِمَّا تُجْرِمُونَ): من إجرامكم في إسناد الافتراء إلىّ فلا وجه لإعراضكم ومعاداتكم.
[(وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ* وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ)].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فَعَلَيَّ إِجْرَامِي) و"أجرامي"): بكسر الهمزة على المصدر وبفتحها على الجمع، والفتح شاذ، والأسلوب من باب الاستدراج والكلام المنصف، وهو في شأن الرسول صلى الله عليه وسلم، قال الإمام:"وأكثر المفسرين على أنه من كلام نوح عليه السلام، وقال مقاتل: هذه الآية وقعت في قصة محمد صلى الله عليه وسلم في أثناء قصة نوح"، وقال الإمام:"وهو بعيد جداً".
وقلت: سبق في بيان النظم عند قوله: (فَاتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ)[هود: 13] أنه في شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قوله: (وتتألبوا علي)، الجوهري:"وألبت الجيش: جمعته، وتألبوا: اجتمعوا".
(لَنْ يُؤْمِنَ) إقناط من إيمانهم، وأنه كالمحال الذي لا تعلق به للتوقع، (إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ): إلا من قد وجد منه ما كان يتوقع من إيمانه، و (قد) للتوقع وقد أصابت محزها (فَلا تَبْتَئِسْ) فلا تحزن حزن بائس مستكين. قال:
مَا يَقْسِمُ اللَّهُ فَاقْبَلْ غَيْرَ مُبْتَئِسٍ
…
مِنْهُ وَاقْعُدْ كَرِيماً نَاعِمَ الْبَالِ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (و (قَدْ) للتوقع، وقد أصابت محزها): حيث طابقت (لَن)، لأنهما كالمتضادين.
قوله: (فلا تحزن حزن بائس): بئس الرجل يبأس بؤساً وبأساً: اشتدت حاجته. "مستكين": من الاستكانة، وهي الخضوع.
قوله: (ما يقسم الله) البيت: لأحيحة بن الجلاح، "ما"- في "ما يقسم"-: شرطية، و"أقبل" مجزوم على الجزاء، وهو حكاية عن نفسه، وكذلك "وأقعد"، يقول: أنا راض بما قسم الله تعالى لي غير حزين على ما فات مني، وأقعد ناعم البال طيب القلب، ونحوه في الألفاظ النبوية:"واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك"، وقال القائل:
سيكون ما هو كائن في وقته
…
وأخو الجهالة متعب محزون
والمعنى: فلا تحزن بما فعلوه من تكذيبك وإيذائك ومعاداتك، فقد حان وقت الانتقام لك منهم.
(بِأَعْيُنِنا) في موضع الحال، بمعنى: اصنعها محفوظاً، وحقيقته: ملتبساً بأعيننا، كأن لله معه أعينا تكلؤه أن يزيغ في صنعته عن الصواب، وأن لا يحول بينه وبين عمله أحد من أعدائه. (ووحينا): وأنا نوحي إليك ونلهمك كيف تصنع،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فقد حان وقت الانتقام): يعني: قوله تعالى: (أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ) إيذان بمعنى المتاركة، أي: أنك- يا نوح- قد أنذرت وأبلغت وأديت ما عليك، فلا عليك منهم شيء، (فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ)، وذرني والمكذبين، فقد حان وقت الانتقام.
قوله: (كأن لله معه أعيناً تكلؤه): أي: رقباء تحفظه، وهو من باب التجريد، دل عليه "الباء" في (بِأَعْيُنِنَا)، وهذا من أبلغ أنواع التجريد، لأنهم ينتزعون من نفس الشيء آخر مثله في صفته؛ مبالغة لكمالها فيه، قال ابن جنيك أنشد أبو علي:
أفاءت بنو مروان ظلماً دماءنا
…
وفي الله إن لم يعدلوا حكم عدل
وأنشد المصنف:
وفي الرحمن للضعفاء كاف
ها هنا جرد من ذاته المهيمن جماعة الرقباء، وهو الرقيب نفسه.
عن ابن عباس رضي الله عنه: لم يعلم كيف صنعة الفلك، فأوحى الله إليه أن يصنعها مثل جؤجؤ الطائر (وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا): ولا تدعني في شأن قومك واستدفاع العذاب عنهم بشفاعتك (إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ): إنهم محكوم عليهم بالإغراق، وقد وجب ذلك وقضي به القضاء وجف القلم، فلا سبيل إلى كفه، كقوله:(يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ)[هود: 76].
[(وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ* فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَاتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ)].
(وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ) حكاية حالٍ ماضية (سَخِرُوا مِنْهُ) ومن عمله السفينة، ......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (جؤجؤ الطائر)، الجوهري:"جؤجؤ الطائر والسفينة: صدرهما، والجمع: الجآجئ".
قوله: (وقد وجب ذلك، وقضي به القضاء، وجف القلم، فلا سبيل إلى كفه): هذه التوكيدات يوجبها إخباره تعالى إياه عليه السلام بقوله: (أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ)؛ إقناطاً من إيمانهم، ثم نهيه بقوله:(وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا) المشتمل على علة الإهلاك، لوضع المظهر موضع المضمر، مع أنه عليه السلام لم يتوقع منه الاستشفاع فيهم
وكان يعملها في بريةٍ بهماء في أبعد موضع من الماء، وفي وقتٍ عزَّ الماء فيه عزةً شديدة، فكانوا يتضاحكون ويقولون له: يا نوح، صرت نجاراً بعد ما كنت نبياً (فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ) يعني: في المستقبل (كَما تَسْخَرُونَ) منا الساعة، أي: نسخر منكم سخريةً مثل سخريتكم إذا وقع عليكم الغرق في الدنيا والحرق في الآخرة.
وقيل: إن تستجهلونا فيما نصنع فإنا نستجهلكم فيما أنتم عليه من الكفر والتعرّض لسخط الله وعذابه، فأنتم أولى بالاستجهال منا، أو: إن تستجهلونا فإنا نستجهلكم في استجهالكم، لأنكم لا تستجهلون إلا عن جهل بحقيقة الأمر، وبناءً على ظاهر الحال، كما هو عادة الجهلة في البعد عن الحقائق.
وروي أنّ نوحًا عليه السلام اتخذ السفينة في سنتين، وكان طولها ثلاثمائة ذراع وعرضها خمسون ذراعاً، وطولها في السماء ثلاثون ذراعاً، وكانت من خشب الساج وجعل لها ثلاثة بطون، فحمل في البطن الأسفل: الوحوش والسباع والهوام، وفي .........
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعد ما سبق منه من الدعاء عليهم: (رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنْ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً)[نوح: 26]، لكن جيء به لما عسى أن تدخله أريحية الرحم، ويؤكد ذلك إيقاع قوله:(إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ) جواباً لسائل، وتأكيده بـ "إن".
قوله: (في برية بهماء): البهماء: الفلاة التي لا يهتدى لطرقها، ولا ماء فيها، ولا علم بها.
قوله: (إن تستجهلونا فيما نصنع، فإنا نستجهلكم فيما أنتم عليه من الكفر): سمى سخريتهم استجهالاً، لأن السخرية في مثل هذا المقام من باب السفه والجهل، لأنها التعرض لسخط الله وعذابه، نحوه جواب موسى عليه السلام:(أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِينَ)[البقرة: 67] عن قولهم: (أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً)، وهو من إطلاق المسبب على السبب.
البطن الأوسط: الدواب والأنعام، وركب هو ومن معه في البطن الأعلى مع ما يحتاج إليه من الزاد، وحمل معه جسد آدم عليه السلام وجعله معترضاً بين الرجال والنساء.
وعن الحسن: كان طولها ألفاً ومئتي ذراع، وعرضها ست مئة.
وقيل: إنّ الحواريين قالوا لعيسى عليه السلام: لو بعثت لنا رجلاً شهد السفينة يحدّثنا عنها، فانطلق بهم حتى انتهى إلى كثيب من تراب، فأخذ كفاً من ذلك التراب فقال: أتدرون من هذا؟ قالوا الله ورسوله أعلم. قال: هذا كعب بن حام. قال: فضرب الكثيب بعصاه فقال: قم بإذن الله، فإذا هو قائم ينفض التراب عن رأسه، وقد شاب فقال له عيسى عليه السلام: أهكذا أهلكت؟ قال لا، مُت وأنا شاب، ولكنني ظننت أنها الساعة فمن ثم شبت. قال: حدّثنا عن سفينة نوح. قال: كان طولها ألف ذراع ومئتي ذراع، وعرضها ست مئة ذراع، وكانت ثلاث طبقات: طبقة للدواب والوحوش، وطبقة للإنس، وطبقة للطير، ثم قال له: عُد بإذن الله كما كنت، فعاد تراباً.
(مَنْ يَاتِيهِ) في محل النصب بـ (تعلمون)، أي: فسوف تعلمون الذي يأتيه عذاب يخزيه، ويعني به إياهم، ويريد بـ"العذاب": عذاب الدنيا وهو الغرق (وَيَحِلُّ عَلَيْهِ) حلول الدين والحق اللازم الذي لا انفكاك له عنه (عَذابٌ مُقِيمٌ) وهو عذاب الآخرة.
[(حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ* وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ)].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (حلول الدين): نصب على المصدر، وفيه أن في الكلام استعارة إما تبعية أو مكنية، شبه حكم الله بقوله:(إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ) في قضائه بالدين ولزومه.
(حَتَّى) هي التي يبتدأ بعدها الكلام، دخلت على الجملة من الشرط والجزاء. فإن قلت: وقعت غايةً لماذا؟ قلت: لقوله: (ويصنع الفلك)[هود: 38]، أى: وكان يصنعها إلى أن جاء وقت الموعد. فإن قلت: فإذا اتصلت (حتى) بـ"يصنع"، فما تصنع بما بينهما من الكلام؟ قلت: هو حال من "يصنع"، كأنه قال: يصنعها والحال أنه كلما مرّ عليه ملأ من قومه سخروا منه. فإن قلت: فما جواب "كلما"؟ قلت: أنت بين أمرين: إما أن تجعل (سَخِرُوا)[هود: 38] جواباً، و (قالَ) استئنافاً، على تقدير سؤال سائل. أو تجعل (سَخِرُوا) بدلاً من (مَرَّ) أو صفة لـ (مَلَأٌ)، و (قالَ) جواباً.
(وَأَهْلَكَ) عطفٌ على (اثنين)، وكذلك (وَمَنْ آمَنَ) يعني: واحمل أهلك والمؤمنين من غيرهم. واستثنى من أهله من سبق عليه القول أنه من أهل النار، .......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أو تجعل (سَخِرُوا) بدلاً من (مَرَّ)): بدل الاشتمال، يعني: أن مرورهم كان ملتبساً بالسخرية، بدليل تصدير الجملة بـ "كلما".
قوله: ((وَأَهْلَكَ) عطف على (اثْنَيْنِ)): هذا إذا قرئ: "كل زوجين" بالإضافة، وهي قراءة الجماعة إلا حفصاً، فإنه قرأه بتنوين "كل" ها هنا وفي المؤمنين، قال أبو البقاء:"من قرأ "كل" بالإضافة: فمفعول (احْمِلْ): (اثْنَيْنِ)، أي: احمل فيها اثنين من كل زوج، و"من كل زوجين": حال، لأنه صفة نكرة قدم عليها، ومن قرأ بالتنوين: فمفعول (احْمِلْ): (زَوْجَيْنِ)، و (اثْنَيْنِ): توكيد له، و (مِنْ كُلٍّ) على هذا: يجوز أن يتعلق بـ (احْمِلْ)، وأن يكون حالاً، والتقدير: من كل شيء أو صنف".
وما سبق عليه القول بذلك إلا للعلم بأنه يختار الكفر، لا لتقديره عليه وإرادته به، تعالى الله عن ذلك. قال الضحاك: أراد ابنه وامرأته.
(إِلَّا قَلِيلٌ) روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كانوا ثمانية: نوح وأهله، وبنوه الثلاثة، ونساؤهم» وعن محمد بن إسحاق: كانوا عشرة: خمسة رجالٍ وخمس نسوة. وقيل كانوا اثنين وسبعين رجلاً وامرأة، وأولاد نوح: سام وحام ويافث، ونساؤهم. فالجميع ثمانية وسبعون: نصفهم رجال ونصفهم نساء.
ويجوز أن يكون كلاماً واحداً وكلامين:
فالكلام الواحد: أن يتصل (بِسْمِ اللَّهِ) بـ (اركبوا) حالاً من الواو، بمعنى: اركبوا فيها مسمين الله. أو قائلين "بسم الله" وقت إجرائها ووقت إرسائها، إما لأن "المجرى" و"المرسى" للوقت، وإما لأنهما مصدران كالإجراء والإرساء، حذف منهما ....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقال الزجاج: الزوج في كلامهم: واحد، والاثنان يقال لهما: زوجان، تقول: عندي زوجان من الطير، تريد: ذكراً أو أنثى فقط.
قوله: (وما سبق عليه القول بذلك إلا للعلم بأنه يختار الكفر، لا لتقديره عليه وإرادته): هذا المعنى قد تكرر في كلامه بناءً على قاعدته، وقد ناقض صريحاً حيث أثبت القضاء والقدر قبل هذا في قوله:"قد وجب ذلك، وقضي به، وجف القلم"، وقد نفاه ها هنا، ويأبى الله إلا إظهار الحق، والله أعلم.
قوله: (خمسة رجال وخمس نسوة): مرفوع؛ بدل من الواو في "كانوا".
الوقت المضاف، كقولهم خفوق النجم، ومقدم الحاج. ويجوز أن يراد مكانا الإجراء والإرساء، وانتصابهما بما في (بِسْمِ اللَّهِ) من معنى الفعل، أو بما فيه من إرادة القول.
والكلامان: أن يكون (بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها) جملة من مبتدأٍ وخبر مقتضبة، أي: بسم الله إجراؤها وإرساؤها. يروى: أنه كان إذا أراد أن تجرى قال: "بسم الله"
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ومقدم الحاج): هو أيضاً يحتمل الأمرين؛ المصدر واسم الزمان، والمصدر هو المراد في الاستشهاد.
قوله: (وانتصابهما): أي: (مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا)، سواء كانا في معنى الوقت أو المكان بما ذكر، ولا يجوز أن ينتصبا بـ (ارْكَبُوا) في وقت الإجراء والإرساء أو في مكانهما، وإنما المعنى: اركبوا الآن متبركين باسم الله في الوقتين اللذين لا ينفك الراكبون فيهما من الإجراء والإرساء.
قوله: (مقتضبة): أي: مرتجلة مقتطعة غير متصلة بما قبلها، الأساس:"ومن المجاز: اقتضب الكلام: ارتجله، وكان يحدثنا فلان فجاء زيد فاقتضب حديثه، أي: انتزعه واقتطعه". والاقتضاب عرفاً: الخروج من كلام إلى آخر لا علاقة بينهما، ويقابله التخلص، وهو الخروج إلى آخر برابطة مناسبة، ولا مناسبة بين الأمر بالركوب وبين الإخبار بأن مجرى السفينة بذكر اسم الله ومرساها؛ للإنشائية والخبرية، فوجب القطع، قال الشاعر:
وقال رائدهم: أرسوا نزاولها
…
فكل حتف امرئ يجري لمقدار
فجرت، وإذا أراد أن ترسو قال: بسم الله فرست. ويجوز أن يقحم الاسم، كقوله:
.. ثُمَّ اسْمُ السَّلَامِ عَلَيْكُمَا
ويراد: بالله إجراؤها وإرساؤها، أي: بقدرته وأمره.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أن يقحم الاسم)، الانتصاف:"فر بهذا القول من أن الاسم هو المسمى، ولو اعتقد ذلك لما جعله مقحماً"، وقد سبق القول فيه بالتفصيل في أول البقرة عند قوله:(أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ)[البقرة: 33].
قوله: (ثم اسم السلام عليكما): تمامه:
فقوما وقولا بالذي قد عرفتما
…
ولا تخمشا وجهاً ولا تحلقا الشعر
إلى الحول ثم اسم السلام عليكما
…
ومن يبك حولاً كاملاً فقد اعتذر
قاله لبيد بن ربيعة العامري؛ يوصي ابنتيه حين حضرته الوفاة بالندبة عليه قولاً.
قوله: (ويراد: بالله إجراؤها وإرساؤها): أي: بقدرته، أي: يجوز الإقحام على إرادة تقدير قدرة الله، ومفهومه أنه لا يجوز الإقحام على تقدير:"مسمين" أو "قائلين"، إذ لا معنى لقولنا: قائلين بالله، هذا على تقدير المصدر، وأما على تقدير الزمان أو المكان فيكون من باب قولهم: نهاره صائم، وطريق سائر. هذا التقدير يجوز تنزله على كلام واحد وعلى كلامين أيضاً.
وقرئ مَجْراها وَمُرْساها بفتح الميم، من جرى ورسى، إما مصدرين أو وقتين أو مكانين. وقرأ مجاهد:"مجريها ومرسيها" بلفظ اسم الفاعل، مجروري المحل، صفتين لله.
فإن قلت: ما معنى قولك: جملة مقتضية؟ قلت: معناه: أن نوحاً عليه السلام أمرهم بالركوب، ثم أخبرهم بأن مجراها ومرساها بذكر اسم الله أو بأمره وقدرته.
ويحتمل أن تكون غير مقتضية بأن تكون في موضع الحال كقوله:
وَجَاؤُونَا بِهِمْ سَكَرٌ عَلَينَا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (مجراها ومرساها): بفتح الميم: حمزة والكسائي، والباقون: بضمها، وقراءة مجاهد: شاذة.
قوله: (بفتح الميم؛ من: جرى ورسى): قال أبو البقاء: "مجرى ومرسى: بضم الميم؛ مصدر أجريت مجرى، وبفتحهما؛ مصدر جريت ورسيت".
قوله: (وجاؤونا بهم سكر علينا): تمامه:
فأجلى اليوم والسكران صاح
"بهم سكر": أي: سكرين، يعين: سكارى، بمعنى: غضاب علينا، "سكر": مبتدأ، و"بهم": خبر، والجملة حال- بلا واو- من ضمير "جاؤونا"، و"علينا" يتعلق بـ "سكر"، و"أجلى": بمعنى: جلى، أي: انكشف.
فلا تكون كلاماً برأسه، ولكن فضلةً من فضلات الكلام الأوّل، وانتصاب هذه الحال عن ضمير "الفلك"، كأنه قيل: اركبوا فيها مجراةً ومرساةً باسم الله، بمعنى التقدير، كقوله تعالى:(فادْخُلُوها خالدين)[الزمر: 73].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وانتصاب هذه الحال عن ضمير الفلك): قال صاحب "التقريب": وفيه نظر، إذ الحال إنما تكون مقدرة لو كانت مفردة، بمعنى: مجراة، أما إذا كانت جملة فلا، لأن الجملة معناها: اركبوا وباسم الله إجراؤها، وهذا واقع حال الركوب.
وقلت: المصنف جعل (بِسْمِ اللهِ) متعلقاً بـ "مجراة" على هذا التفسير، ولهذا قال:"مجراة باسم الله"، وهي مفردة، فالجملة مؤولة بها لفقدان الواو، كقوله: كلمته فوه إلى في، فيكون قيداً لـ (ارْكَبُوا)، ولا يشك أن إجراءها لم يكن عند الركوب، فتكون مقدرة، كما تقول: اركب الفرس سائراً على اسم الله، وأما مع الواو فلا تفتقر إلى التقدير، كما تقول: اركب الفرس وبإذن الله سيره.
على أن أبا البقاء أجاز أن تكون الجملة حالاً مقدرة، قال:" (مَجْرَاهَا) مبتدأ، و (بِسْمِ اللهِ) خبره، والجملة حال مقدرة، وصاحبها الواو في (ارْكَبُوا)، ويجوز أن تكون حالاً من الهاء، أي: اركبوا فيها وجريانها باسم الله، وهي مقدرة أيضاً"، وتبعه صاحب "الكواشي" والقاضي.
وللشيخ مكي في هذا المقام كلام مبسوط، قال: " (مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا): في موضع رفع بالابتداء، والخبر:(بِسْمِ اللهِ)، والجملة حال من الضمير المجرور في (فيها)، والعائد ضمير (مَجْرَاهَا)، لأنه للسفينة، والعامل في الحال: الفعل، ولا يحسن أن تكون حالاً من
(إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ): لولا مغفرته لذنوبكم ورحمته إياكم لما نجاكم.
[(وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ وَكانَ فِي مَعْزِلٍ يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ* قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ)].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الضمير في (ارْكَبُوا)، لأنه لا عائد فيها يرجع إلى ذي الحال، لأن الضمير في (بِسْمِ اللهِ) عائد إلى المبتدأ الذي هو (مَجْرَاهَا).
ويجوز أن يرتفع (مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا) بـ (بِسْمِ اللهِ)، لأنه متعلق بـ (ارْكَبُوا)، ويجوز أن ينتصبا على الظرف من (بِسْمِ اللهِ)، أي: اركبوا فيها متبركين باسم الله في وقت إجرائها وإرسائها، نحو: آتيك مقدم الحاج.
ولا يعمل فيهما (ارْكَبُوا)، لأنه لم يرد: اركبوا فيها في وقت الجري والرسو، ولا يحسن على هذا التقدير أن يكون (بِاِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا) حالاً من الهاء في (فِيهَا)، لأنه لا عائد يرجع إلى ذي الحال، ولا يكتفى بالضمير في (مَجْرَاهَا)، لأنه ليس من جملة الحال، وإنما هو ظرف ملغى، إذ يصير التقدير: اركبوا فيها متبركة باسم الله في وقت الجري، وليس المعنى عليه؛ لأن التبرك إنما هو لركابها لا لها.
ولو جعلت (مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا) في معنى اسم الفاعل، لكانت حالاً مقدرة، والعامل ما في (بِاِسْمِ اللَّهِ) من معنى الفعل، أي: باسم الله جارية وراسية"، هذا تلخيص كلامه. ثم قال: "اعلم أن هذه المسألة من أمهات مسائل النحو وغررها".
قوله: (لولا مغفرته لذنوبكم، ورحمته إياكم، لما نجاكم): يريد: أن قوله تعالى: (إِنَّ رَبِّي
فإن قلت: بم اتصل قوله (وَهِيَ تَجْرِي)؟ قلت: بمحذوفٍ دل عليه (ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ)، كأنه قيل: فركبوا فيها يقولون: "بسم الله"، وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ، أي: تجري وهم فيها (فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ) يريد: موج الطوفان، شبه كل موجةٍ منه بالجبل في تراكمها وارتفاعها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) جملة مستأنفة بيان للموجب، ولا تصلح أن تكون علة (ارْكَبُوا) لعدم المناسبة، فيقدر ما يصح به الكلام بأن يقال: امتثلوا هذا الحكم لينجيكم من الهلاك بمغفرته ورحمته، أو يقال: اركبوا فيها ذاكرين الله ولا تخافوا الغرق بما عسى أن فرط منكم تقصير، لأن الله غفور رحيم.
وفيه أن نجاتهم لم تكن لاستحقاق منهم بسبب أنهم كانوا مؤمنين، بل بمحض رحمة الله وغفرانه، كما عليه أهل السنة، ويؤيد هذا التأويل قوله تعالى:(قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً)[الفرقان: 6]؛ قال: "فإنه تنبيه على أنهم استوجبوا لمكابرتهم أن يصب عليهم العذاب صباً، ولكن صرف ذلك عنهم أنه غفور رحيم".
قوله: (أي: تجري وهم فيها): يريد: أن قوله: (بِهِمْ) في موضع الحال من فاعل (تَجْرِي)، نحوه:
تدوس بنا الجماجم والتريبا
فإن قلت: الموج: ما يرتفع فوق الماء عند اضطرابه وزخيره، وكان الماء قد التقى وطبق ما بين السماء والأرض، وكانت الفلك تجري في جوف الماء كما تسبح السمكة، فما معنى جريها في الموج؟ قلت: كان ذلك قبل التطبيق، وقبل أن يغمر الطوفان الجبال. ألا ترى إلى قول ابنه:(سآوى إلى جبل يعصمني من الماء)، قيل: كان اسم ابنه: كنعان. وقيل: يام.
وقرأ علي رضي الله عنه: "ابنها"، والضمير لامرأته. وقرأ محمد بن علي وعروة بن الزبير:"ابنه" بفتح الهاء، يريدان: ابنها، فاكتفيا بالفتحة عن الألف، وبه ينصر مذهب الحسن. قال قتادة: سألته فقال: والله ما كان ابنه، فقلت: إنّ الله حكى عنه (إن ابني من أهلى)، وأنت تقول: لم يكن ابنه، وأهل الكتاب لا يختلفون في أنه كان ابنه، فقال: ومن يأخذ دينه من أهل الكتاب!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (الموج: ما يرتفع فوق الماء): وجه السؤال: أن الرواية أنه تلاقى ماء الأرض والسماء، وكانت السفينة تجري في جوف الماء، ومعنى "الموج": ما يرتفع فوق الماء من هيئة كالجبال، فبينهما تناف. وأجاب: أن الجريان في الموج في زمان، وفي جوف الماء في زمان، وقال القاضي:"الرواية ليست بثابتة".
قوله: (وزخيره)، الجوهري:"زخر الوادي: إذا امتد جداً وارتفع، يقال: بحر زاخر".
قوله: (وكان الماء قد التقى): مقتبس من قوله تعالى: (فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ)[القمر: 12]، وقال:"يعني: مياه السماء والأرض".
واستدل بقوله (مِنْ أَهْلِي) ولم يقل: مني، ولنسبته إلى أمّه وجهان: أحدهما: أن يكون ربيباً له، كعمر بن أبي سلمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن يكون لغير رشدة، وهذه غضاضة عصمت منها الأنبياء عليهم السلام.
وقرأ السدي: "ونادى نوح ابناه"؛ على الندبة والترثى. أي: قال يا ابناه.
و"المعزل": مفعل، من: عزله عنه: إذا نحاه وأبعده، يعني: وكان في مكانٍ عزل فيه نفسه عن أبيه وعن مركب المؤمنين. وقيل: كان في معزل عن دين أبيه.
(يا نبىّ) قرئ بكسر الياء اقتصاراً عليه من ياء الإضافة، وبالفتح اقتصاراً عليه من الألف المبدلة من ياء الإضافة في قولك:"يا بنيا"، أو سقطت الياء والألف لالتقاء الساكنين، لأنّ الراء بعدهما ساكنة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (واستدل بقوله: (مِنْ أَهْلِي)، ولم يقل: مني): أي: قتادة، قال صاحب "التقريب": وفيه نظر، إذ لو صح لما نفاه بقوله:(لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ)، وتقريره: أنه لما قال: (إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي)، أي: من جملة أهلي، لأنه كان من صلبه، أجيب بـ (إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ) لقطع الولاية بين المؤمن والكافر، ومن ثم علله بقوله:(إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ).
قوله: (كعمر بن أبي سلمة): وفي "الاستيعاب": "هو عمر بن أبي سلمة بن عبد الأسد القرشي المخزومي، ربيب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أمة أم سلمة أم المؤمنين، ولد في السنة الثانية من الهجرة، وتوفي في المدينة سنة ثلاث وثمانين، وعمر: بضم العين وفتح الميم".
قوله: (لغير رشدة)، الجوهري:"هو لرشدة، بخلاف قولك: لزنية".
قوله: (قرئ بكسر الياء اقتصاراً): قرأ عاصم: (يَا بُنَيَّ) بفتح الياء، والباقون: بكسرها.
(إِلَّا مَنْ رَحِمَ) إلا الراحم، وهو الله تعالى، أو: لا عاصم اليوم من الطوفان إلا من رحم الله. يعني: إلا مكان من رحم الله من المؤمنين، وكان لهم غفوراً رحيماً في قوله (إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ)، وذلك أنه لما جعل الجبل عاصما من الماء
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال الزجاج: "الكسر أجود، ووجهه: أن الأصل: يا بنيي، والياء تحذف في النداء، ويبقى الكسر ليدل عليها، أو تحذف الياء لسكون الراء من (ارْكَب)، وتقر في الكتاب على ما هي عليه في اللفظ. ووجه الفتح: أن الأصل: يا بنيا، فتبدل الألف من ياء الإضافة، ثم تحذف الألف لسكونها وسكون الراء، وتقر في الكتابة على حدها في اللفظ، أو أن تحذف الألف في النداء كما تحذف ياء الإضافة، لأن ياء الإضافة زيادة في الاسم، كما أن التنوين زيادة فيه، فيحذف أيضاً".
قوله: ((إِلاَّ مَنْ رَحِمَ) إلا الراحم) إلى آخره، الانتصاف:"الاحتمالات الممكنة أربعة: لا عاصم إلا راحم، ولا معصوم إلا مرحوم، ولا عاصم إلا مرحوم، ولا معصوم إلا راحم، والأولان استثناء من الجنس، والآخران من غير الجنس، وزاد الزمخشري خامساً: ولا عاصم إلا مرحوم؛ على أنه من الجنس، على تأويل حذف المكان، والكل جائز".
قلت: هذا إنما يتم إذا حمل قوله: " (إِلاَّ مَنْ رَحِمَ) إلا الراحم" على: لا عاصم إلا الراحم، ولا معصوم إلا الراحم.
قوله: (إلا مكان من رحم الله): أي: مكان المؤمنين، لأنه تعالى رحمهم حين ركبوا في السفينة، بدليل إيقاع قوله:(إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) تعليلاً للأمر، وهو (ارْكَبُوا فِيهَا)، والوصف
قال له: لا يعصمك اليوم معتصم قط من جبل ونحوه سوى معتصمٍ واحد وهو مكان من رحمهم الله ونجاهم يعني: السفينة. وقيل: (لا عاصم): بمعنى: لا ذا عصمةٍ إلا من رحمه الله، كقوله:(ماءٍ دافِقٍ)[الطارق: 6]، و (عِيشَةٍ راضِيَةٍ) [الحاقة: 21]. وقيل: (إِلَّا مَنْ رَحِمَ) استثناء منقطع، كأنه قيل: ولكن من رحمه الله فهو المعصوم، كقوله:(ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ)[النساء: 157]. وقرئ: "إِلَّا مَنْ رَحِمَ" على البناء للمفعول.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مناسب للحكم، وإنما أتى في هذا الوجه بقوله:"وكان لهم غفوراً رحيماً" مع أن الرحمة شائعة في الوجوه؛ لأن الإضافة للتعريف، ولابد من معهود سابق، وهو السفينة.
قوله: (وقيل: (لا عَاصِمَ): بمعنى: لا ذا عصمة): وقال الزجاج: "يجوز أن يكون (عَاصِمَ) في معنى: معصوم، أي: لا ذا عصمة، كما قالوا: (عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ) [الحاقة: 21]: أي: مرضية، و (مَن) في موضع رفع، أي: لا معصوم إلا المرحوم".
وقال أبو البقاء: " (عَاصِمَ) بمعنى: ذي عصمة على النسب، مثل: حائض وطالق، والاستثناء متصل، وخبر (لا): (مِنْ أَمْرِ اللهِ)، و (الْيَوْمَ) معموله، ولا يجوز أن يكون (الْيَوْمَ) معمول (عَاصِمَ)، إذ لو كان لنون، ولا يجوز أيضاً أن يكون خبراً؛ لأن (الْيَوْمَ) ظرف، فلا يصح حمله على الجثة".
قوله: (إِلاَّ مَنْ رَحِمَ) استثناء منقطع، كأنه قيل: ولكن من رحمه الله فهو المعصوم): قال الزجاج: "فعلى هذا موضع (مَن) نصب، المعنى: لكن من رحم الله فإنه معصوم"، فالمعصوم ليس من جنس العاصم، لأن اسم المفعول غير، واسم الفاعل غير، كما أن الظان غير العالم في قوله تعالى:(مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ)[النساء: 157].
[(وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)].
نداء الأرض والسماء بما ينادى به الحيوان المميز، على لفظ التخصيص والإقبال عليهما بالخطاب من بين سائر المخلوقات وهو قوله (يا أَرْضُ)(وَيا سَماءُ)، ثم أمرهما بما يؤمر به أهل التمييز والعقل من قوله (ابْلَعِي ماءَكِ) و (أَقْلِعِي) من الدلالة على الاقتدار العظيم، وأن السموات والأرض وهذه الأجرام العظام منقادة لتكوينه فيها ما يشاء غير ممتنعة عليه، كأنها عقلاء مميزون قد عرفوا عظمته وجلالته
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (نداء الأرض): هو مبتدأ، والخبر:"من الدلالة على الاقتدار العظيم"، و"أن السماوات والأرض" إلى آخره: تفسير للاقتدار العظيم، وأدخل العاطف كما هو دأبه وعادته.
قوله: (منقادة لتكوينه فيها ما يشاء) إلى آخره: مستفاد من تعقيب النداء بلفظ (ابْلَعِي)، فإن من عادة من يأمر المطيع- الذي إذا أمر لم يتوقف إذعانه- أن يقدم النداء على الأمر، ليتمكن الأمر الوارد عقيبه في نفس المأمور، فيكون امتثاله للأمر أسرع مما لم يذكر معه النداء، سيما "يا"، فإنها تدل على أن الخطاب المتلو بعده معني به جداً، فالأمر بعد النداء هنا ترشيح للاستعارة؛ شبه السماوات والأرض بالمأمور الذي لا يتأتى منه العصيان لكمال هيبة الآمر، وأدخلهما في جنس ذلك المأمور، ثم خيل أنهما مأموران بعينيهما، فقيل:(يَا أَرْضُ)(وَيَاسَمَاءُ)، وجعلت القرينة الخطاب للجماد، ثم نسي التشبيه رأساً، وبني على الفرع الذي هو المشبه ما يبنى على الأصل المشبه به، قائلاً:(ابْلَعِي) و (أَقْلِعِي).
قال الزجاج رحمه الله تعالى في تفسير قوله تعالى: (يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ)[يس: 30]: "الفائدة في مناداتها كالفائدة في مناداة من يعقل، لأن النداء باب تنبيه، فإذا قلت: يا زيد، فإن لم تكن دعوته لتخاطبه بكلام غير النداء لم يكن له معنى، وإنما تناديه لتنبهه بالنداء، ثم تقول
وثوابه وعقابه وقدرته على كل مقدور، وتبينوا تحتم طاعته عليهم وانقيادهم له، وهم يهابونه ويفزعون من التوقف دون الامتثال له والنزول على مشيئته على الفور من غير ريث، فكما يرد عليهم أمره كان المأمور به مفعولا لا حبس ولا إبطاء.
والبلع: عبارةٌ عن النشف. والإقلاع: الإمساك. يقال: أقلع المطر،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
له: فعلت كذا، وافعل كذا، ألا ترى أنك إذا قلت لمن هو مقبل عليك: يا زيد ما أحسن ما صنعت، كان أوكد مما إذا قلت: ما أحسن ما صنعت".
قوله: (والنزول على مشيئته على الفور من غير ريث): أي: بطء، هذا مبني على أن الأمر: هل يفيد الفور أم لا؟ فإن عند بعض الحنفية يفيده، قال صاحب "المفتاح":"الأمر والنهي حقهما الفور"، سيما المقام مقام العظمة والكبرياء وأن لا قول ثمة، بل هو التمثيل، قال المصنف في (كُنْ فَيَكُونُ) [البقرة: 117]: "لا قول ثمة، وإنما هو تمثيل أن ما قضاه وأراد كونه، فإنما يدخل تحت الوجود من غير امتناع ولا توقف".
قوله: (فكما يرد عليهم): قال في "اللباب": وتستعمل الكاف للقران في الوقوع، نحو: كما حضر زيد قام عمرو، أي: اقترن القيام والحضور في الوقوع، فهما متشابهان في المقارنة في الوقوع.
قوله: (والبلع: عبارة عن النشف): استعار لغور الماء في الأرض: البلع الذي هو إعمال الجارحة في المطعوم، وإدخاله في الحلق.
قوله: (والإقلاع: الإمساك): خولف بين تفسير القرينتين؛ ليؤذن أن "البلع" جار مجرى
وأقلعت الحمى (وَغِيضَ الْماءُ) من غاضه: إذا نقصه (وَقُضِيَ الْأَمْرُ): وأنجز ما وعد الله نوحاً من هلاك قومه (وَاسْتَوَتْ): واستقرّت السفينة، (عَلَى الْجُودِيِّ)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الترشيح، لأنه صفة ملائمة للمستعار منه، وأن الإقلاع يجري مجرى التجريد، لأنه صفة ملائمة للمستعار له، ولهذا قال:"أقلع المطر"، وإنما اختير الترشيح الذي هو أبلغ في جانب الأرض، والتجريد في السماء، لأن إذهاب الماء لما كان مطلوباً أولياً، وليس للسماء فيه سوى أن تمسك ما كانت تدر، فقيل:(أَقْلِعِي)، وإنما الأرض هي التي تقدر على الإذهاب المطلوب بأن تمسك ما كان ينبع منها، وتنشف ما فيها، فقيل:(ابْلَعِي) على المجاز.
قوله: ((وَغِيضَ الْمَاءُ) من: غاضه: إذا نقصه): ظاهر هذا التفسير مشعر بأن قوله: (وَغِيضَ الْمَاءُ) إخبار عن حصول المأمور به من قوله: (وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي) و (يَا أَرْضُ ابْلَعِي)، فالتقدير: قيل ذلك لهما، فامتثلا لما أمرا، ونقص الماء. وكلام صاحب "المفتاح" بخلافه، حيث قدر: قيل: يا سماء أقلعي فأقلعت، ويا أرض ابلعي ماءك فبلعت، وغيض طوفان السماء. خص "غيض الماء" بطوفان السماء؛ لما علم من قوله:"فبلعت" نضوب ماء مختص بالأرض، ولما لم يعلم نضوب ماء مختص بالسماء، تبين ذلك به، فمعنى:"غيض الماء" على هذا: ما قاله الجوهري: "غاض الماء يغيض غيضاً: قل ونضب"، أي: غار وسفل.
ولعل هذا الوجه أملأ فائدة وأدق مغزى، وبه تظهر فائدة تخصيص ذكر "الماء"، وإضافته إلى ضمير "الأرض".
أما الأولى: فكما قال صاحب "المفتاح": "إنما لم يقل: (ابْلَعِي) بدون المفعول؛ لاستلزام تركه ما ليس بمراد من تعميم الابتلاع للجبال والتلال والبحار وساكنات الماء بأسرهن، نظراً إلى مقام ورود الأمر الذي هو مقام عظمة وكبرياء".
وهو جبل بالموصل (وَقِيلَ بُعْداً) يقال بَعُدَ بُعْداً وبَعَدا، إذا أرادوا البعد البعيد من حيث الهلاك والموت ونحو ذلك، ولذلك اختص بدعاء السوء.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والثانية: كما أشار إليه بقوله: "قال: (مَاءَكِ) بإضافة "الماء" إلى "الأرض" على سبيل المجاز؛ تشبيهاً لاتصال الماء بالأرض باتصال الملك بالمالك، واختار ضمير الخطاب لأجل الترشيح"، تم كلامه.
فإذن الإضافة أخرجت سائر المياه، وخصصت الماء بالماء الذي بسببه صارت الأرض مهيأة للخطاب كالمطيع المنقاد الوارد عليه أمر الآمر المطاع، وهو المعهود في قوله:(وَفَارَ التَّنُّورُ)، وبهذا الاعتبار يحصل التوغل في تناسي التشبيه، والبناء على الأصل ترشيحاً، ولو أجريت الإضافة على غير هذا يكون كالتجريد للاستعارة، وأنت تعلم أن الترشيح أبلغ، ومقام التمثيل والتصوير له أدعى وأهنأ، ولو حمل على العموم لاستلزم ذلك ما ليس بمراد من تعميم ابتلاع المياه بأسرها لورود الأمر الذي هو مقام العظمة والكبرياء.
وعلى هذا ينتظم "غيض" في سلك "قيل" و"قضي"، ولا يكون تابعاً للأمرين، وإليه أشار بقوله:"أصل الكلام: قيل: (يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ) فبلعت ماءها، (وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي) عن إرسال الماء، فأقلعت عن إرساله، (وَغِيضَ الْمَاءُ) النازل من السماء، ثم أتبعه ما هو المقصود من القصة، وهو قوله: (وَقُضِيَ الأَمْرُ) ".
قوله: (من حيث الهلاك): متعلق بـ "أرادوا"، أي: إنما يقولون: بعد بعداً، إذا أرادوا
ومجيء أخباره على الفعل المبنى للمفعول للدلالة على الجلال والكبرياء، وأنّ تلك الأمور العظام لا تكون إلا بفعل فاعل قادر، وتكوين مكون قاهر، وأنّ فاعلها فاعل واحد لا يشارك في أفعاله، فلا يذهب الوهم إلى أن يقول غيره: يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعى، ولا أن يقضى ذلك الأمر الهائل غيره، ولا أن تستوي السفينة على متن الجودي وتستقر عليه إلا بتسويته وإقراره
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
البعد من جهة الهلاك والموت، لا من جهة المسافة.
قوله: (فلا يذهب الوهم إلى أن يقول غيره: يا أرض ابلعي ماءك)، الانتصاف: "وقد تشبثت الشعراء بأذيال هذه المعاني، وهو أن يترك الموصوف اكتفاء بصفاته لشهرته، قال أبو الطيب يمدح عضد الدولة:
فلا تحمدهما واحمد هماماً
…
إذا لم يسم حامده عناكا
أي: امدح نفسك، فإنك المنفرد بالمدائح، إذا ذكرت ولم تسم لم يسبق إلى فهم أحد غيرك"، تم كلامه. وقبله:
وكم طرب المسامع ليس يدري
…
أيعجب من ثنائي أم علاكا
وذاك النشر عرضك كان مسكاً
…
وذاك الشعر فهري والمداكا
ولما ذكرنا من المعاني والنكت استفصح علماء البيان هذه الآية ورقصوا لها رؤسهم، لا لتجانس الكلمتين، وهما قوله (ابْلَعِي)(وأَقْلِعِي) وذلك وإن كان لا يخلي الكلام من حسن، فهو كغير الملتفت إليه بإزاء تلك المحاسن التي هي اللب وما عداها قشور
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الضمير في "فلا تحمدهما" عائد إلى "الفهر والمداكا"، وهما حجران للعطار يسحق بهما الطيب، المداك: التحتاني، والفهر: الفوقاني، والهمام: عضد الدولة، والحامد: المتنبي، وهذا المعنى قريب من قول الأول:
وإن جرت الألفاظ يوماً بمدحة
…
لغيرك إنساناً فأنت الذي نعني
قوله: (ورقصوا لها رؤوسهم): أي: تعجبوا لها، فهي كناية، قال القاضي:"هذه الآية في غاية الفصاحة؛ لفخامة لفظها، وحسن نظمها، والدلالة على كنه الحال، مع الإيجاز الخالي عن الإخلال".
قوله: (لا لتجانس الكلمتين): أي: (أَقْلِعِي) و (ابْلَعِي)، وفيه إدماج في نهاية من الحسن، أراد أن يبالغ في وصف الكلام الذي مضى، أدمج فيه معنى التجانس، ثم نفاه، يعني: روعي فيهما صنعة الجناس اللاحق، على نحو:(وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ)[الهمزة: 1]، مع
وعن قتادة: استقلت بهم السفينة لعشر خلون من رجب، وكانت في الماء خمسين ومئة يوم، واستقرّت بهم على الجودي شهراً، وهبط بهم يوم عاشوراء. وروي: أنها مرت بالبيت فطافت به سبعا، وقد أعتقه الله من الغرق. وروي أنّ نوحاً صام يوم الهبوط وأمر من معه فصاموا شكراً لله تعالى.
[(وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ* قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ)].
نداؤه ربه: دعاؤه له، وهو قوله (رَبِّ) مع ما بعده من اقتضاء وعده في تنجية أهله. فإن قلت: فإذا كان النداء هو قوله: (رَبِّ) فكيف عطف "قالَ رَبِّ" على "نادى" بالفاء؟ قلت: أريد بالنداء إرادة النداء، ولو أريد النداء نفسه لجاء، كما جاء قوله (إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا قالَ رَبِّ) [مريم: 3 - 4] بغير فاء.
(إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي) أي: بعض أهلي، لأنه كان ابنه من صلبه، أو كان ربيبا له فهو بعض أهله (وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ) وأن كل وعد تعده فهو الحق الثابت الذي لا شك في إنجازه والوفاء به، وقد وعدتني أن تنجي أهلي، فما بال ولدي؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أنها غير ملتفت إليها، فعلم فضل ذلك مع حسن هذه الصنعة، فهي مرادة من وجه وغير مرادة من آخر.
قوله: (من اقتضاء وعده في تنجية أهله): أي: دعاؤه ربه كان طلباً لقضاء ما وعده ربه من نجاة أهله، فـ "من" بيان لـ "دعاؤه". في "المغرب":"تقاضيته ديني وبديني، واستقضيته: طلبت قضاءه، واقتضيت منه حقي: أخذته".
(وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ) أي: أعلم الحكام وأعدلهم، لأنه لا فضل لحاكم على غيره إلا بالعلم والعدل. ورب عريقٍ في الجهل والجور من متقلدي الحكومة في زمانك قد لقب أقضى القضاة، ومعناه: أحكم الحاكمين فاعتبر واستعبر. ويجوز أن يكون من الحكمة، على أن يبنى من الحكمة حاكم بمعنى النسبة كما قيل:"دارع" من الدرع، وحائض وطالق على مذهب الخليل
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ورب عريق في الجهل): أعرق الرجل؛ أي: صار عريقاً، وهو الذي عرق في الكرم.
قوله: (قد لقب أقضى القضاة)، الانتصاف:"رأي الزمخشري: أن "أقضى القضاة" أرفع من "قاضي القضاة"، والذي يلاحظونه الآن عكسه، وذلك أن القضاة يشاركون أقضاهم في الوصف، وإن فضل عليهم، وأما "قاضي القضاة" هو الذي يقضي بين القضاة، لا يشاركه أحد في وصفه".
"الإنصاف": وليس كذلك، لأنه فسر (أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ) بـ "أقضى القضاة"، فكما لا يتصور ذلك المعنى هناك لا يتصور ها هنا.
قوله: (على أن يبنى من الحكمة: حاكم؛ بمعنى النسبة) إلى قوله: (على مذهب الخليل): يقال:
(إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ) تعليل لانتفاء كونه من أهله. وفيه إيذان بأن قرابة الدين غامرة لقرابة النسب، وأنّ نسيبك في دينك ومعتقدك من الأباعد في المنصب وإن كان حبشياً وكنت قرشياً لصيقك وخصيصك. ومن لم يكن على دينك - وإن كان أمس أقاربك رحماً - فهو أبعد بعيد منك، وجعلت ذاته عملا غير صالح، مبالغة في ذمّه، كقولها:
فَإنَّمَا هِىَ إقْبَالٌ وَإدْبَارُ
وقيل: الضمير لنداء نوح، أي: إنّ نداءك هذا عمل غير صالح وليس بذاك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رجل كاس؛ أي: ذو كسوة، وطاعم: أي: أكل، قال الخليل: ومنه: (عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ)[الحاقة: 21]، أي: ذات رضا، لأن العيشة لا تكون راضية، بمعنى: فاعلة، ومن هذا القبيل: طالق وحائض، بمعنى: ذات طلاق وذات حيض، أي: أن ذلك ثابت وحاصل لها من غير تعرض لحدوثها في زمان، حتى لو أرادوا الإجراء على الفعل لأتوا بالتاء، فقالوا: حائضة الآن، وطالقة غداً، هذا مذهب الخليل. وحمله سيبويه على أنه صفة "شيء" أو "إنسان"، لأن المرأة شيء وإنسان.
قال القاضي: "فعلى هذا: معنى (وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ): أنت أكثر حكمة من ذوي الحكم".
قوله: (وليس بذاك): لأن قوله: (إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ) تعليل لقوله: (إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ).
فإن قلت: فهلا قيل: إنه عمل فاسد؟ قلت: لما نفاه عن أهله، نفى عنه صفتهم بكلمة النفي التي يستبقى معها لفظ المنفي، وآذن بذلك أنه إنما أنجى من أنجى من أهله لصلاحهم، لا لأنهم أهلك وأقاربك. وإنّ هذا لما انتفى عنه الصلاح لم تنفعه أبوّتك، كقوله (كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئاً) [التحريم: 10].
وقرئ: "عمل غير صالح"، أي: عمل عملا غير صالح. وقرئ: (فلا تسئلنّ)، بكسر النون بغير ياء الإضافة ....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (بكلمة النفي التي يستبقى معها لفظ المنفي): يعني: أن "غير" ها هنا تنفي ما بعدها، وتستبقي فيما قبلها من جنس ما نفاه، وهو الصلاح، كالاستثناء المفرغ، فإنه يدل على أن المستثنى منه أي جنس هو، فعلى هذا قوله:"إنما أنجي من أنجي من أهله" معناه: إنما أنجي من أهلك لصلاحهم، لا أنهم من أهلك، يعني: نفى أن ابنه من أهله، ثم نفى عنه صفتهم؛ ليدل على أن ذلك النفي لأجل انتفاء هذه الصفة فيه، فلو لم تكن هذه الصورة معتبرة في اعتبار معنى الأهلية، لم يصح (إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ).
قال في "الانتصاف": "ومنه: (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ) [الشعراء: 214]، وإن كان الإنذار على العموم، لكن لما كانت الأهلية مظنة الاتكال خص، ولهذا أنذرهم النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (لا أملك لكم من الله شيئاً) ".
قوله: (وقرئ: "عمل غير صالح"): بكسر الميم ونصب "غير": الكسائي، والباقون: بفتح الميم مع التنوين ورفع "غير".
قوله: (فَلا تَسْأَلْنِي) بكسر النون): الجماعة غير نافع وابن عامر، فإنهما قرءا: "فلا
وبالنون الثقيلة بياء وبغير ياء، يعني: فلا تلتمس منى ملتمساً أو التماساً لا تعلم أصواب هو أم غير صواب، حتى تقف على كنهه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تسألن" بفتح اللام وكسر النون وتشديدها، على أن صله: تسألنني، فحذفت نون الوقاية لاجتماع النونات، وكسرت المشددة للياء، ثم حذفت اكتفاء بالكسرة، وعن نافع: إثباتها في الوصل.
قوله: (ملتمساً أو التماساً): يريد: أن "ما" في قوله: (فَلا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ): موصوفة، والصفة: الجملة، ثم "ما" إما اسم مفعول، فهو المراد من "ملتمساً"، أو مفعول مطلق، وإليه أشار بقوله:"التماساً"، لأن السؤال الذي بمعنى الاستجداء التماس.
قوله: (حتى تقف على كنهه)، الأساس:"سله عن كنه الأمر، أي: حقيقته وكيفيته، واكتنه الأمر: بلغ كنهه"، وفيه: أن المراد بالعلم: المتيقن، قال أبو علي:"المراد بالعلم ها هنا: العلم المتيقن الذي يعلم به الشيء على حقيقته، ليس العلم الذي يعلم به الشيء على ظاهره، كالذي في قوله تعالى: (فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ) [الممتحنة: 10] ونحوه".
وقال: "الجار والمجرور في (بِهِ عِلْمٌ): إما أن يتعلق بما يدل عليه العلم المذكور، وإن لم يتسلط عليه، كقوله:
ربيته حتى إذا تمعددا
…
كان جزائي بالعصا أن أجلدا
"بالعصا": متعلق بما دل عليه "أن أجلدا". تمعدد الصبي: غلظ وصلب وذهب عنه رطوبة الصبا.
وذكر المسألة دليل على أنّ النداء كان قبل أن يغرق حين خاف عليه.
فإن قلت: لِمَ سمي نداؤه سؤالا ولا سؤال فيه؟ قلت: قد تضمن دعاؤه معنى السؤال وإن لم يصرح به، لأنه إذا ذكر الموعد بنجاة أهله في وقت مشارفة ولده الغرق فقد استنجز. وجعل سؤال ما لا يعرف كنهه جهلاً وغباوة، ووعظه أن لا يعود إليه وإلى أمثاله من أفعال الجاهلين
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وإما أن يتعلق بالمستقر في قولك: (لَكَ)، كما تقول: أليس لك فيه رضا".
وحاصل هذا الوجه: أن (عِلْمٌ) اسم (لَيْسَ)، و (لَكَ) خبر، و (بِهِ) يتعلق بالجر، وكذلك قوله:(مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ).
قوله: (وذكر المسألة دليل على أن النداء كان قبل أن يغرق حين خاف عليه): لأن المسألة كالشفاعة في حقه، وطلب نجاته، واستنجاز وعده، وذلك إنما ينفع إذا لم يكن قد غرق، بل كان على مشارفة الهلاك.
فإن قلت: هذه المسألة مذكورة بعد قوله: (فَكَانَ مِنْ الْمُغْرَقِينَ* وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ) الآية، فكيف يتصور أنه لم يغرق بعد، وأنه على مشارفة من الهلاك، ولهذا السؤال القوي قال القاضي:"فقال: إن ابني من أهلي، وما له لم ينج؟ ".
قلت: مرد قصة سفينة نوح عليه السلام أولاً على الترتيب الأنيق إلى أن ختم بقوله: (وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)[هود: 44]، ثم ذكر نداءه ربه في شفاعته في ابنه الواقع في أثناء تلك القصة عند مشارفته الهلاك، لتكون القصة كالمستقلة، على وزان قصة البقرة في تقديم
فإن قلت: قد وعده أن ينجي أهله، وما كان عنده أن ابنه ليس منهم ديناً، فلما أشفى على الغرق تشابه عليه الأمر، لأن العدة قد سبقت له وقد عرف الله حكيما لا يجوز عليه القبيح وخلف الميعاد، فطلب إماطة الشبهة وطلبُ إماطة الشبهة واجب، فلم زجر وسمي سؤاله جهلاً؟ قلت: إن الله عز وعلا قدّم له الوعد بإنجاء أهله مع استثناء من سبق عليه القول منهم، فكان عليه أن يعتقد أن في جملة أهله من هو مستوجب للعذاب لكونه غير صالح، وأن كلهم ليسوا بناجين، وأن لا تخالجه شبهةٌ حين شارف ولده الغرق في أنه من المستثنين لا من المستثنى منهم، فعوتب على أن اشتبه عليه ما يجب أن لا يشتبه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ما هو مؤخر في الوجود، وها هنا عكس اعتناء بشأن هذا النداء وجوابه، وذلك لما اشتمل على أمر من أمور الدين، وهو أن قرابة الدين غامرة لقرابة النسب، قال أبو فراس:
كانت مودة سلمان له نسب
…
ولم يكن بين نوح وابنه رحم
وأما قول القاضي: "وما له لم ينج؟ " فيرده قول نوح عليه السلام أولاً: (وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ)[هود: 42]، فإنه قطع بكفره ودخوله في زمرة المغرقين على الطريق البرهاني، وجواب الله عنه آخراً:(فَلا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ)، كما سبق.
قوله: (فلم زجر): أي: بقوله: (إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِينَ).
قوله: (وأن لا تخالجه شبهة)، الجوهري:"خالج في صدري منه شيء: إذا شككت".
قوله: (فعوتب على أن اشتبه عليه ما يجب أن لا يشتبه)، الانتصاف: "في كلامه ما يدل على اعتقاده أن نوحاً صدر منه ما أوجب نسبة الجهل إليه، ومعاتبته على ذلك، وليس كذلك، فإنه تعالى وعده نجاة أهله إلا من سبق عليه القول، ولم يكن كاشفاً لحال ابنه، ولا مطلعاً عليه،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وما كان يعتقد كفر ابنه حتى يخرج من الأهل، ويدخل في المستثنى، فلهذا سأل، وهذا بإقامة عذره أولى أن يكون عتباً، فإن نوحاً عليه السلام لا يكلفه الله تعالى علم ما استأثر به.
وأما قوله: (إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِينَ): أي: في المستقبل بعد أن أعلمه الله باطن أمره، وأنه إن سأل بعد ذلك كان من الجاهلين، أو نهي النبي عن أمر لا يقتضي صدوره عنه، ولذلك أمسك النبي واستعاذ منه".
وقلت: قول المصنف: "وكان عليه أن يعتقد" إلى قوله: "وأن يخالجه شك حين شارف ولده الغرق في أنه من المستثنين- أي: من الذين سبق عليهم القول-، لا من المستثنى منهم"، أي: من جملة الأهل في قوله: (احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ) حق، لأنه عليه السلام حين قال لابنه:(يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ) - أي: من زمرتهم والمعدودين فيهم، وهو أبلغ من أن لو قال:"ولا تكن كافراً"-، وأجابه بقوله:(سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنْ الْمَاءِ) إلى قوله: (وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنْ الْمُغْرَقِينَ)، وجب عليه أن يعتقد أنه من المستثنين، ومثل هذه القضية من الأمارات، بل من الدلالات التي لا يبقى معه شك، فكيف قال:(رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي)، أي: من المستثنى منهم البتة؟ ! حيث صدر بقوله: (رَبِّ) مستعطفاً، وأردفه بـ "إن" المؤكدة، وضم معه (وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ)، وذيله بقوله:(وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ).
قال القاضي: "استثناء من سبق عليه القول من أهله قد دله على الحال، وأغناه عن السؤال، لكن شغله حب الولد عنه، حتى اشتبه الأمر عليه".
[(قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ)].
(أَنْ أَسْئَلَكَ) من أن أطلب منك في المستقبل ما لا علم لي بصحته، تأدباً بأدبك واتعاظاً بموعظتك (وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي) ما فرط مني من ذلك (وَتَرْحَمْنِي) بالتوبة عليّ (أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ) أعمالاً.
[(قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ)].
وقرئ: "يا نوح اهبط" بضم الباء، (بِسَلامٍ مِنَّا) مسلماً محفوظاً من جهتنا أو مسلماً عليك مكرّماً (وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ) ومباركاً عليك، والبركات الخيرات النامية، وقرئ:"وبركة" على التوحيد، (وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ) يحتمل أن تكون "من" للبيان. فيراد الأمم الذين كانوا معه في السفينة، لأنهم كانوا جماعات. أو قيل لهم: أمم، لأنّ الأمم تتشعب منهم،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (والبركات: الخيرات النامية): قال الراغب: "البرك: صدر البعير، وبرك البعير: ألقى بركه، واعتبر منه اللزوم، وسمي محبس الماء: بركة، والبركة: ثبوت الخير الإلهي في الشيء، قال تعالى: (لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ) [الأعراف: 96]، وسمي بذلك لثبوت الخير فيه ثبوت الماء في البركة، ولما كان الخير الإلهي يصدر على وجه لا يحس ولا يحصى قيل لكل ما يشاهد منه زيادة غير محسوسة: هو مبارك، وفيه بركة".
وأن تكون لإبداء الغاية أي: على أمم ناشئة ممن معك، وهي الأمم إلى آخر الدهر وهو الوجه.
وقوله (وَأُمَمٌ) رفع بالابتداء. و (سَنُمَتِّعُهُمْ) صفة، والخبر محذوف تقديره: وممن معك أمم سنمتعهم، وإنما حذف لأنّ قوله:(مِمَّنْ مَعَكَ) يدل عليه. والمعنى: أنّ السلام منا والبركات عليك وعلى أمم مؤمنين ينشئون ممن معك، وممن معك أمم ممتعون بالدنيا منقلبون إلى النار، وكان نوحٌ عليه السلام أبا الأنبياء، والخلق بعد الطوفان منه وممن كان معه في السفينة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وأن تكون لابتداء الغاية): يريد: أن "من" في قوله: (مِمَّنْ مَعَكَ): إذا جعلت بيانية فالمراد بـ "الأمم": هم الذين كانوا معه في السفينة، وصح تسميتهم بالأمم لأنهم كانوا جماعة، وكل طائفة منها أمة، أو إنما سموا أمماً باعتبار مصير حالهم ومآل أمرهم، وإذا جعلت ابتدائية فالمراد بـ "الأمم": الذين ينشؤون منهم إلى آخر الدهر، وهذا أوجه؛ لما يلزم من الأول تسمية الجماعة القليلة بالأمم، ومن الثاني اعتبارا لمجاز بغير المبالغة.
وأيضاً لا يحسن التقابل بين قوله: (وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ) وبين قوله: (أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ) في الأول، كما يحسن في الوجه الأخير؛ فإن الناشئ من الذين في صحبته في السفينة فرقتان: فرقة مؤمنون داخلون تحت سلام الله وبركاته، وفرقة أخرى ممتعون بالدنيا منقلبون إلى النار، وإليه الإشارة بقوله:"إن السلام منا والبركات عليك وعلى أمم مؤمنين ينشؤون ممن معك، وممن معك أمم ممتعون بالدنيا، منقلبون إلى النار"، ومن ثم قال:"وهو الوجه".
وفي قطع الجملة الثانية بالابتداء عن سنن الجملة الأولى: الدلالة على أن التمتع الجسماني والاشتغال به يخرج الإنسان عن حكم الصالحين من عباده، وأن التبتل إلى الله يدخله في
وعن كعب بن محمد القرظي: دخل في ذلك السلام كل مؤمن ومؤمنةٍ إلى يوم القيامة، وفيما بعده من المتاع والعذاب: كل كافر. وعن ابن زيد: هبطوا والله عنهم راض ثم أخرج منهم نسلا، منهم من رحم ومنهم من عذب. وقيل: المراد بالأمم الممتعة: قوم هود وصالح ولوط وشعيب.
[(تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ)].
(تِلْكَ) إشارة إلى قصة نوح عليه السلام. ومحلها الرفع على الابتداء، والجمل بعدها أخبار، أي: تلك القصة بعض أنباء الغيب موحاة إليك، مجهولة عندك وعند قومك (مِنْ قَبْلِ هذا) مِن قبل إيحائي إليك وإخبارك بها. أو من قبل هذا العلم الذي كسبته بالوحي. أو من قبل هذا الوقت،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
زمرة الأنبياء والصالحين، وينظر هذا إلى قوله:(إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ)، وأن قرابة الدين غامرة لقرابة النسب.
قوله: (والجمل بعدها أخبار): قال القاضي: " (نُوحِيهَا) خبر ثان، والضمير لها، أي: موحاة إليك، ويجوز أن يكون حالاً من "الأنباء"، وأن يكون هو الخبر، و (مِنْ): إما متعلق به، أو حال من الهاء في (نُوحِيهَا)، وقوله: (مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ) خبر ثالث، أي: مجهولة عندك وعند قومك، ويجوز أن يكون حالاً من [الهاء في] (نُوحِيهَا)، أو الكاف في (إِلَيْكَ)، أي: غير عالم أنت وقومك بها".
(فَاصْبِرْ) على تبليغ الرسالة وأذى قومك، كما صبر نوح وتوقع في العاقبة لك ولمن كذبك نحو ما قيض لنوح ولقومه (إِنَّ الْعاقِبَةَ) في الفوز والنصر والغلبة (لِلْمُتَّقِينَ).
وقوله (وَلا قَوْمُكَ) معناه: إنّ قومك الذين أنت منهم على كثرتهم ووفور عددهم إذا لم يكن ذلك شأنهم ولا سمعوه ولا عرفوه، فكيف برجلٍ منهم؟ ! كما تقول لم يعرف هذا عبد الله ولا أهل بلده.
[(وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ* يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ* وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ)].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ما قيض لنوح)، الجوهري:"قيض الله فلاناً لفلان؛ أي: جاءه به وأتاحه- أي: قدره- له"، والذي قدر لنوح: هو النجاة، ولقومه: الهلاك.
قوله: (لم يعرف هذا عبد الله ولا أهل بلده): إشارة إلى أن الأسلوب من باب الترقي من الأدنى إلى الأعلى- كقوله تعالى: (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى)[البقرة: 120]- لقوله: "إن قومك على كثرتهم إذا لم يعرفوه، فكيف برجل منهم"، فوضع "برجل منهم" موضع "أنت" اعتباراً للقلة، لتحصيل الترقي.
ويجوز أن يكون من باب التكميل، لأن تلك الأنباء مقصوصة لتسلي رسول الله صلى الله عليه وسلم من إيذاء قومه له، يدل عليه ترتب قوله:(فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ) عليها، ثم ضم إليه ما يتنبه به القوم على التهديد، كأنه قيل: إنما قصصنا عليك وعلى قومك قصة نوح ليكون تسلياً لك واعتباراً لقومك.
(أَخاهُمْ) واحداً منهم، وانتصابه للعطف على (أرسلنا نوحاً) [هود: 25]، و (هُوداً) عطف بيان. و (غَيْرُهُ) بالرفع: صفة على محل الجار والمجرور. وقرئ: غيره، بالجرّ صفة على اللفظ (إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ) تفترون على الله الكذب باتخاذكم الأوثان له شركاء.
ما من رسولٍ إلا واجه قومه بهذا القول، لأنّ شأنهم النصيحة، والنصيحة لا يمحصها ولا يمحضها إلا حسم المطامع، وما دام يتوهم شيء منها لم تنجع ولم تنفع (أَفَلا تَعْقِلُونَ) إذ تردّون نصيحة من لا يطلب عليها أجراً إلا من الله. وهو ثواب الآخرة، ولا شيء أنفى للتهمة من ذلك.
قيل: (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ) آمنوا به (ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ) من عبادة غيره، لأن التوبة لا تصلح إلا بعد الإيمان، و"المدرار": الكثير الدرور، كالمغزار. وإنما قصد استمالتهم إلى الإيمان وترغيبهم فيه بكثرة المطر وزيادة القوّة، لأنّ القوم كانوا أصحاب زروع وبساتين وعمارات، حراصاً عليها أشد الحرص،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وفي قول المصنف: " (فَاصْبِرْ) على تبليغ الرسالة وأذى قومك، كما صبر نوح، وتوقع في العاقبة لك ولمن كذبك نحو ما قيض لنوح ولقومه": إشعار به، وفي قوله تعالى:(إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ): تعريض بالمشركين، وتنبيه على الدمار.
قوله: (لا يمحصها): محصت الذهب بالنار: إذا خلصته مما يشوبه.
قوله: ((اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ) آمنوا به، (ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ) من عبادة غيره): قال القاضي: "اطلبوا مغفرة الله [بالإيمان]، ثم توسلوا إليها بالتوبة، وأيضاً التبري عن الغير إنما يكون بعد الإيمان منهم بالله، والرغبة فيما عنده".
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقال صاحب "الفرائد": الاستغفار: طلب الغفران، ويستلزم اعتقاد أن ما مضى ذنب، وهو يستلزم الإيمان، لأن ما مضى منهم كفر، والاستغفار ها هنا هو التوبة عن الكفر، فعلى هذا: قوله تعالى: (ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ) معناه: دوموا على التوبة؛ بدلالة "ثم"، ولأن الفعل يذكر ويراد به الثبات، كقوله تعالى:(وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى)[طه: 82].
وقلت: الذي يقتضيه النظم حمل (اسْتَغْفِرُوا) على الاستغفار عن الذنوب بعد الإيمان، وحمل (تُوبُوا) على الدوام، كما يؤمر المسلمون بذلك، لأن قول هود لقومه:(يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) متضمن للأمر بالإيمان واختصاص الله بالعبادة، كما سبق في الأعراف في قصة نوح: أن قوله: (مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ)[الأعراف: 59]، أي: بيان لتضمنه معنى اختصاص العبادة بالله، لأنه عليه السلام قال لقومه وهم مشركون:(اعْبُدُوا اللَّهَ).
وفائدة هذا الأمر الإيذان بأن العبادة المقرونة بالإشراك ليست عبادة في الحقيقة، فخصوه بالعبادة إن كنتم تعبدونه، ثم بين بقوله:(مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) هذا المعنى، ثم لما أتبعه:(يَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ)، وجب حمله على معنى زائد عليه، وهو ما قاله في مفتتح السورة:"استغفروا، والاستغفار التوبة، ثم أخلصوا التوبة واستقيموا عليها".
وفيه أيضاً: أن الاستغفار سبب لإنزال البركات من السماء وكل خير، فيدخل في هذا
فكانوا أحوج شيء إلى الماء. وكانوا مدلين بما أوتوا من شدّة القوّة والبطش والبأس والنجدة، مستحرزين بها من العدوّ، مهيبين في كل ناحية. وقيل: أراد القوّة في المال. وقيل: القوّة على النكاح وقيل: حبس عنهم القطر ثلاث سنين وعقمت أرحام نسائهم.
وعن الحسن بن عليّ رضي الله عنهما أنه وفد على معاوية، فلما خرج تبعه بعض حجابه فقال: إني رجل ذو مال ولا يولد لي، فعلمني شيئاً لعلّ الله يرزقني ولداً، فقال: عليك بالاستغفار، فكان يكثر الاستغفار حتى ربما استغفر في يوم واحدٍ سبع مئة مرة، فولد له عشرة بنين، فبلغ ذلك معاوية فقال: هلا سألته ممَّ قال ذلك، فوفد وفدة أخرى، فسأله الرجل فقال: ألم تسمع قول هود عليه السلام (وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ)، وقول نوح عليه السلام (وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ) [نوح: 12].
(وَلا تَتَوَلَّوْا) ولا تعرضوا عنى وعما أدعوكم إليه وأُرغبكم فيه (مُجْرِمِينَ)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الأمر المسلمون أيضاً، كما رواه المصنف عن الحسن بن علي رضي الله عنهما في حديث معاوية رضيا لله عنه، ولذلك شرع الاستغفار في الاستسقاء.
فإن قلت: لم لا يجوز أن يكون التكرار لتعليق زيادة خلا عنها الكلام الأول، وهو قوله:(يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ)؟ قلت: هذا سائغ، لكن هذا المعنى أليق بفصاحة القرآن، وأكثر فائدة.
قوله: (وكانوا مدلين بما أوتوا من شدة القوة)، الجوهري:"وهو يدل بفلان، أي: يثق به"، قال أبو البقاء:" (يزدكم) متضمن لمعنى: يضفكم، ولهذا عدي بـ "إلى"، ويجوز أن يكون صفة لـ (قُوَّةً)، أي: قوة مضافة إلى قوتكم"، وقيل: أراد القوة في المال، قال السجاوندي: أي: قوة الإيمان إلى قوة الأبدان.
مصرّين على إجرامكم وآثامكم.
[(قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ)].
(ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ) كذب منهم وجحود، كما قالت قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم:(لولا أُنزل عليه آية من ربه)[يونس: 20، الرعد: 7 و 27]، مع فوت آياته الحصر (عَنْ قَوْلِكَ) حال من الضمير في "تاركي آلهتنا"، كأنه قيل: وما نترك آلهتنا صادرين عن قولك (وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ) وما يصح من أمثالنا أن يصدقوا مثلك ......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقلت: يمكن أن تفسر "القوة" بما في سورة نوح لقوله: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً* يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً* وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً)، [نوح: 10 - 12].
قوله: (وما نترك آلهتنا صادرين عن قولك): قدر "عن قولك" حالاً من فاعل (بِتَارِكِي)، قال السجاوندي:"عن" يستعمل في معنى الباء حقيقة، لا قائماً مقامه، قال عن يقين وبيقين، وسأل به وعنه. وقلت: الأحسن أن يضمن "الترك" معنى: الصدور، فـ "عن" مثلها في قوله:(وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي)[الكهف: 82]، وقوله:
ينهون عن أكل وعن شرب
قوله: (وما يصح من أمثالنا أن يصدقوا مثلك): على أسلوب قولك: مثلك يجود، ومثلك لا يبخل، بمعنى: ما يصح منا أن نصدقك، وفيه المبالغة، وأشار بهذا إلى أن قوله:(وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ) تذييل للكلام السابق وتأكيد لمضمونه، كما في قوله تعالى:(ثُمَّ اتَّخَذْتُمْ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ)[البقرة: 51 و 92] على وجه، وذلك أنهم لما قالوا: (مَا
فيما يدعوهم إليه، إقناطاً له من الإجابة.
[(إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ* مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ)].
(اعْتَراكَ) مفعول (نقول)، و (إلا) لغو،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ) فهم منه أنه لا يصلح للنبوة وأن تصدق دعواه؛ لأن النبوة إنما تثبت بالمعجزة، ولا معجزة، ولما قالوا:(وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا) مؤكداً للنفي بالباء، وللفاعل بإيلاء حرف النفي الضمير، علم أنهم ثابتون على ما هم عليه غير زائلين عنه، فجاؤوا بعد ذلك بقولهم:(وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ) توكيداً لمضمون ذينك الكلامين، ليفيد ما قاله من الكناية. وتلخيصه: ما يصح منا- وصفتنا أنا ثابتون على ما نحن عليه- أن نصدقك، وصفتك أنك خلو عن حجة وبينة. فعمهما ليحسن التذييل.
قوله: (إقناطاً [له] من الإجابة): مفعول له، أي: قالوا هذا القول إقناطاً له.
قوله: ((اعْتَرَاكَ)) أي: أصابك، من: عراه يعروه: إذا أصابه. الراغب: "العرا- مقصور-: الناحية، وعراه واعتراه: قصد عراه، قال تعالى: (إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ)، والعروة: ما يتعلق به من عراه، أي: ناحيته".
قوله: ((إِلَّا) لغو): أي: لا عمل لها في اللفظ، لكن لها عمل في المعنى، أما أنه لا عمل
والمعنى: ما نقول إلا قولنا اعتراك بعض آلهتنا بسوء، أي: خبلك ومسك بجنون لسبك إياها وصدّك عنها وعداوتك لها. مكافأة لك منها على سوء فعلك بسوء الجزاء، فمن ثم تتكلم بكلام المجانين وتهذى بهذيان المبرسمين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لها في اللفظ: فلأنه يؤتى بها لمعاونة الفعل في غير المفرغ، ذكره في "الإقليد"، ولا حاجة ها هنا إلى المعونة والواسطة، لأن الفعل فرغ للمعمول، وأما أن لها عملاً في المعنى: فلأن المراد: ما نقول قولاً إلا هذا القول، وهو اعتراك بعض آلهتنا، وقال ابن الحاجب:"العامل في الاستثناء ما قبله بواسطة "إلا" إذا كان فضلة".
قوله: (ما نقول إلا قولنا: اعتراك): يريد: أن (اعْتَرَاكَ) مقول القول، أقيم مقام المصدر، وسبق الاختلاف فيه؛ أن المقول هل هو مفعول به أو مفعول مطلق؟
قوله: (خبلك)، الجوهري:"الخبل- بالتحريك-: الجن، يقال: به خبل، أي: شيء من أهل الأرض، وقد خَبَلَه وخبَّله واختبله: إذا أفسد عقله أو عضوه".
قوله: (المبرسمين)، الجوهري:"البرسام: علة معروفة، وقد برسم الرجل فهو مبرسم"، وفي "الأسباب والعلامات": البرسام: ورم يحدث في الحجاب المعترض بين الكبد والمعدة،
وليس بعجب من أولئك أن يسموا التوبة والاستغفار خبلا وجنوناً وهم عادٌ أعلام الكفر وأوتاد الشرك. وإنما العجب من قوم من المتظاهرين بالإسلام سمعناهم يسمون التائب من ذنوبه مجنونا والمنيب إلى ربه مخبلا، ولم نجدهم معه على عُشر مما كانوا عليه في أيام جاهليته من الموادّة، وما ذاك إلا لعِرقٍ من الإلحاد أبى إلا أن ينبض، وضب من الزندقة أراد أن يطلع رأسه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فيزول العقل لاتصال هذا الحجاب بحجب الدماغ.
قوله: (وهم عاد أعلام الكفر): ذكر "عاد" مقحم لمزيد تقرير كفرهم، وأنهم مشهورون فيه، حيث صار اسمهم في العتو كالوصف، كما يقال: هو حاتم الجود.
قوله: (المتظاهرين بالإسلام): التظاهر: تفاعل؛ من الظهور.
قوله: (وضب من الزندقة) أي: غل، الأساس: "ومن المجاز: في قلبه ضب؛ أي: غل داخل، كالضب المعن في جحره، قال سابق:
ولا تك ذا وجهين يبدي بشاشة
…
وفي صدره ضب من الغل كامن"
قوله: (أن ينبض) و (أن يطلع): كالترشيحين، وإنما قلت:"كالترشيحين"؛ لأن "من الإلحاد" و"من الزندقة" أخرجا "العرق" و"الضب" أن يكونا مستعارين، كقوله تعالى:(حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ)[البقرة: 187].
وقد دلت أجوبتهم المتقدّمة على أنّ القوم كانوا جفاة غلاظ الأكباد، لا يبالون بالبهت ولا يلتفتون إلى النصح. ولا تلين شكيمتهم للرشد. وهذا الأخير دال على جهل مفرط وبلهٍ متناه، حيث اعتقدوا في حجارة أنها تنتصر وتنتقم، ولعلهم حين أجازوا العقاب كانوا يجيزون الثواب.
من أعظم الآيات أن يواجه بهذا الكلام رجل واحد أمّة عطاشاً إلى إراقة دمه. يرمونه عن قوس واحدة، وذلك لثقته بربه وأنه يعصمه منهم، فلا تنشب فيه مخالبهم. ونحو ذلك قال نوح عليه السلام لقومه (ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ) [يونس: 71]، أكد براءته من آلهتهم وشركهم ووثقها بما جرت به عادة الناس من توثيقهم الأمور بشهادة الله وشهادة العباد، فيقول الرجل: الله شهيد على أنى لا أفعل كذا، ويقول لقومه: كونوا شهداء على أنى لا أفعله.
فإن قلت: هلا قيل: إني أشهد الله وأشهدكم؟ قلت: لأنّ إشهاد الله على البراءة من الشرك إشهاد
صحيح ثابت في معنى تثبيت التوحيد وشدّ معاقده،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقد دلت أجوبتهم المتقدمة): وهي (مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ) إلى قوله: (وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ)[هود: 53]، ودلالتها على غلظ قلوبهم من حيث تلك التوكيدات التي أشرنا إليها، وهذا الأخير- وهو قوله:(إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ) - دال على جهل مفرط.
قوله: (من أعظم الآيات أن يواجه بهذا): "أن يواجه": مبتدأ، و"من أعظم": الخبر، والمشار إليه بقوله:"هذا": قوله: (إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ) إلى آخر الآية، لأنه عليه السلام قابلهم في التوكيد، وزاد عليهم.
قوله: (إشهاد صحيح ثابت في معنى تثبيت التوحيد) إلى آخره، الانتصاف: "تلخيص
وأمّا إشهادهم فما هو إلا تهاون بدينهم ودلالة على قلة المبالاة بهم فحسب، فعدل به عن لفظ الأوّل لاختلاف ما بينهما، وجيء به على لفظ الأمر بالشهادة، كما يقول الرجل لمن يبس الثرى بينه وبينه. اشهد علي أني لا أحبك، تهكما به واستهانة بحاله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كلام الزمخشري أن صيغة الخبر تقتضي الإخبار بوقوع المخبر به، وإشهاده لله حقيقة، وإشهاده إياهم لما لم يكن حقيقة كان من مجاز ورود الأمر بمعنى التهديد، ويحتمل أن يكون إشهاده لهم حقيقة لإقامة الحجة، وعدل عن الخبر إلى الأمر ليميز خطابهم عن خطاب الله تعالى".
وقلت: الأول هو الوجه، لأنه قد تقرر في البيان أن إجراء الكلام على مقتضى الظاهر لا يتضمن من النكتة واللطيفة ما يتضمنه الإجراء على خلاف المقتضى، فإن قوله:(إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ) كلام جار على الإخبار عن براءته من شركهم، فيفيد ما قال:"إشهاد صحيح ثابت في معنى تثبيت التوحيد، وأما قوله: (وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ) فغير جار على مقتضاه، لأن أحداً لا يقول لعدوه المناوئ: اشهد أني بريء عنك، إلا أنه ينبهه بأنه لا يبالي به، ولا يخاف غوائله، وإليه الإشارة بقوله: "فما هو إلا تهاون بهم".
قوله: (يبس الثرى)، الأساس: "والتقى الثريان: مثل في سرعة تواد الرجلين، وأصله: أن يسقط الغيث الجود، فيلتقي نداه وندى الأرض العتيق تحتها. ولا توبس الثرى بيني وبينك؛ أي: لا تقاطعني، قال جرير:
ولا توبسوا بيني وبينكم الثرى
…
فإن الذي بيني وبينكم مثري"
الجوهري: "ما بيني وبينك مثر، أي: أنه لم ينقطع، وهو مثل، كأنه قال: لم ييبس الثرى
(مِمَّا تُشْرِكُونَ* مِنْ دُونِهِ) من إشراككم آلهة من دونه، أو مما تشركونه من آلهة من دونه، أي: أنتم تجعلونها شركاء له، ولم يجعلها هو شركاء. ولم ينزل بذلك سلطاناً،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بيني وبينك، وفي الحديث:(بلوا أرحامكم ولو بالسلام)"؛ استعار "البل" لمعنى الوصل، واليبس: بمعنى القطع.
قوله: (أو مما تشركونه من آلهة): فعلى هذا: "ما" موصولة، ولهذا جاء بالضمير المحذوف، و"من آلهة" بيان "ما"، و"من دونه" صفة "آلهة"، أو حال من فاعل "تشركون"، أي: تشركون مجاوزين الله تعالى في هذا الحكم، فإنهم إذا حكموا بغير ما حكم الله تعالى به فقد جاوزوا حكمه.
وعلى الأول: "ما" مصدرية، و"دون" بمعنى: غير، صفة أيضاً، كما قدره:"من إشراككم آلهة من دونه"، أي: غيره.
(فَكِيدُونِي جَمِيعاً) أنتم وآلهتكم أعجل ما تفعلون، من غير إنظار، فإني لا أبالي بكم وبكيدكم، ولا أخاف معرّتكم وإن تعاونتم عليّ وأنتم الأقوياء الشداد، فكيف تضرني آلهتكم، وما هي إلا جماد لا تضر ولا تنفع، وكيف تنتقم مني إذا نلت منها وصددت عن عبادتها، بأن تخبلنى وتذهب بعقلي.
[(إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ* فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ)].
ولما ذكر توكله على الله وثقته بحفظه وكلاءته من كيدهم، وصفه بما يوجب التوكل عليه من اشتمال ربوبيته عليه وعليهم، من كون كل دابة في قبضته وملكته وتحت قهره وسلطانه،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أعجل ما تفعلون): "أعجل": منصوب على الظرف من قوله: (فَكِيدُونِي)، أي: فكيدوني زماناً أعجل أوقات ما تفعلون، كقوله: أخطب ما يكون الأمير.
قوله: (فكيف تضرني آلهتكم): هذا يؤذن أن قوله: (فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ) جواب عن قولهم: (إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا) على المبالغة، وأن قوله:(إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ) مقدمة وتمهيد للجواب، فإنهم لما سموها آلهة، وأثبتوا لها الضرر، نفى هو بقوله:(أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ) كونهم آلهة رأساً، ثم نفى الضرر بقوله:(فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ) على أبلغ وجه، كما قال: لا أخاف فسادكم ومضرتكم، فكيف بالجماد الذي هو أوهن من بيت العنكبوت.
قوله: (نلت منها): أي: عبتها واشتفيت غيظي منها.
قوله: (وصفه بما يوجب التوكل عليه): أي: في هذا المقام، ويدل أنه عليه السلام رتب
والأخذ بنواصيها، تمثيل لذلك (إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) يريد: أنه على طريق الحق والعدل في ملكه، لا يفوته ظالم، ولا يضيع عنده معتصم به.
(فَإِنْ تَوَلَّوْا) فإن تتولوا. فإن قلت: الإبلاغ كان قبل التولي، فكيف وقع جزاء للشرط؟ قلت: معناه فإن تتولوا لم أعاتب على تفريط في الإبلاغ، وكنتم محجوجين بأنّ ما أرسالات به إليكم قد بلغكم فأبيتم إلا تكذيب الرسالة وعداوة الرسول (وَيَسْتَخْلِفُ) كلام مستأنف، يريد: ويهلككم الله،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حكم توكله على الله والالتجاء إليه من كيدهم على الوصف المناسب، أثبت بقوله:(مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا) صفة المالكية والقهارية، وبقوله:(إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) وصف العدل، فلكونه مالكاً لا يفوته أحد، ولكونه قاهراً لا يعجزه شيء، ولكونه عادلاً لا يضع كل شيء إلا في موضعه، فمن يكون كذلك فمن حق الملتجئ أن لا يلتجئ إلا إليه.
قوله: (الإبلاغ كان قبل التولي): يعني: من حق الجزاء أن يكون مسبباً عن الشرط، والسبب مقدم على المسبب، فما باله مؤخر؟ والجواب: أن الجزاء مبني على الإخبار والإعلام والتوبيخ، يعني: توليكم عما جئت به من الحق سبب لأن أخبركم أني ما قصرت في التبليغ، وأنكم تجاوزتم حد الإنصاف، وأبيتم قبول الحق، وكنتم محجوجين، لأن الغرض في إرسال الرسل الإبلاغ، فقد حصل ذلك، فلزمتكم الحجة، قال القاضي:" (فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ) فقد أديت ما علي من الإبلاغ وإلزام الحجة".
قوله: ((وَيَسْتَخْلِفُ) كلام مستأنف): أي: ليس بداخل في حيز الجملة الشرطية جزاء عنه، كما في الوجه الثاني، بل يكون جملة مستقلة برأسها، معطوفة على الجملة الشرطية،
ويجيء بقوم آخرين يخلفونكم في دياركم وأموالكم، (وَلا تَضُرُّونَهُ) بتوليكم (شَيْئاً) من ضرر قط، لأنه لا يجوز عليه المضارّ والمنافع، وإنما تضرون أنفسكم.
وفي قراءة عبد الله: "ويستخلف" بالجزم. وكذلك: "ولا تضروه"؛ عطفاً على محل (فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ) والمعنى: إن يتولوا يعذرني ويستخلف قوماً غيركم ولا تضروا إلا أنفسكم.
(عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ) أي: رقيب عليه مهيمن، فما تخفى عليه أعمالكم ولا يغفل عن مؤاخذتكم. أو من كان رقيباً على الأشياء كلها حافظاً لها وكانت مفتقرة إلى حفظه من المضارّ، لم يضر مثله مثلكم.
[(وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ)].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ..
مؤذنة بأن الحجة قد لزمتهم بإبلاغ الرسول ما عليه من التبليغ وتوليهم عنه، وأن الله يهلكهم ويستخلف في ديارهم قوماً غيرهم، فعلى هذا: الجملة الشرطية برأسها إخبار بإلزام الحجة عليهم، والجملة الثالثة ابتداء إخبار باستخلاف غيرهم بعد إهلاكهم.
قوله: (أو: من كان رقيباً على الأشياء كلها): على هذا الوجه: (إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ) كالتعليل لقوله: (وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً)، وعلى الأول: تعليل لقوله: (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ) ولقوله: (وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ).
(وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ) قيل: كانوا أربعة آلاف. فإن قلت: ما معنى تكرير التنجية؟ قلت: ذكر أولاً أنه حين أهلك عدوهم نجاهم، ثم قال:(وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ) على معنى: وكانت تلك التنجية من عذاب غليظ، وذلك أنّ الله عز وجل بعث عليهم السموم فكانت تدخل في أنوفهم وتخرج من أدبارهم فتقطعهم عضواً عضواً. وقيل: أراد بالثانية التنجية من عذاب الآخرة، ولا عذاب أغلظ منه وأشدّ.
وقوله: (برحمة منا): يريد: بسبب الإيمان الذي أنعمنا عليهم بالتوفيق له.
[(وَتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ* وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ)].
(وَتِلْكَ عادٌ) إشارةٌ إلى قبورهم وآثارهم، كأنه قال: سيحوا في الأرض فانظروا إليها واعتبروا، ثم استأنف وصف أحوالهم،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أراد بالثانية التنجية من عذاب الآخرة): الحاصل: أن التكرير لتعليق أمر زائد على الأول؛ إما بحسب الإبهام والتفسير، على نحو: أعجبني زيد وكرمه، وإما بحسب التغاير في الذات.
قوله: ((وَتِلْكَ عَادٌ) إشارة إلى قبورهم): قال القاضي: "أنث اسم الإشارة باعتبار القبيلة، أو لأن الإشارة إلى قبورهم وآثارهم". وقلت: كأنه آذن بتصوير تلك القبيلة في الذهن، ثم أشار إليها وجعلها خبراً للمبتدأ لمزيد الإبهام، فيحسن التفسير بقوله:(جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ) كل الحسن لمزيد الإجمال والتفصيل، وينصر الثاني أن هذه الآية واردة بعد هلاك القوم.
فقال: (جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ)، لأنهم إذا عصوا رسولهم فقد عصوا جميع رسل الله، (لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ) [البقرة: 285]، قيل: لم يرسل إليهم إلا هود وحده (كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ) يريد رؤساءهم وكبراءهم ودعاتهم إلى تكذيب الرسل. ومعنى اتباع أمرهم: طاعتهم.
ولما كانوا تابعين لهم دون الرسل جعلت اللعنة تابعة لهم في الدارين تكبهم على وجوههم في عذاب الله. و (أَلا) وتكرارها مع النداء على كفرهم والدعاء عليهم: تهويل لأمرهم وتفظيع له، وبعث على الاعتبار بهم والحذر من مثل حالهم.
فإن قلت: (بُعْداً) دعاء بالهلاك، فما معنى الدعاء به عليهم بعد هلاكهم؟ قلت: معناه الدلالة على أنهم كانوا مستأهلين له: ألا ترى إلى قوله:
إخْوَتِى لَا تَبْعَدُوا أبَداً
…
وَبَلَى وَاللَّهِ قَدْ بَعِدُوا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لأنهم إذا عصوا رسولهم): فيه حذف، أي: إنما قيل: (وَعَصَوْا رُسُلَهُ)، وما هو إلا رسول، لأنهم إذا عصوا رسولهم فقد عصوا جميع رسل الله، كقوله تعالى:(كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ)[الشعراء: 105].
قوله: (ولما كانوا تابعين لهم دون الرسل جعلت اللعنة تابعة لهم): يعني: لما تبع عاد أمر كل جبار عنيد، وعصوا رسل الله، وكذبوا بآيات ربهم، جعلت اللعنة تابعة لهم في الدارين.
وفيه: أنهم لو عكسوا جعلت الرحمة تابعة لهم في الدارين، يدل عليه قوله تعالى:(نَجَّيْنَا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا).
قوله: (و (أَلَا) وتكرارها): عطف على لفظة (أَلَا) على منوال التفسير.
قوله: (إخوتي لا تبعدوا أبداً) البيت: أي: كانوا في حال حياتهم مستأهلين لأن يقال
(قَوْمِ هُودٍ) عطف بيان لعاد: فإن قلت: ما الفائدة في هذا البيان والبيان حاصل بدونه؟ قلت: الفائدة فيه أن يوسموا بهذه الدعوة وسماً، وتجعل فيهم أمراً محققاً لا شبهة فيه بوجه من الوجوه، ولأنّ عاداً عادان: الأولى: القديمة التي هي قوم هود والقصة فيهم، والأخرى: إرم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لهم: لا تبعدوا أبداً، كأنه يتعرض في المصراع الثاني على نفسه بقوله:"وبلى والله قد بعدوا"، على أنك لم قلت: لا تبعدوا؟ هذه ألفاظ يستعملونها عند المصائب، وليس فيها طلب ولا سؤال، وإنما هي تنبيه على شدة الأمر، وتفاقم الجزع، وتناهي التفجع.
قوله: (الفائدة فيه أن يوسموا بهذه الدعوة وسماً، وتجعل فيهم أمراً محققاً): وذلك أن قوله: (وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا) إلى قوله: (وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ)، بعد قوله:(وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً)، للدلالة على القطع في أنهم إنما استحقوا لعنة الدارين لما جحدوا بآيات الله، وعصوا رسله، وتجبروا، على منوال قوله تعالى:(أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ)[البقرة: 5]، بعد قوله:(الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ)[البقرة: 3].
ولما أراد أن يسجل عليهم بالطرد والهلاك، ويجعله كالوسم بهم، أوقع هذا الدعاء خاتمة لقصتهم، مصدراً بحرف التنبيه المتلقية للقسم، وأوقع (قَوْمِ هُودٍ) بياناً وصفة لذكرهم، قال الإمام:"المبالغة في التنصيص تدل على مزيد التأكيد".
وأما الوجه الثاني- وهو قوله: "ولأن عاداً عادان"- فضعيف، لأنه لا لبس في أن عاداً هذه ليست إلا قوم هود، لتصريح اسمه وتكريره في القصة، قيل: عاد الأولى: هي عاد إرم ابن سام بن نوح، وعاد الآخرة: قوم لقيم بن هلال بن هذيم، هكذا في "العرائس".
[(وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ* قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا أَتَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ* قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ* وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَاكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَاخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ* فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ*
فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا صالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ* وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ* كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِثَمُودَ)].
(هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ) لم ينشئكم منها إلا هو، ولم يستعمركم فيها غيره. وإنشاؤهم منها خلق آدم من التراب (وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها) وأمركم بالعمارة، والعمارة متنوعة إلى واجب وندب ومباح ومكروه، وكان ملوك فارس قد أكثروا من حفر الأنهار وغرس الأشجار،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لم ينشئكم منها إلا هو): الحصر مستفاد من تقديم الفاعل المعنوي، لأنه مثل: أنا كفيت همك، وأنا قضيت حاجتك.
قوله: (والعمارة متنوعة إلى واجب وندب ومباح ومكروه): فالواجب: مثل سد الثغور، والقناطر المبنية على الأنهر المهلكة، والمسجد الجامع في مصر، والمندوب: كالمسجد والقناطر والمدارس والربط، والمباح: كالبيوت التي يسكن فيها ويكن بها، والحرام: كأبنية الظلمة وغيرهم للمباهاة، واسأل الله المغفرة والتوبة.
وعمروا الأعمار الطوال، مع ما كان فيهم من عسف الرعايا، فسأل نبي من أنبياء زمانهم ربه عن سبب تعميرهم، فأوحى إليه: إنهم عمروا بلادي فعاش فيها عبادي.
وعن معاوية بن أبي سفيان: أنه أخذ في إحياء الأرض في آخر أمره، فقيل له، فقال: ما حملني عليه إلا قول القائل:
لَيْسَ الفَتَى بِفَتيً لَا يُسْتَضَاءُ بِهِ
…
وَلَا تَكُونُ لَهُ فِى الأَرْضِ آثَارُ
وقبل: استعمركم من العمر، نحو استبقاكم من البقاء، وقد جعل من العمرى. وفيه وجهان: أحدهما: أن يكون "استعمر" في معنى أعمر، كقولك "استهلكه" في معنى أهلكه، ومعناه: أعمركم فيها دياركم، ثم هو وارثها منكم عند انقضاء أعماركم. والثاني أن يكون بمعنى جعلكم معمرين دياركم فيها، لأنّ الرجل إذا ورّث داره من بعده فكأنما أعمره إياها، لأنه يسكنها عمره ثم يتركها لغيره.
(قَرِيبٌ) داني الرحمة سهل المطلب، (مُجِيبٌ) لمن دعاه وسأله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقد جعل من العمرى)، الجوهري:"أعمرته داراً أو أرضاً أو إبلاً: إذا أعطيته إياها، وقلت: هي لك عمري أو عمرك، فإذا مت رجعت إلي، والاسم: العمرى".
قوله: ((قَرِيبٌ) داني الرحمة سهل المطلب): نحو قول الشاعر:
الله أنجح ما طلبت به
وفي تعليل الاستغفار والتوبة بما يعلل به الدعاء من كونه قريباً مجيباً، كقوله تعالى:(وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي)[البقرة: 186]: الدلالة على أن
(فِينا) فيما بيننا (مَرْجُوًّا) كانت تلوح فيك مخايل الخير وأمارات الرشد فكنا نرجوك لننتفع بك، وتكون مشاوراً في الأمور ومسترشداً في التدابير، فلما نطقت بهذا القول انقطع رجاؤنا عنك وعلمنا أن لا خير فيك. وعن ابن عباس: فاضلاً خيراً نقدّمك على جميعنا. وقيل: كنا نرجو أن تدخل في ديننا وتوافقنا على ما نحن عليه (يَعْبُدُ آباؤُنا) حكاية حال ماضية (مُرِيبٍ) من: أرابه: إذا أوقعه في الريبة، وهي قلق النفس وانتفاء الطمأنينة باليقين. أو من: أراب الرجل: إذا كان ذا ريبة على الإسناد المجازى.
قيل: (إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي) بحرف الشك وكان على يقينٍ أنه على بينة، لأنّ خطابه للجاحدين، فكأنه قال: قدّروا أني على بينة من ربي، وأني نبيّ على الحقيقة، وانظروا إن تابعتكم وعصيت ربى في أوامره، فمن يمنعني من عذاب الله؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مجرد الاستغفار أيضاً سؤال ودعاء، ويؤيده قوله تعالى:(اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً* يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً* وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ)[نوح: 10 - 12] الآية، كما سبق في قصة الحسن ابن علي رضي الله عنهما.
قوله: (نرجوك لننتفع بك، وتكون مشاوراً في الأمور، ومسترشداً في التدابير): وذلك لإطلاق الرجاء في قولهم: (مَرْجُوّاً).
قوله: (من: أراب الرجل: إذا كان ذا ريبة): أي: لفي شك ذي ريبة، نحو قولهم: جد جده.
قوله: (لأن خطابه للجاحدين): يعني: إنما قال: (إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ) بحرف
(فَما تَزِيدُونَنِي) إذن حينئذ، (غَيْرَ تَخْسِيرٍ) يعني: تخسرون أعمالي وتبطلونها، أو فما تزيدونني بما تقولون لي وتحملونني عليه غير أن أخسركم، أي: أنسبكم إلى الخسران وأقول لكم إنكم خاسرون.
(آيَةً) نصب على الحال قد عمل فيها ما دلّ عليه اسم الإشارة من معنى الفعل. فإن قلت: فبم يتعلق (لَكُمْ)؟ قلت: بـ (آية) حالاً منها متقدّمة، لأنها لو تأخرت لكانت صفة لها، فلما تقدمت انتصبت على الحال، .........
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الشك، مع أنه على يقين، لأنه من الكلام المنصف، يستدرجهم ويقول: قدروا على زعمي أني على حق، ثم أني عصيت ربي، فلابد أن الله تعالى ينتقم مني، فتفكروا هل تقدرون أن تمنعوا عذاب الله مني، بل ما تزيدونني غير تخسير.
قوله: (إذن حينئذ): أكد "إذن" بـ "حينئذ" ليختص بالظرفية.
قوله: (فلما تقدمت انتصبت على الحال): قيل: هذا قول لم يقل به أحد، لما يلزم منه أن يكون الحال ذا الحال، والأولى:(لَكُمْ) حال عمل فيها معنى الإشارة، و (آَيَةً) حال من الضمير المستتر فيه، فيكونان حالين متداخلين.
وقلت: وقد قال به أبو البقاء والكواشي، وقال الواحدي:" (آيَةً) جازت أن تكون حالاً بمعنى: دالة، فلا امتناع حينئذ [من] وقوعها ذا حال باعتبار الضمير"، وقال الزجاج:"إن نصب (آيَةً) على الحال، المعنى: إذا قال: هذه ناقة الله لكم آية أو آية لكم، فكأنه قال: انتبهوا لها في هذه الحال".
(عَذابٌ قَرِيبٌ) عاجلٌ لا يستأخرُ عن مسكم لها بسوء إلا يسيراً، وذلك ثلاثة أيام ثم يقع عليكم.
(تَمَتَّعُوا) استمتعوا بالعيش، (فِي دارِكُمْ) في بلدكم، وتسمى البلاد: الديار، لأنه يدار فيه أي: يتصرف. يقال: "ديار بكر" لبلادهم. وتقول العرب الذين حوالى مكة: نحن من عرب الدار، يريدون: من عرب البلد. وقيل: في دار الدنيا. وقيل: عقروها يوم الأربعاء وهلكوا يوم السبت (غَيْرُ مَكْذُوبٍ) غير مكذوب فيه، ........
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقلت: المقصود من هذا التركيب اتصاف المشار إليه بالحال، وتنبيه المخاطب عليه، كما أنك إذا قلت لمن يعرف زيداً: هذا زيد قائماً، تفيده التنبيه على قيامه فقط، وسيجيء تحقيقه في قوله:(وَهَذَا بَعْلِي شَيْخاً)[هود: 72]، فعلى هذا: فيه التنبيه للقوم على اتصاف الناقة بكونها آية، ثم بيان أن تلك الآية بمن تختص، وقد قال المصنف رحمه الله تعالى في الأعراف:" (لَكُمْ) بيان لمن هي له آية موجبة عليه الإيمان".
قوله: ((تَمَتَّعُوا) استمتعوا بالعيش)، الراغب:"المتوع: الامتداد والارتفاع، يقال: متع النهار، ومتع النبات: ارتفع، والمتاع: انتفاع ممتد الوقت، يقال: متعه الله بكذا، وأمتعه، وتمتع به. وكل موضع ذكر فيه "تمتعوا" في الدنيا فعلى طريق التهديد، وذلك لما فيه من معنى التوسع، قال تعالى: (وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) [البقرة: 36] تنبيهاً على أن لكل إنسان من الدنيا تمتع مدة معلومة، وقوله تعالى: (قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ) [النساء: 77] تنبيهاً على أن ذلك في جنب الآخرة غير معتد به، ويقال لما ينتفع به في البيت: متاع، قال تعالى: (ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ) [الرعد: 17]، وكل ما ينتفع به على وجه فهو متاع، والمتعة: ما تعطى المطلقة لتنتفع بها مدة عدتها، ومتعة النكاح: أن تشارط المرأة بمال معلوم إلى أجل معلوم، فإذا انقضى فارقها من غير طلاق".
فاتسع في الظرف بحذف الحرف، وإجرائه مجرى المفعول به، كقولك: يوم مشهود، من قوله:
وَيَوْمَ شَهِدْنَاهُ
أو على المجاز، كأنه قيل للوعد: نفي بك، فإذا وفى به فقد صدق ولم يكذب، أو وعد غير كذب، على أنّ "المكذوب" مصدر، كالمجلود والمعقول، وكالمصدوقة بمعنى الصدق.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ.
قوله: (ويوم شهدناه): تمامه:
.... سليمان وعامراً
…
قليل سوى الطعن الدراك نوافله
ويروى: "الطعن النهال".
و"النهال": جمع ناهل، مثل: طلاب وطالب، والناهل: الريان والعطشان، وهو صفة "الطعن"، يريد: يروي الرماح العطاش؛ يصف معركة، "شهد": يتعدى إلى مفعول واحد، وها هنا تعدى إلى مفعولين، "قليل": صفة "يوم"، و"نوافله" فاعل "قليل"، والنافلة: العطية إذا كانت تطوعاً، وأسقط لفظة "في" من اللفظ، وسيجيء تمامه بعيد هذا.
(وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ) قرئ مفتوح الميم لأنه مضاف إلى "إذ"، وهو غير متمكن، كقوله:
عَلَى حِينَ عَاتَبْتُ المَشِيبَ عَلَى الصِّبَا
فإن قلت: علام عطف؟ قلت: على (نجينا)، لأنّ تقديره: ونجيناهم من خزى يومئذ، كما قال:(وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ)[هود: 58]،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ.
قوله: ((وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ) قرئ مفتوح الميم): نافع والكسائي، والباقون: بكسرها.
قوله: (على حين عاتبت المشيب على الصبا): تمامه:
وقلت ألما تصح والشيب وازع
الهمزة في "ألما": للاستفهام، و"لما": من الجوازم، و"تصح": من: صحا يصو: إذا أفاق من سكره، "وازع": كاف مانع؛ من الوزع: الكف، يقول: إنه لما عرف الديار التي كان حل بها من يهواه بكى، وعاوده وجده، فعاتب نفسه على صبابتها وعذلها، وقال:"ألما تصح"، أي: آن لك أن تصحو ويزول عنك ما كنت تجده من الغرام في صباك، فإن الشيب كاف عن أمثال هذا.
قوله: (على (نَجَّيْنَا)): لم يرد أن نفس الجار والمجرور عطف على نفس الفعل، فلا يقدر له متعلق، ويعطف، بل يقدر وتعطف الجملة على الجملة، ليكون على وزان قوله تعالى:(وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ)[هود: 58]، وتلخيصه: ولما جاء أمرنا نجينا صالحاً من عذاب الدنيا، ونجيناه من خزي يوم القيامة.
على: وكانت التنجية من خزى يومئذ، أي: من ذله ومهانته وفضيحته، ولا خزي أعظم من خزي من كان هلاكه يغضب الله وانتقامه. ويجوز أن يريد بـ (يومئذ) يوم القيامة، كما فُسر "العذاب الغليظ" بعذاب الآخرة.
وقرئ (أَلا إِنَّ ثَمُودَ) و (لِثَمُودَ) كلاهما بالصرف وامتناعه، فالصرف للذهاب إلى الحىّ أو الأب الأكبر، ومنعه للتعريف والتأنيث، بمعنى القبيلة.
[(وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ* فَلَمَّا رَأي: أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ* وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ* قالَتْ يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ* قالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ)].
(رُسُلُنا) يريد: الملائكة، عن ابن عباس: جاءه جبريل عليه السلام وملكان معه،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (من خزي يومئذ، أي: من ذله ومهانته)، الراغب:"خزي الرجل: لحقه انكسار؛ إما من نفسه أو من غيره، فالأول: هو الحياء المفرط، ومصدره: الخزاية، والثاني: هو ضرب من الاستخفاف، ومصدره: الخزي، وعلى ما قلنا في "خزي" قولهم: ذل وهان، فإن ذلك متى كان من الإنسان نفسه يقال له: الهون والذل، ويكون محموداً، ومتى كان من غيره يقال له: الهوان والذل، ويكون مذموماً".
قوله: (وقرئ: (أَلا إِنَّ ثَمُودَا)): حمزة وحفص، والباقون: بالتنوين. والكسائي: "ألا بعداً لثمود" بالتنوين، والباقون: بفتح الدال من غير تنوين.
وقيل: جبريل وميكائيل وإسرافيل. وقيل: كانوا تسعة، وعن السدي: أحد عشر (بِالْبُشْرى) هي البشارة بالولد، وقيل: بهلاك قوم لوط، والظاهر: الولد (سَلاماً) سلمنا عليك سلاماً (سَلامٌ) أمركم سلام،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (والظاهر: الولد): اعلم أن البشارة هي الإخبار بما يظهر سرور المخبر به، والظاهر: هو اللفظ المحتمل الراجح أحد محتملاته بقرينة، وها هنا:(بِالْبُشْرَى) حال من (رُسُلُنَا)، أي: لقد جاءت رسلنا ملتبسين بالبشرى، وهي مطلقة صالحة لكل ما يحصل به سرور المخبر، فعقبت بقوله:(إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ)، وبقوله:(فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَقَ).
ومن قال: إن البشرى هلاك قوم لوط، ذهب إلى أن هلاك الظلمة من أجل ما يبشر به المؤمن، قال الله تعالى:(فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)[الأنعام: 45]، وإليه الإشارة بقوله:"فضحكت سروراً بهلاك أهل الخبائث".
ولا شك أن الأول أظهر دلالة من الثاني؛ لتصريح ذكر البشارة فيه.
ثم قوله: (وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى): التعريف فيه للعهد الخارجي، فإذا جعل المعهود ما يفهم من قوله:(إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ) كان من قبيل التعريف في "الذكر" في قولها: (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى)[آل عمران: 36] الراجع إلى معنى قوله: (إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً)[آل عمران: 35]، فإنه دال على أن المطلوب كان ذكراً، وإذا جعل المعهود معنى قوله:(فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَقَ) كان من قبيل قولك: انطلق الرجل، والمنطلق ذو جد.
ولا ارتياب أن الثاني أظهر، ولذلك قال محيي السنة:" (وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى) بإسحاق ويعقوب"، وأشار إليه المصنف بقوله:"لما اطمأن قلبه بعد الخوف، وملئ سروراً بدل الغم، فرغ للمجادلة"، ولناصر الثاني أن يقول: إن هذه البشرى في مقابلة قوله: (فَبَشَّرْنَاهَا)، فكما أن امرأته عليه السلام ضحكت وتعجبت من تلك البشارة، و (قَالَتْ يَا وَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا
وقرئ: "فقالوا سلماً قال سلم"؛ بمعنى: السلام. وقيل: سلمٌ وسلام، كحرم وحرام، وأنشد:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخاً)، وهذا نوع من الجدال، كذلك إبراهيم عليه السلام لما بشر بهلاك القوم اهتم بشأن المؤمنين، وجادل الرسل فيهم، والله أعلم.
قوله: (وقرئ: "فقالوا سلماً"): حمزة والكسائي: بكسر السين وإسكان اللام، والباقون: بفتح السين واللام وألف بعدها، قال الزجاج:"وأما "سلم": فعلى معنى: أمري سلم"، أي: لست ممن يريد غير السلامة والصلح.
الراغب: "السلام والسلامة: التعري من الآفات الظاهرة والباطنة، قال تعالى:(إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ)[الشعراء: 89]، أي: متعر من الدغل، فهذا في الباطن، وقال تعالى:(مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيهَا)[البقرة: 71]، فهذا في الظاهر، والسلامة في الحقيقة ليست إلا في الجنة، لأن فيها بقاء بلا فناء، وغنى بلا فقر، وعزاً بلا ذل، وصحة بلا سقم، قال الله تعالى:(فَقَالُوا سَلاماً قَالَ سَلامٌ)[الذاريات: 25]، وإنما رفع الثاني؛ لأنه في باب الدعاء أبلغ، فكأنه تحرى في باب الأدب المأمور به في قوله:(وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا)[النساء: 86].
ومن قال: "سلم"، فلأن السلام لما كان يقتضي السلم، وكان إبراهيم أوجس منهم خيفة، فلما رآهم مسلمين تصور من تسليمهم أنهم قد بذلوا له سلماً، فقال في جوابهم:"سلم"، تنبيهاً على أن ذلك من جهتي لكم كما حصل من جهتكم لي".
مَرَرْنَا فَقُلْنَا إيِه سِلْمٌ فَسَلَّمَتْ
…
كَمَا اكْتَلَّ بِالبَرْقِ الْغَمَامُ اللَّوَائِحُ
(فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ) فما لبث في المجيء به، بل عجل فيه، أو فما لبث مجيئه. و"العجل": ولد البقرة، ويسمى: الحسيل والخبش بلغة أهل السراة، وكان مال إبراهيم عليه الصلاة والسلام البقر،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال أبو علي: "أما انتصاب (سَلَاماً): فإنه لم يحك شيئاً تكلموا به، فيحكى كما تحكى الجمل، وهو معنى ما تكلمت به الرسل، كما أن القائل إذا قال: "لا إله إلا الله"، فقلت: حقاً، أعملت القول في المصدر، لأنك ذكرت معنى ما قال، ولم تحك نفس الكلام الذي هو جملة تحكى، وكذلك نصب (سَلَاماً)، لما كان معنى ما قيل، ولم يكن نفس المقول بعينه، وأما (سَلَامٌ) فهو مرفوع، لأنه من جملة الجملة المحكية، والتقدير: سلام عليكم، فحذف الخبر".
والمصنف حكى كلامهم، وقدر الناصب، ليكون العدول منه إلى الرفع أبلغ، تأسياً بقوله تعالى:(فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا)[النساء: 86]، كما أشار إليه الراغب.
قوله: (مررنا فقلنا: إيه) البيت: "إيه": اسم فعل، ومعناه: زد، ونظيرها: أف. النهاية: "هي كلمة يراد بها الاستزادة، وهي مبنية على الكسر، فإذا وصلت نونت فقلت: إيه حدثنا".
اكتل البرق: لمع، سحاب مكتل: ملمع، يقول: سلمنا فردت السلام بالبشاشة والطلاقة مثل البرق اللامع.
(حَنِيذٍ) مشويّ بالرضف في أخدود، وقيل:(حَنِيذٍ) يقطر دسمه، من حنذت الفرس إذا ألقيت عليها الجل حتى تقطر عرقاً، ويدل عليه:(بِعِجْلٍ سَمِينٍ)[الذاريات: 26].
يقال: نكره وأنكره واستنكره، ومنكور: قليل في كلامهم، وكذلك: أنا أنكرك، ولكن منكر ومستنكر، وأنكرك. قال الأعشى:
وَأَنْكَرَتْنِى وَمَا كَانَ الَّذِى نَكِرَتْ
…
مِنَ الْحَوَادِثِ إلّا الشَّيْبَ وَالصَّلَعَا
قيل: كان ينزل في طرفٍ من الأرض، فخاف أن يريدوا به مكروهاً. وقيل: كانت عادتهم أنه إذا مسّ من يطرقهم طعامهم أمنوه وإلا خافوه، والظاهر: أنه أحسّ بأنهم ملائكة، ونكرهم لأنه تخوّف أن يكون نزولهم لأمر أنكره الله عليه أو لتعذيب قومه،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ..
قوله: (بالرضف): الرضف: الحجارة المحماة.
قوله: (وأنكرتني) البيت: يقال: أنكرت الرجل: إذا كنت من معرفته في شك، ونكرته: إذا لم تعرفه. يقول: إن المحبوبة شكت في معرفتي، وما نكرت إلا الشيب والصلع، فإنهما مبغوضان عندها.
وقال المصنف في "الذاريات" في قوله: (قَوْمٌ مُنْكَرُونَ)[الذاريات: 25]: "أي: أنتم قوم منكرون، فعرفوني من أنتم"، أو أراد أنهم ليسوا من معارفه، كما إذا أبصر العرب قوماً من الخزر، ورأى لهم حالاً وشكلاً خلاف حال الناس وشكلهم.
ألا ترى إلى قولهم: (لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ)، وإنما يقال هذا لمن عرفهم ولم يعرف فيهم أرسلوا.
(وَأَوْجَسَ) فأضمر، وإنما قالوا:(لا تَخَفْ) لأنهم رأوا أثر الخوف والتغير في وجهه، أو: عرفوه بتعريف الله، أو: علموا أن علمه بأنهم ملائكة موجب للخوف، لأنهم كانوا لا ينزلون إلا بعذاب.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ألا ترى إلى قولهم: (لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ)): أي: الدليل على أن الظاهر أنه عليه السلام أحس أنهم ملائكة، وإنما أنكرهم لأنه تخوف أن يكون نزولهم لأمر أنكره الله تعالى على إبراهيم عليه السلام، لا لأنهم ما مسوا طعامه: تعليل النهي- أي: (لا تَخَفْ) - بقولهم: (إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ)، وإلا كان مقتضى الظاهر أن يقولوا: إنا رسل الله، وهذا على خلاف ما ذكره في سورة الحجر، قال:"وكان خوفه لامتناعهم من الأكل، وقيل: لأنهم دخلوا بغير إذن وبغير وقت".
روى محيي السنة عن قتادة: أن ذلك الخوف لأجل أنهم كانوا إذا نزل بهم ضيف، ولم يأكل من طعامهم، ظنوا أنه لم يأت بخير، وإنما جاء بشر"، ولم يذكر غير هذا الوجه في هذا المقام.
وقال القاضي: " (فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ) أي: أنكر ذلك منهم".
وقلت: الحق- والله تعالى أعلم- أن الخوف إنما صدر عن مجموع كونهم منكرين،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وكونهم ممتنعين عن الطعام، كما يعلم من الآيات الواردة في هذه القصة، ولأنه لو عرفهم أنهم ملائكة لم يحضر بين أيديهم الطعام، ولم يحرضهم على الأكل، وإنما عدلوا إلى قوله:(إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ)، ليكون الكلام جامعاً للمعاني، بحيث يفهم المقصود منه أيضاً.
واعلم أن إيراد قصة واحدة في مقامات متعددة بعبارات مختلفة وأنحاء شت، بحيث لا تغير ولا تناقض البتة: من فصيح الكلام وبليغه، وهو باب من الإيجاز المختص بالإعجاز، ويحتاج في التوفيق إلى قانون يرجع إليه، وهو أن يعمد إلى الاقتصاصات المتفرقة، ويجعل لها أصل؛ بأن يؤخذ من المباني ما هو أجمع للمعاني، فما نقص فيه من تلك المعاني شيء يلحق به.
مثاله فيما نحن بصدده: أنه تعالى قص هذه القصة في هذه السورة على نمط، وفي الحجر على نمط، وفي الذاريات على نمط، قال في الحجر:(وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ* إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلاماً قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ* قَالُوا لا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ* قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي) إلى قوله: (قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ* قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ)[الحجر: 51 - 58]، وفي الذاريات:(إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلاماً قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنكَرُونَ* فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ* فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلا تَاكُلُونَ* فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ) إلى قوله: (فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ* قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ)[الذاريات: 25 - 32]، فذكر في هود:(إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ)، ثم ذكر البشارة بعده، ولم يذكره في الموضعين، فينبغي أن يقدر فيهما قبل البشارة هذا المعنى، ويقدر في سورة هود بعد الفراغ من البشارة:(قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ* قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ)، لأنه لم يذكره فيه، وذكره في الموضعين، وزيد في هود حديث المجادلة عن قوم لوط، ولم يذكر في الموضعين، فيقدر فيهما، واختصر في الحجر- بعد قولهم:"سلاماً"- جوابهم: "قالوا: سلام"، فيقدر ذلك مع ما يتم به المعنى، حتى يتصل بقوله:(لا تَوْجَلْ).
(وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ) قيل: كانت قائمةً وراء الستر تسمع تحاورهم، وقيل: كانت قائمة على رؤسهم تخدمهم، وفي مصحف عبد الله:"وامرأته قائمة وهو قاعد"، (فَضَحِكَتْ) بزوال الخيفة أو بهلاك أهل الخبائث، أو كان ضحكها ضحك إنكارٍ لغفلتهم، وقد أظلهم العذاب. وقيل: كانت تقول لإبراهيم: اضمم لوطاً ابن أخيك إليك فإني أعلم أنه ينزل بهؤلاء القوم عذاب، فضحكت سروراً لما أتى الأمر .......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأما معنى السؤال في قوله: (فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ)، بعد تقدير ما سبق من قوله:(إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ)، فهو: فما شأنكم وما تطلبون بقولكم: (إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ)، وفي تصريح ذكر "المرسلين" الدلالة على ذلك، لأن التعريف فيه كما في قولك: المنطلق ذو جد، بعد قولك: انطلق زيد إلى موضع كذا، فأجيب عليه السلام بما علم منه أن الإرسال لأجل الإهلاك؛ من قولهم:(إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ)، فالواجب على المفسر الماهر أن يراعي في تفسيره في كل مقام ما يسلم منه من الخطأ.
وأما التوفيق بين مفردات الألفاظ فمن أجل المقاصد، ولا يعلم كنهه بحسب اقتضاء كل مقام إلا الله سبحانه وتعالى، والحمد لله على ما ألهمنا شمة منه.
قوله: (فضحكت سروراً)، الراغب:"الضحك: انبساط الوجه وتكشر الأسنان من سرور النفس، ولظهور الأسنان عنده تسمى مقدمات الأسنان: الضواحك، ويستعمل في السرور المجرد، نحو: (مُسْفِرَةٌ* ضَاحِكَةٌ) [عبس: 38 - 39]، وفي السخرية، نحو: (وَكُنتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ) [المؤمنون: 110]، وفي التعجب المجرد قال: (وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ) [هود: 71]، وضحكها كان للتعجب، ويدلك عليه قولها: (أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ) ".
على ما توهمت، وقيل:(ضحكت) فحاضت، وقرأ محمد بن زيادٍ الأعرابى:"فَضَحِكَتْ" بفتح الحاء.
(إسحاق يَعْقُوبَ) رفع بالابتداء، كأنه قيل: ومن وراء إسحاق يعقوب مولودٌ أو موجود، أي: من بعده، ......
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((فَضَحِكَتْ) فحاضت): قال محيي السنة: "هو قول مجاهد وعكرمة، والعرب تقول: ضحكت الأرنب، أي: حاضت". الانتصاف: "يبعده: (أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ) ولو كان الحيض قبل البشارة لم يكن عجباً ولادة من تحيض، وهو معيار الحمل".
وقلت: طريان الحيض في غير إبانه أيضاً داخل في حكم التعجب، لأن الاستفهام في قولها:(أَأَلِدُ) وارد على تقدير الولادة بعد الحيض، والتعجب من هذه القضية ×××× للعادة المستمرة.
الراغب: "من قال: (فَضَحِكَتْ): حاضت، ليس تفسيراً له، كما تصوره بعضهم، وإنما ذلك تنصيصاً لحالها، وأن الله تعالى جعل ذلك أمارة لما بشرت به، فحاضت في الوقت لتعلم أن حملها ليس بمنكر؛ إذ كانت المرأة ما دامت تحيض فإنها تحبل".
قوله: ("يعقوب" رفع بالابتداء): قرأ ابن عامر وحمزة وحفص: (يَعْقُوبَ) بالنصب، والباقون: بالرفع، قال الزجاج: "من نصب يحمل على موضع (فَبَشَّرْنَاهَا) على المعنى، أي:
وقيل: الوراء: ولد الولد، وعن الشعبي أنه قيل له: أهذا ابنك؟ فقال: نعم، من الوراء، وكان ولد ولده، ......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وهبنا لها إسحاق، ووهبنا لها يعقوب. ومن رفع فعلى ضربين: أحدهما: على التقديم والتأخير، المعنى: ويعقوب يحدث لها من وراء إسحاق. وثانيهما: هو مرفوع بعامل "من وراء"، أي: ثبت لها من وراء إسحاق يعقوب، ومن زعم أنه في موضع خفض فخطأ؛ لأن الجار لا يفصل بينه وبين المجرور، ولا بينه وبين الواو العاطفة، لا يجوز: مررت بزيد في الدار والبيت عمرو".
قال أبو علي: "من فتح "يَعْقُوبَ) أنه مجرور، أي: بشرناها بإسحاق ويعقوب، كان أقوى من الرفع؛ لأنها بشرت بهما، وفي إعمالها ضعف للفصل بين الجار والمجرور، نص سيبويه على قبح نحو: مررت بزيد أول من أمس، وأمس عمرو، وقال أبو الحسن: لو قلت: "مررت بزيد اليوم، وأمس عمرو" لم يحسن".
قوله: (وقيل: الوراء: ولد الولد): القاضي: "ولعله سمي به لأنه بعد الولد، وعلى هذا تكون إضافته إلى "إسحاق" ليس من حيث إن يعقوب وراءه، بل من [حيث] إنه وراء إبراهيم، ومن جهته، وفيه نظر". وقال الإمام: "هذا الوجه عندي شديد التعسف، واللفظ كأنه ينبو عنه".
وقرئ: (يَعْقُوبَ) بالنصب، كأنه قيل: ووهبنا لها إسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب، على طريقة قوله:
لَيْسُوا مُصْلِحِينَ عَشِيرَةً وَلَا نَاعِبٍ
الألف في (يا وَيْلَتى) مبدلةٌ من ياء الإضافة، وكذلك في «يا لهفاً» و «يا عجباً» وقرأ الحسن:"يا ويلتى" بالياء على الأصل، و (هذا بعلي شَيْخاً) نصبٌ بما دلّ عليه اسم الإشارة، وقرئ:"شيخ"؛ على أنه خبر مبتدأٍ محذوف، أي: هذا بعلي هو شيخ، .......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ليسوا مصلحين عشيرة): أوله:
مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة
…
ولا ناعب إلا ببين غرابها
مضى شرحه، ووجه تشبيه الآية بالبيت: أن يقدر كأنه قيل: وهبنا له إسحاق، ثم عطف عليه "يعقوب"، أي: وهبنا يعقوب، كما أن الشاعر قدر أنه قال:"ليسوا بمصلحين"، فقال:"ولا ناعب"، فقدر في البيت المعدوم موجوداً، وفي الآية عكسه.
قوله: ("يا ويلتي" بالياء على الأصل): قال الزجاج: "في المصحف: "يا ويلتي" بالياء، والقراءة بالألف: إن شئت على التفخيم، وإن شئت على الإمالة، والأصل: "يا ويلتي"، فأبدل من الياء والكسرة: الألف، لأن الألف والفتح أخف من الياء".
قوله: (و (شَيْخاً) نصب بما دل عليه اسم الإشارة): قال الزجاج: "والحال ها هنا من
أو (بعلي): بدل من المبتدأ، و"شيخ": خبر، أو يكونان معاً خبرين. قيل: بشرت ولها ثمان وتسعون سنة، ولإبراهيم مئة وعشرون سنة (إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ) أن يولد ولد من هرمين، وهو استبعاد من حيث العادة التي أجراها الله.
وإنما أنكرت عليها الملائكة تعجبها فـ (قالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ)؛ لأنها كانت في بيت الآيات ومهبط المعجزات والأمور الخارقة للعادات، فكان عليها أن تتوقر، ولا يزدهيها ما يزدهي سائر النساء الناشئات في غير بيوت النبوة، وأن تسبح الله وتمجده مكان التعجب، وإلى ذلك أشارت الملائكة صلوات الله عليهم في قولهم (رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لطيف النحو وغامضه، وذلك أنك إذا قلت: هذا زيد قائماً، فإن قصدت أن تخبر به من لم يعرف زيداً أنه زيد، لم يجز؛ لأنه يكون زيداً ما دام قائماً، فإذا زال عن القيام فليس بزيد، وإنما تقول: هذا زيد قائماً لمن يعرف زيداً، فيعمل في الحال التنبيه، أي: انتبه لزيد في حال قيامه، أو: أشير إلى زيد في حال قيامه، لأن "هذا" إشارة إلى ما حضر".
وقلت: إنما جعل العلم مشاراً إليه؛ ليؤذن بأن المتكلم في هذا المقام يفيد المخاطب اتصاف المشار إليه بهذا المعنى، كقولها:(وَهَذَا بَعْلِي شَيْخاً)، أي: انتبهوا أن المانع من التوالد هذا الذي حصل من الشيخوخة، لا أنه بعلي، وإذا لم يعلم كونه بعلاً لها فالفائدة العقلية مع كونها موصوفة بالشيخوخة، فينتفي كونه بعلاً لها عند انتفاء الشيخوخة.
قوله: (أن تتوقر): بالقاف، ويروى بالفاء، يقال: توقر عليه: رعى حرمته، وتتوقر: من الوقار والرزانة.
قوله: (ولا يزدهيها)، الجوهريك "ازدهاه: استخفه وتهاون به".
قوله: (وإلى ذلك أشارت الملائكة في قولهم: (رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ)): أي: إلى هذا
أرادوا أن هذه وأمثالها مما يكرمكم به رب العزة ويخصكم بالإنعام به يا أهل بيت النبوّة، فليست بمكان عجب.
و"أمر الله": قدرته وحكمته، وقوله:(رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ) كلام مستأنف علل به إنكار التعجب، كأنه قيل: إياك والتعجب، فإنّ أمثال هذه الرحمة والبركة متكاثرة من الله عليكم. وقيل: الرحمة النبوة، والبركات الأسباط من بنى إسرائيل، لأنّ الأنبياء منهم، وكلهم من ولد إبراهيم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المذكور، وهو: عليك أن تتوقري ولا يزدهينك ما يزدهي سائر النساء الناشئات في غير بيوت النبوة، وأن تسبحي الله وتمجديه مكان التعجب، وذلك أنهم جاؤوا بهذه الجملة مقتطعة عما قبلها من غير عاطف، لتكون الجملة الأولى- وهي قوله:(أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) - كالمورد للسؤال، وتكون هذه الجملة جواباً عنه، وذلك أنهم لما أنكروا عليها بقوله:(أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) استبعادها بقولها: (يَا وَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخاً)، تصوروا أنها أضمرت في نفسها: لم كان أمرنا خلاف أمر النسا؟ أجابوا بقولهم: (رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ)، يعني: بأن الله خصكم بهذه الفضيلة والإنعام دون سائر الناس، وإليه الإشارة بقوله:"كلام مستأنف علل به إنكار التعجب"، ودل على الاختصاص النداء بقوله:(أَهْلَ الْبَيْتِ)، فإنه من قبيل قولهم: أنا أفعل كذا أيتها العصابة. لله دره، ما أدق إدراكه.
(حَمِيدٌ) فاعل ما يستوجب به الحمد من عباده (مَجِيدٌ) كريم كثير الإحسان إليهم.
و(أهل البيت): نصب على النداء أو على الاختصاص، لأن (أَهْلَ الْبَيْتِ) مدح لهم: إذ المراد: أهل بيت خليل الرحمن.
[(فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ* إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ)].
(الرَّوْعُ) ما أوجس من الخيفة. حين نكر أضيافه. والمعنى: أنه لما اطمأن قلبه بعد الخوف ومليء سروراً بسبب البشرى بدل الغم، فرغ للمجادلة.
فإن قلت: أين جواب "لما"؟ قلت: هو محذوف كما حذف قوله (فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا)[يوسف: 15]، وقوله:(يُجادِلُنا) كلام مستأنف دال على الجواب، وتقديره: اجترأ على خطابنا، أو فطن لمجادلتنا، أو قال: كيت وكيت،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((حَمِيدٌ) فاعل ما يستوجب به الحمد) يعني: "فعيل" بمعنى: فاعل، وهذه الخاتمة كالتذييل والتعليل لما سبق، فإن قولهم:(أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) متضمن لما أوجب عليها من الوقار والرزانة والتسبيح والتمجيد لا للتعجب- كما ذكر-، يعني: أنه تعالى (حَمِيدٌ) يفعل ما يستوجب به الحمد من عباده، سيما في حقها، (مَّجِيدٌ) كثير الإحسان إلى العباد، خصوصاً في أن جعل بيتها مهبط البركات.
قوله: ((فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا)): فعلوا به ما فعلوا من الأذى.
قوله: ((يُجَادِلُنَا) كلام مستأنف دال على الجواب): أي: ليس بجواب، لأنه مضارع، و"لما" للماضي، قال الزجاج:" (يُجَادِلُنَا) حكاية قد مضت، لأن "لما" وضعت لما قد وقع
ثم ابتدأ فقال (يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ) وقيل في (يُجادِلُنا): هو جواب "لما"، وإنما جيء به مضارعاً لحكاية الحال: وقيل: إن «لما» ترد المضارع إلى معنى الماضي، كما تردّ «إن» الماضي إلى معنى الاستقبال، وقيل: معناه أخذ يجادلنا، وأقبل يجادلنا. والمعنى: يجادل رسلنا.
ومجادلته إياهم أنهم قالوا: (إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ)[العنكبوت: 31]، فقال: أرأيتم لو كان فيها خمسون رجلاً من المؤمنين أتهلكونها؟ قالوا: لا. قال: فأربعون؟ قالوا: لا. قال: فثلاثون؟ قالوا: لا. حتى بلغ العشرة. قالوا: لا. قال: أرأيتم إن كان فيها رجل واحد مسلم أتهلكونها؟ قالوا: لا. فعند ذلك قال: (إِنَّ فِيها لُوطاً قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ)[العنكبوت: 32].
(فِي قَوْمِ لُوطٍ) في معناهم. وعن ابن عباس: قالوا له: إن كان فيها خمسة يصلون رفع عنهم العذاب، ......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بوقوع غيره، تقول: لما جاء زيد جاء عمرو، ويجوز: لما جاء زيد يتكلم عمرو؛ لوجهين: أحدهما: أن ["إن"] لما كانت شرطاً للماضي وقع المستقبل في معنى الماضي. وثانيهما- وهو الذي أختاره-: وهو أن يكون حكاية حال قد مضت، المعنى: فملا ذهب عن إبراهيم الروع، وجاءته البشرى، أخذ يجادلنا في قوم لوط، ولم يذكر في الكلام "أخذ وأقبل"، لأن الكلام إذا أريد به حكاية حال ماضية قدر فيه "أخذ وأقبل"، لأنك إذا قلت: قام زيد، دل على فعل ماض، وإذا قلت: أخذ زيد يقوم، دل على حالة ممتدة، من أجلها ذكر: أخذ وأقبل".
قوله: ((فِي قَوْمِ لُوطٍ) في معناهم): أي: في شأنهم وأمرهم.
وعن قتادة: ما قوم لا يكون فيهم عشرة فيهم خير. وقيل: كان فيها أربعة آلاف ألف إنسان.
(إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ) غير عجولٍ على كل من أساء إليه (أَوَّاهٌ) كثير التأوّه من الذنوب (مُنِيبٌ) تائب راجع إلى الله بما يحب ويرضى. وهذه الصفات دالة على رقة القلب والرأفة والرحمة، فبين أنّ ذلك مما حمله على المجادلة فيهم؛ رجاء أن يرفع عنهم العذاب، ويمهلوا لعلهم يحدثون التوبة والإنابة كما حمله على الاستغفار لأبيه.
[(يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ)].
(يا إِبْراهِيمُ) على إرادة القول: أي: قالت له الملائكة: (أَعْرِضْ عَنْ هذا) الجدال وإن كانت الرحمة ديدنك، فلا فائدة فيه (إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ) وهو قضاؤه وحكمه الذي لا يصدر إلا عن صواب وحكمة، والعذاب نازل بالقوم لا محالة، لا مردّ له بجدال ولا دعاء ولا غير ذلك.
[(وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ)].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ما قوم لا يكون فيهم عشرة فيهم خير): "ما": يجوز أن تكون نافية، أي: لا تسمى جماعة بـ "قوم": اسم "ما"، و"لا يكون" خبره، و"عشرة": اسم "يكون"، و"فيهم خير": جملة صفة لـ "عشرة". وأن تكون استفهامية، أي: أي جماعة تسمى قوماً، المعنى: لا تسمى جماعة قوماً لا يكون فيهم عشرة فيهم خير، وقيل: معناه: ما قوم خالون عن عشرة فيهم خير، وفيه نظر.
قوله: (كثير التأوه): تأوه تأوهاً: إذا قال: أوه، وهي كلمة توجع.
كانت مساءة لوطٍ وضيق ذرعه لأنه حسب أنهم إنس، فخاف عليهم خبث قومه وأن يعجز عن مقاومتهم ومدافعتهم. روي أنّ الله تعالى قال لهم: لا تهلكوهم حتى يشهد عليهم لوط أربع شهادات، فلما مشى معهم منطلقاً بهم إلى منزله قال لهم: أما بلغكم أمر هذه القرية؟ قالوا: وما أمرهم؟ قال: أشهد بالله إنها لشر قريةٍ في الأرض عملاً، يقول ذلك أربع مرات، فدخلوا معه منزله ولم يعلم بذلك أحد، فخرجت امرأته فأخبرت بهم قومها.
يقال: يوم عصيب، وعصبصب، إذا كان شديداً من قولك: عصبه، إذا شدّه.
[(وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ* قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ)].
(يُهْرَعُونَ) يسرعون كأنما يدفعون دفعاً (وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ) ومن قبل ذلك الوقت كانوا يعملون الفواحش ويكثرونها، فضروا بها ومرنوا عليها وقل عندهم استقباحها، فلذلك جاءوا يهرعون مجاهرين لا يكفهم حياء. وقيل معناه: وقد عرف لوط عادتهم في عمل الفواحش قبل ذلك.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وضيق ذرعه)، الأساس:"ضاق بهم ذرعاً، أي: لم يطلقهم، وما لك علي ذراع، أي: طاقة"، وذلك أن "اليد" كما تجعل مجازاً عن القوة، فـ "الذراع" التي من طرف المرفق إلى طرف الوسطى كذلك.
قوله: (مضى معهم منطلقاً بهم): "منطلقاً بهم" حال مؤكدة، على نحو قوله تعالى:(ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ)[التوبة: 25]، (وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ) [البقرة: 60، الأعراف 74، هود: 85، الشعراء: 183، العنكبوت: 36].
قوله: (وقيل: معناه: وقد عرف لوط عادتهم): عطف على قوله: "ومن قبل ذلك كانوا
(هؤُلاءِ بَناتِي) أراد أن يقي أضيافه ببناته، وذلك غاية الكرم، وأراد: هؤلاء بناتي فتزوّجوهنّ وكان تزويج المسلمات من الكفار جائزاً، كما زوّج رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنتيه من عتبة بن أبي لهب وأبي العاص بن وائل قبل الوحى وهما كافران وقيل كان لهم سيدان مطاعان، فأراد أن يزوجهما ابنتيه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يعملون الفواحش"، ذكر الواحدي الأول، وقال صاحب "التقريب": "من قبل" متصل بـ (يُهْرَعُونَ)، أي: إنما يرعون لأنهم عملوا ومرنوا عليها، أو متصل بـ "ضاق"، أي: إنما ضاق ذرعاً لأنه عرف عادتهم قبله.
وقلت: أما اتصاله بـ (يُهْرَعُونَ): فأن يكون حالاً من الضمير فيه، و (يُهْرَعُونَ) حال من فاعل "جاء"، واتصاله بـ (سِيءَ) من حيث إنه عطف على "جاء"، وهو حال من المرفوع في (سِيءَ)، ويعضده قول المصنف:"كانت مساءة لوط وضيق صدره لأنه حسب أنهم إنس، فخاف عليهم خبث قومه"، ولو لم يعرف عادتهم في عمل الفاحشة لم تلحقه المساءة وضيق الصدر عند مجيء القبيلين، ولا قال:(يَا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ).
قوله: (وأبي العاص بن وائل): قيل: الصواب: أبي العاص بن أبي الربيع بن عبد العزى ابن عبد شمس، وفي "جامع الأصول":"هو أبو العاص بن الربيع، واسمها زينب، أكبر بناته صلوات الله عليه، فلما أسر زوجها يوم بدر، وفادى نفسه، أخذ النبي صلى الله عليه وسلم عليه العهد أن ينفذها إليه إذا عاد إلى مكة، ففعل، فهاجرت إلى المدينة، ولما أسلم أبو العاص وهاجر ردها إلى نكاحه بعقد جديد، وماتت بالمدينة سنة ثمان".
وقرأ ابن مروان: "هنّ أطهر لكم" بالنصب، وضعفه سيبويه وقال: احتبى ابن مروان في لحنه. وعن أبي عمرو بن العلاء: من قرأ "هُنَّ أَطْهَرُ" بالنصب فقد تربع في لحنه، وذلك أنّ انتصابه على أن يجعل حالا قد عمل فيها ما في (هؤلاء) من معنى الفعل، كقوله:(وهذا بَعْلِي شَيْخاً)[هود: 72]، أو ينصب (هؤلاء) بفعل مضمر، كأنه قيل:
خذوا هؤلاء، و (بناتي): بدل، ويعمل هذا المضمر في الحال، و (هُنَّ) فصل، وهذا لا يجوز لأنّ الفصل مختص بالوقوع بين جزأي: الجملة، ولا يقع بين الحال وذى الحال، وقد خرّج له وجه لا يكون (هُنَّ) فيه فصلاً، .....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأما عتبة بن أبي لهب: فتزوج برقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يكن دخل بها، فلما نزلت (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ) [المسد: 1]، قال أبو لهب: فارق ابنة محمد، ففارقها، فتزوجها عثمان بن عفان رضي الله عنه بمكة، وماتت بالمدينة في غزوة بدر.
قوله: (وقرأ ابن مروان): قال ابن جني: "وقرأها سعيد بن جبير والحسن ومحمد بن مروان وعيسى الثقفي: "هن أطهر لكم" بالنصب".
قوله: (اجتبى ابن مروان): أي: تربع وتمكن، فهو استعارة مكنية، حيث جعل اللحن كمكان الوطء، وجعل تمكينه فيه كالاحتباء والتربع في ذلك المكان.
الجوهري: "احتبى الرجل: إذا جمع ظهره وساقيه بعمامته".
قوله: (قد خرج له وجه): والوجه أخرجه ابن جني قال: "وأنا أرى أن لهذه القراءة وجهاً صحيحاً"، وذكر معنى ما ذكره المصنف.
وذلك أن يكون (هؤلاء) مبتدأ و (بَناتِي هُنَّ) جملة في موضع خبر المبتدإ، كقولك: هذا أخى هو، ويكون "أَطْهَرُ" حالاً.
(فَاتَّقُوا اللَّهَ) بإيثارهنّ عليهم (وَلا تُخْزُونِي) ولا تهينوني ولا تفضحوني، من الخزي. أو ولا تخجلوني، من الخزاية وهي الحياء (فِي ضَيْفِي) في حق ضيوفى فإنه إذا خزى ضيف الرجل أو جاره فقد خزى الرجل، وذلك من عراقة الكرم وأصالة المروءة (أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ) رجل واحد يهتدى إلى سبيل الحق وفعل الجميل، والكف عن السوء. وقرئ:(ولا تخزون) بطرح الياء.
ويجوز أن يكون عرض البنات عليهم مبالغةً في تواضعه لهم وإظهاراً لشدّة امتعاضه مما أوردوا عليه، طمعاً في أن يستحيوا منه ويرقوا له إذا سمعوا ذلك، فيتركوا له ضيوفه مع ظهور الأمر واستقرار العلم عنده وعندهم أن لا مناكحة بينه وبينهم، ومن ثمّ (قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ) مستشهدين بعلمه، (ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ) لأنك لا ترى مناكحتنا، وما هو إلا عرض سابريّ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((وَلَا تُخْزُونِ) بطرح الياء): كلهم إلا أبا عمرو.
قوله: (امتعاضه)، الجوهري:"معضت من ذلك الأمر أمعض معضاً، وامتعضت منه: إذا غضبت وشق عليك".
قوله: (وما هو إلا عرض سابري)، الجوهري:"السابري: ضرب من الثياب رقيق، في المثل: "عرض سابري"، يقوله من يعرض عليه الشيء عرضاً لا يبالغ فيه، لأن السابري من أجود الثياب، يرغب فيه بأدنى عرض".
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
النهاية: "في حديث حبيب بن أبي ثابت قال: "رأيت على ابن عباس ثوباً سابرياً استشف ما وراءه"، وكل رقيق عندهم سابري، والأصل فيه الدروع السابرية؛ منسوبة إلى سابورة.
وفي بعض الحواشي: "شبه العرض الذي ليس من أصل النفس بعرض الثوب السابري"، فهذا لا يخلو: إما أن يكون من كلام المصنف تتمة لقوله: "ويجوز أن يكون عرض البنات عليهم مبالغة في تواضعه للملائكة، وإظهاراً لشدة غضبه من القوم"، وربما يصدر عن الإنسان في أمثال هذه المقامات ما لا يؤاخذ عليه من المقالات، أو أن يكون من كلام القوم:"لأنك لا ترى مناكحتنا، وما عرضك هذا إلا عرض سابري"، أي: ليس من عزم النفس، بل قول من الفم من غير مواطأة القلب، أو أنك غير مبالغ في العرض، كما أن الثياب السابرية لا تفتقر إلى المبالغة في العرض، فإنها في بدء الحال مرغوب فيها.
قال صاحب "الفرائد": قوله: "لأنك لا ترى مناكحتنا": بعيد من الصواب لوجهين:
أحدهما: أن منكوحته كانت كافرة، فكيف يقال: ما لنا في بناتك من حق لأنك لا ترى مناكحتنا، وأنهم علموا أن لا مناكحة بيننا وبينهم؟ ! وأما قولهم:(مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ) فمعناه: لسن بزوجات لنا، وقيل: ما لنا فيهن حاجة.
وثانيهما: أن قوله: (هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ) - على ما ذكر-: تحريض على الزنى، لأنه لما لم تجز المناكحة كان إتيانهن زنى، فظهر أن الوجه هو الأول.
والجواب عن الأول: هو أن قولهم: "لا ترى مناكحتنا" عام يراد به الخاص، وهو المناكحة في البنات، لأن الكلام فيه على أنه يجوز للمسلم أن ينكح الذمية، ولا يجوز أن ينكح
وقيل: لما اتخذوا إتيان الذكران مذهبا وديناً لتواطئهم عليه، كان عندهم أنه هو الحق، وأنّ نكاح الإناث من الباطل، فلذلك قالوا: ما لنا في بناتك من حق قط، لأنّ نكاح الإناث أمرٌ خارج من مذهبنا الذي نحن عليه. ويجوز أن يقولوه على وجه الخلاعة، والغرض نفى الشهوة.
[(قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ)].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بناته من الذمي. وعن الثاني: أن قوله: (هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ) عرض سابري، لأن غرضه الدفع عن الأضياف، لا التحريض على البنات، وأمثال هذا العرض شائع بين الناس إذا أيقنوا أن لا رغبة البتة.
قوله: (على وجه الخلاعة)، الأساس:"كان الرجل في الجاهلية إذا غلبه ابنه ينادي في الموسم: يا أيها الناس، هذا ابني فلان، قد خلعته، فإن جر لم أضمن، وإن جر عليه لم أطلب، أي: تبرأت منه، ثم قيل لكل شاطر: خليع، وقد خلع خلاعة، وهي خليعة، ومن المجاز: خلع فلان رسنه وعذاره، فعدا على الناس بشر".
قوله: (والغرض نفي الشهوة): يعني الغرض من قولهم: (مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ): أن حقنا أن نقضي شهوتنا من ضيفك، ولم تكن بناتك مكان شهوتنا، فليس لنا فيهن حق، فالخلاعة: هي جعل ذلك الفعل الشنيع كالحق الثابت اللازم الذي لا يجوز العدول عنه.
(لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ) عنوا إتيان الذكور وما لهم فيه من الشهوة.
جواب (لو) محذوف، كقوله تعالى (وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ) [الرعد: 31] يعني: لو أنّ لي بكم قوّة لفعلت بكم وصنعت. يقال: مالي به قوّة، وما لي به طاقة. ونحوه (لا قِبَلَ لَهُمْ بِها) [النمل: 27]، و"مالي به يدان"؛ لأنه في معنى: لا اضطلع به ولا أستقلّ به. والمعنى: لو قويت عليكم بنفسي، أو أويت إلى قويّ أستند إليه وأ تمنع به فيحمينى منكم. فشبه القوىّ العزيز بالركن من الجبل في شدّته ومنعته، ولذلك قالت الملائكة - وقد وجدت عليه: إنّ ركنك لشديد،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (يقال: ما لي به قوة): قال أبو البقاء: " (بِكُمْ) حال من (قُوَّةً)، وليس معمولاً لها، لأنها مصدر"، فالتقدير: لو ثبت واستقر لنفسي قوة بكم، ولهذا قال:"لو قويت عليكم بنفسي".
قوله: (أو أويت): جعل (أَوْ آَوِي) معطوفاً على المقدر بعد "لو"، قال أبو البقاء:"هو في موضع رفع؛ خبر "أن" على المعنى، أي: "أو أني"، ويضعف أن يكون معطوفاً على (قُوَّةً)؛ إذ لو كان لكان منصوباً بإضمار "أن"، وقد قرئ به، أي: أو أن آوي".
قوله: (فشبه القوي العزيز بالركن)، الراغب:"ركن الشيء: جانبه الذي يسكن إليه، ويستعار للقوة، قال تعالى: (أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ)، وناقة مركنة الضرع، وأركان العبادة: جوانبها التي عليها مبناها، وبتركها بطلانها".
قوله: (وقد وجدت عليه): جملة معترضة، الجوهري: "وجد عليه في الغضب موجدة
وقال النبي صلى الله عليه وسلم «رحم الله أخي لوطاً، كان يأوي إلى ركن شديد» .
وقرئ: «أو آوى» بالنصب بإضمار «أن» كأنه قيل: لو أن لي بكم قوّة أو أويا، كقولها:
لَلبْسُ عَبَاءَةٍ وَتَقَرَّ عَيْنِي
وقرئ «إلى ركن» بضمتين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ووجداناً أيضاً"، إنما غضبوا عليه لأن كلامه يدل على إقناط كلي ويأس شديد من أن يكون له ناصر ينصره، أليس الله بكاف عبده. ومن ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رحم الله أخي لوطاً، كان يأوي إلى ركن شديد"، أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة. قال الشارح: كأنه صلوات الله عليه استغرب عنه هذا القول، وعده بادرة منه؛ إذ لا ركن أشد من الركن الذي يأوي إليه.
قوله: ("أو آوي" بالنصب): قال ابن جني: "رواه الحلواني عن قالون عن شيبة، وروى أيضاً عن أبي جعفر مثله، وأنكره ابن مجاهد، وقال: لا يجوز تحريك الياء هنا، وعندي هذا
[(قالُوا يا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ)].
وروي: أنه أغلق بابه حين جاؤوا وجعل يرادّهم ما حكى الله عنه ويجادلهم، ....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سائغ، وهو أن يعطف "آوي" على (قُوَّةً)، فإذا صرت إلى اعتقاد المصدر، فقد وجب إضمار "أن"، ونصب الفعل بها، ومثله قول ميسون بنت بحدل الكلابية:
للبس عباءة وتقر عيني
…
أحب إلي من لبس الشفوف
فكأنها قالت: للبس عباءة وأن تقر عيني أحب إلي من كذا وكذا"، تم كلام ابن جني. "الشفوف": جمع شف، وهو ما رق من الثوب، يقول: لبس الثوب الخشن من الحلال بلا رعونة، وبعده ما تقر به عيني: أحب إلي من ثياب ناعمة تجلب إلي سخنة في عيني في المآل.
قوله: (ما حكى الله عنه): مفعول "يرادهم"، والذي حكى الله تعالى عنه: هو قوله تعالى: (هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ) إلى قوله: (رَّشِيدٌ)، وردهم: قولهم: (مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ)،
فتسوّروا الجدار، فلما رأت الملائكة ما لقي لوط من الكرب قالوا: يا لوط، إن ركنك لشديد (إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ) فافتح الباب ودعنا وإياهم، ففتح الباب فدخلوا، فاستأذن جبريل عليه السلام ربه في عقوبتهم فأذن له، فقام في الصورة التي يكون فيها فنشر جناحه، وله جناحان، وعليه وشاح من درّ منظوم وهو براق الثنايا، فضرب بجناحه وجوههم فطمس أعينهم فأعماهم، كما قال الله تعالى (فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ) فصاروا لا يعرفون الطريق، فخرجوا وهم يقولون: النجاء النجاء، فإن في بيت لوط قوماً سحرة.
(لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ) جملة موضحة للتي قبلها، لأنهم إذا كانوا رسل الله لم يصلوا إليه ولم يقدروا على ضرره.
قرئ: (فَأَسْرِ): بالقطع والوصل. و (إِلَّا امْرَأَتَكَ) بالرفع والنصب،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ورده أيضاً: (لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ).
قوله: (النجاءَ النجاء): أي: انجوا بأنفسكم، وهو مصدر منصوب بفعل مضمر، أي: انجوا النجاء، وتكراره للتوكيد، وهو مقصور وممدود.
قوله: (جملة موضحة للتي قبلها): وهو قوله: (يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ)، وإنما يستقيم بياناً، لأن هذا القول في جواب متمناه:(لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ)، فكأنهم أجابوه بقولهم:(إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ)، وتفسيره بـ (لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ) - و"لن" لتوكيد النفي- هو: أنك أويت إلى ركن شديد.
قوله: (قرئ (فَاَسْرِ) بالقطع): الحرميان: "فاسر" و"أن اسر"، بوصل الألف حيث
وروي أنه قال لهم: متى موعد هلاكهم؟ قالوا: الصبح. فقال: أريد أسرع من ذلك. فقالوا: (أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ).
وقرئ «الصبح» بضمتين.
فإن قلت: ما وجه قراءة من قرأ: (إِلَّا امْرَأَتَكَ) بالنصب؟
قلت: استثناها من قوله (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ)، والدليل عليه قراءة عبد الله:"فأسر بأهلك بقطع من الليل إلا امرأتك"، ويجوز أن ينتصب عن "لا يلتفت"، على أصل الاستثناء وإن كان الفصيح هو البدل، أعنى قراءة من قرأ بالرفع، فأبدلها عن (أحد).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقع، والباقون: بقطعها، قال أبو البقاء:"وهما لغتان، يقال: أسرى وسرى".
وابن كثير وأبو عمرو: "إلا امرأتك" بالرفع، والباقون: بالنصب، قال الزجاج: "من قرأ بالنصب: فعلى معنى: (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ
…
إِلاَّ امْرَأَتَكَ)، ومن قرأ بالرفع: حمله على معنى: (وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ)، وقراءة النصب محمولة على الاستثناء من الموجب من قوله:(فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ)، فإن القراءتين ثابتتان قطعاً، فيمتنع حملهما على وجهين أحدهما باطل قطعاً، والقضية واحدة، فهو إما أن يكون سرى بها أو ما سرى بها؛ فإن كان قد
وفي إخراجها مع أهله روايتان:
روي: أنه أخرجها معهم، وأمر أن لا يلتفت منهم أحد إلا هي، فلما سمعت هدّة العذاب التفتت وقالت: يا قوماه، فأدركها حجر فقتلها.
وروي أنه أمر بأن يخلفها مع قومها، فإن هواها إليهم، فلم يسر بها. واختلاف القراءتين لاختلاف الروايتين.
[(فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ ........
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سرى بها فليس مستثنى إلا من قوله: (وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ)، وإن كان ما سرى بها فهو مستثنى من قوله:(فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ)، فقد ثبت أن أحد التأويلين باطل قطعاً، فلا يصار إليه في أحد القراءتين الثابتتين قطعاً.
والأولى من هذا أن يكون (إِلاَّ امْرَأَتَكَ) في الرفع والنصب مثل قوله: (مَا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ)[النساء: 66].
ولا بعد أن يكون أقل القراء على الوجه الأقوى، وأكثرهم على الوجه الذي دونه، بل قد التزم بعض الناس أنه يجوز أن يجمع القراء على قراءة غير الأقوى".
مَنْضُودٍ* مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ)].
(جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها) جعل جبريل جناحه في أسفلها، ثم رفعها إلى السماء حتى سمع أهل السماء نباح الكلاب وصياح الديكة، ثم قلبها عليهم وأتبعوا الحجارة من فوقهم.
(مِنْ سِجِّيلٍ) قيل: هي كلمة معربة من سنك كل، بدليل قوله (حجارة من طين) [الذاريات: 33]. وقيل: هي من أسجله، إذا أرسله لأنها ترسل على الظالمين. ويدل عليه قوله (لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً) [الذاريات: 33]، .....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأجاب عنه بعض فضلاء المغرب، وقال: قولك: "وإن كان ما سرى بها فهو مستثنى من قوله: (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ) "، غاية هذا الكلام أن لوطاً ما أسرى بها، فلم لا يجوز أنها سرت بنفسها؟ روى الواحدي عن قتادة:"ذكر لنا أنها كانت مع لوط حين خرج من القرية، فلما سمعت هدة العذاب" إلى آخره.
قال المالكي في "الشواهد": "امرأتك": مبتدأ، والجملة بعده خبره، و"إلا" بمعنى "لكن"، ولا يصح أن تجعل "امرأتك" بدلاً من (أَحَدٌ)، لأنها لم تسر معه، فيتضمنها ضمير المخاطبين، ودل على أنها لم تسر معه قراءة النصب، فإنها أخرجتها من أهله الذين أمر أن يسري بهم، وإذا لم تكن في الذين سرى بهم لم يصح أن تبدل من فاعل (يَلْتَفِتْ)، لأنه بعض ما دل عليه الضمير المجرور بـ "من"، وتكلف بعض النحويين الإجابة عن هذا بأن قال: لم يسر بها، ولكن شعرت بالعذاب فتبعتهم ثم التفتت فهلكت. وعلى تقدير صحة هذا فلا يوجب ذلك دخولها في المخاطبين بقوله:(وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ).
وقيل: مما كتب الله أن يعذب به من السجل، وسجل لفلان (مَنْضُودٍ) نضد في السماء نضداً معدّاً للعذاب. وقيل يرسل بعضه في أثر بعض متتابعاً.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقلت: فإذن التقدير: فأسر بأهلك بقطع من الليل فإنا منجوكم، لكن امرأتك ليست بمنجية، ونظيره قوله تعالى:(مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ)[الأحزاب: 40]، فإن كونه "أبا رجالهم" مخالف لكونه خاتم النبيين.
وقلت: هذا عذر واضح، به اندفع سؤال ابن الحاجب، لكن بقي على قول المصنف:"واختلاف القراءتين لاختلاف الروايتين" إشكال قوي، وهو أنه جعل القراءة تابعة للرواية، فيلزم الشك في كلام لا ريب فيه من رب العالمين، ولو قال:"واختلاف الروايتين لاختلاف القراءتين" لهان الخطب، ثم وافق هذا قول القاضي:"ولا يجوز حمل القراءتين على الروايتين؛ لأن القواطع لا يصح حملها على المعاني المتناقضة، والأولى الحمل على ما اختاره ابن الحاجب، ولا يلزم من ذلك أمرها بالالتفات، بل عدم نهيها عنه استصلاحاً، ولذلك علله على طريقة الاستئناف بقوله: (إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ)، ولا يحسن جعل الاستثناء منقطعاً على قراءة الرفع".
وأما الروايتان كما ذكرهما: فمسطور في "معالم التنزيل".
قوله: (مما كتب الله أن يعذب من السجل): قال الزجاج: "هذا القول أثبت الأقوال
(مُسَوَّمَةً) معلمة للعذاب وعن الحسن كانت معلمة ببياضٍ وحمرة. وقيل: عليها سيما يعلم بها أنها ليست من حجارة الأرض. وقيل: مكتوب على كل واحد اسم من يرمى به (وَما هِيَ) من كل ظالم (ببعيد)، وفيه وعيد لأهل مكة. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أنه سأل جبريل عليه السلام؟ فقال: يعني: ظالمي أمّتك، ما من ظالم منهم إلا وهو بعرض حجر يسقط عليه من ساعة إلى ساعة"،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ..
وأحسنها، لأن في كتاب الله دليلاً عليه، قال الله تعالى:(كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ* وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ* كِتَابٌ مَرْقُومٌ)[المطففين: 7 - 9]، وسجيل: في معنى: سجين".
قوله: (وقيل: عليها سيما): مقصور من الواو، قال الله تعالى:(سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ)[الفتح: 29].
قوله: (وفيه وعيد لأهل مكة): يعني: سيق الكلام لوعيد قوم لوط، وأدمج فيه وعيد أهل مكة، فإن التعريف في (الظَّالِمِينَ) للجنس، بدليل قوله:"وما هي من كل ظالم ببعيد"، فعم جميع الظالمين، ولما كان الكلام مسوقاً في حق قوم لوط، دخلوا فيه دخولاً أولياً، وتضمن وعيد أهل مكة على التبعية.
قوله: (بعرض حجر يسقط عليه): هو من قولهم: فلان عرضة للأمر، أي: معرض له، قال:
فلا تجعلوني عرضة للوائم
ذكره في البقرة.
وقيل الضمير للقرى، أي: هي قريبة من ظالمي مكة يمرون بها في مسايرهم (بِبَعِيدٍ) بشيء بعيد. ويجوز أن يراد: وما هي بمكان بعيد، لأنها وإن كانت في السماء وهي مكان بعيد، إلا أنها إذا هوت منها فهي أسرع شيء لحوقاً بالمرمي، فكأنها بمكان قريب منه.
[(وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ* وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ* بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ)].
(إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ) يريد: بثروة واسعة تغنيكم عن التطفيف. أو أراكم بنعمة من الله حقها أن تقابل بغير ما تفعلون. أو أراكم بخير فلا تزيلوه عنكم بما أنتم عليه، ......
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ.
قوله: (وقيل: الضمير للقرى): وكذلك في (عَالِيَهَا سَافِلَهَا)، قال أبو البقاء:"و"بعيد" نعت لمكان محذوف، أو خبر (هِيَ)، ولم يؤنثه لأن العقوبة والعقاب بمعنى".
قوله: (أو أراكم بخير فلا تزيلوه): قسيم لقوله: "أو أراكم بنعمة من الله"، وهو قسيم لقوله:" (إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ) يريد: بثروة"، لأن "الخير" في الوجه الأول: مفسر بالثروة والمال، وفي الوجه الثاني: بالنعمة المطلقة، ثم النعمة: إما أن توجب الأمر بالشكر، وهو المراد من قوله:"حقها أن تقابل بغير ما تفعلون"، أو النهي عن الكفران، وه المراد من قوله:"فلا تزيلوه عنكم".
كقول مؤمن آل فرعون (يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَاسِ اللَّهِ إِنْ جاءَنا)[غافر: 29].
(يَوْمٍ مُحِيطٍ) مهلك من قوله (وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ)[الكهف: 42]، وأصله من إحاطة العدوّ.
فإن قلت: وصف العذاب بالإحاطة أبلغ، أم وصف اليوم بها؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (كقول مؤمن آل فرعون): يعني: وزان هذه الآية وزان تلك الآية، فإن قوله:(لَكُمْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ)[غافر: 29] كقوله: (إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ)، وقوله:(فَمَنْ يَنصُرُنَا مِنْ بَاسِ اللَّهِ)[غافر: 29] كقوله: (وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ).
قوله: (وأصله من إحاطة العدو): أي: الإغارة في الصبح بغتة، كقوله تعالى:(فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحاً)[العاديات: 3].
الراغب: "الإحاطة على وجهين: أحدهما: في الأجسام، نحو: أحطت بمكان كذا، والثاني: في المعاني؛ إما في العلم، نحو قوله تعالى: (أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً) [الطلاق: 12]، فالإحاطة بالشيء علماً: هو أن يعلم وجوده وجنسه وقدره وكيفيته، وغرضه المقصود به وبإيجاده، وما يكون به ومنه، وذلك ليس إلا لله تعالى، وقال صاحب موسى عليهما السلام: (وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً) [الكهف: 68]؛ تنبيهاً أن الصبر التام إنما يقع بعد إحاطة العلم بالشيء، وذلك صعب إلا بفيض إلهي، وإما في القدرة، قال الله تعالى: (وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ) [يونس: 22]، وكذلك قوله: (وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ) ".
قوله: (وصف العذاب بالإحاطة أبلغ أم وصف اليوم بها): قال أبو البقاء: " (مُّحِيطٍ) نعت "لليوم" في اللفظ، و"للعذاب" في المعنى، وذهب قوم إلى أن التقدير: عذاب يوم محيط
قلت: بل وصف اليوم بها، لأن اليوم زمان يشتمل على الحوادث، فإذا أحاط بعذابه فقد اجتمع للمعذب ما اشتمل عليه منه كما إذا أحاط بنعيمه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عذابه، وهو بعيد؛ لأن "محيطاً" قد جرى على غير من هو له، فيجب إبراز فاعله".
قوله: (فإذا أحاط بعذابه فقد اجتمع للمعذب ما اشتمل عليه منه): الضمير المستتر في "أحاط" والمجرور في "بعذابه"، والمستكن في "ما اشتمل": كلها عائد إلى "اليوم"، وفي "عليه" إلى "ما"، و"من" بيان "ما"، والضمير المجرور عائد إلى "العذاب"، وتحقيقه: إما إضافة المظروف إلى الظرف، نحو: ضرب اليوم، فحينئذ يكون اليوم مشتملاً على العذاب.
ثم إذا وصف اليوم بالإحاطة لجميع الحوادث، ومنها المعذب، فيحيطه، فصح قوله:"فقد اجتمع للمعذب ما اشتمل عليه"، أي: ما اشتمل عليه اليوم من العذاب، وهذا في الكناية قريب من قوله:
إن السماحة والمروءة والندى
…
في قبة ضربت على ابن الحشرج
فإن كون هذه الصفات في قبة نحو كون العذاب في اليوم، وكون اليوم محيطاً للمعذب نحو كون القبة مضروب على ابن الحشرج.
فأما إذا وصف العذاب بالإحاطة لا يكون هذا المعنى، غايته أن يكون استعارة مفيدة أن المعذبين لا يفوتونه، كما لا يفوت فائت الشيء المحيط.
فإن قلت: النهي عن النقصان أمر بالإيفاء فما فائدة قوله (أوفوا)؟ قلت: نهوا أولا عن عين القبيح الذي كانوا عليه من نقص المكيال والميزان، لأنّ في التصريح بالقبيح نعياً على المنهي وتعييراً له، ثم ورد الأمر بالإيفاء الذي هو حسن في العقول مصرحاً بلفظه، لزيادة ترغيب فيه وبعث عليه،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وصاحب "الفرائد" حين اعتبر ظاهر اللفظ، وترك إمعان المعنى، قال: ومن وصف العذاب بالإهلاك، وهو مضاف إلى اليوم، لا يلزم أن يكونوا هالكين في ذلك اليوم، لأنه لا يمكن أن تكون إضافة العذاب إلى اليوم بسبب أن ظهوره في ذلك اليوم، وإن وصف اليوم بالإهلاك، فيقتضي هلاكهم في ذلك اليوم، لأن ظاهر المعنى: اليوم مهلك، فهو من قبيل: نهاره صائم، فحاصل المعنى: أن ما في اليوم مهلك.
قوله: (النهي عن النقصان أمر بالإيفاء، فما فائدة قوله: (أَوْفُوا)؟ )، الانتصاف:"لمن قال: إن الأمر بالشيء ليس نهياً عن ضده أن يستدل بهذه الآية، وإلا لكانت تكراراً، وفي كلام الزمخشري وهم، فإنه ظن أن النهي قبل أمر بالوفاء، وهي غفلة منه، وتعليله بالحسن والقبح من قواعده".
وقلت: وهم صاحب "الانتصاف"، لأن جوابه:"نهوا أولاً عن عين القبيح الذي كانوا عليه" لأجل التصريح بالقبيح، ليكون تعييراً، ثم ورد الأمر ثانياً لزيادة ترغيب فيه، يدل على أنه ليس من باب قوله: النهي عن الشيء أمر بضده، وإنما هو من باب التأكيد والتذييل للمبالغة، ففي الأول تصوير قبح القبيح، وفي الثاني إظهار حسن الحسن.
قالا لإمام: "ليس للقائل أن يقول: النهي ضد الأمر، فكان التكرير لازماً، لأنا نقول: إنه تعالى جمع بين الأمر بالشيء وبين النهي عن ضده للمبالغة، كما تقول: صل قرابتك ولا
وجيء به مقيداً (بالقسط): أي: ليكن الإيفاء على وجه العدل والتسوية، من غير زيادة ولا نقصان، أمراً بما هو الواجب،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تقطعهم، فيدل هذا الجمع على غاية التأكيد"، فسؤال المصنف لرد ذلك المذهب.
وقال القاضي: "صرح بالأمر بالإيفاء بعد النهي عن ضده مبالغة وتنبيهاً على أنه لا يكفيهم الكف عن تعمد التطفيف، بل يلزمهم السعي في الإيفاء، ولو بزيادة لا يتأتى دونها، ثم قيده (بِالْقِسْطِ) ليعلم أن الزيادة مندوب غير مأمور به، وقد يكون محظوراً".
واختلف العلماء في هذه المسألة: اختيار إمام الحرمين والغزالي: أن الأمر بالشيء ليس نهياً عن ضده، ولا يقتضيه عقلاً. وقال القاضي أبو إسحاق: إنه نهي عن ضده، وإليه ذهب الإمام في "المعالم"، والقاضي في "المنهاج"، وقال القاضي أبو إسحاق: والنهي كذلك، يعني: النهي عن الشيء أمر بضده، وكذا يقتضيه عقلاً، لأن النهي طلب فعل الضد، فيكون أمراً بالضد، وتمام تقريره مذكور في موضعه.
قوله: (أمراً بما هو الواجب): مفعول له لقوله: "وجيء به مقيداً (بِالْقِسْطِ) "، وقوله:"أي: ليكن الإيفاء على وجه العدل والسوية من غير زيادة ولا نقصان": معترضة بين العامل والمعمول تفسيراً وبياناً، و"على وجه العدل": خبر "ليكن".
لأن ما جاوز العدل فضل وأمر مندوب إليه.
وفيه توقيف على أنّ الموفى عليه أن ينوى بالوفاء بالقسط، لأنّ الإيفاء وجه حسنه أنه قسط وعدل، فهذه ثلاث فوائد.
البخس: الهضم والنقص. ويقال للمكس: البخس. قال زهير:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لأن ما جاوز العدل فضل): تعليل لقوله: "جيء به مقيداً (بِالْقِسْطِ) أمراً بالواجب"، يعني: تقييده بـ (الْقِسْطِ) لبيان أمر الوجوب، وأنه لا يجوز أن ينقص، لأنه لا يصح التجاوز عنه، لأن ما جاوز العدل فضل.
قوله: (وفيه توقيف): أي: في القيد (بِالْقِسْطِ) إيذان بأن القسط مطلوب مطلقاً، وإنما حسن الإيفاء لأنه قسط وعدل، لا أنه إيفاء، وقد يكون محظوراً كما في الربا، فالواجب على من يوفي أن ينوي القسط.
قوله: (فهذه ثلاث فوائد): فذلكة للجواب عن السؤال بقوله: "فما فائدة قوله: (أَوْفُوا)؟ " أي: في الإتيان بقوله: (أَوْفُوا)، وعدم الاقتصار على النهي عن النقصان: ثلاث فوائد: الأولى: زيادة الترغيب، والثانية: بيان الواجب، وأن الزيادة فضل، والثالثة: الإشعار بأن العدل مطلوب لذاته، وهذه الفائدة مدمجة في الكلام، ولهذا قال:"وفيه توقيف" إلى آخره.
قوله: (البخس: الهضم والنقص): يعني: هو لفظ مشترك بين هذين المعنيين، وربما استعملوه في المكس أيضاً، وقوله:"وكانوا يأخذون" إلى آخره: بين استعماله في هذه المعاني، قال القاضي:" (وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ) تعميم بعد تخصيص، فإنه أعم من أن يكون مقداراً أو غيره، وكذا (وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ)، فإن العثو يعم تنقيص الحقوق وغيره من أنواع الفساد".
وَفِى كُلِّ مَا بَاعَ امْرُؤٌ بَخْسُ دِرْهَمِ
وروي: مكس درهم، وكانوا يأخذون من كل شيء يباع شيئاً، كما تفعل السماسرة. أو كانوا يمكسون الناس. أو كانوا ينقصون من أثمان ما يشترون من الأشياء، فنهوا عن ذلك.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وفي كل ما باع امرؤ بخس درهم): أوله:
وفي كل أسواق العراق إتاوة
"الإتاوة": الخراج، والجمع: الأتاوى، يريد به أخذ الخراج والعشور وما هو للقوم في الأسواق من رسوم الظلم.
قوله: (السماسرة): "المغرب": "السمسار- بكسر الأول-: المتوسط بين البائع والمشتري، فارسية معرب، والجمع: السماسرة، وفي الحديث: "كنا ندعى السماسرة، فسمانا النبي صلى الله عليه وسلم التجار"، ومصدره: السمسرة"، وقال الأزهري في تفسير قوله:"لا يبع حاضر لباد": أنه لا يكون سمساراً".
قوله: (يمكسون الناس): أي: يأخذون العشر، الجوهري: "مكس في البيع يمكس
والعثي في الأرض نحو السرقة والغارة وقطع السبيل. ويجوز أن يجعل التطفيف والبخس عثيا منهم في الأرض.
(بَقِيَّتُ اللَّهِ) ما يبقى لكم من الحلال بعد التنزه عما هو حرام عليكم (خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) بشرط أن تؤمنوا، وإنما خوطبوا بترك التطفيف والبخس والفساد في الأرض وهم كفرة بشرط الإيمان.
فإن قلت: بقية الله خير للكفرة، لأنهم يسلمون معها من تبعة البخس والتطفيف، فلم شرط الإيمان؟ .......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
- بالكسر- مكساً، وماكس مماكسة ومكاساً، والمكس أيضاً: الجباية، والماكس: العشار".
قوله: (والعثي في الأرض: نحو السرقة والغارة)، الراغب:"العثي والعيث: يتقاربان، نحو: جذب وجبذ، إلا أن العيث أكثر ما يستعمل في الفساد الذي يدرك حساً، والعثي فيما يدرك حكماً، يقال: عثي يعثى عثياً، ومنه: (وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ) [البقرة: 60] ".
قوله: (بشرط أن تؤمنوا، وإنما نهوا عن التطفيف والبخس
…
- وهم كفرة- بشرط الإيمان)، الانتصاف:"المعتزلة يزعمون أن الكفار لا يخاطبون بالفروع، أمراً ولا نهياً، وهذه الآية تدل على خطابهم بما يشترط فيه الإيمان، وقد أقرها الزمخشري على ذلك".
قوله: (فإن قلت: بقية الله خير للكفرة): فيه رمز خفي إلى مذهبه، يعني: أن المستحسنات المعقولة لا يتوقف حسنها على انضمام الإيمان، فإن الاحتراز عن رذائل الأخلاق حسن في نفسه. وخلاصة الجواب: أنها وإن كانت مستحسنة عقلاً، لكن لا تقع
قلت: لظهور فائدتها مع الإيمان؛ من حصول الثواب مع النجاة من العقاب، وخفاء فائدتها مع فقده؛ لانغماس صاحبها في غمرات الكفر. وفي ذلك استعظام للإيمان، وتنبيه على جلالة شأنه.
ويجوز أن يراد: إن كنتم مصدقين لي فيما أقول لكم وأنصح به إياكم. ويجوز أن يراد. ما يبقى لكم عند الله من الطاعات خير لكم، كقوله:(وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ)[الكهف: 46].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
موقعها، ولا تجدي صاحبها ما لم ينضم معها الإيمان، فجعل شرط الإيمان كالسمة لها شرفاً. وقال القاضي:" (إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ) بشرط أن تؤمنوا، فإن خيريتها باستتباع الثواب مع النجاة، وذلك مشروط بالإيمان"، فعلى هذا: الإيمان متبوع، وعلى قول المصنف: تابع.
قوله: (لظهور فائدتها مع الإيمان): يعني: إن حصلت لهم فائدة دنيوية من السلامة من الرذيلة، ومن نقص الأموال، لكن تفوت الفائدة العظمى، وهو حصول الثواب مع النجاة من العقاب.
قوله: (ويجوز أن يراد: ما يبقى لكم): معطوف على قوله: "ما يبقى لكم من الحلال بعد التنزه".
قوله: (كقوله: (وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ))، الراغب:"البقاء: ثبات الشيء على الحالة الأولى، ويضاده: الفناء، والباقيات الصالحات: ما يبقى ثوابه للمكلف من الأعمال، وهي كل عبادة يقصد بها وجه الله، وعلى هذا (بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ) ".
وإضافة "البقية: إلى الله من حيث أنها رزقه الذي يجوز أن يضاف إليه. وأمّا الحرام فلا يضاف إلى الله ولا يسمى رزقاً، وإذا أريد بها الطاعة فكما تقول: طاعة الله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وأما الحرام فلا يضاف إلى الله تعالى، ولا يسمى رزقاً)، الانتصاف:"لا رازق إلا الله، وكل ما يقيم به الخلق بنيتهم فهو رزق حقيقة، وهو من الله، وأما الإضافة إلى الله للتخصيص فأمر خارج عن ذلك".
وقال الإمام: "ما أبقى الله تعالى لكم من الحلال بعد إيفاء الكيل والوزن خير من البخس والتطفيف، أما عند الله فظاهر، وأما عند الناس فإنهم إذا عرفوه بالصدق والأمانة والبعد عن الخيانة، اعتمدوا عليه، ورجعوا في كل المعاملات إليه، فينفتح عليه باب الرزق، وبالعكس إذا عرفوه بالخيانة".
قلت: فعلى هذا تكون الإضافة إضافة تشريف لا تخصيص، كما تقول: بيت الله، وناقة الله، تحريضاً لهم على ترك البخس وإيفاء الكيل، ولو حمل هذه "البقية" على الطاعة والثواب، كقوله تعالى:(وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً)[الكهف: 46]، كان أظهر، لأن الدنيا بأسرها تفنى وتنقرض، وثواب الله تعالى باق، ويوافق هذا التأويل قوله:(إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ) أي: كنتم تؤمنون باليوم الآخر.
قوله: (وإذا أريد بها الطاعة): عطف على قوله: "وإضافة البقية إلى الله"، والمعطوف والمعطوف عليه متفرعان على تفسير (بَقِيَّةُ اللَّهِ)، فقوله:"وإضافة "البقية" من حيث إنها رزقه" متفرع على قوله: " (بَقِيَّةُ اللَّهِ) ما يبقى لكم من الحلال"، وقوله:"وإذا أريد بها الطاعة، فكما تقول: طاعة الله" متفرع على قوله: "أن يراد: ما يبقى لكم عند الله من الطاعات".
وقرئ: "تقية الله" بالتاء وهي تقواه ومراقبته التي تصرف عن المعاصي والقبائح.
(وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ) وما بعثت لأحفظ عليكم أعمالكم وأجازيكم عليها، وإنما بعثت مبلغاً ومنبهاً على الخير وناصحاً، وقد أعذرت حين أنذرت.
[(قالُوا يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَامُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ)].
كان شعيب عليه السلام كثير الصلوات، وكان قومه إذا رأوه يصلى تغامزوا وتضاحكوا، فقصدوا بقولهم (أَصَلواتُكَ تَامُرُكَ) السخرية والهزء، والصلاة وإن جاز أن تكون آمرة على طريق المجاز، كما كانت ناهية في قوله (إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ) [العنكبوت: 45]،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (تقواه ومراقبته)، الأساس:"ومن المجاز: رقبه وراقبه: حاذره، لأن الخائف يرقب العقاب، ومنه: فلان لا يراقب الله في أموره، ولا ينظر إلى عقابه".
قوله: (والصلاة وإن جاز أن تكون آمرة على طريق المجاز): لكنهم طنزوا في جعلها آمرة، يعني: يجوز إسناد الأمر والنهي إلى الصلاة: إما على الإسناد المجازي مبالغة، لأنها سبب إلى ترك المنهيات، كأنها هي المحصلة، أو على الاستعارة المكنية؛ كأنها الشخص والناهي، هذا إذا كان المقام مقام مدح، ولو أريد الذم كان إثباته فيها على ضد تلك المبالغة، وإليه الإشارة بقوله:"إن مثله لا يدعوك إليه داعي عقل"، وجمع الصلاة وأضافها إليه، وأخبر عنه بفعل المضارع؛ ليدل على العموم بحسب الأزمان، ولهذا قال:"التي تداوم عليها في ليلك ونهارك"، قال القاضي:"فكان كثير الصلاة فلذلك جمعوا وخصوا بالذكر".
وأن يقال: إنّ الصلاة تأمر بالجميل والمعروف، كما يقال: تدعو إليه وتبعث عليه - إلا أنهم ساقوا الكلام مساق الطنز وجعلوا الصلاة آمرة على سبيل التهكم بصلاته، وأرادوا أنّ هذا الذي تأمر به من ترك عبادة الأوثان باطل لا وجه لصحته، وأنّ مثله لا يدعوك إليه داعي عقل، ولا يأمرك به آمر فطنة، فلم يبق إلا أن يأمرك به آمر هذيان ووسوسة شيطان، وهو صلواتك التي تداوم عليها في ليلك ونهارك، وعندهم أنها من باب الجنون ومما يتولع به المجانين والموسوسون من بعض الأقوال والأفعال.
ومعنى (تأمرك أَنْ نَتْرُكَ): (تأمرك) بتكليف (أن نترك ما يَعْبُدُ آباؤُنا) لحذف المضاف الذي هو التكليف، لأنّ الإنسان لا يؤمر بفعل غيره.
وقرئ: (أَصَلاتُكَ) بالتوحيد، وقرأ ابن أبي عبلة:"أو أن تفعل في أموالنا ما تشاء"، بتاء الخطاب فيهما، وهو ما كان يأمرهم به من ترك التطفيف والبخس، والاقتناع بالحلال القليل من الحرام الكثير. وقيل: كان ينهاهم .....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (يتولع به): هو يتفعل؛ من الولوع، الجوهري:"الولوع: الاسم من ولعت به تولع ولعاً وولوعاً، المصدر والاسم جميعاً بالفتح، وهو مولع به- بفتح اللام- أي: مغرى به".
قوله: (لأن الإنسان لا يؤمر بفعل غيره): تعليل لتقدير المضاف، أي: لابد من هذا التقدير، لأن الترك فعل الكفار، والمأمور بقوله:(أصلواتك تأمرك): شعيب، أي: أصلواتك تأمرك بتكليفك إيانا أن نترك.
قوله: (بتاء الخطاب فيهما): أي: في "تفعل" وفي "تشاء"، الانتصاف:"على هذا: "أن تفعل" معطوف على (أَن نَتْرُكَ)، وعلى المشهورة يمتنع؛ لفساد المعنى، بل هو عطف على (مَا يَعْبُدُ)، فكأنه قيل: أصلواتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نترك فعلنا في أموالنا
عن حذف الدراهم والدنانير وتقطيمها، وأرادوا بقولهم (إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) نسبته إلى غاية السفه والغيّ، فعكسوا ليتهكموا به، كما يتهكم بالشحيح الذي لا يبضّ حجره فيقال له: لو أبصرك حاتم لسجد لك. وقيل: معناه إنك للمتواصف بالحلم والرشد في قومك، يعنون أنّ ما تأمر به لا يطابق حالك وما شهرت به.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ما نشاء، وهذه نكتة".
قوله: (وتقطيمها): عطف على "حذف الدراهم والدنانير"، الأساس:"حذف ذنب فرسه: إذا قطع طرفه، وزق محذوف: مقطوع القوائم".
قوله: (نسبته إلى غاية السفه والغي): يريد: أن في قوله: (الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) استعارة تبعية، لأن الصفة المشبهة لا تقع فيها الاستعارة، لأن المستعار في الحقيقة موصوف، والصفات والأفعال والحروف بمعزل عن أن يقعن موصوفات، فتقع الاستعارة في مصادر الأفعال والصفات، وفي متعلق معاني الحروف، ثم تسري منها إلى الصفات والأفعال والحروف، فأشار بقوله:"السفه والغي" إلى المصدرين، يعني: استعار الحلم والرشد للسفه والغواية على التهكم، ثم سرت منهما إلى الحليم الرشيد.
قوله: (لا يبض حجره): قال في "الأساس": "بض الجر بقليل من الماء بضيضاً، ومن المجاز: ما يبض حجره: إذا لم يند له بخير، وما بض له بشيء من المعروف".
الجوهري: "بض الماء يبض بضيضاً وبضاً، أي: سال".
قوله: (إنك للمتواصف بالحلم والرشد في قومك): فعلى هذا لا يكون تهكماً، وهو أولى، لأن هذا القول مثل قول قوم صالح قبل هذا: (يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ
[(قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَماتَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ)].
(وَرَزَقَنِي مِنْهُ) أي: من لدنه (رِزْقاً حَسَناً) وهو ما رزقه من النبوّة والحكمة. وقيل (رِزْقاً حَسَناً) حلالا طيباً من غير بخس ولا تطفيف.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا) [هود: 62]، ومعناه على ما ذكره:"كنا نرجوك لننتفع بك، ونسترشدك في التدابير، فلما نطقت بهذا القول انقطع رجاؤنا"، والدليل عليه موافقة الجوابين؛ قال هناك:(يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً)[هود: 63] الآية، وها هنا:(يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً)[هود: 88] الآية، وهو من باب إرخاء العنان والكلام المنصف، يعني: صدقتم فيما قلتم أني لم أزل مرشداً لكم حليماً فيما بينكم، لكن ما جئت به ليس غير الإرشاد والنصيحة لكم، انظروا بعين الإنصاف- وأنتم ألباء- إن كنت على حجة واضحة ويقين من ربي، وكنت نبياً على الحقيقة، أيصح لي- وأنا مرشدكم وناصح لكم- أن لا آمركم بترك عبادة الأوثان، والكف عن المعاصي، والأنبياء لا يبعثون إلا لذلك.
ثم أكد معنى الإرشاد بقوله: (وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ)، وأدرج معنى الحلم في قوله:(وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ)، وأنى يستقيم هذا المعنى مع التهكم.
وأما معنى التعليل في قوله: (إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ): فإنهم كانوا يعدون صلاته- كما قال- من باب الجنون وما يتولع به المجانين والموسوسون، كأنهم قالوا: الذي أتيت به من
فإن قلت: أين جواب (أَرَأَيْتُمْ) وما له لم يثبت كما أثبت في قصة نوحٍ ولوط؟ قلت: جوابه محذوف، وإنما لم يثبت لأنّ إثباته في القصتين دلّ على مكانه، ومعنى الكلام ينادي عليه. والمعنى: أخبروني إن كنت على حجةٍ واضحةٍ ويقين من ربي، وكنت نبياً على الحقيقة، أيصح لي أن لا آمركم بترك عبادة الأوثان والكف عن المعاصي؟ والأنبياء لا يبعثون إلا لذلك؟ يقال: خالفني فلان إلى كذا: إذا قصده وأنت مول عنه، وخالفني عنه إذا ولى عنه وأنت قاصده. ويلقاك الرجل صادراً عن الماء فتسأله عن صاحبه؟ فيقول: خالفني إلى الماء، يريد أنه قد ذهب إليه وارداً وأنا ذاهب عنه صادراً. ومنه قوله تعالى:(وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ) يعني: أن أسبقكم إلى شهواتكم التي نهيتكم عنها، لأستبد بها دونكم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المداومة على الصلاة من أفعال المجانين والموسوسين لا يطابق حالك وما شهرت به، لأنك كنت متواصفاً بالحلم والرشد في قومك، والله أعلم.
قوله: (كما أثبت في قصة نوح ولوط عليهما السلام: والصحيح: قصة نوح وصالح؛ أما في قصة نوح: فهو قوله: (أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ)[هود: 28]، الجواب:(أَنُلْزِمُكُمُوهَا)، أي: أنكرهكم على قبولها وأنتم لا تختارونها، وأما في قصة صالح: فهو (أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنصُرُنِي مِنْ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ)[هود: 63]، الجواب:(فَمَنْ يَنصُرُنِي)، أي: أخبروني إن تركت البينة وتابعتكم، فمن يمنعني من عذاب الله، وليس في قصة لوط شيء من هذا.
ولما كانت الآيتان قريبتي العهد؛ لكونهما في هذه السورة، صلحتا أن تكونا قرينتين للحذف، والمقدر ها هنا هو قوله:"أيصح لي أن لا آمركم"، وهو اعتذار عما أنكروا عليه من تغيير المألوفات.
(إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ) ما أريد إلا أن أصلحكم بموعظتى ونصيحتي وأمري بالمعروف ونهي عن المنكر (مَا اسْتَطَعْتُ) ظرف، أي: مدّة استطاعتي للإصلاح، وما دمت متمكناً منه لا آلو فيه جهداً. أو: بدل من (الإصلاح)، أي: المقدار الذي استطعته منه. ويجوز أن يكون على تقدير حذف المضاف على قولك: إلا الإصلاح إصلاح ما استطعت، أو مفعول له كقوله:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أو مفعول له): أي: مفعول به للإصلاح، ففيه إيهام، فالحاصل: أن (مَا اسْتَطَعْتُ): إما ظرف زمان؛ أي: مدة استطاعتي، أو بدل من الإصلاح؛ أي: المقدار الذي استطعته منه، أو على حذف المضاف؛ أي: إلا الإصلاح إصلاح ما استطعت، أو مفعولاً به، فعلى هذا قوله:"ويجوز أن يكون" عطف من حيث المعنى على قوله: "المقدار"، وكلاهما مبنيان على البدلية؛ إما بدل البعض من الكل، وإما بدل الاشتمال.
الانتصاف: "الظاهر أنها ظرف في قوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ)، كذا ها هنا، وجعله معمولاً للمصدر المعرف باللام بعيد عن فصاحة القرآن، وقالوا: لم يوجد منه في التنزيل إلا عمله في المجرور في قوله تعالى: (لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ) [النساء: 148] ".
قال القاضي: " (إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي) إشارة إلى ما آتاه الله من العلم والنبوة، (وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً) إشارة إلى ما آتاه الله من المال الحلال، وجواب الشرط محذوف، أي: فهل يسع لي مع هذا الإنعام الجامع للسعادات الروحانية والجسمانية أن أخون في وحيه، (وَرَزَقَنِي مِنْهُ) أي: من عنده وبإعانته بلا كد مني.
وقوله: (وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ) أي: ما أريد أن آتي ما أنهاكم عنه لأستبد به، فلو كان صواباً لآثرته، ولم أعرض عنه، فضلاً أن أنهاكم عنه، وقوله:
ضَعِيفُ النِّكايِة أَعْدَاءَهُ
أي: ما أريد إلا أن أصلح ما استطعت إصلاحه من فاسدكم.
(وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ) وما كوني موفقاً لإصابة الحق فيما آتي وأذر، ووقوعه موافقاً لرضا الله إلا بمعونته وتأييده. والمعنى: أنه استوفق ربه في إمضاء الأمر على سننه، .....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ) أي: ما أريد إلا أن أصلحكم بأمري بالمعروف ونهي عن المنكر ما دمت أستطيع الإصلاح.
ولهذه الأجوبة على هذا النسق شأن، وهو التنبيه على أن العاقل يجب أن يراعي في كل ما يأتيه ويذره أحد حقوق ثلاثة: أهمها وأعلاها: حق الله، وثانيها: حق النفس، وثالثها: حق الناس، وكل ذلك يقتضي أن آمركم بما أمرتكم به، وأنهاكم عما نهيتكم عنه"، هذا كلام حسن.
قوله: (ضعيف النكاية أعداءه): تمامه:
يخال الفرار يراخي الأجل
النكاية في الأعداء: الأثر فيهم بالجراحة والهزيمة، نصب "الأعداء" بالنكاية، وهو مصدر معرف، وهو ضعيف، لأنه يبعد حينئذ عن مشابهة الفعل، يقول: لا ينكي العدو خوفاً على نفسه، ويفر منا لمحاربة، ويظن أن الفرار يؤخر أجله.
قوله: (استوفق ربه): أي: طلب التوفيق منه تعالى.
وطلب منه التأييد والإظهار على عدوّه، وفي ضمنه تهديد للكفار وحسم لأطماعهم فيه.
[(وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالِحٍ وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ* وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ)].
«جرم» : مثل كسب؛ في تعديه إلى مفعول واحد، وإلى مفعولين تقول: جرم ذنباً وكسبه، وجرمته ذنباً وكسبته إياه، قال:
جَرِمَتْ فَزَارَةُ بَعْدَهَا أَنْ يَغْضَبُوا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وفي ضمنه تهديد للكفار): يعني: أدمج في قوله: (وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ) معنى التهديد، فإن ظاهره مسوق بأنه استوفق ربه في إمضاء الأمر على سننه، وطلب منه التأييد والإظهار، وفي ضمنه إشارة إلى تهديد الكفار، وهذا المعنى إنما يستقيم ظاهراً إذا حمل قوله:(إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) على أنك المتواصف بالحلم والرشد، يعني: كنت فينا مرجواً قبل هذا، فانته عما أنت عليه الآن، وصدق رجاءنا فيك، فأجابهم بما كان فيه حسم لأطماعهم، وموجب لوحشتهم وعداوتهم، وذيله بقوله:(وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ)، يعني: اقطعوا الطمع عني، فإني لا أرجع عن النصيحة وما يوجب الإصلاح، فافعلوا ما قدرتم أن تفعلوه، فإن لي من أستوفقه وأتوكل عليه، فهو كافكم عني ومهلككم بسبب إيذائكم إياي، كما قال نوح:(فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ)[يونس: 71].
قوله: (جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا): أوله:
ولقد طعنت أبا عيينة طعنة
ومنه قوله تعالى: (لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ) أي: لا يكسبنكم شقاقي إصابة العذاب. وقرأ ابن كثير بضم الياء، من أجرمته ذنباً، إذا جعلته جارماً له، أي: كاسباً، وهو منقول من "جرم" المتعدي إلى مفعول واحد، كما نقل: أكسبه المال، من كسب المال. وكما لا فرق بين "كسبته مالاً" و"أكسبته إياه"، فكذلك لا فرق بين "جرمته ذنباً" و"أجرمته إياه". والقراءتان مستويتان في المعنى لا تفاوت بينهما، إلا أن المشهورة أفصح لفظاً، كما إن كسبته مالا أفصح من "أكسبته"، والمراد بالفصاحة: أنه على ألسنة الفصحاء من العرب الموثوق بعربيتهم أدور، وهم له أكثر استعمالاً.
وقرأ أبو حيوة، ورويت عن نافع:"مِثْلُ ما أَصابَ"، بالفتح لإضافته إلى غير متمكن، كقوله:
لَمْ يَمْنَعِ الشُّرْبَ مِنْهَا غَيْرَ أَنْ نَطَقَتْ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والمعنى ظاهر.
قوله: (أي: لا يكسبنكم شقاقي إصابة العذاب): قال الزجاج: "لا يكسبنكم عداوتكم إياي أن يصيبكم عذاب الآجلة".
قوله: (لإضافته إلى غير متمكن): لأن "مثل" و"غير" مع "ما" و"أن"- مخففة ومشددة-: يجوز بناؤهما على الفتح وإعرابهما.
قوله: (لم يمنع الشرب منها غير أن نطقت): تمامه:
حمامة في غصون ذات أو قال
(وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ) يعني: أنهم أهلكوا في عهد قريب من عهدكم، فهم أقرب الهالكين منكم. أولا يبعدون منكم في الكفر والمساوى وما يستحق به الهلاك.
فان قلت: ما لـ"بعيد" لم يرد على ما يقتضيه "قوم" من حمله على لفظه أو معناه؟ قلت: إما أن يراد: وما إهلاكهم ببعيد، أو ما هم بشيء بعيد أو بزمان أو مكان بعيد. ويجوز أن يسوى في "قريب" و"بعيد"، و"قليل" و"كثير"، بين المذكر والمؤنث لورودها على زنة المصادر التي هي الصهيل والنهيق ونحوهما.
(رَحِيمٌ وَدُودٌ) عظيم الرحمة للتائبين، فاعل بهم ما يفعل البليغ المودّة بمن يودّه، من الإحسان والإجمال.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الضمير في "منها": للراحلة، أي: لا يمنعها من الشرب إلا أنها سمعت صوت حمامة، فنفرت، يريد أنها حديدة الحس فيها فزع وذعر لحدة نفسها، وذلك محمود فيها، "الأوقال": جمع وقل، وهي كالحجارة، أي: غصون نابتة بأرض ذات أحجار، وقيل: الوقل: شجر المقل.
قوله: (ما لـ "بعيد" لم يرد على ما يقتضيه "قوم" من حمله على لفظه أو معناه): لأن لفظ "قوم" يقتضي "ببعيدة"، لأن "القوم" مؤنث، لقوله تعالى:(كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ)[الشعراء: 105]، ومعناه يقتضي "ببعداء"، لأنه اسم جمع، فعلم من كلامه أن الأصل في "القوم" أن يؤنث، وإذا حمل على التذكير يؤول، وبخلافه قال الجوهري، وهو أن "القوم يذكر ويؤنث، لأن أسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها إذا كانت للآدميين تذكر وتؤنث، مثل: رهط ونفر وقوم، قال تعالى: (وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ) [الأنعام: 66] ".
قوله: (البليغ المودة): الود: محبة الشيء وتمني كونه، ويستعمل في كل من المعنيين، على
[(قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ* قالَ يا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ* وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَاتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ* وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ* كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ)].
(ما نَفْقَهُ) ما نفهم (كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ) لأنهم كانوا لا يلقون إليه أذهانهم رغبة عنه وكراهية له، كقوله (وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ) [الأنعام: 25]، أو: كانوا يفقهونه ولكنهم لم يقبلوه، فكأنهم لم يفقهوه. وقالوا ذلك على وجه الاستهانة به، كما يقول الرجل لصاحبه إذا لم يعبأ بحديثه: ما أدري ما تقول، أو: جعلوا كلامه هذياناً وتخليطاً، لا ينفعهم كثير منه، وكيف لا ينفعهم كلامه وهو خطيب الأنبياء؟ ! وقيل: كان ألثغ.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أن التمني يتضمن معنى الود، لأن التمني هو تشهي حصول ما توده، فمن المودة التي تقتضي المحبة المجردة قوله تعالى:(قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى)[الشورى: 23]، وقوله تعالى:(وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ)[البروج: 14]، ومن المودة التي تقتضي مجرد التمني قوله تعالى:(رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ)[الحجر: 2].
قوله: (وكيف لا ينفعهم كلامه، وهو خطيب الأنبياء): استفهام على سبيل الإنكار.
(فِينا ضَعِيفاً) لا قوة لك ولا عز فيما بيننا، فلا تقدر على الامتناع منا إن أردنا بك مكروها. وعن الحسن (ضَعِيفاً) مهيناً. وقيل (ضَعِيفاً) أعمى. وحمير تسمى المكفوف: ضعيفاً، كما يسمى ضريراً، وليس بسديد، لأنّ (فِينا) يأباه.
ألا ترى أنه لو قيل إنا لنراك فينا أعمى، لم يكن كلاماً، لأن الأعمى أعمى فيهم وفي غيرهم، ولذلك قللوا قومه حيث جعلوهم "رهطاً". والرهط: من الثلاثة إلى العشرة. وقيل: إلى السبعة. وإنما قالوا: ولولاهم، احتراماً لهم واعتداداً بهم، لأنهم كانوا على ملتهم، لا خوفا من شوكتهم وعزتهم (لَرَجَمْناكَ) لقتلناك شرّ قتلة (وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ) أي: لا تعزّ علينا ولا تكرم، حتى نكرمك من القتل ونرفعك عن الرجم. وإنما يعزّ علينا رهطك، لأنهم من أهل ديننا لم يختاروك علينا ولم يتبعوك دوننا.
وقد دلّ إيلاء ضميره حرف النفي على أنّ الكلام واقع في الفاعل لا في الفعل،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ولذلك قللوا): أي: لأن المراد بقوله: (فِينَا ضَعِيفاً): لا قوة لك ولا عز فيما بيننا، فلا تقدر على الامتناع منا إن أردنا بك مكروهاً، قللوا قومه حيث جعلوهم رهطاً.
قوله: (وقد دل إيلاء ضميره حرف النفي على أن الكلام [واقع] في الفاعل، لا في الفعل): يعني: في كون التردد في الفاعل، لا في الفعل، وكذا عن صاحب "المفتاح"، وذلك بأن يكون هناك وجود فعل وعالم به، لكنه مخطئ في فاعله، أو في تفصيل فاعله، وأنت تقصد أن ترده إلى الصواب، وهذا يقتضي أن يكون أصل الكلام:"ما عززت أنت"، فقدم "أنت" للاختصاص.
كأنه قيل: وما أنت علينا بعزيز، بل رهطك هم الأعزة علينا، ولذلك قال في جوابهم (أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وإنما التزمنا التقديم لأن "ما" لنفي الحال، وللحال اختصاص بالزمان، والقياس أن يكون مدخولها فعلاً أو شبهه، وحيث وجد الاسم لا سيما الضمير دل على أن التقديم للاهتمام والاختصاص، قال صاحب "الإيضاح"؛ في البيان:"في كلاهما نظر، لأنا لا نسلم أن إيلاء الضمير حرف النفي إذا لم يكن الخبر فعلياً يفيد الحصر"، يقال له على ما بينا: إن قياس "ما" أن يكون مدخولها فعلاً أو شبهه، فحين وجد بعده الاسم دل على التقديم المفيد للتخصيص، سواء كان الخبر فعلاً أو شبهه، ولأن الذوق شاهد صدق بالفرق بين قولنا:"ما عززت علينا"، وبين:"ما أنت علينا بعزيز".
على أن القائل صرح في كتابه: أن الشيخ عبد القاهر ذكر في كلامه ما يفهم منه: أن ما يلي حرف النفي يفيد التخصيص قطعاً، مضمراً كان أو مظهراً، معرفاً أو منكراً، من غير شرط، فكيف يخالفه ويشترط كونه فعلياً؟ !
قوله: (ولذلك قال في جوابهم: (أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ)): وقال صاحب "الإيضاح" أيضاً: "هذا الاستدلال ليس بشيء، لجواز أن يفهم عزتهم من قوله: (وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ)، ونفي العزة عنه من قوله: (وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ) ".
فيقال: استدلالنا بإفادة التخصيص على مطابقة الجواب لا عكسه، يعني: ما نقول إنه يفيد الاختصاص لمطابقة الجواب، بل نقول: الجواب إنما طابقه لأنه يفيد الاختصاص،
ولو قيل: وما عززت علينا، لم يصح هذا الجواب.
فإن قلت: فالكلام واقع فيه وفي رهطه وأنهم الأعزة عليهم دونه، فكيف صح قوله (أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ)؟ قلت: تهاونهم به - وهو نبيّ الله - تهاون بالله، فحين عز عليهم رهطه دونه كان رهطه أعز عليهم من الله. ألا ترى إلى قوله تعالى (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ) [النساء: 80].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وإفادته الاختصاص بسبب التقديم والإيلاء.
بل الاعتراض ليس بشيء، لأن قوله:(وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ) تقرير لقوله: (وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ) على الطرد والعكس؛ عناداً منهم، فلابد من اعتبار دلالتي المنطوق والمفهوم في كل من اللفظين، واستقلاله فيهما.
قوله: (ولو قيل: "وما عززت علينا"، لم يصح الجواب): لأن الكلام حينئذ في عزته فقط، فالجواب المطابق: لِمَ لم أكن عزيزاً بما شرفني الله برسالته، أهديكم على سبيل الرشاد، وأخلصكم من ورطة الضلالات، فإذن لا مدخل للقوم فيه، ولا وجه لقوله:(أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ)، بخلاف التقديم.
قوله: (فالكلام واقع فيه وفي رهطه): الفاء فيه دل على تفريع السؤال على الأول، وفي "فكيف" على الإنكار، يعني: أن القوم نفوا العزة عنه رأساً، وأثبتوها لرهطه، فلم ذكر "الله" عز وجل، وأتى بـ "أفعل" الذي يقتضي الشركة في العزة المنفية؟ وأجاب بما ينبئ عن أن له نسبة إلى الله بكونه نبيه ومبعوثاً من عنده، وله أيضاً قرابة ورحم بالقوم، فتهاونهم لأجل أنه نبي الله، ومراعاته لأجل القوم: يقتضي أن يكون الرهط أعز من الله، تقرير آخر.
وكان من حق الظاهر أن يجيب عليه السلام عنهم: "أرهطي عزيز دوني"، لكن أراد: إنكم
(وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا) ونسيتموه وجعلتموه كالشئ المنبوذ وراء الظهر لا يعبأ به، و"الظهريّ": منسوب إلى الظهر والكسر من تغييرات النسب. ونظيره قولهم في النسبة إلى "أمس": "إمسيّ"(بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) قد أحاط بأعمالكم علماً، فلا يخفى عليه شيء منها.
(عَلى مَكانَتِكُمْ) لا تخلو المكانة من أن تكون بمعنى المكان، يقال: مكان ومكانة، ومقام ومقامة. أو تكون مصدراً من مكن مكانة فهو مكين. والمعنى: اعملوا قارّين على جهتكم التي أنتم عليها من الشرك والشنآن لي، ........
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
راعيتم نسبة قرابتي إلى الرهط، وضيعتم نسبتي إلى الله سبحانه وتعالى بالنبوة، فكأنكم زعمتم أن القوم أعز من الله، فكما أن القوم بالغوا في المكافحة، حيث كرروا نفي العزة عنه، وإثباتها لهم، بالغ نبي الله في الرد عليهم، وأظهر مدح نفسه ومكانته من الله عز وجل، نظيره قوله تعالى:(إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ)[الأحزاب: 57]، أي: يؤذون رسول الله، ولما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من الله تعالى بمنزلة ومكانة جعل أذاهُ أذاه.
وقوله: (إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) تهديد عظيم، ومن ثم قال:"قد أحاط بأعمالكم علماً"، أي: يجازيكم لأجل استهانة نبيه المستلزم لاستهانته، وقوله:(وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيّاً) اعتراض على نحو قوله تعالى: (وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً)[النساء: 125]، قال المصنف:"لو جعلتها معطوفة على ما قبلها لم يكن لها معنى"، وفائدته: تأكيد التهاون بالله، وأنهم قوم عادتهم أن لا يعبؤوا بالله، ويجعلوه كالشيء المنبوذ، وهذا من ذاك القبيل.
قوله: (اعملوا قارين على جهتكم): هذا على أن تكون "المكانة" من المكان، فيجوز أن يكون تمثيلاً وأن يكون كناية، كقولهم: فلان يتحرك من مكانه، أي: مما نشأ فيه من سجيته
أو اعملوا متمكنين من عداوتي مطيقين لها (إِنِّي عامِلٌ) على حسب ما يؤتيني الله من النصرة والتأييد ويمكنني (مَنْ يَاتِيهِ) يجوز أن تكون "مَنْ" استفهامية معلقة لفعل العلم عن عمله فيها، كأنه قيل: سوف تعلمون أينا يأتيه عذاب يخزيه، وأينا هو كاذب، وأن تكون موصولة قد عمل فيها، كأنه قيل: سوف تعلمون الشقيّ الذي يأتيه عذاب يخزيه والذي هو كاذب.
فإن قلت: أي: فرق بين إدخال الفاء ونزعها في (سَوْفَ تَعْلَمُونَ)؟ قلت: إدخال الفاء: وصل ظاهر بحرف موضوع للوصل، ونزعها: وصل خفي تقديريّ بالاستئناف الذي هو جواب لسؤال مقدّر، كأنهم قالوا: فماذا يكون إذا عملنا نحن على مكانتنا وعملت أنت؟ فقال: سوف تعلمون، فوصل تارة بالفاء وتارة بالاستئناف، للتفنن في البلاغة كما هو عادة بلغاء العرب، وأقوى الوصلين وأبلغهما الاستئناف، وهو باب من أبواب علم البيان تتكاثر محاسنه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وهجيراه، قال في آخر الأنعام:"اعملوا على جهتكم وحالكم التي أنتم عليها، يقال للرجل إذا أمر أن يثبت على حاله: على مكانتك يا فلان".
قوله: (الاستئناف، وهو باب من أبواب علم البيان، تتكاثر محاسنه): قال صاحب "المفتاح": "الاستئناف لا يصار إليه إلا لجهات لطيفة؛ إما لتنبيه السامع على موقعه، أو لإغنائه أن يسأل، أو لئلا يسمع منه شيء، أو لئلا يقطع كلامك بكلامه، أو للقصد إلى تكثير المعنى بتقليل اللفظ، وهو تقدير السؤال وترك العاطف، أو غير ذلك".
(وَارْتَقِبُوا) وانتظروا العاقبة وما أقول لكم (إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ) أي: منتظر. والرقيب بمعنى الراقب، من رقبه، كالضريب والصريم بمعنى الضارب والصارم. أو بمعنى المراقب، كالعشير والنديم. أو بمعنى المرتقب، كالفقير والرفيع بمعنى المفتقر والمرتفع.
فإن قلت: قد ذكر عملهم على مكانتهم وعمله على مكانته، ثم أتبعه ذكر عاقبة العاملين منه ومنهم،
فكان القياس أن يقول: من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو صادق، حتى ينصرف من يأتيه عذاب يخزيه إلى الجاحدين، ومن هو صادق إلى النبي المبعوث إليهم. قلت: القياس ما ذكرت، ولكنهم لما كانوا يدعونه كاذباً قال (وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ) يعني في زعمكم ودعواكم، تجهيلاً لهم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وما أقول لكم): عطف تفسيري على قوله: "العاقبة"، وما قال هو قوله:(مَنْ يَاتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ).
قوله: (قد ذكر عملهم على مكانتهم، وعمله على مانته، ثم أتبعه ذكر عاقبة العاملين منه ومنهم): يعني: قوله: (اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ) اشتمل على عمل الصادق والكاذب؛ منه ومنهم، فلم يذكر في قوله:(مَنْ يَاتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ) الآية، إلا الكاذب منهم، والآية بيان لذكر عاقبة العاملين من الفريقين، فما وجه ذلك؟
وأجاب: أن المراد من قوله: (وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ): الصادق، لكن جرى "الكاذب" على مرون ألسنتهم تجهيلاً لهم. قال القاضي: " (وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ) عطف على (مَنْ يَأتِيهِ)،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لا لأنه قسيم له، بل لأنهم لما أوعدوه وكذبوه قال: سوف تعلمون من المعذب والكاذب مني ومنكم".
الانتصاف: "الظاهر أن الكلامين جميعاً للكفار، فقوله: (مَنْ يَاتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ) فيه ذكر جزائهم، (وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ) ذكر جرمهم الذي هو الكذب، وهو من عطف الصفة، والموصوف واحد، كقولك: وستعلم من يهان ومن يعاقب، فيكون ذكر كذبهم تعريضاً بصدقه، وهو في بعض الأحيان أوقع من التصريح، ولذلك لم يذكر عاقبة شعيب استغناء عنها بذكر عاقبتهم، وفي أول السورة: (فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَاتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ) [هود: 39]، ولم يذكر القسم الآخر، وفي الأنعام: (مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ) [الأنعام: 135]، فذكر عاقبة الخير وحدها، لأن "العاقبة" إذا أطلقت فهي للخير، كقوله تعالى: (وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) [الأعراف: 128، والقصص: 83] "، ولأن اللام في (لَهُ) تدل على أنها ليست عليه، بل له.
وقلت: ليس وزان هذه الآية وزان قوله: (مَنْ يَاتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ)[هود: 39]، لأن السابق- وهو قوله:(اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ) -، واللاحق- (وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ) - مشتملان على ذكر المحق والمبطل، كأنه قيل: اعملوا على عداوتي، إني عامل في عداوتكم، فسوف تعلمون عاقبة عملي وعاقبة عملكم، وانتظروا أنتم العاقبة، إني منتظر معكم. ومن ثم كرر لفظة "من"، ولو أريد ما قالاه لقيل: فسوف تعلمون من كذب وجوزي به، بخلافه هناك، فإنه عطف الصلة على الصلة.
فإن قلت: ما بال ساقتي قصة عاد وقصة مدين جاءتا بالواو، والساقتان الوسطيان بالفاء؟ قلت: قد وقعت الوسطيان بعد ذكر الوعد، وذلك قوله (إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ) [هود: 81]، (ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ) [هود: 65]، فجيء بالفاء الذي هو للتسبيب، كما تقول: وعدته فلما جاء الميعاد كان كيت وكيت. وأما الأخريان فلم تقعا بتلك المثابة. وإنما وقعنا مبتدأتين، فكان حقهما أن تعطفا بحرف الجمع على ما قبلهما كما تعطف قصةٌ على قصة.
"الجاثم": اللازم لمكانه لا يريم، كاللابد، يعني: أن جبريل صاح بهم صيحة فزهق روح كل واحد منهم بحيث هو قعصاً.
(كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا) كأن لم يقيموا في ديارهم أحياء متصرفين متردّدين. "البعد": بمعنى البعد وهو الهلاك، كالرشد بمعنى الرشد. ألا ترى إلى قوله (كَما بَعِدَتْ)؟ وقرأ السلمى:"بعدت" بضم العين، والمعنى في البناءين واحد، وهو نقيض القرب، إلا أنهم أرادوا التفصلة بين البعد من جهة الهلاك وبين غيره، فغيروا البناء،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ساقتي قصة عاد وقصة مدين): أما سياقة قصة عاد فهو: (وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُوداً)[هود: 58]، وأما سياقة قصة مدين فهو:(وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْباً)[هود: 94]، والوسيطان: الأولى: قصة ثمود: (فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحاً)[هود: 66]، والأخرى: قصة لوط: (فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا)[هود: 82].
قوله: (لا يريم كاللابد)، الجوهري:"رامه يريمه ريماً، أي: برحه"، و"لبد الشيء بالأرض يلبد لبوداً: لصق بها".
قوله: (قعصاً): بالقاف المفتوحة وسكون العين المهملة والصاد المهملة، الأساس:"قعصه وأقعصه: قتله مكانه، ومات فلان قعصاً"، وهو حال من فاعل "زهق".
كما فرقوا بين ضماني الخير والشر فقالوا: وعد وأوعد، وقراءة السلمي جاءت على الأصل اعتباراً لمعنى البعد من غير تخصيص، كما يقال: ذهب فلان ومضى، في معنى الموت. وقيل: معناه بعداً لهم من رحمة الله كما بعدت ثمود منها.
[(وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ* إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ* يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ* وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ)].
(بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ) فيه وجهان: أن يراد أنّ هذه الآيات فيها سلطان مبين لموسى على صدق نبوّته، وأن يراد بـ"السلطان المبين": العصا، لأنها أبهرها.
(وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ) تجهيل لمتبعيه حيث شايعوه على أمره، وهو ضلال مبين لا يخفى على من فيه أدنى مسكة من العقل، وذلك أنه ادّعى الإلهية، .........
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (سلطان مبين لموسى)، الراغب:"السلاطة: التمكن من القهر، يقال: سلطته، ومنه سمي السلطان، وسمي الحجة سلطاناً؛ لما للحق من الهجوم على القلب، لكن أكثر تسلطه على أهل العلم والحكمة، وقوله تعالى: (هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ) [الحاقة: 29]: يحتمل السلطانين، وسلاطة اللسان: القوة على المقال، وذلك في الذم أكثر استعمالاً، يقال: امرأة سليطة".
قوله: (وأن يراد بـ "السلطان المبين": العصا): من عطف الخاص على العام للشرف، وعلى الأول: من باب العطف التجريدي، نحو: مررت بالرجل الكريم والنسمة المباركة، كأنه جرد من الآيات الحجة، وجعلها غيرها، وعطفها عليها، وهي هي، ومن ثم قال:"إن هذه الآيات فيها سلطان مبين"، كقوله تعالى:(لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ)[فصلت: 28].
قوله: ((وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ) تجهيل لمتبعيه): لأن حق الظاهر أن يقال: أمر فرعون غي وضلال، فأتى (بِرَشِيدٍ)، ونفاه تجهيلاً للقوم، وتصويراً لتلك الحالة التي وقع
وهو بشر مثلهم، وجاهر بالعسف والظلم والشر الذي لا يأتي إلا من شيطان مارد، ومثله بمعزلٍ من الإلهية ذاتاً وأفعالاً، فاتبعوه وسلموا له دعواه، وتتابعوا على طاعته. و"الأمر الرشيد": الذي فيه رشد، أى: وما في أمره رشد إنما هو غىّ صريح وضلال ظاهر مكشوف، وإنما يتبع العقلاء من يرشدهم ويهديهم، لا من يضلهم ويغويهم.
وفيه أنهم عاينوا الآيات والسلطان المبين في أمر موسى عليه السلام، وعلموا أن معه الرشد والحق، ثم عدلوا عن اتباعه إلى اتباع من ليس في أمره رشد قط.
(يَقْدُمُ قَوْمَهُ) أي: كما كان قدوة لهم في الضلال كذلك يتقدّمهم إلى النار وهم يتبعونه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الغي فيها، يعني: ما نظرتم أيها الحمقى إلى ذاته، وأنه بشر مثلكم، وإلى صفاته وأفعاله، وأنه ظالم غاشم، فكيف اتخذتموه إلهاً، أما لكم مسكة؟ !
قوله: (ذاتاً وأفعالاً)، أي: مثله بمعزل الإلهية ذاتاً حيث هو بشر، وأفعالاً حيث جاهر بالعسف، لكن في قوله:"إلا من شيطان مارد"، رمز إلى ما قال في سورة الزخرف عند قوله:(قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ)[الزخرف: 81]: "ونظيره أن يقول العدلي للمجبر: إن كان الله خالقاً للكفر في القلوب ومعذباً عليه عذاباً سرمداً، فأنا أول من يقول: هو شيطان وليس بإله".
قوله: (تتايعوا)، الفائق:"التتايع: التهافت والتسارع إليه؛ من: تاع؛ إذا عجل".
قوله: (وفيه أنهم عاينوا الآيات)، أي: وفي جعل (وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ) قيداً
ويجوز أن يريد بقوله: (وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ) وما أمره بصالح حميد العاقبة. ويكون قوله (يَقْدُمُ قَوْمَهُ) تفسيراً لذلك وإيضاحاً، أى: كيف يرشد أمر من هذه عاقبته. و"الرشد" مستعمل في كل ما يحمد ويرتضى، كما استعمل "الغيّ" في كل ما يذم ويتسخط. ويقال: قدمه بمعنى: تقدّمه. ومنه: قادمة الرجل، كما يقال: قدمه بمعنى تقدّمه. ومنه مقدّمة الجيش. وأقدم بمعنى تقدّم. ومنه مقدّم العين.
فإن قلت: هلا قيل: يقدم قومه فيوردهم؟ ولم جيء بلفظ الماضي؟ قلت: لأن الماضي يدل على أمرٍ موجود مقطوع به، فكأنه قيل: يقدّمهم فيوردهم النار لا محالة،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لـ "اتبعوا"، والمراد الغي، وترتب (فَاتَّبَعُوا) بالفاء على (أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ): الإشارة إلى تعكيس رأيهم، وهو أن إرسال موسى بالآيات الظاهرة والبراهين الساطعة موجب للهدى والرشد في الدنيا والفلاح في العقبى، فآثروا عليه متابعة من أوقعهم في الغي والضلال في الدنيا وأوردهم النار في العقبى، كقوله تعالى:(فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً)[القصص: 8].
قوله: (ويجوز أن يريد بقوله: (وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ): وما أمره بصالح حميد العاقبة): عطف على قوله: "الأمر الرشيد: الذي فيه رشد"، و"الرشد" على الأول: حقيقة، لأنه في مقابل "الغي"، ولهذا قال:"إنما هو غي صريح"، وعلى الثاني: مجاز عن العاقبة الحميدة، ومن ثم قال:"الرشد: مستعمل في كل ما يحمد ويرتضى". (وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ): حال من فاعل (فَاتَّبَعُوا)، أو من المفعول، وهو المختار عنده لقوله:"على أمره، وهو ضلال مبين".
وقوله: (يَقْدُمُ قَوْمَهُ) على الأول: استئناف، كأنه قيل: ما مآل حالهم في متابعة هذا الضال المغوي؟ قيل: يقدمهم يوم القيامة فيوردهم النار. وعلى الثاني: (يَقْدُمُ قَوْمَهُ) بيان لقوله:
و (الْوِرْدُ) المورود. و (الْمَوْرُودُ) الذي وردوه. شبه بالفارط الذي يتقدّم الواردة إلى الماء. وشبه أتباعه بالواردة، ثم قيل: بئس الورد الذي يردونه النار؛ لأنّ الورد إنما يراد لتسكين العطش وتبريد الأكباد، والنار ضدّه.
(وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ) في هذه الدنيا (لَعْنَةً) أي: يلعنون في الدنيا، ويلعنون في الآخرة (بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ) رفدهم. أي: بئس العون المعان. وذلك أنّ اللعنة في الدنيا رفد للعذاب ومدد له،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ)، لأن معناه حينئذ: كان أمر فرعون مذموماً مسخوطاً عليه سيء الخاتمة، فجاء قوله:(يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمْ النَّارَ) موضحاً له، وبياناً لسوء العاقبة.
قوله: (أي: بئس العون المعان): سميت اللعنة عوناً، لأنها إذا تبعتهم في الدنيا تبعتهم في الأخرى، لتبعدهم عن رحمة الله، وتعينهم على ما هم عليه من الضلال، وتمدهم في طغيانهم وعمههم، فسمي رفداً- أي: عوناً- لهذا المعنى على التهكمية، كقوله:
تحية بينهم ضرب وجيع
وقولهم: "عتابه السيف".
وأما كونه "معاناً" لأنها أرفدت في الآخرة بلعنة أخرى، ليكونا هاديين إلى طريق الجحيم، (فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ) [الصافات: 23]، وكان القياس أن يسند المرفود إليهم، لأن اللعنة في الدنيا تبعتهم، وكذا في الآخرة، لقوله تعالى:(وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ)[هود: 60]، ولكن أسند إلى الرفد- الذي هو اللعنة- على الإسناد المجازي، نحو: جد جده، وجنونك مجنون.
وقد رُفدت باللعنة في الآخرة. وقيل: بئس العطاء المعطى.
[(ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ* وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ)].
(ذلِكَ) مبتدأ، (مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ) خبر بعد خبر، أي: ذلك النبأ بعض أنباء القرى المهلكة مقصوص عليك (مِنْها) الضمير للقرى، أي: بعضها باق وبعضها عافي الأثر، كالزرع القائم على ساقه والذي حصد. فإن قلت: ما محل هذه الجملة؟ قلت: هي مستأنفة لا محل لها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (بئس العطاء المعطى)، الجوهري:"الرفد: العطاء والصلة، وبالفتح: المصدر، يقال: رفدته أرفده رفداً: إذا أعطيته، وكذلك إذا أعنته، والإرفاد: الإعطاء والإعانة فيه"، واعتبار الاستعارة التهكمية والإسناد كما سبق.
قوله: (هي مستأنفة): فإنه تعالى لما قص في هذه السورة أنباء الرسل وأممهم، ووخامة عاقبة المكذبين، اتجه لسائل أن يقول: هذه القرى المقصوصة، ما حالها؟ أباقية آثارها أم لا؟ فأجيب: بأن بعضها باقي الأثر، وبعضها قائم.
قال أبو البقاء: " (مِنْهَا قَائِمٌ) ابتداء وخبر في موضع الحال من الهاء في (نَقُصُّهُ)، و (وَحَصِيدٌ) مبتدأ، والخبر محذوف، أي: ومنها حصيد، بمعنى: محصود"، قال القاضي:"الجملة مستأنفة، والحال ليس بصحيح؛ إذ لا واو، ولا ضمير".
قلت: ويجوز أن يكون حالاً من (القُرَى).
(وَما ظَلَمْناهُمْ) بإهلاكنا إياهم (وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) بارتكاب ما به أهلكوا (فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ) فما قدرت أن ترد عنهم بأس الله (يَدْعُونَ) يعبدون وهي حكاية حال ماضية. و (لَمَّا) منصوب بـ"ما أغنت"(أَمْرُ رَبِّكَ) عذابه ونقمته (تَتْبِيبٍ) تخسير. يقال تبّ إذا خسر. وتببه غيره، إذا أوقعه في الخسران.
[(وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ)].
محل الكاف الرفع، تقديره: ومثل ذلك الأخذ (أَخْذُ رَبِّكَ)، والنصب فيمن قرأ:"وكذلك أخذ ربك"، بلفظ الفعل. وقرئ:"إذ أخذ القرى"، (وَهِيَ ظالِمَةٌ) حال من (القرى)، (أَلِيمٌ شَدِيدٌ) وجيع صعب على المأخوذ. وهذا تحذير من وخامة عاقبة الظلم لكل أهل قرية ظالمةٍ من كفار مكة وغيرها، بل لكل من ظلم غيره أو نفسه بذنب يقترفه. فعلى كل من أذنب أن يحذر أخذ ربه الأليم الشديد، فيبادر التوبة ولا يغتر بالإمهال.
[(إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ)].
(ذلِكَ) إشارة إلى ما قص الله من قصص الأمم الهالكة بذنوبهم،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وهذا تحذير): أي: في جعل (وَهِيَ ظَالِمَةٌ) حالاً من (الْقُرَى)، أي: تحذير من وخامة عاقبة الظلم، وذلك أن كاف التشبيه واسم الإشارة دلاً على أن التشبيه تمثيلي، والمشبه به تلك القرى السابقة الظالم أهلها، فيكون التقييد بهذه الحال لمزيد التوكيد، والإشعار بما ذكره من التحذير، وفائدتها الإشعار بأنهم أخذوا لظلمهم، وإنذار كل ظالم ظلم نفسه أو غيره من وخامة العاقبة.
(لَآيَةً لِمَنْ خافَ) لعبرةً له، لأنه ينظر إلى ما أحل الله بالمجرمين في الدنيا، وما هو إلا أنموذج مما أعدّ لهم في الآخرة، فإذا رأي: عظمه وشدّته اعتبر به عظم العذاب الموعود، فيكون له عبرة وعظة ولطفاً في زيادة التقوى والخشية من الله تعالى. ونحوه (إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى) [النازعات: 26].
(ذلِكَ) إشارة إلى يوم القيامة، لأنّ (عذاب الآخرة) دلّ عليه، و (النَّاسُ) رفع باسم المفعول الذي هو (مجموع) كما يرفع بفعله إذا قلت يجمع له الناس. فإن قلت: لأي: فائدة أوثر اسم المفعول على فعله؟ قلت: لما في اسم المفعول من دلالة على ثبات معنى الجمع لليوم وأنه يوم لا بدّ من أن يكون ميعاداً مضروباً لجمع الناس له، وأنه الموصوف بذلك صفة لازمة، وهو أثبت أيضاً لإسناد "الجمع" إلى "الناس"، .......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((لآيَةً لِمَنْ خَافَ) لعبرة له): قال القاضي: " (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً) لمن ينزجر بها عن موجباتها، لعلمه بأنها من إله مختار، يعذب من يشاء، ويرحم من يشاء، فإن من أنكر الآخرة وأحال فناء هذا العالم: لم يقل بالفاعل المختار، وجعل تلك الوقائع لأسباب فلكية اتفقت في تلك الأيام، لا لذنوب المهلكين بها".
قوله: (وهو أثبت أيضاً لإسناد "الجمع" إلى "الناس"): أي: في وصف "اليوم" باسم المفعول، وإسناده إلى "الناس": الدلالة على أن اليوم موصوف بذلك الوصف وصفاً لازماً، وأن الناس لا ينفكون عن الجمع، لأن كلا الأسلوبين مجرى على غير الظاهر للمبالغة،
وأنهم لا ينفكون منه، ونظيره قول المتهدد:"إنك لمنهوب مالك محروب قومك"، فيه من تمكن الوصف وثباته ما ليس في الفعل، وإن شئت فوازن بينه وبين قوله (يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ) [التغابن: 9]، تعثر على صحة ما قلت لك. ومعنى يجمعون له: يجمعون لما فيه من الحساب والثواب والعقاب.
(يَوْمٌ مَشْهُودٌ) مشهود فيه، فاتسع في الظرف بإجرائه مجرى المفعول به، كقوله:
وَيَوْمٍ شَهِدْنَاهُ سُلَيْما وَعَامِراً
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ومقتضى الظاهر أن يقال: "ذلك يوم يجمع له الناس"؛ فإن الفعل مترقب، والناس غير مجموعين الآن، ولهذا وازن بينه وبين قوله:(يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ)[التغابن: 9]، واللام في (لَّهُ) كاللام في (لِيَوْمِ الْجَمْعِ)؛ بمعنى: لأجل، يدل عليه قوله:"يجمعون لما فيه من الحساب والثواب والعقاب"، لأن "اليوم" لا يصح أن يكون علة لنفسه، بل لما فيه من الحساب والجزاء.
قوله: (محروب)، الجوهري:"وقد حرب ماله؛ أي: سلب، وهو محروب وحريب".
قوله: (فاتسع في الظرف): أي: في حذف الجار، يعني: كان من حقه أن يؤتى بما يسند إليه، لكن حذف وجعل كالمفعول به، نحو: زيد مضروب.
الانتصاف: "حذف مفعول "المشهود" تفخيماً، كقوله تعالى: (وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ) [هود: 109] ". الإنصاف: "وفيه دليل على أن اسم المفعول من الفعل المتعدي بحرف الجر: يجوز أن يجرد عنه، ومنه قوله تعالى: (إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً) [الإسراء: 34] على قول، وقد أخذ على بعض المصنفين قوله: المنطوق والمفهوم، قالوا: يجب أن يقال: المنطوق به، وهذا يدل على جواز ذلك، وإن لم يكن المشهود من هذا الباب".
قوله: (ويوم شهدناه سليماً وعامراً): تمامه:
أي: يشهد فيه الخلائق الموقف لا يغيب عنه أحد. والمراد بـ"المشهود": الذي كثر شاهدوه، ومنه قولهم: لفلان مجلس مشهود، وطعام محضور. قال:
فِى مَحْفِلٍ مِنْ نَوَاصِى النَّاسِ مَشْهُودِ
فإن قلت: فما منعك أن تجعل اليوم مشهوداً في نفسه دون أن تجعله مشهوداً فيه، كما قال الله تعالى فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ؟ [البقرة: 185]؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قليل سوى الطعن الدراك نوافله
الجوهري: "شهد شهوداً، أي: حضر، فهو شاهد، وقوم شهود، أي: حضور، وهو في الأصل مصدر، والمشهد: محضر الناس"، و"نوافله": فاعل "قليل"، وهو صفة "يوم"، يقول: ويوم حضرنا فيه سليماً وعامراً قليل عطاياه سوى الطعن الدراك، على التهكمية.
قوله: (في محفل من نواصي الناس مشهود): أوله:
ومشهد قد كفيت الغائبين به
"نواصي الناس": أشرافهم والمقدمون منهم، كما وصفوا بالذوائب، يقال: فلان ذؤابة قومه وناصية عشيرته، يقول: رب مشهد عظيم الشأن تكلمت فيه ونبت عن الغائبين عنه، واليوم يوم مشهود، فيه رؤساء الناس وأماثلهم، يعني: كشفت الغمة بقلب ثابت.
قوله: (ما منعك أن تجعل اليوم مشهوداً في نفسه): أي: ما دعاك إلى أن تجعل اليوم مشهوداً
قلت: الغرض وصف ذلك اليوم بالهول والعظم وتميزه من بين الأيام، فإن جعلته مشهوداً في نفسه فسائر الأيام كذلك مشهودات كلها، ولكن يجعل مشهوداً فيه حتى يحصل التميز كما تميز يوم الجمعة عن أيام الأسبوع بكونه مشهوداً فيه دونها، ولم يجز أن يكون مشهوداً في نفسه، لأنّ سائر أيام الأسبوع مثله يشهدها كل من يشهده، وكذلك قوله:(فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ)[البقرة: 185]؛ (الشهر) منتصب ظرفاً لا مفعولاً به، وكذلك الضمير في (فَلْيَصُمْهُ)، والمعنى: فمن شهد منكم في الشهر فليصم فيه، .........
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فيه، كقوله تعالى:(فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ)[البقرة: 185]، أي: فيه، ثم تجعله على الاتساع مشهوداً، فلا تجعله ابتداء مشهوداً في نفسه، لأن الغرض تهويل ذلك اليوم، وتمييزه بكونه مشهوداً فيه؟
قوله: (الغرض وصف ذلك اليوم بالهول والعظم وتميزه [من] بين الأيام): قال صاحب "التقريب": وفيه نظر؛ إذ يقال: سائر الأيام مشهود فيها، كما أنها مشهودات، والتحقيق أن في "اليوم المشهود فيه" إيهاماً في "المشهود"، أي: يشهد فيه حال، وفي "اليوم المشهود" لا إيهام، إذ يعلم أن المشهود اليوم، وأما تمييزه عن غيره بالتهويل فلذلك الإيهام مع القرينة والبيان.
قلت: ما أدري ما غرضه من قوله: "سائر الأيام مشهود فيها"، لأن الفرق بين الصورتين في غاية من الظهور، لأنه لا يقال:"يوم مشهود فيه" إلا ليوم تشهد فيه الخلائق من كل أوب لأمر له شأن، أو لخطب يهمهم، نحو أيام الأعياد، وأيام عرفة، وأيام الحرب، وأيام قدوم السلطان، ويقال: يوم مشهود، أي: مدرك، كما تقول: أدركت يوم فلان، وشهر فلان، كما سبق في قوله تعالى:(فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ)[البقرة: 185].
يعني: فمن كان منكم مقيما حاضراً لوطنه في شهر رمضان فليصم فيه، ولو نصبته مفعولا فالمسافر والمقيم كلاهما يشهدان الشهر، لا يشهده المقيم، ويغيب عنه المسافر.
[(وَما نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ)].
"الأجل": يطلق على مدة التأجيل كلها وعلى منتهاها، فيقولون: انتهى الأجل، وبلغ الأجل آخره، ويقولون: حل الأجل (فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ)[الأعراف: 34]، يراد: آخر مدة التأجيل، و"العدّ" إنما هو للمدّة لا لغايتها ومنتهاها، فمعنى قوله (وَما نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ) إلا لانتهاء مدة معدودة بحذف المضاف. وقرئ: وما يؤخره بالياء.
[(يَوْمَ يَاتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ)].
قرئ: (يَوْمَ يَاتِ) بغير ياء. ونحوه قولهم: لا أدر، حكاه الخليل وسيبويه. وحذف الياء والاجتزاء عنها بالكسرة كثير في لغة هذيل. فإن قلت: فاعل يأتى ما هو؟ قلت: الله عز وجل،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ويقولون: حل الأجل) إلى آخره: عطف على "فيقولون: انتهى الأجل"، وهما نشر لقوله:"على مدة التأجيل كلها وعلى منتهاها" من غير ترتيب، وقوله:"والعد: إنما هو للمدة، لا لغايتها": تعليل، لأن المراد في الآية مدة التأجيل لا منتهاها.
قوله: (قرئ: (يَوْمَ يَاتِ) بغير ياء): أثبت الياء في الحالين: ابن كثير، وأثبتها لمجيء الوصل: نافع وأبو عمرو والكسائي، والباقون: يحذفونها في الحالين. قال الزجاج: "الذي يختاره النحويون: إثبات الياء، والذي أختاره في المصحف وعليه القراءات: بكسر التاء،
كقوله: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَاتِيَهُمُ اللَّهُ)[البقرة: 210]، (أَوْ يَاتِيَ رَبُّكَ) [الأنعام: 158]، (وَجاءَ رَبُّكَ) [الفجر: 22]، وتعضده قراءة:"وما يؤخره"، بالياء. وقوله:(بِإِذْنِهِ) ويجوز أن يكون الفاعل ضمير "اليوم"، كقوله تعالى:(أَوْ تَاتِيَهُمُ السَّاعَةُ)[يوسف: 107].
فإن قلت: بما انتصب الظرف؟ قلت: إمّا أن ينتصب بـ (لا تكلم)، وإمّا بإضمار «اذكر» ، وإمّا بالانتهاء المحذوف في قوله (إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ)، أي: ينتهي الأجل يوم يأتي، فإن قلت: فإذا جعلت الفاعل ضمير اليوم، فقد جعلت اليوم وقتاً لإتيان اليوم وحدّدت الشيء بنفسه؟ قلت: المراد إتيان هوله وشدائده.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وهذيل تستعمله كذا، وقد حكى سيبويه: أن العرب تقول: لا أدر، وتجتزئ بالكسرة لكثرة الاستعمال، والذي أختاره إنما أختاره لمتابعة المصحف".
وقال أبو علي: " (لَا تَكَلَّمُ) يحتمل أن تكون حالاً من الضمير في "يأتي"، وأن تكون صفة لـ "يوم"، وعلى الوجهين لابد من تقدير ضمير، أي: لا تكلم نفس فيه، فإن كان حالاً فحذف الياء من (يَاتِ)، لأنه كلام مستقل، فيشبه لذلك الفواصل، وإن جعلته صفة جاز أيضاً، لأن الصفة قد يستغنى عنها بالموصوف، كما أن الحال قد يستغنى عنها بالفعل، إلا أن من الصفات ما لا يحسن أن يحذف فيه، ولذلك يشبه بغير الكلام التام".
قوله: (وتعضده قراءة من قرأ: "وما يؤخره" بالياء): يعني: فاعل "ما يؤخره" حينئذ: الله، وهذه الجملة تابعة لتلك الجملة صورة ومعنى، لأن التقدير: وما يؤخر الله اليوم المجموع
(لا تَكَلَّمُ) لا تتكلم، وهو نظير قوله (لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ) [النبأ: 38].
فإن قلت: كيف يوفق بين هذا وبين قوله تعالى (يَوْمَ تَاتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها)[النحل: 111]، وقوله تعالى (هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ* وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ) [المرسلات: 35 - 36]؟ ، قلت: ذلك يوم طويل له مواقف ومواطن، ففي بعضها يجادلون عن أنفسهم، وفي بعضها يكفون عن الكلام فلا يؤذن لهم، وفي بعضها يؤذن لهم فيتكلمون، وفي بعضها: يختم على أفواههم وتتكلم أيديهم وتشهد أرجلهم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إلا لانتهاء مدة معدودة، تنتهي المدة إلى يوم يأتي الله.
ولو جعلت الضمير "لليوم" لاختل النظم، ولأن المضير في (بِإِذْنِهِ) يقتضي ما يرجع إليه، ولو قلت: يأتي هول اليوم، لم يكن بذاك. فإذا جعلت الفاعل ضمير "اليوم"، فقد جعلت "اليوم" وقتاً لإتيان "اليوم"، قال أبو علي:"لا يجوز أني كون فاعل "يأتي" ضمير اليوم الذي يأتي، لما يلزم منه أن يضاف "اليوم" إلى فعل نفسه، ألا ترى أنك لا تقول: جئتك يوم يسرك، لأن معناه: يوم سروره إياك"، وإنما تضيف المصدر إلى الفاعل، كما إذا قلت: جئتك يوم يخرج زيد، أي: في يوم خروج زيد.
قال أبو البقاء: "وأما فاعل "يأتي" فضمير يرجع على (يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ)، ولا يرجع إلى "يوم" المضاف إلى "يأتي"، لأن المضاف إليه كجزء المضاف، فيؤدي إلى إضافة الشيء إلى نفسه".
(فَمِنْهُمْ) الضمير لأهل الموقف ولم يذكروا، لأنّ ذلك معلوم، ولأنّ قوله (لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ) يدل عليه، وقد مرّ ذكر الناس في قوله (مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ) و"الشقي": الذي وجبت له النار لإساءته، والسعيد الذي وجبت له الجنة لإحسانه.
[(فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ* خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلاَّ ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ)].
قراءة العامّة بفتح الشين. وعن الحسن شَقُوا بالضم، كما قرئ:(سُعِدُوا)، ........
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ولأن قوله: (لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ) يدل عليه): وفي هذا إشارة إلى أن الآية من باب الجمع مع التفريق والتقسيم، فالجمع قوله:(لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ) لأنها متعددة معنى، لأن النكرة في سياق النفي تعم، والتفريق:(فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ)، والتقسيم:(وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ)، والمساعدة: المعاونة فيما يظن به سعادة، والساعد: العضو؛ تصوراً لمساعدتها".
قوله: (كما قرئ: (سُعِدُوا)): حفص وحمزة والكسائي، قال السجاوندي: قرئ:
و"الزفير": إخراج النفس. والشهيق: ردّه. قال الشماخ:
بَعِيدُ مَدَى التَّطْرِيبِ أَوَّلُ صَوْتِهِ .. زَفِيرٌ وَيَتْلُوهُ شَهِيقٌ مُحَشْرَجُ
(ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ) فيه وجهان:
أحدهما: أن تراد سموات الآخرة وأرضها وهي دائمة مخلوقة للأبد. والدليل على أن لها سموات وأرضاً قوله تعالى: (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ)[إبراهيم: 48]، وقوله:(وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ)[الزمر: 74]، ولأنه لا بدّ لأهل الآخرة مما يقلهم ويظلهم: إمّا سماء يخلقها الله، أو يظلهم العرش، وكل ما أظلك فهو سماء.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(سُعِدُوا) مجهولاً، مع أنه لازم، أي: رزقوا السعادة، نحو: جن؛ إذا فعل به ما يصير به مجنوناً، ولو كان المراد: صيروا سعداء، لقال: أسعدوا، والتعدي لغة بني تميم، أو على حذف الزيادة من: أسعد، كمجبوب ومجنون. قال أبو البقاء:"نحوه: رجل مسعود".
قوله: (والزفير): الراغب: "الزفير: ترديد النفس حتى تنتفخ الضلوع منه، وازدفر فلان: إذا تحمله بمشقة، فتردد فيه نفسه، ومنه: زفر. والشهيق: طول الزفير، وهو رد النفس، والزفير: مد النفس، وأصله من: جبل شاهق، أي: متناهي الطول".
قوله: (بعيد مدى التطريب) البيت: يصف حمار وحش، التطريب في الصوت: مده وتحسينه، وحشرج المريض: تنفس عند الاحتضار.
قوله: (ولأنه لابد لأهل الآخرة مما يقلهم ويظلهم): قال القاضي: "وفيه نظر، لأنه تشبيه
والثاني أن يكون عبارةً عن التأييد ونفي الانقطاع، كقول العرب: ما دام تعار، وما أقام ثبير، وما لاح كوكب، وغير ذلك من كلمات التأبيد.
فإن قلت: فما معنى الاستثناء في قوله (إلا ما شاء ربك)، وقد ثبت خلود أهل الجنة والنار في الأبد من غير استثناء؟ قلت: هو استثناء من الخلود في عذاب النار، ومن الخلود في نعيم الجنة، وذلك أن أهل النار لا يخلدون في عذاب النار وحده، بل يعذبون بالزمهرير وبأنواع من العذاب سوى عذاب النار، وبما هو أغلظ منها كلها وهو سخط الله عليهم وخسؤه لهم وإهانته إياهم، وكذلك أهل الجنة لهم سوى الجنة ما هو أكبر منها وأجل موقعاً منهم، وهو رضوان الله، كما قال:(وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ)[التوبة: 72]، ولهم ما يتفضل الله به عليهم سوى ثواب الجنة مما لا يعرف كنهه إلا هو، فهو المراد بالاستثناء.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بما لا يعرف أكثر الخلق وجوده ودوامه، ومن عرفه فإنما يعرفه بما يدل على دوام الثواب والعقاب، فلا يجدي له التشبيه". وأجيب عنه: بأنه ليس هذا من التشبيه بما لا يعرف، بل هو من تشبيه ما لا يعرف بما يعرف، فإنه شبه تلك الدار بهذه الدار، وأثبت لها ما لهذه من المظلة والمقلة، والجامع كونهما جسمين، وإثبات الدوام للمشبه به مبني على العرف والعادة، كما قال: ما لاح كوكب، ما دام تعار.
قوله: (ما دام تعار)، النهاية:"تعار: جبل معروفن يصرف ولا يُصرف"، وفي الحديث ذكر ثبير، وهو الجبل المعروف عند مكة.
والدليل عليه قوله: (عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ)، ومعنى قوله في مقابلته:(إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ): أنه يفعل بأهل النار ما يريد من العذاب، كما يعطى أهل الجنة عطاءه الذي لا انقطاع له، فتأمّله فإنّ القرآن يفسر بعضه بعضاً.
ولا يخدعنك عنه قول المجبرة: إنّ المراد بالاستثناء خروج أهل الكبائر من النار بالشفاعة، فإنّ الاستثناء الثاني ينادي على تكذيبهم ويسجل بافترائهم. وما ظنك بقوم نبذوا كتاب الله لما روى لهم بعض النوابت عن عبد الله بن عمرو بن العاص:"ليأتين على جهنم يوم تصفق فيه أبوابها ليس فيها أحد، وذلك بعد ما يلبثون فيها أحقاباً"، وقد بلغني أن من الضلال من اغترّ بهذا الحديث، فاعتقد أن الكفار لا يخلدون في النار، ....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (والدليل عليه): أي: على أن الاستثناء في الخلود من عذاب النار، ومن الخلود في نعيم الجنة، لا الانقطاع من العقاب والثواب مطلقاً، لأن قوله:(عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) يدل على أن لا انقطاع للثواب، فكذلك ينبغي أن يراد من قوله:(إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ)، لأنه مقابله، وهو مذهبه، وسيجيء بطلانه.
قوله: (النوابت)، الجوهري:"النوابت من الأحداث: الأغمار"، وقيل: النابتة: قوم من الحشوية لا رأي لهم.
قوله: (الاستثناء الثاني ينادي على تكذيبهم): قلت: كلا، بل كل من الاستثنائين في عويل وضجيج بتأويلك؛ أما الأول: فلأن اسم النار غلبت لدار العقاب، لقوله تعالى:(فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ* رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلْ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ)[آل عمران: 191 - 192]، ولو لم يكن اسم النار مشتملاً على أنواع العذاب، كالنار والمهل والضريع والسلاسل والزمهرير، لكان طلب الوقاية عنها مطلقاً لا يغني عن المذكورات، ولأن من إطلاق اسم النار في عرف الشرع لا
وهذا ونحوه - والعياذ بالله- من الخذلان المبين، زادنا الله هداية إلى الحق ومعرفة بكتابه، وتنبيهاً على أن نعقل عنه، ولئن صح هذا عن ابن العاص، فمعناه: أنهم يخرجون من حرّ النار إلى برد الزمهرير فذلك خلوّ جهنم وصفق أبوابها، وأقول: ما كان لابن عمرو في سيفيه، ومقاتلته بهما علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ما يشغله عن عن تسيير هذا الحديث.
[(وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلاَّ ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ* فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ ما يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ)].
(غَيْرَ مَجْذُوذٍ) غير مقطوع، ولكنه ممتدّ إلى غير نهاية، كقوله:(لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ)[فصلت: 8، الانشقاق: 25].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ.
يتبادر إلا دار العقاب، كما أن من اسم الجنة لا يفهم إلا دار الثواب، قال المصنف في أول تفسير سورة البقرة:"الجنة: اسم لدار الثواب كلها، وهي مشتملة على جنان كثيرة"، وهي على نهج الأسماء الغالبة اللاحقة بالأعلام.
وأما الثاني: فلأن الذوق السليم والطبع المستقيم يأبى أن يقال: إن الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها إلا أن ينقلوا إلى رضوان الله، ورضوان الله أيضاً كائن في الجنة، عن البخاري ومسلم والترمذي عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله عز وجل يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك وسعديك، والخير بيديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: ما لنا لا نرضى يا ربنا، وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك؟ ! فيقول: ألا
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: أي شيء أعظم من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً".
هذا، ثم قوله:"الاستثناء الثاني ينادي على تكذيبهم"- يعني: كما لا يوجب خروج أهل الجنة من الجنة، كذلك الأول-: يرده تذييل كل من الآيتين بما يخالف الأخرى، فإن اختلافهما يدل على اختلاف الحكمين، فإن قوله تعالى:(فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ) رد لما عسى أن يقول المعتزلي في أفعال الله بالحسن والقبح، وأن الثواب والعقاب واجبان، رداً بليغاً، حيث جيء به مصدراً بـ "إن"، على وجه تقوي الحكم، وبناء "فعال" للمبالغة.
ويعضد هذا التفسير: ما رواه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:"قال الله عز وجل للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنار: أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة ملؤها".
ثم إن قوله: (عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) يدل على أن هذا الاستثناء ليس على طريقة الأول، لأنه اسم مصدر يؤكد مضمون الجملة، فلو جعل الاستثناء من الخلود في نعيم الجنة لخرج عن أن يكون مؤكداً، فوجب أن يجعل الاستثناء من أسلوب قوله تعالى:(لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الأُولَى)[الدخان: 56]، يعني: أن انقضاء مدة بقائهم فيها محال، فيخلدون فيها أبداً إلا ما شاء الله، وقد علم اتفاقاً أن مشيئة الله على الخلود فيها، فإذن لا انقطاع لخلودهم.
ثم إني وقفت بعد ذلك على ما يوافق هذا المعنى من نص الزجاج رحمه الله تعالى: " (إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ) معناه: هو لا يشاء أن يخرجهم منها، كما تقول: أنا أفعل كذا وكذا إلا أن أشاء
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
غير ذلك، ثم تقيم على ذلك الفعل، وأنت قادر على غير ذلك، والفائدة فيه: أنه تعالى لو شاء أن يخرجهم لقدر، ولكنه قد أعلمنا أنهم خالدون أبداً. هذا مذهب من مذاهب أهل اللغة".
وصرح المصنف في الكهف في قوله: (وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً* إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ)[الكهف: 23 - 24]: "أن الاستثناء بمعنى التأبيد".
وأما قوله: "قول المجبرة: إن المراد بالاستثناء خروج أهل الكبائر من النار بالشفاعة": فليس من تلقاء أنفسهم، لأنهم يرفعون حديث الخروج إلى الصادق المصدوق صلوات الله عليه، روى البخاري ومسلم عن جابر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:"يخرج من النار قوم بالشفاعة كأنهم الثعارير"، الثعارير- بالثاء المثلثة والعين المهملة-: صغار القثاء.
وروى البخاري وأبو داود والترمذي عن عمران بن الحصين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يخرج قوم من النار بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم، فيدخلون الجنة، يسمون الجهنميين".
والأحاديث في هذا الباب بلغت مبلغ التواتر كثرة وصحة.
لكن الحديث الذي رواه عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، ونسبه إلى أهل السنة، فهم بريئون عنه، فقد صرح بوضعه ابن الجوزي في كتاب "الموضوعات"،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ورواه عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يأتي على جهنم يوم ما فيها من بني آدم أحد، تصفق أبوابها، كأنها أبواب الموحدين".
وأما تفسير الاستثناء بالنقل من النار إلى الزمهرير: فما جاء فيه نقل يعتمد عليه.
وأما قوله: "أما كان لابن عمرو في سيسفيه ما يشغله عن تسيير هذا الحديث": ففيه- والعياذ بالله- الطعن فيمن هو من أكابر الصحابة، ومن العلماء المشاهير منهم، ومن العابدين فيهم؛ من وجهين:
أحدهما: أنه عمد إلى وضع الحديث على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك اجتهد في تسييره.
وثانيهما: أنه قاتل علياً رضي الله عنهما بسيفيه؛ لسانه وحسامه.
هذا- والله- خسارة عظيمة لا يقدم عليه متدين.
قال ابن عبد البر في "الاستيعاب": "إنه كان فاضلاً حافظاً عالماً، وكان يسرد الصوم، ولا ينام الليل، وحديث مراجعته مع النبي صلى الله عليه وسلم في الصيام وختم القرآن مشهور"، وقال:"إنه اعتذر من شهوده صفين، وأقسم أنه لم يرم فيها برمح ولا سهم، وإنما شهدها لعزمة أبيه عليه، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قال له: "أطع أباك"، وكان يقول: "ما لي ولصفين، ما لي ولقتال المسلمين، والله لوددت أني مت قبل هذا بعشر سنين، وقال: أما والله ما ضربت فيها بسيف، ولا طعنت فيها برمح، ولا رميت بسهم".
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال ابن الحاجب في "الأمالي": "الاستثناء الأول متصل من وجهين:
أحدهما: أن المراد بـ (مَا دَامَتْ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ): جميع الزمان بعد البعث، فاستثني زمن إقامتهم في المحشر، فإنهم ليسوا في النار حينئذ. روى الواحدي هذا الوجه عن الزجاج، قال الإمام: "هذا بعيد، لأن الاستثناء وقع عن الخلود في النار، ومن المعلوم أن الخلود فيها كيفية من كيفيات الحصول فيها، فقبل الحصول في النار امتنع حصول الخلود فيها، فإذا لم يحصل الخلود، لم يحصل المستثنى منه، وإذا لم يحصل المستثنى منه، وإذا لم يحصل المستثنى منه امتنع حصول الاستثناء.
وثانيهما: أن يكون (الَّذِينَ شَقُوا) عبارة عن الكفار وعصاة المسلمين، فيكون (إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ) استثناء إما المدة التي تكون بعد إخراج العصاة، فإنهم ليسوا فيها حينئذ، وإما لمن يخرج؛ استمالاً لـ "ما" بمعنى:"من"، ويكون استثناء من (الَّذِينَ شَقُوا)، لا من (مَا دَامَتِ) ".
قال الإمام: "هذا الاستثناء يفيد إخراج أهل التوحيد من النار، لأن قوله:(فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ) يفيد أن جملة الأشقياء محكوم عليهم بهذا الحكم، ثم قال:(إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ)، فوجب أن لا يبقى ذلك الحكم على ذلك المجموع، ويكفي في زوال حكم الخلود عن المجموع زواله عن بعضهم، فوجب أن لا يبقى حكم الخلود لبعض الأشقياء، ولما ثبت أن
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الخلود واجب للكفار وجب أن يقال: الذين زال حكم الخلود عنهم هم الفساق من أهل الصلاة".
وتبعه القاضي حيث قال: " (إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ) استثناء من الخلود في النار، لأن بعضهم- وهم فساق الموحدين- يخرجون منها، وذلك كاف في صحة الاستثناء، لأن زوال الحكم عن الكل يكفيه زواله عن البعض، وهم المراد بالاستثناء الثاني، فإنهم مفارقون عن الجنة أيام عذابهم؛ فإن التأبيد من مبدأ معين ينتقض باعتبار الابتداء، كما ينتقض باعتبار الانتهاء، وهؤلاء وإن شقوا بعصيانهم، فقد سعدوا بإيمانهم. لا يقال: فعلى هذا لم يكن قوله: (فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ) تقسيماً صحيحاً؛ لأن من شرطه أن تكون صفة كل قسم منتفية عن قسيمه، لأن ذلك الشرط حيث التقسيم لانفصال حقيقي أو مانع من الجمع، وها هنا المراد أن أهل الموقف لا يخرجون عن القسمين، وأن حالهم لا يخلو عن السعادة والشقاوة، وذلك لا يمنع اجتماع الأمرين في شخص باعتبارين".
وقال الزجاج والسجاوندي: "ما" بمعنى: "من"، لأن المراد العدد لا الشخص- كقوله تعالى:(فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ)[النساء: 3]-، و"إلا" بمعنى "سوى"، كقولك: علي ألفان إلا الألف الذي كان، يعني: سوى، أي: خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض سوى ما شاء ربك من الزيادة التي لا آخر لها على مدة بقاء السماوات والأرض.
وقلت: الحق الذي لا محيد عنه: أن تحمل "ما" على معنى: "من"؛ لإرادة الوصفية، وهي
لما قصّ قصص عبدة الأوثان، وذكر ما أحلّ بهم من نقمه، وما أعدّ لهم من عذابه قال:(فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ) أي: فلا تشك بعد ما أنزل عليك من هذه القصص في سوء عاقبة عبادتهم وتعرّضهم بها لما أصاب أمثالهم قبلهم تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وعدة بالانتقام منهم ووعيداً لهم ثم قال:(ما يَعْبُدُونَ إِلَّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ) يريد: أن حالهم في الشرك مثل حال آبائهم من غير تفاوت بين الحالين، وقد بلغك ما نزل بآبائهم فسينزلنّ بهم مثله، وهو استئناف معناه تعليل النهي عن المرية.
و«ما» في (مما)، و (كما): يجوز أن تكون مصدرية وموصولة، ........
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المرحومية، ليؤذن أن إخراجهم لمحض مشيئته وسبق رحمته، لا لاستحقاق منهم، فينطبق عليه:(إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ). وتحقيقه: أن قوله: (خَالِدِينَ فِيهَا) حال مقدرة من ضمير الاستقرار في الظرف، أي:(فِي النَّارِ)، وأنت تعلم أن الحال قيد للحكم، فإذا انتفى الحكم من البعض بالاستثناء ينتفي مقيداً، المعنى: إن الذين شقوا مستقرون في النار مقدرين الخلود إلا المرحوم الذي شاء الله أن لا يستقر مخلداً. فيفيد إما أن لا يستقر فيها مطلقاً أو يستقر غير مخلد، وأحوال العصاة على هذا النهج، كما علم من النصوص الصحيحة.
وقال المصنف: "زادنا الله هداية إلى الحق ومعرفة بكتابه"، ونقول: زادنا الله اطلاعاً على كشف أستار التنزيل لنذب عن مذهب أهل الحق، ووقوفاً على الجمع بين الكتاب والسنة، ونعوذ بالله من الزيغ عن سنن المؤمنين، وسنن سيد المرسلين.
قوله: (وتعرضهم بها لما أصاب): اللام: صلة التعرض. الجوهري: "عرضت فلاناً لكذا، فتعرض هو له"، والباء في "بها": للسبب، أي: تعرضهم لما أصاب أمثالهم بسبب العبادة.
قوله: (وهو استئناف معناه تعليل النهي): يعني: لما نهاه بقوله: (فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ)، أي: لا تشك في سوء عاقبة عبادتهم، قدر السائل أن يقول: لم ما أشك في سوء عاقبتهم؟ فأجاب: لأن حالهم في الشرك مثل حال آبائهم، فيهلكهم الله كما أهلك آباءهم.
أى: من عبادتهم، وكعبادتهم. أو مما يعبدون من الأوثان، ومثل ما يعبدون منها.
(وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ) أي: حظهم من العذاب كما وفينا آباءهم أنصباءهم.
فإن قلت: كيف نصب (غَيْرَ مَنْقُوصٍ) حالاً عن النصيب الموفى؟ قلت: يجوز أن يوفى وهو ناقص، ويوفى وهو كامل. ألا تراك تقول. وفيته شطر حقه، وثلث حقه، وحقه كاملاً وناقصاً.
[(وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ)].
(فَاخْتُلِفَ فِيهِ) آمن به قوم وكفر به قوم، كما اختلف في القرآن (وَلَوْلا كَلِمَةٌ) يعنى كلمة الإنظار إلى يوم القيامة (لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ) بين قوم موسى أو قومك. وهذه من جملة التسلية أيضاً.
[(وَإِنَّ كُلاًّ لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أي: من عبادتهم وكعبادتهم): فيه نشر، يعني: على تقدير أن تكون "ما" في الصورتين مصدرية: معناه هذا، وعلى تقدير أن تكون موصولة: معناه: مما يعبدون من الأوثان، ومثل ما يعبدون منها.
قوله: (يجوز أن يوفى وهو ناقص، ويوفى وهو كامل)، الانتصاف:"هذا وهم، لأن التوفية تقتضي عدم نقصان الموفى، كلا كان أو بعضاً، فوفاء النصف يلزم منه عدم نقصان النصف، فما وجه جعله حالاً؟ ! والأصح أن تستعمل "التوفية" بمعنى: الإعطاء، كما استعمل "التوفي" بمعنى: الأخذ، ومن قال: أعطيت فلاناً حقه، كان جديراً أن يؤكده بقوله: غير منقوص".
(وَإِنَّ كُلًّا) التنوين عوض من المضاف إليه، يعني: وإنّ كلهم، وإنَّ جميع المختلفين فيه (لَيُوَفِّيَنَّهُمْ) جواب قسم محذوف. واللام في لَمَّا موطئة للقسم، و «ما» مزيدة. والمعنى: وإن جميعهم والله ليوفينهم (رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ) من حسن وقبيح وإيمان وجحود.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقلت: الحق أن سبيل قوله: (غَيْرَ مَنقُوصٍ) سبيل الحال المؤكدة، وهي أن تقرر مضمون الجملة لدفع توهم التجوز، كقوله تعالى:(ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ)[التوبة: 25].
قوله: ((وَإِنَّ كُلاًّ) التنوين عوض من المضاف إليه): أبو عمرو والكسائي قرءا بتشديد "إن" وتخفيف لَّمَّا).
قوله: (واللام في (لَمَّا) موطئة للقسم، و"ما"مزيدة): قال صاحب "التقريب": "وفيه نظر، لأن الموطئة لا تدخل إلا على شرط، فالوجه أن اللام الأولى: هي الداخلة على خبر "إن"، والثانية: جواب قسم، و"ما": مزيدة، لئلا تتلاقى لامان، تقديره: إن كلهم لوالله ليوفينهم"، تم كلامه.
وهو قول أبي علي في "الحجة"، ذكر أن اللام في "إن زيداً لما لينطلقن"- على قول سيبويه-: هي اللام التي تقتضيه "إن"، واللام الأخرى: هي اللام التي تتلقى القسم، ودخلت "ما" لتفصل بين اللامين مع اتفاق اللفظين.
وقلت: نظره نشأ من قولهم: "اللام الموطئة للقسم: هي التي في قولك: والله لئن أكرمتني لأكرمنك"، كما في "المفصل"، وتفسير ابن الحاجب له: "اللام الموطئة للقسم: هي اللام التي تدخل على الشرط بعد تقدم القسم لفظاً أو تقديراً، لتؤذن بأن الجواب له لا للشرط،
وقرئ: "وإن كلا" بالتخفيف على إعمال المخففة عمل الثقيلة، .....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فهذا معنى توطئتها، وليست جواب القسم، وإنما الجواب ما يأتي بعد الشرط".
ويمكن أن يقال: معنى التوطئة فيها: هو أنها توطأت مكان القسم، من قولهم: توطأته بقدمي، وهو موطئ قدمي، أي: دلت على أن اللام التي تليها مما يصلح أن تكون جواباً لقسم محذوف، فهذا لا يوجب الاختصاص بأن يكون مدخولها شرطاً البتة، وبه تعلم علة التسمية؛ إذ رعاية التناسب بين الاسم والمسمى منظور فيه.
فعلى هذا: الجملة القسمية بتمامها وقعت خبراً لـ "إن"، واستغني بمعنى التأكيد فيها عن ذكر اللام، ويعضد ما ذكرناه تقديره:"وإن جميعهم والله ليوفينهم"؛ حيث أوقع القسم خبراً لـ "إن"، واسقط اللام الأولى لإقامة المدلول مقام الدال.
قال صاحب "التخمير": "أجمع الكوفيون وكثير من البصريين على أن اللام الأولى: خلف من القسم، والثانية: لام جواب القسم". وذكر صاحب "الإقليد": أن اللام في قوله: (وَإِنَّ كُلاًّ لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ): موطئة للقسم، والتقدير: والله لما، و"ما": مزيدة، وفي (لَيُوَفِّيَنَّهُمْ): جواب القسم، أي: وإن كلاً والله ليوفينهم، وقال: التوطئة كثرة الوطء، وهي الرياضة، كقولك: وطئ الفرس ووطئ المركب، تقول: هذه اللام وطأت جواب القسم، أي: سهل تفهم الجواب على المقسم له.
قوله: ("وإن كلا" بالتخفيف): قال ابن الحاجب: "هي قراءة ابن كثير ونافع، و"إن":
اعتباراً لأصلها الذي هو التثقيل. وقرأ أبيّ: "وإن كل لما ليوفينهم"، على أنّ "إن" نافية. و"لما" بمعنى إلا. وقراءة عبد الله مفسرة لها:
"وإن كل إلا ليوفينهم"، وقرأ الزهري وسليمان بن أرقم:"وإن كلا لما ليوفينهم"، بالتنوين، كقوله:(أَكْلًا لَمًّا)[الفجر: 19]،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مخففة من الثقيلة، و (كُلاًّ): منصوب بها؛ على إحدى اللغتين في الإعمال والإلغاء، وهي لغة فصيحة، واللام: هي الفارقة، و"ما": زائدة أو بمعنى: الذي، و (لَيُوَفِّيَنَّهُمْ) جملة في موضع خبر "إن"، واللام فيها: لام القسم، وحسن زيادة "ما" لما قصد على جعل (لَيُوَفِّيَنَّهُمْ) جواب قسم، فلم يحسن اجتماع اللامين؛ اللام الفارقة ولام جواب القسم، فلولا "ما" لقيل: لليوفينهم، فزيدت ليفرق بينهما، أو صلة لـ "ما" إن جعلناها موصولة، كأنه قيل: وإن هؤلاء للذين- والله- ليوفينهم ربك أعمالهم".
وقال ابن مالك: "إهمال "إن" المكسورة بالتخفيف أكثر من إعمالها، وإذا أعملت وهي مخففة، فالمتكلم بالخيار في الإتيان باللام وتركها، كما كان قبل التخفيف، ومن إعمالها مخففة: (وَإِنَّ كُلاًّ لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ) ".
قوله: ("وإن كل لما ليوفينهم"): قال ابن جني: "معناه: ما كل إلا والله ليوفينهم، كقولك: ما زيد إلا لأضربنه، أي: ما زيد إلا مستحق لأن يقال فيه هذا".
قوله: ("وإن كلاً لما ليوفينهم" بالتنوين): قال ابن جني: "لما- بالتنوين-: مصدر، كالذي في قوله تعالى:(وَتَاكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلاً لَمّاً)[الفجر: 19]، أي: أكلاً جامعاً
والمعنى: وإن كلا ملمومين، بمعنى مجموعين، كأنه قيل: وإنّ كلا جميعاً، كقوله (فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ) [الحجر: 30، ص: 73].
[(فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)].
(فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ) فاستقم استقامة مثل الاستقامة التي أمرت بها على جادّة الحق، غير عادل عنها (وَمَنْ تابَ مَعَكَ) معطوفٌ على المستتر في استقم. وإنما جاز العطف عليه ولم يؤكد بمنفصل لقيام الفاصل مقامه. والمعنى: فاستقم أنت وليستقم من تاب على الكفر وآمن معك (وَلا تَطْغَوْا) ولا تخرجوا عن حدود الله (إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) عالم فهو مجازيكم به، فاتقوه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لأجزاء المأكول، وكذلك تقدير هذا بمعنى: وإن كلاً ليوفينهم ربك أعمالهم لماً، أي: توفية جامعة لأعمالهم جميعاً، ومحصلة لأعمالهم تحصيلاً، فهو كقولك: قياماً لأقومن، وقعوداً لأقعدن".
والمصنف ذهب إلى التوكيد، لقوله:"وإن كلاً جميعاً".
وقال أبو البقاء: "وانتصابه على الحال من ضمير المفعول في (لَيُوَفِّيَنَّهُمْ) ضعيف".
قوله: ((إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) عالم فهو مجازيكم به فاتقوه): أشار بقوله: "فاتقوه" إلى أن قوله: (بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) تعليل للأمر والنهي وتهديد، قال القاضي:"في الآية دليل على وجوب اتباع النصوص، من غير تصرف وانحراف بنحو قياس واستحسان".
وعن ابن عباس: ما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع القرآن آية كانت أشدّ ولا أشقّ عليه من هذه الآية. ولهذا قال: "شيبتني هود والواقعة وأخواتهما". وروى أنّ أصحابه قالوا له: لقد أسرع فيك الشيب؟ فقال: "شيبتني هود". وعن بعضهم: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم فقلت له: روي عنك أنك قلت: شيبتني هود. فقال: نعم. فقلت: ما الذي شيبك منها؟ أقصص الأنبياء وهلاك الأمم؟ قال: ......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقلت: يمكن أن يجعل (إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) تتميماً ومبالغة، المعنى: فاستقيموا حق الاستقامة، فإنه بصير لا يخفى عليه سركم وعلانيتكم، فهو من باب الإحسان والإخلاص.
قوله: (قال: "شيبتني هود والواقعة"): روينا عن الترمذي عن ابن عباس قال: قال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله، قد شبت، قال:"شيبتني هود، والواقعة، والمرسلات، وعم يتساءلون، وإذا الشمس كورت"، قيل: صح "هود" هنا غير منصرف، كـ "ماه" و"جور" في اسمي بلدتين للأسباب الثلاثة، لأن المراد به في الحديث السورة، لا النبي.
لا، ولكن قوله (فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ). وعن جعفر الصادق رضي الله عنه (فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ) قال: افتقرْ إلى الله بصحة العزم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لا، ولكن قوله: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ)): دل هذا القول على أنها كلمة جامعة، قال الإمام:"هي جامعة لكل ما يتعلق بالعقائد والأعمال، ولاشك أن البقاء على الاستقامة الحقيقية مشكل جداً، وأنا أضرب لك مثالاً يقرب صعوبة هذا المعنى؛ الخط الذي يفصل بين الظل والضوء جزء واحد لا يقبل القسمة في العرض، فإذا قرب طرف الظل من طرف الضوء اشتبه في الحس، ولم يقو الحس على إدراك ذلك الخط، فالاستقامة بجميع أبواب العبودية كذلك، فأولها: معرفة الله، وتحصيل هذه المعرفة على وجه يبقي العقل مصوناً في طرف الإثبات عن التشبيه، وفي طرف النفي عن التعطيل، في غاية الصعوبة، واعتبر سائر مقامات المعرفة وسائر الأخلاق على هذا، فالقوة الغضبية والشهوانية حصل لكل واحد منهما طرفا إفراط وتفريط، وهما مذمومان، والفاصل هو المتوسط بينهما بحيث لا يميل إلى أحد الجانبين، والوقوف عليه صعب، ثم العمل به أصعب".
وقس على هذا الشجاعة والسخاوة والعفة، على هذا ينظر قول المصنف:"فاستقم استقامة مثل الاستقامة التي أمرت بها على جادة الحق، غير عادل عنها"، وهذا لا يكون إلا بالافتقار إلى الله تعالى، ونفي الحول والقوة عن النفس بالكلية، فينطبق عليه قول الصادق:"افتقر إلى الله تعالى بصحة العزم".
روى السلمي عن بعضهم: من يطيق مثل هذه المخاطبة بالاستقامة، إلا من أيد بالمشاهدات القوية، والأنوار البينة، والآثار الصادقة، ثم عصم بالتثبيت، (وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ
[(وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ)].
قرئ: (ولا تركنوا)، بفتح الكاف وضمها مع فتح التاء. وعن أبي عمرو: بكسر التاء وفتح الكاف، على لغة تميم في كسرهم حروف المضارعة إلا الياء في كل ما كان من باب "علم يعلم". ونحوه قراءة من قرأ "فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ" بكسر التاء. وقرأ ابن أبي عبلة:"ولا تركنوا"، على البناء للمفعول، من أركنه إذا أماله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ) [الإسراء: 74]، قال أبو علي الجوزجاني: كن طالب الاستقامة، لا طالب الكرامة، فإن نفسك متحركة في طلب الكرامة، وربك يطلب منك الاستقامة.
قوله: ((وَلا تَرْكَنُوا) بفتح الكاف وضمها): قال ابن جني: "قرأ طلحة وقتادة والأشهب، ورويت عن أبي عمرو: "ولا تركنوا" بضم الكاف، وفيها لغتان: ركن يركن؛ كعلم يعلم، وركن يركن؛ كقتل يقتل، هذا عند أبي بكر من اللغات المتداخلة".
قوله: ("فتمسكم النار" بكسر التاء): قال ابن جني: "قراءة يحيى والأعمش وطلحة بخلاف، ورواه إسحاق الأزرق عن حمزة، هذه لغة تميم؛ أن تكسر أول مضارع ما ثاني ماضيه مكسور، نحو: علمت وركبت، وتقل الكسرة في الياء، نحو: يعلم، ويركب؛ استثقالاً للكسرة في الياء، وكذلك ما في أول ماضيه همزة وصل، نحو: ينطلق، وتسود،
والنهي متناول للانحطاط في هواهم، والانقطاع إليهم، ومصاحبتهم ومجالستهم وزيارتهم ومداهنتهم، والرضا بأعمالهم، والتشبه بهم، والتزيي بزيهم، ومدّ العين إلى زهرتهم. وذكرهم بما فيه تعظيم لهم. وتأمّل قوله (وَلا تَرْكَنُوا) فإن الركون هو الميل اليسير، وقوله (إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا) أي: إلى الذين وجد منهم الظلم، ولم يقل إلى الظالمين.
وحُكي أنّ الموفق صلى خلف الإمام فقرأ بهذه الآية فغشي عليه، فلما أفاق قيل له، فقال: هذا فيمن ركن إلى من ظلم، فكيف بالظالم؟ !
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وتبيض، فكذلك (فتمسكم) ".
قوله: (وحكي أن الموفق): والظاهر أنه أراد أبا أحمد طلحة الموفق بن المتوكل، قال ابن الأثير في "الكامل":"عقد له أخوه المعتمد على الله على الكوفة والحرمين واليمن وبغداد وواسط والبصرة والأهواز وفارس وكرمان، وولاه قتال الزنج بالبصرة، وصاحبهم رجل زعم أنه علي بن محمد بن أحمد بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، فأبادهم الله على يده، وكان عادلاً حسن التدبير حسن السيرة، يجلس للمظالم، وعنده القضاة وغيرهم، وكان عالماً بالأدب والنسب والفقه وسياسة الملك وغير ذلك، توفي في سنة ثمان وسبعين ومئتين".
وقال ابن حمدون صاحب "التذكرة": وكان العهد في الموفق بعد المعتمد أخيه، ثم في المفوض إلى الله جعفر بن المعتمد، فمات الموفق قبل المعتمد، ثم بويع المعتضد بن الموفق بالعهد، وخلع المفوض، وقال: كان الموفق مستولياً على الأمر كله في خلافة أخيه المعتمد، حتى قال- وقد طلب ما راعى به مغنياً، فمنع منه-:
وعن الحسن رحمه الله: جعل الله الدين بين لاءين: (وَلا تَطْغَوْا)، (وَلا تَرْكَنُوا).
ولما خالط الزهري السلاطين كتب إليه أخ له في الدين: "عافانا الله وإياك - أبا بكر - من الفتن، فقد أصبحت بحالٍ ينبغي لمن عرفك أن يدعو لك الله ويرحمك، أصبحت شيخاً كبيراً وقد أثقلتك نعم الله بما فهمك الله من كتابه،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أليس من العجائب أن مثلي
…
يرى ما قل ممتنعاً عليه
ويؤخذ باسمه الدنيا جميعاً
…
وما من ذاك شيء في يديه
قوله: (جعل الله الدين بين لاءين: (وَلا تَطْغَوْا)، (وَلا تَرْكَنُوا)): لعل المراد: أن الله تعالى جعل الأمر بقوله: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ) - الذي هو عبارة عن الثبات على الصراط المستقيم، وهو الدين- بين النهيين؛ أحدهما: الإفراط، وهو الطغيان والتجاوز عن الحد، والآخر: التفريط، وهو الميل القليل إلى الظلمة.
قال القاضي: "خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين بها للتثبيت على الاستقامة التي هي العدل، فإن الزوال عنها بالميل إلى أحد طرفي إفراط وتفريط ظلم على نفسه أو غيره، بل ظلم في نفسه".
قوله: (ولما خالط الزهري السلاطين): قال صاحب "الجامع": "هو أبو بكر محمد ابن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري، أحد الفقهاء والمحدثين والعلماء من التابعين بالمدينة، المشار إليه في فنون علم الشريعة، قال عمر بن عبد العزيز: لا أعلم أحداً أعلم بالسنة منه. وقيل لمكحول: من أعلم من رأيت؟ قالك ابن شهاب، قيل: ثم من؟ قال: ابن شهاب. مات في رمضان سنة أربع وعشرين ومئة".
وعلمك من سنة نبيه، وليس كذلك أخذ الله الميثاق على العلماء، قال الله سبحانه (لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ) [آل عمران: 187].
واعلم أنّ أيسر ما ارتكبت وأخفّ ما احتملت: أنك آنست وحشة الظالم، وسهلت سبيل الغي بدنوّك ممن لم يؤدّ حقاً ولم يترك باطلاً، حين أدناك اتخذوك قطباً تدور عليك رحى باطلهم، وجسراً يعبرون عليك إلى بلائهم وسلماً يصعدون فيك إلى ضلالهم، يدخلون الشكّ بك على العلماء، ويقتادون بك قلوب الجهلاء، فما أيسر ما عمروا لك في جنب ما خرّبوا عليك، وما أكثر ما أخذوا منك في جنب ......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وليس كذلك أخذ الله الميثاق): اسم "ليس" محذوف، والكاف: اسم منصوب المحل؛ خبر "ليس"، و"أخذ الله الميثاق": جملة مستأنفة على تقدير السؤال، والأظهر أن تجعل "ليس" بمعنى: لا، كما في قول الشاعر:
إنما يجزي الفتى ليس الجمل
وفي شرح الدار الحديثي: روى أبو عمرو ابن العلاء: "ليس الطيب إلا المسك" بالنصب
ما أفسدوا عليك من دينك، فما يؤمنك أن تكون ممن قال الله فيهم (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا) [مريم: 59]، فإنك تعامل من لا يجهل، ويحفظ عليك من لا يغفل، فداو دينك فقد دخله سقم، وهيئ زادك فقد حضر السفر البعيد، وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء، والسلام.
وقال سفيان: في جهنم وادٍ لا يسكنه إلا القرّاء الزائرون للملوك. وعن الأوزاعي: ما من شيء أبغض إلى الله من عالم يزور عاملاً. وعن محمد بن مسلمة: الذباب على العذرة، أحسن من قارئ على باب هؤلاء .......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
على المشهور، وبالرفع على جعل "ليس" حرفاً غير عامل، كما عند بني تميم، ذكره سيبويه، وروينا في "صحيح البخاري" عن رافع بن خديج، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل، ليس السن والظفر"، كأنه قيل: لا كذلك أخذ الله الميثاق، أي: ما أخذ الله الميثاق أخذاً يشبه فعلك.
قوله: (وقال سفيان: في جهنم واد) الحديث: من رواية الترمذي وابن ماجة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تعوذوا من جب الحزن، قالوا: يا رسول الله، وما جب الحزن؟
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من دعا لظالم بالبقاء فقد أحب أن يعصى الله في أرضه» ولقد سئل سفيان عن ظالم أشرف على الهلاك في برية، هل يسقى شربة ماء؟ فقال: لا، فقيل له: يموت؟ فقال: دعه يموت.
(وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ) حال من قوله (فَتَمَسَّكُمُ) أي: فتمسكم النار وأنتم على هذه الحال. ومعناه: وما لكم من دون الله من أنصار يقدرون على منعكم من عذابه، لا يقدر على منعكم منه غيره (ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ) ثم لا ينصركم هو، لأنه وجب في حكمته تعذيبكم وترك الإبقاء عليكم.
فإن قلت: فما معنى "ثم"؟ قلت: معناها: الاستبعاد، لأنّ النصرة من الله مستبعدة مع استيجابهم العذاب واقتضاء حكمته له.
[(وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ)].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال: واد في جهنم، تعوذ منه جهنم كل يوم أربع مئة مرة، قيل: يا رسول الله، من يدخلها؟ قال: أعد للقراء المرائين بأعمالهم". وزاد ابن ماجة: "وإن من أبغض القراء إلى الله تعالى الذين يزولون الأمراء"، قال المحاربي: يعني: الجورة.
قوله: (فما معنى "ثم"): أتى في السؤال بالفاء للإنكار، يعني: فهم من قولك: "ثم لا ينصركم هو، لأنه وجب في حكمته تعذيبكم": أن "ثم" ها هنا واقعة موقع الفاء السببية، لأن المعنى: ولا تركنوا إلى الذين ظلموا، لأنكم إن ركنتم إلى الظلمة، فإن الله يعذبكم بالنار بأن يسلطها عليكم، فتمسكم، والحال أن لا ناصر سواه ليخلصكم منها، وهو لا ينصركم، لأنه وجب في حكمته تعذيبكم، فإذن لا تنصرون البتة، فلم جاء بـ "ثم" دون الفاء؟
(طَرَفَيِ النَّهارِ) غدوة وعشية (وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ) وساعاتٍ من الليل وهي ساعاته القريبة من آخر النهار، من أزلفه إذا قربه وازدلف إليه، وصلاة الغدوة: الفجر. وصلاة العشية: الظهر والعصر، لأنّ ما بعد الزوال عشىّ. وصلاة الزلف: المغرب والعشاء. وانتصاب (طرفي النهار) على الظرف، لأنهما مضافان إلى الوقت، كقولك: أقمت عنده جميع النهار، وأتيته نصف النهار وأوله وآخره، تنصب هذا كله على إعطاء المضاف حكم المضاف إليه. ونحوه (وَأَطْرافَ النَّهارِ) [طه: 130].
وقرئ: "وزلفاً" بضمتين. "وزلُفا"، بسكون اللام. وزلفى: بوزن قربى. فالزلف: جمع زلفة، كظلم في ظلمة. والزلف بالسكون: نحو بسرة وبسر. والزلف بضمتين نحو بُسُر في بُسَر. والزلفى بمعنى الزلفة، كما أن القربى بمعنى القربة: وهو ما يقرب من آخر النهار من الليل.
وقيل: (وزلفا من الليل): وقرباً من الليل، وحقها على هذا التفسير أن تعطف على (الصلاة)، أي: أقم الصلاة طرفى النهار،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأجاب: ليفيد معنى الاستبعاد مع استيجاب العذاب الذي يعطيه الفاء، قال القاضي:" (ثُمَّ) نزلت منزلة الفاء، فإنه تعالى لما بين أنه معذبهم، وأن غيره لا يقدر على نصرهم، أنتج ذلك أنهم لا ينصرون أصلاً".
قوله: ((وَزُلَفاً مِنْ اللَّيْلِ): وقرباً من الليل)، الجوهري:"الزلفى: القربة والمنزلة، ومنه قوله تعالى: (وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى) [سبأ: 37]، وهي اسم المصدر، كأنه قال: بالتي تقربكم عندنا ازدلافاً، وازدلفوا: تقدموا، والزلفة: الطائفة من الليل، والجمع: زلف".
وأقم زلفا من الليل، على معنى: وأقم صلاة تتقرّب بها إلى الله عز وجل في بعض الليل.
(إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ) فيه وجهان، أحدهما: أن يراد تكفير الصغائر بالطاعات، وفي الحديث:«إن الصلاة إلى الصلاة كفارة ما بينهما ما اجتنبت الكبائر» والثاني: إن الحسنات يذهبن السيئات، بأن يكن لطفاً في تركها، كقوله:(إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ)[العنكبوت: 45].
وقيل: نزلت في أبي اليسر عمرو بن غزية الأنصاري، كان يبيع التمر فأتته امرأة فأعجبته، فقال لها: إن في البيت أجود من هذا التمر، فذهب بها إلى بيته فضمها إلى نفسه وقبلها، فقالت له: اتق الله، فتركها وندم، ......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وحقها على هذا التفسير أن تعطف على (الصَّلاةَ)، لأن معنى "قرباً من الليل": يتقرب إلى الله في بعض الليل، بأن تصلى صلاة التهجد، فتعطف على (الصَّلاةَ)، وهي الصلاة في طرفي النهار، لتجتمع صلاة النهار وصلاة الليل.
قوله: (وفي الحديث: "إن الصلاة إلى الصلاة"): والرواية: أن عثمان دعا بطهور، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة، فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها، إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب، ما لم يأت كبيرة، وذلك الدهر كله"، أخرجه البخاري ومسلم مع اختلاف.
قوله: (بأن يكن لطفاً في تركها): لأن الصلاة الحقيقية هي أن تكون زاجرة عن ارتكاب المنكرات والفواحش، وإلا فتكون قاضية على صاحبها، قال ابن عباس:"من لم تأمره صلاته بالمعروف، ولم تنهه عن المنكر، لم يزدد بصلاته من الله إلا بعداً".
قوله: (أبي اليسر عمرو بن غزية الأنصاري): الصحيح في "جامع الأصول": "هو أبو اليسر
فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بما فعل، فقال صلى الله عليه وسلم: أنتظر أمر ربي، فلما صلى صلاة العصر نزلت، فقال: نعم، اذهب فإنها كفارة لما عملت.
وروي: أنه أتى أبا بكر فأخبره فقال: استر على نفسك وتب إلى الله، فأتى عمر رضي الله عنه فقال له مثل ذلك، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت، فقال عمر: أهذا له خاصة أم للناس عامة؟ فقال: بل للناس عامة.
وروي أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: توضأ وضوءاً حسناً وصل ركعتين (إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ).
(ذلِكَ) إشارة إلى قوله (فَاسْتَقِمْ) فما بعده (ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ) عظة للمتعظين.
[(وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ)].
ثم كرّ إلى التذكير بالصبر
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
- بفتح السين- كعب بن عمرو الأنصاري"، وفي "الاستيعاب": "كعب بن عمرو بن عباد، ويقال: كعب بن عمرو بن مالك". الحديث: أخرجه الترمذي عنه مع اختلاف وزيادات على ما رواه المصنف، والحديث ينصر القول الأول.
قوله: (ثم كر إلى التذكير بالصبر): يعني: رجع إلى تذكير ما بدئ به ضمناً، وهو قوله:(وَاصْبِرْ)، لأن المذكور أولاً- وهو قوله:(فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ) إلى قوله:
بعدما جاء بما هو خاتمة للتذكير، وهذا الكرور لفضل خصوصية ومزية وتنبيه على مكان الصبر ومحله، كأنه قال: وعليك بما هو أهمّ مما ذكرت به وأحق بالتوصية، وهو الصبر على امتثال ما أمرت به والانتهاء عما نهيت عنه، فلا يتم شيء منه إلا به.
(فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) جاء بما هو مشتملٌ على الاستقامة وإقامة الصلوات والانتهاء عن الطغيان والركون إلى الظالمين والصبر وغير ذلك من الحسنات.
[(فَلَوْلا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ وَكانُوا مُجْرِمِينَ)].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) - كان مشتملاً على المعاني التي لا تتم ولا تكمل إلا بالصبر، فصرح به بعدما ذكر ضمناً؛ للدلالة على أن الصبر ملاك الكل، ولا يتم شيء منه إلا به.
قوله: (بعدما جاء بما هو خاتمة للتذكير): أي: جاء بقوله: (ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ) تذييلاً لمجموع قوله: (فَاسْتَقِمْ) إلى قوله: (يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) فذلكة له، على منوال قوله:(إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ)[النمل: 34]، ثم علل كلاً من التذييل والمذيل بقوله:(فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) ترغيباً وتحريضاً، وجاء بما هو أعم العام، لأن المحسن من لم يخل بما يدخل تحت مسمى الإحسان، فيدخل فيه دخولاً أولياً.
قال القاضي: " (الْمُحْسِنِينَ) عدول من المضمر؛ ليكون كالبرهان على المقصود، ودليلاً على أن الصلاة والصبر إحسان وإيماء بأنه لا يعتد بهما دون الإخلاص"، ولمح به إلى قوله صلى الله عليه وسلم:"الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك".
(فَلَوْلا كانَ مِنَ الْقُرُونِ) فهلا كان. وقد حكوا عن الخليل: كل «لولا» في القرآن فمعناها «هلا» إلا التي في الصافات، وما صحت هذه الحكاية ففي غير الصافات (لَوْلا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ) [القلم: 49]، (وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ) [الفتح: 25]، (وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ) [الإسراء: 74].
(أُولُوا بَقِيَّةٍ) أو لو فضل وخير. وسمي الفضل والجودة بقية لأنّ الرجل يستبقي مما يخرجه أجوده وأفضله، فصار مثلاً في الجودة والفضل. ويقال: فلان من بقية القوم، أي: من خيارهم، وبه فسر بيت "الحماسة":
إنْ تُذْنِبُوا ثُمَّ يَاتِينِى بَقِيَّتُكُمْ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (إلا التي في الصافات): وهي قوله تعالى: (وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنْ الْمُحْضَرِينَ)[الصافات: 57].
قوله: (فصار مثلاً في الجودة والفضل): أي: اشتهر معنى الكناية، وسار مسير الأمثال، ويقال: للشيخ بقية، أي: شيء من قوة الشبان.
قوله: (إن تذنبوا ثم تأتيني بقيتكم): تمامه:
فما علي بذنب عندكم فوت
يحتمل أن يراد بـ "البقية": خيارهم وأماثلهم، أي: إن تذنبوا ثم يأتيني خياركم يقيمون معذرة أنفسهم، وأنهم لم يساعدوكم، فما علي بجزاء ذنب فوت، وما يلحقكم من لائمة وعيب، وأن يراد: بقيتكم الذين لم يذنبوا، أي: يأتوني معتذرين بأنهم فارقوكم لعظيم جنايتكم، فلا تفوتني مؤاخذتكم.
ومنه قولهم: في الزوايا خبايا، وفي الرجال بقايا. ويجوز أن تكون "البقية" بمعنى البقوى، كالتقية بمعنى التقوى، أى: فهلا كان منهم ذو وبقاء على أنفسهم وصيانة لها من سخط الله وعقابه.
وقرئ: "أولو بقية"، بوزن لقية، من بقاه يبقيه إذا راقبه وانتظره ومنه:«بقينا رسول الله صلى الله عليه وسلم» والبقية المرّة من مصدره. والمعنى: فلو كان منهم أولو مراقبة وخشية من انتقام الله، كأنهم ينتظرون إيقاعه بهم لإشفاقهم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرئ: "أولو بقية"): قال أبو البقاء: "الجمهور على تشديد الياء، وهو الأصل، وقرئ بتخفيفها، وهو مصدر بقي يبقى بقية، كلقيته لقية، فيجوز أن يكون على بابه، ويجوز أن يكون مصدراً بمعنى: فعيل، وهو بمعنى فاعل".
قوله: ("بقينا رسول الله صلى الله عليه وسلم"): روينا عن أبي داود عن معاذ بن جبل قال: "بقينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد تأخر لصلاة العتمة، حتى ظن الظان أنه ليس بخارج، فإنا كذلك إذ خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا له كما قالوا، فقال: أعتموا بهذه الصلاة، فإنكم قد فضلتم بها على سائر الأمم، لم تصلها أمة قبلكم".
"بقينا": بفتح الباء والقاف، أي: انتظرنا، والاسم منه: البقوى، قلبت الياء واواً، وكذلك كل "فعلى" اسماً، كالتقوى والشروى، وإذا كانت صفة لم تقلب، نحو: امرأة صديا وخزيا.
قوله: (كأنهم ينتظرون إيقاعه بهم لإشفاقهم): بيان لتفسير "أولو مراقبة" بقوله: "وخشية"، فإن المراقب للشيء ينتظر وقوع ما يترقبه، كما أن الخاشي يشفق عما ينتظر وقوعه من المكروه.
(إِلَّا قَلِيلًا) استثناء منقطع، معناه: ولكن قليلاً ممن أنجينا من القرون نهوا عن الفساد، وسائرهم تاركون للنهى. و"مِنَ" في (مِمَّنْ أَنْجَيْنا) حقها أن تكون للبيان لا للتبعيض، لأن النجاة إنما هي للناهين وحدهم، بدليل قوله تعالى (أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا) [الأعراف: 165].
فإن قلت: هل لوقوع هذا الاستثناء متصلا وجه يحمل عليه؟ قلت: إن جعلته متصلاً على ما عليه ظاهر الكلام، كان المعنى فاسداً، لأنه يكون تخصيصاً لأولي البقية على النهي عن الفساد، إلا للقليل من الناجين منهم كما تقول:
هلا قرأ قومك القرآن إلا الصلحاء منهم، تريد استثناء الصلحاء من المحضضين على قراءة القرآن وإن قلت في تحضيضهم على النهي عن الفساد معنى نفيه عنهم، فكأنه قيل: ما كان من القرون أولو بقية إلا قليلاً، كان استثناء متصلاً ومعنى صحيحاً، وكان انتصابه على أصل الاستثناء، وإن كان الأفصح أن يرفع على البدل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (و"من"- في (مِمَّنْ أَنْجَيْنَا) - حقها أن تكون للبيان لا للتبعيض): وذلك أن البيان والمبين شيء واحد، كقوله تعالى:(فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الأَوْثَانِ)[الحج: 30]، فالقليل إذن هم الناجون، ولهذا علله بقوله:"لأن النجاة إنما هي للناهين وحدهم"، أي: دون غيرهم، وأما إذا حمل "من" على التبعيض كان (مِمَّنْ أَنْجَيْنَا) بدلاً من (قَلِيلاً)، فيلزم أن يكون الناهون بعض الناجين، وهو فاسد.
قوله: (على ما عليه ظاهر الكلام): واعلم أن حروف التحضيض تفيد مع الماضي معنى التنديم، ومع المضارع تتخلص للتحضيض، فإذا حمل على ظاهره في هذا المقام، كما يقال: ليتهم كانوا ينهون عن الفساد إلا قليلاً منهم فإنهم لم ينهوا، فسد المعنى، وأما إذا جعل كلمة التحضيض للإنكار لتولد معنى النفي، كما يقال: ما كان أولو بقية إلا قليلاً، صح المعنى واستقام، لكن المختار الرفع في "قليل"، ومن ثم قال:"وإن كان الأفصح أن يرفع على البدل".
(وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ) أراد بـ"الذين ظلموا": تاركي النهي عن المنكرات، أي: لم يهتموا بما هو ركن عظيم من أركان الدين، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعقدوا هممهم بالشهوات، واتبعوا ما عرفوا فيه التنعم والتترف، من حب الرياسة والثروة، وطلب أسباب العيش الهنيء. ورفضوا ما وراء ذلك ونبذوه وراء ظهورهم.
وقرأ أبو عمرو- في رواية الجعفي-: "وأُتبِعَ الذين ظلموا"، يعني: واتبعوا جزاء ما أتوفوا فيه. ويجوز أن يكون المعنى في القراءة المشهورة: أنهم أتبعوا جزاء إترافهم، وهذا معنى قويّ لتقدم الإنجاء، كأنه قيل: إلا قليلاً ممن أنجينا منهم وهلك السائر.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرأ أبو عمرو): وهي شاذة.
قوله: (معنى قوي لتقدم الإنجاء): أي: النظم يستدعي هذا، لأن بعد تقدم الإنجاء للناهين المناسب أن يبين هلاك الذين لم ينهوا، كأنه قيل: وأنجينا القليل واتبع الذين ظلموا جزاءهم، أي: هلكوا، فيكون وصول الجزاء إلى الكثير في مقابلة إنجاء القليل، ولم يفتقر إلى تقدير معطوف عليه، لقوله:(وَاتَّبَعَ)، لأن الواو حينئذ للحال، وإليه الإشارة بقوله:"الواو للحال"، كأنه قيل: أنجينا القليل وقد اتبع الذين ظلموا جزاءهم.
وعلى الأول: "واتبعوا" عطف على "نهوا" مقدراً، كما سيجيء في جواب السؤال.
فإن قلت: قدر المعطوف عليه أولاً غير ما ذكر في الجواب، حيث قال:"لم يهتموا بما هو ركن عظيم في الدين، وعقدوا هممهم بالشهوات، واتبعوا ما عرفوا فيه التنعم" إلى آخره، لأنه عطفه على "عقدوا" أو "لم يهتموا"؟
فإن قلت: علام عطف قوله (وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا)؟ قلت: إن كان معناه: واتبعوا الشهوات، كان معطوفاً على مضمر، لأنّ المعنى إلا قليلاً ممن أنجينا منهم نهوا عن الفساد، واتبع الذين ظلموا شهواتهم، فهو عطف على نهوا. وإن كان معناه واتبعوا جزاء الإتراف، فالواو للحال، كأنه قيل: أنجينا القليل وقد اتبع الذين ظلموا جزاءهم.
فإن قلت: فقوله (وَكانُوا مُجْرِمِينَ)؟ قلت: على (أترفوا) أي: اتبعوا الإتراف وكونهم مجرمين، .......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقلت: على هذا التقدير لابد من إضمار "نهوا" وهذه المذكورات أيضاً، لأن قوله:"واتبعوا الشهوات" مستدع لذلك، أي: أنهم تركوا متابعة أضدادها، وهي دليل الهدى والاهتمام بالواجب من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، خاصة في هذا المقام، واستمروا على ضلالهم في متابعة الهوى، فإذن يضمر بعد الاستثناء "نهوا" ليعطف عليه، كأنه قيل: ما كانوا ينهون عن الفساد، لكن القليل منهم نهوا فنجوا، والباقون ما اهتموا به، وعقدوا هممهم بالشهوات، واتبعوا التترف فهلكوا، فوضع موضع "الباقين":(الَّذِينَ ظَلَمُوا) ليؤذن بأن سبب ترك النهي عن المنكر انهماكهم في الشهوات واشتغالهم بحب الجاه والرئاسة، وأن ذلك ظلم عظيم يستأهل صاحبه النكال الشديد، وفيه أن "حب الدنيا رأس كل خطيئة".
قوله: (فقوله: (وَكَانُوا مُجْرِمِينَ)): أي: فعلى أي شيء يعطف قوله: (وَكَانُوا مُجْرِمِينَ).
قوله: (أي: اتبعوا الإتراف وكونهم مجرمين): قال صاحب "التقريب": وفيه نظر، لأن
لأن تابع الشهوات مغمور بالآثام. أو أريد بـ"الإجرام" إغفالهم للشكر. أو على "اتبعوا"، أي: اتبعوا شهواتهم وكانوا مجرمين بذلك. ويجوز أن يكون اعتراضاً وحكماً عليهم بأنهم قوم مجرمون.
[(وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ)].
(كانَ) بمعنى صح واستقام. واللام لتأكيد النفي. و (بِظُلْمٍ) حال من الفاعل، والمعنى: واستحال في الحكمة أن يهلك الله القرى ظالماً لها (وَأَهْلُها) قوم (مُصْلِحُونَ) تنزيها لذاته عن الظلم،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"ما"- في (مَا أُتْرِفُوا) - موصولة لا مصدرية؛ لعود الضمير من (فِيهِ) إليه، فكيف يقدر "كانوا" مصدراً، إلا أن يقال: رجع الضمير من (فِيهِ) إلى الظلم، بدلالة (ظَلَمُوا).
قوله: (لأن تابع الشهوات مغمور بالآثام): تعليل، لأن العطف تفسيري، وأن معنى الإتراف هو كونهم مجرمين، وهذا الجواب مبني على أن (وَاتَّبَعَ) حال، وهو إنما يحسن إذا قدر مضافاً، فكأنه قيل: واتبعوا جزاء آثامهم، وعلى هذا:"إذا أريد بـ "الإجرام": إغفالهم للشكر"، أي: اتبعوا جزاء الإتراف وجزاء كفران النعمة.
قوله: (أو على: "اتبعوا"): هذا على أن يكون "اتبعوا" معطوفاً على المقدر، وهذا العطف من باب قوله:(وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ)[النمل: 15] على رأي صاحب "المفتاح": عطف، لحصول مضمون الجملتين، وتعويل ترتب الأول على الثاني إلى الذهن، ولذلك قال:"وكانوا مجرمين بذلك". أو تكون الواو استئنافية، أي: اتبعوا شهواتهم وكانوا قوماً عادتهم الإجرام، فاتبعوا الشهوات لذلك، ولو جعل حالاً من فاعل "اتبعوا"، أي: اتبعوا شهواتهم، والحال أنهم كانوا مجرمين؛ لكان حسناً، والاعتراض أحسن.
وإيذاناً بأن إهلاك المصلحين من الظلم. وقيل: الظلم الشرك، ومعناه: أنه لا يهلك القرى بسبب شرك أهلها وهم مصلحون يتعاطون الحق فيما بينهم ولا يضمون إلى شركهم فساداً آخر.
[(وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ* إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ)].
(وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً) يعني لاضطرهم إلى أن يكونوا أهل أمّةٍ واحدة أي: ملة واحدة وهي ملة الإسلام، كقوله (إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً) [الأنبياء: 92]، وهذا الكلام يتضمن نفي الاضطرار، وأنه لم يضطرهم إلى الاتفاق على دين الحق، ولكنه مكنهم من الاختيار الذي هو أساس التكليف، فاختار بعضهم الحق وبعضهم الباطل، فاختلفوا، فلذلك قال (وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ* إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ) إلا ناساً هداهم الله ولطف بهم، فاتفقوا على دين الحق غير مختلفين فيه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (يتعاطون الحق فيما بينهم، ولا يضمون إلى شركهم فساداً): قال القاضي: "ذلك لفرط رحمته ومسامحته في حقوقه، ومن ذلك قدم الفقهاء عند تزاحم الحقوق حقوق العباد، وقيل: الملك يبقى مع الكفر، ولا يبقى مع الظلم".
قوله: (فلذلك قال: (وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ)): أي: فلأجل أن الكلام يتضمن نفي الاضطرار، وأنه تعالى لم يضطرهم إلى الاتفاق، بل جعلهم متمكنين من الاختيار، قال:(وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ) يشير إلى أن المراد بالمشيئة في قوله: (وَلَوْ شَاءَ) مشيئة القسر والإلجاء.
والسني يحمل هذه الآية على معنى قوله: (وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ)[السجدة: 13]، ويقول: لو تعلقت
(وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ)"ذلك" إشارة إلى ما دل عليه الكلام الأوّل وتضمنه، يعني: ولذلك من التمكين والاختيار الذي كان عنه الاختلاف خلقهم، ليثيب مختار الحق بحسن اختياره، ويعاقب مختار الباطل بسوء اختياره.
(وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ) وهي قوله للملائكة (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) لعلمه بكثرة من يختار الباطل.
[(وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ* وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنَّا عامِلُونَ* وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ)].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مشيئة الله تعالى باتفاق الناس على دين الحق ما اختلفوا حقاً ولا باطلاً، وحين تعلقت مشيئته بهداية البعض وضلالة البعض؛ بأن يكون فريق في الجنة وفريق في السعير، اختلفوا، يدل عليه قوله في هذه الآية:(وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ)، وتؤيده الأحاديث الواردة في القدر.
روى محيي السنة: "عن الحسن وعطاء: وللاختلاف خلقهم. وقال مالك: خلقهم ليكون فريق في الجنة وفريق في السعير. وقال أبو عبيدة: هذا القول أختاره".
وقال القاضي: "في الآية دليل ظاهر على أن الأمر غير الإرادة، وأنه تعالى لم يرد الإيمان من كل أحد، وأن ما أراده يجب وقوعه".
قوله: ((كَلِمَةُ رَبِّكَ) هي قوله للملائكة: (لأَمْلأَنَّ)): يريد: أن المراد بـ "الكلمة": الإخبار، كما قال تعالى في الأنعام:(وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ)[الأنعام: 115]، أي: ما أخبر به، وأمر ونهى، ووعد وأوعد، فر من إثبات العلم الأزلي، وجف القلم بما هو كائن، الذي
(وَكُلًّا) التنوين فيه عوض من المضاف إليه كأنه قيل. وكل نبأ (نَقُصُّ عَلَيْكَ) و (مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ) بيان لـ"كل"، و (ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ) بدل من "كلا". ويجوز أن يكون المعنى: كل واقتصاص نقصّ عليك، على معنى: وكل نوع من أنواع الاقتصاص نقصّ عليك، يعني: على الأساليب المختلفة، (وما نُثَبِّتُ بِهِ) مفعول (نقصّ). ومعنى تثبيت فؤاده: زيادة يقينه وما فيه طمأنينة قلبه، لأن تكاثر الأدلة أثبت للقلب وأرسخ للعلم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يستتبع الكائنات إلى تحقيقه، وجعل العلم تابعاً للمعلوم، حيث قال:"لعلمه بكثرة من يختار الباطل".
قوله: (و (مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ) بدل من "كلا"): أي: نقص عليك من كل نبأ من أنباء الرسل، ث نقص عليك ما نثبت به فؤادك من أنباء الرسل، قال أبو البقاء:" (كلاً): منصوب بـ (نَقُصُّ)، و (مِنْ أَنْبَاءِ) صفة لـ (كلاً)، و (مَا نُثَبِّتُ بِهِ) بدل من (كلاً) ".
قوله: (وكل نوع من أنواع الاقتصاص نقص): فعلى هذا: (مِنْ أَنْبَاءِ) حال من المفعول، وهو (مَا نُثَبِّتُ)، و"كلاً" منصوب على المصدر، أي: نقص ما نثبت به فؤادك كائناً من أنباء الرسل كل نوع من أنواع الاقتصاص، قال أبو البقاء:"يجوز أن يكون (مَا نُثَبِّتُ) مفعول (نَقُصُّ)، و"كلاً" حال من (مَا)، أو من الهاء عند من أجاز تقديم الحال من المجرور". وعليه قال القاضي: "يجوز أن يكون "كلاً" مصدراً".
(وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ) أي: في هذه السورة. أو في هذه الأنباء المقتصة فيها ما هو حق (وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ).
(وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ) من أهل مكة وغيرهم (اعْمَلُوا) على حالكم وجهتكم التي أنتم عليها (إِنَّا عامِلُونَ).
(وَانْتَظِرُوا) بنا الدوائر (إِنَّا مُنْتَظِرُونَ) أن ينزل بكم نحو ما اقتص الله من النقم النازلة بأشباهكم.
[(وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ)].
(وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) لا تخفى عليه خافية مما يجرى فيهما، فلا تخفى عليه أعمالكم (وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ) فلا بدّ أن يرجع إليه أمرهم وأمرك، فينتقم لك منهم (فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ) فإنه كافيك وكافلك (وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ) أي: في هذه السورة) على آخره: إشارة إلى أن هذه الآية فذلكة لتفاصيل السورة، كما أسلفناه في قوله:(فَاتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ)[هود: 13]، وأن السورة إلى خاتمتها تسلية لقلب الحبيب صلوات الله عليه.
قوله: (فلابد أن يرجع إليه أمرهم وأمرك): يريد: أن هذه الكلمة جامعة، فيدخل فيها تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم، وتهديد الكفار، والانتقام منهم، دخولاً أولياً.
الراغب: "الأمر: الشأن، وجمعه: أمور، ومصدر "أمرته"؛ إذا كلفته شيئاً، وهو لفظ عام للأقوال والأفعال كلها، وعلى ذلك: إليه يرجع الأمر كله، (قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ)
وقرئ: (تعملون)، بالتاء: أي: أنت وهم على تغليب المخاطب.
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قرأ سورة هودٍ أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من صدّق بنوح ومن كذب به، وهود وصالح وشعيب ولوط وإبراهيم وموسى وكان يوم القيامة من السعداء إن شاء الله تعالى ذلك".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[آل عمران: 154]، ويقال للإبداع: أمر، نحو:(أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ)[الأعراف: 54]، وقوله:(إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)[النحل: 40] إشارة إلى إبداعه، وعبر عنه بأقصر لفظ وأبلغ ما يتقدم فيه فيما بيننا، ومنه قوله:(وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وَاحِدَةٌ)[القمر: 50]، والأمر: التقدم بالشيء، سواء كان بقولهم: افعل، أو: لتفعل، أو: بلفظ الخبر؛ نحو: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ)[البقرة: 228]، وقوله:(وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ)[هود: 97] عام في أقواله وأفعاله، وقيل: أمر القوم؛ إذا كثروا، لأن القوم إذا كثروا صاروا ذا أمير، من حيث إنه لابد من سائس يسوسهم".
قوله: (وقرئ: (تَعْمَلُونَ) بالتاء) الفوقانية: نافع وابن عامر وحفص، والله أعلم.
سورة يوسف عليه السلام
مكية، وهي مائة وإحدى عشرة آية
بسم الله الرحمن الرحيم
[(الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ* إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ* نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ)].
(تِلْكَ) إشارة إلى آيات السورة، و (الْكِتابِ الْمُبِينِ) السورة؛ أي: تلك الآيات التي أنزلت إليك في هذه السورة آيات السورة الظاهر أمرها في إعجاز العرب وتبكيتهم،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سورة يوسف عليه السلام
مكية، وهي مئة وإحدى عشرة آية
بسم الله الرحمن الرحيم
قوله: (أي: تلك الآيات التي أنزلت إليك في هذه السورة)، إشارة إلى أن (تِلْكَ) مبتدأ، والمشار إليه ما في ذهن المخاطب، قال ابن الحاجب: "المشار إليه لا يشترط أن يكون موجوداً
أو التي تبين لمن تدبرها أنها من عند الله لا من عند البشر. أو الواضحة التي لا تشتبه على العرب معانيها لنزولها بلسانهم. أو قد أبين فيها ما سألت عنه اليهود من قصة يوسف. فقد روي أن علماء اليهود قالوا لكبراء المشركين: سلوا محمداً لم انتقل آل يعقوب من الشام إلى مصر؟ وعن قصة يوسف؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حاضراً، بل يكفي أن يكون موجوداً ذهناً"، فقوله: "أي: تلك الآيات التي أنزلت إليك في هذه السورة" إشارة إلى المتصور، وقوله: "آيات السورة الظاهر أمرها" هو المذكور في التنزيل الواقع خبراً لاسم الإشارة الذي المشار إليه به ما في الذهن، قال المصنف في قوله: (هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ) [الكهف: 78]: "تصور فراق بينهما عند حلول الميعاد، فأشار إليه، وجعله مبتدأ، وأخبر عنه".
قوله: (أو: قد أبين فيها ما سألت عنه اليهود)، الجوهري:"بان الشيء بياناً: اتضح، فهو بين، وكذلك أبان الشيء فهو مبين، وأبنته أنا، أي: أوضحته، يتعدى ولا يتعدى".
فـ (الْمُبِينِ) ها هنا: يحتمل أن يكون من اللازم ومن المتعدي، وإذا حمل على الأول يحتمل وجهين؛ لأن ظهورها: إما بحسب الألفاظ من كونها معجزاً ظاهر الإعجاز، لا يخفى على أرباب البلاغة أن البشر لا تطيق الإتيان بمثلها، كقوله:(فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ)[البقرة: 24]، فهو المراد من قوله:"الظاهر أمرها في إعجاز العرب"، أو بحسب المعاني، كقوله تعالى:(إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)، وإليه الإشارة بقوله:"لا تشتبه على العرب معانيها لنزولها بلسانهم".
وإذا حمل على الثاني يحتمل وجهين أيضاً: أحدهما: أنها من الظهور والبيان بمنزلة المبين والمفسر، حيث تحمل التدبر على التقدير، كقوله تعالى:(أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً)[النساء: 82]، وهو الذي عناه بقوله: "التي
(أَنْزَلْناهُ) أنزلنا هذا الكتاب الذي فيه قصة يوسف في حال كونه (قُرْآناً عَرَبِيًّا)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تبين لمن تدبرها أنها من عند الله، لا من عند البشر". وثانيهما: مبين من جهة أن الله تعالى أبان فيها وأوضح مطلوب اليهود، وإليه الإشارة بقوله:"أبين فيها ما سألت عنه اليهود"، فعلى هذا هو من الإسناد المجازي، وإنما حمله على الاختلاف وترك الاتساق- وإن لم يجمع بين المتعديين واللازمين- أن الوجهين الأولين محمولان على معنى الكمال، بحيث لا يوجد في غيره من الكتب، ولا كذلك الوجهان الأخيران.
قوله: (في حال كونه (قُرْآناً عَرَبِيّاً))، قال أبو البقاء:"فيه وجهان: أحدهما: أنه توطئة للحال التي هي (عَرَبِيّاً)، والثاني: أنه حال، وهو مصدر في موضع المفعول، أي: مجموعاً ومجتمعاً".
وقلت: معنى التوطئة أنها تنبئ أن ما بعدها حال ومقصود بالذكر، لا أنها في نفسها حال، لأنها لا تدل حينئذ على الهيئة، قال الزجاج في قوله تعالى:(لِسَاناً عَرَبِيّاً): "هو منصوب على الحال. المعنى: مصدقاً لما بين يديه عربياً، وذكر (لِسَاناً) توكيداً، كما تقول: جاءني زيد رجلاً صالحاً، تريد: جاءني زيد صالحاً، وتذكر "رجلاً" توكيداً".
وسمي بعض القرآن قرآناً، لأنّ القرآن اسم جنس يقع على كله وبعضه (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) إرادة أن تفهموه وتحيطوا بمعانيه ولا يلتبس عليكم؛ (وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ) [فصلت: 44].
"الْقَصَصِ" على وجهين: يكون مصدراً بمعنى الاقتصاص، تقول: قصّ الحديث يقصه قصصاً، كقولك:
شله يشله شللاً، إذا طرده. ويكون «فعلاً» بمعنى «مفعول» كالنفض والحسب. ونحوه النبأ والخبر: في معنى المنبأ به والمخبر به. ويجوز أن يكون من تسمية المفعول بالمصدر، كالخلق والصيد. وإن أريد المصدر، فمعناه: نحن نقص عليك أحسن القصص (بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ) أي: بإيحائنا إليك هذه السورة، على أن يكون (أحسن) منصوباً نصب المصدر، لإضافته إليه، ويكون المقصوص محذوفاً، لأنّ قوله (بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ) مغن عنه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (سمي بعض القرآن قرآناً)، أي:(قُرْآناً) - في (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً) - المراد به السورة، لقوله:"أنزلنا هذا الكتاب"، وسبق أن المراد منه السورة.
قوله: (إرادة أن تفهموه وتحيطوا بمعانيه)، قال القاضي:"أن تفهموه وتستعملوا فيه عقولكم، فتعلموا أن اقتصاصه كذلك ممن لم يعلم القصص معجز لا يتصور إلا بالإيحاء".
وفي التفسيرين خلاف؛ يظهر الفرق من تفسير "مبين" كما سبق، لأن تفسير القاضي موافق للوجه الأول والثاني، وتفسيره للوجه الثالث.
قوله: (ويكون المقصوص محذوفاً)، أي: مفعول (نَقُصُّ) محذوف لدلالة (بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ)، التقدير: نقص الموحى أحسن القصص.
ويجوز أن ينتصب (هذا القرآن) بـ (نقصّ)، كأنه قيل: نحن نقص عليك أحسن الاقتصاص هذا القرآن بإيحائنا إليك. والمراد بـ"أحسن الاقتصاص": أنه اقتصّ على أبدع طريقة وأعجب أسلوب. ألا ترى أنّ هذا الحديث مقتص في كتب الأولين وفي كتب التواريخ؟ ولا ترى اقتصاصه في كتاب منها مقارباً لاقتصاصه في القرآن؟
وإن أريد بـ (القصص): المقصوص، فمعناه: نحن نقص عليك أحسن ما يقص من الأحاديث، وإنما كان أحسنه لما يتضمن من العبر والنكت والحكم والعجائب التي ليست في غيرها،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ويجوز أن ينتصب (هَذَا الْقُرْآنُ) بـ (نَقُصُّ))، والفرق بين هذا والأول: هو أن على الأول مفعول (نَقُصُّ) محذوف، ومفعول (أَوْحَيْنَا):(هَذَا الْقُرْآنُ)، وعلى هذا بالعكس، والمعنى على هذا: نحن نقص عليك هذا القرآن- أي: قصة يوسف- بواسطة الإيحاء أحسن الاقتصاص، وعلى الأول: نحن نقص عليك قصة يوسف بواسطة إيحاء هذا القرآن المعجز الباهر تبيانه القاهر سلطانه أحسن الاقتصاص، وهذا أبلغ، ويكون المصدر مؤكداً.
قوله: (وإن أريد بـ (الْقَصَصِ))، معطوف على قوله:"فإن أريد المصدر فمعناه".
قوله: (وإنما كان أحسنه لما يتضمن من العبر والنكت)، قال محيي السنة:"والفوائد التي تصلح للدين والدنيا من سير الملوك والمماليك والعلماء، ومكر النساء، وقصص الرؤيا، والصبر على أذى الأعداء، والتجاوز عنهم بعد الاقتدار، وغير ذلك".
والظاهر أنه أحسن ما يقتص في بابه، كما يقال في الرجل: هو أعلم الناس وأفضلهم، يراد في فنه.
فإن قلت: ممّ اشتقاق "القصص"؟ قلت: من قصّ أثره إذا اتبعه، لأنّ الذي يقصّ الحديث يتبع ما حفظ منه شيئاً فشيئاً، كما يقال: تلا القرآن، إذا قرأه، لأنه يتلو أي: يتبع ما حفظ منه آية بعد آية.
(وَإِنْ كُنْتَ): "إن" مخففة من الثقيلة. واللام هي التي تفرق بينها وبين النافية. والضمير في (قَبْلِهِ) راجع إلى قوله: (بما أوحينا). والمعنى: وإنّ الشأن والحديث كنت من قبل إيحائنا إليك من الغافلين عنه، أى: من الجاهلين به، ما كان لك فيه علم قط ولا طرق سمعك طرف منه.
[(إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ)].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (والظاهر أنه أحسن ما يقتص في بابه)، المعنى: أن قصة يوسف في الاقتصاص أحسن من سائر الأقاصيص فيه، فلا يلزم أن تكون قصته أحسن من قصة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وكونه أحسن اقتصاصاً لأنها اقتصت على أبدع طريقة وأعجب أسلوب.
قوله: (مم اشتقاق "القصص"؟ )، أي: من أي معنى اشتق "القصص"، وما المنقول منه؟ وإلا فقد بين اشتقاقه فيما سبق حيث قال:"قص الحديث يقصه قصصاً".
قوله: (من الجاهلين به)، هذه كبوة منه توهم أن الغافل عن الشيء هو الجاهل به، ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن يطلق عليه اسم الجاهل ويخاطب به أبداً، قال القاضي:" (لَمِنْ الْغَافِلِينَ) عن هذه القصة؛ لم تخطر ببالك، ولم تقرع سمعك قط، وهو تعليل لكونه موحى".
(إِذْ قالَ يُوسُفُ) بدل من (أحسن القصص)، وهو من بدل الاشتمال، لأن الوقت مشتمل على القصص وهو المقصوص، فإذا قصَّ وقته فقد قص. أو بإضمار «اذكر» .
ويوسف اسم عبراني، وقيل عربى وليس بصحيح، لأنه لو كان عربياً لا نصرف لخلوّه عن سبب آخر سوى التعريف.
فإن قلت: فما تقول فيمن قرأ «يوسِف» بكسر السين، أو «يوسَف» بفتحها، هل يجوز على قراءته أن يقال «هو عربي» لأنه على وزن المضارع المبنى للفاعل أو المفعول من آسف. وإنما منع الصرف للتعريف ووزن الفعل؟ قلت: لا، لأنّ القراءة المشهورة قامت بالشهادة، على أن الكلمة أعجمية،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقلت: ويمكن أن يقال: إن الشيء إذا كان بديعاً، وفيه نوع غرابة إذا وقف عليه، قيل للمخاطب: كنت من هذا غافلاً، يعني: كان يجب عليك أن تفتش عنه وتتوخى في تحصيله.
الراغب: "الغفلة: سهو يعتري الإنسان من قلة التحفظ والتيقظ، وأرض غفل: لا منار بها، وإغفال الكتاب: تركه غير معجم، قوله تعالى: (وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا) [الكهف: 28]، أي: جعلناه غافلاً عن الحقائق، أو تركناه غير مكتوب فيه الإيمان، كما قال: (أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمْ الإِيمَانَ) [المجادلة: 22] ".
قوله: (وهو المقصوص)، وإنما خصه، وقد ذكر أيضاً أنه يكون مصدراً بمعنى الاقتصاص، لأن زمان الاقتصاص زمان ما قص على النبي صلى الله عليه وسلم وأوحي إليه، وزمان قول يوسف منقرض غير مشتمل على أحسن الاقتصاص، فلا يصلح البدل، فهو على هذا معمول "اذكر".
فلا تكون عربية تارة وأعجمية أخرى، ونحو يوسف: يونس، رويت فيه هذه اللغات الثلاث ولا يقال هو عربى لأنه في لغتين منها بوزن المضارع من آنس وأونس.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم «إذا قيل: من الكريم؟ فقولوا: الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم: يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم» .
(يا أَبَتِ) قرئ بالحركات الثلاث.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (الكريم ابن الكريم)، الحديث: رواه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة.
قوله: ((يَا أَبَتِ) قرئ بالحركات الثلاث)، ابن عامر: بفتح التاء، والباقون: بكسرها، والضم: شاذ.
فإن قلت: ما هذه التاء؟ قلت: تاء تأنيث وقعت عوضاً من ياء الإضافة، والدليل على أنها تاء تأنيث قلبها هاء في الوقف.
فإن قلت: كيف جاز إلحاق تاء التأنيث بالمذكر؟ قلت: كما جاز نحو قولك: حمامة ذكر، وشاة ذكر، ورجل ربعة، وغلام يفعة.
فإن قلت: فلم ساغ تعويض تاء التأنيث من ياء الإضافة؟ قلت: لأنَّ التأنيث والإضافة يتناسبان في أنّ كل واحد منهما زيادة مضمومة إلى الاسم في آخره.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (تاء التأنيث وقعت عوضاً من ياء الإضافة)، قال الزجاج:" (يَا أَبَتِ) بكسر التاء على الإضافة إلى نفسه، وحذف ياء الإضافة شائع في النداء، وأما إدخال تاء التأنيث فيختص بالأب والأم، والمذكر يوصف بما فيه تاء التأنيث، نحو: غلام يفعة، ورجل ربعة، والتاء إنما كسرت ولزمت في الأب عوضاً من ياء الإضافة، والوقف عليه: يا أبه، وزعم الفراء أنك إذا كسرت وقفت بالتاء لا غير، وإذا فتحت وقفت بالهاء والتاء، ولا فرق بين الكسر والفتح، وأما الرفع فضعيف، لأن الهاء بدل من ياء الإضافة".
قوله: (قلبها هاء)، أي: لو كانت أصلية لبقيت ياء خالصة في الوقف، ولم تقل: يا أبه، كما في الثبت، وهو الحجة، وقرأ:"يا أبه"- بالهاء في الوقف- ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب.
قوله: (ربعة)، الجوهري:"أي: مربوع الخلق، لا طويل ولا قصير، وامرأة ربعة، وجمعها ربعات"، "وأيفع الغلام: ارتفع، وغلام يافع ويفعة، وغلمان أيفاع ويفعة".
فإن قلت: فما هذه الكسرة؟ قلت: هي الكسرة التي كانت قبل الياء في قولك: يا أبى، قد زحلقت إلى التاء، لاقتضاء تاء التأنيث أن يكون ما قبلها مفتوحاً.
فإن قلت: فما بال الكسرة لم تسقط بالفتحة التي اقتضتها التاء وتبقى التاء ساكنة؟ قلت: امتنع ذلك فيها، لأنها اسم، والأسماء حقها التحريك لأصالتها في الإعراب، وإنما جاز تسكين الياء وأصلها أن تحرّك تخفيفاً، لأنها حرف لين. وأما التاء فحرف صحيح نحو كاف الضمير، فلزم تحريكها.
فإن قلت: يشبه الجمع بين التاء وبين هذه الكسرة الجمع بين العوض والمعوّض منه، لأنها في حكم الياء، إذا قلت: يا غلام، فكما لا يجوز «يا أبتى» لا يجوز «يا أبت» . قلت الياء والكسرة قبلها شيئان والتاء عوض من أحد الشيئين، وهو الياء والكسرة غير متعرض لها، فلا يجمع بين العوض والمعوض منه، إلا إذا جمع بين التاء والياء لا غير. ألا ترى إلى قولهم «يا أبتا» مع كون الألف فيه بدلا من التاء، كيف جاز الجمع بينها وبين التاء، ولم يعد ذلك جمعاً بين العوض والمعوّض منه، فالكسرة أبعد من ذلك.
فإن قلت: فقد دلت الكسرة في "يا غلام" على الإضافة، لأنها قرينة الياء ولصيقتها. فإن دلت على مثل ذلك في «يا أبت» فالتاء المعوّضة لغو: وجودها كعدمها؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (زحلقت)، الجوهري:"الزحلقة: كالدحرجة والدفع، يقال: زحلقته فتزحلق".
قوله: (بالفتحة التي اقتضتها التاء)، وهي الفتحة التي قبل التاء في مثل طلحة وحمزة، أي: إذا اقتضت التاء فتح ما قبلها كان القياس أن يسقط هذا الاقتضاء تلك الكسرة، لوجود ما يقتضي عدمها، إلا أن تزحلق إلى التاء، لأنها اسم، قيل: ليست باسم، وإنما هي عوض من الاسم، فأجريت مجراه.
قوله: (وجودها كعدمها)، لأن الكسرة لما دلت على الياء، فأي حاجة إلى ذكر التاء.
قلت: بل حالها مع التاء كحالها مع الياء إذا قلت يا أبي.
فإن قلت: فما وجه من قرأ بفتح التاء وضمها؟ قلت: أما من فتح فقد حذف الألف من «يا أبتا» واستبقى الفتحة قبلها، كما فعل من حذف الياء في «يا غلام» ويجوز أن يقال: حركها بحركة الباء المعوض منها في قولك «يا أبي» .
وأما من ضم فقد رأي: اسماً في آخره تاء تأنيث، فأجراه مجرى الأسماء المؤنثة بالتاء فقال:«يا أبت» كما تقول «يا ثبة» من غير اعتبار لكونها عوضا من ياء الاضافة.
وقرئ: "إني رأيت"، بتحريك الياء. "وأحد عشر" بسكون العين، تخفيفاً لتوالي المتحركات فيما هو في حتم اسم واحد، وكذا إلى تسعة عشر، إلا اثني عشر، لئلا يلتقي ساكنان.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (بل حالها مع التاء كحالها مع الياء)، يعني: الكسرة على التاء ليست كالكسرة على الميم في "يا غلام"، وإنما هي كالكسرة في "يا غلامي" مع الياء.
قوله: (يا ثبة)، الجوهري: "الثبة: الجماعة، وأصلها ثبي، والجمع ثبات وثبون وأثابي.
قوله: (و"أحد عشر" بسكون العين)، قال ابن جني:"قرأها أبو جعفر ونافع- بخلاف- وطلحة بن سليمان، والسبب أن الاسمين لما جعلا كالاسم الواحد، وبني الاسم الأول منهما لأنه كصدر الاسم، والثاني منهما لتضمنه معنى حرف العطف، لم يجز الوقف على الأول، لأنه كصدر الاسم من عجزه، فجعل تسكين أول الثاني دليلاً على أنهما قد صارا كالاسم الواحد، وكذلك البقية إلى "تسعة عشر"، إلا "اثنا عشر" و"اثني عشر"، فإنه لا يسكن لسكون الألف والياء قبلها، ومما يدل على أن الاسمين إذا أجريا مجرى الاسم الواحد
و (رأيت) من الرؤيا، لا من الرؤية، لأنَّ ما ذكره معلوم أنه منام، لأنّ الشمس والقمر لو اجتمعا مع الكواكب ساجدة ليوسف في حال اليقظة، لكانت آيةً عظيمة ليعقوب عليه السلام، ولما خفيت عليه وعلى الناس.
فإن قلت: ما أسماء تلك الكواكب؟ قلت: روى جابر أنّ يهودياً جاء إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، أخبرني عن النجوم التي رآهنّ يوسف، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم: فنزل جبريل عليه السلام فأخبره بذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لليهودي «إن أخبرتك هل تسلم»؟ قال: نعم. قال: «جريان، والطارق، والذيال، وقابس، وعمودان، والفليق، والمصبح، والضروح، والفرغ. ووثاب، وذو الكتفين. رآها يوسف والشمس والقمر نزلن من السماء وسجدن له» فقال: اليهودي: أي والله، إنها لأسماؤها.
وقيل: الشمس والقمر أبواه. وقيل: أبوه وخالته، والكواكب: إخوته.
وعن وهبٍ: أنّ يوسف رأى وهو ابن سبع سنين أنّ إحدى عشرة عصا طوالاً كانت مركوزة في الأرض كهيئة الدارة، وإذا عصاً صغير تثب عليها حتى اقتلعتها وغلبتها، فوصف ذلك لأبيه فقال: إياك أن تذكر هذا لإخوتك، ثم رأى وهو ابن ثنتي عشرة سنة الشمس والقمر والكواكب تسجد له، فقصها على أبيه فقال له: لا تقصها عليهم، فيبغوا لك الغوائل.
وقيل: كان بين رؤيا يوسف ومصير إخوته إليه أربعون سنةً. وقيل: ثمانون.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عوملا معاملته: ما حكاه أبو عمرو الشيباني من قولهم في حضرموت: حضرموت- بضم الميم-؛ ليكون كعنكبوت".
فإن قلت لم أخر الشمس والقمر؟ قلت: أخرهما ليعطفهما على "الكواكب" على طريق الاختصاص، بياناً لفضلهما واستبدادهما بالمزية على عيرهما من الطوالع، كما أخر جبريل وميكائيل عن الملائكة، ثم عطفهما عليها لذلك.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (على طريق الاختصاص بياناً لفضلهما واستبدادهما بالمزية)، وكان من حق الظاهر تقديم "الشمس والقمر" على "الكوكب" بعد إخراجهما من الجنس؛ تقديماً للفاضل على المفضول، كقوله تعالى:(وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ)[الأعراف: 54]، لكن خولف هذا الاعتبار بتأخرهما؛ قصداً إلى تغايرهما مطلقاً، وإخراجهما من الجنس رأساً، بحيث لا مناسبة بينهما، كتقديم الفاضل على المفضول.
فإن قلت: ما نحن بصدده ليس من قبيل: (وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ)[البقرة: 98]، لأنه من عطف الخاص على العام، لأنهما داخلان في الملائكة، بخلافه ها هنا؟ قلت: يكفي في التشبيه بالفضل والاختصاص تأخيرهما وإخراجهما من جنس الكوكب، وجعلهما مغايرين لها بالعطف، وهو المراد من قوله:"كما أخر"، وقوله:"ثم عطفهما عليها".
فإن قلت: فما فائدة العدول، ولمَ لم يقل: إني رأيت الكوكب والشمس والقمر؛ ليوازي تلك الآية؟ قلت: القصد الأولي في تلك الآية ذكر جبريل وميكائيل، كما دل عليه سبب النزول، وذكر الملائكة للتوطئة والتمهيد، بخلافه ها هنا، فسلك به مسلكاً علم منه المقصود، وأدمج التفضيل والاختصاص، وفيه إشارة إلى أن الآخرة مع تلك الهنات ما سلب عنهم نور الولاية والنبوة.
ويجوز أن تكون الواو بمعنى "مع"، أي: رأيت الكواكب مع الشمس والقمر.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ويجوز أن تكون "الواو" بمعنى: مع)، قال صاحب "التقريب": وفيه نظر؛ لاتفاقهم على أن "عمراً" في "ضربت زيداً وعمراً" ليس مفعولاً معه. ويجاب: أنا لمعني بقوله: "بمعنى: مع" ليس أنه مفعول معه، فإن سؤاله:"لم أخر "الشمس والقمر"؟ ".
ومعناه: كيف أخرهما وموضع التقديم ظاهر. وأجاب بجوابين: أحدهما: فيه التزام التأخير لإفادة المبالغة في التغاير، وثانيهما: أن "الواو" لا توجب الترتيب، لأن مقتضاها الجمعية، لأنها بمعنى: مع، كأنه قيل: رأيت الشمس والقمر والكواكب دفعة واحدة.
يؤيده قوله في تفسير: (لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ)[المائدة: 36]: "إنما وحد الراجع في "به"، لأن الواو بمعنى: "مع"، فيتوحد المرجوع إليه"، وقوله بعيد هذا:" (يَخْلُ لَكُمْ) إما مجزوم بإضمار "إن"، والواو بمعنى: "مع"، كقوله: (وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ) ".
قال شارح "الهادي": الواو تدل على الجمع المطلق، ودلالتها على الجمع أقوى من دلالتها على العطف، فإنها قد تعرى عن معنى العطف، ولا تعرى من معنى الجمع، فإن
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
واو القسم وواو الحال بمعنى "مع"، ولا تفيد العطف، وتفيد الجمع، لأنها في القسم نائبة عن الباء، والباء للإلصاق، والحال مصاحبة لذي الحال، والواو في المختلفين بمنزلة التثنية والجمع في المتفقين إذا لم يمكنهم التثنية والجمع في المختلفين، فعدلوا إلى الواو.
وتلخيص الجوابين يرجع إلى ما قاله في سورة النمل: "فإن قلت: ما الفرق بين هذا- أي: (تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ) [النمل: 1]- وبين قوله: (تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ) [الحجر: 1]؟ قلت: لا فرق بينهما إلا ما بين المعطوف والمعطوف عليه من التقدم والتأخر، وذلك على ضربين: ضرب جار مجرى التثنية، لا يترجح جانب على جانب، وضرب فيه ترجح، والأول نحو قوله: (وَقُولُوا حِطَّةٌ) (وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً)، والثاني نحو قوله: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ) [آل عمران: 18] ".
ونقل عن تلميذ ابن الحاجب أنه قال: ظاهر كلام الزمخشري لا يشترط في المفعول معه مصاحبة الفاعل، والحد المذكور في "الكافية" لا يمنع من مصاحبة المفعول، ونقل المالكي عن سيبويه أنه قال بعد تمثيله بـ "ما صنعت وأباك" و"لو تركت الناقة وفصيلها لرضعها"، فـ "الفصيل" مفعول معه، و"الأب" كذلك. وقال المالكي أيضاً: ويترجح
فإن قلت: ما معنى تكرار (رأيت)؟ قلت: ليس بتكرار، إنما هو كلام مستأنف على تقدير سؤال وقع جواباً له، كأن يعقوب عليه السلام قال له عند قوله (إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً): كيف رأيتها سائلاً عن حال رؤيتها؟ فقال (رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ).
فإن قلت. فلم أجريت مجرى العقلاء في (رأيتهم لي ساجدين)؟ قلت: لأنه لما وصفها بما هو خاص بالعقلاء وهو السجود. أجرى عليها حكمهم، كأنها عاقلة، وهذا كثير شائع في كلامهم، أن يلابس الشيء الشيء من بعض الوجوه، فيعطى حكما من أحكامه إظهاراً لأثر الملابسة والمقاربة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
العطف إن كان بلا تكلف ولا مانع ولا موهن، فلو خيف به فوات ما تصرفوا به رجح النصب على المعية. كذلك ها هنا رجحنا المعية على العطف لتوخي حصول الأفضلية ليترجح معنى الآية إلى معنى قوله تعالى:(وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ)[النساء: 69].
قوله: (أجرى عليها حكمهم، كأنها عاقلة)، قال الزجاج:"إذا جعل الله غير المميز كالمميز كذلك تكون أفعالها وآثارها، وأما (سَاجِدِينَ) فحقيقته فعل كل من يعقل، فإذا وصف به غيرهم فقد دخل في المميزين، وصار الإخبار عنهم كالإخبار عنهم".
قوله: (أن يلابس الشيءُ الشيء)، قيل: هو خبر مبتدأ محذوف، أي: هو أن يلابس، والجملة بيان لقوله:"هذا كثير في كلامهم".
[(قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ* وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَاوِيلِ الْأَحادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)].
عرف يعقوب عليه السلام دلالة الرؤيا على أن يوسف يبلغه الله مبلغاً من الحكمة، ويصطفيه للنبوّة، وينعم عليه بشرف الدارين، كما فعل بآبائه، فخاف عليه حسد الإخوة وبغيهم.
والرؤيا بمعنى الرؤية، إلا أنها مختصة بما كان منها في المنام دون اليقظة، فرق بينهما بحرفى التأنيث كما قيل: القربة والقربى.
وقرئ: "روياك" بقلب الهمزة واواً. وسمع الكسائي: "رُيَّاك" و"رِيَّاك" بالإدغام وضم الراء وكسرها، .......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (والرؤيا: بمعنى الرؤية، إلا أنها مختصة بما كان منها في المنام)، قال أبو علي:"الرؤيا: مصدر كالبشرى والسقيا والبقيا، إلا أنه لما صار اسماً لهذا المتخيل في المنام جرى مجرى الأسماء، وخرج عن حكم الإعمال، ومما يقوي خروجه عن أحكام المصادر تكسيرهم لها على "رؤى"، فصار بمنزلة "ظلم"، والمصادر في أكثر الأمر لا تكسر"، وسيجيء الكلام في حقيقة "الرؤيا" بعيد هذا.
قوله: (وقرئ: "روياك" بقلب الهمزة واواً)، قال أبو البقاء:"الجمهور أن الأصل الهمز، وقرئ بواو مكانها، لانضمام ما قبلها، ومنهم من يدغم، فيقول: رياك، فأجرى المخففة مجرى الأصلية، ومنهم من يكسر الراء لتناسب الياء".
وهي ضعيفة، لأنّ الواو في تقدير الهمزة فلا يقوى إدغامها كما لم يقو الإدغام في قولهم «اتزر» من الإزار، و «اتجر» من الأجر.
(فَيَكِيدُوا) منصوب بإضمار «أن» والمعنى: إن قصصتها عليهم كادوك.
فإن قلت: هلا قيل: فيكيدوك، كما قيل:(فكيدوني)[هود: 55]؟ قلت: ضمن معنى فعل يتعدى باللام، ليفيد معنى فعل الكيد، مع إفادة معنى الفعل المضمن، فيكون آكد وأبلغ في التخويف، وذلك نحو: فيحتالوا لك. ألا ترى إلى تأكيده بالمصدر.
(عَدُوٌّ مُبِينٌ) ظاهر العداوة لما فعل بآدم وحواء، ولقوله (لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ) [الأعراف: 16]، فهو يحمل على الكيد والمكر وكل شرّ، ليورّط من يحمله، ولا يؤمن أن يحملهم على مثله.
(وَكَذلِكَ) ومثل ذلك الاجتباء (يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ) يعني: وكما اجتباك لمثل هذه الرؤيا العظيمة الدالة على شرف وعز وكبرياء شأن، كذلك يجتبيك ربك لأمور عظام.
وقوله (وَيُعَلِّمُكَ) كلام مبتدأ غير داخل في حكم التشبيه، كأنه قيل: وهو يعلمك ويتمّ نعمته عليك. والاجتباء. الاصطفاء، افتعال من جبيت الشيء إذا حصلته لنفسك، وجبيت الماء في الحوض: جمعته.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وهي ضعيفة)، قال أبو علي:"فإن خففت قلت: "الرويا"، قلبتها ولم تدغم الواو في الياء، وإن كانت قد تقدمتها ساكنة، لأن الواو في تقدير الهمزة، فهي كذلك غير لازمة، وإذا لم يلزم لم يقع الاعتداد بها، فلم تدغم، كما لم تقلب الأولى في (وُورِيَ عَنْهُمَا) [الأعراف: 20] لما كانت الثانية غير لازمة، ومن ثم جاز "ضو" و"شيٌ"، فبقي الاسم على حرفين؛ أحدهما حرف لين، وجاز تحرك حرف اللين وتصحيحه مع انفتاح ما قبله، لأن الهمزة في تقدير الثبات".
والأحاديث: الرؤيا: لأنّ الرؤيا إمّا حديث نفس أو ملك أو شيطان. وتأويلها. عبارتها وتفسيرها، وكان يوسف عليه السلام أعبر الناس للرؤيا، وأصحهم عبارة لها.
ويجوز أن يراد بـ (تأويل الأحاديث): معاني كتب الله وسنن الأنبياء، وما غمض واشتبه على الناس من أغراضها ومقاصدها،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ويجوز أن يراد بـ (تَاوِيلِ الْأَحَادِيثِ) معاني كتب الله وسنن الأنبياء)، فعلى هذا فيه إشارة إلى أن العلم أجل النعم، وأشرف العلوم: تأويل كتاب الله عز وجل.
الراغب: "التأويل: من الأول، وهو الرجوع إلى الأصل، ومنه الموئل للموضع الذي يرجع إليه، وذلك هو رد الشيء إلى الغاية المرادة منه؛ علماً كان أو فعلاً، ففي العلم قوله تعالى:(وَمَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ)[آل عمران: 7]، وفي الفعل قول الشاعر:
وللنوى قبل يوم البين تأويل
وقوله تعالى: (هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَاوِيلَهُ يَوْمَ يَاتِي تَاوِيلُهُ)[الأعراف: 53] أي: بيانه الذي هو غايته المقصودة منه، والأول: السياسة التي يرعى مآلها، يقال: ألنا وإيل علينا".
يفسرها لهم ويشرحها ويدلهم على مودعات حكمها. وسميت أحاديث، لأنه يحدث بها عن الله ورسله، فيقال: قال الله وقال الرسول كذا وكذا. ألا ترى إلى قوله تعالى (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ)[الأعراف: 185]، (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ) [الزمر: 23]، وهو اسم جمع للحديث وليس بجمع أحدوثة؟ ومعنى إتمام النعمة عليهم: أنه وصل لهم نعمة الدنيا بنعمة الآخرة، بأن جعلهم أنبياء في الدنيا وملوكا. ونقلهم عنها إلى الدرجات العلا في الجنة. وقيل: أتمها على إبراهيم بالخلة، والإنجاء من النار، ومن ذبح الولد. وعلى إسحاق بإنجائه من الذبح، وفدائه بذبح عظيم، وبإخراج يعقوب والأسباط من صلبه. وقيل: علم يعقوب أنّ يوسف يكون نبياً وإخوته أنبياء استدلالا بضوء الكواكب، فلذلك قال:(وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وهو اسم جمع للحديث، وليس بجمع أحدوثة)، وقال في موضع آخر:"الأحاديث تكون اسم جمع للحديث، ومنه: أحاديث الرسول، وتكون جمعاً للأحدوثة التي هي مثل الأضحوكة والأعجوبة، وهي ما يتحدث به الناس تلهياً وتعجباً"، وقد يظن أنه ناقض؛ لأنه قال في "المفصل":"وقد يجيء الجمع مبنياً على غير واحده المستعمل، وذلك نحو: أراهط وأباطيل وأحاديث".
قال الفراء: ترى أن واحد "الأحاديث": أحدوثة، ثم جعلوه جمعاً للحديث.
وقال علم الدين السجاوندي في "شرح المفصل": كأنهم جمعوا "حديثاً" على "أحدثة"، ثم جمعوا الجمع على "أحاديث"، كقطيع وأقطعة وأقاطيع، فعلى هذا يصح أن يقال: وهو مبني على واحدة المستعمل.
وقيل: لما بلغت الرؤيا إخوة يوسف حسدوه وقالوا: ما رضي أن سجد له إخوته حتى سجد له أبواه. وقيل: كان يعقوب مؤثرا له بزيادة المحبة والشفقة لصغره، لما يرى فيه من المخايل. وكان إخوته يحسدونه، فلما رأي: الرؤيا ضاعف له المحبة، فكان يضمه كل ساعة إلى صدره ولا يصبر عنه، فتبالغ فيهم الحسد.
وقيل: لما قص رؤياه على يعقوب قال: هذا أمر مشتت يجمع الله لك بعد دهر طويل.
و"آل يعقوب": أهله وهم نسله وغيرهم. وأصل "آل": أهل، بدليل تصغيره على "أُهَيل"، إلا أنه لا يستعمل إلا فيمن له خطر. يقال: آل النبي، وآل الملك. ولا يقال: آل الحائك، ولا آل الحجام، ولكن أهلهما.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (من المخايل)، وهي جمع مخيلة، وهي المظنة، وياؤه كياء "معايش".
قوله: (هذا أمر مشتت يجمعه الله بلك) بعد دهر طويل)، يعني: أن رؤياك أمر يدل على تشتيت أمرك أولاً، ثم يجمع الله من شتاتك بعد دهر طويل، الجوهري:"الحمد لله الذي جمعنا من شت"، ودلالته عليه لأن سجود إخوته مع بغضهم إياه وحسدهم أمر بعيد، وكونه مسجوداً لأبويه أبعد، وذلك لا يحصل إلا بعد ضربات الدهر وشتات الأمور وتقلبات الأحوال.
وأراد بـ"الأبوين": الجد، وأبا الجد، لأنهما في حكم الأب في الأصالة. ومن ثم يقولون: ابن فلان، وإن كان بينه وبين فلان عدّة.
و(إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ) عطف بيانٍ لـ (أبويك)، (إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ) يعلم من يحق له الاجتباء (حَكِيمٌ) لا يتم نعمته إلا على من يستحقها.
[(لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ)].
(فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ) أي: في قصتهم وحديثهم (آياتٌ) علامات ودلائل على قدرة الله وحكمته في كل شيء (لِلسَّائِلِينَ) لمن سأل عن قصتهم وعرفها. وقيل: آيات على نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم للذين سألوه من اليهود عنها، فأخبرهم بالصحة من غير سماع من أحد ولا قراءة كتاب.
وقرئ: "آية"، وفي بعض المصاحف:"عبرة".
وقيل: إنما قص الله تعالى على النبي عليه الصلاة والسلام خبر يوسف وبغي إخوته عليه، لما رأى من بغى قومه عليه ليتأسى به. وقيل أساميهم: يهوذا: وروبيل، وشمعون، ولاوى، وزبالون، ويشجر، ودينة، ودان، ونفتالى، وجاد، وآشر؛ السبعة الأولون كانوا من ليا بنت خالة يعقوب، والأربعة الآخرون من سريتين: زلفة، وبلهة: فلما توفيت ليا تزوج أختها راحيل، فولدت له بنيامين ويوسف.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (للذين سألوه)، الضمير راجع للرسول صلى الله عليه وسلم، وقوله:"من اليهود" بيان "للذين"، والضمير في "عنها" للقصة، هذا مشعر بأن السائلين هم اليهود، وقال في أول السورة:"فقد روي أن علماء اليهود قالوا لكبراء المشركين: سلوا محمداً عن قصة يوسف"، وذلك أنه نزل استدعاءهم المشركين سؤاله منزلة سؤالهم.
[(إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ)].
(قالوا لَيُوسُفُ) اللام للابتداء. وفيها تأكيد وتحقيق لمضمون الجملة. أرادوا أنّ زيادة محبته لهما أمر ثابت لا شبهة فيه (وَأَخُوهُ) هو بنيامين. وإنما قالوا أخوه وهم جميعاً إخوته، لأنّ أمّهما كانت واحدة. وقيل (أَحَبُّ) في الاثنين، لأن "أفعل من" لا يفرّق فيه بين الواحد وما فوقه، ولا بين المذكر والمؤنث إذا كان معه «من» ولا بد من الفرق مع لام التعريف، وإذا أضيف جاز الأمران.
والواو في (وَنَحْنُ عُصْبَةٌ) واو الحال. يعني: أنه يفضلهما في المحبة علينا، وهما اثنان صغيران لا كفاية فيهما ولا منفعة، ونحن جماعة عشرة رجال كفأة نقوم بمرافقه، فنحن أحقّ بزيادة المحبة منهما، لفضلنا بالكثرة والمنفعة عليهما (إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) أي: في ذهاب عن طريق الصواب في ذلك. والعصبة والعصابة: العشرة فصاعداً. وقيل: إلى الأربعين، سموا بذلك لأنهم جماعة تعصب بهم الأمور
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) أي: في ذهاب عن طريق الصواب في ذلك)، يعني: أن نسبة الضلال إلى أبيهم إن كان مطلقاً، يوهم سوء أدب، لكن مقيد بقرينة الأحوال، كقوله تعالى:(وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ)[البقرة: 16]، أي: في أمور التجارة، كقوله:(فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً)[النساء: 6]، أي: رشداً في طريق التجارة.
قوله: (لأنهم جماعة تعصب بهم الأمور)، الراغب: "العصب: أطناب المفاصل، ولحم عصيب: كثير العصب، والمعصوب: المشدود بالعصب، ثم يقال لكل شد: عصب، نحو قولهم: لأعصبنك عصب السلمة، وفلان شديد العصب، ومعصوب الخلق، أي: مدمج الخلقة، والعصبة: جماعة متعصبة، قال تعالى:(مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ)[القصص: 76]،
ويستكفون النوائب. وروى النزال بن سبرة عن عليّ رضي الله عنه: "ونحن عصبة"، بالنصب. وقيل: معناه ونحن نجتمع عصبة. وعن ابن الأنباري: هذا كما تقول العرب، إنما العامري عمته؛ أي: يتعهد عمته.
[(اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صالِحِينَ)].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقال: (وَنَحْنُ عُصْبَةٌ)[يوسف: 14]، أي: مجتمعة الكلام متعاضدة، واعصوصب القوم: صاروا عصباً، والعصابة: ما يعصب بها الرأس والعمامة".
قوله: ("ونحن عصبة" بالنصب)، الانتصاف:"هذا يؤيد قراءة من قرأ: "هن أطهر لكم"، كأنه قال: ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن نَحْن، كقوله:
أنا أبو النجم وشعري شعري
فلا بعد لحذف الخبر لمساواته المبتدأ، فوقع الحال بعده، ومثله:"هؤلاء بناتي هن أطهر لكم"، فقوله:"هن" في حكم الكلام التام، أي: هن المشهورات بالأوصاف الكاملة".
قوله: (إنما العامري عمته)، الجوهري: "فلان حسن العمة: أي: حسن الاعتمام، واعتم
(اقْتُلُوا يُوسُفَ) من جملة ما حكى بعد قوله: (إذ قالوا) كأنهم أطبقوا على ذلك إلا من قال: (لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ) وقيل: الآمر بالقتل شمعون، وقيل: دان، والباقين كانوا راضين، فجعلوا آمرين (أَرْضاً) أرضاً منكورة مجهولة بعيدة من العمران، وهو معنى تنكيرها وإخلائها من الوصف، ولإبهامها من هذا الوجه نصبت نصب الظروف المبهمة (يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ) يقبل عليكم إقبالة واحدة لا يلتفت عنكم إلى غيركم. والمراد: سلامة محبته لهم ممن يشاركهم فيها وينازعهم إياها، فكان ذكر الوجه لتصوير معنى إقباله عليهم، لأنّ الرجل إذا أقبل على الشيء أقبل بوجهه. ويجوز أن يراد بالوجه الذات، كما قال تعالى (وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ) [الرحمن: 27]. وقيل: (يَخْلُ لَكُمْ) يفرغ لكم من الشغل بيوسف (مِنْ بَعْدِهِ) من بعد يوسف، أي: من بعد كفايته بالقتل أو التغريب، أو يرجع الضمير إلى مصدر (اقتلوا) أو (اطرحوه)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بالعمامة وتعمم بها: بمعنى"، يقول: ليس العامري إلا عبارة عن تعهد عمامته واستعماله بما يتزين به، وليس من المكارم في شيء، قال الحطيئة:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها
…
واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
قوله: (وقيل: (يَخْلُ لَكُمْ): يفرغ لكم من الشغل بيوسف)، عطف على قوله:" (يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ) يقبل عليكم إقبالة واحدة"، وأما توسيط قوله:"ويجوز أن يراد بـ "الوجه": الذات" بين المعطوف والمعطوف عليه، فللدلالة على أن الوجه الأول محتمل لأن يراد بـ "الوجه": الجارحة المخصوصة، وأن يراد الذات كله؛ إطلاقاً لاسم معظم الشيء على كله، وعلى أن الثاني لا يحتمل غير الذات.
(قَوْماً صالِحِينَ) تائبين إلى الله مما جنيتم عليه. أو يصلح ما بينكم وبين أبيكم بعذر تمهدونه. أو تصلح دنياكم وتنتظم أموركم بعده بخلوّ وجه أبيكم. و (تَكُونُوا) إمّا مجزوم عطفاً على (يَخْلُ لَكُمْ) أو منصوب بإضمار "أن" والواو بمعنى "مع"، كقوله (وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ) [البقرة: 42].
[(قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ)].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وعلى التقادير: التركيب من باب الكناية؛ أما بيان الوجه الأول- وهو أن يراد بـ "الوجه" الجارحة-: فإن من أقبل على الشيء بوجهه لا يلتفت إلى الغير، وملزوم ذلك إخلاص المحبة له، وإليه الإشارة بقوله:"والمراد سلامة محبته لهم، وإلى معنى الكناية أشار بقوله: "وكان ذكر "الوجه" لتصوير معنى إقباله عليهم"، وهو كما إذا عبرت عن جود زيد بقولك: "هو كثير الرماد"، وإذا أريد بـ "الوجه" الذات، ويكون كناية عن المحبة، فالأمر على هذا.
وأما بيان الوجه الثاني: فإن من تخلى بذاته كله إلى الشيء تفرغ له من الشغل بالغير، وهذا لا يوجب المحبة، وعليه قوله تعالى:(سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ)[الرحمن: 31]، قال المصنف:"هو من قول الرجل لمن يهدده: سأفرغ لك؛ يريد: سأتجرد للإيقاع بك من كل ما يشغلني عنه، حتى لا يكون لي شغل سواه"، والمراد في هذا المقام التوفر على إصلاح أمورهم وانتظام أحوالهم.
قوله: (أو: تصلح دنياكم)، عطف على "تائبين إلى الله"، لأن المراد بـ "الصلاح": إما الديني وإما الدنيوي، والديني: إما التوبة إلى الله تعالى أو التحري إلى رضا الوالد، لأنه أيضاً موجب رضا الله.
قوله: (كقوله: (وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ))، يريد قوله تعالى: (وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ
(قائِلٌ مِنْهُمْ) هو يهوذا، وكان أحسنهم فيه رأيا. وهو الذي قال، (فلن أبرح الأرض) [يوسف: 80]. قال لهم: القتل عظيم (فِي غَيابَتِ الْجُبِّ) وهي غوره وما غاب منه عن عين الناظر وأظلم من أسفله. قال المنخل:
وَإنْ أنَا يَوْماً غَيَّبَتْنِى غَيَابَتِى
…
فَسِيرُوا بِسَيْرِى فِى الْعَشِيرَةِ وَالأَهْلِ
أراد غيابة حفرته التي يدفن فيها.
وقرئ "غيابات" على الجمع. و"غيابات" بالتشديد. وقرأ الجحدري: غيبة .......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ) [البقرة: 42]، أي: لا تجمعوا بين لبس الحق بالباطل وكتمان الحق، كقوله:"لا تأكل السمك وتشرب اللبن"، والمعنى: اطرحوه أرضاً ليجتمع لكم إقبال أبيكم عليكم وصلاح أمر دنياكم.
قوله: (وقال لهم: القتل عظيم)، وإنما وصفه بالعظم لأن الذي أبدل منه- وهو الإلقاء في الجب- معلل بالالتقاط، ولأنه مؤكد بالشرط، أي: إن كان لابد من أن تفعلوا به ما ترومونه، فهذا، لأنه أهون.
قوله: (وإن أنا يوماً غيبتني) البيت، أي: غيابة حفرتي التي أدفن فيها، فسيروا بنعتي في القبائل والعشائر، وقيل:"فسيروا" من السيرة لا من السير، كانت العادة فيهم إذا مات رئيس عظيم الخطر يطوف أحد منهم على القبائل، ويصعد على الروابي، ويقول: أنعى فلاناً، يريدون تشهير أمره، وتعظيم التفجع به.
قوله: (قرئ: "غيابات" على الجمع)، نافع في الموضعين، والباقون: على التوحيد.
قوله: (و"غيابات" بالتشديد)، قال ابن جني:"وهي قراءة الأعرج، وقرأ الحسن: "في غيبة"، أما "غيابة" فإنه اسم جاء على "فعالة"، وكان أبو علي يضيفه إلى ما حكاه سيبويه
"والجب": البئر لم تطو، لأن الأرض تجبّ جباً لا غير.
(يَلْتَقِطْهُ) يأخذه (بعض السيارة) بعض الأقوام الذين يسيرون في الطريق. وقرئ: "تلتقطه". بالتاء على المعنى، لأنّ بعض السيارة سيارة، كقوله:
كَمَا شَرِقَتْ صَدْرُ الْقَنَاةِ مِنَ الدَّمِ
ومنه: ذهبت بعض أصابعه.
(إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ) إن كنتم على أن تفعلوا ما يحصل به غرضكم، فهذا هو الرأي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من الأسماء التي جاءت على "فعال"، كالجبان، والكلاء، والفياد- لذكر البوم-، ووجدت أنا التيار- للموج-، والفخار- للخزف-، وغيرها. وأما "غيبة الجب": فيجوز أن يكون حدثاً فعلة من: غيب، فيكون كقولنا: وظلمة الجب".
قوله: (والجب: البئر لم تطو، لأن الأرض تجب جباً)، يعني: إنما سمي البئر من غير المطوي جباً، إذ ليس فيه إلا جب الأرض، فإنه لم يطو بعد. "الأساس":"طوي البناء باللبن، والبئر بالحجارة، وهي الطوي والأطواء".
قوله: (كما شرقت صدر القناة من الدم)، مضى شرحه في آل عمران.
[(قالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَامَنَّا عَلى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ* أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ)].
(ما لَكَ لا تَامَنَّا) قرئ بإظهار النونين، وبالإدغام بإشمام وبغير إشمام،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وبالإدغام بإشمام)، قال صاحب "التيسير":"كلهم قرأ (مَا لَكَ لَا تَامَنَّا) بإدغام النون الأولى في الثانية، وإشمامها الضم، وحقيقة الإشمام في ذلك أن يشار بالحركة إلى النون لا بالعضو إليها، فيكون ذلك إخفاء لا إدغاماً صحيحاً، لأن الحركة لا تسكن رأساً، بل يضعف الصوت، فيفصل بين المدغم والمدغم فيه لذلك، هذا قول عامة أئمتنا، وهو الصواب؛ لتأكد دلالته وصحته في القياس".
وقال الشيخ برهان الدين الجعبري شارح "القصيدة"- في قوله: "وتأمننا للكل يخفي مفصلاً"، وقوله:"وأدغم مع إشمامه البعض عنهم"-: يريد بقوله: "إخفاء الحركة": اختلاسها، ومعنى "مفصلاً": فصل إحدى النونين عن الأخرى، وهو حقيقة الإظهار، وهذا معنى قول أبي علي الفارسي:"ويجوز أن تبين ولا تدغم وتخفي الحركة، وهو أن تختلسها"، ومفهوم إطلاق البيت أن كلاً من النقلة رووه عن السبعة، وليس كذلك؛ لإطباق العراقيين على خلافه، وقوله:"وأدغم" وجه ثان، وهو إدغام النون في الأخرى والإشمام، وهو ضم الشفتين مع أول التشديد من غير حركة في النون، وبهذا قطع ابن مجاهد في قوله: وكلهم قرأ
و"تيمناً" بكسر التاء مع الإدغام. والمعنى: لم تخافنا عليه ونحن نريد له الخير ونحبه ونشفق عليه؟ وما وجد منا في بابه ما يدل على خلاف النصيحة والمقة؟ وأرادوا بذلك لما عزموا على كيد يوسف استنزاله عن رأيه وعاد به في حفظه منهم. وفيه دليل على أنه أحسّ منهم بما أوجب أن لا يأمنهم عليه.
(نَرْتَعْ) نتسع في أكل الفواكه وغيرها. وأصل الرتعة: الخصب والسعة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(تَامَنَّا) بفتح الميم وضم النون وإدغام النون الأولى في الثانية، والإشارة إلى إعراب النون المدغمة بالضم، ونبه بقوله:"وضم النون" على أن الفعل مرفوع، لتفهم علة الإشمام.
قوله: (والمقة)، الجوهري:"المقة: المحبة، والهاء عوض من الواو، وقد ومقه يمقه- بالكسر فيهما-: أي: أحبه، فهو وامق"، وفي قولهم:"وما وجد منا في بابه ما يدل على خلاف النصيحة" إشارة على أن جملة قوله: (وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ) جار مجرى الاعتراض والتذييل، لا الحال، أي: نحن عصبة عادتنا في حقه النصح والشفقة.
قوله: (استنزاله عن رأيه)، مفعول "أرادوا"، وقوله:"لما عزموا" ظرف له.
قوله: ("نرتع" نتسع في أكل الفواكه)، وهذا أولى مما قيل: نرتع إبلنا؛ إذ المراد التنزه والخروج إلى الأرياف والمياه، كما هو عادة الناس إذا خرجوا إلى الرياض والبساتين، ثم اتسع واستعمل في نيل الثواب الجزيل، كما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:"إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا، فقيل: يا رسول الله، ما رياض الجنة؟ قال: المساجد، قيل: فما الرتع يا رسول الله؟ قال: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر"، أخرجه الترمذي عن أبي هريرة.
وتلخيصه: فإذا مررتم بالمساجد فقولوا: سبحان الله، والحمد لله، فلما وضع "رياض الجنة" موضع "المساجد"؛ بناءً على أن العبادة فيها سبب للحصول في رياض الجنة، روعيت
وقرئ: "يرتع" من: ارتعى يرتعي. وقرئ: (يرتع ويلعب) بالياء، ويرتع، من أرتع ماشيته،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المناسبة لفظاً ومعنى، ووضع "الرتع" موضع القول، لأن هذا القول سبب لنيل الثواب الجزيل، كل ذلك للترغيب والتحريض.
ولو لمح في "الرتع" تناول ثمرة الشجرة التي غرسها الذاكر؛ على ما روى الترمذي عن جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لقيت ليلة أسري بي إبراهيم، فقال لي: يا محمد، أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر"، فجاء أسلوباً بديعاً وتمليحاً عجيباً.
قوله: ("يرتع" من: ارتعى)، الحرميان: بكسر العين من "يرتع"، وجزمها الباقون، أي: سكنها. الكوفيون ونافع: (يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ) بالياء فيهما، والباقون: بالنون.
وفي "المعالم": قيل: المعنى في "نرتع"- بالنون-: نرتع إبلنا، فحذف المضاف، وأسند الفعل إلى المضاف إليه. يريد: أن الأصل: يرتع إبلنا- بالياء-، والفاعل "إبلنا"، فلما حذف الفاعل أقيم المضاف إليه مقامه، وهو ضمير المتكلم، فانقلب الفعل عن لفظ الغائب للمتكلم. كذا عن المصنف في سورة الكهف في قوله:(لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ)[الكهف: 60].
وقرأ العلاء بن سيابة: "يرتع" بكسر العين، ويلعب، بالرفع على الابتداء.
فإن قلت: كيف استجاز لهم يعقوب عليه السلام اللعب؟ قلت: كان لعبهم الاستباق والانتضال، ليضروا أنفسهم بما يحتاج إليه لقتال العدوّ لا للهو، بدليل قوله (إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ) [يوسف: 17] وإنما سموه لعباً لأنه في صورته.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرأ العلاء بن سيابة: "يرتع" بكسر العين)، قال ابن جني:"هو جزم، لأنه جواب (أَرْسِلْهُ)، و"يلعب" مرفوع استئنافاً، أي: هو ممن يلعب، كقولك: زرني أحسن إليك، إلا أن الرفع في "أحسن" ها هنا يضعف الضمان، ألا ترى أن معناه: أنا كذلك، وليس فيه قوة معنى الإحسان إليه مع الجزم، وأما (يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ) فمجزومان، لأنهما جوابان، أحدهما معطوف على صاحبه، وهو على حذف المفعول، أي: يرتع مطيته"، قال ابن جني:"فما أعربه وأعذبه في الكلام".
قوله: (كان لعبهم الاستباق)، قال محيي السنة: هو تشاغل منهم بإجمام النفس من الجد بمباح يحصل به تعيش وقوة على العمل، وليس هذا كاللعب في قوله تعالى:(إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ)[التوبة: 65].
قوله: (ليضروا أنفسهم)، الأساس:"ومن المجاز: ضري فلان بكذا، وعلى كذا: لهج". الجوهري: "ضري الكلب بالصيد؛ أي: تعود، وأضراه صاحبه؛ أي: عوده، وكذلك التضرية".
[(قالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخافُ أَنْ يَاكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ)].
(لَيَحْزُنُنِي) اللام لام الابتداء، كقوله (وإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ) [النحل: 124]، ودخولها أحد ما ذكره سيبويه من سببى المضارعة. اعتذر إليهم بشيئين:
أحدهما: أنّ ذهابهم به ومفارقته إياه مما يحزنه، لأنه كان لا يصبر عنه ساعة.
والثاني: خوفه عليه من عدوة الذئب إذا غفلوا عنه برعيهم ولعبهم، أو قلّ به اهتمامهم ولم تصدق بحفظه عنايتهم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (من سببي المضارعة)، وهما دخول اللام والسين للحال والاستقبال، وسببه: أن بين فعل المضارع وبين الاسم المشترك أمراً جامعاً، وهو أنهما موضوعان لمتعدد مخالف في الحقيقة، ثم يصير كل واحد منهما لمتعين بقرينة تدخل عليه بعد أن كان شائعاً، فدخول حرف الاستقبال قرينة يتضح بها مدلوله في قصد المتكلم من غير زيادة، هذا هو الوجه، لا ما قيل: هو مثل اسم الجنس، نحو: رجل، يقع على آحاد متعددة على البدل، ثم يتميز لكل واحد من آحاده إذا قصد إليه بحرف التعريف، لأن المضارع موضوع لكل واحد من مدلوليه، وهما مختلفان، واسم الجنس هو في المعنى لحقيقة واحدة، لا اختلاف فيه، وبهذا يتبين وجه قوله في "المفصل":"ويشترك فيه الحاضر والمستقبل"، هذا تلخيص كلام ابن الحاجب.
قوله: (من عدوة الذئب)، أي: خطفته، الجوهري:"دفعت عنك عادية فلان؛ أي: ظلمه وشره".
وقيل: رأى: في النوم أنّ الذئب قد شدّ على يوسف فكان يحذره، فمن ثم قال ذلك فلقنهم العلة، وفي أمثالهم: البلاء موكل بالمنطق.
وقرئ (الذِّئْبُ) بالهمزة على الأصل وبالتخفيف. وقيل: اشتقاقه من تذاءبت الريح؛ إذا أتت من كل جهة.
[(قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذاً لَخاسِرُونَ)].
القسم محذوف تقديره: والله (لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ) واللام موطئة للقسم. وقوله (إِنَّا إِذاً لَخاسِرُونَ) جواب للقسم مجزئ عن جزاء الشرط، والواو في (وَنَحْنُ عُصْبَةٌ) واو الحال: حلفوا له لئن كان ما خافه من خطفة الذئب أخاهم من بينهم - وحالهم أنهم عشرة رجال، بمثلهم تعصب الأمور وتكفى الخطوب، إنهم إذاً لقوم خاسرون، أي: هالكون ضعفا وخوراً وعجزاً، أو: مستحقون أن يهلكوا لأنه لا غناء عندهم ولا جدوى في حياتهم. أو مستحقون لأن يدعى عليهم بالخسارة والدّمار، وأن يقال: خسرهم الله ودمّرهم حين أكل الذئب بعضهم وهم حاضرون.
وقيل: إن لم نقدر على حفظ بعضنا فقد هلكت مواشينا إذن وخسرناها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرئ: (الْذِّئْبُ) بالهمز)، كلهم إلا ورشاً والكسائي وأبا عمرو، قال أبو علي:"قال الحسن: "الذئب" مهموز في الأصل، قالوا: تذاءبت الريح؛ إذا جاءت من كل جهة، كأن المعنى فيه أنها أتت كما يأتي الذئب"، والمصنف عكس بقوله:"اشتقاقه من تذاءبت الريح".
قوله: (فقد هلكت مواشينا إذن وخسرناها)، وهو عبارة عن حفظ أخيهم على الوجه الأبلغ، أي: نحن لما كفينا عن مواشينا الذئب، فلأن نكفي عن أخينا بالطريق الأولى،
فإن قلت: قد اعتذر إليهم بعذرين، فلم أجابوا عن أحدهما دون الآخر؟ قلت: هو الذي كان يغيظهم ويذيقهم الأمرّين فأعاروه آذاناً صما ولم يعبئوا به.
[(فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ)].
(أَنْ يَجْعَلُوهُ) مفعول "أَجْمَعُوا"؛ من قولك: أجمع الأمر وأزمعه (فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ)[يونس: 71]. وقرئ: "في غيابات الجب"، قيل: هو بئر بيت المقدس. وقيل: بأرض الأردنّ. وقيل: بين مصر ومدين. وقيل: على ثلاثة فراسخ من منزل يعقوب.
وجواب «لما» محذوفٌ. ومعناه: فعلوا به ما فعلوا من الأذى، فقد روي: أنهم لما برزوا به إلى البرّية أظهروا له العداوة وأخذوا يهنونه ويضربونه، وكلما استغاث بواحد منهم لم يغثه إلا بالإهانة والضرب، حتى كادوا يقتلونه. فجعل يصيح: يا أبتاه، لو تعلم ما يصنع بابنك أولاد الإماء، فقال يهوذا: أما أعطيتمونى موثقاً ألا تقتلوه فلما أرادوا إلقاءه في الجب تعلق بثيابهم فنزعوها من يده، فتعلق بحائط البئر فربطوا يديه ونزعوا قميصه، فقال: يا إخوتاه، ردّوا عليّ قميصي أتوارى به،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ها هنا على حقيقتها، وعلى الوجوه السابقة مجاز عن الهلاك، ثم الهلاك إما محمول على الضعف والخور- وهو الوجه الأول-، أو على حقيقة الهلاك، وهو أيضاً على وجهين: إما استحقاق الهلاك أو الدعاء بالهلاك.
قوله: (ويذيقهم الأمرين)، يقال: لقيت من فلان الأمرين، وهي الدواهي، من المرة، وهي القوة، المعنى: ما أجابوا عن هذا العذر لكونهم ما التفتوا إليه أول الأمر، لأن قوله:(لَيَحْزُنُنِي) دل على محبته، ومحبته إياه هي التي أورثتهم الحسد، وأوقعتهم في تلك الورطات.
قوله: (فأعاروه آذاناً صماً)، الضمير للعذر، جعلوا العذر شخصاً، وأعاروه آذانهم
وإنما نزعوه ليلطخوه بالدم ويحتالوا به على أبيهم، فقالوا له: ادع الشمس والقمر والأحد عشر كوكبا تؤنسك، ودلوه في البئر، فلما بلغ نصفها ألقوه ليموت، وكان في البئر ماء فسقط فيه، ثم أوى إلى صخرة فقام عليها وهو يبكي، فنادوه فظنّ أنها رحمة أدركتهم، فأجابهم فأرادوا أن يرضخوه ليقتلوه فمنعهم يهوذا، وكان
يهوذا يأتيه بالطعام.
ويروى أن إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار وجرّد عن ثيابه أتاه جبريل بقميص من حرير الجنة فألبسه إياه، فدفعه إبراهيم إلى إسحاق، وإسحاق إلى يعقوب، فجعله يعقوب في تميمة علقها في عنق يوسف، فجاء جبريل فأخرجه وألبسه إياه.
(وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ) قيل أُوحي إليه في الصغر كما أُوحي إلى يحيى وعيسى. وقيل كان إذ ذاك مدركاً. وعن الحسن: كان له سبع عشرة سنة (لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا) وإنما أُوحي اليه ليؤنس في الظلمة والوحشة، ويبشر بما يؤول إليه أَمره. ومعناه: لتتخلصن مما أَنت فيه، ولتحدّثن إخوتك بما فعلوا بك (وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) أنك يوسف؛ لعلوّ شأنك وكبرياء سلطانك، وبعد حالك عن أَوهامهم، ولطول العهد المبدّل للهيئات والأشكال، وذلك أنهم حين دخلوا عليه ممتارين فعرفهم وهم له منكرون، دعا بالصواع فوضعه على يده، ثم نقره فطنّ فقال: إنه ليخبرني هذا الجام أَنه كان لكم أَخ من أَبيكم يقال له يوسف، وكان يدنيه دونكم، وأَنكم انطلقتم به وأَلقيتموه في غيابة الجب، وقلتم لأبيكم: أَكله الذئب، وبعتموه بثمن بخس.
ويجوز أَن يتعلق (وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) بقوله (وَأَوْحَيْنا) على أَنا آنسناه بالوحي،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الصم، كأنهم لم تصاموا عن سماع ذلك العذر، نزلوا العذر منزلة شخص على سبيل الاستعارة المكنية، وخلعوا عليه الصمم، والبسوه إياه؛ مبالغة.
وأزلنا عن قلبه الوحشة، وهم لا يشعرون ذلك ويحسبون أنه مرهق مستوحش لا أَنيس له.
وقرئ: "لننبئنهم" بالنون على أَنه وعيد لهم. وقوله (وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) متعلق بأوحينا لا غير.
[(وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ* قالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ)].
وعن الحسن: "عشياً" على تصغير "عشيّ"، يقال: لقيته عشيا وعشياناً، وأصيلاً وأصيلاناً ورواه ابن جني:"عشى" بضم العين والقصر. وقال عشوا من البكاء
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (مرهق)، أي: مضيق عليه، وفي الحديث:"فإن رهق سيده دين" أي: لزمه أداؤه وضيق عليه.
قوله: ((وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) متعلق بـ "أوحينا" لا غير)، أي: على قراءة النون، يعني: أوحينا إلى يوسف هذا التهديد والوعيد في حقهم، والحال أنهم لا يشعرون بهذا الوحي، لأن إنباء الله إياهم لا يجتمع مع عدم شعورهم به، بخلاف إنباء يوسف، لأنه حصل مع عدم شعورهم، كما ذكر في طنين الصواع. وفيه نظر؛ لجواز أن يتعلق بقوله:"لننبئنهم"، وان يراد بـ "إنباء الله": إيصال جزاء فعلهم بهم، وهم لا يشعرون بذلك.
والظاهر أن هذا الإنباء هو قوله عليه السلام: (هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ)[يوسف: 89].
قوله: (ورواه ابن جني: "عشى" بضم العين والقصر)، قال ابن جني: "رواه عيسى
وروي أَن امرأَة حاكمت إلى شريح فبكت، فقال له الشعبي: يا أبا أمية، أما تراها تبكي؟ فقال: قد جاء إخوة يوسف يبكون وهم ظلمة: ولا ينبغي لأحد أن يقضي إلا بما أمر أن يقضي به من السنة المرضية. وروي أَنه لما سمع صوتهم فزع وقال: ما لكم يا بنيّ؟ هل أَصابكم في غنمكم شيء؟ قالوا: لا. قال: فما بالكم وأين يوسف؟ (قالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ) أي: نتسابق، والافتعال والتفاعل يشتركان كالانتضال والتناضل: والارتماء والترامي، وغير ذلك. والمعنى. نتسابق في العدو أو في الرمي. وجاء في التفسير: ننتضل.
(بِمُؤْمِنٍ لَنا) بمصدّق لنا (وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ) ولو كنا عندك من أهل الصدق والثقة، لشدّة محبتك ليوسف، فكيف وأنت سيئ الظن بنا، غير واثق بقولنا؟
[(وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ)].
(بِدَمٍ كَذِبٍ) ذي كذب. أو وصف بالمصدر مبالغة، كأنه نفس الكذب وعينه، كما يقال للكذاب: هو الكذب بعينه،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ابن ميمون: "جاءوا أباهم عشى يبكون"؛ عشوا من البكاء، وطريق ذلك أنه جمع "عاش"، وكان قياسه: عشاة، كماش ومشاة، إلا أنه حذف الهاء تخفيفاً، وهو يريدها، وفيه ضعف، لأن قدر ما بكوا في ذلك اليوم لا يعشو منه الإنسان، ويجوز أن يكون جمع عشوة؛ أي: ظلاماً، وجمعه لتفرق أجزائه".
والزور بذاته. ونحوه:
فَهُنَّ بِهِ جُودٌ وَأنْتُمْ بِهِ بُخْلُ
وقرئ، "كذباً" نصباً على الحال، بمعنى: جاءوا به كاذبين، ويجوز أن يكون مفعولا له. وقرأت عائشة رضي الله عنها:"كدبٍ"، بالدال غير المعجمة، أي: كدر. وقيل: طري، وقال ابن جني: أصله من الكدب، وهو الفوف البياض الذي يخرج على أظفار الأحداث. كأنه دم قد أثر في قميصه. روي أنهم ذبحوا سخلة ولطخوه بدمها، وزلّ عنهم أن يمزقوه. وروي أنّ يعقوب لما سمع بخبر يوسف صاح بأعلى صوته وقال: أين القميص؟ فأخذه وألقاه على وجهه وبكى حتى خضب وجهه بدم القميص وقال: تالله ما رأيت كاليوم ذنبا أحلم من هذا، أكل ابني ولم يمزق عليه قميصه.
وقيل كان في قميص يوسف ثلاث آيات: كان دليلاً ليعقوب على كذبهم، وألقاه على وجهه فارتد بصيراً، ودليلاً على براءة يوسف حين قدّ من دُبُر.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فهن به جود وأنتم به بخل)، الضمير المجرور في الموضعين للوصل، أي: هؤلاء النساء بالوصل جود.
قوله: (وهو الفوف)، وأنشدوا:
فأرسلت إلى سلمى
…
بأن النفس مشفوفه
فما جادت لنا سلمى
…
بزنجير ولا فوفه
الزنجرة: قرع الإبهام على الوسطى بالسبابة، والاسم: الزنجير.
قوله: (كان دليلاً ليعقوب على كذبهم)، إلى آخره: بيان لقوله: ثلاث آيات.
فإن قلت: (عَلى قَمِيصِهِ) ما محله؟ قلت: محله النصب على الظرف، كأنه قيل: وجاءوا فوق قميصه بدم كما تقول: جاء على جماله بأحمال.
فإن قلت: هل يجوز أن تكون حالاً متقدمة؟ قلت: لا، لأنّ حال المجرور لا تتقدم عليه.
(سَوَّلَتْ) سهلت؛ من السول وهو الاسترخاء، أي: سهلت، (لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً) عظيماً ارتكبتموه من يوسف وهوّنته في أعينكم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (محله النصب على الظرف، كأنه قيل: جاؤوا فوق قميصه بدم)، قال صاحب "التقريب": في كونه ظرفاً للمجيء وبقاء المعنى المقصود حزازة، ويجوز أن يقال: إن (عَلَى قَمِيصِهِ) حال من "جاؤوا" بتضمينه معنى الاستيلاء، أي: مستولين على قميصه، و (بِدَمٍ) حال من "قميص"، أي: ملتبساً بدم كذب.
قال أبو البقاء: "هو حال من "الدم"، [لأن التقدير]: جاؤوا بدم كذب على قميصه". قال صاحب "اللباب": ولا تتقدم صاحبها، أي: لا تتقدم الحال على صاحبها المجرور على الأصح، نحو: مررت جالسة بهند، إلا أن يكون ظرفاً.
قوله: ((سَوَّلَتْ) سهلت)، الراغب:"التسويل: تزيين النفس لما تحرص عليه، وتصوير القبيح منه بصورة الحسن".
استدل على فعلهم به بما كان يعرف من حسدهم وبسلامة القميص. أو أُوحي إليه بأنهم قصدوه (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ خبر) أو مبتدأ، لكونه موصوفاً أي: فأمري صبر جميل، أو فصبر جميل أمثل. وفي قراءة أبيّ: فصبراً جميلاً. والصبر الجميل جاء في الحديث المرفوع «أنه الذي لا شكوى فيه إلى الخلق» ألا ترى إلى قوله (نَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ)[يوسف: 86]، وقيل: لا أعايشكم على كآبة الوجه، بل أكون لكم كما كنت. وقيل: سقط حاجبا يعقوب على عينيه فكان يرفعهما بعصابة، فقيل له: ما هذا؟ فقال: طول الزمان وكثرة الأحزان. فأوحى الله تعالى إليه: يا يعقوب أتشكوني؟ قال: يا رب. خطيئة فاغفرها لي.
(وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ) أي: أستعينه (عَلى) احتمال (ما تَصِفُونَ) من هلاك يوسف والصبر على الرزء فيه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (استدل على فعلهم به بما كان يعرف من حسدهم وبسلامة القميص)، الانتصاف:"أقوى شاهد على التهمة أنهم ادعوا الوجه الخاص الذي اتهمهم به أبوهم، وهو أكل الذئب إياه، وكثيراً ما تتلقف الأعذار الباطلة من في من يعتذر إليه".
قلت: ومن الأسلوب قوله تعالى: (مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ)[الانفطار: 6].
قوله: (ما هذا؟ )، أي: أي شيء ما نرى بك من الكبر، ولم تبلغ ما بلغ أبواك في السن؟
[(وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ فَأَدْلى دَلْوَهُ قالَ يا بُشْرى هذا غُلامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ)].
(وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ) رفقة تسير من قبل مدين إلى مصر، وذلك بعد ثلاثة أيام من إلقاء يوسف في الجب، فأخطئوا الطريق فنزلوا قريباً منه، وكان الجب في قفرة بعيدة من العمران لم يكن إلا للرعاة. وقيل: كان ماؤها ملحاً. فعذب حين ألقى فيه يوسف (فَأَرْسَلُوا) رجلاً يقال له مالك بن ذعرٍ الخزاعي، ليطلب لهم الماء. والوارد: الذي يرد الماء ليستقي للقوم (يا بُشْرى) نادى البشرى، كأنه يقول: تعال، فهذا من آونتك. وقرئ:"يا بشراى" على إضافتها إلى نفسه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فهذا من آونتك)، قال الزجاج:"معنى النداء في هذه الأشياء التي لا تجيب ولا تعقل إنما هو على تنبيه المخاطبين، وتوكيد القصة، فإذا قلت: يا عجباً، فكأنك قلت: اعجبوا، ويا أيها العجب هذا من حينك، فكأنه قال: يا أيتها البشرى هذا من إبانك وأوانك". وقال أبو علي: "إن هذا الوقت من أوانك، ولو كنت ممن يخاطب، فخوطبت الآن".
قوله: (وقرئ: "يا بشراي" على إضافتها)، قرأها نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر، والكوفيون:(يَا بُشْرَى) على وزن فعلى، وأما فتحة الراء حمزة والكسائي. قال محيي السنة:"والوجه في إفرادها عن ياء المتكلم: هو أن "بشرى" نكرة ها هنا، فناداها كما تنادى النكرات، نحو قولك: يا رجلاً، ويا راكباً، إذا جعلت النداء شائعاً، فيكون موضعه نصباً على التنوين، إلا أن "فعلى" لا سبيل إليها للتنوين، ويجوز أن تكون "بشرى" منادى تعرف بالفصل، نحو: يا رجل".
وفي قراءة الحسن وغيره: يا بشري بالياء مكان الألف، جعلت الياء بمنزلة الكسرة قبل ياء الإضافة، وهي لغة للعرب مشهورة سمعت أهل السروات يقولون في دعائهم: يا سيدي وموليّ. وعن نافع: يا بشراي بالسكون، وليس بالوجه لما فيه من التقاء الساكنين على غير حدّه، إلا أن يقصد الوقف.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ("يا بشري")، قال ابن جني:"هي قراءة أبي الطفيل والجحدري، ورويت عن الحسن، وهذه لغة فاشية فيهم".
قوله: (جعلت الياء بمنزلة الكسرة)، قال الزجاج:"إن ياء الإضافة تغير ما قبلها، ولا يتبين معها الإعراب، فإذا كان قبلها ألف فالاختيار أن لا تغير، وبعض العرب يبدل معها ياء، فيكون بدلها بمنزلة تغير الحرف قبلها"، هذا الذي عناه المصنف بقوله:"جعلت الياء بمنزلة الكسرة"، يعني: في التغيير، قال أبو علي:"إن ما يضاف إلى الياء يحرك بالكسرة إذا كان الحرف صحيحاً، نحو: غلامي وداري، فلما لم تحتمل الألف الكسرة، وقربت الألف من الياء بقلبها إليها، كما كان الحرف يكون مكسوراً، والألف قريبة من الياء، فلذلك يبدل كل واحد منهما بالآخر".
قوله: (أهل السروات)، النهاية:"السرو: محلة حمير، وفي حديث عمر: "ليأتين الراعي سروات حمير"، المعروف في واحد "سروات" سراة".
وقيل: لما أدلى دلوه أي: أرسلها في الجب تعلق يوسف بالحبل، فلما خرج إذا هو بغلام أحسن ما يكون، فقال: يا بشراي: هذا غُلامٌ وقيل: ذهب به، فلما دنا من أصحابه صاح بذلك يبشرهم به.
(وَأَسَرُّوهُ) الضمير للوارد وأصحابه؛ أخفوه من الرفقة. وقيل: أخفوا أمره ووجدانهم له في الجب، وقالوا لهم: دفعه إلينا أهل الماء لنبيعه لهم بمصر. وعن ابن عباس أنّ الضمير لإخوة يوسف، وأنهم قالوا للرفقة هذا غلام لنا قد أبق فاشتروه منا، وسكت يوسف مخافة أن يقتلوه.
و(بِضاعَةً) نصب على الحال، أي: أخفوه متاعا للتجارة. والبضاعة: ما بضع من المال للتجارة، أي: قطع (وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ) لم يخف عليه إسرارهم، وهو وعيد لهم حيث استبضعوا ما ليس لهم. أو: والله عليم بما يعمل إخوة يوسف بأبيهم وأخيهم من سوء الصنيع.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (و (بِضَاعَةً) نصب على الحال، أي: أخفوه متاعاً للتجارة)، كذا عن أبي البقاء. قال صاحب "الفرائد": ويمكن أن يقال: ضمن "أسروه" معنى: جعلوه، أي: جعلوه بضاعة مسرين، فهو مفعول ثان.
قال ابن الحاجب: "يحتمل أن يكون مفعولاً من أجله، أي: كتموه لأجل تحصيل المال فيه، لأنه كان على حال تقتضي التجارة كتمانه خوفاً من أن تمتد الأطماع من غيرهم، فلا يجوز أن يكون تمييزاً، لأنه ليس من باب "عشرين"، ولا من باب: حسن زيد وجهاً، لما يؤدي إليه أن الإسرار كان لبضاعته لا له، وهو خلاف المعنى".
قوله: (والبضاعة: ما بضع من المال)، الراغب: "البضاعة: قطعة واحدة وافرة من المال
[(وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ)].
(وَشَرَوْهُ) وباعوه (بِثَمَنٍ بَخْسٍ) مبخوس ناقص عن القيامة نقصاناً ظاهراً، أو زيف ناقص العيار (دَراهِمَ)
لا دنانير (مَعْدُودَةٍ) قليلة تعدّ عدّاً ولا توزن، لأنهم كانوا لا يزنون إلا ما بلغ الأوقيه وهي الأربعون، وعدّون ما دونها. وقيل للقليلة معدودة، لأنّ الكثيرة يمتنع من عدّها لكثرتها. وعن ابن عباس: كانت عشرين درهماً. وعن السدي: اثنين وعشرين (وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ) ممن يرغب عما في يده فيبيعه بما طف من الثمن لأنهم التقطوه، والملتقط للشيء متهاون به لا يبالى بم باعه، ولأنه يخاف أن يعرض له مستحق ينتزعه من يده فيبيعه من أوّل مساوم بأوكس الثمن.
ويجوز أن يكون معنى (وَشَرَوْهُ) واشتروه، يعني الرفقة من إخوته (وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ) لأنهم اعتقدوا أنه آبق،
…
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تقتنى للتجارة، يقال: أبضع بضاعة وابتضعها، والبضع- بالكسر--: المقتطع من العشرة".
قوله: (ناقص العيار)، الراغب:"العيار: تقدير المكيال والميزان، ومنه قيل: عيرت الدراهم".
قوله: (بما طف)، أي: بما قل.
قوله: (لأنهم التقطوه)، النهاية:"لالتقاط: أن يعثر على الشيء من غير قصد طلب".
قوله: (ويجوز أن يكون معنى (وَشَرَوْهُ): واشتروه)، عطف على قوله:" (وَشَرَوْهُ): وباعوه"، وعلى هذا: الضمير في (وَكَانُوا فِيهِ مِنْ الزَّاهِدِينَ) للرفقة، وعلى الأول: للإخوة البائعين، وقوله:"ممن يرغب عما في يده" بيان لقوله: (مِنْ الزَّاهِدِينَ)، والضمير
فخافوا أن يخطروا بما لهم فيه. ويروى أنّ إخوته اتبعوهم يقولون لهم: استوثقوا منه لا يأبق.
وقوله (فِيهِ) ليس من صلة (الزَّاهِدِينَ) لأنّ الصلة لا تتقدّم على الموصول. ألا تراك لا تقول: وكانوا زيدا من الضاربين، وإنما هو بيان، كأنه قيل: في أي: شيء زهدوا؟ فقال: زهدوا فيه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المستتر في "يرغب" والمجرور في "يده" عائد إلى "من"، و"لأنهم التقطوه" تعليل "ممن يرغب في يده".
قوله: (كأنه قيل: في أي شيء زهدوا؟ فقال: زهدوا فيه)، قال صاحب "الفرائد": يمكن أن يقال: تقديره: وكانوا من الزاهدين فيه، من قبيل الإضمار على شريطة التفسير.
وقلت: الظاهر أنه ليس منه، لأنه ليس بمشتغل عنه بالضمير، فإن الأصل: كانوا من الزاهدين فيه، على أن "فيه" ليس من صلته، بل متعلق بجملة محذوفة على السؤال، كقوله تعالى:(هَيْتَ لَكَ)[يوسف: 23]، كأنه لما قيل: كانوا من الزاهدين، لم يعلم في أي شيء، اتجه لسائل أن يقول: في أي شيء زهدوا؟ فقيل: فيه. وهو من قول الزجاج: " (فِيهِ) ليست بصلة (الزَّاهِدِينَ)، المعنى: كانوا من الزاهدين، ثم بين في أي شيء زهدوا، فقال: زهدوا فيه، وهذا في الظروف جائز، وأما المفعولات فلا يجوز فيها، لا يجوز: كنت زيداً من الضاربين، لأن "زيداً" من صلة "الضاربين"، فلا يتقدم الموصول صلته".
وذهب ابن الحاجب إلى الجواز، قال في قوله تعالى:(إِنِّي لَكُمَا لَمِنْ النَّاصِحِينَ)[الأعراف: 21]: "الظاهر أن (لَكُمَا) في مثل هذا ونحوه متعلق بـ (النَّاصِحِينَ)، لأن المعنى عليه، فإن
[(وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ لامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَاوِيلِ الْأَحادِيثِ وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ)].
(الَّذِي اشْتَراهُ) قيل هو قطفير أو أطفير، وهو العزيز الذي كان على خزائن مصر، والملك يومئذٍ الريان بن الوليد رجل من العماليق، وقد آمن بيوسف ومات في حياة يوسف، فملك بعده قابوس بن مصعب، فدعاه يوسف إلى الإسلام فأبى، واشتراه العزيز وهو ابن سبع عشرة سنة، وقام في منزله ثلاث عشرة سنة، واستوزره ريان بن الوليد وهو ابن ثلاثين سنة، وآتاه الله العلم والحكمة وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، وتوفي وهو ابن مائة وعشرين سنة.
وقيل: كان الملك في أيامه فرعون موسى، عاش أربعمائة سنة بدليل قوله (وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ) [غافر: 34]. وقيل: فرعون موسى من أولاد فرعون يوسف.
وقيل: اشتراه العزيز بعشرين ديناراً وزوجي نعل وثوبين أبيضين. وقيل: أدخلوه السوق يعرضونه فترافعوا في ثمنه، حتى بلغ ثمنه وزنه مسكاً وورقاً وحريراً، فابتاعه قطفير بذلك المبلغ.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اللام إنما تجيء بها لتخصيص معنى النصح بالمخاطبين، وإنما فر الأكثرون لأن صلة الموصول لا تعمل فيما قبل الموصول، والفرق عندنا أن الألف واللام لما كانت صورتها صورة الحرف المنزل جزءاً من الكلمة صارت كغيرها من الأجزاء التي لا تمنع التقديم، ولذا لم توصل بجملة اسمية، لتعذر ذلك فيها، وهذا واضح، فلا حاجة إلى التعسف".
(أَكْرِمِي مَثْواهُ) اجعلي منزله ومقامه عندنا كريماً، أي: حسناً مرضياً، بدليل قوله (إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ) [يوسف: 23] والمراد تفقديه بالإحسان وتعهديه بحسن الملكة، حتى تكون نفسه طيبة في صحبتنا، ساكنة في كنفنا. ويقال للرجل: كيف أبو مثواك وأم مثواك لمن ينزل به من رجل أو امرأة، يراد: هل تطيب نفسك بثوائك عنده، وهل يراعي حق نزولك به؟
واللام في (لِامْرَأَتِهِ) متعلقة بـ"قال"، لا بـ (اشتراه).
(عَسى أَنْ يَنْفَعَنا) لعله إذا تدرّب وراض الأمور وفهم مجاريها، نستظهر به على بعض ما نحن بسبيله، فينفعنا فيه بكفايته وأمانته. أو نتبناه ونقيمه مقام الولد، وكان قطفير عقيماً لا يولد له، وقد تفرس فيه الرشد فقال ذلك. وقيل: أفرس الناس ثلاثة: العزيز حين تفرس في يوسف، فقال لامرأته (أَكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (بحسن الملكة)، يقال: فلان حسن الملكة: إذا كان حسن الصنيع إلى مماليكه.
قوله: (لمن ينزل به)، أي: للمضيف، أي: يقال للمضيف الذي يراعي حق الضيف إذا كان رجلاً: أبو مثوى الضيف، وإذا كان امرأة: أم مثواه، نزل الضيف- في طيبة نفسه وسكونه عند المضيف إذا كان يقوم بمراعاة حقه، ويشفق عليه شفقة الوالد- منزلة الولد، ثم كني بالمنزل والمقام عنه؛ رفعة لمنزلته وكرامة له، كما يقال: المجلس العالي، ولهذا قال:"تكون نفسه طيبة في صحبتنا، ساكنة في كنفنا".
قوله: (تدرب وراض الأمور)، الجوهري:"درب بالشيء ودردب به: إذا اعتاده وضري به، ورجل مدرب؛ أي: مجرب، وقد دربته الشدائد حتى قوي".
والمرأة التي أتت موسى وقالت لأبيها (يا أَبَتِ اسْتَاجِرْهُ)[القصص: 26]، وأبو بكر حين استخلف عمر رضي الله عنهما. وروي أنه سأله عن نفسه، فأخبره بنسبه فعرفه.
(وَكَذلِكَ) الإشارة إلى ما تقدّم من إنجائه وعطف قلب العزيز عليه، والكاف منصوب تقديره: ومثل ذلك الإنجاء والعطف (مَكَّنَّا) له، أي: كما أنجيناه وعطفنا عليه العزيز، كذلك مكنا له في أرض مصر وجعلناه ملكاً يتصرف فيها بأمره ونهيه.
(وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَاوِيلِ الْأَحادِيثِ) كان ذلك الإنجاء والتمكين لأنّ غرضنا ليس إلا ما تحمد عاقبته من علم وعمل (وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ) على أمر نفسه: لا يمنع عما يشاء ولا ينازع ما يريد ويقضي. أو على أمر يوسف يدبره لا يكله إلى غيره، قد أراد إخوته به ما أرادوا، ولم يكن إلا ما أراد الله ودبره (وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) أن الأمر كله بيد الله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وروي أنه سأله)، عطف على قوله:"وقد تفرس فيه الرشد"، أي: علم رشده بالفراسة، أو سأله عن نسبه فأخبره أنه من ولد إبراهيم وإسحاق ويعقوب، فقاسه على آبائه الراشدين، وحكم عليه بالرشد.
قوله: ((وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَاوِيلِ الأَحَادِيثِ) كان ذلك الإنجاء)، أي: معلله محذوف، وهذه الجملة معطوفة على قوله:(وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ)، ففهم من الجملة الأولى تمكينه في الأرض، وهو نعمة الملك، ومن الثانية: تعليمه الأحاديث، وهو نعمة العلم، ولما كان المقصود من الإنجاء والتمكين: التعليم، ومن التعليم: العمل، قال:"ليس المقصود إلا ما تحمد عاقبته من علم وعمل"، وفيه أن المقصود من إيتاء الملك العلم، ليدبر أمور
[(وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ)].
قيل في "الأشدّ": ثماني عشرة، وعشرون، وثلاث وثلاثون، وأربعون. وقيل: أقصاه ثنتان وستون.
(حُكْماً) حكمة؛ وهو العلم بالعمل واجتناب ما يجهل فيه. وقيل: حكماً بين الناس وفقها (وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) تنبيه على أنه كان محسناً في عمله، متقياً في عنفوان أمره،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عباده، لا أن يتمتع باللذات، ومن العلم العمل، لا ليجاري به العلماء، ويماري به السفهاء، أو يصرف وجوه الناس إليه، والذي يدل على تأويل العلم بالعمل قوله بعده:(وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً).
ثم الضمير في قوله: (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ): إما لله عز وجل، فالجملة تذييل، أي: غالب على أمره لا أحد فوقه، يفعل ما يشاء، لا راد لما أراده، وإما ليوسف، فيكون تتميماً لما دبره الله تعالى فيه، وأن العاقبة له، ومعنى مغلوبية الأمر على التمثيل، فإن المغلوب مذلل للغالب، فيتصرف فيه من غير مانع، ولذلك قال:"لا يكله إلى غيره" إلى قوله: "ولم يكن إلا ما أراد الله تعالى"، والأول صريح في مذهب أهل السنة، ولكن أهل الاعتزال لا يعلمون.
قوله: ((حُكْماً) حكمة، وهو العلم بالعمل، واجتناب ما يجهل فيه)، هذا حد الحكمة، ويفهم منه أن الحكمة لا يعبر عنها بمجرد العلم، وأن لابد فيها من اجتناب ما يجهل فيه، أي: ما يعد به جاهلاً، وإن كان عالماً، فإن من علم علماً ولم يعمل بمقتضاه لا يسمى حكيماً، أو عمل ما يضاده عد سفيهاً لا حكيماً، ويعضده ما ذكره المصنف بعيد هذا في قوله:(أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنْ الْجَاهِلِينَ)[يوسف: 33]، وتمام تحقيقه استقصيناه في سورة لقمان.
وأنّ الله آتاه الحكم والعلم جزاء على إحسانه. وعن الحسن: من أحسن عبادة ربه في شبيبته آتاه الله الحكمة في اكتهاله.
[(وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ)].
المراودة: مفاعلةً، من راد يرود: إذا جاء وذهب،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وأن الله آتاه الحكم والعلم جزاء على إحسانه)، لا يحمل هذا على الاستحقاق والوجوب، بل على التيسير والتسهيل، أي: أن الله خلقه للحكم والعلم، فوفق لأن يحسن ويكون متهيئاً لما خلق له، وعليه يحمل قول الحسن، أي: ومن وفق أن يحسن عبادة ربه في شبيبته يؤتى الحكم في اكتهاله، وعليه ما رويناه عن البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها في حديث بدء الوحي، فقال:"زملوني زمِّلوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة- وأخبرها الخبر-: لقد خشيت على نفسي، فقالت له خديجة: كلا، أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق"، الحديث.
قوله: (المراودة: مفاعلة؛ من: راد يرود)، الراغب: "الرود: التردد في طلب الشيء برفق، يقال: راد وارتاد، ومنه: الرائد؛ لطالب الكلأ، وباعتبار الرفق قيل: رادت الإبل في مشيها ترود روداناً، ومنه: رويد.
والإرادة منقولة من: راد يرود؛ إذا سعى في طلب شيء، والإرادة- في الأصل-: قوة مركبة من شهوة وحاجة وأمل، وجعل اسماً لنزوع النفس مع الحكم فيه بأنه ينبغي أن يفعل أو لا يفعل، ثم تستعمل مرة في المبدأ، وهو نزوع النفس إلى الشيء، وتارة في المنتهى،
كأن المعنى: خادعته عن نفسه، أي: فعلت ما يفعل المخادع لصاحبه عن الشيء الذي لا يريد أن يخرجه من يده، يحتال أن يغلبه عليه ويأخذه منه، وهي عبارة عن التمحل لمواقعته إياها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فإنه تعالى يتعالى عن معنى النزوع، فمنى: أراد الله كذا: حكم فيه أنه كذا أوليس بكذا، وقد يراد بها معنى الأمر، نحو: أريد منك كذا، أي: آمرك بكذا، نحو قوله تعالى:(يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ)[البقرة: 185].
والمراودة: أن تنازع غيرك في الإرادة، فتريد غير ما يريده، أو ترود غير ما يروده، وراودت فلاناً عن كذا، (قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي) [يوسف: 26]، وقال:(امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ)[يوسف: 30]، أي: تصرفه عن رأيه، وعلى ذلك:(وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ)[يوسف: 32]، (قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ) [يوسف: 61] ".
قوله: (خادعته عن نفسه؛ أي: فعلت ما يفعل المخادع لصاحبه)، قال صاحب "الفرائد": مراده: تضمين "راودت" معنى "خادعت"، فعلى ما ذكر "عن" متعلقة بـ "راودت"، لأن في المخادعة معنى التبعيد، وهو متعد بـ "عن"، كأنه قيل: بعدته عن نفسه، أي: من حفظ نفسه.
قلت: ليس في كلام المصنف ما يشعر بالتضمين، لأن التضمين هو أن يضمن فعل معنى فعل، ويعدى تعديته مع إرادة معناهما، فلابد من ذكرهما في التفسير معاً، قال المصنف في الكهف:"الغرض في هذا الأسلوب إعطاء مجموع معنيين، وذلك أقوى من إعطاء معنى واحد".
وأما التعدية فإن "خدع" ورد في "الأساس" على استعمالات شتى، وليس فيها تعديته
(وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ) قيل: كانت سبعة. وقرئ (هَيْتَ) بفتح الهاء وكسرها مع فتح التاء، وبناؤه كبناء "أين" و"عيط". و"هيت" كـ"جير" و"هيت" كـ"حيث". وهثت بمعنى تهيأت. يقال: هاء يهيء، كجاء يجيء: إذا تهيأ. وهيئت لك. واللام من صلة الفعل،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بـ "عن"، وأما ها هنا فليس على حقيقته، لقوله:"فعلت ما يفعل المخادع بصاحبه"، لأنه وارد على التشبيه وتمثيل حاله بحاله، وأيضاً ما أتى في هذا التركيب بلفظ "المراودة"، وقد مر أن شرطه أن يذكر مع معنى المضمن فيه، وذكر في "الأساس" أيضاً:"راود روداناً: جاء وذهب، وما لي أراك ترود منذ اليوم"، وذكر في قسم المجاز:"وراوده عن نفسه: خادعه عنها"، ثم مجموع التمثيل كناية عن التمحل لمواقعته إياها.
قوله: (قرئ: (هَيْتَ) بفتح الهاء وكسرها)، نافع وابن ذكوان: بالكسر- من غير همز- وفتح التاء، وهشام كذلك إلا أنه يهمز، وقد روي ضم التاء عنه، وابن كثير: بفتح الهاء وضم التاء، والباقون: بفتحهما.
قوله: (كبناء "أين" و"عيط")، الأساس:"عيط: إذا مد الصوت بالصريخ، وهو العياط".
قوله: (و"هيت" كـ "جير"، و"هيت" كـ "حيث")، قال ابن جني:" (هئت لك) بالهمز وضم التاء: قراءة علي رضي الله عنه، و"هيت" بفتح الهاء وكسر التاء: ابن عباس رضي الله عنهما، وفيها لغات: هيت وهِيتَ وهَيْتُ وهَيْتِ؛ كلها أسماء سمي بها الفعل، ومعناها: أسرع وبادر، والحركات في أواخرها لالتقاء الساكنين.
وأما في الأصوات فللبيان كأنه قيل: لك أقول هذا، كما تقول: هلم لك.
(مَعاذَ اللَّهِ) أعوذ بالله معاذاً (إِنَّهُ) إن الشأن والحديث (رَبِّي) سيدي ومالكى، يريد قطفير (أَحْسَنَ مَثْوايَ) حين قال لك أكرمى مثواه، فما جزاؤه أن أخلفه في أهله سوء الخلافة وأخونه فيهم (إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) الذين يجازون الحسن بالسيئ،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأما "هئت" بالهمز وضم التاء: ففعل يقال فيه: هئت أهيء هيئة، كجئت أجيء جيئة، أي: تهيأت، وقالوا أيضاً: هئت أهاء، كخفت أخاف، أي: خذ.
وأما "هيئت لك": ففعل صريح كـ "هئت"، أي: أصلحت لك فدونك، وما انتظارك؟ !
واللام فيه متعلقة بنفس "هئت" كتعلقها بنفس "هلم" في قولهم: هلم لك، وإن شئت كانت خبر مبتدأ محذوف، أي: إرادتي بذلك لك، وأما "هيئت لك": فاللام فيه متعلقة بالفعل، كقولك: أصلحت لكذا".
قوله: (وأما في الأصوات فللبيان)، يعني: على تقدير سؤال وجواب، كما سبق في قوله تعالى:(وَكَانُوا فِيهِ مِنْ الزَّاهِدِينَ)، وإليه الإشارة بقوله:"كأنه قيل: لك أقول هذا"، يعني: لما قيل: هيت، قال: لمن تقول: هيت؟ قال: لك أقول هذا.
قوله: (قال لك: أكرمي مثواه)، يعني: علل الامتناع عما أرادته المرأة منه بقوله: (إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ)، فقوله:(أَحْسَنَ مَثْوَايَ) خبر ثان، وقوله:"أراد الله لأنه مسبب الأسباب" عطف على هذا الوجه، يعني: أن الله تعالى أحسن مثواي، وجعل قطفير الواسطة بأن قال لك: أكرمي مثواه، فلا أكفر نعمة ربي.
وقيل: أراد الزناة لأنهم ظالمون أنفسهم. وقيل: أراد الله تعالى، لأنه مسبب الأسباب.
[(وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْلا أَنْ رَأي: بُرْهانَ رَبِّهِ كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ)].
همّ بالأمر: إذا قصده وعزم عليه. قال:
هَمَمْتُ وَلَمْ أفْعَلْ وَكِدْتُ وَلَيْتَنِى
…
تَرَكْتُ عَلَى عُثْمانَ تَبْكى حَلَائِلُهْ
ومنه قولك: لا أفعل ذلك ولا كيداً ولا هماً؛ أي: ولا أكاد أن أفعله كيداً، ولا أهم بفعله هماً، حكاه سيبويه، ومنه: الهمام وهو الذي إذا همّ بأمر أمضاه ولم ينكل عنه.
وقوله: (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ) معناه. ولقد همت بمخالطته (وَهَمَّ بِها) وهمّ بمخالطتها (لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ) جوابه محذوف، تقديره: لولا أن رأى برهان ربه لخالطها، فحذف، لأنّ قوله (وَهَمَّ بِها) يدل عليه، كقولك: هممت بقتله لولا أنى خفت الله، معناه لولا أنى خفت الله لقتلته.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقيل: أراد الزناة)، عطف على قوله:"الذين يجازون الحسن بالسيئ".
قوله: (هممت ولم أفعل)، البيت: قائله عمرو بن ضابئ البرجمي، أي: قصدت قتل عثمان رضي الله عنه، ومفعول "تركت" الجملة بعده، يريد: ليتني تركت هذه الكلمة عليه، وهو قول الناس:"تبكي حلائله"، كقوله تعالى:(وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ* سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ)[الصافات: 78 - 79].
فإن قلت: كيف جاز على نبيّ الله أن يكون منه هم بالمعصية وقصد إليها؟ قلت: المراد أنّ نفسه مالت إلى المخالطة ونازعت إليها عن شهوة الشباب وقرمه ميلا يشبه الهم به والقصد إليه، وكما تقتضيه صورة تلك الحال التي تكاد تذهب بالعقول والعزائم، وهو يكسر ما به ويردّه بالنظر في برهان الله المأخوذ على المكلفين من وجوب اجتناب المحارم، ولو لم يكن ذلك الميل الشديد المسمى هماً لشدّته لما كان صاحبه ممدوحا عند الله بالامتناع، لأن استعظام الصبر على الابتلاء، على حسب عظم الابتلاء وشدته. ولو كان همه كهمها عن عزيمة، لما مدحه الله بأنه من عباده المخلصين.
ويجوز أن يريد بقوله (وَهَمَّ بِها) وشارف أن يهم بها، كما يقول الرجل: قتلته لو لم أخف الله، يريد مشارفة القتل ومشافهته. كأنه شرع فيه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ميلاً يشبه الهم به)، اللام في "الهم" للعهد، وهو راجع إلى هم المرأة، والضمير في "به" راجع إلى يوسف، أي: ميلاً يشبه هم المرأة بيوسف، وكذلك في قوله:"والقصد إليه"، و"كما تقتضيه" معطوف على "يشبه"، أي: ميلاً كما تقتضيه صورة تلك الحالة، وهي أن المرأة البديعة الجمال إذا تهيأت للشاب البالغ حد الكمال في الخلوة، لابد من مجاذبات بين هوى النفس والدين.
قوله: (وهو يكسر ما به)، أي: يوسف يكسر ما يلتبس به ويرده، وهو حال من قوله:"إن نفسه مالت إلى المخالطة".
قوله: (في برهان الله المأخوذ على المكلفين)، وهو قوله تعالى:(وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ)[الأعراف: 172] الآية، قال المصنف:"إنه تعالى نصب لهم الأدلة على وحدانيته، وشهدت بها عقولهم وبصائرهم التي ركبها فيهم، وجعلها مميزة بين الضلالة والهدى" إلى آخره.
فإن قلت: قوله (وَهَمَّ بِها) داخل تحت حكم القسم في قوله (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ) أم هو خارج منه؟ قلت: الأمران جائزان، ومن حق القارئ إذا قدّر خروجه من حكم القسم وجعله كلاماً برأسه أن يقف على قوله (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ) ويبتدئ قوله (وَهَمَّ بِها لَوْلا أَنْ رَأي: بُرْهانَ رَبِّهِ) وفيه أيضاً إشعار بالفرق بين الهمين.
فإن قلت: لم جعلت جواب "لولا" محذوفاً يدل عليه "هم بها"، وهلا جعلته هو الجواب مقدما؟ قلت: لأن "لولا" لا يتقدم عليها جوابها، من قبل أنه في حكم الشرط، وللشرط صدر الكلام وهو مع ما في حيزه من الجملتين مثل كلمةٍ واحدة، ولا يجوز تقديم بعض الكلمة على بعض، وأما حذف بعضها إذا دلّ الدليل عليه فجائز.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (الأمران جائزان، ومن حق القارئ إذا قدر خروجه من [حكم] القسم، وجعله كلاماً برأسه أن يقف على قوله: (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ)، ويبتدئ:(وَهَمَّ بِهَا))، قال صاحب "المرشد":"فإن وقف عند قوله: (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ)، ثم يبتدئ: (وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا)؛ ليفرق بين ما كان منها وما كان منه؛ كان صالحاً، ولا بأس به، ليعلم أن المرأة همت على صفة، ويوسف على صفة أخرى".
وقال بعضهم: معناه: اشتهته واشتهاها، وحرصت عليه، لولا أن رأى برهان ربه- والبرهان: دلالة الله إياه على تحريمه، وعلى أن من فعل ذلك الفعل استحق من الله تعالى الغضب والعذاب- لفعل ما دعته إليه من ذلك، فلأجل هذا البرهان امتنع من فعل ما اشتهاه، وضبط نفسه عنه.
وقائل هذا الوجه يذهب إلى أن الشهوة قد تجري مجرى الهم في سعة اللغة، واحتج بقولهم:"هذا أهم الأشياء إلي" أي: أشهى، وهذا أحسن الوجوه عندي.
قوله: (لأن "لولا" لا يتقدم عليها جوابها)، إلى آخره: قال صاحب "الفرائد": الوجه
فإن قلت: فلم جعلت «لولا» متعلقة بـ"همّ بها" وحده ولم تجعلها متعلقة بجملة قوله (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها)، لأن الهمّ لا يتعلق بالجواهر ولكن بالمعاني، فلا بدّ من تقدير المخالطة والمخالطة لا تكون إلا من اثنين معا، فكأنه قيل: ولقد هما بالمخالطة لولا أن منع مانع أحدهما؟ قلت: نعم ما قلت،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عندي أن يقال: لا شك أن "لولا" تتقدم بالطبع على الجواب، لأنه هو الذي يوجب الجواب، والموجب يتقدم بالطبع على الموجب ضرورة، فتقديمه عليه إخراج له من الأصل، والإخراج من الأصل لا يجوز إلا بموجب راجح على ما يوجب الإبقاء على الأصل، وهو كونه أهم بالذكر منه، ولما كان الاهتمام بذكره بعد "لولا"، لأنه هو الذي يقتضي ذكره ويوجبه، لم يكن أن يكون أهم منه، فلم يوجد الموجب الراجح لتقديمه، فوجب تأخيره عملاً بالموجب السالم عن المعارض، هذا اختيار الإمام في "تفسيره".
قوله: (لا يتعلق بالجواهر)، أي: بالأعيان. فإذا قلت: هم فلان بزيد؛ فمعناه: هم بقتله أو بشتمه وما أشبههما، ولا تريد: أنه هم بعينه وجثته.
حاصل السؤال: لم علقت "لولا" بالجملة الثانية، ولم تعلق بالجملتين معاً لما لم يمكن ذلك، لأن الهم لا يتعلق بالذوات، وإنما يتعلق بالمعاني، كالمخالطة والمعانقة والملامسة والمباشرة ونحوها، وهذا المعنى مما لا يحصل إلا من الجانبين، فينتزع من مجموع قوله:(وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا) معنى المخالطة، ثم يقيد هم يوسف بأن يقال: ولقد هما بالمخالطة لولا أن منع مانع أحدهما.
وخلاصة الجواب: أن أخذ الزبدة وإن جاز، لكن يفوت معنى التفصيل المراد من التركيب، لأنه تعالى قصد فيه استقلال كل من الهمين، وتمييز أحدهما عن الآخر؛ بأن أتى بالفعلين، وعطف أحدهما بالآخر، وكان عنه مندوحة، بأن يقال: لقد هما بالمخالطة لولا
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أن منع مانع أحدهما، فعدل إلى هذا التركيب لفائدة، ولو أخذ الزبدة كان إغفالاً لترك التفصيل، وإلغاء لمجيئهما هكذا منسوقة، والفائدة: هي أن يبين أن همها كان متمادياً في الشهوة، وهم يوسف انقطع برؤية البرهان، وفيه ارتفاع شأن يوسف عليه السلام؛ حيث لم يشاركه معها في الهم، وجعل همه مميزاً عن همها.
هذا يوافق ما روى محيي السنة في "المعالم"، وقال:"قال بعض أهل الحقائق: الهم همان: هم ثابت، وهو إذا كان معه عز وعقد ورضا، مثل: هم امرأة العزيز، فالعبد مأخوذ به. وهم عارض، وهو الخطرة وحديث النفس من غير اختيار ولا هم، مثل هم يوسف عليه السلام، فالعبد غير مأخوذ به ما لم يتكلم أو يعمل".
وقلت: ويؤيده ما روينا عن البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم يعملوا به أو يتكلموا".
هذا التفسير هو الذي يجب أن يذهب إليه ويتخذ مذهباً، وإن نقل المفسرون ما نقلوا، لأن متابعة النص القاطع وبراءة ساحة النبي المعصوم عن تلك الرذيلة، وإحالة التقصير إلى الرواة أولى بالمصير إليه، على أن أساطين النقل المتقنين الذين حموا صفو مشارب النقل عن كدورات الواضعين وتحريف الزائغين، مثل الإمامين مالك وأحمد، والشيخين البخاري ومسلم، ومن تبعهم مثل الترمذي وأبي داود والنسائي والدارمي وابن ماجة ما ذكروا في كتبهم ما يداني هذه الروايات، فضلاً عما يساويها، وما دخل على من نقل من المفسرين
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أمثال هذه الهنات على الأنبياء، إلا من التهاون في الضبط، إذ جلها بل كلها مأخوذ من مسلمة أهل الكتاب.
وروينا في "صحيح البخاري" في "باب لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء": عن الزهري، أخبرني حميد، سمع معاوية يحدث رهطاً من قريش بالمدينة، وذكر كعب الأحبار، فقال:"إن كان من أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن الكتاب، وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب".
وعن أبي هريرة قال: كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: (آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا) [البقرة: 136] وما أنزل إليكم، الآية".
وعن ابن عباس: "كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء، وكتابكم الذي أنزل على رسوله أحدث، تقرؤونه محضاً لم يشب، وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدلوا كتاب الله وغيروه، وكتبوا بأيديهم الكتاب، وقالوا: هو من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً، ألا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مساءلتهم، لا والله ما رأينا منهم رجلاً يسألكم عن الذي أنزل عليكم"، كل ذلك في "الصحيح".
ومنه ما روينا عن البخاري ومسلم والترمذي عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عباس: إن نوفاً البكالي يزعم أن موسى صاحب بني إسرائيل ليس هو صاحب الخضر، فقال: كذب عدو الله، سمعت أبي بن كعب يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قام موسى خطيباً في بني إسرائيل، فسئل: أي الناس أعلم؟ فقال: أنا أعلم، قال: فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه، فأوحى الله إليه أن عبداً من عبادي بمجمع البحرين هو أعلم منك، قال موسى: أي رب، كيف لي به؟ فقال له: احمل حوتاً في مكتل، فحيث تفقد الحوت فهو ثم"، الحديث.
واعلم أن هذا أصل عظيم في الباب، وعليه التعويل. وقال صاحب "الانتصاف":"الصحيح عندنا تنزيه الأنبياء عن الكبائر والصغائر، وأن يوسف بريء، وأن الوقف عند قوله: (هَمَّتْ بِهِ)، ويبتدأ: (وَهَمَّ بِهَا)، كما تقول: قتلت زيداً لولا أني أخاف الله، فإن كان الزمخشري يعرض بأهل السنة فليس هذا مذهبهم، وإن كان يعني به غيرهم فشأنه وإياهم".
وقلت: أما دلالة كلام الله المجيد على البراءة فهو كما قال الإمام: "كل من كان له تعلق بتلك الواقعة فقد شهد ببراءة يوسف، وأما يوسف فقال:(هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي)
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[يوسف: 26] على التأكيد أو التخصيص، لأن التركيب نحو: أنا عرفت، وقال:(رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ)[يوسف: 33]، وقال:(ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ)[يوسف: 52]، وقال:(مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ)[يوسف: 23]، وأما المرأة فقالت:(وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ)[يوسف: 32] على القسمية- قال المصنف: "الاستعصام: بناء مبالغة يدل على الامتناع البليغ والتحفظ الشديد"-، وقالت:(الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنْ الصَّادِقِينَ)[يوسف: 51]، وأما الزوج فقال:(إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ* يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ)[يوسف: 28 - 29]، وأما النسوة فقلن:(حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ)[يوسف: 51]، وأما الشهود فقالوا:(وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ)[يوسف: 27] الآية، وأما الله عز شأنه فقد قال:(كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ)[يوسف: 24] ".
وقلت: فيه من التأكيد أنه قرن "الفحشاء" بـ "السوء" لينفي عنه الزنى ومقدمتها، وسماه "عبده"، وأدخله في زمرة "المخلصين"، وعلل الصرف بقوله:(إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ)، وأتى باسم الإشارة وكاف التشبيه تفخيماً للتثبيت، أي: مثل ذلك التثبيت العجيب الشأن لنصرف عنه السوء.
"وأما إبليس فإنه قال: (فَبِعِزَّتِكَ لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ* إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ) [ص: 82 - 83]، والله تعالى شهد له بالإخلاص، وأكد الشهادة بالطريق البرهاني حيث أدخله في جملة المخلصين"، وأما الملك فقد قال:(إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ)[يوسف: 54].
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقال الإمام: "أما تفسير "الهم" فقد جاء على معان:
أحدها: العزم على الفعل، قال تعالى:(إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا)[المائدة: 11]، أي: عزموا على ذلك.
وثانيها: خطور الشيء بالبال، قال تعالى:(إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا)[آل عمران: 122]، أي: خطر ببالهم دون أن يعزموا، بدليل قوله تعالى:(وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا)، لأن الله تعالى لا يكون ولي من عزم على المعصية.
وثالثها: الشهوة وميل الطبع، يقول القائل فيما لا يشتهيه: لا يهمني هذا، وفيما يشتهيه: هذا أهم الأشياء إلي.
والمراد بـ "الهم" في الآية: خطور الشيء بالبال، أو ميل الطبع بالشهوة، وذلك أن المرأة الفائقة في الحسن والجمال إذا تهيأت للشاب القوي لابد أن يقع هناك بين الشهوة والحكمة وبين النفس والعقل مجاذبات ومنازعات، فتارة تقوى داعية الشهوة والطبيعية، وتارة تقوى داعية العقل والحكمة، فالهم عبارة عن جواذب الطبيعة، ورؤية البرهان عبارة عن جواذب النبوة والحكمة. مثاله: أن الرجل الصالح الصائم في الصيف الصائف إذا رأى الماء المبرد فطبيعته تحمله على شربه، إلا أن هداه ودينه يمنعه منه، وهذا لا يدل على حصول الذنب، بل كلما كانت هذه الحالة أشد كانت القوة [في القيام] بلوازم العبودية أكمل.
ولو أريد به العزم كان أيضاً دليلاً على عصمته، لأنه تعالى لما أظهر ما يصرفه عن العزم وجب أن لا يكون منه عزم، فلما لم يكن منه عزم لم يكن منه فعل، لأن الفعل تابع للعزم".
ولكنّ الله سبحانه وتعالى قد جاء بالهمين على سبيل التفصيل حيث قال (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها) فكان إغفاله إلغاء له، فوجب أن يكون التقدير. ولقد همت بمخالطته وهم بمخالطتها، على أنّ المراد بالمخالطتين توصلها إلى ما هو حظها من قضاء شهوتها منه، وتوصله إلى ما هو حظه من قضاء شهوته منها، (لولا أن رأى برهان ربه) فترك التوصل إلى حظه من الشهوة، فلذلك كانت «لولا» حقيقة بأن تعلق بـ"همّ بها" وحده.
وقد فسر "همّ يوسف" بأنه حل الهميان وجلس منها مجلس المجامع، وبأنه حل تكة سراويله وقعد بين شعبها الأربع وهي مستلقية على قفاها، وفسر "البرهان" بأنه سمع صوتاً: إياك وإياها، فلم يكترث له، فسمعه ثانياً فلم يعمل به، فسمع ثالثاً: أعرض عنها، فلم ينجع فيه حتى مثل له يعقوب عاضاً على أنملته. وقيل: ضرب بيده في صدره فخرجت شهوته من أنامله. وقيل: كل ولد يعقوب له اثنا عشر ولداً إلا يوسف، فإنه ولد له أحد عشر ولداً من أجل ما نقص من شهوته حين همّ، وقيل: صيح به: يا يوسف، لا تكن كالطائر: كان له ريش، فلما زنى قعد لا ريش له. وقيل: بدت كف فيما بينهما ليس لها عضد ولا معصم، مكتوب فيها (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ* كِراماً كاتِبِينَ) [الانفطار: 10 - 11]، فلم ينصرف، ثم رأي: فيها (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا)[الإسراء: 32] فلم ينته، ثم رأي: فيها (وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ)[البقرة: 281]، فلم ينجع فيه، فقال الله لجبريل عليه السلام: أدرك عبدي قبل أن يصيب الخطيئة، فانحط جبريل وهو يقول: يا يوسف، أتعمل عمل السفهاء وأنت مكتوب في ديوان الأنبياء؟ وقيل: رأى تمثال العزيز. وقيل: قامت المرأة إلى صنم كان هناك فسترته ........
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (حل الهميان)، الجوهري:"هميان الدراهم- بكسر الهاء-: معروف"، وفي النهاية:"الهميان: تكة السراويل".
وقالت: أستحيي منه أن يرانا. فقال يوسف استحييت ممن لا يسمع ولا يبصر، ولا أستحيي من السميع البصير العليم بذوات الصدور!
وهذا ونحوه مما يورده أهل الحشو والجبر الذين دينهم بهت الله تعالى وأنبيائه، وأهل العدل والتوحيد ليسوا من مقالاتهم ورواياتهم بحمد الله بسبيل، ولو وجدت من يوسف عليه السلام أدنى زلة لنعيت عليه وذكرت توبته واستغفاره، كما نعيت على آدم زلته، وعلى داود، وعلى نوح، وعلى أيوب. وعلى ذى النون، وذكرت توبتهم واستغفارهم، كيف وقد أثنى عليه وسمي مخلصاً، فعلم بالقطع أنه ثبت في ذلك المقام الدحض، وأنه جاهد نفسه مجاهدة أولي القوّة والعزم، ناظراً في دليل التحريم ووجه القبح، حتى استحق من الله الثناء فيما أَنزل من كتب الأولين، ثم في القرآن الذي هو حجة على سائر كتبه ومصداق لها، ولم يقتصر إلا على استيفاء قصته وضرب سورة كاملة عليها، ليجعل له لسان صدق في الآخرين، كما جعله لجدّه الخليل إبراهيم عليه السلام، وليقتدي به الصالحون إلى آخر الدهر في العفة وطيب الإزار والتثبت في مواقف العثار، فأخزى الله أولئك في إيرادهم ما يؤدّى إلى أن يكون إنزال الله السورة التي هي أحسن القصص في القرآن العربي المبين ليقتدى بنبي من أنبياء الله، في القعود بين شعب الزانية وفي حل تكته للوقوع عليها، وفي أن ينهاه ربه ثلاث كرّات ويصاح به من عنده ثلاث صيحات بقوارع القرآن، وبالتوبيخ العظيم، وبالوعيد الشديد، وبالتشبيه بالطائر الذي سقط ريشه حين سفد غير أنثاه، وهو جاثم في مربضه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (الدحض)، الجوهري:"مكان دحض؛ أي: زلق".
لا يتحلحل ولا ينتهى ولا ينتبه، حتى يتداركه الله بجبريل وبإجباره، ولو أن أوقح الزناة وأشطرهم وأحدهم حدقة وأصلحهم وجهاً لقى بأدنى ما لقى به نبي الله مما ذكروا، لما بقي له عِرق ينبض ولا عضو يتحرّك! فياله من مذهب ما أفحشه، ومن ضلال ما أبينه!
(كَذلِكَ) الكاف منصوب المحل، أي: مثل ذلك التثبيت ثبتناه. أو مرفوعه، أي: الأمر مثل ذلك (لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ) من خيانة السيد (وَالْفَحْشاءَ) من الزنى (إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ) الذين أخلصوا دينهم لله، وبالفتح. الذين أخلصهم الله لطاعته بأن عصمهم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لا يتحلحل)، "حلحلت القوم؛ أي: أزعجتهم عن موضعهم".
قوله: (وأجلحهم)، الأساس:"رجل أجلح، وبرأسه جلح، ومن المجاز: فلان وقح مجلح، وفي وجهه تجليح، وهو الإقدام على الشر".
قوله: (فيا له من مذهب): المنادى محذوف، أي: يا قوم احضروا له، ثم بين الضمير بقوله:"من مذهب"، وفيه تعجب وتعجيب.
قوله: (وبالفتح: الذين أخلصهم الله): عطف على " (المخلصين)، الذين أخلصوا"، أي: قرئ: "المخلصين" بكسر اللام؛ والمعنى: الذين أخلصوا دينهم، وبالفتح؛ والمعنى: الذين أخلصهم الله، قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر ويعقوب: بالكسر، والباقون: بالفتح.
ويجوز أن يريد بـ (السوء): مقدّمات الفاحشة، من القبلة والنظر بشهوة، ونحو ذلك.
وقوله (مِنْ عِبادِنَا) معناه بعض عبادنا، أى: هو مخلص من جملة المخلصين. أو هو ناشئ منهم، لأنه من ذرية إبراهيم الذين قال فيهم (إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ) [ص: 46].
[(وَاسْتَبَقَا الْبابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلاَّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ* قالَ هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ* وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ* فَلَمَّا رَأي: قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ* يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ)].
(وَاسْتَبَقَا الْبابَ) وتسابقا إلى الباب على حذف الجارّ وإيصال الفعل، كقوله (وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ) [الأعراف: 155]، على تضمين (واستبقا) معنى «ابتدرا» نفر منها يوسف، فأسرع يريد الباب ليخرج وأسرعت وراءه لتمنعه الخروج.
فإن قلت: كيف وحد الباب، وقد جمعه في قوله (وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ) [يوسف: 23]؟ قلت: أراد الباب البراني الذي هو المخرج من الدار والمخلص من العار، فقد روى كعب أنه لما هرب يوسف جعل فراش القفل يتناثر ويسقط حتى خرج من الأبواب.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (الباب البراني)، الأساس:"جلست براً، وخرجت براً: إذا جلس إلى ظاهر الدار، وخرج إلى ظاهر البلد. ومن أصلح جوانيه أصلح الله برانيه، وافتح الباب البراني، ويقال: أريد جواً ويريد براً، أي: أريد خفية وهو يريد علانية".
(وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ) اجتذبته من خلفه فانقد، أي: انشق حين هرب منها إلى الباب وتبعته تمنعه (وَأَلْفَيا سَيِّدَها) وصادفا بعلها وهو قطفير، تقول المرأة لبعلها: سيدي. وقيل: إنما لم يقل سيدهما، لأنّ ملك يوسف لم يصح، فلم يكن سيداً له على الحقيقة. قيل: ألفياه مقبلا يريد أن يدخل. وقيل جالساً مع ابن عمّ للمرأة. لما اطلع منها زوجها على تلك الهيئة المريبة وهي مغتاظة على يوسف إذ لم يؤاتها جاءت بحيلة جمعت فيها غرضيها: وهما تبرئة ساحتها عند زوجها من الريبة والغضب على يوسف، وتخويفه طمعاً في أن يؤاتيها خيفة منها ومن مكرها، وكرها لما أيست من مؤاتاته طوعا. ألا ترى إلى قولها (وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ) [يوسف: 32].
و«ما» نافية، أى: ليس جزاؤه إلا السجن. ويجوز أن تكون استفهامية، بمعنى: أي: شيء جزاؤه إلا السجن، كما تقول: من في الدار إلا زيد.
فإن قلت: كيف لم تصرح في قولها بذكر يوسف، وإنه أراد بها سوءا قلت: قصدت العموم، وأنّ كل من أراد بأهلك سوءاً فحقه أن يسجن أو يعذب، لأنّ ذلك أبلغ فيما قصدته من تخويف يوسف،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (قصدت العموم، وأن كل من أراد بأهلك سوءاً فحقه أن يسجن)، الانتصاف:"أو أرادت بالإجمال الحياء والحشمة أن تقول لبعلها: هذا أراد بي سوءاً، ولذلك كنت بالسوء عن الفاحشة بعداً عن القحة التي توهم الريبة، وقالت ابنة شعيب عليه السلام: (إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَاجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ) [القصص: 26]، ولم تقل: إنه قوي أمين؛ حياء من أبيها".
وقيل: العذاب الأليم الضرب بالسياط. ولما أغرت به وعرّضته للسجن والعذاب وجب عليه الدفع عن نفسه فقال: (هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي) ولولا ذلك لكتم عليها.
(وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها) قيل كان ابن عمّ لها، إنما ألقى الله الشهادة على لسان من هو من أهلها، لتكون أوجب للحجة عليها، وأوثق لبراءة يوسف، وأنفى للتهمة عنه. وقيل: هو الذي كان جالساً مع زوجها لدى الباب. وقيل كان حكيما يرجع إليه الملك ويستشيره ويجوز أن يكون بعض أهلها كان في الدار فبصر بها من حيث لا تشعر، فأغضبه الله ليوسف بالشهادة له والقيام بالحق. وقيل: كان ابن خال لها صبيا في المهد. وعن النبي صلى الله عليه وسلم «تكلم أربعة وهم صغار: ابن ماشطة فرعون، وشاهد يوسف، وصاحب جريج، وعيسى»
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أغرت به)، الجوهري:"غري به- بالكسر-؛ أي: أولع به، والاسم الغراء".
قوله: (تكلم أربعة وهم صغار)، وكذا في "المعالم"، ويرده دلالة الحصر في الرواية عن البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: عيسى
فإن قلت: لم سمي قوله شهادة وما هو بلفظ الشهادة؟ قلت: لما أدّى مؤدّى الشهادة في أن ثبت به قول يوسف وبطل قولها سمي شهادة.
فإن قلت: الجملة الشرطية كيف جازت حكايتها بعد فعل الشهادة؟ قلت: لأنها قول من القول، أو على إرادة القول، كأنه قيل: وشهد شاهد فقال إن كان قميصه ........
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ابن مريم، وصاحب جريج، وكان رجلاً عابداً فاتخذ صومعة، وكانت امرأة بغي، فتعرضت له، فلم يلتفت إليها، فأتت راعياً يأوي إلى صومعته، فوقع عليها، فلما ولدت قالت: هو من جريج، فأتى جريج الصبي وطعن في بطنه، وقال: من أبوك؟ قال: فلان الراعي. وبينا صبي يرضع من أمه، فمر رجل راكب على دابة فارهة، وشارة حسنة، فقالت أمه: اللهم اجعل ابني مثل هذا، فترك الثدي فقال: اللهم لا تجعلني مثله"، هذا مختصر من ألفاظ الحديث.
قوله: (الجملة الشرطية)، أي: الجملة الشرطية فيها معنى الترقب والتعليق، وفعل الشهادة يقتضي الأداء والإنشاء، فبينهما تناف؟ وأجاب بجوابين: أحدهما: أن فعل الشهادة
فإن قلت: إن دل قدّ قميصه من دُبر على أنها كاذبة وأنها هي التي تبعته واجتبذت ثوبه إليها فقدّته، فمن أين دل قدّه من قُبُلٍ على أنها صادقة، وأنه كان تابعها؟ قلت: من وجهين:
أحدهما: أنه إذا كان تابعها وهي دافعته عن نفسها قدت قميصه من قدّامه بالدفع.
والثاني: أن يسرع خلفها ليلحقها فيتعثر في مقادم قميصه فيشقه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من إطلاق الخاص على العام، كأنه قيل: قال قائل: إن كان قميصه، على طريق أداء الشهادة، أو القول محذوف، كأنه قيل: وشهد شاهد، فقال: إن كان قميصه.
قال صاحب "الفرائد": هذا التقرير غير مستقيم، وإنما يستقيم أن لو قيل: فإن كان قميصه، ووجهه أن يقال: وشهد شاهد قائلاً: إن كان قميصه.
وقلت: ما المانع من تقدير ما يستقيم به المعنى، سواء كان حرفاً أو غيره، ولاشك أن ذلك التقدير أفصح، لأنه على وزان قوله تعالى:(فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ)[البقرة: 54].
قوله: (من وجهين: أحدهما: أنه إذا كان تابعها وهي دافعته) إلى آخره، الانتصاف:"ويمكن مثله في اتباعها له، فإنها إنما قدت قميصه من قُبُل؛ بتقدير أن تكون جذبته حين صارا متقابلين، بل ها هنا أظهر، لأن الموجب للقد غالباً الجذب لا الدفع".
وقوله: (الثاني: أن يسرع خلفها ليلحقها، فيتعثر في مقادم قميصه، فيشقه)، الانتصاف: "هذا بعينه محتمل إذا كانت هي التابعة، وهو فار منها، والحق أن الشاهد إن كان صبياً في المهد، فالآية في مجرد كلامه، كما كان كلام عيسى برهاناً على براءة مريم، فلا يظهر في وجه الأمارة المذكورة، وإن كنا الشاهد بعض أهلها فإنه بصر بها من حيث لا تشعر،
وقرئ: "من قُبُلُ" و"من دُبُرُ"، بالضم على مذهب الغايات. والمعنى: من قبل القميص ومن دبره. وأما التنكير فمعناه من جهة يقال لها قُبُلٌ، ومن جهة يقال لها دبر. وعن ابن أبي إسحاق أنه قرأ:"من قُبُل" و"من دبر" بالفتح، كأنه جعلهما علمين للجهتين فمنعهما الصرف للعلمية والتأنيث. وقرئا بسكون العين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تشعر، فأغضبه الله ليوسف بالشهادة له، وكان من حقه أن يصدق يوسف ويكذبها، لكن أراد أن لا يكون الفاضح لها، فتعلق بانقطاع القميص وأمارته على الصدق والكذب إبعاداً للتهمة، ولذلك قدم أمارة صدقها على أمارة صدقه، وكذا فعل مؤمن آل فرعون في قوله:(وَإِنْ يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ)[غافر: 28]، وكذا فعل يوسف في كونه بدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه، والشاهد قصد الأمارة الأخيرة، وجعل الأولى توطئة لها. وأما إن كان الشاهد الحكيم فلابد من المناسبة، وأقربها أن قده من دبر دليل على إدباره عنها، وقده من قبل دليل على إقباله إليها بوجهه".
قوله: (وقرئ: "من قُبُل" و"من دبر")، قال ابن جني:"هي قراءة ابن يعمر والجارود، وهي كقوله تعالى: (لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ) [الروم: 4]، يريد: من دبره ومن قبله، فلما حذف المضاف إليه صار المضاف غاية نفسه بعدما كان المضاف إليه غاية له، فبني على الضم"، لأن المعنى أن يعلم أنه كان قميصه، يعني: أن الشرط وإن كان ماضياً، لكن في تأويل المضارع، لأن المراد إرشاد العزيز إلى إظهار الحق، وهو مثل قولك: إن أحسنت إلي فقد أحسنت إليك؛ في الإخبار والإعلام، وهذا تقوله لمن يمن عليك بإحسانه.
قال ابن الحاجب: "وإنما صح ذلك لأن جواب الشرط لا يكون إلا جملة، وقد يكون
فإن قلت: كيف جاز الجمع بين «إن» الذي هو للاستقبال وبين «كان» ؟ قلت: لأنّ المعنى أن يعلم أنه كان قميصه قدّ، ونحوه كقولك: إن أحسنت إلىّ فقد أحسنت إليك من قبل، لمن يمتن عليك بإحسانه، تريد: إن تمتن علىَّ أمتنَّ عليك.
(فَلَمَّا رَأى) يعنى قطفير وعلم براءة يوسف وصدقه وكذبها (قالَ إِنَّهُ) إن قولك (ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً) أو إنّ الأمر وهو طمعها في يوسف (مِنْ كَيْدِكُنَّ) الخطاب لها ولأمتها. وإنما استعظم كيد النساء لأنه وإن كان في الرجال، إلا أنّ النساء ألطف كيداً وأنفذ حيلة. ولهنّ في ذلك نيقة ورفق، وبذلك يغلبن الرجال. ومنه قوله تعالى:(وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ)[الفلق: 4]، والقصريات من بينهنّ معهنّ ما ليس مع غيرهنّ من البوائق.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ..
معنى الشرط فيه الإعلام بما هو المشروط"، ذكره في "الأمالي".
وقال أيضاً: " (كَانَ) ها هنا بمعنى: ثبت، كأنه قيل: إن ثبت أن قميصه، وثبوت الشيء لا يلزم منه أن يكون قبل ذلك ثابتاً، والمعنى: إن ثبت هذا في المستقبل فهي صادقة".
قوله: (نيقة)، نيقة: فعلة؛ من: تنوق في الأمر؛ إذا مهر فيه وحذق.
قوله: (والقصريات من بينهن)، أي: اللاتي نشأن في القصور، أي: الحضريات دون البدويات.
قوله: (من البوائق)، وهي جمع بائقة؛ الداهية، وفي الحديث:"لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه"، أي: ظلمه وغشمه.
وعن بعض العلماء: أنا أخاف من النساء أكثر ما أخاف من الشيطان، لأنّ الله تعالى يقول (إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً) [النساء: 76] وقال للنساء (إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ).
(يُوسُفُ) حذف منه حرف النداء لأنه منادى قريب مفاطن للحديث وفيه تقريب له وتلطيف لمحله (أَعْرِضْ عَنْ هذا) الأمر واكتمه ولا تحدّث به (وَاسْتَغْفِرِي) أنت (لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ) من جملة القوم المتعمدين للذنب.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لأن الله تعالى يقول: (إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً)[النساء: 76]، وقال للنساء:(إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ))، الانتصاف:"وفيه نظر؛ لأن الذي في هذه الآية من كلام العزيز، فيمكن أن تكون حكايته تصحيحاً لكلامه لا تحقيقاً، وقوله تعالى: ((إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً) مقابل بكيد الله، فحقه أن يكون ضعيفاً، ولأن كيد الشيطان أصل لكيد النساء، فلا يكون كيدهن أعظم".
قوله: (لأنه منادى قريب مفاطن للحديث)، يعني: يجاء بحرف "يا" الندائية لأمرين: إما أن المنادى بعيد، فيطلب إقباله به، وإما أنه قريب ساه بليد فينبه به، ويوسف عليه السلام لم يكن بهذه المثابة.
قوله: (وفيه تقريب له وتلطيف لمحله)، نشر للمعنيين، يعني: في حذف حرف النداء تقريب له، أي: تنزيه عن بعده، ورفعة لمكانه، لأنه مفاطن ذكي، وليس بساه.
يقال: خطئ، إذا أذنب متعمداً، وإنما قال (مِنَ الْخاطِئِينَ) بلفظ التذكير تغليبا للذكور على الإناث، وما كان العزيز إلا رجلا حليما. وروي أنه كان قليل الغيرة.
[(وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَها حُبًّا إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ* فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ* قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ)].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (يقال: خطئ؛ إذا أذنب متعمداً)، الراغب: "الخطأ: العدول عن الجهة، وذلك أضرب:
أحدها: أن تريد غير ما تحسن إرادته، فتفعله، هذا هو الخطأ التام المأخوذ به الإنسان، ويقال فيه: خطئ يخطأ خِطأً وخطَأً وخطأة، قال تعالى:(إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً)[الإسراء: 31]، (وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ) [يوسف: 91].
وثانيها: أن يريد ما يحسن فعله، ولكن يقع خلافه، فيقال: أخطأ خطأ فهو مخطئ، وهذا قد أصاب في الإرادة وأخطأ في الفعل، ومنه الحديث:"رفع عن أمتي الخطأ والنسيان"، وقوله:(وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ)[النساء: 92].
وثالثها: أن يريد ما لا يحسن فعله، ويتفق خلافه، فهذا مخطئ في الإرادة مصيب في الفعل، فهو مذموم [بقصده] غير محمود بفعله، وهو المراد بقول الشاعر:
أردت مساءتي فاجتررت مسرتي
…
وقد يحسن الإنسان من حيث لا يدري
(وَقالَ نِسْوَةٌ) وقال جماعة من النساء، وكنّ خمساً: امرأة الساقي، وامرأَة الخباز، وامرأَة صاحب الدواب، وامرأة صاحب السجن، وامرأة الحاجب. والنسوة: اسم مفرد لجمع المرأة وتأنيثه غير حقيقى كتأنيث اللمة، ولذلك لم تلحق فعله تاء التأنيث. وفيه لغتان: كسر النون وضمها (فِي الْمَدِينَةِ) في مصر (امْرَأَتُ الْعَزِيزِ) يردن قطفير، والعزيز: الملك بلسان العرب (فَتاها) غلامها
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وجملة الأمر أن من أراد شيئاً واتفق منه غيره يقال له: أخطأ، وإن وقع منه كما أراد يقال: أصاب، ويقال لمن فعل فعلاً لا يحسن، أو أراد إرادة لا تجمل: أخطأ، ولهذا يقال: أصاب الخطأ وأخطأ الصواب وأصاب الصواب وأخطأ الخطأ، هذه اللفظة مشتركة كما ترى، مترددة بين معان يجب لمن يتحرى الحقائق أن يتأملها".
قوله: (كتأنيث اللمة)، وهي اسم لجماعة النساء، النهاية:"وفي الحديث: "أن فاطمة خرجت في لمة من نسائها"، أي: في جماعة، قيل: هي ما بين الثلاثة إلى العشرة، وقيل: اللمة: المثل في السن والترب. الجوهري: "الهاء عوض" من الهمزة الذاهبة من وسطه، وأصلها: فعلة؛ من الملاءمة، وهي الموافقة".
يقال: فتاي وفتاتي، أي: غلامي وجاريتي (شَغَفَها) خرق حبه شغاف قلبها حتى وصل إلى الفؤاد، والشغاف حجاب القلب، وقيل جلدةٌ رقيقةٌ يقال لها لسان القلب. قال النابغة:
وَقَدْ حَالَ هَمٌّ دُونَ ذَلِكَ وَالِجٌ
…
مَكَانَ الشِّغَافِ تَبْتَغِيِه الأَصَابِعُ
وقرئ: "شعفها" بالعين، من شعف البعير إذا هنأه فأحرقه بالقطران، قال:
كَمَا شَعَفَ المَهْنُوءَةَ الرَّجُلُ الطّالِى
و(حُبًّا) نصب على التمييز، (فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) في خطأٍ وبُعدٍ عن طريق الصواب.
(بِمَكْرِهِنَّ) باغتيابهنّ وسوء قالتهنّ، وقولهنّ: امرأة العزيز عشقت عبدها الكنعاني ومقتها،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقد حال هم دون ذلك) البيت، يقول: قد حال هم دون ذلك الأمر داخل بين القلب والفؤاد، بحيث تبتغيه الأصابع، فلا تجده من شدة الكمون فيه، وقيل: تبتغيه؛ أي: تلتمسه أصابع الأطباء، ينظرون أنزل في ذلك الموضع أم لا؟
قوله: (كما شعف المهنوءة الرجل الطالي)، أوله لامرئ القيس:
أيقتلني وقد شعفت فؤادها
قال ابن جني: "معناه: وصل حبه إلى قلبها، وكاد يحرقه بحدته، وأصله من البعير يهنأ بالقطران، فتصل حرارة ذلك إلى قلبه، قال الأصمعي: كل شيء يذهب بالفؤاد من خير وشر فهو شاغف"، وأنشد البيت.
قوله: (ومقتها)، الجوهري:"مقته مقتاً: أبغضه".
وسمي الاغتياب مكراً لأنه في خفية وحال غيبة، كما يخفي الماكر مكره. وقيل: كانت استكتمتهنّ سرّها فأفشينه عليها (أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ) دعتهنّ. قيل: دعت أربعين امرأة منهنّ الخمس المذكورات (وَأَعَْدَتْ لَهُنَّ) ما يتكئن عليه من نمارق، قصدت بتلك الهيئة وهي فعودهنّ متكئات والسكاكين في أيديهنّ: أن يدهشن ويبهتن عند رؤيته، ويشغلن عن نفوسهنّ فتقع أيديهنّ على أيديهنّ فيقطعنها، لأن المتكئ إذا بهت لشيء وقعت يده على يده، ولا يبعد أن تقصد الجمع بين المكر به وبهنّ، فتضع الخناجر في أيديهنّ ليقطعن أيديهنّ، فتبكتهنّ بالحجة، ولنهول يوسف من مكرها إذا خرج على أربعين نسوة مجتمعات في أيديهنّ الخناجر، وتوهمه أنهنّ يثبن عليه.
وقيل: (متكأ) مجلس طعام لأنهم كانوا يتكؤن للطعام والشراب والحديث كعادة المترفين، ولذلك: نهي أن يأكل الرجل متكئا» وآتتهنّ السكاكين ليعالجن بها ما يأكلن. وقيل (مُتَّكَأً) طعاما، من قولك اتكأنا عند فلان: طعمنا، على سبيل الكناية، لأن من دعوته ليطعم عندك اتخذت له تكأة يتكئ عليها. قال جميل:
فَظَلَلْنَا بِنِعْمَةٍ وَاتَّكَانَا
…
وَشَرِبْنَا الْحَلَالَ مِنْ قُلَلِهْ
وعن مجاهد (مُتَّكَأً) طعاماً يحزّ حزّا، كأن المعنى يعتمد بالسكين، لأنّ القاطع يتكئ على المقطوع بالسكين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فتضع الخناجر)، الفاء تفصيل لما أجمل في قوله:"أن تقصد الجمع بين المكر به- أي: بيوسف- وبهن"، أي: بالنسوة.
قوله: (فظللنا) البيت، "واتكأنا": أي: أخذنا متكأ نتكئ عليه، و"القلل": جمع قلة، وهي الجرة، و"الحلال": النبيذ.
وقرئ "متكاً" بغير همز. وعن الحسن: "متكاء" بالمدّ، كأنه مفتعال، وذلك لإشباع فتحة الكاف، كقوله «بُمْنتَزاحِ» بمعنى بمنتزح. ونحوه «يَنْبَاعُ» بمعنى ينبع. وقرئ:"متكاً" وهو الأترج، وأنشد:
فَأَهْدَتْ مَتْكَةً لِبَنِي أبِيهَا
…
تَخُبُّ بِهَا العثَمْثَمَةُ الْوِقَاحُ
وكانت أهدت أترجة على ناقة، وكأنها الأترجة التي ذكرها أبو داود في "سننه" أنها شقت بنصفين، وحملا كالعدلين على جمل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (بمنتزاح)، قال:
وأنت من الغوائل حين ترمي
…
ومن ذم الرجال بمنتزاح
قوله: (ونحوه: "ينباع")، أي: في شعر عنترة، قال:
ينباع من ذفرى غضوب جسرة
…
زيافة مثل الفنيق المكدم
أي: ينبع العرق خلف ناقة غضوب، و"الجسرة": القوية، و"الزيافة": المتبخترة، و"الفنيق": الفحل، و"المكدم"؛ من الكدم، وهو العض.
قوله: (فأهدت متكة) البيت، "لبني أبيها": أي: إخوتها، والعثمثمة: الناقة الصلبة، والوقاح: شذيد الحافر.
وقيل: الزماورد وعن وهب: أترجاً وموزاً وبطيخاً. وقيل: أعدت لهنَّ ما يقطع، من متك الشيء بمعنى بتكه إذا قطعه. وقرأ الأعرج: مُتَّكَأً مفعلا، من تكئ يتكأ، إذا اتكأ.
(رأينه أَكْبَرْنَهُ) أعظمنه وهبن ذلك الحسن الرائع والجمال الفائق. قيل: كان فضل يوسف على الناس في الحسن كفضل القمر ليلة البدر على نجوم السماء. وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «مررت بيوسف الليلة التي عرج بي إلى السماء، فقلت لجبريل: من هذا؟ فقال يوسف، فقيل: يا رسول الله، كيف رأيته؟ قال «كالقمر ليلة البدر» .
وقيل كان يوسف إذا سار في أزقة مصر يرى تلألؤ وجهه على الجدران، كما يرى نور الشمس من الماء عليها. وقيل: ما كان أحد يستطيع وصف يوسف. وقيل: كان يشبه آدم يوم خلقه ربه. وقيل: ورث الجمال من جدّته سارة.
وقيل: "أكبرن" بمعنى حضن، والهاء للسكت. يقال: أكبرت المرأة إذا حاضت، وحقيقته: دخلت في الكبر لأنها بالحيض تخرج من حدّ الصغر إلى حدّ الكبر، وكأن أبا الطيب أخذ من هذا التفسير قوله:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (الزماورد)، الزماورد: بفتح الزاي، ذكره الأزهري، وهو الرقاق الملفوف باللحم وغيره، كأنه يتكئ عليه السكين، كذا وجدته في الحواشي.
قوله: (كما يرى نور الشمس من الماء عليها)، أي: يرى انعكاس ضوء الشمس من الماء على الجدران.
قوله: (والهاء للسكت)، قيل: تحريك هاء السكت لحن، فكأنه أجري الوقف مجرى الوصل، فيه جواب عن قول الزجاج: "ويقال: (أَكْبَرْنَهُ): حضن، وقد رويت عن مجاهد،
خَفِ اللَّهَ وَاسْتُرْ ذَا الْجَمَالَ بِبُرْقُعٍ
…
فَإنْ لُحْتَ حَاضَتْ فِى الْخُدُورِ الْعَوَاتِقُ
(قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ) جرحنها، كما تقول: كنت أقطع اللحم فقطعت يدي، تريد: جرحتها.
(حاشَ) كلمة تفيد معنى التنزيه في باب الاستثناء. تقول: أساء القوم حاشا زيد. قال:
حَاشَا أَبِي ثَوْبَانَ إنَّ بِهِ
…
ضَنَّا عَنِ المَلْحَاةِ وَالشَّتْمِ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وليس ذلك بمعروف في اللغة، وأنشدوا بيتاً فيه:
يأتي النساء على أطهارهن ولا
…
يأتي النساء إذا أكبرن إكبارا
والهاء في (أَكْبَرْنَهُ) تنفي هذا، لأنه لا يجوز:"النساء حضنه يا هذا"، لأن "حضن" لا يتعدى إلى مفعول".
ولهذا جعل المصنف الهاء للسكت، والأحسن أن يقال: إن الهاء ضمير مصدر، كأنه قيل: أكبرن إكباراً، كما في قولهم:"عبد الله أظنه منطلق".
قوله: (خف الله) البيت، وفيه:"ذابت" بدل "حاضت"، قال الواحدي:"يقول: استر جمالك ببرقع ترسله على وجهك، فإنك إن ظهرت ذابت الشواب في خدورهن عشقاً لك. ويروى: "حاضت"، فإن المرأة إذا اغتلمت حاضت".
قوله: (حاشا أبي ثوبان) البيت، قيل: كل مصراع من بيت، وترتيب البيتين هكذا:
حاشا أبي ثوبان إن أبا
…
ثوبان ليس ببكمة فدم
عمرو بن عبد الله إن به
…
ضناً عن الملحاة والشتم
وهي حرف من حروف الجر، فوضعت موضع التنزيه والبراءة، فمعنى «حاشا الله» براءة الله وتنزيه الله، وهي قراءة ابن مسعود، على إضافة حاشا إلى الله إضافة البراءة.
ومن قرأ: "حاشا لله"، فنحو قولك: سقيا لك، كأنه قال: براءة، ثم قال: لله، لبيان من يبرأ وينزه، .........
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والبيت- كما في الكتاب-: رواه ابن جني في "المحتسب".
"ضناً": بكسر الضاد، أي: يضن بنفسه عن الملحاة، وهي المفعلة؛ من: لحيت الرجل: إذا لمته، واللحاء- مكسوراً ممدوداً-: اللعن والعذل، وهو مشتق من: لحوت العصا: إذا قشرتها، يقول: أذمهم وألومهم إلا أبا ثوبان، فإني أضن أن ألحاه، أي: أشتمه.
قوله: (وهي حرف من حروف الجر)، قيل: إضافة "حاشا" إلى الله لا يستقيم على تقدير كون "حاشا" حرف جر، لأن حرف الجر لا يضاف، وإذا كان حرف جر لا يبتدأ به الكلام، وكذا إذا كان حرف استثناء، كقولك: أساء القوم حاشا زيد، وأما قول الشاعر:"حاشا أبي ثوبان"، فيمكن أن يكون قد تقدمه ما يكون هذا مستثنى منه؛ إذ المعنى: أذمهم وألومهم إلا أبا ثوبان.
والجواب: أن قوله: "فوضعت موضع التنزيه والبراءة" يدفع هذا الزعم، وسيجيء عن الزجاج وأبي علي أنها ليست بحرف.
قوله: (قال: براءة، ثم قال: لله، لبيان من يبرأ وينزه)، قال ابن الحاجب: "إنه اسم من أسماء الأفعال، بمعنى: برئ الله من السوء، ولعل دخول اللام كدخولها في (
هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ) [المؤمنون: 36] ".
والدليل على تنزيل «حاشا» منزلة المصدر: قراءة أبي السمال: "حاشَ لِلَّهِ" بالتنوين. وقراءة أبي عمرو "حاشَ لِلَّهِ" بحذف الألف الأخيرة،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ووجه قراءة من قرأ بالإضافة أن يكون مصدراً مضافاً، ومن قرأ "حاشاً" بالتنوين، وهو إما أن يكون مصدراً أيضاً أو اسم فعل، والتنوين كما في "صه"، ونم قرأ "حاشا لله" وقلب التنوين ألفاً أجرى الوصل مجرى الوقف، أو يكون اسم فعل موضوع هكذا بغير تنوين.
قوله: (وقراءة أبي عمرو: "حاش لله" بحذف الألف الأخيرة)، قال صاحب "التيسير":"قال أبو عمرو: "حاش لله" في الحرفين بألف في الوصل، فإذا وقف حذفها اتباعاً للخط، وروي ذلك عن اليزيدي، والباقون: بغير ألف في الحالين".
قال الزجاج: "حاشا لله" و"حاش لله" يقرآن بحذف الألف وإثباتها، ومعناه الاستثناء، المعنى- فيما فسره أهل التفسير-:"قلن: معاذ الله ما هذا بشراً"، وأما على مذهب المحققين من أهل اللغة، فهي مشتقة من قولك: كنت في حشا فلان، أي: في ناحيته، والمعنى: براءة من الله؛ من التنحي، والمعنى: قد نحى الله هذا من هذا، إذا قلت: حاشا لزيد، معناه: قد تنحى زيد من هذا وتباعد منه".
وقال أبو علي: "لا يخلو (حَاشَ لِلَّهِ) أن يكون الحرف الجار في الاستثناء، مثل قول الشاعر:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ..
حاشا أبي ثوبان
أو يكون "فاعل"؛ من قوله: حاشا يحاشي.
لا يجوز الأول؛ لأن الجار لا يدخل على مثله، ولأن الحرف لا يحذف إذا لم يكن فيه تضعيف، فتعين الثاني، فـ "حاشا": فاعل؛ من "الحشا" الذي يعنى به: الناحية، أي: صار في حشا- أي: ناحية- مما قرف به، أي: لم يقترفه ولم يلابسه، وصار في عزلة عنه وناحية.
وإذا كان فعلا فلابد من فاعل، وفاعله يوسف، أي: بعد عن هذا الذي رمي به لله، أي: لخوفه ومراقبة أمره.
وأما حذف الألف فيه: فلأن الأفعال قد حذف منها، نحو: لم يك، ولا أدر، ولم أبل".
وقال الجوهري: "حاشا: قد يكون فعلاً وقد يكون حرفاً، قال سيبويه: "حاشا" لا يكون إلا حرف جر، لأنها لو كانت فعلاً لجاز أن تكون صلة لـ "ما"، كما يجوز ذلك في "خلا"، فلما امتنع أن يقال: "جاءني القوم ما حاشا زيداً"، دلت على أنها ليست بفعل، وقال المبرد: "حاشا" قد تكون فعلاً، واستدل بقول النابغة:
ولا أرى فاعلاً في الناس يشبهه
…
وما أحاشي من الأقوام من أحد
وقراءة الأعمش حاشَ لِلَّهِ بحذف الألف الأولى.
وقرئ "حاشَ لِلَّهِ" بسكون الشين، على أن الفتحة تبعت الألف في الإسقاط، وهي ضعيفة لما فيها من التقاء الساكنين على غير حدّه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فتصرفه يدل على أنه فعل، ولأنه يقال:"حاشا لزيد"، فحرف الجر لا يجوز أن يدخل على حرف الجر، ولأن الحذف يدخلها، كقولهم: حاش لزيد، والحذف لا يكون في الحرف".
وقلت: إن المصنف اختار مذهب سيبويه، وأناب الحرف مناب المصدر، كما أنهم أمالوا "بلى" و"يا"، مع أن الحروف لا تمال، لأنها أشبهت الجملة في الاستقلال، فكأنها من قبيل الأفعال، وينصره قول المفسرين: معناه: معاذ الله، كما نقله الزجاج. وقال المالكي: والتزم سيبويه فعلية "عدا"، وحرفية "حاشا"، فإن وليها مجرور باللام لم تتعين فعليتها خلافاً للمبرد، بل اسميتها لجواز تنوينها.
وقلت: سبق في أول البقرة بيان مجازها.
قوله: (وقرئ: "حاش لله")، قال ابن جني:"وهي قراءة الحسن- بخلاف-، وفيه ضعف من وجهين: أحدهما: التقاء الساكنين الألف والشين، وليست الشين مدغمة. والآخر: إسكان الشين بعد حرف الألف، ولا موجب لذلك. وطريقه في الحذف: أنه لما حذف الألف تخفيفاً أتبع ذلك الفتحة؛ إذ كانت كالعرض اللاحق مع الألف، فصارت كالتكرير في الراء، والتفشي في الشين، والصفير في الصاد والسين، والإطباق في الصاد والضاد والطاء والظاء، ومتى حذفت حرفاً من هذه الحروف ذهب معه ما يصحبه من التكرير والصفير والإطباق".
وقرئ: "حاشا الإله".
فإن قلت: فلم جاز في حاشا لله أن لا ينوّن بعد إجرائه مجرى: براءة لله؟ قلت: مراعاة لأصله الذي هو الحرفية. ألا ترى إلى قولهم: جلست من عن يمينه، كيف تركوا «عن» غير معرب على أصله؟ وعلى في قوله:
غدت من عليه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرئ: "حاشا الإله")، قال ابن جني:"وهي أيضاً قراءة الحسن، هو كقولك: حاشا الرب، وحاشا المعبود".
قوله: (جلست من عن يمينه)، أي: ناحية يمينه.
قوله: (غدت من عليه)، [تمامه]:
غدت من عليه تنفض الطل بعدما
…
رأت حاجب الشمس استوى فترفعا
ويروى:
غدت من عليه بعدما تم ظمؤها
…
تصل وعن قيض ببيداء مجهل
منقلب الألف إلى الياء مع الضمير؟
والمعنى: تنزيه الله تعالى من صفات العجز، والتعجب من قدرته على خلق جميل مثله. وأما قوله (حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ) [يوسف: 51] فالتعجب من قدرته على خلق عفيف مثله (ما هذا بَشَراً) نفين عنه البشرية لغرابة جماله ومباعدة حسنه، لما عليه محاسن الصور، وأثبتن له الملكية وبتتن بها الحكم، وذلك لأن الله عز وجل ركز في الطباع أن لا أحسن من الملك، كما ركز فيها أن لا أقبح من الشيطان، ولذلك يشبه كل متناهٍ في الحسن والقبح بهما، وما ركز ذلك فيها إلا لأنّ الحقيقة كذلك، كما ركز في الطباع أن لا أدخل في الشر من الشياطين، ولا أجمع للخير من الملائكة، إلا ما عليه الفئة الخاسئة المجبرة من تفضيل الإنسان على الملك، وما هو إلا من تعكيسهم للحقائق، وجحودهم للعلوم الضرورية، ومكابرتهم في كل باب،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يصف قطاة، واستعار الطمء لها، وهو للإبل خاصة، "تصل": أي: يصوت جوفها من شدة العطش، و"عن قيض": أي: ومن عن قيض، وهو القشر الأعلى من البيض.
قوله: (منقلب الألف)، أي: ألا ترى إلى "على"- في قول الشاعر- منقلب الألف إلى الياء مع الضمير، وقلب الألف ياء لا يكون إلا في الحرف.
قوله: (وبتتن بها الحكم)، يعني: نفين عنه البشرية بـ "ما"، ثم أثبتن له الملكية بـ "إلا"، وهما في الحصر أصل، وبهما يقطع الحكم.
قوله: (إلا ما عليه الفئة الخاسئة المجبرة من تفضيل الإنسان على الملك)، الانتصاف:
وإعمال «ما» عمل «ليس» هي اللغة القدمى الحجازية وبها ورد القرآن. ومنها قوله تعالى (ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ)[المجادلة: 2]،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"أكثر السفاهة، وحسب أن هذه المسألة من الضروريات، وقنع في ذلك بأنه ركز في الطباع، والمراد ها هنا طباع النساء وميلها إلى الشهوات وإيثار العاجلة".
الإنصاف: "الآية دلت- إن صح كلام النسوة- على أن الملك أجمل وأحسن من البشر، وليس الخلاف إلا في أيهما أفضل، ولا يلزم من كونه أجمل أن يكون أفضل".
قال الإمام: "الأولى أن يكون هذا التشبيه واقعاً في نفي دواعي الشهوة والحرص على طلب المشتهى، وإثبات ضد ذلك، وهو غض البصر وقمع النفس عن الميل إلى المحرمات، بدليل قولهن: (إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ)، سلمنا لكن تعظيم حال يوسف في الحسن والجمال لا في السيرة، لأن ظهور عذرها في شدة عشقها، إنما يحصل بسبب فرط يوسف في الجمال، فلم قلتم: إن ذلك يوجب المزيد في الفضل، بمعنى: كثرة الثواب".
قلت: ويؤيد هذا قول المصنف في: (فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ): "قلن ذلك رفعاً لمنزلته في الحسن واستحقاق أن يحب ويفتتن به، ولذلك أوثر (بَشَراً) على "إنساناً"، لأن البشر مأخوذ من البشرة، ومن هنا سميت البشارة بشارة، لأنها أخبار تبسط بشرة الوجه بسبب انتشار الدم فيه، ولو قيل: إنساناً لكان نفياً للإنسانية، وكان كلاماً في المعنى، ولزم من ذلك الفضل المطلوب، فملا نفيت عنه البشرية علم أن المنفي كمال حسن المنظر والطلعة البهية.
قال الراغب: "الإنسان أوجد لأن يعلم ويعمل بحسبه، فكل إنسان لم يوجد كاملاً لما خلق له لم يستحق اسمه عليه مطلقاً، بل قد ينفى عنه، كقولهم: ليس بإنسان، أي: لا يوجد
ومن قرأ على سليقته من بني تميم، قرأ «بشر» بالرفع. وهي في قراءة ابن مسعود. وقرئ:"ما هذا بِشرًى"، أي: ما هو بعبدٍ مملوكٍ لئيم (إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ) تقول هذا بشرًى، أي: حاصل بشرى، بمعنى: هذا مشترى. وتقول: هذا لك بشرى أم بِكرى؟ والقراءة هي الأولى، لموافقتها المصحف، ومطابقة "بشرٍ" لـ"ملك".
(قالَتْ فَذلِكُنَّ) ولم تقل فهذا وهو حاضر، رفعاً لمنزلته في الحُسن، واستحقاق أن يحب ويفتتن به، وربأً بحاله واستبعاداً لمحله. ويجوز أن يكون إشارةً إلى المعنىّ بقولهنّ: عشقت عبدها الكنعاني. تقول: هو ذلك العبد الكنعاني الذي صوّرتن في أنفسكنّ، ثم لمتنني فيه. تعني: أنكن لم تصوّرنه بحق صورته، ولو صوّرتنه بما عاينتن لعذرتننى في الافتنان به.
الاستعصام: بناء مبالغة يدل على الامتناع البليغ والتحفظ الشديد،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فيه المعنى الذي خلق لأجله".
قوله: (سليقته)، الجوهري:"السليقة: الطبيعة، يقال: فلان يتكلم بالسليقة؛ أي: بالطبع لا عن تعلم".
قوله: (ما هذا بشرى)، قال ابن جني:"هي قراءة الحسن وأبي الحويرث"، وقال الزجاج:"هذه القراءة ليست بشيء، لأن مثل "بشرى" يكتب في المصحف بالياء، وقولهن: (إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ) مطابق في اللفظ لـ (بَشَراً) ".
قوله: (وربأ بحاله)، الجوهري:"يقال: إني لأربأ بك عن هذا الأمر؛ أيك أرفعك عنه".
كأنه في عصمةٍ وهو يجتهد في الاستزادة منها. ونحوه: استمسك، واستوسع الفتق، واستجمع الرأي، واستفحل الخطب. وهذا بيانٌ لما كان من يوسف عليه السلام لا مزيد عليه، وبرهان لا شيء أنور منه، على أنه بريءٌ مما أضاف إليه أهل الحشو مما فسروا به الهمّ والبرهان.
فإن قلت: الضمير في (آمُرُهُ) راجع إلى الموصول أم إلى يوسف؟ قلت: بل إلى الموصول. والمعنى: ما آمر به، فحذف الجار كما في قولك: أمرتك الخير، ويجوز أن تجعل «ما» مصدرية، فيرجع إلى يوسف. ومعناه: ولئن لم يفعل أمرى إياه، أي: موجب أمري ومقتضاه.
قرئ (وَلَيَكُوناً) بالتشديد والتخفيف. والتخفيف أولى، لأنّ النون كتبت في المصحف ألفاً على حكم الوقف، وذلك لا يكون إلا في الخفيفة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (بل إلى الموصول)، أي: لا يرجع إلى يوسف، بل إلى الموصول، لأنه لو عاد إلى يوسف بقي الموصول بلا عائد، أو يلزم حذف الجار مع المجرور. وقال نور الدين الحكيم: بل الأولى أن يكون راجعاً إلى يوسف، والراجع إلى الموصول حذف بعدما نصب بنزع خافضه، كما قرر في قوله تعالى:(فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ)[الحجر: 94]، حذف هناك كما استكن ها هنا.
قوله: ((وَلِيَكُونَا) بالتشديد والتخفيف)، التخفيف هو المشهور، والتشديد شاذ، قال الزجاج:"القراءة الجيدة التخفيف، والوقف عليها بالألف، لأن النون الخفيفة تبدل منها في الوقف الألف، تقول: اضربن زيداً، فإذا وقفت قلت: اضربا، وقرئت بالتشديد وأكرهها لخلاف المصحف، لأن النون الشديدة لا يبدل منها شيء".
[(قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ* فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)].
وقرئ "السِّجْنُ" بالفتح، على المصدر. وقال (يَدْعُونَنِي) على إسناد الدعوة إليهنّ جميعاً، لأنهنّ تنصحن له وزيّن له مطاوعتها، وقلن له: إياك وإلقاء نفسك في السجن والصغار، فالتجأ إلى ربه عند ذلك وقال:(ربِّ) نزولُ السجن (أحبّ إلي) من ركوب المعصية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (يَدْعُونَنِي) على إسناد الدعوة إليهن جميعاً)، فالنون: ضمير جماعة النساء، ووزنه:"يفعلن"، وهذه الصيغة يشترك فيها النساء كما نحن فيه، والرجال كما في قول مؤمن آل فرعون:(وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ)[غافر: 41]، قالوا: وفي المذكر ضميرهم، والنون علم الرفع، والواو في المؤنث لام الفعل، والنون ضميرهن. ذكر نحوه في قوله تعالى:(إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ)[البقرة: 237].
قوله: (تنصحن له)، تنصح: أي: تشبه بالنصحاء، وتكلف أن يكون ناصحاً.
قوله: (فالتجأ إلى ربه عند ذلك، وقال: رب نزول السجن أحب إلي من ركوب المعصية)، وخوف الفضيحة التي يختار عندها الحمام، كما قالت مريم:(يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْياً مَنْسِيّاً)[مريم: 23].
روى السجاوندي وصاحب "الإيجاز": علق بعض نساء المدينة من صميم شرفها
فإن قلت: نزول السجن مشقة على النفس شديدة، وما دعونه إليه لذة عظيمة، فكيف كانت المشقة أحبّ إليه من اللذة؟ قلت: كانت أحبّ إليه وآثر عنده نظراً في حسن الصبر على احتمالها لوجه الله،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وحسنات دهرها سليمان بن يسار، ودخلت عليه من كل مدخل، دخلت عليه مستفتية، وقالت: لئن لم تفعل ما آمرك لأصيحن ولأشهرنك، فسكتها، ثم خرج من المدينة، وجلا وطنه فراراً من المعصية، فرأى يوسف في المنام، فقال له: أنت يوسف عليه السلام؟ قال: نعم، أنا يوسف الذي هممت، وأنت سليمان الذي لم تهم.
قوله: (كانت أحب إليه وآثر عنده نظراً في حسن الصبر)، قال القاضي:"وقيل: إنما ابتلي بالسجن لقوله هذا، وإنما كان الأولى به أن يسأل الله العافية، ولذلك رد رسول الله صلى الله عليه وسلم على من كان يسأل الصبر"، روينا عن الترمذي عن معاذ، سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً يقول: اللهم إني أسألك الصبر، قال:"سألت الله البلاء، فاسأله العافية"، وعنه عن عبد الله ابن مسعود قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"سلوا الله من فضله، فإن الله يحب أني سأل، وأفضل العبادة انتظار الفرج".
وقال الإمام: "إنه عليه السلام إنما أجاب بهذا قولها: (وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ)،
وفي قبح المعصية، وفي عاقبة كل واحدة منهما، لا نظراً في مشتهى النفس ومكروهها (وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ) فزعٌ منه إلى ألطاف الله وعصمته، كعادة الأنبياء والصالحين فيما عزم عليه ووطن عليه نفسه من الصبر، لا أن يطلب منه الإجبار على التعفف والإلجاء إليه (أَصْبُ إِلَيْهِنَّ) أمل إليهنّ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وتقديره: إذا كان لابد من الإلزام بأحد الأمرين- أعني: الزنى أو السجن-، فهذا أولى، لأنه متى وجب إلزام أحد قسمين؛ كل واحد منهما شر، فأخفهما أولى بالتحمل".
قوله: ((وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ) فزع منه إلى ألطاف الله وعصمته)، التقدير: وإن لم تصرف عني كيدهن في تحبيب ذلك إلي وتحسينه عندي بالتثبيت على العصمة، (أَصْبُ إِلَيْهِنَّ) أمل إلى إجابتهن بطبعي ومقتضى شهوتي.
قال الإمام: "كان قد حصل جميع الأسباب المرغبة إلى إجابة دواعي الشهوة، من المال والجاه والتمتع بالمنكوح، وحصل في الإعراض عنها جميع الأسباب المنفرة، فالتجأ إلى الله تعالى في طلب ترجيح دواعي الحكمة على الشهوة"، قال:"واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن الإنسان لا ينصرف عن المعصية إلا إذا صرفه الله تعالى، وإن لم يصرفه فقد وقع فيها"، ومن هذا فر المصنف، وقال:"فزع منه إلى ألطاف الله وعصمته، لا أن يطلب منه الإجبار على التعفف"، ولا يخفى ضعفه.
قوله: ((أَصْبُ إِلَيْهِنَّ) أمل إليهن)، الراغب:"الصبي: من لم يبلغ الحلم، ورجل مصب: ذو صبيان، وصبا فلان صبواً وصبوة: إذا نزع واشتاق وفعل فعل الصبيان، قال تعالى: (أَصْبُ إِلَيْهِنَّ)، وأصباني فصبوت".
والصبوة: الميل إلى الهوى. ومنها: الصبا، لأنّ النفوس تصبو إليها لطيب نسيمها وروحها. وقرئ: أصب إليهنّ، من الصبابة.
(مِنَ الْجاهِلِينَ) من الذين لا يعملون بما يعلمون، لأنّ من لا جدوى لعلمه فهو ومن لا يعلم سواء. أو من السفهاء، لأنّ الحكيم لا يفعل القبيح. وإنما ذكر الاستجابة ولم يتقدّم الدعاء، لأنّ قوله (وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي) فيه معنى طلب الصرف والدعاء باللطف (السَّمِيعُ) لدعوات الملتجئين إليه (الْعَلِيمُ) بأحوالهم وما يصلحهم.
[(ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ)].
(بَدا لَهُمْ) فاعله مضمر، لدلالة ما يفسره عليه وهو:(ليسجننه)، والمعنى: بدا لهم بداء، أي: ظهر لهم رأي (ليسجننه)، والضمير في (لَهُمْ) للعزيز وأهله، (مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ) وهي الشواهد على براءته، وما كان ذلك إلا باستنزال المرأة لزوجها، وفتلها منه في الذروة والغارب،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((الْأَيَاتِ) وهي الشواهد على براءته)، قال القاضي:"كشهادة الصبي، وقد القميص، وقطع النساء أيديهن، واستعصامه عنهن".
قوله: (ياستنزال المرأة لزوجها)، وهي كناية عن الحيلة، ولهذا صرح بذكر المرأة والزوج، أي: المكيدة التي تجري بين المرأة زوجها من استنزاله من رأيه الصائب إلى ما أرادت، وفيه معنى التدرج، كما جاء في المثل الآتي بعده، الأساس:"ومن المجاز: استنزلته من رأيه".
قوله: (وفتلها منه في الذروة والغارب)، مثل في الخداع، لأن رائض الصعبة إذا أراد رياضتها مسح سنامها وذروتها.
وكان مطواعةً لها وجملاً ذلولاً، زمامه في يدها، حتى أنساه ذلك ما عاين من الآيات وعمل برأيها في سجنه وإلحاق الصغار به كما أو عدته به، وذلك لما أيست من طاعته لها، أو لطمعها في أن يذلله السجن ويسخره لها. وفي قراءة الحسن:"لتسجننه" بالتاء على الخطاب؛ خاطب به بعضهم العزيز ومن يليه، أو العزيز وحده على وجه التعظيم.
(حَتَّى حِينٍ) إلى زمان، كأنها اقترحت أن يسجن زماناً حتى تبصر ما يكون منه. وفي قراءة ابن مسعود:"عتى حين"، وهي لغة هذيل. وعن عمر رضي الله عنه: أنه سمع رجلاً يقرأ «عتى حين» فقال: من أقرأك؟ قال:
ابن مسعود. فكتب إليه: "إن الله أنزل هذا القرآن فجعله عربيا وأنزله بلغة قريش، فأقرئ الناس بلغة قريش ولا تقرئهم بلغة هذيل، والسلام".
[(وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ قالَ أَحَدُهُما إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَاسِي خُبْزاً تَاكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنا بِتَاوِيلِهِ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ)].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (مطواعة)، المطواعة: بناء مبالغة، والهاء على تأويل النفس، كالهلباجة للأحمق.
الأساس: "يقال: هو مطيع ومطواع ومطواعة، قال:
إذا سدته سدت مطواعة
…
ومهما وكلت إليه كفاه".
«مع» يدل على معنى الصحبة واستحداثها. تقول: خرجت مع الأمير، تريد مصاحبا له، فيجب أن يكون دخولهما السجن مصاحبين له.
(فَتَيانِ) عبدان للملك؛ خبازه وشرابيه، رقي إليه أنهما يسمانه، فأمر بهما إلى السجن، فأدخلا ساعة أدخل يوسف عليه السلام (إِنِّي أَرانِي) يعني في المنام، وهي حكاية حال ماضية (أَعْصِرُ خَمْراً) يعني عنباً، تسمية للعنب بما يؤول إليه. وقيل: الخمر - بلغة عمان-: اسم للعنب.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"سدته"؛ أي: اخترته للسيادة.
قوله: ("مع" يدل على معنى الصحبة واستحداثها)، فيجب أن يكون دخولهما السجن مصاحبين له، قيل: ينتقض هذا بقوله: (وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ)[النمل: 44]، فيقال: لا ينتقض، بل يحمل ذلك على التخصيص للصارف، يدل عليه قول المصنف في قوله تعالى:(فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ)[الصافات: 102]: "لا يصح تعليقه بـ (بلغ)، لاقتضائه بلوغهما حد السعي معاً، ولا بـ (السَّعْيَ)، لأن صلة المصدر لا تتقدم عليه، فيكون بياناً، كأنه لما قال: فلما بلغ السعي، أي: الحد الذي يقدر فيه على السعي، قيل: مع من؟ قال: مع أبيه".
فـ "مع" ها هنا جار على الحقيقة، حال من فاعل "دخل"، وقيد للفعل، فيكون حدوثها مع حدوث الفعل، ولا صارف من الحمل على الحقيقة، فوجب حمله عليها.
قوله: (رقي إليه)، الجوهري:"رقى عليه كلاماً ترقية: إذا رفع".
قوله: (بلغة عمان)، النهاية:"عمان- بفتح العين وتشديد الميم-: مدينة قديمة بالشام من أرض البلقاء، فأما بالضم والتخفيف: فهو صقع عند البحرين، وله ذكر في الحديث".
وفي قراءة ابن مسعود: "أعصر عنباً"(مِنَ الْمُحْسِنِينَ) من الذين يحسنون عبارة الرؤيا، أي: يجيدونها، رأياه يقصّ عليه بعض أهل السجن رؤياه فيؤوّلها له، فقالا له ذلك. أو: من العلماء، لأنهما سمعاه يذكر للناس ما علما به أنه عالم. أو من المحسنين إلى أهل السجن. فأحسن إلينا بأن تفرّج عنا الغمة بتأويل ما رأينا إن كانت لك يد في تأويل الرؤيا. روي أنه كان إذا مرض رجل منهم قام عليه، وإذا أضاق وسع له، وإذا احتاج جمع له
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (من الذين يحسنون عبارة الرؤيا)، قال الزجاج:"فيه أن أمر الرؤيا صحيح، وأن منها ما يصح، ومن دفعه فليس بمسلم، لأنه يدفع القرآن والسنة، روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن "الرؤيا جزء من أربعين جزءاً من النبوة"، وتأويله: أن الأنبياء يخبرون بما سيكون، والرؤيا تدل على ما سيكون".
قوله: (إن كانت لك يد في تأويل الرؤيا)، وإنما قيد في هذا الوجه بالشرط، لأنهما حينئذ ما رأياه يقص عليه أحد رؤياه، وهو يؤولها، ولا سمعاه يذكر للناس ما علما به أنه عالم، بل أطلقا قولهما:(مِنَ الْمُحْسِنِينَ) فراسة، فناسب لذلك التعليق.
قوله: (وإذا أضاق أوسع له)، الأساس:"ومن المجاز: وأصابته ضيقة: فقر، وقد أضاق إضاقة، ورجل مضيق".
وعن قتادة: كان في السجن ناسٌ قد انقطع رجاؤهم وطال حزنهم، فجعل يقول: أبشروا. اصبروا تؤجروا، إنّ لهذا لأجراً، فقالوا: بارك الله عليك ما أحسن وجهك! وما أحسن خلقك! لقد بورك لنا في جوارك، فمن أنت يا فتى؟ قال: أنا يوسف ابن صفيّ الله يعقوب ابن ذبيح الله إسحاق ابن خليل الله إبراهيم، فقال له عامل السجن: لو استطعت خليت سبيلك، ولكني أحسن جوارك، فكن في أي بيوت السجن شئت. وروي أن الفتيين قالا له إنا لنحبك من حين رأيناك، فقال: أنشدكما بالله أن لا تحباني، فوالله ما أحبني أحد قط إلا دخل عليّ من حبه بلاء، لقد أحبتني عمتي فدخل عليّ من حبها بلاء، ثم أحبنى أبي فدخل عليّ من حبه بلاء، ثم أحبتني زوجة صاحبي فدخل عليّ من حبها بلاء، فلا تحباني بارك الله فيكما.
وعن الشعبي أنهما تحالما له ليمتحناه فقال الشرابي: إني أراني في بستان، فإذا بأصل حبلةٍ عليها ثلاثة عناقيد من عنب، فقطفتها وعصرتها في كأس الملك، وسقيته. وقال الخباز: إني أراني وفوق رأسي ثلاث سلال فيها أنواع الأطعمة، وإذا سباع الطير تنهش منها. فإن قلت: إلام يرجع الضمير في قوله (نَبِّئْنا بِتَاوِيلِهِ)؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (إنهما تحالما له)، النهاية:"تحلم: إذا ادعى الرؤيا كاذباً، ومنه الحديث: (من تحلم فقد كلف أن يعقد بين شعيرتين) ".
قوله: (بأصل حبلة)، النهاية:"الحبلة- بفتح الحاء والباء، وربما سكنت-: الأصل والقضيب من شجر الأعناب"، وكذا في "الصحاح"، وفي "المغرب" بالفتح لا غير.
قوله: (تنهش منها)، الأساس:"نهش اللحم وانتهشه: أخذه بمقدم فيه".
قلت: إلى ما قصا عليه، والضمير يجرى مجرى اسم الإشارة في نحوه كأنه قيل: نبئنا بتأويل ذلك.
[(قالَ لا يَاتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلاَّ نَبَّاتُكُما بِتَاوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَاتِيَكُما ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ* وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وَعَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ)].
لما استعبراه ووصفاه بالإحسان، افترص ذلك فوصل به وصف نفسه بما هو فوق علم العلماء، وهو الإخبار بالغيب، وأنه ينبئهما بما يحمل إليهما من الطعام في السجن قبل أن يأتيهما ويصفه لهما، ويقول: اليوم يأتيكما طعام من صفته كيت وكيت، فيجدانه كما أخبرهما، وجعل ذلك تخلصاً إلى أن يذكر لهما التوحيد ويعرض عليهما الإيمان ويزينه لهما، ويقبح إليهما الشرك بالله، وهذه طريقة على كل ذى علم أن يسلكها مع الجهال والفسقة، إذا استفتاه واحد منهم أن يقدم الهداية والإرشاد والموعظة والنصيحة أولاً، ويدعوه إلى ما هو أولى به وأوجب عليه مما استفتى فيه ثم يفتيه بعد ذلك، فيه أنّ العالم إذا جهلت منزلته في العلم،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ووصفاه بالإحسان)، أي: بقوله: (إِنَّا نَرَاكَ مِنْ الْمُحْسِنِينَ)، أي: من العلماء، الجوهري:"هو يحسن الشيء؛ أي: يعلمه"، وذلك أنهما سمعا يوسف يذكر للناس ما يعلم منه أنه عالم، فلما سمع يوسف هذا وصل به قوله:(لا يَاتِيكُمَا طَعَامٌ) إلى آخره؛ ليريهم أن علمه فوق ما يعلمه العلماء.
قوله: (وجعل ذلك تخلصاً إلى أن يذكر لهما التوحيد)، أي: جعل وصف نفسه بالعلم الفائق وسيلة إلى ذكر التوحيد، وذلك أن الجواب عن فتواهم هو قوله: (يَا صَاحِبَيِ
فوصف نفسه بما هو بصدده، وغرضه أن يقتبس منه وينتفع به في الدين، لم يكن من باب التزكية.
(بِتَاوِيلِهِ) ببيان ماهيته وكيفيته، لأنّ ذلك بشبه تفسير المشكل والإعراب عن معناه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً) الآية، لكن قدم عليه مقدمة الدعوة إلى التوحيد، لأنها أول ما يجب على الأنبياء، وبها بعثوا، ولها أمروا، فجعل قوله:(لا يَاتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ) إلى قوله: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ) مخلصاً إلى قوله: (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ)، والمخلص: هو الرابطة بين الكلامين الأجنبيين، فتعلقه بالجواب من حيث إن تأويل الأحاديث من المغيبات وهنا كالمقدمة له ليوطن أنفسهما لقبول ما يرد بعده من الجواب وجعله مخلصاً لمطلوبه وإيذاناً بأن العلم بالمغيبات من المواهب التي اختصها الله بالمرتضين من الرسل، والمخلصين من عباده، وجعلت ذريعة إلى الشروع في إثبات التوحيد، ونفي الشرك عن نفسه، على سبيل الاستدراج وإرخاء العنان، لئلا يلبس له جلد النمر إذا ابتدأ بقوله:(أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمْ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ).
وأدمج في المقدمة الرخصة في تزكية النفس عند الاحتياج، يدل عليه قوله:"وفيه أن العالم إذا جهلت منزلته في العلم، فوصف نفسه بما هو بصدده، لم يكن من باب التزكية".
ففي الجواب التخلص إلى توخي المطلوب من إثبات التوحيد والنبوة، والاستدراج إلى إسماع الحق، والإدماج لمعنى التزكية.
قوله: ((بِتَاوِيلِهِ) ببيان ماهيته وكيفيته)، النهاية: "التأويل: من: آل الشيء يؤول
(ذلِكُما) إشارة لهما إلى التأويل، أي: ذلك التأويل والإخبار بالمغيبات (مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي) وأوحى به إليّ ولم أقله عن تكهن وتنجم (إِنِّي تَرَكْتُ) يجوز أن يكون كلاماً مبتدأ، وأن يكون تعليلاً لما قبله. أي: علمني ذلك وأوحي إليّ، لأني رفضت ملة أولئك واتبعت ملة الأنبياء المذكورين وهي الملة الحنيفية، وأراد بأولئك الذين لا يؤمنون: أهل مصر ومن كان الفتيان على دينهم، وتكريرهم للدلالة على أنهم خصوصاً كافرون بالآخرة، وأنّ غيرهم كانوا قوماً مؤمنين بها، وهم الذين على ملة إبراهيم، ولتوكيد كفرهم بالجزاء تنبيهاً على ما هم عليه من الظلم والكبائر التي لا يرتكبها إلا من هو كافر بدار الجزاء.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إلى كذا؛ أي: رجع وصار إليه، وتأويل الآية: نقل ظاهر اللفظ عن وضعه الأصلي إلى ما يحتاج إلى دليل، لولاه ما ترك ظاهر اللفظ".
الأساس: "أول الحكم إلى أهله: رده إليهم، ومن المجاز: يقال: لا تعول على الحسب تعويلاً، فالتقوى أحسن تأويلاً؛ أي: عاقبة".
والمراد ها هنا المجاز، يعني: إذا أخبرتكما بحقيقة ما يحمل إليكما من الطعام، ثم تجدانه كما أخبرتكما، فقد أنبأتكما بعاقبة ذلك، فهذا التأويل ليس من نقل ظاهر اللفظ عن وضعه الأصلي إلى ما يحتاج إلى الدليل، بل يشبه بيان المجمل والمشكل الذي يحتاج إلى تفصيله وكشفه، وذلك أن صاحبي السجن كانا يعلمان على الإجمال ما يحمل إليهما من الطعام، لكن ماهية ذلك الطعام وكيفيته لم تكن عندهم، فإذا بين ذلك لهما فقد فسر المبهم، وإليه الإشارة بقوله:"لأن ذلك يشبه تفسير المشكل".
قوله: (ولتوكيد كفرهم بالجزاء)، معطوف على "للدلالة على أنهم" يعني: في تكرير ضميرهم وتقديمه على (كَافِرُونَ) دلالة على الاختصاص والتوكيد، فالتخصيص من التقديم، والتوكيد من التكرير، وقد أشار في تركيبه إلى ذلك بقوله:"إن غيرهم قوم مؤمنون بها"، ثم قوله:"وهم الذين على ملة إبراهيم": دل على التخصيص والتوكيد، وقوله: "للدلالة
ويجوز أن يكون فيه تعريض بما مُني به من جهتهم حين أودعوه السجن، بعد ما رأوا الآيات الشاهدة على براءته، وأنّ ذلك ما لا يقدم عليه إلا من هو شديد الكفر بالجزاء وذكر آباءه ليريهما أنه من بيت النبوّة بعد أن عرّفهما أنه نبىّ يوحى إليه، بما ذكر من إخباره بالغيوب ليقوى رغبتهما في الاستماع إليه واتباع قوله.
(ما كانَ لَنا) ما صحّ لنا معشر الأنبياء (أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ) أي: شيء كان من ملك أو جنيّ أو إنسيّ، فضلاً أن نشرك به صنماً لا يسمع ولا يبصر، ثم قال (ذلِكَ) التوحيد (مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وَعَلَى النَّاسِ) أي: على الرسل وعلى المرسل إليهم، لأنهم نبهوهم عليه وأرشدوهم إليه (وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ) المبعوث إليهم (لا يَشْكُرُونَ) فضل الله فيشركون ولا يتنبهون.
وقيل: إنَّ ذلك من فضل الله علينا لأنه نصب لنا الأدلة التي ننظر فيها ونستدلّ بها. وقد نصب مثل تلك الأدلة لسائر الناس من غير تفاوت، ولكن أكثر الناس لا ينظرون ولا يستدلون اتباعا لأهوائهم، فيبقون كافرين غير شاكرين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
على أنهم خصوصاً كافرون بالآخرة"، ثم قوله: "ولتوكيد كفرهم بالجزاء": دل على ما دل ذلك.
قوله: (تعريض بما مني به)، أي: قدر له. النهاية: "يقال: منى الله عليك خيراً يمني منياً، ومنه سميت المنية، لأنها مقدرة بوقت مخصوص"، يعنيك تركت ملة قوم فعلوا بي ما فعلوا بعدما رأوا الآيات، ومن ثم قال:"وإن ذلك مالا يقدم عليه إلا من هو شديد الكفر بالجزاء".
قوله: (وقيل: إن ذلك من فضل الله)، أي: عدم صحة الإشراك منا معاشر الأنبياء من فضل الله تعالى، لأنه نصب الأدلة التي ينظر فيها ويستدل بها، فالمشار إليه مضمون الكلام الدال على التوحيد، و"فضل الله" على الأول: سمعي؛ لقوله: "نبهوهم عليه وأرشدوهم إليه"، وعلى الثاني: عقلي؛ لقوله: "نصب لنا الأدلة".
[(يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ* ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ)].
(يا صاحِبَيِ السِّجْنِ) يريد: يا صاحبيَّ في السجن، فأضافهما إلى السجن كما تقول: يا سارق الليلة، فكما أن الليلة مسروق فيها غير مسروقة، فكذلك السجن مصحوب فيه غير مصحوب، وإنما المصحوب غيره وهو يوسف عليه السلام، ونحوه قولك لصاحبيك: يا صاحبي الصدق فتضيفهما إلى الصدق،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فكذلك السجن مصحوب فيه غير مصحوب)، الراغب: "الصاحب: الملازم؛ إنساناً كان أو حيواناً، مكاناً كان أو زماناً، ولا فرق بين أن تكون مصاحبته بالبدن، وهو الأصل والأكثر، أو بالعناية والهمة، وعلى هذا قال:
لئن غبت عن عيني لما غبت عن قلبي
ولا يقال في العرف إلا لمن كثر ملازمته، ويقال لمالك الشيء: هو صاحبه، وكذلك لمن يملك التصرف فيه، قال تعالى:(إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا)[التوبة: 40]، (قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ) [الكهف: 37]، والإصحاب للشيء: الانقياد له، وأصله: أن يصير له صاحباً، ويقال: وأصحب فلان فلاناً: جعله صاحباً له".
ولا تريد أنهما صحبا الصدق، ولكن كما تقول: رجلاً صدق، وسميتهما صاحبين لأنهما صحباك. ويجوز أن يريد: يا ساكني السجن، كقوله:(أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ)[الحشر: 20].
(مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ) يريد التفرّق في العدد والتكاثر. يقول أأن تكون لكما أربابٌ شتى، يستعبدكما هذا ويستعبدكما هذا (خَيْرٌ) لكما (أَمِ) أن يكون لكما ربٌّ واحد قهار لا يغالب ولا يشارك في الربوبية، بل هو (الْقَهَّارُ) الغالب، وهذا مثل ضربه لعبادة الله وحده ولعبادة الأصنام.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (كما تقول: رجلا صدق)، يعني: كما دل الإضافة بمعنى اللام على أن الصدق مالكهما مبالغة، والأصل: رجلان صادقان، كذلك إضافة "صاحبي" إلى "الصدق"، والمراد: صدقتما في صحبتي، أي: بذلتما مجهودكما في حقي، وفعلتما ما يوجبه حق الصحبة.
الراغب: "الصدق: مطابقة القول الضمير والمخبر عنه معاً، ويستعمل في كل ما يحق ويحصل في الاعتقاد؛ نحو: صدق ظني، وفي فعل الجوارح؛ نحو: صدق في القتال: إذا وفى حقه، وفعل ما يجب في القتال".
قوله: (وهذا مثل ربه لعبادة الله تعالى)، فيه إشكال؛ لأن الظاهر نفي استواء الأصنام وعبادتها بالله تعالى وبعبادته، فأين المثل؟ ! لكن التقدير: أسادات شتى تستعبد مملوكاً واحداً إلى عبادتها خير من سيد واحد قهار، فوضع موضع "الرب السيد":(اللهُ)؛ لكونه مقابلاً لقوله: (أَأَرْبَابٌ)، كقوله تعالى:(ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً)[الزمر: 29].
(ما تَعْبُدُونَ) خطابٌ لهما ولمن على دينهما من أهل مصر (إِلَّا أَسْماءً) يعني أنكم سميتم ما لا يستحق الإلهية آلهةً، ثم طفقتم تعبدونها، فكأنكم لا تعبدون إلا أسماء فارغة لا مسميات تحتها. ومعنى (سَمَّيْتُمُوها) سميتم بها. يقال: سميته بزيد، وسميته زيداً (ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها) أي: بتسميتها (مِنْ سُلْطانٍ) من حجة (إِنِ الْحُكْمُ) في أمر العبادة والدين (إِلَّا لِلَّهِ) ثم بين ما حكم به فقال: (أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) الثابت الذي دلت عليه البراهين.
[(يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَاكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَاسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ)].
(أَمَّا أَحَدُكُما) يريد الشرابي (فَيَسْقِي رَبَّهُ) سيده. وقرأ عكرمة: "فيسقى ربه" أي: يسقى ما يروى به على البناء للمفعول. روي أنه قال للأوّل: ما رأيت من الكرمة وحسنها هو الملك وحسن حالك عنده، وأما القضبان الثلاثة فإنها ثلاثة أيام تمضى في السجن، ثم تخرج وتعود إلى ما كنت عليه، وقال للثاني: ما رأيت من السلال ثلاثة أيام ثم تخرج فتقتل (قُضِيَ الْأَمْرُ) قطع وتم ما (تَسْتَفْتِيانِ) فيه من أمر كما وشأنكما.
فإن قلت: ما استفتيا في أمر واحد، بل في أمرين مختلفين، فما وجه التوحيد؟ قلت: المراد بالأمر ما اتهما به من سمّ الملك وما سجنا من أجله،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لا مسميات تحتها)، صح بالكسر، وهو مبني على ما ينصب به، وعند الأخفش: مبني على الفتح.
قوله: (المراد بالأمر: ما اتهما به من سم الملك)، إشارة إلى قوله تعالى:(وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً)[يوسف: 36] الآية، وتفسيره له:"دخل معه السجن عبدان للملك، رقي إليه أنهما يسمانه، فأمر بهما إلى السجن" إلى آخره، كأنهما حين عرضا المنامين عليه طلبا منه تنزيلهما على شأنهما وقصتهما من التهمة، وإيقاعهما
وظنا أنّ ما رأياه في معنى ما نزل بهما، فكأنهما كانا يستفتيانه في الأمر الذي نزل بهما أعاقبته نجاة أم هلاك، فقال لهما:(قضي الأمر الذي فيه تستفتيان)، أي: ما يجرّ إليه من العاقبة، وهي هلاك أحدهما ونجاة الآخر. وقيل: جحدا وقالا: ما رأينا شيئاً، على ما روي أنهما تحالما له، فأخبرهما أن ذلك كائن صدقتما أو كذبتما.
[(وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ)].
(ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ) الظانّ هو يوسف إن كان تأويله بطريق الاجتهاد، وإن كان بطريق الوحي فالظان هو الشرابي، ويكون الظنّ بمعنى اليقين (اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ) صفني عند الملك بصفتي، وقص عليه قصتي،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
السجن لها، وهل لهما الخلاص من ذلك في العاقبة، فالأمر والشأن هو مجموع هذه الاعتبارات وزبدتها وخلاصتها، ولذلك عاد في بيانه بقوله:"أي: ما يجر إليه من العاقبة" إلى آخره.
قال صاحب "الفرائد": يمكن أن يقال: المراد بـ "الأمر": "التأويل" في قوله: (نَبِّئْنَا بِتَاوِيلِهِ)، وعبارة الرؤيا واحدة، وإن تعددت، وما ذكر لا يوافق ما قيل من أنهما تحالما ليمتحناه، وهو قوله:"وظنا أن ما رأياه في معنى ما نزل بهما".
وقلت: هو ما عنى بـ "الأمر" إلا "التأويل" الذي هو بمعنى العاقبة، كما سبق أنه ذكر في "الأساس":"لا تعول على الحسب تعويلاً، فالتقوى أحسن تأويلاً، أي: عاقبة"، ألا ترى إلى قوله في الجواب الأول:"أي: ما يجر إليه من العاقبة"، وفي الثاني:"أن ذلك كائن"، والمشار إليه هو قوله:"هلاك أحدهما ونجاة الآخر"، وهو تفسير لقوله:"ما يجر إليه من العاقبة".
لعله يرحمني وينتاشني من هذه الورطة (فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ) فأنسى الشرابي (ذِكْرَ رَبِّهِ) أن يذكره لربه. وقيل فأُنسي يوسف ذكر الله حين وكل أمره إلى غيره (بِضْعَ سِنِينَ) البضع: ما بين الثلاث إلى التسع، وأكثر الأقاويل على أنه لبث فيه سبع سنين.
فإن قلت: كيف يقدر الشيطان على الإنسان؟ قلت: يوسوس إلى العبد بما يشغله عن الشيء من أسباب النسيان، حتى يذهب عنه ويزل عن قلبه ذكره، وأما الإنساء ابتداءً فلا يقدر عليه إلا الله عز وجل (ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها) [البقرة: 106].
فإن قلت: ما وجه إضافة "الذكر" إلى "ربه" إذا أريد به الملك؟ وما هي بإضافة المصدر إلى الفاعل ولا إلى المفعول؟ قلت: قد لابسه في قولك: فأنساه الشيطان ذكر ربه، أو عند ربه فجازت إضافته إليه، لأنّ الإضافة تكون بأدنى ملابسة. أو على تقدير: فأنساه الشيطان ذكر أخبار ربه، فحذف المضاف الذي هو الإخبار.
فإن قلت: لم أنكر على يوسف الاستغاثة بغير الله في كشف ما كان فيه، وقد قال الله تعالى:(وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى)[المائدة: 2]، وقال حكايةً عن عيسى عليه السلام:(مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ)[آل عمران: 52]،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ينتاشني من هذه الورطة)، أي: يخلصني، النهاية:"وفي حديث عائشة تصف أباها رضي الله عنهما: "فانتاش الدين بنعشه"، أي: استدركه"، واستنقذه، وتناوله، وأخذه من مهواته.
وفي الحديث «الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه المسلم» ، «من فرّج عن مؤمن كربة فرّج الله عنه كربة من كربات الآخرة» ، وعن عائشة رضي الله عنها:"أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأخذه النوم ليلة من الليالي، وكان يطلب من يحرسه حتى جاء سعد فسمعت غطيطه". وهل ذلك إلا مثل التداوي بالأدوية والتقوّى بالأشربة والأطعمة؟ ! وإن كان ذلك لأنّ الملك كان كافراً، فلا خلاف في جواز أن يستعان بالكفار في دفع الظلم والغرق والحرق ونحو ذلك من المضارّ.
قلت: كما اصطفى الله تعالى الأنبياء على خليقته فقد اصطفى لهم أحسن الأمور وأفضلها وأولاها والأحسن والأولى بالنبي أن لا يكل أمره إذا ابتلي ببلاء إلا إلى ربه، ولا يعتضد إلا به، خصوصاً إذا كان المعتضد به كافراً، ........
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (الله في عون العبد)، الحديث بطوله أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة.
وأما حديث عائشة رضي الله عنها: فأورده البخاري ومسلم والترمذي: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم سهر مقدمه المدينة ليلة، فقال: ليت رجلاً صالحاً يحرسني الليلة، قال: فبينا نحن كذلك إذ سمعنا خشخشة سلاح، فقال: من هذا؟ قال: أنا سعد بن أبي وقاص، وقع في نفسي خوف على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجئت أحرسه، فدعا له، ثم نام".
قوله: (وإن كان ذلك)، عطف على قوله:"لم أنكر على يوسف الاستعانة في كشف ما كان؟ " أي: إن كان الإنكار لمطلق الاستعانة فليس كذلك، لأن الله تعالى قال:(وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى)[المائدة: 2] إلى آخره، وإن كان ذلك لأن الملك كان كافراً فكذا، إلى آخره.
لئلا يشمت به الكفار ويقولوا لو كان هذا على الحق وكان له رب يغيثه لما استغاث بنا. وعن الحسن أنه كان يبكي إذا قرأها ويقول: نحن إذا نزل بنا أمر فزعنا إلى الناس.
[(وَقالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَاكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ)].
لما دنا فرج يوسف، رأى ملك مصر الريان بن الوليد رؤيا عجيبة هالته: رأى سبع بقراتٍ سمانٍ خرجن من نهرٍ يابس، وسبع بقرات عجاف، فابتلعت العجاف السمان، ورأى سبع سنبلات خضر قد انعقد حبها، وسبعاً أخر يابساتٍ قد استحصدت وأدركت، فالتوت اليابسات على الخضر حتى غلبن عليها، فاستعبرها فلم يجد في قومه من يحسن عبارتها.
(سِمانٍ) جمع سمين وسمينة، وكذلك رجال ونسوة كرام.
فإن قلت: هل من فرق بين إيقاع (سِمانٍ) صفة للميز وهو (بَقَراتٍ)، دون المميز وهو (سَبْعَ) وأن يقال: سبع بقرات سمانا؟ قلت: إذا أوقعتها صفة لبقرات. فقد قصدت إلى أن تميز "السبع" بنوع من البقرات،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فلم يجد في قومه من يحسن عبارتها)، الجوهري:"يحسن: يعلم". الأساس: "ومن المجاز: فلان لا يحسن شيئاً، وقيمة المرء ما يحسن".
قوله: (إذا أوقعتها صفة لـ (بَقَرَاتٍ)) إلى آخره، بين الفرق بين اللفظين، وأحال الفائدة إلى الذهن، ويمكن أن يقال: إن المميز إذا وصف، ثم رفع به الإبهام والإجمال من العدد، أذن بأنهما مقصودان في الذكر، بخلافه إذا ميز ثم وصف، بل وصف المميز أدعى من وصف العدد، لأن المميز إنما استجلب للوصف، ومن ثم ترك التمييز في القرائن الثلاث؛ (سَبْعٌ عِجَافٌ) و (أُخَرَ يَابِسَاتٍ) و (سَبْعٌ شِدَادٌ)، والمقام يقتضيه، لأن المقصود
وهي السمان منهنّ لا بجنسهنّ. ولو وصفت بها "السبع" لقصدت إلى تمييز "السبع" بجنس البقرات لا بنوع منها، ثم رجعت فوصفت المميز بالجنس بالسمن.
فإن قلت: هلا قيل: "سبع عجاف" على الإضافة؟ قلت، التمييز موضوع لبيان الجنس، والعجاف وصف لا يقع البيان به وحده.
فإن قلت: فقد يقولون: ثلاثة فرسانٍ وخمسة أصحاب. قلت: الفارس والصاحب والراكب ونحوها: صفات جرت مجرى الأسماء فأخذت حكمها وجاز فيها ما لم يجر في غيرها. ألا تراك لا تقول: عندي ثلاثة ضخام وأربعة غلاظ. فإن قلت: ذاك مما يشكل وما نحن بسبيله لا إشكال فيه، ألا ترى أنه لم يقل بقراتٍ سبعٍ عجافٍ، لوقوع العلم بأنّ المراد البقرات؟ قلت: ترك الأصل لا يجوز مع وقوع الاستغناء عما ليس بأصل، وقد وقع الاستغناء بقولك (سَبْعٌ عِجافٌ) عما تقترحه من التمييز بالوصف.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بيان الابتلاء بالشدة بعد الرخاء، وبيان الكمية بالعدد والكيفية بالبقرات تابع.
قوله: (والعجاف وصف لا يقع البيان به وحده)، يعني: أن التمييز لبيان الجنس، ولا تدل الصفة على الجنس، لأن الوصف لا يدل على الحقيقة، وإنما يدل على شيء ما متصف بشيء، وإنما جاز "ثلاثة فرسان" و"خمسة أصحاب" لجري "الصاحب" و"الفارس"- بطرح موصوفهما- مجرى الاسم، ولذلك لا يجوز "ثلاثة ضخام" لأنه يلبس.
قوله: (ذاك مما يشكل)، أي:"ثلاثة ضخام" و"أربعة غلاظ" مما يشكل، لأنا لا نعلم أن الضخم والغليظ ما هو؟ وما نحن بسبيله معلوم أن (عِجَافٌ) ليس غير البقرات؛ لوقوعه مقابلاً لقوله:(سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ)، فهو إذن نحو قولك:"ثلاثة فرسان"؟
وأجاب: أن الأصل أن يجري الوصف على الوصفية، وإنما يترك الأصل إذا منع مانع، كما في قولك:"خمسة أصحاب"، وها هنا لما وصف السبع بالعجاف، فأي حاجة
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إلى جعله تمييزاً، ثم ينتصب للتأويل.
وتحريره: أن الكلام تردد بين قوله: "سبع عجاف" على الوصف، وبين "سبع عجاف" على الإضافة، فالحمل على الوصف أولى، لأنك إذا أضفته أزلت "عجاف" عن مقتضاه- وهو الوصف- إلى الجنس بالتأويل، فترك الوصف- الذي هو الأصل- والذهاب إلى الجنس مع حصول المطلوب من الكشف والبيان غير جائز.
قال صاحب "الفرائد": لما كانت الصفة قائمة مقام الموصوف في قولنا: "عجاف" على الإضافة، والموصوف معلوم لما تقدم، فقولنا:"سبع عجاف" كقولنا: "سبع بقرات عجاف"، فالتمييز المطلوب بالإضافة حاصل بالإضافة إلى الصفة؛ لقيامها مقام الموصوف، فكما يجوز "سبع بقرات عجاف" يجوز "سبع عجاف"، وقوله:"ترك الأصل لا يجوز مع وقوع الاستغناء عما ليس بأصل" منظور فيه، لأن الأصل في العدد حصول تمييزه بالإضافة، والوصف على خلاف الأصل، فإذا أضفت وقلت:"سبع عجاف" فالموصوف محذوف، لأنه معلوم، والصفة قائمة مقامه، وإذا لم تضف وجعلته موصوفاً فلابد من تقدير المضاف إليه بأن تقول:"سبع بقرات عجاف"، فكان كل واحد على خلاف الأصل، وإنما لم يضف لأنه قائم مقام البقرات، وهي موصوفة بـ "عجاف"، فكانت من قبيل إضافة الموصوف إلى الصفة، وهي غير جائزة إلا بتأويل.
وقلت: هذا كلام حسن، لأن الأصل "سبع بقرات عجاف" لقضية التقابل، فلما حذف المميز إيجازاً لعدم اللبس انقلب الوصف تابعاً للمميز، فارتفع اعتناء بشأن الوصف، كما سبق أن المقصود الابتلاء بالشدة بعد الرخاء، وأما التفادي عن إضافة الموصوف إلى الصفة دون اعتبار المعنى فأمر سهل.
والعجف: الهزال الذي ليس بعده، والسبب في وقوع «عجافٍ» جمعاً لـ «عجفاء» و"أفعل" و"فعلاء" لا يجمعان على "فعال": حمله على "سمان"، لأنه نقيضه، ومن دأبهم حمل النظير على النظير، والنقيض على النقيض.
فإن قلت: هل في الآية دليل على أنّ السنبلات اليابسة كانت سبعاً كالخضر؟ قلت: الكلام مبنى على انصبابه إلى هذا العدد في البقرات السمان والعجاف والسنابل الخضر، فوجب أن يتناول معنى الأخر السبع، ويكون قوله (وَأُخَرَ يابِساتٍ) بمعنى وسبعاً أخر.
فإن قلت: هل يجوز أن يعطف قوله (وَأُخَرَ يابِساتٍ) على (سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ)، فيكون مجرور المحل؟ قلت: يؤدي إلى تدافع، وهو أن عطفها على (سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ) يقتضي أن تدخل في حكمها،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (حمل النظير على النظير)، قيل: نحو: غار، فإن مصدره "غوور"؛ حملاً له على نظيره ونقيضه، أما نظيره فـ "دخل دخولاً"، وأما نقيضه فـ "خرج خروجاً".
قوله: (يؤدي إلى تدافع)، قال صاحب "التقريب": إذ عطفه يقتضي دخوله في حكم السبع المذكور، وكونه مميزاً بالسنبلات الخضر وبالأُخر، ولفظ "الأخر" يقتضي كونه غير السبع، فيصح "سبعة رجال قيام وقعود"، أي: بعضهم قيام وبعضهم قعود، ولا يصح "وآخرين قعود"، وفيه نظر، لأن الصحيح أن العطف في حكم تكرير العامل لا الانسحاب، فلو عطف "آخرين" على "رجال قيام" لكان "سبعة" مكررة في المعطوف، أي: وسبعة آخرين، أي:"رجال آخرين قعود"، ويفسد المعنى، لأن المفروض أن الرجال سبعة.
وأما الآية فلو كرر فيها، وقيل: سبع أُخر، أي: وسبع سنبلات أخر، استقام، لأن
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الخُضر سبعة، واليابسات سبعة، نعم؛ لو فرعنا على المرجوح- وهو انسحاب العامل في العطف- أدى إلى أن السبع المذكورة مميزة بـ "سنبلات خضر" و"سنبلات أُخر يابسات"، وفسد، إذ المراد أن كلاً منهما سبعة، لا أنهما سبعة.
فالمثال ليس وزان الآية؛ إذ هو على تكرير العامل يفسد، وعلى الانسحاب يصح، والآية بالعكس، والصحيح التكرير، فجاز العطف، لكن الأولى أن يعطف "أُخر" على (خُضْرٍ)، لا على (سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ)، ليدل على موصوف "أخر"، وهو "سنبلات"، ولا يقدر موصوفها بقرينة السياق.
والتدافع ممنوع؛ إذ العطف يقتضي دخوله في حكم "السبع" المذكور على تقدير الانسحاب، ولفظ "الأُخر" يقتضي أن يكون غير "السبع" المذكور على تقدير التكرير، فلا تدافع.
والجواب عنه: أنه قد سبق مراراً وأطواراً أن مذهب المصنف في عطف المفرد على المفرد القول بالانسحاب قطعاً، وبطلانه بأنه مرجوح لا يجديه، على أن ابن الحاجب نص على القول برجحان الانسحاب، حيث قال بعد ذكر المذاهب الثلاثة:"والصحيح الانسحاب في الجميع، وجواز التقدير في المعطوف مطلقاً"، ثم علله بقوله: لأن به يتقوم المعنى المقتضي للإعراب، ولأن المعنى عليه، بدليل "اشتريت الجارية نصفها" و"جاءني غلام زيد وعمرو"، ألا ترى أنه لو قدر الأول لفسد المعنى، وكرر هذا البحث.
أما بيان التدافع فيما نحن بصدده: فإن البيان والمبين شيء واحد، فإذا بينت "السبعة" في قولك:"سبعة رجال" بـ "رجال قيام وقعود" على طريق العطف صح، لأن المبين متعدد، ولا منافاة بينه وبين البيان، لأن المراد: بعضهم قيام وبعضهم قعود. وأما إذا
فتكون معها مميزاً للسبع المذكورة، ولفظ "الأخر" يقتضي أن تكون غير السبع، بيانه: أنك تقول: عندي سبعة رجالٍ قيامٍ وقعودٍ، بالجرّ، فيصح، لأنك ميزت السبعة برجالٍ موصوفين بالقيام والقعود، على أنّ بعضهم قيام وبعضهم قعود، فلو قلت: عنده سبعة رجال قيام وآخرين قعود، تدافع ففسد.
(يا أَيُّهَا الْمَلَأُ) كأنه أراد الأعيان من العلماء والحكماء. واللام في قوله (لِلرُّءْيا) إما أن تكون للبيان، كقوله (وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ) [يوسف: 20]، وإما أن تدخل، لأنّ العامل إذا تقدّم عليه معموله لم يكن في قوّته على العمل فيه مثله إذا تأخر عنه، فعضد بها كما يعضد بها اسم الفاعل، إذا قلت: هو عابر للرؤيا، لانحطاطه عن الفعل في القوة. ويجوز أن يكون (للرؤيا) خبر "كان"، كما تقول: كان فلان لهذا الأمر إذا كان مستقلاً به متمكناً منه. و (تَعْبُرُونَ) خبر آخر. أو حال،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أعقبته بـ "آخرين"، وكان تفسير "السبعة" أيضاً، حصل الاختلاف وجاء التدافع.
وتوهم أن الفساد من جهة أن المفروض أن الرجال سبعة: فاسد، فعلى هذا: في الآية إذا عطفت (يَابِسَاتٍ) وحدها على (خُضْرٍ) صح، وإن لزم الاختلاف في العدد، لأن الكلام في صحة التركيب لا العدد، وأما إذا أتيت بـ "أُخر" جاء التدافع، وأيضاً لو أوجبنا القول بالتقدير دون الانسحاب كان لفظ "أخر" تطويلاً، فوجب صون كلام الله منه، وللقائلين بالانسحاب أن يستدلوا بهذه الآية على وقوعه صريحاً في التنزيل.
قوله: (إما أن تكون للبيان)، كأنه لما قيل: كنتم تعبرون، فقيل: لأي شيء؟ فقيل: للرؤيا، كما قال في قوله:(وَكَانُوا فِيهِ مِنْ الزَّاهِدِينَ)[يوسف: 20]: "في أي شيء زهدوا فقال: زهدوا فيه".
وأن يضمن (تَعْبُرُونَ) معنى فعلٍ يتعدى باللام، كأنه قيل: إن كنتم تنتدبون لعبارة الرؤيا. وحقيقة «عبرت الرؤيا» ذكرت عاقبتها وآخر أمرها، كما تقول: عبرت النهر، إذا قطعته حتى تبلغ آخر عرضه وهو عبره. ونحوه: أولت الرؤيا إذا ذكرت مآلها وهو مرجعها. و"عبرت الرؤيا" بالتخفيف، هو الذي اعتمده الأثبات، ورأيتهم ينكرون «عبرت» بالتشديد والتعبير والمعبر. وقد عثرت على بيت أنشده المبرد في كتاب الكامل لبعض الأعراب:
رَأَيْتُ رُؤْيَا ثُمَّ عَبَّرْتُهَا
…
وَكُنْتُ لِلْأحْلَامِ عَبَّارَا
[(قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ وَما نَحْنُ بِتَاوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ)].
(أَضْغاثُ أَحْلامٍ) تخاليطها وأباطيلها، وما يكون منها من حديث نفسٍ أو وسوسة شيطان.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (تنتدبون)، يقال: ندبته فانتدب؛ أي: دعوته فأجاب، ويعدى باللام.
قوله: (وهو عبره)، الجوهري:"وعبر النهر: شطه وجانبه". قال القاضي: "عبارة الرؤيا: الانتقال من الصور الخيالية إلى المعاني النفسانية التي هي مثالها؛ من العبور، وهو المجاوزة".
قوله: (الذي اعتمده الأثبات)، الأثبات: جمع ثبت، يقال: فلان ثبت؛ أي: ثابت القلب، ولا أحكم بكذا إلا بثبت؛ أي: بحجة.
وأصل "الأضغاث": ما جمع من أخلاط النبات وحزم، الواحد: ضغث، فاستعيرت لذلك، والإضافة بمعنى «من» أي: أضغاث من أحلام. والمعنى: هي أضغاث أحلام.
فإن قلت: ما هو إلا حلم واحد، فلم قالوا:(أضغاث أحلام) فجمعوا؟ قلت: هو كما تقول: فلان يركب الخيل ويلبس عمائم الخز، لمن لا يركب إلا فرساً واحداً وما له إلا عمامة فردة، تزيداً في الوصف، فهؤلاء أيضاً تزيدوا في وصف الحلم بالبطلان، فجعلوه أضغاث أحلام.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فاستعيرت لذلك)، أي: استعيرت "الأضغاث" للتخاليط والأباطيل، شبهت تخاليط الأحلام وأباطيلها بما جمع من أخلاط النبات وحزم، والجامع الاختلاط من غير تمييز بين جيد ورديء، ثم استعمل "أضغاث" في موضع "الأباطيل"، وجعلت القرينة الإضافة.
قوله: (أي: أضغاث من أحلام)، الراغب:"الحلم: ضبط النفس عن هيجان الغضب، وجمعه أحلام، قال تعالى: (أَمْ تَامُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهَذَا) [الطور: 32]، قيل: عقولهم، وليس الحلم في الحقيقة: العقل، لكنه من مسبباته، وقد حلم وحلمه العقل وتحلم، وقال تعالى: (وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمْ الْحُلُمَ) [النور: 59]، أي: زمان الحلم، وقال تعالى: (فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ) [الصافات: 101]، أي: وجد فيه قوة الحلم، وسمي الحلم لكون صاحبه جديراً بالحلم، يقال: حلم حلماً وحُلماً، وتحلَّم واحتلم، وحلمت به في نومي، أي: رأيته في المنام".
قوله: (فلان يركب الخيل، ويلبس عمائم الخز)، قال صاحب "الفرائد": ولما كانت (أَضْغَاثُ أَحْلامٍ) مستعارة لما ذكر، وهي تخاليطها وأباطيلها، وهي متحققة في رؤيا
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
واحدة بحسب أنها متركبة من أشياء، كل واحد منها حلم، فكانت أحلاماً، فلا افتقار إلى ما ذكر من التكلف.
وقلت: هذا كلام حسن، وكلام المصنف مبني على أن الحلم والرؤيا مترادفان، فكأنه قيل: أضغاث رؤى، ولا شك أنها رؤيا واحدة لا رؤى، ولذلك استشهد بقول الشاعر:
رأيت رؤيا ثم عبرتها
…
وكنت للأحلام عبارا
ولولا أن الرؤيا والحلم واحد لم يصح قوله: "للأحلام عباراً".
قال صاحب "النهاية": "والرؤيا والحلم: عبارة عما يراه النائم في النوم من الأشياء، ولكن غلبت "الرؤيا" على ما يراه من الخير والشيء الحسن، وغلب "الحلم" على ما يراه من الشر والقبيح، ومنه قوله تعالى: (أَضْغَاثُ أَحْلامٍ)، وتضم لام "الحلم" وتسكن، وفي الحديث: (الرؤيا من الله، والحلم من الشيطان) ".
قال التوربشتي: الحلم عند العرب: مستعمل استعمال الرؤيا، والتفريق إنما كان من الاصطلاحات الشرعية التي لم يقتضها بليغ، ولم يهتد إليها حكيم، بل سنها صاحب الشريعة للفصل بين الحق والباطل، كأنه كرِه أن يسمى ما كان من الله وما كان من الشيطان باسم واحد، وجعل الرؤيا عبارة عن القسم الصالح لما في صيغتها من الدلالة على مشاهدة
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الشيء بالبصر والبصيرة، وجعل الحلم عبارة عما كان من الشيطان، لأن أصل الكلمة لم يستعمل إلا فيما يخيل إلى الحالم في منامه من قضاء الشهوة مما لا حقيقة له.
وقلت: لعله رحمة الله أراد بقوله: "ولم يهتد غليها حكيم": ما عرفتها الفلاسفة؛ على ما نقله القاضي في "تفسيره": "الرؤيا: انطباع الصورة المنحدرة من أفق المتخيلة إلى الحس المشترك، والصادقة منها إنما تكون باتصال النفس بالملكوت، لما بينهما من التناسب، عند فراغه من تدبير البدن أدنى فراغ، فتتصور بما فيها مما يليق من المعاني الحاصلة هناك، ثم إن المتخيلة تحاكيه بصورة تناسبه، فترسلها إلى الحس المشترك، فيصير مشاهدة، ثم إن كانت شديدة المناسبة لذلك المعنى؛ بحيث لا يكون التفاوت إلا بأدنى شيء، استغنت الرؤيا عن التعبير".
والذي يؤيد قول الإمام التوربشتي ما روينا عن البخاري ومسلم والترمذي وأبي داود: "رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة"، وزاد بعضهم:"فإنه لا يكذب"، قال محمد بن سيرين:"وأنا أقول هذه، قال: وكان يقال: والرؤيا ثلاثة: حديث النفس وتخويف الشيطان وبشرى من الله"، هكذا ورد في "جامع الأصول". وإنما خص صلوات الله عليه رؤيا المؤمن، وجعلها جزءاً من أجزاء النبوة، ونص الأعداد، لئلا يشرع
ويجوز أن يكون قد قص عليهم مع هذه الرؤيا رؤيا غيرها.
(وَما نَحْنُ بِتَاوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ) إما أن يريدوا بالأحلام: المنامات الباطلة خاصة، فيقولوا: ليس لها عندنا تأويل، فإن التأويل إنما هو للمنامات الصحيحة الصالحة، وإما أن يعترفوا بقصور علمهم وأنهم ليسوا في تأويل الأحلام بنحارير.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فيه الفلسفي أصلاً، ويدخلها في تعريفه المختل، لأنها من مشرع لا مجال للعقل فيه.
قوله: (رؤى غيرها)، رؤى: كعلى؛ لجمع العليا، الجوهري:"جمع الرؤيا: رؤى، بالتنوين، مثل: رعى".
قوله: (وإما أن يعترفوا بقصور علمهم)، الانتصاف: "هذا هو الظاهر، وحمل الكلام على الأول يصيره من وادي:
على لاحِب لا يهتدى بمناره
كأنهم قالوا: أحلام باطلة، ولا تأويل للأحلام الباطلة، فيكونوا بها عالمين، وقول الملك لهم:(إِنْ كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ) دليل على أنهم لم يكونوا في علمه عالمين بها، لأن "إن" للشك، فجاء اعترافهم مطابقاً لشكه فيهم، وقول الفتى:(أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَاوِيلِهِ) إلى قوله: (لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ) دليل على ذلك".
وقلت: لا ارتياب أن التعريف في (الْأَحْلَامِ): إما للعهد، والمعهود وما صرحوا به من قولهم:(أَضْغَاثُ أَحْلامٍ)، وإما للجنس، وهو ما يعلم كل واحد أن الأحلام ما هي؟
[(وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَاوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ)].
قرئ (وَادَّكَرَ) بالدال وهو الفصيح. وعن الحسن: "واذكر"، بالذال المعجمة. والأصل: تذكر، أي: تذكر الذي نجا من الفتيين من القتل يوسف وما شاهد منه (بَعْدَ أُمَّةٍ) بعد مدّة طويلة، وذلك أنه حين استفتى الملك في رؤياه وأعضل على الملأ تأويلها، تذكر الناجي يوسف وتأويله رؤياه ورؤيا صاحبه، وطلبه إليه أن يذكره عند الملك.
وقرأ الأشهب العقيلي بَعْدَ أُمَّةٍ بكسر الهمزة، والإمّة النعمة. قال عدى:
ثُمَّ بَعْدَ الْفَلَاحِ وَالْمُلْكِ وَالْإِمَّـ
…
مَةِ وَارَتْهُمُ هُنَاكَ الْقُبُورُ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والوجهان مبنيان على هذا، والأول هو الظاهر، لأنهم ما جعلوا ذلك المنام أضغاث أحلام إلا لتمهيد عذرهم أنهم غير عالمين بها.
قوله: ((وَادَّكَرَ) بالدال)، المهملة: المشهورة، وبالذال المعجمة: شاذة.
قوله: ((بَعْدَ أُمَّةٍ) بعد مدة طويلة)، كقوله تعالى:(وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمْ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ)[هود: 8]، أي: برهة من الزمان، وطائفة منه، والجملة معترضة.
قوله: (ثم بعد الفلاح والملك)، البيت:
ثم بعد الفلاح والملك والإمـ
…
مة وارتهم هناك القبور
أين كسرى كسرى الملوك أبو
…
ساسان أم أين قبله سابور
قائلهما عدي بن زيد. الفلاح: البقاء والفوز والظفر، يقول: أين عظماء الملوك الذين
أي: بعدما أنعم عليه بالنجاة. وقرئ: "بَعْدَ أُمَّةٍ" أي: بعد نسيان. يقال: أمه يأمه أمها، إذا نسي. ومن قرأ بسكون الميم فقد خطئ.
(أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَاوِيلِهِ) أنا أخبركم به عمن عنده علمه. وفي قراءة الحسن: "أنا آتيكم بتأويله"(فَأَرْسِلُونِ) فابعثوني إليه لأسأله، ومرونى باستعباره. وعن ابن عباس: لم يكن السجن في المدينة.
[(يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَاكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ)].
المعنى: فأرسلوه إلى يوسف، فأتاه فقال:(يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ) أيها البليغ في الصدق، وإنما قال له ذلك لأنه ذاق أحواله وتعرف صدقه في تأويل رؤياه ورؤيا صاحبه حيث جاء كما أوّل، ولذلك كلمه كلام محترز فقال (لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ) لأنه ليس على يقين من الرجوع،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانوا في النعمة والحبور، سترتهم القبور عن أعين الناس، ولا يدرى ما حالهم تحت التراب.
قوله: (لأنه ذاق أحواله)، أي: إنما قال: (أَيُّهَا الصِّدِّيقُ) لأنه جرب نفسه وأحواله مراراً كثيرة، إذ لا يقال لأحد "صديق" حتى جرب وشوهد منه الصدق مرة بعد مرة، روينا عن البخاري ومسلم:"إن الرجل ليصدق حتى يكتب صديقاً"، جيء بالمضارع الدال على الاستمرار، وقرن معه كلمة التدرج.
قوله: (ولذلك كلمه كلام محترز)، أي: ولأجل أنه ذاق أحواله، وعلم أنه صديق لا
فربما اخترم دونه، ولا من علمهم فربما لم يعلموا. أو معنى (لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ) لعلهم يعلمون فضلك ومكانك من العلم، فيطلبوك ويخلصوك من محنتك.
[(قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّا تَاكُلُونَ* ثُمَّ يَاتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَاكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّا تُحْصِنُونَ (48) ثُمَّ يَاتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ)].
(تَزْرَعُونَ) خبر في معنى الأمر، كقوله:(تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ)[الصف: 11]، وإنما يخرج الأمر في صورة الخبر للمبالغة في إيجاب إيجاب المأمور به، فيجعل كأنه يوجد، فهو يخبر عنه. والدليل على كونه في معنى الأمر قوله (فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ).
(دَأَباً) بسكون الهمزة وتحريكها، وهما مصدر: دأب في العمل، وهو حال من المأمورين، أي: دائبين: إمّا على تدأبون دأباً، وإمّا على إيقاع المصدر حالاً، بمعنى: ذوي دأب.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يصدر منه إلا الصدق، ولا يروج عنده إلا الصدق، كلمه كلام محترز عن الكذب؛ حيث لم يقطع برجوعه إلى الناس، لأن الموت واقع، ولم يقطع أيضاً بأن القوم يعلمون ذلك، لأنه لا اعتماد على فهم الناس، وكرر لفظ الرجاء في الموضعين.
قوله: (اخترم دونه)، أي: يموت الشرابي بين يدي رجوعه، أي: قبله. الجوهري: "اخترمهم الدهر وتخرمهم؛ أي: اقتطعهم واستأصلهم".
قوله: (مصدر: دأب في العمل)، الجوهري:"دأب فلان في عمله؛ أي: جد وتعب".
وقرأ حفص: بالتحريك، والباقون: بالسكون، و (دَأَباً) حال من المأمورين؛ إما بتقدير الفعل وإضماره، وإقامة المصدر مقامه، أو بمعنى: ذوي دأب.
(فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ) لئلا يتسوس، و (يَاكُلْنَ) من الإسناد المجازي؛ جعل أكل أهلهنّ مسنداً إليهنّ (تُحْصِنُونَ) تحرزون وتخبؤون.
(فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ) من الغوث أو من الغيث. يقال: غيثت البلاد، إذا مطرت
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (جعل أكل أهلهن مسنداً إليهن)، قال القاضي:"أي: يأكل أهلهن ما ادخرتم لأجلهن، فأسند إليهن على المجاز؛ تطبيقاً بين المعبر والمعبَّر به"، يعني: لما كان سبب الادخار السنين المجدبة، كان الصرف إلى أهلهن للأكل الصرف إليهن، ومن هذا الباب قوله:
أشاب الصغير وأفنى الكبيـ
…
ـر كر الغداة ومر العشي
قوله: (تحرزون وتخبؤون)، قال القاضي:" (تُحْصِنُونَ) [تحرزون] لبذور الزراعة".
قوله: (من الغوث أو الغيث)، الراغب:"الغيث: يقال في المطر، والغوث: في النصرة. واستغثته: طلبت الغوث أو الغيث، فأغاثني- من الغوث-، وغاثني- من الغيث-، وقوله: (وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ) [الكهف: 29] يجوز أن يكون من الغوث أو الغيث، وكذا (يُغَاثُوا) ".
ومنه قول الأعرابية: غثنا ما شئنا. (يَعْصِرُونَ) بالياء والتاء، يعصرون العنب والزيتون والسمسم. وقيل: يحلبون الضروع.
وقرئ: "يعصرون"، على البناء للمفعول، من عصره إذا أنجاه، وهو مطابق للإغاثة. ويجوز أن يكون المبنى للفاعل بمعنى ينجون،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (الأعرابية: غثنا ما شئنا)، ذكر ابن دريد في كتاب "المطر" عن أبي حاتم عن الأصمعي عن أبي عمرو ابن العلاء عن ذي الرمة:"قاتل الله أمة بني فلان ما أغربها؛ سألتها عن المطر ببلادهم، قالت: غثنا ما شئنا، أي: أصابنا الغيث".
قوله: ((يَعْصِرُونَ) بالياء والتاء)، حمزة والكسائي: بالتاء الفوقانية، والباقون: بالياء.
قوله: (من: عصره؛ إذا أنجاه)، الجوهري:"واعتصرت بفلان وتعصرت: إذا التجأت إليه، قال الله تعالى: (وَفِيهِ يَعْصِرُونَ)، وقال أبو عبيدة: (يَعْصِرُونَ) أي: ينجون؛ وهو من العصرة؛ وهي المنجاة".
قوله: (ويجوز أن يكون المبني للفاعل بمعنى: ينجون)، أي:(يَعْصِرُونَ) بمعنى: ينجون، كما أن "يعصرون" من: عصره؛ إذا أنجاه.
كأنه قيل: فيه يغاث الناس وفيه يغيثون أنفسهم، أي: يغيثهم الله ويغيث بعضهم بعضاً وقيل (يَعْصِرُونَ) يمطرون، من أعصرت السحابة. وفيه وجهان: إمّا أن يضمن "أعصرت" معنى مطرت، فيعدّى تعديته. وإمّا أن يقال: الأصل أعصرت عليهم فحذف الجار وأوصل الفعل.
تأوّل البقرات السمان والسنبلات الخضر بسنين مخاصيب، والعجاف واليابسات بسنين مجدبة، ثم بشرهم بعد الفراغ من تأويل الرؤيا بأنّ العام الثامن يجيء مباركا خصيباً كثير الخير غزير النعم، وذلك من جهة الوحى. وعن قتادة: زاده الله علم سنة.
فإن قلت: معلومٌ أنّ السنين المجدبة إذا انتهت كان انتهاؤها بالخصب، وإلا لم توصف بالانتهاء، فلم قلت إنّ علم ذلك من جهة الوحي؟ قلت: ذلك معلوم علماً مطلقاً لا مفصلاً. وقوله (فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ) تفصيلٌ لحال العام، وذلك لا يعلم إلا بالوحي.
[(وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جاءَهُ الرَّسُولُ قالَ ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ* قالَ ما خَطْبُكُنَّ إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ)].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (من: أعصرت السحابة)، ومنه قوله تعالى:(وَأَنزَلْنَا مِنْ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجاً)[النبأ: 14]، قال:"المعصرات: السحائب إذا أعصرت، أي: شارفت أن تعصرها الرياح فتمطر، كقولك: أجز الزرع؛ إذا حان له أن يجز".
قوله: (علماً مطلقاً)، يعني: لا يشك أحد في معرفة انتهاء الجدب إلى الخصب، لكن
إنما تأنى وتثبت في إجابة الملك، وقدّم سؤال النسوة ليظهر براءة ساحته عما قرف به وسجن فيه، لئلا يتسلق به الحاسدون إلى تقبيح أمره عنده، ويجعلوه سلماً إلى حط منزلته لديه، ولئلا يقولوا ما خلد في السجن سبع سنين إلا لأمر عظيم وجرم كبير حق به أن يسجن ويعذب ويستكف شرّه. وفيه دليلٌ على أنّ الاجتهاد في نفي التهم واجب وجوب اتقاء الوقوف في مواقفها، قال عليه السلام:«من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقفنّ مواقف التهم» ومنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمارّين به في معتكفه وعنده بعض نسائه: «هي فلانة» ؛ اتقاء للتهمة،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الخصب يحتمل أن يكون تاماً وغير تام، ونصوصية أحدهما لا تُعلم إلا بالوحي، فقوله:(يَعْصِرُونَ) يدل على خصب تام لا مزيد عليه، كأنه قيل: ينتهي الخصب حتى يتجاوز من المأكول إلى المشروب والادخار فيه.
وتكرير "فيه" تتميم لقوله: (يَعْصِرُونَ)، وفي تخصيص اسم "الناس" دون أن يقال:"تغاثون"، كما قيل:(تَزْرَعُونَ)، تعميم لأثر الخصب في سائر الأماكن، وفي إيثار (يُغَاثُ) دون "يمطر" تتميم للتتميم.
قوله: (لئلا يتسلق الحاسدون)، الأساس:"سلقت اللحم عن العظم: قشرته، وهو يتكلم بالسليقة، وتسلق الحائط. ومن المجاز: سلقه بلسانه، ولسان مسلق، ومنه قوله تعالى: (سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ) [الأحزاب: 19] ".
قوله: (ولئلا يقولوا: ما خلد في السجن)، استعمل الخلود في امتداد الزمان وطول المكث، دون الدوام والأبد، كما هو عليه مذهب أهل السنة.
قوله: ("هي فلانة" اتقاء للتهمة)، الحديث من رواية أنس: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «لقد عجبت من يوسف وكرمه وصبره، والله يغفر له، حين سئل عن البقرات العجاف والسمان، ولو كنت مكانه ما أخبرتهم حتى أشترط أن يخرجوني. ولقد عجبت منه حين أتاه الرسول فقال: ارجع إلى ربك. ولو كنت مكانه ولبثت في السجن ما لبث، لأسرعت الإجابة وبادرتهم الباب ولما ابتغيت العذر،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مع إحدى نسائه، فمر به رجل، فدعاه، وقال: هذه زوجتي، فقال: يا رسول الله، من كنت أظن به فلم أكن أظن بك! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم"، أخرجه مسلم.
قوله: (والله يغفر له)، قيل: هذا إشارة على ترك العزيمة بالرخصة، وهي تقديم حق الله بتبليغ التوحيد والرسالة على براءة نفسه.
وقلت: قد أسلفنا في سورة "براءة" على أن مثل هذه المقدمة مشعرة بتعظيم المخاطب وتوقيره وتوفر حرمته، وهو كما تقول لمن تعظمه: عفا الله عنك ما صنعت في أمري؟ ورضي الله عنك ما جوابك عن كلامي؟
قوله: (لأسرعت الإجابة)، الحديث: من رواية الإمام أحمد بن حنبل عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لو كنت لأسرعت الإجابة، وما ابتغيت العذر".
وعن البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو كنت ثم جاءني الرسول لأجبت"، قال محيي السنة في "شرح السنة": إنه صلى الله عليه وسلم "وصف يوسف
إن كان لحليماً ذا أناة».
وإنما قال: سل الملك عن حال النسوة ولم يقل سله أن يفتش عن شأنهن، لأنّ السؤال مما يهيج الإنسان ويحركه للبحث عما سئل عنه، فأراد أن يورد عليه السؤال ليجدّ في التفتيش عن حقيقة القصة وفصّ الحديث، حتى يتبين له براءته بياناً مكشوفاً يتميز فيه الحق من الباطل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بالأناة والصبر حيث لم يبادر إلى الخروج حين جاء رسول الملك؛ فعل لامذنب حين يعفى عنه مع طول لبثه في السجن، بل قال:(ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ)، أراد أن يقيم الحجة في حبسهم إياه ظلماً، فقال صلى الله عليه وسلم على سبيل التواضع، لا أنه صلى الله عليه وسلم كان في الأمر منه مبادرة وعجلة لو كان مكان يوسف، والتواضع لا يصغر كبيراً، ولا يضع رفيعاً، ولا يبطل لذي حق حقاً، ولكنه يوجب لصاحبه فضلاً، ويكسبه جلالاً وقدراً".
قوله: (إن كان لحليماً)، "إن" هي المخففة من الثقيلة، الأناة: الوقار، وقيل: هو اسم من التأني في الأمور.
قوله: (لأن السؤال مما يهيج الإنسان)، أي: يحرك منه، يعني: قوله: (فَاسْأَلْهُ) يحتمل أن يكون بمعنى المسألة، أي: سلة عن حقيقة شأنهن، وأن يكون بمعنى الطلب، وهو أن يفتش عن شأنهن، فحين قيده بلفظة (مَا) التي يسأل بها عن حقيقة الشيء ظاهراً هيجه للتفتيش عن حالهن، لأن الإنسان حريص على تحصيل تحقيق الشيء، ويستنكف أن ينسب إلى الجهل به، بخلاف ما لو قال: سله أن يفتش، أي: اطلب منه، فإنه لا يبالي بهذا الطلب، ولا يلتفت إليه، سيما عن أمثال الملوك.
قوله: (وفص الحديث)، الأساس:"فلان حزاز الفصوص: إذا كان مصيباً في رأيه وجوابه، وأتيتك من فصه؛ أي: من محزه وأصله، ومنه فصوص الأخبار".
وقرئ "النُّسْوَةِ" بضم النون.
ومن كرمه وحسن أدبه: أنه لم يذكر سيدته مع ما صنعت به وتسببت فيه من السجن والعذاب، واقتصر على ذكر المقطعات أيديهنّ.
(إِنَّ رَبِّي) إنّ الله تعالى (بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ) أراد أنه كيدٌ عظيمٌ لا يعلمه إلا الله لبعد غوره. أو استشهد بعلم الله على أنهنّ كدنه، وأنه بريء مما قرف به. أو أراد الوعيد لهنّ، أي: هو عليم بكيدهنّ فمجازيهنّ عليه.
(ما خَطْبُكُنَّ) ما شأنكنّ (إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ) هل وجدتنّ منه ميلا إليكنّ؟ (قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ) تعجباً من عفته وذهابه بنفسه عن شيء من الريبة ومن نزاهته عنها (قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ) أي: ثبت واستقرّ.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أو استشهد بعلم الله على أنهن كدنه)، كأنه قال:"فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن، وأردن كيدي، والله شاهدي على ذلك"، وشهادة الله تلك الأمارات الدالة على براءته، والوجه الثالث بعيد وبعيد من كرم يوسف عليه السلام، والوجه هو الأول، ولهذا أتى بالموصولة، وأوقع صلتها قطع الأيدي؛ ليصور تلك الحالات واللاتي جلسن متكئات دهشات، وأردن الكيد بهن، ويستحضر صورتها في ذهن السامع، ويتعجب منها، فيكون وسيلة إلى الاستعلام.
قوله: (هل وجدتن منه ميلاً إليكن)، فإن قلت: كيف دل قوله: (مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ) على هذا؟ قلت: من حيث إنه مطلق، ومقام الباعث للسؤال من قوله:(فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ) يستدعيه، ألا ترى كيف كان الجواب قولهم:(حَاشَ لِلهِ)؟
قوله: ((حَصْحَصَ الْحَقُّ) أي: ثبت واستقر)، الراغب: "حصحص الحق: وضح، وذلك
وقرئ "حَصْحَصَ" على البناء للمفعول، وهو من حصحص البعير إذا ألقى ثفناته للإناخة، قال:
فَحَصْحَصَ فِى صُمِّ الصَّفَا ثَفَنَاتِهِ
…
وَنَاءَ بِسَلْمَى نَوْءَةً ثُمَّ صَمَّمَا
ولا مزيد على شهادتهنّ له بالبراءة والنزاهة،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بانكشاف ما يغمره، وحص وحصحص: نحو: كف وكفكف، وكب وكبكب. وحصه: قطع منه، إما بالمباشرة أو بالحكم، فمن الأول قول الشاعر:
قد حصت البيضة رأسي
ومنه قيل: رجل أحص؛ انقطع بعض شعره. والحصة: القطعة من الجملة، واستعملت استعمال النصيب.
قوله: (فحصحص في صم الصفا)، البيت: المستتر في "فحصحص" للبعير. "ثفناته": مباركه؛ جمع الثفنة، وهي ما ولي الأرض من كل ذي أربع إذا برك؛ مثل الركبتين والكلكل. وناء [به] الحمل: إذا أثقله. والتصميم: المضي في الأمر، يعني: ركبت عليه
واعترافهنّ على أنفسهنّ بأنه لم يتعلق بشيء مما قرفنه به، لأنهنّ خصومه. وإذا اعترف الخصم بأنّ صاحبه على الحق وهو على الباطل، لم يبق لأحد مقال.
وقالت المجبرة والحشوية: نحن قد بقي لنا مقال، ولا بدّ لنا من أن ندق في فروة من ثبتت نزاهته.
[(ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ)].
(ذلِكَ لِيَعْلَمَ) من كلام يوسف، أي: ذلك التثبت والتشمر لظهور البراءة ليعلم العزيز (أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ) بظهر الغيب في حرمته. ومحل (بِالْغَيْبِ) الحال من الفاعل أو المفعول، على معنى: وأنا غائب عنه خفي عن عينه أو وهو غائب عني خفي عن عيني.
ويجوز أن يكون ظرفاً، أي: بمكان الغيب، وهو الخفاء والاستتار وراء الأبواب السبعة المغلقة وَليعلم أَنَّ (اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ) لا ينفذه ولا يسدّده،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سُلمى ونهض بها وسار، يقول: هذا البعير ألقى ثفناته، ثم قام بسلمى وقصد السفر، ومضى في السفر.
قوله: (ذلك التثبت)، التعريف في "التثبت" للعهد، وهو قول يوسف عليه السلام للرسول:(ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ) إلى آخره، أي: تلك الجسارة لأجل أن يعلم أني لم أخنه.
قوله: (في حرمته)، أي: في امرأته، قال:
تهوى حياتي وأهوى موتها شغفاً
…
والموت أكرم نزال على الحرم
وكأنه تعريضٌ بامرأته في خيانتها أمانة زوجها، وبه في خيانته أمانة الله حين ساعدها بعد ظهور الآيات على حبسه. ويجوز أن يكون تأكيداً لأمانته، وأنه لو كان خائناً لما هدى الله كيده ولا سدّده.
[(وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ)].
ثم أراد أن يتواضع لله ويهضم نفسه، لئلا يكون لها مزكيا وبحالها في الأمانة معجباً ومفتخراً، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أنا سيد ولد آدم ولا فخر» ،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وكأنه تعريض بامرأته)، الراغب:"خص الخائنين تنبيهاً على أنه قد يهدي كيد من لم يقصد بكيده خيانة، ككيد يوسف بأخيه".
قوله: (ويوز أن يكون تأكيداً لأمانته)، أي: اعتراضاً وتذييلاً، فيجب إثبات الكيد ليوسف عليه السلام لتظهر به أمانته، وتندفع عنه الخيانة التي نسبت إليه، وهو ما ذكره في قوله:"ذلك التثبت والتشمر لظهور البراءة ليعلم العزيز أني لم أخنه بالغيب"، لأن صورته صورة الكيد، يعني: لو كنت خائناً ما برأت ساحتي حتى بتشمري وتثبتي.
قوله: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر)، تمامه:"بيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذ؛ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي، وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر"، أخرجه الترمذي عن أبي سعيد الخدري.
وليبين أنّ ما فيه من الأمانة ليس به وحده، وإنما هو بتوفيق الله ولطفه وعصمته فقال (وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي) من الزلل، وما أشهد لها بالبراءة الكلية ولا أزكيها. ولا يخلو، إمّا أن يريد في هذه الحادثة، لما ذكرنا من الهمّ الذي هو ميل النفس عن طريق الشهوة البشرية لا عن طريق القصد والعزم. وإمّا أن يريد به عموم الأحوال (إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ) أراد الجنس، أي: إنّ هذا الجنس يأمر بالسوء ويحمل عليه بما فيه من الشهوات (إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي) إلا البعض الذي رحمه ربى بالعصمة كالملائكة.
ويجوز أن يكون (ما رَحِمَ) في معنى الزمن، أي: إلا وقت رحمة ربي، يعني: أنها أمّارة بالسوء في كل وقت وأوان، إلا وقت العصمة. ويجوز أن يكون استثناء منقطعاً، أي: ولكن رحمة ربي هي التي تصرف الإساءة، كقوله:(وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ* إِلَّا رَحْمَةً)[يس: 43 - 44].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ولا يخلو: إما أن يريد في هذه الحادثة؛ لما ذكرنا من الهم الذي هو ميل النفس لا العزم، وإما أن يريد عموم الأحوال)، الانتصاف:"عموم الأحوال أبلغ في التنزيه وهضم النفس، وابعد عن تزكيتها".
قوله: ((وَلا هُمْ يُنقَذُونَ* إِلاَّ رَحْمَةً))، أي:"ولا هم ينجون من الموت بالغرق إلا لرحمة منا"، هكذا ذكره، وهو استثناء متصل من أعم عام المفعول له، قال أبو البقاء:"هو مفعول له أو مصدر، وقيل: هو استثناء منقطع".
وقلت: تقديره: ولا هم ينجون من الغرق البتة، ولكن رحمة ربي هي التي تنجيهم.
وقيل معناه: ذلك ليعلم أني لم أخنه لأنّ المعصية خيانة.
وقيل: هو من كلام امرأة العزيز، أي: ذلك الذي قلت ليعلم يوسف أني لم أخنه ولم أكذب عليه في حال الغيبة وجئت بالصحيح والصدق فيما سئلت عنه وما أبرئ نفسي مع ذلك من الخيانة، فإني قد خنته حين قرفته وقلت: ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً إلا أن يُسجن، وأودعته السجن، تريد الاعتذار مما كان منها - إنّ كل نفس (لأمّارة بالسوء إلا ما رحم ربي) إلا نفساً رحمها الله بالعصمة كنفس يوسف (إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ) استغفرت ربها واسترحمته مما ارتكبت.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقيل: معناه: ذلك ليعلم الله)، معطوف على قوله:"ذلك التثبت والتشمر لظهور البراءة ليعلم العزيز".
فإن قلت: ما معنى قول يوسف: ليعلم الله أني لم أخنه بالغيب؟ قلت: معنى قوله تعالى: (لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ)[البقرة: 143]، وذلك أن الله لم يزل عالماً بأن يوسف لم يخنه، لكن المراد أن يسأل الملك ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن، ليجزي الله بصبري عن معصية الله، لأن معصيته خيانة، بأن يظهر بسؤاله براءة ساحتي، ويكرمني ويرفع منزلتي.
قوله: (وقيل: هو من كلام امرأة العزيز)، معطوف على قوله:" (ذَلِكَ لِيَعْلَمَ) من كلام يوسف"، والأول أوفق لتأليف النظم من غير تقديم ولا تأخير، وذلك أن النسوة لما بر أن ساحته على سبيل التأكيد، حيث جعلن (حَاشَ لِلهِ) تمهيداً وتشبثاً بقوله:(مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ)، فنفين عنه السوء المنكر على سبيل الاستغراق، وكذا امرأة العزيز قدمت الفاعل المعنوي في قولها:(أَنَا رَاوَدتُّهُ) على سبيل الاختصاص، وأتبعته قولها:(وَإِنَّهُ لَمِنْ الصَّادِقِينَ) تقريراً له، أي: هو من زمرة الصادقين، وله مساهمة في الصدق، وأن هذا الوصف كاللقب المشهور له، قال يوسف:(ذَلِكَ) أي: ذلك السؤال والجواب (لِيَعْلَمَ) الملك أني لم أخن العزيز بظهر الغيب في حرمته، ومن ذلك (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي) براءة كلية كما
فإن قلت: كيف صح أن يجعل من كلام يوسف ولا دليل على ذلك؟ قلت: كفى بالمعنى دليلاُ قائداُ إلى أن يجعل من كلامه. ونحوه قوله (قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ* يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ)[الأعراف: 109 - 110]، ثم قال (فَماذا تَامُرُونَ) [الأعراف: 110] وهو من كلام فرعون يخاطبهم ويستشيرهم.
وعن ابن جريج: هذا من تقديم القرآن وتأخيره، ذهب إلى أن (ذلِكَ لِيَعْلَمَ) [يوسف: 52] متصل بقوله: (وقال الملك ائتوني به فلما جاءه الرسول)[يوسف: 50]، ولقد لفقت المبطلة رواياتٍ مصنوعة، فزعموا أن يوسف حين قال:(أني لم أخنه بالغيب)[يوسف: 52]، قال له جبريل: ولا حين هممت بها، وقالت له امرأة العزيز: ولا حين حللت تكة سراويلك يا يوسف، وذلك لتهالكهم على بهت الله ورسله.
[(وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ)].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أشرف إليها على مر، كيف وأني هممت بها لولا أن رأيت برهان ربي، فعلى هذا: قوله: (إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي) إشارة إلى ذلك البرهان، والاستثناء منقطع، وكان ذلك منه عليه السلام تفادياً عن الركون إلى إطراء المدح، وتصديقاً لقوله:(وَإِنَّهُ لَمِنْ الصَّادِقِينَ)، أي: المتوغلين في الصدق.
قوله: (هذا من تقديم القرآن)، أي: ذهب ابن جريج إلى أن قوله تعالى: (ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ) متصل بقوله: (فَاسْأَلْهُ)، كأنه قيل: فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن ليخبرنه ببراءتي، وذلك السؤال لأجل أن يعلم أني لم أخنه بالغيب.
يقال استخلصه واستخصه، إذا جعله خالصاً لنفسه وخاصاً به (فَلَمَّا كَلَّمَهُ) وشاهد منه ما لم يحتسب (قالَ) أيها الصديق (إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ) ذو مكانة ومنزلة (أَمِينٌ) مؤتمن على كل شيء. روي أنّ الرسول جاءه فقال: أجب الملك، فخرج من السجن ودعا لأهله: اللهم أعطف عليهم قلوب الأخيار ولا تعمّ عليهم الأخبار، فهم أعلم الناس بالأخبار في الواقعات. وكتب على باب السجن: هذه منازل البلوى وقبور الأحياء وشماتة الأعداء وتجربة
الأصدقاء، ثم اغتسل وتنظف من درن السجن، ولبس ثيابا جدداً» فلما دخل على الملك قال: اللهمّ إني أسألك بخيرك من خيره، وأعوذ بعزتك وقدرتك من شره، ثم سلم عليه ودعا له بالعبرانية، فقال: ما هذا اللسان؟ قال: لسان آبائي، وكان الملك يتكلم بسبعين لساناً، فكلمه بها فأجابه بجميعها، فتعجب منه وقال: أيها الصدّيق، إني أحب أن أسمع رؤياي منك. فقال: رأيت بقرات فوصف لونهنّ وأحوالهنّ ومكان خروجهنّ، ووصف السنابل وما كان منها على الهيئة التي رآها الملك لا يخرم منها حرفاً، وقال له: من حقك أن تجمع الطعام في الأهراء، فيأتيك الخلق من النواحي يمتارون منك، ويجتمع لك من الكنوز ما لم يجتمع لأحدٍ قبلك.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ولا تعم عليهم الأخبار)، الجوهري:"عميت معنى البيت تعمية، ومنه المعمى"، فقوله:"اعطف عليهم قلوب الأخيار" كناية عن طلب خلاصهم، وقوله:"ولا تُعم عليهم" كناية عن طلب ما به يحصل تسليهم في ذلك المكان من الاعتبار بالواقعات.
قوله: (في الأهراء)، واحدها: هري، وهو الأنبار، ولم أجده إلا في الحاشية.
[(قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ)].
(اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ) ولِّني خزائن أرضك (إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ) أمين أحفظ ما تستحفظنيه، عالمٌ بوجوه التصرف، وصفاً لنفسه بالأمانة والكفاية اللتين هما طلبة الملوك ممن يولونه، وإنما قال ذلك ليتوصل إلى إمضاء أحكام الله تعالى وإقامة الحق وبسط العدل، والتمكن مما لأجله تبعث الأنبياء إلى العباد، ولعلمه أنّ أحدا غيره لا يقوم مقامه في ذلك، فطلب التولية ابتغاء وجه الله لا لحب الملك والدنيا. وعن النبي صلى الله عليه وسلم:"رحم الله أخي يوسف، لو لم يقل اجعلني على خزائن الأرض، لاستعمله من ساعته، ولكنه أخر ذلك سنة".
فإن قلت: كيف جاز أن يتولى عملاً من يد كافر ويكون تبعاً له وتحت أمره وطاعته؟ قلت: روى مجاهد أنه كان قد أسلم: وعن قتادة. هو دليل على أنه يجوز أن يتولى الإنسان عملاً من يد سلطان جائر، وقد كان السلف يتولون القضاء من جهة البغاة ويرونه. وإذا علم النبي أو العالم أنه لا سبيل إلى الحكم بأمر الله ودفع الظلم إلا بتمكين الملك الكافر أو الفاسق. فله أن يستظهر به. وقيل: كان الملك يصدر عن رأيه ولا يعترض عليه في كل ما رأى، فكان في حكم التابع له والمطيع.
[(وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ)].
(وَكَذلِكَ) ومثل ذلك التمكين الظاهر (مَكَّنَّا لِيُوسُفَ) في أرض مصر. روي أنها كانت أربعين فرسخاً في أربعين (يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ) قرئ بالنون والياء؛
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ويرونه)، أي: يعتقدونه من الرأي، وهو الاعتقاد.
قوله: ((حَيْثُ يَشَاءُ) قرئ بالنون والياء)، بالنون: ابن كثير، والباقون: بالياء.
أي: كل مكانٍ أراد أن يتخذه منزلا ومتبوّأ له، لم يمنع منه لاستيلائه على جميعها ودخوله تحت ملكته وسلطانه. روي أنّ الملك توّجه، وختمه بخاتمه، ورداه بسيفه. ووضع له سريراً من ذهب مكللاً بالدرّ والياقوت. وروي أنه قال له: أمّا السرير فأشدّ به ملكك. وأمّا الخاتم فأدبر به أمرك، وأمّا التاج فليس من لباسي ولا لباس آبائي. فقال: قد وضعته إجلالاً لك وإقراراً بفضلك. فجلس على السرير ودانت له الملوك، وفوّض الملك إليه أمره وعزل قطفير، ثم مات بعده، فزوّجه الملك امرأته زليخاً، فلما دخل عليها قال: أليس هذا خيراً مما طلبت؟ فوجدها عذراء، فولدت له ولدين: إفراثيم وميشا، وأقام العدل بمصر،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ورداه بسيفه)، أي: وشحه، الأساس:"لبست المرأة رداءها؛ أي: وشاحها. وتردت وارتدت: توشحت". وأنشد:
ينازعني ردائي عبد عمرو
…
رويدك يا أخا عمرو بن بكر
لي الشطر الذي ملكت يميني
…
ودونك فاعتجر عنه بشطر
قوله: (أما السرير فأشد به ملكك)، أي: أضبطه وأسخره لك، ولما كان السرير يرادف الملك ويلازمه- حتى قيل: استوى فلان على السرير، واريد: سخر له الملك، ودان له الناس، وإن لم يقعد على السرير- قال ذلك، فهو كناية عن ذلك لا تنافي حقيقة الجلوس على السرير مع ضبط الملك، ولذلك عقبه بقوله:"فجلس على السرير، ودانت له الملوك".
قوله: (وأما التاج فليس من لباسي ولا لباس آبائي)، يخالفه قوله بعد هذا:"في عنقه طوق، وعلى رأسه تاج"، إلا أن يحمل قوله:"وضعته إجلالاً لك" على أنه من كلام يوسف لا الملك، أي: وضعته على رأسي إجلالاً لأمرك.
وأحبته الرجال والنساء، وأسلم على يديه الملك وكثير من الناس، وباع من أهل مصر في سني القحط الطعام بالدنانير والدراهم في السنة الأولى حتى لم يبق معهم شيءٌ منها، ثم بالحلي والجواهر، ثم بالدواب، ثم بالضياع والعقار، ثم برقابهم حتى استرقهم جميعاً، فقالوا: والله ما رأينا كاليوم ملكاً أجلّ ولا أعظم منه! فقال للملك: كيف رأيت صنع الله بي فيما خوّلني فما ترى؟ قال: الرأي رأيك. قال: فإني أشهد الله وأشهدك أني أعتقت أهل مصر عن آخرهم. ورددت عليهم أملاكهم، وكان لا يبيع من أحد من الممتارين أكثر من حمل بعير، تقسيطاً بين الناس. وأصاب أرض كنعان وبلاد الشام نحو ما أصاب أرض مصر، فأرسل يعقوب بنيه ليمتاروا واحتبس بنيامين.
(بِرَحْمَتِنا) بعطائنا في الدنيا من الملك والغنى وغيرهما من النعم (مَنْ نَشاءُ) من اقتضت الحكمة أن نشاء له ذلك (وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) أن نأجرهم في الدنيا.
[(وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ)].
(وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ) لهم. قال سفيان بن عيينة: المؤمن يثاب على حسناته في الدنيا والآخرة، والفاجر يعجل له الخير في الدنيا، وما له في الاخرة من خلاق، وتلا هذه الآية.
[(وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ)].
لم يعرفوه لطول العهد ومفارقته إياهم في سنّ الحداثة، ولاعتقادهم أنه قد هلك، ولذهابه عن أوهامهم لقلة فكرهم فيه واهتمامهم بشأنه، ولبعد حاله التي بلغها من الملك والسلطان عن حاله التي فارقوه عليها طريحاً في البئر، .....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لم يعرفوه لطول العهد)، تفسير لقوله:(وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ)، فدل هذا وقوله بعيد هذا:"أخبروني من أنتم؟ وما شأنكم؟ فإني أنكركم" على أن الإنكار يضاد العرفان، ولذلك أوقع الله تعالى:(وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ) مقابلاً لقوله: (فَعَرَفَهُمْ).
مشرياً بدراهم معدودة، حتى لو تخيل لهم أنه هو لكذبوا أنفسهم وظنونهم، ولأنّ الملك مما يبدّل الزيّ ويلبس صاحبه من التهيب والاستعظام ما ينكر له المعروف. وقيل: رأوه على زيّ فرعون عليه ثياب الحرير جالساً على سرير في عنقه طوقٌ من ذهب وعلى رأسه تاج، فما خطر ببالهم أنه هو. وقيل: ما رأوه إلا من بعيدٍ بينهم وبينه مسافة وحجاب، وما وقفوا إلا حيث يقف طلاب الحوائج، وإنما عرفهم لأنه فارقهم وهم رجال ورأى زيهم قريباً من زيهم إذ ذاك، ولأنّ همته كانت معقودةً بهم وبمعرفتهم، فكان يتأمّل ويتفطن. وعن الحسن: ما عرفهم حتى تعرّفوا له.
[(وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ قالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ* فَإِنْ لَمْ تَاتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ)].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ.
قال الراغب: "المعرفة والعرفان: إدراك الشيء بتفكر لأثره، فهو أخص من العلم، يقال: فلان يعرف الله، ولا يقال: يعلم الله، متعدياً إلى مفعول واحد، لما كان معرفة البشر لله تعالى بتدبر آثاره دون إدراك ذاته. ويقال: الله يعلم كذا، ولا يقال: يعرف، لأن المعرفة تستعمل في العلم القاصر المتوصل إليه بتفكر، وأصله من: عرفت، أي: أصبت عرفه؛ أي: رائحته، ويضاد المعرفة الإنكار، كالعلم للجهل، قال تعالى: (يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا) [النحل: 83]، والعارف في تعارف القوم: هو المختص بمعرفة الله، ومعرفة ملكوته، وحسن معاملته".
قوله: (على زي فرعون)، وفرعون إنما ملك بعد يوسف في عهد موسى عليه السلام، يقال لملوك مصر: الفراعنة، واليمن: التتابعة، والروم: القياصرة، والفرس: الأكاسرة.
(وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ) أي: أصلحهم بعدّتهم وهي عدّة السفر من الزاد وما يحتاج إليه المسافرون وأوقر ركائبهم بما جاءوا من الميرة.
وقرئ "بِجِهازِهِمْ" بكسر الجيم قالَ (ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ) لا بد من مقدمةٍ سبقت له معهم، حتى اجتر القول هذه المسألة.
روي أنه لما رآهم وكلموه بالعبرانية قال لهم: أخبروني من أنتم وما شأنكم فإني أنكركم؟ . قالوا: نحن قومٌ من أهل الشام رعاة، أصابنا الجهد فجئنا نمتار، فقال: لعلكم جئتم عيوناً تنظرون عورة بلادي؟ قالوا: معاذ الله، نحن إخوة بنو أبٍ واحد، وهو شيخ صدّيق نبي من الأنبياء، اسمه يعقوب. قال: كم أنتم؟ قالوا كنا اثنى عشر، فهلك منا واحد. قال: فكم أنتم هاهنا؟ قالوا: عشرة. قال: فأين الأخ الحادي عشر؟ قالوا: هو عند أبيه يتسلى به من الهالك. قال: فمن يشهد لكم أنكم لستم بعيون، وأنّ الذي تقولون حق؟ قالوا: إنا ببلاد لا يعرفنا فيها أحد فيشهد لنا. قال: فدعوا بعضكم عندي رهينة وائتوني بأخيكم من أبيكم،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((بِجَهَازِهِمْ) أي: أصلحهم بعدتهم)، الراغب:"الجهاز: ما يعد من متاع وغيره، والتجهيز: حمل ذلك وبعثه، وضرب البعير بجهازه: إذا ألقى متاعه في رحله فنفر".
قوله: (من الميرة)، قيل: هو بيان "ما"، بل هو صلة "أوقر"، لأنهم الممتارون، يدل عليه ما ذكر قبيل هذا:"فأرسل يعقوب بنيه ليمتاروا"، والباء في "بما جاؤوا له" بدلية، و"ما جاؤوا له" هو البضاعة التي في قوله:(وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ).
قوله: (عورة بلادي)، العورة: الخلل، أراد الخلل التي تكون في الثغور.
وهو يحمل رسالة من أبيكم حتى أصدقكم، فاقترعوا بينهم فأصابت القرعة شمعون، وكان أحسنهم رأياً في يوسف فخلفوه عنده، وكان قد أحسن إنزالهم وضيافتهم.
(وَلا تَقْرَبُونِ) فيه وجهان: أحدهما: أن يكون داخلاً في حكم الجزاء مجزوماً، عطفاً على محل قوله (فَلا كَيْلَ لَكُمْ) كأنه قيل: فإن لم تأتونى به تحرموا ولا تقربوا، وأن يكون بمعنى النهي.
[(قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ وَإِنَّا لَفاعِلُونَ)].
(سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ) سنخادعه عنه، وسنجتهد ونحتال حتى تنتزعه من يده (وَإِنَّا لَفاعِلُونَ) وإنا لقادرون على ذلك لا نتعايى به. أو وإنا لفاعلون ذلك لا محالة لا نفرط فيه ولا نتوانى.
[(وَقالَ لِفِتْيانِهِ اجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ فِي رِحالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها إِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فأصابت القرعة شمعون، وكان أحسنهم رأياً)، قال بعضهم: فيه نظر، لأنه يخالف ما قال قبل هذا في تفسير قوله:(قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ)[يوسف: 10]: "هو يهوذا، وكان أحسنهم رأياً، وهو الذي قال: (فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ) [يوسف: 80] ".
قوله: (وأن يكون بمعنى النهي)، يعني: يكون داخلاً في حكم الجزاء معطوفاً عليه، لكن جزمه لأجل النهي.
قوله: (لا نتعايا به)، يقال: أعيا عليه الأمر وتعايا: إذا عجز عنه، وعلى هذا: قوله: (وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ) تذييل وتوكيد لفعل المراودة، وأنه يصدر منهم البتة، إطلاقاً لاسم المسبب على السبب، لأن الأفعال مصادرها القدرة، وعلى الثاني: توكيد للوعد، ومن ثم قال:"لا نفرط فيه".
(لِفِتْيتهِ) وقرئ (لفتيانه) وهما جمع فتى، كإخوة وإخوان في أخ، و «فعلة» للقلة. و «فعلان» للكثرة، أي: لغلمانه الكيالين (لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها) لعلهم يعرفون حق ردّها وحق التكرّم بإعطاء البدلين (إِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمْ) وفرغوا ظروفهم (لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) لعل معرفتهم بذلك تدعوهم إلى الرجوع إلينا، وكانت بضاعتهم النعال والأدم. وقيل: تخوّف أن لا يكون عند أبيه من المتاع ما يرجعون به. وقيل: لم ير من الكرم أن يأخذ من أبيه وإخوته ثمناً. وقيل: علم أن ديانتهم تحملهم على ردّ البضاعة لا يستحلون إمساكها فيرجعون لأجلها. وقيل: معنى (لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) لعلهم يردّونها.
[(فَلَمَّا رَجَعُوا إِلى أَبِيهِمْ قالُوا يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ)].
(مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ) يريدون قول يوسف (فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي)، لأنهم إذا أنذروا بمنع الكيل فقد منع الكيل،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقيل: معنى (لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ))، عطف على قوله:"لعل معرفتهم" إلى آخره، فيكون من الرجع، لا من الرجوع.
قوله: (بإعطاء البدلين)، أي: البضاعة والكيل.
قوله: (لأنهم إذا أنذروا بمنع الكيل)، تعليل لتفسير (مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ) بقوله:(فَلا كَيْلَ لَكُمْ)، وذلك أنه عليه السلام منعهم من الاكتيال، وهذه العبارة تفيد أن الممنوع هو الكيل، فيكون كناية عنه.
(نَكْتَلْ) نرفع المانع من الكيل، ونكتل من الطعام ما نحتاج إليه. وقرئ «يكتل» بمعنى يكتل. أخونا، فينضم اكتياله إلى اكتيالنا. أو يكن سبباً للاكتيال فإن امتناعه بسببه.
[(قالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ)].
(هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ) يريد أنكم قلتم في يوسف: (وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ)[يوسف: 12]، كما تقولونه في أخيه، ثم خنتم بضمانكم، فما يؤمنني من مثل ذلك. ثم قال:(فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً) فتوكل على الله فيه ودفعه إليهم. و (حافِظاً) تمييز، كقولك: هو خيرهم رجلاً، ولله درّه فارساً. ويجوز أن يكون حالاً
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (نرفع المانع)، يعني: جواب الأمر هذا، فوضع موضعه (نَكْتَلْ)، لأن يوسف عليه السلام لما علق المنع من الكيل بعدم إتيان أخيهم في قوله:(فَإِنْ لَمْ تَاتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ)، كان إرساله رفعاً لذلك المانع، فوضع موضعه (نَكْتَلْ)، لأنه المقصود، وقوله:"ونكتل من الطعام" شروع في تفسير الاكتيال. قال السجاوندي: سأل المازني ابن السكيت عند الواثق عن وزن (نَكْتَلْ)، فقال:"نفعل"، قال المازني: فإذن ماضيه "كتل"، بل وزنه "نفتل".
قوله: (أو يكن سبباً للاكتيال)، فعلى هذا: إسناد "يكتل" إلى أخي يوسف على المجاز.
قوله: (ثم خستم بضمانكم)، الأساس:"ومن المجاز: خاس العهد وبوعده؛ إذا نكث وأخلف، وخاس بما كان عليه".
وقرئ «حِفظاً» وقرأ الأعمش: "فالله خير حافظٍ". وقرأ أبو هريرة: "خير الحافظين"، (وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) فأرجوا أن ينعم علىّ بحفظه ولا يجمع علىّ مصيبتين.
[(وَلَمَّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قالُوا يا أَبانا ما نَبْغِي هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا وَنَمِيرُ أَهْلَنا وَنَحْفَظُ أَخانا وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ)].
وقرئ: "رُدَّتْ إِلَيْنا" بالكسر، على أن كسرة الدال المدغمة نقلت إلى الراء، كما في: قيل وبيع، وحكى قطرب: ضرب زيدٌ. على نقل كسرة الراء فيمن سكنها إلى الضاد، (ما نَبْغِي) للنفي، أي: ما نبغي في القول، ........
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرئ: "حفظاً")، (حَافِظاً): حفص وحمزة والكسائي، والباقون:"حفظاً". قال أبو البقاء: " (حَافِظاً) بالألف: تمييز، ومثل هذا يجوز إضافته، وقيل: هو حال، و"حفظاً": تمييز لا غير".
قوله: (ولا يجمع علي مصيبتين)، يعني: جيء بقوله: (وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) تذييلاً لقوله: (فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا) للاستعطاف والترحم، ومن ثم اعتبر في معناه الحفظ، وقال:"فأرجو أن ينعم علي بحفظه".
قوله: ("ردت إلينا" بالكسر)، قال ابن جني:"هي قراءة علقمة ويحيى".
وما نتزيد فيما وصفنا لك من إحسان الملك وإكرامه، وكانوا قالوا له: إنا قدمنا على خير رجل، أنزلنا وأكرمنا كرامة لو كان رجلاً من آل يعقوب ما أكرمنا كرامته. أو ما نبتغي شيئاً وراء ما فعل بنا من الإحسان. أو: على الاستفهام، بمعنى: أي شيءٍ نطلب وراء هذا؟ وفي قراءة ابن مسعود: "ما تبغي" بالتاء، على مخاطبة يعقوب، معناه: أي شيءٍ تطلب وراء هذا من الإحسان؟ أو من الشاهد على صدقنا؟ وقيل: معناه ما نريد منك بضاعة أخرى.
وقوله: (هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا) جملة مستأنفة موضحة لقوله (ما نَبْغِي) والجمل بعدها معطوفة عليها، على معنى: إن بضاعتنا ردّت إلينا، فنستظهر بها (وَنَمِيرُ أَهْلَنا) في رجوعنا إلى الملك (وَنَحْفَظُ أَخانا) فما يصيبه شيء مما تخافه، ونزداد باستصحاب أخينا وسق بعير زائداً على أو ساق أباعرنا، فأي: شيء نبتغى وراء هذه المباغى التي نستصلح بها أحوالنا ونوسع ذات أيدينا: وإنما قالوا (وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ) لما ذكرنا أنه كان لا يزيد للرجل على حمل بعير للتقسيط.
فإن قلت: هذا إذا فسرت البغي بالطلب، فأما إذا فسرته بالكذب والتزيد في القول، كانت الجملة الأولى .......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وما نتزيد)، قال أبو علي: تزيد في الحديث: تكذب فيه، المعنى: زاد فيه ما لم يكن منه.
قوله: (أو ما نبتغي شيئاً ولا ما فعل بنا)، يعني: بالغ في الإكرام بحيث لا مزيد عليه فلا يطلب شيئاً آخر.
قوله: (وسق بعير)، قال الخليل: الوسق: حمل البعير، والوقر: حمل البغل والحمار.
وهي قوله (هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا) بياناً لصدقهم وانتفاء التزيد عن قيلهم، فما تصنع بالجمل البواقي؟ قلت: أعطفها على قوله: (ما نَبْغِي) على معنى: لا نبغي فيما نقول (وَنَمِيرُ أَهْلَنا) ونفعل كيت وكيت.
ويجوز أن يكون كلاماً مبتدأ، كقولك: وينبغي أن نمير أهلنا،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ويجوز أن يكون كلاماً مبتدأ)، أي: قوله: (وَنَمِيرُ). قال صاحب "الفرائد": لا تصلح الواو في الابتداء، ولا أن تكون للعطف أو للحال، وفي هذا المقام هو للعطف، والتقدير: ما نكذب، هذه بضاعتنا ردت إلينا، وكان الرد دليلاً على صدقنا فيما قلنا؛ من أنه أكرمنا كما وصفنا، نمشي بها، ونمير أهلنا، وكذا القول في الوجه الثالث والرابع.
وقلت: نحو هذا- أي: المعطوف عليه- قدره المصنف في غير هذا الوجه، وهو ما ضبط معناه بقوله:"كلاماً مبتدأ"، فإنه أراد الاعتراض والتذييل، كقولك: فلان ينطق بالحق، والحق أبلج، ألا ترى إلى قوله:"وينبغي لي أن لا أقصر" مقابلاً لقوله: "وينبغي أن نمير"، وعليه قوله تعالى:(سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ) كما سبق، ومن ثم قال:"وإنا لفاعلون ذلك لا محالة"، ألا ترى أنه كيف عقب بقوله:"واجتهدت في تحصيل غرضه" قوله: "سعيت في حاجة فلان"، ثم عقبهما مؤكداً بقوله:"وينبغي لي أن لا أقصر".
وتوجيه السؤال أن قوله: (هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا) بيان لقوله: (مَا نَبْغِي)، بمعنى: لا نكذب، لكن (وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا) لا يصلح أن يكون بياناً له، فلا يجوز العطف على البيان، وأما إذا جعلته جملة مؤكدة على سبيل التذييل والاعتراض استقام، لأن الكلام في الامتياز، وكل من الجمل في معناه.
نعم؛ يصح أن يكون بياناً إذا حمل (مَا نَبْغِي) على معنى المشورة والرأي، كما قال:"وما ننطق إلا بالصواب فيما نشير"، ويراد بقوله:(هَذِهِ بِضَاعَتُنَا) العرض وما يرجعون به إلى طلب الميرة، وإليه الإشارة بقوله:"ونفعل ونصنع؛ بياناً لأنهم لا يبغون في رأيهم".
وما قدره صاحب "الفرائد" أيضاً وجه يصار إليه.
كما تقول: سعيت في حاجة فلان، واجتهدت في تحصيل غرضه. ويجب أن أسعى، وينبغي لي أن لا أقصر.
ويجوز أن يراد: ما نبغي وما ننطق إلا بالصواب فيما نشير به عليك من تجهيزنا مع أخينا، ثم قالوا:(هذه بضاعتنا) نستظهر بها (ونمير أهلنا) ونفعل ونصنع، بياناً لأنهم لا يبغون في رأيهم وأنهم مصيبون فيه، وهو وجه حسن واضح.
(ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ) أي: ذلك مكيل قليل لا يكفينا، يعنون: ما يكال لهم، فأرادوا أن يزدادوا إليه ما يكال لأخيهم. أو يكون ذلك إشارة إلى (كيل بعير)، أي: ذلك الكيل شيء قليل يجيبنا إليه الملك ولا يضايقنا فيه، أو سهل عليه متيسر لا يتعاظمه. ويجوز أن يكون من كلام يعقوب، وأن حمل بعير واحد شيء يسير لا يخاطر لمثله بالولد، كقوله (ذلِكَ لِيَعْلَمَ) [يوسف: 52].
[(قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ لَتَاتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَنْ يُحاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قالَ اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ)].
(لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ) مناف حالي- وقد رأيت منكم ما رأيت-: إرساله معكم، (حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ) حتى تعطوني ما أتوثق به من عند الله،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (كقوله: (ذَلِكَ لِيَعْلَمَ))، يعني: كما أن قوله: (ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ) يحتمل أن يكون من كلام يوسف، وأن يكون من كلام زليخا، كذلك قوله:(ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ) احتمل أن يكون من كلام الأخوة، وأن يكون من كلام أبيهم.
قوله: (إرساله معكم)، متعلق بقوله:"مناف لحالي"، وقوله:"وقد رأيت منكم ما رأيت" إما حال أو جملة معترضة، قال في "الانتصاف": "لما اعتمد في نفي الرؤية على أن
أراد أن يحلفوا له بالله: وإنما جعل الحلف بالله موثقاً منه؛ لأن الحلف به مما تؤكد به العهود وتشدّد. وقد أذن الله في ذلك فهو إذن منه (لَتَاتُنَّنِي بِهِ) جواب اليمين، لأن المعنى: حتى تحلفوا لتأتننى به (إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ) إلا أن تغلبوا فلم تطيقوا الإتيان به. أو إلا أن تهلكوا.
فإن قلت: أخبرنى عن حقيقة هذا الاستثناء ففيه إشكال؟ قلت: (أَنْ يُحاطَ بِكُمْ) مفعول له، والكلام المثبت الذي هو قوله (لَتَاتُنَّنِي بِهِ) في تأويل النفي. معناه: لا تمتنعون من الإتيان به إلا للإحاطة بكم، أى: لا تمتنعون منه لعلةٍ من العلل إلا لعلةٍ واحدة، وهي أن يحاط بكم، فهو استثناء من أعم العام في المفعول له، والاستثناء من أعم العام لا يكون إلا في النفي وحده، فلا بد من تأويله بالنفي. ونظيره من الإثبات المتأوّل بمعنى النفي قولهم: أقسمت بالله لما فعلت وإلا فعلت،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"لن" تأكيد للنفي، فإذا قلت: لن أفعل، فالمعنى: لن أفعله، وأن فعله ينافي حالي، قال: مناف لحالي".
قوله: (وقد أذن الله في ذلك، فهو إذن منه)، تفسير لموقع (مِنَ اللهِ) في قوله تعالى:(مَوْثِقاً مِنْ اللَّهِ).
قوله: (أقسمت بالله لما فعلت)، روي عن المصنف أنه قال:"أقسمت" هو إثبات في الظاهر، وليس به، لأنه في معنى النفي، وقسم وليس بقسم، لأنه في معنى الاستدعاء والطلب، وظاهر "لما" الوقت، وليس بوقت، لأنه في معنى الاستثناء، وما بعده فعل،
تريد: ما أطلب منك إلا الفعل (عَلى ما نَقُولُ) من طلب الموثق وإعطائه (وَكِيلٌ) رقيب مطلع.
[(وَقالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ* وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ)].
وإنما نهاهم أن يدخلوا من باب واحد، لأنهم كانوا ذوى بهاء وشارةٍ حسنة، اشتهرهم أهل مصر بالقربة عند الملك والتكرمة الخاصة التي لم تكن لغيرهم،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وليس بفعل، لأنه في معنى الاسم، فالكلام كله- إذن- ليس على ظاهره، بل مؤول، ولذلك أعضل على سيبويه حتى قال: سألت الخليل عن قول العرب: "أقسمت بالله لما فعلت".
قال في "الانتصاف": "إنما اختص قوله: (لَتَاتُونَنِي بِهِ) في النفي، لأن المستثنى منه مسكوت عنه، والنفي عام؛ إذ يلزم من نفي الإتيان نفي عوارضه، فكأنها مكررة، بخلاف الإثبات، فإنه لا إشعار له بعموم الأحوال، فلا توقف له إلا على أحدها، ولقد صدق القائل: "البلاء موكل بالمنطق"، قال: (وَأَخَافُ أَنْ يَاكُلَهُ الذِّئْبُ) [يوسف: 13]، فقالوا: أكله الذئب، وقال: (إِلاَّ أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ)، فأحيط بهم".
وقال أبو البقاء والقاضي: "التقدير: لتأتنني به على كل حال إلا حال الإحاطة بكم".
قوله: (وشارة حسنة)، الجوهري:"الشارة: اللباس والهيئة".
فكانوا مظنة لطموح الأبصار إليهم من بين الوفود، وأن يشار إليهم بالأصابع. ويقال هؤلاء أضياف الملك، انظروا إليهم ما أحسنهم من فتيان، وما أحقهم بالإكرام، لأمر مّا أكرمهم الملك وقرّبهم وفضلهم على الوافدين عليه، فخاف لذلك أن يدخلوا كوكبة واحدة، فيعانوا لجمالهم وجلالة أمرهم في الصدور، فيصيبهم ما يسوؤهم، ولذلك لم يوصهم بالتفرق في الكرّة الأولى، لأنهم كانوا مجهولين مغمورين بين الناس.
فإن قلت: هل للإصابة بالعين وجه تصحّ عليه؟ قلت: يجوز أن يحدث الله عز وجل عند النظر إلى الشيء والإعجاب به، نقصاناً فيه وخللا من بعض الوجوه، ويكون ذلك ابتلاء من الله وامتحاناً لعباده، ليتميز المحققون من أهل الحشو فيقول المحقق: هذا فعل الله، ويقول الحشوي: هو أثر العين، كما قال تعالى:(وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا) الآية [المدثر: 31]. وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «أنه كان يعوّذ الحسن والحسين فيقول: أعيذ كما بكلمات الله التامّة، من كل عين لامّة، ومن كل شيطان وهامّة» .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فيعانوا لجمالهم)، الجوهري: "عنت الرجل: أصبته بعيني، فأنا عائن، وهو معين؛ على النقص، ومعيون؛ على التمام، وقال الشاعر في التمام:
قد كان قومك يحسبونك سيداً
…
وإخال أنك سيد معيون"
قوله: (كان يعوذ الحسن والحسين)، روينا عن البخاري والترمذي وأبي داود عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعوذ الحسن والحسين، ويقول: إن أباكما كان يعوذ بهما إسماعيل وإسحاق، أعوذ بكلمات الله التامة؛ من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة".
(وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ) يعني إن أراد الله بكم سوءاً لم ينفعكم، ولم يدفع عنكم ما أشرت به عليكم من التفرق، وهو مصيبكم لا محالة إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ.
ثم قال (وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ) أي: متفرقين (ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ) رأي يعقوب ودخولهم متفرّقين شيئاً قط،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"الجامع": "الهامة: واحدة الهوام، وهي الحيات وكل ذي سم يقتل، فأما ما لا يقتل ويسم فهو السوام، وواحدها: سامة، كالعقرب والزنبور، وقد تقع "الهوام" على كل ما يدب من الحيوان. واللامة: ذات اللمم، ولم يقل: ملمة، وإن كانت من: ألمت تلم؛ طلباً للازدواج بـ (هامة) "، ويجوز أن تكون على ظاهرها؛ بمعنى: جامعة للشر على المعيون؛ من: لمه يلمه؛ إذا جمعه.
قوله: (ثم قال: (وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ))، عطف على مقدر، و"ثم" للتراخي في الأخبار. المعنى: أن الله تعالى حكى عن يعقوب عليه السلام أنه قال أولاً: (يَا بَنِي لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ) صيانة لهم عن عين الكمال، وقال لهم ثانياً:(وَمَا أُغْنِي عَنكُمْ مِنْ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ) صيانة للكلام عن شوب الاعتزال، ثم حقق ذلك المعنى بقوله:(وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ).
وقال أبو البقاء: "في جواب "لما" وجهان:
أحدهما: هو (آوَى)، وهو جواب "لما" الأولى والثانية، كقولك:"لما جئتك ولما كلمتك أجبتني"، وحسن ذلك أن دخولهم على يوسف يعقب دخولهم من الأبواب.
حيث أصابهم ما ساءهم مع تفرّقهم، من إضافة السرقة إليهم وافتضاحهم بذلك، وأخذ أخيهم بوجدان الصواع في رحله، وتضاعف المصيبة على أبيهم (إِلَّا حاجَةً) استثناء منقطع، على معنى: ولكن حاجة (فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها) وهي شفقته عليهم وإظهارها بما قاله لهم ووصاهم به،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الثاني: محذوف، أي: امتثلوا وقضوا حاجة أبيهم".
ويجوز أن يكون الجواب معنى (مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ)، وعلى هذا كلام المصنف، وتلخيصه: فلما دخلوا متفرقين ليسلموا عما حذروا منه، ما أغنى عنهم ذلك شيئاً، حيث أصابهم ما أصابهم.
قوله: ((إِلاَّ حَاجَةً) استثناء منقطع)، ويمكن أن يكون متصلاً من باب "لا عيب فيهم غير أن سيوفهم"، المعنى: ما أغنى عنهم ما وصاهم به أبوهم شيئاً إلا شفقته، ومن الضرورة أن شفقة الأب مع قدرة الله كالهباء، فإذن ما أغنى عنهم شيئاً قط.
وفي تصريح اسم يعقوب إشعار بالتعطف والشفقة والترحم، لأنه اشتهر بالحزن والرقة.
الراغب: "الحاجة إلى الشيء: الفقر إليه مع محبة، وجمعه: حاج وحاجات وحوائج، ويقال: جاج كوج".
(وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ) يعني قوله (وَما أُغْنِي عَنْكُمْ) وعلمه بأن القدر لا يغنى عنه الحذر.
[(وَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَخاهُ قالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ)].
(آوى إِلَيْهِ أَخاهُ) ضم إليه بنيامين. وروي أنهم قالوا له: هذا أخونا قد جئناك به، فقال لهم: أحسنتم وأصبتم، وستجدون ذلك عندي، فأنزلهم وأكرمهم، ثم أضافهم وأجلس كل اثنين منهم على مائدة. فبقى بنيامين وحده فبكى وقال: لو كان أخي يوسف حياً لأجلسنى معه، فقال يوسف: بقي أخوكم وحيداً، فأجلسه مع على مائدته وجعل يؤاكله، قال: أنتم عشرة فلينزل كل اثنين منكم بيتاً، وهذا لا ثاني له فيكون معي، فبات يوسف يضمه إليه ويشم رائحته حتى أصبح،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وعلمه بأن القدر)، نصب؛ عطف على قوله:"قوله: (وَمَا أُغْنِي) " على سبيل البيان، وصفه الله تعالى بالعلم الفائق لمطابقة قوله معتقده، وذلك بإسناد التعليم إلى الله، وبتعظيم ضمير الجماعة، وأن لم يقل:"عالم"، وقيل:(لَذُو عِلْمٍ) على الكناية، ونكر (عِلْمٍ)، ونفي عن أكثر الناس.
وفيه إشارة إلى تعظيم القول بالقضاء والقدر، ونفي الحول والقوة عن الخلق بالكلية، وأنه علم جليل دقيق يختص بالعظماء من الأنبياء والمرسلين، وأن أكثر عقول البشر قاصرة عن إدراكه، جاهلة عن إمعان حقيقته، إلا من وفقه الله تعالى، واختصه به.
قوله: ((آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ) ضم إليه بنيامين)، الراغب: "أوى إليه يأوي أوياً ومأوى، وآواه غيره إيواء. تقول: أوى إليه كذا: انضم إليه، يأوي أوياً ومأوى، قال
وسأله عن ولده فقال: لي عشرة بنين اشتققت أسماءهم من اسم أخ لي هلك، فقال له: أتحب أن أكون أخاك بدل أخيك الهالك؟ قال: من يجد أخاً مثلك، ولكن لم يلدك يعقوب ولا راحيل، فبكى يوسف وقام إليه وعانقه وقال له (إِنِّي أَنَا أَخُوكَ) يوسف (فَلا تَبْتَئِسْ) فلا تحزن (بِما كانُوا يَعْمَلُونَ) بنا فيما مضى، فإن الله قد أحسن إلينا وجمعنا على خير، ولا تعلمهم بما أعلمتك. وعن ابن عباس: تعرّف إليه. وعن وهب: إنما قال له: أنا أخوك بدل أخيك المفقود، فلا تبتئس بما كنت تلقى منهم من الحسد والأذى فقد أمنتهم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تعالى: (إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ)[الكهف: 10]، وقال تعالى:(آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ)[يوسف: 69]، وقال:(وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ)[الأحزاب: 51]. وقوله تعالى: (جَنَّةُ الْمَاوَى)[النجم: 15]: كقوله: (دَارُ الْخُلْدِ)[فصلت: 28] في إضافته إلى المصدر. وأويت له: رحمته، أوياً وأيةً ومأوية، وتحقيقه: رجعت إليه بقلبي".
قوله: ((فَلا تَبْتَئِسْ) فلا تحزن)، الراغب:"البؤس والبأس والبأساء: الشدة والمكروه، إلا أن البؤس في الفقر والحرب أكثر، والبأس والبأساء في النكاية، نحو: (وَاللَّهُ أَشَدُّ بَاساً وَأَشَدُّ تَنكِيلاً) [النساء: 84]، وقد بؤس يبؤس، (فَلا تَبْتَئِسْ) أي: لا تلتزم البؤس ولا تحزن".
قوله: (وعن ابن عباس: تعرف إليه)، يعني: بقوله: (إِنِّي أَنَا أَخُوكَ).
قوله: (إنما قال له: أنا أخوك بدل أخيك المفقود)، تفسير لقوله تعالى:(إِنِّي أَنَا أَخُوكَ).
وروي أنه قال له: أنا لا أفارقك. قال: قد علمت اغتمام والدي بي، فإذا حبستك ازداد غمه، ولا سبيل إلى ذلك إلا أن أنسبك إلى ما لا يجمل. قال: لا أبالي فافعل ما بدا لك. قال: فإني أدس صاعي في رحلك، ثم أنادي عليك بأنك قد سرقته، ليتهيأ لي ردّك بعد تسريحك معهم. قال: افعل.
[(فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ* قالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ماذا تَفْقِدُونَ* قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ)].
(السِّقايَةَ) مشربة يسقى بها وهي الصواع. قيل: كان يسقى بها الملك، ثم جعلت صاعاً يكال وقيل: كانت الدواب تسقى بها ويكال بها. وقيل: كانت إناءً مستطيلاً يشبه المكوك. وقيل: هي المكوك الفارسي الذي يلتقي طرفاه تشرب به الأعاجم. وقيل: كانت من فضة مموّهة بالذهب، وقيل كانت من ذهب. وقيل: كانت مرصعة بالجواهر (ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ) ثم نادى منادٍ. يقال: آذنه أعلمه. وأذن: أكثر الإعلام. ومنه المؤذن، لكثرة ذلك منه.
روي: أنهم ارتحلوا وأمهلهم يوسف حتى انطلقوا، ثم أمر بهم فأدركوا وحبسوا، ثم قيل لهم ذلك.
والعير: الإبل التي عليها الأحمال، لأنها تعير: أي: تذهب وتجيء. وقيل: هي قافلة الحمير، ثم كثر حتى قيل لكل قافلة عير، كأنها جمع عير، وأصلها فعل كسقف وسقف، فعل به ما فعل بـ"بيض" و"غيدٍ"، .........
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فعل به ما فُعل بـ "بيض")، الجوهري:"جمع الأبيض: بيض، وأصله: بيض؛ بضم الباء، وإنما أبدلوا من الضمة كسرة لتصح الياء".
قوله: (و"غيد")، بالغين المعجمة؛ جمع "أغيد"؛ من الغيد بمعنى: النعومة.
والمراد أصحاب العير كقوله: يا خيل الله اركبي.
وقرأ ابن مسعود: وجعل السقاية، على حذف جواب "لما"، كأنه قيل: فلما جهزهم بجهازهم وجعل السقاية في رحل أخيه، أمهلهم حتى انطلقوا، ثم أذن مؤذن. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمى: تفقدون، من أفقدته إذا وجدته فقيداً. وقرئ:"صواع"، و"صاع"، و"صوع". بفتح الصاد وضمها،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (يا خيل الله اركبي)، النهاية:"جاء في الحديث، وهو على حذف المضاف، أي: [يا] فرسان خيل الله اركبي، وهذا من أحسن المجازات وألطفها".
قال الراغب: "الخيل في الأصل: اسم للأفراس والفرسان، وعلى ذلك قوله تعالى: (وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ) [الأنفال: 60]، ويستعمل في كل منهما منفرداً، نحو ما روي: "يا خيل الله اركبي"، فهذا للفرسان، ومنه الحديث: "عفوت لكم عن صدقة الخيل"، يعني: الأفراس".
قوله: (من: أفقدته؛ إذا وجدته فقيداً)، الراغب:"الفقد: عدم الشيء بعد وجوده، فهو أخص من العدم، فإن العدم يقال فيه وفيما لم يوجد بعد، قال الله تعالى: (مَاذَا تَفْقِدُونَ)، والتفقد: التعهد، لكن حقيقة التفقد: تعرف فقدان الشيء، والتعهد: تعرفا لعهد المتقدم".
قوله: (وقرئ: "صواع" و"صاع")، قال ابن جني:"قرأ أبو رجاء: "صوع الملك"؛ بفتح الصاد، وقرأ عبد الله بن عون: بضمها، ويحيى بن يعمر: بفتح الصاد وبالغين المعجمة،
والعين معجمة وغير معجمة.
(وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ) يقوله المؤذن، يريد: وأنا بحمل البعير كفيل، أُؤدّيه إلى من جاء به، وأراد وسق بعير من طعام جعلا لمن حصله.
[(قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَما كُنَّا سارِقِينَ)].
(تَاللَّهِ) قسم فيه معنى التعجب مما أضيف إليهم، وإنما قالوا (لَقَدْ عَلِمْتُمْ) فاستشهدوا بعلمهم؛ لما ثبت عندهم من دلائل دينهم وأمانتهم في كرّتي مجيئهم ومداخلتهم للملك، ولأنهم دخلوا وأفواه رواحلهم مكعومة، لئلا تتناول زرعاً أو طعاماً لأحد من أهل السوق. ولأنهم ردّوا بضاعتهم التي وجدوها في رحالهم. (وَما كُنَّا سارِقِينَ) وما كنا قط نوصف بالسرقة وهي منافية لحالنا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأبو هريرة: "صاع"، والناس:(صُوَاعَ). والصاع والصواع والصوع: واحد، وكلها مكيال، وقيل: الصواع: إناء الملك يشرب منه، وأما الصوغ: فمصدر وضع موضع اسم المفعول، أي: المصوغ".
قوله: (قسم فيه معنى التعجب)، المعنى: ما أعجب حالكم، أنتم تعلمون علماً جلياً لا ريب فيه لما شاهدتم من أحوالنا أننا بريئون مما تصنعون إلينا. ثم تنسبونه إلينا، قال الزجاج:"التاء لا يقسم بها إلا في "الله"، وهي بدل من الواو كما في "وراث": تراث".
قوله: (مكعومة)، الجوهري:"الكعامة: شيء يجعل على فم البعير، يقال: كعمت البعير، أي: شددت فمه في هياجه، فهو مكعوم".
[(قالُوا فَما جَزاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ* قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ)].
(فَما جَزاؤُهُ) الضمير للصواع، أى، فما جزاء سرقته (إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ) في جحودكم وادّعائكم البراءة منه؟
(قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ) أي: جزاء سرقته أخذ من وجد في رحله، وكان حكم السارق في آل يعقوب أن يسترقّ سنة، فلذلك استفتوا في جزائه. وقولهم (فَهُوَ جَزاؤُهُ) تقرير للحكم، أى: فأخذ السارق نفسه وهو جزاؤه لا غير، كقولك: حق زيد أن يكسى ويطعم وينعم عليه، فذلك حقه، أي: فهو حقه لتقرّر ما ذكرته من استحقاقه وتلزمه.
ويجوز أن يكون (جَزاؤُهُ) مبتدأ، والجملة الشرطية كما هي خبره، على إقامة الظاهر فيها مقام المضمر. والأصل: جزاؤه من وجد في رحله فهو هو، فوضع الجزاء موضع هو، كما تقول لصاحبك: من أخو زيد؟ فيقول لك: أخوه من يقعد إلى جنبه، فهو هو، يرجع الضمير الأوّل إلى "من" والثاني إلى "الأخ"، ثم تقول فهو أخوه مقيما للمظهر مقام المضمر.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((فَهُوَ جَزَاؤُهُ) تقرير للحكم)، قال أبو البقاء:" (جَزَاؤُهُ) مبتدأ، و (مَن وُجِدَ) خبره، والتقدير: استعباد من وجد في رحله، و (فَهُوَ جَزَاؤُهُ) مبتدأ وخبر مؤكد لمعنى الأول". ومثله في دخول الفاء بين المؤكد والمؤكد قوله تعالى: (فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) في أحد وجهيه.
قوله: (مقيماً للمظهر مقام المضمر)، قال الزجاج بعدما حكى هذا الوجه:"الإظهار أحسن؛ لئلا يقع اللبس، ولئلا يتوهم أن "هو" إذا عادت ثانية ليست براجعة إلى الجزاء،
ويحتمل أن يكون (جزاؤه) خبر مبتدأٍ محذوف، أي: المسئول عنه جزاؤه، ثم أفتوا بقولهم: من وجد في رحله فهو جزاؤه، كما يقول: من يستفتى في جزاء صيد المحرم، جزاء صيد المحرم،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والعرب إذا فخمت أمر الشيء جعلت العائد إليه إعادة لفظه بعينه".
قوله: (في جزاء صيد المحرم)، يتعلق بقوله:"يستفتى"، وقوله:"جزاء صيد المحرم" حكاية قول المستفتي؛ يحكيه المفتي توطئة لفتواه، ثم يشرع في الفتوى ويقول:(وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً)[المائدة: 95] الآية.
فإن قلت: قوله: "جزاء صيد المحرم" ليس مثل قوله: (جَزَاؤُهُ)، أي: المسئول عنه جزاؤه، لأنه خبر مبتدأ محذوف؟ قلت: إذا حكى المسئول عنه حكاية كلام السائل لابد من تقدير ما يتم به كلامه، فقوله:"جزاء صيد المحرم": تمامه ما أذكره؛ لدلالة قوله: "ثم يقول"، والمراد بالمسئول عنه ما يفهم من قوله:(فَمَا جَزَاؤُهُ)، وهو حكم السارق، لأن المعنى: فما جزاء من سرق؟ أيك سرقة السارق للصاع؟ أي: السارق الذي سألت عن حكمه هو جزاؤه.
ثم يقول: (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ)[المائدة: 95].
[(فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ما كانَ لِيَاخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ)].
(فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ) قيل: قال لهم من وكل بهم: لا بدّ من تفتيش أوعيتكم، فانصرف بهم إلى يوسف، فبدأ بتفتيش أوعيتهم قبل وعاء بنيامين لنفى التهمة حتى بلغ وعاءه فقال: ما أظنّ هذا أخذ شيئاً، فقالوا: والله لا تتركه حتى تنظر في رحله، فإنه أطيب لنفسك وأنفسنا، فاستخرجوه منه.
وقرأ الحسن: وعاء أخيه، بضم الواو، وهي لغة. وقرأ سعيد ابن جبير: إعاء أخيه، بقلب الواو همزة.
فإن قلت: لم ذكر ضمير "الصواع" مرّات ثم أنثه؟ قلت: قالوا رجع بالتأنيث على "السقاية"، أو أنث "الصواع" لأنه يذكر ويؤنث، ولعلّ يوسف كان يسميه سقاية وعبيده صواعا، فقد وقع فيما يتصل به من الكلام سقاية، وفيما يتصل بهم منه صواعاً.
(كَذلِكَ كِدْنا) مثل ذلك الكيد العظيم كدنا (لِيُوسُفَ) يعني: علمناه إياه وأوحينا به إليه (ما كانَ لِيَاخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ) تفسير للكيد وبيان له،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (مثل ذلك الكيد العظيم كدنا)، اعلم أن الكيد هو المكر والخديعة، وهو أن توهم غيرك خلاف ما تخفيه، وهو في حق الله تعالى محمول على التمثيل، فكأن صورة صنع الله تعالى في تعليمه يوسف عليه السلام أن لا يحكم على إخوته حكم الملك بأن يغرم السارق مثلي ما أخذه، بل يجري عليهم الحكم على سنن مذهبهم بأن يستعبد السارق،
لأنه كان في دين ملك مصر، وما كان يحكم به في السارق: أن يغرم مثلي ما أخذ، لا أن يلزم ويستعبد (إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ) أي: ما كان يأخذه إلا بمشيئة الله وإذنه فيه (نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ) في العلم كما رفعنا درجة يوسف فيه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تشبه صورة صنع من يوهم الغير خلاف ما يخفيه، لأن مقصود يوسف عليه السلام إيواء أخيه إليه، وكان لا يتم ذلك إلا بهذه الحيلة.
ولما كان قوله: (مَا كَانَ لِيَاخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ) هو عين الكيد، قال المصنف: هو "تفسير للكيد".
الراغب: "الكيد: ضرب من الاحتيال، وقد يكون محموداً أو مذموماً، وإن كان في المذموم أكثر استعمالاً، وكذلك الاستدراج والمكر، ويكون بعض ذلك محموداً، قال تعالى: (كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ)، وقال: (وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ) [الأعراف: 183]، وفلان يكيد بنفسه، أي: يجود".
قوله: (أن يغرم مثلي ما أخذ)، اسم "كان" في قوله:"كان في دين الملك"، و"ما"- في "ما كان يحكم به"- موصولة، وهو عطف تفسيري على "دين الملك"، والضمير في "لأنه كان" للشأن.
قوله: (إلا بمشيئة الله تعالى وإذنه)، ويجوز أن يكون (إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) كلمة تأبيد، كأنه قيل: ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك أبداً، لأنه جل من انتصب لمنصب النبوة أن يحكم بدين الكفار، نحوه قوله تعالى:(وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ)[الأعراف: 89]، لأن عودهم في ملتهم مما لن يشاء الله على مذهبه كما قرره.
وقرئ: "يرفع" بالياء. و (درجات) بالتنوين (وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) فوقه أرفع درجة منه في علمه، أو فوق العلماء كلهم (عليم) هم دونه في العلم، وهو الله عز وعلا،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال الزجاج: "موضع (أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) نصب؛ لما سقطت الباء أفضى الفعل".
قوله: ((نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ))، عاصم وحمزة والكسائي: بالنون، والباقون: بالياء.
قوله: (و (دَرَجَاتٍ) بالتنوين)، قال أبو البقاء:" (مَن) - على هذا- مفعول (نَرْفَعُ)، و (دَرَجَاتٍ) ظرف أو حرف الجر محذوف، أي: إلى درجات".
قوله: (أو فوق العلماء كلهم (عَلِيمٌ) هم دونه في العلم، وهو الله عز وجل، ولفظة "كل" على الأول استغراقية، وعلى الثاني مجموعية.
قال القاضي: "واحتج به من زعم أنه تعالى عالم بذاته؛ إذ لو كان ذا علم، لكان فوقه من هو أعلم منه، والجواب: أن المراد: كل ذي علم من الخلق، لأن الكلام فيهم، ولأن العليم هو الله تعالى، ومعناه: الذي له العلم البالغ لغة، ولأنه لا فرق بينه وبين قولنا: فوق كل العلماء عليم، وهو مخصوص".
وقلت: قضية النظم تقتضي أن يقال: إن قوله: (مَا كَانَ لِيَاخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ) تفسير وبيان لقوله: (كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ)، والكيد: هو تعليم الله إياه أن يسرق أخاه، ويكذب إخوته؛ ليستعبده، ومثل هذا الحكم الذي ترى في الظاهر حرمته، وهو في الحقيقة
فإن قلت: ما أذن الله فيه يجب أن يكون حسناً، فمن أي: وجه حسن هذا الكيد؟ وما هو إلا بهتان، وتسريق لمن لم يسرق، وتكذيب لمن لم يكذب، وهو قوله:(إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ)[يوسف: 70]، (فَما جَزاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ) [يوسف: 74]؟ قلت: هو في صورة البهتان، وليس ببهتانٍ في الحقيقة، لأنّ قوله (إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ) تورية عما جرى مجرى السرقة من فعلهم بيوسف.
وقيل: كان ذلك القول من المؤذن لا من يوسف، وقوله (إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ) فرض لانتفاء براءتهم. وفرض التكذيب لا يكون تكذيباً، على أنه لو صرّح لهم بالتكذيب كما صرّح لهم بالتسريق. لكان له وجه، لأنهم كانوا كاذبين في قولهم:(وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ)[يوسف: 17].
هذا وحكم هذا الكيد حكم الحيل الشرعية التي يتوصل بها إلى مصالح ومنافع دينية، كقوله تعالى لأيوب عليه السلام:(وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً)[ص: 44] ليتخلص من جلدها ولا يحنث، وكقول إبراهيم عليه السلام:"هي أختي"، لتسلم من يد الكافر. وما الشرائع كلها إلا مصالح وطرق إلى التخلص من الوقوع في المفاسد، وقد علم الله تعالى في هذه الحيلة التي لقنها يوسف مصالح عظيمة فجعلها سلماً وذريعة إليها، فكانت حسنة جميلة وانزاحت عنها وجوه القبح لما ذكرنا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
متضمن لأسرار وحكم لا يصل إلى كنهها كل ذي علم، فإن أصحاب العلم وأربابه تتفاوت درجاتهم؛ فمن عالم لا ينظر إلا إلى ظاهر الحال فينكر، ومن عالم يعلم السر والحكمة فيه كيوسف والخضر فيمضيه، فجاء قوله:(وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) تذييلاً للكلام السابق، فعلى هذا: يحمل "الكل" في قوله: (كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) على الاستغراقية دون المجموعية، ويحمل "العليم" على غير الله عز وجل قطعاً.
قوله: (تورية)، وهي أن يطلق لفظ له معنيان؛ قريب وبعيد، ويراد البعيد منهما، فقوله:
[(قالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِها لَهُمْ قالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ)].
(أَخٌ لَهُ) أرادوا يوسف. روي: أنهم لما استخرجوا الصاع من رحل بنيامين نكس إخوته رؤوسهم حياءً، وأقبلوا عليه وقالوا له: ما الذي صنعت؟ فضحتنا وسوّدت وجوهنا، يا بني راحيل ما يزال لنا منكم بلاء، متى أخذت هذا الصاع؟ فقال: بنو راحيل الذين لا يزال منكم عليهم البلاء، ذهبتم بأخي فأهلكتموه، ووضع هذا الصواع في رحلي الذي وضع البضاعة في رحالكم.
واختلف فيما أضافوا إلى يوسف من السرقة: فقيل: كان أخذ في صباه صنما لجدّه أبي أمّه فكسره وألقاه بين الجيف في الطريق. وقيل: دخل كنيسة فأخذ تمثالاً صغيراً من ذهب كانوا يعبدونه فدفنه. وقيل: كانت في المنزل عناقٌ أو دجاجة فأعطاها السائل. وقيل كانت لإبراهيم عليه السلام منطقة يتوارثها أكابر ولده، فورثها إسحاق ثم وقعت إلى ابنته وكانت أكبر أولاده، فحضنت يوسف وهي عمته بعد وفاة أمّه وكانت لا تصبر عنه، فلما شبّ أراد يعقوب أن ينتزعه منها، فعمدت إلى المنطقة فحزمتها على يوسف تحت ثيابه وقالت: فقدت منطقة إسحاق فانظروا من أخذها، فوجدوها محزومةً على يوسف، فقالت: إنه لي سلمٌ أفعل به ما شئت، فخلاه يعقوب عندها حتى ماتت.
(فَأَسَرَّها) إضمار على شريطة التفسير،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ) معناه القريب: سرقة الصاع، والبعيد: فعلهم بيوسف ما فعلوا، وهو المراد ها هنا.
قوله: (إضمار على شريطة التفسير)، من قول الزجاج: " (أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَاناً) إضمار
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
على شريطة التفسير، لأنه بدل من "ها" في (فَأَسَرَّهَا) أي: أسر يوسف في نفسه قوله: (أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَاناً)، المعنى: أنتم شر مكاناً في السرقةبالصحة، لأنكم سرقتم أخاكم من أبيكم".
وقال أبو علي في "الإغفال": الإضمار على شريطة التفسير على ضربين:
أحدهما: أن يفسر بمفرد، نحو: نعم رجلاً زيد، ففي "نعم" ضمير هو الفاعل، و"رجلاً" تفسير له، ومثله:"ربه رجلاً".
وثانيهما: أن يفسر بجملة، نحو قوله تعالى:(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)[الإخلاص: 1]، أي: الأمر الله أحد، ثم يدخل عليها عوامل المبتدأ، نحو:"كان" و"إن" و"ليس".
وتفسير المضمر في كلا الموضعين متصل بالجملة التي فيها الإضمار المشروط تفسيره، ومتعلق به، أما في المبتدأ ففي موضع الخبر، وأما في المفرد فمتعلق بما عمل في الضمير، ألا ترى أن "رجلاً" في قوله:"نعم رجلاً" منتصب عن الفعل، وفي "ربه رجلاً" منتصب عن تمام الهاء المضمر، فهو من باب "لي مثله رجلاً" و"أفضل رجل أنا".
تفسيره: (أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً) وإنما أنث لأنّ قوله (أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً) جملة أو كلمة، على تسميتهم الطائفة من الكلام كلمة، كأنه قيل: فأسرّ الجملة أو الكلمة التي هي قوله (أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً). والمعنى: قال في نفسه: أنتم شر مكاناً، لأنّ قوله (قالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً) بدل من "أسرَّها". وفي قراءة ابن مسعود:"فأسرَّه"، على التذكير، يريد القول أو الكلام.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فظهر أن تفسير المضمر المشروط تفسيره لا يكون إلا متعلقاً بالجملة التي تتضمن المضمر، ولا يكون منقطعاً عنها، والذي ذكره الزجاج منقطع".
والوجه أن يحمل الضمير في "أسرها" على الإجابة؛ كأنهم لما قالوا: (إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ)، أسر يوسف عليه السلام إجابتهم في نفسه في الوقت، ولم يبدها لهم، أو على المقالة؛ أي: أسر مقالتهم، والمقالة والقول واحد، والمراد المقول، كالخلق والمخلوق، فمعنى "أسرها": وعاها وأكنها في نفسه إرادة التوبيخ.
وقال القاضي: "وأجيب بأن الحصر ممنوع، فإنهم سموا نحو: "زيداً ضربته" بهذا الاسم، ولا مناقشة في التسمية".
وقال القاضي: "في جعل (أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَاناً) بدل من الضمير على تأويل الكلمة أو الجملة نظر؛ إذ المفسر بالجملة لا يكون إلا ضمير الشأن".
وفي قول المصنف: " (أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَاناً) بدل من (أسرها) " إثبات لكلام النفس.
ومعنى (أنتم شَرٌّ مَكاناً) أنتم شر منزلة في السرق، لأنكم سارقون بالصحة، لسرقتكم أحاكم من أبيكم (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ) يعلم أنه لم يصح لي ولا لأخي سرقة، وليس الأمر كما تصفون.
[(قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ)].
استعطفوه بإذكارهم إياه حق أبيهم يعقوب، وأنه شيخ كبير السنّ أو كبير القدر، وأنّ بنيامين أحب إليه منهم، وكانوا قد أخبروه بأن ولداً له قد هلك وهو عليه ثكلان، وأنه مستأنس بأخيه (فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ) فخذه بدله على وجه الاسترهان أو الاستعباد (إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) إلينا فأتمم إحسانك. أو من عادتك الإحسان فاجْرِ على عادتك ولا تغيرها.
[(قالَ مَعاذَ اللَّهِ أَنْ نَاخُذَ إِلاَّ مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إِنَّا إِذاً لَظالِمُونَ)].
(مَعاذَ اللَّهِ) هو كلام موجه، ظاهره: أنه وجب على قضية فتواكم أخذ من وجد الصواع في رحله واستعباده، فلو أخذنا غيره كان ذلك ظلماً في مذهبكم، فلم تطلبون ما عرفتم أنه ظلم،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (شر منزلة في السرق)، السرق: مصدر كالكذب، وقيل: الاسم من "سرق يسرق سرقاً": السرق والسرقة بكسر الراء فيهما.
قوله: (أو: من عادتك الإحسان)، فالجملة على هذا معترضة، وعلى الأول استئنافية على بيان الموجب، فتكون متصلة. وبيانه على الأول: فخذ أحدنا مكانه كما كنت تحسن إلينا فيما سلف، فيكون هذا الإحسان من تتمته. وعلى الثاني: إثبات إحسانه على العموم في كل الناس.
قوله: (كلام موجه)، أي: ذو وجهين، كقول أبي بكر رضي الله عنه حين سئل عن
وباطنه: إنّ الله أمرني وأوحى إليّ بأخذ بنيامين واحتباسه لمصلحة أو لمصالح جمة علمها في ذلك، فلو أخذت غير من أمرني بأخذه كنت ظالماً وعاملاً على خلاف الوحي.
ومعنى (مَعاذَ اللَّهِ أَنْ نَاخُذَ) نعوذ بالله معاذاً من أن نأخذ، فأضيف المصدر إلى المفعول به وحذف "من". و (إِذاً) جوابٌ لهم وجزاء، لأن المعنى: إن أخذنا بدله ظلمنا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مهاجرتهما: "هذا رجل يهديني السبيل".
قوله: (لأن المعنى: إن أخذنا بدله ظلمنا)، تعليل لتصحيح معنى الجزاء، قال ابن الحاجب- في معنى قول الزجاج في قولهم:"يقول الرجل: (أنا آتيك، فتقول: إذن أكرمك): إن كان الأمر كما ذكرت فإني أكرمك-: "نبه الزجاج أن فيها معنى الجزاء حتى صح تقديره مصرحاً به"، وأما جواب المتكلم فإنه سأل ماذا يكون مرتبطاً بالإكرام، فأجابه بارتباط إكرامه به.
وقال المرزوقي رحمه الله تعالى: "وفائدة "إذن" في قوله:
إذن لقام بنصري معشر خشن
هو أن هذا خرج مخرج جواب قائل قال له: ولو استباحوا ماذا كان يفعل بنو مازن؟ فقال: إذن لقام بنصري. قال سيبويه: [إذن] جواب وجزاء، فهذا البيت جواب لهذا
[(فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَاذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ)].
(اسْتَيْأَسُوا) يئسوا. وزيادة السين والتاء في المبالغة نحو ما مرّ في "استعصم"[يوسف: 32]. و «النجي» على معنيين: يكون بمعنى: المناجى، كالعشير والسمير؛ بمعنى: المعاشر والمسامر، ومنه قوله تعالى (الأيمن وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا) [مريم: 52]، وبمعنى المصدر الذي هو التناجي، كما قيل "النجوى" بمعناه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
السائل وجزاء على فعل المستبيح".
قوله: ((اسْتَيْئَسُوا) يئسوا)، الراغب:"اليأس: انتفاء الطمع، يقالك يئس واستيأس، مثل: عجب واستعجب، وسخر واستخسر، قال تعالى: (فَلَمَّا اسْتَيْئَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيّاً)، وقال تعالى: (حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ) [يوسف: 110]، وقال تعالى: (قَدْ يَئِسُوا مِنْ الآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ) [الممتحنة: 13]، وقوله: (أَفَلَمْ يَيْئَسْ الَّذِينَ آمَنُوا) [الرعد: 31]: قيل: معناه: أفلم يعلم، ولم يرد أن اليأس موضوع في كلامهم للعلم، وإنما قصد أن يأس الذين آمنوا من ذلك يقتضي أن يحصل بعد العلم بانتفائه، فإذن ثبوت يأسهم يقتضي حصول علمهم".
قوله: (نحو ما مر في "استعصم")، والذي مر هو قوله:"الاستعصام بناء مبالغة يدل على الامتناع البليغ"، كأنه في عصمته، وهو يجتهد في الاستزادة منها، لأن السين للطلب، ولابد من رعاية معناها.
قوله: (وبمعنى المصدر الذي هو التناجي)، كما تقول: قوم رضا، وإنما الرضا فعلهم، يجعل المصدر منزلة الوصف.
ومنه قيل: قوم نجيّ، كما قيل:(وَإِذْ هُمْ نَجْوى)[الإسراء: 47]؛ تنزيلاً للمصدر منزلة الأوصاف. ويجوز أن يقال: هم نجي، كما قيل: هم صديق، لأنه بزنة المصادر وجمع أنجية. قال:
إنِّى إذَا مَا الْقَوْمُ كَانُوا أَنْجِيَهْ
ومعنى (خَلَصُوا): اعتزلوا وانفردوا عن النسا خالصين لا يخالطهم سواهم (نَجِيًّا) ذوى نجوى، أو فوجا نجياً، أي: مناجياً لمناجاة بعضهم بعضاً
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ومنه قيل)، أي: ومن استعمال "النجي" بمعنى: التناجي، قيل: قوم نجي.
قوله: (هم نجي)، أي: ويجوز أن يستعمل "نجي" مكان الجمع، فقوله:"ويجوز أن يقال" على تقدير سؤال يرد على الوجه الأول، معنى: سلمنا أن (نَجِيّاً) بمعنى: المناجي، فكيف يحمل على الجماعة، وهو مفرد؟ فقال: جاز كما جاز أن يقال: هم صديق، لأن المصدر جنس يحمل على القليل والكثير، وهو وإن أريد به الوصف، لكنه لما كان على زنة المصادر عومل معاملة المصدر، ومنه قوله تعالى:(خَلَصُوا نَجِيّاً).
قوله: (إني إذا ما القوم كانوا أنجية)، بعده:
......
…
واضطرب القوم اضطراب الأرشية
هناك أوصني ولا توص بيه
"كانوا أنجية": أي: صاروا فرقاً لما حزبهم من الشر؛ يتناجون ويتشاورون، وفارقهم القرار من شدة الخوف، يقومون ويقعدون اضطراب الأرشية عند الاستقاء، "هناك": أي: في ذلك الوقت يوجد الغنى والكفاية عندي.
وأحسن منه: أنهم تمحضوا تناجياً؛ لاستجماعهم لذلك، وإفاضتهم فيه يجدّ واهتمام، كأنهم في أنفسهم صورة التناجي وحقيقته، وكان تناجيهم في تدبير أمرهم، على أي: صفة يذهبون؟ وماذا يقولون لأبيهم في شأن أخيهم؟ كقوم تعايوا بما دهمهم من الخطب، فاحتاجوا إلى التشاور.
(كَبِيرُهُمْ) في السنّ وهو روبيل. وقيل: رئيسهم وهو شمعون: وقيل: كبيرهم في العقل والرأي: وهو يهوذا (ما فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ) فيه وجوه: أن تكون «ما» صلة، أي: ومن قبل هذا قصرتم في شأن يوسف ولم تحفظوا عهد أبيكم.
وأن تكون مصدرية، على أن محل المصدر الرفع على الابتداء وخبره الظرف، وهو (ومِنْ قَبْلُ) ......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وأحسن منه)، أي: مما ذكر- من أن يكون بمعنى: ذوي نجوى أو فوجاً مناجياً- أنهم تمحضوا؛ أي: يكون من باب قولهم: رجل عدل، مبالغة في التناجي، وقولها:
وإنما هي إقبال وإدبار
قوله: (وإفاضتهم)، من: أفاض الناس في الحديث؛ أي: خاضوا وشرعوا فيه.
قوله: (على أي صفة يذهبون)، الجار والمجرور معمول "يذهبون"، كما أن "ماذا" معمول "يقولون"، وهو بيان لقوله:"في تدبير أمرهم".
قوله: (تعايوا)، أي: عجزوا.
قوله: (أن تكون "ما" صلة)، أي: زائدة، قال أبو البقاء:"من: متعلقة على هذا بالفعل، أي: فرطتم من قبل ذلك".
قوله: (الرفع على الابتداء، وخبره: (مِن قَبْلُ))، قال أبو البقاء: "المعنى: وتفريطكم
ومعناه: ووقع من قبل تفريطكم في يوسف. أو النصب عطفاً على مفعول (أَلَمْ تَعْلَمُوا) وهو (أَنَّ أَباكُمْ) كأنه قيل: ألم تعلموا أخذ أبيكم عليكم موثقاً وتفريطكم من قبل في يوسف، وأن تكون موصولة بمعنى: ومن قبل هذا ما فرطتموه، أي: قدّمتموه في حق يوسف من الجناية العظيمة، ومحله الرفع أو النصب على الوجهين.
(فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ) فلن أفارق أرض مصر (حَتَّى يَاذَنَ لِي أَبِي) في الانصراف إليه (أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ) لِي بالخروج منها، أو بالانتصاف ممن أخذ أخي، أو بخلاصه من يده بسبب من الأسباب (وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ) لأنه لا يحكم أبداً إلا بالعدل والحق.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في يوسف من قبل هذا، وهذا ضعيف؛ لأن "قبل" إذا وقعت خبراً أو صلة لا تقطع عن الإضافة لئلا تبقى ناقصة".
قوله: (أو النصب عطفاً على مفعول (أَلَمْ تَعْلَمُوا))، قال أبو البقاء:"وقيل: هو ضعيف، لأن فيه فصلاً بين حرف العطف والمعطوف عليه".
قوله: ((فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ) فلن أفارق أرض مصر)، قال الراغب:"البراح: المكان المتسع الظاهر الذي لا بناء فيه ولا شجر، فيعتبر تارة ظهوره فيقال: فعل ذلك براحاً، أي: صراحاً لا يستره شيء، وبرح الخفاء: ظهر، كأنه حصل في براح يرى، وبرح: ذهب في البراح، ومنه: البارح من الظباء والطير، وخص بما ينحرف عن الرامي إلى جهة لا يمكنه فيه الرمي، فيتشاءم به، ولما تصور معنى التشاؤم اشتقت منه: التبريح، فقيل: برح بي الأمر، ولقيت منه البرحين والبرحاء، [أي] الشدائد، وبرح بي فلان في التقاضي".
[(ارْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يا أَبانا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَما شَهِدْنا إِلاَّ بِما عَلِمْنا وَما كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ)].
وقرئ "سَرَقَ" أي: نسب إلى السرقة (وَما شَهِدْنا) عليه بالسرقة (إِلَّا بِما عَلِمْنا) من سرقته وتيقناه، لأنّ الصواع استخرج من وعائه ولا شيء أبين من هذا (وَما كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ) وما علمنا أنه سيسرق حين أعطيناك الموثق. أو ما علمنا أنك تصاب به كما أصبت بيوسف. ومن قرأ سَرَقَ فمعناه: وما شهدنا إلا بقدر ما علمنا من التسريق، (وما كنا للغيب) للأمر الخفي حافظين، أسرق بالصحة أم دسّ الصاع في رحله ولم يشعر؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لأن الصواع استخرج من وعائه، ولا شيء أبين من هذا)، "الانتصاف":"إن كان في شرعهم أن مجرد وجود الشيء بيد من يدعى عليه بعد إنكاره يجعله سارقاً، فالعلم على ظاهره إذن، وإن لم يكن كذلك فهذا بمجرده لا يوجب علم كونه سارقاً، لكن ظناً بيناً".
وقلت: على هذا يوافقه معنى قراءة "سرق"، ويلتئم عليه قوله:(وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ) مؤكداً، وعلى ما ذهب إليه المصنف لا تلتئم القراءتان، ولا يجيء التذييل مطابقاً للمذيل على القراءة المشهورة- كما فسره- إلا مع التعسف.
قال محيي السنة: " (وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا) فإنا رأينا إخراج الصاع من متاعه، وقيل: (وَمَا شَهِدْنَا) أي: ما كانت شهادة في عمرنا على شيء إلا بما علمنا، وليست هذه شهادة منا، إنما هو خبر عن صنيع ابنك بزعمهم، (وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ) ".
قوله: (أسرق بالصحة أم دس)، الراغب: "الحفظ: يقال تارة لهيئة النفس التي بها
[(وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها وَإِنَّا لَصادِقُونَ* قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَاتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ)].
(الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها) هي مصر، أي: أرسل إلى أهلها فسلهم عن كنه القصة وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها وأصحاب العير، وكانوا قوماً من كنعان من جيران يعقوب. وقيل من أهل صنعاء، معناه: فرجعوا إلى أبيهم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يثبت ما يؤدي إليه الفهم، وتارة لضبط الشيء في النفس، ويضاده النسيان، وتارة لاستعمال تلك القوة، فيقال: حفظت كذلك حفظاً، ثم يستعمل في كل تفقد وتعهد ورعاية، قال تعالى:(وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)[يوسف: 12]، (وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ) [الأحزاب: 35] كناية عن العفة، والتحفظ: قيل: هو قلة الغفلة، وحقيقته: إنما هو تكلف الحفظ لضعف القوة الحافظة، ولما كانت تلك القوة من أسباب العقل توسعوا في تفسيرها، كما ترى، والحفيظة: الغضب الذي يحمل على المحافظة، ثم استعمل في الغضب المجرد، فقيل: أحفظني فلان؛ أي: أغضبني".
قوله: (معناه: فرجعوا إلى أبيهم)، هذا وجه اتصال قوله:(قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ) بما قبله، لأن قوله:(وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ) قول بعض بنيه في مصر، و (بَلْ سَوَّلَتْ) كلام لأبيهم في كنعان. رداً لعذرهم، فلابد من هذه المقدرات ليتصل الكلامان في الكلام، وإن
فقالوا له ما قال لهم أخوهم فـ (قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً) أردتموه، وإلا فما أدرى ذلك الرجل أنّ السارق يؤخذ بسرقته لولا فتواكم وتعليمكم (بِهِمْ جَمِيعاً) بيوسف وأخيه وروبيل أو غيره (إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ) بحالي في الحزن والأسف (الْحَكِيمُ) الذي لم يبتلنى بذلك إلا لحكمة ومصلحة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أوجب هذه المضمرات، لكن لا يقتضي ما يتضمن الاتصال بالفاءات كما قدرها، بل يأباه القطع على سبيل الاستئناف، فإن السامع لما سمع تلك المقالة اتجه له أن يقول: إلام عاد مآل هذه المقالة، وما كان جواب أبيهم حين رجعوا بها وأدوها إليه، فأجيب: بأنه قال: بل سولت لكم أنفسكم.
قوله: ((بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً) أردتموه، وإلا فأي شيء أدرى ذلك الرجل)، الانتصاف:"قوله: (بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ) في الكرة الأولى ظاهر، وأما فيا لثانية فلم يكن من صنيعهم، لكن لما علم يعقوب عليه السلام أن أخذ السارق لم يكن من دين الملك، لكن من دين يعقوب كما قال: (مَا كَانَ لِيَاخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ)، كان تنبيهاً على وجه اتهام يعقوب بنيه، وأنه إنما فعل ذلك بفتواهم، وكان قد سبق قوله: (فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنتُمْ كَاذِبِينَ* قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ)، فأفتوا- وإن لم يشعروا- أن المراد إلزامهم واتهام من تتطرق إليه التهمة، ويحتمل أن يكون الذي سوغ ذلك أنهم جعلوا مجرد وجود الصواع في رحله سرقة من غير أن يثبت الحكم عليه بوجه معلوم، وهذا لا تثبت به السرقة، وهذا هو التسويل إن كان شرعهم كشرعنا، وإلا فالعمدة هو الوجه الأول".
قوله: (وروبيل أو غيره)، يعني: شمعون أو يهوذا، كما سبق في تفسير (كَبِيرُهُمْ).
[(وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ)].
(وَتَوَلَّى عَنْهُمْ) وأعرض عنهم كراهة لما جاءوا به (يا أَسَفى) أضاف الأسف وهو أشدّ الحزن والحسرة إلى نفسه، والألف بدل من ياء الإضافة، والتجانس بين لفظتي "الأسف" و"يوسف" مما يقع مطبوعاً غير متعمل فيملح ويبدع، .......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (والتجانس بين لفظتي الأسف ويوسف)، وهو من التجنيس المضارع، وإن جعل يوسف عربياً- كقوله:(إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ)[التوبة: 38]- فهو من الاشتقاقي، وأما قوله:(وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ)[الأنعام: 26] فمن المضارع، لكون الهمزة والهاء مخرجهما الحلق، وقوله:(يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً)[الكهف: 104] فمن الخطي، وقوله:(مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ)[النمل: 22] فمن المزدوج.
قوله: (مما يقع مطبوعاً غير متعمل، فيملح ويبدع)، اعلم أن الترصيع والتصريع والتجنيس والترديد إنما يحسن قليله دون كثيره؛ لما فيها من أمارات الكلفة.
ونحوه (اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ)[التوبة: 38]، (وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ) [الأنعام: 26]، (يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صنعاً) [الكهف: 104]، (مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإ) [النمل: 22].
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «لم تعط أمة من الأمم: "إنا لله وإنا إليه راجعون" عند المصيبة إلا أمّة محمد صلى الله عليه وسلم. ألا ترى إلى يعقوب حين أصابه ما أصابه لم يسترجع. وإنما قال: "يا أسفى".
فإن قلت: كيف تأسف على يوسف دون أخيه ودون الثالث، والرزء الأحدث أشدّ على النفس وأظهر أثراً؟ قلت: هو دليل على تمادى أسفه على يوسف، وأنه لم يقع فائت عنده موقعه، وأنّ الرزء فيه مع تقادم عهده كان غضاً عنده طرياً.
وَلَمْ تُنْسِنِى أَوْفَى الْمُصِيبَاتِ بَعْدَهُ
ولأنّ الرزء في يوسف كان قاعدة مصيباته التي ترتبت عليها الرزايا في ولده، فكان الأسف عليه أسفاً على من لحق به.
(وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ) إذا كثر الاستعبار محقت العبرة سواد العين وقلبته إلى بياض كدر. قيل: قد عمى بصره. وقيل: كان يدرك إدراكاً ضعيفاً
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ولم تنسني أوفى المصيبات بعده)، [بعده]:
ولكن نكء القرح بالقرح أوجع
قرئ (من الحزن) و"من الحزن"، الحزن كان سبب البكاء الذي حدث منه البياض، فكأنه حدث من الحزن. قيل ما جفت عينا يعقوب من وقت فراق يوسف إلى حين لقائه ثمانين عاما، وما على وجه الأرض أكرم على الله من يعقوب. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سأل جبريل عليه السلام: ما بلغ من وجد يعقوب على يوسف؟ قال: وجد سبعين ثكلى. قال: "فما كان له من الأجر"؟ قال: أجر مئة شهيد، وما ساء ظنه بالله ساعة قط.
فإن قلت: كيف جاز لنبي الله أن يبلغ به الجزع ذلك المبلغ؟ قلت: الإنسان مجبول على أن لا يملك نفسه عند الشدائد من الحزن، ولذلك حمد صبره وأن يضبط نفسه حتى لا يخرج إلى ما لا يحسن، ولقد بكى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ولده إبراهيم وقال:«القلب يجزع، والعين تدمع، ولا نقول ما يسخط الرب، وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون» وإنما الجزع المذموم ما يقع من الجهلة من الصياح والنياحة، ولطم الصدور والوجوه، وتمزيق الثياب. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه بكى على ولد بعض بناته وهو يجود بنفسه، فقيل: يا رسول الله، تبكى وقد نهيتنا عن البكاء؟ !
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هشام هذا فجع بأخيه أوفى، ثم أصيب بأخ آخر اسمه غيلان المشهور بذي الرمة، قال: إن الجزع بأوفى لم يزل، وما يعقبه من المصيبات لا يزيده إلا تفجعاً، كما أن الجرح إذا نكأ ثانياً وأدمى كان إنجاعه أشد، وإيلامه أبلغ.
قوله: (القلب يجزع)، الرواية عن البخاري ومسلم عن أنس:"إن العين تدمع، والقلب يخشع، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون".
قوله: (أنه بكى على ولد بعض بناته)، روينا عن البخاري ومسلم وأبي داود والنسائي
فقال: "ما نهيتكم عن البكاء وإنما نهيتكم عن صوتين أحمقين: صوت عند الفرح، وصوت عند الترح". وعن الحسن: أنه بكى على ولدٍ أو غيره، فقيل لهفي ذلك، فقال: ما رأيت الله جعل الحزن عاراً على يعقوب.
(فَهُوَ كَظِيمٌ) فهو مملوة من الغيظ على أولاده ولا يظهر ما يسوؤهم، فعيل بمعنى مفعول، بدليل قوله (وَهُوَ مَكْظُومٌ) [القلم: 48]؛ من كظم السقاء إذا شدّه على ملئه، والكظم بفتح الظاء: مخرج النفس.
يقال: أخذ بأكظامه.
[(قالُوا تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ)].
(تَفْتَؤُا) أراد: لا تفتؤ، فحذف حرف النفي لأنه لا يلتبس بالإثبات، لأنه لو كان إثباتا لم يكن بدّ من اللام والنون،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عن أسامة قال: "أرسلت بنت النبي صلى الله عليه وسلم: إن ابناً لي قبض، فأتنا"، وساق الحديث إلى قوله:"فقام وقام معه سعد بن عبادة، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعبن وزيد بن ثابت، ورجال، فرفع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبي، فأقعده في حجره، ونفسه تقعقع كأنها في شن، ففاضت عيناه. فقال سعد: يا رسول الله، ما هذا؟ فقال: هذه رحمة جعلها الله في قلوب من يشاء من عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء".
النهاية: "يجود بنفسه؛ أي: يخرجها ويدفعها كما يدفع الإنسان ماله يجود به، أي: كان في النزع وسياق الموت".
قوله: (لو كان إثباتاً لم يكن بد من اللام والنون)، يعني: أن القسم إذا لم تكن معه علامة
ونحوه:
فَقُلْتُ يَمِينَ اللَّهِ أَبْرَحُ قَاعِداً
ومعنى "لا تَفْتَأُ" لا تزال. وعن مجاهد: لا تفتر من حبه، كأنه جعل الفتوء والفتور أخوين، يقال: ما فتئ يفعل. قال أوس:
فَما فَتِئَتْ خَيْلٌ تَثُوبُ وَتَدَّعِي
…
وَيَلْحَقُ مِنهَا لَاحِقٌ وَتَقَطعُ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الإثبات كان على النفي، وهو من قول الزجاج:"وإنما جاز إضمار "لا" في قوله: (تَاللَّهِ تَفْتَأُ) لأنه لا يجوز في القسم: تالله تفعل، حتى تقول: لتفعلن؛ في الإثبات، أو تقول: لا تفعل؛ في النفي".
قوله: (فقلت: يمين الله أبرح قاعداً)، تمامه- لامرئ القيس-:
ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي
الأوصال: جمع وصل- بكسر الواو-، وهو المفصل، قيل: إن امرأ القيس سرى إلى ابنة قيصر، فقالت: تريد أن تفضحني، ألست ترى السمار والرقباء راقدين حولي؟ ! فقال مجيباً لها: إني لا أبرح حتى أنال منك حاجتي، ولو قطعت إرباً إرباً.
قوله: (فما فتئت خيل) البيت، "فما فتئت": أي: ما زالت، و"التثويب": هو أن الرجل إذا استصرخ ولوح بثوبه، كان ذلك كالدعاء والإنذار، و"التداعي" في الحرب: أن يدعو قوم بعضهم بعضاً بأني قول: يا آل فلان، و"تقطع": أي: تتفرق، يقول: ما زالت الخيل
(تكون حَرَضاً) مشفياً على الهلاك مرضاً، وأحرضه المرض، ويستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث، لأنه مصدر. والصفة: حَرِض، بكسر الراء-، ونحوهما: دنف ودنف، وجاءت القراءة بهما جميعاً. وقرأ الحسن:"حُرضاً" بضمتين، ونحوه في الصفات: رجل جنب وغرب.
[(قالَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ)].
البث: أصعب الهم الذي لا يصبر عليه صاحبه، فيبثه إلى الناس أي: ينشره. ومنه: باثه أمره، وأبثه إياه .........
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تستصرخ، ويدعو بعضهم بعضاً من المنهزمين والمنقطعين، ويلحق منها في الحرب اللاحقون والمنقطعون، استصرخني فأصرخته؛ أي: استغاثني فأغثته.
قوله: ((حَرَضاً) مشفياً على الهلاك)، الراغب:"الحرض: ما لا يعتد به ولا خير فيه، ولهذا يقال لما أشرف على الهلاك: حرض، والتحريض: الحث على الشيء بكثرة التزيين وتسهيل الخطب فيه، كأنه في الأصل إزالة الحرض، نحو: مرضته وقذيته؛ أي: أزلت عنه المرض والقذى".
قوله: (في الصفات: رجل جنب وغُرب)، الجوهري:"الغربة: الاغتراب، تقول منه: تغرب واغترب، فهو غريب وغرب أيضاً؛ بضم الغين والراء".
قوله: (البث: أصعب الهم الذي لا يصبر عليه صاحبه، فيبثه إلى الناس)، الراغب: "أصل البث: إثارة الشيء وتفريقه، كبث الريح التراب، وبث النفس ما انطوت عليه من الغم والسر، يقال: بثثته فانبث، ومنه قوله تعالى:(فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثّاً)[الواقعة: 6]، وقوله تعالى:(أَشْكُو بَثِّي) أي: غمي أبثه عن كتمان، فهو مصدر في تقدير مفعول، أو غمي الذي
ومعنى (إنَّما أَشْكُوا): إني لا أشكو إلى أحد منكم ومن غيركم، إنما أشكو إلى ربي داعياً له وملتجئاً إليه، فخلوني وشكايتي. وهذا معنى توليه عنهم، أي: فتولى عنهم إلى الله والشكاية إليه. وقيل: دخل على يعقوب جارٌ له فقال: يا يعقوب، قد تهشمت وفنيت وبلغت من السن ما بلغ أبوك! فقال: هشمني وأفناني ما ابتلاني الله به من همّ يوسف، فأوحى الله إليه: يا يعقوب، أتشكوني إلى خلقي؟ قال: يا رب خطيئة أخطأتها فاغفر لي، فغفر له، فكان بعد ذلك إذا سئل قال: إنما أشكو بثي وحزني إلى الله.
وروي أنه أوحي إلى يعقوب: إنما وجدت عليكم لأنكم ذبحتم شاة فقام ببابكم مسكين فلم تطعموه، وإن أحب خلقي إليّ الأنبياء، ثم المساكين، فاصنع طعاماً وادع عليه المساكين. وقيل: اشترى جاريةً مع ولدها، فباع ولدها فبكت حتى عميت.
(وأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ) أي: أعلم من صنعه ورحمته وحسن ظني به أنه يأتيني بالفرج من حيث لا أحتسب. وروي أنه رأى ملك الموت في منامه فسأله: هل قبضت روح يوسف؟ فقال: لا والله هو حيّ فاطلبه.
وقرأ الحسن: "وحزني" بفتحتين، "وحزني" بضمتين: قتادة.
[(يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ)].
(فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ) فتعرّفوا منهما وتطلبوا خبرهما. وقرئ بالجيم، كما قرئ بهما في "الحجرات"، وهما "تفعَّل" من الإحساس وهو المعرفة؛ (فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ) [آل عمران: 52]،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بث فكري، نحو: توزعني الفكر، فيكون في معنى الفاعل".
ومن الجس، وهو الطلب، ومنه قالوا لمشاعر الإنسان: الحواس، والجواس.
(مِنْ رَوْحِ اللَّهِ) من فرجه وتنفيسه، وقرأ الحسن وقتادة: من روح الله، بالضم: أي: من رحمته التي يحيا بها العباد.
[(فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ)].
(الضُّرُّ) الهزال من الشدّة والجوع (مُزْجاةٍ) مدفوعةٍ يدفعها كل تاجر رغبة عنها واحتقاراً لها، من أزجيته إذا دفعته وطردته، والريح تزجى السحاب، قيل: كانت من متاع الأعراب صوفاً وسمنا. وقيل: الصنوبر وحبة الخضراء. وقيل: سويق المقل والأقط. وقيل: دراهم زيوفا لا تؤخذ إلا بوضيعة (فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ) الذي هو حقنا (وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا) وتفضل علينا بالمسامحة والإغماض عن رداءة البضاعة، أو زدنا على حقنا، فسموا ما هو فضل وزيادة لا تلزمه صدقة، لأنّ الصدقات محظورة على الأنبياء. وقيل كانت تحل لغير نبينا. وسئل ابن عيينة عن ذلك فقال: ألم تسمع (وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا) أراد: أنها كانت حلالا لهم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (من: أزجيته؛ إذا دفعته)، قال الزجاج:"التزجية: الشيء الذي يدافع به، تقول: فلان يزجي العيش، أي: يدفع بالقليل ويكتفي [به]، أي: إنا جئنا ببضاعة إنما يدافع بها ويتقوت، وليست مما يتسع به".
قوله: (إلا بوضيعة)، "يقال: وضع في تجارته وضيعة؛ خسر"، كذا في "الأساس".
قوله: ((فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ) الذي هو حقنا)، إنما قال: حقنا، لأنهم عطفوا (وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا) - المعني به الفضل- عليه، لأن الفضل إنما يتبع الواجب.
والظاهر أنهم تمسكنوا له وطلبوا إليه أن يتصدّق عليهم، ومن ثم رق لهم وملكته الرحمة عليهم، فلم يتمالك أن عرّفهم نفسه. وقوله:(إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ) شاهد لذلك لذكر الله وجزائه، والصدقة: العطية التي تبتغى بها المثوبة من الله: ومنه قول الحسن - لمن سمعه يقول: اللهمّ تصدق عليّ: إن الله تعالى لا يتصدق، إنما يتصدق الذي يبتغي الثواب، قل: اللهم أعطني، أو تفضل عليّ، أو ارحمني.
[(قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ)].
(قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ) أتاهم من جهة الدين، وكان حليما موفقاً، فكلمهم مستفهماً عن وجه القبح الذي يجب أن يراعيه التائب، فقال:(هل علمتم) قبح (ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ) لا تعلمون قبحه، فلذلك أقدمتم عليه، يعني: هل علمتم قبحه فتبتم إلى الله منه، لأنّ علم القبح يدعو إلى الاستقباح، والاستقباح يجرّ إلى التوبة، .....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (والظاهر أنهم تمسكنوا له)، أي: أظهروا المسكنة، وتكلفوها ليرق لهم ويرحمهم لما نالوا من النصب، فجعلوا طلب الصدقة وسيلة إليه، لأن طالب الصدقة لا يكون إلا مسكيناً، وينصره تذييله بقوله:(إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ)، لأن ذكر الله يدل على الاستشفاع.
قوله: (هل علمتم قبحه فتبتم إلى الله منه)، يعني: استفهم بـ "هل" من كان عالماً بما فعله، وجعل الفعل ماضياً، وقيده بقوله:(إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ) ليفيد الحث على التوبة، يعني: هل استمر ذلك الجهل بقبح الفعل أم تدورك بالعلم الموجب للرجوع منه وتلافيه بالتوبة، فإن العاقل إذا تجلى له قبح القبيح لا يتوقف رجوعه منه، ولهذا الترتيب جاء بالفاء في قوله:"فتبتم".
فكان كلامه شفقة عليهم، وتنصحاً لهم في الدين، لا معاتبة وتثريباً، إيثاراً لحق الله على حق نفسه، في ذلك المقام الذي يتنفس فيه المكروب، وينفث المصدور، ويتشفى المغيظ المحنق، ويدرك ثأره الموتور، فلله أخلاق الأنبياء ما أوطأها وأسجحها ولله حصا عقولهم ما أرزنها وأرجحها!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وتثريباً)، الجوهري:"التثريب: كالتأنيب والتغيير والاستقصاء في اللوم".
قوله: (المحنق)، الجوهري:"حنق عليه- بالكسر-؛ أي: اغتاظ، فهو حنق، وأحنقه غيره، فهو محنق".
قوله: (وأسجحها)، الجوهري:"الإسجاح: حسن العفو، يقال: ملكت فأسجح".
قوله: (ولله حصى عقولهم)، الأساس: "ومن المجاز: فلان ذو حصاة: وقور، وماله حصاة؛ أي: رزانة، قال طرفة:
وإن لسان المرء ما لم يكن له
…
حصاة على عوراته لدليل
وقيل. لم يرد نفي العلم عنهم، لأنهم كانوا علماء، ولكنهم لما لم يفعلوا ما يقتضيه العلم ولا يقدم عليه إلا جاهل، سماهم جاهلين. وقيل: معناه إذ أنتم صبيانٌ في حد السفه والطيش قبل أن تبلغوا أوان الحلم والرزانة. روي أنهم لما قالوا: (مسنا وأهلنا الضر) وتضرعوا إليه ارفضت عيناه، ثم قال هذا القول. وقيل: أدوا إليه كتاب يعقوب: "من يعقوب إسرائيل الله بن إسحاق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله، إلى عزيز مصر. أما بعد، فإنا أهل بيت موكل بنا البلاء: أما جدّى، فشدّت يداه ورجلاه ورمى به في النار ليحرق فنجاه الله وجعلت النار عليه برداً وسلاماً، وأما أبي فوضع السكين على قفاه ليقتل ففداه الله. وأمّا أنا فكان لي ابن وكان أحبّ أولادي إلىّ فذهب به إخوته إلى البرية،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ولا يقدم عليه إلا جاهل)، عطف من حيث المعنى على ما قبله، فإن قوله:"لم يفعلوا ما يقتضيه العلم" في معنى: فعلوا ما اقتضاه الجهل، فكأنه قيل: فعلوا ما اقتضاه الجهل، ولا يقدم عليه إلا جاهل.
وقلت: يمكن أن يقال: لم يفعلوا ما يقتضيه العلم، وفعلوا ما لا يقدم عليه إلا جاهل، وعكسه قوله:(لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)[التحريم: 6].
قوله: (وقيل: معناه: إذ أنتم صبيان في حد السفه والطيش)، وهذا تعليم منه للاعتذار عنه، كقول موسى عليه السلام:(فَعَلْتُهَا إِذاً وَأَنَا مِنْ الضَّالِّينَ)[الشعراء: 20] في جواب (وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنْ الْكَافِرِينَ)[الشعراء: 19]، وهم لو طلبوا عذراً لم يجدوا كذلك، كقوله تعالى:(مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ)[الانفطار: 6].
قوله: (ارفضت عيناه)، الجوهري:"ارفضاض الدمع: ترششه".
ثم أتوني بقميصه ملطخاً بالدم وقالوا قد أكله الذئب، فذهبت عيناي من بكائي عليه، ثم كان لي ابن وكان أخاه من أمّه وكنت أتسلى به، فذهبوا به ثم رجعوا وقالوا: إنه سرق، وأنك حبسته لذلك، وإنا أهل بيت لا نسرق ولا نلد سارقاً، فإن رددته عليّ وإلا دعوت عليك دعوة تدرك السابع من ولدك والسلام. فلما قرأ يوسف الكتاب لم يتمالك وعيل صبره، فقال لهم ذلك. وروي: أنه لما قرأ الكتاب بكى وكتب الجواب: "اصبر كما صبروا تظفر كما ظفروا".
فإن قلت: ما فعلهم بأخيه؟ قلت: تعريضهم إياه للغم والثكل بإفراده عن أخيه لأبيه وأمّه، وجفاؤهم به، حتى كان لا يستطيع أن يكلم أحداً منهم إلا كلام الذليل للعزيز، وإيذاؤهم له بأنواع الأذى.
[(قالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ* قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ* قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ* اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَاتِ بَصِيراً وَاتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ)].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وعيل صبره)، الجوهري:"عالني الشيء يعيلني عيلاً ومعيلاً: إذا أعجزك".
قوله: (تعريضهم إياه)، أي: جعلوه عرضة للغم.
قرئ: (أَإِنَّكَ) على الاستفهام، و"إنك" على الإيجاب، وفي قراءة أُبيّ:"أإنك أو أنت يوسف"، على معنى: أئنك يوسف أو أنت يوسف. فحذف الأوّل لدلالة الثاني عليه، وهذا كلام متعجب مستغرب لما يسمع، فهو يكرر الاستثبات.
فإن قلت: كيف عرفوه؟ قلت: رأوا في روائه وشمائله
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (و"إنك" على الإيجاب)، ابن كثير:"إنك" بهمزة مكسورة على الخبر، والباقون: على الاستفهام.
قوله: (أإنك أو أنت يوسف)، يعني: قرأ بدل اللام "أو"، قال ابن جني:"ينبغي أن يكون هذا على حذف "إن"، حتى كأنه قيل: إنك لغير يوسف أو أنت يوسف؟ فكأنه قيل: بل أنت يوسف، فلما خرج مخرج التوقيف قال: أنا يوسف، وقد جاء عنهم حذف خبر "إن"، قال الأعشى:
إن محلاً وإن مرتحلاً
…
وإن في السفر إذ مضوا مهلا
أراد: إن لنا محلاً وإن لنا مرتحلاً، فحذف الخبر، والكوفيون لا يجيزون حذف خبر "إن"، إلا إذا كان اسمها نكرة، ولهذا وجه حسن عندنا، وإن كان أصحابنا يجيزونه مع المعرفة أيضاً".
قوله: (يكرر الاستثبات)، يريد: أن المتعجب إذا سمع من المخاطب ما يتعجب منه يكرر ذلك الكلام تعجباً، أي: هل هو كذا؟ هل هو كذا؟
قوله: (في روائه)، أي: منظره، "ما شعروا به": مفعول "رأوا"، و"مع علمهم" حال.
حين كلمهم بذلك ما شعروا به أنه هو، مع علمهم بأنّ ما خاطبهم به لا يصدر مثله إلا عن حنيف مسلم من سنخ إبراهيم، لا عن بعض أعزاء مصر. وقيل: تبسم عند ذلك فعرفوه بثناياه وكانت كاللؤلؤ المنظوم. وقيل: ما عرفوه حتى رفع التاج عن رأسه فنظروا إلى علامة بقرنه كانت ليعقوب وسارة مثلها، تشبه الشامة البيضاء.
فإن قلت: قد سألوه عن نفسه فلم أجابهم عنها وعن أخيه؟ على أن أخاه كان معلوماً لهم. قلت: لأنه كان في ذكر أخيه بيان لما سألوه عنه.
(مَنْ يَتَّقِ) من يخف الله وعقابه (وَيَصْبِرْ) عن المعاصي وعلى الطاعات (فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ) أجرهم، فوضع المحسنين موضع الضمير لاشتماله على المتقين والصابرين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (من سنح إبراهيم)، أي: أصله.
قوله: (لأنه كان في ذكر أخيه)، بيان لما سألوه عنه، فإنهم سألوه عن حقيقة كونه يوسف؛ حيث أتوا بالهمزة المقررة المؤكدة للتعجب، وأدخلوا اللام في الخبر، فأجاب بقوله:(أَنَا يُوسُفُ) على الحقيقة، وهذا المتميز الشاهد من أبي وأمي.
وفي ذكر الأخ وإيراد اسم الإشارة: مزيد تقرير وفضل تمييز له، وبيان أنه يوسف لا محالة.
وكان من حق الظاهر أن يقول: بلى، أو: أنا هو، فعدل ليطابق تعجبهم واستبعادهم في قولهم: أأنت يوسف، ويمكن أن يجري على الأسلوب الحكيم، وهو أنهم لما سألوه متعجبين: أأنت يوسف؟ أجاب: لا تسألوا عن ذلك، فإنه ظاهر، ولكن اسألوا ما فعل الله بك من الامتنان والإعزاز بما صبرت على بلاء الله، وثبت على تقوى الله، وكذلك أخي.
قوله: ((مَن يَتَّقِ) من يخف الله وعقابه، (وَيَصْبِرْ) عن المعاصي وعلى الطاعات)، قال صاحب "الفرائد": حمل (مَن يَتَّقِ) على المجاز، ولا مانع من الحمل على الحقيقة، والعدول منه إلى المجاز بغير ضرورة غير جائز، فالوجه أن يقال:(مَن يَتَّقِ) من احترز عن ترك ما أمر به، وعن ارتكاب ما نهي عنه، وصبر في المكاره، وذلك باختياره، وهذا بغير
(لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا) أي: فضلك علينا بالتقوى والصبر وسيرة المحسنين، وإنّ شأننا وحالنا أنا كنا خاطئين متعمدين للإثم، لم نتق ولم نصبر، لا جرم أنّ الله أعزّك بالملك وأذلنا بالتمسكن بين يديك.
(لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ) لا تأنيب عليكم ولا عتب. وأصل التثريب من الثرب وهو الشحم الذي هو غاشية الكرش. ومعناه: إزالة الثرب،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اختياره: فهو محسن.
وذكر الصبر بعد التقوى: كذكر الصلاة والزكاة بعد ذكر الأعمال الصالحة، وكذكر جبريل وميكائيل بعد ذكر الملائكة. ويجوز أن يكون ذكر الصبر بعد التقوى لإرادة الثبات على التقوى، كأنه قيل:(مَن يَتَّقِ) ويثبت على تقواه.
وقلت: ولا ارتياب أن قوله: (إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) تعليل لقوله: (قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا)، وتعريض بإخوته، يدل عليه قولهم في الجواب:(تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ)، أي: فضلك الله علينا بالتقوى والصبر وسيرة المحسنين، (وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ) متعمدين الإثم لم نتق؛ أي: لم نخف عقاب الله وسوء المعصية، ولم نصبر على طاعة الله تعالى وطاعة أبينا وعلى المعصية؛ حيث فعلنا بك ما فعلنا، فأثبتوا في يوسف ما نفوا عن أنفسهم، فإذن لابد من ارتكاب المجاز وتخصيص العام بحسب ما يقتضيه المقام.
كما أن التجليد والتقريع إزالة الجلد والقرع، لأنه إذا ذهب كان ذلك غاية الهزال والعجف الذي ليس بعده، فضرب مثلا للتقريع الذي يمزق الأعراض ويذهب بماء الوجوه.
فإن قلت: بم تعلق اليوم؟ قلت: بالتثريب، أو بالمقدر في (عَلَيْكُمُ) من معنى الاستقرار، أو بـ (يغفر)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (والقرع)، الجوهري:"القرع- بالتحريك-: بثر أبيض يخرج بالفصال، ودواؤه الملح، وجباب ألبان الإبل"، وهو شيء يعلو ألبان الإبل كالزبد، ولا زبد لها.
قوله: (فضرب مثلاً للتقريع)، يعني: أن تثريب الحيوان- أي: إزالة الثرب عنه- يظهر غاية هزاله، وبه تظهر عيوبه، كذلك تقريع الإنسان، وهو ارتداعه، ومنه سمي آية الكرسي ونحوها: قوارع، كأنها تذهب الشيطان وتهلكه وتمزق أعراضه وتذهب بماء وجهه.
قوله: (بالتثريب)، أي: أعلق "اليوم" بـ "التثريب"، قال صاحب "التقريب": وفيه نظر، إذ يكون حينئذ مشابهاً للمضاف، نحو:"لا ضارباً زيداً"، فكيف يفتح، وقد ذكر في (لا غَالِبَ لَكُمْ) [الأنفال: 48]: إن (لَكُمْ) ليس مفعولاً، وإلا لقيل:"لا غالباً لكم"، بل هو خبر، كقوله:
لا نسب اليوم ولا خلة
- والمعنى: لا أثر بكم اليوم، وهو اليوم الذي هو مظنة التثريب، فما ظنكم بغيره من الأيام، ثم ابتدأ فقال (يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ) فدعا لهم بمغفرة ما فرط منهم. يقال: غفر الله لك، ويغفر الله لك، على لفظ الماضي والمضارع جميعاً، .....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أي: لا تثريب في اليوم.
وقال أبو البقاء: "في خبر "لا" وجهان: أحدهما: قوله: (عَلَيْكُمُ). وثانيهما: قوله: (الْيَوْمَ)، و (عَلَيْكُمُ) يتعلق بالظرف أو بالعامل في الظرف، وهو الاستقرار، ولا يجوز أن تتعلق "على" بـ (تَثْرِيبَ)، ولا ينصب (الْيَوْمَ) به، لأن اسم "لا" إذا عمل نون".
قوله: (والمعنى: لا أثربكم اليوم، وهو اليوم الذي هو مظنة للتثريب، فما ظنكم بغيره)، قال في "الانتصاف":"هذا المعنى يتوجه على الإعراب الأول، وهو الأصح، لقولهم: (يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا)، وقوله: (سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ) دليل على أنهم كانوا بعد في عهدة الذنب، ولو كان متعلقاً بـ (يَغْفِرُ) لقطعوا بالغفران بإخبار الصديق، ويحتمل أن يقال: قطع بالمغفرة فما يرجع إلى حقه دون أخيه".
وقلت: لو علق بـ (تَثْرِيبَ) لكان (يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ) دعاء لهم بالمغفرة، والنبي مستجاب الدعوة، فيلزم في هذا المقام القطع.
ومنه قول المشمت: «يهديكم الله ويصلح بالكم» أو (الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ) بشارةٌ بعاجل غفران الله، لما تجدّد يومئذ من توبتهم وندمهم على خطيئتهم.
وروي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بعضادتي باب الكعبة يوم الفتح، فقال لقريش:"ما ترونني فاعلاً بكم؟ " قالوا: نظن خيراً، أخ كريم وابن أخر كريم، وقد قدرت، فقال:"أقول ما قال أخي يوسف: لا تثريب عليكم اليوم". وروي: أنّ أبا سفيان لما جاء ليسلم قال له العباس: إذا أتيت الرسول فاتل عليه (لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ)، ففعل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"غفر الله لك ولمن علمك".
ويروى أن إخوته لما عرفوه وأرسلوا إليه: إنك تدعونا إلى طعامك بكرةً وعشية، ونحن نستحيى منك لما فرط منا فيك، فقال يوسف: إنّ أهل مصر وإن ملكت فيهم، فإنهم ينظرون إلىّ بالعين الأولى،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال الإمام: "روي عن عطاء: أن طلب الحوائج إلى الشبان أنجح منها إلى الشيوخ، ألا ترى إلى قول يوسف عليه السلام لإخوته: (لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمْ الْيَوْمَ)، وقول يعقوب عليه السلام: (سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي) ".
قوله: (ومنه قول المشمت)، أي: من الوارد على لفظ المضارع للدعاء كالماضي: "يهديكم الله ويصلح بالكم" الحديث، رواه البخاري وأبو داود عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث.
قوله: (أو (الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ))، هذا على أن يتعلق الظرف بـ (يَغْفِرُ)، و (يَغْفِرُ اللهُ) بشارة لا دعاء.
قوله: (بعضادتي باب الكعبة)، الجوهري:"أعضاد كل شيء: ما يشد حواليه من البناء وغيره، وعضادتا الباب: هما خشبتاه من جانبيه".
ويقولون: سبحان من بلغ عبداً بيع بعشرين درهما ما بلغ، ولقد شرفت الآن بكم وعظمت في العيون حيث علم الناس أنكم إخوتي، وأني من حفدة إبراهيم.
(اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا) قيل هو القميص المتوارث الذي كان في تعويذ يوسف وكان من الجنة، أَمره جبريل عليه السلام أن يرسله إليه فإنّ فيه ريح الجنة، لا يقع على مبتلى ولا سقيم إلا عوفي (يَاتِ بَصِيراً) يصر بصيراً، كقولك: جاء البناء محكماً، بمعنى صار. ويشهد له (فَارْتَدَّ بَصِيراً) [يوسف: 96]، أو: يأت إليّ وهو بصير. وينصره قوله: (وَاتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ) أي: يأتني أبي، ويأتني آله جميعاً وقيل: يهوذا هو الحامل، قال: أنا أحزنته بحمل القميص ملطوخاً بالدم إليه، فأفرّحه كما أحزنته. وقيل: حمله وهو حافٍ حاسرٌ من مصر إلى كنعان، وبينهما مسيرة ثمانين فرسخاً.
[(وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ* قالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ* فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وينصره قوله: (وَاتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ))، أي: يقوي هذا الوجه- وهو أن يجري (يَاتِ) على حقيقته، ويكون (بَصِيراً) حالاً من فاعله- عطف قوله:(وَاتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ) على (يَاتِ)، لأن المعنى: يأتيني أبي وأهلي كلهم.
فإن قلت: أي الدليلين أظهر؛ قوله: (فَارْتَدَّ بَصِيراً) أم (وَاتُونِي)؟ قلت: الثاني، لأنه أبلغ وأوجز وأقطع لحصول ما ترتب عليه إلقاء القميص- كأنه قيل: لا شك في ارتداد البصر، لأنه مقطوع به، بل الكلام في إتيانه بصيراً-، ولأن إتيان الأهل على سبيل التبعية أولى من العكس، ودخول الأب في زمرة الأهل.
قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ)].
(فَصَلَتِ الْعِيرُ) خرجت من عريش مصر، يقال: فصل من البلد فصولاً، إذا انفصل منه وجاوز حيطانه. وقرأ ابن عباس:"فلما انفصل العير".
(قالَ) لوَلَدِ وَلَدِه ومن حوله من قومه: (إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ) أوجده الله ريح القميص حين أقبل من مسيرة ثمانٍ. والتفنيد: النسبة إلى الفند، وهو الخرف وإنكار العقل من هرم. يقال: شيخ مفند، ولا يقال عجوز مفندة، لأنها لم تكن في شبيبتها ذات رأي، فتفند في كبرها. والمعنى: لولا تفنيدكم إياي لصدقتموني.
(لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ) لفي ذهابك عن الصواب. قدماً في إفراط محبتك ليوسف، ولهجك بذكره، ورجائك للقائه، وكان عندهم أنه قد مات.
(أَلْقاهُ) طرح البشير القميص على وجه يعقوب، أو: ألقاه يعقوب، (فَارْتَدَّ بَصِيراً) فرجع بصيراً. يقال: ردّه فارتد، وارتده إذا ارتجعه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (من عريش مصر)، أي: من عمرانه، الجوهري:"قيل لبيوت مكة: العرش؛ لأنها عيدان تنصب، ويظلل عليها".
قوله: (أوجده الله ريح القميص)، أي: جعله الله واجداً، الجوهري:"أوجده الله مطلوبه؛ أي: أظفره".
قوله: ((لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ) لفي ذهابك عن الصواب)، وأنشد السجاوندي للبيد:
تمنى أن تلاقي آل سلمى
…
بخطمة والمنى طرق الضلال
قوله: (ولهجك بذكره)، الجوهري:"اللهج بالشيء: الولوع، وقد لهج به: إذا أغرى به، فثابر عليه"، أي: واظب عليه.
(أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ) يعني قوله: (إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ)، أو قوله (وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ). وقوله:(إِنِّي أَعْلَمُ) كلام مبتدأٌ لم يقع عليه القول، ولك أن توقعه عليه وتربد قوله:(إنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ). وروي: أنه سأل البشير: كيف يوسف؟ فقال: هو ملك مصر. فقال: ما أصنع بالملك؟ على أي دينٍ تركته؟ قال: على دين الإسلام. قال: الآن تمت النعمة.
[(قالُوا يا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ* قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)].
(سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ) قيل: أخر الاستغفار إلى وقت السحر. وقيل: إلى ليلة الجمعة ليتعمد به وقت الإجابة ......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (يعني: قوله: (إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ))، هذا إذا كان الكلام مع ولد ولده ومن حوله، وقوله:(وَلا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ) إذا كان الكلام مع ولده، ويحتمل الأمرين لمساعدة قرائن المقام، وقوله:(وَأَعْلَمُ مِنْ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ)، وهو تعليل لظهور صدقه فيما قال.
وعلى أن يكون مقولاً للقول: المعنى: إنما أشكو إلى ربي داعياً وملتجئاً لأني أعلم من صنيعه ورحمته وحسن ظني به أنه يأتيني بالفرج من حيث لا أحتسب، فأتى (وَأَعْلَمُ مِنْ اللَّهِ) هناك بالواو تفويضاً لاستفادة الترتب إلى ذهن السامع، كما تقرر، وصرح هنا بـ "إن" للدلالة على التعليل.
قوله: (إلى ليلة الجمعة)، روينا عن الترمذي عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه سولم قال: "قال
وقيل: ليتعرّف حالهم في صدق التوبة وإخلاصها. وقيل: أراد الدوام على الاستغفار لهم. فقد روى أنه كان يستغفر لهم كل ليلة جمعة في نيف وعشرين سنة. وقيل: قام إلى الصلاة في وقت السحر، فلما فرغ رفع يديه وقال: اللهمّ اغفر لي جزعي على يوسف وقلة صبري عنه، واغفر لولدي ما أتوا إلى أخيهم، فأوحي إليه: إنّ الله قد غفر لك ولهم أجمعين.
وروي أنهم قالوا له وقد علتهم الكآبة: ما يُغني عنا عفو كما إن لم يعف عنا ربنا، فإن لم يوح إليك بالعفو فلا قرّت لنا عين أبداً، فاستقبل الشيخ القبلة قائماً يدعو، وقام يوسف خلفه يؤمّن، وقاموا خلفهما أذلة خاشعين عشرين سنة حتى بلغ جهدهم وظنوا أنها الهلكة،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أخي يعقوب لبنيه: (سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي) يقول: حتى تأتي ليلة الجمعة".
قوله: (أراد الدوام)، أي: في (سَوْفَ) زيادة تنفيس وتماد في الفعل، ولا يبعد أن يراد به الدوام، والدليل عليه ما روي أنه كان يستغفر لهم كل ليلة جمعة في نيف وعشرين سنة.
قوله: (واغفر لولدي ما أتوا إلى أخيهم)، أي: فعلوا به من الإساءة. "الأساس": "أتى إليه إحساناً: إذا فعله".
قوله: (وقد علتهم الكآبة)، الجوهري:"الكآبة: سوء الحال والانكسار".
قوله: (وظنوا أنها الهلكة)، أي: الهلاك، والضمير للقصة، والمبتدأ ضمير يرجع إلى ما هم عليه من استبطاء إجابة الدعاء، وبلوغ جهدهم فيه، أي: أن القصة هي الهلكة.
نزل جبريل عليه السلام فقال: إن الله قد أجاب دعوتك في ولدك، وعقد مواثيقهم بعدك على النبوّة، وقد اختلف في استنبائهم.
[(فَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ* وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَقالَ يا أَبَتِ هذا تَاوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ)].
(فَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ) قيل: وَجَّهَ يوسف إلى أبيه جهازاً ومئتي راحلةٍ ليتجهز إليه بمن معه. وخرج يوسف والملك في أربعة آلافٍ من الجند والعظماء وأهل مصر بأجمعهم، فتلقوا يعقوب وهو يمشي يتوكأ على يهوذا، فنظر إلى الخيل والناس فقال: يا يهوذا، أهذا فرعون مصر؟ قال: لا، هذا ولدك، فلما لقيه قال يعقوب عليه السلام: السلام عليك يا مذهب الأحزان
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وعقد مواثيقهم بعدك على النبوة)، من قولهم: عقاد ألوية، جزاز ناصية، جواب قاصية، للخيل جرار. النهاية:"هلك أهل العقد ورب الكعبة، يعني: أرباب الولاية على الأمصار".
قوله: (استنبائهم)، استنبأ الرجل وتنبأ: إذا جعل نبياً.
قوله: (ليتجهز إليه بمن معه): النهاية: "تجهيز الغازي: تحميله وإعداد ما يحتاج إليه في غزوه، ومنه تجهيز العروس والميت".
قوله: (وهو يمشي يتوكأ)، توكأت على عصا، وأوكأت فلاناً إيكاءً: إذا نصبت له متكئاً.
وقيل: إن يوسف قال له لما التقيا: يا أبت، بكيت عليّ حتى ذهب بصرك، ألم تعلم أن القيامة تجمعنا؟ فقال: بلى، ولكن خشيت أن تسلب دينك فيحال بيني وبينك، وقيل: إنّ يعقوب وولده دخلوا مصر وهم اثنان وسبعون، ما بين رجل وامرأة، وخرجوا منها مع موسى ومقاتلتهم ستمائة ألف وخمسمائة وبضعة وسبعون رجلا سوى الذرية والهرمى، وكانت الذرّية ألف ألف ومئتي ألف.
(آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ) ضمهما إليه واعتنقهما. قال ابن أبي إسحاق: كانت أمّه تحيا، وقيل: هما أبوه وخالته، ماتت أمّه فتزوّجها وجعلها أحد الأبوين، لأنّ الرابة تدعى أمّاً، لقيامها مقام الأمّ، أو لأنّ الخالة أمّ كما أنّ العم أب. ومنه قوله:(وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ)[البقرة: 133].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أن تسلب دينك)، وهو مستند إلى ضمير المخاطب، و"دينك": بدل اشتمال.
قوله: (وهم اثنان وسبعون، ما بين رجل وامرأة)، "ما" موصوفة، والظرف مع متعلقه: صفتها، أي: عدداً حصل وثبت بين رجل وامرأة.
ويجوز أن يكون المجموع كناية عن المميز، أي: اثنان وسبعون ذكوراً وإناثاً، أو المميز محذوف، والجملة خبر بعد خبر.
فإن قلت: ما معنى دخولهم عليه قبل دخولهم مصر؟ قلت: كأنه حين استقبلهم نزل لهم في مضرب أو بيتٍ ثم، فدخلوا عليه وضمّ إليه أبويه، ثم قال لهم (ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ) ولما دخل مصر وجلس في مجلسه مستوياً على سريره واجتمعوا إليه، أكرم أبويه فرفعهما على السرير (وَخَرُّوا لَهُ) يعني: الإخوة الأحد عشر والأبوين (سُجَّداً) ويجوز أن يكون قد خرج في قبةٍ من قباب الملوك التي تحمل على البغال، فأمر أن يرفع إليه أبواه، فدخلا عليه القبة، فآواهما إليه بالضم والاعتناق وقرّبهما منه، وقال بعد ذلك: ادخلوا مصر.
فإن قلت: بم تعلقت المشيئة؟ قلت: بالدخول مكيفاً بالأمن، لأن القصد إلى اتصافهم بالأمن في دخولهم، فكأنه قيل لهم: اسلموا وأمنوا في دخولكم إن شاء الله. ونظيره قولك للغازى: ارجع سالماً غانماً إن شاء الله. فلا تعلق المشيئة بالرجوع مطلقاً، ولكن مقيداً بالسلامة والغنيمة، مكيفاً بهما. والتقدير: ادخلوا مصر آمنين إن شاء الله دخلتم آمنين، ثم حذف الجزاء لدلالة الكلام عليه، ثم اعترض بالجملة الجزائية بين الحال وذي الحال.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (كأنه قيل [لهم]: اسلموا وائمنوا في دخولكم)، يعني: في التركيب معنى الدعاء، ولذلك أتى بهما على لفظ الأمر.
قوله: (ثم اعترض بالجملة الجزائية- أي: الشرطية- بين الحال وعامله)، قال صاحب "الفرائد": التقدير: ادخلوا مصر إن شاء الله دخلتم آمنين، فـ (آَمِنِينَ) متعلق بالجزاء المحذوف، فعلى هذا لا يفتقر إلى التقديم والتأخير، وإلى أن تجعل الجزائية معترضة بين الحال وذي الحال.
ومن بدع التفاسير أن قوله (إِنْ شاءَ اللَّهُ) من باب التقديم والتأخير، وأن موضعها ما بعد قوله (سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي) في كلام يعقوب، وما أدري ما أقول فيه وفي نظائره!
فإن قلت: كيف جاز لهم أن يسجدوا لغير الله؟ قلت: كانت السجدة عندهم جارية مجرى التحية والتكرمة، كالقيام، والمصافحة وتقبيل اليد ونحوها مما جرت عليه عادة الناس، من أفعال شهرت في التعظيم والتوقير. وقيل: ما كانت إلا انحناء دون تعفير الجباه، وخرورهم سجداً يأباه. وقيل: معناه وخرّوا لأجل يوسف سجداً لله شكراً. وهذا أيضاً فيه نبوة.
يقال: أحسن إليه وبه، وكذلك أساء إليه وبه. قال:
أَسِيئِى بِنَا أَوْ أَحْسِنِى لَا مَلُومَةً
(مِنَ الْبَدْوِ) من البادية، لأنهم كانوا أهل عمد وأصحاب مواش ينتقلون في المياه والمناجع (نَزَغَ) أفسد بيننا وأغرى، وأصله من نخس الرائض الدابة وحمله على الجري. يقال، نزغه ونسغه، إذا نخسه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقلت: ولا ارتياب أن هذا الاستثناء في أثناء الكلام كالتسمية في الشروع فيه للتيمن والتبرك، قال تعالى:(وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً* إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ)[الكهف: 23 - 24]، واستعماله مع الجزاء كالشريعة المنسوخة، فحسن موقعه في الكلام أن يكون معترضاً.
قوله: (وهذا أيضاً فيه نبوة)، لأن السجدة كانت تكرمة؛ لقوله:(إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ)[يوسف: 4].
قوله: (أهل عمد)، الأساس:"يقال لأصحاب الأخبية هم: أهل عمود، وأهل عماد، وأهل عمد". والنجعة: طلب الكلأ.
(لَطِيفٌ لِما يَشاءُ) لطيف التدبير لأجله، رفيق حتى يجيء على وجه الحكمة والصواب. وروي: أن يوسف أخذ بيد يعقوب فطاف به في خزائنه، فأدخله خزائن الورق والذهب، وخزائن الحلىّ، وخزائن الثياب، وخزائن السلاح وغير ذلك، فلما أدخله خزانة القراطيس قال: يا بنيّ، ما أعقك! عندك هذه القراطيس وما كتبت إليّ على ثمان مراحل؟ قال: أمرني جبريل. قال أو ما تسأله؟ قال: أنت أبسط إليه مني فسله. قال جبريل عليه السلام: الله تعالى أمرني بذلك لقولك (وَأَخافُ أَنْ يَاكُلَهُ الذِّئْبُ)، قال: فهلا خفتني؟
وروي أن يعقوب أقام معه أربعاً وعشرين سنة ثم مات. وأوصى أن يدفنه بالشام إلى جنب أبيه إسحاق. فمضى بنفسه ودفنه ثمة، ثم عاد إلى مصر، وعاش بعد أبيه ثلاثاً وعشرين سنة، فلما تم أمره وعلم أنه لا يدوم له، طلبت نفسه الملك الدائم الخالد، فتاقت نفسه إليه فتمنى الموت. وقيل: ما تمناه نبي قبله ولا بعده، فتوفاه الله طيباً طاهراً، فتخاصم أهل مصر وتشاحوا في دفنه؛ كل يحب أن يدفن في محلتهم حتى هموا بالقتال، فرأوا من الرأي: أن عملوا له صندوقاً من مرمرٍ وجعلوه فيه، ودفنوه في النيل بمكان يمرّ عليه الماء ثم يصل إلى مصر ليكونوا كلهم فيه شرعًا واحداً.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لطيف التدبير لأجله)، أي: لأجل ما يشاء، يريد: أن قوله: (لِمَا يَشَاءُ) مطلق، لكن قيد لقرنية المقام به، أي: لطيف التدبير في جميع الأشياء حيث دبر أمري كذلك، قال السجاوندي: ذكر الخروج من السجن دون الدخول لئلا يكون شكاية عن الله تعالى، ولم يذكر الجب لئلا يستحيي إخوته.
قوله: (فتاقت)، اشتاقت.
قوله: (وتشاحوا): يقال: تشاح الرجلان على الأمر: لا يريدان أن يفوتهما.
قوله: (شرعاً واحداً)، الجوهري:"الناس في هذا الأمر شرع؛ أي: سواء، يحرك ويسكن، يستوي فيه الواحد والجمع، والمذكر والمؤنث".
وولد له: إفراثيم وميشا، وولد لإفراثيم نون، ولنون يوشع فتى موسى، ولقد توارثت الفراعنة من العماليق بعده مصر، ولم يزل بنو إسرائيل تحت أيديهم على بقايا دين يوسف وآبائه. إلى أن بعث الله موسى صلى الله عليه وسلم.
[(رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَاوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ)].
«من» في (مِنَ الْمُلْكِ) و (مِنْ تَاوِيلِ الْأَحادِيثِ) - للتبعيض، لأنه لم يعط إلا بعض ملك الدنيا، أو بعض ملك مصر وبعض التأويل (أَنْتَ وَلِيِّي) أنت الذي تتولاني بالنعمة في الدارين، ويوصل الملك الفاني بالملك الباقي (تَوَفَّنِي مُسْلِماً) طلبٌ للوفاة على حال الإسلام، ولأن يختم له بالخير والحسنى، كما قال يعقوب لولده:(وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[البقرة: 132]،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ولقد توارثت الفراعنة من العماليق بعده مصر) أي: بعد يوسف، إلى قوله:(إلى أن بعث الله محمداً صلوات الله عليه)، فيه بحث، ولو قال: إلى أن بعث الله موسى عليه السلام كان أولى، لأنه عليه السلام خلص بني إسرائيل من تحت يد فرعون، ونقلهم إلى الشام.
قوله: (أو بعض ملك مصر)، ظاهره ينافي قوله تعالى:(وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ)[يوسف: 56]، اللهم إلا أن يحمل الملك على المالكية، لا على التسلط والتصرف.
قوله: (كما قال يعقوب لولده: (وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ))، وجه المشابهة أنه عليه السلام أمرهم بأن يموتوا على الإسلام، والموت ليس بمقدورهم، فيكون أمراً بأن يكونوا
ويجوز أن يكون تمنياً للموت على ما قيل: (وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) من آبائي أو على العموم.
وعن عمر بن عبد العزيز: أنّ ميمون بن مهران بات عنده، فرآه كثير البكاء والمسألة للموت، فقال له: صنع الله على يديك خيراً كثيراً؛ أحييت سنناً وأمت بدعاً، وفي حياتك خيرٌ وراحة للمسلمين! فقال: أفلا أكون كالعبد الصالح لما أقرّ الله عينه وجمع له أمره قال: توفني مسلماً وألحقني بالصالحين.
فإن قلت: علام انتصب (فاطر السموات)؟ قلت: على أنه وصفٌ لقوله (رَبِّ) كقولك: أخا زيدٍ حسن الوجه، أو على النداء.
[(ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ)].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
على حالة إن أدركهم الموت أدركهم وهم على تلك الحالة، وهي حالة الإسلام، فصح قوله:"طلباً للوفاة على حال الإسلام".
قوله: (ويجوز أن يكون تمنياً للموت على ما قيل)، أي: على ما سبق القول آنفاً، وهو قوله:"وقيل: ما تمناه نبي قبله ولا بعده".
قوله: (أن ميمون بن مهران)، قال صاحب "الجامع":"هو أبو أيوب ميمون بن مهران مولى بني أسد، سمع ابن عمر وابن عباس وأبا الدرداء، ولد سنة أربعين، ومات سنة ثماني عشرة ومئة".
قوله: (كقولك: أخا زيد حسن الوجه)، قيل:"حسن الوجه" نكرة، لأن الإضافة لفظية، و"أخا زيد" معرفة، فيكف تقع صفة له، وهو بدل في الظاهر؟ والجواب موقوف على المراد من إيقاع (فَاطِرِ السَّمَوَاتِ) وصفاً لقوله:(رَبِّ)، وأنها من أي قبيل هي؟ وذلك أن
(ذلِكَ) إشارةٌ إلى ما سبق من نبأ يوسف، والخطابُ لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومحله الابتداء. وقوله (مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ) خبر "إنّ"
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يوسف عليه السلام لما قال: (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنْ الْمُلْكِ) أتبعه بذكر (فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) استلذاذاً ودفعاً لما عسى أن يدخل في خلد غبي من الشركة، فكيف وقد سبق أنه قال:(إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ)؟ ألا ترى إلى سحرة فرعون كيف ميزوا رب العالمين بقولهم: (رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ)[الأعراف: 122]! وما ذلك إلا لتوهم الشيوع. ولما كان "أخا زيد" مثالاً له ينبغي أن يحمل على الشيوع أيضاً، وذلك بأن يكون لزيد إخوة فيهم حسن الوجه وقبيحه، فيميز أحدهم بحسن الوجه.
ونحوه إيقاع "يسبني" صفة "اللئيم"، فيكون "أخو زيد" في تأويل "واحد من الإخوة"، وفيه بحث.
وقيل: يمكن أن يقال: مراده من هذا التشبيه أنه مثله في أنه ليس منادى مستقلاً، فكما أن (فَاطِرِ السَّمَوَاتِ) تابع لما قبله، وليس منادى مستقلاً، ولما اشتركا في هذا المعنى شبهه به، وإن اختلفا في أن أحدهما صفة، والآخر بدل.
ويجوز أن يكون اسماً موصولاً بمعنى الذي، و (مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ) صلته، و (نُوحِيهِ) الخبر. والمعنى: أن هذا النبأ غيب لم يحصل لك إلا من جهة الوحي؛ لأنك لم تحضر بني يعقوب حين أجمعوا أمرهم، وهو إلقاؤهم أخاهم في البئر، كقوله:(وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ)؛ وهذا تهكم بقريش وبمن كذبه؛
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وهذا تهكم بقريش)، يعني قوله:(وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ) الآية، وذلك أنه صلوات الله عليه أخبرهم بهذه القصة العجيبة التي عجزت عنها رواته من غير أن يخرم منها حرفاً، فصدقوه في ذلك، مع استمرارهم على إنكار الوحي، فخوطب به صلوات الله عليه معرضاً بهم على سبيل التهكم، استركاكاً لعقولهم، وإليه الإشارة بقوله:"يا مكابرة"، يعني: أيها المكابرون، إنه لم يخف عليكم أنه لم يكن من حملة هذا الحديث، ولا لقي فيها أحداً، ولا سمع منه، ولم يكن من علم قومه، ولم يكن مشاهداً لذلك أيضاً، فلم يبق إلا الوحي، فإذا أنكرتم الوحي لزم أنكم لم تصدقوه فيما صدقتموه، وإليه الإشارة بقوله:"فإذا أنكروه- أي: الوحي- تهكم بهم"، لأنه لزمهم نفي ما أثبتوه، فإن التهكم ينتزع من نفس التضاد.
وأحسن منه قول القاضي: " (ذَلِكَ) إشارة إلى ما ذكر من نبأ يوسف، والخطاب للرسول [صلى الله عليه وسلم]، وهو مبتدأ، وقوله: (مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ) خبران له، (وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ) الآية: كالدليل عليهم، والمعنى: إن هذا النبأ غيب لم تعرفه إلا بالوحي، لأنك لم تحضر إخوة يوسف حين عزموا على ما هموا به في غيابة الجب، وهم يمكرون به وبأبيه ليرسله معهم، ومن المعلوم الذي لا يخفى على مكذبيك أنك ما لقيت أحداً سمع ذلك، فتعلمه منه، وإنما حذف هذا الشق استغناء بذكره في غير هذه القصة، كقوله: (مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا) [هود: 49] ".
لأنه لم يخف على أحد من المكذبين أنه لم يكن من حملة هذا الحديث وأشباهه، ولا لقى فيها أحداً ولا سمع منه. ولم يكن من علم قومه. فإذا أخبر به وقصّ هذا القصص العجيب الذي أعجز حملته ورواته، لم تقع شبهة في أنه ليس منه وأنه من جهة الوحي، فإذا أنكروه تهكم بهم. وقيل لهم: قد علمتم يا مكابرة أنه لم يكن مشاهداً لمن مضى من القرون الخالية. ونحوه: (وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ)[القصص: 44]. (وَهُمْ يَمْكُرُونَ) بيوسف ويبغون له الغوائل.
[(وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ* وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ)].
(وَما أَكْثَرُ النَّاسِ) يريد العموم، كقوله:(وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ)[هود: 17]، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أراد أهل مكة، أي: وما هم بمؤمنين (وَلَوْ حَرَصْتَ) وتهالكت على إيمانهم لتصميمهم على الكفر وعنادهم.
(وَما تَسْئَلُهُمْ) على ما تحدثهم به وتذكرهم أن ينيلوك منفعة وجدوى، كما يعطى حملة الأحاديث والأخبار (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ) عظةٌ من الله (لِلْعالَمِينَ) عامةً، وحث على طلب النجاة على لسان رسول من رسله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقصة هذا القصص)، الضمير في "قصه" للحديث، و"هذا القصص": مفعول مطلق.
قوله: ((لِلْعَالَمِينَ) عامة، وحث على طلب النجاة على لسان رسول من رسله)، اعلم أن هذا الكلام إلى آخره بيان لمنافاة طلب الأجر، لأن كونه تذكيراً من الله وموعظة، وكونه عامة للثقلين، وكونه طلباً للنجاة، وكونه رسولاً واحداً من رسله، يأبى أن يطلب من كفار قريش الأجر؛ لأن كونه تذكيراً من الله تعالى لعباده، فلأنه تعالى مستغن عن العالمين، فينافي طلب الأجر من قريش، وكونه عامة للثقلين يبعد أن يطلب الأجر من قريش، وكونه طلباً
[(وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ)].
(مِنْ آيَةٍ) من علامةٍ ودلالة على الخالق وعلى صفاته وتوحيده، (يَمُرُّونَ عَلَيْها) ويشاهدونها وهم معرضون عنها لا يعتبرون بها. وقرئ «والأرض» بالرفع على الابتداء، و (يمرون عليها): خبره. وقرأ السدّي «والأرض» بالنصب؛ على: ويطؤون الأرض يمرّون عليها. وفي مصحف عبد الله: "والأرض يمشون عليها"، برفع "الأرض"، والمراد: ما يرون من آثار الأمم الهالكة وغير ذلك من العبر.
[(وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ)].
(وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ) في إقراره بالله وبأنه خلقه وخلق السموات والأرض، إلا وهو مشرك بعبادته الوثن، وعن الحسن: هم أهل الكتاب؛ معهم شرك وإيمان. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: هم الذين يشبهون الله بخلقه.
[(أَفَأَمِنُوا أَنْ تَاتِيَهُمْ غاشِيَةٌ مِنْ عَذابِ اللَّهِ أَوْ تَاتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ)].
(غاشِيَةٌ) نقمة تغشاهم. وقيل: ما يغمرهم من العذاب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
للنجاة من الدنيا ينافي أن يطلب به حطام الدنيا، وكونه رسولاً واحداً من رسله له أسوة بسائر الرسل، وما طلب نبي قط أجراً من أمته.
قوله: (معهم شرك وإيمان)، فإن اليهود والنصارى جمعوا بين الإيمان بالله والتوراة والإنجيل، وبين الشرك؛ قالت اليهود عزير ابن الله، وقالت النصارى المسيح ابن الله.
قوله: (وقيل: ما يغمرهم)، فعلى الأول: من الغشيان، وعلى الثاني: من الغشاء، وهو الغطاء.
ويجللهم. وقيل: الصواعق.
[(قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحانَ اللَّهِ وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ)].
(هذِهِ سَبِيلِي) هذه السبيل التي هي الدعوة إلى الإيمان والتوحيد سبيلي. والسبيل والطريق: يذكران ويؤنثان، ثم فسر سبيله بقوله (أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ) أي: أدعو إلى دينه مع حجة واضحةٍ غير عمياء، و (أَنَا) تأكيدٌ للمستتر في (أَدْعُوا)، (وَمَنِ اتَّبَعَنِي) عطفٌ عليه. يريد: أدعو إليها أنا، ويدعو إليها من اتبعني.
ويجوز أن يكون (أَنَا) مبتدأ، و (عَلى بَصِيرَةٍ) خبراً مقدّماً، (ومَنِ اتَّبَعَنِي) عطفاً على (أَنَا) إخباراً مبتدأ بأنه ومن اتبعه على حجة وبرهان، لا على هوى.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ويجللهم)، جلل الشيء تجليلاً؛ أي: عم، والمجلل: السحاب الذي يعم الأرض بالمطر.
قوله: (هذه السبيل التي هي الدعوة إلى الإيمان والتوحيد: سبيلي)، يشير إلى أن المشار إليه ما في الذهن، وهو معنى (سَبِيلِي)، ومعنى (سَبِيلِي) ما في قوله:(أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ)، وهو الإيمان، وفي قوله:(وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ)، وهو التوحيد.
قوله: (إخباراً مبتدأ)، عامله مضمر، أي: يخبر إخباراً، أو خبر بعد خبر لـ "كان"،
ويجوز أن يكون (عَلى بَصِيرَةٍ) حالاً من (أَدْعُوا) عاملة الرفع في (أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي).
(وَسُبْحانَ اللَّهِ) وأنزهه من الشركاء.
[(وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ)].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أو تمييزاً، أي: يجوز أن يكون كذا من هذه الجهة.
قال صاحب "المرشد": " (أَدْعُو إِلَى اللَّهِ) وقف حسن، (عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي) مثله، هذا مذهب أبي حاتم، وهو الجيد".
قوله: (وأنزهه من الشركاء)، مؤذن بأن قوله:(وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ) حال من فاعل "أسبح"، وأن قوله:(وَسُبْحَانَ اللَّهِ) عطف على قوله: (أَدْعُو إِلَى اللَّهِ)، هذا يقوي أن يكون قوله:(عَلَى بَصِيرَةٍ) حالاً من (أَدْعُو).
وفيه: أن من يدعو الناس إلى الله وإلى دينه ينبغي أن يكون على برهان وحجة من اله؛ لئلا يضلهم، ومن ينزهه عما لا يليق بجلاله ينبغي أن يكون موحداً؛ لئلا يميل إلى الإلحاد والإشراك، وهو تعريض بمن يثبت العقول، أو يقول: العبد مستقل بالخلق، تلخيصه: أنا هاد غير مضل، ومهتد غير ضال.
(إِلَّا رِجالًا) لا ملائكة، لأنهم كانوا يقولون:(لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً)[فصلت: 14]، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: يريد ليست فيهم امرأة. وقيل: في سجاح المتنبئة
وَلَمْ تَزَلْ أَنْبِيَاءُ اللَّهِ ذُكْرَانَا
وقرئ: (نوحي إليهم)، بالنون. (مِنْ أَهْلِ الْقُرى) لأنهم أعلم وأحلم، وأهل البوادي فيهم الجهل والجفاء والقسوة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ولم تزل أنبياء الله ذكراناً)، أوله:
أضحت نبيتنا أنثى نطوف بها
وفي رواية:
.. نبيتنا فينا مؤنثة
سجاح: هي بنت المنذر، تنبأت في أيام مسليمة، فأتت لتختبره، فآمنت به، وسلمت أمرها له.
قوله: (وقرئ: (نُّوحِي) بالنون)، حفص: بالنون وكسر الحاء، والباقون: بالياء وفتح الحاء.
(وَلَدارُ الْآخِرَةِ) ولدار الساعة أو الحال الآخرة (خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا) للذين خافوا الله فلم يشركوا به ولم يعصوه. وقرئ: (أَفَلَا تَعْقِلُونَ)، بالتاء والياء.
[(حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ وَلا يُرَدُّ بَاسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ)].
(حَتَّى) متعلقة بمحذوفٍ دلّ عليه الكلام، كأنه قيل:(وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا)، فتراخى نصرهم حتى استيأسوا عن النصر (وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا) أي: كذبتهم أنفسهم حين حدّثتهم بأنهم ينصرون، أو رجاؤهم لقولهم: رجاءٌ صادق، ورجاءٌ كاذب. والمعنى: أنّ مدّة التكذيب والعداوة من الكفار وانتظار النصر من الله وتأميله قد تطاولت عليهم وتمادت، حتى استشعروا القنوط وتوهموا أن لا نصر لهم في الدنيا، فجاءهم نصرنا فجأة من غير احتساب.
وعن ابن عباسٍ رضي الله عنهما: وظنوا حين ضعفوا وغلبوا أنهم قد أُخلفوا ما وعدهم الله من النصر وقال: كانوا بشرا، وتلا قوله (وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ) [البقرة: 214]،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أي: كذبتهم أنفسهم حين حدثتهم بأنهم ينصرون)، يعني: تحدثوا من عند أنفسهم أنهم ينصرون، فملا تراخى النصر وتوهموا أن لا نصر لهم جاءهم النصر، فهو من باب التجريد، كقوله تعالى:(يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ)[البقرة: 9] في وجه.
قوله: (أو رجاؤهم)، عطف على "أنفسهم"، ويجوز إسناد "كذب" إلى الرجاء؛ لما يقال: رجاء صادق وكاذب.
فإن صح هذا عن ابن عباس، فقد أراد بالظنّ: ما يخطر بالبال ويهجس في القلب من شبه الوسوسة وحديث النفس على ما عليه البشرية. وأمّا الظن الذي هو ترجح أحد الجائزين على الآخر، فغير جائز على رجل من المسلمين، فما بال رسل الله الذين هم أعرف الناس بربهم، وأنه متعال عن خلف الميعاد، منزه عن كل قبيح؟ !
وقيل: وظن المرسل إليهم أنّ الرسل قد كذبوا، أي: أخلفوا. أو: وظنّ المرسل إليهم أنهم كذبوا من جهة الرسل، أي: كذبتهم الرسل في أنهم ينصرون عليهم ولم يصدّقوهم فيه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فإن صح)، قلت: ما أصحه! وقد رواه البخاري في "صحيحه" في رواية ابن أبي مليكة: "قرأ ابن عباس: (حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا) - خفيفة- قال: ذهب بها هنالك، ثم تلا: (حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ) الآية، قال: فلقيت عروة بن الزبير، فذكرت ذلك له، فقال: قالت عائشة رضي الله عنها: معاذ الله! والله ما وعد الله رسوله من شيء إلا علم أنه كائن قبل أن يموت، ولكن لم يزل البلاء بالرسل، حتى خافوا أن يكون من معهم من قومهم يكذبونهم. وكانت تقرؤها: (أنهم قد كذبوا) - مثقلة-".
قوله: (أو: وظن المرسل إليهم أنهم قد كذبوا من جهة الرسل)، يريد: أن الرسل كانوا وعدوهم بنزول العذاب، ثم إنهم إن كانوا معاندين: فوجه الظن ظاهر، وإن لم يكونوا معاندين فكذلك، لأنهم لابد من أن يشاهدوا من الرسل أمارات تدل على صدقهم في الحديث.
يؤيده ما روينا عن البخاري ومسلم عن ابن عباس: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال
وقرئ: "كذبوا" بالتشديد على: وظن الرسل أنهم قد كذبتهم قومهم فيما وعدوهم من العذاب والنصرة عليهم. وقرأ مجاهد: "كذبوا" بالتخفيف، على البناء للفاعل، على: وظن الرسل أنهم قد كذبوا فيما حدثوا به قومهم من النصرة، إمّا على تأويل ابن عباس، وإمّا على أنّ قومهم إذا لم يروا لموعدهم أثراً قالوا لهم:
إنكم قد كذبتمونا،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لقريش: أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقي؟ قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقاً".
وفي "إيجاز البيان" حسب القوم أن الرسل كاذبون، فهم على هذا مكذوبون، لأن من كذبك فأنت مكذوبه، كما في صفة الرسول صلى الله عليه وسلم: أنه الصادق المصدوق؛ أي: صدقه جبريل عليه السلام".
وسئل سعيد بن جبير عنها في دعوة حضرها الضحاك مكرهاً، فقال: نعم، حين استيأس الرسل من قومهم أن يصدقوهم، وظن القوم أن الرسل كذبوهم، فقال الضحاك: ما رأيت كاليوم؛ يدعى إلى علم رجل فلا يتلكأ، لو رحلت في هذا إلى اليمن لكان يسيراً.
تلكأ عن الأمر تلكؤاً: تباطأ عنه وتوقف.
قوله: (وقرئ: "كذبوا" بالتشديد)، عاصم وحمزة والكسائي: بالتخفيف، والباقون: بالتشديد.
قوله: (إما على تأويل ابن عباس)، أي: وظنوا حين ضعفوا وغلبوا أنهم قد أخلفوا.
فيكونون كاذبين عند قومهم. أو وظنّ المرسل إليهم أنّ الرسل قد كذبوا. ولو قرئ بهذا مشدّداً، لكان معناه، وظنّ الرسل أن قومهم كذبوهم في موعدهم.
قرئ: "فننجي" بالتخفيف والتشديد، من أنجاه ونجاه. و (فنجى) على لفظ الماضي المبني للمفعول، وقرأ ابن محيصن:"فنجا". والمراد بـ (مَنْ نَشاءُ): المؤمنون؛ لأنهم الذين يستأهلون أن يشاء نجاتهم. وقد بين ذلك بقوله: (وَلا يُرَدُّ بَاسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ).
[(لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)].
الضمير في (قَصَصِهِمْ) للرسل، وينصره قراءة من قرأ:"فِي قَصَصِهِمْ" بكسر القاف. وقيل: هو راجع إلى يوسف وإخوته.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فيكونون كاذبين عند قومهم)، وعلى الأول: كانوا كاذبين في وسوستهم وبالهم.
قوله: (قرئ: فننجي" بالتخفيف والتشديد)، محيي السنة:"قراءة العامة: بنونين، أي: نحن ننجي، وابن عامر وحمزة وعاصم ويعقوب: بنون واحدة مضمومة، وتشديد الجيم، وفتح الياء؛ على ما لم يسم فاعله، لأنها مكتوبة في المصحف بنون واحدة".
قوله: (وينصره قراءة من قرأ: "في قصصهم")، لأن "القصص" جمع قصة، ولكل
فإن قلت: فإلام يرجع الضمير في (ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى)، فيمن قرأ بالكسر؟ قلت: إلى القرآن، أي: ما كان القرآن حديثاً يفترى لكِنْ كان (تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ) أي: قبله من الكتب السماوية (وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ) يحتاج إليه في الدين، لأنه القانون الذي يستند إليه السنة والإجماع والقياس بعد أدلة العقل.
وانتصاب ما نصب بعد (وَلَكِنْ) للعطف على خبر "كان". وقرئ ذلك بالرفع على: ولكن هو تصديق الذي بين يديه.
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "علموا أرقاءكم سورة يوسف، فإنه أيما مسلم تلاها وعلمها أهله وما ملكت يمينه هؤن الله عليه سكرات الموت، وأعطاه القوّة أن لا يحسد مسلماً".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نبي قصة، ولو أريد بالضمير يوسف وإخوته لم يصح إلا الفتح، لأنه لم يكن لهم إلا قصة واحدة.
الجوهري: "القصة: الأمر والحديث، وقص عليه الخبر قصصاً، والاسم أيضاً: القصص- بفتح القاف-، وضع موضع المصدر حتى صار أغلب عليه، وبكسر القاف: جمع القصة التي تكتب".
والله سبحانه وتعالى أعلم
سورة الرعد
مختلف فيها وهي ثلاث وأربعون آية
بسم الله الرحمن الرحيم
[(المر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ)].
(تِلْكَ) إشارةٌ إلى آيات السورة. والمراد بالكتاب السورة، أي: تلك الآيات آيات السورة الكاملة العجيبة في بابها، ثم قال (وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ) من القرآن كله هو (الْحَقُّ) الذي لا مزيد عليه، لا هذه السورة وحدها،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سورة الرعد
مختلف فيها، وهي ثلاث وأربعون آية
قوله: (الكاملة)، وذلك أن خبر المبتدأ إذا عرف بلام الجنس أفاد المبالغة، وأن هذا المحكوم عليه اكتسب من الفضيلة ما يوجب جعله نفس الجنس، وأنه ليس نوعاً من أنواعه، وهو في الظاهر كالممتنع، ومن ثم قال:"العجيبة في بابها"، قال في البقرة:"إن ذلك هو الكتاب الكامل، كأن ما عداه من الكتب في مقابلته ناقص، وأنه الذي يستأهل أن يسمى كتاباً".
وفي أسلوب هذا الكلام قول الأنمارية: هم كالحلقة المفرعة، لا يدرى أين طرفاها؟ تريد: الكَمَلة.
[(اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ* وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وَأَنْهاراً وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)].
(اللَّهُ) مبتدأ، و (الَّذِي) خبره، بدليل قوله (وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (قول الأنمارية)، هي فاطمة بنت الخرشب تصف أبناءها، ولدت لزياد العبسي: ربيعاً الكامل، وعمارة الوهاب، وقيساً الحفاظ، وأنس الفوارس، قيل لها: أيهم أفضل؟ فقالت: عمارة، لا بل فلان، لا بل فلان، ثم قالت: ثكلتهم إن كنت أعلم أيهم أفضل، هم كالحلقة المفرغة.
والأسلوب من باب الرجوع من التفصيل إلى الإجمال، تنبيهاً على نفاذ الوصف دون الكمال.
قوله: (تريد الكملة)، الجوهري:"رجل كامل، وقوم كملة، مثل: حافد وحفدة، وأعطه هذا المال كملاً"، أي: هم متناسبون في الخصال كاملون فيها، بحيث يمتنع تعيين فاضل بينهم ومفضول، كالحلقة المفرغة الممتنعة من تعيين بعضها طرفاً وبعضها وسطاً، وهو من التشبيه العقلي الذي الوجه فيه غير واحد، لكنه في حكم الواحد.
قوله: ((اللهُ) مبتدأ، و (الَّذِي) خبره، بدليل قوله:(وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ))، يريد: أن قوله: (وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ) الآية، معطوف على قوله: (اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ
ويجوز أن يكون صفة. وقوله: (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ) خبرٌ بعد خبر، وينصره ما تقدّمه من ذكر الآيات.
(رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها) كلام مستأنف استشهاد برؤيتهم لها كذلك.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تَرَوْنَهَا)، وهو مبتدأ وخبر، ليس إلا، فيحمل المعطوف عليه على ما هو المعطوف ليتوافقا لجامع شبه التضاد، وذلك أن الموصولة في الأول مشتملة على ذكر العلويات من السماء ورفعها، والعرش والاستواء عليه، والشمس والقمر وتسخيرهما، وفي الثاني مشتملة على ذكر السفليات من الأرض ومدها، والجبال وإرسائها، والأنهار وإجرائها، والثمرات وإخراجها.
وفائدة هذه الطريقة الإيذان بتعظيم المنزل، لأن قوله:(اللهُ) مظهر وضع موضع المضمر، فإنه تعالى لما قال:(وَالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ) صرح بالاسم الجامع، ونسب إليه العلويات والسفليات؛ على معنى: منزله من يفعل تلك الأفعال العظيمة.
قوله: (وينصره ما تقدمه من ذكر الآيات)، يعني: ينصر قول من قال: إن "الذي" صفة، وقوله:(يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ) خبر بعد خبر: أن الكلام السابق وارد في ذكر آيات الكتاب ووصفها بالكمال، وبلوغها فيه أقصى الغاية، فجيء بقوله:(اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ) بياناً للموجب، وفي إيقاع الموصولة المشتملة على تلك الأوصاف العظام التي تتحير فيها العقول والأوهام إشعار بتعظيم الخبر الذي هو التدبير والتفصيل، كأنه قيل: فما ظنك بآيات كتاب فصله، وقرآن أنزله ودبره على وجه المصالح وكفاء الحوادث، من دبر أمور العالم، وفصل الآيات الباهرات دلائل على توحيده! وأعظم بتدبير وتفصيل صفة مدبره ونعت مفصله أنه (اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ)!
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأنشد صاحب "المفتاح" من هذا الأسلوب قول الفرزدق:
إن الذي سمك السماء بنى لنا
…
بيتاً دعائمه أعز وأطول
وهذا الوجه من البلاغة بمنزل.
وعلى الأول: (يُدَبِّرُ) جملة مستأنفة على تقدير سؤال، أي: الذي رفع السماوات على هذه الصفة، واستوى على العرش وسخر الشمس والقمر، ما داعي حكمته في إنشائها وتسخيرها والاستواء عليه؟ فقيل: يدبر الأمر يفصل الآيات الدالة على وجود منشئها، وحكمة مخترعها، ليوقن المكلفون أن المرجع إليه، ويؤمنوا أن لابد من لقائه، ليثيبهم ويعاقبهم على ما ابتلوا به، وإليه الإشارة بقوله:(لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ).
وقوله: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ): مثله ما في سورة يونس: (إِنَّ رَبَّكُمْ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ) إلى قوله: (إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللَّهِ حَقّاً إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)[يونس: 3 - 4] إلى آخر الآيات، والله أعلم.
وقال صاحب "التقريب" في الفرق بين الخبر والصفة: "أنه إذا جعل "الذي" صفة، فهي كأنها معلومة، فذكرها ليستدل بها، وإذا جعل خبراً لم يلزم العلم بها قبل الإخبار، فيكون الإخبار بهذه الآيات دعاوى لا دلائل، والأولى أن يقول: إنما لا يلزم لو كان الخبر غير مصدر بـ "الذي"، أما إذا كان مصدراً به فيلزم، إذ الصلة حقها أن تكون معلومة كالصفة، فقد استويا"، تم كلامه. وفيه بحث، والتحقيق ما أسلفناه.
وقيل هي صفةٌ لـ (عمدٍ). ويعضده قراءة أبيّ. "ترونه"،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((رَفَعَ السَّمَوَاتِ))، شروع في التفسير مفصول عما قبله، و" (تَرَوْنَهَا) " مبتدأ، والخبر "كلام مستأنف"، أي: جملة منقطعة واردة لبيان أن السماوات رفعت بغير عمد، كأنه لما قيل:(رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ)، فقيل: وما الدليل عليه، وما الذي يستشهد به لذلك؟ فأجيب: برؤية الناس لها غير معمودة، وإليه الإشارة بقوله:"استشهاد برؤيتهم لها كذلك".
وأتى في "لقمان" بنظير لذلك حيث قال: "أنا بغير سيف ولا رمح تراني"، وذلك أني لما قلت:"أنا بغير سيف ولا رمح"، فقيل لك: ما الذي يدل عليه؟ أجيب: بأنك تراني بلا سيف ولا رمح.
قوله: (وقيل: هي صفة لـ (عَمَدٍ))، قال الزجاج:"يجوز أن يكون (تَرَوْنَهَا) من نعت "العمد"، أي: بغير عمد مرئية، وعلى هذا فعمدها قدرة الله تعالى". وروي عن المصنف: يجوز أن يتناول النفي الصفة وحدها؛ على أن ثمة عمداً، إلا أنها غير مرئية، وهو إمساك الله إياها بقدرته، وأن يتناول الصفة والموصوف جميعاً، كقوله:
ولا ترى الضب بها ينجحر
قوله: (ويعضده قراءة أبي: "ترونه")، وقال صاحب "التقريب": تذكير "ترونه"
وقرئ: "عُمُد"، بضمتين (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ) يدبر أمر ملكوته وربوبيته، (يُفَصِّلُ) آياته في كتبه المنزلة (لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ) بالجزاء وبأن هذا المدبر والمفصل لا بد لكم من الرجوع إليه. وقرأ الحسن:"ندبر"، بالنون.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مشكل، لأن "العمد" جمع كثرة لـ "عمود"، فلعل الضمير للرفع، أو يجعل اسم جمع.
قال صاحب "المرشد": قال أبو حاتم: الضمير يرجع إلى (عَمَدٍ)، والذي عندي أن الضمير يرجع إلى (السَّمَوَاتِ)، لأنه تعالى أراد أن ينبهنا على قدرته العظيمة التي لا يقدر عليها أحد، فدلنا؛ على: أنتم عاجزون أن تقيموا صغيراً من الأجسام في الجو بغير عمد، ولابد لهذه الأجرام العظام من مقيم يقيمها، لأن الفعل لا يوجد إلا من فاعل، فمقيم السماء في الجو على غير عمد مع عظم جسمها وثقلها لابد وأن يكون صانعاً قادراً، فالفائدة في هذا الوجه أكثر، وإن كان خلق السماوات يدل على قدرة عظيمة، عمدت أو لم تعمد.
وقال أبو البقاء: "إذا رجع الضمير إلى "العمد": (تَرَوْنَهَا) تكون صفة له، وإذا رجع إلى (السَّمَوَاتِ) تكون حالاً منها".
قوله: (لابد لكم من الرجوع إليه)، هذا التحقيق من استعمال "لعل"، قال: من ديدن الملوك وأوضاع أمرهم أن يقتصروا في مواعيدهم التي يوطنون أنفسهم على إنجازها على أن يقولوا: "عسى" و"لعل".
(جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ) خلق فيها من جميع أنواع الثمرات زوجين زوجين حين مدّها، ثم تكاثرت بعد ذلك وتنوعت. وقيل: أراد بـ"الزوجين": الأسود والأبيض، والحلو والحامض، والصغير والكبير، وما أشبه ذلك من الأصناف المختلفة.
(يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ) يلبسه مكانه، فيصير أسود مظلماً بعد ما كان أبيض منيراً. وقرئ:"يغشي" بالتشديد.
[(وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)].
(قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ) بقاعٌ مختلفة، مع كونها متجاورة متلاصقة: طيبةً إلى سبخة،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ) يلبسه مكانه)، تقديره: يلبس الليل النهار مكان ضوئه، يدل عليه ترتب قوله:"فيصير أسود مظلماً بعدما كان أبيض منيراً"، وفي معناه قوله:(وَآيَةٌ لَهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ)[يس: 37]، قال فيه:"فاستعير- أي: السلخ- لإزالة الضوء وكشفه عن مكان الليل وملقى ظله"، ويوضح المعنى قوله تعالى:(يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ)[الزمر: 5]، قال:"إن الليل والنهار خلفة؛ يذهب هذا ويغشي مكانه هذا، وإذا غشي مكانه فكأنما ألبسه ولف عليه، كما يلف اللباس على اللابس".
قوله: ("يغشي" بالتشديد)، أبو بكر وحمزة والكسائي، والباقون: بالتخفيف.
قوله: (طيبة إلى سبخة)، بيان لقوله:"مختلفة"، أي: انتهى اختلاف الطيبة إلى السبخة، أو طيبة منضمة إلى سبخة.
وكريمةً إلى زهيدة، وصُلبةً إلى رخوة، وصالحة للزرع لا للشجر إلى أخرى على عكسها، مع انتظامها جميعاً في جنس الأرضية، وذلك دليلٌ على قادر مريد، موقع لأفعاله على وجه دون وجه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (إلى زهيدة)، الأساس:"رجل زهيد: قليل الخير، وهو زهيد العين: يقنعه القليل".
قوله: (إلى أخرى على عكسها)، أي: إلى أرض أخرى كائنة على عكس تلك؛ بأن تكون صالحة للشجر لا للزرع.
قوله: (وذلك دليل على قادر مريد موقع لأفعاله على وجه دون وجه)، قال الإمام:"إنه تعالى في غالب الأمر يذكر الدلائل الموجودة في العالم السفلي، ويجعل مقطعها (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) أو ما يقرب منه، والسبب فيه: أن الفلاسفة يسندون حوادث العالم السفلي إلى الاختلافات الواقعة في الأشكال الكوكبية، فأراد الله رد ذلك، قال: (لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)، يعني: من أمعن التفكر علم أنه لا يجوز أن يكون حدوث الحوادث لأجل الاتصالات الفلكية، ومن ثم عقب هذا الإرشاد بقوله: (وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ) الآية"، ثم قال:"ومن تأمل في هذه اللطائف ووقف عليها، علم أن هذا الكتاب الكريم اشتمل على علوم الأولين والآخرين"، ثم قرر كيفية الاستدلال.
وجاء القاضي بتلخيصه حيث قال: "الأرض بعضها طيبة، وبعضها سبخة، وبعضها رخوة، وبعضها صلبة، وبعضها تصلح للزرع دون الشجر، وبعضها بالعكس، ولولا تخصيص قادر موقع لأفعاله على وجه دون وجه، لم تكن كذلك، لاشتراك تلك القطع في الطبيعة الأرضية وما يلزمها ويعرض لها بتوسط ما يعرض من الأسباب السماوية، من حيث إنها متضامة متشاركة في النسب والأوضاع".
وكذلك الزروع والكروم والنخيل النابتة في هذه القطع، مختلفة الأجناس والأنواع، وهي تسقى بماء واحد، وتراها متغايرة الثمر في الأشكال والألوان والطعوم والروائح، متفاضلةً فيها.
وفي بعض المصاحف: "قطعاً متجاورات" على: وجعل. وقرئ: "وجناتٍ" بالنصب للعطف على (زوجين)، أو بالجرّ على (كل الثمرات). وقرئ:"وزرعٍ ونخيلٍ" بالجرّ عطفاً على (أعناب) أو "جنات".
و"الصنوان": جمع صنو، وهي النخلة لها رأسان، وأصلهما واحد. وقرئ بالضم. والكسر: لغة أهل الحجاز، والضم: لغة بني تميم وقيس.
(يُسْقى) بالتاء والياء (وَنُفَضِّلُ) بالنون وبالياء على البناء للفاعل والمفعول جميعاً (فِي الْأُكُلِ) بضم الكاف وسكونها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرئ: "وزرع ونخيل" بالجر)، قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحفص: بالرفع؛ عطف على (وَجَنَّاتٌ).
قوله: (وقرئ بالضم)، أي:"صنوان"، قال ابن جني:"قرأ الناس: (صِنْوَانٌ) بكسر الصاد، والحسن وقتادة: بفتحها، وأبو عبد الرحمن السلمي: بضمها".
قوله: ((يُسْقَى) بالتاء والياء)، عاصم وابن عامر: بالياء التحتانية، والباقون: بالتاء، أي: يسقى المذكور وتسقى الجنة.
قوله: (على البناء للفاعل والمفعول)، مبني على القراءة بالياء وحدها.
[(وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذا كُنَّا تُراباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ)].
(وَإِنْ تَعْجَبْ) يا محمد من قولهم في إنكار البعث، فقولهم عجيب حقيق بأن يتعجب منه، لأن من قدر على إنشاء ما عدد عليك من الفطر العظيمة ولم يعي بخلقهنّ،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((وَإِن تَعْجَبْ) يا محمد)، يريد: أن المخاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والشرط والجزاء من باب "من أدرك الصمان فقد أدرك المرعى"، أي: مرعى لا يكتنه كنهه، ولذلك حققه بقوله:"حقيق بأن يتعجب منه" إلى قوله: "فكان إنكارهم أعجوبة من الأعاجيب".
وقلت: ويجوز أن يكون الخطاب عاماً، وما يتعجب منه: ما يفهم من مبدأ قوله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا) إلى آخر الآيات، لأنها من الأمور العجيبة الشأن الدالة على القدرة الباهرة، فلا يختص الخطاب بواحد دون واحد، المعنى: إن تعجبك- أيها المخاطب الناظر بعين البصيرة في هذا الإنشاء- سبب للإخبار عن شيء عجيب حقيق بأن تتعجب منه، بل هو العجب كله؛ لتقدم الخبر على المبتدأ، وهو "عجب قولهم"، وذلك أن
كانت الإعادة أهون شيء عليه وأيسره، فكان إنكارهم أعجوبة من الأعاجيب (أَإِذا كُنَّا) إلى آخر قولهم، يجوز أن يكون في محل الرفع بدلاً من (قولهم) وأن يكون منصوباً بالقول. و"إذا" نصبٌ بما دل عليه قوله (أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ)، (أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ) أولئك الكاملون المتمادون في كفرهم، (وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ) وصف بالإصرار، كقوله:(إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا)[يس: 8]، ونحوه:
لَهُمْ عَنِ الرُّشْدِ أَغْلَالٌ وَأَقْيَادُ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الإنكار من العاقل الناظر في هذه الدلائل لما هو أهون من ذلك أعجوبة من الأعاجيب.
قوله: (أهون شيء عليه)، أي: عندكم، كقوله تعالى:(وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ)[الروم: 27]، أي: عندكم.
قوله: (بما دل عليه قوله: (أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ))، قال أبو البقاء:"والعامل في "إذا" فعل دل عليه الكلام، تقديره: أإذا كنا تراباً نبعث، ودل عليه قوله: (لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ)، ولا يجوز أن ينتصب بـ (كُنَّا)، لأن "إذا" مضافة إليه".
وقال الزجاج: "فمن قرأ (أَءِذَا) على الاستفهام، ثم قرأ (أَءِنَّا)، فـ "إذا" منصوبة؛ بمعنى: نبعث، أي: إذا كنا تراباً نبعث، ومن قرأ: "إنا لفي خلق" أدخل همزة الاستفهام على جملة الكلام، وكانت "إذا" نصباً بـ (كُنَّا)، لأن الكلام في معنى الشرط والجزاء، ولا يجوز أن يعمل (جَدِيدٍ) في "إذا"، لأنه لا خلاف في أن ما بعد "إن" و"إذا" لا يعمل فيما قبلها".
قوله: (لهم عن الرشد أغلال وأقياد)، أوله:
أو هو من جملة الوعيد.
[(وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ)].
(بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ) بالنقمة قبل العافية، والإحسان إليهم بالإمهال. وذلك أنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم بالعذاب؛ استهزاء منهم بإنذاره، (وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ) أي: عقوبات أمثالهم من المكذبين، فما لهم لم يعتبروا بها فلا يستهزءوا. والمثلة: العقوبة، بوزن السمرة. والمثلة؛
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كيف الرشاد وقد خلفت في نفر
الغل: جامعة تشد بها العنق واليد. والقيد: ما يوضع في الرجل.
قوله: (أو هو من جملة الوعيد)، عطف على قوله:"وصف بالإصرار"، ومعنى قوله:"هو من جملة الوعيد": أن قوله: (وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ) وعيد، وقد عطف على هذا، فيكون وعيداً مثله، فإذن "الأغلال" مجرى على حقيقتها، وتكرير (أُوْلَئِكَ) لاستقلال كل من العذابين وشدته، وإذا حمل على المجاز يكون من جملة الوصف بالكفر، لكونه معطوفاً عليه، والوجه إدخاله في جملة الوعيد، لأن (أُوْلَئِكَ) الأول وارد للإشعار بأن ما بعده جدير بما سبق لاتصافهم بوصف، وهم المنكرون للحشر، وأما قوله:(الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ) فذكر مزيداً للتسجيل عليهم.
قوله: (المثلة)، الجوهري:"المثلة- بفتح الميم وضم الثاء-: العقوبة، والجمع: المثلات، ومثل به مثلاً، أي: نكل به، والاسم: المثلة بالضم، ومثل بالقتيل: جدعه، وأمثله: جعله مثلة".
لما بين العقاب والمعاقب عليه من المماثلة، (وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها) [الشورى: 40]. ويقال: أمثلت الرجل من صاحبه وأقصصته منه. والمثال: القصاص.
وقرئ: "الْمَثُلاتُ" بضمتين لإتباع الفاء العين،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال الراغب: "المثال: مقابلة شيء بشيء هو نظيره، أو وضع شيء ما ليحتذى به فيما يعمل، والمثلة: نقمة تنزل بالإنسان، فيجعل مثالاً يرتدع به غيره، وذلك كالنكال، وجمعه: مثلات ومثلات، وقد أمثل السلطان فلاناً: إذا نكل به، والأمثل: يعبر به عن الأشبه بالأفاضل والأقرب إلى الخير، وأماثل القوم: كناية عن خيارهم، قال تعالى: (إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً) [طه: 104]، وقال تعالى: (وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمْ الْمُثْلَى) [طه: 63]، أي: الأشبه بالفضيلة، وهي تأنيث الأمثل".
قوله: (لما بين العقاب)، تعليل للتسمية، يعني: إنما سميت العقوبة مثلة ومثلة- بضم الثاء وسكونها- لما بين العقاب والمعاقب عليه- أي: الجناية-؛ من المماثلة- أي: الوفاق- من حيث الظاهر، ولأن الجناية سبب لأن يعاقب الجاني بمثل ما جناه، كما سمي جزاء السيئة سيئة لأنه مسبب عنها ومماثل لها.
و"يقال": تعليل آخر بحسب الاستعمال، أي: يقال: أمثلت الرجل من صاحبه، كما يقال: أقصصته منه، يقال: اقتص الأمير من فلان؛ أي: جرحه مثل جرحه، أو قتله قوداً، كما يقال: أمثل السلطان فلاناً: إذا قتله قوداً.
قوله: (وقرئ: "المثلات" بضمتين)، قال ابن جني:"قرأ "المثلات" يحيى بن وثاب، وروي عن الأعمش عن يحيى: "المثلات"- بالفتح والإسكان-، وقراءة الناس: "المثلات" بفتح الميم وضم الثاء".
و"المثلات" بفتح الميم وسكون الثاء، كما يقال: السمرة. و"المثلات" بضم الميم وسكون الثاء، تخفيف "المثلات" بضمتين. و"المثلات" جمع مثلة، كركبة وركبات.
(لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ) أي: مع ظلمهم أنفسهم بالذنوب، ومحله الحال، بمعنى: ظالمين لأنفسهم وفيه أوجه: أن يريد السيئات المكفرة لمجتنب الكبائر، أو الكبائر بشرط التوبة، أو يريد بالمغفرة: الستر والإمهال. وروي أنها لما نزلت قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لولا عفو الله وتجاوزه ما هنأ أحد العيش، ولولا وعيده وعقابه لا تكل كل أحد» .
[(وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ)].
(لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ) لم يعتدوا بالآيات المنزلة على رسول الله صلى الله عليه وسلم عناداً، فاقترحوا نحو آيات موسى وعيسى، من انقلاب العصا حية، وإحياء الموتى، فقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما أنت رجل أرسلت منذراً ومخوّفاً لهم من سوء العاقبة، وناصحاً كغيرك من الرسل،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وفيه أوجه)، يعني: إذا جعل (عَلَى ظُلْمِهِمْ) حالاً من "الناس"، كان إغراء على الظلم، لأن المعنى أن الله يغفر للناس مع كونهم ظالمين؛ لما فيه من المبالغة، فوجب التأويل، وفيه وجوه ثلاثة كما ذكرها، والوجه هو الثالث، لأن الآية على وزان قوله تعالى:(قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً)[الفرقان: 6]، قال في تفسيره:"هو تنبيه على أنهم استوجبوا بمكابرتهم هذه أن يصب عليهم العذاب صباً، ولكن صرف ذلك عنهم أنه غفور رحيم، يمهل ولا يعاجل".
وما عليك إلا الإتيان بما يصح به أنك رسولٌ منذر، وصحة ذلك حاصلة بأية آية كانت، والآيات كلها سواء في حصول صحة الدعوة بها لا تفاوت بينها، والذي عنده كل شيء بمقدار يعطى كل نبى آية على حسب ما اقتضاه علمه بالمصالح وتقديره لها.
(وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ) من الأنبياء يهديهم إلى الدين، ويدعوهم إلى الله بوجه من الهداية، وبآية خص بها، ولم يجعل الأنبياء شرعاً واحداً في آيات مخصوصة.
ووجه آخر: وهو أن يكون المعنى أنهم يجحدون كون ما أنزل عليك آياتٍ ويعاندون، فلا يهمنك ذلك، إنما أنت منذر، فما عليك إلا أن تنذر، لا أن تثبت الإيمان في صدورهم، ولست بقادر عليه، (ولكل قوم هاد) قادر على هدايتهم بالإلجاء، وهو الله تعالى.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وفي تعقيبه بقوله: (وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ): إيذان بأن الله تعالى بعد الإمهال يعاقبهم عقاباً شديداً، قال القاضي:" (عَلَى ظُلْمِهِمْ) نصب على الحال، والعامل فيه "المغفرة"، والتقييد به دليل على جواز العفو قبل التوبة، فإن التائب ليس على ظلمه، ومن منع ذلك خص "الظلم" بالصغائر المكفرة باجتناب الكبائر، أو أول المغفرة بالستر والإمهال".
قوله: (ووجه آخر، وهو أن يكون المعنى أنهم يجحدون)، عطف على قوله:"لم يعتدوا بالآيات المنزلة"، فعلى الأول: لم ينكروا أن المنزل آيات، بل لم يعتدوا بها، فالكلام إذن في التفرقة بين المعجزات وإثبات الرسالة بها، ولهذا قال:"إنما أنت رجل أرسلت، وصحة ذلك حاصلة بأية آية كانت"، والتنكير في (هَادٍ) للإبهام والشيوع.
وعلى الوجه الثاني: التنكير في (هَادٍ) للتفخيم، ولهذا قال:" (هَادٍ) قادر على هدايتهم بالإلجاء".
ولقد دل بما أردفه من ذكر آيات علمه وتقديره الأشياء على قضاء حكمته أن إعطاءه كل منذر آيات خلاف آيات غيره: أمر مدبر بالعلم النافذ مقدّر بالحكمة الربانية، ولو علم في إجابتهم إلى مقترحهم خيراً ومصلحة، لأجابهم إليه. وأما على الوجه الثاني، فقد دل به على أن من هذه قدرته وهذا علمه، هو القادر وحده على هدايتهم، العالم بأي: طريق يهديهم، ولا سبيل إلى ذلك لغيره.
[(اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ* عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ)].
(اللَّهُ يَعْلَمُ) يحتمل أن يكون كلاماً مستأنفاً، وأن يكون المعنى: هو الله، تفسيراً لـ (هادٍ) على الوجه الأخير، ثم ابتدئ فقيل:(يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى) و (ما) في (ما تَحْمِلُ)، (وَما تَغِيضُ)، (وَما تَزْدادُ): إما موصولة وإما مصدرية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ثم قوله: (اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ) على الأول: جملة مستأنفة على تقدير سؤال عن موجب إعطاء كل منذر ما اختص به من الآيات، وإليه الإشارة بقوله:"ولقد دل بما أردفه من ذكر آيات علمه أن إعطاءه كل منذر آيات خلاف آيات غيره أمر مدبر بالعلم النافذ، مقدر بالحكمة الربانية"، وفي تقييد العلم بحمل كل أنثى وغيض الأرحام: أن دلائل الأنفس أدق وألطف، ولا يقدر على كنهها إلا الله عز وجل.
وعلى الثاني: (اللهُ) خبر مبتدأ محذوف، والجملة مفسرة لقوله:(هَادٍ)، والاستئناف من قوله:(يَعْلَمُ) على بيان الموجب، كأنه لما قيل: ولست أنت بقادر على هدايتهم، لكن الله هو القادر على ذلك؛ اتجه لسائل أن يقول: فلأي حكمة ما هداهم الله؟ فقيل: يعلم- بكمال علمه القديم- الهادي والضال، فلابد من وقوع معلومه وسبق قضائه بذلك، لأن كل شيء عنده بمقدار، أي: بقضائه وقدره.
فإن كانت موصولة، فالمعنى: أنه يعلم ما تحمله من الولد على أن حالٍ هو من ذكورة وأنوثة، وتمام وخداج، وحسنٍ وقبح، وطولٍ وقِصر، وغير ذلك من الأحوال الحاضرة والمترقبة، ويعلم ما تغيضه الأرحام: أي: تنقصه. يقال: غاض الماء وغضته أنا. ومنه قوله تعالى (وَغِيضَ الْماءُ)[هود: 44]، وما تزداده: أي: تأخذه زائداً، تقول: أخذت منه حقي، وازددت منه كذا. ومنه قوله تعالى:(وَازْدَادُوا تِسْعاً)[الكهف: 25]، ويقال: زدته فزاد بنفسه وازداد.
ومما تنقصه الرحم وتزداده: عدد الولد، فإنها تشتمل على واحد، وقد تشتمل على اثنين وثلاثة وأربعة. ويروى أن شريكاً كان رابع أربعة في بطن أمه.
ومنه جسد الولد، فإنه يكون تاماً ومخدجاً.
ومنه: مدة ولادته، فإنها تكون أقل من تسعة أشهر وأزيد عليها إلى سنتين عند أبي حنيفة، وإلى أربع عند الشافعي، وإلى خمسٍ عند مالكٍ. وقيل: إنّ الضحاك ولد لسنتين، وهرم بن حيان بقي في بطن أمّه أربع سنين، ولذلك سمي هرماً.
ومنه: الدم، فإنه يقل ويكثر.
وإن كانت مصدرية، فالمعنى: أنه يعلم حمل كل أنثى،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وخداج)، الجوهري:"أخدجت الناقة: إذا جاءت بولدها ناقص الخلق، وإن كانت أيامه تامة. وخدجت تخدج خداجاً، وهي خادج: إذا ألقت ولدها قبل تمام الأيام، وإن كان تام الخلق".
قوله: (أن شريكاً)، قال صاحب "الجامع":"هو أبو عبد الله شريك بن عبد الله بن أبي نمر القرشي، ويقال: الليثي، يعد من التابعين من أهل المدينة"، ولم يذكر من حديث
ويعلم غيض الأرحام وازديادها، لا يخفى عليه شيء من ذلك، ومن أوقاته وأحواله.
ويجوز أن يراد غيوض ما في الأرحام وزيادته، فأسند الفعل إلى الأرحام وهو لما فيها، على أنّ الفعلين غير متعدّيين، ويعضده قول الحسن: الغيضوضة أن تضع لثمانية أشهر أو أقل من ذلك، والازدياد أن تزيد على تسعة أشهر. ومنه: الغيض الذي يكون سقطاً لغير تمام، والازدياد ما ولد لتمام.
(بِمِقْدارٍ) بقدرٍ واحد لا يجاوزه ولا ينقص عنه، كقوله (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ) [القمر: 49]
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ولادته ما ذكره المصنف.
قوله: (لا يخفى عليه شيء من ذلك)، "ذلك": إشارة إلى المذكور، وهو أنه تعالى يعلم حمل كل أنثى، ويعلم غيض الأرحام وازديادها، والمراد به ما ينقصه الرحم ويزداده من عدد الولد، لأنه عطف:"ومن أوقاته وأحواله" عليه. والمراد بـ "الأحوال": التام والمخدج، وبـ "الأوقات": ما سبق، فذكر في قسم المصدر ما ذكره في الموصول من الوجوه الثلاثة.
قوله: (ويجوز أن يراد: غيوض ما في الأرحام)، يريد: أن "غاض" و"ازداد" جاءا متعديين ولازمين، فالمعنى على المتعدي: ويعلم غيض الأرحام وازديادها، وعلى اللازم: يعلم غيوض الأرحام، على الإسناد المجازي.
قوله: (ويعضده)، أي: ويعضد كون "ما" مصدرية قول الحسن: "الغيضوضة" و"الغيض" بلفظ المصدر.
(الْكَبِيرُ) العظيم الشأن الذي كل شيء دونه (الْمُتَعالِ) المستعلي على كل شيء بقدرته، أو الذي كبر عن صفات المخلوقين وتعالى عنها.
[(سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ* لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ)].
(وسارِبٌ) ذاهبٌ في سربه - بالفتح -، أي: في طريقه ووجهه، يقال: سرب في الأرض سروباً. والمعنى: سواءٌ عنده من استخفى، أي: طلب الخفاء في مختبأٍ بالليل في ظلمته، ومن يضطرب في الطرقات ظاهراً بالنهار يبصره كل أحد.
فإن قلت: كان حق العبارة أن يقال: ومن هو مستخف بالليل ومن هو سارب بالنهار، حتى يتناول معنى الاستواء المستخفي والسارب؛
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أو الذي كبر عن صفات المخلوقين)، يعني: معنى (الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ) بالنظر إلى مردوفه- وهو (عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ) -: هو العظيم الشأن إلى آخره، ليضم مع العلم العظمة والقدرة، وبالنظر إلى ما سبق من قوله:(مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى) إلى آخره؛ أن يقال: كبر عن صفات المخلوقين؛ ليفيد تنزيهاً عما يقوله النصارى والمشركون.
قال أبو البقاء: " (عَالِمُ الْغَيْبِ) خبر مبتدأ محذوف، ويجوز أن يكون مبتدأ، و (الْكَبِيرُ) خبره".
وقلت: يجوز أن يكون خبراً بعد خبر لقوله: (اللهُ) في (اللهُ يَعْلَمُ).
قوله: (يضطرب)، أي: يسير في الأرض؛ من: ضرب في الأرض؛ إذا ذهب فيها.
قوله: (كان حق العبارة)، توجيه السؤال: أن الأسلوب من باب الازدواج، فجملة
وإلا فقد تناول واحداً هو (مستخف) و"سارب"؟ قلت: فيه وجهان: أحدهما: أنّ قوله (وَسارِبٌ) عطفٌ على من هو "مستخفٍ"، لا على (مستخف)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ) معطوف على جملة قوله: (مَنْ أَسَرَّ)(وَمَن جَهَرَ)، على أن كليهما مرفوعان بالابتداء أو بـ (سَوَاءٌ)، فالظاهر أن يقال: ومن هو مستخف بالليل ومن هو سارب بالنهار؛ ليتوافقا، وإن لم يكن التقدير هذا فقد تناول الاستواء شخصاً واحداً له وصفان، وهو المراد من قوله:"تناول واحداً هو (مستخف) (وَسَارِبٌ) "، فلم يستقم لاقتضاء الاستواء شيئين.
قال أبو البقاء: " (مَنْ أَسَرَّ): (مَنْ) مبتدأ، و (سَوَاءٌ) خبره، و (مِنكُم) حال من الضمير في (سَوَاءٌ)، لأنه في موضع "مستو"، ومثله: (لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ) [الحديد: 10]، ويضعف أن يكون حالاً من الضمير في (أسَرَّ) لما يؤدي إلى تقيم ما في الصلة على الموصول".
وقال الزجاج: "موضع (مَنْ) الأولى والثانية: رفع بـ (سَوَاءٌ)، لأنها تطلب اثنين، تقول: سواء زيد وعمرو؛ في معنى: ذوا سواء زيد وعمرو، لأنها مصدر، فلا يجوز أن ترفع ما بعده إلا على الحذف، تقول: عدل زيد وعمرو، والمعنى: ذوا عدل، لأن المصادر ليست بأسماء الفاعلين، وإنما يرفع الأسماء أوصافها، و"سواء" مما كثر استعماله، فجرى مجرى أسماء الفاعلين".
قوله: ((وَسَارِبٌ) عطف على "من هو مستخف" لا على (مُسْتَخْفِ))، قال في
والثاني: أنه عطفٌ على (مستخف)؛ إلا أن (مَنْ) في معنى الاثنين، كقوله:
نَكُنْ مِثْلَ مَنْ يَاذِئْبُ يصْطَحِبَانِ
كأنه قيل: سواءٌ منكم اثنان: مستخف بالليل، وسارب بالنهار.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"الانتصاف": "ويحتمل أن يعطف عليه، والموصول محذوف، وصلته باقية، أي: ومن هو مستخف بالليل ومن هو سارب بالنهار، وحذف الموصول المعطوف وبقاء صلته شائع، ونمه قوله تعالى:(وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ)[الأحقاف: 9]، لأن الثانية لو عطفت على صلة الأولى لم يكن لدخول حرف النفي معنى.
ومنه قول حسان:
ومن يهجو رسول الله منكم
…
ويمدحه وينصره سواء
أي: ومن يمدحه".
قوله: (نكنمثل من يا ذئب يصطحبان)، أوله للفرزدق:
تعال فإن عاهتني لا تخونني
قبله:
فقلت له لما تكشر ضاحكاً
…
وقائم سيفي من يدي بمكان
"تكشر"؛ أي: أبدى أسنانه، يصف ذئباً أتاه وهو في قفر، وأنه ألقى إليه ما يأكله، ومعنى
والضمير في (لَهُ) مردودٌ على (مِنْ) كأنه قيل: لمن أسرّ ومن جهر، ومن استخفى ومن سرب.
(مُعَقِّباتٌ) جماعاتٌ من الملائكة تعتقب في حفظه وكلاءته، والأصل: معتقبات، فأدغمت التاء في القاف، كقوله (وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ) [التوبة: 90] بمعنى: المعتذرون. ويجوز "معقبات" بكسر العين، ولم يقرأ به. أو هو مفعلات؛ من: عقبه: إذا جاء على عقبه، كما يقال: قفاه، لأنّ بعضهم يعقب بعضاً. أو لأنهم يعقبون ما يتكلم به فيكتبونه.
(يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) هما صفتان جميعاً، وليس (مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) بصلة للحفظ، كأنه قيل: له معقبات من أمر الله. أو يحفظونه من أجل أمر الله، أي: من أجل أنّ الله أمرهم بحفظه. والدليل عليه قراءة على رضي الله عنه وابن عباس وزيد بن علي وجعفر بن محمدٍ وعكرمة: "يحفظونه بأمر الله". أو: يحفظونه من بأس الله ونقمته إذا أذنب، بدعائهم له ومسألتهم ربهم أن يمهله رجاء أن يتوب وينيب،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: "وقائم سيفي في يدي بمكان": أي: أنا قابض قائم سيفي قبضاً قوياً تتمكن عليه يدي تمكناً ليس بعده. يظهر تجلده وشجاعته، يقول: إن عاهدتني على أن لا تخونني كنا مثل رجلين متصاحبين، و"يصطحبان": صلة "من"، و"يا ذئب": نداء اعترض بين الصلة والموصول، وثنى "يصطحبان" على معنى: من، لأن معناه التثنية.
قوله: (هما صفتان جميعاً)، يعني: قوله: (يَحْفَظُونَهُ) وقوله: (مِنْ أَمْرِ اللَّهِ)، كأنه قيل: له معقبات كائنة من أمر الله يحفظونه من البلاء.
كقوله: (قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ)[الأنبياء: 42]. وقيل: المعقبات الحرس والجلاوزة حول السلطان، يحفظونه في توهمه وتقديره.
(من أمر الله)؛ أي: من قضاياه ونوازله، أو على التهكم به.
وقرئ: "له معاقيب" جمع معقب أو معقبة، والياء عوض من حذف إحدى القافين في التكسير.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (كقوله: (قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنْ الرَّحْمَنِ)[الأنبياء: 42])، أي: ما يحفظكم من بأس الرحمن أحد في الليل والنهار إلا أن يرحم عليكم، فيدفعه عنكم أو يشفع لكم شافع بإذنه، وهو المراد من قوله:"مسألتهم ربهم أن يمهلهم رجاء أن يتوبوا".
قوله: (الحرس والجلاوزة)، الجوهري:"الحرس: حرس السلطان، وهم الحراس، الواحد حرسي، لأنه قد صار اسم جنس، فينسب إليه، ولا تقل: حارس، إلا أن تذهب به إلى معنى الحراسة دون الجنس"، وقال:"الجلواز: الشرطي، والجمع: الجلاوزة"، وهم أعوان السلطان.
قوله: (أو على التهكم به)، عطف على قوله:"في توهمه وتقديره" من حيث المعنى، يعني: يتوهم الغافل المتمادي في غروره أن حرسه وجلاوزته يحفظونه من قضاء الله، كما يشاهد من بعض الملوك والسلاطين، وهذا على طريق الإخبار من الله عز وجل عن هذا الغافل، أو على سبيل التهكم، أي: يتهكم بمن ينصب الحرسي والشرطي، ويتكبر ويحجب الناس، بقوله:(يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ)، أي: من قضاياه ونوازله.
قوله: (وقرئ: "له معاقيب")، قال ابن جني:"قرأها عبيد الله بن زياد"، وقال: "مثله:
(إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ) من العافية والنعمة (حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ) من الحال الجميلة بكثرة المعاصي (مِنْ والٍ) ممن يلي أمرهم ويدفعه عنهم.
[(هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ* وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ)].
(خَوْفاً وَطَمَعاً) لا يصح أن يكونا مفعولاً لهما؛ لأنهما ليسا بفعل فاعل الفعل المعلل إلا على تقدير حذف المضاف، أي: إرادة خوفٍ وطمعٍ. أو: على معنى: إخافة وإطماعاً. ويجوز أن يكونا منتصبين على الحال من البرق، كأنه في نفسه خوف وطمع. أو على: ذا خوف وذا طمع. أو من المخاطبين، أي: خائفين وطامعين. ومعنى الخوف والطمع: أنّ وقوع الصواعق يخاف عند لمع البرق، ويطمع في الغيث. قال أبو الطيب:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مقاديم، تكسير مقدم".
قوله: (ممن يلي أمرهم ويدفع عنهم)، قال القاضي:"فيه دليل على أن خلاف مراد الله محال".
فَتىً كَالسَّحَابِ الْجُونِ تُخْشَى وَتُرْتَجَى
…
يُرْجَى الْحَيَا مِنْهَا وَيُخْشَى الصَّوَاعِقُ
وقيل: يخاف المطر من له فيه ضرر، كالمسافر، ومن له في جرينه التمر والزبيب، ومن له بيت يكف، ومن البلاد ما لا ينتفع أهله بالمطر كأهل مصر، ويطمع فيه من له فيه نفع، ويحيا به.
(السَّحابَ) اسم الجنس، والواحدة سحابة. و (الثِّقالَ) جمع ثقيلةٍ، لأنك تقول سحابة ثقيلة وسحاب ثقال، كما تقول: امرأة كريمة ونساء كرام، وهي الثقال بالماء.
(وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ) ويسبح سامع الرعد من العباد الراجين للمطر حامدين له. أي: يضجون بـ"سبحان الله" و"الحمد لله". وعن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول «سبحان من يسبح الرعد بحمده» وعن علي رضي الله عنه: سبحان من سبحت له.
وإذا اشتدّ الرعد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهمّ لا تقتلنا بغضبك،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فتى كالسحاب) البيت، قال الواحدي:"الجون: الأسود ها هنا، ورواه ابن جني بضم الجيم، ولذلك قال: الجون: بضم الجيم، لأنه جمع. المعنى: أنه مرجو مهيب يرجى نفعه ويهاب ضره، كالسحاب؛ يرجى مطره وتخشى صواعقه ورعده وبرقه".
قوله: (في جرينه)، الجوهري:"الجرن والجرين: موضع التمر الذي يجفف". وقال: "وكف البيت وكفاً ووكيفاً وتوكافاً؛ أي: قطر، وأوكف البيت: لغة فيه".
قوله: (اللهم لا تقتلنا بغضبك) الحديث، رواه الترمذي عن ابن عمر رضي الله عنهما.
ولا تهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك»، وعن ابن عباس: أنّ اليهود سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الرعد ما هو؟ فقال: «ملك من الملائكة موكل بالسحاب، معه مخاريق من نارٍ يسوق بها السحاب» ، وعن الحسن: خلق من خلق الله ليس بملكٍ. ومن بدع المتصوّفة: الرعد صعقات الملائكة، والبرق زفرات أفئدتهم، والمطر بكاؤهم (وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ) ويسبح الملائكة من هيبته وإجلاله.
ذكر علمه النافذ في كل شيء واستواء الظاهر والخفي عنده، وما دلّ على قدرته الباهرة ووجدانيته ثم قال (وَهُمْ) يعني: الذين كفروا وكذّبوا رسول الله وأنكروا آياته (يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ) حيث ينكرون على رسوله ما يصفه به من القدرة على البعث وإعادة الخلائق بقولهم (مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ)[يس: 78] ويردّون الواحدانية باتخاذ الشركاء والأنداد، ويجعلونه بعض الأجسام المتوالدة بقولهم «الملائكة بنات الله» فهذا جدالهم بالباطل، كقوله تعالى:(وَجادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ)[غافر: 5] وقيل: الواو للحال،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أن اليهود سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الرعد) الحديث، رواه أحمد بن حنبل والترمذي عن ابن عباس.
النهاية: "المخاريق: جمع مخراق، وهو- في الأصل- ثوب يلف ويضرب به الصبيان بعضهم بعضاً، وهي آلة تزجر بها الملائكة السحاب وتسوقه".
قوله: (وقيل: الواو للحال)، أي: في قوله: (وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ)، وهو معطوف على قوله:"ذكر علمه النافذ في كل شيء" إلى قوله: "ثم قال: (وَهُمْ) يعني: الذين كفروا"، فعلى هذا:(وَهُمْ يُجَادِلُونَ) جملة معطوفة على جملة قوله: (اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى) إلى آخر الآيات إذا كان استئنافاً كما سبق، أي: أخبر الله تعالى عن علمه الشامل وقدرته
أي: فيصيب بها من يشاء في حال جدالهم، وذلك: أنّ أربد أخا لبيد ابن ربيعة العامري قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين وفد عليه معه عامر بن الطفيل قاصدين لقتله، فرمى الله عامراً بغدّةٍ كغدّة البعير، وموتٍ في بيت سلولية، وأرسل على أربد صاعقة فقتلته: أخبرنا عن ربنا، أمن نحاس هو أم من حديد؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الكاملة بقوله: (اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى) إلى قوله: (الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ)، ثم أخبر عن استواء الظاهر والخفي عنده بقوله:(سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ)، ثم أخبر عما دل على قدرته الباهرة (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ)، ثم أخبر عن وحدانيته بقوله:(هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً)، وقوله:(وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ)، ثم قال: إنهم مع قال (يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ)، أي: في شأن الله من علمه وقدرته؛ حيث ينكرون على رسوله ما يصفه به من القدرة على البعث بقولهم: من يحيي العظام وهي رميم، ويردون الوحدانية باتخاذ الشركاء، ويجعلونه بعض الأجسام بقولهم: الملائكة بنات الله. هذا على تقرير المصنف.
والأنسب لتأليف النظم: أن يكون هذا تسلية لحبيبه صلوات الله عليه، فإنه تعالى لما نعى على كفار قريش عنادهم في اقتراحهم الآيات نحو آيات موسى وعيسى عليهما السلام، وإنكارهم الذي جاء به صلوات الله عليه آيات، سلاه، بمعنى: هون عليك فإنك لست مختصاً به، فإنهم مع ظهور الآيات البينات ودلائل التوحيد يجادلون في الله باتخاذ الشركاء وإثبات الأولاد، ومع شمول علمه وكمال قدرته ينكرون الحشر والنشر، ومع قهر سلطانه وشديد سطواته يقدمون على المكابرة والعناد، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات.
وقد أسلفنا في الأنعام عند قوله تعالى: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ)[الأنعام: 100] تقرير هذه الطريقة، فإنها من الأساليب الغريبة، ولا يكاد يوجد مثلها في غير التنزيل.
قوله: (بغدة كغدة البعير)، النهاية: "الغدة: الطاعون للإبل، وقلما تسلم منه، يقال:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أغد البعير فهو مغد، ومنه حديث عامر بن الطفيل:"غدة كغدة البعير، وموت في بيت سلولية".
قال الميداني: "ويروى: "أغدة وموتاً"، أي: أؤغد إغداداً وأموت موتاً؟ يقال: أغد البعير: إذا صار ذا غدة، وهي طاعونه. ومنهم من روى بالرفع، أي: غدتي كغدة البعير، وموتي موت في بيت سلولية، وسلول عندهم أقل العرب وأذلهم، قال:
إلى الله أشكو أنني بت طاهراً
…
فجاء سلولي فبال على رجلي
فقلت: اقطعوها بارك الله فيكم
…
فإني كريم غير مدخلها رحلي"
روى محيي السنة عن عبد الرحمن بن زيد: "نزلت هذه الآية في عامر بن الطفيل والوليد ابن ربيعة، وكانت قصتهما على ما روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: أقبل
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عامر وأربد- وهما عامريان- يريدان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو جالس في المجلس ونفر من أصحابه، فدخلا المسجد، فاستشرف الناس بجمال عامر، وكان أعور، وكان من أجمل الناس، فقال رجل: يا رسول الله، هذا عامر بن الطفيل قد أقبل نحوك. فقال:"دعه، فإن يرد الله به خيراً يهده".
فأقبل حتى قام عليه، فقال: يا محمد، ما لي إن أسلمت؟ قال: لك ما للمسلمين، وعليك ما على المسلمين، قال: تجعل لي الأمر بعدك؟ قال: ليس ذلك إلي، وإنما ذلك إلى الله عز وجل يجعله حيث يشاء. قال: فتجعلني على الوبر، وأنت على المدر؟ قال: لا. قال: فما تجعل لي؟ قال: أجعلك على أعنة الخيل تغزو عليها. قال: أوليس ذلك لي اليوم؟ ! قم معي أكلمك.
فقام معه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أوصى إلى أربد: إذا رأيتني أكلمه فدر من خلفه فاضربه بالسيف، فجعل يخاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويراجعه، فدار أربد خلف النبي صلى الله عليه وسلم ليضربه، فاخترط من سيفه شبراً، ثم حبسه الله عنه، فلم يقدر على سله، وجعل عامر يومئ إليه، فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأى أربد وما صنع بسيفه، فقال: اللهم اكفنيهما بما شئت.
فأرسل الله تعالى إلى أربد صاعقة في يوم صحو قائظ، فأحرقته، وولى عامر هارباً،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقال: يا محمد، دعوت ربك فقتل أربد، والله لأملأنها خيلاً جرداً وفتياناً مرداً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يمنعك الله من ذلك، وأبناء قيلة- يريد: الأوس والخزرج-، ونزل عامر ببيت امرأة سلولية، فلما أصبح ضم عليه سلاحه، وقد تغير لونه، فجعل يركض في الصحراء، ويقول: ابرز يا ملك الموت، ويقول الشعر، ويقول: واللات لئن أبصرت محمداً وصاحبه- يعني: ملك الموت- لأنفذنهما برمحي، فأرسل الله ملكاً فلطمه بجناحيه، فأرداه في التراب، وخرجت في ركبته في الوقت غدة عظيمة، فعاد إلى بيت السلولية، وهو يقول: غدة كغدة البعير، وموت في بيت سلولية. ثم دعا بفرسه فركبه، ثم أجراه، حتى مات على ظهره".
قال الميداني بعدما أتى على القصة بتمامها: "يضرب في خصلتين؛ إحداهما شر من الأخرى".
وأما ما رويناه في "صحيح البخاري" عن أنس بن مالك، فهو:"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث خاله في سبعين راكباً، وكان رئيس المشركين عامر بن الطفيل خير بين ثلاث خصال، فقال: يكون لك أهل السهل ولي أهل المدر، أو أكون خليفتك، أو أغزوك بأهل غطفان بألف ألف، وطعن عامر في بيت أم فلان، فقال: غدة كغدة البكر في بيت امرأة من آل فلان، ائتوني بفرسي، فمات على ظهره".
(الْمِحالِ) المماحلة، وهي شدّة المماكرة والمكايدة. ومنه: تمحل لكذا، إذا تكلف استعمال الحيلة واجتهد فيه. ومحل بفلان إذا كاده وسعى به إلى السلطان. ومنه الحديث:«ولا تجعله علينا ماحلاً مصدّقا» وقال الأعشى:
فَرْعُ نَبْعٍ يَهَشُّ فِى غُصُنِ الْمَجْدِ
…
غَزِيرُ النّدَى شَدِيدُ الْمِحَالِ
والمعنى: أنه شديد المكر والكيد لأعدائه، يأتيهم بالهلكة من حيث لا يحتسبون.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ولا تجعله علينا ماحلاً مصدقاً)، قيل: تمامه: "واجعله لنا شافعاً مشفعاً"، والضمير للقرآن.
النهاية: "ومنه حديث ابن مسعود: "القرآن شافع مشفع، وماحِلٌ مصدق"، أي: خصم مجادل مصدق، وقيل: ساع مصدق؛ من قولهم: محل بفلان؛ إذا سعى به إلى السلطان، يعني: أن من اتبعه وعمل بما فيه، فإنه شافع له مقبول الشفاعة ومصدق عليه فيما يرفع من مساوئه إذا ترك العمل [به]، ومنه حديث الدعاء: ولا تجعله ماحلاً مصدقاً".
قوله: (فرع نبع) البيت، فرع كل شيء: أعلاه، يقال: هو فرع قومه: للشريف منهم،
وقرأ الأعرج بفتح الميم، على أنه مفعل، من: حال يحول محالاً إذا احتال. ومنه: أحول من ذئب، أي: أشدّ حيلة.
ويجوز أن يكون المعنى: شديد الفقار، ويكون مثلاً في القوة والقدرة كما جاء: فساعد الله أشدّ، وموساه أحدّ، لأن الحيوان إذا اشتدّ محاله، كان منعوتاً بشدّة القوّة والاضطلاع بما يعجز عنه غيره
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والفرع أيضاً: القوس التي عملت من طرف القضيب، يقال: قوس فرع؛ أي: غير مشقوق، وها هنا بمعنى الثاني، إلا أنه مجاز عن الكريم.
و"النبع": شجر تتخذ منه القسي، "الهشاشة": الارتياح والخفة للمعروف، "غزير الندى": كثير العطاء، "شديد المحال": شديد الكيد، وقيل: شديد العقوبة والمكر. يقول: الممدوح في الصلابة فرع النبع له نضارة في غصن المجد، كثير الندى شديد النكاية على الأعداء.
قوله: (ومنه: "أحول من ذئب")، قال الميداني:"هذا من الحيلة، يقال: تحول الرجل؛ إذا طلب الحيلة".
قوله: (شديد الفقار)، الأساس:"فرس قوي المحال، وهو الفقار، الواحدة: محالة، والميم أصلية".
قوله: (فساعد الله أشد)، النهاية:"وفي حديث البحيرة: "ساعد الله أشد، وموساه أحد"؛
ألا ترى إلى قولهم: فقرته الفواقر؟ وذلك أن الفقار عمود الظهر وقوامه.
[(لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاَّ كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وَما هُوَ بِبالِغِهِ وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ)].
(دَعْوَةُ الْحَقِّ) فيه وجهان: أحدهما: أن تضاف الدعوة إلى الحق الذي هو نقيض الباطل، كما تضاف الكلمة إليه في قولك: كلمة الحق، للدلالة على أن الدعوة ملابسة للحق مختصة به، وأنها بمعزل من الباطل. والمعنى أن الله سبحانه يدعى فيستجيب الدعوة، ويعطى الداعي سؤاله إن كان مصلحة له، فكانت دعوة ملابسة للحق، ......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أي: لو أراد الله عز وجل تحريمها بشق آذانها لخلقها كذلك، فإنه يقول لها: كن، فتكون".
قوله: (فقرته الفواقر)، الجوهري:"أي: كسرت فقار ظهره، الفاقرة: الداهية"، هذا مثال التوهين القوي لانهضام فقار الظهر.
قوله: (فكانت دعوة ملابسة للحق)، الفاء نتيجة لقوله:"المعنى: أن الله سبحانه وتعالى يدعى فيستجيب"، واللام في "لكونه" تعليل لإثبات أن الدعوة لله ملابسة للحق، وذلك أن معنى قوله تعالى:(لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ): لله الدعوة الثابتة غير الزائلة، فإذا كان كذلك كانت الدعوة ملابسة للحق البتة، لكونه تعالى حقيقاً بأن يوجه إليه الدعاء، لما في دعوته من النفع، بخلاف آلهتهم التي لا نفع ولا جدوى في دعائها، يؤيده ما بعده:(وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ).
قال صاحب "الانتصاف": "قوله: "فإن الله يستجيب الدعاء إذا كان مصلحة، أو معناه: أنه الحقيق أن يوجه إليه الدعاء، بخلاف الأوثان"، قيد استجابة الدعاء برعاية المصلحة، ولا يتقيد بذلك، ولا يجب رعاية المصالح على ما سبق".
لكونه حقيقاً بأن يوجه إليه الدعاء، لما في دعوته من الجدوى والنفع، بخلاف ما لا ينفع ولا يجدى دعاؤه.
والثاني: أن تضاف إلى الحق الذي هو الله عز وعلا، على معنى: دعوة المدعوّ الحق الذي يسمع فيجيب. وعن الحسن: الحق هو الله، وكلّ دعاء إليه دعوة الحق.
فإن قلت: ما وجه اتصال هذين الوصفين بما قبله؟ قلت: أما على قصة أربد فظاهر، لأن إصابته بالصاعقة محال من الله ومكر به من حيث لم يشعر. وقد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه وعلى صاحبه بقوله: اللهمّ اخسفهما بما شئت، فأجيب فيهما، فكانت الدعوة دعوة حق. وأما على الأوّل فوعيد للكفرة على مجادلتهم رسول الله بحلول محاله بهم، وإجابة دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن دعا عليهم فيهم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أن تضاف إلى الحق الذي هو الله تعالى)، هذا مشكل لما يؤدي إلى أن يقال: لله دعوة الله، ويمكن أن يقال: معناه: ولله الدعوة التي تليق أن تنسب وتضاف إلى حضرته، لكونه سميعاً بصيراً كريماً لا يخيب سائله، فيجيب الدعاء.
والحاصل: أن قوله: (الْحَقِّ) وصف جعل علة لاستجابة الدعاء، فإن جعل بمعنى الحق الذي هو خلاف الباطل، فيجب أن يفسر بالمصلحة، لتترتب عليها الإجابة، وإن جعل وصفاً لله تعالى فيجب أن يثبت له وصف يصلح لترتب الإجابة، وهو أن يقال: إنه "المدعو الحق الذي يسمع فيجيب".
قوله: (اتصال هذين الوصفين)، أي: قوله: (شَدِيدُ الْمِحَالِ) و (لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ) هما جملتان خبريتان سماهما وصفين لما قبله، وهو قوله:(وَهُمْ يُجَادِلُونَ)، وهو إذا كان حالاً، والمراد بذي الحال: أربد وصاحبه؛ فظاهر، لأن أثر شدة بأس الله واقع، والدعاء قد استجيب فيهم، وإذا كان عطفاً على قوله:(اللهُ يَعْلَمُ) كما سبق- وهو الوجه الأول في تفسيره- فلم يحصل من مقتضى الوصفين شيء، ومن ثم قال:"فوعيد للكفرة على مجادلتهم".
(وَالَّذِينَ يَدْعُونَ) والآلهة الذين يدعوهم الكفار (مِنْ) دون الله (لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ) من طلباتهم (إِلَّا كَباسِطِ كَفَّيْهِ) إلا استجابةً كاستجابة باسط كفيه، أي: كاستجابة الماء من بسط كفيه إليه يطلب منه أن يبلغ فاه، والماء جمادٌ لا يشعر ببسط كفيه ولا بعطشه وحاجته إليه، ولا يقدر أن يجيب دعاءه ويبلغ فاه، وكذلك ما يدعونه جمادٌ لا يحس بدعائهم ولا يستطيع إجابتهم ولا يقدر على نفعهم. وقيل: شبهوا في قلة جدوى دعائهم لآلهتهم بمن أراد أن يغرف الماء بيديه ليشربه،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (إلا استجابة كاستجابة)، الإجابة والاستجابة بمعنى، قال:
وداع دعا: يا من يجيب إلى الندى
…
فلم يستجبه عند ذاك مجيب
قوله: (كاستجابة الماء)، من إضافة المصدر إلى الفاعل، و"من" مفعوله.
قوله: (وقيل: شبهوا في قلة جدوى)، عطف على قوله:"أي: كاستجابة الماء من بسط كفيه".
والوجه الأول: من التشبيه التمثيلي؛ شبه حالة عدم استجابة الأصنام دعاءهم، وأنهم لم يفوزوا من دعائهم الأصنام بالإجابة والنفع بحالة عدم استجابة الماء لمن بسط كفيه إليه يطلب أن يبلغ فاه، والوجه عدم استطاعة إجابة الدعاء مع العجز عن إيصال النفع، وهو- كما يرى- منتزع من عدة أمور.
روى محيي السنة عن علي وعطاء: "كالعطشان الجالس على شفة البئر، يمد يده إلى
فبسطهما ناشراً أصابعه، فلم تلق كفاه منه شيئاً ولم يبلغ طلبته من شربه.
وقرئ: "تدعون" بالتاء، "كباسطٍ كفيه" بالتنوين. (إِلَّا فِي ضَلالٍ) إلا في ضياعٍ لا منفعة فيه؛ لأنهم إن دعوا الله لم يجبهم، وإن دعوا الآلهة لم تستطع إجابتهم.
[(وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ)].
(وَلِلَّهِ يَسْجُدُ) أي: ينقادون لإحداث ما أراده فيهم من أفعاله، شاءوا أو أبوا. لا يقدرون أن يمتنعوا عليه، ......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
البئر، ولا يبلغ قعر البئر، ولا يرتفع إليه، فلا ينفعه بسط الكف إلى الماء ودعاؤه".
والثاني: من التشبيه المركب العقلي، شبهوا في عدم انتفاعهم بدعاء آلهتهم بشخص يروم من الماء الشرب، ويفعل ما لا يحصل منه على شيء، والوجه قلة جدوى توخي المطلوب.
قال محيي السنة: "المعنى: كباسط كفيه ليقبض على الماء لا يكون في يده شيء، ولا يبلغ إلى فيه منه شيء، كذلك الذين يدعون الأصنام، لا ينفعهم دعاؤها، وهي لا تقدر على شيء".
قوله: (فلم تلق كفاه)، "تلق" من: لاق؛ أي: أمسك، وعن بعضهم: لاقت الدواة تليق؛ أي: لصقت، ولقتها- يتعدى ولا يتعدى- فهي مليقة: إذا أصلحت مدادها، وألقتها إلاقة: لغة فيه قليلة، وفلان لا يليق درهماً موجودة؛ أي: ما يمسكه، فلا يلصق به.
قوله: ((وَللهِ يَسْجُدُ) أي: ينقادون)، جعل (يَسْجُدُ) مجازاً عن الانقياد؛ لينتزع منه القدر المشترك، فيصح إطلاقه على العقلاء الساجدين وغيرهم، وعلى ظلالهم أيضاً.
قال القاضي: "يحتمل أن يكون السجود على حقيقته، فإنه يسجد له الملائكة والمؤمنون
وتنقاد له ظِلالُهُمْ أيضاً حيث تتصرف على مشيئته في الامتداد والتقلص، والفيء والزوال. وقرئ:"بالغدوّ والإيصال"، من: آصلوا: إذا دخلوا في الأصيل.
[(قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ)].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من الثقلين طوعاً حالتي الشدة والرخاء، والكفرة كرهاً حالة الشدة والضرورة، وظلالهم بالعرض، وان يراد به انقيادهم لإحداث ما أراده فيهم؛ شاؤوا أو كرهوا، وانقياد ظلالهم لتصريفه إياها بالمد والتقليص، وانتصاب (طَوْعاً وَكَرْهاً) بالحال أو العلة".
قوله: (والتقلص)، الجوهري:"يقال: قلص الظل، وقلص الماء: إذا ارتفع".
قوله: (والفيء والزوال)، الفيء: ما بعد الزوال من الظل، وإنما سمي الظل فيئاً لرجوعه من جانب إلى جانب، قال ابن السكيت: الظل: ما نسخته الشمس، والفيء: ما نسخ الشمس.
قوله: (وقرئ: "بالغدو والإيصال")، قال ابن جنيك "قرأها أبو مجلز، وهو مصدر "آصلنا"؛ أي: دخلنا في وقت الأصيل".
و (قُلِ اللَّهُ) حكاية لاعترافهم، وتأكيد لم عليهم، لأنه إذا قال لهم: من رب السموات والأرض؟ لم يكن لهم بُدّ من أن يقولوا الله. كقوله: (قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ)[المؤمنون: 86]، وهذا كما يقول المناظر لصاحبه: أهذا قولك؟ ، فإذا قال: هذا قولي قال: هذا قولك، فيحكي إقراره تقريراً له عليه واستيثاقا منه، ثم يقول له: فيلزمك على هذا القول كيت وكيت.
ويجوز أن يكون تلقيناً؛ أي: إن كعوا عن الجواب فلقنهم، فإنهم يتلقنونه ولا يقدرون أن ينكروه.
(أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ) أبعد أن علمتموه رب السموات والأرض اتخذتم من دونه أولياء، فجعلتم ما كان يجب أن يكون سبب التوحيد من علمكم وإقراركم سبب الإشراك (لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرًّا) لا يستطيعون لأنفسهم أن ينفعوها أو يدفعوا عنها ضرراً، فكيف يستطيعونه لغيرهم وقد آثرتموهم على الخالق الرازق المثيب المعاقب، فما أبين ضلالتكم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (كعوا في الجواب)، الأساس:"كع الرجل وكعكعه الخوف فتكعكع، أي: حبسه فاحتبس".
قوله: (أبعد أن علمتموه رب السماوات)، يريد: أن الفاء في قوله: (أَفَاتَّخَذْتُمْ) سببية مرتبة للكلام الثاني على الأول، وأدخل همزة الإنكار بين المسبب والسبب للتعكيس، كقوله تعالى:(وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ)[الواقعة: 82]، وهذه الفاء مثل الفاء التي أتى بها في المثال، وهو قوله:"ثم يقول له: فيلزمك على هذا القول: كيت وكيت".
قوله: (من علمكم وإقراركم)، أما علمكم فأنكم تعلمون أنه رب السماوات والأرض، وأما إقراركم فجوابكم إذا سئلتم: من رب السماوات والأرض؟
(أَمْ جَعَلُوا) بل اجعلوا، ومعنى الهمزة الإنكار و (خَلَقُوا) صفةٌ لـ (شركاء)، يعني أنهم لم يتخذوا لله شركاء خالقين قد خلقوا مثل خلق الله (فَتَشابَهَ) عليهم خلق الله وخلقهم، حتى يقولوا: قدر هؤلاء على الخلق كما قدر الله عليه،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (حتى يقولوا)، غاية لقوله:"فتشابه"، ومعنى النفي في قوله:"لم يتخذوا" يعطيه معنى الهمزة الإنكارية في "أم"، فيكون المنكر الجعل مع مفعوليه والصفة.
قال في "الانتصاف": " (خَلَقُوا كَخَلْقِهِ) في سياق الإنكار: تهكم، فإن غير الله لا يخلق شيئاً، لا مساوياً ولا منحطاً، فقد كان يكفي في الإنكار أن الآلهة التي اتخذوها لا تخلق، لكن قوله: (كَخَلْقِهِ) تهكم، والزمخشري لا يستطيع ذكر هذه النكتة، لأن الله ربهم يخلق الجواهر والأعراض، والعبيد لا يخلقون سوى أفعالهم، وفي قوله: (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) إلجام لأفواه المشركين والقدرية، فلذلك تقاصر لسان الزمخشري هنا، وقرت شقاشقه".
وقلت: أما قضية المذهب هنا، وقوله:"لا يقدرون على ما يقدر عليه من الخلق": فبطلانه بقوله تعالى: (قُلْ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) ظاهر، وأما إثبات التهكم فمتكلف، لأن التهكم هو ذكر الشيء وإرادة نقيضه استحقاراً للمخاطب، كقوله تعالى:(فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ)[آل عمران: 21]، وقولهم:(إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ)[هود: 87]، وها هنا قوله:(خَلَقُوا كَخَلْقِهِ) مبالغة في إثبات العجز لها على سبيل الاستدراج وإرخاء العنان،
فاستحقوا العبادة، فنتخذهم له شركاء ونعبدهم كما يعبد، إذ لا فرق بين خالقٍ وخالقٍ، ولكنهم اتخذوا له شركاء عاجزين لا يقدرون على ما يقدر عليه الخلق، فضلاً أن يقدروا على ما يقدر عليه الخالق.
(قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) لا خالق غير الله، ولا يستقيم أن يكون له شريك في الخلق، فلا يكون له شريك في العبادة (وَهُوَ الْواحِدُ) المتوحد بالربوبية (الْقَهَّارُ) لا يغالب، وما عداه مربوب ومقهور.
[(أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ)].
هذا مثل ضربه الله للحق وأهله والباطل وحزبه، كما ضرب الأعمى والبصير والظلمات والنور مثلاً لهما، ......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فإنه تعالى لما أنكر عليهم أولاً اتخاذهم من دون الله شركاء، ووصفها بأنها لا تملك لأنفسهم نفعاً ولا ضراً، فكيف لغيرهم؟ ! أنكر ثانياً على سبي التدرج وصف الخلق أيضاً، يعني: هب أنهم يقدرون على نفع أنفسهم وعلى نفع عبدتهم، هل يقدرون أن يخلقوا شيئاً؟ وهب أنهم قادرون على خلق بعض الأشياء، هل يقدرون على ما يقدر عليه الخالق من خلق السماوات والأرض؟ .
قوله: (كما ضرب الأعمى والبصير، والظلمات والنور، مثلاً لهما)، بيان لاتصال الآيات،
فمثل الحق وأهله بالماء الذي ينزله من السماء فتسيل به أوديةُ الناس فيحيون به وينفعهم أنواع المنافع، وبالفلز الذي ينتفعون به في صوغ الحليّ منه واتخاذ الأوانى والآلات المختلفة، ولو لم يكن إلا الحديد الذي فيه البأس الشديد لكفى به، وأن ذلك ماكث في الأرض باق بقاء ظاهراً، يثبت الماء في منافعه. وتبقى آثاره في العيون والبئار والجبوب، والثمار التي تنبت به مما يدّخر ويكنز،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وذلك أنه تعالى لما أمره صلوات الله عليه أن يبكت المشركين بقوله: (قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلْ اللَّهُ)، ثم يؤنبهم بقوله:(قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ)، ويوبخهم على تعكيس الأمر، وهو أنه من علم أنه رب السماوات والأرض وجب عليه أن يعبده ويوحده، فهم جعلوا العلم سبباً للإشراك به، ذيله بضرب المثل بالأعمى والبصير، والظلمات والنور، ولما أضرب عن ذلك بقوله:(أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ) أي: شركاء مخلوقين عاجزين لا يقدرون على نفع أنفسهم، فكيف بغيرهم؟ ! وتركوا عبادة خالق كل شيء المتوحد المتفرد الغالب على كل شيء، عقبه بضرب مثل آخر.
قوله: (وبالفلز الذي ينتفعون به)، النهاية:"الفلز- بكسر الفاء واللام وتشديد الزاي-: ما في الأرض من الجواهر المعدنية، كالذهب والفضة والنحاس والرصاص وغيرها، قيل: هو ما ينفيه الكير، ومنه حديث علي رضي الله عنه: (من فلز اللجين والعقيان) ".
قوله: (مما يدخر ويكنز)، خبر لقوله:"والحبوب والثمار"، وفيه لف؛ لأن الادخار مختص بالحبوب، والاكتناز بالثمار.
وكذلك الجواهر تبقى أزمنة متطاولة. وشبه الباطل في سرعة اضمحلاله ووشك زواله وانسلاخه عن المنفعة، بزيد السيل الذي يرمي به، وبزبد الفلز الذي يطفو فوقه إذا أذيب.
فإن قلت: لم نكرت الأودية؟ قلت: لأن المطر لا يأتى إلا على طريق المناوبة بين البقاع، فيسيل بعض أودية الأرض دون بعض.
فإن قلت: فما معنى قوله (بِقَدَرِها)؟ قلت: بمقدارها الذي عرف الله أنه نافعٌ للممطور عليهم غير ضارّ. ألا ترى إلى قوله: (وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الراغب: "الكنز: جعل المال بعضه على بعض وحفظه، وأصله من: كنزت التمر في الوعاء، زمن الكناز: وقت ما يكنز فيه التمر".
قوله: (ألا ترى إلى قوله: (وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ))، يعني: دل التفصيل- وهو قوله: (وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ) - أن هذا المجمل أيضاً مشتمل على هذا المعنى، ليتطابق التفصيل والمجمل، وليس فيه ما يدل على النفع إلا قوله:(فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا)، فيجب تفسيره به، ويؤيده قوله:"الفائدة فيه- أي: في (ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ) - كالفائدة في قوله: (بِقَدَرِهَا) "، لأنهما متقابلان.
واعلم أن الآية من "باب الجمع والتقسيم مع الجمع" على أبدع ما يكون؛ جمع أولاً
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الماء والفلز في حكم كونهما جامعين لمعنى ما ينتفع به الناس ولما لا نفع فيه، فإنزال الماء على القدر المحتاج إليه خالص للنفع، وحميله- الذي هو زبد السيل- لا نفع فيه، وكذا الفلز: ما يتخذ منه الحلي والأواني هو المنتفع به، وخبثه الذي هو زبده مما لا نفع فيه، ثم فصل ثانياً حكم كل من اللذين لا نفع فيهما على طريق الجمع، بقوله:(فَأَمَّا الزَّبَدُ) إلى آخره، أي: كل مما لا نفع فيه من زبد الماء وزبد الفلز يذهب جفاء، وكل من المنتفع بهما- وهما الماء المنزل بقدر والفلز المتخذ منه الحلي والمتاع- يمكث في الأرض.
قال محيي السنة: "قيل: قوله: (أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً) مثل للقرآن، و"الأودية" مثل للقلوب، أي: أنزل القرآن، واحتمل منه القلوب على قدر اليقين والعقل والشك والجهل".
وقلت: ومقتضى إدخال القرآن والقلوب الموصوفة باليقين والشك والعقل والجهل في هذا المقام قوله تعالى بعد ضرب المثل: (لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ الْحُسْنَى) الآية، وقوله:(أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى).
وقال السجاوندي: إن لله تعالى في الأنبياء والأصفياء ودائع وبدائع من خصائص الإنسانية، تحصل بالسهو وتذهب بالعبر، والأنوار العلوية- أعني: آثار الهداية- بالعلم والقرآن يتأثر بها من الأخلاق ما هو حلية الروح والعقل، ومن الأعمال ما هو قنية النفع والدفع، والعلم في الصدر الأول آت من الله تعالى نقداً خالياً من خلائط الزيف
لأنه ضرب المطر مثلاً للحق، فوجب أن يكون مطراً خالصاً للنفع خالياً من المضرة، ولا يكون كبعض الأمطار والسيول الجواحف.
فإن قلت: فما فائدة قوله (ابْتِغاءَ حلية أو متاع)؟ قلت: الفائدة فيه كالفائدة في قوله (بِقَدَرِها)؛ لأنه جمع الماء والفلز في النفع في قوله: (وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ)، لأنّ المعنى: وأما ما ينفعهم من الماء والفلز فذكر وجه الانتفاع مما يوقد عليه منه ويذاب، وهو الحلية والمتاع. وقوله:(وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ) عبارةٌ جامعةٌ لأنواع الفلز، مع إظهار الكبرياء في ذكره على وجه التهاون به،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صافياً عن سؤال الكيف، ثم اختلط بشوائب النفسانية وهواجس الإنسانية، فلابد من نار الفتن، واختبار المحن؛ لزوال زبد الخبث، وقوام أود العبث، ومن تحمل التعليم، والاتصاف بالتسليم، ليذهب الزبد جفاء، وإلا مات عطشاً، ودام نجساً، قال:
إذا أنت لم تشرب مراراً على القذى
…
ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه
هذا مختصر من كلامه.
قوله: (والسيول الجواحف)، الجوهري:"سيل جحاف- بالضم-: إذا جرف كل شيء وذهب به".
قوله: (على وجه التهاون به)، وذلك أن في قوله:(وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ)
كما هو هجيرى الملوك، نحو ما جاء في ذكر الآجر (فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ) [القصص: 38].
و«من» لابتداء الغاية؛ أي: ومنه ينشأ زبد مثل زبد الماء. أو للتبعيض بمعنى وبعضه زبداً رابياً منفخاً مرتفعاً على وجه السيل.
(جُفَاءً) يجفاهُ السَّيل؛ أي: يرمي به. وجفأت القدر بزبدها، وأجفأ السيل وأجفل. وفي قراءة رؤبة ابن العجاج:"جفالاً"، وعن أبي حاتم: لا يقرأ بقراءة رؤبة، لأنه كان يأكل الفأر
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عدولاً من الاسم إلى تصوير حالة هي أحط حالات هذه الجواهر، أي: هذه التي ترفعون أنتم من مقدارها، وتعدونها أنفس الجواهر، وتتخذون منها الحلي، وتزينون بها مجالسكم وتيجانكم، هي هذه التي توقدون عليها، كقوله تعالى:(فَلْيَنظُرْ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ* خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ)[الطارق: 5 - 6]، وقوله:(مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ* مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ)[عبس: 18 - 19]، قال:"من أي شيء حقير خلقه".
قوله: (أو للتبعيض)، قال أبو البقاء:" (زَبَدٌ) مبتدأ، و (مِثْلُهُ) الصفة، والخبر "مما يوقدون"، المعنى: ومن جواهر الأرض كالنحاس ما فيه زبد- وهو خبثه- مثله، أي: مثل الزبد الذي يكون على الماء".
قوله: ((جُفَاءً) يجفاه السيل)، قال أبو البقاء:"هو حال، وهمزته منقلبة عن واو، وقيل: هي أصل".
وقرئ: يوقدون، بالياء: أي: يوقد الناس.
[(لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ وَمَاواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ)].
(لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا) اللام متعلقة بـ (يضرب)، أي: كذلك يضرب الله الأمثال للمؤمنين الذين استجابوا، وللكافرين الذين لم يستجيبوا، أي: هما مثلاً الفريقين. و (الْحُسْنى) صفةٌ لمصدر "استجابوا"؛ أي: استجابوا الاستجابة الحسنى. وقوله (لَوْ أَنَّ لَهُمْ) كلام مبتدأ في ذكر ما أعدّ لغير المستجيبين. وقيل: قد تم الكلام عند قوله (كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ)[الرعد: 17]، وما بعده كلام مستأنف و (الحسنى) مبتدأ، خبره:(لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا)، والمعنى: لهم المثوبة الحسنى، وهي الجنة (وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا) مبتدأ، خبره:(لو) مع ما في حيزه و (سُوءُ الْحِسابِ) المناقشة فيه، وعن النخعي: أن يحاسب الرجل بذنبه كله لا يغفر منه شيء.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرئ: (يُوقِدُونَ) بالياء)، التحتانية؛ حمزة وحفص والكسائي.
قوله: (وقيل: قد تم الكلام عند قوله: (كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ))، قال صاحب "المرشد":"هو وقف تام، وفي قوله: (لِرَبِّهِمْ الْحُسْنَى) حسن، وكذا (لافْتَدَوْا بِهِ) ".
[(أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ)].
دخلت همزة الإنكار على الفاء في قوله (أَفَمَنْ يَعْلَمُ) لإنكار أن تقع
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقال القاضي: "قوله: (لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ) على أن يتعلق (لِلَّذِينَ) بـ (يَضْرِبُ): كلام مبتدأ لبيان مآل غير المستجيبين".
وقلت: النظم يستدعي الثاني، لأن الفصاحة على انقطاع ما بعد الفاصلة عنها، ولهذا انحط قول امرئ القيس:
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي
…
بصبح وما الإصباح منك بأمثل
عن قول أبي الطيب:
إذا كان مدحاً فالنسيب المقدم
…
أكل فصيح قال شعراً متيم
ولأن لفظ (الْحُسْنَى) لما تعلق بأحد القرينتين أوجب أن لا يعطل ما يقابلها عن أختها؛ لئلا يخترم النظم، كأنه قيل: للذين استجابوا لربهم الحسنى، والذين لم يستجيبوا لربهم السوأى، فوضع موضعه:(لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً) إلى آخره، وإنما اكتفى في الأول بـ (الْحُسْنَى) المطلقة ليعم، فيكون أبلغ، لأن جانب الحسنة أرجح.
قوله: (دخلت همزة الإنكار على الفاء)، يريد: أن الفاء في (أَفَمَن) للتعقيب، والهمزة مقحمة بين المعطوف والمعطوف عليه لمزيد الإنكار، والمعطوف عليه جملة قوله:(لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ) الآية، المعنى: ضرب الله الأمثال للمؤمنين
شُبهة بعد ما ضرب من المثل في أنّ حال من علم (أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ) فاستجاب، بمعزل من حال الجاهل الذي لم يستبصر فيستجيب: كبعد ما بين الزبد والماء، والخبث والإبريز. (إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ) أي: الذين عملوا على قضيات عقولهم، فنظروا واستبصروا.
[(الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ* وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المستجيبين والكافرين الذين لم يستجيبوا، أفيستوي الذين يعلمون ما أنزل إليك، فيستجيبون، والذين لا يعلمون فلا يستجيبون؟ ! وإليه الإشارة بقوله:"إن حال من علم فاستجاب بمعزل من حال الجاهل فلم يستجب، كبعد ما بين الزبد والماء، والخبث والإبريز".
ثم إنك إن أمعنت النظر وجدت قوله: (أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ) وما ترتب هو عليه: متصلاً بفاتحة السورة، يعني: بقوله: (وَالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ)[الرعد: 1].
قوله: (كبعد ما بين الزبد)، صفة مصدر محذوف، أي: بعد حالهم من حال الجاهل بعداً مثل بعد ما بين الزبد والماء.
قوله: (أي: الذين عملوا على قضيات عقولهم)، الراغب: "اللب: العقل الخالص من الشوائب، وسمي بذلك لكونه خالص ما في الإنسان من قواه، كاللباب من الشيء، وقيل: هو ما زكى من العقل، فكل لب عقل، وليس كل عقل لباً، ولهذا علق الله تعالى الأحكام التي لا تدركها إلا العقول الزاكية بأولي الألباب، نحو: (وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ
وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ* وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ* جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ* سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ)].
(الذين يوفون بعهد الله) مبتدأ، و (أولئك لهم عقبى الدار) خبره، كقوله:(والذين ينقضون عهد الله)[الرعد: 25] أولئك لهم اللعنة. ويجوز أن يكون صفة لـ"أولي الألباب"، والأوّل أوجه. و"عهد الله": ما عقدوه على أنفسهم من الشهادة بربوبيته؛ (وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى)[الأعراف: 172]. (وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ) ولا ينقضون كل ما وثقوه على أنفسهم وقبلوه؛ من الإيمان بالله وغيره من المواثيق بينهم وبين الله وبين العباد، تعميم بعد تخصيص.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ) [البقرة: 269]، ورجل لبيب من قوم ألباء، وملبوب: معروف باللب".
قوله: (والأول أوجه)، وذلك لمكان الاستئناف عند قوله:(الَّذِينَ يُوفُونَ)؛ لبيان الموجب، كقوله تعالى:(هُدًى لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ)[البقرة: 2 - 3]، على ما مر في البقرة، ولعطف قوله:(وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ) عليه، وهو غير صالح لوصف أولي الألباب.
قوله: (تعميم بعد تخصيص)، يعني: عطف قوله: (وَلا يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ) - وهو عام لأن التعريف فيه للجنس- على قوله: (يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ)، والمراد: ما عقدوه على أنفسهم من الشهادة بربوبيته، وهو خاص، كما عطف:(وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ) على قوله: (يَصِلُونَ) على هذا، لأن خشية الله ملاك كل خير، وأما عطف (وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ) على "يخشون"،
(ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ) من الأرحام والقرابات، ويدخل فيه وصل قرابة رسول الله وقرابة المؤمنين الثابتة بسبب الإيمان (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) [الحجرات: 10]- بالإحسان إليهم على حسب الطاقة، ونصرتهم، والذب عنهم، والشفقة عليهم، والنصيحة لهم، وطرح التفرقة بين أنفسهم وبينهم، وإفشاء السلام عليهم، وعيادة مرضاهم، وشهود جنائزهم. ومنه مراعاة حق الأصحاب والخدم والجيران والرفقاء في السفر، وكل ما تعلق منهم بسبب، حتى الهرة والدجاجة. وعن الفضيل بن عياض أنّ جماعة دخلوا عليه بمكة فقال: من أين أنتم؟ قالوا: من أهل خراسان. قال: اتقوا الله وكونوا من حيث شئتم، واعلموا أنّ العبد لو أحسن الإحسان كله وكانت له دجاجة فأساء إليها لم يكن من المحسنين.
(وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ) أي: يخشون وعيده كله، (وَيَخافُونَ) خصوصاً (سُوءَ الْحِسابِ) فيحاسبون أنفسهم قبل أن يحاسبوا.
(صَبَرُوا) مطلقٌ فيما يصبر عليه من المصائب في النفوس والأموال ومشاق التكليف ابْتِغاءَ وَجْهِ الله، لا ليقال: ما أصبره وأحمله للنوازل، وأوقره عند الزلازل، ولا لئلا يعاب بالجزع ولئلا يشمت به الأعداء كقوله:
وَتَجَلُّدِى لِلشّامِتِينَ أُرِيهِمُ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فمن عطف الخاص على العام، ومن ثم قال:"ويخافون خصوصاً سوء الحساب"، ومثله عطف (وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ) على (صَبَرُوا).
قوله: (وتجلدي للشامتين أريهم)، تمامه- لأبي ذؤيب:
أني لريب الدهر لا أتضعضع
ولا لأنه لا طائل تحت الهلع ولا مردّ فيه للفائت، كقوله:
مَا إنْ جَزِعْتُ وَلَا هَلَعْـ
…
ـتُ وَلَا يَرُدُّ بُكَأي: زَنْدَا
وكل عمل له وجوهٌ يعمل عليها، فعلى المؤمن أن ينوى منها ما به كان حسناً عند الله، وإلا لم يستحق به ثواباً، وكان فعل كلا فعل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الشماتة: الفرح ببلية تصل إلى العدو، والضعضعة: الخضوع. يقول: هذا التجلد الذي أريه من نفسي لدفع شماتة الشامتين.
قوله: (ما إن جزعت) البيت، قيل: هو لعمرو بن معدي كرب، الهلع: أفحش الجزع، لأنه جزع مع قلة الصبر، قيل: إن زيداً أخ له، ومنهم من زعم أنه فتش فلم يجد له شقيقاً يسمى زيداً، ومنهم من روى "زنداً"- بالنون-، أي: يرد بكائي شرره من حرقتي، ذكر "الزند" وأراد ما يخرج منه عند القدح.
روي عن المصنف أنه قال: الزند مثل في القلة، ومن ثم يقال للئيم: مزند، أي: محقر، "الأساس":"ومن المجاز قولهم للحقير: زندان في مرقعة، وعطاء مزند: قليل مضيق".
قوله: (أن ينوي منها ما به كان حسناً)، "ما" موصوفة، أي: ينوي من الوجوه شيئاً به كان العمل حسناً عند الله، وهو أن يصبر ابتغاء وجه ربه، اقتبس قوله:"حسناً" من قوله صلوات الله عليه: "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك"، فإذا أحسن العبد هذا الحضور طاش عنده جميع الهواجس النفسانية التي ذكرها المصنف، بل
(مِمَّا رَزَقْناهُمْ) من الحلال، لأنّ الحرام لا يكون رزقا ولا يسند إلى الله، (سِرًّا وَعَلانِيَةً) يتناول النوافل، لأنها في السر أفضل، والفرائض، لوجوب المجاهرة بها نفياً للتهمة (وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ) ويدفعونها. عن ابن عباس: يدفعون بالحسن من الكلام ما يرد عليهم من سيئ غيرهم.
وعن الحسن: إذا حرموا أعطوا، وإذا ظلموا عفوا، وإذا قطعوا وصلوا. وعن ابن كيسان: إذا أذنبوا تابوا. وقيل: إذا رأوا منكراً أمروا بتغييره (عُقْبَى الدَّارِ) عاقبة الدنيا وهي الجنة، لأنها التي أراد الله أن تكون عاقبة الدنيا ومرجع أهلها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يفني حضوره في شهوده، فيتلذذ بالبلوى، ويستبشر باختبار المولى، هذا هو الصبر على الله عند العارفين.
قوله: (وعن الحسن: إذا حرموا أعطوا)، إلى آخره: مقتبس مما رويناه في "مسند أحمد ابن حنبل" عن عقبة بن عامر قال: لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "صل من قطعك، وأعط من حرمك، واعف عمن ظلمك".
قوله: ((عُقْبَى الدَّارِ) عاقبة الدنيا، وهي الجنة، لأنها هي التي أراد الله)، الانتصاف:
و (جَنَّاتُ عَدْنٍ) بدلٌ من (عقبى الدار).
وقرئ: "فنعم" بفتح النون. والأصل: نعم. فمن كسر النون فلنقل كسرة العين إليها، ومن فتح فقد سكن العين ولم ينقل وقرى:"يُدْخَلُونَها" على البناء للمفعول. وقرأ ابن أبي عبلة: "صَلُحَ" بضم اللام، والفتح أفصح، أعلم أنّ الأنساب لا تنفع إذا تجردت من الأعمال الصالحة.
و"آباؤهم" جمع أبوي كل واحدٍ منهم، فكأنه قيل: من آبائهم وأمهاتهم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"العاقبة المطلقة: هي الجنة، (وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ)، (وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) [الأعراف: 128]، فاستنبط الزمخشري من ذلك أنها التي أرادها الله، والعاقبة الأخرى خلاف المراد، فلذلك قيدها في قوله: (وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ) [الرعد: 35]، تفادى أن ينسب إلى الله إرادة الشر، وما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، والمؤدي إلى حميد العاقبة مأمور به، والمؤدي إلى ما سواها منهي عنه، فعاقبة الجنة أصل باعتبار الأمر، لا باعتبار الإرادة".
قوله: (لا تنفع إذا تجردت من الأعمال)، إنما قال:"إذا تجردت" ليؤذن بأنه إذا وجد منهم عمل ما كفاهم، وذلك من إيقاع الفعل- أي:(صَلَحَ) - صلة للموصول، كما قال في قوله:(وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا)[هود: 113]: "قيل: (الَّذِينَ ظَلَمُوا)، ولم يقل: "الظالمين"، لأن المعنى: الذين وجد منهم الظلم"، والمعنى: أن الله تعالى يلحق قرابات أولئك الكملة بهم، وإن لم يكونوا في مرتبتهم من العمل الصالح إكراماً لهم، نحوه قوله تعالى:(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ)[الطور: 21]، قال فيه:"أي: بسبب إيمان عظيم رفيع المحل- وهو إيمان الآباء- ألحقنا بدرجاتهم ذرياتهم، وإن كانوا لا يستأهلونها، تفضلاً عليهم وعلى آبائهم".
(سَلامٌ عَلَيْكُمْ) في موضع الحال، لأنّ المعنى: قائلين: سلامٌ عليكم، أو مسلمين. فإن قلت: بم تعلق قوله (بِما صَبَرْتُمْ)؟ قلت: بمحذوف، تقديره: هذا بما صبرتم، يعنون: هذا الثواب بسبب صبركم، أو بدل ما احتملتم من مشاق الصبر ومتاعبه هذه الملاذ والنعم. والمعنى: لئن تعبتم في الدنيا لقد استرحتم الساعة، كقوله:
بِمَا قَدْ أرَى فِيهَا أوَانِسَ بُدَّنَا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أو بدل)، ظرف؛ خبر قوله:"هذه الملاذ"، لأنه مبتدأ وصفة، والجملة معطوفة على مثلها، وهي "هذا الثواب بسبب صبركم" والصبر على الأول بمعنى الطاعات، لأن الطاعات عندهم سبب للثواب، وعلى الثاني بمعناه، ولذلك قال:"ما احتملتم من مشاق الصبر ومتاعبه"، وهو موجب للعوض والبدل. وعن بعض العدلية: الثواب: هو الجزاء على أعمال الخير، والعوض: هو البدل عن الفائت، كالسلامة التي هي بدل الألم، والنعم التي هي مقابلة البلايا والمحن والرزايا والفتن، والتفضل: هو إيصال منفعة خالصة إلى الغير من غير استحقاق.
قال القاضي: " (بِمَا صَبَرْتُمْ) متعلق بـ (عَلَيْكُم)، أو بمحذوف، أي: هذا بما صبرتم، ولا يتعلق بـ (سَلَامٌ)، لأن الخبر فاصل، والباء للسببية أو البدلية".
وأجيب: أن التعلق بمعنوي، ولذلك قدر:"ونكرمكم".
قوله: (بما قد أرى فيها أوانس بدنا)، لم يوجد تمامه.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يأتى قبور الشهداء على رأس كل حول فيقول: «السلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار» ، ويجوز أن يتعلق بـ (سلام)، أي: نسلم عليكم ونكرمكم بصبركم.
[(وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ)].
(مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ) من بعد ما أوثقوه به من الاعتراف والقبول، (سُوءُ الدَّارِ) يحتمل أن يراد سوء عاقبة الدنيا، لأنه في مقابلة (عقبى الدار)، ويجوز أن يراد بـ (الدار): جهنم، وبـ"سوئها": عذابها.
[(اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ مَتاعٌ)].
(اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ) أي: الله وحده هو يبسط الرزق ويقدره دون غيره،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
و"الأوانس": النساء، "البدن": من قولهم: بدن الرجل: إذا سمن، وهي جمع بادنة، وهي المرأة السمينة، يقول: أرى في عرصة الحمى الوحش، بدل ما كنت أرى فيها النساء الآنسات، والاستشهاد بالباء في "بما"، لأنها بمعنى البدل.
قوله: ((اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ) أي: الله وحده هو يبسط الرزق)، أي: لا غيره، ومثل هذا التركيب عند صاحب "المفتاح" نص في إفادة تقوي الحكم، ولا يحتمل التخصيص البتة،
وهو الذي بسط رزق أهل مكة ووسعه عليهم،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لأن المبتدأ قار في مكانه، وليس مثل:"أنا عرفت" في احتمال التخصيص والتقوي.
ويمكن أن يوجه تفسير المصنف بأن يقال: إن في التركيب تكرير الحكم، فاكتسى الحكم قوة، فيفيد التأكيد، فناسب أن يضمن التخصيص، لأن التخصيص ليس إلا تأكيد الحكم بالنفي والإثبات، والتأكيد أبداً يرفع إرادة التجوز عن الحكم، والوجه أن ذلك التخصيص من قبل اختصاص الاسم الجامع بالذكر، وبناء (يَبْسُطُ الرِّزْقَ) عليه.
يؤيده قوله في قوله تعالى: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ)[الزمر: 23]: "وإيقاع اسم "الله" مبتدأ، وبناء (نَزَّلَ) عليه: فيه تفخيم لـ (أَحْسَنَ الْحَدِيثِ)، وتأكيد لإسناده إلى الله تعالى، وأنه من عنده، وأن مثله لا يجوز إلا أن يصدر عنه".
قوله: (وهو الذي بسط رزق أهل مكة)، إشارة إلى أن اللام في (الرِّزْقَ) عوض من المضاف إليه، كقوله تعالى:(وَاشْتَعَلَ الرَّاسُ شَيْباً)[مريم: 4]، وأن الضمير في "فرحوا" عائد إليه، والآية متصلة بقوله:(كَمَنْ هُوَ أَعْمَى)، وهم الذين لا يعلمون المراد من ضرب المثلين، ولا يستجيبون لربهم، وذلك لما بسط الله عليهم الدنيا، فنسوا حظاً مما ذكروا به، وفرحوا بالحياة الدنيا، ألا ترى كيف عقبه بقوله:(وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ)، إذ لو سمعوا ما أنزل عليهم، وعلموا حقيقته، لما قالوا ذلك، وبقوله:(الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ)، حيث سمعوه وعرفوا أنه حق من الله عز وجل، فاستجابوا له،
وَفَرِحُوا) بما بسط لهم من الدنيا فرح بطر وأشر لا فرح سرور بفضل الله وإنعامه عليهم، ولم يقابلوه بالشكر حتى يستوجبوا نعيم الآخرة،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
واطمأنت قلوبهم، فعلى هذا قوله:(إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ) إلى قوله: (وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ) معترضة مؤكدة لمضمون الكلامين.
وفيه: أن سبب تنور قلوب المستجيبين واطمئنانها: التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، بشهادة المقابلة بين الضدين.
قوله: (فرح بطر وأشر)، الراغب: "الفرح: انشراح الصدر بلذة عاجلة، وأكثر ما يكون في اللذات البدنية الدنيوية، فلهذا قال تعالى:(لِكَيْلا تَاسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ)[الحديد: 23]، وقال تعالى:(وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا)، ولم يرخص
وخفي عليهم أن نعيم الدنيا في جنب نعيم الآخرة ليس إلا شيئاً نزراً يتمتع به كعجالة الراكب، وهو ما يتعجله من تميرات أو شربة سويق أو نحو ذلك.
[(وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ* الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ* الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ)].
فإن قلت: كيف طابق قولهم (لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ) قوله: (قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ)؟ قلت: هو كلام يجري مجرى التعجب من قولهم، وذلك أن الآيات الباهرة المتكاثرة التي أوتيها رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يؤتها نبيّ قبله، وكفى بالقرآن وحده آية وراء كل آية، فإذا جحدوها ولم يعتدّوا بها وجعلوه كأن آية لم تنزل عليه قط، كان موضعاً للتعجب والاستنكار، فكأنه قيل لهم: ما أعظم عنادكم وما أشد تصميمكم على كفركم، (إن الله يضل من يشاء) ممن كان على صفتكم من التصميم وشدّة الشكيمة في الكفر،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في الفرح إلا في قوله: (فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا)[يونس: 58]، (وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ* بِنَصْرِ اللَّهِ) [الروم: 4 - 5] ".
قوله: (هو كلام يجري مجرى التعجب)، يعني: أن قولهم: (لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ) من باب العناد والاقتراح ورد الآيات الباهرة المتكاثرة، وإنما يستحق هذا الكلام بأن يقابل بقوله: ما أعظم كفركم وتصميمكم على الكفر، ومثل هذا التصميم لا يكون إلا بختم الله على القلوب، وإرادة الضلال منكم، ومن يضلل الله فلا هادي له، ما أدل هذه الآية على مذهب أهل السنة.
فلا سبيل إلى اهتدائهم وإن أنزلت كل آية، (وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ) كان على خلاف صفتكم (أَنابَ) أقبل إلى الحق، وحقيقته دخل في نوبة الخير، (والَّذِينَ آمَنُوا) بدل من (مَنْ أَنابَ)، (وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ) بذكر رحمته ومغفرته بعد القلق والاضطراب من خشيته، كقوله:(ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ)[الزمر: 23]، أو: تطمئن بذكر دلائله الدالة على وحدانيته، أو تطمئن بالقرآن لأنه معجزة بينة تسكن القلوب وتثبت اليقين فيها.
(الَّذِينَ آمَنُوا) مبتدأ، و (طُوبى لَهُمْ) خبره. ويجوز أن يكون بدلاً من (القلوب)، على تقدير حذف المضاف، أي: تطمئن القلوب قلوب الذين آمنوا، و (طوبى) مصدرٌ من: طاب، كبشرى وزلفى،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أو تطمئن بالقرآن، لأنه معجزة)، هذا الوجه ملائم لقوله:(وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ)، ليكون تعريضاً بالكفار كما سبق.
قوله: (ويجوز أن يكون بدلاً من (الْقُلُوبُ))، ويحتمل بدل الكل والبعض والاشتمال، بحسب التعريف في (الْقُلُوبُ)، وهذا أحسن توافقاً للموصول الأول، وفائدته التعريض بالكفار، وأنهم لا قلوب لهم، لأن عملهم غير صالح، وأن عنادهم بسبب أن أفئدتهم هواء، ولا يلقون أذهانهم وسمعهم كمن له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، و (طُوبَى لَهُمْ) - على هذا- جملة مستأنفة، كأنه قيل: فما لهم؟ وأجيب: طوبى لهم.
ومعنى «طوبى لك» : أصبت خيراً وطيبا، ومحلها النصب أو الرفع، كقولك: طيبا لك، وطيب لك، وسلاماً لك، وسلامٌ لك، والقراءة في قوله:(وَحُسْنُ مَآبٍ) بالرفع والنصب، تدلك على محليها. واللام في (لَهُمْ) للبيان، مثلها في سقياً لك، والواو في (طوبى) منقلبةٌ عن ياء لضمة ما قبلها، كموقن وموسر. وقرأ مكوزة الأعرابي:"طيبى لهم" فكسر الطاء لتسلم الياء، كما قيل: بيضٌ ومعيشة.
[(كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتابِ)].
(كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ) مثل ذلك الإرسال أرسلناك، يعني: أرسلناك إرسالاً له شأن وفضل على سائر الإرسالات، .....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((وَحُسْنُ مَئَابٍ) بالرفع والنصب)، بالرفع: السبعة، وبالنصب: شاذ. قال أبو البقاء: "الرفع والإضافة على أنه معطوف على (طُوبَى) إذا جعلتها مبتدأ، والنصب على أنه عطف على (طُوبَى) في وجه نصبها".
قوله: (وقرأ مكوزة)، روي عن المصنف: أنها كما سمت العرب بـ "كوز"، سمت بـ "مكوزة"، وهي إما جمع كوز، كمشيخة ومسيفة ومأسدة، جمع شيخ وسيف وأسد.
قوله: (يعني: أرسلناك إرسالاً له شأن وفضل)، فالكاف صفة مصدر محذوف، والتنكير فيه للتعظيم، لأن اسم الإشارة في أمثال هذا المقام يدل على جلال شأن المشار إليه، وهو إما ما في الذهن، وهو الظاهر، أو ما سبق من الآيات الدالة على جلائل الشئون، و [في] في
ثم فسر كيف أرسله فقال: (فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ) أي: أرسلناك في أمة قد تقدمتها أمم كثيرة فهي آخر الأمم وأنت خاتم الأنبياء (لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ) لتقرأ عليهم الكتاب العظيم الذي أوحينا إليك (وَهُمْ يَكْفُرُونَ) وحال هؤلاء أنهم يكافرون (بِالرَّحْمنِ) بالبليغ الرحمة الذي وسعت رحمته كل شيء، وما بهم من نعمة فمنه، فكفروا بنعمته في إرسال مثلك إليهم وإنزال هذا القرآن المعجز المصدق لسائر الكتب عليهم (قُلْ هُوَ رَبِّي) الواحد المتعالي عن الشركاء (عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ) في نصرتي عليكم (وَإِلَيْهِ مَتابِ) فيثيبني على مصابرتكم ومجاهدتكم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله تعالى: (فِي أُمَّةٍ) ليست بصلة لـ (أَرْسَلْنَاكَ)، بل بيان، ليؤذن بالتفسير بعد الإبهام على تفخيم الشأن الذي يقتضيه المقام.
قوله: (لتقرأ عليهم الكتاب العظيم)، والتعظيم مستفاد من وضع (الَّذِي أَوْحَيْنَا) موضع "القرآن"، قال في قوله تعالى:(يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ)[الإسراء: 9]: "في إيهام الموصوف بحذفه من فخامة تفقد مع إيضاحه"، وأتم معنى التفخيم بإيثار صيغة التعظيم.
قوله: (وحال هؤلاء أنهم يكفرون بالرحمن)، يريد: أن قوله: (وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ) حال من فاعل (أَرْسَلْنَاكَ)، و"الرحمن" مظهر وضع موضع المضمر لتلك الفائدة التي ذكرها، وهي أنهم يكفرون بالبليغ الرحمة الذي وسعت رحمته كل شيء، المعنى: إنا أرسلنا مثلك إليهم وأنت قائد الأنبياء وخاتمهم لتتلو عليهم مثل هذا القرآن العظيم المعجز المصدق لسائر الكتب؛ ليعبدوني ويوحدوني، وهم مع ذلك بدلوا الشكر بالكفران، ثم إنه تعالى أمره بأن ينبئهم على خاصة نفسه ووظيفته من الشكر، وما آل إليه أمره معهم تأنيباً، فقال: (قُلْ
[(وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ حَتَّى يَاتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ)].
(وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً) جوابه محذوف، كما تقول لغلامك: لو أني قمت إليك، وتترك الجواب والمعنى: ولو أن قرآنا (سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ) عن مقارّها، وزعزعت عن مضاجعها، (أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ) حتى تتصدع وتتزايل قطعاً (أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى) فتسمع وتجيب، لكان هذا القرآن لكونه غايةً في التذكير ونهاية في الإنذار والتخويف، كما قال:(لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ)[الحشرك 21].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هُوَ رَبِّي)، أي: العظيم الجامع لأوصاف الكمال الذي أرسلني إليكم، وجعلني خاتم النبيين، وأيدني بذلك الكتاب العظيم الشأن، والبليغ الرحمة الذي كفرتم نعمته: هو ربي، ولا رب لي سواه، وعليه اعتمادي وتوكلي لا على غيره، وإليه متابي ومرجعي، لا إلى غيره، فالضمير جار مجرى اسم الإشارة، وقوله:(لَا إِلَه إِلَّا هُوَ) اعتراض أكد به إيجاب اختصاص التوكل عليه، وتفويض الأمور عاجلاً وآجلاً إليه.
ومثله قوله تعالى: (اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنْ الْمُشْرِكِينَ)[الأنعام: 106]، قال المصنف:" (لَا إِلَه إِلَّا هُوَ) اعتراض أكد به إيجاب اتباع الوحي"، على أن المفهوم من كلامه أن (لَا إِلَه إِلَّا هُوَ) جار مجرى الحال، ولذلك أوقعه وصفاً لـ (رَبِّي)، حيث قال:"ربي الواحد المتعالي عن الشركاء".
قوله: (لو أني قمت إليك)، أي: لرأيت ما لا تطيقه.
هذا يعضد ما فسرت به قوله: (لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ)[الرعد: 30] من إرادة تعظيم ما أوحى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من القرآن.
وقيل: معناه ولو أن قرآناً وقع به تسيير الجبال، وتقطيع الأرض وتكليم الموتى وتنبيههم، لما آمنوا به ولما تنبهوا عليه كقوله (وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ) الآية [الأنعام: 111].
وقيل: إن أبا جهل بن هشام قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: سير بقرآنك الجبال عن مكة حتى تتسع لنا فنتخذ فيها البساتين والقطائع، كما سُخرت لداود عليه السلام إن كنت نبياً كما تزعم، فلست بأهون على الله من داود. وسخر لنا به الريح لنركبها ونتجر إلى الشام ثم نرجع في يومنا، فقد شق علينا قطع المسافة البعيدة كما سخرت لسليمان عليه السلام
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وهذا يعضد ما فسرت به)، يعني: إذا جعلت جواب "لو" قوله: "لكان هذا القرآن"، لا ما يجيء:"لما آمنوا"، ولا ما دل عليه قوله:(وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ) كما ذهب إليه الفراء، كان دالاً على أن ذلك التفسير هو الوجه.
وأما اتصاله على هذا بما سبق: فالظاهر أنه داخل تحت حيز القول، أي: قل: هو ربي، وقل: لو أن قرآناً، والله أعلم.
قوله: (وقيل: معناه: ولو أن قرآناً وقع به تسيير الجبال
…
لما آمنوا)، فعلى هذا: الآية متصلة بقوله: (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ)، وقوله:"وقيل: إن أبا جهل" متفرع على هذا الوجه، ولا يلزم على هذا تعظيم القرآن، لكن يكون تسجيلاً على شدة شكيمتهم وغاية عنادهم.
أو: ابعث لنا به رجلين أو ثلاثة ممن مات من آبائنا: منهم قصى بن كلاب فنزلت.
ومعنى تقطيع الأرض على هذا: قطعها بالسير ومجاوزتها.
وعن الفراء: هو متعلق بما قبله. والمعنى: وهم يكافرون بالرحمن (وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ)، وما بينهما اعتراض، وليس ببعيد من السداد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أو ابعث لنا به رجلين أو ثلاثة ممن مات من آبائنا، منهم قصي بن كلاب)، وإنما لم يقل: وابعث رجلين أو ثلاثة كما بعث عيسى، كما صرح بذكر النبيين؛ لشهرته.
قوله: (ومعنى تقطيع الأرض على هذا: قطعها بالسير)، وأنشد صاحب "المفتاح":
وأرض كأخلاق الكرام قطعتها
…
وقد كحل الليل السماك فأبصرا
وعلى الأول: جعلها القطائع، لأن المراد حينئذ الزراعة. القطائع: جمع قطيعة، وهي الأرض التي يزرع فيها.
قوله: (وعن الفراء: هو متعلق بما قبله)، أي: جواب "لو" ما دل عليه قوله: (وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ)، قال أبو البقاء:"جواب "لو" مقدم عليه، أي: وهم يكفرون بالرحمن ولو أن قرآناً؛ على المبالغة".
وقيل: (قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ) شُققت فجعلت أنهاراً وعيوناً.
(بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً) على معنيين: أحدهما: بل لله القدرة على كل شيء، وهو قادر على الآيات التي اقترحوها، إلا أنّ علمه بأنّ إظهارها مفسدة يصرفه. والثاني: بل لله أن يلجئهم إلى الإيمان، وهو قادر على الإلجاء لولا أنه بنى أمر التكليف على الاختيار. ويعضده قوله (أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ) يعني: مشيئة الإلجاء والقسر (لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً) ومعنى (أَفَلَمْ يَيْأَسِ): أفلم يعلم. قيل: هي لغة قومٍ من النخع
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((بَلْ لِلَّهِ الأَمْرُ جَمِيعاً) على معنيين)، أي: يكون إما إضراباً عما أجاب به قول أبي جهل، أي: أعرض عن هذا، فإن الله تعالى قادر على ما اقترحه، إلا أنه تعالى علم أن إظهاره مفسدة، أو عن قوله:"وقيل: معناه: ولو أن قرآناً وقع به تسيير الجبال" إلى آخره، لأن جزاء "لو" على التقديرين:"لما آمنوا به"، والمعنى على هذا: بلغ تصميمهم إلى أنهم لو شاهدوا تلك الآيات العظام لما رجعوا عن تصميمهم، بل لله أن يلجئهم إلى الإيمان، وهو قادر على الإلجاء، لولا أنه تعالى بنى أمر التكليف على الاختيار، بناءً على مذهبه، وهذا على الوجهين الآخرين.
قال القاضي: "بل الله قادر على الإتيان بما اقترحوه من الآيات، إلا أن إرادته لم تتعلق بذلك، لعلمه بأنه لا تلين له شكيمتهم، يؤيد ذلك قوله: (أَفَلَمْ يَيْئَسْ الَّذِينَ آمَنُوا) عن إيمانهم مع ما رأوا من الأحوال".
قوله: (قيل: هي لغة قوم من النخع)، بفتح النون والخاء المعجمة، كذا في "جامع
وقيل: إنما استعمل "اليأس" بمعنى العلم لتضمنه معناه؛ لأنّ اليائس عن الشيء عالم بأنه لا يكون، كما استعمل "الرجاء" في معنى الخوف، والنسيان في معنى الترك لتضمن ذلك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الأصول"، قال ابن جني: "روي عن ابن عباس: أنها لغة وهبيل؛ فخذ من النخع، قال:
ألم ييأس الأقوام أني أنا ابنه
…
وإن كنت عن أرض العشيرة نائيا
أي: ألم يعلموا. ويشبه عندي أن يكون هذا من اليأس، لأن المتأمل للشيء المتطلب لعلمه ذاهب بفكره في جهات تعرفه إياه، فإذا ثبت يقينه على شيء من أمره اعتقده وأضرب عما سواه، فلم ينصرف إليه، كما ينصرف اليائس من الشيء عنه، ولا يلتفت إليه".
الراغب: "اليأس: انتفاء الطمع، يقال: يئس واستيأس، مثل: عجب واستعجب، قال تعالى: (فَلَمَّا اسْتَيْئَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيّاً) [يوسف: 80]، وقال تعالى: (أَفَلَمْ يَيْئَسْ الَّذِينَ آمَنُوا)، قيل: معناه: ألم يعلم، ولم يرد أن اليأس موضوع في كلامهم للعلم، وإنما قصد أن يأس الذين آمنوا من ذلك يقتضي أن يحصل بعد العلم بانتفائه، فإذن ثبوت يأسهم يقتضي حصول علمهم".
قوله: (لتضمنه معناه)، أي: هو من دلالة التضمن وإطلاق الكل على الجزء، هذا في
قال سحيم بن وثيل الرياحي:
أَقُولُ لَهُمْ بِالشِّعْبِ إذْ يَيْسِرُونَنِي
…
أَلَمْ تَيْأَسُوا أنِّى ابْنُ فَارِسِ زَهْدَمِ
ويدل عليه: أن علياً وابن عباس وجماعة من الصحابة والتابعين قرءوا: أفلم يتبين، وهو تفسير (أَفَلَمْ يَيْأَسِ).
وقيل: إنما كتبه الكاتب وهو ناعس مستوى السينات، وهذا ونحوه مما لا يصدق في كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وكيف يخفى مثل هذا حتى يبقى ثابتاً بين دفتي الإمام. وكان متقلباً في أيدى أولئك الأعلام المحتاطين في دين الله المهيمنين عليه لا يغفلون عن جلائله ودقائقه، خصوصاً عن القانون الذي إليه المرجع، والقاعدة التي عليها البناء، وهذه - والله - فريةٌ ما فيها مرية.
ويجوز أن يتعلق (أَنْ لَوْ يَشاءُ) بـ (آمنوا)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اليأس صحيح كما ذكر، وفي النسيان ظاهر، لأنه ترك الإنسان ضبط ما استودع ضعفاً أو غفلة أو قصداً، وأما في الرجاء فمشكل، لأن الرجاء والخوف متقابلان، قال تعالى:(يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً)[السجدة: 16]، و (يُرِيكُمْ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً) [الرعد: 12]، ولأن الرجاء: ظن حصول ما فيه مسرة، والخوف: ظن حصول المكروه، اللهم إلا أن يراد بالتضمن الموضوع اللغوي، وهو ما يفهم منه معنى زائد.
قوله: (بين دفتي الإمام)، الأساس:"حفظ ما بين الدفتين، وهما ضماما المصحف من جانبيه".
قوله: (المهيمنين عليه)، في "الجامع":"المهيمن: هو الشهيد، وقيل: الأمين، وأصله: مؤتمن، فقلبت الهمزة هاء، وقيل: هو الرقيب والحافظ".
قوله: (ويجوز أن يتعلق (أَن لَّوْ يَشَاءُ) بـ (آَمَنُوا))، عطف على قوله: " (أَفَلَمْ يَيْئَسْ
على: أولم يقنط عن إيمان هؤلاء الكفرة الذين آمنوا بأن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً ولهداهم.
(تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا) من كفرهم وسوء أعمالهم، (قارِعَةٌ) داهيةٌ تقرعهم بما يحل الله بهم في كل وقت من صنوف البلايا والمصائب في نفوسهم وأولادهم وأموالهم (أَوْ تَحُلُّ) القارعة (قَرِيباً) منهم، فيفزعون ويضطربون ويتطاير إليهم شرارها، ويتعدى إليهم شرورها (حَتَّى يَاتِيَ وَعْدُ اللَّهِ) وهو موتهم، أو القيامة.
وقيل: (ولا يزال) كفار مكة (تصيبهم) بما صنعوا برسول الله صلى الله عليه وسلم من العداوة والتكذيب (قارعة)؛ .........
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ) يعني: مشيئة الإلجاء"، ولم يكن يستقيم المعنى إلا بجعل (يَيْئَسُ) بمعنى: يعلم، ولذلك قال: "ومعنى (أَفَلَمْ يَيْئَسُ): أفلم يعلم". قال أبو البقاء: "(أَن لَّوْ يَشَاءُ) في موضع نصب بـ (يَيْئَسُ)، لأن معناه: أفلم يتبين".
وعلى الوجه الثاني: (يَيْئَسُ) بمعنى: يقنط، على حقيقته، و (أَن لَّوْ يَشَاءُ) نصب بنزع الخافض، متعلق بـ (آَمَنُوا)، لأن "آمن" يعدى بالباء، وإليه الإشارة بقوله: "آمنوا بأن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً، وعلى هذا معمول (يَيْئَسُ) محذوف، وهو: عن إيمان هؤلاء.
قوله: (بما يحل الله بهم)، حل يحل- بالضم- أي: نزل، وأحللته: أنزلته. وفي بعض النسخ: "يحل"؛ بفتح الياء وكسر الحاء، وفي حاشيته:"أنه من: حل العذاب يحل- بالكسر-: وجب"، وهو سهو، والصواب بضم الياء وكسر الحاء؛ من: حل يحل- بالضم- أي: نزل، وأحللته: أنزلته، يعضده قوله:" (أَوْ تَحُلُّ) القارعة (قَرِيباً) منهم".
لأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يزال يبعث السرايا فتغير حول مكة وتختطف منهم، وتصيب من مواشيهم (أو تحل) أنت يا محمد (قريباً من دارهم) بجيشك، كما حل بالحديبية، حتى يأتى وعد الله وهو فتح مكة، وكان الله قد وعده ذلك.
[(وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ)].
الإملاء: الإمهال، وأن يترك ملاوة من الزمان في خفض وأمن، كالبهيمة يملى لها في المرعى وهذا وعيد لهم وجواب عن اقتراحهم الآيات على رسول الله صلى الله عليه وسلم. استهزاء به وتسلية له.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ملاوة من الزمان)، الجوهري:"أقمت عنده ملاوة من الدهر- بفتح الميم وضمها وكسرها-، أي: حيناً وبرهة".
الراغب: "الإملاء: الإمداد، ومنه قيل للمدة الطويلة: ملاوة من الدهر، وملي من الدهر، قال تعالى:(وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً)[مريم: 46]، وملاك الله: عمرك الله، والملوان: قيل: الليل والنهار، وحقيقة ذلك: تكررهما وامتدادهما، بدلالة قول الشاعر:
نهار وليل دائم ملواهما
…
على كل حال المرء يختلفان
فلو كان الليل والنهار لما أضيفا إليهما".
قوله: (وعيد لهم وجواب عن اقتراحهم) إلى قوله: (وتسلية له): أي: لرسول الله صلى الله عليه وسلم،
[(أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ* لَهُمْ عَذابٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ)].
(أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ) احتجاج عليهم في إشراكهم بالله، يعنى أفا الله الذي هو قائم رقيب (عَلى كُلِّ نَفْسٍ) صالحة أو طالحةٍ (بِما كَسَبَتْ) يعلم خيره وشره، ويعدّ لكل جزاءه، كمن ليس كذلك. ويجوز أن يقدّر ما يقع خبراً للمبتدأ ويعطف عليه (وجعلوا)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أما الوعيد والتسلية فظاهران، وأما الجواب: فإن أبا جهل حين قال: "سير بقرآنك الجبال، وسخر لنا الريح"، ولم يكن السؤال إلا اقتراحاً واستهزاء؛ لم يلتفت إليه، وقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم:(وَلَقَدْ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ) تعريضاً على منوال قوله: (وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ* بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ)[التكوير: 8 - 9].
قوله: (أفالله الذي هو قائم)، هذا التأويل يؤذن أن قوله تعالى:(أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ) معطوف على كلام سابق، والهمزة مقحمة بينهما لمزيد الإنكار، والذي يصلح أن يكون معطوفاً عليه هو قوله:(هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ)[الرعد: 30]، المعنى:"هو ربي الواحد المتعالي عن الشركاء، عليه توكلت في نصرتي عليكم وإليه متابي، فيثيبني على مصابرتكم ومجاهدتكم"، أفالله الذي هو كذلك كمن هو ليس كذلك، لأن المعطوف عليه أيضاً متضمن لمعنى الرد والإنكار على الشرك، لأنه جواب عن قوله:(وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ)[الرعد: 30]، أي: يشركون به.
قوله: (ويجوز أن يقدر ما يقع خبراً للمبتدأ، ويعطف عليه (وَجَعَلُوا))، يعني: قوله: (أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ) لابد له من خبر؛ إما أن يقدر الخبر ما تتم به جملة، ويعطف (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ) على الجملة برأسها، أو أن يقدر الخبر ما يصح أن يعطف
وتمثيله: أفمن هو بهذه الصفةلم يوحدوه (وَجَعَلُوا) له - وهو الله الذي يستحق العبادة وحده (شُرَكاءَ)؟ ! (قُلْ سَمُّوهُمْ) أي: جعلتم له شركاء فسموهم له من هم ونبئوه بأسمائهم، ثم قال:(أَمْ تُنَبِّئُونَهُ) على "أم" المنقطعة، كقولك للرجل: قل لي من زيد؟ أم هو أقل من أن يعرف، ومعناه: بل أتنبؤونه بشركاء لا يعلمهم في الأرض وهو العالم بما في السموات والأرض، فإذا لم يعلمهم علم أنهم ليسوا بشيء يتعلق به العلم، والمراد نفى أن يكون له شركاء. ونحوه:(قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ)[يونس: 18]. (أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ) بل أتسمونهم شركاء بظاهر من القول من غير أن يكون لذلك حقيقة، كقوله (ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ) [التوبة: 30]،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(وَجَعَلُوا) عليه، ليكون من عطف الخبر على الخبر، وعلى هذا (لِلهِ) مظهر وضع موضع الراجع إلى المبتدأ.
قوله: (وتمثيله)، أي: وتقدير هذا الوجه.
قوله: (كقولك للرجل)، أي: لمن يقول بفضل زيد واشتهاره بين الناس ومكانته عندهم، وأنت تريد نقصه وحطه من منزلته: من زيد؟ وهو عندك مشهور، أي: لا أعرفه عرفنيه، ثم تضرب عن هذا السؤال بقولك: أم هو أقل، يعني: هو أقل من أن يسأل عنه أنه من هو؟ فضلاً عن أن يسأل عن فضله وشهرته.
كذا جعلهم لله شركاء يبعث القائل على أن يقول لهم: سموهم، أي: إن صدقتم أنهم شركاء لله تعالى، فأثبتوا لها أسامي تدل على وجودها، ثم أضرب عن قوله:(سَمُّوهُمْ)، يعني: جعلهم لله شركاء إنباء لله عز وجل بوجود شركاء، ومثل هذه المنبأ به لا وجود لها حتى يعلق بها ما يتناوله من الاسم، ثم أضرب عن هذا القول بقوله:(أَمْ بِظَاهِرٍ مِنْ الْقَوْلِ)، بمعنى: هب أنهم لشدة شكيمتهم سموهم شركاء، فهذه التسمية عندهم قول لا حقيقة لها، (إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ) [النجم: 23].
(ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها)[يوسف: 40]، وهذا الاحتجاج وأساليبه العجيبة التي ورد عليها .......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وهذا الاحتجاج وأساليبه العجيبة)، أي: هذا الاحتجاج مبني على فنون من علم البيان:
أولها: قوله: (أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ) كمن هو ليس كذلك؟ ! احتجاج عليهم وتوبيخهم على القياس الفاسد لفقدان الجهة الجامعة.
وثانيها: قوله: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ) من وضع المظهر موضع المضمر للتنبيه على أنهم جعلوا شركاء لمن هو فرد واحد لا يشاركه أحد في اسمه، كقوله تعالى:(هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً)[مريم: 65].
وثالثها: قوله: (قُلْ سَمُّوهُمْ)، أي: عينوا أساميهم، وقولوا: فلان وفلان، فهو إنكار لوجودها على وجه برهاني، كما تقول: إن كان الذي تدعيه موجوداً فسمه، لأن المراد بالاسم العلم الذي علق على الشيء بعينه، فما لم يكن موجوداً لم يكن معيناً، فلا يعلق عليه اسم، لأنه ليس بشيء، وهو من أسلوب الكناية الإيمائية.
ورابعها: قوله: (أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لا يَعْلَمُ) احتجاج من باب نفي الشيء بنفي لازمه، وهو نوع من الكناية.
وخامسها: قوله تعالى: (أَمْ بِظَاهِرٍ مِنْ الْقَوْلِ) احتجاج من باب الاستدراج، والهمزة للتقرير ببعثهم على التفكر، يعني: أتقولون بأفواهكم من غير رؤية وأنتم ألباء، فتفكروا فيه لتقفوا على بطلانه.
وسادسها: التدرج في كل من الإضرابات على ألطف وجه.
وحين كانت الآية مشتملة على هذه الأساليب البديعة مع اختصارها على أبلغ ما يكون، قال:"وهذا الاحتجاج مناد على نفسه أنه ليس من كلام البشر"، وهو كلام عالي
منادٍ على نفسه بلسانٍ طلقٍ ذلقٍ: أنه ليس من كلام البشر لمن عرف وأنصف من نفسه، فتبارك الله أحسن الخالقين.
وقرئ «أتنبئونه» بالتخفيف.
(مَكْرُهُمْ) كيدهم للإسلام بشركهم، (وَصُدُّوا) قرئ بالحركات الثلاث، وقرأ ابن أبي إسحاق:"وصدٌّ" بالتنوين، (وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ) ومن يخذله لعلمه أنه لا يهتدي (فَما لَهُ مِنْ هادٍ) فما له من أحد يقدر على هدايته.
(لَهُمْ عَذابٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا) وهو ما ينالهم من القتل والأسر وسائر المحن،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المرتبة، لكن تذييله بقوله:"فتبارك الله أحسن الخالقين" وضعه إلى أسفل السافلين.
قال في "الانتصاف": "هي كلمة حق أريد بها باطل، يعرض فيها بخلق القرآن، فتنبه لها، فما أسرع ما يمر بك فتستحسنها وتغفل عما قصده بها".
قوله: (بلسان طلق ذلق)، الجوهري:"ذلق اللسان- بالكسر- يذلق ذلقاً: أي: ذرب ذرباً"، و"الذرب: الحاد من كل شيء".
قوله: (وَصُدُّوا) قرئ بالحركات الثلاث)، بفتح الصاد: نافع وأبو بكر وأبو عمرو وابن عامر، وبالضم: الباقون، وبالكسر: شاذ.
ولا يلحقهم إلا عقوبة لهم على الكفر، ولذلك سماه عذاباً، (وَما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ) وما لهم من حافظ من عذابه، أو ما لهم من جهته واق من رحمته.
[(مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النَّارُ)].
(مَثَلُ الْجَنَّةِ) صفتها التي هي في غرابة المثل، وارتفاعه بالابتداء والخبر محذوف على مذهب سيبويه، أي: فيما قصصناه عليكم مثل الجنة. وقال غيره: الخبر (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ) كما تقول: صفة زيدٍ أسمر، وقال الزجاج: معناه: مثل الجنة تجري من تحتها الأنهار، على حذف الموصوف تمثيلا لما غاب عنا بما نشاهد. وقرأ على رضى الله عنه:"أمثال الجنة" على الجمع، أي: صفاتها. (أُكُلُها دائِمٌ) كقوله: (لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ)[الواقعة: 33]، (وَظِلُّها) دائم لا ينسخ، كما ينسخ في الدنيا بالشمس.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (إلا عقوبة لهم على الكفر)، استثناء من أعم عام المفعول له، وفاعل "لا يلحقهم" ضمير "ما ينالهم"، أي: لا يلحقهم ما ينالهم لشيء من الأشياء إلا للعقوبة.
قوله: (أو: ما لهم من جهته واق من رحمته)، "من" الثانية في التنزيل على الوجهين: زائدة، والأولى: على الأول: متعلقة بـ (وَاقٍ)، وعلى الثاني: متعلقة بالجار والمجرور، أي:(لَهُم)، و"من رحمته" صفة "واق"، أي: ما استقر لهم من جهة الله واق من رحمته، أي: شافع كائن من رحمته، أي: بإذنه.
قوله: (وقال الزجاج: معناه: مثل الجنة)، لفظه- على ما أورده أبو علي في "الإغفال"-: "قال سيبويه: فيما نقص عليكم مثل الجنة، فرفعه على الابتداء وقال غيره:(مَثَلُ الْجَنَّةِ)
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مرفوع، وخبره:(تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ)، كما تقول: صفة فلان أسمر، معناه: صفة الجنة، وكلا القولين حسن جميل، والذي عندي أن الله عز وجل عرفنا أمر الجنة التي لم نرها ولم نشاهدها بما شاهدناه من أمور الدنيا وعايناه، فالمعنى: مثل الجنة التي وعد المتقون: جنة تجري من تحتها الأنهار".
وقال أبو علي: تفسير "المثل" بالصفة غير مستقيم لغة، ولم يوجد فيها البتة، وإنما تفسيره: الشبه، يدلك عليه: مررت برجل مثلك، فوصفوا به النكرة مضافاً إلى المعرفة، كما قالوا: مررت برجل شبهك، ولم يختص بالإضافة لكثرة ما يقع به الاشتباه، كما لم يختص بالمماثلة، ومنه قولهم للقصاص: المثال، إلى غير ذلك.
وأما النظر فيه من جهة التأويل فغير مستقيم أيضاً، ألا ترى أن "مثلاً" إذا كان معناه: صفة، كان تقدير الكلام: صفة الجنة فيها أنهار، وهو غير مستقيم، لأن الأنهار في الجنة نفسها لا في صفتها، ولأنه إذا حمل "المثل" على معنى الصفة، وأجرى في الإخبار عنه مجراه، وأنث الراجع إليه في (فِيهَا) و (تَحْتِهَا)، فقد حمل الاسم في قولهم على المعنى، وهو قبيح، نحو: ثلاث شخوص، وسبع أبطن.
وأما الذي استخرجه أبو إسحاق فغير مستقيم أيضاً، لأن "المثل" أما إن يكون صفة أو شبهاً؛ أما أولاً فلا يستقيم أن يقال: صفة الجنة جنة، لأن الجنة ليست بصفة، وأما ثانياً فلأن الشبه عبارة عن المماثلة التي بين المتماثلين، وهو حدث، والجنة غير حدث. فالصحيح ما قاله سيبويه.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فإن قلت: ما تعلق قوله: (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ) بما قبله؟ قيل: تعلق التفسير، كما أن قوله:(خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ) تفسير لقوله: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ)[آل عمران: 59].
والجواب: أما إنكار التأويل لمنع الحمل، وتمثيله بقوله:"كان تقدير الكلام: صفة الجنة فيها أنهار" فضعيف، ألا ترى إلى أنه كيف مثلها بقوله:"صفة فلان أسمر"، لأن معناه حينئذ: صفة الجنة جريان الأنهار من تحتها، ولا شك أن إرادة الصفة من المثل مجاز إنما يجوز إذا كانت الصفة مشتملة على قصة عجيبة الشأن، أو أمر عجيب، فجريان الأنهار من تحت الجنان مع دوام الأكل والظل من غير انقطاع من الأمور العجيبة.
وأما تأنيث الضمير: فلكونه راجعاً إلى "الجنة" لا إلى "المثل"، وإنما جاز ذلك لأن المقصود من المضاف عين المضاف إليه، وذكره توطئة، وليس نحو: غلام زيد.
وأما قوله: "إن "الشبه" عبارة عن المماثلة، وهو حدث، والجنة غير حدث" فضعيف، لأن التشبيه حينئذ تمثيلي، والوجه منتزع من عدة أمور متوهمة، فينتزع من أحوال الجنان المشاهدة- من جريان أنهارها، وغضارة أغصانها، وتكاثف أفنانها، وغير ذلك من الحسن والنضارة- ما يجعل مشبهاً به، وهو المرادم ن قول الزجاج:"إن الله عز وجل عرفنا أمر الجنة التي لم نرها ولم نشاهدها بما شاهدناه في أمور الدنيا وعايناه"، ولذلك صرح
[(وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُوا وَإِلَيْهِ مَآبِ)].
(وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ) يريد: من أسلم من اليهود، كعبد الله بن سلام وكعب وأصحابهما، ومن أسلم من النصارى وهم ثمانون رجلاً: أربعون بنجران، واثنان وثلاثون بأرض الحبشة، وثمانية من أهل اليمن، هؤلاء (يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزابِ) يعني: ومن أحزابهم، وهم كفرتهم الذين تحزبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعداوة نحو كعب بن الأشرف وأصحابه، والسيد والعاقب أسقفى نجران وأشياعهما (مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ) لأنهم كانوا لا ينكرون الأقاصيص وبعض الأحكام والمعاني هو ثابت في كتبهم غير محرف، وكانوا ينكرون ما هو نعت الإسلام ونعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وغير ذلك مما حرّفوه وبدّلوه من الشرائع.
فإن قلت: كيف اتصل قوله: (قُلْ إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ) بما قبله؟ قلت: هو جواب للمنكرين معناه: قل إنما أمرت فيما أنزل إلىّ بأن أعبد الله ولا أشرك به،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصنف بلفظ التمثيل، ويكون قوله:(أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا) بياناً لفضل تلك الجنان وتمييزها من هذه المشاهدة.
قوله: (أسقفي نجران)، النهاية:"الأسقف: عالم رئيس من علماء النصارى ورؤسائهم، وهو اسم سرياني، ويحتمل أن يكون سمي به لخضوعه وانحنائه في عبادته، والسقف- في اللغة: طول في انحناء".
نجران: موضع معروف بين الشام والحجاز واليمن.
قوله: (هو جواب للمنكرين)، وذلك أن الله تعالى لما حكى عن بعض اليهود أنه ينكر بعض ما عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من إثبات الإسلام ودعوى النبوة، قال صلوات الله عليه: يا رب،
فإنكاركم له إنكار لعبادة الله وتوحيده فانظروا ماذا تنكرون مع ادعائكم وجوب عبادة الله وأن لا يشرك به (قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً)[آل عمران: 64]. وقرأ نافع في رواية أبي خليد: "ولا أشرك" بالرفع على الاستئناف كأنه قال: وأنا أشرك به ويجوز أن يكون في موضع الحال على معنى: أُمرت أن أعبد الله غير مشركٍ به. (إِلَيْهِ أَدْعُوا) خصوصاً لا أدعو إلى غيره، (وَإِلَيْهِ) لا إلى غيره مرجعي، وأنتم تقولون مثل ذلك، فلا معنى لإنكاركم.
[(وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ حُكْماً عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا واقٍ)].
(وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ) ومثل ذلك الإنزال أنزلناه مأموراً فيه بعبادة الله وتوحيده والدعوة إليه وإلى دينه، والإنذار بدار الجزاء (حُكْماً عَرَبِيًّا) حكمة عربية مترجمة بلسان العرب،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بماذا أجيبهم إذن؟ فقيل له: قل: إن إيتائي الإسلام والنبوة يوجب عبادة الله تعالى، وإثبات التوحيد، ونفي الشرك، وأن المرجع إليه في العاقبة، فإنكاركم هذا إنكار لما نحن وأنتم عليه، كما قال:(يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ)[آل عمران: 64] الآية.
قوله: (وقرأ نافع)، وهي شاذة.
قوله: (ومثل ذلك الإنزال أنزلناه مأموراً فيه بعبادة الله)، "ذلك" إشارة إلى مصدر "أنزلنا"، وهو المشبه به، والمشبه ما سبق من قوله:(أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ)، ووجه التشبيه كون ذلك المنزل المأمور فيه مبيناً مكشوفاً على وجه محكم رصين، فقوله:"والدعوة إليه وإلى دينه" تفسير لقوله: (إِلَيْهِ أَدْعُو)، وقوله: "والإنذار
وانتصابه على الحال. كانوا يدعون رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أمور يوافقهم عليها منها أن يصلى إلى قبلتهم بعد ما حوّله الله عنها، فقيل له: لئن تابعتهم على دين ما هو إلا أهواء وشبه بعد ثبوت العلم عندك بالبراهين والحجج القاطعة، خذلك الله فلا ينصرك ناصر، وأهلكك فلا يقيك منه واقٍ، وهذا من باب الإلهاب والتهييج، والبعث للسامعين على الثبات في الدين والتصلب فيه، وأن لا يزلّ زالّ عند الشبهة بعد استمساكه بالحجة، وإلا فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم من شدّة الشكيمة بمكان.
[(وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَاتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ* يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ)].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بدار الجزاء" إشارة إلى قوله: (وَإِلَيْهِ مَآبِ)، يعني: أجبهم بقولك: (أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ) الآية، واعلم أنا أنزلنا القرآن مثل ذلك الإنزال العجيب الشأن؛ تشجيعاً له وشرحاً لصدره صلوات الله عليه وتسلية عما قاسى من إنكارهم.
قوله: (وانتصابه على الحال)، أي: انتصاب (حُكْماً) على أنها حال موطئة، كقوله تعالى:(قُرْآناً عَرَبِيّاً)[يوسف: 2].
قوله: (ما هو إلا أهواء)، وشبه الحصر مستفاد من وضع أهوائهم موضع ما زعموا أنه الدين، ودعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه من أن يصلي إلى قبلتهم، أي: ليس ذلك إلا عن شبه، وكذلك قابله بقوله:(بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ)، وأخرج الجملة مخرج القسمية، لأن اللام في (وَلَئِنْ اتَّبَعْتَ) موطئة للقسم.
قوله: (وإلا فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي: هذا من باب البعث للسامعين على الثبات والتصلب
كانوا يعيبونه بالزواج والولاد، كما كانوا يقولون:"ما لهذا الرسول يأكل الطعام"، وكانوا يقترحون عليه الآيات، وينكرون النسخ. فقيل: كان الرسل قبله بشراً مثله ذوى أزواج وذرية. وما كان لهم أن يأتوا بآيات برأيهم ولا يأتون بما يقترح عليهم، والشرائع مصالح تختلف باختلاف الأحوال والأوقات، فلكل وقت حكم يكتب على العباد، أى: يفرض عليهم على ما يقتضيه استصلاحهم (يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ) ينسخ ما يستصوب نسخه، (ويثبت) بدله ما يرى المصلحة في إثباته، أو يتركه غير منسوخ، وقيل:(يمحوا) من ديوان الحفظة ما ليس بحسنة ولا سيئة، لأنهم مأمورون بكتبة كل قولٍ وفعل (وَيُثْبِتُ) غيره. وقيل: يمحو كفر التائبين ومعاصيهم بالتوبة، ويثبت إيمانهم وطاعتهم. وقيل: يمحو بعض الخلائق ويثبت بعضاً من الأناسى وسائر الحيوان والنبات والأشجار وصفاتها وأحوالها، والكلام في نحو هذا واسع المجال. (وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ) أصل كل كتاب وهو اللوح المحفوظ، لأنّ كل كائن مكتوب فيه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في الدين، لا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلا لزم أن يؤمر بما هو فيه من شدة الشكيمة والثبات على التصلب في الدين، بحيث لا يمكن أن يتصور فوقه، ومن ثم قال:"بمكان"، أي: بمكان لا مكان فوقه. تلخيصه: أنه صلوات الله عليه مخاطب به، ولكن المراد منه تعريض.
قوله: (لأنهم مأمورون بكتبة كل قول وفعل، (وَيُثْبِتُ) غيره)، قال الكلبي والضحاك: إن الذي يمحوه ويثبته ما يصعد به الحفظة مكتوباً على بني آدم، فيأمر الله فيه أن يثبت ما فيه ثواب وعقاب، ويمحو ما لا ثواب فيه ولا عقاب، كقولك: أكلت وشربت ودخلت، ونحوها من الكلام.
قوله: (والكلام في نحو هذا واسع المجال)، لأن علم الله لا نفاذ له، ومعلومات الله لا
وقرئ: ويثبت.
[(وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ)].
(وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ) وكيفما دارت الحال أريناك مصارعهم وما وعدناهم من إنزال العذاب عليهم. أو توفيناك قبل ذلك، فما يجب عليك إلا تبليغ الرسالة فحسب، وعلينا لا عليك حسابهم وجزاؤهم على أعمالهم، فلا يهمنك إعراضهم، ولا تستعجل بعذابهم.
[(أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا نَاتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ)].
(أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا نَاتِي الْأَرْضَ) أرض الكفر (نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها) بما نفتح على المسلمين من بلادهم، فننقص دار الحرب ونزيد في دار الإسلام، وذلك من آيات النصرة والغلبة ونحوه:(أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَاتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَفَهُمُ الْغالِبُونَ)[الأنبياء: 44]،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نهاية لها، وكل يوم هو في شأن، ومن ثم كاد أقوال المفسرين فيه تفوت الحصر، قال الإمام:"يزيل ما يشاء، ويثبت ما يشاء من حكمه، ولا يطلع على غيبه أحداً، فهو المنفرد بالحكم، والمستقل بالإيجاد والإعدام، والإحياء والإماتة، والإغناء والإفقار، وغير ذلك".
قوله: (وقرئ: "ويثبت")، ابن كثير وأبو عمرو وعاصم ويعقوب: بالتخفيف، والباقون: بالتشديد.
قوله: (وكيفما دارت الحال أريناك مصارعهم)، أي: لابد من أن نفعل، وذلك من تأكيد
(سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ)[فصلت: 53]، والمعنى: عليك بالبلاغ الذي حملته، ولا تبهتم بما وراء ذلك فنحن نكفيكه ونُتم ما وعدناك من الظفر، ولا يضجرك تأخره، فإن ذلك لما نعلم من المصالح التي لا تعلمها ثم طيب نفسه ونفس عنها بما ذكر من طلوع تباشير الظفر. وقرئ:"ننقصها" بالتشديد.
(لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ) لا رادّ لحكمه. والمعقب: الذي يكرّ على الشيء فيبطله،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الإراءة والتوفية بما قبلها، والنون بعدها، كما ذكرناه عن الزجاج وصاحب "المرشد" في أول البقرة، فقوله:"أريناك" و"توفيناك" بيان أحوال الدائرة، وسيجيء الكلام فيه في سورة "حم المؤمن".
قوله: (ونفس عنها)، أي: أزال الغم عنها.
قوله: (بما ذكر من طلوع تباشير الظفر)، وهو قوله:(أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَاتِي الأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا)، كقوله:(سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ). "تباشير الصبح": أوائله.
قوله: (والمعقب: الذي يكر على الشيء فيبطله)، الراغب: "التعقيب: أن يأتي بشيء بعد آخر، قال تعالى:(لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ)[الرعد: 11]، أي: ملائكة يتعاقبون عليه حافظين له، وقوله تعالى:(لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ) أي: لا أحد يتعقبه ويبحث عن فعله، من قولهم: عقب الحاكم على حكم من قبله؛ إذا تتبعه، قال الشاعر:
وما بعد حكم الله تعقيب
وحقيقته: الذي يعقبه أي: يقفيه بالردّ والإبطال. ومنه قيل لصاحب الحق: معقب، لأنه يقفى غريمه بالاقتضاء والطلب، قال لبيد:
طَلَبُ الْمُعَقِّبِ حَقّهُ الْمَظْلُومُ
والمعنى: أنه حكم للإسلام بالغلبة والإقبال، وعلى الكفر بالإدبار والانتكاس (وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ) فعما قليل يحاسبهم في الآخرة بعد عذاب الدنيا.
فإن قلت: ما محل قوله: (لا معقب لحكمه)؟ قلت: هو جملةٌ محلها النصب على الحال، كأنه قيل: والله يحكم نافذاً حكمه، كما تقول جاءني زيد لا عمامة على رأسه ولا قلنسوة، تريد حاسراً.
[(وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ)].
(وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) وصفهم بالمكر، ثم جعل مكرهم كلا مكر بالإضافة إلى مكره فقال:(فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ويجوز أن يكون ذلك نهياً عن الخوض في حكمه وحكمته إذا خفيت عليهم، كالنهي عن الخوض في سر القدر، والاعتقاب: أن يتعاقب شيء بعد أخرى، كاعتقاب الليل والنهار، ومنه العقبة، وهي أن يتعاقب الإنسان على ركوب ظهر".
قوله: (طلب المعقب حقه المظلوم)، أوله:
حتى تهجر في الرواح وهاجها
ثم فسر ذلك بقوله: (يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ) لأنّ من علم ما تكسب كل نفس، وأعدّ لها جزاءها فهو المكر كله، لأنه يأتيهم من حيث لا يعلمون. وهم في غفلة مما يراد بهم. وقرئ:(الكفار) و"الكافرون" و"الذين كفروا" و"الكفر"؛ أي: أهله. والمراد بالكافر الجنس: وقرأ جناح بن حبيش: "وسيعلم الكافر"؛ من أعلمه أي: سيخبر.
[(وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ)] ز
(كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً) لما أظهر من الأدلة على رسالتي (وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ) والذي عنده علم القرآن وما ألف عليه من النظم المعجز
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يصف أتاناً وحماراً، "تهجر": أي: خرج في الهاجرة، والضمير في "وهاجها" للأتان، يقول: تردد الحمار خلف الأتان يطلبها كطلب المعقب المظلوم حقه، وحمل "المظلوم" على محل "المعقب" لأنه فاعل أضيف إليه المصدر، والتقدير: كما طلب الدائن المظلوم حقه.
قوله: (وقرئ: (الكُفَّارُ))، ابن عامر والكوفيون.
قوله: (والذي عنده علم القرآن وما ألف عليه من النظم المعجز)، قال صاحب "الفرائد": الذي عنده علم القرآن شهيد على أنه صلوات الله عليه وسلم مرسل من الله تعالى، لأنه معجزة بما ذكر، ولكن لم يكن شهيداً بينه وبينهم، لأن من لم يعلم إعجاز القرآن لما أنه لم يكن عنده علم القرآن لم يسمع شهادة من عنده علمه، فلم يكن شهيداً بينه وبينهم،
الفائت لقوى البشر. وقيل: ومن هو من علماء أهل الكتاب الذين أسلموا. لأنهم يشهدون بنعته في كتبهم: وقيل هو الله عز وعلا والكتاب: اللوح المحفوظ. وعن الحسن: لا والله ما يعني إلا الله
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ..
لأن النظم المعجز والفصاحة إدراكهما بالذوق بعد أن يعلم ما كان محصلاً له.
وقلت: على الشاهد أن يشهد بين الخصمين، فمن أنصف من نفسه وأذعن للحق سمع الشهادة، ومن لم يترك العناد وإن سمع وعرف وذاق لم ينفعه معرفة نفسه، فكيف بشهادة الغير، ألا ترى إلى أبي جهل وعتبة بن ربيعة كيف عرفا المعجز وذاقا البلاغة وشهدا له بالفصاحة، ولم يذعنا للحق، كما ذكره المصنف في سورة "حم السجدة"، فالشاهد أرباب البلاغة من المؤمنين، كما قال صاحب "الانتصاف".
قوله: (و"الكتاب": اللوح المحفوظ)، الانتصاف:"الكتاب- على الأول-: القرآن، و"الذي عنده علم الكتاب": المؤمنون، وعلى الثاني: جنس الكتب المتقدمة".
قوله: (لا والله، ما يعني إلا الله)، هذا رد لزعم من ذهب أن قوله:(وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ) غير الله، وإثبات بالقسمية لما أراده، يعني: ليس كما زعموا، والله ما يعني الله بقوله:(وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ) إلا الله.
ولعل اختياره هذا لأن حمله على العارف بعلم القرآن- كما سبق: فيه تعسف، وعلى مؤمني أهل الكتاب: بعيد؛ لما روى محيي السنة عن قتادة: أنه عبد الله بن سلام. وأنكره الشعبي وقال: السورة مكية، وعبد الله أسلم بالمدينة. وكذا عن سعيد بن جبير. ولأن القراءتين
والمعنى: كفى بالذي يستحق العبادة وبالذي لا يعلم علم ما في اللوح إلا هو شهيداً بيني وبينكم. وتعضده قراءة من قرأ ومن عنده علم الكتاب، على من الجارّة، أى. ومن لدنه علم الكتاب، لأن علم من علمه من فضله ولطفه.
وقرئ: "ومن عنده علم الكتاب" على "من" الجارّة، و"علم" على البناء للمفعول. وقرئ:"وبمن عنده علم الكتاب".
فإن قلت: بم ارتفع (علم الكتاب)؟ قلت: في القراءة التي وقع فيها (عنده) صلة يرتفع "العلم" بالمقدّر في الظرف، فيكون فاعلاً، لأنّ الظرف إذا وقع صلةً أوغل في شبه الفعل لاعتماده على الموصول، فعمل عمل الفعل، كقولك: مررت بالذي في الدار أخوه، فـ"أخوه" فاعل، كما تقول: بالذي استقرّ في الدار أخوه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مساعدتان لهذا الوجه، قال أبو البقاء:"ومن قرأ: "علم الكتاب" على ما لم يسم فاعله جعل معموله (من عنده) ".
قوله: (والمعنى: كفى بالذي يستحق العبادة)، يعني: إذا عني بـ "من عنده علم الكتاب": الله عز وجل، يلزم عطف الشيء على نفسه، فأول اسم الذات بما يعطيه من معنى استحقاق العبادة، لكونه جامعاً لمعاني الأسماء، كما قال الأزهري: لا يكون إلهاً حتى يكون معبوداً، وحتى يكون خالقاً ورازقاً ومدبراً، فأتى بالموصولة ليتوافق المعطوف والمعطوف عليه، فيكون على وزان قول الشاعر:
يا لهف زيابة للحارث الصـ
…
صابح فالعائم فالآيب
وفي القراءة التي لم يقع فيها (عنده) صلة يرتفع "العلم" بالابتداء.
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة الرعد أعطي من الأجر عشر حسنات بوزن كل سحاب مضى وكل سحاب يكون إلى يوم القيامة، وبعث يوم القيامة من الموفين بعهد الله» .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الانتصاف: "قدر في المعطوف عليه اسم "الله" بالذي يستحق العبادة؛ حذراً من عطف الصفة على الموصوف، وعدولاً إلى أنه عطف إحدى الصفتين على الأخرى".
قوله: (يرتفع "العلم" بالابتداء)، قال أبو البقاء:" (من عنده) خبر، والمبتدأ: (عِلْمُ الكِتَابِ) ".
تمت السورة
بحمد الله وعونه
سورة إبراهيم عليه السلام
مكية وهي إحدى وخمسون آية
بسم الله الرحمن الرحيم
[(الر كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ* اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ* الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً أُولئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ)].
(كِتابٌ) هو كتاب، يعني: السورة. وقرئ: "ليخرج الناس"
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سورة إبراهيم عليه السلام
مكية، وهي إحدى وخمسون آية
بسم الله الرحمن الرحيم
قوله: (هو كتاب)، هذا على تقدير أن يكون (الر) تعديداً للحروف؛ قرعاً للعصا وتقدمة لدلائل الإعجاز، لا على أنها اسم للسورة.
فإن قلت: لم آثر هذا الوجه على أن المقام يقتضي أن يكن اسماً للسورة، لأن
و (الظلمات) و (النور): استعارتان للضلال والهدى (بِإِذْنِ رَبِّهِمْ) بتسهيله وتيسيره، مستعار من الإذن الذي هو تسهيل للحجاب، وذلك ما يمنحهم من اللطف والتوفيق،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الخطاب بقوله: (أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ) الآية، مع النبي صلى الله عليه وسلم لا مع القوم؟ قلت: معناه: أن المركب من هذه هو كتاب بلغ في البلاغة والإعجاز إلى مكان يخرج بسببه الناس من الظلمات إلى النور.
قوله: (مستعار من الإذن الذي هو تسهيل للحجاب)، قال المصنف:"استعارة "الإذن" للتسهيل والتيسير لأن الدخول في حق المالك متعذر، فإذا صودف الإذن تسهل وتيسر، فملا كان الإذن تسهيلاً لما تعذر من ذلك، وضع موضعه، والمراد: عنده منح اللطف وتيسير الإيمان"، قال محيي السنة:"بأمر ربهم، وقيل: بعلم ربهم".
وقوله: "مستعار من الإذن" بعد قوله: "والظلمات والنور: مستعاران": فيه وجهان:
أحدهما: استقلال كل من الاستعارات.
وثانيهما: أن يعتبر التركيب إما عقلياً أو وهمياً، فيتصور الهدى كأنه نور، والضلال كأنه ظلمة، ويتصور المكلف لانغماسه في ظلمات الكفر بحيث لا يتسهل له الخروج إلى نور الإيمان إلا بأن يتفضل الله تعالى عليه بكرمه، ويبعث رسولاً، وينزل كتاباً، ثم يسهل ذلك عليه، كمن وقع في تيه مظلمة ليس منها الخلاص، ولات حين مناص، وإن ملكاً بعث توقيعاً إلى بعض خواصه في استخلاصه، وضمن تسهيل ذلك على نفسه.
ثم استعمل هناك ما كان مستعملاً ها هنا، فقيل:"كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذننا"، ووضع موضع الضمير قوله:(رَبِّهِمْ)، للإشعار بالتربية واللطف والفضل، وبأن الهداية لطف محض، وفيه: أن الكتاب والرسول والدعوة لا تجدي دون الله، كما قال تعالى:(إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ)[القصص: 56].
(إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) بدل من قوله: (إلى النور) بتكرير العامل، كقوله:(لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ)[الأعراف: 75]، ويجوز أن يكون على وجه الاستئناف، كأنه قيل: إلى أي: نور؟ فقيل: إلى صراط العزيز الحميد.
وقوله: (اللَّهِ) عطف بيانٍ لـ (لعزيز الحميد)؛ لأنه جرى مجرى الأسماء الأعلام لغلبته واختصاصه بالمعبود الذي تحق له العبادة كما غلب "النجم" في الثريا. وقرئ بالرفع على: هو الله.
الويل: نقيض الوأل؛ وهو النجاة اسم معنى، كالهلاك؛ إلا أنه لا يشتق منه فعل، إنما يقال: ويلا له، فينصب نصب المصادر، ثم يرفع رفعها لإفادة معنى الثبات، فيقال: ويل له، كقوله سلام عليك.
ولما ذكر الخارجين من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان توعد الكافرين بالويل.
فإن قلت: ما وجه اتصال قوله (مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ) بـ"الويل"؟ قلت: لأنّ المعنى أنهم يولولون من عذاب شديد، ويضجون منه، ويقولون: يا ويلاه! ........
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (بدل من قوله: (إِلَى النُّورِ) بتكرير العامل)، قال القاضي:"إضافة "الصراط" إلى الله: إما لأنه مقصده أو المظهر له. وتخصيص الوصفين- أعني: (الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) - للتنبيه على أنه لا يذل سالكه ولا يخيب سائله".
قوله: (لأنه جرى مجرى الأسماء الأعلام لغلبته، كما غلب "النجم" في "الثريا")، فيه بحث على ما سبق في أول الكتاب.
قوله: (وقرئ بالرفع؛ على: هو الله)، نافع وابن عامر، والباقون: بالجر.
قوله: (ما وجه اتصال [قوله]: (مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ) بـ "الويل")، يعني: أن الظاهر يمنع
كقوله: (دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً)[الفرقان: 13].
(الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ) مبتدأ خبره: (أولئك في ضلال بعيد)، ويجوز أن يكون مجروراً صفة للكافرين، ومنصوباً على الذمّ، أو مرفوعاً على: أعني الذين يستحبون أو: هم الذين يستحبون. والاستحباب: الإيثار والاختيار، وهو استفعال من المحبة، لأنّ المؤثر للشيء على غيره كأنه يطلب من نفسه أن يكون أحبّ إليها وأفضل عندها من الآخر.
وقرأ الحسن: "ويصدّون" بضم الياء وكسر الصاد. يقال: صدّه عن كذا، وأصدّه. قال:
أُنَاسٌ اصَدُّوا النَّاسَ بِالسَّيْفِ عَنْهُمُ
والهمزة فيه داخلة على: صدّ صدوداً، لتنقله من غير التعدّى إلى التعدّي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من الاتصال: قال أبو البقاء: " (ويل) مبتدأ و (لِلْكَافِرِينَ) خبره، و (مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ) صفة "الويل" بعد الخبر، وهو جائز، ولا يجوز أن يتعلق بـ "ويل" لأجل الفصل بينهما بالخبر".
وأجاب: أنه يجوز، لأنه اتصل به معنى لا لفظاً، لأن المعنى أنهم يولولون ويضجون منه، وقوله:"ويقولون: يا ويلاه" تفسير لقوله: "يولولون".
قوله: (أناس أصدوا الناس بالسيف عنهم)، تمامه:
صدود السوافي عن أنوف الخرائم
وليست بفصيحةٍ كـ"أوقفه"؛ لأنّ الفصحاء استغنوا بـ"صدّه" و"وقفه" عن تكلف التعدية بالهمزة.
(وَيَبْغُونَها عِوَجاً) ويطلبون لسبيل الله زيغاً واعوجاجاً، وأن يدلوا الناس على أنها سبيل ناكبة عن الحق غير مستوية، والأصل: ويبغون لها،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"أصد": جاء بمعنى: صد، وهي لغة كلب، و"السوافي": الرياح، و"الخرم"- بالخاء المعجمة والراء المهملة: أنف الجبل، يقول: هم أناس صدوا الأعداء عن أنفسهم كما تصد الريح عن أنوف الجبال.
قوله: (وليست بفصيحة)، يمكن أن يراد: وليست قراءة الحسن بفصيحة، لأن المشهورة- وهي "يصدون" بفتح الياء- هي الفصيحة، ونحن مستغنون بها عن تكلف جعل "يصدون" منقولاً من: صد صدوداً، كما استغنينا عن "أوقفه" للتعدية، لأنه جاء "وقفه"، وهذا مبني على عادته بأن القراءة ليست بموقوفة على السماع، بل على الاجتهاد.
قوله: (وأن يدلوا الناس على أنها سبيل ناكبة)، قيل: هو عطف على "زيغاً"، أي: يطلبون لسبيل الله أن يدلوا الناس. والوجه أن يكون عطفاً على "يطلبون"، لأن ما يطلبونه معدوم محال، فلا يكون طلبهم إلا هذه الدلالة، ووصفهم بأنها سبيل ناكبة، وقدحهم فيه: عناد وتعنت.
فحذف الجار وأوصل الفعل (فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ) أي: ضلوا عن طريق الحق، ووقفوا دونه بمراحل.
فإن قلت: فما معنى وصف الضلال بالبعد؟ قلت: هو من الإسناد المجازي، والبعد في الحقيقة للضالّ، لأنه هو الذي يتباعد عن الطريق، فوصف به فعله، كما تقول: جدّ جدّه. ويجوز أن يراد: في ضلال ذي بعدٍ، أو: فيه بعدٌ، لأنّ الضالّ قد يضلّ عن الطريق مكاناً قريباً وبعيداً.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (في ضلال ذي بعد، أو: فيه بعد)، قال صاحب "الفرائد": فعلى هذا "البعد" صفة للمكان، لا صفة للضلال. وقلت: هذا حق، وأما تحرير هذا المقام فأن يقال: إن أصل الكلام أنهم ضلوا عن طريق الحق ضلالاً أي ضلال، فاستعير له البعد، وقيل: بعدوا فيه، فالبعد من صفتهم، فوصف بالضلال الذي هو فعلهم وملتبس بهم، نحو: طريق سائر، وهو المراد من قوله:"فوصف به فعله"، أو أن الضلال كأنه مكان واسع ذو أطراف ومسافات، وهو من الكناية المطلوب بها تخصيص الصفة بالموصوف، لأن القرب والبعد مما يضاف إلى المكان، فنبه به أن محل الضلال محل ذو بعد، والضلال معنى لابد له أن يقوم بذات يكون هذا المحل مكانه ومستقره، قال:
إن السماحة والمروءة والندى
…
في قبة ضربت على ابن الحشرج
وأما قوله: "أو: فيه بعد": فهو تمثيل، كأنه مثل طريق مستقيم، وصور أن العدول عن الجادة يمنة ويسرة ضلالة، وحينئذ تتفاوت الضلالات بحسب المعاصي والبدع والكفر، وإلى التمثيل الإشارة بقوله:"لأن الضال قد يضل عن الطريق مكاناً قريباً وبعيداً".
[(وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)].
(إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ) أي: ليفقهوا عنه ما يدعوهم إليه، فلا يكون لهم حجة على الله ولا يقولوا: لم نفهم ما خوطبنا به، كما قال:(وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ)[فصلت: 44].
فإن قلت: لم يبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى العرب وحدهم، وإنما بعث إلى الناس جميعاً (قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً) [الأعراف: 158]، بل إلى الثقلين، وهم على ألسنة مختلفةٍ، فإن لم تكن للعرب حجه فلغيرهم الحجة وإن لم تكن لغيرهم حجة فلو نزل بالعجمية، لم تكن للعرب حجة أيضاً.
قلت: لا يخلو إمّا أن ينزل بجميع الألسنة أو بواحد منها، فلا حاجة إلى نزوله بجميع الألسنة، لأن الترجمة تنوب عن ذلك وتكفى التطويل، فبقى أن ينزل بلسان واحد، فكان أولى الألسنة لسان قوم الرسول، لأنهم أقرب إليه، فإذا فهموا عنه وتبينوه وتنوقل عنهم وانتشر. قامت التراجم ببيانه وتفهيمه، كما ترى الحال وتشاهدها من نيابة التراجم في كل أمّة من أمم العجم، مع ما في ذلك من اتفاق أهل البلاد المتباعدة، والأقطار المتنازحة، والأمم المختلفة والأجيال المتفاوتة، على كتاب واحد، واجتهادهم في تعلم لفظه وتعلم معانيه، وما يتشعب من ذلك من جلائل الفوائد، وما يتكاثر في إتعاب النفوس وكدّ القرائح فيه، من القرب والطاعات المفضية إلى جزيل الثواب، ......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فلو نزل بالعجمية)، جواب الشرط على التأويل، أي: ولئن منع أن يكون حجة لغير العرب فنحن نقول أيضاً: لو نزل، إلى آخره.
ولأنه أبعد من التحريف والتبديل، وأسلم من التنازع والاختلاف، ولأنه لو نزل بألسنة الثقلين كلها - مع اختلافها وكثرتها، وكان مستقلاً بصفة الإعجاز في كل واحد منها، وكلم الرسول العربيّ كل أمّةٍ بلسانها كما كلم أمّته التي هو منها يتلوه عليهم معجزاً - لكان ذلك أمراً قريباً من الإلجاء.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أبعد من التحريف والتبديل، وأسلم من النزاع والاختلاف)، قال صاحب "الفرائد": وذلك أن الرسول إذا لم يكن له لسان مخالف للسان قومه تبين لهم كلهم ما أرسل به إليهم بلسانهم هم، ثم هم ينقلون ذلك إلى من سواهم من الأمم، وهلم جرا، فيحصل التواتر، وبه يحصل اليقين، وأما إذا كان لسانه مخالفاً للسان المبعوث إليهم، فيحتاجون إلى الترجمان والمبين، فيضعف النقل، فلم يحصل لهم اليقين، فيقع الاختلاف. ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقبض حتى صار النقل تواتراً.
قوله: (وكلم الرسول العربي كل أمة بلسانها، كما كلم أمته) إلى قوله: (لكان ذلك أمراً قريباً من الإلجاء)، قال في "الانتصاف":"وفي هذا نظر؛ إذ يتضمن أن إعجاز القرآن بلفظه خاصة، حتى لو قدر منزلاً بكل لغة لكان إلجاء إلى الإيمان، وهو بعيد، لأن الإيمان عند حصول العلم بالمعجزة ليس إلجائياً، ولا فرق بين حصوله بلغة واحدة ولغات كثيرة".
وقلت: ولعل مراد المصنف من الإلجاء أن رجلاً واحداً عربياً إذا تكلم بالألسن التي لا تكاد تنحصر كثرة، ويكون كل منها مستقلاً بالإعجاز، كان ذلك مما يخرج عن حد المعجزة التي يصح أن يتحدى بها، فيكون كالأمور التي تلجئ إلى الإيمان، كالكشف عن قوارع الساعة، وحضور ملك الموت، وغير ذلك، ومن ثم قال:"قريباً من الإلجاء".
ومعنى (بِلِسانِ قَوْمِهِ): بلغة قومه. وقرئ: "بلسن قومه". واللسن واللسان: كالريش والرياش، بمعنى اللغة. وقرئ:«بلسن قومه» بضم اللام، والسين مضمومةٌ أو ساكنة، وهو جمع لسان، كعماد وعمد وعمد على التخفيف.
وقيل: الضمير في (قومه) لمحمد صلى الله عليه وسلم، ورووه عن الضحاك. وأن الكتب كلها نزلت بالعربية، ثم أدّاها كل نبيّ بلغة قومه، وليس بصحيح، لأنّ قوله (لِيُبَيِّنَ لَهُمْ) ضمير القوم وهم العرب، فيؤدّى إلى أن الله أنزل التوراة من السماء بالعربية ليبين للعرب، وهذا معنى فاسد (فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ) كقوله:(فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ)[التغابن: 2]، لأنّ الله لا يضلّ إلا من يعلم أنه لن يؤمن، ولا يهدي إلا من يعلم أنه يؤمن. والمراد بالإضلال: التخلية ومنع الألطاف، وبالهداية: التوفيق واللطف، فكان ذلك كناية عن الكفر والإيمان (وَهُوَ الْعَزِيزُ) فلا يغلب على مشيئته الْحَكِيمُ فلا يخذل إلا أهل الخذلان، ولا يلطف إلا بأهل اللطف.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (التي هو منها)، الضمير المرفوع للرسول صلى الله عليه وسلم، والمجرور للأمة. وقوله:"يتلوه" حال من المرفوع في "كلم".
قوله: (لأن قوله: (لِيُبَيِّنَ لَهُمْ) ضمير القوم، وهم العرب)، وللضحاك أن يقول: الضمير لكل قوم، كأنه قيل: وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قوم محمد صلى الله عليه وسلم ليبين الرسول لقومه الذي أرسل إليهم؛ لدلالة السياق.
قوله: ((فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ): كقوله تعالى: (فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ))، يريد: أن الفاء في (فَيُضِلُّ) تفصيلية، يعني: أن الله تعالى أرسل الرسول إلى القوم ليبين لهم طريق الهداية وطريق الضلالة، فعند ذلك حصل الاختلاف؛ فبعضهم اختاروا الهداية وبعضهم الضلالة، كقوله تعالى: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ
[(وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ)].
(أَنْ أَخْرِجْ) بمعنى أي: أخرج، لأنّ الإرسال فيه معنى القول، كأنه قيل: أرسلناه وقلنا له أخرج. ويجوز أن تكون "أن" الناصبة للفعل، وإنما صلح أن توصل بفعل الأمر، لأنّ الغرض وصلها بما تكون معه في تأويل المصدر وهو الفعل والأمر، وغيره سواء في الفعلية. والدليل على جواز أن تكون الناصبة للفعل: قولهم أو عز إليه بأن افعل، فأدخلوا عليها حرف الجر. وكذلك التقدير بأن أخرج قومك،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ) إلى قوله: (لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ)[البقرة: 213]، لكن لما كان الإضلال والهداية مترادفين لمنع الألطاف ومنح التوفيق، والمنع والمنح لازمين للكفر والإيمان، كنى بها عنهما على التلويحية.
وعندنا: الفاء ليست للتفصيل، لأن المعنى: ما كان إرسال الرسل إلا للبيان وإلزام الحجة وإزاحة العلة وتمييز الضال من المهتدي، لا ليوجدوا فيهم الهداية، ويزيلوا عنهم الضلالة، فإن ذلك من الله تعالى، يضل من يشاء ويهدي من يشاء، لأنه عزيز قوي لا يغالب، يفعل ما يشاء، حكيم لا يدرك أحد كنه حكمته، يحكم ما يشاء، هذا ظاهر لا تعقيد فيه ولا تعسف، وموافق لفاتحة السورة، والله أعلم.
قوله: (أوعز إليه)، الجوهري:"أوعزت إليه في كذا وكذا؛ أي: تقدمت، وكذلك: وعزت إليه توعيزاً، وقد يخفف فيقال: وعزت إليه وعزاً". وفي الحاشية: "أوعز؛ أي: أمر".
قوله: (فأدخلوا عليها حرف الجر)، ودخول حرف الجر مشعر بأن "أن" مصدرية، لأنه من خواص الاسم، ولو كانت مفسرة لزم خلاف ذلك، لأن حرف الجر لا يدخل على الحرف ولا على الفعل.
(وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ) وأنذرهم بوقائعه التي وقعت على الأمم قبلهم: قوم نوح وعاد وثمود. ومنه أيام العرب لحروبها وملاحمها، كيوم ذي قار، ويوم الفجار، ويوم قضة وغيرها، وهو الظاهر. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: نعماؤه وبلاؤه؛ فأما نعماؤه فإنه ظلل علل عليهم الغمام، وأنزل عليهم المنَّ والسلوى، وفلق لهم البحر، وأما بلاؤه فإهلاك القرون.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وملاحمها)، الجوهري: الملحمة: الوقعة العظيمة في الفتنة.
"يوم ذي قار": يوم لبني شيبان، وكان أبرويز أغزاهم جيشاً، وهو أول يوم انتصرت فيه العرب من العجم.
و"الفجار": يوم من أيامهم، وهي أربعة أفجرة؛ كانت بين قريش ومن معها من كنانة وبين قيس عيلان في الجاهلية، وكانت الدبرة على قيس، وإنما سميت هذه الحرب فجاراً؛ لأنها كانت في الأشهر الحرم.
و"يوم قضة"- بكسر القاف وفتح الضاد المعجمة المخففة: موضع كانت به وقعة تحلاق اللمم.
قوله: (وهو الظاهر)، أي: وحمل "الأيام" على معنى الوقائع هو الظاهر، لأن التذكير بالأيام أكثر ما يستعمل في التخويف والإنذار كما سبق.
وأما دليل ابن عباس على قوله: "نعماؤه وبلاؤه": فهو قوله: (صَبَّارٍ شَكُورٍ)، وكذا
(لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ) يصبر على بلاء الله ويشكر نعماءه، فإذا سمع بما أنزل الله من البلاء على الأمم، أو أفاض عليهم من النعم، تنبه على ما يجب عليه من الصبر والشكر واعتبر. وقيل: أراد لكل مؤمن، لأنّ الشكر والصبر من سجاياهم، تنبيهاً عليهم.
[(وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ)].
(إِذْ أَنْجاكُمْ) ظرفٌ للنعمة بمعنى الإنعام، أي: إنعامه عليكم ذلك الوقت. فإن قلت: هل يجوز أن ينتصب بـ (عليكم)؟ قلت: لا يخلو من أن يكون صلة للنعمة بمعنى الإنعام، أو غير صلة إذا أردت بالنعمة العطية،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جمع "الأيام"؛ فإنها تقتضي اختلاف أنواعها، وقوله:(اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ)، وقوله:(لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ)، لأنه كالتفصيل لهذا الإجمال.
قوله: (وقيل: أراد لكل مؤمن)، عطف من حيث المعنى على قوله:"يصبر على بلاء الله"، فعلى الأول:"الصبار" و"الشكور" مراد بهما كل من قام به الصبر والشكر، وعلى الثاني: عبارتان عن معبر واحد، كما تقول في الكناية عن الإنسان: حي مستوي القامة عريض الأظفار. هو من قوله: "الإيمان نصفان: نصف صبر، ونصف شكر".
قوله: (تنبيهاً عليهم)، مفعول له، أي: قال الله تعالى: (لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ)، وأراد: لكل مؤمن؛ لينبه السامع على مكان الشكر والصبر، وأنهما من سجية المؤمنين، وكشف عن حقيقتهم، كأنه قيل: المؤمن هو الذي يصبر ويشكر.
فإذا كان صلةً لم يعمل فيه، وإذا كان غير صلةٍ بمعنى اذكروا نعمة الله مستقرّة عليكم عمل فيه، ويتبين الفرق بين الوجهين أنك إذا قلت: نعمة الله عليكم، فإن جعلته صلة لم يكن كلاماً حتى تقول فائضة أو نحوها، وإلا كان كلاماً.
ويجوز أن يكون (وإذ) بدلاً من (نعمة الله)، أي: اذكروا وقت إنجائكم، وهو من بدل الاشتمال.
فإن قلت: في سورة البقرة (يُذَبِّحُونَ)، وفي الأعراف:(يُقَتِّلُونَ) وهاهنا (وَيُذَبِّحُونَ) مع الواو، فما الفرق؟ قلت: الفرق أنّ التذبيح حيث طرح الواو جعل تفسيراً للعذاب وبياناً له، وحيث أثبت جعل التذبيح لأنه أو في على جنس العذاب، وزاد عليه زيادة ظاهرة كأنه جنس آخر. فإن قلت: كيف كان فعل آل فرعون بلاء من ربهم؟ قلت: تمكينهم وإمهالهم، حتى فعلوا ما فعلوا ابتلاء من الله. ووجه آخر وهو أن ذلك إشارة إلى الإنجاء وهو بلاء عظيم، والبلاء يكون ابتلاء بالنعمة والمحنة جميعاً، قال تعالى:(وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً)[الأنبياء: 35]، وقال زهير:
فَأَبْلَاهُمَا خَيرَ البَلَاءِ الذِى يَبْلُوا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (كيف كان فعل آل فرعون بلاء من ربهم)، يريد: كيف نسب البلاء الصادر من آل فرعون إلى الله تعالى؟ وأجاب: أن ما صدر منهم لما كان من تمكين الله تعالى نسب إليه، وهذا تحريف؛ لأن لفظة التنزيل:(وَفِي ذَلِكُم) أي: وفي أفعالهم اختبار من الله، أي: أنه تعالى خلق فيهم تلك الأفعال؛ ليكون ابتلاء منه.
قوله: (فأبلاهما خير البلاء الذي يبلو)، أوله:
جزى الله بالإحسان ما فعلا بكم
[(وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ)].
(وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ) من جملة ما قال مومى لقومه، وانتصابه للعطف على قوله:(نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ) كأنه قيل: وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم، واذكروا حين تأذن ربكم. ومعنى (تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ): أذن ربكم. ونظير تأذن وأذن: توعد وأوعد، تفضل وأفضل. ولا بدّ في "تفعل" من زيادة معنى ليس في "أفعل"، كأنه قيل: وإذ أذن ربكم إيذاناً بليغاً تنتفي عنده الشكوك، وتنزاح الشبه. والمعنى: وإذ تأذن ربكم فقال (لَئِنْ شَكَرْتُمْ) أو أجرى (تَأَذَّنَ) مجرى، "قال"، لأنه ضرب من القول.
وفي قراءة ابن مسعود: «وإذ قال ربكم لئن شكرتم» ، أي: لئن شكرتم يا بني إسرائيل ما خولتكم من نعمة الإنجاء وغيرها من النعم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مضى شرحه في الأنفال.
قوله: (ولابد في "تفعل" من زيادة معنى)، ومن ذلك قيل: تكلف فلان فيما فعل: أي: كدح فيه وتعمل.
قوله: (أي: لئن شكرتم- يا بني إسرائيل- ما خولتكم من نعمة الإنجاء) إلى آخره، ولما كان اللفظان مطلقين- أعني:(لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ) - غير مقيدين بأي شيء يشكرون، وما تلك النعمة التي وجب عليهم شكرها، وما تلك الزيادة التي يستزيدونها بالشكر، قيد كلاً بما يناسبه المقام، قال محيي السنة:"قيل: الشكر قيد الموجود وصيد المفقود".
بالإيمان الخالص والعمل الصالح (لَأَزِيدَنَّكُمْ) نعمة إلى نعمة، ولأضاعفن لكم ما آتيتكم (وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ) وغمطتم ما أنعمت به عليكم إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ لمن كفر نعمتي.
[(وَقالَ مُوسى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ)].
(وَقالَ مُوسى): إن كفرتم أنتم - يا بني إسرائيل- والناس كلهم، فإنما ضررتم أنفسكم وحرمتموها الخير الذي لا بدّ لكم منه وأنتم إليه محاويج، واللَّهَ غَنِيٌّ عن شكركم (حَمِيدٌ) مستوجبٌ للحمد بكثرة أنعمه وأياديه، وإن لم يحمده الحامدون.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (بالإيمان الخالص)، الباء متعلقة بقوله:(لَئِنْ شَكَرْتُمْ).
قوله: (وغمطتم)، أي: حقرتم، الجوهري:"غمط الناس: الاحتقار لهم والإزراء بهم".
قوله: (فإنما ضررتم أنفسكم وحرمتموها الخير الذي لابد لكم منه، وأنتم إليه محاويج)، هذه المعاني إنما تستفاد من إيقاع قوله:(فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ) جزاء لقوله: (إِن تَكْفُرُوا)، فإنه على سبيل التقريع والتوبيخ، يعني: إني أنبهكم- أيها الجهلة- بسبب كفرانكم نعمة الله؛ على أنكم إنما ضررتم أنفسكم وحرمتموها الخير الذي لابد لمك منه، لأنه تعالى ما كلفكم إلا ليجزيكم على أعمالكم، فتنتفعوا بها يوم القيامة؛ يوم تحتاجون غليه، إذ لا يرجع نفعها ولا ضرها إليه، لأنه غني حميد، سواء حمدتموه أو كفرتم به، ولابد من الجزاء، وليس ذلك إلا في يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم، وهو المراد من قوله:"وأنتم إليه محاويج"، أي: إلى الخير الذي يصل إليكم بسبب أعمالكم في ذلك اليوم.
[(أَلَمْ يَأتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللَّهُ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ وَقالُوا إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ مُرِيبٍ)].
(وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ) جملةٌ من مبتدأ وخبرٍ وقعت اعتراضاً، أو: عطف "الذين من بعدهم" على (قوم نوح)، و (لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ) اعتراض. والمعنى: أنهم من الكثرة بحيث لا يعلم عددهم إلا الله. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: بين عدنان وإسماعيل ثلاثون أبا لا يعرفون، وكان ابن مسعود إذا قرأ هذه الآية قال: كذب النسابون، يعني أنهم يدّعون علم الأنساب، وقد نفى الله علمها عن العباد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أو عطف "الذين من بعدهم" على (قَوْمِ نُوحٍ)، و (لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللهُ) اعتراض)، هذا أحسن من الاعتراض الأول، لأن الاعتراض من التحاسين في الكلام، وحسن موقعه أن يكون مع التأكيد، كما قال:"والمعنى: [أنهم] من الكثرة بحيث لا يعلم عددهم إلا الله".
وعلى الأول: والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله، ليس فيه رائحة من ذلك.
قوله: (بين عدنان وإسماعيل)، قال صاحب "الجامع":"اختلف في نسب النبي صلى الله عليه وسلم بعد اتفاقهم أنه من ولد إسماعيل عليه السلام، وأنه من ولد معد بن عدنان، وإنما الاختلاف في الأسماء التي قبل عدنان، ولا يكاد يصح لأحد الرواة رواية ولا ضبط الأسماء".
وأما اتصال هذه الآية بما قبلها: فإنه لما أجمل الكلام في قوله: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ
(فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ) فعضوها غيظاً وضجراً مما جاءت به الرسل، كقوله (عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ) [آل عمران: 119]، أو ضحكاً واستهزاء كمن غلبه الضحك فوضع يده على فيه. أو: وأشاروا بأيديهم إلى ألسنتهم وما نطقت به من قولهم (إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ) أي: هذا جوابنا لكم ليس عندنا غيره، إقناطاً لهم من التصديق. ألا ترى إلى قوله (فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ وَقالُوا إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ) وهذا قول قوي. أو: وضعوها على أفواههم يقولون للأنبياء: أطبقوا أفواهكم واسكتوا. أو ردّوها في أفواه الأنبياء، ........
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ)، وفصله مبتدئاً بقصة موسى عليه السلام، عقبه مجملاً بقوله:(أَلَمْ يَاتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللَّهُ) توبيخاً وتهديداً.
قوله: (ألا ترى إلى قوله: (فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ))، يعني: الذي ينصر أن المراد من قوله: (فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ): أنهم أشاروا بأيديهم إلى ما نطقت به ألسنتهم؛ عطف قوله: (إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ)، أي: أشاروا إلى أفواههم، ثم تكلموا به، لتتصل الإشارة بالقول، ومنه قولهم: أقول قولي هذا. وهذا أقوى الوجوه؛ وذلك أنه تعالى عطف "قالوا" على (فَرَدُّوا)، والفاء للتعقيب، فكأنهم لما جاءتهم الرسل بالبينات ما أمهلوا، بل عقبوه بالتكذيب، وأكدوه غاية التأكيد، وما تفكروا في الآيات، وما قصروا في الرد.
الانتصاف: "أقوى الوجوه هذا، لأن إقناطهم قولاً وفعلاً هو المناسب لحدهم، ومن ثم صدروا الجملة بـ "إن" المؤكدة، وواجهوا بالخطاب، وكرروا "إنا"، ولا يناسب
يشيرون لهم إلى السكوت. أو وضعوها على أفواههم يسكتونهم ولا يذرونهم يتكلمون.
وقيل: الأيدي، جمع يدٍ، وهي النعمة بمعنى: الأيادي، أي: ردوا نعم الأنبياء التي هي أجل النعم من مواعظهم ونصائحهم وما أوحى إليهم من الشرائع والآيات (في أفواههم)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
السياق الضحك والغيظ، ولا التصميت، إذ لم ينكروا عودهم إلى المجادلة".
قوله: (أو وضعوها على أفواههم يسكتونهم)، أي: يسكتونهم قسراً بوضع الأيدي على شفاهم، وفي الوجه السابق: لم يكن الوضع للقسر بل للإشارة.
قال صاحب "الفرائد": الواجب أن يكون المراد منعهم من التحدث بما جاؤوا بقدر استطاعتهم، لأنه إن حمل على الحقيقة لزم أن يكون الكل وضعوا أيديهم على أفواههم، ومعلوم أنه غير واقع.
وقلت: لا يلزم ذلك، لأنه حينئذ من باب "قتل بنو تميم فلاناً"، وإنما قتله واحد منهم.
قوله: (وقيل: "الأيدي": جمع "يد"، وهي النعمة، بمعنى: الأيادي)، إنما قال:"بمعنى: الأيادي"؛ لأن "الأيادي" غلبت في النعم، و"الأيدي" في الجوارح، قال:
سأشكر عمراً إن تراخت منيتي
…
أيادي لم تمنن وإن هي جلت
لأنهم إذا كذبوها ولم يقبلوها، فكأنهم ردوها في أفواههم ورجعوها إلى حيث جاءت منه على طريق المثل (مِمَّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ) من الإيمان بالله. وقرئ:«تدعونا» ، بإدغام النون (مُرِيبٍ) موقع في الريبة أو ذى ريبة، من أرابه، وأراب الرجل، وهي قلق النفس وأن لا تطمئن إلى الأمر.
[(قالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَاتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ)].
(أَفِي اللَّهِ شَكٌّ) أدخلت همزة الإنكار على الظرف، لأن الكلام ليس في الشك، إنما هو في المشكوك فيه، وأنه لا يحتمل الشك لظهور الأدلة وشهادتها عليه (يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ) أي:(يدعوكم) إلى الإيمان (ليغفر لكم)، أو يدعوكم لأجل المغفرة،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (على طريق المثل)، أي: مثل ما جاء به الأنبياء من المصالح والنصائح والمواعظ، وأنهم ردوها أبلغ رد، وما قبلوها، بما يحاول رده إلى حيث جاء منه؛ من الكلام الخارج من الفم، فقيل:(فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ)، نحوه قوله تعالى:(نَبَذَ فَرِيقٌ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ)[البقرة: 101]، قال المصنف:"نبذه وراء ظهورهم مثل لتركهم وأعراضهم عنه بما يرمى به وراء الظهر استغناء عنه وقلة التفات إليه"، فإذن لا يد ولا فم هناك.
قوله: (لأن الكلام ليس في الشك)، يعني: من حق حرف الاستفهام أن يدخل على فعل الشك، لا على الظرف الذي هو متعلقه، وإنما أدخل عليه لأن التردد إنما وقع في المشكوك فيه، لأن الشك موجود لا كلام فيه.
قوله: (أي: (يَدْعُوكُمْ) إلى الإيمان (لِيَغْفِرَ لَكُم)، أو: يدعوكم لأجل المغفرة)، وعلى الثاني: الدعوة مطلقة أو المدعو إليه عام، قال القاضي: " (يَدْعُوكُمْ) إلى الإيمان (لِيَغْفِرَ
كقوله: دعوته لينصرني، ودعوته ليأكل معي، وقال:
دَعَوْتُ لِمَا نَابَنِى مِسْوَرا
…
فَلَبَّى فَلَبَّى يَدَيْ مِسْوَرِ
فإن قلت: ما معنى التبعيض في قوله: (من ذنوبكم)؟ قلت: ما علمته جاء هكذا إلا في خطاب الكافرين، كقوله:(وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ* يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ)[نوح: 3 - 4]، (يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ) [الأحقاف: 31]، وقال في خطاب المؤمنين:(هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ)[الصف: 10] إلى أن قال (يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ)[الصف: 12]، وغير ذلك مما يقفك عليه الاستقراء، وكان ذلك للتفرقة بين الخطابين،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لَكُم)، أو يدعوكم إلى المغفرة، كقولك: دعوته لينصرني؛ على إقامة المفعول له مقام المفعول به"، أراد: أن المدعو إليه في الأول: الإيمان، و (لِيَغْفِرَ لَكُم) تعليل قصداً، وفي الثاني: المدعو إليه المغفرة، والتعليل لازم لكن من غير قصد.
قوله: (دعوت لما نابني مسوراً فلبا فلبي يدي مسور)، روي عن المصنف: أن ذكر "اليدين" على سبيل الإقحام، وأضاف "لبي" إلى المظهر، كما يضاف إلى المضمر، وفي حاشية "الصحاح":"قال أبو تمام: البيت لأعرابي من بني أسد، استشهد به على أن "لبيك" مثنى، والياء علامة التثنية، وليست مثل: عليك وإليك. وكتب ابن الحبيب الكاتب".
فـ "لبا" الأولى بالألف، والثانية بالياء على إضافتها إلى "يدي" إضافة للمصدر إلى المفعول، وصححه الصغاني، والأول فعل وإن كانت الألف رابعة، ولعل ذلك للتمييز، والفاء الثانية سببية على حذف الفعل، وإقامة المصدر مقامه، دعا له أن يكون مجاباً كما كان مجيباً و"يدي" تأكيد.
ولئلا يسوي بين الفريقين في الميعاد، وقيل: أريد أنه يغفر لهم ما بينهم وبين الله، بخلاف ما بينهم وبين العباد من المظالم ونحوها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال الجوهري: "قولهم: هذا كما قدمت يداك، وهو تأكيد، كما يقال: هذا ما جنت يداك، أي: جنيته أنت".
يقول: دعوت مسوراً لينصرني لما نابني من الشدائد، فأجابني، فأجاب الله دعاءه ونصره الله نصراً.
قوله: (وقيل: أريد أنه يغفر لهم ما بينهم وبين الله تعالى، بخلاف ما بينهم وبين العباد من المظالم)، قال صاحب "التقريب": وفيه نظر، لأنه مشترك بين الفريقين، أي: المؤمنين إذا تابوا، والكافرين إذا آمنوا.
وقلت: الذي عليه الحديث الصحيح الذي رويناه في "صحيح مسلم" عن عمرو ابن العاص قال: "لما جعل الله الإسلام في قلبي، أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: ابسط يمينك فلأبايعك، فبسط يمينه، قال: فقبضت يدي، فقال: ما لك يا عمرو؟ قلت: أردت أن أشترط، قال: تشترط ماذا؟ قلت: أن يغفر لي، قال: أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله"، يرد نظره وهذا القول أيضاً.
قال التوربشتي: "اعلم أن الفضائل المرتبة بعضها على بعض مختلفة لا يجوز التسوية بينها في الحكم، وذلك أن الإسلام يهدم ما كان قبله على الإطلاق، مظلمة كانت أو غير مظلمة، كبيرة كانت أو صغيرة، فأما الهجرة والحج فإنهما لا يكفران المظالم، ولا يقطع فيهما أيضاً بغفران الكبائر التي بين الله وبين العباد، فيحمل الحديث على أن الهجرة والحج يكفران الصغائر والكبائر أيضاً فيما لا يتعلق بحقوق العباد، كما عرفنا ذلك من أصول الدين".
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقلت: وروينا في "سنن ابن ماجة" عن عباس بن مرداس: "أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا عشية عرفة لأمته بالمغفرة والرحمة، فأكثر الدعاء، فأجيب: أني قد غفرت لهم ما خلا المظالم، فإني آخذ للمظلوم منه. قال: أي رب، إن شئت أعطيت المظلوم من الجنة، وغفرت للظالم. فلم يجب عشيته، فلما أصبح بالمزدلفة أعاد الدعاء فأجيب إلى ما سأل. قال: فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم أو تبسم-، فقال له أبو بكر رضي الله عنه: فما الذي أضحكك، أضحك الله سنك؟ قال: إن عدو الله إبليس لما علم أن الله استجاب دعائي، وغفر لأمتي، أخذ التراب، فجعل يحثوه على رأسه، ويدعو بالويل والثبور، فأضحكني ما رأيت من جزعه".
قال صاحب "الفرائد": "من": زائدة للتأكيد، كما هو مذهب الأخفشن فيكون مبالغة واستغراقاً في غفران الذنوب الماضية من الكفر وغيره، وذلك أليق بأهل الكفر حين دعوا إلى الإيمان والعمل الصالح؛ لبعدهم عن ذلك وإنكارهم، فخصوا لذلك بذلك. ونقل عن الأصم: أن "من" للتبعيض، والمعنى: أنكم إذا تبتم يغفر الله لكم الذنوب التي هي الكبائر، فأما الصغائر فلا حاجة إلى غفرانها، لأنها في نفسها مغفورة.
وقلت: والذي يقتضيه المقام هذا، لأن الدعوة عامة، لقوله تعالى:(قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ)، كأنه قيل: أيها الشاكون الملوثون بأوضار الشرك والكفر والمعاصي، إن الله يدعوكم إلى الإيمان والتوحيد ليطهركم من أجناس أنجاس الذنوب، فلا وجه للتخصيص، وقد ورد: (إِن
(وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى) إلى وقت قد سماه الله وبين مقداره، يبلغكموه إن آمنتم، وإلا عاجلكم بالهلاك قبل ذلك الوقت.
(إِنْ أَنْتُمْ) ما أنتم (إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا) لا فضل بيننا وبينكم، ولا فضل لكم علينا، فلم تخصون بالنبوّة دوننا، ولو أرسل الله إلى البشر رسلاً لجعلهم من جنسٍ أفضل منهم وهم الملائكة، (بِسُلْطانٍ مُبِينٍ) بحجة بينة، وقد جاءتهم رسلهم بالبينات والحجج، وإنما أرادوا بالسلطان المبين آية قد اقترحوها تعنتاً ولجاجاً.
[(قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَما كانَ لَنا أَنْ نَاتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) [الأنفال: 38]، و"ما" للعموم، سيما في الشرط، ومقام الكافر عند ترغيبه في الإسلام بسط لا قبض، ولأن الكفار إذا أسلموا إنما اهتمامهم في الشرك ونحوه، لا في الصغائر.
يؤيده ما روى المصنف: أن أهل مكة قالوا: يزعم محمد أن من عبد الأوثان وقتل النفس التي حرم الله لم يغفر له، فكيف ولم نهاجر، وعبدنا الأوثان، وقتلنا النفس التي حرم الله؟ ! فنزلت:(قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ)[الزمر: 53] الآية، وقصة وحشي مشهورة.
على أن الزجاج نص في بعض المواضع من "تفسيره": أن "من" للبيان.
قوله: (لجعلهم من جنس أفضل منهم، وهم الملائكة)، الانتصاف:"تهالك في مذهبه حتى اعتقد أن الكفار كانوا يعتقدون تفضيل الملك".
وَما لَنا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ)].
(إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) تسليم لقولهم، وأنهم بشر مثلهم، يعنون: أنهم مثلهم في البشرية وحدها، فأما ما وراء ذلك فما كانوا مثلهم، ولكنهم لم يذكروا فضلهم تواضعاً منهم،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (تسليم لقولهم، وأنهم بشر مثلهم) إلى قوله: (فأما ما وراء ذلك فما كانوا مثلهم)، وهو كالقول بالموجب، لأن فيه إطماعاً بالموافقة، وكذا إلى إجابتهم بالإبطال بقوله:(وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ)، أي: إنما اختصنا الله بالرسالة بفضل منه وامتنان، والبشرية غير مانعة لمشيئته، وفي قول المصنف:"إلا وهم أهل لاختصاصهم" شائبة من الميل إلى المذهب، وفي قول موسى عليه السلام:(فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنْ الْمُرْسَلِينَ)[الشعراء: 21] دلالة على أن الرسالة موهبة محضة من الله، لا مدخل لعمل العبد فيها.
واقتصروا على قولهم: (وَلكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ) بالنبوّة، لأنه قد علم أنه لا يختصهم بتلك الكرامة إلا وهم أهل لاختصاصهم بها، لخصائص فيهم قد استأثروا بها على أبناء جنسهم (إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) أرادوا أن الإتيان بالآية التي اقترحتموها ليس إلينا ولا في استطاعتنا، وما هو إلا أمر يتعلق بمشيئة الله (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) أمرٌ منهم للمؤمنين كافة بالتوكل، وقصدوا به أنفسهم قصدا أوليا وأمروها به، كأنهم قالوا: ومن حقنا أن نتوكل على الله في الصبر على معاندتكم ومعاداتكم وما يجرى علينا منكم. ألا ترى إلى قوله (وَما لَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ) ومعناه: وأي: عذر لنا في أن لا نتوكل عليه (وَقَدْ هَدانا) وقد فعل بنا ما يوجب توكلنا عليه، وهو التوفيق لهداية كل واحد منا سبيله الذي يجب عليه سلوكه في الدين.
فإن قلت: كيف كرّر الأمر بالتوكل؟ قلت: الأول لاستحداث التوكل، وقوله (فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ) معناه فليثبت المتوكلون على ما استحدثوا من توكلهم وقصدهم إلى أنفسهم على ما تقدّم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وأمروها به)، الضمير راجع إلى "الأنفس"، وهو عطف على "قصدوا".
قوله: (الأول)، أي: الأول لاستحداث التوكل، والثاني: للثبات عليه، وذلك أن قوله:(وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ) تذييل للجواب عن قول القوم: (إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا)، كأنهم قالوا: من حقنا أن نتوكل على الله في الصبر على معاندتكم هذه، فلما ذكروا رفع الموانع من التوكل، وأثبتوا السبب فيه، وهو الهداية، وتصريح الصبر على أذى القوم، كروا إلى اختصاص التوكل عليه، فاللام في (الْمُتَوَكِّلُونَ) للعهد التقديري، بدلالة قوله:(فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ)، أي: الواجب علينا في اختصاصنا التوكل على الله أن نشمر له عن ساق الجد، وكلما تجدد الموجب نستجد توكلاً على التوكل.
[(وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ* وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ)].
(لَنُخْرِجَنَّكُمْ)، (أَوْ لَتَعُودُنَّ) ليكونن أحد الأمرين لا محالة، إما إخراجكم وإما عودكم حالفين على ذلك.
فإن قلت: كأنهم كانوا على ملتهم حتى يعودوا فيها؟ قلت: معاذ الله، ولكن العود بمعنى الصيرورة، وهو كثير في كلام العرب كثرة فاشية؛
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ليكونن أحد الأمرين لا محالة)، وقد استقصينا الكلام [فيه] في قوله:(تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ)[الفتح: 16] بسورة (إِنَّا فَتَحْنَا).
قوله: (حالفين على ذلك)، هو حال، وعاملها مضمر، أي: قالوا: لابد من الإخراج أو العود حالفين، والدليل على القسم اللامان في "لنخرجن" و (لَتَعُودُنَّ).
قوله: (ولكن "العود" بمعنى: الصيرورة)، قال صاحب "الفرائد": ولو كان "عاد" بمعنى: صار، لقيل: لتعودن إلى ملتنا، أي: لتصيرن إليها، فملا عدي بـ "في" ضمن معنى: دخل، كقوله:(فَادْخُلِي فِي عِبَادِي)[الفجر: 29]، أي: لتدخلن في أهل ملتنا.
وقلت: إنما يلزم ذلك أن لو كان (فِي مِلَّتِنَا) صلة (لَتَعُودُنَّ)، وليس كذلك، لأن "عاد" إذا كان بمعنى: صار، لم يكن "في" من صلة "العود"، بل يكون خبراً لـ "عاد"، لأن أخوات "كان" و"صار" من دواخل المبتدأ والخبر، ويمكن أن يقال: إنهم قالوا ذلك لظنهم الفاسد وجهلهم بأحواله، كقول فرعون:(وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنْ الْكَافِرِينَ)[الشعراء: 19]، قال:"أو جهل أمره، لأنه كان يعايشهم بالتقية".
لا تكاد تسمعهم يستعملون "صار"، ولكن "عاد"، ما عدت أراه عاد لا يكلمني، ما عاد لفلانٍ مال. أو خاطبوا به كل رسول ومن آمن به، فغلبوا في الخطاب الجماعة على الواحد.
(لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ) حكاية تقتضي إضمار القول، أو إجراء الإيحاء مجرى القول، لأنه ضرب منه. وقرأ أبو حيوة:«ليهلكنّ» ، و «ليسكننكم» بالياء اعتباراً لـ"أوحى"، وأن لفظه لفظ الغيبة، ونحوه قولك: أقسم زيد ليخرجن ولأخرجن. والمراد بـ"الأرض": أرض الظالمين وديارهم، ونحوه:(وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا)[الأعراف: 127]، (وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ) [الأحزاب: 27]. وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «من آذى جاره ورثه الله داره» ولقد عاينت هذا في مدة قريبة: كان لي خالٌ يظلمه عظيم القرية التي أنا منها ويؤذيني فيه، فمات ذلك العظيم وملكني الله ضيعته، فنظرت يوماً إلى أبناء خالي يتردّدون فيها ويدخلون في دورها ويخرجون ويأمرون وينهون فذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحدّثتهم به، وسجدنا شكراً لله (ذلِكَ) إشارة إلى ما قضى به الله من إهلاك الظالمين إسكان المؤمنين ديارهم، أي: ذلك الأمر حق (لِمَنْ خافَ مَقامِي) موقفي وهو موقف الحساب، لأنه موقف الله الذي يقف فيه عباده يوم القيامة، أو على إقحام المقام. وقيل:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أو على إقحام المقام)، وهو كقوله:
.... ونفيت عنه
…
مقام الذئب ......
وسبق بيانه في أنه كناية.
خاف قيامي عليه وحفظي لأعماله. والمعنى أنّ ذلك حق للمتقين، كقوله:(وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)[الأعراف: 128].
[(وَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ* مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ* يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ وَيَاتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ)].
(وَاسْتَفْتَحُوا) واستنصروا الله على أعدائهم (إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ)[الأنفال: 19]، أو: استحكموا الله وسألوه القضاء بينهم؛ من الفتاحة وهي الحكومة، كقوله تعالى:(رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ)[الأعراف: 89]، وهو معطوف على (فَأَوْحى إِلَيْهِمْ).
وقرئ: «واستفتحوا» ، بلفظ الأمر،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (والمعنى: أن ذلك حق للمتقين، كقوله: (وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ))، يريد: موقع قوله: (لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ) - الذي هو كناية عن "المتقين" في هذه الآية- بعد قوله: (وَلَنُسْكِنَنَّكُمْ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ) موقع قوله: (وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) في قصة موسى عليه السلام، حيث قال:(قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)[الأعراف: 128]، ولهذا شبه قوله:(وَلَنُسْكِنَنَّكُمْ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ) بقوله: (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا)[الأعراف: 137]، (وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ) [الأحزاب: 27]، وهو في تلك القصة.
قوله: (وقرئ: "واستفتحوا" بلفظ الأمر)، قال ابن جني:"قرأها ابن عباس ومجاهد وابن محيصن".
وعطفه على (لَنُهْلِكَنَّ) أي: أوحى إليهم ربهم وقال لهم لنهلكنّ، وقال لهم: استفتحوا.
(وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ) معناه: فنصروا وظفروا وأفلحوا (وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ)، وهم قومهم. وقيل: واستفتح الكفار على الرسل، ظناً منهم بأنهم على الحق والرسل على الباطل، (وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ) منهم ولم يفلح باستفتاحه.
(مِنْ وَرائِهِ) من بين يديه. قال:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وعطفه على (لَنُهْلِكَنَّ) داخلة في حكم الموحى- أي: الموحى إليه- لبيان الوعد بالإهلاك والأمر بطلب الفتح، ثم قوله:(وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ) على التقديرين: إخبار عن مآل الحال، وهو معطوف على مقدر هو مرتب على الوعد بالاستفتاح، وإليه الإشارة بقوله:"فنصروا وظفروا وأفلحوا وخاب كل جبار عنيد".
فإن قلت: قوله: (وَاسْتَفْتَحُوا) طلب النصرة- سواء كان خبراً أو طلباً- موقعه قبل الوعد بالإهلاك، فما الحكمة في تأخيره؟ قلت: الواو للجمع المطلق، كأنه تعالى أخبر عن وجودهما، وعول الترتيب إلى ذهن السامع.
قوله: (وقيل: واستفتح الكفار)، عطف على " (وَاسْتَفْتَحُوا) واستنصروا"، لا على "استفتحوا؛ بلفظ الأمر"، لأنه لا يدخل تحت الموحى، بل تحت الإخبار، فعلى هذا:(وَخَابَ) عطف على (وَاسْتَفْتَحُوا).
عَسَى الْكَرْبُ الَّذِى أَمْسَيْتَ فِيهِ
…
يَكُونُ وَرَاءَهُ فَرَجٌ قَرِيبُ
وهذا وصف حاله وهو في الدنيا، لأنه مرصد لجهنم، فكأنها بين يديه وهو على شفيرها أو وصف حاله في الآخرة حين يبعث ويوقف.
فإن قلت: علام عطف (وَيُسْقى)؟ قلت: على محذوف تقديره: من ورائه جهنم يلقى فيها ما يلقى ويسقى من ماء صديد، كأنه أشد عذابها،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (عسى الكرب الذي) البيت، صح "أمسيت" على الخطاب، لأن القائل يبشر رجلاً محزوناً بالفرج القريب، وزوال الحزن، ووشك انكشافه، وحذف "أن" من الفعل بعد "عسى"، وهو قليل.
قوله: (مرصد بجهنم)، بفتح الميم وبالباء، وفي نسخة:"مرصد لجهنم" بضم الميم وباللام.
النهاية: "يقال: رصدته؛ إذا قعدت له على طريقه تترقبه، وأرصدت له العقوبة؛ إذا أعددتها له، وحقيقته: جعلتها على طريقه كالمترقبة له".
قوله: (أو وصف حاله في الآخرة حيث يبعث)، عطف على قوله:"من بين يديه"، فسر "الوراء" بكلا معنييه لأنه من الأضداد، قال الجوهري:"وراء: بمعنى: خلف، وقد يكون بمعنى: قدام".
قوله: (من ورائه جهنم يلقى فيها ما يلقى ويسقى من ماء)، قال صاحب "الفرائد":"ويمكن أن يقال: هو عطف على المقدر في قوله: (مِن وَرَائِهِ جَهَنَّمُ)، أي: يحصل له من ورائه جهنم، ويسقى فيها من ماء صديد". وما قدره المصنف أبلغ، والمقام له أدعى،
فخصص بالذكر مع قوله (وَيَاتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ).
فإن قلت: ما وجه قوله تعالى (مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ)؟ قلت: (صديد) عطف بيان لـ (ماء)، قال:(وَيُسْقى مِنْ ماءٍ) فأبهمه إبهاماً ثم بينه بقوله (صَدِيدٍ)، وهو ما يسيل من جلود أهل النار.
(يَتَجَرَّعُهُ) يتكلف جرعه (وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ) دخل "كاد" للمبالغة. يعني: ولا يقارب أن يسيغه، فكيف تكون الإساغة، كقوله (لَمْ يَكَدْ يَراها) [النور: 40]، أي: لم يقرب من رؤيتها فكيف يراها؟ (وَيَاتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ) كأنّ أسباب الموت وأصنافه كلها قد تألبت عليه وأحاطت به من جميع الجهات، تفظيعا لما يصيبه من الآلام.
وقيل: (مِنْ كُلِّ مَكانٍ) من جسده حتى من إبهام رجله. وقيل: من أصل كل شعرة .........
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والعاطف إذا جيء بغير معطوف عليه دل على فخامة الأمر، ومن ثم قدر:"يلقى ما يلقى"، أي: لا يدخل تحت الوصف، والجملة استئنافية.
قوله: (فخصص بالذكر مع قوله: (وَيَاتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ))، وإنما جمعهما ليؤذن بالجمع بين الذوقين؛ ذوق مرارة الصديد، وذوق مرارة الغصص وما الموت دونه؛ تفظيعاً للأمر. فظهر من هذا أن قول المصنف:"تفظيعاً لما يصيبه من الآلام" على لمقدر، أي: إنما خصه بالذكر وجمعه مع قوله: (وَيَاتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ) تفظيعاً لما يصيبه.
قوله: (قد تألبت)، الجوهري:"تألبوا: اجتمعوا، وهم ألب: إذا كانوا مجتمعين".
(وَمِنْ وَرائِهِ) ومن بين يديه (عَذابٌ غَلِيظٌ) أي: في كل وقت يستقبله يتلقى عذاباً أشدّ مما قبله وأغلظ. وعن الفضيل: هو قطع الأنفاس وحبسها في الأجساد.
ويحتمل أن يكون أهل مكة قد استفتحوا - أي: استمطروا، والفتح المطر - في سني القحط التي أرسلت عليهم بدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يسقوا، فذكر سبحانه ذلك، وأنه خيب رجاء كل جبار عنيد وأنه يسقى في جهنم بدل سقياه ماء آخر، وهو صديد أهل النار. و"اسْتَفْتَحُوا" على هذا التفسير: كلامٌ مستأنفٌ منقطعٌ عن حديث الرسل وأممهم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((مِنْ وَرَائِهِ) ومن بين يديه (عَذَابٌ غَلِيظٌ)، أي: في كل وقت يستقبله)، (مِنْ وَرَائِهِ) في الآية الأولى: ظرف مكان؛ يدل عليه قوله: "فكأنها بين يديه وهو على شفيرها"، وفي هذه: ظرف زمان؛ يدل عليه قوله: "في كل وقت"، وإنما فسره بالوقت لإردافه بقوله:(مِن كُلِّ مَكَانٍ) ليشمل الأمكنة والأزمنة.
قوله: (ويحتمل أن يكون أهل مكة)، عطف على قوله:"واستفتح الكفار على الرسل".
قوله: (كلام مستأنف منقطع)، فإن قلت: قد تقرر أن الاستئناف مناف لإدخال العاطف، فما هذه الواو إذن؟ قلت: قد ذكر أن الجملة منقطعة عن حديث الرسل وأممهم، ولم يذكر أنها منقطعة على الإطلاق، لأنها متصلة بقوله في مفتتح السورة:(وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ* الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً)[إبراهيم: 2 - 3]، والمراد منهم أهل مكة، ووسطت قصص الأنبياء بين الكلامين؛ ليذكرهم بأيام الله، فيعتبروا بعاقبة الذين من قبلهم وكانوا أشد منهم قوة وأكثر أموالاً، ولإرشاد الرسول صلى الله عليه وسلم وتسليته ليهتدي بهديهم، ويقتفي آثارهم في الصبر على أذى القوم، والتشمر في الدعوة إلى الدين الحق.
ألا ترى كيف طابق بين الإرشادين- أعني: قوله: (لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى
[(مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ)].
هو مبتدأ محذوف الخبر عند سيبويه، تقديره: وفيما يقص عليك (مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ) و"المثل" مستعار للصفة التي فيها غرابة وقوله (أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ) جملةٌ مستأنفةٌ على تقدير سؤال سائل يقول: كيف مثلهم؟ فقيل: (أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ). ويجوز أن يكون المعنى: مثل أعمال الذين كفروا بربهم. أو هذه الجملة خبرا للمبتدأ؛ .........
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
النُّورِ) [إبراهيم: 1] في خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم، وقوله:(أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ)[إبراهيم: 5] من خطاب موسى عليه السالم، ووافق بين التذكيرين، أعني: تذكير هذه الأمة بالأنبياء والأمم، وتذكير أمة موسى عليه السلام بقوله:(وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ)[إبراهيم: 5].
وإنما أخر المصنف هذا الوجه، وفصل بينه وبين الوجوه السابقة، وأطال الكلام بينها، لأنه- بالنظر إلى الظاهر- بعيد التعلق، وعليه النظم المعجز كما ترى.
وأما إيراده في هذا المقام فعلى سبيل الاستطراد، فإنه تعالى لما ذكر خيبة الجبارين الذين تجبروا على الرسل، فإنهم لما قالوا:(لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا)[إبراهيم: 13] خيبهم بقوله: (لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ* وَلَنُسْكِنَنَّكُمْ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ)[إبراهيم: 13 - 14]، كما استفتح أهل مكة بالمطر، وخيبهم بالسقي من الماء الصديد.
والمراد بـ "سني القحط": ما أكلوا فيها الجيف والعلهز، وهي الدخان في قوله:(فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَاتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ* يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَليمٌ)[الدخان: 10 - 11].
قوله: (أو: هذه الجملة خبر للمبتدأ)، عطف على قوله:"ويجوز أن يكون المعنى"، يعني: قوله: (مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ) مبتدأ، والخبر:(أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ) على تقدير
أي: صفة الذين كفروا أعمالهم كرماد، كقولك صفة زيد عرضه مصون وماله مبذول، أو يكون (أعمالهم) بدلاً من (مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا) على تقدير: مثل أعمالهم، و (كرماد): الخبر.
وقرئ: (الرياح فِي يَوْمٍ عاصِفٍ) جعل العصف لليوم، وهو لما فيه، وهو الريح أو الرياح، كقولك: يوم ماطر وليلة ساكرة. وإنما السكور لريحها وقرئ: في يوم عاصف، بالإضافة. وأعمال الكفرة المكارم التي كانت لهم، من صلة الأرحام وعتق الرقاب، وفداء الأسارى، وعقر الإبل للأضياف، وإغاثة الملهوفين، والإجازة، وغير ذلك من صنائعهم، شبهها في حبوطها وذهابها هباء منثورا لبنائها على غير أساس من معرفة الله والإيمان به، وكونها لوجهه: برماد طيرته الريح العاصف.
(لا يَقْدِرُونَ) يوم القيامة (مِمَّا كَسَبُوا) من أعمالهم (عَلى شَيْءٍ) أي: لا يرون له أثراً من ثوابٍ، كما لا يقدر من الرماد المطير في الريح على شيء،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حذف مضاف؛ ليستقيم إيقاع (أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ) خبراً عنه، أو تكون هذه الجملة- أي:(أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ) - خبراً على التأويل المذكور، ولا تقدر شيئاً، لأنه حينئذ من التركيب السببي.
قوله: (أو يكون (أَعْمَالُهُمْ) بدلاً من (مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا)؛ على تقدير: مثل أعمالهم، و (كَرَمَادٍ): الخبر)، قال أبو البقاء:"وهو بدل اشتمال".
قوله: (وليلة ساكرة)، أي: ساكنة، عن الجوهري.
قوله: (الملهوفين)، الجوهري:"لهف- بالكسر- يلهف لهفاً؛ أي: حزن وتحسر، والملهوف: المظلوم يستغيث".
(ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ) إشارة إلى بعد ضلالهم عن طريق الحق أو عن الثواب.
(بِالْحَقِّ): بالحكمة والغرض الصحيح والأمر العظيم، ولم يخلقها عبثاً ولا شهوة.
[(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَا يُذْهِبْكُمْ وَيَاتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ* وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ)].
وقرئ: "خالق السموات والأرض"(إِنْ يَشَا يُذْهِبْكُمْ) أي: هو قادرٌ على أن يعدم الناس ويخلق مكانهم خلقا آخر على شكلهم أو على خلاف شكلهم، إعلاما منه باقتداره على إعدام الموجود وإيجاد المعدوم،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (إشارة إلى بعد ضلالهم عن طريق الحق)، أي: هذا الكلام إشارة إلى أن ضلالهم قد بعد عن الطريق القويم، والمراد أنهم قد بعدوا؛ على الإسناد المجازي أو الاستعارة المكنية كما سبق قبل هذا، وفيه من المبالغات ما بلغت غايتها، وذلك من إيقاع اسم الإشارة مبتدأ، وتعريف الخبر، ووصفه بالبعد، وتوسيط ضمير الفصل.
قوله: ((بِالْحَقِّ) بالحكمة والغرض الصحيح)، الانتصاف:"هذا اعتزال خفي، سبقت أمثاله، ثم قال: (وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ) لأنه قادر بالذات، لا اختصاص له بمقدور دون مقدور، فإذا خلص له الداعي وانتفى الصارف يكون من غير توقف، وصرح بما كان خفياً، وما أقبح قوله عن الله تعالى: خلص له الداعي وانتفى الصارف".
قوله: (وقرئ: "خالق السماوات")، حمزة والكسائي.
يقدر على الشيء وجنس ضده. (وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ) بمتعذرٍ، بل هو هين عليه يسير، لأنه قادر الذات لا اختصاص له بمقدور دون مقدور، فإذا خلص له الداعي إلى شيءٍ وانتفى الصارف تكوّن من غير توقف، كتحريك أصبعك إذا دعاك إليه داعٍ ولم يعترض دونه صارف.
وهذه الآيات بيانٌ لإبعادهم في الضلال وعظيم خطئهم في الكفر بالله، لوضوح آياته الشاهدة له الدالة على قدرته الباهرة وحكمته البالغة وأنه هو الحقيق بأن يعبد، ويخاف عقابه ويرجى ثوابه في دار الجزاء.
[(وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قالُوا لَوْ هَدانَا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ)].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وجنس ضده)، مبالغة في الاقتدار، يعني: أنه ليس بقادر على الضد فقط، بل هو قادر على الضد وأمثاله، كالتباين والتماثل والتقابل والنظير والند وغيرها.
الجوهري: "يقال: لا ضد له ولا ند؛ أي: لا نظير له"، وقال المصنف:"معنى قولهم: ليس لله ند ولا ضد: نفي ما يسد مسده، ونفي ما ينافيه"، وفيه إدماج لإبطال قول الثنوية.
(وَبَرَزُوا لِلَّهِ) ويبرزون يوم القيامة. وإنما جيء به بلفظ الماضي، لأنّ ما أخبر به عزّ وعلا لصدقه كأنه قد كان ووجد، ونحوه:(وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ)[الأعراف: 44]، (وَنادى أَصْحابُ النَّارِ) [الأعراف: 50]، ونظائر له. ومعنى بروزهم لله- والله تعالى لا يتوارى عنه شيء حتى يبرز له-: أنهم كانوا يستترون من العيون عند ارتكاب الفواحش، ويظنون أن ذلك خاف على الله، فإذا كان يوم القيامة انكشفوا لله عند أنفسهم وعلموا أنّ الله لا يخفى عليه خافية. أو خرجوا من قبورهم فبرزوا لحساب الله وحكمه.
فإن قلت: لم كتب (الضعفؤا) بواو قبل الهمزة؟ قلت: كتب على لفظ من يفخم الألف قبل الهمزة فيميلها إلى الواو. ونظيره (علمؤا بني إسرائيل)[الشعراء: 197].
و(الضعفؤا): الأتباع والعوام، و (للذين استكبروا): ساداتهم وكبراؤهم، الذين استتبعوهم واستغووهم وصدورهم عن الاستماع إلى الأنبياء وأتباعهم (تَبَعاً) تابعين: جمع تابع على تبع، كقولهم: خادم وخدم وغائب وغيب أو ذوي تبع. والتبع: الأتباع، يقال: تبعه تبعاً.
فإن قلت: أي: فرقٍ بين "من" في (مِنْ عَذابِ اللَّهِ) وبينه في (مِنْ شَيْءٍ)؟ قلت: الأولى للتبيين، والثانية للتبعيض، كأنه قيل: هل أنتم مغنون عنا بعض الشيء الذي هو عذاب الله. ويجوز أن تكونا للتبعيض معاً، بمعنى: هل أنتم مغنون عنا بعض شيء هو بعض عذاب الله، أى: بعض بعض عذاب الله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (بعض الشيء الذي هو عذاب الله)، فإن قلت: كيف طابق هذا التقدير قوله: "من: الأولى للتبيين، والثانية: للتبعيض"؟ قلت: من حيث إن (مِن شَيْءٍ) حينئذ مفعول (مُغْنُونَ)، والتنكير للتقليل، و (مِنْ عَذَابِ اللهِ) حال منه قدمت؛ لأن ذا الحال نكرة، والحال وصاحبها في الحقيقة صفة وموصوف.
قوله: (بعض شيء هو بعض عذاب الله)، فعلى هذا:(مِن شَيْءٍ) بدل (مِنْ عَذَابِ اللهِ)،
فإن قلت: فما معنى قوله (لَوْ هَدانَا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ)؟ قلت الذي قال لهم الضعفاء كان توبيخاً لهم وعتابا على استتباعهم واستغوائهم. وقولهم (فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا) من باب التبكيت، لأنهم قد علموا أنهم لا يقدرون على الإغناء عنهم، فأجابوهم معتذرين عما كان منهم إليهم: بأن الله لو هداهم إلى الإيمان لهدوهم ولم يضلوهم، إما موركين الذنب في ضلالهم وإضلالهم على الله، كما حكى الله عنهم وقالوا:(لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا)[الأنعام: 148]، (لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ) [النحل: 35] يقولون ذلك في الآخرة كما كانوا يقولونه في الدنيا. ويدل عليه قوله حكاية عن المنافقين (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ)[المجادلة: 18]. وإما أن يكون المعنى: لو كنا من أهل اللطف فلطف بنا ربنا واهتدينا لهديناكم إلى الإيمان. وقيل: معناه لو هدانا الله طريق النجاة من العذاب لهديناكم، أى: لأغنينا عنكم وسلكنا بكم طريق النجاة كما سلكنا بكم طريق الهلكة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
على أن لا يكون المبدل مطرحاً، والبدل لما كان كالبيان للمبدل قال:"هو بعض عذاب الله" فيرجع حاصل المعنى إلى قوله: "مغنون عنا بعضَ بعضِ عذاب الله".
قوله: (الذي قال لهم الضعفاء كان توبيخاً لهم)، أي: قولهم: (إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً) توبيخ، لأنهم أخبروهم بما لم يخف عليهم، فأفاد الإخبار في ذلك المقام التقريع والتوبيخ، فهو من لازم فائدة الخبر على المجاز.
قوله: (إما موركين الذنب)، الجوهري:"وورك فلان ذنبه على غيره؛ أي: قرفه [به] "، ولفظة "إما" تستدعي قرينتها؛ لأنها تفصيلية، وقرينتها ما يدل عليه قوله:"ويجوز أن يكون المعنى"، فالتقدير: لو كنا من أهل اللطف فلطف بنا ربنا واهتدينا لهديناكم، قالوه إما موركين الذنب، وإما معلقين فقدان هدايتهم على فقدان اللطف.
(سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا) مستويان علينا الجزع والصبر. والهمزة و"أم" للتسوية. ونحوه: (فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ)[الطور: 16]. وروي أنهم يقولون: تعالوا نجزع، فيجزعون خمسمائة عام فلا ينفعهم، فيقولون: تعالوا نصبر، فيصبرون كذلك ثم يقولون:(سواء علينا).
فإن قلت: كيف اتصل قوله (سواء علينا) بما قبله؟ قلت: اتصاله به من حيث أنّ عتابهم لهم كان جزعا مما هم فيه، فقالوا:(سواء علينا أجزعنا أم صبرنا)، يريدون أنفسهم وإياهم، لاجتماعهم في عقاب الضلالة التي كانوا مجتمعين فيها، يقولون: ما هذا الجزع والتوبيخ، ولا فائدة في الجزع كما لا فائدة في الصبر والأمر من ذلك أطمّ ......
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (مستويان علينا الجزع والصبر)، الراغب:"الجزع أبلغ من الحزن، فإن الجزع حزن يصرف الإنسان عما هو بصدده ويقطعه، وأصله: قطع الحبل من نصفه، يقال: جزعته فانجزع، ولتصور الانقطاع قيل: جزع الوادي؛ لمنعطفه، ولانقطاع اللون بتغيره قيل للخرز الملون: جزع".
قوله: (كيف اتصل قوله: (سَوَاءٌ عَلَيْنَا) بما قبله؟ )، يعني: كان من الظاهر أن يقولوا: سواء عليكم أجزعتم أم صبرتم، لأنه جواب عن قولهم:(فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ)، وهو إظهار الجزع مما كانوا فيه؟ وأجاب: أنهم إنما شركوا أنفسهم معهم لاجتماعهم في عقاب الضلالة.
وقلت: وفيه أنا كيف نغني عنكم ذلك ونحن معكم فيه سواء، ولو قيل على ما يقتضيه الظاهر لم يفده، وهو من باب الإيجاز.
قوله: (أطم)، النهاية: "طم الشيء: إذا عظم، وطم الماء: إذا كثر، وهو طام، ومنه
أو: لما قالوا (لو هدانا الله) طريق النجاة لأغنينا عنكم وأنجيناكم، أتبعوه الإقناط من النجاة فقالوا (ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ) أي: منجى ومهرب، جزعنا أم صبرنا.
ويجوز أن يكون من كلام الضعفاء والمستكبرين جميعاً، كأنه قيل: قالوا جميعاً (سواء علينا)، كقوله:(ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بالغيب)[يوسف: 52]. و"المحيص" يكون مصدراً كالمغيب والمشيب. ومكاناً كالمبيت والمصيف. ويقال: حاص عنه وجاض، بمعنى واحد.
[(وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ)].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حديث أبي بكر رضي الله عنه: "ما من طامة إلا وفوقها طامة"، أي: ما من عظيم إلا وفوقه ما هو أعظم منه".
قوله: (كقوله: (ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ))، قال صاحب "التقريب": وفيه نظر؛ إذ الاحتمالان هناك على البدل، وها هنا على الجمع، إلا أن يريد بالتشبيه أنه من كلام الفريقين مع وروده ظاهراً عقيب قول المستكبرين، كما أن قوله:(ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ)[يوسف: 52] ورد عقيب قول المرأة، مع أنه قيل: إنه من كلام يوسف عليه السلام.
وقلت: وجه التشبيه هو أن هذا الكلام يحتمل أن يكون مقولاً للمستكبرين وحدهم، وأن يكون مقولاً للضعفاء والمستكبرين جميعاً، كما أن ذلك الكلام يحتمل أن يكون مقولاً
{لما قضي الأمر} لما قطع الأمر وفرغ منه، وهو الحساب، وتصادُر الفريقين ودخول أحدهما الجنة ودخول الآخر النار. وروي: أن الشيطان يقوم عند ذلك خطيبا في الأشقياء من الجن والإنس فيقول ذلك: {إن الله وعدكم وعد الحق} وهو البعث والجزاء على الأعمال، فوفى لكم بما وعدكم، {ووعدتكم} خلاف ذلك، {فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان} من تسلط وقهر فأقسركم على الكفر والمعاصي وألجئكم إليها، {إلا أن دعوتكم} إلا دعائي إياكم إلى الضلالة بوسوستي وتزييني، وليس الدعاء من جنس السلطان، ولكنه كقلك: ما تحيتهم إلا الضرب.
{فلا تلوموني ولوموا أنفسكم} حيث اغتررتم بي وأطعتموني إذ دعوتكم، ولم تطيعوا ربكم إذ دعاكم، وهذا دليل على أن الإنسان هو الذي يختار الشقاوة أو السعادة ويحصلها لنفسه، وليس من الله إلا التمكين، ولا من الشيطان إلا التزيين.
ولو كان الأمر كما تزعم المجبرة لقال: فلا تلوموني ولا أنفسكم، فإن الله قضى عليكم الكفر وأجبركم عليه.
فإن قلت: قول الشيطان باطل لا يصح التعلق به؟ قلت: لو كان هذا القول منه
…
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليوسف عليه السلام، وأن يكون مقولاً لها، وهذا القدر كاف في صحة التشبيه.
قوله: (ما تحيتهم إلا الضرب)، جعل "التحية" نوعين: متعارف؛ وهي ما يقال عند الملتقى، وغير متعارف؛ وهي الضرب على التهكمية والادعاء، فأخرج بالاستثناء أحد النوعين.
قوله: (ولو كان الأمر كما تزعم المجبرة لقال: فلا تلوموني ولا أنفسكم، فإن الله قضى عليكم الكفر)، وقلت: غاية هذا الاستدلال أن الشيطان أضاف اللوم إلى أنفسهم، ونحن نقول بموجبه، لأن العتاب والعقاب متوجهان إلى المكلف بسبب كسبه ومباشرته، لأنه في الظاهر كالمختار، ولأن قول الشيطان معطوف على قول الضعفاء، وكلتا القضيتين حكاية لقول الفريقين، ومخاصمة جرت بين الحزبين، وهما تفصيلان لما أجمل في قوله:(وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً)، وذكر في الآية الأولى احتجاج المستكبرين على المستضعفين، وهو قولهم: (لَوْ هَدَانَا اللَّهُ
باطلاً لبين الله بطلانه وأظهر إنكاره، على أنه لا طائل له في النطق بالباطل في ذلك المقام: ألا ترى إلى قوله (إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ) كيف أتى فيه بالحق والصدق، وفي قوله (وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ) وهو مثل قول الله تعالى:(إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ)[الحجر: 42]، (ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ) لا ينجي بعضنا بعضاً من عذاب الله ولا يغيثه. والإصراخ: الإغاثة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لَهَدَيْنَاكُمْ)، فكما دل قول الشيطان على ظاهر مذهبكم، دل قول المستكبرين على خلافه.
ولعمري إنه تفسير بالرأي، وذلك أنه حين سمع أن قول المستكبرين مخالف لمذهبه قال:"إما موركين الذنب وإما معتذرين بعدم اللطف"، وحين رأي الشيطان يقول بما يوافق مذهبه شنع على أهل السنة.
ثم إني بعد برهة من الزمان وقفت على كلام من جانب صاحب "الانتصاف"، وهو قوله:"حمل كلام الكفار في الأول على الإبطال؛ إذ لا يوافق مذهبه، واستشهد على أن الذنب غير ممتنع بقوله: (فَيَحْلِفُونَ لَهُ)، ولما وافق قول الشيطان معتقده صوبه اتباعاً لهواه، ونحن نعتقد أن الملامة إنما تتوجه على المكلف، وتعالى الله عن توجه تلك إليه، ولله الحجة البالغة، لأن الله تعالى خلق للعبد اختياراً يجده من نفسه في الأفعال الإرادية ضرورة، وبذلك قامت الحجة عليه، وإن سلبنا تأثير قدرة الخلق، لأن الله تعالى قدرته سارية في الفعل، فلا تناقض لأن توجه اللوم إلى المكلفين"، فعلمت توارد الخواطر.
وقرئ: "بمصرخي" بكسر الياء، وهي ضعيفة، واستشهدوا لها ببيت مجهول:
قَالَ لَهَا هَلْ لَكِ يَا تَافِىِّ
…
قَالَتْ لَهُ مَا أنْتَ بِالمَرْضِى
وكأنه قدّر ياء الإضافة ساكنة وقبلها ياء ساكنة، فحرّكها بالكسر لما عليه أصل التقاء الساكنين، ولكنه غير صحيح، لأنَّ ياء الإضافة لا تكون إلا مفتوحة، حيث قبلها ألف في نحو "عصاي"، فما بالها وقبلها ياء؟
فإن قلت: جرت الياء الأولى مجرى الحرف الصحيح لأجل الإدغام، فكأنها ياء وقعت ساكنة بعد حرف صحيح ساكن، فحرّكت بالكسر على الأصل
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (قال لها: هل لك يا تا في)، "تا": إشارة إلى المرأة، أي: هل لك رغبة في يا هذه.
نقل الإمام عن الواحدي "أنها قراءة الأعمش ويحيى بن وثاب، قال الفراء: ولعل أنهم توهموا أن الباء في "بمصرخي" خافضة لجملة هذه الكلمة، كما توهموا في قوله: (نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ) [النساء: 115] بجزم الهاء، وظنوا أن الجزم في الهاء، وليس كذلك، لأن ياء المتكلم والهاء خارجتان من نفس الكلمة".
قلت: هذا قياس حسن، ولكن الاستعمال المستفيض الذي هو بمنزلة الخبر المتواتر تتضاءل إليه القياسات
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ولكن الاستعمال المستفيض)، أي: فتح الياء، فالياء الأولى: ياء الجمع، والثانية: ضمير المتكلم، وفتحت لئلا تجتمع الكسرتان والياءان.
قال الزجاج: "قرأ حمزة والأعمش: "بمصرخي" بكسر الياء، وهي عند جميع النحويين مرذولة، وأجازها الفراء، لأن أصل التقاء الساكنين الكسر، وأنشد:
قال لها: هل لك يا تا في".
قال الزجاج: "هذا الشعر مما لا يلتفت إليه، وقائله ممن لا يعرف، فلا يحتج به في كتاب الله".
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ونقل أبو علي في "الحجة" عن الفراء: "زعم القاسم بن معن أنه صواب، وكان ثقة بصيراً، وزعم قطرب أنه لغة بني يربوع؛ يزيدون على ياء الإضافة ياء"، وأنشد البيت، ووجهه في القياس:"أن الياء لا تخلو من أن تكون في موضع نصب أو جر، فالياء في النصب والجر كالهاء فيهما، وكالكاف في "أكرمتك"، فكما أن الهاء قد لحقها الزيادة في "هذا لهو"، والكاف في "أعطيتكاه" و"أعطيتكيه"، فيما حكاه سيبويه، وهما أختا الياء، فكذلك ألحقوا الياء [الزيادة من المد، فقالوا: فيي، ثم حذفت الياء] الزائدة، كما حذفت الزيادة من الهاء في قول من قال:
له أرقان
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
- والأرقان: لغة في اليرقان-، وزعم أبو الحسن: أنها لغة، وحذفت الزيادة من الكاف في قول من قال:"أعطيتكه" و"أعطيتكه"، وكذلك حذفوا الياء اللاحقة للياء، وأقرت الكسرة التي كانت على الياء المحذوفة، فبقيت الياء على ما كانت عليه من الكسرة، وكما لحقت الكاف والهاء والتاء الزيادة، فكذلك لحق الياء الزيادة بإلحاق الياء، نحو ما أنشد من قول الشاعر:
رميتيه فأصميت
…
وما أخطأت الرميه
«ما» في (بِما) مصدرية، و (مِن قَبلُ) متعلقة بـ (أَشْرَكْتُمُونِ)، يعني: كفرت اليوم بإشراككم إياي: من قبل هذا اليوم، أي: في الدنيا، كقوله تعالى (وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ) [فاطر: 14]، ومعنى كفره بإشراكهم إياه: تبرؤه منه واستنكاره له، كقوله تعالى (إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنا بِكُمْ) [الممتحنة: 4]، وقيل:(مِنْ قَبْلُ) يتعلق بـ (كفرت)، و"ما" موصولة، أي: كفرت من قبل حين أبيت السجود لآدم بالذي أَشركتمونيه وهو الله عز وجل. تقول: شركت زيداً، فإذا نقلت بالهمزة قلت: أَشركنيه فلان، أي: جعلني له شريكاً.
ونحو «ما» هذه: «ما» في قولهم: سبحان ما سخركنّ لنا.
ومعنى إشراكهم الشيطان بالله: طاعتهم له فيما كان يزينه لهم من عبادة الأوثان وغيرها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وإذا كانت الكسرة في الياء على هذه اللغة، وإن كان غيرها أفشى منها، وعضده القياس كما ذكرنا، لم يجز لقائل أن يقول: إن القراءة بذلك لحن؛ لاستفاضة ذلك في السماع والقياس، وما كان كذلك لا يكون لحناً"، تم كلامه.
قوله: (ونحو "ما" هذه "ما" في قولهم: سبحان ما سخركن لنا)، يريد: أن "ما" على أن تكون موصولة يراد بها الله عز وجل، و"ما" لا تستعمل في ذوي العلم إلا باعتبار الوصفية
وهذا آخر قوله إبليس. وقوله (إِنَّ الظَّالِمِينَ) قول الله عز وجل، ويحتمل أن يكون من جملة قول إبليس، وإنما حكى الله عزّ وعلا ما سيقوله في ذلك الوقت، ليكون لطفاً للسامعين في النظر لعاقبتهم والاستعداد لما لا بدّ لهم من الوصول إليه، وأن يتصوّروا في أنفسهم ذلك المقام الذي يقول الشيطان فيه ما يقول، فيخافوا ويعملوا ما يخلصهم منه وينجيهم.
وقرئ: "فلا يلوموني" بالياء؛ على طريقة الالتفات، كقوله تعالى:(حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ)[يونس: 22].
[(وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ)].
وقرأ الحسن وعمرو بن عبيد: "وأُدخل الذين آمنوا" على فعل المتكلم، بمعنى: وأدخل أنا وهذا دليل على أنه من قول الله، لا من قوله إبليس (بِإِذْنِ رَبِّهِمْ) متعلق بـ"أدخل" أي: أدخلتهم الملائكة الجنة بإذن الله وأمره.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فيه وتعظيم شأنه، كقولهم: سبحان ما سخركن لنا، أي: سبحان العظيم الشأن الذي سخر أمثالكن لنا.
قوله: (ويحتمل أن يكون من جملة قول إبليس)، فإذا كان من قول الله تعالى كان استئنافاً فيه معنى التعجب، كأنه قيل: ما أشد عذاب الظالمين، كما قال المصنف في قوله تعالى:(وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ سَاعَةً مِنْ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ)[يونس: 45]: "فيه معنى التعجب، كأنه قيل: ما أخسرهم".
وإذا كان من قول الشيطان كان نداء منه على الإقناط والإياس.
فإن قلت: فبم يتعلق في القراءة الأخرى، وقولك: وأدخلهم أنا بإذن ربهم، كلام غير ملتئم؟ قلت: الوجه في هذه القراءة أن يتعلق قوله: (بِإِذْنِ رَبِّهِمْ) بما بعده، أي:(تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ) بإذن ربهم، يعني: أن الملائكة يحيونهم بإذن ربهم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فبم يتعلق في القراءة الأخرى)، أي: قراءة المتكلم؛ لأنه غير ملتئم ظاهراً، قال ابن جني:"قوله: "وأدخل الذين آمنوا" على فعل المتكلم؛ قطع للكلام واستئناف، فقال الله تعالى: "وأدخل الذين آمنوا"، أي: أنا أدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار بإذن ربهم، أي: بإذني، إلا أنه أعاد ذكر "الرب" ليضيفه إليهم، فتقوى الملابسة باللفظ، فيكون أحنى عليهم وأذهب في الإكرام والتقريب منه، ومثله قوله تعالى: (رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) [طه: 50]، وقال: (إِنَّ وَلِيِّي اللَّهُ) [الأعراف: 96]، هذا كله تقرب منه وانتساب".
وقال في "الانتصاف": "لم لا يجعله الزمخشري من الالتفات، لأنه انتقل من التكلم إلى الغيبة، كقوله تعالى: (طه* مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى) [طه: 1 - 2]، ثم قال: (تَنزِيلاً مِمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ) [طه: 4]؟ ".
قال صاحب "الانتصاف": "لأن ظاهر "أدخل" أنه لم يكن بواسطة، بل من الله مباشرة، وظاهر الإذن يشعر بإضافة الدخول إلى الواسطة، وبينهما تنافر، والأحسن أن يتعلق بـ (خَالِدِينَ)، لأن الخلود غير الدخول، فلا تنافر".
وقلت: القول ما قاله ابن جني، لأنه من باب التجريد، يعني: أنا أدخل بتيسير
[(أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ* تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ)].
قرئ: "أَلَمْ تَرَ" ساكنة الراء، كما قرئ:"من يتق"، وفيه ضعف.
(ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا) اعتمد مثلاً ووضعه، و (كَلِمَةً طَيِّبَةً) نصب بمضمر، أي: جعل كلمة طيبة (كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ) وهو
تفسيرٌ لقوله (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا) كقولك: شرّف الأمير زيداً؛ كساه حُلة، وحمله على فرس. ويجوز أن ينتصب (مَثَلًا) و (كَلِمَةً) بـ (ضرب)، أي: ضرب كلمة طيبةً مثلاً، بمعنى: جعلها مثلاً ثم قال: (كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ) على أنها خبر مبتدأ محذوف، بمعنى هي كشجرة طيبة (أَصْلُها ثابِتٌ) يعني في الأرض ضارب بعروقه فيها (وَفَرْعُها) وأعلاها ورأسها (فِي السَّماءِ) ويجوز أن يريد: وفروعها، على الاكتفاء بلفظ الجنس.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من رحمهم ولطف بهم وأكرمهم بأن هداهم إلى الإيمان والعمل الصالح، كما قال تعالى:(وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ)[فصلت: 19] على قراءة النون، وقال صلوات الله عليه:(أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ) ثم قال: (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ)[الأعراف: 158].
قوله: (اعتمد مثلاً)، أي: جعله ما يعتمد عليه، الجوهري:"العمدة: ما يعتمد عليه، واعتمدت على الشيء: اتكأت علي".
قوله: (ويجوز أن يريد: وفروعها)، عطف على " (وَفَرْعُهَا) "، والفرع: إما أن يحمل
وقرأ أنس بن مالك: "كشجرة طيبة ثابت أصلها".
فإن قلت: أي: فرق بين القراءتين؟ قلت: قراءة الجماعة أقوى معنى، لأنّ في قراءة أنس أجريت الصفة على الشجرة، وإذا قلت: مررت برجل أبوه قائم، فهو أقوى معنى من قولك: مررت برجل قائم أبوه، لأنّ المخبر عنه إنما هو الأب لا رجل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
على أعلى الشجرة أو على أغصانها؛ بأن يكتفى باسم الجنس عن الجمع.
الجوهري: "فرع كل شيء: أعلاه، وتفرعت أغصان الشجرة: كبرت".
قوله: (قراءة الجماعة أقوى معنى)، قال ابن جني:"لأنك إذا قلت: "ثابت أصلها" فقد أجريت الصفة على "شجرة"، وليس الثبات لها، إنما هو للأصل، ولعمري إن الصفة إذا كانت في المعنى لما هو من سبب الموصوف جرت عليه، وإذا كانت له كانت أخص لفظاً به، وإذا كانت الثبات في الحقيقة إنما هو للأصل، فالمعتمد بالثبات هو الأصل، فالأحسن تقديم الأصل عناية به، ومن ثم قالوا: "زيداً ضربته"، فقدموا المفعول، لأن الغرض ها هنا ليس ذكر الفاعل، وإنما هو ذكر المفعول، فقدم عناية بذكره، ثم لم يقنع بذلك حتى أزالوه عن لفظ الفضلة، وجعلوه رب الجملة لفظاً، فرفعوه بالابتداء، وصار قوله: "ضربته" ذيلاً له وفضلة ملتحقة به، فكذلك قولك: "مررت برجل أبوه قائم" أقوى معنى من قولك: "قائم أبوه"؛ لأن المخبر عنه بالقيام إنما هو "الأب" لا "رجل".
ومن هنا ذهب أبو الحسن في نحو قولنا: "قام زيد" إلى أن "قام" في موضع رفع، لأنه وقع موقع الاسم، لأن تقدير المحدث عنه أسبق رتبة من الحديث.
إلا أن لقراءة أنس وجهاً حسناً، وهو أن قوله:"ثابت أصلها" صفة لـ "شجرة"، وأصل الصفة أن تكون اسماً مفرداً، لأن الجملة إذا وقعت صفة حكم على موضعها بإعراب المفرد، فإذا قال:"ثابت أصلها" فقد جرت الصفة على أصلها، وإذا قال:(أَصْلُهَا ثَابِتٌ)
والكلمة الطيبة: كلمة التوحيد. وقيل: كل كلمةٍ حسنة كالتسبيحة والتحميدة والاستغفار والتوبة والدعوة. وعن ابن عباس: شهادة أن لا إله إلا الله.
وأما الشجرة فكل شجرة مثمرة طيبة الثمار، كالنخلة وشجرة التين والعنب والرمّان وغير ذلك. وعن ابن عمر: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم: «إن الله ضرب مثل المؤمن شجرة فأخبروني ما هي؟ » فوقع الناس في شجر البوادي، وكنت صبياً، فوقع في قلبي أنها النخلة، فهبت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقولها وأنا أصغر القوم. وروي: فمنعني مكان عمرو استحييت، فقال لي عمر: يا بنيّ لو كنت قلتها لكانت أحبّ إلىّ من حمر النعم، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ألا إنها النخلة» وعن ابن عباس رضي الله عنهما: شجرة في الجنة.
وقوله (فِي السَّماءِ) معناه: في جهة العلوّ والصعود، ولم يرد المظلة، كقولك في الجبل: طويل في السماء تريد ارتفاعه وشموخه (تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ) تعطي ثمرها كل وقت وقته الله لإثمارها (بِإِذْنِ رَبِّها) بتيسير خالقها وتكوينه (لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) لأن في ضرب الأمثال زيادة إفهام وتذكير وتصوير للمعاني.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فقد وضعت موضع المفرد، فالموضع إذن له لا لها، فقوله:"ثابت أصلها" لا يبلغ صورة الجملة، لأن "ثابتاً" جار في اللفظ على ما قبله، وإنما فيه أنه وضع "أصلها" موضع الضمير الخاص لتضمنه إياه، وليس كذلك (أَصْلُهَا ثَابِتٌ)، لأنه جملة قطعاً.
قوله: (وعن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم) الحديث، وفي أكثر النسخ:"عن ابن عباس"، والرواية الصحيحة عن البخاري ومسلم والترمذي والدارمي عن ابن عمر قال: "كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أخبروني بشجرة شبه- أو كالرجل- المسلم
[(وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ)].
(كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ) كمثل شجرة خبيثة، أي: صفتها كصفتها. وقرئ: ومثل كلمة بالنصب، عطفاً على كلمة (طيبة). والكلمة الخبيثة: كلمة الشرك. وقيل: كل كلمة قبيحة.
وأمّا الشجرة الخبيثة: فكل شجرةٍ لا يطيب ثمرها كشجرة الحنظل والكشوث ونحو ذلك. وقوله (اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ): في مقابلة قوله (أَصْلُها ثابِتٌ)[إبراهيم: 24]، ومعنى (اجْتُثَّتْ): استؤصلت، وحقيقة الاجتثاث أخذ الجثة كلها (ما لَها مِنْ قَرارٍ) أي: استقرار. يقال: قرّ الشيء قراراً، كقولك: ثبت ثباتاً، شبه بها القول الذي لم يعضد بحجة، فهو داحض غير ثابت،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لا يتحات ورقها، ولا ولا ولا، تؤتي أكلها كل حين؟ قال ابن عمر: فوقع في نفسي أنها النخلة، ورأيت أبا بكر وعمر لا يتكلمان، فكرهت أني أتكلم، فلما لم يقولوا شيئاً قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هي النخلة، فلما قمنا قلت لعمر: يا أبتاه، والله لقد كان وقع في نفسي أنها النخل. فقال: ما منعك أن تتكلم؟ فقلت: ما رأيتكم تكلمون، فكرهت أن أتكلم أو أقول شيئاً. فقال عمر: لأن تكون قلتها أحب إلي من كذا وكذا".
قوله: (والكشوث)، بالثاء المثلثة، الجوهري:"الكشوث: نبت يتعلق بأغصان الشجر من غير أن يضرب بعرق في الأرض".
قوله: (وحقيقة الاجتثاث: أخذ الجثة كلها)، الراغب:"جثة الشيء: شخصه الناتئ، والجث: ما ارتفع من الأرض، كالأكمه والجثيثة سميت [به] لما بانت جثته بعد طحنه".
والذي لا يبقى إما يضمحل عن قريب لبطلانه، من قولهم: الباطل لجلج. وعن قتادة أنه قيل لبعض العلماء: ما تقول في "كلمة خبيثة"؟ فقال: ما أعلم لها في الأرض مستقراً، ولا في السماء مصعداً، إلا أن تلزم عنق صاحبها حتى يوافى بها القيامة.
[(يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ)].
(بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ) الذي ثبت بالحجة والبرهان في قلب صاحبه وتمكن فيه، فاعتقده واطمأنت إليه نفسه. وتثبيتهم به في الدنيا: أنهم إذا فتنوا في دينهم لم يزلوا، كما ثبت الذين فتنهم أصحاب الأخدود، والذين نشروا بالمناشير ومشطت لحومهم بأمشاط الحديد، وكما ثبت جرجيس وشمسون وغيرهما
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (الباطل لجلج)، الجوهري:"اللجلجة والتلجلج: التردد في الكلام، ويقال: الحق أبلج والباطل لجلج؛ أي: يتردد من غير أن ينفذ"، واستشهد به لأن ما يتردد في نفسه ولا ينفذ في شيء لا يكون ثابتاً.
قوله: (إلا أن تلزم عنق صاحبها حتى يوافي بها القيامة)، يعني: الكلمة الخبيثة، وهو مقتبس من قوله تعالى:(وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً)[الإسراء: 13]، قال:"المعنى: أن عمله لازم له لزوم القلادة أو الغل، لا يفك عنه".
قوله: (كما ثبت جرجيس)، وجدت في كتاب "المبتدأ" المنسوب إلى أبي عبد الله محمد بن عبد الله الكسائي أنه قال: إن جرجيس كان من الحواريين أصحاب عيسى عليه السلام، وعلمه الله الاسم الذي يحيا به الموتى، وكان بأرض الموصل جبار يعبد الصنم، فدعاه جرجيس
وتثبيتهم في الآخرة: أنهم إذا سئلوا عند تواقف الأشهاد عن معتقدهم ودينهم، لم يتلعثموا ولم يبهتوا، ولم تحيرهم أهوال الحشر. وقيل معناه الثبات عند سؤال القبر. وعن البراء ابن عازب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر قبض روح المؤمن فقال: «ثم تعاد روحه في جسده فيأتيه ملكان فيجلسانه في قبره ويقولان له: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إلى عبادة الله، ونهاه عن عبادة الصنم، فأمر به، فشد يديه ورجليه، ودعا بأمشاط من الحديد، فسرح بها صدره وبدنه، ثم صب عليه ماء الملح، فصبره الله عليه، ثم دعا بمسامير من حديد، فسمر عينيه وأذنيه، فصبره الله عليه، ثم دعا بحوض من نحاس، فأوقد عليه حتى ابيض، ثم ألقي عليه وأطبق رأسه، فجعله الله له برداً وسلاماً، وزاده حسناً وجمالاً، ثم قطع إرباً إرباً، فأحياه الله، ودعاهم إلى الله وإحياء الموتى، فلم يؤمن الملك، فأمر الله أن يغير بهم، وقلب بالمدينة عاليها وسافلها.
قوله: (لم يتلعثموا)، الجوهري:"تلعثم الرجل في الأمر: إذا تمكث فيه وتأنى".
قوله: (وعن البراء بن عازب)، تمام الحديث على ما رواه أبو داود عن البراء:"وأن الكافر- فذكر موته- فتعاد روحه إلى جسده، ويأتيه ملكان، فيجلسانه، ويقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه، هاه! لا أدري، فيقولان: ما دينك؟ فيقول: هاه، هاه، لا أدري، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه، هاه، لا أدري. فينادي مناد من السماء: أن قد كذب، فأفرشوه من النار"، الحديث.
ونظم الآيات إنما ينطبق على الحديث لو أريد بـ (الْظَّالِمِينَ): الكفار، لأن قوله:
فينادي منادٍ من السماء أن صدق عبدي فذلك قوله: (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت).
(وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ) الذين لم يتمسكوا بحجة في دينهم، وإنما اقتصروا على تقليد كبارهم وشيوخهم، كما قلد المشركون آباءهم فقالوا (إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا) [الزخرف: 22 - 23]، وإضلالهم في الدنيا: أنهم لا يثبتون في مواقف الفتن وتزل أقدامهم أوّل شيء، وهم في الآخرة أضل وأزل (وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ) أي: ما توجبه الحكمة، لأن مشيئة الله تابعة للحكمة، من تثبيت المؤمنين وتأييدهم، وعصمتهم عند ثباتهم وعزمهم، ومن إضلال الظالمين وخذلانهم، والتخلية بينهم وبين شأنهم عند زللهم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ) واقع في مقابلة (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا)؛ إذ القول الثابت هو الكلمة الطيبة، وهي كلمة التوحيد، كأن المعنى: يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت المؤيد بالعمل، كما قال:(إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ)[فاطر: 10]، ويزل الله أقدام المشركين بكلمتهم الخبيثة التي اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار، وهي الإشراك بالله.
قوله: (لأن مشيئة الله تابعة للحكمة)، مذهبه.
[(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ* جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ* وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ)].
(بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ) أي: شكر نعمة الله (كُفْراً) لأن شكرها الذي وجب عليهم؛ وضعوا مكانه كفراً، فكأنهم غيروا الشكر إلى الكفر وبدلوه تبديلاً، ونحوه (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ) [الواقعة: 82] أي: شكر رزقكم حيث وضعتم التكذيب موضعه. ووجه آخر: وهو أنهم بدلوا نفس النعمة كفراً على أنهم لما كفروها سلبوها فبقوا مسلوبي النعمة موصوفين بالكفر، حاصلاً لهم الكفر بدل النعمة. وهم أهل مكة: أسكنهم الله حرمه، وجعلهم قوّام بيته، وأكرمهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، فكفروا نعمة الله بدل ما لزمهم من الشكر العظيم. أو أصابهم الله بالنعمة في الرخاء والسعة لإيلافهم الرحلتين، فكفروا نعمته، فضربهم بالقحط سبع سنين،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أنهم بدلوا نفس النعمة كفراً)، فعلى الأول: التبديل: التغيير في الوصف، وإليه الإشارة بقوله:"فكأنهم غيروا الشكر إلى الكفر"، لأنهم إذا بدلوا شكر النعمة بكفرانها فقد غيروا صفة النعمة، وعلى الثاني: التغيير في الذات، كما قال:"بدلوا نفس النعمة كفراً". فعلى الأول: النعمة باقية، لكنها موصوفة بالكفران، وعلى الثاني: النعمة زائلة مبدلة بالكفران، فهم إذن كفرة فقراء.
قال في قوله تعالى: (يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ)[إبراهيم: 48]: "التبديل: التغيير، وقد يكون في الذات، كقولك: بدلت الدراهم دنانير، وفي الأوصاف: كقولك: بدلت الحلقة خاتماً؛ إذا أذبتها وسويتها خاتماً".
قوله: (أو أصابهم)، عطف على "أسكنهم الله حرمه"، فيه لف ونشر، والأول مبني على أن التبديل التغيير في شكر النعمة بالكفران، والثاني على أن التبديل التغيير في النعمة
فحصل لهم الكفر بدل النعمة، كذلك حين أسروا وقتلوا يوم بدر وقد ذهبت عنهم النعمة وبقي الكفر طوقاً في أعناقهم. وعن عمر رضى الله عنه: هم الأفجران من قريش: بنو المغيرة وبنو أمية، فأما بنو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر. وأما بنو أمية فمتعوا حتى حين. وقيل: هم متنصرة العرب: جبلة بن الأيهم وأصحابه.
(وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ) ممن تابعهم على الكفر (دارَ الْبَوارِ) دار الهلاك.
وعطف (جَهَنَّمَ) على (دار البوار) عطف بيان.
قرئ: (لِيُضِلُّوا) بفتح الياء وضمها.
فإن قلت: الضلال والإضلال لم يكن غرضهم في اتخاذ الأنداد، فما معنى اللام؟ قلت: لما كان الضلال والإضلال نتيجة اتخاذ الأنداد، كما كان الإكرام في قولك: جئتك لتكرمني، نتيجة المجيء، دخلته اللام وإن لم يكن غرضا، على طريق التشبيه والتقريب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بالكفر، وكذلك حين أسروا وقتلوا.
قوله: ((دَارَ الْبَوَارِ) دار الهلاك)، الراغب:"البوار: فرط الكساد، ولما كان فرط الكساد يؤدي إلى الفساد- كما قيل: كسد حتى فسد- عبر بـ "البوار" عن الهلاك، يقال: بار يبور بواراً وبوراً، قال تعالى: (تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ) [فاطر: 29]، وقال: (وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ) ".
قوله: (قرئ: (لِيُضِلُّوا))، ابن كثير وأبو عمرو: بفتح الياء التحتانية، والباقون: بضمها.
قوله: (وإن لم يكن غرضاً على طريق التشبيه)، أي: الاستعارة، نحو قوله تعالى:(فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً)[القصص: 8].
(تَمَتَّعُوا) إيذان بأنهم لانغماسهم في التمتع بالحاضر، وأنهم لا يعرفون غيره ولا يريدونه، مأمورون به، قد أمرهم آمر مطاعٌ لا يسعهم أن يخالفوه ولا يملكون لأنفسهم أمراً دونه، وهو أمر الشهوة. والمعنى: إن دمتم على ما أنتم عليه من الامتثال لأمر الشهوة (فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ). ويجوز أن يراد الخذلان والتخلية، ونحوه:(قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ)[الزمر: 8].
[(قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَاتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ)].
المقول محذوف، لأن جواب قُلْ يدل عليه،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ويجوز أن يراد الخذلان)، عطف على قوله:"قد أمرهم آمر مطاع، وهو آمر الشهوة"، فعلى هذا: الآمر الله على الخذلان، فقوله:"لانغماسهم في التمتع" علة الأمر على الوجهين.
قال صاحب "الفرائد": يمكن أن يقال: هذا أمر تهديد، فهو كقول الطبيب بعدما أمر المريض بالاحتماء مرات، ولم يقبل منه: كل ما تريد، فإن مصيرك إلى الموت، والمراد التهديد ليرتدع ويقبل ما يقول، وهو المراد من قول المصنف:"إيذان بأنهم لانغماسهم في التمتع بالحاضر".
وقال القاضي: "وفي التهديد بصيغة الأمر إيذان بأن المهدد عليه كالمطلوب لإفضائه إلى المهدد به، وأن الأمرين كائنان لا محالة، ولذلك علله بقوله: (فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ)، وأن المخاطب لانهماكه فيه كالمأمور فيه".
قوله: (المقول محذوف، لأن جواب (قُل) يدل عليه)، قال ابن الحاجب: " (يُقِيمُوا):
وتقديره: (قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا): أقيموا الصلاة وأنفقوا (يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جواب (قُل)، أي: قل لعبادي يقيموا، وحذف ما هو المقول استغناء بتفسير الجواب، أي: قل لهم ما يقتضي الإقامة. وما اعترض عليه من أن الإقامة ليست بلازمة للقول ليس بشيء، فإن الجواب لا يقتضي الملازمة العقلية، وإنما يقتضي الغلبة، وذلك حاصل، فإن أمر الشارع للمؤمنين بإقامة الصلاة يقتضي إقامة الصلاة منه غالباً".
وقال أبو البقاء رحمه الله: "قال الأخفش: (يُقِيمُوا) جواب (قُل)، وفي الكلام حذف، أي: "قل لهم: "أقيموا الصلاة" يقيموا"، أي: إن تقل لهم: "أقيموا" يقيموا. ورد بأن قول الرسول صلى الله عليه وسلم لهم لا يوجب أن يقيموا، وهذا باطل، لأنه لم يرد بـ "العباد": الكفار، بل المؤمنين، وإذا قال لهم الرسول صلى الله عليه وسلم: "أقيموا الصلاة" أقاموها، ويدل على ذلك قوله تعالى:(قُلْ لِعِبَادِي الَّذِينَ آمَنُوا).
وروي عن المبرد: أن التقدير: "قل لهم: "أقيموا" يقيموا"، فـ "يقيموا" المصرح جواب "أقيموا" المحذوف- وكذا حكي عن أبي علي: أنه جواب "أقيموا"-، وهو فاسد لوجهين:
أحدهما: أن جواب الشرط ينبغي أن يخالف الشرط، إما في الفعل أو في الفاعل أو فيهما، وأما نحو:"قم تقم" فخطأ، والتقدير: إن يقيموا يقيموا.
وثانيهما: أن الأمر للمواجهة، و"يقيموا" على لفظ الغيبة، وهو خطأ إذا كان الفاعل واحداً، لأنه لا يجوز أن يقال للمخاطبين:"يقيموا" بالياء". وكذا رد ابن الحاجب.
وجوزوا أن يكون: (يقيموا)(وينفقوا)، بمعنى: ليقيموا ولينفقوا، ويكون هذا هو المقول، قالوا: وإنما جاز حذف اللام، لأنّ الأمر الذي هو (قُلْ) عوض منه، ولو قيل:"يقيموا الصلاة وينفقوا" ابتداء بحذف اللام، لم يجز.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وجوزوا أن يكون (يُقيِمُوا)(وَيُنفِقُوا) بمعنى: ليقيموا ولينفقوا)، قال الزجاج:"وجائز أن يجزم باللام المحذوفة، لأن الأمر دل على الغائب، تقول: قل لزيد: ليضرب عمراً، وإن شئت قلت: قل لزيد: يضرب عمراً، ولا يجوز: يضرب زيد عمراً، لأن لام الغائب ليس لها عوض إذا حذفتها"، وذكر أبو البقاء نحوه.
وقال صاحب "الإنصاف": وفائدة التزام اللام في الغائب: التنبيه بها على أن الصيغة أمر، فلما علم الأمر لمخاطب افتقر ما سواه إلى اللام من غائب ومتكلم وغير الفاعل في مثل: ليقم زيد لأقم أنا، ليضرب عمرو، فتقدير "قل" يغني عنها، لأن ذلك يرشد إلى أن المأمور مبلغ غير مخاطب، فقام مقام اللام. هذا أجود الأوجه في إعراب الآية واختيار الزجاج، والزمخشري تبرأ من عهدته ترجيحاً للأول.
وقلت: نبه على بيان تبرئة صاحب "المفتاح" حيث قال: "إضمار الجازم نظير إضمار الجار"، يعني: أنه شاذ، نحو قول رؤبة: خير، لمن قال له: كيف أصبحت؟ ثم قال: "فانظر! "، أي: انظر إلى شذوذه، ولا تحمل الآية عليه، بل على أن الجواب على تقدير "قل لعبادي:"أقيموا الصلاة وأنفقوا" فإنك إن قلت لهم: أقيموا وأنفقوا؛ يقيموا وينفقوا".
فإن قلت: علام انتصب (سِرًّا وَعَلانِيَةً)؟ قلت: على الحال، أي: ذوي سرّ وعلانية، بمعنى: مسرين ومعلنين. أو على الظرف؛
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقلت: يمكن أن يقال: إنه ليس نظير ذلك، لأن حذفاً فيه جائز، ألا ترى إلى حذف اللام عن الحاضر. وقال المصنف في قراءة من قرأ:(فَبِذَلِكَ فلتَفرَحُوا) - بالتاء: "هو الأصل والقياس"، وقد ذكرت عن ابن جني هناك: أن أصل الأمر أن يكون بحرف الأمر، وهو اللام، لكن لما كثر أمر الحاضر حذفوه تخفيفاً، ودل حاضر الحال على أن المأمور هو الحاضر المخاطب، فحذفوا حرف المضارعة، فلما حذفوا حرف المضارعة بقي ما بعده في أكثر الأمر ساكناً، فاحتيج إلى همزة ليقع الابتداء بها، فقيل: اذهب، ويدلك على تمكن أمر الحاضر أنك لا تأمر الغائب بنحو:"صه" و"مه" و"إيه" و"دونك" و"حيهل". تم كلامه.
وإذا جاز أن تحذف اللام في الحاضر لكثرة الاستعمال جاز أن تحذف في الغائب لدلالة قرائن الأحوال، فصح قول الزجاج:"جاز أن يقال: قل لزيد: يضرب عمراً، ولا يجوز: يضرب زيد عمراً، لأن لام الغائب ليس لها عوض إذا حذفتها"، وإليه أشار المصنف بقوله:"لأن لام الأمر الذي هو "قُل" عوض منه".
ومثله في النيابة عن الجار الإضافة، قال الدار الحديثي: إن المضاف في "غلام زيد" عمل الجر لنيابته عن حرف الجر لفظاً لأنه في موضعه، كذلك ها هنا.
أي: وقتي سر وعلانية، أو على المصدر، أي: إنفاق سرٍّ وإنفاق علانية، المعنى: إخفاء المتطوع به من الصدقات والإعلان بالواجب.
والخلال: المخالة. فإن قلت: كيف طابق الأمر بالإنفاق وصف اليوم بأنه (لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ)؟ قلت: من قِبَلِ أنّ الناس يخرجون أَموالهم في عقود المعاوضات، فيعطون بدلاً ليأخذوا مثله، وفي المكارمات ومهاداة الأصدقاء ليستجروا بهداياهم أَمثالها أو خيراً منها. وأمّا الإنفاق لوجه الله خالصا كقوله تعالى:(وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى* إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى)[الليل: 20]- فلا يفعله إلا المؤمنون الخلص، فبعثوا عليه ليأخذوا بدله في يوم لا بيع فيه ولا خلال، أي: لا انتفاع فيه بمبايعة ولا بمخالة، ولا بما ينفقون به أَموالهم من المعاوضات والمكارمات، وإنما ينتفع فيه بالإنفاق لوجه الله. وقرئ:(لا بيع فيه ولا خلال) بالرفع.
[(اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (كيف طابق الأمر بالإنفاق وصف اليوم بأنه (لا بيعَ فيه ولا خِلالَ))، يعني: أي فائدة في تقييد الإنفاق بقوله: (مِن قَبْلِ أَن يَاتِيَ يَوْمٌ)؟
وأجاب: أن وجوه الإنفاق وأغراضها متعددة، مثل: أخذ البدل، وحسن الأحدوثة، واستجرار المثل في العاجل، والثواب في الآجل، فقيد بهذا الأخير ليختص به.
وتلخيصه: أن الخطاب ليس عاماً، بل هو مع قوم مخصوصين، ووصف اليوم بذلك لمزيد البعث على الإنفاق، فإنهم لما جزموا وأيقنوا مجيئه، وعلموا أنه يوم لا ينفع فيه عمل، اغتنموا الفرصة في الإنفاق لوجه الله.
قوله: (وقرئ: (لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ) بالرفع)، كلهم إلا ابن كثير وأبا عمرو.
الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ* وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ* اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ* وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ* وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ)].
(اللَّهُ) مبتدأ، و (الَّذِي خَلَقَ) خبره، و (مِنَ الثَّمَراتِ) بيان للرزق، أي: أخرج به رزقاً هو ثمرات. ويجوز أن يكون (مِنَ الثَّمَراتِ) مفعول "أخرج"، ورِزْقاً حالاً من المفعول، أَو نصباً على المصدر من "أخرج"، لأنه في معنى "رزق"(بِأَمْرِهِ) بقوله كن.
(دائِبَيْنِ) يدأبان في سيرهما وإنارتهما ودرئهما الظلمات، وإصلاحهما ما يصلحان من الأرض والأبدان والنبات (وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ) يتعاقبان خلفة لمعاشكم وسباتكم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((مِنَ الْثَّمَرَاتِ) مفعول "أخرج")، فـ "من" على هذا تبعيض، أي: أخرج بعض الثمرات.
قوله: (يدأبان في سيرهما)، الجوهري:"دأب فلان في عمله؛ أي: جد وتعب"، وهو معنى التسخير.
قوله: (درئهما)، الأساس:"درأ الكوكب: طلع، كأنه يدرأ الظلام، أي: يدفعه".
قوله: (خلفة لمعاشكم)، يقال: هن يمشين خلفة؛ أي: تذهب هذه وتجيء هذه، ويقال أيضاً: القوم خلفة؛ أي: مختلفون، حكاه أبو زيد، والخلفة أيضاً: اختلاف الليل والنهار، يريد: أن معنى تسخير الليل والنهار لبني آدم: بيانه وتفسيره ما في قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً)[الفرقان: 62]، فبين التسخير
(وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ)"من" للتبعيض، أي: آتاكم بعض جميع ما سألتموه، نظراً في مصالحكم. وقرئ من كلّ" بالتنوين، و (ما سألتموه) نفى ومحله النصب على الحال أي: آتاكم من جميع ذلك غير سائليه، ويجوز أن تكون ما موصولة، على: وآتاكم من كل ذلك ما احتجتم إليه ولم تصلح أَحوالكم ومعايشكم إلا به، فكأنكم سألتموه أو طلبتموه بلسان الحال.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فيه بأن جعلهما خلفة يتعاقبان؛ يجيء هذا ويذهب ذاك، وبين فيه حكمة التسخير من وجهين:
أحدهما: إرادة التذكر، وهو أن يتفكر المكلف في هذه القدرة العظيمة، فيعرف كمال مسخرهما.
وثانيهما: إرادة الشكر، وهو أن يعرف بذلك نعمة السكون بالليل وابتغاء الفضل بالنهار، ويشكر موليهما.
الراغب: "التسخير: سياقة الشيء إلى الغرض المختص به قهراً، فالمسخر هو المقيض للفعل، والسخري: هو الذي يقهر أن يتسخر لنا، وسخرت منه: إذا سخرته للهزء منه، قال تعالى: (إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ) [هود: 38]، وقوله تعالى: (فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً) [المؤمنون: 110] قد حمل على التسخير وعلى السخرية".
قوله: (وقرئ: "من كل" بالتنوين"، قال ابن جني: "وهي قراءة ابن عباس والحسن وغيرهما، تقديره: وآتاكم ما سألتموه من كل شيء سألتموه أن يؤتيكم".
قوله: (وآتاكم من كل ذلك)، "ذلك" إشارة إلى ما سبق من الآيات، فإنهم وإن لم يعطوها عن سؤالهم، ولكن لما يستغنوا في معايشهم وأحوالهم عنها، فكأنهم سألوها بلسان
(لا تُحْصُوها) لا تحصروها ولا تطيقوا عدها وبلوغ آخرها، هذا إذا أَرادوا أَن يعدوها على الإجمال، .......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حالهم، وهو من باب التمثيل، وسبيل هذا السؤال سبيل الجواب في قوله:(أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى)[الأعراف: 172].
شبه حالة الإنسان في كونه غير قائم بنفسه مفتقراً إلى من يقوم به، وما تقام به نفسه، وتكمل به حياته، ويتصل به إلى غايته، وهو أن يقال في حقه:(وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً)[الإسراء: 70] بحالة الطفل أو الفرخ الذي يحتاج إلى قيم يتعيش به حياته، ويقيم به أوده، إذ لولاه لسقط متنه، ويبقى مهملاً معطلاً، وإليه ينظر قوله تعالى حكاية عن الكليم عليه السلام:(رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى)[طه: 50]، أي: أعطى خليقته كل شيء يحتاجون إليه، ويرتفقون به، ثم عرفهم كيف يرتفقون بما أعطاهم، وكيف يتوصلون إليه، والله أعلم.
قوله: ((لَا تُحْصُوهَا) لا تحصروها ولا تطيقوا عدها)، قال في "الأساس":"هذا أمر لا أحصيه؛ أي: لا أطيقه ولا أضبطه"، وقال القاضي:"يعني: لا تطيقوا عد أنواعها، فضلاً عن أفرادها، فإنها غير متناهية، وفيه دليل على أن المفرد يفيد الاستغراق بالإضافة".
الراغب: "الإحصاء: التحصيل بالعدد، يقال: أحصيت كذا؛ من لفظ الحصا، واستعمال ذلك فيه من حيث إنهم كانوا يعتمدونه بالعد كاعتمادنا فيه على الأصابع".
وأمّا التفصيل فلا يقدر عليه ولا يعلمه إلا الله (لَظَلُومٌ) يظلم النعمة بإغفال شكرها (كَفَّارٌ) شديد الكفران لها. وقيل ظلوم في الشدّة يشكو ويجزع، كفار في النعمة يجمع ويمنع. و"الإنسان" للجنس، فيتناول الإخبار بالظلم والكفران من يوجدان منه.
[(وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ* رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وأما التفصيل فلا يقدر)، "أما" يقتضي التكرير، فالتقدير: أما الإجمال فإنكم إن أردتم أن تعدوا نعمة الله لا تحصوها، وأما التفصيل فلا كلام في أنه ليس إليكم، فلا يحتاج إلى البيان، لأنه لا يقدر عليه ولا يعلمه إلا الله تعالى.
قوله: (فيتناول الإخبار)، الفاء جزائية، أي: التعريف في "الإنسان" للجنس الذي هو العهد الذهني، وهو ما يعرفه كل أحد أن الإنسان ما هو، فلما أتى بقوله:(لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) تناولهما، فصار المطلق مقيداً، كما أن التعريف في "اللئيم" في قوله:
ولقد أمر على اللئيم يسبني
للجنس، فيتناول من تعرض لسب الشاعر.
ولو حمل التعريف على الاستغراق فيختص بمن عصمه الله تعالى منهما، لكان أولى، كقوله تعالى:(إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ* إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا)[العصر: 2 - 3]، وقوله تعالى: (إِنَّ
(هَذَا الْبَلَدَ) يعني: البلد الحرام، زاده الله أَمناً، وكفاه كل باغٍ وظالم، أَجاب فيه دعوة خليله إبراهيم عليه السلام (آمِناً): ذا أمن.
فإن قلت: أي: فرق بين قوله (اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً)[البقرة: 126] وبين قوله: (اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً)؟ قلت: قد سأل في الأوّل: أَن يجعله من جملة البلاد التي يأمن أهلها ولا يخافون، وفي الثاني: أن يخرجه من صفة كان عليها من الخوف إلى ضدها من الأمن، كأنه قال: هو بلد مخوف، فاجعله آمناً.
(وَاجْنُبْنِي): وقرئ: "وأجنبني"، وفيه ثلاث لغات: جنبه الشر، وجنبه، وأجنبه، فأهل الحجاز يقولون: جنبني شره بالتشديد-، وأهل نجد جنبني وأجنبنى، والمعنى: ثبتنا وأدمنا على اجتناب عبادتها
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً* وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً* إِلاَّ الْمُصَلِّينَ) [المعارج: 19 - 22] إلى آخره.
قوله: (قد سأل في الأول: أن يجعله من جملة البلاد) إلى آخره، وهو أحد معاني "جعل"، وهو تصيير شيء شيئاً، فعلى الأول: تقدير الآية: اجعل هذا البلد بلداً ذا أمن، أو آمناً من فيه، كقولك: نهاره صائم، فـ (آَمِناً) صفة (بَلَداً). وعلى الثاني: هذا البلد ذا أمن، فـ (آَمِناً) مفعول ثان، و"البلد" وصف للمفعول الأول، فلابد من تقدير الخوف ليصح تصييره ذا أمن. فعلى الأول: كأنه ليس بلداً في ذلك الوقت، فسأل أن يجعله بلداً آمناً، وعلى الثاني: السؤال لحصول الأمن بعد وجدانه.
قال صاحب "التقريب": "وحيث قال: (بَلَداً آَمِناً) سأل جعله بلداً موصوفاً، وحيث قال:(هَذَا الْبَلَدَ آَمِناً) سأل صفة أمنه.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقال الراغب في "غرة التنزيل": "فيه وجهان: أحدهما: أن الدعوة الأولى وقعت، ولم يكن المكان [قد جعل بلداً، فكأنه قال: رب اجعل هذا الوادي بلداً آمناً، والدعوة الثانية وقعت، وقد جعل الوادي بلداً]، فكأنه قال: اجعل هذا الوادي بلداً آمناً، لقوله:(إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ)، ووجه الكلام فيه تنكير (بَلَداً) الذي هو مفعول ثان، والدعوة الثانية وقعت وقد جعل الوادي بلداً، فكأنه قال: اجعل هذا المكان- الذي صيرته كما أردت، ومصرته كما سألت- ذا أمن، فـ (الْبَلَدَ) على هذا عطف بيان عند سيبويه، وصفة عند المبرد، و (آَمِناً) مفعول ثان.
وثانيهما: أن تكون الدعوتان واقعتين بعدما صار المكان بلداً، والمطلوب الأمن، كما تقول: اجعل ولدك هذا ولداً أديباً، فلا تأمره بأن يجعله ولداً، لأن ذلك ليس إليه، وإنما تأمره بتأديبه، أي: اجعله على هذه الصفة، وتقول: كن رجلاً سخياً، ولا تأمره بأن يكون رجلاً، بل تأمره بما يجعله سخياً، فذكر الموصوف وأتبعه الصفة، وهو كما تقول: كان اليوم يوماً حاراً، فتجعل "يوماً" خبر "كان"، و"حاراً" صفة له، ولم تقصد أن تخبر عن اليوم
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بأنه كان يوماً، لأنه غير مفيد، وإنما القصد أن تخبر عن حر اليوم، فكأن الأصل: كان اليوم حاراً، وأعدت "يوم" لتجمع بين الصفة والموصوف، فكأنك قلت: كان هذا اليوم من الأيام الحارة، فكذلك قوله:(اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً) يجوز أن يراد: واجعل هذا البلد آمناً، فتدعو له بالأمن من بعد ما قد صار بلداً، ويكون مثل قوله:(اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً)، وتكون الدعوة واحدة، قد أخبر الله عنها في الموضعين.
فأما قول من يقول: إنه جعل الأول نكرة، فلما أعاد ذكرها أعاد بلفظ المعرفة فليس بشيء".
وأما بيان النظم: فإنه تعالى لما عجب رسوله صلى الله عليه وسلم من حال قريش بقوله: (أَلَمْ تَرَى إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْراً) يعني: ألم تتعجب من حال قوم أنعم الله عليهم بأنواع النعم الجسيمة؛ حيث أسكنهم حرمه، وجعلهم قوم نبيه، ليكونوا في كنف هذا البلد الذي جعله الله حرماً آمناً، ويتخطف الناس من حولهم، وأكرمهم ببعثة أفضل الرسل؛ ليشكروا الله ويوحدوه، فعكسوا وجعلوا ما هو وسيلة إلى الأمن من سخط الله سبباً للحلول في دار البوار، وما هو ذريعة إلى الهداية والتوحيد سبيلاً إلى اتخاذ الأنداد وإضلال الخلق!
ثم أمر رسوله [صلى الله عليه وسلم] بأن يعرض عنهم ويكافحهم بكلمة المتاركة والمودعة إقناطاً وإياساً، وهي (قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ)، ويقبل إلى المخلصين من عباده، ويحرضهم على شكر تلك النعم التي لم يقوموا بشكرها بما هو أساس الحسنات، وأما العبادات- من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة في حالتي السر والعلانية- إلى قيام القيامة إلى يوم لا بيع فيه ولا خلال.
(وَبَنِيَّ) أراد: بنيه من صلبه. وسئل ابن عيينة: كيف عبدت العرب الأصنام؟ فقال: ما عبد أحد من ولد إسماعيل صنما، واحتج بقوله (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ) إنما كانت أنصاب حجارة لكل قوم، قالوا: البيت حجر، ....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ثم بعد ذلك يعد عليهم من النعم التي لا تحصى كثرة؛ منها خلق هذه السماء التي كالمظلة على هذا القرار الذي هو مستقرهم ومكان عبادتهم، ثم ما سواه من شبه النكاح بينهما بإنزال الماء وإخراج ما هو كالنتيجة من الثمرات رزقاً لهم؛ ليكون ذلك معتبراً إلى النظر الموصل إلى التوحيد، ونعمة يقابلونها بالعبادة، وحتى لا تجعلوا لله أنداداً، مثل أولئك الأنعام الذين لم يلتفتوا إلى هذه الآيات البينات، ولهذا قال:(وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ).
ونظيره قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ) إلى قوله: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)[البقرة: 21 - 22].
عقبه ليذكر بما يناسبه من قصة الخليل عليه السلام، ودعائه في حق هذا البيت المكرم والحرم المعظم، واعتنائه بشأن إقامة الصلاة فيه، وتوحيد الله، ومجانبة عبادة الأصنام، فمن قام بواجب ذلك من عبادة الملك العلام، والمجانبة عن عبادة الأصنام، صحح النسبة بينه وبين أبيه، وأمن في الدنيا والآخرة من سخط الله وحلول نكاله، ومن عكس استؤصل في الدنيا بالدمار، وفي العقبى أحل نفسه وقومه دار البوار، جهنم يصلونها فبئس القرار.
والذي يؤيد أن قصة الخليل استطراد: العود إلى تهديد الكفرة بقوله: (وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ).
قوله: (إنما كانت أنصاب)، أي: ما عبد أحد من ولد إسماعيل صنماً، وإنما التي تولعوا بها كانت أنصاب حجارة.
فحيثما نصبنا حجراً فهو بمنزلة البيت، فكانوا يدورون بذلك الحجر ويسمونه: الدوار، فاستحب أن يقال: طاف بالبيت، ولا يقال: دار بالبيت.
(إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ) فأعوذ بك أن تعصمني وبنيّ من ذلك، وإنما جعلن مضلات، لأنّ الناس ضلوا بسببهنّ، فكأنهنّ أضللنهم، كما تقول: فتنتهم الدنيا وغرّتهم، أي: افتتنوا بها واغتروا بسببها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ويسمونه الدوار)، في حاشية "الصحاح":"قال ابن الأنباري: دوار: بد كانوا في الجاهلية يدورون حوله أسابيع، يتشبهون بأهل مكة"، وأنشد في "المغرب" لامرئ القيس:
فعن لنا سرب كأن نعاجه
…
عذارى دوار في ملاء مذيل
السرب: الجماعة من الظباء والبقر، والنعاج: جمع نعجة، وهي الأنثى من بقر الوحش، والعذارى: جمع عذراء، والدوار: صنم كانت تنصبه العرب وتدور حوله. الجوهري: "الملاءة- بالضم والمد-: الريطة، والجمع: ملاء"، والمذيل: الطويل الذيل، وإنما ذكر حملاً على اللفظ.
قوله: (فاستحب أن يقال: طاف)، أي:"دار" بمعنى: طاف، ومنع أن يقال:"دار"، واستحب أن يقال:"طاف"؛ لئلا يتأسى بألفاظ المشركين.
(فَمَنْ تَبِعَنِي) على ملتي وكان حنيفاً مسلماً مثلي (فَإِنَّهُ مِنِّي) أي: هو بعضي لفرط اختصاصه بي وملابسته لي، وكذلك قوله:«من غشنا فليس منا» أي: ليس بعض المؤمنين، على أنّ الغش ليس من أفعالهم وأوصافهم، (وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) تغفر له ما سلف منه من عصياني إذا بدا له فيه واستحدث الطاعة لي. وقيل: معناه (ومن عصاني) فيما دون الشرك.
[(رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لعلهم يَشْكُرُونَ)].
(مِنْ ذُرِّيَّتِي) بعض أولادي، وهم إسماعيل ومن ولد منه (بِوادٍ) هو وادي ....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((فَإِنَّهُ مِنِّي) أي: هو بعضي)، لا يريد أن "من" في قوله:(مِنِّي) تبعيضية، وإن صرح بلفظ البعض، بل هي اتصالية، كقوله تعالى:(الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ)، ولهذا قال:"لفرط اختصاصه بي وملابسته لي".
قوله: ((وَمَنْ عَصَانِي) فيما دون الشرك)، يدل على أنه حمل "العصيان" في الوجه الأول على الشرك، لأنه مقابل لقوله:(فَمَنْ تَبِعَنِي) على ملتي، وكان حنيفاً مسلماً"، أي: موحداً، والكلام مبني على التخييل والتورية، كما سبق في قوله تعالى:(إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً)[التوبة: 80].
قال القاضي: " (فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) أي: تقدر أن تغفر له وترحمه ابتداء أو بعد التوفيق للتوبة، وفيه دليل على أن كل ذنب فلله أن يغفره حتى الشرك، إلا أن الوعيد فرق بينه وبين غيره".
مكة (غَيْرِ ذِي زَرْعٍ) لا يكون فيه شيءٌ من زرعٍ قط، كقوله:(قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ)[الزمر: 28] بمعنى: لا يوجد فيه اعوجاج، ما فيه إلا الاستقامة لا غير. وقيل للبيت: المحرم، لأنّ الله حرم التعرض له والتهاون به، وجعل ما حوله حرما لمكانه، أو لأنه لم يزل ممنعاً عزيزاً يهابه كل جبار، كالشئ المحرم الذي حقه أن يجتنب، أو لأنه محترم عظيم الحرمة لا يحل انتهاكه، أو لأنه حرّم على الطوفان أي: منع منه، كما سمي "عتيقاً" لأنه أعتق منه فلم يستول عليه (لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ) اللام متعلقة بـ (أسكنت)، أي: ما أسكنتهم هذا الوادي الخلاء البلقع من كل مرتفق ومرتزق، إلا ليقيموا الصلاة عند بيتك المحرم، ويعمروه بذكرك وعبادتك،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لا يكون فيه شيء من زرع قط)، هذه المبالغة يفيدها معنى الكناية، لأن نفي ذي الزرع يستلزم كون الوادي غير صالح، لأنه نكرة في سياق النفي.
قوله: (انتهاكه)، الجوهري:"انتهاك الحرمة: تناولها بما لا يحل".
قوله: (ما أسكنتهم
…
إلا ليقيموا الصلاة) إلى آخره، هذا الحصر وتلك الفوائد إنما يفيدها تكرير ذكر (رَبَّنَا)، لأنه للاهتمام بشأن المدعو المطلوب، وجعل (لِيُقِيمُوا) علة للإسكان بواد موصوف بهذين الوصفين؛ كونه غير ذي زرع، وكونه عند بيتك المحرم، يعني: لا يختار أحد مثل هذا الموضع إلا للانقطاع للعبادة والتبتل إلى الله، والتبرك به لشرفه، وخص الصلاة لأنها عمود الدين.
قوله: (البلقع)، الجوهري:"البلقع والبلقعة: الأرض القفر التي لا شيء بها".
قوله: (مرتفق ومرتزق)، الأساس: "ارتفقت به: انتفعت به، تقول: بكرمك أثق، وعلى
وما تعمر به مساجدك ومتعبداتك، متبركين بالبقعة التي شرفتها على البقاع، مستسعدين بجوارك الكريم، متقربين إليك بالعكوف عند بيتك، والطواف به، والركوع والسجود حوله، مستنزلين الرحمة التي آثرت بها سكان حرمك.
(أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ) أفئدة من أفئدة الناس، ومن للتبعيض، ويدل عليه ما روي عن مجاهد: لو قال أَفئدة الناس لزحمتكم عليه فارس والروم، وقيل: لو لم يقل: (مِنْ) لازدحموا عليه حتى الروم والترك والهند. ويجوز أن يكون (مِنْ) للابتداء، كقولك: القلب منى سقيم، تريد قلبي، فكأنه قيل: أفئدة ناس، وإنما نكرت المضاف إليه في هذا التمثيل لتنكير (أفئدة)، لأنها في الآية نكرة ليتناول بعض الأفئدة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سؤددك أرتفق، ومنه قوله تعالى:(وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً)[الكهف: 31]، ويقال: ما فيها مرفق من مرافق الدار؛ نحو المتوضأ والمطبخ".
قوله: (القلب مني سقيم)، والظاهر أنه مثل قوله تعالى:(وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي)[مريم: 4]، لكنه جعله ابتدائية لتفخيم الأمر، كأنه قيل: نشأ سقم هذا العضو الذي يصلح بصلاحه البدن، ويفسد بفساده مني ومن جهتي، فعلى هذا: التعريف في (النَّاسَ) للجنس، والمراد قوم مخصوصون، أي: نشأ جعل الأفئدة مائلة إلى جهة الكاملين من الناس.
قوله: (وإنما نكرت المضاف إليه في هذا التمثيل)، أي: في "الكشاف" في قوله: "فكأنه قيل: أفئدة ناس"، وفي الآية معرفة؛ ليتناول بعض الأفئدة، قال صاحب "الفرائد": لا يحتاج
وقرئ: "آفدةً"، بوزن عاقدة. وفيه وجهان: أحدهما: أن يكون من القلب كقولك: آدر، في أدؤر. والثاني: أن يكون اسم فاعلة من أفدت الرحلة إذا عجلت، أي: جماعة أو جماعات يرتحلون إليهم ويعجلون نحوهم.
وقرئ: "أفدةً"، وفيه وجهان: أن تطرح الهمزة للتخفيف، وإن كان الوجه أن تخفف بإخراجها بين بين. وأن يكون من أفد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إلى جعل المعرفة نكرة لجواز أن يقال: المضاف مقدر، أي: بعض أفئدة من الناس، أو يقال:"الناس" للجنس، كقوله تعالى:(الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ)[آل عمران: 173].
وقلت: هذا هو الذي أراده المصنف، فإنه أشار به إلى أن التعريف في (الْنَّاسِ) بمنزلة النكرة، كقولك: ادخل السوق في بلد كذا، أي: سوقاً من الأسواق. وأما الوجه الأول فساقط يظهر بالتأمل.
قوله: (بوزن عافدة)، وفي "الأساس": "اعتفد الرجل: إذا أغلق الباب ليموت جوعاً ولا يسأل، ولقي رجل جارية تبكي، فقال: مالك؟ قالت: نريد أن نعتفد. وأنشد ابن الأعرابي:
وقائلة ذا زمان اعتفاد"
قوله: (من: أفدت الرحلة؛ إذا عجلت)، الجوهري:"أفد الرجل- بالكسر- يأفد إفداً؛ أي: عجل، فهو أفد؛ على "فعل"، أي: مستعجل، وأفد الترحل: إذا دنا وأزف".
قوله: (أن تخفف بإخراجها بينَ بين)، قيل: فيه نظر؛ لأن الهمزة المتحركة الساكن ما قبلها إنما يكون تخفيفها بالحذف، كما في "مسألة" و"الخبء"، ولا يمكن فيها بينَ بينَ؛ المشهور ولا غيره، لأن بينَ بين: إما ساكن أو قريب من الساكن؛ على اختلاف المذهبين، فلو جعلت هذه الهمزة بين بينَ لزم التقاء الساكنين، أو ما هو في حكمه.
(تَهْوِي إِلَيْهِمْ) تسرع إليهم وتطير نحوهم شوقا ونزاعا من قوله:
يَهْوِي مَخَارِمَهَا هُوِىَّ الأَجْدَلِ
وقرئ: "تهوى إليهم" على البناء للمفعول، من: هوى إليه، وأهواه غيره. و"تهوى إليهم"؛ من هوي يهوى؛ إذا أحب، ضمن معنى تنزع فعدّى تعديته. (وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ) مع سكناهم وادياً ما فيه شيء منها، بأن تجلب إليهم من البلاد (لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) النعمة في أن يرزقوا أنواع الثمرات،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (يهوي مخارمها هوي الأجدل)، أوله:
وإذا رميت به الفجاج رأيته
قال المرزوقي: "الفج: الطريق الواسع في قُبُل جبل، والجمع: الفجاج، والمخارم: جمع المخرم، وهو منقطع أنف الجبل، والخرم: أنف الجبل، والأجدل: من جدل الخلق، والهوي- بضم الهاء-: هو القصد إلى الأعلى. يقول: إذا وجهت هذا الجلد في طرق الجبال رأيته يقصد أعاليها قصد الصقر".
قوله: ("تهوى إليهم"
…
من هوي [يهوى]؛ إذا أحب)، قال ابن جني:"قرأها علي رضي الله عنه، هو من: هويت الشيء؛ إذا أحببته، لا تقول: هويت إلى فلان، ولكن: هويت فلاناً، لكن لاحظ معنى: تميل إليهم، وهذا باب من العربية ذو عوز".
حاضرةً في وادٍ يبابٍ ليس فيه نجم ولا شجر ولا ماء لا جرم أن الله عز وجل أجاب دعوته فجعله حرماً آمنا تجبى إليه ثمرات كل شيء رزقاً من لدنه، ثم فضله في وجود أصناف الثمار فيه على كل ريفٍ وعلى أخصب البلاد وأكثرها ثماراً، وفي أي: بلد من بلاد الشرق والغرب ترى الأعجوبة التي يريكها الله بواد غير ذي زرع، وهي اجتماع البواكير والفواكه المختلفة الأزمان من الربيعية والصيفية والخريفية في يوم واحد، وليس ذلك من آياته بعجيب، متعنا الله بسكنى حرمه، ووفقنا لشكر نعمه، وأدام لنا التشرف بالدخول تحت دعوة إبراهيم عليه السلام، ورزقنا طرفا من سلامة ذلك القلب السليم.
[(رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَما نُعْلِنُ وَما يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ* الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ)].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (في واد يباب)، الجوهري:"أرض يباب: خراب".
قوله: (ثم فضله)، "ثم" للتراخي في الإخبار أو الزمان.
قوله: (على كل ريف)، الريف: أرض فيها زرع وخصب.
قوله: (وفي أي بلد من بلاد الشرق والغرب)، "أي" فيه استفهامية، و"التي" صفة الأعجوبة، فإنه لما قال:"ثم فضله في وجود أصناف الثمار فيه على كل ريف وعلى أخصب البلاد"، قال:"في أي بلد"، أي: لا ترى الأعجوبة التي يريكها الله تعالى في مكة في بلاد الشرق والغرب أي بلد شئت.
قوله: (اجتماع البواكيل)، الجوهري:"الباكورة: أول الفاكهة".
النداء المكرر دليل التضرع واللجأ إلى الله تعالى (إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَما نُعْلِنُ) تعلم السرَّ كما تعلم العلن علماً لا تفاوت فيه، لأنّ غيباً من الغيوب لا يحتجب عنك. والمعنى: أنك أعلم بأحوالنا وما يصلحنا وما يفسدنا منا، وأنت أرحم بنا وأنصح لنا منا بأنفسنا ولها، فلا حاجة إلى الدعاء والطلب، وإنما ندعوك إظهارا للعبودية لك، وتخشعاً لعظمتك، وتذللاً لعزتك، وافتقاراً إلى ما عندك، واستعجالاً لنيل أياديك، وولهاً إلى رحمتك، وكما يتملق العبد بين يدي سيده، ورغبةً في إصابة معروفه، مع توفر السيد على حسن الملكة. وعن بعضهم: أنه رفع حاجته إلى كريم، فأبطأ عليه النجح، فأراد أن يذكره فقال: مثلك لا يذكر استقصاراً ولا توهما للغفلة عن حوائج السائلين، ولكن ذا الحاجة لا تدعه حاجته أن لا يتكلم فيها. وقيل:(ما نخفي) من الوجد لما وقع بيننا من الفرقة، ......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (كما تعلم العلن)، أشار إلى تكرير "ما"، وأن لم يقل:"تعلم ما نخفي ونعلن"؛ ليؤذن باستقلال إيقاع العلم على كل من السر والعلن، حيث لا يتفاوت العلم فيهما.
قوله: (وقيل: (مَا تُخْفِي) من الوجد)، عطف على قوله:"تعلم السر كما تعلم العلن"، جعل (نُعْلِنُ) و (نُخْفِي) على الأول مطلقاً؛ على منوال "يعطي ويمنع" تتميماً لحسن المطلب، يعني: هذا الذي يظهر من الطلب ليس إلا التملق والرغبة إلى إصابة المعروف، لا الاستقصار والإعلام، وقريب منه قول الشاعر:
أهزك لا أني عرفتك ناسياً
…
لأمري ولا أني أردت التقاضيا
(وما نعلن) من البكاء والدعاء. وقيل: (ما نخفي) من كآبة الافتراق، (وما نعلن) يريد: ما جرى بينه وبين هاجر حين قالت له عند الوداع: إلى من تكلنا؟ قال: إلى الله أكلكم. قالت: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذن لا نخشى، تركتنا إلى كاف. (وَما يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ) من كلام الله عز وجل تصديقاً لإبراهيم عليه السلام، كقوله:(وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ)[النمل: 34]. أو من كلام إبراهيم، يعني: وما يخفى على الله الذي هو عالم الغيب من شيء في كل مكان. و «من» للاستغراق، كأنه قيل: وما يخفى عليه شيء ما.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ولكن رأيت السيف من بعد سله
…
إلى الهز محتاجاً وإن كان ماضيا
قوله: (ما جرى بينه وبين هاجر حين قالت له عند الوداع: إلى من تكلنا؟ )، هذا في حديث طويل رواه البخاري في "صحيحه" عن ابن عباس قال: "جاء إبراهيم عليه السلام بهاجر وبابنها إسماعيل، وهي ترضعه، حتى وضعها عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء، فوضعهما هناك، ووضع عند هاجر إناء فيه تمر، وسقاء فيه ماء، ثم ثنى إبراهيم منطلقاً، فتبعته أم إسماعيل، فقالت: يا إبراهيم، أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه أنيس ولا شيء؟ قالت له ذلك مراراً، وجعل لا يلتفت إليها، فقالت له: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذن لا يضيعنا. ثم رجعت.
فانطلق إبراهيم، حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه، استقبل بوجهه البيت، ثم دعا بهؤلاء الدعوات، فرفع يديه فقال:(رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ) ".
قوله: ((وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ) من كلام الله أو من كلام إبراهيم)، وعلى التقديرين:
"عَلَى"- في قوله: (عَلَى الْكِبَرِ) - بمعنى "مع"، كقوله:
إنِّي عَلَى مَا تَرَيْنَ مِنْ كِبَرِي
…
أَعْلَمُ مِنْ حَيْثُ تُؤْكَلُ الْكَتِفُ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هو تذييل لما سبق وتأكيد له، ولهذا استشهد بقوله:(وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ)، لأنه من كلام الله تذييلاً لكلام بلقيس:(إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً)[النمل: 34].
فعلى الأول: كان من الظاهر أن يقول: "صدقت يا إبراهيم ما يخفى علي شيء"، أقام المظهر موضع المضمر، وأتى باسمه الأقدس الجامع، أي: اقتضى عظمة جلاله وكبرياء سلطانه وشمول علمه أن لا يخيب دعاءك.
وعلى الثاني: "وما يخفى عليك من شيء"، فعدل ليؤذن أنه كيف تخفى عليه حاجتي، وعلمه شامل لكل غيب وشهادة؟ !
قوله: ("على" في قوله: (عَلَى الْكِبَرِ) بمعنى: "مع")، ويجوز أن تجري على حقيقتها، ويقال: وهب لي وأنا متمكن على الكبر، كقوله تعالى:(وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ)[يوسف: 18]، وهذا أنسب؛ لقوله:"لأن الولادة في تلك السن العالية كانت آية".
قوله: (إني على ما ترين من كبري)، يقول: إني مع ما ترين من كبري أعرف الأشياء حق معرفتها، لأني جربتها ومارستها، وإني الآن على ما كنت مع كبر سني وتغير أحوال الحواس. وإليه أومئ بقوله:"وإنما ذكر حال الكبر، لأن المنة بهبة الولد فيها أعظم".
قوله: (أعلم من حيث تؤكل الكتف)، مثل في التجربة، لأن المجرب يأخذ
وهو في موضع الحال، معناه: وهب لي وأنا كبير وفي حال الكبر. روي أنّ إسماعيل ولد له وهو ابن تسع وتسعين سنة، وولد له إسحاق وهو ابن مئة وثنتي عشرة سنة، وقد روي أنه ولد له إسماعيل لأربع وستين. وإسحاق لتسعين. وعن سعيد بن جبير: لم يولد لإبراهيم إلا بعد مئة وسبع عشرة سنة، وإنما ذكر حال الكبر لأنّ المنة بهبة الولد فيها أعظم، من حيث أنها حال وقوع اليأس من الولادة. والظفر بالحاجة على عقب اليأس من أجلّ النعم وأحلاها في نفس الظافر، ولأنّ الولادة في تلك السنّ العالية كانت آية لإبراهيم (إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ) كان قد دعا ربه وسأله الولد، فقال:(رب هب لي من الصالحين)[الصافات: 100]، فشكر لله ما أكرمه به من إجابته.
فإن قلت: الله تعالى يسمع كل دعاء، أجابه أو لم يجبه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الكتف من أعلاه، ليجذب اللحم عنه، وقيل: تؤكل من أسفلها ليسهل.
قوله: ((إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ) كان قد دعا ربه، وسأله الولد) إلى قوله:(فشكر لله ما أكرمه به من إجابته)، وقلت: قضية النظم أن يكون قوله: (إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ) تعليلاً لإجابة دعائه السابق على سبيل التذييل، وأن يكون قوله:(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ) تذكيراً لشكر نعمه السابقة، ووسيلة لاستجابة هذا الدعاء، فإن هذه الآية كالاعتراض بين أدعية إبراهيم عليه السلام في هذا المكان، كأنه عليه السلام يقول:"اللهم استجب دعائي في حق ذريتي في هذا المقام، فإنك لم تزل سميع الدعاء، وقد دعوتك على الكبر، وسألت أن تهب لي إسماعيل وإسحاق، فأجبت لي"، فذكره وسيلة لاستجابة الدعاء.
وفي تقييده تلك النعمة بالحمد دون إطلاقها: إشارة إلى التزام الشكر لهذه النعمة المستجدة.
قوله: (الله يسمع كل دعاء أجابه أو لم يجبه)، يعني: كيف استعمل (سَمِيعُ الدُّعَاءِ) بمعنى: مجيبه، فإنه تعالى يسمع الدعاء، أجابه أو لم يجبه؟ وما فائدة اختصاصه به؟
قلت: هو من قولك: سمع الملك كلام فلان إذا اعتد به وقبله، ومنه: سمع الله لمن حمده. وفي الحديث: «ما أذن الله لشيء كإذنه لنبي يتغنى بالقرآن» .
فإن قلت: ما هذه الإضافة إضافة "السميع" إلى "الدعاء"؟ قلت: إضافة الصفة إلى مفعولها، وأصله لسميع الدعاء. وقد ذكر سيبويه "فعيلاً" في جملة أبنية المبالغة العاملة عمل الفعل، كقولك: هذا ضروب زيداً، وضراب أخاه، ومنحار إبله، وحذر أموراً، ورحيم أباه. ويجوز أن يكون من إضافة فعيل إلى فاعله، ويجعل دعاء الله سميعا على الإسناد المجازي. والمراد سماع الله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأجاب: أن الفائدة أنه اعتد به وقبل منه، كما إذا رفع شخصان قصتهما إلى الأمير، وسمع كلامهما، وقبل من أحدهما وقضى حاجته، ولم يقبل من الآخر، يقال: سمع قصة فلان، ولم يسمع من الآخر، وهو من باب الكناية.
قوله: (ما أذن الله) الحديث، رواه الشيخان عن أبي هريرة، يعني: لا يعتد بشيء كاعتداده لنبي يتغنى بالقرآن، قال في "الفائق":"الأذن: الاستماع، والمراد بالتغني: تخزين القراءة وترقيقها، ومنه الحديث: (زينوا القرآن بأصواتكم) ".
الراغب: "غنى أغنية وغناء وتغنى، وقيل: تغنى؛ بمعنى: استغنى، ومنه: "من لم يتغن بالقرآن".
قوله: (من إضافة "فعيل" إلى فاعله)، أي: لسميع دعاؤك.
[رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ* رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ)].
(وَمِنْ ذُرِّيَّتِي) وبعض ذرّيتي، عطفاً على المنصوب في (اجعلني)، وإنما بعض لأنه علم بإعلام الله أنه يكون في ذرّيته كفار، وذلك قوله:(لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ)[البقرة: 124].
(وَتَقَبَّلْ دُعاءِ) أي: عبادتي؛ (وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ)[مريم: 48].
يعني: أباه، وقرأ الحسن بن علي رضي الله عنهما:"ولولدي" يعني: إسماعيل وإسحاق. وقرئ: "لولدي" بضم الواو، والوُلُد بمعنى: الوَلَد، كالعدم والعدم. وقيل: جمع ولد، كـ"أُسدٍ" في: أسد. وفي بعض المصاحف: "ولذريتي".
فإن قلت: كيف جاز له أن يستغفر لبويه وكانا كافرين؟ قلت: هو من مجوزات العقل، لا يعلم امتناع جوازه إلا بالتوقيف. وقيل: أراد بوالديه آدم وحواء. وقيل: بشرط الإسلام، ويأباه قوله:(إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك)[الممتحنة: 4]؛ لأنه لو شرط الإسلام لكان استغفاراً صحيحاً لا مقال فيه، فكيف يُستنى الاستغفار الصحيح من جُملة ما يؤتسى فيه بإبراهيم.
في قراءة أبيّ: "ولأبويّ". وقرأ سعيد بن جبير: "ولوالدي"، على الإفراد،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ))، استشهاد لأن الدعاء يجيء بمعنى العبادة.
قوله: (ويأباه قوله: (إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ))، يعني: هذا القول مردود، لأنه لو نوى إبراهيم عليه السلام في قوله:(رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ): "إن أسلما"، لكان مثل هذا الاستغفار مما يؤتسى به ومأموراً به، وقد قال الله تعالى:(قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ) إلى قوله: (إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ)[الممتحنة: 4]، فالله تعالى
(يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ) أي: يثبت، وهو مستعارٌ من قيام القائم على الرجل، والدليل عليه قولهم: قامت الحرب على ساقها. ونحوه قولهم: ترجلت الشمس: إذا أشرقت وثبت ضوؤها، كأنها قامت على رجل. ويجوز أن يسند إلى الحساب قيام أهله إسناداً مجازياً، أو يكون مثل (وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ) [يوسف: 82]. وعن مجاهد: قد استجاب الله له فيما سأل، فلم يعبد أحد من ولده صنما بعد دعوته، وجعل البلد آمنا، ورزق أهله من الثمرات، .........
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نهانا أن نأتسي به في هذا الاستغفار، ولو كان مشروطاً بالإسلام لكان مأموراً بالاتباع، فضلاً عن أن يكون منهياً عنه، وقد استقصينا الكلام عليه في "مريم"؛ رداً على المصنف.
قوله: (وهو مستعار من قيام القائم)، أي: القيام مستعار للثبات، شبه (الْحِسَابُ) في الوقوع والثبوت بإنسان إذا كان على أقوى حاله، وهو القائم، ثم خيل له ما يلازم الإنسان في هذه الحالة، وهو القيام، ثم شبه هذا المتخيل بمثله من المحقق، ثم أطلق المحقق على ذلك المتخيل، فهي استعارة مكنية مستلزمة للتخييلية.
قوله: (وعن مجاهد: قد استجاب الله له)، بيان لربط الآيات من ابتداء دعوة إبراهيم عليه السلام، فقوله:"فمل يعبد أحد من ولده صنماً بعد دعوته": مبني على ما سبق من جواب ابن عيينة: "ما عبد أحد من ولد إسماعيل صنماً، وإنما كانت أنصاب حجارة"، وفي قوله:"وجعل في ذريته من يقيم الصلاة": إشارة إلى أن "من" في (مِن ذُرِّيَّتِي) للتبعيض، وقوله:"وأراه مناسكه وتاب عليه": إشارة إلى ما في البقرة: (وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا)[البقرة: 128].
وقول ابن عباس: إما من تتمة كلام مجاهد، أو أنه لما لم يذكره جاء به ليستوعب جميع ما اشتملت عليه الآيات من المعاني.
وجعله إماماً، وجعل في ذريته من يقيم الصلاة، وأراه مناسكه، وتاب عليه. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: كانت الطائف من أرض فلسطين، فلما قال إبراهيم:(رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ)[إبراهيم: 37]، رفعها الله فوضعها حيث وضعها رزقا للحرم.
[(وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ* مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ)].
فإن قلت: يتعالى الله عن السهو والغفلة، فكيف يحسبه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أعلم الناس به غافلاً حتى قيل:(وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا)؟ قلت: إن كان خطاباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم ففيه وجهان:
أحدهما: التثبيت على ما كان عليه من أنه لا يحسب الله غافلاً، كقوله:(وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)[الأنعام: 14]، (فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ) [الشعراء: 213]، كما جاء في الأمر (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) [النساء: 136].
والثاني: أنّ المراد بالنهي عن حسبانه غافلاً، الإيذان بأنه عالم بما يفعل الظالمون، لا يخفى عليه منه شيء، وأنه معاقبهم على قليله وكثيره على سبيل الوعيد والتهديد كقوله: وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ يريد الوعيد. ويجوز أن يراد: ولا تحسبنه يعاملهم معاملة الغافل عما يعملون،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (الإيذان بأنه عالم بما يفعله الظالمون)، يريد: أن قوله: (غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ) كناية أو مجاز في المرتبة الثانية عن الوعيد والتهديد، أي: لا تحسبن الله يترك عقابهم، لأنه جائز في كرمه ولطفه أن يعفو عنهم، لكن لابد أن يعاقبهم على القليل والكثير.
قوله: (يعاملهم معاملة الغافل)، فعلى هذا [هو] استعارة تمثيلية، كما مر في (يُخَادِعُونَ اللهَ) [البقرة: 9].
ولكن معاملة الرقيب عليهم، المحاسب على النقير والقطمير.
وإن كان خطاباً لغيره ممن يجوز أن يحسبه غافلاً، لجهله بصفاته، فلا سؤال فيه. وعن ابن عيينة: تسلية للمظلوم وتهديد للظالم، فقيل له. من قال هذا؟ فغضب وقال: إنما قاله من علمه.
وقرئ: (يؤخرهم) بالنون والياء
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (النقير والقطمير)، الجوهري:"النقير: النقرة التي في ظهر النواة"، و"القطمير: الفوفة التي في النواة، وهي القشرة الرقيقة".
قوله: (تسلية للمظلوم، وتهديد للظالم)، يعني: الخطاب عام، فلا يختص به مخاطب دون مخاطب، لأن الناس بين ظالم ومظلوم، فإذا سمع المظلوم أن الله تعالى عالم بما يفعله الظالم وينتصر له هان عليه ظلمه، والظالم إذا تصور أن الله تعالى عالم بما يفعله، ولابد أن يجازيه على ظلمه، ربما ارتدع عن ظلمه.
وإنما غضب عليه؛ لأن السائل قصر التأويل على التقليد، وطلب منه الرواية، ولهذا قال:"إنما قاله من علمه"، أي: قاله صاحب الدراية.
وهذا مناسب لتأليف النظم؛ فإن الآية مردودة إلى قوله: (قُلْ تَمَتَّعُوا) و (قُل لِعِبَادِيَ)[إبراهيم: 30 - 31]، أمر صلوات الله عليه وسلامه بمتاركة القوم، وبأن يقول لهم:(تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ)[إبراهيم: 30]، وبأن يشتغل بتبليغ الرسالة مع من ينتفع به بالعمل وباستعمال الفكر والاعتبار؛ بقوله:(يُقِيمُوا الصَّلَاةَ)[إبراهيم: 31] الآية، وبقوله:(اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ)[إبراهيم: 32]، وقوله:(وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ)[إبراهيم: 35]، ثم سلاه وهدد الظالم على سبيل العموم بقوله:(وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ)، وختم به وبما يتصل به السورة، والله أعلم.
(تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ) أي: أبصارهم لا تقرّ في أماكنها من هول ما ترى.
(مُهْطِعِينَ) مسرعين إلى الداعي. وقيل: الإهطاع: أن تقبل ببصرك على المرئي تديم النظر إليه لا تطرف (مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ) رافعيها (لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ) لا يرجع إليهم أن يطرفوا بعيونهم، أي: لا يطرفون، ولكن عيونهم مفتوحة ممدودة من غير تحريك للأجفان. أو لا يرجع إليهم نظرهم فينظروا إلى أنفسهم.
الهواء: الخلاء الذي لم تشغله الأجرام، فوصف به فقيل: قلب فلان هواء إذا كان جبانا لا قوّة في قلبه ولا جرأة. ويقال للأحمق أيضا: قلبه هواء. قال زهير:
مِنَ الظُّلْمَانِ جُؤْجُؤُهُ هَوَاءُ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أي: أبصارهم لا تقر في أماكنها)، الراغب:"الشخص: سواد الإنسان القائم المتراءى من بعيد، وقد شخص من بلده: نفذ، وشخص سهمه وبصره، وأشخصه صاحبه، قال الله تعالى: (تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ)، وقال: (شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا) [الأنبياء: 97]، أي: أجفانهم لا تطرف".
قوله: (لا يرجع إليهم أن يطرفوا)، الجوهري:"طرف بصره يطرف طرفاً؛ إذا أطبق أحد جفنيه على الآخر، الواحدة من ذلك: طرفة، يقال: أسرع من طرفة عين".
قوله: (من الظلمان جؤجؤه هواء)، وأنشده الزجاج، صدره:
لأنّ النعام مثل في الجبن والحمق. وقال حسان:
فَأَنْتَ مُجَوَّفٌ نَخْبٌ هَوَاءُ
وعن ابن جريج: (أَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ) صفرٌ من الخير خاوية منه. وقال أبو عبيدة: جوف لا عقول لهم.
[(وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَاتِيهِمُ الْعَذابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَ لَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ* وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ وَضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ* وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ* فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقامٍ)].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كأن الرحل منها فوق صعل
الصعل: الصغير الرأس من الرجال والنعام من غير قصر العنق، والجؤجؤ من الطائر والسفينة: صدرهما، يهمز ولا يهمز، يصف مطيته بالقلق، يقول: كأن رحل هذا المطي فوق ظليم- أي: نعامة- لا قوة في قلبه، لأن النعام يضرب به المثل في الجبن.
قوله: (فأنت مجوف نخب هواء)، صدره:
ألا أبلغ أبا سفيان عني
يقال: رجل مجوف: لا قلب له، كأنه خالي الجوف من القلب، والنخب: الفاسد، رجل
(يَوْمَ يَأتِيهِمُ الْعَذابُ) مفعول ثانٍ لـ"أنذر" وهو يوم القيامة. ومعنى: (أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ): رُدّنا إلى الدنيا وأمهلنا إلى أمدٍ وحدّ من الزمان قريب، نتدارك ما فرطنا فيه من إجابة دعوتك واتباع رسلك. أو أريد بـ"اليوم": يوم هلاكهم بالعذاب العاجل، أو يوم موتهم معذبين بشدّة السكرات ولقاء الملائكة بلا بشرى، وأنهم يسألون يومئذ أن يؤخرهم ربهم إلى أجل قريب، كقوله:(لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ)[المنافقون: 10].
(أَوَ لَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ) على إرادة القول، وفيه وجهان: أن يقولوا ذلك بطراً وأشراً، ولما استولى عليهم من عادة الجهل والسفه، وأن يقولوه بلسان الحال حيث بنوا شديداً وأمّلوا بعيداً. (وما لَكُمْ) جواب القسم، وإنما جاء بلفظ الخطاب لقوله (أَقْسَمْتُمْ)، ولو حكى لفظ المقسمين لقيل: ما لنا مِنْ زَوالٍ والمعنى أقسمتم أنكم باقون في الدنيا لا تزالون بالموت والفناء. وقيل. لا تنتقلون إلى دار أخرى يعنى كفرهم بالبعث، كقوله (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ) يقال: سكن الدار وسكن فيها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نخب- بكسر الخاء-: أي جبان لا فؤاد له، وهواء: صفر من الخير.
قوله: (أن يقولوا ذلك بطراً وأشراً)، إشارة إلى أن القول مضمر، أي: ألم يكونوا بطرين أشرين قائلين: والله ما لنا من زوال، أو أن يقولوه بلسان الحال، أي: لا قول ثمة ولا قسم، ولكن دل بطرهم وأشرهم من بناء القصور والأمل البعيد على هذا المعنى.
قوله: (يعني: كفرهم بالبعث)، يريد: أن قولهم: "ما لنا من زوال" مبني على إنكار البعث، وأن القوم دهرية، يعني: لم نزل على هذه الطريقة، لأن القائلين بالقدم يقولون:(مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ)[الجاثية: 24]، خذلهم الله.
ومنه قوله تعالى (وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) لأنّ "السكنى" من السكون الذي هو اللبث، والأصل تعدّيه بـ"في"، كقولك: قرّ في الدار وغني فيها وأقام فيها، ولكنه لما نقل إلى سكون خاص تصرف فيه فقيل: سكن الدار كما قيل: تبوّأها وأوطنها.
ويجوز أن يكون: "سكنوا" من السكون، أي: قرّوا فيها واطمأنوا طيبي النفوس، سائرين سيرة من قبلهم في الظلم والفساد، لا يحدّثونها بما لقي الأوّلون من أيام الله، وكيف كان عاقبة ظلمهم، فيعتبروا ويرتدعوا.
(وَتَبَيَّنَ لَكُمْ) بالإخبار والمشاهدة (كَيْفَ) أهلكناهم وانتقمنا منهم. وقرئ: "ونبين لكم" بالنون.
(وَضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ) أي: صفات ما فعلوا وما فعل بهم، وهي في الغرابة كالأمثال المضروبة لكل ظالم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ويجوز أن يكون "سكنوا" من السكون)، عطف على قوله:"سكن الدار وسكن فيها" من حيث المعنى، يعني:(سَكَنتُم) في الآية: إما من السكون الذي هو بمعنى اللبث والتبوء، أو من السكون بمعنى القرار، فإن كان الأول فاستعماله بـ "في" بالنظر إلى أصل الاستعمال. لا بالنظر إلى النقل بحسب العرف، فإنهم يستعملونه بغير "في".
وقوله: "لأن "السكنى" من السكون": تعليل لقوله: "ومنه قوله تعالى: (وَسَكَنتُمْ) "، أي:(وَسَكَنتُمْ) من هذا الاستعمال، لأن"سكن الدار"- بمعنى: السكنى والتبوء- يستعمل بالجار على الأصل، وبلا جار للنقل إلى العرف، فاستعمل ها هنا بالجار.
قوله: (وكيف كان)، عطف على قوله:"ما لقي" على سبيل البيان؛ على تأويل جواب "كيف"، أي: لا يحدثونها بأحوال عاقبة ظلم الأولين من الهلاك والدمار.
(وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ) أي: مكرهم العظيم الذي استفرغوا فيه جهدهم (وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ) لا يخلو: إمّا أن يكون مضافاً إلى الفاعل كالأوّل، على معنى: ومكتوب عند الله مكرهم، فهو مجازيهم عليه بمكر هو أعظم منه، أو يكون مضافاً إلى المفعول على معنى:(وعند الله مكرهم) الذي يمكرهم به، وهو عذابهم الذي يستحقونه يأتيهم به من حيث لا يشعرون ولا يحتسبون (وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ) وإن عظم مكرهم وتبالغ في الشدة، فضرب زوال الجبال منه مثلا لتفاقمه وشدته، أي: وإن كان مكرهم مسوى لإزالة الجبال. معداً لذلك.
وقد جعلت "إن" نافيةً واللام مؤكدة لها، كقوله تعالى:(وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ)[البقرة: 143]، والمعنى: ومحال أن تزول الجبال بمكرهم، على أنّ الجبال مثل لآيات الله وشرائعه، لأنها بمنزلة الجبال الراسية ثباتاً وتمكناً. وتنصره قراءة ابن مسعود:"وما كان مكرهم".
وقرئ: "لتزول" بلام الابتداء، على:(وإن كان مكرهم) من الشدّة بحيث تزول منه الجبال ونتقلع من أماكنها. وقرأ علي وعمر رضي الله عنهما: "وإن كاد مكرهم".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (مكرهم العظيم)، إنما عظمه للإضافة، وهذا إنما يصار إليه إذا علم شدة شكيمة من أضيف إليه، وتماديهم في الطغيان، كأنه قيل: فما ظنك بمكر مباشره مثل صناديد قريش.
قوله: (وقرئ: "لتزول" بلام الابتداء)، قال الزجاج:"قرئ: "لتزول" على الرفع وفتح اللام الأولى، المعنى: وعند الله مكرهم، وإن كان يبلغ في الكيد إلى إزالة الجبال، فإن
(مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ) يعني قوله: (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا)[غافر: 51]، (كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي) [المجادلة: 21].
فإن قلت: هلا قيل: مخلف رسله وعده؟ ولم قدم المفعول الثاني على الأوّل؟ قلت: قدم الوعد ليعلم أنه لا يخلف الوعد أصلاً، كقوله:(إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ)[آل عمران: 9]، ثم قال:(رُسُلَهُ) ليؤذن أنه إذا لم يخلف وعده أحداً، وليس من شأنه إخلاف المواعيد، كيف يخلفه رسله الذين هم خيرته وصفوته؟ وقرئ:"مخلف وعده رسله" بجرّ "الرسل" ونصب "الوعد". وهذه في الضعف كمن قرأ «قتل أولادهم شركائهم» [الأنعام: 137]. (عَزِيزٌ) غالب لا يماكر (ذُو انتِقامٍ) لأوليائه من أعدائه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الله ينصر دينه". وعلى هذا: "إن" مخففة من الثقيلة، وعلى الأول: شرطية.
وقدر "مسوى" لتعلق به اللام، لأنه خبر لـ "كان"، وهو من الشرط الذي يعقب به الكلام مبالغة.
قوله: (يعني: قوله: (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا))، يعني: المراد بـ "الوعد" قوله هذا في غير هذا الموضع.
وقلت: ويمكن أن يحمل "الوعد" على قوله: (وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ)، لأنه إيماء إلى النصرة، يدل عليه قوله:"فهو مجازيهم عليه بمكر هو أعظم منه"، وقوله:"وهو عذابهم".
قوله: (قدم الوعد ليعلم أنه لا يخلف الوعد أصلاً)، قال في "الانتصاف":"وفيه نظر، لأن الفعل إذا تقيد بمفعول انقطع إطلاقه، فليس تقديم الوعد دالاً على إطلاق الفعل حتى يكون ذكر "الرسل" ثانياً كالأجنبي، فلا فرق بين تقديم الوعد وتأخيره، بل فيه الإيذان
[(يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ* وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ* سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ* لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ)].
(يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ) انتصابه على البدل من (يوم يأتيهم)، أو على الظرف للانتقام. والمعنى: يوم تبدّل هذه الأرض التي تعرفونها أرضاً أخرى غير هذه المعروفة، وكذلك السموات. والتبديل: التغيير، وقد يكون في الذوات كقولك: بدّلت الدراهم دنانير. ومنه (بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها)[النساء: 56] و (وبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ)[سبأ: 16]، وفي الأوصاف، كقولك: بذلت الحلقة خاتماً، إذا أذبتها وسويتها خاتماً، فنقلتها من شكل إلى شكل. ومنه قوله تعالى (فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ) [الفرقان: 70].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعناية المتكلم، وهذه الآية سيقت لتهديد الظالمين بما وعدهم الله على ألسنة الرسل، فالمهم ذكر الوعد، أما كونه على ألسنة الرسل فلا يقف التخويف عليه".
وقال في "الإنصاف": "هذا السؤال قوي، وإنما الذي ذكره الزمخشري هو القاعدة عند علماء البيان، قال الجرجاني مثل ذلك في قوله تعالى: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ) [الأنعام: 100]: إنما قدم (شُرَكَاءَ) للإيذان بأنه لا ينبغي أن يتخذ الشركاء لله مطلقاً، ثم ذكر (الجِنَّ) تحقيراً لهم، أي: إذا لم يتخذ من غير الجن، فالجن أحق أن لا يتخذوا شركاء، وإن كان السؤال متوجهاً على هذا أيضاً".
وقلت: صاحب "الإنصاف" ما أنصف من نفسه حيث قال: "هذا السؤال قوي" بعدما أقر السائل بأن لا فرق بين تقديم الوعد وتأخيره إلا الإيذان بعناية المتكلم، ألا تسمع سيبويه
واختلف في تبديل الأرض والسموات، فقيل: تبدّل أوصافها فتسير عن الأرض جبالها وتفجر بحارها وتسوّى فلا يرى فيها عوج ولا أمت. وعن ابن عباس: هي تلك الأرض وإنما تغير، وأنشد:
وَمَا النَّاسُ بِالنَّاسِ الّذِينَ عَهِدْتَهُمْ
…
وَلَا الدَّارُ بِالدَّارِ الّتِى كُنْتَ تَعْلَمُ
وتبدّل السماء بانتثار كواكبها، وكسوف شمسها، وخسوف قمرها، وانشقاقها، وكونها أبواباً.
وقيل: يخلق بدلها أرض وسموات أخر. وعن ابن مسعود وأنس: يحشر الناس على أرض بيضاء لم يخطئ عليها أحد خطيئةً. وعن علي رضي الله عنه: تبدّل أرضاً من فضة، وسماوات من ذهبٍ. وعن الضحاك: أرضاً من فضة بيضاء كالصحائف. وقرئ: "يوم نبدّل الأرض" بالنون.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كيف قال: فإنهم يقدمون الأهم وما هم ببيانه أعنى، فإذا قدم المفعول الثاني على الأول وقع الكلام فيه أصالة، ويكون المفعول الأول تبعاً له، لا أن الفعل يصير مطلقاً كما توهم، حققنا المعنى في سورة الأنعام في قوله:(وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ)[الأنعام: 100]، فإذن المعنى ما قال المصنف: ليس من شأن الله إخلاف المواعيد، كقوله:(إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ)[آل عمران: 9، والرعد: 31]، ثم قال:(رُسُلَهُ)، ولما كان السياق في تهديد الظالمين كان ذكر الرسل تتميماً لذلك التهديد ومبالغة فيه، وأن ذلك كائن لا محالة، لأنهم خيرته وصفوته، وهو على منوال قولها:
كأنه علم في رأسه نار
فإن قلت: كيف قال: (الْواحِدِ الْقَهَّارِ)؟ قلت: هو كقوله: (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ)[غافر: 16]؛ لأنّ الملك إذا كان لواحدٍ غلابٍ لا يغالب ولا يعازّ، فلا مستغاث لأحد إلى غيره ولا مستجار، كان الأمر في غاية الصعوبة والشدّة. (مُقَرَّنِينَ) قرن بعضهم مع بعض، أو مع الشياطين، أو قرنت أيديهم ألى أرجلهم مغللين.
وقوله: (فِي الْأَصْفادِ): إمّا أن يتعلق بـ (مقرّنين)، أي: يقرنون في الأصفاد. وإمّا أن لا يتعلق به، فيكون المعنى: مقرّنين مصفدين. والأصفاد: القيود: وقيل الأغلال، وأنشد لسلامة بن جندل:
وَزَيْدُ الْخَيْلِ قَدْ لَاقَى صِفَاداً
…
بَعَضُّ بِسَاعِدٍ وَبِعَظْمِ سَاقِ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وسقط أيضاً قول صاحب "الانتصاف": "أما كونه على ألسنة الرسل فلا يقف التخويف عليه".
قوله: (كيف قال: (الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ)؟ )، أي: كيف ضم هذا مع قوله: (وَبَرَزُوا لِلهِ)؟ وأجاب: أن انضمامه معه يفيد معنى الصعوبة والشدة كانضمام قوله: (لِمَنْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ) مع قوله: (لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ)[غافر: 16].
قوله: (إما أن يتعلق بـ (مُقَرَّنِينَ))، أي: يكون (فِي الأَصْفَادِ) ظرفاً لغواً، وهو نشر لقوله:"قرن بعضهم مع بعض أو مع الشياطين"، أيك في الأغلال، وقوله:"وإما أن لا يتعلق به"، أي: يكون ظرفاً مستقراً حالاً من ضمير المجرمين، وهو نشر لقوله:"قرنت أيديهم إلى أرجلهم مغللين".
قوله: (وزيد الخيل قد لاقى صفادا)، قال ابن عبد البر في "الاستيعاب": "هو زيد ابن مهلهل بن زيد الطائي، قدم على النبي صلى الله عليه وسلم، وسماه صلى الله عليه وسلم زيد الخير، وقال له: ما وصف
القطران: فيه ثلاثة لغات: قَطِران، وقِطْران، وقَطْران؛ بفتح القاف وكسرها مع سكون الطاء، وهو ما يتحلب من شجر يسمى الأبهل فيطبخ، فتهنأ به الإبل الجربى، فيحرق الجرب بحرّه وحدّته، والجلد، وقد تبلغ حرارته الجوف، ومن شأنه أن يسرع فيه اشتعال النار، وقد يستسرج به، وهو أسود اللون منتن الريح، فتطلى به جلود أهل النار حتى يعود طلاؤه لهم كالسرابيل وهي القمص، لتجتمع عليهم الأربع: لذع القطران. وحرقته، وإسراع النار في جلودهم، واللون الوحش، ونتن الريح. على أن التفاوت بين القطرانين كالتفاوت بين النارين، وكل ما وعده الله أو وعد به في الآخرة، فبينه وبين ما نشاهد من جنسه من لا يقادر قدره، وكأنه ما عندنا منه إلا الأسامى والمسميات ثمة، فبكرمه الواسع نعوذ من سخطه، ونسأله التوفيق فيما ينجينا من عذابه.
وقرئ: "من قِطْرٍ آنٍ"، والقطر: النحاس أو الصفر المذاب. والآني: المتناهي حرّه.
(وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ): كقوله تعالى: (أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ)[الزمر: 24]، (يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ) [القمر: 48] لأن الوجه أعز موضع في ظاهر البدن وأشرفه، كالقلب في باطنه، ......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لي [أحد] في الجاهلية فرأيته في الإسلام [إلا رأيته] دون صفته غيرك، ومات منصرفه من عند النبي صلى الله عليه وسلم محموماً".
قوله: (وقرئ: "من قطر آنٍ")، قال ابن جني:"وهي قراءة ابن عباس وأبي هريرة وجماعة من التابعين، والآني: من: أنى الشيء يأني أنياً وإنى- مقصور-، ومنه قوله تعالى: (غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ) [الأحزاب: 53]، أي: بلوغه وإدراكه، قال أبو علي: ومنه: الإناء، لأنه الظرف الذي قد بلغ غايته المرادة فيه".
ولذلك قال: (تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ)[الهمزة: 7]. وقرئ: (وتغشى وجوههم)، بمعنى تتغشى: أي: يفعل بالمجرمين ما يفعل (لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ) مجرمةٍ (ما كَسَبَتْ) أو كل نفسٍ من مجرمةٍ ومطيعة، لأنه إذا عاقب المجرمين لإجرامهم على أنه يثيب المطيعين لطاعتهم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (بمعنى: تتغشى)، أي: يجب حمل هذه القراءة على المضارع، فحذف إحدى التاءين ليوافق المشهورة.
فإن قلت: (مُقَرَّنِينَ) و (سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ)(وَتَغْشَى) ثلاثتها أحوال من ضمير (الْمُجْرِمِينَ)، فلم خولف بينها؟ قلت: ليؤذن بالترقي، فإن كونهم مقرنين في الأصفاد دون أن تكون سرابيلهم من قطران، فجيء بها جملة اسمية، وغشيان أكرم الأعضاء واستعلاء أقوى العناصر عليها فوق الكل، فجدد بالمضارع الدال على استحضار تلك الحالة الفظيعة في مشاهدة السامع. وإنما قلت:"فجدد" لأن إتيان "ترى" لذلك.
قوله: (أي: يفعل بالمجرمين ما يفعل)، كناية عن قوله تعالى:(وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ) الآيتين، واللام تعليل للمذكور.
قوله: (لأنه إذا عاقب المجرمين لإجرامهم)، علة لإجزاء كل نفس بما كسبت على العموم، يعني: أن (كُلَّ نَفْسٍ) لما عقبت ذكر (الْمُجْرِمِينَ)، خصصت بنفس مجرمة وكانت مقيدة بها، أو يترك على الإطلاق، وإن كان تعليلاً للكلام السابق.
قال القاضي: "ويتعين ذلك إن علق اللام بـ "برزوا لله الواحد القهار"، للدلالة على أنه إذا عاقب المجرمين لإجرامهم، علم بالمفهوم أنه يثيب المطيعين لطاعتهم".
[(هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ)].
(هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ) كفاية في التذكير والمواعظة، يعني بـ (هذا) ما وصفه من قوله:(وَلَا تَحْسَبَنَّ)[آل عمران: 169] إلى قوله (سَرِيعُ الْحِسابِ)[آل عمران: 199]. (وَلِيُنْذَرُوا) معطوفٌ على محذوف، أي: لينصحوا ولينذروا (بِهِ) بهذا البلاغ. وقرئ: "ولينذروا" بفتح الياء؛
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (يعني بـ (هَذَا) ما وصفه من قوله: (فَلَا تَحْسَبَنَّ) إلى قوله: (سَرِيعُ الْحِسَابِ))، قال القاضي:" (هَذَا) إشارة إلى القرآن أو إلى السورة أو ما فيها من العظة والتذكير".
وقلت: إلى السورة هو الظاهر؛ ليكون كالخاتمة لها، فإن الفاتحة- وهي قوله:(الر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ)[إبراهيم: 1]- وهلم جرا إلى آخره دل على التذكير والعظة والإنذار، والله أعلم.
قوله: (وقرئ: "ولينذروا" بفتح الياء) والذال، قال ابن جني:"قرأها يحيى بن عمر وأحمد بن يزيد السلمي، يقال: نذرت بالشيء: إذا علمت به فاستعددت له، فهو في معنى: فهمته وعلمته، وطبنت له: في وزن ذلك، ولم تستعمل العرب لقولهم: "نذرت بالشيء"
من: نذر به: إذا علمه واستعدّ له، (وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ) لأنهم إذا خافوا ما أنذروا به، دعتهم المخافة إلى النظر حتى يتوصلوا إلى التوحيد، لأنّ الخشية أمّ الخير كله.
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة إبراهيم أُعطى من الأجر عشر حسنات بعدد كل من عبد الأصنام وعدد من لم يعبد» .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مصدراً، كأنه من الفروع المهجورة الأصول، ومنه:"عسى" لا مصدر لها، وكذلك "ليس"، كأنهم استغنوا عنه بـ "أن" والفعل، نحو: سرني أن نذرت بالشيء، ويسرني أن تنذر به".
قوله: (لأنهم إذا خافوا ما أنذروا به، دعتهم المخافة إلى النظر حتى يتوصلوا إلى التوحيد)، قال القاضي: "اعلم أنه تعالى ذكر لهذا البلاغ ثلاث فوائد، هي الغاية الحكمة في إنزال الكتب: تكميل الرسل للناس، واستكمالهم النظر إلى منتهى كماله، وهو التوحيد، واستصلاحهم العمل الصالح، وهو التدرع بلباس التقوى. جعلنا الله من الفائزين بهما.
والله سبحانه وتعالى أعلم
تمت السورة