المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌سورة الحجر مكية، وهي تسعُ وتسعون آية بسم الله الرحمن الرحيم [(الر تِلْكَ - فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف) - جـ ٩

[الطيبي]

فهرس الكتاب

‌سورة الحجر

مكية، وهي تسعُ وتسعون آية

بسم الله الرحمن الرحيم

[(الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ)]

(تِلْكَ) إشارة إلى ما تضمنته السورة من الآيات. والكتاب، والقرآن المبين:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

سورة الحجر

مكية، وهي تسع وتسعون آية

بسم الله الرحمن الرحيم

قوله: ((تِلْكَ) إشارة إلى ما تضمنته السورة من الآيات)، وهو على منوال: هذا أخوك. قال المصنف: لا يكون "هذا" إشارة إلى غير الأخ. قال ابن الحاجب: المشار إليه لا يُشترط أن يكون موجوداً حاضراً، بل يكفي أن يكون موجوداً ذهناً.

قال أبو البقاء: (تِلْكَ): يجوز أن يكون مبتدأ، و (آيَاتُ الْكِتَابِ) ": خبره، وأن يكون خبر (الر)، و (آيَاتُ الْكِتَابِ) بدل أو عطف بيان، واختار المصنف الأول لقوله:"والمعنى: تلك آيات الكتاب الكامل في كونه كتابا"، فقوله:"الكامل في كونه كتاباً"

ص: 5

السورة. وتنكير القرآن؛ للتفخيم. والمعنى: تلك آيات الكتاب الكامل في كونه كتاباً، وأي قرآن مبين، كأنه قيل: الكتاب الجامع للكمال والغرابة في البيان.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مستفاد من التعريف الجنسين وإيقاع (آيَاتُ الْكِتَابِ) خبراً من اسم الإشارة كما سبق في "البقرة".

وقوله: "وآي قرآن" مستفاد من التنكير التفخيمي في "قرآن".

وقوله: "الجامع للكمال" من توسيط العاطف بين الوصفين.

قوله: (وآي قرآن مبين) بالجر عطفاً على "كتاب كامل".

قوله: (والغرابة في البيان) من إيقاع (مُبِينٍ) وصفاً للقرآن بعد تعداد حروف التهجي، وأن المبين من: أبان، بمعنى بان، للمبالغة. قال محيي السنة: فإن قيل: لم ذكر الكتاب ثم قال: (قُرْآنٍ مُبِينٍ)، وكلاهما واحد؟ قيل: ليفيد أن المراد بالكتاب: ما يُكتب، وبالقرآن: ما يُجمع بعضه إلى بعض، ذهب إلى معنى العطف من الوصفين.

فإن قلت: رجع المآل إلى أن (الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ)، وصفان لموصوف واحد أقيما مقامه، فما ذلك الموصوف؟ وكيف تقديره؟ فإن قدرته معرفة دفعه (وَقُرْآنٍ مُبِينٍ)، وإن ذهبت إلى أنه نكرة، أباه لفظ الكتاب؟

قلت: أقدره معرفة، (وَقُرْآنٍ مُبِينٍ): في تأويل المعرفة، لأن معناه: البالغ في الغرابة إلى حد الإعجاز، فهو إذا محدود بل محصور، كأنه قيل: تلك آيات الكتاب الكامل المعجز، وإليه أشار بقوله:"الكتاب الجامع بين الكمال الغرابة في البيان"، فقوله:"الكتاب" هُو

ص: 6

[(رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ* ذَرْهُمْ يَاكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ)].

قرئ: ربما، وربتما بالتشديد، (وربتما)، (وربما): بالضم والفتح مع التخفيف. فإن قلت: لم دخلت على المضارع وقد أبوا دخولها إلا على الماضي؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الموصوف المضمر، وأحد الوصفين ما دل عليه قوله:"للكمال"، لأنه معنى الكتاب المذكور في التنزيل، ومعنى "الكمال" فيه مستفاد من التعريف الجنسي، كما سبق، والآخر قوله:"الغرابة في البيان"، وهو المعنى من قوله:(وَقُرْآنٍ مُبِينٍ) على ما أسلفناه.

فإن قلت: جعلت (الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ) وصفين لموصوف، والمصنف جعلهما في قوله:"والكتاب والقرآن المبين: السورة نفس السورة؟ " قلت: لما قلت: أقيما مقام الموصوف، صح ذلك، ولا منافاة.

قوله: (قرئ: "رُبما")، نافع وعاصم: بتخفيف الباء، والباقون بالتشديد، والبواقي شواذ.

قوله: (وقد أبوا دخولها إلا على الماضي). قال ابن الحاجب: لأنها لتقليل ما ثبت وتحقيقه. وقيل: هي لتقليل المحقق، وهو بالماضي أجدر، نص عليه المبرد.

قيل: إن (يَوَدُّ)، بمعنى: ود؛ لأنه خبر من الله مقطوع به، فجرى مجرى الماضي المحقق، و (ما) في (رُبَمَا): اسم نكرة، و (يَوَدُّ) نعته، وإنما حذف فعل (رُب) لأن الصفة قد أغنت عنه، وسدت مسده. ذكره اليمني.

ص: 7

قلت: لأن المترقب في إخبار الله عز وجل بمنزلة الماضي المقطوع به في تحققه، فكأنه قيل: ربما ودّ. فإن قلت: متى تكون ودادتهم؟ قلت: عند الموت، أو يوم القيامة إذا عاينوا حالهم وحال المسلمين. وقيل: إذا رأوا المسلمين يخرجون من النار، وهذا أيضاً باب من الودادة. فإن قلت: فما معنى التقليل؟ قلت: هو وارد على مذهب العرب في قولهم: لعلك ستندم على فعلك، وربما ندم الإنسان على ما فعل، ولا يشكون في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وقيل: إذا رأوا المسلمين يخرجون من النار، وهذا أيضاً باب من الودادة). يعني: تأول هذه الآية بهذا المعنى من الودادة الباطلة، وتفسيرٌ لها بما يُهوى ويُحب، قال الإمام: هذا قول أكثر المفسرين، كابن عباس، ومجاهد. والعجب من هذا الرجل كيف يجترئ على هذا الكلام؟

وقلتُ: بل فسرها من هبط إليه التنزيل على ما روينا عن الترمذي، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، في تفسير هذه الآية، قال:"إذا أُخرج أهلُ التوحيد من النار وأدخلوا الجنة، ود الذين كفروا لو كانوا مسلمين"، وعليه معنى التمني؛ وإنما يحسن موقعه إذا رأى الكافرون حسن عاقبة المسلمين، وشاهدوا سوء مغبة الكافرين، وأيقنوا اليأس التام، والإقناط الكلي، كما يقول الكافر:(يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا)[النبأ: 40] قال المصنف: "يُحشر الحيوان غير المكلف، حتى يُقتص للجماء من القرناء ثم تُرد تراباً، فيود الكافر حاله". وقال الراغب: ومن المودة التي تقتضي معنى التمني قوله تعالى: (رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا).

ص: 8

تندمه، ولا يقصدون تقليله، ولكنهم أرادوا: لو كان الندم مشكوكا فيه أو كان

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (لو كان الندم مشكوكاً فيه) يُشير لقوله: "لعلك ستندم"، وقوله:"ربما ندم الإنسان على ما فعل" أي: هذا الذي فعلت، ربما ندم الإنسان عليه.

وخلاصة الجواب أن يقال: لا شك أنهم يكثرون الودادة، ولكن استعمل رُب لتقليلها على الاستعارة، أي: تقل ودادتهم للإسلام حينئذ على إرادة أنهم يبالغون في الودادة، ويكثرون منها لاقتضاء مقام التوبيخ لهم، ثم تفيد هذه الاستعارة على طريقة الكناية الإيمائية- وهي أخذ الزبدة والخلاصة من المجموع- معنى توخي انتهاز فرصة الإسلام، أي: اغتنموا فرصة الإسلام، وسارعوا في تحصيله، فإنكم لو كنتم تودونه مرة واحدة فبالحري أن تُسارعوا فيها، فكيف والحال ما ذكرناها؟

الانتصاف: العرب تُعبر عن المعنى بضده، ومنه:

قد أترك القرن مصفراً أنامله

وإنما يُمتدح بالإكثار من ذلك، وعبر عنه بـ "قد" المفيدة للتقليل، ومنه (وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ) [الصف: 5]، فإن القصد توبيخهم على الأذى، مع توفر علمهم برسالته ونصحه.

قلتُ: ومنه قوله تعالى: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ)[البقرة: 144] أي: مِن حق اهتمامك بشان القبلة مع كثرة تقلب وجهك في السماء أن يكون أكثر مما وُجد منك وشوهد من حالك، لأن أصل أمرك أن تستقبل قبلة آبائك، ولكونه أدعى للعرب إلى الإيمان، ولوجوب مخالفة اليهود.

ص: 9

قليلا لحق عليك أن لا تفعل هذا الفعل؛ لأنّ العقلاء يتحرّزون من التعرّض للغم المظنون، كما يتحرّزون من المتيقن ومن القليل منه، كما من الكثير، وكذلك المعنى في الآية: لو كانوا يودّون الإسلام مرة واحدة، فبالحري أن يسارعوا إليه، فكيف وهم يودّونه في كل ساعة (لوْ كانُوا مُسْلِمِينَ) حكاية ودادتهم، وإنما جيء بها على لفظ الغيبة؛ لأنهم مخبر عنهم، كقولك: حلف بالله ليفعلنّ. ولو قيل: حلف بالله لأفعلنّ، ولو كنا مسلمين؛ لكان حسناً سديداً، وقيل: تدهشهم أهوال ذلك اليوم فيبقون

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (فبالحرى أن يسارعوا): قيل: "أن يسارعوا": مبتدأ، و"بالحري": خبره، وهو مصدر، والباء غير زائدة، أي: المسارعة ثابتة بالحري، وإذا جُعل صفة مشبهة، فالباء زائدة، وبالحري: مبتدأ، و"أن يُسارعوا": الخبر، كقولك: بحسبك زيدٌ، وقلت: جواب لو محذوف، والفاء في فبالحري جواب لشرط محذوف، يعني: لو كانوا يودون الإسلام مرة واحدة لكان الواجب المسارعة إليه، وإذا كان كذلك فبالحري أن يسارعوا غليه، فكيف وهم يودونه في كل ساعة؟ ويجوز أن يكون جواباً لـ "لو"، لمعنى الشرطية فيها، وجاء في "البقرة" في قصة المنافقين أن قولهم هذا لو صدر عنهم لا على وجه النفاق، وعقيدتهم عقيدتهم فهو كفر.

قوله: (وإنما جيء بها على لفظ الغيبة لأنهم مخبر عنهم)، قال صاحب "الفرائد": لابُد لقوله (يَوَدُّ) من مفعول، فـ"لَو" مع ما بعده نُزل منزلته، كأنه قيل:(رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا) ما يلازم لو كانوا مسلمين، [وهو الخلاص من النار ودخول الجنة، ولو قيل: لو كنا مسلمين لكان التقدير: (رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا) الإسلام قائلين: لو كنا مسلمين] لما ابتلينا بالنار ولدخلنا الجنة، فظهر من هذا أن الغيبة أولى بالذكر، لأنها أقل احوجاجاً إلى التقدير.

وقلت: ولهذا قدمه المصنفُ على الثاني، وقال:"ولو قيل: لكان كذا، لكان سديداً".

قوله: (وقيل: تدهشهم) جواب آخر للسؤال معطوف على قوله: "هو وارد"، ورُب حينئذ: للتقليل حقيقة.

ص: 10

مبهوتين، فإن حانت منهم إفاقة في بعض الأوقات من سكوتهم تمنوا، فلذلك قلل (ذَرْهُمْ) يعنى اقطع طمعك من ارعوائهم، ودعهم عن النهى عما هم عليه والصدّ عنه بالتذكرة والنصيحة، وخلهم (يَاكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا بدنياهم) وتنفيذ شهواتهم، ويشغلهم أملهم وتوقعهم لطول الأعمار واستقامة الأحوال، وأن لا يلقوا في العاقبة إلا خيراً (فَسَوْفَ يَعْلَمُون) سوء صنيعهم.

والغرض الإيذان بأنهم من أهل الخذلان، وأنهم لا يجيء منهم إلا ما هم فيه، وأنه لا زاجر لهم ولا واعظ إلا معاينة ما ينذرون به حين لا ينفعهم الوعظ، ولا سبيل إلى اتعاظهم قبل ذلك، فأمر رسوله بأن يخليهم وشأنهم ولا يشتغل بما لا طائل تحته، وأن يبالغ في تخليتهم حتى يأمرهم بما لا يزيدهم إلا ندماً في العاقبة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (من ارعوائهم)، النهاية: لا يرعوي: أي لا ينكف ولا ينزجر عن القبيح.

قوله: (وأن لا يلقوا) عطف على سبيل البيان على قوله: "لطول الأعمار واستقامة الأحوال"، أي: خلهم يشغلهم توقعهم أن لا يلقوا في العاقبة إلا خيراً.

قوله: (حين لا ينفعهم): ظرف لقوله: "معاينة".

قوله: (فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مسبب عن قوله: "والغرض" أي: الغرض من إيراد قوله: (ذَرْهُمْ يَاكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمْ الأَمَلُ) الإعلام بأنهم من أهل الخذلان على سبيل الكناية، لا حقيقة الأمر، فأمر رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يخليهم لذلك الغرض، كما أن الأمر في قوله:(فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ)[الكهف: 29] لطلب الكفر ظاهراً، والغرض منه التهديد والوعيد.

قوله: (وأن يبالغ في تخليتهم حتى يأمرهم بما لا يزيدهم إلا ندماً)، فإن قلت: ليس

ص: 11

وفيه إلزام للحجة ومبالغة في الإنذار وإعذار فيه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في الآية أمرٌ، فكيف قال: حتى يأمرهم؟ قلت: قوله: (ذَرْهُمْ يَاكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا) كلمة موادعة ومُتاركة، ولا يُذهب إليه إلا بعد الإياس التام والإقناط الكلي، كأنه قيل:"كلوا وتمتعوا" كما في قوله تعالى: (قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ)[إبراهيم: 30]، وقوله تعالى:(كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ)[المرسلات: 46].

وموقع قوله: (رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ) إلى قوله: (وَمَا يَسْتَاخِرُونَ) موقع الاعتراض بين قوله: (الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ) وبين قوله: (وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ) كقوله تعالى: (الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ * أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرْ النَّاسَ)[يونس: 1 - 2]، فإنه تعالى لما بالغ في وصف الكتاب على ما سبق حتى بلغ القضيا في كماله، وبالغوا في التكذيب حتى قابلوه بقوله:(يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ) سُلي صلوات الله عليه بقوله: (رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ) أي: هون على نفسك فإنك بالغت في الإرشاد والإنذار، وهم أيضاً أفرطوا في التكذيب، فهم قوم جهلة قليلو الدراية، لو كانوا يودون الإسلام مرة فبالحري أن يُسارعوا إليه، فكيف وهم يودونه كل ساعة؟ وإذا كان كذلك فاقطع طمعك في ارعوائهمن ودعهم عن النهي عما هم عليهن والصد عنه بالتذكرة، بل مرهم بالأكل الأنعام والتمتع فيها أياماً قلائل، فسوف يعلمون سوء صنيعهم. والله أعلم.

قوله: (وفيه إلزام) أي: في قوله: (ذَرْهُمْ)، وقلت: في الأمر بالتمتع والاشتغال بالتلذذ: إدماج لهذا المعنى، لأن هذا القول لا يصدر عن الرسول إلا بعد الإنذار البالغ حده، واليأس من الإيمان، أي: أبلغت في الإنذار وألزمت الحجة عليهم، فلله الحجة البالغة.

قوله: (وإعذار فيه)، الجوهري: أعذر، أي: بالغ في الإنذار، وقيل: يجوز أن تكون الهمزة للسلب.

ص: 12

وفيه تنبيه على أن إيثار التلذذ والتنعم وما يؤدّى إليه طول الأمل- وهذه هجيرى أكثر الناس- ليس من أخلاق المؤمنين، وعن بعضهم: التمرغ في الدنيا من أخلاق الهالكين.

[(وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ* ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَاخِرُونَ)].

(وَلَها كِتابٌ) جملة واقعة صفة ل (قريةٍ)، والقياس أن لا يتوسط الواو بينهما

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وفيه تنبيه) أي: في تخصيص الأكل والتمتع بالمشتهيات والتلهي بالأمل إدماج أيضاً بأن هذه الأشياء ليست من أخلاق المؤمنين، فقوله:"وهذه هجيري أكثر الناس" جملة معترضة، قال بعض المشايخ: التزين بالدنيا من أخلاق المنافقين، والتمتع بها من أخلاق الكافرين، والتمرغ فيها من أخلاق الهالكين.

قوله: (وهذه هجيري أكثر الناس). الراغب: الهجرُ: الكلام المهجور لقبحه، وأهجر فلان: إذا أتى بهجر من الكلام عن قصد، يقال: رماه بهاجرات فمه، أي بفضائح كلامه، وقولهم: فلان هجيراه كذا، إذا أولع بذكره، وهذى به هذيان المريض المهجر، ولا يكاد يستعمل الهجيري إلا في العادة الذميمة.

قوله: (التمرغ في الدنيا)، الجوهري: مرغته في التراب فتمرغ، أي: معكته، وفي تخصيص التمرغ إشارة إلى دأب الحيوان.

قوله: (أن لا يتوسط الواو) يعني: القياس أن لا يتوسط بين الصفة والموصوف العاطف

ص: 13

كما في قوله تعالى (وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ) وإنما توسطت لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف، كما يقال في الحال: جاءني زيد عليه ثوب، وجاءني وعليه ثوب.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لشدة اتصالها به، كما في قوله تعالى:(وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ)[الشعراء: 208]، لكن لما افترق الحكم بينهما اختصت هذه بها، فإن لصوق الصفة فيما نحن فيه أشد من لصوقها في قوله:(وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ)، فإن إهلاك قرية من القرى لكون أجلها مقدراً لا ينفك عن قضائه وقدره، بخلاف إهلاكها عن إنذار منذر، فإنه قد ينفك عنه، قال تعالى:(وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَاباً شَدِيداً كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُوراً)[الإسراء: 58].

قوله: (كما يقالُ في الحال)، يعني: هذه الواو الداخلة بين الصفة والموصوف كالواو الداخلة بين الحال وصاحبها، فكما أن معنى الحالية لا يتغير إذا قلت: جاءني زيدٌ عليه ثوب، وجاءني زيدٌ وعليه ثوب، كذلك هاهنا. وأيضاً، كما أن الواو هناك لمجرد الربط، فكذلك هاهنا، وذلك أن الأصل في الجملة إذا وقعت موقع الحال أن لا تدخلها الواو لفوات المغايرة؛ لأن حم الحال مع صاحبها حكم اخبر مع المخبر عنه، والخبر ليس موضعاً لدخول الواو، وإنما تدخل لمجرد الربط، لاسيما إذا كانت جملة اسمية فإنها أشد افتقاراً إلى الربط، فحكم الصفة كذلك، ويؤيده قول أبي البقاء: وساغ دخول الواو لما كانت صورة الجملة هاهنا كصورتها إذا كانت حالاً.

وقال صاحب "التقريب": في قول المصنف نظر؛ لأن توسيط العاطف بين الصفات معهود لا بين الصفة والموصوف، والحال ليس وزانها وزان الصفة، إذ حقها الواو، وقد تُحذفن وإنما لم يجعله حالاً لتنكير ذي الحال، وهو (قرية)، وجاز أن يُقال: عمومها يصحح كونها ذا الحال، كما في المبتد، نحو: ما أحد خير منك، وهو تبع صاحب "المفتاح"، حيث

ص: 14

(كتابٌ مَعْلُومٌ مكتوب معلومً)، وهو أجلها الذي كتب في اللوح وبين، ألا ترى إلى قوله (ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها في موضع كتابها)، وأنث الأمّة أوّلا ثم ذكرها آخرا، حملا على اللفظ والمعنى: وقال (وَما يَسْتَاخِرُونَ) بحذف «عنه» لأنه معلوم.

[(وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ)].

قرأ الأعمش: يا أيها الذي ألقى عليه الذكر، وكأن هذا النداء منهم على وجه الاستهزاء، كما قال فرعون (إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ) وكيف يقرّون بنزول الذكر عليه وينسبونه إلى الجنون. والتعكيس في كلامهم للاستهزاء والتهكم مذهب واسع. وقد جاء في كتاب الله في مواضع، منها (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ) [آل عمران: 21]، (إَنكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيد) [هود: 87] وقد يوجد كثيراً في كلام العجم، والمعنى: إنك لتقول قول المجانين حين تدعى أنّ الله نزل عليك الذكر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قال: فالوجه عندي هو أن (وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ): حال (لقرية) لكونها في حُكم الموصوفة، أي: قرية من القرى، لا وصف، وحمله على الوصف سهوٌ لا خطأ، ولا عيب في السهو.

وقد أطال المالكي في "شرح التسهيل" في الرد قياساً ونقلاً، وجعل مصحح وقوع النكرة ذا الحال كونها منفية، وقال: والمنفي صالح لأن يُجعل صاحب حالٍ بما هو صالح لان يُجعل مبتدأ، ومن أمثلة أبي علي في "التذكرة": ما مررت بأحد إلا قائماً إلا أخاك، فجعل الحال من أحد، لاعتماده على النفي. وسنذكر الجواب إن شاء الله في سورة "الكهف".

قوله: (وأنت الأمة أولاً) يعني: في قوله: (مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ) ثم ذكرها آخراً، أي: في قوله: (وَمَا يَسْتَأخِرُونَ).

ص: 15

[(لَوْ ما تَأتِينا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ)].

«لو» ركبت مع «لا» و «ما» لمعنيين: معنى امتناع الشيء لوجود غيره، ومعنى التحضيض، وأما «هل» فلم تركب إلا مع «لا» وحدها للتحضيض: قال ابن مقبل:

لَوْ مَا الْحَيَاءُ وَلَوْ مَا الدّينُ عِبْتُكُمَا

بِبَعْضِ مَا فِيكُمَا إذْ عِبْتُمَا عَوَرِى

والمعنى: هلا تأتينا بالملائكة يشهدون بصدقك ويعضدونك على إنذارك، كقوله تعالى (لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً) [الفرقان: 7]، أو: هلا تأتينا بالملائكة للعقاب على تكذيبنا لك إن كنت صادقا كما كانت تأتي الأمم المكذبة برسلها؟ .

[(ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ (8)].

قرئ: (تنزل) بمعنى تتنزل وتنزل على البناء للمفعول من نزل، و:(ننزل الملائكة): بالنون ونصب الملائكة (إِلَّا بِالْحَقِّ): إلا تنزلا ملتبساً بالحكمة والمصلحة، ولا حكمة في أن تأتيكم عياناً تشاهدونهم ويشهدون لكم بصدق النبي صلى الله عليه وسلم،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (لمعنيين) أي: على سبيل البدل، إما الامتناع أو التحضيض، فإن قوله:"لولا عليٌّ لهلك عمر" ليس فيه سوى الامتناع، كما أن قوله:(لَوْ مَا تَاتِينَا)، ليس فيه سوى التحضيض.

قوله: (لو ما الحياء) البيت، عوري أي: خللي ونقصي، ويروي: عودي أي: أصلي، والبيت يستشهد به لـ "لوما" التي لامتناع الشيء لوجود غيره.

قوله: (قرئ: "تنزل") كلهم إلا عاصماً وحمزة والكسائي، و"تنزل": أبو بكر، و"تنزل": حفص وحمزة والكسائي.

ص: 16

لأنكم حينئذ مصدّقون عن اضطرار. ومثله قوله تعالى: (وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ)[الحجر: 85]. وقيل: الحق: الوحي أو العذاب. و (إِذاً) جواب وجزاء، لأنه جواب لهم وجزاء لشرط مقدر تقديره:

ولو نزلنا الملائكة ما كانوا منظرين وما أخر عذابهم.

[(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ)].

(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ) رد لإنكارهم واستهزائهم (في قولهم يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ) ولذلك قال: (إنا نحن)، فأكد عليهم أنه هو المنزل على القطع والبتات،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وقيل: الحق: الوحي أو العذاب) عطفٌ على قوله: "بالحكمة والمصلحة".

قوله: (لأنه جواب لهم، وجزاء لشرط مقدر)، أما كونه جواباً لهم فظاهر، وأما كونه جزاء لشرط مقدر، فإنهم لما قالوا: هلا تأتينا بالملائكة يشهدون بصدقك؟ أجيبوا بما ينبئ عن قولنا: "إن جاءتكم الملائكة وشهدوا بصدقي فلم تؤمنوا ما أُخر عذابكم" كما قدر الزجاج معنى قوله: "إذن أكرمك، جواباً لمن قال: أنا آتيك إن كان الأمر كما ذكرت فإني أكرمك، أو: إن جاءتكم ملائكة العذاب "ما أخرتم"، فقوله: "ولو نزلنا الملائكة ما كانوا منظرين وما أخر عذابهم" يُحمل على الوجهين المذكورين، لكون قوله تعالى:(مَا نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ) الآية، جواباً عن قولهم:(لَوْ مَا تَاتِينَا بِالْمَلائِكَةِ) الآية، وقد فسره فيما سبق بالوجهين.

قوله: (على القطع): حال من الضمير في "فأكد"، أو: مفعول مطلق من المنزل، أي: إنزالاً على القطع، وإفادة القطع عن تصدر الجملة بـ "إن" وتوكيده بـ"نحن" والتعظيم بضمير الجمع.

ص: 17

وأنه هو الذي بعث به جبريل إلى محمد صلى الله عليه وسلم وبين يديه ومن خلفه رصد، حتى نزل وبلغ محفوظا من الشياطين وهو حافظه في كل وقت من كل زيادة ونقصان وتحريف وتبديل، بخلاف الكتب المتقدمة، فإنه لم يتول حفظها. وإنما استحفظها الربانيين والأحبار فاختلفوا فيما بينهم بغيا فكان التحريف ولم يكل القرآن إلى غير حفظه. فإن قلت: فحين كان قوله (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ) رداً لإنكارهم واستهزائهم، فكيف اتصل به قوله (وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ؟ ) قلت: قد جعل ذلك دليلا على أنه منزل من عنده آية، لأنه لو كان من قول البشر أو غير آية لتطرق عليه الزيادة والنقصان كما يتطرق على

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (بعث به جبريل) أي: بعث بالقرآن جبريل، فالباء بمعنى "مع"، ويجوز أن تكون سببية.

قوله: (قد جعل ذلك دليلا)، توجيه الجواب: أن الكفرة حين قالوا: مستهزئين: (يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ) بمعنى: يا أيها المفتري، إن الله لم يُنزل عليك الذكر، وهذا الذي تزعمه أنه من عند الله ليس منه، بل هو من الجن، وإنك لمجنون، رد عليهم بقوله:(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)، يعني: أن الله تعالى هو المنزل على القطع والبت، فإنه هو الذي بعث جبريل إلى محمد صلوات الله وسلامه عليهما، وبين يديه ومن خلفه رصد من الملائكة حتى نُزلَ وبُلغ محفوظاً من الشياطين والجن، فما كان من الله ومحفوظاً من الجن، كيف يكون من الجن؟

قوله: (منزل من عند الله آية آية): حال من ضمير "منزل"، أي: دلالة وعلامة على كونه معجزة، يعني: قوله: (وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) كالدليل ثبات المدعى، فإنه تعالى لما رد بقوله:(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ) قولهم: (يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ) بمعنى: أن المنزل ليس من قبل الجن كما تزعمون، بل من قبل المليك المعظم شأنه، القاهر

ص: 18

كل كلام سواه. وقيل: الضمير في لَهُ لرسول الله صلى الله عليه وسلم كقوله تعالى (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ)[المائدة: 67].

[(وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ * وَما يَاتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ)].

(فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ) في فرقهم وطوائفهم. والشيعة: الفرقة إذا اتفقوا على مذهب وطريقة. ومعنى أرسلناه فيهم: نبأناه فيهم وجعلناه رسولا فيما بينهم وَما (يَأتِيهِمْ):

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

سلطانه، عقبه بقوله ليكون دليلاً على ذلك المدعى، وإليه الإشارة بقوله:"لو كان من عند البشر أو يكون غير آية أي: معجزة لتطرق إليه الزيادة والنقصان".

وقال الإمام: إن الله حفظه بأن جعله معجزاً مبايناً لكلام البشر؛ لأنه يعجز الخلق عن الزيادة والنقصان فيه؛ لأنهم لو راموا ذلك لتغير نظمه، وظهر للخلق أنه من كلام البشر، وليس من خالق القوى والقدر.

قوله: (والشيعة: الفرقة إذا اتفقوا على مذهب)، الراغب: الشياع: الانتشار والتقوية، تقول: شاع الحديث: إذا كثر وانتشر، وشاع القوم: انتشروا وكثروا، وشيعت النار: قويتها، والشيعة: من يتقوى بهم الإنسان وينتشرون عنه.

قوله: (أرسلناه فيهم: نبأناه فيهم وجعلناه رسولاً فيما بينهم)، يعني: أن (أَرْسَلْنَا) استعمل بـ "في"، والأصل: أرسلنا إليهم للإعلام بمزيد التمكن فيهم، فدل قوله:"نبأناه فيهم" على معنى: أعطيناه المعجزة، وقوله:"وجعلناه رسولاً فيما بينهم" على معنى: صيرناه

ص: 19

حكاية حال ماضية، لأنّ «ما» لا تدخل على مضارع إلا وهو في معنى الحال، ولا على ماض إلا وهو قريب من الحال.

[(كَذلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ* لا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ)]

يقال: سلكت الخيط في الإبرة، وأسلكته إذا أدخلته فيها ونظمته. وقرئ:(نسلكه)، والضمير للذكر، أي: مثل ذلك السلك، ونحوه: نسلك الذكر في (قُلُوبِ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

صاحب كتاب وشريعة؛ لأن النبي كما تقرر صاحب المعجزة، والرسول صاحب الكتاب، فالآيات تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم من استهزاء المشركين.

قوله: (ونحوه: نسلك الذكر) يريد أن المشار إليه بقوله: "ذلك" في (كَذَلِكَ) خلاصة معنى قوله: (مَا يَاتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون)، ووجه التشبيه: التكذيب والاستهزاء، يعني:"مثل ذلك السل" مكذباً مستهزأ به نسلكه في قلب من هو مجرم مكذب مستهزئ، فقوله:"مكذباً به مستهزأ": حال مقدرة؛ لأن الذكر ما كان مكذباً حال إلقائه في قلوبهم، بل بعده بزمان، واللام في (الْمُجْرِمِينَ) للجنس، بدليل قوله:"كذلك أنزلها باللئام".

قال في "الانتصاف": المراد إقامة الحجة على المكذبين بأن الله سلك القرآن في قلوبهم وأدخله في سويداواتها، كما سلكه في قلوب المؤمنين، فكذب به هؤلاء، وصدق به هؤلاء، كل على علم وفهم، (لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ) [الأنفال: 42]، ولتقع الحجة على الكفار بعلمهم بوجه الإعجاز، كما فهمها المؤمنون، ولذلك عقبه بقوله:(وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً مِنْ السَّمَاءِ) الآية، أي لو أظهر لهم أي دليل أظهر من إعجازٍ أو صعود إلى السماء، وفي قوله:(فَظَلُّوا) التي لا تكون إلا في النهار، إشعارٌ بوضوح ذلك.

وقال القاضي: "الضمير في قوله: (كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ) للاستهزاء، وفيه دليل على

ص: 20

الْمُجْرِمِينَ) على معنى أنه يلقيه في قلوبهم مكذباً مستهزأ به غير مقبول، كما لو أنزلت بلئيم حاجة فلم يجبك إليها فقلت: كذلك أنزلها باللئام، تعنى مثل هذا الإنزال أنزلها بهم مردودة غير مقضيه. ومحل قوله:(لا يُؤْمِنُونَ بِهِ) النصب على الحال، أي غير مؤمن به، أو هو بيان لقوله (كَذلِكَ نَسْلُكُهُ). (سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ): طريقتهم التي سنها الله في إهلاكهم حين كذبوا برسلهم وبالذكر المنزل عليهم، وهو وعيد لأهل مكة على تكذيبهم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أنه تعالى يوجد الباطل في قلوبهم، وقيل: للذكر، فإن الضمير الآخر في قوله:(لا يُؤْمِنُونَ بِهِ) له، وهو: حال من هذا الضمير، والمعنى: مثل ذلك السلك نسلك الذكر في قلوب المجرمين، مُكذباً غير مؤمن به، أو بيان للجملة المتضمنة له، وهذا الاحتجاج ضعيف، إذ لا يلزم من تعاقب الضمائر توافقها في المرجوع إليه ولا يتعين أن تكون الجملة حالاً من الضمير، لجواز أن تكون حالاً من (الْمُجْرِمِينَ)، ولا ينافي كونها مفسرة للمعنى الأول.

قوله: (طريقتهم التي سنها الله في إهلاكهم). روى الإمام عن الزجاج أنه قال: "قد خلت سنة الله في الأولين بأن يسلك الكفر والضلال في قلوبهم".

وقال الإمام: هذا أليق بظاهر اللفظ من ذلك.

وقلت: بيانه أن التعريف في (الْمُجْرِمِينَ) للعهد، والمراد به المكذبون من قوم رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنهم المذكورون بعد قوله:(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الأَوَّلِينَ * وَمَا يَاتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) أي: مثل ذلك السلك الذي سلكناه في قلوب أولئك المستهزئين المكذبين للرسل الماضية، نسلكه في قلوب هؤلاء المكذبين، ثم قرر ذلك وبينه بقوله:(لا يُؤْمِنُونَ)، وذيله بقوله:(وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ)، والمقام يقتضي التأكيد والتقرير، لأنه تعالى لما وصف الكتاب بقوله:(تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ) وبالغ

ص: 21

[(وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ* لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ)].

قرئ (يَعْرُجُونَ) بالضم والكسر. وسُكِّرَتْ حيرت أو حبست من الإبصار، من السكر أو السكر. وقرئ:(سكرت) بالتخفيف أي حبست كما يحبس

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في بيان كماله وإعجازه الدرجة القُصيا، ثم حكى عنهم أنهم طعنوا فيه واستهزأوا بمن نُزل عليه بقوله:(يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ)، وما عدوه من المعجزة حيث قالوا:(لَوْ مَا تَاتِينَا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنْ الصَّادِقِينَ) وسلاه بقوله: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)، وقوله:(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الأَوَّلِينَ)، قال: كذلك نسلكه في قلوب هؤلاء المجرمين فلك أسوة بالرسل الماضية مع أممهم المكذبة، ولست بأوحدي فيه، وقد خلت سثنة الأولين، فيون على هذا مزيد تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم. والوعيد بعيد؛ لأنه لم يسبق لإهلاك الأمم ذكر، وإنما آثر المصنف ذلك الوجه؛ لأنه أقرب إلى مذهبه.

قوله: ((يَعْرُجُونَ)) بالضم: السبعة، وبالكسر شاذ، و (سُكِّرَتْ) بالتخفيف: ابن كثير.

قوله: (من السُّكر أو السَّكر)، فيه نشر، الجوهري: السكران: خلاف الصاحي، وقد سكر يسكر سكراً، والاسم السكر بالضم، والسكر بالكسر: العزم، والسكر: مصدر سكرت النهر أسكره سكراً: إذا سددته، قيل: إن جُعل من السكر بالضم فالتثقيل للتعدية، وإن جُعل من "السَّكر" فالتثقيل للإسناد إلى الجماعة.

قال ابن جني: كما أن السكر يعترض على الماء ويسد عليه مذهبه، كذلك حال السران في وقوف فكره، والاعتراض عليه بما ينغصه ويحيره، فلا يجد مذهباً، وينكفي مضطرباً.

ص: 22

النهر من الجري. وقرئ: (سكرت) من السكر، أي حارت كما يحار السكران. والمعنى أنّ هؤلاء المشركين بلغ من غلوهم في العناد: أن لو فتح لهم باب من أبواب السماء، ويسر لهم معراج يصعدون فيه إليها، ورأوا من العيان ما رأوا، لقالوا: هو شيء نتخايله لا حقيقة له، ولقالوا قد سحرنا محمد بذلك. وقيل: الضمير للملائكة، أي: لو أريناهم الملائكة يصعدون في السماء عياناً لقالوا ذلك. وذكر الظلول ليجعل عروجهم بالنهار ليكونوا مستوضحين لما يرون. وقال: (إنما)، ليدل على أنهم يبتون القول بأنّ ذلك ليس إلا تسكيراً للأبصار.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الراغب: السُّكر: حالة تعرض بين المرء وعقله، وأكثر ما يستعمل ذلك في الشراب، وقد يعتري من الغضب والعشق، ولذلك قال الشاعر:

سُكران، سُكر هوى وسكر مدامة

ومنه سكرات الموت. والسكر: حبس الماء، وذلك باعتبار ما يعرضُ من السد بين المرء وعقله، والسكر: الموضع المسدود، وليلة ساكرة، أي: ساكنة، اعتباراً بالسكون العارض من السكر.

قوله: وقال: ((إنَمَا) ليدل على أنهم يبتون القول بأن ذلك ليس إلا تسكيراً للأبصار)، قال الإمام:(إنَمَا): للحصر، والحصرُ هاهنا في الأبصار لا في التسكير، فكأنهم قالوا: ما سُكرت إلا أبصارُنا لا عقولنا، فنحن وإن نتخايل في أبصارنا هذه الأشياء، لكن نعلمُ بعقولنا أن الحال بخلافهن ثم أضربوا عن الحصر في الأبصار، وقالوا: بل جاوز ذلك عقولنا بسحره.

ص: 23

[(وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاها لِلنَّاظِرِينَ* وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ* إِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ* وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ* وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ)].

مَنِ (اسْتَرَقَ) في محل النصب على الاستثناء. وعن ابن عباس: أنهم كانوا لا يحجبون عن السموات، فلما ولد عيسى منعوا من ثلاث سموات، فلما ولد محمد منعوا من السموات كلها (شِهابٌ مُبِينٌ) ظاهر للمبصرين (مَوْزُونٍ) وزن بميزان الحكمة، وقدّر بمقدار تقتضيه، لا يصلح فيه زيادة ولا نقصان، أو له وزن وقدر في أبواب النعمة والمنفعة. وقيل: ما يوزن من نحو الذهب والفضة والنحاس والحديد وغيرها مَعايِشَ بياء صريحة، بخلاف الشمائل والخبائث ونحوهما، فإن تصريح الياء فيها خطأ، والصواب الهمزة، أو إخراج الياء بين. وقد قرئ: معايش، بالهمزة على التشبيه (وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ) عطف على (مَعيَشَ)، أو على محل (لَكُمْ)، كأنه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: ((مَنْ اسْتَرَقَ): في محل النصب على الاستثناء)، قال أبو البقاء: هو استثناء منقطع، ويجوز أن يكون مجروراً على البدل، أي: إلا من استرق، والمبدل (كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ)، والتقدير: لا يدخلها شيطان إلا من استرق، لدلالة "حفظناها" عليه، وقيل: فيه نظر؛ لأنه في كلام موجب، وأجيب: أن قوله: (وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ) في معنى النفي، كقوله تعالى:(فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ)[البقرة: 249].

قوله: (أو على محل (لَكُمْ)) وهو النصب؛ لأنه مفعول به، كأنه قيل: جعلنا لم معايش ولمن لستم، قال صاحب "التقريب": وفيه نظر، إذ العطف على محل (لَكُمْ) لا يقتضي إعادة اللام، بل كونُ (وَمَنْ لَسْتُمْ) منصوباً، فلعله على تقدير الجار تصحيحاً للمعنى، ثم نزعه.

ص: 24

قيل: وجعلنا لكم فيها معايش، وجعلنا لكم من لستم له برازقين، أو: وجعلنا لكم معايش ولمن لستم له برازقين. وأراد بهم العيال والمماليك والخدم الذين يحسبون أنهم يرزقونهم ويخطئون، فإنّ الله هو الرزاق، يرزقهم وإياهم، ويدخل فيه الأنعام والدواب وكل ما بتلك المثابة، مما الله رازقه، وقد سبق إلى ظنهم أنهم هم الرازقون. ولا يجوز أن يكون مجرورا عطفاً على الضمير المجرور في (لَكُمْ) لأنه لا يعطف على الضمير المجرور.

[(وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ)].

ذكر الخزائن تمثيل. والمعنى: وما من شيء ينتفع به العباد إلا ونحن قادرون على إيجاده وتكوينه والإنعام به، وما نعطيه إلا بمقدار معلوم نعلم أنه مصلحة له، فضرب الخزائن مثلا لاقتداره على كل مقدور.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقال صاحب "التخمير": قول النحويين: المفعول هو المجرور مع الجار سهوٌ، ألا ترى كيف أن الباء في: خرجت بزيد، بمنزلة الهمزة، وتثقيل الحشو في أخرجت وخرجت، فكما أنهما ليسا جزءاً من المفعول وإنما هما جزء من الفعل كذلك هاهنا، ولأن هذا الفعل المتعدي بحرف الجرن يُجعل مبنياً للمفعول، ولو لم يكن الجار جزءاً من الفعل لما جاز بناؤه للمفعول؛ لأن الفعل اللازم لا يُجعل مبنياً للمفعول، ولأن الجار هاهنا قد يُعدى به الفعل، فصار معه بمنزلة الفعل المتعدين وشيء من الفعل المتعدي لا يكون جزءاً من المفعول.

قوله: (ويخطئون) جملة معترضة، أو: حال بحذف المبتدأ.

قوله: (فضرب الخزائن مثلاً لاقتداره على كل مقدور) يعني: أن أصل الكلام: ما من شيء ينتفعً به العبادُ إلا ونحن قادرون على إيجاده وتكوينه، فشبه اقتداره على كل شيء وإيجاده بالخزائن المودعة فيها الأشياء المهيأة المعدة، ليؤذن أن مقدوره كأنه حاصل موجودٌ،

ص: 25

[(وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ)].

(لَواقِحَ) فيه قولان، أحدهما: أنّ الريح لا قح إذا جاءت بخير، من إنشاء

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فهو أقوى مما لو قيل: نحن قادرون على إيجاده وتكوينه، فيكون موقع قوله:(وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ) الآية كالتذييل للكلام السابق، إذا فُسر قوله:(مَوْزُونٍ) بأن كل شيء وُزن بميزان الحكمة، وقُدر بمقدار يقتضيه. وكالتكميل إذا فُسر بغير ذلك، قال القاضي: وفذلكة الآية الاستدلال بجعل الأرض ممدودة بمقدار وشكل معينين مختلفة الأجزاء في الوضع، محدثة فيها أنواع النبات والحيوان المختلفة خلقةً وطبيعة، مع جواز أن لا يكون كذلك، على كمال قدرته وتناهي حكمته، والتفرد في ألوهيته، والامتنان على العباد بما أنعم عليهم في ذلك، ثُم ضرب الخزائن مثلاً لاقتداره.

قوله: (أن الريح لاقح إذا جاءت بخير)، الجوهري: الأصل فيه ملقحة، ولكنها لا تُلقحُ إلا وهي في نفسها لاقحٌ، كأن الرياح لقحت بخير، فإذا أنشأت السحاب وفيها خير وصل ذلك إليه، وقال ابن جني: قالوا: ألقحت الريح السحاب وهي لاقح، هذا على حذف همزة أفعل، وإنما قياسه ملقح، كأنه خرج بحذف الزيادة تقديراً، وإن لم يخرج إلى اللفظ استعمالاً، كما قالوا: أبقل المكان فهو باقِل، وقال أيضاً: هو من باب الاكتفاء بذكر السبب عن المسبب، فإنها إذا لقحت ألقحت غيرها.

وقلتُ: لا يبعد أن يكون مجازاً باعتبار ما كان، فيكون الريح أولاً لاقحة ثم تصير ملقحة، فقيل: لاقحة وأريد ملقحة، كقوله:(وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ)[النساء: 3]. قال أبو البقاء:

ص: 26

سحاب ماطر كما قيل التي لا تأتى بخير: ريح عقيم. والثاني: أن اللواقح بمعنى الملاقح، كما قال:

وَمُخْتَبِطٌ مِمَّا تُطِيحُ الطَّوَائِحُ

يريد المطاوح جمع مطيحة. وقرئ: وأرسلنا الريح، على تأويل الجنس (فَأَسْقَيْناكُمُوهُ) فجعلناه لكم سقيا، ........

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لقحت الريح إذا حملت الماء، وألقحت الريح السحاب: إذا حملتها الماء، كما تقول: ألقح الفحل الأنثى فلقحت، وانتصابه على الحال المقدرة.

قوله: (أن اللواقح بمعنى الملاقح)، الجوهري: الملاقح: الفحول، الواحد ملقح، والملاقح أيضاً: الإناث في بطونها أولادها، الواحدة ملقحة، بفتح القاف، وقال أبو البقاء: أصلها ملاقح، لأنه يقال: ألقح الريح السحاب، كما يقال: ألقح الفحل الأنثى، أي: أحبلها، وحُذفت الميم لظهور المعنى، ومثله الطوائح، الأصل: المطاوح، لأنه من أطاح الشيء.

الجوهري: طاح يطوح ويطيح: هلك وسقط، وطوحه: حيره وذهب به هاهنا وهاهنا، وطوحته الطائح: قذفته القواذف.

قوله: (ومختبط مما تُطيح الطوائح)، أوله:

ليبك يزيد؛ ضارع لخصومة

القائل: الحارث النهشلي يرثي أخاه يزيد.

ليبك يزيد: بُني مجهولاً، كأنه قيل: من يبكيه؟ فقال: ضارع، أي: ليبكه ضارع.

ص: 27

(وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ) نفى عنهم ما أثبته لنفسه في قوله (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ كأنه قال): نحن الخازنون للماء، على معنى: نحن القادرون على خلقه في السماء وإنزاله منها، وما أنتم عليه بقادرين: دلالة على عظيم قدرته وإظهاراً لعجزهم.

[(وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوارِثُونَ* وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَاجرِينَ* وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ)].

(وَنَحْنُ الْوارِثُونَ) أي الباقون بعد هلاك الخلق كله. وقيل للباقي «وارث» استعارة من وارث الميت، لأنه يبقى بعد فنائه. ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في دعائه «واجعله الوارث منا» .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (نفي عنهم ما أثبته لنفسه) في قوله: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ)، هذا يؤذن أن قوله:(وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ) عطف على قوله: (وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ) عطف جبريل وميكائيل على ملائكته.

قوله: (واجعله الوارث منا) عن الترمذي، عن ابن عمر، أنه قال: ما كان رسول الله صلى الله لعيه وسلم يقوم من مجلسه حتى يدعو بهذه الدعوات لأصحابه: "اللهم أمتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا

" الحديث مختصر، وله ابتداء وانتهاء.

النهاية: أراد بقاءها وقوتها عند الكبر وانحلال القوى النفسانية، فيكون السمع والبصر وارثي سائر القوى والباقيين بعدها، والهاء في "واجعله" للإمتاع، ولذلك وحده.

ص: 28

(وَلَقَدْ عَلِمْنَا) من استقدم ولادة وموتاً، ومن تأخر من الأوّلين والآخرين. أو من خرج من أصلاب الرجال ومن لم يخرج بعد. أو من تقدم في الإسلام وسبق إلى الطاعة ومن تأخر. وقيل: المستقدمين في صفوف الجماعة والمستأجرين. وروى أن امرأة حسناء كانت في المصليات خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان بعض القوم يستقدم لئلا ينظر إليها، وبعض يستأخر ليبصرها فنزلت (هُوَ يَحْشُرُهُمْ) أي هو وحده القادر على حشرهم، والعالم بحصرهم مع إفراط كثرتهم وتباعد أطراف عددهم (إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ) باهر الحكمة واسع العلم، يفعل كل ما يفعل على مقتضى الحكمة والصواب، وقد أحاط علماً بكل شيء.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (من الأولين والآخرين): بيان على النشر، أي: لقد علمنا من استقدم منكم ولادة وموتاً ومن تأخر منكم ولادة وموتاً.

قوله: (وروى أن امرأة حسناء) الحديث رواه الإمام أحمد بن حنبل والترمذي وابن ماجه والنسائي، عن ابن عباس.

قوله: (أي: هو وحده القادر على حشرهم، والعالم بحصرهم، مع إفراط كثرتهم)، فيه إشعار بأنه اختار الوجه الأول في تفسير قوله:(وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ) لأن الكثرة التي تفوت الحصر ولا يحصيها إلا الله، إنما تحسن إذا قلنا: المراد من قوله: (وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ) الآية، من استقدم ولادة وموتاً ومن تأخر من الأولين والآخرين، ويؤيده السباق، وهو قوله:(وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِ وَنُمِيتُ)، والسياق، وهو قوله: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا

ص: 29

[(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ* وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ)].

الصلصال: الطين اليابس الذي يصلصل وهو غير مطبوخ، وإذا طبخ فهو فخار. قالوا: إذا توهمت في صوته مدّا فهو صليل، وإن توهمت فيه ترجيعاً فهو صلصلة. وقيل: هو تضعيف «صل» إذا أنتن. والحمأ: الطين الأسود المتغير. والمسنون: المصوّر، من سنة الوجه، وقيل: المصبوب المفرغ، أي: أفرغ صورة إنسان كما تفرغ الصور من الجواهر المذوبة في أمثلتها. وقيل: المنتن، من سننت الحجر على الحجر إذا حككته به، فالذي يسيل بينهما سنين، ولا يكون إلا منتنا مِنْ حَمَإٍ صفة لصلصال، أي: خلقه من صلصال كائن (من حمإٍ) صفة لـ (صلصل)، أي: خلقه من صلصال كائن من حمأ وحق (مَسْنُونٍ) بمعنى مصور، أن يكون صفة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ) ودل على الحصر توسيط ضمير الفصل بين اسم "إنّ" وخبرها.

قوله: (إذا توهمت في صوته مداً فهو صليل - لما في "صليل" من حرف مد- وإن توهمت فيه ترجيعاً- أي: ترديداً - فهو صلصلة) لما في الصلصلة من ترديد وتكرير، رعاية لوجه المناسبة بين الاسم والمسمى.

قوله: (المصور من سنة الوجه)، الجوهري: سُنة الوجه: صورته، قال ذو الرمة:

تريك سُنة وجه غير مقرفة .. ملساء ليس بها خال ولا ندب

والمسنون: المصور.

قوله: (وحق (مَسْنُونٍ) بمعنى: مصور) أي: يكون صفة لـ (صَلْصَالٍ)، لأن الحمأ هو الطين، والطين هو الذي يقبل الصورة فيفرغ الحمأ ليصور منها التمثال ثم ييبس، فيصير

ص: 30

لـ (صلصال)، كأنه أفرغ الحمأ فصور منها تمثال إنسان أجوف، فيبس حتى إذا نقر صلصل، ثم غيره بعد ذلك إلى جوهر آخر وَالْجَانَّ للجن كآدم للناس. وقيل: هو إبليس. وقرأ الحسن وعمرو بن عبيد: (والجأن)، بالهمز مِنْ نارِ السَّمُومِ من نار الحرّ الشديد النافذ في المسام. قيل: هذه السموم جزء من سبعين جزأ من سموم النار التي خلق الله منها الجانّ.

[(وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ* فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ* فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ* إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ* قالَ يا إِبْلِيسُ ما لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ* قالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ* قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ* وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ* قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ* قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ*

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

صلصالاً، كأنه قيل: من صلصال مصور كائن من حمأ، ويُعلم منه أن المسنون إذا كان بمعنى المتصور، حقه أن يكون صفة لحمأ، لأن الحمأ هو المفرغ المصبوب لا الصلصال.

قال أبو البقاء: (مِنْ حَمَإٍ) في موضع جر صفة لـ (صَلْصَالٍ)، أي: صلصال كائن من حمأ، ويجوز أن يكون بدلاً من (صَلْصَالٍ) بإعادة الجار.

قوله: ((مِنْ نَارِ السَّمُومِ): من نار الحر الشديد النافذ في المسام)، قال القاضي في قوله تعالى:(وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ) لا يمتنع خلق الحياة في الأجرام البسيطة كما لا يمتنع خلقها في الجواهر المفردة، فضلاً عن الأجساد المؤلفة التي الغالب فيها الجزء الناري، فإنها أقبل لها من التي الغالب فيها الجزء الأرضي، وقوله:"من نارٍ": باعتبار الغالب، كقوله:(خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ)[فاطر: 11].

ص: 31

إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ* قالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ* إِلاَّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ* قالَ هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ* إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ*

وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ* لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ)].

(وَإِذْ قالَ رَبُّكَ) واذكر وقت قوله (سَوَّيْتُه) عدلت خلقته وأكملتها وهيأتها لنفخ الروح فيها. ومعنى (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي): وأحييته، وليس ثمة نفخ ولا منفوخ، وإنما هو تمثيل لتحصيل ما يحيا به فيه. واستثنى إبليس من الملائكة، لأنه كان بينهم مأموراً معهم بالسجود، فغلب اسم الملائكة، ثم استثنى بعد التغليب كقولك: رأيتهم إلا هنداً. (وأَبى) استئناف على تقدير قول قائل يقول: هلا سجد؟ فقيل: أبى ذلك واستكبر عنه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ما يحيا به فيه) المستتر في قوله: "يحيا"، والمجرور في "فيه" للبشر، وفي "به" لـ"ما"، أي معنى نفخ الروح: تحصيل شيء في قالب البشر يحيا بذلك الشيء البشر. قال القاضي (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي) معناه: جرى آثاره في تجاويف أعضائه فحيي، وأصل النفخ: إجراء الريح في تجويف جسم آخر، ولما كان الروح يتعلق أولاً بالبخار اللطيف المنبعث من القلب وتفيض عليه القوة الحيوانية فيسري حاملاً لها في تجاويف الشرايين إلى أعماق البدن، جعل تعلقه بالبدن نفخاً، وإضافة الروح إلى نفسه للتشريف، كقوله:(نَاقَةَ اللَّهِ)[الشمس: 13]، و"بيت الله".

وقال الواحدي: النفخ: إجراء الريح في الشيء، والروح: جسم رقيق يحيا به البدن، ولما أجرى الله الروح في بدن آدم على صفة إجراء الريح، كأنه قد نفخ الروح فيه.

وقلت: رجع أقوالهم إلى أن قوله: (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي) على منوال قوله تعالى: (كُنْ فَيَكُونُ)[النمل: 47] في أن لا قول ثم، بل هو تصور إيجاد الشيء وتحصيله من غير امتناع.

ص: 32

وقيل: معناه ولكن إبليس أبى. حرف الجر مع «أن» محذوف. وتقديره «مالك» في أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ بمعنى أىّ غرض لك في إبائك السجود. وأي داع لك إليه. اللام في لِأَسْجُدَ لتأكيد النفي. ومعناه: لا يصحّ منى وينافي حالي. ويستحيل أن أسجد لبشر رَجِيمٌ شيطان من الذين يرجمون بالشهب، أو مطرود من رحمة الله، لأن من يطرد يرجم بالحجارة. ومعناه: ملعون، لأن اللعن هو الطرد من الرحمة والإبعاد منها. والضمير في مِنْها راجع إلى الجنة أو السماء، أو إلى جملة الملائكة. وضرب يوم الدين حداً للعنة، إما لأنه غاية يضربها الناس في كلامهم، كقوله ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ) [هود: 107] في التأبيد. وإما أن يراد أنك مذموم مدعوّ عليك باللعن في السموات والأرض إلى يوم الدين، من غير أن تعذب، فإذا جاء ذلك اليوم عذبت بما ينسى اللعن معه. (ويَوْمِ الدِّينِ)] الحجر: 35 [(ويَوْمِ يُبْعَثُونَ)] الحجر: 36 [(ويَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ)] الحجر: 38 [في معنى واحد، ولكن خولف بين العبارات سلوكا بالكلام طريقة البلاغة. وقيل: إنما سأل الإنظار إلى اليوم الذي فيه يبعثون لئلا يموت، لأنه لا يموت يوم البعث أحد، فلم يجب إلى ذلك، وأُنظر إلى آخر أيام التكليف.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقوله: (وقيل: معناه: ولكن إبليس أبي)، عطفٌ على قوله:"واستثنى إبليس من الملائكة"، وأبي حينئذ: خبر "لكن"، وعلى الأول جملة مستأنفة كالتعليل عن امتناعه عن السجود.

قوله: (لأن اللعن هو: الطرد) يريد أن "الرجيم" كناية تلويحية عن كونه ملعوناً؛ لأن الرجيم هو: المطرود؛ لأن من طرد يُرجم، والمطرود هو المعلون؛ لأن من لُعن طُرد.

قوله: (في معنى واحد) أي: عُبرت بها عن معنى انتهاء المدة.

قوله: (وقيل: إنما سأل الإنظار)، هذا وجه آخر، وفيه بيان اختلاف العبارات، فإن قوله:"لئلا يموت" يدل على أن ضرب هذه المدة إلى عند الحشر، وقوله:"إلى آخر أيام التكليف" يدل على أن المدة قبل الحشر، وقوله أولا:"إلى يوم الدين من غير أن يُعذب" يدل على أن المدة عند الحساب والجزاء، وهُو بعد الحشر.

ص: 33

(بِما أَغْوَيْتَنِي) الباء للقسم. و «ما» مصدرية وجواب القسم (لَأُزَيِّنَنَّ) المعنى: أقسم بإغوائك إياي لأزينن لهم. ومعنى إغوائه إياه: تسبيبه لغيه، بأن أمره بالسجود لآدم عليه السلام، فأفضى ذلك إلى غيه. وما الأمر بالسجود إلا حسن وتعريض للثواب بالتواضع والخضوع لأمر الله، ولكن إبليس اختار الإباء والاستكبار فهلك، والله تعالى بريء من غيه ومن إرادته والرضا به، ونحو قوله (بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ: قوله) (فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) في أنه إقسام، إلا أن أحدهما إقسام بصفته والثاني إقسام بفعله، وقد فرق الفقهاء بينهما.

ويجوز أن لا يكون قسما، ويقدر قسم محذوف، ويكون المعنى: بسبب تسبيبك

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (برئ من غيه ومن إرادته والرضا به). قوله: "من إرادته" مذهبه، و"الرضا به" مذهب أهل السنة.

قوله: (وقد فرق الفقهاء بينهما) أي: بين الإقسام بصفة الله تعالى، وبين الإقسام بفعله، فقوله:" (فَبِعِزَّتِكَ) إقسام بالصفة، و (بِمَا أَغْوَيْتَنِي) إقسام بالفعل".

وفي "شرح الوافي": قال العراقيون: الحلف بصفات الذات، كالقدرة والعظمة والعزة والجلال والكبرياء، يمين، وبصفات الفعل، كالرحمة والسخط والغضب والرضا، ليس بيمين. وصفة الذات: ما لا يجوز أن يوصف بضده، وصفة الفعل ما يجوز أن يوصف بضده، فإنه تعالى يرضى بالإيمان، ولا يرضى بالكفر، ثم قال الشارح: والمذهب عندنا أن صفات الله لا هو ولا غيره، وكلها قديمة، فلا يستقيم الفرق، والأصح ما قلنا، لأن الأيمان مبنية على العرف، لأن اليمين إنما ينعقد للحمل أو المنع، وهذا إنما يكون بما يعتقد الحالف تعظيمه، وكل مؤمن يعتقد تعظيم الله وهو لجميع صفاته معظم، فصارت حرمة ذاته وصفاته حاملاً.

ص: 34

لإغوائي أقسم لأفعلنّ بهم نحو ما فعلت بي من التسبيب لإغوائهم، بأن أزين لهم المعاصي وأوسوس إليهم ما يكون سبب هلاكهم (فِي الْأَرْضِ): في الدنيا التي هي دار الغرور، كقوله تعالى (أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ) [الأعراف: 176]، أو أراد: أنى أقدر على الاحتيال لآدم والتزيين له الأكل من الشجرة وهو في السماء، فأنا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقال حجة الإسلام: اليمين عبارة عن: تحقيق ما يحتمل المخالفة، بذكر اسم الله تعالى أو صفة من صفاته. ثم اليمين تنقسم إلى: صريح وكناية، بالإضافة إلى أسماء الله تعالى، وهو على أربع مراتب.

الأولى: أن يذكر اسماً لا يطلق إلا على الله تعالى في معرض التعظيم، كقوله: بالله والرحمن والخالق والرازق

فهذا صريح.

والثانية: أن يذكر اسماً مشتركاً يُطلق على الله وعلى غيره، كالعليم والحليم والرحيم والجبار والحق

، فهو كناية، إنما يصير يميناً بالقصد.

والثالثة: أن يذكر ما يقبل التورية، وهو على وجهين، أحدهما: أن يكون من قبيل حق الله وحرمة الله وقدرته وعلمه، إذ قد يُراد بها حقوقه من العبادات وحرماته ومقدوره ومعلومه، وثانيهما: أن يكون من قبيل جلال الله وعظمته وكبريائه، ففيه طريقان، أحدهما: كالحلف بالله، وثانيهما: أنه كالحلف بالقدرة، إذ قد يقال: رأيت جلال الله، أي: آثار صنعته.

والرابعة: ما لا يصير يميناً وإن نوى، وهو ما لا تعظيم فيه، نحو: الشيء والمربي والموجود، وإن أريد به الله.

هذا خلاصة كلامه في "الوسيط".

وفيه أن نحو: "بإغوائك"، ليس بيمين.

ص: 35

علىّ التزيين لأولاده في الأرض أقدر. أو أراد: لأجعلنّ مكان التزيين عندهم الأرض، ولأوقعن تزييني فيها، أى: لأزيننها في أعينهم ولأحدّثنهم بأنّ الزينة في الدنيا وحدها، حتى يستحبوها على الآخرة ويطمئنوا إليها دونها. ونحوه:

يَجرَحْ فِي عَرَاقِيبِهَا نَصْلِى

استثنى المخلصين؛ لأنه علم أنّ كيده لا يعمل فيهم ولا يقبلون منه. أي (هذا) طريق حق (عَلَيَّ) أن أراعيه؛ ......

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (أو أراد: لأجعلن مكان التزيين) يريد أن تعدية (لأزَيِّنَنَّ) بـ "في" إما لإرادة الجهة السافلة بالأرض، وهي الدنيا، أو الأرض نفسها، فقاس تزيين أولاد آدم، وهم في الأرض، على تزيين أبيهم، وهو في السماء، وقطع بحصوله، فحلف بقوله:(لأزَيِّنَنَّ لَهُمْ) و (وَلأغْوِيَنَّهُمْ) ومن ثم قال المصنف: "فأنا على تزيين أولاده في الأرض أقدر"، وإما لإرادة حقيقتها والتجوز في استعمال (في) بجعل الأرض مكاناً للتزيين، وظرفاً له على التوسع، فلا يخرج منها شيء منه، كقوله تعالى:(وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ)[القصص: 179]، وإليه الإشارة بقوله:"ولأحدثنهم بأن الزينة في الدنيا وحدها" لا في الآخرة.

قوله: (يجرح في عراقيبها نصلي) وصدره:

وإن تعتذر بالمحل من ذي ضُروعها

إلى الضيف

الضمير في تعتذر: للناقة، والباء في "بالمحل": للتشبيه، يقال: اعتذر به، والمراد بـ"ذي ضُروعها" اللبن، "يجرح": متعد بنفسه، وقد عُدي بـ"في" لإجرائه مُجرى اللازم، نحو: فلان يُعطي ويمنع، ثم عومل به معاملة اللازم في تعديته بالجار للمبالغة، أي: ما أوقع الجرح في عراقيبها وأوجده فيها، ونحوه قوله تعالى:(وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي)[الأحقاف: 15] أي: اجعل الصلاح مظروفاً لذريتي.

قوله: (أي: (هذا) طريق حق (على) أن أراعيه) بناء على وجوب رعاية الأصلح،

ص: 36

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قال الإمام: إن الإخلاص طريق عليّ وإليَّ، أي: أنه يؤدي إلى كرامتي وثوابي، ومعناه: هذا صراط من مر عليه، فكأنه مر على رضواني وكرامتي، كما يقال: طريقك علي. وقيل: هذا صراط على تقريره، وهو مستقيم حق وصدق. وروى ابن جني عن أبي الحسن أنه قال: هو كقولك: الدلالة اليوم عليَّ.

وقال صاحب "الفرائد": أي: دين الإسلام حق علي بيانه، فمن اختاره من عبادي ليس لك عليهم سلطان، ومن لم يختر فلك عليهم سلطان.

وقال القاضي: والإشارة بقوله: (هذا) إلى ما تضمنه الاستثناء، وهو تخلص المخلصين من إغوائه، أو الإخلاص على معنى أنه طريق عليَّ يؤدي إلى الوصول إليّ من غير اعوجاج وضلال.

وقال الزجاج: (هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ) أي: على إرادتي وأمري أي: شأني. وقلت: هذا الذي يقتضيه النظمُ والعلمُ عند الله تعالى، فإن الإشارة بقوله:"هذا" إلى قول إبليس: (وَلأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ) أي: هذا هو الذي حكمت به وقدرت على عبادي، وهو حق وصدق. كقوله تعالى:(وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ)[السجدة: 13]، وقوله صلوات الله عليه، على ما رواه الترمذي، عن عمرو بن العاص، أنه قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يديه كتابان

الحديث، ولهذا قرر قوله: بقوله: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ

ص: 37

وهو أن لا يكون لك سلطان على عبادي، إلا من اختار اتباعك منهم؛ لغوايته. وقرئ:(عليّ)، وهو من علو الشرف والفضل. (لَمَوْعِدُهُمْ) الضمير للغاوين. وقيل: أبواب النار أطباقها وأدراكها، فأعلاها للموحدين، والثاني لليهود، والثالث للنصارى، والرابع للصابئين، والخامس للمجوس، والسادس للمشركين، والسابع للمنافقين. وعن ابن عباس رضي الله عنه: إن جهنم لمن ادعى الربوبية، ولظى لعبدة النار، والحطمة لعبدة الأصنام، وسقر لليهود، والسعير للنصارى، والجحيم للصابئين، والهاوية للموحدين. وقرئ:(جزء) بالتخفيف والتثقيل. وقرأ الزهري: (جزّ)، بالتشديد؛

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الْغَاوِينَ) على طريقة القول بالموجب، وجعل ما جعله مستثنى منه: مستثنى، ليؤذن بأن المقصود الأولى نجاة المخلصين، كما أن مقصود اللعين أولاً الإغواء، وفيه أن اللعين استقل عباد الله المخلصين عدداً، حيث جعلهم مستثنى، وأن الله سبحانه وتعالى استكثرهم، اعتباراً وعدداً، حيث قلب القضية، ثم فرق ما لكل واحد من الفريقين بقوله:(وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ) وقوله: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ)، ثم أمر حبيبه بالإنباء عن صفتي رحمته وغضبه بقوله:(نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ)، وفيه أن جانب الرحمة سابق، حيث وصف الثواب بالعظم، كما وصف العذاب بالألم، بل وصف ذاته الأقدس على سبيل التوكيد وتكرير الضمير وتعريف الخبر وإرداف "الغفور" بـ"الرحيم"، وكذا في قوله:(وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ) وإن لم يقل: وإنهم لفي جهنم، كما قال:(إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ) إشارة إلى المعنى، كل هذا يدل على أن المشار إليه ما قررناه، وأن سياق الآيات لبيان جريان المشيئة واستبداد الحكم، لا رعاية المصالح ووجوبها، لأن الكلام في بدو إنشاء الإنسان.

قوله: (وقرئ (جُزْءٌ) بالتخفيف والتثقيل)، قال القاضي: قرأ أبو بكر: "جُز": بالتثقيل.

ص: 38

كأنه حذف الهمزة وألقى حركتها على الزاى، كقولك: خبّ في خبء، ثم وقف عليه بالتشديد، كقولهم: الرجل، ثم أجرى الوصل مجرى الوقف.

[(إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ * وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ* لا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ)].

المتقى على الإطلاق: من يتقى ما يجب اتقاؤه مما نهى عنه. وعن ابن عباس رضي الله

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (المتقي على الإطلاق: من يتقي ما يجب اتقاؤه مما نُهي عنه)، قال الإمام: قال جمهور المعتزلة: المتقون هم الذين اتقوا جميع المعاصي، لأنه اسم مدح، فلا يتناول إلا من يكون كذلك، وقال جمهور الصحابة والتابعين، وهو المنقول عن ابن عباس: المتقون هم الذين اتقوا الشرك بالله سبحانه وتعالى، والكفر به، وهذا هو الحق الصحيح؛ لأن المتقي هو الذي أتى بالتقوى مرة واحدة، كما أن الضارب هو الذي أتى بالضرب مرة، وكما أنه ليس من شرط صدق الوصف بكونه ضارباً كونه آتيا بجميع أنواع الضرب، فكذا هاهنا، ومن ثم ذهب المحققون إلى أن ظاهر الأمر لا يفيد التكرار، فظاهر الآية يقتضي حصول الجنات لكل من اتقى عن شيء واحد، إلا أن الأمة مجتمعة على أن التقوى عن الكفر شرط في حصول هذا الحكم، ولأن الآية وردت عقيب قوله:(إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ)، فوجب أن يعتبر الإيمان فيه، لا يزاد قيد آخر؛ لأن التخصيص خلاف الظاهر، فكلما كان التخصيص أقل كان أوفق.

وقلت: قد سبق أن الناس فرقتان: المخلصون، والغاوون، وأن جهنم مقسومة سبعة أقسام كما جاء عن المفسرين أن الدركة الأولى للموحدين يعذبون بقدر ذنوبهم ثم يخرجون،

ص: 39

عنهما: اتقوا الكفر والفواحش، ولهم ذنوب تكفرها الصلوات وغيرها ادْخُلُوها على إرادة القول. وقرأ الحسن:(أدخلوها)، (بِسَلامٍ): سالمين، أو مسلما عليكم: تسلم عليكم الملائكة. الغل: الحقد الكامن في القلب، من انغل في جوفه وتغلغل، أي: إن كان لأحدهم في الدنيا غلّ على آخر نزع الله ذلك من قلوبهم وطيب نفوسهم. وعن علىّ رضي الله عنه: أرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير منهم. وعن الحرث الأعور: كنت جالساً عنده إذ جاء ابن طلحة فقال له علىّ:

مرحبا بك يا ابن أخي، أما والله إني لأرجو أن أكون أنا وأبوك ممن قال الله تعالى:(وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلّ) فقال له قائل: كلا، الله أعدل من أن يجمعك وطلحة في مكان واحد، فقال: فلمن هذه الآية لا أمّ لك؟ ! وقيل: معناه: طهر الله قلوبهم من أن يتحاسدوا على الدرجات في الجنة، ونزع منها كل غل، وألقى فيها التوادّ والتحاب.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فإذا لابد من تفسير المتقين في هذا المقام بمن يتميزون عن الغاوين؛ لئلا يختل النظم، وهو تفسير المصنف وإن لم يقصد به ذلك، لقوله:"المتقي على الإطلاق"، ولأن المتقين هم المخلصون المخصوصون في قوله تعالى:(إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ)، وأما إخراج العاصين من النار فيُعلم من نصوص أخر، لا من هذه الآية.

وقوله: (وتغلغل)، الجوهري: تغلغل الماء في الشجر: إذا تخللها، الراغب: الغلل: الماء الجاري بين الشجر، وانغل بين الشجر: دخل فيه.

قوله: (الله أعدل من أن يجمعك وطلحة في مكان) يعني: لما جرى بينهما يوم الجمل، وهي قصة مشهورة.

ص: 40

و (إِخْواناً) نصب على الحال. و (عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ) كذلك. وعن مجاهد: تدور بهم الأسرة حيثما داروا، فيكونون في جميع أحوالهم متقابلين.

[(نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ *ونبئهم عن ضيف إبراهيم* إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال إنا منكم وجلون* قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم* قال أبشرتمونى على أن مسنى الكبر فبم تبشرون* قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين* قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون)].

لما أتم ذكر الوعد والوعيد أتبعه (نَبِّئْ عِبادِي)؛ تقريراً لما ذكر، وتمكيناً له في النفوس. وعن ابن عباس رضى الله عنه: غفور لمن تاب، وعذابه لمن تاب، وعذابه لمن لم يتب. وعطف (وَنَبِّئْهُمْ) على (نبئ عبادي)، ليتخذوا ما أحل من العذاب بقوم لوط عبرة يعتبرون بها سخط الله وانتقامه من المجرمين، ويتحققوا عنده أنّ عذابه هو العذاب الأليم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: ((إِخْوَاناً): نصب على الحال). قال أبو البقاء: هو حال من الضمير في قوله: (فِي جَنَّاتِ) أو من الفاعل في: (ادْخُلُوا) مقدرة، أو من الضمير في (آمِنِينَ).

وقال القاضي: ويجوز أن يكون حالاً من الضمير المضاف إليه، والعامل فيها معنى الإضافة، وكذا قوله:(عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ)، ويجوز أن يكونا صفتين لـ (إِخْوَاناً) أو حالين من ضميره؛ لأنه بمعنى متصافين، وأن يكون (مُتَقَابِلِينَ) حالاً من المستتر في (عَلَى سُرُرٍ).

قوله: (وعطف (وَنَبِّئْهُمْ) على (نَبِّئْ عِبَادِي) ليتخذوا ما أحل من العذاب بقوم لوط عبرة) يعني: لما اشتملت الآيتان على ذكر العذاب، عطف هذه القصة لتضمنها معنى العذاب عليهما على سبيل الاستطراد. ويُمكن أن يقال: إن الآيات السابقة لما اشتملت على

ص: 41

(سَلاماً) أي: نسلم عليك سلاماً، أو سلمت سلاماً، (وَجِلُونَ): خائفون، وكان خوفه لامتناعهم من الأكل. وقيل: لأنهم دخلوا بغير إذن وبغير وقت. وقرأ الحسن: (لا توجل)، بضم التاء، من أوجله يوجله؛ إذا أخافه. وقرئ: لا تأجل. ولا تواجل، من واجله بمعنى أوجله. وقرئ (نُبَشِّرُكَ) بفتح النون والتخفيف إِنَّا نُبَشِّرُكَ استئناف في معنى التعليل للنهى عن الوجل؛ أرادوا: أنك بمثابة الآمن المبشر؛ فلا توجل. يعنى: (أَبَشَّرْتُمُونِي) مع مس الكبر، بأن يولد لي! أي: أن الولادة أمر عجيب مستنكر في العادة مع الكبر، (فَبِمَ تُبَشِّرُون) هي "ما" الاستفهامية دخلها معنى التعجب، كأنه قال: فبأي أعجوبة تبشروني، أو أراد: أنكم تبشرونني بما هو غير متصوّر في العادة، فبأي شيء تبشرون، يعنى: لا تبشرونني في الحقيقة بشيء؛

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الوعد والوعيد، وعُقبت بقوله:(أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) وقوله: (وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ) على الجمع ليكون تقريراً لما ذُكر وتمكيناً له في النفوس كما ذكر، كما فُصلت بقصتي إبراهيم ولوط عليهما السلام، ليكون حكاية سلام الملائكة وبشارتهم بإسحاق وذكر الرحمة تفصيلاً لقوله:(أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)، وقصة لوط ودمار قومه واستئصال شأفتهم تفصيلاً لقوله:(وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ).

قوله: (وكان خوفه لامتناعهم من الأكل)، قال في "هود": قيل: كانت عادتهم أنه إذا مس من يطرقهم طعامهم أمنوه، وألا خافوه، ويُقدر في هذا المقام بعد قولهم:(سَلاماً): قال سلامٌ، (فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ * فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ) [هود: 69 - 70]، وقال:(إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ)" إلى آخره، وقد سبق في "هود" تحقيقه.

قوله: (وقرئ: "نبشرك"): حمزة.

قوله: (أو أراد: إنكم تبشرونني)، قيل: على الأول: الاستفهام للتفخيم، وعلى هذا، للتحقير. وقلتُ: الظاهر أنه عليه السلام لما أدخل همزة الإنكار في قوله: (أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى

ص: 42

لأنّ البشارة بمثل هذا بشارة بغير شيء. ويجوز أن لا يكون صلة لبشر، ويكون سؤالا عن الوجه والطريقة يعنى: بأي طريقة تبشرونني بالولد، والبشارة به لا طريقة لها في العادة. وقوله (بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ) يحتمل أن تكون الباء فيه صلة، أي: بشرناك باليقين الذي لا لبس فيه، أو بشرناك بطريقة هي حق؛ وهي قول الله ووعده، وأنه قادر على أن يوجد ولداً من غير أبوين، فكيف من شيخ فان وعجوز عاقر. وقرئ:(تبشرون)، بفتح النون وبكسرها على حذف نون الجمع، والأصل تبشرونني،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أَنْ مَسَّنِي الْكِبَرُ) جاء باستفهام آخر، إما لبيان خرق العادة، وأنه أمر عجيب، أو لتقرير ذلك الإنكار، وأن تلك البشارة ليست ببشارة، وإليه الإشارة بقوله:"لأن البشارة بمثل هذا بشارة بغير شيء".

قوله: (وقرئ: (تُبَشِرُونَ) بفتح النون) قرأ نافع: "فبم تُبشرونِ" بكسر النون مخففة، وابن كثير بكسرها مشددة، والباقون: بفتحها. قال أبو علي في "الحجة": أراد: فبم تُبشرونني، فعدى الفعل إلى المضمر المنصوب؛ لأن المعنى عليه، فأثبت ما حذفه غيره من الكسرة التي تدل على الياء المحذوفة، وحذف النون الثانية؛ لأن التكرير بها وقع، ولم تُحذف الأولى التي هي علامة الرفع، والمصنف ذهب إلى أن المحذوف نونُ الجمع.

وقال الإمام: أما الكسر والتشديد فتقديره: (تُبشرونني)، أدغمت نون الجمع في نون الإضافة، وأما الكسر والتخفيف فعلى حذف نون الجمع؛ استثقالاً لاجتماع المثلين.

وقال أبو حاتم: حذف نافع الياء مع النون، وإسقاط الحرفين لا يجوز، وأجيب: بأن المحذوف حرف واحد، وهي النون التي هي علامة الرفع، على أن حذف الحرفين شائع،

ص: 43

وتبشرونِّ بإدغام نون الجمع في نون العماد. وقرئ: (من القنطين) من قنط يقنط، وقرئ:

ومن يقنط، بالحركات الثلاث في النون، أراد: ومن يقنط من رحمة ربه إلا المخطئون طريق الصواب، أو: إلا الكافرون، كقوله:(لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ)[يوسف: 87]، يعنى: لم أستنكر ذلك قنوطاً من رحمته، ولكن استبعاداً له في العادة التي أجراها الله.

[(قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ* قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ * إِلاَّ ءآلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ)].

فإن قلت: قوله تعالى: (إِلَّا ءآلَ لُوطٍ) استثناء متصل أو منقطع؟ قلت: لا يخلو من من أن يكون استثناء من (قوم)؛ فيكون منقطعاً، لأنّ القوم موصوفون بالإجرام، فاختلف لذلك الجنسان وأن يكون استثناء من الضمير في (مجرمين)، فيكون متصلا، كأنه قيل: إلى قوم قد أجرموا كلهم إلا آل لوط وحدهم، كما قال: (فَما وَجَدْنا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قال تعالى: (وَلا تَكُ)، وأما فتح النون فعلى غير الإضافة، والنون علامة الرفع، وهي مفتوحة أبداً.

قوله: ((وَمَنْ يَقْنَطُ) بالحركات الثلاث في النون): أبو عمرو والكسائي ويعقوب: بالكسر، والباقون: بالفتح، والضم: شاذ، قال ابن جني: وهي قراءة الأشهب.

قوله: (وقرئ: "من القنطين")، قال ابن جني: قرأها الأعمش ويحيى وطلحة، وهو من: قنط يقنط، بكسر النون، و"القانطين" مِن: قنط، بفتحها.

قوله: (استثناء من الضمير في (مُجْرِمِينَ)، فيكون متصلاً)، قال في "الانتصاف": جعله منقطعاً على الأول أولى وأمكنُ؛ لأن الاستثناء: إخراج ما لولاه لدخل في حُكمِ

ص: 44

فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) [الذاريات: 36]. فإن قلت: فهل يختلف المعنى لاختلاف الاستثناءين؟ قلت: نعم، وذلك أنّ آل لوط مخرجون في المنقطع من حكم الإرسال، وعلى أنهم أرسلوا إلى القوم المجرمين خاصة، ولم يرسلوا إلى آل لوط أصلاً. ومعنى

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الأول، و (قَوْم) نكرة، فعوده إلى الضمير المعرفة متعذر، ولذلك قل أن يُستثنى من النكرة إلا في سياق النفي؛ لأنها تعم فيتحقق الدخول لولا الاستثناء، فلا يحسن: رأيت قوماً إلا زيداً، ويحسن: ما رأيت أحداً إلا زيداً.

وقلت: ليس ما نحن بصدده من قبيل: رأيت قوماً إلا زيداً، بل من قبيل: رأيت قوماً أساءوا إلا زيداً، على أن قوماً في الآية قوم معروفون محصورون، وإن كان منكوراً، بدليل قوله تعالى في العنكبوت:(قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ * قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطاً قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ)[العنكبوت: 32]، فلو لم يكن آل لوط داخلين فيما سبق، لم يحسن منه أن يقال:(إِنَّ فِيهَا لُوطاً)، ولو لم يكونوا محصورين لم يقولوا:(نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا)، وهاهنا لما سأل الخليل عليه السلام عن الرسل:(فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ) أجابوا: (إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ) أي: قومٍ معروفين، تعرفهم أنت، ونحن لا يخفى علينا ولا عليك شيء من أحوالهم.

قوله: (وعلى أنهم أرسلوا) عطفٌ على محذوف عطف تفسير، كأنه قيل: إن آل لوط مُخرجون من حكم الإرسال، بناء على ما عُلم، وعلى أنهم أرسلوا إلى القوم المجرمين خاصة، وكذلك تقدير قوله:"وعلى أن الملائكة" أي: فهم داخلون في الإرسال، بناء على ما عُرف، وعلى أن الملائكة أرسلوا إليهم جميعاً.

ص: 45

إرسالهم إلى القوم المجرمين؛ كإرسال الحجر أو السهم إلى المرمىّ، في أنه في معنى التعذيب والإهلاك، كأنه قيل: إنا أهلكنا قوما مجرمين، ولكن آل لوط أنجيناهم. وأمّا في المتصل فهم داخلون في حكم الإرسال، وعلى أن الملائكة أرسلوا إليهم جميعاً ليهلكوا هؤلاء وينجوا هؤلاء، فلا يكون الإرسال مخلصا بمعنى الإهلاك والتعذيب كما في الوجه الأوّل. فإن قلت: فقوله: (إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ) بم يتعلق على الوجهين؟ قلت: إذا انقطع الاستثناء جرى مجرى خبر "لكنّ" في الاتصال بآل لوط، لأنّ المعنى. لكن آل لوط منجون، وإذا اتصل كان كلاما مستأنفاً، كأنّ إبراهيم عليه السلام قال لهم: فما حال آل لوط، فقالوا: إنا لمنجوهم. فإن قلت: فقوله (إِلَّا امْرَأَتَهُ) ممّ استثنى، وهل هو استثناء من استثناء؟ قلت: استثنى من الضمير المجرور في قوله لَمُنَجُّوهُمْ وليس من الاستثناء من الاستثناء في شيء، لأنّ الاستثناء من الاستثناء إنما يكون فيما اتحد الحكم فيه، وأن يقال: أهلكناهم إلا آل لوط، إلا امرأته، كما اتحد الحكم في قول المطلق: أنت طالق ثلاثاً، إلا اثنتين، إلا واحدة. وفي قول المقرّ: لفلان علىّ عشرة دراهم، إلا ثلاثة، إلا درهما. فأمّا في الآية فقد اختلف الحكمان، لأنّ (إِلَّا ءالَ لُوطٍ) متعلق ب (أرسلنا)، أو (بمجرمين). (وإِلَّا امْرَأَتَهُ) قد تعلق بـ (لمنجوهم)،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (فقد اختلف الحُكمان؛ لأن (إِلاَّ آلَ لُوطٍ) متعلق بـ (أَرْسَلْنَا)

، و (إِلاَّ امْرَأَتَهُ) قد تعلق بـ (لَمُنَجُّوهُمْ))، قال صاحب "التقريب": وقد يُتوهم أن الإرسال إذا كان بمعنى الإهلاك، فلا اختلاف إذ التقدير: إلا آل لوط لم نُهلكهم، فهو بمعنى (لَمُنَجُّوهُمْ). وجوابه: أن الاستثناء من الاستثناء شرطه أيضاً أن لا يتخلل لفظ بين الاستثناءين متعدد يصلح مستثنى منه، وههنا تخلل (إنَّا لَمُنَجُّوهُمْ)، فلو قال: إلا آل لوط إلا امرأته، لجاز ذلك. وقلتُ: لا سيما أن قوله: (إنَّا لَمُنَجُّوهُمْ) على تقدير أن يكون الاستثناء متصلاً- جُملةٌ منقطعة عما قبلها على تقدير سؤال سائل، فيبعُدُ من البليغِ أن يجعلَ ما في حيزه متعلقاً بما قبله.

وقال أبو البقاء: والاستثناءُ إذا جاء بعد الاستثناء كان الاستثناء الثاني مضافاً إلى المبتدأ،

ص: 46

فأنى يكون استثناء من استثناء. وقرئ (لَمُنَجُّوهُمْ) بالتخفيف والتثقيل. فإن قلت: لم جاز تعليق فعل التقدير في قوله (قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ) والتعليق من خصائص أفعال القلوب؟ قلت: لتضمن فعل التقدير معنى العلم، ولذلك فسر العلماء تقدير الله أعمال العباد بالعلم. فإن قلت: فلم أسند الملائكة فعل التقدير- وهو لله وحده- إلى

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كقولك: له عندي عشرة إلا أربعة إلا درهماً، فإن الدرهم مستثنى من الأربعة، فهو مضاف إلى العشرة، فكأنك قلت: أحد عشر إلا أربعة، أو: عشرة إلا ثلاثة.

قوله: (وقرئ (لَمُنَجُّوهُمْ) بالتخفيف والتثقيل)، بالتخفيف: حمزة والكسائي وأبو بكر.

قوله: (ولذلك فسر العلماء تقدير الله أعمال العباد بالعلم) أي: المعتزلة يقولون: إن معنى قوله: إن الله قدر على العباد: عَلِمَ، بدليل قوله في تفسير قوله تعالى:(حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ)[الزمر: 71]: ثبت عليهم قول الله الذي كتبه في اللوح المحفوظ، وتلك كناية معلوم، لا كناية مقدر ومراد، تعالى الله عن ذلك. والأصل:(قَدَّرْنَاهَا مِنْ الْغَابِرِينَ) فعلقه عن العمل باللام، ثُم جاء بـ (إنَّ). قال القاضي: ويجوز أن يكون (قَدَّرْنَا) مُجرى مَجرى قُلنا؛ لأن التقدير بمعنى القضاء قولٌ، وأصله جعلُ الشيء على مقدار غيره.

وقال صاحب "الانتصاف": هذا من دفائن الزمخشري في الاعتزال في جحد القضاء والقدر، إذا المعتزلة يمنعون تعلق القدرة بالمعاصي، فالتقدير عندهم: هو العلمُ، لا الإرادة، ثم استدل على أن التقدير بمعنى العلم، بتعليق فعله. وفي كلامه شاهد على رده؛ لأن التضمين من شأنه أن يُبقي المعنى الأصلي مضافاً إليه المعنى الطارئ، فيفيدهما جميعاً.

ص: 47

أنفسهم، ولم يقولوا: قدّر الله؟ قلت: لما لهم من القرب والاختصاص بالله الذي ليس لأحد غيرهم، كما

يقول خاصة الملك: دبرنا كذا وأمرنا بكذا، والمدبر والآمر

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فالتقدير: كما أفاد العلم الطارئ أفاد الإرادة أيضاً، على أن من الناس من جعل قوله تعالى:(قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنْ الْغَابِرِينَ) من كلامه تعالى غير محكي عن الملائكة، وهو الظاهر؛ لأن القائل بالأول يحتاج إلى التأويل، كما قال الزمخشري:"إنه من باب قول خواص الملك"، لأنا إذا جعلنا (قَدَّرْنَا) بمعنى علمنا أنها من الغابرين فلا غرو في علم الملائكة ذلك بإخبار الله إياهم به، إنما يحتاج إلى التأويل من جعل قدرنا بمعنى قضينا، وجعله من قول الملائكة.

الإنصاف: القول بأن التضمين يقتضي إرادة الفعلين: المضمن والمضمن فيه معاً مردود، فإنه يجوز أن يؤتى فيه بما يقتضيه أحدهما دون الآخر، فكأنه معمول أحدهما خاصة، ألا ترى إلى قوله:

قد قتل الله زياداً عني

ضمن "قتله" معنى: صرفه، وأتى بـ "عني" التي هي معمول "صرفه"، لا معمول "قتله".

وقلت: هذا خطأ؛ لأن التقدير: قد صرف الله زياداً عني قتلاً، أو "قتل" مستعار للصرف على سبيل التبعية، والقرينة الجار.

الراغب: الغابر: الماكث بعد مُضي ما معه، قال تعالى:(إِلاَّ عَجُوزاً فِي الْغَابِرِينَ)، يعني: قد طال أعمارهم. وقيل: فيمن بقي ولم يسر مع لوط. وقيل فيمن بقي في العذاب، ومنه الغبرة: البقية من اللبن في الضرع.

ص: 48

هو الملك لا هم، وإنما يظهرون بذلك اختصاصهم وأنهم لا يتميزون عنه. وقرئ:(قدرنا)، بالتخفيف.

[(فَلَمَّا جاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ * قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ * قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ * وَأَتَيْناكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصادِقُونَ * فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ *

وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ)].

(مُنْكَرُونَ) أي: تنكركم نفسي وتنفر منكم، فأخاف أن تطرقوني بشرّ، بدليل قوله:(بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ) أي: ما جئناك بما تنكرنا لأجله، بل جئناك بما فيه فرحك وسرورك وتشفيك من عدوّك، وهو العذاب الذي كنت تتوعدهم بنزوله، فيمترون فيه ويكذبونك، (بِالْحَقِّ): باليقين من عذابهم، (وَإِنَّا لَصادِقُونَ) في الإخبار بنزوله بهم. وقرئ: فأسر، بقطع الهمزة ووصلها، من أسرى وسرى. وروى صاحب الإقليد: فسر، من السير والقطع في آخر الليل. قال:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (بدليل قوله: (بَلْ جِئْنَاكَ) يريد أن قوله: (إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ) كناية عن أنكم قوم يخاف منكم الشر؛ لأن قوله: (َلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ) كناية عن الفرح والتشفي، لأنه أضرب به عن الخوف، وذلك أن من ينكر شيئاً ينفر منه، وإنما ينفر منه إذا توهم شراً مخوفاً، وكذا قوله:(بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ): كناية عن العذاب؛ لأنهم كانوا يشكون نزوله، ونزوله عليهم سبب لتشفي لوط عن غيظه؛ لأنه كان يكابد منهم المشاق، كأنه قال: إنكم قوم يخاف منكم الشر، فقالوا مجاوبين: بل نحن ممن يُرجى منا الخير والفرح.

قوله: (صاحب "الإقليد") هو تفسير لأبي الفتح الهمداني- بإسكان الميم-، منسوب إلى قبيلة من اليمن.

ص: 49

افْتَحِي الْبَابَ وَانْظُرِي في النُّجُومِ

كَمْ عَلَيْنَا مِن قِطعِ لَيْلٍ بَهِيمِ

وقيل: هو بعد ما يمضى شيء صالح من الليل. فإن قلت: ما معنى أمره باتباع أدبارهم ونهيهم عن الالتفات؟ قلت قد بعث الله الهلاك على قومه، ونجاه وأهله إجابة لدعوته عليهم، وخرج مهاجراً فلم يكن له بدّ من الاجتهاد في شكر الله وإدامة ذكره وتفريغ باله لذلك، فأمر بأن يقدّمهم لئلا يشتغل بمن خلفه قلبه، وليكون مطلعاً عليهم وعلى أحوالهم، فلا تفرط منهم التفاتة احتشاماً منه ولا غيرها من

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (افتحي الباب) البيت، كأنه طال عليه الليل، يُخاطب ضجيعته بذلك، أو كان يحب طول الليل للوصال.

قوله: (شيء صالح من الليل) أي: قطعة طويلة منه، العرب تقول: مضى من عمري شيء، أي: مدة طويلة.

قوله: (ما معنى أمره باتباع أدبارهم ونهيهم عن الالتفات؟ ) يعني: كان يكفي في الهجرة أن يُقال: (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ) فما معنى التتميم بهذين القيدين؟

وخلاصة الجواب: أن تلك النجاة كانت نعمة من الله مطلوبة تستحق الإقامة بمواجب الشكر لها، وذلك الشكر لا يتم إلا بفراغ من البال من كل وجه فأمر باتباع أدبارهم لئلا يشتغل عن إدامة الشكل بسبب تعلق قلبه بمن خلفه، ونُهوا عن الالتفات، لئلا ترق قلوبهم إذا نظروا إلى ما ينزلُ على قومهم، فيشتغل قلبه عن إدامة الشُّكر.

الانتصاف: اشتملت الآية مع وجازتها على آداب المسافرين في دين ودُنيا من أمير ومأمور، وتابع ومتبوع.

ص: 50

الهفوات في تلك الحال المهولة المحذورة، ولئلا يتخلف منهم أحد لغرض له فيصيبه العذاب، وليكون مسيره مسير الهارب الذي يقدّم سربه ويفوت به، ونهوا عن الالتفات لئلا يروا ما ينزل بقومهم من العذاب فيرقوا لهم، وليوطنوا نفوسهم على المهاجرة ويطيبوها عن مساكنهم، ويمضوا قدماً غير ملتفتين إلى ما وراءهم كالذي يتحسر على مفارقة وطنه فلا يزال يلوى إليه أخادعه، كما قال:

تَلَفَّتُّ نَحْوَ الحَىّ حَتّي وَجَدتُنِي

وَجِعْتُ مِنَ الإِصْغَاءِ لِيتاً وَأَخْدَعَا

أو جعل النهى عن الالتفات كناية عن مواصلة السير وترك التواني والتوقف؛ لأنّ من يلتفت لا بدّ له في ذلك من أدنى وقفة (حَيْثُ تُؤْمَرُونَ) قيل: هو مصر، وعدّى (وَامْضُوا) إلى (حَيْثُ) تعديته إلى الظرف المبهم، لأن (حَيْثُ) مبهم في الأمكنة،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (يقدم سربه)، النهاية: السربُ- بالكسر- والسربة: القطيع من الظباء والقطا والخيل ونحوها، ومن النساء على التشبيه بالظباء.

قوله: (ويفوتُ به) فاتني بكذا: سبقني به، وذهب به عني. في "الأساس"، والضمير في "به" راجع إلى "السرب"،

قوله: (ويمضوا قُدماً) بضمتين، يقال: ومضى قُدماً: لم ينثن، ولم يُعرج.

قوله: (تلفت نحو الحي) البيت، قال المرزوقي: يقول: أخذت مسيري لما أبصرت حال نفسي، وتأثير الصبابة فيها، ملتفتاً إلى ما خلفته من الحي، حتى وجدتُني وجع الليت، أي صفحة العنق، والأخدع، وهو عرق فيها، لطول إصغائي ودوام التفاتي كل ذلك تحسراً في أثر الفائت من أحبابي وديارهم، وتذكراً لطيب أوقاتي معهم فيها.

قوله: (وُعدي (وَامْضُوا) إلى (حَيْثُ) تعديته إلى الظرف المبهم) يعني: (حَيْثُ)

ص: 51

وكذلك الضمير في (تُؤْمَرُونَ). وعدى (وقَضَيْنا) بإلى؛ لأنه ضمن معنى: أوحينا، كأنه قيل: وأوحينا إليه مقضياً مبتوتاً. وفسر (ذلِكَ الْأَمْرَ) بقوله: (أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ)، وفي إبهامه وتفسيره تفخيم للأمر وتعظيم له. وقرأ الأعمش: إن، بالكسر على الاستئناف، كأن قائلا قال: أخبرنا عن ذلك الأمر، فقال: إنّ دابر هؤلاء. وفي قراءة ابن مسعود: (وقلنا إنّ دابر هؤلاء). ودابرهم: آخرهم، يعنى: يستأصلون عن آخرهم حتى لا يبقى منهم أحد.

[(وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ * قالَ إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ * وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ * قالُوا أَوَ لَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ * قالَ هؤُلاءِ بَناتِي إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ * لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ * فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ * فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ * إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ * وَإِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ *

إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ)].

(وجاء أَهْلُ الْمَدِينَة): ِ أهل سدوم التي ضرب بقاضيها المثل في الجو، مستبشرين بالملائكة (فَلا تَفْضَحُونِ) بفضيحة ضيفي، لأنّ من أساء إلى ضيفه أو جاره فقد أساء إليه، كما أن من أُكرم من يتصل به فقد أُكرم (وَلاتُخْزُونِ): ولا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

على تقدير النصب على الظرف لا يحتاج إلى (في)؛ لأنه مبهم، والظرف المبهم منصوب، والمؤقت حكمه حكم ما ليس بظرف، فيحتاج إلى (في)، وكذلك الضمير في (تُؤْمَرُونَ) مبهم، نُظر إلى تقديره، وهو راجع إلى حيث، ولو كان مؤقتاً لقيل: تؤمرون فيه.

قوله: (يعني يستأصلون عن آخرهم)، الراغب: قطع دابرة الإنسان: إفناء نوعه. قال تعالى: (فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا)[الأنعام: 45].

قوله: (أهل سدوم) في "تهذيب" الأزهري سذُوم بالذال المعجمة، وفي "الصحاح": بفتح السين والدال غير معجمة: قرية قوم لوط عليه السلام.

ص: 52

تذلونِ بإذلال ضيفي، من الخزي وهو الهوان. أو: ولا تشوّروا بي، من الخزاية؛ وهي الحياء. (عَنِ الْعالَمِينَ): عن أن تجير منهم أحداً، أو تدفع عنهم، أو تمنع بيننا وبينهم، فإنهم كانوا يتعرّضون لكل أحد، وكان يقوم صلى الله عليه وسلم بالنهى عن المنكر، والحجر بينهم وبين المتعرّض له، فأوعدوه وقالوا:(لئن لم تنته يا لوط لتكوننّ من المخرجين). وقيل: عن ضيافة الناس وإنزالهم، وكانوا نهوه أن يضيف أحداً قط (هؤُلاءِ بَناتِي): إشارة إلى النساء؛ لأنّ كل أمّة أولاد نبيها رجالهم بنوه ونساؤهم بناته، فكأنه قال لهم: هؤلاء بناتي فانكحوهنّ، وخلوا بنىّ فلا تتعرضوا لهم إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ شك في قبولهم لقوله، كأنه قال: إن فعلتم ما أقول لكم وما أظنكم تفعلون. وقيل: إن كنتم تريدون قضاء الشهوة فيما أحل الله دون ما حرّم (لَعَمْرُكَ) على إرادة القول، أى قالت الملائكة للوط عليه السلام: لعمرك (إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ) أى غوايتهم التي أذهبت عقولهم وتمييزهم بين الخطإ الذي هم عليه وبين الصواب الذي تشير به عليهم، من ترك البنين إلى البنات (يَعْمَهُونَ): يتحيرون، فكيف يقبلون قولك ويصغون إلى نصيحتك. وقيل: الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه أقسم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (أو ولا تُشوروا بي)، الجوهري: شورت الرجل فتشور، أي: خجلته فتخجل.

قوله: (وبين المتعرض له) الضمير في "له" عائد إلى اللام، لأنها موصولة.

قوله: (إن كنتم تريدون قضاء الشهوة) عن المصنف: الأوجه أن يكون ذلك بناء على طريقتهم وحالهم في ركوب ما لا يحل لهم، كأنه قيل: إن كنتم ولابد راكبين ما لا يحل لكم، فعليكم بمحال المباشرة التي قد تعارفها الناس دون المنكر الذي لم تُسبقوا إليه.

قوله: (وقيل: الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قال صاحب "الفرائد": لما أمكن الحمل على ما هو المفهوم من ظاهر الكلام وجب الحمل عليه، إذ التقدير بغير ضرورة لا يجوز، وإلا لم يبق للنقل اعتبارٌ أصلاً؛ لأنه ما من نقل إلا وأمكن التقدير فيه، فوجب الحمل على أنه تعالى أقسم بحياته صلى الله عليه وسلم.

ص: 53

بحياته، وما أقسم بحياة أحد قط؛ كرامة له. والعمر والعمر واحد، إلا أنهم خصوا القسم بالمفتوح؛ لإيثار الأخف فيه؛ وذلك لأن الحلف كثير الدور على ألسنتهم؛ ولذلك حذفوا الخبر، وتقديره: لعمرك مما أقسم به، كما حذفوا الفعل في قولك: بالله. وقرئ: في (سكرهم) و (في سكراتهم). (الصَّيْحَة): ُ صيحة جبريل عليه السلام، (مُشْرِقِينَ) داخلين في الشروق؛ وهو بزوع الشمس. (منْ سِجِّيلٍ): قيل: من طين، عليه كتاب من السجل، ودليله قوله تعالى:

(حِجارَةً مِنْ طِينٍ مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ)[الذاريات: 33 - 34]، أي: معلمة بكتاب. (لِلْمُتَوَسِّمِينَ) للمتفرّسين المتأملين. وحقيقة المتوسمين النظار المتثبتون في نظرهم حتى يعرفوا حقيقة سمة الشيء. يقال:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقلت: أراد أن قوله تعالى: (لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ) إذا كان خطاباً للوط يجب أن يُقدر: قالت الملائكة: لعمرك. وإذا كان خطاباً لرسولنا صلى الله عليه وسلم لا يجب، ويكون جُملة معترضة للنعي عليهم، وتماديهم في ارتكاب تلك الفاحشة؛ لأن في عرض نبي الله لوط أفلاذ كبده على القوم، دليلاً على بلوغ الغاية في الأمر، وأنه بلغ السيل الزُّبى، وجاوز الحزامُ الطبيين، كأنه قيل: يا محمد، بحياتك أقسم، إنهم لفي سكرتهم يعمهون، مستمرون، فاستحضر تلك الحالة في مشاهدتك، وتعجب لها، يدلك عليه صيغة المضارع.

وقال محي السنة: لعمرك يا محمد وحياتك، عن ابن عباس أنه قال: ما خلق الله نفساً أكرم عليه من محمد صلوات الله عليه، وما أقسم بحياة احدٍ إلا حياته، وكذا عن الإمام.

قوله: (المتثبتون في نظرهم حتى يعرفوا حقيقة سمة الشيء) كأنه حد المتفرسين، وهو

ص: 54

توسمت في فلان كذا، أى عرفت وسمه فيه. والضمير في (عالِيَها سافِلَها) لقرى قوم لوط. (وَإِنَّها): وإنّ هذه القرى، يعنى آثارها (لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ): ثابت يسلكه الناس لم يندرس بعد، وهم يبصرون تلك الآثار، وهو تنبيه لقريش، كقوله:(وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ)[الصافات: 137].

[(وَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ لَظالِمِينَ (78) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ وَإِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ)].

(أَصْحابُ الْأَيْكَة): ِ قوم شعيب. (وَإِنَّهُما): يعنى قرى قوم لوط والأيكة. وقيل: الضمير للأيكة ومدين، لأنّ شعيباً كان مبعوثاً إليهما، فلما ذكر الأيكة دل بذكرها على مدين؛ فجاء بضميرهما، (لَبِإِمامٍ مُبِينٍ): لبطريق واضح، والإمام اسم لما يؤتم به، فسمى به الطريق ومطمر البناء واللوح الذي يكتب فيه؛ لأنها مما يؤتم به.

[(وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ * وَآتَيْناهُمْ آياتِنا فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ * وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً آمِنِينَ * فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ * فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ)].

(أَصْحابُ الْحِجْرِ): ثمود،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قول مجاهد، قال السجاوندي: المتوسم: الذي يعلمُ باطن الشيء بسمة ظاهره، وروى الترمذي، عن أبي سعيد، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله"، ثم قرأ:(إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ).

قوله: (ومطمر البناء)، الجوهري: المطمر: الزيج الذي يكون مع البنائين.

ص: 55

والحجر: واديهم، وهو بين المدينة والشام، (الْمُرْسَلِينَ): يعنى بتكذيبهم صالحاً؛ لأنّ من كذب واحداً منهم فكأنهما كذبهم جميعاً، أو: أراد صالحاً ومن معه من المؤمنين، كما قيل: الخبيبون؛ في ابن الزبير وأصحابه. وعن جابر: مررنا مع النبي صلى الله عليه وسلم على الحجر، فقال لنا "لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين؛

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (والحجر واديهم)، الراغب: سُمي ما أحيط به الحجارة حجراً، وبه سُمي حجرُ الكعبة وديار ثمود.

قوله: (لأن من كذب واحداً منهم فكأنما كذبهم جميعاً)، يعني: التعريف في (الْمُرْسَلِينَ) للاستغراق، فهو هنا كناية؛ لأن الرسول: من أتى بكتاب بعد إظهار المعجزة، فكل من لم يصدق هذا المعنى ورده فقد أعم التكذيب والرد.

قوله: (الخبيبون في ابن الزبير)، قال ابن عبد البر: كنيته أبو بكر، وله كنية أخرى: أبو خبيب.

الجوهري: الخبخبة: رخاوة الشيء واضطرابه، وخبيب: اسم رجل، وهو: خبيب بن عبد الله بن الزبير، وكان عبد الله يكنى بأبي خبيب، والخبيبان: عبد الله بن الزبير وابنه، وقيل: هو وأخوه مصعب، فمن روى:"الخبيبون"، على الجمع، يريد ثلاثتهم، قال ابن السكيت: يريد: أبا خُبيب ومن كان على رأيه.

قوله: (وعن جابر) الحديث، رويناه عن البخاري ومسلم عن ابن عمر، مع تغيير يسير.

ص: 56

حذرا أن يصيبكم مثل ما أصاب هؤلاء"، ثم زجر النبي صلى الله عليه وسلم راحلته فأسرع حتى خلفها. (آمِنِينَ) لوثاقة البيوت واستحكامها من أن تتهدم ويتداعى بنيانها، ومن نقب اللصوص ومن الأعداء وحوادث الدهر. أو آمنين من عذاب الله يحسبون أنّ الجبال تحميهم منه. (ما كانُوا يَكْسِبُونَ) من بناء البيوت الوثيقة والأموال والعدد.

[(وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ)].

(إلَّا بِالْحَقِّ): إلا خلقاً ملتبساً بالحق والحكمة، لا باطلا وعبثاً. أو: بسبب العدل والإنصاف يوم الجزاء على الأعمال، (وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَة): ٌ وإنّ الله ينتقم لك فيها من أعدائك، ويجازيك وإياهم على حسناتك وسيئاتهم، فإنه ما خلق السموات والأرض وما بينهما إلا لذلك، (فَاصْفَحِ): فأعرض عنهم واحتمل ما تلقى منهم إعراضاً جميلا بحلم وإغضاء. وقيل: هو منسوخ بآية السيف. ويجوز أن يراد به المخالقة فلا يكون منسوخاً.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (فإنه ما خلق السماوات والأرض وما بينهما إلا لذلك)، أي: للانتقام من الأعداء، وإعطاء الجزاء للأولياء، بيانُ الحصر هو: أن الله سبحانه وتعالى قال: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ) والحق: هو العدل والإنصاف، وهما إنما يستتبان بوجود جزاء المحسن والمسيء، وإن الدنيا ليست بدار جزاء، بل هي دار الابتلاء والتكليف، فلابد من يوم الدين ليصل إلى كل ذي حق حقه، كقوله تعالى:(إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ)[يونس: 4]، ومثل هذه الآية قوله تعالى:(حم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنْ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * مَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ) [الأحقاف: 1 - 3].

ص: 57

[(إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ)].

(إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ) الذي خلقك وخلقهم، وهو (الْعَلِيمُ) بحالك وحالهم، فلا يخفى عليه ما يجرى بينكم، وهو يحكم بينكم. أو إن ربك هو الذي خلقكم وعلم ما هو الأصلح لكم، وقد علم أن الصفح اليوم أصلح. إلى أن يكون السيف أصلح. وفي مصحف أبىّ وعثمان: إن ربك هو الخالق وهو يصلح للقليل والكثير، والخلاق للكثير لا غير، كقولك: قطع الثياب، وقطع الثوب والثياب.

[(وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ)].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (أو إن ربك هو الذي خلقكم وعلم ما هو الأصلح لكم): عطف على قوله: " (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاَّقُ) الذي خلقك وخلقهم"، والوجهان مبنيان على تفسر (فَاصْفَحْ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ) لأنه كالتعليل له، فالوجه الأول مبني على أن الآية من باب المخالفة، وهي غير منسوخة. والثاني: على أنه من باب المداراة والاصطبار، هذا هو الظاهر؛ لأنه تعالى لما أتم الاقتصاص تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وإرشاداً له إلى الاكتساء بلباس الصبر اقتفاء بهم، أتى بخاتمة جامعة للتسلي، وهي الانتقام في العاقبة من أعدائه، وإيصال الجزاء إليه لحسناته، وللأمر بالمداراة والصبر على المكابرة، وجعلها تخلصاً إلى مشرع آخر، وهو قوله:(وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِنْ الْمَثَانِي) الآيات، وفيه حديث الإعراض عن زهرة الحياة الدنيا، وهو من أعظم أنواع الصبر.

قوله: (كقولك: قطع الثياب)، قيل: فيه نظر؛ لأن باب التفعيل لا يختص بهذا، وشاهده الصيغة الموضوعة، كالنساج والقطاع، لأجل الحرف، وجوابه: أنه قد علم أن باب التفعيل إذا كان مما نُقل من أصل إليه أفاد بحسب المقام: إما المبالغة وإما التكثير، كما سبق في قوله تعالى:(لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ)[الأنفال: 51]، وإذا كان موضوعاً كذلك - نحو:(وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً) - لم يُفد ذلك، و (الْخَلاَّقُ) من قبيل الأول.

ص: 58

(سَبْعاً): سبع آيات وهي الفاتحة. أو: سبع سور؛ وهي الطوال، واختلف في السابعة فقيل: الأنفال وبراءة؛ لأنهما في حكم سورة واحدة، ولذلك لم يفصل بينهما بآية التسمية. وقيل: سورة يونس. وقيل: هي آل حم، أو سبع صحائف؛ وهي الأسباع. (والْمَثانِي) من التثنية وهي التكرير؛ لأن الفاتحة مما تكرر قراءتها في الصلاة وغيرها، أو من الثناء؛ لاشتمالها على ما هو ثناء على الله، الواحدة: مثناة أو مثنية؛ صفة للآية. وأمّا السور أو الأسباع؛ فلما وقع فيها من تكرير القصص والمواعظ والوعد والوعيد وغير ذلك، ولما فيها من الثناء، كأنها تثنى على الله تعالى بأفعاله العظمى وصفاته الحسنى. و (من) إما للبيان أو للتبعيض إذا أردت بالسبع الفاتحة أو الطوال، وللبيان إدا أردت الأسباع. ويجوز أن يكون كتب الله كلها مثاني؛ لأنها تثني

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وقيل: هي آل حم) عطف على قوله: "وهي الطول"، أي: السور المختصة بذكر حم في أوائلها، فإنهن جماعة: سُور اجتمعن اجتماع القرابات، ولأن الآل إنما يُستعمل في قرابات من له شأن ورفعة، كما يقول: آل محمد وآل إبراهيم، وقال تعالى:(مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ).

قوله: (مُناة - ورُوي: "مَثناة" عن نسخة المصنف- أو مُثنية)، أي: المثاني واحدها: إما مَثناةٌ؛ موضع الشيء، أو مُثنية؛ اسم فاعل، والتأنيث لكونها صفة آية، فإن الآية إما أن تُتلى مكررة، أو هي مُثنية، كأنها تُثني على الله بصفاته الحسنى، على الإسناد المجازي، أو الاستعارة المكنية.

قوله: (وأما السور) عطف من حيث المعنى على قوله: "لأن الفاتحة" مما تُكرر، والتقدير: أما الفاتحة فكذا، "وأما السور" فكذا، كقوله تعالى:(وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ)[آل عمران: 7] بعد قوله: (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ)، كما سبق في موضعه.

قوله: (وللبيان إذا أردت الأسباع) فلا يجوز على هذا البعضية كما جازت في الصورتين،

ص: 59

عليه، ولما فيها من المواعظ المكررة، ويكون القرآن بعضها. فإن قلت: كيف صح عطف القرآن العظيم على السبع، وهل هو إلا عطف الشيء على نفسه؟ قلت: إذا عنى بالسبع للفاتحة أو الطوال، فما وراءهنّ ينطلق عليه اسم القرآن، لأنه اسم يقع على البعض كما يقع على الكل. ألا ترى إلى قوله (بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ) [يوسف: 3] يعنى سورة يوسف؟ وإذا عنيت الأسباع فالمعنى: ولقد آتيناك ما يقال له السبع المثاني والقرآن العظيم، أي: الجامع لهذين النعتين، وهو الثناء- أو التثنية- والعظم.

[(لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ * وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ)]

أي: لا تطمح ببصرك طموح راغب فيه متمنّ له (إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ): أصنافاً من الكفار. فإن قلت: كيف وصل هذا بما قبله؟ قلت: يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لأن القرآن في نفسه أسباع، قال الزجاج: دخلت "مِن" للتبعيض، أي: ولقد آتيناك سبع آيات من جملة الآيات التي يُثنى بها على الله تعالى، وآتيناك القرآن العظيم، ويجوز أن تكون السبع هي المثاني، وأن تكون "مِن" للصفة، كقوله تعالى:(فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الأَوْثَانِ)[الحج: 30] أي: فاجتنبوا الأوثان.

قوله: (ولقد آتيناك ما يُقال له: السبع المثاني والقرآن العظيم)، وهو كقوله تعالى:(وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً)[الأنبياء: 48] أي: كتاباً جامعاً بين هذين الوصفين.

قوله: (أصناف من الكفار) تفسير لقوله: (أَزْوَاجاً مِنْهُمْ). الراغب: الزوج يقال لكل من القرينين، من الذكر والأنثى، كالحيوانات المتزاوجة، وفي غيرها كالخف والنعل، ولكل ما يُقرن بآخر مماثلاً له أو مضاداً، قال تعالى:(احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ)[الصافات: 22].

ص: 60

قد أوتيت النعمة العظمى التي كل نعمة وإن عظمت فهي إليها حقيرة ضئيلة؛ وهي القرآن العظيم؛ فعليك أن تستغني به، ولا تمدّن عينيك إلى متاع الدنيا. ومنه الحديث "ليس منا من لم يتغنّ بالقرآن"، وحديث أبى بكر "من أوتى القرآن فرأى أن أحداً أوتى من الدنيا أفضل مما أوتى، فقد صغر عظيما وعظم صغيراً". وقيل: وافت من بُصرى

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أي: أقرانهم المقتدين بهم في أفعالهم، قال تعالى:(لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ)[الحجر: 88]، أي: أشباهاً وأقراناً.

قوله: (ليس منا من لم يتغن بالقرآن)، قلت: هذا لا يصلح للاستشهاد، لما رويناه عن أبي داود، عن أبي لبابة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ليس منا من لم يتغن بالقرآن"، قال: فقلت لابن أبي مُليكة: يا أبا محمد، أرأيت إذا لم يكن حسن الصوت؟ قال: يحسنه ما استطاع. النهاية: ويشهد له الحديث الآخر: "زينوا القرآن بأصواتكم"، وكل من رفع صوته ووالاه فصوته عند العرب غناء.

قال في "الانتصاف": حمل كثير من العلماء الحديث على الغناء وقالوا: يُغني يبنى من الغناء الممدود، لا من الغنى المقصور، وإن فعله استغنى خاصة، وقد وجدتُ بناء "تغنى" من الغنى المقصور، ففي الحديث الصحيح:"وأما التي هي له ستر فرجل ربطها تغنياً وتعففاً"، وإنما هو من الغنى المقصور، وهو مصدر "تغنى"، فدل على جواز استعماله في البناءين جميعاً.

قال الجوهري: الغناء بالكسر: من السماع، والمقصور: اليسار، أي: استغنى وأغناه الله.

ص: 61

وأذرعات سبع قوافل ليهود بني قريظة والنضير، فيها أنواع البز والطيب والجوهر وسائر الأمتعة، فقال المسلمون: لو كانت هذه الأموال لنا لتقوّينا بها، ولأنفقناها في سبيل الله، فقال لهم الله عز وعلا: لقد أعطيتكم سبع آيات هي خير من هذه القوافل السبع (وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ) أي: لا تتمنّ أموالهم ولا تحزن عليهم أنهم لم يؤمنوا فيتقوّى بمكانهم الإسلام وينتعش بهم المؤمنون، وتواضع لمن معك من فقراء المؤمنين وضعفائهم، وطب نفساً عن إيمان الأغنياء والأقوياء، (وَقُلْ) لهم:(إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ) أنذركم ببيان وبرهان أنّ عذاب الله نازل بكم.

[(كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ * الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ)].

فإن قلت: بم تعلق قوله: (كما أنزلنا)؟ قلت: فيه وجهان:

أحدهما: أن يتعلق بقوله: (ولقد آتيناك)[الحجر: 87]، أي: أنزلنا عليك مثل ما أنزلنا على أهل الكتاب، وهم المقتسمون (الذين جعلوا القرآن عِضِينَ) حيث قالوا بعنادهم وعدوانهم بعضه حق موافق للتوراة والإنجيل، وبعضه باطل مخالف لهما، فاقتسموه إلى حق وباطل، وعضوه. وقيل: كانوا يستهزئون به فيقول بعضهم: سورة البقرة لي، ويقول الآخر: سورة آل عمران لي. ويجوز أن يراد بالقرآن: ما يقرءونه من كتبهم، وقد اقتسموه بتحريفهم، وبأنّ اليهود أقرّت ببعض التوراة وكذبت ببعض، والنصارى أقرت ببعض الإنجيل وكذبت ببعض،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وعضوه) بفتح الضاد، أي: جعلوا القرآن أعضاء، أي: أجزاء، قيل: أمر الله أن يكونوا لرسول الله مُعزين فكانوا عليه عزين، وأن يجعلوا القرآن عظات، فجعلوه عضين.

قوله: (وقيل: كانوا يستهزئون به) عطف على قوله: "قالوا بعنادهم وعُدوانهم".

ص: 62

وهذه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن صنيع قومه بالقرآن وتكذيبهم، وقولهم سحر وشعر وأساطير، بأن غيرهم من الكفرة فعلوا بغيره من الكتب نحو فعلهم.

والثاني: أن يتعلق بقوله: (وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ)[الحجر: 89]، أي: وأنذر قريشاً مثل ما أنزلنا من العذاب على المقتسمين، يعنى اليهود، وهو ما جرى على قريظة والنضير، جعل المتوقع بمنزلة الواقع، وهو من الإعجاز، لأنه إخبار بما سيكون وقد كان. ويجوز أن يكون (الذين جعلوا القرآن عضين) منصوباً (بالنذير)، أي: أنذر المعضين الذين يجزءون القرآن إلى سحر وشعر وأساطير، مثل ما أنزلنا على المقتسمين؛ وهم الاثنا عشر الذين اقتسموا مداخل مكة أيام الموسم، فقعدوا في كل مدخل متفرّقين؛ لينفروا الناس عن الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول بعضهم: لا تغتروا بالخارج

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وهذه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أجاب عن السؤال بوجهين: أحدهما: أن يتعلق (كَمَا أَنْزَلْنَا) بقوله: (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً) والمقتسمون: اليهود والنصارى، وهم غما اقتسموا القرآن أجزاء استهزاء واقتسموا كتبهم تحريفاً فأقروا ببعض، وكذبوا ببعض، ومكان التسلية هذا الثاني، وذلك أن قريشاً لما جزأوا القرآن إلى سحر وشعر وأساطير، قيل له صلى الله عليه وسلم: لا تحزن، ولا يكن في صدرك حرجٌ، وللقرآن أسوة بالتوراة والإنجيل، وإليه الإشارة بقوله:"وهذه تسلية" بأن غيرهم من الكفرة فعلوا بغيره من الكتب نحو فعلهم بالقرآن بعنادهم وعداوتهم.

قوله: (ويجوز أن يكون (الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ) منصوباً بـ (النَّذِيرُ) عطفٌ على قوله "وهم المقتسمون الذين جعلوا القرآن عضين" لأنه على ذلك التقدير مجرور: صفة للمقتسمين، وعلى الأول النذير مطلق في المنذر والمنذر به، وعلى هذا المنذر: الذين جعلوا القرآن عضين، والمنذر به (كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ) وإليه الإشارة بقوله:"أنذر المعضين" وهو بفتح العين: جمع معض: اسم فاعل من: عضى الشاة؛ إذا جزأها.

ص: 63

منا فإنه ساحر، ويقول الآخر: كذاب، والآخر: شاعر، فأهلكهم الله يوم بدر وقبله بآفات، كالوليد بن المغيرة،

والعاص بن وائل، والأسود بن المطلب وغيرهم، أو مثل ما أنزلنا على الرهط الذين تقاسموا على أن يبيتوا صالحاً عليه السلام، والاقتسام بمعنى التقاسم. فإن قلت: إذا علقت قوله: (كَما أَنْزَلْنا) بقوله: (وَلَقَدْ آتَيْناكَ)] الحجر: 87 [، فما معنى توسط (لا تَمُدَّنَّ)] الحجر: 88 [إلى آخره، بينهما؟ قلت: لما كان ذلك تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن تكذيبهم وعداوتهم، اعترض بما هو مدد لمعنى

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (على أن يبيتوا صالحاً)، وذلك في قوله تعالى:(قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ)[النمل: 49]، والقصة مذكورة في تفسير هذه الآية.

قوله: (لما كان ذلك تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم أي: لما كان تشبيه إنزال السبع المثاني بإنزال الكتابين على المقتسمين من اليهود والنصارى على ما سبق تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يكن قوله: (لا تَمُدَّنَّ) الآية تسلية مثلها، فلم يكن اعتراضاً تاماً، قال:"اعترض بما هو مددٌ لمعنى التسلية"؛ لأن الجملة المعترضة مؤكدة لمضمون المعترض فيه، وهذا مؤكد للازمه، وذلك أن التسلية إنما يصار إليها إذا وجد الحزن والكآبة من الشخص مما لا يلائمه، فكما يحصل ذلك من جهة المستهزئين الذين يجعلون القرآن عضين، كذلك يحصل من جهة الالتفات إلى ما مُتع به الكفار من زهرة الحياة الدنيا، وكما يُشغله الأول من أن يُقبل بمجامعه على المؤمنين كذلك الثاني، وإليه أشار بقوله:"ومن الأمر بأن يُقبل بمجامعه على المؤمنين". ويمكن أن يدخُل ذلك في حيز التشبيه، وأن يُقال:(وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِنْ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ) ونهيناك عن أن تمد عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم، كذلك أنزلنا على أهل الكتاب الكتابين المعظمين، وقلنا لهم:(وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً)، فلا تكن مثلهم حيث أخلدوا إلى الأرض، ومالوا إلى حُطام الدنيا وزخرفها، وحرفوهما فآمنوا ببعض وكفروا ببعض. وهذا الوجه أحسن؛ لأن التشبيه تمثيلي، وكلما كان أكثر تفصيلاً كان أدخل في الحسن، وعلى هذا لا يكون تسلية، بل يكون من باب الإلهاب والتهييج، كقوله تعالى:

ص: 64

التسلية. من النهي عن الالتفات إلى دنياهم والتأسف على كفرهم، ومن الأمر بأن يقبل بمجامعه على المؤمنين (عِضِينَ): أجزاء، جمع عضة، وأصلها: عضوة فعلة من عضى الشاة إذا جعلها أعضاء. قال رؤبة:

وَلَيْسَ دِينُ اللَّهِ بِالْمَعْضِي

وقيل: هي فعلة، من عضهته إذا بهته. وعن عكرمة: العضة السحر، بلغة قريش، يقولون للساحرة عاضهة. ولعن النبي صلى الله عليه وسلم العاضهة والمستعضهة، نقصانها على الأوّل واو، وعلى الثاني هاء.

[(فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ)].

(لَنَسْئَلَنَّهُمْ) عبارة عن الوعيد. وقيل. يسألهم سؤال تقريع. وعن أبى العالية: يسأل العباد عن خلتين: عما كانوا يعبدون،وماذا أجابوا المرسلين.

[(فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) [.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(فَلا تَكُونَنَّ مِنْ الْمُمْتَرِينَ)[يونس: 94] من المشركين، أو أن يخاطب صلوات الله وسلامه عليه، والمراد أمته، والله أعلم.

قوله: ((عِضِينَ): أجزاء) قال الواحدي: (عِضِينَ): جمع عِضة، مثل: عزة وعزين، من عضيتُ الشيء: إذا فرقته، وكل فرقة عضة.

قوله: (هي فعلة من عضهته)، قال السجاوندي: أو هو عضهة، كأصل "شفة": شفهة، أي: الكذب أو البهت أو السحر، مشتق من العضاه؛ لأنه يؤذين ويجرح كالشوك، وجمعُ صلامته عوض نقصان الواو والهاء، نحو: عزين وثبين.

قوله: (وقيل: يسألهم سؤال تقريع) وعلى الأول، لم يُرد به السؤال، وإنما هو كناية عن مجرد الوعيد، كما تقول لمن تهدده: إنما تُسألُ عما تفعل، أي: نُجازيك به.

ص: 65

(فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ) فاجهر به وأظهره. يقال: صدع بالحجة إذا تكلم بها جهاراً، كقولك: صرح بها، من الصديع وهو الفجر، والصدع في الزجاجة: الإبانة. وقيل: (فَاصْدَعْ) فافرق بين الحق والباطل بما تؤمر، والمعنى: بما تؤمر به من الشرائع فحذف الجارّ، كقوله:

أَمَرْتُكَ الْخَيْرَ فَافْعَلْ مَا أُمِرْتَ بِهِ

ويجوز أن تكون (ما) مصدرية، أى بأمرك مصدر من المبنى للمفعول.

[(إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ)].

عن عروة بن الزبير في المستهزئين: هم خمسة نفر ذوو أسنان وشرف: الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والأسود بن عبد يغوث، والأسود بن المطلب، والحارث بن الطلاطلة.

وعن ابن عباس رضي الله عنه: ماتوا كلهم قبل بدر. قال جبريل عليه السلام

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (والصدع في الزجاجة)، الراغب: الصدع: الشق في الجسام، كالزجاجة والحديد، يقال: صدعته فانصدع، وصدعته فتصدع، قال تعالى:(يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ)[الروم: 43]، ومنه استعير: صدع الأمر، قال تعالى:(فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ)، وكذا استعير منه: الصداع، وهو شبه الانشقاق في الرأس من الوجع، قال تعالى:(لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنزِفُونَ)[الواقعة: 19]، ومنه: الصديع؛ للفجر، وصدعت الفلاة: قطعتها، وتصدع القوم: تفرقوا.

قوله: (مصدر من المبني للمفعول)، أي: بمأموريتك، ومثله:(لأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً)[الحشر: 13] أي: مرهوبية. وقوله: (وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ)[الروم: 1]، أي: مغلوبيتهم.

ص: 66

للنبي صلى الله عليه وسلم: أمرت أن أكفيكهم، فأومأ إلى ساق الوليد فمرّ بنبال فتعلق بثوبه سهم، فلم ينعطف تعظماً لأخذه، فأصاب عرقاً في عقبه فقطعه فمات، وأومأ إلى أحمص العاص بن وائل، فدخلت فيها شوكة، فقال: لدغت لدغت وانتفخت رجله، حتى صارت كالرحى ومات، وأشار إلى عينى الأسود بن المطلب، فعمى وأشار إلى أنف الحارث بن قيس، فامتخط قيحاً فمات، وإلى الأسود بن عبد يغوث وهو قاعد في أصل شجرة، فجعل ينطح رأسه بالشجرة ويضرب وجهه بالشوك حتى مات.

[(وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ* فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ* وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَاتِيَكَ الْيَقِينُ)].

(بِما يَقُولُونَ) من أقاويل الطاعنين فيك وفي القرآن (فَسَبِّحْ) فافزع فيما نابك إلى الله. والفزع إلى الله: هو الذكر الدائم وكثرة السجود، يكفك ويكشف عنك الغم. ودم على عبادة ربك (حَتَّى يَاتِيَكَ الْيَقِينُ) أي الموت، أي ما دمت حياً فلا تخل بالعبادة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: ((فَسبح) فافزع فيما نابك إلى الله)، يريد أن قوله:(فَسُبْحَ) أمر بإزالة ما كان يلحقه من ضيق الصدر، وفي الحقيقة المزيل هو الفزع إلى الله تعالى، فوضع التسبيح موضع اللجأ، واللجأ إلى الخلق بالدخول في كنفه، واللحوق إلى خفارته، وإلى الله بالتضرع إليه بالذكر الدائم والخضوع بين يديه بالسجود المتوالي.

قوله: (يكفك ويكشف عنك الغم): جواب الأمر، وهو (فَسُبْحَ).

قوله: ((حَتَّى يَاتِيَكَ الْيَقِينُ) أي: الموت، أي: ما دُمت حياً فلاتُخِل بالعبادة)، قال محيي السنة: هذا معنى قوله: (وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً)[مريم: 31]. وقال الإمام: سُمي الموت يقيناً، لأنه أمر متيقن.

ص: 67

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقال الراغب: اليقين من صفة العلم، فوق المعرفة والدراية وأخواتها، يقال: علمُ يقين، ولا يقال: معرفة يقين، وهو سكون النفس مع ثبات الحكم، يقال: استيقن وأيقن.

أما دلالة النظم عليه، فإن في عطف (وَاعْبُدُ) على (فَسَبِحْ) وترتيبه بالفاء، على قوله:(وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ) بعد الأمر بالإعراض عن المشركين إشعاراً بمُتاركة القوم والإقناط من إيمانهم، أي: بذلت جُهدك واستفرغت ما في وُسعك من الإنذار والتبليغ، فأعرض عنهم، وفوض أمرهم إلى مقتضى قولنا:(فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) كما قال في حم: (وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ * فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ)[الزخرف: 89] واشتغل بما هو مختص بك من العبادة حتى تختار جوار الرفيق الأعلى.

وأما ما رواه السُّلمي عن الواسطي: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ) لا تُلاحظ غيره في الأوقات (حَتَّى يَاتِيَكَ الْيَقِينُ) فيتحقق عندك أنك لا تُحس بغير الحق، ولا ترى إلا الحق، ولا يجاذبك إلا الحق، فهو إشارة إلى الإرشاد إلى العروج في درجات العبودية والترقي إلى مقام رفع الحول والقوة إلا بالله كما ورد في الحديث القدسي: "ما يتقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته، كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني أعطيته، وإن استعاذني أعذته

" الحديث، أخرجه البخاري عن أبي هريرة.

ص: 68

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ويمكن أن يُقال: إن قوله: (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنْ السَّاجِدِينَ) لما كان حكماً مرتباً على قوله: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ) وفيه إرشاد إلى إزالة ذلك الضيق الذي هو نتيجة القلق والاضطراب لأجل النظر إلى الغير في ضيق عالم الشهادة بالأخذ بالتسبيح والعبادة المؤدي إلى حصول ثلج اليقين، وانشراح الصدر بسبب النظر إلى فُسحة عالم الغيب، وأن الكائنات تابعة لمراد الله ومقتضى مشيئته وحكمته، استقام إجراء اليقين على حقيقته، أي: اعبد ربك لكي يتحقق لك ذلك، فيزول عنك ذلك، وإلى هذا المعنى ينظر قوله:(وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ)[البقرة: 45]: انقطاعاً إليه واعتماداً عليه، (حَتَّى يَاتِيَكَ الْيَقِينُ) بأن الأمر كله إلى الله، وهو متولي إضلال من ضل وهداية من هدى، وعن الواسطي:(حَتَّى يَاتِيَكَ الْيَقِينُ) أنه لا غله يسوق إليك المكاره ويصرفها عنك إلا الله، ولا إله يسوق إليك المحاب ويصرفها عنك إلا هو.

وبهذا انكشف أن عبادة الله هي العمدة العظمى، والمقصد الأقصى، وبها تُنال الدرجات العُليا، ولو أن أحداً استغنى عنها لكان أفضل الخلق أولى وأحرى، وكيف لا وما شرُف بما شرف به في أشرف مقاماته إلا بتشريف:(سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً)[الإسراء: 1]؟

ص: 69

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة.

عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة الحجر كان له من الأجر عشر حسنات بعدد المهاجرين والأنصار، والمستهزئين بمحمد صلى الله عليه وسلم» .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وروى السُّلمي عن ابن عطاء: لم يرض الله من نبيه صلى الله عليه وسلم لمحة عين إلا في عبادته. والله أعلم بأسرار كلامه.

ص: 70

‌سورة النحل

مكية، غير ثلاث آيات في آخرها

وهي مئة وثمان وعشرون آية، وتسمى سورة النعم

بسم الله الرحمن الرحيم

[(أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ)].

كانوا يستعجلون ما وعدوا به من قيام الساعة أو نزول العذاب بهم يوم بدر، استهزاء وتكذيباً بالوعد، فقيل لهم (أَتى أَمْرُ اللَّهِ) الذي هو بمنزلة الآتي الواقع وإن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

سورة النحل

وتسمى سورة النِّعَم

مكية، وهي مئة وثمان وعشرون آية

بسم الله الرحمن الرحيم

قوله: ((أَتَى أَمْرُ اللَّهِ) أي: هو بمنزلة الآتي الواقع)، الراغب: الإتيان: مجيء بسهولة، ومنه قيل للسيل المار على وجهه: أتى وأتاوىٌّ، وبه شُبه الغريبُ، فقيل: أتاويٌّ، والإتيان: يُقال للمجيء بالذات وبالأمر وبالتدبير، ويقالُ في الخير والشر، وفي الأعيان والأعراض، قال تعالى:(إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ)[الأنعام: 40] أي بالأمر والتدبير، وقال:(أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ)[النحل: 1].

ص: 71

كان منتظراً لقرب وقوعه (فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ) روى أنه لما نزلت (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ)] القمر: 1 [قال الكفار فيما بينهم إن هذا يزعم أن القيامة قد قربت، فأمسكوا عن بعض ما تعملون حتى ننظر ما هو كائن، فلما تأخرت قالوا: ما نرى شيئاً، فنزلت (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ)] الأنبياء: 1 [فأشفقوا وانتظروا قربها، فلما امتدت الأيام قالوا: يا محمد، ما نرى شيئاً مما تخوفنا به، فنزلت أَتى (أَمْرُ اللَّهِ) فوثب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورفع الناس رؤوسهم، فنزلت (فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ) فاطمأنوا وقرئ:(تستعجلوه)، بالتاء والياء (سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ) تبرأ عز وجل عن أن يكون له شريك، وأن تكون آلهتهم له شركاء. أو عن إشراكهم، على أنّ «ما» موصولة أو مصدرية. فإن قلت: كيف اتصل هذا باستعجالهم؟ قلت:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقال أيضاً: والعجلة: طلب الشيء وتحريه قبل أوانه، وهي من مقتضى الشهوة، فلذلك صارت مذمومة في عامة التنزيل، حتى قيل: العجلة من الشيطان، وقوله تعالى:(وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى)[طه: 84] فذكر أن عجلته وإن كانت مذمومة فالذي دعا إليها أمرٌ محمود، وهو طلب رضي الله، وقوله تعالى:(خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ)[الأنبياء: 37]، قال بعضهم: من حمأٍ، وليس بشيء، بل ذلك تنبيه على أنه لا يتعرى من ذلك، وأن ذلك إحدى القوى التي رُكبَ عليها، وعلى ذلك قال:(وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولاً)[الإسراء: 11]، والعُجالة: ما يُعجل أكله، كاللهنة. وهي السُّفلة، وهي ما يتعلل به الإنسان قبل إدراك الطعام.

قوله: (قرئ: (تَسْتَعْجِلُوهُ) بالتاء والياء)، بالتاء الفوقانية: هي المشهورة، وبالياء: شاذة.

قوله: (عن أن يكون له شريك)، هذا على أن تكون "ما": موصولة، وقوله:"وأن تكون آلهتهم شركاء" عطفٌ على سبيل البيان، وقوله:"أو عن إشراكهم" على أن "ما" مصدرية.

ص: 72

لأنّ استعجالهم استهزاء وتكذيب وذلك من الشرك.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (لأن استعجالهم استهزاء وتكذيب، وذلك من الشرك)، فـ"مِن" إما ابتدائية، فالمعنى: ذلك من أجل الشرك وبسببه، أو تبعيضية، أي: وذلك بعضُ الشرك، والمعنى على الوجهين هو: أن من استهزأ بوعد الله ووعيده، وكذبه فيما أثبت له العجز والقصور والاحتياج إلى الغير، أو أن أحداً يحجزه من إنجاز وعده وإمضاء وعيده، قال الإمام: قال الكفار: هب أنا سلمنا لك ما تقول من أنه تعالى حكم بإنزال العذاب علينا إلا أنا نعبدُ هذه الأصنام فإنها شفعاؤنا عند الله، فتشفع لنا فنتخلص من العذاب، فأجاب الله تعالى بقوله:(سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ). وكذا لخص القاضي.

وقلتُ: ويمكن أن يقال: إن الخطاب في قوله: (فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ) عام يدل عليه ما رواه لما نزلت (اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ)[القمر: 1] إلى قوله: فنزلت (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ)، فوثب النبي صلى الله عليه وسلم ورفع الناس رؤوسهم وظنوا أنها قد أتت حقيقة، فنزلت (فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ) فاطمأنوا. ورواه محيي السنة بتمامه، عن ابن عباس، كأنه يل: قرب وأتى أمر الله فلا تستعجلوه؛ لأن ما هو آتٍ، آتٍ، كما يُقال لمن يطلب الإغاثة، وقد قرب حصولها: جاءك الغوث، ثم التفت من الخطاب إلى الغيبة في قوله:(سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) نعياً على المشركين خاصة إلى غيرهم واستبعاداً لسوء صنيعهم، يعني: ماذا يستعجل منه أولئك البُعداء مع هذه العظيمة التي ارتكبوها، كقوله تعالى:(مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ)[يونس: 50]، فما أبعدهم من قوم، وما أجهلهم من جيل في إشراكهم بالله تعالى مع تعاضد الأدلة السمعية والعقلية في قلعه واستعجالهم فيما يُرديهم! .

وإلى السمعية الإشارة بقوله: (يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ)[النحل: 2] الآية، أي: يُنزل الله تعالى ملائكته المقربين ملتبسين بوحيه وكلامه الذي هو بمنزلة الروح للجسد وبمثابة الحياة

ص: 73

وقرئ: (يُشْرِكُونَ)، بالتاء والياء.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

للقلوب الميتة، ويختار لرسالته والإنذار بها الخيرة من عباده، والمصطفين من خلقه ليقيموا بالدعوة إلى التوحيد وبالأمر بالتقوى الذي هو ملاك الدين.

وإلى العقلية الإشارة بقوله: (خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ)[النحل: 3]، و (خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ)، وهما من كلا نوعي الدليل: الآفاقي والأنفسي، وضُم إلى الأول ما ابتدئ به من قوله:(تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) تقديراً، وإلى الثاني قوله:(فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ) تقريعاً، أي: خصيم لربه مُنكرٌ على خالقه، وصفاً له بالإفراط في الوقاحة والجهل والتمادي في كفران النعمة، ثم شرع في بيان النعم السابغة والآلاء المتتابعة إلى آخر السورة، ولذلك سُميت السورة بسورة النعم، وفي كل ذلك إشارة للمؤمنين إلى ترك الاستعجال والتأني في الأمور والاشتغال بالأهم والأخذ في الاستعداد، وتأهب الزاد ليوم المعاد، بالتزام التوحيد، والذكر الدائم، والاكتساء بلباس التقوى، وتقرير الدلائل للإرشاد، والتذكير بآلاء الله، شاكرين مستعصمين بحبله، مستمسكين بالعروة الوثقى.

فإن قلت: ما موضع قوله: (يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ)؟ قلت: إما حال من واو (يُشْرِكُونَ) مقررة لجهة الإشكال، وإما استئناف لبيان الاستبعاد، وكذا قوله:(خَلَقَ السَّمَوَاتِ).

فإن قلت: فلم خولف بين العبارتين مستقبلاً وماضياً مع اتحاد المغزى؟ قلتُ: للإيذان بالاستمرار في الأول إنزالاً غب إنزال وإرسالاً بعد إرسال. والتحقيق في الثاني، والله أعلم.

قوله: (وقرئ: (يُشْرِكُونَ)، بالياء والتاء)، حمزة والكسائي: بالتاء الفوقانية، والباقون: بالياء، في الموضعين.

ص: 74

[(يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاتَّقُونِ) [.

(يُنَزِّلُ) قرئ بالتخفيف والتشديد. وقرئ (تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ) أي تنزل (بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِه) ِ بما يحيى القلوب الميتة بالجهل من وحيه، أو بما يقوم في الدين مقام الروح

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قال القاضي: الياء التحتانية على تلوين الخطاب، أو على الخطاب للمؤمنين، أو لهم ولغيرهم.

قوله: ((يُنَزِّلُ) قرئ بالتخفيف والتشديد)، بالتخفيف: ابن كثير وأبو عمرو.

قوله: (بما يحيي القلوب الميتة بالجهل من وحيه)، "مِن": بيان "ما"، تلخيصه: يُنزلُ الملائكة بالوحي، شبه الوحي تارة بالروح لما فيه من حياة الروح الميتة بالجهل، وأخرى بها لما يتزين به الدين كما تتزين الروح بالجسد، ثم أقيم المشبه به مقام المشبه، فصار استعارة تحقيقية مصرحة، والقرينة الصارفة عن رادة الحقيقة: إبدال (أَنْ أَنذِرُوا) من "الروح"، قيل:(مِنْ أَمْرِهِ) مخرجُ الاستعارة إلى التشبيه، كما في قوله تعالى:(حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ)[البقرة: 187].

قلتُ: بينهما بونٌ بعيد؛ لأن نفس الفجر عين المشبه الذي شُبه بالخيطين، وليس مطلق الأمر هاهنا مشبهاً بالروح حتى يكون بياناً له؛ لأنه أمر عام بمعنى الشأن والحال، ولهذا يصح أن يُفسر الروح الحيواني به، كقوله تعالى:(وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي)[الإسراء: 85] أي: من شأنه، ومما استأثر الله بعلمه، وأن يُفسر الروح المراد منه الوحي به، أي: من شأنه ومما أنزله على أنبيائه. نعم، هو مجاز أيضاً؛ لأن الأمر العام إذا أطلق على فرد من أفراده كان مجازاً، ومن ثم قال المصنف في قوله تعالى:(يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِي)[غافر: 15]: الروح من أمره الذي هو سبب الحياة من أمره،

ص: 75

في الجسد، و (أَنْ أَنْذِرُوا) بدل من الروح، أى ينزلهم بأن أنذروا. وتقديره: بأنه أنذروا، أي: بأن الشأن أقول لكم أنذروا. أو تكون «أن» مفسرة، لأنّ تنزيل الملائكة بالوحي فيه معنى القول. ومعنى (أنذروا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا) أعلموا بأنّ الأمر ذلك، من نذرت بكذا إذا علمته. والمعنى: يقول لهم أعلموا الناس قولي (لا إله إلا أنا فَاتَّقُونِ).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يريد الوحي الذي هو أمر بالخير، وبعث إليه، فاستعار له الروح. انتهى كلامه.

فيكون البيان والمبين كلاهما مجازين مترادفين، ولما كان البيان والمبين كشيء واحد جمعهما في قوله:(الرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ) الذي هو سبب الحياة، وأيضاً لو كان تشبيهاً لفُهم التشبيه على تقدير الوقف على أمره، والله أعلم.

قوله: (بأن الشأن أقول لكم)، عن بعضهم: إنما زاد في التفسير "أقول" لأن الأمر لا يقع خبراً للمبتدأ، وهو الشأن. وقلت: يعني أن ضمير الشأن مبتدأ، و (أُنْذِرُوا): خبره، وهو إنشاء، فلابد من تقدير القول ليصح حملُ الإنشائي على المبتدأ، وأما تقدير "يقول" في الوجه الثاني، أي: يقول لهم الله: أعلموا الناس، فهو معنى (يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ)، لأنه حينئذ في تقدير القول، قال القاضي: الآية تدل على أن نزول الوحي بوساطة الملائكة، وأن حاصله التنبيه على التوحيد الذي هو كمال القوة العلمية، والأمر بالتقوى الذي هو أقصى كمال القوة العملية، وأن النبوة عطائية، والآيات التي بعدها دليل على وحدانيته، من حيث إنها تدل على أنه تعالى هو الموجد لأصول العالم وفروعه على وفق الحكمة والمصلحة، ولو كان له شريك لقدر على ذلك، فيلزم التمانع.

قوله: (أعلموا بأن الأمر ذلك) إنما فسر الإنذار بالإعلام ليستقيم إيقاعه على قوله: (أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا)، كقوله:(فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ).

ص: 76

[(خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ) [.

ثم دلّ على وحدانيته وأنه لا إله إلا هو بما ذكر، مما لا يقدر عليه غيره من خلق السماوات والأرض وخلق الإنسان وما يصلحه، وما لا بدّ له منه من خلق البهائم لأكله وركوبه وجرّ أثقاله وسائر حاجاته، وخلق ما لا يعلمون من أصناف خلائقه، ومثله متعال عن أن يشرك به غيره. وقرئ:(يُشْرِكُونَ)، بالتاء والياء (فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ) فيه معنيان، أحدهما: فإذا هو منطيق مجادل عن نفسه مكافح للخصوم مبين للحجة، بعد ما كان نطفة من منىّ جماداً لا حس به ولا حركة،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (من خلق البهائم)، بيان ما يصلحه، و"خلقٌ" فيه مقحمٌ للتأكيد.

قوله: (وقرئ: (يُشْرِكُونَ) بالياء التحتاني: حمزة والكسائي.

قوله: ((فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ): فيه معنيان)، يعني: في ترتب (فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ) على كونه نطفة معنيان، أحدهما: الإيذان بانتهاء حالتي حقارته وعظمته، وإفراطه وتفريطه، وثانيهما: الإشعار بتعكيس أمره حيث إنه تعالى نقله من أخس أحواله إلى أشرفها ليشكر فكفر، كقوله تعالى:(وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ)[الواقعة: 82] وقلتُ: هذا المعنى مؤكد لما فسرنا به قوله: (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) من قولنا: ما أجهلهم من جيل في إشراكهم بالله تعالى مع تعاضد الأدلة السمعية والعقلية في فعله.

ص: 77

دلالة على قدرته. والثاني: فإذا هو خصيم لربه، منكر على خالقه، قائل:(مَن يُحْيِي العِظَامَ وهِيَ رَمِيمٌ)] يس: 78 [، وصفاً للإنسان بالإفراط في الوقاحة والجهل، والتمادي في كفران النعمة. وقيل نزلت في أبىّ بن خلف الجمحي حين جاء بالعظم الرميم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، أترى الله يحيى هذا بعد ما قد رمّ؟ !

[(وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَاكُلُونَ) [.

الْأَنْعامَ: الأزواج الثمانية، وأكثر ما تقع على الإبل، وانتصابها بمضمر يفسره الظاهر، كقوله (وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ)] يس: 39 [ويجوز أن يعطف على (الإنسان)] النحل: 4 [، أى: خلق الإنسان والأنعام، ثم قال (خَلَقَها لَكُمْ) أى ما خلقها إلا لكم ولمصالحكم يا جنس الإنسان. والدفء: اسم ما يدفأ به، كما أنّ الملء اسم ما يملأ به،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (دلالة على قدرته)، نصبٌ؛ مفعول له لمقدر، أي: ذكر الله تعالى خلق الإنسان من نطفة وجعله خصيماً مبيناً دلالة على قدرته تعالى، وكذا قوله:"وصفاً للإنسان"، والفرق أن القصد الأولى في سوق الآية على الأول بيان قدرة الله الكاملة، وأنه تعالى خلق من الشيء الحقير هذا الخلق الخصيم، كقوله تعالى:(أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ) إلى قوله: (فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ)[المرسلات: 20 - 23]، وعلى الثاني: القصد إلى بيان وقاحة الإنسان وتعديه طوره، كقوله تعالى:(أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ)[يس: 87 - 88]، ويؤيد الأول قوله:(خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ) وقوله: (وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ)، والثاني قوله:(فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ)، وكذا قوله:(تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ)، والثاني أوفق لتأليف النظم.

قوله: (وأكثر ما تقع على الإبل)، "ما": مصدرية: أي: "الأنعامُ" أكثر وقوعها على الإبل.

قوله: (ما خلقها إلا لكم ولمصالحكم)، دل على الحصر لام الاختصاص في (لَّكُمْ)،

ص: 78

وهو الدفاء من لباس معمول من صوف أو وبر أو شعر. وقرئ: (دفّ)، بطرح الهمزة وإلقاء حركتها على الفاء (وَمَنافِعُ) هي نسلها ودرّها وغير ذلك. فإن قلت: تقديم الظرف في قوله (وَمِنْها تَاكُلُونَ) مؤذن بالاختصاص، وقد يؤكل من غيرها. قلت: الأكل منها هو الأصل الذي يعتمده الناس في معايشهم. وأما الأكل من غيرها من الدجاج والبط وصيد البر والبحر فكغير المعتدّ به وكالجاري مجرى التفكه. ويحتمل أن طعمتكم منها، لأنكم تحرثون بالبقر فالحبّ والثمار التي تأكلونها

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مع فحوى الخطاب، ولذلك قال:"يا جنس الإنسان"، ويُمكن أن لا يُعلق (لَّكُمْ) بـ (خَلَقَهَا)، بل يكون خبر (دِفْءٌ) لتطابق قرينتها، وهي (وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ)، فيحصل نوع من الاختصاص من تقديم الخبر، وأما تخصيص ذكر جنس الإنسان فلإفادة الالتفات، وهو الانتقال من الغيبة إلى الخطاب، وفائدة المكافحة: تتميم معنى الإنكار على كفران النعمة الذي يعطيه قوله: (فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ).

قوله: (من صوف أو وبر أو شعر)، أي: من الغنم أو الإبل أو المعز، والدف: آلة الدفء.

قوله: (التفكه)، الأساس: ومن المجاز: تفكه بكذا: تلذذ به، وفاكهت القوم مفاكهة: طايبتهم.

قوله: (ويحتمل أن طعمتكم منها)، فهو من إطلاق السبب على المسبب، ويجوز أن يُقال: ومنها ينتفعون، فيكون المجاز في "تأكلون"؛ لأن الكلام مع أرباب المواشي، وعلى الأول المجاز في الأنعام من إطلاق مُعظم الشيء على كله، وكل ذلك تعسف؛ لأن التقديم لمراعاة الفواصل، ويكون من عطف الخاص على العام؛ لأن الأكل أصل الانتفاع.

ص: 79

منها وتكتسبون بإكراء الإبل وتبيعون نتاجها وألبانها وجلودها.

[(وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ)].

منّ الله بالتجمل بها كما منّ بالانتفاع بها، لأنه من أغراض أصحاب المواشي، بل هو من معاظمها، لأنّ الرعيان إذا روّحوها بالعشي وسرحوها بالغداة - فزينت بإراحتها وتسريحها الأفنية وتجاوب فيها الثغاء والرغاء - أنست أهلها وفرحت أربابها،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (من الله تعالى بالتجمل بها)، الراغب: الجمال: الحسنُ الكثير، وذلك ضربان، أحدهما: جمال يختص به الإنسان في نفسه أو بدنه أو فعله، والثاني: ما يصل به منه إلى غيره، وعلى هذا الوجه ما روى:"إن الله جميل يحب الجمال"، تنبيهاً أنه منه تفيض الخيرات الكثيرة، فيحب من يختص بذلك، يقال: جاملت فلاناً وأجملت في ذا، والجمل يقال: للبعير إذا بزل، والجاملُ: قطعة من الإبل معها راعيها، وتسمية الجمل بذلك، يجوز أن يكون لما قد أشار إليه بقوله:(وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ)؛ لأنهم كان يعدون ذلك جمالاً لهم.

قوله: (وسرحوها بالغداة)، الراغب: السرح: شجر له ثمرة، الواحدة سرحة، وسرحت الإبل: إذا أرسلت أن ترعاه السرح، ثم جُعل لكل إرسال في الرعي، قال تعالى:(حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ)، والسارح: الراعي، والتسريح في الطلاق: مستعار من تسريح الإبل، كالطلاق في كونه مستعاراً من إطلاق الإبل.

قوله: (الثغاء والرغاء)، الجوهري: الرغاء: صوت ذوات الخف، وقد رغا البعير يرغو رُغاء: إذا ضج، والثغاء: صوت الشاة والمعز وما شاكلها، وفي قوله:"وتجاوب فيه الثغاء والرغاء" معنى قول أبي العلاء:

ص: 80

وأجلتهم في عيون الناظرين إليها، وكسبتهم الجاه والحرمة عند الناس. ونحوه (لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً)، (يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً)] الأعراف: 26 [. فإن قلت: لم قدّمت الإراحة على التسريح؟ قلت: لأنّ الجمال في الإراحة أظهر، إذا أقبلت ملاء البطون حافلة الضروع، ثم أوت إلى الحظائر حاضرة لأهلها. وقرأ عكرمة: (حينا تريحون وحينا تسرحون)، على أن (تُرِيحُونَ) و (تَسْرَحُونَ) وصف للحين. والمعنى: تريحون فيه وتسرحون فيه، كقوله تعالى (يَوْماً لا يَجْزِي والِدٌ)] لقمان: 23 [.

[(وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ) [.

قرئ: (بِشِقِّ الأَنفُسِ)، بكسر الشين وفتحها. وقيل: هما لغتان في معنى المشقة، وبينهما فرق: وهو أن المفتوح مصدر شق الأمر عليه شقا، وحقيقته راجعة إلى الشق الذي هو الصدع. وأما الشق فالنصف، كأنه يذهب نصف قوته لما يناله من الجهد. فإن قلت: ما معنى قوله: (لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ)؟ كأنهم كانوا زمانا يتحملون المشاق في بلوغه حتى حملت الإبل أثقالهم. قلت: معناه وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

معان من أحبتنا معانُ

يُجيب الصاهلات بها القيان

وهو من باب التكميل، ولهذا قال:"وكسبتهم الجاه والحُرمة عند الناس، ومنه قوله: (لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً) " جمع بين الانتفاع والزينة، كما جمع بين ستر العورة والزينة قوله تعالى:(يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً)[الأعراف: 26]، لأن الريش: الجمال والزينة.

قوله: (ملاء البطون)، الجوهري: والملء بالفتح: مصدر قولك: ملأت الإناء، فهو مملوء، والملء بالكسر: اسم ما يأخذه الإناء إذا امتلأ، يقال: أعطى ملأه وملأيه، وضرعٌ حافل، أي: ممتلئ لبناً.

ص: 81

في التقدير لو لم تخلق الإبل إلا بجهد أنفسكم، لا أنهم لم يكونوا بالغيه في الحقيقة. فإن قلت: كيف طابق قوله: (لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ) قوله: (وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ)؟ وهلا قيل: لم تكونوا حامليها إليه؟ قلت: طباقه من حيث أن معناه:

وتحمل أثقالكم إلى بلد بعيد قد علمتم أنكم لا تبلغونه بأنفسكم إلا بجهد ومشقة، فضلا أن تحملوا على ظهوركم أثقالكم. ويجوز أن يكون المعنى: لم تكونوا بالغيه بها إلا بشق الأنفس. وقيل: (أثقالكم) أجرامكم. وعن عكرمة: البلد مكة (لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ) حيث رحمكم بخلق هذه الحوامل وتيسير هذه المصالح.

[(وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ)].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (لم تكونوا بالغيه بها)، أي: بالأثقال، والباء فيه، ظرف لغوٍ للتعدية، وفي بشق الأنفس مستقر، قال أبو البقاء:(بِشِقِّ): في موضع الحال من الضمير المرفوع في (بَالِغِيهِ)، أي: مشقوقاً عليكم، وأما توجيه السؤال: كيف ناسب قوله: (لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ) قوله: (وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ)؛ لأن المناسب أن يقال: لم تكونوا حامليه، لأن الحمل شيء، والبلوغ شيء آخر؟ وأجاب: أن المناسبة بحسب المعنى، وهو على وجوه ثلاثة، أحدها: أن تجعل التنكير في (بَلَدٍ) للتفخيم والتكثير، أي: بلدٍ بعيدٍ شاسع، ليناسبه البلوغ، ويلزم منه الحديث في نفي الحمل بالطريق الأولى، كما قال: فضلاً أن تحملوا على ظهوركم. وثانيها: أن يُقدر في (بَالِغِيهِ) ما يعود إلى الأثقال. وثالثها: أن يُحمل الأثقال على الأجرام.

قال في "الانتصاف": ويمكن أن يقال: إنه استغنى بذكر البلوغ عن ذكر حملها؛ لأن ذلك معلوم من العادة؛ لأن المسافر لا يستغني عن أثقال يستصحبها، والأول أولى.

ص: 82

(وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ) عطف على (الأنعام)] النحل: 5 [، أي: وخلق هؤلاء للركوب والزينة، وقد احتج على حرمة أكل لحومهن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: ((وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ): عطف على "الأنعام")، الراغب: الخيال أصله الصورة المجردة كالصورة المتصورة في المنام وفي المرآة، وفي القلب بعد غيبوبة المرئي، ثم يستعمل في صورة كل أمر متصور، وفي كل شخص دقيق يجري مجرى الخيال، والتخييل: تصوير خيال الشيء في النفس، والتخيل: تصور ذلك، وخلت: بمعنى ظننت، يقالُ اعتباراً بتصور خيال المظنون، ويقال: خيلت السماء: أبدت خيالاً للمطر، وفلانٌ مخيل بكذا أي: خليق، وحقيقته أنه مظهر خيال ذلك، والخيلاء: التكبر على تخيل فضيلة تراءت للإنسان في نفسه، ومنه الخيل لما قيل: إنه لا يركب أحدٌ فرساً إلا وجد في نفسه نخوة.

قوله: (وقد احتج على حرمة أكل لحومهن)، قال الإمام: واحتج القائلون بتحريم لحوم الخيل بهذه الآية، قالوا: منفعة الأكل أعظم من منفعة الركوب، ولو كان أكل لحم الخيل جائزاً لكان هذا المعنى أولى بالذكر، وحيث لم يُذكر علمنا تحريمه، ولأنه تعالى قال في صفة الأنعام:(وَمِنْهَا تَاكُلُونَ)، والتقديم يفيد الحصر، ثم قرن بعده الخيل مع البغال والحمير، وذكر أنها مخلوقة للركوب والزينة، ولأن قوله:(لِتَرْكَبُوهَا) يقتضي أن يكون تمام المقصود من خلق هذه الأشياء هو الركوب والزينة، ولو حل أكلها لم يكن تمام المقصود من خلقها الركوب والزينة.

وقال: أجاب الواحدي بجواب حسن، قال: لو دلت الآية على تحريم أكل هذه الحيوانات، لكان هذا التحريم معلوماً في مكة، لأن السورة مكية، ولو كان كذلك، لكان قول عامة المفسرين والمحدثين: إن لحوم الحُمر الأهلية حرمت عام خيبر غير صحيح؛ لأن التحريم لما كان حاصلاً قبل يوم خيبر، لم يبق لتخصيصه بذلك اليوم فائدة.

ص: 83

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ..

ويعضده ما رُوينا عن الترمذي وأبي داود وابن ماجه، عن المقداد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا غني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعانُ على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتُم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي ولا أكل ذي ناب من السباع"، والحديث صرح أن الحمار ما حُرم بالكتاب، بل بالسنة.

وقال محي السنة: واحتج بهذه الآية من حرم لحوم الخيل، وهو قول ابن عباس، وتلا هذه الآية فقال: هذه للركوب، وإليه ذهب الحكم ومالك وأبو حنيفة، وذهب جماعة إلى إباحتها، وهو قول الحسن وشريح وعطاء وسعيد بن جبير، وبه قال الشافعي واحمد وإسحاق، ومن أباحها قال: ليس المراد من الآية بيان التحليل والتحريم، بل المراد منه تعريف الله عباده نعمه، وتنبيههم على كمال قدرته وحكمته، واحتجوا بما روى جابر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية وأذن في لحوم الخيل، أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي والدارمي وابن ماجه، والتحقيق هذا.

وبيانه: أنه سبحانه وتعالى لما نهى المشركين عن استعجال نزول العذاب استهزاء بقوله: (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ) كأنه ما التفت إلى استهزائهم، وأخرج الكلام على الأسلوب الحكيم، أي: لم تستعجلون بنزول ما يُرديكم ويستأصلكم؟ فهلا تنتفعون بنزول ما يحييكم، وينجيكم منه، وهو هذا القرآن الذي هو بمثابة الروح لحياة القلوب الميتة، وهذا الرسول الكريم، وبالمؤمنين رؤوف رحيم، يدعوكم إلى التوحيد والتقوى، ويبصركم الدلائل الدالة على وحدانيته لئلا تشركوا به شيئاً، وينبهكم على النعم السابغة التي توجب أن تشكروه

ص: 84

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ..

وتعبدوه من دلائل الآفاق والأنفس وما خلق لكم من الأنعام وغيرها لانتفاعكم بها بالأكل والركوب وجر الأثقال والزينة على ما ألفتم واتخذتم شعاراً لأنفسكم وافتخرتم بها؟ يدل عليه قوله تعالى: (وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ).

وأما الجواب عن قولهم: "لو كان أكل لحوم الخيل جائزاً لكان هذا المعنى أولى بالذكر"، فقد أشار إليه القاضي بأن قال: لا دليل فيه، إذ لا يلزم من تعليل الفعل بما يُقصد به غالباً أن لا يقصد منه غيره أصلاً، وأما الجواب عن الحصر بتقديم معمول (يَاكُلُونَ)، فهو النظر إلى رعاية الفواصل لا غير، كما سبق هذا، ولو فهم الصحابة رضوان الله عليهم من هذه الآيات غير ما هي عليه من بيان الامتنان، لم يكن فعلهم يوم خيبر رشيداً، على ما روينا في "صحيح البخاري"، عن البراء بن عازب وعبد الله بن أبي أوفى: أنهم كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم، فأصابوا حمراً فطبخوها، فنادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أكفئوا القدور.

فإن قلت: لم لا يجوز أن يستنبط التحريم على طريقة إشارة النص؟ قلت: إشارة النص من الدلائل الدقيقة اللطفة المستخرجة من الأحكام، والكلام مسوق للامتنان كما سبق. نعم، فيه إشارة إلى جُل الغرض فيها، ومعظم الانتفاع منها ما ذكر من الركوب والزينة، وأما التحريم فلا، ولابد من دليل منفصل للتحريم والتحليل، والدليل من جانبنا، ولولا أن ورود الآية للامتنان بحسب ما ألفوا واعتادوا لم يذكر الزينة أصلاً، وكيف ذلك وقد ورد النهي عنها على ما روينا عن البخاري ومسلم ومالك وأبي داود والنسائي، عن أبي هريرة في حديث طويل: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الخيل ثلاثة: هي لرجل أجرن ولرجل ستر، وعلى رجل وزر، فأما الذي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله"، وساق الحديث إلى قوله:"ورجل ربطها تغنياً وتعففاً ثم لم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها، فهي لذلك الرجل ستر، ورجل ربطها فخراً ورياء ونواء على أهل الإسلام، فهي على ذلك وزر" الحديث.

ص: 85

بأن علل خلقها بالركوب والزينة، ولم يذكر الأكل بعد ما ذكره في الأنعام. فإن قلت: لم انتصب (وَزِينَةً)؟ قلت: لأنه مفعول له، وهو معطوف على محل (لتركبوها). فإن قلت: فهلا ورد المعطوف والمعطوف عليه على سنن واحد؟ قلت: لأنّ الركوب فعل المخاطبين، وأما الزينة ففعل الزائن وهو الخالق. وقرئ:(لتركبوها زينة)، بغير واو، أي: وخلقها زينة لتركبوها. أو تجعل (زينة) حالا منها، أي: وخلقها لتركبوها وهي زينة وجمال (وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ) يجوز أن يريد به: ما يخلق فينا ولنا مما لا نعلم كنهه وتفاصيله ويمنّ علينا بذكره كما منّ بالأشياء المعلومة مع الدلالة على قدرته. ويجوز أن يخبرنا بأن له من الخلائق ما لا علم لنا به، ليزيدنا دلالة على اقتداره

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ما ذكره في الأنعام)، أي: في شأن الأنعام، وهو قوله تعالى:(وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَاكُلُونَ).

قوله: (وأما الزينة ففعل الزائن، وهو الخالق)، يعني: يكفي في شرط حذف اللام أن يكون مصدراً وفعلاً لفاعل الفعل المعلل، وفيه دليل على أن المقارنة ليست بشرط، قال صاحب "التخمير":"المقارنة ليست بشرط، بدليل قوله: (وَزِينَةٌ) فـ"زينة" منصوب بمعنى اللام، ولم تكن موجودة وقت الخلق، فالمعنى: بالمقارنة أن لا يكون متقدماً، ولا بأس بالتأخر، نحو: شربت الدواء إصلاحاً للبدن، والإصلاح متأخر غير واقع عند الشرب". وقال السجاوندي في "شرح المفصل": ولابد من أن يكون المصدر واقعاً بعد الفعل. وقال صاحب "الانتصاف": والجواب القوي أن الركوب هو المقصود الأصلي من هذه الأشياء، والتزيين تابع، فاقترن المقصود باللام الصريحة؛ لأنه أهم الغرضين، وحُذفت من الزينة لأنها تبع، وكذا عن القاضي.

قوله: (وخلقها زينة لتركبوها)، أي: خلق بمعنى: جعل، وزينة: ثاني مفعولية.

ص: 86

بالإخبار بذلك، وإن طوى عنا علمه لحكمة له في طيه، وقد حمل على ما خلق في الجنة والنار، مما لم يبلغه وهم أحد، ولا خطر على قلبه.

[(وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْها جائِرٌ وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ) [.

المراد بالسبيل: الجنس، ولذلك أضاف إليها القصد وقال (وَمِنْها جائِرٌ). والقصد مصدر بمعنى الفاعل وهو القاصد. يقال: سبيل قصد وقاصد، أى: مستقيم، كأنه يقصد الوجه الذي يؤمه السالك لا يعدل عنه. ومعنى قوله (وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ) أنّ هداية الطريق الموصل إلى الحق واجبة عليه، كقوله (إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى)] الليل: 12 [. فإن قلت: لم غير أسلوب الكلام في قوله (وَمِنْها جائِرٌ)؟ قلت: ليعلم ما يجوز إضافته إليه من السبيلين وما لا يجوز، ولو كان الأمر كما تزعم المجبرة لقيل: وعلى الله قصد السبيل وعليه جائرها أو وعليه الجائر. وقرأ عبد الله:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ولذلك أضاف)، يعني: دلت الإضافة، وقوله:(وَمِنْهَا جَائِرٌ)، على أن المراد بالسبيل الجنس، وهو من إضافة الخاص إلى العام، ونحوه: خاتم الفضة، سحق الثوب، لأن السبيل إما مستقيم وهو المراد من القصد، وإما معوج وهو الجائر. وقال أبو البقاء: وقصد: مصدر بمعنى إقامة السبيل أو تعديل السبيل، وليس مصدر قصدته بمعنى أتيته.

قوله: (كأنه يقصد الوجه الذي يؤمه السالك)، وهو من باب: طريق سائر ونهر جار.

قوله: (ولو كان الأمر كما تزعم المجبرة لقيل

وعليه جائرها)، قال الإمام: أجاب أصحابنا عنه بأن المراد: على الله- بحسب الفضل والكرم- بيان الدين الحق، والمذهب الصحيح، فأما بيان كيفية الإغواء والإضلال فذاك غير واجب.

وقلت: ويجوز أن يكون التقدير: على الله بيان استقامة الطريق بالآيات والبراهين على سبيل التفضل والكرم، وبيان اعوجاج الطريق، فمنها مستقيم كطريق الإسلام ليهتدوا بها،

ص: 87

(ومنكم جائر)، يعنى: ومنكم جائر جار عن القصد بسوء اختياره، والله بريء منه (وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ) قسراً وإلجاء.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ومنها جائرٌ كطريق سائر الأمم الضالة ليتجنبوا منها، فاختصر على تقدير اللف والنشر التقديري، وإضافة طريق الحق دون الجائر إلى الله تعالى على أسلوب قوله تعالى:(أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ)[الفاتحة: 7].

وقوله: (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ)[الشعراء: 80] ويعضد ما ذكرنا من أن على الله تمييز الطريقين وبيان السبيلين تفضلاً قول محيي السنة: (وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ) يعني: بيان طريق الهدى من الضلالة، فالقصد من السبيل: دين الإسلام، والجائر منها: اليهودية والنصرانية وسائر ملل الكفر.

قال في "الانتصاف": أين يذهب الزمخشري عن تتمتها: (وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ)؟ لو كان بزعم القدرية لقال: فقد هديناكم أجمعين، (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ)، ففسروها بالقسر والإلجاء وحرفوا الكلم عن مواضعه، وأما المخالفة بين الأسلوبين، فلإقامة حجة الله على الخلق، وأنه بين السبيل القاصد والجائر، وهدى قوماً اختاروا الهدى، وأضل قوماً اختاروا الضلال، وقد عُلم أن للفعل اعتبارين، فإضافته على الله تعالى باعتبار خلقه له، وإضافته إلى العبد باعتبار اختياره له.

قوله: (جائر جار عن القصد)، الراغب: الجار: من يقرب مسكنه منك، وهو من الأسماء المتضايقة، ولما استعظم حق الجار شرعاً وعقلاً عُبر عن كل من يعظم حقه أو يستعظم حق غيره بالجار. قال تعالى:(وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى)[النساء: 36] ويقال: استجرت فلاناً فأجارني، وقال:(وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ)[الأنفال: 48]، وقال: (وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ

ص: 88

[(هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ* يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) [.

(لَكُمْ) متعلق (بأنزل)، أو ب (شراب)، خبراً له. والشراب ما يشرب (شَجَرٌ) يعنى الشجر الذي ترعاه المواشي. وفي حديث عكرمة: لا تأكلوا ثمن الشجر فإنه سحت. يعنى الكلأ (تُسِيمُونَ) من سامت الماشية إذا رعت، فهي سائمة، وأسامها صاحبها، وهو من السومة وهي العلامة، لأنها تؤثر بالرعي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عَلَيْهِ [المؤمنون: 88]، وباعتبار القرب، قيل: جار عن الطريق، ثُم جعل ذلك أصلاً في العدول عن كل حق، فبنى منه الجور. قال تعالى:(وَمِنْهَا جَائِرٌ) أي: عادل عن المحجة.

قوله: (والشراب: ما يُشرب)، عن بعضهم: الشرب: تناول كل مائع، ماء كان أو غيره، والشريب: المشارب والشراب.

قوله: (وفي حديث عكرمة: لا تأكلوا ثمن الشجر)، يعني: الكلأ، "النهاية": وفي الحديث: "لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ" الكلأ: النبات، والعشب، سواء رطبه ويابسه، ومعناه: أن البئر تكون في البادية ويكون قريباً منه الكلأ، فإذا ورد عليها وارد، فغلب على مائها، ومنع من يأتي بعده من الاستقاء منها، فهو بمنعه الماء، مانع من الكلأ، لأنه متى ورد عليه رجل بإبله فأرعاها ذلك الكلأ، ثم لم يسقها، قتلها العطش، فالذي يمنع ماء البئر يمنع النبات القريب منه، وقال الزجاج: كل ما نبت من الأرض فهو شجر، قال الراجز:

نعلفها اللحم إذا عز الشجر

والخيل في إطعامها اللحم ضرر

ص: 89

علامات في الأرض. وقرئ: (ينبت)، بالياء والنون. فإن قلت: لم قيل (وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ)؟ قلت: لأنّ كل الثمرات لا تكون إلا في الجنة، وإنما أنبت في الأرض بعض من كلها للتذكرة (يَتَفَكَّرُونَ) ينظرون فيستدلون بها عليه وعلى قدرته وحكمته. والآية: الدلالة الواضحة. وعن بعضهم: (ينبت)، بالتشديد. وقرأ أبىّ بن كعب:(ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب)، بالرفع.

[(وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) [.

قرئت كلها بالنصب على: وجعل النجوم مسخرات. أو على أنّ معنى تسخيرها

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: ((يُنْبِتُ): بالياء والنون)، بالنون: أبو بكر.

قوله: (لأن كل الثمرات لا تكون إلا في الجنة)، أي: إنما قيل: (مِنْ كُلِّ) بزيادة "مِنَ" التبعيضية ليدل على أن كل الثمرات لا تكون إلا في الجنة، وإنما أنبت في الأرض بعض من كلها.

قوله: (بعض من كلها: للتذكرة)، أي: إذا رأوا ما في الجنة من الثمرات ذكروا ما في الدنيا ليعلموا التفاوت، كما ذكر في أول البقرة في قوله تعالى:(وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً)[البقرة: 25].

قوله: (على: وجعل النجوم مسخرات)، أي: يجعل ناصب النجوم مضمراً وهو جعل، ومسخرات: ثاني مفعوليه، والجملة معطوفة على جملة قوله:(وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ)، ولا يجوز على هذا أن يُعطف على المنصوبات بـ (وَسَخَّرْ)، وهي (اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ)؛ لأن (مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ) حينئذ: حال من المذكورات، وقيل:

ص: 90

للناس: تصييرها نافعة لهم، حيث يسكنون بالليل، ويبتغون من فضله بالنهار، ويعلمون عدد السنين والحساب بمسير الشمس والقمر، ويهتدون بالنجوم. فكأنه قيل: ونفعكم بها في حال كونها مسخرات لما خلقن له بأمره. ويجوز أن يكون المعنى: أنه سخرها أنواعا من التسخير جمع مسخر، بمعنى تسخير، من قولك: سخره الله مسخراً، كقولك: سرحه مسرحاً، كأنه قيل: وسخرها لكم تسخيرات بأمره. وقرئ بنصب (الليل والنهار) وحدهما، ورفع ما بعدهما على الابتداء والخبر. وقرئ:(والنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ)، بالرفع. وما قبله بالنصب، وقال (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) فجمع الآية. وذكر العقل، لأنّ الآثار العلوية أظهر دلالة على القدرة الباهرة، وأبين شهادة للكبرياء والعظمة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

للفعل، فكان المعنى: سخر هذه الأشياء في حال كونها مسخرات بأمره، فهو خلق. نعم، يجوز أن يُستعار سخر لكم لقوله: نفعكم؛ لأن الغرض من تسخيرها النفع، فكأنه قيل: ونفعكم بها في حال كونها مسخرات لما خلقن له.

قوله: (أنه سخرها أنواعاً من التسخير)، أي: جعل "مسخرات": مفعولاً مطلقاً، على تأويل مسخر بمعنى تسخير، ونما جمع لإرادة الأنواع.

قوله: (وقرئ: (وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ) بالرفع، وما قبله بالنصب): ابن عامر: "والشمس والقمر والنجوم مسخرات" بالرفع في الأربعة، وحفص: برفع (وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ) فقط، والباقون: بالنصب، وقال القاضي: هذا على الابتداء والخبر، فيكون تعميماً للحكم بعد تخصيصه.

قوله: (لأن الآثار العلوية أظهر دلالة)، أي من السفلية، يعني: حين ذكر الآثار

ص: 91

[(وَما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ) [.

(وَما ذَرَأَ لَكُمْ) معطوف على (اللَّيْلَ والنَّهَارَ). يعنى: ما خلق فيها من حيوان وشجر وثمر وغير ذلك مختلف الهيئات والمناظر.

[(وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَاكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [.

(لَحْماً طَرِيًّا) هو السمك، ووصفه بالطراوة، لأنّ الفساد يسرع إليه، فيسارع إلى أكله خيفة للفساد عليه. فإن قلت:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

السفلية أفرد الآية، وذكر التفكر، وحين ذكر العلوية جمعها، وذكر العقل، وذلك أن الآثار السفلية مخفية، فتحتاج إلى إمعان النظر، ودقة الفكر، والآثار العلوية تدرك في بدو العقل، وهي مع ذلك متشعبة، وفيها أنواع من الدلالات.

قوله: (ووصفه بالطراوة، لأن الفساد يُسرع إليه فيسارع إلى أكله)، الراغب: طرياً: غضاً، من الطراء والطراوة، يقال: طريت كذا فطرى، ومنه: المطراة من الثياب، والإطراء: مدحٌ يجدد ذكره، وطرأ بالهمز: طلع.

الانتصاف: وفيه إرشاد لأن يتناول طرياً، فقد قال الأطباء: أكله بعد ذهاب طراوته من أضر ما يكون.

ص: 92

ما بال الفقهاء قالوا: إذا حلف الرجل لا يأكل لحماً، فأكل سمكاً، لم يخنث. والله تعالى سماه لحماً كما ترى؟ قلت: مبنى الإيمان على العادة، وعادة الناس إذا ذكر اللحم على الإطلاق أن لا يفهم منه السمك، وإذا قال الرجل لغلامه: اشتر بهذه الدراهم لحماً فجاء بالسمك، كان حقيقاً بالإنكار. ومثاله أن الله تعالى سمى الكافر دابة في قوله:(إنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا)] الأنفال: 55 [، فلو حلف حالف لا يركب دابة فركب كافراً لم يحنث. (حِلْيَةً) هي اللؤلؤ والمرجان». والمراد بلبسهم: لبس نسائهم، لأنهنّ من جملتهم، ولأنهنّ إنما يتزينّ بها من أجلهم، فكأنها زينتهم ولباسهم. المخر: شق الماء بحيزومها. وعن الفراء: هو صوت جرى الفلك بالرياح. وابتغاء الفضل: التجارة.

[(وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهاراً وَسُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ* وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ)].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ما بال الفقهاء) قيل: "ما" مبتدأ، و"بالُ": خبره، و"قالوا": حال من "الفقهاء"، لأنه في المعنى: فاعل، لأن قولك: ما بالك؟ معناه: ما تصنع؟ نحو: ما شأنك؟

قوله: (ولأنهن إنما يتزين بها من أجلهم، فكأنها زينتهم ولباسهم)، الانتصاف: لله در مالك حيث جعل للزوج الحجر على زوجته فيما له [بالٌ] من مالها، وهو مقدار الثلث، فحقه فيه بالتجمل، وفي هذه الآية جعل حظ المرأة من زينتها للزوج، فجعل لباسها لباسه.

قوله: (بحيزومها)، أي: السفينة، والحيزوم: وسط الصدر، وما يُضم عليه الحزام.

ص: 93

(أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ) كراهة أن تميل بكم وتضطرب. والمائد: الذي يدار به إذا ركب البحر. قيل: خلق الله الأرض فجعلت تمور، فقالت الملائكة: ما هي بمقرّ أَحد على ظهرها، فأصبحت وقد أرسيت بالجبال، لم تدر الملائكة ممّ خلقت (وَأَنْهاراً) وجعل فيها أنهاراً، لأن (أَلْقى) فيه معنى: جعل. ألا ترى إلى قوله (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً وَالْجِبالَ أَوْتاداً)] النبأ: 6 - 7 [؟ . (وَعَلاماتٍ) هي معالم الطرق وكل ما تستدل به السابلة من جبل ومنهل وغير ذلك. والمراد بالنجم: الجنس، كقولك.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (والمائد الذي يُدار به)، أي: الشخص الذي يدور رأسه، "الأساس": والدهر بالإنسان دوار أي يدور بأحواله المختلفة، قال القاضي: إن الأرض قبل أن تخلق فيها الجبال كانت كالكرة بسيطة الطبع، وكان من حقها أن تتحرك بالاستدارة كالأفلاك، أو أن تتحرك بأدنى سبب، فلما خلق عليها الجبال تفاوتت جوانبها، وتوجهت الجبال بثقلها نحو المركز، فصارت كالأوتاد التي تمنعها من الحركة.

قوله: (لأن (أَلْقَى) فيه معنى: جعل)، يعني: لا يقالُ: ألقى فيها أنهاراً، لكن لما تضمن (أَلْقَى) معنى جعل، صح عطف (أَنْهَاراً) على (رَوَاسِيَ)، قلت: ويجوز أن يكون من باب قوله:

علفتها تبناً وماءً بارداً

أي: وأجرى فيها أنهاراً.

قوله: (والمراد بالنجم: الجنس)، الراغب: أصل النجم: الكوكب الطالع، وجمعه نجوم، ونجم: طلع، نجماً ونجوماً، فصار النجم مرة اسماً ومرة مصدراً، ومنه شبه به طلوع النبات، والرأي، فقيل: نجم النبت والقرن، ونجم لي رأي نجماً ونجوماً، ونجم فلان على السلطان: صار عاصياً، ونجمت المال عليه: إذا وزعته، كأنك فرضت أن يدفع عند طلوع كل نجم

ص: 94

كثر الدرهم في أيدى الناس. وعن السدى: هو الثريا، والفرقدان، وبنات نعش، والجدى. وقرأ الحسن:(وبالنجم)، بضمتين، وبضمة وسكون، وهو جمع نجم، كرهن ورهن، والسكون تخفيف. وقيل حذف الواو من النجوم تخفيفاً. فإن قلت: قوله (وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ) مخرج عن سنن الخطاب، مقدم فيه (النَّجْمِ)،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نصيباً، ثم صار متعارفاً في تقدير دفعه بأي شيء قدرت ذلك.

قوله: (هو الثريا والفرقدان وبنات نعش)، الثريا: هي أنجم ستة منتظمة تشبه عنقود الكرم. والفرقدان: نجمان متوقدان من نجوم البنات، والجدي: نجم عند القطب تعرف به القبلة. المغرب: يقال: لكوكب القبلة: جديُ الفرقد، بفتح الجيم وسكون الدال، ومنه قول ابن المبارك في تحري القبلة: أهل الكوفة يجعلون الجدي خلف القفا. والمنجمون يسمونه جُديا، على التصغير، فرقاً بينه وبين البرج.

قوله: (وقرأ الحسن)، بضمتين، قال ابن جني: قرأ الحسن: "وبالنُّجُم"، وقرأ يحيى:"وبالنُّجْم" بضم النون وسكون الجيم، النجم: جمع نجم، ومثله مما كسر من "فعل" على "فُعُل": سقف وسُقفٌ، ورهنٌ ورُهُنٌ، وإن شئت [قل: ] أراد النجوم فقصر الكلمة فحذف واوها، ومثله من المقصور من فعول: قول أبي بكر في أسُدٍ: إنه مقصور من أسودٍ، فصار أسُداً ثم أُسكن.

قوله: ((وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ) مخرج عن سنن الخطاب)، يعني: أن هذا التركيب مشتمل على خواص فن المعنى بالمسند إليه، أحدها: إن الآيات السابقة من لدن فاتحة السورة إلى هاهنا واردة على سنن الخطاب، فما بال هذه أخرجت عن الخطاب إلى الغيبة؟ وثانيها: فيه

ص: 95

مقحم فيه (هُمْ)، كأنه قيل: وبالنجم خصوصاً هؤلاء خصوصاً يهتدون، فمن المراد ب (هُمْ)؟ قلت: كأنه أراد قريشاً: كان لهم اهتداء بالنجوم في مسايرهم، وكان لهم بذلك علم لم يكن مثله لغيرهم، فكان الشكر أوجب عليهم، والاعتبار ألزم لهم، فخصصوا.

[(أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ)].

فإن قلت: (كَمَنْ لا يَخْلُقُ) أريد به الأصنام، فلم جيء بمن الذي هو لأولى العلم؟ قلت:

فيه أوجه، أحدها: أنهم سموها آلهة وعبدوها، فأجروها مجرى أولي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تقديم المجرور، وهو (وَبِالنَّجْمِ) على عامله، وهو (يَهْتَدُونَ)، وثالثها: توكيد التركيب بقوله: (هُمْ)، فدل تلون الخطاب على امتياز هؤلاء عن السابق ذكرهم، ودل تقديم (وَبِالنَّجْمِ) على اختصاص هؤلاء بالاهتداء بالنجم دون غيرها مما يُهتدى به، ودل التوكيد بإقحام (هُمْ) على اختصاصهم بهذه الهداية، دون غيرهم.

وأجاب عن تلوين الخطاب بقوله: "كأنه أراد قريشاً"، وعن التوكيد بقوله:"كان لهم اهتداء بالنجوم في مسايرهم"، وعن التخصيص بقوله:"وكان لهم بذلك علمٌ لم يكن مثله لغيرهم".

وقلت: ويمكن أن يُقال: إن قوله: "ألقى في الأرض سُبلاً" عام في أهل القرى والمدن والبوادي (لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) إما أن يتعلق بأول الآية أو بقوله: (سُبُلاً)، ويكون (لَعَلَّ) للتحقيق، وأما الاهتداء بالنجم فمختص بمن هو حاذق في سلوك البحر، والمهامه: البيدُ التي لا منار لها ولا سبيل، وتقديم (وَبِالنَّجْمِ) لأن معناه: وبالنجم خصوصاً لا بغيره يهتدون، أو لمراعاة الفواصل، وإقحام (هُمْ) لتقوي الحكم، والعدول إلى الغيبة للالتفات، والإيذان بأن هذا الاهتداء أغربُ من الأول، والمعرضُ عنه أدخلُ في الكفران، والفاء في "فكان الشكر": للسببية، وكذا في قوله:"فخصصوا".

ص: 96

العلم. ألا ترى إلى قوله على أثره (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ)] النحل: 20 [والثاني: المشاكلة بينه وبين من يخلق. والثالث: أن يكون المعنى أنّ من يخلق ليس كمن لا يخلق من أولى العلم، فكيف بما لا علم عنده، كقوله (أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها) يعنى أنّ الآلهة حالهم منحطة عن حال من لهم أرجل وأيد وآذان وقلوب، لأنّ هؤلاء أَحياء وهم أموات، فكيف تصح لهم العبادة؟ لا أنها لو صحت لهم هذه الأعضاء لصحّ أن يعبدوا فإن قلت: هو إلزام للذين عبدوا الأوثان وسموها آلهة تشبيهاً بالله، فقد جعلوا غير الخالق مثل الخالق،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (المشاكلة بينه وبين من يخلق)، يعني: جيء بـ"مَنْ" الذي هو مختص بأولي العلم للجماد الذي هو أصنام؛ لأنها مصحوبة مع ذكر من يخلق، كقوله تعالى:(وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا)[الشورى: 40].

قوله: (لا أنها لو صحت لهم هذه الأعضاء لصح أن يُعبدوا)، يريد أن الآيتين من باب المبالغة والإلزام بالطريق الأولى، لا لتصحيح العبودية للأصنام بحصول ما هو مفقود عنها موجود في الناس.

الانتصاف: الزمخشري يجزم على أن العباد يخلقون أفعالهم، فالمراد ظهور التفاوت بينهم وبين من يخلق ومن لا يخلُقُ منهم، كالعاجزين والزمنى، حتى يثبت أن التفاوت بينهم وبين ما لا يخلق، كالأصنام، أولى.

قوله: (هو إلزام للين عبدوا الأوثان)، وجهُ السؤال: أن المشركين ما شبهوا الخالق بالأصنام حتى ينكر عليهم بقوله: (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ)، وإنما شبهوا الأصنام بالخالق، فكان حق الإلزام أن يُقال: أفمن لا يخلق كمن يخلق؟ ووجه الجواب: أن وجه التشبيه إذا قوي بين الطرفين، أعني المشبه والمشبه به، يرجع التشبيه إلى التشابه، فيُقال:

ص: 97

فكان حق الإلزام أن يقال لهم: أفمن لا يخلق كمن يخلق؟ قلت: حين جعلوا غير الله مثل الله في تسميته باسمه والعبادة له وسوّوا بينه وبينه، فقد جعلوا الله تعالى من جنس المخلوقات وشبيهاً بها، فأنكر عليهم ذلك بقوله:(أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ).

[(وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ* وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ)].

لا تُحْصُوها لا تضبطوا عددها ولا تبلغه طاقتكم، فضلا أن تطيقوا القيام بحقها من أداء الشكر، أتبع ذلك ما عدّد من نعمه تنبيهاً على أنّ وراءها ما لا ينحصر ولا ينعدّ (إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) حيث يتجاوز عن تقصيركم في أداء شكر النعمة،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وجه الخليفة كالقمر، والقمرُ كوجه الخليفة، والمشركون لما تعاملوا مع الأصنام بما ينبغي أن يُعامل به الإله الحق من تسميتها بالآلهة، والتوجه بالعبادة إليها، فلم يبق عندهم فرق بينها وبينه، تعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً، حصل التشابه، فقيل ما قيل، أو ذهب إلى التعكيس: لأن من حق المشبه أن يكون أحط من المشبه به فيما وقع فيه الشبه، فإذا قُلبَ انعكس مزيداً للتقريع والتجهيل.

قوله: (اتبع ذلك)، أي: أتبع قوله: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا) ما عدد، أي: جميع ما عدد من أول السورة إلى هاهنا من النعم، فقوله:(ذَلِكَ): مفعول أول، وقوله:"ما عدد": مفعول ثانٍ، يعني: لما عدد النعم المتكاثرة، وأريد استيفاء جميع أقسامها، وأنواعها، وكانت مما لا تنحصر بحسب العباد، ختم بجامع يحتويها كلها تنبيهاً على أن وراء المذكورة مما لا يُعد، كقوله تعالى:(وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ).

قوله: ((إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) حيث يتجاوز عن تقصيركم)، إلى آخره، فيه إشارة إلى أن التعليل بقوله:(إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) للتذييل، وفي قوله:(وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ) إشعارٌ بوجود تقصير في أداء شكر ما أولاهم من النعم، وذلك من مفهوم

ص: 98

ولا يقطعها عنكم لتفريطكم، ولا يعاجلكم بالعقوبة على كفرانها (وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ) من أعمالكم، وهو وعيد.

[(وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ* أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ)].

(وَالَّذِينَ يَدْعُونَ) والآلهة الذين يدعوهم الكفار (مِنْ دُونِ اللَّهِ) وقرئ بالتاء. وقرئ:

يدعون، على البناء للمفعول. نفى عنهم خصائص الإلهية بنفي كونهم خالقين وأحياء لا يموتون وعالمين بوقت البعث، وأثبت لهم صفات الخلق بأنهم مخلوقون وأنهم أموات وأنهم جاهلون بالغيب. ومعنى (أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ) أنهم لو كانوا آلهة على الحقيقة لكانوا أحياء غير أموات، أي غير جائز عليها الموت كالحي الذي لا يموت وأمرهم على العكس من ذلك. والضمير في (يُبْعَثُونَ) للداعين، أي لا يشعرون متى تبعث عبدتهم. وفيه تهكم بالمشركين وأنّ آلهتهم لا يعلمون وقت بعثهم، فكيف يكون لهم وقت جزاء منهم على عبادتهم. وفيه دلالة على أنه لا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا)، يعني: أن أنعام الله لا نهاية لها، فإذاً لا يقدر أحد أن يقوم بحقها، كما هو حقها، وهو يقتضي سلب تلك النعمة، وإنزال النقمة بدلها، (وَاللَّهُ غَفُورٌ) يتجاوز عن التقصير عاجلاً، (رَحِيمٌ) لا يقطع النعمة، لكن لابد أن يُجازيكم آجلاً على أعمالكم، لأنه يعلم (مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ)، وفيه إشعارٌ بأن تكليف ما لا يطاق جائز، لكن غير واقع من الله تعالى تكرماً وتفضلاً.

قوله: (ومعنى: (أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ) أنهم لو كانوا آلهة)، يعني: كان يكفي أن يُقال: هم أمواتٌ، فقرن بقوله:(غَيْرُ أَحْيَاءٍ) ليكون تعريضاً بالإله الحق في أنه حي لا يموت، فمن كان بعكسه لا يكون إلها.

قوله: (وفيه دلالة)، أي: في قوله: (وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ) إدماج، يعني: أنه لابد من البعث، وأن البعث من لوازم التكليف، يعني: من شأن المعبود أن يُجازي عابده

ص: 99

بدّ من البعث وأنه من لوازم التكليف. ووجه آخر: وهو أن يكون المعنى أن الناس يخلقونهم بالنحت والتصوير، وهم لا يقدرون على نحو ذلك، فهم أعجز من عبدتهم أموات جمادات لا حياة فيها، (غير أحياء) يعنى أنَّ من الأموات ما يعقب موته حياة، كالنطف التي ينشئها الله حيوانا، وأجساد الحيوان التي تبعث بعد موتها. وأمّا الحجارة فأموات لا يعقب موتها حياة، وذلك أعرق في موتها (وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ) أي وما يعلم هؤلاء الآلهة متى تبعث الأحياء تهكما بحالها، لأنّ شعور الجماد محال، فكيف بشعور ما لا يعلمه حي إلا الحي القيوم سبحانه، ووجه ثالث: وهو أن يراد بالذين يدعون الملائكة، وكان ناس منهم يعبدونهم، وأنهم أموات: أي لا بدّ لهم من الموت، (غير أحياء): غير باقية حياتهم. (وما يشعرون): ولا علم لهم بوقت بعثهم. وقرئ: إيان، بكسر الهمزة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الذي كلفه على عبادته، وهو في الدنيا مفقود كما نشاهد في ظاهر الحال، فلابد من دار الجزاء وبعث الخلق للثواب والعقاب، ثم إذا كان كذلك، لابد للإله من العلم بالكائن الواجب، فنفى عنهم ذلك العلم لتنتفي إلهيتهم، وعليه قوله تعالى:(ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ * إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللَّهِ حَقّاً إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ)[يونس: 3 - 4].

قوله: (ووجه آخر، وهو: أن يكون المعنى)، عطف على قوله:"نفي عنهم خصائص الإلهية".

قوله: (وأنهم (أَمْوَاتٌ)، أي: لابد لهم من الموت، (غَيْرُ أَحْيَاءٍ): غير باقية حياتهم)، اعلم أن المؤلف حين أثبت الموت للأصنام، وكانت جمادات أول توكيده بقوله تعالى:(غَيْرُ أَحْيَاءٍ) بقوله: "أنه غير جائز عليها الحياة"، تنبيهاً على أنها أقل من الحيوان ودون النامي، لجواز إثبات الحياة لهما حقيقة ومجازاً، وحين أثبته للملائكة وجعله مجازاً باعتبار ما يؤول، أكده بما يناسبه من قوله:"غير باقية حياتهم"، كقوله تعالى:(إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ)[الزمر: 30].

ص: 100

[(إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ لا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ)].

(إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ) يعنى أنه قد ثبت بما تقدّم من إبطال أن تكون الإلهية لغيره، وأنها له وحده لا شريك له فيها، فكان من نتيجة ثبات الوحدانية ووضوح دليلها: استمرارهم على شركهم، وأنّ قلوبهم منكرة للوحدانية، وهم مستكبرون عنها وعن الإقرار بها (لا جَرَمَ) حقا (أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ) سرّهم وعلانيتهم فيجازيهم، وهو

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (يعني أنه قد ثبت بما تقدم)، فاعل "ثبت" ضمير يرجع إلى قوله تعالى:(إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ): يريد أن قوله: (إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) فذلكة لما سبق وإعادة للمدعي مجملاً بعد إقامة الحجة عليها مُفصلان المعنى: قد ثبت بالدلائل الدالة على أن الإلهية مختصة بالله تعالى، وأنه واحد متفرد بالألوهية، وهو المعبود الحق، وإذا كان كذلك، فمن حقه أن يختص بالعبادة، وان لا تنكر إلهيته، وهؤلاء عكسوا واستمروا على شركهم وقلوبهم منكرة للوحدانية، فقوله:"أنه قد ثبت بما تقدم" إلى آخر قوله: "وعن الإقرار بها" تفسيرٌ لقوله تعالى: (إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنكِرَةٌ)، فالفاء في قوله:"فكان من نتيجة" هي الفاء في قوله: (فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ)، ومجاز هذه الفاء، كمجاز اللام في قوله:(فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً)[القصص: 8].

قوله: (وهم مستكبرون عنها وعن الإقرار بها)، الراغب: الكبر والتكبر والاستكبار والكبرياء متقارب، فالكبر: الحالة التي يتخصص بها الإنسان من إعجابه، وذلك أن يرى نفسه أكبر من غيره، وأعظم التكبرِ التكبرُ على الله بالامتناع من قبول الحق والإذعان له بالعبادة. ويقال: التكبر على وجهين، أحدهما: أن تكون الأفعال الحسنة كثيرة في الحقيقة وزائدة على محاسن غيره، وعلى هذا وصفُ الله بالمتكبر، فهو محمود، يؤيده قوله تعالى:(سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ)[الأعراف: 146]. وثانيهما: أن يكون متكلفاً لذلك متشبعاً، وذلك في وصف عامة الناس، في قوله تعالى: (فَلَبِئْسَ مَثْوَى

ص: 101

وعيد (إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ) يجوز أن يريد المستكبرين عن التوحيد يعنى المشركين. ويجوز أن يعمّ كل مستكبر، ويدخل هؤلاء تحت عمومه.

[(وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ)].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الْمُتَكَبِّرِينَ) [النحل: 29]. والاستكبار يقال على وجهين: أحدهما: أن يتحرى الإنسان ويطلب أن يصير كبيراً، وذلك متى كان على ما يجب وفي مكان يجب وفي زمان يجب فمحمود، والثاني: أن يتشبع فيظهر من نفسه ما ليس له، وهو مذموم، وعليه قوله تعالى:(أَبَى وَاسْتَكْبَرَ)[البقرة: 34] ن وقال: (الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ)[الأعراف: 146]، وقال تعالى:(إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ)[يونس: 75]، نبه بقوله:(فَاسْتَكْبَرُوا) على إعجابهم بأنفسهم وتعظمهم عن الإصغاء إليه، ونبه بقوله:(وَكَانُوا مُجْرِمِينَ)[هود: 116] أن الذي حملهم عليه هو ما قدموا من جُرمهم، وأن ذلك كان دأبهم.

والكبرياء: الترفع عن الانقياد، وذلك لا يستحقه غير الله، قال تعالى:(وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ)[الجاثية: 37].

قوله: (ويجوز أن يعم كل مستكبر)، يعني: أن قوله: (الْمُسْتَكْبِرِينَ) إما من وضع المظهر موضع ضمير المشركين، ويُراد بالاستكبار: الاستكبار عن التوحيد فقط، لقرائن المقام، والمراد منه من عرف الحق أياً كان واستكبر، وتعرف النعمة فغمط وكفر، فيكون من المستكبرين مطلقاً، على منوال: فلان يُعطي ويمنع، ويدخل في هذا العام من سيق له الكلام دخولاً أولياً.

ص: 102

(ماذا) منصوب (بأنزل)، بمعنى: أى شيء (أَنْزَلَ رَبُّكُمْ)،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: ((مَاذَا): منصوب بـ (أَنزَلَ)، بمعنى: أي شيء (أَنزَلَ)؟ )، قال صاحب "الفرائد": الوجه أن يكون مرفوعاً بالابتداء، بدليل قوله:(أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ) بالرفع؛ لأن جواب المرفوع مرفوع، وجواب المنصوب منصوبٌ، ولم يقرأ أحد:"أساطير الأولين" بالنصب.

وقال صاحب "التقريب": في كلام المصنف نظر، إذ لا مقتضى للتقدير في أحدهما بما فيه صورة فعل، وهو ما (يَدْعُونَ) وفي الآخر:"بالمنزل". وأيضاً، لم خالف بين لفظي الدعوى والإنزال في التقديرين مع انه حمل الإنزال على السخرية؟ ويُمكن أن يجاب عن الأول بأن الرفع أدل على ثبات الإنزال من النصب؛ لأنه جملة اسمية، فقال فيه:"المُنزل (أَسَاطِيرُ) "، وفي النصب:"ما يدعون أساطير"، أو أن (أَنزَلَ) في النصب باقٍ على فعليته فيقتضي في الجواب فعلاً، ولم يمكن مطابقة الجواب السؤال مطلقاً؛ لأن أساطير مرفوع، فأتى بما فيه صورة فعل على الجملة، وهو "ما يدعون"، "و (أَنزَلَ) في الرفع مقدرٌ بمفرد؛ لأنه خبر، أي: أي شيء المنزل؟ فأتى في الجواب بما يُجانسه، فقال: "المنزلُ: أساطير الأولين". تم كلامه.

وقلت: مدار المطابقة بين السؤال والجواب على موافقة السائل المجيب ومخالفته، كما ذكره المصنف بعيد هذا في قوله:(مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْراً)، إنما نصب هذا ورفع الأول للفصل بين جواب المُقر وجواب الجاحد، فالمجيب بقوله:(أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ) هاهنا: المشركون قطعاً، وأما السائل فيحتمل أن يكون أيضاً منهم، كما قال:"وهو كلامُ بعضهم لبعض"، وأن يكون من المسلمين أو الوافدين كما صرح بهما، والمجيب في تلك الآية ليس إلا المسلمون، فلذلك طابقوا في الجواب، فههنا على الأول، وهو أن يكون كلام بعضهم لبعض المطابقة اللازمة، فالوجه الرفع، وأن يجاب بقوله:"المنزلُ: أساطيرُ" فيردُ عليه

ص: 103

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

السؤال الذي ذكره، وأجاب: أنه من باب السخرية، وعلى الثاني والثالث: الموافقة بين السائل والمجيب مفقودة، فيجب الاختلاف، وهو ما قدره:"ما تدعون نزوله أساطير الأولين"، فلا يردُ عليه السؤال، ولهذا قال القاضي: وإنما سموه منزلاً على التهكم أو على الفرض، أي: على تقدير أنه منزل، فهو أساطير الأولين، لا تحقيق فيه.

وتمام التحقيق في المسألة ما ذكره ابن الحاجب، قال: وذكر- أي: الزمخشري- في ماذا صنعت؟ وجهين، وقال: جواب أحدهما بالرفع والآخر بالنصب على ما ذكر، وهذا على سبيل الاختيار، وإلا فالوجهان، ثُم المناسب في النصب أن يُقدر الفعل المذكور فينصب به، وفي الرفع أن يقدر مبتدأ على حسب المعنى، ليطابق الجواب السؤال، وهذا كله إذا كان المجيب موافقاً للسؤال في أحد جزأيه فيحذفه ويستغني بدلالة كلام السائل عليه، مثل قوله: ما كتبت؟ وهو قد كتب، فيقول: مصحفاً أو شبهه، فأما إذا لم يكن موافقاً له في الفعل تعذر تقديره لإخلاله بالمعنى، إذ يُفهم منه الإثبات، وهو غير مريد له، كما إذا قال له، وقد سمع صوتاً نه ضرباً منه، فيقول: من ضرب؟ فيقول له القائل: هو صوت مناد، فالنصب هاهنا لا يستقيم؛ لأنه قاصد نفيه في المعنى مثبت لغيره، فهو يفسد المعنى، ومنه قوله تعالى:(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ)، فلو نصب هاهنا لم يستقم؛ لأنهم ليسوا مقرين بإنزال من الله، متعلق بـ"أساطير الأولين"، بل منكرون الإنزال من الله مطلقاً، وقولهم:(أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ): في المعنى الإنزال، أي: هذا الذي تقول: إنه إنزال هو أساطير الأولين، فيفسد تقدير الفعل على هذا.

وقلت: ولهذا الأمر لما جعله من كلام بعضهم لبعض وطابق الجواب السؤال، قال: هو على السخرية، ويجوز ان يقال: هو من أسلوب القول بالموجب على التهكم، كأنهم لما

ص: 104

أو مرفوع بالابتداء، بمعنى: أي شيء أنزله ربكم، فإذا نصبت فمعنى (أَساطِيرُ الْأَوَّلِين) ما يدّعون نزوله أساطير الأوّلين، وإذا رفعته فالمعنى: المنزل أساطير الأوّلين، كقوله (ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ) [البقرة: 219] فيمن رفع. فإن قلت: هو كلام متناقض، لأنه لا يكون منزل ربهم وأساطير؟ قلت: هو على السخرية كقوله: إنّ رسولكم وهو كلام بعضهم لبعض، أو قول المسلمين لهم. وقيل: هو قول المقتسمين: الذين اقتسموا مداخل مكة ينفرون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا سألهم وفود الحاج عما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا أَحاديث الأوّلين وأباطيلهم (لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ) أي قالوا ذلك إضلالا للناس وصدّاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحملوا أوزار ضلالهم (كامِلَةً) وبعض أوزار من ضلّ بضلالهم، وهو وزر الإضلال، لأن المضلّ والضال شريكان: هذا يضله، وهذا يطاوعه على إضلاله،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

سألوا: (مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ) أجابوا: المنزل أساطير الأولين، أي: هو منزل، لكن أساطير، كما قال تعالى:(وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ)[التوبة: 61].

قوله: (لأن المضل والضال شريكان)، تعليل لحمل المضل بعض أوزار الضال، الذي هو سبب فيه، كأن ما يعمله الضال مشترك بينه وبين المضل، وهما متحاملان الوزر، وإليه ينظر قوله تعالى:(وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنْ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ)[الأنعام: 128]، فإن استمتاع الناس بالجن: دلالتهم إياهم على استيفاء اللذات والتمتع بالشهوات، واستمتاع الجن بالإنس: اعترافهم بكونهم رؤساء متبوعين، وإليه أشار بقوله:"هذا يُضله وهذا يطاوعه"، وأما قوله:"وبعض أوزار من ضل بضلالهم" فمبنيٌّ على أن "مِن" في قوله تعالى: (وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ): تبعيض، وأن المضل غير حاملٍ كل أوزار الضال، وهذا غير مخالف لما روينا عن مسلم ومالك وأبي داود والترمذي، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من دعا إلى هدى كان له من الجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك

ص: 105

فيتحاملان الوزر. ومعنى اللام التعليل من غير أن يكون غرضاً، كقولك: خرجت من البلد مخافة الشر (بِغَيْرِ عِلْمٍ حال) من المفعول أي يضلون من لا يعلم أنهم ضلال وإنما وصف بالضلال واحتمال الوزر من أضلوه وإن لم يعلم لأنه كان عليه أن يبحث وينظر بعقله حتى يميز بين المحق والمبطل.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

من آثامهم شيئاً"؛ لأن المراد ببعض أوزار من ضل: الذي تسبب المضل فيه، وكذلك الآثام في الحديث، وذهب أبو البقاء إلى أن "مِن": زائدة، على مذهب الأخفش.

قوله: (خرجت من البلد مخافة الشر)، ويجوز أن يكون اللام للصيرورة، قال القاضي: قالوا ذلك إضلالاً للناس، فحملوا أوزار ضلالهم كاملة، فإن إضلالهم نتيجة رسوخهم في الضلال، فعلى هذا اللام للصيرورة، كقوله:(فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً)[القصص: 8]، ويجوز أن يكون لام الأمر الذي هو للغيبة.

قوله: (وإنما وصف بالضلال واحتمال الوزر من أضلوه)، أي: إنما نسب التابع إلى الضلال في قوله: (الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ)، وأضيف الأوزار إليهم في قوله:(وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ) أي: من أوزار الضالين، والحال أنهم غير عالمين بذلك لتقصيرهم، والواحدي جعل (بِغَيْرِ عِلْمٍ) حالاً من الفاعل، حيث قال: إنهم يفعلون ذلك جهلاً منهم بما كانوا يكسبون، ومثل أوزار من تبعهم، ثم ذم صنيعهم فقال:(أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ).

ويمكن أن يُجعل حالاً منهما، كما قال ابن جني في قوله تعالى: (فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا

ص: 106

[(قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ* ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكافِرِينَ* الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلى إِنَّ اللَّهَ) عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ* فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ)].

القواعد: أساطين البناء التي تعمده. وقيل: الأساس وهذا تمثيل، يعنى: أنهم سوّوا منصوبات ليمكروا بها الله ورسوله، فجعل الله هلاكهم في تلك المنصوبات،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تَحْمِلُهُ) [مريم: 27]: (تَحْمِلُهُ): يجوز أن يكون حالاً من كل واحد منهما، ومنهما معاً. وهذا أنسب لاقتضاء المقام، ثم قول الواحدي أنسب منهما؛ لأن التذييل بقوله:(أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ) لا يحسن إلا على ذلك التقدير، وكذلك قوله:(قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) وتعقيبه بقوله: (وَأَتَاهُمْ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ)، لأن الكلام وارد في ذم المشركين الذين اقتسموا مداخل مكة يضلون الوافدين والمسلمين، فتجب المبالغة في ذمهم وتجهيلهم.

قوله: (منصوبات)، قال المصنف: المنصوبة الحيلة، يقال: سوى فلان منصوبه، وفي الأصل صفة للشبكة أو الحبالة، فجرت مجرى الأسماء كالدابة والعجوز، وفي الكلام حذف، أي: هذا تمثيل حالهم في أنهم سووا منصوبات ليمكروا الله، فجعل الله هلاكهم فيها، كحال قوم بنوا، إلى آخره، وهو استعارة تمثيلية؛ لأن التشبيه إنما وقع في الحال والأمور المنتزعة، وعلى هذا كان من الواجب فيه مراعاة مفردات المعاني من الجانبين، وعلى ما قرره أخل

ص: 107

كحال قوم بنوا بنياناً وعمدوه بالأساطين «فأتى البنيان من الأساطين بأن ضعضعت، فسقط عليهم السقف وهلكوا. ونحوه: من حفر لأخيه جبا وقع فيه منكبا. وقيل: هو نمرود بن كنعان حين بني الصرح ببابل طوله خمسة آلاف ذراع. وقيل فرسخان، فأهب الله الريح فخر عليه وعلى قومه فهلكوا. ومعنى إتيان الله: إتيان أمره. (مِنَ الْقَواعِدِ) من جهة القواعد. (مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ) من حيث لا يحتسبون ولا يتوقعون. وقرئ: فأتى الله بيتهم. فخرّ عليهم السقف، بضمتين يُخْزِيهِمْ بذلهم بعذاب الخزي (رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ) [آل عمران: 192]، يعني: هذا لهم في الدنيا، ثم العذاب في الآخرة (شُرَكائِيَ) على الإضافة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في المشبه به معنى في المشبه؛ لأن من بنى بُنياناً وعمده بالأساطين، لا يعمد فيه المكر كمن يسوى المنصوبات. نعمن لو قدر بأن يبنى بنياناً ويسوي فيه شبه المنصوبات بلطائف الحيلن ويتخذ مأدبة ليكيد بها عدوه فينقلب عليه من حيث لا يشعرن ويسلم العدو، ونحو بناء نمرود الصرح، كما ذكر، لصح، ولعله قصد ذلك، ولذلك استشهد بها، وفي ذكر لفظة فوق مع الاستغناء عنه ظاهراً؛ لأن خرور السقف لا يكون إلا من فوق، مزيدٌ لتقرير التهويل.

قوله: (فأتى البنيان)، أي: خرب، "الأساس": أتى عليهم الدهر: أفناهم.

قوله: (بنى الصرح)، الجوهري: الصرحُ: القصر، وكل بناء عال.

قوله: ((مِنَ الْقَوَاعِدِ): من جهة القواعد)، يُشير إلى أن (مِنَ): ابتدائية، أي: نشأ تخريب بنيانهم من القواعد مبالغة في الهدم؛ لأن المتعارف في التخريب الأخذ من السقف إلى أن ينتهي إلى القواعد، وكان أمرهم على العكس، وإليه الإشارة بقوله:"بأن ضعضعت فسقط عليهم السقف"، الجوهري: أي: هدمه حتى الأرض، وضعضعت أركانه: أي: اتضعت.

قوله: (هذا لهم في الدنيا، ثم العذاب في الآخرة)، أي: العذاب الكامل، وهو الخزيُ

ص: 108

إلى نفسه حكاية لإضافتهم، ليوبخهم بها على طريق الاستهزاء بهم (تُشَاقُّونَ فِيهِمْ) تعادون وتخاصمون المؤمنين في شأنهم ومعناهم. وقرئ:(تشاقون)، بكسر النون، بمعنى: تشاقونني؛ لأنّ مشاقة المؤمنين كأنها مشاقة الله (قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) هم الأنبياء والعلماء من أممهم الذين كانوا يدعونهم إلى الإيمان ويعظونهم،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

والهوان، لدلالة "ثُمَ" على التفاوت بين العذابين، وفيه أيضاً معنى التراخي في الزمان، كما هو موضوع "ثُمَ"، فيجب أن يعتبر فيها معنى الكناية؛ وهو مطلق البعد، لا المجاز، لئلا يجتمع إرادة الحقيقة والمجاز معاً.

قوله: (حكاية لإضافتهم)، بالرفع: خبر (شُرَكَائِي) على الحكاية، هو الصحيح، والنسخة الشائعة: بالنصب، والمعنى على الأول: هذا القول حكاية لإضافتهم، يعني كانوا يقولون: هؤلاء شركاء الله، فحكى الله الإضافة على ما كانوا يضيفونه. وعلى الثاني: قال الله تعالى: (شُرَكَائِي) على الإضافة حكاية، فهو إما حال أو مفعول له.

قوله: ((تُشَاقُّونَ فِيهِمْ): تعادون)، الراغب: الشقاق: المخالفة، وكونُك في شق غير شق صاحبك، أو من: شق العصا بينك وبينه، قال تعالى:(وَمَنْ يُشَاقِقْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) ويقال: المال بينهما شق الشعرة وشق الأبلمة، أي: مقسوم كقسمتهما.

قوله: (وقرئ: "تشاقون" بكسر النون)، قرأها نافع، يقولون ذلك، أي:(إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ).

قوله: (من أممهم)، "من": ابتدائية، أي: من جهة أممهم، كما في قوله:(مِنَ الْقَوَاعِدِ)،

ص: 109

فلا يلتفتون إليهم ويتكبرون عليهم ويشاقونهم، يقولون ذلك شماتة بهم وحكى الله ذلك من قولهم ليكون لطفاً لمن سمعه. وقيل: هم الملائكة. قرئ: تتوفاهم، بالتاء والياء. وقرئ:(الذين توفاهم)، بإدغام التاء في التاء (فَأَلْقَوُا السَّلَمَ) فسالموا وأخبتوا، وجاءوا بخلاف ما كانوا عليه في الدنيا من الشقاق والكبر، وقالوا:(ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ) وجحدوا ما وجد منهم من الكفر والعدوان، فردّ عليهم أولو العلم (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) فهو يجازيكم عليه، وهذا أيضاً من الشماتة وكذلك (فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أي: قال الأنبياء من جهة أممهم المكذبة: (إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ) شماتة بهم.

قوله: (قرئ: (تَتَوَفَّاهُمْ) بالتاء والياء)، قرأ حمزة في الموضعين بالياء التحتاني، والباقون: بالتاء.

قوله: (وقرئ: (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمْ) بإدغام التاء في التاء)، قرأها البزي.

قوله: (وأخبتوا)، الجوهري: الإخبات: الخشوع، يقال: اخبت لله، أي: تواضع، وأصله: الإلقاء في الأجسام، فاستعمل في إظهارهم الانقياد، إشعاراً بغاية خضوعهم واستكانتهم، وأنها كالشيء الملقي بين يدي الغالب القاهر.

قوله: (وهذا أيضاً من الشماتة، وكذلك (فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ)، فالشماتة الأولى قولهم:(إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ * الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ)، أي الذين يموتون على الشرك، لقوله:(إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)[لقمان: 13]، فلما ألقوا السلم، أي: ذلوا وخضعوا قائلين: (مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ) رد عليهم أولو العلم:

ص: 110

[(وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ* جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ كَذلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)].

(خَيْراً) أنزل خيراً. فإن قلت: لم نصب هذا ورفع الأول؟ قلت: فصلاً بين جواب المقرّ وجواب الجاحد، يعنى أن هؤلاء لما سئلوا لم يتلعثموا، وأطبقوا الجواب على السؤال بينا مكشوفاً،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بل كنتم تعملون السوء (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) تحقيقا لذلك الرد وتعليلاً له على وجه استتبع إيجاب العقاب وشماتة الأعداء، وإليه الإشارة بقوله:"فهو يجازيكم عليه"، فلما ألزموهم بذلك عقبوه بقوله:(فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ) تتميماً للشماتة.

وقال محي السنة: قوله: (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) من قول الملائكة، وقال صاحب "المرشد": إن جعلت (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ) في موضع جر صفة للكافرين، لم يكن الوقف على الكافرين حسناً ولا كافياً، وإن جعلته في موضع رفع خبر مبتدأ محذوف، كان الوقف على الكافرين تاماً، والوقف على (ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ) في هذا الوجه أصلح، وعلى ذلك الوجه صالح ليس بكافٍ ولا حسن.

قوله (لم نصب هذا-أي: (خَيْراً) - ورفع الأول؟ )، أي:(أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ) في قوله: (مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ).

قوله: (لم يتلعثموا)، أبو زيد: تلعثم الرجل في الأمر: إذا تمكث فيه.

قوله: (بينا)، صفة مصدر محذوف، أي: طباقاً بينا.

ص: 111

مفعولا للإنزال، فقالوا خيراً: أي أنزل خيراً، وأولئك عدلوا بالجواب عن السؤال فقالوا: هو أساطير الأوّلين، وليس من الإنزال في شيء. وروى أن أحياء العرب كانوا يبعثون أيام الموسم من يأتيهم بخبر النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا جاء الواقد كفه المقتسمون وأمروه بالانصراف وقالوا: إن لم تلقه كان خيراً لك، فيقول: أنا شرّ وافد إن رجعت إلى قومي دون أن أستطلع أمر محمد وأراه، فيلقى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيخبرونه بصدقه، وأنه نبيّ مبعوث، فهم الذين قالوا خيراً. وقوله (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا) وما بعده بدل من خيراً، حكاية لقوله (الذين اتقوا)، أي: قالوا هذا القول، فقدّم عليه تسميته خيراً ثم حكاه. ويجوز أن يكون كلاما مبتدأ عدة للقائلين، ويجعل قولهم من جملة إحسانهم ويحمدوا عليه (حَسَنَةٌ) مكافأة في الدنيا بإحسانهم، ولهم في الآخرة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (مفعولاً)، حال مترادف، أو مفعول له، أي: نُصب هذا فصلاً بين الجوابين مفعولاً للإنزال.

قوله: (بدل من (خَيْراً) حكاية) خبران لقوله: "وقوله: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا) ".

قوله: (أي: قالوا هذا القول، فقدم عليه تسميته خيراً ثُم حكاه)، يريد أن جواب المتقين عن قولهم:(مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ) كأن أنزل (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ) إلى آخره، فقدم تعالى عليه (خيراً) وجعله توطئة لقولهم، ثم حكى قولهم:(لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا) إلى آخره. قال القاضي: فعلى هذا قوله: (خَيْراً): مفعول (قَالُوا).

قوله: (ويجوز أن يكون كلاماً مبتدأ)، عطف على قوله:"بدل"، فعلى هذا هو من كلام الله تعالى يمدح القائلين ويعدهم على ما أحسنوا فيه من القول، وجاء به عاماً في جميع ما أحسنوا ليدخل هذا القول فيه أيضاً. و (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا) مُظهر وُضع موضع المضمر للإشعار بأنهم مستأهلون بأن يحسن إليهم دُنيا وعُقبى.

ص: 112

ما هو خير منها، كقوله (فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ)] آل عمران: 148 [(وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ) دار الآخرة، فحذف المخصوص بالمدح لتقدّم ذكره. وجَنَّاتُ عَدْنٍ خبر مبتدإ محذوف. ويجوز أن يكون المخصوص بالمدح طَيِّبِينَ طاهرين من ظلم أنفسهم بالكفر والمعاصي، لأنه في مقابلة ظالمي أنفسهم يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ قيل: إذا أشرف العبد المؤمن على الموت جاءه ملك فقال: السلام عليك يا ولىّ الله، الله يقرأ عليك السلام، وبشره بالجنة.

[(هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَاتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَاتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ* فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ)].

(تأتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ) قرئ بالتاء والياء، يعنى: أن تأتيهم لقبض الأرواح. ومْرُ رَبِّكَ لعذاب المستأصل، أو القيامة. .....

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (لأنه في مقابلة (ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ)، يعني: يجب تفسير طيبين بطاهرين من ظُلم أنفسهم بالكفر والمعاصي للتقابل، أما الكفر فإن قوله:(الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمْ) إما مجرور: صفة للكافرين، أو مرفوع: خبر مبتدأ محذوف، والجملة بيان للكافرين، كما سبق، وأما المعاصي فإن قوله:(ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ) مجاب بقولهم: (مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ)، فظهر من هذا أن قوله:(وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ) عطف على قوله: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ) على التقابل، فينبغي أن يُراعي مضامين القصتين، ولذلك خُتمت الأولى بقوله:(ادْخُلُوا الْجَنَّةَ)، ولما كان ذكر المؤمنين وارداً على سبيل الاستطراد للتقابل، وفرغ منه، عاد إلى نوع آخر من حديث الكفار، أعني قوله:(هَلْ يَنْظُرُونَ) والله أعلم.

ص: 113

(كذلِكَ) أي: مثل ذلك الفعل من الشرك والتكذيب (فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ

بتدميرهم (لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) لأنهم فعلوا ما استوجبوا به التدمير سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا جزاء سيئات أعمالهم. أو هو كقوله وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها) [الشورى: 40].

[(وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ)].

هذا من جملة ما عدّد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (أي: مثل ذلك الفعل من الشرك والتكذيب)، يعني: المشار إليه بقوله ذلك في (كَذَلِكَ) ما دل عليه الآيات السابقة من الشرك والتكذيب، فعلى هذا لا يحسن ترتب قوله:(فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا) على قوله: (كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) حسنه لو كان المشار إليه ما دل عليه قوله: (هَلْ يَنْظُرُونَ)؛ لأنه نوع آخر من قبائحهم كما سبق، وأي: ما لهم استمروا على الكفر والاستهزاء، ولم يُؤمنوا مع هذه البيانات الشافية والدلالات الواضحة هل ينظرون إلا مجيء الآيات الملجئة حين (لا يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ) [الأنعام: 158]، (كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ)، (فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون)، فيكون قوله:(وَمَا ظَلَمَهُمْ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) معترضاً بين السبب والمسبب.

قوله: (أو هو كقوله: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ)[الشورى: 40] يعني: قوله: (فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا) دل على أن ما أصابهم سيئة، وليس بهن فيجب أن يُقدر مضاف أو يُجعل من باب المشاكلة.

قوله: (هذا من جملة ما عدد)، يعني قوله:(وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا) معطوف من حيث المعنى على ما سبق من أول السورة من أصناف كفرهم وعنادهم وشركهم بالله،

ص: 114

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وإنكار وحدانيته بعد قيام الجج وإنكار البعث واستعجاله، وتكذيبهم الرسول وشقاقهم واستكبارهم.

أما إنكار البعث واستعجاله ففهم من قوله: (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ).

وأما شركُهم: فهو ما يلزم من استعجالهم العذاب على ما سبق.

وأما إنكار وحدانيته: فهو ما دل عليه (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ)

وأما الحجج السابقة، على هذا الإنكار، فهي من قوله:(يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ) ومن قوله: (خَلَقَ السَّمَوَاتِ) وخلق الإنسان والأنعام والخيل والبغال، ومن قوله:(أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً)، وقوله:(وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ)، و (سَخَّرَ لَكُمْ الْبَحْرَ) [الجاثية: 12]، ومن قوله:(وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ).

وأما تكذيبهم الرسول، فمن قوله:(قَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ).

وأما استكبارهم عن قبول الحق، فمن قوله:(فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ)، وفيه إنكارُ البعث.

وخلاصته أن هذه السورة من مفتتحها إلى هذا المقام، واردة في بيان تعداد أصناف قبائح المشركين، ما قد تخلل بينها من ذكر أجنبي، فللتأكيد لإلزام الحجة وبيان العناد والإستكبار، وهذا كلام عالٍ وبيان شاف، لكن قوله:"وهذا مذهب المجبرة بعينه" جاء عقيبه خارجاً عن سنن الحق ومحض فيه التعصب، فخرم ذلك النظم السري، وذلك أنه تعالى لما عدد كُفرهم وشركهم وتكذيبهم إلى غير ذلك على ما سبق، أتى بقوله:(كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ)، ولما ذكر ما يدل على إفحامهم، وأن الحجة قد لزمتهم، ولم يبق لهم متشبث إلا التعليل بالمشيئة، وهو قولهم:(لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ)، كما استقصينا القول فيه في "الأنعام"، أعاد قوله:(كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) ليريك أن

ص: 115

من أصناف كفرهم وعنادهم، من شركهم بالله وإنكار وحدانيته بعد قيام الحجج وإنكار البعث واستعجاله، استهزاء منهم به وتكذيبهم الرسول، وشقاقهم، واستكبارهم عن قبول الحق، يعنى: أنهم أشركوا بالله وحرّموا ما أحل الله، من البحيرة والسائبة وغيرهما، ثم نسبوا فعلهم إلى الله وقالوا: لو شاء لم نفعل، وهذا مذهب المجبرة بعينه. (كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) أي أشركوا وحرموا حلال الله، فلما نبهوا على قبح فعلهم ورّكوه على ربهم (فهَلْ عَلَى الرُّسُلِ) إلا أن يبلغوا الحق، وأن الله لا يشاء الشرك والمعاصي بالبيان والبرهان، ويطلعوا على بطلان الشرك وقبحه وبراءة الله تعالى من أفعال العباد، وأنهم فاعلوها بقصدهم وإرادتهم واختيارهم، والله تعالى باعثهم على جميلها وموفقهم له، وزاجرهم عن قبيحها وموعدهم عليه.

[(وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ)].

ولقد أمدّ إبطال قدر السوء ومشيئة الشر بأنه ما من أمة إلا وقد بعث فيهم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أحوال هؤلاء المشركين وأقوالهم لم تتجاوز عن أفعال الأمم الخالية، ولا عن أقوالهم حذو القُذة بالقذة، ثم بين أن الرسل سلفاً وخلفاً ما قصروا في الإنذار والتبليغ بقوله:(فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ) ثم عقب المجمل بالتفصيل بقوله: (ولَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً) تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وتحريضاً للقوم على الاعتبار، وأن ينظروا إلى وخامة عاقبة المكذبين وسوء خاتمتهم، وأن لاتذهب نفسه عليهم حسرات، ومن ثم خاطبه صلوات الله عليه بقوله:(إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ) فأين يدخل في الكلام حديث إني لا أقدر الشر ولا أشاؤه.

قوله: (وركوه)، الجوهري: ورك فلان ذنبه على غيره، أي: قرفه به.

قوله: (ولقد أمد إبطال قدر السوء)، يعني: أبطل الله تعالى في قوله: (وَقَالَ الَّذِينَ

ص: 116

رسولا يأمرهم بالخير الذي هو الإيمان وعبادة الله، وباجتناب الشر الذي هو طاعة الطاغوت (فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ) أي لطف به لأنه عرفه من أهل اللطف و (مِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ) أي ثبت عليه الخذلان والترك من اللطف، لأنه عرفه مصمما على الكفر لا يأتي منه خير فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا ما فعلت بالمكذبين حتى لا يبقى لكم شبهة في أنى لا أقدّر الشر ولا أشاؤه، حيث أفعل ما أفعل بالأشرار.

[(إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ)].

ثم ذكر عناد قريش وحرص رسول الله صلى الله عليه وسلم على إيمانهم، وعرّفه أنهم من قسم من حقت عليه الضلالة، وأنه (لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ) أي لا يلطف بمن يخذل، لأنه عبث، والله تعالى متعال عن العبث، لأنه من قبيل القبائح التي لا تجوز عليه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا) إلى آخره، نسبة أفعال السوء إلى قدر الله تعالى، ثم أمد ذلك الإبطال بقوله:(وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً).

الانتصاف: وجه استدلاله بها أن الله قسم العباد قسمين، والأمر والنهي يرجعان إلى المشيئة، بناء على زعمهم في إنكار كلام النفس، فعنده أن الله شاء أن تعبدوه وشاء أن يجتنبوا الطاغوت، ولم يشأ إشراكهم، ومبنى استدلاله على إنكار كلام النفس، والعجب غفلته عن قوله:(وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ)، كما قال في الأنعام:(فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ)[الأنعام: 149]، وتقدم هناك ما فيه كفاية.

قوله: (في أني لا أقدر الشر ولا أشاؤه حيث أفعل ما أفعل بالأشرار)، يريد أن النظر في أحوال الأشرار من الهلاك والدمار، يدل على أني ما قدرت الشر فيهم ولا قضيته عليهم، لأني لو فعلت ذلك، ثم عاقبتهم به، لم أكن عادلاً، لكنهم إنما استحقوا ذلك لأنهم هم الذين فعلوا ما استحقوا به الهلاك، وعُلم من قبل أن ما ذكره خارج عن مقتضى المقام.

ص: 117

وقرئ: (لا يهدى)، أي: لا تقدر أنت ولا أحد على هدايته وقد خذله الله. وقوله (وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ) دليل على أنّ المراد بالإضلال: الخذلان الذي هو نقيض

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وقرئ: "لا يُهدى")، على ما لم يُسم فاعله، الكوفيون:(لا يَهْدِي) بفتح الياء وكسر الدال. والباقون بضم الياء وفتح الدال، قال أبو البقاء: في قراءة الضم وجهان، أحدهما: أن (مَنْ يُضِلُ) مبتدأ، و (لا يَهْدِي): خبره. والثاني: أن (لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ) بأسره: خبر (إنَّ)، كقولك: إن زيداً لا يُضربُ أبوه يعني: أن التركيب سببين ومعناه: أن زيداً بمكان من الشرف والكرامة بحيث استحق أن يُكرم أبوه ولا يُهان بالضرب، ونظيره في المعنى: خولان فانكح، ثُم ما في التنزيل مع ذلك التقدير واقع جزاء للشرط ولم يكن يصلح جزاء إلا بتأويل الإعلام والإخبار، وقد تقرر أن مثل هذا الأسلوب غنما يردُ للتقريع، أو التنبيه على أمر خطير خفي على السامع، ولا سيما في جعل اسم "عن" الاسم الجامع للأسماء الحسنى، كأنه قيل:(إِنْ تَحْرِصْ) أنت وكل مخلوق على هداية من أراد الله إضلاله، فاعلم وتنبه أنك قد حاولت مزاولة أمر لا يُرام، ومُحالٍ لا يُستطاع، هذا معنى قوله:"لا تقدرُ أنت ولا أحدٌ على هدايته"، ووجدتُ لبعض الفضلاء على الحاشية: هذه كلمة حق، وقد أخرجها الله تعالى من فمه بلا اختيار منه.

قوله: ((وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ) دليل على أن المراد بالإضلال الخذلان)، كأنه قيل:(إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ)، فاعلم أن الله لا يهدي من يخذله، وما له من ناصر ينصره.

وقلتُ: ليس تأويل (مَنْ يُضِلُ) بالخذلان أولى من تأويل (مِنْ نَاصِرِينَ) بالهادين، أي:(إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ)، فاعلم أن الله لا يهدي من يضله وما له من هاد قط، لا أنت

ص: 118

النصرة. ويجوز أن يكون (لا يَهْدِي) بمعنى: لا يهتدي. يقال: هداه الله فهدى. وفي قراءة أبىّ: فإنّ الله لا هادى لمن يضل، ولمن أضلّ، وهي معاضدة لمن قرأ (لا يَهْدِي) على البناء للمفعول. وفي قراءة عبد الله: يهدى، بإدغام تاء يهتدى، وهي معاضدة للأولى. وقرئ «يضل» بالفتح. وقرأ النخعي: إن تحرص، بفتح الراء، وهي لغية.

[(وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ* ِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ)].

(وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ) معطوف على (وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا)] النحل: 35 [إيذاناً

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ولا غيرك، وهذا أولى؛ لأن أول الكلام في الهداية لا في النصرة والخذلان، وأما الختم بعد النصرة فللمبالغة في عدم توخي الهداية والخيبة فيه وعدم الاهتداء.

قوله: (ويجوز أن يكون (لا يَهْدِي) بمعنى: لا يهتدي)، الجوهري: هدى واهتدى بمعنى، قوله تعالى:(فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ)، قال الفراء: يريد: "لا يهتدي"، يعني:"لا يهتدي من يُضله".

قوله: (هداه الله فهدى)، أي:"هدى" مطاوع "هداه"، كما أن "اهتدى" مطاوعه.

قوله: (وهي مُعاضدة لمن قرأ: "لا يُهدى"، أي: لا هادي موجود لمن يُضله، فإذا لم يكن هاديه موجوداً فلا يُهدي أبداً.

قوله: (وهي معاضدة للأولى)، أي: قراءة من قرأ: "لا يهدي" بمعنى: لا يهتدي.

ص: 119

بأنهما كفرتان عظيمتان موصوفتان، حقيقتان بأن تحكيا وتدوّنا: توريك ذنوبهم على مشيئة الله، وإنكارهم البعث مقسمين عليه. وبَلى إثبات لما بعد النفي، أي:(بلى) يبعثهم. ووعد الله: مصدر مؤكد لما دلّ عليه بلى. لأن يبعث موعد من الله، وبين أنّ الوفاء بهذا الموعد حق واجب عليه في الحكمة (وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) أنهم يبعثون أو أنه وعد واجب على الله، لأنهم يقولون: لا يجب على الله

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (كفرتان)، الجوهري: الكفر، بالفتح: التغطية، قال ابن السكيت: ومنه سُمي الكافر؛ لأنه يستر نعم الله تعالى عليه، وفي التخصيص فائدة، وهي أن الكفار يحاولون تغطية ما هو في غاية الظهور والجلاء، والأولى أن يعطف الجملة كما هي على جملة الشرط والجزاء، كأنه تعالى يخبر عن مبالغة حرص النبي صلى الله عليه وسلم على هدايتهم، وعن تناهي ضلالهم مفوضاً ترتب إحدى الجملتين على الأخرى إلى فهم السامع.

قوله: (أو أنه وعد واجب)، أي:(وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) أنه وعد واجب على الله، لأنهم يقولون:"لا يجب على الله شيء، لا ثواب عامل ولا غيره"، وفيه تعريض بأهل السنة، قال صاحب "الفرائد": لا دلالة في الآية على ما قال، لكن المعنى: لا يعلمون كمال قدرته، وبالغ حكمته في بعثه بعد إماتته.

وقلت: الذي دل عليه السياق أن معناه: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) ذلك الوعد الحق والقول الصدق لقوله: (وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً) كقوله تعالى: (إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللَّهِ حَقّاً إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ)[يونس: 4]، فالمقدر الوعد الواجب بحسب أنه تعالى لا يخلف الميعاد، لا أن العبد يوجب عليه ذلك بسبب عمله. وأما الجزاء من الثواب والعقاب، فهو تابع للبعث، أو (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) أنه تعالى يبعثهم، أي: بمسألة البعث التي مبناها على كونه تعالى عالماً بكل المعلومات، قادراً على كل المقدورات، كالفلاسفة وأضرابهم خذلهم الله.

ص: 120

شيء، لا ثواب عامل ولا غيره من مواجب الحكمة. (لِيُبَيِّنَ لَهُمُ) متعلق بما دل عليه «بلى» أى يبعثهم (ليبين) لهم. والضمير لمن يموت، وهو عام للمؤمنين والكافرين، والذي اختلفوا فيه هو الحق (وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ) كذبوا في قولهم:(لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء)، وفي قولهم: لا يبعث الله من يموت. وقيل: يجوز أن يتعلق بقوله (وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا) أي بعثناه ليبين لهم ما اختلفوا فيه، وأنهم كانوا على الضلالة قبله، مفترين على الله الكذب.

[(إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)].

(قَوْلُنا) مبتدأ، (وأَنْ نَقُولَ) خبره. (كُنْ فَيَكُونُ) من كان التامة التي بمعنى الحدوث والوجود، أي: إذا أردنا وجود شيء فليس إلا أن نقول له: أحدث، فهو يحدث عقيب ذلك لا يتوقف، وهذا مثل لأنّ مراداً لا يمتنع عليه، وأنّ وجوده عند إرادته تعالى غير متوقف، كوجود المأمور به عند أمر الآمر المطاع إذا ورد على المأمور المطيع الممتثل، ولا قول ثم، والمعنى: أنّ إيجاد كل مقدور على الله تعالى بهذه السهولة،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ويؤيد أن الكلام في البعث قوله: (لِيُبَيِّنَ لَهُمْ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ) أي: في البعث، (وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ) أي: في قولهم: (لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ)، وكذا قوله:(إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)؛ لأن فيه إثبات القدرة الكاملة والإرادة الشاملة، وإليه الإشارة بقوله:"والمعنى: أن إيجاد كل مقدور على الله بهذه السهولة، فكيف يمتنع عليه البعث الذي هو من شق المقدورات؟ ".

قوله: (لأن مراداً)، نكرة، واللام متصل بـ "مثل"، أي: أي مراد يكون؟

وقوله: (وأن وجوده عند إرادته غير متوقف)، عطف تفسيري، على أن مراداً لا يمتنع عليه.

ص: 121

فكيف يمتنع عليه البعث الذي هو من شق المقدورات. وقرئ: (فيكون)، عطفاً على (نَقُولَ).

[(وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ* الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ)].

(وَالَّذِينَ هاجَرُوا) هم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ظلمهم أهل مكة ففرّوا بدينهم إلى الله، منهم من هاجر إلى الحبشة ثم إلى المدينة فجمع بين الهجرتين. ومنهم من هاجر إلى المدينة. وقيل: هم الذين كانوا محبوسين معذبين بعد هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (في شق المقدورات)، فيه توهين لأمر البعث، "الأساس": قعد في شق الدار: في ناحية منها، وخُذ من شق الثياب، من عُرضها ولا تختر.

قوله: (وقرئ: "فيكون")، ابن عامر والكسائي: بالنصب، والباقون: بالرفع، قال الزجاج: فالرفع: على فهو يكون، أي ما أراد الله فهو يكون، والنصب: إما على: (إِنْ نَقُولُ)؛ أي: نقول فيكون، أو على أنه جواب (كُن). و (قَوْلُنَا): رفع بالابتداء، وخبره (إِنْ نَقُولُ) معناه: ماذا أراد الله فهو كائن على كل حال، ولو أراد خلق الدنيا والسماوات والأرض في قدر لمح البصر لقدر، لكن العباد خوطبوا بما يعقلون، فأعلمهم الله سهولة خلق الأشياء، فُعلِم أنه متى أراد الشيء كان، وليس أن الشيء قبل أن يُخلق موجودٌ.

وقال أبو علي: (كُن) وإن كان على لفظ الأمر، فليس القصد هنا الأمر وإنما هو والله أعلم: الإخبار عن كون الشيء وحدوثه، وإلى هذا ذهب أبو العباس، وسيجيء تمام بحثه في "يس".

ص: 122

وكلما خرجوا تبعوهم فردّوهم: منهم بلال، وصهيب، وخباب، وعمار. وعن صهيب أنه قال لهم: أنا رجل كبير، إن كنت معكم لم أنفعكم، وإن كنت عليكم لم أضرّكم، فافتدى منهم بماله وهاجر، فلما رآه أبو بكر رضي الله عنه قال له: ربح البيع يا صهيب. وقال له عمر: نعم الرجل صهيب، لو لم يخف الله لم يعصه، وهو ثناء عظيم: يريد لو لم يخلق الله ناراً لأطاعه، فكيف وقد خلق! (فِي اللَّهِ) في حقه ولوجهه حَسَنَةً صفة للمصدر، أي لنبو أنهم تبوئه حسنة. وفي قراءة على رضي الله عنه:(لنثوّينهم). ومعناه: أثوأة حسنة. وقيل: لتنزلنهم في الدنيا منزلة حسنة، وهي الغلبة على أهل مكة الذين ظلموهم، وعلى العرب قاطبة، وعلى أهل المشرق والمغرب. وعن عمر رضي الله عنه أنه كان إذا أعطى رجلا من المهاجرين عطاء قال: خذ بارك الله لك فيه، هذا ما وعدك ربك في الدنيا، وما ذخر لك في الآخرة أكثر. وقيل: لنبوّئنهم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (فكيف)، متعلقة بمحذوف، تقديره: لو لم يخلق الله ناراً لأطاعه، فكيف وقد خلق، أي: لا يُطيع الله لخوف النار فتكون طاعته لأغراض وعلل، والعارف من يطيع الله لله، ومعنى (لو) في الحديث ليس لامتناع الشيء لامتناع غيره، بل لمجرد الفرض والتقدير.

قوله: ((فِي اللَّهِ): في حقه)، أي: الذين هاجروا مخلصين لوجه الله، لا لأمر آخر دنيوي، كقوله صلوات الله عليه:"فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها، فهجرته إليه"، رواه الشيخان وغيرهما.

قوله: (لننزلنهم في الدنيا منزلة حسنة)، يريد أن التبوئة في المكان بمعنى إعطاء المنزلة، فيجوز أن يُستعمل في التمكين في الأرض، نحو:(وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ)[الأعراف: 10]، ولذلك قال: وهي "الغلبة على أهل مكة" إلى قوله: "وعلى أهل المشرق المغرب"، ولا يبعدُ أن يُقال: إن هذا هو الوعد المذكور في قوله تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ) الآية [النور: 55]، والله أعلم.

ص: 123

مباءةً حسنة وهي المدينة، حيث آواهم أهلها ونصروهم (لَوْ كانُوا يَعْلَمُون) الضمير للكفار، أي: لو علموا أنّ الله يجمع لهؤلاء المستضعفين في أيديهم الدنيا والآخرة، لرغبوا في دينهم. ويجوز أن يرجع الضمير إلى المهاجرين، أي: لو كانوا يعلمون ذلك لزادوا في اجتهادهم وصبرهم الَّذِينَ صَبَرُوا على: هم (الذين صبروا). أو أعنى الذين صبروا، وكلاهما مدح، أي: صبروا على العذاب وعلى مفارقة الوطن الذي هو حرم الله المحبوب في كل قلب، فكيف بقلوب قوم هو مسقط رؤسهم، وعلى المجاهدة وبذل الأرواح في سبيل الله.

[(وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ* بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)].

قالت قريش: الله أعظم من أن يكون رسوله بشراً، فقيل:(وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ) على ألسنة الملائكة (فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ) وهم أهل الكتاب، ليعلموكم أن الله لم يبعث إلى الأمم السالفة إلا بشراً. فإن قلت: بم تعلق قوله (بِالْبَيِّناتِ)؟ قلت: له متعلقات شتى، فإما أن يتعلق بـ (ما أرسلنا) داخلاً تحت حكم الاستثناء مع رجالاً أي: وما أرسلنا إلا رجالاً بالبينات، كقولك: ما ضربت إلا زيداً بالسوط،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (و (الَّذِينَ صَبَرُوا) على: هم الذين صبروا)، أي:(الَّذِينَ صَبَرُوا) واردٌ على: هم الذين صبروا، أو: أعني، كلاهما لإرادة المدح.

قوله: (قالت قريش: الله أعظم من أن يكون رسوله بشراً)، هذا التقرير يقتضيه قوله:(وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً) من جهة "ما" و"إلا"، لأنهما إنما يتلقى بهما المخطئ المُصرُّ على خطابه، المبالغُ في إنكاره.

ص: 124

لأن أصله: ضربت زيداً بالسوط وإما بـ (رجالاً)، صفة له: أي رجالا ملتبسين بالبينات. وإما بـ (أرسلنا) مضمراً، كأنما قيل: بم أرسلوا؟ فقلت بالبينات، فهو على كلامين، والأوّل على كلام واحد. وإما بـ (يوحى)، أي:

يوحى إليهم بالبينات. وإما بـ (لا تعلمون)، على أن الشرط في معنى التبكيت والإلزام، كقول الأجير: إن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (لأن أصله: ضربت بالسوط)، يعني:"إلا" من حيثُ اللفظ لغوٌ، والاستثناء على خلاف المشهور، عن بعضهم، التقدير: لم يوجد ضرب منه أصلاً، لا بالسوط ولا غيره. وقال أبو البقاء: في تعلق (بِالْبَيِّنَاتِ) بـ (أَرْسَلْنَا) بمعنى: أرسلناهم بالبينات ضعفٌ؛ لأن ما قبل إلا لا يعملُ فيما بعدها إذا تم الكلام على (إِلاَّ) وما يليها، إلا انه قد جاء في قول الشاعر:

نبئتهم عذبوا بالنار جارتهم

ولا يُعذب إلا الله بالنار

وقال صاحب "المفتاح": لك أن تقول: ما ضرب إلا عمراً زيدٌ، وما ضرب إلا زيدٌ عمراً، فتقدم وتؤخر، إلا أن هذا التقديم والتأخير لما استلزم قصر الصفة قبل تمامها على الموصوف، قل دوره في الاستعمال.

قوله: (والأول)، قال: في الأولين والأول، نظراً إلى أنه لا إضمار فيه.

قوله: (وإما بـ (لا تَعْلَمُونَ))، على أن الشرط في معنى التبكيت والإلزام، لأن (إن) استعملت في أمر مقطوع معلوم، وذلك أن الكلام مع قريش كما قال:"قالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشراً"، فقيل: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا

ص: 125

كنت عملت لك فأعطني حقي. وقوله (فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ) اعتراض على الوجوه المتقدّمة، وأهل الذكر: أهل الكتاب. وقيل للكتاب الذكر، لأنه موعظة وتنبيه للغافلين ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ يعنى ما نزل الله إليهم في الذكر مما أمروا به ونهوا عنه ووعدوا وأوعدوا (وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) وإرادة أن يصغوا إلى تنبيهاته فيتنبهوا ويتأملوا.

[(أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَاتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ* أَوْ يَاخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ* أَوْ يَاخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ)].

مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أي: المكرات السيئات، وهم أهل مكة، وما مكروا به

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ * بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ)، وقد علم وحقق أن قريشاً لم يكونوا عالمين بالبينات والزبر، فتعليقه بالسؤال يفيد التبكيت والإلزام، يعني: لا ارتياب في أنكم غير عالمين بها، ولستم أيضاً مما تسألون عنهم، لأنكم تعلمون أنهم لا يجبونكم إلا بما ذكرنا، من أنا ما أرسلنا من قبله إلا رجالاً يُوحى إليهم، فلم يبق لكم طريق سوى التسليم والإذعان، وعليه قوله:"إن كنتُ عملتُ لك فأعطني حقي"، وصاحب "المفتاح" أخرج هذا المثال في معرض النفي، حيث قال: ومنه ما قد يقول العامل عند القاضي بالعمالة إذا امتد التسويف وأخذ يُترجم عن الحرمان: إن كنتُ لم أعمل فقولوا: أقطع الطمع، نزلهم لتوهم أن يحرموه منزلة من لا يعتقد أنه عمل مُجهلاً.

قوله: ((فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ): اعتراض على الوجوه المتقدمة)، يعني: في هذا الوجه، ليس باعتراض وليس بجواب للشرط، لتقدمه عليه، لكنه دال عليه.

قوله: (وهم أهل مكة وما مكروا به)، أي: الضمير في (مَكَرُوا) لأهل مكة، والمراد

ص: 126

رسول الله صلى الله عليه وسلم (فِي تَقَلُّبِهِمْ) متقلبين في مسايرهم ومتاجرهم وأسباب دنياهم (عَلى تَخَوُّفٍ) متخوفين، وهو أن يهلك قوما قبلهم فيتخوّفوا فيأخذهم بالعذاب وهم متخوفون متوقعون، وهو خلاف قوله (مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ) وقيل: هو من قولك: تخوفنه وتخونته، إذا تنقصته: قال زهير:

تَخَوَّفَ الرَّحْلُ مِنْهَا تَامِكاً قَرِداً

كَمَا تَخَوَّفَ عُودَ النّبْعة السَّفَنُ

أي يأخذهم على أن يتنقصهم شيئاً بعد شيء في أنفسهم وأموالهم حتى يهلكوا. وعن عمر رضى الله عنه. أنه قال على المنبر: ما تقولون فيها؟ فسكتوا فقام شيخ من هذيل فقال: هذه لغتنا: التخوّف التنقص. قال: فهل تعرف العرب ذلك في أشعارها؟ قال: نعم، قال شاعرنا. وأنشد البيت. فقال عمر: أيها الناس، عليكم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بالمكر: ما مكروا به في دار الندوة، الراغب: المكرُ: صرفُ الغير عما يقصده بحيلة.

قوله: (وهو خلاف قوله: (مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ))، كأنه قيل: أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون ومن حيث يشعرونه.

قوله: (من قولك: تخوفته وتخونته)، الراغب: تخوفناهم: تنقصناهم تنقصاً اقتضاه الخوف منه، والتخوف: ظهور الخوف من الإنسان، قال الله عز وجل:(أَوْ يَاخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ).

قوله: (تخوف الرحل منها)، البيت: تامكا: أي: سناما مُشرفاً. الأساس: صوفٌ قردٌ: ملتصق متلبد. الجوهري: سحابٌ قردٌ: يركب بعضه بعضاً، والنبع: شجر يتخذ منه القسي، والسفن، بالتحريك: المبرد، يصف ناقة أثر الرحل في سنامها، وتنقصن كما ينقص المبرد من العود.

ص: 127

بديوانكم لا يضل. قالوا: وما ديواننا؟ قال: شعر الجاهلية، فإن فيه تفسير كتابكم (فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ) حيث يحلم عنكم، ولا يعاجلكم مع استحقاقكم.

[(أوَ لَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ)].

قرئ: (أولم يروا) و (يتفيؤا)، بالياء والتاء. و (ما) موصولة بـ (خلق الله)، وهو مبهم بيانه:(مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ). واليمين: بمعنى الأيمان. (وسُجَّداً) حال من الظلال. وَهُمْ داخِرُونَ حال من الضمير في (ظلاله)، لأنه في معنى الجمع؛

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (بديوانكم)، المُغرب: الديوان: الجريدة، من دون الكتُبَ: إذا جمعها، لأنه قطعٌ من القراطيس مجموعة. ويُروى أن عمر رضي الله عنه أول من دون الدواوين، أي: رتب الجرائد للولاة والقُضاة.

قوله: (لا يضل)، مجزومٌ؛ لأنه جواب لقوله: عليكم، وهو بمعنى الأمر، وفي "اللباب": عليكم بديوانكم لا تضلوا.

قوله: (قرئ: "أولم يروا" و"يتفيؤا")، "أو لم تروا" بالتاء الفوقاني: حمزةُ والكسائي، والباقون: بالياء.

أبو عمرو: "تتقيأ" بالتاء الفوقاني، والباقون: بالياء.

قوله: ((سُجَّداً): حال من الظلام، (وَهُمْ دَاخِرُونَ): حال من الضمير في (ظِلالُهَ))، فالمعنى: ظلالهم ساجدة، وهم في أنفسهم متواضعون صاغرون، فيتفق الباطن مع الظاهر.

فإن قلت: لم جعل الحال الثانية حالاً من الضمير في (ظِلالُهَ)، ولم يُجعل من الضمير المرفوع المحذوف العائد إلى الموصول؟

ص: 128

وهو ما خلق الله من كل شيء له ظل، وجمع بالواو، لأن الدخور من أوصاف العقلاء، أو لأن في جملة ذلك من يعقل فغلب. والمعنى: أو لم يروا إلى ما خلق الله من الأجرام التي لها ظلال متفيئة عن أيمانها وشمائلها، أي عن جانبي كل واحد منها. وشقيه استعارة من يمين الإنسان وشماله لجانبي الشيء، أي: ترجع الظلال من جانب إلى

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قلت: لأنه حال مؤكدة، فإذا جعلت الظلال ساجدة، يلزم منه المبالغة في سجود الأجرام بالطريق الأولى، وهو معنى الدخور، فيقع الحال تأكيداً، كما في قوله:(ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ)[التوبة: 25] ولايفيد الأول هذا المعنى، وفيه إدماج لمعنى تسخير الأجرام العلوية، لأن الظل إنما يحصل من حركات الكواكب والشمس، ولما بين ذلك، وأراد أن يُبين الاختصاص وأنها تسجد لله لا لغيره، قال:(وَلِلَّهِ يَسْجُدُ)، قال القاضي: قوله: (سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ) هما حالان من الضمير في (ظِلالهُ)، والمراد من السجود الاستسلام، سواء كان بالطبع أو الاختيار، يقال: سجدت النخلة: إذا مالت لكثرة الحمل، وسجد البعير إذا طأطأ رأسه ليُركب، والمعنى: ترجعُ الظلالُ بارتفاع الشمس وانحدارها منقادة لما قُدر لها من التفيؤ، أو واقعة على الأرض ملتصقة بها على هيئة الساجد، والأجرام في أنفسها أيضاً صاغرة منقادة لأفعال الله فيها.

قال أبو البقاء: (سُجَّداً) حال من الظلال، (وَهُمْ دَاخِرُونَ) حال من الضمير في (سُجَّداً)، ويجوز أن يكون حالاً ثانية معطوفة.

قوله: (وجُمع بالواو؛ لأن الدخور من أوصاف العقلاء)، وذلك أن من لا يعقل إذا وُصف بصفة العقلاء أجرى مجرى العقلاء في الاستعمال، وإذا حُكم على العقلاء، وغير العقلاء، تغلب العقلاء على غيرهمز

قوله: (استعارة)، خبر مبتدأٍ محذوف، أيمان الظلال وشمائل الظلال في قوله تعالى:

ص: 129

جانب منقادة لله، غير ممتنعة عليه فيما سخرها له من التفيؤ، والأجرام في أنفسها داخرة أيضاً، صاغرة منقادة لأفعال الله فيها، لا تمتنع.

[(وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ* يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ)].

(مِنْ دابَّةٍ) يجوز أن يكون بيانا لما في السموات وما في الأرض جميعا، على أنّ في السموات خلقا لله يدبون فيها كما يدب الأناسي في الأرض، وأن يكون بيانا لما في الأرض وحده، ويراد بما في السموات: الملائكة. وكرّر ذكرهم على معنى: والملائكة خصوصا من بين الساجدين، لأنهم أطوع الخلق وأعبدهم. ويجوز أن يراد بما في السموات: ملائكتهنّ. وبقوله (والملائكة): ملائكة الأرض من الحفظة وغيرهم، فإن قلت: سجود المكلفين مما انتظمه هذا الكلام خلاف سجود غيرهم، فكيف

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(عَنْ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ): استعارة من يمين الإنسان وشماله لجانبي الشيء.

قوله: (من التفيؤ)، بيان ما سخرها له، تتفيأ: تنفعل من الفيء، يقال: فاء يفيء فيئاً، إذا رجع.

قوله: (الخلق الذي يُقال له: الروح)، فعلى هذا الروح غير الملائكة، وقال فيه: الروح جبريل، أو أفرده عنهم لشرفه، لقوله تعالى (تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ) وقيل: خلقٌ من الملائكة لا تراهم الملائكة إلا تلك الليلة.

قوله: (والملائكة خصوصاً من بين الساجدين)، يريد أنه تعالى لما عم من يتأتى منه السجود في قوله:(وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ)، ثم خص من بينهم هذا الجنس من المكلفين في قوله:(وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ)، دل على أنهم أولى وأقدم في هذا النوع من العبادة، ثم تممه بقوله:(وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ).

ص: 130

عبر عن النوعين بلفظ واحد؟ قلت: المراد بسجود المكلفين: طاعتهم وعبادتهم، وبسجود غيرهم: انقياده لإرادة الله وأنها غير ممتنعة عليها، وكلا السجودين يجمعها معنى الانقياد فلم يختلفا، فلذلك جاز أن يعبر عنهما بلفظ واحد. فإن قلت: فهلا جيء بمن دون (ما) تغليباً للعقلاء من الدواب على غيرهم؟ قلت: لأنه لو جيء بمن لم يكن فيه دليل على التغليب، فكان متناولا للعقلاء خاصة،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وكلا السجودين يجمعهما معنى الانقياد فلم يختلفا)، "الانتصاف": استدل بالآية من أجاز استعمال المشترك في معنييه وفي حقيقته ومجازه شمولاً، والزمخشري يُنكره في مواضع من كتابه، فحمله على القدر المشترك وجعله متواطئاً ليسلم من الجمع بين الحقيقة والمجاز، ويبطله أن الآية آية سجدة، وفيه دليل على أن المراد من السجود المذكور: ما هو منسوب إلى المكلف من الفعل المتعارف شرعاً، فيبطل القول بالقدر المشترك.

قلت: ويمكن أن يقال: إن قوله: (يَسْجُدُ) واردٌ على عموم المجاز الذي يكون كل من الحقيقة والمجاز فرداً من أفراده، والمكلف إنما يسجدُ لمقتضى ما يناسبه.

الراغب: السجود أصله: التطامن والتذلل، وجُعل ذلك عبارة عن التذلل لله وعبادته، وهو عام في الإنسان وغيره، وذلك ضربان: اختياري: وليس ذلك إلا للإنسان وبه يستحق الثواب، قال الله تعالى:(فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا). وتسخيري، وهو للإنسان وغيره، وعلى ذلك قوله تعالى:(وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً)[الرعد: 15] الآية، وهو الدلالة الصامتة الناطقة المنبهة على كونها مخلوقة، وأنها خلق فاعل حكيم، قوله تعالى:(وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ) ينطوي على النوعين.

قوله: (لم يكن فيه دليل على التغليب)، قلت: ما أبينه من دليل، فإنه لو جيء

ص: 131

فجيء بما هو صالح للعقلاء وغيرهم، إرادة العموم (يَخافُونَ) يجوز أن يكون حالا من الضمير في لا (يَسْتَكْبِرُونَ) أي: لا يستكبرون خائفين، وأن يكون بيانا لنفى الاستكبار وتأكيداً له، لأنّ من خاف الله لم يستكبر عن عبادته مِنْ فَوْقِهِمْ إن علقته بـ (يخافون)، فمعناه: يخافونه أن يرسل عليهم عذابا من فوقهم، وإن علقته بربهم حالا منه فمعناه: يخافون ربهم عالياً لهم قاهراً، كقوله (وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بـ "مِن"، وبُيِّنَ بقوله:(مِنْ دَابَّةٍ)، والدابة كما صرح في قوله تعالى:(فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ) الآية، بقوله:"ولما كان اسم الدابة موقعاً على المميز وغير المميز" لكفى به دليلاً ظاهراً على التغليب، ولكن إنما اختير "ما" للوصفية المشعرة بالتواضع والاستصغار، لاقتضاء السجود ذلك، كما في قوله تعالى:(لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ) كأنه جاء بت "ما" دون "مَن" تحقيراً لهم وتصغيراً لشأنهم. ومما يعضده أن هذه الآية معطوفة على الآية السابقة عطف الخاص على العام، وقد فُصلت السابقة بقوله:(وَهُمْ دَاخِرُونَ). وأما تكرير ذكر الملائكة على الوجه الثاني في الكتاب فتعريض بمن عند الملائكة، وأنهم أحرياء بأن يخضعوا لله تعالى، ويتضاءلوا لجلاله عز وجل، ومن ثمة: أتبعه بقوله: (لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ). والله أعلم.

قوله: ((يَخَافُونَ) يجوز أن يكون حالاً)، وأن يكون بياناً لنفي الاستكبار وتأكيداً له، الانتصاف: الثاني أصح؛ لأن الحال تُعطي انتقالاً وتوهم تقييداً، والواقع عدم استكبارهم مطلقاً غير مقيد بحال.

قوله: (إن علقته بـ (يَخَافُونَ))، أي: جعلته متصلاً به وتتمة لمعناه، ولم تُرد به تعلق المعمول بالعامل، فعلى هذا (مِنْ فَوْقِهِمْ): متعلق بمتعلق (يَخَافُونَ)، يدل عليه جعل المصنف "أن يُرسل" بدلاً من الضمير في "يخافونه"، ويمكن أن يُقدر: ويخافون عذاب ربهم كائناً من فوقهم.

ص: 132

عِبادِهِ) [الأنعام: 18، 61]، (وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ) [الأعراف: 127] وفيه دليل على أنّ الملائكة مكلفون مدارون على الأمر والنهى والوعد والوعيد كسائر المكلفين، وأنهم بين الخوف والرجاء.

[(وَقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ)].

فإن قلت: إنما جمعوا بين العدد والمعدود فيما وراء الواحد والاثنين، فقالوا عندي رجال ثلاثة وأفراس أربعة، لأن المعدود عار عن الدلالة على العدد الخاص. وأما رجل ورجلان وفرس وفرسان، فمعدودان فيهما دلالة على العدد، فلا حاجة إلى أن يقال: رجل واحد ورجلان اثنان، فما وجه قوله (إلهين اثنين)؟ قلت: الاسم الحامل لمعنى الإفراد والتثنية دال على شيئين: على الجنسية والعدد المخصوص، فإذا أريدت الدلالة على أنّ المعنىّ به منهما، والذي يساق إليه الحديث هو العدد شفع بما يؤكده، فدل به على القصد إليه والعناية به. ألا ترى أنك

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (دال على شيئين، على الجنسية والعدد)، وفيه أن العدد عار عن الدلالة على ماهية المعدود، فيجوز أن يكون بياناً لأحد مفهوميه.

قوله: (والذي يُساق غليه الحديث هو العدد)، "هو العدد": خبر "أنَّ"، و"الذي يُساق إليه الحديث" تفسير لقوله:"المعنى به"، و"شُفع": جواب "إذا".

قوله: (شُفع بما يؤكده)، لا ينافي قول صاحب "المفتاح": ففسر (إِلَهَيْنِ) بـ (اثْنَيْنِ) و (إِلَهٍ) بـ (وَاحِدَ)، بياناً لما هو الأصل في الغرض، فإن التأكيد أيضاً بيان من وجه، ألا ترى إلى قول المصنف قبيل هذا في قوله:(يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ): "هو بيان لقوله: (وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ) وتأكيدٌ له؛ لأن من خاف الله لم يستكبر عن عبادته".

ص: 133

لو قلت: (إنما هو إله)، ولم تؤكده بـ (واحد): لم يحسن، وخيل أنك تثبت الإلهية لا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (لو قلت: (إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ)، ولم تؤكده بـ (وَاحِدٌ)، لم يحسنْ، وخيل أنك تثبتُ الإلهية لا الوحدانية)، قال صاحب "التقريب": فيه نظرٌ، إذ "إلهٌ" يُطلقُ على الجنس مجرداً عن العدد، فجاء فيه التخييل، وأما (إِلَهَيْنِ) فلا يتخيل فيه غير التثنية، مع أنه المبحث، وفي حاشية "التقريب": وفي الأصل نظرٌ؛ لأن نحو إلهٍ وُضع للجنسية، والوحدة لا يجيء التخيل أيضاً إذا جُرد عن الواحد، وإن وُضع للجنسية المطلقة لم يكن شفعه بالواحد تأكيداً، إذ التأكيد: تقوية ما فهم من الأول، والمقدر عدم دلالته على الوحدة.

وقلت: إن المصنف لما بين دلالة الوضع أولاً، وأن مثل رجل ورجلين معدودان فيهما دلالة على العدد، بُني عليه معنى التأكيد، واستدل باستواء مؤدى اللفظين-أعني: ثلاثة رجال، ورجلين-في المقصود من إرادة المعدود من العدد، فلو لم يحمل شفعة بالواحد على التأكيد وبيان الغرض، لكان زائداً، فوجب المصير إلى التأكيد، ولأن التأكيد إنما يصار إليه لاحتمال ما عسى أن يتوهم السامع خلاف المقصود، وكل لفظٍ أخلي عن التأكيد لا يمنع الاحتمال، وقد نص الزجاج: أن (اثْنَيْنِ): توكيد لقوله: (إِلَهَيْنِ)، كـ"الواحد" في قوله:(إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ).

وقال الإمام: إن (إِلَهَيْنِ): لفظ واحد يدل على أمرين: ثبوت الإله، وثبوت التعدد، فإذا قيل:(لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ) لم يعرف منه أن النهي وقع عن إثبات الإله أو عن إثبات التعدد أو عن مجموعهما، فلما شُفع بقوله:(اثْنَيْنِ) ثبت أن النهي عن إثبات التعدد فقط، وكذا عن صاحب "المفتاح".

ص: 134

الوحدانية (فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) نقل للكلام عن الغيبة إلى التكلم، وجاز لأنّ الغالب هو المتكلم، وهو من طريقة الالتفات، وهو أبلغ في الترهيب من قوله: وإياه فارهبوه، ومن أن يجيء ما قبله على لفظ المتكلم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وأما بيان النظم فإن قوله: (وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ) الآية، معطوف على قوله:(مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ)، على منوال قوله:"متقلداً سيفاً ورمحاً"، أي: أولم ينظروا إلى ما خلق الله من الدلائل المنصوبة الشاهدة على وحدانية الله تعالى، وأنه لا معبود سواه، وأولم يسمعوا إلى ما قال وأوحاه الله في الكتب المنزلة، من بيان التوحيد، ونفي الشركاء؟

قوله: (وجاز لأن الغائب)، أي: وجاز انقل؛ لأن الغائب في قوله: (إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ) هو بعينه المتكلم في قوله: (فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ)؛ لأن شريطة الالتفات هو الانتقال من إحدى الصيغ الثلاث إلى الأخرى، لمفهوم واحد.

قوله: (وهو أبلغ في الترهيب من قوله: فإياه فارهبون)، لما أنك تجدُ في الانتقال من الغيبة إلى المواجهة هازاً من نفس المخاطب ما لا تجدُ إذا استمررت على لفظ الغيبة.

وقوله: (ومن أن يجيء ما قبله على لفظ المتكلم)، أي: هذا الانتقال والاختلاف أبلغ من أن يُجاء به على سنن واحد، وهو أن يجيء على لفظ الغيبة ما يقال: إنما هو إلهٌ واحدٌ فإياه فارهبون، وأن يجيء ما قبله على لفظ التكلم، كما يقال: إنما أنا إلهٌ واحدٌ فإياي فارهبون. قال صاحب "الفرائد": فائدة الالتفات أن يُعلم أن ذلك الواحد هو المتكلم، لا غيره؛ لأنه لما أفاد قوله:(لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ)، وأفاد قوله:(إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ) الأمر باتخاذ الواحد، وجب أن يبين أن ذلك الواحد هو المتكلم، فعبر عن ذلك بقوله:(فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ).

ص: 135

[(وَلَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ واصِباً أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ)].

الدِّينُ الطاعة واصِباً حال عمل فيه الظرف. والواصب: الواجب الثابت، لأنّ كل نعمة منه فالطاعة واجبة له على كل منعم عليه. ويجوز أن يكون من الوصب، أي: وله الدين ذا كلفة ومشقة، ولذلك سمى تكليفا. أو: وله الجزاء ثابتا دائما سرمدا لا يزول، يعنى الثواب والعقاب.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقلتُ: وتحريره أن قوله تعالى: (وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ) إلى آخر الآيات، مفرغٌ في قالب واحد؛ لأن أصل الكلام: لا تُشركوا بي شيئاً في العبادة؛ لأن المعبود واحد، فانظروا بنظر الإنصاف أنه مَن هو؟ فإذا أدّاكُم النظرُ إلى أن ذلك المعبود أنا، فخصوني بالرهبة، مثله في الانتقال والتخصيص قوله تعالى:(إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)[الفاتحة 4] بعد قوله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ)، وإجراء الصفات عليه تعالى. ثُم عطف قوله:(وَلَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) على قوله: (إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ) بعدما رتب عليه التقوى، ليؤذن بأن عظمة الإلهية، كما تقتضي الخوف، كذلك المالكية، فعلق به قوله:(أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ)، ثم وبخهم وأنكر عليهم بعد الشرك كُفرانهم نعم الله تعالى بقوله:(وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنْ اللَّهِ)، ثم استبعده بقوله:(ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمْ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ) قال ابن الحاجب: الآية جيء بها لإخبار قوم استقرت بهم نعمٌ جهلوا معطيها، أو شكوا فيه، أو فعلوا ما يؤدي إلى أن يكونوا شاكين، فاستقرارها مجهولة أو مشكوكة سببٌ للإخبار بكونها من الله تعالى.

قوله: (أو: ولهُ الجزاء [ثابتاً] دائماً) ن عطفٌ على قوله: " (الِدَيْنِ): الطاعةُ

والواصب: الواجب الثابت"، والدين إذا فُسر بالطاعة، والواصب يجوز أن يكون بمعنى الواجب، فيكون المعنى: الطاعة واجبة لله تعالى؛ لأن كل نعمة منهُ، وأن يكون بمعنى الكلفة والمشقة، ويكون المعنى: وله الطاعة التي فيها كلفة ومشقة، ابتلاء للعباد ليتميز المخلص من غيره، وإذا فُسر بالجزاء كقوله تعالى (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) [الفاتحة: 3] فالواجب

ص: 136

[(وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ* ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ* لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ*)].

(ما بِكُمْ مِنْ نِعْمَة) وأي شيء حل بكم، أو اتصل بكم من نعمة، فهو من الله (فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ) فما تتضرعون إلا إليه، والجؤار: رفع الصوت بالدعاء والاستغاثة. قال الأعشى يصف راهبا:

يُرَاوِحُ مِنْ صَلَوَاتِ الْمَلِيـ

ـكِ طَوْراً سُجُوداً وَطَوْراً جُؤَارَا

وقرئ: (تجرون)، بطرح الهمزة وإلقاء حركتها على الجيم. وقرأ قتادة: كاشف الضرّ على: فاعل بمعنى فعل، وهو أقوى من كشف، لأن بناء المغالبة يدل على المبالغة. فإن قلت: فما معنى قوله (إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ)؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بمعنى: الثابت فقط، والمعنى: وله الجزاء دائماً ثابتاً، والضمير في قوله:"ولذلك سُمي"(الدِّينِ) المفسر بالطاعة.

الراغب: الوصب: السُّقْم الدائم، وقد وصب فهو وصبٌ، وأوصبته كذا فهو يتوصب، نحو: يتوجع، قال تعالى:(وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ)[الصافات: 9]، وقوله:(وَلَهُ الدِّينُ وَاصِباً) فتوعد لمن اتخذ إلهين، تنبيه أن جزاء من فعل ذلك لازم شديد، ومعنى الواصب: الدائم، أي: حق الإنسان أن يطيعه دائماً في جميع أحواله.

قوله: (يُراوحُ من صلوات)، البيت، يصف راهباً. المراوحة في العملين: أني عمل هذا مرة وهذا مرة.

قوله: (فما معنى قوله: (إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ)؟ )، أتى في السؤال بالفاء للإيذان بالإنكار

ص: 137

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

على الكلام السابق، يعني: مقتضى قوله: (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنْ اللَّهِ) الإخبار عن قوم استقرت بهم نعم جهلوا مُعطيها، وقد ذكرت أن قوله:(وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً) ردٌّ لطعن قريش في رسالته صلوات الله عليه، وقولهم:"الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا"، وذكرتُ ثانياً أن قوله:(أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ) نازلة فيهم، وهي متصلة بتلك الآية، بمعنى: أفأمن منكرو الرسالة الباذلون جهدهم في المكر بإبطالها أن يخسف بهم وكيت وكيت؟ وقوله: (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ) عطف على قوله: (أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا)، وقوله:(وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ) عطفٌ على (أَوَلَمْ يَرَوْا) على منوال قوله: مُتقلداً سيفاً ورمحاً، أي: أو لم يروا إلى دلائله الدالة على القدرة القاهرة المسخرة لكل شيء، وأولمْ يسمعوا بآياته الشافية في إثبات التوحيد، وأن له الملك الواسع، والدين الواصب، ليعرفوا أن لابد من رسول ليقرر لهم تلك الدلائل، ويبلغ إليهم ذلك القول البليغ، ويُمهد لهم ذلك الدين الواصب، وان يضع الشريعة المستقيمة ليوضح منهاج الطريقة القويمة، وخصوصاً توبيخ هؤلاء أولاً على ما هم فيه من الإشراك بقوله:(أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ)، وثانياً على كفرانهم نعمة الله بقوله:(وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنْ اللَّهِ)، وثالثاً على تعكيسهم الأمر بقوله:(ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمْ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (53) ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ).

وإذا كان كذلك فكيف يدخلُ في المعنى ذكرُ فريق وكأن بعضاً من أولئك الموبخين ما أشركوا؟ وأجاب بأنه يجوز أن يكون الخطاب (بِكُمْ) عاماً ويُرادُ بالفريق أولئك المشركون، على أن الناس كلهم فعلوا ما يؤدي إلى أن يستجهلوا أو يُنسبوا إلى الكفران، خصوصاً هؤلاء المشركين؛ ضموا مع الجهل والكفران ما هو أعظم منها، من أنهم إذا مسهم الضر تضرعوا إلى الله، ثم إذا كشف الله عنهم ذلك الضر ليوحدوه بدلوا بالشرك، وأن يكون الخطاب خاصاً في أولئك المشركين، ثم (مِنْ) إما بيانٌ، والمعنى على التجريد، وإليه الإشارة بقوله:"وهم أنتُم"، أو: تبعيض، على أن المراد من لم يصدر منه ذلك الإشراك الخاص فهو المقتصد المتوسط الذي خفض من غلوائه في الكفر، فظهر من هذا البيان أن (ثُمَّ) في قوله:(ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمْ الضُّرُّ) للتراخي في المرتبة. والثانية: على حقيقتها.

ص: 138

قلت: يجوز أن يكون الخطاب في قوله (وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ) عاماً، ويريد بالفريق: فريق الكفرة وأن يكون الخطاب للمشركين (ومنكم) للبيان، لا للتبعيض، كأنه قال فإذا فريق كافر، وهم أنتم. ويجوز أن يكون فيهم من اعتبر، كقوله (فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ)] لقمان: 32 [، (لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ) من نعمة الكشف عنهم،

كأنهم جعلوا غرضهم في الشرك كفران النعمة (فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) تخلية ووعيد. وقرئ: (فيمتعوا)، بالياء مبنيا للمفعول، عطفا على (لِيَكْفُرُوا) ويجوز أن يكون:(ليكفروا) فيمتعوا، من الأمر الوارد في معنى الخذلان والتخلية، واللام لام الأمر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وأما قطعُ قوله: (لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ) فلأنه جملة طبية واردة كالطبع على جملة الكلام، وكالتخلص إلى نوع آخر من قبائح المشركين، ولذلك عدل من الخطاب على الغيبة إيذاناً بالإياس عن إيمانهم، ونعياً عليهم بسوء الخاتمة، وبان يقال لهم: دوموا على كفركم فسوف تعلمون وخامة عاقبة أمركم.

ولله دَرُّ فاءٍ فائقة، جلبت هذه المعاني الرائقة، رحم الله واضعها في هذا المقام، والله أعلم.

قوله: (تخلية ووعيدٌ)، نشر لقوله:(فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ)، يعني: خليناكم وأمهلناكم ونمتعكم بالدنيا ولذاتها، وعن قريب يظهر لكم سوء مغبته ووخامة عاقبته. قال أبو البقاء: الجمهور (فَتَمَتَّعُوا): على أنه أمرٌ، ويُقرأ بالياء، وهو معطوف على (لِيَكْفُرُوا) ثم رجع إلى الخطاب فقال:(فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ)، وقُرئ بالياء أيضاً.

قوله: (من الأمر الوارد في معنى الخذلان والتخلية)، وهو كقوله تعالى:(قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً)[الزمر: 8].

ص: 139

[(وَيَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِمَّا رَزَقْناهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ)].

(لِما لا يَعْلَمُونَ) أي: لآلهتهم. ومعنى لا يعلمونها: أنهم يسمونها آلهة، ويعتقدون فيها أنها تضر وتنفع وتشفع عند الله، وليس كذلك. وحقيقتها أنها جماد لا يضر ولا ينفع، فهم إذاً جاهلون بها. وقيل: الضمير في (لا يَعْلَمُونَ) للآلهة. أي: لأشياء غير موصوفة بالعلم، ولا تشعر اجعلوا لها نصيباً في أنعامهم وزروعهم أم لا؟ وكانوا يجعلون لهم ذلك تقربا إليهم (لَتُسْئَلُنَّ) وعيد (عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ) من الإفك في زعمكم أنها آلهة، وأنها أهل للتقرب إليها.

[(ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ* وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ* يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ)].

كانت خزاعة وكنانة تقول: الملائكة بنات الله (سُبْحانَهُ) تنزيه لذاته من نسبة الوالد إليه. أو تعجب من قولهم. (وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ) يعني البنين. ويجوز في (ما يَشْتَهُونَ) الرفع على الابتداء، والنصب على أن يكون معطوفاً على البنات، أي: وجعلوا لأنفسهم ما يشتهون من الذكور. و (ظَلَّ) بمعنى صار كما يستعمل بات

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وقيل: الضمير في: (لا يَعْلَمُونَ) للآلهة)، يعني: لما نفوا عنها ما يصح أن يُنفى عن ذوي العلم، أجروها مجرى أولي العلم، وعلى الأول: الضمير للمشركين، ومفعول (لا يَعْلَمُونَ): ضمير "ما" المعبر عن الأصنام، وعلى الثاني: مفعول (لا يَعْلَمُونَ) غير منوي، ولذلك قال:"لأشياء غير موصوفة بالعلم"، وقوله:"لا تشعر، أجعلوا لها نصيباً": صفة أخرى لأشياء، وعلى هذا الراجع إلى الموصول ضمير الفاعل في (لا يَعْلَمُونَ).

قوله: (الرفع على الابتداء، والنصب على أن يكون معطوفاً على (الْبَنَاتُ)، أي: وجعلوا لأنفسهم ما يشتهون من الذكور)، نقل الإمامُ عن الفراء أنه قال: المختار الرفع؛ لأنه لو كان

ص: 140

وأصبح وأمسى بمعنى الصيرورة. ويجوز أن يجيء ظل، لأن أكثر الوضع يتفق بالليل، فيظل نهاره مغتما مربد الوجه من الكآبة والحياء من الناس (وَهُوَ كَظِيمٌ) مملوء

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نصباً لقال: لأنفسهم ما يشتهون، لأنك تقول: جعلت لنفسك كذا ولا تقول: جعلت لك كذا، وقال الزجاج: لا يجوز النصب؛ لأن العرب تقول: جعل لنفسه ما يشتهي، [ولا تقولُ: جعلَ لهُ ما يشتهي]، وهو يعني نفسه، وقال أبوا لبقاء: وضعف قومٌ هذا الوجه، وقالوا: لو كان ذلك لقال: ولأنفسهم، وفيه نظرٌ. وقال القاضي: يجوز النصب عطفاً على البنات، على أن الجعل بمعنى الاختيار، وهو وإن أفضى إلى أن يكون ضمير الفاعل والمفعول لشيء واحد، لكنه لا يبعد تجويزه في المعطوف.

قوله: (ويجوز أن يجيء: ظل)، أي: بمعناه، الجوهري: ظللت اعمل كذا، بالكسر ظلولاً: إذا عملته بالنهار دون الليل، قال صاحب "الانتصاف": وكذا الاحتمال في قوله: (فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ)[الحجر: 14] إما صاروا، وإما أن يُراد نهاراً لقصد المبالغة في الوضوح.

قوله: (فيظل نهاره)، "نهاره": بالنصب والرفع، بالنصب: ظرف، وبالرفع: على الإسناد المجازي، نحو: نهاره صائم.

قوله: (مربد الوجه)، الجوهري: تربد وجه فلان، أي: تغير من الغضب، وتربد أيضاً: تعبس.

قوله: (من الكآبة)، الكآبة: سوء الحال والانكسار من الحزن.

ص: 141

حنقاً على المرأة (يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ) يستخفى منهم (مِنَ) أجل (سُوءِ) المبشر به، ومن أجل تعييرهم ويحدث نفسه وينظر أيمسك ما بشر به عَلى هُونٍ على هوان وذل (أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ) أم يئده؟ وقرئ:(أيمسكها على هون أم يدسها)، على التأنيث. وقرئ:(على هوان). (أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ) حيث يجعلون الولد الذي هذا محله عندهم لله، ويجعلون لأنفسهم من هو على عكس هذا الوصف.

[(لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)].

(مَثَلُ السَّوْءِ) صفة السوء: وهي الحاجة إلى الأولاد الذكور وكراهة الإناث ووأدهن خشية الإملاق، وإقرارهم على أنفسهم بالشح البالغ (وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى) وهو الغنى عن العالمين، والنزاهة عن صفات المخلوقين وهو الجواد الكريم.

[(وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَاخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ)].

(بِظُلْمِهِمْ) بكفرهم ومعاصيهم ما (تَرَكَ عَلَيْها) أي على الأرض (مِنْ دَابَّةٍ) قط ولأهلكها كلها بشؤم ظلم الظالمين. وعن أبى هريرة: أنه سمع رجلا يقول: إن الظالم لا يضرّ إلا نفسه، فقال: بلى والله، حتى إنّ الحبارى لتموت في وكرها بظلم الظالم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وهو الغني عن العالمين)، مقابل لقوله:"وهي الحاجة إلى الأولاد"، وقوله:"والنزاهة عن صفات المخلوقين" في مقابل: "ووأدهن خشية الإملاق"، وقوله:"وهو الجواد الكريم" في مقابل: "وإقرارهم على أنفسهم بالشح البالغ"، وكل ذلك نتيجة قوله:(وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ)، وقوله:(وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى) إلى قوله: (سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ).

قوله: (فقال: بلى والله، حتى إن الحُبارى لتموتُ في وكرها)، النهاية: وفي حديث أنس:

ص: 142

وعن ابن مسعود رضي الله عنه: كاد الجعل يهلك في جحره بذنب ابن آدم أو من دابة ظالمة. وعن ابن عباس (مِنْ دَابَّةٍ) من مشرك يدب عليها. وقيل: لو أهلك الآباء بكفرهم لم تكن الأبناء.

[(وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ)].

(وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ) لأنفسهم من البنات ومن شركاء في رياستهم، ومن الاستخفاف برسلهم والتهاون برسالاتهم، ويجعلون له أرذل أموالهم ولأصنامهم أكرمها (وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ) مع ذلك (أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى) عند الله كقوله (وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى)] فصلت: 50 [، وعن بعضهم أنه قال لرجل من ذوى اليسار: كيف تكون يوم القيامة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

"إن الحُبارى تموتُ هزلاً بذنب بني آدم"، يعني: أن الله تعالى يحبس القطر بشؤم ذنوبهم، إنما خصها بالذكر لأنها أبعدُ الطير نجعة، فربما تُذبح بالبصرة ويوجدُ في حوصلتها الحبة الخضراء، وبين البصرة وبن منابتها أيام.

وقلت: "بلى" إيجابٌ لما بعد النفي، والنفي هاهنا مستفاد من دليل الحصر، كأنه قيل: يضُر نفسه، ولا يتعدى الضرر إلى غيره، فأجاب: بلى والله، يتعدى الضرر إلى غيره حتى الحبارى، فظهر أن "حتى" غاية تتعدى المقدر.

قوله: (أو من دابة ظالمة)، عطفٌ على قوله:"من دابة قط"، فعلى الأول التنكير فيها للجنس، وعلى هذا للنوع.

قوله: (ومن الاستخفاف برسلهم)، أي: برسل المشركين الذين كانوا يرسلونهم.

ص: 143

إذا قال الله تعالى: هاتوا ما دفع إلى السلاطين وأعوانهم، فيؤتى بالدواب والثياب وأنواع الأموال الفاخرة. وإذا قال: هاتوا ما دفع إلىّ فيؤتى بالكسر والخرق ومالا يؤبه له، أما تستحيي من ذلك الموقف؟ وقرأ هذه الآية. وعن مجاهد: أنّ لهم الحسنى، هو قول قريش: لنا البنون، (وأن لهم الحسنى): بدل من الكذب. وقرئ (الْكَذِبَ) جمع كذوب، صفة للألسنة (مُفْرَطُونَ) قرئ مفتوح الراء ومكسورها مخففاً ومشدّداً، فالمفتوح بمعنى مقدّمون إلى النار معجلون إليها، من أفرطت فلانا، وفرّطته في طلب الماء، إذا قدمته. وقيل. منسيون متروكون، من أفرطت فلانا خلفي إذا خلفته ونسيته. والمكسور المخفف، من الإفراط في المعاصي. والمشدّد، من التفريط في الطاعات وما يلزمهم.

[(تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ)].

(فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ): حكاية الحال الماضية التي كان يزين لهم الشيطان أعمالهم فيها. أو فهو وليهم في الدنيا فجعل اليوم عبارة عن زمان الدنيا. ومعنى (وَلِيُّهُمُ) قرينهم وبئس القرين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (إذا قال الله: هاتُوا)، أي: قال للحفظة: هاتوا.

قوله: ((مُفْرَطُونَ)، قرئ مفتوح الراء)، نافع:"مفرطون" بكسر الراء، والباقون: بفتحها مُشدداً ومخففاً، والمشدد شاذ، فالمفتوح بمعنى: مقدمون، يريد مخففاً ومشدداً.

ص: 144

أو يجعل (فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ) حكاية للحال الآتية، وهي حال كونهم معذبين في النار، أي فهو ناصرهم اليوم لا ناصر لهم غيره، نفياً للناصر لهم على أبلغ الوجوه. ويجوز أن يرجع الضمير إلى مشركي قريش، أنه زين للكفار قبلهم أعمالهم، فهو

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (أو يُجعل (فَهُوَ وَلِيُّهُمْ الْيَوْمَ)، عطف على قوله:" (فَهُوَ وَلِيُّهُمْ الْيَوْمَ) حكاية الحال الماضية"، بناء على أن هذا الكلام إما أن يُقال: في الآخرة أو في الدنيا. أما الأول: فعلى وجهين، أحدهما: أن يُراد باليوم: يوم الآخرة استحضاراً لما جرى على الكفرة في الدنيا من متولي أمورهم، الذي هو الشيطان وما زين لهم من سوء أعمالهم، وسول لهم من المعاصي والكفر، كأن السامع حينئذ يستحضر يوم الدنيا وتلك الحالة فيتعجب منها. وثانيهما: أن يُراد باليوم حينئذ: الزمان الممتد في الدنيا، فالتعريف في اليوم: للعهد، والمعنى بالولي: القرين، الذي هو قرينهم في الدنيا، وليس في هذا الوجه ذلك الاستحضار، بل مجرد الإخبار.

وأما الثاني: فعلى أن إخبار الله عن الكائن بمنزلة الواقع الثابت، فيستحضر الآن ما يجري عليهم في القيامة، وهذا على عكس الوجه الأول. والوليُّ حينئذ بمعنى: الناصر، وإثبات النصرة على سبيل التهكم، وإليه أشار بقوله:"نفياً للناصر لهم على أبلغ الوجوه"، ومثله قوله تعالى:(وَلَوْ تَرَى إِذْ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ)[سبأ: 31]، والغرض استحضار صورة الظالمين موقوفين عند ربهم متقاولين تلك المقالة.

قوله: (ويجوز أن يرجع الضمير)، يعني في قوله:(وَلِيُّهُمَ)، وهو عطفٌ على قوله:(فَهُوَ وَلِيُّهُمْ الْيَوْمَ) حكاية الحال الماضية؛ لأن الضمير على الأول، لكل من والاه الشيطان، المعني الشيطان قبل قريش، زين للأمم الماضية من الكفار أعمالهم، فهو الآن ولي هؤلاء الخلف؛ لأنهم متصلون بهم في الدينن كقوله تعالى:(الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ)[التوبة: 67].

ص: 145

ولي هؤلاء، لأنهم منهم. ويجوز أن يكون على حذف المضاف، أى: فهو ولى أمثالهم اليوم.

[(وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ* وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ)].

(وَهُدىً وَرَحْمَةً) معطوفان على محل (لِتُبَيِّنَ) إلا أنهما انتصبا على أنهما مفعول لهما، لأنهما فعلا الذي أنزل الكتاب. ودخل اللام على (لِتُبَيِّنَ): لأنه فعل المخاطب لا فعل المنزل. وإنما ينتصب مفعولا له ما كان فعل فاعل الفعل المعلل. والذي اختلفوا فيه: البعث، لأنه كان فيهم من يؤمن به، ومنهم عبد المطلب، وأشياء من التحريم والتحليل والإنكار والإقرار (لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ) سماع إنصاف وتدبر، لأنّ من لم يسمع بقلبه، فكأنه أصم لا يسمع.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقلت: هذا هو الوجه، وعليه النظم الفائق؛ لأن في تصدر القسمية بقوله:(تَاللَّهِ) بعد إنكارهم الرسالة، وتعداد قبائحهم، الإشعار بأنها كالتسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن الأمم الخالية مع الرسل السالفة لم تزل على هذه الوتيرة فلك أسوة بتلك الأنبياء، وقومك خلفٌ لتلك الأمم، فلا تهتم لذلك، فإن ربك ينتقم لك منهم بالقتل والدمار في الدنيا، وبعذاب النار في العقبى، فاشتغل أنت عنهم بتبليغ ما أُنزل عليك من الكتاب الفيصل بين الحق والباطل، الهادي إلى الصراط المستقيم، والرحمة للمؤمنين، وبتقرير أنواع الدلائل المنصوبة على الوحدانية، وبالتنبيه على إقامة الشكر على نعم الله المتظاهرة، وهذا التقرير يؤاخي التقرير في فاتحة هذه السورة الكريمة، والله أعلم.

قوله: (وإنما ينتصب مفعولاً له)، قوله:"مفعولاً له" تمييزٌ، والفاعل "ما" في "ما كان".

قوله: (وأشياء من التحريم)، عطفٌ على قوله:"البعث".

ص: 146

[(وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خالِصاً سائِغاً لِلشَّارِبِينَ)].

ذكر سيبويه الأنعام في باب مالا ينصرف في الأسماء المفردة الواردة على أفعال، كقولهم: ثوب أكياش، ولذلك رجع الضمير إليه مفرداً. وأمّا (فِي بُطُونِها في) سورة المؤمنين، فلأنّ معناه الجمع. ويجوز أن يقال: في (الأنعام) وجهان: أحدهما: أن يكون تكسير نعم، كأجبال في جبل، وأن يكون اسماً مفرداً مقتضياً لمعنى الجمع، كنعم، فإذا ذكر فكما يذكر «نعم» في قوله:

في كُلِّ عَامٍ نَعَمٌ تَحْوُونَه

يُلْقِحُهُ قَوْمٌ وَتَنْتِجُونَهْ

وإذا أنث؛ ففيه وجهان: أنه تكسير نعم، وأنه في معنى الجمع. وقرئ:(نسْقِيكُم) بالفتح والضم، وهو استئناف، كأنه قيل: كيف العبرة؟ فقيل نسقيكم. (مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ثوب أكياش)، وفي الحاشية: الأكياش: ضربٌ من الثياب تُغزل مرتين.

قوله: (في كل عام نعمٌ) البيت، وبعده:

هيهات هيهات لما يرجونه

أربابه نوكي، فلا يحمونه

ولا يلاقون طعاناً دونه

يروى: "أفي كل عام"، ذكر الضمير في "تحوونه"، الراجع إلى "نعم"؛ لأنه اسمٌ مفرد بمعنى الجمع، يخاطب لصوصاً، يقول لهم: تحوون كل عام نعماً لقوم ألقحوه، وأنتم تنتجونه في حكيم.

قوله: ((نُسْقِيكُمْ) بالفتح والضم)، بالضم: كلهم إلا نافعاً وابن عامر وأبا بكر،

ص: 147

وَدَم) أي: يخلق الله اللبن وسيطاً بين الفرث والدم يكتنفانه، وبينه وبينهما برزخ من قدرة الله لا يبغى أحدهما عليه بلون ولا طعم ولا رائحة، بل هو خالص من ذلك كله. قيل: إذا أكلت البهيمة العلف فاستقرّ في كرشها طبخته، فكان أسفله فرثا، وأوسطه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قال الزجاج: سقيته وأسقيته بمعنى. وقال سيبويه والخليل: سقيته- كقولك: ناولته- فشرب، وأسقيته: جعلت له سُقيا، وكذلك قول لبيد يحتمل المذهبين:

سقى قومي بني مجدٍ وأسقى

نُميراً والقبائل من هلال

وهذا البيتُ وضعهُ النحويون على أن "سقى" و"أسقى" بمعنى، وهو يحتمل التفسير الثاني.

وقيل: لا يريد الشاعر بسقي قومه: أن يروى عطاشهم، يريد: رزقهم الله سقياً لبلادهم يخصبون منها، وبعيدٌ أن يسأل لقومه ما يروي العطاش ولغيرهم ما يخصبون، ومعنى (نُسْقِيكُمْ) بالضم: جعلناه في كثرته وإدامته كالسقيا، فهو كقوله: أسقيته نهراً.

الجوهري: سقيته لشفته، وأسقيته لماشيته وأرضه، والاسم السقي بالكسر، والجمع الأسقية.

قوله: (قيل: إذا أكلت البهيمة العلف فاستقر في كرشها) إلى آخره. وقيل: الأطباء يزعمون على خلافه، قال الإمام: المراد من الآية هو أن اللبن إنما يتولد من بعض أجزاء الدم، والدم يتولد من الأجزاء اللطيفة التي في الفرث، وهي من الأشياء الحاصلة في الكرش، فاللبن يتولد من الأجزاء التي كانت حاصلة فيما بين الفرث أولاً ثم مما كانت حاصلة فيما بين الدم ثانياً، فصفاه الله تعالى عن تلك الجزاء الكثيفة الغليظة، فإذا تناول الحيوان الغذاء ووصل إلى معدته أو إلى كرشه، فإذا طُبخ وحصل الهضم الأول فيه، فما

ص: 148

لبنا، وأعلاه دَمَاً. والكبد مسلطة على هذه الأصناف الثلاثة تقسمها، فتجرى الدم في العروق، واللبن في الضرع، وتبقى الفرث في الكرش. فسبحان الله ما أعظم قدرته وألطف حكمته لمن تفكر وتأمّل! وسئل شقيق عن الإخلاص فقال: تمييز العمل من العيوب، كتمييز اللبن من بين فرث ودم. (سائِغاً): سهل المرور في الحلق. ويقال: لم يغص أحد باللبن قط. وقرئ: (سيغاً) بالتشديد. و (سيغاً) بالتخفيف، كهين ولين. فإن قلت: أي فرق بين «من» الأولى والثانية؟ قلت: الأولى للتبعيض؛ لأن اللبن بعض ما في بطونها، كقولك: أخذت من مال زيد ثوباً. والثانية لابتداء الغاية؛ لأن بين الفرث والدم مكان الإسقاء الذي منه يبتدأ، فهو صلة لـ (نسقيكم)، كقولك: سقيته

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كان صافياً انجذب إلى الكبد، وما كان كثيفاً نزل إلى الأمعاء، والحاصل في الكبد ينهضم ثانياً ويصير دماً، ثم الدم يدخل في الوردة، وهي العروق النابتة من الكبد، وهناك يحصل الهضم الثالث، وبين الكبد والضروع عروق، فيصب الدم منها إلى الضرع، وفيه لحمٌ غُدديٌّ رخوٌ أبيضُ، فينقلب الدم فيه إلى اللبن، وذلك تقدير العزيز العليم.

قال القاضي بعد ما ذكر نحواً من هذا: "ومن تدبر صُنع الله في إحداث الأخلاط والألبان وإعداد مقارها ومجاريها والأسباب المولدة لها والقوى المتصرفة فيها كل وقتٍ على ما يليق به، اضطر إلى الإقرار بكمال حمته وتناهي رحمته، وعلى هذا الأقرب أن يكون (مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ) حالاً من (لَبَناً خَالِصاً) ولا يكون ظرفاً لغواً.

قوله: (لأن بين الفرث والدم مكان الإسقاء)، رُوي:"مكان" بالرفع. وقيل: "بين": اسمٌ لا ظرف وانتصابه على الحكاية، وليس (أن) بعامل هذا النصب، وإنما هو عاملُ نصبٍ آخر مقدر، والتقدير: لأن محل الفرث والدم مكان الإسقاء، أو أن المتوسط والمتخلل بين الفرث والدم مكان الإسقاء، وفيه نظر، لأنه حينئذ: ظرفٌ لا اسم، والظاهر أن التقدير: أن

ص: 149

من الحوض، ويجوز أن يكون حالا من قوله:(لَبَناً) مقدما عليه، فيتعلق بمحذوف، أي: كائناً من بين فرث ودم.

ألا ترى أنه لو تأخر فقيل: لبناً من بين فرث ودم كان صفة له؟ وإنما قدم؛ لأنه موضع العبرة، فهو قمن بالتقديم. وقد احتج بعض من يرى أن المنى طاهر على من جعله نجسا؛ لجريه في مسلك البول بهذه الآية، وأنه ليس بمستنكر أن يسلك مسلك البول وهو طاهر، كما خرج اللبن من بين فرث ودم طاهراً.

[(وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)].

فإن قلت: بم تعلق قوله: (وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ)؟ قلت: بمحذوف تقديره: ونسقيكم من ثمرات النخيل والأعناب، أي: من عصيرها، وحذف لدلالة (نسقيكم) قبله عليه، وقوله (تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً) بيان وكشف عن كنه الإسقاء. أو تعلق بـ (تتخذون). و (منه) من تكرير الظرف للتوكيد، كقولك: زيد في الدار فيها. ويجوز أن يكون (تَتَّخِذُونَ) صفة موصوف محذوف، كقوله:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وسط الفرث والدم مكان الإسقاء، كقراءة من قرأ:"لقد تقطع بينكم" بالرفع.

قوله: (أو تعلق بـ (تَتَّخِذُونَ))، أي: قوله: (وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ)، وقلت: البيان والكشف أولى لمقابلته قوله: (نُسقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَ) وهو بيان لقوله: (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً)، ولذلك جعل (وَمِنْ ثَمَرَاتِ) متعلقاً بالمحذوف لا بهذا الظاهر، لكونه غير صالح للبيان. قال أبو البقاء: وقيل: التقدير: وتتخذون من ثمرات النخيل سكراً، وأعاد (مِن) لما قدم وأخر وذكر الضمير؛ لأنه عاد على شيء المحذوف، أو على معنى الثمرات، وهو الثمرُ، أو على النخل، أي: من ثمر النخل، أو على الجنس أو على البعض أو على المذكور.

قوله: (زيدٌ في الدار فيها)، قال في سورة "الأنبياء": "أورد سيبويه- في باب ما يُثنى فيه

ص: 150

جادت بكفي كَانَ مِنْ أرْمَى الْبَشَرْ

تقديره: ومن ثمرات النخيل والأعناب ثمر تتخذون منه سكراً ورزقا حسناً؛ لأنهم يأكلون بعضها ويتخذون من بعضها السكر. فإن قلت: فإلام يرجع الضمير في (منه) إذا جعلته ظرفا مكرّراً؟ قلت: إلى المضاف المحذوف الذي هو العصير، كما رجع في قوله تعالى (أَوْ هُمْ قائِلُونَ) [الأعراف: 4] إلى الأهل المحذوف. والسكر: الخمر، سميت بالمصدر من سكر سكراً وسكراً. نحو رشد رشداً ورشداً. قال:

وَجَاؤُونَا بهم سَكَرٌ عَلَيْنَا

فَأَجْلَى اليَوْمُ وَالسَّكْرَانُ صَاحِي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المستقر توكيداً: عليك زيدٌ حريص عليك، وغير ذلك".

قوله: (بكفي كان من أرمى البشر)، وقبله:

ما لك مني غير سهم وحجر

وغير كبداء شديدة الوتر

جادت بكفي كان من أرمى البشر

كبد القوس: مقبضها، والضمير في "جادت" راجعٌ إلى "كبداء"، أي: صارت جيدة، قوله:"بكفي كان"، أي: بكفي رجل كان من أرمى البشر.

قوله: (فإلام يرجع الضمير في (مِنْهُ)؟ )، في السؤال إنكار بشهادة الفاء، يعني: إذا جعلت (مِنْ ثَمَرَاتٍ) من باب: زيدٌ في الدار فيها، كان الضمير في "منه" لغير مدخول (مِن) والثمرات مؤنثة، وأجاب بأنها في تأويل العصير.

قوله: (إلى الأهل المحذوف)، أي: في قوله تعالى: (وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَاسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَائِلُونَ) أي: ومن عصير ثمرات النخيل.

قوله: (وجاؤونا بهم سكرٌ)، البيت، الضمير في "جاؤونا": للجنس، "سكرٌ": غضب

ص: 151

وفيه وجهان: أحدهما: أن تكون منسوخة. وممن قال بنسخها: الشعبي والنخعي.

والثاني: أن يجمع بين العتاب والمنة. وقيل: السكر: النبيذ، وهو عصير العنب والزبيب والتمر إذا طبخ حتى يذهب ثلثاه، ثم يترك حتى يشتدّ، وهو حلال عند أبى حنيفة إلى حدّ السكر، ويحتج بهذه الآية، وبقوله صلى الله عليه وسلم: «الخمر حرام لعينها .......

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وسفه، أراد بصحوهم: علمهم بعجزهم عن مقاومتنا، "سكَر": مبتدأٌ، و"بهم" خبرٌ مقدمٌ عليه، و"علينا": متعلقٌ بـ"سَكَر"، والجملة: حال، فأجلى بمعنى جلى، أي: انكشف، قيل: استشهد بالبيت على أن السكر مصدرٌ في الأصل.

قوله: (وفيه وجهان)، أي: في الجمع بين السكر والرزق الحسن، من عليهم قبل النسخ بتمكينهم على أن يتخذوا منه السكر والرزق الحسن كسائر ما عدد عليهم من النعم لقوله:"لأنهم كانوا يأكلون بعضها ويتخذون من بعضها السكر" ثم نسخ السكر.

قوله: (أن يجمع بين العتاب والمنة)، يعني: خلقنا لكم ثمرات النخيل والأعناب، بأن تجعلوها ذريعة إلى الطاعات، فجعلتم بعضاً منها مادة المعاصي، ولهذا قيد إحدى القرينتين بقوله:(حَسَناً).

قوله: (وهو حلالٌ عند أبي حنيفة، رضي الله عنه إلى حد السُّكر، ويحتج بهذه الآية)، وعن محيي السنة: وأولى الأقاويل قولُ من قال: إنها منسوخة؛ لأنها نازلة قبل تحريم الخمر، وإلى هذا ذهب ابن مسعود وابن عمر وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد، وقلتُ: في الآية نفسها دلالة على قبح تناولها تعريضاً، وذلك من عطف قوله:(وَرِزْقاً حَسَناً) عليه، وقد فُسر بالخل والرُّب.

قوله: (الخمرُ حرامٌ لعينها)، فيحرم قليلها وكثيرها.

ص: 152

والسكر من كل شراب»، وبأخبار جمة. ولقد صنف شيخنا أبو على الجبائي قدّس الله روحه غير كتاب في تحليل النبيذ، فلما شيخ وأخذت منه السنّ العالية قيل له: لو شربت منه ما تتقوى به، فأبى. فقيل له: فقد صنفت في تحليله، قال: تناولته الدعارة فسمج في المروءة. وقيل: السكر: الطعم، وأنشد:

جَعَلْتُ أَعْرَاضَ الكِرَامِ سَكَرَا

أي: تنقلت بأعراضهم. وقيل هو من الخمر، وإنه إذا ابترك في أعراض الناس، فكأنه تخمر بها. والرزق الحسن: الخل والرب والتمر والزبيب وغير ذلك. ويجوز أن يجعل السكر رزقاً حسناً، كأنه قيل: تتخذون منه ما هو سكر ورزق حسن.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (والسكر من كل شراب)، أي: السكر أيضاً حرامٌ من كل شراب، فلا يحرم شربه إلا إذا انتهى إلى حد السكر فيحرم.

قوله: (تناولته الدعارة)، الأساس: رجلٌ داعر: خبيث فاجر، وفيه دعارة، فهو على حذف المضاف، أي: طعمه أصحاب الدعارة، فقبح في المروءة التشبه بهم.

قوله: (أي: تنقلت)، أي: جعلت أعراضهم نُقلا. "وقيل: هو" أي: "سكراً" في البيت.

قوله: (إذا ابترك)، قيل: ابترك فلانٌ في عرض فلان: إذا اعتمد في ذمه.

الأساس: وابترك الفرس في عدوه: اعتمد فيه واجتهد.

قوله: (ويجوز أن يُجعل السكر رزقاً حسناً)، عطفٌ على قوله:"أن يجمع بين العتاب والمنة"، فعلى هذا العطف من باب البيان والتفسير.

ص: 153

[(وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ* ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)].

الإيحاء إلى النحل: إلهامها والقذف في قلوبها وتعليمها على وجه هو أعلم به، لا سبيل لأحد إلى الوقوف عليه، وإلا فنيقتها في صنعتها، ولطفها في تدبير أمرها، وإصابتها فيما يصلحها، دلائل بينة شاهدة على أنّ الله أودعها علماً بذلك وفطنها، كما أولى أولي العقول عقولهم. وقرأ يحيى بن وثاب:(إِلَى النَّحْلِ) بفتحتين. وهو مذكر كالنحل، وتأنيثه على المعنى. (أَنِ اتَّخِذِي) هي (أن) المفسرة؛ لأنّ الإيحاء فيه معنى القول. وقرئ:«بيوتا» بكسر الباء؛ لأجل الياء. و (يَعْرِشُونَ) بكسر الراء وضمها: يرفعون من سقوف البيوت. وقيل: ما يبنون للنحل في الجبال والشجر والبيوت من الأماكن التي تتعسل فيها. والضمير في (يَعْرِشُونَ) للناس. فإن قلت: ما معنى

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وإلا فنيقتها)، أي: حُسنُ صُنعها، وعن بعضهم: أي: إن لم يقل: بعلمها وإدراكها، لم يصح؛ لأن نيقتها دليل ظاهر على علمها، فأقام سبب الجواب مقام الجواب، أو يُقال (إنْ) شرطية، ولذلك دخلت الفاء في الجزاء، أي: وإن لم تصدقني على ما ذكرتُ فنيقتها ولطفها وإصابتها دلائل بينة على أن الله تعالى أودعها علماً، أما نيقتها في صنعتها فهي ما ترى في بنائها البيوت المسدسة من أضلاع متساوسة لا يزيد بعضها على بعض، فإنها لو كانت مربعة بقيت فُرجٌ ضائعة عند دخولها فيها، ولو كانت مستديرة بقيت الفرج بين البيوت ضائعة، وأما فطنتها كما أعطى أولي العلم، فهي ما ذكره الإمام: أنلها مقدماً كالرئيس يكون أعظم جثة منها، نافذ الحكم بينها، وأنها إذا نفرت عن أوكارها، ذهبت بأجمعها، ثم إذا أريد عودها ضربوا لها آلات الملاهي والموسيقا، وبواسطة تلك الألحان ترد إلى أوكارها.

ص: 154

(من) في قوله: (أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ)؟ وهلا قيل: في الجبال وفي الشجر؟ قلت: أريد معنى البعضية، وأن لا تبنى بيوتها في كل جبل وكل شجر وكل ما يعرش ولا في كل مكان منها. (مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ) إحاطة بالثمرات التي تجرسها النحل وتعتاد أكلها، أي ابني البيوت، ثم كلى من كل ثمرة تشتهينها، فإذا أكلتها (فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ) أي: الطرق التي ألهمك وأفهمك في عمل العسل. أو: فاسلكي ما أكلت في سبل ربك، أي: في مسالكه التي يحيل فيها بقدرته النور المرّ عسلا من أجوافك ومنافذ مآكلك. أو: إذا أكلت الثمار في المواضع البعيدة من

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: ((مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ): إحاطة بالثمرات)، مبتدأ وخبر، أي: هذا اللفظ مفيد للإحاطة العرفية، كقوله تعالى:(وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ)[النمل: 23].

قوله: (تجرسها النحل)، الجوهري: الجرس: الصوت الخفي، ويقال: سمعت جرس الطير: إذا سمعت صوت مناقيرها على شيء تأكله.

قوله: (من أجوافك ومنافذ مآكلك)، فيه إشارة إلى الخلاف في أن العسل هل يخرج من بطونها أو من منافذ مآكلها كالأفواه؟ قال القاضي: واحتج بالآية من زعم أن النحل تأكل الأزهار والأوراق العطرة فتستحيل في باطنها عسلاً، ثم تقيء ادخاراً للشتاء، ومن زعم أنها تتلقط بأفواهها أجزاء طلية حلوةً صغيرة متفرقة على الأوراق والأزهار وتضعها في بيوتها ادخاراً، فإذا اجتمع في بيوتها شيء كثير منها كان العسل، فسر البطون بالأفواه وكذا عن الإمام، وقال: يُسمى كل تجويف داخل البدن بطناً، ألا تراهم يقولون: بطون الدماغ، والذي يدل على أنها تحاول بما تفعل الادخار، أن صاحبها بعدما يشتار منه يترك لغذائها بقية في بيوتها.

ص: 155

بيوتك، فاسلكي إلى بيوتك راجعة سبل ربك، لا تتوعر عليك ولا تضلين فيها، فقد بلغني أنها ربما أجدب عليها ما حولها فتسافر إلى البلد البعيد في طلب النجعة. أو أراد بقوله:(ثُمَّ كُلِي): ثم اقصدي أكل الثمرات فاسلكي في طلبها في مظانها سبل ربك (ذُلُلًا) جمع ذلول، وهي حال من السبل، لأنّ الله ذللها لها ووطأها وسهلها، كقوله:(هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا)[الملك: 15] أو من الضمير في (فَاسْلُكِي)، أي: وأنت ذلل منقادة لما أمرت به غير ممتنعة. (شَرابٌ): يريد العسل؛ لأنه مما يشرب

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (أو أراد بقوله: (ثُمَّ كُلِي) ثم اقصدي)، عطفٌ على قوله:"كلي من كل ثمرة تشتهينها"، وهو على أسلوب قوله:(فَإِذَا قَرَاتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ)[النحل: 98]، وعلى الأول: أي: على غير هذا الأسلوب، الفاء جواب شرط محذوف. وعلى الثاني: سلوك السبيل على الحقيقة قطعاً، وعلى الأول تحتمل المجاز أيضاً، وهو على وجهين، أحدهما: المرادُ: استعمال الصنعة الغريبة في العمل، ومنه سلوك العارف، ومن ثم قال: الطرق التي ألهمك، وثانيهما: المراد استعمال المأكول في أجوافها ومسالكها التي تُحيل فيها النور المر عسلاً، ومنه: سلكت الخيط في الإبرة. وأما الحقيقة فهو قوله: "فاسلكي إلى بيوتك راجعة (سُبُلَ رَبِّكِ) "، والفرق بين هذا الوجه وبين قوله: ثم اقصدي، أن السلوك على هذا من مراعيها إلى البيوت راجعة، وعلى ذلك: من بيوتها إلى مراعيها قاصدة.

الانتصاف: وكل الأكل إلى شهوتها فلم يحجر عليها، كما حجر في البيوت؛ لأن مصلحة الأكل حاملة على الإطلاق. وأما البيوت، فلايحصل مصلحتها في كل موضع، ولذلك دخلت (ثُم) لتفاوت الأمر في الحجر في البيوت، والإطلاق في الأكل، كما تقول: راعِ الحلال فيما تأكله، ثم كل مما شئت.

وقلتُ: إنما عدل من خطابها إلى الغيبة في قوله: (يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا) للتخلص إلى امتنان الناس؛ لأن المقصود من خلق النحل وإلهامه: انتفاعهم به.

قوله: (وأنت ذللٌ)، جمع الخبر، والمبتدأ مفرد؛ لأن الخطاب في قوله تعالى: (فَاسْلُكِي

ص: 156

(مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ) منه أبيض وأسود وأصفر وأحمر، (فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ)؛ لأنه من جملة الأشفية والأدوية المشهورة النافعة، وقلّ معجون من المعاجين لم يذكر الأطباء فيه العسل، وليس الغرض أنه شفاء لكل مريض، كما أن كل دواء كذلك. وتنكيره: إمّا لتعظيم الشفاء الذي فيه، أو لأن فيه بعض الشفاء، وكلاهما محتمل. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا جاء إليه فقال: إن أخي يشتكى بطنه، فقال:«اذهب واسقه العسل» فذهب ثم رجع، فقال: قد سقيته فما نفع، فقال: «اذهب واسقه عسلا، فقد صدق الله

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

سُبُلَ رَبِّكِ) لجنس النحل بدليل قوله: (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ)، وقوله:"وتأنيثه على المعنى"، الجوهري: النحل والنحلة: الدبر، يقع على الذكر والأنثى، ونظيره قوله تعالى:(يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ * فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ)[الانشقاق: 6 - 7]، ويجوز أن يكون الخطاب لكل واحدةٍ منها فجمع الخبر للمبالغة في الذلة كجمع الوصف في قوله تعالى:(شِهَاباً رَصَداً)[الجن: 9]، وقوله:"ومعي جياعاً" والأول هو الوجه.

قوله: (أن رجلاً جاء إليه فقال: إن أخي) الحديث، رواه البخاري ومسلم والترمذي، عن أبي سعيد، مع تغيير فيهن وليس في آخره:"كأنما أنشط من عقال".

النهاية: أنشط، أي: حل، يقال: نشطت العقدة: إذا عقدتها، وأنشطتها وأنشطتها: إذا حللتها، وكثيراً ما يجيء: كأنما نشط من عقال، وليس بصحيح لما ذكرنا.

ص: 157

وكذب بطن أخيك)، فسقاه فشفاه الله فبرأ، كأنما أنشط من عقال. وعن عبد الله بن مسعود:

العسل شفاء من كل داء، والقرآن شفاء لما في الصدور، فعليكم بالشفاءين: القرآن والعسل.

ومن بدع تأويلات الرافضة: أن المراد بالنحل علىّ وقومه. وعن بعضهم: أنه قال عند المهدي:

إنما النحل بنو هاشم، يخرج من بطونهم العلم، فقال له رجل: جعل الله طعامك وشرابك مما يخرج من بطونهم. فضحك المهدي وحدث به المنصور، فاتخذوه أضحوكة من أضاحيكهم.

[(وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ)].

(إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ): إلى أخسه وأحقره، وهو خمس وسبعون سنة، عن علىّ رضي الله عنه، وتسعون سنة، عن قتادة؛ لأنه لا عمر أسوأ حالا من عمر الهرم (لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وكذب بطن أخيك)، النهاية: الكذب هاهنا مجازٌ، حيث هو ضد الصدق، والكذب يختص بالأقوال، فجعل بطن أخيه حيث لم ينجع فيه العسل كاذباً؛ لأن الله تعالى قال:(فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ) يريد أنه من المقابلة والمشاكلة، فلما قال: صدق الله، حسن أن يقول: كذب بطن أخيك.

قوله: (وعن عبد الله بن مسعود: العسل شفاء)، الحديث، رواه ابن ماجه عن عبد الله مرفوعاً، رزين أيضاً.

قوله: (أنه قال عند المهدي)، هو أبو عبد الله محمد بن أبي جعفر المنصور، ثالث خلفاء بني العباس، كان أبوه أبو جعفر المنصور خليفة، عمه أبو العباس السفاح خليفة، وأخوه موسى الهادي، وابنه هارون الرشيد وإخوته وأولاده كلهم خلفاء.

ص: 158

عِلْمٍ شَيْئاً): ليصير إلى حالة شبيهة بحال الطفولة في النسيان، وأن يعلم شيئا ثم يسرع في نسيانه فلا يعلمه إن سئل عنه. وقيل: لئلا يعقل من بعد عقله الأوّل شيئاً: وقيل: لئلا يعلم زيادة علم على علمه.

[(وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَة ِاللَّهِ يَجْحَدُونَ)].

أي: جعلكم متفاوتين في الرزق، فرزقكم أفضل مما رزق مماليككم وهم بشر مثلكم وإخوانكم، فكان ينبغي أن تردوا فضل ما رزقتموه عليهم، حتى تتساووا في الملبس والمطعم، كما يحكى عن أبى ذرّ: أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إنما هم إخوانكم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ليصير إلى حالة شبيهة بحال الطفولة)، يعني: قوله: (لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً) كناية عن النسيان؛ لأن الناسي يعلمُ الشيء ثم ينساه، فلا يعلمه بعد ما علمه، وهذه صفة الأطفال. قال تعالى:(وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ)، والعلم بمعنى الإدراك والتعقل، المعنى: لا يترقى في إدراك عقله الأول؛ لأن الشاب في الترقي، والشيخ في التوقف والنقصان، وعلى هذا إذا أجرى العلم على معناه، كما في الوجه الأخير، وإنما خص الزيادة به؛ لان العلم يزداد بالترداد. قال الشيخ الشاطبي:

وخيرُ جليس لايمل حديثه

وترداده يزداد فيه تجملا

قوله: (كما يُحكى عن أبي ذر رضي الله عنه، الحديث من رواية البخاري ومسلم، قال

ص: 159

فاكسوهم مما تلبسون، وأطعموهم مما تطعمون)، فما رؤي عبده بعد ذلك إلا ورداؤه رداؤه وإزاره إزاره من غير تفاوت. (أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ) فجعل ذلك من جملة جحود النعمة. وقيل: هو مثل ضربه الله للذين جعلوا له شركاء، فقال لهم: أنتم لا تسوّون بينكم وبين عبيدكم فيما أنعمت به عليكم، ولا تجعلونهم فيه شركاء، ولا ترضون ذلك لأنفسكم، فكيف رضيتم أن تجعلوا عبيدي لي شركاء؟ ! وقيل: المعنى: أنّ الموالي والمماليك أنا رازقهم جميعاً، فهم في رزقي سواء، فلا تحسبن الموالي أنهم يردون على مماليكهم من عندهم شيئاً من الرزق، فإنما ذلك رزقي أجريه إليهم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المعرور بن سويد: رأيت أبا ذر وعليه حلة، وعلى غلامه حُلة مثلها، فسألته عن ذلك، فذكر انه ساب رجلاً فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:"إنك امرؤ فيك جاهلية"، قلت: على ساعتي هذه من كير السن؟ فقال: "نعم، هم إخوانكم وخولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم".

قوله: (فجعل ذلك)، أي: عدم المساواة أو الرد بفضل ما رزقوهم عليه، المعنى: الله الذي فضل بعضكم على بعض في الرزق، فشكر ذلك أن تواسوا إخوانكم فيه، فما بالكم لا تواسون، أولا تردون رزقكم عليهم فتستووا في الرزق؟ فسر الآية بوجوه، أحدها: بين فيه حكم حسن الملكة كما سبق. وثانيها: أن يكون تمثيلاً، والممثل به ما تُعورف بين الناس من أحوال السادات مع المماليك، فذكره لتوبيخ المشركين. وثالثها: بين أن جميع النعم التي عدها من أول السورة، واصلة من الله تعالى إلى العبيد، سواء كانوا أحراراً أو مماليك، لئلا يمن أحدٌ على أحد.

فإن قلت: لا يجوز أن يكون تمثيلاً لخلو الكلام عن القرينة الداعية إلى التمثيل؟

قلت: يمكن أن تُجعل القرينة كون الآية تخلصاً إلى نوع آخر من بيان قبائح الكفار وكفرانهم نعم الله المتواترة، وهو قوله:(وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) إلى قوله: (فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ)، والتنبيه على القرينة قوله:(أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ).

ص: 160

على أيديهم. وقرئ: (يجحدون) بالتاء والياء.

[(وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ)].

(مِنْ أَنْفُسِكُمْ): من جنسكم. وقيل: هو خلق حواء من ضلع آدم. والحفدة: جمع حافد؛ وهو الذي يحفد، أي: يسرع في الطاعة والخدمة. ومنه قول القانت: وإليك نسعى ونحفد. وقال:

حَفَدَ الْوَلَائِدَ بَيْنَهُنَّ وَأُسْلِمَتْ

بِأَكُفِّهِنَّ أزِمَّةَ الأَجْمَالِ

واختلف فيهم؛ فقيل: هم الأختان على البنات، وقيل: أولاد الأولاد، وقيل: أولاد المرأة من الزوج الأوّل، وقيل: المعنى: وجعل لكم حفدة، أي: خدما يحفدون

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وقرئ: (يَجْحَدُونَ) بالياء والتاء)، الفوقانية: أبو بكر، والباقون: بالياء.

قوله: (وهو الذي يحفد، أي: يسرع في الطاعة)، الراغب: الحافد: المتحرك المتبرع بالخدمة، أقارب كانوا أو أجانب. قال المفسرون: هم الأسباط ونحوهم، وذلك أن خدمتهم أصدق، وفلان محفود، أي: مخدوم، وسيفٌ محتفد، أي: سريع القطع. قال الأصمعي: أصل الحفد: مقاربة الخطو.

قوله: (حفد الولائد) البيت، الولائد: الإماء، يقول: إن الإماء يسرعن بينهن، وأزمة الجمال أسلمت بأكفهن، يريد أنهن متنعمات مخدومات ذوات الإماء والأجمال.

قوله: (وقيل: المعنى: وجعل لم حفدة، أي: خدماً)، عطفٌ على قوله: "وهو الذي

ص: 161

في مصالحكم ويعينونكم، ويجوز أن يراد بالحفدة: البنون أنفسهم؛ كقوله: (سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً) كأنه قيل: وجعل لكم منهنّ أولاداً هم بنون وهم حافدون، أي: جامعون بين الأمرين (مِنَ الطَّيِّباتِ): يريد بعضها، لأنّ كل الطيبات في الجنة، وما طيبات الدنيا إلا أنموذج منها. (أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ) وهو ما يعتقدون من منفعة الأصنام وبركتها وشفاعتها، وما هو إلا وهم باطل لم يتوصلوا إليه بدليل ولا أمارة، فليس لهم إيمان إلا به، كأنه شيء معلوم مستيقن. ونعمة الله المشاهدة المعاينة التي لا شبهة فيها لذي عقل وتمييز: هم كافرون بها منكرون لها كما ينكر المحال الذي لا يتصوره العقول. وقيل: الباطل ما يسوّل لهم الشيطان من تحريم البحيرة والسائبة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يحفد، أي: يُسرع في الطاعة"، فعلى الأول: الحفدة عام فيمن يسرع في الطاعة والخدمة من القرائب، وعلى هذا: في معنى الخدم نفسه، وعلى الوجه الأخير يون العطف من باب قوله تعالى:(إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ)[الأنفال: 49].

قوله: (إلا أنموذج منها)، المغرب: النموذج - بالفتح- والأنموذج- بالضم- تعريب نموذجه.

قوله: ((أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ) وهو ما يعتقدون)، إلى آخره، فيه إنكار وتوبيخ على ما آمنوا وعلى ما كفروا، وفي التركيب الأول تقديم، فيفيد التخصيص، وتكرير فيؤذن بالتأكيد والتحقيق؛ لأن الفاء تستدعي فعلاً يُعطف المذكور عليه، أي: كفروا بالحق فآمنوا بالباطل، وإلى التخصيص الإشارة بقوله:"فليس لهم يمان إلا به"، وإلى التحقيق بقوله:"كأنه شيء معلوم مستيقن". والتركيب الثاني أيضاً كذلك: التأكيد من بناء يكفرون على هم، وإلى التخصيص الإشارة بقوله:"ونعمة الله المشاهدة المعاينة التي لا شبهة فيها لذي عقل وتمييز هم كافرون بها"؛ لأنهم إذا كفروا نعمة الله مع وجود ما يوجب الشكر من جلائها وظهورهان وأنها كالمحسوس المشاهد، فكأنهم أنكروا أنها نعمةٌ، أو أنها من الله، وإليه الإشارة بقوله:

ص: 162

وغيرهما. ونعمة الله: ما أحل لهم.

[(وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئاً وَلا يَسْتَطِيعُونَ)].

الرزق يكون بمعنى المصدر، وبمعنى ما يرزق، فإن أردت المصدر نصبت به (شَيْئاً): كقوله (أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ* يَتِيماً)[البلد: 14]، على: لا يملك أن يرزق شيئاً. وإن أردت المرزوق؛ كان (شيئاً) بدلاً منه بمعنى قليلاً. ويجوز أن يكون تأكيداً لـ (لا يملك)، أي: لا يملك شيئاً من الملك. و (مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) صلة للرزق إن كان مصدراً، بمعنى: لا يرزق من السماوات مطرا، ولا من الأرض نباتاً. أو صفة إن كان اسما لما يرزق. والضمير في (وَلا يَسْتَطِيعُونَ) لـ (ما)؛ لأنه في معنى الآلهة، بعد ما قيل:(لا يَمْلِكُ) على اللفظ. ويجوز أن يكون للكفار، يعني:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

"منكرون لها كما ينكر المحال" وإلى التأكيد الإشارة بقوله: "هم يكفرون بها ومنكرون لها"، وقوله:"نعمة الله": مبتدأ، وقوله:"هم كافرون بها": خبره، وفيه ضرب من التأكيد.

قوله: (ونعمة الله ما أحل لهم)، قيل:"ما": مصدرية، أي: إحلال الله، أو موصولة، أي: أحله الله، والأولى الثاني؛ لأنه مقابل لقوله:"الباطل ما يسول لهم الشيطان"، وهي موصولة؛ لأن "مِن" في قوله:"من تحريم البحيرة" بيان لها.

قوله: (تأكيداً لـ (لا يَمْلِكُ)") أي: (شَيْئاً) مفعول مطلق، ولذلك بينه بقوله: "من الملك" بكسر الميم، كما تقول: ضربت نوعاً منا لضرب.

قوله: (بعدما قيل: (لا يَمْلِكُ)) على اللفظ إشارة إلى خلاف ذكرناه عن ابن جني. قال صاحب "الانتصاف" فيما سبق: إن العود إلى المعنى بعد الحمل على اللفظ أنكره بعضهم، لما يلزم من الإجمال بعد البيان، وهو خلاف البلاغة. وهو مردود لمجيئه في أفصح الكلام.

ص: 163

ولا يستطيع هؤلاء - مع أنهم أحياء متصرفون أولو ألباب - من ذلك شيئاً، فكيف بالجماد الذي لا حس به! فإن قلت: ما معنى قوله: (وَلا يَسْتَطِيعُونَ) بعد قوله: (لا يَمْلِكُ)؟ وهل هما إلا شيء واحد؟ قلت: ليس في (ولا يَسْتَطِيعُونَ) تقدير راجع، وإنما المعنى: لا يملكون أن يرزقوا، والاستطاعة منفية عنهم أصلا؛ لأنهم موات، إلا أن يقدر الراجع ويراد بالجمع بين نفى الملك والاستطاعة للتوكيد، أو يراد: أنهم لا يملكون الرزق ولا يمكنهم أن يملكوه، ولا يتأتى ذلك منهم ولا يستقيم.

[(فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ)].

(فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ): تمثيل للإشراك بالله والتشبيه به؛ لأنّ من يضرب الأمثال مشبه حالا بحال وقصة بقصة، (إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ) كنه ما تفعلون وعظمه، وهو معاقبكم عليه بما يوازيه في العظم؛ لأنّ العقاب على مقدار الإثم، (وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) كنهه وكنه عقابه، فذاك هو الذي وجرّكم إليه وجرأكم عليه، فهو تعليل للنهي عن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ما معنى قوله: (وَلَا يَسْتَطِيعُونَ)؟ )، وجه السؤال أن مفعول (وَلَا يَسْتَطِيعُونَ) محذوف، وهو الضمير الراجع إلى الرزق، بدليل سياق الكلام عليه، فيلزم عطف الشيء على نفسه. وأجاب:"ليس في (وَلَا يَسْتَطِيعُونَ) " أي: لا نسلم اشتماله على الراجع، بل هو مطلق من باب: فلانٍ يُعطي ويمنع، فيكون "فلا يستطيعون" تذييلاً للكلام السابق، ثم قال:"إلا أن يقدر"، أي: ولن سُلم اشتماله على الراجع فيكون من باب التأكيد، نحو قوله تعالى:(لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)[التحريم: 6] أو من باب الترقي، فإن قوله تعالى:(لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً) دل على نفي مُلك الرزق عنهم مطلقاً، وقوله:(لا يَسْتَطِيعُونَ) على نفي استطاعة أن يكونوا مالكين، وإليه الإشارة بقوله:"لا يملكون الرزق ولا يمكنهم أن يملكوه"، ولا يتأتى ذلك فيهم. ويجوز أن يكون تتميماً.

قوله: (وجرأكم عليه)، الجوهري: الجُرأة: الشجاعة، وتقول: جرأتك على فلان حتى اجترأت عليه.

ص: 164

الشرك. ويجوز أن يراد: فلا تضربوا لله الأمثال، إنّ الله يعلم كيف يضرب الأمثال، وأنتم لا تعلمون.

[(ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ)].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ويجوز أن يُراد: (فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ)، عطف على قوله:(فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ): تمثيل"، وعلى التمثيل لا قول ثمة، ولا مثل، ولا ضرب، لأن الفاء في: (فَلا تَضْرِبُوا) رتب النهي على قوله تعالى: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) الآية، كأن حالهم في مزاولة عبادة الأصنام المستلزم لتشبيه حالها بحال المعبود الحق في استحقاق العبادة، حالُ من يحاول انتزاع أمور متعددة غير حقيقية بين المشبه والمشبه به ليلحقه به ويقيمه مقام تشبيه، وإليه الإشارة بقوله: "لأن من يضرب الأمثال مشبه حالاً بحال"، وقوله: (وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ): تعليل للنهي، كأنه قيل: لا تُشركوا بالله شيئاً وانتم قومٌ جهلة، ولذلك صدر منكم هذه الغفلة. وإليه الإشارة بقوله: "فذاك هو الذي جركم إليه". وقوله: (إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ): اعتراض وارد على الوعيد والتهديد، وهو المراد من قوله: "إن الله يعلم كنه ما تعملون، وهو معاقبكم عليه".

وعلى الثاني: النهي واردٌ على مثل ضربوه، وتشبيه انتحلوه، وقوله:(إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) برمته: تعليل، أي: ضربُ الأمثال من العلوم الدقيقة يستدعي لطف إدراك وخبرة لا سيما في ذات الله عز وجل، فلا يقدر على الشروع فيه إلا الله والراسخون في العلم. ومن ثم عقبه بقوله:(ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً)، وأشار المصنف إليه بقوله:"ثم علمهم كيف تُضرب". وأما بيان اتصاله على الوجه الأول، فإنه تعالى لما نهاهم عن ضرب المثل الفعلي، وهو الإشراك بالله المستلزم له، عقبه بما يكشف لذي البصيرة عن حالهم في تلك الفعلة، وحال من يخالفهم فيها من قوله تعالى:(ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً) الآية.

ص: 165

ثم علمهم كيف تضرب فقال: مثلكم في إشراككم بالله الأوثان: مثل من سوّى بين عبد مملوك عاجز عن التصرف، وبين حرّ مالك قد رزقه الله مالا فهو يتصرف فيه وينفق منه كيف شاء. فإن قلت: لم قال: (مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ) وكل عبد مملوك، وغير قادر على التصرف؟ قلت: أما ذكر المملوك؛ فليميز من الحرّ؛ لأن اسم العبد يقع عليهما جميعا؛ لأنهما من عباد الله. وأما (لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ)؛ فليجعل غير مكاتب ولا مأذون له؛ لأنهما يقدران على التصرف. واختلفوا في العبد: هل يصح له ملك؟ والمذهب الظاهر: أنه لا يصحّ له.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (واختلفوا في العبد: هل يصح له ملك؟ والمذهب الظاهر أنه لا يصح له)، الانتصاف: مالك رحمه الله يرى أنه يملك، والآية تعضده، أي: مملوكاً ليس ممن ملكه سيده فملك، بل هو على أصل الملكة، عاجزٌ، فلو لم يتصور له مُلكٌ، لكان قوله:(لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ) تكراراً، وقوله:"احترازا من المكاتب" بعيدٌ من فصاحة القرآن، إذ لو لم يملك من العبيد إلا مكاتب لكانت إرادته باللفظ إيجازاً مع إخلال لا يليق بالبلاغة. وأنكر إمام الحرمين حمل قوله صلى الله عليه وسلم:"أيما امرأة نُكحت بغير إذن وليها" على المكاتبة، لبُعد القصد إليها على شذوذها. وأما المأذون فينبني على القول بان المراد بعدم القدرة عدم المكنة من التصرف أوالملك، وبُعد الأول عن مطابقة قوله:(وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً). ولقائل أن يقول: إن قوله: (لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ) صفة لازمة، كالإيضاح لفائدة ضرب المثل، أي: إنما ضربت المثل به؛ لأن حقيقته اللازمة له المعروفة به أنه لا يقدر على شيء، ومنه: (وَمَنْ

ص: 166

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ) [المؤمنون: 117]، وكل مدعو مع الله لا برهان له به، إنما المراد به أنه من لوازم دعائه مع الله إلها. ولنا أن نقول في دفعه: الأصل في الصفة والحال التخصيص والتقييد، وما ورد بخلاف ذلك فهو خلاف الأصل.

وقال الإمام: احتج الفقهاء بهذه الآية على أن العبد لا يُملكُ شيئاً، فإن قالوا: ظاهر الآية يدل على أن عبداً من العبيد لا يقدر على شيء، فلم قلتم: إن كل عبدٍ كذلك؟ فنقول: الذي يدل عليه وجهان، الأول: أنه ثبت في أصول الفقه أن الحكم المذكور عقيب الوصف المناسب يدل على كون ذلك الوصف علة لذلك الحكم، كونه عبداً وصفٌ مشعرٌ بالذل والمقهورية، وقوله:(لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ) حُكمٌ مذكور عقيبه، فهذا يقتضي أن العلة لعدم القدرة على الشيء، هو كونه عبداً، وبهذا الطريق ثبت العموم. والثاني: أنه تعالى قال بعده: (وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً) فميز هذا القسم الثاني على القسم الأول، وهو العبد بهذه الصفة، وهو أنه يرزقه رزقاً، فوجب ألا يحصل هذا الوصف للعبد حتى يحصل الامتياز بين القسم الثاني وبين القسم الأول، ولو مُلك العبدُ لكان الله قد آتاه رزقاً حسناً؛ لان الملكَ الحلالَ رزقٌ حسن، سواء كان قليلاً أو كثيراً.

وقلت: لا شك أن قوله: (وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرّاً وَجَهْراً) مقابل لقوله: (عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ)، والمقصود من ذكرهما الحجرُ والمنعُ والإطلاق والتوسعة؛ لأن التمثيل في الأصنام والملك العلام، فلابد من تصور العجز التام، فإذا أجريناه على ما قال، لزم التصرف المحذور. والحاصل أن إتيان صفتين لمزيد التصوير والكشف عن حالة العجز لا للتمييز والتفصلة، ألا ترى كيف ترقى في التمثيل الثاني، وزاد البكم والكل، وعدم الإنجاح في المهمات ليدل على كمال ذلك المعنى؟ وكذا في

ص: 167

فإن قلت: (مَنْ) في قوله: (وَمَنْ رَزَقْناهُ) ما هي؟ قلت: الظاهر أنها موصوفة، كأنه قيل: وحراً رزقناه؛ ليطابق عبداً. ولا يمتنع أن تكون موصولة. فإن قلت: لم قيل (يَسْتَوُونَ) على الجمع؟ قلت: معناه: هل يستوي الأحرار والعبيد؟

[(وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَاتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَامُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ)].

الأبكم: الذي ولد أخرس، فلا يَفهم ولا يُفهم. (وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ) أي: ثقل وعيال على من يلي أمره ويعوله، (أَيْنَما يُوَجِّهْهُ): حيثما يرسله ويصرفه في مطلب حاجة أو كفاية مهم، لم ينفع ولم يأت بنجح، (هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ) هو سليم الحواس نفاع ذو كفايات، مع رشد وديانة، فهو (يَامُرُ) الناس (بِالْعَدْلِ) والخير،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

جانب المشبه به، فإنه ترقى من تصرفه كيف شاء إلى كونه آمراً بالعدل، ومن كونه مرزوقاً، إلى كونه مهدياً إلى صراط مستقيم.

قوله: (ولا يمتنعُ أن تكون موصولة) يريد أن الآية من باب التضاد والطباق، فيحتمل من أن تكون موصوفة، كما يُقال: عبداً مملوكاً وحراً مرزوقاً، وأن تكون موصولة، بأن يقال: والحر الذي رزقناه، لكن المطابع ممن رُزق الذوق السليم لا يعرج عنه إليه، وهذا ينظر إلى قول المصنف في قوله تعالى:(وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ)[البقرة: 8]: "و"مَن" في (مَنْ يَقُولُ) [موصوفة] إن جعلت اللام للجنس، وإن جعلتها للعهد فموصولة".

قوله: ((هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ) هو سليم الحواس؟ )، يعني: لابد من المقابل بين العدل وما سبق، ولا يأمر بالعدل إلا من يكون موصوفاً بصفات الكمال، وتخصيص المذكورات للتقابل.

ص: 168

(وَهُوَ) في نفسه (عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ): على سيرة صالحة ودين قويم. وهذا مثل ثان ضربه الله لنفسه ولما يفيض على عباده ويشملهم من آثار رحمته وألطافه ونعمه الدينية والدنيوية، وللأصنام التي هي أموات لا تضر ولا تنفع وقرئ:(أينما يوجه)، بمعنى: أينما يتوجه، من قولهم:(أينما أوجه ألق سعداً). وقرأ ابن مسعود: (أينما يوجه)، على البناء للمفعول.

[(وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)].

(وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) أي: يختصّ به علم ما غاب فيهما عن العباد وخفي عليهم علمه. أو: أراد بغيب السموات والأرض: يوم القيامة، على أن علمه غائب عن أهل السموات والأرض لم يطلع عليه أحد منهم. (إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ) أي: هو عند الله وإن تراخى، كما تقولون أنتم في الشيء الذي تستقربونه: هو كلمح البصر أو هو أقرب، إذا بالغتم في استقرابه. ونحوه قوله:(وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ)[الحج: 47] أي: هو

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (أينما أوجه ألق سعداً)، يُضربُ لمن يتلقى الشر أية سلك، وعن بعض: أصله أن أضبط كان سيد قومه، فأصابه منهم جفوة، فارتحل عنهم إلى آخرين، فرآهم يصنعون بساداتهم مثل صنيع قومه، فقال:"أينما أوجه ألق سعداً"، وسعد كان شريراً.

قوله: (ونحوه قوله: (يَسْتَعْجِلُونَكَ))، أي: نحوه في استعمال الله تعالى ما يستقرب المدة فيما هو بعيد عند الناس، قوله تعالى:(وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ)[الحج: 47]، أي: ألف سنةٍ عندكم بعيدٌ، وعند الله مقدار يومٍ على عرفكم وعادتكم.

ص: 169

عنده دان وهو عندكم بعيد. وقيل: المعنى: أن إقامة الساعة وإماتة الأحياء وإحياء الأموات من الأولين والآخرين، يكون في أقرب وقت وأوحاه، (إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) فهو يقدر على أن يقيم الساعة ويبعث الخلق؛ لأنه بعض المقدورات. ثم دل على قدرته بما بعده.

[(وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)].

قرئ (أُمَّهاتِكُمْ) بضم الهمزة وكسرها، والهاء مزيدة في أمهات، كما زيدت في أراق، فقيل: أهراق. وشذت زيادتها في الواحدة، قال:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وأوحاه)، أي: أسرعه، الأساس: استوحيته: استعجلته.

"النهاية": في الحديث: "إذا أردت أمراً فتدبر عاقبته، فإن كان شراً فانته، وإن كان خيراً فتوحه" أي: أسرع غليه، والهاء للسكت.

قوله: ((إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) فهو يقدر على أن يقيم الساعة)، إشارة إلى أنه كالتعليل لإثبات أمر الساعة وسهولة تأتيها. ولما كان البعث والحشر موقوفاً على مسألتي العلم والقدرة، عطف جملة (أَمْرُ السَّاعَةِ) على جملة (غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) عطف "جبريل" على "الملائكة"، ثم علله بقوله:(إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)، فكما عطف ذلك عقب قوله:(وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ) قوله: (إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) وأتى بالواو إيذاناً بأن مقدور الله لا نهاية له، والمذكور بعض منها. وإليه أشار بقوله:"ثم دل على قدرته بما بعده".

قوله: (قرئ (أُمَّهَاتِكُمْ) بضم الهمزة)، كلهم إلا حمزة والكسائي.

ص: 170

أُمَّهَتِي خِنْدِفٌ وَالْيَاسُ أبي

(لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً) في موضع الحال، ومعناه: غير عالمين شيئاً من حق المنعم الذي خلقكم في البطون، وسوّاكم وصوّركم، ثم أخرجكم من الضيق إلى السعة. وقوله:(وَجَعَلَ لَكُمُ) معناه: وما ركب فيكم هذه الأشياء إلا آلات لإزالة الجهل الذي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (أمهتي خندف والياس أبي)، لقُصي بن كلاب، قبله:

إني لدى الحرب رخي اللبب

معتزم الصولة عالي النسب

يقال: فلان في لبيبٍ رخي، أي: في حال واسعة، "الاعتزام": لزوم القصد.

قوله: (وما ركب فيكم هذه الأشياء إلا آلات لإزالة الجهل)، الحصر مستفاد من فحوى الكلام وانصبابه في قالب جوامع الكلم، وهو أنه تعالى ما خلق الخلق إلا ليعبد، ويُعرف لقوله تعالى:(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ)[الذاريات: 56]، فأخبر تعالى أنه أخرجهم من ظلمات الرحم إلى فضاء عالم التكليف وهم غير عالمين لما خلقوا له، كما قال: غير عالمين شيئاً من حق المنعم، فخلق لهم السمع ليسمعوا آياته البينات، وبصراً لينظروا إلى الدلائل الدالة على وجوده، وفؤاداً ليتفكروا في آلائه وحكمته، فيجعلوها وسيلة إلى ما خُلقوا له من الشكر والعبادة، كما قال:(لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) فظهر أن هذه آلات ما خُلقت إلا لاجتلاب العلم والعمل به، فمن جعلها آلات لغير ذلك فقد أبطل حكمة الله في خلقها، وانخرط في سلك (أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ) [الأعراف: 179].

قال القاضي: (لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً) جُهالاً مستحصبين جهل الجمادية (وَجَعَلَ لَكُمْ) أداة تعلمون بها فتحسون بمشاعركم جزئيات الأشياء فتدركونها، ثم تتنبهون بقلوبكم لمشاركات ومباينات بينها بتكرير الإحساس، حتى تحصل لكم العلوم البديهية وتتمكنوا من

ص: 171

ولدتم عليه، واجتلاب العلم والعمل به؛ من شكر المنعم، وعبادته، والقيام بحقوقه، والترقي إلى ما يسعدكم. والأفئدة في فؤاد، كالأغربة في غراب، وهو من جموع القلة التي جرت مجرى جموع الكثرة، والقلة إذا لم يرد في السماع غيرها، كما جاء: شسوع في جمع شسع لا غير، فجرت ذلك المجرى.

[(أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللَّهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)].

قرئ: (لم يروا) بالتاء والياء. (مُسَخَّراتٍ): مذللات للطيران بما خلق لها من الأجنحة والأسباب المواتية لذلك. والجوّ: الهواء المتباعد من الأرض في سمت العلوّ والسكاك أبعد منه، واللوح مثله (ما يُمْسِكُهُنَّ) في قبضهن وبسطهن ووقوفهن (إِلَّا اللَّهُ) بقدرته.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تحصيل المعالم الكسبية بالنظر فيها لكي تعرفوا ما أنعم عليكم طوراً بعد طور فتشكروه.

وفي هذا التقرير إشعارٌ بأن قوله: (لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) تعليل للجعل لا للإخراج، فيفيد معنى الحصر الذي قرره المصنف، كأنه قيل: خلقكم وأنتم كالجماد، ثم جعل لكم أدوات لتتميزوا عنه.

قوله: (جرت مجرى جموع الكثرة والقلة)، أي: هي مشتركة تستعمل تارة في القلة وأخرى في الكثرة، واستعملت هنا في الكثرة؛ لأن الخطاب في (أَخْرَجَكُمْ) عام.

قوله: ((مَا يُمْسِكُهُنَّ) في قبضهن وبسطهن ووقوفهن (إلا الله))، كقوله تعالى:(أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمَنُ)[الملك: 19]، قال القاضي: إن ثقل جسدها يقتضي سقوطها، ولا علاقة فوقها، ولا دعامة تحتها تمسكها، وخلق الجو بحيث يمكن الطيران فيه.

ص: 172

[(وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها أَثاثاً وَمَتاعاً إِلى حِينٍ)].

(مِنْ بُيُوتِكُمْ) التي تسكنونها من الحجر والمدر والأخبية وغيرها. والسكن: فعل بمعنى مفعول، وهو ما يسكن إليه وينقطع إليه من بيت أو إلف. (بُيُوتاً) هي القباب والأبنية من الأدم والأنطاع، (تَسْتَخِفُّونَها): ترونها خفيفة المحمل في الضرب والنقض والنقل (يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ) أي: يوم ترحلون خف عليكم حملها ونقلها، ويوم تنزلون وتقيمون في مكان لم يثقل عليكم ضربها. أو: هي خفيفة عليكم في أوقات السفر والحضر جميعاً،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: ((مِنْ بُيُوتِكُمْ) التي تسكنونها)، الراغب: أصل البيت: مأوى الإنسان بالليل، ثم قد يقال بغير اعتبار الليل، وجمعه أبيات وبيوت، والبيوت بالسكن أخص، والأبيات بالشعر، وشبه به بيت الشعر، وصار "البيت" مطلقاً متعارفاً في آل النبي صلى الله عليه وسلم، ونبه صلى الله عليه وسلم بقوله:"سلمان منا أهل البيت" أن مولى القوم يصح نسبته إليهم، كما قال:"مولى القوم منهم، وابنه من أنفسهم".

قوله: (خفيفة المحمل) الراغب: الخفيف بإزاء الثقيل، ويقال ذلك باعتبار المضايفة بالقرن، وقياس أحد الشيئين إلى الآخر، تقول: درهم خفيف ودرهم ثقيل، وباعتبار مضايفة الزمان، نحو: فرس خفيف وفرس ثقيل، إذا عدا أحدهما أكثر في زمان واحد، وقد مر مبسوطاً في سورة التوبة.

ص: 173

على أنّ اليوم بمعنى الوقت. (وَمَتاعاً): وشيئاً ينتفع به (إِلى حِينٍ): إلى أن تقضوا منه أوطاركم. أو: إلى أن يبلى ويفنى، أو: إلى أن تموتوا. وقرئ: (يوم ظعنكم) بالسكون.

[(وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَاسَكُمْ كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ)].

(مِمَّا خَلَقَ): من الشجر وسائر المستظلات. (أَكْناناً): جمع كنّ، وهو ما يستكنّ به من البيوت المنحوتة في الجبال والغيران والكهوف. (سَرابِيلَ): هي القمصان والثياب من الصوف والكتان والقطن وغيرها، (تَقِيكُمُ الْحَرَّ) لم يذكر البرد؛ لأنّ الوقاية من الحرّ أهمّ عندهم، وقلما يهمهم البرد؛ لكونه يسيراً محتملا. وقيل: ما يقي من الحرّ يقي من البرد، فدل ذكر الحرّ على البرد، (وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (على أن اليوم بمعنى الوقت)، أي: الزمان الممتد؛ لأن عادتهم إما الإقامة أو الظعن، كقوله تعالى:(وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً)[مريم: 62]، وإليه الإشارة بقوله:"في أوقات السفر والحضر جميعاً". الانتصاف: الوجه الأول أولى، إذ ظهور المنة في خفتها في السفر أتم، أما المقيم فلا عليه من ثقلها.

قوله: (وقرئ: (يَوْمَ ظَعْنِكُمْ): بالسكون)، ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي.

قوله: (وقيل: ما يقي من الحر يقي من البرد)، الانتصاف: الوجه الأول أولى؛ لأنه قدم المنة بالظلال الواقية من الضحى بقوله: (مِمَّا خَلَقَ ظِلالاً)، فالأهم إذن وقاية الحر، وليس ل ما يقي الحر يقي البرد كشفوف القمصان، بل لو لبس إنسان لبوس الحر في البرد أو عكس لعد من الثقلاء.

ص: 174

بَاسَكُمْ) يريد الدروع والجواشن، والسربال عامّ يقع على كل ما كان من حديد وغيره. (لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ) أي: تنظرون في نعمه الفائضة فتؤمنون به وتنقادون له. وقرئ: (تسلمون) من السلامة، : أي تشكرون فتسلمون من العذاب. أو: تسلم قلوبكم من الشرك. وقيل: تسلمون من الجراح بلبس الدروع.

[(فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ * يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ)].

(فَإِنْ تَوَلَّوْا) فلم يقبلوا منك فقد تمهد عذرك بعد ما أدّيت ما وجب عليك من التبليغ، فذكر سبب العذر، وهو البلاغ؛ ليدل على المسبب. (يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ) التي عددناها حيث يعترفون بها وأنها من الله (ثُمَّ يُنْكِرُونَها) بعبادتهم غير المنعم بها، وقولهم: هي من الله ولكنها بشفاعة آلهتنا. وقيل: إنكارهم: قولهم: ورثناها من آبائنا. وقيل: قولهم: لولا فلان ما أصبت كذا، لبعض نعم الله. وإنما لا يجوز التكلم بنحو هذا إذا لم يعتقد أنها من الله، وأنه أجراها على يد فلان وجعله سبباً في نيلها (وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ) أي: الجاحدون غير المعترفين. وقيل: (نِعْمَتَ اللَّهِ) نبوّة محمد عليه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: ((تُسْلِمُونَ) أي: تنظرون)، أي: الإسلام هاهنا بمعنى الاستسلام والانقياد، وضع موضع سببيه، وهو ينظرون ويتفكرون، المعنى: مُنحوا كذا وكذا من النعم الظاهرة والباطنة يتفكروا وينظروا ويعرفوا المنعم فينقادوا له، يدل عليه قوله تعالى:(فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ)؛ لأن من تولى أبي الانقياد، ثم ترقى إلى بيان عنادهم وأنهم يعرفون المنعم المولى، ثم ينكرونها.

قوله: (فذر سبب العُذر

، ليدل على المسبب)، يعني: كان من الظاهر أن يقال: فإن لم ينقادوا لله تعالى بعد تذكيرك إياهم آيات الله، فقد تمهد عذرك، لأنك قد أديت ما عليك من الواجب، فوضع موضع المذكور قوله:(فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ) وضعا للسبب موضع المسبب، ففي العدول الإشعار بإلزام الحجة واستئهال العقاب، وفي الظاهر تمهيدٌ للعذر.

ص: 175

الصلاة والسلام، كانوا يعرفونها ثم ينكرونها عناداً، وأكثرهم الجاحدون المنكرون بقلوبهم. فإن قلت: ما معنى ثم؟ قلت: الدلالة على أن إنكارهم أمر مستبعد بعد حصول المعرفة، لأنّ حق من عرف النعمة أن يعترف لا أن ينكر.

[(وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ* وَإِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ)].

(شَهِيداً) نبيا يشهد لهم وعليهم بالإيمان والتصديق، والكفر والتكذيب، (ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا) في الاعتذار، والمعنى: لا حجة لهم، فدل بترك الإذن على أن لا حجة لهم ولا عذر، وكذا عن الحسن رحمه الله. (وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ): ولا هم يسترضون، أي: لا يقال لهم: أرضوا ربكم؛ لأن الآخرة ليست بدار عمل. فإن قلت: فما معنى (ثم) هذه؟ قلت: معناها أنهم يمنون بعد شهادة الأنبياء بما هو أطم منها، وهو أنهم يمنعون الكلام فلا يؤذن لهم في إلقاء معذرة ولا إدلاء بحجة. وانتصاب اليوم بمحذوف، تقديره: واذكر يوم نبعث، أو: يوم نبعث وقعوا فيما وقعوا فيه، وكذلك إذا رأوا العذاب بغتهم وثقل عليهم (فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ) كقوله:(بَلْ تَاتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ) الآية [الأنبياء: 40].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (لا يقالُ لهم: أرضوا ربكم)؛ لأن الاستعتاب: طلب إزالة العتاب، وعتاب الله عبارة عن سخطه وعدم رضاه، أي: لا يطلب منهم غزالة سخط الله عنهم.

قوله: (أنهم يمنون)، أي: يبتلون، الجوهري: منوته ومنيته، أي: ابتليته.

قوله: (وكذلك إذا رأوا العذاب)، قيل:"إذا رأوا العذاب" أيضاً منصوب بمحذوف، ويقال: إن وجه الشبه يقتضي أيضاً تأخير المحذوف في التقدير، أي: يوم يُبعث وقعوا فيما وقعوا، وكذلك إذا رأوا العذاب وقعوا فيما وقعوا أيضاً، وإليه أشار بقوله:"بغتهم" وكذا وكذا، وفي تركيبه- أعني: إذا راوا العذاب بغتهم وثقل عليهم، فلا يُخفف-إيذانٌ

ص: 176

[(وَإِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ قالُوا رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ* وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ)].

إن أرادوا بالشركاء آلهتهم؛ فمعنى (شُرَكاؤُنَا): آلهتنا التي دعوناها شركاء. وإن أرادوا الشياطين؛ فلأنهم شركاؤهم في الكفر وقرناؤهم في الغيّ: (ونَدْعُوا): بمعنى نعبد. فإن قلت: لم قالوا (إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ) وكانوا يعبدونهم على الصحة؟ قلت: لما كانوا غير راضين بعبادتهم فكأن عبادتهم لم تكن عبادة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بأن قوله: (الَّذِينَ ظَلَمُوا)، مُظهر وُضع موضع المضمر للإشعار بأن العذاب إنما لم يخفف عنهم؛ لأنهم ظلموا، وأن الفاء في:(فَلا يُخَفَّفُ) فصيحة، وليست بجواب "إذا"، والجزاء المقدر، هو قوله:"بغتهم وثقل عليهم"، والشاهد على المقدر قوله:(بَلْ تَاتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلا هُمْ يُنظَرُونَ)[الأنبياء: 40]، فقوله:"بغته" مثل (تَاتِيهِمْ بَغْتَةً)، وقوله:"ثقل عليهم" مثل (فَتَبْهَتُهُمْ)، وقوله:(فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ) مثل (فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا)، وقوله:(وَلا هُمْ يُنظَرُونَ) مثله في الآية المستشهد [بها].

قوله: (لما كانوا غير راضين)، يعني: المراد بالشركاء في قوله: (وَإِذَا رءا الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ)، وهم كل من عُبد من دون الله من الملائكة والمسيح وعُزير والجن والإنس والشياطين كما سبق آنفاً، إذ المقامُ يقتضي العموم لقوله تعالى:(وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً)، ومن هو مثل الملائكة يكذبونهم لوجهين: أحدهما: يكذبونهم لما أنهم كانوا معرضين غير راضين بعبادتهم. وثانيهما: التكذيب راجعٌ على تسميتهم شركاء، وقولهم:(هَؤُلاء شُرَكَاؤُنَا) وعلى الأول إلى فعلهم وعبادتهم لهم، وإنما قلنا: مثلُ الملائكة لاستشهاده بقوله: (كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ).

ص: 177

والدليل عليه: قول الملائكة: (كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ)[سبأ: 41] يعنون: أن الجن كانوا راضين بعبادتهم لا نحن، فهم المعبودون دوننا. أو كذبوهم في تسميتهم شركاء وآلهة؛ تنزيها لله من الشريك. وإن أريد بالشركاء الشياطين؛ جاز أن يكون كاذبين في قولهم:(إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ) كما يقول الشيطان: (إنى كفرت بما أشركتمون من قبل)[إبراهيم: 22]، (وَأَلْقَوْا): يعنى: الذين ظلموا. وإلقاء السلم: الاستسلام لأمر الله وحكمه بعد الإباء والاستكبار في الدنيا، (وَضَلَّ عَنْهُمْ): وبطل عنهم (ما كانُوا يَفْتَرُونَ) من أن لله شركاء، وأنهم ينصرونهم ويشفعون لهم حين كذبوهم وتبرؤوا منهم.

[(الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ)].

(الَّذِينَ كَفَرُوا) في أنفسهم، وحملوا غيرهم على الكفر: يضاعف الله عقابهم كما ضاعفوا كفرهم. وقيل في زيادة عذابهم: حيات أمثال البخت وعقارب أمثال البغال تلسع إحداهن اللسعة فيجد صاحبها حمتها أربعين خريفا. وقيل: يخرجون من النار إلى الزمهرير فيبادرون من شدة برده إلى النار (بِما كانُوا يُفْسِدُونَ) بكونهم مفسدين الناس بصدّهم عن سبيل الله.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (جاز أن يكونوا كاذبين)، أي: الشياطين قالوا للمشركين: إنكم لكاذبون فيما تقولون علينا، فالشياطين كاذبون في هذا التكذيب؛ لأنهم في الدنيا زينوا وسولوا ووسوسوا وما قصروا فيه:(وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ)[الأعراف: 202]، كما قال:(إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ)[إبراهيم: 22]، وكذب في هذا القول، وهذا لا يصح في حق الملائكة.

قوله: (حُمَتَها)، الجوهري: حُمةُ العقرب: سُمها وضُرها، وأصلها حموٌ وحُمى، والهاءُ عوض.

ص: 178

[(وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ)].

(شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) يعنى: نبيهم؛ لأنه كان يبعث أنبياء الأمم فيهم منهم، (وَجِئْنا بِكَ) يا محمد (شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ): على أمتك. (تِبْياناً): بيانا بليغاً ونظير، «تبيان»:«تلقاء» في كسر أوله، وقد جوز الزجاج فتحه في غير القرآن. فإن قلت: كيف كان القرآن تبيانا لِكُلِّ شَيْءٍ؟ قلت: المعنى: أنه بين كل شيء من أمور الدين، حيث كان نصا على بعضها وإحالة على السنة، حيث أمر فيه بإتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم وطاعته. وقيل:(وما ينطق عن الهوى)(النجم: 3). وحثاً على الإجماع في قوله: (وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ)[النساء: 115]، وقد رضي رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته اتباع أصحابه، والاقتداء بآثارهم في قوله صلى الله عليه وسلم:«أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» ، وقد اجتهدوا وقاسوا ووطؤوا طرق القياس والاجتهاد، فكانت السنة والإجماع والقياس والاجتهاد، مستندة إلى تبيان الكتاب، فمن ثمّ كان تبيانا لكل شيء.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وقيل: (وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى)[النجم: 3]، عطفٌ على قوله:"أمر فيه باتباع الرسول وطاعته"، يعني: أُحيل البيان على السنة بوجهين حيث أمر فيه، أي: في قوله تعالى: (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ)[النور: 54] ن وحيث قيل في حقه: (وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى).

قوله: (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم)، مثله في "جامع الأصول"، رواه رزين العبدري عن ابن المسيب، وفي رواية "أخبار الشهاب":"أصحابي مثلُ النجوم من اقتدى بشيء منها اهتدى"، وذكره الصغاني في قسم الحِسان.

ص: 179

[(إِنَّ اللَّهَ يَامُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)].

العدل: هو الواجب؛

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (العدلُ هو الواجب)، فيه إيماءٌ إلى مذهبه، فكنى عن الواجب بالعدل؛ لأن الواجب ملزوم العدل؛ لأن الله تعالى جعل ما فرض على عباده واقعاً تحت طاقتهم، أي: لا يلفهم فوق طاقتهم، لئلا يون جوراً، ومن ثم سموا أنفسهم بالعدلية. هذا تخصيص من غير دليل، سيما المقام يقتضي العموم، ولهذا قال ابن مسعود: اجمع آية في القرآن هذه الآية.

وقال القاضي: لو لم يكن في القرآن غير هذه الآية لصدق عليه أنه تبيان لكل شيء وهُدى ورحمة للعالمين، ولعل إيرادها عقيب قوله:(وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ) للتنبيه عليه.

وقال الإمام: إنما يحسن تفسيرُ اللفظ بمعنى إذا حصل بينهما مناسبة، وإلا كان فاسداً، وبناء على مجرد التحكم، فإن الله تعالى أمر بالعدل والإحسان، فالعدل عبارة على المتوسط بين طرفي الإفراط والتفريط، وذلك أمرٌ واجبٌ في جميع ما يصح فيه هذا المعنى، والواجبات إما في الاعتقتاد، وغما في الأعمال، أو في الخلاق، فالعدل في الاعتقاد: أما في التوحيد فيجب أن يعتقد أن الإله موصوفٌ بصفات الكمال، فهذا وسطٌ بين التعطيل والتشبيه. وأما في الأفعال: فيجب أن يعتقد أن العبد يصدر عنه الفعل كسباً بواسطة داعية وقدرة يخلقها الله تعالى؛ لأنه وسطٌ بين الجبر والقدر. أما الأعمال: فالعدل فيها أن يأتي بالطاعات علاى الطريق السوي. قال الله تعالى: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا)[البقرة: 286].

ص: 180

لأن الله تعالى عدل فيه على عباده، فجعل ما فرضه عليهم واقعاً تحت طاقتهم. وَالْإِحْسانِ: الندب؛ وإنما علق أمره بهما جميعاً؛ لأنّ الفرض لابدّ من أن يقع فيه تفريط فيجبره الندب؛ ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن علمه الفرائض فقال: والله لا زدت فيها ولا نقصت: «أفلح إن صدق» ، فعقد الفلاح بشرط الصدق والسلامة من

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

روينا عن البخاري ومسلم، عن عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"أيها الناس: خُذوا من الأعمال ما تطيقون، فإن الله تعالى ما يملُّ حتى تملوا".

وعن أبي داود، عن سهل، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تُشددوا على أنفسكم فيشدد عليكم

الحديث.

وأما الأخلاق: فالعدل في الجود: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً)[الفرقان: 67]، وفي الشجاعة:(أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ)[الفتح: 29](أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ)[المائدة: 54]، ثُم الزيادةُ على العدل قد تكون إحساناً، وقد تكون إساءة، والإحسان إما أن يكون بحسب الكمية أو الكيفية. فالكمية: كالتطوع بالنوافل، والكيفية: كالاستغراق في شهود مقامات العبودية والربوبية، قال صلى الله عليه وسلم:"الإحسان أن تعبُد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنهُ يراك"، وهذه الآية استئناف، كالبيان لكون الكتاب تبياناً لكل شيء.

قوله: (فقال: والله لا زدتُ فيها ولا نقصت)، وفي رواية البخاري ومسلم:"لا أزيدُ على هذا ولا أنقص".

قوله: (فعقد الفلاح)، أي: قيده، من قولهم: عقدتُ الحبل والبيع.

ص: 181

التفريط، وقال صلى الله عليه وسلم:«استقيموا ولن تحصوا» فما ينبغي أن يترك ما يجبر كسر التفريط ممن النوافل. والفواحش: ما جاوز حدود الله. وَالْمُنْكَرِ: ما تنكره العقول

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (استقيموا ولن تُحصوا)، الحديث، من رواية مالك وأحمد بن حنبل وابن ماجه، عن ثوبان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن".

النهاية: أي: استقيموا في كل شيء حتى لا تملوا، ولن تطيقوا الاستقامة، من قوله تعالى:(عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ)[المزمل: 20] أي: تطيقوا عده وضبطه.

قوله: (فما ينبغي أن يُترك ما يجبُرُ كسر التفريط من النوافل)، هذا متصلٌ بقوله:"ولذلك قال"؛ وهو تعليلٌ قوله: "ولابد من أن يقع تفريط فيجبره الندب، أي: ولن تطيقوا، وجيء بـ"لن" التي للتوكيد، وإذا كان الأمر على هذا فلابد مما يجبر به هذا التفريط، وليس ذلك إلا النوافل، لما روينا في "مسند الإمام أحمد بن حنبل"، عن رجلٍ من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: "أول ما يُحاسب به العبدُ صلاتُه، فإن كان أتمها كُتبت له تامة، فإن لم يكن أتمها قال الله تعالى: انظروا هل تجدون لعبدي من تطوع، فتُكملوا بها فريضته؟ ثم الزكاة كذلك، ثم تؤخذ الأعمالُ على حسب ذلك"، ورواه أبو داود عن أنس بن حكيم.

قوله: (والمنكر: ما تُنكره العقول)، الانتصاف: هذا اعتزالٌ، والمنكر: ما أنكره الشرع.

ص: 182

وَالْبَغْيِ: طلب التطاول بالظلم، وحين أسقطت من الخطب لعنة الملاعين على أمير

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الراغب: المنكر: كل فعلٍ تحكم العقول السليمة بقبحه أو تتوقف في استقباحه، فتحكم بقبحه الشريعة، وإلى ذلك قصد بقوله تعالى:(الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنْ الْمُنكَرِ)[التوبة: 112]، وقال في قوله تعالى:(إِنَّ اللَّهَ يَامُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ) يحثُّ على فعل الخير، وينهى عن الشر، وذلك بعضه بالشرع الذي شرعه لنا وبعضه بالعقل الذي ركبه فينا؛ والنهي حينئذ أعمُّ من حيث اللفظ والمعنى، فأما المعنى فكما في قوله:(وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى)[النازعات: 40] لأنه لم يعن أن يقول لنفسه: لا نفعلُ، بل أراد قمعها عن شهوتها ودفعها عما نزعت إليه، وهمت به، وكذا النهيُ عن المنكر يكون تارة باليد وتارة باللسان وتارة بالقلب. وأما اللفظ فكما تقول: اجتنب كذا، وأصل النهي: الزجرُ عن الشيء، وهو من حيث المعنى لا فرق بين أن يكون بالقول أو بغيره.

قوله: (والبغي: طلب التطاول بالظلم)، الانتصاف: البغي أصله الطلب، ومنه (ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ) [البقرة: 207]، وإطلاقه في العُرف مخصوص بالظلم.

قوله: (وحين أسقطت من الخُطب لعنة الملاعين)، ذكر صاحبُ "الكامل في التاريخ": كان بنو أمية يسبون أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، إلى أن وُليَّ عمر بنُ عبد العزيز الخلافة، فترك ذلك وكتب إلى العُمال في الآفاق بتركه، وكان سببث محبته علياً أنه قال: كنتُ بالمدينة أتعلمُ العلم، وكنتُ الزمُ عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود رضي الله عنه، فبلغه عني شيء من ذلك، فأتيته يوماً وهو يصلي، فأطال الصلاة، فقعدت أنتظرُ فراغه، فلما فرغ التفت إليّ، وقال: متى علمت أن الله تعالى غضب على أهل بدر وبيعة الرضوان

ص: 183

المؤمنين عليّ رضي الله عنه؛ أقيمت هذه الآية مقامها. ولعمري إنها كانت فاحشة ومنكراً وبغياً، ضاعف الله لمن سنها غضباً ونكالا وخزيا؛ إجابة لدعوة نبيه:«وعاد من عاداه»

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بعد أن رضي عنهم؟ قلتُ: لم أسمع بذلكن قال: فما الذي بلغني عنك في علي؟ فقلت: معذرة إلى الله وإليك، وتركتُ ما كنتُ عليه. وكان أبي إذا خطب فنال من علي تلجلج في كلامه، فقلت: يا أبتِ، إنك تمضي في خُطبتك فإذا أتيت إلى ذر عليٍّ عرفتُ منك تقصيراً. قال: أو فطنت ذلك؟ قلتُ: نعمْ. فقال: يا بُني، إن الذين حولنا لو يعلمون من علي ما نعلم لتفرقوا عنا إلى أولاده، فلما وُلي الخلافة لم تكن عنده من الرغبة في الدنيا ما يرتكب هذا الأمر العظيم لأجلها، فترك ذلك، وكتب بتركه، وقرأ عوضه:(إِنَّ اللَّهَ يَامُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ) الآية، فحل هذا الفعل عند الناس محلا عظيماً، وأكثروا مدحهُ، فمنه قول كُثير:

وليت فلم تشتم عليا ولم تُخف

بريا ولم تتبع مقالة مجرم

تكلمت بالحق المبين وإنما

تبين آيات الهدى بالتكلم

فصدقت معروف الذي قلت بالذي

فعلت فأضحى راضياً كل مسلم

ألا إنما يكفي الفتى بعد زيغه

من الأود البادي ثقاف المقوم

فقال عمر رحمه الله حين أنشده هذا الشعر: أفلحنا إذن.

قوله: (وعاد من عاداه)، ذكر ابن عبد البر في "الاستيعاب"، قال: روى بريدة وأبو هريرة وجابر والبراء بن عازب وزيد بن أرقم، كل واحد منهم، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يوم غدير خم:"من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم والِ من والاه وعاد من عاداه"، وبعضُهم

ص: 184

وكانت سبب إسلام عثمان بن مظعون.

[(وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ* وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ)].

عهد الله: هي البيعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام، (إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لا يزيد على: "من كنتُ مولاه فعلي مولاه". ورواه أحمد بن حنبل عن البراء وحده.

قوله: (وكانت سبب إسلام عثمان بن مظعون)، وروى الإمام في "تفسيره" عن ابن عباس: أن عثمان بن مظعون الجُمحي قال: ما أسلمت أولاً إلا حياء من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يتقرر الإسلام في قلبين فحضرته ذات يوم، فبينا هو يحدثني غذ رأيت بصره شخص إلى السماء، ثم خفضه عن يمينه ثم عاد لمثل ذلك، فسألته، فقال: بينا أنا أحدثك إذ نزل جبريل عن يميني فقال: (إِنَّ اللَّهَ يَامُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ) إلى آخره، فقال عثمان: فوقع الإيمان في قلبي، وأتيت أبا طالب فأخبرته، فقال: يا معشر قريش: اتبعوا ابن أخي، إن كان صادقاً أو كاذباً فنه ما يأمركم إلا بمكارم الأخلاق.

ونحوه رأيت بخط مولاي المرحوم بهاء الدين القاشي رحمه الله.

قوله: (عهد الله: هي البيعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما أسند إلى الله لأن عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم عهدُ الله، لقوله: (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ)[الفتح: 10] وهو مستشهد لفظاً ومعنى؛ لأنه في أهل بيعة الرضوان، وإنما خصه ببيعة الرضوان لأن قوله: (أَنْ تَكُونَ

ص: 185

يُبايِعُونَ اللَّهَ) [الفتح: 10]. (وَلا تَنْقُضُوا) أيمان البيعة (بَعْدَ تَوْكِيدِها) أي: بعد توثيقها باسم الله. وأكد ووكد: لغتان فصيحتان، والأصل الواو، والهمزة بدل. (كَفِيلًا): شاهداً ورقيباً؛ لأن الكفيل مراع لحال المكفول به مهيمن عليه. (وَلا تَكُونُوا) في نقض الأيمان كالمرأة التي أنحت على غزلها بعد أَن أحكمته وأبرمته فجعلته (أَنْكاثاً) جمع نكث؛ وهو ما ينكث فتله. قيل: هي ريطة بنت سعد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ) في قريش يعني: أوفوا بما عاهدتم الله، ولاتنقضوه مخافة الأعداء من قريش، وتوفر عددهم وعُددهم، وإنما جعلكم مستضعفين، وأعداءكم أقوياء، ليتميز الثابت منكم والناكص على عقبيه، وإليه أشار بقوله:(إِنَّمَا يَبْلُوكُمْ اللَّهُ بِهِ)، وقوله:(وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ): عطفٌ من حيث المعنى على قوله: (إِنَّ اللَّهَ يَامُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ)، الآية، عطف الخاص على العام اهتماماً بوفاء العهد والثبات عليه، ولذلك عقبه بالتمثيلين، وجيء بقوله:(وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً) اعتراضاً بين المعطوف والمعطوف عليه.

قوله: ((بَعْدَ تَوْكِيدِهَا)، أي: بعد توثيقها)، الراغب: وكدتُ القول والعهد وأكدته بمعنى أحكمته. والسير الذي يُشد به القربوس يُسمى التأكيد، ولا يقال: توكيدٌ، قال الخليل:"أكدتُ في عقد الأيمان" أجود، و"وكدتُ في القول" أجود، تقول: إذا عقدت فأد، وإذا حلفت فوكد. ووكد وكده: إذا قصد قصده وتخلق بخلُقِه.

قوله: (أنحت على غزلها)، الأساس: أنحى عليه بالسوط: أقبل عليه.

قوله: ((أَنكَاثاً): جمع نكث)، الأساس: نكث الحبل، ومن المجاز: نكث العهد والبيعة. الراغب: نكث الأكسية والغزل قريب من النقص، واستعير لنقض العهد، والنكث كالنقض، والنكيثة كالنقيضة، وكل خصلةٍ ينكث فيها القوم، يقال لها: نكيثة.

قال أبو البقاء: (أَنكَاثاً): جمعُ نكث، بمعنى: المنكوث، أي: المنقوض، ونُصبَ

ص: 186

ابن تيم وكانت خرقاء؛ اتخذت مغزلا قدر ذراع وصنارة مثل أصبع وفلكة عظيمة على قدرها، فكانت تغزل هي وجواريها من الغداة إلى الظهر، ثم تأمرهنّ فينقضن ما غزلن. (تَتَّخِذُونَ) حال، و (دَخَلًا): أحد مفعولي اتخذ. يعنى: ولا تنقضوا أيمانكم متخذيها

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

على الحال من (غَزْلَهَا)، ويجوزُ أن يكون مفعولاً ثانياً على المعنى؛ لأن معنى (نَقَضَتْ): صيرت.

وفي الحاشية: (أَنكَاثاً): نصب على المصدر؛ لأن معنى "نكثت": نقضت، وعلى ما في الكتاب: هو مفعولٌ به لفعل محذوف، لقوله:"فجعلته أنكاثاً"، وهذا أولى الوجوه، وأدخلُ في معنى التمثيل؛ لأن التركيب من باب:(إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا)[المائدة: 6]، ولذلك قد أنحت على غزلها، وجاء بالفاء في "فجعلته" فجمع بين القصد والفعل، والتشبيه التمثيليُّ كلما كان أكثر تفصيلاً وأوفر تصويراً كان أحسن، ولذلك أوثر الجمع في:(أَنكَاثاً) على الإفراد لتنويع النكوث، وأقيم الوصف في قوله:(كَالَّتِي نَقَضَتْ) منزلة الموصوف ليشعر بأن الناقضة جامعة لمعانٍ، توجبُ انحطاط شأنها من كونها خرقاء عاجزة عجوزاً إلى غير ذلك.

وهذا التمثيل بجملته توكيدٌ لقوله: (وَلا تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا)، وهو إما استعارة مكنية بأن تكون الاستعارة في الأيمان، والنقض القرينة، وتوكيدها الترشيح، أو تمثيلية، والتمثيلان، أعني:"لا تنقضوا"، و (وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا)، وأراد أن على الأمر بوفاء العهد، أعني: وأوفوا بالعهد، على اطرد والعكس؛ لأن منطوق الأمر بإيفاء العهد مؤكدٌ لمفهوم النهي عن النقض وبالعكس، فظهر أن الغرض من التشبيه إبراز حال ناقض العهد، وأنه خارج من جملة الرجال الكملة والعقلاء المراجيح، داخل في زمرة النساء، بل في أدونها حالاً وأنقصها عقلاً.

قوله: (صُنارة)، الجوهري:"الصُّنارة: رأسُ المغزل".

ص: 187

دخلاً، (بَيْنَكُمْ) أي: مفسدة ودغلاً، (أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ): بسبب أن تكون أمة، يعنى: جماعة قريش، (هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ): هي أزيد عدداً وأوفر مالا. من أمة من جماعة المؤمنين، (إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ) الضمير لقوله:(أن تكون أمة)، لأنه في معنى المصدر، أى: إنما يختبركم بكونهم أربى، لينظر أتتمسكون بحبل الوفاء بعهد الله وما عقدتم على أنفسكم ووكدتم من أيمان البيعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أم تغترون بكثرة قريش وثروتهم وقوّتهم وقلة المؤمنين وفقرهم وضعفهم، (وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ) إنذار وتحذير من مخالفة ملة الإسلام.

[(وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَلَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)].

(وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً) حنيفة مسلمة على طريق الإلجاء والاضطرار، وهو قادر على ذلك، (وَلكِنْ) الحكمة اقتضت أن يضلّ (مَنْ يَشاءُ)؛ وهو أن يخذل من علم أنه يختار الكفر ويصمم عليه، (وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ) وهو أن يلطف بمن علم أنه يختار الإيمان. يعني: أنه بني الأمر على الاختيار وعلى ما يستحق به اللطف والخذلان، والثواب والعقاب، ولم يبنه على الإجبار الذي لا يستحق به شيء من ذلك، وحققه بقوله:(وَلَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) ولو كان هو المضطرّ إلى الضلال والاهتداء، لما أثبت لهم عملاً يسألون عنه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: ((دَخَلاً بَيْنَكُمْ) أي: مفسدةً ودغلاً)، الراغبُ: الدخلُ كنايةٌ عن الفساد والعداوة المستبطنة، كالدغل، وعن الدعوة في النسب، يقال: دخل دخلاً، ويقال: دُخِلَ فلانٌ فهو مدخول، كناية عن بلهٍ في عقله، وفسادٍ في أصله، ومنه قيل: شجرة مدخولة.

قوله: (ولو كان هو المضطر إلى الضلال والاهتداء لما أثبت لهم عملا يُسألون عنه)، "المُضطر": اسم فاعل. وقلتُ: إثبات العمل لهم على طريق الكسب، لا يدفع السؤال.

ص: 188

[(وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ)].

ثم كرر النهى عن اتخاذ الأيمان دخلا بينهم، تأكيداً عليهم، وإظهاراً لعظم ما يركب منه، (فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها) فتزلّ أقدامكم عن محجة الإسلام بعد ثبوتها عليها، (وَتَذُوقُوا السُّوءَ) في الدنيا بصدودكم (عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) وخروجكم من الدين. أو: بصدّكم غيركم، لأنهم لو نقضوا أيمان البيعة وارتدّوا، لاتخذوا نقضها سنة لغيرهم يستنون بها، (وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ) في الآخرة.

[(وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً إِنَّما عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ)].

كأن قوماً ممن أسلم بمكة زين لهم الشيطان لجزعهم مما رأوا من غلبة قريش واستضعافهم المسلمين، وإيذائهم لهم، ولما كانوا يعدونهم إن رجعوا من المواعيد أن ينقضوا ما بايعوا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فثبتهم الله، (وَلا تَشْتَرُوا) ولا تستبدلوا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قال الإمام: اعلم أنه تعالى لما كلف القوم بالوفاء بالعهد وتحريم نقضه، أتبعه ببيان أنه تعالى قادرٌ على أن يجمعهم على هذا الوفاء بالعهد وعلى سائر أبواب الإيمان، ولكنه تعالى بحكم الإلهية يُضل من يشاء، ويهدي من يشاء. يريد أن قوله:(لَوْ شَاءَ اللَّهُ) الآية، دخلت معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه، أعني قوله:(وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ) توكيد لمعنى الابتلاء، وأنه بحم الإلهية يختبر القليل الضعيف القديم بالقوي الكثير ذي الشوكة كما أشار إليه بقوله:"هي أزيدُ عدداً وأوفر مالاً" إلى آخره، كما أنه بحكم الإلهية يُضل من يشاء ويهدي من يشاء، فقوله:(وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) مقابل لقوله: (وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ).

قوله: (أن ينقضوا ما بايعوا)، متعلق بقوله:"زين لهم الشيطانُ".

ص: 189

(بِعَهْدِ اللَّهِ) وبيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم (ثَمَناً قَلِيلًا): عرضاً من الدنيا يسيراً، وهو ما كانت قريش يعدونهم ويمنونهم إن رجعوا، (إِنَّما عِنْدَ اللَّهِ) من إظهاركم وتغنيمكم، ومن ثواب الآخرة (خَيْرٌ لَكُمْ).

[(ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ)].

(ما عِنْدَكُمْ) من أعراض الدنيا (يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّه) من خزائن رحمته (باقٍ) لا ينفد. وقرئ: (لَنَجْزِيَنَّ) بالنون والياء، (الَّذِينَ صَبَرُوا) على أذى المشركين ومشاقّ الإسلام. فإن قلت: لم وحدت القدم ونكرت؟ قلت: لاستعظام أن تزلّ قدم واحدة عن طريق الحق بعد أن ثبتت عليه، فكيف بأقدام كثيرة؟

[(مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ)].

فإن قلت: (مَنْ) متناول في نفسه للذكر والأنثى، فما معنى تبيينه بهما؟ قلت: هو مبهم صالح على الإطلاق للنوعين، إلا أنه إذا ذكر كان الظاهر تناوله للذكور، فقيل (مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى) على التبيين، ليعمّ الموعد النوعين جميعاً (حَياةً طَيِّبَةً) يعني:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: ((لَنَجْزِيَنَّ) بالنون والياء)، بالنون: ابن كثير وعاصم.

قوله: (ليعم الموعدُ النوعين جميعاً)، قال صاحب "الفرائد": لو لم يذكر الأنثى لكانت داخلة في الحكم بطريق التغليب، ألا ترى إلى قوله تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) دخلت

ص: 190

في الدنيا، وهو الظاهر، لقوله:(وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ)، وعده الله ثواب الدنيا والآخرة، كقوله:(فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ)[آل عمران: 148]؛ وذلك أنّ المؤمن مع العمل الصالح موسراً كان أو معسراً يعيش عيشاً طيباً؛ إن كان موسراً، فلا مقال فيه. وإن كان معسراً، فمعه ما يطيب عيشه؛ وهو القناعة والرضا بقسمة الله. وأمّا الفاجر فأمره على العكس: إن كان معسراً؛ فلا إشكال في أمره، وإن كان موسراً؛ فالحرص لا يدعه أن يتهنأ بعيشه. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: الحياة الطيبة: الرزق الحلال. وعن الحسن: القناعة. وعن قتادة: يعنى في الجنة. وقيل: هي حلاوة الطاعة والتوفيق في قلبه.

[(فَإِذا قَرَاتَ الْقُرْآنَ (فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ* إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ* إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ)].

لما ذكر العمل الصالح ووعد عليه، وصل به قوله:(فَإِذا قَرَاتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ) إيذاناً بأن الاستعاذة من جمله الأعمال الصالحة التي يجزل الله عليها الثواب.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

النساء في الخطاب بطريق التغليب؟ ولما كان المراد من (مَن) العموم والاستيعاب لحصول التسوية بينهما في الحكم، لا بطريق التغيب بين بقوله:(مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى).

وقال الإمام: إنه تعالى لما رغب المؤمنين في الصبر على ما التزموه من فعل الواجبات والمندوبات دون المباحات بقوله: (وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا) ثم رغبهم في الإيمان بكل ما كان من شرائع الإسلام بقوله: (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً)، أتبع ذلك بقوله:(مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى) تقريراً للوعد وإزالة لوهم التخصيص كرماً وفضلاً.

قوله: (لما ذكر العمل الصالح ووعد عليه، وصل به قوله: (فَإِذَا قَرَاتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ) إيذاناً بأن الاستعاذة من جملة الأعمال الصالحة)، قال القاضي: وفيه دليلٌ على أن

ص: 191

والمعنى: فإذا أردت قراءة القرآن فاستعذ، كقوله:(إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ)[المائدة: 6]، وكقولك: إذا أكلت فسمّ الله. فإن قلت: لم عبر عن إرادة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصلي يستعيذ في كل ركعة؛ لأن الحكم المترتب على شرط يتكرر بتكرره قياساً.

قلت: ويمكن أن يُقال: إن قوله: (فَإِذَا قَرَاتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ) متصل بالفاء بما سق من قوله: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ)، وذلك أنه تعالى لما من عليه صلوات الله عليه بإنزال كتاب جامع لصفات الكتاب، وأنه تبيان لكل شيء، ونبه على كونه تبياناً لكل شيء بالكلمة الجامعة، وهي قوله:(إِنَّ اللَّهَ يَامُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ) الآية، وعطف عليه:(أَوْفُوا بِالْعَهْدِ) وأكده ذلك التأكيد، قال بعد ذلك:(فَإِذَا قَرَاتَ) أي: إذا شرعت في قراءة هذا الكتاب الشريف الجامع الذي نُبهت على بعض ما اشتمل عليه، ونازعك فيه الشيطان بهمزه ونفخه ونفثه، فاستعذ بالله، والمقصود: إرشاد الأمة، ويظهر بهذا فائدة وضع القرآن موضع المضمر؛ لأن القرآن: الجمع والضم، ولهذا قلنا: الكتاب الشريف الجامع، وينتظم معه قوله:(وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ)، فإن ذلك من منشأ النزع الذي يورده حزب الشيطان، ويقول: لو كان من عند الله لما تطرق إليه النسخ والتبديل، والله أعلم.

قوله: (كقوله: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ)[المائدة: 6]، قال صاحب "الفرائد": المستشهد ليس من قبيل ما نحن فيه؛ لأن هناك تركاً للظاهر بدليل، وهنا بغير دليل.

قلت: دليله إجماع الفقهاء، وسنده ما رواه أبو داود وابن ماجه، عن جبير بن مطعم، أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يقول بعد تكبير الصلاة:"أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، من نفخه ونفثه وهمزه".

ص: 192

الفعل بلفظ الفعل؟ قلت: لأن الفعل يوجد عند القصد والإرادة بغير فاصل وعلى حسبه، فكان منه بسبب قوىّ وملابسة ظاهرة. وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: قرأت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: أعوذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم، فقال لي:«يا ابن أمّ عبد. قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، هكذا أقرأنيه جبريل عليه السلام عن القلم عن اللوح المحفوظ» (لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ) أى: تسلط وولاية على أولياء الله، يعنى:

أنهم لا يقبلون منه ولا يطيعونه فيما يريد منهم من اتباع خطواته. (إِنَّما سُلْطانُهُ) على من يتولاه ويطيعه (بِهِ مُشْرِكُونَ) الضمير يرجع إلى (ربهم). ويجوز أن يرجع إلى (الشيطان)، على معنى: بسببه وغروره ووسوسته.

[(وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ)].

تبديل الآية مكان الآية: هو النسخ، والله تعالى ينسخ الشرائع بالشرائع؛ لأنها مصالح، وما كان مصلحة أمس يجوز أن يكون مفسدة اليوم، وخلافه مصلحة. والله تعالى عالم بالمصالح والمفاسد، فيثبت ما يشاء وينسخ ما يشاء بحكمته. وهذا معنى قوله:(وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ)(قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ) وجدوا مدخلاً للطعن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (تبديل الآية مكان الآية هو النسخ)، يعني: أنه تعالى عبر عن النسخ بهذه العبارة. قال الإمام: التبديل: رفع الشيء مع وضع غيره مكانه، وتبديل الآية رفعها بآية أخرى مكانها، وهو نسخها بآية سواها. وقلت: فيكون التبديل مضمناً معنى الوضع، أي: وضعنا آية مكان آية تبديلا. وقال القاضي: وإذا بدلنا آية بالنسخ فجعلنا الآية الناسخة مكان المنسوخة.

قوله: (وهذا معنى قوله: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ))، قال الإمام: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ

ص: 193

فطعنوا، وذلك لجهلهم وبعدهم عن العلم بالناسخ والمنسوخ، وكانوا يقولون: إن محمدا يسخر من أصحابه: يأمرهم اليوم بأمر وينهاهم عنه غدا، فيأتيهم بما هو أهون، ولقد افتروا؛ فقد كان ينسخ الأشق بالأهون، والأهون بالأشق، والأهون بالأهون، والأشق بالأشق، لأنّ الغرض المصلحة، لا الهوان والمشقة. فإن قلت: هل في ذكر تبديل الآية بالآية دليل على أن القرآن إنما ينسخ بمثله، ولا يصح بغيره من السنة والإجماع والقياس؟ قلت: فيه أن قرآناً ينسخ بمثله، وليس فيه نفى نسخه بغيره، على أن السنة المكشوفة المتواترة مثل القرآن في إيجاب العلم، فنسخه بها كنسخه بمثله، وأمّا الإجماع والقياس والسنة غير المقطوع بها فلا يصح نسخ القرآن بها.

[(قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ)].

في (يُنَزِّلُ) و (نَزَّلَهُ) وما فيهما من التنزيل شيئاً فشيئاً على حسب الحوادث والمصالح: إشارة إلى أن التبديل من باب المصالح، كالتنزيل، وأنّ ترك النسخ بمنزلة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بِمَا يُنَزِّلُ) اعتراض دخل بين الشرط وجزائه، أي: هو أعلم بما يُنزل من الناسخ والمنسوخ والتغليظ والتخفيف لمصالح العباد، وهذا توبيخ لكفار على قولهم:(إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ) أي: إذا كان هو أعلم بما يُنزل فما بالهم ينسبون محمداً إلى الافتراء لأجل التبديل والنسخ، وقوله:(بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ) معناه: لا يعلمون حقيقة القرآن، وفائدة النسخ والتبديل، كما أن الطبيب الحاذق يأمر المريض بشربة، ثم بعد ذلك ينهاه عنها ويأمر بضد تلك الشربة.

قوله: (إن السنة المكشوفة المتواترة مثل القرآن)، وقد سبق الكلام عليه في سورة البقرة.

ص: 194

إنزاله دفعة واحدة في خروجه عن الحكمة. و (رُوحُ الْقُدُسِ): جبريل عليه السلام، أضيف إلى القدس؛ وهو الطهر، كما يقال: حاتم الجود، وزيد الخير، والمراد: الروح المقدّس، وحاتم الجواد، وزيد الخير. والمقدّس: المطهر من المآثم. وقرئ: بضم الدال وسكونها. (بِالْحَقِّ) في موضع الحال، أي نزله ملتبساً بالحكمة، يعنى: أن النسخ من جملة الحق؛ (لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا): ليبلوهم بالنسخ، حتى إذا قالوا فيه: هو الحق من ربنا والحكمة، حكم لهم بثبات القدم وصحة اليقين وطمأنينة القلوب، على أن الله حكيم فلا يفعل إلا ما هو حكمة وصواب، (وَهُدىً وَبُشْرى) مفعول لهما

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (حكم لهم بثبات القدم)، جزاء لقوله:"إذا قالوا فيه، وحتى: داخلة على الجملة الشرطية"، وهي غاية لمقدر هو تعليل لقوله:(نزَلَهُ) في الحقيقة.

وقوله: (على أن الله حكيم)، متعلق بـ"قالوا"، أي قالوا فيه ذلك، بناء على معتقدهم أن الله حكيم. وقيل: متعلق بثبات القدم، وفيه ضعف. المعنى:(نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ) ملتبساً بالحق، ليبلو المؤمنين بالنسخ فيجتهدوا، ويعلموا أنه لمصالح العباد حتى إذا قالوا فيه: هو الحق من ربنا، حكم لهم بثبات القدم، ويمكن أن يقال: إن من عرف أن الله تعالى أنزل كلامه المجيد على سيد المرسلين بواسطة الروح المقدسة، علم أن ذلك لا يكون إلا نوراً وهدى، وإن لم يقف على حقيقة المراد، حتى إذا قال: هو الحق من ربنا، وآمن به ووكل علمه إلى الله تعالى، سواء كان من قسم المتشابه، أو تبديل آية مكان آية، فحينئذ حُكم له بثبات القدم والرسوخ في العلم، كقوله تعالى:(وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا)[آل عمران: 7].

ويعضد هذا التأويل مجيء قوله: (وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) عقيب هذا، أي: هُدى وبُشرى للذين ينقادون لحكم ربهم ويتسلمون لما ورد من جنابه الأقدس، لا كالزائغين الذين يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، وكالذين يطعنون في النسخ،

ص: 195

معطوفان على محل (ليثبت). والتقدير: تثبيتا لهم وإرشادا وبشارة، وفيه تعريض بحصول أضداد هذه الخصال لغيرهم. وقرئ:(ليثبت)، بالتخفيف.

[(وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ)].

أرادوا بالبشر: غلاما كان لحويطب بن عبد العزى قد أسلم وحسن إسلامه اسمه عائش أو يعيش، وكان صاحب كتب. وقيل: هو جبر، غلام رومي كان لعامر بن الحضرمي. وقيل عبدان: جبر ويسار، كانا يصنعان السيوف بمكة ويقرآان التوراة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هذا مُوافق لما ذهب إليه القاضي في "المنهاج" في الناسخ والمنسوخ: أن حُكمه أن يتبع المصالح فيتغير بتغيرها، وغلا فله كيف يشاء.

قوله: (وفيه تعريض) أي: في إثبات التثبيت والهدى والبشارة للمؤمنين تعريض بحصول أضدادها في المشركين والزائغين، وذلك أن قوله:(قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ) الآية جواب عن قول المشركين: (إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ)، وهو قريب من باب الأسلوب الحكيم، فإنهم أرادوا بقولهم:(إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ): أن هذا ليس من كلام الله تعالى؛ لأن الله تعالى لا يسخر من أحد، يأمرهم اليوم بشيء وينهاهم غداً عنه، بل هو من تلقاء نفسك، فأجيبوا بان هذا من الله، فزيد في التصوير بأن قيل:(نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ) ثم زيد قوله: (بِالْحَقِّ) لينبه على الدفع عن الطعن بألطف الوجوه، أي: تنزيله ملتبس بالحق والحكمة ومصالح الخلق، ثم النعي على قبح أفعالهم بأن قيل:(لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا) إلى آخره تعريضاً بأن أضداد هذه الخصال حاصلة فيهم، وأنهم متزلزلون ضالون موبخون منذرون بالخزي والنكال واللعن في الدنيا والآخرة، وأن أعداءهم على خلاف ذلك، ليزيد في غيظهم وحنقهم، ما أحسن هذا البيان! لله دره.

ص: 196

والإنجيل، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مرّ وقف عليهما يسمع ما يقرآان، فقالوا: يعلمانه، فقيل لأحدهما، فقال: بل هو يعلمني. وقيل: هو سلمان الفارسي. واللسان: اللغة. ويقال: ألحد القبر ولحده، وهو ملحد وملحود، إذا أمال حفره عن الاستقامة، فحفر في شق منه، ثم استعير لكل إمالة عن استقامة، فقالوا:

ألحد فلان في قول، وألحد في دينه. ومنه الملحد، لأنه أمال مذهبه عن الأديان كلها، لم يمله عن دين إلى دين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (فقيل لأحدهما)، يعني: قيل لأحد هذين العبدين: أتعلمه أنت؟ فقال: بل هو يعلمني. وقيل: هذا المجيب هو سلمان الفارسي، وهو غير صحيح؛ لأن سلمان أتى النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، والآية مكية.

قوله: (ثم استعير لكل إمالة عن استقامة)، الراغب: الإلحاد ضربان: إلحاد إلى الشرك بالله، وإلحاد إلى الشرك بالأسباب، فالأول ينافي الإيمان ويبطله، والثاني يوهن عُراه ولا يبطله، وقال:(الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ) والإلحاد في أسمائه على وجهين، أحدهما: أن يوصف بما لا يصح وصفه به، والثاني: أن يتأول أوصافه بما لا يليق به.

قوله: (ومنه الملحد؛ لأنه أمال مذهبه عن الأديان كلها). قال الشهرستاني في كتاب "الملل والنحل": "وفرق الباطنية أوردهم أصحاب التصانيف في كتب المقالات إما خارجة عن الفرق وإما داخلة فيها، وبالجملة هم قوم مخالفون، اثنين وسبعون فرقة، ثم إن الباطنية القديمة خلطوا كلامهم ببعض كلام الفلاسفة وصنفوا كتبهم على ذلك المنهاج، وسموا باطنية لأنهم يقولون: لكل ظاهر باطن، ولكل تنزيل تأويل، ولهم ألقاب كثيرة، فبالعراق: يسمون الباطنية والقرامطة والمزدكية، وبخراسان: التعليمية والملحدة، وهم يقولون: نحن إسماعيلية؛ لأنا تميزنا عن فرق الشيعة بهذا الاسم وبهذا الشخص، وقال: الإسماعيلية امتازت عن الموسوية والاثني عشرية بإثبات الإمامية لإسماعيل بن جعفر، وهو ابنه الكبر المنصوص عليه في بدء الأمر".

ص: 197

والمعنى: لسان الرجل الذي يميلون قولهم عن الاستقامة إليه لسان (أَعْجَمِيٌّ): غير بين، (وَهذا) القرآن (لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ): ذو بيان وفصاحة ردّا لقولهم وإبطالا لطعنهم. وقرئ (يُلْحِدُونَ) بفتح الياء والحاء. وفي قراءة الحسن: (اللسان الذي يلحدون إليه) بتعريف اللسان. فإن قلت: الجملة التي هي قوله: (لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ) ما محلها؟ قلت: لا محل لها، لأنها مستأنفة جواب لقولهم. ومثله قوله:(اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ) بعد قوله: (وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ)[الأنعام: 124].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وقرئ: "يلحدون" بفتح الياء والحاء)، قرأها حمزة.

قوله: (مستأنفة: جواب لقولهم)، فإنه تعالى لما قال:(وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ) ومرجعه أنه مُفترٍ، وأن ما جاء به ليس من عند الله، اتجه لقائل أن يقول: فماذا أجاب الله عن ذلك؟ فقيل: قال: (لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ).

قوله: (ومثله قوله: (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ)[الأنعام: 124]، وجه التشبيه: هو أن قولهم: (لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ)[الأنعام: 123] كقولهم: (إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ) في إثبات الشيء على خلاف ما ينبغي أن يكون عليه، ومرجعهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مفتر، وأن ما جاء به ليس من عند الله، بل من قبل غيره، ألا ترى كيف عقبه بقوله:(إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ)؟ وخلاصة الردين: تجهيل القوم، وعدم تمييزهم بين الحق الصُّراح والباطل المحض، وأن كلامهم من الجُزاف الذي يُرمى من غير فكر وروية، ألا ترى إلى قوله تعالى:(إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمْ اللَّهُ) كأنه قيل: عن النبوة ليست بالمال والحسب، وإنما هي بفضائل نفسانية يختص بها من يمثله من عباده، فيجتبي لرسالته من علم أنه يصلح لها؟ فكيف تؤتونها وأنتم لستم بمكانها، بل تستحقون أن يُفعل بكم كل هوان وخزي ونكال بقولكم:(إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ)؛ لأن المتعلم إنما يستفيد من المعلم ما هو أعلم به، وأقدم منه، وما أتى به صلوات الله عليه كلامٌ

ص: 198

[(إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ * إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ)].

(إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّه) أى: يعلم الله منهم أنهم لا يؤمنون (لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ) لا يلطف بهم، لأنهم من أهل الخذلان في الدنيا والعذاب في الآخرة، لا من أهل اللطف والثواب (إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ) ردّ لقولهم:(إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ) يعنى: إنما يليق افتراء الكذب بمن لا يؤمن، لأنه لا يترقب عقاباً عليه، (وَأُولئِكَ) إشارة إلى قريش (هُمُ الْكاذِبُونَ) أي: هم الذين لا يؤمنون، فهم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عربي مبين: أي: بليغٌ فصيحٌ بلغ غايته في البلاغة والفصاحة، حيث عجزتم عن الإتيان بسورة من مثله، فكيف يؤخذ من عجمي ألكن جاهل؟

قوله: ((لا يَهْدِيهِمْ اللَّهُ): لا يلطف بهم)، وعند أهل السنة على الحقيقة.

قوله: ((وَأُوْلَئِكَ) إشارة إلى قريش)، اعلم أن المشار إليه بقوله:(وَأُوْلَئِكَ) إما قوله: (الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ) لأنه المذكور، أو قريش؛ لأن سياق الكلام فيهم، لأنهم هم الذين قالوا:(إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ)، وقالوا:(إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ).

فعلى الأول عام في قريش وغيرهم، وحينئذ يكون التعريف في (الْكَاذِبُونَ) للجنس، وإليه الإشارة بقوله:(هُمْ الْكَاذِبُونَ) على الحقيقة، الكاملون في الكذب، فيدخل في هذا العام قريش دخولاً أولياً، يعني: المفتري مطلقاً من لا يؤمن بالله ولا بآياته، وهو الكامل فيه؛ لأن تكذيب آيات الله لا شيء أعظم منه.

وأما الثاني فعلى وجهين: أحدهما: (الْكَاذِبُونَ): مطلق فلا يقدر في أي شيء كذبوا، وهو أيضاً على وجهين: إما أن يكون قوله: (إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ) عاماً والكلام واردٌ على الاستدراج، المعنى: اعلموا أن المفتري منا ومنكم: الذي لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر ولا بعقابه، فلا يبالي بالكذب، وقد ظهر أنكم الموصوفون بذلك، فيلزم أنكم الكاذبون، ودل على هذا الاستلزام الفاء في قوله:"فهم الكاذبون". وإما أن يُراد

ص: 199

الكاذبون، أو: إلى الذين لا يؤمنون، أي: أولئك هم الكاذبون على الحقيقة الكاملون في الكذب، لأنّ تكذيب آيات الله أعظم الكذب. أو: أولئك هم الذين عادتهم الكذب لا يبالون به في كل شيء، لا تحجبهم عنه مروءة ولا دين. أو: أولئك هم الكاذبون في قولهم: (إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ)[النحل: 101].

[(مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ* ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ* أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ* لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ)].

(مَنْ كَفَرَ) بدل من (الذين لا يؤمنون بآيات الله)[سورة النحل: 105]، على

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بالذين لا يؤمنون: قريش، وكان من حق الظاهر: لم يؤمنوا، فعدل إلى:(لا يُؤْمِنُونَ) لإفادة الاستمرار، أي: المفتري: من استمر على الكفر ولم يتوقع منه تجدد الإيمان، فيستمر على الكذب ويصير دأبه وعادته؛ لأن الرادع من الكذب المروءة، ومن لا إيمان له لا مروءة له، وإليه الإشارة بقوله:"أولئك هم الذين عادتهم الكذب" لا يحجبهم عنه مروءة ولا دين.

وثانيهما: (الْكَاذِبُونَ) مقيدٌ بحسب اقتضاء المقام، وهو المراد من قوله:(أُوْلَئِكَ هُمْ الْكَاذِبُونَ) في قولهم: (إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ).

قوله: ((مَنْ كَفَرَ): بدل من: (الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ))، فإن قلت: كيف يصح البدل، وأن قوله:(إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ) رد لقول قريش: (إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ) وهم ما كفروا بعد الإيمان؟ قلت: كلما كان الرد أبلغ كان في الإفحام أدخل.

وإنما عدل من ظاهر قوله: "بل أنتم مفترون" إلى قوله: (إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ

ص: 200

أن يجعل (وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ)[النحل: 105] اعتراضاً بين البدل والمبدل منه. والمعنى: إنما يفترى الكذب من كفر بالله من بعد إيمانه. واستثنى منهم المكره فلم يدخل تحت حكم الافتراء، ثم قال (وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً) أي: طاب به نفسا واعتقده، (فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ) ويجوز أن يكون بدلا من المبتدأ الذي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لا يُؤْمِنُونَ) ليكون إشعاراً بأن بين الإيمان وبين الكذب منافاة، والكذب من شيمة من عدم الإيمان، تعريضاً بهم، وبعثاً على التفكر في أن الكاذب منه ومنهم من هو، ثم إذا ذهب إلى إبدال:(مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ)[النحل: 106] منه على أن المراد: من كان متمكناً من الإيمان، ثم أعرض للعناد والتمرد، كقوله:(أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى)[البقرة: 16] بلغ الغاية القُصيا في المطلوب، وأيضاً جعل ذلك سُلماً وتخلصاً إلى ما فعلوا بأولئك السادة من المثلة، والصد عن الدين، فإنه أشنع وأقبح.

قوله: ((شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً) أي: طاب به نفساً)، بين بهذا مآل معناه وإعرابه، أما المعنى، فلأن الشرح هو الكشف، تقول: شرحت الغامض: إذا فسرته، فإن الغامض مما يضيق به الصدر ولا تطيب به النفس. وأما الإعراب، فلأن (نَفْساً): منصوب على التمييز، كذا (صَدْراً)، وفي "اللباب"، أي: شرح صدره، فصرف الفعل إلى المضاف فانتصب على التمييز، فكأنه قال: شرحه صدراً، أي: قبله على اختيار.

الراغب: أصل الشرح: بسط اللحم ونحوه، يقال شرحت اللحم وشرحته، ومنه شرح الصدر، أي: بسطه بنور إلهي وسكينة من جهة الله (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ)[الشرح: 1]، وشرح المشكل من الكلام: بسطه وإظهار معانيه.

قوله: (ويجوز أن يكون بدلاً من المبتدأ)، عطف على قوله:" (وَمَنْ كَفَرَ): بدل من (الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ) ".

ص: 201

هو (أُولئِكَ) على: ومن كفر بالله من بعد إيمانه هم الكاذبون. أو من الخبر الذي هو (الكاذبون)، على: وأولئك هم من كفر بالله من بعد إيمانه. ويجوز أن ينتصب على الذمّ. وقد جوّزوا أن يكون (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ) شرطاً مبتدأ، ويحذف جوابه، لأنّ جواب (مَنْ شَرَحَ) دال عليه، كأنه قيل: من كفر بالله فعليهم غضب، إلا من أكره، ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب. روى: أنّ ناساً من أهل مكة فتنوا فارتدوا عن الإسلام بعد دخولهم فيه، وكان فيهم من أكره فأجرى كلمة الكفر على لسانه وهو معتقد للإيمان، منهم عمار، وأبواه ياسر وسمية، وصهيب، وبلال،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وقد جوزوا أن يكون (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ) شرطاً مبتدأ)، وهو قول أبي علي الجبائي، أي: من كفر استحق الغضب والعقاب إلا من أكره.

قوله: (رُوي أن ناساً من أهل مكة فُتنوا) إلى آخره، ذكر ابن عبد البر في "الاستيعاب": عن ابن عمر: كان عمار وأمه سمية ممن عُذب في الله، ثم أعطاهم عمار ما أرادوا بلسانه واطمأن قلبه بالإيمان، فنزلت الآية، وهذا مما اجتمع عليه أهل التفسير.

وروى النسائي، عن عمر بن شرحبيل، عن رجل من الصحابة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مُلئ عمارٌ إيماناً إلى مُشاشه". المُشاش، بالضم: جمعُ مشاشةٍ، وهي رؤوس العظام اللينة.

قوله: (منهم عمارٌ)، مبتدأ وخبرٌ، "وأبواه" مع ما بعده معطوف على "عمار"، وقوله:"عُذبوا": جملة مستأنفة، فكأنه قيل: ما فُعل بهم؟ فقيل: عُذبوا، ونظيره قوله تعالى:(مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا)[الأحزاب: 23] إلا أن صدقوا: صفة لرجال، هذا على أن عماراً ممن عُذب على ما روي في "الاستيعاب"، فقوله:"فأما سُمية وأما عمارٌ" تفصيلٌ لقوله: "عُذبوا"، وقيل أبواه: مبتدأ والخبر: "عُذبوا"، وأن عماراً ما عُذبَ على ما عليه ظاهر كلام المصنف.

ص: 202

وخباب، وسالم: عذبوا، فأمّا سمية: فقد ربطت بين بعيرين ووجيء في قبلها بحربة، وقالوا: إنك أسلمت من أجل الرجال. فقتلت، وقتل ياسر، وهما أول قتيلين في الإسلام، وأما عمار فقد أعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرها. فقيل: يا رسول الله، إن عماراً كفر، فقال:«كلا، إنّ عماراً مليء إيماناً من قرنه إلى قدمه، واختلط الإيمان بلحمه ودمه» فأتى عمار رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبكى، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يمسح عينيه، وقال:«مالك؟ ! إن عادوا لك فعد لهم بما قلت» ومنهم جبر مولى الحضرمي، أكرهه سيده فكفر، ثم أسلم مولاه وأسلم، وحسن إسلامهما، وهاجرا. فإن قلت: أي الأمرين أفضل، أفعل عمار أم فعل أبويه؟ قلت: بل فعل أبويه، لأنّ في ترك التقية والصبر على القتل إعزازاً للإسلام. وقد روى: أنّ مسيلمة أخذ رجلين فقال لأحدهما: ما تقول في محمد؟ قال رسول الله. قال: فما تقول في؟ قال: أنت أيضا، فخلاه. وقال للآخر: ما تقول في محمد؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (إعزازاً للإسلام)؛ لأن المخالف إذا رأى أن المسلم يبذلُ ماله وروحه دون دينه أيقن أن مثل هذا الدين لا يكون إلا حقاً، ينصره قوله تعالى:(وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)، أي: يشكون في دينهم، يقولون: ما رجعوا، وهم أهل كتاب وعلم إلا لأمرٍ قد تبين لهم. يؤيده ما روينا في "صحيح البخاري" و"مسلم"، عن أبي سفيان: أن هرقل سأله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه: "هل يرتد أحدٌ منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه سخطة له؟ قال: قلت: لا. قال:

وكذلك الإيمانُ إذا خالط بشاشته القلوب

" الحديث.

ص: 203

قال: رسول الله. قال: فما تقول فيّ؟ قال: أنا أصمّ. فأعاد عليه ثلاثاً، فأعاد جوابه، فقتله، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:«أما الأوّل فقد أخذ برخصة الله. وأمّا الثاني فقد صدع بالحق فهنيئاً له» (ذلِكَ) إشارة إلى الوعيد، وأنّ الغضب والعذاب يلحقانهم بسبب استحبابهم الدنيا على الآخرة، واستحقاقهم خذلان الله بكفرهم، (وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ): الكاملون في الغفلة، الذين لا أحد أغفل منهم، لأنّ الغفلة عن تدبر العواقب هي غاية الغفلة ومنتهاها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (واستحقاقهم خذلان الله بكفرهم)، جعل سبب وعيد من شرح بالكفر صدراً - وهم الذين ارتدوا بعدما دخلوا في الإسلام - شيئين؛ أحدهما: استحباب الحياة الدنيا على الآخرة، وفيه إشارة إلى فضل ما فعل أبو عمار على عمار. وثانيهما: استحقاق خذلان الله بكفرهم، وإنما علل الخذلان بالكفر؛ لأن قوله:(لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) من وضع المظهر موضع المضمر للعلية.

ثم آذن بأنهم أحقاء بأن يطبع على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم لذلك الوصفين بقوله: (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ)، وتمم بقوله:(وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْغَافِلُونَ)، واللام للجنس، ليفيد ما قال:"أولئك هم الكاملون في الغفلة"، أي: إن تصور حقيقة الغافلين، فهم لا يعدون تلك الحقيقة، ومن ثم قال:"الذين لا أحد أغفل منهم، ثم لما أراد أن يبين البون بين الفريقين والبُعد بين المرتبتين، أعني: الثابتين على الإسلام، والناكصين عنه، قيل: (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا) الآية، وإليه الإشارة بقوله: "دلالة على تباعد حال هؤلاء من حال أولئك".

وقوبل تلك التوكيدات السابقة بمجرد اللام في قوله: (لِلَّذِينَ هَاجَرُوا) حيث أوقعه خبراً لـ "إن"، على ما قال:"إنه لهم لا عليهم، بمعنى أنه وليهم وناصرهم لا عدوهم وخاذلهم"، يدل على المقابلة تفسير المؤلف قوله:(وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) بقوله: "واستحقاقهم خذلان الله بكفرهم"، ووضع المظهر موضع المضمر في المتقابلين؛ لأن قوله:(لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا) وُضع موضع الراجع إلى قوله: (إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ)، ففي الآيات جمعٌ مع التقسيم والتفريق، فالجمع:

ص: 204

[(ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ* يَوْمَ تَاتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ)].

(ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ) دلالة على تباعد حال هؤلاء من حال أولئك، وهم عمار وأصحابه. ومعنى: إنّ ربك لهم، أنه لهم لا عليهم، بمعنى أنه وليهم وناصرهم لا عدوّهم وخاذلهم، كما يكون الملك الرجل لا عليه، فيكون محمياً منفوعاً غير مضرور. (مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا) بالعذاب والإكراه على الكفر.

وقرئ: (فُتِنُوا) على البناء للفاعل، أي: بعد ما عذبوا المؤمنين، .....

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ)، والتقسيم:(إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ)، (وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً)، والتفريق:(وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي)، و (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا)، والله أعلم بمراده من كلامه.

ونحن إنما ساعدنا تفسيره (لا يَهْدِي) بالخذلان، وتعليله بالكفر، ليقابله قوله:(لِلَّذِينَ هَاجَرُوا) إلى قوله: (لَغَفُورٌ رَحِيمٌ)؛ لأن الغفران مقابل للخذلان؛ لأنا نثبت للعبد أيضاً قدرة تميز بين الفعل الاختياري والقسري لتقوم حجة الله على عباده، وعُلم من مفهوم كلامه أن قوله:(ِلَّذِينَ هَاجَرُوا): خبرُ "إن"، والمقدر نحو ناصرٌ وولي للذين هاجروا، لقرينة قوله: خذلان الله بكفرهم، لأنه مقابل له، كما سبق.

وقال أبو البقاء: خبر "إن": (لَغَفُورٌ رَحِيمٌ)، و"إن" الثانية واسمها: تكرير للتوكيد، ومثله في هذه السورة:(ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ)[النحل: 119] الآية. وقيل: خبره محذوف؛ لأن خبر الثانية أغنى عن ذلك.

قوله: (وقرئ: "فتنوا"، على البناء للفاعل)، قرأها ابن عامر.

ص: 205

كالحضرمي وأشباهه. (مِنْ بَعْدِها): من بعد هذه الأفعال؛ وهي الهجرة والجهاد والصبر. (يَوْمَ تَاتِي) منصوب بـ (رحيم). أو بإضمار: اذكر. فإن قلت: ما معنى النفس المضافة إلى النفس؟ قلت: يقال لعين الشيء وذاته: نفسه، وفي نقيضه غيره، والنفس: الجملة كما هي، فالنفس الأولى: هي الجملة، والثانية عينها وذاتها، فكأنه قيل: يوم يأتي كل إنسان يجادل عن ذاته لا يهمه شأن غيره، كل يقول: نفسي نفسي.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (كالحضرمي وأشباهه)، بيان للفاعل في"عذبوا"، فإن الحضرمي كما سبق في "الكشاف" عذب عبده جبراً وأكرهه على الكفر، ثم أسلم الحضرمي.

قوله: ((مِنْ بَعْدِهَا) من بعد هذه الأفعال، وهي الهجرة والجهاد والصبر)، بناء على أن الثانية ليست بتكرير، وعلى قول أبي البقاء: التقدير (إِنَّ رَبَّكَ) من بعد الفتنة والجهاد والصبر.

قوله: ((يَوْمَ تَاتِي): منصوب بـ (رَّحِيمُ) أو بإضمار: اذكر)، والأول أدخل في تأليف النظم، ليقابل قوله:(لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمْ الأَخْسَرُونَ)[النحل: 109].

قوله: (فكأنه قيل: يوم يأتي كل إنسان يجادل عن ذاته)، قال صاحب "الفرائد": المغايرة شرط بين المضاف والمضاف إليه لامتناع النسبة بدون المنتسبين، فلذلك قالوا: يمتنع إضافة الشيء إلى نفسه، إلا أن المغايرة قبل الإضافة كافية، وهي محققة هاهنا؛ لأن من مطلق النفس لا يلزم نفسك، ومن نفسك يلزم النفس، فلما أضيف ما لا يلزم أن يكون نفسك إلى نفسك، ومن نسك يلزم النفس، فلما أضيف ما لا يلزم أن يكون نفسك إلى نفسك صحت الإضافة، وإن اتحدتا بعد الإضافة، فلهذا جاز "عين الشيء"، و"نفس الشيء"، و"كل الشيء"، ونحوها، ولما لم تكن المغايرة قبل الإضافة في الأسد والليثن والحبس والمنع، لم يجز: أسد الليث: وحبس المنع، وإنما قلنا: إن الاتحاد بعد الإضافة لا

ص: 206

ومعنى المجادلة عنها: الاعتذار عنها، كقوله:(هؤُلاءِ أَضَلُّونا)[الأعراف: 38]، (ما كُنَّا مُشْرِكِينَ) [الأنعام: 23]، ونحو ذلك.

[(وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَاتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ* وَلَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ وَهُمْ ظالِمُونَ)].

(وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً) أي جعل القرية التي هذه حالها مثلا لكل قوم أنعم الله

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يُخل بالإضافة؛ لأن الاتحاد يحصل بالاختصاص، والاختصاص يحصل بالإضافة، فيكون الاتحاد أثر الإضافة، فكيف يكون مانعاً للإضافة؟

وقلت: قول المصنف: "فالنفس الأولى هي الجملة، والثانية عينها، معناه: أن اعتبار الماهية غير اعتبار الجملة، فإن الجملة يقع فيها اعتبار الماهية مع اعتبار أفرادها.

قوله: (أي: جعل القرية التي هذه حالها مثلاً)، ضمن (ضَرَبَ) معنى (جعلَ) ليصح المعنى؛ لأن معنى ضرب المثل: اعتماده وصنعهن من ضرب اللبن والخاتم، كأنه جعل القرية الموصوفة بما يليها مفعولاً أولاً، و"مثلاً": مفعولاً ثانياً، وقريبٌ منه ذكر مكي في قوله تعالى:(وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ)[يس: 13] قال: أصح ما يعطي القياس والنظر في "مثل" و"أصحاب" أنهما مفعولان لـ"اضرب"، دليله قوله تعالى:(إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ)[يونس: 34]، فلا اختلاف أن (مَثَلَ الْحَيَاةِ): ابتداء و (كَمَاءٍ): خبره. وقال في موضع آخر: (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ)[الكهف: 45]، فدخل "اضرب" على الابتداء والخبر، فعمل فيهما، فقد تعدى "اضرب" الذي هو لتمثيل الأمثال إلى مفعولين بلا خلاف في هذا، فوجب أن يجري في غير هذا الموضع على ذلك.

والفاء في قوله: "فيجوز أن يُراد قرية" تفصيلية، والفاء في "فضربها الله مثلاً" متعلق بقوله:"أن يكون في قرى الأولين قرية".

ص: 207

عليهم فأبطرتهم النعمة، فكفروا وتولوا، فأنزل الله بهم نقمته. فيجوز أن تراد قرية مقدرة على هذه الصفة، وأن تكون في قرى الأوّلين قرية كانت هذه حالها، فضربها الله مثلا لمكة؛ إنذاراً من مثل عاقبتها (مُطْمَئِنَّةً): لا يزعجها خوف، لأن الطمأنينة مع الأمن، والانزعاج والقلق مع الخوف. (رَغَداً): واسعاً. والأنعم: جمع نعمة، على ترك الاعتداد بالتاء، كدرع وأدرع. أو: جمع نعم، كبؤس وأبؤس. وفي الحديث: نادى منادى النبي صلى الله عليه وسلم بالموسم بمنى: «إنها أيام طعم ونعم فلا تصوموا» . فإن قلت: الإذاقة واللباس استعارتان، فما وجه صحتهما؟ والإذاقة المستعارة موقعة على اللباس المستعار، فما وجه صحة إيقاعها عليه؟ قلت: أما الإذاقة فقد جرت عندهم مجرى

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (إنها أيام طُعم ونُعم)، وفي رواية لمسلم: أنه صلوات الله عليه أمر خادمه أن ينادي أيام التشريق: إنها أيام أكل وشرب.

قوله: (الإذاقة واللباس استعارتان)، خلاصة السؤال: أنه سأل عن بيان استعارة (فَأَذَاقَهَا) واستعارة (لِبَاسَ الْجُوعِ)، وعن نسبة أحداهما إلى الأخرى، فإنه تعالى أوقع إحدى الاستعارتين مفعولاً للأخرى.

قوله: (أما الإذاقة)، يريد أن الإذاقة بعدما كانت مستعارة للإدراك والإصابة، صارت حقيقة في الإصابة بسبب كثرة استعمالها وشيوعها فيها، ثم انتهض لبيان الجواب عن الاستعارة الأولى على سبيل الاستئناف، بأن قال: شبه ما يدرك، أي: شبه ما يدرك الإنسان من أثر الضرر بما يحس من طعم أمر والبشع، ثم أدخل المشبه في جنس ما يدرك من الطعم ثم أطلق ما يدرك بالفعل على اسم ما يحس بالفم، هذا تقرير أصل الاستعارة، وأنها مسبوقة لمثل هذا التشبيه، لا بيان أنها استعارة تبعية؛ لأن قوله:"ما يدرك من أثر الضرر"، بفتح

ص: 208

الحقيقة؛ لشيوعها في البلايا والشدائد وما يمسّ الناس منها، فيقولون: ذاق فلان البؤس والضر، وأذاقه العذاب؛ شبه ما يدرك من أثر الضرر والألم بما يدرك من طعم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الراء، اسم مفعول، وهو مثل الفعل في امتناع إيقاع الاستعارة فيه لامتناع وقوعه موصوفاً، ولو أريد تقرير التبعية لقيل: شُبهت إصابة العذاب ولحوقه بهم بإذاقة الطعم البشع المر، ثم سرت الاستعارة من الإذاقة إلى "أذاق"، فيكون استعارة مصرحة تبعية؛ لأن المشبه المتروك أمرٌ عقلي، وإنما اضطر إلى هذا التأويل، لأن الاستعارة وقعت في لباس الجوع، وقد فرع عليها (فَأَذَاقَهَا)، وهو لا يناسبها ترشيحاً ولا تجريداً فيُجعل بمعنى الإصابة ليكون تجريداً.

الراغب: الذوق: وجود الطعم بالفم، وأصله فيما يقل تناوله دون ما يكثر، فإن ما يكثر منه يقال له: الأكل، واختير في التنزيل لفظ الذوق في العذاب لأن ذلك وإن كان في التعاريف للقليل فهو مستصلح للكثير، فخصه بالذكر ليعم الأمرين، وكثر استعماله في العذاب نحو:(لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ)[النساء: 56]، وقد جاء في الرحمة نحو:(وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً)[هود: 9] ويعبر به عن الاختبار، فيقال: أذقته كذا فذاق. ويقال: فلان ذاق كذا، وأنا أكلته، أي: خبرته أكثر مما خبر.

وقال: الطعم: تناول الغذاء، ويسمى ما يتناول منه طعم وطعام، ورجل طاعم: حسن الحال. وقوله تعالى: (فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ)، فاستعمال الذوق مع اللباس من أجل أنه أريد به التجربة والاختبار، أي: فجعلها بحيث تمارس الجوع والخوف. وقيل: إن ذلك على تقدير كلامين، كأنه قيل: أذاقها الجوع والخوف وألبسها لباسهما.

ص: 209

المرّ والبشع. وأما اللباس فقد شبه به؛ لاشتماله على اللابس: ما غشى الإنسان والتبس به من بعض الحوادث. وأما إيقاع الإذاقة على لباس الجوع والخوف، فلأنه لما وقع عبارة عما يغشى منهما ويلابس، فكأنه قيل: فأذاقه ما غشيهم من الجوع والخوف، ولهم في نحو هذا طريقان لا بد من الإحاطة بهما، فإن الاستنكار لا يقع إلا لمن فقدهما، أحدهما: أن ينظروا فيه إلى المستعار له، كما نظر إليه هاهنا، ونحوه قول كثير: ....

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وأما اللباس)، هذا هو الجواب عن بيان الاستعارة الثانية، أي: شبه ما يغشى الإنسان ويتلبس به من أثر الجوع والخوف باللباس الحقيقي، والجامع: كونهما مشتملين على الإنسان وغاشيين له، ثم أطلق اسم اللباس على ما يغشى الإنسان من أثرهما، وجعل إضافته إليهما قرينة مانعة عن إرادة الحقيقة، فهي استعارة مصرحة أصلية تحقيقية، لكون المشبه المتروك عقلياً.

قوله: (وأما إيقاعُ)، هو الجواب عن نسبة إحدى الاستعارتين إلى الأخرى، وتقريره أن نسبة الاستعارة الأولى إلى الثانية بعدما جُعلت حقيقة في الإصابة والإدراك بسبب كثرة الاستعمال نسبة تفريع شيء على أصلن ولما كانت الإذاقة التي هي بمعنى الإصابة صفة ملائمة لغشيان الجوع والخوف المشبه باللباس جُعلت تجريداً لها، وهذا هو المراد من قوله:"فلأنه لما وقع عبارة عما يغشى-أي: فلان اللباس لما وقع عبارة عما يغشى - منهما" فكأنه قيل: فأذاقهم، أي: أصابهم ما غشيهم.

قوله: (ولهم في نحو هذا)، أي: العرب في نحو تفريع أذاقها على لباس الجوع، طريقان: طريق التجريد، وهو أن يُفرع على الاستعارة بعد تمامها صفة ملائمة للمستعار له كما نحن بصدده. وطريق الترشيح، وهي أن يُقرع عليها صفة ملائمة للمستعار منه كما في المثال الآتي،

ص: 210

غَمْرُ الرِّدَاءِ إذَا تَبَسَّمَ ضَاحِكاً

غَلِقَتْ لِضِحْكَتِهِ رِقَابُ المَالِ

استعارة الرداء للمعروف، لأنه يصون عرض صاحبه صون الرداء لما يلقى عليه. ووصفه بالغمر الذي هو وصف المعروف والنوال، لا صفة الرداء، نظر إلى المستعار له. والثاني: أن ينظروا فيه إلى المستعار، كقوله:

يُنَازِعُنِي رِدَائِي عَبْدُ عَمْرٍو

رُوَيْدَكَ يَا أَخَا عَمْرِو بْنِ بَكْر

لِيَ الشّطْرُ الَّذِى مَلَكَتْ يَمِينِى

وَدُونَكَ فَاعْتَجِرْ مِنْهُ بِشَطْرِ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (غمرُ الرداء إذا تبسم) البيت، "غمر الرداء" أي: كثيرُ العطاء، يقال: غلق الرهن: إذا استحقه المرتهن، وذلك إذا لم يفتك في الوقت المشروط. قال زهير:

وفارقتك برهن لا فكاك له

يوم الوداع فأمسى الرهن قد غلقا

أي: ارتهنت قلبه فذهبت به، يقول: إذا ضحك ضحكة أيقن السائل أنه بذلك التبسم استغلق رقاب ماله ويعطي بلا خلاف.

قوله: (ووصفه بالغمر الذي هو وصف للمعروف)، أي: فرع على المستعار له، لأن الغمر مناسب للمعروف لا على المستعار؛ لأن الغمر غير مناسب للرداء. وقلت: وفيه عدول عن الظاهر؛ لأن الغمر ليس صفة حقيقية للنوال والمعروف، بل هو وصف للبحر المستعار أولاً للمعروف، يقال: غمره الماء يغمره غمراً، أي: علاه، والغمر: الماء الكثير، فهو هاهنا تجريد للاستعارة بعد أن كان ترشيحاً، وهذا المثال المستشهد به يشبه استعماله استعمال الآية في أن التجريد ليس تجريداً محضاً.

قوله: (ينظروا فيه إلى المستعار)، أي: المستعار منه.

قوله: (ينازعني ردائي)، البيتين، الاعتجار: لف العمامة من غير إدارة تحت الحنك.

ص: 211

أراد بردائه سيفه، ثم قال:(فاعتجر منه بشطر)، فنظر إلى المستعار في لفظ الاعتجار، ولو نظر إليه فيما نحن فيه لقيل: فكساهم لباس الجوع والخوف، ولقال كثير: ضافي الرداء إذا تبسم ضاحكا. (وَهُمْ ظالِمُونَ) في حال التباسهم بالظلم، كقوله:(الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ)[النحل: 28] نعوذ بالله من مفاجأة النقمة والموت على الغفلة. وقرئ: (وَالْخَوْفِ) عطفاً على اللباس، أو على تقدير حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه. أصله: ولباس الخوف. وقرئ: (لباس الخوف والجوع).

[(فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالاً طَيِّباً وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ* إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)].

لما وعظهم بما ذكر من حال القرية وما أوتيت به من كفرها وسوء صنيعها،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الجوهري: الاعتجار: لف العمامة على الرأس. قال الراجز:

جاءت به معتجراً ببرده

يقول: يجاذبني سيفي عبد عمرو، يريد أن يأخذه مني، فقلت: رويدك! فلي النصف الأعلى منه الذي هو في يميني، وخُذ أنت النصف الأخير منه، فلف على راسك. ومثله قول الآخر:

تقاسمهم أسيافنا شر قسمة

ففينا غواشيها وفيهم صدورها

قوله: (ضافي الرداء)، أي: سابغه.

قوله: (وما أوتيت به من كفرها)، أي: أهلكت، الضمير في (به) للموصول، يقال: أتى عليهم الدهر، أي: اهلكهم وأفناهم، وأصله من إتيان العدو.

ص: 212

وصل بذلك بالفاء في قوله: (فَكُلُوا)؛ صدّهم عن أفعال الجاهلية ومذاهبهم الفاسدة التي كانوا عليها، بأن أمرهم بأكل ما رزقهم الله من الحلال الطيب، وشكر

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وصل بذلك بالفاء في قوله: (فَكُلُوا) صدهم عن أفعال الجاهلية ومذاهبهم الفاسدة)، بيان لربط الآيات من لدن مفتتح السورة، ولقد أسلفنا أن هذه السورة في بيان سوء أفعال قريش وقبائحهم، وفي تذكارهم ما خول الله لهم من أنواع النعم، وفي إنذارهم بنقم الله، وما حل بمن سبق من الأمم الخالية، ولما عدد عليهم النعم المتكاثرة من ذكر الأنعام وفوائدها وثمرات النخيل ومنافع ما يصل إليهم من النحل، وأنذرهم بأنواع من النذر، ثم نعى عليهم ما كانوا يفترون على الله من اتخاذ البنات، وقال:(وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمْ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمْ الْحُسْنَى)[النحل: 62]، وأراد أن يذكر نوعاً آخر من أفعالهم، وهو تحليلهم بأهوائهم ما حرم الله من أكل الميتة والدم ولحم الخنزير، وتحريمهم ما أحله الله من البحائر والسوائب والوصائل والحام، وقولهم:(مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا)[الأنعام: 139]، عقب ذلك ضرب المثل بقوله:(وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً) الآية، ليكون التخلص إلى قوله:(فَكُلُوا)، فردف بقوله:(وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمْ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ)، ويدل عليه تكرير قوله:(تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمْ الْكَذِبَ).

فظهر من هذا التقرير أن المأمور به هو ما عدد الله من أول السورة من المأكول والمشروب. أما المأكول فمنها قوله: (وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ) إلى (وَمِنْهَا تَاكُلُونَ)[النحل: 5] ومنها قوله: (يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ)[النحل: 11]، ومنها قوله:(وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَاكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً)[النحل: 14]، وأما المشروب فمنها قوله:(أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ)[النحل: 10]، ومنها قوله:(وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ)[النحل: 66]،

ص: 213

إنعامه بذلك، وقال:(إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) يعنى: تطيعون. أو إن صحّ زعمكم أنكم تعبدون الله بعبادة الآلهة، لأنها شفعاؤكم عنده. ثم عدد عليهم محرمات الله، ونهاهم عن تحريمهم وتحليلهم بأهوائهم وجهالاتهم، دون اتباع ما شرع الله على لسان أنبيائه.

[(وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ* مَتاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ)].

وانتصاب (الْكَذِبَ) بـ (لا تقولوا)، على: ولا تقولوا الكذب لما تصفه ألسنتكم من البهائم بالحل والحرمة في قولكم: (ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا) من غير استناد ذلك الوصف إلى وحى من الله أو إلى قياس مستند إليه. واللام مثلها في قولك: ولا تقولوا لما أحل الله هو حرام. وقوله: (هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ) بدل من (الكذب). ويجوز أن يتعلق بـ (تصف) على إرادة القول، أى: ولا تقولوا الكذب لما تصفه ألسنتكم، فتقول: هذا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ومنها: (وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً)[النحل: 67]، ومنها:(يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ)[النحل: 69]، والله أعلم.

قوله: (أو إن صح زعمكم أنكم تعبدون الله)، يعني: جاءت الشرطية مؤكدة للكلام، فإما أن تُحمل العبادة على الطاعة ليطابق الأمر، وهو:(فَكُلُوا)، أو أن تُجرى على حقيقتها، لكن على الزعم الكاذب.

قوله: (وانتصاب "الكذب" بـ (لا تَقُولُوا))، وهو يحتمل أن يكون مفعولاً به، وأن يكون مفعولاً مطلقاً، وقد مضى عن ابن الحاجب أن مثل هذا يبتني على أن القول يتعدى أو لا يتعدى، ففيه قولان: فإن تعدى فهو مفعول به، وإلا فمفعول مطلق.

قوله: (ويجوز أن يتعلق- أي: (هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ) - بـ (تَصِفُ) على إرادة القول)،

ص: 214

حلال وهذا حرام. ولك أن تنصب (الكذب) بـ (تصف)، وتجعل «ما» مصدرية، وتعلق (هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ) بـ (لا تقولوا)، على: ولا تقولوا: هذا حلال وهذا حرام؛ لوصف ألسنتكم الكذب، أى: لا تحرموا ولا تحللوا لأجل قول تنطق به ألسنتكم ويجول في أفواهكم، لا لأجل حجة وبينة، ولكن قول ساذج ودعوى فارغة. فإن قلت: ما معنى وصف ألسنتهم الكذب؟ قلت: هو من فصيح الكلام وبليغه، جعل قولهم كأنه عين الكذب ومحضه، فإذا نطقت به ألسنتهم فقد حلت الكذب

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فالفاء في: "فتقول" في الكتاب كالفاء في قوله: (فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ)[البقرة: 54].

قوله: (ولك أن تنصب (الْكَذِبَ) بـ (تَصِفُ)، عطف على قوله:"وانتصاب الكذب بـ (لا تَقُولُوا) "، و (مَا): مصدرية، واللام بمعنى: لأجل، وعلى الأول موصولة، واللام صلة لقوله:(لا تَقُولُوا).

قوله: (جعل قولهم كأنه عينُ الكذب ومحضه)، قال الإمام والقاضي: كأن ماهية الكذب وحقيقته مجهولة، وكلامهم يكشف عن حقيقة الكذب ويوضح ماهيته، أراد أن قوله:(تَصِفُ) بمعنى: توضح وتبين؛ لأن بعض الصفات بمنزلة الكاشف عن المحدود، والتعريف في الكذب للجنس، فكأن ألسنتهم إذا أخذت في النطق وصفت ذلك الجنس وكشفت عن حقيقته، عليه قول أبي العلاء:

سرى برق المعرة بعد وهن

فبات برامة يصف الكلالا

هذا، وأما ما عليه ظاهر كلام المصنف، فهو أن أصل الكلام لا تقولوا: هذا حلال وهذا حرامٌ، لأجل قولكم الكذب. فالقول وصف بالكذب في قوله:"لأجل قول تنطق به ألسنتكم" ليؤذن بأن ذلك تفوه وتقول من غير تحقيق، كقوله:(ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ)[الأحزاب: 4]، وإليه الإشارة بقوله "لا لأجل حجة وبينة"، ثم زيد في المبالغة بأن قيل:(تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمْ الْكَذِبَ) ليُعلم أن قولهم- لكثرة اتصافه بالكذب- صار بمنزلة

ص: 215

بحليته وصوّرته بصورته، كقولهم: ووجهها يصف الجمال. وعينها تصف السحر، وقرئ:«الكذب» بالجرّ صفة لـ (ما) المصدرية، كأنه قيل: لوصفها الكذب، بمعنى

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الواصف له، فإذا نطقت ألسنتهم بالكذب، فقد حلت الكذب بحليته، ونحوه في المبالغة: نهاره صائم وليله قائم، فوصف اليوم الذي يصوم فيه هذا الشخص بصفته، لكثرة صدور هذا الفعل فيه، ولذلك وجهها كان موصوفاً بالجمال الفائق، ثم صار حقيقة الجمال ومنبعه، بحيث هو الذي يصف الجمال، كقول القائل:

أضحت يمينك من جود مصورة

لا بل يمينك منها صورة الجود

فالأسلوب من الإسناد المجازي. أو تقول: إن وجهها يصف الجمال بلسان الحال، على الاستعارة المكنية، بأن تقول: إنما بي من الشكل والغنج والدلال والملاحة، هو الجمال بعينه، وقريب منه:

وبي ظبي أنس كمل الله حسنه

وقال لأبصار الخلائق عوذي

وعن بعضهم: يعني وجهه يذكر ويظهر فيه شيئاً فيه الجمال، وهو الملاحة التي هي سبب الجمال.

قوله: (صفة لـ"ما" المصدرية)، وهي حرف، والحروف لا توصف، والمراد وصف "ما" مع مدخولها، وهو وصف ألسنتكم، ويُعلم منه أن "ما" مع ما بعدها معرفة؛ لأنها شبيهة بـ"أن" المصدرية وهي حرف والحروف لا توصف، وهي مع ما بعدها معرفة. قال أبو البقاء في قوله تعالى:(وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَنْ قَالُوا): الجمهور على فتح اللام على أن اسم "كان" ما بعد "غلا"، وهو أقوى من أن يُجعل خبراً، والأول اسماً؛ لأن (أَنْ قَالُوا) يُشبه

ص: 216

الكاذب، كقوله تعالى:(بدَمٍ كَذِبٍ)[يوسف: 18] والمراد بالوصف: وصفها البهائم بالحل والحرمة. وقرئ: «الكذب» جمع كذوب بالرفع، صفة للألسنة، وبالنصب على الشتم. أو بمعنى: الكلم الكواذب، أو هو جمع الكذاب من قولك: كذب كذابا، ذكره ابن جني. واللام في (لِتَفْتَرُوا) من التعليل الذي لا يتضمن معنى الغرض. (مَتاعٌ قَلِيلٌ) خبر مبتدأ محذوف، أى منفعتهم فيما هم عليه من أفعال الجاهلية منفعة قليلة وعقابها عظيم.

[(وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المضمر في أنه لا يوصف وهو أعرف، وذهب هنا إلى أن الكذب: بدل من "ما"، سواء جعلتها مصدرية أو بمعنى "الذي". وكذا عن ابن جني.

قوله: ((بِدَمٍ كَذِبٍ)[يوسف: 18]، قال أي: ذي كذب، أو وصفٌ بالمصدر مبالغة، كأنه نفس الكذب.

قوله: (أو هو جمع الكذاب)، قال أبو البقاء: ويقرأ بضم الكاف والذال وفتح الباء، وهو جمع كذاب، بالتخفيف، مثل: كتاب وكتب، وهو مصدرٌ. وهي معنى قراءة من قرأ بفتح الكاف والباء وكسر الذال، وهو منصوب بـ (تَصِفُ) و"ما" مصدرية.

قوله: (ذكره ابن جني)، وعن بعضهم: ابن جنين بسكون الياء، وليست بياء النسب، وهو في الأصل ك ني فعُرب وبُني بالسكون، وكذا وجدت بخط مولاي بهاء الدين القاشي رحمه الله.

قوله: (من التعليل الذي لا يتضمن معنى الغرض)، فيكون للعاقبة والصيرورة.

ص: 217

(ما قَصَصْنا عَلَيْكَ) يعني: في سورة الأنعام.

[(ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ)].

(بِجَهالَةٍ) في موضع الحال، أى: عملوا السوء جاهلين غير عارفين بالله وبعقابه، أو: غير متدبرين للعاقبة؛ لغلبة الشهوة عليهم (مِنْ بَعْدِها) من بعد التوبة.

[(إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ* شاكِراً لِأَنْعُمِهِ اجْتَباهُ وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ* وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ)].

(كانَ أُمَّةً) فيه وجهان، أحدهما: أنه كان وحده أمّة من الأمم لكماله في جميع صفات الخير، كقوله:

وَلَيْسَ عَلَى اللَّهِ بِمُسْتَنْكَرٍ

أنْ يَجْمَعَ الْعَالَمَ فِى وَاحِدِ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (يعني: في سورة الأنعام)، أي: قوله: (وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ)[الأنعام: 146] الآية، واتصال هذه بما قبلها كاتصالها به، وسيجيء بيان الربط إن شاء الله.

قوله: (ليس من الله بمستنكر) البيت، يروى "لله"، يعني: أن الله تعالى قادرٌ على أن يجمع في واحد ما في اناس من معاني الفضل والكمال.

ص: 218

وعن مجاهد: كان مؤمناً وحده والناس كلهم كفار. والثاني: أن يكون (أمّة) بمعنى: مأموم، أي: يؤمّه الناس؛ ليأخذوا منه الخير، أو بمعنى: مؤتم به كالرحلة والنخبة، وما أشبه ذلك مما جاء من فعلة بمعنى مفعول، فيكون مثل قوله:(قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً) وروى الشعبي عن فروة بن نوفل الأشجعى عن ابن مسعود أنه قال: إنّ معاذاً كان أمّة قانتاً لله، فقلت: غلطت، إنما هو إبراهيم. فقال: الأمّة: الذي يعلم الخير. والقانت: المطيع لله ورسوله، وكان معاذ كذلك. وعن عمر رضي الله عنه أنه قال حين قيل له: ألا تستخلف؟ -: لو كان أبو عبيدة حياً لاستخلفته، ولو كان معاذ حيا لاستخلفته. ولو كان سالم حيا لاستخلفته فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (بمعنى: مأموم)، أي: مقصود، "يؤمه الناس" أي: يقصدونه ليأخذوا منه الخير.

الجوهري: الأم، بالفتح: القصد. يقال: أمه وأممه وتأممه؛ إذا قصده.

قوله: (أو بمعنى: مؤتم به)، الجوهري: أممت القوم في الصلاة إمامة، وائتم به، أي: اقتدى به.

قوله: (كالرحلة النخبة)، الجوهري: الرحلة بالضم: الوجه الذي يريده، يقال: أنتم رحلتي، أي: الذين أرتحل إليهم، والانتخاب: الاختيار، والنخبة مثل النجبة، يقال: جاءني في نجب من أصحابه، أي: خيارهم.

قوله: (وروى الشعبي عن فروة بن نوفل)، الحديث بتمامه روى قريباً منه ابن عبد البر في "الاستيعاب".

قوله: (ولو كان سالمٌ حياً لاستخلفته)، وفي "الكامل" لابن الأثير: أن عمر رضي الله عنه قيل له لو استخلفت؟ قال: لو كان أبو عبيدة حياً لاستخلفته، وقلت لربي إن سألني:

ص: 219

«أبو عبيدة أمين هذه الأمّة، ومعاذ أمّة قانت لله، ليس بينه وبين الله يوم القيامة إلا المرسلون، وسالم شديد الحب لله، لو كان لا يخاف الله لم يعصه. وهو ذلك المعنى، أي: كان إماما في الدين، لأنّ الأئمة معلمو الخير. والقانت: القائم بما أمره الله. والحنيف: المائل إلى ملة الإسلام غير الزائل عنه. ونفى عنه الشرك تكذيبا لكفار

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

سمعت نبيك يقول: "إنه أمين هذه الأمة"، ولو كان سالمٌ مولى أبي حذيفة حيا لاستخلفته، وقلت لربي إن سألني: سمعت نبيك يقول: "إن سالماً شديدُ الحب لله"، ولم يذكر فيه حديث معاذ.

وهذا مؤولٌ لما ذكر في "الاستيعاب"، عن عمر أنه قال: لو كان سالمٌ ما جعلته شورى، وذلك بعد أن طُعن، وهذا عندي أنه كان يصدر فيها عن رأيه، يريد أنه لم يكن ممن يستحق الخلافة؛ لأن الأئمة من قريش، وسالمٌ كان مولى.

قوله: (أبو عبيدة أمين هذه الأمة)، روينا عن البخاري ومسلم والترمذي، عن أنس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إن لكل أمة أميناً، وأمينُ هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح".

قوله: (وهو ذلك المعنى)، أي: قول عمر رضي الله عنه: "ومعاذ أمة، قانت لله، ليس بينه وبين الله يوم القيامة إلا المرسلون"، ذلك المعنى الذي قاله ابن مسعود، وهو الأمة الذي يُعلم الخير.

قوله: (والقانت: القائم بما أمره الله)، الراغب: القنوت: لزوم الطاعة مع الخضوع، وفُسر بكل واحد منهما في قوله:(وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ)[البقرة: 238]، وقوله تعالى:(كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ)[البقرة: 116] قيل: خاضعون، وقيل: طائعون، وقيل: ساكنون، ولم يعن به كل السكوت، وإنما عني به ما قال صلى الله عليه وسلم: "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين، وإنما هي

ص: 220

قريش في زعمهم أنهم على ملة أبيهم إبراهيم. (شاكِراً لِأَنْعُمِه) روى: أنه كان لا يتغدّى إلا مع ضيف، فلم يجد ذات يوم ضيفاً، فأخر غداءه، فإذا هو بفوج من الملائكة في صورة البشر، فدعاهم إلى الطعام فخيلوا له أنّ بهم جذاماً؟ فقال: الآن وجبت مواكلتكم شكراً لله على أنه عافاني وابتلاكم (اجْتَباهُ): اختصه واصطفاه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قرآن وتسبيح"، وعلى هذا سُل: أي الصلاة أفضل؟ فقال: "طول القنوت"، أي: الاشتغال بالعبادة ورفض كل ما سواه، وقال تعالى:(إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً).

قوله: (الآن وجبت مؤاكلتكم شُكراً لله تعالى)، يعني: إنما يصح الشكر في المؤاكلة إذا كان فيها التكلف والمشقة، ولا شك أن المؤاكلة مع المجذوم مما يتقزز منه الناس وتنفر منه النفس.

قوله: ((اجْتَبَاهُ): اختصه)، قال الراغب: جببت الماء في الحوض: جمعته، والاجتباء: الجمعُ على سبيل الاصطفاء، واجتباء العبد: تخصيصه إياه بفيض إلهي، يتحصل له منه أنواعٌ من النعم بلا سعي من العبد، وذلك للأنبياء ومن يقاربهم من الصديقين والشهداء، قال تعالى:(يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ)[الشورى: 13].

ص: 221

للنبوّة، (وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيم) إلى ملة الإسلام. (حَسَنَةً) عن قتادة: هي تنوبه الله بذكره، حتى ليس من أهل دين إلا وهم يتولونه. وقيل: الأموال والأولاد، وقيل: قول المصلى منا: كما صليت على إبراهيم (لَمِنَ الصَّالِحِينَ) لمن أهل الجنة.

[(ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)].

(ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ) في «ثم» هذه ما فيها من تعظيم منزلة رسول الله» صلى الله عليه وسلم، وإجلال محله، والإيذان بأنّ أشرف ما أوتى خليل الله إبراهيم من الكرامة، وأجلّ ما أولى من النعمة: اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم ملته، من قبل أنها دلت على تباعد هذا النعت في المرتبة من بين سائر النعوت التي أثنى الله عليه بها.

[(إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ)].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (هي تنويه الله بذكره)، وهو من إضافة المصدر إلى الفاعل، ناه ينوه: إذا ارتفع، ونوهته تنويها: إذا رفعته، ونوهت باسمه: إذا رفعت بذكره.

قوله: (في (ثُمَّ) هذه ما فيها)، إبهامية، نحوها في قوله:(فَغَشِيَهُمْ مِنْ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ)[طه: 78]، وفيها تكرير للظرف، نحو قولهم: فيك زيدٌ راغبٌ فيك، أي: حصل من إتيان (ثم) التي تُعطي معنى التراخي في علو الرتبة مجازاً، تعظيم منزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإيذان أن أشرف ما أوتي خليل الله اتباع رسول الله ملته، يعني: لما أُمر حبيب الله باتباع ملة خليل الله حصلت لخليل الله منزلة عالية لا يُدانيها ما وُصف به من ابتداء قوله: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً) إلى هنا.

قال صاحب "الانتصاف": كأنه قال: وههنا ما هو أعلى من ذلك قدراً ورتبة، وهو أن سيد البشر مأمور بالوحي باتباعه، ونصيب النبي صلى الله عليه وسلم في هذا التعظيم أوفر وأكبر.

ص: 222

(السَّبْتُ) مصدر سبتت اليهود؛ إذا عظمت سبتها. والمعنى: إنما جعل وبال السبت؛ وهو المسخ (عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ) واختلافهم فيه: أنهم أحلوا الصيد فيه تارة وحرّموه تارة، وكان الواجب عليهم أن يتفقوا في تحريمه على كلمة واحدة بعد ما حتم الله عليهم الصبر عن الصيد فيه وتعظيمه. والمعنى في ذكر ذلك، نحو المعنى في ضرب القرية التي كفرت بأنعم الله مثلا، وغير ما ذكر، وهو الإنذار من سخط الله

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وبالُ السبت)، أي: وبالُ ترك تعظيم السبت. قال محيي السنة: قيل: معناه إنما جُعل السبتُ لعنةً على الذين اختلفوا فيه، أي: خالفوا فيه، وقيل: معناه: ما فرض الله تعظيم السبت إلا على الذين اختلفوا فيه.

قوله: (والمعنى في ذكر ذلك نحو المعنى في ضرب القرية التي كفرت بأنعم الله مثلاً وغير ما ذُكر)، عطفٌ على أنعم الله، أي: كفرتُ بأنعمِ الله وبغيرِ أنعم الله، ويأباهُ بيان غير ما ذُكر بقوله:"وهو الإنذار من سخط الله" إلى آخره؛ لأن مثل هذا الإنذار من أجل النعم. ويُمكنُ أن يقال: إنه عطفٌ على قوله: "في ضربِ القرية" من حيث المعنى، يريد: المعنى في ذكر هذه الآية نحو المعنى المذكور في قوله: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً) الآية، وهو الاعتبار، وإيتاء النعمة والأمن والاطمئنان وكُفرانها، ثم استئصالها في الدنيا، ونحو غير ما ذُكر فيه، وهو أن أهل هذه القرية أنذرتهم أنبياؤهم بأن يُعظموا أمر السبت ولا يتعرضوا لسخط الله بهتك حرمته، فخالفوهم وخلعوا ربقة الطاعة عن أعناقهم، فيجبُ أن يقدر فيها هذا المعنى لكون الآيتين واردتين في الفريقين من المشركين واليهود، بعدما نعى عليهما تحريم ما أحله الله وتحليل ما حرمه، وبعدما أُنذروا وكفروا بنعم الله وادعوا أنهم متبعون ملة إبراهيم، فكُذبوا بقوله: إن إبراهيم عليه السلام كان حنيفاً وشاكراً، وهؤلاء مشركون يعبدون من دون الله، واليهود يكفرون نعمه، ولم يكن متابعاً له إلا هذا النبي كما قال:(إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ)[آل عمران: 68].

ص: 223

على العصاة والمخالفين لأوامره والخالعين ربقة طاعته. فإن قلت: ما معنى الحكم بينهم إذا كانوا جميعاً محلين أو محرّمين؟ قلت: معناه أنه يجازيهم جزاء اختلاف فعلهم في كونهم محلين تارة ومحرّمين أخرى ووجه آخر: وهو أنّ موسى عليه السلام أمرهم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (فما معنى الحُكم بينهم؟ )، يعني: إنما يحسنُ إطلاقُ الاختلافِ والحكمُ بين الفريقين إذا وقع التنازعُ بينهم، بأن كان بعضهم مُحلين، وبعضهم محرمين. وأما إذا كانوا جميعاً محلين تارة، ومحرمين أخرى، فلا يقع التنازع والاختلاف، فما معنى قوله تعالى:(لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ)؟ ووجه الجواب أن الاختلاف ما يقع بين المتنازعين، يقع أيضاً بين فعلين وإن لم يقع التنازع بين القوم.

قوله: (ووجه آخرُ، وهو أن موسى عليه السلام أمرهم)، إلى آخره، هذا الوجه رواه الإمام عن ابن عباس، وقال: معنى "اختلفوا على نبيهم" حيثُ أمرهم بالجمعة فاختاروا السبت، لأن اختلافهم في السبت كان اختلافهم على نبيهم في ذلك اليوم.

وينصر هذا التأويل، ما رواه البخاري ومسلم وابن ماجه والنسائي، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نحنُ الآخرونَ السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، ثُمّ هذا يومهم الذي فُرض عليهم، يعني: الجمعة، فاختلفوا فيه، فهدانا الله له، وأضل الناس عنه، فالناس لنا فيه تبع، اليهود يوم السبت، والنصارى يوم الأحد، إن فيه لساعة لا يوافقها مؤمن يُصلي يسأل الله شيئاً إلا أعطاه".

ص: 224

أن يجعلوا في الأسبوع يوما للعبادة، وأن يكون يوم الجمعة، فأبوا عليه وقالوا: نريد اليوم الذي فرغ الله فيه من خلق السموات والأرض؛ وهو السبت، إلا شر ذمة منهم قد رضوا بالجمعة، فهذا اختلافهم في السبت؛ لأن بعضهم اختاره وبعضهم اختار عليه الجمعة، فأذن الله لهم في السبت وابتلاهم بتحريم الصيد فيه، فأطاع أمر الله الراضون بالجمعة، فكانوا لا يصيدون فيه، وأعقابهم لم يصبروا عن الصيد فمسخهم الله دون أولئك، وهو يحكم (بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ) فيجازى كل واحد من الفريقين بما يستوجبه. ومعنى (جعل السبت): فرض عليهم تعظيمه وترك الاصطياد فيه. وقرئ: إنما جعل السبت، على البناء للفاعل. وقرأ عبد الله:(إنا أنزلنا السبت).

[(ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)].

(إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ): إلى الإسلام (بِالْحِكْمَةِ): بالمقالة المحكمة الصحيحة، وهي الدليل الموضح للحق المزيل للشبهة (وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ) وهي التي لا يخفى عليهم أنك تناصحهم بها وتقصد ما ينفعهم فيها. ويجوز أن يريد القرآن، أي: ادعهم بالكتاب الذي هو حكمة وموعظة حسنة، (وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ): بالطريقة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقال الإمام: إنهُ تعالى أمر محمداً صلوات الله عليه بمتابعة إبراهيم عليه السلام، وهذه المتابعة إنما تحصلُ إذا قلنا: إن إبراهيم عليه السلام قد اختار يوم الجمعة. وعند هذا للسائل أن يسأل: فلم اختار اليهود السبت؟ فأجيب: (إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ).

قوله: (ومعنى (جُعِلَ السَّبْتُ): فُرض عليهم تعظيمه)، فعلى هذا ضمن (جُعِلَ) معنى: فُرض، فأوجب باستعانة (عَلَى)، وعلى الوجه الأول قدر مضافاً لتعلق الجار به، وهو قوله:"جُعِلَ وبالُ السبت على الذين اختلفوا فيه".

ص: 225

التي هي أحسن طرق المجادلة من الرفق واللين، من غير فظاظة ولا تعنيف (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ) بهم، فمن كان فيه خير كفاه الوعظ القليل والنصيحة اليسيرة، ومن لا خير فيه عجزت عنه الحيل، وكأنك تضرب منه في حديد بارد.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: ((إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ)، إلى آخره، وضع المُضمر موضع قوله:(مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)، ثم فصله بفحوى القرينتين، ليؤذن بان المدعو في قوله:(إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ) عام، وكذلك المجادل في قوله:(وَجَادِلْهُمْ)، كأنه تعالى يسليه صلوات الله عليه وسلامه على إذهاب نفسه حسراتٍ على إيمان القوم، أي: ما عليك إلا الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، والمجادلة على طريق اللين. وأما الهداية والإيمان فلا عليك. وأشار إلى التسلية بالإياس في قوله:"وكأنك تضربُ منه في حديد بارد"، وإنما قدم في التنزيل ذكر الضالين؛ لأن الكلام فيهم، وبه تقع التسلية، وأخره المصنف بناء على قضية النظم ظاهراً، ثُم إنه صلوات الله عليه لما جد في الإبلاغ، وبالغ فيه وفي مجادلتهم حرصاً منه على إيمانهم، وظناً منه أنه المسيطر على الكل، والقادر على إيجاد الهداية فيهم، أُمر بالدعوة إلى الله بالحكمة والمجادلة باللين والرفق، وعلل الأمرين بقوله:(إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ)، وكرر العلم، أي: ما عليك إلا البلاغ بالحكمة والمجادلة باللين، فمن علم الله فيه خيراً كفاه ذلك البلاغُ، ومن عَلِمَ أنه لا خير فيه، لا تُجديه تلك المبالغة.

قوله: (كأنك تضرب منه في حديد بارد)، قال الميداني: هذا مثل يُضربُ لمن طمع في غير مطمع. قال الشاعر:

فإذا تساعدت النفوس على الهوى

فالخلقُ يضرب في حديد بارد

(مِن) فيقوله: "مِنهُ": تجريدية؛ لأنه جرد منه مثل الديد البارد، و"في حديد" كـ"في" في قوله تعالى:(وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي)[الأحقاف: 15].

ص: 226

[(وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ* وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ* إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ)].

سمي الفعل الأول باسم الثاني؛ للمزاوجة. والمعنى: إن صنع بكم صنيع سوء؛ من قتل أو نحوه، فقابلوه بمثله ولا تزيدوا عليه. وقرئ: وإن عقبتم فعقبوا، أى: وإن قفيتم بالانتصار فقفوا بمثل ما فعل بكم.

روى أن المشركين مثلوا بالمسلمين يوم أحد: بقروا بطونهم وقطعوا مذاكيرهم، ما تركوا أحداً غير ممثول به إلا حنظلة بن الراهب، فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على حمزة وقد مثل به، وروى: فرآه مبقور البطن،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (سُمي الفعل الأول)، أي:(فَعَاقِبُوا) باسم الثاني، وهو:(بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ)، وهو من باب المشاكلة، سماه المزاوجة لغة، وإنما المزاوجة: بين معنيين في الشرط والجزاء، كقول الشاعر:

إذا ما نهى الناهي فلج بي الهوى

أصاخ إلى الواشي فلج به الهجر

قوله: (إن صُنع بكم صنيع سوء من قتل أو نحوه، فقابلوه بمثله)، قال القاضي: لما أمره صلى الله عليه وسلم بالدعوة وبين له طرُقها، أشار إليه وإلى من يُتابعه بترك المخالفة، ومراعاة العدل مع من يناصبهم، فإن الدعوة لا تنفك عنه، من حيث إنها تتضمن رفع العادات وترك الشهوات، والقدح في دين الأسلاف، والحكم عليهم بالكفر والضلال.

قوله: (حنظلة بن الراهب)، وفي "الاستيعاب": هو حنلة بن أبي عامر، الراهب الأنصاري، أبوه: أبو عامر، يُعرف بالراهب في الجاهلية، قدم مع قريش يوم أحد محارباً، فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا عامر الفاسق، مات بالروم كافراً.

ص: 227

فقال: «أما والذي أحلف به، لئن أظفرني الله بهم لأمثلن بسبعين مكانك» ؛ فنزلت، فكفر عن يمينه وكفّ عما أراده. ولا خلاف في تحريم المثلة. وقد وردت الأخبار بالنهى عنها حتى بالكلب العقور. إما أن رجع الضمير في (لَهُوَ) إلى صبرهم وهو مصدر (صبرتم). ويراد بالصابرين: المخاطبون، أي: ولئن صبرتم لصبركم خير لكم، فوضع (الصابرون) موضع الضمير؛ ثناء من الله عليهم بأنهم صابرون على

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وأما ابنه حنظلة فهو المعروف بغسيل الملائكة، قُتل يوم أحدٍ شهيداً. قالت امرأته: حنظلة أجنب وغسلت إحدى شقي رأسه، فلما سمع الهيعة خرج، فقُتل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"رأيت الملائكة تُغسله".

قوله: (فوضع "الصابرون" موضع الضمير ثناء من الله)، الراغب: الصبر: الإمساك في ضيق، يقال: صبرت الدابة؛ حبستها بلا علف، وصبرتُ فلاناً: خلفته خلفةً لا خروج له منها، والصبر: حبس النفس على ما يقتضيه العقل أو الشرع أو كلاهما، فالصبر: لفظ عام، وربما خولف بين أسمائه بحسب اختلاف مواقعه، فإن كان حبس النفس لمصيبة، سُمي صبراً لا غير، ويُضاده الجزع، وإن كان في محاربة سُمي شجاعة، ويُضاده الجُبن، وإن كان في نائبة مضجرة، سُمي رحبَ الصدر، ويُضاده الضجر، وإن كان في إمساك الكلام سُمي كتماناً، ويُضاده المذلُ، وقد سمى الله تعالى كل ذلك صبراً، ونبه عليه بقوله:(وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَاسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَاسِ)[البقرة: 177]، يقالث: رجُلٌ مذلٌ، أي: باذل لما عنده من مال أو سر.

ص: 228

الشدائد. أو وصفهم بالصفة التي تحصل لهم إذا صبروا عن المعاقبة. وإما أن يرجع إلى جنس الصبر - وقد دل عليه (صبرتم) - ويراد بالصابرين جنسهم، كأنه قيل: وللصبر خير للصابرين. ونحوه قوله تعالى (فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ)] الشورى: 40 [، (وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى)] البقرة: 237 [ثم قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (وَاصْبِرْ) أنت فعزم عليه بالصبر (وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ) أى بتوفيقه وتثبيته وربطه على قلبك (وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ) أي على الكافرين، كقوله (فَلا تَاسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ)] المائدة: 68 [أو على المؤمنين وما فعل بهم الكافرون (وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ) وقرئ:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (أو وصفهم بالصفة)، عطفٌ على قوله:"ثناء عليهم من الله"، يعني: وضع "الصابرين" موضع ضمير المخاطبين مجازاً؛ لأنهم عند الخطاب ما كانوا صابرين، فسماهم الله به، إما لمجرد المدح والثناء؛ لأن الصبر من أعم أوصاف المتقين، وإما لاكتسائهم بلباس الصبر جُعلوا صابرين ترغيباً على الصبر، وعلى أن يُراد بالصابرين الجنس لا يكون من وضع المظهر موضع المضمر، فلا يكون مجازاً بل يكون من باب الكناية، فيدخل في هذا العام المخاطبون دخولاً أولياً.

قوله: (كأنه قيل: وللصبر خير للصابرين)، حاصل الوجوه: أن معنى التركيب أن الصبر عن المعاقبة وترك المقابلة خير من استيفائها، كقوله تعالى:(وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى)[البقرة: 237]، (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) [الشورى: 40].

قوله: (فعزم عليه بالصبر)، الأساس: عزمتُ عليك لما فعلت كذا، بمعنى: أقسمت، أي: وكد عليه أمر الصبر بأن أمره وحده بالصبر، بعدما حثهم عليه بالتركيب القسمي؛ لأن اللام في (وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ) موطئة للقسم، وفيه معنى الأمر، ثم بين بأداة الحصر أن الصبر عليه سهل لكونه بتوفيق الله وتسديده.

قوله: (وما فعل بهم الكافرون)، أي: من المثلة.

ص: 229

و (لا تكن في ضيق)، أي: ولا يضيقن صدرك من مكرهم. والضيق: تخفيف الضيق، أي: في أمر ضيق. ويجوز أن يكون الضيق والضيق مصدرين، كالقيل والقول. (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا) أي هو ولىّ الذين اجتنبوا المعاصي وَولى (الَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ) في أعمالهم. وعن هرم بن حيان أنه قيل له حين احتضر: أوص. فقال: إنما الوصية من المال ولا مال لي، وأوصيكم بخواتيم سورة النحل.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ولا يضيقن صدرك)، وهو من باب "لا أرينك هاهنا"، أي: ولا تكن بحيثُ يضيق صدرك إذا نابك منهم مكروه، أي: لا تباشر القلق والضجر، وذلك مستفاد من نهي كينونته في ضيقن والعدول من:"ولا يضيق صدرك".

قوله: (والضيق تخفيف الضيق)، قال أبو البقاء:(ضَيْقٍ)، بفتح الضاد، فيه وجهان: أحدهما: أنه مصدر ضاق، مثل: سار سيراً، والثاني: هو مخفف من الضيق، أي: في أمر ضيق، مثل سيد وميت.

قوله: (أي: هو وليُّ الذي اجتنبوا المعاصي، وولي (الَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ) في أعمالهم)، راعى المطابقة في تفسير الصلتين، ففسر الفعلية بالفعلية، والاسمية بالاسمية.

فإن قلت: ما الوجه في تخصيص إحدى الصلتين في كونها فعلية، والأخرى اسمية؟ قلت: ليؤذن بأن التقوى مقدمة الإحسان، فمن حاول ملازمة الإحسان والمواظبة عليه يجب استحداث التقوى قبله؛ لأن التحلية بعد التصفية، ثم تخصيص الإحسان بالذكر، وإيراد الجملة اسمية، وبناء (مُحْسِنُونَ) على (هُمْ) على سبيل تقوى الحكم: مؤذن باستدامة الإحسان واستحكامه، وهو مستلزم لاستمرار التقوى؛ لأن الإحسان إنما يتم إذا لم يعد إلى ما كان عليه من الإساءة. وإليه الإشارة بما ورد "من حُسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه"، وقطعُ متعلقِ التقوى والإحسان - على طريقة قوله: "فلانٌ يعطي ويمنع - مشعرٌ باتحاد حقيقتهما، فلا تختص بمُتقٍ دون متقٍن وبمحسنٍ دون محسن، فيجبُ أن

ص: 230

عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قرأ سورة النحل لم يحاسبه الله بما أنعم عليه في دار الدنيا، وإن مات في يوم تلاها أو ليلته، كان له من الأجر كالذي مات وأحسن الوصية".

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يتناول جميع ما يجب أن يُتقى منه، وما يجب أن يؤتى به من الإحسان، ومن ثم قدر المصنفُ متعلقهما جمعاً محلى باللام الاستغراقي، ومضافاً إلى المعرفة.

والمعني بهذه المعية: معية المحبة كما ورد: "فإذا أحببته كنتُ سمعه

" الحديث.

وهذه التقوى بمنزلة التوبة للعارف، والإحسان بمنزلة السير والسلوك في الأحوال والمقامات إلى أن ينتهي إلى محو الوهم والوصول إلى مخدع الإنسان.

وأما بيانُ النظم فإن الله تعالى لما أمر حبيبه بالصبر على أذى المخالفين، ونهاه عن الحزن على عنادهم وإبائهم الحق، وعما يلحقه من مكرهم وخداعهم، علله بقوله:(إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا) الآية، أي: لا تُبال بهم وبمكرهم؛ لأن الله وليك ومحبك وناصرك، ومبغضهم وخاذلهم، فعم الحكم إرشاداً للمحسنين المتقين اقتداء بسيد المرسلين صلوات الله عليه، وفيه تعريض بالمخالفين وبخذلانهم، كما صرح تعالى في قوله:(ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ)[محمد: 11].

تمت السورة بحمد الله وعونه وحسن توفيقه

والله أعلم

ص: 231

‌سورة بني إسرائيل

مكية، وآياتها إحدى عشرة ومئة

بسم الله الرحمن الرحيم

[(سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)].

(سُبْحانَ): علم للتسبيح كعثمان للرجل، وانتصابه بفعل مضمر متروك إظهاره، تقديره: أسبح الله سبحان، ثم نزل سبحان منزلة الفعل فسد مسدّه،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

سورة بني إسرائيل

مكية، وهي مئة وإحدى عشرة آية

بسم الله الرحمن الرحيم

قوله: ((سُبْحَانَ): علم للتسبيح، كعُثمان)، الراغب: السبحُ: المر السريع في الماء، أو الهواء، يقال: سبح سبحاً وسباحةً، واستُعير لمر النجوم في الفلك، نحو:(وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ)[يس: 40]، ولمجرى الفرس، نحو:(وَالسَّابِحَاتِ سَبْحاً)[النازعات: 3] ولسرعة الذهاب في العمل: (إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحاً طَوِيلاً)[المزمل: 7]. والتسبيح: أصله التنزيه للباري سبحانه، وأصله المرُّ السريع في عبادة الله، وجُعل ذلك في فعل الخير، كما جُعل الإبعادُ في الشر فقيل: أبعده الله، ثم جُعل التسبيح عاماً في العبادات، قولاً كان أو فعلاً أو نيةً،

ص: 232

ودل على التنزيه البليغ من جميع القبائح التي يضيفها إليه أعداء الله و (أَسْرى) و ((سرى))

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قال تعالى: (فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ)[الصافات: 143]، وقال:(وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ)[البقرة: 30]، و (سُبْحَانَ): أصله مصدرٌ كغفران.

قال أبو البقاء: سُبحان: اسم واقعٌ موقع المصدر، وقد اشتق منه: سبحتُ والتسبيحُ، ولا يكادُ يستعملُ إلا مضافاً؛ لأن الإضافة تبينُ من المعظم، فإذا أُفرد عن الإضافة كان اسماً علماً للتسبيح لا ينصرفُ للتعريف، والألف والنون في آخره مثل عثمان.

وقال ابن الحاجب: والدليل على أن سُبحان علمٌ للتسبيح قولُ الشاعر:

قد قلتُ لما جاءني فخره

سبحان من علقمة الفاخر

ولولا أنه عَلمٌ لوجب صرفه؛ لأن الألف والنون في غير الصفات إنما يُمنع مع العلمية، ولا تستعمل علماً إلا شاذاً، وأكثر استعماله مضافاً، وليس بعلم؛ لأن الأعلام لا تضاف. والتسبيح مصدر سبح، أي: قال: سبحان الله، ومدلول سبحان: تنزيهٌ لا لفظ، لكن ورد التسبيح بمعنى التنزيه.

قوله: (ودل على التنزيه البليغ)، وذلك في جلب هذا المصدر في أصل التركيب للتوكيد، وهو أسبحُ تسبيحاً، ثم أسبح سبحاناً، ثم في حذف العامل وإقامته مقام الدلالة على أن المطلوب بالذات المصدر، والفعل تابعٌ، فيفيد الإخبار بسرعة وجود التنزيه.

وأما قوله: "التنزيه البليغ من جميع القبائح التي يُضيفها إليه أعداء الله"، مما يأباه مقامُ "الإسراء" إباء العيوف الورد، وهو مزيفٌ، بل معناه التعجب، كما قال في "النور":

ص: 233

لغتان. و (لَيْلًا) نصب على الظرف. فإن قلت: الإسراء لا يكون إلا بالليل، فما معنى ذكر الليل؟ قلت: أراد بقوله (لَيْلًا) بلفظ التنكير: تقليل مدّة الإسراء، وأنه أسرى به في بعض الليل

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الأصل في ذلك أن يُسبح الله عند رؤية العجيب من صنائعه، ثم كثُرَ حتى استعمل في كل متعجب منه.

قوله: (أراد بقوله: (لِيلاً) بلف التنكير: تقليل مُدة الإسراء، وأنه أسري به صلى الله عليه وسلم في بعض الليل). قال صاحب "الفرائد": قوله: أراد بقوله: (لِيلاً) بلفظ التنكير تقليل المدة مسلمٌ، وأما قوله:"في بعض الليل"، فغيرُ مسلم؛ لأن (لِيلاً) يحتمل الكُل، لا يلزمُ البعضُ، فالبعضية بحسب العدد لا بحسب الجزء؛ ولأنه لو لم يذكر (لِيلاً) بعد الإسراء لم يُعلم مقدارُ الإسراء، لأنه يمكنُ أنه أسرى به ليالي، كقوله تعالى:(سِيرُوا فِيهَا لَيَالِي)[سبأ: 18].

ومن قال: إن ذكره للتأكيد ليس بشيء؛ لأنه لابد من ذكره، وقراءة عبد الله وحُذيفة لو كانت بدون لام التعريف، أعني: بعض ليل، لكانت شاهدة لذلك؛ لأن بعض الليل يُمكنُ أن يكون المراد به بعض الليالي، فيكون الذي أسرى به ليلاً. وأجيب أن الاسم الحامل لمعنى التنكير محتمل لأن يكون المراد به شخصاً أو نوعاً، ويحتملُ أن يكون للتعظيم والتهويل، أو التكثير، أو التقليل، فهو إذا كاللفظ المشترك، وإنما يتبينُ معناه بقيام قرينة مبينة، فقوله:(لِيلاً) يحتملُ أحد هذه المعاني، وغنما يتعين بمقيد. ولا خلاف أن الإسراء لم يكن أكثر من ليلة، فجيء بليل وقلل ليدُل على أنها كانت في بعض من تلك الليلة المعلومة، على أن تصدير السورة بالكلمة الدالة على التعجب البليغ، مُنادٍ بحدوث أمر خارق للعادة وآية عظيمة لا يقدر عليها إلا الله عز وجل، وهي كما قال:"أسرى به في بعض الليل من مكة إلى الشام مسيرة أربعين ليلة". وكذا دلالة قراءة عبد الله وحُذيفة، وما ذهب إليه أن

ص: 234

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بعض الليل يُمكن أن يكون المراد به بعض الليالي بعيدٌ جداً، ولا يخفى على أحدٍ أن قوله:(وَمِنْ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ)[الإسراء: 79] ليس المراد ما قاله.

وقال في "الانتصاف": وقد جرى ذكرُ الليل في موضع لا يليق به الجواب الذي ذكره الزمخشري، وهو قوله:(فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنْ اللَّيْلِ)[هود: 81] والظاهر أن ذكر الليل لتصوير السُّرى بصورته، أو لأن السُّرى دل على أمرين: السير وكونه ليلاً، فأفرد أحدهما بالذكر تقوية له في ذهن المخاطب، مثله قوله تعالى:(لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ)[النحل: 51]، فإن الاسم الحامل للتثنية دالٌ عليها وعلى الجنسية، فأكد التثنية لأنها مقصودة بالإبطال كما مر.

وأجيب: أن بين المقامين بوناً بعيداً؛ لأنه ما وقع النزاع في أن عروجه صلوات الله عليه كان ليلاً أو نهاراًن كما وقع في اتخاذ الإله والعدد في تلك الآية، وإنما هو بيان إبداء أمر غريب خارق للعادات.

وأما قوله: (بِقِطْعٍ مِنْ اللَّيْلِ) فهو له لا عليه، لأنه أتى بالليل هناك، ونُكر ليُضمن المعنى المقصود في الإيراد من التبعيض. وجيء بقوله:(مِنْ اللَّيْلِ) هنا ليبين أن البعض ما هون فهذا مقصودٌ منصوصٌ فيه البعضية، وذاك مُضمن. والحاصل أن إعادة الشيء لإناطة أمر زائد أسلوبٌ من الأساليب.

وأقول- والعلمُ عند الله-: ويُمكن أن يُراد بالتنكير التعظيم والتفخيم، والمقامُ يقتضيه، ألا ترى كيف افتتحت السورة بالكلمة المنبئة عنه؟ ثُم وصف المسري به بالعبودية، ثم أردف تعظيم المكانين بالحرام وبالبرة لما حوله تعظيماً للزمان، ثم تعظيم الآيات

ص: 235

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بإضافتها إلى صيغة التعظيم وجمعها ليشمل جميع أنواع الآيات، وكل ذلك شاهدُ صدقٍ على ما نحن بصدده، والمعنى: ما أعظم شأن من أسرى به بمن حقق له مقام العبودية، وحقق استئهاله للعناية وصحح له النعمة السرمدية.

(لِيلاً)، أي: ليل له شأن جليل، ليلٌ دنا فيه الحبيبُ من المحبوب، وفاز في مقام الشهود بالمطلوب، (فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى* فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (10) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى) [النجم: 8 - 11]، فحينئذ ينطبق عليه التعليل بقوله:(إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)، أي: السميع بأحوال ذلك العبد، والبصير لأفعاله، العالمُ بكونها مهذبة خالصة من شوائب الهوى، مقرونة بالصدق والصفا، مُستأهلة للقرية والزلفى. ولا بُعد أن يرجع الضمير إلى العبد، كما نقل أبو البقاء عن بعضهم، قال: إنه السميع لكلامنا، والبصير لذاتنا.

وأما توسيطُ ضمير الفصل فللإشعار باختصاصه بهذه الكرامة وحده. ولهذا عقبه بقوله: (وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ)؛ لأنه جاء مستطرداً لحديث الإسراء، وسماع الكلام ومنح القربة والزلفى، والجامع أن موسى عليه السلام إنما أُعطي التوراة عند مسيره إلى الطور، وهو بمنزلة معراجه عليه السلام؛ لأنه هنالك شُرف بالكلام، ومُنح التكليم، وطلب الرؤية. وسيجيء في سورة النجم إن شاء الله تعالى الكلام في إثبات الرؤية لسيدنا صلوات الله عليه، وأقوال الصحابة والعلماء فيه مستوفى.

ص: 236

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ولعل السر في مجيء الضمير مُجملاً محتملاً للأمرين: الإشارة إلى المطلوب، وأنه صلوات الله عليه وسلم إنما رأى رب العزة وسمع كلامه به.

روينا في "صحيح البخاري"، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"قال الله تعالى: من عادى لي ولياً فقد آذنته بحرب، وما تقرب إلى عبدي بشيء أحب إليّ من أداء ما افترضتُ عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنتُ سمعه الذي يسمعُ به، وبصره الذي يُبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني أعطيته، وإن استعاذني أعذته" الحديث.

وفي "حقائق السُّلمي": قال ابن عطاء: طهُرَ مكانُ القربةِ وموقف الدنوِّ عن أن يكون فيه تأثير لمخلوق بحالٍ، فسار بنفسه، وسرى بروحه، وسير بسره، فلا السر عَلِمَ ما فيه الروح، ولا الروح علم ما يُشاهد السر، ولا النفس عندها شيء من خبرهما، وما هما فيه، وكل واقفٌ مع حده، مشاهدٌ للحق متلقياً عنه بلا واسطة ولا بقاء بشرية، بل حق تحقق بعبده، فحققه وأقامه حيث لا مقام، وأوحى إليه ما أوحى جل ربنا وتعالى.

وقال: قال رجل لجعفر بن محمد: صف لي المعراج، قال: كيف أصف لك مقاماً لم يسمع فيه جبريل مع عظم محله؟

وقال النصراباذي: أسقط العلل والاعتراضات بقوله: (أَسْرَى)، ولم يقُلْ:"سرى"؛ لأن القدرة تحتملُ كل شيء.

ص: 237

من مكة إلى الشام مسيرة أربعين ليلة، وذلك أنّ التنكير فيه قد دلّ على معنى البعضية. ويشهد لذلك قراءة عبد الله

وحذيفة: (من الليل)، أي: بعض الليل، كقوله (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً)] الإسراء: 79 [يعني: الأمر بالقيام في بعض الليل. واختلف في المكان الذي أسرى منه فقيل: هو المسجد الحرام بعينه، وهو الظاهر. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم «بينا أنا في المسجد الحرام في الحجر عند البيت بين النائم واليقظان إذ أتاني جبريل عليه السلام بالبراق وقيل: أسرى به من دار أم هانئ بنت أبى طالب والمراد بالمسجد الحرام: الحرم، لإحاطته بالمسجد والتباسه به. وعن ابن عباس: الحرم كله مسجد. وروى أنه كان نائمًا في بيت أم هانئ بعد صلاة العشاء فأسرى به ورجع من ليلته، وقص القصة على أم هانئ، وقال: مثل لي النبيون فصليت بهم وقام ليخرج إلى المسجد فتشبثت أم هانئ بثوبه فقال: مالك؟ قالت: أخشى أن يكذبك قومك إن أخبرتهم، قال: وإن كذبوني، فخرج فجلس إليه أبو جهل فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقال بعضهم: قيل: (لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا) فغمض عينه عن الآيات شُغلاً منه بالحق، ولم يلتفت إلى شيء من الآيات والكرامات، فقيل له:(وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)[القلم: 4]، حيث لم يشغلك ما لنا عنا. انتهى ما في "الحقائق".

قوله: (فقيل: هو المسجد الحرام بعينه)، وهو الظاهر، لما روينا عن البخاري ومسلم والترمذي النسائي، عن قتادة، عن أنس بن مالك بن صعصعة، أن نبي الله حدثهم عن ليلة أُسري به، قال: بينا أنا في الحطيم، وربما قال: في الحجر، مضطجع، ومنهم من قال: بين النائم واليقظان، إذ أتاني آتٍ، وفي رواية أخرى للبخاري ومسلم، عن أنس قال: كان أبو ذر يُحدثُ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "فُرجَ سقفُ بيتي وأنا بمكة".

قوله: (قال: "وإن كذبوني")، أي: أنا اخبرهم وإن كذبوني.

ص: 238

بحديث الإسراء، فقال أبو جهل: يا معشر بني كعب بن لؤي، هلم فحدّثهم، فمن بين مصفق وواضع يده على رأسه تعجبًا وإنكارًا. وارتد ناس ممن كان قد آمن به، وسعى رجال إلى أبى بكر رضي الله عنه فقال: إن كان قال ذلك لقد صدق. قالوا: أتصدقه على ذلك؟ قال: إني لأصدقه على أبعد من ذلك، فسمى الصدّيق. وفيهم من سافر إلى ما ثمّ، فاستنعتوه المسجد فجلي له بيت المقدس، فطفق ينظر إليه وينعته لهم، فقالوا: أمّا النعت فقد أصاب، فقالوا: أخبرنا عن عيرنا، فأخبرهم بعدد جمالها وأحوالها، وقال:"تقدم يوم كذا مع طلوع الشمس، يقدمها جمل أورق"، فخرجوا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (هلُمَّ، فحدثهم)، أي: قال: هلُم فجاؤوا واستمعوا لحديثه فحدثهم، فالفاء فصيحة.

قوله: (تعجباً وإنكاراً)، يشير لقوله:"مصفق وواضعٌ" من غير ترتيب، وتقديره: فلما سمعوا هذا الكلام افترقوا فرقتين من غير ترتيب، فبعضهم مصفقٌ منكر، وبعضهم واضعٌ يده على رأسه متعجباً.

قوله: (من سافر إلى ما ثَمَّ)، ثَمَّ: عبارةٌ عن المسجد الأقصى، وما: كنايةٌ عن المواضع التي حول المسجد الأقصى.

قوله: (فاستنعتوه المسجد)، روينا في "صحيح البخاري" عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لما كذبني قُريشٌ حين أُسرى بي إلى بيت المقدس، قمتُ في الحجر، فجلى الله تعالى بيت المقدس، فطفقت أُخبرهم عن أبوابه وأنا انظر إليه".

قوله: (جملٌ أورق)، قال الأصمعي: الأورق من الإبل: الذي في لونه بياضٌ إلى سواد.

ص: 239

يشتدون ذلك اليوم نحو الثنية، فقال قائل منهم: هذه والله الشمس قد شرقت، فقال آخر: وهذه والله العير قد أقبلت يقدمها جمل أورق كما قال محمد، ثم لم يؤمنوا وقالوا: ما هذا إلا سحر مبين، وقد عرج به إلى السماء في تلك الليلة، وكان العروج به من بيت المقدس وأخبر قريشًا أيضًا بما رأى في السماء من العجائب وأنه لقي الأنبياء وبلغ البيت المعمور وسدرة المنتهى.

واختلفوا في وقت الإسراء فقيل كان قبل الهجرة بسنة. وعن أنس والحسن أنه كان قبل البعث.

واختلف في أنه كان في اليقظة أم في المنام، فعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت:«والله ما فقد جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن عرج بروحه» وعن معاوية: إنما عرج بروحه. وعن الحسن، كان في المنام رؤيا رآها. وأكثر الأقاويل بخلاف ذلك. والمسجد الأقصى: بيت المقدس، لأنه لم يكن حينئذ وراءه مسجد (بارَكْنا حَوْلَهُ) يريد: بركات

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وكان العروج به من بيت المقدس)، روى البخاري ومسلم عن أنس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"قد أتيتُ بالبراق" إلى قوله: "فركبته حتى أتيت بيت المقدس" إلى قوله: "ثُم عُرج بنا إلى السماء" الحديث.

قوله: (وأكثر الأقاويل بخلاف ذلك)، وقال الشيخ محيي الدين النواوي في "شرح صحيح مسلم": قد لخص القاضي عياض رحمه الله في الإسراء جُملاً حسنةً نفيسةً، فقال: اختلف الناس في الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقيل: إنما كان جميع ذلك في المنام. والحق الذي عليه أكثر الناس ومعظمُ السلف وعامةُ المتأخرين من الفقهاء والمحدثين

ص: 240

الدين والدنيا، لأنه متعبد الأنبياء من وقت موسى ومهبط الوحي، وهو محفوف بالأنهار الجارية والأشجار المثمرة. وقرأ الحسن:(ليريه) بالياء، ولقد تصرف الكلام على لفظ الغائب والمتكلم؛ فقيل:(أسرى) ثم (باركنا) ليريه، على

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

والمتكلمين، أنه أُسري بجسده صلى الله عليه وسلم، والآثار تدل عليه لمن طالعها، ولا يعدل عن ظواهرها إلا بدليل، ولا استحالة في حملها عليه، فيحتاج إلى تأويل.

وقال محي السنة في "المعالم": والأكثرون على أنه صلوات الله عليه أُسري بجسده في اليقظة، وتواترت الأخبار الصحيحة على ذلك.

وقلتُ: وروينا عن البخاري والترمذي، عن ابن عباس في قوله تعالى:(وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ)[الإسراء: 60]، قال: هي رؤيا عينٍ أريها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ليلة أُسري به إلى بيت المقدس.

وفي "مسند الإمام أحمد بن حنبل" عن ابن عباس رضي الله عنه، قال: شيء أريه النبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة، رآه بعينه حين ذُهب به إلى البيت، ولأنه قد أنكرته قريش وارتدت جماعة ممن كانوا أسلموا حين سمعوه، وإنما يُنكر إذا كان في اليقظة، فإن الرؤيا لا يُنكر منها ما هو أبعد من ذلك، على أن الحق أن المعراج مرتان، مرة بالنوم وأخرى باليقظة. قال محيي السنة: رُؤيا أراه الله تعالى قبل الوحي، بدليل قول من قال: فاستيقظ وهو في المسجد الحرام، ثم عُرج به في اليقظة بعد الوحي قبل الهجرة بسنةٍ تحقيقاً لرؤياه، كما أنه رأى فتح مكة في المنام سنة ست من الهجرة، ثم كان تحقيقه سنة ثمانٍ.

ص: 241

قراءة الحسن، ثم (من آياتنا)، ثم (إنه هو)، وهي طريقة الالتفات التي هي من طرق البلاغة (إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ) لأقوال محمد (الْبَصِيرُ) بأفعاله، العالم بتهذبها وخلوصها، فيكرمه ويقرّبه على حسب ذلك.

[(وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كانَ عَبْدًا) شَكُورًا)].

(أَلَّا تَتَّخِذُوا) قرئ بالياء على: لئلا يتخذوا، وبالتاء على: أي لا تتخذوا، كقولك: كتبت إليه أن أفعل كذا، (وَكِيلًا): ربا تكلون إليه أموركم. (ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا) نصب على الاختصاص. وقيل: على النداء فيمن قرأ: (ألا تتخذوا)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (هي من طُرق البلاغة)، وذلك أن قوله:(سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً) يدل على مسيره من عالم الشهادة إلى عالم الغيب، فهو بالغيبة أنسبُ، وقوله:(الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ) دل على إنزال البركات، وتعظيم شأن المُنزل، فهو بالحكاية على التفخيم أحرى، قوله:(لِيُرِيَهُ) بالياء: إعادةٌ إلى مقام السر والغيبوبة من هذا العالم، فالغيبة بها أليق، وقوله:(مِنْ آيَاتِنَا): عودٌ إلى التعظيم على ما سبق، وقوله:(إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)، أشار به إلى مقام اختصاصه بالمنح والزلفى وغيبة شُهوده فيعين "بي يسمع وبي يُبصر"، فالعود إلى الغيبة أولى.

قوله: ((أَلاَّ تَتَّخِذُوا) قرئ بالياء)، أبو عمرو، والباقون: بالتاء الفوقانية.

قال أبو البقاء: أما تقدير الياء التحتانية، فهو (وَجَعَلْنَاهُ هُدًى)؛ لئلا يتخذوا، أو:(وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ) لئلا يتخذوا، وأما تقدير التاء ففيه وجهان، أنّ "أن" بمعنى: أي، وهي مفسرة لما تضمنه الكتاب من الأمر والنهي، وثانيهما: أن "لا" زائدة، والتقدير: مخافة أن تتخذوان وقد رجع في هذا من الغيبة إلى الخطاب.

ص: 242

بالتاء على النهي، يعني: قلنا لهم لا تتخذوا من دوني وكيلا يا (ذرية من حملنا مَعَ نُوحٍ) وقد يجعل (وَكِيلًا * ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا) مفعولي (تتخذوا)، أي: لا تجعلوهم أربابًا كقوله: (وَلا يَامُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبابًا)] آل عمران: 80 [ومن ذرية المحمولين مع نوح عيسى وعزير عليهم السلام. وقرئ: (ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا) بالرفع بدلا من واو (تَتَّخِذُوا) وقرأ زيد بن ثابت: (ذِرِّيَّة)، بكسر

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (أي: لا تجعلوهم أرباباً)، يريد أن في اختصاص هذا الوصف، وهو كونهم ذُرية المحمولين مع نوحٍ، وترتيب حكم النهي عن الإشراك على ذلك إشعاراً بأنهم لا يصلحون أن يكونوا أرباباً من دون الله؛ لأنهم عاجزون محصورون في ذات ألواح ودُسُرٍ، فكيف يصح أن تتخذوا وكيلاً من دون الله؟ !

قوله: (وقرئ: "ذرية من حملنا" بالرفع، بدلا من واو (تَتَّخِذُوا))، قال أبو البقاء: هذا على القراءة بالياء، لأنهم غُيَّب. قال صاحب "التخمير": إنما لم يجز إبدالُ المظهر من المضمر المتكلم والمخاطب؛ لأن ضمير المتكلم والمخاطب لا يكون لغير واحد، بخلاف ضمير الغيبة، والإبدال للتبيين، فيختص بموضع فيه احتمالٌ، فلذا جاز: مررت به زيد، ولم يجز: مر بي المسكين، ولا عليك الكريم.

فإن قلت: فما تقولُ في قول الله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو)[الأحزاب: 21] فقد أُبدلَ فيه الغائبُ من المخاطب؟ قلتُ: لأن الخطاب ليس لقوم بأعيانهم، فنزلوا منزلة الغائب؛ لأن المعنى: لقد كان للناس فيهم أسوةٌ حسنةٌ لمن كان يرجو الله.

وذكر الركسي: أن الكوفيين والأخفش أجازوا إبدال المُظهر من المضمر الحاضر

ص: 243

الذال. وروي عنه أنه قد فسرها بولد الولد، ذكرهم الله النعمة في إنجاء آبائهم من الغرق (إِنَّهُ): إن نوحًا عليه السلام (كانَ عَبْدًا شَكُورًا) قيل: كان إذا أكل قال: الحمد لله الذي أطعمني، ولو شاء أجاعني. وإذا شرب قال: الحمد لله الذي سقاني، ولو شاء أظمأني. وإذا اكتسى قال: الحمد لله الذي كساني، ولو شاء أعراني. وإذا احتذى قال: الحمد لله الذي حذاني، ولو شاء أحفاني. وإذا قضى حاجته قال: الحمد لله الذي أخرج عنى أذاه في عافية، ولو شاء حبسه. وروى أنه كان إذا أراد الإفطار عرض طعامه على من آمن به، فإن وجده محتاجًا آثره به. فإن قلت: قوله (إنه كان عبدًا شكورًا) ما وجه ملاءمته لما قبله؟ قلت: كأنه قيل: لا تتخذوا من دوني وكيلا، ولا تشركوا بي، لأنّ نوحاً عليه السلام كان عبدا شكورا، وأنتم ذرية

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مطلقاً، تمسكاً بقوله تعالى:(لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ)[الأنعام: 12]، فإن (الَّذِينَ): بدلُ البعض، وأما غير بدل الكل، فيجوزُ لفقدان المانع، وهو أن يكون المقصود بالنسبة أقل دلالة، فإن بدل البعض والاشتمال ليس مدلولهما مدلول الأول، فيجوز: اشتريتك نصفك، وأعجبني علمُك، ومنه قول الشاعر:

ذريني إن أمرك لن يُطاعا

وما ألفيتني حلمي مُضاعا

وهاهنا مفهوم قوله تعالى: (ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ) أبين دلالة من مفهوم الضمير في (تتخذوا) المُعبر عن بني إسرائيل.

قوله: (ولا تشركوا بي)، عطفٌ تفسيري لقوله:"لا يتخذوا من دوني وكيلاً".

قوله: (إن نوحاً كان عبداً شكوراً)، أي: إنه كان موحداً؛ لأن الشاكر من يقوم بجملته وشراشره في خدمة المُنعم عليه. قال:

ص: 244

من آمن به وحمل معه، فاجعلوه أسوتكم كما جعله آباؤكم أسوتهم. ويجوز أن يكون تعليلا لاختصاصهم والثناء عليهم بأنهم أولاد المحمولين مع نوح، فهم متصلون به، فاستأهلوا لذلك الاختصاص. ويجوز أن يقال ذلك عند ذكره على سبيل الاستطراد.

[(وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا * فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِبادًا لَنا أُولِي بَاسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَكانَ وَعْدًا مَفْعُولًا * ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا)].

(وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ): وأوحينا إليهم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أفادتكم النعماءُ منِّي ثلاثةً

فإذا توهم أدنى شركٍ فيه لم يكن شاكراً حقاً، لا سيما والشكور من أبنية المبالغة.

قوله: (فاجعلوه أسوتكم)، الراغبُ: الأسوة والإسوة كالقُدوة والقِدوة: وهي الحالة التي يكون عليها الإنسان في اتباع غيره، إن حُسناً أو قبحاً، وإن سارا أو ضارا؛ ولهذا قال تعالى:(أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ)[الأحزاب: 21]، فوصفها بالحسنة.

قوله: (ويجوز أن يكون تعليلاً)، مبني على أن "ذرية" منصوب على الاختصاص والمدح، يعني: إنما خصصناكم بهذا الخطاب لأنكم أولادُ آباء مكرمين، كقوله تعالى:(وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً)[الكهف: 82]، قال القاضي: فيه إيماء بأن إنجاءه ومن معه كان ببركة شُكره، وحث للذرية على الاقتداء به.

وقلتُ: اعتبر اختصاص الحمل بالذكر وأدمج هذا المعنى فيه.

قوله: (على سبيل الاستطراد)، فعلى هذا لا يكون تعليلاً.

ص: 245

وحياً مقضياً، أي: مقطوعاً مبتوتًا بأنهم يفسدون في الأرض لا محالة، ويعلون، أي: يتعظمون ويبغون. (فِي الْكِتَبِ) في التوراة، و (لَتُفْسِدُنَّ) جواب قسم محذوف. ويجوز أن يجرى القضاء المبتوت مجرى القسم، فيكون (لَتُفْسِدُنَّ) جواباً له، كأنه قال: وأقسمنا لتفسدن. وقرئ: لَتُفْسَدُنّ، على البناء للمفعول. و (لَتَفْسُدُنَّ)، بفتح التاء من: فسد، (مَرَّتَيْنِ) أولاهما: قتل زكريا وحبس أرميا حين أنذرهم سخط الله، والآخرة: قتل يحيى بن زكريا وقصد قتل عيسى ابن مريم. (عِبادًا لَنا) وقرئ: (عبيدًا لنا). وأكثر ما يقال: عباد الله وعَبِيدُ الناس: سَنْحَارِيبَ وجنودَه،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وحياً مقضياً أي: مقطوعاً)، الراغب: القضاء: فصلُ الأمر قولاً كان أو فعلاً، وكل منهما على وجهين: إلهي وبشري، فمن القول الإلهي:(وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ)، فهذا قضاء بالإعلام والفصل في الحكم، أي: أعلمناهم وأوحينا إليهم وحياً جزماً، ومن الفعل الإلهي:(فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ)[فصلت: 12]؛ لأنه إشارة إلى إيجاده الإبداعي والفراغ منه.

قوله: (وقرئ: "لتفسدن" على البناء للمفعول، و"لتفسدن" بفتح التاء؛ من: فسد)، قال أبو البقاء: المعنى على الأول: يُفسدكم غيركم، وعلى الثاني: تفسدُ أموركم.

قوله: (وأكثر ما يقالُ: عباد الله)، قال ابن جني: أكثر اللغة أن يُستعمل العبيد للناس والعباد لله تعالى: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ)[الحجر: 42]، (يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ) [الزمر: 16]، وهو كثير، وقال:(وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ)[فصلت: 46].

قوله: (سنحاريب) نصبٌ عطفُ بيانٍ لـ"عباداً"، ويُروى بالرفع، أي: هم سنحاريب وجنوده.

ص: 246

وقيل بختنصر. وعن ابن عباس: جالوت. قتلوا علماءهم وأحرقوا التوراة، وخربوا المسجد، وسبوا منهم سبعين ألفًا. فإن قلت: كيف جاز أن يبعث الله الكفرة على ذلك ويسلطهم عليه. قلت: معناه: خلينا بينهم وبين ما فعلوا ولم نمنعهم، على أنّ الله عزّ وعلا أسند بعث الكفرة عليهم إلى نفسه، فهو كقوله تعالى:(وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِما كانُوا يَكْسِبُونَ)] الأنعام: 129 [وكقول الداعي. وخالف بين كلمهم. وأسند الجوس وهو التردّد خلال الديار بالفساد إليهم، فتخريب المسجد وإحراق التوراة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (معناه: خلينا بينهم وبين ما فعلوا)، يعني: معنى تسليط الكفرة على ذلك، أي: قتل العلماء وإحراق التوراة وتخريب المسجد والسبي. الانتصاف: السؤال يتوجه على القدرية، وأما السني فيقول:(لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ)[الأنبياء: 23].

قوله: (على أن الله عز وعلا أسند بعث الكفرة عليهم)، يعني أن البعث مجازٌ، على أن الحقيقة جائزة أيضاً؛ لأن الله تعالى أسند بعث الكفرة عليهم إلى نفسه؛ لأنهم ظلموا بقتل زكريا ويحيى، وقصد قتل عيسى عليه السلام، فهو كقوله تعالى:(وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)[الأنعام: 129].

قوله: (وكقول الداعي: وخالف بين كلمهم)، يعني: مثلُ هذا الإسناد جائزٌ بل مندوبٌ إليه، يقولون في الدعاء على الكفرة: اللهم زلزل أقدامهم ونكس أعلامهم، وخالف بين كلمتهم، وهو من قوله تعالى:(وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى)[التوبة: 40]، وكلمتهم: دعوتهم إلى الكفر واتفاقهم عليه.

قوله: (وأسند الجوس)، إلى آخره، مراده: أنه تعالى أسند إلى نفسه ما يصح أن يُسند إليه من بعث الكفرة عليهم؛ لأجل فسادهم، وأسند ما لا يصح أن يُسند إليه من الكفرة من تخريب المسجد وإحراق التوراة. فيقال له: لولا بعثه وتمكينه إياهم كيف قدروا على ذلك؟ فهو كإعطاء سيف باتٍ ظالماً يقطع الطريق ويسبي الحريم، فوقع فيما فر منه.

ص: 247

من جملة الجوس المسند إليهم. وقرأ طلحة «فحاسوا» بالحاء. وقرئ: فَحَوّسُوا. وخلل الديار. فإن قلت:

ما معنى (وَعْدُ أُولاهُما)؟ قلت: معناه: وعد عقاب أولاهما. (وَكانَ وَعْدًا مَفْعُولًا) يعنى: وكان وعد العقاب وعدا لا بد أن يفعل. (ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ) أي: الدولة والغلبة على الذين بعثوا عليكم حين تبتم ورجعتم عن الفساد والعلو. قيل: هي قتل بختنصر واستنقاذ بني إسرائيل أسراهم وأموالهم ورجوع الملك إليهم، وقيل: هي قتل داود جالوت. (أَكْثَرَ نَفِيرًا) مما كنتم. والنفير، من ينفر مع الرجل من قومه، وقيل: جمع نفر كالعبيد والمعيز.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وقرأ طلحة: "فحاسُوا")، قال ابنُ جني: قال أبو زيد أو غيره، قلتُ له: إنما هو فجاسوا بالجيم، قال: جاسوا وحاسوا واحدٌ، وهذا يدل على أن بعض القراء يتخير بلا رواية، ولذلك نظائر.

قوله: (وقرئ "فحوسوا")، في "الموضح":"حوسوا" بالحاء غير المعجمة مشدد الواو. الراغب: (فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ)، أي: توسطوها وترددوا بينها، ويُقارب ذلك "جاسوا" و"داسوا"، وقيل: الجوسُ: طلب ذلك الشيء باستقصاء، والخللُ: فرجةٌ بين الشيئين، وجمعه خلال، نحو: خلال الديار والسحاب والرماد، قال تعالى:(فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ)[الروم: 48]، وعن بعضهم: خللٌ إما مُفرد جمعه: خلالٌ، كجبل، وإما بمعنى الخلال، والخلال حينئذ مفرد.

قوله: (واستنقاذ بني إسرائيل أسراهم)، قال القاضي: وذلك بأن ألقى الله في قلب بهمن بن أسفنديار لما ورث مُلك كشتاسف بن لهراسف شفقة عليهم، فرد أسراهم إلى الشام وملك دانيال عليهم، فاستولوا على من كان فيها من اتباع بخت نصر، والله أعلم بحقيقة ذلك.

ص: 248

[(إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَاتُمْ فَلَها فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤًا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيرًا)].

أي: الإحسان والإساءة: كلاهما مختص بأنفسكم، لا يتعدى النفع والضرر إلى غيركم. وعن عليّ رضي الله عنه: ما أحسنت إلى أحد ولا أسأت إليه، وتلاها (فَإِذا جاءَ وَعْدُ) المرّة (الْآخِرَةِ) بعثناهم (لِيَسُوؤًا وُجُوهَكُمْ) حذف؛ لدلالة ذكره أوّلا عليه، ومعنى (لِيَسُوؤًا وُجُوهَكُمْ): ليجعلوها بادية آثار المساءة والكآبة فيها، كقوله (سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا) [الملك: 27]، وقرئ:(ليسوء)، والضمير لله

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (لدلالة ذكره أولاً)، يعني: جواب (إذا) قوله: "بعثناهم"، بدليل قوله:(فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ)، فعلى هذا قوله:(وَلِيَدْخُلُوا) عطفٌ على (لِيَسُوءُوا) لاتفاقهما.

فإن قلت: لا ارتياب أن قوله تعالى: (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ) عطفٌ على قوله: (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا) وهما تفصيلٌ لقوله: (لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ)، وكان من حق الظاهر أن يترك القرينة الثانية عن الفاء إلى الواو، فما وجهُه؟ قلتُ - والله اعلم-: إن مدخول الفاء وإن كان قسيماً لقوله ((فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا) لكن تخلل بين المعطوفين، قوله:(إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَاتُمْ فَلَهَا)، فجره إلى نفسه، كأنه قيل: وإن أسأتم فلها، وقد حصل منكم الإساءة والإفساد مرة أخرى، وهما السبب ف يمجيء الوعد في الآخرة:(فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ). ألا ترى كيف وصل قوله: (وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا) بما ذيل به هذا الوعد الآخرة، وهو قوله:(عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ) أي: إن تبتم.

قوله: (وقرئ: "ليسوء")، أبو بكر وابن عامر وحمزة: بالياء ونصب الهمزة على التوحيد، والكسائي: بالنون ونصب الهمزة على الجمع، والباقون: بالياء وهمزة مضمومة

ص: 249

عز وجل، أو للوعد، أو للبعث. (ولنسوء): بالنون. وفي قراءة علىّ: (لنسوأنّ): وليسوأنّ وقرئ لنسوأن، بالنون الخفيفة. واللام في (لِيَدْخُلُوا) على هذا متعلق بمحذوف وهو: وبعثناهم ليدخلوا. ولنسوأن: جواب إذا جاء ما (عَلَوْا) مفعول (ليتبروا)، أي ليهلكوا كل شيء غلبوه واستولوا عليه. أو بمعنى: مدة علوّهم.

[(عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيرًا)].

(عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ) بعد المرّة الثانية إن تبتم توبة أخرى وانزجرتم عن المعاصي، (وَإِنْ عُدْتُمْ) مرة ثالثة (عُدْنا) إلى عقوبتكم وقد عادوا، فأعاد الله إليهم النقمة بتسليط الأكاسرة وضرب الإتاوة عليهم. وعن الحسن: عادوا فبعث الله محمدًا صلى الله عليه وسلم،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بين واوين على الجمع"، قال أبو البقاء: التقديرُ على الجمع: ليسوء العبادُ، أو النفيرُ. ويُقرأُ "ليسوء" بغير واو، أي: ليسوء البعث أو المبعوث أو النفير أو الله تعالى.

قوله: ("لنسوء"، بالنون) الخفيفة. قال ابن جني: قرأ أبي بن كعب: "لنسوءاً" بالتنوين، فطريق القول فيه أن يكون أراد ألفاً فحذفها، أي: فليسوءا وجوهكم، على لفظ الأمر، كما تقول: إذا سألتني فلأعطك، كأنك تأمر نفسك، ومعناه: فلأعطينك، واللامان بعده للأمر أيضاً، وهما (وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا). يُقوي ذلك أنه لم يأتِ لـ"إذا" جوابٌ فيما بعدُ، فالتقدير: فلنسوءاً وجوهكم، أي: فلنسوءن. وهذا يدل على أن في "فلنسوءن" ألفاً مقدرة.

قوله: (وضرب الإتاوة عليهم)، أي: الخراج، فإن قلت: ما وجه استقامة هذا الوجه، وهو تسليط الأكاسرة عليهم، وقد مضى، مع قوله:(وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا) وهو للاستقبال؟

ص: 250

فهم يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون. وعن قتادة: ثم كان آخر ذلك أن بعث الله عليهم هذا الحيّ من العرب، فهم منهم في عذاب إلى يوم القيامة (حَصِيرًا) محبسا يقال للسجن محصر وحصير. وعن الحسن:

بساطا كما يبسط الحصير المرمول.

[(إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا* وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابًا أَلِيمًا)].

(لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) للحالة التي هي أقوم الحالات وأسدّها. أو للملة. أو للطريقة. وأينما قدرت لم تجد مع الإثبات ذوق البلاغة الذي تجده مع الحذف، لما في إبهام الموصوف بحذفه من فخامة تفقد مع إيضاحه. وقرئ: ويبشر، بالتخفيف، فإن قلت: كيف ذكر المؤمنين الأبرار والكفار ولم يذكر الفسقة؟ قلت: كان الناس حينئذ إما مؤمن تقي، وإما مشرك، وإنما حدث أصحاب المنزلة بين المنزلتين بعد ذلك.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قلت: استقامته من حيث إن هذه المذكورات كلها كانت مثبتة في التوراة مقضية عليهم، لقوله تعالى:(وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ)، والكتاب: التوراة، كما نص عليه المصنف.

قوله: (المرمول)، الجوهري: رملتُ الحصير، أي: سففته، بمعنى نسجته، وأرملته: مثله.

قوله: (لما في إبهام الموصوف بحذفه من فخامة تفقد مع إيضاحه)، فإنك إذا أضربت عن ذكر إحدى هذه المقدرات صفحاً بقي اللفظ مجملاً يصلحُ أن يتناول كلاً منها وما شاكلها، فإذا قيدتها بواحدة منها اختص بها، فكأنك قلت: يهدي لما لا يدخل تحت الوصف والحصر مما ذُكر في الكتاب، ومما لم يُذكر، كقولك: جاء بعد اللتيا والتي.

قوله: ("ويبشر"، بالتخفيف): حمزة والكسائي.

قوله: (وإنما حدث أصحاب المنزلة بين المنزلتين بعد ذلك)، قيل: هذا من أبي حُذيفة

ص: 251

فإن قلت: علام عطف (وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ)؟ قلت: على (أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا) على معنى: أنه بشر المؤمنين ببشارتين اثنتين: بثوابهم، وبعقاب أعدائهم ويجوز أن يراد: ويخبر بأن الذين لا يؤمنون معذبون.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

واصل بن عطاء. وقلتُ: هذا من جملة البدع المنهي عنها في قوله صلى الله عليه وسلم: "خيرُ الهدي هديُ محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة". أخرجه مسلمٌ، والترمذي عن جابر.

قوله: (ويجوز أن يُراد: ويُخبر بأن الذين)، يعني: هو عطفٌ على قوله: (يَهْدِي) أي: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) ويخبر أن الذين لا يؤمنون معذبون، هذا أوجه من الأول وأحسن التئاماً، كأنه قيل: بشيرٌ للمؤمنين ونذيرٌ للكافرين. ويمكن أن يكون معطوفاً من حيث المعنى على قوله: (وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ)، أي: يُبشر المؤمنين وينذر الكافرين.

وأما اتصالُ الآية بما قبلها، فقد قال الإمام: إنه قال لما شرح ما فعله في حق عباده المخلصين، وهو الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم، وإيتاء التوراة لموسى عليه السلام، وما فعله في حق العصاة والمتمردين، وهو تسليط أنواع البلاء عليهم، كان ذلك تنبيهاً على ان طاعة الله تُوجب كل خيروكرامة، ومعصيته توجب كل بلية وغرامة، لا جرم قال:(إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) ثم عطف عليه: (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ) الآية، لجامع دليلي السمع والعقل، أو نعمتي الدين والدنيا، وأما اتصال قوله:(وَيَدْعُ الإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ) فهو أنه تعالى لما وصف القرآن حتى بلغ به الدرجة القُصيا في الهداية أتى بذكر من أفرط في كفران هذه البُغية الأسنى والنعمة العظمى، قائلاً:(اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنْ السَّمَاءِ)[الأنفال: 32]، فظهر أن الذي ذهب إليه ابن عباس:"هو النضر بن الحارث" هو المذهب.

ص: 252

[(وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا)].

أي: ويدعو الله عند غضبه بالشر على نفسه وأهله وماله، كما يدعوه لهم بالخير، كقوله (وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ)] يونس: 11 [. (وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا) يتسرع إلى طلب كل ما يقع في قلبه ويخطر بباله، لا يتأنى فيه تأنى المتبصر. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه دفع إلى سودة بنت زمعة أسيراً، فأقبل يئن بالليل، فقالت له: مالك تئن؟ فشكا ألم القدّ، فأرخت من كتافه، فلما نامت أخرج يده وهرب، فلما أصبح النبي صلى الله عليه وسلم دعا به فأعلم بشأنه، فقال صلى الله عليه وسلم «اللهم اقطع يديها» فرفعت سودة يديها تتوقع الإجابة، وأن يقطع الله يديها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"إني سألت الله أن يجعل لعنتي ودعائي على من لا يستحق من أهلي رحمة لأني بشر أغضب كما يغضب البشر فلتردّ سودة يديها" ويجوز أن يريد بالإنسان الكافر، وأنه يدعو بالعذاب استهزاء ويستعجل به، كما يدعو بالخير إذا مسته الشدّة. (وكان الإنسان عجولاً): يعني

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (كما يدعوه لهم)، أي: يدعو الله لأجل نفسه وماله وأهله، ففي الضمير تغليبٌ. قال: وجه النظم: أن الإنسان بعد إنزال الله هذا القرآن واختصاصه بهذه النعمة الجسيمة والمكرمة العظيمة، قد يعدل عن التمسك بشرائعه، ويقدم على ما لا فائدة فيه.

قوله: (لا يستحق) أي: لايستحقها، يعني اللعنة. "من أهلي": بيانُ "مِن". و"رحمة": مفعول ثانٍ لـ"يجعل".

قوله: (لأني بشرٌ أغضب ما يغضب البشر)، روينا عن البخاري ومسلم، عن أبي هريرة قال: قال صلى الله عليه وسلم: "إنما أنا بشرٌ أغضب كما يغضب البشر، فأيما رجل من المسلمين سببته أو لعنته أو جلدته فاجعلها له صلاة وزكاة وقربة"، وزاد أحمد:"تقربه بها يوم القيامة".

ص: 253

أن العذاب آتيه لا محالة، فما هذا الاستعجال، وعن ابن عباس رضى الله عنهما: هو النضر بن الحرث قال: (اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك) الآية [الأنفال: 32 [، فأجيب له، فضربت عنقه صبراً.

[(وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا)].

فيه وجهان، أحدهما: أن يراد أن الليل والنهار آيتان في أنفسهما، فتكون الإضافة في آية الليل وآية النهار للتبيين، كإضافة العدد إلى المعدود، أي: فمحونا الآية التي هي الليل وجعلنا الآية التي هي النهار مبصرة. والثاني: أن يراد: وجعلنا نيري الليل والنهار آيتين، يريد الشمس والقمر. (فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ): أي جعلنا الليل ممحوّ الضوء مطموسه مظلما، لا يستبان فيه شيء كما لا يستبان ما في اللوح الممحوّ، وجعلنا النهار مبصراً أي تبصر فيه الأشياء وتستبان. أو فمحونا آية الليل التي هي القمر حيث لم يخلق لها شعاعا كشعاع الشمس، فترى به الأشياء رؤية بينة، وجعلنا الشمس ذات شعاع يبصر في ضوئها كل شيء (لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ) لتتوصلوا ببياض النهار إلى استبانة أعمالكم والتصرف في معايشكم (وَلِتَعْلَمُوا) باختلاف

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (فضربت عنقه صبراً)، يقال: قُتل فلانٌ صبراً: إذا حُبس عن القتل حتى قُتل، وقد مضت قصة النضر.

قوله: (ممحو الضوء مطموسه)، الراغب: المحو: إزالة الأثر، ومنه قيل للشمال محوة؛ لأنها تمحو السحاب والأثر، قال الله تعالى:(يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ)[الرعد: 39].

قوله: (فترى به الأشياء)، جواب لقوله:"لم يخلق له شعاعاً"ن كقولك: ما تأتينا فتحدثنا.

ص: 254

الجديدين (عَدَدَ السِّنِينَ) وَجنس الْحِسابَ وما تحتاجون إليه منه ولولا ذلك لما علم أحد حسبان الأوقات، ولتعطلت الأمور (وَكُلَّ شَيْءٍ) مما تفتقرون إليه في دينكم ودنياكم (فَصَّلْناهُ) بيناه بيانا غير ملتبس، فأزحنا عللكم، وما تركنا لكم حجة علينا.

[(وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنْشُورًا* اقْرَا كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا)].

(طائِرَهُ) عمله وقد حققنا القول فيه في سورة النمل. وعن ابن عيينة: هو من قولك: طار له سهم، إذا خرج، يعني: ألزمناه ما طار من عمله. والمعنى أنّ عمله لازم له لزوم القلادة أو الغل لا يفك عنه، ومنه مثل العرب: "تقلدها طوق

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وقد حققنا القول فيه في سورة النمل)، والمذكور فيها هو: كان الرجل يخرج مسافراً فيمر بطائر فيزجره، فإن مر سانحاً تيمن، وإن مر بارحاً تشاءم، فلما نسبوا الخير والشر إلى الطائر، استعير لما كان سببهما من قدر الله وقسمته، ومن عمل العبد الذي هو السبب في الرحمة والنقمة، ومنه قالوا: طائر الله لا طائرك، أي: قدر الله الغالب الذي يُنسبُ إليه الخير والشر، لا طائرك الذي يتشاءم به ويتيمن به.

قوله: (والمعنى أن عمله لازم له لزوم القلادة أو الغُل لا يفك عنه)، قال الإمام: إنما خص العنق من بين سائر الأعضاء؛ لأن الذي يكون عليه إما أن يكون خيراً يزينه، أو شراً يشينه، مايزين يكون كالطوق والحلي، وما يشين يكون كالغل.

واعلم أن هذا من أدل الدلائل على أن كل ما قدره الله تعالى للإنسان وحكم به في سابق علمه واجب الوقوع ممتنع العدم؛ لأن قوله: (أَلْزَمْنَاهُ) صريح في أن ذلك الإلزام

ص: 255

الحمامة". وقولهم: الموت في الرقاب. وهذا ربقة في رقبته. عن الحسن: يا ابن آدم بسطت لك صحيفة إذا بعثت قلدتها في عنقك: وقرئ (فِي عُنُقِهِ) بسكون النون. وقرئ (نُخْرِجُ) بالنون. ويخرج، بالياء، والضمير لله عز وجل.

ويخرج، على البناء للمفعول. ويخرج من خرج، والضمير للطائر. أى: يخرج الطائر كتابًا، وانتصاب (كتابًا) على الحال. وقرئ: يلقاه، بالتشديد مبنيا للمفعول. (ويَلْقاهُ)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الذي لا ينفك عنه صدر منه تعالى، وأن كل ما حكم به في الأزل لابد أن يظهر أثره في الأبد، ويؤيده ما رويناه، عن أبي داود والترمذي، عن عبادة بن الصامت قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أول ما خلق الله القلم، قال له: اكتب، فقال: يا رب، ما أكتب؟ قال: اكتُبْ مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة".

قوله: (وقرئ: (َنُخْرِجُ) بالنون) وهي المشهورة، الراغب: خرج: برز من مقره أو حاله، سواء كان مقره داراً أو بلداً أو ثوباًن وسواء كان حاله حالة في نفسه أو أسبابه الخارجة، قال تعالى:(فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ) وقال: (فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ)[الأعراف: 13]، وقال:(وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا)[فصلت: 47]، (يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنْ النَّارِ) [المائدة: 37]، والإخراج: أكثر ما يقال في الأعيان، كقوله تعالى:(أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمْ)[الأنعام: 93]، وقال:(أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ)[النمل: 56]، ويقال في التكوين الذي هو من فعل الله، نحو:(أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ)[النحل: 78]، والتخريج: أكثر ما يُقال في العلوم والصناعات.

قوله: ("يلقاه"، بالتشديد): ابن عامر، والباقون: مخففاً والياء مفتوحة، قيل هو من: لقيتُ الكتابَ، فإذا ضعفتَ، قلت: لقانيه زيدٌ، فيتعدى إلى مفعولين، فإذا بُني للمفعول قام

ص: 256

مَنْشُورًا) صفتان للكتاب. أو (يَلْقاهُ) صفة (ومَنْشُورًا) حالٌ من يلقاه (اقْرَا) على إرادة القول. وعن قتادة: يقرأ ذلك اليوم من لم يكن في الدنيا قارئا. (وبِنَفْسِكَ) فاعل (كفى). (وحَسِيبًا) تمييز وهو بمعنى حاسب كضريب القداح بمعنى ضاربها وصريم بمعنى صارم ذكرهما سيبويه. وعلى متعلق به من قولك حسب عليه كذا. ويجوز أن يكون بمعنى الكافي وضع موضع الشهيد فعدّى بـ"على"؛ لأنّ الشاهد يكفى المدّعى ما أهمه. فإن قلت: لم ذكر (حَسِيبًا)؟ قلت: لأنه بمنزلة الشهيد والقاضي والأمير، لأنّ الغالب أنّ هذه الأمور يتولاها الرجال، فكأنه قيل: كفى بنفسك رجلا حسيبا. ويجوز أن يتأوّل النفس بالشخص، كما يقال: ثلاثة أنفس. وكان الحسن إذا قرأها قال: يا ابن آدم، أنصفك والله من جعلك حسيب نفسك.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أحدهما مقام الفاعل، وعليه قوله تعالى:(وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلاماً).

قوله: (كضريب القداح)، الجوهري: الضريب الذي يضرب بالقداح وهو الموكل بها، والقدحُ، بالكسر: السهم قبل أن يُراش ويُركب نصله، وقدح الميسر أيضاً، والجمع: قداح.

قوله: (بمعنى: الكافي)، أي: الحسيب، بمعنى: الكافي. الأساس: احتسبت بكذا: اكتفيت، واحتسبني: كفاني، وعلاقة المجاز أن الكافي كما يكفي الشخص مما أهمه، كذلك الشاهد يكفي المدعي ما أهمه.

قوله: (فكأنه قيل: كفى بنفسك رجلاً حسيباً)، يعني: جرد من النفس رجلاً شاهداً، وهو هي.

قوله: (يا ابن آدم، أنصفك - والله- من جعلك حسيب نفسك)، وفي "شرح السُّنة": قال الحسن في قوله تعالى: (كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً): لكل آدمي في عنقه قلادة يكتب فيها نسخة عمله، فغذا مات طويت، وقلدها، وإذا بُعث نُشرت، وقيل له: (اقْرَا كِتَابَكَ كَفَى

ص: 257

[(مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا)].

أي: كل نفس حاملة وزرا، فإنما تحمل وزرها لا وزر نفس أخرى (وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ) وما صحّ منا صحة تدعو إليها الحكمة أن نعذب قوما إلا بعد أن (نَبْعَثَ) إليهم (رَسُولًا) فتلزمهم الحجة. فإن قلت: الحجة لازمة لهم قبل بعثة الرسل، لأنّ معهم أدلة العقل التي بها يعرف الله، وقد أغفلوا النظر وهم متمكنون منه، واستيجابهم العذاب لإغفالهم النظر فيما معهم، وكفرهم لذلك، لا لإغفال الشرائع التي لا سبيل إليها إلا بالتوقيف، والعمل بها لا يصح إلا بعد الإيمان. قلت: بعثة الرسل من جملة التنبيه على النظر والإيقاظ من رقدة الغفلة، لئلا يقولوا: كنا غافلين

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً). يا ابن آدم، أنصفك من جعلك حسيب نفسك.

قوله: (والحجة لازمة لهم قبل بعثه الرسل؛ لأن معهم أدلة العقل)، ثم قوله:(بعثة الرسل من جملة التنبيه على النظر). الانتصاف: هذا مذهبٌ باطلٌ اعتزاليٌ، ومذهب أهل السنة أنه لا حكم قبل الشرع ولا تكاليف إلا به، ولا تجب الحجة إلا بالبعثة، والآية دالة عليه، فلا معنى لتحريفها. وقال محيي السنة: وفي الآية دليل على أن ما وجب، وجب بالسمع لا بالعقل، وكذا عن الواحدي.

قلت: يؤيده قوله تعالى: (رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ)[النساء: 165]؛ لأن البشارة والنذارة إنما يكونان بالجنة والنار، والعقل لا مجال له في إثباتهما.

ص: 258

فلولا بعثت إلينا رسولا ينبهنا على النظر في أدلة العقل.

[(وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيرًا)].

(وَإِذا أَرَدْنا) وإذا دنا وقت إهلاك قوم ولم يبق من زمان إمهالهم إلا قليل، أمرناهم (فَفَسَقُوا) أي أمرناهم بالفسق ففعلوا، والأمر مجاز، لأن حقيقة أمرهم بالفسق أن يقول لهم: افسقوا، وهذا لا يكون فبقى أن يكون مجازًا، ووجه المجاز أنه صب عليهم النعمة صبًا، فجعلوها ذريعة إلى المعاصي واتباع الشهوات، فكأنهم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

واعلم أن قوله تعالى: (مَنْ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا) توكيدٌ لمعنى تلك الآية، وأن كل مكلفٍ مرهونٌ بعمله، وعمله كالقلادة في عنقه غير منفك عنه لا يفارقه ولا يتعدى إلى غيره، ثم جاء:(وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) تقريراً لهذا المعنى، ومفهوم ذلك كله أنه تعالى بين للمكلف ما عليه وما له وما يحتاج إليه وما خُلق لأجله، غزالة للأعذار، ثم أتى بقوله:(وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) تذييلاً لها وتقريراً لإزالة الأعذار.

قوله: ((وَإِذَا أَرَدْنَا): وإذا دنا وقت إهلاك قوم)، جعل الإرادة التي هي السبب في الإهلاك تابعة لدنو الوقت. قال القاضي: إذا تعلقت إرادتنا بإهلاك قوم لإنفاذ قضائنا السابق، أمرنا متنعميها بالطاعة على لسان رسول بعثناه إليهم، أو إذا دنا وقته المقدر، كقولهم: إذا أراد المريض أن يموت ازداد مرضه شدة.

قوله: (كأنهم) إشارة إلى انه من باب التمثيل، شبه إيلاء النعمة عليهم وجعلهم ذلك ذريعة إلى الفسق، بالمأمور الذي ورد عليه أمر الآمر المطاع، فامتثل لأمره من غير توقف، ثم أخرج مخرج الاستعارة لطي ذكر المشبه، والجامع ترتب الثاني على الأول لفظ الأمر.

ص: 259

مأمورون بذلك لتسبب إيلاء النعمة فيه، وإنما خولهم إياها ليشكروا ويعملوا فيها الخير ويتمكنوا من الإحسان والبرّ، كما خلقهم أصحاء أقوياء، وأقدرهم على الخير والشرّ، وطلب منهم إيثار الطاعة على المعصية فآثروا الفسوق، فلما فسقوا حق عليهم القول وهو كلمة العذاب فدمّرهم. فإن قلت: هلا زعمت أن معناه أمرناهم بالطاعة ففسقوا؟ قلت: لأن حذف ما لا دليل عليه غير جائز، فكيف بحذف

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (لأن حذف ما لا دليل عليه غير جائز)، يعني: إذا كان لفعل متعلقٌ غير مذكور، فإن وُجد في اللف ما يدل على ذلك المقدر، وكان مناسباً له، قيد المطلق به، كقولك: أمرته فقام، فإن قوله:"فقام" دليلٌ على أن المأمور به القيام، وعلى هذا: أمرناهم ففسقوا، معناه: أمرناهم بالفسق ففسقوا، كما قُدر، وعلى هذا القياس يقال في قولهم: أمرته فعصاني، لكنه لا يستقيم؛ لأن الأمر والعصيان متقابلان من حيث التضاد، وإليه الإشارة بقوله:"ولا تكون ما يناقض الأمر مأموراً به"، فإذن ليس في اللفظ ما يقيد به المطلق، فيترك على إطلاقه ويُجعل تمثيلاً، كما قال. فكأنهم مأمورون بذلك.

قال الإمام: ولقائل أن يقول: كما أن قوله: أمرته فعصاني، يدل على أن المأمور به شيء غير المعصية من حيث إن المعصية منافية للأمر ومناقضة له، فكذلك: أمرته ففسقن يدل على أن المأمور به شيء غير الفسق؛ لأن الفسق عبارة عن الإتيان بضد المأمور به، فكونه فسقاً ينافي كونه مأموراً به. وهذا الكلام في غاية الظهور، فلا أدري لم أصر صاحب "الكشاف" على قوله!

وقلتُ: هذا هو الحق، لقوله تعالى:(كَانَ مِنْ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ)، وتفسير المصنف الفاسق بالخارج عن أمر الله، والمعنى: أمرناهم على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم بالأعمال الصالحة وهم خالفوا الأمر وأقدموا على الفسق، فالآية من باب الطباق المعنوي، قال

ص: 260

ما الدليل قائم على نقيضه، وذلك أن المأمور به إنما حذف لأن فسقوا يدل عليه، وهو كلام مستفيض.

يقال: أمرته فقام، وأمرته فقرأ لا يفهم منه إلا أن المأمور به قيام أو قراءة، ولو ذهبت تقدّر غيره فقد رمت من مخاطبك علم الغيب، ولا يلزم على هذا قولهم: أمرته فعصاني، أو فلم يمتثل أمري؛ لأنّ ذلك مناف للأمر مناقض له، ولا يكون ما يناقض الأمر مأمورًا به، فكان محالا أن يقصد أصلا حتى يجعل دالا على المأمور به، فكان المأمور به في هذا الكلام غير مدلول عليه ولا منوي، لأن من يتكلم بهذا الكلام فإنه لا ينوى لأمره مأمورًا به، وكأنه يقول: كان منى أمر فلم تكن منه طاعة، كما أن من يقول: فلان يعطى ويمنع، ويأمر وينهى، غير قاصد إلى مفعول. فإن قلت: هلا كان ثبوت العلم بأن الله لا يأمر بالفحشاء وإنما يأمر بالقصد والخير، دليلا على أن المراد أمرناهم بالخير ففسقوا؟ قلت: لا يصحّ ذلك، لأن قوله (فَفَسَقُوا) يدافعه، فكأنك أظهرت شيئًا وأنت تدعى إضمار خلافه، فكان صرف الأمر إلى المجاز هو الوجه، ونظير «أمر» شاء: في أن مفعوله استفاض فيه الحذف، لدلالة ما بعده عليه، تقول: لو شاء لأحسن إليك، ولو شاء لأساء إليك. تريد: لو شاء الإحسان ولو شاء الإساءة، فلو ذهبت تضمر خلاف ما أظهرت - وقلت: قد دلت حال من أسندت إليه المشيئة أنه من أهل الإحسان أو من أهل الإساءة، فاترك الظاهر المنطوق به وأضمر ما دلت عليه حال صاحب المشيئة - لم تكن على سداد. وقد فسر بعضهم (أَمَرْنا)

بـ (كثرنا)، وجعل أمرته فأمر من باب فعلته ففعل،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ .....

صاحب "الانتصاف": قول الزمخشري حسنٌ، إلا قوله: أنعم عليهم ليشكروا، والحق أنهم خولوا النعمة وأمروا بالشكر ففسقوا وكفروا مخالفة للأمر لا للإرادة.

قوله: (وقد فسر بعضهم (أَمْرِنَا): بـ"كثرنا")، قال ابن جني: وكان أبو علي يستحسن قول الكسائي في قوله تعالى: (لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً)[الكهف: 71]، أي: كثيراً، من قوله

ص: 261

كـ"ثبرته فثبر". وفي الحديث: "خير المالك سكة مأبورة ومهرة مأمورة" أي كثيرة النتاج. وروى أن رجلا من المشركين قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إني أرى أمرك هذا حقيرًا، فقال صلى الله عليه وسلم: إنه سيأمر. أي سيكثر وسيكبر. وقرئ: (آمرنا) من أمر وأمره غيره. (وأمّرنا) بمعنى أمرنا، أو من أمر إمارة، وأمره الله.

أي: جعلناهم أمراء وسلطناهم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تعالى: (أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا)، ومن قولهم: أمر الشيء، إذا كثُر، ومنه قوله:"خيرُ المال سكة مأبورةٌ ومُهرةٌ مأمورة"، السكة: الطريقة المصطفة من النخل، مأبورة: ملقحة، مأمورة: مُكثرِةُ النسل، والأصل: مؤمرة؛ لأنه من أمرها الله، لكن أتبعها قوله: مأبورة للسجع، وأما قوله:(أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا) فمنقول من: أمر القوم، أي: كثروا، كعلم وعلمته، وسلم وسلمته. ورُوي عن المصنف، أنه قال: ما عول من زعم أن "أمرته" بمعنى: كثرته، إلا على قوله: ومهرة مأمورة، وما هو إلا من الأمر الذي هو نقيض النهي، وهو مجاز أيضاً كما في الآية، لأن الله تعالى قال لها: كوني كثيرة النتاج، فكانت، فهي إذن مأمورة على ما تهبه.

قوله: كـ (ثبرته)، الجوهري: الثبور: الهلاك.

قوله: ("آمرنا" من: أمر)، الجوهري: آمرته- بالمد- وأمرته: لغتان بمعنى: كثرته.

قوله: ("وأمرنا" بمعنى: آمرنا)، قال أبو البقاء: ويُقرأ بالتشديد والقصر، أي: جعلناهم أمراء، وقيل: هو بمعنى الممدودة؛ لأنه تارة يُعدى بالهمزة وأخرى بالتضعيف، واللازم منه: أمر القوم، أي: كثروا.

ص: 262

[(وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً)].

كَمْ مفعول (أَهْلَكْنا) و (مِنَ الْقُرُونِ) بيان لكم وتمييز له، كما يميز العدد بالجنس، يعني عاد وثموداً وقروناً بين ذلك كثيرا. ونبه بقوله (وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا) على أن الذنوب هي أسباب الهلكة لا غير، وأنه عالم بها ومعاقب عليها.

[(مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُومًا مَدْحُورًا* وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا)].

من كانت العاجلة همه ولم يرد غيرها كالكفرة وأكثر الفسقة، تفضلنا عليه من

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (على أن الذنوب هي أسباب الهلكة لا غيرُ)، ولك من ترتب قوله:(كَمْ أَهْلَكْنَا) على قوله تعالى: (خَبِيراً بَصِيراً)، أي: خبيراً بذنوب العباد وبصيراً بها، لما يعلم أن الذنوب نتائجها الكفر والكفران وتكذيب آيات الله، وقتل الأنبياء وغير ذلك، قال الله تعالى:(ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا)، فصح قوله:"إن الذنوب هي أسباب الهلكة لا غير"، والذي يدل على فظاعة شأنها قوله:(وَكَفَى بِرَبِّكَ).

قوله: (من كانت العاجلة همه ولم يُرد غيرها)، يدل على القيد معنى الإرادة، فإن الإرادة هي: عقد القلب بالشيء وخلوص همه فيه، وإنما قال: كالكفرة "والفسقة"؛ لأن الآية قوبلت بها. قوله تعالى: (وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ)، فإن الكافر ينكر الأجل، والفاسق وإن لم ينكر لكنه منهمك في الشهوات، فكأنه معرض عن الآخرة، وفيه إيماء إلى مذهبه.

ص: 263

منافعها بما نشاء لمن نريد، فقيد الأمر تقييدين، أحدهما: تقييد المعجل بمشيئته. والثاني: تقييد المعجل له بإرادته، وهكذا الحال: ترى كثيرا من هؤلاء يتمنون ما يتمنون ولا يعطون إلا بعضًا منه، وكثيرا منهم يتمنون ذلك البعض وقد حرموه، فاجتمع عليهم فقر الدنيا وفقر الآخرة، وأمّا المؤمن التقى فقد اختار مراده وهو غنى الآخرة، فما يبالى: أوتى حظا من الدنيا أو لم يؤت فإن أوتى فيها وإلا فربما كان الفقر خيرا له وأعون على مراده. وقوله (لِمَنْ نُرِيدُ) بدل من (له)، وهو بدل البعض من الكل، لأن الضمير يرجع إلى «من» وهو في معنى الكثرة. وقرئ:(يشاء). وقيل: الضمير لله تعالى، فلا فرق إذًا بين القراءتين في المعنى ويجوز أن يكون للعبد، على أنّ للعبد ما يشاء من الدنيا، وأن ذلك لواحد من الدهماء يريد به الله ذلك.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (فإن أوبي فبها)، النهاية: وفي الحديث: "من توضأ للجمعة فبها"، والباء متعلقة بفعل مضمر، أي: فبهذه الخصلة والفعلة يعني الوضوء، ينالُ الفضل.

قوله: (لأن الضمير يرجع إلى "مَن")، أي: الضمير والمجرور في قوله: يرجعُ إلى (مَن) في قوله: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ) ن وهو يقتضي العموم لأن مريدي العاجلة لا حصر فيهم. وأما المعجل له فمحصورون.

قوله: (فلا فرق إذن بين القراءتين)، أي: قراءة "يشاءُ" بالياء، والضمير لله، والقراءة المشهورة بالنون في كون المشيئة لله تعالى، فدل النون على التعظيم، والياء على التجريد، كأنه قيل:(عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ) من له المشيئة المطلقة وبيده أزمة كل الأمور يفعلُ بمشيئته ما أراد، لا يمنعه مانعٌ.

قوله: (الدهماء)، الجوهري: الدهم: العدد الكثير، ودهماء الناس: جماعتهم.

قوله: (يريد به الله)، ذلك الضمير للعبد، والمشار إليه ما يشاء من الدنيا، والجملة صفة لـ "واحد".

ص: 264

وقيل: هو من يريد الدنيا بعمل الآخرة، كالمنافق، والمرائي، والمهاجر للدنيا، والمجاهد للغنيمة والذكر، كما قال صلى الله عليه وسلم «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه (مَدْحُورًا) مطروداً من رحمة الله (سَعْيَها) حقها من السعي وكفاءها من الأعمال الصالحة. اشترط ثلاث شرائط في كون السعي مشكوراً: إرادة الآخرة بأن يعقد بها همه ويتجافى عن دار الغرور، والسعي فيما كلف من الفعل والترك، والإيمان

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (فمن كانت هجرته إلى الله)، الحديث مشهور، أخرجه الأئمة، وهو من باب قولهم: من أدرك الصمان فقد أدرك.

قوله: ((مَدْحُوراً): مطروداً)، الراغب: الدحرُ: الطرد والإبعاد، يقال: دحره دحوراً، قال تعالى:(فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً)[الإسراء: 39]، وقال:(وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ)[الصافات: 9]، ولم يذكر الدحر في "الصحاح".

قوله: (ويتجافى عن دار الغرور)، مقتبس مما روى المفسرون، أنه صلى الله عليه وسلم سُئل: ما علامة شرح الصدر؟ قال: "التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود".

قوله: (والسعي فيما كُلف من الفعل والترك)، استفاده من إقران الإيمان بالسعي ليكون على وزان قوله:(الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)[العصر: 3] والظاهر أن المراد من قوله: (وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ): السعي المختص بها، وما يُنسب إليها، وعرف أن ذلك السعي ما هو، وهو قمع الهوى وترك زينة الدنيا ومراقبة الأحوال بين يدي المولى، كما قال

ص: 265

الصحيح الثابت. وعن بعض المتقدّمين: من لم يكن معه ثلاث لم ينفعه عمله: إيمان ثابت، ونية صادقة، وعمل مصيب. وتلا هذه الآية. وشكر الله: الثواب على الطاعة.

[(كُلًا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا)].

(كُلًّا) كل واحد من الفريقين، والتنوين عوض من المضاف إليه (نُمِدُّ) هم: نزيدهم من عطائنا، ونجعل الآنف منه مدداً للسالف لا نقطعه، فنرزق المطيع والعاصي جميعا على وجه التفضل (وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ) وفضله (مَحْظُورًا) أي:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ .....

تعالى: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَاوَى)[النازعات: 40 - 41]، وفي الألفاظ النبوية:"ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا"، ولما كانت هذه الخصلة واسطة القلادة، جُعلت مقدمتها الإرادة، وقاعدتها الاستقامة على الإيمان، وبنى الجواب عليها. وقيل:(فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً).

الراغب: السعي: المشي السريع، وهو دون العدو، ويستعمل للجد في الأمر، خيراً كان أو شراً. قال تعالى:(وَسَعَى فِي خَرَابِهَا)[البقرة: 114]، (وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى) [النجم: 39]، وأكثر ما يستعمل في الأفعال المحمودة، قال الشاعر:

إن أجز علقمة بن سعد سعيه

لا اجزه ببلاء يوم واحد

وقال تعالى: (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ)[الصافات: 102]، أي: أدرك ما سعى في طلبه، وخُص المسعاة بطلب المكرمة والسعاية بأخذ الصدقة، وبكسب المُكاتب لعتق رقبتهن وبالنميمة والمساعاة بالفجور.

قوله: (الآنف). الجوهري: الاستئناف: الابتداء، وكذلك الائتناف.

ص: 266

ممنوعا، لا يمنعه من عاصٍ لعصيانه.

[(انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا)].

(انْظُرْ) بعين الاعتبار (كَيْفَ) جعلناهم متفاوتين في التفضل. وفي الآخرة التفاوت أكبر، لأنها ثواب وأعواض وتفضل، وكلها متفاوتة. وروى أن قوما من الأشراف فمن دونهم اجتمعوا بباب عمر رضي الله عنه، فخرج الإذن لبلالٍ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (لأنها ثواب وأعواض وتفضل، وكلها متفاوتة)، الضمير في "أنها" مبهم، يفسره ما بعده، كقوله تعالى:(إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا)[الأنعام: 29]، قال:"هذا ضميرٌ لا يعلم ما يعني به إلا ما يتلوه من بيانه"، إلى قوله:"لأن الخبر يدل عليها". ويجوز أن يكون المضاف محذوفاً، أي: أفعال الآخرة، يعني: أفعال الله في الآخرة مع العبد ثواب وأعواض وتفضل.

وفي بعض الحواشي الوارد على أصولهم: أفعال الله تعالى اليوم لا تخلو من صلا وإصلاح ولطف، وأفعاله غداً على سبيل الجزاء إما ثواب أو عوض أو تفضل، فالصلاح ضد الفساد، وكل ما عري عن الفساد سُمي صلاحاً، وهو: الفعل المتوجه إلى الخير من قوام العالم، وبقاء النوع عاجلاً، والمؤدي إلى السعادة السرمدية آجلاً. والأصلح، وهو إذا كان صلاحان أو خيران، وكان أحدهما أقرب على الخير المطلق فهو الأصلح. واللطف: هو وجه التيسير إلى الخير، وهوا لفعل الذي علم الرب سبحانه وتعالى أن العبد يطيع عندهن وليس في مقدور الله لطف وفعل لو فعله لأمن الكفار. ثم الثواب هو: الجزاء على أعمال الخير، والعوض هو: البدل عن الفائت، كالسلامة التي هي بدل الألم، والنعم التي هي في مقابلة البلايا والمحن والرزايا والفتن، والتفضل هو: إيصال منفعة خالصة إلى الغير من غير استحقاق، يستحق، أي: الله، بذلك حمداً وثناء ومدحاً وتعظيماً، ووصف بأنه محسن مجمل، وإن لم يفعله لم يستوجب بذلك ملاماً وذماً.

قوله: (وروي أن قوماً من الأشراف فمن دونهم اجتمعوا بباب عمر رضي الله عنه،

ص: 267

وصهيب، فشق على أبي سفيان، فقال سهيل بن عمرو: إنما أُتينا من قبلنا، إنهم دعوا ودعينا يعنى إلى الإسلام، فأسرعوا وأبطأنا، وهذا باب عمر، فكيف التفاوت في الآخرة، ولئن حسدتموهم على باب عمر لما أعدّ الله لهم في الجنة أكثر. وقرئ:(وأكثر تفضيلاً). وعن بعضهم: أيها المباهي بالرفع منك في مجالس الدنيا، أما ترغب في المباهاة بالرفع في مجالس الآخرة وهي أكبر وأفضل؟ !

[(لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا)].

(فَتَقْعُدَ) من قولهم شحذ الشفرة حتى قعدت، كأنها حربة بمعنى صارت،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وروى ابن عبد البر في "الاستيعاب"، عن الحسن: حضر جماعة من الناس بباب عمر رضي الله عنه، وفيهم سُهيل بن عمرو القرشي، وكان أحد الأشراف في الجاهلية، وأبوسفيان بن حرب وأولئك الشيوخ من قريش، فأذن لصهيب وبلال وأهل بدر، وكان يحبهم، وكان قد أوصى بهم، فقال أبو سفيان: ما رأيت كاليوم قط! إنه ليؤذن لهؤلاء العبيد ونحن جلوس لا يلتفت إلينا، فقال سهيل، وكان أعقلهم: أيها القوم، إني والله قد أرى الذي في وجوهكم، فإن كنتم غضاباً فاغضبوا على أنفسكم، دُعي القوم ودعيتم، فأسرعوا وأبطأتم، أما والله لما سبقوكم به من الفضل أشد عليكم فوتاً من بابكم هذا الذي تنافسون عليه.

وروى أيضاً: أن الحارث بن هشام وسهيلاً هذا دخلا على عمر رضي الله عنه فجلسا وهو بينهما، فجعل المهاجرون الأولون يأتون فيقول: هاهنا يا سهيل، هاهنا يا حارث، فينحيهما عنه، وجعل الأنصار يأتون فينحيهما حتى صارا في آخر الناس، فلما خرجا قال الحارث لسهيل: ألم تر ما صنع بنا؟ فقال سهيل: إن الرجل لا لوم عليه، ينبغي أن نرجع باللوم على أنفسنا، دُعي القوم فاسرعوا ودُعينا فأبطأنا، تمامه ذُكر في سورة التوبة.

ص: 268

يعني: فتصير جامعا على نفسك الذم وما يتبعه من الهلاك من إلهك، والخذلان والعجز عن النصرة ممن جعلته شريكاً له.

[(وَقَضى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيمًا* وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا)].

(وَقَضى رَبُّكَ) وأمر أمرًا مقطوعا به (أَلَّا تَعْبُدُوا) أن مفسرة ولا تعبدوا نهى. أو بأن لا تعبدوا (وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا) وأحسنوا بالوالدين إحساناً. أو بأن تحسنوا بالوالدين إحسانا وقرئ: (وأوصى) وعن ابن عباس رضي الله عنهما: ووصى. وعن بعض ولد معاذ بن جبل: (وقضاء ربك). ولا يجوز أن يتعلق الباء في بالوالدين بالإحسان، لأن المصدر لا يتقدّم عليه صلته (إِمَّا) هي «إن»

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (جامعاً على نفسك الذم وما يتبعه من الهلاك من إلهك)، يعني: أن المشرك قد ذمه الله، ومن ذمه الله يهلكه، وما يتبعه تفسير الذم. الخذلان: عطفٌ على الذم وإنما دل على الجمع إيقاع (مَذْمُوماً مَخْذُولاً) خبراً بعد خبر لقوله: (فَتَقْعُدَ). قال القاضي: ومفهومه أن الموحد يكون ممدوحاً منصوراً.

قوله: ((وَقَضَى رَبُّكَ)، وأمر أمراً مقطوعاً به)، ضمن "قضى" معنى الأمر؛ ليكون جامعاً للمعنيين: الأمر والقضاء الذي هو القطع، ولذلك كان "أن" في قوله:(أَلاَّ تَعْبُدُوا) مفسرة، وكأن النهي في معنى الأمر، أي: اعبدوا، ليناسب عطف "وأحسنوا" عليه، وسبق في "الأنعام" عند قوله:(أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ)[الأنعام 151] الآية، ما يقرب من هذا العطف.

قوله: (أو: بأن تُحسنوا بالوالدين إحسانا)، هذا على أن تكون "أنْ" موصولة لا مفسرة، ففيه لف ونشر.

ص: 269

الشرطية زيدت عليها «ما» تأكيدا لها، ولذلك دخلت النون المؤكدة في الفعل، ولو أفردت «إن» لم يصح دخولها، لا تقول: إن تكرمن زيدًا يكرمك، ولكن إما تكرمنه. (وأَحَدُهُما) فاعل (يبلغنّ)، وهو فيمن قرأ يبلغان بدل من ألف الضمير الراجع إلى الوالدين. وكِلاهُما عطف على أحدهما فاعلا وبدلا. فإن قلت: لو قيل إما (يبلغان) كلاهما، كان (كلاهما) توكيدا لا بد لا، فمالك زعمت أنه بدل؟ قلت: لأنه معطوف على ما لا يصح أن يكون توكيدا للاثنين، فانتظم في حكمه، فوجب أن يكون مثله. فإن قلت: ما ضرّك لو جعلته توكيدًا مع كون المعطوف عليه بدلا، وعطفت التوكيد على البدل؟ قلت: لو أريد توكيد التثنية لقيل: كلاهما، فحسب،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وهو فيمن قرأ: "يبلغان")، بالتشديد، حمزة والكسائي:"إما يبلغان" بسر النون والألف قبلها، والباقون بفتحها من غير ألف. قال أبو البقاء: ألفُ "يبلغان" بالتشديد: فاعل، و (أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا): بدلٌ منه، وقال أبو علي: هو توكيد. ويجوز أن يكون (أَحَدُهُمَا) مرفوعاً لفعل محذوف، أي: إن بلغ أحدهما أو كلاهما، وفائدته التوكيد أيضاً. ويجوز أن تكون الألف حرفاً للتثنية، والفاعل (أَحَدُهُمَا).

قوله: (لو قيل: إما يبلغان كلاهما، كان (كِلاهُمَا) توكيداً لا بدلاً)؛ لأنه مثلُ قول: جاءني الزيدان كلاهما، فإن كلاهما: توكيد باتفاق؛ لأنه يدل على ما دل عليه الزيدان، فكذا يُفهم من كلاهما ما يفهم من ضمير الأبوين. قال صاحب "التقريب": وفيه نظر، إذ جاز كونه تأكيداً.

وقوله: (لو أريد توكيد التثنية لقيل: كلاهما، فحسب)، ممنوعٌ، وأنه إنما يلزم لو أريد التأكيد فحسب من غير تقدم ذكر أحدهما، فكأنه قال: إما يبلغان أحدهما، أو يبلغان كلاهما، والأول: بدلٌ، والثاني: تأكيد.

ص: 270

فلما قيل: (أحدهما أو كلاهما)، علم أنّ التوكيد غير مراد، فكان بدلاً مثل الأول (أُفٍّ) صوت يدل على تضجر. وقرئ:(أُفٍّ)، بالحركات الثلاث منونًا وغير

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقلت: كلام المصنف مبني على أن (كِلاهُمَا) عطفٌ على "أحدهما"، لا على التقديرين، فإنه يعود إلى عطف الجملة على الجملة، والمقصود أحد الأمرين لإفادة الشمول والإحاطة في أحدهما دون الآخر. وأيضاً، لو كان أريد الشمول لم يقل: أحدهما، لكونه منافياً للشمول والإحاطة، فنه لدفع التجوز في إرادة الوحدة.

وقال صاحب "الفرائد": لما كان (أَحَدُهُمَا) لم يصلح أن يكون توكيداً للتثنية وهو ضمير "يبلغان"، وجب أن يكون بدلاً، والبدل في حكم تكرير العامل، فلزم أن يكون التقدير: يبلغ أحدهما، ولما كان (كِلاهُمَا) عطفاً على (أَحَدُهُمَا)، انقطع عن الضمير، فلم يُمكن أن يكون مؤكداً له؛ لأنه فاعل فعل آخر، والمؤكد لا فعل له إلا الفعل المذكور.

قوله: (وقرئ (أفٍ) بالحركات الثلاث)، نافع وحفص: بالتنوين وكسر الفاء، وابن كثير وابن عامر: بفتح الفاء من غير تنوين، والباقون بكسرها من غير تنوين.

وقال ابن جني: قرأ أبو السمال"أُفُّ" مضمومة غير منونة، وقرأ ابن عباس:"أف" خفيفة، وقال هارون النحوي: ويُقرأ "أفٌّ" بالتنوين، ولو قرئت "أفاً" لجاز، ولكن ليس في الكتاب ألفٌ.

وقال ابن جني: فيها ثماني لغات: أفِّ، وأُفٍّ، وأفاً، وأُفٌّ، وأفي ممالٌ، وأفْ خفيفة ساكنة. وأما قوله:"والتشديد كثُمَّ" فمعناه أنه على وزنه.

وقال أبو البقاء: من كسر بناه على الأصل؛ لأنه: اسم فعل، ومعناه التضجر والكراهة، أي: لاتقل لهما: كُفا، أو: اتركا. وقيل: هي: اسمٌ للجمل الخبرية، أي: كرهت، أو ضجرت من مداراتكما. ومن فتح طلب التخفيف مثل رب، ومن ضم أتبع، ومن نون أراد التنكير، ومن لم ينون أراد التعريف، ومن خفف الفاء حذف أحد المثلين تخفيفاً.

ص: 271

منون: الكسر على أصل البناء، والفتح تخفيف للضمة والتشديد كـ"ثم"، والضم إتباع كـ"منذ". فإن قلت: ما معنى عندك؟ قلت: هو أن يكبرا ويعجزا، وكانا كلا على ولدهما لا كافل لهما غيره، فهما عنده في بيته وكنفه، وذلك أشق عليه وأشدّ احتمالاً وصبراً، وربما تولى منهما ما كانا يتوليان منه في حال الطفولة، فهو مأمور بأن يستعمل معهما وطأة الخلق ولين الجانب والاحتمال، حتى لا يقول لهما إذا أضجره ما يستقذر منهما أو يستثقل من مؤنهما: أف، فضلا عما يزيد عليه. ولقد بالغ سبحانه في التوصية بهما حيث افتتحها بأن شفع (وبالوالدين إحسانا) الإحسان إليهما بتوحيده، ونظمهما في سلك القضاء بهما معاً، ثم ضيق الأمر في مراعاتهما حتى لم يرخص في أدنى كلمة تنفلت من المتضجر مع موجبات الضجر ومقتضياته، ومع أحوال لا يكاد يدخل صبر الإنسان معها في استطاعة (وَلا تَنْهَرْهُما) ولا تزجرهما عما يتعاطيانه مما لا يعجبك. والنهى والنهر والنهم: أخوات (وَقُلْ لَهُما) بدل التأفيف والنهر (قَوْلًا كَرِيمًا) جميلا، كما يقتضيه حسن الأدب والنزول على المروءة. وقيل: هو أن يقول: يا أبتاه، يا أماه، كما قال إبراهيم لأبيه:(يا أبت)[مريم: 42]، مع كفره، ولا يدعوهما بأسمائهما فإنه من الجفاء وسوء الأدب وعادة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقال ابن جني: وكان القياس إذا خففت أن تُسكن آخرها؛ لأنه لم يلتق فيها ساكنان فتُحرك، لكنهم بقوا الحركة مع التخفيف أمارة ودلالة على أنها قد كانت مثقلة مفتوحة.

الراغب: أصل الألف: كل مستقذر من وسخ وقلامة ظفر ونحوهما، ويقالُ ذلك لكل مستخف به استقذاراً له، نحو:(أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ)[الأنبياء: 67]، وقد أففت لكذا، إذا قلت ذلك استقذاراً له، ومنه قيل للضجر من استقذار شيء: أفف فلان.

قوله: (هو أن يكبرا ويعجزا)، يعني: معنى (عِنْدِكَ) هاهنا: كناية عن العجز وعن كونهما كلا على ولدهما.

ص: 272

الدعار، قالوا: ولا بأس به في غير وجهه، كما قالت عائشة رضي الله عنها: نحلني أبو بكر كذا. وقرئ (جَناحَ الذُّلِّ)، والذل: بالضم والكسر فإن قلت: ما معنى قوله (جَناحَ الذُّلِّ)؟ قلت: فيه وجهان، أحدهما: أن يكون المعنى: واخفض لهما جناحك كما قال (وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ)] الحجر: 88 [فأضافه إلى الذل أو الذلّ، كما أضيف حاتم إلى الجود على معنى: واخفض لهما جناحك الذليل أو الذلول. والثاني: أن تجعل لذله أو لذله لهما جناحاً خفيضًا، كما جعل لبيد للشمال يدًا، وللقرة زماماً،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (الدعار)، الجوهري: الدعارة: الفسق والخبث، يقال: هو خبيث داعرٌ بين الدعارة.

قوله: (نحلني أبو بكر كذا)، تمامه: ما ذُكر في النسائي من حديث أبي بكر رضي الله عنه: إني كنتم نحلتك جداد عشرين وسقاً بالعالية.

قوله: (وقرئ: (جَنَاحَ الذُّلِّ) و"الذل" بالضم والكسر)، بالضم: السبعة، والكسر: قرأه ابن عباس وعروة بن الزبير، قال ابن جني: الذل بالكسر في الدابة: ضد الصعوبة، وبالضم للإنسان، وهو ضد العز، كأنهم إنما فرقوا لان ما يلحق الإنسان أكثر قدراً مما يلحق الدابة، فاختاروا الضمة لقوتها للإنسان، والكسرة لضعفها للدابة، ولاتستنكر مثل هذا ولا تنب عنه، فإنه من عرف أنسن ومن جهل استوحش، وفي قول المصنف: جناحك الذليل أو الذلول، لمحة من هذا المعنى.

قوله: 0 جعل لبيدٌ لشمال يداً، وللقرة زماماً؛ مبالغة)، يعني: في قوله:

ص: 273

مبالغة في التذلل والتواضع لهما (مِنَ الرَّحْمَةِ): من فرط رحمتك لهما وعطفك

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وغداة ريح قد كشفت وقرة

إذ أصبحت بيد الشمال زمامها

شبه الشمال بالإنسان، ثم خيل أنها إنسانٌ بعينه، ثم أضيف إليه على سبيل الاستعارة التخيلية ما يُلازم الإنسان ند التصرف، وهو اليد قائلاً: بيد الشمال، وحكم الزمام مع القرة حكم اليد مع الشمال عند التصرف، كذا هاهنا: شبه الذل بالطائر، ثم أثبت له ما يلازم الطائر عند انحطاطه وانخفاضه من الجناح. وعلى الأول خفض الجناح كناية عن التواضع، وكان في الأصل استعارة تمثيلية، شبه ما يتصور من الإنسان في حال التواضع من الانخفاض، بما يشاهد من الطائر عند انحطاطه من الجو، ثم كثر استعماله فيه حتى صار عبارة عن مجرد التواضع، ثم أضيف إلى الذل تتميماً لإرادة التواضع.

الراغب: الجناح: جناح الطائر، يقال: جنح الطائر: إذا كُسر جناحه، وسُمي جانبا الشيء جناحيه، كجناحي العسكر والسفينة والوادي. وقال تعالى:(وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ) أي: جانبكن وقوله: (إِلَيْكَ جَنَاحَكَ) عبارة عن اليد لكون الجناح كاليد. وقوله: (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ) استعارة، وذلك أن الذل ضربان: ضرب يضع الإنسان، وضربٌ يرفعه، وقصد في هذا المكان إلى ما يرفعه، فكأنه قيل: استعمل الذل الذي يرفعك عند الله تعالى من أجل اكتسابك الرحمة أو من اجل رحمتك لهما. وجنح الليل: إذا أظل بظلامه، والجنح: قطعة من الليل مظلمة، وجنحت السفينة: إذا مالت إلى أحد جانبيها، وسُمي الإثم المائل بالإنسان عن الحق جناحا، ثم سمي كل إثم جناحاً، وجوانح الصدر: الأضلاع المتصلة رؤوسها في وسط الزور، الواحدة جانحة، لما فيها من الميل.

قوله: (مبالغة في التذلل والتواضع لهما)، أي: للوالدين.

قوله: ((مِنْ الرَّحْمَةِ) من فرط رحمتك لهما)، جعل (مِن) في (مِنْ الرَّحْمَةِ) ابتدائية

ص: 274

عليهما، لكبرهما وافتقارهما اليوم إلى من كان أفقر خلق الله إليهما بالأمس، ولا تكتف برحمتك عليهما التي لا بقاء لها وادع الله بأن يرحمهما رحمته الباقية، واجعل ذلك جزاء لرحمتهما عليك في صغرك وتربيتهما لك. فإن قلت: الاسترحام لهما إنما يصح إذا كانا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لا بيانية، إذ لو بين الجناح بها لرجعت الاستعارة إلى التشبيه التجريدي، كقوله تعالى:(حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ)[البقرة: 187]، قال أبو البقاء: من أجل رفقك بهما، فـ"مِن" متعلقة بـ"اخفض"، ويجوز أن تكون حالاً من جناح، وقال صاحب "الفرائد": التواضعُ والتذللُ ربما يكونان لأمرٍ آخر لا للرحمة والعطف، فقوله:(مِنْ الرَّحْمَةِ) معناه: من أجل الرحمة، يعني ينبغي أن لا يكون ذلك التذلل للخوف أو لأمر آخر.

قوله: (وادع الله بأن يرحمهما رحمته الباقية، واجعل ذلك جزاءً لرحمتهما عليك في صغرك وتربيتهما لك)، هذا المعنى يعطيه معنى كاف التشبيه. قال أبو البقاء:(كَمَا): نعت مصدرٍ محذوف، أي: رحمة مثل رحمتها لي، وقال القاضي: ارحمهما رحمةً مثل رحمتهما عليَّ وتربيتهما وإرشادهما لي في صغري وفاءً بوعدك للراحمين. وقلتُ: "ما" في (كَما): مصدرية، والوقت فيه مقدر، أي: ارحمهما في وقت أحوج ما يكونان إلى الرحمة من جميع الأوقات، كوقت رحمتهما علي وأنا في حالة الصغر كلحم على وضم وليس ذلك إلا في القيامة، والرحمة هي الجنة. ولهذا قال: رحمته الباقية. هذا هو التحقيق.

ونقل صاحب "اللباب" عن بعضهم: أنا لكاف في (كَمَا رَبَّيَانِي): لتأكيد الوجود. وذكر الشارح في توجيهه أنه ليس الكاف فيه للقران في الوقوع، كما في قولك: كما حضر زيدٌ قام عمرو، لأن التربية من الوالدين واقعة والرحمة لهما مطلوب الوقوع؛ لأنها مذكورة بصيغة الأمر في (رَّبِّ ارْحَمْهُمَا)، فالكاف ليس للمقارنة في الوقوع، بل لتاكيد وجود الرحمة،

ص: 275

مسلمين. قلت: وإذا كانا كافرين فله أن يسترحم لهما بشرط الإيمان، وأن يدعو الله لهما بالهداية والإرشاد، ومن الناس من قال: كان الدعاء للكفار جائزًا ثم نسخ. وسئل ابن عيينة عن الصدقة عن الميت فقال: كل ذلك واصل إليه، ولا شيء أنفع له من الاستغفار. ولو كان شيء أفضل منه لأمركم به في الأبوين. ولقد كرّر الله سبحانه في كتابه الوصية بالوالدين. وعن النبيّ صلى الله عليه وسلم رضا الله في رضا الوالدين، وسخطه في سخطهما

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أي: أوجد رحمتهما إيجاداً مؤكداً محققاً كما أوجد الوالدان التربية إيجاداً محققاً في الزمان الماضي.

قوله: (فقال: كل ذلك واصل إليه)، يعني: لا يسأل عن الصدقة وحدها، فإن كلا مما تعورف من الميراث واصلٌ إليه.

قوله: (ولا شيء أنفع [له] من الاستغفار)، يؤيده ما روينا عن أبي داود وابن ماجه، عن أسيد الساعدي قال: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ جاءه رجلٌ فقال: يا رسول الله هل بقي من بر والدي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ قال: "نعم، الصلاة عليهما والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما".

قوله: (لأمركم به في الأبوين): أي: المأمور به الاستغفار. وفي الآية المأمور به الاسترحام لقوله: (وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا)؛ لأن الاسترحام بمعنى الاستغفار.

قوله: (رضا الله في رضا الوالدين) عن ابن عمرو بن العاص: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "رضا الرب في رضا الوالد، وسخط الرب في سخط الوالد"، أخرجه الترمذي.

ص: 276

وروي: «يفعل البارّ ما يشاء أن يفعل فلن يدخل النار، ويفعل العاق ما يشاء أن يفعل فلن يدخل الجنة» .

وروى سعيد بن المسيب: إنّ البارّ لا يموت ميتة سوء. وقال رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنّ أبويّ بلغا من الكبر أني ألي منهما ما وليا مني في الصغر، فهل قضيتهما؟ قال: لا، فإنهما كان يفعلان ذلك وهما يحبان بقاءك، وأنت تفعل ذلك وأنت تريد موتهما»، وشكا رجل إلى رسول الله أباه وأنه يأخذ ماله، فدعا به فإذا شيخ يتوكأ على عصا، فسأله فقال: إنه كان ضعيفًا وأنا قوى، وفقيرًا وأنا غنيّ، فكنت لا أمنعه شيئًا من مالي، واليوم أنا ضعيف وهو قوي، وأنا فقير وهو غنيّ، ويبخل عليّ بماله، فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: ما من حجر ولا مدر يسمع هذا إلا بكى، ثم قال للولد: أنت ومالك لأبيك، أنت ومالك لأبيك. وشكا إليه آخر سوء خلق أمّه فقال: لم تكن سيئة الخلق حين حملتك تسعة أشهر؟ قال: إنها سيئة الخلق. قال: لم تكن كذلك حين أرضعتك حولين؟ قال إنها سيئة الخلق. قال: لم تكن كذلك حين أسهرت لك ليلها وأظمأت نهارها؟

قال: لقد جازيتها. قال: ما فعلت؟ قال: حججت بها على

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ورُوي: يفعل البارُّ)، إن رُوي بضم اللام يكون خبراً في معنى الطلب، كقوله تعالى:(وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ)[البقرة: 233]، وإن رُوي بكسرها، يكون من قبيل: محمد تفد نفسك كل نفس، أي: لتفد.

قوله: (أنت ومالك لأبيك)، روى أبو داود، عن ابن عمرو بن العاص، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه رجلٌ فقال: يا رسول الله، إن لي مالاً وولداً، وإن والدي يجتاح مالي، قال:"أنت ومالك لأبيك". النهاية: يجتاح مالي، أي: يستأصله، ويأتي عليه أخذاً وإنفاقاً، والاجتياح من الجائحة، وهي الآفة التي تهلك الثمار والأموال وتستأصلها.

ص: 277

عاتقي. قال: ما جزيتها ولو طلقة وعن ابن عمر أنه رأى رجلاً في الطواف يحمل أمّه ويقول:

إنِّي لَهَا مَطِيَّةٌ لَا تُذْعَرُ

إذَا الرِّكَابُ نَفَرَتْ لَا تَنْفِرُ

مَا حَمَلَتْ وَأَرْضَعَتْنِي أَكْثَرُ

اللَّهُ رَبِّي ذُو الْجَلَالِ الأَكْبَرُ

تظنني جازيتها يا ابن عمر؟ قال: لا ولو زفرة واحدة. وعنه عليه الصلاة والسلام «إياكم وعقوق الوالدين، فإنّ الجنة توجد ريحها من مسيرة ألف عام ولا يجد ريحها عاق ولا قاطع رحم ولا شيخ زان ولا جارّ إزاره خيلاء، إنّ الكبرياء لله رب العالمين» .

وقال الفقهاء: لا يذهب بأبيه إلى البيعة، وإذا بعث إليه منها ليحمله فعل، ولا يناوله الخمر. ويأخذ الإناء منه إذا شربها. وعن أبي يوسف: إذا أمره أن يوقد تحت قدره وفيها لحم الخنزير أوقد. وعن حذيفة أنه استأذن النبيّ صلى الله عليه وسلم في قتل أبيه وهو في صف المشركين، فقال: دعه يليه غيرك. وسئل الفصيل بن عياض عن برّ الوالدين فقال: أن لا تقوم إلى خدمتهما عن كسل. وسئل بعضهم فقال: أن لا ترفع صوتك عليهما، ولا تنظر شررًا إليهما، ولا يريا منك مخالفة في ظاهر ولا باطن، وأن تترحم عليهما ما عاشا، وتدعو لهما إذا ماتا، وتقوم بخدمة أودّائهما من بعدهما. فعن النبيّ صلى الله عليه وسلم:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ولو طلقة). النهاية: وفي حديث ابن عمر، أن رجلاً حج بأمه فحملها على عاتقه فسأله: هل قضى حقها؟ قال: "لا، ولا طلقة واحدة". الطلقة: وجع الولادة. والطلقة: المرة الواحدة.

قوله: (لاتذعر)، الذعر: الفزع.

قوله: (ولو زفرة واحدة). الأساس: على ظهره زفرٌ من الأزفار: حملٌ ثقيلٌ، يزفر منه وقد زفره يزفره: حمله.

ص: 278

"إنّ من أبر البرّ أن يصل الرجل أهل ودّ أبيه".

[(رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا)].

(بِما فِي نُفُوسِكُمْ) بما في ضمائركم من قصد البر إلى الوالدين واعتقاد ما يجب لهما من التوقير إِنْ (تَكُونُوا صالِحِينَ) قاصدين الصلاح والبر، ثم فرطت منكم - في حال الغضب، وعند حرج الصدر وما لا يخلو منه البشر، أو لحمية الإسلام - هنة تؤدّى إلى أذاهما، ثم أنبتم إلى الله واستغفرتم منها، فإن الله غفور

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (إن من أبر البر) الحديث من رواية مسلم والترمذي وأبي داود، عن ابن عمر، وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن من أبر البر صلة الرجل أهل وُد أبيه بعد أن تولى"،

قوله: (من قصد البر)، بيان لـ"ما في ضمائركم"، وإنما خصه ببر الوالدين، وهو عام، لما سبق من التوصية بهما، وفصل قوله:(رَبُّكُمْ أَعْلَمُ) عما قبله للاستئناف على سبيل التعليل، أي: أحسنوا إليهما؛ لأن ربكم أعلمُ بما في نفوسكم من قصد البر فلا تقصروا فيه، وابذلوا جُهدكم وطاقتكم، فإنه يجازيكم على إحسانكم، ثم اتجه لهم أن يقولوا: نحن بشرٌ ربما يفرط منا فرطات وتسبق هنات من غير اختيار منا في بعض الأوقات، فكيف يكون حالنا؟ فقيل:(إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ)، أي: قاصدين الصلاح، فإن الله غفور بكم.

ولما كان قوله: (فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً) جزاء لقوله: (إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ) ولم يستقم بظاهره أن يكون مسبباً عنه؛ لأن الغفران يستدعي الذنب، لا جرم قدر ما يقتضيه المقام منقوله:"ثم فرطت منكم" إلى قوله: "ثم أبتم إلى الله تعالى واستغفرتم منها".

قوله: (هنه). الجوهري: في فلانٍ هناتٌ، أي: خصلات شر، ولا يقال ذلك في الخير.

ص: 279

(لِلْأَوَّابِينَ) للتوّابين. وعن سعيد بن جبير: هي في البادرة تكون من الرجل إلى أبيه لا يريد بذلك إلا الخير. وعن سعيد بن المسيب: الأوّاب الرجل كلما أذنب بادر بالتوبة. ويجوز أن يكون هذا عامًّا لكل من فرطت منه جناية ثم تاب منها، ويندرج تحته الجاني على أبويه التائب من جنايته، لوروده على أثره.

[(وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا* إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا)].

(وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ) وصى بغير الوالدين من الأقارب بعد التوصية بهما، وأن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: ((لِلأَوَّابِينَ): للتوابين)، الراغب: الأوبُ: ضربٌ من الرجوع، ولا يقالُ إلا في الحيوان الذي له إرادة، والرجوع عام، والأواب كالتواب، وهو الراجع إلى الله تعالى من المعاصي، وفعل الطاعات، ومنه قيل للتوبة: أوبةٌ.

قوله: (في البادرة). الجوهري: هي الحدة.

الراغب: يُعبر عن الخطأ الذي يقع عن حدة: بادرة، يقال: كانت من فلان بوادر في هذا الأمر.

قوله: (كلما أذنب): صفة للرجل لإرادة الجنسية منه.

قوله: (ويجوز أن يكون هذا عاماً): عطفٌ على قوله: "فرطت، أي: فرطت هنة تؤدي إلى أذاهما"، وفُسرت بقوله:"هي البادرة تكون من الرجل إلى أبيه".

قوله: (وصى بغير الوالدين). الأساس: وصيتك بفلان أن تبره، ووصى الشيء بالشيء: وصله له.

ص: 280

يؤتوا حقهم: وحقهم إذا كانوا محارم كالأبوين والولد،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وحقهم إذا كانوا محارم كالأبوين) بعد قوله: "وصى بغير الوالدين من الأقارب"، يوهم التناقض، وكذلك قوله:"وإن كانوا مياسير فحقهم صلتهم بالمودة"، مخالفٌ لقوله:"وهذا دليل على أن المراد بما يؤتي ذوي القربى من الحق هو تعهدهم بالمال"، ويمكن أن يقال: إن ذا القربى مطلق شائع [فيمن يوجد فيه معنى القرابة من الوالدين والولد وغيرهم، فقيد بغير الوالدين لعطف هذه التوصية على التوصية بالوالدين، وهو المراد بقوله:"وصى بغير الوالدين بعد التوصية بهما".

وأما قوله: "وأن يؤتوا حقهم"، فعطف على مجموع قوله بغير الوالدين من الأقارب بعد التوصية بهما.

وأما قوله: "وحقهم"، فالضمير فيه راجعٌ إلى الأبوين وذوي القربى؛ وكذلك حقه مطلق شائع] فيما يجب فيه مراعاة حق الأقرباء من النفقة، والزكاة والمودة وحُسن المعاشرة، فيفيد أيضاً بالزكاة، لعطف (وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ) على ذي القربى، وهو الذي عني بقوله:"آت هؤلاء حقهم من الزكاة، وهذا دليلُ" إلى آخره.

قال الإمام: "آت ذا القربى" مجمل، وليس فيه أن ذلك الحق ما هو؟ وعند الشافعي رضي الله عنه: لا يجب الإنفاق إلا على الوالد والولد بقدر الحاجة، واتفقوا على أن من لم يكن من المحارم كأبناء العم، لا حق لهم إلا المودة وحسن المعاشرة. وأما المسكين وابن السبيل فقد تقدم حكمهما في سورة التوبة.

وقلت: ويمكن أن يُترك (ذَا الْقُرْبَى) و (حَقَّهُ) على إطلاقهما، ويُحمل (وَآتِ) على عموم المجاز، لتكون الآية من الجوامع، فيدخل فيه الإنفاق على الوالدين وبرهما فيها دخولاً أولياً، والله أعلم.

ص: 281

وفقراء عاجزين عن الكسب، وكان الرجل موسرًا: أن ينفق عليهم عند أبى حنيفة. والشافعي لا يرى النفقة إلا على الولد والوالدين فحسب. وإن كانوا مياسير، أو لم يكونوا محارم: كأبناء العمّ، فحقهم صلتهم بالمودّة والزيارة وحسن المعاشرة والمؤالفة على السراء والضراء والمعاضدة ونحو ذلك.

(وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيل) يعني: وآت هؤلاء حقهم من الزكاة. وهذا دليل على أن المراد بما يؤتى ذوى القرابة من الحق: هو تعهدهم بالمال. وقيل: أراد بذي القربى أقرباء رسول الله صلى الله عليه وسلم.

التبذير. تفريق المال فيما لا ينبغي. وإنفاقه على وجه الإسراف. وكانت الجاهلية

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وفقراء عاجزين) عطفٌ على محارم"، و"أن يُنفق عليهم": خبرُ "حقهم".

قوله: (وإن كانوا مياسير أو لم يكونوا محارم

فحقهم): الجملة معطوفة على قوله: "وحقهم إذا كانوا محارم"، إلى آخره.

قوله: (أراد بذي القربى: أقرباء الرسول صلى الله عليه وسلم، قال الإمام: (وَآتِ) خطابٌ مع من؟ فيه قولان: أحدهما: أنه خطابٌ للرسول صلى الله عليه وسلم، فأُمر أن يُؤتي أقاربه الحقوق التي وجبت لهم في الفيء والغنيمة، وأوجب عليه أيضاً إخراج حق المسكين وأبناء السبيل من هذين المالين. وثانيهما: أنه خطاب للكل لدلالة عطفه على قوله: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا).

قوله: (التبذير: تفريق المال فيما لا ينبغي). الراغب: وأصله إلقاء البذر وطرحه، فاستعير لكل مضيع لماله، فتبذير البذر تضييع في الظاهر لمن لم يعرف مآل ما يُلقيه، قال تعالى:(وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً).

ص: 282

تنحر إبلها وتتياسر عليها وتبذر أموالها في الفخر والسمعة، وتذكر ذلك في أشعارها، فأمر الله بالنفقة في وجوهها مما يقرّب منه ويزلف. وعن عبد الله: هو إنفاق المال في غير حقه. وعن مجاهد: لو أنفق مدّا في باطل كان تبذيراً وقد أنفق بعضهم نفقة في خير فأكثر، فقال له صاحبه: لا خير في السرف، فقال: لا سرف في الخير. وعن عبد الله بن عمرو: مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بسعد وهو يتوضأ فقال: ما هذا السرف يا سعد؟ قال: أو في الوضوء سرف؟ قال. نعم وإن كنت على نهر جار (إِخْوانَ الشَّياطِينِ) أمثالهم في الشرارة وهي غاية المذمّة، لأنه لا شرّ من الشيطان. أو هم إخوانهم وأصدقاؤهم لأنهم يطيعونهم فيما يأمرونهم به من الإسراف. أو هم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بسعدٍ وهو يتوضأ) الحديث مخرج في "مسند الإمام أحمد بن حنبل"، عن ابن عمر رضي الله عنه.

قوله: (أمثالهم في الشرارة)، يريد أن (إِخْوَانَ) في قوله:(إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ) إما محمول على معنى التشبيه، كما جاء في الحديث:"كأخي السرار"، أي: كمثله، وهو المراد من قوله:"أمثالهم"، ولما كان هذا التشبيه من باب إلحاق الناقص بالكامل قال:"لأنه شرٌ من الشياطين"، وإما مجاز، كما في "الأساس": بين السماحة والشجاعة تآخ، ولقيته بأخي الشر، أي: بالخير، فهو إما بمعنى الصديق، وذلك في الدنيا؛ لأنهم يطيعونهم فيما يأمرونهم. أو بمعنى القرين، وذلك في النار، وهذا وارد على الوعيد والتهديد، والوجهان على الذم والتقبيح.

قوله: (لأنه لاشر من الشيطان)، عن بعضهم: الأولى: لا شراً؛ لأن "مِن" صلة "شرا" فيكون مشابهاً للمضاف، نحو: لا خيراً من زيد عندنا.

ص: 283

قرناؤهم في النار على سبيل الوعيد (وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا* فما ينبغي أن يطاع، فإنه لا يدعو إلا إلى مثل فعله. وقرأ الحسن: (إخوان الشيطان).

[(وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا)].

وإن أعرضت عن ذى القربى والمسكين وابن السبيل حياء من الردّ (فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا* فلا تتركهم غير مجابين إذا سألوك. وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سئل شيئًا وليس عنده أعرض عن السائل وسكت حياء. قوله (ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ) إمّا أن يتعلق بجواب الشرط مقدّما عليه، أي: فقل لهم قولاً سهلاً لينًا وعدهم وعدًا جميلا، رحمة لهم وتطييبًا لقلوبهم، ابتغاء رحمة من ربك، أي: ابتغ رحمة الله التي ترجوها برحمتك عليهم. وإما أن يتعلق بالشرط، أي: وإن أعرضت عنهم لفقد رزق من ربك ترجو أن يفتح لك، فسمى الرزق رحمة، فردّهم ردًّا جميلا، فوضع الابتغاء موضع الفقد، لأنّ فاقد الرزق مبتغ له، فكان الفقد سبب الابتغاء والابتغاء مسببًا عنه، فوضع المسبب موضع السبب. ويجوز أن يكون معنى (وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ) وإن لم تنفعهم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (فما ينبغي أن يُطاع)، يعني قوله:"وكان الشيطان لربه كفورا" تذييل للكلام، ولذلك أجراهُ مجرى التعليل.

قوله: (أي: ابتغ رحمة الله)، فسر المفعول له بالأمر ليؤذن بأنه داخلٌ في حيز الجزاء، عطفٌ على "قُلْ" مِن حيثُ المعنى، فيكون مأموراً بإنشاء القول اللين وإنشاء طلب الرمة.

قوله: (ويجوز أن يكون معنى (وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمْ): وإن لم تنفعهم): عطفٌ على: "وإن أعرضت عن ذي القربى والمساكين وابن السبيل حياءً من الرد"، وقوله:"كناية بالإعراض عن ذلك" خبرُ: "أن يكونَ"، والإعراضُ عن الأول مُجرى على صراحته لقوله:"أعرض عن السائل وسكت حياءً"، ثم قوله:(ابْتِغَاءَ) على الأول: إما أن يتعلق بقوله: (فَقُلْ لَهُمْ قَوْلاً مَيْسُوراً)، والإضافة إلى المفعول لقوله:"ابتغ رحمة الله"، وإما أن يتعلق بالإعراض،

ص: 284

ولم ترفع خصاصتهم لعدم الاستطاعة، ولا يريد الإعراض بالوجه كناية بالإعراض عن ذلك، لأن من أبى أن يعطى: أعرض بوجهه. يقال: يسر الأمر وعسر، مثل سعد الرجل ونحس فهو مفعول، وقيل معناه: فقل لهم رزقنا الله وإياكم من فضله، على أنه دعاء لهم ييسر عليهم فقرهم، كأن معناه: قولا ذا ميسور، وهو اليسر، أي:

دعاء فيه يسر.

[(وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا)].

هذا تمثيلٌ لمنع الشحيح وإعطاء المسرف، وأمر بالاقتصاد الذي هو بين الإسراف والتقتير (فَتَقْعُدَ مَلُومًا) فتصير ملوما عند الله، لأنّ المسرف غير مرضى عنده وعند

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وعلى أن يكون كناية يختص تعلقه بالشرط، ويكون الابتغاء موضوعاً موضع عدم الاستطاعة وضعاً للمسبب موضع السبب.

قوله: (خصاصتهم)، الأساس: أصابته خصاصةٌ: خلة، واختص الرجل: اختل، أي: افتقر، وسددت خصاصة فلان: جبرتُ فقره.

قوله: (ولا يريد الإعراض) بالنصب، عطفٌ على "أن يكون".

قوله: (فهو مفعولٌ)، أي: ميسوراً، والمعنى: قل لهم قولاً ليناً، وعدهم وعداً جميلاً. ويجوز أن يُراد بالقول الميسور الدعاء لهم باليسر، أي: يذكر فيه معنى اليسر وما أشبهه مثل: أغناكم الله ورزقنا الله وإياكم، فعلى هذا يكون مصدراً، وإليه الإشارة بقوله: قولاً ذا ميسور، وهو اليسر.

قوله: (تمثيل لمنع الشحيح وإعطاء المُسرف) مثل حال من يمنع لشحه بحال من يده مغلولة إلى عنقه، فلا يقدر على شيء من التصرف، وحال من يسرف بحال من بسط كفه كل البسط لا يثبت شيء في كفه، ثم استعمل ألفاظ الممثل به في الممثل.

ص: 285

الناس، يقول المحتاج: أعطى فلانًا وحرمني. ويقول المستغنى: ما يحسن تدبير أمر المعيشة. وعند نفسك:

إذا احتجت فندمت على ما فعلت (مَحْسُورًا): منقطعًا بك لا شيء عندك، من حسره السفر إذا بلغ منه وحسره بالمسألة، وعن جابر: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس أتاه صبى فقال: إنّ أمي تستكسيك درعاً، فقال من ساعة إلى ساعة يظهر، فعد إلينا، فذهب إلى أمّه فقالت له قل له: إن أمي تستكسيك الدرع

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وعند نفسك إذا احتجت): معطوفٌ على قوله: "عند الله"، أي: هو ملومٌ عند الله لأنه غيرُ راضٍ عنه، وملومٌ عند الناس، الفقير يلومه ويقول: أعطى فلاناً وحرمني، والغني يقول: ما تحسن تدبير المعيشة، وملومٌ عند نفسه: إذا احتاج ندم على ما فعل، والحاصل أن (مَلُوماً) قُطع عن متعلقه ليُعلم التقدير.

الراغب: اللوم: عذلُ الإنسان بنسبته إلى ما فيه لوم، قال تعالى:(فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ)[المؤمنون: 6] ن ذكر اللوم تنبيهاً على أنه إذا لم يُلاموا لم يفعل بهم ما فوق اللوم، ورجٌ لومةٌ: يلوم الناس، ولومةٌ: يلومه الناس، واللائمة: الأمر يلام عليه الإنسان.

قوله: (منقطعاً بك)، انقطع بالمسافر، على بناء المفعول: إذا أعطبت دابته أو نفد زاده، فانقطع به السفر دون طيته، فهو منقطع به، مثله في "الأساس".

قوله: (إذا بلغ منه)، يقال: بلغ منه المرض، أي: أثر فيه تأثيراً بليغاً.

قوله: (وحسره)، الجوهري: حسر البعير يحسر حسوارً: أعياه، وحسرته أنا حسراً، يتعدى ولا يتغدى.

قوله: (من ساعة إلى ساعة)، قيل: من: متعلقٌ بمحذوف، أي: أخر سؤالك من ساعة ليس لنا يها درعٌ إلى ساعة يظهر لنا درع. ودرعُ المرأة: قميصها، ويمن أن يتعلق بقوله: يظهر.

ص: 286

الذي عليك، فدخل داره ونزع قميصه وأعطاه وقعد عريانًا، وأذن بلال وانتظروا فلم يخرج للصلاة. وقيل أعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل وعيينة بن حصن، فجاء

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قلت: يمكن أن يقال: إنه لما طلب الدرع قال صلى الله عليه وسلم: مطلوبك لا يحضرنا الآن، لكن تترقبه ونرجو حصوله وظهوره من ساعة إلى ساعة، وينطبق على هذا معنى قوله تعالى:(وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمْ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلاً مَيْسُوراً)، وبهذا اقتدى الفضل حين أجاب عن سؤال سائل: أكره أن أقول: نعم، فأكون ضامناً، أو لا، فأكون مؤيسا، ولكن ننظر فيسهلُ اللهُ.

قوله: (وقيل أعطى الأقرع بن حابس)، الحديث من رواية مسلم، عن رافع بن خديج، قال: أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا سفيان بن حرب يوم حنين وصفوان بن أمية وعيينة بن حصن والأقرع بن حابس وعلقمة بن علاثة كل إنسان منهم مئة من الإبل، وأعطى عباس بن مرداس دون ذلك، فقال عباس الأبيات الثلاثة المذكورة. وفيه:"فما كان بدرٌ ولاحابسٌ"، و"من تخفض ايوم": بدل "تضع"، قال: فأتم له رسول الله صلى الله عليه وسلم مئة.

ورواية ابن عبد البر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اذهبوا فاقطعوا عني لسانه"، فأعطوه حتى رضي.

النهاية: العبيد- بضم العين وفتح الباء الموحدة-: اسمُ فرس العباس بن مرداس السلمي. ومعنى: "اقطعوا عني لسانه": أعطوه حتى يسكتن فكنى بالقطع عن السكوت، ومنه أتاه رجلٌ فقال: إني شاعر، فقال: يا بلال، اقطع لسانه، فأعطاه أربعين درهماً. قال الخطابي: يشبه أن يكون هذا ممن له حق في بيت المال، كابن السبيل وغيره، فتعرض له بالشعر فأعطاه لحقه أو لحاجته، لا لشعره.

ص: 287

عباس بن مرداس، وأنشأ يقول:

أَتَجْعَلُ نَهْبِى وَنَهْبَ الْعَبِيـ

ـدِ بَيْنَ عُيَيْنَةَ وَالأَقْرَعِ وَمَا كَانَ حِصْنٌ وَلَا حَابِسٌ

وما كان حصنٌ ولا حابسٌ

وَمَنْ تَضَعِ الْيَوْم لَا يُرْفَعِ

وما كنت دون امرئ منهما

ومن تضع اليوم لا يرفع

فقال: يا أبا بكر، اقطع لسانه عنى، أعطه مائة من الإبل فنزلت.

[(إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا)].

ثم سلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عما كان يرهقه من الإضافة، بأنّ ذلك ليس لهوان منك

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (يرهقه من الإضافة)، أي: يغشاه، النهاية: أرهقني فلان إثما حتى رهقته، أي: حملني إثماً حتى حملته له، جعل قوله:(إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ) تعليلاً له لقوله: (وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمْ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا)، يعني: إن أعرضت عن العفاة لفقد رزق من ربك ترجو أن يفتح لك (فَقُلْ لَهُمْ قَوْلاً مَيْسُوراً) ولا تهتم بذلك، فإن ذلك ليس لهوان منك عليه، ولكن بيد الله مقاليد الرزق، وهو يقبض ويبسط كيف يشاء، وحكمته تابعة لمشيئته، لا بالعكس كما قال، ففوض الأمر إليه، فيكون قوله:(وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ) معترضة تأكيداً لمعنى ما يقتضيه حكمة الله من القبض والبسط، وأمراً بالتأسي بسنة الله، كما هو في الوجه الثالث، وهو أن يُراد بالنهي عن البسط والقبض الأمر بالاقتصاد، على الوجهين الآخرين، تعليلٌ للأمر بالاقتصاد، وعلى الوجه الثاني التعليل مخالف لما ينبغي أني فعله العبد، يعني: البسط المفرط والقبض المفرط مختص بالله فاقتصد أنت واترك ما هو مختص بالله تعالى من البسط المفرط والقبض المفرط، وعلى الثالث موافق له، يعني أنكم إذا تحققتم فيما بسط الله تعالى وقبض، وأمعنتم النظر فيه وجدتموه مقتصداً، فاقتصدوا واستنوا بسنته.

ص: 288

عليه، ولا لبخل به عليك ولكن لأنّ مشيئته في بسط الأرزاق وقدّرها تابعة للحكمة والمصلحة. ويجوز أن يريد أن البسط والقبض إنما هما من أمر الله الذي الخزائن في يده، فأما العبيد فعليهم أن يقتصدوا. ويحتمل أنه عزّ وعلا بسط لعباده أو قبض، فإنه يراعى أوسط الحالين، لا يبلغ بالمبسوط له غاية مراده، ولا بالمقبوض عليه أقصى مكروهه، فاستنوا بسنته.

[(وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطًْا كَبِيرًا)].

قتلهم أولادهم: هو وأدهم بناتهم، كانوا يئدونهنّ خشية الفاقة وهي الاملاق، فنهاهم الله وضمن لهم أرزاقهم. وقرئ (خَشْيَةَ) بكسر الخاء. وقرئ (خِطْئا) وهو الإثم، يقال: خطئ خطأ، كاثم إثما، وخطأ وهو ضدّ الصواب، اسم من أخطأ. وقيل: هو والخطء كالحذر والحذر، وخطاء بالكسر والمدّ. وخطاء بالفتح والمد. (وخطأ) بالفتح والسكون. وعن الحسن: خطا بالفتح وحذف الهمزة كالخب. وعن أبى رجاء: بكسر الخاء غير مهموز.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (و"خطاء" بالكسر والمد)، قال أبو علي: قرأها ابن كثير، ويحتمل أن يكون مصدر "خاطأ"، وإن لم يُسمع. قال أبو عبيد: هو من قولهم:

تخاطأة النبل أحشاءه

يدل على خاطأ؛ لأن تفاعل مطاوع فاعل، وقرأ ابن عامر:"خطأ" بفتح الخاء والطاء من غير مد، وقرأ الباقون:(خِطْئاً) بكسر الخاء وسكون الطاء وقصرها.

قوله: (أن تغصب على غيرك امراته). الأساس: غُصب على عقله، واغتصبت فلانة نفسها: جُومعت مقهورة.

ص: 289

[(وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا)].

(فاحِشَةً) قبيحة زائدة على حد القبح (وَساءَ سَبِيلًا) وبئس طريقا طريقه، وهو أن تغصب على غيرك امرأته أو أخته أو بنته من غير سبب، والسبب ممكن وهو الصهر الذي شرعه الله.

[(وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُورًا)].

(إِلَّا بِالْحَقِّ) إلا بإحدى ثلاث: إلا بأن تكفر، أو تقتل مؤمنا عمدا، أو تزنى بعد إحصان. (مَظْلُومًا) غير راكب واحدة منهنّ (لِوَلِيِّهِ) الذي بينه وبينه قرابة توجب المطالبة بدمه، فإن لم يكن له ولى فالسلطان وليه (سُلْطانًا) تسلطا على القاتل في الاقتصاص منه. أو حجة يثب بها عليه (فَلا يُسْرِفْ) الضمير للولي. أى: فلا يقتل غير القاتل، ولا اثنين والقاتل واحد، كعادة الجاهلية: كان إذا قتل منهم واحد قتلوا به جماعة، حتى قال مهلهل حين قتل بجير بن الحارث بن عباد: .....

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (إلا بإحدى ثلاث)، يريد الحديث الذي رواه عبد الله بن مسعود:"لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمفارق لدينه التارك للجماعة"، أخرجه الشيخان والترمذي وأبو داود والنسائي.

قوله: (حتى قال مهلهل حين قتل بُجير بن الحارث) قصته سبقت في "البقرة" عند قوله تعالى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ)[البقرة: 179] مستقصى.

ص: 290

بؤ بشسع نعل كليب. وقال:

كُلُّ قَتِيلٍ فِى كُلَيْبٍ غُرَّهْ

حَتَّي يَنَالَ الْقَتْلُ آلَ مُرَّهْ

وكانوا يقتلون غير القاتل إذا لم يكن بواء. وقيل: الإسراف المثلة. وقرأ أبو مسلم صاحب الدولة: فلا يسرف، بالرفع على أنه خبر في معنى الأمر. وفيه مبالغة ليست في الأمر. وعن مجاهد: أنّ الضمير للقاتل الأوّل. .....

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (بؤ بشسع). الأساس: باء فلانٌ بفلان: صار كفؤا له، وأبأت فلاناً بفلان: قتلته به، يعني: قم مقام شسعه، فإنك لست كفؤاً له.

قوله: (كل قتيل في كليب غره)، الغرة: من يفدي به في قتل الجنين، عبداً كان أو أمة، المعنى: كل قتيل يُقتل فداء لكليب كلا فداء؛ لأنه لا يساويه.

قوله: ("فلا يُسرفُ" بالرفع)، قال ابن جني: رُفع هذا على لفظ الخبر، بمعنى الأمر، كقولهم: يرحم الله زيداً، ويجوز أن يكون معناه دون الأمر، أي: ينبغي أن لا يسرف، وعليه قوله:

على الحكم المأتي يوماً إذا قضى

قضيته ألا يجور ويقصد

فرفعه على الاستئناف، ومعناه: أن يقصد.

قوله: (وعن مجاهد أن الضمير للقائل الأول)، عطف على قوله:"الضمير للولي"، المعنى: لا يُسرف القاتل في القتل بأن يقتل من لا يحق قتله فيقتل، فيكون قد أسرف في القتل، حيث كان سبباً لهلاك نفسه وهلاك غيره، وفي الارتداع سلامة نفسه وسلامة نفس الغير، ففيه لمحة من معنى قوله تعالى:(وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ)، وعلى هذا الضمير في

ص: 291

وقرئ: (فلا تسرف)، على خطاب الولي أو قاتل المظلوم. وفي قراءة أبىّ: فلا تسرفوا، ردّه على:(ولا تقتلوا)(إِنَّهُ كانَ مَنْصُورًا) الضمير إمّا للولي، يعنى حسبه أنّ الله قد نصره بأن أوجب له القصاص فلا يستزد على ذلك، وبأنّ الله قد نصره بمعونة السلطان وبإظهار المؤمنين على استيفاء الحق، فلا يبغ ما وراء حقه. وإمّا للمظلوم، لأنّ الله ناصره وحيث أوجب القصاص بقتله، وينصره في الآخرة بالثواب. وإما للذي يقتله الولي بغير حق ويسرف في قتله، فإنه منصور بإيجاب القصاص على المسرف.

[(وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا)].

(بالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) بالخصلة أو الطريقة التي هي أحسن، وهي حفظه عليه وتثميره (إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا) أي مطلوبا يطلب من المعاهد أن لا يضيعه ويفي به،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (إِنَّهُ كَانَ مَنصُوراً) للمقتول، أي: لا يُسرف القاتل المبتدئ؛ لأن من قُتل مظلوماً كان منصوراً بأن يقتص له وليه أو السلطان.

قوله: (وقرئ: "فلا تسرف" على خطاب الولي): حمزة والكسائي، والباقون: بالياء.

قوله: (إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً)، أي: مطلوباً، يطلب من المعاهد أن لا يضيعه ويفي به)، الانتصاف: هذا التأويل أرح، ويحذف الجار والمجرور الذي هو (عنه) تخفيفاً كما جاء في قوله:(كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً)، ويعضد سؤال العهد على وجه التمثيل وقوف الرحم بين يدي الله وسؤالها عمن وصلها أو قطعها في الحديث الصحيح.

وقلت: الثاني أبلغ عند أرباب البلاغة وفرسان الطراد، وكان ترك (عنه) هنا دون الآية

ص: 292

ويجوز أن يكون تخييلا، كأنه يقال للعهد: لم نكثت؟ وهلا وفي بك؟ تبكيتا للناكث، كما يقال للموءودة:(بأي ذنب قتلت)؟ ويجوز أن يراد أنّ صاحب العهد كان مسؤولاً.

[(وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلًا)].

وقرئ (بِالْقِسْطاسِ) بالضم والكسر، وهو القرسطون. وقيل: كل ميزان صغر أو كبر من موازين الدراهم وغيرهما (وَأَحْسَنُ تَاوِيلًا) وأحسن عاقبة، وهو تفعيل، من آل إذا رجع، وهو ما يؤول إليه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المستشهد به دليلاً عليه، والحديث المذكور، وسؤال الموءودة معاضدين له.

قوله: (ويجوز أن يكون تخييلاً) أي: المسؤول، فحينئذ يكون "العهد" استعارة مكنية، و (كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً) استعارة تخييلية، شُبه العهد المنكوث بإنسان ظُلم عليه تشبيهاً بليغاً، وتوهم أنه هو، ثم أطلق اسم المشبه على المشبه به، ثم خُيل للمشبه ما يُلازم المشبه به من السؤال عنه تعريضاً، فقيل له: لم نكثت.

قوله: (ويجوز أن يُراد) على تقدير السؤال على التبكيت، بأن يُقال: لم نكثت العهد؟ فعلى هذا يكون الإسناد مجازياً، وعلى الأول ليس في الكلام توبيخ، وعلى الثاني: توبيخ على سبيل التعريض به. وعلى الثالث: توبيخٌ على التصريح.

قوله: (قرئ: (بِالْقِسْطَاسِ)): حفص وحمزة والكسائي: (بِالْقِسْطَاسِ) هنا وفي "الشعراء": بكسر القاف، والباقون بضمها.

الراغب: القسطاس يُعبر به عن العدالة، كما يعبر بالميزان عنها، قال تعالى:(وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ)[الإسراء: 35].

ص: 293

[(وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا)].

(وَلا تَقْفُ) ولا تتبع. وقرئ: ((ولا تقف)، يقال: قفا أثره وقافه، ومنه: القافة، يعنى: ولا تكن في اتباعك ما لا علم لك به من قول أو فعل، كمن يتبع مسلكا لا يدرى أنه يوصله إلى مقصده فهو ضال. والمراد: النهى عن أن يقول الرجل ما لا يعلم، وأن يعمل بما لا يعلم، ويدخل فيه النهى عن التقليد دخولا ظاهرا. لأنه اتباع لما لا يعلم صحته من فساده. وعن ابن الحنفية: شهادة الزور وعن الحسن: لا تقف أخاك المسلم إذا مرّ بك، فتقول: هذا يفعل كذا، ورأيته يفعل، وسمعته، ولم تر ولو تسمع. وقيل: القفو شبيه بالعضيهة. ومنه الحديث «من قفى مؤمنا بما ليس فيه حبسه الله في ردغة الخبال حتى يأتي بالمخرج» وأنشد:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (القافة). النهاية: القائف: الذي يتتبع الآثار ويعرفُ شبه الرجل بأخيه وأبيهن والجمع: القافة.

قوله: (شبيه بالعضيهة). الجوهري: هي البهيتة، وهي الإفك والبهتان.

قوله: (ردغة الخبال)، الحديث من رواية أبي داود، عن يحيى بن راشد:"من قال في مؤمن ما ليس فيه أسكنه الله ردغة الخبال حتى يخرج مما قال".

النهاية: ومنه حديث حسان بن عطية: "من قفا مؤمناً بما ليس فيه وقفه الله في ردغة الخبال".

جاء في تفسيرها: أنها عُصارة أهل النار، والردغة بسكون الدال وفتحها: طين

ص: 294

وَمِثْلُ الدُّمى شُمُّ الْعَرَانِينِ سَاكِنٌ

بِهِنَّ الحَيَاءُ لَا يُشِعْنَ التَّقَافِيَا

أى التقاذف. وقال الكميت:

وَلَا أرْمِي البَرِيَّ بِغَيْرِ ذَنْبٍ

وَلَا أَقْفُو الحَوَاصِنَ إنْ قُفِينَا

وقد استدل به مبطل الاجتهاد ولم يصح، لأنّ ذلك نوع من العلم، فقد أقام الشرع غالب الظن مقام العلم، وأمر بالعمل به أُولئِكَ إشارة إلى السمع والبصر والفؤاد، كقوله:

وَالْعَيْشَ بَعْدَ (أُولَئِكَ) الأَيَّامِ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ووحلٌ كثير، وفي الحديث:"إن الخبال: عُصارة أهل النار"، وهو في الأصل: الفسادُ، وقوله:"حتى يخرج مما قال" أي: يخرج من عهدة قوله، يريد، والله أعلم: أنه يحملُ عليه من ذنوب المغتاب فيعذب في النار على مقداره، ثم يخرج منها.

قوله: (ومثل الدُّمَى)، البيت. الدُّمَى: جمع دمية، وهي: الصنم والصور المنقوشة، والشمم: ارتفاع الأنف، وشُم العرانين: كناية عن التكبر، لا يُشعن، أي: لا يظهرن، التقافيا، أي: التقاذف. الأساس: يقال: ومالك تقفو صاحبك؟ أي: تقذفه، وإياك والقفو، وماهجا فلانٌ ولا قفا. يصف جماعة من النساء بالجمال والتكبر والحياء، وصون لسانهن عن القذف، مثله قول حسان في أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها

حصانٌ رزانٌ ما تُزن بريبة

وتصبح غرثى من لحوم الغوافل

قوله: (ولا أرمي) البيت، الحواصن: النساء العفائف، قُفينا: أصله قفين.

قوله: (والعيش بعد أولئك الأيام)، أوله:

ذُم المنازل بعد منزلة اللوى

ص: 295

(وعَنْهُ) في موضع الرفع بالفاعلية، أى: كل واحد منها كان مسئولا عنه، فمسئول: مسند إلى الجار والمجرور، كالمغضوب في قوله (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ) [الفاتحة: 7]، يقال

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ذُم: أمرٌ أي: العيشة الطيبة: ما مضى بمنزلة اللوى، وما سوى ذلك مذمومٌ في جنبه.

والغرض من الاستشهاد أن لفظة: أولاء ليست مخصوصة بالعقلاء، بل تقع على جماعة الرجال والنساء والحيوان والجماد والأعراض، قال الكواشي:"أولئك": غالب لمن يعقلُ، وقال القاضي: الأصل: كل هذه الأعضاء، فأجراها مُجري العقلاء، لما كانت مسؤولة عن أحوالها شاهدة على صاحبها، أو إن "أولاءِ" وإن غلب في العقلاء لكنه من حيث إنه اسم جمع لـ "ذا" وهو يعم القبيلين، جاء لغيرهم.

قوله: (فمسؤول: مسند إلى الجار والمجرور)، قال أبو البقاء: ما ذكره الزمخشري غلط؛ لأن الجار والمجرور يقام مقام الفاعل إذا تقدم الفعلُ، أو ما يقوم مقامه، فأما إذا تأخر فلا يصح ذلك فيه؛ لأن الاسم إذا تقدم على الفعل صار مبتدأ، وحرفُ الجر إذا كان لازماً مبتدأ لا يكون مبتدأ، ونظيره قولك: بزيدٍ انطلق، ويدلك على ذلك انك لو ثنيت لم تقل: بالزيدين انطلقا، ولكن تصحيح المسألة أن يُجعل الضمير في "مسؤول" للمصدر، فيكون (عنه) في موضع نصبٍ كما يُقدر في قولك: بزيدٍ انطلق.

وقال صاحب "التقريب": وإنما جاز تقديمه مع أنه فاعل لمحاً لأصالة ظرفيته لا لعروض فاعليته، ولأن الفاعل لا يتقدم لالتباسه بالمبتدأ ولا التباس هاهنا؛ لو أنه ليس بفاعل حقيقة، وجاز أن يكون فاعله ضمير كل لحذف المضاف، أي: كان مسؤولاً صاحبها عنه. وجاز أن تكون مرفوعة المصدر، وهو السؤال. سأل ابن جني أبا علي عن قولهم: فيك يُرغبُ، فقال: فيك لا يرتفع بما بعده، فأين المرفوع؟ فقال: المصدر، أي: فيك يرغبُ

ص: 296

للإنسان: لم سمعت ما لم يحل لك سماعه، ولم نظرت إلى ما لم يحل لك النظر إليه، ولم عزمت على ما لم يحل لك العزم عليه؟ وقرئ وَالْفُؤادَ بفتح الفاء والواو، قلبت الهمزة واوا بعد الضمة في الفؤاد، ثم استصحب القلب مع الفتح.

[(وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا* كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا)].

(مَرَحًا) حال، أي: ذا مرح

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الراغب، وفيك: ظرفٌ لا فاعل.

وفي "شرح ابن المعطي في الألفية": إن كان مفعول المجهول جاراً ومجروراً فلا يتقدم على الفعل؛ لأنه لو تقدم اشتغل الفعل بضميره، ولا يمكن جعله مبتداً لأجل حرف الجر. ومنهم من أجاز محتجاً بهذه الآية؛ لأن ما لم يسم فاعله مفعولٌ في المعنى.

قوله: 0 وقرئ: "والفواد")، قال ابن جني: قرأها الجراح: "والبصر والفواد"، وأنكر أبو حاتم فتح الفاء ولم يذكر هو ولا ابن مجاهد الهمز ولاتركه، وقد يجوز ترك الهمز مع فتح الفاء، كأنه كان (الْفُؤَادُ) بضمها والهمز ثم خففت، فخلصت في اللفظ واواً، وفتحت الفاء على ما في ذلك فبقيت واواً.

ص: 297

وقرئ (مَرَحًا) وفضل الأخفش المصدر على اسم الفاعل لما فيه من التأكيد (لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ): لن تجعل فيها خرقا بدوسك لها وشدّة وطأتك. وقرئ. (لن تخرق)،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وقرئ: "مرحاً") وهي شاذة.

الراغب: المرح: شدة الفرح والتوسع فيه، ومرحى: كلمة تعجب.

قال أبو البقاء: "مرحاً" بكسر الراء: حالٌ، وبفتحها: مصدرٌ في موضع الحال أو مفعول له.

وفي كلام المصنف تسامح؛ لأنه قال: وفضل الأخفش المصدر على اسم الفاعل بعدما أول المصدر بقوله: ذا مرح، وبعد القراءة الدالة على أنه اسم فاعل، وإنما يكون المصدر مفيداً للمبالغة إذا تُرك على حاله، نحو: رجلٌ عدل.

قوله: (لن تجعل فيها خرقاً بدوسك)، الراغب: الخرقُ: قطع الشيء على سبيل الفساد من غير تفكرٍ وتدبر، قال تعالى:(أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا)[الكهف: 71]، وهو ضد الخلق، لأنه فعل الشيء بتقدير ورفق، والخرقُ بغير تقدير، قال تعالى:(وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ)[الأنعام: 100] أي: حكموا بذلك على سبيل الخرق، وباعتبار القطع قيل: خرق الثوب وتخرقه، وباعتبار ترك التقدير، قيل: رجلٌ أخرق وخرقٌ وامرأة خرقاء، ومنه الحديث:"ما دخل الخرق في أمر إلا شانه"، ومن الخرق استعيرت المخرقة، وهو إظهار الخرق توصلاً إلى حيلة، والمخراق: شيء يلعب به، كأنه يخرق لإظهار الشيء بخلافه.

ص: 298

بضم الراء. (وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا) بتطاولك. وهو تهكم بالمختال. قرئ (سيئة) و (سيئاً)، على إضافة سيئ إلى ضمير كل، (وسيئاً) في بعض المصاحف. (وسيئات). وفي قراءة أبى بكر الصديق رضى الله عنه: كان شأنه.

فإن قلت: كيف قيل سيئه مع قوله (مكروها)؟

قلت: السيئة في حكم الأسماء بمنزلة الذنب والإثم زال عنه حكم الصفات، فلا اعتبار بتأنيثه. ولا فرق بين من قرأ سيئة وسيئا. ألا تراك تقول: الزنا سيئة، كما تقول: السرقة سيئة، فلا تفرق بين إسنادها إلى مذكر ومؤنث. فإن قلت: فما ذكر من الخصال بعضها سيئ وبعضها حسن، ولذلك قرأ من قرأ (سَيِّئُهُ) بالإضافة، فما وجه من قرأ سيئة؟ قلت:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وهو تهكم بالمختار). الانتصاف: لقد حرس الله عوام زماننا من هذه المشية المنهي عنها، ووقع فيها قراؤنا وفقهاؤنا، إذا حفظ أحدهم مسألتين، وجلس بين يديه طالبان، أو نال طرفاً من رئاسة مشي خيلاء، وود لو حَك بيافوخه السماء، يمرون بهذه الآية وهم عنها معرضون، وماذا يفيد أن يقرأ القرآن، أو يُقرأ عليه، وقلبُه عن تدبره بمراحل.

قوله: (وقرئ: "سيئة" و (سَّيِّئَةِ)): الكوفيون وابن عامر: (كَانَ سَيِّئُهُ)، بضم الهمزة والهاء على التذكير، والباقون: بفتحها مع التنوين على التأنيث. قال أبو البقاء: "سيئة" يُقرأ بالتأنيث والنصب، أي: كل ما ذُكر من المناهي وذُكر: (مَكْرُوهاً) على لفظ "كُل"، أو لأن التأنيث غير حقيقي. ويُقرأ بالرفع، أي: سيء ما ذُكر.

ص: 299

كل ذلك إحاطة بما نهى عنه خاصة لا بجميع الخصال المعدودة.

[(ذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا)].

(ذلِكَ) إشارة إلى ما تقدم من قوله لا (تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ)[الإسراء: 22 [إلى هذه الغاية. وسماه حكمة لأنه كلام محكم لا مدخل فيه للفساد بوجه. وعن ابن عباس: هذه الثماني عشرة آية كانت في ألواح موسى، أوّلها، لا تجعل مع الله إلها آخر، قال الله تعالى (وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً)] الأعراف: 145 [وهي عشر آيات في التوراة. ولقد جعل الله فاتحتها

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (كل ذلك إحاطة بما نُهي عنه خاصة، لا بجميع الخصال المعدودة)، قال صاحب "الفرائد": يمكن أن يُقال: الإحاطة بالجميع، إلا أن المراد فيما يكون حسناً ما يقابله كنقض العهد، وهو قوله تعالى:(قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ) ثم قال: (أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً)[الأنعام: 151]. قال المصنف في تفسيرها: "لما وردت هذه الأوامر مع النواهي وتقدمهن جميعاً فعل التحريم واشتركن في الدخول تحت حكمه، علم أن التحريم راجع إلى أضدادها. وهي الإساءة إلى الوالدين وبخس الكيل والميزان" إلى آخره.

قوله: ((ذَلِكَ) إشارة إلى ما تقدم)، وقال القاضي:(كُلُّ ذَلِكَ): إشارة إلى الخصال الخمسة والعشرين المذكورة في قوله: (وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ).

قوله: (كلام محكم لا مدخل فيه للفساد بوجه)، أي: هي مما لا تنسخ ولا تحمل على وجه من وجوه التأويل التي يدخل فيها الفساد كالمتشابه.

قوله: (وهي عشر آيات في التوراة) بعد قوله: "هذه الثماني عشرة آية"، فيه إشكال،

ص: 300

وخاتمتها النهي عن الشرك، لأن التوحيد هو رأس كل حكمة وملاكها، ومن عدمه لم تنفعه حكمه وعلومه وإن بذ فيها الحكماء وحك بيافوخه السماء، وما أغنت عن الفلاسفة أسفار الحكم، وهم عن دين الله أضل من النعم.

[(أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا)].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ولعل المراد بالآيات في التنزيل: الكلام المميز بالفواصل، وبالآيات العشر في التوراة: المعاني المستقلة، وبالخصال الخمسة والعشرين: كل خصلة مأمور بها، ومنهي عنها، وروينا عن الترمذي، والنسائي، عن صفوان، أن يهوديين أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألا عن تسع آيات بينات، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تشركوا بالله شيئاً ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله

الحديث".

قوله: (ما أغنت عن الفلاسفة- خذلهم الله - أسفار الحكم)، قيل: وُجد بخط المصنف رضي الله عنه: كان في زمن نبي حكيم صنف في الحكمة ثلاث مئة وستين تصنيفاً، فأوحى الله إلى نبي زمانه: قد ملأت الدنيا بقاقاً، وإن الله لم يقبل من بقاقك شيئاً. كذا ذكره حجة الإسلام رحمه الله في كتابه "الإحياء"، والبقاق، بالباء الموحدة: كثرة الكلام.

قال الشهرستاني في "الملل والنحل": الفلسفة باليونانية: محبة الحكمة، والفيلسوف: هو فيلاسوفاً، وفيلا: هو المحب، وسُوفا: هو الحكمة، أما قوله:"أضل من النعم" فمقتبس من قوله تعالى: (أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ)[الأعراف: 179].

ص: 301

(أَفَأَصْفاكُمْ) خطاب للذين قالوا الملائكة بنات الله والهمزة للإنكار. يعنى: أفخصكم ربكم على وجه الخلوص والصفاء بأفضل الأولاد وهم البنون، لم يجعل فيهم نصيبًا لنفسه، واتخذ أدونهم وهي البنات؟ وهذا خلاف الحكمة وما عليه معقولكم وعادتكم، فإن العبيد لا يؤثرون بأجود الأشياء وأصفاها من الشوب، ويكون أردأها وأدونها للسادات (إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا) بإضافتكم إليه الأولاد وهي خاصة بالأجسام، ثم بأنكم تفضلون عليه أنفسكم حيث تجعلون له ما تكرهون، ثم بأن تجعلوا الملائكة وهم أعلى خلق الله وأشرفهم أدون خلق الله وهم الإناث.

[(وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَما يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُورًا)].

(وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ) يجوز أن يريد (هذَا الْقُرْآنِ) إبطال إضافتهم إلى الله البنات، لأنه مما صرفه وكرّر ذكره، والمعنى: ولقد صرفنا القول في هذا المعنى. أو أوقعنا التصريف فيه وجعلناه مكانا للتكرير. ويجوز أن يشير بهذا القرآن إلى التنزيل ويريد. ولقد صرفناه، يعنى هذا المعنى في مواضع من التنزيل، فترك الضمير لأنه معلوم. وقرئ:(صَرَّفْنا) بالتخفيف وكذلك (لِيَذَّكَّرُوا) قرئ مشدّدا ومخففًا،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ويجوز أن يريد بـ (هَذَا الْقُرْآنُ) إبطال إضافتهم إلى الله البنات)، وهو من باب إطلاق الحال على المحل؛ لأنه تعالى لما كرر هذا الإبطال في هذا القرآن الكريم، سُمي الإبطال باسم القرآن لهذه الملابسة، أو أوقعنا التصريف فيه وجعلنا مكاناً للتكرير، يريد أنه من باب: يجرح في عراقيبها نصلي. والأول أبلغ لأنه جعل المعنى ظرفاً والقرآن مظروفاً، نحو قوله تعالى:(وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ).

قوله: ((لِيَذَّكَّرُوا)، قرئ مخففاً ومشدداً): حمزة والكسائي: مخففاً بإسكان الذال وضم الكاف، والباقون: بفتحهما مشدداً، فالمعنى على التشديد: التدبر، كقوله تعالى: (كِتَابٌ

ص: 302

أي: كررناه ليتعظوا ويعتبروا ويطمئنوا إلى ما يحتج به عليهم (وَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا) عن الحق وقلة طمأنينة إليه. وعن سفيان: كان إذا قرأها قال. زادني لك خضوعا ما زاد أعداءك نفوراً.

[(قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذًا لابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (42) سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا)].

قرئ: (كما تقولون)، بالتاء والياء. (وإِذًا) دالة على أن ما بعدها وهو (لَابْتَغَوْا) جواب عن مقالة المشركين وجزاء ل (لو). ومعنى (لَابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا):

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَاَركٌ لِيَّدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ) [ص: 29]، وعلى التخفيف: معنى قوله تعالى: (خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ)[البقرة: 63]، وفي هذا بعثٌ على النظر فيه والتدبر.

قوله: (ليتعظوا ويعتبروا ويطمئنوا إلى ما يحتج به عليهم)، إنما فُسِّرَ:(لِيَتَذّّكَّرُوا) بذلك ليُطابِقَ قوله: (وَمَا يَزِيدُهُمّ إلاَّ نُفُورًا)، فإن النفور يقابل الاطمئنان، ووضع ما يحتج به عليهم موضع الراجع إلى المشار إليه بقوله: هذا المعنى كأنه قيل: كررناه ليطمئنوا إليه كما قال: وقلة طمأنينةٍ إليه، وفيه تعكيسٌ، أي: كررنا عليهم هذا المعنى ليطمئنوا فعكسوا وزادوا نفوراً.

قوله: (وقرئ (كَمَا يَقُولُونَ) بالياء والتاء): ابنُ كثيرٍ وحَفْصٌ: بالياء التحتانية، والباقون: بالتاء.

قوله: (و (إذًا) دالةٌ على أنّ ما بعدها .. جوابٌ

وجزاء)، مضى بيانه في سورة يوسف عليه السلام. قال صاحب "الفرائد": إن في ذكر (إذًا) ها هنا- مع الاستغناء عنها لقيام ما بعدها جواباً وجزاءً لما قبلها- فائدة، وهي أن (إذًا) مشعرةٌ بأن الجزاء لا يكون إلا المذكور، فإن قولك لصاحبك: إنك ما أعطيتني، فيجيبك: لو أتيتني إذًا لأعطيتك، فهم منه

ص: 303

لطلبوا إلى من له الملك والربوبية سبيلا بالمغالبة، كما يفعل الملوك بعضهم مع بعض، كقوله (لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا) [الإسراء: 7] وقيل: لتقرّبوا إليه، كقوله (أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ). (عُلُوًّا) في معنى تعاليا. والمراد البراءة عن ذلك والنزاهة. ومعنى وصف العلوّ بالكبر: المبالغة في معنى البراءة والبعد مما وصفوه به.

[(تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا)].

والمراد أنها تسبح له بلسان الحال، حيث تدل على الصانع وعلى قدرته وحكمته، فكأنها تنطلق بذلك، وكأنها تنزه الله عز وجل مما لا يجوز عليه من الشركاء وغيرها. فإن قلت: فما تصنع بقوله (وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) وهذا التسبيح مفقوه معلوم؟ قلت: الخطاب للمشركين، وهم وإن كانوا إذا سئلوا عن خالق السموات والأرض قالوا: الله، إلا أنهم لما جعلوا معه آلهة مع إقرارهم، فكأنهم لم ينظروا ولم يقرّوا،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أن الإعطاء مخصوص بإتيانه غير مرجو بدونه، فلو لم يُذكر لم يُفهم الاختصاص.

قوله: (إلى من له الملك والربوبية)، وضع المُلك والربوبية موضع العرش على الكناية، كما سيجيء في سورة "طه" في قوله:(الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)[طه: 5].

قوله: (كقوله: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا)[الأنبياء: 22]، وحاصله يرجع إلى دليل التمانع، كما سيجيء في سورة الأنبياء.

قوله: (لتقربوا إليه)، أي: معنى (لابْتَغَوْا): لتقربوا إلى ذي العرش، قال صاحب "الفرائد": من تقرب إلى الغير وطلب الوسيلة لم يصلح لأن يُطلق عليه لفظ الإله، ومعنى كونهم آلهة منافٍ لذلك المعنى، على هذا، لو كان معه آلهة لم يكونوا آلهةً، بل عباد محتاجون إليه، فيلزم عدم الشيء على تقدير وجوده، ويُمكن أن يُجاب: لما كان عدم الشيء على تقدير وجوده مُحالاً، وهو لازم للتقدير، وهو كون الآلهة معه، فكان مُحالاً

ص: 304

لأنّ نتيجة النظر الصحيح والإقرار الثابت خلاف ما كانوا عليه، فإذا لم يفقهوا التسبيح

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (فإذا لم يفقهوا)، أي: جُعلوا في أن نظرهم لم يُثمر التوحيد، كأنهم نظروا ولم يفقهوا، وتحريره أن المشركين لما نظروا إلى ملكوت السماوات والأرض وعلموا أن الله خالقه، ومع هذا الإقرار جعلوا معه آلهة، فكأنهم بالحقيقة ما فقهوا، وهو على هذا تجريد لاستعارة التسبيح للدلالة. ويمكن أن يُجرى على الترشيح لها على أن معنى:(لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) لا يفقهون نُطقهم به، كقوله تعالى:(وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْماً لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً)[الكهف: 93]، كأنه قيل: الكائنات تنطق بلسانها تنزيه ذات الباري عز شأنه وجل سلطانه عن الشريك، والمشركون صُمٌّ لا يسمعون ذلك. والأصل: ودلت الموجودات على توحيد صانعها، وهم لا يعقلون ذلك.

قال صاحب "الانتصاف": إن كان الخطاب للمشركين، فما تصنع بقوله:(إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً)؟ وإنما يُخاطب بالحلم والمغفرة المؤمن، والظاهر أن الخطاب للمؤمنين، وأما عدم فقهنا لتسبيح الجمادات، فكناية عن عدم العمل بمقتضى تسبيحها، ولو تفطن الإنسان إلى أن النملة والبعوضة وكل ذرة في الكون تنزه الله تعالى وتشهد لجلاله وكبريائه وقهره، لشغله عن قوته، فضلاً عن فضولا لكلام والغيبة. والظاهر أن الآية وردت على الغالب من أحوال الغافلين، وإن كانوا مؤمنين، فالحمد لله الذي كان حليماً غفوراً.

وقلت: أخطأ في جعل الخطاب للمؤمنين؛ لأن معنى النزاهة والبراءة في قوله: (سُبْحَانَهُ)، ومعنى العلو والكبرياء في قوله تعالى:(عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّاً كَبِيراً) راجع على ما وصفوه من اتخاذ الملائكة بنات في قوله: (وَاتَّخَذَ مِنْ الْمَلائِكَةِ إِنَاثاً) ومن اتخاذ الآلهة شُركاء في قوله: (قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ)، وأن مجيء قوله:(تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ) لتأكيد التنزيه وتذييله، فكيف يُقال: الخطاب للمؤمنين؟ وأما معنى قوله: (إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً) فعلى التعجب، فكأنه قيل: ما أحلمه وأشد غفرانه! حيثُ يعلمُ من هؤلاء المعاندة

ص: 305

ولم يستوضحوا الدلالة على الخالق. فإن قلت: من فيهنّ يسبحون على الحقيقة وهم الملائكة والثقلان، وقد عطفوا على السموات والأرض، فما وجهه؟ قلت: التسبيح المجازى حاصل في الجميع فوجب الحمل عليه، وإلا كانت الكلمة الواحدة في حالةٍ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ذلك، ولا يعاجلهم بالعقوبة، وإليه أشار بقوله:(إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً) حين لا يعاجلكم بالعقوبة على سوء نظركم وجهلكم بالتسبيح وشرككم. ويؤيده قوله تعالى: (قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً)[الفرقان: 6].

قال المصنف رحمه الله تعالى: "نبه على أنهم استوجبوا بمكابرتهم هذه، أن يُصب عليهم العذاب صباً، ولكن صرف ذلك عنهم: "أنه غفور رحيم" يُمهلُ ولا يعاجل".

قوله: (التسبيح المجازي حاصلٌ في الجميع، فوجب الحمل عليه). الانتصاف: تقدم منه منعُ هذا عند سجدة النحل، لكن ذكر هناك أنه يشملها الانقياد بطريق التواطؤ، وههنا جعله مجازا، ومن الجائز أنه أراد ثمة التواطؤ مع المجاز، وكما يتفق التواطؤ مع الحقيقة، فقد يتفق مع المجاز.

الراغب: هذه الآية، وقوله تعالى:(وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً)[الرعد: 15]، (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ) [النحل: 49] يقتضي أن يكون تسبيحاً على الحقيقة، وسُجوداً له على وجه لا يفقه، بدلالة قوله:(وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ)، ودلالة قوله:(وَمَنْ فِيهِنَّ) بعد ذكر السماوات والأرض، ولايصح أن يكون تقديره يسبح له من في السماوات ويسجد له من في الأرض؛ لأن هذا مما نفقهه، ولأنه مُحال أن يكون ذلك تقديره، ثم يعطفُ عليه بقوله:(وَمَنْ فِيهِنَّ) والأشياء كلها تسبح له، ويسجد بعضها بالتسخير، وبعضها بالاختيار، ولا خلاف أن السماوات والأرض والدواب مسبحاتٌ بالتسخير من حيث إن أحوالها تدل على حكمة الله تعالى، وإنما الخلاف في السماوات والأرض: هل تُسبح بالاختيار؟ والآية تقتضي ذلك بما ذكرت، والله أعلم.

ص: 306

واحدة محمولة على الحقيقة والمجاز. (إِنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا) حين لا يعاجلكم بالعقوبة على غفلتكم وسوء نظركم وجهلكم بالتسبيح وشرككم.

[(وَإِذا قَرَاتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا* وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْرًا وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُورًا* نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلًا مَسْحُورًا* انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا)].

(حِجابًا مَسْتُورًا): ذا ستر كقولهم. سيل مفعهم ذو إفعام. وقيل: هو حجاب لا يرى فهو مستور. ويجوز أن يراد أنه حجاب من دونه حجاب أو حجب، فهو مستور بغيره. أو حجاب يستر أن يبصر، فكيف يبصر المحتجب به، وهذه حكاية لما كانوا يقولونه:(وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ)[فصلت: 5]، كأنه قال: وإذا قرأت القرآن جعلنا على زعمهم (أَنْ يَفْقَهُوهُ) كراهة أن يفقهوه. أو لأنّ قوله (وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً) فيه معنى المنع من الفقه، فكأنه قيل: ومنعناهم أن يفقهوه. يقال: وحد يحد وحدا وحدة، نحو

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (سيلٌ مفعمٌ)، بفتح العين، يعني جعل اسم المفعول بمعنى الفاعل، فإن الحجاب هو الساتر، والمستور ما وراءه، نحو: سيلٌ مفعمٌ، فإن السيل مفعمٌ والوادي مفعمٌ، فعكس مبالغة في ذلك، فهو من الإسناد المجازي.

قوله: (فيه معنى المنع من الفقه)، يعني:(أَنْ يَفْقَهُوهُ)، إما مفعولٌ له على تقدير مضاف، أو مفعولٌ به على تأويل الجملة، بمعنى المنع، كقوله تعالى:(فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ)[البقرة: 249]، فإنه في معنى: لم يُطيعوه.

قال القاضي: ولما كان القرآن مُعجزاً من حيث اللفظ والمعنى أثبت لمنكريه ما يمنع عن فهم المعنى بقوله: (وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ)، وعن إدراك اللفظ بقوله: (وَإِذَا

ص: 307

وعد يعد وعدا وعدة، (ووَحْدَهُ) من باب رجع عوده على بدئه، وافعله جهدك وطاقتك في أنه مصدر سادّ مسدّ الحال، أصله: يحد وحده بمعنى واحدا، وحده. والنفور: مصدر بمعنى التولية. أو جمع نافر كقاعد وقعود، أي: يحبون أن تذكر معه آلهتهم لأنهم مشركون، فإذا سمعوا بالتوحيد نفروا (بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ) من الهزؤ بك وبالقرآن، ومن اللغو: كان يقوم عن يمينه إذا قرأ رجلان من عبد الدار، ورجلان منهم عن يساره، فيصفقون ويصفرون ويخلطون عليه بالأشعار. (وبِهِ) في موضع الحال كما تقول يستمعون بالهزؤ، أي هازئين. (وإِذْ يَسْتَمِعُونَ) نصب بـ (أعلم)،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قَرَأتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَاباً مَسْتُوراً).

قوله: (و (وَحْدَهُ) من باب رجع عوده على بدئه)، أي: أنه مصدرٌ سادٌ مسد الحال، كأنه قال: عائداً على بدئه، فإن الأصل رجع عائداً على بدئه، ثم أقيم يعود مقام عائداً، ثم عوده مقام يعود.

قوله: (وافعله جهدك) الجهدُ بالضم: الطاقة، وبالفتح: من قولهم: اجهد جهدك في هذا الأمر، أي: ابلُغ غايتك، فهو أيضاً مصدرٌ أقيم مقام الحال.

قوله: (أصله: يحد وحده) يعني: أصل الآية: (ذَكَرْتَ رَبَّكَ) يحد وحده، بمعنى: واحداً وحده، ثم حذف "يحد" وأقيم المصدر مقامه.

قوله: (والنفور مصدر)، قال أبو البقاء:(نُفُوراً)، جمعُ نافر، ويجوز أن يكون مصدراً كالقعود، فإن شئت جعلته حالاً، وإن شئت جعلته مصدراً لـ (ولُوا)؛ لأنه بمعنى:"نَفَروا".

قوله: (و (بِهِ): في موضع الحال)، أي: يستمعون ملتبسين بالهزء، قال أبو البقاء:

ص: 308

أي: أعلم وقت استماعهم بما به يستمعون (وَإِذْ هُمْ نَجْوى): وبما يتناجون به، إذ هم ذو ونجوى (إِذْ يَقُولُ) يدل من إذ هم (مَسْحُورًا) سحر فجنّ. وقيل: هو

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قيل: الباء بمعنى اللام، وقيل: هي على بابها، أي: يستمعون بقلوبهم أم بظاهر أسماعهم. وقال القاضي: (بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ)، أي: بسببه ولأجله من الهُزء بك وبالقرآن، وهو مأخوذٌ من قول المصنف أولاً:(بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ) من الهزء بك وبالقرآن، ولابد من تقرير الهزء؛ لأن قوله:(نَحْنُ أَعْلَمُ) وعيدٌ وتهديدٌ على ما كانوا عليه عند سماعهم بالقرآن من الهزء بالنبي صلى الله عليه وسلم وبالقرآن على ما قال: "كان يقومُ عن يمينه إذا قرأ

إلى آخره".

قوله: ((إِذْ يَقُولُ): بدلٌ من (إذ هُم))، وقال أبو البقاء: هو بدلٌ من (إذْ) الأولى. اعلم أن (إِذْ يَسْتَمِعُونَ) ظرفٌ لقوله: (أَعْلَمُ)، و (بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ): متعلق به، و (وَإِذْ هُمْ نَجْوَى): عطفٌ على الظرف، على أن يُقدر له ما يلائمه مما قُرن بالمعطوف عليه ليستقيم المعنى، فالتقدير: نحنُ أعلمُ بما به يستمعون وبما به يتناجون وقت استماعهم ووقت تناجيهم، وإنما قدم المصنف الظرف على المفعول به في قوله: بـ (أَعْلَمُ) بوقت استماعهم بما به يستمعون ليؤذن بأن (إِذْ يَسْتَمِعُونَ) متعلق بـ (أَعْلَمُ) لا بـ (يَسْتَمِعُونَ بِهِ)؛ لأن تعلق (إذ) به يوهم فساد المعنى من حيث المفهوم، ثم المناسب أن يكون قوله:(إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ): بدلاً من المعطوف، لا المعطوف عليه؛ لأن قولهم:(إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَسْحُوراً) كان خطاباً منهم مع أصحابهم على الحديث. وأما الاستماع عن النبي صلى الله عليه وسلم كان على سبيل الهزء فبينهما تنافٍ.

قال القاضي: (إِذْ يَقُولُ): بدلٌ من (وَإِذْ هُمْ نَجْوَى) على وضع (الظَّالِمُونَ) موضع الضمير للدلالة على أن تناجيهم كان ظُلماً، ولبيان أن تناجيهم هو قوله:(إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَسْحُوراً).

ص: 309

من السحر وهو الرئة، أي: هو يشر مثلكم (ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ): مثلوك بالشاعر

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (من السحر، وهو الرئة). المعنى: هو بشرٌ مثلكم، في كونه ذا رئةٍ، قال القاضي: المعنى: إن تتبعون إلا رجلاً يتنفس، ويأكل ويشرب، كقوله تعالى:(مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَاكُلُ الطَّعَامَ)[الفرقان: 7] أي: ليس بملك، والمناسب أن يُراد به الوجه الأول، أي: سُحر فجُن ليلائم قوله: (انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ) كما قال: مثلوك بالشاعر والساحر والمجنون.

الراغب: السحر: طرف الحلقوم والرئة، وقيل: انتفخ سحره، وبعيرٌ سحيرٌ: عظيم السحر، والسحارة: ما يُنتزع من السحر عند الذبح، فيرمى به، وجُعل بناءه بناء النفاية والسقاطة. وقيل: منه اشتق السحر، وهو إصابة السحر، والسحر يقال على معانٍ:

الأول: خداعُ، وتخييلات لا حقيقة لها نحو ما يفعله المشعبذة من صرف الأبصار عما يفعله بخفةِ يدِ، وما يفعله النمام، بقول مزخرفٍ عائقٍ للأسماع، وعلى ذلك قوله تعالى:(سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ)[الأعراف: 116]، وقال:(يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى)[طه 66]، وبهذا النظر سموا موسى عليه السلام ساحراً، فقالوا:(يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ)[الزخرف: 49].

والثاني: استجلاب معاونة الشيطان بضرب من التقرب إليه، كقوله تعالى:(هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ)[الشعراء: 121 - 122]، وعليه دل قوله تعالى:(وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ)[البقرة: 102].

والثالث: ما يذهب إليه الأغتامُ، وهو اسمٌ لفعل يزعمون أنه من قوته يغير الصور والطبائع، فيجعلُ الإنسان حماراً، ولا حقيقة لذلك عند المحصلين، وقد تصور من اسحر حسنه، فقيل: إن من البيان لسحراً، وتارة دقة فعله حتى قالت الأطباء: الطبيعة ساحرة،

ص: 310

والساحر والمجنون (فَضَلُّوا) في جميع ذلك ضلال من يطلب في التيه طريقا يسلكه فلا يقدر عليه، فهو متحير في أمره لا يدرى ما يصنع.

[(وَقالُوا أَإِذا كُنَّا عِظامًا وَرُفاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا* قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيدًا* أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا)].

لما قالوا: (أَإِذا كُنَّا عِظامًا) قيل لهم (كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيدًا) فردّ قوله: كونوا، على قولهم:(كُنَّا)، كأنه قيل: كونوا حجارة أو حديدا ولا تكونوا عظاما، فإنه يقدر

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وسموا الغذاء سحراً من حيث إنه يدق ويلطف تأثيره، قال تعالى:(بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ)[الحجر: 15] أي: مصروفون عن معرفتنا بالسحر، وعليه قوله تعالى:(إِنَّمَا أَنْتَ مِنْ الْمُسَحَّرِينَ)[الشعراء: 153]، قيل: ممن جُعل له سحرٌ، تنبيهاً أنه محتاج إلى الغذاء، كقوله تعالى:(مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَاكُلُ الطَّعَامَ)[الفرقان: 7]، ونبه على أنه بشرٌ كما قال:(مَا أَنْتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا)[الشعراء: 154]، وقيل: معناه: ممن جُعل له سحرٌ يتوصل بلطفه وبدقته إلى ما يأتي به ويدعيه، وعلى الوجهين حُمل قوله تعالى:(إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَسْحُوراً)[الإسراء: 47]، وقوله تعالى:(فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُوراً)، وعلى الثاني دل قوله تعالى:(إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ)[سبأ: 43].

قوله: ((فُضِّلُوا) في جميع ذلك ضلال من يطلُب)، إشارة إلى أن قوله:(فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً) تمثيلٌ، مثل حال هؤلاء في تحيرهم وضلالهم فيما يجادلونه في أمر النبي صلى الله عليه وسلم بحال من ضل في التيه ويطلب طريقاً يسلكه فلا يقدر عليه والجامع التحير وعدم الدراية فيما يصنع.

قوله: (فرد قوله: (كُونُوا) على قولهم: (كُنَّا)، أي: أطبقه جواباً على طريقة المشاكلة، المعنى: أورد هذا القول على قولهم: وقذف بالحق على باطلهم، فإنهم لما استبعدوا أن يُبعثوا خلقاً جديداً بعد كونهم عظاماً قيل لهم:(كُونُوا) الآن أبعد شيء من الحياة، فإنكم

ص: 311

على إحيائكم والمعنى: أنكم تستبعدون أن يجدد الله خلقكم، ويردّه إلى حال الحياة وإلى رطوبة الحىّ وغضاضته بعد ما كنتم عظاما يابسة، مع أنّ العظام بعض أجزاء الحي، بل هي عمود خلقه الذي يبنى عليه سائره، فليس ببدع أن يردّها الله بقدرته إلى حالتها الأولى، ولكن لو كنتم أبعد شيء من الحياة ورطوبة الحىّ ومن جنس ما ركب منه البشر - وهو أن تكونوا حجارة يابسة أو حديدا مع أن طباعها الجسارة والصلابة - لكان قادرا على أن يردّكم إلى حال الحياة (أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ) يعنى أو خلقا مما يكبر عندكم عن قبول الحياة ويعظم في زعمكم على الخالق إحياؤه فإنه يحييه. وقيل: ما يكبر في صدورهم الموت. وقيل: السموات والأرض (فَسَيُنْغِضُونَ) فسيحرّكونها نحوك تعجبا واستهزاء.

[(يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلًا)].

والدعاء والاستجابة كلامهما مجاز. والمعنى: يوم يبعثكم فتنبعثون مطاوعين منقادين لا تمتنعون. وقوله (بِحَمْدِهِ) حال منهم، أي حامدين، وهي مبالغة في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ستبعثون، والأمر للتسخير، وإنما فسره بقوله:(لَوْ كُنتُمْ) ليُعلم أن المراد بالعبارة الفرض والتقدير، إذ لو أريد به حقيقة التسخير لصاروا حجارةً من غير ريب وانقلبوا حديداً من غير مُكث، فيقولُ المصنف: لكان قادراً على أن يردكم إلى حال الحياة، لا يطابق ظاهراً قوله:(فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا)؛ لأن الكلام أولاً في حصول البعث لا القادر على البعث، ولذلك سألوا ثانياً عن الباعث بقولهم:(مَنْ يُعِيدُنَا) فأجيبوا بقوله: (الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ)، فإنه من الأجوبة الدامغة، فلذلك أنغضوا رؤوسهم قائلين ثالثا:(مَتَى هُوَ)؟ وقيل: ما يكبر في صدورهم الموت، وهو مرويٌّ عن ابن عباس رضي الله عنهما، ومعناه: لو كنتم نفس الموت لأحياكم، على المبالغة، كما يقالُ: لو كنتم عين الحياة لأماتكم الله، وإلا فالموت عرضٌ لا ينقلبُ الجسمُ إليه، ولا هو ينقلبُ إلى ضده الذي هو الحياة.

قوله: (والمعنى: يوم يبعثكم فتنبعثون مطاوعين منقادين)، إشارة إلى أن قوله:

ص: 312

انقيادهم للبعث، كقولك لمن تأمره بركوب ما يشقّ عليه فيتأبى ويتمنع، ستركبه وأنت حامد شاكر، يعنى: أنك تحمل عليه وتفسير قسرا حتى أنك تلين لين المسمح الراغب فيه الحامد عليه، وعن سعيد بن جبير: ينفضون التراب عن رؤوسهم ويقولون: سبحانك اللهم وبحمدك وَتَظُنُّونَ وترون الهول، فعنده تستقصرون مدّة لبثكم في الدنيا، وتحسبونها يوما أو بعض يوم. وعن قتادة: تحاقرت الدنيا في أنفسهم حين عاينوا الآخرة.

[(وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوًّا مُبِينًا* رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَا يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَا يُعَذِّبْكُمْ وَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا)].

(وَقُلْ لِعِبادِي) وقل للمؤمنين (يَقُولُوا) للمشركين الكلمة (الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) وألين ولا يخاشنوهم، كقوله:(وجادلهم بالتي هي أحسن)[النحل: 125]. وفسر

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ) تمثيل، على منوال قوله تعالى:(كُنْ فَيَكُونُ) في أن لا دُعاء ثم. قال القاضي: استعار لهما الدعاء والاستجابة للتنبيه على سرعتهما وتيسر أمرهما، وأن المقصود منهما الإحضار للمحاسبة والجزاء.

قوله: (تلين لين المُسمح) أي: المنقاد، يقال: أسمحت قرونته، أي: ذلت نفسه وتابعت. "الأساس": أسمحت قرونته: إذا تبعته نفسه وأطاعته.

قوله: (لين المسمح) فيه تمثيل مع رائحة من التهكم.

قوله: ((يَقُولُوا) للمشركين الكلمة (الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) وألين)، والذي يدُلُّ على أن المراد منه المشركون أنه تعالى لما أمر نبيه صلى الله عليه وسلم في أن لا يخاشن المشركين في الرد عليهم ويجادلهم بالتي هي أحسن في الأجوبة الثلاثة في أمر البعث، أمره بأن يُعلم بأنْ يُعلم المؤمنين سلوك هذه

ص: 313

(التي هي أحسن) بقوله (رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَا يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَا يُعَذِّبْكُمْ) يعنى يقولوا لهم هذه الكلمة ونحوها، ولا يقولوا لهم: إنكم من أهل النار وإنكم معذبون وما أشبه ذلك مما يغيظهم ويهيجهم على الشر. وقوله (إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ) اعتراض، يعنى يلقى بينهم الفساد ويغرى بعضهم على بعض ليقع بينهم المشارّة والمشاقة (وَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا) أي ربا موكولا إليك أمرهم تقسرهم على الإسلام وتجبرهم عليه، وإنما أرسلناك بشيرا ونذيرا فدارهم ومر أصحابك بالمداراة والاحتمال وترك المحاقة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الطريقة، وأن يستنوا بسنته، وذلك أنهم لما أنكروا البعث إنكاراً بليغاً بقولهم:(أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً) أمره بأن يجيبهم بقوله: (قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً)، أي: لابد من البعث للجزاء الموعود، ولا مجال للاستبعاد، إذ لو صرتم أبعد شيء من الحياة فإنكم مبعوثون له، كقوله تعالى:(إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا)[يونس: 4] إلى آخره، وعند ذلك لابد أن يقولوا: هب أنه كذلك، فمن الذي يقدر على هذا الأمر العظيم؟ فأُمر بأن يجيبهم بقوله: هو الذي شاهدتم منه أعظم من هذا، وهو إخراجكم من العدم إلى الوجود. ثم إنهم إذا قالوا مستهزئين: سلمنا ذلك، فمتى إرساؤها؟ فقل لهم:(عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي) ولعل مجيئها قد قرُب، لكن أمارتها:(يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ) له. وأما حُسنُ هذه الأجوبة وسلوك طريقة اللين فيها فإنهم ما أوردوا تلك الأسئلة للاسترشاد، بل للعناد والاستهزاء البليغ والانحراف عن الطريق المستقيم، لكن أخرجت الأجوبة على منوال الجد والطريق السوي، وعدم المبالاة بالاستهزاء أو الإنكار.

قوله: (المشارة)، المفاعلة، من الشر. الجوهري: المشارة: المخاصمة.

قوله: (وترك المحاقة)، الجوهري: حاقه: إذا خاصمه وادعى كل واحدٍ منهما الحق، فإذا غلبه قيل: حقه.

ص: 314

والمكاشفة، وذلك قبل نزول آية السيف. وقيل: نزلت في عمر رضي الله عنه: شتمه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (والمكاشفة) هي من كاشفه العداوة، أي: بادأه بها.

قوله: ((وَكِيلاً) أي: ربا موكولاً إليك أمرهم)، إلى قوله:"فدارهم ومُر أصحابك بالمداراة" إشارة إلى نظم الآيات، وفي سلوكه صعوبة، قد رمز إليه رمزاً خفيا لا يكاد يدرك في بدء الفكرة. فقوله تعالى:(رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَا يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَا يُعَذِّبْكُمْ) مقول لقوله: (يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) توطئة وتمهيد له. وقوله: (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ) الآية، اعتراضٌ بين المفسر والمفسَّر. وقوله:(وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً) كالتذييل لمجموع مجادلته مع المشركين، وأمره المؤمنين بها من لدن قوله:(وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً) إلى هاهنا. وقوله: (وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَوَاتِ)[الإسراء: 55] كما قال، رد على المشركين في إنكارهم واستبعادهم أمر النبوة بعد الرد على استبعادهم أمر البعث بقولهم:(وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً)، وذلك أنه تعالى لما استجهلهم بقوله:(انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ) وأراد قولهم: إنك شاعرٌ وساحرٌ ومجنون، وحكى عنهم مجادلاتهم، أتى بنوع آخر من الكلام الدال على ردهم استبعادهم نبوة محمد صلوات الله عليه وسلم، وأنه كيف يكون يتيم أبي طاب نبيا، وأن يكون العُراة والجياعُ أصحابه، فقيل له: إن كانوا لا يعلمون كيفية نبوتك، وتقدم أصحابك في الدين، فاعلم أن ربك عالمٌ بأحوال من في السماوات والأرض وبمقاديرهم وبما يستأهل كل واحد منهم من الفضل، ولذلك تفاوتت مراتبُ الأنبياء، فبعضهم أفضلُ من بعض، ألا ترى كيف اصطفيناك من بينهم وجعلناك خاتماً لهم، وجعلنا أمتك خير المم، وهذه المنقبة ثابتة لك في الكتب السالفة، منها الزبور، قال الله تعالى:(وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ)[الأنبياء: 105]، ومثله قوله تعالى:(تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ)[البقرة: 253].

قوله: (وقيل: نزلت في عمر رضي الله عنه: عطفٌ على قوله: "وقل للمؤمنين:

ص: 315

رجل فأمره الله بالعفو. وقيل: أفرط إيذاء المشركين للمسلمين، فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت. وقيل: الكلمة التي هي أحسن: أن يقولوا يهديكم الله، يرحمكم الله. وقرأ طلحة:(ينزغ)، بالكسر وهما لغتان، نحو يعرشون ويعرشون.

[(وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا)].

هو ردّ على أهل مكة في إنكارهم واستبعادهم أن يكون يتيم أبى طالب نبيا، وأن تكون العراة الجوّع أصحابه، كصهيب وبلال وخباب وغيرهم، دون أن يكون ذلك في بعض أكابرهم وصناديدهم، يعنى: وربك أعلم بمن في السموات والأرض وبأحوالهم ومقاديرهم وبما يستأهل كل واحد منهم. وقوله (وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ) إشارة إلى تفضيل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله (وَآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا) دلالة على وجه تفضيله، وهو أنه خاتم الأنبياء، وأن أمته خير الأمم، لأنّ ذلك مكتوب في زبور

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يقولوا للمشركين"، فعلى هذا (رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ) لا يكون تفسيراً (الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)، ويكون معناه نحو ما قال: "يهديكم الله، يرحمكم الله".

قوله: (وقيل: الكلمة التي هي أحسن: أن يقولوا: يهديكم الله)، فعلى هذا قوله:(إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ) يكون تعليلاً للأمر بقوله: (قُلْ)، أي: قل لهم أن يجاملوا في القول ولا يخاشنوا ولا يبالغوا في الجدال؛ لئلا تُنفرَ المشركين بنزغه ويُلبسهم جلد النمر ولا يورث المؤمنين الخيلاء؛ لأن المجادلة الباطلة مما تفسد ذات البين، فيكون قوله:((رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ)) خطاباً للمؤمنين ليتركوا المراء، ويؤيده قوله:(وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً) يعني: إذا لم تكن أنت وكيلاً على المشركين فالمؤمنون أحرى به.

قوله: ((وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً) دلالة على وجه تفضيله) إلى قوله: (وإن أمته خيرُ الأمم)،

ص: 316

داود. قال الله تعالى: (وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ) وهم محمد وأمته. فإن قلت: هلا عرّف الزبور كما عرّف في قوله (وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُور)[الأنبياء: 105]؛ قلت: يجوز أن يكون الزبور وزبور كالعباس وعباس، والفضل وفضل، وأن يريد: وآتينا داود بعض الزبر؛ وهي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ووجه الدلالة أنه سبحانه وتعالى عطف (وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً) على قوله: (فَضَّلْنَا) على طريق الوجود والحصول وعول التعليل إلى ذهن البليغ، كأنه تعالى قال: نحن أجملنا بيان تفضيل بعضهم على بعض، ونحن فصلناه بأن بينا ذلك فيما أعطينا عبدنا داود من الزبور، وفيه أن الأرض يرثها عبادي الصالحون، وإلى التعليل الإشارة بقوله: لأن ذلك مكتوب في زبور داود عليه السلام، ونحوه في التعويل إلى الذهن: ما رُوي أن المنصور وعد الهُذلي بجائزة ونسي، وحجا معاً، ومرا في المدينة ببيت عاتكة، فقال: يا أمير المؤمنين، هذا بيت عاتكة الذي يقول فيه الأحوص:

يا بيت عاتكة الذي أتعزلُ

فأنكر عليه ذلك، فلما رجع أمر القصيدة التي فيها هذا المصراعُ على قلبه، فإذا فيها:

وأراك تفعل ما تقول وبعضهم

مذق اللسان يقول ما لا يفعل

فذكر المواعيد وأنجز له واعتذر إليه، ويُسمى هذا الأسلوب بالتلميح.

قوله: (كالعباس وعباس)، قال أبو البقاء: إنه علمٌ، يقال: زبور والزبور، كما يقال: عباس والعباس، أو هو نكرة، أي: كتاباً من جملة الكتب، وقال القاضي: الزبور في

ص: 317

الكتب، وأن يريد ما ذكر فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الزبور، فسمى ذلك زبورا، لأنه بعض الزبور، كما سمى بعض القرآن قرآناً.

[(قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا* أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُورًا)].

(قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ) هم الملائكة. وقيل: عيسى بن مريم، وعزير. وقيل نفر من الجن، عبدهم ناس من العرب ثم أسلم الجن ولم يشعروا، أي: ادعوهم فهم لا يستطيعون أن يكشفوا عنكم الضر من مرض أو فقر أو عذاب، ولا أن يحولوه من واحد إلى آخر أو يبدلوه. (وأُولئِكَ) مبتدأ، (والَّذِينَ يَدْعُونَ) صفته، (ويَبْتَغُونَ) خبره، يعنى: أن آلهتهم أولئك يبتغون الوسيلة وهي القربة إلى الله تعالى. (وأَيُّهُمْ) بدل من واو يبتغون، وأي موصولة، أي: يبتغى من هو أقرب منهم وأزلف الوسيلة إلى الله، فكيف بغير الأقرب. أو ضمن يبتغون الوسيلة معنى يحرصون،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الأصل فعول للمفعول، كالحلوب، أو المصدر كالقبول، ويؤيده قراءة حمزة بالضم، فهو كالعباس والفضل.

قوله: (أو ضمن "يبتغون الوسيلة" معنى: يحرصون)، معنى الجملة كما هي بمعنى: يحرصون. قال صاحب "التقريب": أي: موصولة، وهو بدل من واو يبتغون، أي: آلهتهم أولئك يبتغي من هو أقرب منهم الوسيلة إلى الله، فكيف بغير الأقرب، أو (أَيُّهُمْ) استفهام، وضُمن يبتغون الوسيلة معنى يحرصون، أي: يحرصون أيهم يكون أقرب إلى الله بالطاعة وزيادة الخير، فعلى الأول: يطلب من هو أقرب الوسيلة، وعلى الثاني: يطلب آلهتهم أي:

ص: 318

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أن يكونوا أقرب إلى الله بما هو وسيلة. وقال أبو البقاء: (أَيُّهُمْ): مبتدأ، و (أَقْرَبَ): خبره، وهو استفهام، والجملة في موضع نصب بـ (يَدْعُونَ)، ويجوز أن يكون (أَيُّهُمْ) بمعنى الذي، وهو بدلٌ من الضمير في (يَدْعُونَ).

واعلم أن لهم في مثل هذا مذهبين: أحدهما: أن (أَيُّهُمْ) استفهام، وهو مذهب الخليل. وثانيهما: هي موصولة، وصدر الصلة محذوف، وإليه ذهب سيبويه، وسيجيء تمام تقريره في قوله:(ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيّاً) فالوجه الأول في "الكشاف" محمولٌ على مذهب سيبويه، ولذلك صرح بذكر صدر الصلة، وقال:"يبتغي من هو أقرب منه". والثاني على مذهب الخليل، حيث قال:"يحرصون أيهم"، ولابد من تقدير متعلق بـ "يحرصون"، كقوله تعالى:(حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ)[التوبة: 128]، (إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ) [النحل: 37]، ومن تأويل الإنشائي لتصحيح استقامته بأن يقال: يحرصون على ما يقال فيهم: أيهم أقرب إلى الله: بسببه من الطاعة ازدياد الخير، ففي الآية تقديم وتأخير؛ لأن قوله:(إِلَى رَبِّهِمْ) حينئذ متعلقٌ بـ (أَقْرَبُ)، كما قُدر في قوله:"تحرصون أيهم أقرب إلى الله".

وأما قول أبي البقاء: والجملة نصب بـ "يدعون" فتقديره: أن آلهتهم أولئك يدعون إلى الله، الذين يقالُ فيهم: أيهم أقرب إلى الله؛ لأنهم الذين ينتفعون بالدعوة، كقوله:(وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ)[الأنعام: 51]، وقوله:(إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا)[عبس: 45]، وقوله:(هُدًى لِلْمُتَّقِينَ)[البقرة: 2]. ويجوز أن يُقدر: أولئك يدعون إلى الهدى، وإلى ما يقال فيه: أيهم أقربُ إلى الله بسببه من العبادة والطاعة يبتغون إلى ربهم الوسيلة بتلك الدعوة، فقُدم "يبتغون" اهتماماً، والله أعلم.

ص: 319

فكأنه قيل: يحرصون أيهم يكون أقرب إلى الله، وذلك بالطاعة وازدياد الخير والصلاح، ويرجون، ويخافون، كما غيرهم من عباد الله فكيف يزعمون أنهم آلهة؟ إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ حقيقا بأن يحذره كل أحد من ملك مقرّب ونبيّ مرسل، فضلا عن غيرهم.

[(وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوها عَذابًا شَدِيدًا كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُورًا)].

(نَحْنُ مُهْلِكُوها) بالموت والاستئصال أَوْ (مُعَذِّبُوها) بالقتل وأنواع العذاب. وقيل: الهلاك للصالحة، والعذاب للطالحة. وعن مقاتل: وجدت في كتب الضحاك بن مزاحم في تفسيرها: أما مكة فيخربها الحبشة، وتهلك المدينة بالجوع، والبصرة بالغرق، والكوفة بالترك، والجبال بالصواعق والرواجف. وأما خراسان فعذابها ضروب، ثم ذكرها بلدا بلدا (فِي الْكِتابِ) في اللوح المحفوظ.

[(وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلاَّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا)].

استعير المنع لترك إرسال الآيات من أجل صارف الحكمة. و (أن) الأولى:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (كما غيرهم)، أي: كغيرهم، "ما": كافةٌ، أي: كما هو غيرهم.

قوله: (بأن يحذره كل أحدٍ من ملك مقرب)، هذا العمومُ يعطيه معنى التعليل، والعموم الذي في إطلاق قوله:(مَحْذُوراً).

قوله: (والجبال بالصواعق)، وفي الحاشية: الجبال: من الري إلى بغداد.

قوله: (استعير المنع لترك إرسال الآيات)؛ لأن أصل المعنى: وما تركنا إرسال الآيات التي اقترحتها قريش، إلا لأجل علمنا السابق والتقدير الماضي، وهو تأخير أمر من بُعثت إليهم إلى يوم القيامة، ولما كان الصارف وهو العلمُ والتقديرُ قوياً، استُعير المنعُ للترك، وذلك أن المنع حقيقة هو صرف الغير عن فعل يفعله، وذلك في حق الفاعل المختار مُحال، فوجب الحملُ على المجاز.

ص: 320

منصوبة والثانية مرفوعة، تقديره: وما منعنا إرسال الآيات إلا تكذيب الأولين. والمراد: الآيات التي اقترحتها قريش من قلب الصفا ذهبا ومن إحياء الموتى وغير ذلك: وعادة الله في الأمم أن من اقترح منهم آية فأجيب إليها ثم لم يؤمن أن يعاجل بعذاب الاستئصال، فالمعنى: وما صرفنا عن إرسال ما يقترحونه من الآيات إلا أن كذب بها الذين هم أمثالهم من المطبوع على قلوبهم كعاد وثمود، وأنها لو أرسالات لكذبوا بها تكذيب أولئك وقالوا هذا سحر مبين كما يقولون في غيرها، واستوجبوا العذاب المستأصل. وقد عزمنا أن نؤخر أمر من بعثت إليهم إلى يوم القيامة. ثم ذكر من تلك الآيات - التي اقترحها الأولون ثم كذبوا بها لما أرسالات فأهلكوا - واحدة: وهي ناقة صالح، لأن آثار هلاكهم في بلاد العرب قريبة من حدودهم يبصرها صادرهم وواردهم (مُبْصِرَةً) بينة. وقرئ: مبصرة، بفتح الميم (فَظَلَمُوا بِها) فكفروا بها (وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ) إن أراد بها الآيات المقترحة فالمعنى لا نرسلها (إِلَّا تَخْوِيفًا) من نزول العذاب العاجل كالطليعة والمقدّمة له، فإن لم يخافوا: وقع

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (أن من اقترح)، "أن" مع اسمها وخبرها: خبرُ "وعادة الله"، وخبرُ "أن":"أنْ يعاجل".

قوله: (وأنها لو أرسلت): عطفٌ على قوله: "إن كذب بها الأولون الذين هم أمثالهم"، على منوال: أعجبني زيدٌ وكرمه.

قوله: (وقرئ: "مبصرة" بفتح الميم). قال أبو البقاء: أي: تبصرة.

قوله: (لا نرسلها (إِلاَّ تَخْوِيفاً) من نزول العذاب العاجل). الراغب: الآيات هاهنا قيل: إشارة إلى الجراد والقُمل ونحوهما من الآيات التي أرسلت إلى الأمم المتقدمة،

ص: 321

عليهم وإن أراد غيرها فالمعنى: وما نرسل ما نرسل من الآيات كآيات القرآن وغيرها إلا تخويفا وإنذارا بعذاب الآخرة.

[(وَإِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيانًا كَبِيرًا)].

(وَإِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ) واذكر إذ أوحينا إليك أن ربك أحاط بقريش، يعنى: بشرناك بوقعة بدر وبالنصرة عليهم. وذلك قوله سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ [القمر: 45]، (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ) [آل عمران: 12] وغير ذلك، فجعله كأن قد كان ووجد، فقال:(أحاط بالناس) على عادته في إخباره، وحين تزاحف الفريقان يوم بدر والنبي صلى الله عليه وسلم في العريش مع أبي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فنبه أن ذلك إنما يُفعل بمن يفعله تخويفاً، وذلك أخسُّ المنازل للمأمورين، فإن الإنسان يتحرى فعل الخير لأحد ثلاثة أشياء: إما أن يتحراه لرغبة أو لرهبة، وهو أدنى منزلة، وإما أن يتحراه لمحمدة، وإما أن يتحراه للفضيلة، وهو أن يكون ذلك الشيء في نفسه فاضلاً، وذلك أشرف المنازل، فلما كانت هذه الأمة خير أمة رفعهم عن هذه المنزلة، ونبه أنه لا يعمهم بالعذاب، وإن كانت الجهلة منهم كانوا يقولون:(فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنْ السَّمَاءِ أَوْ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ)[الأنفال: 32]، وقيل: الآيات إشارة إلى الأدلة، ونبه أنه يقتصر معهم على الأدلة ويصانون عن العذاب الذي يستعجلونه.

قوله: (ورسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش)، الجوهري: العريش: ما يُستظل به. روينا في "صحيح البخاري"، عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو في قبة يوم بدر:"اللهم أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن تشأ لا تُعبد اليوم"، فأخذ أبو بكر رضي الله عنه بيده، فقال: حسبُك.

ص: 322

بكر رضي الله عنه كان يدعو ويقول: «اللهم إني أسألك عهدك ووعدك» ثم خرج وعليه الدرع يحرض الناس ويقول (سيهزم الجمع ويولون الدبر) ولعلّ الله تعالى أراه مصارعهم في منامه، فقد كان يقول حين ورد ماء بدر «والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم» وهو يومئ إلى الأرض ويقول: هذا مصرع فلان، هذا مصرع فلان، فتسامعت قريش بما أوحى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمر يوم بدر وما أرى في منامه من مصارعهم، فكانوا يضحكون ويستسخرون ويستعجلون به استهزاء وحين سمعوا بقوله:(إن شجرة الزقوم طعام الأثيم)[الدخان: 43 - 44]

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وهو يومئ إلى الأرض، ويقول: هذا مصرع فلان). روى مسلمٌ وأبو داود، عن أنسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذا مصرعُ فلان"، ويضعُ يده على الأرض هاهنا وهاهنا. قال: فما ماط ادهم عن موضع يد رسول الله صلى الله عليه وسلم. ماط، أي: بعُدَ وذهب.

قوله: (فتسامعت)، هو متصلٌ بقوله:"ولعل الله" وما عُطف عليه من قوله: "وحين تزاحف الفريقان" بدليل قوله من أمر بدرٍ، وما أُري في منامه، والمعطوف والمعطوف عليه تفسيران لقوله تعالى:(إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ)، ولقوله:(وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ)، "وجعلوها سخرية": عاملُ" حين سمعوا"، وهو تأويل لقوله:(وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ).

وأما قوله: "حين تزاحف"، فظرفٌ لقوله:"يدعو ويقولُ"، كما أن قوله:"حين ورد ماء بدر": ظرفُ "يقول"، أي: كان يدعو ويقول حين تزاحف الفريقان: اللهم إني أسألك، وقد كان حين ورد ماء بدر: والله لكأني انظرُ، وإنما جمع المعنيين في قرانٍ واحدٍ وأفرز الثالث لاتحاد قصتهما واختلاف الثالث، فقوله:"وحين سمعوا" عطفٌ على جملة قوله: "حين تزاحف الفريقان" مع ما عُطف عليه، وهو قوله:"ولعل الله"، ثم إنه لخص المعاني الثلاث في قوله:"والمعنى أن الآيات إنما نُرسل بها تخويفاً للعباد" إلى آخره.

ص: 323

جعلوها سخرية وقالوا: إن محمدا يزعم أن الجحيم تحرق الحجارة، ثم يقول ينبت فيها الشجر. وما قدر الله حق قدره من قال ذلك، وما أنكروا أن يجعل الله الشجرة من جنس لا تأكله النار! فهذا وبر السمندل وهو دويبة ببلاد الترك تتخذ منه مناديل، إذا اتسخت طرحت في النار فذهب الوسخ وبقي المنديل سالما لا تعمل فيه النار. وترى النعامة تبتلع الجمر وقطع الحديد الحمر كالجمر بإحماء النار فلا تضرها، ثم أقرب من ذلك أنه خلق في كل شجرة نارا فلا تحرقها، فما أنكروا أن يخلق في النار شجرة لا تحرقها. والمعنى: أنّ الآيات إنما يرسل بها تخويفا للعباد، وهؤلاء قد خوفوا بعذاب الدنيا وهو القتل يوم بدر. فما كان ما أَرَيْناكَ منه في منامك بعد الوحي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وما قدر الله حق قدره من قال ذلك)، "مَن": فاعلُ "قدروا". الانتصاف: العمدة في ذلك أن النار لا تؤثر إحراقاً، إلا أن الله تعالى أجرى العادة أن يخلُقَ الإحراق عقيب ملاقاتها بعض الأجسام.

قوله: (وما أنكروا)، قيل:"ما" يجوز أن يكون منصوباً على أنه مفعولٌ مطلق، أي: أي إنكار أنكروا؟ و"ما" استفهامية إنكارية. ويجوز أن تكون شرطية، والجزاء قوله:"فهذا وبرُ السمندل"، على طريق الإخبار والإنكار لقوله تعالى:(وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنْ اللَّهِ)[النحل: 53]، والمعنى متصلٌ بقوله:"ثم أقربُ من ذلك" أي: أقرب مما ذكرنا، أنه خلق في كل شجرة ناراً فلا تحرقها، وهم يشاهدونها، فأي إنكارٍ أنكروا هذا؟

قوله: (في كل شجرة ناراً)، وفي المثل: في كل شجر نار، واستمجد المرخُ والعفار، شبههما بمن يُكثر العطاء طلباً للمجد؛ لأنهم يُسرعان الوري، خلاف سائر الأشجار.

ص: 324

إليك إِلَّا فِتْنَةً لهم حيث اتخذوه سخريا وخوّفوا بعذاب الآخرة وشجرة الزقوم فما أثر فيهم، ثم قال فيهم (وَنُخَوِّفُهُمْ) أي نخوفهم بمخاوف الدنيا والآخرة فَما (يَزِيدُهُمْ) التخويف إِلَّا (طُغْيانًا كَبِيرًا) فكيف يخاف قوم هذه خالهم بإرسال ما يقترحون من الآيات. وقيل: الرؤيا هي الإسراء، وبه تعلق من يقول: كان الإسراء

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وخوفوا بعذاب الآخرة): عطفٌ على قوله: "وقد خوفوا بعذاب الدنيا". والفاء في: "فما أثر فيهم" هي الفاء في قوله تعالى: (فَمَا يَزِيدُهُمْ)، والتخويف بعذاب الدنيا حصل من شيئين: من الوحي بإحاطة الناس، ومن الرؤيا التي أراها في مصارع القوم، والتخويف بعذاب الآخرة حصل من إنزال شجرة الزقوم في القرآن، ولذلك جعل المصنف عطف قوله:(وَمَا جَعَلْنَا) على (وَإِذْ قُلْنَا) بمنزلة شيء واحد، وأتى بالفاء، حيث قال:"فما كان ما أريناك منه في منامك بعد الوحي إليك (إِلاَّ فِتْنَةً) ".

قوله: (فكيف يُجاب قومٌ) بالجيم والباء، وفي أكثر النسخ:"يخاف"، بالخاء والفاء، وفيه إيماءٌ إلى اتصال قوله تعالى:(وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَاناً كَبِيراً) بقوله: (وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ)، يعني: ما تركنا إرسال تلك الآيات التي اقترحتها قريش من قلب الصفا ذهباً وإحياء الموتى وغيرها إلا لنزول عذاب الاستئصال، وقد عزمنا تأخير أمرهم. ثم قال:(وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً) أي: وما نُرسل بآيات القرآن إلا تخويفاً وإنذاراً مما نزل بالأولين كعاد وثمود وفرعون من الاستئصال بسبب اقتراحهم على أنبيائهم لينزجروا ويعتبروا وتخويفاً مما حل بهؤلاء يوم بدر، وما يحل بهم يوم القيامة من أكل الشجرة الملعونة ليتعظوا، فما يزيدهم كل ذلك إلا طغياناً، فإذا كان الأمر على هذا فكيف يُجابوا إلى ما اقترحوا بإرسال الآيات، فوضع موضع ضمير يُجابوا قومٌ هذه حالهم، إيذاناً بأنهم قوم معاندة مكابرة، أو يقال: كيف يجابون بإرسال ما يقترحون من الآيات، وإنها كالطليعة المقدمة لعذاب الآجل، وقد خوفوا هذه التخويفات فما اتعظوا والله أعلم.

ص: 325

في المنام، ومن قال: كان في اليقظة، فسر الرؤيا بالرؤية. وقيل: إنما سماها رؤيا على قول المكذبين حيث قالوا له: لعلها رؤيا، رأيتها، وخيال خيل إليك، استبعادًا منهم، كما سمى أشياء بأساميها عند الكفرة، نحو قوله:(فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ)[الصافات: 91]، (أَيْنَ شُرَكائِيَ) [النحل: 27]، (ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ) [الدخان: 49] وقيل: هي رؤياه أنه سيدخل مكة. وقيل: رأى في المنام أن ولد الحكم يتداولون منبره كما يتداول الصبيان الكرة. فإن قلت: أين لعنت شجرة الزقوم في القرآن؟ قلت:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ومن قال: كان في اليقظة، فسر الرؤيا بالرؤية)، يعني: على الأصل، قال المصنف في سورة يوسف: والرؤيا بمعنى الرؤية، إلا أنها مختصة بما كان فيها في المنام دون اليقظة. وفرق بينهما بحرفي التأنيث، كما قيل: القربة والقُربى، مثله استعمال الوعْدِ والوعيد. وروينا عن البخاري وأحمد بن حنبل والترمذي، عن ابن عباس في قوله تعالى:(وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ) قال: "هي رؤيا عينٍ أريها النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أُسري به إلى بيت المقدس".

قوله: (وقيل: إنما سماها رؤيا على قول المكذبين)، يعني: على زعمهم والتهكم بهم، ويُمكن أن يكون هاهنا من باب المشاكلة.

قوله: (كما سمي أشياء بأساميها عند الكفرة)، سمي أصنامهم بالآلهة والشركاء في الآيتين، وأنفسهم بالعزيز الكريم في الآخرة على زعمهم، وكما هو عندهم.

قوله: (فراغ)، الجوهري: راغ إلى كذا، أي: مال إليه سراً، (فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ) [الصافات: 93]، أي: أقبل. قال الفراء مال عليهم.

قوله: (رأى في المنام أن ولد الحكم يتداولون منبره). الحكم هو ابن العاص بن أمية بن

ص: 326

لعنت حيث لعن طاعموها من الكفرة والظلمة، لأنّ الشجرة لا ذنب لها حتى تلعن على الحقيقة، وإنما وصفت بلعن أصحابها على المجاز. وقيل: وصفها الله باللعن، لأن اللعن الإبعاد من الرحمة، وهي في أصل الجحيم في أبعد مكان من الرحمة. وقيل: تقول العرب لكل طعام مكروه ضار: ملعون، وسألت بعضهم فقال: نعم الطعام الملعون القشب الممحوق. وعن ابن عباس: هي الكشوث التي تتلوى بالشجر يجعل

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد شمس بن عبد منافٍ، وولده الذين ملكوا بعد معاوية: يزيدُ بن معاوية بن أبي سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس، أولهم: مروان بن الحكم، ثم عبد الملك ابنه، ثم ابنه الوليد، ثم أخوه سليمان بن عبد الملك، ثم عمر بن عبد العزيز، ثم يزيد بن عبد الملك، ثم هشام بن عبد الملك، ثم الوليد بن يزيد، ثم يزيد بن الوليد بن عبد الملك، ثم إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك، وآخرُهم مروان بن محمد الحمار.

قوله: (لُعنت حيث لُعن طاعموها من الكفرة)، أي: أي موضع من القرآن وُجدت فيه لعنة الكافرين، فهي ملعونة هناك؛ لأن المراد بالشجرة الملعونة أن طاعمها ملعونٌ؛ لأن الشجرة لا ذنب لها.

قوله: (وسألتُ بعضهم) عن صحة نقل المعنى، فقلت: هل تُسمى العرب كل طعام مكروه ملعوناً؟ قال: نعم. وزاد في الجواب أن الطعام الملعون هو المذموم الذي لا خير فيه.

قوله: (القشب الممحوق)، الفائق: القشب: القذر، والقشبُ: الذي خالطه قذر، قيل: القشب أيضاً: السم، والجمع أقشابٌ، وقشبه أيضاً: إذا ذكره بسوء.

قوله: (الممحوق): محقه يمحقه محقاً، أي: أبطله ومحاه، والكشوث: نبتٌ يتعلق بأغصان الشجر من غير أن يضرب بعرقٍ في الأرض.

ص: 327

في الشراب. وقيل: أبو جهل. وقرئ: والشجرة الملعونة بالرفع، على أنها مبتدأ محذوف الخبر، كأنه قيل: والشجرة الملعونة في القرآن كذلك.

[(وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ قالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا* قالَ أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلًا* قالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُورًا* وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاَّ غُرُورًا* إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا)].

(طِينًا) حال إما من الموصول والعامل فيه أسجد، على: أأسجد له وهو طين، أى أصله طين. أو من الراجع إليه من الصلة على: أأسجد لمن كان في وقت خلقه طينا (أَرَأَيْتَكَ) الكاف للخطاب. وهذَا مفعول به. والمعنى: أخبرنى عن هذا (الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ) أي فضلته،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وقيل: هي الشيطانُ)، أي: الشجرة الملعونة. الانتصاف: يُبعده قوله: (طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ)[الصافات: 65]، وقوله:(فَإِنَّهُمْ لآكِلُونَ مِنْهَا)[الصافات: 66]. قلت: هو القائل لم يذهب إلى أن هذه الشجرة المذكورة هنا على هذا التأويل هي شجرة الزقوم بل ذهب إلى المجاز وسمي الشيطان بالشجرة وأن الله تعالى لعنه في كتابه المجيد في غير موضع.

قوله: (أو من الراجع)، والفرق أنه إذا كان حالاً من المفعول يكون قيداً لـ"أسجد"، وإذا كان حالاً من الراجع، كان قيداً لـ (خَلَقْتُ) فيختلف التقديران، والأول أبلغُ؛ لأنه من باب المجاز باعتبار ما كان، أي: أسجد للطين، والطين لا يسجد له. والمعنى على الثاني: أأسجدُ لمن كان في وقت خلقه طيناً، أي: أصله طين.

ص: 328

لم كرمته علي وأنا خير منه؟ فاختصر الكلام بحذف ذلك، ثم ابتدأ فقال (لَئِنْ أَخَّرْتَنِ) واللام موطئة للقسم المحذوف (لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ) لأستأصلتهم بالإغواء، من احتنك الجراد الأرض إذا جرد ما عليها أكلا، وهو من الحنك. ومنه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (لم كرمته عليَّ وأنا خيرٌ منه؟ فاختصر الكلام بحذف ذلك)، أي: السؤال عن العلة، ويمكن أن يُقال: إن اللعين لما أنكر أن يسجد له تحقيراً لشأنه، وجعلُه طيناً مشاهداً ترقى منه إلى أبلغ، أي: أخبرني عن حال هذا المشاهد المحسوس المكون من الطين والصلصال كالفخار، المجبول بالشهوات، أي: كيف يرتفع عليَّ وأنا أقهره بالوساوس، وأجعله مطواعاً لي، سيما ذريته، فأستأصلهم إغواء؟ ومن ثم أتى بالجملة المؤكدة بلام القسم في قوله:(لَئِنْ أَخَّرْتَنِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)، (لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ)، ولفظة "هذا" مثلُها في قوله:

تقول ووقت نحرها بيمينها

أبعلي هذا بالرحى المتقاعس

ويؤيده قول الإمام: (هذا): مبتدأ محذوفٌ عنه حرف الاستفهام، و"الذي" مع صلته: الخبر، أي: أخبرني: أهذا الذي كرمته عليَّ؟ وذلك على وجه الاستصغار، وإنما حذف الاستفهام؛ لأن حصوله في قوله:(أَرَأَيْتَكُ) أغنى عن تكراره.

قوله: (وهو من الحنك). الراغب: الحنكُ: حنك الإنسان والدابة، وقيل لمنقار الغُراب: حنكٌ، لكونه كالحنك من الإنسان، وقيل: أسود مثل حنك الغراب، وحلك الغراب، فحنكه: منقاره، وحلكه: سواء ريشه. وقوله: (لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً) يجوزُ أن يكون من: حنكتُ الدابة: أصبتُ حنكها باللجام والرسن، فيكون كقولك: لألجمن فلاناً ولأرسنَنَّه، ويجوز أن يكون من قولهم: احتنك الجراد الأرض، أي: استولى بحنكه عليها،

ص: 329

ما ذكر سيبويه من قولهم: أحنك الشاتين أي أكلهما. فإن قلت: من أين علم أن ذلك يتسهل له وهو من الغيب؟ قلت: إما أن سمعه من الملائكة وقد أخبرهم الله به، أو خرجه من قولهم:(أتجعل فيها من يفسد فيها)[البقرة: 30]، أو نظر إليه فتوسم في مخايله أنه خلق شهوانى. وقيل: قال ذلك لما علمت وسوسته في آدم، والظاهر أنه قال ذلك قبل أكل آدم من الشجرة اذْهَبْ ليس من الذهاب للذي هو نقيض المجيء، إنما معناه:

امض لشأنك الذي اخترته خذلانا وتخلية، وعقبه بذكر ما جرّه سوء اختياره في قوله (فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ) كما قال موسى عليه السلام للسامري (فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ) [طه: 97] فإن قلت: أما كان من حق الضمير في الجزاء أن يكون على لفظ الغيبة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فأكلها واستأصلها، فيكون المعنى: استولى عليهم استيلاءه على ذلك، وفلانٌ حنكه الدهر، كقولك: نجذه وقرع سنه وافتره، ونحو ذلك من الاستعارات في التجربة.

قوله: (والظاهر أنه قال ذلك)، أي:(لَئِنْ أَخَّرْتَنِي)، إلى آخره، داخلٌ في حيز القول، فيكون صدور هذا القول بعد الإباء عن السجود، ومكان الوسوسة الجنة، وهو مختلفٌ عن هذا بزمان، أي: هذا القول مردودٌ.

قوله: (كما قال موسى عليه السلام للسامري)، يعني: كما رتب موسى عليه السلام على قوله: (فَاذْهَبْ) قوله: (فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لا مِسَاسَ)[طه: 97] للإيذان بأن المراد من الأمر الخذلان، لتعقبه بالعقاب، كذلك هاهنا، فقوله:"وعقبه" عطفٌ على محذوف، وهو معللٌ لقوله:"خذلاناً وتخليةً"، وقوله:(فَمَنْ تَبِعَكَ) ظرف لقوله: "تذكرة له"، أي: قال الله تعالى لإبليس: امض لشأنك خذلاناً وتخلية، وعقبه بذكر ما جره سوء اختياره، حتى يقال في حقه:(فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ).

ص: 330

ليرجع إلى من تبعك؟ قلت: بلى، ولكن التقدير: فإنّ جهنم جزاؤهم وجزاؤك، ثم غلب المخاطب على الغائب فقيل:(جزاؤكم). ويجوز أن يكون للتابعين على طريق الالتفات، وانتصب (جَزاءً مَوْفُوراً) بما (في فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ) من معنى تجازون. أو بإضمار تجازون. أو على الحال، لأنّ الجزاء موصوف بالموفور، والموفور الموفر. يقال: فر لصاحبك عرضه فرة. استفزّه: استخفه. والفز: الخفيف (وَأَجْلِبْ)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (لأن الجزاء موصوفٌ بالموفور)، هذا تصحيح وقوع الجزاء حالاً، وهو كقوله تعالى:(إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً)[يوسف: 2]، وقيل: التقدير: ذوي جزاء موفور، فيكون حالاً من الضمير في "تجازون"، وهو معنى جزاؤكم، وإلا فالعامل مفقودٌ، والأظهر أنه حالٌ مؤكدة، كقولك: زيدٌ حاتمٌ جُوداً. قال أبو البقاء: هو حالٌ موطئة. وقيل: هو تمييز.

قوله: (فر لصاحب عرضه)، مثله في قول زهير:

ومن يجعل المعروف من دون عرضه

يفره، ومن لا يتق الشتم يُشتم

قال الزوزني: وفرتُ الشيء وفرة ووفراً: أكثرته، ووفرته وفوراً، تقول: ومن يجعل معروفه ذاباً عن عرضه وفر مكارمه.

الراغب: الوفر: المال التام. يقال: وفرتُ كذا: تممته، أفرهُ وفراً ووفوراً ووفرةً، ووفرتُه: على التكثير، والوفرة: الشعر الوافر، ومزادة وفراءُ، وسقاءٌ أوفرُ: لم ينقص من أديمها شيءٌ، ورأيت فلاناً ذا وفارة وفرةً، أي: تام المروءة والعقل.

قوله: (والفزُّ: الخفيف). الراغب: قال تعالى: (وَاسْتَفْزِزْ مَنْ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ)

ص: 331

من الجلبة وهي الصياح. والخيل: الخيالة. ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: (يا خيل الله اركبي). والرجل اسم جمع للراجل. ونظيره: الركب والصحب. وقرئ: (ورجلك)، على

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[الإسراء: 64] أي: أزعج، وفزني فلانٌ: أزعجني، والفزُّ: ولدُ البقرة، سُمي به لما تُصور فيه من الخفة، كما سُمي عجلاً لما فيه من العجلة.

قوله: (من الجلبة، وهي الصياح). الراغب: أجلبتُ عليه: صحتُ عليه بقهرٍ.

قوله: (ياخيل الله اركبي)، النهاية: أي: يا أصحاب خيل الله.

قوله: (وقرئ: (وَرَجِلِكَ)). قرأ حفص: بكسر الجيم، والباقون: بإسكانها قال ابن جني: رويناها عن قُطرُب، عن أبي عبد الرحمن، وقال: الرجِلُ: والرجال، وعليه قراءة عكرمة وقتادة:"رجالك"، ويقالُ: رجل: جمع راجل، [تاجر وتجرٍ، وهذا عند سيبويه اسم للجمع غير مكسر بمنزلة الباقر.

الراغب: الرجُلُ يختص بالذكر من الناس، ويقالُ رجُلَةُ للمرأة إذا كانت متشبهة بالرجل في بعض أحوالها، وفلانٌ أرجلُ الرجلين، واشتق من الرجل رجلٌ] وراجلٌ للماشي بالرجل بين الرُّجلة، فجمع الراجل رجالةٌ ورجلٌ نحو ركب، ورجالٌ نحو: ركاب لجمع الراكب، ويقالُ: رجلٌ راجل، أي: قويٌّ على المشين وجمعه رجالٌ، نحو قوله:(فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً)[البقرة: 239]، وكذا رجيلٌ ورجلةٌ. والأرجلُ: الأبيض الرجل من الفرس، والعظيم الرجلِ، واستعير الرجلُ للقطعة من الجراد ولزمان الإنسان، يقال: كان

ص: 332

أن فعلا بمعنى فاعل، نحو: تعب وتاعب. ومعناه: وجمعك الرجل، وتضم جيمه أيضا، فيكون مثل حدث وحدث، وندس وندس، وأخوات لهما. يقال: رجل رجل. وقرئ: (ورجالك)(ورجالك). فإن قلت: ما معنى استفزاز إبليس بصوته وإجلابه بخيله ورجله؟ قلت: هو كلام ورد مورد التمثيل، مثلت حاله في تسلطه على من يغويه بمغوار أوقع على قوم فصوّت بهم صوتا يستفزهم من أماكنهم ويقلقهم عن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ذلك على رجل فلان، كقولك: على رأس فلان، وترجلَ الرجلُ: نزل عن دابته، وترجلَ النهارُ: انحطت الشمسُ عن الحيطان، كأنها ترجلتْ، ورجل شعره، كأنه أنزله إلى حيث الرجلُ، والمرجلُ: القدرُ المنصوب، وأرجلتُ الفصيل: أرسلته مع أمه، كأنما جعلتَ له بذلك رجلاً.

قوله: (حدث): أي: حسنُ الحديثُ والندسُ: الفطن.

قوله: (ورد مورد التمثيل)، وهو على وجهين: أحدهما: التمثيل المحض بأن مُثلتْ حالُ الشيطان في تسلطه وإغوائه من غير تصور استفزاز وصوتٍ وخيلٍ ورجلٍ بحالة مغوارٍ مقدرة فيها هذه المذكورات، فاستعمل في تلك الحال ما يستعمل في هذه، نحوه قوله تعالى:(وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ)[الزمر: 67].

وثانيهما: التمثيل غير المحض، وذلك بأن يتصور له استفزاز وصوت ورجلٌ وخيل مجازي، كما قال:"بدعائه إلى الشر"، ورجله: كل راكب وماشٍ من أهل العبث.

قوله: (بمغوار). الجوهري: رجلٌ مغوارٌ ومغاورٌ، أي: مقاتل، وقومٌ مغاوير، وخيلٌ مُغيرة.

ص: 333

مراكزهم، وأجلب عليهم بجنده من خيالة ورجالة حتى استأصلهم. وقيل: بصوته، بدعائه إلى الشر. وخيله ورجله:

كلّ راكب وماش من أهل العيث. وقيل: يجوز أن يكون لإبليس خيل ورجال. وأما المشاركة في الأموال والأولاد فكل معصية يحملهم عليها في بابهما، كالربا والمكاسب المحرّمة، والبحيرة والسائبة، والإنفاق في الفسوق، والإسراف، ومنع الزكاة، والتوصل إلى الأولاد بالسبب الحرام، ودعوى ولد بغير سبب، والتسمية بعبد العزى وعبد الحرث، والتهويد والتنصير، والحمل على الحرف الذميمة والأعمال المحظورة، وغير ذلك (وَعِدْهُمْ) المواعيد الكاذبة، من شفاعة الآلهة والكرامة على الله بالأنساب الشريفة، وتسويف التوبة ومغفرة الذنوب بدونها، والاتكال على الرحمة، وشفاعة الرسول في الكبائر والخروج من النار بعد أن يصيروا حمما، وإيثار العاجل على الآجل إِنَّ عِبادِي يريد الصالحين لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ أى لا تقدر أن تغويهم (وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا) لهم يتوكلون به في الاستعاذة منك، ونحوه قوله (إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) فإن قلت: كيف جاز أن يأمر الله إبليس بأن يتسلط على عباده مغويا مضلا، داعيا إلى

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وتسويف التوبة ومغفرة الذنوب بدونها والاتكال على الرحمة وشفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم في الكبائر)، الانتصاف:"وعد الله المغفرة وعلقها بالمشيئة من غير توبة، وجعلها الزمخشري من وعد الشيطان، وكذلك جعل وعد الصادق المصدوق بالشفاعة من مواعيد الشيطان، وأقل عقوبته في ذلك حرمانها".

قوله: (ونحوه قوله: (إِلاَّ عِبَادَكَ))، أي: نحو قوله: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلاً)[الإسراء: 65].

قوله: ((إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ))؛ لأن من كفاه مالك اللعين والقادر عليه وكيلاً، لا يكون إلا عبداً مكرماً مخلصاً.

ص: 334

الشر، صادّا عن الخير؟ قلت: هو من الأوامر الواردة على سبيل الخذلان والتخلية، كما قال للعصاة:(اعملوا ما شئتم)] فصلت: 40 [.

[(رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كانَ بِكُمْ رَحِيماً* وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُوراً)].

(يُزْجِي) يجرى ويسبر. والضرّ: خوف الغرق (ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ) ذهب عن أوهامكم وخواطركم كلّ من تدعونه في حوادثكم إلا إياه وحده، فإنكم لا تذكرون سواه، ولا تدعونه في ذلك الوقت ولا تعقدون برحمته رجاءكم، ولا تخطرون ببالكم أنّ غيره يقدر على إغاثتكم، أو لم يهتد لإنقاذكم أحد غيره من سائر المدعوّين. ويجوز أن يراد: ضلّ من تدعون من الآلهة عن إغاثتكم، ولكنّ الله وحده هو الذي ترجونه وحده على الاستثناء المنقطع.

[(أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلاً (68) أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تارَةً أُخْرى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قاصِفاً مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِما كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنا بِهِ تَبِيعاً)].

(أَفَأَمِنْتُمْ) الهمزة للإنكار، والفاء للعطف على محذوف تقديره: أنجوتم فأمنتم، فحملكم ذلك على الإعراض. فإن قلت: بم انتصب جانِبَ الْبَرِّ؟ قلت: بيخسف مفعولا به، كالأرض في قوله فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ) [القصص: 81]. و (بِكُمْ)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (على الاستثناء المنقطع)، أي: على الوجه الأخير، ويُفهم أنه على الأول والثاني متصل، أما على الأول فـ" (ضَلَّ) مضمن لمعنى "ذهب"، وفاعله الذكر، أي: ذهب عن اوهامكم ذكرُ كل من تدعونه إلا ذكر الله، يدل عليه قوله: "لا يذكرون سواه"، وعلى الثاني: "ضَلَّ" مُجرى على حقيقته، ولذلك قال: أولم يهتد لإنقاذكم؟

ص: 335

حال. والمعنى: أن يخسف جانب البر، أى يقلبه وأنتم عليه. فإن قلت. فما معنى ذكر الجانب؟ قلت: معناه أنّ الجوانب والجهات كلها في قدرته سواء، وله في كل جانب برا كان أو بحرا سبب مرصد من أسباب الهلكة، ليس جانب البحر وحده مختصا بذلك، بل إن كان الغرق في جانب البحر، ففي جانب البر ما هو مثله وهو الخسف، لأنه تغييب تحت التراب كما أنّ الغرق تغييب تحت الماء، فالبرّ والبحر عنده سيان يقدر في البر على نحو ما يقدر عليه في البحر، فعلى العاقل أن يستوي خوفه من الله في جميع الجوانب وحيث كان (أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً) وهي الريح التي تحصب أي ترمى بالحصباء، يعني: أو إن لم يصبكم بالهلاك من تحتكم بالخسف، أصابكم به من فوقكم بريح يرسلها عليكم فيها الحصباء يرجمكم بها، فيكون أشدّ عليكم من الغرق في البحر (وَكِيلًا) من يتوكل بصرف ذلك عنكم (أَمْ أَمِنْتُمْ) أن يقوّى دواعيكم ويوفر حوائجكم إلى أن ترجعوا فتركبوا البحر الذي نجاكم منه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (فما معنى ذكر الجانب؟ ). دلت الفاء في السؤال على السببية، يعني: ذكرت أن (جَانِبَ الْبَرِّ): مفعولٌ به، كـ (الأَرْضِ) في قوله:(فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ)[القصص: 81]، فما معنى زيادة الجانب في هذه الآية؟ وأجاب عنه: أن الزيادة دلت على أن الكلام في هذا المقام في الجانب، وأن جانبي البر والبحر سيان تحت قهره وسلطانه سبحانه وتعالى، وذلك أنهم قطعوا أن الهلاك مختص بجانب البحر، وأن جانب البر مكان المن ومنزلُ الرفاهية ومهبط البطر والأشر، دل على ذلك فِعلُهم:(فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ)[العنكبوت: 65].

قوله: (أن يُقوي دواعيكم ويوفر حوائجكم)، إعلام بأن "أمْ" في قوله:(أَمْ أَمِنتُمْ) منقطعة، والهمزة فيها للإنكار والتوبيخ، ويؤيده تقديره "نجوتُم" بعد الهمزة، وعطفُ (أَمِنتُمْ) عليه في القرينة الأولى، يعني: هبوا أنكم تخلصتم من الغرق في البحر، فكيف تتخلصون من الخسف في البر؟ ثم أضرب عنه، أي: دعوا الخسف، بل كيف تأمنون أن الله يقوي دواعيكم فتورث البخل الخالع والحرص الهالع، فتعودون إلى ما نجوتم منه فيغرقكم به. وفي تذييل كل من الآيتين معنى الترقي؛ ذُيلت الأولى بقوله: (ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ

ص: 336

فأعرضتم، فينتقم منكم بأن يرسل عَلَيْكُمْ (قاصِفاً) وهي الريح التي لها قصيف وهو الصوت الشديد، كأنها تتقصف أي تتكسر. وقيل: التي لا تمرّ بشيء إلا قصفته (فَيُغْرِقَكُمْ) وقرئ بالتاء، أي الريح. وبالنون، وكذلك:(نخسف)، (ونرسل)، (ونعيدكم).

قرئت بالياء والنون. التبيع: المطالب، من قوله (فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ)] البقرة: 178 [أي مطالبة. قال الشماخ:

كَمَا لَاذَ الْغَرِيمُ مِنَ التَّبِيعِ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ .....

وَكِيلاً)، أي: من يتوكل بصرف ذلك عنكم؟ والثانية بقوله: (ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعاً) أي: مطالبنا يُطالبنا بما فعلنا دركاً للثأر؛ لأن طلب الثأر بعد الهلاك والتوكل قبله.

قوله: (فأعرضتم فينتقم منكم، بأن يُرسل) الفاء في "فأعرضتم" عاطفةٌ عقبت "نجاكم" بـ"أعرضتُم"؛ وفي "فينتقم" مؤذنة بأن الفاء في قوله تعالى: (فَيُرْسِلَ) فصيحةٌ مقتضية لتقرير "فينتقم"؛ لأن مجرد إعادتهم في البحر ليس موجباً لإرسال ما يُغرقهم، بل سببٌ ذلك إرادةٌ الانتقام من الإعراض السابق بواسطة الريح القاصف.

قوله: ((فَيُغْرِقَكُمْ)، وقرئ بالتاء): ابن كثير وأبو عمرو: بالنون، والباقون: بالياء التحتانية، وبالتاء: شاذة، وعلى هذا (نُعِيدُكُمْ).

قوله: (كما لاذ الغريم من التبيع)، لاذ: أي التجأ. الأساس: ما وجدت لي على فلان تبيعاً، أي: متابعاً ناصراً لي عليه.

ص: 337

يقال: فلان على فلان تبيع بحقه، أي مسيطر عليه مطالب له بحقه. والمعنى: أنا نفعل ما نفعل بهم، ثم لا تجد أحدا يطالبنا بما فعلنا انتصارا منا ودركا للثأر من جهتنا. وهذا نحو قوله (وَلا يَخافُ عُقْباها)] الشمس: 15 [(بِما كَفَرْتُمْ): بكفرانكم النعمة، يريد: إعراضهم حين نجاهم.

[(وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلاً)].

قيل في تكرمة ابن آدم: كرّمه الله بالعقل، والنطق، والتمييز، والخط، والصورة الحسنة والقامة المعتدلة، وتدبير أمر المعاش والمعاد. وقيل بتسليطهم على ما في الأرض وتسخيره لهم. وقيل: كل شيء يأكل بفيه إلا ابن آدم. وعن الرشيد: أنه أحضر طعاما فدعا بالملاعق وعنده أبو يوسف، فقال له: جاء في تفسير جدك ابن عباس قوله تعالى (وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ) جعلنا لهم أصابع يأكلون بها، فأحضرت الملاعق فردّها وأكل بأصابعه (عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا) هو ما سوى الملائكة، وحسب بني آدم تفضيلا أن ترفع عليهم الملائكة وهم هم ومنزلتهم عند الله

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وهذا نحو قوله: (وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا)[الشمس: 15]، أي لايخاف الله عاقبتها وتبعتها، كما يخاف كل معاقبٍ من الملوك فيُبقي بعض الإبقاء.

قوله: (وحسبُ بني آدم تفضيلا)، يعني: دل قوله تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) على كرامتهم، ويكفيهم من هذه الكرامة أن يكونوا دون الملائكة فيها ونازلين عن منزلة الذين هم المشهورون الكاملون وبقرب من الله معروفون، أو يكونوا مفضلين على غيرهم، كما تقول: يكفيك من الشرف أن تكون ثاني الأمير في المنزلة.

قوله: (وهُم هُم)، وقوله:"ومنزلتُهم منزلتهم"، مثلُ قول أبي النجم:

ص: 338

منزلتهم، والعجب من المجبرة كيف عكسوا في كل شيء وكابروا، حتى جسرتهم عادة المكابرة على العظيمة التي هي تفضيل الإنسان على الملك، وذلك بعد ما سمعوا تفخيم الله أمرهم وتكثيره مع التعظيم ذكرهم، وعلموا أين أسكنهم، وأنى قربهم، وكيف نزلهم من أنبيائه منزلة أنبيائه من أممهم، ثم جرّهم فرط التعصب عليهم إلى أن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أنا أبو النجم وشعري شعري

أي: أنا ذلك المشهور الموصوف بالكمال، وشعري هو الموصوف المشهور بالبلاغة.

قوله: (وتكثيره مع التعظيم ذكرهم)، أي: تكثير الله ذكرهم مع التعظيم في كتابه، "مع التعظيم" حالٌ من الفاعل والمفعول.

قال صاحب "التقريب": ولقد تشنع هاهنا حتى أفحش، فالقول بتفضيل الملك احد قولي أهل السنة، ومذهب ابن عباس واختيار الزجاج، وأيضاً غايته التمسك بالمفهوم، وهو أن تخصيص الكثير يدل على أن القليل يضاد ذلك، واختلف في كونه حجة على أبي حنيفة رضي الله عنه يقول بالمفهوم، ثم المفهوم إنما يدل على أنه ليس مفضلاً على القليل، ولا يلزم منه مذهبه، وهو تفضيل القليل، فقد يستويان، ثم ليحتمل أن يُراد بـ (كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا): الملائكة، إذ هم كثيرٌ من العقلاء المخلوقين، فيكون بنو آدم أفضل منهم. وعلى الجملة فذلك التشنيع شنيع.

ص: 339

لفقوا أقوالا وأخبارا منها؛ قالت الملائكة: ربنا إنك أعطيت بني آدم الدنيا يأكلون منها ويتمتعون ولم تعطنا ذلك، فأعطناه في الآخرة. فقال: وعزتي وجلالي، لا أجعل ذرّية من خلقت بيدي كمن قلت له كن فكان. ورووا عن أبى هريرة أنه قال: لمؤمن أكرم على الله من الملائكة الذين عنده. ومن ارتكابهم أنهم فسروا كثِيراً) بمعنى «جميع» في هذه الآية،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ربنا إنك أعطيت بني آدم الدنيا يأكلون منها ويتمتعون) الحديث، نحوه رواه محيي السنة في "المصابيح"، وفي "المعالم": وروى شيخي في "المعتمد"، والبيهقي في "شُعب الإيمان"، عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لما خلق الله آدم وذريته قالت الملائكة: يا رب، خلقتهم يأكلون ويشربون وينكحون ويركبون، فاجعل لهم الدنيا ولنا الآخرة. قال الله تعالى: لا أجعلُ من خلقته بيدي ونفخت فيه من رُوحي كمن قلت له: كن، فكان". وأما الحديث الآخر فقد رواه ابن ماجه، عن أبي هريرة، يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المؤمن أكرم على الله من بعض ملائكته".

قوله: (فسروا "كثيراً" بمعنى: جميع) قال محيي السنة: وظاهر الآية أنه فضلهم على

ص: 340

وخذلوا حتى سلبوا الذوق

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كثير ممن خلقه، لا على الكل، وقال قومٌ: فضلوا على جميع الخلق وعلى الملائكة كلهم، وقد يوضع الأكثر موضع الكل، كما قال تعالى:(هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ) إلى قوله: (وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ)[الشعراء: 221 - 223]، وفسر المصنف في قوله:(وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنّاً)[يونس: 36] الأكثر: بالجميع.

قوله: (سبوا الذوق)، أراد بالذوق: ما تجده نفس الفطن الذكي من التفاوت بين اللفظين، ووضع جميع موضع كثير، فإن هذا التركيب من باب تعليق الحكم بإحدى صفتي الذات للدلالة على نفي الحكم عما عداه، ومعناه: أنه حصل في المخلوقات ما لا يكون الإنسان أفضل منه، وهم الملائكة، وهذا تقدير الإمام، وإلا فأي فائدة في العدول من لفظ الكل والجميع إليه؟

ونحوه ما رُوي عن أبي عبيدة - وهو من علماء العربية- أنه قال في مثل قولهم: الميتُ اليهودي لا يُبصر، أنه يتبادر منه إلى الفهم أن الميت المسلم يبصر، ولذلك يتعجب ويضحك منه كل أحد، وألا لم يكن لذلك الضحك والتعجب وجه.

ولعل إحالته إلى الذوق تعريض بأصحابه الذين منعوا القول بالمفهوم، فنقول: الظاهر أن المفضل عليه كثيرٌ، و (مِمَّنْ خَلَقْنَا): بيان له، وفي الحقيقة بالعكس على ما سبق في قوله تعالى:(كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنْ اللَّيْلِ مُظْلِماً)[يونس: 27]، قال: عامل (مُظْلِماً)

ص: 341

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(أُغْشِيَتْ) من قبل أن (مِنْ اللَّيْلِ): صفة لقوله: (قِطَعاً)، فكان إفضاؤه إلى الموصوف كإفضائه إلى الصفة.

وحققه شيخي المغفور [له] أمين الدين الشرفشاهي بأن قال: إن نسبة (أُغْشِيَتْ) إلى (قِطَعاً) إنما هي باعتبار ذاتها المبهمة المفسرة بالليل، لا باعتبار مفهوم القطع في نفسها، وإنما ذُكرت لبيان مقدار ما أغشيت به، وهو الليل، كما إذا قيل: اشتريت أرطالاً من الزيت، فإن المشترى الزيت، والأرطال مبينة لمقدار ما اشترى، وهاهنا المفضل عليه ممن (خَلَقْنَا) و (كَثِيرٍ) مبينٌ لمقدار كميته، وعليه قولك: رأيت أسداً منك، على التجريد، فإن المرئي المخاطب، والأسد: لبيان كيفية حال المرئي من الجرأة والشجاعة، ولا شك أن (مِمَّنْ خَلَقْنَا) متناولٌ لمن يعقلُ من المخلوقات، وهو منحصر في الملائكة والثقلين، وخرج منه بنو آدم؛ لأن الشيء لا يُفضل على نفسه، فيبقى الملائكة والجن.

فظهر أن فائدة استجلاب الوصف ليس إلا لبيان كمية المفضل عليه الذي يقتضيه مقام المدح للمفضل، فلا يحمل على المفهوم، نحو:"في سائمة الغنم زكاة"، إذ لا فائدة فيه للوصف سوى التخصيص.

وأما كونُ المقام مقام مدحٍ فإن الآية أُخرجت مخرج القسيمة، وكرر فيها ما يُنبئ عن غاية المدح من ذكر الكرامة والتفضيل وتسخير الأشياء على سبيل الترقي، كأنه قيل:(وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) برامة أبيهم، ثم سخرنا لهم الأشياء (وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ)، ثم فضلناهم تفضيلاً أي تفضيل، ولهذا عقب بها قوله:(وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا)، وهو لبيان كرامة أبيهم، بجعل سُجود الملائكة المقربين بعد ذكرهم فيه (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا) [البقرة: 30] ن ومن ثم طُرد اللعين حيثُ قاس الفضل بالعقل وامتنع عن السجود

ص: 342

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الذي يدُل على فضله وكرامته، وما توسطت بينهما من الآيات كالاستطراد والاعتراض يدل عليه الاتفاق بين قوله:(وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ)، وقوله:(رَبُّكُمْ الَّذِي يُزْجِي لَكُمْ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ)[الإسراء: 66] كما بين هذه الكرامة والكرامة بالسجود. ويعضده الحديث المروي عن جابر كما مر.

هذا على أن يكون (مِن) بياناً، وإذا جُعل تبعيضاً كان (مِمَّنْ خَلَقْنَا): بدلاً، أي: فضلناهم على بعض المخلوقين، وذكرُ البعض في هذا المقام يدل على تعظيم المفضل عليه، كما سبق في قوله تعالى:(وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ)[الأنعام: 165]، وأي مدح لبني آدم وإثبات للفضل والكرامة بالجملة القسمية، إذ جُعلوا مفضلين على الشياطين والجن؟ على أن صفة الكثرة، إذا جُعلت مخصصة لإخراج البعض، كانت بالملائكة أولى من الجن والشياطين؛ لأنهم هم الموصوفون بالكثرة، وإليه ينظرُ قول صاحب "التقريب".

ثم يحتمل أن يُراد بـ (كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا): الملائكة، إذ هم كثيرٌ من العقلاء المخلوقين. روينا عن الترمذي، عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني أرى ما لا ترون، وأسمعُ ما لا تسمعون، أطتِ السماء وحُق لها أن تئط، ما فيها موضعُ أربع أصابع إلا وملكٌ واضعٌ جبهته لله ساجداً"، الحديث.

وذكر شيخُنا شيخُ الإسلام في كتاب "الرشف"، أنه ورد أن البيت المعمور يطوفُ به كل يوم سبعون ألفاً لا يعودون إليه إلى يوم القيامة. وورد أن كل قطرةٍ تنزلُ منَ

ص: 343

فلم يحسوا ببشاعة قولهم: وفضلناهم على جميع ممن خلقنا، على أن معنى قولهم «على جميع ممن خلقنا» أشجى لحلوقهم وأقذى لعيونهم، ولكنهم لا يشعرون. فانظر إلى تمحلهم وتشبثهم بالتأويلات البعيدة في عداوة الملأ الأعلى، كأنّ جبريل عليه السلام غاظهم حين أهلك مدائن قوم لوط، فتلك السخيمة لا تنحل عن قلوبهم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

السحاب إلى الأرض يصحبها ثلاثة أملاكن فظهر أن ليس المراد من قولنا: "فُضلوا على الجميع"، أنه وضع "الكثير" موضع "الجميع" في التلاوة ليلزم البشاعة التي ذكرها، بل الجميع لازم المعنى.

وأما قوله: (أشجى لحلوقهم) فلعل مراده أنهم إنما فروا من دلالة المفهوم وفسروا "الكثير" بـ"الجميع" لئلا يلزم فضلُ الملائكة عليهم، لكن لزمهم من هذا ما هو أفظع منه، وهو فضل الحدادين والحياكين، بل الكافرين، على النفوس الطاهرة الزكية.

وأجيب عنه: أنه كما لا يلزم من قولنا: "الرجال أفضل من النساء" فضلُ كل فردٍ على كل فرد، كذلك لا يلزم ذلك. وفي حديث أبي هريرة:"المؤمن أكرمُ على الله من بعض الملائكة"، إشارة إلى تفضيل الآية، وحديث جابر، وهو ما قيل: خواص الإنسان مثل الأنبياء أفضلُ من خواصهم، وبعضُ عوام الإنسان من المؤمنين أفضل من عوامهم، والله أعلم.

قوله: (السخيمة)، أي: الضغينة والموجدة في النفس. قاله الجوهري.

ص: 344

[(يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً)].

قرئ) نَدْعُوا)، بالياء والنون. (ويدعى كل أناس)، على البناء للمفعول. وقرأ الحسن: يدعوا كل أناس، على قلب الألف واوا في لغة من يقول: افعوا. والظرف نصب بإضمار اذكر. ويجوز أن يقال: إنها علامة الجمع، كما في (وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا)] الأنبياء: 3 [والرفع مقدّر كما في: (يدعى)] الصف: 7 [، ولم يؤت بالنون، قلة مبالاة بها، لأنها غير ضمير، ليست إلا علامة ب (ِإِمامِهِمْ) بمن ائتموا به من نبي أو مقدّم في الدين، أو كتاب، أو دين، فيقال: يا أتباع فلان، يا أهل دين كذا وكتاب كذا. وقيل: بكتاب أعمالهم، فيقال: يا أصحاب كتاب الخير، ويا أصحاب كتاب الشرّ. وفي قراءة الحسن: بكتابهم. ومن بدع التفاسير: أن الإمام جمع (أمّ)، وأن الناس يدعون يوم القيامة بأمهاتهم، وأن الحكمة في الدعاء بالأمهات دون الآباء رعاية حق عيسى

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (قرئ: (نَدْعُوَا)، بالياء والنون) بالنون: السبعة، وبالياء: شاذ.

قوله: (وقرأ الحسن: "يُدعَو")، أي: بضم الياء وفتح العين، قال ابن جني: هذا على لغة من أبدل الألف في الوصل واواً، نحو:"أفعو" و"حُبلو"، ذكر ذلك سيبويه، وأكثر هذا القلب إنما هو في الوقف؛ لأن الوقف من مواضع التغيير، وهو أيضاً في الوصل محكي على حاله في الوقف. ومنهم من يبدلها ياء.

قوله: (ولم يؤت بالنون؛ قلة مبالاة بها، لأنها غير ضمير). قال صاحب "التقريب": وفيه نظرٌ، لأنها علامة الرفع، ولا موجب لحذفها.

قوله: (ومن بدع التفاسير: أن "الإمام" جمعُ "أمُ")، روى محيي السُّنة، عن محمد بن كعب (بِإِمَامِهِمْ): الإمامُ: جمعُ أمٍّ، كخُف وخفافٍ، وفيه ثلاثة أوجه من الحكمة، أحدها:

ص: 345

عليه السلام، وإظهار شرف الحسن والحسين، وأن لا يفتضح أولاد الزنا. وليت شعري أيهما أبدع؟ أصحة لفظه أم بهاء حكمته؟ (فَمَنْ أُوتِيَ) من هؤلاء المدعوّين (كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ) قيل أولئك، لأن من أوتى في معنى الجمع. فإن قلت: لم خص أصحاب اليمين بقراءة كتابهم؟ كأن أصحاب الشمال لا يقرؤن كتابهم. قلت:

بلى، ولكن إذا اطلعوا على ما في كتابهم، أخذهم ما يأخذ المطالب بالنداء على جناياته، والاعتراف بمساويه، أما التنكيل به والانتقام منه، من الحياء والخجل والانخزال، وحبسة اللسان، والتتعتع، والعجز عن إقامة حروف الكلام، والذهاب عن تسوية القول، فكأن قراءتهم كلا قراءة. وأما أصحاب

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لأجل عيسى عليه السلام، والثاني: لشرف الحسن والحسين، والثالث: لئلا يُفتضح أولادُ الزنى.

الانتصاف: وأما بدع لفظه، فإن جمع الأم المعروف: أمهات، وأما رعاية عيسى بذكر أمهات الخلائق لذكر أمه، فيوهم أن خلق عيسى من غير أب غضٌّ من منصبه، وهو عكس الحقيقة، بل ذلك ذكرٌ له وشرف.

قوله: (ما يأخذ المُطالب)، وهو بفتح اللام، وفاعل "يأخذ" ضميرٌ يرجع إلى "ما"، و"مِن" في "مَن الحياء" بيانُ "ما" الثانية، والباء في "بالنداء" سببية متعلقة بـ"يأخذ"، و"أمام التنكيل" ظرفُ "يأخذُ"، المعنى: يأخذهم الخجل والانخزال وحبسة اللسان أخذاً مثل أخذ من طولب بجناياته ومساوئه وأوقف بين يدي جبار من الجبابرة، فيأخذه الحياء والخجل والحبسة بسبب النداء على جناياته، وبسبب اعترافه بمساوئه، والحال أنه مشاهد لتهيؤ أسباب نكاله وهلاكه.

ص: 346

اليمين فأمرهم على عكس ذلك، لا جرم أنهم يقرؤن كتابهم أحسن قراءة وأبينها، ولا يقنعون بقراءتهم وحدهم حتى يقول القارئ لأهل المحشر:(هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ)[الحاقة: 19]. (وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا) ولا ينقصون من ثوابهم أدنى شيء، كقوله (وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً)، (فَلا يَخافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً) [طه: 112].

[(وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلاً)].

معناه: ومن كان في الدنيا أعمى، فهو في الآخرة أعمى كذلك (وَأَضَلُّ سَبِيلًا) من الأعمى. والأعمى مستعار ممن لا يدرك المبصرات لفساد حاسته، لمن لا يهتدي إلى طريق النجاة: أما في الدنيا فلفقد النظر. وأما في الآخرة، فلأنه لا ينفعه الاهتداء إليه، وقد جوزوا أن يكون الثاني بمعنى التفضيل ومن ثم قرأ أبو عمرو الأوّل مما لا، والثاني مفخماً لأن أفعل التفضيل تمامه بمن، فكانت ألفه في حكم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ولا ينقصون من ثوابهم أدنى شيء)، الراغب: الفتيل: المفتول، وسُمي ما يكون في شق النواة فتيلاً لكونه على هيئته، وقيل هو ما تفتله بين أصابعك من خيط أو وسخ، ويُضرب به المثل في الشيء الحقير.

قوله: (ومن ثم قرأ أبو عمرو الأول ممالاً، والثاني مفخماً)، قال الزجاج:(فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى) وهذا من عمى القلب، أي: هو في الآخرة أشد عمى.

وقال أبو علي في "الحجة": وأما قراءة أبي عمرو: (أَعْمَى) الأول ممالاً والثاني مفخماً، فإنه يجوز أن لا يجعل الثاني عبارة عن العيوب في الجارحة، ولكنه جعله من

ص: 347

الواقعة في وسط الكلام، كقولك: أعمالكم وأما الأوّل فلم يتعلق به شيء، فكانت ألفه واقعة في الطرف معرضة للإمالة.

[(وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَإِذاً

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

باب: أبله من فلان، فجاز أن يكون فيه: أفعَل من كذا، وإن لم يُجز أن يُقال ذلك في المصاب ببصره، فإذا جعله كذلك لم يقع الألف في آخر الكلمة؛ لأن آخرها هو من كذا، وإنما تحسن الإمالة في الأواخر، وقد حُذف من أفعل الذي هو للتفضيل، الجار والمجرور، وهما مرادان في المعنى مع الحذف، كقوله تعالى:(يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى)[طه: 7]، أي: أخفى من السر، كذلك قوله:(أَعْمَى)، أي: أعمى منه في الدنيا، ومعنى العمى في الآخرة: أنه لا يهتدي إلى طريق الثواب، ويؤكد لك ظاهر ما عُطف عليه من قوله:(وَأَضَلُّ سَبِيلاً)، فكما أن هذا لا يكون إلا على أفعل، كذلك المعطوف عليه، ومعنى (وَأَضَلُّ سَبِيلاً) في الآخرة أن ضلاله في الدنيا قد كان يُمكن الخروجُ منه، وضلاله في الآخرة لا سبيل له إلى الخروج منه.

قال صاحب "الانتصاف": هذه الآية قسيمةٌ، لقوله:(فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ)[الإسراء: 71]، فهو يتبصره ويقرؤه، ومن كان في الدنيا أعمى غير متبصر ولا ناظر في معاده فهو في الآخرة غير متبصر في كتابه، بل أعمى عنه أو أشد عمى على اختلاف التأويلين، فعلى هذا لا يكون قول المصنف:"لم خص أصحاب اليمين بقراءة كتابهم متوجها؟ ".

وقال القاضي: وتعليق القراءة بإيتاء الكتاب باليمين يدل على أن من أوتي كتابه بشماله إذا اطلع على ما فيه غشيهم من الخجل والحيرة ما يحبس ألسنتهم عن القراءة، ولذلك لم يذكرهم مع أن قوله تعالى:(وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى) أيضاً مُشعرٌ بذلك، فإن الأعمى لا يقرأ الكتاب.

ص: 348

لاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً * وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً* إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً)].

روى أنّ ثقيفاً قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: لا ندخل في أمرك حتى تعطينا خصالا نفتخر بها على العرب: لا نعشر، ولا نحشر، ولا نجبى في صلاتنا، وكل ربا لنا فهو لنا، وكل ربا علينا فهو موضوع عنا، وأن تمتعنا باللات سنة، ولا نكسرها بأيدينا عند رأس الحول، وأن تمنع من قصد وادينا وجّ فعضد شجره، فإذا سألتك العرب: لم فعلت ذلك؟ فقل: إن الله أمرني به، وجاءوا بكتابهم فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم: هذا كتاب من محمد رسول الله لثقيف: لا يعشرون ولا يحشرون، فقالوا: ولا يجبون. فسكت

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (لا نُعشر، ولا نحشر، ولا نجبي)، النهاية: في الحديث: "أن وفد ثقيف اشترطوا أن لا يُحشروا ولا يُعشروا ولا يُجبوا"، أي: لا يؤخذ عُشر أموالهم. وقيل: أرادوا به الصدقة الواجبة، وإنما فسح لهم في تركها لأنها لم تكن واجبة يومئذ عليهم، وإنما تجب بتمام الحول، وسُئل جابر عن اشتراط ثقيف أن لا صدقة عليهم، ولا جهاد، فقال: علم أنهم سيتصدقون ويجاهدون إذا أسلموا وقال: يجوز أن يُسمى آخذُ ما يجب على المسلمين من ربع العُشر: عاشراً، لإضافة ما يأخذه إلى العشر ونصف العشر، كيف وهو يأخذ العشر جميعه، وهو زكاة ما سقته السماء؟

وقوله: "ولا يُحشروا"، أي: لا يندبوا إلى المغازي ولا تُضرب عليهم البعوث.

قوله: (ولا نُجبي)، النهاية: أصل التجبية: أن يقوم الإنسان قيام الراكع، وقيل: هو أن يضع يديه على ركبتيه وهو قائم، وقيل: هو السجود، والمراد: لا يُصلون، ولفظ الحديث يدل على الركوع، لقوله في جوابهم "لاخير في دين ليس فيه ركوع"، فسمى الصلاة ركوعاً، لأنه بعضها.

ص: 349

رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قالوا للكاتب: اكتب: ولا يجبون، والكاتب ينظر إلى رسول الله، فقام عمر بن الخطاب رضي الله عنه فسل سيفه وقال: أسعرتم قلب نبينا يا معشر ثقيف أسعر الله قلوبكم نارا، فقالوا: لسنا نكلم إياك، إنما نكلم محمدا فنزلت. وروى أنّ قريشا قالوا له: اجعل آية رحمة آية عذاب، وآية عذاب آية رحمة، حتى نؤمن بك. فنزلت (وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ) إن مخففة من الثقيلة، واللام هي الفارقة بينها وبين النافية. والمعنى: أن الشأن قاربوا أن يفتنوك أي يخدعوك فاتنين (عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ) من أوامرنا ونواهينا ووعدنا ووعيدنا (لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا) لتقول علينا ما لم نقل، يعنى ما أرادوه عليه من تبديل الوعد وعيدا والوعيد وعدا، وما اقترحته ثقيف من أن يضيف إلى الله ما لم ينزله عليه (وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ) أي ولو اتبعت مرادهم لاتخذوك (خَلِيلًا) ولكنت لهم وليا وخرجت من ولايتي (وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ) ولولا تثبيتنا لك وعصمتنا (لقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ) لقاربت أن تميل إلى خدعهم ومكرهم، وهذا تهييج من الله له وفضل تثبيت، وفي ذلك لطف للمؤمنين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (لسنا نُكلمُ إياك)، بالياء تحتها نقطتان، ويروى:"أباك"، بالباء الموحدة، أي: لسنا نُكلم أباك حتى تتعصب لهن ولعل وجه فصل الضمير المنصوب للإبهام والتبيين تأكيداً، ولذلك قالوا: إنما نكلمُ محمداً.

قوله: (أي: يخدعوك فاتنين)، إشارة إلى أن قوله:(لَيَفْتِنُونَكَ)، مضمن معنى الخداع ومُعدى تعديته.

قوله: (ما أداروه عليه)، أي: على الافتراء والتقول، والضمير في "عليه": لـ"ما"، والمنصوب لرسول الله صلى الله عليه وسلم. و"ما" عبارةٌ عن الافتراء والتقول، أي: أداروا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الافتراء.

الأساس: ومن المجاز: أدرته على هذا الأمر: حاولتُ منه أن يفعله، وأدرته عنه: حاولت منه أن يتركه.

ص: 350

(إِذاً) لو قاربت تركن إليهم أدنى ركنة (لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ) أي لأذقناك عذاب الآخرة وعذاب القبر مضاعفين. فإن قلت: كيف حقيقة هذا الكلام؟ قلت: أصله لأذقناك عذاب الحياة وعذاب الممات، لأن العذاب عذابان: عذاب في الممات وهو عذاب القبر، وعذاب في حياة الآخرة وهو عذاب النار. والضعف يوصف به، نحو قوله (فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ) بمعنى مضاعفا، فكان أصل الكلام: لأذقناك عذابا ضعفا في الحياة، وعذابا ضعفا في الممات ثم حذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه وهو الضعف. ثم أضيفت الصفة إضافة الموصوف فقيل:(ضعف الحياة وضعف الممات)، كما لو قيل: لأذقناك أليم الحياة وأليم الممات. ويجوز أن يراد بضعف الحياة: عذاب الحياة الدنيا، وبضعف الممات: ما يعقب الموت من عذاب القبر وعذاب النار. والمعنى: لضاعفنا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: ((إذاً)، لو قاربت تركن إليهم أدنى ركنة (لأَذَقْنَاكَ))، وهو صريح في أنه صلى الله عليه وسلم ما هم بإجابتهم مع قوة الداعي إليها، ودليل على أن العصمة بتوفيق الله وحفظه.

قوله: (ويجوز أن يُراد بضعف الحياة: عذاب الحياة الدنيا)، الفرق بين هذا الوجه والوجه الأول بعد إجراء الضعف على المضاعفة أن عذاب الممات في الأول عذاب القبر، وعذاب الحياة في الآخرة وهنا المراد بعذاب الممات عذاب القبر، وبعذاب الحياة: عذابُ الحياة الدنيا"، قال القاضي: أي: عذبناك ضعف ما نُعذب به في الدارين بمثل هذا الفعل غيرك؛ لأن خطأ الخطير أخطر. وقيل: الضعفُ من أسماء العذاب.

الراغب: الضعف من الألفاظ المتضايفة التي يقتضي وجودُ أحدهما وجود الآخر، كالنصف والزوج، وهو تركب زوجين متساويين، ويختص بالعدد، فإذا قيل: أضعفت

ص: 351

لك العذاب المعجل للعصاة في الحياة الدنيا، وما نؤخره لما بعد الموت. وفي ذكر الكيدودة وتقليلها، مع إتباعها الوعيد الشديد بالعذاب المضاعف في الدارين - دليل بين على أن القبيح يعظم قبحه بمقدار عظم شأن فاعله وارتفاع منزلته، ومن ثم استعظم مشايخ العدل والتوحيد رضوان الله عليهم نسبة المجبرة القبائح إلى الله - تعالى عن ذلك علوا كبيرا - وفيه دليل على أن أدنى مداهنة للغواة مضادة لله وخروج

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الشيء وضعفته وضاعفته: ضممت إليه مثله فصاعداً، قال بعضهم: ضاعفت أبلغ من ضعفت، ولهذا قرأ أكثرهم:(يُضَاعَفْ)[الأحزاب: 30]، وقال تعالى:(مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا)[الأنعام: 160]، فالمضاعفة على قضية هذا القول تقتضي أن يكون عشر أمثالها. وقيل: ضعفته، - بالتخفيف- ضعفاً، فهو مضعوفٌ، فالضعف مصدرٌ، والضعف: اسم كالثني والثني، فضعفُ الشيء هو الذي يثنيه، ومتى أضيف إلى عددٍ اقتضى ذلك العدد ومثله، نحو أن يُقال: ضعفُ العشرة، فذلك عشرون بلا خلاف، وإذا قيل: أعطهِ ضعفي واحد، فإن ذلك اقتضى الواحد ومثليه، وذلك ثلاثة؛ لأن معناه: الواحد واللذان يزاوجانه، هذا إذا كان الضعف مضافاً، فأما إذا لم يكن مضافاً، فقلت: الضعفين، فإن ذلك يجري مجرى الزوجين في أن كلا منهما يزاوج الآخر فيقتضي ذلك اثنين؛ لان كلاً منهما يضاعف الآخر، فلا يخرجان عن الاثنين، بخلاف ما إذا أضيف الضعفان إلى واحدٍ فيثلثهما، نحو: ضعفي الواحد، قال الله تعالى:(فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ)[سبأ: 37].

قوله: (وفي ذكر الكيدودة وتقليلها)، إلى قوله:(دليل بينٌ على أن القبيح يعظم قبحه بمقدار عم شأن فاعله، ومن ثم استعظم مشايخ العدل نسبة المجبرة القبائح إلى الله تعالى)، الانتصاف: أما تقليلُ الكيدودة فيحمل على كون الله تعالى يعلمُ ما لم يكن لو كان كيف يكون، فعلم تعالى أن الركون الذي كاد يحصل لو كان قليلاً فهو عظيم، وهو خبر

ص: 352

عن ولايته، وسبب موجب لغضبه ونكاله. فعلى المؤمن إذا تلا هذه الآية أن يجثو عندها ويتدبرها، فهي جديرة بالتدبر، وبأن يستشعر الناظر فيها الخشية وازدياد التصلب في دين الله. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنها لما نزلت كان يقول:«اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين» .

[(وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً* سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلاً)].

(وَإِنْ كادُوا) وإن كاد أهل مكة (لَيَسْتَفِزُّونَكَ) ليزعجونك بعداوتهم ومكرهم مِنَ الْأَرْضِ من أرض مكة وَإِذاً لا (يَلْبَثُونَ) لا يبقون بعد إخراجك (إِلَّا) زمانا (قَلِيلًا) فإن الله مهلكهم وكان كما قال، فقد أهلكوا ببدر بعد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عن الواقع في علمه، فلا يليق حمله على المبالغة، فإنها لا تليق في الأخبار، فإنه لو كان الواقع كيدودة ركون كثير، كان تقليله خُلفاً في الخبر، والذنبُ يعظمُ بحسب فاعله. وأما تعظيم مشايخ المعتزلة نسبة القبائح إلى الله تعالى فقد استعظموا عظيماً، ولكن جهلوا في اعتقادهم القبح وصفاً ذاتياً للقبيح، وكل ما استقبحوه من العبد استقبحوه من الله تعالى، والقبيح عندنا: ما نهى الله عنه، ولله عز وجل أن يفعله، لا يُسأل عما يفعلُ، فالملكُ يستقبح من عبده أن يجلس على كرسي الملك، ولا يقبح ذلك منه، ولقد كان لمشايخه شُغلٌ بما لزمهم من الإشراك عن هذان لكن زين لهم سوء اعتقادهم فرأوه حسناً.

في أول كلامه نظر، وفي قول المصنف- أعني:"وفي ذكر الكيدودة وتقليلها"- إشكالٌ؛ لأن (شَيْئاً قَلِيلاً) مصدر (تَرْكْنُ) ظاهر، فيلزم التقليل فيه لا في الكيدودة، ويمكن أن يُقال: إن "كاد" لما كانت لمقاربة الخبر في الوجود فجُعلت القلة التي في الخبر فيها مجازاً.

قله: ((إلا) زماناً (قَلِيلاً))، اعلم أن إخراج الكفار رسول الله صلى الله عليه وسلم يحتملُ وجوها

ص: 353

إخراجه بقليل. وقيل: معناه ولو أخرجوك لاستؤصلوا عن بكرة أبيهم. ولم يخرجوه، بل هاجر بأمر ربه. وقيل: من أرض العرب. وقيل: من أرض المدينة، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هاجر حسدته اليهود وكرهوا قربه منهم، فاجتمعوا إليه وقالوا: يا أبا القاسم، إن الأنبياء إنما بعثوا بالشام وهي بلاد مقدّسة وكانت مهاجر إبراهيم، فلو خرجت إلى الشام لآمنا بك واتبعناك، وقد علمنا أنه لا يمنعك من الخروج إلا خوف الروم، فإن كنت رسول الله فالله مانعك منهم، فعسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم على أميال من المدينة وقيل بذي الحليفة، حتى يجتمع إليه أصحابه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

من التأويل بحسب تفسير الأرض، فإذا فُسرت بأرض مكة فالتأويل على وجهين: أحدهما: أن (قَلِيلاً): صفة موصوفٍ محذوف، فقد حصل الإخراج وعدم لُبثهم وهلاكهم بعد حقيقة، وهو المراد من قوله:"فقد أهلكوا ببدرٍ بعد إخراجه بقليل"، وأن (قَلِيلاً) يعني العدم، كقوله تعالى:(قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ)[الحاقة: 41] وإليه الإشارة بقوله: "لاستؤصلوا عن بكرة أبيهم"، لكن لم يحصل الإخراج على الحقيقة، ولذلك لم يحصل هذا الاستئصال، وإذا فُسرت بأرض العرض فلم يحصل هذا الإخراج لا حقيقة ولا مجازاً، فلم يحصل الاستئصال أيضاً، وإذا فُسرت بأرض المدينة يعود معنى القليل على التقديرين.

قوله: (لاستؤصلوا عن بكرة أبيهم)، قال الميداني: أصلُ المثل: "جاءوا على بكرة أبيهم"، قال أبو عبيد: أي: جاءوا جميعاً لم يتخلف منهم أحدٌ، وليس هناك بكرةٌ في الحقيقة، والبكرة تأنيث البكر، وهو الفتى من الإبل، وقيل: البكرة هاهنا: التي يُستقى عليها، أي: جاءوا بعضهم على أثر بعض كدوران البكرة على نسق واحد لم ينقطع. والبكرة إذا كانت لأبيهم اجتمعوا عليها مستقين لا يمنعهم عنها أحدٌ، فشبه اجتماع القوم في المجيء باجتماع أولئك على بكرة أبيهم.

ص: 354

ويراه الناس عازما على الخروج إلى الشام لحرصه على دخول الناس في دين الله، فنزلت، فرجع. وقرئ: لا يلبثون. وفي قراءة أبىّ: لا يلبثوا على إعمال «إذا» . فإن قلت: ما وجه القراءتين؟ قلت: أما الشائعة فقد عطف فيها الفعل على الفعل، وهو مرفوع لوقوعه خبر كاد، والفعل في خبر كاد واقع موقع الاسم. وأما قراءة أبىّ ففيها الجملة برأسها التي هي (إذا لا يلبثوا)، عطف على جملة قوله:(وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ). وقرئ: (خلافك). قال: ......

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (أما الشائعة)، يعني: القراءة المشهورة، وهي (لا يَلْبَثُونَ) بإثبات النون: مرفوعٌ، عطفٌ على (لَيَسْتَفِزُّونَكَ): خبر كاد، وهو مرفوعٌ، نحو: كاد زيدٌ يخرجُ، وفي "المفصل": خبرها مشروطٌ فيه أن يكون فعلاً مضارعاً، متأولاً باسم الفاعل. قال ابن الحاجب: إنما شرط أن يكون فعلاً مضارعاً، للتنبيه على أنه المقصود بالقرب، فعلى هذا:(إذاً) واقعةٌ في أثناء الكلام، لا جواب لها، لأن (إذاً) لا تعملُ إذا كان معتمداً ما بعدها على ما قبلها، قال أبو البقاء: وإثبات النون إلغاء (إذاً)؛ أن الواو العاطفة تُصير الجملة مختلطة بما قبلها، فتكون (إذاً) حشواً.

قوله: (الجملة برأسها) إلى قوله: (عطفٌ على جملة قوله: (وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ)، قال نور الدين الحكيم: فيه نظرٌ؛ لأنه على هذا التقدير لا يتحقق معنى قول سيبويه: إذاً: جوابٌوجزاء. قلت: ولا يمكنُ أن يُفهم كونه جواباً وجزاءً من حيث المعنى، نحو: وإذا كان كذلك إذاً لا يلبثوا.

قوله: (وقرئ: (خِلافَكَ))، قال القاضي: قرأ ابن عامرٍ وحمزة والكسائي ويعقوب

ص: 355

عفت الدّيار خلافهم فكأنّما

بسط الشّواطب بينهنّ حصيرا

أي بعدهم (سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا يعنى أن كل قوم أخرجوا رسولهم من بين ظهرانيهم، فسنة الله أن يهلكهم، ونصبت نصب المصدر المؤكد، أي: سن الله ذلك سنة.

[(أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً* وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً)].

دلكت الشمس: غربت. وقيل: زالت. وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم: أتاني جبريل عليه السلام لدلوك الشمس حين زالت الشمس، فصلى بى الظهر. واشتقاقه من الدلك،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وحفصٌ: (خِلافَكَ)، وهو لغةٌ.

قوله: (عفت الديار خلافهم)، البيت، "عفت": اندرست، "خلافهم": بعدهم، "الشواطبُ": النساءُ اللواتي يشتققن الجريد ليُعمل منه الحُصر، والشطبُ: سعفُ النخل الأخضر. يصفُ دروس ديار الأحباب بعدهم، وأنها غير مسكونة، كأنما بُسط فيها سُعفُ النخل.

قوله: (دلكت الشمسُ: غربت)، الراغب: دُلوكُ الشمس: ميلها إلى الغروب، وهو من قولهم: دلكت الشمس: دفعتها بالراح، ومنه: دلكتُ الشيء في الراحة، ودالكت الرجل: إذا ماطلته، والدلوك: ما دلكته من طيب، والدليك: طعامٌ يتخذ من زُبدٍ وتمر.

ص: 356

لأن الإنسان يدلك عينه عند النظر إليها، فإن كان الدلوك الزوال فالآية جامعة للصلوات الخمس، وإن كان الغروب فقد خرجت منها الظهر والعصر. والغسق: الظلمة، وهو وقت صلاة العشاء (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ) صلاة الفجر، سميت قرآنا وهو القراءة، لأنها ركن، كما سميت ركوعاً وسجوداً وقنوتاً. وهي حجة على ابن علية والأصم في زعمهما أن القراءة ليست بركن (مَشْهُوداً) يشهده ملائكة الليل

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وهي حجةٌ على ابن عُلية والأصم

أن القراءة ليست برُكن) في صلاة الفجر، قال القاضي: واستدل به على وجوب القراءة فيها، ولا دليل فيه لجواز أن يكون التجوز؛ لكونها مندوبة فيها، نعم، لو فسرنا بالقراءة في صلاة الفجر، دل الأمر بإقامتها على الوجوب فيها نصاً، وفي غيرها قياساً.

والجواب عن الأول: أنه لو لم تكن ركناً لم يجز إطلاقه عليها، كالركوع والسجود والقيام؛ لأنه من باب إطلاق معظم الشيء على كله. والمندوب ليس كذلك.

والجواب عن الأول: أنه لو لم تكن رُكناً لم يجز إطلاقه عليها، كالركوع والسجود والقيام؛ لأنهُ من باب إطلاق مُعظم الشيء على كله. والمندوب ليس كذلك.

وقال أبو البقاء: (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ) فيه وجهان: أحدههما: هو معطوفٌ على (الصَّلاةَ)، أي: وأقم الصلاة صلاة الفجر، وعليه قوله: سُميت صلاةُ الفجر قُرآنا، لأنها رُكن. وثانيهما: هو على الإغراء، أي: عليك قرآن الفجر، أو: الزم.

وعليه قوله: "ويجوز أن يكون (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ) حثاً على طول القراءة في صلاة الفجر"، كأنه قيل: الزم قراءة القرآن في صلاة الفجر، أي: القرآن المنسوب إلى الفجر.

ص: 357

والنهار، ينزل هؤلاء، ويصعد هؤلاء، فهو في آخر ديوان الليل وأول ديوان النهار. أو يشهده الكثير من المصلين في العادة. أو من حقه أن يكون مشهوداً بالجماعة الكثيرة. ويجوز أن يكون (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ) حثا على طول القراءة في صلاة الفجر، لكونها مكثوراً عليها، ليسمع الناس القرآن فيكثر الثواب، ولذلك كانت الفجر أطول الصلوات قراءة (وَمِنَ اللَّيْلِ) وعليك بعض الليل (فَتَهَجَّدْ بِهِ) والتهجد ترك الهجود للصلاة، ونحوه التأثم والتحرّج. ويقال أيضا في النوم: تهجد (نافِلَةً لَكَ) عبادة زائدة لك على الصلوات الخمس، وضع (نافلة) موضع (تهجدا)، لأن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (فهو في آخر ديوان الليل وأول ديوان النهار). روى الإمام أحمد بن حنبل في "مسنده"، عن أبي هريرة، في صلاة الفجر وصلاة العصر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يجتمعون في صلاة الفجر فتصعد ملائكة الليل، وتثبت ملائكة النهار، ويجتمعون في صلاة العصر، فيصعد ملائكة النهار وتثبت ملائكة الليل فيسألهم ربهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون".

وفي رواية البخاري ومسلم: قال أبو هريرة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ويجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر"، ثم قال أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً).

قوله: (مكثوراً عليها)، أي: مغلوباً عيها بالكثرة. الجوهري: عن ابن السكيت: فلانٌ مكثور عليه: إذا نفد ما عنده وكثُرت عليه الحقوق.

قوله: (ونحوه التأثم التحرج) أي: ترك الإثم والحرج.

قوله: (وضع (نَافِلَةً) موضع "تَهجُّداً"، أي:(نَافِلَةً): مفعول مطلق، من حيث

ص: 358

التهجد عبادة زائدة فكان التهجد والنافلة يجمعهما معنى واحد. والمعنى أن التهجد زيد لك على الصلوات المفروضة فريضة عليك خاصة دون غيرك، لأنه تطوع لهم (مَقاماً مَحْمُوداً) نصب على الظرف، أي: عسى أن يبعثك يوم القيامة فيقيمك مقاما محمودا. أو ضمن (يبعثك) معنى يقيمك. ويجوز أن يكون حالا بمعنى أن يبعثك ذا مقام محمود. ومعنى المقام المحمود: المقام الذي يحمده القائم فيه، وكل من رآه وعرفه وهو مطلق في كل ما يجب الحمد من أنواع الكرامات. وقيل: المراد الشفاعة، وهي نوع واحد مما يتناوله. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: مقام يحمدك فيه الأولون والآخرون، وتشرف فيه على جميع الخلائق: تسأل فتعطى، وتشفع فتشفع، ليس أحد إلا تحت لوائك. وعن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي وعن حذيفة يجمع الناس في صعيد واحد، فلا تتكلم نفس، فأوّل مدعوّ محمد صلى الله عليه وسلم فيقول:«لبيك وسعديك والشرّ ليس إليك، والمهدىّ من هديت، وعبدك بين يديك وبك وإليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، تباركت وتعاليت، سبحانك رب البيت» قال: فهذا قوله (عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المعنى، وفائدة العُدول ما ذكره: أن التهجد زيدَ لك على الصلاة المفروضة فريضة عليك خاصة.

قوله: (فيقيمك مقاماً محموداً)، قال أبو البقاء: هُو على هذا نصبٌ على المصدر.

قوله: (ليس أحدٌ إلا تحت لوائك)، وفي حديث أبي سعيد عن الترمذي:"وما من نبي يومئذ، آدم فمن سواه، إلا تحت لوائي"، وأما الحديث بطوله فمشهورٌ من رواية أهل هذه الصناعة.

ص: 359

[(وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً)].

قرئ: (مدخل) و (مخرج) بالضم والفتح: بمعنى المصدر. ومعنى الفتح: أدخلني فأدخل مدخل صدق، أي: أدخلني القبر مدخل صدق: إدخالا مرضيا على طهارة وطيب من السيئات، وأخرجني منه عند البعث إخراجاً مرضياً، ملقى بالكرامة، آمنا من السخط، يدل عليه ذكره على أثر ذكر البعث. وقيل: نزلت حين أمر بالهجرة، يريد إدخال المدينة والإخراج من مكة. وقيل: إدخاله مكة ظاهرا عليها بالفتح، وإخراجه منها آمنا من المشركين. وقيل: إدخاله الغار وإخراجه منه سالماً.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: ((مُدْخَل) و (مُخْرَجُ)، بالضم)، القراءة الشائعة، والفتح: شاذ. قال الزجاج: فمن قرأ بضم الميم فهو مصدر "أدخلته مدخلاً"، ومن فتح فهو على: أدخلته فدخل مدخَلَ صدق، وإنما ترك المصنفُ تقدير الضم لأنه ظاهرٌ لا يحتاج إلى تقدير فعلٍ مطابق للمصدر، كما في الفتح.

قوله: (إدخالاً مرضياً على طهارة)، معنى الإضافة في (مُدْخَلَ صِدْقٍ) و (مُخْرَجَ صِدْقٍ) نحو الإضافة في "رجُل صدق" و"رجل سوء"، والصدق إنما هو من أوصاف ذوي العلم، فإذا وُصف غيره كان دالاً على أن ذلك الشيء مرضيٌّ في بابه. قال المصنف في قوله تعالى:(كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ)[الشعراء: 7]: "وصف الزوج من النبات بالكرم، والكرمُ صفة لكل ما يُرضي ويحمد في بابه".

ولما عقب هذه الآية قوله: (عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً) وجب اختصاص الوصف بما يناسب المقام، وكأن ما ذكره، وإليه أشار بقوله:"يدل عليه ذكره على أثر ذكر البعث"، وعلى هذا تجري جميع الوجوه المذكورة من تقدير وصف الإدخال والإخراج في كل مقام بحسب ما يناسبه.

ص: 360

وقيل إدخاله فيما حمله من عظيم الأمر - وهو النبوّة - وإخراجه منه مؤديا لما كلفه من غير تفريط. وقيل: الطاعة. وقيل: هو عام في كل ما يدخل فيه وبلابسه من أمر ومكان (سُلْطاناً) حجة تنصرني على من خالفني، أو ملكا وعزا قويا ناصرا للإسلام على الكفر مظهرا له عليه، فأجيبت دعوته بقوله (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاس)] المائدة: 67 [، (فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ)] المائدة: 56 [، (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ)] التوبة: 33 [، (لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ)] النور: 55 [ووعده لينزعنّ ملك فارس والروم، فيجعله له. وعنه صلى الله عليه وسلم: أنه استعمل عتاب بن أسيد على أهل مكة وقال «انطلق فقد استعملتك على أهل الله» فكان شديدا على المريب، لينا على المؤمن وقال: لا والله لا أعلم متخلفا يتخلف عن الصلاة في جماعة إلا ضربت عنقه، فإنه لا يتخلف عن الصلاة إلا منافق. فقال أهل مكة: يا رسول الله، لقد استعملت على أهل الله عتاب بن أسيد أعرابيا جافياً، فقال صلى الله عليه وسلم:«إنى رأيت فيما يرى النائم كأنّ عتاب بن أسيد أتى باب الجنة، فأخذ بحلقة الباب فقلقلها قلقالاً شديداً حتى فتح له فدخلها، فأعز الله به الإسلام لنصرته المسلمين على من يريد ظلمهم، فذلك السلطان النصير» .

[(وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً)].

كان حول البيت ثلاثمائة وستون صنما صنم كل قوم بحيالهم. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: كانت لقبائل العرب يحجون إليها وينحرون لها، فشكا البيت

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وقيل: هو عامٌ في كل ما يدخل فيه ويُلابسه من أمر ومكان)، هذا أقرب لسباق الكلام وسياقه. أما السباقُ. فكما قال:"يدل عليه ذكره على أثر ذكر البعث"، وأما السياق فعطفُ، (وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي) على (أَقِمْ الصَّلاةَ)، وعطفُ (وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَاناً نَصِيراً) على (أَدْخِلْنِي)، وكل ذلك يقتضي غير واحدةٍ من الحالات والأمكنة.

قوله: (فأجيبت دعوته)، الفاء فصيحة، يعني: أمره الله تعالى بالدعاء، فامتثل أمره ودعا، فأجيبت دعوتُه.

ص: 361

إلى الله عز وجل فقال: أي رب، حتى متى تعبد هذه الأصنام حولي دونك، فأوحى الله إلى البيت: إني سأحدث لك نوبة جديدة، فأملأك خدودا سجدا، يدفون إليك دفيف النسور، يحنون إليك حنين الطير إلى بيضها. لهم عجيج حولك بالتلبية. ولما نزلت هذه الآية يوم الفتح قال جبريل عليه السلام لرسول الله صلى الله عليه وسلم: خذ مخصرتك ثم ألقها، فجعل يأتى صنما صنما وهو ينكت بالمخصرة في عينه ويقول: جاء الحق وزهق الباطل، فينكب الصنم لوجهه حتى ألقاها جميعا، وبقي صنم خزاعة فوق الكعبة وكان من قوارير صفر فقال: يا على، ارم به، فحمله رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صعد فرمى به فكسره، فجعل أهل مكة يتعجبون ويقولون:

ما رأينا رجلا أسحر من محمد صلى الله عليه وسلم. وشكاية البيت والوحي إليه: تمثيل وتخييل.

(وَزَهَقَ الْباطِلُ) ذهب وهلك، من قولهم: زهقت نفسه، إذا خرجت. والحق: الإسلام. والباطل: الشرك (كانَ زَهُوقا):

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (يدفون)، الجوهري: الدفيف: الدبيب، وهو السير اللين.

قوله: (مخصرتك)، الجوهري: المخصرة: كالسوط، وكل ما اختصر الإنسان بيده فأمسكه من عصا ونحوها.

روى الإمام أحمد بن حنبل والبخاري ومسلم والترمذي، عن ابن مسعد: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح وحول البيت ثلاث مئة وستون صنماً، فجعل يطعنها بعود في يده ويقول:(جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً).

وفي "مسند الإمام أحمد بن حنبل"، عن علي رضي الله عنه قال: كان على الكعبة أصنامٌ، فذهبتُ لأحمل النبي صلى الله عليه وسلم فلم أستطع، فحملني فجعلتُ أقطعها، ولو شئتُ لنلتُ السماء.

ص: 362

كان مضمحلا غير ثابت في كل وقت.

[(وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَساراً)].

(وَنُنَزِّلُ) قرئ بالتخفيف والتشديد (مِنَ الْقُرْآنِ) من للتبيين، كقوله:(من الأوثان)] الحج: 30 [.

أو للتبعيض، أي: كل شيء نزل من القرآن فهو شفاء للمؤمنين، يزدادون به إيماناً، ويستصلحون به دينهم، فموقعه منهم موقع الشفاء من المرضى. وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «من لم يستشف بالقرآن فلا شفاه الله ولا يزداد به الكافرون

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (كان مضمحلاً)، الراغب: زهقت نفسه من الأسف على الشيء، قال عز وجل:(وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ) بالتوبة: 55].

قوله: ((وَنُنَزِّلُ) قرأ بالتخفيف: أبو عمرو.

قوله: ("مِن" للتبيين، كقوله: (مِنْ الأَوْثَانِ)[الحج: 30])، يعني:"من القرآن" بيان لمفعول "نُنَزْلُ"، وهو "ما هو شفاءٌ" وحال منه، كما أن (مِنْ الأَوْثَانِ) في قوله:(فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الأَوْثَانِ): حال من الرجس وبيانه، وعلى أن يكون تبعيضاً يكون (مِنْ الْقُرْآنِ): مفعولاً به، و (مَا هُوَ شِفَاءٌ): بدلاً منه، ولذلك قال:"كل شيء نزل من القرآن فهو شفاء" أي: كل حصة ونصيب وبعض.

فالتفسير الأول نازلٌ منزلة الجنس من حيث هوهو، والثاني منزلة الاستغراق، فـ"الكل" في كلام المصنف أفرادي.

قوله: (فموقعه منهم موقع الشفاء من المرضى)، الراغب: إن الله تعالى جعل لنا

ص: 363

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

طِبين: بدنيا ودينياً، وكلٌّ منهما إما إعادة للصحة أو حفظ لها، والطب البدني الذي تُعادُ به الصحة: العقاقير والأدوية، والذي يُحفظ بها الصحة: الغذاء والأطعمة. وأما الطبُّ الديني، فالذي تعودُ به الصحة صقل العقل واستعماله في تدبر الدلالات وتعرف المعجزات ومعرفة النبوات، والقرآن مشحون به، والذي تعود به الصة تدبرُ الكتاب المنزل، وتتبع سنن النبي المرسل، والعمل بمقتضاهما، وعلى ذلك قوله:(وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَاراً).

وقلت: لمح في قوله: "تعود به الصحة" إلى قوله صلوات الله عليه: "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه

" الحديث.

وروينا عن الدارمي، عن قتادة "ما جالس القرآن أحدٌ، فقام إلا بزيادة أو نقصان" ثم قرأ: " وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ) الآية.

وعن الدارمي أيضاً: قال أبو موسى: "إن هذا القرآن كائن لكم أجراً، وكائن لكم ذكراً، وكائن عليكم وزراً، اتبعوا القرآن ولا يتبعكم القرآن، فإنه من يتبع القرآن يهبط

ص: 364

(إِلَّا خَساراً) أي نقصانا لتكذيبهم به وكفرهم، كقوله تعالى:(فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ)[التوبة: 125].

[(وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَؤُساً* قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلاً)].

(وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ) بالصحة والسعة (أَعْرَضَ) عن ذكر الله، كأنه مستغن عنه مستبدّ بنفسه (وَنَأى بِجانِبِهِ) تأكيد للإعراض، لأنّ الإعراض عن الشيء: أن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

به في رياض الجنة، ومن اتبعه القرآن يزخ في قفاه فيقذفه في جهنم". يقال: زخه، أي: دفعه في وهده.

ولما فرغ من بيان علمه شرع في بيان معجزاته صلوات الله عليه، وأنه مما لم يؤت أحدٌ من الأنبياء، قال:(قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَاتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ) الآية، تخلصاً إلى ذكر حديث قومه بقوله:(وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ) الآية، ولهذا أخره عن سائر أنواع الإفضال والإكرام، والله أعلم.

ولما احتوى القرآن علماً ومعجزةً قال صلى الله عليه وسلم: "ما من نبي من الأنبياء إلا أُعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله عز وجل إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة"، أخرجه البخاري ومسلمٌ عن أبي هريرة.

ص: 365

يوليه عرض وجهه. والنأي بالجانب: أن يلوى عنه عطفه ويوليه ظهره، وأراد الاستكبار، لأنّ ذلك من عادة المستكبرين (وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ) من فقر أو مرض أو نازلة من النوازل (كانَ يَؤُساً) شديد اليأس من روح الله (إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ)] يوسف: 87 [. وقرئ: وناء بجانبه، بتقديم اللام على العين، كقولهم «راء» في «رأى» ويجوز أن يكون من «ناء» بمعنى «نهض» (قُلْ) كُلٌّ أحد (يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ) أى على مذهبه وطريقته التي تشاكل حاله في الهدى والضلالة،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (أو أراد الاستكبار)، يريد: قوله: (وَنَأَى بِجَانِبِهِ) إما أن يكون كناية عن الإعراض؛ لأن من يلوي عن الشيء عطفه ويولي ظهره فقد حاول الإعراض عنه، فيكون تأكيداً لمعنى (أَعْرَضَ) ودخلت الواو بين المؤكَّدِ والمؤكّد، وإما أن يكون كناية عن الاستكبار؛ لأن ذلك من عادة المتكبرين، فيكون تكميلاً لكون مفهومه غير مفهوم الإعراض، فقد جمعوا بين الهيئتين.

قوله: (وقرئ: "وناء بجانبه")، قرأها ابن ذكوان.

الراغب: ناء بجانبه ينوء ويناءُ، أي: ينهض، قال تعالى:(مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ)[القصص: 76]، ويقال: ناء بجانبه ينأى نأياً، مثل: نعى: أعرض. قال أبو عبيدة: تباعد، وقرئ:"وفاء بجانبه"، أي: تباعد، ومنه: النؤيُ؛ لحفيرة حول الخباء تُباعد الماء عنه. وقيل: نأي بجانبه مل نعين أي: نهض بهن عبارة عن التكبر كقولك شمخ بأنفه وازور بجانبه، وانتأى: افتعل، منه، والمنتأى: الموضع البعيد.

قوله: (وطريقته التي تُشاكلث حاله في الهدى والضلالة)، إشارة إلى اتصال هذه الآية بقوله:(وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَاراً).

الراغب: على شاكلته، أي: سجيته التي قيدته، من شكلت الدابة، وذلك أن سلطان

ص: 366

من قولهم «طريق ذو شواكل» وهي الطرق التي تتشعب منه، والدليل عليه قوله (فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلًا) أى أسدّ مذهبا وطريقة.

[(وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً)].

الأكثر على أنه الروح الذي في الحيوان. سألوه عن حقيقته فأخبر أنه من أمر الله، أي مما استأثر بعلمه. وعن ابن أبي بريدة. لقد مضى النبي صلى الله عليه وسلم وما يعلم الروح وقيل: هو

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

السجية على الإنسان قاهرٌ حسبما بينتُ في "الذريعة إلى مكارم الشريعة، هذا كما قال صلى الله عليه وسلم: "كل مُيسرٌ لما خُلق له"، والأشكلة: الحاجة التي تقيد الإنسان.

وقلتُ: الحديث هو ما روينا عن البخاري ومسلم وأحمد والترمذي وأبي داود وابن ماجه، عن علي رضي الله عنه، أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما منكم من أحد غلا وقد كُتب مقعده من النار، ومقعده من الجنة"، قالوا: يا رسول الله، أفلا نتكلُ على كتابنا؟ فقال:"اعملوا، فكل ميسر لما خلق له؛ أما من كان من أهل السعادة فسيصير لعمل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاوة فسيصير لعمل الشقاء"، ثم قرأ (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى) [الليل: 5] الآية.

قوله: (من أمرِ الله)، أي: مما استأثر الله بعلمه، يعني: من أمر ربي لا من أمري، فلا أقول لكم ماهي؟ والأمر بمعنى الشأن، أي: معرفة الروح من شأن الله لا من شأن غيره، ولذلك طابقه قوله:(وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً). قال الإمام: المختار: أنهم سألوه

ص: 367

خلق عظيم روحانى أعظم من الملك. وقيل: جبريل عليه السلام. وقيل: القرآن. (ومِنْ أَمْرِ رَبِّي) أي: من وحيه وكلامه، ليس من كلام البشر، بعثت اليهود إلى قريش أن سلوه عن أصحاب الكهف، وعن ذي القرنين، وعن الروح، فإن أجاب عنها أو سكت فليس بنبىّ، وإن أجاب عن بعض وسكت عن بعض فهو نبىّ، فبين لهم القصتين وأبهم أمر الروح وهو مبهم في التوراة، فندموا على سؤالهم.

(وَما أُوتِيتُمْ) الخطاب عام.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عن الروح، وأنه صلوات الله عليه أجاب عنه بأحسن الوجوه بقوله:(قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي)، يعني أنه موجود محدثٌ بأمر الله، وتكوينه، وتأثيره إفادة الحياة للجسد، ولا يلزمُ من عدم العلم بحقيقته المخصوصة نفيه، فإن أكثر حقائق الأشياء وماهياتها مجهولة، ولم يلزم من كونها مجهولة نفيها، ويؤيده قوله:(وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً)، وقال القاضي: يجوز أن يكون السؤال عن قدمه وحدوثه، فأجيب: أنه وُجد بأمره وحدث بتكوينه.

قوله: ((وَمَا أُوتِيتُمْ) الخطاب عامٌّ)، قال القاضي: يعني قوله: (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً) أنكم تستفيدونه بتوسط حواسكم، فإن اكتساب العقل للعلوم النظرية مستفادٌ من إحساس الجزئيات، ولذلك قيل: من فقد حسا فقد علما، ولعل أكثر الأشياء لا يدركه الحس ولا شيئاً من أحواله المعرفة لذاته، وهو إشارة إلى أن الروح مما لا يمكن معرفة ذاته إلا بعوارض تميزه عما يلتبس به، فلذلك اقتصر على هذا الجواب، كما اقتصر موسى عليه السلام في جواب (وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ) [الشعراء: 23] بذكر بعض صفاته. تم كلامه.

فإن قلت: ما موقع هذا السؤال في هذا المقام قلت- والعلم عند الله-: الروح والعلمُ توأمان وموهبتان وعظيمتان لا سيما الوحي، ولذلك قُرن بقوله:(وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً) وعقبه بقوله: (وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ)، وعقب به (وَنُنَزِّلُ

ص: 368

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ)، وقد تقدم مراراً وأطواراً أن فواتح السور بمقتضى براعة الاستهلال مؤذنة باشتمال السور على ما تضمنت الفاتحة من المعنى، ولما افتتحت هذه السورة الكريمة بالكرامة السنية والموهبة الرفيعة لسيدنا صلوات الله عليه، وهي بيان مقام الدنو والزلفى، واستجلب ذلك حديث الكليم عليه السلام وبني إسرائيل، ثم حديث الكفار من هذه الآية، وأريد العود إلى البدء، وتعداد كرائم وموانح أخرى، ابتدئ بما يناسب "الإسراء" من إقامة الصلوات مقرونة بذكر أوقاتها، فقيل:(أَقِمْ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ) إلى قوله: (مِنْ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ)، ومن ثم قال صلوات الله عليه:"وجُعلت قرة عيني في الصلاة"، وأخرى:"أن تعبد الله كأنك تراه"، وتارة:"أرحنا يا بلال"، وجعل ذلك ذريعة إلى ذكر منقبتين جليلتين: أخروية، وهي مقام الشفاعة.

وقيل: (عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً). روينا عن الترمذي، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المقام المحمود، فقال: هو الشفاعة.

وعن الدارمي عن ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال له: ما المقام المحمود؟ قال: "ذاك يوم ينزل الله تعالى على كرسيه، ويجاء بكم حفاة عُراةً غُرلاً، فيكون أول من يُكسى إبراهيم، فيؤتى بريطتين من رياط الجنة، ثم أكسى على أثره، ثم أقوم عن يمين الله مقاماً يغبطني الأولون والآخرون".

ص: 369

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ..

وعن الترمذي، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنا سيدُ ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، بيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذ، آدم فمن سواه، إلا تحت لوائي، وأنا أولُ من تنشق عنه الأرض ولا فخر"، قال: "فيفزع الناس ثلاث فزعات، فيأتون آدم فيقولون: أنت أبونا آدم فاشفع لنا إلى ربك. فيقول: إني أذنبتُ

" وساق الحديث إلى قوله: "فأخر ساجداً فيلهمني الله من الثناء والحمد، فيقال لي: ارفع رأسك، وسل تُعطه، واشفع تُشفعن وقل يسمع لقولك، وهو المقام المحمود الذي قال الله عز وجل (عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً).

وأما المنقبة الدنيوية فمفتتحها الأمر بالهجرة إلى دار النصرة، وقوله:(وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ) إشارة إلى ذلك. روينا في "شرح السُّنة" عن ابن عباس والحسن وقتادة: أدخلني: كان النبي صلى الله عليه وسلم بمكة، أُمر بالهجرة، فنزلت عليه:(وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ). ألا ترى كيف ذيل الإخراج والإدخال بما يُنبئ عن استنزال النصر من جناب الفردانية، والحضرة الصمدانية، من قوله:(اجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَاناً نَصِيراً)، (لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ) [الأنفال: 8] ومن ثم قيل له: (وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً). وحين أراد الله أن يشرح غزارة علمه رمز إليه بقوله: (وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ) يعني: أنه صلوات الله عليه يغترف علمه من البحر الذي تنفد الأبحر السبعة دون نفاده، ولما كان السؤال عن

ص: 370

وروي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قال لهم ذلك قالوا: نحن مختصون بهذا الخطاب أم أنت معنا فيه؟ فقال: "بل نحن وأنتم لم نؤت من العلم إلا قليلا، فقالوا: ما أعجب شأنك: ساعة تقول (وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً)] البقرة: 269 [وساعة تقول هذا، فنزلت: (وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ)] لقمان: 27 [

وليس ما قالوه بلازم، لأنّ القلة والكثرة تدوران مع الإضافة، فيوصف الشيء بالقلة مضافا إلى ما فوقه، وبالكثرة مضافا إلى ما تحته، فالحكمة التي أوتيها العبد خير كثير في نفسها، إلا أنها إذا أضيفت إلى علم الله فهي قليلة. وقيل: هو خطاب لليهود خاصة؛

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الروح امتحاناً من المعاندين لعلمه، أورده في السنن، ألا ترى كيف كافحهم بنزارة علمهم بقوله:(وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً) وبغزارة علمه على سبيل النصفة والاستدراج بقوله: (وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ)؟ روينا عن الإمام أحمد والترمذي، عن ابن عباس قال: قالت قريشٌ لليهود: أعطونا شيئاً نسأل عنه هذا الرجل، فقالوا: سلوه عن الروح. فسألوه: فأنزل الله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِ) الآية. قالوا: أوتينا علماً كثيراً، أوتينا التوراة، ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيراً كثيراً، فأنزلت:(قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي) الآية.

فإن قلت: فما وجه اتصال قوله: (وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنْسَانِ) الآيتين، بالكلام؟

قلت: هو اعتراض لمعنى الزيادة والنقصان، جاء مستطرداً في أثناء الكلام؛ لأن السياق دل على كون القرآن رحمة وسبباً لمزيد المؤمنين، وما ينالون به الإفضال والقرب والزلفى عند الله، وخساراً وبُعداً للقوم الظالمين.

وقد تقرر أن ذلك السؤال كان امتحاناً من الظلمة، وتضمن الإشعار بنزارة علمهم وغزارة علمه صلوات الله عليه، فلذلك كان مؤكداً للمعنيين، وينصره قوله:(قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ).

ص: 371

لأنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: قد أوتينا التوراة وفيها الحكمة، وقد تلوت (وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً)] البقرة: 269 [فقيل لهم: إن علم التوراة قليل في جنب علم الله.

[(وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلاً* إِلاَّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيراً)].

(لَنَذْهَبَنَّ): جواب قسم محذوف مع نيابته عن جزاء الشرط. واللام الداخلة على إن موطئة للقسم. والمعنى: إن شئنا ذهبنا بالقرآن ومحوناه عن الصدور والمصاحف فلم نترك له أثرا وبقيت كما كنت لا تدرى ما الكتاب (ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ) بعد الذهاب (بِهِ) من يتوكل علينا باسترداده وإعادته محفوظا مستوراً (إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ) إلا أن يرحمك ربك فيرده عليك، كأن رحمته تتوكل عليه بالرد، أو يكون على الاستثناء المنقطع بمعنى: ولكن رحمة من ربك تركته غير مذهوب به، وهذا امتنان من الله تعالى ببقاء القرآن محفوظا بعد المنة العظيمة في تنزيله وتحفيظه، فعلى كل ذي علم أن لا يغفل عن هاتين المنتين والقيام بشكرهما، وهما منة الله عليه بحفظ العلم ورسوخه في صدره، ومنته عليه في بقاء المحفوظ. وعن ابن مسعود: إن أول ما تفقدون من دينكم الأمانة، وآخر ما تفقدون الصلاة، وليصلين قوم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (من يتوكل علينا باسترداده)، أي: يصير وكيلاً علينا. والتوكل والموكل بمعنى.

قوله: (ولكن رحمة من ربك تركته غير مذهوب به) يريد أن الاستثناء منقطع والمستدرك قوله: (وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ)، وعلى الأول الاستثناء متصل، والمستثني منه:(وَكِيلاً). وقال أبو البقاء: (إِلاَّ رَحْمَةً): مفعول له، أي: حفظناه عليك للرحمة، ويجوز أن يكون مصدراً، أي: لكن رحمناك رحمة.

ص: 372

ولا دين لهم، وإن هذا القرآن تصبحون يوما وما فيكم منه شيء. فقال رجل: كيف ذلك وقد أثبتناه في قلوبنا وأثبتناه في مصاحفنا نعلمه أبناءنا ويعلمه أبناؤنا أبناءهم؟ فقال: يسرى عليه ليلا فيصبح الناس منه فقراء ترفع المصاحف وينزع ما في القلوب.

[(قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَاتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَاتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً)].

(لا يَاتُونَ) جواب قسم محذوف، ولولا اللام الموطئة، لجاز أن يكون جوابا للشرط، كقوله:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (كيف ذلك وقد أثبتناه في قلوبنا؟ )، روينا عن الإمام أحمد بن حنبل والترمذي وابن ماجه والدارمي، عن زياد بن لبيد قال: ذكر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "ذلك عند أوانِ ذهاب العلم" فقلتُ: يا رسول الله، وكيف يذهب العلم ونحنُ نقرأ القرآن ونقرئه أبناءنا ويقرئه أبناؤنا أبناءهم إلى يوم القيامة؟ فقال:"ثكلتك أمك يا زياد، إن كنتُ لأراك من افقه رجلٍ بالمدينة، أوليس هذه اليهود والنصارى يقرأون التوراة والإنجيل لا يعملون بشيءٍ مما فيهما؟ ".

وفي "شرح السُّنة": عن عبد الله بن عمرو "لا تقوم الساعة حتى يرجع القرآن من حيثُ نزل، له دوي حول العرش كدوي النحل. يقول الرب: مالك؟ فيقول: يا رب، أُتلى، ولا يُعمل بي".

وفيه أيضاً، عن ابن مسعود: لا تقوم الساعة حتى يرفع القرآن، ثم يفيضون في الشعر.

ص: 373

يقول لا غائب مالي ولا حرم

لأن الشرط وقع ماضيا، أي: لو تظاهروا على أن يأتوا بمثل هذا القرآن في بلاغته وحسن نظمه وتأليفه، وفيهم العرب العاربة أرباب البيان لعجزوا عن الإتيان بمثله، والعجب من النوابت ومن زعمهم أن القرآن قديم مع اعترافهم بأنه معجز،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (يقول لا غائبٌ مالي ولا حرمُ)، أوله:

وإن أتاه خليلٌ يوم مسغبة

المسغبة: المجاعة، ورُوي: مسألة. البيت لزهير يمدح هرم بن سنان، يقول: إذا أتاه فقيرٌ وقد رفع إليه حاجته، لم يتشاغل بنوع العلل. وعني بالمال: الإبل.

قوله: (لأن الشرط وقع ماضياً)، تعليلٌ بجواز وقوع (لا يَاتُونَ) جواباً للشرط، يعني: لو لم تكن اللام في (لئن) لجاز لا يأتون مع وجود النون أن يقع جواباً للشرط؛ لأن قوله: (اجْتَمَعَتْ) ماضٍ، فلما لم تعمل الأداة في الجزء الأول لا يعملُ في الثاني.

قوله: (من النوابت)، والنوابت: الأحداث الأغمار. قال صاحب "التقريب": واستدل صاحب "الكشاف" بإعجازه على حدوثه، إذ لو كان قديماً لم يكن مقدوراً، فلا يكون معجزاً كالمحال، وجوابه: منع الملازمة، إذ مصحح المقدورية هو الإمكان، وهو حاصل، لا الحدوث.

وأيضاً، المعجز لفظه ولا يقال بقدمه، والقديم كلام النفس ولا يقال بإعجازه.

وأيضاً، سلمنا أن القديم لا يقدر البشر على عينه، لكن لم لا يقدر على مثله؟

قال صاحب "الانتصاف": القديم: مدلول العبارات، وهو صفة قديمة قائمة بذات الله

ص: 374

وإنما يكون العجز حيث تكون القدرة، فيقال: الله قادر على خلق الأجسام والعباد عاجزون عنه. وأما المحال الذي لا مجال فيه للقدرة ولا مدخل لها فيه كثاني القديم، فلا يقال للفاعل: قد عجز عنه، ولا هو معجز. ولو قيل ذلك لجاز وصف الله بالعجز، لأنه لا يوصف بالقدرة على المحال، إلا أن يكابروا فيقولوا هو قادر على المحال، فإن رأس ما لهم المكابرة وقلب الحقائق.

[(وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً)].

(وَلَقَدْ صَرَّفْنا) ردّدنا وكرّرنا (مِنْ كُلِّ مَثَلٍ) من كل معنى هو كالمثل في غرابته وحسنه. والكفور: الجحود. فإن قلت: كيف جاز (فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً) ولم يجوز ضربت إلا زيدا؟ قلت: لأن "أبي" متأوّل بالنفي، كأنه قيل: فلم يرضوا إلا كفوراً.

[(وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً* أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً* أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تعالى، ويُسمى قرآنا وكلمات أيضاً، والمعجز: الدليل لا المدلول، لكن أهل السُّنة يتحرزون من إطلاق المخلوق لوجهين: لإيهامه، ولأن السلف الصالح كفوا عنه، وكم من مُعتقدٍ لا يُطلق القول به خشية من إيهام غيره، فلا يصح إلزام الزمخشري.

وقلتُ: الوجه الأخير لصاحب "التقريب" هو الوجه، لما قرره المصنف في قوله:(فَاتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ)[البقرة: 23] فإن قلت: ما مثله حتى يأتوا بسورة من ذلك المثل؟ قلت: معناه بسورة مما هو على صفته في البيان الغريب وعلو الطبقة في حُسن النظم، ومن ثم لم تكن سائر الكتب السماوية معجزة، وإن كُن مثل القرآن في ذلك المعنى.

ص: 375

عَلَيْنا كِسَفاً أَوْ تَاتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً* أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاَّ بَشَراً رَسُولاً)].

لما تبين إعجاز القرآن وانضمت إليه المعجزات الأخر والبينات ولزمتهم الحجة وغلبوا، أخذوا يتعللون باقتراح الآيات: فعل المبهوت المحجوج المتعثر في أذيال الحيرة، فقالوا: لن نؤمن لك حتى

وحتى (تَفْجُرَ) تفتح. وقرئ: (تفجر)، بالتخفيف (مِنَ الْأَرْضِ) يعنون أرض مكة (يَنْبُوعاً) عينا غزيرة من شأنها أن تنبع بالماء لا تقطع:«يفعول» من نبع الماء، كيعبوب من عب الماء (كَما زَعَمْتَ) يعنون قول الله تعالى (إِنْ نَشَا نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السَّماءِ) [سبأ: 9]،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وقرئ: (تَفَجَّرُ)، بالتخفيف)، الكوفيون: بفتح التاء وضم الجيم مخففاً، والباقون: بضم التاء وكسر الجيم مشدداً.

قوله: (لا تقطع)، مرفوع بعد حذف "أن"، أي: لا تنضب، القاضي: الينبوع: عينٌ لا ينضب ماؤها، كأن البناء دل على المبالغة.

قوله: (عب الماءُ)، أي: زخر، من العباب. الجوهري: العباب: - بالضم-: معظم الماء وكثرته وارتفاعه.

قوله: (كَمَا زَعَمْتَ): يعنون قول الله تعالى: (إِنْ نَشَا نَخْسِفْ بِهِمْ الأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنْ السَّمَاءِ))، وكان ذلك عناداً وتمرداً، بدليل قوله: (وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنْ السَّمَاءِ

ص: 376

قرئ: (كسفاً) بسكون السين جمع كسفة، كسدرة وسدر. وبفتحه (قَبِيلًا) كفيلاً بما تقول شاهدا بصحته. والمعنى: أو تأتى بالله قبيلا، وبالملائكة قبيلا، كقوله:

.... كنت منه ووالدي

بريّا

فإنّى وقيّار بها لغريب

أو مقابلاً، كالعشير بمعنى المعاشر، ونحوه: (لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

سَاقِطاً يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ) [الطور: 44]، قال: لو أسقطناه عليهم لقالوا: سحابٌ مركوم، ولم يصدقوا انه كسفٌ ساقطٌ للعذاب.

قوله: (قرئ "كسفاً" بسكون السين) نافعٌ وعاصم وابن عامر: (كِسْفاً) بفتح السين، والباقون: بإسكانها.

قوله: (أو مقابلاً): عطفٌ على قوله: "كفيلاً"، يعني: إذا كان (قَبِيلاً) بمعنى: كفيلاًن كان التقدير: أو يأتي بالله قبيلاً وبالملائكة قبيلاً، وإذا كان بمعنى "مُقابلاً" يعود المعنى: تأتي بالله مقابلاً وبالملائكة مقابلين، واستشهد للأول بقوله:(أَوْ نَرَى رَبَّنَا)[الفرقان: 21] بناء على مذهبه؛ لأن النظر إلى الشيء يقتضي المقابلة، وللثاني:(لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ)[الفرقان: 21]، وقوله:"أو جماعة" احتمالٌ آخر، بمعنى قوله:(وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً).

الجوهري: القبيل: الجماعة، تكون من الثلاثة فصاعداً من قوم شتى، وعلى هذا يجوز أن يكون (قَبِيلاً): حالاً من الله تعالى والملائكة معاً، قال أبو البقاء:(قَبِيلاً): حالٌ من الملائكة، او من الله والملائكة.

ص: 377

رَبَّنا) [الفرقان: 21] أو جماعة حالا من الملائكة. (مِنْ زُخْرُفٍ) من ذهب (فِي السَّماءِ): في معارج السماء، فحذف المضاف. يقال: رقى في السلم وفي الدرجة وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ ولن نؤمن لأجل رقيك (حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً) من السماء فيه تصديقك. عن ابن عباس رضي الله عنهما: قال عبد الله بن أبي أمية: لن نؤمن لك حتى تتخذ إلى السماء سلما. ثم ترقى فيه وأنا أنظر حتى تأتيها ثم تأتى معك بصك منشور، معه أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول. وما كانوا يقصدون بهذه الاقتراحات إلا العناد واللجاج، ولو جاءتهم كل آية لقالوا: هذا سحر، كما قال عز وجل:(وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ)] الأنعام: 7 [، (وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ)] الحجر: 14 [وحين أنكروا الآية الباقية التي هي القرآن وسائر الآيات وليست بدون ما اقترحوه - بل هي أعظم- لم يكن إلى تبصرتهم سبيل (قُلْ سُبْحانَ رَبِّي) وقرئ: قال سبحان ربي، أي قال الرسول. وسُبْحانَ رَبِّي تعجب من اقتراحاتهم عليه (هَلْ كُنْتُ) إِلَّا رسولا كسائر الرسل (بَشَراً) مثلهم، وكان الرسل لا يأتون قومهم إلا بما يظهره الله عليهم من الآيات، فليس أمر الآيات إليّ، إنما

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: ((مِنْ زُخْرُفٍ): من ذهب)، الراغب: الزخرف: الزينة المزوقة، ومنه قيل للذهب: زُخرف، وقال:(أَخَذَتْ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا)[يونس: 24].

وقال تعالى: (أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ)[الإسراء: 93]، أي: ذهب مُزوق. وقال تعالى: (زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً)[الأنعام: 112]، أي: المزوقات من الكلام.

قوله: (وقرئ"قال سبحان ربي"): ابن كثير وابن عامر: "قال" بالألف، والباقون: بغير ألف.

ص: 378

[(قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً)].

(شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ) على أني بلغت ما أرسالات به إليكم، وأنكم كذبتم وعاندتم إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ المنذرين والمنذرين خَبِيراً عالما بأحوالهم، فهو مجازيهم. وهذه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم ووعيد للكفرة. وشهيدا: تمييز أو حال.

[(وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا مَاواهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً* ذلِكَ جَزاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآياتِنا وَقالُوا أَإِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً)].

(وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ) ومن يوفقه ويلطف به (فَهُوَ الْمُهْتَدِي) لأنه لا يلطف إلا بمن عرف أن اللطف ينفع فيه (وَمَنْ يُضْلِلْ) ومن يخذل (فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِياءَ) أنصاراً. عَلى وُجُوهِهِمْ كقوله: (يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ)] القمر: 48 [.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

والإثبات في السؤال والجواب، ولم يحسن هذا الحسن، ألا ترى إلى قول صاحب "المفتاح": قال في "سورة المؤمنون": (لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا)[المؤمنون: 83]: فذكر بعد المرفوع وما تبعه المنصوب، وهو موضعه، وقال في "النمل":(لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا)[النمل: 68]: فقُدم لكونه منها أهم.

وإنما خالفنا المصنف في قولنا: لأن الجنس إلى الجنس أميل، لئلا يلزمنا الاعتزال الذي عناه بقوله:"وأما الإنس فما هم بهذه المثابة"، ولذلك عدل القاضي إلى قوله:(لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنْ السَّمَاءِ مَلَكاً رَسُولاً) لتمكنهم من الاجتماع به والتلقي منه، والإنس عامتهم عُماةٌ عن إدراك الملك والتلقف منه، فإن ذلك مشروط بنوع من التناسب والتجانس.

ص: 381

وقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف يمشون على وجوههم قال: «إن الذي أمشاهم على أقدامهم، قادر على أن يمشيهم على وجوههم» (عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا) كما كانوا في الدنيا، لا يستبصرون ولا ينطقون بالحق، ويتصامّون عن استماعه، فهم في الآخرة كذلك: لا يبصرون ما يقرّ أعينهم، ولا يسمعون ما يلذ مسامعهم ولا ينطقون بما يقبل منهم. (ومن كان في هذه أعمى) فهو في الآخرة أعمى. ويجوز أن يحشروا مؤفى الحواس من الموقف إلى النار بعد الحساب، فقد أخبر عنهم في موضع آخر أنهم يقرؤن ويتكلمون (كُلَّما خَبَتْ) كلما أكلت جلودهم ولحومهم وأفنتها فسكن لهبها، بدلوا غيرها، فرجعت ملهبة مستعرة، كأنهم لما كذبوا بالإعادة بعد الإفناء جعل الله جزاءهم أن سلط النار على أجزائهم تأكلها وتفنيها ثم يعيدها، لا يزالون على الإفناء والإعادة، ليزيد ذلك في تحسرهم على تكذيبهم البعث، ولأنه أدخل في الانتقام من الجاحد، وقد دل على ذلك بقوله (ذلِكَ جَزاؤُهُمْ) إلى قوله (أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً).

[(أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ قادِرٌ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلاَّ كُفُوراً)].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (إن الذي أمشاهم على أقدامهم)، روينا عن الترمذي، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يُحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف، صنفاً مشاة، وصنفاً ركباناً، وصنفاً على وجوههم"، قيل: يا رسول الله، كيف يمشون؟ " الحديث.

قوله: (ويجوز أن يُحشروا): عطفٌ من حيث المعنى على قوله: "كما كانوا في الدنيا"، وعلى "عُمياً وبكماً وصُماً" على المجاز، والحشر الثاني بمعنى: الجمع والسوق، كقوله تعالى:(وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى)[طه: 59]، والأول بمعنى: البعث وحشر الناس يوم القيامة.

قوله: (مؤوفي الحواس)، الجوهري: الآفة: العاهة، وقد أُيفَ الزرعُ، على ما لم يُسم

ص: 382

فإن قلت: علام عطف قوله: (وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا)؟ قلت: على قوله: (أَوَ لَمْ يَرَوْا) لأن المعنى: قد علموا بدليل العقل أنّ من قدر على خلق السموات والأرض فهو قادر على خلق أمثالهم من الإنس؛ لأنهم ليسوا بأشد خلقا منهن، كما قال:(ءأنتم أشد خلقا أم السماء)[النازعات: 27]. (وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لا رَيْبَ فِيهِ): وهو الموت، أو القيامة، فأبوا مع وضوح الدليل إلا جحودا.

[(قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُوراً)].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فاعله، أي: أصابته آفة، فهو مؤوفٌ، مثل معُوف.

قوله: (على قوله: (أَوَلَمْ يَرَوْا))، أي:(وَجَعَلَ لَهُمْ) عطفٌ على (أَوَلَمْ يَرَوْا)، يعني: لا يجوز أن يُعطف على (خَلَقَ) ويدخل في حيز صلة الموصول للفصل بخبر (إنّ)، وهو (قَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ)، ولا (عَلَى أَنْ يَخْلُقَ) لفظاً ومعنى؛ لأنه لا يحسنُ إيقاعُ القدرة على الآجل، فينبغي أن يكون عطفاً على (أَوَلَمْ يَرَوْا).

وأما قوله: (وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لا رَيْبَ فِيهِ) فليس تقديراً لتصحيح معنى العطف، إذ لا يلتئم أن يُقال:(أَوَلَمْ يَرَوْا) وجعل لهم أجلاً، بل هو ابتداء تفسير بشهادة قوله:"وهو الموت أو القيامة"، فإذا التقدير: قد علموا بدليل العقل أن من قدر على خلق السماوات والأرض فهو قادر على خلق أمثالهم، كقوله تعالى:(أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ)[يس: 81] أي: في الصغر والقمأة، وأن من جعل لهم أجلاً لا ريب فيه، وهو يوم القيامة، لابد أن يأتي به، كقوله تعالى:(وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا)[الحج: 7].

فظهر أن المراد بقوله: "عطفٌ على قوله: (أَوَلَمْ يَرَوْا) " أنه عطفٌ على التقدير، وأن يُضمر في الكلام ما يتم به المعنى، ويؤيده قول الإمام: لما بين الله تعالى بالدليل المذكور أن البعث والقيامة أمرٌ ممكنُ الوجود في نفسه أردفه بأن لوقوعه ودخوله في الوجود وقتاً عند الله تعالى.

ص: 383

(لَوْ) حقها أن تدخل على الأفعال دون الأسماء، فلا بد من فعل بعدها في (لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ وتقديره لو تملكون)، وتقديره: لو تملكون، فأضمر (تملك)؛ إضمارا على شريطة التفسير، وأبدل من الضمير المتصل الذي هو الواو ضمير منفصل، وهو:(أنتم)، لسقوط ما يتصل به من اللفظ، فـ (أنتم): فاعل الفعل المضمر، و (تملكون): تفسيره، وهذا هو الوجه الذي يقتضيه علم الإعراب. فأمّا ما يقتضيه علم البيان؛ فهو: أنّ (أنتم تملكون) فيه دلالة على الاختصاص؛ وأنّ الناس هم المختصون بالشح المتبالغ،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

والنظم يساعدُ هذا التقدير الذي قدرناه وتخصيص ما خصصناه من أن المراد بالأجل: القيامة لا غير، لورود الآية بعد إنكار ما أنكروه في قولهم:(وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً (49) قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً) [الإسراء: 49].

قوله: ("لو" حقها أن تدخل على الأفعال)، قال ابن الحاجب في "الشرح": لابد أن يلهيا الفعل لأنها حرف شرط، والشرط إنما يُعقل بالفعل، فالتزم وقوع الفعل لفظاً أو تقديراً. قال صاحب "المفتاح": وأما كلمةُ "لو" فحين كانت لتعليق ما امتنع بامتناغ غيره على القطع امتنعت جملتاها عن الثبوت، ولزم أن يكونا فعليتين والفعل ماضٍ.

قوله: (فأما ما يقتضيه علمُ البيان فهو أن (أَنتُمْ تَمْلِكُونَ) فيه دلالة على الاختصاص)، وقال صاحب "الفرائد": لما كان التقدير: لو تملكون تملكون، وهذا لا يفيد الاختصاص، وجب أن لا يفيده هذا أيضاً؛ لأنه غير مخالف في تأدية المعنى لذلك؛ لأن (أنتم) وُضع موضع الضمير المتصل، فالفعل مرادٌ والتكرارُ حاصلٌ على التقديرين، نفى أن يُقال: إن "أنتم تملكون"، على صورة الجملة الاسمية بدون معناها، فالاختصاص من لوازم معنى الاسمية لا من صورتها، ويمكن أن يقال في الجواب: الأصل "تملكون" بدون التكرار، فكرر ليفيد التأكيد، فلماترك الفعل الأول وأضمر لبقاء فاعله، وهو في المعنى غير ضمير الثاني

ص: 384

ونحوه قول حاتم: (لو ذات سوار لطمتني)، وقول المتلمس:

ولو غير أخوالي أرادوا نقيصتي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المتصل، عُلِمَ بأن الاهتمام بذكر فاعل هذه الجملة أكثر من ذكر فعلها، فكان تقديماً للفاعل على الفعل من حيث المعنى، والثاني بمنزلة المكرر للتأكيد، فأفاد الاختصاص.

وقلتُ: نظرُ أصحاب المعاني في أمثال هذا التركيب إلى اللفظ، ألا ترى إلى قول صاحب "المفتاح": ترك "يودوا" إلى الماضي المؤذن بالتحقق نظراً إلى لفظه، فكذا هاهنا النظر إلى صورة (أَنتُمْ تَمْلِكُونَ) لا إلى أصله، وهو مثل: أنا سعيت في حاجتك، في وجه إفادة الاختصاص، وإلى هذا الإشارة بقوله:"برز الكلام في صورة المبتدأ والخبر".

قوله: (لو ذاتُ سوار لطمتني)، قال الميداني: لو لطمتني ذات سوار؛ لأن "لو" طالبة للفعل داخلة عليه، والمعنى: لو ظلمني من كان كفؤاً لي لهان عليَّ، ولكن ظلمني من هو دوني، وقيل: أراد: لو لطمتني حرة، فجعل السوار علام للحرية؛ لأن العرب قلما تُلبس الإماء السوار، فهو يقول: لو كانت اللاطمة حرة لكان أخف علي.

قوله: (ولو غيرُ أخوالي أرادوا نقيصتي)، تمامه:

جعلتُ لهم فوق العرانين ميسما

ص: 385

وذلك؛ لأنّ الفعل الأول لما سقط لأجل المفسر، وبرز الكلام في صورة المبتدأ والخبر. ورحمة الله: رزقه وسائر نعمه على خلقه، ولقد بلغ هذا الوصف بالشح الغاية التي لا يبلغها الوهم. وقيل: هو لأهل مكة الذين اقترحوا ما اقترحوا من الينبوع والأنهار وغيرها، وأنهم لو ملكوا خزائن الأرزاق لبخلوا بها. (قَتُوراً): ضيقا بخيلا. فإن قلت: هل يقدر لَـ (أَمْسَكْتُمْ) مفعول؟ قلت: لا؛ لأن معناه: لبخلتم، من قولك للبخيل: ممسك.

[(وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ إِذْ جاءَهُمْ فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُوراً)].

عن ابن عباس رضي الله عنهما: هي العصا، واليد، والجراد، والقمل، والضفادع،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

العرانين: الأنوف: والميسم: العلامة، يقول: لو كان الظلم والنقيصة جاءتني من غير أخوالي لو سمتهم بسمة الذُّل ليشتهروا بها ولم يمكنهم إخفاؤها.

قوله: ((قَتُوراً): ضيقاً بخيلا) الراغب: القترُ: تقليل النفقة، وهو بإزاء الإسراف، وكلاهما مذمومان، قال تعالى:(وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً)[الفرقان: 67]، ورجلٌ قتورٌ ومقترٌ. وقوله تعالى:(وَكَانَ الإِنْسَانُ قَتُوراً)[الإسراء: 100] تنبيه على ما جُبل عليه الإنسان من البخل، وقد قترت الشيء وأقترته وقترته أي: قللته، ومُقترٌ: فقير، قال تعالى:(وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ)[البقرة: 236] وأصلُ ذلك من القُتار والقتر، وهو الدخان الساطع من الشواء والعود ونحوهما، فكأن المُقتر والمقترَ هو الذي يتناول من الشيء قتاره.

قوله: (لا؛ لأن معناه: لبخلتم)، وفيه وجهان: أحدهما: أن يكون مضمناً معنى البُخل، والبُخلُ لا يتعدى بنفسه، وثانيهما: أن يُجعل مفعوله منسياً كقوله: فلانٌ يعطي ويمنعُ، فيكون كناية عن البخل، ذكره صاحب "الفرائد".

ص: 386

والدم، والحجر، والبحر، والطور الذي نتقه على بني إسرائيل. وعن الحسن: الطوفان، والسنون، ونقص الثمرات -مكان الحجر، والبحر، والطور. وعن عمر بن عبد العزيز: أنه سأل محمد بن كعب فذكر اللسان والطمس، فقال له عمر: كيف يكون الفقيه إلا هكذا! أخرج يا غلام ذلك الجراب، فأخرجه فنفضه، فإذا بيض مكسور بنصفين، وجوز مكسور، وفوم وحمص وعدس، كلها حجارة. وعن صفوان بن عسال: أنّ بعض اليهود سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال: (أوحى الله إلى

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (فذكر اللسان- وهو انحلال العقدة- والطمس)، وهو قلبُ أموال القبط حجارة، يعني: كما أن الحسن ذكر مكان الحجر والبحر والطور، فيما ذكره أولاً من الآيات التسع الطوفان والسنين ونقص الثمرات، ووضع محمدٌ مكان البحر والطور: اللسان والطمس، قال الواحدي: قال المفسرون: صارت أموالهم حجارة، وقال القُرظي: جعل سُكرهم حجارة. وقال قتادة: بلغنا أن حروثهم صارت حجارة، ولما وافق هذا القول دون ما عند عمر بن عبد العزيز قال: كيف يكون الفقيه إلا هكذا، إعجاباً وتعجباً، ثم أمر بإخراج الجراب تصديقاً له.

قوله: (وعن صفوان بن عسال)، الحديث أخرجه الترمذي والنسائي عنه مع تفاوت يسير، وفيه إشكالٌ؛ لأن المذكور عشرة، والسؤال عن تسع، وقد أجاب عنه التوربشتي بأجوبة، والذي نقوله: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: اعلموا معاشر اليهود أن الآيات التي أوتي موسى ولم تنسخها شريعة، نحن وأنتم فيها سواء هذه المذكورات، لكن له آية أخرى

ص: 387

موسى: أن قل لبني إسرائيل: لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرّم الله إلا بالحق، ولا تسحروا، ولا تأكلوا الربا، ولا تمشوا ببريء إلى ذي سلطان ليقتله، ولا تقذفوا محصنة، ولا تفرّوا من الزحف، وأنتم يا يهود خاصة لا تعدوا في السبت). (فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ): فقلنا له: سل بني إسرائيل، أي: سلهم من فرعون، وقل له: أرسل معي بني إسرائيل، أو سلهم عن إيمانهم، وعن حال دينهم، أو: سلهم أن يعاضدوك وتكون قلوبهم وأيديهم معك. وتدلّ عليه قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم: فسال بني إسرائيل، على لفظ الماضي بغير همز، وهي لغة قريش. وقيل: فسل يا رسول الله المؤمنين من بني إسرائيل، وهم عبد الله بن سلام وأصحابه، عن الآيات؛ ليزدادوا يقينا وطمأنينة قلب، لأن الأدلة إذا تظاهرت كان ذلك أقوى وأثبت، كقول إبراهيم (وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) [البقرة: 260]. فإن قلت: بم تعلق (إِذْ جاءَهُمْ)؟ قلت: أمّا على الوجه الأول: فبالقول المحذوف،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تختص بكم، وهي هذه، وهذه الزيادة كالإيغال والتتميم، يعني: خُذوا ما سألتموني عنه وأزيدكم ما يختص بكم لتعلموا وقوفي على ما يشتمل عليه كتابكم.

قوله: (أما على الوجه الأول فبالقول المحذوف)، رُوي عن صاحب "التهذيب للكشاف" أنه قال: رأيت في "حاشية الكشاف" دلالة الآية على تقدير: "ما قلنا" من حيث إنه خبرٌ، كما أن ذاك خبر، والأولى عندي أن يُقال: إن دلالتها من حيث إنها تدل على أن السائل من بني إسرائيل هو موسى لا محمدٌ صلوات الله عليهما.

وقلتُ: تحقيقه أن يُفصل ما أجمله المصنف ليظهر الحق، فنه ذكر في الآية وجوهاً كثيرة، لكن يجمعها معنيان؛ لأن السائل إما موسى عليه السلام أو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى أن يكون السائل موسى (إِذْ جَاءَهُمْ) إما أن يتعلق بـ"قُلنا" المحذوف أو بالسؤال نفسه.

ص: 388

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

والأول على وجهين: أحدهما: المسؤول فرعون، والمسؤول عنه إنقاذ بني إسرائيل منه، المعنى: ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات، وأرسلناه إلى فرعون وملئه وقلنا له إذ جاءهم: سل بني إسرائيل من فرعون؟ أي: قل له: أرسل معي بني إسرائيل وخلهم وشأنهم؛ لأنهم كانوا كالأسرى بيد فرعون، قال تعالى:(وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ)[البقرة: 49]، فالسؤال بمعنى الطلب.

وثانيهما: المسؤول: بنو إسرائيل، والمسؤول عنه شيئان.

والمعنى على الأول: قلنا لموسى: (فسْئلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ) عن حال دينهم، أنتم ثابتون على ملة إبراهيم؟ أم دخلتم في دين فرعون؟

والمعنى على الثاني: قلنا له إذ جاءهم: سلهم أن يُعاضدوك، وتكون قلوبهم وأيديهم معك، حتى يخلصهم الله من الأسر ويورثهم أرض أعدائهم، كما قال موسى لقومه:(اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) بالأعراف: 128]، والثاني: وهو أن يتعلق بالسؤال نفسه على قراءة النبي صلى الله عليه وسلم، ترتب عليه المعاني الثلاثة كلها، وهذه القراءة ترجح احتمال أن يكون الأمر بقوله:(فَسْئَلُ) في القراءة المشهورة، وهو موسى، دون رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وعلى الثاني، وهو أن يكون السائل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومتعلق (إِذْ جَاءَهُمْ) إما (آتَيْنَا) المذكور، أي: ولقد آتينا موسى تسع آياتٍ بيناتٍ إذ جاء بني إسرائيل وفرعون، وقلنا لك: سل عن ذلك مُسلمي أهل الكتاب يُخبروك به كما أخبرت، وهو من أسلوب قوله تعالى:(فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلْ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ)[يونس: 94]، وهو من باب التهييج والإلهاب تثبيتاً ومزيد طمأنينة، أو متعلقة محذوف، وهو إما "اذكُر"، والمعنى: ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات وأرسلناه إلى فرعون وملئه "اذكُر" إذ جاءهم فقال له فرعونُ، فيكون قوله:(فَسْئَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ) على الوجهين معترضاً، أو "يُخبروك"

ص: 389

أي: فقلنا له: سلهم حين جاءهم، أو بـ (سال) في القراءة الثانية. وأمّا على الأخير: فبـ (آتينا)، أو بإضمار: اذكر، أو: يخبروك. ومعنى (إِذْ جاءَهُمْ): إذ جاء آباءهم. (مَسْحُوراً): سحرت فخولط عقلك.

[(قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلاَّ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً * فَأَرادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْناهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعاً* وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً)].

(لَقَدْ عَلِمْتَ) يا فرعون (ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ) الآيات إلا الله عز وجل (بَصائِرَ): بينات مكشوفات، ولكنك معاند مكابر: ونحوه: (وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا)(النمل: 14). وقرئ: «علمت» بالضم، على معنى: إني لست بمسحور كما وصفتني، بل أنا عالم بصحة الأمر، وأنّ هذه الآيات منزلها رب السموات والأرض. ثم قارع ظنه بطنه، كأنه قال: إن ظننتني مسحورا فأنا أظنك (مَثْبُوراً):

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

على تقدير جواب الأمر، المعنى: سل بني إسرائيل عن حال الآيات التسع، فإنهم يُخبرونك القصة بتمامها من لدن مجيء موسى من مدين إلى مصر عند آبائهم وهم أسرى بيد فرعون وملئه يسومونهم سوء العذاب، ثم ذهابه إلى فرعون مطلبه منه إرسال بني إسرائيل معه وادعائه النبوة، وإظهار تلك الآيات القاهرات بأسرها وظهور عجز فرعون وعناده، وقوله:(إِنِّي لأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُوراً) فالفاء في قوله تعالى: (فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ) فصيحةٌ.

قوله: ((بَصَائِرَ): بينات مكشوفات)، الأساس: هذه الآية مبصرة، وأبصر الطريق: استبان ووضح.

قوله: (وقرئ: "علمتُ" بالضم)، الكسائي، والباقون: بفتحها.

قوله: (ثم قارع ظنه بظنه)، الأساس: قرعه بالرمح، وقارعه، وتقارعوا بالرماح، وقارعته فقرعته.

ص: 390

هالكا، وظني أصح من ظنك؛ لأن له أمارة ظاهرة؛ وهي إنكارك ما عرفت صحته، ومكابرتك لآيات الله بعد وضوحها، وأما ظنك فكذب بحت؛ لأن قولك مع علمك بصحة أمري: إني لأظنك مسحورا: قول كذاب. وقال الفرّاء: (مَثْبُوراً) مصروفا عن الخير مطبوعا على قلبك، من قولهم: ما ثبرك عن هذا؟ أي: ما منعك وصرفك؟

وقرأ أبىّ بن كعب: (وإن إخالك يا فرعون لمثبوراً) على: (إن) المخففة واللام الفارقة (فَأَرادَ) فرعون أن يستخف موسى وقومه من أرض مصر ويخرجهم منها، أو ينهيهم عن ظهر الأرض بالقتل والاستئصال، فحاق به مكره بأن استفزه الله بإغراقه مع قبطه. (اسْكُنُوا الْأَرْضَ) التي أراد فرعون أن يستفزكم منها، (فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ): يعنى قيام الساعة (جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً): جمعا مختلطين إياكم وإياهم، ثم يحكم بينكم ويميز بين سعدائكم وأشقيائكم. واللفيف: الجماعات من قبائل شتى.

[(وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً)].

(وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ): وما أنزلنا القرآن إلا بالحكمة المقتضية لإنزاله، وما نزل إلا ملتبسا بالحق والحكمة؛ لاشتماله على الهداية إلى كل خير، أو: ما أنزلناه من السماء إلا بالحق محفوظا بالرصد من الملائكة، وما نزل على الرسول إلا محفوظا بهم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (إلا بالحق محفوظاً بالرصد)، فسر الحق تارة بالحكمة، وأخرى بالثابت الذي يُقابلُ الباطل، فقوله:"محفوظاً بالرصد" تفسيرٌ لمعنى الحق، وتوضيحٌ لمحله، وأنه نصبٌ على الحال، يعني: هو محفوظٌ بالرصد، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ونحوه قوله تعالى:(أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ)[النساء: 166] قال المصنف: "أنزله وهو قريب عليه حافظ له من الشياطين برصدٍ من الملائكة، كما قال في آخر سورة الجن:(وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ)[الجن: 28].

قال أبو البقاء: (وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ) أي: وبسبب إقامته الحق (أَنزَلْنَاهُ) فتكون الباء متعلقة بـ (أَنزَلْنَاهُ)، ويجوز أن يكون حالاً، أي: أنزلناه ومعه الحق، أو: وفيه الحق، ويجوز أن يكون

ص: 391

من تخليط الشياطين، (وَما أَرْسَلْناكَ) إلا لتبشرهم بالجنة، وتنذرهم من النار، ليس إليك وراء ذلك شيء، من إكراه على الدين أو نحو ذلك.

[(وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلاً)].

(وَقُرْآناً) منصوب بفعل يفسره (فَرَقْناهُ). وقرأه أبىّ: (فرّقناه) بالتشديد، أي: جعلنا نزوله مفرّقا منجما. وعن ابن عباس رضي الله عنه: أنه قرأ مشدّدا، وقال: لم ينزل في يومين أو ثلاثة، بل كان بين أوّله وآخره عشرون سنة. يعنى: أن (فرق) بالتخفيف يدل على فصل متقارب. «على مكث» بالفتح والضم: على مهلٍ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حالاً من الفاعل، أي: أنزلناه ومعنا الحق، (وَبِالْحَقِّ نَزَلَ) فيه الوجهان الأولان دون الثالث، لأنه ليس فيه ضميرٌ لغير القرآن.

قوله: ((وَمَا أَرْسَلْنَاكَ) إلا لتبشرهم بالجنة، وتنذرهم من النار، ليس إليك وراء ذلك)، أي: التركيب من القصر الإفرادي، نُزل صلواتُ الله عليه- لحرصه على إيمان قومه- منزلة من يعتقد أنه بشيرٌ ونذير، ومع ذلك: يُكره على الدين أيضاً، فقُصِر على البشارة والنذارة، ونفي كونه مكرهاً.

قوله: (يعني أن "فرق" بالتخفيف، يدل على فصل متقارب)، كأنه يرد القراءة بالتخفيف، فإنها تدل على خلاف الواقع، وهو الفصل المتباعد. وقال ابن جني: ويؤيده قوله: (عَلَى مُكْثٍ).

ص: 392

وتؤدة وتثبت. (وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا) على حسب الحوادث.

[(قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً * وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولاً* وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً)].

(قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا): أمر بالإعراض عنهم واحتقارهم والازدراء بشأنهم، وأن لا يكترث بهم وبإيمانهم وبامتناعهم عنه، وأنهم إن لم يدخلوا في الإيمان ولم يصدّقوا بالقرآن وهم أهل جاهلية وشرك، فإن خيرا منهم وأفضل - وهم العلماء الذين قرءوا الكتب وعلموا ما الوحي وما الشرائع- قد آمنوا به وصدّقوه، وثبت عندهم أنه النبي العربي الموعود في كتبهم، فإذا تلي عليهم خرّوا سجدا وسبحوا الله تعظيما لأمره ولإنجازه ما وعد في الكتب المنزلة وبشربه من بعثة محمد صلى الله عليه وسلم وإنزال القرآن عليه، وهو المراد بالوعد في قوله:(إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا)، (وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً): أي: يزيدهم القرآن لين قلب ورطوبة عين. فإن قلت: (إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ) تعليل لماذا؟ قلت: يجوز أن يكون تعليلا لقوله: (آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا) وأن يكون تعليلا لـ (قل) على سبيل التسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتطييب نفسه، كأنه قيل: تسلّ عن إيمان الجهلة بإيمان العلماء.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وتؤدة)، النهاية: يقال: اتأد في فعله: إذا تأنى وتثبت، ولم يعجل.

قوله: ((قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا))، أُمرَ بالإعراض عنهم، يعني: إنما يؤمر بهذا القول من أيس من إيمانه ولم تعتد بحاله، فكأنه قال له: اتركهم ولا تُبال بهم.

قوله: (تعظيماً لأمره، ولإنجازه ما وعد)، "لإنجازه" عطفٌ على "تعظيماً"، وهو مفعولٌ له:(خَرُّوا)، وإنما لم يأت باللام في الأول وأتى بها في الثاني، لأن الأول فعلٌ لفاعل الفعل المعلل، والثاني ليس كذلك.

ص: 393

وعلى الأوّل: إن لم تؤمنوا به لقد آمن به من هو خير منكم. فإن قلت: ما معنى الخرور للذقن؟ قلت: السقوط على الوجه، وإنما ذكر الذقن وهو مجتمع اللحيين؛ لأنّ الساجد أول ما يلقى به الأرض من وجهه الذقن. فإن قلت: حرف الاستعلاء ظاهر

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وعلى الأول: إن لم تؤمنوا لقد آمن)، يعني: على الوجه الثاني: (إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ويلزم منه توبيخ القوم وتقريعهم، وعلى الوجه الأول بالعكس، لأن التعليل على الأول مقول القول بخلاف الثاني.

وقلت: الوجه أني قصد التسلية، ويكون التقريع مفرعاً عليها؛ لأن في المعلل إشعاراً بأن الرسول قد قضى ما عليه من الإبلاغ، وأن الحجة قد لزمتهم، فعليه أن يُتاركهم ويشتغل بمن يُجدي فيهم الإنذار وينجعُ فيهم الوعظ، وبخاصة نفسه من عبادة ربه، وإلى الأول الإشارة بقوله:(قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا) وإلى الثاني بقوله: (إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ) ومن ثم قال: أُمر بالإعراض عنهم وأن لا يكترث بإيمانهم، فإن خيراً منهم وأفضل قد آمنوا، وإلى الثالث بقوله:(وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً * وَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ)، وإنما استدعى المقام المتاركة والتسلية لأن الله تعالى لما عد مناقب حبيبه صلوات الله عليه في مفتتح السورة وختمها ببيان المعجزة، وهي قوله:(قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنسُ وَالْجِنُّ)، فكانت متضمنة لما يتخلص منه إلى طعن القوم في القرآن ورسالته ومعاندتهم في دفع آيات الله البينات، فذكر شيئاً صالحاً منه، فأراد أن يُسلي حبيبه، ذكر حديث الكليم ومجيئه بالآيات البينات إلى قومه وتكذيبهم، ثم إهلاكهم، كان الأمر بقوله:(فَاسْألْ بَنِي إِسْرَائِيلَ) تتميماً لمعنى التسلية، وذكر بعده هذا النوع من التسلية، وختم السورة بها، والله أعلم.

قوله: (أول ما يلقى به الأرض من وجهه الذقن)، قال صاحب "التقريب": وفيه نظر؛

ص: 394

المعنى إذا قلت: خرّ على وجهه وعلى ذقنه، فما معنى اللام في: خرّ لذقنه ولوجهه؟ قال:

فخرّ صريعا لليدين وللفم

قلت: معناه: جعل ذقنه ووجهه للخرور واختصه به، لأن اللام للاختصاص.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لأن أول ما يلقى الأرض الجبهة أو الأنف، ووجهه أنه إذا ابتدأ الخرور، فأقرب الأشياء من وجهه إلى الأرض هو الذقن، أو أراد مبالغة في الخضوع، وهو تعفير اللحى على التراب، والأذقان كناية عنها، أو أنه ربما خر على الذقن كالمغشي عليه لخشية الله تعالى، وقوله:

فخر صريعاً لليدين وللفم

أوله من رواية "المطلع":

دلفت له بالرمح من دون ثوبه

الدليف: المشيُ رويداً، دلفت الكتيبة في الحرب، أي: قدمت.

ويُروى:

أُمكنهُ بالرمح حضني قميصه

الحضينُ: ما دون الإبط إلى الكشح، حضنا الشيء: جانباه.

قوله: (جعل ذقنه ووجهه للخرور)، وقال صاحب "الفرائد": لما كان الذقن أبعد شيء من وجهه من الأرض في حال السجود، وهي حالُ وضع الجبهة، كان القصد بالخرور إلى وصول الأذقان إلى الأرض أبلغ من القصد إلى وصول الجبهة إليها، فكأنه قيل: يخرون

ص: 395

فإن قلت: لم كرّر (يخرون للأذقان)؟ قلت: لاختلاف الحالين؛ وهما: خرورهم في حال كونهم ساجدين، وخرورهم في حال كونهم باكين.

[(قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً)].

عن ابن عباس رضي الله عنهما: سمعه أبو جهل يقول: يا الله يا رحمن، فقال: إنه ينهانا أن نعبد إلهين وهو يدعوا إلها آخر. وقيل: إن أهل الكتاب قالوا: إنك لتقل ذكر الرحمن وقد أكثر الله في التوراة هذا الاسم فنزلت. والدعاء: بمعنى التسمية، لا بمعنى النداء، وهو يتعدّى إلى مفعولين، تقول: دعوته زيدا، ثم يترك أحدهما استغناء عنه فيقال: دعوت زيدا. والله والرحمن، المراد بهما الاسم لا المسمى. و (أو) للتخيير، فمعنى (ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ) سموا بهذا الاسم أو بهذا،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لأجل وصول الأذقان إلى الأرض؛ لأن الانحطاط أكثر في وصول الأذقان من وصول الجبهة إليها، وحاصله أنهم يبالغون في الخرور، ويلصقون بالأرض ما أمكن إلصاقه بها من الوجه. تم كلامه.

فإن قلت: قوله: "جعل ذقنه ووجهه للخرور واختصه به" مخالفٌ لظاهر الآية؛ لأنه جعل الخرور مختصاً بالذقن لقوله: (يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ). قلت: إن الخرور إذا اختص بالذقن اختص الذقن به، وما عليه التلاوة أدل على خضوعهم وتواضعهم.

قوله: (فمعنى (ادْعُوا اللَّهَ أَوْ ادْعُوا الرَّحْمَنَ) سموا بهذا الاسم أو بهذا)، قال القاضي: المرادُ بالتسوية بين اللفظين، هو أنهما يُطلقان على ذات واحدة، وإن اختلف اعتبارُ إطلاقهما، والتوحيد إنما هو للذات الذي هو المعبود، هذا إذا كان رداً لقول المشركين، وعلى أن يكون رداً لليهود، المعنى: أنهما سيان في حُسن الإطلاق والإفضاء إلى المقصود، وهو أجود، لقوله:(أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى).

ص: 396

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقلت: إنما كان أجود لأن اعتراض اليهود، كان تعييراً للمسلمين على ترجيح أحد الاسمين على الآخر، واعتراض المشركين كان تعييراً على الجمع بين اللفظين فقوله:(أَيّاً مَا تَدْعُوا) مطابق للرد على اليهود؛ لأن المعنى: أي اسم من الاسمين دعوتموه فهو حسن كما ذكره المصنف، وهو لا ينطبق على اعتراض المشركين الجواب: هذا مسلم إذا كان أو للتخيير فلم يمتنع أن يكون للإباحة كما في قولك: جالس الحسن أو ابن سيرين، فحينئذ: يكون ذلك أجوب، وتقريره: كل سموا ذاته المقدسة "بالله" أو بـ"الرحمن" فهما سيان في استصواب التسمية بهما فبأيهما سميته فأنت مصيب، وإن سميته بهما جميعاً فأنت أصوب؛ لأن له الأسماء الحسنى وقد أمرنا بأن ندعوه بها في قوله:(فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) فعلى هذا الآية من فنون الإيجاز الذي هو من حلة التنزيل وعلى ما قال المصنف، والمعنى (أَيّاً مَا تَدْعُوا) فهو حسن فوضع موضعه قوله:(فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) هو من باب الإطناب فظهر من هذا أن الإباحة أنسب من التخيير لأن أبا جهل حر الجمع بين الاسمين فرد إباحة أن يجمع بين أسماء يعني كيف يمنع من الجمع بين الاسمين وقد أبيح الجميع بين الأسماء المتكاثرة على أن الجواب بالتخيير في الرد على أهل الكتاب غير مطابق لأنهم اعترضوا بالترجيح.

وأجيب التسوية لأن (أو) يقتضيها وكان الجواب العتيد أن يقال: إنما رجحنا "الله" على "الرحمن" في الذكر لأنه جامع لجميع صفات الكمال بخلاف "الرحمن"، ويساعد ما ذكرنا من أن الكلام مع المشركين قوله تعالى:(وَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ) لأنه مناسب أن يكون تسهيلاً للرد على المشركين، ما يقول بعد إفحام الخصم: الحمد لله على ظهور الحق وزهوق الباطل، وأما بيان تنزيل الآية على الرد على المشركين فهو أن نداء ابن عباس:"يا الله يا رحمن" يحتمل وجهين: أحدهما: أن يراد بهما المسمى فيلزم منه التعدد في المسمى، والثاني: أن يراد بهما الاسم فلا يلزم التعداد إلا في الاسم، فحمل أبو جهل على الأول وقال ما قال، فرد الله تعالى زعمه بأن نزله على الاحتمال الثاني قائلاً:(قُلْ ادْعُوا اللَّهَ) الآية، على ما سبق تقريره.

ص: 397

واذكروا إما هذا وإما هذا، والتنوين في (أَيًّا) عوض من المضاف إليه. و (ما): صلة للإبهام المؤكد لما في (أي)، أي: أي هذين الاسمين سميتم وذكرتم (فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى)، والضمير في (فَلَهُ) ليس براجع إلى أحد الاسمين المذكورين، ولكن إلى مسماهما؛ وهو ذاته تعالى؛ لأن التسمية للذات لا للاسم، والمعنى: أياما تدعوا فهو حسن، فوضع موضعه قوله:(فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى)؛ لأنه إذا حسنت أسماؤه كلها حسن هذان الاسمان؛ لأنهما منها، ومعنى كونهما أحسن الأسماء: أنها مستقلة بمعاني التحميد والتقديس والتعظيم. (بِصَلاتِكَ) بقراءة صلاتك، على حذف المضاف؛ لأنه لا يلبس، من قبل أن الجهر والمخافتة صفتان تعتقبان على الصوت لا غير، والصلاة أفعال وأذكار، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع صوته بقراءته، فإذا سمعها المشركون لغوا وسبوا، فأمر بأن يخفض من صوته، والمعنى: ولا تجهر حتى تسمع المشركين (وَلا تُخافِتْ) حتى لا تسمع من خلفك (وَابْتَغِ بَيْنَ) الجهر المخافتة (سَبِيلًا) وسطا. وروى أنّ أبا بكر رضي الله عنه كان يخفى صوته بالقراءة في صلاته ويقول: أناجى ربى وقد علم حاجتي. وكان عمر رضي الله عنه يرفع صوته ويقول: أزجر الشيطان وأوقظ الوسنان. فأمر أبا بكر أن يرفع قليلا وعمر أن يخفض قليلاً.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (يرفع صوته بقراءته) الحديث مع التفسير متفق عليه، رواه البخاري ومسلم، عن ابن عباس رضي الله عنهما.

قوله: (روى أن أبا بكر) الحديث مختصرٌ من رواية أبي داود والترمذي، عن أبي قتادة.

ص: 398

وقيل: معناه: ولا تجهر بصلاتك كلها ولا تخافت بها كلها، وابتغ بين ذلك سبيلا بأن تجهر بصلاة الليل وتخافت بصلاة النهار، وقيل:(بِصَلاتِكَ): بدعائك. وذهب قوم إلى أنّ الآية منسوخة بقوله: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً)[الأعراف: 55]. وابتغاء السبيل: مثل لانتحاء الوجه الوسط في القراءة.

[(وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً)].

(وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ): ناصر من الذل ومانع له منه؛ لاعتزازه به، أو لم يوال أحدا من أجل مذلة به ليدفعها بموالاته.

فإن قلت: كيف لاق وصفه بنفي الولد والشريك والذل بكلمة التحميد؟ قلت: لأنّ من هذا وصفه هو الذي يقدر على إيلاء كل نعمة، فهو الذي يستحق جنس

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (مثلٌ لانتحاء الوجه)، يعني: شبه من ينبغي أن يتوسط في القراءة بمن يتوخى بين السبيلين قصداً سوياً.

قوله: (أو لم يُوال أحداً)، جعل "ولياً" على الأول بمعنى الناصر، وعلق "مِن" به على تضمين معنى المنع، المعنى: ليس له ذُل ولا مانعٌ من الذل يمنعه لاعتزازه بنفسه؛ لأنه عزيزٌ بذاته، مانعٌ غيره منه، وعلى الثاني: إجراؤه على ظاهره، وجعلُ "مِن" ابتدائية، ومن ثم قال:"ولم يُوال أحداً" من أجل مذلة، وعلى التقديرين، التركيب من باب قوله:

على لاحبٍ لا يهتدى بمناره

قوله: (لأن من هذا وصفه هو الذي يقدر على إيلاء كل نعمة)، وذلك أن من اتخذ ولداً يحتاجُ إلى الإمساك لأجله، ومن ثم قال صلوات الله عليه:"الولدُ مجبنةٌ مبخلة"، ومَن

ص: 399

الحمد، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أفصح الغلام من بني عبد المطلب علمه هذه الآية.

عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة بني إسرائيل فرقّ قلبه عند ذكر الوالدين

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كان له شريك في ما يتصرفه، فهو ممنوعٌ من التصرف التام، ومن احتاج إلى ناصر يدفع عنه الذُّل، كيف يقدرُ على دفعه عن الغير؟ والله سبحانه وتعالى منزه عن كل هذه الموانع، فهو يقدر على إيلاء كل نعمة، فلذلك يستحق كل الحمد.

وإنما سلك هذا التأويل لأن الحمد هو: الثناء على الجميل الاختياري من نعمةٍ أو غيرها، وعدم اتخاذ الولد ونفيُ الشريك عنه ليس من الفضائل الاختيارية ظاهراً، وقد رتب عليه الحمد، فعدل إلى لازم هذه المذكورات، وهوا لقدرة على إيلاء كل نعمةن ورتب عليها الحمد.

قال القاضي: نفي أن يكون له ما يواليه ويشاركه من جنسه ومن غير جنسه اختياراً واضطراراً، وما يُعاونه ويقويه، ورتب الحمد عليه للدلالة على أنه مستحق جنس الحمد؛ لأنه كامل الذات المنفرد بالإيجاد، المنعم على الإطلاق، وما عداه ناقصٌ، مملوك نعمةٍ أو منعمٌ عليه، ولذلك عطف عليه قوله:(وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً).

وقلت: والآية من باب التقسيم الحاصر؛ لأن المانع من الإيتاء: إما فوقه فهو القسم الثالث، أو دونه فهو القسم الأول، أو مثله فهذا القسم الثاني.

ثم المناسب أن يُجعل التعريف في الحمد للاستغراق لا للجنس كما قال؛ لأن موجبه مستغرقٌ للمراتب كلها. وسورة الإخلاص واردة على هذا التقسيم فليحذُ حذوها.

قوله: (إذا أفصح الغلام)، الأساس: أفصح الصبي في منطقه: فهم ما يقول في أول

ص: 400

كان له قنطار في الجنة، والقنطار ألف أوقية ومائتا أوقية». رزقنا الله بفضله العميم وإحسانه الجسيم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ما يتكلمُ، يقال: أفصح فلان ثم فصح، وأفصح العجمي: تكلم بالعربية، وفصح: انطلق لسانه بها وخلصت لغته من اللكنة، والله سبحانه وتعالى أعلم.

انتهت السورة

ص: 401

‌سورة الكهف

مكية وهى مئة واحدي عشرة آية

بسم الله الرحمن الرحيم

[(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً* قَيِّماً لِيُنْذِرَ بَاساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً* ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً* وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً*

ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً)].

لقن الله عباده وفقههم كيف يثنون عليه ويحمدونه على أجزل نعمائه عليهم؛

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

سورة الكهف

مكية، وهي مئة وإحدى عشرة آيةً

بسم الله الرحمن الرحيم

قوله: (لقن الله عباده وفقههم كيف يثنون عليه)، ضمن "لقَّنَ" معنى العلم، ولذلك فسره بالفقه، والمفعول الأول:"عباده"، والثاني: الجملة الاستفهامية، وليس بتعليق لذكر

ص: 402

وهي نعمة الإسلام، وما أنزل على عبده محمد صلى الله عليه وسلم من الكتاب الذي هو سبب نجاتهم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المفعول الأول، يُريد ما ذكره في الفاتحة:" (الْحَمْدُ لِلَّهِ) مقولٌ على ألسنة العباد، ومعناه: تعليمُ عباده كيف يتبركون باسمه، وكيف يحمدونه ويُمجدونه ويُعظمونه".

قوله: (وما انزل على عبده محمدٍ صلوات الله عليه)، عطفٌ تفسيري على قوله:"نعمة الإسلام"، وفيه: أن المذكور- من كونه مُنزلاً على عبده مستقيماً بريئاً من الاعوجاج بشيراً للموحدين الذين يعملون الصالحات، نذيراً لمن أشرك بالله وعمل عملاً غير صالح- هو الإسلام.

الراغب: العبدُ يُطلق على الإنسان الذي يصح بيعه نحو: (الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ)[البقرة: 178]، وعلى عبدٍ بالإيجاد، وإياه عني بقوله:(إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً)[مريم: 93]، وعلى عبدٍ بالعبادة والخدمة، والناسُ فيه ضربان: عبدٌ لله مخلصاً، وهو المقصود بنحو قوله تعالى:(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ)؛ وعبدُ الدنيا، وهو المعتكف على خدمتها ومراعاتها، وإياه عني صلى الله عليه وسلم:"تعس عبد الدرهم، تعس عبدُ الدينار"، وعلى هذا يصح أن يُقال: ليس كل إنسان عبداً تعالى.

وقلتُ: الحديث من رواية البخاري، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:"تعس عبدُ الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة، إن أُعطي رضي، وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش، طوبى لعبد آخذٍ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه، مغبرةٍ قدماه، إن كان في الحراسة، كان في الحراسة، وإن كان في الساقة، كان في الساقة، إن استأن لم يؤذن له، وإن شفع لم يُشفع" الحديث جمع بين النوعين من العبدين.

ص: 403

وفوزهم، (وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً) ولم يجعل له شيئا من العوج قط، والعوج في المعاني كالعوج في الأعيان، والمراد نفى الاختلاف والتناقض عن معانيه، وخروج شيء منه من الحكمة والإصابة فيه. فإن قلت: بم انتصب (قَيِّماً)؟ قلت: الأحسن أن ينتصب بمضمر ولا يجعل حالا من الكتاب؛ لأنّ قوله (وَلَمْ يَجْعَلْ) معطوف على (أنزل)، فهو داخل في حيز الصلة، فجاعله حالا من الكتاب فاصل بين الحال وذي الحال ببعض الصلة، وتقديره: ولم يجعل له عوجا جعله قيما؛ لأنه إذا نفى عنه العوج فقد أثبت له الاستقامة. فإن قلت: ما فائدة الجمع بين نفى العوج وإثبات الاستقامة، وفي أحدهما غنى عن الآخر؟ قلت: فائدته التأكيد، فرب مستقيم مشهود له بالاستقامة ولا يخلو من أدنى عوج ....

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (والعوجُ في المعاني)، الراغب: العوجُ: العطفُ عن حال الانتصاب، يقال: عُجتُ البعير بزمامه، وفلانٌ ما يعوجُ عن شيء يهم به، أي: لايرجعُ، والعوجُ: يقالُ فيما يدركُ بالبصر، كالخشب المنتصب، والعوج: فيما يدركُ بالبصيرة والفكر، كما يكون في أرض بسيطة، وكالدين والمعاش.

قوله: (وخروج شيء منه من الحكمة والإصابة فيه)، الضمير المجرور في "فيه" عائدٌ إلى الشيء، المعنى: لا تجدُ شيئاً في القرآن المجيد، ولا كلمة إن أمعنت النظر فيه خارجاً عن إصابة مجز البلاغتين، من حيث اللفظ، ومتجاوزاً عن الاشتمال على الحكمتين، أعني: العلمية والعملية من حيث المعنى.

قوله: (ولا يُجعل حالاً من الكتاب)، لئلا يلزم الفصلُ بين الحال وذي الحال بأجنبي، وهو (وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا)، وهو معطوفٌ على الصلة، قال أبو البقاء: ويجوز أن يكون حالاً من الضمير في (له)، ويجوز أن تكون الواو في:(وَلَمْ يَجْعَلْ) للحال؛ فيكونان حالين، أي: أنزله منفياً عنه العوج قيماً.

ص: 404

عند السير والتصفح. وقيل: (قيما) على سائر الكتب مصدقا لها، شاهدا بصحتها. وقيل: قيما بمصالح العباد وما لا بدّ لهم منه من الشرائع. وقرئ: (قيما). «أنذر» متعدّ إلى مفعولين، كقوله:(إنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً)[النبأ: 40]

فاقتصر على أحدهما، وأصله (لِيُنْذِرَ) الذين كفروا (بَاساً شَدِيداً) والبأس من قوله:(بِعَذابٍ بَئِيسٍ)[الأعراف: 165]، وقد بؤس العذاب وبؤس الرجل بأسًا وبآسة، (مِنْ لَدُنْهُ) صادراً

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (عند السير)، النهاية: وفي حديث الغار: قال له أبو بكر رضي الله عنه: لاتدخله حتى أسبره قبلك، أي: أختبره وأعتبره وأنر فيه، هل فيه أحدٌ أو شيء يؤذي.

قوله: (وقيل: (قَيِّماً) على سائر الكتُب): عطفٌ على قوله: "لأنه إذا نفى عنه العوج فقد أثبت له الاستقامة"، وعلى هذا لا يرد السؤال. وتلخيص الجواب: أن (قَيِّماً) إذا لم يقدر له متعلقٌ كان بمعنى مستقيماً، فكان توكيداً دفعاً للتجوز، من باب الطرد والعكس إذ مفهوم الثاني مؤكدٌ لمنطوق الأول، وبالعكس، وإذا قُدر له متعلق فإما أن يُقدر:(على)، كما في قوله تعالى:(أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ)[الرعد: 33] أي: رقيبٌ حافظٌ شهيد، كان تتميماً؛ لأنه حينئذٍ كاملٌ في نفسه مكملٌ لغيره، فيكون بالغاً في الاستقامة حدها، أو يقدرُ له الباء، على نحو قولهم: فلانٌ قيمٌ بهذا الأمر، فيكون تكميلاً؛ لأنه إذن مستقيمٌ في نفسه، قيمٌ بأمور غيره. وقال القاضي:(قَيِّماً): مستقيماً معتدلاً لا إفراط فيه ولا تفريط، أو: قيماً بمصالح العباد، فيكون وصفاً له بالتكميل بعد وصفه بالكمال.

قوله: ((بِعَذَابٍ بَئِيسٍ)، الأساس: وقع في البؤس والبأساء، وفي أمر بئيس: شديد.

ص: 405

من عنده. وقرئ: (من لدنه) بسكون الدال مع إشمام الضمة وكسر النون، (وَيُبَشِّرَ) بالتخفيف والتثقيل. فإن قلت: لم اقتصر على أحد مفعولي (ينذر)؟ قلت: قد جعل المنذر به هو الغرض المسبوق إليه، فوجب الاقتصار عليه.

والدليل عليه تكرير

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وقرئ "من لدنه")، أبو بكر يقرأ:"من لدنه" بإسكال الدال وإشمامها شيئاً من الضم، وبكسر النون والهاء، ويصل الهاء بياء. والباقون: بضم الدال وإسكان النون وضم الهاء، وابن كثير على أصله: يصلها بواو.

قوله: ((وَيُبَشِّرُ) بالتخفيف والتثقيل)، بالتخفيف: حمزة والكسائي.

قوله: (قد جعل المنذر به هو الغرض)، اعلم أن الفعل المتعدي إلى مفعول واحد إذا لم ينو مفعوله بقي مطلقاً فيكون الغرض منه الإطلاق، كقولك: فلان يُعطي ويمنعُ، فالغرض: إيجاد حقيقتهما، والمتعدي إلى المفعولين إذا اقتصر على واحدٍ يجري ذلك الحكم على المذكور، فيكون هو الغرض لا المنسي.

قوله: (والدليل عليه)، أي: على أن المنذر به هو الغرض الذي سيق له الكلام: تكرير (وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً) الآية، وجعلها قرينة لقوله:(وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً) الآية، وهو موجب لأن يُذكر فيها المنذر والمنذر به كما ذُكر في أختها المبشر والمبشر به، وإنما تُرك المنذر به في الثالثة للاكتفاء بما سيق له الكلام، ولو لم يكن أصلاً [و] ثابتاً في نفسه وأنه هو الغرض الأولى لم يستغن به عن ذكر مثله في القرنية الثالثة.

فإن قلت: لِمَ لم يُجعل قوله: (لِيُنذِرَ بَاساً شَدِيداً) قرينة لقوله: ((وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً)؟ فيُقدر المنذرُ فيه، وتترك القرينة الثالثة على إطلاقها ليكون الغرض في الإيراد ذكر المنذرين؟

ص: 406

الإنذار في قوله: (وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً) متعلقا بالمنذرين من غير ذكر المنذر به، كما ذكر المبشر به في قوله:(أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً) استغناء بتقدّم ذكره. والأجر الحسن: الجنة. (ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ) أي: بالولد أو باتخاذه، يعنى: أنّ قولهم هذا لم يصدر عن علم ولكن عن جهل مفرط وتقليد للآباء، وقد استملته آباؤهم من الشيطان وتسويله. فإن قلت: اتخاذ الله ولدا في نفسه محال، فكيف قيل: ما لهم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قلت: ليس جعلُ ساقةٍ الكلام أصلاً في الاعتبار ومقدتمه فرعاً أولى من العكس؛ لأنهم يُقدمون الأهم وما هم ببيانه أعني، على أن (بَاساً): ثاني مفعولي الإنذار، وهو أولى بالحذف، فترك الأول إلى ذكر الثاني أوغل في إرادة خلاف مُقتضى الظاهر، والذهاب إليه أحرى وأنسبُ؛ لأنه من حلية التنزيل، ولأن ذكر المنذر به، لا سيما اختصاصه بذكر البأس، أنفع للناس: مؤمنهم وكافرهم، فلو قُدر المنذر لاختص الإنذار بالكافرين، والمراد: الشمول.

قوله: (متعلقاً)، هو: حالٌ من الإنذار، و"استغناء": مفعولٌ له، أي تكرير الإنذار - من غير ذكر المنذر به- لأجل الاستغناء، لتقدم ذر المنذر به ولذلك كرر الإنذار.

قوله: (وقد استملته)، النهاية: يقال: أمللتُ الكتاب وأمليته: إذا ألقيته على الكاتب ليكتبه.

الجوهري: استمليته الكتاب: سألته أن يمليه عليَّ.

قوله: (اتخاذ الولد في نفسه محالٌ)، يعني: إنما ينبغي من الشخص العلمُ بالشيء إذا

ص: 407

به من علم؟ قلت: معناه ما لهم به من علم؛ لأنه ليس مما يعلم لاستحالته، وانتفاء العلم بالشيء إمّا للجهل بالطريق الموصل إليه، وإما لأنه في نفسه محال لا يستقيم تعلق العلم به. قرئ:(كبرت كلمة) و (كلمة)؛ بالنصب على التمييز والرفع على الفاعلية، والنصب أقوى وأبلغ،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كان ذلك الشيء ثابتاً في نفسه، وأنه فاقدٌ للطريق الموصل إليه، واتخاذ الولد ف نفسه مُحالٌ، فكيف قيل:(مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ)؟ وتلخيص الجواب: جاز ذلك إرادة للمبالغة، وأن ما تفوهوا به معدومٌ بالطريق البرهاني، كأنه قيل:(مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ)؛ لأنه ليس مما يتعلق به العلم؛ لأن العلم تابعٌ للمعلوم، والمحالُ لا يستقيم تعلق العلم به، لكن هذا السؤال مستدرك؛ لأنه قال أولاً: إن قولهم هذا لم يصدر عن علم لكن عن جهل مفرط وتقليد للآباء.

قوله: (وقرئ: (كَبُرَتْ كَلِمَةً)، و"كلمة")، قال ابن جني: بالرفع قرا يحيى بن يعمر، الحسن، وابن محيصن.

سمى قولهم: (اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً): كلمة، كما سموا القصيدة- وإن كانت مئة بيت- كلمة، وهذا كوضعهم الاسم الواحد على جنسه، ولله فصاحة الحجاج وكثرة قوله على المنبر يا أيها الرجل وكلكم ذلك الرجل.

الراغب: وتستعمل الكبيرة فيما يشق ويصعب، نحو:(وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ)[البقرة: 45]، وقوله:(كَبُرَتْ كَلِمَةً) ففيه تنبيه على عظم ذلك من بين الذنوب، وعظم عقوبته، وكذلك:(كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ)[الصف: 3].

قوله: (والنصب أقوى)؛ لأنه فاعلٌ مُزالٌ عن أصله للإبهام والتبيين.

ص: 408

وفيه معنى التعجب، كأنه قيل: ما أكبرها كلمة.

و(تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ) صفة للكلمة تفيد استعظاما لاجترائهم على النطق بها وإخراجها من أفواههم، .........

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وفيه معنى التعجب)، قال في قوله تعالى:(كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ)[الصف: 3]: "قصد في (كَبُرَ) التعجب من غير لفظه، كقوله:

. غلت نابٌ كليب بواؤها

ومعنى التعجب: تعظيم الأمر في قلوب السامعين؛ لأن التعجب لا يكون إلا من شيء خارج من نظائره.

قوله: (و (تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ): صفة للكلمة)، هذا إذا كانت مرفوعة ظاهر، وإن نُصبت تمييزاً يلزم وصفُ التمييز، وهو جائز، وقد جاء معرفة في قوله تعالى:(إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ)[البقرة: 130]، وقول الشاعر:

ولا بفزارة الشعر الرقابا

على أن الوصف غير مخصص، بل هو مؤكد، نحو قوله:(وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ)[الأنعام: 38]، وقال أبو البقاء:(كَلِمَةُ): تمييز، والفاعل مضمر، أي: كبرت مقالتهم، وفي:(َخْرُجُ) وجهان، أحدهما: هو في موضع نصب صفة لـ"كلمة"، والثاني: في موضع رفع تقديره: "كبرت كلمة كلمة تخرج"؛ لأن "كَبُرَ" بمعنى "بَئسَ"، فالمحذوف هو المخصوص بالذم.

ص: 409

فإن كثيرا مما يوسوسه الشيطان في قلوب الناس ويحدّثون به أنفسهم من المنكرات لا يتمالكون أن يتفوّهوا به ويطلقوا به ألسنتهم، بل يكظمون عليه تشوّرا من إظهاره، فكيف بمثل هذا المنكر؟ وقرئ:(كبرت) بسكون الباء مع إشمام الضمة. فإن قلت: إلام يرجع الضمير في كبرت؟ قلت: إلى قولهم: (اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً)، وسميت كلمة كما يسمون القصيدة بها.

[(فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً)].

شبهه وإياهم حين تولوا عنه ولم يؤمنوا به وما تداخله من الوجد والأسف على توليهم، برجل فارقه أحبته وأعزته فهو يتساقط حسرات على آثارهم، ويبخع نفسه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (فإن كثيراً مما يوسوسه الشيطان)، إلى قوله:(بل يكظمون عليه تشوراً من إظهاره)، مقتبسٌ من قوله صلى الله عليه وسلم، عن عبد الله بن مسعود، قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوسوسة، فقالوا: إن أحدنا ليجد في نفسه لأن يُحرق أو يخر من السماء أحب إليه من أن يتكلم به، قال:"ذلك محض الإيمان"، أخرجه مسلمٌ.

قوله: (شبهه وإياهم)، يعني: شبه الله رسول الله صلى الله عليه وسلم وقومه في قوله: (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ)، فالاستعارة تمثيلية لكون المشبه: حاله وحال قومه، والمشبه به: حال الرجل مع أحبته.

قوله: (ويبخع نفسه). الراغب: البخع: قتل النفس غماً، وقوله تعالى:(فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ) حث على ترك التأسف، نحو:(فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ)[فاطر: 8]، قال الشاعر:

ألا أيهذا الباخع الوجد نفسه

وبخع فلانٌ بالطاعة، وبما عليه من الحق: إذا أقر به وأذعن مع كراهةٍ شديدة تجري مجرى: بخع نفسه في شدته.

ص: 410

وجدا عليهم وتلهفا على فراقهم. وقرئ: (باخع نفسك) على الأصل وعلى الإضافة، أي: قاتلها ومهلكها، وهو للاستقبال فيمن قرأ:(إن لم يؤمنوا)، وللمضي فيمن قرأ:(أن لم يؤمنوا)، بمعنى: لأن لم يؤمنوا (بِهذَا الْحَدِيثِ) بالقرآن، (أَسَفاً) مفعول له، أي: لفرط الحزن. ويجوز أن يكون حالاً. والأسف: المبالغة في الحزن والغضب. يقال: رجل أسف وأسيف.

[(إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً* وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً* أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً* إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً* فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً)].

(ما عَلَى الْأَرْضِ) يعنى: ما يصلح أن يكون زينة لها ولأهلها من زخارف الدنيا وما يستحسن منها، (لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) وحسن العمل: الزهد فيها وترك

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وللمضي فيمن قرأ: "أن لم يؤمنوا")، قال أبو البقاء:"أن لم يؤمنوا" بالفتح: شاذة، والجمهور على الكسر. ومُرادُ المصنف أن المناسب على قراءة من قرأ "أن لم يؤمنوا" بفتح (أنْ) حملُ (بَاخِعٌ) على المعنى بناء على حكاية الحال الماضية، قال أبو البقاء: كأنه قيل: لعلك بخعت نفسك لأجل عدم إيمانهم، فجيء باسم الفاعل لتصوير تل الحالة في ذهن السامع واستحضارها، وعلى من قرأ (إنْ) بالكسر، المناسب حملُ (بَاخِعٌ) على الاستقبال لأجل الشرط، كأنه قيل: لعلك تبخع نفسك الآن أو غداً إن لم يصدر منهم إيمانٌ.

قوله: (رجلٌ أسفٌ وأسيف)، رُوي عن المصنف: الأسف أصلٌ معناهُ: الجهد دون العفو، ومنه الأسيف: الأجير، لجهده في العمل، ألا تراه سُمي عسيفاً من العسف؟

قوله: (وحسنُ العمل: الزهد فيها). قال القاضي: " (لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) في

ص: 411

الاغترار بها، ثم زهد في الميل إليها بقوله:(وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها) من هذه الزينة، (صَعِيداً جُرُزاً) يعنى: مثل أرض بيضاء لا نبات فيها، بعد أن كانت خضراء معشبة، في إزالة بهجته، وإماطة حسنه، وإبطال

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تعاطيه، وهو من زهد فيه ولم يغتر به، وقنع منه بما يُزجي به أيامه وصرفه على ما ينبغي فيه، وفيه تسكين لرسول الله صلى الله عليه وسلم".

قوله: (ثم زهد في الميل إليها بقوله: (وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ))، يعني: قال أولاً: إنا زينا وجه الأرض ابتلاء واختباراً، ثم بينا أنها في عُرض الفناء ووشك الزوال ليزهدوا فيه، كقوله تعالى:(حَتَّى إِذَا أَخَذَتْ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ)[يونس: 24].

قوله: (من هذه الزينة)، جاء بـ (هذه) ليُشير إلى تحقير شأن الزينة.

قوله: (بيضاء لا نبات فيها)، الراغب:(جُرُزاً)، أي: منقطع النبات من أصله، وأرض مجروزة: أُكل ما فيها، والجروز: الذي يأكل ما على الخوان، وفي المثل:"لا ترضى شانئة إلا بجرزة"، أي: بالاستئصال، والجرزُ: القطعُ بالسيف، وسيفٌ جُراز.

قوله: (بهجته)، الجوهري: البهجة: السرور.

الراغب: البهجة: حُسن اللون وظهور السرور فيه، قال تعالى:(حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ)[النمل: 60]، وقد بهُجَ فهو بهيجٌ، ويقال: باهجٌ، وقد ابتهج بكذا، أي: سُرَّ به سُروراً بان أثره على وجهه، وأبهجه كذا.

ص: 412

ما به كان زينة: من إماتة الحيوان، وتجفيف النبات والأشجار، ونحو ذلك. ذكر من الآيات الكلية تزيين الأرض بما خلق فوقها من الأجناس التي لا حصر لها وإزالة ذلك كله كأن لم يكن، ثم قال:(أَمْ حَسِبْتَ) يعنى: أن ذلك أعظم من قصة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ما به كان زينةً)، أي: ما كانت الأرض مزينة به، أو: الذي كان ما على الأرض مزيناً به.

قوله: (من إماتة الحيوان)، بيانٌ لقوله:"'إزالة بهجته" أو "ما" في "ما به".

قوله: (ثم قال: (أَمْ حَسِبْتُ))، يعني: أن ذلك أعظمُ من قصة أصحاب الكهف، يعني:(أم): منقطعةٌ، والهمزة فيه للتعجب، يعني: يتعجب من قصة أصحاب الكهف ويتركُ ما سبق، والإنسانُ من عادته أن يتعجب من شيء قل إيناسه به، وإن كان الذي بحضرته أعجب منه، وتلخيص ما ذكره الإمام في هذا المعنى هو: أنه تعالى لما قال: (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا) أي: أخرجنا أنواع زخارف الأرض وزينتها، كما قال تعالى:(حَتَّى إِذَا أَخَذَتْ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ)[يونس: 24]، وأصناف المنافع الفائتة للحصر على طبائع مُتباعدة، وهيئاتٍ متخالفةٍ، من مادة واحدة، ابتلاء لبني آدم، قال بعده:(أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ) أي: أحسبت أن أحوالهم كانت أعجب من آياتنا؟ فلا تحسبن ذلك، فإن آياتنا كلها أعجب، فإن من كان قادراً على خلق السماوات والأرض، ثم تزيين الأرض بأنواع المعادن والنبات والحيوان، ثم تقليبها (صَعِيداً جُرُزاً) كيف يُستبعد من قدرته ورحمته حفظُ طائفةٍ في النوم سنين متطاولة؟

وقال محيي السُّنة: (أَمْ حَسِبْتَ): أظننت يا محمد (أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً)، أي: هم عجبٌ من آياتنا. وقيل: معناه: ليسوا بأعجب من آياتنا، فإن ما خلقتُ من السماوات والأرض وما فيهن أعجبُ منهم.

ص: 413

أصحاب الكهف وإبقاء حياتهم مدّة طويلة. و (الكهف): الغار الواسع في الجبل، (وَالرَّقِيمِ) اسم كلبهم. قال أمية ابن أبي الصلت:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقلتُ: تقريب هذين المعنيين إنما يظهر بتحقيق معنى الهمزة في "امْ"؛ لأنها منقطعةٌ متضمنة للهمزة و"بلْ"، كما قال الراغب:"أمْ"، إذا قُوبل به همزة الاستفهام، فمعناه: أي، نحو: أزيدٌ عندك أم عمروٌ، أي: أيهما؟ وإذا جُرد عن ذلك يقتضي معنى ألف الاستفهام مع "بل"، نحو:(أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمْ الأَبْصَارُ)[ص: 63]، أي: بل زاغت. فإن حُملت على الإنكار أفاد النفي، أي: لا يُتعجب منه، وإن حُملت على التنبيه أفاد التقرير، أي: هم عجبٌ من آياتنا فاعلمه، ولعل هذا أقرب؛ لأن الإضراب عن الكلام الأول إنما يحسن إذا كان الكلام الثاني أغرب وأحسن ليحصل الترقي. وأيضاً، يقتضي المنكرُ أن يكون مقرراً عن السامع معلوماً عنده، وما لا يعلمه كيف يقال له: لا تتعجب منه؟ وكيف لا وإن هذا ابتداءُ إعلام من الله بقصتهم بشهادة سؤال المنكرين، وإمساك النبي صلى الله عليه وسلم وانقطاع الوحي أربعين أو خمسة عشر يوماً، ثم نزول الآيات تصديقاً له؟ فالوجه أن يُجرى الكلامُ على التسلي والاستفهام على التنبيه.

ويقال: إنه صلى الله عليه وسلم لما أخذه من الكآبة والسف من إباء القوم وامتناعهم عن الإيمان ما بلغ أن يبخع نفسه، قيل له:(فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً)، وعلل ذلك بقوله:(إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً)، أي: جعلنا ذلك لنختبرهم، وحين لم تتعلق إرادتنا بإيمانهم بها، تلهوا بها، وتشاغلوا عن آياتنا، وغفلوا عن شُكرها، وبدلوا الإيمان بالكفران، فلا تُبال بهم، فإنا لجاعلون أبدانهم جرزاً لأسيافكم، كما إنا لجاعلون ما عليها صعيداً جرزاً، ألا ترى إلى أولئك الفتيان

ص: 414

وليس بها إلّا الرّقيم مجاورًا

وصيدهم والقوم في الكهف همّد

وقيل: هو لوح من رصاص رقمت فيه أسماؤهم، جعل على باب الكهف. وقيل: إن الناس رقموا حديثهم نقرا في الجبل. وقيل: هو الوادي الذي فيه الكهف. وقيل: الجبل. وقيل: قريتهم. وقيل: مكانهم بين غضبان وأيلة دون فلسطين (كانُوا) آية (عَجَباً) من آياتنا، وصفا بالمصدر، أو على: ذات عجب، (مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً) أي: رحمة من خزائن رحمتك، وهي المغفرة والرزق والأمن من الأعداء، (وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا) الذي نحن عليه من مفارقة الكفار، (رَشَداً) حتى نكون بسببه راشدين مهتدين، أو اجعل أمرنا رشدا كله، كقولك: رأيت منك أسدا، (فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كيف اهتدوا وفروا إلى الله وتركوا زينة الدنيا وزخرفها فأووا على الكهف قائلين: (رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً)، وكما تعلقت الإرادة بإرشادهم فاهتدوا، يتعلق بإرشاد قومٍ من أمتك:(يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ)[المائدة: 54]، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

قوله: (وليس بها إلا الرقيم) البيت، الوصيد: فناء البيت، وهو مفعول "مجاوراً"، يعني: أن أصحاب الكهف كانوا رقوداً في الغار وكلبهم مجاوراً لوصيدهم.

قوله: (أيلةَ): دون فلسطين. النهاية: أيلة- بفتح الهمزة وسكون الياء -: البلدُ المعروف فيما بين مصر والشام.

قوله: (أو: اجعل أمرنا رشداً كله، كقولك: رأيت منك أسداً)، (مِن) على الأول: صلة (َهَيِّئْ)، وعلى هذا بيان وتجريد، جرد من الأمر رشداً وهو الأمر بعينه مبالغةً في رشاده، ولهذا قال: رشداً كله.

ص: 415

أي: ضربنا عليها حجابا من أن تسمع، يعنى: أنمناهم إنامة ثقيلة لا تنبههم فيها الأصوات، كما ترى المستثقل في نومه يصاح به فلا يسمع ولا يستنبه، فحذف المفعول الذي هو الحجاب. كما يقال: بني على امرأته، يريدون: بني عليها القبة، (سِنِينَ عَدَداً) ذوات عدد، فيحتمل أن يريد الكثرة وأن يريد القلة؛ لأن الكثير قليل عنده، كقوله:(لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ)(الأحقاف: 35)، وقال الزجاج: إذا قل فهم مقدار عدده فلم يحتج أن يعدّ، وإذا كثر احتاج إلى أن يعد.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (أنمناهم إنامة ثقيلة)، يريد أن قوله تعالى:(فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ): كناية عن الإنامة الثقيلة: لأن المستثقل في نومه يُصاح به فلا يسمعُ، وإنما خُصت الآذان دون العيون، مع أن النوم يتعلق بها؛ لأن المراد المبالغة في النوم، فإن النائم في الأكثر يتنبه بسبب نُفوذ الصُّراخ في منفذ الصماخ.

قوله: (بني على امرأته)، الأساس: بني على أهله: دخل عليها، وأصله أن المُعرس أن يبني على أهله خباء.

قوله: (وقال الزجاج: إذا قل فُهِم مقدارُ عدده، فلم يحتج أن يُعد، وإذا كثُر احتاج إلى أن يُعد)، هذا مختصرٌ من كلامه، وكلامه أن (عَدَداً): منصوبٌ على ضربين، أحدهما: على المصدر، المعنى: يعد عدداً، ويجوز أن يكون نعتاً للسنين: والمعنى سنين ذات عدد، والفائدة في قولك: عددٌ في الأشياء المعدودات: أنك تريدُ توكيد كثرة الشيء؛ لأنه إذا قل فُهم مقدارُ عدده فلم يحتج إلى أن يُعد، وإذا كثُر يحتاج إلى أن يُعد، والعددُ في قولك: أقمت أياماً عدداً، تريد به الكثرة، وجائزٌ أن يؤد بعددٍ معنى الجماعة أنها قد خرجت من معنى الواحد.

وقلتُ: ويؤيده ما روينا عن البخاري ومسلم، عن عائشة رضي الله عنها في حديث بدء

ص: 416

[(ثُمَّ بَعَثْناهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً)].

(أَيُّ) يتضمن معنى الاستفهام، فعلق عنه (لِنَعْلَمَ) فلم يعمل فيه. وقرئ:(ليعلم) وهو معلق عنه أيضا؛ لأن ارتفاعه بالابتداء لا بإسناد «يعلم» إليه، وفاعل «يعلم» مضمون الجملة كما أنه مفعول «نعلم» ، (أَيُّ الْحِزْبَيْنِ) المختلفين منهم في مدّة لبثهم؛ لأنهم لما انتبهوا اختلفوا في ذلك، وذلك قوله:(قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ)[الكهف: 19]، وكان الذين قالوا ربكم أعلم بما لبثتم: هم الذين علموا أن لبثهم قد تطاول، أو أي الحزبين المختلفين من غيرهم، و (أَحْصى) فعل ماض، أي: أيهم ضبط (أَمَداً) لأوقات

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الوحي: وكان يخلو بغارِ حراء فيتحنث فيه، وهو التعبد، الليالي ذوات العدد. الحديث، قيل: فيه نظرٌ؛ لأن العدد يعبر به عن القلة، كقوله تعالى:(دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ)[يوسف: 20]، أي: قليلة تُعد عداً، ولأن الكثيرة يمنع من عدها كثرتها، فإنما تُهالُ هيلاً، أو تُكالُ كيلاً. وأجيب: بأن الكثرة والقلة بحسب اقتضاء المقام، فإن مقام التعجب من خرق العادة يقتضي الكثرة، على أن المراد بقوله:(سِنِينَ عَدَداً)[الكهف: 11]، (ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً) [الكهف: 25]، ومقام التهاون بيوسف والزهد في قيمته يقتضي القلة.

قوله: (أي الحزبين المختلفين)، الراغب: الحزب: جماعةٌ فيها غلظٌ، وحزبُ الشيطان. وقوله تعالى:(وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ)[الأحزاب: 22] عبارة عن المجتمعين لمحاربة النبي صلى الله عليه وسلم، (فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْغَالِبُونَ).

قوله: ((أَحْصَى) فعلٌ ماض)، الراغب: الإحصاء: التحصيل بالعدد، يقال: أحصيت كذا، وذلك من لفظ الحصى، واستعمال ذلك فيه من حيثُ إنهم كانوا يعتمدونه بالعد كاعتمادنا

ص: 417

لبثهم. فإن قلت: فما تقول فيمن جعله من (أفعل) التفضيل؟ قلت: ليس بالوجه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فيه على الأصابع. قال تعالى: (وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً)[الجن: 28]، أي حصله وأحاط به. وفي الحديث:"من أحصاها دخل الجنة"، وفيه:"نفسٌ تنجيها خيرٌ لك من إمارة لا تحصيها"، وفيه:"استقيموا ولن تحصوا"، أي: لن تحصلوا ذلك، ووجه تعذر إحصائه وتحصيله: هو أن الحق واحدٌ والباطل كثيرٌ، بل الحق بالإضافة إلى الباطل كالنقطة بالإضافة إلى سائر أجزاء الدائرة، وكالمرمى من الهدف، فإصابة ذلك شديد.

وقال أبو البقاء: (أَيُّ الْحِزْبَيْنِ): مبتدأ، والخبر:(أَحْصَى)، و (أَمَداً): مفعوله: و (لِمَا لَبِثُوا): نعتٌ له، قُدم فصار حالاً أو مفعولاً له، أي: لأجل لُبثهم.

قوله: (فما تقول فيمن جعله من "أفعل" التفضيل؟ )، هذا السؤال وجوابه إشارة على ما ذهب إليه الزجاج في "تفسيره"، وما أورد عليه أبو علي في "الإغفال". قال الزجاج: الأمد: الغاية، وهو منصوبٌ، إما على التمييز أو على أنه مفعول (أَحْصَى)، كأنه قيل: لنعلَمَ أهؤلاءِ أحصى للأمد أو هؤلاء؟ أو يكون منصوباً بـ (لَبِثُوا)، و (لِمَا): متعلق بـ (أَحْصَى). المعنى: أي الحزبين أحصى للُبثهم في الأمد. وقال أبو علي: الحمل على التمييز عندي غير مستقيم؛ لأن (أَحْصَى) لا يجوز أن يكون أفعل التفضيل لأمرين، أحدهما: أن أفعل يفعل لا يُبنى منه أفْعِلْ من كذا. وأما قولهم: ما أولاه للخير وما أعطاه للدرهم! فمن الشاذ النادر الذي لا يُقاس عليه.

ص: 418

السديد، وذلك أن بناءه من غير الثلاثي المجرّد ليس بقياس، ونحو: (أعدى من

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وثانيهما: أن التمييز في نحو: هو أكثرُ مالاً وأحسنُ وجهاً: فاعلٌ في المعنى، وإن كان منتصباً في اللفظ؛ لأن الوجه هو الذي حَسُنَ، والمال هو الذي كثر، ليس الأمد هو الذي أحصى. كذا ذكر ابن الحاجب في "الأمالي". وقال أبو علي: وفيه وجهٌ آخر لو جُوز حملُ (أَحْصَى) على أفعل التفضيل في الشذوذ، يكون (أَمَداً) منتصباً بفعل يدل عليه (أَحْصَى).

وقال صاحب "التقريب": التفضيلُ هو السابق إلى الفهم، والتقسيم غير منحصر، لجواز انتصابه تمييزاً (لِما)، والمعنى: أضبط للأمد الذي لبثوه.

وقال صاحب "الانتصاف": لقائل أن ينصبه تمييزاً لقوله: (وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً)[الجن: 28]، وإن كانت (َأَحْصَى) هناك فعلاً، ويؤيده أن الواقعة في اختلاف الأحزاب مقدار اللبث، (إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً) فأمثلهم طريقة هو أحصاهم أمداً.

وقال صاحب "الإنصاف": لا بُعدَ فيما استبعده الزمخشري من إضمار فعلٍ من جنس أفعلَ، كقوله تعالى:(إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ)[النحل: 125] يحتاجُ إلى إضمار فعل آخر من جنس أفعل؛ إذ الإضافة مستحيلةٌ هناك، وللزمخشري أن يجيب بأن هناك بناء على ضرورة، ولا ضرورة هاهنا؛ ولذلك قال:"أبعدت المتناول وهو قريب".

قوله: (أن بناءه من غير الثلاثي المجرد ليس بقياس)، الانتصاف: جعل بعضُ النحاة بناء أفعل من المزيد فيه الهمزة قياساً، ونسبه إلى سيبويه، وعلله بأن بناءه منه لا يغير نظم الكلمة، إنما هو تعويض همزة بهمزة.

ص: 419

الجرب)، و «أفلس من ابن المذلق» شاذ. والقياس على الشاذ في غير القرآن ممتنع، فكيف به؟ ولأن (أَمَداً) لا يخلو: إما أن ينتصب بـ (أفعل)، فـ (أفعل) لا يعمل، وإما أن ينصب بـ (لبثوا)، فلا يسدّ عليه المعنى. فإن زعمت أني

أنصبه بإضمار فعل يدل عليه (أحصى)، كما أضمر في قوله:

وأضرب منّا بالسّيوف القوانسا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وأفلس من ابن المذلق)، قال الميداني: يُروى بالدال والذال، وهو رجلٌ من بني عبد شمس، وأبوه وأجداده يعرفون بالإفلاس. قال الشاعر في أبيه:

فإنك إذ ترجو تميماً ونفعها

كراجي الندى والعُرف عند المذلق

قوله: (وإما أن يُنصب بـ (لْبَثُوا)، فلا يُسد عليه المعنى)، هو رد على الزجاج، أو يكون منصوباً بـ (لْبَثُوا) أي: أي الحزبين أحصى للبثهم في الأمد؟ لأن المعنى: أيكم أضبط للأمد الذي لبثوه؟ فالمحصي المد لا اللبث. وقيل: إنما لا يُسد عليه المعنى لأن "أمداً" معناه انتهاء المدة وغايتها، وليس المعنى على أنهم لبثوا انتهاء المدة، وفيه نظرٌ؛ لأن "الأمد" يُطلق على المدة كلها وعلى غايتها.

النهاية: قال الحجاج للحسن: ما أمدُك؟ قال: سنتان لخلافة عمر، وللإنسان أمدان: مولده وموته.

قوله: (فلا يُسد عليه) بفتح السين في النسخ. الجوهري: سد قوله يسد، بالكسر، أي: صار سديداً. الأساس: وسد الرجل يسد: صار سديداً، وسد قوله وأمره يسد، وأمره سديد، وقلت له سداداً من القول، وسدداً: صواباً.

قوله: (وأضرب منا بالسيوف القوانسا)، قبله:

ولم أر مثل الحي حياً مصبحاً

ولامثلنا يوم التقينا فوارسا

ص: 420

على: نضرب القوانس، فقد أبعدت المتناول وهو قريب، حيث أبيت أن يكون (أحصى) فعلا، ثم رجعت مضطرا إلى تقديره وإضماره. فإن قلت: كيف جعل الله تعالى العلم بإحصائهم المدّة غرضا في الضرب على آذانهم؟ قلت: الله عز وجل لم يزل عالما بذلك، وإنما أراد ما تعلق به العلم من ظهور الأمر لهم؛ ليزدادوا إيمانا واعتبارا، ويكون لطفا لمؤمني زمانهم، وآية بينة لكفاره.

[(نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً* وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إِذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً* هؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأتُونَ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أكر وأحمى للحقيقة منهم

وأضرب منا بالسيوف القوانسا

المصبح: المغارُ عليه وقت الصبح، وحقيقة الرجل: ما لزمه الدفاع عنه من أهل لبيته، والقوانس: جمع قونس: وهو أعلى البيضة، مدح كلا الفريقين عدوهم ونفسهم، يقول: لم أر مُغارا عليهم كالذين صبحناهم، ولا مُغيرا مثلنا يوم لقيناهم.

قوله: (فقد أبعدت المتناول)، وهو انه منصوب بـ (أَحْصَى)؛ لأنك أثبت أولاً أنه منصوبٌ به، ثم يقدره بعد ارتكاب هذه التكاليف.

قوله: (وإنما أراد ما تعلق به العلمُ من ظهور الأمر لهم)، يعني: ضربنا على آذانهم ليظهر معلومُ العلم، وهو أيهم أحصى أمد لُبثهم، فالتعليلُ ليس لحصول العلم، بل لظهور المعلوم، يعني: كان هذا الأمر العجيب معلوماً لله تعالى في الأزل، فتعلقت إرادته بإظهاره للمكلفين ليتعجبوا منه ويعتبروا به، فيكون مزيداً لإيمانهم ولُطفاً لمؤمني زمانهم، بأن يستنوا بسنتهم، ودليلاً ظاهراً على وجود الصانع لكافريهم، فيستدلوا به ثم يؤمنوا.

ص: 421

عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً)].

(وَزِدْناهُمْ هُدىً) بالتوفيق والتثبيت، (وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ) وقويناها بالصبر على هجر الأوطان والنعيم، والفرار بالدين إلى بعض الغيران، وجسرناهم على القيام بكلمة الحق والتظاهر بالإسلام (إِذْ قامُوا) بين يدي الجبار وهو دقيانوس، من غير مبالاة به حين عاتبهم على ترك عبادة الصنم، (فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ

شَطَطاً) قولا ذا شطط، وهو الإفراط في الظلم والإبعاد فيه، من: شط: إذا بعد. ومنه: أشط. في السوم وفي غيره، (هؤُلاءِ) مبتدأ، و (قَوْمُنَا)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: ((وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ) وقويناها بالصبر)، الأساس: ربط الدابة: شدها بالرباط، والمربطُ هو الحبلُ، ومن المجاز: ربط الله على قلبه: صبره، ورجلٌ رابط الجأش، فالربط هنا تمثيل، ومعنى الاستعلاء في (على) المبالغة؛ لأن ربط يتعدى بنفسه، فجُعل بمنزلة اللازم، وعُدي بـ"على"، نحو قوله:

.. يجرح في عراقيبها نصلي

قوله: (ومنه: أشط في السوم)، الأساس: أشط في السوم واشتط، يقال:"لا وكس ولا شطط"، وأشط في الحكم، وأشطوا في طلبه: أمعنوا. الراغب: الشطط: الإفراطُ في البُعد، يقال شطت الدارُ، وأشط، يقال في المكان، وفي الحكم، وفي السوم، قال:

شط المزار بحزوى وانتهى الأمل

ص: 422

عطف بيان (اتَّخَذُوا) خبر وهو إخبار في معنى إنكار، (لَوْلا يَاتُونَ عَلَيْهِمْ) هلا يأتون على عبادتهم، فحذف المضاف بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ وهو تبكيت، لأنّ الإتيان بالسلطان على عبادة الأوثان محال، وهو دليل على فساد التقليد، وأنه لا بد في الدين من الحجة حتى يصح ويثبت افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً بنسبة الشريك إليه.

[(وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ فَاوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً)].

(وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ) خطاب من بعضهم لبعض، حين صممت عزيمتهم على الفرار بدينهم (وَما يَعْبُدُونَ) نصب، عطف على الضمير، يعنى: وإذ اعتزلتموهم واعتزلتم معبوديهم (إِلَّا اللَّهَ) يجوز أن يكون استثناء متصلا، على ما روى: أنهم كانوا يقرون بالخالق ويشركون معه كما أهل مكة. وأن يكون منقطعا. وقيل: هو كلام معترض إخبار من الله تعالى عن الفئة أنهم لم يعبدوا غير الله،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وعُبر بالشطط عن الجورِ، قال تعالى:(لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً)، وشط النهر: حيث يبعُد عن الماء من حافته.

قوله: (وهو دليلٌ على فساد التقليد)، قال القاضي: وفيه دليلٌ على أن ما لا دليل عليه من الديانات مردودٌ، وأن التقليد فيه غير جائز.

قوله: ((إِلاَّ اللَّهُ) يجوز أن يكون استثناء متصلاً)، فـ (ما) في (مَا يَعْبُدُونَ): موصولة، و (إِلاَّ اللَّهُ): يجوزأن يكون استثناء متصلاً، و ((إِلاَّ اللَّهُ)) مستثني من (ما)، أو من العائد المحذوف.

قوله: (وقيل: هو كلامٌ معترض)، فالتقدير: وإذ اعتزلتموهم فأووا إلى الكهف،

ص: 423

مِرفَقاً قرئ بفتح الميم وكسرها، وهو ما يرتفق به: أي ينتفع. إما أن يقولوا ذلك ثقة بفضل الله وقوّة في رجائهم لتوكلهم عليه ونصوع يقينهم. وإما أن يخبرهم به نبىّ في عصرهم، وإما أن يكون بعضهم نبياً.

[(وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَتَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً)].

(تَتَزاوَرُ) أي تمايل، أصله: تتزاور، فخفف بإدغام التاء في الزاي أو حذفها. وقد قرئ بهما. وقرئ: تزورّ. وتزوارّ: بوزن تحمرّ وتحمارّ، وكلها من الزور وهو الميل،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فاعترض بين الشرط والجزاء جملةٌ منفية مؤكدة لمعنى ما اعترضت فيه، وهو إخلاص العبادة لله تعالى.

قوله: ((مِرفَقاً) قرئ بفتح الميم وكسرها)، نافعٌ وابن عامرٍ: بفتح الميم وكسر الفاء، والباقون: بكسر الميم وفتح الفاء.

قوله: (ونصوع يقينهم)، الجوهري: الناصعُ: الخالص من كل شيء.

قوله: (وقد قرئ بهما، وقرئ: "تزور")، ابن عامرٍ: بإسكان الزاي وتشديد الراء، والكوفيون: بفتح الزاي مخففة، وألفٍ بعدها، والباقون: يشددون الزاي ويثبتون الألف.

قوله: (و"تزوارُّ")، قال ابن جني: قرأها الجحدري، وقلما جاءت "افعالَّ" إلا في الألوان، نحو: اسواد واحمار واصفار، أو العيوب الظاهرة نحو: احولَّ واحوالَّ، واعورَّ واعوارَّ، وقد جاءت افعالَّ وافعَلَّ، وهي مقصورةٌ من افعالَّ، في غير الألوان، قالوا:

ص: 424

ومنه زاره إذا مال إليه. والزور: الميل عن الصدق (ذاتَ الْيَمِينِ) جهة اليمين. وحقيقتها. الجهة المسماة باليمين (تَقْرِضُهُمْ) تقطعهم لا تقربهم من معنى القطيعة والصرم. قال ذو الرمة:

إلى ظعن يقرضن أقواز مشرف

شمالاً وعن أيمانهنّ الفوارس

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ارعوى، وهو افعلَّ، واقتوى، أي: خدم وساس، من القتو، وهو الخدمة. وقالوا: اشعار رأسه، أي: تفرق شعره.

الراغب: الزور: أعلى الصدر، وزُرت فلاناً: تلقيته بزوري، أو قصدت زوره، نحو: وجهته، والزور: ميل في الزور، (تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ) أي: تميل، وقرئ:"تزور". قال أبوالحسن: لا معنى لـ"تزورُّ" هنا؛ لأن الازورار: الانقباضُ، وقيل للكذب: زورٌ لميله عن جهته.

وقوله: ((تَقْرِضُهُمْ) تقطعهم)، الراغب: القرضُ: ضربٌ من القطع، ويسمى قطع المكان وتجاوزه قرضاً، كما سُمي قطعاً. قال:(تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ) أي: تجوزهم، وسُمي ما يُدفع إلى الإنسان من المال بشرط رد بدله قرضاً، وسُمي المفاوضة في الشعر مقارضة، والقرضُ للشعر مستعارٌ استعارة النسج والحوك.

قوله: (إلى ظُعُنٍ)، وقبله:

نظرت بجرعاء السبية نظرة

ضُحى وسوادُ العين في الماء شامس

إلى ظُعن يقرضن أقواز مشرفٍ

شمالاً، وعن أيمانهن الفوارس

ص: 425

(وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ) وهم في متسع من الكهف. والمعنى أنهم في ظل نهارهم كله لا تصيبهم الشمس في طلوعها ولا غروبها، مع أنهم في مكان واسع منفتح معرّض لإصابة الشمس لولا أنّ الله يحجبها عنهم. وقيل: في متفسح من غارهم ينالهم فيه روح الهواء وبرد النسيم ولا يحسبون كرب الغار (ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ) أي ما صنعه الله بهم - من ازورار الشمس وقرضها طالعة وغاربة - آية من آياته، يعنى: أنّ ما كان في ذلك السمت تصيبه الشمس ولا تصيبهم، اختصاصا لهم بالكرامة. وقيل: باب الكهف شمالي مستقبل لبنات نعش، فهم في مقنأة أبداً. ومعنى ذلِكَ (مِنْ آياتِ اللَّهِ): أنّ شأنهم وحديثهم من آيات الله، (مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ) ثناء عليهم بأنهم جاهدوا في الله وأسلموا له وجوههم، فلطف بهم وأعانهم، وأرشدهم إلى نيل تلك الكرامة السنية والاختصاص بالآية العظيمة، وأن كل من سلك طريقة المهتدين الراشدين فهو الذي أصاب الفلاح، واهتدى إلى السعادة، ومن تعرّض للخذلان، فلن يجد من يليه ويرشده بعد خذلان الله.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الجرعاء: الرملة لا تنبت، والسبية: المرأة تُسبي. شامسٌ: من شمس الفرس شماسا، أي: منع ظهره، شبه كلال العين بشماس الفرس. الظُّعُن: النساء في الهودج. الأقوازُ: جمعُ قوز، وهو الكثيبُ، مشرفٌ: رملٌ معروفٌ، وكذا الفوارس: علمُ أرمالٍ معروفةٍ بالدهناء، ويمكنُ أن يكون مع فرسان. يقول: نظرتُ إلى ظُعُنٍ يقطعن الأرض في السير بحيثُ كانت الأقواز عن شمالهن وعن أيمانهن الفوارس تحميهن.

قوله: (في متسع من الكهف)، الراغب:(فِي فَجْوَةٍ)، أي: ساحة واسعة، ومنه: قوسٌ فجاءٌ وفجواءُ: بان وترُها عن كبدها، ورجلٌ أفجي: بينُ الفجا، أي: متباعد ما بين العرقوبين.

قوله: (فهم في مقنأة أبداً)، الجوهري: مقنأة: نقيضُ مضحاة، يُهمز ولا يهمز.

قوله: (وان كل من سلك طريقة المهتدين)، يريد أن قوله:(مَنْ يَهْدِ اللَّهُ) الآية، كالتذييل

ص: 426

[(وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً)].

(وَتَحْسَبُهُمْ) بكسر السين وفتحها: خطاب لكل أحد. والأيقاظ: جمع يقظ، كأنكاد في نكد. قيل: عيونهم مفتحة وهم نيام، فيحسبهم الناظر لذلك أيقاظا. وقيل: لكثرة تقلبهم وقيل: لهم تقلبتان في السنة. وقيل: تقلبة واحدة في يوم عاشوراء.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

للكلام السابق، وجيء به عاماً في كل من سلك طريق المهديين، ومن تعرض للخذلان ليدخل فيه هؤلاء دخولاً أولياً فيكون ثناءً عليهم بأبلغ وجه، كلامٌ حسنٌ، لكن فهي اعتزالٌ خفيٌّ خفي على صاحب "الانتصاف"؛ حيثُ نسبهُ إلى أفعالهم، فهلا حمله على فعل الله تعالى لينظر إلى بيان إرادة الله تعالى ومشيئته واختصاصهم بهذ الكرامة السنية، وتحريم غيرهم عنها، فيكون تذييلاً لقوله:(وَزِدْنَاهُمْ هُدًى) لقوله: (وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ)؛ فيكون ثناء على الله تعالى. وفي تكرير أمر واحد في الشرط والجزاء في الموضعين للدلالة على ما قررناه. وأيضاً، لو أريد مدحهم لاكتفى بقوله:(مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي) فحسب، قال القاضي: المرادُ به إما الثناء عليهم أو التنبيه على أن أمثال هذه الآيات كثيرة، ولكن المنتفع بها من وفقه الله للتأمل والاستبصار.

قوله: ((وَتَحْسَبُهُمْ)، بكسر السين): نافعٌ وابن كثير وأبو عمرو والكسائي.

قوله: (وقيل: لكثرة تقلبهم)، روى الإمام عن الزجاج: لكثرة تقلبهم فظُنَّ أنهم أيقاظٌ، والدليل عليه قوله:(وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ). وقلتُ: على هذا يجوز

ص: 427

وقرئ: (ويقلبهم) بالياء والضمير لله تعالى. وقرئ: وتقلبهم، على المصدر منصوبا، وانتصابه بفعل مضمر يدل عليه (وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً) كأنه قيل: وترى وتشاهد تقلبهم. وقرأ جعفر الصادق: وكالبهم أي وصاحب كلبهم باسِطٌ ذِراعَيْهِ حكاية حال ماضية، لأنّ اسم الفاعل لا يعمل إذا كان في معنى المضي، وإضافته إذا أضيف حقيقية معرفة، كغلام زيد، إلا إذا نويت حكاية الحال الماضية. والوصيد: الفناء، وقيل: العتبة. وقيل: الباب. وأنشد:

بأرض فضاء لا يسدّ وصيدها

علىّ ومعروفى بها غير منكر

وقرئ: (ولملئت) بتشديد اللام للمبالغة. وقرئ بتخفيف الهمزة وقلبها ياء.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أن تكون الواو في: (وَنُقَلِّبُهُمْ) للحال أيضاً بخلاف الأول.

قوله: (وقرئ: "وتقلبهم"). قال ابن جني: وهي قراءة الحسن، كأنه قال: وترى أو تُشاهدُ تقلبهم.

قوله: (بأرض فضاءٍ)، البيت. قيل: يصف حاله في البدو، أي: ضيافتي في البدو مشهورةٌ. وقيل: نزلنا بأرض فضاءٍ لا يُسد بابها عليَّ، وعرفان الناس إياي بهذه الأرض غير منكرٍ عندهم. و"لا يُسد وصيدها": من قولهم:

لا ترى الضب بها ينجحر

قوله: ("ولمُلئتَ"، بتشديد اللام): نافعٌ وابن كثير، وبتخفيف الهمزة: أبو عمرو، و (رُعْباً)، بالتثقيل: ابن عامرٍ والكسائي، والباقون بالتخفيف.

ص: 428

و (رُعْباً) بالتخفيف والتثقيل، وهو الخوف الذي يرعب الصدر أي يملؤه، وذلك لما ألبسهم الله من الهيبة. وقيل: لطول أظفارهم وشعورهم وعظم أجرامهم. وقيل: لوحشة مكانهم. وعن معاوية أنه غزا الروم فمرّ بالكهف فقال: وكشف لنا عن هؤلاء فنظرنا إليهم، فقال له ابن عباس رضي الله عنه: ليس لك ذلك، قد منع الله تعالى منه من هو خير منك فقال:(لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً) فقال معاوية، لا أنتهي حتى أعلم علمهم، فبعث ناسا وقال لهم: اذهبوا فانظروا، ففعلوا، فلما دخلوا الكهف بعث الله عليهم ريحا فأحرقتهم. وقرئ: لو اطلعت، بضم الواو.

[(وَكَذلِكَ بَعَثْناهُمْ لِيَتَسائَلُوا بَيْنَهُمْ قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً فَلْيَاتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً* إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً)].

(وَكَذلِكَ بَعَثْناهُمْ) وكما أنمناهم تلك النومة كذلك بعثناهم، إذكارًا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الراغب: الرعبُ: الانقطاع من امتلاء الخوف، يقال: رعبته فرعب رُعباً فهو رعِبٌ، والترعابة: الفروق. قال تعالى: (وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمْ الرُّعْبَ)[الأحزاب: 26]، (وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً)، ولتصور الامتلاء منه قيل: رعبت الحوض: ملأته، وسيل راعبٌ: يملأُ الوادي، وباعتبار القطع قيل: رعبت السنام: قطعته.

قوله: ((وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ)، إذكاراً). الراغب: أصل البعث إثارة الشيء وتوجيهه، يقال: بعثته فانبعث، والبعث ضربان: إلهيٌّ، وهو أنواع، أحدها: إيجاد الأعيان والأجناس والأنواع عن العدم. وثانيها: بعث الموتى، قال تعالى:(وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمْ اللَّهُ)

ص: 429

بقدرته على الإنامة والبعث جميعا، ليسأل بعضهم بعضا ويعرفوا حالهم وما صنع الله بهم، فيعتبروا ويستدلوا على عظم قدرة الله تعالى ويزدادوا يقينا، ويشكروا ما أنعم الله به عليهم وكرموا به (قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) جواب مبنى على غالب الظن. وفيه دليل على جواز الاجتهاد والقول بالظن الغالب، وأنه لا يكون كذبا وإن جاز أن يكون خطأ (قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ) إنكار عليهم من بعضهم، وأن الله أعلم بمدّة لبثهم، كأنّ هؤلاء قد علموا بالأدلة أو بإلهام من الله أنّ المدة متطاولة، وأنّ مقدارها مبهم لا يعلمه إلا الله. وروى أنهم دخلوا الكهف غدوة وكان انتباههم بعد الزوال، فظنوا أنهم في يومهم، فلما نظروا إلى طول أظفارهم وأشعارهم قالوا ذلك. فإن قلت: كيف وصلوا قولهم: (فَابْعَثُوا) بتذاكر حديث المدة؟ قلت: كأنهم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[الأنعام: 36]، أي: يخرجهم وينشرهم. وثالثها: بعثة الرسل لإرشاد الخلق وتكميل الناقصين. ورابعها: الإلهام، قال تعالى:(فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ)[المائدة: 31]. وخامسها: مُشابه لبعث الموتى، قال تعالى:(بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى)[الكهف: 12]. والضرب الثاني: بشريٌّ، نحو قولهم: بعثتُ زيداً في حاجة فلان، وبعثتُ الجيش والبعوث، وبعثتُ البعير: أثرته وسيرته.

قوله: (كيف وصلوا قولهم: (فَابْعَثُوا) بتذاكر حديث المدة)، يعني: ما المناسبة بين قوله: (قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) وبين قوله: (فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ)؟ وأجاب: أنه من باب الأسلوب الحكيم، كقوله:

أتت تشتكي عندي مزاولة القرى

وقد رأت الضيفان ينحون منزلي

فقلت كأني ما سمعت كلامها:

هم الضيف جدي في قراهم وعجلي

قال القاضي: وقيل: إنهم دخلوا الكهف غدوة وانتبهوا ظهيرة وظنوا أنهم في يومهم،

ص: 430

قالوا: ربكم أعلم بذلك، لا طريق لكم إلى علمه، فخذوا في شيء آخر مما يهمكم. والورق: الفضة، مضروبة كانت أو غير مضروبة. ومنه الحديث أنّ عرفجة أصيب أنفه يوم الكلاب فاتخذ أنفا من ورق فأنتن، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتخذ أنفا من ذهب. وقرئ: بورقكم، بسكون الراء والواو مفتوحة أو مكسورة. وقرأ ابن كثير:(بورقكم) بكسر الراء وإدغام القاف في الكاف. وعن ابن محيصن أنه كسر الواو وأسكن الراء وأدغم، وهذا غير جائز لالتقاء الساكنين لا على حده. وقيل: المدينة طرسوس. قالوا: وتزوّدهم ما كان معهم من الورق عند فرارهم: دليل على أنّ حمل النفقة وما يصلح المسافر هو رأى المتوكلين على الله، دون المتكلين على الاتفاقات وعلى ما في أوعية القوم من النفقات. ومنه قول عائشة رضي الله عنها لمن سألها عن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قالوا ذلك فلما نظروا إلى طُولِ أظفارهم وأشعارهم قالوا هذا، ثم لما علموا أن الأمر مُلتبسٌ لا طريق لهم إلى علمه أخذوا فيما يهمهم وقالوا:(فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ).

قوله: (يوم الكلاب)، النهاية: الكلابُ، بالضم والتخفيف: اسم ماءٍ، وكان به يومٌ معروف من أيام العرب، قال ابن عبد البر في "الاستيعاب": هو عرفجة بن أسعد بن صفوان التميمي، أصيب أنفه يوم الكُلاب في الجاهلية، فاتخذ أنفاً من ورق فأنتن، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتخذ أنفاً من ذهب.

قوله: (وقرئ: "بورقكم")، أبو بكر وأبو عمرو وحمزة: بإسكان الراء، والباقون: بكسرها.

ص: 431

محرم يشدّ عليه هميانه: أوثق عليك نفقتك. وما حكي عن بعض صعاليك العلماء» أنه كان شديد الحنين إلى أن يرزق حج بيت الله، وتعولم منه ذلك، فكانت مياسير أهل بلده كلما عزم منهم فوج على حج أتوه فبذلوا له أن يحجوا به وألحوا عليه، فيعتذر إليهم ويحمد إليهم بذلهم، فإذا انفضوا عنه قال لمن عنده: ما لهذا السفر إلا شيئان: شدّ الهميان، والتوكل على الرحمن (أَيُّها) أيّ أهلها، فحذف الأهل كما في قوله:(وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ)[يوسف: 82]، (أَزْكى طَعاماً) أحلّ وأطيب وأكثر وأرخص، (وَلْيَتَلَطَّفْ) وليتكلف اللطف والنيقة فيما يباشره من أمر المبايعة حتى لا يغبن. أو في أمر التخفي حتى لا يعرف (وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً) يعني: ولا يفعلنّ ما يؤدى من غير قصد منه إلى الشعور بنا، فسمى ذلك إشعارا منه بهم، لأنه سبب فيه الضمير في (إِنَّهُمْ) راجع إلى الأهل المقدر في (أَيُّها). (يَرْجُمُوكُمْ) يقتلوكم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (أوثق عليك نفقتك)، من الأسلوب الحكيم، أي: لا شك في جوازه، وإنما الذي يهمك هو هذا.

قوله: ((أَزْكَى طَعَاماً): أحل وأطيب)، الراغب: أصل الزكاة النمو الحاصل من بركة الله تعالى، ويعتبر ذلك بالأمور الدنيوية والأخروية، يقال: زكا الزرع يزكو: إذا حصل منه نمو وبركة. وقوله: (فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَاماً) إشارةٌ إلى حلال لا يستوخم عقباه. ومنه الزكاة يخرجها الإنسان إلى الفقراء لما فيها من رجاء البركة، أو لتزكية النفس، أي: تنميتها بالخيرات والبركات، أو لهما جميعاً، فإن الخيرين موجودان فيها.

قوله: (والنيقة). الأساس: تنوق في الأمر، وفلان له نيقة، ومن المجاز: تأنق فيعمله، وفي كلامه: أي: فعل فعل المتأنق.

قوله: ((وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً)) من باب قولهم: لا أرينك هاهنا، ولهذا قال:"ولا يفعلن ما يؤدي من غير قصدٍ منه إلى الشعور".

ص: 432

أخبث القتلة وهي الرجم، وكانت عادتهم (أَوْ يُعِيدُوكُمْ) أو يدخلوكم (فِي مِلَّتِهِمْ) بالإكراه العنيف ويصيروكم إليها. والعود في معنى الصيرورة أكثر شيء في كلامهم، يقولون: ما عدت أفعل كذا. يريدون ابتداء الفعل (وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً) إن دخلتم في دينهم.

[(وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً)].

(وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ) وكما أنمناهم وبعثناهم، لما في ذلك من الحكمة أطلعنا عليهم، ليعلم الذين أطلعناهم على حالهم أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وهو البعث، لأن حالهم في نومتهم وانتباهتهم بعدها كحال من يموت ثم يبعث. (وإِذْ يَتَنازَعُونَ) متعلق بـ (أعثرنا). أي: أعثرناهم عليهم حين يتنازعون بينهم أمر دينهم ويختلفون في حقيقة البعث، فكان بعضهم يقول: تبعث الأرواح دون الأجساد. وبعضهم يقول: تبعث الأجساد مع الأرواح، ليرتفع الخلاف، وليتبين أنّ الأجساد تبعث حية حساسة فيها أرواحها كما كانت قبل الموت فَقالُوا حين توفى الله أصحاب الكهف (ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً) أي على يأب كهفهم. لئلا يتطرّق إليهم الناس ضنا بتربتهم ومحافظة عليها كما حفظت تربة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحظيرة (قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ) من المسلمين وملكهم وكانوا أولى بهم وبالبناء عليهم (لَنَتَّخِذَنَّ) على باب الكهف،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وكما أنمناهم وبعثناهم

اطلعنا عليهم)، يعني: المشار إليه بقوله: (وَكَذَلِكَ) ما سبق من الإنامة والبعث، وهو المشبه به، والمشبه: إطلاع الناس عليهما، ووجه التشبيه: ما اشتملا عليه من الحكمة، وفائدتها: حصول اليقين لمن يشك في البعث وفي (أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ).

قوله: (وكانوا أولى بهم وبالبناء عليهم)، هو: حالٌ من فاعل (غَلَبُوا)؛ لأن القوم لما

ص: 433

(مَسْجِداً) يصلي فيه المسلمون ويتبركون بمكانهم. وقيل: إذ يتنازعون بينهم أمرهم أي: يتذاكر الناس بينهم أمر أصحاب الكهف، ويتكلمون في قصتهم وما أظهر الله من الآية فيهم. أو يتنازعون بينهم تدبير أمرهم حين توفوا، كيف يخفون مكانهم؟ وكيف يسدّون الطريق إليهم، فقالوا: ابنوا على باب كهفهم بنيانا. روى أن أهل الإنجيل عظمت فيهم الخطايا وطغت ملوكهم حتى عبدوا الأصنام وأكرهوا على عبادتها، وممن شدد في ذلك دقيانوس، فأراد فتية من أشراف قومه على الشرك وتوعدهم بالقتل، فأبوا إلا الثبات على الإيمان والتصلب فيه، ثم هربوا إلى الكهف ومرّوا بكلب فتبعهم فطردوه، فأنطقه الله فقال: ما تريدون منى، أنا أحبّ أحباء الله،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تنازعوا في أمر دينهم، وعرفوا حقيقة الحال، فمن غالب صاحبه في النزاع، وأن البعث لابد منه، هو أولى من الآخر في اتخذا المسجد، وإيثار مكان أصحاب الكهف لتعبده.

الأساس: تغالبوا على البلد، وغلبته على الشيء: أخذته منه، و"أيغلب أحدكم أن يُصاحب الناس معروفاً؟ " بمعنى: أيعجز.

قوله: (وقيل: (إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ))، اعلم أن الأمر في قوله تعالى:(إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ) هو الأمر من واحد الأمور والشؤون، ثم لا يخلو الضمير المضاف إليه: غما أن يكون للقوم فيُقدر مضافٌ آخر؛ ليكون الحديث في تدبير أمر دينهم، وهو المراد من قوله:(يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ) أمر دينهم، فالفاء في قوله:(فَقَالُوا): فصيحةٌ، فإن القوم لما فرغوا من أمر حقيقة البعث، وتيقنوا أن لابد منه، فآمنوا، ثم اهتموا بشأن أولئك الأصحاب، وتشاوروا فيه فقالوا:(ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَاناً) كما سبق.

أو الضميرُ لأصحاب الكهف، فالكلام حينئذ من ابتدائه في شأنهم، وهو: إما في كون

ص: 434

فناموا وأنا أحرسكم. وقيل: مرّوا براع معه كلب فتبعهم على دينهم، ودخلوا الكهف فكانوا يعبدون الله فيه، ثم ضرب الله على آذانهم، وقيل أن يبعثهم الله ملك مدينتهم رجل صالح مؤمن. وقد اختلف أهل مملكته في البعث معترفين وجاحدين، فدخل الملك بيته وأغلق بابه ولبس مسحا وجلس على رماد، وسأل ربه أن يبين لهم الحق، فألقى الله في نفس رجل من رعيانهم فهدم ما سدّ به فم الكهف ليتخذه حظيرة لغنمه، ولما دخل المدينة من بعثوه لابتياع الطعام وأخرج الورق وكان من ضرب دقيانوس: اتهموه بأنه وجد كنزا، فذهبوا به إلى الملك فقصّ عليه القصة، فانطلق الملك وأهل المدينة معه وأبصروهم، وحمدوا الله على الآية الدالة على البعث، ثم قالت الفتية للملك: نستودعك الله ونعيذك به من شرّ الجنّ والإنس، ثم رجعوا إلى مضاجعهم وتوفى الله أنفسهم، فألقى الملك عليهم ثيابه، وأمر فجعل لكل واحد تابوت من ذهب، فرآهم في المنام كارهين للذهب، فجعلها من الساج، وبنى على باب الكهف مسجدا. رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ من كلام المتنازعين، كأنهم تذاكروا أمرهم وتناقلوا الكلام في أنسابهم وأحوالهم ومدة لبثهم، فلما لم يهتدوا إلى حقيقة ذلك قالوا: ربهم أعلم بهم. أو هو من كلام الله عز وجل ردّ لقول الخائضين في حديثهم من أولئك المتنازعين، أو من الذين تنازعوا فيهم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب.

[(سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِراءً ظاهِراً وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً)].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ذلك آية من آيات الله، فمعنى الفاء: ما سبق، أو: كيف يدبروا أمر الأصحاب، وكيف تجهيزهم؟ فالفاء حينئذٍ: تعقيبٌ أو تسبيبٌ عن قوله: (إِذْ يَتَنَازَعُونَ)؛ لأن قوله: (فَقَالُوا) نتيجة لما دبروا في شأنهم واتفاق حتى ذلك بعد الاختلاف فيه.

قوله: (فناموا): أمرٌ بالنوم.

ص: 435

(سَيَقُولُونَ) الضمير لمن خاض في قصتهم في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب والمؤمنين، سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم فأخر الجواب إلى أن يوحى إليه فيهم، فنزلت إخبارا بما سيجرى بينهم من اختلافهم في عددهم، وأنّ المصيب منهم من يقول سبعة وثامنهم كلبهم. قال ابن عباس رضى الله عنه: أنا من أولئك القليل. وروى أن السيد والعاقب وأصحابهما من أهل نجران كانوا عند النبي صلى الله عليه وسلم، فجرى ذكر أصحاب الكهف، فقال السيد وكان يعقوبيا: كانوا ثلاثة رابعهم كلبهم. وقال العاقب وكان نسطوريا:

كانوا خمسة سادسهم كلبهم. وقال المسلمون: كانوا سبعة وثامنهم كلبهم، فحقق الله قول المسلمين.

وإنما عرفوا ذلك بإخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لسان جبريل عليه السلام. وعن عليّ رضي الله عنه: هم سبعة نفر أسماؤهم: يمليخا، ومكشليتيا، ومشلينيا: هؤلاء أصحاب يمين الملك، وكان عن يساره: مرنوش، ودبرنوش، وشادنوش. وكان يستشير هؤلاء الستة في أمره. والسابع: الراعي الذي وافقهم حين هربوا من ملكهم دقيانوس. واسم مدينتهم: أفسوس. واسم كلبهم: قطمير.

فإن قلت: لم جاء بسين الاستقبال في الأوّل دون الآخرين؟ قلت: فيه وجهان: أن تدخل الآخرين في حكم السين، كما تقول: قد أكرم وأنعم، تريد معنى التوقع في الفعلين جميعا، وأن تريد بيفعل معنى الاستقبال الذي هو صالح له (رَجْماً

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (أن تُدخل الآخرين في حكم السين)، قال صاحب "الفرائد": الواو لما كان لمطلق الجمع، كان (سَيَقُولُونَ) و (يَقُولُونَ) في حُم: ستحصل الأقوال منهم، ألا ترى أنك تقول: جاءني الزيدان، وجاءني زيدٌ وعمرو، ولا فرق في المعنى؟ إلا أن زيداً وعمراً لا يمكن جمعهما بلفظٍ واحد، كما أمكن زيدٌ وزيد. فجيء بواو العطف لذلك، فعلى هذا لو قيل:(سَيَقُولُونَ) بعد (سَيَقُولُونَ) كان تكراراً لما يدل على الاستقبال.

قوله: (وأن تُريد بـ "يفعلُ" معنى الاستقبال) أي: يفعلُ: مشتركٌ بين الحاضر

ص: 436

بِالْغَيْبِ) رمياً بالخبر الخفي وإتياناً به كقوله: (وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ)[سبأ: 53]، أي يأتون به. أو وضع الرجم موضع الظنّ، فكأنه قيل: ظنا بالغيب، لأنهم أكثروا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

والاستقبال، والسينُ قرينةٌ مخصصةٌ له، تخصص الأول به، والآخران مخصصهما صلاحيتهما له بواسطة قرينة المقام.

قوله: (كقوله: (وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ)[سبأ: 53]، أي هو استعارة مثله. قال صاحب "الفرائد": معنى (رَجْماً بِالْغَيْبِ) رميٌ بالغائب عن علمه عن الذهن، وهو من قبيل تشبيه المعقول بالمحسوس، شبه إخراج الكلام عن الذهن بإخراج السهم عن القوس، ويدل عليه قوله: رجم بالظن، مكان قولهم: ظن، والمراد بالظن هاهنا المظنون، كأنهم قالوا: رمى عن ذهنه بما كان غائباً عن علمه حاضراً في ذهنه، تكلم بما ليس بمعلوم.

وقلت: بل شبه إيراد الكلام- الذي لم يخرج عن طمأنينة قلب، بلعن قلق واضطراب؛ لأن معرفة علم الغيب مختصة بالله - بقذف الحجر الذي يقذفه القاذف، فإن الحجر قلما يُصيب الغرض إصابة السهم المستوي، ولهذا قيل:(رَجْماً)، ولم يُقل: رمياً بالغيب، ثم استعير لجانب المشبه لفظ الرجم، فهو استعارةٌ مصرة بحقيقته؛ لأن المشبه المتروك عقلي؛ وإنما يصح تشبهي قوله:(رَجْماً بِالْغَيْبِ) بقوله: (وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ) إذا اجتمعا في معنى القذف لا الرمي.

الراغب: الرجامُ: الحجارة، والرجم: الرمي بها، ويستعارُ الرجم للرمي بالظن والتوهم، نحو:(رَجْماً بِالْغَيْبِ)، وللشتم والطرد، نحو:(لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً)[مريم: 46]، أي: لأقولن فيك ما تكره، والشيطان رجيمٌ، مطرودٌ عن الخيرات، وعن منازل الملأ الأعلى، وقال في الشهب:(رُجُوماً لِلشَّيَاطِينِ)[الملك: 5]، والمراجمة: المسابة الشديدة: استعارة، كالمقاذفة.

قوله: (أو وُضع "الرجمُ" موضع "الظن")، أي: صُيرَ حقيقة عرفية بعد الاستعارة، فاستعمل حقيقة فيه، كالألفاظ المترادفة.

ص: 437

أن يقولوا رجم بالظنّ مكان قولهم ظنّ، حتى لم يبق عندهم فرق بين العبارتين. ألا ترى إلى قول زهير:

وما هو عنها بالحديث المرجّم

أي المظنون. وقرئ: (ثلاتّ رابعهم) بإدغام الثاء في تاء التأنيث. و (ثَلاثَةٌ) خبر مبتدأٍ محذوف، أي: هم ثلاثة. وكذلك (خَمْسَةٌ) و (سَبْعَةٌ) و (رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ) جملة من مبتدأٍ وخبرٍ واقعة صفة لـ (ثلاثة)، وكذلك (سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ)، (وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ).

فإن قلت: فما هذه الواو الداخلة على الجملة الثالثة، ولم دخلت عليها دون الأوّلين؟ قلت: هي الواو التي تدخل على الجملة الواقعة صفة للنكرة، كما تدخل

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وما هو عنها بالحديث المُرجم)، صدره من رواية الزجاج:

وما الحربُ إلا ما علمتم وذقتم

يقول: ليست الحرب إلا ماعلمتوها، وما هذا الذي أقولُ بحديث مُرجم محكوم عليه بالظن.

قوله: (هي الواو التي تدخل على الجملة الواقعة صفة للنكرة) إلى آخره. قال صاحب "الانتصاف": هذا هو الصواب، لا كمن يزعم أنها واو الثمانية، ويضيف إليها:(وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا)[الزمر: 73] في الجنة؛ إذ أبوابها ثمانية، وعدوا منه (وَالنَّاهُونَ عَنْ الْمُنكَرِ) [التوبة: 112] في "التوبة"، وهو الثامن من قوله:(التَّائِبُونَ)، فهب أن في اللغة واواً

ص: 438

على الواقعة حال عن المعرفة في نحو قولك: جاءني رجل ومعه آخر. ومررت بزيدٍ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تصحب الثمانية، فأين ذكرُ العدد في أبواب الجنة؟ وفي "التوبة" ذُكرت لربط الأمر بالمعروف بالنهي عن المنكر (وَامُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنْ الْمُنكَرِ) [لقمان: 17]، (وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ) [آل عمران: 104]، ومنهم من عد (ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً) [التحريم: 5]، وهو غلطٌ فاحش، فإنها واو التقسيم التي لو حذفتها لم يصح الكلام.

وقال أبو البقاء: الجملة إذا وقعت صفة للنكرة جاز أن تدخلها الواو، وهذا هو الصحيح في إدخال الواو في (وَثَامِنُهُمْ).

وقال صاحب "الفرائد": دخول الواو بين الصفة والموصوف غير مستقيم، لاتحاد الصفة والموصوف ذاتاً وحكما، وتأكيداً للصوق يقتضي الاثنين، مع أنا نقول: لا نسلم بأن الواو تفيد التأكيد وشدة اللصوق؛ غاية ما في الباب أنها تفيد الجمع، والجمع ينبئ عن الاثنينية، واجتماع الصفة والموصوف ينبئ عن الاتحاد بالنظر إلى الذات، وقد ذكر صاحب "المفتاح": أن قول من قال: إن الواو في قوله تعالى: (وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ)[الحجر: 4] داخلةٌ بين الصفة والموصوف، سهو منه، وإنما هي واو الحال، وذو الحال (قَرْيَةٍ)، وهي موصوفة، أي: ما أهلكنا قرية من القرى.

وأما قوله: "جاءني رجلٌ ومعه آخرُ"، فقلتُ: فيه وجهان: أححدهما: أن يكون "جاءني رجلٌ": جملة، و"معه آخر": جملة أخرى معطوفة عليها. وثانيهما: أن يكون "آخرُ": معطوفاً على "رجلٌ"، أي: جاءني رجلٌ ومعه رجلٌ آخر.

ص: 439

وفي يده سيف. ومنه قوله تعالى: (وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ)[الحجر: 4]، وفائدتها تأكيد لصوق الصفة بالموصوف، والدلالة على أن اتصافه بها أمر ثابت مستقر، وهذه الواو هي التي آذنت بأن الذين قالوا: سبعة وثامنهم كلبهم، قالوا عن ثبات علم وطمأنينة نفس ولم يرجموا بالظن كما غيرهم. والدليل عليه أنّ الله سبحانه أتبع القولين الأولين قوله رَجْماً بِالْغَيْبِ وأتبع القول الثالث قوله ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ وقال ابن عباس رضي الله عنه: ....

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فإن قيل: فالوجه أن يُقال: جاءني رجلان، في مثل هذا؟

قلت: فائدته أن يُفهم أنهما جاءا مصاحبين. وأما الواو في مثل "مررت بزيد وفي يده سيفٌ" فإنما جاز دخولها بين ذي الحال والحال لكون الحال في حكم جملة، بخلاف الصفة بالنسبة إلى الموصوف، فإن:"جاء زيدٌ راكباً" في حكم "جاءني زيدٌ وهو راكبٌ" بخلاف: "جاءني زيدٌ الراكبُ"، فافهمه راشداً. سلمنا أنها داخلة بين الصفة والموصوف لتأكيد اللصوق. فأما الدلالة على أن اتصافه بها أمرٌ ثابتٌ مستقرٌ، فغير مسلم، فأين الدليل على ذلك؟ وقوله:"وهذه الواو هي التي آذنت بأن الذين قالوا: (سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ) قالوه عن ثبات علم وطمأنينة نفس" في غاية البعد.

قوله: (والدليل عليه أن الله سبحانه وتعالى إلى آخره؛ إن كان المراد به أنه دال على إيذان الواو على ما ذُكر، فامتناع ذلك ظاهرٌ. فإن كان المراد به أنه دال على صدق من قال: (سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ) فحاصله ظن ضعيف بحسب أن (رَجْماً بِالْغَيْبِ) لم يؤخر إلى أن قيل: (سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ)، وأما قوله:(مَا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ) فهو غير دال على ذلك البتة. وأما قول ابن عباس رضي الله عنه، فهو غير دال على أنه أراد ما ذُكر، بل الظاهر أنه علم ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ص: 440

حين وقعت الواو انقطعت العدّة، أي: لم يبق بعدها عدّة عادّ يلتفت إليها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقوله: "حين وقعت الواو انقطعت العدة"، الظاهر أن مراده منه أن الذي هو صدق، هو الذي وقعت الواو فيه وانقطعت العدة به.

فظهر من هذا أن الواو في (وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ): واو العطف، وهي جملة معطوفة على الجملة المتقدمة.

قلتُ- وبالله التوفيق-: واعلم أنا قبل الشروع في الجواب لابد أن نبين المقصود تحريراً للبحث، فالواو هاهنا ليست على الحقيقة، ولا يعتبر في المجاز النقل في الآحاد كما في الحقيقة، بل المعتبر فيه اعتبار نوع العلاقة، وأن المجاز في عرف البلاغة أولى بالذكر من الحقيقة، وأبلغ منها واحسن لتزيين الكلام والمبالغة فيه، ألا ترى إلى قول المصنف بُعيد هذا:"لأن ما كان فيه من آفة الجهل وسقم الفهم أراه أعلى الكلام طبقة أدناه منزلة"، فتمحل ليرده إلى ما هو عنده أصح وأفصح - وعنده أن ما كان أبعد من المجاز كان أدخل في الإعجاز، إلى آخره- وإلى كلام صاحب "المثل السائر": اعلم أن أقسام النحو أخذت عن واضعها بالتقليد، حتى لو عكس القضية فيها لجاز؛ لأن العقل لا يأبى أن لو جعل الفاعل منصوباً والمفعول مرفوعاً، وأما قسم البيان فليس كذلك؛ لأنه استنبط بالنظر وقضية العقل من غير واضع، ولم يُفتقر فيه إلى التوقيف، بل أخذت ألفاظٌ ومعان، على هيئة مخصوصة وحكم لها العقل بمزية من الحسن لا يشاركها فيها غيرها، فإن كل عارفٍ بأسرار الكلام أي لغة كانت، يعلم أن إخراج المعاني في ألفاظ جامعة رائقة حسنة يلذها السمع ولا ينبو عنها الطبع خيرٌ من عكسه، ولو أراد واضع اللغة خلاف ذلك لما تقلدناه.

ص: 441

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقال أيضاً: اعلم أن مدار علم البيان على حكم الذوق السليم الذي هو أنفع من ذوق التعليم مضى كلامه.

ثم إن المجاز كما يقع في الأسماء والأفعال، قد يقع في الحروف، ألا ترى إلى الاستعارة التبعية، فإن نوعاً منها الكلام في الحروف، ونقل شارح "اللباب" عن سيبويه أن الواو في قولهم: بعت الشاء شاة ودرهماً، بمعنى: الباء، أي: بدرهم، وتحقيقه: أن الواو للجمع والاشتراك، والباء للإلصاق، والجمع والإلصاق من وادٍ واحد، فسلك به طريق الاستعارة. وذكر المصنف في أول سورة الأعراف: أن واو الحال هي واو العطف استعيرت للوصل، ولا شك أن واو العطف تقتضي المغايرة وتتضمن معنى الجمعية، فإذا أريد منها معنى الجمعية دون المغايرة كان من باب إطلاق اسم الكل على الجزء، ونحوه في الاستعمال الاستفهام في قوله تعالى:(سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ)[البقرة: 6]، فإن الهمزة هنا مسلوب الدلالة عن الاستفهامية لمجرد الاستواء والنداء في قولهم: إن نفعل كذا أيتها العصابة، لمجرد الاختصاص. وذكر المصنف في "مريم" عند قوله تعالى:(لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً)[مريم: 66] أن اللام هنا لام ابتداء أخلصت للتوكيد، ووافقه ابن الحاجب في سورة (وَالضُّحَى) فيه، وفي الأمثلة كثرةٌ.

إذا عُلم هذا فقوله: "فائدتها: توكيد لصوق الصفة بالموصوف"، معناه: أن للصفة نوع اتصال بالموصوف، فإذا أُريد توكيدُ اللصوق وسط بينهما بهذه الواو ليؤذن أن هذه الصفة غير منفكة عن الموصوف، لازمة له غير مفارقة، وإليه الإشارة بقوله: إن اتصافها أمرٌ ثابتٌ مستقرٌّ، وليُعلم أيضاً أن الحال في الحقيقة صفة لا فرق إلا في الاعتبار، ألا ترى أن

ص: 442

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الصفة الواقعة عن النكرة إذا تقدمت عليها وهي بعينها تصير حالاً، ولو لم يكونا متحدين معنى لم يصح ذلك؟ ثم قولك:"جاءني رجلٌ ومعه آخرُ"، وقولك:"مررتُ بزيدٍ ومعهُ آخر" لما كانا سواءً في الصورة- اللهم إلا ي اعتبار المعرفة والنكرة- كان حكمهما سواء في الواو. وذكر نحوه أبو البقاء في إعراب قوله: (عَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ)[البقرة: 216]، هذا مراد المصنف من إيراد المثالين، لا ما فهم بعضهم.

وأما قول صاحب "الفرائد": لاتحاد الصفة والموصوف ذاتاً وحكماً فمبنيٌّ على أن الواو عاطفةٌ، وهي تقتضي المغايرة كما قال صاحب "المفتاح"، وقدمنا وجه مجازه لمجرد الربط. وأما قوله:"جاءني رجلٌ ومعه آخر" وهي جملتان، فسيجيء جوابه. وأما قوله: فـ"إن: جاء زيدٌ راكباً، في حكم: جاءني زيدٌ وهو راكبٌ" فمن المعكوس؛ فإن الأصل في الحال الإفراد. قال ابن الحاجب في قوله: كلمته فوه إلى فيَّ: إنها بمعنى مشافها. وقال: ن الجمل تستعمل استعمال المفردات ولا تُعكس.

وأما قوله: "سلمنا أنها داخلة بين الصفة والموصوف للتأكيد، وأما الدلالة على أن اتصافه به أمر ثابتٌ فغير مسلم"، فمما لا يقوله من به أدنى مُسكة: كيف سلم التأكيد ولم يسلم فائدته؟ وأما الأسئلة الباقية على كلام المصنف فمراده أنها أمارات تدل على ما ثبت وتقرر.

وقال ابن الحاجب في "الأمال": يجوز أن يكون (رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ) جملة ابتدائية صفة لـ (ثَلاثَةٌ)، و (ثَلاثَةٌ) خبر مبتدأ محذوف، ولا يجوز أن يكون (كَلْبُهُمْ) مرفوعاً بـ (رَابِعُهُمْ) لأن المراد به المضي، ولا أن تكون الجمة حالاً، إذ ليس معنا ما يصح أن يكون عاملاً فيها؛ لأن التقدير: سيقولون: هم ثلاثة، وليس فيها أيضاً واوٌ، ويجو أن يكون (رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ) جملة خبراً للمبتدأ المحذوف بعد خبر، فيكون قد أخبر بخبرين: مفرد وجملة.

ص: 443

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ويُقوي هذا الوجه أن الجملة الثالثة جاءت بالواو، والمعنى فيها كالمعنى فيما تقدم، ويتعذر أن تكون صفة مع الواو، مع أنك لا تقول: مررت برجل وعاقل، فتعين أن يكون خبراً بعد خبر، والأخبار إذا تعددت جاز أن يكون الثاني بواو وبغير واو.

هذا إن سُلم أن المعنى في الجمل واحدٌ. وأما إن قيل: إن قوله: (َثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ)، فيفهم على ذلك بأن القائلين بأنهم سبعة أصابوا في ذلك، لوا يلزم على هذا أن يكون خبراً بعد خبر، ويقويه قول قبل ذلك:(رَجْماً بِالْغَيْبِ)، ثم ذكر بعد قوله:(رَجْماً بِالْغَيْبِ) الجملة الثالثة، فدل على أنها مخالفة لما قبلها في الرجم بالغيب، وإذا خالفتها في ذلك وجب أن تكون صدقاً، إلا أن هذا الوجه يضعف من حيث إن الله تعالى قال:(مَا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ)، فلو جعلنا قوله:(َثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ) تصديقاً لمن قال: سبعةٌ، لوجب أن يكون العالم به كثيراً، فإن أخبار الله صدق، فدل على أنه لم يصدق منهم أحدٌ، وإذا كان كذلك وجب أن تكون الجمل كلها متساوية في المعنى، وقد تعذر أن تتكون الأخيرة وصفاً، فوجب أن يكون الجميع كذلك تم كلامه.

وقد عُلم من مفهومه أن الواو هي المانعة من الوصفية، وداؤه داؤهم، فالدواء الدواء.

وأما قوله: "وجب أن تكون الجمل كلها متساوية"، فكلام عن مقتضى البلاغة بمراحل؛ لأن في كل اختلاف فوائد، والبليغ من ينظر إلى تلك الفوائد لا من يرده إلى التطويل والحشو في الكلام. وأيضاً، لابد من قول صادق بين الأقوال الثلاثة لينطبق عليه قوله:(مَا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ) مع قوله: (رَجْماً بِالْغَيْبِ)؛ لأنهُ قد اندفع به القولان الأولان، فيكون الصادق هذا، وتعقيبه به أمارة على صدقه، وعلى ما ذهب إليه السائل مفقود ذلك، ومع هذا أين طلاوة الكلام؟ أم أين اللطف والمرام؟ وهاهنا نكتةٌ لابد من إظهارها؛ وذلك أن قصة الكهف لامحةٌ إلى قصة الغار، ومشابهة لها من حيث اشتمالها على حكم بديع الشأن.

ص: 444

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

روينا عن البخاري ومسلم، عن أبي بكر رضي الله عنه قال: نظرت إلى أقدام المشركين ونحن في الغار وهم على رؤوسنا، فقلت: يا رسول الله، لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا، فقال:"يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ " يعني: لسنا مثل كل اثنين اصطحبا، لما خُصصت بشرف صحبة حبيب الله، والتجأت بسببها إلى حرم كنف الله، كما قال:(إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا)[التوبة: 40] فالتربيع والتسديد في قصة الكهف ناظران إلى التثليث في قصة الغار، لكن نظراً كلا وإلا فعلى هذا يجب أن يُجعل (رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ) و (سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ) تابعين لثلاثة وخمسة، والضمائر الأربعة فيها راجعة إليهما لا إلى المبتدأ. ومن ثم استغني عنه بالحذف، وألا كان الظاهر أن يقال: هم ثلاثة وكلبٌ، فلما أريد اختصاصها بحكم بديع الشأن عدل إلى ما هو عليه لينبه بالنعت الدال على التفصلة والتمييز على أن أولئك الفتية ليسوا مثل كل ثلاثة أو خمسة او سبعة اصطحبوا، ومن ثم قرن الله تعالى في كتابه العزيز أخس الحيوان ببركة صحبتهم مع زمرة المتبتلين إلى الله سبحانه وتعالى والمعتكفين في جوار الله، فقال:(كَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ) وأضافه إليهم مكرراً، واختلفت آراء الملتين في التنقير عن قصتهم والتفتيش عن أحوالهم. روى السلمي، عن أبي بكر الوراق أنه قال مجالسة الصالحين ومجاورتهم تؤثر في الخلق، وإن لم يكونوا أجناساً، ألا ترى أن الله عز وجل كيف ذكر أصحاب الكهف فذكر كلبهم معهم لمجاورته إياهم؟ "

وإذا تقرر هذا فالواجب أن تُراعي هذه النكتة في الفقرات الثلاث، ثم ينظر إلى الزمرة الزائدة في الخيرة لاختصاصها بحرف زائد، وهي ما ذكره المصنف جزاه الله أحسن الجزاء على أن تأويل صدر الكلام والعدول من الوصف إلى الخبر لأجل عجزه بسبب الواو، ليس أولى من العكس، والله أعلم.

ص: 445

وثبت أنهم سبعة وثامنهم كلبهم على القطع والثبات. وقيل: إلا قليل من أهل الكتاب. والضمير في (سَيَقُولُونَ) على هذا لأهل الكتاب خاصة، أي: سيقول أهل

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وأما قوله: " (وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ): استئنافٌ"، فقد ذهب إليه المفسرون، قال الزجاج: دخول الواو هاهنا وإخراجها من الأول واحدٌ، وقد يجوز أن يكون دخولها على الدلالة على انقطاع القصة، وهو من قول ابن عباس: حين وقعت الواو انقطعت العدة.

وقال أبو البقاء: وقيل: دخلت الواو لتدل على أن ما بعدها مستأنف حق، وليس من جنس القول برجم الظنون.

ولعل مُراد ابن الحاجب من قوله: لوجب أن يكون العالم بذل كثيراً، أن القائل به المسلمون، وهم بالنسبة إلى القائلين- وهما السيد والعاقب - كثيرون، كما سبق، وجوابه من وجهين، أحدهما: أن القائلين من المسلمين ليسوا كلهم بل بعضهم، يدل عليه قول ابن عباس رضي الله عنهما: أنا من ذلك القليل. ذكره محيي السنة. والمراد بالقائلين: السيد والعاقب، هما ومن تابعهما، بدليل قول المصنف:"إن السيد والعاقب وأصحابهما". وثانيهما: أن قوله: (إِلاَّ قَلِيلٌ): استئناف من أعم العام لكونه معاقباً لقوله: (قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ)، ولا شك في قلة المسلمين في جنب الناس. والله أعلم بالصواب.

قوله: ((فَلا تُمَارِ فِيهِمْ): فلا تجادل). الراغب: المرية: التردد في الأمر، وهو أخص من الشك:(وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ (مِنْهُ)[الحج: 55]، وقوله:(فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ) مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ) [هود: 109]، والامتراء والمماراة: محاجةٌ فيما فيه مريةٌ. قال تعالى: (قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ)[مريم: 34]، وقال تعالى:(فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَاءً ظَاهِراً)، وأصل ذلك [من]: مريتُ الناقة: إذا مسحت ضرعها للحلب.

ص: 446

الكتاب فيهم كذا وكذا، ولا علم بذلك إلا في قليل منهم، وأكثرهم على ظنّ وتخمين (فَلا تُمارِ فِيهِمْ) فلا تجادل أهل الكتاب في شأن أصحاب الكهف إلا جدالا ظاهرا غير متعمق فيه، وهو أن تقص عليهم ما أوحى الله إليك فحسب ولا تزيد، من غير تجهيل لهم ولا تعنيف بهم في الردّ عليهم، كما قال (وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [النحل: 125].

(وَلا تَسْتَفْتِ) ولا تسأل أحدا منهم عن قصتهم سؤال متعنت له، حتى يقول شيئا فتردّه عليه وتزيف ما عنده، لأن ذلك خلاف ما وصيت به من المداراة والمجاملة، ولا سؤال مسترشد، لأن الله قد أرشدك بأن أوحى إليك قصتهم.

[(وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً* إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً)].

(وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ) ولا تقولنّ لأجل شيء تعزم عليه (إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ) الشيء (غَداً) أي: فيما يستقبل من الزمان، ولم يرد الغد خاصة (إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ) متعلق بالنهى لا بقوله:(إني فاعل)؛ لأنه لو قال: إني فاعل كذا إلا أنّ يشاء الله، كان معناه: إلا أن تعترض مشيئة الله دون فعله،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (إلا أن تعترض مشيئة الله دون فعله). الانتصاف: وليت شعري! ما معنى قول الزمخشري: إلا أن تعترض المشيئة دون فعله؟ واعتقاده أن مشيئة الله لاتعترض على فعل أحدٍ، فلم يشأ - عندهم - فلا فتُرك، وتركاً ففُعِلَ، حتى إنهم يقولون: إن قول القائل: والله لا أفعل إلا أن يشاء الله أن أفعله، كذبٌ إذا كان مباحاً؛ لأن الله لا يشاؤه بزعمهم، فسثحقاً لاعتقادهم.

وقال ابن الحاجب: الوجه فيه أن يكون استثناء مفرغاً، كقولك: لا يجيء إلا بإذن زيد ولا يخرج إلا بمشيئته، على أن يكون الأعم المحذوف: حالاً، أو مصدراً، وحُذفت

ص: 447

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الباء من بـ (أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ)، أي: إلا بذكر المشيئة، وقد عُلم أن ذكر المشيئة المستصحبة في الإخبار عن الفعل المستقبل هي المشيئة المذكورة بحرف الشرط أو معناه، كقولك: إن شاء الله وبمشيئة الله وما أشبههما، هذا هو المعنى من قول المصنف. والثاني: ولا تقولنه إلا بأن يشاء الله.

وقال ابن الحاجب: وأما ما ذكر انه متصلٌ بقوله: (إِنِّي فَاعِلٌ) ففاسدٌ، إذ يصير المعنى: إني فاعلٌ بكل حال إلا في حال مشيئة الله، فيصير المعنى النهي عن أن يقول: إني فاعلٌ إن شاء الله، وهذا لا يقوله أحدٌ. وأما ما ذكر من أنه استثناء منقطع فبعيدٌ؛ لأنه يؤدي إلى نهي كل واحد عن أن يقول: إني فاعلٌ غداً، كذا مطلقاً، قيده بشيء أو لم يقيد، وهو خلاف الإجماع لجواز قول القائل: لأفعلن كذا إن شاء الله، وأما ما ذكره بعض المتأخرين أن "إلا" ليست باستثناء لا متصل ولا منقطع، فهو جهل وغباوة، ولا خفاء في أنه عني قوله: وهو أن يكون إن شاء الله كلمة تأبيد، كأنه قيل: ولا تقولنه أبداً.

والجواب عنه: أنا نقلنا عن الزجاج في قوله تعالى: (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتْ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ)[الدخان: 56]، وقد عُلم وحُقق أن ذوق الموتة الأولى في الجنة محالٌ، فيكون كناية عن التأبيد، فالمعنى: لا تقولن يما يتعلق بالوحي: أن أخبركم به إلا أن يشاء الله، والله تعالى لم يشأ أن تقوله من عندك، فإذن لا تقولنه أبداً، وعليه قوله:"لأن عودهم في ملتهم مما لن يشاءه الله"، وعلى هذا جُعل الاستثناء منقطعاً، لا تقولن يا محمد فميا يتعلق بالوحي: إني أخبركم به، لكن قل: أخبركم بإذن الله وبمشيئته، كقوله تعالى:(وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى)[النجم: 3 - 4]، فالمخاطب على التقديرين رسول الله صلى الله عليه وسلم، يؤيده قوله:"وهذا نهيُ تأديب من الله تعالى لنبيه حين قالت اليهود لقريش" إلى آخره. والحاصل أن خصوصية المقام تجوز كثيراً من نحو هذا.

ص: 448

وذلك مما لا مدخل فيه للنهى، وتعلقه بالنهى على وجهين، أحدهما: ولا تقولنّ ذلك القول إلا أن يشاء الله أن تقوله، بأن يأذن لك فيه. والثاني: ولا تقولنه إلا بأن يشاء الله، أي: إلا بمشيئة الله، وهو في موضع الحال، يعنى: إلا ملتبسا بمشيئة الله قائلا: إن شاء الله وفيه وجه ثالث، وهو: أن يكون أَنْ يَشاءَ اللَّهُ في معنى كلمة تأبيد، كأنه قيل ولا تقولنه أبدا. ونحوه قوله (وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ) [الأعراف: 89]، لأن عودهم في ملتهم مما لن يشاءه الله. وهذا نهى تأديب من الله لنبيه حين قالت اليهود لقريش: سلوه عن الروح، وعن أصحاب الكهف، وذي القرنين. فسألوه فقال: ائتوني غدا أخبركم ولم يستثن، فأبطأ عليه الوحي حتى شق عليه وكذبته قريش.

(وَاذْكُرْ رَبَّكَ) أي مشيئة ربك وقل: إن شاء الله إذا فرط منك نسيان لذلك. والمعنى: إذا نسيت كلمة الاستثناء ثم تنبهت عليها فتداركها بالذكر. وعن ابن عباس رضي الله عنه: ولو بعد سنة ما لم تحنث. وعن سعيد بن جبير: ولو بعد يوم أو أسبوع أو شهر أو سنة. وعن طاووس: هو على ثنياه ما دام في مجلسه. وعن الحسن نحوه. وعن عطاء: يستثنى على مقدار حلب ناقة غزيرة،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (هو على ثنياه)، المُغرب: يقال: ثني العود: إذا حناه وعطفه؛ لأنه ضم أحد طرفيه إلى الآخر، ثم قيل: ثناه عن وجهه: إذا كفه وصرفه؛ لأن مسبب عنه، ومنه: استثنيت الشيء: زويته لنفسي، ومنه: الثنيا بوزن الدنيا، وفي الحديث:"من استثنى فله ثنياه" أي: ما استثناه.

ص: 449

وعند عامة الفقهاء أنه لا أثر له في الأحكام ما لم يكن موصولا. ويحكى أنه بلغ المنصور أن أبا حنيفة خالف ابن عباس رضي الله عنه في الاستثناء المنفصل، فاستحضره لينكر عليه: فقال أبو حنيفة: هذا يرجع عليك، إنك تأخذ البيعة بالأيمان، أفترضى أن يخرجوا من عندك فيستثنوا فيخرجوا عليك؟ فاستحسن كلامه ورضي عنه.

ويجوز أن يكون المعنى: واذكر ربك بالتسبيح والاستغفار إذا نسيت كلمة الاستثناء،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وعند عامة الفقهاء: أنه لا أثر له في الأحكام ما لم يكن موصولاً). قال القاضي: "لأنه لو صح ذلك لم يقرر إقرارٌ ولا طلاقٌ ولا عتاق، ولم يُعلم صدقٌ ولا كذب، وليس في الآية أن الاستثناء المتدارك به من القول السابق، بل هو مقدرٌ مدلولٌ به عليه" مثل أن يقول: أفعلُ إن شاء الله، أي:(وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً) إلا أن تقول: أفعلُ إن شاء الله.

قوله: (إنك تأخذ البيعة بالأيمان، أفترضى أن يخرجوا عن عندك فيستثنوا؟ )، الانتصاف: ظاهر الآية الأمر بتدارك المشيئة عند التذكار ولو بعد طول، وأما حلها لليمين حينئذ، فلا دليل للآية عليه.

وقلت: مسألة البيعة واليمين جاءت رادة لمن قاس الاستثناء في الأحكام على مسألة التدارك بالتذكار في نسيان ذكر الله في الأمور وصورة المبايعة بأن يقول: أبايعك على السمع والطاعة، ثم يؤكدها باليمين، بأن يقول: والله لا أخرج من هذه البيعة، ثم يخرج ويستثني إلا زمان كذا، ويوم كذا، ولأمر ذا، أو أوان يفعلُ كذا.

ص: 450

تشديدا في البعث على الاهتمام بها. وقيل: واذكر ربك إذا تركت بعض ما أمرك به. وقيل: واذكره إذا اعتراك النسيان ليذكرك المنسي، وقد حمل على أداء الصلاة المنسية عند ذكرها.

و(هذا) إشارة إلى نبإ أصحاب الكهف.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (تشديداً في البعث على الاهتمام)، يعني: الأمرُ بالاستغفار من باب التغليظ والتشديد، كأن ترك الاستثناء من الذنب الذي تجب فيه التوبة والاستغفار.

قوله: (واذكر ربك إذا تركت بعض ما أمرك به)، فالنسيان قد يُستعمل في الترك مجازاً؛ لأن الترك سبب النسيان.

الراغب: النسيان: ترك الإنسان ضبط ما استودع؛ إما لضعف قلبه، وإما عن غفلة أو عن قصد حتى ينحذف عن القلب ذكره. وقوله تعالى:(سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى)[الأعلى: 6] إخبارٌ وضمان من الله تعالى أنه يجعله بحيث إنه لا ينسى ما يسمعه عن الحق، وكل نسيان من الإنسان ذمه الله تعالى به، فهو ما كان أصله عن تعمد، وما عُذر فيه نحو ما رُوي في الحديث:"رُفع عن أمتي الخطأ والنسيان"، فهو ما لم يكن سببه منه، وإذا نُسب ذلك إلى الله تعالى فهو تركه إياهم استهانة بهم، ومجازاة لما تركوه. قال الله تعالى:(نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ)[التوبة: 67]، وقوله:(وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ)[الحشر: 19] فتنبيه أن الإنسان بمعرفته بنفسه يعرف الله، فنسيانه لله هو من نسيانه نفسه. وقال عكرمة: معنى (نَسِيتَ): ارتكبت ذنباً، ومعناه: اذكر الله إذا أردت وقصدت ارتكاب ذنب يكن ذلك دافعاً لك.

قوله: ((هذا) إشارة إلى نبأ أصحاب الكهف)، أي: لفظ (هذا) في قوله تعالى: (لأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَداً).

ص: 451

ومعناه: لعل الله يؤتينى من البينات والحجج على أنى نبىّ صادق ما هو أعظم في الدلالة وأقرب رشدا من نبأ أصحاب الكهف، وقد فعل ذلك حيث آتاه من قصص الأنبياء والإخبار بالغيوب ما هو أعظم من ذلك وأدلّ، والظاهر أن يكون المعنى: إذا نسيت شيئا فاذكر ربك. وذكر ربك عند نسيانه أن تقول: عسى ربى أن يهديني لشيء آخر بدل هذا المنسى أقرب منه (رَشَداً) وأدنى خيراً ومنفعة. ولعل النسيان كان

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ومعناه: لعل الله يؤتيني من البينات .. ما هو أعظمُ في الدلالة وأقربُ رُشداً من نبأ أصحاب الكهف)، الانتصاف: يؤيده قوله: (أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً)، افتتح القصة بتقليل شأنها، ثم ختمها بأمره صلوات الله عليه بما هو أرشد منها.

الإنصاف: هذا يُوهم أن أي قصة ذُكرت في الكتاب العزيز ليتعظ بها ينبغي أن يُحقر شأنها ويُسأل إنزالُ ما هو خيرٌ منها وأرشدُ. جوابه: أن المشركين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن خبرهم، وقالوا: هم فتيةٌ ذهبت بهم في الأرض مذاهبُ، فقلل الله ما أكثروه وحقر ما استعظموه، ولم يقص الله نبأها إلا لإعلام المشركين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلقى الوحي من السماء، وأنه لا يخلو عن فائدة وموعظة وعبرة.

قوله: (يهديني لشيء آخر، بدل هذا المنسي أقرب) يقال: هداه لكذا، أو إلى كذا، لابد من تقدير شيء يصح الكلام معه، فالتقدير: يهديني لشيء آخر يكون ذلك الشيء بدل هذا المنسي أقرب نمه رشداً، قال الزجاج: عسى أن يعطيني من الدلالات ما يكون أقرب في الرشد، وأدل من قصة أصاب الكهف.

وقال في "المُطلع": يهدي إلى ما هو أقرب، و"أقربُ" في تركيب المصنف يجوز أن يكون بدلاً من بدل، وأن يكون صفة إن جُعل "أقرب" من "معرفة"، أو حالاً إن جُعل نكرةً.

ص: 452

خيرة، كقوله (أَوْ نُنْسِها نَاتِ بِخَيْرٍ مِنْها) [البقرة: 106].

[(وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً* قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً)].

(وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ) يريد لبثهم فيه أحياء مضروبا على آذانهم هذه المدّة، وهو بيان لما أجمل في قوله (فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً)، ومعنى قوله:(قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا) أنه أعلم من الذين اختلفوا فيهم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (خيرةً) أي: مختاراً.

قوله: (بيان لما أُجمل في قوله: (فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ))، فإن قلت: ما فائدة إيراد البيان في آخر القصة والمبين في أولها قلتُ، والله أعلم: جيء أولاً باختلاف الأحزاب في كمية لُبثهم في الكهف. وثانياً: باختلافهم في كمية أشخاصهم، فبين الثاني بقوله:(سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ) وبين الأول بقوله: (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً * قُلْ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا) وسجل لكلتي الجملتين بإثبات العلم لله تعالى، وهذه الدقيقة تنهي لطف ما ذهب إليه المصنف في (سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ).

وأما توسيط قوله: (وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً) الآية، بين البيان والمبين، فإنه من جملة التأديب الذي أدبه الله به، والتهذيب الذي هذبه مما هو خلقٌ له، وهو هذا القرآن المجيد؛ جاء مستطرداً عطفاً على قوله:(فَلا تُمَارِ)، (وَلا تَسْتَفْتِ) متضمناً معنى ما لأجله أبطأ عليه الجواب عن هذه القصة، قال الزجاج:(قُلْ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا): إخبارٌ عن الله تعالى بطول لُبثهم.

ص: 453

بمدّة لبثهم، والحق ما أخبرك الله به. وعن قتادة: أنه حكاية لكلام أهل الكتاب. و (قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ) رد عليهم. وقال في حرف عبد الله: (وقالوا لبثوا). و (سنين): عطف بيانٍ لـ (ثلث مائة).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وأعلم أنه أعلمُ بذلك، وكان هذا أبلغ من أن يُقال: الصحيح أنهم قد لبثوا هذا العدد كله.

قوله (و (سِنِينَ) عطفُ بيان لـ (ثَلاثَ مِائَةٍ))، قال الزجاج:(سِنِينَ) جائز أن يكون نصباً وأن يكون جراً، فالنصب على معنى: ولبثوا في كهفهم سنين ثلاث مئة، عطف "سنين" على "ثلاثٍ" عطف البيان والتوكيد، والجر على أن يكون نعتاً للمئة، وهو بالغ في المعنى إلى ثلاث، كما قال:

فيها اثنتان وأربعون حلوبة

سوداً كخافية الغُراب الأسحم

جعل "سُوداً" نعتاً لـ "حلوبة"، وهو في المعنى نعتٌ لجملة العدد، هكذا في "تفسيره"، ونقل المصنف عنه في "المفصل" أنه قال: لو انتصب (سِنِينَ) على التمييز لوجب أن يكونوا قد لبثوا تسع مئة سنة. قال ابن الحاجب: وجهه أنه قد فُهم من لغتهم أن تمييز المئة واحدٌ من مئة، فإذا قلت: مئة رجل فمميزها رجل، وهو واحدٌ من المئة، فعلى هذا لو قلت: مئة سنين، فيكون السنين واحدة من المئة، وهي ثلاث مئة، وأقل السنين ثلاثة، فيجب أن يكون تسع مئة، وهذا الذي ذكره يرد: على قراءة حمزة والكسائي، إذ ليس لقراءتهما وجهٌ سوى التمييز.

وهذا غير لازم، لأن الذي ذكره مخصوصٌ بأن يكون المميز مفرداً، وأما إذا كان جمعاً فيكون القصد فيه كالقصد في وقوع التمييز جمعاً في نحو ثلاثة أثواب، على أن الأصل في

ص: 454

وقرئ: (ثلاث مائة سنين) بالإضافة، على وضع الجمع موضع الواحد في التمييز، كقوله (بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا) [الكهف: 103] وفي قراءة أبيّ: (ثلث مئة سنة). (تِسْعاً) تسع سنين، لأن ما قبله يدل عليه. وقرأ الحسن:(تسعاً) بالفتح، ثم ذكر اختصاصه بما

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

التمييز الجمع، وإنما عدل إلى المفرد لغرض، فإذا استعمل الجمع استعمل على الأصل لا على الوجه الذي ألزمه، فإن ذلك على المفرد.

وقلتُ: الذي ذهب إليه المصنف عكس ذلك؛ لأنه جعل المفرد أصلاً والجمع مفرعاً عليه لقوله: "على وضع الجمع موضع الواحد في التمييز"، وقال ابن الحاجب:(ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ)، فيمن قرأ بالتنوين، محمولٌ على البدل، وإلا لزم الشذوذ من وجهين: أحدهما: جمع مميز مئة. والآخر: نصبه، فإذا جُعل بدلاً خرج عن الشذوذين واستقام الإعراب، كأنه قال: ولبثوا سنين.

قوله: (وقرئ: "ثلاث مئة سنين" بالإضافة)، حمزة والكسائي: بغير تنوين، والباقون: بتنوين.

قوله: (لأن ما قبله يدل عليه). قال الزجاج: أما قوله: (وَازْدَادُوا تِسْعاً) فلا يكون تسع ليال وتسع ساعاتٍ؛ لأن العدد يُعرف بتفسيره، فإذا تقدم تفسيره استغنى بما تقدم عن إعادة ذكره.

وقال الإمام: فإن قالوا: لِمَ لم يقل: ثلاث مئة تسع سنين؟ وما الفائدة في العدول؟ قلنا: قال بعضهم: كانت المدة ثلاث مئة سنة من السنين الشمسية وثلاث مئة وتسع سنين من القمرية، وهذا مشكلٌ؛ لأنه لا يصح بالحساب، ويمكن أن يُقال: لعلهم لما استكملوا ثلاث مئة سنة قرب أمرهم من الانتباه، ثم اتفق ما أوجب بقاءهم في النوم بعد ذلك تسع سنين.

ص: 455

غاب في السماوات والأرض وخفي فيها من أحوال أهلها ومن غيرها وأنه هو وحده العالم به. وجاء بما دل على التعجب من إدراكه المسموعات والمبصرات، للدلالة على

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقال القاضي: وقيل: إنه حكاية كلام أهل الكتاب، فإنهم اختلفوا في مدة لُبثهم كما اختلفوا في عدتهم، فقال بعضهم: ثلاث مئة سنة، وبعضهم: ثلاث مئة وتسع سنين.

وقلتُ: ويمكن أن يُقال: إنه من كلام الله تعالى، فإن أهل الكتاب كما اختلفوا في عدتهم اختلفوا في مدة لبثهم، فكما جيء في ذلك المقام بما يرفع الاختلاف، جيء هاهنا ذلك، فإن قوله:(وَازْدَادُوا تِسْعاً) بيان لنصوصية اللبث وتقريرٌ له، ودفعٌ للاحتمال، ونظيره الاستثناء في قوله تعالى:(فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً)[العنكبوت: 14]، وسيجيء بيانه. فقوله:(قُلْ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا) مثل: (قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ) هناك. وهذا التأويل يُرجح قول من قال: إن هذا من كلام الله تعالى. والله أعلم.

قوله: (وجاء بما دل عليه التعجب من إدراكه المسموعات والمبصرات). قال القاضي: والهاء تعود إلى "الله"، ومحله الرفع على الفاعلية، والباء مزيدة عند سيبويه، وكان أصله أبصر، أي: صار ذا بصرن ثم نُقل إلى صيغة الأمر بمعنى الإنشاء، فبرز الضمير لعدم لياق الصيغة، وهو أن ضمير الغائب لا يمكن استثناؤه في أمر المخاطب أو لزيادة الباء، كما في قوله:(وَكَفَى بِهِ)[النساء: 50]، والنصب على المفعولية عند الأخفش، والفاعل: ضمير المأمور، وهو كل أحدٍ، والباء مزيدة إن كانت الهمزة للتعدية.

وقال صاحب "الكشف": وكان القياس إضمار "به" في الثاني؛ لأن الجار والمجرور في موضع الفاعل، لكن استغنى بذكره في الأول لأنه لا يجوز العطف على عاملين كما فعل في قول الشاعر:

ص: 456

أن أمره في الإدراك خارج عن حدّ ما عليه إدراك السامعين والمبصرين، لأنه يدرك ألطف الأشياء وأصغرها، كما يذرك أكبرها حجما وأكثفها جرما، ويدرك البواطن كما يدرك الظواهر (ما لَهُمْ) الضمير لأهل السموات والأرض (مِنْ وَلِيٍّ) من متول لأمورهم (وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ) في قضائه (أَحَداً) منهم. وقرأ الحسن:(ولا تشرك)، بالتاء والجزم على النهى.

[(وَاتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً)].

كانوا يقولون له: (ائت بقرآن غير هذا أو بدله)[يونس: 15]، فقيل له (وَاتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ) من القرآن، ولا تسمع لما يهذون به من طلب التبديل، فلا مبدل لكلمات ربك، أى: لا يقدر أحد على تبديلها وتغييرها، إنما يقدر على ذلك هو وحده، (وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ) [النحل: 101]. (وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً) ملتجأ تعدل إليه إن هممت بذلك.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أكل امرئ تحسبين امرأ

ونارٍ توقد بالليل نارا

أي: وكل نارٍ، واستغنى بذكره أولاً عن ذكره ثانياً.

الراغب: (أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ) يقول فيه تعالى ذلك من وقف على عجائب حكمته، ولا يقال فيه: ما أبصره وما أسمعه؛ لأن الله تعالى لا يوصف إلا بما ورد به السمع. وقدر أبو البقاء: أوقع أيها المخاطب إبصاراً بأمر الكهف، فهو أمرٌ حقيقة والفاعل مضمرٌ.

قوله: (وإنما يقدر على ذلك هو وحده)، أو:(إِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ)

ص: 457

[(وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً)].

وقال قوم من رؤساء الكفرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: نحّ هؤلاء الموالي الذين كأن ريحهم ريح الضأن، وهم: صهيب وعمار وخباب وغيرهم من فقراء المسلمين، حتى نجالسك كما قال قوم نوح:(أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ)[الشعراء: 111]، فنزلت:(وَاصْبِرْ نَفْسَكَ) واحبسها معهم وثبتها. قال أبو ذؤيب:

فصبرت عارفة لذلك حرّة

ترسو إذا نفس الجبان تطلّع

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[النحل: 101]، أراد أن في هذه الآية الدلالة الظاهرة على أن الكتاب لا يُنسخ بالسُّنة؛ لأنه تعالى أمر نبيه صلوات الله عليه بأن يتلو ما أوحى إليه من كتاب الله حين قالوا:(ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ)[يونس: 15] وأعلمهُ أن لا تبديل لكلمات الله البتة، لا يبدلها هو ولا غيره، حيث نفى جنس التبديل وخص هذا العام بقوله:(وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ)[النحل: 101] ن فبقي العام فيما عداه على أصله، ولهذا أكد دلالة الحصر في قوله: إنما يقدرُ على ذلك هو بقوله وحده، ثم أتى بتذييل مؤكدٍ لذلك المعنى، وهو قوله:(وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً) بـ (لن) المؤكدة، قال المصنف: تقول لصاحبك: لا أقيم غداً. فإن أنكر عليك قلت: لن أقيم غداً، كما تفعل في "أنا مقيم"، و"إني مقيمٌ"، نُزل صلوات الله عليه نزلة من هم أن له ملجاً يعدلُ إليه من أمره ونهيه، فقيل له:(وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً) تهييجاً وإلهاباً، وإليه الإشارة بقوله:(وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً)، تعدل إليه إن هممت بذلك. قال الزجاج: ولن تجد معدلاً عن أمره ونهيه ولا ملجا إلا إليه.

قوله: (فصبرت عارفةً) البيت، أي: حبستُ نفساً عارفة بأحوال الحرب.

ص: 458

(بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ) دائبين على الدعاء في كل وقت. وقيل: المراد صلاة الفجر والعصر. وقرئ: (بالغدوة)، و (بالغداة) أجود، لأن غدوة علم في أكثر الاستعمال، وإدخال اللام على تأويل التنكير كما قال:

والزّيد زيد المعارك

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الجوهري: العارف: الصبور. ترسو: ترسخ وتثبت، تطلع: ينقطع عن مكانه. وقيل: ينظر ساعة ويختفي ساعة، كما هو عادة الجبان، يصف صبره وتجلده عند الشدائد، وأن نفسه ثابتة صابرة على المكاره في حال تكون نفس الجبان فيها مضطربة.

قوله: (وقرئ: بالغدوة): ابن عامر، والباقون:(بِالْغَدَاةِ). قال أبو البقاء: "بالغداة: أصلها غدوة، فقلبت ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها، وهي نكرةٌ، وتُقرأ بالعدوة، بضم الغين وسكون الدال، وواوٍ بعدها، وقد عرفها بالألف واللام، وأكثر ما تُستعمل معرفةً علماً" بغير اللام.

قوله: (والزيد زيد المعارك)، أوله:

وقد كان منهم حاجب وابن أمه

أبو جندلٍ

حاجب: هو ابن لقيط بن زُرارة، أراد بقوله:"زيدُ المعارك": شجاعته، ذكره شاهداً على صحة الإضافة وإدخال اللام على تأويل التنكير، وفيه ضعفٌ؛ لأن العلم إنما وُضع لشيء بعينه غير متناول ما أشبهه، فإذا نُكر فقد استعمل على خلاف ما وُضع له، ووجهه أنه لما وُضع لمسمى ثم وُضع لآخر صارت نسبته إلى الجميع نسبةً واحدةً، فأشبه أن يكون مثل قولك: رجُل.

ص: 459

ونحوه قليل في كلامهم. يقال: عداه إذا جاوزه ومنه قولهم. عدا طوره. وجاءني القوم عدا زيدا. وإنما عدى بعن، لتضمين عدا معنى نبا وعلا، في قولك: نبت عنه عينه وعلت عنه عينه: إذا اقتحمته ولم تعلق به. فإن قلت: أي غرض في هذا التضمين؟ وهلا قيل: ولا تعدهم عيناك، أو لا تعل عيناك عنهم؟ قلت الغرض فيه إعطاء مجموع معنيين، وذلك أقوى من إعطاء معنى فذ. ألا ترى كيف رجع المعنى إلى قولك: ولا تقتحمهم عيناك مجاوزتين إلى غيرهم؟ ونحوه قوله تعالى (وَلا تَاكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ)[النساء: 2]، أي ولا تضموها إليها آكلين لها. وقرئ: ولا تعد عينيك، ولا تعدّ عينيك، من أعداه وعدّاه نقلا بالهمزة وتثقيل الحشو. ومنه قوله:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (عدا طوره)، أي: جاوز حده.

النهاية: في حديث سطيح:

فإن ذا الدهر أطوارٌ دهارير

الأطوار: الحالات المختلفة والنازلات والحدود، واحدها: طورٌ، أي: مرة مُلكٌ، ومرةً هُلك، ومرة بؤس، ومرة نُعم. ومنه حديث النبيذ:"تعدى طوره"، أي: جاوز حده وحاله الذي يخصه ويحل فيه شربه.

قوله: (إذا اقتحمته)، الجوهري: اقتحمته عيني، أي: ازدرته.

قوله: (وقرئ: "ولا تُعدِ عينيك"): ولا تصرفهما. قال ابن جني: هي قراءة الحسن، وهذا منقولٌ من: عدت عيناك، أي: جاوزتا، من قولهم: جاء القوم عدا زيداً، أي: جاوز بعضهم زيداً، ثم نُقل إلى أعديتُ عيني عن كذا، أي: صرفتها.

ص: 460

فعد عمّا ترى إذ لا ارتجاع له

لأن معناه: فعد همك عما ترى. نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يزدرى بفقراء المؤمنين، وأن تنبو عينه عن رثاثة زيهم طموحا إلى زىّ الأغنياء وحسن شارتهم (تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا) في موضع الحال، (مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ) من جعلنا قلبه غافلاً عن الذكر بالخذلان، أو وجدناه غافلا عنه، كقولك: أجبنته وأفحمته وأبخلته، إذا وجدته كذلك. أو من أغفل إبله إذا تركها بغير سمة، أي: لم نسمه بالذكر ولم نجعلهم من

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (فعد عما ترى إذ لا ارتجاع له)، وتمامه:

وانم القتود على عيرانةٍ أُجُد

نميتُ الشيء على الشيء: رفعته عليه، والقتدُ: خشبُ الرحل، وجمعه أقتادٌ وقتود، والعيرانة: الناقة، شُبهت بالعير في سُرعتها ونشاطها، وناقة أُجُدٌ: قويةٌ موثقةُ الخلق، يقولُ: فعد همك عما ترى، فإنه قد فات عنك بحيث لا ارتجاع له، أي: انصرف عما ترى من تغير الدار وما أنت فيه إذا أيقنت أن لا رجعة، وتشاغل بالرحلة.

قوله: (وحسن شارتهم). الشارة: اللباس والهيئة.

قوله: (جعلنا قلبه غافلاً عن الذكر بالخذلان، أو: وجدناه غافلاً)، الانتصاف: شمر الزمخشري هارباً من الحق، وتجرأ على نفي ما نسبه الله اتباعاً لهواه.

قوله: (وأفحمته)، الجوهري: كلمته حتى أفحمته، أي: أسكته، وأفحمته أي: وجدته مفحماً لا يقول الشعر.

قوله: (أو من: أغفل إبله؛ إذا لم يجعل لها وسماً)، الانتصاف: هذا يمكن مع خلق الغفلة، فلا ضرورة إلى صرف اللفظ عن ظاهره.

ص: 461

الذين كتبنا في قلوبهم الإيمان وقد أبطل الله توهم المجبرة بقوله (وَاتَّبَعَ هَواهُ) وقرئ: (أغفلنا قلبه)، بإسناد الفعل إلى القلب على معنى: حسبنا قلبه غافلين، من:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وقد أبطل الله توهم المجبرة بقوله: (وَاتَّبَعَ هَوَاهُ)) حيث أسند الاتباع إليهم، وعطف بالواو ولم يُرتبه عليه بالفاء، فدل على الاستقلال، وأنهم بأنفسهم يتبعون أهواءهم، وليس (أَغْفَلْنَا) سبباً في الاتباع.

الانتصاف: قدم وجه نسبة فعل العبد إلى نفسه، لكونه مقروناً بقدرته، وإلى الله لكونه مُوجداً له، فأدلة السُّنة تتبعه حيث سلك لا محيص له عنها.

قلتُ: يمكن أن يُقال: إن العطف من أسلوب قوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ) بالنمل: 15] على راي صاحب "المفتاح" أخبر الله تعالى أنه خق قلوبهم مختوماً عليها وجعل فيها الغفلة، وأخبرهم أنهم اتبعوا أهواءهم، ولم يرتب الثاني على الأول تفويضاً لاستفادته إلى فهم السامع، أو من الأضمار، كما ذهب إليه المصنف في تلك الآية، أي: جعلنا قلبه غافلاً عن الذكر فضل واتبع هواه، كما قال:(وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً)، فعملا به وعلما الناس وعرفا حق النعمة (وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ) [النمل: 15].

قوله: (وقرئ: "أغفلنا قلبه")، قال ابن جني: قرأها عمرو بن فائد، يقال: أغفلت الرجل، وجدته غافلاً.

ص: 462

أغفلته إذا وجدته غافلاً، (فُرُطاً) متقدّما للحق والصواب نابذاً له وراء ظهره من قولهم «فرس فرط» متقدّم للخيل.

[(وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقاً)].

(وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُم ْ): (الحق) خبر مبتدأ محذوف. والمعنى: جاء الحق وزاحت

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: ((الْحَقِّ): خبر مبتدأ محذوف)، أي: هوالحق، كذا قُدر في "آل عمران"، والخبر هو العامل في الظرف. فإن قلت: ما دعاه إلى هذا؟ ولِمَ لم يجعل (مِنْ رَبِّكُمْ) الخبر؟ ومع ذلك كيف قال: جاء الحق؛ فإنه ليس بمقتضى التقدير؟

قلتُ: دعاه مجيء قوله: (وَقُلْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ) كالفذلكة لما ذكر من مفتتح السورة أو جميع ما جاء به صلوات الله عليه، ثم ترتب ما بعده بالفاء عليه، فالضمير المقدر بمنزلة اسم الإشارة، ومن ثم قدر الواحدي: أي: هذا الحق من ربكم، قال الزجاج: الذي آتيكم به الحق من ربكم، فيكون المعنى: ما جئتكم به من حديثا لكتاب القويم المعري عن كل الاعوجاج، الظاهر الإعجاز، الكاشف عن المغيبات، المحتوي على مكارم الأخلاق، المزيح للعلل والأعذار، المزيل للريب والشبهات - حق واجب ثابت من الرب المالك الرحيم، ثم رتب عليه وعيد من كابر عقله وعاند ربه، ودفع الحق الصُّراح، ووعد من أذعن للحق وآمن وعمل بمقتضاه بقوله:(فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ)، وعلل ذلك بقوله:(إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً) إلى آخر الآيات. ويؤيدُ هذا التأويل ما ذكرهُ الواحدي: قال: قال مجاهدٌ والسديٌّ: قوله: (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) وعيدٌ من الله وإنذارٌ، وقد بيَّنَ

ص: 463

العلل فلم يبق إلا اختياركم لأنفسكم ما شئتم من الأخذ في طريق النجاة أو في طريق الهلاك. وجيء بلفظ الأمر والتخيير، لأنه لما مكن من اختيار أيهما شاء، فكأنه مخير مأمور بأن يتخير ما شاء من النجدين. شبه ما يحيط بهم من النار بالسرادق، وهو الحجرة التي تكون حول الفسطاط، وبيت مسردق: ذو سرادق وقيل: هو دخان

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بعده ما لكل فريق من مؤمن وكافر، فقال:(إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً) الآيات، فظهر أن قوله:" (جَاءَ الْحَقُّ)، وزاحت العللُ" تحرير للمعنى وتلخيصٌ له. والله أعلم.

قوله: (وجيء بلفظ الأمر والتخيير؛ لأنه لما مُكن من اختيار أيهما شاء فكأنه مخيرٌ مأمورٌ بأن يتخير ما شاء من النجدين)، قال القاضي: وهو لا يقتضي استقلال العبد بفعله، فإنه وإن كان بمشيئته فمشيئته ليست بمشيئة. المعنى: لا أبالي بإيمان من آمن وكُفر من كفر. وقال الزجاج: هذا الكلامُ ليس بأمرٍ لهم، ما فعلوهُ منه فهم فيه مُطيعون ولكنه كلامٌ فيه وعيدٌ وإنذارٌ.

قوله: (بالسرادق، وهو الحجزة). الراغب: فارسيٌّ معربٌ، وليس في كلامهم اسمٌ مفردُ ثالثه ألفٌ وبعده حرفان، قال تعالى:(أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا)، وقيل: مُسردقٌ: مجعول على هيئة السرادق.

ص: 464

يحيط بالكفار قبل دخولهم النار. وقيل: حائط من نار يطيف بهم (يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ) كقوله:

فأعتبوا بالصّيلم

وفيه تهكم. والمهل: ما أذيب من جواهر الأرض. وقيل: دردىّ الزيت يَشْوِي الْوُجُوهَ إذا قدم ليشرب انشوى الوجه من حرارته. عن النبي صلى الله عليه وسلم: هو كعكر الزيت، فإذا قرب إليه سقطت فروة وجهه (بِئْسَ الشَّرابُ) ذلك، (وَساءَتْ) النار (مُرْتَفَقاً) متكا من المرفق، وهذا لمشاكلة قوله (وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً) [الكهف: 31]، وإلا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (فأعتبوا بالصيلم) أوله:

غضبت تميمٌ أن تُقتل عامرٌ

يوم النسار

"النسار" بكسر النون: ماءٌ لبني عامر. و"الصيلمُ": الداهية والأمرُ العظيم. "أُعتبوا" أي: أرضوا. جعل الداهية لهم مكان العتاب الذي يجري بين الأحبة.

قوله: (كعكر الزيت)، الحديث رواه الترمذي، عن أبي سعيد.

النهاية: العكرُ: الدنس والدرن.

قوله: ((مُرْتَفَقاً): مُتكئاً، من المرفق). الجوهري: بات مرتفقاً، أي: متكئاً على مرفق يده. والمرفقة بالكسرة: المخدةُ.

قوله: (وهذا لمشاكلة قوله: (وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً))، أراد أن الآية الثالثة مقابلةٌ لهذه، وهي مفصلةٌ بذكر الارتفاق، فأوجب بموجب المشاكلة المجاوبة بين القرينتين وإن تأخر

ص: 465

فلا ارتفاق لأهل النار ولا اتكاء، إلا أن يكون من قوله:

إنيّ أرقت فبتّ اللّيل مرتفقًا

كأنّ عينى فيها الصّاب مذبوح

[(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً* أُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ نِعْمَ الثَّوابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً)].

(أُولئِكَ) خبر إن (وإِنَّا لا نُضِيعُ) اعتراض، ولك أن تجعل (إِنَّا لا نُضِيعُ) و (أُولئِكَ) خبرين معاً. أو تجعل (أُولئِكَ) كلاماً مستأنفاً بياناً للأجر المبهم. فإن قلت: إذا جعلت إِنَّا لا نُضِيعُ خبرا، فأين الضمير الراجع منه إلى المبتدأ؟ قلت:(مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا والَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) ينتظمهما معنى واحد، فقام (مَنْ أَحْسَنَ) مقام الضمير. أو أردت: من أحسن عملا منهم، فكان كقولك: السمن منوان بدرهم. من الأولى للابتداء، والثانية للتبيين، وتنكير

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المتبوع عن التابع، ولولا المشاكلة كان إثبات (مُرْتَفَقاً) للكفار على سبيل التهكم كإثبات (يُغَاثُوا) لهم.

قوله: (إلا ان يكون من قوله): أي: هذا من المشاكلة، إلا أن يُراد معنى قول الشاعر، وذلك أن (مُرْتَفَقاً) وكأنه عيني إلى آخره: حالان مترادفان. ودلت الثانية على أن الأولى محمولة على غير المتعارف، جعل بالاعداء أفراد جنس المتكأ نوعين، على نحو قوله: تحية بينهم ضربٌ وجيعُ.

فالمعنى إن صح: أن تكون النار متكأ، فكأنالمتكأ ذاك.

قوله: (إني أرقت): سهرت، و"الصابُ": شجرةٌ لها لبنٌ إذا أصاب العين خلبها. الجوهري: الصابُ: عُصارة شجرٍ مُر.

ص: 466

(أَساوِرَ) لإبهام أمرها في الحسن. وجمع بين السندس: وهو ما رقّ من الديباج، وبين الإستبرق: وهو الغليظ منه، جمعا بين النوعين. وخص الاتكاء، لأنه هيئة المنعمين والملوك على أسرتهم.

[(وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً* كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً* وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالاً وَأَعَزُّ نَفَراً)].

(وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ) أي ومثل حال الكافرين والمؤمنين، بحال رجلين وكانا أخوين في بني إسرائيل: أحدهما كافر اسمه قطروس، والآخر مؤمن اسمه يهوذا. وقيل: هما المذكوران في سورة (والصافات) في قوله قالَ: (قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ)[الصافات: 51]، ورثا من أبيهما ثمانية آلاف دينار، فتشاطراها. فاشترى الكافر أرضا بألف، فقال المؤمن: اللهم إن أخي اشترى أرضا بألف دينار، وأنا أشترى منك أرضا في الجنة بألف، فتصدّق به. ثم بنى أخوه دارًا بألف، فقال: اللهم إني أشترى منك دارا في الجنة بألف فتصدّق به. ثم تزوّج أخوه امرأة بألف، فقال: اللهم إني جعلت ألفا صداقا للحور. ثم اشترى أخوه خدما ومتاعا بألف، فقال: اللهم إني اشتريت منك الولدان المخلدين بألف، فتصدّق به ثم أصابته حاجة، فجلس لأخيه على طريقه فمرّ به في حشمه، فتعرّض له، فطرده ووبخه على التصدّق بماله.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: ((أَسَاوِرَ). الراغب: سوار المرأة: مُعربٌ، وأصله دستواره، وكيف ما كان فقد استعمله العربُ، واشتق منه: سورت الجارية، قال تعالى:(فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ)[الزخرف: 53]، وقال تعالى:(وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ)[الإنسان: 21]، واستعمال أسورة في الذهب وتخصيصها بقوله:(أُلْقِيَ)، واستعمالها في الفضة وتخصيصها به بقوله:"حُلوا" فائدةٌ، فليُتأمل.

ص: 467

وقيل: هما مثل لأخوين من بنى مخزوم: مؤمن وهو أبو سلمة عبد الله بن عبد الأشد، وكان زوج أمّ سلمة قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكافر وهو الأسود بن عبد الأسد.

(جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ) بستانين من كروم (وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ) وجعلنا النخل محيطا بالجنتين، وهذا مما يؤثره الدهاقين في كرومهم: أن يجعلوها مؤزرة بالأشجار المثمرة. يقال: حفوه، إذا أطافوا به: وحففته بهم. أي جعلتهم حافين حوله، وهو متعدّ إلى مفعول واحد «فتزيده الباء مفعولا ثانيا، كقولك: غشيه، وغشيته به (وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً) جعلناها أرضاً جامعة للأقوات والفواكه. ووصف العمارة بأنها متواصلة متشابكة لم يتوسطها ما يقطعها ويفصل بينها، مع الشكل الحسن والترتيب الأنيق، ونعتهما بوفاء الثمار وتمام الأكل من غير نقص، ثم بما وهو أصل الخير ومادّته من أمر الشرب فجعله أفضل ما يسقى به، وهو

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (عبد الله بن عبد الأشد) بالشين المعجمة. وفي "الجامع": هو أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن هلال المخزومي، الأسد، بالسين المهملة. وفي "الاستيعاب": هو زوج أم سلمة قبل النبي صلى الله عليه وسلم.

قوله: (مؤزرة بالأشجار). الأساس: ومن المجاز: الزرعُ يؤازر بعضه بعضاً؛ إذا تلاحق والتف، وتأزر النبت.

قوله: (من أمر الشرب): بيان ما هو أصل الخير. الشربُ: يروي بكسر الشين.

الجوهري: شرب الماء وغيره شرباً، وقرئ:(فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ)[الواقعة: 55] بالوجوه الثلاثة. قال أبوعبيدة: بالفتح: المصدر، وبالضم والكسر: اسمان. وهاهنا: اسمٌ.

ص: 468

السيح بالنهر الجاري فيها. والأكل: الثمر. وقرئ بضم الكاف (وَلَمْ تَظْلِمْ) ولم تنقص. وآتت: حمل على اللفظ، لأنّ (كِلْتَا) لفظه لفظ مفرد، ولو قيل: آتتا على المعنى، لجاز. وقرئ:(وفجرنا)، على التخفيف. وقرأ عبد الله:(كل الجنتين آتى أكله)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وهذا المعنى ينظرٌ إلى ما قال في "البقرة" في قوله: (جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ)[البقرة: 25]، ولولا أن الماء الجاري من النعمة العُظمى واللذة الكبرى، وأن الجنان والرياض، وإن كانت أنقى شيء وأحسنهُ لا تروقُ النواظر ولا تبهج الأنفس حتى يجري فيها الماء، ثم قوله:"فجعله أفضل ما يُسقى به، وهو السيح بالنهر" إشارةٌ إلى فائدة تخصيص ذكر النهر وأنه تتميمٌ للمعنى، وترتيبه للفائدة المطلوبة.

قوله: (السيح بالنهر الجاري). الأساس: ساح الماء علىوجه الأرض سيحا، وماءٌ سائح، وأساح فلانٌ نهرا: أجراه.

قوله: (لأن (كلتا) لفظه لفظ مفرد، ولو قيل آتتا، على المعنى: لجاز). قال الحريري في "دُرة الغواص": يقولون: كلا الرجلين خرجا، وكلتا المرأتين حضرتا، والاختيار أن يوحد الخبر فيهما؛ لأن كلتا وكلتي: اسمان مفردان وضعا لتأيد الاثنين والاثنتين، وبهذا نطق التنزيل:(كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا)، وعليه قول الشاعر:

كلانا ينادي يا نزارُ وبيننا

قنا من قنا الخطي أو من قنا الهند

حيث لم يقل: يناديان. وقال الآخر:

كلانا غنيٌّ عن أخيه حياتهُ

ونحن إذا متنا أشد تغانيا

حيث لم يقل: غنيان، فإن وُجد في الأشعار تثنية الخبر عن "كلا" و"كلتا" فهو مما حُمل

ص: 469

بردّ الضمير على كل (وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ) أي أنواع من المال، من ثمر ماله إذا كثر. وعن مجاهد: الذهب والفضة، أي: كانت له إلى الجنتين الموصوفتين الأموال الدثرة من الذهب والفضة وغيرهما، وكان وافر اليسار من كل وجه، متمكنا من عمارة الأرض كيف شاء (وَأَعَزُّ نَفَراً) يعنى أنصاراً وحشماً. وقيل: أولادا ذكورا، لأنهم ينفرون معه دون الإناث، (يحاوره) يراجعه الكلام، من حار يحور إذا رجع، وسألته فما أحار كلمة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

على المعنى أو لضرورة الشعر.

قوله: (الدثرة). الأساس: وهو يتدثر بالمال، وماله دثرٌ، وذهبأهل الدثور بالأجور.

النهاية: الدثر: المال الكثير، يقع على الواحد والاثنين والجمع.

قوله: (من: حار يحور؛ إذا رجع). الراغب: الحورُ: التردد إما بالذات أو بالتفكر. وقوله تعالى: (إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ)[الانشقاق: 14]، أي: لن يُبعث، وحار في الغدير: تردد فيه، وحار في أمره تحير، ومنه المحور: للعود الذي تجري عليه البكرة لتردده، وبهذا النظر قيل:"سيرُ السواني أبداً لا ينقطع"، محارة الأذُن: لظاهره المنقعر: تشبيهاً بمحارة الماء، لتردد الهواء بالصوت فيه كتردد الماء في المحارة، والقوم في محور، أي: ترددٍ إلى نُقصان. وقيل نعوذُ بالله من الحور عبد الكور، أي من التردد في الأمر بعد المضي فيه، أو من نقصان وتردد في الحال بعد الزيادة فيها. وقيل: حار بعد ما كار، والمحاورة والحوار: المرادة في الكلام، ومنه التحاور، وكلمته فما رجع إلى حواراً أو حويراً او محورة، والحورُ: جمع أحور وحوراء.

ص: 470

[(وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً* وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً)].

يعني: قطروس أخذ بيد أخيه المسلم يطوف به في الجنتين ويريه ما فيهما ويعجبه منهما ويفاخره بما ملك من المال دونه. فإن قلت: فلم أفرد الجنة بعد التثنية؟ قلت: معناه ودخل ما هو جنته ما له جنة غيرها، يعنى أنه لا نصيب له في الجنة التي وعد المؤمنون، فما ملكه في الدنيا هو جنته لا غير، ولم يقصد الجنتين ولا واحدة منهما (وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ) وهو معجب بما أوتى مفتخر به كافر لنعمة ربه، معرّض بذلك

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (معناه: ودخل ما هو جنته)، أي: ما يقال له: إنه جنته. قال القاضي: المراد ما هو جنته، وهو: ما مُتع به من الدنيا تنبيهاً على أنه لا جنة له غيرها ولا حظ له في الجنة التي وُعد المتقون، والتعريف فيه للعهد الذهني، و"ما" موصولة منصوبة المحل بـ"دخل".

قوله: (ما له جنةٌ غيرها). الجملة مؤكدة لمعنى الأولى؛ لأنه إذا كان جنسُ جنته هذا، لا يكون له غيرها. قال صاحب "الفرائد": هناك القصد إلى أن له كذا وكذا، فلابد من ذكر الثنتين، وما اكن بينهما وما يُضاف إليهما، وهاهنا القصد إلى أنه قال وقت الدخول ما لا ينبغي له أن يقول، فلا افتقار إلى ذكر التثنية، بل يكتفى بما يدل على جنس ما كان له، فالواحد والتثنية سواء بهذا الاعتبار.

وقال القاضي: ويجوز أن يكون الجنتان لاتصال كل واحدةٍ من جنتيه بالأخرى كجنة واحدة، أو يكون الدخول واحدة واحدة.

قوله: ((وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ): وهو معجبٌ بما أوتي مفتخرٌ به). قال صاحب "الفرائد": هو ناقصٌ لنفسه؛ لأن من كفر النعمة نقص نفسه، باعتبارأن الكفران يوجب فقدان

ص: 471

نفسه لسخط الله، وهو أفحش الظلم. إخباره عن نفسه بالشك في بيدودة جنته: لطول أمله واستيلاء الحرص عليه وتمادى غفلته واغتراره بالمهلة وإطراحه النظر في عواقب أمثاله. وترى أكثر الأغنياء من المسلمين وإن لم يطلقوا بنحو هذا ألسنتهم، فإن ألسنة أحوالهم ناطقة به منادية عليه، (وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي) إقسام منه على أنه إن ردّ إلى ربه على سبيل الفرض والتقدير وكما يزعم صاحبه، ليجدنّ في الآخرة خيرا من جنته في الدنيا، تطمعا وتمنيا على الله، وادّعاء لكرامته عليه ومكانته عنده، وأنه ما أولاه الجنتين إلا لاستحقاقه واستئهاله، وأنّ معه هذا الاستحقاق أينما توجه، كقوله:(إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى)[فصلت: 50]، (لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَداً) [مريم: 77]

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

النعمة، فكأن نفسه منقوصة، أو لأن الكفران مؤد إلى الهلاك، كقوله:(لَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ)[إبراهيم: 7].

وقلتُ: مرادُ المصنف أن معنى قوله تعالى: (ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ) محمولٌ على معنى الظلم، وهو وضع الشيء في غير موضعه، كان من موجب دخول جنته ونظره أرضاً جامعةً للأقوات والفواكه مع الشكل الحسن والترتيب الأنيق، كما وصفه الله تعالى: أن يتواضع لله ويشكره على ذلك بما يستطيع من بذل الجهد واستفراغ الطوق، فوضع مكان الشكر والتواضع الإعجاب والافتخار والكفران، فعرض بذلك نفسه لسخط الله وغاية الهوان والنكال، كقوله تعالى:(وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ)[الواقعة: 82]، أي: تجعلون شُكر رزقكم التكذيب، أي: وضعتم التكذيب موضع الشكر.

قوله: (في بيدودة جنته). الجوهري: باد الشيء يبيد بيداً وبيوداً: هلك.

قوله: ((وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي): إقسام منه)، أي: اللام موطئة للقسم.

قوله: ((لأوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً)[مريم: 77]): يريدُ أن هذا القول يشبه قول العاص بن وائل حين تقاضاه خبابٌ مالاً له عليه، فقال له: لا، تحى تكفر بمحمد. قال: لا والله، لا

ص: 472

وقرئ: (خيراً منهما)، ردّا على الجنتين (مُنْقَلَباً) مرجعا وعاقبة. وانتصابه على التمييز، أي: منقلب تلك، خير من منقلب هذه، لأنها فانية وتلك باقية.

[(قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً)].

(خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ) أي: خلق أصلك، لأنّ خلق أصله سبب في خلقه، فكان خلقه خلقا له سَوَّاكَ عدلك وكملك إنسانا ذكرا بالغا مبلغ الرجال. جعله كافراً بالله جاحداً لأنعمه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أكفرُ بمحمدٍ حياً ولا ميتاً، ولا حين تُبعث. قال: فإني إذا متُّ بعثتُ؟ قلتُ: نعم. قال: فإذا بُعثتُ جئني فيكون لي ثم مالٌ وولدٌ فأعطيك.

قوله: (وقرئ: "خيراً منهما"): نافعٌ وابن عامر.

قوله: (جعله كافراً بالله)، أي: جعل صاحبه كافراً بالله بقوله: (أَكَفَرْتُ) لأجل شكه في البعث، حيث قال:(وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً)؛ لأن منشأة الشك في كمال قدرة الله وفي كونه عالماً بالحركات، كما يلزمُ من تكذيب المرسل الكفرُ بالمرسل، وفيه تغليظ إنكار الحشر. قال القاضي: ولذلك رتب الإنكار على خلقه إياه من التراب، فإن من قدر على ما خلقه منه قدر أن يعيده منه.

ص: 473

لشكه في البعث، كما يكون المكذب بالرسول صلى الله عليه وسلم كافراً.

[(لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً)].

(لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي) أصله: (لكن أنا)، فحذفت الهمزة وألقيت حركتها على

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقلتُ: إنما قرن المصنف قوله: "جاحداً لأنعمه" بقوله: "كافراً بالله" ليؤذن بأن قوله: (أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ) رد لقوله: (وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً)، ولدخوله ظالماً لنفسه واضعاً موضع الشكر الافتخار والإعجاب مكا سبق، فجعل (أَكَفَرْتَ) مستعملاً في الكفر بالله وكفران الننعمة ولكونهما متوافقين، كقوله تعالى:(إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ)[الأحزاب: 56] أو في القدر المشترك، وهو الستر والتغطية، فكما أن كافر النعمة يحاول في ستر ما يوجب الإشادة والظهور من النعم، كذلك الكافرُيزاول في لبس الحق بالباطل.

وقوله: (لشكه في البعث) يجوز أن يكون تعليلاً لجعله كافراً بالله، وأن يكون له ولقوله:"جاحداًلانعمه"؛ لأن في الإعادة نعمةً للمؤمنين، وأي نعمةٍ ليست فوقها نعمة؟

قوله: ((لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي) أصله: "لكن أنا"). قال صاحب "التيسير": قرأ ابن عامر (لَكِنَّا) بإثبات الألف في الوصل، والباقون بحذفها، إثباتُها في الوقف إجماع.

وقال ابن جني: قرأ أبي بن كعب والحسن: " لَكِنْ أنا)، وهي أصل قاءة أ [ي عمرو وغيره: (لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي) فخففت همزة "أنا" بأن حُذفت وألقيت حركتها على ما قبلها فصارت "لكننا"، ثم التقت النونان متحرتين فأسكنت الأولى وأدغمت في الثانية فصارت "لكن" في الإدراج، فإذا وقفت ألحقت الألف لبيان الحركة، فقُلت: (لَكِنَّا) فـ"أنا" على هذا: مرفوعٌ بالابتداء، وخبره: الجملة، وهي مركبة من مبتدأ وخبر، فالمبتدأ:(اللَّهُ)، والخبر:(رَبِّي)، والجملة خبر:(هُوَ)، و (هُوَ) وما بعده من الجملة: خبرٌ عن (أنا)، والعائدُ عليه من الجملة بعده الياء في (رَبِّي)، كقولك: أنا قام غُلامي.

ص: 474

نون "لكن"، فتلاقت النونان فكان الإدغام. ونحوه قول القائل:

وترميننى بالطّرف أى أنت مذنبٌ

وتقليننى لكنّ إيّاك لا أقلى

أي: لكن أنا لا أقليك وهو ضمير الشأن، والشأن الله ربي، والجملة خبر أنا، والراجع منها إليه ياء الضمير. وقرأ ابن عامر بإثبات ألف أنا في الوصل والوقف جميعا، وحسن ذلك وقوع الألف عوضا من حذف الهمزة. وغيره لا يثبتها إلا في الوقف. وعن أبي عمرو أنه وقف بالهاء: لكنه. وقرئ: (لكن هو الله ربي)، بسكون

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فإن قلت: فما العائد على (هُوَ) من الجملة بعده التي هي خبرٌ عنه؟ قلتُ: لا عائد على المبتدأ أبداًإذا كان ضمير الشأن والقصة؛ لأن المبتدأ إنما احتاج إلى العائد من الخبر إذا كانت جملةً؛ لأنها لست هي المبتدأ، نحو: زيدٌ قائمٌ أبوه؛ لأن "زيداً" ليس بقولك: "قائم أبوه" في المعنى، فاحتاجت إلى عود ضمير منها عليه ليلتبس ذلك الضمير بجملته. وأما ما نحن بصدده فهو الجملة نفسها.

قوله: (وترمينني بالطرف) البيت، تقلينني: أي: تُبغضينني. قيل: "لكن" وجهُه أن يكون أصله: لكنه إياك، على أن الضمير للشان، ثم حُذف. ولو قيل: إن الأصل: لكنني إياك، ثم حُذف اسم "لكن" وهو ضمير المتكلم مع نون الوقاية لكان وجهاً.

قوله: (وترمينني بالطرف). الأساس: ومن المجاز: رماه بعينه، ورماه بالفاحشة.

قوله: (أي: لكن أنا لا أقلبك). يريد: أن "إياك" ليس منصوبا بـ"لكن"، وهو ضمير مفعول قُدم على عامله، إما للاختصاص أو القافية.

قوله: (وقرئ: " لَكِن هُوَ اللَّهُ رَبِّي)، قال ابن جني: هي قراءة عيسى الثقفي، و"هُو":

ص: 475

النون وطرح أنا. وقرأ أبيّ بن كعب: لكن أنا على الأصل. وفي قراءة عبد الله: لكن أنا لا إله إلا هو ربى. فإن قلت: هو استدراك لماذا؟ قلت: لقوله أَكَفَرْتَ قال لأخيه: أنت كافر بالله، لكنى مؤمن موحد، كما تقول: زيد غائب، لكن عمرا حاضر.

[(وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالاً وَوَلَداً* فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْها حُسْباناً مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً* أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْراً فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً)].

(ما شاءَ اللَّهُ) يجوز أن تكون (ما) موصولة مرفوعة المحل على أنها خبر مبتدأٍ محذوف، تقديره: الأمر ما شاء الله. أو شرطية منصوبة الموضع والجزاء محذوف، بمعنى: أي شيء شاء الله كان. ونظيرها في حذف الجواب (لَوْ) في قوله: (وَلَوْ أَنَّ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ضمير الشأن، والجملة بعده: خبرٌ عنه.

قوله: (أنت كافرٌ بالله، لكني مؤمنٌ موحدٌ)، هذا تلخيص الكلامين المتغايرين لتصحيح إدخال "لكنْ" بينهما، وأما اعتبار مفردات التركيب فمفوض إلى الذهن، فقوله:(أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً) مقابل لقوله: (هُوَ اللَّهُ رَبِّي)، وقوله:(أَكَفَرْتَ) مقابل لقوله: (وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً) دل هذا على التوحيد الصرف والإخلاص التام.

قوله: (أو شرطية منصوبة الموضع). قال أبو البقاء: هي شرطية في موضع نصب بـ (شَاءَ)، والجواب محذوف، أي: ما شاء الله كان.

قوله: (ونظيرُها)، أي: نظيرُ "ما" الشرطية في حذف الجواب: لفظةٌ "لو" في تلك الآية، فـ"نظيرُها": مبتدأٌ، والخبرُ:"لو".

ص: 476

قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ) [الرعد: 31]، والمعنى: هلا قلت عند دخولها والنظر إلى ما رزقك الله منها الأمر ما شاء الله، اعترافا بأنها وكلّ خير فيها إنما حصل بمشيئة الله وفضله، وأن أمرها بيده: إن شاء تركها عامرة وإن شاء خرّبها، وقلت (لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ) إقراراً بأن ما قويت به على عمارتها وتدبير أمرها إنما هو بمعونته وتأييده، إذ لا يقوى أحد في بدنه ولا في ملك يده إلا بالله تعالى. وعن عروة بن الزبير أنه كان يثلم حائطه أيام الرطب، فيدخل من شاء. وكان إذا دخله ردّد هذه الآية حتى يخرج. من قرأ أَقَلَّ بالنصب فقد جعل أنا فصلا، ومن رفع جعله مبتدأ وأقلّ خبره، والجملة مفعولاً. ثانياً لترنى. وفي قوله وَوَلَداً نصرة لمن فسر النفر بالأولاد في قوله (وَأَعَزُّ نَفَراً) [الكهف: 34]، والمعنى إن ترني أفقر منك فأنا أتوقع من صنع الله أن يقلب ما بى وما بك من الفقر والغنى، فيرزقنى لإيمانى جنة خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ ويسلبك لكفرك نعمته ويخرّب بستانك. والحسبان: مصدر كالغفران والبطلان، بمعنى الحساب، أي: مقدارا قدره الله وحسبه، وهو الحكم بتخريبها وقال الزجاج: عذاب حسبان، وذلك الحسبان حساب ما كسبت يداك. وقيل حسبانا مرامي الواحدة حسبانة وهي الصواعق صَعِيداً زَلَقاً أرضا بيضاء يزلق عليها لملامتها زلقاً) و (غَوْراً) كلاهما وصف بالمصدر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (والحسبان مصدرٌ، كالغفران والبطلان، بمعنى الحساب). قال صاحب "الفرائد": هو مصدرٌ بمعنى اسم المفعول، أي: شيئاً مما يُعد، أي: يدخل في الحساب ويعتد به، من أنواع العذاب المرتبة على الأمر المتوقع أن يقع بسبب الكفر.

الراغب: (حُسْبَاناً): ناراً وعذابا، ً وإنما هو في الحقيقة: ما يُحاسب عليه، فيجازى بحسبه.

قوله: (يزلق عليها لملاستها). الراغب: الزلق والزلل متقاربان. قال تعالى:

ص: 477

[(وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً*وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مُنْتَصِراً)].

(وَأُحِيطَ) به عبارة عن إهلاكه. وأصله من أحاط به العدوّ، لأنه إذا أحاط به فقد ملكه واستولى عليه، ثم استعمل في كل إهلاك. ومنه قوله تعالى إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ ومثله قولهم: أتى عليه، إذا أهلكه، من أتى عليهم العدوّ: إذا جاءهم مستعليا عليهم. وتقليب الكفين: كناية عن الندم والتحسر، لأنّ النادم يقلب كفيه ظهرا لبطن، كما كنى عن ذلك بعض الكف والسقوط في اليد، ولأنه في معنى الندم عدّى تعديته بعلى، كأنه قيل: فأصبح يندم عَلى ما أَنْفَقَ فِيها أي أنفق في عمارتها (وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً) أي: دحضاً لا نبات فيه، كقوله تعالى:(فَتَرَكَهُ صَلْداً)[البقرة: 264]، يقال: زلقه وأزلقه فزلق، قال تعالى:(وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ)[القلم: 51]، وذلك كقول الشاعر:

نظراً يزيل مواطئ الأقدام

قال يونس: لم يُسمع الزلقُ والإزلاقُ إلا في القرآن، ورُوي أن أبي بن كعب قرأ:(وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ)[الشعراء: 64]، أي: أهلكنا.

قوله: (ظهر البطنٍ). الأساس: قلبتُ الأمر ظهراً لبطن، قال عمر بن أبي ربيعة:

وضربنا الحديث ظهرا لبطنٍ

وأتينا من أمرنا ما اشتهينا

نصب "ظهرا لبطنٍ" على أنه مفعولٌ مطلق، أي: يُقلبُ كفيه تقليباً.

ص: 478

عُرُوشِها) يعني أنّ كرومها المعرشة سقطت عروشها على الأرض، وسقطت فوقها الكروم. قيل: أرسل الله عليها نارا فأكلتها (يا لَيْتَنِي) تذكر موعظة أخيه فعلم أنه أتى من جهة شركه وطغيانه، فتمنى لو لم يكن مشركا حتى لا يهلك الله بستانه. ويجوز أن يكون توبة من الشرك، وندما على ما كان منه، ودخولا في الإيمان. وقرئ:(وَلَمْ تَكُنْ) بالياء والتاء، وحمل (يَنْصُرُونَهُ) على المعنى دون اللفظ، كقوله:(فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ)[آل عمران: 13]. فإن قلت: ما معنى قوله (يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ)؟ قلت: معناه يقدرون على نصرته من دون الله، أي:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وقرئ: (وَلَمْ تَكُنْ) بالياء والتاء)، حمزة والكسائي: بالياء التحتاني، والباقون: بالتاء.

قوله: (وحُمل (يَنصُرُونَهُ) على المعنى)؛ لأن الفئة ناسٌ وجماعة، ولو كان (تَنصُرُونَهُ) بالتاء الفوقانية لكان حملاً على اللفظ، والاستشهاد بقوله:(فِئَةٌ تُقَاتِلُ)[آل عمران: 13] بالتاء الفوقانية، لأجل الحمل على اللفظ.

قوله: (معناه: يقدرون على نُصرته)، قال صاحب "الفرائد":"وضعُ "يَنصُرونَ" موضع "يقدرون": وضعُ الملزوم موضع اللازم، وهو من باب المجاز، وتركُ الحقيقة إلى المجاز لا يجوز إلا بقرينة، وهي هاهنا:(مِنْ دُونِ اللَّهِ)؛ لأن حاصل (مِنْ دُونِ اللَّهِ): إلا الله، فكأنه قيل: لا ينصره أحد إلا الله، وهو كقولك: لم ينصرني أحدٌ من دون زيد، يُفهم منه أن زيداً ينصرك، ولما لم ينصره الله عثلم أن المراد من النصرة القدرة عليه.

وقلتُ: نظيره قوله تعالى: (إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ)[الأنبياء: 104] أي: قادرين، وقوله:(فَإِذَا قَرَاتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ)[النحل: 98]، أي: إذا اردت القراءة فاستعذ؛ لأن الفعل يوجدُ بقدرة الفاعل تارة وأخرى بإرادته، فهو من إطلاق المسبب على السبب.

ص: 479

هو وحده القادر على نصرته لا يقدر أحد غيره أن ينصره إلا أنه لم ينصره لصارف وهو استيجابه أن يخذل (وَما كانَ مُنْتَصِراً) وما كان ممتنعا بقوّته عن انتقام الله.

[(هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَواباً وَخَيْرٌ عُقْباً)].

(الْوَلايَةُ) بالفتح النصرة والتولي، وبالكسر السلطان والملك، وقد قرئ بهما. والمعنى هنالك، أي: في ذلك المقام وتلك الحال النصرة لله وحده، لا يملكها غيره، ولا يستطيعها أحد سواه، تقريرا لقوله (وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ) [الكهف: 43].

أو: هنالك السلطان والملك لله لا يغلب ولا يمتنع منه. أو في مثل تلك الحال الشديدة يتولى الله ويؤمن به كل مضطرّ. يعنى أنّ قوله (يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً)[الكهف: 42]، كلمة ألجئ إليها فقالها جزعا مما دهاه من شؤم كفره، ولولا ذلك

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وهو استيجابه أن يُخذل)، معناه: أنه تعالى أوجب على نفسه خذلانه بناء على مذهبه، اللهم إلا أن يقال: الإيجاب بمعنى الوعد، وفيه دليل أن قوله:(يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً) لم يصدر عنه توبةً وندماً. نعم، يجوز ان يقال: إن تلك التوبة كانت عند مشاهدة البأس.

قوله: (وقد قُرئ بهما)، بالكسرة: حمزة والكسائي، والباقون: بالفتح.

قوله: (يعني: أن قوله: (يَا لَيْتَنِي) كلمة ألجيء إليها، فقالها)، تلخيصٌ لما حصل من تفسيره لقوله:(وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِراً)، وجعل قوله:(هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ) تقريراً له، بعد سبق ذكر قوله تعالى:(يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً) يعني: لما رأى ألا ناصر هناك إلا الله، وهو قد خذله، قالها جزعاً مما دهاه، وهذا مؤذنٌ بأن قوله:(وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ) إلى قوله: (هُنَالِكَ الْوَلايَةُ) إما حالٌ من فاعل يقولُ، أو:

ص: 480

لم يقلها. ويجوز أن يكون المعنى: هنالك الولاية لله ينصر فيها أولياءه المؤمنين على

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عطفٌ على يقول: وإيذانٌ بحصول مضمون الجملتين، وبعثٌ للسامع على التفكر واستنباط الرتب بينهما.

ويجوز أن يتعلق قوله: "يعني" بالوجه الأخير، والظاهر أنه متعلقٌ بالوجوه الثلاثة المبنية على معنى الولاية من انصرة والتولي والسلطان والمُلك على سبيل اللف والنشر، فلما فرغ من ذلك أتى بما يجمعها من المعنى، يعني: إنما قال ذلك الخاسر النادم: (يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً) لما رأى ألا ناصر أو لا مُتولي أو لا مانع له هنالك.

الراغب: الولي: كون الشيء بجنب الآخر، ويعتبر ذلك تارةً بالمكان، فيقال له: الولايةُ وتارة بالنصرة، فيقال له: الولاء والموالاة، لكن الولاء على ضربين: ضربٌ باعتبار نسبة الأعلى إلى الأسفل، وضربٌ باعتبار نسبة الأسفل إلى الأعلى، ولهذا يُقال للخادم والمخدوم: مولى وولي؛ لأن كل واحدٍ منهما يوالي الآخر؛ الخادم بالطاعة والنصيحة، والمخدوم بالإشفاق والكفاية.

وقال أهل اللغة: المولى: المالك والمملوك، والمعتق والمعتقن والناصر والمنصور، ابن العم، والحليف والجار والقيم، فاعتبروا في كل ذلك المتضايفين؛ لكون كل واحدٍ منهما موالياً للآخر بوجه.

قوله: (ويجوز أن يكون المعنى) ها معنى آخر متفرعٌ على معنى الولاية إذا كانت بمعنى النصرة، من قولك: انتصر منه: إذا انتقم منه، ويؤيد هذا الوجه قوله تعالى:(هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً وَخَيْرٌ عُقْباً)[الكهف: 44]، وذلك أن صاحبه لما افتخر وتعزز عليه بالمال والبنين وكفر بالله وبالبعث، وأجابه بما أجاب، ثم ختم بقوله:(فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِي خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً مِنْ السَّمَاءِ) - صدق الله قوله بأن أحاط بثمره وتركهُ مخذولاً

ص: 481

الكفرة وينتقم لهم، ويشفى صدورهم من أعدائهم، يعنى: أنه نصر فيما فعل بالكافر أخاه المؤمن، وصدّق قوله (فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْها حُسْباناً مِنَ السَّماءِ) [الكهف: 40]، ويعضده قوله (خَيْرٌ ثَواباً وَخَيْرٌ عُقْباً) أي: لأوليائه. وقيل (هُنالِكَ) إشارة إلى الآخرة أي في تلك الدار الولاية لله، كقوله (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ) [غافر: 16]، وقرئ (الحق) بالرفع والجرّ صفة للولاية والله. وقرأ عمرو بن عبيد بالنصب على التأكيد، كقولك: هذا عبد الله الحق لا الباطل، وهي قراءة حسنة فصيحة، وكان عمرو بن عبيد من أفصح الناس وأنصحهم، .....

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مقهوراً، وشفى صدره. والتشفي من أعداء الذين خيرٌ من الخيرات، وموهبة من المواهب، فيكون موقع (هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ) مما سبق، موقع قوله:(وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) من قوله: (فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا) فهما كالتذييلين؛ لأن معناهما يلتقيان في التشفي عن أعداء الدين، ولذلك قال هناك:"هو إيذان بوجوب الجهر عند إهلاك الظلمة، وأنه من أجل النعم وأجزل القسم"، وقال هنا:" (هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ) ينصر فيها أولياءه المؤمنين على الكفرة، وينتقم لهم، ويشفي صدورهم". [قوله]: (وقرئ: (الْحَقَّ) بالرفع والجر) أبو عمرو والكسائي: بالرفع، والباقون: بالجر.

قوله: (وكان عمرو بن عبيد من أفصح الناس وأنصحهم). الانتصاف: وقد تقدم الإنكار عليه أن القراءة موولة إلى رأي الفصحاء، ولا يجوز لأحدٍ أن يقرأ إلا بما سمعهن ورُوي مفصلاً عن النبي مخبراً عن غنزاله من السماء، فلا وجه لفصاحة الفصيح، ولكن الزمخشري لا يفوت الثناء على راس البدعة ومعدن الفتنة عمرو بن عبيد، فإنه من كبار المعتزلة.

ذكر الإمام مسلم بن الحجاج في "صحيحه" أن سليمان بن أبي مطيع كان يقول: بلغ أيوب أني آتي عمرو بن عبيد، فأقبل عليَّ فقال: أرأيت رجلاً لا تأمنه على دينه،

ص: 482

وقرئ: (عُقْباً) بضم القاف وسكونها، و (عقبى) على فعلى، وكلها بمعنى العاقبة.

[(وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً)].

(فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ) فالتف بسببه وتكاثف حتى خالط بعضه بعضا. وقيل:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كيف تأمنه على الحديث؟ قال الشيخ محيي الدين في "شرحه": أما عمرو بن عبيدٍ فهو القدري المعتزلي الذي كان صاحب الحسن البصري، قال مسلم أيضاً: كان عمرو بن عبيد يكذب في الحديث. قال: قيل لأيوب: إن عمرو بن عبيد روى عن الحسن، قال: لا يُجلد السكران من النبيذ، فقال: كذب، أنا سمعت الحسن يقول: يُجلد السكران من النبيذ.

قوله: (وقرئ: (عُقْباً)، بضم القاف)، عاصمٌ وحمزة: بالإسكان، والباقون: بالضم. الراغب: العقبُ: مؤخر الرجل. وقيل: عقبٌ وجمعه أعقابٌ، واستعيرالعقب للولد ولولد الولد، ورجع على عقبه: إذا انثنى راجعاً، وانقلب على عقبه، نحو رجع على حافرته ونحو:(فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا)[الكهف: 64]، وعقبه: إذا تلاه، نحو: دبره وقفاه. والعقبُ والعقبى يختصان بالثواب، نحو:(هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً وَخَيْرٌ عُقْباً)، وقال تعالى:(أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ)[الرعد: 22]، (فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ) [الرعد: 24]، والعاقبة إطلاقها يختص بالثواب، نحو:(وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)، وبالإضافة قد يستعمل في العقوبة، كقوله تعالى:(فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ)[الحشر: 83] فيصح أن يكون ذلك استعارة من ضده، كقوله تعالى:(بَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ)[آل عمران: 21]، والعقوبة والعقابُ والمعاقبة يختص بالعذاب.

ص: 483

نجع في النبات الماء فاختلط به حتى روي ورف رفيفاً، وكان حق اللفظ على هذا التفسير: فاختلط بنبات الأرض. ووجه صحته أن كل مختلطين موصوف كل واحد منهما بصفة صاحبه. والهشيم: ما تهشم وتحطم، الواحدة هشيمة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (نجع في النبات). الأساس: نجع فيه الدواء: نفعه، وماءٌ نجوعٌ: نميرٌ.

قوله: (ورف رفيفاً). الأساس: رف النبات يرفُّ، وله وريفٌ ورفيفٌ؛ وهو أن يهتز نضارة وتلألؤا.

قوله: (ووجه صحته أن كل مختلطين موصوفٌ كل واحدٍ منهما بصفة صاحبه)، قال صاحب "الفرائد": حقُّ اللفظ كما ذكره الله تعالى؛ لأن النبات هو المختلط؛ لأن الفعل من جهته؛ إذ هو الجاذب للماء، ولا فعل من جهة الماء يُعرف بالتأمل، فيُقالُ: إن المصنف في صدد تأويل قول القائل: نجع في النبات الماءُ، بدليل قوله: هذا على التفسير، وللماء أيضاً فعلٌ لسريانه في النامي للطافته، ولا نُسلمُ أن نفسَ الجذب الاختلاطُ؛ لأن الاختلاط من الجانبين.

فإن قلت: الماءُ النازلُ من السماء إنما يخلطُ الأرض وأصل النبات، لا النبات، لأنه ينبتُ به جزءاً منه. قلتُ: للماء مع النامي أطوارٌ: ففي الطور الأول تختلطُ به الأرض وأصلُ النبات، ثم يختلط بالنبات فيصبح مخضراً رفيفاً، كما أشار إليه المصنفن ثم يخرج منه الحب، كما قال تعالى امتناناً:(وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُتَرَاكِباً)[الأنعام: 99] الآية، والذي له سوقُ الكلام، هو الطور الثاني؛ لأن القصد تشبيه حياة الدنيا في حُسنها بهجتها في بدء الأمر باخضرار النبات وغضارته وأخذ الأرض زخرفها وزينتها، ثم استصالها في العاقبة، فلا يدخل في الكلام الطور الأول ولا الثالث، والتشبيه مختصرٌ مما في سورة يونس:(إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)[يونس: 24] إلى آخر الآية.

الراغب: الخلطُ: هو الجمعُ بين أجزاء الشيئين فصاعداً، سواءٌ كانا مائعين أو جامدين.

ص: 484

وقرئ: تذروه الريح. وعن ابن عباس: تذريه الرياح، من أذرى: شبه حال الدنيا في نضرتها وبهجتها وما يتعقبها من الهلاك والفناء، بحال النبات يكون أخضر وارفاً ثم يهيج فتطيره الرياح كأن لم يكن (وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ) من الإنشاء والإفناء (مُقْتَدِراً).

[(الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلاً)].

(والْباقِياتُ الصَّالِحاتُ) أعمال الخير التي تبقى ثمرتها للإنسان وتفنى عنه كل ما تطمح إليه نفسه من حظوظ الدنيا. وقيل هي الصلوات الخمس،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أو مختلفين، وهو أعمُّ من المزج، ويقالُ: اختلط الشيءُ، قال تعالى:(فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ)[يونس: 24]. ويقالُ للصديق والمجاور والشريك: خليطٌ، والخليطُ يقالُ للواحد والجمع، ويقالُ: أخلط فلانٌ في كلامه: إذا كان ذا تخليط فيه، وأخلط الفرس في جريه: كذلك، وهو كنايةٌ عن تقصيره فيه.

قوله: (وقرئ: "تذروه الريحُ"): حمزة والكسائي مفرداً.

قوله: (وارفاً). الأساس: ورف النباتُ وريفاً، فهو وارفٌ: له بهجة من الري.

قوله: (ثم يهيج). الجوهري: هاج النبتُ هياجاً، أي: يبس.

قوله: (وتفنى عنهُ كل ما تطمح إليه)، قيل: هو حالٌ، والظاهر العطف على "تبقى" لمجيء الواو في المضارع المثبت، أي: تبقى ثمرتها له، ويفنى عندها عنه كل ما يطمح إليه، كأنه عرف "الباقيات" بالصفة الكاشفة، أي: هي أعمال يبقى ثوابها للإنسان بعد فناء كل ما رجا منه الحظوظ؛ لأن البقية تقتضي ما يفضلُ عنه، كقوله تعالى:(بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ)

ص: 485

وقيل: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. وعن قتادة: كل ما أريد به

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[هود: 86]، قال: ما يبقى لكم من الحلال بعد التنزه عما هو حرامٌ عليكم، خيرٌ لكم.

وقريبٌ منه ما روينا عن مسلم والترمذي والنسائي، عن عبد الله بن الشخير، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يقول ابن آدم: مالي مالي، وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت؟ "، أي: فأبقيت.

قوله: (وقيل: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر)، روى أحمدُ بنُ حنبل في "مسنده"، عن النعمان بن بشير، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ألا وإن بحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر هي الباقيات الصالحات"، ونحوه رواه مال بن أنس، عن ابن المسيب.

أقولُ - والعلمُ عند الله تعالى-: لعلهصلواتُ الله عليه خص هذه الكلمات بالباقيات الصالحات؛ لكونها جامعاتٍ للأمهات: فالتسبيح تقديس لذاته عما لا يليق بجلاله وتنزيه لصفاته عن النقائص. والتحميد مشتملٌ على معنى الفضل والإفضال المؤذنين بالصفات الذاتية والإضافية بعد السلبية. والتهليل: توحيد الذات ونفي الضد والند، وتنبيه على التبرؤ عن الحول والقوة إلا به. والتكبير: اعتراف بالقصور في الأفعال والأقوال، قال:"لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك"، وفي هذا التدرج لمعةٌ من معنى

ص: 486

وجه الله (خَيْرٌ

ثَواباً) أي ما يتعلق بها من الثواب وما يتعلق بها من الأمل، لأنّ صاحبها يأمل في الدنيا ثواب الله، ويصيبه في الآخرة.

[(وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً* وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً)].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

العروج للسالك العارف، ولهذه الأسرار ورد عن الصادق المصدوق:"لقيت ليلة أُسري بي إبراهيم، فقال: يا محمد، أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبةُ الماء، وأنها قيعانٌ، وأن غراسها: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر". أخرجه الترمذي عن ابن مسعود.

ثم إنه سبحانه وتعالى قابل بالباقيات الصالحات، الفانيات الزائلات، أعني (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنْ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ) [الكهف: 45] وخص منها ما هو العمدة فيها، ويحصل منه تزيين المجالس والتفاخر في المحافل من المال والبنين، ألا ترى إلى أحد الرجلين في القصة السابقة وقوله:(أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً)؟ وفيه تلويح إلى بيان النظم؛ فإن قوله: (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) الآية، ينظر إلى قوله:(وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ) إلى قوله: فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً) في معنى اجتماعهما على الابتداء المبهج والانتهاء المثمر للجنة، وكذا ما قوبل به هذه الآية من الباقيات الصالحات، خبرٌ مقاربق لما قوبل به تلك الآية بقوله:(لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً) وقوله: (فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِي خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ).

ص: 487

قرئ: (تسير) من سيرت، و (نسير)، من: سيرنا. و (تسير) من: سارت، أي: تسير في الجو. أو يذهب بها، بأن تجعل هباء منبثاً. وقرئ: وترى الأرض على البناء للمفعول (بارِزَةً) ليس عليها ما يسترها مما كان عليها (وَحَشَرْناهُمْ) وجمعناهم إلى الموقف. وقرئ: (فلم نغادر)، بالنون والياء، يقال: غادره وأغدره؛ إذا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وقرئ: "تسيرُ" من: سُيرت)، قرأ الكوفيون ونافع:(نُسَيِّرُ) بضم النون وكسر الياء، و (الْجِبَالَ) بالنصب، والباقون: بالتاء وفتح الياء ورفع (الْجِبَالَ). و (تَسِيرُ) بفتح التاء: شاذة.

قوله: ((وَحَشَرْنَاهُمْ): وجمعناهم إلى الموقف). الراغب: الحشر: إخراج الجماعة عن مقرهم وإزعاجهم عنه إلى الحرب ونحوها، وروي: النساء لا يحشرن، أي: لا يخرجن إلى الغزو، ولا يُقال: الحشرُ إلا في الجماعة، قال تعالى:(وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ)[التكوير: 5]، وسُمي يوم القيامة يوم الحشر، كما سُمي يوم البعث ويوم النشر.

قوله: (وقرئ: (فَلَمْ نُغَادِرْ) بالنون): الجماعة كلهم، وبالياء: شاذ.

الراغب: الغدرُ: الإخلالُ بالشيء وتركه، والغدر يقالُ لترك العهد، ومنه قيل: فلان غادرٌ، وجمعه: غدرة، غدارٌ: كثيرُ الغدر، وأغدر واستغدر الغدير: صار فيه الماء، والغدير: الشعر الذي تُرك حتى طال، وجمعها: غدائر. وجمعُ غدير الماء: غدرٌ وغُدرانٌ، وغدرتِ الشاة: تخلفت، فهي غدرة.

ص: 488

تركه، ومنه الغدر. ترك الوفاء. والغدير: ما غادره السيل. وشبهت حالهم بحال الجند المعروضين على السلطان (صفًّا) مصطفين ظاهرين، يرى جماعتهم كما يرى كل واحد لا يحجب أحد أحدا (لقَدْ جِئْتُمُونا) أي: قلنا لهم: لقد جئتمونا. وهذا المضمر هو عامل النصب في يوم نسير. ويجوز أن ينصب بإضمار: اذكر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: ((صَفّاً): مصطفين)، أي:(صَفّاً): حالٌ من الواو في: (وَعُرِضُوا)؛ وإنما قال: (ظَاهِرِينَ) لأن المقصود من عرض الجند على السلطان إظهارهم عنده، فجعل (صَفّاً) ترشيحاً لاستعارة (وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ)، كقوله:(وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ)[إبراهيم: 48].

قوله: (وهذا المضمر هو عامل النصب في "يوم نُسير). قال أبو البقاء: وقيل: (وَيَوْمَ نُسَيِّرُ) معطوفٌ على قوله: (عِنْدَ رَبِّكَ)، أي: الصالحات خيرٌ عند الله وخيرٌ يوم نسير.

الراغب: السيرُ: المُضي في الأرض، ورجلٌ سائرٌ وسيارٌ، والسيارة: الجماعة، يقال: سرتُ، وسرتُ بفلانٍ، وسرته أيضاً، وسيرته، على التكثير، فمن الأول قوله تعالى:(أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ)[الحج: 46]، ومن الثاني قوله (وَسَارَ بِأَهْلِهِ) [القصص: 29]، ولم يجيء في القرآن القسم الثالث. ومن القسم الرابع قوله تعالى:(وَسُيِّرَتْ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً)[النبأ: 20]. والتسيير ضربان، أحدهما: بالأمر والاختيار والإرادة من السائر، نحو:(هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ)[يونس: 22]. والثاني: بالقهر والتسخير، كقوله تعالى:(وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ)[التكوير: 3]. والسيرة: الحالةُ التي يكون عليها الإنسان وغيره غريزياً كان أو مكتسباً، يقالُ: فلانٌ له سيرةٌ حسنةٌ وسيرةٌ قبيحةٌ.

ص: 489

والمعنى لقد بعثناكم كما أنشأناكم (أوَّلَ مَرَّةٍ) وقيل جئتمونا عراة لا شيء معكم كما خلقناكم أوّلا، كقوله (وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى) [الأنعام: 94]. فإن قلت لم جيء بحشرناهم ماضيا بعد نسير وترى؟ قلت: للدلالة على أن حشرهم قبل التسيير وقبل البروز، ليعاينوا تلك الأهوال العظائم، كأنه قيل: وحشرناهم قبل ذلك (موْعِداً)

وقتا لإنجاز ما وعدتم على ألسنة الأنبياء من البعث والنشور.

[(وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً)].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (والمعنى: لقد بعثناكم، كما أنشأناكم): تفسيرٌ لقوله: (وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ).

قوله: (للدلالة على أن حشرهم قبل التسيير)، قال صاحب "الفرائد": الواو للحال في (وَحَشَرْنَاهُمْ)، فلو كان للعطف، كان ينبغي أن يُقال: ونحشرهم.

قلتُ: إن المصنف سأل عن فائدة الاختلاف الواقع بين هذه الأفعال الثلاثة، والجواب ما ذكره، يعني: خولف بين التسيير والرؤية، حيث جيء بهما مضارعين، وجيء بالحشر ماضياً، ليشعر بصيغة المضارع بأن المراد استحضار تلك الصورة العجيبة الشأن في مشاهدة السامع، ليتعجب لها، وإليه الإشارة بقوله:"ليعاينوا تلك الأهوال"، ولو قيل: نحشرهم على مقتضى الظاهر، لفات المقصود. ونظر أصحاب المعاني إلى فائدة العدول عن مقتضى الظاهر.

وقال القاضي: ومجيئه ماضياً بعد (نُسَيِّرُ) و (تَرَى) لتحقيق الحشر، أو للدلالة على أن حشرهم قبل التسيير.

ص: 490

(الْكِتابُ) للجنس وهو صحف الأعمال (يا وَيْلَتَنا) ينادون هلكتهم التي هلكوها خاصة من بين الهلكات (صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً) هنة صغيرةً ولا كبيرة، وهي عبارة عن الإحاطة، يعنى: لا يترك شيئا من المعاصي إلا أحصاه، أي: أحصاها كلها كما تقول: ما أعطانى قليلا ولا كثيرا، لأن الأشياء إما صغار وإما كبار. ويجوز أن يريد: وإما كان عندهم صغائر وكبائر. وقيل: لم يجتنبوا الكبائر فكتبت عليهم الصغائر وهي المناقشة. وعن ابن عباس: الصغيرة التبسم، والكبيرة القهقهة. وعن سعيد بن جبير: الصغيرة المسيس، والكبيرة الزنا. وعن الفضيل: كان إذا قرأها قال: ضجوا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ينادون هلتهم التي هلكوها خاصة من بين الهلكات)، وذلك أن حرف النداء لاختصاص المنادى بالإقبال، وهاهنا خصوا الهلاك بالنداء، وأضافوا إلى أنفسهم قائلين:(يَا وَيْلَتَنَا) على الاستعارة، فإن الويل: الهلاك، قال في قوله تعالى:(يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ)[يس: 30]: نداءٌ للحسرة عليهم، كأنما قيل لها: تعالي يا حسرة، فهذه من أحوالك التي من حقك أن تحضري فيها.

قوله: (هنة صغيرة). الأساس: وفيه هناتٌ وهنواتٌ: خصالٌ سوء.

قوله: (وهي عبارة عن الإحاطة)، أي: التكرير للاستيعاب، كما في قوله:(وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً)[مريم: 62].

قوله: (وهي المناقشة). النهاية: وفي حديث عائشة: "من نوقش الحساب فقد هلك"، أي: من استقصى في محاسبته وحوقق. وأصل المناقشة من: نقش الشوكة؛ إذا استخرجها من جسمه وقد نقشها وانتقشها، وبه سُمي المنقاش.

ص: 491

والله من الصغائر قبل الكبائر (إِلَّا أَحْصاها) إلا ضبطها وحصرها (وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً) في الصحف عتيدا. أو جزاء ما عملوا (وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً) فيكتب عليه ما لم يعمل. أو يزيد في عقاب المستحق، أو يعذبه بغير جرم، كما يزعم من ظلم الله في تعذيب أطفال المشركين بذنوب آبائهم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (كما يزعم من ظلم الله) أي: نسبه إلى الظلم، من قولك: خطأته، أي: نسبته إلى الخطأ، أو قلت له: يا خاطئ، وليس المعنى: صيره ظالماً، نحوه: فرحته.

والأحاديث المروية في أطفال المشركين مشهورة، منها: ما رواه مسلمٌ وأبو داود والنسائي، في آخر حديث عائشة رضي الله عنها:"إن الله خلق للجنة أهلاً خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلاً خلقهم وهم في أصلاب آبائهم".

وفي رواية أبي داود: قالت: فقلتُ: يا رسول الله، ذراري المؤمنين؟ فقال:"هم من آبائهم"، فقلت: يا رسول الله، بلا عمل؟ قال:"الله أعلم بما كانوا عاملين"، قلتُ: يا رسول الله، فذراري المشركين؟ فقال:"من آبائهم"، فقلتُ: بلا عمل؟ قال: "الله أعلم بما كانوا عاملين". و"مِن" فيه اتصالية.

ومنها: ما روى البخاري ومسلم والنسائي عن أبي هريرة، قال: سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أطفال المشركين عمن يموت منهم وهو صغيرٌ، قال:"الله أعلمُ بما كانوا عاملين". فظهر من هذه النصوص من ظلم الله بسبب نسبة رسوله إلى الظلم.

قال القاضي: معنى: (وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً) يكتب عليه ما لم يفعل. وقال أيضاً: كرر قوله: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا) في مواضع لكونه مقدمة للأمور المقصود بيانها في تلك المحال، وهاهنا لما شنع على المفتخرين واستقبح صنيعهم، قرر ذلك أنه من سنن إبليس، أو لما بين حال المغرور بالدنيا والمعرض عنها، وكان سببُ الاغترار بها حب الشهوات

ص: 492

[(وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً* ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً)].

(كانَ مِنَ الْجِنِّ) كلام مستأنف جار مجرى التقليل بعد استثناء إبليس من الساجدين، كأن قائلا قال: ما له لم يسجد؟ فقيل: كان من الجن (فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ) والفاء للتسبيب أيضا، جعل كونه من الجن سببا في فسقه، لأنه لو كان ملكا كسائر من سجد لآدم لم يفسق عن أمر الله، لأنّ الملائكة معصومون البتة لا يجوز عليهم ما يجوز على الجن والإنس، كما قال:(لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ)[الأنبياء: 27]، وهذا الكلام المعترض تعمد من الله تعالى لصيانة الملائكة عن وقوع شبهة في عصمتهم. فما أبعد البون بين ما تعمده الله، وبين قول من ضادّه وزعم أنه كان ملكا ورئيسا على الملائكة، فعصى، فلعن ومسخ شيطانا، ثم ورّكه على ابن عباس.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وتسويل الشيطان، زهدهم أولاً في زخارف الدنيا بأنها عرضةٌ للزوال، والأعمال الصالحة خيرٌ وأبقى، ثم نفرهم عن الشيطان بتذكير ما بينهم من العداوة القديمة، وهكذا مذهب كل تكرير في القرآن.

قوله: (ثم وركه على ابن عباس)، الأساس: عن الحسن: من أنكر القدر فقد فجر، ومن ورك ذنبهُ على الله فقد كفر.

قال في "الانتصاف": الحق معه إلا في قوله: "وهذا الكلام المعترض تعمدٌ من الله"، فإنه يطلقُ من يفعلُ فعلاً حيناً خطأ، فلا يليقُ إطلاقه على الله تعالى.

ص: 493

ومعنى (فَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ) خرج عما أمره به ربه من السجود. قال:

فواسقا عن قصدها جوائرا

أو صار فاسقا كافرا بسبب أمر ربه الذي هو قوله (اسْجُدُوا لِآدَمَ).

(أَفَتَتَّخِذُونَهُ) الهمزة للإنكار والتعجيب، كأنه قيل: أعقيب ما وجد منه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قال محيي السُّنة: كان بين حي من الملائكة، يقال لهم: الجن، خُلقوا من نار السموم.

وقال الإمام: وكونه من الملائكة لا يُنافي كونه من الجن، لقوله تعالى:(وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً) بالصافات: 158]، (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ) [الأنعام: 100]، ولأن الجن إنما سُموا جناً للاستتار، والملائكة أيضاً يستترون، يعني أن تعالى كلما أراد أن ينقص من مرتبة الملائكة سماهم جناً، كذلك هاهنا.

قوله: (فواسقاً عن قصدها جوائرا)، أوله:

يذهبن في نجدٍ وغوراً غائراً

مضى شرحه في "البقرة".

قوله: (أو صار فاسقاً كافراً)، وعلى هذا (فَفَسَقُ) متعلقٌ بقوله:(اسْجُدُوا)، والفاء: للتعقيب، و (كَانَ مِنْ الْجِنِّ): اعتراضٌ، و (عَن) في (عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ) كما في قوله

ينهون عن أكلٍ وعن شربِ

أي: أُصدر فسقُه عن قوله تعالى: (اسْجُدُوا) أي: كان قولهم: (اسْجُدُوا) سبباً لفسقه.

ص: 494

تتخذونه (وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي) وتستبدلونهم بي، بئس البدل من الله إبليس لمن استبدله، فأطاعه بدل طاعته (ما أَشْهَدْتُهُمْ) وقرئ:(ما أشهدناهم)، يعنى: أنكم اتخذتموهم شركاء لي في العبادة، وإنما كانوا يكونون شركاء

فيها لو كانوا شركاء في الإلهية، فنفى مشاركتهم في الإلهية بقوله ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لأعتضد بهم في خلقها (وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ) أي ولا أشهدت بعضهم خلق بعض كقوله (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) [النساء: 29]. وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ بمعنى وما كنت متخذهم عَضُداً أي أعوانا، فوضع المضلين موضع الضمير ذمّا لهم بالإضلال، فإذا لم يكونوا عضدا لي في الخلق، فما لكم تتخذونهم شركاء لي في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وإنما كانوا يكونون)، عن بعضهم: التقدير إنما يصح كما تبين، والظاهر أن قوله:"يكونون" مزيدةٌ، كما في قول الفرزدق.

وجيرانٍ لنا - كانوا - كرامِ

ويؤيده إسقاطه في بعض النسخ.

قوله: ((عَضُداً) أي: أعواناً). الراغب: العضدُ: ما بين المرفق إلى الكتف، وعضدته: أصبت عضده، وعنه استعير: عضدت الشجر بالمعضد، ويُستعار العضد للمعين كاليد، قال تعالى:(وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً).

قوله: (فإذا لم يكونوا عضدا لي في الخلق، فما لكم تتخذونهم شركاء؟ ) إشارة إلى تحقيق ما أنكر عليهم أولاً بقوله تعالى: (أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي)؛ وذلك أنه تعالى لماعقب امتناع إبليس عن سجدة آدم- لعصيانه وفسقه- إنكار اتخاذه ولياً من دون الله استبعاداً، أراد أن يُقدر هذا الاستبعاد بوجهٍ برهاني، وقال:(مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) يعني: إنما كانوا شركاء لي أن لو كانوا شركاء فيما يصح به اسم الإلهية،

ص: 495

العبادة؟ وقرئ: وما كنت، بالفتح: الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والمعنى: وما صح لك الاعتضاد بهم، وما ينبغي لك أن تعتز بهم. وقرأ على رضى الله عنه: وما كنت متخذا المضلين، بالتنوين على الأصل. وقرأ الحسن: عضدا، بسكون الضاد، ونقل ضمتها إلى العين. وقرئ: عضداً، بالفتح وسكون الضاد. وعضدا، بضمتين وعضدا بفتحتين: جمع عاضد، كخادم وخدم، وراصد ورصد، من عضده: إذا قواه وأعانه.

[(وَيَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً* وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً)].

(يَقُولُ) بالياء والنون. وإضافة الشركاء إليه على زعمهم: توبيخا لهم وأراد الجن. والموبق: المهلك، من وبق يبق وبوقا، ووبق يوبق وبقا: إذا هلك. وأوبقه غيره. ويجوز أن يكون مصدرا كالمورد والموعد،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وهو خلقُ السماوات والأرض، وإنكم مُقرون بأن الله تعالى هو وحده خالقُ السماوات والأرض:(وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ)[لقمان: 25]، وإذا لم يكونوا كذلك فلا يكونوا شُراء لي، فقرر ذلك بقوله تعالى:(وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً) أي: شركاء فلما لزم من هذه المقدرات تقرير قوله: (أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ) قال: فما لكم تتخذونهم شركاء؟ فالإشهاد بمعنى الإحضار، أي: ما أحضرتهم لأعتضد بهم، قال الإمام: ما أشهدت الذين اتخذتموهم أولياء خلق السماوات والأرض لأعتضد بهم، والدليل عليه قوله تعالى:(وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً).

قوله: ((يَقُولُ) بالياء والنون)، حمزة: بالنون، والباقون: بالياء التحتاني.

ص: 496

يعني: وجعلنا بينهم واديا من أودية جهنم هو مكان الهلاك والعذاب الشديد مشتركا يهلكون فيه جميعا. وعن الحسن (مَوْبِقاً) عداوة. والمعنى: عداوة هي في شدتها هلاك، كقوله: لا يكن حبك كلفا، ولا بغضك تلفا. وقال الفراء: البين الوصل،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (يعني: وجعلنا بينهم وادياً)، هذا على تقدير أن يكون الموبق اسم مكان. وقوله:(مَوْبِقاً): عداوةً على تقدير أن يكون مصدراً، فيكون مبالغةً، كقولك: رجلٌ عدل.

قوله: (والمعنى: عداوة هي في شدتها هلاكٌ)، أي: وضع المسبب موضع السبب؛ لأن العداوة تستلزم الهلاك، أو هو من باب المجاز باعتبار ما يؤول إليه، كأنه قيل: علنا بينهم عداوة تجرهم وتؤديهم إلى الهلاك والتلف، كقوله:"ولا بُغضك تلفاً" أي: لا يكن بُغضك بحيثُ يجر على التلف والهلاك.

قوله: (كقوله: لا يكن حبك كلفاً). قيل: هو من كلام أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه.

النهاية: الكلفُ: الولوع بالشيء مع شغل قلب ومشقة، ومنه قول عمر رضي الله عنه: عثمان كلفٌ بأقاربه، أي: شديد الحب لهم.

قوله: (البين: الوصل). الراغب: بينٌ: موضوعٌ للخلل بين الشيئين ووسطهما، قال تعالى:(وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً)[الكهف: 32]، يقال: بان كذا، أي: انفصل وظهر ما كان مستتراً منه، ولما اعتبر فيه معنى الانفصال والظهور استُعمل في كل منهما منفرداً، حتى قيل للبئر البعيدة القعر: بيونٌ، وبان الصبح: ظهر، يقال: بان واستبان وتبين، والبينةُ: الدلالة الواضحة، عقليةً كانت أو محسوسة، وسُميت شهادة الشاهدين بينةً، وهو أعمُّ من النطق؛ لأن النطق مختص بالإنسان.

ص: 497

أي: وجعلنا تواصلهم في الدنيا هلاكا يوم القيامة. ويجوز أن يريد الملائكة وعزيرا وعيسى ومريم، وبالموبق: البرزخ البعيد، أي: وجعلنا بينهم أمدا بعيدا تهلك فيه الأشواط لفرط بعده، لأنهم في قعر جهنم وهم في أعلى الجنان فَظَنُّوا فأيقنوا (مُواقِعُوها) مخالطوها واقعون فيها (مَصْرِفاً) معدلاً. قال:

أزهير هل عن شيبة من مصرف

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ويجوز أن يريد الملائكة): عطفٌ على قوله: وأراد الجن، والموبق: المهلك. المعنى على الأول: نادوا شركائي الذين زعمتهم من الجن، والحال أن بينهم وادياً من جهنم، أو بينهم عداوة. وعلى الثاني: أن بينهم أمداً بعيداً؛ لأنهم في قعر جهنم وهم في أعلى الجنان.

المُغرب: (مَوْبِقاً)، أي: مهلكاً من أودية جهنم أو مسافةٍ بعيدة.

قوله: (البرزخ). الجوهري: هو الحاجز بين الشيئين.

قوله: (تهلكُ فيه الأشواط)، المُغرب: الأشواط: جمع شوط، وهو جري مرة إلى الغاية، يعني فيه السير، كناية عن البُعد البعيد.

قوله: (أزُهير هل عن شيبةٍ من مصرف)؟ تمامه من "المطلع":

أم لا خلود لباذلٍ متكلف؟

"زهير" يُروى بفتح الراء: ترخيم "زهيرة" اسم امرأة.

"من مصرف"، الأساس: صُرف عن عمله: غُير، وإنه ليتصرفُ: يحتالُ.

يقولُ: أيتها اللائمة، هل يقدر أحدٌ أن يحتال في تغيير الشيبة؟ بل أتزعمين أن من بذل ماله في إنفاقه لاي بقى اسمه مخلداً على وجه الزمان؟

ص: 498

[(وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً)].

(أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا) أكثر الأشياء التي يتأتى منها الجدل إن فصلتها واحدا بعد واحد، خصومة ومماراة بالباطل. وانتصاب جَدَلًا على التمييز، يعني: أن جدل الإنسان أكثر من جدل كل شيء. ونحوه (فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ)[النحل: 4].

[(وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلاَّ أَنْ تَاتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَاتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلاً)].

(أَنْ) الأولى نصب. والثانية رفع، وقبلها مضاف محذوف تقديره وَما مَنَعَ النَّاسَ الإيمان والاستغفار (إِلَّا) انتظار (أَنْ تَاتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ)، وهي الإهلاك (أَوْ) انتظار أن (يَاتِيَهُمُ الْعَذابُ) يعني: عذاب الآخرة (قِبُلًا) عياناً. وقرئ (قبلا) أنواعاً: جمع قبيل. و «قبلا» بفتحتين: مستقبلا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (إن فصلتها واحداً بعد واحدٍ)، وذلك من إضافة "أفعَل" التفضيل إلى الواحد، فإن الإضافة فيه إذا أريد بيانُ زيادته، يقتضي أن يكون المفضل داخلاً فيمن أضيف إليهم فرداً منهم ليحصُل المقصودُ من الشركة والزيادة، قال ابن مالك: إن أفعل إذا أضيف إلى نكرة، نحو: زيدٌ أفضلُ رجل، وهما أفضلُ رجلين، وهم أفضل رجال، معناه: زيدٌ أفضل من كل رجل قيس فضله بفضلهِ، وهما أفضل من كل رجلين قيس فضلُهما بفضلِهما، وعلى هذا.

قوله: ((وَمَا مَنَعَ النَّاسَ) الإيمان والاستغفار) أي من الإيمان.

قوله: (وقرئ: (قُبُلاً)) الكوفيون: بضمتين، والباقون: بكسر القاف وفتح الباء.

ص: 499

[(وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آياتِي وَما أُنْذِرُوا هُزُواً)].

(لِيُدْحِضُوا) ليزيلوا ويبطلوا، من إدحاض القدم وهو إزلاقها وإزالتها عن، موطئها وَما أُنْذِرُوا يجوز أن تكون ما موصولة، ويكون الراجع من الصلة محذوفا، أي: وما أنذروه من العذاب. أو مصدرية بمعنى: وإنذارهم. وقرئ: هزأ، بالسكون، أى: اتخذوها موضع استهزاء. وجدالهم: قولهم للرسل: (ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا)(وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً)[المؤمنون: 24] وما أشبه ذلك.

[(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً)].

(بِآياتِ رَبِّهِ) بالقرآن، ولذلك رجع إليها الضمير مذكرا في قوله:(أَنْ يَفْقَهُوهُ). فَأَعْرَضَ عَنْها فلم يتذكر حين ذكر ولم يتدبر (وَنَسِيَ) عاقبة (ما قَدَّمَتْ يَداهُ) من الكفر والمعاصي، غير مفكر فيها ولا ناظر في أنّ المسيء والمحسن لا بد لهما من جزاء. ثم علل إعراضهم ونسيانهم بأنهم مطبوع على قلوبهم، وجمع بعد الإفراد حملاً على لفظ من ومعناه (فَلَنْ يَهْتَدُوا) فلا يكون منهم اهتداء البتة،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله (من إدحاض القدم)، الأساس: ومن المجاز: دحضت حجته، و (حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ) [الشورى: 61].

الراغب: يقالُ: أدحضتُ فلاناً في حجته فدحض، وأدحضت حُجته فدحضت، وأصلُه من دحضِ الرجلِ، وعلى نحوه في وصف المناظرة:

نظرا يُزيلُ مواقع الأقدامِ

ص: 500

كأنه محال منهم لشدة تصميمهم (أَبَداً) مدة التكليف كلها. (وإِذاً) جزاء وجواب، فدل على انتفاء اهتدائهم لدعوة الرسول، بمعنى أنهم جعلوا ما يجب أن يكون سبب وجود الاهتداء سببا في انتفائه، وعلى أنه جواب للرسول .....

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ودحضت الشمس، مستعار من ذلك.

قوله: (كأنه محالٌ)، يريد أنه نفي الاهتداء بـ"لن"، وهي لتأيد النفي.

قوله: (و (إذاً): جزاءٌ وجواب)، فيه لفذٌ.

قوله: (فدل على انتفاء اهتدائهم لدعوة الرسول) بيان أن يكون جزاءً، أي: جعل دعوة الرسول سبباً لانتفاء اهتدائهم، فإن الجزاء مسبب عن الشرط، ولا يصح هذا إلا على تقدير الإخبار والإعلام، كأنه قيل: إن تجتهد في دعوتهم فاعلم أن معهم ما يدعوهم إلى مزيد ما هم فيه من العناد وشدة الشكيمة، أي: يجعلون ما هو سببٌ للاهتداء سبباً لمزيد الضلال.

وقوله: (وعلى أنه جواب للرسول) بيانٌ للجواب، ولما كان مورد السؤال قوله:(إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً) كما سيجيء، قدر: ما لي لا أدعوهم، وفيه تعسفٌ.

قال صاحب "الفرائد": يمكن أن يُقال: (إذاً) هاهنا: جزاء، أي: إن تدعهم إلى الهدى- وحالهم ما ذُكر- لن يهتدوا، أي: جزاء ماهم عليه عدم الاهتداء، وجواب لسؤال الرسول على تقدير: لم لن يهتدوا بعد أن دعوتهم؟ فأجيب: لأنهم على تلك الحال؛ لأن (إذاً): إشارة إلى ما مر، وهو (أَنَّا جَعَلْنَا) الآية، وهذا أظهر، والنظم له أدعى، ولا يلزم من التعكيس الذي ارتكبه المصنف بالتعسف، كأنه قيل:(وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى) بعد ما جعلنا على قلوبهم أكنة وفي آذانهم وقراً فلن يهتدوا إذاً أبداً.

قال الإمام: والعجب أن قوله: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ) متمسك القدرية، وقوله:(إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً) متمسك الجبرية، وقلما

ص: 501

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تجدُ في القرآن آية لأحدِ هذين الفريقين إلا ومعها آية للفريق الآخر، والتجربة تكشف عن صدق قولنا، وما ذاك إلا امتحان شديد من الله تعالى ألقاه على عباده ليتميز العلماء الراسخون من المقلدين.

وقلتُ - والله أعلم-: قلما تجدُ في القرآن المجيد كلاماً أكشف وأبين دليلاً على صحة مذهب أهل السنة من هذا؛ وذلك أن قوله: ((وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ) كالتذييل للآية السابقة. وقوله: (إَنَّا جَعَلْنَا): استئناف لبيان موجب إعراض الظالم ونسيانه، أي: تشاغله وتغافله عما يهمه من تدارك ما قدمت يداه من الكفر والمعاصي بعدما ذُكر بآيات ربه، وإليه أشار المصنف بقوله:"ثم علل إعراضهم ونسيانهم بأنهم مطبوعٌ على قلوبهم".

ثم في بناء (جَعَلْنَا) على (إَنَّا) على سبيل تقوى الحكم والتخصيص وتوكيده بـ"أنْ"، وإيثارُ صيغة التعظيم الدلالة على أنه فعالٌ لما يشاءُ، ويحكم ما يريد، لا اعتراض لأحد عليه، وأنه تعالى فعالٌ لذلك البتة وهو مختص به، ثم أوقع قوله:(وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً) نتيجة عن التعليل مقرراً لما سيقت له العلة.

والحاصل أن لا جبر ولا قدر، فقوله:(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ) الآية، إشارة إلى الكتب، وقوله:((إَنَّا جَعَلْنَا) الآية، إشارة إلى الخلق والإيجاد، والله أعلم.

ثم استشهد على ذلك بترك مؤاخذة أهل مكة، يعني: أخبر الله عز وجل أنه تعالى بليغ المغفرة والموصوف بالرحمة، ثم جاء بقوله:(لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا) استشهاداً بأنه بليغُ الرحمة، يعني: أنهم استوجبوا بمكابرتهم أن يصب عليهم العذاب صبا، ولكن صرف ذلك عنهم؛ لأنه الرب الغفور ذو الرحمة يمهل ولا يعاجل.

ص: 502

على تقدير قوله: ما لي لا أدعوهم حرصا على إسلامهم؟ فقيل: (وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا).

[(وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً)].

(الْغَفُورُ) البليغ المغفرة (ذُو الرَّحْمَةِ) الموصوف بالرحمة، ثم استشهد على ذلك بترك مؤاخذة أهل مكة عاجلاً من غير إمهال، مع إفراطهم في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم (بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ) وهو يوم بدرٍ (لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا) منجى ولا ملجأ، يقال: وأل إذا نجا، و «وأل إليه» إذا لجأ إليه.

[(وَتِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْناهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً)].

(وَتِلْكَ الْقُرى) يريد قرى الأوّلين من ثمود وقوم لوط وغيرهم: أشار لهم إليها ليعتبروا. (وتِلْكَ) مبتدأ، و (الْقُرى) صفة؛ لأنّ أسماء الإشارة توصف بأسماء الأجناس، و (أَهْلَكْناهُمْ) خبر.

ويجوز أن يكون (وتِلْكَ الْقُرى) نصباً بإضمار "أهلكنا" على شريطة التفسير. والمعنى: وتلك أصحاب القرى أهلكناهم (لَمَّا ظَلَمُوا) مثل ظلم أهل مكة (وَجَعَلْنا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (والمعنى: وتلك أصحاب القرى)، إلى قوله:(مثل ظُلم أهل مكة)، هذا معنى الآية على التقديرين. وفيه أن المشار إليه بقوله:(تلك): ما دل عليه قوله: (وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ) يعني: إن كان مقتضى المغفرة والرحمة ترك مؤاخذة أهل مكة عاجلاً، لكن مقتضى الوعد إهلاكهم آجلاً، وبذلك مضت سنة الأولين، وكما أهلكنا القرون الماضية بعد إرسال الرسل إليهم مبشرين ومنذرين وبعد مجادلتهم إياهم بالباطل ليدحضوا به الحق، كذلك يُهلك أهل مكة؛ لأنهم ظلموا مثل ظُلمهم.

ص: 503

لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً) وضربنا لإهلاكهم وقتا معلوما لا يتأخرون عنه كما ضربنا لأهل مكة يوم بدر. والمهلك:

الإهلاك ووقته. وقرئ لِمَهْلِكِهِمْ بفتح الميم، واللام مفتوحة أو مكسورة، أي: لهلاكهم أو وقت هلاكهم. والموعد: وقت، أو مصدر.

[(وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً* فَلَمَّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما نَسِيا حُوتَهُما فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً* فَلَمَّا جاوَزا قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً* قالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَما أَنْسانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً* قالَ ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً* فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً)].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وقرئ: (لِمَهْلِكِهِمْ))، أبو بكر: بفتح الميم واللام، وحفصٌ: بفتح الميم وكسر اللام، والباقون: بضم الميم وفتح اللام.

قوله: (أي: لهلاكهم أو وقت هلاكهم، والموعد: وقتٌ أو مصدر)، قال صاحب "الإيجاز":(لِمَهْلِكِهِمْ) مصدرٌ، كقوله:(مُدْخَلَ صِدْقٍ)[الإسراء: 80]، ويجوز " مهلكهم": اسم زمان الهُلك، أي: جعلنا لوقت إهلاكهم موعداً، ولكن المصدر أولى لتقدم أهلكناهم، والفعل يقتضي المصدر وجوداً وحصولاً، وهو المفعول المطلق. ويقتضي الزمان والمكان محلاً وظرفاً، وكل فعل زاد على ثلاثة أحرفٍ فالمصدر واسم الزمان والمكان منه على مثال المفعول، وإذا كان المهلك اسم زمان الهلاك لا يجوز الموعد اسم الزمان؛ لأن الزمان وُجد في المهلك فلا يكون للزمان زمانٌ، بل يكون الموعد بمعنى المصدر، أي: جعلنا الزمان هلاكهم وعداً وعلى العكس.

ص: 504

(لِفَتاهُ) لعبده. وفي الحديث: ليقل أحدكم فتاي وفتاتي، ولا يقل: عبدي وأمتي. وقيل: هو يوشع ابن نون. وإنما قيل: فتاه، لأنه كان يخدمه ويتبعه. وقيل: كان يأخذ منه العلم. فإن قلت: لا أَبْرَحُ إن كان بمعنى لا أزول - من برح المكان - فقد دل على الإقامة لا على السفر. وإن كان بمعنى: لا أزال، فلا بد من الخبر. قلت: هو بمعنى لا أزال، وقد حذف الخبر، لأنّ الحال والكلام معا يدلان عليه. أمّا الحال فلأنها كانت حال سفر. وأمّا الكلام فلأن قوله (حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ) غاية مضروبة تستدعى ما هي غاية له، فلا بد أن يكون المعنى: لا أبرح أسير حتى أبلغ مجمع البحرين. ووجه آخر: وهو أن يكون المعنى: لا يبرح مسيري حتى أبلغ، على أن (حتى أبلغ) هو الخبر، فلما حذف المضاف أقيم المضاف إليه مقامه وهو ضمير

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ليقل أحدكم: فتاي وفتاتي) الحديث أخرجه أحمد بن حنبل في "مُسنده" في أبي هريرة.

قوله: (كان يأخذ منه العلم) فيه إدماج أن من أخذ العلم بمنزلة العبد لمن يأخذُ منه.

قوله: (نستدعي ما هي غايةٌ له)، أي: قوله: (مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ): غاية معينة، وهي- أي: مجمع البحرين- مستدعية ذا غاية، وهو السير؛ لأنه لابد للسير من ابتداء الغاية وانتهائها.

قوله: (المعنى: لا يبرحُ مسيري حتى أبلغ)، يعني: المراد من الآية هذا، لكن اختصر، فعلى هذا متعلقُ الخبر: فعلٌ خاصٌّ بقرينة المقام، وهو "يسيرُ" كما قُدر فيما مر "أسيرُ"، أي: لا يبرح مسيري حتى أبلغُ، على الإسناد المجازي، كأنه قال: أبالغ في السير وأبذل فيه مجهودي حتى يسير سيرين نحو: جد جده، وطريقه سائرٌ، ومن ثم قال:"وهو وجهٌ لطيفٌ"، وقد يقال: إن اللطف في التخريج هو الوجه النحوي.

ص: 505

المتكلم، فانقلب الفعل عن لفظ الغائب إلى لفظ المتكلم، وهو وجه لطيف. ويجوز أن يكون. المعنى: لا أبرح ما أنا عليه، بمعنى: ألزم المسير والطلب ولا أتركه ولا أفارقه حتى أبلغ، كما تقول: لا أبرح المكان. ومجمع البحرين: المكان الذي وعد فيه موسى لقاء الخضر عليهما السلام، وهو ملتقى بحري فارس والروم مما يلي المشرق. وقيل: طنجة. وقيل: إفريقية. ومن بدع التفاسير: أن البحرين موسى والخضر، لأنهما كانا بحرين في العلم. وقرئ (مَجْمَعَ) بكسر الميم، وهي في الشذوذ من يفعل، كالمشرق

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ويجوز أن يكون المعنى: لا أبرح ما أنا عليه): عطفٌ على قوله: "هو بمعنى: لا أزالُ". قال أبو البقاء: " (لا أَبْرَحُ) يجوز أن تكون تامة، والمفعول محذوف، أي: لا أفارق السير حتى أبلغ، كقولك: لا أبرح المكان، أي: لا أفارقه".

قوله: (وقرئ: "مجمع" بكسر الميم، وهي في الشذوذ)، يعني به: قراءة وقياساً. قال ابن جني: "وهي قراءة عبد الله بن مسلم بن يسار، المصدر من فعل يفعل، والمكان والزمان كلهُن على "مفعل" بالفتح، نحو: "مذهب"، بمعنى: الذهاب، و"مذهب" بمعنى: مكان يُذهبُ فيه، و"هذا مذهبُك"، أي: زمان ذهابك، إلا أنه قد جاء "المفعِلُ" بالكسر، نحو: المشرق والمغرب المنسك والمطلع؛ لأنه من يشرقُ ويغربُ وينسكُ ويطلعُ. ونحو من هذا "مجمع البحرين"، وهو مكانٌ كما ترى؛ لأنه من جمع يجمعُ، فقياسه "مجمعً" لولا ما ذكرناه من الحمل على نظيره.

ص: 506

والمطلع من يفعل (أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً) أو أسير زمانا طويلا. والحقب ثمانون سنة. وروى أنه لما ظهر موسى على مصر مع بنى إسرائيل واستقرّوا بها بعد هلاك القبط، أمره الله أن يذكر قومه النعمة، فقام فيهم خطيبا فذكر نعمة الله وقال: إنه اصطفى نبيكم وكلمه. فقالوا له: قد علمنا هذا، فأى الناس أعلم؟ قال: أنا. فعتب الله عليه حين لم يردّ العلم إلى الله، فأوحى إليه: بل أعلم منك عبد لي عند مجمع البحرين وهو الخضر، وكان الخضر في أيام أفريدون قبل موسى عليه السلام، وكان على مقدمة ذى القرنين الأكبر، وبقي إلى أيام موسى. وقيل: إنّ موسى سأل ربه: أيّ عبادك أحب إليك؟ قال الذي يذكرني ولا ينساني. قال: فأىّ عبادك أقضى؟ قال:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الراغب: (مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا) يجوز أن يكون "البينُ" مصدراً، أي: موضع المفترق.

قوله: (فقام فيهم خطيباً) إلى قوله: (عند مجمع البحرين)، ما يقربُ منه رواه الشيخان والترمذي عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن أبي بن كعب، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قوله: (وكان الخضر في أيام أفرديون)، قال ابن الأثير صاحب "الكامل في التاريخ": قولُ من قال: إن الخضر كان في أيام أفريدون وذي القرنين الأكبر قبل موسى بن عمران أشبه بالحديث، يعني الحديث الذي رواه أبي بن كعب، ورسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمُ الخلق بالكائن من الأمور، فيحتمل أن يكون الخضرُ على مقدمة ذي القرنين قبل موسى عليه السلام وأنه شرب من ماء الحياة فطال عمره. ولم يرسل في أيام إبراهيم عليه السلام، وبُعث في أيام بشتاسب بن لهراسب.

وقال الإمام في "تفسيره": إن ذا القرنين ليس الإسكندر صاحب أرسطون؛ لأن الله تعالى مدحه في كتابه، وصاحب أرسطون ليس ممن يمدحه الله تعالى.

ص: 507

الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى. قال: فأيّ عبادك أعلم؟ قال: الذي يبتغى علم الناس إلى علمه، عسى أن يصيب كلمة تدله على هدى، أو تردّه عن ردى. فقال: إن كان في عبادك من هو أعلم منى فادللني عليه. قال: أعلم منك الخضر. قال: أين أطلبه؟ قال: على الساحل عند الصخرة. قال: يا رب، كيف لي به؟ قال: تأخذ حوتا في مكتل، فحيث فقدته فهو هناك. فقال لفتاه: إذا فقدت الحوت فأخبرنى، فذهبا يمشيان، فرقد موسى، فاضطرب الحوت ووقع في البحر، فلما جاء وقت الغداء طلب موسى الحوت، فأخبره فتاه بوقوعه في البحر، فأتيا الصخرة، فإذا رجل مسجى بثوبه، فسلم عليه موسى، فقال: وأنى بأرضنا السلام، فعرّفه نفسه، فقال: يا موسى، أنا على علم علمنّيه الله لا تعلمه أنت، وأنت على علم علمكه الله لا أعلمه أنا. فلما ركبا السفينة جاء عصفور فوقع على حرفها فنقر في الماء فقال الخضر: ما ينقص علمى وعلمك من علم الله مقدار ما أخذ هذا العصفور من البحر (نَسِيا حُوتَهُما) أي نسيا تفقد أمره وما يكون منه مما جعل أمارة على الظفر بالطلبة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (الذي يبتغي علم الناس إلى علمه)، أي: الذي يضمُّ علم الناس إلى علمه مبتغياً له طالباً، على تضمين "يبتغي" معنى "يضمُّ". الجوهري: أبغيتك الشيء: أعنتك على طلبه، وأبغيتك الشيء: جعلتك طالباً له، وابتغيت الشيء وتبغيته: إذا طلبته.

قوله: (كيف لي به؟ ) أي: كيف يتهيأ ويتيسر لي أن أظفر به؟

قوله: (تأخذ حوتاً في مكتلٍ) إلى قوله: (العصفور من البحر) من حديث أبي بن كعب بالإسناد السابق، مع تغيير يسير.

النهاية: المكتل، بكسر الميم: الزنبيل الكبير، ويجمع على مكاتل.

قوله: (فحيث فقدته)، النهاية: فقدت الشيء أفقده: إذا غاب عنك.

قوله: (أي: نسيا تفقد أمره وما يكون منه، مما جُعل أمارةً على الظفر بالطلبة). "وما يكون منه": عطفٌ تفسيريٌّ على قوله: "تفقد أمره"، و"مِن"- في "مما جُعل أمارة"- بيان

ص: 508

وقيل: نسي يوشع أن يقدّمه، ونسى موسى أن يأمره فيه بشيء. وقيل: كان الحوت سمكة مملوحة. وقيل:

إن يوشع حمل الحوت والخبز في المكتل، فنزلا ليلة على شاطئ عين تسمى عين الحياة، ونام موسى، فلما أصاب السمكة برد الماء وروحه عاشت. وروى: أنهما أكلا منها. وقيل: توضأ يوشع من تلك العين فانتضح الماء على الحوت فعاش ووقع في الماء (سَرَباً) أمسك الله جرية الماء على الحوت فصار عليه مثل الطاق، وحصل منه في مثل السرب معجزة لموسى أو للخضر (فَلَمَّا جاوَزا) الموعد وهو الصخرة لنسيان موسى تفقد أمر الحوت وما كان منه.

ونسيان يوشع أن يذكر لموسى

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

"ما"، وهو التوصية بأنه حيث فقدته فالخضر هناك.

قوله: (وقد قيل نسي يوشع أن يقدمه)، أي: يُقدم الحوت بين يدي موسى عيه السلام، ونسي موسى أن يأمره بإحضاره ليُشاهدا منه تلك الأمارة التي جُعلت لهما، وذلك أن موسى عيه السلام وُعد أن لقاء الخضر عند مجمع البحرين كما سبق، وأن فقدان الحوت علامة للقائه، فلما بلغ الموعد كان من حقهما أن يتفقدا أمر الحوت، أما الفتى فلكونه خادماً له، كان عليه أن يُقدمه بين يديه، وأما موسى فلكونه أميراً عليه، كان عليه أن يأمره بالإحضار، فنسي كل واحدٍ ما عليه، وإنما احتيج إلى التأويل لأن النسيان لا يتعلق بالدواب، كما سبق عن الراغب في تعريفه: النسيان: ترك ضبط ما استودعه، إما لضعف قلبه، وإما عن غفلةٍ أو عن قصد حتى ينحذف عن القلب ذكرُه.

قوله: (فانتضح الماء)، الجوهري: النضح: الرش، نضحت البيت أنضحه، بالكسر.

قوله: (وحصل منه في مثل السرب)، الأساس: ما حصل في يدي شيء منه، أي: ما رجع، وما حصلتُ منه على شيء، المعنى: ورجع من الماء في مثل السرب، و"في": تجريدية؛ لأنه انتزع من الماء شيئاً يُشبه السرب، نحو: رأيت زيداً في مثل الأسد. قال

ص: 509

ما رأى من حياته ووقوعه في البحر. وقيل: سارا بعد مجاوزة الصخرة الليلة والغد إلى الظهر، وألقى على موسى النصب والجوع حين جاوز الموعد، ولم ينصب ولا جاع قبل ذلك، فتذكر الحوت وطلبه. وقوله (مِنْ سَفَرِنا هذا) إشارة إلى مسيرهما وراء الصخرة. فإن قلت: كيف نسى يوشع ذلك، ومثله لا ينسى لكونه أمارة لهما على الطلبة التي تناهضا من أجلها ولكونه معجزتين ثنتين: وهما حياة السمكة المملوحة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

القاضي: نصب (سَرَباً) على المفعول الثاني، و (فِي الْبَحْرِ): حالٌ منه، أو من "السبيل"، ويجوز تعلقه بـ "اتخذ".

النهاية: السربُ، بالتحريك: المسلكُ في الخفية.

الراغب: السربُ: الذهاب في حدور، والسربُ: المنحدر. قال تعالى: (فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً)، يقالُ: سرب سرباً وسروباً، نحو: مر مراً ومروراً. وانسرب انسراباً: كذلك، لكن سرب يقالُ على تصور الفعل من فاعله، وانسرب على تصور الانفعال منه، وانسرب الدمعُ: سال، وانسربت الحية إلى جُحرها، وسرب الماء من السقاء، وماءٌ سربٌ وسربٌ: متقطرٌ من سقائه. والساربُ: الذاهب في سربه أي طريق كان. قال تعالى: (وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ)[الرعد: 10]. والسربُ: جمعُ ساربٍ كركبٍ وراكب، وتعورف في الإبل حتى قيل: ذُعرت سربُه، أي: إبله، وهو آمنٌ في سربه، أي: في نفسه، وقيل: في أهله ونسائه، فجُعل السربُ كناية، وقيل: اذهبي فلا أندهُ سربك، في الكناية عن الطلاق، ومعناه لا أرد إبلك الذاهبة في سربها، والسربةُ: قطعةٌ من الخيل من العشرة إلى عشرين، والسراب: اللامع في المفازة الماء، وذلك لانسرابه في مرأى العين، وكأن السراب فيما لا حقيقة له كالشراب فيما له حقيقة.

قوله: ((هذا) إشارة إلى مسيرهما وراء الصخرة)، وفي الإشارة بهذا إشعارٌ بأن هذا المسير كان أتعب لهما مما سبق، فإن رجاء المطلوب يُقربُ البعيد، والخيبة تُبعدُ القريب؛ ولهذا

ص: 510

المأكول منها - وقيل: ما كانت إلا شق سمكة - وقياء الماء وانتصابه مثل الطاق ونفوذها في مثل السرب منه؟ ثم كيف استمرّ به النسيان حتى خلفا الموعد وسارا مسيرة ليلة إلى ظهر الغد، وحتى طلب موسى عليه السلام الحوت؟ قلت: قد شغله الشيطان بوساوسه فذهب بفكره كل مذهب، حتى اعتراه النسيان وانضم إلى ذلك أنه ضرى بمشاهدة أمثاله عند موسى عليه السلام من العجائب، واستأنسا بإخوانه فأعان الإلف على قلة الاهتمام أَرَأَيْتَ بمعنى أخبرني.

فإن قلت: ما وجه التئام هذا الكلام؟ فإن كل واحد من (أَرَأَيْتَ) و (إِذْ أَوَيْنا) و (فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ) لا متعلق له؟ قلت: لما طلب موسى عليه السلام الحوت، ذكر

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ورد في الحديث: أن موسى عليه السلام لم ينصب إلا منذُ جاوز الموضع الذي حده الله تعالى له.

قوله: (وقيام الماء)، هو عطفٌ على "حياة السمكة"، والجملة- وهي:"وقيل: ما كانت إلا شق سمكة"-معترضة للتأكيد والمبالغة، فإن حياة السمكة المملوحة عجيبة، وكونها نصب سمكة أعجب.

قوله: (قد شغله الشيطان بوساوسه)، قال القاضي: ولعله نسي ذلك لاستغراقه في الاستبصار وانجذاب شراشره إلى جناب القدس بما عراه من مشاهدة الآيات الباهرة، وإنما نسبه إلى الشيطان هضماً لنفسه.

قوله: (لا متعلق له)، يعني: ليس لـ (أَرَأَيْتَ) مفعول، ولـ (إِذْ أَوَيْنَا) مظروفٌ، ولـ (فَإِنِّي) سبب؟ وأجاب: أن المتعلق: ما دهاني، وهو مفعول (أَرَأَيْتَ)، و"دهاني": مظروفٌ، وهو سببٌ أيضاً، فحذف لدلالة مقام الحيرة عليه كما أشار إليه بقوله: "فحذف

ص: 511

يوشع ما رأى منه وما اعتراه من نسيانه إلى تلك الغاية، فدهش وطفق يسأل موسى عليه السلام عن سبب ذلك، كأنه قال: أرأيت ما دهاني إذ أوينا إلى الصخرة؟ فإني نسيت الحوت، فحذف ذلك. وقيل: هي الصخرة التي دون نهر الزيت. و (أَنْ أَذْكُرَهُ) بدل من الهاء في (أَنْسانِيهُ) أي: وما أنساني ذكره إلا الشيطان. وفي قراءة عبد الله: أن أذكركه. وعَجَباً ثانى مفعولي اتخذ، مثل سَرَباً يعنى: واتخذ سبيله سبيلاً عجبًا، وهو كونه شبيه السرب. أو قال: عجبا في آخر كلامه، تعجبا من حاله في رؤية تلك العجيبة ونسيانه لها أو مما رأى من المعجزتين، وقوله (وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ) اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه. وقيل: إن عَجَباً حكاية لتعجب موسى عليه السلام، وليس بذاك ذلِكَ إشارة إلى اتخاذه سبيلا، أي: ذلك الذي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ذلك"، ونظيره قوله تعالى: (وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ) [الأحقاف: 11] قال تقديره: (وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ)، ظهر عنادهم (فَسَيَقُولُونَ)، وهذا المضمر صح به الكلام، حيث انتصب به الظرف، وكان (فَسَيَقُولُونَ) مسبباً عنه".

قوله: (نهر الزيت) سمي به لكثرة أشجار الزيت على شاطئه، فقوله:"وقيل: هي الصخرة": عطفٌ على قوله: "فلما جاوزا الموعد" وهو الصخرة.

قوله: (و (أَنْ أَذْكُرَهُ): بدل من الهاء في (أَنْسَانِيه) أي: بدل اشتمال.

قوله: (إن (عَجَباً) حكاية لتعجب موسى، وليس بذاك)، أي: ليس هذا القول بذاك القول الذي يُعرج عليه، كقولك: ليس بشيء، أي: شيء يُعتد به، بيانه: أن موسى عليه السلام لما قال ليوشع: (آتِنَا غَدَاءَنَا)، أجاب بقوله:(أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ)، وهي كلمة تعجب، فلما بلغ قوله:(وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ) تعجب موسى من ذلك فحكى الله تعالى تعجبه، ولا ارتياب في تعسفه وبُعده من بلاغة التنزيل، ولكن (عَجَباً) مقول فتى موسى: إما على أنه صفة موصوف محذوف، وهو ثاني مفعولي "اتخذ" كما قدره المصنف، أو:

ص: 512

كنا نطلب، لأنه أمارة الظفر بالطلبة من لقاء الخضر عليه السلام. وقرئ (نَبْغِ) بغير ياء في الوصل، وإثباتها أحسن، وهي قراءة أبي عمرو، وأمّا الوقف، فالأكثر فيه طرح الياء اتباعا لخط المصحف (فَارْتَدَّا) فرجعا في أدراجهما (قَصَصاً) .......

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لما فرغ من كلامه قال: يا عجباً، فحكى الله تعالى ذلك منه. ويجوز أن يكون من كلام الله، أي: قال ذلك الكلام تعجباً.

قال أبو البقاء: (عَجَباً): مفعولٌ ثان لـ (اتَّخَذَ)، وقيل: هو مصدرٌ، أي: قال موسى: عجباً، فعلى هذا يكون المفعول الثاني لـ (اتَّخَذَ):(فِي الْبَحْرِ).

قوله: (قرئ: (نْبَغِ) بغير ياء في الوصل)، نافعٌ وأبو عمرو والكسائي: أثبتوا في الوصل، وابن كثير: في الحالين، والباقون: بالحذف في الحالين، قال أبو البقاء: الجيد إثباتُ الياء، والحذف على التشبيه بالفواصل، وسهل ذلك أن الياء لا تُضم هاهنا.

روى صاحب "المرشد"، عن أبي حاتم، أنه قال: ومن الوقف التام قوله تعالى: (مَا كُنَّا نَبْغِ).

وقلت: بيانه أن قوله تعالى: (فَارْتَدَّا) عطفٌ على جملة قوله: (فَلَمَّا جَاوَزَا) إلى آخره. وأما الفصلُ بين الأقوال الثلاثة، فالأولى: جوابٌ للشرط، والآخران مفصولان لما يستدعيه مقام المقاولة من السؤال، وهو: ماذا قال فتى موسى بعد قول موسى عليه السلام: (آتِنَا غَدَاءَنَا)؟ وماذا قال موسى عليه السلام بعد قول فتاه: (أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا)؟

قوله: (فرجعا في أدراجهما)، الجوهري: قولهم: خل درج الضب، أي: طريقه، والجمعُ: الأدراج، ومنه قولهم: رجعت أدراجي، أي: رجعت في الطريق الذي جئت منه.

ص: 513

يقصان قصصًا، أي: يتبعان آثارهما اتباعاً. أو فارتدّا مقتصين (رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا) هي الوحي والنبوة (مِنْ لَدُنَّا) مما يختص بنا من العلم، وهو الإخبار عن الغيوب.

[(قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً)].

(رُشْداً) قرئ بفتحتين، وبضمة وسكون، أى: علما ذا رشد، أرشد به في دينى. فإن قلت: أما دلت حاجته إلى التعلم من آخر في عهده أنه - كما قيل - موسى بن ميشا، لا موسى بن عمران لأنّ النبيّ يجب أن يكون أعلم أهل زمانه وإمامهم المرجوع إليه في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (يقصان قصصاً). قال صاحب "الكشف": (قَصَصاً): مصدرٌ لفعلٍ مضمر يدل عليه: (فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا)، واقتصا الأثر: واحد.

قوله: (مقتصين) أي: يكون المصدر بمعنى اسم الفاعل، فنصبه على الحال.

قوله: ("رشداً" قرئ بفتحتين)، أبو عمرو، والباقون: بضمة وسكون.

قوله: (أي: علماً ذا رشدٍ)، قال أبو البقاء:(رُشْداً): مفعول 0 تُعَلِّمَنِي)، ولا يجوز أن يكون مفعول (عُلِّمْتَ)؛ لأنه لا عائد إذن على الذي، وليس بحال ٍمن العائد المحذوف؛ لأن المعنى على ذلك يبعد. وقال القاضي: يجوز ان يكون علة لـ (أَتَّبِعُكَ)، أو: مصدراً بإضمار فعله.

وقوله: (أنه كما قيل: موسى بن ميشا، لا موسى بن عمران)، روينا عن البخاري

ص: 514

أبواب الدين؟ قلت: لا غضاضة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ومسلم والترمذي، عن سعيد بن جبير، قال: قلت لابن عباس: إن نوفا البكالي يزعم أن موسى صاحب بني إسرائيل ليس هو صاحب الخضر، قال: كذب عدو الله، سمعت أبي بن كعب يقول: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "قام موسى خطيباً في بني إسرائيل" إلى تمام الحديث.

قال بعضهم: التعليم: تنبيه النفس لتصور المعاني، والتعلمُ: تنبهها لتصور ذلك، وربما استعمل في معنى الإعلام إذا كان فيه تكريرٌ، نحو:(أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ)[الحجرات: 16]، فمن التعليم قوله تعالى:(الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ)[الرحمن: 1 - 2]، وتعليم آدم الأسماء هو أن جعل له قوة بها نطق ووضع أسماء الأشياء، وذلك بإلقائه في روعه، وكتعليمه تعالى الحيوانات كل واحد ٍمنها فعلاً يتعاطاه.

وقوله: (مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً)، قيل: عني بالعلم: الخاص الخفي على البشر الذي يرونه ما لم يعرفهم الله منكراً، وقيل: وعلى هذا العلم في قوله تعالى: (الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنْ الْكِتَابِ)[النمل: 40]، العلمُ: الأثر الذي يُعلم به الشيء، وسُمي الجبل علماً لذلك، والعالم: اسم للفلك وما يلحق به من الجواهر والأعراض، وهو في الأصل: اسم لما يُعلم به كالطابع والخاتم لما يطبع به ويختم به، وجُعل بناؤه على هذه الصيغة لكونه كالآلة، العالمُ: آلة في الدلالة على صانعه، ولهذا أحالنا تعالى عليه في معرفة وحدانيته، فقال:(أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ)[الأعراف: 185].

قوله: (لا غضاضة)، الجوهري: يقال: ليس عليك في هذا الأمر غضاضة، أي: ذلة ومنقصة، قال القاضي: لا ينافي نبوته وكونه صاحب الشريعة أن يتعلم من غيره ما لم يكن

ص: 515

بالنبي في أخذ العلم من نبيّ مثله: وإنما بغض منه أن يأخذه ممن دونه. وعن سعيد بن جبير أنه قال لابن عباس: إنّ نوفا ابن امرأة كعب يزعم أنّ الخضر ليس بصاحب موسى، وأنّ موسى هو موسى بن ميشا، فقال: كذب عدوّ الله.

[(قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً* وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً)].

نفي استطاعة الصبر معه على وجه التأكيد، كأنها مما لا يصح ولا يستقيم، وعلل ذلك بأنه يتولى أمورًا هي في ظاهرها مناكير. والرجل الصالح

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

شرطاً في أبواب الدين، فإن الرسول ينبغي أن يكون أعلم ممن أرسل إليه فيما بُعث به من أصول الدين وفروعه لا مطلقاً، ويؤيده قوله تعالى حكاية عن الهدهد مخاطباً سليمان عليه السلام:(أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ)[النمل: 22].

الراغب: العلمُ: إدراك الشيء بحقيقته، وذلك ضربان: إدراك ذات الشيء، والثاني: الحكم على الشيء بوجود شيء هو موجودٌ له، أو نفي شيء منفي عنه. فالأول متعد إلى واحد كقوله تعالى:(لا تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ)[الأنفال: 60]، وأعلمته وعلمته - في الأصل - واحدٌ، إلا أن الإعلام اختص بما كان بإخبار سريع، والتعليم بما يكون بتكرير وتكثير حتى يحصل منه أثرٌ في نفس المتعلم.

قوله: (وعلل ذلك بأنه يتولى أموراً)، أي: أكد نفي استطاعته بقوله: (إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْراً)، وهو علة لمنعه من اتباعه، فإن موسى عليه السلام قال:(هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ)، كأنه قال: لا؛ لأنك (لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْراً)، ثم علل العلة بقوله:(وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً)، أي: كيف تصبرُ على شيء هو في الظاهر منكرٌ مفسدةٌ وفي الحقيقة مصلحة وصلاح، ويحتاج في معرفته إلى دقة نظر وفضل خبرة مستفادة منالعلم اللدني.

قوله: (والرجل الصالح): مبتدأ، وقوله:"لا يتمالك": الخبر، وقوله: "فكيف إذا كان

ص: 516

-فكيف إذا كان نبياً - لا يتمالك أن يشمئز ويمتعض ويجزع إذا رأى ذلك ويأخذ في الإنكار. و (خُبْراً) تمييز، أي: لم يحط به خبرك بمعنى لم تخبره، فنصبه نصب المصدر.

[(قالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً)].

(وَلا أَعْصِي) في محل النصب، عطف على (صابِراً) أي: ستجدني صابرا وغير عاص. أولا في محل، عطفاً على (ستجدني).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نبياً؟ " موضعه التأخير، فاعترض بين المبتدأ والخبر اهتماماً، والكلامُ مجرى مجرى المثال لموسى عليه السلام، مثله قوله:(وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ)[النور: 26] في وجه تمثيل لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها. المعنى: إني أتولى أموراً ظاهرها مناكيرُ، وأنت لا تتمالك أن تشمئز.

قوله: (فكيف إذا كان نبياً لا يتمالك أن يشمئز ويمتعض)، الانتصاف: يدل عليه أنه قال في خرق السفينة: (أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا) ولم يقل: لتغرقنا، فنسي نفسه واشتغل بغيره في حالة يقول فيها المرء: نفسي نفسي.

الجوهري: اشمأز الرجل اشمئزازاً: انقبض ومعضت من ذلك الأمر أمعض معضاً، وامتعضت منه: إذا غضبت وشق عليك.

قوله: (أو في لا محل، عطفاً على (سَتَجِدُنِي))، لعل هذا القول مبني على أن الجملة الواقعة بعد "قال": مستأنفة، بيان للقول المضمر؛ فلا يكون لها محل، كما قال أبو البقاء في قوله تعالى:(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ)[البقرة: 11]: والمفعول القائم

ص: 517

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مقام الفاعل مصدرٌ، وهو القول، وأضمر؛ لأن الجملة بعد مفسرة، والتقدير:(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ) قول، وهو:(لا تُفْسِدُوا)، ونظيره:(ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوْا الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ)[يوسف: 35]، أي: بدا لهم بداء ورأيٌ، كذا قدر المصنف هذه الآية، أو يقال: إن قوله: (وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً): عطفٌ على مقول القول باعتبار الجملة لا باعتبار الإفراد، وكونه منصوباً على المصدرية أو المفعولية على الخلاف الذي سبق بيانه في "البقرة"، ونحوه في الاعتبار قوله تعالى:(تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ)[الفتح: 16]، على تقدير: أو هم يُسلمون، وسيجيء بيانه في موضعه.

ورُوي عن الشيخ بدر الدين الجرجاني رحمه الله تعالى أنه قال: إن قوله: (سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِراً) بجملته مقولٌ للقول، والشرط يقتضي الجزاء. وقوله:(سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِراً)، لا يصلح أن يكون جزاء لتقدمه، لنه دالٌ عليه، فلا يكون له محل. وقوله:(وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً): عطفٌ عليه وحده، فيكون التقدير: ستجدني إن شاء الله صابراً ولا أعصي لك إن شاء الله أمراً، والشرط مع الجزاء المحذوف معترضٌ بين المفعولين.

وقدر المصنف في قوله تعالى: (ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ)[يوسف: 99]: "ادخلوا مصر آمنين إن شاء الله دخلتم آمنين".

أما بيانُ بلاغة هذا التركيب، فإنه لو قُدم الشرط بأن يقال: إن شاء الله ستجدني صابراً لفات التكرير والتوكيد المطلوب، ولو أخر بأن يقال: ستجدني صابراً إن شاء الله لاختل إرادة الاهتمام لكلمة التبرك، ولعُدم حُسنُ موقع الاعتراض، فإنه من تحاسين الكلام، فالتركيب قريبٌ من قوله:(لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)[التحريم: 6] فيكون من باب الطرد والعكس.

ص: 518

رجا موسى عليه السلام لحرصه على العلم وازدياده، أن يستطيع معه صبرا بعد إفصاح الخضر عن حقيقة الأمر، فوعده بالصبر معلقا بمشيئة الله، علما منه بشدّة الأمر وصعوبته، وأن الحمية التي تأخذ المصلح عند مشاهدة الفساد شيء لا يطاق، هذا مع علمه أن النبي المعصوم الذي أمره الله بالمسافرة إليه واتباعه واقتباسه العلم منه، برىّ من أن يباشر ما فيه غميزة في الدين، وأنه لا بد لما يستسمج ظاهره من باطن حسن جميل، فكيف إذا لم يعلم.

[(قالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً)].

قرئ: (فَلا تَسْئَلْنِي) بالنون الثقيلة، يعنى: فمن شرط اتباعك لي أنك إذا رأيت

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (فوعده بالصبر)، عطفٌ على "رجا"، و"أن يستطيع" مفعول "رجا"، والرجاء هو قوله:(سَتَجِدُنِي)، و"علماً" مفعولٌ له لوعده الصبر معلقاً. و"أن الحمية" عطفٌ على شدة الأمر على البيان والتفسير.

قوله: (هذا) أي: كل هذه المبالغات متضمنة مع علم موسى أن الخضر مع جلالته بريٌّ أن يركب أمراً يُعابُ عليه، فكيف مما يُستسمج؟ ظاهره ممن لا يعلمُ مرتبته في الدين، فإنه لا يُطاق قطعاً، فالضمير في "مع علمه": راجعٌ إلى المصلح وهو موسى، مُظهر أقيم مقام المضمر إيذاناً أن المصلح شأنه أن لا يصبر على مثل تلك الحالة ويرى الصالح.

قوله: (غميزة)، الأساس: ومن المجاز: ما فيه مغمزٌ ولا غميزةٌ، أي: معابٌ، وغمز فيه: طعن. قال القاضي: وتعليقُ الوعد بالمشيئة إما للتيمن، وخُلفُه ناسياً لا يقدح في عصمته، أو لعلمه بصعوبة الأمر، فإن مشاهدة الفساد والصبر على خلاف المعتاد شديدٌ، فلا خُلفَ، وفيه دليلٌ على أن أفعال العباد واقعة بمشيئة الله.

قوله: (وأنه لابد) الضمير للشأن، والجملة معطوفةٌ على قوله:"أن النبي".

قوله: (قرئ: "فلا تسألني")، نافعٌ وابن عامر: بفتح اللام وتشديد النون، والباقون:

ص: 519

مني شيئاً - وقد علمت أنه صحيح إلا أنه غبي عليك وجه صحته فحميت وأنكرت في نفسك - أن لا تفاتحنى بالسؤال ولا تراجعني فيه، حتى أكون أنا الفاتح عليك. وهذا من آداب المتعلم مع العالم، والمتبوع مع التابع.

[(فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها قالَ أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً* قالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً)].

(فَانْطَلَقا) على ساحل البحر يطلبان السفينة، فلما ركبا قال أهلها: هما من اللصوص، وأمروهما بالخروج، فقال صاحب السفينة: أرى وجوه الأنبياء. وقيل: عرفوا الخضر فحملوهما بغير نول، فلما لججوا أخذ الخضر الفأس فخرق السفينة بأن قلع لوحين من ألواحها مما يلي الماء فجعل موسى يسدّ الخرق بثيابه ويقول (أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها) وقرئ:(لتغرّق) بالتشديد و (ليغرق أهلها) من غرق، وأهلها

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بإسكان اللام وتخفيف النون.

قوله: (أن لا تفاتحني)، خبرُ "إن"، و"إذا" ظرفٌ، والجملة في تأويل المبتدأ، وخبره:"من شرط اتباعك"، المعنى: من شرط اتباعك عند الرؤية عدم المفاتحة.

قوله: (بغير نول)، النهاية: بغير أجرٍ ولا جُعلٍ: مصدر ناله يناوله: إذا أعطاه.

قوله: (لججوا)، الأساس: لجج القوم: دخلوا في اللج. الجوهري: لجة الماء، بالضم: معظمه، وكذلك اللج.

قوله: (وليغرق أهلها)، حمزة والكسائي:"ليغرق" بالياء مفتوحة وفتح الراء، و"أهلها": برفع اللام، والباقون: بضم التاء وكسر الراء ونصب اللام، والتشديد: شاذ.

ص: 520

مرفوع (جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً) أتيت شيئا عظيما، من أمر الأمر: إذا عظم، قال:

داهية دهياء إدّا إمرا

[(قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً)].

(بِما نَسِيتُ) بالذي نسيته، أو بشيء نسيته، أو بنسياني: أراد أنه نسى وصيته ولا مؤاخذة على الناسي. أو أخرج الكلام في معرض النهى عن المؤاخذة بالنسيان، يوهمه أنه قد نسى ليبسط عذره في الإنكار،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (داهية دهياء إذا إمرا)، أوله:

قد لقي الأعداء شيئاً نُكرا

الدهياء: مبالغة في الشدة. الأساس: بقيت منه في داهية إدة، ولقيت منه كل شدة.

الراغب: (امْرَاً)، أي: منكراً، وتحقيقه من: أمر الأمرُ، أي: كثر وكبر، كقولهم: استفحل الأمر.

قوله: (أو أخرج الكلام في معرض النهي): عطفٌ على قوله: "أراد أنه نسي وصيته" فعلى الثاني: "نسيتُ": مطلقٌ، يعني: ما نسي في الحقيقة لكن عرض، ونهاه عن المؤاخذة بنسيانه؛ لان الإنسان مجبول عليه، وعن ابن عباس: أنه سُمي إنساناً؛ لأنه عهد إليه فنسي، وعليه قول إبراهيم عليه السلام:"هذه أختي: أي: في الدين"، و (إِنِّي سَقِيمٌ) [الصافات: 89] أي: سأسقم، أو: سقيم لما أجدُ من الغيظ.

ص: 521

وهو من معاريض الكلام التي يتقى بها الكذب، مع التوصل إلى الغرض، كقول إبراهيم: هذه أختي، وإني سقيم. أو أراد بالنسيان: الترك، أي: لا تؤاخذني بما تركت من وصيتك أول مرّة. يقال: رهقه إذا غشيه، وأرهقه إياه. أي: ولا تغشني عُسْراً من أمري، وهو اتباعه إياه، يعنى: ولا تعسر علىّ متابعتك، ويسرها علىّ بالإغضاء وترك المناقشة. وقرئ:(عسرا)، بضمتين.

[(فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ قالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً* قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً)].

(فَقَتَلَهُ) قيل: كان قتله قتل عنقه. قيل: ضرب برأسه الحائط، وعن سعيد بن جبير: أضجعه ثم ذبحه بالسكين. فإن قلت: لم قيل: (حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها) بغير فاء؟ و (حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ) بالفاء؟ قلت: جعل خرقها جزاء للشرط، وجعل قتله من جملة الشرط معطوفاً عليه، والجزاء (قالَ أَقَتَلْتَ). فإن قلت: فلم خولف بينهما؟ قلت: لأن خرق السفينة لم يتعقب الركوب، وقد تعقب القتل لقاء الغلام. وقرئ:(زاكية)، و (زكية)، وهي الطاهرة من الذنوب، إما لأنها طاهرة عنده لأنه لم يرها قد أذنبت، وإما لأنها صغيرةٌ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وهو من معاريض الكلام)، الأساس: عرفتُ ذلك في معراض كلامه، وقولهم: خُذ في عروضٍ سوى هذه، أي: في ناحية.

قوله: (أو أراد بالنسيان: الترك)، الأساس: ومن المجاز: نسيتُ الشيء، أي: تركته.

قوله: (وقرئ: "زاكية")، الكوفيون وابن عامر:(زَكِيَّةً) بتشديد الياء من غير ألف، والباقون بالألف والتخفيف، قال القاضي: قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو: زاكية، والأول أبلغ، وقال أبو عمرو: الزاكية: التي لم تُذنب قطُّ، والزكية: التي أذنبت ثم غُفرت،

ص: 522

لم تبلغ الحنث (بِغَيْرِ نَفْسٍ) يعني: لم تقتل نفسا فيقتص منها. وعن ابن عباس أن نجدة الحروري كتب إليه: كيف جاز قتله، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل الولدان؟ فكتب إليه: إن علمت من حال الولدان ما علمه عالم موسى فلك أن تقتل (نُكْراً) وقرئ بضمتين وهو المنكر وقيل النكر أقل من الإمر؛ لأن قتل نفس واحدة أهون من إغراق أهل السفينة. وقيل: معناه جئت شيئا أنكر من الأوّل، لأن ذلك كان خرقاً

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ولعله اختار الأول لذلك، فإنها كانت صغيرة لم تبلغ الحلم، أو أنه لم يرها أذنبت ذنباً يقتضي قتلها، أو قتلت نفساً فتقاد بها.

قوله: (لم تبلغ الحنث). النهاية: أي: لم تبلغ مبلغ الرجال ولم يجر عليه القلم فيكتب عليه الحنث.

قوله: (أن نجدة الحروري)، النهاية: الحرورية: طائفة من الخوارج نُسبوا إلى حروراء، بالمد والقصر، وهو موضع قريب من الكوفة، كان أول مجمعهم وتحكيمهم فيها، وهم إحدى فرق الخوارج الذين قاتلهم عليٌّ رضي الله عنه، وكان عندهم من التشدد في الدين ما هو معروفٌ.

قوله: ((نُكْراً)، وقرئ بضمتين): نافع وابن ذكوان في الموضعين، والباقون: بإسكانها.

قوله: (لأن قتل نفس واحدة أهون من إغراق أهل السفينة). قال الإمام: النكر: ما أنكرته القول ونفرت عنه النفوس، وهو أبلغ في تقبيح الشيء من الإمر، وقيل: بالعكس؛ لأن الأمر هو الداهية العظيمة المآل.

الراغب: النُكرُ: الدهاءُ والأمر الصعب الذي لا يُعرف.

ص: 523

يمكن تداركه بالسدّ، وهذا لا سبيل إلى تداركه. فإن قلت: ما معنى زيادة (لَكَ)؟ قلت: زيادة المكافحة بالعتاب على رفض الوصية، والوسم بقلة الصبر عند الكرة الثانية.

[(قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً)].

(بَعْدَها) بعد هذه الكرة أو المسألة (فَلا تُصاحِبْنِي) فلا تقاربني، وإن طلبت صحبتك فلا تتابعني على ذلك. وقرى «فلا تصحبنى» فلا تكن صاحبي. وقرئ «فلا تصحبنى» أي: فلا تصحبني إياك ولا تجعلني صاحبك (مِنْ لَدُنِّي عُذْراً) قد أعذرت. وقرئ: (لدنى) بتخفيف النون، (ولدني) بسكون الدال وكسر النون،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقال صاحب "الفرائد": خرقث السفينة أقرب إلى أن يؤول بما يصح، بخلاف قتل النفس، فإنه اهر الفساد، فكونه منكراً ظاهر، أو تقولُ: قتلُ النفس أقبحُ؛ لأنه إهلاك النفس، وخرق السفينة إهلاك المال، فاختير الإمر للخرق والنكرُ للقتل.

وقلتُ: الذي يقتضيه النظمُ أن يؤخذ من الأغلظ ثم ينزل إلى الأهون، فقتلُ النفس أهون من الخرق وأغلظ من إقامة الجدار بلا أجرة.

قوله: (زيادة المكافحة)، الأساس: كافحه: لاقاه مواجهة، وكفحت الدابة وأكفحتها: تلقيت فاها باللجام.

قوله: (والوسم)، ويروي: والوصم. الجوهري: والوصمُ: العيب والعار.

قوله: (وإن طلبتُ صحبت فلا تتابعني). راعى في هذه العبارة معنى المفاعلة في (تُصَاحِبْنِي).

قوله: (قد أعذرت)، أي: لم تُبق موضعاً للاعتذار، ويُروى:"أعذرتُ" على التكلم، أي: لم أبق موضعاً للاعتذار.

قوله: (وقرئ: "لدُني" بتخفيف النون، و"لدني"، بسكون الدال وكسر النون)، قال

ص: 524

كقولهم في عضد: عضد. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رحم الله أخي موسى استحيا فقال ذلك)، وقال:(رحمة الله علينا وعلى أخي موسى، لو لبث مع صاحبه لأبصر أعجب الأعاجيب).

[(فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ قالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً)].

(أَهْلَ قَرْيَةٍ) هي أنطاكية، وقيل: الأبلة، وهي أبعد أرض الله من السماء، (أَنْ يُضَيِّفُوهُما) وقرئ:(يضيفوهما). يقال: ضافه؛ إذا كان له ضيفا. وحقيقته: مال إليه، من: ضاف السهم عن الغرض، ونظيره: زاره؛ من الازورار. وأضافه وضيفه: أنزله وجعله ضيفه، وعن النبي صلى الله عليه وسلم:(كانوا أهل قرية لئاما). وقيل: شر القرى التي لا يضاف الضيف فيها ولا يعرف لابن السبيل حقه، (يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ) استعيرت الإرادة للمداناة والمشارفة، كما استعير الهمّ والعزم لذلك. قال الراعي:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الزجاج: أجود القراءات بتشديد النون؛ لأن أصل لدن: الإسكانُ، فإذا أضفتها إلى نفسك زدت نوناً ليسلم سكون النون الأولى، فتقول: من لدني، كما تقول: عني ومني. ومن قال: لدني لم يجز له أن يقول: عني ومني بحذف النون؛ لأن "لدُن" اسمٌ غير متمكن، و"مِن" و"عن": حرفان، والدليلُ على أن الأسماء يجوز فيها حذف النون قولهم: قدى قدني في معنى حسبي؛ لأن قد: اسمٌ غيرُ متمكن، قال:

قدني من نصر الخبيبين قدي

ولأبي عليٍّ فيه كلامٌ طويل.

قوله: (استعيرت الإرادة للمُداناة)، وذلك أن الإرادة لغة: هي مصدر: أردت الشيء؛ إذا طلبته نفسك، ومال إليه قلبك، واصطلاحاً: هي اسمٌ لنزوع النفس إلى أمرٍ مع الحُكم

ص: 525

في مهمه قلقت به هاماتها

قلق الفؤوس إذا أردن نصولا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فيه بأنه ينبغي أن يُفعل أولاً، مضى بسطه في أول "البقرة" وسورة يوسف، وذلك في الجماد محالٌ، فشبهت مشارفة الجدار للانقضاض بإرادة من هم بالانحطاط بعد أن كان منتصباً، والوجه: الميلان، ثم استعير لجانب المشبه: الإرادة، ثم سرى من المصدر إلى الفعل، فهو استعارةٌ مصرحةٌ تبعية، ويجوز أن تكون مكنية.

قال ابن جني: يريد: معناه قارب وشارف، فهو عائدٌ إلى معنى يكادُ، وقد جاء ذلك عنهم وحسن ذلك؛ لأن الإرادة أقوى في وقوع الفعل؛ لأنها داعية إلى وقوعه، وهي أيضاً لا تصح إلا مع الحياة، وليس كذلك كاد؛ لأنه قد يقارب الأمر مما لا حيلة له فيه نحو: ميلان الحائط وإشراق ضوء الفجر.

قوله: (في مهمه قلقت به هاماتها) البيت، المهمه: المفازة، والهامة: وسط الرأس، إذا أردن، أي: شارفن الخروج من الخشب، ونصل السهم إذا خرج منه النصل. يصف شدة المفازة، وأن هامات النوق فيها قلقة قلق الفؤوس إذا شارفن الخروج من نصالها.

قال الصولي: كان أبو فراس سيء الاعتقاد بالقرآن متعنتاً ظاهر الكفر، قال لي يوماً ونحنُ بمحضر من الناس: هل تعرفُ العرب إرادة لغير مميز؟ فقلت: إنهم يعبرون عن الجمادات بالقول، قال:

امتلأ الحوض وقال قطني

ص: 526

وقال:

يريد الرّمح صدر أبى براء

ويعدل عن دماء بني عقيل

وقال حسان:

إنّ دهرا يلفّ شملي بجمل

لزمان يهمّ بالإحسان

وسمعت من يقول: عزم السراج أن يطفأ، وطلب أن يطفأ. وإذا كان القول والنطق والشكاية والصدق والكذب والسكوت والتمرد والإباء والعزة والطواعية وغير ذلك مستعارة للجماد ولما لا يعقل، فما بال الإرادة؟ قال:

إذا قالت الأنساع للبطن: الحق

تقول سني للنّواة طني

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقال: لم أُرد هذا، وكان غرضه قوله تعالى:(جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ)، فأيدني الله تعالى بأن ذكرتُ قول الراعي:"في مهمه قلقت" البيت، فكأنني ألقمته الحجر، وسُرَّ بذل من كان صحيح النية، وسود الله وجهه.

قوله: (إن دهراً يلف شملي)، البيت، يقال: لففت الشيء: إذا طويته وأدرجته، والشمل: تألفُ الأمور واستواؤها، وجُمل: اسم محبوبته، يقول: إن دهراً يجمع بيني وبين محبوبتي دهرٌ همه الإحسان لا الإساءة.

قوله: (إذا قالت الأنساع). مضى شرحه في "البقرة".

قوله: (تقول سني للنواة: طني)، أوله:

ويلٌ لبرني الحزين مني

إذا التقت نواته وسني

ص: 527

لا ينطق الّلهو حتى ينطق العود

وشكا إلىّ بعبرة وتحمحم

فإن يك ظني صادقا وهو صادقي

(وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ)[الأعراف: 154].

تمرّد مارد وعزّ الأبلق

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وشكا إلى بعبرة وتحمحم)، أوله:

فازور من وقع القنا بلبانه

الازورار: الميلُ، ولبانُ الفرس: موضعُ اللبب، والتحمحم: من صهيل الفرس، ما كان فيه، شبه الحنين لفراق صاحبه، يقول: فمال فرسي مما أصابت صدره رماحُ الأعداء، وشكا إلي بعبرة وتحمحم.

قوله: (فإن يك ظني صادقاً وهو صادقي)، تمامه:

بشملة يحبسهم بها محبساً وعرا

قائله أم شملة، والباء في "بشملة" يتعلق بـ"ظني" أو بـ "صادقي"، والمرادُ بالظن: الفراسةُ، وهو صادقي، أي: ظني يصدقني، والجملة معترضةٌ، تقولُ: إن كنت صادقة الظن بابني شملة، وظني يصدقني لا محالة، فإن شملة يحبس القوم بتلك المعركة وياخذ بثأر أبيه.

وقوله: (تمرد ماردٌ وعز الأبلق)، قال الميداني: ماردٌ: حصن دومة الجندل، والأبلق:

ص: 528

ولبعضهم:

يأبى على أجفانه إغفاءه

همّ إذا انقاد الهموم تمرّدا

أبت الرّوادف والثّديّ لقمصها

مسّ البطون وأن تمسّ ظهورا

(قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ)[فصلت: 11].

ولقد بلغني أن بعض المحرفين لكلام الله تعالى ممن لا يعلم، كان يجعل الضمير للخضر؛ لأنّ ما كان فيه من آفة الجهل وسقم الفهم، أراه أعلى الكلام طبقة أدناه منزلة، فتحمل ليردّه إلى ما هو عنده أصح وأفصح، وعنده أن ما كان أبعد من المجاز كان أدخل في الإعجاز

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حصن السموأل بن عاديا، وُصِفَ بالأبلَقِ؛ لأنه بُني من حجارة مختلفة بأرض تيماء، قصدتهما الزباء ملكة الجزيرة فلم تقدر عليهما، فقالت:"تمرد ماردٌ وعز الأبلق"، فصار مثلاً لكل ما يعُزُّ ويمتنع عن طالبه، عز، أي: غلب، من عز يعز بضم العين، ويجوز أن يكون من عز يعز بكسرها.

قوله: (يأبى على أجفانه) البيت، أي: يأبي الهمُّ النوم على اجفانه، وذلك الهم هم متمرد إذا انقاد الهموم. النهاية: غفوت غفوةً، أي: نمت نومةً خفيفة، يقال: أغفى إغفاءة: إذا نام، وقلما يقال: غفا.

قوله: (أبتِ الروادفُ) البيت، الروادف: جمعُ ردفٍ، وهو الكفل، وصفها بأنها ناهدةُ الثديين دقيقة الخصر لطيفة البطن عظيمة الكفل، فالثدي يمنعُ القميص أن يلتصق ببطنها، والردف يمنعه أن يلتصق بظهرها.

ص: 529

و (انقض): إذا أسرع سقوطه، من انقضاض الطائر، وهو انفعلّ، مطاوع قضضته. وقيل: انقض من النقض، كاحمرّ من الحمرة. وقرئ:(أن ينقض) من النقض، (وأن ينقاص) من: انقاصت السن؛ إذا انشقت طولا، قال ذو الرمة:

...... منقاص ومنكثب

بالصاد غير معجمة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (انقض: إذا أسرع سقوطه)، الراغب: انقض الحائط: وقع، وأقض عليه مضجعه: صار فيه قضضٌ، أي: حجارة صغار.

قوله: (وقرئ: "أن ينقض")، قال ابن جني: وهي قراءة النبي صلى الله عليه وسلم، برفع الياء وبالضاد المعجمة. وقرأ عليُّ بن أبي طالب وعكرمة:"ينقاص" بالصاد المهملة وبالألف، هو مطاوع قصته، فانقاص، أي: كسرته فانكسر، وقد قالوا: قضته فانقاض، بالضاد المعجمة، أي: هدمته فانهدم، وقراءة العامة:(أَنْ يَنقَضَّ) أشبه أولاً منها بآخر؛ لأن الإرادة في اللفظ له.

قوله: (منقاصٌ ومنكثبُ)، أوله:

يغشى الكناس بروقيه ويهدمه

من هائل الرمل منقاض ومنكثب

الكناسُ: موضعُ الوحش من البقر والظباء يستظل به، مشتق من الكنس؛ لأنها تكنسُ

ص: 530

(فَأَقامَهُ) قيل: أقامه بيده. وقيل: مسحه بيده فقام واستوي. وقيل: أقامه بعمود عمده به. وقيل: نقضه وبناه. وقيل كان طول الجدار في السماء مائة ذراع، كانت الحال حال اضطرار وافتقار إلى المطعم، وقد لزتهما الحاجة إلى آخر كسب المرء؛ وهو المسألة، فلم يجدا مواسيا، فلما أقام الجدار لم يتمالك موسى لما رأى من الحرمان ومساس الحاجة أن (قالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً) وطلبت على عملك جعلا حتى ننتعش ونستدفع به الضرورة وقرئ:(لتخذت)، والتاء في تخذ، أصل كما في تبع، واتخذ افتعل منه، كاتبع من تبع، وليس من الأخذ في شيء.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الرمل حتى يصير إلى برد الثرى، يقال: كنست الظباء وتكنست: استترت. والروق: القرن، ومنقاض: أي منهدم، منكثب: هائل. يصف الرملة يقول: الثور يغشى الكناس بقرنيه ويهدم الكاس، ما انهال من الرمل وتناثر وتساقط قطعة قطعة.

و"منقاصٌ": يُروى بالضاد المعجمة، من: انقاض الطائر وانقض؛ إذا أسرع في سقوطه. ويروى بالصاد المهملة، من: انقاصت السن: إذا انشقت، وهو خبر مبتدأ محذوف، أي: هو منقاصٌ، وهو يعود إلى الكناس.

قوله: (وقرئ: "لتخذت"): ابن كثير وأبو عمرو: بفتح التاء المخففة، والباقون: بتشديد التاء وفتح الخاء.

قوله: (والتاء في "تخذ" أصلٌ)، ذكر في باب الواو مع الخاء في "الأساس": وخذ يخذُ وخذاً ووخذاناً. وفي باب التاء مع الخاء: اتخذته خليلاً، وهو المراد من قوله:"وليس من الأخذ في شيء"، قال أبو البقاء: وهو من "تخذ يتخذُ": إذا عمل شيئاً، وأما "اتخذ" بالتشديد

ص: 531

[(قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَاوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً)].

فإن قلت: (هذا) إشارة إلى ماذا؟ قلت: قد تصوّر فراق بينهما عند حلول ميعاده على ما قال موسى عليه السلام: (إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني)، فأشار إليه وجعله مبتدأ وأخبر عنه، كما تقول: هذا أخوك، فلا يكون «هذا» إشارة إلى غير الأخ ويجوز أن يكون إشارة إلى السؤال الثالث، أي: هذا الاعتراض سبب الفراق، والأصل: هذا فراق بيني وبينك، وقد قرأ به ابن أبى عبلة، فأضيف المصدر إلى الظرف كما يضاف إلى المفعول به.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فهو: إما افتعل من "تخذ" أو من الأخذ، وأصله: أيتخذ، فأُبدلت اياء تاء وأُدغمت، وأصلُ الياء همزة.

قوله: (هذا أخوك، فلا يكون "هذا" إشارة إلى غير الأخ)، قال ابن الحاجب في "الأمالي": المشار إليه لا يشترط أن يكون موجوداً حاضراً، بل يكفي أن يكون موجوداً ذهناً، والدلل عليه قوله تعالى:(تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ)[القصص: 83] وهي معدومة، ومن شرط وجود المشار إليه، فهو حاصل.

وقال القاضي: الإشارة بهذا إلى الفراق المعهود بقوله: (فَلا تُصَاحِبْنِي). أو إلى الوقت، أي: هذا الوقتُ وقتُ الفراق.

قوله: (أي: هذا الاعتراض سببُ الفراق)، في تخصيصه دون الأولين الإشارة إلى أن الطمع أردأ الخصال، فإنه عليه السالم مهد عُذره فيهما لما في ظاهرهما من النفرة في جهة الإتلاف والإهلاك في الظاهر، وفي هذا الإهلاك من جهة الباطن وطلبُ حظ النفس، روى

ص: 532

[(أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَاخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً)].

(لِمَساكِينَ) قيل: كانت لعشرة إخوة؛ خمسة منهم زمنى، وخمسة يعملون في البحر (وَراءَهُمْ) أمامهم، كقوله تعالى:(وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ)[المؤمنون: 100]، وقيل: خلفهم، وكان طريقهم في رجوعهم عليه، وما كان عندهم خبره، فأعلم الله به الخضر وهو «جلندى». فإن قلت: قوله: (فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها) مسبب عن خوف الغصب عليها فكان حقه أن يتأخر عن السبب، فلم قدّم عليه؟ قلت: النية به التأخير، وإنما قدم للعناية، ولأنّ خوف الغصب ليس هو السبب وحده، ولكن مع كونها للمساكين،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

القُشيري في "رسالته" عن بعضهم: لما نطق موسى عليه السلام بذكر الطمع، وقال:(لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً)، قال له الخضر:(هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ).

قوله: (فكان حقه أن يتأخر عن السبب)، أي: كان حق النظم أن يتأخر قوله: (فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا) عن قوله: (وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ)؛ لأن إرادة التعييب مسبب عن خوف الغصب.

قوله: (وإنما قُدم للعناية)، وهي أن لا يحيط به علمُ موسى عليه السلام، وأنه العالم بمثل ما خفي على مثله، لقوله:(إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْراً)، قال صاحب "المُطلع": قُدم ليشير إلى العناية، أي: تتعجب منه يا موسى، وهذا مهمي وأنا مأمورٌ به.

قوله: (ولأن خوف الغصب ليس هو السبب وحده)، قال القاضي: إن السبب لما كان مجموع الأمرين: خوف الغصب ومسكنة المُلاك، رتبه على أقوى الجزأين وأدعاهما، وعقبه بالآخر على سبيل التقييد والتتميم، وقال صاحب "الانتصاف": كأنه جعل السبب كونها

ص: 533

فكان بمنزلة قولك: زيد ظني مقيم، وقيل في قراءة أبىّ وعبد الله:(كل سفينة صالحة).

[(وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً * فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً* وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذلِكَ تَاوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً)].

وقرأ الجحدري: (فكان أبواه مؤمنان)، على أن «كان» فيه ضمير الشأن، (فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً) فخفنا أن يغشى الوالدين المؤمنين طغيانا عليهما، وكفرا لنعمتهما بعقوقه وسوء صنيعه، ويلحق بهما شرا وبلاء، أو يقرن بإيمانهما طغيانه وكفره، فيجتمع في بيت واحد مؤمنان وطاغ كافر. أو يعديهما بدائه ويضلهما بضلاله فيرتدا بسببه ويطغيا ويكفرا بعد الإيمان، وإنما خشي الخضر منه ذلك؛ لأن الله تعالى أعلمه بحاله وأطلعه على سر أمره. وأمره إياه بقتله كاخترامه لمفسدة عرفها في حياته. وفي قراءة أبىّ:(فخاف ربك)، والمعنى: فكره ربك كراهة من خاف سوء عاقبة الأمر

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

للمساكين، ثُم بيَّن مناسبة هذا السبب بذكر عادة الملك في غصب السفن الصحيحة، وهذا هو الترتيب: أن يرتب الحكم على سبب ثُم يوضح المناسبة فيما بعدُ، فلا يُحتاج إلى جعلهِ متقدماً، وقلت: هذا هو الوجه.

قوله: (زيدٌ ظني مقيمٌ)، قال المصنف: الظن يتعلق بالطرفين، بالمبتدأ والخبر جميعاً، كما أن التعليل في (فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا) متعلقٌ بالمسكنة والغصب، فوسط بينهما.

قوله: (كاخترامه)، الجوهري: اخترمهم الدهر: اقتطعهم واستاصلهم، وخو خبرٌ، والمبتدأ:"أمرُه"، هذا بناء على رعاية الأصلح، يعني جواز أمر الله تعالى الخضر بقتل الغلام لرعاية الأصلح لجواز إهلاك الله واستئصاله إياه لمفسدة عرفها الله في حياته.

ص: 534

فغيره، ويجوز أن يكون قوله:(فَخَشِينا) حكاية لقول الله تعالى، بمعنى: فكرهنا،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ويجوز أن يكون (فَخَشِينَا) حكاية لقول الله عز وجل عطفٌ على قوله: "وإنما خشي الخضر منه"، المعنى: أن الله تعالى أعلمه بحاله وأطلعه على سره وقال له: اقتل الغلام؛ لأنا نكره كراهية من خاف سوء العاقبة أن يُغشي الغلام الوالدين المؤمنين طغياناً وكفراً، ولما قال الخضر:(وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ) جعل قول الله تعالى: (فَخَشِينَا) إيماء إلى اضمحلال إرادته في إرادة الله، وإعلاماً بأن علمه مقتبسٌ من المشكاة القدسية، ولا شوب فيه لرأيه، وتحقيقاً لقوله:(وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً). روى السلمي عن الواسطي: الخضر شاهد الملك، وشاهد موسى الوسائط، كأنه أخبر الخضر أن السؤال نمه سؤال من الله، أي: لا تشهد الأسباب واشهد المسبب تسترح من هواجس النفس.

وأما على الوجه الآخر: فهو عليه السلام إنما عظم نفسه؛ لأنه اختص من عند الله بموهبة لا يختص بها إلا من هو من خواص الحضرة، قال الإمام: إنه عليه السلام لما ذكر العيب أضافه إلى نفسه، وأضاف الرحمة في قوله:(فَأَرَادَ رَبُّكَ) إلى الله تعالى، على نحو (أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ) [الفاتحة: 7]، وعند القتل عظم نفسه تنبيهاً على أنه من العظماء في علوم الحكمة.

وقلت: ويمكن أن يقال: إن في اختلاف الضمائر رمزاً إلى الترقي إلى معارج القدس، والتدرج إلى مخدع الفناء، ففي "أردتُ" إثبات، وفي (فَخَشِينَا) ثبوتٌ منه، وفي (فَأَرَادَ رَبُّكَ) فناءٌ محضٌ كقوله تعالى:(وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى)[الأنفال: 17].

ص: 535

كقوله: (لِأَهَبَ لَكِ)[مريم: 19]. وقرئ: (يبدّلهما) بالتشديد. والزكاة: الطهارة والنقاء من الذنوب، والرحم: الرحمة والعطف. وروى أنه ولدت لهما جارية تزوّجها نبي، فولدت نبيا هدى الله على يديه أمّة من الأمم، وقيل: ولدت سبعين نبيا، وقيل: أبدلهما ابنا مؤمنا مثلهما. قيل: اسما الغلامين: أصرم، وصريم. والغلام المقتول: اسمه الحسين. واختلف في الكنز، فقيل: مال مدفون من ذهب وفضة، وقيل: لوح من ذهب مكتوب فيه: عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن، وعجبت لمن يؤمن بالرزق كيف يتعب، وعجبت لمن يؤمن بالموت كيف يفرح، وعجبت لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل، وعجبت لمن يعرف الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها، لا إله إلا الله محمد رسول الله.

وقيل: صحف فيها علم، والظاهر لإطلاقه: أنه مال. وعن قتادة: أحل الكنز لمن قبلنا وحرّم علينا، وحرّمت الغنيمة عليهم وأحلت لنا: أراد قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ)[التوبة: 34]، (وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً) اعتداد بصلاح أبيهما وحفظ لحقه فيهما. وعن جعفر بن محمد الصادق: كان بين الغلامين وبين الأب الذي حفظا فيه سبعة آباء. وعن الحسين بن على رضي الله تعالى

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (كقوله: (لأَهَبَ لَكِ)[مريم: 19]، أي: كقول جبريل عليه السلام لمريم: (لأَهَبَ لَكِ)، والواهب هو الله تعالى، لكنه مبلغٌ لكلام الله إليها.

قوله: (وقرئ: "يبدلهما"، بالتشديد): نافع وأبو عمرو، والباقون: بالتخفيف.

قوله: (الذي حُفظاً فيه)، أي: رُوعي جانبهما لأجله وكرامته. المُغرب: الحفظ: خلافُ

ص: 536

عنهما أنه قال لبعض الخوارج في كلام جرى بينهما: بم حفظ الله الغلامين؟ قال: بصلاح أبيهما، قال: فأبى وجدي خير منه، فقال: قد أنبأنا الله أنكم قوم خصمون. (رَحْمَةً) مفعول له، أو مصدر منصوب بـ (أراد ربك)، لأنه في معنى: رحمهما، (وَما فَعَلْتُهُ) وما فعلت ما رأيت (عَنْ أَمْرِي) عن اجتهادي ورأيي، وإنما فعلته بأمر الله.

[(وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً* إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً* فَأَتْبَعَ سَبَباً* حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْماً قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً* قالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً* وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً)].

ذو القرنين: هو الإسكندر الذي ملك الدنيا. قيل: ملكها مؤمنان: ذو القرنين،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

النسيان، وقد يُجعلُ عبارة عن الصون وترك الابتذال.

قوله: ((عَنْ أَمْرِي): عن اجتهادي ورأيي، وإنما فعلته بأمر الله)، الأمر الأول: واحد الأمور، والثاني: واحد الأوامر. قال القاضي: ومبنى ذلك على أنه متى تعارض ضرران يجب أن يُحمل أهونهما لدفع أعظمهما، وهو أصلٌ ممهدٌ، غير أن الشرائع في تفاصيله مختلفة.

ومن فوائد هذه القصة: أن لا يُعجب المرء بعلمه، ولا يبادر إلى إنكار ما لا يستحسنه، فلعل فيه سراً لا يعرفه، وأن يداوم على التعلم، ويتذلل للمعلم، ويراعي الأدب في المقال، وأن ينبه المجرم، ويعفو عنه حتى يتحقق إصراره، ثم يهاجر عنه.

قوله: (ذو القرنين هو الإسكندر)، قد مر عن الإمام أن في جعل إسكندر ذا القرنين إشكالاً قوياً، وهو أنه كان تلميذاً لأرسطاطاليس، فكان على مذهبه، فتعظيم الله إياه يوجب الحكم بأن مذهب أرسطاطاليس حقٌّ، وذلك مما لا سبيل إليه.

ص: 537

وسليمان. وكافران: نمروذ، وبختنصر، وكان بعد نمروذ. واختلف فيه فقيل: كان عبدا صالحا ملكه الله الأرض، وأعطاه العلم والحكمة، وألبسه الهيبة، وسخر له النور والظلمة، فإذا سرى يهديه النور من أمامه وتحوطه الظلمة من ورائه، وقيل: نبيا، وقيل: ملكا من الملائكة. وعن عمر رضي الله عنه أنه سمع رجلا يقول: يا ذا القرنين، فقال: اللهم غفرا، ما رضيتم أن تتسموا بأسماء الأنبياء حتى تسميتم بأسماء الملائكة، وعن علىّ رضي الله عنه، سخر له السحاب، ومدّت له الأسباب، وبسط له النور، وسئل عنه فقال: أحب الله فأحبه. وسأله ابن الكوّاء: ما ذو القرنين، أملك أم نبىّ؟ فقال: ليس بملك ولا نبي، ولكن كان عبدا صالحا، ضرب على قرنه الأيمن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (اللهم غفراً)، أي: اغفر لهم غفراً.

قوله: (ومُدت له الأسباب)، أي: أمكنه الله من كل شيء وأقدره.

قوله: (فأحبه)، أي: مكنه الله من كل شيء وأقدره.

قوله: (ابن الكواء) قال الفقيه أبو حنيفة الدينوري في "تاريخه": هو: عبد الله بن الكواء من كبراء الخوارج، اختاروه ليحاج علي بن أبي طالب رضيا لله عنه في أمر الحكمين، وجرت بينهما مجادلات حتى قال ابن الكواء في آخر كلامه: أنت صادقٌ في جميع ما تقول، غير انك كفرت حين حكمت الحكمين، فقاتلهم عليٌّ رضي الله عنه، وكان عليهم عبد الله بن وهب الراسبي.

ص: 538

في طاعة الله فمات، ثم بعثه الله فضرب على قرنه الأيسر فمات، فبعثه الله فسمى (ذو القرنين) وفيكم مثله. قيل: كان يدعوهم إلى التوحيد فيقتلونه فيحييه الله تعالى. وعن النبي صلى الله عليه وسلم: (سمى ذا القرنين؛ لأنه طاف قرني الدنيا)، يعنى: جانبيها شرقها وغربها.

وقيل: كان له قرنان، أي ضفيرتان. وقيل: انقرض في وقته قرنان من الناس. وعن وهب: لأنه ملك الروم وفارس. وروى: الروم والترك. وعنه كانت صفحتا رأسه من نحاس. وقيل كان لتاجه قرنان. وقيل: كان على رأسه ما يشبه القرنين. ويجوز أن يلقب بذلك لشجاعته كما يسمى الشجاع كبشا؛ لأنه ينطح أقرانه، وكان من الروم، ولد عجوز ليس لها ولد غيره. والسائلون: هم اليهود سألوه على جهة الامتحان. وقيل: سأله أبو جهل وأشياعه، والخطاب في (عَلَيْكُمْ) لأحد الفريقين (مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) أي: من أسباب كل شيء، أراده من أغراضه ومقاصده في ملكه (سَبَباً) طريقا موصلا إليه، والسبب ما يتوصل به إلى المقصود من علم أو قدرة أو آلة، فأراد بلوغ المغرب (فَأَتْبَعَ سَبَباً) يوصله إليه حتى بلغ، وكذلك أراد المشرق، فأتبع سببا، وأراد بلوغ السدّين فاتبع سببا. وقرئ:(فأتبع) وقرئ: (حمئة)، من حمئت البئر؛ إذا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وفيكم مثله)، يعني به: نفسه، أي: لم يكن نبياً، بل كان ولياً.

قوله: (كما يُسمى الشجاع كبشاً)، الأساس: ومن المجاز: هو كبش كتيبة.

قوله: (وقرئ (فَاتَّبَعَ))، الكوفيون وابن عامرٍ:(فَاتَّبَعَ) في الثلاثة، بقطع الهمزة مخففة التاء، والباقون: بالوصل مشددة التاء.

قوله: (قرئ: (حَمِئَةٍ))، ابن عامرٍ وأبو بكر وحمزة والكسائي:"حاميةٍ" بألفٍ من غير همزة، والباقون: بغير ألف مع الهمز.

ص: 539

صار فيها الحمأة، و (حامية) بمعنى: حارّة. وعن أبى ذرّ: كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجمل، فرأى الشمس حين غابت، فقال:(يا أبا ذرّ، أتدري أين تغرب هذه؟ " فقلت: الله ورسوله أعلم. قال: "فإنها تغرب في عين حامية). وهي قراءة ابن مسعود وطلحة وابن عمر وابن عمرو والحسن. وقرأ ابن عباس: حمئة. وكان ابن عباس عند معاوية؛ فقرأ معاوية: (حامية)، فقال ابن عباس:(حمئة). فقال معاوية لعبد الله بن عمرو: كيف تقرأ؟ قال: كما يقرأ أمير المؤمنين ثم وجه إلى كعب الأحبار: كيف تجد الشمس تغرب؟ قال: في ماء وطين، كذلك نجده في التوراة. وروى: في ثأط، فوافق قول ابن عباس، وكان ثمة رجل فأنشد قول تبع:

فرأى مغيب الشّمس عند مآبها

في عين ذي خلب وثأط حرمد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وعن أبي ذرٍّ)، الحديث، رواه أحمد بن حنبل في "مسنده"، وأبو داود في "سننه".

قوله: (فرأى مغيب الشمس) البيت، أوله من "المُطلع":

قد كان ذو القرنين عمي مُسلماً

ملكاً تدين له الملوك وتسجد

بلغ المشارق والمغارب يبتغي

أسباب أمر من حكيم يرشد

الضمير: في "بلغ" لذي القرنين، مآبها، أي: مغيبها، والخلب: الطين الحمأة، والثأط: الحمأة، واحدها: ثأطة، وفي المثل:"ثأطةٌ مُدت بماء"، يُضرب للرجل يشتد حمقه، فإن الماء إذا زيد على الحمأة ازدادت فساداً، والحرمد: الأسودُ، ذكره في "النهاية"، وقال فيها:

ص: 540

أي: في عين ماء ذي طين وحمأ أسود، ولا تنافى بين الحمئة والحامية، فجائز أن تكون العين جامعة للوصفين جميعاً.

كانوا كفرة فخيره الله بين أن يعذبهم بالقتل وأن يدعوهم إلى الإسلام، فاختار الدعوة والاجتهاد في استمالتهم، فقال: أمّا من دعوته فأبى إلا البقاء على الظلم العظيم الذي هو الشرك: فذلك هو المعذب في الدارين (وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ) ما يقتضيه الإيمان (فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى) وقيل: خيره بين القتل والأسر، وسماه إحسانا في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أنشد ابن عباس هذا البيت وقد حاجه عمر في قوله تعالى: (تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ).

قوله: (وقيل: خيره بين القتل والأسر): عطفٌ على قوله: "فخيره الله بين أن يعذبهم بالقتل وأن يدعوهم إلى الإسلام" المعنى بقوله: (أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً)، وهو على الأول ظاهرٌ، فأما الأسرُ فليس فيه إحسانٌ، حتى يُقال:(أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً)؛ ولهذا قال: "وسماه إحساناً في مقابلة القتل"؛ لأن من استحق القتل فإذا صُولح معه بالأسر فقد عُوملَ معهُ بالإحسان. قال القاضي: ويؤيدُ الأول قوله: (قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُكْراً) أي: اختار ذو القرنين الدعوة؛ ولذلك قال: (أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ) أي: أما من دعوته فظلم نفسه بالإصرار على كفره وشركه؛ لأن الشرك ظُلم، فأعذبه أنا ومن معي بالقتل في الدنيا، ثم يعذبه الله في الآخرة عذاباً لم يُعهد مثله.

وقلتُ: أما على الوجه الثاني فإنه تعالى لما خيره بين القتل والأسر، وكان حقه أن يقول لهم: اختاروا إما القتل وإما الأسر، فترك ذلك إلى الدعوة، وقال:(أَمَّا مَنْ ظَلَمَ)، (وَأَمَّا مَنْ آمَنَ)، فآثر حق الله على حق نفسه، وقال من ظلم، أي: بقي على شركه، فالقتل والأسر مني (ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُكْراً)، ومن آمن وعمل صالحاً فجزاؤه عند الله الجنة، وعندي القول الميسور، فقدم في جانب العذاب ما كان منه على ما هو من الله، وعكس في جانب الرحمة.

ص: 541

مقابلة القتل (فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى) فله أن يجازى المثوبة الحسنى، أو: فله جزاء الفعلة الحسنى التي هي كلمة الشهادة. وقرئ: (فله جزاء الحسنى) أي: فله الفعلة الحسنى جزاء. وعن قتادة: كان يطبخ من كفر في القدور، وهو العذاب النكر. ومن آمن أعطاه وكساه (مِنْ أَمْرِنا يُسْراً) أي: لا نأمره بالصعب الشاق، ولكن بالسهل المتيسر من الزكاة والخراج وغير ذلك، وتقديره: ذا يسر، كقوله:(قَوْلًا مَيْسُوراً)[الإسراء: 28] وقرئ: (يسرا)، بضمتين.

[(ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً* حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً* كَذلِكَ وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْراً)].

وقرئ: (مطلع) بفتح اللام وهو مصدر. والمعنى: بلغ مكان مطلع الشمس، كقوله:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وقرئ: (فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى)، أي: فله الفعلة الحسنى جزاء)، حفصٌ وحمزة والكسائي:(فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى)، بالتنوين ونصبه. والباقون: بالرفع من غير تنوين. قال مكي: من رفع "جزاء" جعله: مبتدا، و (فَلَهُ): الخبر، أي: فله جزاءُ خلال الحُسنى، فـ (الْحُسْنَى): مضافٌ إليه، وقيل: هي على تقدير الرفع على البدل من "جزاء"، وحذف التنوين لالتقاء الساكنين، والحسنى: الجنةن ومن نصب ونونه، جعل (الْحُسْنَى): مبتدأ، و"لهُ": الخبرُ، و (جَزَاءُ): نُصب على الحال، أي: فله الجنة مجزياً بها، وقيل: جزاء: نُصب على التمييز. وقيل: على المصدر، أي: يجزى بها جزاء، ومن نصب ولم ينونه، حذف التنوين لالتقاء الساكنين، والحسنى رُفع تقديراً، وفيه بُعدٌ.

قوله: ("مَطلَعَ"، بفتح اللام، وهو مصدرٌ) وفي "الكواشي": (مَطْلِعَ) بالكسر:

ص: 542

كأنّ مجرّ الرّامسات ذيولها

يريد: كأن آثار مجرّ الرامسات (عَلى قَوْمٍ) قيل: هم الزنج. والستر: الأبنية، وعن كعب: أرضهم لا تمسك الأبنية وبها أسراب، فإذا طلعت الشمس دخلوها. فإذا ارتفع النهار خرجوا إلى معايشهم. وعن بعضهم: خرجت حتى جاوزت الصين، فسألت عن هؤلاء فقيل: بينك وبينهم مسيرة يوم وليلة، فبلغتهم فإذا أحدهم يفرش

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هي المشهورة، وهي اسمٌ لوقت الطلوع او لموضع الطلوع، وبالفتح: مصدرٌ، أي: مكان الطلوع، وهي شاذة.

قوله: (كأن مجر الرامسات ذيولها). تمامه:

عليه قضيم نمقته الصوانع

قال في "المطلع": يريد كأن أثر مجر الرامسات، أي: جرهن، والرامساتُ: المثيرات للرمس، وهو الترابُ، الريا الروامس: التي تُثيرُ التراب وتدفن الآثار، ورمست الرجل وأرمسه: دفنته، والقضيم: الجلد الأبيض، ونمقت الكتاب: إذا حسنته وجودته، ولابد من تقديرالمضاف ليحسن تشبيهه بالقضيم، وذيولها: مفعول مجر، أي: جرهن ذيولها. وقضيم: خبرُ "كأن"، وهو المشبه به، أي: كأن آثار مجر ذيولها جلدٌ نمقه الكاتب، ولابد من عامل في الذيول، واسم المكان لا يعمل.

قوله: (والستر: الأبنية)، وفي "إيجاز البيان": المرادُ دوام طلوعها عليهم في الصيف، وإلا فالحيوان يختارُ الكِنَّ حتى الإنسانُ، وهذا المكان وراء برزة من تلقاء بُلغار، تدور فيه الشمس بالصيف ظاهرة فوق الأرض، إلا أنها لا تُسامت رؤوسهم.

ص: 543

أذنه ويلبس الأخرى، ومعى صاحب يعرف لسانهم، فقالوا له: جئتنا تنظر كيف تطلع الشمس؟ قال: فبينا نحن كذلك إذ سمعنا كهيئة الصلصلة فغشي علىّ، ثم أفقت وهم يمسحونني بالدهن، فلما طلعت الشمس على الماء إذا هي فوق الماء كهيئة الزيت، فأدخلونا سربا لهم، فلما ارتفع النهار خرجوا إلى البحر فجعلوا يصطادون السمك ويطرحونه في الشمس فينضج لهم. وقيل: الستر اللباس. وعن مجاهد: من لا يلبس الثياب من السودان عند مطلع الشمس أكثر من جميع أهل الأرض.

(كَذلِكَ) أي: أمر ذي القرنين كذلك، أي كما وصفناه تعظيما لأمره (وَقَدْ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: ((كَذَلِكَ)، أي: أمر ذي القرنين كذلك)، اعلم أن "كذلك" إما: خبرُ مبتدأ محذوف، أو: صفة لموصوف مذكور، أو: صفة مصدر محذوف، فعلى الأول المشار إليه بذلك جميعُ ما سبق من أمر ذي القرنين، وفيه تفخيم للفذلكة بعد التفصيل؛ ولهذا قال:"تعظيماً لأمره"، وقوله:(وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْراً)، الجملة تكميلٌ؛ لأنه أردف التعظيم التكثير، كأنه قيل: أمرُ ذي القرنين كما وصفنا، وله أسبابٌ عدة غير ما ذُكر، لا يحيط بها علمُ أحد غير الله تعالى لقوله تعالى:(وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ) بالمدثر: 31]، (وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً) [الجن: 28].

وعلى الثاني: إما هو صفة لقوله: (سِتْراً)، وإليه الإشارة بقوله:"ستراً مثل ذلك الستر"، وليس بذلك؛ لأن قوله:(وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْراً) لا يحسن التئامه على هذا؛ أو صفة لـ "قوم"، والمشار إليه بذلك أحوال القوم المار ذكرهم عند قوله:(وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْماً قُلْنَا) إلى آخره، ويحسن التئام قوله:(وَقَدْ أَحَطْنَا)، أي: أحطنا بما لديه خبراً من التخبير والاختيار والدعوة والإحسان.

وعلى الثالث: المشار إليه ما سبق من البلوغ في قوله: (حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ)، وإليه الإشارة بقوله:(بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ)، كما بلغ مغربها، ومعنى (وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ) على هذين التفسيرين: تتميم ومبالغة.

ص: 544

أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ) من الجنود والآلات وأسباب الملك (خُبْراً) تكثيرا لذلك. وقيل: لم نجعل لهم من دونها سترا مثل ذلك الستر الذي جعلنا لكم من الجبال والحصون والأبنية والأكنان من كل جنس، والثياب من

كل صنف. وقيل: بلغ مطلع الشمس مثل ذلك، أي: كما بلغ مغربها. وقيل: تطلع على قوم مثل ذلك القبيل الذي تغرب عليهم، يعنى أنهم كفرة مثلهم، وحكمهم مثل حكمهم في تعذيبه لمن بقي منهم على الكفر، وإحسانه إلى من آمن منهم.

[(ثمَّ أَتْبَعَ سَبَباً* حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً)].

(بَيْنَ السَّدَّيْنِ) بين الجبلين، وهما جبلان سدّ ذو القرنين ما بينهما. قرئ: بالضم والفتح. وقيل: ما كان من خلق الله تعالى فهو مضموم، وما كان من عمل العباد فهو مفتوح؛ لأنّ السد بالضم: فعل بمعنى: مفعول، أي: هو مما فعله الله تعالى وخلقه. والسدّ بالفتح: مصدر حدث يحدثه الناس. وانتصب (بَيْنَ) على أنه مفعول به مبلوغ، كما انجرّ على الإضافة في قوله:(هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ)[الكهف: 78] وكما ارتفع في قوله: (لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ)[الأنعام: 94] لأنه من الظروف التي تستعمل

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (قرئ بالضم والفتح)، نافعٌ وابن عامرٍ وأبو بكر: بضم السين، والباقون: بفتحها.

قوله: (لأن "السد" بالضم: فُعلٌ)، قال صاحب "التقريب": ولا يخفى ضعفُ هذا التوجيه، قال محيي السنة: هذا قولُ عكرمة، وقاله أبو عمرو، وقيل: هما لغتان، وقيل: بالضم: اسم وبالفتح: مصدرٌ.

ص: 545

أسماء وظروفاً، وهذا المكان في منقطع أرض الترك مما يلي المشرق (مِنْ دُونِهِما قَوْماً) هم الترك (لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا) لا يكادون يفهمونه إلا بجهد ومشقة من إشارة ونحوها كما يفهم إليكم، وقرئ:(يفقهون)، أي: لا يفهمون السامع كلامهم ولا يبينونه، لأنّ لغتهم غريبة مجهولة.

[(قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَاجُوجَ وَمَاجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا)].

(يَاجُوجَ وَمَاجُوجَ) اسمان أعجميان بدليل منع الصرف، وقرئا مهموزين. وقرأ رؤبة:(آجوج ومأجوج)، وهما من ولد يافث. وقيل: يأجوج من الترك، ومأجوج من الجيل والديلم (1). (مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ) قيل: كانوا يأكلون الناس، وقيل: كانوا يخرجون أيام الربيع فلا يتركون شيئا أخضر إلا أكلوه، ولا يابسا إلا احتملوه،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وقرئ: "يُفقهون")، حمزة والكسائي: بضم الياء وكسر القاف، والباقون: بفتحهما.

قوله: (وقرئا مهموزين): عاصمٌ، والباقون: بغير همز، نقل صاحب "المطلع" عن الأنباري، قال: وجه همزه- وإن لم يُعرف له أصل-: أن العرب قد همزت ما لا أصل للهمز فيه، نحو: لبأت بالحج، ورثأت الميت. وإذا فعلوا هذا في لغتهم لا يردهم ذلك في الألفاظ الأعجمية، وأما رؤبة فقلب الياء همزة كأثربي في يثربي.

ص: 546

وكانوا يلقون منهم قتلا وأذى شديدا. وعن النبي صلى الله عليه وسلم في صفتهم: (لا يموت أحد منهم حتى ينظر إلى ألف ذكر من صلبه، كلهم قد حمل السلاح). وقيل: هم على صنفين: طوال مفرطو والطول، وقصار مفرطو القصر. وقرئ:(خرجا) و (خراجا)،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (قرئ: (خْرِجَا) و"خراجا")، حمزة والكسائي:"خراجاً"، والباقون:(خْرِجَا).

الراغب: قيل لما يخرج من الأرض ومن وكر الحيوان ونحو ذلك: خرجٌ وخراجٌ، قال تعالى:(أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ)[المؤمنون: 72]. فإضافته إلى الله تعالى تنبيه أنه هو الذي الزمه وأوجبه، والخرج أعم من الخراج، وجُعل الخرج بإزاء الدخل، قال تعالى:(فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً)[الكهف: 94]، والخراجُ مختصٌّ - في الغالب - بالضريبة على الأرض. وقيل: العبد يؤدي خرجه، أي: غلته، والرعية تؤدي إلى الأمير الخراج، وقيل:"الخراج بالضمان"، أي: ما يخرج من مال البائع فهو بإزاء ما سقط عنه من ضمان المبيع، والخارجي: الذي يخرج بذاته من أحوال اقرانه، ويقال على سبيل المدح إذا خرج إلى منزلة من هو أعلى منه، وتارة يقالُ على سبيل الذم إذا خرج على منزلة من هو أدنى منه، وعلى هذا يقال: فلانٌ ليس بإنسان، مدحاً وذماً، والخرج: لونان من سواد وبياض، يقال: ظليم أخرجُ، ونعامةٌ رجاء، وأرضٌ مخرجةٌ: ذات لونين، لكون النبات فيها في مكان دون مكان.

وقال القاضي: كلاهما واحد، كالنول والنوال، وقيل: الخراج: على الأرض والذمة، والخرج: المصدر.

ص: 547

أي: جعلا نخرجه من أموالنا، ونظيرهما: النول والنوال. وقرئ: (سدا) و (سدا) بالفتح والضم.

[(قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً* آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذا جَعَلَهُ ناراً قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً * فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً)].

(ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ) ما جعلني فيه مكينا من كثرة المال واليسار، خير مما تبذلون لي من الخراج، فلا حاجة بي إليه، كما قال سليمان صلوات الله عليه:(فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ) بالنمل: 36]، قرئ بالإدغام وبفكه. (فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ) بفعلة، وصناع يحسنون البناء والعمل، وبالآلات (رَدْماً) حاجزا حصينا موثقا، والردم أكبر من السدّ، من قولهم: ثوب مردم، رقاع فوق رقاع. قيل: حفر الأساس حتى بلغ الماء، وجعل الأساس من الصخر والنحاس المذاب والبنيان من زبر الحديد،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقوله: (آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ) لا ينافي رد الخراج والاتقصار على المعونة، كأن الإيتاء بمعنى المناولة، يدل عليه قراءة أبي بكر:"إيتوني" بمعنى: جيئوني.

قوله: (قرئ بالإدغام وبفكه): ابن كثير: بالفك، والباقون: بالإدغام. قال صاحب "المُطلع": من فك لأن النونين اجتمعتا في كلمتين، الثانية غير لازمة، يقال: مكنه ومكنته، فلم يُدغم، ومن أدغمَ فلاجتماع المثلين.

ص: 548

بينهما الحطب والفحم حتى سد ما بين الجبلين إلى أعلاهما، ثم وضع المنافيخ حتى إذا صارت كالنار، صب النحاس المذاب على الحديد المحمى فاختلط والتصق بعضه ببعض وصار جبلا صلدا. وقيل: بعد ما بين السدين مائة فرسخ. وقرئ: (سوّى)، و (سووي). وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنّ رجلا أخبره به فقال: (كيف رأيته؟ ) قال كالبرد المحبر؛ طريقة سوداء وطريقة حمراء. قال: «قد رأيته» والصدفان بفتحتين: جانبا الجبلين، لأنهما يتصادفان، أي: يتقابلان، وقرئ:(الصدفين) بضمتين، و (الصدفين) بضمة وسكون، (الصدفين) بفتحة وضمة. والقطر، النحاس المذاب؛ لأنه يقطر (قِطْراً) منصوب بـ (أفرغ)، وتقديره: آتوني قطرا أفرغ عليه قطرا، فحذف الأول

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (كالبرد المحبر)، النهاية: الحبير من البرود: ما كان موشياً مخططاً، وهو بردُ يمان.

قوله: (وقرئ: "الصدفين" بضمتين"): ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر، وأبو بكر: بضم الصاد وإسكان الدال، والباقون: بفتحتين، وبضم الدال: شاذ. قال القاضي: كلها لغاتٌ من الصدف، وهو الميل؛ لأن كلا منهما منعزلٌ عن الآخر، ومنه التصادف: التقابل.

قله: (و (قَطِرَاً): منصوب بـ (أُفْرِغْ))، فأعمل الثاني على مذهب البصريين؛ لأنه لو أعمل الأول لقيل: آتوني أفرغه، غذ المختارُ أن لا يحذف الضمير المفعول في الثاني؛ لأنهُ

ص: 549

لدلالة الثاني عليه. وقرئ: (قال ائتوني)، أي: جيئوني، (فَمَا اسْطاعُوا) بحذف التاء للخفة؛ لأنّ التاء قريبة المخرج من الطاء. وقرئ:(فما اصطاعوا)، بقلب السين صادا. وأما من قرأ بإدغام التاء في الطاء، فملاق بين ساكنين على غير الحدّ (أَنْ يَظْهَرُوهُ) أي: يعلوه، أي: لا حيلة لهم فيه من صعود لارتفاعه وانملاسه، ولا نقب لصلابته وثخانته.

[(قالَ هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا)].

(هذا) إشارة إلى السد، أي: هذا السد نعمة من الله و (رَحْمَةٌ) على عباده، أو هذا الإقدار والتمكين من تسويته (فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي) يعنى: فإذا دنا مجيء يوم القيامة وشارف أن يأتي جعل السد (دَكَّاءَ) أي: مدكوكا مبسوطا مسوّي بالأرض، وكل ما انبسط من بعد ارتفاع فقد اندك. ومنه: الجمل الأدك: المنبسط السنام. وقرئ: (دكاء) بالمد؛

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يؤدي إلى اللبس، فالهاء عائدةٌ إلى (قِطْراً) وهو المفعول الثاني، وإن جاز حذفه لكن لا يليق بفصاحة القرآن تركُ الاختيار.

قوله: (وقرئ: "قال ائتوني"، أي: جيئوني)، أبو بكر وحمزة: بهمزة ساكنة بعد اللام من باب المجيء، وإذا ابتدأ كسراص همزة الوصل، وابدلا الهمزة الساكنة ياءً، والباقون: بقطع الألف ومدةٍ بعدها في الحالين.

قوله: (وأما من قرأ بإدغام التاء)، قرأ حمزة:"فما اسطاعوا" بتشديد الطاء، والباقون: بتخفيفها.

قوله: (وقرئ: (دَكَّاءَ) بالمد)، الكوفيون: بالمد والهمز من غير تنوين، والباقون: بالتنوين من غير همز.

ص: 550

أي أرضاً مستوية، وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا) آخر حكاية قول ذي القرنين.

[(وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً)].

(وَتَرَكْنا) وجعلنا (بَعْضَهُمْ) بعض الخلق (يَمُوجُ فِي بَعْضٍ) أي: يضطربون ويختلطون، إنسهم وجنهم حيارى، ويجوز أن يكون الضمير ليأجوج ومأجوج، وأنهم يموجون حين يخرجون مما وراء السد مزدحمين في البلاد، وروى: يأتون البحر فيشربون ماءه ويأكلون دوابه، ثم يأكلون الشجر، ومن ظفروا به ممن لم يتحصن منهم من الناس، ولا يقدرون أن يأتوا مكة والمدينة وبيت المقدس، ثم يبعث الله نغفاً في أقفائهم فيدخل في آذانهم فيموتون.

[(وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضاً* الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً)].

(وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ) وبرّزناها لهم فرأوها وشاهدوها (عَنْ ذِكْرِي) عن آياتي التي ينظر إليها فأذكر بالتعظيم، أو عن القرآن وتأمل معانيه وتبصرها، ونحوه (صُمٌّ بُكْمٌ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (نغفاً في أقفائهم)، النهاية: النغفُ، بالتحريك: دودٌ يكون في أنوف الإبل والغنم، واحدتها: نغفةٌ.

قوله: (عن آياتي التي يثنظر إليها، فأذكرُ بالتعظيم)، يعني: الذكرُ لا يقال فيه: أعينهم في غطاءٍ عنه، بل في آذانهم وقرٌ، لكن النظر على الآيات الدالة على القدرة الباهرة سببٌ لذكر الله عند مشاهدتها، كما يقال:(رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ)[آل عمران: 191]،

ص: 551

عُمْيٌ) [البقرة: 18]، (وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً) يعنى: وكانوا صما عنه، إلا أنه أبلغ؛ لأنّ الأصم قد يستطيع السمع إذا صيح به، وهؤلاء كأنهم أصميت أسماعهم فلا استطاعة بهم للسمع.

[(أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلاً)].

(عِبادِي مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ) هم الملائكة، يعنى: أنهم لا يكونون لهم أولياء، كما حكي عنهم:(سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ)[سبأ: 41]، وقرأ ابن مسعود:(أفظن الذين كفروا)، وقراءة على رضي الله عنه:(أفحسب الذين كفروا) أي: أفكافيهم ومحسبهم أن يتخذوهم أولياء، على الابتداء والخبر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فأُطلق المسبب وأريد السبب، وكذلك الباصرة لا تُستعمل في الذكر إذا أريد به القرآن، بل تستعمل فيه البصيرة؛ ولذلك قال:"وتأمل معانيه وتبصرها"، فقوله:(بُكْم) مناسبٌ للتفسير الأول، و (عُمْيٌ) للثاني.

قوله: (كما حكى عنهم: (سُبْحَانَكَ)[سبأ: 41])، وجه المشابهة بين الآيتين هو أن قوله:(أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ) إنكارٌ لحسبانهم فيما عبدوا الملائكة، جعلوها شفعاء لأنفسهم، وأنهم يوالونهم عند الحقيقة، وأن هذا الإنكار واقعٌ عند الحشر، لقوله تعالى:(وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعاً (99) وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضاً) إلى قوله: (أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا)، كما أن قوله:(سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ)[سبأ: 41] تخييبٌ من الملائكة فيما زعم الكفارُ أنهم ينصرونهم ويشفعون لهم بعد الحشر، لقوله تعالى:(وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ)[سبأ: 40].

ص: 552

أو على الفعل والفاعل، لأنّ اسم الفاعل إذا اعتمد على الهمزة ساوى الفعل في العمل، كقولك: أقائم الزيدان، والمعنى: أنّ ذلك لا يكفيهم ولا ينفعهم عند الله كما حسبوا. وهي قراءة محكمة جيدة. النزل: ما يقام للنزيل؛ وهو الضيف، ونحوه (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ) [آل عمران: 21].

[(قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالاً* الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً* أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً* ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُواً)].

(ضَلَّ سَعْيُهُمْ) ضاع؛ وبطل وهم الرهبان. عن على رضي الله عنه، كقوله:(عامِلَةٌ ناصِبَةٌ)[الغاشية: 3]، وعن مجاهد: أهل الكتاب، وعن علي رضي الله عنه: أنّ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (أو على الفعل والفاعل)، يعني: تحتمل قراءة علي رضي الله عنه أن تُحمل على الابتداء والخبر، بأن يقال: إن حسبُ: مبتدأٌ مضافٌ إلى الذين كفروا، و (أَنْ يَتَّخِذُوا): الخبرُ، وكذا أيضاً عن أبي البقاء، أو على الفعل والفاعل، بأن يُقال: إن "حسبُ" بمعنى "المحسب"، واسم الفاعل إذا اعتمد على الهمزة يعمل، والفاعل (أَنْ يَتَّخِذُوا).

قوله: (أقائمٌ الزيدان؟ )، إنما مثل به دون:"أقائم زيدٌ"، لأنه أراد أن يُمثل بما يتعين فيه عمل اسم الفاعل في الظاهر.

قوله: (وهي قراءة محكمة جيدة)، قال ابن جني: القراءة ساكنة السين غاية في الذم لهم وذلك؛ لأنه جعله غاية مرادهم ومجموع مطلبهم.

قوله: (كقوله: (عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ)[الغاشية: 3])، أي: عملت ونصبت في أعمال لا تثجدي عليها في الآخرة.

ص: 553

ابن الكوّاء سأله عنهم؟ فقال: منهم أهل حروراء. وعن أبى سعيد الخدري: يأتي ناس بأعمال يوم القيامة هي عندهم في العظم كجبال تهامة، فإذا وزنوها لم تزن شيئا، (فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً) فنزدري بهم ولا يكون لهم عندنا وزن ومقدار. وقيل: لا يقام لهم ميزان؛ لأنّ الميزان إنما يوضع لأهل الحسنات والسيئات من الموحدين. وقرئ: (فلا يقيم) بالياء. فإن قلت: الذين ضل سعيهم في أي محل هو؟ قلت:

الأوجه أن يكون في محل الرفع، على: هم الذين ضل سعيهم؛ لأنه جواب عن السؤال، ويجوز أن يكون نصبا على الذم، أو جرّا على البدل (جَهَنَّمُ) عطف بيان لقوله (جَزاؤُهُمْ).

[(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً* خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلاً)].

الحول: التحوّل. يقال: حال من مكانه حولا، كقولك: عادني حبها عودا، يعني:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (أهل حروراء): قرية بالكوفة، والحرورية: فرقةٌ منالخوارج منسوبة إليها.

قوله: ((جَهَنَّمَ) عطفُ بيان لقوله: (جَزَاؤُهُمْ)) فـ (ذَلِكَ) مبتدأ، و (جَزَاؤُهُمْ): الخبر، والمشار إليه بقوله:(ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ)، كما تقول: هذا زيدٌ، وتحقيقه ما سبق في قوله:(هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ)، وفيه بحث؛ لأنه لا يحسنُ أن يقال: ذلك جهنمُ. قال أبو البقاء: (ذَلِكَ)، أي: الأمر ذلك، وما بعدهُ مبتدأ وخبر، وهذا جيدٌ.

قوله: (عادني حبها عوداً)، النهاية: وفي حديث فاطمة بنت قيس "فإها امرأة يكثرُ عُوادُها"، أي: زُوارُها، وكل من أتاك مرةً بعد أخرى، فهو عائدٌ، وإن اشتهر ذلك في عبادة المريض حتى كأنه مختصٌّ به.

ص: 554

لا مزيد عليها حتى تنازعهم أنفسهم إلى أجمع لأغراضهم وأمانيهم، وهذه غاية الوصف؛ لأن الإنسان في الدنيا في أي نعيم كان فهو طامح الطرف إلى أرفع منه، ويجوز أن يراد نفى التحوّل وتأكيد الخلود.

[(قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً)].

المداد: اسم ما تمد به الدواة من الحبر وما يمد به السراج من السليط. ويقال: السماء مداد الأرض. والمعنى: لو كتبت كلمات علم الله وحكمته وكان البحر مدادا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (لو كُتِبَ) يعني: لو فُرضَ كتبتُها كما تُفرضُ المحالاتُ لابد لهذا المفروض من النفاد، مع هذا ينفدُ حبسُ البحر قبل نفادها.

قوله: (كلماتُ علم الله وحكمته) يُشعرُ بأن الكلمات في قوله تعالى: (وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ)[الكهف: 27] أخصُّ منها؛ لأن المراد بها كلمات ما أوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو القرآن المجيد، ومن اطلع على أسرار النظم، عرف موجب ذلك. والإضافة في قول المصنف:"كلمات علم الله تعالى"، تؤذن بأنها غير متناهية، ولفظة (قبلَ) توهم أن لها أيضاً نفاداً.

قال الإمام: تمسكت المعتزلة بها، أن كلام الله محدث، بأن ما ثبت عدمه امتنع قدمه. وأجاب: أن ذلك راجعٌ إلى الألفاظ والحروف، والجواب غير مُرضي؛ لأن التمثيل بالبحر يأباه، ولأن هذه الآية مما ساتدلوا بها على قدمها، فكيف يلتزم حدوثها؟ ألا ترى كيف استشهد بها صاحب "شرح السُّنة" في باب الرد على من قال بخلق القرآن، ووجهه أنها واردةٌ على التنزلات الربانية، حيث نزل غير المتناهي منزلة المتناهي فرضاً وتقديراً، تفهيماً للعباد وتقريباص لهم، وهو من التمثيل الذي يفرضُ الممثل به فرضاصح مُثلت حالةُ الكلمات التامات في سعتها وفرطِ كثرتها بحالة ما لو فُرضَ البحرُ مداداً له لنفد قبله، ثم أدخله الممثل

ص: 555

لها، والمراد بالبحر الجنس (لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ) الكلمات (وَلَوْ جِئْنا) بمثل البحر مدادا لنفد أيضاً. والكلمات غير نافدة. و (مَدَداً) تمييز، كقولك: لي مثله رجلا. والمدد مثل المداد، وهو ما يمدّ به. وعن ابن عباس رضي الله عنه:(بمثله مدادا)، وقرأ الأعرج: مددا، بكسر الميم؛ جمع مدّة، وهي ما يستمده الكاتب فيكتب به.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في جنس الممثل به فأجرى عليه حُكم الإحصاء والكتب والنفاد تنزلاً وتفهيماً، والمعنى: لو فرضنا أن غير المتناهي داخلٌ تحت حكم المتناهي، وأنه نوعٌ من جنسه، لنفد قبل نفاده، فكيف وأنه ليس من جنسه؟ هيهات، أين الثريا من الثرى! ولذل مع كلماتٍ جمع قلةٍ تتميماً للمعنى، أي: إذا كان حُكمُ الكلمات بهذه المثابة، فما ظنُّكَ بالكلم، ووضعُ المظهر موضع المضمر في قوله:(قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي) إشعارٌ بالعلية، وأنها حقيقٌ بأن تكون غير متناهية.

وأما بيانُ النظم فهو أن المخالفين لما اقترحوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبدل آية مكان آية، قيل له:(وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ)[الكهف: 27]، أي: دعهم وعنادهم، اشتغل بالتلاوة ودُم عليها، فإنه لا يقدر على تقدير كلمات ربك إلا هو، ثم كشف بعد ذلك من قوله:(وَاصْبِرْ نَفْسَكَ) إلى قوله: (لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً) عن نُبذٍ من أسرار عجيبة محتجبة وراء أستار الغيبن ثم عقبها بقوله: (قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً)، يعني: قللهم: لو ان البحر مداداً لهذا الجنس من الكلمات التامات، لنفد البحرُ قبل نفادها، فكيف أبدلها من تلقاء نفسي؟ وأنا بشرٌ مثلكم لا فرق بيني وبينكم في عدم القدرة على التبديل إلا أني خُصصتُ بتلقي الوحي، وفضلت بمزية الرسالة، وغلى هذا ألمح قوله تعالى:(وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ)[الانعام: 115].

وقريبٌ من هذه المعاني ما في قوله تعالى: (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ)[يونس: 15].

ص: 556

وقرئ: (ينفد) بالياء. وقيل: قال حيىّ بن أخطب: في كتابكم (وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً)[البقرة: 269]، ثم تقرءون:(وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا)[الإسراء: 85]، فنزلت، يعنى: أن ذلك خير كثير، ولكنه قطرة من بحر كلمات الله.

[(قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً)].

(فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ) فمن كان يؤمل حسن لقاء ربه، وأن يلقاه لقاء رضا وقبول. وقد فسرنا اللقاء. أو: أفمن كان يخاف سوء لقائه. والمراد بالنهى عن الإشراك

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وقرئ: "ينفد": بالياء): حمزةُ والكسائي، والباقون: بالتاء الفوقاني.

قوله: (قال حيي بن أخطب: في كتابكم)، إلى آخره، عن أحمد بن حنبل والترمذي، عن ابن عباس، قال: قالت قريش لليهود: اعطونا شيئاً نسألُ عنه هذا الرجل، فقالوا: سلوه عن الروح، سألوه عنها فنزلت:(وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) الآية، قالوا: أوتينا علماً كثيراً، أوتينا التوراة، ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيراً كثيراً، فُأنزلت:(قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ) الآية.

قوله: (يخاف سوء لقائه)، الأساس: ومن المجاز استعمال الرجاء في الخوف والاكتراث، قال محيي السنة: الرجاء يكون بمعنى الخوف والأمل جميعاً. قال:

ص: 557

بالعبادة: أن لا يرائي بعمله، وأن لا يبتغى به إلا وجه ربه خالصا لا يخلط به غيره. وقيل: نزلت في جندب ابن زهير، قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إني أعمل العمل لله، فإذا اطلع عليه سرني، فقال:«إن الله لا يقبل ما شورك فيه» . وروى أنه قال له: «لك أجران: أجر السر، وأجر العلانية» وذلك إذا قصد أن يقتدي به. وعنه صلى الله عليه وسلم: «اتقوا الشرك الأصغر» قالوا: وما الشرك الأصغر؟ قال «الرياء» .

وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة الكهف من آخرها كانت له نورا من قرنه إلى قدمه، ومن قرأها كلها كانت له نورا من الأرض إلى السماء» ، وعنه صلى الله عليه وسلم:«من قرأ عند مضجعه (قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) كان له من مضجعه نورا يتلألأ إلى مكة، حشو ذلك النور ملائكة يصلون عليه حتى يقوم، وإن كان مضجعه بمكة كان له نورا يتلألأ من مضجعه إلى البيت المعمور، حشو ذلك النور ملائكة يصلون عليه حتى يستيقظ» والله أعلم بالصواب.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ.

ولا كل ما ترجو من الخير كائن

ولا كل ما ترجو من الشر واقع

قوله: (وقد فسرنا اللقاء)، يعني: في سورة يونس، قال فيها: اللقاءُ مستعارٌ للعلم المحقق الذي هو العلم بالشيء موجوداً، شُبه بنظر النار وعيان المعاين. وفسره في "العنكبوت" في قوله تعالى:(مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لآتٍ)[العنكبوت: 5] أبسط وأشرح من ذلك، وقلت: إذا فسرت الآية بقوله: (فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا) يأمل حُسن لقاء ربه، يجوز أن يجري على ظاهرها على مذهب أهل السُّنة.

انتهى بحمد الله

ص: 558

‌سورة مريم

مكية وهي تسعون وثماني أو تسع آيات

بسم الله الرحمن الرحيم

[(كهيعص* ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا* إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا)].

(كهيعص) قرأ بفتح الهاء وكسر الياء حمزة، وبكسرهما عاصم، وبضمهما الحسن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

سورة مريم

مكية، وهي ثمان وتسعون آية

بسم الله الرحمن الرحيم

قوله: (بفتح الهاء وكسر الياء) يريد بالكسر: الإمالة من: كسرت العُقابُ جناحها: إذا مالت للانقضاض، قال صاحب "التيسير": قرأ أبو بكر والكسائي: بإمالة فتحة الياء والهاء، وابن كثير وحفصٌ: بفتحهما، وابن عامرٍ وحمزة: بفتح الهاء وإمالة الياء، وأبو عمرو: بإمالة الهاء وفتح الياء، ونافعٌ: بالهاء والياء بيْن بيْن.

وقال ابن جني: قرأ الحسن بفتح الهاء ورفع الياء، وقرأ أيضاً بضم الهاء وفتح الياء،

ص: 559

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ..

وقال: الإمالة والتفخيم في حروف المعجم ضربٌ من ضروب التصرف، وذلك أنها إذا فارقت موضعها من الهجاء صارت أسماء ودخلها ضربٌ من القوة فتصرفت، فحملت افمالة والتفخيم، فمن قال:(يا) جنح بالإمالة إلى الياء كما في نحو السيال، ومن فخم تصور أن عين الفعل في الياء منقلبة عن الواو، الباب والدار والمال، وذلك أن هذه الألفات، وإن كانت مجهولة، لأنه لا اشتقاق لها، فإنها تُحمل على ما هو في اللفظ مشابه لها، والألف إذا وقعت عيناً فجهلت، فالواجب فيها أن يعتقد أنها منقلبة عن الواو. على ذلك وجدنا سرد اللغة، هذا قول جامعٌ في هذا الضرب من الألفات، فاعرفه واغن به عما وراءه.

وقال صاحب "التقريب": ولا تنقلب الألفُ واواً لهذه الضمة، بل تُسمى ألفها ألف التفخيم.

في "اللوامح": هذه الكلماتُ الثلاثُ مترجمٌ عنها بالضم، وليست مضمومات بالحقيقة؛ لأنهن لو كُن كذلك لوجب قلبُ ما بعدهن من الألفات واواتٍ، بل نُحيت هذه الألِفاتُ نحو الواو، على لغة أهل الحجاز، وهي التي تسمى ألف التفخيم بضد الألف المُمالة.

والمراد بالكلمات الثلاث: الكاف والهاء والياء؛ لأنه رُوي عن الحسن ضم الكاف أيضاً.

ص: 560

وقرأ الحسن: (ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ) أي: هذا المتلوّ من القرآن ذكر رحمة ربك. وقرئ: (ذكر) على الأمر، راعى سنة الله في إخفاء دعوته؛ لأنّ الجهر والإخفاء عند الله سيان، فكان الإخفاء أولى؛ لأنه أبعد من الرياء وأدخل في الإخلاص. وعن الحسن: نداء لا رياء فيه، أو: أخفاه؛ لئلا يلام على طلب الولد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وقرأ الحسنُ: "ذكر رحمة ربك")، قال ابن جني: فاعل "ذكر" ضميرُ ما تقدم، أي: هذا المتلو من القرآن الذي هذه الحروف اوله وفاتحته يُذكر رحمة ربك، وإن شئت كان تقديره مما يُقص عليك أو يُتلى عليك:(ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا).

قال أبو البقاء: و (ذِكْرُ): مصدرٌ مضافٌ إلى المفعول، والتقدير: هذا إن ذكر ربُّكَ رحمته عبده. وقيل: هو مضافٌ إلى الفاعل، على الاتساع، والمعنى: هذا إن ذكرت رحمة ربك، فعلى الأول ينتصب عبده برحمة، وعلى الثاني بـ"ذكر".

قوله: (راعى سنة الله)، "سنة الله" من إضافة المصدر إلى المفعول، لا إلى الفاعل، يعني: راعى زكريا سنة العبودية مع المعبود في إخفاء دعائه، فإذن ينطبق عليه التقليل بقوله:"لأن الجهد والخفاء عند الله سيان"، وأما قوله تعالى:(سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ)[الفتح: 23] فمن إضافة المصدر إلى الفاعل.

قوله: (نداءً لا رياء فيه)، فيكون الإخفاء ملزوماً للإخلاص الذي هو: عدم الرياء؛ لأن الإخفاء أبعدُ من الرياء. ولما كنى عن عدم الرياء بالخفاء عُلم أن لا اعتبار للظاهر، وأن الأمر يدور على الإخلاص حتى إنه لو نادى جهراً بلا رياء دخل فيه، أو نادى سراً بلا إخلاص خرج منه، وفي الجمع بين النداء والإخفاء إيماءٌ إلى هذا المعنى.

الراغب: (إِذْ نَادَى رَبَّهُ): أشار بالنداء إلى الله تعالى؛ لأنه تصور نفسه بعيداً منه

ص: 561

في إبان الكبرة والشيخوخة. أو: أسره من مواليه الذين خافهم. أو خفت صوته لضعفه وهرمه، كما جاء في صفة الشيخ: صوته خفات، وسمعه تارات. واختلف في سنّ زكريا عليه السلام، فقيل: ستون، وخمس وستون، وسبعون، وخمس وسبعون، وخمس وثمانون.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بذنوبه وأحواله السيئة. وقوله تعالى: (أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ)[فصلت: 44]، فاستعمال النداء فيهم تنبيه على بعدهم عن الحق، وقوله:(رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ)[آعمران: 193]، فالإشارة بالمنادي إلى العقل والكتاب المنزل والرسول المرسل وسائر الآيات الدالة على وجوب الإيمان بالله، وجعله منادياً للإيمان لظهوره ظهور النداء، وحثه على ذلك كحث المنادي.

فإن قلت: كيف جمع بين النداء وهو رفع الصوت، وبين (خَفِيّاً) وهو خفتُ الصوت؟ قلت: جعل (خَفِيّاً) مجازاً عن الإخلاص لا كناية؛ لأن المجاز ينافي إرادة الحقيقة، والنداء عبارة عن إهار الاستكانة وإبداء التضرع والخشوع.

قوله: (في إبان الكبرة)؛ الجوهري: إبان الشيء بالكسر التشديد: وقته، وقال: الكبرُ في السن، وقد كبر الرجل يكبر كبراً، أي: أسن، والاسم: الكبرة، بفتح الكاف وسكون الباء. يقال: علت فلاناً كبرةٌ.

قوله: (أو: خفت صوته)، بالرفع والنصب. الجوهري: خفت الصوت خفوتاً: سكن، والمخافتة والتخافت: إسرار النمطق، والخفت مثله.

قوله: (صوته خُفاتٌ). الأساس: خفت صوته خفوتاً، وصوته خافتٌ خفيتٌ، وخفت الرجل: سكت فلم يتكلم، وأخذه السُّكاتُ والخُفاتُ.

قوله: (سمعه تاراتٌ)، أي: مسموعه، فلا يحتاج إلى التكرار. الأساس: فعل ذلك تاراتٍ وتارة بعد أخرى.

ص: 562

[(قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّاسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا)].

قرئ: (وَهَنَ) بالحركات الثلاث. وإنما ذكر العظم؛ لأنه عمود البدن وبه قوامه وهو أصل بنائه، فإذا وهن تداعى وتساقطت قوته، ولأنه أشد ما فيه وأصلبه، فإذا وهن كان ما وراءه أوهن. ووحده؛ لأن الواحد هو الدال على معنى الجنسية، وقصده إلى أن هذا الجنس الذي هو العمود والقوام وأشد ما تركب منه الجسد قد أصابه الوهن، ولو جمع لكان قصدا إلى معنى آخر؛ وهو أنه لم يهن منه بعض عظامه ولكن كلها. إدغام السين في الشين عن أبي عمرو .....

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: ((وَهَنَ): بالحركات الثلاث)، بفتح الهاء: السبعةُ، والضم والكسرُ: شاذ.

الراغب: الوهن: ضعفٌ من حيث الخلقُ أو الخُلُق، قال تعالى:(رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي)، وقال تعالى:(وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ)[النساء: 104].

قوله: (ولأنه شد ما فيه)، عطفٌ على "لأنه عمودُ البدن"، يعني: أصلُ الكلام: ضعف بدني، وإنما كنى عنه بقوله:(وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي) وخص العظم بالذكر؛ لأنه كالأساس للبدن وكالعمود للبيت، فإذا وقع الخللُ في الأُس وسقط العمود تداعي الخلل في البناء وسقط البيت، فالكناية مبنية على التشبيه، أو أن العظم أصلبُ ما في الإنسان فيلزم من وهنه وهنُ جميع الأعضاء بالطريق الأولى، فالكناية غير مسبوقة بالتشبيه.

قوله: (وهو أنه لم يهن منه بعض عظامه ولكن كلها)، قال صاحب "الفرائد": ذُكر في أصول الفقه ان اللام إذا دخلت على الجمع بطل الجمعُ وتعلق الحكم بكل فردٍ فردٍ، باعتبار الجنس. سلمنا أن الجمع لم يبطل ولكن من أين يلزم المعنى الذي ذكره وهو القصد إلى أنه لم يهن منه بعض عظامه ولكن كلها؟ غاية ما في الباب احتمال عدم وهن البعض لكن من الاحتمال لا يلزمُ الوجود، بل يمكن أن يكون القصد إلى كل واحدٍ من العظام؛ لأن هذا محتملُ اللفظ، كما أن ذلك محتمله، والوجه أن يقال: اختير الواحد احترازاً عن هذا الاحتمال.

ص: 563

شبه الشيب بشواظ النار في بياضه وإنارته، وانتشاره في الشعر وفشوّه فيه وأخذه منه كل مأخذ باشتعال النار؛ ثم أخرجه مخرج الاستعارة،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وأقولُ: إن الكلام إذا كان مُنصباً إلى غرضٍ من الأغراض جُعل سياقه له وتوجهه إليه، كأن ما سواه مرفوضٌ مُطرح، هذا نص المصنف في سورة "يس". المقصود من الإيراد في هذا المقام: إظهارُ الضعف في البدن وإبداءُ تساقط القوى؛ ألا ترى إلى أداة الحصر في قوله: "وإنما ذكر العظم لأنه عمود البدن وبه قوامه" يعني: ما ذكر العظم لأن يكون الكلام فيه، بل لأن ينبه على ان هذا الجنس الذي هو عمود البدن وقوامه قد أصابه الوهن، ولو قيل: العاظم لرجع القصد إلى أن الكلام في العظام في أنه لم يهن بعضها فقط بل كلها؛ لأن ترك المفرد إلى الجمع ثم تحليته باللام الاستغراقية يُنبئ عن أن القصد إلى أنه لم يهن بعض العظام بل كلها، ويخرج عن المقصود، ألا ترى إلى تصريحه بالقصد في قوله:"لكان قصداً إلى معنى آخر" وتكريره.

ونحوه قوله: (وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى)[طه: 69]، فإنه لو قيل: السحرة، لأوهم أن الجمعية معتبرةٌ في الحكم بعدم الفلاح، بخلاف المفرد، فإن القصد فيه أن هذا الجنس، وأن ما يقال له: الساحر، محكوم عليه بأنه لا يفلح.

قوله: (شبه الشيب بشواظ النار)، إلى قوله: (وفشوه

باشتعال النار)، كتب صاحب "الإيضاح". في حاشية كتابه: أن في جعل الآية من التشبيهين نظراً؛ لأن المذكور في طرفي التشبيه في الاستعارة بالكناية اسم المشبه دون المشبه به، والاستعارة بالكناية تستلزم الاستعار التخييلية، فإن التخييلية هي: إما إثبات أمر مختص بالمشبه به للمشبه، من يغر أن يكون هناك أمرٌ ثابت حساً أو عقلاً أطلق عليه اسم ذلك الأمر، وإما إطلاقُ لفظٍ على

ص: 564

ثم أسند الاشتعال إلى مكان الشعر ومنبته وهو الرأس. وأخرج الشيب مميزا، ولم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

صورة وهمية قُدرت مشابهة لصورة محققة هي معنى ذلك اللفظ، فلو كان تشبيه الشيب بشواظ النار كما ذكره مقصوداً في الآية لكانت استعارة بالكناية، ولو كانت استعارة بالكناية لكان قوله:(وَاشْتَعَلَ): استعارة تخييلية، وذلك لا يمكن؛ لأنه جعل انتشار الشيب في الشعر وفشوه فيه وأخذه منه كل مأخذٍ تشبيهاً باشتعال النار، وهو ينافي ذلك الأمر لما مر أن الإستعارة التخييلية لا تعتمد المشبه أمراً محققاً، والأول أن يُجعل المشبه انتشار الشيب في الشعر، والمشبه به اشتعال النار، والجامع: فشو الشيء في الشيء.

وقلتُ: إنما دخل عليه هذا من جعل التشبيهين تمهيداً لقاعدة الاستعارة المكنية؛ لأنها مستدعية لما ذكر، وذهب عنه أن التشبيهين تمهيدٌ للاستعارة التمثيلية وهو أن يُنتزع التشبيه من عدة أمور متصورة فلابد من سبق تشبيه حالة الشيب بحالة النار وحالة فشوه في الرأس وأخذه منه كل مأخذ بحالة اشتعال النار في الحطب الجزل. كما قال:

واشتعل المبيض في مسوده

مثل اشتعال النار في جزل الغضا

والجامع: سرعة انبساط بياض في سواد مع تعذر التلافي، ثم حُذف أحد طرفي التشبيه وهو المشبه وإخراج المشبه به مخرج المشبه ليتم أمر الاستعارة، وإليه الإشارة بقوله:"ثم أخرجه مخرج الاستعارة".

وأما اختيار صاحب "الإيضاح": والأولى أن يجعل المشبه انتشار الشيب في الشعر، والمشبه به اشتعال النار، فمرجعه إلى الاستعارة التبعية، وهو لا ينافي ذلكا لتقرير، على أن التشبيه كلما كان أكثر تفصيلاً كان أدخل في الحُسن.

قوله: (ثم أسند الاشتعال إلى مكان الشعر)، هذا أخذٌ في مشرع علم المعاني بعد الفراغ من مشرع علم البيان، يريد أن أصل الكلام: اشتعل شيب رأسي، فترك هذه المرتبة إلى ما هي أبلغ، هي اشتعل رأسي شيباً، وكونها أبلغ من جهات، إحداها: إسنادُالاشتعال إلى الرأس لإفادة شمول الاشتعال؛ لأن وزان "اشتعل شيبُ رأسي" و"اشتعل رأسي شيباً"،

ص: 565

يضف الرأس؛ اكتفاء بعلم المخاطب أنه رأس زكريا، فمن ثم فصحت هذه الجملة وشهد لها بالبلاغة. توسل إلى الله بما سلف له من الاستجابة. وعن بعضهم: أن محتاجا سأله وقال: أنا الذي أحسنت إلىّ وقت كذا. فقال: مرحبا بمن توسل بنا إلينا. وقضى حاجته.

[(وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا* يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا)].

كان مواليه وهم عصبته: إخوته وبنو عمه شرار بني إسرائيل، فخافهم على الدين أن يغيروه ويبدّلوه، وأن لا يحسنوا الخلافة على أمته، فطلب عقبا من صلبه صالحا يقتدي به في إحياء الدين ويرتسم مراسمه فيه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وزانُ "اشتعل النار في بيته" و"اشتعل بيته ناراً". وثانيها: الإجمال والتفصيل في طريق التمييز. ولثها: تنكير (شَيْباً) لإفادة التعظيم، ذكره صاحب "المفتاح" تفسيراً لقول المصنف.

ولما بين المعنى من جهة البيان ومن جهة المعاني قال: "ومن ثم فصُحت هذه الجملة وشُهد لها بالبلاغة".

قوله: (توسل إلى الله بما سلف له معه من الاستجابة)، قال القاضي: وفيه أيضاً تنبيه على أن المدعو له وإن لم يكن معتاداً فإجابته معتادة، وأنه تعالى عوده بالإجابة وأطعمه فيها، ومن حق الكريم ألا يجيب من أطعمه.

قوله: (ويرتسم مراسمه). الجوهري: رسمت له كذا فارتسمه، أي: امتثله.

ص: 566

(مِنْ وَرائِي): بعد موتي. وقرأ ابن كثير: (من وراءي) بالقصر، وهذا الظرف لا يتعلق بـ (خِفْتُ) لفساد المعنى، ولكن بمحذوف، أو: بمعنى الولاية في الموالي: أي: خفت فعل الموالي؛ وهو تبديلهم وسوء خلافتهم من ورائي. أو: خفت الذين يلون الأمر من ورائي. وقرأ عثمان ومحمد بن على وعلى بن الحسين رضي الله عنهم: (خفت الموالي من ورائي)، وهذا على معنيين: أحدهما: أن يكون (وَراءِي) بمعنى: خلفي وبعدي، فيتعلق الظرف بالموالي: أي: قلوا وعجزوا عن إقامة أمر الدين، فسأل ربه تقويتهم ومظاهرتهم بولي يرزقه. والثاني: أن يكون بمعنى قدامى، فيتعلق بـ (خِفْتُ)، ويريد أنهم خفوا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وقرأ ابن كثير)، وهي شاذةٌ. قال أبو البقاء: وهو من قصر الممدود.

قوله: (لفساد المعنى)، إذ المراد بالموالي: العصبة، لقوله:"كان مواليه وهم عصبته". وإنما لزم فساد المعنى؛ لأن الخوف واقعٌ فيا لحال لا فيما يستقبل، ولو جعل (مِنْ وَرَائِي) متعلقاً بـ (خَفَّتْ) لزم أن يكون الخوفُ واقعاً فيما يُستقبلُ، فلابد من تقدير محذوف، أوجعل الموالي من الولاية بالكسر، أي: كل من يملك بعده لا العصبة فقط ليصح، فيقال على الأول:(خَفَّتْ) فعل عُصبتي بعد موتي. وعلى الثاني: خفتُ الذين يلون الأمر من بعد موتي، فاللامث في الموالي على هذا: موصولةٌ ليتعلق الظرفُ بصلتها، ولهذا قال: الذين يلون الأمر من ورائي، وعلى الأول: اللامُ: حرفُ التعريف. وفي الكلام لف ونشر.

قوله: (خفتِ الموالي)، الأساس: ومن المجاز خفت حاله ورقت، وأخف فلانٌ: صار خفيف الال، وفاز المخفون.

قوله: (فيتعلق الظرف بالموالي)، أي: خفت الذين يلون الأمر من ورائي. ويجوز أن يُراد بالتعلق أن يكون حالاً منه. قال ابن جني: (مِنْ وَرَائِي): حالٌ متوقعةٌ محكية، أي: خفوا متوقعاً متصوراً كونهم بعدي. ومثله مسألة الكتاب، مررتُ برجلٍ معه صقرٌ صائداً به غداً، أي: متصوراً صيده غداً.

ص: 567

قدامه ودرجوا ولم يبق منهم من به تقوّ واعتضاد. (مِنْ لَدُنْكَ): تأكيد لكونه وليا مرضيا، بكونه مضافا إلى الله تعالى وصادرا من عنده، وإلا فهب لي وليا يرثني كاف، أو أراد اختراعا منك بلا سبب؛ لأني وامرأتي لا نصلح للولادة. (يَرِثُنِي وَيَرِثُ) .......

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ودرجوا)، الراغب: الدرجُ: طي الكتاب والثوب، ويقال للمطوي: درجٌ. واستعير الدرج للموتن كما استعير الطي له في قولهم: طوته المنية، وقولهم: من دب ودرج، أي: من كان حياً يمشي، ومن مات تطوى أحواله.

قوله: (وإلا فهب لي ولياً يرثني كاف)، يعني (مِنْ لَدُنْكَ) يجب أن يُحمل على التأكيد، وإلا فالكلام مستغني عنه، وذلك أن قوله:(مِنْ لَدُنْكَ): تأكيدٌ لمعنى قوله: (فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً * يَرِثُنِي)؛ لأن هذا المطلوب، وما يكون من عند الله وموهبةً منه ومنسوباً إليه لا يكون إلا خيراً محضاً، فأكد بقوله:(مِنْ لَدُنْكَ) ذلك المعنى، فهو على هذا ظرفٌ لغوٌ، أو: صفةٌ لولي قُدمت فصارت حالاً مؤكدة، وهو معنى لطيف.

والباء في قوله: "بكونه مضافاً" متعلقٌ بقوله: "تأكيدٌ"، أي: تأيدٌ بسبب كونه مضافاً إلى الله، ويجوز أن يكون (مِنْ لَدُنْكَ) حالاً منتقلة، وإليه الإشارة بقوله:"اختراعاً منك" أي: مخترعاً.

قوله: ((يَرِثُنِي وَيَرِثُ))، بالجزم: أبو عمرو والكسائي، والباقون: برفعهما.

قال الزجاج: "الجزم على جواب الأمر، والرفع على صفة الولي".

ص: 568

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقال أبو البقاء: الجزمُ على الجواب، أي: ن يهب يرث، والرفعُ على الصفة لـ"ولي"، وهو أقوى من الأول؛ لأنه سأل ولياً هذه صفته، والجزمُ لا يحصلُ بهذا المعنى.

وقال صاحب "المفتاح": وأما قراءةُ الرفع، فالأولى حملُها على الاستئناف دون الوصف، لئلا يلزم منه أنه لم يوهب من وصف لهلاك يحيى قبل زكريا عليهما السلام.

وقلتُ: وكان من قصتهما على ما رواه ابن الأثير في تاريخه "الكامل": أن الله بعث عيسى عليه السلام رسولاً فنسخ به بعض أحكام التوراة، وكان مما نُسخ آية حرمة نكاح بنت الأخ، وكان لملكهم بنت أخ تعجبه يريد أن يتزوجها، فنهاه يحيى عنها، كان لها كل يوم حاجة يقضيها لها، فلما بلغ ذلك أمها قالت لها: إذا سالك الملكُ: ما حاجتك؟ قولي: ان تذبح يحيى بن زكريا، فلما سألها قالت: أريد ذبح يحيى، وأبت إلا ذلك، فدعا بطستٍ وذبح يحيى، فقطرت من دمه قطرةٌ على الأرض، فلم تزل تغلي تى بعث الله بخت نصر، وألقى الله في قلبه أن يقتل على الدم من بني إسرائيل حتى يسكن، فقتل سبعين ألفاً حتى سكن. وروى السُّدي نحو هذا وأبسط.

ولما قتل الملكُ يحيى وسمع أبوه قتله فر هارباً، فدخل بُستاناً فأرسل الملكُ في طلبه فمر زكريا بشجرة فنادته: هلُمَّ إلي يا نبي الله، فدخل وانطبقت عليه، فدلهم إبليس، فشقوا الشجرة بالمنشار، فمات زكريا فيها، فسلط الله عليهم أخبث أهل الأرض فانتقم منهم.

ص: 569

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وأما سؤال صاحب "المفتاح" فواردٌ على الوجوه المذكورة في (يَرِثُنِي) كلها؛ لأن قوله: (فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً) مرتبٌ بالفاء على الدعاء، وهو:(رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي) إلى قوله: (وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي)، وهو وصفٌ مناسبٌ لطلب ولدٍ شأنه أن يرث بعده.

ويؤيده ما أورده محيي السنة في "المعالم": أنه خاف تضييع بني عمه دين الله وتغيير أحكامه على ما شاهد من بني إسرائيل من تبديل الدين وقتل الأنبياء، فسأل ربه ولداً صالحاً يأمنه على أمته ويرث نبوته وعلمه لئلا يضيع الدين، وهذا معنى قول عطاء عن ابن عباس. وروى قريباً منه المصنف.

على أن الاستئناف أيضاً رابطٌ معنوي، سيما أنه في هذا المقام واردٌ لبيان الموجب، قال المصنف في أول "البقرة":"إن الكلام المبتدأ عقيب "المتقين" سبيله الاستئناف، وإنه مبنيٌّ على تقدير سؤال، فذلك إدراجٌ له في حكم "المتقين"، وتابعٌ له في المعنى، وإن كان مبتدأ في اللفظ، فهو في الحقيقة كالجاري عليه".

والجواب الصحيح: أن الأنبياء وإن كانوا مستجابي الدعوة لكن ليس كل ما دعوه استجيب لهم؛ لأن قضاء الله لا يُدفع، ألا ترى إلى إبراهيم عليه السلام ودعائه في حق أبيه، وإلى دعوة نبينا صلوات الله عليه على ما رويناه عن الترمذي والنسائي، عن الخباب بن الأرت، قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة فأطالها، فقالوا: يا رسول الله، صليت صلاة لم تكن تصليها؟ قال:"أجل، إنها صلاة رغبة ورهبة، إني سألتُ الله فيها ثلاثاً، فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة. سألته أن لا يُهلك أمتي بسنةٍ فأعطانيها، وسألته أن لا يُسلط عليهم عدوا من غيرهم فأعطانيها، وسألته أن لا يُذيق بعضهم بأس بعض فمنعنيها". وفي رواية

ص: 570

الجزم جواب الدعاء، والرفع صفة، ونحوه:(رِدْءاً يُصَدِّقُنِي)[القصص: 34]، وعن ابن عباس والجحدري:(يرثنى وارث آل يعقوب) نصب على الحال. وعن الجحدري: (أو يرث) على تصغير وارث، وقال: غليم صغير. وعن على رضي الله عنه وجماعة: (وارث من آل يعقوب) أي: يرثني به وارث، ويسمى التجريد في علم البيان،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

النسائي: "وسألت ربي أن لا يُلبسنا شيعاً فمنعنيها". وروى ابن ماجه، عن مُعاذ بن جبل نحوه.

وكان من قضاء الله وقدره: أن يوجد يحيى نبياً صالحاً ثم يُقتل ويغلي دمه ليتيح لثأره بُخت نصر، ويسكنه بقتل سبعين ألفاً، فاستجيب دعاء زكريا في أن بُشر بغلام اسمه يحيى، ولم يجعل له من قبل سميا، ونودي:(يَا يَحْيَى خُذْ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً * وَحَنَانَاً مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً)، ومُنع من أن يكون وارثاً لأبيه من بعده. كما كان من قضاء الله وقدره: أن يُقتل عثمانُ رضي الله عنه مظلوماً فيُهدر بسببه دمُ جم غفيرٍ من الصحابة والتابعين يوم صفين والجمل وغيرهما، فاستجيب دعاؤه صلات الله عليه في تينك الخصلتين دون الثالثة ليقضي الله أمراً كان مفعولاً، والله أعلم بحقائق الأمور.

قوله: (يرثني وارث آل يعقوب)، بنصب "وارث"، قيل: هو: حالٌ، أي: يرث علمي ويرث علم آل يعقوب. وقال القاضي: هو نصبٌ على الحال من أحد الضميرين.

قوله: (ويُسمى التجريد في علم البيان)، والتجريد هو: ان ينتزع من متصف بصفة آخر مثله فيها مبالغة لكمالها فيه، نحو: رأيت بفلانٍ أسداً، ولقيني منه أسدٌ. قال ابن جني: وهي قراءة علي وابن عباس وابن يعمر والحسن والجحدري وقتادة وجعفر بن محمد، وهو ضربٌ من العربية غريبٌ معناه التجريد، يريد:(فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً * يَرِثُنِي) منه أو به وارثٌ من آل يعقوب، وهو الوارث نفسه، فكأنه جرد منه وارثاً، ومثله قوله تعالى: (لَهُمْ

ص: 571

والمراد بالإرث إرث الشرع والعلم؛ لأنّ الأنبياء لا تورّث المال. وقيل: يرثني الحبورة وكان حبرا، ويرث من آل يعقوب الملك. يقال: ورثته وورثت منه، لغتان.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ) [فصلت: 28]، وهي بنفسها دارُ الخلد، فكأنه جرد من الدار داراً. وقد أفردنا لهذا الضرب باباً من كتاب "الخصائص" فاعرفه، فنه موضعٌ غريب لطيف.

قوله: (والمراد بالإرث: إرثُ الشرع والعلم)، قال الزجاج: قيل: لا يجوز أن يُقال: إن زكريا خاف أن يورث المال؛ لأن الأنبياء والصالحين لا يخافون أن يرثهم أقرباؤهم ما جُعِلَ لهم، وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم:"إنا معاشر الأنبياء لا نورث. ما تركناه صدقة".

الراغب: الوراثة: انتقال قُنيةٍ إليك عن غيرك من غير عقدٍ. ولا ما يجري مجرى العقد، وسُمي بذلك المنتقل عن الميت فيقال للقنية الموروثة: ميراثٌ وإرثٌ وتراثٌ، ويقال: ورثت مالاً عن زيد وورثت زيداً. قال تعالى: (وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ)[النمل: 16]، وقال:(وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ)[النساء: 11]، وقال: الوراثة الحقيقية هي: ان يحصل للإنسان شيء لا يكون عليه فيه تبعةٌ ولا عليه محاسبة، وعباد الله الصالحون لا يتناولون من الدنيا إلا بقدر ما يجب، وفي وقت ما يجب، على الوجه الذي يجب، ومن تناول الدنيا على هذا الوجه لا يحاسب عليه ولا يعاقب، بل يكون له عفواً صفواً، كما رُوي:"من حاسب نفسه في الدنيا لم يحاسب في الآخرة".

قوله: (الحُبورة)، قيل: وُجد بخط المصنف: كأنها مصدرُ "حبُرَ" الرجل، كـ"قَضُوَ"؛ إذا تُعجب من قضائه، وإلا الحُبور: هو السرور.

ص: 572

وقيل «من» للتبعيض لا للتعدية؛ لأنّ آل يعقوب لم يكونوا كلهم أنبياء ولا علماء، وكان زكريا عليه السلام من نسل يعقوب بن إسحاق. وقيل: هو يعقوب بن ماتان أخو زكريا. وقيل: يعقوب هذا وعمران أبو مريم أخوان من نسل سليمان بن داود.

[(يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا)].

(سَمِيًّا): لم يسمّ أحد بـ (يحيى) قبله، وهذا شاهد على أنّ الأسامي الشنع جديرة بالأثرة، وإياها كانت العرب تنتحى في التسمية؛ لكونها أنبه وأنوه وأنزه عن النبز، حتى قال القائل في مدح قوم:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

النهاية: الأحبار: العلماء، جمعُ حبرٍ بالفتح والكسر، وكان يقالُ لابن عباس: البحر والحبر، لسعة علمه.

قوله: (وقيل: من: للتبعيض)، عطفٌ على قوله:"قيل: يرثني الحبورة"، على أن "مِن" على الأول: صلةٌ لـ"ورث"، لقوله:"ورثته وورثت منه".

قوله: (على أن الأسامي الشُّنُعَ)، الأساس: شنعتُ عليه هذا الأمر: قبحته عليه، وله اسم شنيعٌ، وقومٌ شنع الأسامي.

قوله: (جديرة بالأثرة)، الجوهري: استأثر فلانٌ بالشيء: إذا استبد به والاسم: الأثر.

قوله: (وأنزه عن النبز)، الجوهري: النبز، بالتحريك: اللقب، وفلانٌ ينبز بالصبيان: يلقبهم. قال المصنف رحمه الله في قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً)[الأنعام: 74]: "آزرُ: اسم صنمن يجوز ان يُنبز به للزومه عبادته، كما نُبز ابن قيس بالرقيات اللاتي يُشبب بهنَّ، وانشد بعضهم:

أُدعى بأسماء نبزاً في قبائلها

ان أسماء أضحت بعض أسمائي

ص: 573

شنع الأسامي مسبلي أزر

حمر تمس الأرض بالهدب

وقال رؤبة للنسابة البكري - وقد سأله عن نسبه: أنا ابن العجاج، فقال: قصرت وعرفت. وقيل: مثلا وشبيها. عن مجاهد، كقوله:(هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا)(مريم: 65)، وإنما قيل للمثل «سمىّ» ؛ لأنّ كل متشاكلين يسمى كل واحد منهما باسم المثل والشبيه، والشكل والنظير، فكل واحد منهما سمىّ لصاحبه، ونحو «يحيى» في أسمائهم:(يعمر)، و (يعيش) إن كانت التسمية عربية؛ وقد سموا بـ (يموت) أيضا؛ وهو يموت ابن المزرع، قالوا: لم يكن له مثل في أنه لم يعص ولم يهم بمعصية قط، وأنه ولد بين شيخ فان وعجوز عاقر، وأنه كان حصورا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وإنما كان أنزه؛ لأن الاسم القبيح لا يرغب فيه أحدٌ فيختص به ويُشتهر، فلم يحتج إلى التعريف والتلقيب به.

و"عن" متعلقٌ بـ"أنزه"، و"مِن": محذوف، أي: التسمية بالسامي الشنُع لينفرد بها ويُشتهر أنزه من غيرها عن التلقيب والشهرة، ولهذا سمى كُليبا وعنترة وتأبط شرا، كأنهم اختاروا الاسم الشنيع لأجل الغرابة لئلا يُشاركهم فيه أحدٌ كـ"يحيى"، لا أن "يحيى" اسمٌ شنيع.

قوله: (مُسبلي أزُر حُمر)، "حُمرٍ": صفة "أزُر"، "مُسبلي": كناية عن الكبر.

قوله: (مثلاً وشبيهاً)، عطفٌ على قوله:"لم يُسم أحدٌ بيحيى قبله".

قوله: (وأنه كان حصوراً)، يريد قوله تعالى فيه:(أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِنْ الصَّالِحِينَ)[آل عمران: 39]. قال: الحصورُ: الذي لا يقرب النساء حصراً لنفسه، أي: منعاً لها من الشهوات. وقيل: هو الذي لا يدخل مع القوم في الميسرن فاستعير لمن لا يدخل في اللعب واللهو.

ص: 574

[(قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا)].

أي: كانت على صفة العقر حين أنا شاب وكهل، فما رزقت الولد؛ لاختلال أحد السببين، أفحين اختل السببان جميعا أرزقه؟ ! فإن قلت: لم طلب أولا وهو وامرأته على صفة العتىّ والعقر، فلما أسعف بطلبته استبعدوا واستعجب؟ قلت: ليجاب بما أجيب به، فيزداد المؤمنون إيقانا، ويرتدع المبطلون، وإلا فمعتقد زكريا أولا وآخرا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (قلتُ: ليُجاب بما أجيب به)، قال صاحب "الانتصاف": لا يجوز لنبي النطقُ بما لا يسوغُ لطلب مثل ذلك، أي: لتثبيت المؤمن وردِّ المبطل، إذ يمكن حصوله بدونه، فإن زكريا طلب ولداً على الجملة، وليس في الآية ما يدل على أنه لا يوجد وهو هرمٌ، ولا أنه من زوجته وهي عاقرٌ، ولا أنه تعادُ إليهما قوتهما وشبابهما، كما فُعل بغيرهما، أوي كون الولد من غير زوجه العاقر، فاستخبر عن ذلك، فقيل له:(كَذَلِكَ)، أي: يكون الولد وأنتما كذلك.

قلت: وخلاصته أن الاستفهام في الآية ليس للتعجب والاستبعاد، ولهذا قال الإمام: إن المقصود من قوله: (أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ) هو التعجب منأنه تعالى يجعلهما شابين ثم يرزقهما الولد أو يتركهما شيخين ويرزقهما الولد، والدليل عليه قوله:(فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ)[الأنبياء: 90]، وما هذا الإصلاح إلا أنه أعاد إليها قوة الولادة، أو انه ما ذكر ذلك للشكن لكن لتعيم القدرة، وهذا كالرجل

ص: 575

كان على منهاج واحد: في أنّ الله غنى عن الأسباب. أي: بلغت عتيا: وهو اليبس والجساوة في المفاصل والعظام كالعود القاحل. يقال: عتا العود وعسا من أجل الكبر والطعن في السن العالية. أو: بلغت من مدارج الكبر ومراتبه ما يسمى عتيا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الذي يرى صاحبه وقد وهب الكثير الخطير فيقول: أنى سمحت نفسك بإخراج مثل هذا؟ تعظيماً للموهوب، أو أن من شأن من فوجئ ببشارة ما يتمناه فرط السرور وفقد الاستثبات والذهول عن مقتضيات الفكر، كما قالت:(أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ)[هود: 72]، حتى قيل لها:(أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ)[هود: 73].

قوله: (كالعود القاحل)، الجوهري: قحل الشيء يقحل قحولاً: يبس فهو قاحلٌ.

قوله: (والطعن في السن العالية)، الأساس: ومن المجاز: خرج يطعن الليل: يسري فيه، وطعن في السن العالية.

قوله: (ما يسمى عتيا)، قيل:"مِن" هنا للتبعيض، حالٌ من "عتيا"، أي: بلغتُ عتياً حال كونه بعض مراتب الكبر، وعلى الأول: ابتدائية، أي: بلغت سناً عالية ابتداؤها جهة الكبر، وقوله:"من أجل الكبر" يشير به إلى أن "مِنْ" مثلها في قولك: جئتك من أجل إكرامك، أي: لأجل إكرامك، وتحقيقه أن "مِن": ابتدائية، و (مِنْ الْكِبَرِ): مفعولٌ له.

وقلتُ: ويمكن أن يكون "مِن" على الوجه الأخير: بيانية، هي مع المجرور: حالٌ من (عِتِيّاً) قُدمت لأن صاحبها نكرة. ولما كانت "مِنَ" البيانيةُ تجريدية قال: "ما يُسمى عتيا"، أي: انتزع من مدارج الكبر ومراتبه مرتبة تسمى عتيا، كقولك: لقيت منه أٍداً، يدل عليه قوله - في تفسير قوله:(هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ)[الفرقان 74]: " (مِن) يحتملُ أن تكون بيانية، كانه قيل هب لنا قُرة أعين، ثم بينت القرة بقوله: (مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا) [الفرقان: 74]، وهو من قولهم: رأيت منك أسداً، وعلى الوجه الآخر: ابتدائية"، ولما كان معنى الابتداء الإنشاء قال:"من أجل الكبر"، يدُل عليه قوله-

ص: 576

وقرأ ابن وثاب وحمزة والكسائي بكسر العين، وكذلك (صليا) [مريم: 70]، وابن مسعود بفتحهما فيهما. وقرأ أبىّ ومجاهد:(عسيا).

[(قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً)].

(كَذلِكَ) الكاف رفع، أي: الأمر كذلك تصديق له، ثم ابتدأ:(قالَ رَبُّكَ) أو نصب بـ (قال)،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في تفسير قوله: (أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ)[المائدة: 83]-: " (من" ابتدائية، على أن فيض الدمع ابتدأ ونشأ من معرفة الحق، وكان من أجله وسببه".

قوله: (وقرأ ابن وثاب وحمزة والكسائي وحفص)، (عِتِيّاً) و (صِلِيّاً) و (جِثِيّاً) وجميع ما في هذه السورة بكسر أوله، والباقون: بضم أول ذلك.

قوله: (بفتحهما فيهما)، أي: في (عِتِيّاً) و (صِلِيّاً). وروى ابن جني عن ابن مجاهد أنه قال: لا أعرف لهما في العربية أصلاً، ويُقرأ مع ذلك بضم الباء في "بُكياً"، وأقولُ: له في العربية أصلٌ وهو ما جاء من المصادر على فعيل، نحو: الحويل والزويل والنخير، وأما البُكيُّ فجماعةٌ، وهي فعولٌ، كالحُي والدلي والحلي.

قوله: (أو نصبٌ بـ (قَالَ))، أي:"قال" الثانية، وكذا عن القاضي قال: الكافُ منصوبٌ بـ (قَالَ) في (قَالَ رَبُّكَ).

وقلت: إنما أعمل الثاني دون الأول، لأنه لا يكاد يوجد في الكلام الفصيح، لا سيما في التنزيل "كذلك" وهو منصوب، وعامله مقدمٌ عليه، بل يكون موجزاً، نحو:(وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ)، (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً) إلى غير ذلك، وذلك لأنه واسطه يلحق ما بعده

ص: 577

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

على ما قبله على سبيل التشبيه، بخلاف ما إذا كان مرفوعاً، فإن الجملة حينئذ للتقرير، وعليه كلامُ صاحب "التقريب": الكافُ إما رفعٌ، وذلك إشارةٌ إلى قول زكريا أي: الأمر كذلك تصديقاً له. ثم ابتدأ (قَالَ رَبُّكَ) فينتصب (هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ)، و"كذا" وهو على قراءة "الواو" بـ (قَالَ)؛ أي: قال: وهو على ذلك يهون علي، وإما نصب بـ (قَالَ) وذلك مبهمٌ تفسيره (هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ)، فعلى قراءة الواو لا يكون تفسيراً لوجود العاطف، فالوجه أن يُشار بذلك إلى ما تقدم من وعد الله حتى لا يحتاج إلى تفسير، أي: قال قولاً مثل ذلك الوعد، فحينئذ يبقى (عَلَيَّ هَيِّنٌ) بالواو وبدونها غير منصوب بـ (قالَ) المُظهر، لاشتغاله بما قبله، فيُضمر "قال" على كلتا القراءتين لينصبه، أو لا يضمر؛ لأن الله هو المخاطب.

وقلت: تمام تقريره أن المشار إليه بقوله: (ذَلِكَ) إما الكلام السابق وهو قول زكريا: (رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ

) إلى آخره، أو اللاحق، وهو قول:(عَلَيَّ هَيِّنٌ)، فعلى الأول، (كَذَلِكِ): خبر مبتدأٍ محذوف، إذ التقدير: الأمرُ كما قلت، فتكون الجملة الثانية على تقدير جواب عن سؤال سائل: فماذا قال الله تعالى بعد تصديقه إياه؟ فأجيب: قال ربك- يا محمد-: (هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً). وعلى الثاني: المشار إليه ما في الذهن، والدال عليه قوله:(هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ).

وهذا إنما يصح على القراءة الأولى لا على إثبات الواو، لوجود العاطف، فحينئذ الواجب أن يستنبط وجه يشملهما، وهو أن يقال على تقدير النصب: إن المشار إليه ما تقدم من وعد الله، فلا يكون المقول مبهماً لما عُلم أنه قولٌ مثل ذلك الوعد في الغرابة، وهو المراد من قوله:"لاشتغاله بما قبله"، فكأنه قيل: قال الله قولاً مثل ذلك لقول العجيب الشأن، وهو: (يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ

) إلى آخره، فاتجه لسائل ان يقول: ما ذلك القول

ص: 578

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المُشبه بعينه؟ فقيل: قال: (هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ) أو قال: أفعل ذلك، و (هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ)، وهو المعنى بقوله:"أي: قال: (هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ) ".

ويجوز أن لا يُقدرَ "قال"، إذ لا ارتياب أن المتكلم هو الله تعالى في الحقيقة، فإذا اعتبر معنى التجريد في "قال" الثاني يقدر ثالث يحكي قول الله تعالى، فتقول: قال الله تعالى- يا محمدُ - لزكريا قولاً مثل ذلك القول، فيتجه له أن يقول: ما ذلك القول الذي قال ربي؟ فيجيبه: قال: (هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ)، وإذا لم يعتبر معنى التجريد، يُقدرُ: قال الله تعالى لمحمدٍ قلت لزكريا قولاً مثل ذلك القول: (هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ)، فلا يقدر سؤال ولا "قال" ثالثاً.

و"قوله الحق" تذييل، كقولهم: فلانٌ ينطق بالحق والحق أبلج، وحاصله: أن المشار إليه بـ "ذلك" إما قول زكريا أو ما في الذهن أو وعد الله تعالى، فعلى الأول: والكاف مرفوع خبر مبتدأ محذوف، والجملة مقول القول، و"قال" الثاني استئناف، فتكون الجملة الثانية على هذا التقرير جواباً عن سؤال مقدر، وهو: فماذا قال الله تعالى بعد تصديقه إياه؟ فأجيب: قال ربك: هو علي هين، أو: قال: أفعل ذلك وهو علي هين، وعلى الوجهين الأخيرين: الكاف صفة مصدر محذوف، والعامل "قال" الثاني: وهو مع ما في حيزه مقول لـ"قال" الأول، فعلى أن يكون المشار إليه ما في الذهن قوله:(هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ) تفسير للمشار المبهم في الذهن، فلا يجوز إثبات الواو بين المفسر والمفسر، وعلى أن يكون المشار إليه الوعد يجوز أن يُقدر "قال" بعد "قال" الثانية، ليكون قوله:(هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ) قولاً له بإثبات الواو وإسقاطه، فالتقدير أنه تعالى لما قال قولاً قبل ذلك القول المبشر به اتجه لسائل أن يقول: ما مثل ذلك المبشر به؟ فأجيب: مثله: قال هو علي هين، أو أفعل ذلك وهو علي هين، ويجوز أن لا يقدر "قال" لأن المتكلم لما كان هو الله تعالى جاز أن لا يقدر، لما سبق أن "قال" الثانية مع قولها مقول القول الأول، فالمعنى قال الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم: قلت لزكريا قولاً مثل ذلك القول هو علي هين، أو هو علي هين، فوضع "ربك" موضع ضمير المتكلم إشعاراً بالعلية، وأن كل ما يقوله الرب يكون حقاً ووعده صدقاً.

ص: 579

وذلك إشارة إلى مبهم يفسره: (هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ)، ونحوه:(وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ)[الحجر: 66]، وقرأ الحسن:(وهو على هين)، ولا يخرج هذا إلا على الوجه الأول، أي: الأمر كما قلت، وهو على ذلك يهون على. ووجه آخر: وهو أن يشار بذلك إلى ما تقدم من وعد الله، لا إلى قول زكريا. و «قال» محذوف في كلتا القراءتين؛ أي: قال هو علىّ هين، قال وهو علىّ هين، وإن شئت لم تنوه؛ لأن الله هو المخاطب، والمعنى: أنه قال ذلك ووعده وقوله الحق. (شَيْئاً) لأن المعدوم ليس بشيء. أو شيئا يعتدّ به، كقولهم: عجبت من لا شيء، وقوله:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فإن قلت: كيف موقع "قال" الأولى إذا كان المشار إليه وعد الله؟ قلت: استئناف أيضاً، وذلك أنه تعالى لما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه بشر زكريا بالولد، ثم أخبر عن تعجيب زكريا من ذلك، سأل سائل: بماذا أخبر الله تعالى نبيه؟ أجاب: قال: قال ربك إلخ، إذ لا يحسنُ أن يُقال: قلتُ: قال: (هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ)، فوضع موضع المضمر المظهر، وهو (رَبُّكِ) للإشعار بأن قول ربك حق ووعده صدق، وهو المراد من قوله:"والمعنى: انه قال ذلك ووعده وقوله الحق"، و"قوله الحق" تذييلٌ، كقولهم: فلانٌ ينطق بالحق والحق أبلج.

قوله: (عجبت من لا شيء) يجوز فيه الفتح، وهو ظاهرٌ، والجر وفيه وجهان، أحدهما: أن تكون "لا" زائدة لفظاً لا معنى، أي: لا تكون عاملة في اللفظ، ويكون مراده من حيث المعنى، فتكون صورتها صورة الزيادة، ومعنى النفي فيه: كقول النابغة:

أمسى ببلدة لا عم ولا خال

وقول الشماخ:

ص: 580

إذا رأى غير شيء ظنّه رجلا

وقرأ الأعمش والكسائي وابن وثاب: (خلقناك).

[(قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا)].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إذا ما أدلجت وصفت يداها

لها إدلاج ليلة لا هجوع

"لا هُجوعِ": صفةُ "ليلة"، أي: ليلةً النومُ فيها مفقودٌ؛ لأن الهجوع: النومُ.

وثانيهما: أن يكون (لا) غير زائدة، لا لفظاً ولا معنى، كقولهم: غضبتُ من لا شيء، وجئتُ بلا مال. قال أبوعلي فـ"لا" مع الاسم المنكور: في موضع جر، بمنزلة خمسة عشر وقد بُني الاسمُ بـ"لا".

قوله: (إذا رأى غير شيء ظنه رجلاً)، أوله للمتنبي:

وضاقت الأرض حتى كان هاربهم

هو مأخوذ من قوله تعالى: (يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمْ الْعَدُوُّ)[المنافقون: 4].

قال صاحب "الانتصاف": قوله: "المعدوم ليس بشيء" هوا لحق، خلافاً للمعتزلة الذين يقولون: إن المعدوم الممكن شيءٌ، فلهذا مال إلى التأويل الثاني، فنفي كونه شيئاً معتداً به مع بقاء كونه شيئاً، وبقاء الآية على ظاهرها أولى.

وقال القاضي: في الآية دليل على أن المعدوم ليس بشيء.

قوله: (وقرأ الأعمش والكسائي)، قال صاحب "التيسير": وحمزة أيضاً.

ص: 581

أي: اجعل لي علامة أعلم بها وقوع ما بشرت به. قال: علامتك أن تمنع الكلام فلا تطيقه، وأنت سليم الجوارح سوىّ الخلق، ما بك خرس ولا بكم. دل ذكر الليالي هنا، والأيام في آل عمران، على أن المنع من الكلام استمر به ثلاثة أيام ولياليهن.

[(فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا)].

أوحى: أشار. عن مجاهد، ويشهد له (إِلَّا رَمْزاً) [آل عمران: 4]. وعن ابن عباس: كتب لهم على الأرض (سَبِّحُوا): صلوا، أو على الظاهر، و (أن): هي المفسرة.

[(يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا)].

أي: خذ التوراة بحد واستظهار بالتوفيق والتأييد. (الْحُكْمَ) الحكمة. ومنه:

واحكم كحكم فتاة الحي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (أوحى: أشار)، الراغب: الوحيُ: الإشارة السريعة، ولتضمن السرعة قيل: أمرٌ وحي، وذلك يكونُ بالكلام على سبيل الرمز والتعريض، وقد يكون بصوت مجرد، إشارة ببعض الجوارح وبالكتابة، وقد حُمل على ذلك قوله تعالى:(فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيّاً) فقد قيل: رمز، وقيل: أشار، وقيل: كتب. وعلى الوجوه المذكورة في قوله: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً)[الأنعام: 112].

قوله: (واحكم كحكم فتاة الحي) تمامه:

واحكم كحكم فتاة الحي إذ نظرت

إلى حمام شراع وارد الثمد

قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا

إلى حمامتنا أو نصفه فقد

ص: 582

يقال: حكم حكما كحلم؛ وهو الفهم للتوراة والفقه في الدين. عن ابن عباس. وقيل: دعاه الصبيان إلى اللعب وهو صبى فقال: ما للعب خلقنا. عن الضحاك. وعن معمر: العقل. وقيل: النبوّة؛ لأنّ الله أحكم عقله في صباه وأوحى إليه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

"الثمد": الماء القليل الذي لا مادة له. "إلى حمامتنا" أي: مع حمامتنا. و"قد" بمعنى: حسب. الجوهري: قولهم: قدك أي: حسبك، فهو اسم، تقول قدي وقدني، وبالنون شاذ. قال الميداني: قال النابغة في زرقاء اليمامة، يخاطب النعمان: واحكم كحكم فتاة الحي، وكانت نظرت إلى سرب حمام طائر فيه ست وستون حمامة، وعندها حمامة واحدة، فقالت:

ليت الحمام ليه

إلى حمامتيه

ونصفه قديه

تم الحمام ميه

وقال بعض أصحاب المعاني: إن النابغة لما أراد مدح هذه الحكيمة الحاسبة بسُرعة إصابتها، شدد الأمر وضيقه ليكون أحسن له إذا أصابت، فجعلها حزرة للطير، إذ كان الطيرُ أخف ما يتحرك، ثم جعله حماماً، إذ كان الحمام أسرع الطير، ثم كثر العدد، إذ كانت المسابقة مقرونة بها؛ لأن الحمام يشتد طيرانها عند المسابقة، ثم ذكر أنها طارت بين نيقين؛ لأن الحمام إذا كان في مضيق من الهواء كان أسرع طيراناً منه إذا اتسع عليه الفضاء، ثم جعله وارداً لما أعانه الحرص على الماء على سرعة الطيران.

قوله: (وقيل: النبوة)، قال الإمام: الأقرب هذا؛ لأنه تعالى ذكر هاهنا مناقب شريفة ليحيى على سبيل المدح، ولا ارتياب أن أشرفها النبوة، فوجب حمله عليها. وروى الواحدي عن ابن عباس، أن الحكم: النبوة، وقال أيضاً: المعنى: فوهبنا له وقلنا: (يَا يَحْيَى خُذْ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً)، والكتابُ: التوراةُ.

ص: 583

[(وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا وَزَكاةً وَكانَ تَقِيًّا* وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيًّا)].

(حَناناً): رحمة لأبويه وغيرهما، وتعطفا وشفقة. أنشد سيبويه:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقال الإمام: ويحتملُ كتاباً خُص به، كما خص الله تعالى الكثير من الأنبياء بذلك، والأول أوجه؛ لأن حمل التعريف على المعهود السابق أولى، ولا معهود سوى التوراة.

وقلتُ: يحمل على العهد الذهني لقرائن الأحوال، كقول عيسى:(إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِي الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً) والكتاب هو الإنجيل.

قوله: ("حناناً" رحمةً لأبويه)، وهو مصدرٌ بمعنى الاسم، أي: التحنن، بدليل قوله:"وتعطفاً". قال الراغب: الحنين: النزاعُ المتضمن للإشفاق، يقال: حنت المرأة والناقة لولدها، وقد يكون مع ذلك صوت، ولذلك يُعبرُ بالحنين عن الصوت الدال على النزاع والشفقة، أو متصور بصورتهن على ذلك حنين الجذع، ولما كان الحنين متضمناً للإشفاق، والإشفاق لا ينفك عن الرحمة، عبر عن الرحمة به في نحو قوله تعالى:(وَحَنَانَاً مِنْ لَدُنَّا)، ومنه قيل: الحنان المنان، وحنانيك: إشفاقُ بعد إشفاق.

وقال أبو البقاء: (وَحَنَانَاً): معطوفٌ على الحكم، أي: وهبنا له تحنناً. وقيل: هو مصدرٌ، وقوله:(وَبَرّاً)، أي: وجعلناه براً، وقيل: براً: معطوفٌ على خبر "كان".

وقلت: وسلامٌ: معطوفٌ من حيث المعنى على (وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ)، كأنه قيل وآتيناه الحكم صبياً وجعلناه براً لوالديه وسلمناه في تلك المواطن المُوحشة، فعدل إلى

ص: 584

وقالت: حنان ما أتى بك هاهنا

أذو نسب أم أنت بالحي عارف

وقيل: حنانا من الله عليه. وحنّ: في معنى ارتاح واشتاق، ثم استعمل في العطف والرأفة، وقيل لله:«حنان» كما قيل: «رحيم» على سبيل الاستعارة. والزكاة: الطهارة، وقيل الصدقة، أي: يتعطف على الناس ويتصدّق عليهم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الجملة الاسمية لإرادة الثبات والدوام، هي كالخاتمة للكلام السابق. ومن ثم شرع في قصة أخرى. وفي قوله:(وَيَوْمَ يَمُوتُ) إشارة إلى أن القتل أيضاً موتٌ مقدرٌ بأجل، خلافاً للمعتزلة.

قوله: (وقال: حنانٌ: ما أتى بك) البيت، رُوي عن المصنف أنه قال:"ما" في البيت: إبهامية، كما تقول: أمرٌ ما جءا بك هاهنا، رأى رجلاً غريباً أنكر مجيئه إلى الحي فقال: قل لي رحمةً منك: ما جاء بك هاهنا أقريبٌ ذو نسب أتى بك أم أنت عارفٌ بالحي وجئت لمعرفتك بهم؟ أوله:

وأحدث عهداً من أميمةَ نظرةٌ

على جانب العلياء إذ أنا واقفُ

تقول حنانٌ

البيت.

قوله: (وحنَّ: في معنى ارتاح واشتاق، ثم استعمل في العطف والرأفة)، فيكون مجازاً؛ لأن العطف والرأفة سببا الاشتياق والارتياح. وفي "الأساس" بخلافه؛ لأنه ذكر في قسم الحقيقة: حن إلى وطنه، وحن عليه حناناً: ترحم عليه، وكيف ما كان استعماله في حق الله تعالى استعارةٌ تبعيةٌ لمعنى إنعامه على عباده ولُطفه بهم؛ لأن الوالد إذا عطف على ولده وأهر الشفقة فيحقه لطف به وأنعم عليه.

ص: 585

[(وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا)].

سلم الله عليه في هذه الأحوال، قال ابن عيينة: إنها أوحش المواطن.

[(وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا * فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا)].

(إِذِ) بدل من (مَرْيَمَ) بدل الاشتمال؛ لأنّ الأحيان مشتملة على ما فيها. وفيه أنّ المقصود بذكر مريم ذكر وقتها هذا؛ لوقوع هذه القصة العجيبة فيه. والانتباذ: الاعتزال والانفراد، تخلت للعبادة في مكان مما يلي شرقي بيت المقدس، أو من دارها معتزلة عن الناس. وقيل: قعدت في مشرفة للاغتسال من الحيض محتجبة بحائط

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وفيه أن المقصود بذكر مريم ذكرُ وقتها)، أي: في الإبدال إشارةٌ إلى أن المقصود الأولى في هذا المقام استحضارُ ذلك الوقت الذي حدثت تلك الحادثة الغريبة فيه في ذهن السامع ومشاهدته ليتعجب منه، وكذلك فعل في قصة زكريا عليه السلام في قوله:(إِذْ نَادَى رَبَّهُ).

قوله: (والانتباذُ: الاعتزالُ والانفراد)، الراغب: انتبذ فلانٌ: اعتزل اعتزال من تقلُّ مبالاته بنفسه فيما بين الناس، والنبذ: إلقاء الشيء وطرحه لقلة الاعتداد به، ولذلك يُقال: نبذته نبذ النعل الخلق، قال تعالى:(كَلاَّ لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ)[الهمزة: 4]، (فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ) [آل عمران: 187] لقلة اعتدادهم به، وصبيٌّ منبوذٌ ونبيذٌ، كقولك: لقيطٌ وملقوط، لكن يُقال: منبوذٌ باعتبار من طرحه، وملقوطٌ باعتبار من تناوله.

قوله: (أو من دارها)، عطفٌ على "مما يلي" بأن يُقدر: مما يلي شرقي دارها، أي: مكاناً من الذي يقربُ شرقي بيت المقدس أو بقرب شرقي دارها.

قوله: (في مشرقةٍ)، أي: موضع القعود لإشراق الشمس. الأساس: قعدوا في المشرقة وتشرقوا.

ص: 586

أو شيء يسترها، وكان موضعها المسجد، فإذا حاضت تحوّلت إلى بيت خالتها، فإذا طهرت عادت إلى المسجد، فبينما هي في مغتسلها أتاها الملك في صورة آدمى شاب أمرد وضيء الوجه جعد الشعر (سويا) سوىّ الخلق، لم ينتقص من الصورة الآدمية شيئا. أو: حسن الصورة مستوى الخلق، وإنما مثل لها في صورة الإنسان لتستأنس؛ بكلامه ولا تنفر عنه، ولو بدا لها في الصورة الملكية لنفرت ولم تقدر على استماع كلامه. ودلّ على عفافها وورعها أنها تعوّذت بالله من تلك الصورة الجميلة الفائقة الحسن، وكان تمثيله على تلك الصفة ابتلاء لها وسبرا لعفتها. وقيل: كانت في منزل زوج أختها زكريا ولها محراب على حدة تسكنه، وكان زكريا إذا خرج أغلق عليها الباب، فتمنت أن تجد خلوة في الجبل لتفلي رأسها، فانفجر السقف لها، فخرجت فجلست في المشرفة وراء الجبل، فأتاها الملك.

وقيل: قام بين يديها في صورة ترب لها، اسمه يوسف من خدم بيت المقدس. وقيل: إنّ النصارى اتخذت المشرق قبلة؛

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: ((سَوِيّاً) سوى الخلق)، الراغب: السوي يقالُ: فيما يُصان عن الإفراط والتفريط من حيث القدرُ الكيفية، قال تعالى:(مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ)[طه: 135]، ورجلٌ سويٌّ: استوت أخلاقه وخلقته عن الإفراط والتفريط.

قوله: (وسبراً لعفتها)، المُغرب: سبر الجرح بالمسبار: قدر غوره بحديدة أو غيرها.

قوله: (زوج أختها) قيل: الصواب: خالتها، وقد سبق في آل عمران تحقيقه.

قوله: (لتفلي رأسها). الأساس: فليت رأسي واستفليته واستفليت رأسي: طلبتُ أن يُفلي. ومن المجاز: فليتُ الشعر: تدبرته عن معاينة. الجوهري: فليت رأسه من القمل.

قله: (في صورة تربٍ لها)، الجوهري: قولهم: هذه تربُ هذه، أي: لدتها، وهُنَّ أترابٌ.

ص: 587

لانتباذ مريم مكانا شرقيا. الروح: جبريل، لأنّ الدين يحيا به وبوحيه. أو سماه الله روحه على المجاز؛ محبة له وتقريباً، كما تقول لحبيبك: أنت روحي. وقرأ أبو حيوة: (روحنا) بالفتح؛ لأنه سبب لما فيه روح العباد، وإصابة الرّوح عند الله الذي هو عدّة المقرّبين في قوله (فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ* فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ) [الواقعة: 88 - 89]، أو لأنه من المقرّبين، وهم الموعودون بالروح، أي: مقرّبنا وذا روحنا.

[(قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا)].

أرادت إن كان يرجى منك أن تتقى الله وتخشاه وتحفل بالاستعاذة به، فإني عائذة به منك، .........

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (أو سماه الله روحه على المجاز)، هذا يوهم أن الوجه الأول لا مجاز فيه، لكن هذا المجاز في الإضافة للتشريف على نحو: بيت الله وناقة الله، الأول من إطلاق المُسبب على السبب، لقوله:"لأن الدين يحيا به"، وإحياؤه الدين أيضاً مجازٌ عن إظهاره وتنويهه.

قله: (وإصابة الروح)، بالرفع، عطفٌ على "روح العباد" على أن يُراد بالروح: القرآن، فيكون من باب عطف الخاص على العام اهتماماً؛ لأن قوله:(فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ)[الواقعة: 88 - 89] بعضٌ منه. ويؤيده رواية الجر عطفاً على "ما" في "لِما". ويجوزُ أن يكونا لرفعُ عطفاً على سبيل البيان، كما أن قوله:"ونُوحيه" عطفٌ على الهاء في "به" كذلك، أي: أنه سبٌ لما فيه إصابة الروح عند الله؛ لأنه عليه السلام نزل بقوله: (فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ)[الواقعة: 88 - 89] وهو عدةُ المقربين.

قوله: (أو لأنه من المقربين)، أي: إنما قال: "روحنا" لأنه من المقربين، وإنما سُمي المقربون بالروح، لأنهم وُعدوا به فيكون مجازاً بأدنى ملابسة، فالوجهان في هذه القراءة كالوجهين في القراءة الأولى مجازاً وإضافة. نعم الإضافة الأولى أعلى وأسنى.

قوله: (وتحفل بالاستعاذة)، الجوهري: حفلت بكذا، أي: باليت به، يقال لا تحفل به.

ص: 588

كقوله تعالى (بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)[هود: 86].

[(قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا)].

أي: إنما أنا رسول من استعذت به، (لِأَهَبَ لَكِ) لأكون سببا في هبة الغلام

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (كقوله تعالى: (بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ)[هود: 86]، قال المصنف فيه:"ما يبقى لكم من الحلال بعد التنزه عما هو حرامٌ خيرٌ لكم إن كنتم مؤمنين"، ووجه الشبه أن المتقي إنما يكون متقيا إذا أشرف على محارم الله تعالى ولا يهتك حرمته فيها، كما أن المؤمن إنما يكمل إيمانه إذا اعتقد أن القليل من الحلال خيرٌ من الكثير من الحرام، وفائدة هذا الأسلوب: الانزجار على الوجه الأبلغ، ولا يُسلك إلا بمن يدعي أنه متصفٌ بتلك الصفة، وهو غالٍ فيها، ومن ثم روى البخاري، عن أبي وائل، قال: علمت مريم أن التقي ذو نهية حين قالت: (إِنْ كُنتَ تَقِيّاً). ذو نُهية، أي ذو عقل، وقال محيي السنة: هذا كقول القائل: إن كنت مؤمناً فلا تظلمني، أي: ينبغي أن يكون إيمانُك مانعاً من الظُّلم.

وقلت: مثاله في الشاهد قولك لمن تخاف غائلته وتعرفُ أنه ممن يتقي سطوات الملك العادل: أنا أستجير منك إلى الملك العادل إن كنت تتقي سطواته، فإذا بلغ تماديه في الغي إلى انه لا يرتدع بمثل هذا الرادع، قلت للملك العادل: أنا ألوذ إليك وأستجير بكنفك من معرة فلان، فقولها:(وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ)[آل عمران: 36] من هذا المقام.

قوله: (لأكون سبباً لهبة الغُلام). الراغب: الهبة: أن تجعل ملكك لغيرك بغير

ص: 589

بالنفخ في الدرع. وفي بعض المصاحف: (إنما أنا رسول ربك أمرني أن أهب لك). أو هي حكاية لقول الله تعالى.

[(قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا* قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا)].

جعل المسّ عبارة عن النكاح الحلال،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عوض، وقوله:(لأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيّاً) نسب الملكُ الهبة إلى نفسه لكونه سبباً، وقرئ:"ليهب لك" فنُسبَ على الله عز وجل، فهو على الحقيقة، ويوصف الله تعالى بالواهب والوهاب بمعنى أنه: يُعطي كلا على قدر استحقاقه.

قوله: (أو هي حكاية لقوله عز وجل، فالتقدير: أنا رسول ربك حاملاً لوحيه أني طهرتك واصطفيتك لأهب لك غُلاماً زكيا، أي: مطهراً.

قوله: (جعل المس عبارة عن النكاح الحال)، قال الإمامُ: ولقائل أن يقول: قولها: (وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ) يدخل تحته قولها: (وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً) فلماذا أعادها؟ ويُقوي السؤال قولها في آل عمران: (قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ)[آل عمران: 47]، والجواب من وجهين، أحدهما: أنها جعلت المس عبارة عن النكاح الحلال.

وثانيهما: أن إعادتها لتعظيم حالها، كقوله تعالى:(وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ)[البقرة: 98]؛ فذكرث البغي بعد دخوله في الكلام لأنه أعظمُ ما في بابه، لأن من لم تُعرف من النساء بالتزوج فأغلظ أحوالها إذا أتت بولدٍ أن تكون زانية.

ص: 590

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقلت: الوجه الأول أقضي لحق البلاغة، ولهذا اختاره المصنف؛ لأن قوله:(وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ): حالٌ مقررةٌ لجهة الإشكال، وردت على الكناية عن النكاح الحلال مقرونة بأخرى لإرادة التقسيم الحاصر، فيفيد أن عُلقمة الولد ومظنة حصول الغلام عُرفاً، إنما يكون بطريق النكاح أو السفاح، وما لم يوجدا كيف يُتصور وجوده؟ لكن في تعليله جعل المس عبارة عن النكاح الحلال لأنه كنايةٌ عنه، حزازة؛ لأنه جاء في آل عمران ولم يُرد به هذه الكناية، بل العبارة الجيدة أن يُقال جعل المس عبارة عن النكاح في هذا المقام لوقوعه قرينة لقوله:(وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً) لإفادة التقسيم الحاصر.

فإن قلت: كيف طابق قولها: (وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً) قوله: (لأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيّاً)، فإنه نفي كل الريبة والتهمة بقوله:(زَكِيّاً)؟

قلتُ: كأنها من فرط تعجبها وغاية استبعادها نبذت الوصف وراءها ظهرياً، وأتت بالموصوف، وأخذت في تقرير نفيه على أبلغ وجه، أي: ما أبعد وجود هذا الموصوف مع هذه الموانع، بله الوصف! وهو قريبٌ من الأسلوب الحكيم.

ولما كان الاهتمام بشأن النفي في الثاني أتم "آثرته"، كأن الإيذان بأن انتفاء الفجور لازمٌ لها، وبعيدٌ أن تتصف بما يخالف العفة؛ لأنها كانت من بيت العفة ومعدن الطهارة، ألا ترى إلى قولهم:(يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً)[مريم: 28]؟ وبهذا ظهر أن قول من قال: إن هارون كان رجلاً صالحاً أخاً لها هو القول.

قال الراغبُ: كأن ما استعمل منه في جنس الشيء متعلقاً بوصفٍ له تنبيهٌ على أن ذلك الوصف لازمٌ له قليل الانفكاك، كقوله تعالى:(وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُوراً)[الإسراء: 67].

وقلت: وقد جاء في فرد من أفراد الجنس باعتبار وصفٍ يجعله كالجنس، نحو: (مَّا

ص: 591

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ) [الأحزاب: 40] وما نحن بصدده من هذا القبيل.

فإن قلت: قول الإمام: "ويُقوي السؤال ما في آل عمران"، يوهم أن القرينة الأولى كافية في الجواب عن قوله:(لأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيّاً)، فكيف وقوعها في هذا المقام دون ذلك، والقصة واحدة؟

قلت: يجوز أن يكون ما في آل عمران بشارة أخرى من الملائكة بعد هذه البشارة من جبريل، بشرت أولاً بموهوب زكي ثم بموهوب موصوف بتلك الصفات الكوامل، فحقيقة البشارة في الكرة الثانية: جعلُ ذلك المهول نبياً ذا آيات بينات، كقوله تعالى:(وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَقَ نَبِيّاً مِنْ الصَّالِحِينَ) لأن البشارة هي الإخبار بما يُظهر سرور المخبر، فالسرور الثاني غير الأول، وإنما لم يُردف القرينة الثانية بها في البشارة الثانية؛ لأنه لم يلحقها ما تستشعر معه الخوف على نفسها كما لحقها في المرة الأولى، ولذلك استعاذت فيها بقوله:(إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنتَ تَقِيّاً).

وأيضاً، لا ارتياب أن سورة مريم مكية؛ لأنها تليت على النجاشي في أولى الهجرتين. وسورة آل عمران كما قيل: مدنية.

ويمكن أن يقال: إن كلتيهما قصة واحدة، إنما اختلفت العبارات لما أنه عز شأنه ذكر قصتها الواحدة في كل مكان بحسب ما يقتضيه المقام من الإطناب والإيجاز، فهذا المقام مقام بيان المقاولة التي جرت بينها وبين الملك، والحالات الواقعة بينهما، لا بيان وصف الغلام بتلك الأوصاف المذكورة في آل عمران، فأطنب في الأول واختصر في الثاني، بخلافه في "آل عمران"، لأنه مقامُ تقرير الامتنان على مريم بموهوب عظيم القدر بديع الشأن، فأطنب في الأوصاف، وأوجز في بيان المقاولة، وقد ذكرنا في سورة هود قانوناً يُرجع إليه

ص: 592

لأنه كناية عنه، كقوله تعالى:(مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ)[البقرة: 237]، (أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ) [النساء: 43]، والزنا ليس كذلك، إنما يقال فيه: فجر بها، وخبث بها، وما أشبه ذلك، وليس بقمن أن تراعى فيه الكنايات والآداب. والبغي: الفاجرة التي تبغي الرجال، وهي فعول عند المبرد:«بغوي» فأدغمت الواو في الياء. وقال ابن جني في كتاب (التمام): هي فعيل، ولو كانت فعولا لقيل:«بغوّ» كما قيل: فلان نهوّ عن المنكر. (وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً): تعليل معلله محذوف، أي: ولنجعله آية للناس فعلنا ذلك. أو هو معطوف على تعليل مضمر، أي: لنبين به قدرتنا ولنجعله آية. ونحوه:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في أمر قصة واحدة تردُ على أنحاء مختلفة في مواضع شتىن وبسطنا الكلام فيه. والله أعلم بأسرار كلامه.

قوله: (وليس بقمن)، يقالُ: أنت قمنٌ أن يفعل كذا، بالتحريك، أي: جدير خليقٌ، لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث، فإذا كسرت الميم أو قلت: قمينٌ، ثنيت وجمعت.

قوله: (وهي فعولٌ عند المبرد)، قال أبو البقاء: فلما اجتمعت الواو والياء قلبت الواو ياء وأدغمت، وكُسرت الغين إتباعاً، ولذلك لم يلحق تاء التأنيث، كما لم تُلحق في امرأة صبور وشكور.

قوله: (هي فعيل)، قال أبو البقاء: هي "فعيلٌ" بمعنى: فاعل، ولم تلحق التاء أيضاً؛ لأنه للمبالغة؛ ولأنه على النسب مثل: طالق وحائض.

قوله: (فلانٌ نهو)، وهو شاذ، قيل: لأنه إذا اجتمع الواو والياء وسبق ساكنٌ قلبت الواو ياء وأدغم. وقال صاحب "التقريب": نصوا على أن "نهوا" شاذ ليس بقياس.

قوله: (أو هو معطوفٌ على تعليل مضمر)، والمعنى: أهب لك وأنت كذلك لنبين، كقوله تعالى:(وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ)[الجاثية: 22] ليستدل بها المكلف على

ص: 593

(وَخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ)[الجاثية: 22]، وقوله:(وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ)[يوسف: 21]. (مَقْضِيًّا) مقدّرا مسطورا في اللوح لا بدّ لك من جريه عليك. أو: كان أمرا حقيقا بأن يكون ويقضى؛ لكونه آية ورحمة. والمراد بالآية: العبرة والبرهان على قدرة الله. وبالرحمة: الشرائع والألطاف، وما كان سببا في قوّة الاعتقاد والتوصل إلى الطاعة والعمل الصالح، فهو جدير بالتكوين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قُدرته، ولتُجزى كل نفس. وقوله:(وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ)[يوسف: 56] ليتصرف فيها ولنُعلمه، ونظيرُ الأول قوله في "الأنفال":(لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً)[الأنفال: 42] ليقضي: متعلقٌ بمحذوف، أي: ليقضي أمراً واجباً أن يُفعل دبر ذلك. الحاصل: أنه على التقدير الأول: عطف الجملة على الجملة، على الثاني: عطف المفرد على المفرد.

فإن قلت: لم يُقدر المعلل مؤخراً؟ قلتُ: فائدةُ هذا الأسلوب، وهو أن تُجاء العلة بالواو للاهتمام بشأن العلة المذكورة؛ لأنه إما أن يُقدر علة أخرى ليعطف عليها، فيكون اختصاص ذكرها لكونها أهم، وإما أن يُقدر معلل، فيجب أن يكون مؤخراً، ليشعر تقديمه بالاهتمام.

قوله: (أو كان أمراً حقيقاً بأن يكون ويقضى)، فعلى الأول:(وَكَانَ أَمْراً مَقْضِيّاً) تذييلٌ للكلام وتوكيدٌ له، وكالموجب لتكوين ما يدل على القدرة الكاملة والرحمة الشاملة. وعلى الثاني: كالموجب بفتح الجيم، وذلك بالنظر إلى معنى الآية، وأنها البرهان على قدرة الله، ومفهوم الرحمة، وأن ابنها يصير نبيا مباركا، وأن كونهما من المصالح الموجبة أن تُراعي. والأول أنسب لمذهبنا، والثاني لمذهبه، ويدل على أن المراد رعاية الأصلح قوله:"وما كان سبباً في قوة الاعتقاد والتوصل إلى الطاعة والعمل الصالح، فهو جديرٌ بالتكوين".

ص: 594

[(فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا)].

عن ابن عباس: فاطمأنت إلى قوله، فدنا منها فنفخ في جيب درعها، فوصلت النفخة إلى بطنها فحملت. وقيل: كانت مدّة الحمل ستة أشهر. وعن عطاء وأبى العالية والضحاك: سبعة أشهر. وقيل: ثمانية، ولم يعش مولود وضع لثمانية إلا عيسى. وقيل: ثلاث ساعات. وقيل: حملته في ساعة، وصوّر في ساعة، ووضعته في ساعة، حين زالت الشمس من يومها. وعن ابن عباس: كانت مدة الحمل ساعة واحدة، كما حملته نبذته. وقيل: حملته وهي بنت ثلاث عشرة سنة. وقيل: بنت عشر، وقد كانت حاضت حيضتين قبل أن تحمل. وقالوا: ما من مولود إلا يستهلّ غيره. (فَانْتَبَذَتْ بِهِ) أي: اعتزلت وهو في بطنها، كقوله:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (فاطمأنت إلى قوله، فدنا منها فنفخ في جيب درعها فوصلت النفخة إلى بطنها فحملت)، إشارة إلى أن الفاء في:(فَحَمَلَتْهُ) تعطفُ هذه الجملة على ما قبلها بواسطة هذه المضمرات، فلا يبعد أن تُسمى فصيحةً؛ لأن الاطمئنان يستدعي سبق انزعاج، وذلك أنه حين تمثل لها الرسول بشراً سوياً انزعجت منه فاستعاذت بالرحمن، فلما جرى بينهما تلك المقاولة اطمأنت على قوله، فدنا

، إلى آخره.

قوله: (كما حملته نبذته)، بيانٌ لمعنى الفاء في:(فَانتَبَذَتْ)، ولفظةُ "كما" فيها معنى المفاجأة. قال صاحب "اللباب": الكاف قد تأتي للقرآن في الوقوع، كقولك كما حضر زيدٌ غاب عمرو.

قوله: (وقالوا: ما من مولودٍ إلا يستهل غيره)، "غيرهُ": بالنصب على الاستثناء، أشار بهذا إلى الحديث المشهور مضى شرحه في "آل عمران". وإنما أومأ إليه وهو أجنبي هاهنا؛ لأنه ذكر نُبذاً من أحوالها الخارقة للعادات.

ص: 595

تدوس بنا الجماجم والتّريبا

أي: تدوس الجماجم ونحن على ظهورها، ونحوه قوله تعالى:(تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ)[المؤمنون: 20]، أي: تنبت ودهنها فيها، الجار والمجرور في موضع الحال. (قَصِيًّا) بعيدا من أهلها وراء الجبل. وقيل: أقصى الدار. وقيل: كانت سميت لابن عم لها اسمه يوسف، فلما قيل: حملت من الزنى، خاف عليها قتل الملك، فهرب بها، فلما كان ببعض الطريق حدّثته نفسه بأن يقتلها، فأتاه جبريل فقال: إنه من روح القدس فلا تقتلها، فتركها.

[(فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا)].

(فَأَجاءَهَا) أجاء: منقول من جاء،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (تدوس بنا الجماجم التربيا)، أوله:

فمرت غير نافرةٍ عليهم

قبله:

كأن خيولنا كانت قديماً

تُسقى في قحوفهم الحليبا

الترائب: عظام الصدر، والقحفُ: العظم فوق الرأس. والضمير يعود إلى الأعادي، والعربُ تسقي اللبن كرام خيولهم. يقول: خيلنا كانت تُسقى اللبن في أقحاف رؤوس الأعداء لإلفها بها، ولهذا كانت تمر عليهم وعلى صدورهم ونحن عليها ولم تنفر عنهم.

قوله: (فهرب بها)، أي: هرب ابن عمها مستصحباً إياها، ويجوز أن تكون الباء للتعدية.

ص: 596

إلا أن استعماله قد تغير بعد النقل إلى معنى الإلجاء. ألا تراك تقول: جئت المكان وأجاءنيه زيد، كما تقول: بلغته وأبلغنيه. ونظيره «آتى» حيث لم يستعمل إلا في الإعطاء، ولم تقل: أتيت المكان وآتانيه فلان. قرأ ابن كثير في رواية: (الْمَخاضُ) بالكسر. يقال: مخضت الحامل مخاضا ومخاضا؛ وهو تمخض الولد في بطنها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (إلا أن استعماله قد تغير بعد النقل إلى معنى الإلجاء)، الجوهري: أجأته إلى كذا: ألجأته واضطررته إليه. قال الفراء: أصله من جئت وقد جعلته العرب إلجاء. وفي المثل: شرٌّ ما يجيئك إلى مخة عرقوب، قال الأصمعي: وذلك أن العرقوب لا مُخ فيه، وإنما يحوج إليه من لا يقدر على شيء.

الراغب: المجيء: كالإتيان، لكن المجيء أعم؛ لأن الإتيان: مجيء بسهولة، ويقال: جاء في الأعيان والمعاني، وبما يكون مجيئه بذاته وبأمره، ولمن قصد مكاناً أو عملاً أو زماناً، يقال: جاء بكذا وأجاءه، قال تعالى:(فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ)، قيل: ألجأها، وغنما هو مُعدى عن "جاء"، قال الشاعر:

أجاءته المخافةُ والرجاء

قوله: (ولم يُقل: آتيتُ المكان وآتانيه فلانٌ)، الجوهري: آتاه إيتاء، أي: أعطاه، وآتاه أيضاً، أي: أتى به، ومنه قوله تعالى:(آتِنَا غَدَاءَنَا) أي: ائتنا به. وقيل: معنى قوله: (آتِنَا غَدَاءَنَا): إيتنا به أظهرُ من قوله: أعطنا الغداء؛ لأنا موسى عليه السلام طلب من يوشع إحضار الغذاء لا إعطاءه إياه، وسيجيء في قوله:(إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَاتِيّاً)[مريم: 61] اختياره لغير ما اختاره هاهنا.

قوله: (تمخض الولد)، الجوهري: مخض اللبن وامتخض، أي: تحرك في الممخضة، كذلك الولد إذا تحرك في بطن الحامل، والمخاضُ: وجعُ الولادة.

ص: 597

طلبت الجذع؛ لتستتر به وتعتمد عليه عند الولادة، وكان جذع نخلة يابسة في الصحراء ليس لها رأس ولا ثمرة ولا خضرة، وكان الوقت شتاء، والتعريف لا يخلو: إمّا أن يكون من تعريف الأسماء الغالبة، كتعريف النجم والصعق، كأن تلك الصحراء كان فيها جذع نخلة متعالم عند الناس، فإذا قيل: جذع النخلة؛ فهم منه ذلك دون غيره من جذوع النخل. وإمّا أن يكون تعريف الجنس، أي: جذع هذه الشجرة خاصة، كأن الله تعالى إنما أرشدها إلى النخلة ليطعمها منها الرطب الذي هو خرسة النفساء الموافقة لها، ولأن النخلة أقل شيء صبرا على البرد، وثمارها إنما هي من جمارها، فلموافقتها لها مع جمع الآيات فيها اختارها لها

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (مُتعالم)، الجوهري: تعالمه الجميع أي: علموه.

قوله: (خرسة النفساء)، الجوهري: الخُرسُ بالضم: طعامُ الولادة. الأساس: أطعموا النفساء خرستها، وهي طعامها خاصة، وقد خرست فتخرست، وعن بعضهم: الخُرسُ بالضم: طعامُ الولادة والوليمة، وبالتاء: طعام النفساء.

قوله: (من جُمارها). الجوهري: الجمار: شحم النخلة، وفي تذكير ضمير هو بحثٌ؛ لأنه راجعٌ إلى الثمار، اللهم إلا أن يُتمحل أنه نظر إلى الخبر، ولعله سقط من النساخ.

قوله: (فلموافقتها لها مع جميع الآيات اختارها لها)، الفاء: فصيحةٌ، والمراد بالموافقة مع جميع الآيات: ماذكره:

أولاها: قوله: "ليطعمها منها"، وأنها احتاجت إلى الخرسة، وقد أُتيت بما هي محتاجة إليه.

ص: 598

وألجأها إليها. قرئ: (مِتُّ) بالضم والكسر، يقال: مات يموت، ومات يمات. النسىي: ما من حقه أن يطرح وينسى، كخرقة الطامث ونحوها، كالذبح: اسم ما من شأنه أن يذبح في قوله تعالى: (وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ)[الصفات: 107]. وعن يونس: العرب

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وثانيتها: قوله: "ولأن النخلة أقل شيء صبراً على البرد" فصبرت عليه بأن أثمرت، كذلك النفساء تتوقى منه لاستضرارها به، ثم إن الله تعالى حفظها منه كما حفظ النخلة.

وثالثتها: قوله: "وثمارها إنما هو من جُمارها" أي: أثمرت من غير لقاح، وفي غير الأوان.

قال الإمام: كأن الله تعالى أرشدها إلى النخلة ليُطعمها منها الرُّطب؛ لأنه أشد الأشياء موافقة للنفساء، ولا تثمر إلا عند اللقاح، وإذا قطعت رأسها لم تثمر، فكأنه كما قيل: كما أن الأنثى لا تلد إلا بالذكر، كذلك النخلة لا تثمر إلا عند اللقاح، ثم إني أُظهر الرُّطب من غير اللقاح، ليدل على جواز ظهور الولد من غير الذكر.

قوله: (وألجأها إليها)، فيه إشعارٌ بأن الإسناد في قوله:(فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ) مجازي المعنى، ألجأها الله تعالى إلى جذع النخلة، وقت مخاضها واختارها لها.

قوله: ((مِتُ) بالضم والكسر)، ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وأبو بكر:[بالضم]، والباقون: بالكسر.

قوله: (النسيُ: ما من حقه أن يُطرح)، الراغب: النسيُ: أصله ما ينسى، كالنقض: لما يُنقض، فصار في التعارف اسماً لما يقل الاعتدادُ به. وقوله تعالى:(نَسْياً مَنْسِيّاً) أي: جارياً مجرى النسي القليل الاعتداد به، ولهذا عقبه بقوله:(مَنْسِيّاً) لأن النسي قد يُقال لما يقل الاعتدادُ به وإن لم يُنس.

قوله: (عن يونس)، قال ابن الأنباري: هو يونس بن حبيب البصري، أخذ عن أبي

ص: 599

إذا ارتحلوا عن الدار قالوا: انظروا أنساءكم، أي: الشيء اليسير نحو العصا والقدح والشظاظ. تمنت لو كانت شيئا تافها لا يؤبه له، من شأنه وحقه أن ينسى في العادة، وقد نسى وطرح فوجد فيه النسيان الذي هو حقه؛ وذلك لما لحقها من فرط الحياء والتشوّر من الناس على حكم العادة البشرية، لا كراهة لحكم الله، أو لشدّة التكليف

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عمرو بن العلاء، وسمع من العرب كما سمع من كان قبله، أخذ عنه سيبويه والكسائي والفراء، وله مذاهب وأقيسةٌ تفرد بها.

قوله: (والشظاظ)، الجوهري: هو العود الذي يدخل في عروة الجوالق.

قوله: (تافهاً)، الجوهري: التافه: الحقير اليسير.

قله: (وقد نُسي واطرح): حالٌ من فاعل "يُنسى"، وهو الضمير الراجع إلى:(نَسْياً) و"أن يُنسى": فاعلُ "من شأنه"؛ لأنه صفة (نَسْياً) قد اعتمد عليه، وإنما قال:"من شأنه أن يُنسى في العادة"، لما قال: النسيُ: ما من حقه أن يُطرح ويُنسى، وفائدة توكيده بـ (مَنْسِيّاً): الدلالة على المبالغة، فإن كل نسي لا يلزم أن يكون منسياً، وإليه الإشارة بقوله:"فوجد فيه النسيان الذي هو حقه".

قوله: (لا كراهة)، قيل: هو عطفٌ على "لما لحقها"، وإنما حذف اللام؛ لأن الكراهة فعلٌ لفاعل الفعل المعلل، ولم يحذف في "لما لحقها" لأن ما لحقها وإن كان عبارة عن الحياء، وهو فعله، لكن لما أسند اللحوق إلى "ما" فكأنه ليس فعله، أو ليؤذن أن الحذف جائز عند وجود شرائط الحذف لا واجبٌ.

وقلت: ويمكن أن يُقال: إنه عطفٌ على محل قوله: "على حكم العادة البشرية" من حيث المعنى؛ لأنه حالٌ من الضمير المنصوب في "لحقها". المعنى: لما لحقها من فرط الحياء جارية على حكم العادة البشرية لا كارهة لحكم الله، أو يقال: هو عطفٌ على ما يتعلقُ به

ص: 600

عليها إذا بهتوها وهي عارفة ببراءة الساحة وبضدّ ما قرفت به، من اختصاص الله إياها بغاية الإجلال والإكرام؛ لأنه مقام دحض قلما تثبت عليه الأقدام: أن تعرف اغتباطك بأمر عظيم وفضل باهر تستحق به المدح وتستوجب التعظيم، ثم تراه عند الناس لجهلهم به عيبا يعاب به ويعنف بسببه، أو لخوفها على الناس أن يعصوا الله بسببها. وقرأ ابن وثاب والأعمش وحمزة وحفص:(نَسْياً) بالفتح. قال الفراء: هما لغتان كالوتر والوتر، والجسر والجسر. ويجوز أن يكون مسمى بالمصدر. ك (الحمل). وقرأ محمد بن كعب القرظي:«نسأ» بالهمز؛ وهو الحليب المخلوط بالماء، ينسؤه أهله؛ لقلته ونزارته. وقرأ الأعمش:(مَنْسِيًّا) بالكسر على الإتباع، كالمغيرة والمنخر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الجار والمجرور، أي: بناء على حكم العادة البشرية لا كراهة لحكم الله، يدل عليه عطف قوله:"أو لشدة التكليف" باللام، وقوله:"أو لخوفها على الناس" على "ما لحقها"، الخوف فعلها، ولأن "لما لحقها": خبرُ "ذلك"، ولا يسوغُ "ذلك كراهة لحكم الله"، بالنصب.

قوله: (أن تعرف) في موضع النصب على أنه مفعولٌ مطلقٌ لقوله: "عارفةٌ"، أي: هي ببراءة الساحة معرفتك اغتباطك بأمر عظيم. وعن بعضهم أنه في موضع الرفع خبراً لمبتدأ محذوف، يعني: هو، أي: المقام الدحضُ أن تعرفَ أنتَ، إلى آخره. وقيل:"أن تعرف" بدلٌ من اسم "إن".

قوله: (وقرأ ابن وثاب والأعمش وحمزة: (نَسْياً) بالفتح)، وحفصٌ أيضاً.

ص: 601