المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌من شرح المركز لزوائد الجامع الصغير - فيض القدير - جـ ٧

[عبد الرؤوف المناوي]

الفصل: ‌من شرح المركز لزوائد الجامع الصغير

‌من شرح المركز لزوائد الجامع الصغير

(*) :

لفظ البخاري في صحيحه (53) عن أبي جمرة قال كنت أقعد مع ابن عباس يجلسني على سريره فقال أقم عندي حتى أجعل لك سهما من مالي فأقمت معه شهرين ثم قال: " إن وفد عبد القيس لما أتوا النبي صلى الله عليه وسلم قال: من القوم أو من الوفد؟ قالوا: ربيعة قال: مرحبا بالقوم أو بالوفد غير خزايا ولا ندامى فقالوا: يا رسول الله إنا لا نستطيع أن نأتيك إلا في الشهر الحرام وبيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر فمرنا بأمر فصل نخبر به من وراءنا وندخل به الجنة وسألوه عن الأشربة فأمرهم بأربع ونهاهم عن أربع؛ أمرهم بالإيمان بالله وحده قال: أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان وأن تعطوا من المغنم الخمس ونهاهم عن أربع عن الحنتم والدباء والنقير والمزفت وربما قال المقير وقال احفظوهن وأخبروا بهن من وراءكم " قال الحافظ في الفتح: قال النووي: الوفد الجماعة المختارة للتقدم في لقى العظماء واحدهم وافد. قال: ووفد عبد القيس المذكورون كانوا أربعة عشر راكبا كبيرهم الأشج. قال ابن أبي جمرة: في قوله " من القوم " دليل على استحباب سؤال القاصد عن نفسه ليعرف فينزل منزلته. قوله: (مرحبا) هو منصوب بفعل مضمر أي صادفت رحبا بضم الراء أي سعة والرحب بالفتح الشيء الواسع وقد يزيدون معها أهلا أي وجدت أهلا فاستأنس وفيه دليل على استحباب تأنيس القادم وقد تكرر ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم ففي حديث أم هانئ " مرحبا بأم هانئ " وفي قصة عكرمة بن أبي جهل " مرحبا بالراكب المهاجر " وفي قصة فاطمة " مرحبا بابنتي " وكلها صحيحة. وأخرج النسائي من حديث عاصم بن بشير الحارثي عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له لما دخل فسلم عليه " مرحبا وعليك السلام ". قوله: (غير خزايا) : وخزايا جمع خزيان وهو الذي أصابه خزي والمعنى أنهم أسلموا طوعا من غير حرب أو سبي بهم ويفضحهم. قوله (ولا ندامى) قال الخطابي: كان أصله نادمين جمع نادم لأن ندامى إنما هو جمع ندمان أي المنادم في اللهو وقال الشاعر فإن كنت ندماني فبالأكبر أسقني لكنه هنا خرج على الاتباع كما قالوا العشايا والغدايا وغداة جمعها الغدوات لكنه أتبع انتهى. وقد حكى القزاز والجوهري وغيرهما من أهل اللغة أنه يقال نادم وندمان في الندامة بمعنى فعلى هذا فهو على الأصل ولا إتباع فيه. والله أعلم. قوله: (إلا في الشهر الحرام) والمراد بالشهر الحرام الجنس فيشمل الأربعة الحرم وكانت مساكن عبد القيس بالبحرين وما والاها من أطراف العراق ولهذا قالوا - كما في رواية شعبة عند المؤلف في العلم - وإنا نأتيك من شقة بعيدة. قال ابن قتيبة: الشقة السفر. وقال الزجاج: هي الغاية التي تقصد. قوله: (فأمرهم بأربع) أي خصال أو جمل قال القرطبي: قيل إن أول الأربع المأمور بها إقام الصلاة وإنما ذكر الشهادتين تبركا بهما كما قيل في قوله تعالى (واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه) وإلى هذا نحا الطيبي فقال: عادة البلغاء أن الكلام إذا كان منصوبا لغرض جعلوا سياقه له وطرحوا ما عداه وهنا لم يكن الغرض في الإيراد ذكر الشهادتين - لأن القوم كانوا مؤمنين مقرين بكلمتي الشهادة - ولكن ربما كانوا يظنون أن الإيمان مقصور عليهما كما كان الأمر في صدر الإسلام قال: فلهذا لم يعد الشهادتين في الأوامر. قيل ولا يرد على هذا الإتيان بحرف العطف فيحتاج إلى تقدير. وقال القاضي أبو بكر بن العربي: لولا وجود حرف العطف لقلنا إن ذكر الشهادتين ورد على سبيل التصدير لكن يمكن أن يقرأ قوله " وإقام الصلاة " بالخفض فيكون عطفا على قوله " أمرهم بالإيمان " والتقدير أمرهم بالإيمان مصدرا به وبشرطه من الشهادتين وأمرهم بإقام الصلاة إلخ قال: ويؤيد هذا حذفهما في رواية المصنف في الأدب من طريق أبي التياح عن أبي جمرة ولفظه " أربع وأربع أقيموا الصلاة إلخ ". فإن قيل ظاهر ما ترجم به المصنف من أن أداء الخمس من الإيمان يقتضي إدخاله مع باقي الخصال في تفسير الإيمان والتقدير المذكور يخالفه أجاب ابن رشيد بأن المطابقة تحصل من جهة أخرى وهي أنهم سألوا عن الأعمال التي يدخلون بها الجنة وأجيبوا بأشياء منها أداء الخمس والأعمال التي تدخل الجنة هي أعمال الإيمان فيكون أداء الخمس من الإيمان بهذا التقرير. فإن قيل: فكيف قال في رواية حماد بن زيد عن أبي جمرة " آمركم بأربع: الإيمان بالله: شهادة أن لا إله إلا الله. وعقد واحدة " كذا للمؤلف في المغازي وله في فرض الخمس " وعقد بيده " فدل على أن الشهادة إحدى الأربع. وأما ما وقع عنده في الزكاة من هذا الوجه من زيادة الواو في قوله " شهادة أن لا إله إلا الله " فهي زيادة شاذة لم يتابع عليها حجاج بن منهال أحد والمراد بقوله شهادة أن لا إله إلا الله أي وأن محمدا رسول الله كما صرح به في رواية عباد بن عباد في أوائل المواقيت ولفظه " آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع: الإيمان بالله " ثم فسرها لهم " شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله " الحديث. والاقتصار على شهادة أن لا إله إلا الله على إرادة الشهادتين معا لكونها صارت علما على ذلك كما تقدم تقريره في باب زيادة الإيمان وهذا أيضا يدل على أنه عد الشهادتين من الأربع لأنه أعاد الضمير في قوله ثم فسرها مؤنثا فيعود على الأربع ولو أراد تفسير الإيمان لأعاده مذكرا وعلى هذا فيقال: كيف قال أربع والمذكورات خمس؟ وقد أجاب عنه القاضي عياض - تبعا لابن بطال - بأن الأربع ما عدا أداء الخمس قال: كأنه أراد إعلامهم بقواعد الإيمان وفروض الأعيان ثم أعلمهم بما يلزمهم إخراجه إذا وقع لهم جهاد لأنهم كانوا بصدد محاربة كفار مضر ولم يقصد ذكرها بعينها لأنها مسببة عن الجهاد ولم يكن الجهاد إذ ذاك فرض عين. قال: وكذلك لم يذكر الحج لأنه لم يكن فرض. وقال غيره: قوله " وأن تعطوا " معطوف على قوله " بأربع " أي آمركم بأربع وبأن تعطوا ويدل عليه العدول عن سياق الأربع والإتيان بأن والفعل مع توجه الخطاب إليهم قال ابن التين: لا يمتنع الزيادة إذا حصل الوفاء بوعد الأربع. قلت: ويدل على ذلك لفظ رواية مسلم من حديث أبي سعيد الخدري في هذه القصة " آمركم بأربع: اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وصوموا رمضان وأعطوا الخمس من الغنائم ". وقال القاضي أبو بكر بن العربي: ويحتمل أن يقال إنه عد الصلاة والزكاة واحدة لأنها قرينتها في كتاب الله وتكون الرابعة أداء الخمس أو أنه لم يعد أداء الخمس لأنه داخل في عموم إيتاء الزكاة والجامع بينهما أنهما إخراج مال معين في حال دون حال. وقال البيضاوي: الظاهر أن الأمور الخمسة المذكورة هنا تفسير للإيمان وهو أحد الأربعة الموعود بذكرها والثلاثة الأخر حذفها الراوي اختصارا أو نسيانا. كذا قال وما ذكر أنه الظاهر لعله يحسب ما ظهر له وإلا فالظاهر من السياق أن الشهادة أحد الأربع لقوله " وعقد واحدة " وكان القاضي أراد أن يرفع الإشكال من كون الإيمان واحدا والموعود بذكره أربعا وقد أجيب عن ذلك بأنه باعتبار أجزائه المفصلة أربع وهو في حد ذاته واحد والمعنى أنه اسم جامع للخصال الأربع التي ذكر أنه يأمرهم بها ثم فسرها فهو واحد بالنوع متعدد بحسب وظائفه كما أن المنهي عنه - وهو الانتباذ فيما يسرع إليه الإسكار - واحد بالنوع متعدد بحسب أوعيته والحكمة في الإجمال بالعدد قبل التفسير أن تتشوف النفس إلى التفصيل ثم تسكن إليه وأن يحصل حفظها للسامع فإذا نسى شيئا من تفاصيلها طالب نفسه بالعدد فإذا لم يستوف العدد الذي في حفظه علم أنه قد فاته بعض ما سمع. وما ذكره القاضي عياض من أن السبب في كونه لم يذكر الحج في الحديث لأنه لم يكن فرض هو المعتمد وقد قدمنا الدليل على قدم إسلامهم لكن جزم القاضي بأن قدومهم كان في سنة ثمان قبل فتح مكة تبع فيه الواقدي وليس بجيد لأن فرض الحج كان سنة ست على الأصح كما سنذكره في موضعه إن شاء الله ولكن القاضي يختار أن فرض الحج كان سنة تسع حتى لا يرد على مذهبه أنه على الفور اهـ. وقد احتج الشافعي لكونه على التراخي بأن فرض الحج كان بعد الهجرة وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان قادرا على الحج في سنة ثمان وفي سنة تسع ولم يحج إلا في سنة عشر وأما قول من قال إنه ترك ذكر الحج لكونه على التراخي فليس بجيد لأن كونه على التراخي لا يمنع من الأمر به وكذا قول من قال إنما تركه لشهرته عندهم ليس بقوي لأنه عند غيرهم ممن ذكره لهم أشهر منه عندهم وكذا قول من قال: إن ترك ذكره لأنهم لم يكن لهم إليه سبيل من أجل كفار مضر ليس بمستقيم لأنه لا يلزم من عدم الاستطاعة في الحال ترك الإخبار به ليعمل به عند الإمكان كما في الآية بل دعوى أنهم كانوا لا سبيل لهم إلى الحج ممنوعة لأن الحج يقع في الأشهر الحرم وقد ذكروا أنهم كانوا يأمنون فيها. لكن يمكن أن يقال إنه إنما أخبرهم ببعض الأوامر لكونهم سألوه أن يخبرهم بما يدخلون بفعله الجنة فاقتصر لهم على ما يمكنهم فعله في الحال ولم يقصد إعلامهم بجميع الأحكام التي تجب عليهم فعلا وتركا. ويدل على ذلك اقتصاره في المناهي على الانتباذ في الأوعية مع أن في المناهي ما هو أشد في التحريم من الانتباذ لكن اقتصر عليها لكثرة تعاطيهم لها. وأما ما وقع في كتاب الصيام من السنن الكبرى للبيهقي من طريق أبي قلابة الرقاشي عن أبي زيد الهروي عن قرة في هذا الحديث من زيادة ذكر الحج ولفظه " وتحجوا البيت الحرام " ولم يتعرض لعدد فهي رواية شاذة وقد أخرجه الشيخان ومن استخرج عليهما والنسائي وابن خزيمة وابن حبان من طريق قرة لم يذكر أحد منهم الحج وأبو قلابة تغير حفظه في آخر أمره فلعل هذا مما حدث به في التغير وهذا بالنسبة لرواية أبي جمرة. وقد ورد ذكر الحج أيضا في مسند الإمام أحمد من رواية أبان العطار عن قتادة عن سعيد بن المسيب - وعن عكرمة - عن ابن عباس في قصة وفد عبد قيس. وعلى تقدير أن يكون ذكر الحج فيه محفوظا فيجمع في الجواب عنه بين الجوابين المتقدمين فيقال: المراد بالأربع ما عدا الشهادتين وأداء الخمس. والله أعلم. قوله: (ونهاهم عن أربع: عن الحنتم إلخ) والحنتم بفتح المهملة وسكون النون وفتح المثناة من فوق هي الجرة كذا فسرها ابن عمر في صحيح مسلم وله عن أبي هريرة: الحنتم الجرار الخضر وروى الحربي في الغريب عن عطاء أنها جرار كانت تعمل من طين وشعر ودم. (والدباء) بضم المهملة وتشديد الموحدة والمد هو القرع قال النووي: والمراد اليابس منه. وحكى القزاز فيه القصر. (والنقير) بفتح النون وكسر القاف: أصل النخلة ينقر فيتخذ منه وعاء. (والمزفت) بالزاي والفاء ما طلي بالزفت. (والمقير) بالقاف والياء الأخيرة ما طلي بالقار ويقال له القير وهو نبت يحرق إذا يبس تطلى به السفن وغيرها كما تطلى بالزفت قاله صاحب المحكم. وفي مسند أبي داود الطيالسي عن أبي بكرة قال: أما الدباء فإن أهل الطائف كانوا يأخذون القرع فيخرطون فيه العنب ثم يدفنونه حتى يهدر ثم يموت. وأما النقير فإن أهل اليمامة كانوا ينقرون أصل النخلة ثم ينبذون الرطب والبسر ثم يدعونه حتى يهدر ثم يموت. وأما الحنتم فجرار كانت تحمل إلينا فيها الخمر. وأما المزفت فهذه الأوعية التي فيها الزفت. انتهى. وإسناده حسن. وتفسير الصحابي أولى أن يعتمد عليه من غيره لأنه أعلم بالمراد. ومعنى النهي عن الانتباذ في هذه الأوعية بخصوصها لأنه يسرع فيها الإسكار فربما شرب منها من لا يشعر بذلك ثم ثبتت الرخصة في الانتباذ في كل وعاء مع النهي عن شرب كل مسكر كما سيأتي في كتاب الأشربة إن شاء الله تعالى. قوله: (وأخبروا بهن من وراءكم) بفتح من وهي موصولة ووراءكم يشمل من جاءوا من عندهم وهذا باعتبار المكان ويشمل من يحدث لهم من الأولاد وغيرهم وهذا باعتبار الزمان فيحتمل إعمالها في المعنيين معا حقيقة ومجازا. واستنبط منه المصنف الاعتماد على أخبار الآحاد على ما سيأتي في بابه إن شاء الله تعالى

(*) قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: هذه شروح مركز ((نور الإسلام)) لأبحاث القرآن والسنة بالإسكندرية لبعض أحاديث زوائد الجامع الكبير

ص: 1

من شرح المركز لزوائد الجامع الصغير: لفظ مسلم في صحيحه (18) : عن أبي سعيد الخدري في حديثه هذا " أن أناسا من عبد القيس قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا نبي الله إنا حي من ربيعة وبيننا وبينك كفار مضر ولا نقدر عليك إلا في أشهر الحرم فمرنا بأمر نأمر به من وراءنا وندخل به الجنة إذا نحن أخذنا به فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وصوموا رمضان وأعطوا الخمس من الغنائم وأنهاكم عن أربع عن الدباء والحنتم والمزفت والنقير قالوا يا نبي الله ما علمك بالنقير قال بلى جذع تنقرونه فتقذفون فيه من القطيعاء قال سعيد أو قال من التمر ثم تصبون فيه من الماء حتى إذا سكن غليانه شربتموه حتى إن أحدكم أو إن أحدهم ليضرب ابن عمه بالسيف قال وفي القوم رجل أصابته جراحة كذلك قال وكنت أخبؤها حياء من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت ففيم نشرب يا رسول الله قال في أسقية الأدم التي يلاث على أفواهها قالوا يا رسول الله إن أرضنا كثيرة الجرذان ولا تبقى بها أسقية الأدم فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم وإن أكلتها الجرذان وإن أكلتها الجرذان وإن أكلتها الجرذان قال وقال نبي الله صلى الله عليه وسلم لأشج عبد القيس إن فيك لخصلتين يحبهما الله الحلم والأناة " وفي رواية: "

وتذيفون فيه من القطيعاء أو التمر والماء " الشرح: قال النووي في شرح مسلم: قوله صلى الله عليه وسلم (فتقذفون فيه من القطيعاء) أما تقذفون فهو بتاء مثناة فوق مفتوحة ثم قاف ساكنة ثم ذال معجمة مكسورة ثم فاء ثم واو ثم نون كذا وقع في الأصول كلها في هذا الموضع الأول ومعناه تلقون فيه وترمون. وأما قوله في الرواية الأخرى وهي رواية محمد بن المثنى وابن بشار عن ابن أبي عدي: (وتديفون به من القطيعاء) فليست فيها قاف وروى بالذال المعجمة وبالمهملة وهما لغتان فصيحتان وكلاهما بفتح التاء وهو من ذاف يذيف بالمعجمة كباع يبيع وداف يدوف بالمهملة كقال يقول وإهمال الدال أشهر في اللغة. وضبطه بعض رواة مسلم بضم التاء على رواية المهملة وعلى رواية المعجمة أيضا جعله من أذاف والمعروف فتحها من ذاف وأذاف ومعناه على الأوجه كلها خلط. والله أعلم. وأما القطيعاء فبضم القاف وفتح الطاء وبالمد وهو نوع من التمر صغار يقال له الشهريز بالشين المعجمة والمهملة وبضمهما وبكسرهما. قوله صلى الله عليه وسلم: (حتى إن أحدكم أو إن أحدهم ليضرب ابن عمه بالسيف) معناه إذا شرب هذا الشراب سكر فلم يبق له عقل وهاج به الشر فيضرب ابن عمه الذي هو عنده من أحب أحبابه. وهذه مفسدة عظيمة. ونبه بها على ما سواها من المفاسد. وقوله أحدكم أو أحدهم شك من الراوي. والله أعلم. وقوله (وفي القوم رجل أصابته جراحة) واسم هذا الرجل جهم وكانت الجراحة في ساقه. قوله صلى الله عليه وسلم: (في أسقية الأدم التي يلاث على أفواهها) أما (الأدم) فبفتح الهمزة والدال جمع أديم وهو الجلد الذي تم دباغه. وأما (يلاث على أفواهها) فبضم المثناة من تحت وتخفيف اللام وآخره ثاء مثلثة. كذا ضبطناه وكذا هو في أكثر الأصول وفي أصل الحافظ أبي عامر العبدري (تلاث) بالمثناة فوق. وكلاهما صحيح. فمعنى الأول يلف الخيط على أفواهها ويربط به. ومعنى الثاني تلف الأسقية على أفواهها كما يقال ضربته على رأسه. قوله (إن أرضنا كثيرة الجرذان) كذا ضبطناه (كثيرة) بالهاء في آخره ووقع في كثير من الأصول (كثير) بغير هاء. قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح: صح في أصولنا كثير من غير تاء التأنيث والتقدير فيه على هذا أرضنا مكان كثير الجرذان. ومن نظائره قول الله عز وجل: {إن رحمة الله قريب من المحسنين} وأما (الجرذان) فبكسر الجيم وإسكان الراء وبالذال المعجمة جمع (جرذ) بضم الجيم وفتح الراء كنغر ونغران وصردان. والجرذ نوع من الفأر كذا قاله الجوهري وغيره. وقال الزبيدي في مختصر العين: هو الذكر من الفار. وأطلق جماعة من شراح الحديث أنه الفأر. قوله صلى الله عليه وسلم: (وإن أكلتها الجرذان وإن أكلتها الجرذان وإن أكلتها الجرذان) هكذا هو في الأصول مكرر ثلاث مرات. وقال النووي في شرحه لحديث ابن عباس: م (17) عن أبي جمرة عن ابن عباس قال قدم وفد عبد القيس على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله إنا هذا الحي من ربيعة وقد حالت بيننا وبينك كفار مضر فلا نخلص إليك إلا في شهر الحرام فمرنا بأمر نعمل به وندعو إليه من وراءنا قال آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع الإيمان بالله ثم فسرها لهم فقال شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وأن تؤدوا خمس ما غنمتم وأنهاكم عن الدباء والحنتم والنقير والمقير زاد خلف في روايته شهادة أن لا إله إلا الله وعقد واحدة قوله: (وفد عبد القيس) قال صاحب التحرير: الوفد الجماعة المختارة من القوم ليتقدموهم في لقي العظماء والمصير إليهم في المهمات واحدهم وافد. قال: ووفد عبد القيس هؤلاء تقدموا قبائل عبد القيس للمهاجرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا أربعة عشر راكبا: الأشج العصري رئيسهم ومزيدة بن مالك المحاربي وعبيدة بن همام المحاربي وصحار بن العباس المري وعمرو بن مرحوم العصري والحارث بن شعيب العصري والحارث بن جندب من بني عايش. ولم نعثر بعد طول التتبع على أكثر من أسماء هؤلاء. قال: وكان سبب وفودهم أن منقذ بن حيان أحد بني غنم بن وديعة كان متجره إلى يثرب في الجاهلية فشخص إلى يثرب بملاحف وتمر من هجر بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم. فبينا منقذ بن حيان قاعد إذ مر به النبي صلى الله عليه وسلم فنهض منقذ إليه فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أمنقذ بن حيان كيف جميع هيئتك وقومك؟ " ثم سأله عن أشرافهم رجل رجل يسميهم لأسمائهم. فأسلم منقذ وتعلم سورة الفاتحة واقرأ باسم ربك. ثم رحل قبل هجر. فكتب النبي صلى الله عليه وسلم معه جماعة إلى جماعة عبد القيس كتابا فذهب به وكتمه أياما ثم اطلعت عليه امرأته وهي بنت المنذر بن عائذ بالذال المعجمة ابن حارث والمنذر هو الأشج سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم به لأثر كان في وجهه وكان منقذ رضي الله عنه يصلي ويقرأ فنكرت امرأته ذلك فذكرته لأبيها المنذر فقالت: أنكرت بعلي منذ قدم من يثرب: أنه يغسل أطرافه ويستقبل الجهة تعني القبلة فيحني ظهره مرة ويضع جبينه مرة ذلك ديدنه منذ قدم فتلاقيا فتجاريا ذلك فوقع الإسلام في قلبه. ثم ثار الأشج إلى قومه عصر ومحارب بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأه عليهم فوقع الإسلام في قلوبهم وأجمعوا على السير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسار الوفد فلما دنوا من المدينة قال النبي صلى الله عليه وسلم لجلسائه: " أتاكم وفد عبد القيس خير أهل المشرق وفيهم الأشج العصري غير ماكثين ولا مبدلين ولا مرتابين إذ ثم يسلم قوم حتى وتروا ". قال: وقولهم: (إنا هذا الحي من ربيعة) لأنه عبد القيس بن أفصى يعني بفتح الهمزة وبالفاء والصاد المهملة المفتوحة ابن دعمي بن جديلة بن أسد به ربيعة بن نزار وكانوا ينزلون البحرين الخط وأعنابها وسرة القطيف والسفار والظهران إلى الرمل إلى الأجرع ما بين هجر إلى قصر وبينونة ثم الجوف والعيون والأحساء إلى حد أطراف الدهنا وسائر بلادها. هذا ما ذكره صاحب التحرير. قولهم: (إنا هذا الحي) فالحي منصوب على التخصيص. قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح الذي نختاره نصب (الحي) على التخصيص ويكون الخبر في قولهم من ربيعة ومعناه إنا هذا الحي حي من ربيعة. وقد جاء بعد هذا في الرواية الأخرى: (إنا حي من ربيعة) . وأما معنى الحي فقال صاحب المطالع: الحي اسم لمنزل القبيلة ثم سميت القبيلة به لأن بعضهم يحيا ببعض. قولهم: (وقد حالت بيننا وبينك كفار مضر) سببه أن كفار مضر كانوا بينهم وبين المدينة فلا يمكنهم الوصول إلى المدينة إلا عليهم. قولهم: (ولا نخلص إليك إلا في شهر الحرام) معنى نخلص: نصل ومعنى كلامهم: إنا لا نقدر على الوصول إليك خوفا من أعدائنا الكفار إلا في الشهر الحرام فإنهم لا يتعرضن لنا كما كانت عادة العرب من تعظيم الأشهر الحرام وامتناعهم من القتال فيها. وقولهم: (شهر الحرام) كذا هو في الأصول كلها بإضافة شهر إلى الحرام وفي الرواية الأخرى أشهر الحرم. والقول فيه كالقول في نظائره من قولهم: مسجد الجامع وصلاة الأولى. ومنه قول الله تعالى: {بجانب الغربي} {ولدار الآخرة} فعلى مذهب النحويين الكوفيين هو من إضافة الموصوف إلى صفته وهو جائز عندهم. وعلى مذهب البصريين لا تجوز هذه الإضافة ولكن هذا كله عندهم على حذف في الكلام للعلم به فتقديره: شهر الوقت الحرام وأشهر الأوقات الحرم ومسجد المكان الجامع ودار الحياة الآخرة وجانب المكان الغربي ونحو ذلك. والله أعلم. ثم إن قولهم: (شهر الحرام) المراد به جنس الأشهر الحرم وهي أربعة أشهر حرم كما نص عليه القرآن العزيز وتدل عليه الرواية الأخرى بعد هذه (إلا في أشهر الحرم) . والأشهر الحرم هي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب. هذه الأربعة هي الأشهر الحرم بإجماع العلماء من أصحاب الفنون. ولكن اختلفوا في الأدب المستحسن في كيفية عدها على قولين حكاهما الإمام أبو جعفر النحاس في كتابه صناعة الكتاب قال: ذهب الكوفيون إلى أنه يقال: المحرم ورجب وذو القعدة وذو الحجة. قال: والكتاب يميلون إلى هذا القول ليأتوا بهن من سنة واحدة قال: وأهل المدينة يقولون ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب. وقوم ينكرون هذا ويقولون جاذوا بهن من سنتين. قال أبو جعفر: وهذا غلط بين وجهل باللغة لأنه قد علم المراد وأن المقصود ذكرها وأنها في كل سنة؛ فكيف يتوهم أنها من سنتين. قال: والأولى والاختيار ما قاله أهل المدينة لأن الأخبار قد تظاهرت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قالوا من رواية ابن عمر وأبي هريرة وأبي بكرة رضي الله عنهم قال: وهذا أيضا قول أكثر أهل التأويل. قال النحاس: وأدخلت الألف واللام في المحرم دون غيره من الشهور. قال: وجاء من الشهور ثلاثة مضافات شهر رمضان وشهر ربيع. يعني والباقي غير مضافات. وسمي الشهر شهرا لشهرته وظهوره. والله أعلم. قوله: صلى الله عليه وسلم: (آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع: الإيمان بالله ثم فسرها لهم فقال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وأن تؤدوا خمس ما غنمتم) . وفي رواية: (شهادة أن لا إله إلا الله وعقد واحدة) وفي الطريق الأخرى: (قال: وأمرهم بأربع ونهاهم عن أربع. قال: أمرهم بالإيمان بالله وحده. قال: وهل تدرون ما الإيمان بالله؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وأن تؤدوا خمسا من المغنم) . وفي الرواية الأخرى قال: (أمركم بأربع وأنهاكم عن أربع: اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وصوموا رمضان وأعطوا الخمس من الغنائم) . هذه ألفاظه هنا وقد ذكر البخاري هذا الحديث في مواضع كثيرة من صحيحه وقال فيه في بعضها " شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وذكره في باب إجازة خبر الواحد وذكره في باب بعد باب نسبة اليمن إلى إسماعيل صلى الله عليه وسلم في آخر ذكر الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وقال فيه: " آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع: الإيمان بالله وشهادة أن لا إله إلا الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان " بزيادة واو. وكذلك قال فيه في أول كتاب الزكاة: الإيمان بالله وشهادة أن لا إله إلا الله " بزيادة واو أيضا. ولم يذكر فيها الصيام. وذكر في باب حديث وفد عبد القيس: الإيمان بالله شهادة أن لا إله إلا الله. فهذه ألفاظ هذه القطعة في الصحيحين وهذه الألفاظ مما يعد من المشكل وليست مشكلة عند أصحاب التحقيق. والإشكال في كونه صلى الله عليه وسلم قال: " آمركم بأربع ". والمذكور في أكثر الروايات خمس. واختلف العلماء في الجواب عن هذا على أقوال أظهرها: ما قاله الإمام ابن بطال رحمه الله تعالى في شرح صحيح البخاري قال: أمرهم بالأربع التي وعدهم بها ثم زادهم خامسة يعني أداء الخمس لأنهم كانوا مجاورين لكفار مضر فكانوا أهل جهاد وغنائم. وذكر الشيخ أبو عمرو بن الصلاح نحو هذا فقال قوله: أمرهم بالإيمان بالله أعاده لذكر الأربع ووصفه لها بأنها إيمان ثم فسرها بالشهادتين والصلاة والزكاة والصوم فهذا موافق لحديث بني الإسلام على خمس ولتفسير الإسلام بخمس في حديث جبريل صلى الله عليه وسلم وقد سبق أن ما يسمى إسلاما يسمى إيمانا وأن الإسلام والإيمان يجتمعان ويفترقان. وقد قيل إنما لم يذكر الحج في هذا الحديث لكونه لم يكن نزل فرضه. وأما قوله صلى الله عليه وسلم: " وأن تؤدوا خمسا من المغنم " فليس عطفا على قوله " شهادة أن لا إله إلا الله " فإنه يلزم منه أن يكون الأربع خمسا وإنما هو عطف على قوله " بأربع " فيكون مضافا إلى الأربع لا واحدا منها؛ وإن كان واحدا من مطلق شعب الإيمان. قال: وأما عدم ذكر الصوم في الرواية الأولى فهو إغفال من الراوي وليس من الاختلاف الصادر من رسول الله صلى الله عليه وسلم بل من اختلاف الرواة الصادر من تفاوتهم في الضبط والحفظ على ما تقدم بيانه. فافهم ذلك وتدبره تجده إن شاء الله تعالى مما هدانا الله سبحانه وتعالى لحله من العقد. هذا آخر كلام الشيخ أبي عمرو. وقيل في معناه غير ما قالاه مما ليس بظاهر فتركناه. والله أعلم. وأما قول الشيخ إن ترك الصوم في بعض الروايات إغفال من الراوي وكذا قاله القاضي عياض وغيره وهو ظاهر لا شك فيه قال القاضي عياض رحمه الله: وكانت وفادة عبد القيس عام الفتح قبل خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة ونزلت فريضة الحج سنة تسع بعدها على الأشهر. والله أعلم. وأما قوله صلى الله عليه وسلم: (وأن تؤدوا خمس ما غنمتم) ففيه إيجاب الخمس من الغنائم وإن لم يكن الإمام في السرية الغازية وفي هذا تفصيل وفروع سننبه عليها في بابها إن وصلناه إن شاء الله تعالى. ويقال: (خمس) بضم الميم وإسكانها. وكذلك الثلث والربع والسدس والسبع والثمن والتسع والعشر بضم ثانيها ويسكن والله أعلم. وأما قوله صلى الله عليه وسلم: (وأنهاكم عن الدباء والحنتم والنقير والمقير) وفي رواية: (المزفت) بدل المقير فنضبطه ثم نتكلم على معناه إن شاء الله تعالى. (فالدباء) بضم الدال وبالمد وهو القرع اليابس أي الوعاء منه. وأما (الحنتم) فبحاء مهملة مفتوحة ثم نون ساكنة ثم تاء مثناة من فوق مفتوحة ثم ميم الواحدة حنتمة. وأما (النقير) فبالنون المفتوحة والقاف. وأما (المقير) فبفتح القاف والياء. فأما (الدباء) فقد ذكرناه. وأما (الحنتم) فاختلف فيها فأصح الأقوال وأقواها: أنها جرار خضر وهذا التفسير ثابت في كتاب الأشربة من صحيح مسلم عن أبي هريرة وهو قول عبد الله بن مغفل الصحابي رضي الله عنه وبه قال الأكثرون أو كثيرون من أهل اللغة وغريب الحديث والمحدثين والفقهاء. والثاني: أنها الجرار كلها قاله عبد الله بن عمر وسعيد بن جبير وأبو سلمة. والثالث: أنها جرار يؤتي بها من مصر مقيرات الأجواف وروي ذلك عن أنس بن مالك رضي الله عنه. ونحوه عن ابن أبي ليلى وزاد أنها حمر. والرابع: عن عائشة رضي الله عنها جرار حمر أعافها في جنوبها يجلب فيها الخمر من مصر. والخامس: عن ابن أبي ليلى أيضا أفواهها في جنوبها يجلب فيها الخمر من الطائف. وكان ناس ينتبذون فيها يضاهون به الخمر. والسادس عن عطاء: جرار كانت تعمل من طين وشعر ودم. وأما (النقير) : فقد جاء في تفسيره في الرواية الأخيرة أنه: جذع ينقر وسطه. وأما (المقير) فهو المزفت وهو المطلي بالقار وهو الزفت. وقيل: الزفت نوع من القار. والصحيح الأول فقد صح عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: المزفت هو المقير. وأما معنى النهي عن هذه الأربع فهو أنه نهى عن الانتباذ فيها وهو أن يجعل في الماء حبات من تمر أو زبيب أو نحوهما ليحلو ويشرب. وإنما خصت هذه بالنهي لأنه يسرع إليه الإسكار فيها فيصير حراما نجسا ويبطل ماليته فنهى عنه لما فيه من إتلاف المال ولأنه ربما شربه بعد إسكاره من لم يطلع عليه. ولم ينه عن الانتباذ في أسقية الأدم بل أذن فيها لأنها لرقتها لا يخفي فيها المسكر. بل إذا صار مسكرا شقها غالبا. ثم إن هذا النهي كان في أول الأمر ثم نسخ بحديث بريدة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " كنت نهيتكم عن الانتباذ إلا في الأسقية فانتبذوا في كل وعاء ولا تشربوا مسكرا ". رواه مسلم في الصحيح. هذا الذي ذكرناه من كونه منسوخا هو مذهبنا ومذهب جماهير العلماء. قال الخطابي: القول بالنسخ هو أصح الأقاويل. قال: وقال قوم: التحريم باق وكرهوا الانتباذ في هذه الأوعية. ذهب إليه مالك وأحمد وإسحاق وهو مروي عن ابن عمر وعباس رضي الله عنهم. والله أعلم

ص: 2

من شرح المركز لزوائد الجامع الصغير: الحديث رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ولفظه: " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله يرضى لكم ثلاثا ويكره لكم ثلاثا فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ويكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال " قال النووي: (الاعتصام بحبل الله) هو التمسك بعهده وهو اتباع كتابه العزيز وحدوده والتأدب بأدبه. (والحبل) يطلق على العهد وعلى الأمان وعلى الوصلة وعلى السبب وأصله من استعمال العرب الحبل في مثل هذه الأمور لاستمساكهم بالحبل عند شدائد أمورهم ويوصلون بها المتفرق فاستعير اسم الحبل لهذه الأمور. وأما قوله صلى الله عليه وسلم: (ولا تفرقوا) فهو أمر بلزوم جماعة المسلمين وتألف بعضهم ببعض وهذه إحدى قواعد الإسلام. واعلم أن الثلاثة المرضية إحداها: أن يعبدوه. والثانية: ألا يشركوا به شيئا. الثالثة: أن يعتصموا بحبل الله ولا يتفرقوا وأما (قيل وقال) فهو الخوض في أخبار الناس وحكايات ما لا يعني من أحوالهم وتصرفاتهم. واختلفوا في حقيقة هذين اللفظين على قولين: أحدهما: أنهما فعلان فقيل: مبنى لما لم يسم فاعله وقال: فعل ماض. والثاني: أنهما اسمان مجروران منونان؛ لأن القيل والقول والقالة كله بمعنى ومنه قوله تعالى {ومن أصدق من الله قيلا} ومنه قولهم: كثر القيل والقال. وأما (كثرة السؤال) : فقيل: المراد به القطع في المسائل والإكثار من السؤال عما لم يقع ولا تدعو إليه حاجة وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بالنهي عن ذلك وكان السلف يكرهون ذلك ويرونه من التكلف المنهي عنه. وفي الصحيح: " كره رسول الله صلى الله عليه وسلم المسائل وعابها " وقيل: المراد به سؤال الناس أموالهم وما في أيديهم وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بالنهي عن ذلك وقيل: يحتمل أن المراد كثرة السؤال عن أخبار الناس وأحداث الزمان وما لا يعني الإنسان وهذا ضعيف لأنه قد عرف هذا من النهي عن قيل وقال وقيل: يحتمل أن المراد كثرة سؤال الإنسان عن حاله وتفاصيل أمره فيدخل ذلك في سؤاله عما لا يعنيه ويتضمن ذلك حصول الحرج في حق المسئول فإنه قد لا يؤثر إخباره بأحواله فإن أخبره شق عليه وإن كذبه في الإخبار أو تكلف التعريض لحقته المشقة وإن أهمل جوابه ارتكب سوء الأدب. وأما (إضاعة المال) : فهو صرفه في غير وجوهه الشرعية وتعريضه للتلف وسبب النهي أنه إفساد والله لا يحب المفسدين ولأنه إذا أضاع ماله تعرض لما في أيدي الناس

ص: 3

من شرح المركز لزوائد الجامع الصغير: الحديث روى معناه أبو داود (2093) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تستأمر اليتيمة في نفسها فإن سكتت فهو إذنها وإن أبت فلا جواز عليها " وقال الألباني: حسن صحيح. قال أبو الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي في عون المعبود: قوله صلى الله عليه وسلم (تستأمر اليتيمة) هي صغيرة لا أب لها والمراد هنا البكر البالغة سماها باعتبار ما كانت كقوله تعالى {وآتوا اليتامى أموالهم} وفائدة التسمية مراعاة حقها والشفقة عليها في تحري الكفاية والصلاح فإن اليتيم مظنة الرأفة والرحمة. ثم هي قبل البلوغ لا معنى لإذنها ولا لإبائها فكأنه عليه السلام شرط بلوغها فمعناه لا تنكح حتى تبلغ فتستأمر أي تستأذن. كذا قال القاري في المرقاة (وإن أبت فلا جواز عليها) : بفتح الجيم أي فلا تعدي عليها ولا إجبار. قال الخطابي في المعالم: واليتيمة ها هنا هي البكر البالغة التي مات أبوها قبل بلوغها فلزمها اسم اليتيم فدعيت به وهي بالغة. والعرب ربما دعت الشيء بالاسم الأول الذي إنما سمي به لمعنى متقدم ثم ينقطع ذلك المعنى ولا يزول الاسم. وقال: وقد اختلف العلماء في جواز إنكاح غير الأب للصغيرة فقال الشافعي: لا يزوجها غير الأب والجد ولا يزوجها الأخ ولا العم ولا الوصي. وقال الثوري: لا يزوجها الوصي. وقال حماد بن سليمان ومالك بن أنس: للوصي أن يزوج اليتيمة قبل البلوغ وروى ذلك عن شريح. وقال أصحاب الرأي: لا يزوجها الوصي حتى يكون وليا لها وللولي أن يزوجها وإن لم يكن وصيا لأن لها الخيار إذا بلغت انتهى. وقال الترمذي بعد إخراج هذا الحديث: اختلف أهل العلم في تزويج اليتيمة: فرأى بعض أهل العلم: أن اليتيمة إذا زوجت فالنكاح موقوف حتى تبلغ فإذا بلغت فلها الخيار في إجاز النكاح أو فسخه وهو قول بعض التابعين وغيرهم وقال بعضهم: لا يجوز نكاح اليتيمة حتى تبلغ ولا يجوز الخيار في النكاح وهو قول سفيان الثوري والشافعي وغيرهما من أهل العلم. وقال أحمد وإسحاق: إذا بلغت اليتيمة تسع سنين فزوجت فرضيت فالنكاح جائز ولا خيار لها إذا أدركت واحتجا بحديث عائشة: " أن النبي صلى الله عليه وسلم بنى بها وهي بنت تسع سنين " وقد قالت عائشة: إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي قال الترمذي: حديث حسن. (قال سكاتها إقرارها) : وفي رواية للبخاري: " سكاتها إذنها ". وفي أخرى له " رضاها صمتها ". قال ابن المنذر: يستحب إعلام البكر أن سكوتها إذن لكن لو قالت بعد العقد ما علمت أن صمتي إذن لم يبطل العقد بذلك عند الجمهور وأبطله بعض المالكية وقال ابن شعبان منهم: يقال لها ذلك ثلاثا إن رضيت فاسكتي وإن كرهت فانطقي. وقال بعضهم: يطال المقام عندها لئلا تخجل فيمنعها ذلك من المسارعة. واختلفوا فيما إذا لم تتكلم بل ظهرت منها قرينة السخط أو الرضا بالتبسم مثلا أو البكاء: فعند المالكية: إن نفرت أو بكت أو قامت أو ظهر منها ما يدل على الكراهة لم تزوج. وعند الشافعية: لا أثر لشيء من ذلك في المنع إلا أن قرنت مع البكاء الصياح ونحوه. وقرق بعضهم بين الدمع فإن كان حارا دل على المنع وإن كان باردا دل على الرضا. وفي هذا الحديث إشارة إلى أن البكر التي أمر باستئذانها هي البالغ إذ لا معنى لاستئذان من لا تدري ما الإذن ومن يستوي سكوتها وسخطها. كذا في الفتح

ص: 4

من شرح المركز لزوائد الجامع الصغير: قال الألباني ـ رحمه الله تعالى ـ في الصحيحة 690: أخرجه أحمد (6 / 47) والحسن بن عرفة فى جزئه (2 / 2) ومن طريقه ابن بلبان فى تحفة الصديق فى فضائل أبى بكر الصديق (50 / 1) من طريق عبد الرحمن بن أبى بكر القرشى عن ابن أبى مليكة عن عائشة قالت: " لما ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعبد الرحمن بن أبى بكر: إئتنى بكتف أو لوح حتى أكتب لأبى بكر كتابا لايختلف عليه فلما ذهب عبد الرحمن ليقوم قال " أبى الله والمؤمنون أن يختلف عليك يا أبا بكر " وقال ابن بلبان: تفرد به ابن أبى مليكة أبو محمد ويقال له: أبو بكر القرشى. قلت: وهو ضعيف لكنه لم يتفرد به فقال أحمد (6 / 106) : ثنا مؤمل قال ثنا نافع يعنى ابن عمر ثنا ابن أبى مليكة به نحوه. وهذا إسناد جيد فى المتابعات نافع هذا ثقة ثبت ومؤمل هو ابن إسماعيل وهو صدوق سىء الحفظ كما فى التقريب. وله طريق أخرى من رواية عروة عن عائشة قالت: قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى مرضه: " ادعى لى أبا بكر أباك وأخاك حتى أكتب كتابا فإنى أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل: أنا أولى ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر " أخرجه مسلم (7 / 110) وأحمد (6 / 144) وله طريق ثالث يرويه القاسم بن محمد عنها نحوه ولفظه: لقد هممت أو أردت أن أرسل إلى أبى بكر وابنه وأعهده أن يقول القائلون أو يتمنى المتمنون ثم قلت: يأبى الله ويدفع المؤمنون أو يدفع الله ويأبى المؤمنون أخرجه البخارى (4 / 46 ـ 47 405 ـ 406) . طريق رابع يرويه عبيد الله بن عبد الله عنها قالت: " لما مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم فى بيت ميمونة. . . فقال ـ وهو فى بيت ميمونة لعبد الله بن زمعة: مر الناس فليصلوا فلقى عمر بن الخطاب فقال: ياعمر صل بالناس. فصلى بهم فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم صوته فعرفه وكان جهير الصوت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أليس هذا صوت عمر؟ قالوا بلى قال: يأبى الله جل وعز ذلك والمؤمنون مروا أبا بكر فليصل بالناس قالت عائشة: يارسول الله إن أبا بكر رجل رقيق لا يملك دمعه. . . الحديث. أخرجه أحمد (6 / 34) من طريق معمر عن الزهرى عنه. وهذا سند صحيح على شرط الشيخين. وخالفه عبد الرحمن بن إسحاق فقال: عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن عبد الله بن زمعة أخبره بهذا الخبر. أخرجه أبو داود (4661) . فجعله من مسند ابن زمعة ولعله الصواب فقد قال ابن إسحاق: حدثنى الزهرى حدثنى عبد الملك بن أبى بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن أبيه عن عبد الله بن زمعة قال: فذكر نحوه وزاد بعد قوله: يأبى الله ذلك والمسلمون: فبعث إلى أبى بكر فجاء بعد أن صلى عمر تلك الصلاة فصلى بالناس. أخرجه أبو داود (4660) والسياق له وأحمد (4 / 322) . وهذا سند جيد. قال النووي في شرح مسلم: (2387) قوله صلى الله عليه وسلم لعائشة: (ادعي لي أباك أبا بكرة وأخاك حتى أكتب كتابا فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل: أنا ولا يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر) هكذا هو في بعض النسخ المعتمدة: (أنا ولا) بتخفيف: (أن ولا) أي يقول: أنا أحق؛ وليس كما يقول: بل يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر. وفي بعضها أنا أولى: أي أنا أحق بالخلافة في هذا الحديث دلالة ظاهرة لفضل أبي بكر الصديق رضي الله عنه وإخبار منه صلى الله عليه وسلم بما سيقع في المستقبل بعد وفاته وأن المسلمين يأبون عقد الخلافة لغيره. وفيه إشارة إلى أنه سيقع نزاع ووقع كل ذلك. وأما طلبه لأخيها مع أبي بكر فالمراد أنه يكتب الكتاب. ووقع في رواية البخاري: (لقد هممت أن أوجه إلى أبي بكر وابنه وأعهد) ولبعض رواة البخاري (وآتيه) بألف ممدودة ومثناة فوق ومثناة تحت من الإتيان. قال القاضي: وصوبه بعضهم وليس كما صوب بل الصواب ابنه بالباء الموحدة والنون وهو أخو عائشة وتوضحه رواية مسلم: (أخاك) ولأن إتيان النبي صلى الله عليه وسلم كان متعذرا أو متعسرا وقد عجز عن حضور الجماعة واستخلف الصديق ليصلي بالناس واستأذن أزواجه أن يمرض في بيت عائشة. والله أعلم. وفي صحيح البخاري (5666) حدثنا يحيى بن يحيى أبو زكرياء أخبرنا سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد قال سمعت القاسم بن محمد قال: " قالت عائشة: وا رأساه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذاك لو كان وأنا حي فأستغفر لك وأدعو لك فقالت عائشة وا ثكلياه والله إني لأظنك تحب موتي ولو كان ذاك لظللت آخر يومك معرسا ببعض أزواجك! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بل أنا وا رأساه لقد هممت أو أردت أن أرسل إلى أبي بكر وابنه وأعهد أن يقول القائلون أو يتمنى المتمنون ثم قلت يأبى الله ويدفع المؤمنون أو يدفع الله ويأبى المؤمنون " قال الحافظ في الفتح: قوله: (وارأساه) هو تفجع على الرأس لشدة ما وقع به من ألم الصداع وعند أحمد والنسائي وابن ماجه من طريق عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن عائشة " رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من جنازة من البقيع فوجدني وأنا أجد صداعا في رأسي وأنا أقول: وارأساه ". قوله: (ذاك لو كان وأنا حي) ذاك بكسر الكاف إشارة إلى ما يستلزم المرض من الموت أي لو مت وأنا حي ويرشد إليه جواب عائشة وقد وقع مصرحا به في رواية عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ولفظه: " ثم قال: ما ضرك لو مت قبلي فكفنتك ثم صليت عليك ودفنتك " وقولها " واثكلياه " بضم المثلثة وسكون الكاف وفتح اللام وبكسرها مع التحتانية الخفيفة وبعد الألف هاء للندبة وأصل الثكل فقد الولد أو من يعز على الفاقد وليست حقيقته هنا مرادة بل هو كلام كان يجري على ألسنتهم عند حصول المصيبة أو توقعها. وقولها " والله إني لأظنك تحب موتي " كأنها أخذت ذلك من قوله لها " لو مت قبلي " وقولها " ولو كان ذلك " في رواية الكشميهني " ذاك " بغير لام أي موتها " لظللت آخر يومك معرسا " بفتح العين والمهملة وتشديد الراء المكسورة وسكون العين والتخفيف يقال أعرس وعرس إذا بنى على زوجته ثم استعمل في كل جماع والأول أشهر فإن التعريس النزول بليل. ووقع في رواية عبيد الله " لكأني بك والله لو قد فعلت ذلك لقد رجعت إلى بيتي فأعرست ببعض نسائك. قالت: فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله " بل أنا وارأساه " هي كلمة إضراب والمعنى: دعي ذكر ما تجدينه من وجع رأسك واشتغلي بي وزاد في رواية عبيد الله " ثم بدئ في وجعه الذي مات فيه صلى الله عليه وسلم ". قوله: (لقد هممت أو أردت) شك من الراوي ووقع في رواية أبي نعيم " أو وددت " بدل " أردت ". قوله: (أن أرسل إلى أبي بكر وابنه) كذا للأكثر بالواو وألف الوصل والموحدة والنون ووقع في رواية مسلم " أو ابنه " بلفظ أو التي للشك أو للتخيير وفي أخرى " أو آتيه " بهمزة ممدودة بعدها مثناة مكسورة ثم تحتانية ساكنة من الإتيان بمعنى المجيء والصواب الأول ونقل عياض عن بعض المحدثين تصويبها وخطأه. وقال: ويوضح الصواب قولها في الحديث الآخر عند مسلم " ادعي لي أباك وأخاك " وأيضا فإن مجيئه إلى أبي بكر كان متعسرا لأنه عجز عن حضور الصلاة مع قرب مكانها من بيته. قلت: في هذا التعليل نظر لأن سياق الحديث يشعر بأن ذلك كان في ابتداء مرضه صلى الله عليه وسلم وقد استمر يصلي بهم وهو مريض ويدور على نسائه حتى عجز عن ذلك وانقطع في بيت عائشة. ويحتمل أن يكون قوله صلى الله عليه وسلم " لقد هممت إلخ " وقع بعد المفاوضة التي وقعت بينه وبين عائشة بمدة وإن كان ظاهر الحديث بخلافه. ويؤيد أيضا ما في الأصل أن المقام كان مقام استمالة قلب عائشة فكأنه يقول: كما أن الأمر يفوض لأبيك فإن ذلك يقع بحضور أخيك هذا إن كان المراد بالعهد العهد بالخلافة وهو ظاهر السياق كما سيأتي تقريره في كتاب الأحكام إن شاء الله تعالى وإن كان لغير ذلك فلعله أراد إحضار بعض محارمها حتى لو احتاج إلى قضاء حاجة أو الإرسال إلى أحد لوجد من يبادر لذلك. قوله: (فأعهد) أي أوصي. قوله: (أن يقول القائلون) أي لئلا يقول أو كراهة أن يقول. قوله: (أو يتمنى المتمنون) بضم النون جمع متمني بكسرها وأصل الجمع المتمنيون فاستثقلت الضمة على الياء فحذفت فاجتمعت كسرة النون بعدها الواو فضمت النون وفي الحديث ما طبعت عليه المرأة من الغيرة وفيه مداعبة الرجل أهله والإفضاء إليهم بما يستره عن غيرهم وفيه أن ذكر الوجع ليس بشكاية فكم من ساكت وهو ساخط وكم من شاك وهو راض فالمعول في ذلك على عمل القلب لا على نطق اللسان والله أعلم. وقال الحافظ في شرح الحديث في كتاب الأحكام: قوله (فاعهد) أي أعين القائم بالأمر بعدي هذا هو الذي فهمه البخاري فترجم به وإن كان العهد أعم من ذلك لكن وقع في رواية عروة عن عائشة بلفظ " ادعي لي أباك وأخاك حتى أكتب كتابا وقال في آخر ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر " وفي رواية لمسلم " أدعي لي أبا بكر أكتب كتابا فإني أخاف أن يتمنى متمن ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر " وفي رواية للبزار " معاذ الله أن تختلف الناس على أبي بكر " فهذا يرشد إلى أن المراد الخلافة وأفرط المهلب فقال: فيه دليل قاطع في خلافة أبي بكر والعجب أنه قرر بعد ذلك أنه ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستخلف

ص: 5

من شرح المركز لزوائد الجامع الصغير: الحديث رواه البخاري (57) بلفظ: حدثنا مسدد قال حدثنا يحيى عن إسماعيل قال حدثني قيس بن أبي حازم عن جرير بن عبد الله قال: " بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم " قال الحافظ في الفتح: قوله: (عن جرير بن عبد الله) هو البجلي بفتح الجيم قوله: (بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال القاضي عياض: اقتصر على الصلاة والزكاة لشهرتهما ولم يذكر الصوم وغيره لدخول ذلك في السمع والطاعة. قلت: زيادة السمع والطاعة وقعت عند المصنف في البيوع من طريق سفيان عن إسماعيل المذكور وله في الأحكام ولمسلم من طريق الشعبي عن جرير قال: " بايعت النبي صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة فلقنني " فيما استطعت والنصح لكل مسلم " ورواه ابن حبان من طريق أبي زرعة بن عمرو بن جرير عن جده وزاد فيه: " فكان جرير إذا اشترى شيئا أو باع يقول لصاحبه: اعلم أن ما أخذنا منك أحب إلينا مما أعطيناكه فاختر ". وروى الطبراني في ترجمته: " أن غلامه اشترى به فرسا بثلثمائة فلما رآه جاء إلى صاحبه فقال: إن فرسك خير من ثلثمائة فلم يزل يزيده حتى أعطاه ثمانمائة ". قال القرطبي: كانت مبايعة النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه بحسب ما يحتاج إليه من تجديد عهد أو توكيد أمر فلذلك اختلفت ألفاظهم. وقوله: (فيما استطعت) رويناه بفتح التاء وضمها وتوجيههما واضح والمقصود بهذا التنبيه على أن اللازم من الأمور المبايع عليها هو ما يطاق كما هو المشترط في أصل التكليف ويشعر الأمر بقول ذلك اللفظ حال المبايعة بالعفو عن الهفوة وما يقع عن خطأ وسهو. والله أعلم. أهـ. وقوله (وتبرأ من الشرك) هذا من أصول الإيمان أن يتبرأ المؤمن من الشرك وأهله كما فعل إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم فانه جرد توحيد ربه تبارك وتعالى فلم يدع معه غيره ولا أشرك به طرفة عين وتبرأ من كل معبود سواه وخالف في ذلك سائر قومه حتى تبرأ من أبيه فقال " يا قوم إني بريء مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين " وقال تعالى " وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فانه سيهدين " وقال تعالى " وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم " وقال تعالى " إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين " ولهذا وأمثاله قال تعالى " ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه " أي ظلم نفسه بسمهه وسوء تدبيره بتركه الحق إلى الضلال حيث خالف طريق من اصطفى في الدنيا للهداية والرشاد من حداثة سنه إلى أن اتخذه الله خليلا وهو في الآخرة من الصالحين السعداء فمن ترك طريقه هذا ومسلكه وملته واتبع طرق الضلالة والغي فأي سفه أعظم من هذا أم أي ظلم أكبر من هذا كما قال تعالى " إن الشرك لظلم عظيم "

ص: 6

من شرح المركز لزوائد الجامع الصغير: الحديث رواه البخاري في صحيحه في مواضع منها كتاب الإيمان (18) ولفظه: حدثنا أبو اليمان قال أخبرنا شعيب عن الزهري قال أخبرني أبو إدريس عائذ الله بن عبد الله أن عبادة بن الصامت رضي الله عنه وكان شهد بدرا وهو أحد النقباء ليلة العقبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وحوله عصابة من أصحابه: " بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوا في معروف فمن وفى منكم فأجره على الله ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب في الدنيا فهو كفارة له ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه فبايعناه على ذلك " قال الحافظ في الفتح: قوله: (بايعوني) زاد في باب وفود الأنصار " تعالوا بايعوني " والمبايعة عبارة عن المعاهدة سميت بذلك تشبيها بالمعاوضة المالية كما في قوله تعالى (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة) . قوله: (ولا تقتلوا أولادكم) قال محمد بن إسماعيل التيمي وغيره: خص القتل بالأولاد لأنه قتل وقطيعة رحم. فالعناية بالنهي عنه آكد ولأنه كان شائعا فيهم وهو وأد البنات وقتل البنين خشية الإملاق أو خصهم بالذكر لأنهم بصدد أن لا يدفعوا عن أنفسهم. قوله: (ولا تأتوا ببهتان) البهتان الكذب يبهت سامعه وخص الأيدي والأرجل بالافتراء لأن معظم الأفعال تقع بهما إذ كانت هي العوامل والحوامل للمباشرة والسعي وكذا يسمون الصنائع الأيادي. وقد يعاقب الرجل بجناية قولية فيقال: هذا بما كسبت يداك. ويحتمل أن يكون المراد لا تبهتوا الناس كفاحا وبعضكم يشاهد بعضا كما يقال: قلت كذا بين يدي فلان قاله الخطابي وفيه نظر لذكر الأرجل. وأجاب الكرماني: بأن المراد الأيدي وذكر الأرجل تأكيدا ومحصله أن ذكر الأرجل إن لم يكن مقتضيا فليس بمانع. ويحتمل أن يكون المراد بما بين الأيدي والأرجل القلب لأنه هو الذي يترجم اللسان عنه فلذلك نسب إليه الافتراء كأن المعنى: لا ترموا أحدا بكذب تزورونه في أنفسكم ثم تبهتون صاحبه بألسنتكم. وقال أبو محمد ابن أبى جمرة: يحتمل أن يكون قوله " بين أيديكم " أي في الحال وقوله " وأرجلكم " أي في المستقبل لأن السعي من أفعال الأرجل. وقال غيره: أصل هذا كان في بيعة النساء وكنى بذلك - كما قال الهروي في الغريبين - عن نسبة المرأة الولد الذي تزني به أو تلتقطه إلى زوجها. ثم لما استعمل هذا اللفظ في بيعة الرجال احتيج إلى حمله على غير ما ورد فيه أولا. والله أعلم. قوله: (ولا تعصوا) للإسماعيلي في باب وفود الأنصار " ولا تعصوني " وهو مطابق للآية والمعروف ما عرف من الشارع حسنه نهيا وأمرا. قوله: (في معروف) قال النووي: يحتمل أن يكون المعنى ولا تعصوني ولا أحد أولى الأمر عليكم في المعروف فيكون التقييد بالمعروف متعلقا بشيء بعده. وقال غيره: نبه بذلك على أن طاعة المخلوق إنما تجب فيما كان غير معصية لله فهي جديرة بالتوقي في معصية الله. قوله: (فمن وفى منكم) أي ثبت على العهد. ووفى بالتخفيف وفي رواية بالتشديد وهما بمعنى. قوله: (فأجره على الله) أطلق هذا على سبيل التفخيم لأنه لما أن ذكر المبايعة المقتضية لوجود العوضين أثبت ذكر الأجر في موضع أحدهما. وأفصح في رواية الصنابحي عن عبادة في هذا الحديث في الصحيحين بتعيين العوض فقال " الجنة " وعبر هنا بلفظ " على " للمبالغة في تحقق وقوعه كالواجبات ويتعين حمله على غير ظاهره للأدلة القائمة على أنه لا يجب على الله شيء وسيأتي في حديث معاذ في تفسير حق الله على العباد تقرير هذا. فإن قيل: لم اقتصر على المنهيات ولم يذكر المأمورات؟ فالجواب: أنه لم يهملها بل ذكرها على طريق الإجمال في قوله " ولا تعصوا " إذ العصيان مخالفة الأمر والحكمة في التنصيص على كثير من المنهيات دون المأمورات أن الكف أيسر من إنشاء الفعل لأن اجتناب المفاسد مقدم على اجتلاب المصالح والتخلي عن الرذائل قبل التحلي بالفضائل. قوله: (ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب) زاد أحمد في روايته " به ". قوله: (فهو) أي العقاب (كفارة) زاد أحمد " له " وكذا هو للمصنف من وجه آخر في باب المشيئة من كتاب التوحيد وزاد " وطهور ". قال النووي: عموم هذا الحديث مخصوص بقوله تعالى (إن الله لا يغفر أن يشرك به) فالمرتد إذا قتل على ارتداده لا يكون القتل له كفارة. قلت: وهذا بناء على أن قوله " من ذلك شيئا " يتناول جميع ما ذكر وهو ظاهر وقد قيل: يحتمل أن يكون المراد ما ذكر بعد الشرك بقرينة أن المخاطب بذلك المسلمون فلا يدخل حتى يحتاج إلى إخراجه ويؤيده رواية مسلم من طريق أبي الأشعث عن عبادة في هذا الحديث " ومن أتى منكم حدا " إذ القتل على الشرك لا يسمى حدا. لكن يعكر على هذا القائل أن الفاء في قوله " فمن " لترتب ما بعدها على ما قبلها وخطاب المسلمين بذلك لا يمنع التحذير من الإشراك. وما ذكر في الحد عرفي حادث فالصواب ما قال النووي. وقال الطيبي: الحق أن المراد بالشرك الشرك الأصغر وهو الرياء ويدل عليه تنكير شيئا أى شركا أيا ما كان. وتعقب بأن عرف الشارع إذا أطلق الشرك إنما يريد به مأ يقابل التوحيد وقد تكرر هذا اللفظ في الكتاب والأحاديث حيث لا يراد به إلا ذلك. ويجاب بأن طلب الجمع يقتضي ارتكاب المجاز فما قاله محتمل وإن كان ضعيفا. ولكن يعكر عليه أيضا أنه عقب الإصابة بالعقوبة في الدنيا والرياء لا عقوبة فيه فوضح أن المراد الشرك وأنه مخصوص. وقال القاضي عياض: ذهب أكثر العلماء أن الحدود كفارات واستدلوا بهذا الحديث ومنهم من وقف لحديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " لا أدري الحدود كفارة لأهلها أم لا " لكن حديث عبادة أصح إسنادا. ويمكن - يعني على طريق الجمع بينهما - أن يكون حديث أبي هريرة ورد أولا قبل أن يعلمه الله ثم أعلمه بعد ذلك. قلت: حديث أبي هريرة أخرجه الحاكم في المستدرك والبزار من رواية معمر عن ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة وهو صحيح على شرط الشيخين. وقد أخرجه أحمد عن عبد الرزاق عن معمر وذكر الدارقطني أن عبد الرزاق تفرد بوصله وأن هشام بن يوسف رواه عن معمر فأرسله. قلت: وقد وصله آدم بن أبي إياس عن ابن أبي ذئب وأخرجه الحاكم أيضا فقويت رواية معمر وإذا كان صحيحا فالجمع - الذي جمع به القاضي - حسن لكن القاضي ومن تبعه جازمون بأن حديث عبادة هذا كان بمكة ليلة العقبة لما بايع الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم البيعة الأولى بمنى وأبو هريرة إنما أسلم بعد ذلك بسبع سنين عام خيبر فكيف يكون حديثه متقدما؟ وقالوا في الجواب عنه: يمكن أن يكون أبو هريرة ما سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم وإنما سمعه من صحابي آخر كان سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم قديما ولم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك أن الحدود كفارة كما سمعه عبادة وفي هذا تعسف. ويبطله أن أبا هريرة صرح بسماعه وأن الحدود لم تكن نزلت إذ ذاك. والحق عندي أن حديث أبي هريرة صحيح وهو ما تقدم على حديث عبادة والمبايعة المذكورة في حديث عبادة على الصفة المذكورة لم تقع ليلة العقبة وإنما كان ليلة العقبة ما ذكر ابن إسحاق وغيره من أهل المغازي: " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمن حضر من الأنصار " أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم " فبايعوه على ذلك وعلى أن يرحل إليهم هو وأصحابه. وسيأتي في هذا الكتاب - في كتاب الفتن وغيره - من حديث عبادة أيضا قال: " بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره. . الحديث. وأصرح من ذلك في هذا المراد ما أخرجه أحمد والطبراني من وجه آخر عن عبادة: أنه جرت له قصة مع أبي هريرة عند معاوية بالشام " فقال: يا أبا هريرة إنك لم تكن معنا إذ بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة قي النشاط والكسل وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعلى أن نقول بالحق ولا نخاف في الله لومة لائم وعلى أن ننصر رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قدم علينا يثرب فنمنعه مما نمنع منه أنفسنا وأزواجنا وأبناءنا ولنا الجنة. فهذه بيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي بايعناه عليها. فذكر بقية الحديث. وعند الطبراني له طريق أخرى وألفاظ قريبة من هذه. وقد وضح أن هذا هو الذي وقع في البيعة الأولى. ثم صدرت مبايعات أخرى ستذكر في كتاب الأحكام إن شاء الله تعالى منها هذه البيعة في حديث الباب في الزجر عن الفواحش المذكورة. والذي يقوي أنها وقعت بعد فتح مكة بعد أن نزلت الآية التي في الممتحنة وهي قوله تعالى (يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك) ونزول هذه الآية متأخر بعد قصة الحديبية بلا خلاف والدليل على ذلك ما عند البخاري في كتاب الحدود من طريق سفيان بن عيينة عن الزهري في حديث عبادة هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بايعهم قرأ الآية كلها وعنده في تفسير الممتحنة من هذا الوجه قال " قرأ آية النساء " ولمسلم من طريق معمر عن الزهري قال " فتلا علينا آية النساء قال: أن لا تشركن بالله شيئا " وللنسائي من طريق الحارث بن فضيل عن الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " ألا تبايعونني على ما بايع عليه النساء: أن لا تشركوا بالله شيئا " الحديث. وللطبراني من وجه آخر عن الزهري بهذا السند " بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما بايع عليه النساء يوم فتح مكة ". ولمسلم من طريق أبي الأشعث عن عبادة في هذا الحديث " أخذ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أخذ على النساء ". فهذه أدلة ظاهرة في أن هذه البيعة إنما صدرت بعد نزول الآية بل بعد صدور البيعة بل بعد فتح مكة وذلك بعد إسلام أبي هريرة بمدة. ويؤيد هذا ما رواه ابن أبي خيثمة في تاريخه عن أبيه عن محمد بن عبد الرحمن الطفاوي عن أيوب عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أبايعكم على أن لا تشركوا بالله شيئا " فذكر نحو حديث عبادة ورجاله ثقات. وقد قال إسحاق بن راهويه: إذا صح الإسناد إلى عمرو بن شعيب فهو كأيوب عن نافع عن ابن عمر اهـ. وإذا كان عبد الله بن عمرو أحد من حضر هذه البيعة وليس هو من الأنصار ولا ممن حضر بيعتهم وإنما كان إسلامه قرب إسلام أبي هريرة وضح تغاير البيعتين - بيعة الأنصار ليلة العقبة وهي قبل الهجرة إلى المدينة وبيعة أخرى وقعت بعد فتح مكة وشهدها عبد الله بن عمرو وكان إسلامه بعد الهجرة بمدة طويلة - ومثل ذلك ما رواه الطبراني من حديث جرير قال " بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على مثل ما بايع عليه النساء " فذكر الحديث وكان إسلام جرير متأخرا عن إسلام أبي هريرة على الصواب وإنما حصل الالتباس من جهة أن عبادة بن الصامت حضر البيعتين معا وكانت بيعة العقبة من أجل ما يتمدح به فكان يذكرها إذا حدث تنويها بسابقيته فلما ذكر هذه البيعة التي صدرت على مثل بيعة النساء عقب ذلك توهم من لم يقف على حقيقة الحال أن البيعة الأولى وقعت على ذلك. ونظيره ما أخرجه أحمد من طريق محمد بن إسحاق عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت عن أبيه عن جده - وكان أحد النقباء - قال " بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الحرب " وكان عبادة من الإثنى عشر الذين بايعوا في العقبة الأولى " على بيعة النساء وعلى السمع والطاعة في عسرنا ويسرنا " الحديث فإنه ظاهر في اتحاد البيعتين ولكن الحديث في الصحيحين كما سيأتي في الأحكام ليس فيه هذه الزيادة وهو من طريق مالك عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن عبادة بن الوليد. والصواب أن بيعة الحرب بعد بيعة العقبة لأن الحرب إنما شرع بعد الهجرة ويمكن تأويل رواية ابن إسحاق وردها إلى ما تقدم وقد اشتملت روايته على ثلاث بيعات: بيعة العقبة وقد صرح أنها كانت قبل أن يفرض الحرب في رواية الصنابحي عن عبادة عند أحمد والثانية بيعة الحرب وسيأتي في الجهاد أنها كانت على عدم الفرار والثالثة بيعة النساء أي التي وقعت على نظير بيعة النساء. والراجح أن التصريح بذلك وهم من بعض الرواة والله أعلم. ويعكر على ذلك التصريح في رواية ابن إسحاق من طريق الصنابحي عن عبادة أن بيعة ليلة العقبة كانت على مثل بيعة النساء واتفق وقوع ذلك قبل أن تنزل الأية وإنما أضيفت إلى النساء لضبطها بالقرآن. ونظيره ما وقع في الصحيحين أيضا من طريق الصنابحي عن عبادة قال " إني من النقباء الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم "؛ وقال " بايعناه على أن لا نشرك بالله شيئا " الحديث. فظاهر هذا اتحاد البيعتين ولكن المراد ما قررته أن قوله " إني من النقباء الذين بايعوا - أي ليلة العقبة - على الإيواء والنصر " وما يتعلق بذلك ثم قال: بايعناه إلخ أي في وقت آخر ويشير إلى هذا الإتيان بالواو العاطفة في قوله " وقال بايعناه ". وعليك برد ما أتى من الروايات موهما بأن هذه البيعة كانت ليلة العقبة إلى هذا التأويل الذي نهجت إليه فيرتفع بذلك الإشكال ولا يبقى بين حديثي أبي هريرة وعبادة تعارض ولا وجه بعد ذلك للتوقف في كون الحدود كفارة. واعلم أن عبادة بن الصامت لم ينفرد برواية هذا المعنى بل روى ذلك علي بن أبي طالب وهو في الترمذي وصححه الحاكم وفيه " من أصاب ذنبا فعوقب به في الدنيا فالله أكرم من أن يثنى العقوبة على عبده في الآخرة " وهو عند الطبراني بإسناد حسن من حديث أبى تميمة الهجيمي ولأحمد من حديث خزيمة بن ثابت بإسناد حسن ولفظه " من أصاب ذنبا أقيم عليه ذلك الذنب فهو كفارة له ". وللطبراني عن ابن عمرو مرفوعا " ما عوقب رجل على ذنب إلا جعله الله كفارة لما أصاب من ذلك الذنب ". وإنما أطلت في هذا الموضع لأنني لم أر من أزال اللبس فيه على الوجه المرضي والله الهادي. قوله: (فعوقب به) قال ابن التين: يريد به القطع في السرقة والجلد أو الرجم في الزنا. قال: وأما قتل الولد فيس له عقوبة معلومة إلا أن يريد قتل النفس فكنى عنه قلت: وفي رواية الصنابحي عن عبادة في هذا الحديث (ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق) ولكن قوله في حديث الباب " فعوقب به " أعم من أن تكون العقوبة حدا أو تعزيرا. قال ابن التين: وحكى عن القاضي إسماعيل وغيره أن قتل القاتل إنما هو رادع لغيره وأما في الآخرة فالطلب للمقتول قائم لأنه لم يصل إليه حق. قلت: بل وصل إليه حق أي حق فإن المقتول ظلما تكفر عنه ذنوبه بالقتل كما ورد في الخبر الذي صححه ابن حبان وغيره " إن السيف محاء للخطايا " وعن ابن مسعود قال " إذا جاء القتل محا كل شيء " رواه الطبراني وله عن الحسن ابن علي نحوه وللبزار عن عائشة مرفوعا " لا يمر القتل بذنب إلا محاه " فلولا القتل ما كفرت ذنوبه وأي حق يصل إليه أعظم من هذا؟ ولو كان حد القتل إنما شرع للردع فقط لم يشرع العفو عن القاتل وهل تدخل في العقوبة المذكورة المصائب الدنيوية من الآلام والأسقام وغيرها؟ فيه نظر. ويدل للمنع قوله " ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله " فإن هذه المصائب لا تنافي الستر ولكن بينت الأحاديث الكثيرة أن المصائب تكفر الذنوب فيحتمل أن يراد أنها تكفر ما لا حد فيه. والله أعلم. ويستفاد من الحديث أن إقامة الحد كفارة للذنب ولو لم يتب المحدود وهو قول الجمهور. وقيل لا بد من التوبة وبذلك جزم بعض التابعين وهو قول للمعتزلة ووافقهم ابن حزم ومن المفسرين البغوي وطائفة يسيرة واستدلوا باستثناء من تاب في قوله تعالى (إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم) والجواب في ذلك أنه في عقوبة الدنيا ولذلك قيدت بالقدرة عليه. قوله: (ثم ستره الله) زاد في رواية كريمة " عليه ". قوله: (فهو إلى الله) قال المازني: فيه رد على الخوارج الذين يكفرون بالذنوب ورد على المعتزلة الذين يوجبون تعذيب الفاسق إذا مات بلا توبة لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بأنه تحت المشيئة ولم يقل لا بد أن يعذبه. وقال الطيبي: فيه إشارة إلى الكف عن الشهادة بالنار على أحد أو بالجنة لأحد إلا من ورد النص فيه بعينه. قلت: أما الشق الأول فواضح. وأما الثاني فالإشارة إليه إنما تستفاد من الحمل على غير ظاهر الحديث وهو متعين. قوله: (إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه) يشمل من تاب من ذلك ومن لم يتب وقال بذلك طائفة وذهب الجمهور إلى أن من تاب لا يبقى عليه مؤاخذة ومع ذلك فلا يأمن مكر الله لأنه لا اطلاع له هل قبلت توبته أو لا. وقيل: يفرق بين ما يجب فيه الحد وما لا يجب واختلف فيمن أتى ما يوجب الحد فقيل: يجوز أن يتوب سرا ويكفيه ذلك. وقيل: بل الأفضل أن يأتي الإمام ويعترف به ويسأله أن يقيم عليه الحد كما وقع لماعز والغامدية. وفصل بعض العلماء بين أن يكون معلنا بالفجور فيستحب أن يعلن بتوبته وإلا فلا. (تنبيه) زاد في رواية الصنابحي عن عبادة في هذا الحديث " ولا ينتهب " وهو مما يتمسك به في أن البيعة متأخرة لأن الجهاد عند بيعة العقبة لم يكن فرض والمراد بالانتهاب ما يقع بعد القتال في الغنائم. وزاد في روايته أيضا: " ولا يعصى بالجنة إن فعلنا ذلك فإن غشينا من ذلك شيئا ما كان قضاء ذلك إلى الله " أخرجه المصنف في باب وفود الأنصار عن قتيبة عن الليث ووقع عنده " ولا يقضى " بقاف وضاد معجمة وهو تصحيف وقد تكلف بعض الناس في تخريجه وقال: إنه نهاكم عن ولاية القضاء ويبطله أن عبادة رضي الله عنه ولى قضاء فلسطين في زمن عمر رضي الله عنه. وقيل: إن قوله " بالجنة " متعلق بيقضي أي لا يقضى بالجنة لأحد معين. قلت: لكن يبقى قوله " إن فعلنا ذلك " بلا جواب ويكفي في ثبوت دعوى التصحيف فيه رواية مسلم عن قتيبة بالعين والصاد المهملتين وكذا الإسماعيلي عن الحسن ابن سفيان ولأبي نعيم من طريق موسى بن هارون كلاهما عن قتيبة وكذا هو عند البخاري أيضا في هذا الحديث في الديات عن عبد الله بن يوسف عن الليث في معظم الروايات لكن عند الكشميهني بالقاف والضاد أيضا وهو تصحيف كما بيناه. وقوله " بالجنة " إنما هو متعلق بقوله في أوله " بايعنا ". والله أعلم

ص: 7

من شرح المركز لزوائد الجامع الصغير: الحديث رواه البخاري (534) حدثنا أيوب بن سليمان بن بلال قال حدثنا أبو بكر عن سليمان قال صالح بن كيسان حدثنا الأعرج عبد الرحمن وغيره عن أبي هريرة ونافع مولى عبد الله بن عمر عن عبد الله بن عمر أنهما حدثاه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم قال الحافظ في الفتح: وقد روى ابن ماجه من طريق عبد الرحمن الثقفي عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر بعضه " أبردوا بالظهر " وروى السراج من هذا الوجه بعضه " شدة الحر من فيح جهنم ". قوله (إذا اشتد) أصله اشتدد بوزن افتعل من الشدة ثم أدغمت إحدى الدالين في الأخرى ومفهومه أن الحر إذا لم يشتد لم يشرع الإبراد وكذا لا يشرع في البرد من باب الأولى. قوله (فأبردوا) بقطع الهمزة وكسر الراء أي أخروا إلى أن يبرد الوقت. يقال أبرد إذا دخل في البرد كأظهر إذا دخل في الظهيرة ومثله في المكان أنجد إذا دخل نجدا وأتهم إذا دخل تهامة. والأمر بالإبراد أمر استحباب وقيل أمر إرشاد وقيل بل هو للوجوب. حكاه عياض وغيره وغفل الكرماني فنقل الإجماع على عدم الوجوب نعم قال جمهور أهل العلم يستحب تأخير الظهر في شدة الحر إلى أن يبرد الوقت وينكسر الوهج وخصه بعضهم بالجماعة فأما المنفرد فالتعجيل في حقه أفضل وهذا قول أكثر المالكية والشافعي أيضا لكن خصه بالبلد الحار وقيد الجماعة بما إذا كانوا ينتابون مسجدا من بعد فلو كانوا مجتمعين أو كانوا يمشون في كن فالأفضل في حقهم التعجيل والمشهور عن أحمد التسوية من غير تخصيص ولا قيد وهو قول إسحاق والكوفيين وابن المنذر واستدل له الترمذي بحديث أبي ذر الآتي بعد هذا لأن في روايته " أنهم كانوا في سفر " وهي رواية للمصنف أيضا ستأتي قريبا قال: فلو كان على ما ذهب إليه الشافعي لم يأمر بالإبراد لاجتماعهم في السفر وكانوا لا يحتاجون إلى أن ينتابوا من البعد. قال الترمذي والأول أولى للاتباع. وتعقبه الكرماني بأن العادة في العسكر الكثير تفرقتهم في أطراف المنزل للتخفيف وطلب الرعي فلا نسلم اجتماعهم في تلك الحالة. انتهى. وأيضا فلم تجر عادتهم باتخاذ خباء كبير يجمعهم بل كانوا يتفرقون في ظلال الشجر وليس هناك كن يمشون فيه فليس في سياق الحديث ما يخالف ما قاله الشافعي وغايته أنه استنبط من النص العام - وهو الأمر بالإبراد - معنى يخصصه وذلك جائز على الأصح في الأصول لكنه مبني على أن العلة في ذلك تأذيهم بالحر في طريقهم وللمتمسك بعمومه أن يقول: العلة فيه تأذيهم بحر الرمضاء في جباههم حالة السجود ويؤيده حديث أنس " كنا إذا صلينا خلف النبي صلى الله عليه وسلم بالظهائر سجدنا على ثيابنا اتقاء الحر " رواه أبو عوانة في صحيحه بهذا اللفظ وأصله في مسلم وفي حديث أنس أيضا في الصحيحين نحوه وسيأتي قريبا. والجواب عن ذلك أن العلة الأولى أظهر؛ فإن الإبراد لا يزيل الحر عن الأرض وذهب بعضهم إلى أن تعجيل الظهر أفضل مطلقا. وقالوا: معنى أبردوا صلوا في أول الوقت أخذا من برد النهار وهو أوله وهو تأويل بعيد ويرده قوله " فإن شدة الحر من فيح جهنم " إذ التعليل بذلك يدل على أن المطلوب التأخير وحديث أبي ذر الآتي صريح في ذلك حيث قال " انتظر. . انتظر " والحامل لهم على ذلك حديث خباب " شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حر الرمضاء في جباهنا وأكفنا فلم يشكنا " أي فلم يزل شكوانا وهو حديث صحيح رواه مسلم. وتمسكوا أيضا بالأحاديث الدالة على فضيلة أول الوقت وبأن الصلاة حينئذ أكثر مشقة فتكون أفضل والجواب عن حديث خباب أنه محمول على أنهم طلبوا تأخيرا زائدا عن وقت الإبراد وهو زوال حر الرمضاء وذلك قد يستلزم خروج الوقت فلذلك لم يجبهم أو هو منسوخ بأحاديث الإبراد فإنها متأخرة عنه واستدل له الطحاوي بحديث المغيرة بن شعبة قال " كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم الظهر بالهاجرة ثم قال لنا أبردوا بالصلاة " الحديث وهو حديث رجاله ثقات رواه أحمد وابن ماجه وصححه ابن حبان. ونقل الخلال عن أحمد أنه قال: هذا آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وجمع بعضهم بين الحديثين بأن الإبراد رخصة والتعجيل أفضل وهو قول من قال إنه أمر إرشاد وعكسه بعضهم فقال: الإبراد أفضل. وحديث خباب يدل على الجواز وهو الصارف للأمر عن الوجوب. كذا قيل وفيه نظر لأن ظاهره المنع من التأخير. وقيل معنى قول خباب " فلم يشكنا " أي فلم يحوجنا إلى شكوى بل أذن لنا في الإبراد حكي عن ثعلب ويرده أن في الخبر زيادة رواها ابن المنذر بعد قوله " فلم يشكنا " وقال " إذا زالت الشمس فصلوا " وأحسن الأجوبة كما قال المازري الأول والجواب عن أحاديث أول الوقت أنها عامة أو مطلقة والأمر بالإبراد خاص فهو مقدم ولا التفات إلى من قال التعجيل أكثر مشقة فيكون أفضل لأن الأفضلية لم تنحصر في الأشق بل قد يكون الأخف أفضل كما في قصر الصلاة في السفر. قوله (بالصلاة) كذا للأكثر والباء للتعدية وقيل زائدة. ومعنى أبردوا أخروا على سبيل التضمين أي أخروا الصلاة. وفي رواية الكشميهني " عن الصلاة " فقيل زائدة أيضا أو عن بمعنى الباء أو هي للمجاوزة أي تجاوزوا وقتها المعتاد إلى أن تنكسر شدة الحر والمراد بالصلاة الظهر لأنها الصلاة التي يشتد الحر غالبا في أول وقتها وقد جاء صريحا في حديث أبي سعيد كما سيأتي آخر الباب فلهذا حمل المصنف في الترجمة المطلق على المقيد والله أعلم. وقد حمل بعضهم الصلاة على عمومها بناء على أن المفرد المعرف يعم فقال به أشهب في العصر وقال به أحمد في رواية عنه في الشتاء حيث قال: تؤخر في الصيف دون الشتاء ولم يقل أحد به في المغرب ولا في الصبح لضيق وقتهما. قوله (فإن شدة الحر) تعليل لمشروعية التأخير المذكور وهل الحكمة فيه دفع المشقة لكونها قد تسلب الخشوع؟ وهذا أظهر أو كونها الحالة التي ينتشر فيها العذاب؟ ويؤيده حديث عمرو بن عبسة عند مسلم حيث قال له " أقصر عن الصلاة عند استواء الشمس فإنها ساعة تسجر فيها جهنم " وقد استشكل هذا بأن الصلاة سبب الرحمة ففعلها مظنة لطرد العذاب. فكيف أمر بتركها؟ وأجاب عنه أبو الفتح اليعمري بأن التعليل إذا جاء من جهة الشارع وجب قبوله وإن لم يفهم معناه واستنبط له الزين بن المنير معنى يناسبه فقال: وقت ظهور أثر الغضب لا ينجع فيه الطلب إلا ممن أذن له فيه والصلاة لا تنفك عن كونها طلبا ودعاء فناسب الاقتصار عنها حينئذ. واستدل بحديث الشفاعة حيث اعتذر الأنبياء كلهم للأمم بأن الله تعالى غضب غضبا لم يغضب قبله مثله ولا يغضب بعده مثله سوى نبينا صلى الله عليه وسلم فلم يعتذر بل طلب لكونه أذن له في ذلك. ويمكن أن يقال سجر جهنم سبب فيحها وفيحها سبب وجود شدة الحر وهو مظنة المشقة التي هي مظنة سلب الخشوع فناسب أن لا يصلي فيها. لكن يرد عليه أن سجرها مستمر في جميع السنة والإبراد مختص بشدة الحر فهما متغايران فحكمة الإبراد دفع المشقة وحكمة الترك وقت سجرها لكونه وقت ظهور أثر الغضب والله أعلم. قوله (من فيح جهنم) أي من سعة انتشارها وتنفسها ومنه مكان أفيح أي متسع وهذا كناية عن شدة استعارها وظاهره أن مثار وهج الحر في الأرض من فيح جهنم حقيقة وقيل هو من مجاز التشبيه أي كأنه نار جهنم في الحر والأول أولى. ويؤيده الحديث الآتي: " اشتكت النار إلى ربها فأذن لها بنفسين " والحديث رواه البخاري أيضا (538) عن أبي سعيد بلفظ: " عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أبردوا بالظهر فإن شدة الحر من فيح جهنم " قال الحافظ في الفتح: قوله (بالظهر) قد يحتج به على مشروعية الإبراد للجمعة وقال به بعض الشافعية وهو مقتضى صنيع المصنف كما سيأتي في بابه لكن الجمهور على خلافه كما سيأتي توجيهه إن شاء الله تعالى

ص: 8

من شرح المركز لزوائد الجامع الصغير: قال المباركفوري في تحفة الأحوذي: قوله: " أبشر " بصيغة الأمر من الإبشار أي سر واستبشر قوله " تقتلك الفئة الباغية " المراد بالفئة أصحاب معاوية والفئة الجماعة والباغية هم الذين خالفوا الإمام وخرجوا عن طاعته بتأويل باطل وأصل البغي مجاوزة الحد وفي حديث أبي سعيد عند البخاري في قصة بناء المسجد النبوي: " كنا نحمل لبنة لبنة وعمار لبنتين لبنتين فرآه النبي صلى الله عليه وسلم فجعل ينفض التراب عنه ويقول " ويح عمار تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار ". قال الحافظ في الفتح: فإن قيل: كان قتله بصفين وهو مع علي والذين قتلوه مع معاوية وكان معه جماعة من الصحابة فكيف يجوز عليهم الدعاء إلى النار؟ . فالجواب أنهم كانوا ظانين أنهم يدعون إلى الجنة وهم مجتهدون لا لوم عليهم في إتباع ظنونهم فالمراد بالدعاء إلى الجنة الدعاء إلى سببها وهو طاعة الإمام وكذلك كان عمار يدعوهم إلى طاعة علي وهو الإمام الواجب الطاعة إذ ذاك وكانوا هم يدعون إلى خلاف ذلك لكنهم معذورن للتأويل الذي ظهر لهم انتهى. قال الحافظ: روى حديث تقتل عمار الفئة الباغية جماعة من الصحابة منهم قتادة بن النعمان وأم سلمة عند مسلم وأبو هريرة عند الترمذي وعبد الله بن عمرو بن العاص عند النسائي وعثمان بن عفان وحذيفة وأبو أيوب وأبو رافع وخزيمة بن ثابت ومعاوية وعمرو بن العاص وأبو اليسر وعمار نفسه وكلها عند الطبراني وغيره وغالب طرقها صحيحة أو حسنة وفيه عن جماعة آخرين يطول عددهم انتهى

ص: 9

من شرح المركز لزوائد الجامع الصغير: الحديث رواه الترمذي (2088) ولفظه: عن أبي هريرة: " أن النبي صلى الله عليه وسلم عاد رجلا من وعك كان به فقال: أبشر فإن الله يقول هي ناري أسلطها على عبدي المذنب لتكون حظه من النار " قال الحافظ في الفتح: في قول البخاري: (باب الحمى من فيح جهنم) بفتح الفاء وسكون التحتانية بعدها مهملة والمراد سطوع حرها ووهجه. واختلف في نسبتها إلى جهنم؛ فقيل حقيقة واللهب الحاصل في جسم المحموم قطعة من جهنم وقدر الله ظهورها بأسباب تقتضيها ليعتبر العباد بذلك كما أن أنواع الفرح واللذة من نعيم الجنة أظهرها في هذه الدار عبرة ودلالة. وقد جاء في حديث أخرجه البزار من حديث عائشة بسند حسن وفي الباب عن أبي أمامة عند أحمد وعن أبي ريحانة عند الطبراني وعن ابن مسعود في مسند الشهاب " الحمى حظ المؤمن من النار " وهذا كما تقدم في حديث الأمر بالإبراد أن شدة الحر من فيح جهنم وأن الله أذن لها بنفسين وقيل: بل الخبر ورد مورد التشبيه والمعنى أن حر الحمى شبيه بحر جهنم تنبيها للنفوس على شدة حر النار وأن هذه الحرارة الشديدة شبيهة بفيحها وهو ما يصيب من قرب منها من حرها كما قيل بذلك في حديث الإبراد والأول أولى والله أعلم. ويؤيده قول ابن عمر في آخر الباب

ص: 10

من شرح المركز لزوائد الجامع الصغير: الحديث رواه البخاري (567) ولفظه: عن أبي موسى قال: " كنت أنا وأصحابي الذين قدموا معي في السفينة نزولا في بقيع بطحان والنبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة فكان يتناوب النبي صلى الله عليه وسلم عند صلاة العشاء كل ليلة نفر منهم فوافقنا النبي صلى الله عليه وسلم أنا وأصحابي وله بعض الشغل في بعض أمره فأعتم بالصلاة حتى ابهار الليل ثم خرج النبي صلى الله عليه وسلم فصلى بهم فلما قضى صلاته قال لمن حضره: على رسلكم أبشروا إن من نعمة الله عليكم أنه ليس أحد من الناس يصلي هذه الساعة غيركم أو قال: ما صلى هذه الساعة أحد غيركم لا يدري أي الكلمتين قال قال أبو موسى: فرجعنا ففرحنا بما سمعنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم " قال الحافظ في الفتح: قوله: (وله بعض الشغل في بعض أمره فأعتم بالصلاة) فيه دلالة على أن تأخير النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذه الغاية لم يكن قصدا. ومثله قوله في حديث ابن عمر الآتي قريبا " شغل عنها ليلة " وكذا قوله في حديث عائشة " أعتم بالصلاة ليلة " يدل على أن ذلك لم يكن من شأنه والفيصل في هذا حديث جابر " كانوا إذا اجتمعوا عجل وإذا أبطئوا أخر ". (فائدة) : الشغل المذكور كان في تجهيز جيش رواه الطبري من وجه صحيح عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر. قوله: (حتى ابهار الليل) بالموحدة وتشديد الراء أي طلعت نجومه واشتبكت والباهر الممتلئ نورا قاله أبو سعيد الضرير. وعن سيبويه: ابهار الليل كثرت ظلمته وأبهار القمر كثر ضوؤه. وقال الأصمعي: ابهار: انتصف مأخوذ من بهرة الشيء وهو وسطه ويؤيده أن في بعض الروايات " حتى إذا كان قريبا من نصف الليل " وهو في حديث أبي سعيد كما سيأتي وسيأتي في حديث أنس عند المصنف " إلى نصف الليل ". وفي الصحاح: أبهار الليل ذهب معظمه وأكثره. وعند مسلم من رواية أم كلثوم عن عائشة " حتى ذهب عامة الليل ". قوله: (على رسلكم) بكسر الراء ويجوز فتحها المعنى تأنوا. قوله: (إن من نعمة الله) استدل به على فضل تأخير صلاة العشاء ولا يعارض ذلك فضيلة أول الوقت لما في الانتظار من الفضل لكن قال ابن بطال: ولا يصلح ذلك الآن للأئمة لأنه صلى الله عليه وسلم أمر بالتخفيف وقال " إن فيهم الضعيف وذا الحاجة " فترك التطويل عليهم في الانتظار أولى. قلت: وقد روى أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة وغيرهم من حديث أبي سعيد الخدري " صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العتمة فلم يخرج حتى مضى نحو من شطر الليل فقال: إن الناس قد صلوا وأخذوا مضاجعهم وإنكم لن تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة ولولا ضعف الضعيف وسقم السقيم وحاجة ذي الحاجة لأخرت هذه الصلاة إلى شطر الليل " وسيأتي في حديث ابن عباس قريبا " لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يصلوها هكذا ". وللترمذي وصححه من حديث أبي هريرة " لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه " فعلى هذا من وجد به قوة على تأخيرها ولم يغلبه النوم ولم يشق على أحد من المأمومين فالتأخير في حقه أفضل وقد قرر النووي ذلك في شرح مسلم وهو اختيار كثير من أهل الحديث من الشافعية وغيرهم والله أعلم. ونقل ابن المنذر عن الليث وإسحاق أن المستحب تأخير العشاء إلى قبل الثلث وقال الطحاوي: يستحب إلى الثلث وبه قال مالك وأحمد وأكثر الصحابة والتابعين وهو قول الشافعي في الجديد وقال في القديم: التعجيل أفضل وكذا قال في الإملاء وصححه النووي وجماعة وقالوا: إنه مما يفتى به على القديم وتعقب بأنه ذكره في الإملاء وهو من كتبه الجديدة والمختار من حيث الدليل أفضلية التأخير ومن حيث النظر التفصيل والله أعلم. قوله: (فرحى) جمع فرحان على غير قياس ومثله " وترى الناس سكرى " في قراءة أو تأنيث فراح وهو نحو الرجال فعلت وفي رواية الكشميهني " فرجعنا وفرحنا " ولبعضهم " فرجعنا فرحا " بفتح الراء على المصدر ووقع عند مسلم كالرواية الأولى وسبب فرحهم علمهم باختصاصهم بهذه العبادة التي هي نعمة عظمى مستلزمة للمثوبة الحسنى ما انضاف إلى ذلك من تجميعهم فيها خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم

ص: 11

من شرح المركز لزوائد الجامع الصغير: قول النبي صلى الله عليه وسلم (فإن هذا القرآن سبب) أي حبل يرتقى به قال ابن الأثير الجزري في " النهاية ": أصله من السبب وهو الحبل الذي يتوصل به إلى الماء ثم استعير لكل ما يتوصل به إلى شىء كقوله تعالى (وتقطعت بهم الأسباب) أي الوصل والمودات. ومنه حديث عوف بن مالك " أنه رأى في المنام كأن سببا دلى من السماء " أي حبلا. وقيل لا يسمى الحبل سببا حتى يكون أحد طرفيه معلقا بالسقف أو نحوه. قال النووي في شرح مسلم: قوله صلى الله عليه وسلم: (كتاب الله عز وجل هو حبل الله) قيل المراد بحبل الله عهده وقيل: السبب الموصل إلى رضاه ورحمته وقيل: هو نوره الذي يهدي به. أهـ. قوله صلى الله عليه وسلم (فتمسكوا به) أي لأنه يتوصل به إلى الخروج من الفتن والبعد عن الضلال والكفر قال الله تعالى {إنه لقول فصل وما هو بالهزل) قال الطيبي: من ترك العمل بآية أو بكلمة من القرآن مما يجب العمل به أو ترك قراءتها من التكبر كفر ومن ترك عجزا أو كسلا أو ضعفا مع اعتقاد تعظيمه فلا إثم عليه أي بترك القراءة ولكنه محروم كذا في المرقاة. والقرآن حبل الله المتين طرفه بيد الله وطرفه الآخر بيد المؤمن فمن استمسك به فتعلم وعمل وعلم مخلصا لله متبعا لهدي كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم لم يضل أبدا حتى يلقى الله فهذه بشارة من النبي صلى الله عليه وسلم لمن حفظ كتاب الله وعمل به نسأل الله أن يجعلنا منهم. قال الطيبي: والحبل مستعار للوصل ولكل ما يتوصل به إلى شيء أي الوسيلة القوية إلى معرفة ربه وسعادة قربه. قال الشيخ الألباني رحمه الله فى السلسلة الصحيحة 713: " أبشروا أبشروا أليس تشهدون أن لاإله إلا الله وأنى رسول الله؟ قالوا: نعم قال: فإن هذا القرآن سبب طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم فتمسكوا به فإنكم لن تضلوا ولن تهلكوا بعده أبدا " رواه عبد بن حميد فى المنتخب من المسند (1 / 58) : حدثنا ابن أبى شيبة حدثنا أبو خالد الأحمر عن عبد الحميد بن جعفر عن سعيد بن أبى سعيد عن أبى شريح الخزاعى قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: فذكره ثم رأيته فى المصنف لابن أبى شيبة (12 / 165) بهذا السند وأخرجه ابن نصر فى قيام الليل (74) من طريق أخرى عن أبى خالد الأحمر به. قلت: وهذا سند صحيح على شرط مسلم. وله شاهد مرسل أخرجه أبو الحسين الكلابى فى حديثه (240 / 1) عن الليث بن سعد عن سعيد (يعنى المقبرى) عن نافع بن جبير به مرسلا. قلت: وهذا مرسل صحيح الإسناد وهو أصح من الموصول. وقد وصله الطبرانى فى المعجم الكبير (1 / 77 / 1) من طريق أبى عبادة الزرقى الأنصارى نا الزهرى عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجحفة فخرج علينا فقال. . . فذكره لكن أبو عبادة هذا متروك واسمه عيسى بن عبد الرحمن بن فروة

ص: 12

من شرح المركز لزوائد الجامع الصغير: وفى السلسلة الصحيحة 661: قال الألباني رحمه الله: أخرجه ابن ماجه (81) وأحمد (2 / 186) عن حماد عن ثابت عن أبي أيوب عن عبد الله بن عمرو قال: " صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المغرب فرجع من رجع وعقب من عقب فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم مسرعا قد حفزه النفس وقد حسر عن ركبتيه فقال أبشروا هذا ربكم قد فتح بابا من أبواب السماء يباهي بكم الملائكة يقول انظروا إلى عبادي قد قضوا فريضة وهم ينتظرون أخرى " قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم وأبو أيوب هو المراغى الأزدى البصرى. وقال البوصيرى فى الزوائد (54 / 1) : هذا إسناد رجاله ثقات وكذا قال المنذرى فى الترغيب (1 / 160) ولكنه أعله بالانقطاع بين أبى أيوب وابن عمرو ولاوجه له. والله أعلم. وله طريق أخرى أخرجه أحمد (2 / 208) عن على بن زيد عن مطرف بن عبد الله بن الشخير عن عبد الله بن عمرو به. وهذا إسناد لابأس به فى الشواهد رجاله كلهم ثقات غير على بن زيد هو ابن جدعان ففيه ضعف من قبل حفظه. الشرح: قال السندي في شرح ابن ماجة: قوله (وعقب من عقب) في الصحاح التعقيب في الصلاة الجلوس بعد أن يقضيها لدعاء أو مسألة وفي الحديث من عقب في الصلاة فهو في الصلاة. وقال السيوطي التعقيب في المساجد انتظار الصلوات بعد الصلاة قوله (قد حفزه) بحاء مهملة وفاء وزاي أي أعجله النفس بفتحتين (قد حسر) كشف وفيه دليل على أن الركبة ليست بعورة وفي الزوائد هذا إسناده صحيح ورجاله ثقات. أهـ. وفي الحديث فضل انتظار صلاة الجماعة والجلوس في المسجد عقب الصلاة وأن ذلك سبب لأن يباهي الله ملائكته بعباده المصلين والجالسين في المساجد انتظارا للصلاة

ص: 13

من شرح المركز لزوائد الجامع الصغير: روى أبو داود (3092) حدثنا سهل بن بكار عن أبي عوانة عن عبد الملك بن عمير عن أم العلاء قالت: " عادني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مريضة فقال أبشري يا أم العلاء فإن مرض المسلم يذهب الله به خطاياه كما تذهب النار خبث الذهب والفضة " قال في عون المعبود: (عادني) : من العيادة (يذهب الله به) : أي بسبب المرض (خطاياه) أي المسلم (خبث الذهب والفضة) : قال ابن الأثير في النهاية: الخبث بفتحتين هو ما تلقيه النار من وسخ الفضة والنحاس وغيرهما إذا أذيبا انتهى. قال المنذري: وأم العلاء هي عمة حكيم ابن حزام وكانت من المبايعات. والحديث سكت عنه. وفى السلسلة الصحيحة 741: أخرجه أبو داود (3092) حدثنا سهل بن بكار عن أبى عوانة عن عبد الملك بن عمير عن أم العلاء قالت: عادنى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مريضة فقال:. . . . فذكره. قلت: وهذا إسناد جيد ورجاله ثقات رجال البخارى وفى بعضهم كلام لايضر. (تنبيه) أورد السيوطي: هذا الحديث فى الجامع الكبير (1 / 6 / 2) من رواية الطبرانى فقط عن أبى العلاء ولم يورده الهيثمى فى المجمع لأنه فى السنن فليس على شرطه. وللحديث طريق أخرى عن أم العلاء بلفظ: " اصبرى فإنه (يعنى وجع الحمى) يذهب خبث المؤمن كما تذهب النار خبث الحديد " أخرجه ابن السكن وابن منده من طريق الزبيدى عن يونس بن سيف أن حرام بن حكيم أخبره عن عمته أم العلاء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عادها من حمى فرآها تضور من شدة الوجع فقال لها. . . الحديث. كذا فى الإصابة لابن حجر. قلت: وهذا إسناد رجاله ثقات فهو إسناد جيد وله شاهد من طريق فاطمة الخزاعية قالت: عاد النبى صلى الله عليه وسلم امرأة من الأنصار وهى وجعة فقال لها: كيف تجدينك؟ قالت: بخير إلا أن أم ملدم قد برحت بى فقال النبى صلى الله عليه وسلم: اصبرى فإنها. . . الحديث. قال الهيثمى (2 / 307) : رواه الطبرانى فى الكبير ورجاله رجال الصحيح وله شاهد آخر من حديث خالد بن يزيد عن أبى الزبير عن جابر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاد امرأة من الأنصار فقال لها: أهى أم ملدم؟ قالت: نعم؛ فلعنها الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لاتسبيها فإنها تغسل ذنوب العبد كما يذهب الكير خبث الحديد أخرجه الحاكم (1 / 346) وقال صحيح على شرط مسلم وإنما أخرجه بغير هذا اللفظ من حديث حجاج بن أبى عثمان عن أبى الزبير ووافقه الذهبى. قلت: خالد بن يزيد هو الجمحى المصرى وهو ثقة محتج به فى الصحيحين. وفى الصحيحة 715: وحديث حجاج أخرجه مسلم (8 / 16) والبخارى فى الأدب المفرد (516) والبيهقى (3 / 377) من طريق أبى الزبير حدثنا جابر بن عبد الله: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على أم السائب أو أم المسيب فقال مالك يا أم السائب أو يا أم المسيب تزفزفين؟ قالت: الحمى لابارك الله فيها فقال:. . . فذكره. ورواه ابن ماجه (2 / 348) من حديث أبى هريرة مرفوعا نحوه دون القصة. وفيه موسى بن عبيدة ضعيف

ص: 14

من شرح المركز لزوائد الجامع الصغير: الحديث رواه البخاري (4141) ومسلم (2770) : من طريق الزهري أخبرني سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وعلقمة بن وقاص وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن حديث عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم حين قال لها أهل الإفك ما قالوا فبرأها الله مما قالوا وكلهم حدثني طائفة من حديثها وبعضهم كان أوعى لحديثها من بعض وأثبت اقتصاصا وقد وعيت عن كل واحد منهم الحديث الذي حدثني وبعض حديثهم يصدق بعضا: ذكروا أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج سفرا أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول الله صلى الله عليه وسلم معه قالت عائشة: فأقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج فيها سهمي فخرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك بعد ما أنزل الحجاب فأنا أحمل في هودجي وأنزل فيه مسيرنا حتى إذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوه وقفل ودنونا من المدينة آذن ليلة بالرحيل فقمت حين آذنوا بالرحيل فمشيت حتى جاوزت الجيش فلما قضيت من شأني أقبلت إلى الرحل فلمست صدري فإذا عقدي من جزع ظفار قد انقطع فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون لي فحملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب وهم يحسبون أني فيه قالت: وكانت النساء إذ ذاك خفافا لم يهبلن ولم يغشهن اللحم إنما يأكلن العلقة من الطعام فلم يستنكر القوم ثقل الهودج حين رحلوه ورفعوه وكنت جارية حديثة السن فبعثوا الجمل وساروا ووجدت عقدي بعد ما استمر الجيش فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب فتيممت منزلي الذي كنت فيه وظننت أن القوم سيفقدوني فيرجعون إلي فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني قد عرس من وراء الجيش فادلج فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان نائم فأتاني فعرفني حين رآني وقد كان يراني قبل أن يضرب الحجاب علي فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني فخمرت وجهي بجلبابي ووالله ما يكلمني كلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه حتى أناخ راحلته فوطئ على يدها فركبتها فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا موغرين في نحر الظهيرة فهلك من هلك في شأني وكان الذي تولى كبره عبد الله بن أبي ابن سلول فقدمنا المدينة فاشتكيت حين قدمنا المدينة شهرا والناس يفيضون في قول أهل الإفك ولا أشعر بشيء من ذلك وهو يريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله صلى الله عليه وسلم اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي إنما يدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسلم ثم يقول كيف تيكم فذاك يريبني ولا أشعر بالشر حتى خرجت بعد ما نقهت وخرجت معي أم مسطح قبل المناصع وهو متبرزنا ولا نخرج إلا ليلا إلى ليل وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبا من بيوتنا وأمرنا أمر العرب الأول في التنزه وكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا فانطلقت أنا وأم مسطح وهي بنت أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف وأمها ابنة صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق وابنها مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب فأقبلت أنا وبنت أبي رهم قبل بيتي حين فرغنا من شأننا فعثرت أم مسطح في مرطها فقالت تعس مسطح فقلت لها: بئس ما قلت أتسبين رجلا قد شهد بدرا قالت أي هنتاه أو لم تسمعي ما قال قلت وماذا قال قالت فأخبرتني بقول أهل الإفك فازددت مرضا إلى مرضي فلما رجعت إلى بيتي فدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم ثم قال: كيف تيكم قلت أتأذن لي أن آتي أبوي قالت وأنا حينئذ أريد أن أتيقن الخبر من قبلهما فأذن لي رسول الله صلى الله عليه وسلم فجئت أبوي فقلت لأمي: يا أمتاه ما يتحدث الناس؟ فقالت: يا بنية هوني عليك فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا كثرن عليها قالت قلت سبحان الله وقد تحدث الناس بهذا قالت فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم ثم أصبحت أبكي ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي يستشيرهما في فراق أهله قالت: فأما أسامة بن زيد فأشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذي يعلم من براءة أهله وبالذي يعلم في نفسه لهم من الود فقال يا رسول الله هم أهلك ولا نعلم إلا خيرا وأما علي بن أبي طالب فقال لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير وإن تسأل الجارية تصدقك قالت فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة فقال أي بريرة هل رأيت من شيء يريبك من عائشة قالت له بريرة والذي بعثك بالحق إن رأيت عليها أمرا قط أغمصه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فتأتي الداجن فتأكله قالت: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر فاستعذر من عبد الله بن أبي ابن سلول قالت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر: يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغ أذاه في أهل بيتي فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرا ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا وما كان يدخل على أهلي إلا معي فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال: أنا أعذرك منه يا رسول الله إن كان من الأوس ضربنا عنقه وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك قالت: فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج وكان رجلا صالحا ولكن اجتهلته الحمية فقال لسعد بن معاذ كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله فقام أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد بن معاذ فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين فثار الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكتوا وسكت قالت: وبكيت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم ثم بكيت ليلتي المقبلة لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم وأبواي يظنان أن البكاء فالق كبدي فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي استأذنت علي امرأة من الأنصار فأذنت لها فجلست تبكي قالت: فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم ثم جلس قالت: ولم يجلس عندي منذ قيل لي ما قيل وقد لبث شهرا لا يوحى إليه في شأني بشيء قالت: فتشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جلس ثم قال: أما بعد يا عائشة فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرئك الله وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه فإن العبد إذا اعترف بذنب ثم تاب تاب الله عليه. قالت: فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة فقلت لأبي: أجب عني رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قال فقال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت لأمي أجيبي عني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرا من القرآن: إني والله لقد عرفت أنكم قد سمعتم بهذا حتى استقر في نفوسكم وصدقتم به فإن قلت لكم إني بريئة والله يعلم أني بريئة لا تصدقوني بذلك ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني بريئة لتصدقونني وإني والله ما أجد لي ولكم مثلا إلا كما قال أبو يوسف فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون قالت: ثم تحولت فاضطجعت على فراشي قالت: وأنا والله حينئذ أعلم أني بريئة وأن الله مبرئي ببراءتي ولكن والله ما كنت أظن أن ينزل في شأني وحي يتلى ولشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلم الله عز وجل في بأمر يتلى ولكني كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم رؤيا يبرئني الله بها قالت: فوالله ما رام رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسه ولا خرج من أهل البيت أحد حتى أنزل الله عز وجل على نبيه صلى الله عليه وسلم فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء عند الوحي حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق في اليوم الشات من ثقل القول الذي أنزل عليه قالت: فلما سري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يضحك فكان أول كلمة تكلم بها أن قال أبشري يا عائشة أما الله فقد برأك فقالت لي أمي: قومي إليه فقلت والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله هو الذي أنزل براءتي قالت: فأنزل الله عز وجل: (إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم) عشر آيات فأنزل الله عز وجل هؤلاء الآيات براءتي قالت: فقال أبو بكر وكان ينفق على مسطح لقرابته منه وفقره والله لا أنفق عليه شيئا أبدا بعد الذي قال لعائشة فأنزل الله عز وجل (ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى إلى قوله ألا تحبون أن يغفر الله لكم) قال حبان بن موسى قال عبد الله بن المبارك هذه أرجى آية في كتاب الله. فقال أبو بكر: والله إني لأحب أن يغفر الله لي. فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه وقال لا أنزعها منه أبدا قالت عائشة: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل زينب بنت جحش زوج النبي صلى الله عليه وسلم عن أمري ما علمت أو ما رأيت؟ فقالت: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري والله ما علمت إلا خيرا قالت عائشة: وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فعصمها الله بالورع وطفقت أختها حمنة بنت جحش تحارب لها فهلكت فيمن هلك قال الزهري: فهذا ما انتهى إلينا من أمر هؤلاء الرهط وزاد في حديث صالح قال عروة: كانت عائشة تكره أن يسب عندها حسان وتقول فإنه قال: فإن أبي ووالده وعرضي لعرض محمد منكم وقاء وزاد أيضا قال عروة: قالت عائشة: والله إن الرجل الذي قيل له ما قيل ليقول سبحان الله فوالذي نفسي بيده ما كشفت عن كنف أنثى قط قالت ثم قتل بعد ذلك شهيدا في سبيل الله وفي رواية: عن عائشة قالت لما ذكر من شأني الذي ذكر وما علمت به قام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبا فتشهد فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال أما بعد أشيروا علي في أناس أبنوا أهلي وايم الله ما علمت على أهلي من سوء قط وأبنوهم بمن والله ما علمت عليه من سوء قط ولا دخل بيتي قط إلا وأنا حاضر ولا غبت في سفر إلا غاب معي وساق الحديث بقصته وفيه: ولقد دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيتي فسأل جاريتي فقالت والله ما علمت عليها عيبا إلا أنها كانت ترقد حتى تدخل الشاة فتأكل عجينها أو قالت خميرها ـ شك هشام ـ فانتهرها بعض أصحابه فقال اصدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أسقطوا لها به فقالت سبحان الله والله ما علمت عليها إلا ما يعلم الصائغ على تبر الذهب الأحمر وقد بلغ الأمر ذلك الرجل الذي قيل له فقال سبحان الله والله ما كشفت عن كنف أنثى قط قالت عائشة وقتل شهيدا في سبيل الله وفيه أيضا من الزيادة: وكان الذين تكلموا به مسطح وحمنة وحسان وأما المنافق عبد الله بن أبي فهو الذي كان يستوشيه ويجمعه وهو الذي تولى كبره وحمنة (هذا لفظ مسلم) قال النووي في شرح مسلم: قولها: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه) هذا دليل لمالك والشافعي وأحمد وجماهير العلماء في العمل بالقرعة في القسم بين الزوجات وفي العتق والوصايا والقسمة ونحو ذلك وقد جاءت فيها أحاديث كثيرة في الصحيح مشهورة قال أبو عبيد: عمل بها ثلاثة من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين: يونس وزكريا ومحمد صلى الله عليه وسلم قال ابن المنذر: استعمالها كالإجماع قال: ولا معنى لقول من ردها والمشهور عن أبي حنيفة إبطالها وحكي عنه إجازتها قال ابن المنذر وغيره: القياس تركها لكن عملنا بها للآثار. وفيه: القرعة بين النساء عند إرادة السفر ببعضهن ولا يجوز أخذ بعضهن بغير قرعة هذا مذهبنا وبه قال أبو حنيفة وآخرون وهو رواية عن مالك وعنه رواية أن له السفر بمن شاء منهن بلا قرعة؛ لأنها قد تكون أنفع له في طريقه والأخرى أنفع له في بيته وماله. قولها: (آذن ليلة بالرحيل) روي بالمد وتخفيف الذال وبالقصر وتشديدها: أي: أعلم. قولها: (وعقدي من جزع ظفار قد انقطع) أما (العقد) فمعروف نحو القلادة (والجزع) بفتح الجيم وإسكان الزاي وهو خرز يماني وأما (ظفار) فبفتح الظاء المعجمة وكسر الراء وهي مبنية على الكسر تقول: هذه ظفار ودخلت ظفار وإلى ظفار بكسر الراء بلا تنوين في الأحوال كلها وهي قرية في اليمن. قولها: (وأقبل الرهط الذي كانوا يرحلون لي فحملوا هودجي فرحلوه على بعيري) هكذا وقع في أكثر النسخ (لي) باللام وفي بعض النسخ (بي) بالباء واللام أجود ويرحلون بفتح الياء وإسكان الراء وفتح الحاء المخففة أي: يجعلون الرحل على البعير وهو معنى قولها (فرحلوه) بتخفيف الحاء و (الرهط) هم جماعة دون عشرة و (الهودج) بفتح الهاء مركب من مراكب النساء. قولها: (وكانت النساء إذ ذاك خفافا لم يهبلن ولم يغشهن اللحم إنما يأكلن العلقة من الطعام) فقولها (يهبلن) ضبطوه على أوجه أشهرها ضم الياء وفتح الهاء والباء المشددة أي: يثقلن باللحم والشحم والثاني: يهبلن بفتح الياء والباء وإسكان الهاء بينهما والثالث: بفتح الياء وضم الباء الموحدة ويجوز بضم أوله وإسكان الهاء وكسر الموحدة قال أهل اللغة: يقال: هبله اللحم وأهبله إذا أثقله وكثر لحمه وشحمه وفي رواية البخاري (لم يثقلن) وهو بمعناه وهو أيضا المراد بقولها: (ولم يغشهن اللحم) و (يأكلن العلقة) : بضم العين أي: القليل ويقال لها أيضا: البلغة. قولها: (فتيممت منزلي) أي: قصدته. . قولها: (وكان صفوان بن المعطل) هو بفتح الطاء بلا خلاف كذا ضبطه أبو هلال العسكري والقاضي في المشارق وآخرون. قولها: (عرس من وراء الجيش فأدلج) التعريس: النزول آخر الليل في السفر لنوم أو استراحة وقال أبو زيد: هو النزول أي وقت كان والمشهور الأول. قولها: (ادلج) بتشديد الدال وهو سير آخر الليل. قولها: (فرأى سواد إنسان) أي: شخصه. قولها: (فاستيقظت باسترجاعه) أي: انتبهت من نومي بقوله: إنا لله وإنا إليه راجعون. قولها: (خمرت وجهي) أي: غطيته. قولها: (نزلوا موغرين في نحر الظهيرة)(الموغر) بالغين المعجمة النازل في وقت الوغرة بفتح الواو وإسكان الغين وهي: شدة الحر كما فسرها في الكتاب في آخر الحديث وذكر هناك أن منهم من رواه (موعرين) بالعين المهملة هو ضعيف و (نحر الظهيرة) : وقت القائلة وشدة الحر. قولها: (وكان الذي تولى كبره) أي: معظمه وهو بكسر الكاف على القراءة المشهورة وقرئ في الشواذ بضمها وهي لغة. قولها: (وكان الذي تولى كبره عبد الله بن أبي ابن سلول) هكذا صوابه (ابن سلول) برفع (ابن) وكتابته بالألف صفة لعبد الله وقد سبق بيانه مرات وتقدم إيضاحه في كتاب الإيمان في حديث المقداد مع نظائره. قولها: (والناس يفيضون في قول أهل الإفك) أي: يخوضون فيه و (الإفك) بكسر الهمزة وإسكان الفاء هذا هو المشهور وحكى القاضي فتحهما جميعا قال: هما لغتان كنجس ونجس وهو الكذب. قولها: (هو يريبني أني لا أعرف من رسول الله صلى الله عليه وسلم اللطف الذي كنت أرى منه)(يريبني) : بفتح أوله وضمه يقال: رابه وأرابه إذا أوهمه وشككه و (اللطف) بضم اللام وإسكان الطاء ويقال: بفتحها معا لغتان وهو: البر والرفق. قولها: (ثم يقول كيف تيكم؟) هي: إشارة إلى المؤنثة كذلكم في المذكر. قولها: (خرجت بعد ما نقهت) هو بفتح القاف وكسرها لغتان حكاهما الجوهري في الصحاح وغيره والفتح أشهر واقتصر عليه جماعة يقال: نقه ينقه نقوها فهو ناقه ككلح يكلح كلوحا فهو كالح ونقه ينقه نقها فهو ناقه كفرح يفرح فرحا والجمع نقه بضم النون وتشديد القاف والناقه هو الذي أفاق من المرض ويبرأ منه وهو قريب عهد به لم يتراجع إليه كمال صحته. قولها: (وخرجت مع أم مسطح قبل المناصع) أما (مسطح) فبكسر الميم وأما (المناصع) فبفتحها وهي مواضع خارج المدينة كانوا يبرزون فيها. قولها: (قبل أن نتخذ الكنف) هي جمع كنيف قال أهل اللغة: الكنيف الساتر مطلقا. قولها: (وأمرنا أمر العرب الأول في التنزه) ضبطوا (الأول) بوجهين أحدهما: ضم الهمزة وتخفيف الواو والثاني: الأول بفتح الهمزة وتشديد الواو وكلاهما صحيح والتنزه: طلب النزاهة بالخروج إلى الصحراء. قولها: (وهي بنت أبي رهم وابنها مسطح بن أثاثة) أما (رهم) فبضم الراء وإسكان الهاء و (أثاثة) بهمزة مضمومة وثاء مثلثة مكررة و (مسطح) لقب واسمه (عامر) وقيل: (عوف) كنيته أبو عباد وقيل: أبو عبد الله توفي سنة سبع وثلاثين وقيل: أربع وثلاثين واسم أم مسطح (سلمى) . قولها: (فعثرت أم مسطح في مرطها فقالت: تعس مسطح) أما (عثرت) فبفتح الثاء وأما (تعس) فبفتح العين وكسرها لغتان مشهورتان واقتصر الجوهري على الفتح والقاضي على الكسر ورجح بعضهم الكسر وبعضهم الفتح ومعناه: عثر وقيل: هلك وقيل: لزمه الشر وقيل: بعد وقيل: سقط بوجهه خاصة. وأما (المرط) فبكسر الميم وهو: كساء من صوف وقد يكون من غيره. قولها: (أي هنتاه) هي بإسكان النون وفتحها الإسكان أشهر قال صاحب نهاية الغريب: وتضم الهاء الأخيرة وتسكن ويقال في التثنية: هنتان وفي الجمع هنات وهنوات وفي المذكر هن وهنان وهنون ولك أن تلحقها الهاء؛ لبيان الحركة فتقول يا هنه وأن تشبع حركة النون فتصير ألفا فتقول: يا هناه ولك ضم الهاء فتقول: يا هناه أقبل قالوا: وهذه اللفظة تختص بالنداء ومعناه: يا هذه وقيل: يا امرأة وقيل: يا بلهاء كأنها نسبت إلى قلة المعرفة بمكايد الناس وشرورهم ومن المذكور حديث الصبي ابن معبد قلت: يا هناه إني حريص على الجهاد. والله أعلم. قولها: (قلما كانت امرأة وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا كثرن عليها)(الوضيئة) : مهموزة ممدودة هي الجميلة الحسنة والوضاءة: الحسن ووقع في رواية ابن ماهان (حظية) من الحظوة وهي: الوجاهة وارتفاع المنزلة والضراير. جمع ضرة وزوجات الرجل ضراير؛ لأن كل واحدة تتضرر بالأخرى بالغيرة والقسم وغيره والاسم منه الضر بكسر الضاد وحكي ضمها وقولها: إلا كثرن عليها هو بالثاء المثلثة المشددة أي: أكثرن القول في عيبها ونقصها. قولها: (لا يرقأ لي دمع) هو بالهمزة أي: لا ينقطع. قولها: (ولا أكتحل بنوم) أي: لا أنام. قولها: (استلبث الوحي) أي: أبطأ ولبث ولم ينزل. قولها: (وأما علي بن أبي طالب فقال: لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير) هذا الذي قاله علي رضي الله عنه هو الصواب في حقه؛ لأنه رآه مصلحة ونصيحة للنبي صلى الله عليه وسلم في اعتقاده ولم يكن ذلك في نفس الأمر لأنه رأى انزعاج النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الأمر وتقلقه فأراد راحة خاطره وكان ذلك أهم من غيره. قولها: (والذي بعثك بالحق إن رأيت عليها أمرا قط أغمصه عليها أكثر من أنها جارية حديثه السن تنام عن عجين أهلها فتأتي الداجن فتأكله) فقولها (أغمصه) بفتح الهمزة وكسر الميم وبالصاد المهملة أي: أعيبها والداجن: الشاة التي تألف البيت ولا تخرج للمرعى ومعنى هذا الكلام: أنه ليس فيها شيء مما تسألون عنه أصلا ولا فيها شيء من غيره إلا نومها عن العجين. قولها: (فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر فاستعذر من عبد الله بن أبي ابن سلول) أما (أبي) فمنون وابن سلول بالألف وسبق بيانه وأما استعذر: فمعناه: أنه قال من يعذرني فيمن آذاني في أهلي كما بينه في هذا هذا الحديث ومعنى (من يعذرني) من يقوم بعذري إن كافأته على قبيح فعاله ولا يلومني وقيل: معناه من ينصرني والعذير الناصر. قولها: (فقام سعد بن معاذ فقال: أنا أعذرك منه) قال القاضي: هذا مشكل لم يتكلم فيه أحد وهو قولها: (فقام سعد بن معاذ فقال أن أعذرك منه) وكانت هذه القصة في غزوة المريسيع وهي غزوة بني المصطلق سنة ست فيما ذكره ابن إسحاق ومعلوم أن سعد بن معاذ مات في إثر غزاة الخندق من الرمية التي أصابته وذلك سنة أربع بإجماع أصحاب السير إلا شيئا قاله الواقدي وحده قال القاضي: قال بعض شيوخنا: ذكر سعد بن معاذ في هذا وهم والأشبه أنه غيره ولهذا لم يذكره ابن إسحاق في السير وإنما قال: إن المتكلم أولا وآخرا أسيد بن حضير قال القاضي: وقد ذكر موسى بن عقبة أن غزوة المريسيع كانت سنة أربع وهي سنة الخندق وقد ذكر البخاري اختلاف ابن إسحاق وابن عقبة قال القاضي: فيحتمل أن غزاة المريسيع وحديث الإفك كانا في سنة أربع قبل قصة الخندق قال القاضي: وقد ذكر الطبري عن الواقدي أن المريسيع كانت سنة خمس قال: وكانت الخندق وقريظة بعدها وذكر القاضي إسماعيل الخلاف في ذلك وقال: الأولى أن يكون المريسيع قبل الخندق قال القاضي: وهذا لذكر سعد في قصة الإفك وكانت في المريسيع فعلى هذا يستقيم فيه ذكر سعد بن معاذ وهو الذي في الصحيحين وقول غير ابن إسحاق في غير وقت المريسيع أصح هذا كلام القاضي وهو صحيح. قولها: (ولكن اجتهلته الحمية) هكذا هو هنا لمعظم رواة صحيح مسلم (اجتهلته) بالجيم والهاء أي: استخفته وأغضبته وحملته على الجهل وفي رواية ابن ماهان هنا (احتملته) بالحاء والميم وكذا رواه مسلم بعد هذا من رواية يونس وصالح وكذا رواه البخاري ومعناه: أغضبته فالروايتان صحيحتان. قولها: (فثار الحيان الأوس والخزرج) أي: تناهضوا للنزاع والعصبية كما قالت: حتى هموا أن يقتتلوا. قوله صلى الله عليه وسلم: (وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله) معناه: إن كنت فعلت ذنبا وليس ذلك لك بعادة وهذا أصل اللمم. قولها: (قلص دمعي) هو بفتح القاف واللام أي: ارتفع لاستعظام ما يعييني من الكلام. قولها لأبويها: (أجيبا عني) فيه تفويض الكلام إلى الكبار؛ لأنهم أعرف بمقاصده واللائق بالمواطن منه وأبواها يعرفان حالها وأما قول أبويها: (لا ندري ما نقول) فمعناه: أن الأمر الذي سألها عنه لا يقفان منه على زائد على ما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل نزول الوحي من حسن الظن بها والسرائر إلى الله تعالى. قولها: (ما رام رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسه) أي: ما فارقه. قولها: (فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء) هي بضم الموحدة وفتح الراء وبالحاء المهملة والمد وهي: الشدة. قولها: (حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق) معنى (ليتحدر) لينصب و (الجمان) بضم الجيم وتخفيف الميم وهو: الدر شبهت قطرات عرقه صلى الله عليه وسلم بحباب اللؤلؤ في الصفاء والحسن. قولها: (فلما سري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أي: كشف وأزيل. قولها: (فقالت لي أمي قومي فقلت: والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله هو الذي أنزل براءتي) معناه: قالت لها أمها: قومي فاحمديه وقبلي رأسه واشكريه لنعمة الله تعالى التي بشرك فقالت عائشة ما قالت إدلالا عليه وعتبا لكونهم شكوا في حالها مع علمهم بحسن طرائقها وجميل أحوالها وارتفاعها عن هذا الباطل الذي افتراه قوم ظالمون ولا حجة له ولا شبهة فيه قالت: وإنما أحمد ربي سبحانه وتعالى الذي أنزل براءتي وأنعم علي وبما لم أكن أتوقعه كما قالت: ولشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلم الله تعالى في بأمر يتلى. قوله عز وجل: {ولا يأتل أولوا الفضل منكم} أي: لا يحلفوا والألية: اليمين قولها: (أحمي سمعي وبصري) أي: أصون سمعي وبصري من أن أقول: سمعت ولم أسمع وأبصرت ولم أبصر. قولها: (وهي التي كانت تساميني) أي: تفاخرني وتضاهيني بجمالها ومكانها عند النبي صلى الله عليه وسلم وهي مفاعلة من السمو وهو الارتفاع. قولها: (وطفقت أختها حمنة تحارب لها) أي: جعلت تتعصب لها فتحكي ما يقوله أهل الإفك وطفق الرجل بكسر الفاء على المشهور وحكي فتحها وسبق بيانه. قوله: (ما كشفت عن كنف أنثى قط)(الكنف) : هنا بفتح الكاف والنون أي: ثوبها الذي يسترها وهو كناية عن عدم جماع النساء جميعهن ومخالطتهن. قوله: (وفي حديث يعقوب موعرين) يعني بالعين المهملة وسبق بيانه وقوله في تفسير عبد الرزاق: (الوغرة شد الحر) هي بإسكان الغين وسبق بيانه. قوله صلى الله عليه وسلم: (أشيروا علي في أناس أبنوا أهلي) هو بباء موحدة مفتوحة مخفف ومشددة رووه هنا بالوجهين التخفيف أشهر ومعناه: اتهموها والابن بفتح الهمزة يقال: ابنه ويأبنه بضم الباء وكسرها: إذا اتهمه ورماه بخلة سوء فهو مأبون قالوا: وهو مشتق من الابن بضم الهمزة وفتح الباء وهي: العقد في القسي تفسدها وتعاب بها. قوله: " حتى أسقطوا لهابه فقالت: سبحان الله " ومعناه: صرحوا لها بالأمر ولهذا قالت: سبحان الله؛ استعظاما لذلك وقيل: أتوا بسقط من القول في سؤالها وانتهارها يقال أسقط وسقط في كلامه إذا أتى فيه بساقط وقيل: إذا أخطأ فيه قولها (والله ما علمت عليها إلا ما يعلم الصائغ على تبر الذهب) وهي القطعة الخالصة. قولها: (وأما المنافق عبد الله بن أبي فهو الذي كان يستوشيه) أي: يستخرجه بالبحث والمسألة ثم يفشيه ويشيعه ويحركه ولا ندعه يحمد. والله أعلم. واعلم أن في حديث الإفك فوائد كثيرة: إحداها: جواز رواية الحديث الواحد عن جماعة عن كل واحد قطعة مبهمة منه وهذا وإن كان فعل الزهري وحده فقد أجمع المسلمون على قبوله منه والاحتجاج به. الثانية: صحة القرعة بين النساء وفي العتق وغيره مما ذكرناه في أول الحديث مع خلاف العلماء. الثالثة: وجوب الإقراع بين النساء عند إرادة السفر ببعضهن. الرابعة: أنه لا يجب قضاء مدة السفر للنسوة المقيمات وهذا مجمع عليه إذا كان السفر طويلا وحكم القصير حكم الطويل على المذهب الصحيح وخالف فيه بعض أصحابنا. الخامسة: جواز سفر الرجل بزوجته. السادسة: جواز غزوهن. السابعة: جواز ركوب النساء في الهوادج. الثامنة: جواز خدمة الرجال لهن في تلك الأسفار. التاسعة: أن ارتحال العسكر يتوقف على أمر الأمير. العاشرة: جواز خروج المرأة لحاجة الإنسان بغير إذن الزوج وهذا من الأمور المستثناة. الحادية عشر: جواز لبس النساء القلائد في السفر كالحضر. الثانية عشر: أن من يركب المرأة البعير وغيره لا يكلمها إذا لم يكن محرما إلا لحاجة؛ لأنهم حملوا الهودج ولم يكلموا من يظنونها فيه. الثالثة عشر: فضيلة الاقتصار في الأكل للنساء وغيرهن وألا يكثر منه بحيث يهبله اللحم لأن هذا كان حالهن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وما كان في زمانه صلى الله عليه وسلم فهو الكامل الفاضل المختار. الرابعة عشر: جواز تأخر بعض الجيش ساعة ونحوها لحاجة تعرض له عن الجيش إذا لم يكن ضرورة إلى الاجتماع. الخامسة عشر: إعانة الملهوف وعن المنقطع وإنقاذ الضائع وإكرام ذوي الأقدار كما فعل صفوان رضي الله عنه في هذا كله. السادسة عشر: حسن الأدب مع الأجنبيات لا سيما في الخلوة بهن عند الضرورة في برية أو غيرها كما فعل صفوان من إبراكه الجمل من غير كلام ولا سؤال وإنه ينبغي أن يمشي قدامها لا بجنبها ولا وراءها. السابعة عشر: استحباب الإيثار بالركوب ونحوه كما فعل صفوان. الثامنة عشر: استحباب الاسترجاع عند المصائب سواء كانت في الدين أو الدنيا وسواء كانت في نفسه أو من يعز عليه. التاسعة عشر: تغطية المرأة وجهها عن نظر الأجنبي سواء كان صالحا أو غيره. العشرون: جواز الحلف من غير استحلاف. الحادية والعشرون: أنه يستحب أن يستر عن الإنسان ما يقال فيه إذا لم يكن في ذكره فائدة كما كتموا عن عائشة رضي الله عنها هذا الأمر شهرا ولم تسمع بعد ذلك إلا بعارض عرض وهو قول أم مسطح: تعس مسطح. الثانية والعشرون: استحباب ملاطفة الرجل زوجته وحسن المعاشرة. الثالثة والعشرون: أنه إذا عرض عارض بأن سمع عنها شيئا أو نحو ذلك يقلل من اللطف ونحوه لتفطن هي أن ذلك لعارض فتسأل عن سببه فتزيله. الرابعة والعشرون: استحباب السؤال عن المريض. الخامسة والعشرون: أنه يستحب للمرأة إذا أرادت الخروج لحاجة أن تكون معها رفيقة تستأنس بها ولا يتعرض لها أحد. السادسة والعشرون: كراهة الإنسان صاحبه وقريبه إذا أذى أهل الفضل أو فعل غير ذلك من القبائح كما فعلت أم مسطح في دعائها عليه. السابعة والعشرون: فضيلة أهل بدر والذب عنهم كما فعلت عائشة في ذبها عن مسطح. الثامنة والعشرون: أن الزوجة لا تذهب إلى بيت أبويها إلا بأذن زوجها. التاسعة والعشرون: جواز التعجب بلفظ التسبيح وقد تكرر في هذا الحديث وغيره. الثلاثون: استحباب مشاورة الرجل بطانته وأهله وأصدقاءه فيما ينوبه من الأمور. الحادية والثلاثون: جواز البحث والسؤال عن الأمور المسموعة عمن له به تعلق أما غيره فهو منهي عنه وهو تجسس وفضول. الثانية والثلاثون: خطبة الإمام الناس عند نزول أمر مهم. الثالثة والثلاثون: اشتكاء ولي الأمر إلى المسلمين من تعرض له بأذى في نفسه أو أهله أو غيره واعتذاره فيما يريد أن يؤذيه به. الرابعة والثلاثون: فضائل ظاهرة لصفوان بن المعطل رضي الله عنه بشهادة النبي صلى الله عليه وسلم له بما شهد وبفعله الجميل في إركاب عائشة رضي الله عنها وحسن أدبه في جملة القضية. الخامسة والثلاثون: فضيلة لسعد بن معاذ وأسيد بن حضير رضي الله عنهما. السادسة والثلاثون: المبادرة إلى قطع الفتن والخصومات والمنازعات وتسكين الغضب. السابعة والثلاثون: قبول التوبة والحث عليها. الثامنة والثلاثون: تفويض الكلام إلى الكبار دون الصغار لأنهم أعرف. التاسعة والثلاثون: جواز الاستشهاد بآيات القرآن العزيز ولا خلاف أنه جائز. الأربعون: استحباب المبادرة بتبشير من تجددت له نعمة ظاهرة أو اندفعت عنه بلية ظاهرة. الحادية والأربعون: براءة عائشة رضي الله عنها من الإفك وهي براءة قطعية بنص القرآن العزيز فلو تشكك فيها إنسان - والعياذ بالله - صار كافرا مرتدا بإجماع المسلمين قال ابن عباس وغيره: لم تزن امرأة نبي من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وهذا إكرام من الله تعالى لهم. الثانية والأربعون: تجدد شكر الله تعالى عند تجدد النعم. الثالثة والأربعون: فضائل لأبي بكر رضي الله عنه في قوله تعالى: {ولا يأتل أولوا الفضل منكم. . .} الآية. الرابعة والأربعون: استحباب صلة الأرحام وإن كانوا مسيئين. الخامسة والأربعون: العفو والصفح عن المسيء. السادسة والأربعون: استحباب الصدقة والإنفاق في سبيل الخيرات. السابعة والأربعون: أنه يستحب لمن حلف على يمين ورأى خيرا منها أن يأتي الذي هو خير ويكفر عن يمينه. الثامنة والأربعون: فضيلة زينب أم المؤمنين رضي الله عنها. التاسعة والأربعون: التثبيت في الشهادة. الخمسون: إكرام المحبوب بمراعاة أصحابه ومن خدمه أو أطاعه كما فعلت عائشة رضي الله عنها بمراعاة حسان وإكرامه إكراما للنبي صلى الله عليه وسلم. الحادية والخمسون: أن الخطبة تبتدأ بحمد الله تعالى والثناء عليه بما هو أهله. الثانية والخمسون: أنه يستحب في الخطب أن يقول بعد الحمد والثناء والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والشهادتين: أما بعد وقد كثرت فيه الأحاديث الصحيحة. الثالثة والخمسون: غضب المسلمين عند انتهاك حرمة أميرهم واهتمامهم بدفع ذلك. الرابعة والخمسون: جواز سبب المتعصب لمبطل كما سب أسيد بن حضير سعد بن عبادة لتعصبه للمنافق وقال: إنك منافق تجادل عن المنافقين وأراد أنك تفعل فعل المنافقين ولم يرد النفاق الحقيقي

ص: 15

من شرح المركز لزوائد الجامع الصغير: قال النووي في شرح مسلم: قوله صلى الله عليه وسلم: (آخر من يدخل الجنة رجل فهو يمشي مرة ويكبو مرة وتسفعه النار مرة) أما (يكبو) فمعناه: يسقط على وجهه. وأما (تسفعه) فهو بفتح التاء وإسكان السين المهملة وفتح الفاء ومعناه: تضرب وجهه وتسوده وتؤثر فيه أثرا. قوله صلى الله عليه وسلم: (لأنه يرى ما لا صبر له عليه) كذا هو في الأصول في المرتين الأوليين. وأما الثالثة: فوقع في أكثر الأصول (ما لا صبر له عليها) وفي بعضها (عليه) وكلاهما صحيح ومعنى (عليها) : أي: نعمة لا صبر له عليها أي: عنها. قوله عز وجل: (يا ابن آدم ما يصريني منك) هو بفتح الياء وإسكان الصاد المهملة ومعناه يقطع مسألتك مني. قال أهل اللغة: (الصري) بفتح الصاد وإسكان الراء هو القطع وروي في غير مسلم (ما يصريك مني) قال إبراهيم الحربي: هو الصواب وأنكر الرواية التي في صحيح مسلم وغيره (ما يصريني منك) وليس هو كما قال بل كلاهما صحيح؛ فإن السائل متى انقطع من المسئول انقطع المسئول منه والمعنى: أي شيء يرضيك ويقطع السؤال بيني وبينك. والله أعلم. (تصويب) : في المتن مايعريني وهو خطأ وليس عند مسلم ولا أحمد ولا غيرهما وإنما ما يصريني بالصاد المهملة

ص: 16

من شرح المركز لزوائد الجامع الصغير: قوله صلى الله عليه وسلم (ابن آدم ستون وثلاثمائة مفصل) وفي رواية مسلم (1007) عن عائشة مرفوعا: (خلق كل إنسان من بني آدم على ستين وثلثمائة مفصل) هو بفتح الميم وكسر الصاد وهو السلامى - بضم السين المهملة وتخفيف اللام - وجمعه سلاميات بفتح الميم وتخفيف الياء. قال النووي: قال العلماء: المراد صدقة ندب وترغيب لا إيجاب وإلزام. قوله: (الكلمة الطيبة) أصل الطيب ما تستلذه الحواس ويختلف باختلاف متعلقه وطيب الكلام من جليل عمل البر لقوله تعالى: (ادفع بالتي هي أحسن) الآية والدفع قد يكون بالقول كما يكون بالفعل. ووجه كون الكلمة الطيبة صدقة أن إعطاء المال يفرح به قلب الذي يعطاه ويذهب ما في قلبه وكذلك الكلام الطيب فاشتبها من هذه الحيثية. قوله: (إماطة الأذى) أي تنحيته وإبعاده. والمراد بالأذى كل ما يؤذي من حجر أو مدر أو شوك أو غيره ووقع في حديث أبي هريرة في ذكر شعب الإيمان " أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله ، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق " ومعنى كون الإماطة صدقة أنه تسبب إلى سلامة من يمر به من الأذى ، فكأنه تصدق عليه بذلك فحصل له أجر الصدقة. وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم الإمساك عن الشر صدقة على النفس

ص: 17

من شرح المركز لزوائد الجامع الصغير: في الحديث فضيلة عظيمة ومنقبة واضحة لعمرو وهشام ابني العاصي حيث شهد النبي صلى الله عليه وسلم لهما بالإيمان وسنسوق شيئا مما ذكره العلماء في سيرتهما رضي الله عنهما. قال الحافظ في الإصابة: عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم بن سعيد بالتصغير بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي القرشي السهمي أمير مصر يكنى أبا عبد الله وأبا محمد أمه النابغة من بني عنزة بفتح المهملة والنون أسلم قبل الفتح في صفر سنة ثمان وقيل بين الحديبية وخيبر وكان يقول أذكر الليلة التي ولد فيها عمر بن الخطاب وقال ذاخر المعافري رأيت عمرا على المنبر أدعج أبلج قصير القامة وذكر الزبير بن بكار والواقدي بسندين لهما: أن إسلامه كان على يد النجاشي وهو بأرض الحبشة وذكر الزبير بن بكار: ان رجلا قال لعمرو ما أبطأ بك عن الإسلام وأنت أنت في عقلك؟ قال: إنا كنا مع قوم لهم علينا تقدم وكانوا ممن يواري حلومهم الخبال فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم فأنكروا عليه فلذنا بهم فلما ذهبوا وصار الأمر إلينا نظرنا وتدبرنا فإذا حق بين فوقع في قلبي الإسلام فعرفت قريش ذلك مني من إبطائي عما كنت أسرع فيه من عونهم عليه فبعثوا إلى فتى منهم فناظرني في ذلك فقلت: أنشدك الله ربك ورب من قبلك ومن بعدك أنحن أهدى أم فارس والروم قال نحن أهدى قلت فنحن أوسع عيشا أم هم؟ قال: هم. قلت: فما ينفعنا فضلنا عليهم إن لم يكن لنا فضل إلا في الدنيا وهم أعظم منا فيها أمرا في كل شيء؟ وقد وقع في نفسي أن الذي يقوله محمد من أن البعث بعد الموت ليجزي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته حق ولا خير في التمادي في الباطل " وأخرج البغوي بسند جيد عن عمر بن إسحاق أحد التابعين قال: استأذن جعفر بن أبي طالب رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوجه إلى الحبشة فأذن له قال عمير: فحدثني عمرو بن العاص قال لما رأيت مكانه قلت والله لأستقلن لهذا ولأصحابه فذكر قصتهم مع النجاشي قال: فلقيت جعفرا خاليا فأسلمت. قال: وبلغ ذلك أصحابي فغنموني وسلبوني كل شيء فذهبت إلى جعفر فذهب معي إلى النجاشي فردوا علي كل شيء أخذوه ولما أسلم كان النبي صلى الله عليه وسلم يقربه ويدنيه لمعرفته وشجاعته وولاه غزاة ذات السلاسل وأمده بأبي بكر وعمر وأبي عبيدة بن الجراح ثم استعمله على عمان فمات النبي صلى الله عليه وسلم وهو أميرها ثم كان من أمراء الأجناد في الجهاد بالشام في زمن عمر وهو الذي افتتح قنسرين وصالح أهل حلب ومنبج وأنطاكية وولاه عمر فلسطين أخرج بن أبي خيثمة من طريق الليث قال: " نظر عمر إلى عمرو يمشي فقال ما ينبغي لأبي عبد الله أن يمشي على الأرض إلا أميرا " وقال إبراهيم بن مهاجر عن الشعبي عن قبيصة بن جابر: " صحبت عمرو بن العاص فما رأيت رجلا أبين قرآنا ولا أكرم خلقا ولا أشبه سريرة بعلانية منه " وقال محمد بن سلام الجمحي: " كان عمر إذا رأى الرجل يتلجلج في كلامه يقول أشهد أن خالق هذا وخالق عمرو بن العاص واحد " وكان الشعبي يقول: " دهاة العرب في الإسلام أربعة فعد منهم عمرا وقال فأما عمرو فللمعضلات " وقد روى عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث روى عنه ولداه عبد الله ومحمد وقيس بن أبي حازم وأبو سلمة بن عبد الرحمن وأبو قيس مولى عمرو وعبد الرحمن بن شماسة وأبو عثمان النهدي وقبيصة بن ذؤيب وآخرون ومن مناقبه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره كما تقدم وأخرج أحمد من حديث طلحة أحد العشرة رفعه: " عمرو بن العاص من صالحي قريش " ورجال سنده ثقات إلا أن فيه انقطاعا بين أبي مليكة وطلحة وأخرجه البغوي وأبو يعلى من هذا الوجه وزاد نعم أهل البيت عبد الله وأبو عبد الله وأم عبد الله وأخرجه بن سعد بسند رجاله ثقات إلى بن أبي مليكة مرسلا لم يذكر طلحة وزاد يعني عبد الله بن عمرو بن العاص. هشام بن العاصي بن وائل السهمي تقدم نسبه في أخيه عمرو قال بن حبان كان يكنى أبا العاص فكناه النبي صلى الله عليه وسلم أبا مطيع وقال ابن سعد أمه أم حرملة بنت هشام بن المغيرة وكذا قال ابن السكن كان قديم الإسلام هاجر الى الحبشة وأخرج بن السكن بسند صحيح عن بن إسحاق عن نافع عن بن عمر عن عمر قال: " اتعدت أنا وعياش بن أبي ربيعة وهشام بن العاص حين أردنا أن نهاجر وأينا تخلف عن الصبح فقد حبس فلينطلق غيره قال فأصبحت أنا وعياش وحبس هشام وفتن فافتتن " الحديث وأخرج النسائي والحاكم من طريق محمد بن عمر عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعا: " ابنا العاص مؤمنان هشام وعمرو " ورويناه في أمالي المحاملي من طريق عمرو بن دينار عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عمر نحوه وأخرج البغوي من طريق أبي حازم عن سلمة بن دينار عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: " جئنا فإذا أناس يتراجعون في القرآن فاعتزلناهم ورسول الله صلى الله عليه وسلم خلف الحجرة يسمع كلامهم فخرج مغضبا حتى وقف عليهم فقال بهذا ضلت الأمم قبلكم وان القرآن لم ينزل لتضربوا بعضه ببعض إنما أنزل يصدق بعضه بعضا ثم التفت الي والى أخي فغبطنا أنفسنا أن لا يكون رآنا معهم " رواه سويد بن سعيد عن عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه وقال الواقدي بعثه النبي صلى الله عليه وسلم في سرية في رمضان قبل الفتح وقال ابن المبارك في الزهد عن جرير بن حازم عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: " مر عمرو بن العاص بنفر من قريش فذكروا هشاما فقالوا أيهما أفضل فقال عمرو شهدت أنا وهشام اليرموك فكلنا نسأل الله الشهادة فلما أصبحنا حرمتها ورزقها " وكذا قال ابن سعد وابن أبي حاتم وأبو زرعة الدمشقي. وذكره موسى بن عقبة وأبو الأسود عن عروة وابن إسحاق وأبو عبيد ومصعب والزبير وآخرون فيمن استشهد بأجنادين وقال الواقدي عن مخرمة بن بكير عن أم بكر بنت المسور قالت: كان هشام رجلا صالحا فرأى من بعض المسلمين بأجنادين بعض النكوص فألقى المغقر عن وجهه وجعل يتقدم في نحر العدو ويصيح يا معشر المسلمين الي الي أنا هشام بن العاص أمن الجنة تفرون حتى قتل " ومن طريق خالد بن معدان: لما انهزمت الروم بأجنادين انتهوا الى موضع لا يعبره الا انسان واحد فجعلت الروم تقاتل عليه فقاتل هشام حتى قتل ووقع على تلك الثلمة فسدها فما انتهى المسلمون إليها هابوا أن يدوسوه فقال عمرو أيها الناس ان الله قد استشهده ورفع روحه إنما هي جثة ثم أوطأه وتبعه الناس حتى تقطع ثم جمعه عمرو بعد ذلك وحمله في نطع فواراه ". في المستدرك للحاكم: حدثنا أبو بكر أحمد بن كامل بن خلف القاضي ثنا محمد بن سعد العوفي ثنا أبي ثنا مخرمة بن بكير بن الأشج عن أم بكر بنت المسور بن مخرمة قالت: " كان هشام بن العاص بن وائل رجلا صالحا رأى يوم أجنادين من المسلمين بعض النكوص عن عدوهم فألقى المغفر ثم قال يا معشر المسلمين إن هؤلاء الغلفان لا صبر لهم على السيف فاصنعوا كما أصنع قال فجعل يدخل وسطهم فيقتل النفر منهم وجعل يتقدم في نحر العدو وهو يصيح إلي يا معشر المسلمين إلي أنا هشام بن العاص بن وائل أمن الجنة تفرون حتى قتل رضي الله تعالى عنه " حدثنا أبو محمد أحمد بن عبد الله المزني ثنا جعفر بن محمد الفريالي ثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي ثنا عبد الرحمن بن بشير عن محمد بن إسحاق أخبرني نافع عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: " كنا نقول ما لأحد توبة إن ترك دينه بعد إسلامه ومعرفته فأنزل الله فيهم يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله فكتبتها بيدي ثم بعثت بها إلى هشام بن العاص بن وائل فصاح بها فجلس على بعيره ثم لحق بالمدينة رضي الله تعالى عنه " ذكر مناقب عمرو بن العاص حدثنا الشيخ أبو بكر بن إسحاق أنا إسماعيل بن قتيبة ثنا محمد بن عبد الله بن نمير قال: مات عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم بن سعيد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي بن غالب وأمه النابغة بنت حرملة بن الحارث بن كلثوم بن جوشن بن عمرو بن عبد الله بن خزيمة بن عنزة بن أسد بن ربيعة بن نزار وكان قصيرا يخضب بالسواد وقد قيل النابغة بنت حرملة بن سبية من عنزة وأخوه من أمه عروة بن أمامة العدوي وكان من مهاجرة الحبشة وأخوه هشام بن العاص قتل يوم أجنادين شهيدا وقد قيل أن عمرو بن العاص توفي سنة إحدى وخمسين والله أعلم حدثنا علي بن حمشاذ العدل ثنا علي بن عبد العزيز وموسى بن الحسن وعبد الله بن مهران الضرير قالوا ثنا عفان ثنا حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ابنا العاص مؤمنان هشام وعمرو " حدثني الحسين بن الحسن بن أيوب ثنا عبد الله بن أحمد بن أبي ميسرة المكي ثنا عبد الله بن يزيد المقري ثنا حرملة بن عمران حدثني يزيد بن أبي حبيب عن أبي فراس مولى عمرو بن العاص: " أن عمرا لما حضرته الوفاة قال لابنه عبد الله: إذا أنا مت فاغسلني وكفني وشد علي إزاري أو أزري فإني مخاصم فإذا أنت غسلتني فأسرع بي المشي فإذا أنت وضعتني في المصلى وذلك يوم عيد إما فطر أو أضحى فانظر في أفواه الطرق فإذا لم يبق أحد واجتمع الناس فابدأ فصل علي ثم صل العيد فإذا وضعتني في لحدي فأهيلوا علي التراب فإن شقي الأيمن ليس أحق بالتراب من شقي الأيسر فإذا سويتم علي التراب فاجلسوا عند قبري نحو نحر جزور وتقطيعها استأنس بكم " وفي سنن البيهقي: عمرو بن العاصي رضي الله تعالى عنه أخبرنا محمد بن حاتم قال أنا حبان قال أنا عبد الله عن موسى بن علي بن رباح قال سمعت أبي يقول سمعت عمرو بن العاص يقول: " فزع الناس بالمدينة مع النبي صلى الله عليه وسلم فتفرقوا فرأيت سالما احتبى سيفه فجلس في المسجد فلما رأيت ذلك فعلت مثل الذي فعل فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فرآني وسالما وأتى الناس فقال أيها الناس ألا كان مفزعكم إلى الله ورسوله ألا فعلتم كما فعل هذان الرجلان المؤمنان؟ " وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عمرو بن العاص إلى البحرين فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية وخرجنا معه فنعس رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يرحم الله عمرا فتذاكرنا كل من اسمه عمرو فنعس رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يرحم الله عمرا. قال: ثم نعس الثالثة فاستيقظ فقال يرحم الله عمرا. فقلنا: يا رسول الله من عمرو هذا؟ قال عمرو بن العاص. قلنا: وما شأنه؟ قال: كنت إذا بديت الصدقة جاء فأجزل منها فأقول يا عمرو أنى لك هذا قال من عند الله وصدق عمرو إن له عند الله خيرا كثيرا قال زهير بن قيس لما قبض النبي صلى الله عليه وسلم قلت لألزمن هذا الذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن له عند الله خيرا كثيرا حتى أموت " رواه أحمد والطبراني إلا أنه قال قال زهير: فلما كانت الفتنة قلت أتبع هذا الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال ورجال أحمد وأحد إسنادي الطبراني ثقات وعن محمد بن إسحق قال كان إسلام عمرو بن العاص وخالد بن الوليد وعثمان بن طلحة عند النجاشي فقدموا المدينة في صفر سنة ثمان من الهجرة قلت إسلامهم في يوم واحد معروف وأما إسلام خالد وعثمان بن طلحة عند النجاشي فلم أجده إلا عن ابن إسحق من قوله والله أعلم وعن رافع بن ابي رافع الطائي قال لما كانت غزوة ذات السلاسل استعمل عمرو بن العاص على جيش فيهم أبو بكر قال الحديث رواه الطبراني ورجاله ثقات وعن ابن بريدة أن عمر قال لأبي بكر حين شيع عمرا: أو تزيد الناس نارا ألا ترى إلى ما يصنع هذا بالناس فقال دعه فإنما ولاه علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلمه بالحرب. رواه الطبراني مرسلا ورجاله رجال الصحيح غير المنذر بن ثعلبة وهو ثقة وعن عمرو بن العاص قال: " بعث إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال خذ عليك ثيابك وسلاحك ثم ائتني قال فأتيته وهو يتوضأ فصعد في البصر ثم طأطأ فقال إني أريد أن أبعثك على جيش فيسلمك الله ويغنمك وأرغب لك من المال رغبة صالحة فقلت يا رسول الله ما أسلمت من أجل المال ولكني أسلمت رغبة في الإسلام وأن اكون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا عمرو نعما بالمال الصالح للمرء الصالح " رواه أحمد وقال كذا في النسخة نعما بنصب النون وكسر العين وقال أبو عبيدة بكسر النون والعين رواه الطبراني في الأوسط والكبير وقال فيه: " ولكن أسلمت رغبة في الإسلام وأكون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال نعم ونعما بالمال الصالح للمرء الصالح " ورجال أحمد وأبي يعلى رجال الصحيح وعن محمد بن الأسود بن خلف قال: " كنا جلوسا في الحجر في أناس من قريش إذ قيل قدم الليلة عمرو بن العاص قال فما أكثرنا أن دخل علينا فمددنا إليه أبصارنا فطاف ثم صلى في الحجر ركعتين وقال أقرصتموني؟ قلنا: ما ذكرناك إلا بخير ذكرناك وهشام بن العاص فقلنا: أيهما أفضل؟ قال بعضهم: هذا وقال بعضنا: هشام قال: أنا أخبركم عن ذلك؛ أسلمنا وأحببنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وناصحناه ثم ذكر يوم اليرموك فقال أخذت بعمود الفسطاط ثم اغتسلت وتحنطت ثم تكفنت فعرضنا أنفسنا على الله عز وجل فقبله فهو خير مني يقولها ثلاثا. " رواه الطبراني وفيه أبو عمرو مولى بني أمية ولم أعرفه وبقية رجاله ثقات وعن أبي نوفل بن أبي عقرب قال: " جزع عمرو بن العاص عند الموت جزعا شديدا فلما رأى ذلك ابنه عبد الله قال: يا أبا عبد الله ما هذا الجزع؟ وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدنيك ويستعملك قال: أي بني كان ذلك وسأخبرك عن ذلك؛ أما والله ما أدري أحبا كان ذلك أم تألفا يتألفني ولكن شهد على رجلين أنه فارق الدنيا وهو يحبهما ابن سمية وابن أم عبد فلما حزبه الأمر جعل الغلال من ذقنه وقال اللهم أمرتنا فتركنا ونهيتنا فركبنا ولا يسعنا إلا مغفرتك وكانت تلك هجيراه حتى مات " قلت في الصحيح طرف منه رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح (تخريج الحديث) قال الألباني فى السلسلة الصحيحة 156: (ابنا العاص مؤمنان: هشام وعمرو) . أخرجه عفان بن مسلم فى حديثه (ق 238 / 2) حدثنا حماد بن سلمة ثنا محمد بن عمرو عن أبى سلمة عن أبى هريرة رفعه. وأخرجه أحمد (2 / 354) وابن سعد (4 / 191) من طريق عفان به وكذلك أخرجه الحاكم (3 / 452) . ثم أخرجه أحمد (2 / 304 327 353) وابن سعد وأبو على الصواف فى حديثه (3 / 2 / 2) وابن عساكر (13 / 52 / 1) من طرق أخرى عن حماد به. قلت: وهذا سند حسن وسكت عليه الحاكم والذهبى ومن عادتهما أن يصححا هذا الإسناد على شرط مسلم. وله شاهد خرجه ابن عساكر من طريق ابن سعد ثنا عمر بن حكام بن أبى الوضاح ثنا شعبة عن عمرو بن دينار عن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عمر مرفوعا. قلت: ورجاله ثقات غير ابن حكام فلم أعرفه. ثم استدركت فقلت: هو عمرو بالواو سقط من قلمى أو من ناسخ ابن عساكر وعمرو بن حكام معروف بالرواية عن شعبة وهو ضعيف إلا أنه مع ضعفه يكتب حديثه كما قال ابن عدى فهو صالح للاستشهاد به

ص: 18

من شرح المركز لزوائد الجامع الصغير: في الحديث منقبة عظيمة وفضيلة كريمة وشرف رفيع لعلي بن أبي طالب وابنيه الحسن والحسين رضي الله عنهم فالحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة وأبوهما خير منهما وأمهما سيدة نساء أهل الجنة وجدتهما السيدة خديجة أفضل نساء أهل الجنة وجدهما النبي صلى الله عليه وسلم سيد الأولين والآخرين وسيد ولد آدم أجمعين نسأل الله عز وجل بحبنا لهم أن لا يحرمنا صحبتهم في الفردوس الأعلى من الجنة آمين. والحديث رواه بلفظه ابن ماجه (118) : حدثنا محمد بن موسى الواسطي حدثنا المعلى بن عبد الرحمن حدثنا ابن أبي ذئب عن نافع عن ابن عمر قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة وأبوهما خير منهما " ورواه أيضا الترمذي (3768) حدثنا محمود بن غيلان حدثنا أبو داود الحفري عن سفيان عن يزيد بن أبي زياد عن ابن أبي نعم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة " حدثنا سفيان بن وكيع حدثنا جرير ومحمد بن فضيل عن يزيد نحوه قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح وابن أبي نعم هو عبد الرحمن بن أبي نعم البجلي الكوفي ويكنى أبا الحكم [وصححه الألباني] ورواه الترمذي أيضا (3781) حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن وإسحق بن منصور قالا أخبرنا محمد بن يوسف عن إسرائيل عن ميسرة بن حبيب عن المنهال بن عمرو عن زر بن حبيش عن حذيفة قال: " سألتني أمي متى عهدك تعني بالنبي صلى الله عليه وسلم فقلت ما لي به عهد منذ كذا وكذا فنالت مني فقلت لها دعيني آتي النبي صلى الله عليه وسلم فأصلي معه المغرب وأسأله أن يستغفر لي ولك فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فصليت معه المغرب فصلى حتى صلى العشاء ثم انفتل فتبعته فسمع صوتي فقال من هذا حذيفة قلت نعم قال ما حاجتك غفر الله لك ولأمك قال إن هذا ملك لم ينزل الأرض قط قبل هذه الليلة استأذن ربه أن يسلم علي ويبشرني بأن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة وأن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة " قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه لا نعرفه إلا من حديث إسرائيل [وصححه الألباني] قال المباركفوري في شرح الترمذي: قوله: " الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة " بفتح الشين المعجمة وبالموحدة الخفيفة جمع شاب وهو من بلغ إلى ثلاثين ولا يجمع فاعل على فعال غيره ويجمع على شيبة وشبان أيضا. قال المظهر: يعني هما أفضل من مات شابا في سبيل الله من أصحاب الجنة ولم يرد به سن الشباب لأنهما ماتا وقد كهلا بل ما يفعله الشباب من المروءة؛ كما يقال فلان فتى إن كان شيخا يشير إلى مروءته وفتوته أو أنهما سيدا أهل الجنة سوى الأنبياء والخلفاء الراشدين وذلك لأن أهل الجنة كلهم في سن واحد وهو الشباب وليس فيهم شيخ ولا كهل. قال الطيبي: ويمكن أن يراد هما الآن سيدا شباب من هم من أهل الجنة من شبان هذا الزمان. قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد وهذا الحديث مروي عن عدة من الصحابة من طرق كثيرة ولذا عده الحافظ السيوطي من المتواترات. قال السندي شارح ابن ماجه: قيل إضافة الشباب إلى أهل الجنة بيانية فإن أهل الجنة كلهم شباب فكأنه قيل سيدا أهل الجنة وحينئذ لا بد من اعتبار الخصوص أي ما سوى الأنبياء والخلفاء الراشدين وقيل: بل المراد أنهما سيدا كل من مات شابا ودخل الجنة ولا يلزم أنهما ماتا شابين حتى يرد أنه لا يصح فإنهما ماتا شيخين ورد بأنه لا وجه حينئذ لتخصيص فضلهما على من مات شابا بل هما أفضل على كثير ممن مات شيخا وقد يقال وجه التخصيص عدهما ممن مات شابا فانظر إلى عدم بلوغهما عند الموت أقصى سن الشيوخة ولا يجوز أن يقال عدهما شابين نظرا إلى شبابهما حين الخطاب لكونهما كانا صغيرين حينئذ لا شابين. وفي الزوائد رواه الحاكم في المستدرك من طريق المعلى بن عبد الرحمن كالمصنف والمعلى اعترف بوضع ستين حديثا في فضل علي قاله ابن معين فالإسناد ضعيف وأصله في الترمذي والنسائي من حديث حذيفة انتهى. قلت أراد أن في الترمذي والنسائي بلا زيادة وأبوهما خير منهما وقد رواه الترمذي بدون هذه الزيادة من حديث أبي سعيد أيضا

ص: 19

من شرح المركز لزوائد الجامع الصغير: في الحديث منقبة عظيمة لعمار بن ياسر الصحابي الجليل رضي الله عنه وأنه موفق لاختيار الأرشد من الأمور. قال الحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء: هو عمار بن ياسر بن عامر بن مالك بن كنانة بن قيس الامام الكبير أبو اليقظان العنسي المكي مولى بني مخزوم أحد السابقين الاولين والاعيان البدريين وأمه هي سمية مولاة بني مخزوم من كبار الصحابيات أيضا قال ابن سعد قدم والد عمار ياسر بن عامر وأخواه الحارث ومالك من اليمن إلى مكة يطلبون أخا لهم فرجع أخواه وأقام ياسر وحالف أبا حذيفة ابن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم فزوجه أمة له اسمها سمية بنت خباط فولدت له عمارا فأعتقه أبو حذيفة ثم مات ابو حذيفة فلما جاء الله بالاسلام أسلم عمار وأبواه وأخوه عبد الله وتزوج بسمية بعد ياسر الازرق الرومي غلام الحارث بن كلدة الثقفي وله صحبة وهو والد سلمة بن الازرق ويروى عن عمار قال كنت تربا لرسول الله صلى الله عليه وسلم لسنه وروى عمرو بن مرة عن عبد الله بن سملة قال رأيت عمارا يوم صفين شيخا آدم طوالا وإن الحربة في يده لترعد فقال والذي نفسي بيده لقد قاتلت بها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات وهذه الرابعة ولو قاتلونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر لعرفت أننا على الحق وأنهم على الباطل زائدة عن عاصم عن زر عن عبد الله قال: (أول من أظهر إسلامه سبعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمار وأمه سمية وصهيب وبلال والمقداد فأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنعه الله بعمه وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه وأما سائرهم فألبسهم المشركون أدراع الحديد وصفدوهم في الشمس وما فيهم أحد إلا وقد واتاهم على ما أرادوا إلا بلال فإنه هانت عليه نفسه في الله وهان على قومه فأعطوه الولدان يطوفون به في شعاب مكة وهو يقول أحد أحد) وروى منصور عن مجاهد: (أول من أظهر إسلامه سبعة فذكرهم زاد فجاء أبو جهل يشتم سمية وجعل يطعن بحربته في قبلها حتى قتلها فكانت أول شهيدة في الاسلام) وعن عمر بن الحكم قال: كان عمار يعذب حتى لا يدري ما يقول وكذا صهيب وفيهم نزلت (والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوأنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة خير لو كانوا يعلمون) النحل 41 منصور بن أبي الاسود عن الاعمش عن عمرو بن مرة عن سالم بن أبي الجعد عن عثمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة " قيل لم يسلم أبوا أحد من السابقين المهاجرين سوى عمار وأبي بكر وروى أبو بلج عن عمرو بن ميمون قال عذب المشركون عمارا بالنار فكان النبي صلى الله عليه وسلم يمر به فيمر يده على رأسه ويقول: " يا نار كوني بردا وسلاما على عمار كما كنت على إبراهيم تقتلك الفثة الباغية " ابن عون عن محمد: " أن النبي صلى الله عليه وسلم لقي عمارا وهو يبكي فجعل يمسح عن عينيه ويقول أخذك الكفار فغطوك في النار فقلت كذا وكذا فإن عادوا فقل لهم ذلك " روى عبد الكريم الجزري عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر قال: (أخذ المشركون عمارا فلم يتركوه حتى نال من رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر آلهتهم بخير فلما أتى النبي صلى الله عليه وسلم قال ما ورائك قال شر يا رسول الله والله ما تركت حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير قال فكيف تجد قلبك؟ قال: مطمئن بالإيمان قال: فإن عادوا فعد.) جرير بن حازم عن الحسن عن عمار: (قال قاتلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الجن والانس قيل وكيف قال كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فنزلنا منزلا فأخذت قربتي ودلوي لاستقي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما إنه سيأتيك على الماء آت يمنعك منه فلما كنت على رأس البئر إذا برجل أسود كأنه مرس فقال والله لا تستقي اليوم منها فأخذني وأخذته فصرعته ثم أخذت حجرا فكسرت وجهه وأنفه ثم ملأت قربتي وأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال هل أتاك على الماء أحد قلت نعم فقصصت عليه القصة فقال: أتدري من هو؟ قلت: لا. قال: ذاك الشيطان.) الحسن بن صالح عن أبي ربيعة عن الحسن عن أنس مرفوعا قال: " ثلاثة تشتاق إليهم الجنة علي وسلمان وعمار "[ت ك عن أنس وحسنه الألباني في صحيح الجامع] أبو إسحاق عن هانىء بن هانئ عن علي قال: " استأذن عمار على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: من هذا؟ قال عمار قال: " مرحبا بالطيب المطيب " أخرجه الترمذي وقال: حسن صحيح [وصححه الألباني] وروى عثام بن علي عن الاعمش عن أبي إسحاق عن هانىء بن هانىء قال: كنا جلوسا عند علي فدخل عمار فقال مرحبا بالطيب المطيب سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " إن عمارا ملىء إيمانا إلى مشاشه " [حل. عن علي وصخخه اللباني] جماعة عن الثوري عن عبد الملك بن عمير عن مولى لربعي عن ربعي عن حذيفة مرفوعا: " اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر واهتدوا بهدي عمار وتمسكوا بعهد ابن أم عبد " [ (ت) عن ابن مسعود (الروياني) عن حذيفة (عد) عن أنس. قال الألباني (صحيح) انظر حديث رقم: 1144 في صحيح الجامع.] ابن عون عن الحسن قال عمرو بن العاص: " إني لارجو أن لا يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم مات يوم مات وهو يحب رجلا فيدخله الله النار قالوا قد كنا نراه يحبك ويستعملك فقال الله أعلم أحبني أو تألفني ولكنا كنا نراه يحب رجلا عمار بن ياسر قالوا فذلك قتيلكم يوم صفين قال قد والله قتلناه " العوام بن حوشب عن سلمة بن كهيل عن علقمة عن خالد بن الوليد قال: " كان بيني وبين عمار كلام فأغلظت له فشكاني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: من عادى عمارا عاداه الله ومن أبغض عمارا أبغضه الله فخرجت فما شيء أحب إلي من رضى عمار فلقيته فرضي " أخرجه أحمد والنسائي [صححه الألباني] (زيادة) وروى البخاري عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ويح عمار تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار. " عمار بن رزيق عن عمار الدهني عن سالم بن أبي الجعد جاء رجل إلى ابن مسعود فقال: " إن الله قد أمننا من أن يظلمنا ولم يؤمنا من أن يفتنناأرأيت إن أدركت فتنة قال عليك بكتاب الله قال أرأيت إن كان كلهم يدعو إلى كتاب الله قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا اختلف الناس كان ابن سمية مع الحق " إسناده منقطع قال عمار الدهني عن سالم بن أبي الجعد عن ابن مسعود: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " ما خير ابن سمية بين أمرين إلا اختار أيسرهما " رواه الثوري وغيره عنه وبعضهم رواه عن الدهني عن سالم عن علي ابن علقمة عن ابن مسعود عبد العزيز بن سياه عن حبيب بن أبي ثابت عن عطاء بن يسار عن عائشة سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " عمار ما عرض عليه أمران إلا اختار الارشد منهما " رواه عبد الله بن حبيب بن أبي ثابت عن أبيه قال قالت عائشة أبو نعيم حدثنا سعد بن أوس عن بلال بن يحيى أن حذيفة أتي وهو ثقيل بالموت فقيل له قتل عثمان فما تأمرنا فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " أبو اليقظان على الفطرة؛ ثلاث مرات؛ لن يدعها حتى يموت أو يلبسه الهرم " قال علقمة قال لي أبو الدرداء: أليس فيكم الذي أعاذه الله على لسان نبيه من الشيطان؟ يعني عمارا الحديث حماد بن سلمة أنبأنا أبو جمرة عن إبراهيم عن خيثمة بن عبد الرحمن قلت لابي هريرة حدثني فقال: تسألني وفيكم علماء أصحاب محمد والمجار من الشيطان عمار بن ياسر؟ ! داود بن أبي هند عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ببناء المسجد فجعلنا ننقل لبنة لبنة وعمار ينقل لبنتين لبنتين فترب رأسه فحدثني أصحابي ولم أسمعه من رسول الله أنه جعل ينفض رأسه ويقول: ويحك يا ابن سمية تقتلك الفئة الباغية! خالد الحذاء عن عكرمة سمع أبا سعيد بهذا ولفظه " ويح ابن سمية تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار فجعل يقول أعوذ بالله من الفتن ". معمر عن ابن طاووس عن أبي بكر بن حزم عن أبيه قال: لما قتل عمار دخل عمرو بن حزم على عمرو بن العاص فقال قتل عمار وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تقتله الفئة الباغية فدخل عمرو على معاوية فقال: قتل عمار. فقال: قتل عمار فماذا؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " تقتله الفئة الباغية " قال: دحضت في بولك أو نحن قتلناه؟ إنما قتله علي وأصحابه الذين ألقوه بين رماحنا أو قال بين سيوفنا. شعبة عن أبي مسلمة عن أبي نضرة عن أبي سعيد عن أبي قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمار: " تقتلك الفئة الباغية " أبو عوانة في مسنده وأبو يعلى من حديث أحمد بن محمد الباهلي حدثنا يحيى بن عيسى حدثنا الاعمش حدثنا زيد بن وهب أن عمارا قال لعثمان: حملت قريشا على رقاب الناس عدوا علي فضربوني فغضب عثمان ثم قال: " مالي ولقريش عدوا على رجل من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فضربوه سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول لعمار تقتلك الفئة الباغية وقاتله في النار " وأخرج أبو عوانة أيضا مثله من حديث القاسم الحداني عن قتادة عن سالم بن أبي الجعد عن عبد الله بن محمد بن الحنفية عن أبيه عن عثمان واخرج أبو عوانة من طريق حماد بن سلمة عن أبي التياح عن عبد الله ابن أبي الهذيل عن عمار قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم " تقتلك الفئة الباغية " وفي الباب عن عدة من الصحابة فهو متواتر قال يعقوب بن شيبة سمعت أحمد بن حنبل سئل عن هذا فقال فيه غير حديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم وكره أن يتكلم في هذا بأكثر من هذا الثوري عن أبي إسحاق عن أبي ليلى الكندي قال جاء خباب إلى عمر فقال: ادن فما أحد أحق بهذا المجلس منك إلا عمار الثوري عن أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب قال قرىء علينا كتاب عمر: " أما بعد فإني بعثت إليكم عمار بن ياسر أميرا وابن مسعود معلما ووزيرا وإنهما لمن النجباء من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم من أهل بدر فاسمعوا لهما وأطيعوا واقتدوا بهما وقد آثرتكم بابن أم عبد على نفسي " رواه شريك فقال آثرتكم بهما على نفسي ويروى أن عمر جعل عطاء عمار ستة آلاف مغيرة عن إبراهيم أن عمارا كان يقرأ يوم الجمعة على المنبر بياسين وقال زر رأيت عمارا قرأ إذا السماء انشقت وهو على المنبر فنزل فسجد شعبة عن قيس سمع طارق بن شهاب يقول: (إن اهل البصرة غزوا نهاوند فأمدهم أهل الكوفة وعليهم عمار فظفروا فأراد أهل البصرة أن لا يقسموا لأهل الكوفة شيئا فقال رجل تميمي أيها الاجدع تريد أن تشاركنا في غنائمنا فقال عمار: خير أذني سببت فإنها أصيبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فكتب في ذلك إلى عمر فكتب عمر إن الغنيمة لمن شهد الوقعة) قال الواقدي حدثنا عبد الله بن نافع عن أبيه عن ابن عمر قال: رأيت عمارا يوم اليمامة على صخرة وقد أشرف يصيح يا معشر المسلمين أمن الجنة تفرون أنا عمار بن ياسر هلموا إلي وأنا أنظر إلى أذنه قد قطعت فهي تذبذب وهو يقاتل أشد القتال. قال الشعبي: سئل عمار عن مسألة فقال هل كان هذا بعد قالوا لا قال فدعونا حتى يكون فإذا كان تجشمناه لكم قال عبد الله بن أبي الهذيل: رأيت عمارا اشترى قتا بدرهم وحمله على ظهره وهو أمير الكوفة الاعمش عن أبراهيم التيمي عن الحارث بن سويد: أن رجلا من الكوفة وشى بعمار إلى عمر فقال له عمار إن كنت كاذبا فأكثر الله مالك وولدك وجعلك موطأ العقبين. ويقال سعوا بعمار إلى عمر في أشياء كرهها له فعزله ولم يؤنبه. وقيل إن جريرا سأله عمر عن عمار فقال هو غير كاف ولا عالم بالسياسة. الاعمش عن حبيب بن أبي ثابت قال سألهم عمر عن عمار. فأثنوا عليه وقالوا: والله ما أنت أمرته علينا ولكن الله أمره فقال عمر اتقوا الله وقولوا كما يقال فوالله لأنا أمرته عليكم فإن كان صوابا فمن قبل الله وإن كان خطأ إنه من قبلي داود بن أبي هند عن الشعبي قال عمر لعمار: أساءك عزلنا إياك؟ قال: لئن قلت ذاك لقد ساءني حين استعملتني وساءني حين عزلتني الاسود بن شيبان حدثنا أبو نوفل بن أبي عقرب قال: كان عمار بن ياسر قليل الكلام طويل السكوت وكان عامة قوله عائذ بالرحمن من فتنة عائذ بالرحمن من فتنة فعرضت له فتنة عظيمة الاعمش عن عبد الله بن زياد قال عمار: (إن أمنا يعني عائشة قد مضت لسبيلها وإنها لزوجته في الدنيا والاخرة ولكن الله ابتلانا بها ليعلم إياه نطيع أو إياها) وأخرج نحوه البخاري من حديث أبي وائل قال أبو إسحاق السبيعي قال عمار لعلي: ما تقول في أبناء من قتلنا؟ قال: لا سبيل عليهم. قال: لو قلت غير ذا خالفناك. الاعمش عن أبي إسحاق عن سعيد بن حميد قال عمار لعلي يوم الجمل: ما تريد أن تصنع بهؤلاء؟ فقال له علي: حتى ننظر لمن تصير عائشة؟ ! فقال عمار: ونقسم عائشة؟ قال: فكيف نقسم هؤلاء؟ ! قال: لوكنت غير ذا ما بايعناك. الثوري عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي البختري قال: (قال عمار يوم صفين: ائتوني بشربة لبن قال فشرب ثم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن آخر شربة تشربها من الدنيا شربة لبن " ثم تقدم فقتل) سعد بن إبراهيم الزهري عن أبيه عمن حدثه سمع عمارا بصفين يقول: أزفت الجنان وزوجت الحور العين اليوم نلقى حبيبنا محمدا صلى الله عليه وسلم مسلم بن إبراهيم حدثنا ربيعة بن كلثوم حدثنا أبي قال: (كنت بواسط فجاء أبو الغادية عليه مقطعات وهو طوال فلما قعد قال: كنا نعد عمارا من خيارنا فإني لفي مسجد قباء إذ هو يقول وذكر كلمة لو وجدت عليه أعوانا لوطئته فلما كان يوم صفين أقبل يمشي أول الكتيبة فطعنه رجل فانكشف المغفر عنه فأضربه فإذا رأس عمار قال يقول مولى لنا لم أر أبين ضلالة منه) عفان حدثنا حماد حدثنا كلثوم بن جبر عن أبي الغادية قال: سمعت عمارا يقع في عثمان يشتمه فتوعدته بالقتل فلما كان يوم صفين جعل عمار يحمل على الناس فقيل هذا عمار فطعنته في ركبته فوقع فقتلته فقيل قتل عمار وأخبر عمرو بن العاص فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " إن قاتله وسالبه في النار " ليث بن أبي سليم عن مجاهد عن عبد الله بن عمرو مرفوعا " قاتل عمار وسالبه في النار " قال ابن أبي خالد عن قيس أو غيره قال عمار: " ادفنوني في ثيابي فإني رجل مخاصم " وعن عاصم بن ضمرة: أن عليا صلى على عمار ولم يغسله قال أبو عاصم عاش عمار ثلاثا وتسعين سنة وكان لا يركب على سرج ويركب راحلته عبد الله بن طاووس عن أبي بكر بن حزم قال: " لما قتل عمار دخل عمرو ابن حزم على عمرو بن العاص فقال قتل عمار وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول تقتله الفئة الباغية فقام عمرو فزعا إلى معاوية فقال ما شأنك قال قتل عمار قال قتل عمار فكان ماذا قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول تقتله الفئة الباغية قال أنحن قتلناه وإنما قتله علي وأصحابه جاؤوا به حتى ألقوه بين رماحنا أو قال بين سيوفنا " قلت: كانت صفين في صفر وبعض ربيع الاول سنة سبع وثلاثين. قرأت على الحافظ عبد المؤمن بن خلف أخبركم يحيى بن أبي السعود أخبرتنا شهدة أنبأنا ابن طلحة أخبرنا أبو عمر الفارسي حدثنا محمد بن أحمد بن يعقوب حدثنا جدي حدثنا خلف بن سالم حدثنا وهب بن جرير حدثنا جويرية حدثنا يحيى بن سعيد عن عمه قال: " لما كان اليوم الذي أصيب فيه عمار إذا رجل قد برز بين الصفين جسيم على فرس جسيم ضخم على ضخم ينادي يا عباد الله بصوت موجع روحوا إلى الجنة ثلاث مرار الجنة تحت ظلال الاسل فثار الناس فإذا هو عمار فلم يلبث أن قتل ". وبه حدثنا جدي يعقوب حدثنا علي بن عاصم حدثنا عطاء بن السائب عن أبي البختري الطائي قال: " قاول عمار رجلا فاستطال الرجل عليه فقال عمار أنا إذا كمن لا يغتسل يوم الجمعة فعاد الرجل فاستطال عليه فقال له عمار إن كنت كاذبا فأكثر الله مالك وولدك وجعلك يوطأ عقبك " وبه حدثنا جدي حدثنا وهيب بن جرير حدثنا شعبة عن أبي إسحاق عن صلة بن زفر عن عمار: أنه قال ثلاثة من كن فيه فقد استكمل الايمان أو قال من كمال الايمان الانفاق من الاقتار والانصاف من نفسك وبذل السلام للعالم

ص: 20

من شرح المركز لزوائد الجامع الصغير: رواه الترمذي (893) حدثنا أبو كريب حدثنا وكيع عن المسعودي عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم ضعفة أهله وقال: " لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس " قال أبو عيسى: حديث ابن عباس حديث حسن صحيح والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم لم يروا بأسا أن يتقدم الضعفة من المزدلفة بليل يصيرون إلى منى وقال أكثر أهل العلم بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: أنهم لا يرمون حتى تطلع الشمس ورخص بعض أهل العلم في أن يرموا بليل والعمل على حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنهم لا يرمون وهو قول الثوري والشافعي. ورواه النسائي (3064) أخبرنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ قال حدثنا سفيان عن سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل عن الحسن العرني عن ابن عباس قال: " بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أغيلمة بني عبد المطلب على حمرات يلطح أفخاذنا ويقول أبيني لا ترموا جمرة العقبة حتى تطلع الشمس " ورواه أبو داود (1940) حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان قال حدثني سلمة بن كهيل عن الحسن العرني عن ابن عباس قال: " قدمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة المزدلفة أغيلمة بني عبد المطلب على حمرات فجعل يلطخ أفخاذنا ويقول أبيني لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس " قال أبو داود اللطخ الضرب اللين قال في عون المعبود: (أغيلمة) : بدل من الضمير في قدمنا. قال في النيل: منصوب على الاختصاص أو على الندب. قال في النهاية: تصغير أغلمة بسكون الغين وكسر اللام: جمع غلام وهو جائز في القياس ، ولم يرد في جمع الغلام أغلمة وإنما ورد غلمة بكسر الغين والمراد بالأغيلمة الصبيان ، ولذلك صغرهم (على حمرات) : بضم الحاء المهملة والميم جمع الحمر وحمر جمع لحمار (فجعل) : النبي صلى الله عليه وسلم (يلطح) : بفتح الياء التحتية والطاء المهملة وبعدها حاء مهملة. قال الجوهري: اللطح: الضرب اللين على الظهر ببطن الكف انتهى. أي يضرب بيده ضربا خفيفا ، وإنما فعل ذلك ملاطفة لهم (أفخاذنا) : جمع فخذ (ويقول أبيني) : بضم الهمزة وفتح الباء الموحدة وسكون ياء التصغير وبعدها نون مكسورة ثم ياء النسب المشددة ، كذا قال ابن رسلان في شرح السنن. وقال في النهاية: الأبيني بوزن الأعيمي تصغيرا لأبناء بوزن أعمى هو جمع ابن. (زيادة) وقال في لسان العرب: قال: أبيني تصغير بنين كأن واحده إبن مقطوع الألف فصغره فقال أبين ثم جمعه فقال أبينون؛ قال ابن بري عند قول الجوهري كأن واحده إبن قال: صوابه كأن واحده أبنى مثل أعمى ليصح فيه أنه معتل اللام وأن واوه لام لا نون بدليل البنوة أو أبن بفتح الهمزة على ميل الفراء أنه مثل أجر وأصله أبنو قال: وقوله فصغره فقال أبين إنما يجيء تصغيره عند سيبويه أبين مثل أعيم. وقال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم أبينى لا ترموا جمرة العقبة حتى تطلع الشمس. قال ابن الأثير: الهمزة زائدة وقد اختلف في صيغتها ومعناها فقيل إنه تصغير أبنى كأعمى وأعيم وهو اسم مفرد يدل على الجمع وقيل: إن ابنا يجمع على أبنا مقصورا وممدودا وقيل: هو تصغير ابن وفيه نظر. وقال أبو عبيد: هو تصغير بني جمع ابن مضافا إلى النفس قال: وهذا يوجب أن يكون صيغة اللفظة في الحديث أبيني بوزن سريجي وهذه التقديرات على اختلاف الروايات (حتى تطلع الشمس) : استدل بهذا من قال إن وقت رمي جمرة العقبة من بعد طلوع الشمس. قال المنذري: وأخرجه النسائي وابن ماجه. والحسن العرني بجلي كوفي ثقة واحتج به مسلم واستشهد به البخاري غير أن حديثه عن ابن عباس منقطع. وقال الإمام أحمد بن حنبل: الحسن العرني لم يسمع من ابن عباس شيئا. انتهى. والعرني بضم العين المهملة وفتح الراء المهملة. قال المباركفوري شارح الترمذي: قوله: (لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس) فيه دليل على عدم جواز الرمي في الليل وعليه أبو حنيفة والأكثرون خلافا للشافعي. والتقييد بطلوع الشمس لأن الرمي حينئذ سنة وما قبله بعد طلوع الفجر جائز اتفاقا كذا في المرقاة. قوله: (وهو قول الثوري والشافعي) : احتج الشافعي بحديث أسماء ، أخرج البخاري ومسلم عن عبد الله مولى أسماء:" عن أسماء أنها رمت الجمرة ، قلت لها إنا رمينا الجمرة بليل ، قالت: إنا كنا نصنع هذا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم " ويجمع بين هذا الحديث وبين حديث ابن عباس: " لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس " بحمل الأمر على الندب ويؤيده ما أخرجه الطحاوي من طريق شعبة مولى ابن عباس عنه قال: " بعثني النبي صلى الله عليه وسلم مع أهله وأمرني أن أرمي مع الفجر " قاله الحافظ في الفتح وقال فيه: وقال الحنفية لا يرمي جمرة العقبة ، إلا بعد طلوع الشمس فإن رمى قبل طلوع الشمس وبعد طلوع الفجر جاز ، وإن رماها قبل الفجر أعادها ، وبهذا قال أحمد وإسحاق والجمهور وزاد إسحاق ولا يرميها قبل طلوع الشمس ، وبه قال النخعي ومجاهد والثوري وأبو ثور ، ورأى جواز ذلك قبل طلوع الفجر عطاء وطاوس والشعبي والشافعي ، واحتج الجمهور بحديث ابن عمر أنه كان يقدم ضعفة أهله الحديث. وفيه:" فمنهم من يقدم منى لصلاة الفجر ومنهم من يقدم بعد ذلك فإذا قدموا رموا الجمرة وكان ابن عمر يقول: أرخص في أولئك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ رواه البخاري ومسلم. واحتج إسحاق بحديث ابن عباس: " لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس ". انتهى كلام الحافظ. قوله: (قدم ضعفة أهله) بفتح الضاد المعجمة والعين المهملة جمع ضعيف وهم النساء والصبيان والخدم

ص: 21

من شرح المركز لزوائد الجامع الصغير: روى هناد في كتاب الزهد (2 / 411) حدثنا أبو معاوية عن إسماعيل بن مسلم عن الحسن قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يركب الحمار ويلبس الصوف ويلعق إصبعه ويأكل على الأرض ويقول إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد " وفي مسند أبي يعلى: حدثنا محمد بن بكار حدثنا أبو معشر عن سعيد عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا عائشة لو شئت لسارت معي جبال الذهب جاءني ملك إن حجزته لتساوي الكعبة فقال إن ربك يقرأ عليك السلام ويقول لك إن شئت نبيا عبدا وإن شئت نبيا ملكا قال فنظرت إلى جبريل قال فأشار إلي أن ضع نفسك قال فقلت نبيا عبدا قال فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك لا يأكل متكئا يقول آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد " قال الهيثمي وإسناده حسن وروى الترمذي (2320) عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء " وفي الباب عن أبي هريرة قال أبو عيسى هذا حديث صحيح غريب من هذا الوجه [وصححه الألباني] قال المباركفوري في تحفة الأحوذي: قوله: (تعدل) بفتح التاء وكسر الدال أي تزن وتساوي (عند الله جناح بعوضة) هو مثل للقلة والحقارة. والمعنى أنه لو كان لها أدنى قدر (ما سقى كافرا منها) أي من مياه الدنيا (شربة ماء) أي يمتع الكافر منها أدنى تمتع فإن الكافر عدو الله والعدو لا يعطي شيئا مما له قدر عند المعطي فمن حقارتها عنده لا يعطيها لأوليائه كما أشار إليه حديث: " إن الله يحمي عبده المؤمن عن الدنيا كما يحمي أحدكم المريض عن الماء ". قوله: (وفي الباب عن أبي هريرة) أخرجه الترمذي في هذا الباب. قوله: (هذا حديث صحيح غريب) وأخرجه ابن ماجه والضياء المقدسي. وقال المناوي بعد نقل قول الترمذي هذا: ونوزع. يعني ونوزع الترمذي في تصحيح الحديث ووجه المنازعة أن في سند هذا الحديث عبد الحميد بن سليمان وهو ضعيف

ص: 22

من شرح المركز لزوائد الجامع الصغير: هذا من تواضع النبي صلى الله عليه وسلم أن يجلس متخشعا يأكل على الأرض ولا يتكيء صلى الله عليه وسلم وقد روى البخاري في صحيحه عن علي بن الأقمر قال سمعت أبا جحيفة يقول: " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا آكل متكئا " قال الحافظ في الفتح: قوله (إني لا آكل متكئا) وكان سبب هذا الحديث قصة الأعرابي المذكور في حديث عبد الله بن يسر عند ابن ماجه والطبراني بإسناد حسن قال " أهديت للنبي صلى الله عليه وسلم شاة فجثا على ركبتيه يأكل فقال له أعرابي: ما هذه الجلسة؟ فقال إن الله جعلني عبدا كريما ولم يجعلني جبارا عنيدا " قال ابن بطال: إنما فعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك تواضعا لله. ثم ذكر من طريق أيوب عن الزهري قال " أتى النبي صلى الله عليه وسلم ملك لم يأته قبلها فقال: إن ربك يخيرك بين أن تكون عبدا نبيا أو ملكا نبيا قال فنظر إلى جبريل كالمستشير له فأومأ إليه أن تواضع فقال: بل عبدا نبيا. قال فما أكل متكئا " اهـ وهذا مرسل أو معضل وقد وصله النسائي من طريق الزبيدي عن الزهري عن محمد بن عبد الله بن عباس قال: كان ابن عباس يحدث فذكر نحوه. وأخرج أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال " ما رؤي النبي صلى الله عليه وسلم يأكل متكئا قط " وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد قال " ما أكل النبي صلى الله عليه وسلم متكئا إلا مرة ثم نزع فقال: اللهم إني عبدك ورسولك " وهذا مرسل ويمكن الجمع بأن تلك المرة التي في أثر مجاهد ما اطلع عليها عبد الله بن عمرو فقد أخرج ابن شاهين في ناسخه من مرسل عطاء بن يسار " أن جبريل رأى النبي صلى الله عليه وسلم يأكل متكئا فنهاه " ومن حديث أنس " أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نهاه جبريل عن الأكل متكئا لم يأكل متكئا بعد ذلك " واختلف في صفة الاتكاء: فقيل: أن يتمكن في الجلوس للأكل على أي صفة كان وقيل: أن يميل على أحد شقيه وقيل: أن يعتمد على يده اليسرى من الأرض قال الخطابي: تحسب العامة أن المتكئ هو الآكل على أحد شقيه وليس كذلك بل هو المعتمد على الوطاء الذي تحته قال: ومعنى الحديث إنى لا أقعد متكئا على الوطاء عند الأكل فعل من يستكثر من الطعام فإني لا آكل إلا البلغة من الزاد فلذلك أقعد مستوفزا. وفي حديث أنس " أنه صلى الله عليه وسلم أكل تمرا وهو مقع " وفي رواية " وهو محتفز " والمراد الجلوس على وركيه غير متمكن وأخرج ابن عدي بسند ضعيف: زجر النبي صلى الله عليه وسلم أن يعتمد الرجل على يده اليسرى عند الأكل قال مالك هو نوع من الاتكاء. قلت: وفي هذا إشارة من مالك إلى كراهة كل ما يعد الآكل فيه متكئا ولا يختص بصفة بعينها. وجزم ابن الجوزي في تفسير الاتكاء بأنه بالميل على أحد الشقين ولم يلتفت لإنكار الخطابي ذلك. وحكى ابن الأثير في " النهاية " أن من فسر الاتكاء بالميل على أحد الشقين تأوله على مذهب الطب بأنه لا ينحدر في مجاري الطعام سهلا ولا يسيغه هنيئا وربما تأذى به واختلف السلف في حكم الأكل متكئا: فزعم ابن القاص أن ذلك من الخصائص النبوية وتعقبه البيهقي فقال: قد يكره لغيره أيضا لأنه من فعل المتعظمين وأصله مأخوذ من ملوك العجم قال فإن كان بالمرء مانع لا يتمكن معه من الأكل إلا متكئا لم يكن في ذلك كراهة ثم ساق عن جماعة من السلف أنهم أكلوا كذلك وأشار إلى حمل ذلك عنهم على الضرورة وفي الحمل نظر. وقد أخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس وخالد بن الوليد وعبيدة السلماني ومحمد بن سيرين وعطاء بن يسار والزهري جواز ذلك مطلقا وإذا ثبت كونه مكروها أو خلاف الأولى فالمستحب في صفة الجلوس للآكل أن يكون جاثيا على ركبتيه وظهور قدميه أو ينصب الرجل اليمنى ويجلس على اليسرى واستثنى الغزالي من كراهة الأكل مضطجعا أكل البقل واختلف في علة الكراهة وأقوى ما ورد في ذلك ما أخرجه ابن أبي شيبة من طريق إبراهيم النخعي قال " كانوا يكرهون أن يأكلوا اتكاءة مخافة أن تعظم بطونهم " وإلى ذلك بقية ما ورد فيه من الأخبار فهو المعتمد ووجه الكراهة فيه ظاهر وكذلك ما أشار إليه ابن الأثير من جهة الطب والله أعلم

ص: 23

من شرح المركز لزوائد الجامع الصغير: رواه ابن ماجة (5) عن أبي الدرداء قال: " خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نذكر الفقر ونتخوفه فقال أالفقر تخافون والذي نفسي بيده لتصبن عليكم الدنيا صبا حتى لا يزيغ قلب أحدكم إزاغة إلا هيه وايم الله لقد تركتكم على مثل البيضاء ليلها ونهارها سواء قال أبو الدرداء صدق والله رسول الله صلى الله عليه وسلم تركنا والله على مثل البيضاء ليلها ونهارها سواء " الحديث فيه بشارة من النبي صلى الله عليه وسلم للأمة بأن الله سيغنيهم من بعد فقرهم ولكنه يحذرهم من هذا الغنى الذي ينسي العباد عبادة ربهم فلا يزال حب الدنيا بهم حتى تزيغ القلوب بعد استقامتها وتضل بعد هداها وتكون الدنيا سبب فتنتهم. وقوله (لقد تركتكم على مثل البيضاء) يعني أنه صلى الله عليه وسلم سيأتيه الموت وقد أعذر إليهم وبين أحسن بيان هذه الشريعة العظيمة بلا لبس أو غموض. قال السندي في شرح سنن ابن ماجة: قوله (آلفقر) بمد الهمزة على الاستفهام وهو مفعول مقدم لتصبن على بناء المفعول والنون الثقيلة قوله (لا يزيغ) من الإزاغة بمعنى الإمالة عن الحق قوله (قلب أحدكم) بالنصب مفعول به (إلا هيه) هي ضمير الدنيا والهاء في آخره للسكت وهو فاعل يزيغ. قوله (لقد تركتكم) أي ما فارقتكم بالموت فصيغة الماضي بمعنى الاستقبال أو قد اجتهدت في إصلاح حالكم حتى صرتم على هذا الحال تركتكم عليها واشتغلت عنها بأمور أخر كالعبادة فصيغة الماضي على معناها قوله (على مثل البيضاء) ظاهر السوق أن هذا بيان لحال القلوب لا لحالة الملة والمعنى على قلوب هي مثل الأرض البيضاء ليلا ونهارا ويحتمل أن يكون لفظ المثل مقحما والمعنى على قلوب بيضاء نقية عن الميل إلى الباطل لا يميلها عن الإقبال عن الله تعالى السراء والضراء فليفهم

ص: 24