المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ مدحه لسلاطين زمانه - قراءة في بردة البوصيري وشعره

[علوي السقاف]

الفصل: ‌ مدحه لسلاطين زمانه

فما من بلدة إلا ومنهم

عليها كل شيطان رجيم

فلو كان النجوم لهم رجوماً

لقد خلتِ السماءُ من النجوم (1) .

وكان‌

‌ مضطرب الشخصية

يسير مع هوى نفسه وطمعها، فلما لم يهدِ له النصارى طعاماً في عيدهم عيد المسيح هجاهم ومدح اليهود نكاية فيهم فقال:

يهود بلبيس كلَّ عيدٍ

أفضل عندي من النصارى

أما ترى البغل وهو بغلٌ

في فضله يفضل الحمارا (2)

فلما هدَّده النصارى تراجع ومدحهم وذم اليهود فقال:

ما للنصارى إليَّ ذنبٌ

وإنما الذنب لليهود

وكيف تفضيلهم وفيهم

سرُّ الخنازير والقرود (3) .

أما‌

‌ مدحه لسلاطين زمانه

مستجدياً ما عندهم، فحدِّث ولا حرج، وديوانه مليءٌ بذلك (4) ولا تخلو كثيرٌ من قصائده من الغلو في الممدوح، وإليك نزراً يسيراً منها:

فمن ذلك قوله يمدح الوزير زين الدين الصاحبي بقوله:

أهل التقى والعلم أهل السؤددِ

فأخو السيادة أحمد بن محمدِ

الصاحب بن الصاحب بن الصاحب الـ

ـحبر الهمام السَّيِّدِ بن السَّيِّدِ

لا تشركن به امرأً في وصفه

فتكون قد خالفت كلَّ موحدِ (5) .

ويقول مادحاً الصاحب بهاء الدين ويطلبه حمارةً، ويذم آخرَ مقرباً من الصاحب حسداً له:

صاحبٌ لا يزال بالجود والأفضال

طلق اليدين حلو العبارة

كم هدانا من فضله بكتاب

معجز من علومه بأثارة

إنما يذكر العطية من

كا نت عطاياه تارة بعد تارة

سيدي أنت نصرتي كلما

شن علي الزمان بالفقر غارة!

شابَ رأس وما رأست كأني

زامر الحي أو صغير الحارة

وابن عمران وهو شرُّ متاع

للورى في بطانة وظهارة

حسَّن القربُ منكم قبحَ ذكراه

كتحسين المسكِ ذكر الفارة

فهو في المدح قطرةٌ من سحابي

وهو في الهجو من زنادي شرارة

(1) انظر: (ديوان البوصيري)(ص227) .

(2)

انظر: (ديوان البوصيري)(ص 149)

(3)

انظر: (ديوان البوصيري)(ص115) .

(4)

انظر الصفحات: 81، 84، 112، 116، 120، 128، 140، 147، 150، 228، وغيرها من (ديوان البوصيري للطباع) .

(5)

انظر: (ديوان البوصيري)(ص 112) .

ص: 7

ما له ميزةٌ عليَّ سوى أنَّ

له بغلة وما لي حمارة (1) .

ويمدحه مرة أخرى ويشكو له حاله فيقول:

يا أيها المولى الوزير الذي

أيامه طائعة أمره!

ومن له منزلة في العلا

تكلُّ عن أوصافها الفكرة

أخلاقك الغرُّ دعتنا إلى الـ

إدلاء في القول على غرة

إليك نشكو حالنا إننا

عائلة في غاية الكثرة

صاموا مع الناس ولكنهم

كانوا لمن يبصرهم عبرة

فارحمهمُ إن أبصروا كعكةً

في يد طفلٍ أو رأوا تمرة

تشخص أبصارُهم نحوها

بشهقةٍ تتبعها زفرة

والبوصيري اشتهر عنه شعره في المدائح النبوية وهو من أرقى الشعر وأجوده لولا غلوٌ فيه، ومن قرأ قصائده كما في البردة الميمية والقصيدة الهمزية وبقية قصائده في ديوانه ظهر له اطراد الرجل في غلوِّه، وأبياته المجملة المحتملة لأكثر من معنى في قصيدةٍ، تفسرها أبياتٌ أخرى في قصيدة أخرى فلا مجال لتبرئته منه، وهاكم بعض الأمثلة:

قوله في البردة:

(1) انظر: (ديوان البوصيري)(ص 117) .

ص: 8

فإنَّ من جودك الدنيا وضرتها

ومن علومك علم اللوح والقلمِ (1)

يؤيده البيت الخامس من الهمزية:

لك ذات العلوم من عالم الغيـ

ـب ومنها لآدم الأسماءُ

لذلك قال الهيتمي في شرح هذا البيت:

(إن آدم لم يحصل له من العلوم إلا مجرد العلم من أسمائها، وأن الحاصل لنبينا هو العلم بحقائقها، ومسمياتها، ولا ريب أن العلم بهذا أعلى وأجل، من العلم بمجرد أسمائها، لأنها إنما يؤتى بها لتبيين المسميات فهي المقصودة بالذات، وتلك بالوسيلة، وشتان ما بينهما، ونظير ذلك أن المقصود من خلق آدم إنما هو خلق نبينا صلى الله عليه وسلم من صلبه فهو المقصود بطريق الذات، وآدم بطريق الوسيلة. ومن ثم قال بعض المحققين: إنما سجد الملائكة لأجل نور محمد صلى الله عليه وسلم الذي في جبينه.)(2)

(1) هناك من أمور الغيب ما أطلعه الله على من ارتضاهم من رسله ومنهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، لكن البوصيري يزعم أن ما في اللوح المحفوظ بعضٌ مما عنده صلى الله عليه وسلم فقوله:(ومن علومك) من هنا: للتبعيض، ولذلك يقول الهيتمي شارحاً هذا البيت:((ووجه كون علم اللوح المحفوظ من بعض علومه صلى الله عليه وسلم أن الله أطلعه ليلة الإسراء على جميع ما في اللوح المحفوظ وزاده علوماً أخر كالأسرار المتعلقة بذاته سبحانه وتعالى وصفاته)) انظر: (العمدة شرح البردة)(ص 699)، ولما حارَ بعضهم وأراد أن يخرج من هذا المأزق أتى بما يُضحك فقال:(قال الشُّراح: المراد باللوح ما يكتب الناس عليه، وبالقلم: ما يكتبون به، فكأنه قال: ومن علومك علم الناس الذي يكتبونه بأقلامهم في ألواحهم.) انظر: (نحت حديد الباطل وبرده) لداود النقشبندي (ص39) ، (البلسم المريح من شفاء القلب الجريح) لعمر كامل (ص 14) .

(2)

انظر: (المنح المكية شرح الهمزية للهيتمي)(1/146) .

ص: 9

والبوصيري كغيره من غلاة الصوفية الذين يعتقدون أن الدنيا بمن فيها لم تخلق إلا من أجل محمد صلى الله عليه وسلم، ونور محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا ذكره في البردة وغيرها. قال في البردة:

وكيف تدعو إلى الدنيا ضرورةُ منْ

لولاه لم تخرجِ الدنيا من العدمِ

وقال:

وكل آيٍ أتى الرُّسْلُ الكرامُ بها

فإنما اتصلت من نوره بهم

وقال:

فاق النبيين في خَلْقٍ وفي خُلُقٍ

ولم يدانوه في علمٍ ولا كرمِ

وكلُّهم من رسول الله ملتمسٌ

غرفاً من البحر أو رشفاً من الديمِ

وقال في الهمزية مؤكداً هذا المعنى:

كلُّ فضلٍ في العالمين فمِنْ

فضلِ النبي استعاره الفضلاءُ

قال الهيتمي في شرح البردة: (فإنما اتصلت من نوره بهم: أي وصلت منه إليهم بطريق الاستمداد وذلك لأن نوره صلى الله عليه وسلم كان مخلوقاً قبل آدم صلوات الله وسلامه عليه بل قبل سائر المخلوقات من السموات وما فيها والأرض وما عليها وغير ذلك)(1) وهذا من خرافات الصوفية فالنبي محمد صلى الله عليه وسلم ولدُ آدم وخُلق بعد آدم، فكيف يكون نوره خلق قبله؟! عليه صلوات ربي وسلامه.

وقال في شرح الهمزية: (لأنه صلى الله عليه وسلم الممد لهم، إذ هو الوارث للحضرة الإلهية، والمستمد منها بلا واسطة دون غيره، فإنه لا يستمد منها إلا بواسطته صلى الله عليه وسلم، فلا يصل لكامل شيء إلا وهو من بعض مدده وعلى يديه، فآيات كل نبي إنما هي مقتبسة من نوره، لأنه كالشمس، وهم كالكواكب، فهي غير مضيئة بذاتها وإنما هي مستمدة من نور الشمس، فإذا غابت أظهرت أنوارها فهم قبل وجوده صلى الله عليه وسلم إنما كانوا يظهرون فضله، وأنوارهم مستمدة من نوره الفائض ومدده الواسع)(2) . كلام لا دليل عليه لا عقلي ولا نقلي، إنما هو كلام في كلام، لا زمام له ولا خطام.

(1) انظر: (العمدة شرح البردة للهيتمي)(ص 289) .

(2)

انظر: (المنح المكية شرح الهمزية)(2/652) .

ص: 10

وفي البردة الاستجارة والاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم وذلك عند قوله:

ما سامني الدهرُ ضيماً واستجرت به

إلا ونلتُ جواراً منه لم يضمِ

ولا التمستُ غنى الدارين من يده

إلا التمستُ الندى من خير مستلمِ

ومعنى ذلك: أي ما ظلمني أهل الدهر في وقت من الأوقات وطلبت من النبي صلى الله عليه وسلم أن يدخلني في جواره ليحميني من ضيم الدهر إلا وقربني منه (1) .

والاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم كثيرة في شعر البوصيري -وهي أشنع من التوسُّل، وإن خلط بينهما بعضُ الناس جهلاً أو تلبيساً-، ولم تقتصر على البردة فقط بل هي في غيرها أكثر غلواً، ومن ذلك قوله كما في (الديوان) :

يا نبي الهدى استغاثةُ مَلْهُو

فٍ أضرتْ بحاله الحوباءُ

يدَّعي الحب وهو يأمر بالسو

ءِ ومن لي أن تصدق الرغباءُ

إلى أن قال:

هذه عِلَّتي وأنت طبيبي

ليس يخفى عليك في القلب داءُ

ومن الفوز أن أبثك شكوى

هي شكوى إليك وهي اقتضاءُ (2)

وأشد من ذلك دعاؤه النبي صلى الله عليه وسلم أن يصفح عنه وأن يقبل عذره بقوله:

يا من خزائنُ جودهِ مملوءةٌ

كرماً وبابُ عطائه مفتوحُ

ندعوك عن فقرٍ إليك وحاجةٍ

ومجالُ فضلك للعُفَاة فسيحُ

فاصفح عن العبد المسيء تكرماً

إن الكريمَ عن المسيء صفوحُ

واقبل رسولَ الله عذرَ مقصِّرٍ!

هو إن قبلت بمدحك الممدوحُ

في كلِّ وادٍ من صفاتك هائمٌ

وبكلِّ سرٍّ من نداك سبوحُ (3)

وأقبح منه غلوُّه في الشريفة نفيسة بنت الحسن بن زيد بن الحسن بن علي رضي الله عنهم بقوله:

سليلة خير العالمين "نفيسة"

سمت بك أعراقٌ وطابت محاتدُ

إذا جحدت شمسُ النهار ضياءها

ففضلك لم يجحده في الناس جاحدُ

بآبائك الأطهار زينت العلا

فحبات عقد المجد منهم فرائدُ

(1) انظر: (العمدة شرح البردة)(ص 411-413) .

(2)

انظر: (ديوان البوصيري)(ص 60) .

(3)

انظر: (ديوان البوصيري)(ص 90)

ص: 11

ورثتِ صفاتِ المصطفى وعلومَه

ففضلُكما لولا النبوةُ واحدُ! (1)

وفي البردة أخطاء أخرى نمر عليها مروراً سريعاً حتى لا يظن ظان أنها مقصورة على بيتين أو ثلاثة، فمن ذلك:

قوله:

أقسمتُ بالقمرِ المنشقِّ إنًّ له

من قلبه نسبةً مبرورةَ القسمِ

وهذا قسم بغير الله لا يجوز.

وقوله:

دَع ما ادَّعَتهُ النصارى في نَبِيِّهِمِ

واحكُم بما شئتَ مَدحَاً فيه واحتَكِمِ

وكأن الناظم يقول: امدحه بما شئت من المدح لكن لا يصل بك المدح إلى تأليهه كما فعلت النصارى مع عيسى عليه الصلاة والسلام، وهذا باطل، وليس معنى حديث:((لا تُطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم)) أي أطروني لكن لا يصل إطراؤكم إلى ما وصل إليه النصارى من أنه ابن الله وثالث ثلاثة! بل معناه لا تبالغوا في إطرائي كما بالغ النصارى في إطراء نبيهم حتى أداهم ذلك إلى تأليهه.

ومن ذلك قوله:

فاِنَّ لي ذِمَّةً منه بتَسمِيَتِي

مُحمَّدَاً وهُوَ أوفَى الخلقِ بالذِّمَمِ

وهذا غير صحيح، فليس كل من تسمى بمحمد صارت له ذمة بهذه التسمية فما أكثر من تسمى بمحمد وهو في عداد الفسقة، ولكن للأسف تجد كثيراً منهم يرددون هذا البيت وغيره وهم لا يفهمون معناه.

وقوله أيضاً:

لا طيبَ يَعدِلُ تُرْبَا ضَمَّ أعظُمَهُ

طوبى لمُنتَشِقٍ منه وملتَثِمِ

الانتشاق: الشم، والالتثام: التعفر أو التقبيل، والناظم يدعو لأن ننتشق ونلتثم تراب قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا من الغلو أيضاً.

وقوله:

لعَلَّ رَحمَةَ رَبِّي حينَ يَقسِمُهَا

تَأتِي على حَسَبِ العِصيَانِ في القِسَمِ

وهذا خطأ أيضاً، ورحمة الله تأتي على حسب الطاعة لا المعصية -كما يرجو البوصيري- وإلا لاستكثر الناس من المعاصي.

(1) انظر: (ديوان البوصيري)(ص 92)

ص: 12

والحاصل أن البوصيري كان من غلاة الصوفية الشاذلية، ولا ينفع الذين دافعوا عنه التماسهم العذر له في بعض الأبيات أو توجيهها وجهة حسنة، فهذا إنما يقال لمن كان سليم المعتقد سليم المنهج والطريقة ثم تزل قدمُه في مسألة أو مسألتين، فهذا يُلتمس له العذر فيها، أمَّا من كانت هذه طريقته، وهذا معتقده، وهذا ديدنه، فمهما التمسنا له العذر في بيت أو بيتين فماذا عن الباقي؟! وماذا عن شرَّاح هذه القصائد الذين يؤكدون هذه المعاني ويتتابعون عليها في شرح قصائده؟!

وهذا كله لا يمنعنا أن نشيد بقوةِ شِعْره وجزالته، سواء كان من شعر مديح المصطفى صلى الله عليه وسلم أو ما فيه من حِكَمٍ ودُرَرٍ، فمن مليح المديح قوله في البردة:

أكرِمْ بخَلْقِ نبيٍّ زانَهُ خُلُقٌ

بالحُسنِ مشتَمِلٌ بالبِشْرِ مُتَّسِمِ

كالزَّهرِ في تَرَفٍ والبدرِ في شَرَفٍ

والبحرِ في كَرَمٍ والدهرِ في هِمَمِ

وقوله واصفاً الصحابة رضي الله عنهم:

هُمُ الجبالُ فَسَلْ عنهُم مُصَادِمَهُم

ماذا لَقِي منهمُ في كُلِّ مُصطَدَمِ

وَسَلْ حُنَيْنَاً وَسَلْ بَدْرَاً وَسَلْ أُحُدَا

فُصولُ حَتْفٍ لَهم أدهى مِنَ الوَخَمِ

كأنَّهُم في ظُهورِ الخَيْلِ نَبْتُ رُبَىً

مِن شِدَّةِ الحَزْمِ لا مِن شَدَّةِ الحُزُمِ

وفيها من الحكم الكثير، كمثل قوله:

والنفسُ كالطفلِ إن تهمله شبَّ على

حبِّ الرضاع وإن تفطمه ينفطمِ

فاصرف هواها وحاذر أن توليه

إن الهوى ما تولى يُصْمِ أو يَصِمِ

وراعِها وهي في الأعمالِ سائمةٌ

وإن هي استحلتِ المرعى فلا تَسِمِ

كم حسَّنَتْ لذةً للمرءِ قاتلةً

من حيثُ لم يَدْرِ أنَّ السُّمَّ في الدَّسَمِ

قد تُنكر العينُ ضوءَ الشَّمس من رمَدٍ

ويُنكر الفمُ طعمَ الماءِ من سقمِ

وخالفِ النفسَ والشيطانَ واعصِهِما

وإن هما محَّضاك النُّصْحَ فاتهمِ

ولا تُطِعْ منهما خَصْماً ولا حَكَماً

فأنت تعرفُ كيدَ الخصمِ والحَكَمِ

ومن بديع شعره:

ص: 13

ذهبَ الشبابُ وسوف أذهبُ مثلما

ذهبَ الشبابُ وما امرؤ بمخلَّدِ

إنَّ الفناء لكلِّ حيٍّ غايةٌ

محتومةٌ إن لم يكن فكأنْ قَدِ (1)

هذا وأسأل الله عز وجل أن يهدي ضال المؤمنين وأن يردَّه إلى الحق رداً جميلاً،

وصلى الله وسلم على حبيبنا وسيدنا ونبينا محمدٍ عبدِ الله ورسوله وعلى آله وصحبه أجمعين.

(1) انظر: (ديوان البوصيري)(ص 103)

ص: 14