المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌أبن تيمية في الميدان - لمحات تاريخية من حياة ابن تيمية - جـ ٦

[صالح بن سعيد بن هلابي]

الفصل: ‌أبن تيمية في الميدان

قد عادوا من عامهم هذا لما أحسوا بأن خصومهم قد أعدوا العدة وأخذوا الأهبة ولا حظوا ضعفا في أنفسهم ولم يتقدموا وهو على هذا الضعف".

فإذن لم يحصل قتال في هذه السنة وعاد ابن تيمية إلى دروسه ومجالسه العلمية وهو لم يفارقها إلا بالقدر الذي يضطر إليه في مقابلات الملوك والأمراء والسلاطين ومخاطبة القواد والاتصال بالجنود على جبهات القتال، ونرى ابن تيمية في هذه الفترة وقد صار مبسوط اليد والسلطان نراه يقيم الحدود ويحارب الرذائل ويقوم الأخلاق في الأمة؛ يقول الحافظ ابن كثير:"دار الشيخ تقي الدين ابن تيمية رحمه الله تعالى وأصحابه على الخمارات والحانات فكسروا آنية الخمور وشققوا الظروف وأراقوا الخمور وعزروا جماعة من أهل الحانات المتخذة لهذه الفواحش ففرح الناس بذلك فرحا شديدا"1.

1 ـ البداية والنهاية: ج14ص11

ص: 124

‌أبن تيمية في الميدان

ابن تيمة في الميدان:

جاء التتار بجمعهم وجموعهم إلى الشام سنة 702هـ وأحاطوا بدمشق من كل مكان وأرجف المرجفون وبلغت القلوب الحناجر وزلزلوا زلزالا شديدا، وتحالف العلماء والقضاة والأمراء في هذه المرة وابن تيمية على رأس الجميع يثبت القلوب ويعدهم بالنصر وكان يتأول قوله تعالى:{ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ} ، وجعل يحلف بالله الذي لا إله إلا هو أنكم لمنصورون فيقول له بعض الأمراء: قل إن شاء الله، فيقول: أقولها تحقيقا لا تعليقا، وأفتى الناس بالفطر إذ كانت هذه وقعة "شقحب" في رمضان وتردد بعض الجند في قتال هؤلاء لأنهم يزعمون أنهم مسلمون فأفتاهم ابن تيمية وبين حكم الإسلام فيهم وأنهم من جنس الخوارج الذين خرجوا على علي ومعاوية حتى كان يقول هم:"إذا رأيتموني وأنا في ذلك الجانب - أي معهم - وعلى رأسي المصحف فاقتلوني"، وكان يدور على الجند والأمراء في الميدان فيأكل أمامهم ليبين لهم أنه مفطر ويروي لهم قول الرسول صلى الله عليه وسلم في عام الفتح:"إنكم ملاقوا العدو غدا والفطر أقوى لكم"،.

وطلب منه السلطان قبيل المعركة أن يقف معه وتحت راية مصر فأبى قائلا: "السنة أن يقف الرجل تحت راية قومه ونحن من جيش الشام لا نقف إلا معهم"1.

بدأت المعركة والتحم القتال بين الفريقين ودارت رحى الحرب ومضى يوم كامل وهم في معركة دائرة حتى غطاهم الليل بسواده وهربت جيوش التتار واعتصمت بالجبال وبعد أن ظلت سيوف المسلمين تنوشهم من كل

1 ـ البداية والنهاية: ج14ص26.

ص: 124

مكان وحاصرهم حصارا شديدا فقتلوا منهم أمما لا يحصى عددهم إلا الله تعالى.

وهكذا رأت جيوش التتار الهزيمة المنكرة ولأول مرة في تاريخها الطويل وحروبها المدمرة، حين وقف في وجهها أمثال الإمام العظيم ابن تيمية؛ والواقع أن ابن تيمية لم ينقذ الشام أو مصر فحسب من شرور هؤلاء، ولكن أنقذ العرب والإنسانية بكاملها حيث كانوا مخاف الشرق والغرب.

وقد كانت غاراتهم أشبه بهزات عنيفة تغير وجه الأرض.

يقول جيبون المؤرخ الغربي في تصوير هول الغارات التي يشنونها: "إن بعض سكان السويد قد سمعوا عن طريق روسيا نبأ ذلك الطوفان المغولي فلم يستطيعوا أن يخرجوا كعادتهم إلى الصيد في سواحل أنجلترا خوفا من المغول"1.

هذه لمحات خاطفة عن هذا الإمام الجليل والقائد العظيم الذي أنقذ به العالم الإسلامي كله بل والغرب كله كما رأينا من نص جيبون ولا يسع المجال لسرد كل ما قيل في هذا الباب:

هذا هو ابن تيمية الذي آمن بوعد ربه والحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} ، وهو القائل عز شأنه:{وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} .

هذا هو ابن تيمية الذي لا زال في كثير من الأوساط العلمية مظلوما مبغوضا لا يعرف له قدره ولا جهاده العظيم المتواصل، وإني أسأل الله أن يهيء لهذه الأمة في فترتها العصيبة من أمثال ابن تيمية لينقذوا العالم الإسلامي الذي وقع تحت أيدي الصهيونية والشيوعية الملحدة والصليبية الحاقدة واليهودية المجرمة من بلاد الإسلام والمسلمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه تسليما كثيرا.

1 ـ ابن تيمية للشيخ عبد العزيز المراغي.

ص: 125