المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

بسم الله الرحمن الرحيم؛ الحمد لله وحده وصلى الله على - لوامع الدرر في هتك استار المختصر - جـ ٥

[محمد بن سالم المجلسي]

فهرس الكتاب

بسم الله الرحمن الرحيم؛ الحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه.

ولما أنهى الكلام على الحج أتبعه بالكلام على الذكاة والضحايا لأنهما كالتتمة لكتاب الحج لأن؛ المحرم يطلب بذبح الهدي أو نحره إما وجوبا أو سنة، ولأن المص أحال عيوب الهدي وسنه على الضحايا فلذلك قال:

‌باب: في الذكاة

ويسمى هذا الباب كتاب الذكاة وكتاب الذبائح، والذكاة في اللغة أصلها التمام، فمعنى ذكيتَ الذبيحة: أتممتَ ذبحها، وذكيتَ النار: أتممتَ إيقادها، ورجل ذكي أي تام الفهم، وفي الشرع هي السبب الذي يتوصل به إلى إباحة ما يؤكل لحمه من الحيوان.

والذبائح لغة جمع ذبيحة بمعنى مذبوحة، وفي الشرع قال ابن عرفة: الذبائح لقب لما يحرم بعض أفراده من الحيوان لعدم ذكاته، وسلبها عنه، ولا يباح بها مقدورا عليه فيخرج الصيد. انتهى. أي بقوله: مقدورا عليه، وخرج بقوله: لما يحرم بعض أفراده لخ، ما يحرم جميع أفراده كالخنزير، وما لا يحرم منه فرد كالبحري، وقوله: لعدم ذكاته، كما إذا مات حتف أنفه، وقوله: أو سلبها عنه، كالموقوذة وما معها المنفوذة القاتل. والله سبحانه أعلم.

والذبح بالكسر: ما يذبح، وبالفتح: مطلق الشق، وفي الشرع شق خاص وحكمه الأصلي الجواز، وقد يعرض له الوجوب كما في الهدي والفدية، والندب كالأضحية، والحرمة كالذبح لغير الله، والكراهة كالذبح من الفاسق.

وأنواع الذكاة أربعة: ذبح ونحر وعقر وما يموت به نحو الجراد.

وحكمة مشروعية الذكاة إزهاق النفس بسرعة واستخراج الفضلات، ولما قضى الله على خلقه بالفناء وشرف بني آدم بالعقل، أباح لهم أكل الحيوان قوة لأجسامهم وتصفية لمرآة عقولهم، وليستلذوا بطيب لحمها، ويستدلوا به على كمال قدرته، وليتنبهوا على أن للمولى الكريم بهم عناية إذ آثرهم بالحياة على غيرهم.

وبدأ المص بالنوع الأول من أنواع الذكاة لكثرة أفراده، فقال: الذكاة قطع مميز؛ يعني أن الذكاة في الذبح هي أن يقطع مميز جميع الحلقوم وجميع الودجين، وقوله:"مميز"، تحقيقا ولو سكران محققا تمييزه لا صغير لم يميز، أو سكران تحقق عدم تمييزه، أو شك فيه حيث لم يدعه فإن

ص: 1

ادعاه عند ذبحه كره أكلها، فأقسامه أربعة. ولابن رشد: إن ادعى التمييز نوي في حق نفسه. قاله الشيخ عبد الباقي. وإنما اشترط التمييز لافتقار الذكاة بالإجماع إلى النية، وتصح ذكاة المجنون حال إفاقته. يناكح صفة "لميز"؛ يعني أنه يشترط في هذا المميز أن يكون ممن تنكح الأنثى منه، فيدخل الكتابي ذكرا أو أنثى ولو صبيا أو أمة، فالمراد بالنكاح الوطء، وسواء في ذلك الذمي والحربي فتؤكل ذبائح الجميع، والفاعلة ليست على بابها؛ لأنه لا يباح لنا أن ننكحهم نساءنا، واحترز بذلك من المجوسي والمرتد والصابي ونحوهم. وقوله:"قطع"، احترز به من الخنق والنهش.

وبما قررته علم أن قوله: تمام، مفعول لقوله:"قطع"؛ أي جميع -كما نقله الخرشي عن الشيخ سالم- الحلقوم، مضاف إليه ما قبله، والحلقوم بضم الحاء المهملة والقاف بينهما لام ساكنة هو القصبة البيضاء التي هي مجرى النفس والحس، ولابد أن تبقى دائرة منها إلى الرأس، وإلا فهي المغلصمة فلا تؤكل على المذهب، وهو قول مالك وابن القاسم؛ وقال ابن وهب: تؤكل، وهو مذهب الشافعي.

ابن ناجي: وبقول ابن وهب وقعت الفتوى عندنا بتونس منذ مائة عام مع البيان عند البيع، وفي الخرشي إضافة تمام إلى الحلقوم والودجين من إضافة الصفة إلى الموصوف؛ أي الحلقوم التام، ولو قال: قطع جميع، كان أبين.

ويضمن الجزار إن غلصم شاة رجل إن فرط على مذهب مالك وابن القاسم، لا إن لم يفرط كما لو اضطربت الذبيحة، وهو محمول على عدم التفريط إن ادعاه لأنه أمين، والودجين عطف على قوله:"الحلقوم"؛ أي وكما يشترط قطع جميع الحلقوم، يشترط قطع جميع الودجين وهما: عرقان في صفحتي العنق يتصل بهما أكثر عروق البدن ويتصلان بالدماغ، ولا يشترط قطع المريء الأحمر بالهمز كأمير على المشهور وهو مجرى الطعام والشراب، ومقابل المشهور عزاه اللخمي لرواية أبي تمام، وعزاه ابن فرحون له لا لروايته، وعياض لرواية البغداديين. وللشافعي: لابد من قطعه، والظاهر وجوب بيان عدم قطعه عند البيع للشافعي.

ص: 2

من المقدم؛ يعني أن الذبح إنما يكون من المقدم لا من القفا، ولا من إحدى صفحتي العنق، وصفة الذبح الذي هو قطع جميع الحلقوم وجميع الودجين أن يكون من فوق العروق، وإن كان من تحتها، بأن أدخل السكين من تحتها وقطعها فهي ميتة كان ذلك ابتداء أو في الأثناء، وفي شرح الشيخ عبد الباقي: فلا يؤكل ما ذبح من القفا ولا من إحدى صفحتي العنق، فعل ذلك عمدا أو غلبة في ضوء أو ظلمة. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: قوله أو غلبة إلى آخره، في التوضيح ما نصه: لو ذبح من القفا في ظلام وظن أنه أصاب وجه الذبح ثم تبين خلاف ذلك لم تؤكل. نص عليه في النوادر. محمد: وأما من أراد أن يذبح في الحلقوم فأخطأ فانحرف فإنها تؤكل. انتهى. وذهب جماعة من أهل العلم خارج المذهب إلى إباحة أكل ما ذبح من القفا. قاله الحطاب. وفيه: ويشترط في الذبح أن يكون من الحلقوم، وفي حاشية الشيخ الأمير عند قوله:"من المقدم"، فلا يضر الانحراف فيه حيث لم يلزم النخع قبل تمام الذكاة. انتهى.

بلا رفع قبل التمام؛ يعني أن الذابح يشترط في ذبحه أن لا يرفع يده قبل تمام الذبح، وظاهر كلامه أنه إن رفع قبل التمام لا تؤكل ذبيحته مطلقا، سواء كان قريبا أو بعيدا تعيش الذبيحة لو تركت أو لا تعيش عمدا أو تفريطا أو غلبة، هذا ما يقتضيه كلامه بحسب ظاهره، والتحقيق في ذلك أنه إن رفع قبل التمام أو أبقى السكين على الذبح بلا ذبح ثم كمل أكلت مطلقا إن كانت لو تركت عاشت، وتكون الثانية ذكاة مستقلة وإن لم تعش بأن أنفذ منها مقتل وأعاد عن قرب أكلت أيضا رفع اختيارا أو اضطرارا؛ لأن هذا في حكم فعل واحد، فإن أعاد عن بعد لم تؤكل رفع اختيارا أو اضطرارا، فالصور ثمانية: أربعة فيما إذا لو تركت عاشت، وأربعة فيما إذا لو تركت لم تعش؛ بأن أنفذ منها مقتل تؤكل في ست منها دون اثنتين كما علمت، ولا فرق بين كون المتمم في هذه كلها هو الأول أو غيره، ولابد من النية والتسمية إن أعاد عن بعد مطلقا أو أعاد عن قرب وكان الثاني غير الأول وإلا لم يحتج لذلك، والقرب معتبر بالعرف كما يفهم من نقل المواق عن ابن سراج.

وفي كتاب الشيخ الأمير: والبعد بالعرف، وفتوى ابن قداح بالأكل في ثلاثمائة باع اتفاقية، فإن المشي يتفاوت. انتهى. ويقيد الأكل فيما إذا رفع اختيارا بما إذا لم يتكرر وإلا لم تؤكل، ويجوز

ص: 3

وضع شخصين يديهما على محل الذبح بآلة مع كل منهما، وذبحهما معا مع النية والتسمية من كل منهما. نقله الشيخ عبد الباقي، قال: وكذا فيما يظهر إذا وضع شخص الآلة على ودج والآخر الآلة على الآخر وقطعا جميع الودجين والحلقوم، وقوله:"بلا رفع"، يجري نحوه في النحر والعقر بالأقسام كلها، ومن الصور الجارية على ما لو تركت لعاشت ما يفعله أهل البدو من شقهم جلد الشاة قبل ذبحها من تحت حنكها، ويدخل السكين تحت الحنك ويذبحونها ليشقوا جلدها كله مع جلد رأسها طولا: وذكروا أنها لو تركت بعد الشق لعاشت. انتهى. نقله الشيخ عبد الباقي.

وأشار للنوع الثاني بقوله: وفي النحر طعن بلبة؛ يعني أن الذكاة في الذبح ما تقدم، وأنها في النحر أن يطعن المذكي بالآلة في اللبة بفتح اللام: موضع القلادة، ولو لم يقطع شيئا من الحلقوم والأوداج على المشهور؛ لأن في اللبة عرقا متصلا بالقلب، فلا يمكن أن تعيش، وعلل أيضا بأنه محل تصل منه الآلة للقلب فيموت سريعا، وقوله:"طعن"، أي طعن من تقدم وهو المميز الذي يناكح.

وبما قررته علم أن قوله: "وفي النحر" معطوف على مقدر بعد قوله: "الذكاة"؛ أي في الذبح.

وشهر أيضا الاكتفاء بنصف الحلقوم والودجين. راجع لقوله: "تمام الحلقوم والودجين"، فهو من جملة الكلام على الذبح؛ يعني أنه كما شهر القول الأول المشار إليه بقوله:"قطع مميز يناكح تمام الحلقوم والودجين"، فلا يكتفى بما دون ذلك، شهر أيضا قول مقابل له وهو أنه يكتفى بنصف الحلقوم وجميع الودجين، وإلى هذا أشار بقوله:"وشهر أيضا الاكتفاء بنصف الحلقوم"، فهو مسألة مستقلة، وقوله:"والودجين"، معناه أنه شهر أيضا الاكتفاء بنصف الودجين، ويعني مع تمام الحلقوم فهو أيضا مسألة مستقلة، ومعنى ذلك أن يقطع نصف كل ودج على هذا حمله الشارحان. قاله الحطاب.

واعلم أن هذا التشهير لا يساوي التشهير الأول أي قطع جميع الحلقوم وجميع الودجين، وقوله:"والودجين"، لا يتناول قطع واحد من الودجين مع الحلقوم دون الآخر وإن كان فيه روايتان؛ لأن الأكل فيها لم يشهر، وتبع المص في هذا التشهير ابن بزيزة في شرح التلقين، ومثل ما لابن

ص: 4

بزيزة لصاحب المعين في شرح التلقين. نقله بعضهم. وما نقله يفيد أن التشهير في ثلاث صور في نصف الحلقوم فقط، وفي نصف كل ودج، وفي نصف كل من الثلاثة.

وقرر الشيخ عبد الباقي قوله: "وشهر أيضا الاكتفاء بنصف الحلقوم والودجين" تبعا لابن غازي على أنه مسألة واحدة، والمعنى على ذلك أنه يكتفى بنصف الحلقوم وجميع الودجين، فقوله:"الودجين"؛ على هذا عطف على نصف، وفي شرح الشيخ عبد الباقي: قوله "بنصف الحلقوم": أي فأكثر بحيث لا يبلغ التمام، فما زاد على النصف ولم يبلغ التمام لا يكتفى به على القول الأول الذي هو المشهور ولانحطاط التشهير هنا عما قبله، بل قال بعض: لم نر من شهر هذا أي غير قول ابن عبد السلام: الأقرب اغتفار ذلك، لقوله عليه الصلاة والسلام: (ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل

(1)

) ولم يقل المص: خلاف، على أن بعضهم قال: لا يلزم ابن القاسم الذي يغتفر بقاء نصف الحلقوم من الطير أن يقول مثله في غير الطير، لما علم عادة من صعوبة استئصال قطع الحلقوم من الطير وسهولة ذلك من غيره. انتهى.

وإن سامريا، مبالغة في صحة الذكاة من المميز الذتي يناكح؛ يعني أنه يصح ذبح المميز الذي يناكح ونحره وإن كان سامريا، والسامرية صنف من اليهود ينكرون البعث وينكرون نبوءة ما عدا موسى وهارون ويوشع بن نون من أنبياء بني إسراءيل، واحترز بذلك من الصابي فلا تؤكل ذبيحته كما مر، والصابية طائفة بين النصرانية والمجوسية يعتقدون تأثير النجوم وأنها فعالة، وقال مجاهد: هم بين اليهودية والنصرانية، وعن قتادة: أنهم يعبدون الملائكة ويصلون للشمس كل يوم خمس مرات، وتؤكل ذبيحة السامري ولو لم يتنصر، بخلاف الصابي فلا تؤكل إلا إذا تنصر. وفي شرح الشيخ عبد الباقي: فإن قلت: السامري أخذ ببعض اليهودية والصابي ببعض النصرانية فما وجه الفرق؟ قلت: هو أن أخذ الصابي بالنصرانية دون أخذ السامري باليهودية كما ذكره التونسي، فلذا اشترط في الصابي أن يتنصر بخلاف السامري.

أو مجوسيا تنصر؛ يعني أن المجوسي وهو عابد النار لا كتاب له تؤكل ذبيحته بشرط أن يتنصرت فقوله: "تنصر"، راجع للأخير فقط كما علمت، ومثل تنصره تهوده، وتؤكل ذبيحة

(1)

البخاري رقم الحديث 2488. ومسلم الأضاحي رقم الحديث 1968

ص: 5

الغلام أبوه نصراني وأمه مجوسية؛ لأنه تبع لدين أبيه إلا أن يكون قد تمجس وتركه أبوه، ولا يناقض هذا ما ذكروه في الحرة يسبيها العدو فتلد منهم أن أولادها الصغار تبع لها في الدين؛ إذ ليس هنا أب حقيقة. قاله الحطاب عن ابن ناجي.

وذبح لنفسه؛ هذه الجملة عطف على قوله: "يناكح"؛ يعني أنه يشترط في ذبيحة الكتابي أصالة أو انتقالا ثلاثة شروط: أحدها أن يذبح لنفسه أي ما يملكه لا ما يملكه مسلم أو مشتركا بينه وبين كتابي، ثانيها أن يذبح مستحله بفتح الحاء أي الشيء الذي يحل له بشرعنا من ذي الظلف، الثالث أن لا يذبحه لصنم كما يأتي.

وإن أكل الميتة؛ يعني أنه إذا توفرت الشروط المذكورة في الكتابي فإنه تؤكل ذبيحته، وإن أكل الميتة أي كان يستحل ذلك في دينه علما منا بذلك أو شكا. إن لم يغب؛ يعني أنه يشترط في أكل ذبيحة الكتابي الذي يستحل أكل الميتة أن لا يغيب عليها عند ذبحها، فلابد أن يذبحها بحضرة مسلم عارف بالذكاة الشرعية غير متهم على موافقته فيما يظهر. قاله الشيخ عبد الباقي. وينبغي أن يكون من لا يعرفها إذا وصف ما حصل من الكتابي بحضرته وكان ذكاة شرعية كذلك فنأكله بالشروط المتقدمة، بخلاف فاقدها لأنه ميتة، وعبارة الأمير: ولا يشترط حضور مسلم يعرفها أو يصفها إلا أن يأكل الميتة. انتهى. واقتضى كلام المص أنه لا يؤكل ما صنعوا به غير الذكاة الشرعية كمن يسل عنق الدجاجة وهذا هو المشهور، وقال ابن العربي: يؤكل ولو رأيناه يسل عنقها لأنه من طعامهم وقال ابن راشد: القياس أن لا يؤكل ما ذبحه آكل الميتة وإن لم يغب؛ لأن الذكاة لابد فيها من النية، وإن ادعى أنه نواها فكيف يصدق لأنه يستحل الميتة؟ اهـ وعليه رد المص بالمبالغة، وكأن وجه المشهور -والله أعلم- الوقوف مع النص، فإن الله تعالى أباح لنا ذبائحهم وهو عالم لما يفعلون من قصد الذكاة وعدمه. نقله الشيخ محمد بن الحسن بناني. وفي حاشية الشيخ الأمير التصريح بأنه يكفي من النية قصد الفعل المعهود وإن لم ينو المذكي التحليل، وعليه فلا إشكال. والله تعالى أعلم.

ص: 6

لا صبي ارتد، عطف على "مميز"؛ يعني أن الصبي الميز إذا ارتد لا تؤكل ذبيحته لاعتبار ردته وعدم مناكحته، وقيل تؤكل لعدم قتله، وقوله:"لا صبي ارتد"، وأحرى كبير ارتد في عدم الأكل، ونص على الصغير ردا للقول بأنها تؤكل. والله أعلم.

ولا فرق في المرتد بين أن يكون ارتد إلى دين أهل الكتاب أو إلى غيره. قاله في المدونة. خلافا للخمي في قوله: ينبغي أن تصح ذكاته إذا ارتد إلى دين أهل الكتاب لا إلى غيره؛ لأنه صار من أهل الكتاب. قاله الحطاب.

وذبح لصنم؛ يعني أن ما ذبح للصنم -والمراد به ما عبد من دون الله تعالى بحيث يشمل الصنم والصليب وغيرهما- لا يؤكل إذا قصدوا به التقرب لآلهتهم؛ لأنهم لا يأكلونه، فهو ليس من طعامهم، ولم يقصدوا بالذكاة إباحته، وأما ما يأتي من الكراهة في ذبح لصليب فالمراد به ما ذبحوه لأنفسهم لكن سموا عليه اسم آلهتهم، فهذا يؤكل بكره لأنه من طعامهم. والله تعالى أعلم. قاله الشيخ محمد بن الحسن.

وفرق عبد الباقي بين ما هنا وبين ما يأتي بأنه هنا ذكر اسم الصنم، فقال عند ذبحه: باسم العزى مثلا، وما يأتي من قوله:"وذبح لصليب"، بأنه ذبح لأجل التقرب به إلى الصليب فلا ينافي ذكر اسم الله، فلذا كره أكله فقط، قال الشيخ محمد بن الحسن: وهو غير صواب؛ لأن مجرد ذكر الاسم عليه لا يحرمه ذكر معه اسم الله أم لا. انتهى. وهو ما يأتي، قال هذا الشارح، وتفسير عبد الباقي صواب كما يرشد إليه كلام غير واحد من الفحول. والله سبحانه أعلم. والصنم هو المعبود من حديد ونحوه، والأوثان مثل الأحجار. قاله الخرشي.

أو غير حل له؛ يعني أن الكتابي أي اليهودي إذا ذبح ما لم يستحله لا تؤكل ذبيحته أي يحرم، أكلها لكن بشرط أشار له بقوله: إن ثبت بشرعنا؛ يعني أن محل حرمة ذبيحة الكتابي حيث ذبح ما لم يستحله في دينه إنما هو إن ثبت تحريم ذلك عليه بشرعنا، والذي ثبت تحريمه بشرعنا كل ذي ظفر، قال تعالى:{وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ} ، وهو الإبل وحمر الوحش والنعام والإوز ونحوها من الحيوان، وهو ما كان غير منفرج الأصابع وله ظفر، وقوله: "أو

ص: 7

غير حل له إن ثبت بشرعنا"، حكى ابن عرفة في المسألة ثلاثة أقوال، ونصه: وفي حرمة مذكاهم من ذي الظفر وإباحته ثالثها: يكره. نقله الخرشي.

وإلا كره؛ يعني أن ما لا يستحله أهل الكتاب إذا لم يخبر شرعنا بأنه حرم عليهم، بل أخبروا هم أن شرعهم حرم ذلك عليهم، فإنه يكره لنا أكله ولا يحرم، وذلك كالطريفة وهي: فاسدة الرية أي ملتصقة بظهر الحيوان، وليس الدجاج من ذي الظفر. كجزارته؛ بكسر الجيم، وأما بالضم: فأطراف البعير يداه ورجلاه ورأسه؛ يعني أن الكتابي المميز الذي يناكح يكره للإمام أن يبقيه جزارا في أسواق المسلمين يذبح ما يستحله ليبيعه لعدم نصحه لهم والجزار الذابح، واللحام بائع اللحم؛ والقصاب كاسر العظم، وينبغي أن يراد هناها يعم الجميع. قاله الشيخ عبد الباقي وغيره. وكذا يكره أن يكون جزارا في البيوت، وهذا مبني على القول بصحة استنابته، ولا يشترط في حلية ذبيحة الكتابي التسمية بخلاف النية، وقد مر استشكال ابن راشد لذبيحة آكل الميتة حيث لم يغب.

وبيع؛ يعني أنه يكره أن يكون الكتابي بياعا في أسواق المسلمين، وكذا يكره أن يكون صيرفيا، لأنه لا يؤمن أن يوقع المسلمين في الربا، وإنما حذف الضمير لدلالة الكلام عليه قاله الشارح. وقد ورد عن عمر رضي الله عنه أنه نهى أن يكون أهل الذمة جزارين للمسلمين أو صيارفة لهم، وأمر أن يقاموا من الأسواق كلها، ويحتمل أن معناد لا يباع له شيء من الحيوان ليذبحه لعيده كما في الشارح وغيره، وهذا أنسب لأجل قوله: وإجارة لعيده: يعني أنه يكره للمسلم أن يؤاجر دابته أو سفينته لكتابي لأجل عيده، وكذا كل ما يستعين به على تعظيم شأنه في عيد وغيره، وروي عن مالك إجازة البيع لهم لأعيادهم، والخلاف على خطابهم وعدمه، وقال عبد الباقي عند قوله "لعيده": أي الكافر.

وشراء ذبحه؛ يعني أنه يكره لنا أن نشترى ذبيحة الذمي التي ذبحها لنفسه، فمن اشترى منهم لم يفسخ شراؤه وهو رجل سوء، إلا أن يكون ما اشتراه منهم مثل الطريفة مما لا يأكلونه، فيمنع الشراء ويفسخ إن وقع، ووجه حرمة الشراء وفسخ البيع مع كراهة الأكل فقط إعانتهم بإطعامهم ما لا يحل لهم. قاله الخرشي.

ص: 8

وفي الشبراخيتي عن صاحب المدخل أنه ذكر ما يفيد أنه يكره الشراء منه سواء كان المبيع ذبحه أم لا، وعليه فلا مفهوم لقوله:"وشراء ذبحه"، وقال عند قوله:"وبيع": هو وما بعده بالجر، عطف على:"جزارته"، ويصح رفعه عطفا على نائب الفاعل. انتهى. وفي الخرشي عن المدخل: الشراء من أهل الذمة مكروه سواء كان ما يبيعونه مائعا أو غيره، والمسلمون أحق بالبيع منهم، لأن المسلم مأمور بإعانة أخيه المسلم.

وتسلف ثمن خمر؛ يعني أنه يكره لنا أن نتسلف من الكافر ولو غير ذمي ثمن الخمر، سواء باعها لمسلم أو لكافر، إلا أن ثمنها من مسلم أشد كراهة، ويتصدق الكافر بثمن الخمر إذا أسلم قبل قبضه، فإن قبضه قبل إسلامه كان له، هذا قول ابن القاسم، وقال سحنون: يتصدق به مطلقا، وأما المسلم إذا باع الخمر فيحرم تسلف ثمنها منه؛ لأنه لا يملكه فيجب رد الثمن وإراقة الخمر، والظاهر حرمة تسلف ثمن ما ثبت تحريمه على اليهودي بشرعنا، كذي الظفر إذا ذبحه وباعه؛ لأنه ميتة وهم لا يستحلون ثمن الميتة، وإن استحلوا ثمن الخنزير فالتسلف منهم تارة يحرم وتارة يكره وتارة يجوز، كتسلف ثمن ما يجوز بيعه عندنا، والظاهر كراهة تسلف ثمن شحم اليهودي أيضا. قاله الشيخ عبد الباقي.

وبيع به؛ يعني أنه يكره لنا أن نبيع شيئا بثمن الخمر؛ بأن نأخذ ثمن الخمر لكونه ثمن مبيع لنا أو نأخذه هبة أو نعطي فيه دراهم أو نأكل من طعام ابتاعه الذمي بذلك. لا أخذه قضاء؛ يعني أنه لا يكره لنا أن نأخذ ثمن الخمر من الكافر عن دين عليه لمسلم أو عن جزية، بل يباح لنا ذلك لتقدم سببه بخلاف البيع، واختلف أهل المدينة في مكتسب المال الحرام من نحو ربا ومعاملات فاسدة إذا مات، هل يحله الإرث وهو المعتمد أم لا؟ وأما الحرام العلوم أربابه فلا يحله الإرث على المعتمد، ويدل عليه قول المص:"ووارثه وموهوبه إن علما كهو"، وقولهم: الحرام لا ينتقل لذمتين، ليس مذهبنا. قاله الشيخ عبد الباقي.

وشحم يهودي؛ يعني أنه يكره لنا أن نأكل شحم اليهودي الذي حرم عليه من مذبوحه من بقر وغنم بهبة أو شراء ونحوه، وهذا هو المشهور من ثلاثة أقوال ثانيها: الإباحة؛ وهو قول ابن القاسم وأشهب في المبسوط، وقول ابن نافع أيضا: ثالثها التحريم وهو قول مالك في الموازية،

ص: 9

والأصل في هذا اختلافهم في قول الله عز وجل: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} . الآية. هل المراد بذلك ذبائحهم أو ما يأكلون؟ فمن ذهب إلى أن المراد بذلك ذبائحهم أجاز أكل الشحوم؛ لأنها من ذبائحهم ومحال أن تقع الذكاة على بعض الشاة دون بعض، ومن ذهب إلى أن المراد بذلك ما يأكلون منع، فالأقوال الثلاثة ترجع إلى قولين؛ لأن الكراهة من قبيل الجواز. نقله الشيخ محمد بن الحسن بناني.

وشحم اليهودي هو الشحم الخالص كالثروب وشحم الكلى والقطنة على مثال معدة بالقاف والطاء والنون: التي تكون مع الكروش، وهي ذات الأطباق التي تسميها العامة: الرمانة، لا ما اختلط بعظم أو لحم ولا الحوايا وهي الأمعاء، والباعر: بنات اللبن بسكون الباء بمعنى الأكل؛ أي التي يستفر بها الأكل، والمباعر جمع مبعر موضع البر وهو رجيع ذي الخف والظلف.

وذبح لصليب أو عيسى؛ يعني أن ما ذبح الكتابي للصليب أو لعيسى ولم يقصدوا به التقرب، بل ذبحوه لأنفسهم وذكروا عليه اسم الصليب أو عيسى يكره لنا أن نأكله لأنهم يقصدون إباحته، فهو من طعامهم، ويقصدون به انتفاع من ذكر، (ونهى صلى الله عليه وسلم عن الذبح للجان

(1)

)، فإن قصد به اختصاصها بانتفاعها بالمذبوح كره، وإن قصد به التقرب إليها حرم، ومثل ما ذبح للصليب ما ذبحوه لأعيادهم وكنائسهم ومن مضى من أحبارهم، ولجبريل عليه السلام: وما ذكره المص من الكراهة هو المذهب، وقال ابن لبابة وسحنون: هو حرام نظرا إلى أنه مما أهل به لغير الله تعالى، وذهب ابن وهب إلى جوازه من غير كراهة. قاله الشارح.

وقد علمت مما مر ومما هنا أن ما ذبحوه بقصد التقرب لآلهتهم لا يأكلونه فيحرم علينا أكله؛ لأنه ليس من طعامهم إذ لم يقصدوا إباحته، وهو قوله: وذبح لصنم، وأن ما ذبحوه للصليب أو لعيسى ولم يقصدوا به التقرب بل ذبحود لأنفسهم وذكروا عليه اسم الصليب أو عيسى صلوات الله وسلامه على نبينا وعليه يكره لنا أكله؛ لأنهم يقصدون إباحته فهو من طعامهم، ويقصدون بذلك انتفاع من ذكر. هذا محصل ما نقله العلامة بناني.

(1)

السنن الكبرى للبيهقي، ج 5 ص 314.

ص: 10

وفي كتاب الشيخ الأمير وما ذبحوه لكعيسى وصليب وصنم إن ذكروا عليه اسم الله أكل ولو قدموا غيره لأنه يعلو ولا يعلى عليه، وإلا فإن قصدوا إهداء الثواب من الله فكذلك يؤكل بمنزلة الذبح لولي، وإن قصدوا التقرب والتبرك بالألوهية أو تحليلها بذلك حرم أكله. انتهى.

الجوهري: عيسى اسم عبراني أو سرياني، والجمع العِيسَوْن بفتح السين، وهذا مذهب البصريين، قالوا: لأن الألف لما سقطت لاجتماع الساكنين وجب أن تبقى السين على ما كانت عليه، وتقول: رأيت العيسين ومررت بالعيسين.

وقبول متصدق به لذلك؛ يعني أنه يكره لنا أن نقبل ما تصدقوا به لأجل الصليب أو عيسى، وكذا ما تصدقوا به عن موتاهم؛ لأن قبوله في هذه الحالة تعظيم لشركهم دمرهم الله تعالى، وكذا يكره قبول ما يهدونه للمسلمين في أعيادهم، والقبول لذلك يدل على عدم وقر الإيمان بالقلب وكذا يكره جبن المجوسي لما فيه من أنافح الميتة، فإن تحقق وضعها فيه حرم قطعا، وإن تحقق عدم وضعها فيه أبيح قطعا، فمحل الكراهة مع الشك؛ لأن الطعام لا يطرح بالشك؛ ولأن صنائع الكفار محمولة على الطهارة كنسجهم. وذكر أبو إسحق: أن جبن المجوس حرام وجبن أهل الكتاب حلال، والأنافح جمع إنفحة بكسر الهمزة وتشديد الحاء المهملة: شيء يستخرج من بطن الجدي الراضع فيعصر في صوفة فيغلظ كالجبن. قاله الشيخ محمد بن الحسن بناني.

وذكاة خنثى؛ يعني أنه يكره أكل ما ذكاه الخنثى، واعلم أن الخنثى إذا كان بهيمة لا يجزئ في الزكاة كما نص عليه غير واحد. وخصي؛ يعني أنه يكره أكل ما ذكاه الخصي ومثله المجبوب فيما يظهر. قاله الشيخ عبد الباقي. وفاسق؛ يعني أنه يكره أكل ما ذكاه الفاسق، والفرق بينه وبين الكتابي أنه لا يقر على فسقه، بخلاف الكتابي فإنه يقر على دينه بالجزية، ولا تكره ذكاة الأغلف كما جزم به الحطاب، وحكى في البيان كراهة ذكاته، ولا تكره ذكاة المرأة والصبي على المشهور، وقيل بالكراهة فيهما ومحل الخلاف مع عدم الضرورة، وأما مع الضرورة فتصح من غير كراهة، وحكى اللخمي قولا بالكراهة ولو مع الضرورة، وتجوز ذكاة العبد ولا خلاف في ذلك إلا ما حكي عن عبد الله بن عمر من عدم جواز ذبح العبد الآبق. قاله الحطاب. ولا تكره ذكاة

ص: 11

الجنب والحائض والأخرس، والظاهر إلحاق النفساء بالحائض، وروى عن عكرمة وقتادة أنهما قالا: لا يذبح الجنب وإن توضأ.

وقال ابن رشد: وتجوز ذبيحة الجنب والحائض والأغلف والمسخوط في دينه وإن كان الأولى في ذلك الكمال والدين والطهارة، فقد كان الناس يبتغون لذبائحهم أهل الفضل والإصابة وقال ابن رشد في البيان: ستة لا تجوز ذبائحهم: الصغير الذي لا يعقل والمجنون في حال جنونه والسكران الذي لا يعقل والمجوسي والمرتد والزنديق: وستة تكره ذبائحهم: الصغير المميز والمرأة والخنثى والخصي والأغلف والفاسق، وستة مختلف في ذبائحهم: تارك الصلاة، والسكران الذي يخطئ ويصيب، والبدعي المختلف في تكفيره، والعربي النصراني، والنصراني يذبح للمسلم بأمره، والأعجمي يجيب إلى الإسلام قبل البلوغ. انتهى. ومثل النصراني يذبح للمسلم بأمره اليهودي، ومنع أكل ذبيحة تارك الصلاة إنما يأتي على القول بكفره، وقد نظم بعضهم الأقسام الثلاثة فقال:

ذكاة مجوسي ومغمى وطافح

وطفل ومرتد ومن قد تزندقا

حرام وزد خنثى وأنثى وأغلفا

خصيا وطفلا عاقلا وفويسقا

ولكنها مكروهة وتنازعوا

بنشوان أو من كفره ما تحققا

وفي كافر ذكَّى بإذن لمسلم

وفي عربي بالنصارى تعلقا

ومنشأ الخلاف في البدعي النظر إلى كفره أو فسقه كتارك الصلاة، وفي نصارى العرب النظر إلى أنهم ارتدوا عن الإسلام أم لا، وفي شرح الشيخ عبد الباقي: ولا تكره من نصراني عربي أو عجمي يجيب للإسلام قبل بلوغه. انتهى.

ص: 12

وفي ذبح كتابي لمسلم قولان؛ يعني أن ما ذبحه الكتابي أو نحره وهو ملك لمسلم فيوكله على ذبحه أو مشترك بينهما في إباحة أكله ومنعه قولان، وفيه قول ثالث بالكراهة، وما ذكره المص يجري في الضحية لكن لا تجزئ ضحية، وتعليل الباجي حرمة ما لا يستحله بأنه لا ينوي الذكاة يفيد أنه لا فرق في التحريم السابق بين أن يذبح ما لا يستحله لنفسه أو لغيره. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وحينئذ فتجري فيه الأقوال المتقدمة عن ابن عرفة. والله أعلم. ومفهوم قوله:"لمسلم"، أن ذبحه لكافر لا يكون حكمه كذلك وهو كذلك، وحكمه أنه إن ذبح ما لا يحل لكل منهما اتفق على عدم صحة ذبحه، وإن ذبح ما يحل لكل منهما اتفق على صحة ذبحه. قاله الشيخ عبد الباقي.

ولما أنهى الكلام على النوعين الأولين من أنواع الذكاة وقدمهما لتعلقهما بالإنسي غالبا المأنوس إليه دون الوحشي، أتبعهما بالكلام على النوع الثالث وهو الصيد المتعلق بالوحشي، فقال: وجرح مسلم، جرح بفتح الجيم مصدر، وهو عطف على "قطع"، الذي هو خبر "الذكاة"؛ يعني أن جرح المسلم ذكرا أو أنثى للوحشي بما سيذكره سبب في إباحة أكله بالشروط الآتية، والمراد بالجرح الإدماء ولو في الأذن مع شق الجلد أم لا، لا شق بدون إدماء في الصحيحة، بخلاف المريضة فتوكل بذلك. قاله الشيخ عبد الباقي. وقوله: لا شق الخ، قال الشيخ محمد بن الحسن بناني: انظر هذا التفصيل، ويأتي له عند قول المص "أو عض بلا جرح" ما يفيد أنه لا يكون الشق دون إدماء إلا في المريض وهو الظاهر. واعلم أن شروط الصيد تسعة، ثلاثة في الصائد، وثلاثة في المصيد به، وثلاثة في الصيد، ونظمها ابن غازي فقال:

كل صيد مسلم صحيح الذبح

غير مفرط بنحو الرمح

أو جارح معلم ومرسل

من يده بصيده مشتغل

يصيد مرءيا أخا امتناع

يموت من جرح بلا نزاع

ص: 13

انتهى. وكل ما ذكر من الشروط إنما يشترط في صيد البر إذا فات أو أنفذ مقتله، فأما البحري فيؤكل ولو فات أو قتله كافر، وأما ما لم ينفذ منه مقتل من البري وقدر عليه فيذكى، ويشترط في ذكاته ما يشترط في الإنسي: أشار له الحطاب. والله أعلم.

واحترز بقوله: "مسلم": من الكافر، فإنه لا يؤكل صيده كتابيا أو غيره؛ لأن الصيد رخصة لقوله تعالى:{تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ} ؛ على أن المراد بهذه الآية إباحة الصيد، وأما على أن المراد بها المنع فلا دليل فيها على الإباحة، فمعنى الابتلاء حينئذ الاختبار هل يصبر عنه أم لا؟ لقوله تعالى:{لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} ، وذهب أشهب وابن وكعب وجماعة إلى عدم اشتراط الإسلام لعموم قوله تعالى:{وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} ، لكن سياق الآية يدل على مذهب الجمهور؛ لأنه قال:{وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ} ، ثم قال:{وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} ، والظاهر كراهة صيد من تكره ذكاته كالخصي والخنثى والفاسق. قاله الحطاب. ابن عرفة: ابن حبيب: أكره صيد الجاهل لحدود الصيد غير متحر صوابه. انتهى. وإضافة جرح إلى مسلم من إضافة المصدر إلى فاعله، وحد ابن عرفة الصيد فقال: الصيد مصدرا أخذ مباح غير مقدور عليه من وحش طير أو حيوان بري أو بحري بقصد ملكه، فلا يتوهم إضافة أخذ لفاعله واسما ما أخذ من مباح أكله غير مقدور عليه من وحش طير أو حيوان بري أو بحري بقصد. انتهى. ومعنى بقصد: بنية الاصطياد، وهو راجع لما قبل بحري، واحترز بقوله:"جرح"، عما إذا مات بخنق أو حبالة أو من خوف أو جري أو عض أو صدم بلا جرح كما يأتي.

وتحصل مما مر أن الكافر لا يؤكل صيده اتفاقا في المجوسي، وعلى المشهور في الكتابي.

مميز؛ يعني أنه يشترط في إباحة الصيد أن يكون الصائد مسلما كما مر، مميزا لا صبيا غير مميز وإلا مجنونا ولا سكرانا ولو كان يخطئ ويصيب وادعى الصيد حال الإفاقة، ويجري هنا نحو ما تقدم في ذبحه، والمشهور أن المرأة والمميز كالبالغ، وكرهه أبو مصعب.

ولما تكلم على الصائد تكلم على الصيد، فقال: وحشيا؛ يعني أنه يشترط في إباحة الصيد بالجرح أن يكون المجروح وحشيا لا إن كان إنسيا كما يأتي، وقوله:"وحشيا"، معمول "جرح"،

ص: 14

وهو صفة لموصوف محذوف أي حيوانا وحشيا أي متوحشا لا إنسيا ند من إبل أو غنم أو دجاج اتفاقا أو بقر أو حمام أو إوز على المشهور، خلافا لابن حبيب. قاله الخرشي. وسيأتي ما يخالفه عن الشيخ محمد بن الحسن بناني.

وإن تأنس؛ يعني أن الوحشي يؤكل بالجرح وإن كان قد تأنس ثم توحش بعد تأنسه، ففيها لمالك. ما دجن من الوحش ثم ند واستوحش فإنه يذكى بما يذكى به الصيد من الرمي وغيره؛ لأنه يرجع إلى أصله. قاله الخرشي وغيره. وفيه عن بعضهم: كان ينبغي للمؤلف أن يقول: وإن بعد تأنس، ليوفي بالمعنى المراد. انتهى. وهذا التقييد غير محتاج إليه لقوله: عجز عنه؛ يعني أن الوحشي لابد في إباحته بالجرح من أن يكون معجوزا عنه تأنس ثم توحش، أو لم يتأنس فهو صفة لقوله:"وحشيا" شامل لما قبل المبالغة وما بعدها.

وقوله: "عجز عنه" بالبناء للمفعول ليشمل عجز كل أحد هوأو غيره، إلا بعسر، مستثنى من معنى قوله:"عجز عنه"؛ أي لم يقدر عليه إلا مع عسر، فهو مستثنى من المنطوق. قاله الشيخ عبد الباقي؛ يعني أن الصيد لا يشترط في إباحته العجز عن أخذه بالكلية، بل لو أمكن أخذه مع الشقة لجاز صيده، فإذا طردت الكلاب الصيد حتى وقع في حفرة لا يخرج منها، أو انكسرت رجله فتمادت الكلاب عليه فقتلته فلا يؤكل؛ لأنه أسير، وهذا إذا كان لو تركته الكلاب قدر ربها على أخذه بيده. قاله الحطاب.

وقال عن أصبغ: من أرسل على وكر في شاهق جبل أو في شجرة وكان لا يصل إلا بأمر يخاف منه العطب جاز أكله بالصيد. انتهى. ولو رمى صيدا فأثخنه حتى صار لا يقدر أن يفر ثم رماه آخر فقتله لم يؤكل؛ لأنه صار كالشاة، ويضمن الذي رماه فقتله للأول قيمته مجروحا، نقله الشيخ عبد الباقي. ولو لجأ الصيد إلى جزيرة أحاط بها البحر فأطلق عليه كلابه فقتلته، فإن كانت صغيرة بحيث لو اجتهد طالبه لأخذه بيده ولا يكون له في الماء نجاة فلا يؤكل، وإن كان له في الماء نجاة أو كانت جزيرة كبيرة يجد الصيد الروغان فيها بحيث يعجز عنه إلا بعسر على رجله أو على فرس -مثلا- فإنه يؤكل بالصيد. نقله الحطاب وغيره.

ص: 15

لا نعم شرد؛ يعني أن النعم وهو: الإبل والبقر والغنم ومثله الوحشي الذي تأنس ولم يتوحش لا يؤكل شيء منه بالعقر الذي يؤكل به الوحشي، أما الإبل والغنم فلا خلاف أنهما إذا ندا لا يؤكلان بالعقر، وأما البقر فكذلك على المشهور خلافا لابن حبيب، وأما ما ورد في مسلم من قوله صلى الله عليه وسلم: (إن لهذه الإبل أوابد كأوابد الوحش فإذا غلب عليكم منها شيء فاصنعوا به هكذا

(1)

) فليس فيه دلالة على جواز الأكل بالعقر، وذلك لأن الرجل الذي رمى البعير بالسهم لم يقتله وإنما حبسه، فأمر عليه الصلاة والسلام أن يصنع بما ند من الإبل كذلك. قاله الشارح.

وقد علم مما مر أن المراد بالنعم ما قابل الوحشي، فلو أبدله بإنسي لكان أشمل، وإذا ند حمام البيوت والإوز أكل بالعقر كالصيد؛ إذ له أصل في التوحش. نقله الشيخ محمد بن الحسن بناني. وقوله:"لا نعم"؛ أي لا جرح نعم، والمصدر المحذوف مضاف إلى مفعوله، وقوله:"نعم": يصح جره عطفا على "مسلم"، فهو من عطف المصدر المضاف لمفعوله على المصدر المضاف لفاعله وهو جائز وإن كان قليلا، ويصح رفعه عطفا على "جرح" بعد حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، ونصبه عطفا على "وحشيا"، وترك الألف في الرسم على لغة ربيعة فإنهم يقفون على النون المنصوب بحذف الألف. قاله الخرشي.

وعلم من المص أن الوحشي الأصلي على ثلاثة أقسام: وحشي دائما، وحشي تأنس ثم توحش يؤكلان بالعقر، وحشي تأنس ولم يتوحش لا يؤكل بالعقر، وعلم منه أيضا أن الإنسي الأصلي على ثلاثة أقسام أيضا: إنسي دائما، إنسي توحش ثم تأنس، إنسي توحش دائما لا يؤكل كل منها بالعقر، ومنه الجاموس المتوحش ببلاد البر فلا يؤكل بالعقر؛ لأن التوحش طارئ عليه. قاله الشيخ عبد الباقي. والفرق بين المتوحش من النعم دائما والمتأنس من الوحشي دائما حيث لم يؤكل بالعقر أنا راعينا الأصل في كل؛ لأن الأصل في كل حيوان الذبح والنحر، وإنما رخص الاكتفاء بالعقر في الوحش المعجوز عنه للضرورة.

أو تردى بكهوة؛ يعني أن النعم المتردي أي الساقط بكهوة بضم الهاء وتشديد الواو أي حفرة لا يؤكل بالعقر، خلافا لابن حبيب في النعم المتردي مطلقا وفي البقر الشارد، قال: لأن البقر لها

(1)

مسلم، كتاب الصيد والذبائح، رقم الحديث 1968، بدون لفظ:"عليكم".

ص: 16

أصل في التوحش ترجع إليه أي لشبهها ببقر الوحش، وألزمه اللخمي الإطلاق في الشارد بحثا مع أنه -أي اللخمي- لم يقل بذلك. قاله العلامة البناني. ولأبي زيد المكودي رحمه الله:

وأنت يا نفس شغلت بالهوى

حتى وقعت منه في قعر هوى

ويقال: ردى فلان في البئر: سقط كتردى ورداه غيره، وما تقدم من حمل المص على النعم هو تقرير له بحسب ظاهره، والصواب أن يحمل المص على الحيوان مطلقا وحشا كان أو نعما، ففي المواق عن ابن المواز وأصبغ: ما اضطره الجارح لحفرة لا خروج له منها أو انكسر رجله فكنعم. انتهى. وقال ابن عرفة: وما عجز عنه في مهواة جاز فيه ما أمكن من ذبح ونحر، فإن تعذرا فالمشهور أنه لا يحل بطعنه في غير محلها. انتهى. قاله الشيخ محمد بن الحسن البناني. وفي كتاب الشيخ الأمير: لا إنسيا توحش كالمتردي بحفرة ولو وحشيا لأنه ليس صيدا حينئذ، نعم ينحرما لا يمكن ذبحه. انتهى.

ولما أنهى الكلام على الصائد والصيد أتبعه بالكلام على الصيد به، فقال: بسلاح على -السلاح آلة الحرب، وتسلح لبس السلاح، والمراد بالسلاح هنا شيء مَّا يعني أنه لابد في إباحة الصيد من أن يكون جَرْحه بشيء محدد أي له حد حديدا أو غيره، ويندب الحديد كما يأتي، والمحدد بدال مهملة مفتوحة مشددة، فإن كان لشيء حد وعرض أكل إن علمت إصابته للصيد بحده، وفي مسلم أن عدي بن حاتم رضي الله عنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن العراض، فقال: (إن أصاب بحده فكل وإن أصابه برضه فلا تأكل فإنه وقيذ

(1)

). انتهى. والعراض عصاة في طرفها حديدة، وقيل: عود رقيق الطرفين غليظ الوسط، فإن لم يكن السلاح له حد فلا كالعصا والبندق إلا أن يدرك ذكاته وهو غير منفوذ القاتل، وعند الحنفية: يؤكل إن أدرك حيا وذكِّيَ ولو منفوذ جميع المقاتل، ولا خلاف بيننا وبينهم في أن ما مات به لا يؤكل. فالأقسام ثلاثة.

القرافي: ظاهر مذهبنا ومذهب الشافعي تحريم الرمي بالبندق وبكل ما شأنه أن لا يجرح، لنهيه عليه السلام عن الخذف، وقال: (إنه لا يصاد به الصيد ولا ينكأ به العدو وإنما يفقأ المعين

(1)

البخاري، كتاب البيوع، الحديث: 2054، ومسلم، كتاب الصيد، الحديث: 1929 ولفظه: إذا أصاب بحده فكل وإذا أصاب بعرضه فقتل فإنه وقيذ فلا تأكل.

ص: 17

ويكسر السن

(1)

) إلا أن يرمى به ما يباح به

(2)

قتله كالعدو والثعبان ونحو ذلك. انتهى. قاله الحطاب. وفي الجلاب: من رمى صيدا بحجر له حد فجرحه جاز أكله، ولو لم يجرحه ولكن رضه أو دقه لم يجز أكله إلا أن يذكيه. انتهى. قاله الحطاب.

والمراد بالبندق الذي لا يؤكل ما أصابه البندق المستعمل من الطين، وأما الصيد بالبندق من الرصاص فلم يوجد فيه نص للمتقدمين، واختلف فيه المتأخرون من الفاسيين لحدوث الرمي به بحدوث البارود، استخرجه حكيم كان يستعمل الكيمياء في وسط المائة الثامنة، وأفتى فيه بجواز الأكل الشيخ أبو عبد الله القوري والشيخ ابن غازي وسيدي علي بن هارون والشيخ المنجور والعارف بالله تعالى سيدي عبد الرحمن الفاسي، وهو الذي اختاره شيخ الشيوخ سيدي عبد القادر الفاسي لما فيه من الإنهار والإجهاز بسرعةٍ الذي شرعت الذكاة من أجله، بل الإنهار به أبلغ وأسهل من كل آلة يقع بها الجرح، والمراد بالجرح مطلق الجرح كان شقا أو خرقا، وقياسه على البندقة الطينية فاسد لوجود الفارق وهو وجود الخرق والنفوذ في الرصاص تحقيقا وعدم ذلك في البندقة الطينية؛ لأن شأنها المرض والكسر، وما كان هذا شأنه لا يستعمل لأنه من الوقذ المحرم بنص الكتاب، قاله العلامة بناني. وفي كتاب الشيخ الأمير: كرصاص على الأصح. وقال صاحب العمليات:

وما ببندق الرصاص صيدا

جواز أكله قد استفيدا

قال جامعه عفا الله عنه: والظاهر جواز تذكية الإنسي به ولاسيما عند الضرورة، كفقد آلة الذبح والنحر، لقوله صلى الله عليه وسلم: (ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل

(3)

). والله أعلم.

وقد تقدم تحريم الرمي بالبندق وكل ما شأنه أن لا يجرح. قاله الشيخ عبد الباقي. وهو ظاهر لأنه كاصطياد المأكول لا بنية الذكاة. انتهى. وقوله: "محدد" احترز به من غيره كالعصا والبندق

(1)

البخاري 5479 ومسلم 1954.

(2)

في الحطاب: يباح قتله ج 4 ص 10.

(3)

البخاري رقم الحديث 2488 ومسلم الأضاحي رقم الحديث 1968.

ص: 18

والشرك والشبكة، وقوله:"بسلاح"، يمكن رجوعه لأنواع الذكاة الثلاثة على سبيل تنازع المصادر الثلاثة. قاله الشيخ عبد الباقي. قال: ولا يبعده اختصاص الأخير بقوله: وحيوان علم، "الواو" بمعنى: أو كما في الخرشي؛ يعني أنه لابد في العقر من أن يكون بسلاح محدد كما مر، أو بحيوان معلم بالفعل ولو من نوع ما لا يقبل التعليم كأسد ونمس ونمر، ولو كان طبع المعلم الغدر كدب فإنه لا يمسك إلا لنفسه، والدب بضم الدال المهملة وتشديد الباء الوحدة: سبع معروف، جمعه أدباب ودببة كعنبة، والمعلم طيرا أو غيره هو الذي إذا أرسل أطاع وإذا زجر انزجر، إلا البازي فلا يشترط فيه الانزجار؛ لأنه لا ينزجر وعصيان العلم مرة لا يخرجه عن كونه معلما، كما لا يكون معلما بطوعه مرة، بل العرف في ذلك كاف والكلب الأسود وغيره في التعليم سواء، وقال من لا يعلم: إذا أصاب بكلب أسود لا يؤكل، ولعله لقوله صلى الله عليه وسلم: (الكلب الأسود شيطان

(1)

) وهذه سخافة، وإنما اشترط في الحيوان التعليم، لقوله تعالى:{وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ} .

ابن حبيب: والتكليب التعليم، وقيل التسليط، ولقوله صلى الله عليه وسلم:(إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل مما أمسك عليك)

(2)

وما مر من أن العلم هو الذي إذا أرسل أطاع وإذا زجر انزجر إلا البازي. قاله غير واحد. وقال الشيخ الأمير: علم بأن يطيع إذا أرسل، وفي شرط انزجاره قولان الأصح عدمه في الطير وغيره. انتهى. وفي الخرشي: واستقرأ اللخمي عدم اشتراط الانزجار من قولها: إذا غلبته الجوارح ولم يقدر على خلاصه حتى فات بنفسه أكل، ورد بأنه لم يقصد فيها بيان حكم التعليم إنما قصد بيان العذر المانع من التذكية. انتهى. ونفي التحديد في الطوع والانزجار هو الجاري على المذهب، وحده أبو حنيفة بمرتين. ابن بشير: إنما يقال كل ما يمكن من التعليم فهو شرط: والقصد انتقال الجارح عن طبعه حتى يصير للصائد كالآلة المستعملة؛ لأن الله تعالى إنما اشترط التعليم ولم يقم دليل على وجه خاص، وما كان كذلك إنما يميزه العرف. قاله الخرشي. وفيه عن ابن بشير: لا يعتبر شرط الانزجار في الطير اتفاقا

(1)

مسلم رقم الحديث 210.

(2)

مسلم رقم الحديث 1929.

ص: 19

والكلب المعروف مثله، وفي المدونة: والعلم من كلب أو باز هو الذي إذا زجر انزجر وإذا أرسل أطاع. انتهى.

واعترض بعض الأشياخ ما فيها بأن الطير لا ينزجر بإرسال صفة لحيوان؛ أي حيوان مرسل.

قاله الخرشي. وهو يقتضي صريحا أن المجرور متعلق بكون عام محذوف، وقال عبد الباقي: إن الباء بمعنى: مع أو سببية، وهو يفيد أنه متعلق بجرح من قوله:"وجرح مسلم"، ومعنى كلام المص أنه يشترط في أكل ما صاده الحيوان العلم أن يرسله الصائد، فلو انبعث من غير أن يرسله صاحبه أو غيره لم يؤكل ما قتله، لقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل مما أمسك عليك

(1)

) ويتعلق "بإرسال"، قوله: من يده. ويصح أن يكون صفة له، وعلى كل "فمن" لابتداء المكان. والله أعلم؛ يعني أنه يشترط في الإرسال المذكور أن يكون حاصلا من يد الصائد، فلو أرسله وليس بيده لم يؤكل ولو كان لا يذهب إلا بأمره، فالمراد باليد اليد حقيقة، ومثلها إرساله من حزامه أو من تحت قدمه، وليس المراد باليد القدرة عليه أو الملك فقط؛ ويد خادمه كيده، فإن كان المسمي الناوي هو الخادمَ فالمرسلُ هو، وإن كان السيد هو الناوي المسمي فلعل وجه إجزائه كونه مأمورا له وقريبا منه، والظاهر حينئذ عدم اشتراط إسلام الخادم؛ لأن الناوي المسمي هو السيد فالإرسال منه حكما، واعلم أن اشتراط الإرسال من اليد تعبد.

وتحصل مما مر أنه لو وجد مع جارحه صيدا لم يعلم به أو انبعث قبل رؤية ربه للصيد ولو أشلاه عليه أثناءه، وكان الصائد بقرب جارحه أو رآه ولم يرسله أو أرسله وليس بيده، لم يؤكل ولو كان لا يذهب إلا بأمره كما مر. قاله الشيخ عبد الباقي. وما مشى عليه المص هو قول مالك الذي رجع إليه، وكان يقول: يؤكل ولو أرسله من غير يده: وبه أخذ ابن القاسم، فإنه قال فيها: وبالأول أقول، واختار غير واحد كاللخمي ما اختاره ابن القاسم. قاله ابن ناجي. وكان حق المص أن يذكره لقوته. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وفي المدونة: ولو أثار صيدا فأشلى عليه كلبه وهو مطلق فانشلى وصاد من غير أن يرسله من يده، فإنه يؤكل ما صاده. قاله مالك؛ ثم

(1)

مسلم رقم الحديث 1929.

ص: 20

رجع فقال: لا يؤكل حتى يطلقه من يده مرسلا له مشليا. ابن القاسم: وبالأول أقول، وأما لو ابتدأ الكلب طلبه أو أفلت من يده عليه ثم أشلاه ربه بعد ذلك لم يؤكل؛ لأن الكلب خرج من غير إرسال صاحبه. قاله الحطاب.

بلا ظهور ترك؛ يعني أنه يشترط أيضا في جواز أكل الصيد إذا قتله الجارح أن يكون منبعثا من حين الإرسال إلى حين أخذ الصيد، فلو انبعث على الصيد ثم ظهر منه ترك لما أرسل عليه، فإن تشاغل بميتة أو بكلب آخر وقف معه ثم انبعث ثانيا حتى أخذه فإنه لا يؤكل، ولا فرق في ذلك بين أن يطول التشاغل أو يخف.

وفي الأمير: ولم يشتغل بغير ما أرسل له قبله كثيرا، وقال في المدونة: ومن أرسل كلبه أو بازه على صيد فطلبه ساعة ثم رجع عن الطلب ثم عاد فقتله، فإن كان كالطالب له يمينا وشمالا أو عطف وهو على طلبه فهو على إرساله الأول.

المشدالى: أخذ مثه ابن عرفة: لو أرسل كلبا عقورا لقتل إنسان وانبعث الكلب ثم رجع أنه إن رجع رجوعا بينا ثم ذهب فقتله لم يقتل به المرسل وإلا قتل، وقوله:"بلا ظهور ترك"، صفة لحيوان أي حيوان لم يظهر منه ترك.

ولو تعدد مصيده؛ يعني أن من أرسل جارحا على عدد من الصيد يراه كما قاله عبد الباقي عند قوله: "أو أخذ غير مرسل عليه": فقتل الجارح جماعة من الصيد، فإن الجميع يؤكل حيث نوى الصائد الجميع، فإن لم تكن له نية لم يؤكل شيء. وقال جد علي الأجهوري: يؤكل الجميع وأدخلها في تصوير المص، فلو نوى واحدا بعينه لم يأكل إلا إياه إن عرف وقتله أولا وعلم أنه الأول وإلا لم يؤكل، ولو نوى واحدا لا بعينه لم يأكل إلا الأول إن عرف أيضا، فالصور أربع: فلو شك في الأول لم يأكل شيئا، ولو صاد الجارح شيئا لم ينوه الصائد لم يؤكل، ولو في مسألة الغار والغيضة. ورد المص بلو على ابن المواز القائل: إن أخذ واحدا بعد واحد أكل الأول، وإن قتلهما في مرة واحدة أكلا وهذا الخلاف، إنما هو في الحيوان، وأما السلاح إذا أصاب متعددا فإن الجميع يؤكل بلا خلاف، قال الشيخ عبد الباقي: بشرط نية الجميع. أو أكل؛ يعني أن الحيوان العلم يؤكل ما قتل ولو أكل منه ولو لم يبق إلا القليل، أما الطير فلا خلاف فيه عندنا أنه لا

ص: 21

يشترط فيه عدم الأكل؛ لأنه لا بد له من الأكل، وأما الكلب فالمشهور أنه كذلك خلافا لما حكاه أبو تمام مستدلا بما في حديث عدي بن حاتم: (فإن أكل فلا تأكل فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه

(1)

) وحمله المشهور على الكراهة لما في أبي داوود عنه عليه الصلاة السلام: (فكل وإن أكل منه

(2)

) جمعا بين الدليلين، وقوى ابن المواز المشهور بأن حديث الأكل صحبه العمل، وقال به الصحابة علي وابن عمر وسعد بن أبي وقاص وغيرهم رضي الله عنهم وما صحبه العمل أولى. الباجي: وحمل شيوخنا حديث عدي على معنى ما أدركه الكلب ميتا من الجري أو الصدم فأكل منه، فإنه صار إلى صفة لا تعلق للإمساك بها. قاله الشارح.

أو لم ير بغار وغيضة؛ يعني أن الصائد إذا لم ير الصيد أي لم يعلم به لكونه مختفيا في غار أو غيضة، فأرسل عليه الجارح فقتله فإنه يؤكل، والغار الثقب في الجبل، والغيضة الشجر الملتف بعضه على بعض، فقول المص:"أو لم ير"، أي لم يعلم كما قررت، وقوله:"بغار أو غيضة"، حال فهو ظرف مستقر وهو في حيز المبالغة، وما قبل المبالغة علمه وأبصره أو أحدهما فقط، والمبالغ عليه انتفاؤهما، ويشترط أن لا يكون لهما منفذ آخر وإلا لم يؤكل ما كان بواحد منهما، لأنه من أفراد قوله:"أو قصد ما وجد": ورد بلو المقدرة قول سحنون في الذي يرسل كلبا في الجحر وهو لا يدري أفيه شيء أم لا؟ وينوي إن كان فيه شيء أرسله عليه فأصاب فيه صيدا فقتله أنه لا يحل أكله، وقوله في رجل أرسل كلبه في غيضة وهو لا يرى فيها شيئا ونيته إن كان فيها شيء صاد؛ فأصاب صيدا أنه لا يؤكل، ولابن القاسم قول بالفرق يؤكل ما في الغار ولا يؤكل ما في الغيضة، لاحتمال أن يدخل فيها بعد الإرسال وذلك مأمون في الغار. قاله الشارح.

وفي المدونة: من أرسل كلبه على صيد فأخذ غيره لم يؤكل، وإن أرسل على جماعة من وحش أو طير ونوى ما أخذ منها ولم يخص شيئا منها، أو على جماعتين ونوى ما أخذ منهما جميعا فليأكل ما أمسك عليه من ذلك كله مما قل عدده أو كثر وكذلك الرمي، وإن نوى واحدا من الجماعة فأخذ الكلب غيره منها لم يؤكل وكذلك الرمي، وإن أرسل على جماعة ينويها لم يؤكل

(1)

مسلم، كتاب الصيد والذبائح، رقم الحديث 1929

(2)

أبو داوود رقم الحديث 2825

ص: 22

ما أخذ من غيرها كان قد رآها أم لم يرها، وإن أرسله على جماعة لا يرى غيرها ونوى إن كان وراءها غيرها فهو مرسل عليه فليأكل ما أخذ من سواها، وكذلك إن أرسله على صيد لا يرى غيره ونوى ما صاد سواه، فليأكل ما صاده، وإن رميت صيدا عمدته فأصبت غيره أو أصبته فأنفذته وأصبت آخر لم تأكل إلا الذي اعتمدت، إلا أن تنوي ما أصاب سواه.

أبو الحسن: ولو نوى واحدا غير معين فأخذ الكلب واحدا أكله، فإن أخذ اثنين أكل الأول ولا يأكل الثاني، فإن شك في الأول منهما لم يأكل منهما شيئا. انتهى. قاله الحطاب. وقد مر شيء من هذا، وقوله:"بغار أو غيضة"، مثلهما غيرهما كما إذا كان وراء أكمة، والأكمة تل وقيل شرفة كالرابية، وهي ما اجتمع من الحجارة في مكان واحد وربما غلظ وربما لم يغلظ، والجمع أكم وأكمات مثل قصبة وقصب وقصبات، وجمع الأكم إكام مثل جبل وجبال، وجمع الإكام أكم بضمتين مثل كتاب وكتب، وجمع الأكم آكام مثل عنق وأعناق. انتهى. قاله الخرشي.

وفيه عن عيسى: وقد سئل عن الرجل يأتي الغار فيدخل كلبه فيه وهو لا يدري هل فيه شيء أم لا وهو ينوي ما فيه، هل يحل أكل ما قتله؟ أنه قال: سألت مالكا عن ذلك، فقال: ما قتله فهو حلال. انتهى.

أو لم يظن نوعه من المباح: يعني أن الصائد إذا أرسل السهم أو الجارح على صيد ولم يظن جنسه ولا تحققه من أي أنواع المباح يريد بعد قطعه أنه ليس بمحرم، فإنه يؤكل ما صاده، فقوله:"من المباح"، حال من الضمير في "نوعه"؛ أي حال كون المرئي نوعه من المباح، أو حال متعلق بمقدر أي حال كونه عالما أنه من المباح وهذا هو المشهور، وقيل بعدم الصحة، فصورة المسألة أنه تردد فيه، هل هو بقر وحش أو حمره -مثلا- وليس قوله:"من المباح"، مفعولا "ليظن" لإيهامه أن معناه لم يظنه مباحا، بل ظنه حراما أو شك فيه أو توهمه لفساد ذلك.

أو ظهر خلافه؛ يعني أن الحكم كذلك إذا ظن المرئي نوعا من المباح كظبي مثلا فإذا هو نوع غيره من أنواع المباح كأرنب مثلا فيؤكل ما صاده وهو قول أشهب، واختاره التونسي واللخمي وابن يونس وغيرهم من الأشياخ، وقال أصبغ: لا يصح، وسبب الخلاف أن الخطأ في الصفات اختلف فيه هل يسري إلى الخطإ في الموصوف أم لا؟ ولهذا ثلاثة أحوال: إن قصد عموم الذكاة في المظنون

ص: 23

وغيره أكل ما صاده بالاتفاق، وإن قصده بعينه دون غيره لم يؤكل الغير بالعقر اتفاقا، وإن قصد شيئا ولم يتعرض لغيره بنفي ولا إثبات فهو محل الخلاف. قاله الشارح.

لا إن ظنه حراما؛ يعني أن الصائد يحرم أكل مصيده إذا ظن المرسل عليه حراما، ومثله لو شكه أو توهمه حراما كخنزير مثلا فإذا هو حلال كظبي مثلا فإنه يحرم أكله، ولو رمى حجرا فإذا هو صيد فأنفذ مقاتله لم يؤكل، ولو ظنه سبعا فإذا هو حمار وحش مثلا فهو على ثلاثة أوجه فإن لم ينو ذكاته وإنما قصد قتله لم يؤكل وإن قصد ذكاته لجهل الحكم أو لأنه يعتقد أنه مكروه أكله، وإن نوى ذكاة جلده خاصة كان جلده ذكيا. ويختلف في لحمه فعلى القول بأن الذكاة تتبعض لم يؤكل اللحم، قاله فقهاء القرويين؛ إذ ليس فيه قصد ذكاة تامة. ابن يونس: وهو أبين، وعلى أنها لا تتبعض يكون جميعه ذكيا فيجوز أكله؛ لأنه قصد ذكاته، ومحال أن تعمل الذكاة في بعض دون بعض، قال ابن يونس: قاله بعض فقهائنا. قاله الحطاب. وقال عبد الباقي: وإن نوى بذكاته لحمه فقط طهر جلده، ولو على القول بأنها تتبعض كما استظهره بعض الشيوخ؛ لأنه تبع للحم.

أو أخذ غير مرسل عليه؛ يعني أن الصائد لا يؤكل ما صاده إذا أرسل جارحه على شيء فأخذ غيره تحقيقا أو شكا لاختلال النية، وتحرير هذا أن المسائل ثلاث: أخذ غير مرسل عليه ولم يقصده الصائد قصد ما وجد والمكان غير محصور كما يأتي لم يؤكل فيهما أرسله على معين لا يرى غيره ونوى ما صاده سواه مما لم يره يؤكل ما صاده، وظاهره ولو أتى به دون ما عينه وبه جزم بعضهم، وهذا غير قوله:"ولو تعدد مصيده"؛ لأن تلك قصد الجميع مع رؤيته أشار له الشيخ عبد الباقي، وفي قوله:"مرسل" تغليب؛ إذ السهم لا يقال له مرسل بل مرمي. قاله الشيخ عبد الباقي. فالمص شامل للجارح وللسهم.

أو لم يتحقق المبيح في شركة غيره؛ يعني أن المذكي صائدا أو غيره لا يؤكل مذكاه إذا لم يتحقق المبيح لأكله، بسبب كون المبيح اشترك معه ما أعان على قتل المذكى من أحد الأمور التي يذكرها أو غيرها؛ لأن الأمر دار بين التحليل والتحريم، والقاعدة أنه يغلب في ذلك جانب الحرمة، قال الشارح: وذلك معلوم لأصحابنا في غير مسألة، ففي في قوله:"في شركة"، سببية أي بسبب

ص: 24

شركة غيره كما في الحديث: (دخلت امرأة النار في هرة ربطتها فلا هي أطعمتها ولا هي أطلقتها تأكل من خشاش الأرض

(1)

) والضمير المجرور "بغير" عائد على "المبيح" جارحا كان أو غيره، كماء مثال لما إذا لم يتحقق المبيح بسبب شركة غيره؛ يعني أن الصيد إذا جرحه الجارح ثم وقع في الماء، ولم يعلم هل موته بسب الجرح أو الماء؛ لا يؤكل إلا إذا انفذت المقاتل، ثم شارك المبيح غيره فإنه لا يضر.

وفي سماع أشهب: وسئل عمن ذبح ذبيحة فخرت في الماء فماتت؟ فقال: لا يأكلها إلا إذا كان قد تم ذبحها، فقيل: إنه يخاف أن يكون قتلها الغمر في الماء؟ قال: إن كان قد تم ذبحه فلا بأس بها قال ابن رشد: هذا نص ما في المدونة: إذا أكمل ذبحها قبل أن تسقط في الماء فأكلها جائز وهذا مما لا اختلاف فيه، بخلاف إذا ذبحها في جوف الماء. قاله الحطاب.

وقال الخرشي وغيره: ولو وقعت بهيمة في ماء فذبحت بموضع ذبحها ورأسها في الماء فإنها تؤكل، ولو مع إمكان رفع رأسها، لكن يكره فعل ذلك لغير ضرورة سواء كانت تعيش في الماء أم لا. انتهى. وفي الخرشي: فقول السنهوري في شرحه: "أو لم يتحقق المذكي صائدا أو غيره": المبيح إلى آخره غير ظاهر؛ لأنه خلاف النص في هذا. انتهى. وفي الأمير: ومع الإنفاذ لا يضر المشارك فيؤكل ما ذبح في الماء ولو لم يرفع رأسه، إلا أن يظن موته بالماء. انتهى.

أو ضرب بمسموم، من أمثلة ما إذا لم يتحقق المبيح بشركة غيره أيضا؛ يعني أن الصيد إذا أصيب بسلاح مسموم فإنه لا يؤكل؛ لأنه لا يعلم هل مات من السم أو الجرح، وهذا حيث لم ينفذ السلاح مقاتله، فإن تحقق إنفاذ مقتله قبل أن يسري السم فيه أكل مع الكراهة أو الحرمة لخوف أذى السم، فإن أدركت ذكاته ولم ينفذ السهم مقتله أكل بالذكاة لأنه ذكي وحياته مجتمعة. قاله الشيخ عبد الباقي. ولو ذبحت الديكة عند تبليعها العجين، وتحقق أن العجين لم ينفذ شيئا من مقاتلها فإنها تؤكل والتوقف في ذلك غير ظاهر.

أو كلب مجوسي؛ هذا من أمثلة ذلك أيضا؛ يعني أن الصيد لا يوكل إذا اشترك في قتله كلب أرسله مسلم وكلب أرسله مجوسي ولو لمسلم ومثله غيره من الكفار، ولو أرسل المسلم كلب

(1)

البخاري رقم الحديث 3318.

ص: 25

المجوسي ولم يشاركه غيره لأكل كمن ذبح بسكين المجوسي أو رمى بسهمه، ومثل الكلاب السهام، وشمل كلامه ما لو اشترك كلب المجوسي مع كلب المسلم في قتله أو أمسكه أحدهما وقتله الآخر، ولو تحقق أن كلب المسلم هو الذي قتل، ومثل كلب المجوسي كلب المسلم الذي لا يدرى هل أرسله صاحبه أم لا؟ وكذا لو علم أنه أرسله ولم يدر هل نوى وسمى أم لا؟ وفي الحديث: (وإن خالطها كلاب من غيرها فلا تأكل فإنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره

(1)

)، ولو أرسل مسلم ومجوسي كلبا واحدا أمسكاه معا وأرسلاه معا، وسعى المسلم ونوى لم يؤكل ما قتله، ولو أرسا، سهمين وتحقق أن سهم المسلم هو الذي قتله دون سهم المجوسي، مثل أن يوجد سهم المسلم في مقتله وسهم المجوسي في بعض أطرافه لحل أكله ويقسم بينهما، ولو أخذاه حيا حكم للمسلم بذبحه وأخذ نصفه، فإن قال المجوسي: أنا لا آكل ذبيحة المسلم باعاه واقتسما ثمنه؛ وإن كان بموضع لا ثمن له مكن المسلم من ذبحه إن شاء، لخبر:(الإسلام يعلو ولا يعلى)

(2)

عليه، ولو أرسل مسلمان كلبيهما فاشترك الكلبان كانا شريكين، فلو أنفذ أحد الكلبين مقاتله ثم جاء الآخر فهو للذي أنفذ مقاتله، ولو مات الصيد في أفواه الكلاب من غير بضع أي قطع لم يؤكل؛ لأنه يشبه ما ذبح بسكين كالَّة فيموت في الذبح قبل أن يفرى الودجان.

أو بنهشه ما قدر على خلاصه؛ من أمثلة ما إذا لم يتحقق المبيح أيضا؛ يعني أن الصائد لا يؤكل ما ذكاه إذا لم يتحقق المبيح بسبب نهش الجارح للصيد وهو قادر على تخليص الصيد من الجارح ولم يتحقق أنه ذكاه وهو متحقق الحياة، لخوف أن يكون مات من نهش الكلاب، وأما لو لم يقدر على خلاصه منها وقدر أن يذكيه تحتها فليفعل، فإن لم يذكه فلا يأكله، ومن رمى صيدا في الجو فسقط أو رماه في الجبل فتردى منه فأدركه ميتا لم يؤكل؛ إذ لعله من السقطة مات، إلا أن يكون أنفذ مقتله بالرمية فيؤكل حينئذ، فإن قيل يحتمل هذا الإنفاذ أن يكون بالسقوط على السهم أجيب بسبقية الرمية والآخر مشكوك فيه، فوجب الاستناد إلى المحقق. قاله الحطاب. أو أغرى في الوسط؛ يعني أن الصيد لا يؤكل إذا انبعث عليه الجارح من غير أن يرسله الصائد ثم

(1)

البخاري رقم الحديث 5486 و 5483 ومسلم رقم الحديث 1929.

(2)

البخارى، كتاب الجنائز، باب إذا أسلم الصبي.

ص: 26

أغراه بعد ذلك، لقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل

(1)

)، فمعنى الوسط هنا أثناء الانبعاث، وليس هذا من أمثلة الشركة بل هو فعل ماض عطف على ظنه حراما، وقوله:"في الوسط"؛ أي الأثناء وهو ما قابل الإرسال من يده ولو بالقرب منه لا حقيقة الوسط فقط، وقوله:"أغرى"؛ أي قواه وحرضه على أخذ الصيد، وفي الخرشي "أن أو أغرى في الوسط" مستغنى عنه بقوله:"بإرسال من يده".

أو تراخى في اتباعه؛ يعني أن الصائد لا يؤكل مصيده إذا تراخى في اتباع الحيوان الجارح أو السهم بعد إرسال كل ثم وجده مقتولا، لاحتمال أنه لَوْ جَدَّ لأدرك ذكاته فيجب اتباعه والإسراع في طلبه؛ لأنه مع القدرة على ذكاته أشبه الإنسي الذي لا يؤكل بالعقر، إلا أن يتحقق أنه لا يلحقه؛ يعني أن محل عدم الأكل عند التراخي في الاتباع ما لم يتحقق الصائد حين الإرسال أنه لا يدرك الصيد -ولو جد- حتى يفوت فإنه يؤكل حينئذ، وكذا لو تحقق أنه يلحقه وتراخى ثم تبين أنه لو جد في اتباعه لا يلحقه فيؤكل، فالمعتبر تبين أنه لا يلحقه، وحكى ابن القصار جواز الأكل مع عدم الاتباع وإن وجده ميتا، وهذا يوذن بأن الاتباع من باب الأولى، والفاعل المستتر في "تراخى"، يعود على الصائد، والضمير في "أنه" عائد عليه، والضمير في "اتباعه" وفي "يلحقه" -أعني الهاء- عائد على الصيد. قاله الشارح.

أو حمل الآلة مع غير؛ يعني أن الصيد لا يؤكل إذا فرط الصائد في ذكاته حتى فات بأن وضع آلة الذبح في مكان يحتاج في تناولها منه إلى طول، كما إذا كانت مع غيره وهو يعلم أنه يسبق ذلك الغير ويقدر على حملها على غير هذا الوجه، وإنما لم يؤكل لتفريطه؛ لأنه يلزمه أن يجعل آلة الذبح في يده أو جرابه وما أشبه ذلك مما لا يستدعي طولا في تناولها.

أو بخرج؛ يعني أن الصائد إذا وضع الآلة بخرج معه أو مع غيره بحيث لا يتناولها بسرعة فمات الصيد قبل تناولها لكونه يستدعي طولا، فإنه لا يؤكل، وقوله:"أو حمل الآلة مع غير أو بخرج"، قد علمت أن محل هذا حيث لو كانت في غير ما ذكر مما يتيسر وضعها فيه ولا يتعسر تناولها منه لأدرك ذكاته، وأما لو تحقق أنه لو كانت معه بحيث يتيسر تناولها لم يدرك ذكاته

(1)

مسلم رقم الحديث 1929.

ص: 27

فإنه يؤكل في المسألتين، والخرج بالضم: وعاء معروف، وينبغي أن يقيد عدم الأكل فيما إذا حمل الآلة مع غير بما إذا لم يكن الصائد يجهل حكم التذكية والغير يعلمها فيصير الصائد حينئذ كالعدم؛ والعبرة بمن معه الآلة، فيشترط فيه كل ما قيل في الصائد من التراخي وعدمه. قاله الخرشي.

أو بات؛ يعني أن الصيد لا يؤكل إذا بات عن صائده ثم وجده من الغد وفيه أثر كلبه أو بازه أو

سهمه، ولو وجد السهم في مقاتله وقد أنفذها. قال مالك: وتلك السنة وهذا هو المشهور، ورواه

ابن القاسم عن مالك، وقال أصبغ وابن عبد الحكم: يؤكل كان الصيد به سهما أو جارحا: وقال محمد: إن كان سهما ووجد في مقاتله أكل وإلا فلا، وقال ابن الماجشون: إن وجده من الغد منفوذ القاتل أكله في السهم والجارح، وإن لم يجده منفوذ القاتل لم يأكله، وحجة المشهور قول ابن عباس رضي الله عنهما: (كل ما أصميت ودع ما أنميت

(1)

)، والإصماء ما حضر موته والإنماء ما غاب عنه موته، وما ذكره أبو داوود في مراسيله قال:(جاء رجل بصيد إلى رسول الله صلى اللّى عليه وسلم، فقال: إني رميته من الليل فأعياني ووجدت سهمي فيه من الغد وعرفت سهمي، فقال: الليل خلق من خلق الله عظيم لعله أعانك عليه شيء أنفذها عنك)

(2)

وقد ورد قريب من ذلك في بعض طرق حديث عدي.

وفي المدونة: ولو لم يبت إلا أنه توارى عنه الجارح والصيد ورجع الرجل إلى بيته ثم عاد فأصابه لم يأكله؛ إذ لعله لو كان في الطلب ولم يفرط أدرك ذكاته قبل فوات نفسه أو قبل إنفاذ مقاتله ففرط حين رجع. قاله الشارح. أحمد بن عبد الله تاج الدين بهرام الدميري. ووال أصبغ محتجا للأكل وقد أمن عليه مما يخاف الفقهاء أن يكون موته بغير سبب السهم، قال: ولم نجد لرواية ابن القاسم هذه عن مالك ذكرا في كتاب السماع، ولا رواها عنه أحد من أصحابه، ولم نشك أن ابن القاسم وهم فيها، وكان على المص أن يشير لهذا القول لقوته بقول ابن يونس: هو الصواب ولقول ابن رشد: هو أظهر الأقوال. انظر حاشية الشيخ بناني.

(1)

البيهقي ج 9 ص 241.

(2)

المراسيل لأبى داود، رقم الحديث 404 ولفظه: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم بصيد فقال إنى رميته بالليل فأعياني ووجدت سهم فيه من الغد وقد عرفت سهم فقال الليل خلق من خلق الله عظيم لعله أعانك عليها بشيء أبعدها عنك.

ص: 28

وقال عبد الباقي ما معناه أن قوله: "أو بات" ليس بقيد، بل المراد أنه خفي عنه ليلة أو بعضها. انتهى. وفي الخرشي: ولا مفهوم لقوله: "بات"، بل المراد أن يحجز بينه وبينه حصة من الليل، وفيه أيضا: والمراد بالبيات المدة الطويلة التي بحيث يعلم أنه لو عدا عليه شيء لأثر فيه، وفيه وفي غيره أيضا ما يفيد أنه لو رماه وغاب عنه يوما كاملا ووجده ميتا أنه يؤكل حيث لم يتراخ في اتباعه، فشرط أن لا يتراخى في اتباعه كما يدل عليه ما تقدم. انتهى. ووجه ذلك أن الهوام تظهر في الليل، فيجوز أن يكون قد أعان على قتله شيء منها بخلاف النهار. نقله الخرشي عن الفاكهاني. ونحوه للشبراخيتي. وقوله:"أو بات"، قال الخرشي: لو رأى الصائد إنفاذ السهم أو البازي مقتله قبل بياته فإنه يؤكل اتفاقا.

أو صدم؛ يعني أن الصيد لا يؤكل إذا صدمه الكلب أي لطمه فمات من صدمته، أو مات من صدمة غير الكلب من الجوارح ولم يحصل في الصيد جرح أي إدماء، وأما إن حصل من صدمته إدماء فإنه يؤكل.

وبما قررت علم أن معنى الصدم تلاطم الأجسام بقوة. والله سبحانه أعلم. ومن الصدم النطح، وفي الشبراخيتي: ونطحه كصدمه. انتهى. أو عض؛ يعني أن الصيد لا يؤكل إذا مات من عض الجارح ولم يحصل فيه جرح أي إدماء وإلا أكل. فقوله: بلا جرح راجع للمسألتين، فلو قال: كإن صدم أو عض بلا جرح لجرى على قاعدته الأكثرية من رجوع القيد لا بعد الكاف، وما مشى عليه المص في هاتين المسألتين هو المشهور، ومقابله لأشهب وابن وهب لقوله تعالى:{فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} ، ولا خلاف في أنه يؤكل في المسألتين إذا حصل جرح، والمعتبر جرح الصيد به، ولا يكفي شق الجلد من غير إدماء إلا في المريض. قاله عبد الباقي. وقد مر أنه إذا شق الجلد سال الدم إلا في المريض، وبذلك صرح عبد الباقي هنا. والله سبحانه أعلم.

وعلم من كلام المص هذا أنه لو مات الصيد في أفواه الكلاب من غير بضع أي شق لم يؤكل، وذلك يشبه ما ذبح بسكين كالَّة فيموت في الذبح قبل فري الودجين وقد مر هذا، وقد علمت أن المعتبر جرح الصيد به، فلو جرح من جريه مثلا أو من خشبة أو نحو ذلك لكان كالوقيذ.

ص: 29

أو قصد ما وجد؛ يعني أن الصيد لا يؤكل فيما إذا أرسل الصائد سهمه أو جارحه عليه وهو غير مرئي والمكان غير محصور، وقصد الصائد ما وجد أي ما صادفه السهم أو الجارح، ولو كان المكان محصورا أكل بدليل قوله فيما مر:"أو لم ير بغار أو غيضة"، وأشار المص بقوله:"أو قصد ما وجد"، لقول ابن عبد السلام: وأما الإرسال على غير معين ولا محصور كإرساله على صيد يقوم بين يديه فلا خلاف في المذهب أن ذلك لا يجوز. انتهى. وممن صرح بنفي الخلاف فيه الباجي والمازري وابن شاس.

والحاصل أنه إذا أرسل على صيد لم يره لا يؤكل إلا إذا كان المكان محصورا أو كان تبعا لمعين نواه، فالأقسام ثلاثة، وقال الخرشي عن ابن غازي: قاعدة الصيد إن كان معينا أي مرئيا أي معلوما؛ أي ولو بغير الرؤية كان يسمع صوته ونحو ذلك أكِلَ كان المكان محصورا أم لا، فإن لم يكن معينا أي معلوما وكان المكان محصورا كالغار والغيضة: فثالثها

(1)

الفرق بينهما وإن لم يعين أي لم يعلم ولا انحصر

(2)

المكان لم يؤكل باتفاق، يريد وتبع المعين كالمعين أي إذا نواه. انتهى. ثم قال: وظاهر كلامهم أن تبع المحصور أي الذي لم يعلم ليس كالمحصور. انتهى.

أو أرسل ثانيا بعد مسك أول وقتل؛ يعني أن الصيد لا يؤكل فيما إذا أرسل عليه الصائد جارحا فأمسكه ثم بعد إمساك الجارح له أرسل عليه جارحا ثانيا فقتله الثاني أو قتلاه جميعا، وهاتان صورتان، وقوله:"وقتل"، عطف على "أرسل"، وضميره عائد على الثاني، ويصح أن تكون الواو للحال وصاحبها قوله:"ثانيا"، ويلزم عليه تنكير صاحب الحال. قاله الشبراخيتي. وقوله: ويصح أن تكون الواو للحال، لعله يريد الحال المقدرة والله سبحانه أعلم. ومفهوم قوله:"وقتل"؛ أي الثاني أنه لو كان القاتل هو الأول فلا إشكال في الإباحة. والله أعلم. ومفهوم قوله: "بعد مسك أول"، أنه لو أرسل ثانيا قبل مسك أول فأمسك الأول قبل وصول الثاني وقتل الثاني فإنه يؤكل.

(1)

في الأصل ثالثها والمثبت من شفاء الغليل، لابن غازي، ج 1 ص 365.

(2)

في الأصل احصر والمثبت من شفاء الغليل، لابن غازي، ج 1 ص 365.

ص: 30

والحاصل أنه إذا أمسك الأول وقتل ولو بعد مجيء الثاني فإنه لا إشكال في جواز الأكل، وكذا إذا أرسل الثاني قبل مسك الأول وقتله الثاني قبل مسك الأول أو قتلاه معا؛ إذ العبرة بحال الإمساك، وأما إن أرسل الثاني بعد مسك الأول وقتله الثاني أو قتلاه معا فإنه لا يؤكل. قاله الشيخ الخرشي وغيره.

اللخمي: قتل جارحي مرسل واحد أرسلهما معا كقتل جارح واحد، ولو قتله أحدهما بعد إمساك الآخر، ولو قتله الثاني بإرساله بعد إمساك الأول طرح وقبله تقدم، والرسِلان على التعاون والشركة كواحد، وعلى استقلال كل عن الآخر إن استقل جارح بقتله فلربه ولو تأخر إرساله، وإن استويا في إدراكه وقُتِلَ فبينهما، وإن حبسه أحدهما وقتله الآخر طرح وضمنه رب القاتل إن كان هو المرسل الثاني.

المازري: إن جهل الثاني إرسال الأول وكان قبل إمساكه لم يضمنه لأنه جبار، وظاهر قول اللخمي يضمنه، فجعل الأول كمستحق له بسبق إرساله. انتهى. قاله الخرشي.

أو اضطرب فأرسل ولم ير؛ يعني أنه إذا اضطرب الجارح أي تحرك فأرسله ربه، والحال أنه لم ير شيئا فإنه لا يؤكل ما أخذه من الصيد إذا فات أو أنفذ مقتله؛ لأنه قد يضطرب على صيد ويأخذ غيره. قاله مالك. ولمالك قول بجواز الأكل وهما على أن الغالب كالمحقق أو لا، قال في العتبية بعد قوله: لا أحب له أكله: لعله يضطرب على صيد ويأخذ غيره إلا أن يتيقن أنه إنما اضطرب على الذي أخذ، مثل أن يراه غيره ولا يراه هو قال في البيان: هذا -أي عدم الأكل- إذا نوى ما اضطرب عليه خاصة، وأما لو نواه وغيره فإنه يؤكل على معنى ما في المدونة في الذي يرسل كلبه على جماعة من الصيد وينوي إن كان وراءها جماعة أخرى لم يرها فيأخذ ما لم ير أنه يأكله فيكون ما في العتبية موافقا للمدونة، قال: ومن الناس من حمل هذه الرواية على الخلاف لما في المدونة، مثل قول أشهب: لا يصح أن ينوي في إرساله ما لم يره، وإلى هذا أشار المصنف بقوله: إلا أن ينوي المضطرب وغيره فتأويلان؛ يعني أنه قد تقدم أنه إذا اضطرب الجارح فأرسله ربه والحال أنه لم ير شيئا فإنه لا يؤكل ما أخذه الجارح حينئذ، وهو ما في العتبية، وظاهره نوى المضطرب عليه وغيره أو لم ينو إلا المضطرب عليه، أما إذا لم ينو إلا

ص: 31

المضطرب عليه فعدم الأكل ظاهر، وإن نوى المضطرب عليه وغيره فابن رشد يقول بجواز الأكل عند العتبية حملا لها على التقييد بما إذا لم ينو إلا المضطرب عليه، فيوافق ما في العتبية ما في المدونة، ومن الناس من حمل العتبية على ظاهرها فتخالف ما في المدونة فلا يؤكل عندها مطلقا، نوى الصائد المضطرب عليه وغيره أو نوى المضطرب عليه فقط، فالتأويلان ليسا على اصطلاح المصنف لأنهما ليسا على المدونة، وإنما هما على قول العتبية: لا أحب أكله، هل هو على إطلاقه فيكون خلافا لها، أو مقيد فيكون وفاقا لها؛ فالقولان والتأويلان ليسا متواردين على محل واحد، بل التأويلان في كلام العتبية: هل هو على إطلاقه فيكون موافقا للقول بعدم الجواز الذي هو أحد القولين في أصل المسألة، أو يقيد بما تقدم فيكون موافقا لما في المدونة؟ قاله الشيخ محمد بن الحسن بناني.

وفي الخرشي عن بعضهم: وظاهر كلام المؤلف أن التأويلين في جواز الأكل وعدمه وليس كذلك، فإن المدونة مصرحة بجواز الأكل، وإنما هما في رواية العتبية عن مالك بعدم جواز أكله، هل هي وفاق لما في المدونة أو خلاف؟ فكان ينبغي له أن يقول: إلا أن ينوي المضطرب وغيره فيؤكل، ورُوِيَّ عدم أكله، وهل خلاف أو وفاق؟ تأويلان. انتهى. وأحسن منه ما للشيخ محمد بن الحسن. والله أعلم. قوله:"المضطرب"، أصله المضطرب عليه فحُذِفَ الجارُّ توسعا فانفصل الضمير واستتر على ما فيه، نظير زيد ممرور أي به، وقيل إنه من باب الحذف للنائب؛ لأن الأول مقصور على السماع إجماعا ومع ذلك لا يدخل العُمَدَ وإنما يكون في الفضلات، على أن حذف النائب لا يجوز.

ووجب نيتها؛ يعني أن الذكاة تجب فيها النية إجماعا أي قصدها، وإن لم يلاحظ حلية الأكل لعدم اشتراط ذلك، وعبارة الأمير: ووجب نيتها؛ أي قصد التذكية، وتكفي الحكمية ولا يشترط أن ينوي أنه يحللها بذلك، خلافا لما في الخرشي، والمحترز عنه أن ينوي مطلق ضرب أو قتل فيصادف الذكاة، ولا بد من النية ولو من كافر، والذي يشترط فيه الإسلام نية التقرب كالهدايا والضحايا، فمن ثم إن ذبحها كافر كانت ذبيحة أكل فقط، ولا يعول على ما لعلي الأجهوري ومن تبعه. انتهى؛ يعني ماله من عدم اشتراط النية في الكتابي كما في حاشية الأمير، وقوله:

ص: 32

وتكفي الحكمية، معناه أنه إذا قصد قطع الحلقوم والودجين ذاهلا عن التحليل كان ذلك كافيا؛ لأنه قصد الذكاة الشرعية فهو ناو للتحليل حكما، وقوله:"نيتها"؛ أي الذكاة بأنواعها الأربعة: ذبح ونحر وعقر وما يموت به نحو الجراد، وقوله:"ووجب نيتها"؛ أي وجوبا مطلقا أي غير مقيد بذكر ولا قدرة، فلو تركت عمدا تهاونا أم لا أو جهلا بالحكم أو نسيانا أو تأويلا أو رمى سهما غير قاصد صيدا فأصاب صيدا أو ضرب بقرة بسيف أو سكين لا يريد الذكاة فوافق المذبح لم يؤكل، وكذا لو رمى حجرا فإذا هو صيد فأنفذ مقاتله لم يؤكل لفقد النية كما مر. وفي حاشية الشيخ الأمير أن المسلم إذا شك في التحليل ارتد، وإن نفاه عمدا عن قصده فمتلاعب، وكلاهما لا تؤكل ذبيحته. انتهى.

وتسمية؛ يعني أن التسمية تجب في أنواع الذكاة الأربعة: الذبح والنحر والعقر وما يموت به نحو الجراد، فتجب عند التذكية في الذبح والنحر، وعند الإرسال في العقر. الباجي: لو سمى حين الرمي ثم قدر عليه سمى لذكاته أيضا، ولم أر فيه نصا. انتهى. قاله الشيخ عبد الباقي. إن ذكر، قيد في التسمية لما في النية كما عرفت؛ يعني أن التسمية إنما تجب مع المذكر فلا تجب على ناس، فلو تركت نسيانا لم يؤثر ذلك في حلية الأكل، وكذا يشترط في وجوبها أيضا القدرة على النطق بها، فعلم من هذا أنها يسقط وجوبها مع العجز والنسيان، فلا تجب على ناس ولا على مكره ولا أخرس ولا قادر عليها بغير العرببة فيما يظهر قاله الشيخ عبد الباقي.

ومحل اشتراط التسمية إن كان المذكي مسلما، وإلا لم تشترط بإجماع، وأما النية فلابد منها في الكتابي كالمسلم؛ لأن الواجب نية التمييز لا نية التقرب، ومعنى نية التمييز أن ينوي بهذا الفعل تذكيتها لا قتلها وهذا متأت من الكتابي، وأما نية القربة فلا تكون من الكتابي لفقد شرطها الذي هو الإيمان، والمراد بالتسمية ذكر الله خلاف ما كان عليه الجاهلية يسمون غير الله، وليس المراد بها خصوص بسم الله، فلو قال: بسم الله فقط أو الله أكبر فقط أو لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم أو لا إله إلا الله أو سبحان الله من غير تسمية أجزأه، ولكن ما مضى عليه الناس أحسن، وهو بسم الله والله أكبر، ولو قال: بسم الله فقط أجزأه، أما ذكر الرحمن فلا يليق بحال القتل،

ص: 33

فلذلك لم ينقل ولم يفعل ولو فعل أجزأ، وعبارة الأمير: ووجب نيتها، وذكر الله إن ذكر وقدر. انتهى.

وذهب الإمام الشافعي إلى أن ما ذبحه مسلم ولم يسم عليه عمدا أو نسيانا حلال، وعن مالك أنها تؤكل إن تركت عمدا، وفي شرح الإمام الحطاب: أن من ترك التسمية متهاونا لا تؤكل ذبيحته باتفاق: وإن تركها متعمدا أو جاهلا لم تؤكل على المشهور، وقوله:"وتسمية إن ذكر"، هذه المسألة لها نظائر سبعة: إزالة النجاسة، والنضح، والوالاة في الوضوء والغسل، وترتيب قضاء الصلاة، وكفارة قضاء الصوم في رمضان، وطواف القدوم، وقضاء التطوع من صلاة وصوم واعتكاف، بمعنى أنه إن قطع التطوع من ذلك عمدا لزمه القضاء وإلا فلا.

واعلم أن التكبير مع التسمية سنة الذبيحة، ومن أمر عبده بالذبح وأمره بالتسمية مرتين أو ثلاثا، فقال العبد: قد سميت ولم يسمعه السيد جاز أن يصدقه ويأكل ما ذبحه، إلا أن يتركه تنزها، وإن ذبح الهدي وذكر اسم الله وكبر ودعا بأن يتقبل الله منه فحسن، وإن اقتصر على التسمية حصلت الذكاة. وفي العارضة: التكبير مخصوص بالهدايا، لقوله تعالى:{لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} ، وصفة التسمية أن تقول: بسم الله أو باسمك اللهم والأول أفضل. انتهى. ومن استأجر رجلا يذبح له ويسمعه التسمية فذبح ولم يسمعه، وقال: قد سميت، فقيل: لا شيء له من الأجرة ولا يغرم الذبيحة، وقيل: يغرمه الذبيحة، وقيل: له الأجرة ولا ضمان عليه؛ لأنه لا يظن بمسلم تركها عمدا فهو صادق أو ناس، والقول الأول لبعض شيوخ عبد الحق، والثاني لبعض شيوخه أيضا، والثالث لأبي عمران، وقال القرافي متمما كلام عبد الحق: إلا أن تكون الشاة للبيع فينقصها ذلك من جهة تورع الناش فله ما نقص، وقال ابن عبد السلام بعد حكاية الأقوال: والأقرب عندي أنه لا يستحق الأجر كاملا. انتهى. قاله الحطاب.

وفي الخرشي: من ترك التسمية عامدا ابتداء ثم قبل أن يقطع تمام الحلقوم والودجين وبعد قطع البعض سمى فينبغي الإجزاء، ولو كان الترك ابتداء نسيانا ثم ذكرها بعد ما قطع بعض الحلقوم والودجين فإنه يأتي بها وجوبا، فإن تركها بعد المذكر عامدا كان كالتارك لها ابتداء عمدا، ولو

ص: 34

دخل رجل سارق فذبح الشاة ووجدها ربها مذبوحة، فإن كان في البلد المجوس مع المسلمين وأهل الكتاب لم تؤكل مخافة أن يكون الذابح المجوس.

ابن رشد: وليس تركها بلازم، وإنما ذلك ورع، ولو قال المؤلف: كتسمية إن ذكر لجرى على عادته من رجوع الشرط لما بعد الكاف، وكره ابن القاسم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عند الذبح والعطاس، قال في الواضحة: فلا يقول: بسم الله والله أكبر محمد رسول الله، ولما في العطاس: الحمد لله محمد رسول الله، ويزاد على الوضعين عند الجماع والعثرة والتعجب، وعند إشهار السلع للبيع وقضاء الحاجة والحمام والأكل ومواضع الأقذار، وزاد بعضهم: آخر المكتوب، ولعل مراده كتبها في آخره فقط، وأما فيه وفي أوله فلا كراهة، وليس منها فعلها في التشهد الأول، وقد توهمه بعضهم لكنه ضعيف، والمعتمد أنه ليس منها. انتهى. كلام الخرشي بزيادة من كلام الشبراخيتي قليلة.

وفي البيان: وليست التسمية بشرط في صحة الذكاة؛ لأن معنى قول الله عز وجل: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} ؛ أي لا تأكلوا الميتة التي لم يقصد إلى ذكاتها لأنها فسق، ومعنى قوله تعالى:{فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} ؛ أي كلوا مما قصد إلى ذكاته، فكنى عز وجل عن التذكية بذكره، كما كنى عن رمي الجمار بذكره حيث يقول تعالى:{وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ} . نقله الشيخ محمد بن الحسن.

ونحر إبل؛ يعني أن الإبل يجب نحرها عند الاختيار، فلو ذبحت من غير ضرورة ولو نسيانا لم تؤكل، وقد اختلف في ذلك، ولا خلاف أن المطلوب في الإبل النحر، ويجب نحر الفيل لأن ذبحه لا يمكن للتصاق رأسه ببدنه ولغلظ موضع الذبح منه وله منحر، فوجب أن تكون ذكاته النحر وهذا هو الأصح، خلافا لما نقله الشيخ زروق عن الباجي من جواز الأمرين فيه، ويجب نحر الزرافة كما لأبي الحسن، عبد الوهاب وهو مذهب الشافعي، خلافا لقول بعض شيوخ أحمد الزرقاني: تذبح.

وذبح غيره؛ يعني أن ما سوى الإبل يجب ذبحه من غنم وطير ولو نعامة، فإن نحر شيء من ذلك اختيارا ولو ساهيا لم يؤكل وفي الرسالة: والغنم تذبح فإن نحرت لم تؤكل، وقد اختلف في

ص: 35

ذلك. إن قدر؛ يعني أن النحر فيما ينحر والذبح فيما يذبح محل وجوبهما إنما هو مع القدرة، وأما مع الضرورة فيجوز الأمران؛ أي يجوز الذبح فيما ينحر والنحر فيما يذبح، وإلى هذا أشار بقوله: وجاز بالإفراد؛ أي ما ذكر من نحر وذبح، وفي نسخة بألف التثنية أي الذبح والنحر، وكلاهما صحيحة: أما الثانية فظاهرة وكذا الأولى باعتبار ما ذكر. لأجل الضرورة؛ أي يجوز نحر ما يذبح وذبح ما ينحر لأجل الضرورة، وإذا نحر ما يذبح فليكن النحر في اللبة لما في غيرها، والضرورة كوقوع في مهواة وعدم آلة ذبح أو نحر أو جهل صفة لا نسيانها. قاله الشيخ عبد الباقي. وقوله: أو جهل صفة الخ، قال الشيخ محمد بن الحسن: فيه نظر، بل الظاهر أنه لا فرق بين جهل الصفة ونسيانها، وذكر عن التوضيح ما نصه: نص مالك على أنه لو نحر ما يذبح أو بالعكس ناسيا لا يعذر، ونقل عن البيان ما نصه: وقد قيل إن الجهل في ذلك ضرورة. انتهى. وقال الشيخ عبد الباقي عن الشامل ما نصه: ولا يعذر بنسيان وفي الجاهل قولان. انتهى. أي من غير ترجيح، ولعل المراد بالجهل عدم معرفة الذبح فيما يذبح والنحر فيما ينحر لا جهل الحكم، فإنه لا يعذر بد اتفاقا، وإنما عذر بالجهل على الوجه المذكور؛ لأنه بمنزلة فقد آلة الذبح فيما يذبح والنحر فيما ينحر، بخلاف النسيان. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: مثله يقال في نسيان الصفة، فلا يصح الفرق بينهما. انتهى. وفي كتاب الشيخ الأمير ما نصه: وجاز للضرورة كمهواة وعدم آلة لا نسيان وجهل حكم، وفي جهل الكيفية قولان. انتهى.

إلا البقر؛ مستثنى من قوله: "وذبح غيره"؛ يعني أن محل وجوب الذبح في غير إبل إنما هو فيما سوى البقر، وأما البقر فإنه يندب فيه الذبح وليس بواجب. وإنما ندب الذبح في البقر لقوله تعالى:{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} : مع دليل آخر دل على عدم وجوب الذبح فيه، ففي صحيح البخاري في كتاب الذبائح ما يفيد أن البقر تذبح وتنحر. ابن عبد السلام: روي أنه صلى الله عليه وسلم نحر عن أزواجه البقر، وروي: ذبح عن أزواجه البقر، ومن البقر الجاموس وبقر الوحش حيث قدر عليه، والخيل على القول بحلها يجوز فيها الأمران ويندب الذبح كالبقر، وكذا البغال والحمير الإنسية على القول بكراهتها.

ص: 36

قال الشيخ عبد الباقي: وانظر ما يشبه البقر من حمار الوحش ونحوه. انتهى. قوله: وانظر ما يشبه البقر لخ؛ يعني هل يجوز فيه الأمران أو لا يجوز فيه إلا الذبح؛ وأما كونه يذبح فلا إشكال فيه، فليس للتنظير فيه محل. والله أعلم. وجزم الشيخ الأمير بأن حمر الوحش ونحوها مثل البقر، ونصه: ومثلها؛ يعني البقر الحمر الوحشية ونحوها. انتهى.

وشبه المص في المندوب مسائل، فقال: كالحديد؛ يعني أن الذكاة بجميع أنواعها يندب أن تكون بالحديد، وقد يتعين إذا لم يوجد إلا هو مع الظفر والسن كما يأتي، وإحداده: يعني أنه يستحب أن تكون الآلة التي يذكى بها محددة أي مسنونة أي سريعة القطع، لخبر: (إذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته

(1)

). أخرجه مسلم وأبو داوود والترمذي، نقله الشارح. وفي الدارقطني عن سالم عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم (أمر أن تحد الشفار وأن توارى عن البهائم

(2)

)، وإنما ندب الإحداد لأن ذلك أخف على الذبيحة وأسرع في إزهاق النفس، ولهذا اشترط ابن القصار في صحة ما يذكى به أن يَفْرِيَ الأوداج والحلقوم في مرة واحدة، فإن فرف ذلك في دفعات فلا يجوز كان حديدا أو غيره.

وسمع القرينان: قال مالك: مر عمر بن الخطاب رضي الله عنه على رجل قد أضجع شاة وهو يحد شفرته فعلاه بالدرة، وقال له: علام تعذب الروح ألا حددت شفرتك قبل؟ وقوله: "كالحديد"، علم منه أنه لو ذكى بغير الحديد لأبيح الأكل بذلك، ففيها: ومن احتاج إلى أن يذبح بمروة أو عود أو حجر أو عظم أو غيره أجزأه، ولو ذبح بذلك ومعه سكين فإنها تؤكل إذا فرى الأوداج.

وقيام إبل؛ يعني أنه يستحب في نحر الإبل أن تنحر وهي قائمة؛ لأنه أمكن للمذكي مما إذا كانت باركة ويريد معقولة ليلا تنفر فلا يستطيع ردها. قاله الش. وعبارة الشبراخيتي: وندب قيام إبل عند نحرها مقيدة أو معقولة على ما تقدم في الهدي؛ لأنه أمكن للمذكي من كونها باركة. انتهى. وعبارة الخرشي: يعني أنه يستحب أن ينحر الإبل قائمة مقيدة أو معقولة اليد

(1)

مسلم رقم الحديث 1955، أبو داوود رقم الحديث 2815، الترمذي رقم الحديث 1409.

(2)

علل الدارقطني، رقم الحديث 3025 ابن ماجه، رقم الحديث 3172.

ص: 37

اليسرى كما قال ابن الحاجب ومن وافقه، وناقشه ابن عرفة في ذلك بأن نحرها معقولة إنما هو عند تعذر نحرها قائمة مقيدة. انتهى. ثم قال: وانظر هل يطلب قيام غيرها مما يتعين نحره أو مما يجوز حيث قصد نحره أم لا؟ انتهى. وفي كتاب الشيخ الأمير عاطفا على المندوب: وقيام المنحور ولو غير إبل على الظاهر مقيدا، فإن عجز فمعقول اليد اليسرى.

وضجع ذبح على الأيسر؛ يعني أنه يستحب أن يضجع الذبح بالكسر أي المذبوح على شقه الأيسر؛ لأنه أعون للذابح، وكره مالك ذبحها على الأيمن ويضجعها الأعسر على الأيمن، فإن كان أضبط جاز الوجهان لكن ينبغي التيامن. قاله الشيخ عبد الباقي. وعبارة الأمير: وضجع المذبوح على الأيسر إلا الأعسر فالأيمن. انتهى. ففيه ما يفيد أنه يندب للأضبط أن يضجع الذبح على الأيسر. والله أعلم.

وكره ابن حبيب للأعسر أن يذبح، فإن فعل واستمكن أكلت، وذكر في الشامل كراهة ذبح طير ودجاج قائما، سمع القرينان، فاعله غير مستقيم وهو استخفاف لا يفعله مفلح ويؤكل. قاله الشبراخيتي. ونحوه للحطاب عن البيان عن مالك، وقوله:"وضجع"، بفتح الضاد، وما في التتائي غير صواب. قاله الشيخ محمد بن الحسن.

تنبيه: قال ابن عرفة في كراهة أكل البقر تعرقب عند الذبح ثم تذبح: نقل ابن زرقون عن فضل رواية ابن القاسم، وقوله: لا يعجبني قول مالك لا بأس بأكلها. قاله الحطاب. وقوله: "وضجع ذبح على الأيسر"، يشمل ما ينحر إن ذبح للضرورة. قاله الشبراخيتي وغيره.

وتوجهه؛ يعني أنه يندب في المذكى منحورا أو مذبوحا -كما نص عليه الشيخ الأمير وغيره- أن يكون عند التذكية متوجه القبلة، وعبارة الشيخ عبد الباقي: وتوجهه أي ما يذكى للقبلة مشرف الرأس بالفاء. انتهى.

ابن المواز: ومن السنة أخذ الشاة برفق، وتضجع على شقها الأيسر إلى القبلة، ورأسها مشرف، وتأخذ بيدك اليسرى جلد حلقها من اللحي الأسفل بالصوف وغيره، فتمده حتى تبين البشرة، وتضع السكين في المذبح لتكون الخرزة في الرأس، ثم تسمي الله تعالى وتمر السكين مرا مجهزا من غير ترديد: ثم ترفع ولا تنخع ولا تضرب بها الأرض، ولا تجعل رجلك على عنقها، واعترضه

ص: 38

الشيخ في نسبة الأخير إلى السنة، لما في مسلم (أنه عليه الصلاة والسلام لما ضحى بكبشين وضع رجله على صفاحهما

(1)

). قاله الشارح. وإنما كان التوجه على جهة الندب لعدم دلالة المنصوص على الأمر به، بخلاف التسمية.

ولما كانت الذبيحة لابد لها من جهة اختيرت جهة القبلة لأنها أفضل الجهات، والفرق بينه وبين الاستقبال للبول وإن كان نجسا، أن الدم أخف تنجسا لأكل قليله؛ يعني دم العروق، وللعفو عن يسيره، وأن الذبائح في جنسها

(2)

قربات، بخلاف البول، وأيضا البول ينضاف إليه كشف العورة. قاله في الذخيرة. قاله الحطاب.

وفي الشبراخيتي: وندب توجهه أي الذبح للقبلة ورأسه مشرف

(3)

، وهو جار في الذبح والنحر، وفيه وفي غيره ما نصه: وظاهر كلامه أن المطلوب توجه الجميع لا محل الذبح خاصة، ويفهم من توجه الذبيحة توجه الذابح لها. انتهى.

وإيضاح المحل؛ يعني أنه يندب في الذبح أن يوضح أي يظهر المحل الذي يذبح فيه بنتف أو غيره حتى يتبين من البشرة موضع الشفرة، وانظر هل يجري مثل ذلك في النحر أم لا؟ قاله غير واحد.

وفري ودجَيْ صيد أنفذ مقتله، نحوه في المدونة؛ يعني أنه يندب لمن أدرك الصيد منفوذ المقاتل بالسلاح أو الجوارح وهو حي أن يذكيه لأجل إراحته، فإن تركه حتى مات أكله وخالف المندوب، ومعنى فري قطع، يقال: فراه يفريه فريا قطعه وعبر بفري ودجي لأن من لازم فريهما قطع الحلقوم لبروزه عنهما فلا حاجة لقول بعض الشيوخ لو قال وذكاة صيد أنفذ مقتله لكان أشمل.

وعبارة الشيخ الأمير: وذكاة صيد أدرك منفوذ القاتل تسهيلا عليه انتهى وفي الشارح وإنما استحسن ذلك إراحة للصيد ليحصل بذلك إزهاق روحه بسرعة ولهذا قال ابن القاسم إن الحيوان

(1)

مسلم رقم الحديث 1966، البخاري رقم الحديث 5565.

(2)

في الأصل والحطاب نفسها والمثبت من الذخيرة، ج 3 ص 420.

(3)

ضبطها الشبراخيتي بالفاء وذكر أن البعض ضبطها بالقاف وأفاد الشبراخيتي وعبد الباقي أن الفاء أصوب من القاف.

ص: 39

الذي لا يوكل إذا بلغ حد الإياس يجوز ذبحه إراحة له وقيل بل يعقر ليلا يكون ذبحه موهما للعوام إباحة أكله وقال ابن وهب يترك حتى يموت انتهى.

ولما قدم أن الآلة من الحديد مندوبة مع إجزاء غيرها مع الإساءة مع وجود غيره، وكان في بعض أفراد ذلك الغير خلاف، بينه بقوله: في جواز الذبح بالعظم والسن؛ المراد بالعظم هنا نفيا أو إثباتا الظفر، بدليل قوله:"أو انفصلا"، ولو عبر به لكان أحسن، ويوجد كذلك في بعض النسخ وهو الصواب؛ لأن الخلاف إنما هو في السن والظفر كما في التوضيح، قاله الشبراخيتي. ومعنى كلام المص أنه اختلف في جواز الذبح بالظفر والسن على أربعة أقوال: الأول يجوز الذبح بهما مطلقا اتصلا أو انفصلا. رواه ابن وهب عن مالك في المبسوط واختاره ابن القصار. الثاني: إنما يجوز الذبح بهما إن انفصلا لا إن اتصلا لأنه نهش وخنق، حكاه ابن حبيب عن مالك، واختاره صاحب البيان، قال: وهو الصحيح، وإلى هذا الثاني أشار بقوله: أو الجواز بهما محله إن انفصلا لا إن اتصلا؛ لأنه بالسن نهش وبالظفر خنق وهو ما ورد النهي عنه من فعل الحبشة. الثالث: إنما يجوز الذبح بالعظم أي الظفر اتصل أو انفصل لا بالسن اتصلت أو انفصلت فلا يجوز، وعدم الجواز ظاهر في التحريم لكن المنقول الكراهة، وهذا القول الثالث مروي عن مالك، قال في الإكمال: وهو المشهور، وإلى هذا الثالث أشار بقوله: أو الجواز بالعظم أي الظفر كما عرفت. الرابع: أنه يمنع الذبح بهما مطلقا متصلين أو منفصلين. رواه ابن المواز عن مالك.

ابن القصار: وهو حقيقة مذهب مالك، وقال الباجي: هو الصحيح.

وإلى هذا الرابع أشار بقوله: ومنعهما أي منع الذبح بهما فلا يؤكل ما ذبح بهما، وفي المواق ما يقتضي الكراهة قاله الشيخ عبد الباقي. وقد مر في تقرير قوله:"أو بالعظم" أن عدم الجواز ظاهر في التحريم، لكن المنقول الكراهة، وقد علمت أن هذه الأقوال الأربعة لمالك. وقوله: خلاف، مبتدأ، وخبره:"في جواز الذبح"، ومحل الخلاف المذكور إن لم يوجد الحديد وإلا تعين الذبح به، وفي شرح الشيخ عبد الباقي أن محل الخلاف إن وجدت معهما آلة غير الحديد، فإن وجد الحديد تعين الذبح به، وإن لم توجد آلة غيرهما تعين الذبح بهما. انتهى.

ص: 40

قال الشيخ محمد بن الحسن: لم أر من ذكر هذا التفصيل، وانظر من أين أتى به، والذي يوجد من المدونة وغيرها أن محله حيث لم يوجد الحديد. انتهى. وفي كتاب الشيخ الأمير ما نصه: والراجح كراهة الذبح بالعظم والسن وإن منفصلين وإن وجد غيرهما، ومحمل الحديث الشريف على التأديب وبيان الأكمل. انتهى. والحديث الذي أشار إليه -والله أعلم- هو ما في الصحيحين: عن رافع بن خديج قال: قلت يا رسول الله: إنا لاقو العدو غدا وليست معنا مُدًى أفنذبح بالعظم؟ فقال: (ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل ليس السن والظفر وسأحدثكم عن ذلكَ، أما السن فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة

(1)

). انتهى. وإنما سألوه ومعهم السيوف صيانة لها، لا لأنها لا يذبح بها. قاله في الإكمال.

وحرم اصطياد مأكول؛ يعني أن الحيوان الذي يباح أكل لحمه يحرم اصطياده بلا نية ذكاة، بل بلا نية أو بنية قتله، وشمل كلاهه بحسب ظاهره الجراد، ويدل له نهيه صلى الله عليه وسلم عن قتل الجراد

(2)

)، ونص الأمير: وحرم اصطياد مأكول بغير ذكاة وتعليم. انتهى. قال في تقييده: كالحمام الذي يرسل بالكاتيب والدرة تخبرك بما وقع، وفي الحطاب اغتفار اللعب اليسير، لحديث أبي عمير

(3)

). انتهى. لا بنية الذكاة؛ أي أن محل المنع إذا لم يكن الاصطياد بنية الذكاة كما قررت، وأما اصطياده بنية الذكاة فلا يحرم، وأما اصطياده بنية حبسه بقفص فحاصل ما في الحطاب أنه لا نص فيه، وأن أبا مهدي قال: إن في كتاب اللقطة من المدونة ما يوهم جوازه، لقولها: إذا حل رجل قفص طائر ضمن، ونقل عن بعضهم أنه أخذ جوازه من حديث: (يا أبا عمير ما فعل النغير

(4)

)، قال ابن ناجي: فقلت ليس كذلك ليسر اللعب؛ لأنه لابد من تخصيصه بذلك، وهنا يبقى السنين المتطاولة فهو تعذيب له فهو أشد فاستحسنه، وذكر أن الشيوخ قيدوا الحديث بعدم التعذيب. انتهى.

(1)

البخاري رقم الحديث 5503، ومسلم، كتاب الأضاحى، رقم الحديث 1968.

(2)

لا تقتلوا الجراد فإنه من جند الله الأعظم كنز العمال 35294، 39973.

(3)

مسلم رقم الحديث 2150.

(4)

مسلم رقم الحديث 2150.

ص: 41

وقال البرزلي: ولم يمنع الأطفال من اللعب بالحيوان إذا وقع لبسط نفوسهم وفرحتهم، لقوله عليه الصلاة والسلام: (ما فعل النغير يا أبا عمير

(1)

)، وإنما يمنع ما كان عبثا لغير منفعة ولا وجه مصلحة. انتهى. فظاهر هذا أن اللعب اليسير مباح فيكون الصيد له مباحا. والله تعالى أعلم. قاله الحطاب.

وأبو عمير هذا ابن أبي طلحة وأمه أم سليم، والنغير قال في القاموس: والنغر كصرد: البلبل وفراخ العصافير، وضرب من الحُمَّر أو ذكورها، جمعه نغران وبتصغيرها جاء الحديث: (يا أبا عمير ما فعل النغير

(2)

). انتهى. وفي شرح الشيخ عبد الباقي حرمة الاصطياد لحبسه بقفص ولو لذكر الله، ونظر في الشراء لذلك، وذكر أنه يحرم عتق ما اشتري أو اصطيد لذلك، قال: لأنه من السائبة المحرمة بالقرآن والإجماع. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن بناني: ولا فرق بينهما فتنظيره في الشراء غير ظاهر، وكذا قال في العتق: إن تحريمه فيه نظر، وقال: إن ظاهر كلامهم الجواز، وصرح به ابن عرفة، وما في القرآن العزيز وقع في الأنعام، وأما الصيد فيحتاج إلى نص.

وتحصل مما مر أن حبس البازي أو غيره لتعليمه الاصطياد به جائز، وفي شرح الشيخ عبد الباقي ما نصه: ومثل نية ذكاته نية قنيته لمنفعة شرعية، كتعليمه لذهاب إلى بلد بكتاب يعلق بجناحه أو لينبه على ما يقع في البيت من مفسدة، فلو قال: إلا لغرض شرعي لأفاد ذلك. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: أما حبسه لتعليمه الاصطياد به فجائز، وأما لتعليمه تبليغ الكتاب من بلد إلى بلد كما ذكره الزرقاني فيحتاج في جوازه إلى نص، على تسليم أن ذلك ممكن. انتهى. وقال الشيخ عبد الباقي: وانظر في الغراب الذي يقول: الله حق ويتمعش منه صاحبه عندنا بمصر، هل هذه منفعة شرعية أم لا؟ وهو الظاهر لإمكان التمعش بغير فيمتنع حبسه لذلك. انتهى.

واعلم أن الصيد تعتريه الأحكام الخمسة: يحرم إن ضيع صلاة وقتية، ووجب لإحياء نفس الصائد أو غيره كأن لا يمكنه قوته وقوت عياله إلا بثمنه، وكره للهو عند الإمام مالك، ويباح عند

(1)

مسلم رقم الحديث 2150.

(2)

مسلم رقم الحديث 2150.

ص: 42

ابن عبد الحكم، وكره أيضا صيد خنثى وفاسق، وندب لتوسعة معتادة على نفسه أو على عيال وسد خلة غير واجبة وكف وجه، وصدقة، وأبيح لتوسعة غير معتادة على نفسه أو عياله أو لشهوة مباحة، كأكل تفاح ونكاح منعمة بتزوج أو شراء وقصد اكتساب مال وتمعش به اختيارا أو انتفاع بثمنه، وهو من حيث ذاته جائز إجماعا. قاله الشيخ عبد الباقي. وقوله: بتزوج أو شراء، يرجع لشهوة مباحة، وقوله: كأكل تفاح، مثال للشراء، وقوله: ونكاح منعمة مثال لتزوج. والله سبحانه أعلم.

ابن المواز: وكره النخعي أن يعطى الصيد للصبي يلعب به. قاله الحطاب.

إلا بكخنزير؛ يعني أنه يجوز اصطياد الخنزير ونحوه مما لا يؤكل بنية قتله لا غير، وقال الشيخ الأمير: وحرم صيد المحَرَّم كخنزير لغير قتل، ونص الشارح عند قوله "إلا بكخنزير": يعني أنه يجوز اصطياد الخنزير ونحوه مما لا يؤكل بنية قتله لا غير، نص على ذلك اللخمي. انتهى. وأدخلت الكاف أيضا الفواسق التي أذن الشرع في قتلها، والاستثناء منقطع كما يفهم مما قررت، أو متصل ويحمل على ما إذا صيد الخنزير بنية ذكاته لمضطر، فإنه تستحب ذكاته، صرح بذلك اللخمي والمازري، وليس اصطياد الخنزير بنية قتله من الفساد، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لينزلن فيكم ابن مريم حكما مقسطا فيكسر الصليب ويقتل الخنزير

(1)

) والباء في قوله: "بكخنزير"، للملابسة، أو ظرفية داخلة على محذوف؛ أي إلا أن يكون الاصطياد واقعا في حيوان لا يؤكل كخنزير فيجوز اصطياده بنية قتله فقط، قوله:"إلا بكخنزير"، على هذا مذهب مالك أنه يجوز قتله ابتداء، إلا أن يصيب إنسانا حاجة إليه تبيح أكله فيستحب له أن ينوي الذكاة. قاله أبو بكر الوقار. نقله الش. والقرد على القول بعدم جواز أكله كالخنزير يجوز اصطياده بنية قتله فقط كما في الشبراخيتي، قال: وكل ما قيل بعدم جواز أكله داخل في مفهوم مأكول. انتهى.

وقد تقدم أن الكاف في قوله: "بكخنزير"، أدخلت الفواسق التي أذن الشرع في قتلها، وقد تقدمت في قوله في الحج:"إلا الفأرة والحية" لخ، فهي تقتل لإذايتها وإن كانت لا يمنع أكلها،

(1)

مسلم كتاب الإيمان رقم الحديث 155، البخاري، رقم الحديث 2222.

ص: 43

وإنما احتيج لإدخالها ليلا يتوهم من قوله: "وحرم اصطياد" لخ، أنها لا تقتل إلا بنية الذكاة، وقد تقدم عن الش عن اللخمي أنه تستحب ذكاة الخنزير للمضطر، وكذا نقل عنه ابن عرفة، واعترض بأن الذي يفيده الوقار وجوب ذكاته لا استحبابها، ونص مختصر الوقار: وإذا أصاب المضطر ميتة أو خنزيرا أكل ما أحب، فإن أحب أكل الخنزير لم يأكله إلا ذكيا. انتهى. فظاهره تحتم الذكاة لكن الاستحباب صرح به اللخمي والمازري. انتهى. قاله الشيخ محمد بن الحسن.

كذكاة ما لا يؤكل؛ يعني أن الحيوان الذي لا يؤكل وليس آدميا إذا أيس منه تجوز تذكيته، بمعنى أنه يذبح إراحة له لا بمعناها الشرعي لأنه غير مأكول، وقوله: إن أيس منه؛ أي قنط منه حقيقة كمرض أو عمى أو حكما كمضيعة لا علف فيها ولا يرجى أخذ أحد له، وكذا بعير عجز في السفر ولا ينتفع بلحمه فينحره إلا أن يخاف على من يأكله ممن يمر عليه بعد نحره، وقوله:"كذكاة ما لا يؤكل"، وقيل: لا يذكى بل يعقر ليلا يتوهم إباحة أكله، وقال ابن وهب: يترك حتى يموت ولو تركها فعلفها غيره ثم وجدها، قال مالك: هو أحق بها ويدفع ما أنفق عليها، وقيل: هي للقائم بها لإعراض المالك عنها، وقال البرزلي: ما وقف في بلاد العدو من الخيل والحيوان فإنها تعرقب وإن خيف أكلها أحرقت. انتهى. وأما الآدمي فلا يجوز ذلك فيه لحرمته وشرفه.

وكره ذبح بدور حفرة؛ يعني أنه يكره أن يجتمع الذابحون على الحفرة يدورون بها فيذبحون حولها تسيل فيها الدماء لما فيه من عدم التوجه إلى القبلة، وللنهي عن شاة تذبح وأخرى تنظر، والمكروه الاجتماع في الذبح من جميع جهاتها لا مطلق الذبح؛ لأن مستقبل القبلة منها لا يكره له الذبح أي يكره ذبح بدور خارج عن ناحية القبلة، وأما مستقبل القبلة منها فلا يكره، فعلم من هذا أن عدم الاستقبال علة مستقلة، وأما ذبح شاة وأخرى تنظر فقيل خفيف، نقله ابن رشد عن مالك. واحتج له بنحر البدن مصطفة، وقيل: مكروه وهو لابن حبيب، وقال: ذلك سنة في البدن. انتهى. وتؤكل الذبائح المفعول بها ذلك سواء كانوا عامدين أو جاهلين على المشهور، كما حمل عليه أكثر الشيوخ كلام الإمام، وقال ابن حبيب: إنما حمل الإمام أمر الجزارين الذين يدورون

ص: 44

بالحفرة على الجهل منهم لخطإ ما فعلوه، وقد قال فيمن ترك توجيه الذبيحة إلى القبلة عامدا من غير جهل ولا نسيان: لا تؤكل.

وسلخ أو قطع قبل الموت يعني أنه يكره أن يحدث في المذكى سلخ أو قطع شيء منه قبل موته، فإن فعل أساء وتؤكل مع ما قطع منها، وإنما كره ذلك؛ لأن النهي قد جاء في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم

(1)

)، فتترك حتى تبرد أي تموت؛ لأنه صلى الله عليه وسلم فعله ومضى عليه العمل، ومثل القطع الحرق، إلا السمك فيجوز إلقاؤه في النار حيا عند ابن القاسم، وكذا يجوز قطعه وإلقاؤه في القدر حيا، ووجه الإباحة أن الحوت لما كان لا يحتاج إلى تذكية، وكان للرجل أن يقتله بأي نوع شاء من أنواع القتل في الماء وأن يقطعه فيه إن شاء، كان له أن يفعل ذلك بعد خروجه من الماء، وقيل بكراهة ذلك، ووجه الكراهة أن الحوت مذكى بالصيد، فالحياة التي تبقى فيه بعد صيده تشبه الحياة التي تبقى في الذبيحة بعد ذبحها، فيكره في كل واحد منهما ما يكره في الآخر، وفي الشيخ سالم: وتكره عرقبة البقر ثم تذبح، وفي الحطاب: وفي كراهة أكل البقر تعرقب عند الذبح ثم تذبح وجوازه خلاف، وخفف للمنهوش أن يشق جوف الشاة بعد ذبحها قبل أن تزهق نفسها ليدخلها رجله لضرورة التداوي.

كقول مضح: اللهم منك وإليك؛ يعني أن المضحي يكره له أن يقول عند ذكاة أضحيته: اللهم منك وإليك، وقاله في المدونة، وقال هذه بدعة. ابن حبيب: إن شاء قال ذلك وإن شاء ترك، وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه كان يقول في الأضحية: اللهم هذه منك وبك وإليك أي: منك الرزق أي من فضلك ونعمتك لا من حولي ولا من قوتي، وبك الهدى وإليك التقرب بها لا إلى من سواك ولا رياء ولا سمعة. ابن رشد: إنما الكراهة في حق من يرى أن ذلك من لوازم التسمية، وأما على غير هذا الوجه فلا يكره. ابن حبيب: ولابد من قوله مع التسمية: اللهم تقبل مني، وفي المدونة: خيره في ذلك ابن المواز، وأحب إلى أن يقول: اللهم تقبل منا إنك أنت السميع العليم، قال في المدونة: وليس موضع صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ولا يذكر هنا إلا الله عز وجل. قاله الشارح. وفي شرح الشيخ عبد الباقي عند قوله: "اللهم منك وإليك":

(1)

نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الذبيحة أن تفرس قبل أن تموت البيهقي، ص 279/ 280، ج 9.

ص: 45

وهذا إذا قاله على أنه سنة، فإن قصد به مجرد الدعاء لم يكره وقائله مأجور إن شاء الله. قاله ابن رشد. وهو الظاهر، واقتصر عليه الش ولا وجه لجعله مقابل إطلاق المص كما في التتائي. انتهى.

وفي كتاب الشيخ الأمير عاطفا على المكروه: وقول مضح: اللهم منك وإليك إن رآه متأكدا وإلا فلا بأس به. وتعمد إبانة رأس؛ يعني أنه يكره للذابح أن يتعمد في ذبحه قطع الرأس لما فيه من التعذيب، وظاهره أن مجرد تعمد الإبانة مكروه وإن لم يحصل وهو خلاف ما في المدونة، فلو قال: وإبانة رأس عمدا، لمسلم من هذا. قاله الشيخ عبد الباقي وغيره. وأفهم قوله:"وتعمد" أن الناسي والجاهل بخلافه.

ابن عرفة: ولو أبان رأسها بذبحها جهلا أكلت اتفاقا. انتهى. ابن القاسم وأصبغ: ولو قصد ذلك ابتداء أكلت لنخعه إياها بعد تمام الذكاة، وقال مطرف وابن الماجشون: لا تؤكل، وفي المدونة: من ذبح فترامت يده إلى أن أبان الرأس أكلت إن لم يتعمد ذلك؛ وتأول بعض الأشياخ كلام الإمام في المدونة على وفاق قول ابن القاسم، فجعل مفهوم قول الإمام: إن لم يتعمد ذلك معطلا، ومنهم من تأولها على الخلاف، وإلى ذلك أشار بقوله وتؤلت أيضًا على عدم الأكل إن قصده أولا؛ يعني أنه كما تؤولت المدونة أي كلام الإمام فيها -على الأكل مع تعمد الإبانة-؛ أي وحصل ما قصد فيوافق ما لابن القاسم تؤولت أيضا أي كلامه فيها على عدم الأكل، فيخالف ما لابن القاسم وأصبغ، ويوافق ما لمطرف وابن الماجشون وهو الظاهر، وحكي عن أبي محمد صالح الوفاق من وجه آخر، فقال: لعل ابن القاسم يريد أنه تعمد قطع رأسها بعد الذكاة ولم يقصد ذلك من أول، قال الشيخ محمد بن الحسن بناني: فهذه ثلاث تأويلات والأخيران بالوفاق، وحاصلهما هل يرد كلام لمالك لابن القاسم فتؤكل مطلقا، أو يعكس فيفصل بين أن يتعمد أولا أو في الأثناء، والمص يحتمل أن يكون قصد الأخيرين منها أو الأولين؛ انتهى. كلام الشيخ محمد بن الحسن. واعلم أن الراجح هو الأكل وإن قصد الإبانة ابتداء كما نص عليه غير واحد.

ودون نصف أبين ميتة؛ يعني أن السلاح أو الحيوان المعلم إذا قطع عضوا من الصيد من يد أو رجل أو فخذ أو جناح أو غيرها مما لم يبلغ النصف ولم يبلغ مقتلا فأبانه ولو حكما، بأن تعلق

ص: 46

بجلد أو يسير لحم بحيث لا يلتحم ولا يعود لهيئته، فإن ذلك المبان ميتة أي لا يحل أكله، وحكمه حكم الميتة، فإن علم أنه يعود لهيئته أكل جميعه كما لو حصل بالدون إنفاذ مقتل، ولهذا قال: إلا الرأس؛ يعني أن الذي أبين أي قطع من الصيد وهو دون نصف؛ إذا كان هو الرأس يؤكل لأنه مقتل، وكذا نصف الرأس فيؤكل المبان وغيره، ولو كان المبان النصف فلا إشكال في أكل النصفين، وما أبين من غير الصيد قبل الذكاة ميتة.

والحاصل أن ما أبين قبل الذكاة ميتة، فذكاة الصيد بموته أو إنفاذ مقتله، وذكاة غيره بذبحه أو نحره أو ما يموت به نحو الجراد، فما بأن قبل التذكية فهو ميتة. ولله عبارة الأمير ما أحسنها حيث يقول: وما أبين قبل الذكاة ميتة. انتهى. قال في تقييده: ومعلوم أن ذكاة الصيد بموته أو إنفاذ مقتله، والرأس والنصف لا يخلوان عن مقتل. انتهى. وقوله:"ودون"، يجوز فيه الرفع والنصب، فإن رفع كان مبتدأ وخبره "ميتة"، وإن نصب فالظاهر أنه صلة لموصول مقدر هو المبتدأ، وخبره:"ميتة"؛ أي وما دون نصف أبين ميتة. والله أعلم. انظر حاشية الشيخ محمد بن الحسن بناني.

ابن يونس: فإن كان يعلم أن ما تعلق منه يلتحم ويعود لهيئته أكل جميعه. انتهى. قاله الش. وتأمك قوله: يعلم، فإنه يقتضي أنه إذا لم يتحقق ذلك لا يؤكل المبان. والله سبحانه أعلم.

ولما كان الصيد من جملة المباحات ما لم يسبق عليه ملك كما روي وإن كان غير ثابت اللفظ: (من سبق إلى مباح فهو له

(1)

)، شرع يتكلم على حكمه قبل سبق ملك عليه وبعده، فقال: وملك الصيد المبادر؛ يعني أن الصيد الذي لم يسبق عليه ملك إذا رآه واحد أو جماعة فبادر إليه أحد منهم أو بادر إليه غير الراءي ووضع يده عليه فإنه يملكه؛ لأن الصيد إنما يملك بوضع اليد لا بالرؤية، ويملكه بوضع اليد ولو حكما، فيشمل ما إذا فعل به ما صار به بمنزلة ما في يده، ككسر رجله أو قفل مطمورة عليه أو سد جحر عليه وذهب ليأتي بما يحفر به فجاء آخر ففتحه وأخذه، فهو لمن سده، فإن تنازع الآخذ والآخر في وضع اليد ولم يأت مدعي وضع اليد ببينة فهو للآخذ وعليه لدعي وضع اليد اليمين. قاله الشيخ محمد بن الحسن رادا على الشيخ عبد الباقي في استظهاره

(1)

الجامع الصغير ج 6 ص 198.

ص: 47

أنه يكون بينهما. قال: لأنه كمال تنازعه اثنان ومما هو في حكم وضع اليد ما إذا وقع في الحبالة بغير طرد إليها، فيكون لرب الحبالة، وكذا قفاف أو شباك أرخيت في البحر. والله أعلم. أشار له الشيخ عبد الباقي: ولو قال المص: والصيد لآخذه لكان أخصر وأتم في إفادة المراد؛ لأنه قد يبادر إلى الصيد ويسبقه غيره لأخذه مع تأخر مبادرته فيكون له. قاله الخرشي.

وإن تنازع قادرون فبينهم؛ يعني أنه لو تنازع جماعة في الصيد؛ أي تدافعوا عليه بالفعل بعد أن رأوه وقبل أن يضعوا أيديهم عليه بأن دفع بعضهم عنه بعضا ولم يَدَعْه يصل إليه وكل واحد منهم قادر على أخذه لكان الصيد لجميعهم، والنظر يقتضي أن لا شيء لواحد منهم لانعدام سبب الملك في حقهم، وإنما حسن القضاء به لهم لانتفاء المنازع من غيرهم، فقضي لهم به مخافة أن يقتتلوا عليه، وهذا إذا كان بمحل غير مملوك، وأما في الملوك فلربه.

قال جامعه عفا الله عنه: ومقتضى كلامهم أنهم إن تدافعوا عليه قبل أن يبادر إليه أحدهم وهم قادرون على أخذه يكون بينهم بمجرد التدافع، فلو بادر إليه أحدهم بعد ذلك فلا يختص به عنهم بل يكون أسوتهم. والله سبحانه أعلم. ولو قال المص: وإن تدافع قادرون كان أحسن، وإلا فقد يكون تنازع من غير تدافع، والمراد بالتنازع هنا التدافع. قاله الخرشي. ولو وثبت في السفينة سمكة فوقعت في حجر إنسان فهي له دون صاحب السفينة؛ لأنه أخص والأخص مقدم على الأعم؛ أي حوز هذا الرجل لا يتعداه، وحوز السفينة يشمل هذا الرجل وغيره. قوله:"وإن تنازع قادرون فبينهم"، الفرق بينه وبين قوله:"وملك الصيد المبادر"، أن الأول حصلت مبادرة من بعضهم حتى سبق إليه مع قدرة غيره عليه ولكنه ترك المبادرة اختيارا، والثاني بادر كل ولم يسبق إليه أحد منهم، بل تدافعوا بالفعل قبل أن يسبق إليه أحدهم وهم قادرون عليه، أو أن الأول ترك المبادرة من لم يسبق إليه عجزا، والثاني بادر كل وتدافعوا قبل أن يسبق إليه أحدهم. مسألة: ولو تكررت شكوى شخص لآخر فإن للمشكو أن يرفع الشاكي للحاكم، ويقول له: إن كان لد عندي شيء فيدعي به، فإن أبى حكم عليه بأنه لاحق له بعد ذلك، وليس له عليه شكوى قطعا للنزاع، وقد حكم بها القرافي والبرموني. قاله الشيخ عبد الباقي. وقوله:"وملك الصيد المبادر"؛ أي دون ما عليه فإنه لقطة.

ص: 48

وإن ند ولو من مشتر فللثاني، الجوهري: ند البعير نديدا وندادا وندودا: نفر وذهب على وجهه شاردا؛ يعني أن الصيد إذا ند من ربه أي هرب منه وتطبع بطباع الوحش سواء ملكه باصطياد أو شراء، فإنه يكون لمن صاده ثانيا دون ما عليه من حلي مثلا، فهو للأول إن عرف وإلا فلقطة، ورد المص بلو قول ابن الكاتب: إنه إذا ند من مشتر وصاده شخص آخر فإنه يكون للمشتري الذي ند منه، قياسا على من أحيا ما دثر مما أحياه غيره بعد أن اشتري من مالكه بإحياء فإنه يكون للأول: وقوله: "وإن ند" لخ، وقيل: إن طال مقامه عن الأول فهو للثاني، وإن لم يطل فهو للأول، وإذا فرضنا على هذا القول فادعى الصائد آخرا طول المدة وأنكره الأول فقولان لابن القاسم وسحنون لتقابل الأصلين؛ إذ أصل الملك للأول واليد للثاني، وكذلك لو قال الأول: لم يطل، وقال الثاني: لا أدري، فعول ابن القاسم على اليد وعول سحنون على أصل الملك. قاله الش. وقوله:"وإن ند"، أما إن أرسله مالكه اختيارا فلصائده اتفاقا، والفرق بين الصيد وبين الأسير -يهرب لبلد الحرب فيغنمه المسلمون فإنه يكون للأول لا للثاني- أن الأسير هروبه حرام، بمنزلة ما لو سرق أو غصب فإنه لصاحبه الأول. قاله الخرشي.

لا إن تأنس ولم يتوحش؛ يعني أن الصيد إذا تأنس عند صاحبه وذهب عنه ولم يتوحش أي لم يلحق بالوحش فأخذه شخص آخر، فإنه يكون لمالكه الذي ذهب عنه لا لمن أخذه ثانيا لكن له أجرة تحصيله، ولو ادعى الثاني أن هروبه هروب انقطاع وتوحش وادعى الأول عكس ذلك ولم تظهر قرينة يعمل عليها، فإنه ينبغي قسمة بينهما لأنه كمال تنازعه اثنان. قاله الشيخ عبد الباقي. ولا بأس بأكل طير يصاد بوضع خمر له بشربها يسكر، ويكره صيده بها لأنه استعمال لها. نقله الخرشي. قوله:"لا إن تأنس ولم يتوحش"، قد مر أن للثاني أجرة، واعترض ذلك بمسألة الآبق حيث لم يجعلوا لمن أخذه أجرة إلا إذا أخذه من شأنه طلب الآبقين، وأجيب بأن الذي أخذ الآبق متبرع لعلمه أنه ملك للغير، بخلاف آخذ الصيد فإنه دخل على تملكه ابتداء، وأيضا ملك الثاني للصيد قوي بدليل كونه له على بعض الأقوال. انظر الخرشي والشبراخيتي. ويجوز ثقب الأذن للنساء لما يحصل من الزينة لهن بسببه من جعل الحلي في آذانهن.

ص: 49

واشترك في الصيد طارد له، ويتعلق باشترك قوله: مع ذي حبالة؛ بكسر المهملة: الآلة التي تهيأ للصيد ليقع فيها، قصدها؛ أي الطارد لإيقاع الصيد فيها دوقع فيها، ولولاهما؛ أي الطارد وذو الحبالة بدليل نسبة الفعل إليهما في قوله:"بحسب فعليهما" لم يقع الصيد في الحبالة، وعلق "باشترك" قوله: ونصب؛ أي بقدر أجرة؛ فعليهما؛ أي الطارد وصاحب الحبالة بالتقويم، ومعنى كلام المص أنه إذا نصب شخص ما يصيد به، كالشرك والشبكة والفخ وفي معناها ما ينصب للصيد من حفرة ونحوها، فطرد شخص آخر صيدا قاصدا أن يقع الصيد في الحبالة وهي الشرك والشبكة والفخ أو في الحفرة ونحوها فوقع الصيد فيها، ولولا الطارد وصاحب الحبالة لم يقع الصيد في المصيد به الذي هو الحبالة وما في معناها، فإنه يشترك الطارد وصاحب الحبالة في الصيد بحسب أجرة فعليهما من نصب الحبالة وطرد الصيد بالتقويم، فإذا قيل: أجرة الطارد تساوي درهمين، وأجرة الناصب تساوي درهما مثلا، كان لصاحب الحبالة الثلث وكان للطارد الثلثان، أو أحدهما يساوي درهما والآخر أربعة فيشتركان بالأخماس، وما ذكره المص هو المشهور، وقال أصبغ في العتبية. الصيد للطارد وعليه لصاحب الحبالة أجرتها كمن رمى بسهم رجل صيدا فصاد به أو كلبه أو بازه.

عبد الحق: وهو القياس، وإنما استحسن ابن القاسم الشركة لأن المبتغى من جميعهم الاصطياد، بخلاف المتعدي على سهم الغير أو بازه.

وعلم مما قررت أن المراد بالحبالة: الآلة مطلقا كان فيها حبالة أم لا، ولله در القائل:

نعوذ بالله من أناس

تشيخوا قبل أن يَشِيخُوا

تقوسوا وانحنَوْا رياء

فاحذرهمُ إنهمْ فخوخ

وقوله: "قصدها"، وكذا الحكم لو لم يقصدها والحال أنه لولاهما لم يقع، كما صرح به الشيخ الأمير، ولفظه: واشترك طارد مع ذي حبالة لولاهما لم يقع، وإن لم يقصد الطارد الحبالة كما ارتضاه شيخنا. انتهى. وصرح به الخرشي، فقال: ولا مفهوم لقوله: "قصدها": والعول عليه قوله: "ولولاهما لم يقع".

ص: 50

وإن لم يقصد وأيس منه فلربما؛ يعني أن الطارد إذا لم يقصد إيقاع الصيد في الحبالة والحال أنه أيس من أخذه؛ بأن أعياه وانقطع عنه وهرب حيت شاء فوقع في الحبالة، فإن الصيد يكون لرب الحبالة ولا شيء عليه للطارد، ولا مفهوم لقوله:"وإن لم يقصد"، بل لو قصدها لكان الحكم كذلك، لكن يبعد مع اليأس قصد الحبالة أو أن الشأن أن لا تقصد حينئذ. وفي الخرشي أن قوله:"ولولاهما"، محله حيث ثبت ذلك إما بمعاينة البينة أو بقول أهل المعرفة وكذا في جميع ما بعده. وانظر لو لم يثبت شيء من ذلك. انتهى. والظاهر أنه يكون بينهما حينئذ على حسب فعليهما لعدم ما يرجح قول أحدهما والله أعلم.

وعلى تحقيق منه بغيرها فله؛ يعني أن الطارد إذا كان قادرا على أخذ الصيد بدون الحبالة تحقيقا، فإن الصيد يكون له أي للطارد دون صاحب الحبالة. اللخمي: ثم ينظر في أجرة الحبالة، فإن لم يرد الطارد الحبالة فلا أجرة عليه لصاحب الحبالة؛ لأن الطارد كان في غنى عنها، وإن كان عالما ورد الصيد إليها كان عليه الأجرة لأنه قصد الانتفاع بها، وقوله:"وأيس منه"، وقوله:"وعلى تحقيق منه بغيرها"، يتعارض مفهوماهما في الشك، فقضية مفهوم الأول أنه للطارد، وقضية مفهوم الثاني أنه لرب الحبالة. وانظر ما الحكم؟

وغلبة الظن كالتحقق فيما يظهر. انظر الخرشي. وقوله: ويتعارض مفهوماهما لخ، الظاهر أنه يكون حينئذ بينهما على حسب فعليهما. والله سبحانه أعلم. كالدار، مشبه بقوله:"فله"؛ يعني أن الصائد إذا طرد صيدا فوقع في دار، فإن الصيد يختص به الطارد ولا شيء لصاحب الدار من الأجرة ولو قصدها الطارد، وسواء أمكنه أخذه بدونها أم لا؛ لأن الدار لم تتخذ للصيد، وقيل: الدار كالحبالة إلا أن ألا يطرده لها فلربها، هذه النسخة بإثبات لا النافية هي الصواب وإسقاطها مفسد للمعنى، وفي بعض النسخ: إلا أن لا يضطره لها وهي صواب أيضا؛ يعني أن الصائد إذا اتبع الصيد ولم يقصد إدخاله في الدار وغلبه الصيد فدخل الدار من غير أن يلجئه الطارد إليها، فإن الصيد يكون لرب الدار يختص به أي مالك ذاتها، ومحل كونه لربها ما لم يتحقق أخذه بغيرها، كما يفهم من قوله:"وعلى تحقيق منه بغيرها"، بالأولى كما ذكره أحمد. قاله عبد الباقي. وقوله:"فلربها"، هذا مذهب ابن القاسم، وقال أشهب: هو للطارد.

ص: 51

ابن محرز: واتفقا في الذي ينظر الصيد فيتبعه ويطرده حتى يصيره في دار رجل أنه للطارد ولا شيء فيه لرب الدار،

وتحصل مما مر أن الطارد وذا الحبالة يشتر كان في الصيد بحسب فعليهما في الحالة التي يكونان فيها لولاهما لم يقع الصيد في الحبالة، قصد الطارد إيقاعه في الحبالة أم لا، وأن الطارد إذا أيس من الصيد ووقع الصيد في الحبالة فهو لربها، قصد الطارد إيقاعه في الحبالة أم لا، ويبعد مع اليأس قصد الحبالة، وأن الطارد إذا تحقق أخذ الصيد بدون الحبالة ووقع الصيد في الحبالة فالصيد له دون رب الحبالة، ولا شيء عليه لرب الحبالة إلا فيما إذا علم بالحبالة ورد الصيد إليها فعليه الأجرة لصاحب الحبالة، فإن ثبت ما ذكر من أنه لولاهما لم يقع وما بعده ببينة أو بقول أهل المعرفة فالحكم كما علمت وغلبة الظن كالتحقق.

قال مقيده: فإن شك في ذلك فالظاهر أنهما يشتركان بحسب فعليهما، وأن الدار إذا وقع فيها الصيد ليست كالحبالة فإن الصيد للطارد في جميع الأحوال، ولا شيء لصاحب الدار إلا في حالة واحدة وهي ما إذا لم يطرده للدار وغلبه الصيد ودخل الدار فإنه لصاحب الدار. والله سبحانه أعلم.

وفي كتاب الشيخ الأمير: وعلى تحقيق منه بغيرها فله كالدار، وما نزل بغير طرد صائد في دار لمالك ذاتها لا منفعتها، فإن كانت وقفا ففي مصالحه. انتهى.

ومن اكترى أرضا فجر السيل أو النيل إليها سمكا فهو لرب الأرض. قاله الحطاب. وقول المص: "فلربها"، قال الشبراخيتي: إذا كانت عامرة وكذا ما أشبهها من بستان أو فندق؛ وأما الخالية أو الخراب فهو للطارد، والمراد بربها، مالكها لا المستاجر. انتهى. وفي شرح الشيخ عبد الباقي: ثم جعله لصاحب الدار فيما ذكر واضح إذا كانت مسكونة، وأما الخالية أو الخراب فما فرخ فيها من صيد أو وجد بها، فالظاهر كما قال بعض أنه لواجده وكذا ما يوجد في البساتين المملوكة لأنه لم يقصد بها ذلك، ففي المجموعة عن ابن كنانة في [الرجل]

(1)

، يجد النحل في شجرة أو صخرة: لا بأس أن ينزع عسلها إذا لم يعلم أنه لأحد، ولا يحل له أن يأكل عسل جبح نصبه غيره في

(1)

في النسخ فالرجل والمثبت من عبد الباقي ج 3 ص 19.

ص: 52

مفازة أو عمران، واستدل به بعض شراح المدونة على أن صاحب الدار الخراب لا يستحق ما فيها من الصيد. انتهى. وفي حاشية الشيخ بناني أنه بحث في هذا الاستدلال، وأنه لا فرق بين الدار المسكونة والخراب، وقوله: كالدار، يشمل ما إذا اضطر الصيدَ إلى دخول الدار الجارحُ أو الحيوانُ المعلَّم أو الصائد، وفي المدونة: فإن اضطره هو أو جارحه إليها فهو له. انتهى.

وضمن مار أمكنته ذكاته؛ يعني أن من رمى صيدا أو أرسل عليه جارحه فمر به إنسان وقد أصابه السهم أو الجارح ولم يكن منفوذ المقاتل، وأمكن المار ذكاته بأن رآه وكان معه آلة وكان ممن تؤكل ذكاته، وترك تذكيته حتى مات، فإن المار يضمن قيمته للصائد مجروحا، ويحرم أكل الصيد حينئذ على المنصوص لتنزل المار منزلة الصائد، والصائد لو أمكنته ذكاته وفرط حتى مات لم يأكله، وأجرى ابن محرز وبعض المتأخرين في تضمينه قولين من الخلاف في الترك، هل هو كالفعل أم لا؟ أي هل تركه الذكاة كفعل التفويت أم لا؟ وعلى نفي الضمان فيأكله ربه؟ فمقابل المنصوص أنه يؤكل ولا ضمان على المار، كما في الحطاب أنه يضمن.

قوله: "وضمن مار"؛ أي ولو كان المار صبيا، وظاهر المص أنه يضمن ولو أكله مالكه معتقدا حليته وهو كذلك. قاله الشيخ علي الأجهوري. واستظهر بعض شيوخ أحمد أنه لا ضمان عليه؛ لأنه حلال في الظاهر وينبغي اعتماده، والظاهر أن الكتابي المار لا يضمن إلا على القول بصحة ذكاته للمسلم كما قاله الشيخ محمد بن الحسن. واحترز المص بقوله:"أمكنته ذكاته"، مما إذا لم ير المار الصيد، أو رآه ولم تكن معه آلة، أو كان المار ممن لا تؤكل ذبيحتهم كمجوسي ومرتد ونحوهما، فإن الصيد يؤكل ولا شيء على المار بتركه، بل يضمن المار بذكاته حينئذ إلا أن تقوم له بينة على إنفاذ المقاتل قبل تذكيته.

وعلم من المص أنه لو مر به من أمكنته ذكاته ولم يخلصه من الجارح مع قدرته على ذلك لم يؤكل وعليه قيمته مجروحا، وكلام المص في الصيد، وأما غيره فإن كانت له فيه أمانة برعاية فسيقول المص:"وصدق إن ادعى خوف موت فنحر"؛ أي أو ذبح، وإن كانت بكوديعة ضمنة بذبحه إلا لقرينة على صدقه وإن لم تكن له فيه أمانة فإن ذكاه ضمنه، ولا يقبل منه أنه خاف عليه الموت ما لم يقم دليل على صدقه.

ص: 53

اللخمي: ولو مر بشاة فلم يذبحها حتى ماتت لم يضمن: لأنه يخشى أن لا يصدقه ربها فيضمن. انتهى. وقال الشيخ الأمير: وغير الراعي إن ذكى غير صيد فلا يصدق أنه خاف موته، بل يتركه ولا يضمن إلا لبينة أو قرينة فيصدق ويضمن. انتهى. وإذا ذكى المار الصيد وادعى أنه ذكاه خوف موته وكذبه ربه فالظاهر تصديق المار، وقوله:"وضمن" في الخرشي عن بعضهم: أي إذا مر بالصيد وهو مشرف، وإلا فلا ضمان. انتهى. وفي شرح الشيخ عبد الباقي: وضمن مار به وهو في مخلب البازي أو في فم الكلب غير منفوذ القاتل أو اصطاده شخص فحبسه بشبكة أو قفص، وذهب ليأتي بما يذكيه به وأمكنته ذكاته بوجود آلتها وعلمه به والمار ممن تصح ذكاته وترك حتى مات لكونه فوته على ربه، وقوله:"وضمن مار" لخ؛ أي ولو لم يكن معه ما يذكي به إلا الظفر أو السن لتعين التذكية بهما حينئذ.

وقوله: "وضمن مار"، ظاهره: ولو جهل أن عليه أن يذكيه فترك تخليص مستهلك؛ يعني أن من رأى ما يستهلك من نفس أو مال لغيره وهو يقدر على خلاصه من الهلاك فتركه حتى هلك، فإنه يضمن ما ذكر من النفس والمال، ويضمن في النفس العاقلة دية خطإ في ماله إن ترك التخليص عمدا، وعلى عاقلته إن ترك التخليص خطأً ويضمن قيمة العبد، ويجري مثل ذلك في قوله: أو بشهادته أو بإمساك وثيقته أو تقطيعها، ولا يقتل تارك التخليص ولو تركه عمدا وهو مذهب المدونة، وحكى عياض عن مالك أنه يقتل به، قال الأبي في شرح مسلم: ما زال الشيوخ ينكرون حكايته عن مالك، فقول الخرشي: وإن كان متعمدا لإهلاكه بترك التخليص قتل، غيرُ صواب، وقوله:"كترك" الكاف هنا للتشبيه وهي لا تدخل شيئا، فما في شرح الشيخ عبد الباقي فيه نظر، حيث قال: وأدخلت الكاف قتل زوجة قبل بناء زوج بها فيضمن جميع الصداق للزوج لتكمله عليه بالموت. انتهى. لأن الكاف هنا لا تدخل شيئا كما علمت، مع أن هذا الفرع غير ملائم لا هنا؛ لأن الضمان هنا بالترك، وهذا الفرع بخلاف ذلك، ولأن جزمه بالضمان فيه غير صحيح، ففي التوضيح أن النص في المرأة إذا قتلت نفسها كراهةً في زوجها أن الصداق لا يسقط، وكذلك إذا قتل سيد الأمة المتزوجة أمته. انتهى. وهو يفيد عدم الضمان في قتل الغير لها إذ لا

ص: 54

فرق -فتأمله- على أنا وإن قلنا بالضمان فلا يضمن إلا نصف الصداق لأنه الذي وقع فيه التفويت، وأما النصف الآخر فإنه يأخذه بالإرث. قاله العلامة بناني.

وقوله: بيده: متعلق "بترك"، وحينئذ فالباء سببية وفي الكلام حذف مضاف، والتقرير كترك تخليص بسبب إمساك يده أي قدرته، ولو بلسانه أو جاهه أو ماله، وإذا خلص بمال ضمنه رب المتاع المخلص، واتبع به إن أعدم أو بشهادته -يعني أن من شهد لشخص بحق على آخر وجحده والشاهد قادر على تخليصه بشهادته فترك الشهادة حتى فات الحق بموت الغريم أو ما أشبهه من وجوه الفوت، فإن الشاهد يكون ضامنا لذلك الحق، وهذا حيث طلبت منه الشهادة، أو علم أن تركها يؤدي إلى فوت الحق وترك، والظاهر أنه محمول على عدم العلم، وكذا يقال فيما بعده.

وشمل كلام المص ما لو رأى فاسقين يشهدان بقتل أو دين شهادة زور فترك التجريح، وقوله:"أو بشهادته"، يشمل ما في الذمة كما قررت، والمعيَّنَ فيما إذا كان غير مالكه هو الواضع يده عليه ويدعي أنه له، وكذا لو رأى من يغرم وعنده الشهادة أنه وفَّى، وقوله:"أو مال"، يشمل ما إذا هرَّب السجانُ من عليه الحق، وكذلك رسول القاضي إذا هرَّبه، ولو سألك أحد عن غريمه وهو عندك أو في بيتك فقلت له: لا أعرف أين هو وأنذرته فهرب كنت ضامنا، وكذلك لو هرَّبته. ولو انفلتت دابتك فوقفت على بئر وهي تطلب السقْيَ، فجاء شخص فسقاها فذهبت لضمن. الحطاب: وهذا بين إن كان إن تركها وقفت على البئر تنتظر من يسقيها ولا يبقى عليها ضرر العطش، وأما إن كان إن تركها ماتت ففي ضمانه نظر. انتهى. قاله الشبراخيتي.

أو بإمساك وثبقة؛ يعني أن من كانت عنده وثيقة لرجل في إثبات حق كدين أو دم أو عفو عن دم مثلا، فلم يردها متعديا عليه بحبسها حتى افتقر الرجل أو مات ولا شيء عنده، فإنه يضمن ذلك الحق الذي هو مكتوب في الوثيقة، وهذا يصدق بما إذا كان شاهدها لا يشهد إلا بها، وبما إذا نَسِيَ الشاهد ما يشهد به ويذكر برؤيتها، أو كان لا يشهد بما فيها إلا على خط شاهدها، ولو كانت الوثيقة مكتوب بيت فباعه ربه فنقص ثمنه بسبب حبس الوثيقة ضمن حابسها ما نقص،

ص: 55

وسميت الورقة المكتوب فيها الحق وثيقة لتوثق صاحب الحق بها. ابن القطاع: وثقت بالشيء اعتمدت عليه.

أو تقطيعها؛ يعني أن من تعدى على وثيقة رجل فقطعها وأفسدها فتلف الحق بتقطيعها، فإنه يضمن لصاحب الوثيقة ذلك الحق الذي هو مكتوب في الوثيقة، والضمان في هذه بالأحروية من الإمساك، وفي شرح الشيخ عبد الباقي: ويضمن ثمن الوثيقة، قال الشيخ محمد بن الحسن: قول عبد الباقي ويضمن ثمن لخ، فيه نظر كما لا يخفى؛ إذ لا فائدة له فيها إلا أخذ الحق وقد ضمنه. انتهى. والظاهر ما للشيخ عبد الباقي لا ما للشيخ محمد بن الحسن. والله تعالى أعلم.

مسألة عن البرزلي: هي أن رجلا رهن أصلا وحوز للمرتهن رسمه المكتوب فتلف عند المرتهن، فأفتى شيخنا الإمام بأنه ينظر إلى قيمة الأصل برسمه وقيمته بغير رسم، فما بينهما يضمنه أو يثبت ملك الأصل كما كان، قال الرماصي: تقطيع الوثيقة وقتل شاهدي حق ليسا من المسائل التي يجري فيها، هل الترك يوجب الضمان أو لا؟ وهو ظاهر فالأولى تأخيرهما كما فعل ابن شاس وابن الحاجب: ولا يخلل بهما المسائل الجارية على القانون المذكور. انتهى. قاله الشيخ محمد بن الحسن بناني. وقوله: "أو تقطيعها"، قال الشيخ عبد الباقي: وهذا حيث لا سجل لها، وإلا لم يضمن إلا ما يغرم على إخراجها منه. انتهى.

وفي قتل شاهدي حق تردد؛ يعني أن الأشياخ اختلفوا فيمن قتل شاهدين بحق ولو خطئا، ففات الحق بسبب قتلهما على صاحبه، هل يضمن كما في تقطيع الوثيقة أو لا يضمن؟ لأنه قد لا يقصد بقتلهما إبطال الحق، وإنما ذلك لعداوة بينه وبينهما. ابن بشير: وهو أدنى مرتبة ممن يقطع الوثيقة؛ لأن هذا لم يتعد على نفس الشهادة، وإنما تعدى على سببها فلا شك أنه أضعف من الأول، وما قررت به المص هو الذي قرره به الشارح، وفي الخرشي ما يفيد أنه منتقد؛ لأن التردد هنا لواحد وهو بعض شيوخ ابن عرفة، كما في قوله:"وفي بيع آلة الصانع تردد". والله سبحانه أعلم. ومحل التردد حيث لم يقصد بقتلهما ضياع الحق وإلا ضمنه اتفاقا كذا ينبغي. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال أيضا: وقال ابن وهب: وينبغي أن يكون الراجح من التردد الضمان ولو قتلهما خطئا؛ لأن الخطأ والعمد في أموال الناس سواء، ومثل قتلهما قتل من عليه الدين عند ابن محرز

ص: 56

وقتل أحدهما حيث كان إنما يثبت الحق بشاهدين، فإن كان يثبت بشاهد ويمين فقتل أحد الشاهدين كذلك؛ لأن ربه يقول للقاتل: أحوجتني لليمين وقد كنت غنيا عنها، هذا هو الظاهر، لأن اليمين كلفة وبعض العلماء لا يراها. قاله الشيخ الأمير. فإن كان الحق يثبت بشاهد ويمين، وكان عليه شاهد واحد فقط فقتله فهو كقتل الشاهدين بالحق. والله أعلم انظر حاشية الشيخ محمد بن الحسن، وقال الشيخ الأمير عاطفا على ما فيه الضمان: وبقتل شاهد لا يثبت الحق إلا به على الراجح، وهل يضمن الحق الذي يثبت بشاهد ويمين بقتل أحد الشاهدين وهو الظاهر لأنه كلفة لا يقبلها بعضهم. اهـ.

تنبيه: يعلم كون المقتولين شاهدي حق بإقرار القاتل بذلك، وبشهادة اثنين بأنهما شاهدا حق حيث لا يشهد إلا اثنان به لعدم علمهما بقدره مثلا، ومن فروع هذه المسائل المذكورة: من حل قيد عبد أو فتح على غير عاقل أو أخفى غريما عن غريمه أو أطلق السجان الغريم، وأخذ ابن عرفة من ذلك ضمان من سقى دابة رجل واقفة على بير فذهبت. المشدالى: وهو بين إن كانت لو لم تشرب لم تذهب ولا يخشى موتها من العطش، وفي ضمانها إن خشي موتها من العطش نظر. انتهى. قاله الحطاب. وقد مر.

وترك مواساة وجبت؛ يعني أن الضمان يثبت على الشخص بسبب ترك المواساة الواجبة لمن اضطر إليها، والمواساة هي الإعطاء والإنالة، فمما تجب فيه المواساة أن يكون إنسان قد حصل به جرح جائفة أو غيرها فيمسك عنه آخر خيطا أو مخيطا معه، والممسك مستغن عن ذلك حالا ومثالا أو محتاج له لثوب أو لدابة لا يموت الممسك بموتها فأمسك ذلك عنه حتى مات، ولو خيط لسلم، وإلى هذا أشار بقوله: بخيط لجائفة؛ والضمان هنا أن تكون الدية على العاقلة، وقوله:"بخيط" يتعلق "بمواساة"، كأنه أشرب معنى المحاباة أو الدفع أي دفع الضرر. والله سبحانه أعلم.

وبما قررت علم أنه لا مفهوم للجائفة عن غيرها من الجراح، وقال الشيخ الأمير: وترك مواساة بفاضل عما به حياته كعياله من خيط لجرح. انتهى. وعبارة الشيخ عبد الباقي: وكل جرح يخشى منه الموت كالجائفة. انتهى. فإن اضطر رب ما ذكر له في نفسه أو دابة يموت بموتها لم

ص: 57

تجب مواساته، ولو أجاف شخص شخصا ومنع آخر الخيط من المجني عليه حتى مات فإنه يقتص من المجيف، وعلى المانع للخيط الدية وهذا إذا كان المجيف لم ينفذ شيئا من مقاتله، وإلا فيقتص مند فقط، وعلى المانع للخيط الأدب. قاله الخرشي. وقوله:"وترك مواساة"، معطوف على قوله:"أو بإمساك".

وفضل طعام أو شراب لمضطر؛ يعني أن مما تجب فيه المواساة أيضا أن يضطر إنسان إلى طعام أو شراب فضل عن مالكه كعياله فيمنعه مالكه من المضطر فيهلك المضطر جوعا أو عطشا. وقوله: "فضل"؛ أي عما يمسك الصحة لا ما فضل عن عادته في الأكل. قاله غير واحد. وتقدمت عبارة الأمير: وترك مواساة بفاضل عما به حياته من خيط لجرح وطعام وشراب لمضطر، وقوله:"وفضل طعام" ويضمن دية الخطإ إن تأول وإلا اقتص منه، ويضمن أيضا في ترك الفاضل لبهيمة أو زرع فهلك ما ذكر بسبب المنع، والمراد بالضطر هنا الذي يخاف عليه الهلاك، وقوله:"وفضل طعام"، المراد بالفضل الفضل عما يضطر إليه ربه حالا ومثالا إلى محل يوجد فيه طعام أو شراب، وفي شرح الشيخ عبد الباقي: وانظر هل يشترط أن يعلم أن أهل المحل الذي يقدم عليه يعطونه أو أن لا يعلم أنهم يمنعونه ويعتبر أيضا الفضل عمن تلزمه نفقته ومن في عياله كذا ينبغي. انتهى. وفيه أيضا: وينبغي أن المضطر مئالا كالمضطر حالا في وجوب دفع الفضل له والضمان إن ترك حتى مات. انتهى.

قال الشيخ محمد بن الحسن بناني: المضطر مئالا لا يدخل هنا، بل المراد المضطر بالفعل الآن حالا خلافا للزرقاني. فتأمله. انتهى. ولا مفهوم لقول المص:"طعام أو شراب"؛ إذ مثله فضل لباس أو ركوب بأن كان إن لم يدفئه أو لم يركبه يموت، وشمل كلام المص ما لو تعدد مانع الفضل، فإن تعمد الجميع اقتص منهم لأنه يقتل الجميع بواحد كما يأتي إن تمالئوا على المنع، وإلا فهل كذلك لأنه بمنزلة عدم تمييز الجنايات وهو الظاهر، أو يقتص من واحد منهم بقسامة انظره، وإن لم يتعمدوا بل تأولوا فالظاهر أن على عواقلهم كلهم دية خطإ واحدة لا على كل واحدة دية، وإن تأول البعض دون البعض فالظاهر سقوط القصاص عمن لم يتأول أيضا لأنه كشريك المخطئ والمجنون، وإنما عليه نصف دية عمد وعلى من تأول نصف دية خطإ.

ص: 58

وسئل الناصر اللقاني عمن طلقت ومعها ولد عمره سنة وشهر، وفرض أبوه لرضاعه فرضا ففطمته بعد نحو عشرين يوما فمات من ذلك، فهل يلزم الأم فيه شيء أم لا؟ فأجاب: إن كان الولد فيه قوة على الفطام في العرف والعادة في مثل هذا السن ففطمته ومات بقرب ذلك فلا شيء عليها، وإن كان مثله يخاف عليه الموت من الفطام في العرف والعادة فعليها الدية. قاله الشيخ عبد الباقي. والظاهر أنه يكفي العلم بالاضطرار فقط، ولا يشترط سؤال المضطر. هذا هو الذي استظهره الشيخ الخرشي.

وعمد وخشب فيقع الجدار؛ يعني أنه إذا كان لرجل جدار مائل ولآخر ما يقيمه به من عمد أو خشب أو حجر، فيطلب رب الجدار منه ذلك فمنعه حتى وقع أي سقط الجدار، فإنه يضمن المانع لما ذكر ما بين قيمة الجدار مائلا ومهدوما؛ لأن هذا من المواطن التى تجب فيها المواساة، وقوله:"فيقع" بالنصب عطف على المصدر وهو "ترك"، ويضمن هذا الممسك أيضا ما وقع عليه الجدار من نفس ومال بالشروط الآتية للمص في المالك نفسه، وهي كون الجدار مال وأنذر صاحبه عند حاكم وأمكن تداركه، لتنزله هنا منزلته، والظاهر أن إنذار رب الجدار لرب العمد كاف في ضمانه كإنذار الناس. قاله الشيخ عبد الباقي. وجزم بذلك الخرشي والشبراخيتي.

ولما كان الأصل عدم العوض على الواجب، نبه على مخالفة الأصل هنا بقوله: ولى الثمن؛ يعني أن من تعين عليه دفع شيء من الأمور المذكورة إذا دفعه لمن وجب دفعه له، فإنه يجب له ثمنه على الآخذ ويقضى له به ولا يشطوا عليه في الثمن إن وجد؛ يعني أن محل وجوب دفع الثمن على الآخذ إنما هو إذا وجد معه ما يعوض به حالة الاضطرار، وإلا لم يَتبع الآخذُ المواسيَ ولو مليا ببلده أو أيسر بعد، وهذا مذهب المدونة، وذكر اللخمي خلافا: هل يتبعون بالثمن إذا أيسروا أم لا؟ واستظهر بعضهم نفي العوض وهو الأصل، قال الشيخ عبد الباقي: والمراد بالثمن ما يشمل الأجرة في العمد والخشب، وما يشمل أيضا دفع مال يشترى به طعام أو شراب لخلاص نفس. وقد يبحث فيه في العمد بأنه كيف يتبعه بثمن متاعه القائم بعينه ولا يأخذه مع إمكان ربه تعويضه إلا أن يقال نظرا لدخوله بوجه مأذون فيه، نعم لو هدمه رب الجدار وبقيت العمد والخشب مفردة لم يكن له إدخالها في عمارته حيث أيسر، ويأخذها ربها فيما يظهر، ونحوه

ص: 59

للخرشي، قال الشيخ محمد بن الحسن: قول الزرقاني والخرشي يشمل دفع مال يشترى به لخ لا معنى لإدخال هذه الصورة هنا أصلا، على أن ما ذكره فيها من الحكم فيه نظر، بل الوجوب إنما هو على من عنده فضل الطعام لا المال، وقد قال المواق فيما يأتي عند قوله "وطعام غير إن لم يخف القطع" ما نصه: وأما إن لم يجد إلا ما لا يؤكل كالثياب والعين فلا يجوز له أخذ شيء منه لأنه لا يؤكل، سواء وجد ميتة أم لا. انتهى. وهو يقتضي عدم وجوب الإعطاء على مالكه، وإلا لجاز للمضطر أخذه، فتأمله. والله أعلم. انتهى كلام الشيخ بناني. والظاهر ما للشيخ الخرشي. والشيخ عبد الباقي لا ما للشيخ محمد بن الحسن، والذي استدل به من كلام المواق يومئ تعليله لعدم الجواز بأن ما ذكر لا يؤكل إلى أنه لم يدفع عنه الضرر الحاصل له، فلو تعينت الثياب والدنانير مثلا لكون من عنده الطعام أو الشراب يمتنع من دفعهما إلا بتعويض ولا يقدر عليه؛ لكان الظاهر ما للشيخ الخرشي والشيخ عبد الباقي. والله سبحانه أعلم. وقال الشيخ الخرشي: وأقيم من قوله: "وعمد وخشب" لخ، أن المرأة لو تركت ولدها بلا رضاع حتى مات والحال أن الولد لا يقبل غيرها تكون ضامنة لديته تنجم على عاقلتها، وأن الشخص يموت من الجوع بين أظهر الناس يكونون ضامنين لديته تنجم على عاقلتهم، ولو امتنع المضطر من دفع الثمن وامتنع الآخر من دفع فضل الطعام والشراب حتى مات أو من دفع الخيط ونحوه حيث كان له ثمن أو من دفع العمد والخشب حتى سقط الجدار فلا ضمان. قاله الشيخ والمراد بالثمن القيمة وما يشمل الأجرة في العمد لخ، وقوله:"وله الثمن إن وجد"؛ أي ولم يحتج له. قاله الشيخ الخرشي.

ولما كانت الذكاة لا تبيح الميتة ولا ما ألحق بها، وغير الميتة صحيح ومريض محقق الحياة ومشكوك في حياته ومأيوس منها، شرع في بيان ما يباح بالذكاة من ذلك وما لا يباح، وذكر ما هو من علامات الحياة وما ليس منها فقال: وأكل المذكى؛ يعني أن الذكى ذكاة شرعية بنوع من أنواع الذكاة يباح أكله صحيحا كان أو مريضا، مرجو الحياة أو مشكوكا فيها، بل وإن كان قد أيسر أي قنط من حياته، بحيث لو ترك لمات قاله في الموطإ. ورواه ابن حبيب عن ابن القاسم وأصبغ، ورواه ابن القاسم عن مالك في المختصر، وقال في مختصر الوقار: لا تصح ذكاة المأيوس

ص: 60

منه، والأول هو الظاهر؛ لأنه قد ذكي، وفيه بقية من حياته فجاز أكله، ولما في الموطإ والصحيحين (أن جارية لكعب بن مالك كانت ترعى غنما له بسلع، فأصيبت شاة منها فأدركتها فذكتها بحجرة فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال: لا بأس بها كلوها

(1)

)، فأباحها مع إشرافها على الموت، وفيه دلالة على جواز ذكاة النساء وبالحجر، وذكاة غير المالك بدون وكالة، واستدل له أيضا بقوله تعالى:{إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ} أي أدركتم فيه الروح فذكيتموه، بناء على أن الاستثناء متصل، وأما على أنه منقطع فلا دلالة فيه، وقوله: وإن أيس من حياته، سواء كان ذلك بسبب ضربه أو ترديه من شاهق ولم ينفذ منه مقتل، أو مرضه أو أكله عشبا فانتفخ أو غير ذلك، وخرج بقوله:"المذكى" الميتة وهي ما مات حتف أنفه أو بسبب غير الذكاة، ومثل الميتة الموقوذة وما معها في الآية الكريمة النفوذة المقاتل كما يأتي قريبا فالكل لا يؤكل تحريما، لقوله عز وجل:{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ} الآية، والمراد بالدم المسفوح وقد تقدم الكلام عليه في باب الطهارة، وقوله:{وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} هو المشار إليه بقول المص: "وذبح لصنم".

بتحرك قوي؛ يعني أن المذكى إنما يباح أكله إذا ذكي وهو محقق الحياة، وتحقق الحياة يكون بالحركة القوية كركض أي خبط بيد أو رجل بشدة ومد وقبض معا بيد أو رجل، لا مد فقط أو قبض فقط، ومن التحرك القوي حركة ذنبها أو طرف عينها، وأما غير القوي فلا عبرة به كحركة الارتعاش والارتعاد، ومد يد فقط أو رجل فقط أو قبض واحدة كما مر، وأما باقي الحركات مما لم يقع في كلامهم النص على كونه قويا أو ضعيفا فيعمل فيه بقول أهل المعرفة. قاله الشيخ عبد الباقي. وتأمل هذا التحرير العجيب. مطلقا، الظاهر أنه حال من قوله:"بتحرك"، ومعناه سال مع التحرك دم أم لا، كانت الذبيحة صحيحة أو مريض، كانت الحركة من الأعالي أو من الأسافل، واختلف في وقت مراعاة الحركة، فقيل: إنما تعتبر بعد الذبح، وقيل: حين الذبح، وقيل: يكفي سواء وجدت بعد الذبح أو معه أو قبله واتصلت به وهو أضعف الأقوال، فلا يفسر به إطلاق المص: وسيل دم؛ يعني أن سيلان الدم من غير شخب ولا حركة من علامات الحياة،

(1)

الموطأ ج 1 ص 318، البخاري رقم الحديث 5505.

ص: 61

فيؤكل ما ذكي إذا سال دمه من غير شخب ولا حركة، وهذا إن صحت؛ يعني أن محل كون سيلان الدم من علامات الحياة إنما هو إذا كانت الذات الذكاة صحيحة، وأما المريضة فلا يعتبر فيها سيلان الدم بانفراده.

والحاصل أن الصحيحة مخالفة للمريضة؛ فالصحيحة تؤكل بسيلان الدم من غير شخب ولا حركة، والمريضة لا تؤكل بذلك، وأما شخب الدم فلا فرق فيه بين الصحيحة والمريضة، فيؤكل ما حصل فيه من صحيحة ومريضة. قاله اللخمي. ويأتي قريبا كلام الرهوني فيه، والشخب خروج الدم بصوت، والمعاني التي يستدل بها على الحياة خمس: سيلان الدم في الصحيحة والطرف بالعين وجريان النفس وتحريك الذنب والركض بالرجل، وظاهر كلام الشيخ وغيره أنه لا فرق بين حركة الأعلى والأسفل، وأشار اللخمي إلى أن حركة الرجل والذنب أقوى من حركة العين؛ لأن الروح أول ما تذهب من الأسافل؛ وقوله:"وسيل دم إن صحت" قال ابن حبيب في قول مالك: إنها تؤكل: لا يمكن عندي في الصحيحة أن لا تتحرك ولا يسيل دمها، فلا معنى لذكرها، وقال الشيخ عبد الباقي: من غير شخب ولا حركة إن تصور ذلك كالتي بلغ الخنق منها مبلغا لا تعيش معه ولم ينفذ منها مقتل. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن بناني: قول الزرقاني: إن تصور ذلك لخ فيه نظر؛ إذ التي بلغ منها الخنق مبلغا لا تعيش معه الظاهر أنها مريضة لا صحيحة، وإنما وجه ذلك ما في العتبية، ونصها: وسئل ابن القاسم وابن وهب عن شاة وضعت للذبح فذبحت فلم يتحرك منها شيء، هل تؤكل؟ قالا: نعم تؤكل إذا كانت حين تذبح حية، فإن من الناس من يكون ثقيل اليد عند الذبح حتى لا تتحرك الذبيحة، وآخر يذبح فتقوم الذبيحة تمشي. ابن رشد: وهذا إذا سال دمها أو استفاض نفسها في حلقها بعد ذبحها استفاضة لا يشك معها في حياتها، وهذا في الصحيحة بخلاف المريضة. انتهى. وفي شرح الشيخ عبد الباقي وغيره: والمراد بالصحيحة التي لم يضنها المرض لا التي لم يصبها، قال الشيخ الخرشي: ومعنى يضنها: يضعفها. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: قول الزرقاني: والمراد بالصحيحة لخ، لعل المراد بهذا ما في التوضيح من أن المريضة إذا كانت غير مأيوس منها فهي كالصحيحة: أي تؤكل بسيلان الدم أي وإن لم تتحرك، وإذا كانت مأيوسا منها ففيها خلاف، ثم قال: وعلى

ص: 62

القول بأن الذكاة تعمل فيها، فإن تحركت وسال دمها أكلت، وإن كان السيلان فقط لم تؤكل، لأنه يسيل منها بعد الموت. انتهى. وجزم الرهوني بذلك.

وتحصل من هذا أن المراد بالصحيحة التي تذكى في حال صحتها أو ما يقرب منها بحيث إنها ذكيت وهي غير مأيوس منها، فما أصابها المرض وأيس منها فهي مما أضناه المرض ولو أيس منها بعد إصابة المرض لها بيسير، ونبهت على هذا لأني رأيت كثيرا من الناس غير مصيب في هذه المسألة، ويحتج بقول المص: وسيل دم إن صحت، ويزعم أن معنى قولهم: المراد بالصحيحة التي لم يضنها المرض لا التي لم يصبها: التي أصابها المرض وأشرفت على الهلاك بعد إصابة المرض لها بزمن يسير، وهذا فاسد كما علمت. والله أعلم.

واعلم أنه يعمل بقول أهل المعرفة في سيل دم من مريضة مع مد كيد مما لا يعتبر، كما نص عليه الشيخ عبد الباقي، وفي الخرشي: ولو أدرك الصيد قبل إنفاذ القاتل فلابد من التحرك القوي؛ لأن جرحه مرض يضني وكذا المحروق والواقع في الماء. انتهى. وقال الرهوني بعد جلب كثير من النقول: أطلق غير واحد ممن وقفت على كلامه ممن قدمنا ذكرهم ومن غيرهم القول بأن سيلان الدم في المريضة لا يكفي، وقال اللخمي: وأما خروج الدم وحده فلا يكون دليلا على الحياة إذا انفجر ذلك منها لفور موتها وحرارة جسمها، وإنما يعدم منها بعد ذلك إذا بردت إلا أن يخرج بقوة واندفاع حسب عادته في الحياة. انتهى. فانظر هل يعتمد عليه في الفتوى لظهور وجهه أولا، لمخالفته لظواهر المنصوص مع ما قاله بعض المحققين أن الظواهر إذا جاءت على طريق واحدة وكثرت فإنها مقصودة، وقولهم: إن للخمي اختيارات خرج بها عن المذهب، وقد اختصر ابن عرفة كلام اللخمي الذي قدمناه عنه قبل هذا، ولم يعرج على هذا برد ولا قبول، ففيه إشعار بأنه لم يرتضه، لكن نقله ابن غازي في تكميله وسلمه، وسياقه يدل على أنه فهمه على أنه تقييد. والله أعلم. انتهى كلام الرهوني.

ولما أوهم قوله: "وإن أيس من حياته"، شموله لنفوذة المقاتل مع أن ذكاتها لغو اتفاقا كما عند الباجي، استثناها متبركا ببعض أفرادها المذكورة في سورة المائدة، وإن كان الحكم غير مقصور

ص: 63

عليها بل متعلقة إنفاذ مقتل من المقاتل بأي سبب حصل، فقال: إلا الموقوذة؛ يعني أن الموقوذة وهي: المضروبة بخشبة أو حجر أو نحوهما لا تؤكل إذا ذكيت بالشرط الآتي، ويقال: وقذه ضربه، الجوهري: شاة موقوذة قتلت بالخشب وما معها؛ يعني أن ما ذكر مع الموقوذة في الآية الكريمة حكمه حكم الموقوذة لا يؤكل إذا ذكي بالشرط الآتي ذكره، والآية الكريمة هي قوله تعالى:{وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ} ، فالمنخنقة ما مات من الخنق بحبل أو شبهه، والموقوذة تقدم تفسيرها، والمتردية التي تردت من شاهق جبل أو في بير أو حفرة، والنطيحة التي نطحتها أخرى، وما أكل السبع هو الذي أكل السبع بعضه. وقوله:"إلا الموقوذة وما معها"، استثناء من قوله:"وأكل المذكى وإن أيس من حياته". المنفوذة المقاتل؛ يعني أن محل عدم أكل هذه المذكورات من المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع، إنما هو إذا أنفذ منها بعض المقاتل على ما سيذكره، فإن لم تكن منفوذة المقاتل عملت فيها الذكاة، وإن بلغ منها ذلك الفعل مبلغا لا تعيش معه على المشهور.

وعلم مما مر أن المدار على إنفاذ المقاتل بأي سبب حصل، وقوله:"المنفوذة"، اسم مفعول من نفذهم إذا جازهم وخلفهم، والنافذ الماضي في جميع أموره، والنفوذ مخالطة السهم جوف الرمية وخروج طرفه من الشق الآخر، والمقتل المحل الذي إذا أصيب بقطع أو نفوذ منه مثلا مات ذلك الشيء الذي أصيب ذلك الموضع منه. والله سبحانه أعلم. ثم إنه يصح في الاستثناء من قوله تعالى:{إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ} أن يكون متصلا، ويحمل على غير منفوذة المقاتل في الخمسة، وأن يكون منقطعا، ويحمل على التذكية من غير الخمسة فقط حيث كانت هي منفوذة المقاتل، وذهب الإمام الشافعي إلى أنه منقطع، وأنها لا تعمل في الخمسة المذكورة، وإن لم ينفذ منها مقتل فالمعنى عنده لكن ما ذكيتم من غير هذه.

وعلم من المص خمسة أقسام: الميتة خرجت بقوله: "المذكى" كما مر: مذكى غير مأيوس من حياته، مذكى مأيوس من حياته، موقوذة وما معها، منفوذة المقاتل وغير منفوذتها.

وقوله: "إلا الموقوذة" لخ اعلم أن هذه المسألة على ثلاثة أوجه: وجه اتفق على إعمال الذكاة فيه وهو ما إذا لم تكن منفوذة المقاتل وهي مرجوة الحياة، ووجه لا تعمل فيه اتفاقا على رأي بعض

ص: 64

الأشياخ وهو ما أنفذت مقاتله، وحكى اللخمي في ذلك قولين؛ إذا كان المقتل في غير موضع الذكاة، ووجه اختلف فيه وهو ما إذا كانت مأيوسا من حياتها أو مشكوكا فيها قول ابن القاسم وروايته أنها تؤكل، وقال ابن الماجشون وابن عبد الحكم: إنه لا تعمل الذكاة في المأيوس من حياتها والمشكوك فيها، وقيل: تعمل في المشكوك فيها دون المأيوس منها، وهو الذي يقوم من العتبية.

وقد نظم ابن غازي هذه المسألة مع دلائل الحياة الخمسة المتقدمة والمقاتل الآتية في ستة أبيات، فقال:

إن التحرك في الجميع لمقنع

أما الدماء ففي السليم بها قنع

وقت التحرك بعد ذبح قبله

معه وفي البعدي شك ينقطع

ودلائل ذنب ورجل عينها

نفس دم واثنان لب المجتمع

في يأس أو شك بما كنطيحة

لم يفر ثالثها أخو يأس منع

إن المقاتل حشوة ونخاعها

ودج دماغ والمصير المرتفع

والخلف في كرش وفي عنق وفي

سفل المصير وفي الوداج المنصدع

وقوله: واثنان لب المجتمع؛ يعني أن العلامات ترجع إلى اثنتين: الحركة والدم. والله سبحانه أعلم. وأشار المؤلف إلى بيان المقاتل وبيان إنفاذها بقوله: بقطع نخاع، المجرور يتعلق بقوله:"المنفوذة"؛ يعني أن إنفاذ المقاتل يحصل بقطع النخاع اتفاقا، فيمنع من إباحة الأكل بالذكاة، فهي معه لغو. والنخاع مثلث النون: مخ أبيض في وسط فقار العنق والظهر بفتح الفاء، والروايات أن كسر الصلب دون قطع نخاع غير مقتل، وحكى ابن إسحاق عن ابن كنانة أنه مقتل، ومفهوم قطع نخاع أن شقه ليس كذلك وهو كذلك أي ليس بمقتل على المذهب، وقد خرجه ابن عرفة على القولين الآتيين في شق الودج، والنخاع يوصل أثر الدماغ للقلب، وأثر القلب للدماغ وقطعه يفاجئ الموت، والفقار ما انتضد من عظام الصلب من لدن الكاهل إلى العجب، ومعنى انتضد: وضع بعضه على بعض، والتنضيد مثله يشدد للمبالغة، والنضد بالتحريك متاع البيت المنضود

ص: 65

بعضه فوق بعض، والكاهل ما بين الكتفين، ويقال له: الحارك بالحاء المهملة؛ والعجب بفتح المعين المهملة وسكون الجيم أصل الذنب، والفهقة بفتح الفاء وسكون الهاء وفتح القاف عظم عند مركب العنق، وهو أوك الفقار، وفهقته أصبت فهقته.

ونثر دماغ؛ يعني أن انتثار الدماغ يحصل به إنفاذ المقاتل اتفاقا، فالذكاة معه لغو والدماغ ما تحوزه الجمجمة، وأما شدخ الرأس فليس بمقتل، وكذا خرق الخريطة ورض الأنثيين وكسر عظم الصدر، فليس شيء من ذلك بمقتل، وكذا بقية المتالف الآتية وحكى ابن إسحاق عن ابن كنانة أن دمغ الرأس مقتل، وقد علمت أن المشهور خلافه، ونثر الدماغ هو تفريقه أي إبانة بعضه من بعض. وحشوة؛ يعني أن انتثار الحشوة بضم الحاء المهملة وكسرها مما يحصل به إنفاذ المقتل فالذكاة معه لغو، والحشوة كل ما حواه البطن من كبد وطحال ورئة وأمعاء وكلا وقلب، ومعنى انتثار الحشوة أن تكون بحيث لا يقدر على ردها للجوف أصلا، أو يقدر عليه ولا يعيش معه. قاله غير واحد. ومعنى نثر الأمعاء، تفرق الأمعاء الباطنة من مقارها الأصلية؛ أي زوال التزاق بعضها ببعض أو التزاقها بمقعر البطن، لا خروجها من البطن فإنه ليس من المقاتل.

وفي المدونة في الشاة يخرق السبع بطنها ويشق أمعاءها: أنها لا تؤكل؛ لأنها لا تحيى بحال، قال في التنبيهات: وقد روي عن ابن القاسم أنها تؤكل وإن انتثرت حشوتها، وبه كان يفتي بعض فقهاء الأندلس، وفي الش ما يفيد أن هذا الخلاف ليس بحقيقي، قال: لأن شق الجوف ليس بمقتل عند جميعهم، والحشوة إذا انتثرت منه ولم تنقطع عولجت وردت وخيط الجوف عليها، وهذا مشاهد معلوم، فليس نفس انتثارها بمقتل. نقله عن عياض. وحاصله أنه اختار أن انتثار الحشوة هو خروج الثفل أي الرجيع وذلك لازم لخرقه أو شقه.

ابن عرفة: قوله ليس مجرد انتثارها مقتلا، إن أراد به مجرد خروجها فمسلم وليس هو مراد الشيوخ، وإن أراد ولو زال التزاق بعضها ببعض أو التزاقها بمقعر البطن منعناه وهذا مراد الأشياخ، وما ادعاه من العلاج إنما هو في الأول لا في هذا، وبالضرورة هذا مباين لقطع المصير ولا تلازم بينهما في الوجود.

وبما قررت به انتثار الحشوة علمت أن انتثار الحشوة مقتل. والله سبحانه أعلم. وبه التوفيق.

ص: 66

وفري ودج؛ يعني أن فَرْيَ الودج من المقاتل اتفاقا، فالذكاة معه ساقطة، ومعنى فريه: إبانة بعضه من بعض، وعبارة ابن الحاجب: قطع الأوداج، وعبارة ابن عرفة: خرق الأوداج، وابن يونس: شق الأوداج.

وثقب مصران؛ يعني أن ثقب المصير أي خرقه من المقاتل فلا تفيد الذكاة معه وأحرى قطعه، والمصران بضم الميم جمع مصير كرغيف ورغفان وجمع الجمع مصارين، وقوله:"وثقب مصران"، تحقيقا أو شكا أو وهما، وكذا يقال في قطع نخاع ونحوه مما قد يخفى. قاله الشيخ عبد الباقي. قال الشيخ محمد بن الحسن: قول الزرقاني أو شكا أو وهما لخ فيه نظر، والظاهر خلافه، وشمل المص بحسب ظاهره المصير الأعلى والأسفل، والأعلى هو المريء الذي تحت الحلقوم وينتهي إلى رأس المعدة وما قرب منها، وخص ابن رشد كون ثقب المصير مقتلا بالمصير الأعلى قائلا: إنه لا يعيش إلا ساعة من نهار، وأما ثقبه من أسفله حيث يكون الرجيع فليس بمقتل؛ لأنا وجدنا كثيرا من الحيوان ومن بني آدم يخرق مصيره في مجرى الرجيع ويعيش مع ذلك زمانا يتصرف ويقبل ويدبر، وسلمه ابن عرفة ورجحه عياض، وأولى من ثقبه من أعلاه إبانة بعضه من بعض، واحترز بمصران عن ثقب الكرش فليس بمقتل فتؤكل كما أفتى به ابن رزق شيخ ابن رشد في كرش بهيمة صحيحة وجد بعد ذبحها مثقوبا، خلافا لحكم ابن مكي القاضي شيخ ابن رشد أيضا بفتوى ابن حمدين بطرحها بالوادي، وغلبت العامة أعوان القاضي لعظم ابن رزق عندهم فأخذوه من أيديهم وأكلوه، وصوبه ابن رشد قال ابن عرفة: ويؤيده عدد التواتر من كاسبي البقر بإفريقية أنهم يثقبون كرش الثور لبعض الأدواء، فيزول عنه. انتهى.

وحمدين بنون كما في خط التتائي ذكره عبد الباقي، وقوله:"وثقب مصران"، احترز به عن الشق فليس بمقتل، وقد ذكر أن بعض حذاق الأطباء تلطف بمصير شق طولا، فجمع طرفي الشق ووضع عليهما النمل فلما شبكت فيهما قطع أسافلها فبقيت رءوسها في الطرفين فالتأما بإذن الله تعالى. نقلد الخرشي. وفي المواق عن ابن لب أن ثقب المصير أو شقه ليس بمقتل؛ لأنه قد يلتئم، وإنما القتل فيه القطع والانتثار. انتهى. وفيه أيضا عن ابن لب أن المصير الأعلى هو المريء، وفي المعيار

ص: 67

عن ابن سراج أنه المعدة وما قرب منها، وفيه أيضا عن ابن لب أنه منفذ الطعام والشراب وهو المريء الذي تحت الحلقوم، وينتهي إلى رأس المعدة.

وفي شق الودج قولان: يعني أنه اختلف في شق الودج الواحد أو شق الودجين معا هل هو إنفاذ مقتل فالذكاة معه ساقطة أولا؟ فتفيد الذكاة فيما وقع فيه ذلك الشق، بخلاف قطعه وإبانة بعضه من بعض فمقتل، قوله:"وفي شق الودج قولان"؛ أي وأما ما تقدم من قوله: "بقطع نخاع" إلى "شق الودج" الذي فيه قولان، فمتفق على أنه من المقاتل. قاله الش.

قال جامعه عفا الله عنه: وقع في كلامهم في هذا الباب الشق والثقب والقطع والفري، فاحتيج إلى الفرق بينها، والذي يظهر من كلامهم أن الشق هو الذي لم ينفصل بحيث يصير قطعتين أو أكثر، بخلاف الفري: والفري هو القطع، وأما الثقب فهو النافذ، والشق قد يكون غير نافذ. والله سبحانه أعلم. وقد مر عن الحطاب في فصل الجنائز أن الجرح إذا كان في العصب عرضا قيل له: بقر، أو طولا قيل له: شق. انتهى. والظاهر هنا ما قدمته من العموم. والله سبحانه أعلم.

وفيها أكل ما دق عنقه أو ما علم أنه لا يعيش إن لم ينخعها؛ مني أن الإمام قال في المدونة: وإذا تردت الشاة من جبل أو غيره فاندق عنقها أو أصابها من ذلك ما يعلم أنها لا تعيش معه فلا بأس بأكلها ما لم يكن قد نخعها أي انتثر نخاعها من ذلك المتردي، فاستشهد المص بقوله:"أو ما علم أنه لا يعيش"؛ على قوله: "وإن أيس من حياته"، واستشهد بمفهوم قوله:"إن لم ينخعها" على قوله: "إلا الموقوذة وما معها المنفوذة المقاتل" لخ، ولم يأت بمسألة المدونة استشكالا كما زعم حلولو، قال ابن لب: وأما كلامهم في المقاتل ولم يعدوا القلب معها فقد كان وقع في هذا كلام، وانفصل البحث فيه على أنه من المقاتل وأنه داخل في المعنى في فري الأوداج وقطع الحلقوم؛ لأن ذلك في كلامهم عبارة عن قطع محل الذكاة وقد علم أن محلها أيضا النحر فيما ينحر، وما كان النحر مقتلا إلا لوصول آلة النحر إلى القلب، فذلك والذبح سواء والكليتان والرئة في معنى القلب، قال الشيخ محمد بن الحسن: إن فسرنا انتثار الحشوة بأنه زوال التصاق بعضها ببعض، أو التصاقها بمقر البطن كما تقدم عن ابن عرفة، دخل في ذلك جرح القلب؛ لأن بجرحه يزول الالتصاق. والله أعلم.

ص: 68

وقوله: "وفيها أكل ما دق عنقه"، هو رواية ابن القاسم عن مالك، وروى مطرف وابن الماجشون عن مالك أن اندقاق العنق من غير انقطاع نخاعه من المقاتل، وقد مر خلاف ابن رزق وابن مكي في الكرش، وذلك أنه اشترى رجل من الجزارين ثورا صحيحا في ظاهر الأمر، فذبحه فوجد كرشه مثقوبة، فوصل الأمر إلى صاحب الأحكام ابن مكي فشاور في ذلك الفقهاء، فأفتى أبو جعفر ابن رزق بأن أكلها جائز وبأن للجزار أن يبيعها، وأفتى ابن حمدين بأن أكلها لا يجوز وأمر بطرحها في الوادي، فرأى ابن مكي أن يأخذ بقول حمدين، فأمر الأعوان أن يطرحوها في الوادي، فأخذها الأعوان فذهبوا ليطرحوها في الوادى، فسمعت العامة والضعفاء أن الفقيه ابن رزق أفتى بأكلها، فغلبوا على الأعوان ونزعوها وتوزعوها.

ابن رشد: وما أفتى به ابن رزق هو الصواب. قاله الشارح.

قال جامعه عفا الله عنه: واتضح من هذا أن من ذكى فوجد منحوره أو مذبوحه مقطوع المصير أو مثقوبه أو به غير ذلك من إنفاذ المقاتل، ولم يعلم سبب ذلك أنه لا يؤكل ويجب طرحه وذلك واضح لا شك فيه، وما تقدم عند قوله:"إلا الموقوذة" لخ، يفيده صريحا أو عموما. والله سبحانه أعلم.

ولما أنهى الكلامَ على الحيوان الذي تقدم له في الخارج استقرار حياة، شرع في الكلام على ما لم يتقدم له ذلك وهو الجنين الخارج بعد ذبح أمه والخارج في حياتها، فأشار إلى الأول بقوله: وذكاة الجنين بذكاة أمه؛ يعني أن البهيمة إذا ذكيت فخرج من بطنها جنين ميت، فإنه يوكل عمالأ بقوله صلى الله عليه وسلم: (ذكاة الجنين ذكاة أمه

(1)

)، والرواية المشهورة المعروفة: رفع ذكاة في الموضعين، قال التتائي: من حصر المبتدأ في الخبر، وقال النووي: الأول خبر والثاني هو المبتدأ على حد:

بنونا بنو أبنائنا ....

وروى بنصب الثانية، والتقدير أن يذكى ذكاة مثل ذكاة أمه، وعلى هذا الوجه حمله أبو حنيفة القائل بوجوب ذكاة الجنين، ورجحت الرواية الأولى بإنكار بعضهم للثانية، ولأن في ثبوتها

(1)

الترمذي رقم الحديث 1476 البيهقي ج 14، ص 328.

ص: 69

حذف موصول وبعض الصلة وهو: أن والفعل بعدها وهو ممتنع، وبأن فيه إضمارا كثيرا وهو خلاف الأصل، وبأنه على تقدير ثبوتها لا شاهد فيها لاحتمال أن نصبه بنزع الخافض أي ذكاته في ذكاة أمه؛ أي حاصلة بذكاة أمه على حد:{وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ} ، وهو أولى لقلة الإضمار وللجمع بين الروايتين: وبهذه الأمور يرد على أبي حنيفة، وقوله:"وذكاة الجنين بذكاة أمه"، حيث كان من جنسها ولو من غير نوعها، كبعير ببطن بقرة أو بقرة ببطن ناقة أو شاة ببطن بقرة أو عكسه؛ لأن الجميع من ذوات الأربع، لا خنزير ببطن شاة أو بغل ببطن بقرة أو شاة ببطن خنزير فلا يؤكل شيء من ذلك، ولو عاشت الشاة بنت الخنزيرة زمنا طويلا لم تؤكل حيث علمنا أنها بنتها، فإن نتجت شاة فالظاهر أكلها لبعدها عن الأصل. قاله الشيخ عبد الباقي. وغيره.

ونص الشيخ الأمير: ولا يؤكل محرم ولَدَهُ مباحٌ ولا عكسه، نعم يؤكل نسلُ مباحٍ ولَدَه مُحرَّمٌ لبعده. انتهى. قوله: محرم الأخير، فاعل ولده، وقوله: مباح الأول فاعل ولده، ومباح الأخير مضاف إليه.

إن تم بشعر؛ يعني أنه يشترط في من ذكاة الجنين بذكاة أمه أمران، أحدهما أن يتم خلقه، الثاني أن ينبت شعره فيؤكل حينئذ إن خرج ميتا، ويستحب نحره إن كان من الإبل وذبحه إن كان من غيرها ليرج الدم من جوفه، فإن فقد الشرطان أو أحدهما لم يؤكل

(1)

، ونقل ابن العربي عن مالك جواز أكله وإن لم يتم: وقوله: "إن تم"، خلقه أي الذي خلقه الله عليه ولو ناقص يد أو رجل، والباء في قوله:"بشعر" للمعية؛ أي إنما يؤكل إن تم خلقه مع نبات شر جسده ولو بعضه، كما يشعر بذلك قوله:"بشعر"، لتنكيره لا شعر عينيه أو رأسه أو حاجبيه، فلا يعتبر ذلك، فلو لم ينبت شعره لعارض اعتبر نبات شعر مثله غالبا، ولابد أيضا أن يعلم أنه استمر حيا في بطنها لوقت تذكيتها حياة محققة أو مشكوكا فيها وإلا لم يؤكل، ومن علامات حياته غالبا تمام خلقه ونبات شعره، فالأقسام ثلاثة: تحقق حياته في بطنها إلى ذكاتها، أو شك فيها فيؤكل فيهما بنزوله ميتا إن تم خلقه ونبت شعره، والثالث أن يتحقق موته ببطنها كضربها حتى يموت بها قبل ذكاتها فلا يؤكل بذكاتها ولو تم خلقه ونبت شعره.

(1)

في النسخ: تأكل والمثبت من الحطاب ج 3 ص 20.

ص: 70

وإن خرج حيا ذكي؛ يعني أن محل كون ذكاة الجنين بذكاة أمه إن نزل ميتا، فإن خرج حيا وقد تم خلقه ونبت شعره فلابد من ذكاته؛ لأنه استقل بحكم نفسه فلا يؤكل إلا بذكاة إن كانت حياته يرجى عيشه معها أو يشك فيها، وإن كان الذي به من الحياة رمق يعلم أنه لا يعيش معه فإنه يؤكل بغير ذكاة وهل ذكاته في هذه الحالة إذا لم يسبق بنفسه شرط، وهو ظاهر المص وهو ليحيى بن سعيد وعيسى بن دينار، أو مستحبة وهو المذهب، فلو بودر بالذكاة في هذه الحالة ففات قبل التذكية من غير تفريط أكل، ولهذا قال: إلا أن يبادر فيفوت؛ يعني أن الجنين الذي خرج بعد ذكاة أمه وبه رمق يعلم أنه لا يعيش معه وبادرناه بالتذكية ففات فإنه يؤكل، وقوله:"يبادر"، بفتح الدال أي الجنين، وقوله:"فيفوت"؛ أي يسبق المبادر الموت من غير تفريط، ولو كان الجنين الذي خرج حيا بعد ذكاة أمه لم يتم خلقه ولم ينبت شعره، فذكاته ساقطة لأنه كالميتة.

وما قررت به كلام المص هو الذي قرره به الإمام الحطاب، وقرره الشيخ محمد بن الحسن بناني على أن المراد بقوله:"إلا أن يبادر فيفوت"، استحباب ذكاته أي المأيوس منه فيؤكل بدونها. والله سبحانه أعلم. وإذا قلنا إن ذكاة الجنين بذكاة أمه إن خرج ميتا، فلا فرق بين أن يكون مات في بطن أمه بموتها أو أبطأ موته بعد موتها وترك في بطنها حتى مات، هذا حكم الجنين الخارج بعد ذكاة أمه، وأما المشيمة وهي: وعاء الولد، ففيها ثلاثة أقوال: الجواز والمنع والتفصيل إن أكل الجنين أكلت وإلا فلا، وقد اتضح لك أن هذه الأقوال إنما هي في مشيمة المذكاة وذلك ظاهر. والله سبحانه أعلم. وروى ابن حبيب استثقال أكل عشرة دون تحريم: الأنثيان والعسيب والغدة والطحال والعروق والمرارة والكليتان والحشاو المثانة وأذنا القلب، ونظمها التتائي فقال:

طحال وعرق غدة ومرارة

عسيب حشا والأنثيان مع الكلا

كذا أذن للقلب ثم مثانة

روى ابن حبيب ثقل ذلك فانقلا

ص: 71

وفي القاموس: الغدة والغدودة بضمهما كل عقدة في الجسد أطاف بها شحم، وكل قطعة صلبة من العصب. انتهى. والظاهر أن المراد هنا المعنى الأول وهو الاِخْرَاجْ بالحسانية، هذا ما ظهر لي. والله سبحانه أعلم. والمثانة بالمثلثة: موضع البول، وفي القاموس: الحشا ما في البطن، وفيه أيضا: الحشا ما دون الحجاب مما في البطن من كبد وطحال وكرش وما تبعها. انتهى. المراد منه وقال الصائغ في أنثى الخصي: تؤكل لأنه لولا الحياة لأنتنت.

وتحصل مما مر أن الجنين الذي تم خلقه ونبت شعره إذا ذكيت أمه على أربعة أقسام: أحدها أن يخرج ميتا ولا فرق في هذه الحالة بين أن يكون مات في بطن أمه بموتها وبين أن يكون قد أبطأ موته بعد موتها وترك في بطنها حتى مات فهذا يباح أكله في الحالتين، ثانيها أن يخرج منها حيا كما لو بقر عنه وكانت حياته يرجى عيشه معها، ثالثها أن يخرج حيا حياة يشك في عيشه معها فلابد من ذكاته فيهما ولا تكون ذكاة أمه ذكاة له، رابعها أن يخرج حيا حياة ضعيفة بأن يكون به رمق يعلم أنه لا يعيش معه فيؤكل بغير ذكاة على المذهب. وهو الذي عزاه ابن رشد لمالك وجميع أصحابه، ولكن تستحب ذكاته خلافا ليحيى بن سعيد القائل: إنما يؤكل بغير ذكاة إن خرج ميتا، وأما إن بقر عليه فأخرج يتحرك فلا يؤكل إلا بذكاة وهو اختيار عيسى بن دينار، ولا شك أن عيسى بن دينار من أهل المذهب، وأما يحيى بن سعيد فليس من أهل المذهب.

وأشار إلى الثاني بقوله وذكي المزلق إن حيي مثله؛ المزلق بضم الميم وسكون الزاي وفتح اللام كمكرم اسم مفعول من أزلقت الناقة: أسقطت، والزليق السقط؛ يعني أن المزلق إذا كان فيه من الروح ما يرى أن مثله يعيش فإنه يذكى ويؤكل، فإن لم يذك لم يؤكل، وإن شك هل يعيش أم لا لم يؤكل لا بذكاة ولا بغيرها، قال ابن رشد: اتفاقا. والله أعلم. قاله الإمام الحطاب، وهو تحرير عجيب. وفي كلام بعض الشراح هنا قلق، وكذا في كلامه قلق عند قول المص:"وإن خرج حيا ذكي إلا أن يبادر فيفوت"، وقد تقدم تحرير الكلام عليه فراجعه إن شئت. والله سبحانه أعلم. تنبيه: قال أحمد بن عبد الله الدميري تاج الدين بهرام: والفرق بين هذا الجنين وبين المريضة -في جواز أكلها إذا ذكيت وإن علم أنها لا تعيش إذا تحققت حياتها عند الذبح بوجود علامات

ص: 72

الحياة فيها بعد الذبح- هو أن المريضة قد علمت حياتها بطول مدة إقامتها حية إلى أن ذكيت، والجنين لم تتحقق حياته في بطن أمه؛ إذ لا يعتبر بها لأنه كعضو من أعضائها، بدليل كون ذكاته في ذكاتها. انتهى.

قال جامعه عفا الله عنه: وهذا التعليل جار فيما إذا ولدت البهيمة ولدها بعد تمام أشهره، فيجري فيه قوله:"إن حيي مثله". والله سبحانه أعلم. وقوله: "الزلق"، قال غير واحد: هو ما ألقته أمه في حياتها لعارض، وكثيرا ما يحصل ذلك إذا عطشت ثم شربت كثيرا.

ولما أنهى الكلام على أنواع الذكاة الثلاثة، ذكر الرابع وهو فعل ما به الموت، فقال: وافتقر نحو الجراد لها؛ يعني أن الجراد ونحوه من كل ما لا نفس له سائلة يفتقر للذكاة بنية وتسمية، فلا يؤكل ما لم يذك من ذلك بما يموت به؛ يعني أن تذكية الجراد تحصل بفعل ما يموت به، والظاهر أن الباء في قوله:"بما" للتصوير أو للتعدية، متعلقة بالكون التام حال من الضمير المجرور باللام؛ أي يفتقر نحو الجراد للذكاة حال كون ذكاته حاصلة بما يموت به، ويمكن أن قوله:"بما"، يتعلق بالضمير المجرور باللام على أن ضمير المصدر يعمل، كقول زهير:

وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم

وما هو عنها بالحديث المرجم

وقوله: "وافتقر نحو الجراد لها"، يشترط أن يكون فعل ذلك من مميز يناكح، ويجري فيه وفي ذبح كتابي له لمسلم قولان.

ولو لم يعجل؛ يعني أن الجراد ونحوه لا يؤكل إلا بذكاة، وذكاته ما يموت به، ولا فرق في ذلك بين الفعل الذي يموت به بسرعة كقطع رأسها أو صلقها أو قليها أو شيها، وهذا لا خلاف فيه، وبين الفعل الذي لم يكن من شأنه تعجيل الموت كقطع أرجلها أو أجنحتها أو إلقائها في الماء البارد، لكن لابد من تعجيل الموت به، فلو بعد الموت عنه لكان بمنزلة العدم وهذا هو المشهور، ومقابله أنه لابد في ذكاته من الفعل الذي يموت به بسرعة، وهذا الذي ذكرته من تقييد قوله:"ولو لم يعجل"، بما إذا عجل الموت هو لأبي الحسن تبعا لعبد الحق، وظاهر المص كالمدونة الإطلاق، وفي الخرشي أن تقييد أبي الحسن ضعيف، ومثل للفعل الذي لم يكن من شأنه تعجيل

ص: 73

الموت بقوله: كقطع جناح؛ وإذا قلنا بافتقار الجراد للتذكية فلا يكفي أخذه على المشهور، خلافا لابن وهب القائل: إذا أخذت حية فماتت أكلت وإن لم يقصد إلى إزهاق روحها، بخلاف ما إذا وجدت ميتة فلا تؤكل، وإذا فرعنا على المشهور من أن ما لا يعجل تذكية فلا تؤكل الرجل المقطوعة ولا اليد ولا الجناح ونحوها، فإن صلق منها حي مع ميت أو صلق معه ما قطع منه من رجل ونحوها: فقال أشهب: يطرح الجميع وكله حرام، وقال سحنون: يؤكل الأحياء بمنزلة خشاش الأرض تموت في قدر، وخالف مطرف في الجراد، وقال: إنه لا يفتقر للذكاة، والصحيح من المذهب كما قال المص أن الخشاش لا يؤكل إلا بذكاة، وخرج بعض الشيوخ أكله بغير ذكاة على الخلاف في الجراد، وإليه ذهب القاضي أبو محمد عبد الوهاب، وبه قال أبو الحسن، فإن قلت قوله:"وافتقر نحو الجراد لها بما يموت به": يخالف قوله صلى الله عليه وسلم: (أحلت لنا ميتتان ودمان الحوت والجراد والكبد والطحال

(1)

): فالجواب أنه مؤول بمشابهته للميتة لعدم وقوع الذكاة المعتادة فيه على وجهها؛ لأنه لم يذك في الحلق واللبة، قال الشيخ الخرشي: والحديث صحيح لا يجوز الطعن فيه. انتهى. وقال الشيخ إبراهيم: إن الطرطوشي ذكر أن حديث: أحل لنا ميتتان، على شهرته ليس بثابت. انتهى. والله سبحانه أعلم.

وتتوقف حلية الانتفاع بالجراد على تذكيته كما علمت، كان الانتفاع أكلا أو غيره، خلافا للمفصل بين ما مات بنفسه فيحل وما أخذ مستجمع الحياة فلا يباح إلا بها، ودود الطعام يؤكل معه إذا كان لمتصلا به، فإن انفصل عنه صار من جملة الخشاش فلا يؤكل إلا بذكاة، وكذلك دود الجبن وهو متصل به لا يحتاج لذكاة ولا يقصد بالأكل ذكاته للمشقة، فإن انفصل عنه صار من جملة الخشاش؛ وكذلك حيوان عسل النحل لو مزق فيه، وكل هذا فيما تولد منه، بخلاف النمل لو وقع في العسل مثلا لا يؤكل إذا تمزق فيه ولم يتميز. قاله الخرشي. وفي التيسير عن الشيخين وأبي داوود والنسائي والترمذي: عن أبي أوفى رضي الله عنه: غزونا مع رسول الله صلى الله

(1)

ابن ماجه رقم الحديث 6314، 3218 إتحاف، ج 2، ص 315 ج 7 ص، 122.

ص: 74

عليه وسلم، (وكنا نأكل معه الجراد

(1)

)، وفيه أنه قال: (أكثر جنود الله لا آكله ولا أحرمه

(2)

)، وفيه أنه صلى الله عليه وسلم دعا على الجراد، فقال: (اللهم اقتل الجراد اقتل كباره وأهلك صغاره واقطع دابره وخذ بأفواهها عن معايشنا وأرزاقنا إنك سميع الدعاء

(3)

).

ويكتب لصرف الجراد على أجنحة تسع جرادات الأولى: {فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} ، الثانية:{حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} ، الثالثة:{فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (29) قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (30) يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ} ، الرابعة:{ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ} الخامسة: {وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ} ، السادسة:{تَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} ، السابعة:{وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ} ، الثامنة:{يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ} ، التاسعة:{وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ} {وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ} .

ولما كانت المطعومات على ضربين أحدهما حيوان يحتاج لذكاة وقد تقدم وحيوان لا ذكاة فيه إما لاستغنائه عنها أو عدم تأثيرها فيه كالبحري والمحرم. ونبات وغيره من جامد ومائع، عقد لهذا الضرب بابا مع ذكر ما يباح من الضرب الأول وما يكره منه، فقال:

(1)

التيسير ج 3 ص 90 وأبو داود رقم الحديث 3813 ابن ماجه رقم الحديث 3219

(2)

التيسير ج 3 ص 90

(3)

التيسير ج 3 ص 90

ص: 75

‌باب: يذكر فيه المباح من الأطعمة والمكروه منها

والمحرم منها والكلام في هذا على ضربين الأول في حال الاختيار والثاني في حال الضرورة، وعلم مما مر أن سائر المطعومات ضربان: حيوان ويحتاج بعضه إلى ذكاة وبعضه لا يحتاج إليها كالبحري، ونبات وغيره من الجامدات والمائعات، والأطعمة التي لا تحتاج إلى ذكاة يجوز أكلها ما لم تكن نجسة بنفسها أو بمخالطة نجس فيطرح جميع الطعام إن كان مائعا وما سرت فيه خاصة إن كان جامدا، وبدأ ببيان حكم المباح من الأطعمة في حال الاختيار، فقال: المباح طعام طاهر؛ يعني أنه يباح في حال الاختيار تناول كل طعام طاهر أكلا وشربا، فدخل كل طعام مائع وجامد حتى اللحم المني، وأهدي له صلى الله عليه وسلم طعام فيه قديد فأكل من ذلك الطعام، والقديد: اللحم المطبوخ الميبس. قاله في التيسير. ودخل أيضا كل مشروب حتى البول من المباح، وخرج النجس والمتنجس على ما مر في قوله:"وينجس كثير طعام مائع"، لخ وإذا وجد حوت في بطن حوت أكل، وإن وجد في بطن طائر ميت فقيل لا يؤكل؛ لأنه صار نجسا، وقال ابن يونس: الصواب جواز أكله كما لو وقع في نجاسة فإنه يغسل ويؤكل، قال البرزلي: وفرق شيخنا الإمام بأن وقوعها في نجاسة أخف بخلاف حصوله في بطن الطير، إذ قد مر عليه زمن تسري فيه النجاسة بالحرارة؛ فأشبه طبخ اللحم بالماء النجس إلا أن يقال: إن النار في الحرارة أشد، وعلى هذا لو حصلت في بطن خنزير ومات فإنه يجري على ما مر.

ابن مرزوق: وإذا اختلط الطعام بالتراب ونحوه بحيث لا يمكن النفع به سقطت حرمته. القوري رحمه الله: في أكل الخبز المحترق الذي صار كالتراب قولان، وكان الشيخ ابن عرفة رحمه الله يقول في الطعام في الشوارع: إن قل ولم يكن في طين يلزم لقطه، وينبغي للمار في الأسواق أن ينوي أنه إن رأى قرطاسا في سكة الطريق رفعه من موضع المهنة إلى موضع طاهر يصونه فيه، ولا يقبله ولا يضعه على رأسه؛ لأن ذلك بدعة، وسواء كان مكتوبا أو غير مكتوب، وكذا ينوي أنه إذا وجد خبزا أو غيره مما له حرمة مما يؤكل يزيله إلى موضع طاهر يصونه، ولا يضعه على رأسه ولا يقبله تحرزا من تلك البدعة، وكان الشيخ الرجاني رحمه الله إذا جاءه القمح لم يترك أحدا من الفقراء في الزاوية يعمل في ذلك اليوم عملا حتى يلقطوا ما وقع من الحب بالباب والطريق؛

ص: 76

وهذا الباب مجرب، فكل من عظم نعم الله تعالى لطف به وأكرم، وإن وقعت الشدة بالناس جعل الله لمن هذه عادته فرجا ومخرجا، فعلى منوالهم فانسج إن كنت ذا حزم. نقله الشيخ ميارة.

وقوله: "المباح"؛ يعني المباح في نفسه لا المباح باعتبار شخص معين، ولهذا قال الشيخ محمد بن الحسن في قول الشيخ عبد الباقي: المباح طعام طاهر لم يتعلق به حق الغير. انتهى: الصواب إسقاطه؛ لأن المقصود بيان المباح في نفسه لا المباح باعتبار شخص معين.

والبحري؛ يعني أن الحيوان البحري مما يباح تناوله في حال الاختيار، قال جل من قائل:{وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا} ، وقال جل من قائل:{أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ} . وإن ميتا؛ يعني أن الحيوان البحري لا يفتقر لذكاة، فميتته حلال لقوله صلى الله عليه وسلم: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته

(1)

)، وقال أبو حنيفة: إذا مات حتف أنفه فهو حرام لعموم قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} ، ولنهيه عليه الصلاة السلام عن أكل الطافي

(2)

)، وقال:(ماحور عنه البحر فكلوه وما مات وطفا فلا تأكلوه)، ولأنه مات حتف أنفه، والجواب أن الآية مخصوصة بميتة البر للحديث السابق، وأن حديث النهي عن ذلك ضعيف، ولقوله تعالى:{أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ} ، ولا طعام بعد الصيد إلا الطافي، ولما في الصحيح (أن أبا عبيدة والصحابة رضي الله عنه وعنهم وجدوا على شاطئ البحر دابة تدعى العنبر، فأكلوا منها وادهنوا وأتوه صلى الله عليه وسلم فسألوه عليه الصلاة والسلام عن ذلك، فقال: هل معكم منه شيء أطعموني

(3)

)؛ وقوله: "والبحري" أل فيه للاستغراق، فيشمل آدمي الماء وكلبه وخنزيره، وهو المعتمد خلاف ما يأتي من الكراهة، وقوله:"وإن ميتا"، قال الشيخ إبراهيم: سواء وجد راسبا في الماء أو طافيا أو في بطن حوت أو طير، وسواء ابتلعه ميتا أو حيا ومات في بطنه على ما صوبه ابن يونس والقرافي، حيث قال: يغسل ويؤكل والراسب بالباء الوحدة، وهو ما يستقل في الماء بأن ينزل إلى قر البحر مثلا، والطافي هو الذي يرتفع ويعلو على وجه الماء، ومن باع حوتا طافيا ولم يبين فذلك عيب للمشتري

(1)

الموطأ، كتاب الطهارة ص 50

(2)

أبو داود، رقم الحديث 3815 وابن ماجه رقم الحديث 3247

(3)

مسلم، رقم الحديث 1935، البخاري، رقم الحديث 4361.

ص: 77

الرد؛ لأن النفوس تكرهه. وقد مر أن الأصل في حل البحري قوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ} .

ابن بطال: صيده ما صيد وطعامه ما رمى به، وقال أبو بكر رضي الله عنه: كل دابة في البحر فقد ذكاها الله تعالى، وحكى صاحب التهذيب عن شيوخه: من اشترى حوتا فوجد في بطنه جوهرة غير معمولة فإنها للبائع؛ لأنه لم يبعها إن كان صيادا، وإن تداولتها الأيدي فلقطة. الأبياني: كما لو كانت مثقوبة، ولو وجد في بطنه حوتا آخر وتنازعا فيه، فأفتى موسى بن الأسود: إن كان اشتري وزنا فللمشتري وجزافا فللبائع. قاله الشيخ إبراهيم.

وسئل مالك عن لبن ماتت فيه خنفساء وأراد صاحبه بيعه، هل يبين؟ قال: نعم، إني أرى ذلك إذا باعه أن يبين ما مات فيه لا تكره الناس من الأشياء التي تموت فيها هذه الدواب، ولا أرى بأكله بأسا والعقرب مثله. ابن رشد: ذلك في طافي الحوت أبين. قاله الشيخ الخرشي. وطير؛ يعني أن الطير كله مباح، والتنوين فيه وفيما بعده للاستغراق على حد قوله تعالى:{عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ} . ولو جلالة؛ يعني أن الطير يباح أكله ولا إشكال في ذلك ولو أكل الجيف والجلالة في اللغة البقرة التي تتبع النجاسات، وفي الحديث (نهي عن لبن الجلالة

(1)

)، والفقهاء يستعملونها في كل حيوان يستعمل النجاسة، وقال ابن الأثير في غريب الحديث: الجلالة من الحيوان التي تأكل العذرة، وأتى المص بلو المشعرة بالخلاف تبعا للخمي، قال عنه في التوضيح: اختلف في الحيوان يصيب النجاسة، هل تنقله عن حكمه قبل أن يصيبها؟ فقيل: هو على حكمه في الأصل في أسآرها وفي أعراقها ولحومها وألبانها وأبوالها، وقيل: تنقله وجميع ذلك نجس، ولم يتبع صاحب البيان.

قال في التوضيح عنه: واتفق العلماء على أكل ذوات الحواصل من لجلالة، واختلفوا في ذوات الكرش، فكره جماعة أكل الجلالة منها وشرب ألبانها لما روي عنه صلى الله عليه وسلم (أنه نهى عن لحوم الجلالة وألبانها

(2)

)، ولا خلاف في المذهب في أن أكل لحم الماشية والطير الذي

(1)

التيسير ج 3 ص 90 أبو داود، كتاب الأطعمة، رقم الحديث 3786.

(2)

نهى عن أكل الجلالة وألبانها. أبو داود، كتاب الأطعمة، رقم الحديث 3785 والترمذي، كتاب الأطعمة، رقم الحديث 1824.

ص: 78

يتغذى بالنجاسة حلال جائز، وإنما اختلفوا في الأبوال والألبان والأعراق، وقال ابن عبد السلام: وكلام اللخمي هو الصحيح، قال الشارح: لأن الخلاف منصوص عليه في المذهب في غير كتاب، فلا يحسن حينئذ نفيه.

وذا مخلب؛ يعني أن الطير كله يباح أكله ولو كان جلالة أو ذا مخلب أي الذي يصطاد، كالبازي والعقاب والصقر، والرخم بفتحتين واحدة رخمة: طائر خبيث يأكل العذرة، ويسمى الأنوق بفتح الهمزة ولا يبيض إلا في محل لا يصل إليه أحد، وفي المثل: أعز من بيض الأنوق، وروي عن الإمام مالك أنه لا يؤكل كل ذي مخلب، وظاهره المنع، وحكى عنه ابن أبي أويس كراهة أكل كل ذي مخلب.

وفي مسلم وأبي داوود أنه عليه الصلاة والسلام (نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير

(1)

)، والمشهور الأول نص عليه غير واحد، قال في المدونة: ولا بأس بأكل الجلالة من الأنعام والرخم والعقبان والنسور والحدأة والغربان والهدهد والخطاف وشبهها، وجميع الطير سباعها وغير سباعها ما أكل منها الجيف وما لم يأكلها. قاله الشارح. وفي الوطواط ثلاثة أقوال، والقول بالتحريم هو المشهور، وفي التيسير عن أبي داوود عن سفينة رضي الله عنه، (قال: أكلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لحم حبارى

(2)

)، وفيه أنه صلى الله عليه وسلم أكل الدجاج

(3)

)، وفي الحديث: (ويؤكل ما دف أي ما حرك جناحيه لا ما صف كالنسور

(4)

)، وفي خبر أبي داوود: (نهى الرسول عليه السلام عن قتل أربع من الدواب النملة والنحلة والهدهد والصرد

(5)

). انتهى. والصرد طائر يألف البحر أحمر المنقار والرجلين، يقال: إنه أول طائر صام لله، ويقال إنه كان مع نوح في السفينة، وإنه كان يوقظ نوحا عليه السلام في جوف الليل.

وقد علمت أن المشهور في ذي المخلب من الطير الإباحة، لقوله تعالى: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا

(1)

مسلم: رقم الحديث 1932، أبو داود رقم الحديث 3803.

(2)

التيسير ج 3 ص 90.

(3)

التيسير ج 3 ص 91

(4)

النهاية ج 2 ص 125.

(5)

أبو داود، رقم الحديث 5267.

ص: 79

أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ}، والمخلب للطائر والسبع بمنزلة الظفر للإنسان، وروي عن مالك كراهة أكل الخطاف لقلة لحمه فهو تعذيب من غير فائدة.

ونعم؛ يعني أن النعم وهو الإبل والبقر والغنم يباح أكله ولو جلالة، فهي على حكمها في الأصل في إباحة أسئارها وأعراقها ولحومها وألبانها، ولو تغيرت اللحوم والألبان. هذا هو المشهور.

وفى الحطاب قال ابن رشد: يمنع من ذبح فتيّ الإبل مما فيه الحمولة، وذبح الفتي من البقر مما هو للحرث، وذبح ذوات الدر من الغنم للمصلحة العامة.

ووحش لم يفترس؛ يعني أن الوحش وهو الحيوان البري الذي لا يألف الإنس غالبا يباح أكله إذا كان لا يفترس أي يصير حيوانا آخر فريسة أي قتيلا أو مدقوق العنق فيأكله، وافترسه: اصطاده، والحيوان الذي لا يفترس كالغزلان وبقر الوحش وحمره والضب، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن خالد بن الوليد رضي الله عنه أخبره أنه دخل مع النبي صلى الله عليه وسلم على ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم وهي خالته وخالة ابن عباس رضي الله عنهما، فوجد عندها ضبا محنوذا فقدمته إليه وكان قلما يقدم إليه طعام حتى يحدث عنه ويسمى له، فأهوى إليه بيده فقالت امرأة من النسوة الحضور: أخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قدمتن له، فقلن: هو الضب، فرفع يده فقال خالد رضي الله عنه: أحرام هو يارسول الله؟ قال: لا ولكنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه، قال خالد: فاجتررته فأكلته ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر فلم ينهني

(1)

). رواه في التيسير عن الستة إلا الترمذي.

وأما الوحش البري المفترس كالأسد والنمر والفهد والضبع والهر الوحشي، فإنه اختلف في ذلك على ثلاثة أقوال: الأول وهو مذهب الموطإ تحريم الجميع، لما خرجه مالك وغيره: (أكل كل ذي ناب من السباع حرام

(2)

)، والثاني أن جميع ذلك مكروه وهو الذي يحكيه العراقيون عن المذهب، وهو ظاهر المدونة وهو الذي مشى عليه المص فيما يأتي، وسيأتي توجيهه إن شاء الله تعالى: والقول الثالث الفرق بين ما يعدو، -والعداء خاص بالآدمي والافتراس عام في الآدمي وغيره-،

(1)

التيسير ج 3 ص 88.

(2)

الموطأ ج 1 ص 323. ومسلم، كتاب الصيد، رقم الحديث 1933.

ص: 80

كالأسد والنمر فيحرم، وبين ما لا يعدو كالضبع والهر والثعلب والذئب فيكره، وهذا قول ابن حبيب، ونقله عن المدنيين من أصحاب مالك. قاله الش.

كيربوع، هذا مثال للوحش الذي لم يفترس؛ يعني أن اليربوع وهو دويبة أكبر من الفأر ورجلاه أطول من يديه عكس الزرافة مما يباح أكله، وخلد؛ يعني أن الخلد مباح وهو فأر أعمى يكون في الصحاري والأجنة لا يصل للنجاسة، أعطي من الحس ما يغني عن البصر وهو مثلث الخاء مع فتح اللام وسكونها، قال الشيخ عبد الباقي: وفأر الغيضة يباح أكله، وما يصل للنجاسة كالذي في البيوت يكره أكله على المشهور إن تحقق أو ظن استعماله لها، فإن شك لم يكره، ورجيع المكروه نجس، ورجيع المباح طاهر. وقوله: يكره أكله على المشهور، قال الشيخ محمد بن الحسن: فيه نظر، والذي في كتاب الطهارة من التوضيح في الفأر والوطواط ثلاثة أقوال، والقول بالتحريم هو المشهور ونقله الحطاب. وذكر عن ابن رشد أيضا أنه استظهر التحريم. انتهى ونحوه للشيخ ميارة. ونصه: وفي الفأر والوطواط التحريم وهو المشهور والإباحة والكراهة. انتهى. وذكر عن الشيخ عبد الرحمن حرمة بنت عرس.

ووبر؛ يعني أن الوبر مباح وهو دويبة من دواب الحجاز فوق اليربوع ودون السنور أي الهر، طحلاء اللون حسنة العينين شديدة الحياء لا ذنب لها، توجد في البيوت جمعها وبار، قال عنترة:

قتلت سراتكم وخسلت منكم

خسيلا مثل ما خسل الوبار

ومعنى خسلت: نفيت أو ذللت، والوبر بفتح الواو وسكون الباء آخره راء، وقال ابن عبد السلام بفتح الباء، ومعنى طحلاء اللون أنها بين البياض والغبرة، وأرنب بفتح الهمزة وسكون الراء المهملة وفتح النون: دويبة فوق الهر ودون الثعلب معروفة؛ يعني أن الأرنب مباحة، وفي الخبر عن أنس رضي الله عنه أنه قال: (أنفجنا أرنبا بمر الظهران فأدركتها، فأخذتها وأتيت بها أبا طلحة رضي الله عنه فذبحتها بمروة، فبعث معي بفخذها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم

ص: 81

فأكله، قيل له: أكله؟ قال قبله

(1)

). رواه في التيسير عن الخمسة، وهم في اصطلاحه: الشيخان مسلم والبخاري، وأصحاب السنن الثلاثة: أبو داوود والنسائي والترمذي.

وقنفذ؛ بضم أوله مع ضم ثالثه وفتحه بينهما نون ساكنة وآخره ذال معجمة كله شوك إلا رأسه وبطنه ويديه ورجليه وهي بهاء. ويقال له الشيهم بفتح الشين والهاء؛ يعني أن القنفذ مباح، نص على ذلك في المدونة. وضربوب؛ بضاد معجمة مفتوحة وراء ساكنة فباءين موحدتين بينهما واو ساكنة؛ يعني أن الضربوب من المباحات نص على ذلك في المدونة وهو كالقنفذ في الشوك إلا أنه يقرب من الشاة في الخلقة. وحية أن سمها؛ يعني أن الحيات مما يباح إذا أمن سمها وذكيت في موضع ذكاتها وهو حلقها الذي هو موضع الذكاة من غيرها.

وبما قررت علم أنه لابد في تذكية الحية من التذكية المعتادة في غيرها، وفي المدونة: وإذا ذكيت الحيات في موضع ذكاتها فلا بأس بأكلها. أبو الحسن الصغير: في موضع ذكاتها يريد حلقها وهو موضع الذكاة من غيرها. انتهى. وعبارة الأمير مشبها على المباح: كحية أمن سمها بقطع ذنبها مع رأسها مرة بعد سكون خضبها، ولابد أن يقطع من مقدم الحلقوم. انتهى. ابن بشير: يحرم ذو السم إن خيف منه وإلا حل. الباجي: لا تؤكل حية ولا عقرب. الأبهري: إنما كرهت لجواز كونها من السباع وللخوف من سمها، ولم يقم دليل على حرمتها ولا بأس بها تداويا، ولذا أبيح الترياق. وفي الطراز: المشهور إباحة العقرب، وقيل تكره، وروى ابن حبيب كراهة العقرب، وذكاتها قطع رأسها، وروى ابن القاسم في المدونة: يباح أكل الحية إن أمن سمها وذكيت في حلقها واحتيج لأكلها: وله في غيرها: وإن لم يحتج لأكلها وهو ظاهر المص. النووي: السم بفتح السين وضمها وكسرها والفتح أفصح، وجمعه سمام وسموم.

وخشاش أرض؛ يعني أن خشاش الأرض مما يباح أكله وهو ما لا يخرج من الأرض إلا بمخرج، ويبادر برجوعه لها كعقرب وخنفساء وبنات وردان ونمل ودود وسوس وحلم، ويدخل فيه الوزغ والسلحفة وشحمة الأرض فإنها من المباح وإن كانت ميتتها نجسة؛ لأن لها نفسا سائلة، وذكر الحطاب عن ابن عرفة أن الوزغ لا يؤكل، ولعله لما فيه من السم، وخشاش الأرض مثلث الخاء

(1)

التيسير ج 3 ص 89.

ص: 82

وبالفتح: الرجل الخفيف الرأس، ودود الطعام لا يحرم أكله معه، فإن انفرد عن الطعام فلا شك أنه يفتقر للذكاة.

وفي كتاب الشيخ الأمير: وأكل ما لا دم له كالذباب والنمل مخلوطا بطعام، فإن غلب الطعام، فإن تميز أخرج ولو واحدة إلا الحي فيؤكل بنية الذكاة مطلقا، كميت تولد منه كدود الجبن وسوس الفاكهة. انتهى. وقال الباجي: أكل الخشاش مكروه، وفي ابن بشير: المخالفون يحكون عن المذهب جواز أكل المستقذرات والمذهب خلافه.

وقال ابن هارون: ظاهر المذهب كما ذكر المخالف، وقال ابن العربي: قال مالك: حشرات الأرض مكروهة، وقال أبو حنيفة والشافعي: محرمة وليس لعلمائنا فيها متعلق، ولا للتوقف عن تحريمها معنى ولا في ذلك شك، ولا لأحد عن القطع بتحريمها عذر.

قال في الذخيرة بعد أن ذكر عن الجواهر ما قاله ابن بشير في المستقذرات ما نصه: والعجب من نقل الجواهر مع قوله في الكتاب: لا بأس بأكل خشاش الأرض وهوامها وأي شيء بقي من الخبائث بعد الحشرات والهوام والحيات. انتهى. وروى ابن حبيب: من احتاج إلى أكل شيء من الخشاش ذكاه، كالجراد والعقرب والخنفساء والجندب والزنبور والذر والنمل والسوس والحلم والدود والبعوض والذباب، وإذا كثر روث الفأر في الطعام فإنه يغتفر للخلاف فيه والمشقة، وتقدم أن دود الطعام لا يحرم أكله معه، فإن قلت: روى أبو داوود (أنه عليه الصلاة والسلام أتى بتمر عتيق فجعل يفتشه يخرج السوس

(1)

)، وذلك يدل على التحريم أو الكراهة، فالجواب أنه يجوز أن يكون ذلك لكونه عافته نفسه صلى الله عليه وسلم كما فعل في الضب. قاله الحطاب.

وعصير؛ يعني أن العصير وهو ماء العنب أول عصره مباح، وهو فعيل بمعنى مفعول أي معصور، قال في المدونة: وعصير العنب ونقيع الزبيب وجميع الأنبذة ما لم تسكر من غير توقيت بزمان ولا هيئة، ولا يحد الطبخ بإذهاب الثلثين ولا بغيرهما، بل بما منع إسكار كثيرة. وفقاع كرمان؛ يعني أن الفقاع مما يباح تناوله في حال الاختيار، وهو شراب يتخذ من القمح والتمر، وقيل: ماء جعل فيه زبيب ونحوه حتى انحل. وسوبيا؛ يعني أن السوبيا مباح وهو فقاع يميل إلى الحموضة

(1)

أبو داود، رقم الحديث 3832

ص: 83

بما يضاف إليه من عجوة ونحوها. وعقيد؛ يعني أن العقيد مباح وهو ماء العنب يغلى على النار حتى ينعقد ويذهب منه الإسكار، ويسمى بالرب الصامت، ولا يحد غليانه بقدر وإنما المعتبر فيه الإسكار وعدمه، كما مر عند قوله:"وعصير"، فما يمنع إسكار الكثير منه هو المعتبر: وفي الحديث: (ما أسكر منه الفرق فملء الكف منه حرام

(1)

). انتهى. وقوله: "عقيد"؛ فعيل بمعنى مفعول كنبيذ بمعنى منبوذ، وعصير بمعنى معصور أمن سكره؛ يعني أن محل إباحة هذه الأمور المتقدمة من قوله:"وفقاع وسوبيا وعقيد"، إنما هو حيث كان الإسكار مأمونا مذما، وأما العصير فلا يتصور فيه سكر إلا بإضافة شيء إليه، وفي بعض النسخ: سكرها، وهي أحسن. كما في الشبراخيتي.

وللضرورة ما يسد؛ هذا هو الضرب الثاني من المباح؛ يعني أنه يباح للضرورة وهي خوف الهلاك على النفس علما أو ظنا تناول كل ما يسد الجوع من جميع المحرمات إلا ما استثناه، ولا يشترط أن يصل إلى حال يشرف معها على الهلاك، فإن الأكل بعد ذلك لا يفيد. قاله غير واحد. وقال التتائي: وهل حد الاضطرار خوف الهلاك أو خوف المرض؛ قولان، ومعنى يباح: يؤذن فيه شرعا، فلا ينافي أنه يجب الأكل لإنقاذ النفس.

واعلم أنه للمضطر أن يشبع ويتزود، فإن استغنى طرح ما كان معه، وإذا تزود من خنزير لم يجد سواه ثم لقي ميتة تقدم عليه عند الاجتماع طرحه وأخذ الميتة، وقوله:"يسد"، إن حمل على سد الرمق كما هو ظاهره خلاف ما قدمته في أول الحل كان ماشيا على ما لابن حبيب وابن الماجشون، ونقله عبد الوهاب رواية عن مالك، ونقل أيضا عن ابن المواز، وعلى هذا فلا يشبع ولا يتزود، والراجح أن للمضطر أن يشبع ويتزود وإذا استغنى طرح ما تزود به، وفي الرسالة: ولا بأس للمضطر أن يأكل الميتة ويشبع، فإن استغنى عنها طرحها. انتهى. وقوله: فإذا استغنى عنها لخ؛ أي بوجود ما يقدم عليها ولو كان حراها على غيره، كطعام غير إن لم يخف القطع، وإذا أبيحت له للضرورة فيباح له الأكل منها، وإن لم يضطر حتى يجد غيرها مما يحل له ولو كان محرما على غيره. قاله الشبراخيتي. وفيه ما يفيد أن الحرام إذا غلب وتعذر تحصيل الحلال

(1)

الميزان 10408 بهذا اللفظ وانظر الإتحاف ج 6 ص 16.

ص: 84

لا يمنع الأكل منه. ابن غازي: صواب. قوله "يسد": يشبع: وظاهر كلام المص يشمل العاصي بسفره، وشهره ابن زرقون، وتبعه القرافي وابن جزي، قال ابن زرقون: ووجهه قوله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} ، ومقابله لابن حبيب محتجا بقوله تعالى:{فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ} الآية، ولا يقتل نفسه بل يتوب ثم يتناول الميتة بعد توبته. قوله:"وللضرورة ما يسد" اختلف في هذا هل هو من باب الإباحة أو من باب المعفو عنه؟ قال البساطي: الأول قول جمهور العلماء وهو ظاهر كلام الأئمة والأحاديث، والثاني هو التحقيق؛ إذ الميتة لا تنفك عن النجاسة وهو عين التحريم، لكن هذا تحريم لا إثم فيه لإحياء النفس. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: وقد نص القرافي في فروقه على أنه إن لم يغسل فمه بطلت صلاته، ونقله ابن فرحون في ألغازه. انتهى. وقد تقدم أنه إذا أبيح له الأكل منها للضرورة صار له الأكل منها بعد ذلك، وإن لم يضطر حتى يجد غيرها مما يحل له، ولو كان محرما على غيره. قاله غير واحد. وقوله:"وللضرورة ما يسد"، قال ابن العربي: المخمصة لا يخلو إما أن تكون دائمة فلا خلاف في جواز الشبع منها، وإن كانت نادرة فاختلف العلماء في ذلك على قولين: الأول يأكل حتى يشبع ويتضلع. قاله مالك وغيره، والثاني يأكل بمقدار سد الرمق، وبه قال ابن الماجشون وابن حبيب. انتهى. نقله الشارح.

فتحصل مما مر أن في المسألة ثلاثة أقوال: المشهور وهو قول سحنون والأكثر أنه يأكل ويشبع ويتزود، ثانيها أنه يسد الرمق وعليه فلا يشبع ولا يتزود، ثالثها أنه يشبع ولا يتزود. غير آدمي يعني أنه يباح للمضطر كل ما يرد عنه ضرورة الجوع أو العطش أو يخففها عنه من الأطعمة النجسة والميتة من كل حيوان غير الآدمي، وأما ميتة الآدمي فلا يباح له أكلها مسلما أو كافرا، وإن كان يموت إن لم يأكلها، ويباح له أيضا تناول الدم وشرب المياه النجسة وغيرها من المائعات، وقوله:"غير آدمي"، يدخل فيه العذرة كما نص عليه الشيخ إبراهيم، وقوله:"غير"، يصح رفعه على أنه بدل من "ما"، ونصبه على أنه حال منها، وعلة حرمة ميتة الآدمي التعبد، وقدم المص ذلك بقوله: والنص عدم جواز أكله لمضطر، وكون حرمته تعبدية هو المشهور، وقيل: لإذايته لأنها إذا جافت صارت سما، وقيل: إن ميتة الآدمي يجوز أكلها مع الضرورة، وقد قدم

ص: 85

المص ذلك أيضا بقوله: وصحح أكله أيضا، والمنع شامل لأكله من نفسه: كيده أو رجله ولا يبعد القول بإباحة أكله من بعض أعضائه حفظا لنفسه، كمن لدغته أفعى في يده وكان يرجو الحياة بقطعها قبل سريان السم فيه فإنه يجب القطع حينئذ.

وخمر؛ يعطي أن المضطر يحل له كل ما يرفع الضرورة أو يخففها إلا ما كان من الآدمي -كما مر- والخمر، فلا بباح له استعمالهما، أما الخمر فلأنها لا تفيد في الجوع ولا في العطش بل ربما زادت العطش، وقيل: تباح لأنها قد تخفف ذلك على الجملة ولو لحظة، وقال الشيخ أبو بكر الأبهري: إن ردت الخمر عنه جوعا أو عطشا شربها، واختاره القاضي أبو بكر؛ يعني ابن العربي: لأنه تعالى قال في الخنزير: {فَإِنَّهُ رِجْسٌ} ، ثم أباحه في حال الضرورة بقوله عز وجل:{فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ} الآية، وقال في الخمر: إنه رجس فتباح للضرورة كالخنزير بالمعنى الجلي الذي هو أقوى من القياس، ولابد أن تروي الخمر ولو ساعة وترد الجوع ولو ساعة أو مرة، وقد مر الكلام على جيفة الآدمي.

إلا لغصة؛ يعني أن الخمر لا تحل لضرورة أي ضرورة إلا ما كان من إساغة الغصة، فإنه تجوز إساغة الغصة بالخمر أي إزالتها بها عندى عدم ما يسيغها به غيرها، ويصدق في شربها لغصة إن كان مأمونا، وأولى مع قرينة صدقه، فإن قامت قرينة كذبه لم يصدق كعدم قرينة وهو متهم. قاله الشيخ عبد الباقي. وعبارة الشيخ الأمير: ولا يشرب الخمر إلا لغصة خشي منها الهلاك، وصدق المأمون وعمل بالقرائن في تكذيب المأمون وتصديق غيره أنه شربها لغصة. انتهى. وقوله:"غير آدمي"، قال الشيخ عبد الباقي: حقه أن يزيد وغير ضالة الإبل، قال الشيخ محمد بن الحسن: هذا غير صحيح، والصواب ما ذكره بعد من أن ضالة الإبل تتعين إذا انفردت، وتقدم عليها الميتة عند الاجتماع. هذا هو الذي يفيده نقل المواق عن ابن القاسم. انتهى.

ثم ذكر ما إذا تيسر للمضطر محرمات في الأصل، ما الذي يقدم منها ويؤخر؟ وأن الأخف تحريما يقدم على الأشد، فقال: وقدم الميتة على خنزير؛ يعني أن المضطر إذا اجتمع عنده ميتة غير ميتة الآدمي مع خنزير فإنه يقدم تلك الميتة على الخنزير وجوبا، ولا يحل له تناول الخنزير مع وجود تلك الميتة ولو كان الخنزير مذكى؛ لأن التحريم المخفف أولى بالارتكارب من التحريم

ص: 86

المثقل؛ لأن الخنزير لا يحل مطلقا وميتة من غير الآدمي تحل إذا كانت حية، إما اتفاقا وإما على اختلاف ولو خارج المذهب، ولذا من أكره على الزنى بمحرم أو أجنبية غير محرم يقدم الأجنبية على القول بجواز الزنى للمكره، وتقدم أنه إذا حل الخنزير للمضطر يندب له تذكيته، وأنه في كلام أبي بكر الوقار ما يقتضي الوجوب.

وصيد لمحرم؛ يعني أن المضطر كما يقدم الميتة على الخنزير يقدمها أي الميتة أيضا على ما صاده محرم، والمراد بالصيد هنا الصيد؛ يعني الحي فيأكل الميتة ولا يذكي الصيد؛ لأنه بذكاته يكون ميتة: ومحل تقديم الميتة على صيد المحرم ما لم تكن الميتة متغيرة يخاف على نفسه من أكلها، وقوله:"وصيد لمحرم"، خالف في ذلك ابن عبد الحكم، وقال: يقدم صيد المحرم على الميتة. لا لحمه؛ يعني أن المضطر إذا وجد ميتة وصيد محرم قد ذبح فإنه لا يقدم الميتة عليه، بل يقدم أكل الصيد المذبوح، وهل ندبا وهو ظاهر الجواهر أو وجوبا وهو ظاهر التعليل، بأن لحم صيد المحرم حرمته عارضة لأنها خاصة بالإحرام؛ بخلاف الميتة فحرمتها أصلية.

قال ابن عاشر: المراد بالصيد هنا المصيد؛ يعني الحي بدليل قوله: "لا لحمه"، وأما الاصطياد فأحرى، وقوله:"لا لحمه" إذا وجده قد صاده محرم أو صيد لد وصار لحما، فلا يقدم الميتة عليه بل يقدمه عليها، ولا شك أن كلام خليل لا يشعر بهذا المعنى، فلو قال: عكس لحمه وطعام غير لأفاده صريحا. انتهى. ويفهم من هذا أن الصور تلاث: الأولى الاصطياد تقدم عليه الميتة لما فيه من حرمة الاصطياد وحرمة ذبح الصيد، الثانية الصيد الحي الذي صاده المحرم تقدم الميتة أيضا عليه فلا يجوز له ذبحه؛ لأنه إذا ذبحه صار ميتة فلا فائدة في ارتكاب هذا المحرم، الثالثة إذا كان عنده صيد صاده هو أو غيره لمحرم وذبح فهذا مقدم على الميتة ولا تقدم الميتة عليه؛ لأن لحم صيد المحرم حرمته عارضة بخلاف الميتة فحرمتها أصلية، وهذه الصورة هي المشار إليها بقوله:"لا لحمه". هذا أحسن ما يقرر به كلاهه. قاله الشيخ محمد بن الحسن.

وقوله: "وصيد لمحرم"، الظاهر تقديمه على الخنزير، لقول ابن عبد الحكم بتقديمه على الميتة وقال الشيخ إبراهيم: ويفهم من كلامه تقديم صيد المحرم على الخنزير، وكذا يقدم ما اختلف في تحريمه كالحمام الأهلية والخيل والبغال، وقوله:"وصيد لمحرم لا لحمه"، قد علمت تحريره،

ص: 87

وفي كارم بعض الشراح هنا قلق بين. والله سبحانه أعلم. وعبارة الأمير: وقدم الميتة على ضوال الإبل التي لا تلتقط وعلى الخنزير وعلى صيد للمحرم فيه دخل، فإن نزل وذبحه قدمه، وهو معنى قول الأصل:"لا لحمه".

وطعام غير؛ يعني أن المضطر مسلما أو غيره إذا وجد ميتة وطعام غير فإنه لا يقدم الميتة عليه، بل يقدم طعام الغير على الميتة ندبا كان الغير مسلما أو كافرا إلا ضالة الإبل، فيقدم الميتة عليها للنهي عن التقاطها، ويتعين عليه أكل ضالة الإبل إذا انفردت حفظا للنفس كما مر وإذا أبيح له طعام الغير فهل يقتصر على ما يسد الرمق منه أو يشبع؟ قولان، واتفقا على أنه لا يتزود منه.

وفي الذخيرة: وإذا أكل مال مسلم اقتصر على سد الرمق إلا أن يعلم طول طريقه فيتزود؛ لأن مواساته تجب إذا جاع، وحيث أكل المضطر طعام الغير فلا يضمن قيمته كما نقله المواق عن الأكثر، وظاهره وجد الميتة أم لا، وقيل يضمن القيمة حيث أكل طعام الغير. نقله الشيخ محمد بن الحسن.

وقال الشيخ عبد الباقي: إنه إنما يضمن القيمة مطلقا حيث لم يبح له طعام الغير لوجود ميتة وخاف القطع: وإلا فإنما عليه قيمته إن وجدت بيد المضطر حال الاضطرار، وإلا فلا شيء عليه لوجوب بذل ربه له، وناقشه الشيخ محمد بن الحسن بما حاصله أنه لا ضمان عليه وجد ميتة أم لا. إن لم يخف القطع؛ يعني أن محل كونه لا يقدم الميتة على طعام الغير إنما هو فيما إذا لم يخف أن يعد سارقا فيقطع فيما فيه القطع أو الضرب أو الأذى فيما لا قطع فيه، فإن خاف القطع أو الضرب قدم الميتة على طعام الغير، والحاصل أن ما فيه القطع كغنم المراح يشترط في أخذه أن يعلم أنهم يصدقونه مخافة أن يقطع إن لم يصدقوه، ولا يشترط أن يخفى له ذلك لأن أخذه خفية هو محل القطع، وأما ما لا قطع فيه كالثمر العلق فيشترط في أخذه أحد أمرين: أن يعلم أنه يخفى له ذلك، أو يعلم أنهم يصدقونه مخافة أن يضرب أو يوذى.

وإذا علمت هذا تبين لك أنه يجب عليه الاحتراز من الإذاية أو الضرب فيما لا قطع فيه، كما يجب عليه الاحتراز من القطع فيما فيه القطع، وما يأتي من أن من سرق لجوع لا يقطع محمول على من ثبت أن سرقته لجوع، وقول الشيخ عبد الباقي محمول على من لم يجد ميتة فيه نظر

ص: 88

كما قاله الشيخ محمد بن الحسن. وإن لم يجد الميتة فإنه يأكل طعام الغير خاف القطع أم لا؛ لأن حفظ النفس مقدم على خوف القطع والضرب والأذى. قاله الخرشي. وفيه ما حاصله أن من أكل طعام الغير يضمن القيمة مطلقا حيث كان ممنوعا من أكله، بأن خاف القطع أو الضرب أو الإذاية، وكان معه من الميتة ما يغنيه عنه، فإن لم يخف القطع ولا الضرب ولا الإذاية وكان معه من الميتة ما يغنيه عنه، فهل لا ثمن عليه مطلقا أو عليه الثمن إن وجد؟ انتهى. وقوله:"إن لم يخف القطع"، قال الشيخ الأمير: وخوف نحو الضرب لغو. انتهى. ونحوه للرماصي، ورده بناني ودعم ما قدمته.

وقاتل عليه؛ يعني أن المضطر إذا ظفر بطعام الغير ولم يكن ذلك الغير مضطرا إلى ذلك الطعام فليطلبه منه بثمن في ذمته ويظهر له حاجته إليه، فإن أبى استطعمه، فإن أبى أعلمه أنه يقاتله عليه، فإن امتنع غصبه منه، فإن دفعه المالك جاز للمضطر دفع المالك، وإن أدى ذلك إلى قتل المالك ويكون حينئذ دم المالك هدرا، ولو قتل المالك المضطر اقتص منه إن كان المقتول مكافئا، ويلزم رب الطعام بذله للمضطر إن دفع له ثمن المثل، فإن امتنع أن يبيعه إلا بأكثر من ثمن المثل فاشتراه للضرورة فهو كالمجبور. نقله التاودي عن الجواهر. وقوله:"وقاتل عليه"؛ أي جوازا، ومحله ما لم يكن معه من الميتة ما يستغني به عنه، كما يرشد له ما مر من قوله:"إن لم يخف القطع"، وقوله:"وقاتل عليه"، ظاهره سواء كان المضطر مسلما أو كافرا، وقد تقدم في أول الحل أن المضطر يطلب الطعام من ربه بثمن في ذمته، وقد قال المص:"وله الثمن إن وجد"، قال الشيخ الخرشي: يحمل قوله: "وله الثمن إن وجد" على ما إذا لم يمتنع من دفعه، أو على ما إذا ظن المضطر أنه يدفعه له من غير قتال ولا غصب، فإن ظن أنه لا يدفعه له إلا بذلك فإنه يطلبه أولا بالثمن في ذمته لأنه أخف من المقاتلة والغصب، وارتكاب أخف الضررين واجب. انتهى. وفيه عن ابن حبيب: وإن لم يجد إلا ما لا يؤكل كالثياب والعين فلا يجوز له أخذ شيء منه لأنه لا يؤكل، سواء وجد ميتة أم لا، ولو وجد مضطران وهناك ما يسد رمق أحدهما ولا يمكن قسمة فالقرعة لأيهما يقدم. انتهى. وفي المدونة في مسافرين مروا بماء فمنعهم أهله الشرب منه أن للمارة قتال أهل ذلك الماء، وإن لم يقدر المسافرون على دفعهم حتى ماتوا عطشا فدياتهم على عواقل

ص: 89

المانعين، والكفارة عن كل نفس منهم على كل رجل من أهل الماء مع وجيع الأدب. انتهى. ولم يقتص منهم لتأولهم.

ولما أنهى الكلام على ما يباح تناوله في حال الاختيار والاضطرار، أتبعه بالكلام على ما يحرم تناوله في حال الاختيار، فقال: ولمحرم النجس؛ يعني أن النجس والمتنجس من المحرم تناوله في حال الاختيار، سواء كان ذلك الطعام النجس أو التنجس من المائعات أو الجامدات، لكن المائع يلقى جميعه بحلول النجاسة فيه إن أمكن تحللها، والجامدات يطرح منها بحسب ما سرت فيه النجاسة تحقيقا أو ظنا، وأكل الباقي إلا أن يطول مقامها فيه بحيث يمكن سريانها بجميعه تحقيقا أو ظنا لا شكا أو وهما؛ لأن الطعام لا يطرح بالشك وقد تقدم هذا، وفي أبي داوود عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا وقعت الفأرة في السمن فإن كان جامدا فألقوها وما حولها وإن كان مائعا فلا تقربوه

(1)

)، ففرق صلى الله عليه وسلم بين المائع والجامدت لأن الجامد لا تتعدى فيه موضعها ولاسيما إن أخرجت من ساعتها، بخلاف المائع وحمل على السمن غيره مما في معناه. قاله الشارح. وشمل النجس الدم المسفوح؛ قال اللخمي: ودم ما لا يؤكل لحمه يحرم قليله وكثيرة، وليس أعلى رتبة من لحمه، ودم ما يؤكل لحمه قبل الذكاة كذلك وبعدها يحرم المسفوح، وفي الذخيرة: يوجد في وسط صفار البيض أحيانا نقطة دم، فمقتضى مراعاة السفح في نجاسته لا تكون نجسة، وقد وقع البحث في هذا مع جماعة ولم يظهر غيره. انتهى.

وقال في الجلاب: ومن وجد عنده خمر من المسلمين أريقت عليه وكسرت ظروفها أو شقت تأديبا له. انتهى. وفي القوانين: واختلف في ظروف الخمر، قيل: تكسر جميعها أو تشق: وقيل: يكسر منها ويشق ما أفسدته الخمر، ولا ينتفع به دون ما ينتفع به إذا زالت منه الرائحة، وقيل: أما الزقاق فلا ينتفع بها وأما القلال فيطبخ فيها الماء مرتين وينتفع بها. قاله الحطاب. وقوله: "النجس"، دخل فيه الخمر وهو السكر، وعند أبي حنيفة: ما كان من غير التمر والكرم لا يحرم

(1)

أبو داود رقم الحديث 3832.

ص: 90

أسكر أم لا، وما كان من التمر والزبيب يحرم ما أسكر منه لا القليل، ومذهب صاحبيه وبه الفتوى: حرمة ما أسكر من تمر وزبيب أو غيرهما. قاله الشيخ إبراهيم.

وخنزير؛ يعني أن الخنزير حرام لحمه وشحمه بلا خلاف، وعلى ذلك اجتمعت الأمة أي اجتمعت على تحريم أجزائه من لحم وعصب وغيرهما، وصرح بذلك في اللباب وابن جزي وخص داوود الحرمة باللحم لظاهر النص، وكذا يحرم جلده وعصبه وجميع أجزائه، وقوله:"وخنزير"، أي بري، وأما البحري فسيأتي أنه مكروه، والمعتمد إباحته كما مر. وبغل؛ يعني أن البغال يحرم أكلها وهذا هو المشهور، وحكي فيها الكراهة نقلت عن الإمام، وفرس؛ يعني أن الخيل يحرم أكلها وهذا هو المشهور، وحكي فيها الإباحة والكراهة، قوله:"وفرس"؛ يعني ولو برذونا، وقوله:"وفرس"، هو الواحد من الخيل للذكر والأنثى وهي فرسة، جمعه أفراس وفروس، وراكبه فارس أي صاحب فرس، كلابن جمعه فوارس شاذ. وحمار؛ يعني أن الحمر الأهلية يحرم أكلها على المشهور، وقيل بكراهتها، وروي عن مالك. قال في الموطإ: أحسن ما سمعت في الخيل والبغال والحمير أنها لا تؤكل، لقول الله تعالى:{وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً} ، يريد لأن ذلك جاء في سياق الامتنان وهو يوجب ذكر جميع منافعها، فلو كانت تؤكل لذكره كما ذكره في الأنعام، فلما اقتصر فيها على الركوب والزينة علم أنه المقصود منها دون الأكل، وفي الخبر: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل لحوم الخيل والبغال والحمير

(1)

). نقله في الجامع الصغير.

ولو وحشيا دجن؛ يعني أن الحمر المتأنسة يحرم أكلها ولو كان تأنسها طارئا، فيلغى توحشها الأصلي وتصير كالحمر الأهلية، فقوله:"دجن"؛ أي تأنس، ورد بلو قول ابن القاسم: لا يكون ذلك التأنس ناقلا بل الإباحة باقية، ووجهه أنه لو كان ناقلا للزم ذلك في الأهلي إذا توحش فيؤكل، ولا قائل بجواز أكل الأهلي إذا توحش أي لا قائل به من أصحاب القول بالتحريم قبل أن يتوحش؛ إذ هو قبل التوحش قيل بكراهته. والله تعالى أعلم. وقوله: ووجهه أنه الخ، رد بمواعاة الاحتياط في الأول دون الثاني. قاله غير واحد.

(1)

الجامع الصغير، رقم الحديث 9342

ص: 91

ولما أنهى الكلام على المباح بقسميه وعلى المحرم بقسميه، أتبعه بالكلام على المكروه في حال الاختيار، فقال: والمكروه سبع؛ قال الإمام الحطاب: مناط الكراهة في هذه كلها الافتراس، وأصل الافتراس في اللغة دق العنق، ثم استعمل في كل قتل؛ يعني أن السبع وهو الحيوان المفترس يكره أكله وهو مذهب المدونة: وقيل: السباع حرام وهو مذهب الموطإ، ولابن حبيب: ما يعدو كالأسد والنمر حرام، وما لا يعدوا كالضبع والهر مكروه، وقد مر أن العداء خاص بالآدمي والافتراس عام في الآدمي وغيره، وفي التيسير: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب من السباع

(1)

). أخرجه الستة. وفي رواية عن ابن عباس: وكل ذي مخلب من الطير، ووجه مذهب المدونة قوله تعالى:{قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ} الآية، وحمل أكل في الحديث الشريف على أنه مصدر أضيف إلى الفاعل فيكون كقوله تعالى:{وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ} . والله تعالى أعلم. قاله الشارح.

وضبع؛ يعني أن الضبع مكروه لأنه من السباع، وفي ابن هشام أن الضبع اسم الأنثى خاصة، والذي يؤخذ من القاموس أنه يطلق على الذكر والأنثى، وأن المؤنث إنما هو اللفظ ومثله في المصباح. قاله الشيخ محمد بن الحسن بناني. وفي التيسير عن خزيمة بن جزء رضي الله عنه قال:(سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الضبع، فقال: أويأكل الضبع أحد)

(2)

؟ وثعلب؛ يعني أن الثعلب مكروه كسائر السباع، وذئب؛ يعني أن الذيب يكره أكله، وفي الحديث: (أو يأكل الذئب أحد فيه خير

(3)

)؟ رواه في التيسير. وهر؛ يعني أن الهر وهو القط من المكروهات وهو من السباع لافتراسه باعتبار الفأر وشبهه. وإن وحشيا؛ يعني أن الهر يكره أكله، ولا فرق في ذلك بين الإنسي والوحشي.

والحاصل مما تقدم أن السباع فيها ثلاثة أقوال: الأول الكراهة وهو الذي مشى عليه المص وهو مذهب المدونة، ولا فرق بين عاديها وغيره؛ قال في الشامل: وهو الأصح، الثاني المنع مطلقا وهو مذهب الموطإ: الثالث التفصيل بين ما يعدو كالأسد والفهد والنمر والذيب والكلب فهو حرام،

(1)

التيسير، ج 3 ص 93

(2)

التسير، ج، 3، ص 89

(3)

التيسير، ج 3 ص 93.

ص: 92

وكراهة غيره كالدب والثعلب والضبع والهر، وصحح ابن عبد البر تحريم الكلاب والسباع العادية، قال الحطاب: ولم أر في المذهب من نقل إباحة الكلاب.

تنبيهات: الأول: قال البرزلي: نزلت مسألة وهي أن قطا عُمِّرَ

(1)

ففرغت منفعته فاستفتي فيه شيخنا الإمام فأفتى بوجوب إطعامه وأن لا يقتل، وكذا ما أيس من منفعته لكبر أو عيب، وكذا ذبح القطط الصغار والحيوان الصغير لقلة غذاء [أمهاتها]

(2)

)، والصواب في ذلك كله عندي الجواز لارتكاب أخف الضررين، لقوله صلى الله عليه وسلم: إذا التقى ضرران نفى الأصغر الأكبر. وسئل عز الدين عن قتل الهر المؤذي، هل يحرم أم لا؟ فأجاب: إذا خرجت إذايته عن عادة القطط وتكررت إذايته جاز، واحترز بالأول عما في طبعها مثل أكلها اللحم إن كان خاليا أو عليه شيء يمكن رفعه للهر، فإذا رفعه وأكل فلا يقتل بهذا، ولو تكرر منه لأنه طبعه. واحترز بالثاني مما إذا وقع ذلك منه فلتة فلا يوجب ذلك قتله. وعن أبي حنيفة: إذا آذت الهرة فلا تعذب ولا تخنق، بل تذبح بموسى حادة لقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وإذا قتلتم فأحسنوا القتلة

(3)

)، ومن هذا الباب ذبح ما لا يؤكل إن أيس من حياته، وأجمع الناس على منع ذلك في حق الآدمي وإن اشتدت آلامهم لشرف الآدمي، وإذا رميت السفينة بالنار، ففي المدونة: لا بأس أن يطرحوا أنفسهم في البحر لأنهم فروا من موت إلى موت، ولم يره ربيعة إلا لمن طمع بنجاة أوأمن فلا بأس وإن هلك فيه، وعن ربيعة: إن صبر فهو أكرم، وإن اقتحم فقد غرق

(4)

ولا بأس به، وسيأتي للمص في باب الجهاد أنه يجوز انتقال من موت لآخر.

الثاني: قال القرطبي في شرح مسلم: الحاصل من هذه الأحاديث أن قتل الكلاب غير المستثنيات مأمور به إذا أضرت بالمسلمين، فإن كثر ضررها وغلب كان الأمر على الوجوب، وإن قل وندر فأي كلب أضر وجب قتله؛ لأنه سبع لا منفعة فيه، وأقل درجاته توقع الترويع وأنه

(1)

في الحطاب عمي انظر ج 4 ص 30

(2)

في الأصل غذائهم والمثبت من الحطاب ج 4 ص 30 ط دار الرضوان

(3)

مسلم رقم الحديث 1955، أبو داود رقم الحديث 2815، والترمذي رقم الحديث 1409.

(4)

في الحطاب ط دار الرضوان ج 4 ص 31: فقد عوفى الخ.

ص: 93

ينقص من أجر مقتنيه كل يوم قيراطان، فأما المروع منهن غير المؤذي فقتله مندوب إليه، وأما الكلب الأسود ذو النقطتين فلابد من قتله للحديث المتقدم، وقلما ينتفع بمثل تلك الصفة. انتهى. وسئل مالك عن قتل الكلاب أترى أن تقتل؟ قال: نعم أرى أن يؤمر بقتل ما يؤذي منها في المواضع التي لا ينبغي أن تكون فيها، وأما كلاب الماشية فلا أرى ذلك. قال ابن رشد: ذهب مالك رحمه الله في قتل الكلاب إلى ما رواه في موطئه عن نافع عن عبد الله بن عمر (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الكلاب

(1)

)، ومعنى ذلك عنده وعند من سواه ممن أخذ بالحديث في الكلاب النهي عن اتخاذها، وقد جاء ذلك مفسرا في الأحاديث فلا اختلاف في أنه لا يجوز قتل كلاب الماشية والصيد والزرع، ومن أهل العلم من ذهب إلى أنه لا يقتل من الكلاب إلا الكلب الأسود البهيم، لما روي عن عبد الله بن معقل (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها فاقتلوا منها الأسود)

(2)

، وقال من ذهب إلى هذا المذهب: الأسود البهيم من الكلاب أكثر أذى وأبعدها من تعلم ما ينفع، وروي أيضا (أنه شيطان)

(3)

؛ أي بعيد من الخير والمنافع قريب الأذى، وهذا شأن الشياطين من الجن والإنس: وقد كره الحسن وإبراهيم قتل الكلب الأسود، وذهب كثير من العلماء إلى أنه لا يقتل منها شيء الأسود ولا غيره إلا أن يكون عقورا مؤذيا، وقالوا: الأمر بقتل الكلاب منسوخ بقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تتخذوا شيئا فيه الروح غرضا

(4)

) فعم ولم يخص كلبا من غيره، واحتجوا بالحديث الصحيح في الكلب الذي كان يلهث عطشا فسقاه الرجل فشكر الله وغفر له، وقال: (في كل كبد رطبة أجر

(5)

)، قالوا: فإذا كان الأجر في الإحسان إليه فالوزر في الإساءة عليه، ولا إساءة إليه أعظم من قتله، قالوا: وليس في قوله صلى الله عليه وسلم: (الكلب الأسود البهيم شيطان)

(6)

ما يدل على قتله؛ لأن شياطين الجن والإنس كثير ولا يجب قتلهم، وقد رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم

(1)

الموطأ ج 2 ص 507

(2)

التمهيد ج 2 ص 461، ومسند أحمد ج 5 ص 54، سنن النسائي الكبرى، رقم الحديث 4791.

(3)

مسلم، رقم الحديث 510.

(4)

مسلم رقم الحديث 1957.

(5)

البخاري، رقم الحديث 2363، مسلم 2244.

(6)

مسند أحمد ج 6 ص 157.

ص: 94

رجلا يتبع حمامة، فقال: (شيطان يتبع شيطانة

(1)

)، وما ذهب إليه مالك أولى؛ لأن الأمر بقتله قد جاء عن أبي بكر وعمر وعثمان وعبد الله بن عمر. وبالله تعالى التوفيق. قاله الحطاب.

وفي حاشية الشيخ ابن رحال على شرح ميارة ابن عاصم ما نصه: وأما اتخاذ الكلب فحاصل ما ذكره المازري أن اتخاذ ما لا منفعة فيه ممنوع، وللصيد وحراسة الزرع والضرع جائز، والخلاف إنما هو فيما احتيج إليه في حراسة الدور، فقيل بالجواز للحاجة، وقيل بالمنع لأنه يؤذي من لا يسرق. انتهى.

الثالث: يقال أكلت أربع أربعا فأورثتها أربعا، أكلت النصارى لحم الخنزير فأورثهم عدم الغيرة، وأكل الفُرْس لحوم الخيل فأورثتها الغلظة في القلب والقساوة وقلة الرحمة، وأكلت السودان القردة فأكسبتهم الرقص، وأكلت أهل مصر الفأر فأكسبهم الخيانة. وفي الخبر: (الرضاع يغير الطباع

(2)

)، والسبع بضم الباء وسكونها لغتان مشهورتان. وفيل؛ يعني أن الفيل من المكروهات في حال الاختيار: وصحح في التوضيح الإباحة فيه. وفي كل ما قيل إنه ممسوخ، وقد حكى اللخمي وابن بشير في الفيل التحريم والإباحة، وقد ذكر ابن الحاجب فيه الإباحة والتحريم أيضا، وفي بعض نسخه ذكر فيها ثلاثة أقوال: الإباحة والتحريم والكراهة. قال الش: ولا أعرف من شهر في الفيل الكراهة، وقوله:"وفيل"، قال الشيخ محمد بن الحسن: تشهيره الكراهة في الفيل فيه نظر. انتهى. والصحيح إباحة الضب، صححها في التوضيح، لما في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (دخلت أنا وخالد بن الوليد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت ميمونة، فأتي بضب محنوذ فأهوى إليه بيده، فقال بعض النسوة: أخبروا رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يريد أن يأكل، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده، فقلت: أحرام هو يارسول الله؟ فقال: لا، ولكنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه، قال خالد: فأخذته فأكلته ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر

(3)

). المحنوذ: المشوى، وفي بعض

(1)

أبو داود رقم الحديث 4940، ابن ماجه رقم الحديث 3765.

(2)

الجامع الصغير رقم الحديث 4525.

(3)

البخاري رقم الحديث 5391 مسلم 1945.

ص: 95

طرق مسلم قال: (لا أدري ولعله من القرون التي مسخت

(1)

). انتهى. قال الش: ومن هنا أخذ الشيخ ما صححه. انتهى.

وقوله: "والمكروه سبع"، هو مفهوم قوله:"ووحش لم يفترس"، وكلب ماء؛ يعني أن كلب الماء مما يكره أكله وهذا ضعيف، والمعتمد أنه من المباح، وأما الكلب الإنسي فقد مر أنه مختلف في كراهته وتحريمه، وأن ابن عبد البر صحح القول بالتحريم، وقال الشيخ داوود: يؤدب من نسب إباحة الكلب لمالك. وخنزيره؛ يعني أن خنزير الماء من المكروهات وهذا ضعيف أيضا، والمعتمد أنه من المباح. ابن القاسم: وإنما أتقيه ولا أرى أكله حراما، ومن المباح آدمي الماء كما مر. وشراب خليطين؛ يعني أنه يكره شرب أو استعمال خليطين خلطا عند الشرب، والحال أنه قد نبذ كل منهما وحده، كتمر أو زبيب أو زهو أو بسر مع رطب، وكحنطة مع شعير أو أحدهما مع تين أو عسل، قال في الذخيرة وغيرها: ولا ينبذ تمر مع زبيب ولا زهو مع رطب ولا حنطة مع شعير ولا أحدهما مع تين أو عسل؛ لأن خلطهما يسرع شدتهما لما في مسلم (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن شرب الخليطين

(2)

)، ونسب المواق للمدونة أنه لا يجوز نبذهما معا، قال الباجي: ظاهرها التحريم، وحملها قوم على الكراهة، قال الشيخ محمد بن الحسن: وعلى الثاني فيعمم في كلام المص. انتهى. أي يقال: يكره شراب خليطين خلطا عند الشرب أو عند الانتباذ، وعمم الشيخ عبد الباقي أول الكلام وخصص آخره فتناقض كلامه، وأما طرح العسل في نبيذ العسل أو طرح التمر في نبيذ التمر أو طرح شيء مما ذكر في نبيذه فجائز كما في المدونة، وخلط اللبن بالعسل قال ابن القاسم في العتبية: لا بأس به، فلم يره انتباذا بل خلط مشروبين. قاله الحطاب. وقال وفي جواز خلط الزبيب والتمر وكراهته قولان، لسماع أشهب ورواية ابن عبد الحكم. انتهى.

وعلم مما مر أن المكروه إنما هو خلط شرابين ينبذان وخلطا عند الشرب أو غيره من الاستعمال، وكذا لو خلطا عند الانتباذ على ما حمل عليه قوم المدونة، وقال الباجي: ظاهر المدونة المنع وهو

(1)

مسلم رقم الحديث 1949

(2)

مسلم رقم الحديث 1988.

ص: 96

المشهور كما صرح به الأجهوري، وأما خلط شرابين ليسا بنبيذين كخلط اللبن بالماء وخلط اللبن بالعسل فلا يكره كما يفيده الحطاب والخرشي، وعليه فيجوز خلط الرب والخل. ولابن حبيب: لا يجوز شرب الخليطين ينبذان ويخلطان عند الشرب، وهل النهي عن شرب الخليطين تعبد وهو ظاهر الموطإ أو لاحتمال تخمر أحدهما بمخالطة الآخر وخفائه قولان. قاله الشيخ إبراهيم. وقال الشيخ عبد الباقي: ومحل الكراهة حيث يمكن الإسكار ولم يحصل بالفعل، فإن لم يمكن لقصر مدة الانتباذ فلا كراهة، ولا يكره خلط اللبن بالعسل ليشرب لأنه لا يحصل به إسكار، فإن حصل به حرم. انتهى. وظاهر كلام المؤلف أنه لو نبذ كل على حدة وشرب واحد بعد واحد لا يكره. قاله الشيخ الخرشي. وعبارة الشيخ الأمير: وكره خلط مبلولين وليس منه اللبن بالعسل. انتهى. وفي الخرشي: وفي جواز خلط الزبيب والتمر للخل وكراهته قولان.

ونبذ بكدباء؛ يعني أن الانتباذ في الدباء ونحوها كالآنية الزفتة مكروه، ومثل الدباء الحنتم والنقير، لورود الحديث الصحيح فيهما، والدباء: اليقطين، والمزفت: ما طلي بالزفت وهو المقير أي المطلي بالقار أي الزفت، والحنتم: الجرار الحمر، وقيل الخضر، وقيل الفخار كيف كان وهو جمع حنتمة وهي الجرة. وقوله:"بكدباء"، هو بضم الدال المهملة وتشديد الباء الوحدة والمد ويجوز القصر، والظاهر أنه منصرف. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال مفسرا كلام المص: أي يكره أن يضع فيه ماء ثم يلقي فيه تمرا أو تينا أو زبيبا أو نحو ذلك. قاله المواق. أي يكره نبذ شيء واحد أو شيئين لا يحصل من واحد منهما إسكار، وإن طالت مدته في دباء، ودخل بالكاف حنتم والنقير والمقير، قال الشيخ محمد بن الحسن: تبع فيه التتائي، واعترضه الرماصي قائلا: الصواب قصر الكاف على الزفت فقط وهو المقير وعدم إدخال الحنتم والنقير ليوافق مذهب المدونة والموطإ، وإدخالهما يوجب إجراء كلام المص على غير المعتمد؛ لأنه لا تعرف كراهتهما إلا من رواية ابن حبيب في النقير.

وفي المواق من المدونة: لا ينبذ في الدباء والمزفت ولا أكره غير ذلك من الفخار وغيره من الظروف انتهى، وفي الخرشي أنه قال فيها: ثبت نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدباء والمزفت

(1)

(1)

البخاري رقم الحديث 53، مسلم رقم الحديث 12.

ص: 97

فلا ينتبذ فيهما، ولا أكره غير ذلك. والنقير المنقور وهو جذع النخلة ينقر، قال الشيخ عبد الباقي: وعلة الكراهة في الجميع خوف أن يعجل السكر ما ينبذ فيه، وأما نبذ شيئين يحصل من كل منهما ما يسكر فيحرم، ولو نبذ في غير الدباء. انتهى.

واعلم أن أسماء الأنبذة أربعة عشر: أحدها الفضيخ وهو بسر يرض ثم يلقى عليه الماء، ويقال له: الفضوخ، إشارة إلى أنه يفضخ الرأس والبدن، الثاني البتع بالكسر وكعنب وهو نبيذ العسل، الثالث المزر بالكسر وتقديم المعجمة يتخذ من البر والشعير، الرابع الغبيراء، وفي الحديث: (إياكم والغبيراء فإنها خمر العالم

(1)

) وهو شراب الذرة يصنعه الحبش، الخامس السكركة بضم السين وسكون الكاف وقد تضم والكاف الثانية مفتوحة وهي الغبيراء، السادس الغير وهو ما يغير بالنار أو ما يلقى فيه حتى يسكن غليانه وينحرف عن حاله إلى ما هو أضر بالبدن، السابع الحفة وهو شراب الشعير، الثامن الباذق بكسر الذال وفتحها، التاسع الطلاء، العاشر البختج، الحادي عشر [الجمهور]

(2)

والظاهر من كلام الحطاب أنها أسماء مترادفة ومعناها المطبوخ كله حتى يرجع إلى النصف والثلث. والله سبحانه أعلم. الثاني عشر المندا وهو نبيذ البسر وقيل هو النبيذ في المزفت، الثالث عشر المقدي بتخفيف الدال شراب ينسب إلى مقدية حصن بدمشق معروف أو بتشديدها منسوب إلى مقد قرية بالشام، الرابع عشر الصعف محركة وهو أن يشدخ العنب ثم يعمل في وعاء حتى يغلى وقد يتخذ من الدبس وهو عسل التمر. وكل مطعوم فإنه يمكن أن يتخذ منه نبيذ، وقد أراح الله من ذلك على لسان نبيه فقال: (كل شراب أسكر فهو حرام

(3)

).

وفي كره القرد والطين ومنعه قولان؛ يعني أنه اختلف في كراهة أكل القرد والطين ومنع أكلهما على قولين، أما القول بالكراهة فحكي في الجواهر عن الباجي، وقال القاضي أبو الوليد: الأظهر عندي من مذهب مالك أنه ليس بحرام، واحتج بعموم الآية، وأما القول بتحريمه فعن ابن المواز أنه حرام، وكذا في الواضحة، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن ثمنه.

(1)

مسند أحمد ج 3 ص 422.

(2)

كذا في الأصل وفي تاج العروس: والجمهوري اسم شراب مسكر.

(3)

أبو داود، الحديث 3682، والترمذي، الحديث 1863، والنسائي ج 8 ص 297، ابن ماجه، الحديث 3368.

ص: 98

وجلب من الشام إلى المدينة قرد فأمر عمر أن يخرج إلى الموضع الذي جلب منه، وفي المتيطية: ما لا يصح ملكه لا يصح بيعه بإجماع، كالحر والخمر والخنزير والقرد والميتة والدم وما أشبه ذلك، ونقل الجزولي عن ابن يونس: ثمن القرد حرام كاقتنائه. وقال ابن رشد: إن أهل العلم أجمعوا على أن لحم القرد لا يؤكل، وأما الطين فذكر في الجواهر كراهته، وعن ابن الماجشون تحريمه، ونقل في المدخل تشهير القول بمنع الطين، ونقل البرزلي عن ابن عرفة تشهير القول بأنه لا يجوز أكل التراب، وفي كتاب الشيخ الأمير: وهل يباح القرد واستظهر، فلذا عيب على الأصل إسقاطه أو يكره أو يمنع أقوال. انتهى. وفيه: وفي الدخان خلاف والورع تركه خصوصا الآن، فقد كاد درء المفاسد أن يحرمه.

ولما أنهى الكلام على الذكاة وهي متعلقة بالحيوان وكان أغلبه مذكورا في باب المباح فذيل به باب الذكاة لشدة التعلق، أتبع ذلك بالكلام على الأضحية لأنها إنما تكون من النعم، فقال:

ص: 99

‌باب: يذكر فيه حكم الأضحية والمخاطب بها وما هي منه

وما يجزئ فيها وما لا، وزمنِها. والأضحية بضم الهمزة وتشديد الياء وبكسر الهمزة أيضا، وجمعها أضاحي بتشديد الياء، ويقال أضحاة وجمعها أضاح، ويقال أضحية بضم الهمزة وكسرها مع تخفيف الياء، سميت بذلك لأنها تذبح يوم الأضحى ووقت الضحى، وسمي يوم الأضحى من أجل الصلاة فيه ذلك الوقت.

وأشار المص إلى حكمها بقوله: سن؛ يعني أن الأضحية تسن عينا، وهذا هو المشهور لقول مالك: الضحية سنة وليست بواجبة، نص على ذلك في الموطإ والمختصر، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: (أمرت بالنحر وهو لكم سنة

(1)

)، وروي عن مالك في كتاب ابن المواز أنها سنة واجبة، فمن الأشياخ من حمل الوجوب على تأكيد السنة، ومنهم من قال: واجبة وتجوز في لفظ السنة؛ ومنهم من يحكي الخلاف في المذهب بالوجوب والسنة؛ وربما زاد بعضهم الاستحباب، وقال الشيخ زروق في قول الرسالة: والأضحية سنة واجبة: يعني العمل بها بحيث لو اتفق أهل بلد على تركها قوتلوا لامتناعهم منها، وما ذكره هو كذلك في التلقين والكافي والعلم والمقدمات وهو المشهور، وفي الموطإ: سنة غير واجبة، وروى السيوطي في الجامع الصغير عن الترمذي وابن ماجه والحاكم: (ما عمل آدمي من عمل يوم النحر أحب إلى الله من إهراق الدم، إنها لتأتي يوم القيامة بقرونها وأشعارها وأظلافها، وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع على الأرض فطيبوا بها نفسا

(2)

).

لحر؛ يعني أن الضحية إنما تسن في حق الحر ذكرا أو أنثى، وأما العبد فإنه لا يخاطب بها كان قنا أو فيه شائبة رق، واستحسن مالك التضحية لهم إذا أذن لهم السيدة وظاهر كلام المص أن الأضحية يخاطب بها الكافر، وهو على القول المشهور من أنهم مخاطبون بفروع الشريعة. غير حاج؛ يعني أن الضحية إنما تسن في حق الحر إذا لم يكن حاجا، وأما المعتمر فتسن في حقه، واحترز بذلك من الحاج فإنه لا يخاطب بها مطلقا، سواء كان من أهل منى أو مزدلفة أو عرفة أو غير ذلك، كما لا يخاطب بصلاة العيد، (لأنه عليه الصلاة والسلام قلد وأشعر ما ساقه من الهدايا

(1)

الدارقطني ج 4 ص 282 ولفظه: أمرت بالنحر وليس بواجب.

(2)

الجامع الصغير رقم الحديث 7949.

ص: 100

ولم يضَحِّ بشيء منه

(1)

). بمنى؛ يعني أن الحر إذا كان بمنى تسن في حقه الضحية إذا لم يكن حاجا وأحرى إذا كان بغير منى، فقوله:"بمنى"، صفة لحر هكذا أعربه الشيخ علي الأجهوري، وتعلقه بحاج لا يصح؛ لأن الحاج لا تسن في حقه مطلقا كان بمنى أو غيرها.

والحاصل أن المدار في سقوطها على الإحرام بالحج فإذا فسد أو فاته تسن له إن تحلل بفعل عمرة أيام النحر، فإن استمر على إحرامه حتى فاتت أيام النحر لم تسن له.

فتحصل من هذا أن من لم يحج من أهل عرفة أو منى أو مكة فكأهل الآفاق تسن له الأضحية، لأن دليل الأضحية يتناول كل مستقر في وطنه، وخرج الحاج من ذلك وبقي من عداه.

ضحية، نائب "سن"، فيسن له أن يضحي عن نفسه وعن أبويه الفقيرين وولده الصغير الذي لا مال له، لا عن زوجته ولا عن رقيقه، ويستمر خطابه بها عمن ذكر إلى سقوط نفقتهم، خلاف ما في شرح الشيخ عبد الباقي من أنه تسقط عنه بمجرد احتلام ابنه ولو فقيرا عاجزا عن الكسب، وبمجرد دخول الزوج بالأنثى، ومن ولد في يوم النحر واليومين بعده فإنه يضحى عنه، وكذا من أسلم لبقاء وقت الخطاب نص عليه غير واحد.

لا تجحف؛ يعني أن محل كون التضحية سنة إذا كانت الضحية أي الذات المضحى بها لا تجحف بالمضحي بأن لا يكون محتاجا إلى ثمن ما يضحي به، فإن أجحفت به بأن احتاج ولو في أي زمن -من يوم العيد إلى تيسر شيء له في عامة أو بعده إلى مثله- لم تسن له، والإجحاف الإتعاب، وهل يطلب من الفقير تسلف ثمنها أم لا؟ خلاف، والذي يفهم من المص أنه لا يطلب منه ذلك، والفرق عليه بينها وبين زكاة الفطر وجوبها وسنة الضحية. قاله الخرشي.

وإن يتيما مبالغة في قوله: "لحر"؛ يعني أن الضحية تسن في حق الحر ذكرا أو أنثى، مسافرا أم لا، كبيرا أو صغيرا، وإن كان ذلك الصغير يتيما فيخاطب الولي بفعلها عن اليتيم من ماله، ويقبل قوله أنه ضحى عنه، كما يقبل قوله في تزكية ماله والنفقة عليه. قاله الخرشي. ويرفع لمالكي إن خشي تغريم غيره ولا يتسلف لها ولو رجا الوفاء، بخلاف الفطر. قاله الشيخ الأمير.

(1)

المنتقى للباجي كتاب الضحايا ج 4 ص 179.

ص: 101

وفيه: ومن أيسر قبل مضي زمنها خوطب بها، واليتم في الآدمي من جهة الأب، وفي البهائم من جهة الأم، وفي الطير من جهتهما.

وقد مر أن من ولد في أيام الأضحى يضحى عنه، وكذلك من أسلم لبقاء وقت الخطاب وقوله:"ضحية"، بمعنى التضحية كما علمت والضمير في قوله:"لا تجحف" يعود على الضحية بمعنى الذات المضحى بها، ففي كلامه استخدام. وعرف ابن عرفة الأضحية بقوله: الأضحية اسما ما تقرب بذكاته من جذع ضأن وثنى سائر النعم سليمين من بين عيب مشروطا بكونه في نهار عاشر ذي الحجة أو تالييه بعد صلاة إمام عيده له، وقدر زمن ذبحه لغيره ولو تحريا لغير حاضره، فتخرج العقيقة والهدي والنسك في زمنها. وقوله: اسما. الأجهوري: لما ذكر اسما ولم يذكر مصدرا دل ذلك على أنها تعرف اسما دائما وأنها لا تكون مصدرا. انتهى. وقوله من جذع لخ، بيان للمتقرب به بالذكاة وذلك شرط فيه، وقوله: سليمين، صفة لا قبله، وقوله: مشروطا، حال من المتقرب به يخرج به العقيقة وما شابهها من الهدي والنسك في زمنهما، وقوله: بعد صلاة، معمول لذكاة، والضمير في عيده عائد على عاشر ذي الحجة، وله يعود على الإمام، وقوله: وقدر، معطوف على صلاة؛ أي وبعد قدر زمن ذبح الإمام احترز به من ذبح غير الإمام قبل ذبح الإمام تحريا، وقوله: لغير حاضره، متعلق بقدر، وأدخل به من لا إمام لهم إذا تحرى ذبح الإمام؛ فإنه يصح.

وأصل الأضحية فداء إسماعيل على نبينا وعليه الصلاة والسلام ثم جعل ذلك سنة في أولاده، وكل واحد من الهدي والأضحية أصل في بابه، والفرق بينهما أن الهدي يجب فيه الجمع بين الحل والحرم، ومن سنته التقليد والإشعار، ويختص بالمكان والزمان، والأضحية تختص بالزمان فقط، والأفضل فيها طيب اللحم لا كثرته بخلاف الهدي، ولذلك أهدى النبي صلى الله عليه وسلم البدن وضحى بالغنم وحكمهما في الأكل والادخار سواء.

وأركان الضحية ثلاثة: المذكى والوقت والمذكي. قاله الخرشي. وفيه: وسئل مالك عن اليتيم يكون له ثلاثون دينارا؛ أيضحي عنه وليه بالشاة بنصف دينار ونحوه؟ قال: نعم ورزقه على الله. ابن رشد: وهذا كما قال إلا أن يكون المال يسيرا وثمن الأضحية كثيرا يخشى عليه الحاجة.

ص: 102

بجذع ضأن، متعلق بقوله:"ضحية"؛ لأنه بمعنى تضحية؛ يعني أنه لا يجزئ في الضحية من الضأن ما دون الجذع، وفي مسلم وأبي داوود والنسائي (أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: لا تذبحوا إلا السنة إلا أن يعسر فتذبحوا جذعة من الضأن

(1)

)، والسنة هي الثنية، وفي المدونة: ولا يجزئ ما دون الثنية من الأنعام في الضحايا والهدايا إلا الضأن فإن جذعها يجزئ.

وثني معز؛ يعني أنه لا يجزئ من المعز في الضحية ما دون الثني، ويجزئ منه الثني فما فوقه. وبقر؛ يعني أنه لا يجزئ في الضحية من البقر ما دون الثني، ويجزئ منه الثني فما فوقه. وإبل؛ يعني أنه لا يجزئ في الضحية من الإبل ما دون الثني ويجزئ منها الثني فما فوقه. ذي سنة، يعني أن الجذع من الضأن والثني من المعز كل منهما هو ما أوفى سمنة ودخل في الثانية، لكن يشترط في المعز أن يكون دخوله في السنة الثانية بينا، والظاهر أن المراد بالبين ما يُلقِح فيه وحَدَّه بعضهم بكالشهر. قاله الشيخ عبد الباقي. وفي شرح الشيخ إبراهيم: والمراد بالبين ما كان كالشهر والشهرين، وأما الضان فيكفي دخوله في الثانية دخولا ما كما صرح به الشيخ الأمير.

وبما قررت علم أن قوله: "ذي سنة"، راجع لقوله:"بجذع ضأن وثني معز"، وقد مر أن قوله:"بجذع"، متعلق بقوله:"ضحية"، والباء للتعدية كقولك: ذهبت بزيد أي صيرته ذاهبا، وضحيت بجذع ضأن أي صيرته ضحية.

وثلاث؛ يعني أن الثني من البقر هو ما أوفى ثلاث سنين، فهو راجع لقوله:"وبقر"، وهو شامل للجاموس. قاله الشيخ إبراهيم. وخمس؛ يعني أن الثنى من الإبل هو ما أوفى خمس سنين، فهو راجع لقوله:"وإبل"، والمراد في جميع ما مر السنون القمرية، قال العلماء: والسر في كون الضأن يجزئ منه الجذع دون غيره، هو أن الجذع منه يُلقِح أي يُحمَل منه أي يطلع الذكر على الأنثى؛ بخلاف غيره فلا يُحمل منه إلا الثنيَّ. انتهى. وذكر الضأن يحمل منه بتمام سمنة، وقوله:"ذي سنة"، هو من باب اللف والنشر المرتب. وقد جاء في الفصيح من الكلام كثيرا، كقوله تعالى:{لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ} . وقد ذكر قبل ذلك الليل والنهار، فالأول للأول والثاني للثاني.

(1)

مسلم رقم الحديث 1963، أبو داود رقم الحديث 2797، النسائي رقم الحديث 4383.

ص: 103

واختلف في سن الجذع من الضأن فالمشهور أنه سنة كما قال المص، وقيل ابن عشرة أشهر، وقيل ابن ثمانية أشهر، وقيل ابن ستة أشهر، وقيل سبعة أشهر، وهذا الخلاف يجري في المعز أيضا، واختلف في سن الثني من البقر أيضا، فقيل هو ابن ثلاث سنين كما قال هنا، وهو بمعنى قوله في الرسالة: والثني من البقر ما دخل في السنة الرابعة، وعن ابن حبيب أنه ابن أربع سنين، وعن القاضي عبد الوهاب هو الذي دخل في السنة الثالثة، والثني من الإبل هو ابن خمس سنين، وقال ابن حبيب هو ابن ست، والتحاكم في ذلك إلى اللغة. وإنما اختلفت أسنان الثنايا لاختلافها في قبول الحمل والنزو، فإن ذلك لا يحصل غالبا إلا في الأسنان المذكورة. قاله الش. قال الإمام الحطاب: وانظر التضحية بالخنثى فإني لم أقف على نص فيه في المذهب، وذكر عن النووي أنه أفتى في خنثى من البقر ليس لها فرج الأنثى ولا ذكر، وإنما لها خرق عند ضرعها يجري منه البول بجواز التضحية بها لأنها ذكر أو أنثى. قال الإمام الحطاب: قلت وما قاله رحمه الله محتمل للبحث، فقد يقال إن هذا عيب يوجب الخيار للمشتري في البيع، فيحتمل أن يمنع الإجزاء وانظر قول المص: "وفائت جزء غير خصية هل يؤخذ منه الإجزاء. والله أعلم. انتهى.

وفي الخرشي عن بعضهم أن ما أفتى به النووي قواعد المذهب تقتضي خلافه؛ لأنه إذا دار الأمر بين الإجزاء وعدمه غلب جانب العدم احتياطا. بلا شرك؛ يعني أنه يشترط فيما يضحى به أن لا يكون لمالكين فأكثر، بل يكون كله ملكا لشخص واحد فيضحي به عن نفسه فقط أو عن نفسه وغيره بالشروط الآتية، فلو كانت الضحية مشتركة بين اثنين أو أكثر أو اشتروها واشتركوا في اللحم لم تجز عن واحد ممن ذكر. إلا في الأجر؛ يعني أن محل كون الاشتراك يمنع الإجزاء إنما هو إذا كان في الملك، وأما إن كان في الأجر بأن أشرك غيره في الأجر في أضحية نفسه قبل الذبح فإن ذلك يصح، وتسقط المخاطبة بالضحية عمن أشركهم ولو أغنياء بالشروط الآتية والاستثناء متصل، وأما لو أشرك بعد الذبح فلا تسقط عن المشرك بالفتح وتسقط عن ربها، وهذا بخلاف إهداء ثواب صدقة ونحوها للميت بعد فعلها فإنه يصح واللحم للمالك، ولو في الحالة التي تسقط الضحية فيها عن الشرك بالفتح لأنه إنما نابهم الأجر فقط، ولو اشترى شخص أضحية من مال

ص: 104

نفسه وجعلها شركة في الأجر لأخوين يتيمين أو أكثر لصح ذلك من غير مراعاة الشروط الآتية، ويدل له خبر:(اللهم هذا عمن شهد لي بالبلاغ وشهدت له بالتصديق).

وإن أكثر من سبعة؛ يعني أنه تجزئ الضحية عمن أشركهم الضحي معه في أجر الأضحية، وإن كان الذين أشركهم في الأجر أكثر من سبعة فتجزئ الضحية عنه وعنهم، قال في المدونة: وإن ضحى بشاة أو بقرة أو بعير عن نفسه وعن أهل بيته أجزأهم وإن كانوا أكثر من سبعة، وأحب إليَّ إن قدر أن يذبح عن كل نفس شاة، واستحب مالك حديث ابن عمر لمن قدر دون حديث أبي أيوب، وحديث ابن عمر: كان لا يضحي عمن في البطن، وأما من كان في غير البطن فيضحي عن كل نفس بشاة، وحديث أبي أيوب: (كنا نضحي بالشاة الواحدة يذبحها الرجل عنه وعن أهل بيته ثم تباهى الناس فصارت مباهاة

(1)

).

إن سكن معه؛ يعني أنه يشترط فيمن يجوز للمضحي أن يدخله معه في أضحيته ثلاثة شروط: الأول أن يكون ساكنا معه في منزل واحد فلو كان خارجا عنه لم يصح الاشتراك المذكور لشبهه حيننذ بالأجانب، الثاني أن يكون من أقاربه ولو حكما كزوجة وأم ولد ورقيق؛ لأن الزوجة وإن لم تكن من الأقارب فهنالك من المودة والرحمة ما جعله الله سبحانه يقوم مقام القرابة، بخلاف الأجير المستأجر بطعامه فإنه لا يجوز له إدخاله في الأضحية، وإلى هذا الشرط الثاني أشار بقوله: وقرب له. وفي نوازل سحنون أنه ليس على الرجل أن يضحي عن زوجته، وإنما هي سنة لا ينبغي له تركها، فإن أدخلها في أضحيته أجزأها وإلا كانت عليها، الثالث أشار إليه بقوله: وأنفق عليه؛ يعني أنه يشترط فيمن يجوز للمضحي أن يدخله معه في أضحيته أن يكون ممن ينفق عليه المضحي؛ أي يشترط في الإجزاء أن يكون المضحى عنه في نفقة المضحي بالكسر. وإن تبرعا؛ يعني أنه لا فرق بين أن يكون الإنفاق المذكور لازما للمضحي الذي أدخل غيره كأبويه العاجزين ونحوهما، وبين أن يكون تبرعا كالغني من أولاده وأخيه وابن أخيه وأخته وابن أخته وجده

(1)

الموطأ رقم الحديث 1035.

ص: 105

وجدته إذا كان جميع من ذكر في نفقته، سواء كانوا أغنياء أو فقراء، فإن ذلك يجزئهم، ولا يدخل يتيمه في أضحيته، ولا يشرك بين يتيمين وإن كانا أخوين.

الباجي: عندي أنه يصح له التشريك وإن لم يعلمهم بذلك، ويدخل فيها صغار ولده وهم لا يصح منهم قصد القربة، وإن أدخل من لم يجز إدخاله لم يجز عن واحد منهما كما قاله اللخمي. قاله الشيخ إبراهيم وغيره. وفي المدونة: ولو اشترى أضحية عن نفسه ثم نوى أن يشرك فيها أهل بيته جاز ذلك بخلاف الهدي. ابن حبيب: يلزم الإنسان أن يضحي عمن تلزمه نفقته من ولد ووالد، وفي العتبية: ذلك غير لازم، وقد مر أنها تسقط عن المُدخَل بالفتح ولو كان مليا كما في الحطاب، وقوله:"بلا شرك"، هو المذهب، ونبه بذلك على خلاف الشافعي وأبي حنيفة رضي الله عنهما، قالا: إن البقرة والشاة تجزئ عن سبعة. قاله الخرشي.

وتحصل مما مر خمسة أقسام: القريب اللازم النفقة فعليه أن يضحي عنه إما بانفراده بضحية أو بإشراكه معه في الأجر على ما مر. الثاني: القريب المتطوع بنفقته كالأبوين مع اليسار والإخوة والأخوات وأبنائهم وابن العم فليس عليه الضحية عنهم، وله أن يشركهم في الأجر على ما مر ويكفيهم ذلك عن الضحية.

الثالث: الأجنبي المتطوع بنفقته إن أشركه في الأجر لم تجز عن واحد منهما.

الرابع: الأجنبي الواجب النفقة كالأجير بطعامه إن أشركه في الأجر لم تجز عن واحد منهما إلا الزوجة لأنه يشملها اسم الأهل.

الخامس: الأجنبي الذي لا ينفق عليه لا يشركه في الأجر وإلا لم يجز عن واحد منهما.

وقوله: "إن سكن معه"، قال الشيخ عبد الباقي والشيخ الخرشي: هذا فيمن ينفق عليه تبرعا لا لزوما، فلا يعتبر سكناه معه حينئذ. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: انظر من أين لهما هذا القيد؟ ولم أر من ذكره غير ما نقله الطخيخي عن العوفي مستدلا بكلام ابن حبيب الذي في المواق ولا دليل له فيه أصلا، والظاهر من كلام المدونة والباجي واللخمي وغيرهم: أن السكنى معه شرط مطلقا انتهى.

ص: 106

وإن جماء، مبالغة في صحة الضحية؛ يعني أن الجماء وهي التي لا قرن لها من جنس ماله قرن يجوز أن يضحى بها، وهذا مما لا خلاف فيه، فإن الجماء يضحى بها إجماعا أي إذا كان ذلك خلقة، وأما إن كانت مستأصلة القرنين دون إدماء ففي إجزائها وعدمه نقلا الشيخ عن كتاب محمد وابن حبيب. قاله ابن عرفة. نقله الشيخ محمد بن الحسن بناني.

ومقعدة لشحم؛ يعني أن المقعدة وهي العاجزة عن القيام إذا كان عجزها لأجل كثرة شحم فإنها تجزئ، نص على ذلك سحنون، قال الش: وهو ظاهر. ومكسورة قرن؛ يعني أن مكسورة القرن واحدا أو أكثر تجزئ في الضحية ولو استؤصل قرناها، خلافا لابن حبيب كما مر. لا إن أدمى؛ يعني أن محل الإجزاء في مكسورة القرن إذا لم يكن قرنها مدميا بأن يكون قد برئ، فإن لم يبرأ فلا تجزئ كما في المدونة، فالمراد بالإدماء عدم البرء، وقال أشهب: لا يضحى بها فإن فعل أجزأه، وإنما أجرأت مع البرء لأن ذلك ليس نقصا في الخلقة ولما في اللحم؛ لأن النعاج لا قرن لها والإجزاء هو الذي عليه أكثر الشيوخ.

وعلم مما قررت أن المراد بالإدماء عدم البرء لا السيلان، فلو قال: إن برأ، لكان أحسن وأخصر. قاله الشيخ علي الأجهوري.

كبين مرض؛ تشبيه في النفي وهو من إضافة الصفة إلى الموصوف؛ يعني أن ما كان من النعم مريضا مرضا بينا لا يجزئ إذا ضحى به، لقوله صلى الله عليه وسلم:(أربع لا تجزئ في الضحايا: العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ظلعها، والعجفاء التي لا تنقي)). انتهى. وهذه العيوب الأربعة مجمع عليها، وإذا كثر عيب من غير هذه العيوب الأربعة فالمذهب قياسه عليها، وقصر ذلك البغداديون على الأربعة. وقوله:"كبين مرض"، بين المرض هو الذي لا تتصرف معه كتصرف السليم من نوعها؛ لأنه يفسد اللحم ويضر بمن يأكله، واحترز بالبين من الخفيف، فإنه لا أثر له، وما اختلف فيه من ذلك فللاختلاف هل هو كثير أم لا؟ قاله الش.

وجرب؛ يعني أن الجربة البينة الجرب بأن يكون ذلك لها مرضا؛ بأن كان يعمها حتى يمرض جميع جسدها لا تجزئ في الضحية. قاله الش. وقوله: "وجرب"؛ عطف على قوله: "مرض"؛

ص: 107

أي وبين جرب كما قررت، وهو من عطف الخاص على العام. وبشم؛ يعني أن البشمة وهي التي تصيبها التخمة لا تجزئ إذا كان بشمها بينا، وإلا أجزأت. قاله الش. وقال الشيخ عبد الباقي: والرض الناشئ عنه لا ينفك عن كونه بينا، وهذا ما لم يحصل لها إسهال. انتهى. وجنون، يعني أن ما كان من النعم به جنون لا يجزئ، قال الإمام الحطاب: كان الأولى أن يقول: ودائم جنون؛ لأن الجنون غير الدائم لا يضر قاله في التوضيح. انتهى.

وأما الثولاء وهي التي تدور في موضعها ولا تتبع الغنم، فقال أبو عمران: لا بأس بها إن كانت سمينة، والثول بالتحريك جنون يصيب الشاة فلا تتبع الغنم وتستدير في مرتعها. قاله في الصحاح. قاله الحطاب.

وجعل الشيخ عبد الباقي قوله: "وجنون" عطفا على "مرض"، وهزال عطف على قوله:"مرض"؛ يعني أن الأضحية لا تجزئ إذا كانت هزيلة هزالا بينا، وهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم:(والعجفاء التي لا تنقي) أي لامخ في عظامها لشدة هزالها. قاله أهل اللغة. ابن حبيب: هي التى لا شحم فيها، وفسرها ابن الجلاب وغيره بالوجهين. وعرج؛ يعني أن العرجاء لا تجزئ إذا كان عرجها بينا وهو الذي لا تسير معه بسير السليمة، وأما الخفيف وهو الذي لا يمنعها أن تسير بسير السليمة فإنه لا يمنع الإجزاء، ولهذا قال في الحديث: البين ضلعها بفتح الضاد واللام، وروي بالظاء المشالة أي عرجها. قاله الش. وعورة عطف على قوله:"مرض"؛ يعني أن العوراء البين عورها كما في الحديث لا تجزئ ضحية، والعوراء هي التي ذهب بصر إحدى عينيها ولو كانت المعين باقية، وإن كانت بعينها بياض على الناظر لا يمنعها أن تنظر أو كان على غير الناظر فإنه لا يمنع الإجزاء. الباجي: وكذا عندي أي لا تجزئ لو ذهب أكثر بصر عينها.

وفائت جزء؛ يعني أنه لا يجزئ من الأضحية ما خلق بغير يد أو رجل، أو خلق ناقص عضو أو فاقد جزء أي جزء، أو قطع منه ذلك كان الجزء أصليا أو زائدا، إلا نقص الخصية، ولهذا قال: غير خصية، وأما نقص الخصية فلا يضر كان بخلقة أو بقطع إن لم يحصل به مرض، وإلا لم يجز، والظاهر أن المراد بالخصي هنا ما ليس له أنثيان كما في كلام أبي عمران وما ليس له ذكر

ص: 108

وما ليس له واحد منهما، وحرره. كذا في شرح الشيخ عبد الباقي. قال الشيخ أحمد: والخصي ما قطعت خصيتاه أي جلدتا البيضتين. انتهى.

قال الشيخ عبد الباقي: قوله: جلدتا أي مع البيضتين، وقد تسل الخصيتان فقط مع بقاء جلدتهما. انتهى. وفي نوازل ابن هلال بعد كلام ما نصه: فالحامل أن الخصي المجزئ عنده في الأضحية هو الموجوء لا الخصي المجبوب. انتهى.

وصمعاء جدا؛ يعني أن الصمعاء جدا لا تجزئ في الضحية، وهي صغيرة الأذنين جدا بحيث تقبح بهما الخلقة فكأنها خلقت بغير أذن، ومعنى قوله:"جدا" أنها صغرت أذناها بحيث تصير كالتي لا أذن لها، فإنها لا تجزئ كما إذا خلقت بغير أذنين، ومفهوم قوله:"جدا" أنها إذا كانت صمعاء لا جدا فإنها تجزئ. وذي أم وحشية؛ يعني أنه لا تصح الضحية إلا بما كان من بهيمة الأنعام، فلذلك لا يصح أن يضحى بما تولد من النعم والوحش، فإذا كانت الأم وحشية والأب من النعم فالإجزاء ساقط، كما لو ضربت فحول الغنم في إناث الظباء أو فحول البقر الإنسية في إناث بقر الوحش وهذا مما لا خلاف فيه؛ لأن الحيوان غير الناطق إنما يلحق بأمه، وكذا ما أمه إنسية وأبوه وحشي فإنه لا يجزئ على الأصح كما في الشامل وهو المعتمد، فلا مفهوم لقوله:"أم"، وعلى المحرم الجزاء فيهما. قاله الشيخ عبد الباقي وغيره. وقال الشارح: ومفهوم كلامه أن الأم لو كانت من النعم والأب من الوحش أجزأ، وحكى الشيخ أبو الطاهر في ذلك قولين: الإجزاء ابن شعبان: وهو الذي أقول به؛ لأن أكثر الأحكام أن الولد تابع لأمه، وقيل بعدم الإجزاء لأن مورد الشوع ما خلص من الأنعام وهذا لم يخلص. انتهى. كلام الش.

وفي الخرشي عن بعض الشراح أن الإجزاء فيما إذا كانت الأم من النعم والأب من الوحش هو المذهب، وأن تصحيح بهرام في الشامل لعدم الإجزاء ضعيف. والله سبحانه أعلم. وقال الشيخ الأمير عاطفا على ما لا يجزئ: ونسل وحش ولو بوسائط، ولا مفهوم للأم في الأصل.

وبتراء؛ يعني أن البتراء وهي التي لا ذنب لها خلقة أو طروا من جنس ماله ذنب لا تجزئ ضحية، وللغزاة أن يضحوا من غنم الروم لأن لهم أكلها ولا يردونها للمقاسم. وبكماء؛ يعني أن البكماء لا تجزئ في ضحية، وهي فاقدة الصوت من غير أمر عادي؛ لأن الناقة إذا مضى لها

ص: 109

أشهر من حملها تبكم فلا تصوت ولو قطعت. وبخراء؛ يعني أنه يشترط في الذات المضحى بها أن لا تكون بخراء وهي منتنة الفم لنقصان الجمال، ولاستلزامه تغير اللحم أو بعضه إلا ما كان أصليا كبعض الإبل. ويابسة ضرع؛ يعني أنه يشترط في الأنثى المضحى بها أن لا تكون يابسة الضرع أي جميعه. وأما التي ترضع ببعضه فتجزئ، والظاهر أن مثل يبسه خروج دم ونحوه منه. قاله الشيخ عبد الباقي. وغيره. ومشقوقة أذن؛ يعني أن المشقوقة الأذن من النعم لا تجزئ في الضحية وهذا إذا كانت أذنها مشقوقة أكثر من الثلث، فإن كان المشقوق من أذنها ثلثا فدون فإنها تجزئ على المشهور؛ لأنها تجزئ مع ذهابه كما يأتي، ولو شق من كل أذن ثلثها هل يمنع الإجزاء وهو الأحوط أم لا؟ قاله الشيخ عبد الباقي. وجزم الشيخ الأمير بأن ذلك لا يضر، فقال: وظاهره اغتفار الأقل فيهما. انتهى؛ يعني الأقل مما فوق الثلث. ومكسورة سن؛ يعني أن ما كسرت سنة من النعم لا يجزئ في الضحية وظاهره واحدة أو أكثر، وقال الشيخ عبد الباقي عند قوله:"ومكسورة سن": أي اثنتين أو أكثر أو الجميع، وأما كسر من واحدة فصحح في الشامل الإجزاء. انتهى. وفي الحطاب: ظاهره أن كسر الواحدة عيب، وظاهر كلامه في التوضيح وفي الشامل أنه ليس بعيب، ثم نقل كلام الشامل، وفيه: وفي السن الواحدة قولان وصحح الإجزاء، وقيل إلا في الثنية والرباعية. انتهى.

لغير إثغار؛ يعني أن محل كون الأسنان يضر سقوطها إنما هو إذا كان سقوطها لغير إثغار، وأما إن كان سقوطها لأجل الإثغار فإن ذلك لا يضر في باب الضحايا، وكذا لا يضر حفر الأسنان كما روى ابن القاسم. أو كبر؛ يعني أن المضر إنما هو سقوط الأسنان لغير الإثغار أو الكبر، وأما إن كان السقوط من أجل الإثغار أو الكبر فإنه لا يضر، قال في الشامل في العيوب: وسقوط الأسنان لا للإثغار اتفاقا، وكذا للكبر على الأصح. انتهى.

وفي التوضيح: قال اللخمي: لا تجزئ إذا كانت ذاهبة الأسنان لكسر أو شبهه، وتجزئ إذا كانت من إثغار، واختلف إذا كان لكبر، فقال مالك في كتاب محمد: لا بأس بها، وفي المبسوط: لا يصح بها، ومحمل قوله على الاستحسان؛ لأنها من العيوب الخفية. قاله الإمام الحطاب.

ص: 110

وقوله: "لغير"، متعلق بمقدر تقديره ومقلوعتها. قاله الشيخ عبد الباقي. وذلك ظاهر لأن الإثغار لا يناسبه إلا السقوط. والله سبحانه أعلم.

وذاهبة ثلث ذنب؛ يعني أن ما ذهب ثلث ذنبه من النعم لا يصح أن يضحى به، ذهب بقطع أو مرض، لا أذن؛ يعني أن ذهاب ثلث الأذن لا يضر في الضحية. الباجي: هذا هو الصحيح أي أن ذاهبة ثلث الذنب لا يضحى بها، وذاهبة ثلث الأذن يضحى بها؛ لأن الذنب لحم وعظم والأذن طرف جلد لا تكاد تستضر به لكن ينقص الجمال كثيرة، ولهذا لو ذهب أكثر من ثلث الأذن فإنها لا تجزئ، وقد مر أن شق أكثر من ثلثها يضر، فما ظنك بذهاب أكثر من ثلثها؟

من ذبح الإمام، متعلق "بسن"، أو صفة "لضحية"، أو خبر مبتدإ محذوف؛ أي وابتداء وقت ذبحها في اليوم الأول لغير الإمام؛ من ذبح الإمام يعني أن ابتداء وقت الذبح للضحية بالنسبة لغير الإمام من ذبح الإمام الحاصل بعد صلاته وخطبته، أو قدره إن لم يذبح كما يفيده ابن ناجي. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشارح عند قوله:"من ذبح الإمام": وهذا إذا ذبح الإمام وإلا فالمعتبر الصلاة، وكذا في التوضيح أيضا أن المعتبر الصلاة إن لم يذبح. وفي الذخيرة: إذا ذبح أهل المسافر عنه راعوا إمامهم دون إمام بلد المسافر، ولا يراعى الإمام في الهدي، قال الشيخ عبد الباقي: والظاهر أنه تجري هنا الصور التسع التي في تكبيرة الإحرام، فمتى ابتدأ بالذبح قبله لم تجز، ختم قبله أو معه أو بعده، وكذا إن ابتدأ معه مطلقا، وكذا إن ابتدأ بعده وختم معه أو قبله احتياطا، لا إن ختم بعده فتجزئ ضحية. انتهى.

قال الشيخ محمد بن الحسن: قوله: وكذا إن ابتدأ بعده وختم معه، فيه نظر، وقد تقدم صحة الصلاة في هذه إن ابتدأ بعده. انتهى. وظاهر قوله:"من ذبح الإمام"، ولو تبين أن ذبحه أو نحره لا يجزئه ضحية، وانظر إذا تعمد ذلك وتبعوه في ذبح ما يجزئهم، فهل يُكتفى بذبحهم لأنهم ذبحوا بعده في الجملة أو لا؟ لأنهم ذبحوا قبل ذبحه المعتبر شرعا، ومن كان حين ذبح الإمام غير مخاطب بها لفقر أو رق أو كفر ثم زال عذره أثناء أيامها طلب بها، كمولود أثناءها. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ الأمير: فإن لم يكن للإمام ضحية ودفعت له لينحرها بدل ضحية نفسه لم تجز حيث كان أقرب يتحرى. انتهى. وهو صريح في أن من لم يضح إمامه

ص: 111

يتحرى أقرب الأئمة إليه، وقد مر أن ابتداء وقت الضحية لمن لم يضح إمامه بعد الصلاة أو الخطبة، ولم يقيد بغير من له أقرب إمام والله سبحانه أعلم.

لآخر الثالث؛ يعني أن وقت الذبح والنحر ابتداؤه من ذبح الإمام أو نحره، ويستمر وقت الذبح لهم وللإمام إلى آخر اليوم الثالث من أيام النحر، ويفوت وقت ذبح الضحية ونحرها بغروب الشمس من اليوم الثالث على الإمام وغيره، فالحاصل أن الأيام الثلاثة يوم الصلاة واليومين بعده أوقات التضحية للإمام وغيره، فلا تفوت حتى تغرب الشمس من اليوم الثالث وأن ابتداء وقت الذبح والنحر مختلف، فالإمام وقت ذبحه بعد الصلاة والخطبة، وغير الإمام ابتداء وقت ذبحه من ذبح الإمام الكائن بعد الصلاة والخطبة إن ذبح وإلا فالمعتبر قدر ذلك والصلاة على ما مر. والله سبحانه أعلم.

فتحصل من هذا أن ابتداء الذبح مختلف وانتهاؤه متفق وبالله تعالى التوفيق. وفي الحديث: (من ذبح قبل الصلاة فإنما هي شاة لحم

(1)

)، وفيه أيضا (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى يوم النحر بالمدينة فتقدم رجال فنحروا وظنوا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد نحر، فأمر كل من نحر قبله أن يعيد ولا ينحر حتى ينحر النبي صلى الله عليه وسلم

(2)

)، وقال الحسن في قوله تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} . نزلت في قوم ذبحوا قبل أن ينحر النبي صلى الله عليه وسلم.

وقوله: "من ذبح الإمام" اعلم أنه اختلف فيمن زبح بعد الصلاة وقبل ذبح الإمام، فذهب مالك والشافعي والأوزاعي إلى أنه لا يجوز للحديث المتقدم، وقيل: يجوز ذلك، وأما قبل الصلاة فقد قال ابن عبد البر: أجمعوا على أن الذبح لأهل الحضر لا يجوز قبل الصلاة، لقوله صلى الله عليه وسلم: من ذبح قبل الصلاة فإنما هي شاة لحم. انظر الشارح. وفي الحطاب قال مالك: والصواب ذبح الإمام كبشه بالمصلى بعد نزوله عن المنبر ثم يذبح الناس بعده في منازلهم، ولغير الإمام ذبح أضحيته بالمصلى بعد الإمام. انتهى.

(1)

القرطبي، ج، 12، ص 42.

(2)

مسلم رقم الحديث 1964.

ص: 112

وهل هو العباسي؛ يعني أن الإمام الذي يعيد من ذبح قبل ذبحه هو إمام الطاعة أي أمير المؤمنين إذا كان إمام الطاعة يتولى صلاة العيد، فإن تولاها غيره فقيل: المعتبر ذبح من يقيمه إمام الطاعة مقامه لذلك في بلده أو عمله في بلد من بلدانه ولا عبرة بالمتغلبين. قاله اللخمي. وعلى هذا القول يعتبر أهل كل بلد عاملها. أو إمام الصلاة؛ أي ومنهم من ذهب إلى أن المعتبر إمام صلاة العيد إذا كان مستخلفا عليها استخلف على غيرها معها أم لا قولان؛ أي في ذلك قولان: الأول للخمي، والثاني لابن رشد. وقوله:"وهل هو العباسي"، صوابه إمام الطاعة، وتبع في التعبير بالعباسي اللخمي وابن الحاجب، وهما إنما عبرا به لأنهما في زمن ولاية بني العباس، بخلاف المؤلف، وقد وهَّمَتْ عبارته هنا الشارح في باب القضاء، فقال: يجب في الإمام الأعظم كونه عباسيا وتبعه الأجهوري، وقد خرجا بذلك عن أقوال المالكية. قاله الرماصي.

واعلم أنه يظهر مما تقدم أن الخلاف لفظي؛ لأن اللخمي يقول: المعتبر إمام الطاعة أو من هو نائب عنه ممن يقيمه، وابن رشد يقول: إن المعتبر إمام الصلاة إذا كان مستخلفا عليها، ولا شك أن إمام الصلاة المستخلف هو قول اللخمي أو من هو نائب عنه ممن يقيمه. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وعلى هذا فالمعتبر إمام الصلاة الذي استخلفه الإمام عليها حين لم يؤم الإمام أي إمام الطاعة، ففي كلام المص على هذا نظر، وهو الذي قاله البناني. قال الرهوني: هو الصواب، وكلام ابن رشد هذا في البيان، قال: ويمكن أن يكون المص وابن عرفة أشارا إلى كلام ابن رشد في نوازله، وحملاه على إطلاقه ولم يرداه إلى ماله في البيان، فإنه قال فيها: المعتبر إمام الصلاة حين سئل هل المعتبر إمام الطاعة أو إمام الصلاة؟ وعليه فمعنى المص وهل المعتبر إمام الطاعة؟ وذلك شامل لمن أقامه عليها، فإن أم هو اعتبر، وإن لم يؤم اعتبر من أقامه عليها أو المعتبر إمام الصلاة ولو لم يقمه وهذا أسعد بظاهر المص. والله أعلم. وما مر من أنه لا عبرة بالمتغلبين ويكون الناس معهم كمن لا إمام لهم فيتحرون أقرب الأئمة إليهم هو للخمي كما عرفت، ونظر فيه ابن عبد السلام بأن نصوص المذهب نفوذ أحكامهم وأحكام قضاتهم. انتهى. ومن لا خليفة لهم يعتبر إمام صلاتها حينئذ قطعا، وفي الشبراخيتي وغيره أيضا أن الخلاف لفظي.

ص: 113

ولا يراعى قدره في غير الأول؛ يعني أنه لا يراعي قدر الوقت الذي يذبح فيه الإمام أضحيته في اليوم الثاني والثالث ولو أراد الإمام الذبح في أحدهما، وإنما يُرَاعى ذلك في اليوم الأول فالضمير في "قدره". لذبح الإمام المتقدم في قوله:"من ذبح الامام": وما ذكره المص هنا هو المشهور، ونقله الباجي عن ابن حبيب عن مالك، ونصه: قال ابن حبيب عن مالك: ويستحب أن يؤخر أضحيته في اليوم الثاني والثالث إلى أن تطلع الشمس وتحل السبحة، وليس عليه أن ينظر قدر صلاة الإمام في اليوم الأول، يريد لأن ما قبل طلوع الشمس مختلف فيه، هل هو من الليل أو من النهار، ويستحب الخروج من الخلاف، فإذا طلعت الشمس أخر إلى أن يتمكن طلوعها، ولو فعل بعد طلوع الفجر أجزأه، وقال أصبغ: إذا طلع الفجر في هذين اليومين جاز الذبح.

وأعاد سابقه؛ يعني أنه لا يجوز لأحد أن يذبح قبل الإمام، ومن فعل ذلك أعاد أضحيته على وجه السنية سواء ذبح قبل الصلاة أو بعدها، وقد تقدم الكلام على هذا قريبا مستوفى فراجعه إن شئت. والضمير في "سابقه" عائد على الإمام، ومحل قوله:"وأعاد سابقه"، حيث أبرزها الإمام أي أخرجها إلى المصلى ليذبحها بعد الصلاة والخطبة، والتحري وعدمه في حالة الإبراز سواء إلا ما استثناه بقوله: إلا المتحري أقرب إمام؛ يعني أن الحكم المتقدم وهو إعادة من سبق الإمام بالذبح مخصوص بمن لهم إمام، فأما من ليس لهم إمام فإنهم يتحرون وجوبا صلاة أقرب الأئمة إليهم وذبحه فيذبحون بعده، فإن لم يتحروا لم تجزهم، وإن تحروا فذبحوا قبله أجزأهم؛ لأن التحري فعل ما هو واجب عليه لعسر اطلاعه على ذبح الإمام وهذا هو المشهور، وروى أشهب عن مالك أنه إذا تحرف فأخطأ لا تجزئه، وعلى الأول فالفرق بينه وبين ما تقدم من قوله: ولا تجزئ إن تبين تقدم إحرامها للفجر أن إعادة الأضحية مما يشق بخلاف إعادة ركعتي الفجر، والظاهر أن الفرق بين هذا وبين الأسير إذا التبست عليه المشهور وتحرى شهرا وصامه فتبين أنه قبل رمضان، فإنه لا يجزنه اتفاقا أنه يستخف في السُّنَّة ما لا يستخف في الفرض. والله أعلم. وعبارة الشيخ الأمير: فإن أخرج الإمام ضحيته وتحراه إنسان فكالإحرام إلا أن لا يلزمه جمعته فتجزئه مطلقا. انتهى. قال في تقييده: وهو محمل الأقرب في الأصل. انتهى.

ص: 114

كأن لم يبرزها؛ يعني أن الإمام إذا لم يبرز أضحيته بأن لم يخرجها إلى المصلى ليذبحها بعد صلاته وخطبتها، فإن لم يتوان عن الذبح فالأمر ظاهر أي يعيد من سبقه أو وافقه، وإن توانى عن الذبح فإن ذلك إما أن يكون لغير عذر أو لعذر كالجهاد مثلا، فإن توانى بلا عذر أي تأخر عن الذبح لغير عذر بل اختيارا، فإنه ينتظر قدره؛ أي قدر الزمن الذي يذبح فيه الإمام، أي يؤخر إلى أن يكون ذبحه في وقت لو أبرز الإمام أضحيته وذبحها يكون ذبحه بعده.

وقد مر أن الإمام يذبح بعد أن ينزل عن المنبر وتذبح الناس بعده.

وبما قررت علم أن قوله: "قدره"، ظرف متعلق بمحذوف. وبه انتظر للزوال، هذا مفهوم قوله:"بلا عذر"؛ يعني أن الإمام إذا كان تأخيره الذبح لعذر كاشتغاله بقتال عدو أو غيره، فإن الناس ينتظرون بذبحهم الإمام كي يذبح فيذبحوا بعد ذبحه إلى أن يخافوا خروج وقت الصلاة بسبب زوال الشمس بحيث يبقى قدر ما يذبحون قبل الزوال، ليلا يفوت الوقت الأفضل في اليوم الأول. ابن رشد: وكان يجري لنا البحث هل من العذر طلب الإمام للأضحية بشراء أو نحوه؟ انتهى. ولو ضحى معتقدا أن لإمامه عذرا وتبين عدمه فإنها تجزئ، كما إذا ذبح معتقدا أن لا عذر له فتبين أن له عذرا في نفس الأمر عملا بما تبين في الأولى وعملا باعتقاده في الثانية، كذا يظهر في المسألتين. انظر شرح الشيخ عبد الباقي. وفيه أيضا: وانظر إذا لم يكن أقرب إمام أو كان وتعذر تحريه، هل يذبح بعد أن يصلي العيد أو يؤخر لقرب الزوال أو يذبح في أي وقت شاء؟ انتهى. وفي كتاب الشيخ الأمير ما يفيد حكم هذا المنظر فيه، فإنه قال: وإن لم يخرجها فإن توانى عن الذبم لعذر كالجهاد انتظر حتى يبقى للزوال قدر الذبح، وإلا أخر قدر ذبحه كمن لا إمام لهم يضحي بأن لا يكون أصلا أو يكون ولا يضحي. انتهى.

قال جامعه عفا الله عنه: فتحصل مما مر أن الإمام إذا أبرز أضحيته أي -أخرجها للمصلى- ليذبحها بعد الصلاة والخطبة فيعلم الناس بذبحه فيذبحوا بعد ذبحه، فإنه يعيد من سبقه أو ساواه، وتجري فيه الصور التسع المتقدمة في الإحرام والسلام، وهذا الحكم جار فيمن له إمام تلزمه جمعته، ولا عبرة بالتحري في هذا، فمتى حصلت المساواة أو السابقة أعاد استنانا، فإن بعد منه الأئمة بحيث لا تلزمه جمعة أحدهم فإنه يتحرى قدر ذبح أقربهم إليه، وتجزئه إن تبين

ص: 115

أنه ذبح قبله. فإن لم يتحر لم تجزه، وأنه إذا لم يبرز الإمام أضحيته، فإنه إما أن يتوانى الإمام في الذبح أو لا، فإن لم يتوان أعاد سابقه، وإن توانى فإما أن يتوانى لعذر أو لا، فإن توانى لعذر فإنه ينتظر بالذبح إلى الزوال. وإن توانى لغير عذر فإنه ينتظر بالذبح قدر ما يذبح فيه الإمام ويذبحون حينئذ وتجزئهم، فإن لم يتحروا قدر ذبحه وتبين أنهم سبقوه أو ساووه لم تجزهم.

والنهار شرط؛ يعني أنه يشترط في إجزاء الضحية أن تذبح نهارا، فإن ذبح أحد أضحيته ليلا لم تجزه، وكذا الهدايا. وفي الحديث: (من ضحى بليل فليعد

(1)

)، وروي عن مالك فيمن ضحى بليل أنها تجزئ، وعلى هذا الهدي إذا نحر ليلا، وقال أشهب: يجزئ الهدي ولا تجزئ الضحية، والخلاف إنما هو فيما عدا ليلة النحر، وأما هي فلا خلاف أن من نحر أو ذبح فيها لا يجزئه لعدم دخول الوقت كالليلة الرابعة لخروج الوقت، ويندب في غير اليوم الأول التأخير لطلوع الشمس، وتحل النافلة. وقوله:"والنهار"؛ أي وذبح النهار شرط، وهذا كالاستثناء من قوله:"من ذبح الإمام لآخر الثالث"، فإنه بحسب ظاهره شامل للأيام بليالها، فبين المراد بهذا. والله سبحانه أعلم.

وندب إبرازها؛ يعني أنه يندب للإمام أن يبرز أي يخرج أضحيته إلى المصلى ليذبحها فيه بعد الصلاة والخطبة وبعد نزوله عن المنبر، فيعلم الناس بذبحه فيذبحوا بعده، كما ثبت ذلك عنه صلى الله عليه وسلم، وكذا يندب لغير الإمام إبرازها إلا أنَّ تركَ الإمام إبرازها مكروه بخلاف غيره.

ابن المواز: ولوأن غير الإمام ذبح أضحيته في المصلى بعد ذبح الإمام جاز وكان صوابا، كما فعله عمر رضي الله عنه؛ لأنها من القرب المسنونة العامة، فالأفضل إظهارها؛ لأن فيه إحياء سنتها. قاله الخرشي.

مالك: وجه الشأن أن يخرج الإمام أضحيته إلى المصلى فيذبحها بعد الصلاة بيده، ثم يذبح الناس بعده، قال عبد الوهاب: لأنه قد ثبت أن على الناس الاقتداء به، فوجب أن يظهر أضحيتة ليصل الناس إلى العلم بوقت ذبحه. قاله الش.

(1)

تبصرة اللخمي ج 4 ص 1558.

ص: 116

وجيد؛ يعني أن مما يستحب في الأضحية الجودة؛ إذ لا نزاع في أفضلية الأكمل على غيره، والمراد بالجودة حسن الصورة حسنا زائدا على ما نقصه لا يمنع الإجزاء، أو أن يكون من أعلى النعم وأكمله أو من مال طيب. وسالم؛ يعني أنه يستحب في الأضحية أن تكون سالمة من العيوب التي لا تمنع الإجزاء، كيسير المرض وكسر القرن مع البرء ونحوهما مما لا يمنع الإجزاء، وأما السلامة من العيوب التي تمنع الإجزاء فواجبة. والله تعالى أعلم.

وغير خرقاء؛ يعني أنه يستحب في الأضحية أن تكون سالمة من هذه الأمور الأربعة بأن تكون غير خرقاء، والخرقاء هي التي في أذنها خرق مستدير أو المقطوع بعض أذنها من أسفلها، وشرقاء، وهي مشقوقة الأذن، يقال: شرقت الشاة أشرقها شرقا: شققت أذنها، وقد شرقت الشاة بالكسر فهي شرقاء. ومقابلة، وهي التي قطع من أذنها قبل وجهها أي قدام وترك معلقا. ومدابرة، وهي التي قطع من أذنها من خلفها وترك معلقا، فقوله:"وغير خرقاء وشرقاء ومقابلة ومدابرة"، معناه كما علمت أنه يستحب أن تكون الأضحية سليمة من هذه العيوب الأربعة، وقول الش: من أحد هذه الأمور الأربعة فيه شيء، وهذه الأمور مستفادة من قوله:"وسالم"، فهو من عطف الخاص على العام، ومحل الندب ما لم يكثر أحد هذه الأمور الأربعة، وأما إن كثر أحدها فإنها لا تجزئ كما مر، قال الشيخ إبراهيم: وإنما ذكر هذا مع علمه من ما قبله، لنص الحديث عليها، وعبر عنها بصيغة التأنيث مع ارتكاب التذكير فيما قبله وفيما بعده تبعا للفظ الحديث. انتهى.

وسمين؛ يعني أنه يستحب في الأضحية أن تكون سمينة، قال الشيخ عبد الباقي: ولا يعلم منه ندب تسمينها وهو المشهور، وكرهه ابن شعبان قائلا: لأنه من سنة اليهود. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: فيه -يعني الندب- نظر، والذي في المواق والحطاب عن عياض: الجمهور على جواز تسمينها. انتهى. ونحوه لابن عبد السلام. انتهى كلام الشيخ محمد بن الحسن.

تنبيه: تسمين المرأة لا بأس به ما لم يؤد إلى الضرر بالجسم أو إفساد الطعام وقيئه فلا يجوز، وأما ما زاد على الشبع مما لا يؤدي إلى هذا فالصواب جوازه لأنه من كمال المتعة، وفي الحديث ما يدل على جواز مطلق الشبع

(1)

، وفيه خلاف.

(1)

البخاري رقم الحديث 5375، 6452.

ص: 117

وفي الإكمال في شرح حديث الثلاثة (قليل فقه قلوبهم كثير شحم بطونهم فيه تنبيه على أن الفطنة قلما تكون مع كثرة الشحم والاتصاف بالسمن وكثرة اللحم. ونقل البرزلي عن شيخه: كثرة شحم المرأة لا خير فيه لأنه ثقل في الحياة ونتن بعد الممات. نقله الحطاب.

وذكر؛ يعني أنه يستحب أن تكون الأضحية ذكرا فالذكر أفضل من الأنثى، وهذا هو ظاهر المذهب، وقال في المبسوط: هما سواء. قاله الش. وأقرن؛ يعني أن الأقرن أفضل من الأجم في الضحية، وأبيض؛ يعني أن الأبيض أفضل من غيره في الأضحية، وفي الصحيحين (أنه صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين أقرنين أملحينٍ

(1)

)، والأقرن هو الذي له قرنان، والأملح قال ابن الأعرابي: هو النقي البياض، وقيل هو كلون الملح: فيه شامات سود، وقيل المتغير الشعر بالسواد والبياض كالشهبة، وقيل الأسود الذي تعلوه حمرة، وقيل الذي يخالط بياضه حمرة، وقيل هو الذي في خلال بياضه طبقات سود، وفي خبر مسلم: (ضحى بكبش أقرن يطأ في سواد ويبرك في سواد وينظر في سواد

(2)

) -زاد النسائي: (ويأكل في سواد- فأتي به ليضحي به، فقال: يا عائشة هلمي المدية، ثم قال: استحديها بحجر ففعلت ثم أخذها وأخذ الكبش فأضجعه، ثم قال: بسم الله اللهم تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمد فضحى به). وروي أن هذه صفة الكبش الذي فدي به ابن إبراهيم عليهما الصلاة والسلام من الذبح، وروى دم عفراء أفضل عند الله من دم سوداوين: والعفراء: البيضاء وينبغي أن ما قارب البياض أولى مما بعد منه. قاله الخرشي.

وفحل يعني أن الفحل أفضل من الخصي في الضحية إن لم يكن الخصي أسمن؛ يعني أن محل كون الفحل أفضل من الخصي في الضحية إنما هو إذا لم يكن الخصي أسمن بأن تساويا في السمن أو كان الفحل أسمن، وأما إذا كان الخصي أسمن فإنه يكون أفضل من الفحل السمين، ولا تقدم الأنثى على الفحل ولا على الخصي ولو كانت أسمن، والخصي الأسمن يقدم على الفحل السمين ولو كان أجم والفحل أقرن، والظاهر تقديم الأسمن الأجم من الخصيان ولو كان أسود على الأقرن الأبيض الفحل السمين. قاله الخرشي.

(1)

البخاري رقم الحديث 5558، مسلم رقم الحديث 1967.

(2)

مسلم رقم الحديث 1967.

ص: 118

وضأن مطلقا؛ يعني أن الضأن أفضل في الضحية من سائر النعم، كان الضأن ذكرا أو أنثى فحلا أو خصيا. ثم معز؛ يعني أنه يلي الضأن في الفضل المعز فحله ثم خصيه ثم أنثاه، فهو أفضل في الضحية من الإبل والبقر. ثم هل بقر؟ يعني أنه اختلف هل يلى المعز في الفضل البقر فيكون أفضل من الإبل في الضحية، وهو قول ابن الجلاب والقاضي عبد الوهاب، وهذا القول هو الأظهر أي استظهره ابن رشد، أو إبل؛ أي أنه قيل إن الذي يلي المعز في الفضل الإبل لا البقر؛ وهو قول ابن شعبان، وسبب الخلاف أيهما أطيب لحما، وكل جنس من هذه الأجناس الأربعة فحله أفضل من خصيه إن لم يكن الخصي أسمن، وإلا فالخصي أفضل وخصيه أفضل من أنثاه، وهذا قدمه المص بقوله: وذكر وفحل لخ.

قال الشيخ عبد الباقي: واشتمل كلامه على اثنتي عشرة مرتبة؛ لأنها أربعة: ضأن ومعز وبقر وإبل، وكل نوع يشتمل على ثلاث مراتب: ذكر فحل فخصي فأنثى، فأعلاها فحل الضأن إن لم يكن الخصي أسمن، وأدناها أنثى الإبل أو البقر على ما مر، وإن نظرت إلى الخناثي صارت ست عشرة، والظاهر أن الخصي والمجبوب هنا شيء واحد وإلا كانت عشرين مرتبة. انتهى. قوله: وإن نظرت إلى الخناثي لخ، قال الشيخ محمد بن الحسن: فيه نظر، انظر الحطاب فقد نظر في إجزاء الخنثى، وعلى تقدير الإجزاء قد نقل أن الخنثى إنما يكون من الإبل كالآدمي، زاد النووي: وفي البقر كما أخبرني به الثقة، وعليه فلا يكون في الضأن ولا في المعز، فلا يتأتى ما ذكره الزرقاني. انتهى.

وقوله: "وضأن مطلقا" لخ، خلافا للإمام الشافعي والإمام أبي حنيفة القائلين: الإبل أفضل ثم البقر ثم الغنم، لقوله عليه الصلاة والسلام: (من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا

(1)

). الحديث. والجواب أنه عليه الصلاة والسلام لم يعين في أي باب فيحمل على ما هو مجمع عليه وهو الهدايا، وقال صلى الله عليه وسلم: (خير الأضحية الكبش

(2)

)، والمطلوب إحياء قصة إبراهيم

(1)

الموطأ، كتاب الجمعة، الحديث: 227 والبخاري، كتاب الجمعة، الحديث:881.

(2)

أبو داود الجنائز رقم الحديث 35، والترمذي رقم الحديث 1517.

ص: 119

وولده صلوات الله وسلامه على نبينا وعليهما، لقوله تعالى:{وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} ، وقوله تعالى:{وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ} ، قيل: جعلناه سنة للآخرين، وقوله:"ثم هل بقر" لخ، قال ابن غازي: صرح ابن عرفة بمشهورية الأول، ولا أعلم من شهر الثاني. انتهى. وفي شرح الأقفهسي أن الخلاف في ذلك خلاف في حال أيهما أطيب لحما، والظاهر طيب البقر، وما نسبه التتائي لابن عرفة من تشهير القول الثاني سبق قلم. قاله الشيخ إبراهيم. وفي الخرشي ما نصه: واستشكل تعليل تقديم البقر على الإبل بطيب لحمها على لحم الإبل مع ورود أن لحمها داء، ويجاب بأنه يمكن حمله على البلاد الحارة، وقوله: خلاف مبتدأ حذف خبره أي في ذلك خلاف، وقد علمت أن الذي يظهر من كلامهم أن الأول هو الراجح، ولذا اقتصر عليه الشيخ الأمير. والله سبحانه أعلم.

وترك حلق وقلم لمضح عشر ذي الحجة؛ يعني أنه يندب لمن أراد أن يضحي أن يترك حلق شعره من سائر جسده وقصه وإزالتُه بنؤرة كذلك، ويندب لمن أراد أن يضحي أيضا أن يترك قلم ظفره ويترك ما ذكر من الحلق والقلم عشر ذي الحجة أي الليالي العشر الأول من ذي الحجة موافقة للحاج، ومبدأ الترك من أول الليلة الأولى من العشر، وغاية الترك إلى أن يضحي أو يضحى عنه أو ينيب في الذبح ويحصل بالفعل، فالتعبير بالعشر باعتبار الليالي أو تغليبا إذ المراد تسع إن أراد التضحية في اليوم الأول، وأما الثاني فالعشر على حقيقته لا في الثالث وإن ندب فيه أيضا ترك الحلق والقلم.

وقوله: "ذي الحجة"، بفتح الحاء وكسرها، والكسر أكثر سماعا كما في الحطاب، وقوله:"لمضح"، أي لمريد تضحية حقيقة أو حكما، فيشمل المدخل في التضحية بالشروط المتقدمة، فيندب له ما يندب لمالكها، وفي الحديث: (إذا دخل عشر ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضحي فلا يمس من شعره ولا بشرته شيئا

(1)

)، وروي:(فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره شيئا)، وحمل الأئمة الثلاثة الإبقاء على الندب مع قول أبي حنيفة بوجوب الضحية، وحمل أحمد الإبقاء على الوجوب حملا للنهي على التحريم، وفي الحديث أيضا: (خير أضحيتك أن يعتق الله بكل جزء

(1)

مسند أحمد ج 6، ص 289.

ص: 120

منها جزءا منك من النار)، والشعر والظفر من الأجزاء فتترك حتى تدخل في العتق، وأما في غير عشر ذي الحجة فيندب نتف إبطه من الجمعة إلى الجمعة إن احتيج له، وغاية تركه كالعانة أربعون. قاله الشيخ عبد الباقي.

وفي النصيحة الكافية: ومن السنة استعمال خصال الفطرة. انتهى. قال شارحها ابن زكري: يشير به إلى الحديث المتفق عليه، ولفظه في صحيح البخاري: (الفطرة خمس أو خمس من الفطرة الختان والاستحداد ونتف الإبط وتقليم الأظفار وقص الشارب

(1)

)، والشك من سفيان، والفطرة هنا بمعنى السنة؛ لأنه وقع التعبير في بعض الروايات السنة بدل الفطرة، وأصل الفطرة الاختراع أي أن هذه الأشياء إذا فعلت اتصف فاعلها بالفطرة التي فطر الله العباد عليها، والظاهر حمل السنة في المتن على معناها المشهور، لقوله في شرح الرسالة: وأما نتف الجناحين فهو السنة، وأما حلق العانة فسنة.

وقال أبو حامد والماوردي وغيرهما: المراد بالسنة في بعض الروايات الطريقة لا التي تقابل الواجب، وقال أبو بكر بن العربي: عندي أن الخصال الخمس في هذا الحديث كلها واجبة، وكذلك نقل ابن دقيق العيد عن بعض العلماء، وفهم من إطلاقه استعمال ما ذكر أنه لا حد له. قال القاضي عياض: لا حد لأقل الترك عند العلماء، والمستحب من الجمعة إلى الجمعة، وينبغي أن لا يترك ذلك أكثر من أربعين يوما.

قال الأبي: ذكر النيسابوري من حديث أنس، قال: (وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحلق الرجل عانته كل أربعين يوما، وأن ينتف إبطه كلما طلع ولا يدع شاربه، وأن يقلم أظفاره من الجمعة إلى الجمعة، وأن يتعاهد البراجم كلما توضأ فإن الوسخ إليها سريع

(2)

). فالضابط بحسب هذا الحديث الحاجة والطول، فإذا طال شيء من ذلك أزيل، والعانة تحلق، ونتفها يورث الجذام ويرخي العصب ويضر بالإنعاظ، وقال ابن دقيق العيد: الأولى في إزالة الشعر هنا الحلق ويجوز النتف وقال النووي وغيره السنة في إزالة شعر العانة الحلق بالموسى في حق الرجل

(1)

البخاري رقم الحديث 5889، ومسلم رقم الحديث 257.

(2)

الأبي في شرح صحيح مسلم ج 2 ص 65.

ص: 121

والمرأة معا ولكن يتأدى أصل السنة بكل مزيل وحكى النووي في وجوب الإزالة إذا طلب الزوج منها ذلك وجهين أحدهما الوجوب.

ابن العربي: إن كانت شابة فالنتف في حقها أولى، وإن كانت كهلة فأولى في حقها الحلق. وفي ابن زكري بعد جلب نقول: فتحصل من مجموع هذا استحباب حلق جميع ما على القبل والدبر وما حولهما من الشعر، وقال ابن العربي: حلق ما حول الدبر لا يشرع، ونتف الجناحين، قال ابن حجر: يستحب البدء بالجهة اليمنى بأصابع اليسرى وكذا اليسرى إن أمكن وإلا فباليمنى، وقال مالك: ويغسل رائحته من يده استحبابا، ويقوم التنور مقام الحلق.

وفي النصيحة الكافية: ولا بأس بالنؤرة إلا أنها تضعف الذكر، والدوام عليها ليس من السنة، وليس من السنة حلق الجناحين، وما نقل عن الشافعي من ذلك فقد علل بأنه لا يقدر على النتف.

ابن حجر: ولم يثبت في ترتيب الأصابع عند القص شيء من الأحاديث، لكن جزم النووي في شرح مسلم بأنه تستحب البداءة بمسبحة اليمنى ثم بالوسطى ثم بالبنصر ثم بالخنصر ثم بالإبهام، وفي اليسرى البداءة بخنصرها ثم بالبنصر إلى الإبهام، ويبدأ في الرجلين بخنصر اليمنى إلى الإبهام، وفي اليسرى بإبهامها إلى الخنصر، ومذهب إمامنا مالك أن الأيام كلها لله تعالى. وقال في الإحياء:(وجاء في حديث النهي عن تقليم الأظفار يوم الأربعاء وأنه يورث البرص). قاله ابن زكري.

وفي النصيحة: ويتقي الأيام التي جاء النهي عن التقليم فيها، وفي الشبراخيتي: قال الفاكهاني، يندب الاستحداد وقص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط كل جمعة على قدر الحاجة، فمتى طال أزاله، وأما حديث أنس:(وقت لنا فيها أن لا نتركها أكثر من أربعين ليلة)، فمعناه أن لا يتأخر عنها لا أنه يندب تأخيرها أربعين. قاله عياض. والنووي. انتهى. وقوله:"لمضح"، يدخل فيه من تسن في حقه الضحية من معتمر وحاج فاته الحج وتحلل منه بفعل عمرة، وقد مر أنه يدخل فيه المدخل في الضحية فيندب له ما يندب لمالكها.

ص: 122

وضحية على صدقة؛ يعني أنه يندب تقديم الأضحية على الصدقة فلا يترك أحد الأضحية ليتصدق بثمنها. وقاله في المدونة. وعتق؛ يعني أن الضحية تقدم على العتق ندبا، فلا يترك أحد الضحية ليشتري بثمنها عبدا ليعتقه، أو ليستعين بثمنها في شراء عبد ليعتقه؛ لأن إحياء السنن أفضل من التطوع.

ابن حبيب: وهي -يعني الضحية- أفضل من العتق ومن عظيم الصدقة؛ لأن إحياء السنن أفضل من التطوع. انتهى. ولو نذر الثلاثة ولا قدرة له عليها فقضية تفضيل الضحية تقديمها عليهما والعتق أولى من الصدقة ما لم يكن الزمن زمن مسغبة فتكون الصدقة أولى. قاله الشيخ الخرشي. وقوله: "وضحية على صدقة"، وروي عن مالك أن التصدق أفضل، وقوله:"وضحية على صدقة وعتق"، الظاهر أن المراد هنا بندب التقديم السنية؛ إذ لا معنى لكونها سنة وتقديمها على ما ذكر مندوب أشار له بناني، ونص المص على ما ذكر دفعا لما يتوهم من كون ما ذكر أفضل من الضحية؛ لأن السنة والندب قد يكونان أفضل من الفرض، كما قال:

الفرض أفضل من تطوع عابد

حتى ولو قد جاء منه بأكثر

إلا التطهر قبل وقت وابتدا

ء بالسلام كذاك ابرا معسر

وذبحها بيده؛ يعني أنه يستحب للإنسان أن يذبح أضحيته بيده، كان الذابح ذكرا أو أنثى، صغيرا أو كبيرا، اقتداء به صلى الله عليه وسلم، فيندب ذلك لمن أطاق، فإن لم يهتد لذلك إلا [بمرافق]

(1)

فلا بأس أن [يرافق

(2)

]، ولا بأس أن يمسك بطرف الآلة ويهديه الجزار بأن يمسك الجزار رأس الحربة ويضعه على المنحر أو العكس، لخبر أبي داوود المفيد لذلك، ففيه: (أنه صلى الله عليه وسلم أتي بالبدن، فقال: ادعوا لي أبا الحسن فدعي له علي، فقال له: خذ أسفل الحربة وأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بأعلاها ثم طعن بها البدن

(3)

). فإن لم يحسن شيئا

(1)

في النسخ بموافق والمثبت من عبد الباقي ج 3 ص 38

(2)

في النسخ يوافق والمثبت من عبد الباقي ج 3 ص 38

(3)

أبو داود كتاب المناسك، رقم الحديث 1766

ص: 123

استناب، وندب أن يحضر عند نائبه، وتكره الاستنابة مع القدرة، وفي الش: فإن وكل من يذبح له مع القدرة أجزأه وبئس ما صنع.

وقوله: "وذبحها بيده"، قال الشيخ إبراهيم ونحوه للشيخ الخرشي: إذا كان يحسن الذبح، فإن لم يكن يحسنه ووكل فيه فليشهده، لما رواه الحاكم، وقال: صحيح الإسناد (أنه صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة: قومي لأضحيتك فاشهديها، فإنه بأول قطرة من دمها يغفر الله لك ما سلف من ذنبك

(1)

). انتهى. وظاهره أنه يؤمر بذبح أضحيته ولو امرأة أو صبيا إن أطاق، لفعله عليه الصلاة والسلام، وهو من التواضع لله تعالى. وكان أبو موسى الأشعري رضي الله عنه يأمر بناته بذلك. محمد: إلا من ضرورة أو ضعف. ابن حبيب: أو كبر أو رعشة. قاله الشيخ إبراهيم. وعبارة الشيخ الأمير: وذبحها بيده وإن مع معين إن عجز.

وللوارث إنفاذها؛ يعني أن من عين أضحية ومات عنها قبل أن يذبحها، فإنه يندب لورثته أن ينفذوها أي يذبحوها، تنفيذا لقصد الوصي كسائر القربات التي مات ولم ينفذها ولا تجزئ عن الوارث وهذا ظاهر، وقوله:"وللوارث إنفاذها"، هذا في ضحية لم تعين بنذر، كلله علي أو علي ضحية، ولا التزام كلله علي نحر هذه ضحية، وإلا وجب عليه إنفاذها. قاله الشيخ الخرشي. وقد علمت أن هذا؛ أي قول المص:"وللوارث إنفاذها"، قبل الذبح، وسيأتي حكم ما إذا مات بعد أن ذبحت.

وجمع أكل وصدقة وإعطاء؛ يعني أنه يستحب للمضحي أن يجمع بين هذه الأمور الثلاثة، فيأكل ويتصدق ويعطي، فيهدي لمن يستحق الإهداء، ويتصدق على الفقراء، ويأكل، فإن أكلها كلها أو تصدق بها كان تاركا للأفضل على المذهب، وكذا إذا اقتصر على اثنين من الثلاثة، وقال ابن المواز: التصدق بجميعها أفضل وحكى عبد الوهاب رواية شاذة بوجوب الأكل.

ابن حبيب: ويستحب أن يكون أول ما يأكل يوم النحر أضحيته: وقال عثمان وابن المسيب وابن شهاب: يأكل من كبدها قبل أن يتصدق. قاله الش. وقوله: "وصدقة وإعطاء"؛ أي مع صدقة ومع إعطاء، وقوله:"وإعطاء" لو عبر بإهداء بدل إعطاء لكان أولى؛ لأن الإعطاء يجامع الصدقة.

(1)

الحاكم في المستدرك ج 4 ص 222

ص: 124

قاله الشيخ الخرشي والشيخ عبد الباقي. وبه عبر الشيخ الأمير، وفي الحديث: (أفضل طعام الدنيا والآخرة اللحم

(1)

) وفي حديث آخر: (أطيب لحم لحم الظهر

(2)

). انتهى. قاله الشيخ الخرشي.

بلا حد، الظاهر أنه ظرف مستقر في موضع الحال من أكل وما عطف عليه. والله سبحانه أعلم. يعني أنه لا حد في شيء من هذه الثلاثة؛ يعني الأكل والصدقة والإعطاء بثلث ولا بربع ولا بنصف ولا بغيرها. واليوم الأول أفضل؛ يعني أن اليوم الأول بتمامه أي الذبح فيه أفضل من الذبح في اليومين بعده اتفاقا فيما قبل الزوال، وعلى المشهور فيما بعده، ومقابله أن أول اليوم الثاني أفضل من آخر اليوم الأول، وقد علمت أن الآخر ما بعد الزوال للغروب، والأول ما عدا ذلك. والله سبحانه أعلم.

وفي أفضلية أول الثالث على آخر الثاني تردد؛ يعني أن أول اليوم الثاني أفضل من اليوم الثالث، وأما آخره أي اليوم الثاني وهو من زواله لغروبه، فإنه اختلف فيه مع أول اليوم الثالث، هل يجري فيه الخلاف الذي بين أول اليوم الثاني وآخر اليوم الأول كما للقابسي واللخمي أو لا يجري فيه الخلاف المذكور؟ بل يتفق على رجحان أول اليوم الثالث على آخر الثاني وهو لابن رشد، فهو من التردد في فهم النقل، وقد علمت أن المراد باليوم هنا خصوص النهار، وفي الشبراخيتي ما نصه: لنا فاضل باتفاق وهو من طلوع الشمس إلى الزوال في اليوم الأول: ومفضول باتفاق وهو من زوال الشمس في اليوم الثالث إلى الغروب، واختلف فيما عدا هذين على قولين، والمشهور أن ما بعد الزوال من اليوم الأول أفضل مما قبل الزوال من اليوم الثاني. انتهى. وذبح ولد خرج قبل الذبح؛ يعني أنه لو أراد أن يضحي فعين للذبح ضحية فولدت قبل أن يذبحها، فإنه يستحب له أن يذبح الولد، وحكم لحمه وجلده حكمها. قاله غير واحد. وبعده جزء؛ يعني أنه لو ذبح الأضحية فخرج الولد بعد ذبحها ميتًا فإن الولد حكمه حكم جزء منها إن حل بتمام خلقه ونبات شعره، فلا يفعل به إلا ما يفعل بها، وإن خرج بعد ذبحها

(1)

كنز العمال رقم الحديث 41004

(2)

سنن ابن ماجه رقم الحديث 3308

ص: 125

حيا حياة مستمرة وجب ذبحه لأنه استقل بحكمه كما مر عند قوله: "وإن خرج حيا ذكي"، وقوله:"وذبح ولد خرج قبل الذبح" إحدى الممحوات الأربع؛ لإن الإمام كان يقول أولا: يندب ذبحه من غير تأكيد، ثم أمر بمحوه وأثبت تأكيد ندب ذبحه وهو الراجح دون الممحو، والراجح المثبت أيضا في المسألة الثانية من الأربع وهي: إذا تزوج المريض كان يقول يفسخ، ولو صح المريض ثم رجع إلى أنه إذا صح المريض صح النكاح، والراجح الممحو في الاثنتين الباقيتين، إحداهما وهي الثالثة: من حلف لا يكسو زوجته ثم افتَكَّ ثيابها المرهونة، فقال أولا: يحنث ثم أمر بمحوه، وقال: لا يحنث. ابن القاسم: وأنا أرى إن لم تكن له نية أنه يحنث، ومحل الحنث الذي هو الراجح إن لم تكن له نية، وأولى إن نوى عدم نفعها، فإن نوى خصوص الكسوة لم يحنث بفك المرهونة، الرابعة: من سرق ولا يمين له أو له يمين شلاء كان يقول: تقطع رجله اليسرى ثم رجع إلى قطع يده اليسرى، وسيقول المص:"ومحي ليده اليسرى".

ونظم ابن مرزوق الممحوات بقوله:

المحو في الأيمان والأضاحي

وفي كتاب القطع والنكاح

ولم يبين الراجح منها، وذيله علي الأجهوري مع زيادة بيان، فقال:

والراجح الممحو في اثنتين

قطع وأيمان بغير مين

ثم الذي أثبت في الأضاحي

تأكيد ندب ذبحه يا صاح

والمحو في الأيمان حنثه إذا

لم ينو شيئا وهو قول محتذى

أي مختار، والأمر بمحو ما أمر بمحوه مبالغة في طرحه، والصواب في القول المرجوع إليه ووقعت المسامحة في بقائه وعليه صورة شطب؛ لأنه يصح أن يذهب إليه المجتهد يوما وهذا هو الموجب لتدوين الأقاويل التي يرجع عنها المجتهد، نبه على هذا ابن عبد السلام. قاله الشيخ عبد

ص: 126

الباقي. وقوله: "وذبح ولد خرج قبل الذبح"، عورضت هذه المسألة بقوله في الوصايا: إذا أوصى بعتق أمة فولدت قبل موته فهو رقيق، ظاهره: ولا يستحب عتقه والجامع بينهما تعلق القرب بالأمهات، ويجاب بأن يقال: إن الوصية منحلة بالإجماع، والضحية قيل إنها تتعين بالشراء.

ولما أنهى الكلام على ما أراده من المندوبات، أتبعه بالمكروهات، فقال: وكره جز صوفها قبله؛ يعني أنه يكره لمالك الأضحية أن يجز صوفها قبل أن يذبحها؛ لأن جز الصوف نقص من جمالها إن لم ينبت للذبح؛ يعني أن محل كراهة جز صوف الضحية إذا لم يكن بين الجز والذبح من الزمن مقدار ما ينبت فيه مثل صوفها، وأما إذا كان الزمن بعيدا بحيث ينبت فيه مثله أو قريب منه فلا كراهة، ولم ينوه حين أخذها؛ يعني أن محل الكراهة أيضا حيث لم ينو جز الضحية حين أخذها من شريكه أو بشراء، وكذا حين إرثها، ومثله حين قبولها بعطية كما يرشد له المعنى، وأما إذا نوى الجز حين أخذها فلا كراهة، وظاهره منطوقا ومفهوما سواء كانت منذورة أم لا، وقيده بعض شيوخ أحمد بغير المنذورة، وأما هي فيحرم سواء نواه أم لا، وكذا لا كراهة إن تضررت به لحر أو غيره، قال ابن غازي: لو قال المص: وكره جز صوفها قبل الذبح إن لم ينبت له، لكان أوضح.

واعلم أن نية الجز حين الشراء لها ثلاثة أحوال: الأولى أن ينوي أن يجزها قبل ذبحها فتعتبر هذه النية فلا يكره الجز، الثانية أن ينوي أنه يجزها بعد الذبح فتبطل؛ لأنها مناقضة لحكم الضحية فيكون كمن لم ينو، وحينئذ فيمنع الجز بعد الذبح إذا كان ليتصرف فيه التصرف الممنوع، وإلا جاز مطلقا شرطه في نيته أم لا. الثالثة أن ينوي أن يجزها ولم يقيد بقبل ولا بعد، وحكمها حكم الأولى فلا كراهة. وعبارة الشيخ الأمير: وكره جز صوفها إن لم ينبت قريب منه قبل الذبح فأولى مثله وهو النص، والقاعدة أن ما قارب الشيء يعطى حكمه ولم ينوه أي الجز حين تعيينها. انتهى. وهي عبارة حسنة وافية، بالمراد لشمولها لما كان في ملك وغيره والله سبحانه أعلم.

وبيعه؛ يعني أنه يكره بيع الصوف الذي يكره جزه، وأما الذي جز بعد الذبح فلا يجوز بيعه، ولو نوى حين الشراء جزه بعد الذبح ومثل البيع عمله جبة، وفي الخرشي وغيره: وأما غير

ص: 127

المكروه الجز فهو قسمان، قسم لا يكره بيعه ويصنع به ما شاء وهو ما إذا نبت للذبح أو نواه حين أخذها وجزه قبل الذبح، وقسم حكمه حكمها وهو ما إذا نواه حين أخذها وجزه بعد الذبح، فصار الصوف على ثلاثة أقسام.

وشرب لبن؛ يعني أنه يكره لمن عين ضحية أن يشرب لبنها نواه حين أخذها أم لا، أضر بالولد أم لا؛ بأن شربه بعد ريه، ويحلبها إن أضر بقاؤه بها ويتصدق به، ولو أكله لم يكن عليه شيء.

قال غير واحد: وينبغي تقييد المص بغير المنذورة وإلا جرى فيها نحو ما تقدم في الهدايا من قوله: "وغرم إن أضر بشربه الأم أو الولد موجب فعله". انتهى. وإنما كره له شرب اللبن لأنها خرجت قربة.

نكتة: قال ابن القاسم: إن سمن البقر والمعز إذا شرب مع العسل فإنه ينفع من شرب السم القاتل ومن لدغ الحيات والعقارب، وإذا شرب اللبن مع السكر فإنه يحسن البدن جدا. قاله الشيخ الخرشي.

وإطعام كافر: يعني أنه يكره للمضحي أن يطعم الكافر من أضحيته لأنها قربة والكافر ليس من أهل القرب، وروي عن مالك الإباحة ثم رجع عنها إلى الكراهة، وهل إن بعث له أو ولو في عياله تردد؟ يعني أنه اختلف، هل محل الخلاف المذكور من كراهة إطعام الكافر وإباحته من الأضحية حيث بعث بلحمها إلى الكافر، وأما إذا كان في عياله أو غشيهم وهم يأكلون وأكل معهم فلا بأس به دون خلاف وهذه طريقة ابن رشد، والخلاف المذكور مطلق فلا يقيد بمن في عياله ولا بغيره وهي طريقة ابن الحاجب، ونص ابن رشد في البيان عند قول العتبية: سئل عن النصرانية تكون ظئرا للرجل فتأتي فتريد أن تأخذ فروة أضحية ابنها، قال: لا بأس بذلك أن توهب الفروة وتطعم من اللحم، قال ابن القاسم: رجع مالك، فقال: لا خير فيه، قال ابن القاسم: والأول أحب قوليه. انتهى. ابن رشد: اختلاف قول مالك هذا إنما معناه إذا لم تكن في عياله فأعطيت من اللحم ما تذهب به على ما يأتي في رسم اغتسل، فأما لو كانت في عياله أو غشيتهم وهم يأكلون لم يكن بأس أن تطعم منه دون خلاف. انتهى.

ص: 128

وكلام ابن الحاجب: وتكره للكافر على الأشهر، وقال ابن حبيب: لا خلاف بين قولي مالك، بل يكره البعث إليهم إذا لم يكونوا في عياله، ويجوز إطعامهم إذا كانوا في عياله، ولا يصح أن يكون المص أشار بالتردد إلى طريقة ابن حبيب وابن رشد؛ لأن عبارة المص تفيد أن محل التردد من هو في عياله وابن حبيب أيضا من المتقدمين فلا يشار إليه بالتردد. والله تعالى أعلم. قاله الشيخ محمد بن الحسن.

وعلم مما تقدم أن ابن حبيب وابن رشد متفقان على الإباحة في عياله، وعلم من كلام ابن رشد المتقدم أنه سوى بين البعث إليه وبين إعطائه ما يذهب به إلى بيته. والتغالي فيها؛ يعني أنه يكره التغالي في ثمن الضحية بأن يزيد على غالب شراء أهل البلد؛ كأن يجد ضحية تباع بعشرة فيشتري ضحية بأربعين وذلك قيمتها، وكذا يكره التغالي في عددها، والعلة في المسألتين خوف المباهاة، والأقسام ثلاثة: الكراهة إن خاف قصد المباهاة، والمنع إن تحقق قصد المباهاة، والندب إن نوى فضيلة وزيادة ثواب بزيادة ثمنها أو عددها. وفي الحديث: (أفضل الرقاب أغلاها ثمنا

(1)

). واعلم أن ما قصد به الرياء من العبادات يحرم، وما في عبد الباقي غير ظاهر. ابن الجوزي عن بعض التابعين: لا يماكس في ثمن الأضحية ولا في شيء مما يتقرب به إلى الله تعالى. قاله الشيخ عبد الباقي.

فائدة: قال العلامة سيدي أحمد بن مبارك اللمطي: سمعته؛ يعني الشيخ العارف عبد العزيز الدباغ رضي الله عنه، يقول: وكان اليوم يوم العيد الأكبر -أنه ينزل في هذا اليوم ملائكة لقبض أرواح الضحايا، فترى فوق كل بلدة أو مدينة أو موضع يذبح فيه الضحايا ملائكة كراما يحومون لا ينزلون إلا في هذا اليوم، فإذا ذبحت الضحية أخذوا روحها وذهبوا بها إما إلى الجنة وإما إلى النار، فإن كانت نية صاحبها صالحة في ذبحها، وأنه لم يرد بها إلا وجه الله خالصا ولم يرد بها فخرا ولا كبرا ولا رياء ولا خيلاء أخذوا روح أضحيته وذهبوا بها إلى قصوره في الجنة، فتصير من جملة نعمه التي في الجنة، وإن كانت نية صاحبها على العكس من ذلك وكانت نيته فاسدة وعمله لغير وجه الله أخذوا روح أضحيته وذهبوا بها إلى جهنم، وتصير نقمة من النقم التي أعدت

(1)

صحيح البخاري رقم الحديث 2518، صحيح مسلم رقم الحديث 48.

ص: 129

له في جهنم، وإذا نظرت إلى تلك الروح رأيت كبشا بذاته وصورته المعلومة وبقرونه وصوفه، والكل نار حامية فصوفه نار وقرونه نار وذاته كلها نار. نسئل الله السلامة. قاله في الذهب الإبريز.

وفعلها عن ميت؛ يعني أنه يكره للإنسان أن يضحي عن ميت؛ لأنه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من السلف، وأيضا فإن المقصود بذلك غالبا المباهاة، ومحل الكراهة ما لم يكن وقف وقفا وشرطها فيه، وإلا وجب فعلها عنه؛ لأن شرط الواقف يتبع إن جاز أو كره، ومحلها ما لم يعينها قبل موته، وإلا ندب للوارث إنفاذها كما مر.

وقوله: "وفعلها عن ميت"، قال الشيخ عبد الباقي: ومحل الكراهة أيضا إن قصد به الميت فقط، فإن فعلت عنه وعن الحي لم تكره، واستدل له بخبر: (اللهم هذا عن محمد وآل محمد

(1)

)، ومن آله أولاده الذين كانوا ماتوا. انتهى. قوله: فإن فعلت عنه وعن ميت لم يكره لخ، فيه نظر بل غير صحيح؛ لأن الصواب أن التشريك إنما يصح فيمن طلب بها، والميت ليس بمطلوب بها، وأيضا تعليلهم الكراهة بعدم الوارد في ذلك شامل لصورة الإفراد وصورة التشريك، وأيضا شروط التشريك المتقدمة غير مجتمعة هنا. قاله الشيخ محمد بن الحسن.

كعتيرة؛ يعني أن العتيرة مكروهة، ومثل العتيرة الفرع. والعتيرة بوزن عظيمة من العتر بمعنى الذبح، فهي فعيلة بمعنى مفعولة، أو هي الرجبية ذبيحة كانوا يذبحونها في الجاهلية في رجب يتقربون بها لأصنامهم، فلما جاء الإسلام صاروا يذبحونها لله تعالى. وفي الحديث: (لا فَرَعَ ولا عتيرة

(2)

). وورد في رواية النسائي والإسماعيلي (نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الفرع والعتيرة

(3)

)، والفرع بالفاء والراء المهملة المفتوحتين بعدهما عين مهملة: أول ولد تلده الناقة أو الشاة، كانوا يذبحونه في الجاهلية فيأكلون منه ويطعمون، واختلف في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا فرع ولا عتيرة

(4)

)، فقيل إنه نهى عنهما، وقيل نسخ للوجوب، ويؤيد كونه نهيا رواية

(1)

مجمع الزوائد، ج 4، ص 25.

(2)

صحيح مسلم رقم الحديث 1976.

(3)

سنن النسائي رقم الحديث 4229.

(4)

صحيح مسلم رقم الحديث 1976.

ص: 130

النسائي والإسماعيلي المتقدمة، واحتج القائلون بأنه نسخ للوجوب بحديث: من شاء أفرع ومن شاء لم يفرع، ومن شاء أعتر ومن شاء لم يعتر. وبحديث وكيع عن عامر بن لقيط

(1)

أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إنا كنا نذبح ذبائح في رجب فنطعم من جاءنا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا بأس

(2)

) قال وكيع: لا أتركها أبدا. وحمل ابن غازي والمواق العتيرة على أن المراد بها الطعام الذي يصنع لأهل الميت للنياحة، وأما لهم لا لها فمندوب، وهذا الحمل يرجح عليه الحمل الأول، فإنه لو كان ذلك مراده لذكره في الجنائز؛ إذ ذكره هنا يرجح الحمل الأول، والظاهر أن المص ترجح عنده القول بأن الحديث نهي وفهمه على التنزيه. والله سبحانه أعلم. انظر حاشية الشيخ بناني.

وقال صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الفرع: (أن تدعه حتى يكون شعريا خير من أن تنحره فيلصق لحمه بوبره وتكفأ إناءك وتوله ناقتك

(3)

)، يقول صلى الله عليه وسلم: خير لك أن تتركه حتى يشتد ولا تذبحه صغيرا فيختلط لحمه بوبره فتحزن ناقتك وينقطع لبنها بذبح ولدها، فيكفأ إناؤك إذا لم يكن لك لبن. انتهى. قاله الإمام الحطاب.

وفي الشبراخيتي أن الرجل كان إذا بلغت إبله مائة نحر منها بكرا لصنمه يسمونه: الفرع، وفيه عن أبي داوود والنسائي وابن ماجه والحاكم أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له: يا رسول الله إنا كنا نعتر عتيرة في الجاهلية في رجب، فما تأمرنا؟ قال: (اذبحوا لله في أي شهر كان وبروا لله وأطعموا الفقراء وغيرهم

(4)

). انتهى. وفي الخرشي أنه روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال بعرفة: (يأيها الناس على كل بيت في كل عام أضحاة وعتيرة هل تدرون ما العتيرة

(5)

)؟ قال الراوي للحديث: فلا أدري ما كان من ردهم عليه، قال: هي التي يقول الناس الرجبية.

وإبدالها بدون يعني أنه يكره للشخص أن يبدل أضحيته قبل أن يذبحها بما هو دونها، وهذا ما لم يعينها بالنذر، وإلا فيمتنع البدل والبيع، ولا ينافيه ما يأتي من أن المشهور أنها لا تتعين

(1)

كذا في المخطوط وفي النسائي لقيط بن عامر.

(2)

سنن النسائي رقم الحديث 4239.

(3)

السنن الكبرى للنسائي رقم الحديث 4551. البيهقي ج 9 ص 312.

(4)

سنن النسائي رقم الحديث 4237، سنن أبي داود رقم الحديث 2830، وسنن ابن ماجه رقم الحديث 3167 بدون لفظ الفقراء وغيرهم.

(5)

أبو داود، كتاب الضحايا، الحديث:2788.

ص: 131

بالنذر؛ لأنه محمول على عدم إلغاء العيب الطارئ، ومفهوم إبدالها بدون أن إبدالها بمساو أو أفضل جائز.

وفي التوضيح: وينبغي أن يكون إبدالها بخير منها مستحبا، وفي الخرشي عن الأجهوري أن الراجح أن إبدالها بمساو مكروه كالدون، وإن كان ظاهر كلام المص الجواز وإن كان موافقا لما في تهذيب البرادعي لكنه متعقب. انتهى. وفي الأمهات: فلا يبدلها إلا بما هو خير منها، وكذا في شرح الشيخ عبد الباقي أن إبدالها بمساو مكروه على الراجح، قال الشيخ محمد بن الحسن: فيه نظر، بل الذي في التوضيح أن إبدالها بمثلها جائز وإن كان لفظ الأم لا يبدلها إلا بخير منها، وقوله:"بدون"، يشمل إذا أبدل الشاة بالبقرة كذا ينبغي. قاله الخرشي. وفيه: ويستحب لآخذ الأدون أن يبدله بالأفضل، ويستحب أن يزيد من ماله شيئا في ثمنها. انتهى. وقد مر أن المنذورة يمتنع إبدالها وبيعها فحكمها حكم الهدي، فيجوز الأكل منها إن لم يسمها للمساكين، فإن سماها لهم امتنع الأكل منها. قاله الشيخ إبراهيم وغيره.

واعلم أنه يكره الاستفضال من الثمن الذي عينه لشراء الأضحية، وكذا من باع أضحيته فاشترى ببعض ثمنها وفضلت له فضلة فهو مكروه، فمن باع أضحيته واشترى أقل منها بدون الثمن تصدق بما استفضل من الثمن، وبما زادت قيمة التي أبدل على قيمة التي ضحى بها، وإن اشترى أفضل منها أو مثلها بأقل من الثمن الذي باع به تصدق بما استفضل من الثمن، وإن اشترى دونها بمثل الثمن أو أكثر تصدق بما بين القيمتين لا أكثر، والصدقة في جميع هذه الأقسام مستحبة، وإذا اشترى أفضل منها ولم يبعها فأتى يوم النحر والأولى أفضل، فإنه يذبح الأفضل منهما كانت الأولى أو الأخيرة. قاله الإمام الحطاب.

وإن لاختلاط؛ يعني أنه يكره لمن اختلطت أضحيته بدونها قبل الذبح أن يترك الأفضل لصاحبه ويأخذ الأدنى، فلا فرق في كراهة الإبدال بدونٍ الواقِع قبل الذبح بين أن يكون اختيارا ابتداء أو لأجل اختلاط الضحية بغيرها، سواء طرأ الاختلاط بعد تمييز ما لكل أو لم يكن طارئا. قاله الشيخ إبراهيم.

ص: 132

واعلم أن الأضحيتين إذا اختلطتا قبل الذبح لا يخلو إما أن تتساويا أم لا، فإن تساوتا فلا إشكال أن كل واحد منهما يذبح ما نابه، ولا بأس أن يصطلحا على أن يأخذ هذا شاة وهذا شاة أخرى، وإن لم تتساويا فمن أخذ الأفضل ذبحه، ومن أخذ المفضول فإن ترك الأفضل لصاحبه من غير حكم عُدَّ كأنه أبدل الأعلى بالأدنى فيكره له ذلك، وأما إن كان بحكم القرعة فالظاهر أنه لا كراهة عليه، ولكن إن اقتصر على الأدنى الحاصل بالقرعة كره له ذلك، بل يستحب له أن يبدله بمثل الأعلى هذا هو الظاهر، ولا بأس أن يعطي شخص أضحيته أمه ويشتري مثلها أو أفضل، ومن اشترى ضحايا يسميها له ولغيره فلا بأس أن يذبح لنفسه ما سمى لغيره إن كان أفضل، ويكره ذبحه لغيره ما سمى لنفسه لأنه أدنى، والاختيار أن يشتري له مثل ما سمَّى له أو أفضل.

وبما قررت علم أن قوله: قبل الذبح، ظرف لقوله:"وإبدالها" لا لاختلاط؛ لأن الكلام هنا في حكم الإبدال بدون قبل الذبح كان لاختلاط أم لا، وفي الشبراخيتي: وظاهره أن إبدالها بدون مكروه ولو كان ذلك على حكم القرعة مع أنه لا كراهة فيه حينئذ، لكنه يكره له ذبحها ضحية، فإن أبدلها بدون من غير حكم القرعة تعلقت الكراهة بها من وجهين، وإن أبدلها بدون بحكم القرعة وذبحها ضحية تعلقت الكراهة بها من وجه واحد فقط، ومن ابتاع كبشا يضحي به فأفلت منه فدخل بعض الأذواد ولم يعرفه صاحب الذود ولا مشتريه، قال ابن القاسم: يكون مشتريه شريكا لصاحب الذود، فإن كانت غنمه مائة أعطي جزءا من مائة جزء. قاله الشيخ إبراهيم.

وجاز أخذ العوض إن اختلطت بعده؛ يعني أنه يجوز لرجلين اختلطت أضحيتاهما بعد الذبح أن يأخذ كل منهما العوض من الجنس بأن يأكلاهما كما خرجه اللخمي، وقيل يتصدقان بهما وجوبا، قال ابن عبد السلام: والجواز أقرب وإلى استقراب ابن عبد السلام للجواز أشار المص بقوله: على الأحسن، ومقابله الذي هو وجوب التصدق ليحيى بن عمر وتجزئهما الشاتان المذكورتان. ابن القاسم: وإذا سرقت الضحية أو استهلكت يستحب أن لا يغرم السارق، وقال عيسى: تؤخذ القيمة ويتصدق بها، وقال ابن حبيب عن ابن الماجشون وأصبغ: تؤخذ ويصنع بها ربها ما شاء، فإن حمل الاختلاط على غير حقيقته بأن يراد به التلف بتعد أو سرقة كما

ص: 133

حمله عليه المواق يكون المص أشار بقوله: "على الأحسن"، إلى ما نقله ابن حبيب عن أصبغ وابن الماجشون، وحمله على الاختلاط الحقيقي كما تقدم، هو الظاهر.

قال بعض الشيوخ: وأما أخذ أحدهما القيمة في الاختلاط الحقيقي عوضا عن أضحيته ويتركها لصاحبه فلا أظن أحدا يجيزه في المذهب، وقوله:"وإن لاختلاط قبل"، إلى قوله:"على الأحسن"، لا فرق فيه بين اختلاط الكل والبعض، ولو اختلطت رءوس الأضحيتين في الفرن فأكل كل واحد منهما رأس الآخر ثم يعلم ذلك تحللا، ولا شيء على الذي أكل أفضل من متاعه، لمن طلبه فضل متاعه وإن اختلط الخبز واللحم من غير الأضاحي في الفرن فلا يعلم الرجل لمن هذا الذي سبق إليه ولا عند من صار متاعه، فإنه يجب عليه أن يبيعه ويوقف ثمنه على حكم اللقطة إذا لم تبق ووجد لها ثمن هذا حكم الخبز المأخوذ، وأما الفران فإن اعترف أن الخبز ليس هو فله تغريمه؛ لأنه قد نص ابن رشد في ضمان الصناع على أنه إن ضيع الخبز ضامن فرط أو لم يفرط، وإن ادعى أن الموجود خبز هذا الرجل، فالقول قوله.

ابن الحاج: إذا احترق الخبز في الفرن، فقال الفران: هو لفلان، وقال صاحبه: هو ليس لي، فالقول قول الفران، قال ابن زرب: ولا ضمان عليه. البرزلي: وهو ظاهر المدونة، وعن اللخمي أنه إن كان لا يعمل إلا للناس صدق، وإن كان يعمل لنفسه لم يصدق، وفي الخف والنعل إذا تبدل ثلاثة أقوال. أشهب وابن الماجشون: يحل له الخفان. أصبغ وابن وهب: يتصدق بثمنهما على المساكين، وقيل: إن كان أجود من الذي له فلا يلبسه. ابن المواز: ويتصدق بذلك الخف لأنه لا يدري أن ربه أخذ خفه أم لا. وإذا قتلت أم الولد، فقيل: لا قيمة على قاتلها؛ إذ لا يجوز بيعها، وقيل: إن عليه قيمتها وهو مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك، ولم يقل أحد إنه يأخذ القيمة ويتصدق بها، ولا فرق في ذلك بين العمد والخطإ، وكره مالك في كتاب محمد للرجل إذا اختلطت رءوس الضحايا في الأفران أن يأكل متاع غيره، ولم يحرم ذلك لأن حكم ذلك حكم لقطة ما لا يبقى من الطعام حيث لا يوجد له ثمن؛ إذ لا يجوز بيعه، فأكله جائز إذ لم يعلم

ص: 134

صاحبه وخشي عليه الفساد، لقوله صلى الله عليه وسلم في الشاة: (هي لك أو لأخيك أو للذيب

(1)

)، والتصدق بذلك أفضل. قاله الحطاب.

وصح إنابة، قد تقدم قوله:"وذبحها بيده"، والكلام الآن فيما إذا ذبح الأضحية غير ربها، وذلك على قسمين: قسم تجزئ وقسم لا تجزئ، وبدأ بالأول ومعنى كلامه أن من استناب غيره على ذبح أضحيته فذبح عنه ذلك الغير الذي استنابه، فإن تلك النيابة تصح فتجزئ مالكها، ومعنى أنابه واستنابه استخلفه، وتكره الاستنابة مع القدرة كما مر، ومثل الضحية، الهدي والفدية والعقيقة. بلفظ؛ يعني أن الاستنابة تحصل بأحد أمرين؛ أحدهما اللفظ كاستنبتك أو وكلتك أو اذبح عني ونحو ذلك، ويقبل الآخر إن أسلم؛ يعني أن صحة الاستنابة مقيدة بأن يكون النائب مسلما، واحترز بذلك من الكافر فلا تجزئ من المجوسي اتفاقا، ولا من الكتابي على مذهب المدونة وهو الأشهر؛ لأنها قربة والكافر ليس من أهل القرب، وقال أشهب بالإجزاء اعتبارا بنية المالك، فإن أمر رجلا يظن أنه مسلم ثم تبين أنه نصراني، فعن مالك أنه يعيد، فإن غر اليهودي أو النصراني بأن تزيا بزي المسلمين الذين يذبحون ضمن ذلك وعاقبه السلطان، وموضع المنع أن يلي الذمي الذبح، فأما السلخ وتقطيع اللحم فلا. قاله سند. ثم إن كان الكافر الذابح مجوسيا لم تؤكل، وإن كان كتابيا جرى فيه القولان المتقدمان. ولو لم يصل؛ يعني أن المسلم تصح إنابته ولو كان تاركا للصلاة لأنه فاسق وهو لا يؤثر في ذلك نقصا، وقيل: لا يصح بناء على كفره، فإن استناب من يضيع الصلاة استحب أن يعيد للخلاف في صحة ذكاته.

أو نوى عن نفسه؛ يعني أن الضحية تجزئ عند الإمام مالك عن ربها الذي استناب غيره، ولو نوى التضحية بها عن نفسه وهي غير منذورة، أو منذورة معينة اعتبارا بنية ربها، وقيل لا تجزئ المالك وتجزئ الذابح ويضمن قيمتها، كمن تعدى على أضحية رجل فذبحها عن نفسه وهو لأصبغ، وقيل: لا تجزئ عن واحد منهما وهو لفضل بن مسلمة، فإن كانت مضمونة لم تسقط عنه كذا في شرح الشيخ عبد الباقي، وقوله: فإن كانت مضمونة لم تسقط لخ؛ إذا كان المعتبر نية ربها كما علل به ابن رشد كمن أمر رجلا أن يوضئه، فالمعتبر نية الآمر الموضإ بالفتح

(1)

صحيح مسلم رقم الحديث 1722.

ص: 135

لا نية المأمور الموضئ بالكسر، فلا فرق بين المضمونة وغيرها، وكان المسناوي يرتضي الإطلاق ويرد ما للزرقاني، وقول المص:"أو نوى عن نفسه" عمدا، وأولى إن غلط.

وأشار إلى الأمر الثاني من أمري الاستنابة بقوله: أو بعادةِ كقريبٍ؛ يعني أن الاستنابة كما تصح باللفظ وهو الاستنابة الحقيقية تصعح بالعادة وهي الاستنابة المجازية، ومعنى ذلك أن من عادته أن يتولى أمورك وذبح بغير أمرك أضحيتك، فإنها تجزئك بشرط أن يكون من أقاربك ونحوهم، كالصديق الملاطف الذي عادته القيام بأمورك، والقريب كولدك أو والدك أو أخيك ونحوهم، وكالصديق الملاطف عبدك وأجيرك وجارك القائم بحقوقك، فهؤلاء تصح تضحيتهم عنك لاعتيادهم القيام بأمورك؛ ولأنهم أقاربك أو مثل أقاربك، وقوله:"أو بعادة كقريب"، هذا هو الأصح، وقيل: لا يصح أن يضحوا عنك، وقوله:"أو بعادة كقريب"؛ أي مثل قريب، فالكاف اسم، وعادة مضافة إليها.

وأدخل المص بين الاستنابة الحقيقية والمجازية أحكاما تعمهما وهي قوله: "ولو لم يصل" لخ، وقوله:"أو بعادة كقريب"، قال الشيخ إبراهيم: المراد من العادة أن يكون عادته القيام بأموره كما في التوضيح. الباجي: ولا بد أن يثق رب الأضحية بأن يذبحها عن ربها. انتهى. وقال الإمام الحطاب عند قوله: "أو بعادة": ظاهر كلامه أن الاستنابة تصح بالعادة؛ يعني أن عادته أن يتولى أموره. وفي المدونة: ومن ذبح أضحيتك بغير أمرك، فأما ولدك أو بعض عيالك ممن فعله ليكفيك مؤنتها فذلك يجزئ، وإلا بأن كان الذابح للأضحية عن ربها قريبا للمالك ولم يكن من عادته القيام بأمور المالك أو كان أجنبيا ولكن من عادته القيام بأمور المالك، ففي الإجزاء وعدمه تردد؛ أي طريقان إحداهما تحكي الاتفاق على الإجزاء في القريب، وأن الخلاف في غير القريب وهذا هو مقتضي كلام ابن بشير، والأخرى تحكي الاتفاق على عدم الإجزاء في غير القريب والخلاف في القريب، ونقلها ابن عرفة وغيره عن اللخمي، خلاف ما نقل عنه التوضيح والتتائي، وحكى في التوضيح في الاستنابة بالعادة طريقين أخريين، إحداهما أن الخلاف في القريب وغيره وهي للخمي، والأخرى أنه لا خلاف في المسألة لا في القريب ولا غيره، وأن مناط الحكم القيام بجميع الأمور، فمن كان قائما بجميع الأمور أجزأ ذبحه قريبا كان أو غيره، ومن لا فلا، وهي للباجي،

ص: 136

وأما الأجنبي الذي لم يكن من عادته القيام بأمور المالك فلا تجزئ الضحية التي ذبحها عن ربها بلا تردد، ويكون المالك بالخيار بين أن يضمنه قيمتها، وبين أن يأخذها وما نقصها، ويصنع بقيمتها ما شاء.

فتحصل من كلام المص أن الذابح للضحية عن ربها بغير إذنه إن اجتمع فيه وصفان بأن كان قريبا أو نحوه وعادته القيام بأمور المالك فإنها تجزئ عن ربها بلا تردد، وأنه إن كان أجنبيا وعادته القيام بأموره أو قريبا ولا عادة له ففي الإجزاء تردد وأنه إن كان الذابح لها أجنبيا ولا عادة له فإنها لا تجزئ بلا تردد. والله سبحانه أعلم. وقولي: في القريب الذي عادته القيام بأمور المالك إنها تجزئ بلا تردد، إنما هو على ما للمص؛ إذ لا يصح أن يكون قد أشار بالتردد إلى جميع الطرق الأربع لجزمه بالإجزاء في القريب الذي عادته القيام بأمور المالك، فلو أراد الإشارة إلى الجميع لحكى التردد في الاستنابة بالعادة مطلقا. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وقوله:"وإلا فتردد"، قال الشيخ إبراهيم: وعلى القول بعدم الصحة يخير ربها بين أخذها وما نقصها، وتركها وأخذ قيمتها.

لا إن غلط؛ يعني أنه لو ذبح شخص أضحية آخر معتقدا أنها له ونوى أنه مضح بها عن نفسه، فإن الحكم فيها ليس كالحكم فيما إذا ذبح بالاستنابة، فإن الحكم في هذه أعني فيما إذا غلط وذبح عن نفسه أنها لا تجزئ عن واحد منهما، لا عن مالكها لعدم نيته ولم يحكوا في ذلك خلافا، ولا عن الذابح الذي اعتقد أنها له لعدم ملكها قبل الذبح، ولربها تضمينه القيمة أو أخذها مذبوحة، ويتصرف فيها أو في قيمتها كيف شاء. وقوله:"فلا تجزئ عن واحد منهما"، هذا هو المشهور وهو قول ابن القاسم كما قاله الشيخ إبراهيم وغيره، وقيل: تجزئ الذابح إذا أخذ المالك القيمة، بخلاف ما لو أخذ لحمها وهو لأشهب، وقيد به ابن المواز قول ابن القاسم، وقوله:"فلا تجزئ عن واحد منهما"، فإذا أخذ المالك القيمة فقال ابن القاسم في سماع يحيى: ليس للذابح في اللحم إلا الصدقة أو الأكل لأنه ذبحها على وجه الضحية. انتهى.

ولو غصب شخص شاة -مثلا- وضحى بها عن نفسه وأخذ ربها القيمة وفي معنى ذلك ما لو ذبح أضحية غيره عن نفسه تعديا كما قاله الشيخ بناني، فهل تجزئه كما نقله ابن محرز عن ابن

ص: 137

حبيب عن أصبغ أم لا؟ قولان. عبد الحق: والإجزاء أبين، وقال الحطاب والشيخ عبد الباقي: إن من تعدى على أضحية رجل وذبحها عن نفسه أنها تجزئ الذابح ويضمن لربها القيمة، فظاهر كلامهما تباين المسألتين لذكرهما لكل واحدة بانفرادها على وجه يؤذن بتخالف الحكم فيهما. والله أعلم. وأما لو اشترى شاة -مثلا- واستحقت وأجاز ربها البيع فإنها تجزئ قطعا. قاله الشيخ عبد الباقي. وقوله:"لا إن غلط" لخ؛ أي بخلاف الهدي لأنه يتعين بالإشعار والتقليد وهذه لا تتعين إلا بالذبح، وانظر لو عينها بالنذر والظاهر أنه إذا ذبحها غيره غلطا تجزئه مضمونا أو معينا وإن تعمد ذبحها عن نفسه، فإن كان معينا سقط، وإن كان مضمونا بقي في الذمة. والله أعلم. قاله الإمام الحطاب.

وقال الشيخ محمد بن الحسن عند قوله "فلا تجزئ عن واحد منهما":

وحاصل المسألة أن الأضحية إذا ذبحها غير ربها فإما بوكالة أو لا، الأول هو محل التفصيل في قوله:"أو بعادة كقريب" لخ، والثاني وهو أن ينوي عن نفسه، فإما غلطا وهو قوله:"لا إن غلط"، وإما عمدا، وهو ما نقله عبد الباقي عن ابن محرز. انتهى؛ يعني الخلاف الذي قدمته عن أصبغ وغيره.

ومنع البيع؛ يعني أنه يمنع بيع كل شيء من الأضحية من لحم أو جلد أو شعر أو غيره. قاله في المدونة. وقاله الأئمة؛ لأنها صارت قربة لله تعالى، والقرب لا تقبل المعاوضة، والأصل في ذلك ما خرجه الصحيحان وأبو داوود والنسائي وابن ماجة عن علي رضي الله عنه، قال: (أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقوم على [بدنه

(1)

] وأن أتصدق بلحمها وجلدها و [أجلَّتها

(2)

]، وأن لا أعطي الجزار منها شيئا، وقال: نحن نعطيه من عندنا

(3)

). قاله الش. وقال الشيخ إبراهيم: ومنع البيع من الأضحية والعقيقة والنسك لجلد أو شعر أو لحم أو ودك أو عصب أو غيره ولو بماعون لأنها قربة فلا تقبل العوضية، وإنما أكل منها بالسنة، وقوله:"ومنع البيع"؛ يعني كلا أو بعضا

(1)

في النسخ بدنة والمثبت من صحيح مسلم.

(2)

في النسخ جلتها والمثبت من صحيح مسلم.

(3)

صحيح مسلم رقم الحديث 1317، صحيح البخاري رقم الحديث 1707، سنن أبي داود رقم الحديث 1759، السنن الكبرى للنسائي رقم الحديث 4153، وسنن ابن ماجه رقم الحديث 3099.

ص: 138

بعد الإيجاب، وأما قبله فجائز كلا أو بعضا. انتهى. وقال الشيخ عبد الباقي: ومنع البيع للأضحية إذا ذبحت من لحم أو جلد أو شعر أو غيره كخرزة بقرة، ولذا لم يقل بيعها ليلا يتوهم أن المنع لجملتها فقط، وكودك ولو بماعون، ولا يعطى الجزار منها في مقابلة جزارته أو بعضها. انتهى. وقوله: كخرزة بقرة، قال الشيخ محمد بن الحسن: نقل ابن ناجي منع بيعها عن فتوى الغبريني والبرزلي، قال الشيخ ميارة: والخرزة هي التي تسمى بالورس، توجد في مرارة البقرة على شكل أصفر البيض يباع بثمن غال، قيل إنه يسمن عليه النساء. انتهى.

وإن ذبح قبل الإمام؛ يعني أنه لا فرق في منع بيع الأضحية إذا ذبحت بين أن تكون مجزئة وبين أن لا تكون مجزئة، كمن ذبح يوم التروية يظنه يوم النحر أو ذبح يوم النحر لكن ذبح قبل ذبح الإمام. قاله الشيخ عبد الباقي. فلا يباح له بيع شيء منها، هكذا نص عليه القابسي، فقال: لا يجوز بيعها وإن كانت لا تجزئ، لقوله عليه الصلاة والسلام لأبي بردة في العناق: (هي خير [نسكيك

(1)

]

(2)

)، فسمى ما أجزأه وما لم يجزه نسكا، ونص بعض الأشياخ على الجواز، فقال: وإنما أطلق على ما لم يجزه نسكا باعتبار قصد الذابح، ويدل عليه قوله عليه الصلاة والسلام، (ومن ذبح قبل الإمام فإنما هو لحم قدمه لأهله ليس من النسك في شيء

(3)

). قاله الش. وقال الشيخ إبراهيم عند قوله: "وإن ذبح قبل الإمام": أي في يوم النحر، وأما لو ذبح قبله قبل يوم النحر في اليوم الثامن أو التاسع فله أن يصنع بها ما شاء. انتهى. وهو يتمشى على ما قدمته عن الش عن بعض الأشياخ إلا أنه عمم وهذا خصص، وما للشبراخيتي نحوه للأمير تبعا لابن رشد. والله سبحانه أعلم.

أو تعيبت حالة الذبح؛ يعني أنه لا يجوز بيع شيء من الأضحية، وإن تعيبت حالة الذبح، بأن أضجعها فاضطربت فانكسرت رجلها، أو أصابت السكين عينها ففقأتها وذبحها فهي وإن لم تجز لا يباح بيع شيء منها، وقوله:"أو تعيبت حالة الذبح"؛ أي عيبا يمنع الإجزاء، وأما عيب لا يمنع الإجزاء فلا إشكال في المنع. وقوله:"حالة الذبح"؛ أي قبل فري أوداجها

(1)

كذا في الشارح ج 2 ص 28 ولفظ مسلم في صحيحه نسيكتيك.

(2)

صحيح مسلم رقم الحديث 1961.

(3)

صحيح مسلم رقم الحديث 1961، صحيح البخاري رقم الحديث 5560.

ص: 139

وحلقومها. قاله الخرشي والشبراخيتي. أو قبله؛ يعني أنه لا فرق في منع بيع الضحية المعيبة إذا ذبحت بين أن تتعيب حالة الذبح كما قدمه وبين أن تتعيب قبل الذبح، فيمنع بيعها إن ذبحها عالما بالعيب، وبالحكم ناويا القربة بأن ذبحها على وجه الضحية، فإن لم يذبحها فإنه يصنع بها ما شاء كما يأتي في قوله:"ولا تجزئ إن تعيبت قبله وصنع بها ما شاء"، فلا معارضة خلافا للمواق.

أو ذبح معيبا جهلا؛ يعني أنه يمنع بيع الأضحية التي ذبحها ربها معيبة جاهلا بعيبها أي بكونها معيبة، أو جاهلا بأن العيب يمنع الإجزاء، بأن اعتقد أنه لا يمنع الإجزاء، فقوله:"جهلا"، يشمل الجهل بالحكم والجهل بالعيب، كذبحه معتقدا أنه سليم فتبين أنه معيب.

وبما قررت علم أن قوله: "أو قبله"، فيما إذا ذبحها عالما بالعيب والحكم، وقوله:"أو ذبح معيبا جهلا"، فيما إذا ذبح العيب جاهلا بالعيب أو بالحكم أو بهما فلا تكرار. والله سبحانه أعلم.

وقوله: "أو ذبح معيبا جهلا"؛ أي فيمنع بيع كل شيء منها، وكذا يقال فيما قبله كما مر.

والإجارة؛ يعني أنه تمنع إجارة جلد الأضحية بعد ذبحها، وكذا غير الجلد منها كما يمنع بيع لحمها وغيره منها وهذا هو الصحيح، وأجاز سحنون مؤاجرة جلدها وكذا جلد الميتة. التونسي: وفيه نظر لأن بيع جلدهما لا يجوز واستيجارهما انتهاك لأعيانهما، فيؤدي ذلك إلى بيع أعيانهما شيئا فشيئا. وقيد ابن أبي زيد قوله في جلد الميتة بما إذا دبغ. قاله الش. وقال الشيخ عبد الباقي: والذي لسحنون واقتصر عليه ابن عرفة والصقلي جواز إجارة جلدها بعد ذبحها، كما تجوز إجارة كلب الصيد. انتهى. وقال الشيخ محمد بن الحسن: وأما إجارة الأضحية قبل ذبحها فلا تمنع، فلا يصح حمل كلام المص عليها، وإن الذي مشى عليه المص من المنع هو المذهب عند ابن شاس كما في المواق، وجعل قول سحنون مقابلا. انتهى.

وفي الحطاب: قال ابن عرفة: وفي سماع ابن القاسم لا بأس بإعطاء الظئر النصرانية تطلب فروة أضحية ابنها فروتها. انتهى. وهو يدل على إعطاء القابلة والفران والكواش بالواو ونحوهم، ومنعه بعض الشيوخ، والفران هو الخباز، والكواش هو صبي بين يدي الفران. انظر الحطاب.

ص: 140

والخرشي. وفي الخرشي والشبراخيتي أن إجارة الأضحية في حياتها غير ممنوعة، غايته أن إجارتها قبل الذبح تكره كشرب لبنها. انتهى.

والبدل؛ يعني أنه لا يجوز إبدال الشيء من الأضحية بعد ذبحها بشيء آخر كجلدها بجلد آخر لأنه شبيه بالبيع، ومنع مالك الحذاء أن يدهن شراك النعل بدهن الأضحية؛ لأنها بالدهن تحسن فيكون له حصة من الثمن، وما مر من كراهة إبدالها بدون فيما قبل الذبح. وقوله:"والبدل"، عطف على البيع، وهذا يقتضي المغايرة، فالبدل شبيه بالبيع والهدايا كالضحايا. إلا المتصدق عليه؛ يعني أن محل منع ما ذكر في الضحية من البيع والإجارة والبدل إنما هو لرب الأضحية، وأما من وهبت له الضحية أو شيء منها أو تصدق عليه بذلك أو أهدي له فله البيع لما ملك منها من لحم أو غيره، وكذلك له الإجارة والبدل. ولو قال المص: إلا لمعطى، لكان أحسن. قاله الشيخ محمد بن الحسن. قال: وقول الزرقاني عن التتائي: وانظر المهدى إليه هل كالمتصدق؟ لخ قصور، ولا فرق بين الهبة والصدقة كما في التوضيح والحطاب، والهدية هي الهبة لغير الثواب، وقد عبر ابن عرفة بالعطية الشاملة للهدية، وما ذكره المص من الجواز هو قول أصبغ، وشهره ابن غلاب، وقال اللخمي: هو أحسن، ومقابله المنع لمالك، وشهره في التوضيح. انتهى. ونقل الش عن ابن المواز: ولا يتصدق بلحمها على من يعلم أنه يبيعه. انتهى. وقال الشيخ إبراهيم عند قوله: "إلا المتصدق عليه": أو موهوب له فيجوز جميع ما تقدم منعه وكراهته على ربها، ولو علم المتصدق أن المتصدق عليه يبيعه خلافا لابن المواز، ولو قال: إلا المعطى، لكان أشمل. انتهى.

وفسخت؛ يعني أن العقدة المشتملة على ما ذكر من بيع أو إجارة أو بدل تفسخ إذا اطلع عليها حيث عثر على ذلك قبل الفوات ورد الثمن في البيع والبدل في البدل، وانظر هل من مفوتات البيع دبغ الجلد وطبخ اللحم مطلقا أو بأبزار؟ والظاهر أن ذلك من المفوتات، وربما يستفاد ذلك من قوله في البيع "بتغير ذات غير مثلي"، وما ذكره من أن تغير السوق مفوت له يفيد أن الدبغ والطبخ مثله أو أشد. قاله الشيخ إبراهيم.

وتصدق بالعوض في الفوت؛ يعني أنه لو فات المعوض عنه وهو المبيع أو المبدل منه المضحى بهما، فإنه يتصدق بعوضهما إن كان عوضهما قائما، فإن فات عوضهما تصدق بعوضه من قيمة أو

ص: 141

مثل بالشرط الآتي: ويستفاد من جعلهم تغيير السوق فوتا أن الدبغ والطبخ للحم ولو من غير أبزار فوت، إن لم يتول غير بلا إذن وصرف فيما لا يلزم، الواو في قوله:"وصرف" بمعنى: مع، وصرف مصدر معطوف على مدخول الباء، وليس مدخولا للنفي، أو فعل ماض مبني للمفعول. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وقوله:"إن لم يتول"، شرط في قوله:"وتصدق بالعوض في الفوت"، ومعنى كلام المص أن المضحي يلزمه التصدق بثمن الضحية إذا فاتت الضحية المبيعة إن كان الثمن باقيا: فإن فات الثمن فإنه يلزمه التصدق بعوضه من قيمة أو مثل، فيما إذا تولى المضحي صرفه بنفسه، أو تولاه غيره بإذنه صرفه فيما يلزمه أم لا، أو بغير إذنه وصرفه فيما يلزمه، فهذه أربع صور يلزم المضحي فيها التصدق بعوض عوض الضحية، وهذه الصور الأربع هي منطوق المص، ومفهومه صورة واحدة وهي ما إذا تولى الغير صرف الثمن بغير إذن المالك، وصرفه فيما لا يلزم المالك فلا يلزم المضحي أن يتصدق بعوض الثمن الفائت. فقوله:"إن لم يتول غير"؛ أي يلزم المضحي التصدق في غير هذه الصورة، وهي ما إذا تولى ذلك الغير صرف الثمن بغير إذن الضحي مع أنه لم يصرفه فيما يلزمه، فهذه الصورة لا يلزم المضحي إخراج عوض الثمن من عنده،

ابن عبد السلام: وينبغي إذا سقط عن المضحي أن لا يسقط عن الأهل الذين تولوا البيع، وفي غير هذه الصورة يلزم المضحي إخراج عوض الثمن من عنده وهي الصور الأربع المتقدمة، وجعلي لها أربعا لا ينافي ما ذكروه من أنها ثلاثة وهي: أن يتولى المالك صرفه، أو تولاه الغير بإذنه، يلزم التصدق فيهما بلا تفصيل، فإن تولاه بغير إذنه فكذلك إن صرفه فيما يلزمه، وإلا لم يلزمه كما لا يخفى على من له أدنى تأمل.

وعبارة الشبراخيتي: والحاصل أنه إذا كان التولي هو المالك تصدق ببدله بلا تفصيل، وكذا إن كان المتولي غيرد بإذنه مطلقا أو بلا إذنه مع صرفه فيما يلزمه، وإن تولى بلا إذنه وصرفه فيما لا يلزم المالك فلا يلزم المالك أن يتصدق ببدله. انتهى.

وقد علمت مما مر أن قوله: "إن لم يتول"، شرط في وجوب التصدق حيث فات عوض المعوض عنه، وقوله:"في الفوت"، جعله الشيخ إبراهيم والشيخ عبد الباقي في فوت العوض ليلائم

ص: 142

الشرط، وقال الشيخ بناني: إنه غير صواب، بل المراد فوت المعوض عنه وهو المبيع أو المبدل منه. انتهى.

قال جامعه عفا الله عنه: والظاهر شموله لفوت العوض والعوض عنه، ويكون الشرط راجعا للأول. والله سبحانه أعلم. وشبه بمنطوق المسألة قوله: كأرش عيب لا يمنع الإجزاء؛ يعني أنه لو اشترى أضحية فلما ذبحها أو نحرها اطلع على عيب بها لا يمنع الإجزاء، فإنه يرجع على بائعها بالأرش أي بما يقابل عيبها من الثمن، فإن أخذه منه فإنه يجب عليه أن يتصدق بذلك الأرش الذي قبضه من البائع، وقيل حكمه حكم لحمها وهو الذي في ابن الحاجب تبعا لابن بشير، لكنه خلاف مذهب ابن القاسم الذي سيأتي أنه المعتمد. وفي القاموس: والأرش الدية وما نقص العيب من الثوب لأنه سبب للأرش. انتهى. والعيب الذي لا يمنع الإجزاء ككونها خرقاء أو شرقاء ونحو ذلك مما لا يمنع الإجزاء، ومحل كلام المص إن لم يوجبها، فإن أوجبها فحكمه حكم لحمها، وأما أرش العيب الذي يمنع الإجزاء فإنه يصنع به ما شاء. وفي شرح الشيخ عبد الباقي والخرشي أنه يندب التصدق به، وقال الشيخ بناني: لم أقف على من ذكره؛ يعني ندب التصدق بأرش العيب الذي يمنع الإجزاء. وقوله: "لا يمنع الإجزاء" بإثبات لا هي نسخة ابن غازي، قال الإمام الحطاب: والذي في غالب النسخ، وشرح عليه بهرام والبساطي بإسقاط "لا". انتهى. فعلى الأولى يكون تشبيها بالمنطوق كما علمت، وعلى الثانية يكون تشبيها بمفهوم إن لم يتول؛ لأن المنقول عن ابن القاسم، وهو المعتمد أن الأرش إن منع عيبه الإجزاء صنع به ما شاء وإلا تصدق به، وأما الشاة فإن لم يمنع العيب الإجزاء فواضح، وإن منع الإجزاء فالمذهب عدم جواز بيعها كما في التوضيح وقد تقدم، "أو تعيبت حالة الذبح أو قبله". انتهى. وإن كان العيب يمنع الإجزاء، فإن كانت أيام النحر باقية فعليه بدلها بتمامها، فإن فاتت فهو بمنزلة من لم يضح.

وإنما تجب بالنذر؛ يعني أن الضحية إنما تجب بأحد أمرين: أحدهما النذر، ونقل المواق أن المشهور عدم وجوبها بالنذر، وأنها إنما تجب بالذكاة فقط كذا قال الشيخ عبد الباقي. قوله: ونقل المواق أن المشهور عدم وجوبها بالنذر لخ صحيح، ونحوه قول المقدمات: لا تجب الأضحية

ص: 143

إلا بالذبح وهو المشهور في المذهب. انتهى. لكن هذا باعتبار الوجوب الذي يلغى طرو العيب بعده كما ذكره ابن رشد وابن عبد السلام، فإذا نذرها ثم أصابها عيب قبل الذبح فإنها لا تجزئ؛ لأن تعيين المكلف والتزامه لا يرفع ما طلب منه الشارع فعله يوم الأضحى من ذبح شاة سليمة من العيوب، وليس المراد عدم وجوب الضحية بالنذر مطلقا، بل نذرها يوجب ذبحها، ويمنع بيعها وبدلها، فكان على المؤلف إسقاط النذر، ويقتصر على وجوبها بالذبح كما فعل غيره؛ لأن كلامه في الوجوب المانع طرو العيب. وقد علمت ما في النذر، وكأنه غره ما في التوضيح عن الذخيرة: المشهور تجب بالنذر والذبح، مع أن كلام الذخيرة يحمل على الوجوب الذي يمنع البيع لا طرو العيب.

واعلم أن كلام التوضيح وتبعه التتائي يقتضي أن لفظ أوجبتها ليس بنذر، وفيه نظر، بل هو نذر كما يفيده كلام ابن عبد السلام،

(1)

ولأن النذر ليست له صورة محصورة. وبما تقدم علم أن قول الحطاب: فلو نذرها ثم تعيبت قبل الذبح لم أر فيه نصا قصور، وقوله: الذي يظهر أنها تجزئ غير ظاهر، وكأنه -والله أعلم- فهم أن قوله: أو جبتها ليس بنذر، فلذا قال ما قال، وقد علمت ما فيه. انتهى. قاله الشيخ محمد بن الحسن.

الثاني: الذبح، وإليه أشار بقوله: والذبح، الواو بمعنى: أو؛ يعني أن الضحية إنما تجب بالنذر أو الذبح، ومعنى وجوبها بالذبح وجوب أحكامها بالذبح، فيحرم بيعها وإجارتها وإبدالها، وقد مر ما في وجوبها بالنذر وأنها لا تجب به بالنسبة لطرو العيب، وأنها إنما تجب بالذبح فقط، فلا تجزئ إن تعيبت قبله؛ يعني أنها لما كانت لا تجب إلا بالنذر أو الذبح لا تجزئ من ضحى وهي معيبة قبله أي الذبح أو النذر، أما الذبح فواضح أنها لا تجزئ إن تعيبت قبله، وأنها تجزئ إن تعيبت بعده، وأما النذر فمقتضى كلامه أنها إن تعيبت بعده وقبل الذبح أجزأت وفيه نظر، وقد مر أنها لا تجزئ إن تعيبت بعد النذر وقبل الذبح بما فيه كفاية. فراجعه إن شئت.

(1)

في نسخة (ك): ابن عبد السلام لأن الخ.

ص: 144

وصنع بها ما شاء يعني أنها إن تعيبت قبل الذبح فإنها لا تجزئ ضحية، وحينئذ فإنه يباح له أن يصنع بها ما شاء من بيع وغيره حيث لم يذبحها على أنها ضحية، فإن ذبحها على أنها ضحية فهو قوله:"أو تعيبت حالة الذبح أو قبله"، فهذا مفهوم ما تقدم إذ ما هنا لم يذبحها ضحية وما مر ذبحها ضحية. والله سبحانه أعلم. وظاهر قوله:"وصنع بها ما شاء"، ولو كانت منذورة. قاله الشيخ عبد الباقي. وانظره مع ما يأتي عند قوله: كحبسها حتى فات الوقت؛ يعني أن من حبس أضحيته حتى انقضت أيام النحر يصنع بتلك الأضحية ما شاء من بيع وغيره، وكذا من ضلت أضحيتة ثم وجدها بعد أيام النحر فليصنع بها ما شاء، وليس لأحد أن يضحي بعد أيام النحر، ولو وجدها في أيام النحر فليذبحها إلا أن يكون قد ضحى ببدلها فليصنع بها ما شاء، ومحل كلام المص هنا في غير المنذورة، وأما المنذورة فيلزمه ذبحها كما نقله ابن عرفة عن الجلاب، ولا يصنع بها ربها ما شاء، ويفيده ما تقدم من أن النذر يمنع البيع والبدل.

وبما تقدم عن الجلاب يسقط تنظير بعض الشراح حيث يقول: وانظر لو أوجبها بالنذر فضلت حتى ذهبت أيام النحر ثم لقيها ماذا يفعل بها؟ انتهى.

إلا أن هذا آثم؛ يعني أن هذا الذي حبس الأضحية وأخر ذبحها إلى أن انقضت أيام النحر آثم. قاله ابن القاسم في المدونة وتعقب بأن الإثم من خصائص الوجوب، وأجيب عنه بثلاثة أوجه: أولها أن التأثيم أو الاستغفار في كلامهم ليس خاصا بالوجوب بل يطلقون التأثيم كثيرا على ترك السنن ويقولون في تارك بعضها: يستغفر الله كما قاله في المدونة في تارك الإقامة، ثانيها وهو الذي ذكره المص أنه محمول على أنه كان أوجبها، ثالثها أن تركه للأضحية دليل على أنه ارتكب ذنبا يأثم فيه حتى فوته الله بسببه هذا الثواب؛ لأن الله عز وجل يحرم الإنسان القربة بذنب أصابه.

ولما قدم منع المعاوضة في الأضحية ذكر جواز قسمها، فقال: وللوارث القسم؛ يعني أنه يجوز للورثة قسم الضحية بالقرعة حيث مات الوروث ولم يوجبها لكنهم أنفذوها بأن ذبحوها عنه حيث عينها قبل موته، وقد علمت أنهم يندب لهم إنفاذها، فإذا أنفذوها فإنه يجوز لهم قسمها

ص: 145

بالقرعة لا بالتراضي؛ لأنه بيع، وكذا لو مات قبل الذبح وبعد أن أوجبها لوجوب ذبحها، وأما إن مات قبل الذبح وقبل أن يوجبها ولم يفعل الورثة المستحب لهم فهي مال من أموالهم.

ولو ذبحت، أي يجوز لهم القسم ولو مات الموروث بعد أن ذبحت أضحيته، وقد علمت أن الذي للورثة هنا هو قسم القرعة، وهل هو على الرءوس؟ وعلى هذا يكون حظ الأنثى من زوجة وغيرها كحظ الذكر إذا تساويا في الأكل فالقسمة على الرءوس على قدر ما يأكلون، أو هو على المواريث فللذكر مثل حظ الأنثيين، وتعطى الزوجة منها ما ينوبها من ربع أو ثمن؟ قال الإمام الحطاب: والظاهر أن المص مشى على أنهم يقسمونها على الرءوس؛ لأنه قول ابن القاسم، وقال التونسي إنه أشبه القولين. انتهى. وقال الشيخ عبد الباقي: وظاهر المص القسم على الإرث وهو سماع عيسى وصوبه اللخمي. انتهى. قوله: وظاهر المص القسم على الإرث لخ، قال الشيخ محمد بن الحسن: أي لأن ذلك هو الظاهر من قسم الورثة إذا أطلق، وقوله:"وللوارث القسم"، ولو ذبحت، خلافا لمن قال: يأكلها أهل بيته على نحو أكلهم في حياته وإن لم يكونوا ورثة.

وما قررت به المص من أن معنى قوله: "ولو ذبحت"؛ مات الموروث بعد أن ذبحت هو الذي يظهر من تقرير الحطاب وقال عبد الباقي عند قوله ولو ذبحت أي ذبحها الوارث أو موروثه المضحي بها قبل موته. انتهى. وقال الشيخ محمد بن الحسن: اعلم أن في المسألة ثلاثة أقوال ذكرها ابن رشد ولخصها ابن عرفة، فقال: ابن رشد: في أكلها أهل بيته على نحو أكلهم في حياته وإن لم يكونوا ورثة وقسمتها ورثته على الميراث، ثالثها يقسمونها على قدر ما يأكلونه لسماع ابن القاسم وسماع عيسى وظاهر الواضحة، وللرماصي هنا كلام وهم فيه الحطاب ووهمه بناني في توهيمه للحطاب. وقال الشيخ الأمير: وللوارث القسم على الراجح ولو ذبحت بالقرعة حينئذ. انتهى.

لا بيع بعده في دين؛ يعني أن الميت إذا مات عن أضحيته بعد أن ذبحت وعليه دين فإن الورثة يقسمونها، وليس للغرماء بيعها في دينهم الذي على الميت، وأما لو مات قبل أن تذبح فإنها تباع

ص: 146

في الدين سواء أوجبها أم لا، وإذا ذبحت وقام عليه الغرماء فليس لصاحبها أن يأخذها، لقوله في الفلس: أو ذبح كبشه.

ولما أنهى الكلام على الضحية أتبعه بالكلام على العقيقة لإحالتها على الضحية، فقال: وندب ذبح واحدة؛ يعني أنه يندب للأب من ماله أن يعق عن ولده أي يذبح أو ينحر عنه واحدة من النعم كان الولد ذكرا أو أنثى، وقوله:"واحدة"؛ أي كاملة فلا يجزئ بعض واحدة، وهذه الذبيحة تسمى عقيقة من العق وهو القطع، وهي فعيلة بمعنى مفعولة، وقال أبو عبيد: العقيقة الشعر الذي يكون على رأس المولود: كأن بقاءه عقوق في حق الجنين، وكذا جاء في الحديث: (أميطوا عنه الأذى

(1)

)، فسميت عقيقة لأنها تذبح عند حلقه، وهذا من تسمية العرب صوف الجذع وشعر المولود من الناس والبهائم الذي يولد عقيقة وعقيقا وعقا بالكسر، ثم نقل من الشر إلى ما يذبح للولادة ولا تندب للأب من مال ولده، وقيل: إنها في مال الولد، فإن لم يكن له مال ففي مال الأب، ولا تندب لغير الأب كالأخ إلا الوصي فتندب له من مال اليتيم بما لا يجحف كذا ينبغي. قاله الشيخ عبد الباقي.

وينبغي أيضا الرفع لمالكي إن كان حنفي لا يراها عن يتيم وإلَّا السيد فيندب إذنه لعبده أن يعق عن ولده، ولا يعق عنه بغير إذن سيده ولو مأذونا له في تجارة، قال كرام: ولا تلزم السيد عن رقيقه كالأضحية.

وظاهر المص تعلق الندب بالأب ولو كان لا مال له وللولد مال، ولعله حيث وجد من يسلفه ويرجو الوفاء وإلا لم يخاطب بها، ولو أيسر بعد مضي زمنها كما يظهر، وكذا الظاهر سقوطها بمضي زمنها ولو موسرا فيه، وقوله:"واحدة"، محله إن اتحد الولد، فإن تعدد كتوأمين أو أكثر أو غير ذلك كتعدده من نساء تعددت العقيقة، فلا يجزئ أن يجمع اثنين في شاة مثلا، بل يعق عن كل مولود بواحدة ذكرا أو أنثى واحدا كان أو أكثر، وقوله:"واحدة"، هذا هو المشهور لخبر أبي داوود عن ابن عباس (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عق عن الحسن كبشا وعن الحسين

(1)

صحيح البخاري رقم الحديث 5154.

ص: 147

كبشا

(1)

)، قال: وهو صحيح، ولخبر الترمذي عن علي: (عق صلى الله عليه وسلم عن الحسن بكبش

(2)

)، ونحوه في البخاري، وقياسا على الأضحية لتساوي الذكر والأنثى فيها، وقال الشافعي وأحمد: هي عن الغلام بشاتين.

ابن رشد: من عمل به فما أخطأ، ولقد أصاب لخبر الترمذي وصححه: أمر صلى الله عليه وسلم أن يعق عن الغلام بشاتين متكافئتين وعن الجارية بشاة، وجوابه أن خبر الترمذي السابق عن علي عن فعله عليه الصلاة والسلام تأيد برواية البخاري، فقدم على خبره الذي فيه أمر.

واعلم أن نفع العقيقة عائد على الأب لكون الولد يشفع له بسببها، فلهذا كان مخاطبا بها ولو كان الولد موسرا، بخلاف أجرة الرضاع في الصوم فإنها في مال الولد الموسر؛ لأن الولد الموسر ولو رضيعا لا تجب نفقته على أبيه. والله سبحانه أعلم. وقوله:"وندب ذبح" لخ، ما ذكره من أن حكم العقيقة الندب هو المشهور، ولم يحك ابن الحاجب غيره، وحكى في المقدمات سنيتها عن ابن حبيب، وحكاه بعض الأندلسيين عن مالك، ووقع لمالك في العتبية أن من ليس عنده يوم النحر إلا شاة فإنه يعق بها ولا يضحي، فظاهره أن العقيقة آكد، وتأوله في البيان على ما إذا كان يرجو وجود أضحية قبل مضي أيام النحر وإلا فليضح بها، قال: لأن الأضحية آكد عند مالك وجميع أصحابه؛ لأنه قيل إنها سنة واجبة، وقيل مستحبة، ولو كان ذلك في آخر أيام النحر لكانت الضحية أولى. قاله الخرشي.

فائدة

(3)

: روى الإمام أحمد بسند جيد أنه صلى الله عليه وسلم قال: كل غلام مرهون بعقيقته، قال الإمام أحمد: إن الولد محبوس عن أن يشفع لوالديه ما لم يؤديا عنه العقيقة، وقال بعضهم: هو محبوس عن الخيرات ما لم يودوا عنه العقيقة. قاله صاحب المحيط. وقال في شرح المصابيح: معناه كل غلام محبوسة سلامته من الآفات بعقيقته. قاله العدوي في حاشيته على كفاية الطالب.

(1)

سنن أبي داود رقم الحديث 2841.

(2)

سنن الترمذي رقم الحديث 1519.

(3)

هذه الفائدة زيادة من نسخة بخط ابن بينان.

ص: 148

تجزئ ضحية؛ يعني أنه يشترط في العقيقة أن تكون مما يجزئ في الضحية بأن تكون من النعم الذي توفرت فيه شروط الضحية المشار إليها، بقوله:"بجذع ضأن وثني معز وبقر وإبل" إلى آخر ما مر، فهي مثلها إجزاء وإكمالا كما في الخرشي، فإنه قال: تجزئ ضحية من صنف على المشهور غنم وبقر وإبل، فغلب الذبح على النحر، وسن من جذع وثني وصفة وجوب واستحباب. وجملة قوله:"تجزئ ضحية"، صفة لواحدة، ومعنى تجزئ: تكفي، فهو فعل لازم، وضحية منصوب على نزع الخافض؛ أي تكفي في الضحية، ويحتمل أن تكون ضحية حالا من فاعل تجزئ العائد على واحدة، وضحية مصدر وكل من النصب على نزع الخافض، ومجيء المصدر حالا موقوف على السماع. انتهى.

ولو قال المص: وندب ذبح واحدة كالضحية، لدخل فيه استحباب سلامتها من العيوب التي لا تمنع الإجزاء وكان أخصر، وكلام المؤلف قاصر على العيوب التي تمنع الإجزاء. قاله الخرشي. وقوله:"تجزئ ضحية"، هو المشهور، وقال ابن شعبان: لا تكون إلا من الغنم لأنه الوارد في الأحاديث. وأجيب بحملها على التخفيف لأمته.

وعلق بندب قوله: في سابع الولادة؛ يعني أن ذبح العقيقة إنما يندب في يوم سابع الولادة، فلا تندب قبله اتفاقا، ولا تندب بعده في سابع ثان أو ثالث كما قيل بكل، وأما الرابع فقال فيه الإمام الحطاب، لم أقف على قول في المذهب أنه يعق فيما بعد السابع الثالث، ومحل ندبها في سابع الولادة ما لم يمت المولود قبله أو فيه، وإلا لم يعق عنه على المشهور، وأهل العراق يعقون عن الكبير. وقول الجزولي: وقيل يعق وإن كان كبيرا الظاهر أن مراده خارج المذهب، فإنه كثيرا ما ينقل الأقوال الخارجة عن المذهب ولا يعزوها. انتهى. ولا تندرج العقيقة في ضحية، بخلاف وليمة نكاح فتندرج في ضحية عند القصد؛ لأنها لم يندب فيها ذبح، وإنما هي طعام عرس، بخلاف العقيقة فيشترط فيها ما يشترط في الضحية، فضعف جانب الضحية عن اندراج العقيقة فيها. قاله عبد الباقي. وفي الحطاب: فإذا ذبح أضحيته للأضحية والعقيقة فإنها لا تجزئ بخلاف ما لو أطعمها وليمة.

ص: 149

ولما أطلق المؤلف اليوم القدر في قوله: "سابع الولادة"، على مجموع الليل والنهار احتاج إلى قوله: نهارا؛ يعني أنه يشترط في العقيقة أن تذكى نهارا أي من طلوع الفجر للغروب، وكونه بعد الشمس مستحب، وذكر في الشامل أنها إذا ذبحت قبل الشمس لا تجزئ على المشهور لكنه متعقب. قاله الشيخ علي الأجهوري. ونحو ما للشامل للفيشي على العزية، والظاهر أن المستحب يحصل بمجرد طلوع الشمس، وإن لم تحل النافلة. قاله الشيخ عبد الباقي. وذكر في المقدمات أن ذبحها على ثلاثة أقسام: مستحب وهو من ضحوة إلى الزوال، ومكروه وهو ما بعد الزوال للغروب وما بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس مع الإجزاء فيهما، وممنوع فلا تجزئ وهو أن تذبح بالليل.

وألغي يومها إن سبق بالفجر؛ يعني أن يوم الولادة يلغى أي لا يحسب من الأيام السبعة إن سبق المولود بالفجر بأن ولدته أمه بعد طلوع الفجر فتحسب سبعة أيام غيره، وإنما يحسب يوم الولادة من الأيام السبعة إن ولدته أمه بالليل بأن ولدته قبل طلوع الفجر أو مع الفجر بأن تقارنا.

والتصدق بزنة شعره؛ يعني أنه يندب في سابع الولادة حلق رأس المولود والتصدق بزنة شعر رأسه الذي حلق ذهبا أو فضة عق عنه أم لا، ويفعل ذلك في سابع الولادة قبل العقيقة فيمن يعق عنه، وانظر لو أرادوا أن يتحروا وزن شعر رأسه من غير حلق، هل يندب لهم التصدق به أم لا؟ وهو ظاهر ما لهم هنا، وندب أن يسبق إلى جوف المولود حلاوة كما فعل عليه الصلاة والسلام بعبد الله بن أبي طلحة، فإنه حنكه صبيحة ولد ودعا له وسماه، والذكر والأنثى في حلق شعره والتصدق بزنته سواء، وفي الحديث (أنه صلى الله عليه وسلم لما عق عن الحسن بشاة، قال: يا فاطمة احلقي رأسه وتصدقي بزنة شعره فضة

(1)

)، قال علي رضي الله عنه: فوزناه فكان درهما أو بعض درهم.

وجاز كسر عظامها؛ يعني أنه يجوز كسر عظام العقيقة وليس بمسنون ولا مستحب، وقيل: يندب لأن فيه مخالفة للجاهلية، فقد كانوا لا يكسرون لها عظما مخافة ما يصيب الولد بزعمهم، فجاء الإسلام بنقيض ذلك. الفاكهاني: ويجب ترك شعار الجاهلية إذ لا فائدة فيه إلا اتباع

(1)

سنن الترمذي رقم الحديث 1519.

ص: 150

الباطل، ولا يلتفت لقول من قال: فائدته التفاؤل بسلامة الصبي؛ إذ لا أصل لذلك من كتاب ولا سنة ولا عمل. انتهى. قال عبد الباقي: قوله: ويجب؛ أي فيما يحرم علينا، فلا ينافي قول المص:"وجاز كسر عظامها".

وكره عملها وليمة؛ يعني أنه يكره أن تجعل العقيقة وليمة يدعى الناس إليها، بل يأكل منها أهل البيت والجيران والغني والفقير ويطعم الناس في مواضعهم، وتمنع المعاوضة في العقيقة، ومنع غير واحد إعطاء القابلة منها لأنها إجارة، وأشعر قوله:"عملها"، أن عمل طعام غيرها وليمة غير مكروه، واستحسن ابن حبيب أن يوسع بغير شاة العقيقة لإكثار الطعام لما روي عن مالك: عققت عن ولدي فذبحت بالليل ما أريد أن أدعو إليه إخواني ثم ذبحت شاة العقيقة فأهديت منها لجيراني فأكلوا وأكلنا، فمن وجد سعة فليفعل مثل ذلك، وسئل مالك: أيدخر لحم العقيقة؟ فقال: شأن الناس أكلها وما بذلك بأس، ولا حد فيما يأكل من العقيقة، بل يأكل ما شاء ويتصدق بما شاء، وهو أفضل من الدعوة، وإن أكلوا العقيقة ولم يطعموا منها أحدا أجزأهم وقد فاتهم الأفضل. وقوله:"وكوه عملها وليمة"؛ أي لخوف الفخر فتفسد النية فيما هو طاعة لله تعلى. ونقل عن ابن حبيب إباحة عملها وليمة لأنه طعام سرور فأشبهت الولائم.

قال ابن عرفة: وفي سماع القرينين: من وافق يوم عقيقة ولده يوم الأضحى ولا يملك إلا شاة عق بها. ابن رشد: إن رجا الأضحية في تالييه وإلا فالأضحية لأنها آكد انتهى. وإذا ذبح للأضحية والعقيقة لا يجزئه. نقله الحطاب. واعلم أن حكم لحم العقيقة وجلدها كالأضحية، وسئل مالك عنها وعن الأضحية: أيطعم منهما كافر؟ فقال: أحب إلي أن لا يطعم أحدا منهم.

ولطخه بدمها؛ يعني أنه يكره أن يلطخ المولود بدم العقيقة، لما في البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (مع الغلام عقيقة فأهريقوا عنه دما وأميطوا عنه الأذى

(1)

)، وقد فسر بعضهم إماطة الأذى عنه بترك ما كان أهل الجاهلية يفعلونه من تلطيخ رأسه بدمها، وبعض بالحلق والتصدق بزنته، وروي عن يزيد بن عبد الله عن أبيه أنه قال: كنا في الجاهلية إذا ولدنا الغلام

(1)

صحيح البخاري رقم الحديث، 5472.

ص: 151

ذبحنا عنه ولطخنا رأسه بدمها، ثم كنا في الإسلام إذا ولدناه ذبحنا عنه ولطخنا رأسه بالزعفران، وإلى هذا أشار صاحب الرسالة بقوله: وإن خلق رأسه بخلوق بدلا من الدم الذي كانت الجاهلية تفعله فلا بأس بذلك.

وختانه يومها؛ يعني أنه يكره أن يختن المولود يوم العقيقة وهو سابع الولادة كما مر وأحرى يوم الولادة، والختان: قطع الجلدة التي فيها الحشفة. ابن يونس: كره مالك ذلك يوم الولادة ويوم سابعه، وقال: هو من فعل اليهود ولم يكن من عمل الناس، وكان لا يرى بأسا بأن يفعل لعلة يخاف على الصبي منها، قال مالك: وحد الختان من حين الأمر بالصلاة من سبع سنين إلى عشر، وقال في جامع الكافي: لا حد في وقته إلا أنه قبل الاحتلام، وإذا أثغر فحسن أن ينظر له في ذلك، ولا ينبغي أن يجاوز به عشر سنين إلا وهو مختون. انتهى. وروى اللخمي: يختن يوم يطيقه.

الباجي: اختار مالك وقت الإثغار، وقيل عنه من سبع إلى عشر، وكل ما عجل بعد الإثغار فهو أحب إلي. انتهى. قاله الحطاب. واختلف في الكبير إذا أسلم وخاف على نفسه، هل يختتن أم لا؟ واختلف إذا ولد مختونا، هل يمر عليه الموسى أم لا؟ وفي الأجهوري ما يفيد ترجيح أنه لا يمر عليه الموسى، وكذا في الشبراخيتي. والله أعلم.

واعلم أن ختان الذكور سنة لما في الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم، قال: (الفطرة خمسة

(1)

: الختان والاستحداد وقص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط

(2)

). ابن حبيب: لا تجوز إمامة تاركه اختيارا ولا شهادته، الباجي: لأن المروءة تبطل بتركه، وأما خفاض الأنثى فمستحب وهو قطع أدنى جزء من الجلدة التي في أعلى الفرج، ولا تنهك لخبر أم عطية: (اخفضي ولا تنهكي فإنه أسرى للوجه وأحظى عند الزوج

(3)

)، قوله: أسرى للوجه أي أشرق للون الوجه، وقوله:

(1)

لفظ الصحيحين الفطرة خمس.

(2)

صحيح البخاري رقم الحديث 5472.

(3)

صحيح البخاري رقم الحديث 8591. وصحيح مسلم رقم الحديث 257.

ص: 152

أحظى لخ؛ أي ألذ عند الجماع لأن الجلدة تشتد مع الذكر مع كمالها فتقوى الشهوة لذلك، وإذا لم تكن كذلك فالأمر بالعكس.

وفي الشادلي أن هذا في نساء المشرق لا في نساء المغرب. انتهى. ومن ابتاع أمة فليخفضها إن أراد حبسها، فإن كانت لبيع فليس عليه ذلك. مالك: النساء يخفضن الجواري. قاله الإمام الحطاب. وهل يختتن الخنثى المشكل أم لا؟ وإذا قلنا يختتن، ففي أي الجهتين أو فيهما؟ الفاكهاني: لم أر لأصحابنا فيه نصا، واختلف فيه أصحاب الشافعي، فقيل: يجب اختتانه في فرجيه بعد البلوغ، والأظهر عندهم الوقف حتى يتبين.

ابن ناجي: لا يختتن لا علم من قاعدة تغليب الحظر على الإباحة. انتهى. قال الشيخ عبد الباقي بعد نقله ما لابن ناجي: ولعل وجه الحظر أن الذكر يختنه الرجال والأنثى يخفضها النساء، والخنثى إن اطلع عليه رجل لزم رؤيته لفروج النساء، وإن اطلعت عليه أنثى لزم رؤيتها لذكر الرجل. انتهى. قوله عن ابن ناجي: لا يختتن لما علم لخ، قال الشيخ محمد بن الحسن: فيه نظر، بل لا حظر فيه لجواز نظر كل إليه رضيعا. انتهى.

واعلم أن في الحديث أنه إذا التقى الختانان يجب الغسل، والختانان واحدهما ختان، وختان الرجل هو الموضع الذي يقطع منه في حال الختان، وأما ختان المرأة فاعلم أن مدخل الذكر هو مخرج الحيض والولد والمني، وفوق مدخل الذكر ثقب مثل إحليل الرجل هو مخرج البول وبين هذا الثقب ومدخل الذكر جلدة رقيقة، وفوق مخرج البول جلدة رقيقة مثل ورقة بين الشفرين والشفران محيطان بالجميع، وهذه الجلدة العليا التي هي مثل الورقة هي موضع ختان المرأة، فالتقاء الختانين أن تغيب الحشفة في الفرج، فإذا غابت فقد حاذى ختانه ختانها، فالمحاذاة هي التقاء الختانين، وليس المراد به التصاقهما وضم أحدهما إلى الآخر، فإنه لو وضع موضع ختانه على موضع ختانها ولم يدخله في مدخل الذكر لم يجب غسل بذلك بإجماع الأمة. انظر كبير الخرشي.

ص: 153

واعلم أن مقتضى القواعد وجوب التسمية كما في الحطاب، وهي حق للأب، ويندب تأخيرها ليوم سابعه إن أراد أن يعق عنه وإلا سمى في أي وقت أراد، ويجوز أن يختار له اسما قبل السابع، ثم يضعه عليه فيه قبل ذبح العقيقة أو بعدها أو معها، وقد ورد في الحديث الأمر بتسمية المولود يوم سابعه

(1)

، وفيه سعة لحديث: (ولد لي الليلة غلام فسميته باسم أبي إبراهيم

(2)

)، وللحديث الذي فيه: (أتِيَ صلى الله عليه وسلم بعبد الله بن أبي طلحة فحنكه صبيحة ولد ودعا له وسماه

(3)

)، ويحتمل حمل الأول على منع تأخير التسمية عن سابعه فتتفق الأخبار، وتكره تسمية السقط كما مر، وذكر ابن عرفة في تسميته -وفي كون من مات قبل السابع يسمى لأنه ولد ترجى شفاعته أم لا- قولان.

قال الشيخ العدوي في حاشيته على كفاية الطالب: الراجح القول بالتسمية كما يفيده الأجهوري، ومن أفضل الأسماء ذو العبودية، لخبر (أحب أسمائكم إلي عبد الله وعبد الرحمن

(4)

)، وقد سمى عليه الصلاة والسلام بحسن وحسين، ويمنع بما قبح كحرب وحزن، وبما فيه تزكية كبرة، ومنعها مالك بالمهدي فقيل له: والهادي؟ فقال: هذا أقرب لأن الهادي هادي الطريق، وتحرم بمالك الأملاك، لحديث: (هو أخنع الأسماء عند الله

(5)

) بخاء معجمة ساكنة فنون مفتوحة أي: أذل الأسماء؛ أي إذا وضع على مخلوق لأنه لا مالك الأملاك إلا الله، وغير صلى الله عليه وسلم عزيزا وحكيما للتشبيه بأسماء الله تعالى، قال علي الأجهوري: وانظر هل يحرم أو يكره؟ ويدل له أنهم منعوا إطلاق بعض أسماء الله تعالى على غيره، كلفظ الله والرحمن ولم يمنعوا غير ذلك، وقد وقعت التسمية بعلي ولم ينكره أحد، وفي سماع أشهب: لا ينبغي تسمية بيسين. ابن رشد: للخلاف في كونه اسما لله أو للقرآن، أو هو بمعنى إنسان. ابن عرفة: ومقتضى هذا التحريم: وروى العتبي أن أهل مكة يتحدثون: ما من بيت فيه اسم محمد إلا رأوا خيرا أو رزقوا. وفي

(1)

سنن الترمذي رقم الحديث 1522.

(2)

صحيح مسلم رقم الحديث 2315.

(3)

صحيح مسلم كتاب الأدب رقم الحديث 2144. وانظر الاستيعاب ج 2، ص 313.

(4)

إن أحب أسمائكم إلى الله عبد الله وعبد الرحمن، صحيح مسلم، كتاب الأدب، رقم الحديث 2132.

(5)

صحيح مسلم كتاب الأدب رقم الحديث 2143 ولفظه: إن أخنع اسم عند الله رجل تسمى ملك الأملاك.

ص: 154

التنبيه: إن الله تعالى خلق ملائكة سياحين مدى الأبد لزيارة كل دار فيها اسم أحمد أو محمد، وفيه أيضا أنه لا يدخل النار من الأنام من تسمى باسمه عليه أفضل الصلاة والسلام.

واعلم أن فقهاء الأمصار على جواز التسمية والتكنية بأبي القاسم والنهي عنه منسوخ، ومذهب الإمام مالك جواز التكني بأبي القاسم، سواء كان الاسم محمدا أو أحمد أو غيرهما، وقال المناوي في حديث: (إن أحب أسمائكم إلى الله عبد الله وعبد الرحمن

(1)

)، تفضيل التسمية بهذين محمول على من أراد التسمي بالعبودية: فتقديره أحب أسمائكم إلى الله إذا تسميتم بالعبودية عبد الله وعبد الرحمن؛ لأنهم كانوا يسمون عبد شمس وعبد الدار، فلا ينافي أن اسم محمد وأحمد أحب إلى الله تعالى من جميع الأسماء فإنه لم يختر لنفسه إلا ما هو الأحب إلى الله، هذا هو الصواب، ولا يجوز حمله على الإطلاق.

وقال الدميري: والتسمية بعبد النبي قيل تجوز إذا قصد بها النسبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ومال الأكثر إلى المنع خشية التشريك، كما لا تجوز التسمية بعبد الدار وقياسه تحريم عبد الكعبة، وفي الحديث الصحيح: (تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي

(2)

)، وهو نص في جواز التسمية باسمه صلى الله عليه وسلم كما قال الأبي؛ لأن صيغة الأمر للإباحة، وفيه الرد على قوم منعوا التسمية باسمه جملة كني بأبي القاسم أم لا، ورووا في ذلك حديثا: (تسمون أولادكم بمحمد ثم تلعنونهم

(3)

)، وكتب عمر إلى الكوفة لا تسموا باسم النبي صلى الله عليه وسلم، وأمر جماعة بالمدينة بتغيير أسماء أبنائهم محمدا، حتى ذكر له جماعة أن النبي صلى الله عليه وسلم سماهم بذلك فتركهم، والأشبه في فعل عمر ذلك أنه إعظام لاسمه صلى الله عليه وسلم كما جاء في الحديث تسمونهم وتلعنونهم. وقيل: سببه أنه سمع رجلا يقول لابن أخيه محمد بن زيد بن الخطاب: فعل الله بك كذا يا محمد وصنع، فدعاه فقال: لا أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسب بك والله لا تدعى به أبدا، وسماه عبد الرحمن وبعبد الرحمن، كان يعرف.

(1)

صحيح مسلم كتاب الأدب رقم الحديث 2132.

(2)

صيح البخاري كتاب العلم، رقم الحديث 110، صحيح مسلم كتاب الأدب رقم الحديث، 2133.

(3)

كنز العمال، رقم الحديث 45200، و 45259.

ص: 155

القرطبي: ولا حجة في شيء من ذلك، أما الحديث فهو غير معروف وعلى تسليمه فالنهي عن لعن من اسمه محمد لا عن التسمية بمحمد، وقد وردت أحاديث كثيرة تدل على الترغيب في التسمية بمحمد، كقوله: (ما ضر أحدكم أن يكون في بيته محمد ومحمدان

(1)

)، وكقوله: ما اجتمع قوم على مشورة فيهم رجل اسمه محمد فلم يدخلوه فيها إلا لم يبارك لهم فيها، وأما ما روي عن عمر رضي الله عنه فسببه ما ذكر من قضية ابن أخيه، وكما تجوز التسمية باسمه صلى الله عليه وسلم تجوز بأسماء الأنبياء والصالحين، وكره الحارث بن مسكين التسمية بأسماء الملائكة، والنهي عن التكني بكنية النبي صلى الله عليه وسلم منسوخ عند الأكثرة وقيل عام، وقيل خاص بمن اسمه محمد انتهى ملخصا من ابن زكري ومن الحطاب: ومن شرح الشيخ عبد الباقي:

وفي المدخل قال القرطبي: قد دل الكتاب والسنة على المنع من تزكية الإنسان نفسه، ثم قال: قال علماؤنا: ويجري هذا المجرى ما كثر في الديار المصرية وغيرها من بلاد العجم والعراق من نعتهم أنفسهم بالنعوت التي تقتضي التزكية والثناء، كزين الدين ومجد الدين وعلم الدين، ولو كانت هذه الأسماء تجوز لما كان أحد أولى بها من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

والكنى الشرعية أن يكنى الرجل بولده أو بولد غيره وكذا المرأة، لقوله صلى الله عليه وسلم لعائشة حين وجدت على كونها لم يكن لها ولد تكنى به: (تكني بابن أختك

(2)

)؛ يعني عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما، وكذلك يجوز الكنى بالحالة التي كان الشخص متصفا بها، كأبي تراب وأبي هريرة وما أشبههما. وفي الحطاب: قيل لأبي الرقيس الأعرابي: لم تسمون أبناءكم شر الأسماء نحو كلب وذيب وعبيدكم بأحسنها نحو مرزوق ورباح؟ فقال: إنما نسمي أبناءنا لأعدائنا وعبيدنا لأنفسنا، يريد أن الأبناء عدة الأعداء وسهام في نحورهم. والله سبحانه أعلم.

(1)

كنز العمال رقم الحديث 45205.

(2)

السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 310.

ص: 156

وقد قيل إن الحجاج لم يرضع حين ولد، فأتى شيخ فقال: اذبحوا جديا وأطعموه من دمه ويرجع إلى الرضاع، ففعلوا به ذلك فرضع فخرج سفاكا للدماء، وقيل إن الشيخ الذي كلمهم في قضية الحجاج هو إبليس. انتهى.

وكره مالك التسمية بجبريل، وقد مر أن الحارث بن مسكين كره التسمية بأسماء الملائكة. انتهى. ونودي بين يديه رجل باسمه إسرافيل، فقال له الحارث: لم سميت بهذا الاسم وقد قال صلى الله عليه وسلم: (لا تسموا بأسماء الملائكة

(1)

)؟ فقال: ولم سمى مالك بن أنس بمالك، وقد قال تعالى:{وَنَادَوْا يَامَالِكُ} ولقد تسمى الناس بأسماء الشياطين فما عيب ذلك عليهم؛ يعني الحارث اسمه، فإنه يقال إنه اسم إبليس.

ابن عرفة: يرحم الله الحارث في سكوته، والصواب معه لأن محل النهي في الاسم الخاص بالوضع أو الغلبة كإسرافيل وجبريل وإبليس والشيطان، وأما مالك وحارث فليسا منه لصحة كونهما من نقل النكرات للأشخاص المعينة أعلاما من اسم فاعل، فمالك وحارث كقاسم. انتهى. ابن غازي: والعمدة في الفرق الاتباع، فقد سمي كثير من الصحابة بمالك وحارث ولم ينكره صلى الله عليه وسلم. انتهى. نقله الشيخ علي الأجهوري. وله رحمه الله:

في سابع المولود ندبا يفعل

عقيقة وحلق رأس أول

تصدق بوزنه نقدا كذا

تسمية وإن به مات خذا

ولا يسمى من يمت قبل على

الذ به قال إمام النبلا

إن عنه قد عق وإلا سمي

في أي وقت شاءه المسمي

ولا يعق عنه إن في السابع

مات على ظاهرها يا سامع

ووقت الأمر بالصلاة يختن

وقبله يكره ذا يا فطن

والختن في الذكور سنة وفي

إناثهم مقال ندب اصطفي

(1)

شعب الإيمان للبيهقي، الحديث:8636.

ص: 157

وقوله: وحلق رأس أول؛ يعني أنه يفعل قبل العقيقة فيمن يعق عنه كما مر عند قوله: "والتصدق بزنة شعره". والله سبحانه أعلم. وفي الشبراخيتي أن التسمية تكره بما فيه صعوبة. انتهى. وفيه: وكره مالك أن يؤذن في أذن الصبي الولود والإقامة مثله، واستحب بعض أهل العلم أن يؤذن في أذنه اليمنى ويقام في الأخرى، لخبر الترمذي عن أبي رافع: (رأيت النبي عليه الصلاة والسلام أذن في أذن الحسن بن علي حين ولدته فاطمة

(1)

)، قال الترمذي: حديث صحيح. ابن العربي: فصارت تلك السنة، ولخبر ابن السني عن الحسين بن علي رضي الله عنهما: (من ولد له مولود فأذن في أذنه اليمنى وأقام في أذنه اليسرى لم تضره أم الصبيان

(2)

)، وقد جرى عمل الناس بذلك فلا بأس بالعمل به. انتهى. وفي الرياض عن الحسن أنه قال: ما في جهنم واد ولا مغارة ولا غل ولا قيد ولا سلسلة إلا واسم صاحبها عليها مكتوب.

ولما أنهى الكلام على القرب التي تنقسم إلى واجب ومندوب، من صلاة وصوم واعتكاف وحج وعمرة وما يتعلق به من هدي وشبهه من أضحية وعقيقة، وكانت اليمين تنقسم إلى قسم والتزام قربة ذيل أبواب القرب بباب اليمين والنذر لتعلقهما بالقرب، فقال:

(1)

سنن الترمذي كتاب الأضاحي، رقم الحديث 1516.

(2)

عمل اليوم والليلة لابن السني، الحديث:617.

ص: 158

‌باب: يذكر فيه اليمين وما يتعلق بها

وهو باب ينبغي الاعتناء به لكثرة وقوعه وتشعب فروعه، واليمين في اللغة مأخوذة من اليمين الذي هو العضو؛ لأنهم كانوا إذا حلفوا وضع أحدهم يمينه في يمين صاحبه، فسمي الحلف يمينا، وقيل اليمين: القوة، وسمي العضو يمينا لوفور قوته على اليسار، ومنه قوله تعالى:{لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ} أي بالقوة، ولما كان الحلف يقوي الخبر سمي يمينا والقسم بالتحريك: اليمين: وأقسمت أي حلفت، قال بعضهم: أصله من القسامة وهي الأيمان تقسم على الأولياء، والحلف بكسر اللام وسكونها بمعناه، وقوله تعالى:{تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ} ، قال ابن عباس: أي من قبل الدين فتزينون لنا ضلالتنا كأنه أراد: تأتوننا عن المأتى السهل.

الأصمعي: فلان عندنا باليمين أي بمنزلة حسنة، واليمين بمعنى القسم، فجمع على أيمان وأيمن، ولفظ اليمين مؤنث، ففي الحديث: (من اقتطع مال مسلم بيمين كاذبة فقد تبوأ مقعده من النار

(1)

)، وفيه أيضا: (اليمين الفاجرة تذر الديار بلاقع

(2)

)، واليمين شرعا عرفها ابن عرفة بقوله: اليمين قسم أو التزام مندوب غير مقصود به القربة أو ما يجب بإنشاء لا يفتقر لقبول معلق بأمر مقصود عدمه. انتهى. فخرج بقوله: غير مقصود به القربة، النذر كلله علي دينار صدقة فإن المقصود به القربة، بخلاف اليمين نحو: إن دخلت الدار فعبدي حر، فإنه إنما قصد الامتناع من دخول الدار، وقوله: غير بالرفع صفة التزام، وقوله: معلق بالرفع صفة لما من قوله: أو ما يجب بإنشاء لأنها نكرة موصوفة ووصف الأمر بأن المقصود عدمه؛ لأنه كذلك في الحنث والبر، ففي قوله: أنت طالق إن دخلت الدار، الأمر المعلق عليه دخول الدار، والمقصود عدم دخولها، وفي قولك: إن لم تدخلي الدار، الأمر المعلق عليه عدم دخول الدار، والمقصود عدم ذلك العدم وهو دخولها، وإنما وصف الأمر بما ذكر ليخرج عنه إذا قال: أنت حر إن برئ؛ أي من مرضه، أو إن برأ أبي من مرضه فعبدي حر، فهذا نذر لا يمين؛ لأن البرء ليس بمقصود عدمه بل وجوده. انتهى. قاله الخرشي في كبيره.

(1)

من اقتطع مال امرئ مسلم بيمين كاذبة لقي الله وهو عليه غضبان، صحيح البخاري كتاب التوحيد، رقم الحديث، 7445. والموطأ، كتاب الأقضية، الحديث 1435 وأبو داود، كتاب الأيمان والنذور.

(2)

شعب الإيمان للبيهقي، رقم الحديث، 7971.

ص: 159

وقد علم من تعريف ابن عرفة أن اليمين ثلاثة أنواع: القسم، والتزام مندوب غير مقصود به القربة، وما يجب بإنشاء على الوجه الذي ذكره. والإنشاء هو ما يقع به مدلول، وأخرج بقوله: لا يفتقر لقبول، الهبة والصدقة ونحوهما.

واعلم أن حكم اليمين الجواز إذا كانت باسم من أسماء الله تعالى أو بصفة من صفاته، قاله في اللباب. قاله الحطاب. وقال ابن حجر في شرح البخاري في كتاب الإيمان في باب أحب الدين إلى الله أدومه: فيه جواز الحلف من غير استحلاف، وقد يستحب إذا كان فيه تفخيم أمر من أمور الدين أو حث عليه أو تنفير من محذور. انتهى. قاله الحطاب.

وفي المدخل: وتكثير الحلف لغير ضرورة من البدع الحادثة بعد السلف رضي الله عنهم، بل كان بعضهم [يتوقى

(1)

] أن يذكر اسم الله إلا على سبيل الذكر حتى إذا اضطروا في الدعاء إلى من أحسن إليهم بالمكافأة له يقولون: جزيت خيرا، خوفا على اسم الله. انتهى. قاله الحطاب.

وقال الشبراخيتي: واختلف هل الحلف من حيث هو مباح وإليه ذهب الأكثر. ابن عبد السلام: وهو الصحيح نقلا ونظرا أو راجح الترك، وإليه ذهب بعضهم قولان، سمع أشهب وابن نافع: كان عيسى عليه السلام يقول لبني إسراءيل: كان موسى ينهاكم أن تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون، وأنا أنهاكم أن تحلفوا بالله صادقين أو كاذبين. ابن رشد: قول عيسى خلاف شرعنا؛ لأنه صدر منه صلى الله عليه وسلم كثيرا، وأمره الله به تعالى كما في سورة يونس:{قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ} ، فلا وجه لكراهته؛ لأنه تعظيم لله، ويحتمل أن تكون كراهة عيسى عليه الصلاة والسلام خوف الكثرة فيؤول إلى حلف كذب أو تقصير في الكفارة.

الشيخ عن ابن حبيب: أقول كقول عمر: اليمين مأثمة ومذمة، وما يكاد من حلف يسلم من الحنث. انتهى.

وحكمة مشروعيتها الحث على الوفاء بالعقد مع ما فيه من المبالغة في التعظيم. انتهى. قاله الحطاب عن اللباب. وقد مر تعريف ابن عرفة لليمين الشرعية، وعرفها القرافي بقوله: هو جملة خبرية وضعا، إنشائية معنى، متعلقة بمعنى معظم عند المتكلم، مؤكدة لجملة أخرى من غير

(1)

في النسخ يوقر والمثبت من الحطاب ج 4 ص 59 ط دار الرضوان.

ص: 160

جنسها. فقولنا: خبرية؛ لأن ذلك صيغتها، وقولنا

(1)

: إنشائية؛ لأنها لا تحتمل التصديق والتكذيب، وقولنا: من غير جنسها احترازا من تكرار القسم، فإنه لا يسمى حالفا إلا إذا ذكر المحلوف عليه. وقد خصص الشرع هذا المعنى ببعض أفراده، وهو أن يكون المعظم ذات الله أو صفاته العلى كما صنع في الصلاة والصوم وغيرهما. قاله الحطاب.

وعرف المص اليمين بقوله: اليمين تحقيق ما لم يجب؛ يعني أن اليمين الموجبة للكفارة هي أن يحقق الحالف؛ أي يثبت شيئا لم يجب أي لم يكن معلوم الثبوت حالا كان أو مستقبلا، منفيا كان أو مثبتا، ممكنا كان أو ممتنعا، وأما الماضي فلا كفارة فيه؛ لأنه إما صادق أو لغو أو غموس كما في الأمير، وكما قاله غير واحد، فشمل كلامه الممكن عادة وعقلا، والممتنع عادة أو عقلا، ومفهومه أن الثابت عادة كوالله لا أحمل الجبل، أو عقلا كوالله لا أقتل فلانا الميت، فإنه ليس بيمين؛ لأن الواجب متحقق في نفسه، فلا معنى لتحقيقه؛ ولأنه لا يتصور فيه الحنث لما فيه من تحصيل الحاصل بخلاف الممكن والممتنع، ودخل في المكن عادة الممتنع شرعا، وما أوجبه الشرع كوالله لأصلين الظهر في وقتها أو ليزنين في هذه الليلة، فتجب الكفارة إن لم يصل الظهر في وقتها في الأول، وفي الثاني إن لم يزن في تلك الليلة والحكم أنه لا يجوز له الزنى، وليكفر عن يمينه، والفرق بين ما لا يتصور فيه الحنث فرجح فيه عدم الانعقاد، وما لا يتصور فيه البر فرجح فيه الانعقاد، أن امتناع الحنث لا يخل بتعظيم اسم الله تعالى، وامتناع البر يخل ويهتك الحرمة فيخرج إلى التكفير.

واعلم أن ما أخبر الشرع بوقوعه كوالله ليدخلن الجنة من مات على الإيمان لا فرق بينه وبين الواجب العقلي والعادي في الحكم قاله الشيخ بناني. وقول المص: "اليمين تحقيق ما لم يجب"، مراد المص باليمين هنا اليمين الموجبة للكفارة كما نص عليه غير واحد. والله سبحانه أعلم.

وعلق بتحقيق قوله: بذكر اسم الله؛ يعني أن اليمين الموجبة للكفارة هي أن تحقق أي تثبت ما لم يتحقق ثبوته بذكر اسم الله والباء للسببية. قاله الشيخ إبراهيم. أي بذكره حقيقة بأن تنطق بالاسم أو بالصفة، أو حكما لتدخل الألفاظ الصريحة إذا نوى بها القسم ولو لم يذكر اسم الله كما

(1)

في النسخ وقوله والمثبت من الذخيرة ج 3 ص 294

ص: 161

يأتي في قوله: "وكأحلف وأقسم وأشهد إن نوى بالله"، واحترز بقوله:"بذكر اسم الله"، عن نية اسمه، فإن النية لا ينعقد بها اليمين على الراجح، والذي يظهر من كلامهم أن المراد بالنية هنا هو إنشاء كلام النفس، ففي الحطاب عن القرافي: هل تنعقد بإنشاء كلام النفس وحده أو لا بد من اللفظ؟ ثم نقل عن القوري أن من قال: لا يلزمه فما ذلك إلا لأنه لا إنشاء في النفس، وإنما يكون الإنشاء في الكلام اللساني. ابن عرفة: ويلزم أي الحلف باللفظ والنية، وفي مجردها روايتا الطلاق بها، وفي لزوم عكسه وكونه لغوا لا كفارة فيه قولان لها مع الشهور، وإسماعيل مع الأبهري واللخمي. الشيخ: رد بعض البغداديين قول عائشة: اللغو قول الرجل لا والله وبلى والله، لقول مالك لأنها لا تعني تعمد الكذب بل الظن، وإلى مذهب المدونة والمشهور أشار المص بقوله بعد هذا:"لا بسبق لسانه"، وقال: -أي ابن عرفة- وفي لزوم اليمين بالله مرادة بلفظ مباين لها كالطلاق بذلك نظر، وأخذه ابن رشد من نقله عنها من قال: لا مرحبا، يريد به الإيلاء مول، قال: وقيل معناه والله لا مرحبا بك؛ إذ لا يعبر عن اسم الله بغير اسمه والأظهر كاليمين بالنية. انتهى. وهو ظاهر. وقد سئلت عمن حلف، وقال: والله، ولم يذكر الهاء؟ فأجبت بأنه يتخرج على هذا. انتهى.

قال جامعه عفا الله عنه: وتحصل مما مر أن معنى حلفت بالله أو والله لأفعلن كذا أو تالله أثبت وحققت هذا الذي أخبر به يعني إثباتا وتحقيقا مؤكدين بذكر اسم الله أو صفته، فإنه لا يذكر اسمه أو صفته على ما هو باطل تنزيها لاسمه أن يعبث عند ذكره أو يكذب، فإذا كنت تستحيي من العبث وحالة غير مرضية بحضرة من هو ذو هيئة جليلة، فما ظنك باسمه عز وجل إذا ذكر؟ والله سبحانه أعلم.

أو صفته؛ يعني أن اليمين كما تنعقد بذكر اسم الله، تنعقد بذكر صفته، أما المعاني فلا إشكال في انعقاد اليمين بها، وهي الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام، وأما المعنوية فقال الأبي في شرح مسلم: كان شيخنا يقول: في الحلف بالمعنوية نظر، ولا نظر فيه، بل الحلف بها ألزم؛ لأنه لم يختلف في كفر من نفى قادرية الله أي كونه قادرا، واختلف في كفر من نفى صفة المعاني، وأما السلبية فلا تنعقد بها اليمين كما في ابن عاشر عن ابن عرفة، ومن قال: إن القدم

ص: 162

والبقاء تنعقد بهما اليمين فكأنه ذهب إلى القول بأنهما وجوديتان، والسلبية هي القدم والبقاء والغنى المطلق والوحدانية ومخالفته تعالى للحوادث، والمعنوية هي كونه تعلى قادرا ومريدا وعالما وحيا وسميعا وبصيرا ومتكلما فهي ملازمة للمعاني، وأما الصفة النفسية فتنعقد بها اليمين وكذا الاسم الدال عليها كالموجود إن نوى به اليمين، لقول ابن شاس: لو قال بالشيء أو بالموجود وأراد به الله سبحانه كان يمينا، ولا يصح التمثيل للصفة بالخالق والرازق لأنهما اسمان يدلان على الذات مع الصفة كالرحمن الرحيم، وكذا المخالف بلفظ اسم الفاعل فإنه من الأسماء لا من الصفات. قاله الشيخ بناني.

وقال الشيخ الأمير: واستظهر شيخنا الانعقاد؛ يعني بصفات السلب.

واعلم أن من حلف بأسماء كثيرة وحنث فعليه كفارة واحدة؛ لأن الاسم هو المسمى، بخلاف من حلف بصفات كثيرة وحنث فعليه لكل صفة كفارة. قاله المواق. نقله الشيخ محمد بن الحسن. وأشعر قوله:"بذكر اسم الله" أو صفته" أنها لا تنعقد بالكلام النفسي، وذكر فيه ابن عرفة الخلاف الآتي في الطلاق، وأشعر أيضا بأنها لا تنعقد بلفظ مباين لاسم الله مرادا به اليمين؛ كأن يقول: والحجر، قال ابن عرفة في لزوم اليمين بالله: مرادة بلفظ مباين للفظها كالطلاق بذلك نظر، ثم قال: والأظهر كاليمين بالنية. انتهى. قاله الشيخ عبد الباقي. أي فلا تنعقد، أو يجري فيها الخلاف المذكور، والظاهر عدم جواز إقدامه على ذلك.

وقال الشبراخيتي: إن القول بأن اليمين تنعقد بلفظ مباين لها والقول بأنها لا تنعقد به منقولان، ولا بد من اللفظ العربي، وإلا لم تجب كفارة على ما لأبي عمران وظاهره: ولو من غير قادر على العربية، قال: وتندب له الكفارة، وفي مختصر الوقار: من حلف بالله بشيء من اللغات وحنث كفر، ومن حلف بوجه الله وحنث كفر، ومن حلف بعرش الله وحنث فلا كفارة عليه.

وذكر القرافي عن صاحب الخصال أن بسم الله يمين؛ أي إن نوى به القسم أو جرى العرف باستعماله فيه، وإلا ففيه قولان، وهذا يجري في، واسم الله، وأما الاسم الأعظم فإن لم يقصد به الله فغير يمين، وإن قصد به اسم الله فانظر هل كاليمين بالنية أم لا؟ قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ الأمير: إنما ينعقد اليمين باسم الله، ومنه قول عامة مصر: والاسم الأعظم واسم الله

ص: 163

إلا أن ينوي بالأول غيره، وأما قولهم: الله ورسوله، فليس يمينا؛ لأنهم يقصدون به شبه الشفاعة، ولا بد من الهاء والمد قبلها طبيعيا، وفي اشتراط العربية خلاف. انتهى.

ومثل لاسم الله تعالى بقوله: كبالله؛ يعني أنه لا إشكال في أن الحلف بهذا الاسم موجب للكفارة عند الحنث؛ لأن هذا من الألفاظ الصريحة، ومثل الباء الواو والتاء، كوالله وتالله وكذا الاسم المجرد عن حرف القسم، كالله لأفعلن. وقال الشيخ الأمير: إنما ينعقد اليمين باسم الله أو صفته غير الفعلية، ولو حذف الجار فإنه معهود عربية نصبا وجرا، بل كذلك لو رفع وهو ينوي خبرا يفيد الحلف كالله محلوف به. انتهى. وقد مر أن مثل بالله والله وتالله، والأصل الباء ثم الواو ثم التاء الفوقية لإبدالها من الواو والواو من الباء.

وها الله؛ يعني أن اليمين كما تنعقد بما ذكر تنعقد بهذه الصيغة وهي هالله بحذف حرف القسم وإقامة ها التنبيه مقامه كما نص عليه النحاة، وفي الشارح عن صاحب الخصال أن اليمين تنعقد بقوله: لله ولعمر الله وكبرياء الله وميثاق الله. وايم الله؛ يعني أن هذا اللفظ وهو أيم الله تنعقد به اليمين فتجب الكفارة على من حلف به وحنث، ومعنى أيم الله: بركته، وهذا إن أراد المعنى القديم أو لا نية له كما نص عليه الشيخ الأمير، ويفيده كلام البرزلي.

قال جامعه عفا الله عنه: والذي يظهر أن المراد بالمعنى القديم إرادة إيصال الخير إلى من أوصل إليه، وهو في الرهوني: ولكن في الخرشي ما نصه قال سيبويه: هو من اليمن والبركة، ولذلك قال الشافعي: هو كناية لتردده بين المحدث من تنمية الأرزاق والأخلاق، وبين القديم الذي هو جلال الله وعظمته، ومنه قوله تعالى:{تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ} ، عظم شأنه وكبر علاه، فإن أراد المعنى الحادث نحو:{لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} ، فإن اليمين لا تنعقد به، وقوله:"وايم الله"، بفتح الهمزة وكسرها، وكذا ام الله بحذف الياء، وكذا أصلهما وهو أيمن فهذه ست لغات، وكذا م الله بتثليث الميم، ووجه الكسر أنهم شبهوها بالباء، وكذا من الله بضم الميم والنون وبفتحهما وبكسرهما، فهذه اثنتا عشرة لغة كل واحدة منها يمين كما نص عليه الشيخ الأمير وغيره. وهمزة أيم الله يجوز فيها القطع والوصل مع الواو، وأما مع عدمها فهمزة

ص: 164

قطع. قاله الشيخ عبد الباقي. وغيره. وقوله: "وأيم الله"، يجوز فيها إثبات الواو وعدمه، فتكون مقدرة وكذا حق الله وما أشبهه فلا فرق. قاله الشيخ محمد بن الحسن.

وحق الله؛ يعني أن هذا اللفظ وهو حق الله تنعقد به اليمين أي فتجب الكفارة على من حلف به وحنث، وهذا إن أراد الحالف به عظمة الله أو حكمه أو تكليفه، فقد فسر بكل منها أو لم يرد شيئا، فإن أراد به الحق الذي له على العباد من العبادات التي أمر بها سبحانه فلا كفارة فيه، وقد علمت أنه تنعقد به اليمين قرنه بالواو أم لا، قال حذيفة: ما استخف قوم بحق الله سبحانه إلا بعث الله عليهم من يستخف بهم ويحقرهم. انتهى. نقله في الرياض.

والعزيز، هذا من أمثلة قوله:"بذكر اسم الله"، فإنه شامل لجميع أسمائه، كما أن قوله:"أو صفته"، شامل للمعاني والمعنوية وللصفات الجامعة، وقد مر الكلام على السلبية، ومعنى كلامه أن لفظ العزيز من أسمائه تعالى، والحلف به ملزم للكفارة مع الحنث، فلا يصح أن يراد به المخلوق في الحلف. وفي كلام الشيخ عبد الباقي نظر، وهو من عز يعز بفتح العين في المضارع وهو الذي لا يغلبه شيء، وقال ابن عباس: الذي لا يوجد مثله، أو من عز يعز بالكسر في المضارع إذا قل حتى لا يكاد يوجد مثله، وهذا القول للفراء واللام فيه للكمال أي الكامل العزة.

واعلم أن الألفاظ بالنسبة لإطلاقها على الله تعالى على أربعة أقسام: الأول ما ورد به السمع ولا يوهم نقصا كالعليم فيجوز إطلاقه على الله سبحانه إجماعا، الثاني ما لم يرد به السمع وهو يوهم فيمتنع إطلاقه عليه سبحانه إجماعا نحو متواضع، الثالث ما ورد به الشرع وهو موهم فيقتصر على محله نحو ماكر، الرابع ما لم يرد به السمع وهو غير موهم فلا يجوز إطلاقه عليه عز وجل عند الشيخ أبي الحسن. ويجوز عند القاضي نحو السيد، وقيل بالوقف، قال أبو الطاهر: فكل ما جاز إطلاقه جاز الحلف به وأوجب الكفارة، وإلا فلا فتتنزل الأقسام المتقدمة على هذه الفتيا. قاله الإمام الحطاب. ومن قال: يعلم الله لا فعلت استحب له الكفارة، وفي الذخيرة عن الخصال: في الألفاظ التي تلزم فيها الكفارة: منها يعلم الله، وفي البيان: إذا قال علم الله أي بالماضي استحب له الكفارة احتياطا، تنزيلا له منزلة علم الله مصدرا، ولو قال: الذمام لا أتزوج وأراد ذمة الله كفَّر، وإن أراد ذمة الناس الجارية على ألسنتهم فليس بيمين.

ص: 165

وعظمته؛ يعني أن لفظ العظمة من الألفاظ التي تنعقد بها اليمين، فمن حلف بها وحنث وجبت عليه الكفارة، والعظمة من الصفات الجامعة فهي الكبرياء واستحقاق صفات المدح. وجلاله؛ يعني أن من حلف بجلال الله كما لو قال: وجلال الله لا دخلت الدار مثلا وحنث وجبت عليه الكفارة، والجلال صفة جامعة كالعظمة، ومحل كون الجلال والعظمة مما تنعقد به اليمين إن أراد المعنى القديم، وكذا إن لم يرد شيئا على ما يظهر من كلامهم، فإن أراد بهما الجلال والعظمة الذين جعلهما الله في خلقه لم تنعقد بهما اليمين. وإرادته؛ يعني أن الإرادة من الصفات التي تنعقد بها اليمين لأنها من صفات المعاني، وكذا لطف الله وغضبه ورضاه ورحمته وميثاقه عند الأكثر كما في ابن عرفة، إلا أن يريد الحادث في الخلق فإنها لا تنعقد. وكفالته؛ يعني أن من حلف بكفالة الله تعالى وحنث تجب عليه الكفارة، والكفالة هي الالتزام، والتزامه تعالى يرجع إلى خبره: وخبره كلامه وهو صفة من صفاته.

وكلامه؛ يعني أنه إذا حلف بهذه الصيغة، بأن قال: وكلام الله مثلا لا فعلت كذا وحنث، فإنه تجب عليه الكفارة. والقرآن؛ يعني أنه إذا حلف بالقرآن وحنث فإنه تجب عليه الكفارة، ومثل الحلف بالقرآن الحلف بكلمة منه أو آية أو سورة، ومحل كون الحلف بالقرآن يمينا إن نوى المعنى القديم أو لا نية له، لا إن نوى الحروف والأصوات المنزلة على محمد صلى الله عليه وسلم أو الجلد وما احتوى عليه فلا كفارة. قاله الشيخ بناني.

والمصحف؛ يعني أن من حلف بالمصحف وحنث تجب عليه الكفارة إلا أن يريد الجلد وما احتوى عليه، والدليل على أن لفظ القرآن يطلق على الجلد وما احتوى عليه نهيه صلى الله عليه وسلم عن أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو

(1)

، وأمره صلى الله عليه وسلم لعمر وبن حزم (أن لا يمس القرآن إلا طاهر

(2)

)، قال ابن رشد: يريد المصحف بإجماع. قاله الشيخ محمد بن الحسن. ومثل الحلف بالقرآن والمصحف الحلف بالكتاب وبما أنزل الله. وأول من جمع القرآن أبو بكر، وهو أول من سمى المصحف مصحفا.

(1)

صحيح البخاري رقم الحديث، 2299، صحيح مسلم رقم الحديث 1869، الموطأ ص 293.

(2)

الموطأ ج 1 ص 153.

ص: 166

وما مشى عليه المص في القرآن والمصحف هو المشهور، وروى ابن زياد عن مالك أنه لا كفارة فيهما نقله اللخمي.

ابن عبد السلام: والأظهر رواية ابن زياد؛ لأن المتبادر إلى الذهن من هذه اليمين إنما هو الحروف والأصوات، فهو الذي يخطر ببال الحالف حال اليمين، ولا سيما إن كان الحالف عاميا. قاله الش. وقال: إن محل الخلاف فيمن لا نية له أو له نية ونسيها، وأما من قصد القديم فإنه يحنث، أو الحادث فإنه لا يحنث بلا خلاف. انتهى. والواو في قوله:"والمصحف"، بمعنى: أو، وفي الخرشي ما نصه، قال سحنون: ومن حلف بالتورية والإنجيل في كلمة واحدة فعليه كفارة واحدة، وكذلك يلزمه اليمين إذا حلف بالكتاب أو بما أنزل الله، أو بسر الكتاب أو بسر المصحف أو القرآن، أو قال: وحق المصحف أو القرآن أو الكتاب، وأراد القديم.

وفي الحديث: (أن جميع ما أنزل الله من الكتب مائة كتاب وأربعة كتب، أنزل على شئث خمسين صحيفة، وعلى إدريس ثلاثين صحيفة، وعلى سيدنا إبراهيم عشر صحائف، وعلى موسى عشر صحائف قبل التورية

(1)

). انتهى.

فائدة: أول من جمع القرآن أبو بكر الصديق، وهو أول من سمى المصحف مصحفا، وأول من جمع الناس في القرآن على حرف واحد عثمان رضي الله عنه، وأول من نقط المصحف أبو الأسود الدؤلي بأمر عبد الملك بن مروان، وقيل الحسن البصري ويحيى بن يعمر، وقيل نصر بن عاصم الليثي، وأول من قال القرآن مخلوق جهم في زمن بني أمية فقتل. والله سبحانه أعلم.

وإن قال أردت وثقت بالله ثم ابتدأت لأفعلن دين، قال الشيخ الخرشي: صورتها أنه قال بالله لأفعلن كذا في هذا اليوم -مثلا- ثم مضى ذلك اليوم ولم يفعل المحلوف عليه، فقيل له: حنثت، فقال: إنما أردت بقولي بالله وثقت به أو اعتصمت به ولم أرد تعليقه بأحلف ولا بحلفت ولا بأقسم ولا بأقسمت، فإنه يوكل لدينه ونصدقه في مقالته بلا يمين في الفتوى والقضاء. انتهى. وهذا الحكم خاص بالباء فلا يدين في الواو ولا في التاء، ولا فيما إذا قال: هالله، والظاهر أن مثل دخول الموحدة على الله دخولها على سائر الصفات فيما ذكر. قاله الشيخ عبد الباقي.

(1)

البحر المحيط، ج 1 ص 480.

ص: 167

وقوله: "لأفعلن"، يتعين كونه جوابا لقسم، وحينئذ فيحمل على أنه جواب لقسم مقدر، فليس بيمين. لا بسبق لسانه، مخرج من قوله:"دين"؛ يعني أن الحالف إذا ادعى أنه سبقه لسانه فإنه تلزمه اليمين ولو تحقق سبق لسانه؛ لأن اليمين لا تحتاج لنية، قال الشيخ عبد الباقي وغيره: إن المراد بسبق اللسان هنا غلبته وجريانه، قال الشبراخيتي: بأن يسبق اللسان للفظ من غير عقد، كقوله: والله ما أكلت والله ما شربت والله ما دخلت الدار، فلا يدين ويؤاخذ باليمين. انتهى.

قال جامعه عفا الله عنه: تأمل قول الشبراخيتي: والله ما أكلت والله لخ مع قولهم: إن اليمين إذا تعلقت بماض لا تكفر؛ لأنه إما صادق وإما لغو وإما غموس، قال الشيخ عبد الباقي: إنه يدين في انتقاله من لفظ لآخر، فليس المراد بسبق اللسان الانتقال من لفظ لآخر فإنه يدين فيه؛ أي فلا تلزمه يمين. وقال الشيخ بناني: إنه غير صحيح؛ أي فلا يدين في الغلبة ولا في الانتقال، بل تلزمه اليمين فيهما؛ لأن اليمين لا تحتاج للنية، وقال الشيخ الأمير عاطفا على ما تلزم فيه اليمين: أو اعتاد لسانه الحلف، قال في الشرح خلافا للشافعي مفسرا به اللغو: وتعبيري أوضح من تعبيره؛ يعني المص بسبق اللسان فإنه يوهم الغلط المعذور به قطعا. انتهى. واختار اللخمي أن الانتقال من لفظ لآخر لا تنعقد به اليمين.

وكعزة الله؛ يعني أن من حلف بعزة الله وحنث تجب عليه الكفارة، وإذا فسرت العزة بالعظمة كانت من الصفات الجامعة، وإذا فسرت بالقوة كانت بمعنى القدرة وهي من صفات المعنى، وعلى هذا فهي من عز يعز بفتح العين في المضارع، وهي مأخوذة على هذا من العزة التي هي الشدة، ومنه قيل للأرض الصلبة عزاز. والله سبحانه أعلم. وتعزز المرض: اشتد. وأمانته؛ يعني أن من حلف بأمانة الله وحنث تجب عليه الكفارة، ومعنى الأمانة التكليف لقوله تعالى:{إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} ، وتكليفه كلامه القديم. قاله في الذخيرة. وقال في الحاشية: أمانته حفظه، وحفظه علمه قاله الشيخ إبراهيم.

وعهده يعني أن من حلف بعهد الله وحنث تجب عليه الكفارة: وعهد الله إلزامه، وإلزامُه يرجع إلى خبره، وخبره كلامه، وفي القاموس: العهد الوصية، والتقدم إلى المرء في الشيء والموثق

ص: 168

واليمين وقد عاهده ورعاية الحرمة والأمان والذمة والالتقاء والمعرفة، ومنه عهدي به بموضع كذا. انتهى. ومنه أيضا قول الشاعر:

وحبب أوطان الرجال إليهم

مآرب قضاها الشباب هنالكا

إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهم

عهود الصبا فيها فحنوا لذلكا

وكذا تنعقد اليمين بقوله: وذمة الله لا فعلت كذا مثلا، وذمته التزامه فترجع إلى خبره، وخبره كلامه، وقد مر أنها تنعقد بميثاق الله، والميثاق هو العهد المؤكد بالحلف، فيرجع لكلامه تعالى، ومحل كون كل من أمانته وعهده يمينا حيث أتى بالاسم الظاهر، فكان الأولى للمص أن يأتي به لأنه بصدد الصيغ التي تنعقد بها اليمين. قاله الشيخ عبد الباقي.

وعلي عهد الله؛ يعني أنه إذا قال علي عهد الله لا أفعل كذا وحنث فإنه تجب عليه الكفارة، والذي يظهر مما تقدم أن معنى عليَّ عهد الله: التزمت الحلف بعهد الله وتحملته في ذمتي أي بكلامه عز وجل. والله سبحانه أعلم. وقوله: إلا أن يريد المخلوق، مستثنى مما بعد الكاف؛ أعني قوله:"وكعزة الله" لخ، سوى الأخير للاتفاق على الحنث به مطلقا، أراد المخلوق أولا لأن الأخير نص في اليمين؛ لأنه قال: علي، ومعنى كلام المصنف أن محل انعقاد اليمين في العزة والأمانة والعهد من دون علَيَّ ما لم يرد المخلوق بأن أراد المعنى القديم أو لا نية له، وأما إن أراد المخلوق فلا حنث عليه، وهي في العزة العزة التي جعلها الله في عباده كعزة الأمير، ومنه قوله جل وعز:{سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ} ، وفي الأمانة الأمانة الودعة فيهم كقوله تعالى:{إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا} ، وفي العهد الحقوق المترتبة عليهم كقوله تعالى:{وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} . وقد مر أن الاستثناء راجع لما بعد الكاف ما عدا الأخير، وينبغي أيضا رجوعه لما قبلها من قوله: وحق الله لخ، قاله الشيخ عبد الباقي. وقد مر تقييدها بذلك.

ص: 169

تنبيه. لو قال شخص: يميني كيمين فلان أو علي يمين فلان، لزمه ما حلف به فلان فلو تبين أن فلانا لم يحلف لم تلزمه يمين، فإن تبين أن فلانا حلف بطلاق ولم ينو الحالف شيئا لزمه، فإن قال إنما أردت بقولي كيمين فلان إن كان حلف بالله فإنه يدين ولا شيء عليه لا يمين بطلاق ولا يمين بالله، وكذا ينبغي أن يدين ويلزمه يمين بالله إن لم يعلم ما حلف به فلان لغيبته أو موته. قاله الشيخ عبد الباقي.

وقال الخرشي عن ابن الحاجب: وكره اليمين بعمر الله وأمانة الله إذ لم يَرِد إطلاقها، وفيه الكفارة إن قصد الصفة: قال في توضيحه: أي كره مالك في الموازية الحلف بعمر الله، وظاهر المدونة جواز الحلف بها، ولعل المراد بالكراهة على ما في الموازية المنع؛ لأن أسماء الله توقيفية، بل أشار ابن عبد السلام إلى أن هذا ليس محلا للخلاف؛ لأن العمر حقيقة في الحادث وكذا الأمانة فهما محتملان، وإنما محل الخلاف ما كان صريحا أو ظاهرا في معناه وكان معناه صحيحا. انتهى.

وكأحلف؛ يعني أن من قال أحلف لا فعلت كذا أو لأفعلن كذا فإنه تلزمه اليمين بذلك، فتجب عليه الكفارة إن حنث بشرط أن ينوي بالله أو بقدرة الله أو بعظمته، ونحو ذلك مما تنعقد به اليمين، فيكون المجرور المنوي متعلقا بأحلف الملفوظ به. وأقسم؛ يعني أنه إذا قال: أقسم لا فعلت كذا مثلا، ونوى بالله أو بقدرة الله أو بجلاله مثلا فإن ذلك يمين، فتلزمه الكفارة إن حنث. وأشهد؛ يعني أن من قال أشهد لا فعلت كذا ونوى بالله أو بعظمة الله ونحوهما مما تنعقد به اليمين كاللتين قبلها تلزمه الكفارة إن حنث، فهو مما تنعقد به اليمين، وقوله: ونوى بالله، وأحرى لو نطق بذلك وماضي الثلاثة كمضارعها، وإن لم ينو ذلك ولا نطق به فلا شيء عليه، بأن قصد غيره أو لا قصد له، فلو كان قصده مجرد الإخبار كاذبا في صيغة الماضي؛ بأن حلف لا يعير كتابا مثلا، أو قصد بالتلفظ بالمضارع أنه إن لم يسكت مخاطبه يحلف، ولو نطق بالله لا يفعل أو ليفعلن كذا فلا يمين عليه. والله سبحانه أعلم. قاله الشيخ عبد الباقي. وفي الأمير: ولا تنعقد اليمين بعلم الله، وإن كان كاذبا لزمه إثم الكذب، وقول العامة: من شهَّد الله باطلا كفر، لا صحة له إلا أن يقصد أنه يخفى عليه الواقع.

ص: 170

وبما قررت علم أن قوله: إن نوى بالله، شرط في لزوم اليمين في كل من الثلاثة كما مر.

وحاصله أن هذه الأفعال الثلاثة لصراحتها لا يشترط معها التصريح باسم الله أو صفته؛ إذ هي لصراحتها في حكم ذكر اسم الله أو صفته مع النية، فلو صرح باسم الله أو صفته فهو أحرى في اللزوم، وخرج عن ذلك ما إذا لم ينو ما ذكر فلا كفارة فيه كما علمت. وأعزم إن قال بالله؛ يعني أنه إذا قال: أعزم بالله لا أفعل كذا أو لأفعلن كذا، فإن ذلك يكون يمينا فتلزمه الكفارة إن حنث، وعلم من قوله: "إن قال بالله، أنه لا يكون يمينا إلا إذا قال بالله ولا تكفي نيته، نص عليه ابن يونس تبعا للأم، وجعله البرادعي كالثلاثة قبله قاله الشيخ الخرشي. قال: وعورضت بمسألة الإيلاء، ولو قال: أعزم ونوى بالله فهو مول، وفرق بتعلق حق الغير وهو الزوجة، فحمل على الحلف بخلافه هنا. انتهى. ونحوه للشيخ إبراهيم، ومثل أعزم عزمت بصيغة الماضي، والفرق بين أعزم والثلاثة قبله أن أعزم بمعنى أسأل إلا أنها تستدعي التأكيد، فلذا احتيج إلى التصريح بالجلالة، بخلاف الثلاثة فإنه لا يمكن فيها السؤال، فكانت نية الجلالة وما يقوم مقامها بمنزلة التصريح بها. والله سبحانه أعلم.

وفي أعاهد الله قولان؛ يعني أنه اختلف إذا قال أعاهد الله لا فعلت كذا أو لأفعلنه، فقال ابن حبيب: عليه الكفارة، ولعل وجهه أن تعليقه بما قصد عدمه يدل على الحلف به. قاله غير واحد. ويظهر أيضا أن ذلك يجري على القول بلزوم اليمين بلفظ مباين لها. والله سبحانه أعلم. وقال ابن شعبان: لا كفارة عليه؛ لأن العهد منه لله تعالى وليس بصفة، ولأنه لم يحلف بالعهد حتى يكون قد حلف بصفة من صفاته عز وجل، وهو الراجح كما نص عليه الشيخ الأمير، واستحسنه اللخمي. قاله الشيخ إبراهيم. وغيره. وخرج أبايع الله على أعاهد الله.

لا بلك علي عهد؛ هذا معطوف على قوله: "بذكر اسم الله"؛ يعني أنه إذا قال شخص لآخر: لك علي عهد أن أنصحك مثلا، فإنه لا يكون عليه كفارة إذا لم يفعل ذلك، وكذا لو قال: لك علي عهد الله؛ لأن هذا أعظم من أن تكون فيه كفارة فتلزم فيه التوبة والاستغفار، ويتقرب إلى الله بما استطاع من الخير. قاله الحطاب. أو أعطيك عهدا؛ يعني أنه إذا قال شخص لآخر أعطيك عهدا أن لا أفعل كذا، فإنه لا كفارة عليه إن خالف ما قال، ومثله أعطيك عهد الله.

ص: 171

وتحصل مما مر أن الحلف بالعهد على خمسة أقسام: الأوَّلُ: وعهدِ الله يمين إلا أن يريد المخلوق، الثَّاني علي عهد الله يمين ولا يصح أن يراد به المخلوق، الثَّالِثُ أعاهد الله فيه قولان، الرَّابع، لك علي عهد لا كفارة فيه أضيف العهد إلى الله تعالى أم لا إلا أنه إن أضيف إلى الله عز وجل يكون أعظم من أن تكون فيه كفارة فتلزم فيه التوبة والاستغفار، الخامس أعطيك عهدا لا كفارة فيه أيضا أضيف العهد إلى الله عز وجل أم لا.

مسألة: إذا قال علي كذا وكذا إذا لم ينو بها اليمين وادعى أنه أراد شيئا آخر صدق. انتهى. من البرزلي. قاله الحطاب.

وعزمت عليك بالله؛ يعني أن من قال لأحد عزمت عليك بالله أوأعزم عليك بالله إلا ما فعلت كذا فخالف فإنه لا كفارة عليه، سواء كسر همزة إلا أو فتحها، فهو كقوله: أسألك بالله لتفعلن كذات فأبى فلا شيء على واحد منهما، وأما أقسمت عليك بالله فيمين؛ لأنه فعل صريح في القسم، بخلاف أعزم أو عزمت فإنه غير موضوع للقسم ولا منقول إليه، غير أن العزيمة تستدعي التأكيد وهو يكون بالقسم ففيها شائبته، فإن ترك منها عليك كانت يمينا وإلا فلا. وفي الخبر (أنه صلى الله عليه وسلم أمر بإبرار القسم أو المقسم

(1)

)، وفيه معنيان، أحدهما أن الحالف إذا حلف على شيء مأمور أن يبر في يمينه وهذا لا خلاف في وجوبه أو ما يقوم مقام الوفاء بذلك وهو الكفارة، الثاني أن يكون المراد أن تبر يمين من حلف عليك وهذا على قسمين، تارة يشوبه معنى السؤال كقوله: بالله إلا ما فعلت كذا، وتارة لا يشوبه كأن يقول: والله لتفعلن ونحو ذلك، وسواء في هذا الإثبات والنفي ويندب إبراره في الوجهين، ويتأكد في الثاني لوجوب الكفارة عليه دون الأول وذلك إضرار به، وهذا كله مع عدم المعارض الشرعي وإلا عمل به، لما ثبت (أن أبا بكر رضي الله عنه لما عبر الرؤيا بحضرته صلى الله عليه وسلم، قال: أصبت بعضا وأخطأت بعضا، فقال: أقسمت عليك يا رسول الله لتخبرني، فقال: لا تقسم ولم يخبره

(2)

). انتهى. قاله الحطاب.

(1)

صحيح مسلم كتاب اللباس والزينة، رقم الحديث، 2066.

(2)

البخاري، كتاب التعبير، رقم الحديث 7046 ومسلم، كتاب اللباس والزينة رقم الحديث 2269.

ص: 172

وقال النووي في الأذكار: يكره منع من سأل بالله وتشفع، روينا في سنن أبي داوود والنسائي بأسانيد الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من استعاذ بالله فأعيذوه ومن سأل بالله فأعطوه ومن دعاكم فأجيبوه ومن صنع إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه

(1)

). ويكره أيضا أن يسأل بوجه الله سبحانه غير الجنة، روينا في سنن أبي داوود عن جابر رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يسأل بوجه الله إلا الجنة

(2)

). انتهى. وفي الحديث عن أبي موسى الأشعري أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ملعون من سأل بوجه الله وملعون من سئل بوجه الله ثم منع سائله ما لم يسأل هجرا

(3)

)، رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح إلا شيخه يحيى بن عثمان بن صالح وهو ثقة، وفيه كلام. وهجرا بضم الهاء وسكون الجيم؛ أي ما لم يسئل أمرا قبيحا لا يليق، ويحتمل ما لم يسأل سؤالا قبيحا بكلام قبيح. انتهى. نقله الإمام الحطاب.

وفي المدونة: وإن قال لرجل: أعزم عليك بالله إلا فعلت كذا فيأبى، فهو كقوله أسألك بالله لتفعلن كذا وكذا، فامتنع فلا شيء على واحد منهما. انتهى. قال في النوادر عن ابن حبيب: وينبغي أن يجيبه ما لم يكن معصية وهو قولُ الله سبحانه: {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ} ، وكذلك إن سئل بالرحم فإن لم يفعل فلا كفارة على واحد منهما. انتهى. قاله الحطاب.

وروى الترمذي في جامعه عن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (ثلاثة يحبهم الله وثلاثة يبغضهم الله، فأما الذين يحبهم الله: فرجل أتى قوما فسألهم بالله ولم يسألهم لقرابة بينه وبينهم فمنعوه، فتخلف رجل بأعقابهم فأعطاه سرا لا يعلم عطيته إلا الله والذي أعطاه، وقوم ساروا ليلتهم حتى إذا كان النوم أحب إليهم مما يعدل به فوضعوا رءوسهم، فقام أحدهم يتملقني ويتلوا آياتي، ورجل كان في سرية فلقوا العدو فهزموا وأقبل بصدره حتى يقتل

(1)

سنن أبي داود كتاب الزكاة، رقم الحديث، 1672.

(2)

سنن أبي دواد كتاب الزكاة، رقم الحديث 1671.

(3)

الترغيب والترهيب ج 1 ص رقم الحديث 1263.

ص: 173

أو يفتح له. والثلاثة الذين يبغضهم الله: الشيخ الزاني، والفقير المختال، والغني المظلوم

(1)

) قال أبو عبسى: هذا حديث حسن صحيح. نقله في الرياض.

وعلم مما مر أن من قال: أقسمت عليك بالله لتفعلن كذا، يحنث إذا لم يجبه الآخر، فإن لم يقل فيهما بالله ولا نواه فلا شيء عليه. انظر الحطاب.

وعلم منه أنه يحنث فيما إذا نوى بالله فيهما ولم يجبه، وهو واضح من قول المص "وكأحلف وأقسم وأشهد إن نوى بالله"، وقال الشيخ زروق في شرح الإرشاد: إذا قال أقسمت عليك بالله فلا يخلوأمره إما أن يقصد اليمين فتجب، أو لم يقصده فلا تجب إلا على القول بتعلقها باللفظ وهو خلاف المشهور، وإن لم يقصد شيئا فهل يحمل على اليمين أولا؟ قولان.

وحاشى الله؛ يعني أن حاشى الله ليس بيمين، فمن قال: حاشى الله ما يقوم زيد غدا فوقع خلافه لا كفارة عليه، ومعنى حاشى الله تنزيه الله وبراءة منا له، وظاهر قوله:"وحاشى الله"، أنه غير يمين، ولو أتى معها بواو القسم، وكذا يقال فيما بعده. ومعاذ الله؛ يعني أن من قال: معاذ الله أن أفعل كذا، لا كفارة عليه حيث خالف؛ إذ معناه أعوذ بالله من نسبة ذلك الشيء إلي، أو أعتصم به. كذلك قال الشيخ بناني. الأقرب أن المراد معاذ بالمعجمة وفاقا للآية؛ يعني:{مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ} ، {مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي} ، وهو منصوب على المصدر، وقال الشيخ عبد الباقي: معاد بالدال المهملة، قال: ومحل كون حاشى الله ومعاد الله يعني بالدال المهملة ليستا بيمين حيث لم يرد بهما شيئا أو أراد الحادث، وأما إن أراد بحاشى الله كلامه القديم وبمعاد الله وجوده، فيمين. انتهى.

وفي كلام بعض الشراح أنه اسم مكان، وتكون الإضافة حينئذ في معاد الله بيانية أي الذات التي يعود إليها الأمر، والأمر لا يعود إلا إليه عز وجل.

والله راع؛ يعني أنه لو قال: الله راع. لا أفعل كذا أو لأفعلنه، فإنه ليس بيمين فلا كفارة عليه إن لم يفعل أو فعل؛ لأنه إخبار لا إنشاء، إلا أن يريد به اليمين، ويفيده التونسي، وما تقدم من لزوم اليمين بلفظ مباين لها. قاله غير واحد ومعنى راع: حافظ.

(1)

سنن الترمذي، كتاب صفة الجنة، رقم الحديث 2568.

ص: 174

أو كفيل؛ يعني أنه لو قال الله كفيل لا أفعل كذا، أو لأفعلنه برفع الله فإنه لا كفارة عليه إن خالف؛ لإنه إخبار لا إنشاء إلا أن يريد به اليمين، وإن جر لفظ الجلالة في المسألتين لحنا وما بعده خبر فغير يمين أيضا عند عدم قصد اليمين، فإن قصد جره بحرف قسم مقدر فيمين ولو لم يقصد القسم، ولا يمين في: الله وكيل ولا في ربنا يعلم. وما في التلخيص وتبعه السعد من جعل ربنا يعلم يمينا يحمل على ما إذا قصد بها اليمين.

والنبي؛ يعني أن الحالف بالنبي والمصطفى والمختار والكعبة والمقام والبيت والعرش والكرسي والصلاة والصوم والزكاة وخاتم الصوم الذي على أفواه العباد ونحو ذلك من كل مخلوق معظم شرعا لا كفارة عليه إذا حنث، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت

(1)

)، فنهى عن اليمين بغير اسم الله وقيست الصفات على الأسماء، وهل يمنع الحلف بما ذكر وهو قول الأكثر وشهره في الشامل؟ وفي التوضيح أنه الأظهر أو يكره، وشهره الفاكهاني واقتصر التتائي وأحمد على كراهة الأخير عن ابن حبيب، وجعل مثله رغم أنفي لله، ومحل القولين إن حلف صادقا وإلا حرم اتفاقا، بل ربما كان بالنبي كفرا لأنه استهزاء به أي يفيد الاستهزاء، لا أنه قصده، وأما الحلف بما ليس بمعظم شرعا كالدماء ورءوس السلاطين والأشراف ونعمة السلطان وحياة أبي ورأس أبي وتربة أبي فلا شك في تحريمه ولا ينبغي أن يتلف فيه، وفي الموطإ والصحيحين عن عمر رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم

(2)

)، وإنما نهي عن الحلف بغير الله عز وجل لأن فيه تعظيم غير الله بمثل ما يعظم به الله، وإنما ذكر الآباء لأنه سمع عمر يحلف بأبيه، ويشهد لهذا قوله صلى الله عليه وسلم: (من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت

(3)

).

واعلم أن توحيد الله عز وجل بالتعظيم على ثلاثة أقسام: واجب إجماعا كتوحيده بالعبادة والرزق والخلق فيجب على كل أحد أن لا يشرك معه تعالى غيره في ذلك، وما ليس بواجب

(1)

صحيح البخاري، كتاب الإيمان والنذور، رقم الحديث 6646. صحيح مسلم، كتاب الأيمان، رقم الحديث 1646. والموطأ، كتاب النذور، رقم الحديث 10732.

(2)

صحيح البخاري رقم الحديث 6646. صحيح مسلم رقم الحديث 1646. والموطأ رقم الحديث 1037.

(3)

صحيح البخاري، كتاب الإيمان والنذور، رقم الحديث 6646. صحيح مسلم، كتاب الأيمان، رقم الحديث 1646. والموطأ، كتاب النذور، رقم الحديث 10732.

ص: 175

إجماعا كتوحيده بالعلم والوجود ونحوهما فيجوز أن يتصف بذلك غيره إجماعا، ومختلف فيه كالحلف به تعالى فإنه تعظيم له واختلف العلماء هل يجوز أن يشرك معه غيره فيه أم لا؟ وذهب بعضهم إلى أن محل النهي إنما هو في حق من قصد حقيقة الحلف لا إن جرى على لسانه من غير قصد، وإذا قلنا بالمنع فهل يمتنع أن يقسم على الله عز وجل ببعض مخلوقاته نحو: بحق محمد صلى الله عليه وسلم اغفر لنا أم لا يمتنع؟ انتهى. وقال الشيخ إبراهيم: منعه عز الدين إلا بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وخالفه ابن عرفة واستدل بتوسل عمر رضي الله عنه بالعباس ولا دليل فيه، وكان عمر رضي الله عنه إذا قحط الناس يستسقي بالعباس رضي الله عنه، فيقول: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فاسقنا فيسقون، وفعل سيدنا عمر رضي الله عنه لذلك إنما كان بمحضر الصحابة ولم ينكره أحد فدل على جوازه. والله أعلم.

وفي ذلك يقول القائل:

بعمي سقى الله الحجاز وأهله

عشية يستسقي بشيبته عمر

توسل بالعباس في الجدب راغبا

فماكر حتى جاء بالديمة المطر

وهذا توسل وهو غير القسم، والقسم أن يقول: أقسمت عليك بنبيك محمد صلى الله عليه وسلم وأما التوسل فالظاهر أنه جائز ولا يشكل على القول بالمنع قسمة تعالى ببعض مخلوقاته، كقوله تعالى:{وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ} إلى غير ذلك؛ لأن من العلماء من قال: تقديره أقسم برب الزيتون، وقيل: أقسم بها لينبه عباده على عظمتها عنده فيعظمونها، ولا يلزم من الحجر علينا الحجر عليه بل هو الملك المالك على الإطلاق يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون.

ص: 176

وفي حديث الأعرابي السائل عما يجب عليه أنه صلى الله عليه وسلم، قال فيه: (أفلح وأبيه إن صدق

(1)

)، وأجيب عنه بأنه منسوخ بالحديث المتقدم؛ يعني (من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت

(2)

)، وبأنه منع الصحة في هذه اللفظة فإنها ليست في الموطإ، وجاء في بعض الأحاديث أنه صلى الله عليه وسلم علم الناس الدعاء فقال: (اللهم إني أقسم عليك بنبيك محمد نبي الرحمة

(3)

) قال عز الدين: فإن صح هذا فينبغي أن يكون مقصورا عليه صلى الله عليه وسلم؛ لأنه سيد ولد آدم ولا يقسم على الله بغيره من الملائكة والأنبياء والأولياء لأنهم ليسوا في درجته، ويكون من خصائصه تنبيها على علو درجته وارتفاع رتبته). انتهى. قاله الإمام الحطاب. وسيأتي أن الحلف بالطلاق والعتاق حرام لأنه يؤدب في الحلف بهما ولا تأديب في المكروه.

وكالخلق والإماتة؛ يعني أن الصفات الفعلية لا ينعقد بها اليمين، فلا كفارة على من حلف بها وحنث كالخلق أي تكوين المكونات والرزق والإحياء والإماتة بمثناتين فوقيتين، ولا يجوز الحلف بصفات الأفعال، قال في الجواهر: ولا يجوز اليمين بصفات الفعل ولا تجب فيها الكفارة، كقوله: وخلق الله ورزق الله. انتهى. قاله الحطاب. ونقل عن القرطبي أنه يجوز الحلف بجميع أسماء الله تعالى اتفاقا، وكذا يجوز الحلف بالصفة المتمحّضة نحو: وعزة الله وقدرته، ولا ينبغي أن يختلف في هذا القسم أنه كالأول، وأما ما يضاف إلى الله وليس بصفة كقوله: وخلق الله ونعمته ورزقه فهذه ليست بأيمان جائزة لأنها حلف بغير الله، وبين هذين القسمين قسم آخر متردد بينهما مختلف فيه لتردده كعهد الله وأمانته، فعندنا أيمان ملحقة بالقسم الأول، وعند الشافعي ليست بأيمان. انتهى.

وقد تقدم في هذا القسم الأخير أنه تنعقد به اليمين في صورتين، إن نوى المعنى القديم أو لا نية له، وقد مر في حاشى الله ونحوه أنها لا تكون يمينا إلا عند إرادة المعنى القديم، والفرق أن الأمانة ونحوها ظاهرة في إرادة المعنى القديم، فلا تنصرف عنه إلا بنية، وحاشى الله معناه

(1)

صحيح مسلم كتاب الأيمان، رقم الحديث 11.

(2)

صحيح البخاري، كتاب الإيمان والنذور، رقم الحديث 6646. صحيح مسلم، كتاب الأيمان، رقم الحديث 1646. والموطأ، كتاب النذور، رقم الحديث 10732.

(3)

غاية السؤل ص 297.

ص: 177

حقيقة تنزيه لله منا عما لا يليق به، فلا ينصرف إلى المجاز الذي هو تنزيه الله لنفسه إلا بنية أو قرينة. والله سبحانه أعلم. وقوله:"وكالخلق"، معطوف على قوله:"لا بلك علي عهد".

أو هو يهودي؛ يعني أنه لا تنعقد اليمين بقول شخص هو يهودي إن فعل كذا أو إن لم يفعله، أو نصراني أو عابد وثن أو مجوسي أو مرتد أو على غير ملة الإسلام وما أشبه ذلك، أو سارق أو زان أو شارب خمر أو يأكل الميتة أو نحو ذلك، أو عليه غضب الله أو دعا على نفسه بالكفر أو غيره إن فعل فلا كفارة في شيء من ذلك وليستغفر الله ولا يرتد ولو كان كاذبا فيما علق عليه لأن قصده إنشاء اليمين لا إخباره بذلك عن نفسه، ولذلك إذا لم يكن في يمين فإنه يرتد ولو كان جاهلا أو هازلا، ولا يرتد أيضا إذا قال: هو يهودي لقصده بذلك غرور يهودية ليتزوجها، والظاهر أن من قال هو باغض لرسول الله صلى الله عليه وسلم إن فعل كذا ثم فعله مثل من قال هو على غير ملة الإسلام إن فعل كذا.

قوله: "أو هو يهودي"، هو ونحوه متفق على حرمة الحلف به، وأتى المص بضمير الغائب مكان ضمير الحاضر دفعا للبشاعة وللنفور من هذه المقالة التي تستك منها المسامع والعياذ بالله تعالى، فإن قلت قوله:"أو هو يهودي"، يرد عليه قوله صلى الله عليه وسلم: (من حلف بملة غير الإسلام كاذبا فهو كما قال

(1)

)، فالجواب أن هذا الحديث ليس على ظاهره كما قال ابن عبد البر، وقد اختلف في معنى الحديث، فقال الباجي: معنى قوله فهو كما قال: يعني إذا كان معتقدا لذلك، ولهذا أمر من حلف باللات والعزى أن يعاود التهليل لنفي الكفر. انتهى. قال الش: وعليه فيطالب بالشهادة مع الاستغفار، وقال صاحب الاستذكار: ليس هو على ظاهره، وكأنه صلى الله عليه وسلم أراد النهي عن مواقعة هذا اللفظ، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (من حلف منكم باللات والعزى فليقل لا إله إلا الله

(2)

) تكفيرا لتلك الخطيئة وتذكيرا من الغفلة.

ولا نشأ القوم على تعظيم تلك الأصنام وعلى الحلف بها وأنعم الله عليهم بالإسلام بقيت تلك الألفاظ تجري على ألسنتهم من غير قصد الحلف، فأمر صلى الله عليه وسلم من نطق بذلك أن

(1)

جزء حديث أخرجه مسلم، كتاب الأيمان رقم الحديث 110، ولفظه من حلف بملة غير الإسلام كاذبا فهو كما قال، وفي رواية له من حلف بملة سوى الإسلام الخ.

(2)

صحيح البخاري، كتاب الأدب رقم الحديث 6107. وصحيح مسلم كتاب الأيمان رقم 1647.

ص: 178

يقول: لا إله إلا الله تكفيرا لتلك اللفظة، وخص اللات لأنها أكثر ما كانت تجري على ألسنتهم، وحكم غيرها من أسماء آلهتهم كحكمها.

ولما ذم رسول الله صلى الله عليه وسلم المقامرة وبالغ في الزجر عنها وعن ذكرها، أمر من طلبها أن يتصدق بصدقة

(1)

، والظاهر وجوبها عليه لأنها كفارة مأمور بها، وكذا قول لا إله إلا الله على من قال واللات والعزى، ثم هذه الصدقة غير محدودة ولا مقدرة فيتصدق بما تيسر. قاله الإمام الحطاب. نقله ابن زكري. وهذا الحديث ثابت في الصحيحين، وقال الشيخ الأمير: وحرم حلف بغير الله إلا أن يعظم شرعا فيكره. انتهى. وقال في الشرح عند قوله: "وحرم حلف بغير الله" ما نصه: فإن توقف عليه الحق فتحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور. انتهى. وقال أيضا: وقوله إن فعل كذا يكون يهوديا أو واقعا في حق فلان النبي ليس ردة ولو فعله وليتب، وكذا إن غر به يهودية ليتزوجها. وقصْدُ الإخبارِ بذلك ردة ولو هزلا، وأما قوله: إن فعل كذا يكون داخلا على أهله زانيا، فمن كنايات الطلاق، واستظهر الثلاث. انتهى. وقوله:"أو هو يهودي"، يشهد له قوله في المدونة: وإن قال إن فعلت كذا فهو يهودي أو نصراني أو مجوسي أو كافر بالله أو بريء من الإسلام، فليست

(2)

هذه أيمانا وليستغفر الله مما قال، وقوله: لعمري أو هو زان أو سارق: أو قال: والصلاة والصيام والزكاة والحج، أو قال: هو يأكل لحم الخنزير والميتة أو يشرب الدم أو الخمر أو يترك الصلاة أو عليه لعنة الله وغضبه أو حرمه الله الجنة أو أدخله النار، وكل ما دعا به على نفسه لم يكن شيء من هذا يمينا، وكذا قوله: وأبي وأبيك وحياتي وحياتك وعيشي وعيشك، وهذا من كلام النساء وضعفاء الرجال، وأكره اليمين بهذا أو بغير الله أو رغم أنفي لله، ومن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت. انتهى. قوله: وليستغفر الله، قال في الذخيرة: لأنه التزم هتك حرمة الله تعالى على تقدير ممكن، واللائق بالعبد الامتناع من ذلك مطلقا، ووافقنا ابن حنبل في الإثم وأوجب الكفارة، وقال الحنفية: ليس بئاثم وتجب الكفارة. انتهى. قاله الإمام الحطاب.

(1)

جزء حديث ولفظه ومن قال لصاحبه تعال أقامرك فليتصدق، البخاري، رقم الحديث 6107. وصحيح مسلم رقم الحديث 1647.

(2)

في النسخ فليس والمثبت من الحطاب ج 4 ص 66 ط دار الرضوان. والتهذيب ج 2 ص 98.

ص: 179

وقال الخرشي: ولو قال المؤلف: أو كهو يهودي، لشمل ما تقدم. انتهى.

وغموس؛ يعني أنه لا كفارة في اليمين الغموس، سميت بذلك لأنها تغمس صاحبها في الإثم وقيل في النار، وتعقب بأن فاعل الذنب عند أهل السنة تحت المشيئة ولا تتحتم عليه النار، وأجيب بأن معنى تغمسه في النار يستحقها بسببه، ولا يلزم من استحقاقها دخولها، وفسر المص الغموس بقوله: بأن شك أو ظن وحلف بلا تبين صدق؛ يعني أن اليعين الغموس هي أن يحلف على شيء لا يعلمه؛ بأن يتعمد الحالف الحلف على الكذب، وهذا فهم من كلامه بالأحروية أو يحلف على غير يقين بأن يشك حين حلفه فيما حلف عليه، هل هو كما حلف أولا، أو يظن أنه كما حلف أو يتوهم أنه كما حلف؟ ولم يتبين له في هذه الأقسام الأربعة أن الأمر كما حلف عليه، فهذه اليمين لا تكفر لأنها أعظم من أن تكفرها الكفارة، لقوله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ} الآية، ولقوله عليه الصلاة والسلام: (من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه حرم الله عليه الجنة وأوجب له النار

(1)

)، وقولي في هذه الأقسام الأربعة واضح بجعل العلم بمعنى الاعتقاد. والله سبحانه أعلم. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: اليمين الغموس تدع الديار بلاقع أي خالية، قال ابن حبيب: وهي اليمين الكاذبة وهي من الكبائر، وليتب إلى الله تعالى الحالف بها، ويتقرب إليه بما قدر عليه من عتق وصدقة وصيام. عبد الوهاب: وإنما قلنا إنها لا كفارة فيها خلافا للشافعي، لقوله تعالى:{وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ} ، وهذه يمين غير منعقدة، ومفهوم قوله:"بلا تبين صدق"، أنه لو تبين صدق ما حلف عليه لم تكن غموسا فلا إثم عليه وهو المتبادر من المدونة وعليه حملها ابنُ الحاجب وعليه حمل ابن عتاب لفظ العتبية، وحمل غير واحد المدونة على أنه وافق البر في الظاهر، لا أن إثم الجرأة سقط عنه؛ لأن ذلك لا يسقطه إلا التوبة وهو ظاهر في الفقه، إلا أنه بعيد من لفظ المدونة. وقوله:"أو ظن"، محل كونها غموسا في حالة الظن إن لم يقو الظن كما يأتي في الشهادات، ولم يقل: في ظني، وإلا لم تكن غموسا، وقوله:"بأن شك أو ظن"، هذا إذا تعلقت بالماضي، فإن تعلقت بالحال أو بالاستقبال كفرت، فقوله:"بأن شك"، مقيد بقيد وهو تعلقها بماض، وقوله:"أو ظن"، مقيد بثلاثة. قاله

(1)

الموطأ، كتاب الأقضية، رقم الحديث 1435.

ص: 180

الشيخ عبد الباقي. وسيأتي ما يفيد أن الشك مقيد بقيدين، وقال الشيخ الأمير: والغموس حلف بلا قوة ظن، ومنها الحلف على مستحيل عقلا أو عادة، فإن تعلقت بالماضي فكفارتها -إن لم يغفر الله- جهنمُ فهي غموس في الإثم، وبغير الماضي من حال أو استقبال كفرت إن لم يتبين صدق. انتهى.

قوله: وليستغفر الله، راجع للفرعين قبله؛ يعني أن الحالف بقوله:"هو يهودي"، يلزمه الاستغفار، وكذا يلزمه فيما لحق به ويلزمه أيضا في اليمين الغموس، ويحتمل رجوعه لما لا تنعقد به اليمين. قاله الخرشي. وقوله:"وليستغفر الله"؛ أي لأنه التزم هتك حرمة الله تعالى على تقدير ممكن، واللائق بالعبد الامتناع من ذلك مطلقا، ووافقنا ابن حنبل في الإثم وأوجب الكفارة، وقال الحنفية: ليس بآثم وتجب الكفارة، قاله القرافي معللا قول المدونة: وليستغفر الله: يعني من قال هو يهودي ومن في حكمه وقد مر هذا.

وقوله: "وليستغفر الله"، قال جعفر بن محمد بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم: إذا ألهم اللهُ عبده الاستغفار فإنه لا يعذبه، وما علمكم الله الاستغفار إلا وهو يريد أن يغفر لكم. انتهى. نقله في الرياض. وقوله:"وليستغفر الله": أي يطلبه المغفرة بأن يتوب إلى الله سبحانه، وما قدمته من أن متعلق الغموس الماضي هو المشهور كما نقله الحطاب عن البرزلي، وقال ابن الحاجب: إنها تتعلق بالمستقبل، وقال في التوضيح: ولا كفارة في الغموس سواء تعلقت بالماضي أو بالمستقبل، فالماضي واضح، والمستقبل كما لو كانت يمينه على ما لا يصح وجوده، أو قد علم أنه لا يوجد كقوله: والله لأقتلن فلانا غدا وقد علم أنه ميت، أو لأطلعن السماء اليوم، أو لا تطلع الشمس غدا، ولم يجزم التونسي بحصولها في المستقبل، قال: والأشبه أنه غموس ومَثَّله بما ذكرناه.

ابن عبد السلام: وأكثر كلام الشيوخ: يقتضي انحصار اللاغية في الماضي والحال وأنها لا تتناول المستقبل، وذكر بعض الشيوخ حصر اليمين الغموس في الماضي. انتهى.

تنبيه: قال ابن عرفة: الشيخ روى ابن حبيب: الإلغاز في اليمين لمكر أو قطع حق يصيرها غموسا، وما كان لعذر أو لخوف سخط أخيك فلا بأس به. انتهى. قاله الإمام الحطاب. وقال في

ص: 181

التوضيح بعد ذكر الكلام في الحلف على الشك والظن: وهذا كله إذا أطلق اليمين، وأما إن قيدها فقال في ظني أو ما أشبه ذلك فلا شيء عليه. قاله الحطاب. والغموس تكون في الطلاق بمعنى أنه يأثم في الحلف بها ويلزمه الطلاق، قال في المقدمات في كتاب الأيمان بالطلاق: ويأثم إذا حلف على الغيب أو على الكذب أو على الشك: كما يأثم في اليمين بالله إذا حلف على شيء من ذلك. وقال في التوضيح: وقال في المسائل الملقوطة: يلزم التعزير في مسائل منها اليمين الغموس. قاله الحطاب.

وإن قصد بكالعزى التعظيم فكفر يعني أن الحالف إذا قصد بحلفه باللات والعزى وما أشبههما من كل ما عبد من دون الله التعظيم، من حيث إن ما ذكر متصف بصفة الربوبية فإن ذلك يكون كفرا والعياذ بالله تعالى، وشمل ذلك ما إذا حلف به من كونه ينسب له فعل كالأزلام، فإذا قال: والأزلام لأفعلن كذا -مثلا- وقصد بالحلف بها التعظيم من كونها ينسب إليها التأثير، والعياذ بالله تعالى. فكفر والأزلام واحدها زلم كجمل وصرد، وهي الأقداح كانوا إذا قصدوا فعلا ضربوا ثلاثة أقداح مكتوبا على أولها: أمرني ربي، وعلى الآخر نهاني ربي، وعلى الثالث غفل، فإن خرج الأول مضى، وإن خرج الثاني ترك، وإن خرج الثالث أعاد الضرب. نقله الشيخ بناني. وقصد تعظيم من عبد من دون الله من الأنبياء في الحلف به فليس بكفر إلا أن يقصد تعظيمه على أنه إله، وقد علمت مما مر أن الحلف بغير الله حرام اتفاقا في غير المعظم شرعا، وعلى الراجح في المعظم شرعا ومقابله الكراهة، وأن محلها إن حلف صادقا وإلا حرم اتفاقا.

ولا لغو؛ يعني أنه لا كفارة في اليمين اللاغية وهذا إن تعلقت بماض أو بحال، وأما إن تعلقت بالمستقبل فتكفر.

فتحصل أن الغموس واللغو لا كفارة فيهما إن تعلقتا بماض اتفاقا فإن تعلقتا بحال كفرت الغموس دون اللغو وأنهما إن تعلقتا بمستقبل كفرتا وللشيخ علي الأجهوري:

كفر غموسا بلا ماض تكون كذا

لغو بمستقبل لا غير فامتثلا

ص: 182

قال الشيخ محمد بن الحسن: قول علي الأجهوري كفر غموسا الخ، هذا مقتضى ما ذكره ابن عبد السلام عن مقتضى أكثر كلام الشيوخ في اللغو، وعن بعضهم في الغموس، وقال ابن عرفة: لا لغو ولا غموس في المستقبل، وقال البرزلي: المشهور أن متعلق الغموس واللغو هو الماضي. انتهى. لكن اختار التونسي أن تكون الغموس في المستقبل الممتنع عقلا أو عادة. انظر الحطاب. انتهى. يشير إلى ما مر عن الحطاب وفسر المص اللغو بقوله: على ما يعتقده فظهر نفيه؛ يعني أن اليمين اللاغية هي أن يحلف الشخص على ما يعتقده أي على ما هو جازم به، وبعد ذلك يتبين له أن ما في نفس الأمر على خلاف ما حلف عليه، فاللغو المذكور في الآية أعني قوله تعالى:{لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} هو عندنا الحلف على ما يعتقده الحالف فيظهر نفيه، وهذا هو المشهور من المذهب وقاله أبو هريرة، وأخرجه ابن أبي حاتم عن عائشة، كما ذكره الجلال السيوطي في الدر المنثور. قاله الشيخ إبراهيم. وروى مالك في الموطإ عن عائشة: أن اللغو ما سبق إليه اللسان من والله ولا والله، وهو قول إسماعيل القاضي والشيخ أبي بكر الأبهري، واختاره اللخمي وابن عبد السلام وابن أبي جمرة، وإليه كان يميل أبو إسحاق العبدوسي، وقيل: اللغو هو يمين الحرج والغضب، وقيل هو الحلف على المعصية، وقيل هو الحلف على تحريم الحلال وتحليل الحرام. نقله الشيخ إبراهيم. ونحوه للشارح، قال: وليس في المذهب فيما أعلم غير الأولين. وقوله: "ولا لغو"، معطوف على "غموس"، أو على مدخول الباء من قوله:"لا بلك علي عهد". وقوله: "على ما يعتقده"، بدل من "لغو". قاله الشيخ إبراهيم.

ولم يفد في غير الله؛ يعني أن كلا من اللغو والغموس لا يفيد في غير اليمين بالله كالطلاق والعتق وغيرهما، وإنما يفيد في اليمين بالله، فمن حلف بطلاق مثلا على ما يعتقد فظهر خلاف لزمه، كما لو ظن أو شك وحلف بلا تبين صدق مع الإثم كما مر.

ومثل اليمين بالله النذر المبهم كما لو رأى شخصا مقبلا اعتقد أنه زيد، فقال: علي نذر إن لم يكن زيدا فتبين أنه عمرو فلا شيء عليه، وأفاد في اليمين بالله دون غيرها من الأيمان؛ لأن اليمين بالله هي اليمين الشرعية، وقد قال تعالى:{لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} ، فعدم إفادته في غير اليمين بالله ظاهر من الآية، وفي المدونة: ولا ثنيا ولا لغو في طلاق ولا مشي ولا

ص: 183

صدقة ولا غير ذلك إلا في اليمين بالله أو نذر لا مخرج له. انتهى. قال ابن رشد: وكذلك من حلف بالمشي أو بالصدقة وما أشبه ذلك مما فيه قربة، على قول من يقول إن فيه كفارة يمين. انتهى. نقله الإمام الحطاب عن الشيخ أبي الحسن. قال: ونصه -يعني ابن رشد-: لا اختلاف أعلمه في المذهب أن اللغو لا يكون إلا في اليمين بالله أو بشيء من صفاته وأسمائه أو في نذر لا يسمى له مخرج؛ لأن الله لم يذكره إلا في اليمين التي أوجب فيها الكفارة، فقال تعالى:{لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ} ، ويجيء على من أوجب كفارة اليمين بالله في الحلف بالمشي والصدقة وما أشبه ذلك مما فيه قربة وطاعة أن يكون اللغو في ذلك. والله أعلم. وكذلك الأيمان اللازمة لا يدخلها اللغو والاستثناء، وذكر البرزلي في مسائل الأيمان تخريجا في ذلك، فانظره. انتهى.

تنبيه. قال البرزلي: سألت شيخنا عمن حلف بالطلاق لا يموت إلا على الإسلام اتكالا على كرم الله تعالى، هل عليه شيء أم لا؟ فأجاب: إذا كان مراده بذلك أنه لا يكفر بعد إيمانه ولا ينتقل بعد إسلامه ويبقى عليه إلى أن يموت فلا شيء عليه؛ لأنه إنما أراد ثبوته على الإسلام، ثم قال: وسكت شيخنا عما إذا كان مراده حسن الخاتمة أو دخول الجنة، وعندي أنها تجري على مسألة من حلف أنه من أهل الجنة والمشهور الحنث. انتهى. نقله الشيخ إبراهيم.

كالاستثناء بإن شاء الله؛ يعني أن الاستثناء بإن شاء الله لا يفيد في غير اليمين بالله كالطلاق والعتق ونحوهما، وإنما يفيد في اليمين بالله عز وجل، فالتشبيه في عدم الإفادة بالنسبة لغير اليمين بالله، وفي الإفادة بالنسبة لليمين بالله فهو تشبيه في المنطوق والمفهوم، فإذا قال: والله لا أفعل كذا إن شاء الله ثم فعله فلا شيء عليه بالشروط الآتية، ومثل اليمين بالله النذر المبهم، فاللغو لا يكون إلا في اليمين بالله أو بشيء من صفاته وأسمائه، أو في نذر لم يسم له مخرجا.

إن قصده؛ يعني أن الاستثناء بإن شاء الله لا يفيد في غير اليمين بالله، ويفيد في اليمين بالله، وإنما يفيد فيه إن قصده أي الاستثناء أي حل اليمين، وأما مع عدم القصد بأن قصد التبرك أو لا قصد له، فإنه لا يفيد.

ص: 184

وبما قررت علم أن هذا الشرط راجع لأحد شقي التشبيه وهو الإفادة في اليمين بالله، مع أنه مستغنى عنه بقوله: ونوى الاستثناء وقصد، وأما رجوعه للمنطوق فغير ظاهر؛ لأن الاستثناء بإن شاء الله لا يفيد في غير اليمين بالله مطلقا قصد أم لا، وشبه في الحكمين قوله: كإلا أن يشاء الله؛ يعني أنه لا فرق في الاستثناء بالمشيئة بين الماضي كإن شاء الله، والمضارع كإلا أن يشاء الله، فكل منهما لا يفيد في غير اليمين بالله ويفيد في اليمين بالله بلا خلاف، وذكره ليلا يتوهم أنه من باب تعقيب الرافع.

تنبيه: إدخال حرف القسم على غير اليمين بالله لا يفيد، فلو قال: والطلاق والمشي مثلا لأفعلن لا يكون يمينا. قاله الخرشي. وهو ظاهر.

أو يريد؛ يعني أن الاستثناء بإلا أن يريد الله كالاستثناء بإن نشاء الله، فلا يفيد في غير اليمين بالله، ويفيد في اليمين بالله. قاله عيسى. ابن رشد: وهو القياس والنظر الصحيح. أو يقضي؛ يعني أن الاستثناء بإلا أن يقضي الله كالاستثناء بإن شاء الله فلا يفيد في غير اليمين بالله، ويفيد في اليمين بالله. قاله عيسى. ابن رشد: قول عيسى في إلا أن يريد أو يقضي هو القياس والنظر الصحيح؛ لأن قضاء الله أو مشيئته إرادته، وإلى ذلك أشار بقوله: على الأظهر، ومقابله لابن القاسم: أن الاستثناء بإلا أن يريد الله أو إلا أن يقضي الله ليس بثنيا لعدم ورود السنة به، وهل الاستثناء رافع للكفارة؟ وهو قول ابن القاسم، أو حل لليمين من أصلها وهو قول ابن الماجشون والقاضي وفقهاء الأمصار؟ وتظهر فائدة الخلاف فيمن حلف واستثنى ثم حلف ما حلف، أو حلف ليحلف فحلف واستثنى فيحنث على الأول دون الثاني.

وأفاد بكإلا في الجميع، لما ذكر الاستثناء المفيد في اليمين بالله فقط، ذكر الاستثناء المفيد في اليمين بالله وغيره؛ يعني أن الاستثناء بإلا وما في معناها من أدوات الاستثناء كخلا وعدا وحاشا ولا يكون وليس وغيرها من بقية الأدوات وما في معناها من شرط أو صفة أو غاية أو بدل بعض، يفيد أي ينفع في الجميع أي جميع الأيمان من يمين بالله وطلاق وعتق وغيرها، ومنهم من فسر قوله:"في الجميع"، بقوله: أي جميع الأيمان الماضية والمستقبلة بالله أو بعتق أو طلاق، كانت اليمين منعقدة أو غموسا فيرتفع الإثم نحو: والله لا أكلم أو ما كلمت زيدا إلا يوم كذا، أو إن ضربني أو

ص: 185

ابن عمر أو إلى وقت كذا أو لا أكلم أو ما كلمت الرجل ابن عمرو، ونحو والله لا تظهر الشمس غدا إلا أن تكون مصحية أو قتلت فلانا الميت إلا أن يشاء الله فلا إثم عليه.

إن اتصل؛ يعني أن الاستثناء يشترط في إفادته أي نفعه أن يتصل باليمين، سواء كان بكإلا أو بإن شاء الله وما في حكمها، والمعتبر اتصاله بالمقسم عليه حيث تعلق الاستثناء به، وأما إن تعلق بالمقسم به أي بعدده كما في الطلاق ولا يكون إلا بكإلا، فهل لا بد من اتصاله بالمقسم به نحوأنت طالق ثلاثا إلا اثنتين إن دخلت الدار، أو يكفي اتصاله بالمقسم عليه نحو أنت طالق ثلاثا إن دخلت الدار إلا اثنتين قولان، ومفهوم قوله:"إن اتصل" أنه لو انفصل لم يفد مشيئة أو غيرها، واستثنى من مفهوم إن اتصل قوله: إلا لعارض؛ يعني أن محل عدم إفادة الاستثناء حيث انفصل النطق بالاستثناء عن النطق باليمين إنما هو إذا لم يكن الانفصال لعارض لا يمكن رفعه، كسعال وعطاس وانقطاع نفس أو تثاؤب، وأما الانفصال لذلك فينفع معه الاستثناء، وظاهر المص إفادته مع الانفصال المذكور، ولو اجتمعت هذه الأمور أو تكررت لا رد سلام وحمد عاطس ونحو ذلك فيضر.

واعلم أن من أهل العلم من أجاز الاستثناء في القلب بمشيئة الله عز وجل، وعلى هذا يحمل ما روي عن ابن عباس من إجازة الاستثناء بعد عام أنه أظهر بعد عام ما كان اعتقده حين اليمين منه؛ إذ لا اختلاف بين أحد من أهل العلم في أن الاستثناء لا بد أن يكون موصولا باليمين، بل قد قال ابن المواز: إنه لا بد أن ينطق به قبل آخر حرف من حروف اليمين -يريد من الكلام الذي تمت به اليمين-. قاله الشيخ محمد بن الحسن.

ونوى الاستثناء؛ يعني أن الاستثناء كما يشترط في إفادته الاتصال باليمين، يشترط فيه أيضا أن ينوي النطق بالاستثناء لا إن جرى على لسانه من غير قصد بل سهوا، فلا يفيد مشيئة أو غيرها. وقصد؛ يعني أنه لا بد في إفادة الاستثناء أيضا من أن يقصد بالاستثناء الذي نوى النطق به حل اليمين، وإذا قصد بالاستثناء حل اليمين كفاه ذلك القصد، ولو لم يقع إلا بعد النطق باليمين من غير فصل، كمن حلف وبعد فراغه قيل له قل إن شاء الله مثلا فقالها عقب تمام اليمين فينفعه

ص: 186

ذلك، فنية حل اليمين تكون من أول النطق باليمين أو في أثنائه أو بعد فراغه من غير فصل، وأما لو لم يقصد حل اليمين بل قصد التبرك بالنطق بالمشيئة فإنه لا يفيده ذلك في رفع الكفارة.

وبما قررت علم أن قوله: "وقصد"، غير مكرر مع قوله:"ونوى الاستثناء"، لكن يغني قوله:"قصد"، عن قوله:"ونوى الاستثناء"، كما هو ظاهر. والله سبحانه أعلم. وبقي على المص من شروط الاستثناء أن لا ينوي أولا إدخال ما أخرجه آخرا بالاستثناء ثم أخرجه فإنه لا ينفعه استثناؤه كما ذكره عبد الحق، ونصه: ولو قصد أولا إدخال الزوجة مع غيرها لم ينفعه استثناؤه إياها بحال، انتهى. نقله الحطاب. قاله الشيخ محمد بن الحسن. عند قوله:"وقصد".

ونطق به؛ يعني أن الاستثناء مشيئة أو غيرها إنما ينفع إذا نطق به فلا تكفي النية، وقوله:"ونطق به"، قال الشيخ الخرشي: ويكفي النطق بإلا، ولو حذف المستثنى كقوله: لا أكلم زيدا إلا، وينوي غدا مثلا. انظر ابن عرفة. انتهى.

وإن سرا؛ يعني أنه إذا نطق بالاستثناء فإنه ينفعه، ولا فرق في ذلك بين الجهر والسر، لكن يشترط في إسراره به أن يكون بحركة لسان، فلا يشترط إسماع نفسه، ومفهومه أنه لو لم يحرك بالاستثناء لسانه بل أجراه على قلبه فإن ذلك لا يكفي، وهذا هو المشهور، وروى أشهب أن النية كافية إذا كان الاستثناء بإلا أو بإحدى أخواتها، وما ذكره المص من أن حركة اللسان تكفي ظاهر في المتبرع باليمين، وأما من حلف على حق واجب فهل يفيده ذلك أي ينفعه في إسقاط الكفارة وهو آثم بمنعه حق الغير؟ وهو مذهب ابن القاسم في العتبية، أو لا يفيده وهو قول سحنون؟ لأن اليمين على نية المستحلف، ونحوه لأصبغ وغيره وهو المشهور كما قال الشيخ إبراهيم، وفي الحطاب عن ابن جزي أنه يجري مجرى الاستثناء بمشيئة الله مشيئة غيره، كقوله: إن شاء فلان أو إلا إن بدا لي وشبه ذلك. انتهى؛ يعني -والله أعلم- أنه يشترط فيه الشروط المذكورة في الاستثناء بالمشيئة. والله سبحانه أعلم.

إلا أن يعزل في يمينه؛ يعني أن المخصص لليمين إن كان استثناء فإنه يشترط فيه النطق كما قدمه، وإن كان محاشاة كفت النية، ولا بد أن تكون قبل النطق باليمين كما قال: أولا، لا في الأثناء ولا بعد تمام اليمين، فلا يكفي إلا النطق بالاستثناء الواقع بالشروط المتقدمة، والمحاشاة

ص: 187

هي أن يعزل؛ أي يخرج بنيته ما يريد إخراجه في يمينه، فالعزل المذكور هو المحاشاة، وقوله:"إلا أن يعزل؛ في يمينه مستثنى من قوله: "ونطق به"، وهو استثناء منقطع، ومثل لمسألة العزل بقوله: كالزوجة في الحلال علي حرام؛ يعني أنه إذا قال: الحلال علي حرام إن فعلت كذا أو لا فعلته وعزل زوجته من يمينه في نيته قبل النطق باليمين فإن ذلك ينفعه، فتقبل نيته في الفتوى والقضاء إلا في وثيقة حق فلا ينفعه العزل على الأصح.

قوله: "كالزوجة في الحلال علي حرام"، وقد علمت أنه تقبل نيته في الفتوى والقضاء، واختلف هل يحلف أم لا؟ وقوله:"كالزوجة"؛ أي كنية عزل الزوجة في حلفه بهذا اللفظ.

واعلم أن المشهور ما قال المص من اشتراط حصول النية قبل النطق باليمين، خلاف ما قال ابن عبد السلام أن المشهور أنه إنما يشترط حصولها قبل تمام اليمين بأن وقعت أو لا أو في الأثناء، والمص تبع ابن محرز، وما مشى عليه المص من أن النية تكفي هنا هو المشهور، وقيل لا بد من النية واللفظ وهو لأشهب. وفي المدونة: من قال كل حل عليه حرام حرمت عليه امرأته فقط إلا أن يحاشيها بقلبه. انتهى. وقال الشيخ مصطفى: كلام ابن محرز ومن تبعه يقتضي أن المحاشاة قاعدة مطردة، وأن مسألة الحلال عليه حرام فرد من أفرادها وليس كذلك، بل ظاهر كلامهم أنها خاصة بمسألة الحلال عليه حرام، واستدل على ذلك بأمرين: أحدهما إطلاقهم في النية المخصصة أنها لا تقبل مع المرافعة، وقالوا في الحلال عليه حرام: تقبل المحاشاة ولو قامت البينة.

الثاني أن الباجي فرق بين قبول المحاشاة مطلقا وبين التفصيل في النية المخصصة بأن ما يحلف به لا يقتضي الاستيعاب، ولذا لو قال الحالف الطلاق علي لجاز أن يقول أردت واحدة والمحلوف عليه يقتضي الاستيعاب؛ لأنه إذا حلف لاكلمت رجلا حمل على العموم، وأيضا الباجي أجرى إخراج الطلاق والعتق المعين من الأيمان اللازمة على الخلاف في محاشاة الزوجة من الحلال عليه حرام، فلو كانت قاعدة مطردة ما احتاج إلى هذا الإجراء. انتهى.

ورد عليه الشيخ بناني، ثم قال الحاصل أن ما أفاده ابن محرز ومن تبعه من أن المحاشاة قاعدة مطردة في المحلوف به والمحلوف عليه ليس بظاهر، كما قال لإطلاقهم قبول المحاشاة وتفصيلهم في النية المخصصة كما يأتي، وأن ما ادعاه مصطفى من تخصيصها بلفظ الحلال عليه

ص: 188

حرام لم يقم عليه دليل، فإن ادعى اطرادها في المحلوف به فقط كما يفيده الباجي لم يبعد. والله تعالى أعلم.

وقال الرهوني بعد جلب نقول: حاصل ما سبق أن المحاشاة ليست قاصرة على الحلال عليه حرام، بل هي عامة فيما فيه عموم من محلوف به أو عليه وهي التخصيص بالنية، وأن شرطها أن تنعقد عليها اليمين أوَّلا خلافا لمصطفى وأنها تنفع الحالف فيما بينه وبين الله تعالى إن لم يستحلف، وإن روفع صاحبها جرى على ما سيأتي من قوله:"وخصصت نية الحالف" لخ انتهى.

ابن رشد: القياس أن لا يصدق القائل الحلال عليه حرام إن ادعى محاشاة زوجته مع قيام البينة لادعائه خلاف ظاهر لفظه، كحالف لا كلم زيدا، وقال نويت شهرا، وتصديقه في الزوجة استحسان لمراعاة الخلاف في أصل اليمين. والله أعلم. انتهى. وعبارة الأمير: وإن نوى في يمينه إخراج شيء خرج في كل يمين كالمحاشاة. انتهى.

وقال الشيخ الخرشي: واعلم أن مسألة المحاشاة من قبيل العام الذي أريد به الخصوص، بخلاف الاستثناء فإنه إخراج لما دخل في اليمين أولا فهو عام مخصوص، ويتضح ذلك ببيانهما، قال ابن السبكي: العام المخصوص عمومه مراد تناولا لا حكما لقرينة التخصيص، فالقوم من قولنا: قام القوم إلا زيدا متناول لكل فرد من أفراده حتى زيد، والحكم بالقيام متعلق بما عدا زيدا، والعام الذي يراد به الخصوص هو أن يطلق اللفظ ويراد به بعض ما يتناوله، فلم يرد عمومه لا تناولا ولا حكما، بل هو كلي استعمل في بعض أفراده، ولهذا كان مجازا قطعا، فصورة المحاشاة من ذلك، فإن الحلال من قوله:"الحلال علي حرام"، استعمل فيه الحلال في بعض أفراده، ولهذا كان مجازا قطعا ولا تندرج فيه الزوجة، وقوله:"الحلال" بالرفع على الحكاية. وهي المحاشاة، يعني أن هذه المسألة الشار إليها بقوله:"كالزوجة في الحلال علي حرام"، هي المسألة المعروفة عند الفقهاء بالمحاشاة، والمحاشاة هي الإخراج لما يريد إخراجه.

وفي النذر المبهم؛ يعني أنه لو قال شخص: لله علي نذر أو علي نذر أو حلف بذلك وحنث فعليه كفارة يمين بالله، وهي قوله {إِطْعَامُ عَشَرَةِ} لخ، وإنما كان عليه في النذر المبهم كفارة يمين،

ص: 189

لقوله صلى الله عليه وسلم: (من نذر نذرا لم يسمه فكفارته كفارة يمين

(1)

) ولما في مسلم: (كفارة النذر كفارة يمين

(2)

)، ولا يمكن حمله على نذر معين؛ لأنه لو كان نذر طاعة لزمه أن يأتي بالطاعة التي نذر، لقوله صلى الله عليه وسلم: (من نذر أن يطيع الله فليطعه

(3)

)، فتعين حمله على ما لا مخرج له، وقوله: وفي النذر المبهم معناه الذي لم يسم له مخرجا أي لم يعين الناذر شيئا لا لفظا ولا نية، فلو نوى شيئا لزمه كما لو عينه باللفظ، ومن المبهم ما لو قال: علي نذر لا كفارة له إلا الوفاء به، وكذا لو قال: علي النذر وكذا علي نذر لا كفارة له، وكذا علي نذر لا يكفره صدقة ولا صيام، وأما لو قال: علي نذر أن أفعل أو أن لا أفعل كذا فلا كفارة عليه، وليف بالطاعة ويكف عن المعصية.

واعلم أن قوله: "لله علي"، صيغة نذر مطلقا علق أم لا، وعلي كذا صيغة نذر إن لم يعلق وإلا فيمين. قاله الشيخ عبد الباقي.

واليمين؛ يعني أن من قال: لله علي يمين أو علي يمين إن فعلت كذا وحنث فعليه كفارة يمين إن لم تكن له نية، كقوله: علي نذر أو عهد ولو قال إن فعلت كذا فعلي أربع أيمان ففعله فعليه أربع كفارات. قاله في العتبية. نقله الخرشي. وقوله: "واليمين"؛ أي في نذر اليمين المبهمة أو الحلف بها، وهو مقيد بأن لا يكون عرف اليمين الطلاق فإن كان لزم، وبه جرت الفتيا ببلدنا فاس. قاله ابن عاشر. قال بناني: والطلاق اللازم منه رجعي كما أفتى به الوانشريسي والشيخ القصار وسيدي عبد القادر وغيرهم. والكفارة؛ يعني أنه لو قال: علي كفارة أو علي كفارة إن فعلت كذا وحنث، فإنه تلزمه كفارة يمين، قوله:"والكفارة"؛ أي في نذر الكفارة المبهمة أو الحلف بها، ولو قال: إن فعلت كذا فعلي خمس كفارات أو أقل أو أكثر، فإنه يلزمه ذلك. قاله الخرشي. وفي المنعقدة؛ يعني أن اليمين بالله أو بصفة من صفاته إذا كانت منعقدة وحنث صاحبها فإنها تجب فيها الكفارة التي سيذكرها قريبا، واحترز بالمنعقدة من غير المنعقدة كاللغو والغموس فإنه لا كفارة فيهما. على بر؛ يعني أن اليمين المنعقدة تجب فيها الكفارة بالحنث،

(1)

سنن أبي داود، كتاب الأيمان والنذور رقم الحديث 3322.

(2)

صحيح مسلم، كتاب النذر رقم الحديث، 1645.

(3)

من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه. صحيح البخاري، كتاب الأيمان والنذور، رقم الحديث، 6696.

ص: 190

سواء كانت على بر بأن يكون الحالف بها على بر حتى يفعل ما حلف على تركه، والبر هو أن يكون الحالف بإثر حلفه موافقا لما كان عليه من البراءة الأصلية، ومعنى ذلك أنه لا يطلب في بر يعينه بفعل يفعله، ولها صيغتان أشار لهما بقوله: بإن فعلت أو لا فعلت؛ يعني أن يمين البر لها صيغتان، إحداهما أن يقول: والله إن دخلت الدار مثلا، وإن هذه للنفي إن لم يكن لها جواب، وإلا فشرطية، الثانية أن يقول: والله لا دخلت الدار -مثلا- فهما صيغتا بر، ولو ردتا إلى الحنث بواسطة تقدير الترك، كوالله إن كلمت زيدا أو لا كلمت زيدا فإنهما يردان إلى الحنث بتقدير الترك؟ إذ المعنى لأتركن كلامه، وأما ما يرد إلى الحنث بتقدير غير الترك فصيغة حنث كوالله إن عفوت عن زيد أو إن أقمت في هذا البلد أو البيت؛ إذ معناه في الأول لأطالبنه أو لأشكونه، وفي الثاني لأنتقلن أو إن لم أنتقل، فإن قلت يمكن تقدير الترك فيهما؛ أي لأتركن العفو عنه في الأول ولأتركن البقاء في الثاني، فالجواب أن المعتبر إنما هو إمكان الرد بغير الترك، فحيث وجد كانت الصيغة حنثا لا بالترك لعمومه في كل صيغة. والله أعلم.

ونقل الحطاب عن ابن عرفة ما نصه: ويوجبها يعني الكفارة الحنث، وينقسم إلى الأحكام الخمسة لثبوته بنقيض المحلوف عليه ولا يخلو عنها، وقاله ابن بشير، وقصره اللخمي على الأربعة غير المحرم لوضوحه. انتهى. ونقل أيضا عن القرافي أن الحلف مباح والحنث مباح. انتهى. وفي الجواهر: ولا يحرم الحنث باليمين، لكن الأولى أن لا يحنث إلا أن يكون الخير في الحنث. انتهى. ونحوه في اللباب. قاله الإمام الحطاب. وقال القرطبي في تفسيره: اختلفوا في الكفارة قبل الحنث هل تجزئ أم لا؟ بعد إجماعهم على أن الحنث قبل الكفارة مباح حسن، وهو عندهم أولى. اهـ. قاله الحطاب. وسيأتي للمص:"وأجزأت قبل حنثه ووجبت به" لخ.

أو حنث؛ يعني أن اليمين المنعقدة إما أن تكون على بر وقد تقدم الكلام عليها، وإما أن تكون على حنث وهي أي المنعقدة بقسميها تجب فيها الكفارة عند الحنث، وقوله:"أو حنث"، الحنث هو أن يكون الحالف بحلفه مخالفا لما كان عليه من البراءة الأصلية، ومعنى ذلك أنه يطلب في بر يمينه بما حلف عليه، ولها أيضا صيغتان أشار لهما بقوله: بلأفعلن أو إن لم أفعل؛ يعني أن يمين الحنث لها صيغتان أيضا، إحداهما والله لأفعلن كذا، الثانية إن لم أفعل، وإن

ص: 191

نافية في صيغتي البر والحنث إن لم يكن لها جواب، كوالله إن كلمت زيدا ووالله إن لم أكلم زيدا، ومعناها في الحنث حينئذ لأفعلن؛ لأنها نافية ولم نافية ونفي النفي إثبات، وإن ذكر لها جواب كوالله إن كلمت فلانا لا أقيم في هذا البلد، ووالله إن لم أتزوج لا أقيم في هذا البلد فشرطية، ونحو: والله إن كلمت زيدا لأضربنك ووالله إن جئتني أعطيك كذا ووالله إن دخلت الدار لا كلمتك.

واعلم أنه إذا اجتمع شرط وقسم كما هنا يحذف جواب التأخر منهما ويؤتى بجواب الأول، قال ابن مالك:

واحذف لدى اجتماع شرط وقسم

جواب ما أخرت فهو ملتزم

انظر الشبراخيتي. وقد مر أن صيغة البر إذا ردت إلى الحنث بتقدير غير الترك تكون حنثا، قال ابن المواز: من قال لرجل بينه وبينه شر: امرأته طالق إن عفوت عنك منع من الوطء، وليس هذا من باب إن فعلت، وإنما هو من باب إن لم أفعل، وهي في العتبية من سماع أشهب، وقال: إنما معناه لأطالبنك. ومن قال: أنت طالق إن أقمت في هذا البلد أو البيت، فهو كمن قال: إن لم أفعل فلا يطأ، إلا أنه إن قدر على النقلة ولم ينتقل حنث مكانه في قوله: إن أقمت، وليس مثل قوله إن لم ينتقل. قاله الشيخ إبراهيم.

إن لم يؤجل؛ يعني أن محل كون لأفعلن أو إن لم أفعل صيغتي حنث إذا أطلق الحالف يمينه ولم يقيدها بأجل، نحو: والله لأكلمن زيدا أو إن لم أكلم زيدا، وأما إن أجل فإنه يكون على بر إلى ذلك الأجل، نحو: والله لأكلمن زيدا في هذا الشهر أو في اليوم ونحو ذلك، ومثل في التوضيح للتأجيل بلأضربنه بعد شهر، ونازعه السنهوري في تمثيله به، والصواب لأضربنه في هذا الشهر أو قبل شهر كذا وهو نزاع حسن. نقله الشيخ محمد بن الحسن عن الرماصي.

إطعام عشرة مساكين مبتدأ: وخبره قوله: "في النذر المبهم" لخ، وهو شروع منه في بيان أنواع الكفارة؛ يعني أن هذه الأمور المذكورة من قوله:"وفي النذر المبهم واليمين والكفارة والمنعقدة"، يلزم الحانث فيها أو الناذر في الثلاث الأول منها أن يفعل أحد أمور ثلاثة يخير في فعل أيها

ص: 192

شاء، وبعدها رابع محله عند العجز عن جميعها: أحدها أن يطعم عشرة مساكين أو فقراء أحرارا مسلمين لا تلزمه نفقة واحد منهم، فتدفع المرأة لزوجها وولدها الفقيرين، والمعتبر مساكين الحنث وإن لم يكن محل اليمين ولا بلد الحالف، وهل يجوز نقل أكثرها لأعدم؟

وبدأ المص بالإطعام لموافقة الكتاب العزيز، قال القرطبي: ذكر الله سبحانه الخلال الثلاث فخير فيها وعقب عند عدمها بالصوم، وبدأ بالطعام لأنه كان الأفضل في بلاد الحجاز لغلبة الحاجة إليه وعدم شبعهم، ولا خلاف في أن كفارة اليمين على التخيير، والمراد بالإطعام: الإعطاء، وقال ابن العربي: والذي عندي أنها تكون بحسب الحال، فإن علمت محتاجا فالطعام أفضل؛ لأنك إذا أعتقت لم ترفع حاجة وزدت محتاجا حادي عشر إليهم، وكذلك الكسوة تليه، ولما علم الله الحاجة بدأ بالمقدم المهم. انتهى. ولا تجزئ القيمة عن الإطعام والكسوة. قاله الإمام الحطاب.

تنبيهات الأول: قال الشيخ الخرشي: أخذ الشيوخ من المدونة أن النذر يلزم بالنية مع اللفظ ولو كان اللفظ بعيدا من الدلالة، وأما لو نوى أن يتصدق بشيء من غير لفظ فلا يلزمه. انتهى.

الثاني: اعلم أن النذر المبهم كاليمين بالله في الاستثناء واللغو والكفارة والغموس، ويخالفها في أنه إذا كرر لفظ النذر تكررت عليه الكفارة إلا أن ينوي الاتحاد بخلاف اليمين بالله، وجرى خلاف في لفظ اليمين إذا تكررت في الحالة التي تجب فيها في المرة الواحدة كفارة واحدة، هل هي كلفظ النذر -قاله مالك- أو كلفظ القسم؟ قاله محمد. وانظر لفظ الكفارة. ابن عرفة: وتتعدد في تكرير النذر المبهم عطفا وغيره ولو معلقا ولو قبل ذكره، كعلي نذر، ونذر إن كلمت زيدا ما لم ينو الاتحاد، وسمع ابن القاسم: في الحلف بعشرين نذرا عشرون كفارة، وفي كون لفظ اليمين كذلك أو كصيغة القسم قولا مالك ومحمد. انتهى. قاله الشيخ الخرشي.

الثالث: اعلم أن الكفارة مأخوذة من الكفر بفتح الكاف وهو الستر، وبالضم ستر الحق، والبحر كافر لستره لا فيه، وأكثر موارد الكفارة رفع الإثم وستره كما في الظهار، وسميت كفارة غيره بذلك تشبيها وإن لم يكن بها إثم كما في اليمين بالله؛ إذ قد لا يكون الحنث حراما بل واجبا أو مندوبا.

ص: 193

ولما كان الإطعام -وهو النوع الأول من الأنواع الثلاثة التي هي على التخيير- ينقسم إلى ثلاثة أقسام، أشار إلى الأول منها بقوله: لكل مد؛ يعني أنه لا بد له في الإطعام من أحد أمور ثلاثة: إما أن يعطي لكل واحد من العشرة المذكورين مدا، فلا يشرك اثنين ولا أكثر في مد، ولا يعطي لواحد أكثر من مد. قال الشيخ عبد الباقي: والأمداد العشرة التي تعطى للمساكين العشرة، كل واحد منها بمده صلى الله عليه وسلم مما يخرج في زكاة الفطر من بر وغيره بلا غربلة إلا الغلث. انتهى. وقال الشيخ محمد بن الحسن: فيه نظر، بل المد إنما يعتبر من البر، قال أبو الحسن: وأما إذا أخرج الشعير أو التمر أو غير ذلك فليخرج وسط الشبع منه، ونقل ابن عرفة عن اللخمي أن هذا هو المذهب خلاف ظاهر المص. انتهى. وما للمص هو الموافق لما نقله الحطاب عن التونسي، فإنه نقل عن البرزلي أنه قال: وسئل التونسي عمن قوتهم التمر وربما كان قوتهم الرطب. فهل يجزئ إخراجه عن الفطرة والكفارة؟

فأجاب: الذي عندي إنما يجزئ من التمر الذي قد استحكم نشافه وأمكن ادخاره، لا من الرطب وإن اقتيت في بعض الأوقات؛ لأن الغالب اقتيات التمر، ولأن الرطب ينقص إذا جف، فلو أخرج منه أربعة أمداد نقصت إذا جفت عن أربعة التمر، فيكون مخالفا لحديث أبي سعيد ونهى عليه السلام عن التمر بالرطب متماثلا للمزابنة، ولو أخرج أكثر من صاع من الرطب لخالف الحديث؛ لأنه محدود، ولو أخرج عدل الشبع من الرطب في الأيمان أرجوا أن يجزئه؛ إذ ليس فيه توقيت، وإذا كان يأكل أنواع التمر في السنة فلينظر معظم أكله وأكثره وأقربه من وقت الإخراج، ولو أكل أكثر العام نوعا فلما كان زمن الفطرة أو الكفارة أكل نوعا آخر وجب إخراجه من الأكثر، إلا أن يطول زمن انتقاله فيخرج منه، وهذا مذهب من اعتبر قوت المكفر، ومن اعتبر قوت الناس نظر إلى الغالب من قوتهم ذلك الوقت فيخرج منه، قلت: ما أفتوا به من الوسط هو جار على قول مالك لا على قول ابن القاسم، وقول ابن القاسم: حيث ما أخرج مدا بمده عليه السلام أجزأه. انتهى. ومن البرزلي أيضا: وسئل التونسي عما إذا أخرج عشرة أمداد من التمر في بلد عيشهم ذلك، فأجاب: إنما يخرج وسط الشبع منه؛ لأن الوسط إنما هو من القمح وغيره لا بد أن يزيد ولا يخفى الوسط، وكذا أجاب ابن محرز، وزاد: لا يجزئ إلا غداء وعشاء الوسط.

ص: 194

انتهى. وقال البرزلي: وسئل ابن أبي زيد عن المحجور إذا حنث في اليمين بالله تعالى، هل يكفر بأحد الأصناف الثلاثة إن كان له مال أو لحاجره منعه من الصوم؟ فأجاب: من لم يبلغ فلا يمين عليه، ومن بلغ من السفهاء فالكفارة عليه في ماله، ومن لا مال له صام إلا أن يكفر عنه وليه. وقال البرزلي: من التزم الكفارة عن غيره إذا حنث فحنث لزم الملتزم الوفاء بها، وعهدتها عليه، ولا شيء على الحالف. انتهى. نقله الحطاب. وقوله: من الصوم، من تعليلية أي منعه من أن يكفر بأحد الأصناف من أجل الصوم. قاله مقيده. والله أعلم.

القرطبي: من أخرج مالا ليعتق رقبة في كفارة فتلف، كانت الكفارة باقية عليه، بخلاف مخرج المال في الزكاة ليدفعه إلى الفقراء أو ليشتري به رقبة فتلف لم يكن عليه غيره، لامتثال الأمر. انتهى. قاله الحطاب.

وعلم مما مر أن الكفارة لا تدفع لكافر ولا لغني ولا لعبد؛ لأنه غني بسيده ولو كان ذا شائبة؛ لأنه وإن لم يمكنه بيعه مأمور بالنفقة عليهم أو بتنجيز عتقهم، فيصيرون من أهلها. قاله الخرشي. وقال: ثم إن التخيير بين الثلاثة بالنسبة للحر، وأما العبد فقال في المدونة: وإذا حنث العبد في اليمين بالله فكسا أو أطعم بإذن سيده رجوت أن يجزئه وليس بالبين، والصوم أحب إلي، وأما العتق فلا يجزئه وإن أذن له السيد؛ إذ لا ولاء له وإنما ولاؤه لسيده.

أبو الحسن: ولو أذن السيد لعبده في الإطعام ثم بدا له قبل أن يطعم كان له ذلك؛ أي لأنه باق في ملكه حتى يخرجه؛ لأنه لو ضاع ماله كانت الكفارة باقية عليه، فلما كان ذلك باقيا في ملكه جاز للسيد انتزاعه ومنعه من التصرف فيه، وسواء كان العبد حنث أم لا، وقال بعض الشيوخ من فقهاء القرويين: إذا كان العبد قد حنث لم يكن له منعه بعد الإذن ويصير ذلك كالنذر ينذره فيأذن له السيد أن يفعل. انتهى. وفي المدونة: ويعطى من له خادم ودار لا فضل في ثمنهما عن سواهما، كما يعطى من الزكاة، وإن أعطى غنيا أو كافرا لم تجزه إن كان عالما، واختلف إن كان غير عالم، ثم إن كانت قائمة انتزعت منهما وصرفت لمن يجوز صرفها له، وإن ضاعت منهما لم يضمناها إلا أن يعلما أنها كفارة ويغرا من أنفسهما، وإن لم يعلماها وأكلاها وصونا بها أموالهما،

ص: 195

فاختلف هل يغرمانها أم لا؟ قال اللخمي: وأن يغرماها أحسن، لقوله عليه السلام: (لا ضرر ولا ضرار

(1)

)، فإذا غرما ما صونا به أموالهما لم يضرا بشيء.

وندب بغير المدينة زيادة ثلثه؛ يعني أنه يندب لمن أراد أن يكفر بالأمداد أن يزيد على كل مد ثلث مد. قاله أشهب. أو نصفه؛ يعني أنه يندب عند ابن وهب أن تكون الزيادة نصف مد خلاف قول أشهب، فأو للخلاف لا للتخيير وكلام الش والمواق ومن وافقهما يفيد أن الخلاف حقيقي، ويفيد التتائي أنه خلاف في حال، فزيادة الثلث إذا كان يكفي وزيادة النصف إذا كان الثلث لا يكفي، وعند مالك: الزيادة بالاجتهاد. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ البناني: كون أو للخلاف، قال الشيخ مصطفى -يعني الرماصي-: يرد عليه ما أورده ابن عبد السلام على ابن الحاجب من أن أشهب وابن وهب لا يعتبران الزيادة المذكورة في سائر الأمصار، وإنما يريانها في مصر وما قاربها في سعة القوت، والظاهر أن المؤلف تبع قول الرسالة: وأحب إلينا أن لو زاد على المد ثلث مد أو نصف مد، وذلك بقدر ما يكون وسط عيشهم. انتهى. فأو للتنويع لا للخلاف. والله أعلم. قاله الشيخ البناني.

وقوله: "وندب بغير المدينة" لخ، ما ذكره من الاستحباب تبع فيه مذهب الرسالة، وظاهر المدونة الوجوب لقولها: وأما سائر الأمصار فإن لهم عيشا غير عيشنا فليخرجوا وسطا من عيشهم. انتهى. وأبقاها أبو الحسن على ظاهرها، وجعل قول ابن القاسم حيثما أخرج المد أجزأه خلاف قول مالك، ولعل المؤلف فهم أن ما في الرسالة توفيق بين قولي مالك وابن القاسم، وتفسير الزيادة في كلام الإمام خلاف ما فهم أبو الحسن، فلذا اعتمده فيكون موفقا للجميع ويسقط الاعتراض. والله أعلم. انظر حاشية الشيخ البناني. وقوله:"وندب بغير المدينة"، مفهومه أنه لا تطلب الزيادة على المد بالمدينة المشرفة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام وهو كذلك لقلة الأقوات بها وقناعة أهلها باليسير، وظاهر قوله:"وندب بغير المدينة"، أن مكة شرفها الله تعالى لا تشارك المدينة في ذلك. قاله الخرشي. وقال: وظاهر كلام المؤلف أن غير البر مثله وهو المذهب. قاله اللخمي. وعند محمد: يخرج من غير البر قدر مبلغ شبع البر. اللخمي: يجزئ عن الحب دقيق بريعه. الباجي

(1)

الموطأ، كتاب المكاتب، رقم الحديث 1540.

ص: 196

والصقلي عن ابن حبيب: والخبز كذلك ولا يجزئ عرض ولا قيمة، وفيها: ولا يجزئ سويق أو دقيق في كفارة كما لا تجزئ في الفطر.

أو رطلان خبزا هذا هو القسم الثاني من أقسام الإطعام الثلاثة؛ يعني أن المكفر بالإطعام بالخيار، إما أن يعطي لكل مسكين من العشرة مدا وقد مر الكلام عليه، وإما أن يعطي كل مسكين منهم رطلين من الخبز بالرطل البغدادي وهو مائة وثمانية وعشرون درهما مكيا. والرطل البغدادي مد وثلث بمده صلى الله عليه وسلم. قاله الشيخ إبراهيم.

واعلم أن الرطلين مقيسان على المد فإنه الوارد ويكون ذلك من وسط عيشهم، لقوله تعالى:{مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ} ، ويجزئ أن يكون الرطلان بلا إدام، ولكن يندب كونهما بإدام يكفي الرطلين، والإدام يكون مما يؤتدم به عادة وقد علمت أن حكم الإدام الندب وأن القفار وهو الذي لا إدام فيه مجزئ، ويقال طعام قفار وحت وسحتيت وعفير وعفار إذا كان لا إدام فيه، وقوله:"بإدام"، الباء بمعنى مع، وقول المص:"بإدام"، ظاهره أي إدام كان فشمل اللحم واللبن والزيت والبقل والقطنية، وقول ابن عباس: أعلاه اللحم ووسطه اللبن وأدناه الزيت مذهب صحابي مذكور هنا كالمقابل لما قبله الشامل للبقل والقطنية كما يفيده الش. وقول أبي الحسن: والمراد باللبن الحليب لا المضروب أي ولا السويق، لعل النفي مبني على ما للصحابي خاصة. انظر شرح الشيخ عبد الباقي.

الأقفهسي: والتمر إدام انتهى وظاهر كلامهم أنه لا يلزمه طبخ اللحم أو القطنية ولا ما يطبخان به، وأن الملح ليس بإدام وكذا الماء للعادة، وإن ورد: (ائتدموا ولو بالماء

(1)

)، وما قدمته من أن الإدام مستحب هو مذهب المدونة وهو المشهور، وكذلك فهمه ابن هارون وصوبه وصححه ابن الحاجب، خلافا لابن حبيب من أنه واجب. واختاره اللخمي.

كشبعهم؛ هذا هو القسم الثالث من أقسام الإطعام؛ يعني أن المكفر بالإطعام يخير بين أن يعطيَ الأمداد المذكورة وبين أن يعطي الرطلين المذكورين وقد مر الكلام على ذلك، وبين أن يشبع المساكين العشرة مرتين بإدام ندبا ولا يشترط تساويهم في الأكل، واشترط التونسي تقاربهم في

(1)

كنز العمل، رقم الحديث، 40987.

ص: 197

الأكل، وقولهم: إن شبع العشرة مرتين مجزئ أي سواء فصل بين المرتين بطول أم لا، كانوا مجتمعين أم لا والمعتبر الشبع الوسط ولا بد منه، ولو فرض أنهم يأكلون العشرة الأمداد مرة واحدة ويكفي شبعهم مرتين ولو دون الأمداد، والظاهر أنه يشترط أن يكون عندهم جوع كما قد يشعر به، قولهم: يغديهم ويعشيهم، فإن أطعم مرتين على شبع لم يكتف بذلك وكذا المرض، وقوله: مساكين، اشتراط المسكنة يخرج الغني والعبد ومن فيه شائبة رق، وقال الحطاب عند قوله:"كشبعهم": يريد أنه يجزئه أن يشبعهم في الغداء والعشاء، قال في المدونة: وإن غدى وعشى في كفارة اليمين بالله أجزاه، ولا يجزئ غداء دون عشاء ولا عشاء دون غداء، ويطعم الخبز مأدوما بزيت ونحوه. انتهى.

وفي الشامل: ويجزئ الغداء والعشاء على المشهور إن أشبعهم ولو دون الأمداد. انتهى. قاله الحطاب. وظاهر كلام المص أن شبعهم يكفي ولو مرة واحدة وليس كذلك. والله أعلم. قاله الإمام الحطاب. وقال في مختصر الوقار: وإن شاء أن يجمعهم على طعام عنده يغدي العشرة حتى يشبعهم ويعشيهم خبزا وإداما عدسا أو زيتا، ثم قال: ومن وجبت عليه كفارة يمين بالله أو بعهد الله أو بميثاقه أو بكفالته أو في نذر لم يسم له مخرجا، فغدى لذلك عشرة مساكين وعشى عشرة مساكين غيرهم، فلا يجزئه ذلك عن يمينه حتى يعشي العشرة الذين غدى أو يغدي العشرة الذين عشى. انتهى. قال جميعه الحطاب.

وفي الخرشي: والظاهر أنه لا يشترط التوالي فلو عشاهم مرة ثم أخرى بعد يومين مثلا أجزأه، وكذا لو غداهم في يومين فقط أو عشاهم كذلك فإنه يجزئه.

وأشار إلى النوع الثاني من أنواع الكفارة الثلاثة التي على التخيير بقوله: أو كسوتهم؛ يعني أن المكفر كما مر بالخيار بين الإطعام وقد مر الكلام عليه، وبين الكسوة فيكسو عشرة مساكين يعطي لكل واحد منهم ثوبا جديدا أو لبيسا ولم تذهب قوته فيما يظهر كما هو مذهب الشافعي كذا في شرح الشيخ عبد الباقي، وفيه أيضا وفي بعض الطرر: ولا يشترط أن يكون مَخيطا، وقد ينافيه قوله: للرجل ثوب؛ يعني أن المكفر إذا أراد أن يكفر بالكسوة فإنه يكسو كل رجل من العشرة ثوبا يجزئ في الصلاة على وجه الكمال، فلا تجزئ عمامة وحدها ولا إزار لا يبلغ أن يلتحف به

ص: 198

مشتملا، فإن بلغ ذلك أجزأ ولا يجزئ سراويل كما في الخرشي. والمرأة درع وخمار؛ يعني أن كسوة المرأة إذا كانت من العشرة درع وخمار فالخمار يستر رأسها وعنقها كما في الحطاب، والدرع يستر ما عداهما مما يطلب ستره منها في الصلاة، والدرع: القميص، والظاهر أنه لا يشترط بل الثوب الساتر كاف سواء كان مخيطا أم لا. كما قاله ابن حبيب في ثوب الرجل. قاله الشيخ عبد الباقي.

واعلم أن من النساء الطويلة والقصيرة فيجزئ بعضهن لقصرها ما لا يجزئ غيرها لطولها، وعبارة الشيخ الأمير: والإخراج من غالب قوت البلد على الراجح، وقيل: الحالف، ويشهد له ظاهر الآية وقيل الأعلى منهما احتياطا، وكسوتهم لكل ثوب يستر جميع البدن، ولو لم يكن على هيئة القميص وزيد للمرأة خمار ولو قصيرين فلا يلزمه لهما كسوة طويل أو غير وسط أهله، فالدار على مطلق ساتر. انتهى. وقال الشيخ محمد بن الحسن عن اللخمي: فيكسى الرجل ما يستر جميع جسده والمرأة ثوب وخمار، وليس عليه أن يجعل الكسوة مثل كسوة المكفر وأهله ولا مثل كسوة أهل البلد بخلاف الإطعام. انتهى. وبه تعلم أن ما نقله ابن بشير عن اللخمي من لزوم مراعاة كسوة أهله غير ظاهر. انتهى.

وفي الشبراخيتي والخرشي: والعبرة في الكسوة بعادة الفقير، فمن كانت عادته لبس الثياب يدفع له ثوب، ومن كانت عادته الالتحاف برداء مثلا يدفع له رداء، فلا مفهوم لقوله: ثوب ودرع وخمار. انتهى. والخمار بكسر الخاء، سمي بذلك لأنه يخمر الرأس أي يغطيه. قاله الحطاب.

ولما ذكر الله في الإطعام أوسط ما يطعم به أهله، فكان شرطا فيه ولم يذكره في الكسوة فلم يكن شرطا فيها وإلا لبينته الآية، أشار إلى ذلك بقوله: ولو غير وسط أهله؛ يعني أنه لا يشترط في الكسوة أن تكون من وسط كسوة الأهل؛ لأن الله تعالى شرط ذلك في الإطعام، فلا بد أن يكون وسطا فأعلى، ولو كان ذلك مشترطا في الكسوة لبينه، وقوله:"أهله"؛ أي أهل المكفر وأهل بلده، ورد المص بلو ما حكاه ابن بشير عن اللخمي من مراعاة وسط كسوة الأهل كالإطعام، قال الشارح: ولعله نقله عنه مشافهة، وإلا فاللخمي قال في تبصرته: وليس عليه كسوة نفسه أوأهل البلد لأنها أطلقت في الآية بخلاف الإطعام. انتهى.

ص: 199

والرضيِع كالكبير فيهما؛ يعني أنه إذا أراد أن يكفر بالكسوة فإنه يجزئه أن يكسو الصغير ولو رضيعا، وكذلك الإطعام.

والحاصل أن الصغير إما أن يبلغ إلى حد يستغني معه بالطعام أم لا، والثاني إما أن يأكل الطعام أم لا، فالأول وهو ما إذا بلغ إلى حد يستغني معه بالطعام يجوز إعطاؤه، ويطعم إطعام الكبير فيعطى الأمداد والأرطال، ولا يكفي شبعه على جوع مرتين إلا إذا ساوى أكله أكل كبير، والثالث وهو ما إذا لم يأكل لا يجوز إعطاؤه الطعام، وفي الثاني وهو ما إذا أكل ولم يستغن قولان، مذهب المدونة جواز الإعطاء، وحكى ابن بشير خلافه، وعلى الإعطاء فإنه يدفع له ما يدفع للكبير.

واعلم أنه حكى بعض المتأخرين أن الصغير يعطى مقدار كفايته خاصة، ورده ابن عرفة، وقال ابن حبيب: ولا يجزئ أن يغدي الصغار ويعشيهم. قاله الشيخ بناني. ويكسى الصغير كسوة كبير، فالذكر الصغير يكسى كسوة الذكر الكبير، وتكسى الصغيرة كسوة المرأة الكبيرة. هذا قول مالك وابن القاسم ومحمد. وقال أشهب: يعطى كل من الصغير والصغيرة ثوبا قدره، والظاهر اعتبار وسط في الطول في الكسوة له، وقال ابن عرفة: وفي كراهة كسوة الصغير، ثالثها الرضيع، ورابعها ما لم يؤمر بالصلاة للباجي عن ابن القاسم وسماع عيسى والصقلي عن محمد وابن حبيب. انتهى. قاله الحطاب.

وأشار للثالث من الأنواع التي هي على التخيير بقوله: أو عتق رقبة؛ يعني أن المكفر لما مر بالخيار بين أن يكفر بشيء مما مر وبين أن يعتق رقبة كالظهار؛ يريد أنه يشترط في الرقبة التي تعتق في كفارة اليمين وما في حكمها ما يشترط في الرقبة التي تعتق في الظهار، فلا يعتق جنينا عن كفارة يمينه، وإذا فعل عتق بعد وضعه، ويشترط أن تكون مؤمنة، وفي الأعجمي تأويلان، سليمة من قطع إصبع ونحوه وعمى وجنون وبكم ومرض مشرف وقطع أذن وصمم وهرم. إلى آخر ما سيأتي إن شاء الله في باب الظهار.

والحاصل أنه يتجنب هنا ما يتجنب هناك ويستحب هنا من الصفات ما يستحب هناك كما في الخرشي. ثم صوم ثلاثة، هذا هو النوع الرابع الذي لا يكفر به إلا بعد العجز عن الثلاثة

ص: 200

المتقدمة، ومعنى كلامه أن المكفر عن اليمين بالله تعالى وما في حكمها لا ينتقل عن الأمور الثلاثة المتقدمة إلى التكفير بالصوم إلا بعد العجز عن جميعها، بحيث لا يقدر أن يفعل واحدا منها، فحينئذ ينتقل إلى الصوم فيصوم ثلاثة أيام، وتندب متابعتهن ويجزئه صومهن متفرقة، والمعتبر في العجز حاله حين التكفير لا يوم اليمين ولا يوم الحنث، والأقرب في معنى العجز أن لا يكون عنده ما يباع على المفلس. قاله ابن عرفة. ومن له مال غائب فليتسلف، قال في المدونة: وإن كفر بالصيام معسر ثم حنث بعد يسره فلا شيء عليه، وفي الشبراخيتي: أن العجز أن لا يفضل عن قوت يومه ما يحصل به أقل ما يجزئ من الثلاثة. انتهى. وإنما لم ينتقل للصوم إلا بعد العجز لقوله تعالى: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} ، وقال الخرشي: ابن حارث: تجزئ بغير الصوم عن الميت بغير إذنه، وفي الحي، ثالثها بإذنه لمحمد عن أشهب، ونقله: ومحمد: وتعين لذي رق، وإن أذن له سيد أن يطعم أجزأه. مالك: وفي قلبي منه شيء، وإنما استحب أن يوالي بين صوم الأيام الثلاثة؛ لأن المبادرة إلى الطاعة وبراءة الذمة مطلوبة، قوله:"ثم صوم"، لقوله تعالى:{فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ} ابن المواز: بأن لا يجد إلا قوته مثلا أو كسوته في بلد لا يعطف عليه فيه ويخاف الجوع، وحكاه ابن مزين عن ابن القاسم. اللخمي: وهذا حرج، ومقتضى الدين التوسعة فوق هذا. الباجي: المعتبر ما يفضل عن قوت يومه مما يحصل به أقل ما يجزئ من الثلاث. ابن ناجي: عن بعض شيوخه: الأقرب عجزه عما يباع في فلسه. وفي المدونة: ولا يجزئ الصوم وله مال غائب وليتسلف، وإن كان له مال وعليه دين مثله أجزأه الصوم، ولا يجزئه الصوم إن كان يملك دارا أو خادما كالظهار. انتهى.

ولا تجزئ ملفقة؛ يعني أن الكفارة الواحدة لا تجزئ إذا كانت ملفقة من الأنواع المذكورة، وهذا متفق عليه بالنسبة للعتق كإطعام خمسة مع عتق نصف عبد، أو كسوة خمسة مع عتق نصف عبد، وأما بالنسبة لغيره فكذلك على المشهور كإطعام مع كسوة، وأما التلفيق من جنس الطعام فتجزئ فيه، كما لو دفع لبعضهم أمدادا ولبعضهم أرطالا، أو دفع لكل نصف مد ورطلا أو نصفه وغداء أو عشاء فيكفيه ذلك، ولو كان عليه -مثلا- ثلاث كفارات فأعتق رقبة وأطعم عشرة مساكين وكسا عشرة وقصد كل نوع منها عن كفارة واحدة، فإن ذلك يجزئ عن الكفارات

ص: 201

الثلاث، وكذا تجزئ إن لم ينو شيئا، وإن شرك بأن نوى العتق عن الثلاث وكذلك الإطعام والكسوة فلا خلاف في عدم إجزاء العتق لعدم تبعيضه، وأما الإطعام والكسوة فعلى التلفيق يبني على ثمانية عشر لأنه قد ناب كل كفارة ثلاثة وثلث من الطعام، ومثلها من الكسوة والأثلاث لا تجزئ فتبطل، وعلى نفي التلفيق وهو المشهور، فقال ابن المواز: على ستة، ثلاث من الطعام وثلاث من الكسوة، ثم يكسو سبعة ويطعم سبعة ويكفر عن اليمين الثالثة بما شاء. وقال اللخمي: يبني على تسعة؛ أي إما من الطعام وإما من الكسوة ووجهه ظاهر؛ لأن كل واحدة نابها ثلاثة وثلث من الطعام والكسوة، فيبني على تسعة ويلغي التبعيض. قاله الشيخ محمد بن الحسن. والله تعالى أعلم. وعلى قول اللخمي جميع الشيوخ. قاله في التوضيح.

قال: وكان شيخنا يوجه قول ابن المواز بما معناه أن من قاعدة ابن المواز أن لا يبتدئ كفارة من نوع الأولى، قبل أن تكمل الأولى فيلزم أن يبني على ثلاثة من الإطعام وثلاثة من الكسوة. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وفي التوضيح: أنه لو قصد التشريك في كل مسكين لم يصح له شيء اتفاقا. انتهى. نقله الشيخ بناني. وقوله: "ملفقة"، بالنصب حال؛ أي لا تجزئ كفارة واحدة حال كونها ملفقة، ويجوز رفعه فاعلا. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الإمام الحطاب: قال في التوضيح: لو قصد التشريك في كل مسكين لم يصح له شيء اتفاقا، إلا أن يعلم أعيان المساكين فيزيد كل واحد ثلثي مد. انتهى. وأما الجمع بين الخصال الأربع في الكفارة الواحدة فيستحب، قال القرافي في التنقيح: الأشياء المأمور بها على الترتيب أو على البدل قد يحرم الجمع بينها، وذكر أمثلة ذلك ثم قال: وقد يستحب كخصال الكفارة في الظهار المرتبات، وخصال كفارة الحنث مما شرع على البدل. انتهى. قال في شرح التنقيح إثر هذا الكلام: وكفارة الظهار مرتبة، وكفارة حنث اليمين مخير فيها على البدل، والكل يستحب الجمع بين خصالها من العتق والكسوة والإطعام والصيام؛ لأنها مصالح وقربات تكثر وتجتمع. انتهى.

ومكرر لمسكين؛ عطف على "ملفقة" على أنها فاعل، وعلى أنها حال يكون عطف على الضمير المستتر في تجزئ وفيه تكلف؛ يعني أنه لو أطعم خمسة يعطي لكل واحد منهم مدين أو كساهم لكل واحد كسوتان، فإنه لا يجزئ. قاله الأئمة الثلاثة. لوجوب العدد الذي صرحت به الآية،

ص: 202

ولتوقع ولي فيهم تستجاب دعوته. وقال أبو حنيفة: لو أعطى الكفارة لمسكين واحد جاز. قاله غير واحد. وقوله: "ومكرر لمسكين"، سواء تعدد المسكين أو اتحد كمسكين يعطيه عشرة أمداد أو كسوة العشرة. وناقص؛ يعني أنه لو دفع للمسكين أقل من المد وهو معنى قوله:"ناقص"، فإن ذلك لا يجزئ، كما أنه لو دفع له أكثر من المد لا يعتد بالزائد، وهي قوله:"ومكرر لمسكين".

ومثل للقدر الناقص عن المد بقوله: كعشرين لكل نصف؛ يعني أنه لا بد من إكمال المد للمسكين، فلوأعطى الأمداد العشرة لعشرين مسكينا لكل واحد منهم نصف مد، فإن ذلك لا يجزئه، واستثنى من عدم الإجزاء في المسائل الثلاث قوله: إلا أن يكمل؛ يعني أن محل عدم الإجزاء في المسائل الثلاث الملفقة والمكرر والناقص عن المد إنما هو حيث لم يكمل، وأما إن كمل بأن أعطى خمسة أمداد لخمسة غير الأولى في المكرر، وكمل لإحدى العشرتين القدر بأن أعطى لكل واحد منهم نصف مد، وكمل في الملفقة فيما إذا أطعم خمسة وكسا خمسة؛ بأن كسا أو أطعم غير الذين كسا أو أطعم أولا فإن ذلك يجزئه، ورجوع الاستثناء للأولى أي الملفقة ظاهر في غير العتق لا فيه، كعتق نصف رقبة ثم أعتق نصفها الآخر بعد ذلك، أو أعتق نصف رقبة أخرى فلا يجزئ التكميل.

وهل إن بقي؛ يعني أنه اختلف هل يشترط في الإجزاء في تكميل الناقص أن يكون ما دفعه إليهم أولا باقيا بأيديهم حين التكميل وهو لأحمد بن خالد، زاعما أنه ظاهر المدونة وليس كذلك، أو لا يشترط في إجزاء التكميل في الناقص بقاء ما دفع لهم أولا وهو لعياض مع الأكثر. وقوله: تأويلان، مبتدأ حذف خبره؛ أي في ذلك تأويلان على المدونة، وقال الإمام الحطاب عند قوله:"تأويلان": هما قولان، قال ابن عرفة: وفي شرط البناء عليه بقيامه قولان لأحمد بن خالد زاعما أنه ظاهرها، وعياض مع الأكثر رادا قول أحمد بن خالد بظاهرها. انتهى. وعلى القول بأنه يشترط في الإجزاء بقاء ما دفع لهم أولا إلى حين التكميل، فلا تجزئ تفرقة المد في أوقات، وعلى أنه لا يشترط ذلك تجزئ تفرقته في أوقات. قاله الخرشي.

وعلم مما قررت أن قوله: "وهل إن بقي تأويلان"، خاص بقوله:"وناقص كعشرين"، وأما الملفقة والمكرر فلا يشترط البقاء فيهما كما صرح به الشيخ إبراهيم.

ص: 203

وله نزعه؛ يعني أنه إذا كمل في المسائل الثلاث فإن ذلك يجزئ كما مر، وله أن ينزع في المسألة الأولى الكسوة والطعام من المساكين الذين لا يكمل لهم، وله أن ينزع في الناقص من عشرة مساكين ويكمل لعشرة: وله أن ينزع في المكرر خمسة أمداد، وإنما له نزعه في المسائل الثلاث. إن بَيَّن؛ أي أن محل نزعه في المسائل الثلاث كما في الخرشي إن بقي ما بيد المسكين، كما يشعر به لفظ نزع، وبَيَّن الدافع أن هذا الذي دفع كفارة يمين فلو لم يبين لم يكن له نزع ما بقي والقول للآخذ أن الدافع لم يبين له أنه كفارة؛ لأن الأصل عدم البيان كذا ينبغي. قاله الشيخ عبد الباقي. والشيخ إبراهيم. ولو لم يبق لم يكن له رجوع على المسكين.

بالقرعة؛ يعني أنه إذا دفع الأمداد العشرة لعشرين مسكينا لكل نصف مد، فإنه يجزئه بشرط أن يكمل لإحدى العشرتين الأمداد؛ بأن يعطي كل واحد منهم نصف مد ويأخذ الأنصاف من العشرة الذين لم يكمل لهم، وإنما يأخذ ممن أخذ منهم بالقرعة إن بقيَ وبَيَّن كما هو الموضوع، ويحصل الإجزاء بالتكميل سواء كمل بالأنصاف التي أخذ بالقرعة من إحدى العشرتين أم بغير ذلك، وكما أخذ بالقرعة في الناقص يأخذ بالقرعة في الملفقة بالنسبة لأخذ ما بقي من نوع ما يبني عليه في مسألة التشريك، وقد تقدم أن الراجح أنه يبني على تسعة، فإن بنى على تسعة في الطعام فإنه ينزع المد العاشر من أحد العشرة بالقرعة، وإن أراد أن يبني عليها من الكسوة نزع الكسوة العاشر من أحدهم، وأما نزعه الكسوة ليبني على الطعام أو العكس فهذا موكول إلى خياره ولا يحتاج لقرعة، ولو غابت العشرون استأنف الكفارة، وإن غاب بعضهم وأدرك خمسة منهم كمل لهم واستأنف خمسة يعطي لكل واحد منهم مدا، ومحل التكميل في الناقص ما لم يعلم العشرة الأولى، وإلا تعين الأخذ من غير قرعة قياسا على ما بحثه ابن عرفة في كفارة الظهار. كما قاله غير واحد. ولما ذكر عدم إجزاء المكرر في كفارة واحدة، بين إجزاءه في كفارتين فأكثر، فقال: وجاز لثانية؛ يعمي أنه يجوز تكرير المد للمساكين لأجل يمين ثانية، بأن يعطي الكفارة الثانية لمساكين الأولى، وذكر هذا خشية توهم عدم جوازه لما تقدم من أن الكفارة الواحدة لا يجزئه المكرر منها، ففاعل "جاز"، ضمير يعود على مكرر أو مصدره، وقوله:"لثانية"، اللام للتعليل أي

ص: 204

لأجل يمين ثانية. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الخرشي والشبراخيتي: إنها بمعنى: من، كسمعت له صراخا أي منه.

إن أخرج؛ يعني أن محل جواز التكرير من غير كراهة إنما هو إذا أخرج الكفارة الأولى قبل الحنث في اليمين الثانية، فيجوز حينئذ أن يعطي الكفارة في اليمين الثانية للمساكين الذين أعطاهم الكفارة الأولى، وهذا معنى التكرير هنا وهو متفق عليه، وفي الخرشي أن الإخراج في حالة الحنث كالإخراج فيما قبل الحنث أي يجوز. وإلا يخرج الكفارة في اليمين الأولى إلا بعد أن حنث في اليمين الثانية، أو لم يخرجها أصلا كره التكرير أي إعطاء كفارة اليمين الثانية لساكين الكفارة الأولى خوف اختلاط النية في الكفارتين، ولهذا إن ميز كل كفارة على حدتها بنية فإنه يجوز، وصوبه أبو عمران، وحكى ابن بشير فيما إذا وجبت الثانية قبل إعطاء الأولى قولين بالإجزاء وعدمه الشيخ، ولم أر القول بعدم الإجزاء في غير كتابه وهو بعيد. انتهى. قاله الشارح. وإن كيمين وظهار؛ يعني أن الحكم الكراهة في التكرير حيث أخرج الأولى بعد وجوب الثانية أو لم يخرجها، سواء اتفق موجب الكفارتين كيمين بالله مع يمين بالله، أو اختلف موجبهما كيمين بالله وظهار، وبالغ على هذا لما يتوهم فيه من الجواز. وأجزأت قبل حنثه؛ يعني أن الكفارة تجزئ قبل حنث الحالف في يمين بالله أو بعتق معين أو بطلاق بالغ الغاية أو صدقة بمعين، سواء كانت اليمين في هذه المذكورات على بر أو حنث، إلا في اليمين بالله فإنها إذا كانت على حنث وهي مقيدة بأجل لم تجز الكفارة إلا بعد الأجل كما في المدونة، ففيها: من قال والله لأفعلن كذا، فإن ضرب أجلا فلا يكفر إلا بعد الأجل، وأما إن كانت اليمين بمشي أو بصيام أو صدقة بغير معين أو بعتق غير معين أو بطلاق قاصر عن الغاية فكذلك؛ أي يجزئ التكفير قبل الحنث إن كانت الصيغة صيغة حنث غير مقيدة بأجل، لا إن كانت صيغة بر أو حنث مقيدة بأجل فلا يجزئ التكفير حينئذ قبل الحنث، والمراد بالحنث الذي يجزئ الإخراج قبله في صيغة الحنث هو فوت المحلوف عليه، وأما العزم على الضد فلا بد منه قبل الإخراج. ابن حارث: اتفقوا في ذات الحنث على جوازها قبله إن عزم على عدم البر. قاله الشيخ بناني. وفي الجواهر: لا يحرم الحنث باليمين، لكن الأولى له أن لا يحنث إلا أن يكون الخير في الحنث.

ص: 205

وعلم مما مر أن من قال لامرأته: أنت طالق واحدة إن لم أتزوج عليك، فأراد أن لا يتزوج عليها، فإنه يطلقها طلقة ثم يرتجعها، فتزول يمينه كما في المدونة. وعلم مما مر أنه لو عين زمن الصوم أو المشي في أيام ومضت قبل الحنث، كعلي صوم العشر الأخير من رجب أو علي المشي لمكة فيه إن كلمت زيدا فكلمه في شعبان فلا شيء عليه، وإن كلمه قبل مجيئها لزمه صومها فإن فاتته بمرض ونحوه، قال الشيخ عبد الباقي: فانظر هل لا يقضيها وهو ظاهر ما تقدم في الصوم أو يقضيها. وصورة الطلاق البالغ الغاية أن يقول: إن دخلت الدار فامرأتي طالق ثلاثا ثم طلقها ثلاثا أو متممها ثم عادت إليه بعد زوج شرعي قبل دخول الدار، ثم دخلها وهي في عصمته فلا شيء عليه، وإطلاق التكفير عليها مجاز بمعنى أنه لا تعود عليه اليمين في العصمة الجديدة، بخلاف ما إذا طلقها دون الغاية ثم عادت له ولو بعد زوج فإنه تعود عليه اليمين فلا يدخل الدار، فإن دخلها حنث كما سيذكره المص في الطلاق، ويستثنى من كلام المص يمين الظهار فإنها يحين تكفر، وإن كفرها قبل الحنث أعاد أبدا، وإن كفرها بعد الحنث فإنه لا يعيد إن كفر بعد العود وإلا لم تجز، فلا بد من إعادتها كما يفيده قول المص: وتجب بالعود ولا تجزئ قبله. انتهى. وقوله: "وأجزأت قبل حنثه"، يريد وبعد اليمين؛ لأن اليمين سبب في لزوم الكفارة والحنث شرط فيها، فيجزئ تقديم الكفارة بعد السبب وقبل الشرط، ولا تجزئ قبل السبب وهو الحلف اتفاقا، حكاه في الإكمال كتقديم العفو على الجرح، وتقديم إسقاط الشفعة على البيع وإجازة الوارث قبل الإيصاء، ونظير الأول صحة العفو عن القصاص قبل زهوق الروح، لتقدم السبب الذي هو الجرح، وتقديم الزكاة قبل الحول لتقدم ملك النصاب. وفي الجواهر: واختلف هل الحنث شرط أو ركن على قولين؟ قال في المدونة: واستحب مالك الكفارة بعد الحنث، فان كفر قبله أجزأه. انتهى. وهذا هو المشهور، وروى أشهب عن مالك عدم الإجزاء، وتأوله بعض الأشياخ على الاستحباب، ومنهم من يحكي هذا الخلاف في الجواز وعدمه، ويزيد ثالثا الفرق بين أن يكون على حنث فيجوز تقديمها أو على بر فلا يجوز تقديمها، وينسب هذا القول لابن القاسم في الموازية، وفي الكافي قول رابع بعدم جواز تقديم الصوم دون غيره، ومنشأ الخلاف في الجواز وعدمه فهم الآية، فمن أجاز تمسك بقوله تعالى: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ

ص: 206

فَكَفَّارَتُهُ}، ومعناه كفارة العقد وظاهره أن ذلك العقد سبب تمام الكفارة، ومن منع التقديم تمسك بالضمر أي:{ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} ؛ أي فحنثتم فلا بد في سببية الكفارة من اجتماع أمرين: الحلف والحنث، فإخراجها عليه قبل حصولهما معا إخراج قبل سببها، فلا تجزئ كما لو أخرجها قبل الحلف، وأجيب بأن حصول المجموع يعتبر في جانب الوجوب والنزاع إنما هو في جواز التقديم وتنازع الفريقان أيضا، في قوله صلى الله عليه وسلم: (من حلف يمينا فرأى غيرها خيرا وليكفر عن يمينه وليفعل الذي هو خير

(1)

). رواه مالك. ورواه غيره: (ثم ليأت الذي هو خير

(2)

) فمن أجاز نظر إلى أن الفاء تقتضي التعقيب والواو لا تقتضيه على الصحيح، فملاحظتها لا تقتضي تأخير الكفارة عن الحنث ومن منع نظر إلى أنها تقتضي الترتيب وهو مذهب الكوفيين وبعض الفقهاء، وأجيب على تقدير تسليمة أن الفاء تقتضي التعقيب لرؤية ما هو خير من المحلوف عليه، فلا يتقدم عليه الحنث ويؤيد ذلك ما في الرواية الأخرى من قوله: ثم ليأت الذي هو خير. ابن عبد البر في الاستذكار: وأكثر الأحاديث من حديث عائشة وأبي الدرداء وعدي بن حاتم وابن عمر وأنس وأبي موسى وعبد الرحمن وسمرة: فليأت الذي مو خير ثم يكفر عن يمينه، بتقديم الحنث قبل الكفارة، وهو حجة من منع تقديم الكفارة. قاله الش.

ووجبت به؛ يعني أن الكفارة تجب بالحنث، ويندب أن تكون بعد الحنث، وإنما تجب بالحنث. إن لم يكره ببر؛ يعني أن وجوب الكفارة بالحنث مشروط بالحنث طوعا حيث كانت اليمين يمين بر، وأما إن أكره على الحنث فيها فلا يحنث، وأما يمين الحنث فيحنث فيها مطلقا طائعا كان أو مكرها، فالصور أربع، ثلاث منها هي المنطوق فالحنث فيها حاصل، وهي عدم موافقته لما حلف عليه في يمين الحنث مطلقا طائعا كان أو مكرها، وفي يمين البر بشرط الطوع، ومفهومه صورة واحدة وهي عدم الموافقة مكرها في يمين البر ولو من غير عاقل، كدابة جمحت براكبها حتى أدخلته الموضع المحلوف على عدم دخوله غير قادر على ردها ولا على النزول عنها، ومحل عدم الحنث أن لا يعلم أنه يكره على الفعل، وأن لا يامر غيره بإكراهه له،

(1)

صحيح مسلم، كتاب الأيمان، رقم الحديث 1649. الموطأ، كتاب النذور والأيمان، رقم الحديث 1034.

(2)

صحيح مسلم كتاب الأيمان، بلفظ فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه، رقم الحديث 1650.

ص: 207

وأن لا يكون الإكراه شرعيا، وأن لا يكون يمينه لا أفعله طائعا ولا مكرها، وأن لا يفعله بعد زوال الإكراه، وأن لا يكون الحالف على شخص هو المكره له، وإلا حنث في الجميع.

تنبيه: من أكره على فعل ما حلف ليفعلنه لم يبر إلا أن ينوي أنه يوجد منه ذلك الفعل ولو مكرها فيصدق في الفتوى فقط، وكذا لو حلف ليقومن زيد فأكرهه الحالف على القيام لم يبر إلا أن ينوي أنه يوجد منه القيام طائعا أو مكرها، فيصدق في الفتوى فقط أيضا، وله أن يكرهه إذا كان ملكا له وإلا فلا ولو زوجة، لكنه يبر ويصدق في الفتوى.

واعلم أنه لا يأثم في إكراهه للزوجة على حق له عليها، ومن الإكراه بالبر الذي لا يحنث به ما قاله ابن القاسم عن مالك فيمن حلف بالطلاق لا خرجت امرأته من الدار، فأتاها سيل أو هدم أو أمر لا قرار لها معه أو أخرجها أهل الدار وهي بكراء [قد انقضى

(1)

] فلا شيء عليه في خروجها، واليمين عليه في الدار التي انتقلت إليها. انتهى. ومن هذا ما لو حلف بالطلاق على زوجته لا خرجت إلا بإذني وسافر ونودي على فتح قدر وهي حامل أو مرضع، فخرجت لخوفها على ما في بطنها أو رضيعها فلا حنث عليه؛ لأنه أمر لا قرار لها معه، وما في شرح الشيخ عبد الباقي من أنه يحتمل الحنث غير صحيح. والله سبحانه أعلم. انظر حاشية الشيخ بناني.

ولما أنهى الكلام على اليمين الشرعية وما يتعلق بها، شرع في ذكر شيء من الالتزامات، فقال: وفي علي أشد ما أخذ أحد على أحد؛ يعني أنه يلزم في قول القائل علي أشد ما أخذ أحد على أحد لا دخلت هذه الدار مثلا ودخلها جميع هذه الأمور الخمسة المذكورة في كلام المص، وقيل: تلزمه كفارة يمين، ومنشأ الخلاف النظر إلى المحلوف به أو إلى ما يترتب على المحلوف به، ووجه لزوم جميعها أن الأشدية تختلف باختلاف أحوال الناس، فرب رجل قادر على المشي ولا عبيد له ولا مال وله زوجة يشق عليه فراقها، ورب رجل يكون أشد ما يتوثق به منه العتق لكونه لا زوجة له ولا مال سوى عبيدة، ورب رجل يكون أشد ما يتوثق به منه المشي لكونه لا عبيد له ولا مال ويشق عليه المشي، ورب رجل يكون أشد ما يتوثق به منه الصدقة لكونه لا زوجة له ولا عبيد وهو قادر على المشي، فلما كان كل واحد من هذه الأشياء قد يكون أشد ما يتوثق به من

(1)

ما بين المعقوفين ساقط من النسخ والمثبت من عبد الباقي ج 3 ص 61.

ص: 208

الرجل وإن لم تكن له نية في أحدها وجب أن تجب عليه كلها، كمن حلف ولم يدر ما حلف به أكان بعتق عبيدة أو بطلاق نسائه، أو بالمشي إلى بيت الله عز وجل، أو بصدقة ثلث ماله. قاله الشارح.

وقوله: بت من يملكه، مبتدأ وخبره قوله:"في علي"، وهو أحد الأمور الخمسة الواجبة في قول القائل:"علي أشد ما أخذ" لخ؛ يعني أن من حلف بعلي أشد ما أخذ أحد على أحد لا دخلت هذه الدار مثلا ودخلها يلزمه طلاق البت أي الثلاث، أو ما يتمها في كل امرأة يملك عصمتها حين اليمين، فلا شيء عليه في التي يتزوجها بعد اليمين. وعتقه، هذا ثاني الأمور الخمسة؛ يعني أنه كما يلزمه بت من يملكه يلزمه أيضا عتق من يملكه من الرقيق، فإن لم يكن في ملكه رقيق، فقال الباجي: يلزمه عتق رقبة، قال ابن زرقون: هذا غير معروف، وقبل ابن عرفة كلام ابن زرقون، وقال في التوضيح: فيه نظر، لقوله في الجواهر عن الطرطوشي: إن المتأخرين أجمعوا على أنه إن لم يكن له رقيق فعليه عتق رقبة، ومن حلف بالعتق يلزمني وليس عنده حين اليمين من يملك رقبته ثم يملك قبل الحنث فلا شيء عليه، كما في المدونة ما يدل عليه. قاله أحمد. وظاهره: ولو كان يملك حين اليمين ثمن رقبة أو أكثر.

وصدقة بثلثه؛ هذا ثالث الأمور الخمسة؛ يعني أن الحالف بما ذكر وحنث يلزمه مع الأمرين المتقدمين أن يتصدق بثلث ماله إلا أن ينقص فثلث ما بقي، وانظر لو شك في ربح تجارته الغائبة هل حصل قبل اليمين فتتعلق بثلثه أو بعده فلا.

قال جامعه عفا الله عنه: والظاهر أنه لا يلزمه ذلك لقولهم: الذمم لا تلزم بمشكوك. والله سبحانه أعلم.

ومشي بحج، هذا هو الرابع من الأمور الخمسة؛ يعني أن الحالف بما ذكر إذا حنث يلزمه مع ما مر أن يمشي إلى بيت الله الحرام ويحرم بحج لا بعمرة، ونقل في البيان عمن أدرك من الشيوخ المشي في حج أو عمرة وكفارة يمين، هذا هو الأمر الخامس؛ يعني أنه يلزمه مع ما مر كفارة يمين بالله تعالى، ومحل لزوم جميع ما ذكر ما لم يخرج الطلاق والعتق، فإن عزلهما فليكفر ثلاث كفارات، قال الباجي: يريد الصدقة والمشي وكفارة اليمين، ويصدق في إخراجهما ولو في القضاء،

ص: 209

ولا يخالف هذا ما يأتي في قوله: "إلا لمرافعة" إذ ذاك في متعلق اليمين، وهذا في المحلوف به فافترقا. وقوله:"وفي علي أشد ما أخذ أحد على أحد" لخ، أشعر اقتصار المص على ما ذكر فيه أنه لا يلزمه كفارة ظهار ولا صوم سنة وهو كذلك، وحكى عليه ابن عبد السلام الاتفاق. انظر التتائي. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ الخرشي: ثم إنه إنما يلزمه أشد ما يحلف به حيث جرى العرف بالحلف به، وما لم يجر العرف بالحلف به كالعتق في بعض بلاد المغرب وريف مصر فإنه لا يلزم الحالف، وكذا ما جرى العرف بالحلف به ولم يكن أشد، كما إذا جرى العرف بالحلف بالمشي في عمرة وبالحلف بما يلزم فيه طلقة واحدة. انتهى. ونحوه للشيخ إبراهيم، قال: والمراد بالعرف عرف أهل البلد أو عرف الحالف على ما يأتي في قوله: "إن اعتيد حلف به".

وزيد في الأيمان تلزمني صوم سنة؛ يعني أن الحالف بالأيمان تلزمني والأيمان اللازمة أو أيمان المسلمين تلزمني وحنث، يلزمه ما مر في علي أشد ما أخذ أحد على أحد، ويزاد على ذلك صوم سنة إن اعتيد حلف به؛ يعني أن لزوم صوم سنة للحالف بالأيمان تلزمني مع ما مر، إنما هو حيث كان الحلف بصوم السنة معتادا، وينبغي في غير الصوم أيضا أنه لا يلزم إلا بالعادة، وفي شرح الشيخ عبد الباقي أن هذا شرط فيما يلزم في هذه اليمين بتمامها لا في صوم سنة فقط، فإن لم [يجر عرف

(1)

بحلف] بعتق لم يلزم، وكذا المشي والصدقة، وبنى "اعتيد" للمجهول، ليشمل ما إذا اعتاده الحالف وأهل بلده أوهم دونه، سواء اعتاد خلافهم أو لم يعتد شيئا، أو اعتاد هو الحلف به ولا عادة لهم بشيء أصلا، فيلزمه في هذه الصور الأربع، ومفهوم الشرط أنه لو لم تكن له عادة ولا لأهل بلده فلا يلزمه شيء، وكل هذا إن لم تكن له نية بشيء، وإلا عمل عليها ولو في القضاء، ومن حلف بأيمان المسلمين وهو يعلم أن منها ما اعتيد الحلف به، ومنها ما لم يعتد الحلف به فإنه يلزمه إذا حنث ما اعتيد الحلف به لا غيره، إلا أن ينويه. انتهى.

وعلم مما مر أنه لو قال: أردت بهذه اليمين، -يعني الأيمان تلزمني- اليمين بالله وبالمشي ولم أرد طلاقا ولا عتقا، فإنه يقبل قوله:"ولو عند المرافعة"، قال الشيخ عبد الباقي: ولا يخالف هذا ما يأتي للمص من أنها لا تقبل عند المرافعة؛ لأن الآتي تلفظ فيه بالطلاق فلم يقبل قوله عندها

(1)

في النسخ فإن لم يجر حلف بعتق والمثبت من عبد الباقي ج 3 ص 62.

ص: 210

إنه لم يرد طلاقا، وما هنا لم يلفظ به، وإنما لفظ بما يشمله شرعا فقبل قوله إنه أخرجه من ذلك العام كالمحاشاة. انتهى.

وفي لزوم شهري ظهار تردد؛ يعني أنه اختلف في الحالف بالأيمان تلزمني، هل يلزمه زيادة على ما مر صوم شهري ظهار، وهو رأي الباجي قائلا: هذه المسألة لم أر للمتقدمين فيها نصا مخلصا، وأجمع العلماء أنها أيمان لازمة يجب بها الطلاق والعتق والمشي إلى مكة والصدقة بثلث المال وصيام شهرين، أو لا يلزمه شهرا ظهار وهو رأي ابن زرقون وابن عات وابن راشد، قال ابن زرقون: إيجاب صوم شهرين غير معروف من قول من تكلم على هذا المحل، وقال ابن راشد: إنما لزما في الظهار لأنه أتى بمنكر من القول وزور، وهو هنا لم ينطق بذلك ويلزم إذا أن يعتزل الزوجة وأن لا يكفر حتى يعزم. قاله الشيخ عبد الباقي. ومحل التردد حيث كان معتادا وإلا لم يلزم بالأولى مما قبله. قاله بناني. ومن قال: المشي إلى مكة لا فعلت ولا يريد به اليمين لا شيء عليه إن لم تقرر عادة أو نوى عدم اليمين، وأما إن تقررت فإنه يلزمه إلا أن ينوي غير ذلك.

واعلم أن وجه لزوم الحالف ما ذكر دون الاعتكاف والمشي إلى المدينة وبيت المقدس والرباط في الثغور ونحو ذلك، مع أنها مما يحلف به أنهم لاحظوا ما غلب الحلف به عرفا مما يجعل يمينا في العادة، فألزموه إياه لأنه المسمى العرفي فيقدم على المسمى اللغوي، وتخصيص حلفه بهذه المذكورات دون غيرها لأنها المشهورة، ولفظ الحلف والأيمان إنما يستعمل فيها دون غيرها، وليس المدرك أن عادتهم يفعلون مسمياتها وأنهم يصومون شهرين متتابعين ويحجون وغير ذلك، بل الأغلبية استعمال الألفاظ في هذه المعاني دون غيرها، ولذلك صرحوا وقالوا: من جرت عادته بالحلف بصوم سنة لزمه فجعلوا المدرك العرف اللفظي دون العرف الفعلي، فهذا مدرك هذه المسألة على التحرير والتحقيق، وعلى هذا لو اتفق في وقت آخر اعتيادهم نذرهم بالاعتكاف والرباط وإطعام الجوعان وكسوة الريان وبناء المساجد دون هذه الحقائق المتقدم ذكرها، لكان اللازم هذا الحالف إذا حنث الاعتكاف، وما ذكر معه دون الحقائق الأول؛ لأن الأحكام المترتبة على العوائد تدور معها حيث ما دارت. انتهى. المراد منه. وأقره ابن فرحون في تبصرته وغير واحد، واختار ابن عبد السلام أنه يعتبر العرف الفعلي كالقولي، والقولي متفق عليه عند الثلاثة؛

ص: 211

فإنه قال بعد ذكر ما يلزم في هذه المسألة: فينبغي للمفتي في هذا الزمان إذا أفتى في هذه المسألة وما أشبهها مما هو مبني على العرف القولي أو على العرف الفعلي كأبواب بياعات الآجال عند المالكية أن ينظر إلى عرف زمانه وبلده من ذلك، ولا يكتفي في ذلك بما هو منقول في الكتب مما له نحو ست مائة سنة. انتهى. نقله الخرشي عن القرافي. ولابن عاصم رحمه الله:

ومن تكن يمينه باللازمه

له ثلاث في الأصح لازمه

وقيل بل واحدة رجعيه

لجهله وفقده للنية

وقيل بل بائنة وقيل بل

جميع الايمان وما به العمل

وقوله: وما به العمل، انظره مع ما للمص هنا، وقال الأبهري: إنما يلزمه الاستغفار فقط، وقال الطرطوشي وابن العربي: إنما يلزمه ثلاث كفارات، وقال ابن عبد البر: إنما تلزمه كفارة يعين فقط. قاله الش. وقال: إن محل هذا الخلاف حيث لم تكن له نية، وقال عن الطرطوشي: ولا يدخل في كلامه طلاق ولا عتاق حتى ينوي به ذلك أو يكون العرف جاريا به، وقال الشيخ أحمد بن عبد العزيز الهلالي رحمه الله تعالى: وليحذر المفتي من أمور جرى بها العمل في بعض البلدان ولم يظهر لها مستند الآن، منها الفتوى بأن طلاق العوام كله بائن ولو في مدخول بها دون عوض، ولا لفظ خلع ولا حكم حاكم، وقصد بعض الطلبة بهذه الفتوى إباحة المطلقة ثلاثا، فمن طلق طلقة رجعية ثم أردف الثلاث في العدة يفتونه بعدم لزوم الثلاث وفتواهم باطلة، ومنها الفتوى بثلاث كفارات اليمين بالله في الحلف بالأيمان اللازمة أو جميع الأيمان اعتمادا على من أفتى به من الأئمة المتقدمين وهذا لا يصح؛ لأن السلف لم يكن متعارفا عندهم قصد معنى الطلاق بلفظ اليمين، واليمين المتعارفة عندهم هي الشرعية وهي اليمين بالله، فلذا حملوا لفظ الأيمان اللازمة عليها وإن تبدل العرف حملت على المتعارف. انتهى.

ص: 212

قال جامعه عفا الله عنه: ومما تقدم عن القرافي وغيره وبكلام الهلالي رحمهم الله تعالى تعلم أن الحق الذي تجب به الفتوى ولا يحل العدول عنه في الأيمان اللازمة أو جميع الأيمان ونحو ذلك إنما هو البتات أو مع غيره، وأما الفتوى بما عدا ذلك فإنما هي العدول عن الصراط المستقيم. والله سبحانه أعلم.

وتحريم الحلال؛ يعني أن من حرم على نفسه شيئا مما أباحه الله له، كقوله: الحلال علي حرام، أو الشيء الفلاني كلبن مثلا علي حرام إن فعلت كذا وفعله، تحريمه له على نفسه لغو أي باطل، فلا يحرم عليه ما كان حلالا له، وهذا في غير الزوجة والأمة؛ لأن الله تعالى لم يجعل له في غيرهما تصرفا بالتحريم، وأما الزوجة والأمة فتحريمهما غير لغو؛ لأن الله عز وجل جعل له فيهما التصرف بالتحريم، فيكون التحريم في الزوجة ثلاثا في المدخول بها كغيرها، إلا أن ينوي أقل ما لم يحاشها على ما مر في المحاشاة، وكذا الأمة لا يكون تحريمها لغوا بل تعتق عليه إن قصد عتقها بذلك التحريم، وإلا فلا شيء عليه، قال زيد بن أسلم: إنما كفر النبي صلى الله عليه وسلم في تحريمه أم ولده إبراهيم؛ لأنه حلف بالله لا يقربها.

وما قررت به كلام المص من أن قوله: "والأمة"، عطف على "الزوجة"، لكن بشرط أن ينوي بالتحريم العتق كما علمت، وكلام المص يوهم حرمتها ولو لم تكن له نية قرره به غير واحد، ويصح عطفها على غير المضافة إلى الزوجة أي تحريم الأمة لغو، ويقيد حينئذ بما إذا لم يقصد عتقها بالتحريم، وإلا لم يكن لغوا.

وبما قررت علم أن قوله: لغو، خبر عن قوله:"تحريم"، فهو مرفوع بالابتداء، وهو مصدر مضاف إلى مفعوله، وقوله:"والأمة"، رد به على من يقول: تلزمه كفارة يمين ولا يطأ حتى ليكفر، وعلى من يقول: تعتق، وهذا على أنها عطف على "غير". والله سبحانه أعلم. انظر الشبراخيتي.

ولما كان الأصل أن حنث اليمين يسقطها فلا تكرر الكفارة بتكرر ما يوجب الحنث إلا بلفظ أو نية أو عرف كما قال ابن عرفة، ذكر ما تكرر فيه الكفارة، فقال: وتكررت إن قصد تكرر الحنث؛ يعني أن من حلف أن لا يفعل فعلا كوالله لا دخلت الدار ففعله، فإنه يحنث بفعله مرة واحدة

ص: 213

ثم لا كفارة عليه فيما إذا فعله بعد ذلك، إلا أن يكون قصد تكرر الحنث كلما فعله فتعدد الكفارة بتعدد الفعل، وكأنت طالق إن خرجت إلا بإذني، ونوى أنها كلما خرجت بغير إذنه فهي طالق، فخرجت مرة بغير إذنه فطلقت عليه واحدة ثم رجعها، وخرجت ثانيا بغير إذنه لزمه الطلاق إلى تمام العصمة، فإن لم ينو التكرار لم يلزمه غير الأولى: وكوالله لا كلمت فلانا عشرة أيام ونوى كلما كلمه حنث فتتعدد بتعدد تكليمه. وقال الشيخ عبد الباقي عن شيخه الأجهوري: إنه لو قال والله لا كلمت زيدا، ونوى أنه إذا كلمه مرة واحدة لزمه ثلاث كفارات أو أربع، فإنه يلزمه ما نوى ويشملها كلام المص، وهذه اليمين لا يحتمل مدخولها التعدد. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: تعدد الكفارة في هذه غير ظاهر؛ لأنه رتب عليها ما لم يرتبه الله، وذلك لا يلزم بمجرد النية، وقال: إن كلام المص لا يشمل هذه ولا يصح إدخالها فيه؛ لأن موضوعه قصد تكرر الحنث، وهذه ليس فيها تكرار الحنث. أو كان العرف؛ يعني أن الكفارة تتعدد أيضا فيما إذا كان تكرر الحنث هو العرف، بأن تكون دلالة يمينه على تعدد الكفارة مستفادة من العرف لا من اللفظ ولا من النية؛ أي أن العرف في مثل هذه اليمين عدم قصر الحنث على مرة، ومثل لذلك بقوله: كعدم ترك الوتر؛ يعني أنه لو قال والله لا تركت الوتر أو لا شربت الخمر بالمدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، أو بمكة شرفها الله، فإنه كلما ترك الوتر أو شرب الخمر تتعدد عليه الكفارة بتعدد ترك الوتر وشرب الخمر؛ لأن قصده اجتناب ذلك في كل وقت لشرف المدينة المنورة ومكة أعزهما الله تعالى؛ لأن العرف في مثله لا يقصر الحنث على مرة واحدة، والعرف كالشرط والعرف جرى بأن هذا بمنزلة قوله: كلما تركت الوتر فعلي كفارة.

أو نوى كفارات؛ يعني أن الحالف إذا كرر اليمين ونوى أنه يكرر الكفارة بعدد ما كرر من الأيمان، فإنه تتعدد عليه الكفارة بعدد الأيمان بلا خلاف، كوالله لا أدخل الدار والله لا أدخل الدار والله لا أدخل الدار، وكوالله لا أركب كذلك أو لا ألبس كذلك. قال مقيده: فإذا دخل أو ركب لزمته كفارات بعدد الأيمان، ولا ينتظر ركوب أو دخول آخر بقرينة ما يأتي عند قوله:"ولا أكلمه غدا" لخ، والله سبحانه أعلم. وإن قصد التأكيد اتحدت الكفارة بلا خلاف، وإن قصد الإنشاء دون تعدد الكفارة فالمشهور اتحادها، ورواه ابن القاسم عن مالك، وقال به ابن المواز كان

ص: 214

في مجلس أو أكثر كان المحلوف به اسما من أسماء الله عز وجل أو صفة من صفاته، وظاهر قول ابن بشير وغيره من الأشياخ أنها لا تتكرر في الأسماء وتتكرر في الصفات، قال في التنبيه: وإذا قصد الحالف بتكرار يمينه تعدد الكفارة تعددت أو اتحادها اتحدت وإن لم يقصد والمعنى واحدٌ واللفظ واحد أو متعددٌ اتحدت كالحلف بأسماء الله تعالى، وإن تعدد المعنى تعددت، لكن حكى صاحب الاستذكار عن مالك أن من قال: والله والرحمن فعليه كفارتان، وإن قال: والسميع والعليم والحكيم فثلاث، وقوله:"أو نوى كفارات" الحلف فيها متعدد بخلاف قوله وتكررت إن قصد تكرر الحنث، فإنه قصده بيمين واحدة،

أو قال لا ولا؛ يعني أن من حلف لا باع من فلان كذا، فقال له آخر: وأنا؟ فقال: والله ولا أنت فباعها منهما أو من أحدهما فردها عليه فباعها من الآخر، فإنه تلزمه كفارتان. واعلم أنه لا عبرة بتوسط السؤال، وإنما المدار على تكرار القسم واختلاف القسم عليه، ففيها: من قال والله لا أكلم فلانا ولا أدخل دار فلان ولا أضرب فلانا، ففعل ذلك كله أو بعضه فإنما عليه كفارة واحدة، فكأنه قال: والله لا أقرب شيئا من هذه الأشياء، ولو قال: والله لا أكلم فلانا والله لا أدخل دار فلان والله لا أضرب فلانا فعليه لكل صنف فعله كفارة؛ لأن هذه الأيمان بالله على أشياء مختلفة، فكان ينبغي للمص أن يقول: لا والله ولا. انتهى. وهذا التحرير للشيخ محمد بن الحسن.

أو حلف أن لا يحنث؛ يعني أن من حلف لأفعلن أولا أفعل، فقال له قائل: أخاف أن تحنث، فقال: والله لا أحنث فحنث تلزمه كفارتان، وقيل: ليس عليه إلا كفارة واحدة؛ لأن الكلام في ذلك في معنى واحد، ووجه الأول أن الثانية لما كانت على غير لفظ الأولى حملت على أنه أراد يمينا أخرى يوجبه على نفسه كالنذر إن حنث، كأنه قال: علي كفارة أخرى إن حنثت.

أو بالقرآن والمصحف والكتاب؛ يعني أنه لو حلف بالقرآن والمصحف والكتاب لا أفعل كذا ثم حنث فعليه ثلاث كفارات عدد المقسم به، هكذا قال في البيان ونسبه لابن القاسم، قال: لاختلاف المسميات، وإن كان المعنى واحدا وهو الكلام القديم وهذا ضعيف، والراجح أن عليه كفارة واحدة لأن المدلول واحد، كما أن مدلول جميع أسماء الله تعالى واحد، فإن جمعها فعليه

ص: 215

كفارة واحدة، قصد التأكيد أو التأسيس حيث لم يقصد تكرر الحنث ولم ينو كفارات، وقوله:"أو بالقرآن"، معمول لحلف مقدرا معطوف على قصد.

أو دل لفظه بجمع؛ يعني أن الحالف إذا حنث تتكرر عليه الكفارة حيث كان لفظه يدل على تعدد الكفارة بصيغة الجمع، نحو: إن فعلت كذا فعلي أيمان فتلزمه ثلاث كفارات إذا حنث، ولا يعتبر أنه نوى بذلك كفارة واحدة؛ لأن الجمع نص في معناه فلا يقبل التخصيص، وانظر لو نوى يمينين هل تعتبر نيته بناء على أن أقل الجمع اثنان أم لا بناء على أن أقله ثلاثة؟ أو بكلما؛ يعني أن الحالف إذا دل لفظه على تكرر الكفارة بسبب أداة موضوعة للتكرار، فإنه تتعدد عليه الكفارة بتعدد الفعل، ككلما فعلت كذا فعلي يمين أو كفارة.

فتحصل من هذا أنه في صيغة الجمع تتعدد عليه الكفارة بالحنث مرة واحدة، وأنه في الأداة إنما تتعدد عليه بتعدد الفعل المحلوف على تركه. أو مهما؛ يعني أنه لا فرق بين كلما ومهما في الدلالة على تعدد الكفارة بتعدد الفعل، فإذا قال: مهما كلمت فلانا فعلي يمين أو كفارة، فإنه كلما كلمه لزمه كفارة، ولا تتعدد عليه الكفارة بالفعلة الواحدة. لا متى ما؛ يعني أنه إذا قال: متى ما فعلت كذا فعلي كفارة أو يمين، فإنه تنحل عنه اليمين بالفعل الأول، فلا تتكرر الكفارة بتكرر الفعل إلا أن يقصد بها معنى كلما، فتكرر عليه الكفارة بتكرر الفعل أتى بما أم لا وإن لم يستحضر نية التكرار لقربها منها، بخلاف إن وإذا، فإنما تتعدد عليه الكفارة فيهما إذا نوى التكرار، لا إن قصد بهما كلما. والله سبحانه أعلم. وقوله:"لا متى ما"، قال الشيخ إبراهيم: هذا هو المذهب، خلافا لما مشى عليه في باب الطلاق.

ووالله ثم والله؛ يعني أن الحالف بالله أو بشيء من أسمائه أو صفاته إذا كرر اليمين على ذلك الشيء بعينه، فإنما عليه كفارة واحدة كأن يقول والله لا أدخل الدار ثم يقول بعد ذلك والله لا أدخل الدار، فإنه إذا دخلها تلزمه كفارة واحدة لا أكثر ولو في مجالس، وتكرير المقسم به دون المقسم عليه وتكريرهما معا سواء، وتتعدد في تكرير النذر المبهم معلقا وغيره كما مر، كعلي نذر ونذر إن كلمت زيدا ما لم ينو الاتحاد، قال ابن عرفة، وفي تعددها بتكرير الصفة المختلفة اللفظ، ثالثها إن تغايرت، وتتعدد في ذكر الصفة مع الذات كوالله وعزته، وفي اليمين مع النذر كوالله لا

ص: 216

فعلت كذا وعلي نذر كفارة،

(1)

وقال ابن عبد السلام: أما إذا كان اللفظ الأول من الأسماء والثاني من الصفات فالحكم أنه تتعدد عليه الكفارة.

وإن قصده؛ يعني أن الحالف بالله أو بشيء من صفاته أوأسمائه إذا كرر ما حلف به أو لا، فإنما تلزمه كفارة واحدة عند الحنث، وإن قصد تكرير اليمين وإنشاءها دون نية تعدد الكفارة، لأن قصد إنشائها لا يستلزم قصد تعدد الكفارة إذ قد يقصد به تأكيد الأولى؛ لأن اليمين بالله مبنية على التأكيد حتى ينوى التأسيس، والطلاق مبني على التأسيس حتى ينوى التأكيد، ومثل اليمين بالله الظهار، والفرق أن المحلوف به في الله والظهار أولا هو المحلوف به آخرا وفي الطلاق -وإن كان اللفظ واحدا- معناه متعدد؛ لأن الأول يضيق العصمة والثاني يزيدها ضيقا والثالث يبينها. وقوله:"وإن قصده". هذا هو المشهور.

والقرآن والتورية والإنجيل؛ يعني أن الشخص إذا حلف بالقرآن والتورية والإنجيل لا فعلت كذا أو لأفعلنه وحنث فعليه كفارة واحدة عند سحنون، وهو جار على المشهور لأن المدلول واحد وبه تعلم ضعف ما سبق. ولا أكلمه غدا وبعده ثم غدا؛ يعني أنه لو قال: والله لا كلمت زيدا غدا وبعد غد، ثم قال بعد ذلك: والله لا كلمت زيدا غدا ثم كلمه غدا فإنما تلزمه كفارة واحدة، سواء كلمه في اليومين معا أو في الثاني دون الأول، وكذا لو كلمه في الأول دون الثاني؛ لأن ذكر الشيء بالخصوص بعد ذكره بالعموم لا يفيد إلا التأكيد، نحو: اقتلوا المشركين اقتلوا أبا جهل. ومحل اتحاد الكفارة فيما قال المص حيث لم يقصد الحالف تعدد الكفارة بتعدد الحلف، وإلا تعددت، ومفهوم كلام المص أنه لو حلف لا أكلمه غدا، ثم حلف لا أكلمه غدا وبعد غد فكلمه غدا فإنه تلزمه كفارتان، والفرق بينه وبين منطوق المص أن الغد في المفهوم وقع ثانيا مع غيره، فكأنه غير الأول بخلاف المنطوق فكان تأكيدا.

وتحصل من كلام المص أن حنث اليمين يسقطها فلا تكرر الكفارة بتكرر موجب الحنث إلا بلفظ أو نية أو عرف.

(1)

في بعض النسخ كفارات.

ص: 217

ولما أنهى الكلام على حد اليمين وصيغتها والموجبة للكفارة منها وأنواع الكفارة وتكرارها واتحادها. أتبع ذلك بالكلام على ما يخصصها ويقيدها، فقال: وخصصت نية الحالف؛ يعني أن نية الحالف تخصص لفظه أي تقصره على بعض أفراده زمانا أو مكانا أو صفة، كلا أكلمه وينوي في الليل أو في المسجد، أو لا أكلم رجلا ويريد جاهلا فالتخصيص هو قصر العام على بعض أفراده والعام لفظ يستغرق الصالح له من غير حصر؛ أي يتناول جميع ما يصلح له دفعة، وبهذا يخرج المطلق ومن غير حصر مخرج لأسماء العدد، فإنها نص في معناها، وقوله: يستغرق مخرج لأسماء الله عز وجل؛ لأنه لا استغراق فيها، ويمنع شرعا أن تستعمل في غير معناها، فإذا حلف بالله وقال أردت بزيد من باب إطلاق الفاعل على أثره لم تقبل نيته.

واعلم أن الألفاظ قسمان نصوص وظواهر، فالنصوص لا تقبل المجاز ولا التخصيص: والظواهر هي التي تقبلها. والنصوص قسمان: الأول أسماء العدد كالعشرة مثلا فلا يجوز أي يمتنع وضعا أن يطلقها ويريد التسعة ولا غيرها من الأعداد وهذا هو المجاز، وأما التخصيص فلا يجوز أي يمتنع وضعا أن تقول رأيت عشرة ثم تبين أنك أردت خمسة مثلا؛ أي لا تقبل التخصيص بالنية، وأما باللفظ كالاستثناء فإنها تقبله. الثاني من المنصوص الألفاظ التي هي مختصة بالله تعالى، نحو لفظ الجلالة ولفظ الرحمن، فإنه لا يجوز استعمالهما في غير الله إجماعا.

واعلم أن التخصيص مجاز أيضا لكن المجاز أعم؛ لأنه قد لا يبقى معه من السمى شيء كما تقول: رأيت إخوتك وتريد مساكنهم. انظر حانتية الشيخ بناني.

(وقيدت) يعني أن نية الحالف تقيد لفظه المطلق أي تحمله على فرد خاص، والمطلق هو اللفظ الدال على شائع في جنسه، فيخرج كل عام ولو نكرة في سياق الإثبات، نحو كل رجل، والمقيد هو الذي أضيف إلى مسماه قيد زائد عليه، فإذا قال: والله لأكلمن رجلا، وقال: نويت فلانا أو صالحا، فإنه لا يبر إلا بتكليم من نواه، والمطلق هنا يشمل شيئين، الأول النكرة نحو رجل في المثال المذكور، الثاني المشترك اللفظي سواء وقع في المعلم كمن له زوجتان كل منهما تسمى زينب، أو وقع في غيره نكرة كمن حلف لينظرن عينا، وقال: نويت الباصرة أو نويت النقد، أو معرفة كمن قال: والله لأكرمن أخاك وقال نويت فلانا.

ص: 218

وتحصل مما مر أن النية إنما تخصص وتقيد في المحل الذي يصلح أن تخصص أو تقيد فيه. إن نافت؛ راجع لقوله: "وخصصت"؛ يعني أنه يشترط في النية المخصصة أن تكون منافية للفظ الذي وقعت فيه بأن يكون ظاهر اللفظ ينفيها وهي تنفيه، فقوله:"تافت" فاعلت من النفي، أصله نافيت قلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها وحذفت لالتقاء الساكنين كما في ساوت.

والمنافاة المذكورة هي أن يكون لفظ الحالف يقتضي ثبوت الحكم لصور، والنية المخصصة تنفي ذلك الحكم عن تلك الصور، واحترز بقوله:"تافت"، عما إذا لم تكن النية منافية فإنها لا تعتبر، فمن حلف لا يأكل بيضا ونوى بيض الدجاج، فإن نوى إخراج غيره من البيض لم يحنث إلا ببيض الدجاج؛ لأن هذه النية منافية، وإن لم ينو إخراج بيض غير الدجاج من اليمين حنث بالجميع؛ لأن نيته حينئذ مؤكدة لا منافية، وسيأتي مزيد بيان لهذا إن شاء الله.

وساوت، راجع لقوله:"وخصصت"، كما في الخرشي، والواو للحال من الضمير في نافت، ورجعه غير واحد لقوله:"وقيدت"، وعلى كل فهو في المعنى راجع لهما، ومنهم من قدر وافقت فيرجعها للتخصيص، ويرجع ساوت للتقييد. والله سبحانه أعلم؛ يعني أنه يشترك في النية المخصصة مع المنافاة أحد أمرين، إما أن تكون مساوية لظاهر اللفظ أو مخالِفة له مخالَفَةً قريب، ومعنى كونها مساوية لظاهر اللفظ أن يشتمل الكلام على قرينة تشهد بصحة النية المدعاة، ومعنى المساواة في المطلق أنه يمكن أن يقصد باللفظ الصادر عنه ما ادعى أنه نواه، ويمكن أن لا يقصد على حد سواء فتقبل نيته في الفتوى والقضاء عند المساواة، فمثال النية المساوية في المطلق من له زوجتان كل منهما تسمى زينب ويقول: زينب طالق إن دخلت الدار، ويقول: أردت زينب بنت فلان، ومثال النية المساوية في العام سيذكره قريبا في الله يتنازعه "خصصت""وقيدت"؛ يعني أن النية تخصص وتقيد على ما مر في اليمين بالله، مثال المخصصة: والله لا تزوجت حياة عمرة وهي تحته، ثم إنه فارقها وتزوج امرأة غيرها وعمرة في قيد الحياة، فقيل له: حنثت حيث تزوجت غير عمرة وهي حية، فقال: أردت أن لا أتزوج ما دامت تحتي، وأخرجت من يميني ما إذا لم تكن في عصمتي، فهذا تقبل نيته في الفتوى والقضاء؛ لأن نيته منافية بإخراجه ما إذا لم تكن في عصمته مساوية؛ إذ يمكن على حد السواء أن هذا الحالف أراد ظاهر اللفظ أي مقتضاه،

ص: 219

أو أنه أراد ما نوى؛ لأن العادة شاهدة بأنه يقول لها ذلك تطييبا لخاطرها ما دامت في عصمته، فالعرف يرجح النية المذكورة، واللغة ترجح ظاهر اللفظ ولو غفل عن حال خروجها من عصمته لم تكن منافية فلا تفيد، ومثال المقيدة: والله لأكلمن رجلا، وقال نويت فلانا فتقبل نيته. والله سبحانه أعلم.

وغيرها، عطف على قوله: في الله؛ يعني أن النية كما تخصص وتقيد في اليمين بالله على ما مر، تخصص وتقيد في غير اليمين بالله من طلاق وعتق وغيرهما، ومثل لغير اليمين بالله بقوله: كطلاق، ومثل للنية المخصصة المساوية لظاهر اللفظ بقوله: ككونها معه في لا أتزوج حياتها؛ يعني أنه لو قال لزوجته: والله لا أتزوج حياتك، أو قال لها إن تزوجت حياتك فالتي أتزوجها طالق، ثم إنه فارقها وتزوج غيرها، وقال: كنت أردت بمدة حياتها مدة كونها تحتي لا إن فارقت عصمتي، فهذا لا يحنث وتقبل نيته في الفتوى والقضاء؛ لأن نيته نافت وساوت، بخلاف ما لو لم تناف كما إذا نوى في المثال المذكور مدة بقائها معه وغفل عن حال خروجها من عصمته، فهذا يحنث إذا تزوج غيرها؛ إذ هو بمنزلة من أطلق اللفظ العام ولم ينو شيئا، وأما زوجة الغير إذا حلف لا تزوج حياتها ونوى عند الحلف ما دامت في عصمة زوجها فطلقها زوجها بائنا، فتزوج الحالف فلا تقبل نيته في القضاء إلا أن يخاف على نفسه العنت وتعذر التسري ويحلف على ما نوى.

كأن خالفت ظاهر لفظه؛ يعني أن النية إذا خالفت ظاهر اللفظ ووافقت الاحتمال المرجوح القريب من التساوي، فإنها تقبل مخصصة أو مقيدة في كل يمين غير الطلاق والعتق المعين مع المرافعة كما يأتي.

وبما قررت علم أن قوله: "كإن خالفت ظاهر لفظه" في المخصصة والمقيدة كما صرح بذلك ابن عاشر، فمثال المقيدة: من له زوجة وأمة كل منهما تسمى فاطمة، فيقول فاطمة طالق وينوي بذلك عتق الأمة فتقبل نيته إلا لمرافعة لخ، ومثال المخصصة أشار له بقوله: كسمن ضأن في لا آكل سمنا؛ يعني أنه إذا حلف لا يأكل سمنا، ونوى سمن الضأن وأخرج غيره، فإن نيته تقبل في كل يمين إلا لمرافعة لخ، فهو مثال للمخصصة المخالفة لظاهر اللفظ الموافقة للاحتمال المرجوح القريب

ص: 220

من المساوي. أو لا أكلمه؛ هذا أيضا مثال للنية المخصصة المخالفة لظاهر اللفظ الموافقة للاحتمال المرجوح القريب من المساوي؛ يعني أنه لو حلف لا يكلم فلانا وقال نويت شهرا وأخرجت ما عداه، فإن هذه النية تقبل إلا لمرافعة إلى آخر ما يأتي، ويمينه هنا تفيد التأبيد وادعى ما يقطعه.

وكتوكيله في لا يبيعه ولا يضربه، هذا مثال ثالث للنية التي تقبل إلا لمرافعة؛ يعني أنه لو حدف لا يبيع عبده المعين مثلا أو لا يشتري شيئا عينه وأمر غيره ببيعه أو شرائه، فإنه تقبل نيته إلا لمرافعة لخ، وكذلك لو حلف لا يضرب عبده ميسرة مثلا، فوكل من يضربه وقال نويت بنفسي، فإنه تقبل نيته إلا لمرافعة لخ. ولو حلف ليضربنه ووكل في ضربه بر إلا أن يقول نويت بنفسي، فإنه يصدق إلا لمرافعة لخ. إلا لمرافعة؛ راجع لما بعد الكاف من قوله:"كإن خالفت ظاهر لفظه" لخ؛ يعني أن النية المخالفة لظاهر اللفظ الموافقة للاحتمال المرجوح القريب من المساوي تقبل إلا لمرافعة؛ أي رفع لأن الرفع من جانب غيره، لا إن ذهب للقاضي من غير رفع، فإنه يصدق لأن ذلك من قبيل الفتوى.

وبينة، الواو بمعنى مع؛ يعني أنه إذا روفع وقامت عليه البينة لا تفيده النية ومثل البيانة الإقرار كما أشار إلى ذلك بقوله: أو إقرار؛ يعني أنه إذا ادعت عليه زوجته أنه طلقها ورافعته وأنكر ذلك، فأقامت عليه المرأة البينة بالحلف أو أقر به وادعى النية المذكورة، فإنه لا تقبل نيته، ومثل الطلاق العتق المعين كما أشار إلى ذلك بقوله: في طلاق وعتق فقط؛ أي أن النية المخالفة لظاهر اللفظ القريبة من التساوي إنما تفيد إذا كانت اليمين بغير الطلاق والعتق المعين أو بهما وجاء مستفتيا، وأما إن حصلت مرافعة مع بينة أو إقرار فلا تفيد في الطلاق والعتق المعين، وصورة ذلك أن يدعي العبد أو المرءة العتق أو الطلاق، فينكر السيد أو الزوج، فتقوم عليه بينة بالحلف، أو يقر به ويدعي النية المذكورة فلا تنفعه مع المرافعة كما مرت الإشارة إليه. والله سبحانه أعلم.

تنبيه: قال الشيخ بناني: غير يمين الطلاق ويمين العتق المعين لا يحكم به ولا تقع فيه مرافعة، كما في الحطاب عن البيان، وكما في ابن الحاجب إذ ذكر أن ما يقضى به هو الطلاق والعتق دون

ص: 221

ما سواهما. انتهى. ودخل بالكاف ما لو حلف بالله لأعتقن عبيدي، وقال: أردت بعضهم على سبيل التخصيص. أو أردت بعبيدي دوابي، أو أردت بالعتق البيع. والعلاقة بين العبيد والدواب الملك وبين البيع والعتق بطلان الملك، وكذا لو حلف بالله لأعتقن من عبيدي ثلاثة: وقال: نويت بيع ثلاث من دوابي، أو قال لزوجته: أنت طالق ثلاثا، وقال: أردت أنها طلقت ثلاث مرات في الولادة، أو قال: نسائي طوالق، وقال: لم أرد الرابعة فينوَّى في جميع ذلك مستفتيا لا في مرافعة، ولو قال: جميع نسائي طوالق لم ينو مستفتيا إلا أن يعزل واحدة منهن من أول الأمر، ولو قال: هي طالق البتة إن راجعتها ثم أراد نكاحها بعد العدة، وقال: نويت ما دامت في العدة صدق مستفتيا. أو استحلف مطلقا في وثيقة حق؛ يعني أن الحالف لا تنفعه نيته إذا كان مستحلفا في حق، سواء كان الحق مكتوبا في وثيقة أم لا، كانت اليمين بالله أو بغيره، مستفتيا أو مرافعا، مثال المستحلف في حق من عنده وديعة وأنكرها وحلف ما له عندي وديعة ونوى حاضرة معه، وكما لو عقد النكاح على أنه إن تسرى على زوجته فعليه التصدق بثلث ماله ثم تسرى عليها حبشية، وقال: نويت من غير الحبش، فاليمين في هذا وما أشبهه على نية المحلف بالكسر كانت بطلاق أو بغيره، كان الطلاق معلقا أو منجزا بعد الملك أو قبله واحدة أو أكثر، وكذا العتق سواء كان كاملا أو مبعضا أو آئلا إليه كالتدبير إذا كان في رقبة معينة ولا يقضى عليه في غيرها، ولو حذف السين والتاء ولفظ وثيقة وقال: أو حلف مطلقا في حق لوافق الراجح من أنه لا فرق بين طلب الحلف وطلب الحق فيحلف له، ومر أنه لا فرق بين كونه بوثيقة أم لا، ويجاب عن هذا بأنه أراد توثق حق وإن لم يكن بصحيفة، أو الإضافة بيانية أي وثيقة هي حق أي حق متوثق فيه، والمراد بالتوثق على الجواب الأول قطع النزاع، فكأنه اعتاض عن حقه هذه اليمين. انظر الخرشي. ومقابل الراجح أنه إن طاع بالحلف في حق نفعته نيته، وقال في التوضيح وحكى صاحب المقدمات وابن زرقون الإجماع على أن النية لا تنفع إذا اقتطع بها حقا لغيره للحديث الصحيح (من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه حرم الله عليه الجنة وأوجب له النار قالوا: وإن كان شيئا يسيرا يا رسول الله، قال: وإن كان قضيبا من أراك وإن كان قضيبا من أراك

(1)

).

(1)

الموطأ، كتاب الأقضية، ص 459.

ص: 222

قالها ثلاث مرات. وما حكاه عن ابن زرقون من الإجماع خلاف ما حكاه الشيخ بهرام في الوسط عنه، فإنه حكى عنه قولين، ومفهوم قوله:"في وثيقة حق"، أنها لو لم تكن في وثيقة حق لنفعته نيته وهو كذلك في اليمين بالله اتفاقا، وفي غيرها على خلاف فيه، وقيل: إن اليمين على نية المحلوف له، وقيل إن استحلف فعلى نية المحلوف له، وإن كان متطوعا فعلى نية الحالف، والمشهور الأول. وقوله:"أو استحلف"، قال بعض: عطف على المستثنى في قوله: "إلا لمرافعة"، وقال بعض الشراح: لا يصح ذلك؛ لأن هذا لا يختص بالنية المخالفة؛ لأنه في المخالفة والمساوية، ولا يصح من جهة العربية أيضا؛ لأن الفعل لا يصح عطفة على اسم لا يشبه الفعل، فيجعل راجعا لقوله:"وخصصت وقيدت"؛ أي وخصصت وقيدت إلا لمرافعة، وخصصت وقيدت إلا في استحلاف في وثيقة حق، فهو من باب العطف على المعنى. انتهى. انظر الخرشي.

لا إرادة ميتة؛ يعني أنه لو حلف بطلاق زوجته أو عتق أمته؛ بأن قال: زوجتي طالق أو أمتي -مثلا- حرة إن فعلت كذا أو لأفعلنه وحنث، فقال: أردت زوجتي التي ماتت أو أمتي التي ماتت، فإن نيته لم تنفعه لا في الفتوى ولا في القضاء؛ لأن النية المخالفة هنا وافقت الاحتمال المرجوح البعيد من التساوي، فلم تقبل حينئذ؛ لأنه إن أراد الإنشاء، فإنه يستدعي وجود محل يلزم فيه الطلاق والحرية، والتي ماتت لا يصلح أن تكون محلا للحرية ولا للطلاق، وإن أراد الإخبار فإنه إخبار بما لا يفيد، فوجب صرفه لمن هي تحته الآن أو لمن هي في ملكه الآن.

أو كذب؛ يعني أنه إذا قال لزوجته أنت حرام، وقال: نويت الكذب فإنه لا يصدق، ومعنى ذلك أنه قال: أردت بقولي حرام الإخبار ولم أرد به الإنشاء، وأردت أني كاذب في إخباري فلا يصدق في إرادته الإخبار، لبعد نيته. أشار له الحطاب، وغيره، والله سبحانه أعلم. وقوله: في طالق وحرة، راجع للميتة كما علم من التقرير، وقوله: وحرام، راجع للكذب، فهو لف ونشر مرتب، ومعناه: في قوله: هي طالق أو هي حرة، أو هي حرام. وإن بفتوى؛ أي لا تنفعه هذه النية البعيدة، وهي إرادة الميتة في قوله: هي طالق أو هي حرة، وإرادة الكذب في قوله: هي حرام لا في القضاء ولا في الفتوى حيث لا قرينة، وإلا عمل بنيته كما يعمل بنيته إذا كانت حية

ص: 223

حين اليمين فماتت فادعى أن يمينه فيها، ومن الشراح من جعل الثلاث راجعة للميتة والكذب معا، وهو ظاهر لأنه في الثلاث محمول على الإنشاء، واحتماله للخبر بعيد انظر التتائي.

وحاصل ما أشار إليه المص أن النية التي خالفت مدلول اللفظ بنقص، إما أن تكون مساوية لظاهر اللفظ بموافقة العرف فتقبل في الفتوى والقضاء، أو مخالفة له لكنها وافقت الاحتمال المرجوح القريب من التساوي فتقبل، إلا لمرافعة وبينة أو إقرار أو مخالفة لظاهر اللفظ بعيدة من التساوي فلا تقبل مطلقا، لا في اليمين بالله ولا في غيرها، هذا في النية المخصصة، وأما المقيدة فتجري فيها الأقسام الثلاثة أيضا، وقد مر ذلك مستوفى.

وتحصل منه أن المستحلف في وثيقة حق لا تفيده نيته أيضا، واعلم أن ما قدمته من تقرير المص هو لابن عاشر والحطاب وغيرهما، وأصله للقرافي ومن تبعه جعل النية بمنزلة اللفظ، وذلك أن في الأصول قاعدتين، إحداهما ذكر الخاص بعد العام بحكم ينافي حكم العام، نحو: اقتلوا المشركين إلا أهل الذمة. الثانية ذكره بعده بحكم يوافق حكم العام، نحو: اقتلوا المشركين اقتلوا أبا جهل. واجتمع الأصوليون على أن الأولى من التخصيص، واختلفوا في الثانية والجمهور على أنها ليست من التخصيص، وعليه فيقتل الجميع أبو جهل وغيره، وعلى مقابله فلا يقتل إلا أبو جهل، فالقرافي رحمه الله تعالى جعل النية بمنزلة اللفظ في هاتين القاعدتين، فالنية التي هي بمنزلة إلا أهل الذمة مخصصة، والتي بمنزلة إلا أبا جهل لا تخصص، مثال الأولى أن يقول: لا آكل سمنا ويقول نويت إلا سمن الضأن، ومثال الثانية أن يقول نويت بالسمن الذي لا آكله سمن الضأن، فسمن الضأن في الأولى مأكول وفي الثانية غير مأكول، فلذا قسم النية إلى قسمين مخصصة وهي القسم الأول، ومؤكدة وهي القسم الثاني. هذا تحرير طريقة القرافي. وطريقة المتقدمين قبله كابن المواز وابن يونس والقاضي وغيرهم أن النية في القسم الثاني أيضا نافعة، بمعنى أنه لا يمنع إلا من أكل سمن الضأن دون غيره، والقرافي يمنعه من أكل كل سمن؛ لأن نيته مؤكدة لا تنافي حكم العام، فهي بمنزلة ذكر الخاص بعد العام بحكمه، وهو ليس بتخصيص على المنصور.

قال العلامة سيدي أحمد بن مبارك اللمطي: وطريق المتقدمين هي الصواب، وما ذكره القرافي فيه نظر؛ لأنه قياس مع ظهور الفارق؛ لأن المخصص اللفظي لم يقارن مخصصه في الزمان لتأخره عنه

ص: 224

لبطلان النطق بهما معا، والفرض أنه لم يتقدم فبقي العام على عمومه، بخلاف النية فإنها مقارنة إذ لو تأخرت لم تفد، وإذا قارنت أو تقدمت لم يتأت معها إبقاء العام على عمومه حتى يخصص، بل لم يرد به إلا المنوي، فهو عام أريد به المخصوص فيبطل قوله: إن النية هنا مؤكدة. انتهى.

قال الشيخ بناني: وهذه الطريق أي طريق المتقدمين هي الحق. انتهى. قال: وردوا على القرافي أيضا بأن النية هي أول معتبر في الأيمان ثم السبب والبسَاط، وإذا اقتضى السبب والبساط تقييد اللفظ أو تخصيصه لكونهما يدلان على التخصيص أو التقييد، فلأن يعتبر التخصيص أو التقييد المنويان من باب أولى، وقال الشيخ أبو زيد الفاسي: والصحيح في النظر أن النية تكون مخصصة وإن لم تكن منافية من جهة أن القواعد الشرعية تقتضي أنه لا تترتب الأحكام الشرعية في العبادات والمعاملات إلا على النية والمقصود، وما ليس بمنوي ولا مقصود فغير معتد به ولا مؤاخذ بسببه، وهذا أمر لا يكاد يجهله أحد من الشرع، قال ابن الشاط رحعه الله: ولم يحمل شهاب الدين فيما قاله على ذلك إلا توهمه أن حكم النية كحكم الألفاظ الدالة على المدلولات، والأمر ليس كما توهم. والله أعلم. انتهى.

وقال البقوري والسبتي

(1)

في اختصار الفروق: ويرد على القرافي أن قول القائل والله لا لبست ثوبا ونوى الكتان وغفل عن غيره، هو بمنزلة ما لو صرح بذلك، فقال: والله لا لبست ثوب كتان وهو غافل عن غير الكتان، فإنه لا يحنث بغير الكتان إجماعا، فكذلك ما نحن فيه. انتهى. وقال ابن مرزوق: قد رد على القرافي جماعة منهم العلامة المحقق أبو موسى بن الإمام

(2)

بما يطول جلبه، وتأمل كثرة ما وقع من مسائل المذهب أنه لا يحنث بغير ما نوى. نقله الشيخ محمد بن الحسن. وقال بعد جلب كلام: فتبين مما تقدم ضعف طريقة القرافي، وأنه لا ينبغي حمل كلام المص عليها كما فعله الحطاب، وتبعه الزرقاني، وإنما ينبغي أن يحمل على الطريقة الأخرى ويكون

(1)

في البناني ج 3 ص 65 البقوري السبتي.

(2)

في البناني ج 3 ص 65 أبو موسى بن الأمان.

ص: 225

معنى "نافت": خالفت، فالقيد ليس للاحتراز بل لكشف صورة التخصيص؛ إذ من ضروريتها

(1)

ذلك، وهذا الحمل هو الذي ارتضاه الشيخ أبو زيد والشيخ أحمد بابا والرماصي وغيرهم. انتهى. قال جامعه عفا الله عنه: وهذا هو الحق الذي لا شك فيه، فطريقة المتقدمين هي الصواب. والله سبحانه أعلم. وإنما قررت المص بطريقة القرافي، وإن كان غيرها هو الصواب؛ لأن حمله على غير طريقة القرافي فيه تكلف. والله سبحانه أعلم. وكما تخصص النية العام تعمم الخاص كما يأتي في قول المص:"وبما أنبتت الحنطة"، وقد صرحوا بأنها تعمم المطلق، كأن تقول: لأكرمن أخاك وتنوي جميع إخوتك: فلا يبر إلا بإكرام جميع إخوته.

واعلم أن من سئل شيئا فقال: علي فيه يمين وهو كاذب، وإنما اعتذر فلا شيء عليه إلا في الطلاق والعتق إن قامت عليه بينة، إلا أن يكون أشهد قبل أن يقول ما قال إني إنما أقول ذلك معتذرا، ومن وجد امرأته قد خرجت، فقال: لم خرجت وقد كنت حلفت بطلاقك إن خرجت؟ ثم قال: ما حلفت وما قلت ما قلت إلا تغليظا عليها، فلا شيء عليه في الفتيا، وأما في الحكم فيلزمه الطلاق. ثم بساط يمينه؛ يعني أنه إذا فقدت النية أو لم يضبطها الحالف فإنه يعتبر في التخصيص والتقييد بساط يمينه، والبساط هو السبب الحامل على الحلف؛ يعني إذا كانت اليمين مما ينوى فيه.

واعلم أن اعتبار البساط ليس بانتقال عن النية في الحقيقة، وإنما هو مظنة النية، فعدل إليه تحويما على النية، فإذا قيل لحم البقر داء كما ورد، فلا تأكل منه يؤذيك، فحلف لا آكل لحما ولم يقصد تعميما ولا تخصيصا، فالسبب الحامل له على اليمين اللحم المؤذي، فلا يحنث إلا بلحم البقر لا بغيره، وكمن قيل له إنما تزكي الناس بشيء تأخذه منهم فحلف بالطلاق لا يزكي، وليس له نية فلا يحنث بإخراج الزكاة، وإنما يحنث بتزكية الناس، وكمن سمع أن الصالحين لا يشقى جليسهم، فحلف لأجالسن رجلا فلا يبر إلا بمجالسة رجل صالح، ويعتبر البساط في الفتوف والقضاء، ولابد أن تشهد البينة عند المرافعة بالبساط، وأما إن شهدت البينة باليمين وادعى هو البساط فلا يعمل عليه في المرافعة، ولو مَنَّ شخص على آخر بهبة شاة، فحلف لا

(1)

في البناني ج 3 ص 65 ضرورياتها.

ص: 226

يأكل لبنها ولا لحمها حنث بما اشتري من ثمنها أكلا أو لباسا، بخلاف غير ثمنها إلا أن يكون نوى أن لا ينتفع منه بشيء.

ثم عرف قولي؛ يعني أنه إذا فقدت النية والبساط فإنه يتوصل إلى مراد الحالف بالعرف القولي؛ بأن يحمل لفظه على المتعارف عند الناس في مثل هذا اللفظ الذي صدر منه في حال حلفه؛ لأنه غالب قصد الحالف، ولأن كل متكلم بلغة يجب حمل كلامه عليها فتخصص يمينه بذلك المتعارف وتقيد به، كمن حلف لا أركب دابة وعرف أهل بلده في الدابة الحمار فإنه لا يحنث إلا بالحمار دون غيره، وكمن حلف لأركبن دابة وعرف أهل بلده في الدابة البغل فلا يبر إلا بركوب بغلة، واحترز بالقولي عن الفعلي، كمن حلف لا يأكل خبزا وعادته أكل خبر البر فإنه يحنث بخبز الشعير والذرة وإن لم يأكله، وقيل باعتبار العرف الفعلي. قال الشيخ محمد بن الحسن: تبع المص القرافي وغيره في عدم اعتبار العرف الفعلي هنا، وفي التوضيح: ونقل فيه عن ابن عبد السلام أن ظاهر مسائل الفقهاء اعتبار العرف وإن كان فعليا، ونقل الوانوغي عن الباجي أنه صرح بأن العرف الفعلي يعتبر مخصصا ومقيدا، قال: وبه يرد ما زعمه القرافي، وقد صرح اللخمي أيضا باعتباره، وفي القلشاني: لا فرق بين القولي والفعلي في ظاهر مسائل الفقهاء، وقيل: لا يعتبر إلا القولي. انتهى. وهذا يفيد اعتماد هذا القول. والله سبحانه أعلم.

واعلم أن العرف القولي يكون في المفردات كما مثلت، ويكون في المركبات كقول القائل لغريمه: والله لأقضينك حقك في رأس الشهر، فإن هذا اللفظ مستعمل في قصد عدم التأخير عن هذه الغاية دون التأخير إليها الذي هو مدلول هذا اللفظ لغة، والعرف القولي هو غلبة استعمال اللفظ في غير المسمى اللغوي، فهو ناسخ للغة والناسخ مقدم على المنسوخ، فمن قال: والله لأرينه النجوم بالنهار فلا خلاف أنه يحمل على ما علم من ذلك من المبالغة دون الحقيقة. قاله الشيخ إبراهيم. وقد استفيد بتأخير قوله: "ثم عرف قولي"، عن النية والبساط أمران، أحدهما أن الحنث في قول المص:"وبسويق أو لبن" لخ، وبقوله:"وبكعك وخشكنان" لخ، حيث لا نية ولا بساط، ثانيهما أن الحنث فيما ذكر إنما هو حيث يطلق المحلوف عليه عرفا على ما ذكر أنه يحنث به. انتهى.

ص: 227

ثم مقصد لغوي؛ يعني أنه إذا فقدت النية من الحالف والبساط والعرف القولي، فإن لفظه يحمل على مقتضاه لغة، والقصد بفتح الصاد وكسرها كحلفه لا أركب دابة، فإنه يحنث بكل ما يدب؛ لأن ذلك مدلوله لغة ولو كان المركوب كتمساح، وكحلفه لا يصلي فيحنث بالدعاء، وكحلفه ليركبن دابة فيبر بكل ما يدب، فإن احتمل اللفظ لغة وجهين أو أكثر فعلى أظهر محتملاته، فإن لم يكن أحدهما أظهر [واستويا

(1)

] بلا مزية جرى على الخلاف في المجتهد تتعارض عنده الأدلة ولا ترجيح، فقيل يأخذ بالأثقل وقيل بالأخف وقيل بما شاء.

وفي الحطاب عند قوله: "ثم مقصد لغوي"، وهذا في المظنون، وأما المعلوم مثل: قوله والله لأرينه النجوم في النهار، فلا خلاف أنه يحمل على ما علم من ذلك من المبالغة دون الحقيقة. والله أعلم. انتهى.

ثم شرعي؛ يعني أنه إذا فقدت الأمور الأربعة، فإن لفظ الحالف يحمل على مقتضاه شرعا، قال ابن فرحون: وهذا إنما يصح إذا كان المتكلم صاحب الشرع، فلو حلف لا يصلي أو ليصلين، فإن المعتبر في بره وحنثه الصلاة الشرعية، وكحلفه لا أكلم رجال بني فلان فيحنث بكلام صبيانهم. واعلم أن المذهب خلاف ما مشى عليه المص، فإن المذهب تقديم الشرعي على اللغوي، وعلى ما للمص هنا استشكل وجود مدلول شرعي بدون لغوي؛ لأن الشرعي إما بعض اللغوي وهو أغلب أحواله، وإما مساو له كالظلم، فإنه تجاوز الحد لغة وشرعا.

وأجيب بأن المعرب وهو لفظ غير علم -استعمله العرب فيما وضع له في غير لغتهم على القول بوقوعه في القرآن- له مدلول شرعي وليس له مدلول لغوي؛ لأن المراد بالشرعي ما وضعه الشارع لا ما وضعه أهل الشرع فيه، فإذا حلف لا وزن بالقسطاس يحنث بوزن الميزان؛ إذ هو معنى الميزان في غير لغة العرب، وليس له معنى عند العرب وهذا بعيد. قاله الشيخ علي الأجهوري. وفي حاشية الشيخ بناني عند قول الشيخ عبد الباقي: والمذهب تقديمه على اللغوي بل يقدم الشرعي أيضا على العرفي كما يفيده سماع سحنون عن ابن القاسم الذي في المواق وجزم به الشيخ ميارة، وقوله:"ثم مقصد لغوي ثم شرعي"، الذي يظهر أن قوله:"مقصد"، نائب فاعل فعل

(1)

في النسخ استوى والمثبت من عبد الباقي ج 3 ص 69.

ص: 228

محذوف تقديره ثم يعتبر مقصد لخ؛ إذ ليس من التخصيص والتقييد، فلو فرعنا على القول بتقديم الشرعي على اللغوي لكان الشرعي مخصصا ومقيدا لا بعده. والله سبحانه أعلم.

ولما فرغ من مقتضيات البر والحنث من النية وما بعدها، أخذ يذكر فروعا تنبني على تلك الأصول، وهي في نفسها أصول أيضا، فقال: وحنث إن لم تكن له نية ولا بساط بفوت ما حلف عليه؛ يعني أن الحالف إذا كانت يمينه على حنث سواء كانت مطلقة أو مقيدة بأجل، فإنه يحنث إذا لم يفعل المحلوف عليه، وتعذر فعله له لفواته سواء فات بغير مفوت، كما إذا حلف لأدخلن الدار في هذا اليوم ففات اليوم ولم يدخل الدار فيه، بل ولو كان فوته لأجل مانع شرعي؛ يعني أنه لا فرق في حنثه بفوت ما حلف عليه بين كونه بغير مفوت كما مثلت، وبين فوته بسبب مانع شرعي، كمن حلف ليطأن زوجته الليلة فوجدها حائضا، ومعنى ذلك كما أشرت إليه أنه وقت؛ بأن قال: لأطأنها في هذه الليلة فوجدها حائضا، وكمن حلف ليبيعن أمته فوجدها حاملا منه، ورد المص بلو قول سحنون في مسألة البيع، فإنه قال: لا يحنث، ورد بها أيضا تفرقة ابن القاسم وابن دينار في مسألة الوطء، قالا: إن فرط قدر ما يمكنه الوطء حنث وإلا فلا.

أو سرقة؛ يعني أن الحالف في صيغة الحنث إذا فات ما حلف عليه بسبب مانع عادي فإنه يحنث، وهذا إذا تأخر المانع وقت أو لم يوقت، بادر أو لم يبادر، وأما إن تقدم المانع على الحلف فلا حنث. وقوله:"أو سرقة"، مثاله لو حلف ليذبحن الحمامة فسرقت أو غصبت أو استحقت، فإنه يحنث حيث تأخر المانع كما عرفت، وكسقوط دينار حلف ليشترين به لزوجته ثوبا إن أراد الشراء بالدينار بعينه لا إن أراد الشراء به أو بغيره، وما ذكره المص مذهب المدونة. وقال أشهب: لا يحنث، وعليه رد المص بلو المقدرة في المعطوف.

لا بكموت حمام في ليذبحنه؛ يعني أن المحلوف عليه إذا فات لأجل مانع عقلي، كما لو حلف ليذبحن هذه الحمامة بمعنى يزهق روحها فماتت، فإنه لا حنث على الحالف، ومحل عدم الحنث بالعقلي حيث وقت أو لم يؤقت وبادر، وأما إن فرط فيحنث، قال الشيخ عبد الباقي: ودخل بالكاف حلفه ليلبسن هذا الثوب في هذا اليوم وأمسكه من ساعته ليلبسه فخلعه منه آخر

ص: 229

وحرقه في حينه وصار رمادا. انتهى. قوله: وأمسكه من ساعته لخ، قال الشيخ محمد بن الحسن: الصواب إسقاطه لأنه ليس قيدا في عدم الحنث لأن اليمين موقتة ولا حنث فيها بالمانع العقلي بادر أولا. انتهى. وهذا كله إن تأخر المانع، وأما إن تقدم، فإن كان شرعيا حنث لا إن كان عاديا كما مر أو كان عقليا.

والحاصل أن الفوت بالمانع على ثلاثة أقسام: قسم يحنث فيه مطلقا وهو الشرعي تقدم أو تأخر وقت أم لا فرط أم لا، وقسم لا يحنث فيه مطلقا وهو العقلي والعادي المتقدمان على اليمين وقت أم لا. فرط أم لا. قاله الشيخ عبد الباقي. قال الشيخ محمد بن الحسن: انظر كيف يتصور التفريط في المانع المتقدم. وقد يقال تفريطه بإمكان الكشف عنه قريبا فتركه وحلف. انتهى. وقسم يفصل فيه وهو العادي والعقلي المتأخران عن اليمين، فالعادي يحنث به مطلقا، والعقلي يحنث به إذا لم يوقت وفرط لا إن بادر أو وقت.

ونظم ذلك الشيخ علي الأجهوري، فقال:

إذا فات محلوف عليه بمانع

فإن كان شرعيا فحنث وأطلقا

كعقلي اوْ عادي اِن يتأخرا

وفرط حتى فات دام لك البقا

وإن وقتَ أو قد كان منه تبادر

فحنثه بالعادي لا غير مطلقا

وإن كان كل قد تقدم منهما

فلا حنث في حال فخذه محققا

وإنما حنث في المانع الشرعي، وإن تقدم بخلاف غيره إذا تقدم لإمكان الفعل معه ما لا يمكن مع غيره ويحصل البر به على أحد القولين الآتيين، فكان وجود المانع كعدمه، وما مر من الحنث بالعادي المتأخر مطلقا يعارضه أي هذا الإطلاق ما في المواق عن ابن القاسم، فيمن حلف لربيبه لئن أتاه بخبز ليطرحنه بالخربة، فدخل عليه ومعه خبز فضجت أمه فخرج بالخبز، فقال: إن

ص: 230

كان يقدر أن يأخذ الخبز فتوانى فأراه حانثا، وإن هرب ولم يقدر عليه فلا حنث عليه. ابن رشد: هذه مسألة صحيحة على أصولهم لا خلاف فيها، فانظر قوله: لا خلاف فيها، مع أن المانع عادي، ثم رأيت ابن عرفة تعقبه، فقال عقبه: قلت إن فهمه على حصول وجدانه فهروبه به كسرقته لا كموت.

تنبيه: من حلف بعتق عبده فباعه عليه السلطان في دين، فمتى عاد إليه عادت عليه اليمين إلا أن يعود إليه بميراث، قاله الحطاب.

واعلم أن قاعدة المص في هذا الباب أنه إذا قال: وبكذا، يشير به إلى ما يقع قيه الحنث، وإذا قال: لا كذا، يشير به إلى ما لا حنث فيه. انظر الشارح. ومن حلف ليفعلن فعلا فهو على حنث حتى يفعل كما علمت، فإذا لم يفعل حتى مات وقع عليه الحنث بعد الموت بالطلاق أو بالعتق، فوجب أن ترثه المرأة لأن الطلاق بعد الموت لا يصح، وأن يعتق الغلام في الثلث على حكم العتق بعد الموت، ومن حلف ليشترين دار زيد فليشترها بثمن مثلها في الوقت، فإن طلبوا منه ثمنا فاحشا فإنه لا يلزمه يمين، وإن حلف ليبيعن داره إن وجد من يشتريها فلا يحنث، ولا يحال بينه وبين امرأته حتى تبلغ القيمة فيحنث إذا.

وسئل السيوري عمن حلف لا دخل الدار ولا أكل الطعام في هذا العيد، فما قدر العيد؟ فأجاب: العيد على قدر ما يعرفه الناس بينهم، ومن حلف أن لا يعيد مع أهله فليخرج من بلده إلى بلد آخر ولو قربت مسافته، ولا يرجع إلا في اليوم الثاني إن كان عيد الفطر، وإن كان عيد الأضحى فلا يرجع إلا بعد ثلاثة أيام.

واعلم أنه بحث في المص بأنه لم يبق للمص صورة يصدق عليها ما قبل المبالغة، وأجيب بأن ما قبلها الفوات بغير مفوت، قال الشيخ محمد بن الحسن: وفيه نظر؛ إذ لا يتصور الفوت بغير مانع، وقد يجاب بتصوره فيما إذا حلف ليطأن الليلة فتركه حتى فاتت الليلة. انتهى. وهذا الجواب قررته في أول الحل.

وبعزمه على ضده؛ يعني أن الحالف يحنث إذا عزم على ضد ما حلف عليه، كمن حلف ليدخلن الدار فعزم على أنه لا يدخلها، ومحل كلام المص إذا كانت اليمين يمين حنث كما

ص: 231

مثلت، وأما إن كانت يمينه يمين بر فلا يحنث بالعزم على الضد، خلافا لتعميم الشارح، قال الشيخ محمد بن الحسن: والمذهب عدم الحنث بالعزم على الضد، لا نقله المواق هنا عن ابن رشد، ونصه: انظر لو كان حلف بالطلاق والمشي والصدقة ليتزوجن عليها، قال ابن رشد: إن أراد إذا حلف بجميع ذلك أن يحنث نفسه في الطلاق وحده فيطلق امرأته واحدة، كما لو حلف ليرتجع ويطأ كان ذلك له، فإن بر في التزويج قبل الموت سقط عنه الشي والصدقة، وإن لم يبر حتى مات كانت الصدقة في ثلث ماله؛ لأن الحنث إنما وجب عليه بعد الموت. انتهى.

وفي آخر مسألة من سماع أبي زيد من كتاب الظهار فيمن قال: إن لم أتزوج عليك فأنت علي كظهر أمي: ثم أراد أن يكفر عن اليمين فابتدأ الكفارة، فلما صام أياما أراد أن يبر بالتزويج عليها، قال: إذا تزوج عليها سقطت عنه الكفارة، هذا كلام السماع، ومثله في كلام ابن رشد. نقله الحطاب. عند قول المص:"وتعددت الكفارة إن عاد" لخ، وهو صريح في أنه لا يحنث بالعزم على الضد؛ إز لو حنث به ما سقطت عنه الكفارة بالتزويج. فتأمله. انتهى. وفي الحطاب: إذا حلف لا يأكل مخبوزا لزوجته فأكل ما خبزته قبل اليمين: فإن كانت نيته فيما يستقبل فلا شيء عليد وإلا حنث، ومثله ما يقع إذا حلف أن لا يلبس ما غزلت زوجته، فأراد أن يلبس ما كانت غزلته قبل ذلك أو نسجته. انتهى. ومن حلف أن لا يكلم فلانا في الوسم حنث إن كلمه في الحج إلا أن يكون نوى سوقا من الأسواق وأتى مستفتيا؛ لأن الموسم يعرف في الحج. نقله الحطاب. وبالنسيان إن أطلق؛ يعني أن الحالف يحنث بفعل ما حلف على تركه ولو ناسيا، كما لو حلف لا يدخل الدار ودخلها ناسيا ليمينه فيحنث، ومحل الحنث بالنسيان إن أطلق في يمينه أي لم يقيدها بالذكر، ومثل النسيان الخطأ والجهل، مثال الخطإ حلفه لا دخل دار فلان فدخلها معتقدا أنها غيرها، هذا في الفعل، ومثاله في القول حلفه لا أزكر فلانا فذكره ظانا أنه غير الاسم المحلوف عليه، ومثال الجهل أن يعتقد من حلف ليدخلن الدار في وقت كذا أنه لا يلزمه الدخول في ذلك الوقت. انظر شرح الشيخ عبد الباقي، وحاشية الشيخ بناني. وقال الشيخ عبد الباقي: إنه يحنث إذا حلف لا أذكر فلانا فأراد ذكر غيره، فجرى على لسانه ذكر المحلوف عليه غلطا. انتهى. واستبعده الشيخ بناني، فقال: هذا في الحنث بعيد. انتهى.

ص: 232

وفي الحطاب عن ابن عرفة: وأصل المذهب أن الجهل والخطأ في مُوجَبِ الحنث كالعلم والعمد، سمع يحيى ابن القاسم: من حلف ليقضين الحق ربه يوم الفطر، فكان في موضعه يوم السبت فقضاه فيه، ثم جاء الثبت من الحاضرة أنه الجمعة حنث. الشيخ عن الموازية: من حلف لا وطئ امرأته حنث بوطئه إياها نائما لا يشعر كالناسي، ومن حلف لا يأخذ من فلان درهما فأخذ منه ثوبا فيه درهم فرده

(1)

حين علم، قال أصبغ: لا يحنث. ابن رشد: لابن القاسم في المبسوط يحنث إلا أن ينوي، كقوله: فيها، فيمن حلف لا مال له وله مال ورثه لم يعلمه، ولابن كنانة كأصبغ فيما لا يسترفع فيه الدرهم، وعلى قول سرقتها الفرق بين ما يسترفع فيه الدرهم وما لا، فالأقوال ثلاثة عدم الحنث لرعي القصد، والحنث لرعي اللفظ دونه، والثالث استحسان. انتهى. وفي التوضيح: اليمين إن قيدت كما لو قال: والله لا أدخل الدار عمدا أو لا أدخلها إلا أن أنسى، فالاتفاق على أنه لا يحنث في النسيان. انتهى. وقوله:"وبالنسيان إن أطلق"، هو المعروف من المذهب، وذهب السيوري وابن العربي في جمع من المتأخرين إلى عدم الحنث. قاله الحطاب. ولو قال: لا أفعله عمدا ولا نسيانا حنث بالنسيان اتفاقا. قاله الشيخ إبراهيم. ومن حلف بالطلاق ليصومن غدا فأصبح صائما وأكل ناسيا فلا حنث عليه لعدم فطره بالنسيان؛ إذ الأكل في التطوع نسيانا لا يبطله، وهذا تطوع بحسب الأصل، فلما لم يبطل صومه لم يحنث. قاله غير واحد.

وفي الحطاب عن ابن رشد أنه: قد ذهب أكثر العلماء إلى أنه لا قضاء على من أكل في رمضان ناسيا انتهى. ومن مر به رجل وهو يتوضأ. فقال: قم معي، فقال: امرأته طالق البتة إن قمت معك حتى أفرغ من وضوئي، فتوضأ ثم ذهب معه، فذكر أنه نسي المضمضة أو مسح الأذنين أو الرأس حنث؛ لأنه إنما أراد الوضوء الذي يتوضأ الناس، ولم يرد الفروض من المسنون، ولو خص شيئا بنية قبلت إن جاء مستفتيا، ومن من عليه أبوه بما يشتريه، فحلف بالحلال عليه حرام إن أكل شيئا مما يشتريه أبوه ثم تبدل خبزه بخبز أبيه في الفرن، فأكل خبز أبيه لا حنث عليه. البرزلي: لأنه أكله على معنى العوض فلا منة عليه، ولم يكن قصده عين الطعام، كما قال في

(1)

في النسخ رده والمثبت من الحطاب ج 4 ص 91 ط دار الرضوان.

ص: 233

المدونة: لو اشترى منه شيئا كما يشتري من الناس ولها نظائر في خلط الرؤوس عند الشراء وخلط المقارض طعامه مع غيره وخلط الأزواد. انتهى. قاله الإمام الحطاب.

وبالبعض؛ يعني أن من حلف لا يفعل كذا ففعل بعضه يحنث بفعل ذلك البعض، كقوله: والله لا آكل هذا الطعام فإنه يحنث ببعضه ولو لقمة، وكمن قال لامرأته: أنت طالق إن صليت ركعتين فصلى ركعة أو أحرم ثم قطع، وكمن حلف لا صام فبيت الصوم حتى طلع الفجر فأفطر فإنه يحنث، وكذا الحالف لا لبس لامرأته ثوبا فلما أدخل طوقه في عنقه عرفه فنزعه، وكذا من حلف لا ركب دابة فلان فأدخل رجله في الركاب واستقل عن الأرض وهم أن يقعد على السرج ثم ذكر فنزل، ولو ذكر حين استقل من الأرض ولم يستو عليها فلا شيء عليه: ومن حلف ليقرأن القرآن اليوم أو سورة فقرأ ذلك ثم ذكر أنه أسقط حرفا، فإن علم أنه يسقط مثل ذلك الذي حلف عليه فله ما نوى، ومن جاء بما لا يعرف من الخطإ الكثير أو ترك سورة فهو حانث. قاله الإمام الحطاب.

وقوله: "وبالبعض"؛ هو المشهور، وقال ابن كنانة: لا يحنث إلا بفعل الكل، وقوله:"وبالبعض"؛ يعني ولو أكد بالكل على المشهور كحلفه لا آكل هذا القرص كله، ووجه المشهور أي المقابل لقول ابن كنانة بأن الحالف على عدم الفعل كأكل الرغيف قصده التجنب عن كل جزء من أجزائه فكان كل جزء محلوفا عليه، فلذا حنث بالبعض لأنه خالف ما حلف عليه، ومن هذه المسألة ما لو قال لامرأته: إن وضعت ما في بطنك فأنت طالق: فوضعت واحدا وبقى في بطنها آخر فيحنث على المشهور، وإن علق على الوطء حنث بمغيب الحشفة وقيل بالإنزال، ومن حلف لا يتزوج حنث بالعقد. وقد مر أنه يحنث بالبعض ولو قيد بالكل وهو الصحيح، واستدل له ابن عرفة بشهرة استعمال كل بمعنى الكلية، والحكم فيها على الأفراد فيتعلق بالأجزاء لا الكل الذي الحكم فيه على المجموع؛ لأنه إذا أكد بكل احتمل الكلية والكل فجعل من باب الكلية احتياطا. قاله الشيخ إبراهيم. وغيره. وهو خلاف ما هو مقرر في التلخيص وغيره من أن شرط إفادة كل الكلية في غير النفي وإلا لم تستغرق غالبا، كقوله:

ما كل ما يتمنى المرء يدركه

تجري الرياح بما لا تشتهي السفن

ص: 234

وما هنا من هذا القبيل، ومن غير الغالب {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} . فتأمله. إلا أن يقال روعي في المشهور الوجه القليل حيث لا نية ولا بساط؛ لأن الحنث يقع بأدنى الوجوه. قاله الشيخ محمد بن الحسن. ومقابل الصحيح هو طريقة ابن راشد، قائلا: إنه إذا قيدت بالكل يرتفع الخلاف أي فلا يحنث بالبعض وإنما يحنث بالكل، وقد علمت أن الحنث بالبعض هو الصحيح، ومن حلف ليتزوجن على امرأته امرأة يمسكها سنة، فتزوج امرأة أمسكها أحد عشر شهرا ثم ماتت، فقال مالك: يتزوج غيرها ويبتدئ السنة، وقال سحنون: يجزئه أن يمسكها بقية السنة. قاله الحطاب.

عكس البر؛ يعني أن البر في يمين الحنث لا يقع إلا بالكل، فمن حلف ليأكلن هذا الرغيف فإنه لا يبر إلا بأكل جميعه عكس الحنث؛ لأن الحنث يقع بأدنى الوجوه والبر يحتاط له. وقوله:"وبالبعض"؛ أي والصيغة صيغة بر، وقوله:"عكس البر"؛ أي والصيغة صيغة حنث كما قدمت، ولا يبر في صيغة الحنث إلا بالكل ولو لم يؤكد بكل، وفي المدونة: إذا قال لأمته إن دخلت هاتين الدارين فأنت حرة فدخلت إحداهما عتقت، وفيها: إذا قال لأمتيه أو زوجتيه إن دخلتما هذه الدار فأنتما حرتان أو طالقان، فدخلت إحداهما لم تعتق واحدة منهما؛ أي ولم تطلق واحدة منهما وحكى عيسى عن ابن القاسم أنهما يعتقان معا، وهو قول مالك. ابن زرقون عن مالك: تعتق الداخلة وحدها، وقاله أشهب. انتهى. نقله الشيخ عبد الباقي.

وبسويق أو لبن؛ يعني أن من حلف لا يأكل يحنث بشرب السويق ويحنث بشرب اللبن؛ لأنه أكل شرعا ولغة، وقوله: في لا آكل؛ أي في حلفه لا آكل؛ أي أن من حلف لا يأكل يحنث بشرب اللبن وبشرب السويق، وإنما حنث بالشرب المذكور لأن القصد العرفي التضييق على نفسه حتى لا يدخل بطنه طعام، ولو قصد الأكل دون الشرب لم يحنث، ومن حلف ليشربن ماء صرفا فشرب ماء متغيرا من الحمأة أو الطحلب أو ما أشبه ذلك، أو شرب ماء آبار الصحاري المتغير من العشب الذي يطوى به فإنه يبر في يمينه، ولو حلف أن لا يشرب ماء صرفا أو ليشربنه فشرب ماء الورد أو ماء مشوبا بعسل أو برب أو بشراب من الأشربة فلا حنث عليه في الأولى ولا

ص: 235

يبر في الثانية، ومن حلف ليقومن أو لا يقوم فقام متوكئا بر في الأول وحنث في الثاني، ومن حلف لا يأكل من عمل امرأته شيئا لقولها يأكل من غزلي، ثم دخل يوما فدعا بشربة جذيذة من ماله ودعا بعسل كان له في التابوت، فأخطأت المرأة فجاءت بزيت كان لها من عمل يدها أو دهن اشترته لرأسها فصبته فيه فشربه، إن كان زيتا حنث وإن كان دهنا فلا شيء عليه.

ابن رشد: لأن الدهن ليس مما يتخذ للأكل رعيا للمقصد، فحملت يمينه على ما يتخذ للأكل رضيا للمقصد الظنون، ولو حمل على ما يقتضيه اللفظ لحنث. قاله الحطاب.

والجذيذة بجيمين وذالين معجمتين بينهما ياء ساكنة: أي شربة من سويق أو نحو ذلك، سميت بذلك لأنها تجذ أي تدق وتطحن. قاله الحطاب.

لا ماء؛ يعني أن من حلف لا آكل لا يحنث بشرب ماء أيّ ماء ولو ماء زمزم؛ لأنه ليس أكلا عرفا وإن كان طعاما شرعا؛ لأن العرف يقدم عليه، وفي الشبراخيتي أن معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (طعام

(1)

)، أنه يقوم مقام الطعام في الغذاء والقوى. ولا تسحر في لا أتعشى؛ يعني أن من حلف لا يتعشى لا يحنث بالسحور وهو الأكل وقت السحر أي آخر الليل، وكما أنه لا يحنث بالتسحر في لا أتعشى لا يحنث بالماء ولا بالنبيذ في لا أتعشى، وإنما لم يحنث بالسحور؛ لأن السحور ليس بعشاء وإنما هو بدل من الغداء، وقد سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم غداء، فروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال للمقدام: (عليك بهذا السحور فإنما هو الغداء المبارك

(2)

)، فوجب أن لا يحنث من حلف أن لا يتعشى إذا تسحر كما لا يحنث إذا تغدى، وهذا إذا لم تكن له نية ولا بساط، فإن نوى أن لا يأكل طعاما في تلك الليلة حنث بالسحور. وذواق لم يصل جوفة؛ يعني أن من حلف لا يأكل كذا أو لا يشربه فذاقه ولم يصل جوفه لا يحنث بذلك، وقوله:"وذواق" بمعنى: مذوق. قاله الشيخ إبراهيم.

وبوجود أكثر في ليس معي غيره لمتسلف؛ يعني أنه إذا حلف شخص لمن طلبه أن يسلفه دراهم مثلا، أو حلف لسائل أو مقتض حقه ونحو ذلك أنه ليس معي إلا عشرة فوجد معه أكثر من

(1)

مسلم، كتاب فضائل الصحابة، رقم الحديث 2473.

(2)

سنن النسائي، كتاب الصيام، ج 2، ص 146، مسند أحمد، ج 4 ص، 132.

ص: 236

عشرة فإنه يحنث إذا كانت يمينه بطلاق أو عتق، ونحوهما مما لا لغو فيه، وأما اليمين بالله تعلى فلغو كما في الحطاب. قال ابن فرحون في ألغازه: من حلف أنه ليس عنده مال ثم ظهر أن عنده مالا لم يكن علم به، فإن كان حلف بالله فقد بر في يمينه وكان ذلك من لغو اليمين، وإن كان حلف بطلاق أو عتق أو صدقة أو غير ذلك من الأيمان فقد حنث. انتهى. قال الإمام الحطاب: وهو ظاهر. والله أعلم. لا أقل؛ يعني أنه لو حلف أنه ليس معه إلا عشرة فوجد معه أقل منها كثمانية -مثلا- فإنه لا حنث عليه ولو كانت يمينه بطلاق؛ لأن المراد ليس معي أكثر كما دلت عليه القرينة العادية، وقوله:"وبوجود أكثر"؛ أي أكثر وزنا أو عددا، وقوله:"لا أقل"؛ أي وزنا أو عددا. وبدوام ركوبه أو لبسه في لا أركب ولا ألبس؛ معني أن من حلف، لا يركب دابة وهو راكب عليها لزمه النزول في أول أوقات الإمكان، فإن تراخى مع الإمكان حنث، وكذا لو حلف أن لا يلبس ثوبا وهو عليه لزمه نزعه عنه في أول أوقات الإمكان، فإن تراخى مع الإمكان حنث، وكذا من حلف لا يسكن دارا وهو ساكنها لزمه النزوع أول أوقات الإمكان، فإن تراخى مع الإمكان حنث، وقيل لا يحنث في هذه الأمثلة، ومبنى ذلك هل الدوام كالابتداء أم لا؟ وكما يحنث بالدوام يبر به، كحلفه لأركبن هذه الدابة أو لألبسن هذا الثوب، ويبر بالدوام ولو لحظة إن أطلق، وأما إن قيد كحلفه لألبسن هذا الثوب شهرا أو لأركبن هذه الدابة جمعة أو جميع هذا السفر، فإنه لا يشترط الدوام في كل الأزمنة، بل بحسب العرف فلا يحنث بالنزول ليلا ولا في أوقات الضرورة ولا بنزع الثوب ليلا. قاله غير واحد.

لا في كدخول؛ يعني أنه إذا حلف لا يدخل هذه الدار أو هذا المكان وهو داخل فيها أو فيه، فإنه لا يحنث بإقامته فيها أو فيه على المشهور. وقال أشهب بالحنث، ومحل كلامه حيث لم يحلف بعد الشروع في الدخول ثم تمادى، وأما لو حلف بعد الشروع في الدخول وتمادى عليه فإنه يحنث، والفرق بين هذا وما قبله أنه يعد راكبا ولابسا بالدوام على ذلك، ولا يعد داخلا بالجلوس في الدار بل حتى يخرج منها ويدخلها بعد ذلك، ودخل بالكاف إن حضت أو طهرت أو حملت أو نمت مما لا يمكن تركه وهي متصفة به فلا يحنث باستمرارها على ذلك، بل بأمر مستقبل إلا في يمين الطلاق في غير الحامل، وأما إن قال لحامل: إن حملت فأنت طالق لم تطلق

ص: 237

عليه بذلك الحمل بل بحمل مستقبل، والسفينة كالدابة فيما إذا حلف لا يركبها، وكالدار فيما إذا حلف لا يدخلها. قاله غير واحد.

وفي الشبراخيتي ما نصه: ومن قال لحائض إن حضت فأنت طالق فإنه ينجز عليه الطلاق، لكن لا من حيث تلبسها بالحيض بل من حيث إنه علق الطلاق على أمر غالب وقوعه، ولذا ينجز عليه الطلاق إذا قاله لغير المتلبسة بالحيض، ويجري مثله في إن قمت فأنت طالق، فإنه ينجز عليه الطلاق، سواء قال لها ذلك وهي متلبسة بالقيام أم لا، كما يفيده قوله الآتي:"أو بما الا صبر عنه كإن قمت" لخ. ومثله إن نمت. انتهى. وفي الحطاب مانصه: التونسي: اختلف في كون تمادي الحيض والحمل والنوم كالركوب. انتهى. وسئل ابن الحاج عمن حلف بطلاق زوجته إن قضى الله حاجته أو وصل إلى موضع نواه ليتصدقن على مساكين ذلك الموضع بشيء سماه، فوصل إلى ذلك الموضع الذي نواد وبقي مع زوجته مدة طويلة بعد وصوله ولم يتصدق بشيء، ثم طلق زوجته بعد تلك المدة وتصدق بعد طلاقه، فهل كان مع زوجته في تلك المدة على بر أو حنث؟ جوابها: إن كانت نيته أن يتصدق حين وصوله عاجلا فلم يفعل فقد حنث في يمينه بالطلاق، وإن قصد التأخير فلا يحنث، غير أنه إن راجعها فهو معها على حنث، فإن تصدق سقطت عنه اليمين وإلا دخل عليه الإيلاء من يوم ترفعه للقاضي، وكذا الحكم إن لم تكن له نية في تعجيل الصدقة ولا تأخيرها. انتهى.

ووقعت مسألة: وهي أن رجلا حلف بالطلاق الثلاث لزوجاته إن بقيتن لي بزوجات، فآل الأمر إلى أنه يطلقهن واحدة على فداء ويبر في يمينه. واعلم أن قوله لزوجته: إن حملت فأنت طالق، له ثلاث حالات، إحداها أن يقوله لمحققة الحمل فإنه لا يحنث إلا بحمل مستقبل عند الأكثر، وقيل ينجز عليه الطلاق ولا ينتظر حمل مستقبل، الثانية أن يقوله لمن لا حمل بها حقيقة فإنه لا ينجز عليه الطلاق إلا بحصول حمل في المستقبل تحقيقا أو شكا، كأن يطأها بعد قوله ذلك وطئا أنزل فيه وإن مرة؛ لأن العصمة لا تبقى مع الشك، وقيل إنما يحنث إذا ظهر بها حمل، الثالثة أن يقول ذلك لمن شك في حملها كمن وطئها وطئا أنزل فيه ولم يعزل وإن مرة قبل قوله ذلك، فإنه ينجز عليه أيضا للعلة المذكورة. انظر الشبراخيتي.

ص: 238

وبدابة عبده في دابته؛ يعني أنه إذا حلف لا يركب دابة نفسه فإنه يحنث بركوب دابة عبده، وكذا لو حلف لا ركب زيد دابتي فإنه يحنث بركوب زيد لدابة عبد الحالف، وكذا يحنث من حلف لا ركب دابة زيد بركوب دابة عبد زيد، فالضمير في عبده يحتمل رجوعه للحالف، وله حينئذ صورتان وهما الأوليان، ويحتمل رجوعه للمحلوف عليه أي على ركوب دابته وهي الصورة الثالثة. وقال أشهب: لا يحنث بدابة العبد.

وقوله: "وبدابة عبده" اعلم أنه يحنث بركوب دابة العبد ولو مكاتبا، ومفهوم عبده أن دابة ولده لا يحنث الحالف بركوبها، ولو كان للوالد اعتصارها كما يفيده الأجهوري، وقال الشيخ سالم: تخصيصه عدم الحنث بأشهب يدل على أن المذهب أنه يحنث بدابة الولد إن كانت موهوبة من والده، وله اعتصارها لا ما لا اعتصار له فيه، وقوله:"وبدابة عبده"، العلة في الحنث هي أن للسيد انتزاع مال عبده. قاله الشيخ إبراهيم؛ يعني في الصورتين الأوليين، وأما في الثالثة فقال الشيخ الخرشي ما نصه: قال فيها: ومن حلف أن لا يركب دابة فلان فركب دابة عبده حنث إلا أن يكون له نية؛ لأن ما في يد العبد لسيده، ألا ترى أن العبد لو اشترى من يعتق على سيده لعتق عليه؟ وقال أشهب: لا يحنث. ابن المواز: وكذا لو ركب دابة ولده مما للأب اعتصاره لا يحنث، زاد السنهوري في شرحه: قلت تخصيص عدم الحنث بأشهب يدل على ضعفه، وأن المذهب يحنث في دابة الولد. انتهى.

وبجمع الأسواط في لأضربنه كذا، كناية عن العدد؛ يعني أنه لو حلف ليضربنه مائة سوط -مثلا- وجمع مائة سوط وضربه بها ضربة واحدة، فإنه لا يبر بذلك ولا تحسب له واحدة إذا لم يحصل بذلك إيلام كإيلام المنفردة، فيستأنف المائة وأما إن حصل بها إيلام الواحدة فتحسب له ضربة واحدة، ولو ضربه بسوط له رأسان خمسين اجتزأ بخمسين واستأنف خمسين، وقال التتائي: ومثل جمعها في عدم الاحتساب بشيء منها ما إذا ضربه العشرين مثلا [بخفه

(1)

] اهـ. وقال الشيخ عبد الباقي: وينبغي تقييد مسألة المص بما إذا لم يكن كل واحد منفردا عن الآخر

(1)

كذا في النسخ والذي في عبد الباقي ج 3 ص 73: بخفة.

ص: 239

فيما عدا محل مسكه، ويحصل بكل إيلام كإيلام المنفرد أو قريب منه، فإنه يحتسب بذلك. انتهى.

وقوله: "وبجمع الأسواط" اعلم أن المراد بالحنث فيه عدم البر، ففي تعبيره بالحنث تجوز إلا إذا قيد بأجل ومضى الأجل المحلوف على ضربه فيه، فإنه يحنث حقيقة الحنث.

وقوله: "وبجمع الأسواط"، قد علمت أنه لا يحتسب بواحدة إذا لم يحصل بذلك إيلام كإيلام الواحدة بخلاف من رمى بسبع حصيات فإنه يحتسب بحصاة، والفرق أن المقصود في الحصيات الرمي، وقد حصل بخلاف جمع الأسواط فإن المقصود من الضربة الإيلام ولم يحصل.

واعلم أنه لا حجة للمخالف في قصة أيوب صلوات الله وسلامه على نبينا وعليه في قوله عز وجل: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ} ؛ لأن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد ناسخ، لما تقدم من تقديم العرفي على الشرعي، ومعنى الآية {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا} ، وهي حزمة من حشيش أو قضبان، فاضرب به زوجتك، وكان قد حلف ليضربنها مائة ضربة لإبطائها عليه يوما، ولا تحنث بترك ضربها. فأخذ مائة عود من الإذخر أو غيره فضربها بها مرة واحدة. وقد علمت أن الخطاب لسيدنا أيوب النبي الكريم. انظر الخرشي.

تنبيهات الأول: لو حلف ليكسرن على رأس أمته عودا فكسره ثم ضربها به حتى انفلق حنث. قاله الخرشي.

الثاني: لو حلف ليضربن الرأس فضرب الوجه حنث، وإن حلف لاضرب رأسه حنث بضرب وجهه، إلا أن يريد فوق رأسه. قاله الخرشي.

الثالث: لو حلف لاضربه حنث بلكزه أو فتل أذنه أو قرصه إلا أن ينوي بالسوط أو غيره. قاله الخرشي.

الرابع: سمع القرينان: لا يبر في ليضربن أمته بضرب قدميها نقله الشيخ الخرشي.

الخامس: لو ضرب امرأته بعصا فشكت وقالت: ضربني، فحلف بالبتة ما ضربها بيده فهو حانث إلا أن ينوي بيده لطمة أو مثل ما يضرب به الناس، ولا ينوى مع البينة. قاله الشيخ الخرشي.

ص: 240

وبلحم الحوت؛ يعني أن من حلف لا يأكل لحما وأطلق في يمينه يحنث بلحم الحوت، لقوله تعلى:{وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا} ، وكذا يحنث من حلف لا يأكل الرءوس برءوس الحوت، وكذا يحنث بلحم الطير لقوله تعالى:{وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ} ، إلا أن تكون له نية فينوى أي فلا يحنث بلحم الحوت ولا بلحم الطير لإخراجه لهما. ابن الماجشون: ويحنث بما يأكل من الشاة من كرش أو أمعاء أو دماغ أو نحوه.

وبيضه؛ يعني أن من حلف لا يأكل بيضا وأطلق في يمينه أي لم يقيد ببيض نعام ولا غيره يحنث بأكل بيض الحوت كان بيض تمساح أو غيره، هذا هو الذي ارتضاه العلامة محمد بن الحسن بناني، فإنه قال: الصواب الحنث ببيض السمك كما في المواق عن المدونة، خلاف ما للزرقاني. انتهى؛ يعني قول عبد الباقي: إنه لا يحنث بما في جوف الحوت من بطارخ فإنه لحم، وخص -أي عبد الباقي- قوله:"وبيضه"، بما يبيض منه كالترس والتمساح، وهل يدخل لحم الآدمي حيث حلف لا يأكل لحما أولا؛ لأن العرف لا يعده لحما، وقد علمت أن العرف القولي مقدم على المقصد اللغوي. وفي الخرشي أن من حلف لا يأكل لحم الحوت لا يحنث بأكل بطارخه، قال: لتقرر العرف بزمننا أن لحم الحوت لا يطلق على البطارخ، ويبقى النظر إذا قال: لا آكل من هذا اللحم مشيرا للحم الحوت، فهل يحنث بأكل بطارخه لأنه متولد من لحمه فهو حينئذ فرعه وهو الظاهر أم لا؟ انتهى.

وعسل الرطب؛ يعني أن من حلف لا يأكل عسلا وأطلق في يمينه يحنث بعسل الرطب، وكذا يحنث بعسل النخل بخاء معجمة، وكذا يحنث بأكل ما طبخ بالعسل أو دخل فيه، وكما يحنث بعسل الرطب يحنث بعسل الخروب والزبيب ونحو ذلك، والضمير في قوله: في مطلقها، يرجع للحم والبيض والعسل؛ يعني أن محل الحنث بما ذكر إنما هو إذا أطلق في يمينه، بأن قال: لا آكل لحما ولم يقيد بضأن ولا معز ولا بغيرهما لا لفظا ولا نية ولا بساط ثم، أو قال لا آكل بيضا كذلك، أو قال لا أطعم عسلا كذلك، وقوله:"في مطلقها"، قد علمت أن محل الحنث حيث لا نية، وهل هذه النية مخالفة لظاهر اللفظ مخالفة قريبة فيفصل في ذلك كما تقدم، أو هي موافقة له بالنظر للعادة، وهذا الثاني هو الظاهر. انتهى. وقوله:"في مطلقها"، متعلق "بحنث"

ص: 241

(وبكعك) يعني أن من حلف لا آكل خبزا يحنث بأكل الكعك وهو خبز مدور، وفي المثل: كل

كعك مدور، وليس كل مدور كعكا. (وحشكنان) يعني أن من حلف لا يأكل خبزا يحنث بأكل الخشكنان بفتح الخاء وكسر الكاف اسم أعجمي باق على عجميته وهو كعك محشو بسكر. (وهريسة) يعني أن من حلف لا آكل خبزا يحنث بأكل الهريسة، وهي عند أهل الحجاز أن يطبخوا اللحم مع القمح طبخا ناعما حتى يعزل العظم عن اللحم ويتريع القمح، ثم يأتوا بعصا في رأسها غلظ ويعركون بها ذلك حتى يصير كالعصيدة ويأكلونه بالسمن وفيه قوة، حتى إن الرجل إذا شبع منه يبقى يوما وليلة لا يشتهي طعاما. قاله الشيخ أبو سالم العياشي في رحلته. قاله الشيخ بناني.

(وإطرية) يعني أن من حلف لا يأكل خبزا يحنث بأكل الإطرية بكسر الهمزة وتخفيف الياء وهي طعام كالخيوط من الدقيق، قال الشيخ إبراهيم: وما ذكره المص لا يجري على عرف زماننا، والجاري عليه عدم الحنث بما ذكر كالذي قبله. انتهى.

وبما قررت علم أن قوله: (في خبز) راجع للأمور الأربعة؛ أعني قوله: "وبكعك وخشكنان وهريسة وإطرية"، وهو متعلق:"بحنث"، ومعنى كلامه أنه إذا حلف لا يأكل خبزا، فإنه يحنث بواحد مما ذكر كما قدمته، فقوله:"في خبز"؛ أي في حلفه على ترك أكل الخبز، وقال الشيخ عبد الباقي: وما ذكره المص من الحنث لا يجري على عرف زماننا، والجاري عليه عدم الحنث، وقوله: لا عكسه، معناه أن من حلف على ترك أكل شيء من هذه الأشياء الخاصة؛ بأن حلف لا يأكل كعكا أو حلف لا يأكل خشكنانا أو حلف لا يأكل هريسة أو حلف لا يأكل إطرية، لا يحنث بأكل الخبز.

العتبي عن أصبغ: من حلف لا آكل كل يوم إلا خمس قرص فعملتها امرأته أكبر مما كانت، إن أكل أكثر من قدرها أولا حنث. ابن رشد: لأنه المراد لا أكثر من عددها، ولو قال: إنما نويت عددها نوي إن كان مستفتيا، ولو قيل لا ينوى مطلقا لبعد نيته كان قولا. ابن سحنون عن أبيه: يحنث في لا آكل مما تنبته الأرض بما تنبته الجبال لا العكس.

ص: 242

وبضأن؛ يعني ان من حلف لا آكل غنما يحنث بأكل الضأن ابن عرفة: محمد وابن حبيب: يحنث في لا آكل كباشا بالنعاج والصغار مطلقا لا بالصغار في لا آكل كبشا. الصقلي: وكذا عندنا في لا آكل كباشا لا يحنث بالصغار ولا إناث الكبار. ابن حبيب: لا يحنث في لا آكل نعجة أو نعاجا بصغير مطلقا ولا بكبار الذكور. محمد: لا يحنث في لا آكل خروفا بالكبير. الشيخ عنه: ويحنث بالعتود ووقف عنها محمد. أصبغ: أمرهما واحد. ابن حبيب: لا يحنث في العتود بالخروف ويحنث في العكس، وفي تيس أو تيوس بالعتود وصغير ذكور المعز، ولا يحنث في عتود أو عتدان. ابن حبيب: أو جديان بالتيوس ولا بكبار الإناث ويحنث بصغارها. ابن حبيب: يحنث في التيوس بالجدي. انتهى. قاله الإمام الحطاب. وفي القاموس: العتود: الحولي من أولاد المعز.

ومعز؛ يعني أن من حلف لا يأكل غنما يحنث بأكل العز، وإنما حنث في حلفه على الغنم بأكل المعز والضأن؛ لأن الاسم يشملهما، قال الشيخ عبد الباقي: وعرف زماننا اختصاص الغنم بالضأن. وفي النوادر الحالف على اللحم يحنث بأكل الرأس والحالف على الرأس لا يحنث بأكل اللحم وقال ابن الماجشون فيمن حلف لا يأكل اللحم: يحنث بكل ما يخرج من الشاة من كرش، أو أمعاء ودماغ وغير ذلك، ومن حلف لا يأكل لحما فأكل قديدا فهو حانث، إلا أن تكون له نية، وإن حلف على القديد لم يحنث بأكل اللحم ولا أسأله عن نيته.

وديكة؛ يعني أن من حلف لا يأكل الدجاج يحنث بأكل الديكة كقردة جمع ديك وهو الذكر من الدجاج، ويجمع أيضا على أدياك وديوك، والأنثى دجاجة. ودجاجة؛ يعني أن من حلف لا يأكل دجاجا يحنث بأكل الدجاجة وهي الأنثى من الدجاج، فقوله: في غنم، راجع لقوله:"وبضأن ومعز"؛ أي يحنث بأكل الضأن أو المعز في حلفه على ترك أكل لحم الغنم، وقوله:"ودجاج"، راجع لقوله:"وديكة ودجاجة".

قال الشارح: الحاصل أن الحالف على الأعم يحنث بالأخص دون العكس، ألا ترى أن الغنم اسم جامع للضأن والمعز، والدجاج اسم جامع للديك والدجاجة، ولذلك حنث بأحد أنواعه، وأن من حلف على نوع منها لا يحنث بأكل النوع الآخر للاسم الأخص بذلك. انتهى. ولهذا قال: لا

ص: 243

بأحدهما في الآخر؛ يعني أن من حلف لا يأكل ضأنا لا يحنث بأكل المعز وكذا العكس، وكذا من حلف لا يأكل ديكة لا يحنث بأكل الدجاجة كالعكس، فقوله:"في الآخر"، معناه لا يحنث بأحدهما أي النوعين في الحلف على ترك أكل النوع الآخر، ومن حلف لا يركب فرسا حنث بركوب البرذون لا العكس، وهذا الذي تقدم واضح؛ لأن يمين الحالف إذا عريت من نية أو بساط أو مقصد تخالف لفظه حملت على ما يقتضيه اللفظ.

وبسمن استهلك في سويق؛ حلف لا يأكل سمنا يحنث بسمن لت بالسويق حتى لم تبق له عين قائمة، وجد طعمه أو ريحه أم لا؛ لأنه يمكن استخراجه بالماء الحار من السويق إلا أن ينويه خالصا، وقيل لا يحنث إن لم يجد طعمه، قوله:"وبسمن استهلد في سويق"، وأما إن استهلك في طعام فإنه لا يحنث بأكله. قاله التتائي. نقله الشيخ علي الأجهوري، قال: والظاهر أن المراد باستهلاكه بالطبخ أن يصير بحيث لا يمكن استخلاصه من الطعام، وقوله:"استهلك"، وأولى إن لم يستهلك. وبزعفران في طعام؛ يعني أن من حلف لا يأكل زعفرانا فأكله مستهلكا في طعام يحنث؛ لأنه لا يؤكل إلا كذلك ولا ينوى. قاله الشيخ الخرشي. لا بكخل طبخ؛ يعني أن من حلف لا يأكل خلا ثم إنه أكله مستهلكا في طعام لا يحنث لانتفاء العلتين المتقدمتين؛ أي في قوله:"وبسمن استهلك في سويق"، وفي قوله:"وبزعفران في طعام"، قوله:"لا بكخل طبخ"؛ أي إلا أن يحلف على معين، وأدخلت الكاف ماء الورد والزهر وماء الليمون والنارنج، وأما ذاتهما فيحنث بها، ولو طبخت لبقاء عينها فهي أحرى من السمن والزعفران.

وباسترخاء لها في لا قبلتك؛ يعني أنه إذا حلف لا قبلتك يحنث بتقبيلها له على فيه مسترخيا لها لا في غير الفم فلا يحنث، وأما إن قبلها هو فيحنث قبلها في الفم أو غيره وهذه أربع صور. أو قبلتني؛ أنه إذا حلف لا قبلتني فانه يحنث لتقميلها له، وظاهره أنه انما يحنث إذا استرخى لها وليس كذلك، فإنه يحنث بتقبيلها له مطلقا استرخى لها أم لا، قبلته على فيه أو غيره. قال في المدونة: ومن قال لامرأته أنت طالق إن ضاجعتك أو قبلتك فقبلته من ورائه أو ضاجعته وهو نائم لم يحنث إلا أن يكون مند استرخاء، وإن كانت يمينه: إن قبلتني أو ضاجعتني حنث بكل حال. انتهى. ومفهوم قوله: "باسترخاء"، أنه لو لم يسترخ لها لم يحنث

ص: 244

بتقبيلها له على فيه أو غيره في لا قبلتك، وأما في لا قبلتني فقد علمت أنه يحنث بتقبيلها له مطلقا، استرخى لها أم لا، على فيه أو غيره. ولو قال المص: وبتقبيلها مطلقا في لا قبلتني كلا قبلتك وقبلها كإن قبلته إن استرخى لها وقبلته في فيه، لو فى بالمسألة. قاله الشيخ الخرشي. وقول المدونة: إن قبلتني، قال اللخمي: يحنث، سواء قبلته على الفم أو غيره إلا أن ينوي الفم. انتهى.

وبفرار غريمه في لا فارقتك أو فارقتني إلا بحقي؛ يعني أن رب الدين إذا حلف لا يفارق غريمه أي مدينه إلا بحقه؛ أي بقبض حقه، أو حلف لا فارقتك إلا بقبض حقي أو استيفائه منه، ففر المدين قبل أن يستوفي منه رب الدين، فإن رب الدين الحالف يحنث، وكذا لو حلف لا فارتتني إلا بحقي أو قبضه أو استيفائي له منك، ففر الدين قبل أن يقضي لرب الدين دينه، فإن الحالف يحنث. ولو لم يفرط؛ يعني أنه إذا حلف لا فارقتك إلا بحقي يحنث بفرار غريمه قبل قبض حقه، حيث فرط فيه حتى هرب قبل قبض حقه اتفاقا، وكذا لو لم يفرط بأن انفلت منه كرها أو استغفالا على المشهور، ومقابله لمحمد: لا يحنث، ويحلف ما أراد ذلك.

وإن أحاله؛ يعني أن الحالف أن لا يفارق غريمه إلا بحقه يحنث إذا أحاله على غريم له وقبل الحوالة؛ أي يحنث بمجرد عقد الحوالة تفرقا أم لا؛ لأنه بالحوالة فارقه حكما، ولا يرتفع الحنث إن نقضا الحوالة وقضاه قبل أن يفارقه، وكذا يحنث إذا قضاه حقه ثم وجد فيه نحاسا أو رصاصا أو ناقصا نقصا بينا، أو استحق من يده بعد أن فارقه فهو حانث، وأما لو قال: لا فارقتك أو فارقتني ولي عليك حق أو بيني وبينك معاملة، فإنه يبرأ بالحوالة، وظاهره ولو لم يقبض بحضرته ولا يبر بالرهن. قال الشيخ إبراهيم ما نصه: وقوله: "ولو لم يفرط"، الظاهر رجوعه للأول فقط لأنه محل الخلاف، فقيل يحنث مطلقا على المشهور، وقيل يحنث إن فرط، وأما الثانية فيحنث فيها قولا واحدا ولو لم يفرط. كما قاله ابن الحاجب وابن عرفة. ويمكن رجوعه لهما "معا" ولو ليست للخلاف في الثانية، بل للمبالغة. انتهى. وقوله:"وبفرار غريمه"، قال الشيخ محمد بن الحسن: لا يقال الفرار إكراه وهذه صيغة بر؛ لأنا نقول لا نسلم أن الفرار

ص: 245

إكراه، ولئن سلمنا فلا نسلم أن الصيغة صيغة بر بل صيغة حنث؛ لأن المعنى: لألزمنك. انظر نص التوضيح. انتهى.

وبالشحم في اللحم؛ يعني أن من حلف على ترك أكل اللحم يحنث بأكل الشحم؛ لأنه جزء من اللحم وكالفرع له، ولدخول تحريم شحم الخنزير في لحمه. لا العكس؛ يعني أنه إذا حلف لا آكل شحما لا يحنث بأكل اللحم؛ لأن اللحم ليس جزءا من الشحم، ولأن الله تعالى حرم على بني إسراءيل الشحم، فلم يدخل فيه اللحم، قال في المدونة: وإن حلف أن لا يأكل لحما فأكل شحما حنث، وإن حلف أن لا يأكل شحما فأكل لحما لم يحنث؛ لأن الشحم متولد من اللحم لا العكس، ولأن الله تعالى حرم لحم الخنزير فدخل فيه الشحم. وحرم على اليهود الشحم فلم يدخل فيه اللحم. انتهى.

وبفرع في لا آكل من كهذا الطلع؛ يعني أن من حلف لا يأكل من هذا الطلع، والطلع هو نور النخل يحنث بالأكل من فروعه المتأخرة عن اليمين لا المتقدمة عنها، وأولى بالحنث نفس المحلوف عليه، فيحنث بالطلع والإغريض والبلح والزهو والبسر والرطب والتمر إن لم تكن له نية حيث أتى بمن واسم الإشارة، وأدخلت الكاف القمح واللبن وغيرهما من كل أصل، فيحنث بالدقيق والسويق والخبز والكعد والزبد والسمن ومخيض اللبن، والإشارة تناولت الجميع، والحنث في هذا كله إنما هو بالفرع المتأخر لا بالمتقدم كما مر. وأما من طلع هذه النخلة أو من لبن هذه الشاة فيحنث بالفرع المتقدم كالمتأخر، ومن حلف لا يأكل تمرأ حنث بالرطب، ومن حلف لا يأكل فاكهة يحنث بالعنب والرمان والتفاح وغير ذلك حتى بالفول الأخضر، قال الإمام الحطاب: وإن حلف على اللبن الحليب فله أكل المضروب، وإن حلف على المضروب فله أكل الحليب، والحالف على الجبن لا يحنث بأكل الحالوم، والحالف على الحالوم لا يحنث بأكل الجبن إلا أن تكون له نية أو سبب يدل على أنه كره ما يخرج من اللبان. قاله في النوادر. وقوله:"وبفرع"، وأما المتولد هو منه فلا يحنث به، فلو قال لا آكل من هذا البسر فلا يحنث بالطلع، أو هذا الطلع؛ يعني أنه إذا حلف لا يأكل هذا الطلع ولم يأت بمن فإنه يحنث بالفرع المتأخر، كما لو أتى بمن من غير فرق، وتبع المص ابن الحاجب القائل: يحنث في إسقاط من، كما لو أتى

ص: 246

بها على المشهور، ومذهب ابن القاسم أنه لا يحنث بالفرع إلا في الصيغة الأولى وما عداها لا يحنث بالفرع عرف أو نكر، وذلك في أربع صور: الأولى هذا الطلع، الثانية لا آكل من الطلع، الثالثة أشار إليها بقوله: لا الطلع؛ يعني أنه لا يحنث الحالف بالفرع في حلفه لا آكل الطلع بإسقاط من واسم الإشارة معرفا، وأشار للرابعة بقوله: وطلعا؛ يعني أنه لو حلف لا يأكل طلعا لم يحنث بالفرع كالتي قبلها، وأدخل بالكاف المقدرة في هذه والتي قبلها القمح واللبن وغيرهما من كل أصل، ومن حلف لا يأكل من هذه النخلة أو من النخلة حنث بطلعها والفروع والجمار، وإذا حلف لا آكل من هذه الشاة فلا يحنث بلبنها؛ لأنه ليس من جزئها الحقيقي حيث لا نية، وفي حنثه بنسلها قولان، واستظهر الشيخ علي الأجهوري أنه يحنث بجنينها الذي ذكاتها ذكاته، وأما إذا حلف لا آكل من الشاة فلا يحنث بلبنها ولا بنسلها اتفاقا، وفي حنثه بجنينها الذي ذكاته ذكاتها نظر، ولو حلف لا أتزوج من هذه المرأة، فانظر هل يشمل بنتها وبناتها أو لا يشمل إلا بنت المحلوف عليها فقط؟ وانظر هل يحنث بتزوج المرأة نفسها أم لا؟ وقوله:"وبفرع"، وأما حنثه في الخمس بنفس المحلوف عليه فظاهر، ولو حلف لا آكل من هذه الدجاجة ففي حنثه بأكل بيضها قولان، قياسا على القولين في أكله من نسل الشاة. قاله الشيخ الخرشي. وقوله:"لا الطلع وطلعا"، قال التتائي: وظاهره ولو قرب الفرع من الأصل جدا كالسمن من الزبد وهو كذلك. انتهى. قاله الشيخ عبد الباقي.

ثم استثنى خمس مسائل من الكاف القدرة فيما عطف بلا، يحنث فيها بالفرع لقربه من الأصل فيها، فأشار إلى الأولى منها بقوله: إلا بنبيذ زبيب؛ يعني أن من حلف لا يأكل الزبيب أو زبيبا يحنث بشرب نبيذ الزبيب لقربه من أصله، وكذا لو حلف على ترك أكل عنب أو تمر عرف أو نكر فإنه يحنث بنبيذ كل، ومن حلف لا آكل عنبا حنث بأكل الزبيب. قاله الشيخ إبراهيم.

وأشار إلى الثانية من المسائل الخمس بقوله: ومرقة لحم؛ يعني أن من حلف لا يأكل اللحم أو لحما يحنث بمرقة اللحم أي بما طبخ به اللحم.

ص: 247

وأشار إلى الثالثة بقوله: وشحمه؛ يعني أنه لو حلف لا يأكل اللحم أو لا يأكل لحما يحنث بأكل الشحم، وهذه تقدمت في قوله:"وبالشحم في اللحم"، وأخادها جمعا للنظائر، وتقاس مرقة الشحم على مرقة اللحم.

وأشار إلى الرابعة بقوله: وخبز قمح؛ يعني أن من حلف لا يأكل القمح أو قمحا يحنث بخبز القمح، وكذا لو حلف لا يأكل من القمح، ولو قال: وخبز كحنطة لكان أظهر لشموله الشعير والدقيق. انظر الشبراخيتي.

وعصير عنب، هذه هي المسألة الخامسة؛ يعني أن من حلف لا يأكل العنب أو عنبا يحنث بشرب عصير العنب، وأما لو حلف لا آكل الزبيب فلا يحنث بأكل العنب، وانظر لو حلف لا آكل العنب هل يحنث بشرب عصير الزبيب أم لا؟ وكذا لو حلف على أكل الزبيب، فهل يحنث بشرب عصير العنب أم لا؟ قاله الشيخ عبد الباقي. قوله: وانظر لو حلف لا آكل العنب لخ، صوابه من هذا العنب بمن، واسم الإشارة وإلا لم يحنث بالزبيب فضلا عن عصيره. قاله الشيخ بناني.

وبما أنبتت الحنطة؛ يعني أن الحالف على ترك أكل حنطة عينها يحنث بأكل ما أنبتت تلك الحنطة إذا كانت يمينه لأجل قطع المن، كما قال: إن نوى المن؛ أي نوى قطع المن وهو قوله: لولا أنا أطعمك ما عشت، ولولا أنك وجدت ما تأكله لضعت، فيحنث بالحنطة وبما أنبتت وبما اشتُرِيَ من ثمنها، كما لو وهب له شاة ثم منَّ بها عليه فحلف أن لا يشرب من لبنها ولا يأكل من لحمها، فإن أكل مما اشتُرِيَ بثمنها أو اكتسى منه حنث، ويجوز أن يعطيه من غير ثمنها ما شاء إلا أن يكون نوى أن لا ينتفع بشيء منه أبدا. قاله في المدونة.

قال أبو إسحاق: والأشبه أن لا ينتفع منه بشيء لأنه كَرِهَ مَنَّه، ولا فرق بين مَنِّه في هذه الشاة وغيرها، ولم يذكر في المدونة ما يفعل بالشاة إن لم يقبلها منه الواهب، وقد تقدم منه قبول الهبة ولا يقدر أن ينتفع منها بغلة ولا ثمن، فهل يتصدق بها عن نفسه وتحمل يمينه على أنه أراد أن لا يتأثل مالا، أو يكون ذلك داخلا في الانتفاع فيتصدق بها عن ربها؛ إذ هذا أكثر المقدور عليه؟ والله تعالى أعلم. وقوله:"وبما أنبتت الحنطة" لخ، سواء أتى بمن واسم الإشارة أم لا. لا لرداءة؛

ص: 248

يعني أن محل الحنث بما ذكر إنما هو إن نوى قطع المن، وأما إن حلف لا لقطع المن بل حلف على ترك أكلها لرداءة في الحنطة فإنه لا يحنث بما أنبتت ولا بما اشتري من ثمنها، ولا بما أعطيه من غيرها.

أو لسوء صنعة طعام؛ يعني أنه لو حلف لا يأكل من هذه الحنطة وكانت يمينه لأجل سوء صنعة فيها، فإنه لا يحنث بما أنبتت ولا بما اشتري من ثمنها ولا بغيرها، وقال الشيخ عبد الباقي: أو لسوء صنعة طعام فجود له فلا حنث. انتهى. وأما إن نوى أن لا ينتفع منه بشي أو نوى قطع منته مطلقا لا بذلك المعين فقط فيحنث بكل ما جاء منه، ولو كانت يمينه لا للمن ولا لرداءة أصلها فلا يحنث بما أنبتت، ولو أتى بمن واسم الإشارة؛ لأن النابت غير المحلوف عليه لذهابه في الأرض، ويدل له:{كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ} ، ففرق بين هذه وبين قوله:"وبفرع" لخ. وبالحمام في البيت؛ يعني أن من حلف لا دخل بيتا أو حلف لا دخل على فلان بيتا يحنث بدخول الحمام، وفي الحديث: (اتقوا بيتا يقال له الحمام

(1)

)، والظاهر أن مثله بيت القهوة والدكانة والحانوت والفرن، والكل مقيد بما إذا لم يكن عرف وإلا اتبع لتقديم العرف على المدلول اللغوي.

أو دار جاره، الضمير في جاره للحالف؛ يعني أنه لو حلف لا دخل على فلان بيتا فدخل الحالف على جار له بيته، فإذا فلان المحلوف عليه في بيت جاره فإنه يحنث كما في المدونة، وكذا يحنث باجتماعه معه تحت ظل جدار أو شجرة إذا كانت يمينه بغضا أو لسوء عشرة. قاله ابن القاسم. ابن حبيب: وبوقوفه معه في صحراء إذا كانت تلك نيته أو لم تكن له نية، قال الإمام الحطاب: ولا ينبغي عد كلام ابن حبيب خلافا إذا كانت تلك نيته، ومن قرر المص هنا بأن صيغة اليمين لا دخل على فلان بيته فدخل الحالف عليه بيت جار المحلوف عليه فإنه يحنث؛ لأن للجار من الحقوق ما ليس لغيره، فأشبهت داره دار جاره فالحنث في ذلك بعيد، وقد قال الشيخ أحمد: إنه حسن لو ساعده النقل، وإذا حلف لا دخلت بيت فلان فدخل داره

(1)

الترغيب والترهيب، ج 1 ص 144.

ص: 249

دون البيت. فإن كانت الدار لا تدخل إلا بإذن ومن سرق منها قطع حنث، فأما دار جامعة تدخل بغير إذن فهي كالطريق فلا يحنث، وقيل يحنث إلا أن يكون نوى الدار أو يقول: منزلة. أو بيت عمر؛ يعني أن من حلف لا دخل بيتا، أو حلف لا دخل على فلان بيته، أو حلف لا يسكن بيتا ولا نية له يحنث بدخول أو سكنى بيت من الشعر، إلا أن يكون ليمينه وجه؛ كأن يسمع بقوم انهدم عليهم مسكن فحلف عند ذلك فلا يحنث ببيت الشعر. ولقد أحسن المعري كل الإحسان إذ يقول:

حسنت نظم كلام توصفين به

ومنزلا منك معمورا من الخفر

فالشيء يظهر في شيئين رونقه

بيت من الشعر أو بيت من الشعر

كحبس أكره عليه بحق؛ يعني أنه إذا حلف لا أدخل على فلان بيتا فحبس عنده كرها فإنه يحنث، وكذا لو حلف لا دخل بيتا فأكره بحق على دخول الحبس؛ لأن إكراه الشرع طوع فأولى إن دخل طائعا، ومفهوم قوله:"بحق" أنه لو سجن ظلما فلا حنث. لا بمسجد؛ يعني أنه لو حلف أن لا يدخل على فلان بيتا فدخل عليه المسجد فإنه لا يحنث؛ لأنه لما كان مطلوبا بدخوله شرعا صار كأنه غير مراد للحالف وهذا في المسجد العام، وأما المحجور فيحنث بدخوله عليه فيه، ومن حلف لا دخلت دار فلان أو دار فلان هذه ثم جعلت مسجدا لم يحنث بدخوله. قاله الشيخ عبد الباقي. ولو حلف أن لا يجتمع مع فلان تحت سقف فصلى معه في المسجد تحت سقفه فلا شيء عليه كالحالف على الدخول. قاله الشيخ إبراهيم. ويشمل المص ذلك. والله سبحانه أعلم.

وبدخوله عليه ميتا في بيت يملكه؛ يعني أنه لو حلف لا أدخل على فلان بيتا يملكه، فدخل عليه ميتا قبل الدفن في بيت يملك ذاته أو منفعته يحنث؛ لأن له فيه حق التجهيز، وكذا يحنث بدخوله عليه ميتا قبل الدفن إذا حلف لا أدخل على فلان بيتا وأطلق؛ أي لم يقيد ببيت يملكه، فإن دفن لم يحنث بدخوله بعد دفنه في المسألتين، وقوله: "وبدخوله عليه ميتا في بيت

ص: 250

يملكه"، مثله حلفه لا أدخل عليه بيت فلان ما عاش فدخل عليه قبل دفنه، ومثل قوله: "في بيت يملكه" أيضا حلفه لا أدخل عليه حياته أو ما عاش أو أبدا، فإن نوى حياته الحقيقية: عمل بنيته في ذلك.

لا بدخول محلوف عليه؛ يعني أنه لو حلف لا دخل على فلان فإنه لا يحنث بدخول المحلوف على ترك الدخول عليه ولو استمر الحالف جالسا معه، لما تقدم من أن ذلك لا يعد دخولا، ومحل عدم الحنث بدخول المحلوف عليه إن لم ينو المجامعة؛ يعني أن محل عدم الحنث بدخول المحلوف عليه إنما هو حيث لم ينو الحالف المجامعة أي الاجتماع أي ترك الاجتماع مع المحلوف عليه، وأما إذا نوى أنه لا يجامعه أي لا يجتمع معه في بيت، فإنه يحنث بدخول المحلوف عليه وإن لم يحصل جلوس. وقوله:"لا بدخول محلوف عليه" لخ، هو قول ابن القاسم. ابن المواز: وقيل لا شيء عليه إلا أن يقيم معه بعد دخوله عليه. وبتكفينه في لا أنفعه حياته؛ يعني أنه لو حلف لا أنفع فلانا حياته أو ما عاش أو أبدا فإنه يحنث بتكفينه أي إدراجه في الكفن، وأولى شراؤه له، ومثل تكفينه تغسيله، قال عبد الباقي: ولا يحنث ببقية مؤن تجهيزه غير ما ذكر، ولا بالصلاة عليه كما هو ظاهر كلامهم، وإن كان من نفعه؛ لأنها ليست من توابع الحياة. انتهى. قوله:"ولا يحنث ببقية" لخ فيه نظر، قال المسناوي: بل الظاهر أنه يحنث بها، وأن الجميع من توابع الحياة، وقول الزرقاني كما: ظاهر كلامهم؛ يعني حيث مثلوا بالتغسيل والتكفين وسكتوا عما عداهما، ومثل هذا لا يتمسك به؛ لأن العلة تقتضي التعميم. قاله بناني. ولو نهى عنه شاتمه لم يحنث، ويحنث بتخليصه ممن وجده متشبثا به. قاله ابن عرفة. نقله الشيخ محمدبن الحسن.

ويحنث أيضا بثنائه عليه في نكاح لا إن قصد إيقاعه فيه لضرر فحصل له به. قاله الشيخ عبد الباقي. ومن حلف أن لا ينفع فلانا بشيء وهو وصي لرجل مات، وأوصى أن يقسم على المساكين أوسقا لفلان وفلان والمحلوف عليه منهم، فإنه يحنث بما دفعه إليه من الوصية إلا أن تكون له نية في أنه أراد أن لا ينفعه بماله فيصدق إلا أن تكون يمينه بطلاق أو عتق، فلا ينوى إذا قامت

ص: 251

علية البينة إلا أن تكون قد كانت إليه أي المحلوف له منه أي الحالف صنائعُ من المعروف، فينوى فيما ادعاه مع يمينه.

وبأكل من تركته قبل قسمها في لا أكلت طعامه؛ يعني أن من حلف لا أكلت طعام فلان ثم مات فلان المحلوف على ترك أكل طعامه، فإن الحالف يحنث بالأكل من تركة المحلوف عليه قبل قسمها بين مستحقيها، وإنما يحنث بأحد أمرين أشار لأولهما بقوله: إن أوصى؛ يعني أنه يشترط في الحنث المذكور أن يكون الميت أوصى بوصية قيدها ابن الكاتب بأن تكون بمعلوم غير معين يحتاج فيه لبيع من مال الميت، وأما لو كانت بمعين أو بجزء شائع كربع ونحوه مما لا يحتاج فيه لبيع وأكل قبل قسمها وبعد وفاء الدين، فإنه لا يحنث. أو كان مدينا؛ يعني أنه يشترط في الحنث بالأكل من التركة أحد أمرين، إما أن يكون الميت قد أوصى أو يكون مدينا ولو غير محيط، فأما إن لم يكن مدينا ولم يوص فإن الحالف لا يحنث بالأكل من التركة قبل القسم باتفاق، ولو كانت يمين الحالف كراهية للمال لخبث أصله فهو حانث بكل حال، كان على الميت دين أو وصية أو لم يكن، وإن كان كراهية لمنه فلا حنث عليه على كل حال، كان على الميت دين أو وصية أو لم يكن كذا في الحطاب. وفي شرح عبد الباقي أن ما نشأ عن معاملات فاسدة يحل بالإرث فيزول عن المال الخبث فلا يحنث بأكله منه حينئذ. انتهى. وفي الحطاب عن البرزلي: من حلف أن لا يأكل لغيره طعاما فأكله ولم يعلم إذا أعطاه ثمنه قرب الأمر أو بعد فلا حنث عليه فتأمله. والله أعلم. انتهى. قال بناني: وهو مخالف لما تقدم عند قوله: "وبالنسيان إن أطلق": من أن الجهل والخطأ مثل النسيان في الحنث. انتهى.

ابن عرفة: سمع عيسى ابن القاسم في لا آكل طعام فلان فاشتريا طعاما فأكلاه معا لا يحنث إن أكل قدر نصيبه فأقل، ثم قال: ولو قدما طعامهما فأكلاه كذلك خفت حنثه. أصبغ: لا يحنث. ابن رشد: إن كان للمن لا لخبث كسبه، وقوله:"أو كان مدينا"، وقيل: إنه لا حنث وإن أحاط الدين بتركته. وقاله أشهب. وهو الأظهر؛ لأن الميت إذا مات فقد ارتفع ملكه عن ماله، ووجب لمن يجب له أخذه من ورثته وأهل وصاياه وغرمائه إن كان عليه دين، وهذا الاختلاف إنما هو

ص: 252

إذا لم يكن للحالف نية ولا ليمينه بساط يستدل به على إرادته، ككراهية المن وكراهية المال لخبث أصله كما مر قريبا. انظر الحطاب.

وفي الشبراخيتي ما نصه: وكلام المص يقتضي الحنث فيما إذا أكل منها بعد وفاء الدين وقبل قسمها وليس كذلك، فلو قال عقب قوله:"أو كان مدينا": قبل براءته، لسلم من هذا، وهذا ما لم يكن حلفه لقطع المن فلا يحنث، وإن كان لخبث المال حنث مطلقا إذا كان خبثه لا يحله الميراث كالمال المغصوب، وأما إن كان يحله الميراث كفساد البيوع وربى الطعام والمذهب بالذهب كما في معين الحكام فيجري فيه ما قاله المص.

وبكتاب؛ يعني أن الشخص إذا حلف لا أكلم فلانا، فكتب إليه كتابا بنفسه أو أملاه أو أمر به فإنه يحنث بمجرد وصول الكتاب للمحلوف عليه، سواء كتب بعربية أو غيرها حيث يفمهه المكتوب له؛ أي شأنه ذلك، وإلى حنثه بمجرد الوصول أشار بقوله: إن وصل؛ يعني أن محل الحنث بالكتاب إنما هو حيث وصل الكتاب إلى المحلوف على ترك كلامه بإذن الحالف الو حكما، كعلمه بذهابه للمحلوف عليه وسكت.

واعلم أن علمه بذهابه ليس هو بمجرده وصولا، بل لابد من الوصول بالفعل إلى المحلوف عليه اتفاقا، ومفهوم قوله:"إن وصل"، أنه إن لم يصل إليه لا يحنث وهو كذلك بلا خلاف، رلو كتبه عازما، ولا يحنث أيضا إذا وصل الكتاب بغير إذنه.

واعلم أن الحنث بمجرد الوصول هو ظاهر المدونة، وجعله اللخمي المذهب، وقال الشارح: وهو المشهور، وقيل لا يحنث بالكتاب وهو لأشهب.

أو رسول؛ يعني أنه إذا حلف لا أكلم فلانا وأرسل إليه رسولا بكلام فإنه يحنث حيث، بلغ الرسول الكلام للمرسل إليه، وأما إن لم يبلغ الكلام للمرسل إليه فلا يحنث إلا أن يسمع المحلوف عليه كلام الحالف حين أرسل به الرسول والفرق بين الرسول، لا حنث بمجرد وصوله للمحلوف عليه بل بتبليغه الكلام له والكتاب يحنث بمجرد وصوله أن الخط كاللفظ؛ إذ القلم أحد اللسانين. وقد مر أنه لا يحنث إن لم يصل الكتاب ولو كتبه عازما، بخلاف الطلاق فيقع بمجرد الكتابة عازما ولو لم يصل كما يأتي؛ لأن الطلاق يستقل الزوج به بخلاف المكالمة لا تكون

ص: 253

إلا بين اثنين. ابن حبيب: ولو قال الحالف للرسول اقطع كتابي أو رده علي فعصاه وأعطاه للمحلوف عليه فقرأه لم يحنث، كما لو رماه راجعا عنه بعد أن كتبه فقرأه المحلوف عليه. انتهى. وقد مر هذا. والله سبحانه أعلم.

وقد مر أنه يحنث بمجرد وصول الكتاب فيحنث ولو لم يفتحه المحلوف عليه أو فتحه ولم يقرأه. ونقله اللخمي عن المذهب. ونقل ابن رشد عن المذهب أنه لابد من قراءته، وعليه فهل يشترط كونها باللفظ أو لا؟ قولان، ولا فرق على ما للمص بين علم المحلوف عليه أنه من الحالف أم لا، ولو نقل شخص جميع ما في الكتاب بإذن الحالف وأوصله بإذنه للمحلوف عليه دون الكتاب الأصلي، حنث الحالف أيضا فيما يظهر؛ لأنه بمنزلة أمره بكتبه ابتداء لا بغير إذنه فلا حنث بالأولى مما إذا وصل كتابه بغير إذنه. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الإمام الحطاب: وفي بعض النسخ: إن وصل وقرأ، وهذه توافق لا قراءته بقلبه، ويكون ماشيا على ما قال ابن رشد: إنه المذهب من أنه لا يحنث بمجرد وصوله، ولا يحنث إلا بالقراءة كما نقله عنه ابن عرفة. انتهى.

وبما قررت علم أن قوله: في لا أكلمه؛ راجع للكتاب والرسول، أي يحنث بالكتاب في حلفه لا أكلمه، كما يحنث بالرسول أيضا في ذلك والحنث بهما هو المشهور، وقال أشهب: لا يحنث بهما، وقال ابن الماجشون: يحنث بالكتاب لا بالرسول، ورواه ابن القاسم وأشهب عن مالك، ووجه المشهور قوله تعالى:{وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا} الآية، ووجه قول ابن الماجشون أن الرسول يزيد وينقص بخلاف الكتاب.

ولم ينو في الكتاب؛ يعني أن من حلف لا أكلم فلانا يحنث بالكتاب إن وصل والرسول إن بلغ كما عرفت، فإذا ادعى أنه نوى المشافهة فإنه لا ينوى في الكتاب. في العتق والطلاق؛ يعني أن محل عدم قبول أنه نوى المشافهة في الكتاب إنما هو حيث كانت يمينه بعتق معين أو طلاق مع المرافعة فيهما، وأما في الفتوى فتقبل نيته فيهما، وينوَّى أيضا في غيرهما أي العتق المعين والطلاق، وأما الرسول فإنه يُنوَّى فيه حتى في الطلاق والعتق المعين مع المرافعة، ويحلف في الرسول لحق الزوجة والعبد، فإن نكل حبس وإن طال دين، ولو حلف ليكلمنه لم يبر بالكتاب

ص: 254

ولا بالرسول مطلقا، وصل الكتاب وبلغ الرسول أو لا؛ لأن الحنث يقع بأدنى سبب بخلاف البر، وقوله:"ولم ينو في الكتاب" لخ، قالوا: والفرق بينه وبين الكتاب أنه كلفظه. إذ القلم أحد اللسانين، ولمالك في الموازية: لا ينوى في الكتاب والرسول.

وبالإشارة له؛ يعني أنه إذا حلف لا يكلم فلانا فإنه يحنث بالإشارة له، لقوله تعالى:{إِلَّا رَمْزًا} ، والإشارة هنا ما يدل على القول غير كتابة ولا قول، والحنث بالإشارة حاصل سواء قصده بها لذاته مع اعتقاد كونه المحلوف عليه أنه لا يكلمه أو غيره، فظهر أنه هو عملا بما تبين فيحنث الشير في الصورتين، فهم المشار إليه الإشارة أم لا، ومفهوم قوله:"له"، أنه إن أشار لغيره فقط فلا حنث، ولو اعتقد المحلوف عليه أنها له، وشمل المص الإشارة له سميعا أو أصم، والإشارة له مع غيره إلا أن يحاشيه، ولا حنث بالإشارة لأعمى حلف لا أكلمه، ولو حلف لا أسأله حاجة فأطال جلوسه عنده لأجلها بحيث فهم المحلوف عليه حاجته لم يحنث على ما صدر به ابن عرفة لعدم عد ذلك كلاما عرفا، وقال أصبغ: يحنث، والذي في الحطاب أن الراجح عدم الحنث بالإشارة. قاله الشيخ محمد بن الحسن. والقول بالحنث لمالك وابن القاسم وابن حبيب وغيرهم، ومن حلف أن لا يكلم رجلا فنفخ في وجهه فليس بكلام إجماعا، وينبغي أن تكون النية في الإشارة كالنية في الكتاب فتقبل في غير الطلاق والعتق المعين، وقال الشيخ الخرشي: القول بعدم الحنث بالإشارة وإن رجحه غير واحد لا يقوى قوة القول بالحنث بها، فقول الحطاب: فانظر هذا القول الذي تركه المؤلف أي وهو القول بعدم الحنث مع قوته. انتهى. فيه بحث انتهى وقيل إنما يحنث بالإشارة التي يفهم بها عنه، فتلك أقوال ثلاثة.

وبكلامه ولو لم يسمعه؛ يعني أنه إذا حلف لا يكلم فلانا، فإنه يحنث بكلامه إياه وإن لم يسمع المحلوف عليه كلام الحالف، ابن المواز: ولو كلمه وهو نائم مستثقل حنث، وكذا لو كان أصم، وكذلك إن كلمه وهو مشغول بكلام غيره ولم يسمعه، وقال أصبغ: إن أيقن باستثقاله ولم ينتبه لكلامه، وأيقن أنه لم يسمعه لم يحنث، كمن كلم ميتا وقد جعله الله أحد الميتين بقوله:{وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا} ، وهذا الخلاف مقيد بما إذا كان يمكن سماع كلامه عادة لولا المانع إلى ذي لأجله امتنع السماع كالنوم والصمم، وأما لو كان بينهما مكان بعيد لا يمكن سماعه منه فلا

ص: 255

يحنث قولا واحدا، وقوله:"وبكلامه"، الذي يظهر أنه إنما أتى به ليرتب عليه ما بعده. والله سبحانه أعلم.

لا قراءته بقلبه؛ يعني أنه إذا حلف لا أكلم فلانا وكتب إليه كتابا، فإنه لا يحنث الحالف بمجرد وصول الكتاب، بل ولا بقراءته بقلبه وإنما يحنث إذا قرأ المحلوف عليه الكتاب بلسانه. هذا هو المطابق لسياقه وهو قول أشهب، ويكون ماشيا على ما نقل ابن رشد عن المذهب، لكن حمله على هذا يخالف قوله السابق، "وبكتاب إن وصل" فإن ظاهره الحنث بمجرد الوصول وهو ظاهر المدونة، وقال اللخمي: إنه المذهب وهو الراجح كما في ابن غازي، وفي الشارح أنه المشهور، وذكر ابن غازي والحطاب أن في بعض النسخ فيما مر: وبكتاب إن وصل وقرأ: وهو يوافق ظاهر المص هنا، لكن يكون جاريا على خلاف الراجح، ولذا حمل الشيخ عبد الباقي المص هنا على غير ظاهره، فحمله على أن صورة المسألة حلف لا قرأ كتابا أو هذا الكتاب فإنه لا يحنث بقراءته بقلبه، قال: وليس لهذه تعلق بمسألة من حلف لا أكلمه؛ إذ الحنث فيها بمجرد وصول الكتاب. انتهى. وقال الشيخ إبراهيم عند قوله: "لا قراءته بقلبه": أي إذا حلف لا يقرأ أو لا يقرأ جهرا أو لا يقرأ هذا الكتاب. أو في هذا الكتاب، فمر عليه بقلبه فلا حنث، وإن كان لا يحنث بها فمن باب أولى أنه لا يبر بها. انتهى. المراد منه.

أو قراءة أحد عليه بلا إذن؛ يعني أنه إذا حلف لا يكلم فلانا وكتب إليه كتابا فأوصله شخص غير الحالف إلى المحلوف عليه بغير إذن الحالف وقرأه عليه، فإنه لا يحنث بقراءة ذلك الغير عليه، بل لا يحنث ولو قرأه المحلوف عليه لوصوله بلا إذن، ونقل الشيخ محمد بن الحسن عن ابن عرفة ما نصه: الشيخ عن أبي زيد عن ابن القاسم: لو أمر عبده فقرأه عليه حنث، ولو قرأه عليه غيره بغير إذنه لم يحنث. أنتهى. ولم يقف ابن غازي على هذا. انتهى. وقوله:"بلا إذن"، متعلق بمقدر صفة لكتاب؛ أي إذا وصل للمحلوف عليه. قاله الشيخ إبراهيم. وغيره. وقال الشيخ الخرشي: ومفاد النقل أنه حيث لم يأمر آخذه بتقطيعه ولا رده ولم يكن أعرض عنه، فإنه يحنث، وعلى هذا فإذا وصل إليه من غير علم من الحالف فإنه يحنث على ما يفيده النقل لا على ما يفيده ظاهر المص. انتهى. والله سبحانه أعلم.

ص: 256

ولا بسلامه عليه بصلاة؛ يعني أنه إذا حلف لا يكلم فلانا فسلم على المحلوف عليه وهو في صلاة؛ بأن أم قوما فيهم المحلوف على ترك كلامه فسلم من الصلاة عليهم لكونهم مقتدين به، أو صلى الحالف خلف المحلوف عليه فرد عليه السلام حين سلم من صلاته، فإن الحالف لا يحنث بذلك؛ لأن مثل هذا ليس كلاما، وكذا لو سلم عليه لكونه عن يساره. أبو الحسن: إن كان إنما سلم عليهم تسليمة واحدة فلا يحنث إماما كان أو مأموما، وأما إن سلم اثنتين، فإن كان مأموما فقال في المدونة: لا يحنث، وقال في كتاب محمد: يحنث، وإن كان الحالف الإمام فسلم تسليمتين حنث، وقال ابن ميسر: لا يحنث. اللخمي: وهذا كله إذا كان المأموم على يسار الإمام وأسمعه؛ لأن ثانية الإمام يشير بها إلى اليسار فلم يحنثه بالأولى؛ لأن القصد بها الخروج من الصلاة، وحنثه بالثانية على القول بمراعاة الألفاظ، ولم يحنثه على القول بمراعاة المقاصد. انتهى. وقوله:"ولا بسلامه عليه في صلاة"، ظاهره يشمل السلام عليه في أثنائها معتقدا إتمامها. قالة علي الأجهوري. أي لا إن قصد خطابه حاضرا فيعا تبطل به الصلاة. قاله الشيخ عبد الباقي.

وبما قررت علم أن محل قولة: "ولا بسلامه عليه بصلاة"، حيث طلب الحالف بالسلام عليه ككونه عن يساره ونحو ذلك وإلا حنث، ويدخل حينئذ تحت قولة الآتي:"وسلامه عليه". ولا بكتاجة المحلوف عليه؛ يعني أنه إذا حلف لا كلمت فلانا، وكتب المحلوف عليه كتابا إلى الحالف فوصل إليه، فإن الحالف لا يحنث بذلك، والمراد بالكتابة: المكتوب. ولو قرأ؛ يعني أن الحالف لا أكلم فلانا لا يحنث بوصول كتاب المحلوف عليه له، ولو قرأ الحالف كتاب المحلوف عليه وهو أحد قولي ابن القاسم، وقال أيضا يحنث وما هو بالبين.

على الأصوب؛ سني أن ابن المواز قال: الصواب أن لا يحنث الحالف بقراءة كتاب المحلوف على ترك كلامه، وقد أنكر القول بالحنث غير واحد من أصحاب ابن القاسم. والمختار؛ يعني أن اللخمي بعد أن حكى القولين قال: والأحسن عدم الحنث؛ لأن الكلام من المحلوف عليه لا يحنث به الحالف. ولذلك لو اجتمع معه فكلمه ولم يجاوبه لم يحنث، ومقابل الأصوب والمختار هو ثاني قولي ابن القاسم الذي تقدم التنبيه عليه.

ص: 257

وبسلامه عليه معتقدا أنه غيره؛ يعني أنه إذا حلف على ترك كلام زيد -مثلا- فإنه يحنث بسلامه أي الحالف عليه؛ أي على المحلوف على ترك كلامه وهو يعتقد أنه غير زيد، فتبين أنه زيدت وأولى لو سلم عليه وهو يظنه أو يشكه أو يتوهمه غيره، كما أنه لو مر به في جوف الليل وهو لا يعرفه فسلم عليه، فإنه يحنث، ولو كلم رجلا يظنه إياه قاصدا بذلك الحنث فإذا هو غيره لم يحنث؛ لأن العزم على الضد إنما يوجب الحنث في صيغة الحنث فقط، ومن حلف أن لا يكلم رجلا إلا ناسيا فكلمه وهو لا يعرفه غير ناس فهو حانث.

وبما قررت علم أن المراد بالاعتقاد هنا الجزم، وقوله:"وبسلامه عليه"، إنما حنث في هذا لأنه مقصود بالتحية. واعلم أن الحنث وعدمه مناطان بما تبين في نفس الأمر لا بالاعتقاد، فمن قال امرأته طالق ماله مال وقد ورث قبل يمينه مالا لم يعلم به حنث، إلا أن ينوي في يمينه أعلمه فلا حنث.

ابن ناجي: قال بعض شيوخنا: يؤخذ من هذا أن من قال عبد فلان حر وانكشف الأمر أنه قد ورثه قبل قوله هذا، فإنه يعتق عليه، ولم أره منصوصا بخلاف الهبة؛ إذ شرطها القبول، فإنه إن لم يقبل فظاهر، وإن قبل فقبوله متأخر عن إنشاء العتق فلم يصادف العتق محلا، ومما مر يعلم أنه إذا حلف ليكلمنه فسلم عليه في جماعة معتقدا أنه ليس فيهم فتبين أنه فيهم فإنه يبر ويخالف ذلك قوله الآتي:"وبهبة"، حيث جعلوا العبرة بلفظه ولعله للاحتياط للحنث، وقوله:"وبسلامه عليه" لخ، وأحرى كلامه معتقدا أنه غيره، ومن قال لنائم: أيها النائم الصلاة خير من النوم، فرفع رأسه فإذا هو المحلوف عليه فإنه يحنث.

أو في جماعة؛ يعني أن الحالف على ترك كلام زيد -مثلا- يحنث بسلامه على جماعة وهو فيهم علم به أم لا. قاله في المدونة. إلا أن يحاشيه؛ يعني أن محل الحنث بالسلام على المحلوف على ترك كلامه وهو في جماعة إنما هو حيث لم يحاشه الحالف، فإن حاشاه أي أخرجه منهم بلسانه وكذا بقلبه قبل السلام أو في أثنائه لم يحنث لا بعده، فلابد من النطق بالاستثناء بشروطه المتقدمة، ويقوم من هذه أي مسألة المحاشاة هنا جواز السلام على جماعة فيهم نصراني إذا حاشاه.

ص: 258

وقوله: "إلا أن يحاشيه" اعلم أنه لو أدخله أولا بقلبه لم ينفعه إخراجه بلفظ، وقوله:"أو في جماعة"، معطوف على مقدر؛ أي وبسلامه عليه حالة كونه وحده أو في جماعة. ومع عليه؛ يعني أن الحالف لا كلمت فلانا يحنث إذا فتح على المحلوف عليه في القراءة حين وقف ولم يجد مسلكا؛ أي أرشده إلى الصواب ولقنه ما غلط فيه؛ لأن فتحه بمنزلة قوله: قل، وظاهر المص الحنث، ولو وجب عليه الفتح لكون إمامه وقف في الفاتحة، بخلاف سلام الصلاة كما مر، وبخلاف ما إذا قرأ معه، وبخلاف ما لو تعايا الحالف فلقنه المحلوف عليه فلا حنث على الحالف.

وبلا علم إذنه في لا تخرجي إلا بإذني؛ يعني أن الحالف لزوجته -مثلا- لا تخرجي إلا بإذني يحنث إذا خرجت بعد أن أذن لها في الخروج، ولم تعلم هي بإذن الزوج لها في الخروج؛ لأن معنى كلامه لا تخرجي إلا بسبب إذني فالباء للسببية في بإذني، وهي قد خرجت بغير سبب إذنه، وحذف النون من لا تخرجي بغير جازم، وهو لغة شاذة؛ إذ يتعين كونه خبرا؛ لأنه جواب قسم، قال الشاعر:

أبيت أسري وتبيتي تدلكي

وجهك بالعنبر والمسك الذكي

وأما لو حلف لا خرجت أو لا تخرجي إلا أن آذن فخرجت بعد إذنه وقبل علمها به، فإنه لا يحنث لوجود إذنه، ولم يعلقه على علمها، ولو أذن لها ثم رجع فخرجت، فمذهب ابن القاسم: يحنث، ومذهب أشهب: لا حنث، وخرجا على شرطه لامرأته أن لا يخرجها من بلدها إلا برضاها فرضيت، وأخرجها ثم طلبت الرجوع، فإنه لا يلزمه، خلاف قول ابن القاسم: إنه يلزمه، ولو حلف لا خرجت امرأته من هذه الدار إلى رأس الحول فأخرجها ما لابد منه كرب الدار أو سيل أو هدم أو خوف لا حنث عليه، ويمينه حيث انتقل باقية. ابن رشد: اتفاقا.

وبعدم علمه في لأعلمنه؛ يعني أنه إذا حلف لرجل أنه إن علم بكذا ليعلمنه به فعلم به الحالف ولم يعلم المحلوف له، فإن الحالف يحنث بعدم إعلامه له؛ أي لا يبر إذا كانت يمينه مطلقة، وأما لو كانت مؤجلة وانقضى ولم يعلمه فإنه يحنث حقيقة.

ص: 259

وبما قررت علم أن قوله: "علمه"، بمعنى إعلامه، وإن برسول، مبالغة في المفهوم؛ أي فإن أعلمه الحالف بالكلام أو بالكتابة بر، بل وإن أعلمه برسول يرسله إليه ليعلمة بذلك الأمر، وقد علمت أن الكتاب أولى، وبالغ على الرسول لأنه قد يزيد أو ينقص، وأجرى المص مصدر المجرد مجرى المزيد فيه.

وهل إلا أن يعلم أنه علم؛ يعني أن الأشياخ اختلفوا في قول المدونة: ومن حلف لرجل إن علم كذا ليعلمنه أو ليخبرنه فعلماه جميعا لم يبر حتى يعلمه أو يخبرد، وإن كتب به إليه أو أرسل إليه رسولا بر. انتهى. حعل معناه يحنث ما لم يعلم بعلمه؟ أما إن علم الحالف أن المحلوف له علم ذلك من غيره فإنه لا يحنث بعدم إعلامه تنزيلا لعلمه بإعلام غيره منزلة إعلامه هو، أو هو باق على ظاهره فيحنث إذا لم يعلمه مطلقا، علم أنه علم أم لا. في ذلك تأويلان، الأول للخمي، والثاني لأبي عمران وغيره، وفي التوضيح: إذا حلف ليكلمنه فلا يبر بالكتاب والرسول، بخلاف ليعلمنه وليخبرنه. انتهى. نقله الإمام الحطاب.

أو علم وال ثان في حلفه الأول، هذا معطوف على علمه في المسألة السابقة؟ يعني أن من حلف للأمير طوعا لئن رأى كذا ليعلمنه به، فعزل ذلك الأمير أو مات وَوُلِّي مكانه آخر، ورأى الحالف ذلك الأمر فلم يرفعه إلى هذا الوالي الثاني، فإن الحالف يحنث بعدم إعلامه للوالي الثاني بذلك. في نظر؛ يعني أن محل الحنث حيث لم يُعلِم الوالي الثاني بذلك الأمر، إنما هو إذا كان ذلك الأمر نظرا أي مصلحة للمسلمين، فلو كانت الصلحة للوالي نفسه لم يحنث بعدم إعلام الثاني، وإنما يحنث بعدم إعلام الأول في عزله، وأما إن مات فلا شيء عليه، وليس عليه رفع ذلك لوصيه أو وارثه. قاله أشهب. وقوله:"في نظر"، مقتضى كلام غير واحد أنه متعلق بكون محذوف؛ أي إذا كان حلفه في نظر ثم إنه يجري هنا، وهل إلا أن يعلم أنه علم تأويلان، وأن إعلامه بالرسول والكتاب كاف. قاله غير واحد.

وبمرهون في لا ثوب لي؛ يعني أن من طلب منه إعارة ثوب -مثلا- فحلف لا ثوب له وله ثوب قد رهنه في دين عليه، فإنه يحنث إن لم تكن له نية، كان في الثوب فضل عن وفاء الدين أم لا، وهذا نقل أبي سعيد في التهذيب، وقيل: لا يحنث مطلقا وهي رواية الدباغ في المدونة، وقيل:

ص: 260

إن كان في الثوب فضل عن وفاء الدين حنث، وإلا فلا وهو أضعف الأقوال، وهذا إن لم تكن له نية، وإن ادعى أنه نوى ما عدا المرهون فلا حنث عليه مطلقا، وإن ادعى أنه لا ثوب لي أقدر عليه للعارية -مثلا- فإن لم يكن في الثوب فضل أو كان ولا يقدر على فكاك الرهن لعسره أو الدينُ مما لا يعجل قبلت نيته، وإن كان فيه فضل وهو يقدر على فكاك الرهن فقولان، والمعتمد عدم الحنث، فمحل التفصيل في هذه الأخيرة، وأما إن ادعى أنه نوى ما عدا المرهون فإنه لا حنث عليه مطلقا كما علمت، هذا هو تحقيق هذه المسألة. انظر حاشية الشيخ بناني. وقوله:"وبمرهون"، وكذا بمال غائب لم يعلم به في حلفه لا مال له إلا أن ينوي في يمينه أعلمه فلا يحنث.

ابن المواز: فإن كانت له عمرى ترجع يوما فهو حانث؛ لأنها ماله، فلو تصدق عليه بصدقة وهو لا يعلم فلم يقبلها فلا شيء عليه، وإن قبلها حنث، وقيل لا يحنث لأنها بالقبول صارت ماله أي الآن. قاله الخرشي. وبالهبة؛ يعني أن من حلف لا أعار هذا الشيء فإنه يحنث إذا وهبه، ولا إشكال في حنثه بإعارته. والصدقة؛ يعني أنه إذا حلف لا أعار هذا الشيء فإنه يحنث إذا تصدق به، وقوله: وبالهبة والصدقة أي بكل منهما، والمراد بالهبة الهبة لغير ثواب، ومثل الهبة والصدقة كل ما ينفع كعمرى أو إسكان أو تحبيس.

وبما قررت علم أن قوله: في لا أعاره، راجع للهبة والصدقة، وبالعكس؛ يعني أنه إذا حلف لا يهب هذا الشيء فإنه يحنث بإعارته، ولا إشكال في حنثه بهبته، وكذا إذا حلف لا يتصدق بهذا الشيء وأعاره فإنه يحنث بذلك، ولا إشكال في حنثه بالصدقة، ويحنث في الهبة بالصدقة وبالهبة في الصدقة بالأوْلى. ونوي، راجع لقوله:"وبمرهون في لا ثوب لي". ولا بعده من المسألتين أيضا، لكن في الأولى منهما؛ أي المسألتين الأخيرتين ينوى إلا لمرافعة في طلاق وعتق معين فلا ينوى. إلا في صدقة عن هبة؛ يعني أنه إذا حلف لا يهب عبده -مثلا- وتصدق به، فإنه يحنث ولا ينوى أنه أراد خصوص الهبة أي في المرافعة في العتق المعين والطلاق، وينوى في غير ذلك، وكذا إذا حلف أنه لا يتصدق به فوهبه فإنه لا ينوى أنه أراد خصوص الصدقة، وهذا في هبة ليس للحالف اعتصارها، وأما إن كان له اعتصارها فإنه ينوَّى، وقال الشيخ الخرشي عن

ص: 261

الأجهوري بعد أن ذكر ما قدمته وغيره مما فيه بعض مخالفة له ما نصه: لو قال المؤلف: وبالهبة والصدقة في لا أعاره ونوي إلا لمرافعة مع بينة أو إقرار في طلاق وعتق معين كلا وهبه فتصدق به لا بالعارية في لا وهبه أو لا تصدق به ولا بالهبة في لا تصدق به فينوى مطلقا وإنما تقبل نيته في لا وهبه فتصدق به وعكسه فيما فيه الاعتصار، لطابق النقل مع اشتماله على ما أهمله من القيود مع إفادة المراد على وجه سهل. انتهى. قوله: لا وهبه فتصدق به، فيه شيء؛ لأن الصدقة لا تعتصر.

وببقاء ولو ليلا في لا سكنت؛ يعني أن من حلف لا سكنت هذه الدار أو الحانوت أو نحوهما، يحنث ببقائه فيها بعد يمينه زمنا زائدا على إمكان الانتقال، فيخرج ولو في جوف الليل وإلا حنث؛ لأن بقاءه يعد سكنى عرفا وهذا مذهب المدونة، ومقابله لأشهب: لا يحنث حتى يكمل يوما وليلة، وقال أصبغ: لا يحنث حتى يزيد عليهما. انتهى. فإن لم يمكنه الانتقال لعدم من ينقل متاعه مثلا، أو أقام يومين أو ثلاثة ينقل لكثرة متاعه وعدم تأتي نقله في يوم واحد عادة لم يحنث؛ لأنه كالمقصود باليمين، وليس غلو الكراء ووجود بيت لا يناسبه عذرا، فينتقل ولو لبيت شر ولا يحنث ببقائه لخوف ظالم أو سارق، وإذا خرج لا يرجع لأن يمينه على العموم، بخلاف قوله: لينتقلن. قاله التونسي. قاله الحطاب.

ابن عبد السلام: ولا فرق بين أن يقول: لا ساكنتك أو لا سكنت معك أو لا جاورتك، وظاهر المجموعة أن لفظ المجاورة أشد في طلب التباعد على ما فهمت وهو أبين. انتهى. وأما لو حلف لأسكنن فإنه يبر بطول مقام يرى أنه قصده رعيا للقصد حيث لا نية له بقدر معين، ولا يبر إلا أن يسكنها بنفسه ومتاعه وعياله. اللخمي: وأرى أن يبر وإن لم يسمكن بمتاعه. قاله الحطاب. وقوله: "ولو ليلا"، قال الشبراخيتي: وما مشى عليه المص مبني على مراعاة اللفظ، ومن يراعي العرف أمهله إلى الصبح فينتقل إلى ما ينتقل إليه مثله. قاله اللخمي. انتهى. وقال: وأما لو حلف ليسكننها فعلى قول أشهب: يبر بيوم وليلة، وعلى قول أصبغ بأكثر، وعلى رعي القصد لا يبر إلا بطول مقام يرى أنه قصده. انتهى. ونحوه للحطاب.

ص: 262

لا في لأنتقلن؛ يعني أن الحالف لينتقلن لا يحنث بالبقاء إلا أن يقيد بزمن فيحنث بمضيه وهو على بر إليه، ويؤمر من أطلق بالانتقال وهو على حنث فلا يطأ امرأته حتى ينتقل، وما ذكره المص من عدم الحنث بالتراخي في لأنتقلن هو المشهور، قال ابن رشد في حمل يمينه لأفعلن على الفور فيحنث بالتراخي أو على التراخي فلا يحنث به: والقول بأنه على التراخي هو المشهور من المذهب، ومثله في نقل المواق. قاله الشيخ بناني. ولا بقيت مثل لأنتقلن لا مثل سكنت؛ فلا يحنث إذا رجع ولا يحنث بالبقاء، وهو الذي أفتى به الشيخ القصار، وهو الذي اختاره أبو الحسن الياصلوتي، واختار أبو إسحاق وإبراهيم اللقاني أنه يرد إلى قوله: لا سكنت، فيحنث متى ما رجع، ومقتضى كلام الشيخ بناني أن الأول هو الراجح أو المعول عليه.

ولا بخزن؛ يعني أن من حلف لا سكنت هذه الدار وخرج منها ثم خزن فيها، فإنه لا يحنث، وأما لو كان في الدار شيء مخزون وأبقاه فيها فإنه يحنث ببقائه كما في نقل المواق. انظر شرح الشيخ عبد الباقي. وفيه بعد كلام جلبه إثر قوله:"ولا بخزن": ثم ظاهر ما تقدم أنه أبقى فيها شيئا مخزونا. انتهى. ومن جملة ما قدم عند قوله: "ولا بخزن" ما نصه: إذ لا يعد سكنى إذا انفرد، وإنما يعد ابن القاسم بقاء متاع البيت سكنى إذا كان تبعا لسكنى الأهل، وإذا انفرد لم يعد سكنى. انتهى. وقال الشيخ الأمير: وليس الخزن بعد الخروج سكنى، بل إبقاء ماله بال. انتهى. قال في الشرح: وهذا في الحقيقة محترز قوله: بعد الخروج. انتهى. ولو كان في إلى دار مطامير وقد أكرى الدار فهل ينقل ما في المطامير؟ قال التونسي: ينبغي إن كانت لا تدخل في الكرات إلا بشرط وتكرى وحدها لخزن الطعام أن لا تدخل في اليمين، وأن له تركها إذا كان قد اكترى المطامير منفردة قبل سكناه أو بعدها، إلا أن لا يليق بالمطامير أن لا تبقى إلا بمكان سكناه، فينبغي نقلها مع قشه. انتهى. وقوله: وقد أكرى الدار، الظاهر أن أكرى فيه بمعنى اكترى. قاله الإمام الحطاب. وسيأتي لهذا الكلام مزيد تمام عند قوله:"ولو بإبقاء رحله".

وانتقل في لا ساكنه عما كانا عليه؛ يعني أن الحالف لا ساكنته أو لا سكنت معه وهما حين اليمين بدار أو حارة أو حارتين بقرية صغيرة، إنما يخرج من اليمين إذا انتقل هو أو المحلوف عليه عن الحالة التي كانا عليها قبل اليمين انتقالا يزول معه اسم المساكنة عرفا حيث لا نية ولا بساط،

ص: 263

وسواء كانت الدار في القسم الأول بساحة هما بها أو بها بيت هما به أو ذات بيوت كل ببيت، وانتقل في القسم الثاني لحارة أخرى إن كانت يمينه لا ساكنه بهذه الحارة، وأما لا ساكنه بهذه البلدة أو بلدة أي وهما بحارة فينتقل لأخرى على فرسخ أو أكثر كالقسم الثالث إن صغرت، فإن كبرت كالمدينة المنورة فلا شيء عليه إلا أن يساكنه، وهذا إذا كانت يمينه لا ساكنته بدار أو حارة أو حارتين، فإن كانت لا ساكنه بهذه البلدة أو بلدة فالظاهر انتقاله لأخرى على فرسخ. قاله الشيخ عبد الباقي.

قال الشيخ بناني: هذا التفصيل نحوه للخمي كما ذكره ابن عرفة، ونصه: اللخمي: إن كانا حين حلفه بمحلة انتقل لأخرى، ومحلتين في مدينة فلا شيء عليه إلا أن يساكنه، وإن كانا في قرية انتقل لأخرى؛ لأن القرية كمحلة، والذي في الحطاب عن ابن عبد السلام أنه إن كانا في حال اليمين في قرية واحدة انتقل عنه إلى قرية أخرى، فلم يفصل بين صغيرة وكبيرة. انتهى. كلام الشيخ بناني.

وأما إن حلف لا ساكنه وكل بقرية صغيرة، فمعنى انتقاله حيث لا نية ولا بساط أن لا يجتمع معه في مسقى أو محطب أو مسرح، بل يتباعد عنه، فإن كبرت البلدتان وحلف لا ساكنه فلا يقرب منه عرفا. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الإمام الحطاب: إذا حلف لا ساكنه وهما بدار لم يحنث إذا ساكنه ببلد: وهذا إذا لم تكن له نية ولا بساط، وإلا عمل على ذلك. انتهى. قوله:"وانتقل"، الانتقال هنا يصدق بانتقالهما معا وانتقال أحدهما، ولهذا قال: عما كانا عليه، وأما انتقال أحدهما إلى موضع الآخر فيبقى معه الحنث، وهذا عام حتى في القريتين والحارتين وغير ذلك. انظر الحطاب. ابن عرفة: وسمع ابن القاسم: لا يحنث في لا أساكنه بسفره معه وينوى. ابن القاسم: إن لم تكن له نية فلا شيء عليه، ومثله لمحمد عن أشهب. ابن رشد: إلا أن ينوي التنحي عنه. انتهى. قاله الحطاب.

ابن المواز: من ءاذاه جاره فحلف لا ساكنتك، أو قال: لا جاورتك في هذه الدار فلا بأس أن يساكنه في غيرها، ولا يحنث إن لم تكن له نية، وأما إن كره مجاورته أبدا فيحنث، وكذا إن قال لا ساكنتك بمصر فساكنه بغيرها فهما سواء. وقوله: وانتقل في لا ساكنه لخ، قال الإمام

ص: 264

الحطاب قال ابن عبد السلام: لا فرق بين أن يقول لا ساكنتك أو لا سكنت معك أو لا جاورتك، وظاهر المجموعة أن لفظ المجاورة أشد في طلب التباعد على ما فهمت وهو أبين. انتهى. وقال ابن عبد السلام أيضا: وإن كانا حين اليمين في حارة واحدة أو ربض واحد انتقل أحدهما من تلك الحارة إلى حارة أخرى أو إلى ربض آخر حيث لا يجتمعان للصلاة في مسجد واحد، وإن كانا حين اليمين في قرية واحدة انتقل عنها إلى قرية أخرى، فإن لم يكن معه في قرية بعد عنه إلى حيث لا يجتمع معه في مسقى ولا محطب ولا مسرح، وإن كانا من أهل العمود فحلف أن لا يجاوره أو لينتقلن عنه فلينتقل حيث ينقطع ما بينهما من خلطة العيال والصبيان حتى لا ينال بعضهم بعضا في العارية والاجتماع إلا بالكلفة والتعب. انتهى.

وقال ابن عبد السلام أيضا: فإن انتقل أحدهما إلى العلو وبقى الآخر في السفل أجزأه، نص عليه ابن القاسم في المدونة، ورأى بعض الشيوخ أن هذا إنما يكفي إذا كان سبب اليمين ما يقع بينهما من أجل الماعون، وأما إذا كان ذلك من أجل عداوة حصلت بينهما فلا يكفي، ومثل انتقال أحدهما إلى العلو انتقالهما إلى دار فيها مقاصير وحجر سكن كل منهما مقصورة، وإن كانا حين اليمين على أحد هذين الحالين -أعني أن يكون أحدهما في علو والآخر في سفل، أو كان في دار ذات مقاصير كل واحد منهما في مقصورة- فلابد أن ينتقلا فيسكن كل واحد منهما في منزل يختص به. انتهى. والله أعلم. انتهى. كلام الحطاب.

قال جامعه عفا الله عنه. يتحصل مما مر من كلام الشيخ عبد الباقي أنه إذا كانت القرية صغيرة وهما بدار أو حارة أو حارتين، فإنه ينتقل مخافة الحنث لدار أخرى في القسم الأول، ولحارة أخرى في القسم الثاني، ولقرية أخرى على فرسخ في القسم الثالث، هذا إذا كانت يمينه لا ساكنته بهذه الدار أو بهذه الحارة أو بهاتين الحارتين، أو قال: لا ساكنت، وأطلق ولا أنية ولا بساط وإلا عمل على ذلك، وأما إن حلف لا ساكنه بهذه البلدة أو بلدة فإنه ينتقل لأخرى، وأنه إن حلف لا ساكنه وكل بقرية صغيرة فلا يجتمع معه في مسقى أو محطب أو مسرح بل يتباعد عنه. هذا حكم القرية الصغيرة. وأما القرية الكبيرة كالمدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، فإن كانت يمينه لا ساكنته بدار أو حارة أو حارتين فلا شيء عليه إلا أن

ص: 265

يساكنه، وإن كانت لا ساكنته بهذه البلدة أو ببلدة فالظاهر انتقاله لأخرى على فرسخ، وأنه إن حلف لا ساكنه وكان كل بقرية كبيرة فلا يقرب منه عرفا، ومن كلام غيره أنه لا فرق بين القرية الصغيرة والكبيرة، بل ينظر فإن كانا في دار واحدة انتقلا عما كانا عليه بأن يسكن أحدهما بغير محل الآخر، وإن كانا في حارة واحدة انتقل أحدهما إلى حارة أخرى، وإن كانا في ربض انتقل أحدهما إلى ربض آخر: وإن كانا حين اليمين في قرية واحدة انتقل عنها إلى قرية أخرى، فإن لم يكن معه في قرية بعد عنه إلى حيث لا يجتمع معه في مسرح أو مسقى أو محطب. والله سبحانه أعلم.

ولما شمل كلامه من كان في قرية أو مدينة أو بادية أو دار حيث ذكر أن الانتقال يخرج عن الحنث في ذلك كله: وكان له في الخروج عن الحنث في الدار وجه آخر غير الانتقال، أشار له عاطفا على انتقل بقوله: أو ضربا جدارا؛ يعني أنه إذا حلف لا ساكنه وهما بدار واحدة يكفيه في الخروج من اليمين أن يضربا بينهما جدارا؛ أي يشرع في ضربه بإثر اليمين، ولو لم يخرج أحدهما حتى ضرب فقد يكون ضربه أسرع من الانتقال. ولو جريدا؛ يعني أنه لا يشترط في الجدار أن يكون وثيقا بالطوب والحجر، بل يكفي في الخروج من اليمين إذا كان جريدا، ورد بلو على ابن الماجشون القائل بأن الجريد لغو.

بهذه الدار؛ جعله الشارح متعلقا بقوله: "لا ساكنه"؛ أي وانتقل في حلفه لا ساكنه بهذه الدار، وقال ابن غازي: أشار بلو لخلافين، أحدهما الخلاف في الحاجز إذا لم يكن بناء وثيقا بالحجر ونحوه، بل كان من جريد النخل وشبهه، والثاني الخلاف في إجزاء الحاجز إذا عين الدار، فيكون ما قبل المبالغة في الأخير حيث حلف لا ساكنه ولم يزد، بل ولو قال: لا ساكنته بهذه الدار، وهو خلاف قول ابن رشد في سماع أصبغ، ولو عين الدار لم يبر بالجدار اتفاقا. وقال ابن عرفة: والمص ظاهر المدونة سماها أم لا إجزاء الحاجز في العينة، وقد سبقهما إلى هذا أبو الحسن الصغير، وزاد أن المساكنة التي هي مفاعلة يزيلها الجدار بخلاف السكنى. انتهى. وإنما يكفي ضرب الجدار مطلقا طوبا أو زربا أو جريدا حيث كان لكل مرفق ومدخل على حدة، ولو قسم

ص: 266

منافع لا قسم رقبة، ومحله أيضا إن كان الحلف لأجل ما يحصل بين العيال، فإن كان لكراهة جوار فلا يكفي ضرب الجدار، بل لابد من الانتقال، وإن لم تكن له نية فقولان.

قال الشيخ عبد الباقي: واعلم أن جميع ما مر في غير أهل العمود، وأما هم فلابد أن ينتقل عنه نقلة بينة حتى ينقطع ما بينهما من خلطة العيال والصبيان، ولا ينال بعضهم بعضا في العارية والاجتماع إلا بكلفة، ولا يحنث في لا ساكنه بسفره معه إلا أن ينوي التنحي، وإذا كانا بمحل واحد وفوقه محل خال، فإن انتقل أحدهما إلى العلو وبقى الآخر في السفل أجزأه. نص عليه ابن القاسم في المدونة. ويعتبر أن يكون كل مسكن مستغنيا بمرافقه، وذكر بعض الشيوخ أن هذا إذا كان سبب اليمين ما يقع بينهما من أجل الماعون، وأما لعداوة فلا يكفي. انتهى. لأنه لا يزول معه اسم المساكنة عرفا فلا يبر بذلك. انتهى.

وبالزيارة له؛ يعني أن الحالف لا ساكنه يحنث بزيارته المحلوف على ترك مساكنته أي بالزيارة من أحدهما، ومحل ذلك إن قصد الحالف التنحي؛ أي البعد عنه لذات المحلوف عليه؛ لأنه لا بعد مع الزيارة؛ إذ هي مواصلة وقرب. لا لدخول عيال؛ يعني أنه إذا حلف لا ساكنه فإنا، لا يحنث بالزيارة إن لم يقصد الحالف التنحي، بل حلف لأجل ما يدخل من المشارة بين العيال من نساء وصبيان، وكذا لا يحنث بالزيارة أيضا إذا لم تكن له نية.

إن لم يكثرها نهارا أو يبت بلا مرض، قال الشيخ أحمد بابا: الثابت في خط المص: يعني في المتن أنه عطف قوله: "أو يبت"، بأو لا بالواو، وهو الصواب الموافق لقول ابن رشد: يعني أن الحالف لا ساكنت فلانا إذا كانت يمينه لأجل ما يدخل بين العيال محل كونه لا يحنث بالزيارة، إنما هو إذا انتفت كثرتها بالنهار مع انتفاء البيات بلا مرض، فعدم الحنث منوط بانتفاء الأمرين معا، وهذه هي صورة المنطوق، ومفهومه أنه لو أكثرها نهارا من غير مبيت أو مع مبيت لمرض أو لم يكثرها وبات بلا مرض لحنث. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وقال: إن "أو"، هنا لكونها واقعة بعد النفي تفيد النفي عن الأمرين معا. انتهى.

قال جامعه عفا الله عنه: صورة المنطوق التي لا حنث فيها تصدق بأمرين لم يكثرها نهارا ولم يبت، لم يكثرها نهارا وبات بمرض. وقوله:"مرض"؛ يعني مرض المحلوف عليه كما نص عليه

ص: 267

غير واحد، والمفهوم أربع صور أن يكثرها نهارا من غير مبيت، أو مع مبيت لمرض، أو مع مبيت لغير مرض، أو لم يكثرها وبات بلا مرض، والكثرة ما يعده العرف كثرة ولو في أيام، وهذا إذا كان لا يأتي من بلد أخرى، وإلا فله أن يقيم اليوم واليومين، ومقتضى جعل اليمين في مسألة "لا لدخول عيال" ما يدخل بين العيال من المشارة عدم الحنث بزيارته ولو طالت إقامته وبات بلا مرض: فما وجه ما ذكره المص؟ قاله الشيخ علي الأجهوري. قال الشيخ عبد الباقي: قلت لعله أن مجينه على الوجه المذكور ربما كان ذريعة لمجيء أولاده، فتحصل خلطة العيال. انتهى. ومن حلف لا يأوي إلى فلان، فألجأه مطر أو خوف وجنه الليل فأوى إليه ليلة أو بعض ليلة فقد حنث، إلا أن يكون نوى السكنى. انتهى. من ابن عبد السلام. قاله الإمام الحطاب.

قال جامعه عفا الله عنه: ومعنى هذا أنه يمكنه أن يأوي إلى غيره، أو يمكنه أن لا يأوي إليه بالكلية، وإلا فقد مر أن من حلف بالطلاق لا خرجت امرأته من الدار فأتاها سيل أو هدم أو أمر لا قرار معه، أو أخرجها أهل الدار وهي بكراء، فلا شيء عليه في خروجها، واليمين عليه في الدار التي انتقلت إليها.

وسافر القصر في لأسافرن؛ يعني أن الشخص إذا حلف ليسافرن، فإنه لا يخرجه من يمينه إلا أن يسافر مسافة القصر أي مسافة أربعة برد، وإن لم يقصر الصلاة فيه لعدم قصدها دفعة أو لعصيانه به أو نحو ذلك حملا له على القصد الشرعي دون اللغوي، وإلا لأجزا ما يسمى سفرا لغة ودون العرفي، وإلا لأجزأ ما يسمى سفرا عرفا، وعبارة الشيخ الأمير: عولوا هنا على الشرعي كأنه اشتهر.

ومكث نصف شهر، مكث كنصر وكرم؛ يعني أنه لابد في بر الحالف المذكور بسفر القصر من أن يمكث نصف شهر في انتهاء سفره؛ أي لا يرجع لمكان دون مسافة القصر من موضع حلفه، وليس المراد حقيقة المكث الذي هو الإقامة؛ إذ لو استمر سائرا بعد مسافة القصر نصف شهر لبر يمينه. قاله غير واحد.

وندب كماله؛ يعني أنه لو رجع بعد خمسة عشر يوما لم يحنث، لكن يستحب له أن يمكث شهرا لقول ابن القاسم: لو رجع بعد خمسة عشر يوما لم يحنث والشهر أحب إلي. كأنتقلن؛

ص: 268

يعني أن من حلف لينتقلن من هذه البلدة أو من بلدة كذا أو نوى ذلك فإنه لابد في بر يمينه من أن يسافر مسافة القصر، وأن يمكث نصف شهر، وندب كماله، فالتشبيه تام، وأما إن حاف لأنتقلن من هذه الدار أو الحارة، أو نوى ذلك أو قامت عليه قرينة فلا يشترط السفر، بل يكفي الانتقال لأخرى، ويمكث نصف شهر ويندب كماله، وهذا إذا قصد إرهاب جاره ونحو ذلك، وأما إن كره مجاورته فلا يساكنه أبدا، وكذلك ينبغي في مسألة [المنة

(1)

] أنه إن رجع إليه حنث، وما مشى عليه المص في لأنتقلن هو قول مالك، وقيل: يكفيه ثلاثة أميال فصاعدا وهو المقدار الذي إذا بلغة تسقط عنه الجمعة من الكان المحلوف عليه وهو استحسان ابن المواز، قال: ويقيم ما قل أو كثر ثم يرجع إن شاء، وإن حلف لينتقلن ولم يقيد بشيء مما تقدم فالقياس أنه لا يبر إلا بفعل من قيد ببلد والحالف لأنتقلن إن لم يضرب أجلا فهو على حنث ولا يحنث، وإن أخر الانتقال. قاله ابن عبد السلام.

قال البساطي: ويحال بينه وبين زوجته إن كانت يمينه بطلاق وإن ضرب أجلا، قال ابن عبد السلام: فهو فيه على بر. انتهى. وفي كتاب محمد فيمن سكن منزلا لامرأته فمنت به عليه فحلف بالطلاق لينتقلن ولم يؤجل، فأقام ثلاثة أيام يطلب منزلا فلم يجده فأرجو أن لا شيء عليه، قيل: إن أقام شهرا؟ قال: إن توانى في الطلب خفت أن يحنث. انتهى. أي لما في هذا من بساط المنة؛ لأنه إذا توانى شهرا قويت منتها عليه ولا يحنث بثلاثة أيام يطلب فيها منزلا؛ لأن هذا المقدار لا يحصل منه منة البتة. انتهى. والله أعلم. وفي الحطاب: وإذا حلف ليخرجن فلانا من داره فأخرجه فله رده بعد شهر. انتهى. وقوله: "كأنتقلن"، يريد به السابقة في قوله:"لأنتقلن".

وقوله: ولو بإبقاء رحله، مبالغة في قوله:"وببقاء ولو ليلا في لا سكنت"، وفي قوله:"كأنتقلن"؛ يعني أنه إذا حلف لا ساكنه يحنث ببقاء شيء من متاضه في الدار التي حلف لا ساكنه بها، ولو كان ذلك الشيء المبقى رحلا، والمراد بالرحل ماله بال، وقيل: لا يحنث، وروي عن مالك. اللخمي: أراد ذهب في ذلك إلى قوله تعالى: {غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ} ، فغفى عنها السكنى

(1)

ما بين المعقوفين ساقط من النسخ والمثبت من بناني ج 3 ص 18.

ص: 269

إذ لم يكن إلا المتاع، وكذا لو حلف لأنتقلن فإنه لابد في بره من نقل جميع متاعه وأهله وولده، فلو أبقى من متاعه شيئا له بال لم يبر فالبالغة راجعة للمسألتين، كما حرره بناني رادا على الرماصي، والحنث في الأولى مقيد بثلاثة قيود: أن لا يكون في نقله فساد كثمر شجر بدار قبل استحقاق جذه فلا يحنث بإبقائه فيما يظهر، وأن يكون حلفه لقطع المنة ونحوها فإن كان لما يدخل بينه وبين جيرانه من المشارة ونحوها فلا يحنث، وأن يبقيه بمحل يدخل في عقد الإجارة من غير شرط: وأما ما لا يدخل إلا بشرط كالمطامير فلا يحنث بإبقاء ما خزن به. قال الحطاب: ومثل المطامير الصهاريج عندنا بالحجاز، فإذا أبقى رحله بالمطامير أو الصهاريج لم يحنث إن أكراها منفردة عن محل سكناه وكانت مأمونة حال انتقاله عنها، ولم تدخل في الكراء الأصلي إلا بشرط كما هو موضوعه، فإن اختل واحد من هذه حنث بإبقائه شيئا من متاعه بها.

لا بكمسمار؛ يعني أنه لا يحنث بإبقاء مالا بال له من متاعه كالمسمار والوتد، وظاهره تركه إهمالا أو نسيانا، وقال ابن وهب: لا يحنث إذا كان يريد عدم العود إليه. وهل إن نوى عدم عوده له؟ يعني أن الأشياخ تنازعوا هل يقيد قول ابن القاسم بقول ابن وهب فيكون ابن القاسم موافقا لابن وهب على الحنث إن نوى عوده له؟ أو يبقى قول ابن القاسم على إطلاقه؟ في ذلك تردد للمتأخرين في فهم كلام ابن القاسم طريقة التفصيل لابن رنتد، ومقابلها طريقة ابن يونس لا يحنث بترك السقط عند ابن القاسم مطلقا، قال الشيخ عبد الباقي: وأورد على الشق الأول أنه يقتضي حنثه إذا لم تكن له نية كما إذا نسى المسمار ونحوه. مع أن مذهب ابن القاسم فيها عدم الحنث وهو المذهب خلافا لابن وهب، فلو قال: وهل إلا أن ينوي عوده له تردد كان أولى، فمحل التردد إن نوى العود، فإن نوى عدمه لم يحنث اتفاقا، وكذا إن لم ينو شيئا عند ابن القاسم، فالأقسام ثلاثة محل التردد إن نوى العود، وإن لم ينو شيئا ففيها قولان وليست من محل التردد، فابن القاسم لا حنث عنده وهو المذهب، ويحنث عند ابن وهب، وإن نوى عدم العود فلا حنث اتفاق. هذا هو الذي يتحصل من كلام غير واحد. ونص في الموازية على أنه إن تصدق بمتاعه على رب المنزل أو غيره فتركه المتصدق عليه لم يحنث، ولو حلف لا يدخل هذه الدار فأدخل يده أو رأسه فيها لم يحنث، وإن أدخل رجلا واحدة، فقال مالك: يحنث، وقال

ص: 270

ابن القاسم: إن وضعها من وراء الباب أو في موضع من العتية يمنع الغلق حنث، وقال ابن الماجشون: إن نقل الخارجة ليدخل فتذكر فأخرجها حنث، وإن وقف عليها لم يحنث، ولو أدخل رأسه وصدره قائما لم يحنث ومضطجعا حنث. انتهى. قاله الإمام الحطاب.

وباستحقاق بعضه؛ يعني أن من حلف ليقضين فلانا حقه إلى أجل كذا فقضاه إياه فاستحق كله أو بعضه من يده، ولم يطلع على ذلك الاستحقاق إلا بعد مضي الأجل، فإن الحالف يحنث إن قام رب الدين بحقه، ولو أجاز المستحق بعد قيام رب الدين بحقه، وقوله:"وباستحقاق بعضه"؛ يعني ولو كان البعض الباقي يفي بالدين، فإن لم يقم رب الدين بحقه لم يحنث الحالف بالاستحقاق المذكور. أو عيبه؛ يعني أنه كما يحنث بالاستحقاق يحنث أيضا بتبين عيب فيه بعد الأجل قديم يوجب الرد، بشرط أن يقوم رب الدين بحقه في العيب فيحنث وإن لم يعلم الحالف بالعيب عند الدفع، وأما إن لم يقم رب الدين بحقه في العيب فلا حنث كالاستحقاق، وما قدامته من الحنث وإن لم يعلم الحالف بالعيب عند الدفع هو ظاهر المدونة، قال ابن الحاجب: وهو. إن لم يعلم مشكل. التوضيح: لأن القصد أن لا يماطل وقد فعل. اللخمي: والحنث على مراعاة الألفاظ ولا يحنث على القول الآخر؛ لأن القصد أن لا يلد. انتهى.

وقوله: بعد الأجل متعلق باستحقاق أو يتنازعه هو والمضاف المقدر قبل عيبه؛ أي تبين عيب، ومفهوم قوله:"بعد الأجل" أنه إن علم قبله وأجاز فلا حنث، وكذا إن لم يجز، واستوفى حقه قبل مضي الأجل وإلا حنث، ولا حنث إذا كان العيب لا يوجب الرد كما أنه لا حنث إذا لم يحصل من المستحق تكلم أصلا.

تنبيه: من حلف لا باع شيئا عينه فباعه وبه عيب يوجب الرد حنث، سواء قبله المشتري رجد علمه بالعيب أو رده، وإن حلف ليبيعنه لم يبر إن رد بالعيب، وقوله:"وباستحقاق بعضا، أو عيبه بعد الأجل"؛ أي قامت بينة على عين الدراهم والدنانير المقضي بها أنها لغير الحالف على أن الدراهم والدنانير تتعين، وأما على القول بأنها لا تتعين أو لم تقم بينة فلا حنث مطلقا، ومن حلف ليقضين فلانا حقه في الأجل الفلاني فأعطاه رهنا لم يبر عند ابن القاسم وهو المشهور، وقال أشهب: يبر بذلك.

ص: 271

وقوله: "وباستحقاق بعضه أو عيبه بعد الأجل"، في الخرشي ما نصه أن محل الحنث إذا قام المستحق بأخذ شيئه وقام واجد العيب به ولو حصل منهما إجازة بعد ذلك، وأما إن لم يقم واحد منهما بما ذكر فلا حنث إلا أن يكون العيب نقص العدد أي أو الوزن فيما التعامل به وزنا. انتهى. والضمير في "عيبه"، عائد على البعض، وأولى لو استحق كله أو تعيب كله.

ويبيع فاسد فسد قبله؛ يعني أن المدين إذا حلف ليقضين رب الدين حقه إلى أجل كذا، ثم إن الدين الحالف باع لرب الدين سلعة بيعا متفقا على فساده، وقاصَّ الدين رب الدين بثمن المبيع فاسدا وفات المبيع فاسدا الذي هو السلعة بيد رب الدين قبل الأجل المحلوف إليه، فإن الحالف يحنث. إن لم تف قيمة السلعة بالدين، فإن وفت به لم يحنث؛ لأن المبتاع الذي هو رب الدين ملك السلعة بالفوات ولزمه قيمتها وهي مساوية لدينه، فهي قضاء، وإن لم تكن مساوية له حنث لكونه لم يقضه، والمراد بالحنث عدم البر؛ لأن الأجل لم يفت، ولذا إن وفى الحالف بتمام الدين قبل مضي الأجل بر وإلا حنث، وأما لو كان البيع مختلفا في فساده فلا يحنث به مطلقا؛ لأنه يمضي بالثمن، وكلام المص فيما يمضي بالقيمة، وقوله:"إن لم تف" بالفوقية، وفي نسخة بالتحتية وهي أحسن؛ لأن الفوقية تفهم أن قيمته إذا كانت لا تفي بالدين يحنث ولو وفاه وليس كذلك. قاله الشيخ الخرشي.

كأن لم يفسد هذا مفهوم قوله: "فات"؛ يعني أنه لو لم يفت المبيع أو فات بعد الأجل لكان الحكم كذلك؛ أي فإن كانت قيمة المبيع تفي بالدين بر وإن لم تف به حنث، والحنث بعد مضي الأجل حيث لم يفت ظاهر، وأما قبل الأجل فمعناه عدم البر. على المختار؛ يعني أن هذا التفصيل المذكور هو اختيار اللخمي، وقال سحنون: بالحنث مطلقا، وأصبغ بعدمه مطلقا، وحينئذ فالمناسب لاصطلاحه التعبير بالفعل، والجواب عن المص أن التفصيل لما لم يخرج عن القولين كان مختارا من الخلاف، وما شرحت به كلام المص من شموله لما إذا لم يفت أصلا هو للإمام الحطاب وابن عاشر ومحمد بن الحسن بناني، رادا على عبد الباقي القائل: إنه إذا لم يفت المبيع قبل الأجل ولا بعده حنث اتفاقا، وكلام اللخمي نقله المواق، ولفظه: فإن باعه به عرضا بيعا فاسدا والأجل قائم، فإن فات وقيمته كالدين بر مطلقا، وأقل بر إن قضاه تمامه قبل

ص: 272

الأجل وإلا حنث، وإن مضى وهو قائم، فقال سحنون: يحنث، وأشهب: لا يحنث، وأرى بره إن كان فيه وفاء، ولو علم الفساد إن قصد المبيع، وإن أراد ليقوم به بعد ذلك لم يبر. انتهى. وقوله: إن قصد المبيع لخ، ضعيف، والمذهب الإطلاق؛ أعني قصد المبيع، أو أراد القيام أم لا. قاله الشيخ إبراهيم.

تنبيه: قال الرهوني: ترك المص من كلام اللخمي قيدا لابد منه، وهو أن يكون غير عالم بالفساد أو عالما به وقصد المبيع. انتهى. وهو الذي نقلته عن اللخمي.

وبهبته له؛ يعني أن المدين إذا حلف ليقضين رب الدين حقه إلى أجل كذا، ثم إن رب الدين وهب الدين للمدين وقبله، فإن المدين الحالف يحنث بمجرد قبوله لعزمه على ضد ما حلف عليه؛ لأنه حلف ليقضين، فيحنث وإن لم يحل الأجل، وإليه ذهب أصبغ وابن حبيب، ظاهر قول مالك وأشهب أنه لا يحنث حتى يحل الأجل ولم يقضه الدين، فلو قضاه بعد القبول وقبل حلول الأجل على هذا الأخير لم يحنث، وعلى هذا حمله الش، وفي التتائي عن ابن ناجي أنه المشهور، فالصواب حمل المص عليه. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وحمله عليه هو الموافق لقوله: إلا بدفعه على ما هو الظاهر من رجوعه لهذه أيضا. قاله الشيخ بناني. وقوله: "وبهبته له"، قد علمت أنه إنما يحنث بالقبول لا بمجرد الهبة، وإنما لم يحنث بمجرد الهبة دون القبول لأن الهبة للمعين يشترط فيها القبول، فإن لم يقبل فإن وفاه في الأجل بر لأنه على بر إليه، وإلا فلا، وقوله:"وبهبته له"، قال الحطاب: اللخمي: هذا على مراعاة الألفاظ، وعلى مراعاة المقاصد لا يحنث؛ لأن القصد أن لا يكون منه لدد، وعلى الحنث فهل يحنث بنفس قبول الهبة وإن لم يحل الأجل؟ وإليه ذهب أصبغ وابن حبيب، أو لا يحنث حتى يحل الأجل ولم يقضه الدين؟ ولو قضاه إياه بعد القبول وقبل حلول الأجل لم يحنث، وهو ظاهر قول مالك وأشهب. انتهى. كلام الحطاب.

وبما قررت علم أن الضمير في "هبته" لرب الدين، وأن الضمير في "له" للمدين، وقوله:"وبهبته له"؛ يعني أو تصدق به عليه ونحو ذلك.

ص: 273

أو دفع قريبه عنه؛ يعني أنه إذا حلف ليقضين فلانا حقه إلى أجل كذا، ثم إنه دفع الدين عن الحالف بغير أمره قريب له أي للحالف، فإن الحالف يحنث سواء كان الذي قضى به الدين من مال الحالف أو غيره، وإلى ذلك أشار بقوله: وإن كان المقضي به من مال؛ أي الحالف، وأما إن كان الدافع عند وكيله، فإن كان وكيله في القضاء أو كان مفوضا بر: وإن كان وكيله في المبيع والشراء والتقاضي فكذلك إن أمره به الحالف، وإلا فلا يبر. قاله المواق. وينبغي أن يكون علم الحالف بذلك ورضاه كأمره به، وإطلاق التتائي الوكيل غير ظاهر. قاله الشيخ إبراهيم. وقال الشيخ عبد الباقي: وأما وكيل الضيعة فلا يبر بقضائه، وما هنا وكيل الحالف، وما يأتي للمص وكيل المحلوف له، انتهى.

وبما قررت علم أن القريب في كلام المص هنا محمول على قريب غير وكيل، أو وكيل تقاض أو ضيعة كما نص عليه غير واحد. أو بينه بالقضاء؛ يعني أنه إذا حلف ليقضين فلانا حقه، ثم إنه شهدت للمدين الحالف بينة بأنه قضى رب الدين أو تذكر الطالب أنه كان قبضه، أو أنه كان أبرأه، فإن الحالف في ذلك كله يحنث أي لا يبر.

وقوله إلا بدفعه، راجع للثلاث؛ أي لمسألة الهبة، ودفع القريب، وشهادة بينة بالقضاء. والدفع يكون حقيقيا كما في مسألة الهبة وشهادة بينة بالقضاء؛ ريكون حكما كما في مسألة القريب كما إذا بلغة الخبر وأجاز؛ يعني أن الحالف المذكور لا يبر بهبة رب الدين له الدين الذي عليه، ولا يبر بدفع قريب عنه ولا يبر إذا شهدت له بينة بأنه قضى رب الدين إلا أن يدفع الدين لربه دفعا حقيقيا كما في مسألة الهبة ومسألة البينة، أو حكميا كما في مسألة القريب حيث يبلغه الخبر غائبا ويجيز.

واعلم أن الشيخ رحمه الله عبر في هذه المسائل بالحنث عن عدم البر؛ لأنه مع بقاء الأجل يمكنه الوفاء قبل ذهابه، فلا يتصف بالحنث، وأما إذا ذهب الأجل فالحنث واضح، وقوله:"إلا بدفعه"، قال ابن عاشر: أي إن قبل المحلوف عليه قبض المال وإلا فلا يلزم به، ويقع الحنث. انتهى. قال بناني: قلت له أن يبر بدفعه إلى الحاكم، ويشهد لذلك ما في الحطاب عن ابن رشد، ونصه عند قوله: وبر إن غاب، وأما إن كان المحلوف له حاضرا فالسلطان يحضره ويجبره على

ص: 274

قبض حقه، إلا أن يكون الحق مما لا يجبر على قبضه، كعارية غاب عليها فتلفت عنده وما أشبه ذلك، فيبرأ من يمينه على دفع ذلك بدفعه للسلطان.

وقوله: ثم أخذه، استئناف لبيان حكم المسألة وليس من تتمتها، فعلى هذا يقرأ فعلا. قاله الشيخ إبراهيم؛ يعني أن الدين الحالف ليقضين رب الدين حقه إلى أجل كذا لا يبر في مسألتي الهبة والشهادة بالقضاء إلا بدفع الدين كما عرفت، فإذا دفعه بر، وله أن يأخذ ما دفع إن لم يكن رد الهبة، فقوله:"ثم أخذه"، إنما هو لبيان الحكم المذكور، لا أنه لا يخرج من اليمين إلا به، ومثل مسألة المص ما إذا كان الحق المحلوف على وفائه عوض عبد فاستحق، أو ظهر به عيب ورده فإنه لا يبر حتى يوفيه ثم يرده.

وفي الخرشي ما نصه: فلو أبى المحلوف له في هذه المسائل من القبول، وقال: أنا لا حق لي آخذه فيدفع الحالف الحق للحاكم لأجل البر ثم يأخذه ولا يجبر الغريم. انتهى. وقد مر قريبا كلام بناني فراجعه إن شئت. وفي الخرشي مانصه: ثم إن كلام المؤلف هذا مبني على مراعاة الألفاظ وترك مراعاة البساط والمقاصد وهو خلاف ما تقدم. انتهى. أي؛ لأن قصده أن لا يلد وسمع عيسى ابن القاسم: من أحلف مبتاعي سلعة لأجَلٍ أن يقضياه إليه لم يبر أحدهما بقضاء الآخر عنه دون إذنه، ولو ابتاعاها شركة بينهما إلا أن يتحاملا بثمنها. ابن رشد: إن تحاملا بر أحدهما بقضاء حقه فقط أو بقضاء الآخر عنه، ولو شرط البائع أخذ من نتاء بحقه لم يبر أحدهما بقضاء كل الحق، كمتفاوضين ابتاعا سلعة لأجل وحلفا كذلك قاله الخرشي.

لا إن جن ودفع الحاكم؛ يعني أنه إذا حلف ليقضين فلانا حقه إلى أجل كذا، ثم إن الحالف جن ودفع الحاكم الحق عن الحالف لرب الدين قبل مضي الأجل من مال الحالف فلا حنث عليه، وكذا لو دفعه الحاكم من ماله أي الحاكم فإنه يبر، وهذا حيث لا ولي لمن جن وإلا لم يبر بدفع الحاكم، والظاهر أن مثل الحاكم جماعة المسلمين، وقوله:"لا إن جن" وكذا لو أغمي عليه أوأسر أو حبس ولم يمكنه أن يدفع أو سكر كذا يظهر في الجميع. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشبراخيتي: ثم إن البراءة بدفع الحاكم مقيدة بما إذا لم يكن للمجنون ولي، ويجري مثله في

ص: 275

المغمى عليه والسكران كذا ينبغي، وظاهر كلامه أنه يبر وإن كان المدفوع من مال الحاكم والولي مثله. انتهى.

وإن لم يدفع فقولان؛ يعني أنه ما لم يدفع الحاكم قبل الأجل بأن لم يقض عن الحالف الذي جن حتى مضى الأجل، فإنه اختلف في حنثه، فقال أصبغ: يحنث، وقال ابن حبيب: لا يحنث. مالك: لو مات المحلوف له والحالف وارثه استحسن أن يأتي الإمام فيقضيه ثم يرده له، وعنه: الوراثة كالقضاء. وفي الخرشي أن قوله: "ودفع الحاكم" جملة حالية؛ أي فيبر بدفع الحاكم ولو كان للمجنون ولي أو وكيل؛ لأنه انعزل بجنونه، وينبغي أن محل بره حيث لم يفق قبل الأجل، وإلا فلابد من دفعه ثم أخذه.

وبعدم قضاء في غد في لأقضينك غدا يوم الجمعة وليس هو؛ يعني أنه إذا حلف لأقضينك غدا يوم الجمعة أو لأقضينك يوم الجمعة غدا الحكم سواء، فإنه يحنث إذا لم يقضه غدا والحال أن الغد ليس يوم الجمعة بل يوم الخميس مثلا لتعلق الحنث بغد لا بتسميته جمعة، وهو يقع بأدنى سبب، وظاهره ولو نوى يوم الجمعة لمنافاة نيته، لقوله:"غدا"، وفي سماع يحيى: وسئل عن الرجل يحلف بطلاق امرأته ليقضين رجلا حقه يوم الفطر وهو من بعض أهل المياه، فأفطروا يوم السبت وقضاه ذلك اليوم، ثم جاء الثبت من أهل الحاضرة أن الفطر كان يوم الجمعة، قال: سمعت مالكا يقول: هو حانث، قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة على أصل المذهب في أن من حلف لا يفعل فعلا ففعله مخطئا أو جاهلا أو ناسيا يحنث، كمن حلف ليقضين رجلا حقه يوم كذا فيمر ذلك اليوم وهو يظن أنه لم يأت بعد أي فيحنث. وقوله:"وليس هو"، قال الشيخ إبراهيم: إلا أن يريد اليوم الذي سمى فينوى إن كان مستفتيا. نقله المشدالي. ولو قال: لأقضينك حقك غدوة أو بكرة ففيما بينه وبين نصف النهار، وقيل يعجل في بكرة وفي العشي من وقت الظهر للغروب. ابن رشد: من وسط وقت الظهر، لقوله عن بعض من مضى: ما أدركت الناس يصلون الظهر إلا بالعشي، ولا شك أنهم لم يكونوا يؤخرون إلى آخر الوقت، ولو قال عند صلاة الظهر فلآخر المقامة، وفي حنثه إلى صلاة الظهر بميل الفيء أو بانقضاء صلاة الجماعة، وإن

ص: 276

لم تكن جماعة فبانقضاء المقامة قولا محمد وابن الماجشون، ولابن القاسم: مدة أن تصلى الجماعة والقامة.

العتبي عن أصبغ: الحنث في لأقضينك إلى الحصاد بانقضائه ويقضى عليه في معظمه، ونظر فيه ابن رشد، ولو قال: لأقضينك قبل أن أصلي فبانصراف الناس من الصلاة، وإن لم يصل هو وإن لم يكن للمسجد جماعة فلآخر الوقت، فلو اختلفا بعد مضي الأجل المحلوف عليه، فقال رب الحق: لم تقض، وقال الحالف: بل قضيتك، فالقول قول رب الحق يحلف ويستمر الحق باقيا، ويحلف الآخر ولا يحنث ولكن يدفع الحق لربه على أحد أقوال، وقوله:"وبعدم قضاء"، عدلف على قوله:"بفوت ما حلف عليه"، والضمير المنفصل تأكيد للمستتر الراجع إلى الغد، والخبر محذوف أي يوم الجمعة. انظر الخرشي.

لا إن قضى قبله؛ يعني أن من حلف ليقضين فلانا حقه غدا فعجله له قبل مجيء غد لا حنث عليه؛ لأن الحال اقتضت أنه لا يتأخر القضاء عن غد، ولذا لو قصد التأخير لغد لمطل فإنه يحنث بالقضاء قبله. بخلاف لآكلنه؛ يعني أن الحالف على طعام ليأكلنه غدا يحنث بأكله قبل غد؛ لأن الطعام قد يقصد به اليوم، والقصد في القضاء عدم المطل، ولذا لو كان الحالف مريضا لم يحنث بأكله قبل غد لدلالة البساط على أنه لا يؤخر أكله عن غد، فتقديمه عنه سرور لأهله.

وفي الخرشي: والدواء كالطعام للمريض لا حنث فيه.

ولا إن باعه به عرضا؛ يعني أنه إذا حلف ليقضين فلانا حقه، وكان حقه دراهم أو دنانير، فإنه لا يحنث إذا أعطاه قضاء عن حقه عرضا يساوي ما عليه أن لو يبع، هذا إذا كان قصد الحالف مطلق الوفاء، فإن لم يساو العرض ما عليه لم يبر ولو باعه بقدر الدين؛ لأنه يحتاط لجانب البر، والحنث يقع بأدنى سبب، ولو كانت صيغة يمينه: لأقضينك دراهمك، فإنه يحنث إذا أعطاه عنها عرضا إلا أن يكون نوى قضاء الحق.

واعلم أن الصور ست؛ لأن يمينه إما لأقضينه حقه أو دراهمه في الدراهم أو دنانيره في الدنانير، وفي كل إما أن يقصد مطلق الوفاء أو عين الدراهم والدنانير، أو لا قصد له، فمتى كانت يمينه بلفظ الدراهم أو الدنانير أو بلفظ الحق وقصد مطلق الوفاء بر بالعرض الذي يفي بقيمة الحق

ص: 277

فيهما، فإن نوى عين دراهمه أو عين دنانير لم يبر فيهما، فإن لم تكن له نية بر بالعرض المساوي في لفظ الحق لا في لفظ الدراهم أو الدنانير. والله سبحانه أعلم.

وبما قررت علم أن معنى قوله "باعه به عرضا"، أعطاه في عينه التي عليه عرضا قضاء، وقوله:"ولا إن باعه به عرضا"، يفهم من قوله:"وببيع فاسد" ضمْنا. قاله الخرشي. وبر إن غاب بقضاء وكيل تقاض؛ يعني أنه إذا حلف ليقضين فلانا حقه عند أجل كذا فغاب رب الدين أو تغيب واجتهد في طلبه فلم يجده، فخشي الحالف أن يمضي الأجل قبل القضاء، فدفع الحق لوكيل الغائب الذي وكله على تقاضي دينه، فإنه يبر بدفعه ذلك، وفي الحطاب ما نصه: وأما إن كان المحلوف له حاضرا فالسلطان يحضره ويجبره على قبض حقه، إلا أن يكون الحق مما لا يجبر على قبضه كعارية غاب عليها فتلفت عنده وما أشبه ذلك، فيبرأ من يمينه على دفع ذلك إليه بدفعه إلى السلطان. وبالله التوفيق. انتهى. وظاهر النص أنه لا يبر بدفعه لوكيل التقاضي أو التفويض مع حضوره. قاله الأمير.

أو مفوض؛ يعني أنه كما يبر بالدفع لوكيل التقاضي يبر بالدفع لوكيل الطالب المفوض إليه، وقوله:"مفوض"، بواو مشددة مفتوحة مصدر ميمي، وليس اسم مفعول لإضافة الوكيل إليه. والله سبحانه أعلم. وقد مر أنه لو مات المحلوف له يبر بقضاء وارثه، قال الشيخ إبراهيم: وأقيم منها أن من ظلم ومات قبل خلاصه كان الثواب في الآخرة لورثته، وهو أحد قولين حكاهما ابن العربي، وبه أفتى الشبيبي قائلا لو دفعه الظالم لورثة المظلوم لبرئ اتفاقا. ابن ناجي: ناظرني فيها ابن عمي الفقيه القاضي العدل أبو سعيد خليفة ابن أحمد ابن ناجي وألزمني التسلسل لآخر وارث فالتزمته. انتهى. انتهى. كلام الخرشي. وقوله: "وبر إن غاب بقضاء وكيل تقاض أو مفوض"، ويبرأ أيضا من الدين فيهما.

وهل ثم وكيل ضيعة؛ يعني أن الشيوخ اختلفوا وقول المدونة: وإن قضى وكيلا له في ضيعته ولم يوكله رب الحق يتقاضى ديونه أجزأه، فظاهره سواء كان بالبلد سلطان أو لم يكن، وعلى هذا الظاهر اختصرها بعضهم، واختصرها آخرون على أنه لا يبر بدفعه لوكيل الضيعة إلا عند عدم

ص: 278

السلطان أو الوصول إليه، واختلاف الشيوخ إنما هو عند فقد وكيل التقاضي ووكيل التفويض كما أفاد ذلك بقوله: ثُمَّ وإلى هذا الثاني أشار بقوله: أو إن عدم الحاكم.

واعلم أن كلام المص يقتضي أن التأويل الأول قائل بتقديم وكيل الضيعة على الحاكم، والنقل أنهما سواء في بر الحالف بدفعه لأحدهما، فالتأويلان هل الحاكم ووكيل الضيعة سواء؟ أو الحاكم مقدم عليه؟ وهذا الثاني هو الراجح. انتهى.

وعليه الأكثر؛ يعني أن القول بأنه لا يبر بدفعه لوكيل الضيعة إلا عند عدم السلطان أو الوصول إليه هو الذي عليه الأكثر من الفقهاء، وقوله: تأويلان مبتدأ حذف خبره؛ أي في ذلك تأويلان، وألحق أبو عمران الصديق الملاطف بوكيل الضيعة، والضيعة العقار كما في القاموس، وعن ابن مرزوق أن وكيل الضيعة هو الذي يتولى شراء النفقة للدارمن لحم وصابون وغيرهما.

قال الشيخ عبد الباقي: ولما كان [البر

(1)

] من اليمين حاصلا بقضاء الأشخاص الأربعة، والبراءة من الدين حاصلة بالأولين دون الثالث وفيها في الرابع تفصيل، أشار إليه بقوله: وبرئ في الحاكم؛ يعني أن الحالف كما يبر بالدفع للحاكم في يمينه، يبرأ من الدين بالدفع للحاكم عند فقد الأولين، والمراد بالحاكم السلطان أو القاضي أو الوالي، ومحل براءة الحالف من الدين بالدفع للحاكم. إن لم يحقق، الحالف جوره أي الحاكم؛ بأن علم عدله أو جهله، وظاهره وإن كان جائرا في نفس الأمر أو عند الناس، وهذا على أن "يحقق" فعل مضارع مبني للفاعل. وانظر هل يقبل قوله أنه كان لا يحقق جوره أو ينظر لشهرته؟ وإلا بأن حقق الحالف جور الحاكم بر بالدفع إليه في يمينه، ولا يبرأ من الدين إلا بالدفع لوكيل التقاضي أو وكيل التفويض لا بالدفع لوكيل الضيعة.

وشبه في البر دون البراءة قوله: كجماعة المسلمين يشهدهم؛ يعني أنه إذا لم يكن وكيل ولا سلطان أو كان سلطان وهو جائر، أو لا يقدر على الوصول إليه، فإنه يبر في يمينه بأن يأتي لجماعة المسلمين بالحق ويشهدهم على وزنه إن كان التعامل وزنا وعدده، ويرجع به بعد ذلك إلى داره. وفي الحطاب أنه لو دفع الحق إلى رجل من المسلمين فأوقفه على يديه، فإنه يبر إذا لم، يكن

(1)

في النسخ البرء والمثبت من عبد الباقي ج 3 ص 84.

ص: 279

له وكيل ولا سلطان، وإن أشهد على إحضار الحق في الأجل ثم جاء الطالب بعد الأجل فمطله لم يحنث. قاله سحنون.

وينبغي تقديم جماعة المسلمين على وكيل الضيعة حتى على القول بأنه يبر بالدفع له لقيامهم مقام الحاكم في مسائل، وظاهر ما تقدم أنه يبر بشهادة جماعة المسلمين على الوجه المذكور ولو لم يضق الوقت عن القضاء، وفي ابن بشير ما يفيد اشتراطه، وأراد بالجماعة اثنين عدلين، فإن لم توجد عدالة فالجمع على حقيقته، وأشعر قوله:"جماعة"، و "يشهدهم" بأنه لا يبر بجعله عند عدل من غير إشهاد عدلين، خلافا لما تقدم عن الحطاب، فإن في الشارح أنه مقابل. قاله الشيخ عبد الباقي.

(وله يوم وليلة في رأس الشهر) يعني أن من حلف ليقضين فلانا حقه في رأس الشهر كان له يوم وليلة موسع فيهما عليه من الشهر الثاني. قاله الخرشي. أي الثاني عن الذي تعلق به الحلف. والله سبحانه أعلم. فإذا غربت الشمس من اليوم الأول ولم يقضه حنث، قال الشيخ إبراهيم: ولو قال وله ليلة ويوم في رأس الشهر لخ؛ لأن ليلة كل يوم قبله، ومثل قوله:"في رأس الشهر"، مجيء الشهر، وفي استهلاله وفي رؤيته. أو على رأسه؛ يعني أن من حلف ليقضين فلانا حقه عند رأس الشهر يكون له أول ليلة من الشهر الثاني مع يومها، فإذا غربت الشمس من اليوم الأول ولم يقضه حنث. (أو عند رأسه) يعني أن من حلف ليقضين فلانا حقه إذا استهل شهر رمضان مثلا، فإنه يوسع له في أول ليلة من الشهر الثاني مع يومها، فإذا غربت الشمس من اليوم الأول ولم يقضه حنث، وكذا في رأس العام أو عند رأسه أو إذا استهل، ومثل ما قال المص ما إذا قال لأقضينك حقك عند انسلاخ رمضان، أو إذا انسلخ فله يوم وليلة من شوال لجري العرف بذلك، وإن كان الانسلاخ لغة الفراغ كما في القاموس، قال تعالى:{فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ} ، ومثل قوله:"رأس الشهر" لخ، ما لو قال: في حلول الشهر، أو إذا حل أو حين يحل أو لمجيئه أو حين يستهل، أو إذا انقضى الهلال أو عند انقضائه أو إذا جاء آخر الهلال أو دخل الهلال، أو عند دخوله أو في استهلاله. نقله الشيخ الخرشي.

ص: 280

وانظر قوله: إذا انقضى أو عند انقضائه، فلعله إنما يأتي على ما رواه ابن وهب عن مالك، وهو مقابل أن الانسلاخ والاستهلال وإلى رؤيته وإلى رمضان ذلك كله واحد وله يوم وليلة. والله سبحانه أعلم.

وإلى رمضان؛ يعني أنه إذا حلف ليقضين فلانا حقه إلى رمضان فله شعبان يبر إن قضاه فيه، ويحنث بانقضائه أي بغروب الشمس من آخر يوم من شعبان، ولم يقضه لأن صيغته تحتمل أن المعنى إلى فراغ رمضان وإلى ابتدائه، فحمل على الثاني احتياطا لجانب البر، ومثله ما إذا قال: إلى استهلال رمضان. أو لاستهلاله؛ يعني أنه إذا حلف لأقضينك حقك لاستهلال رمضان، فإنه يحنث بانقضاء شعبان بغروب الشمس من آخر يوم منه، وما ذكره المص من قوله:"أو لاستهلاله" ضعيف، والمعتمد أنه يكون له يوم وليلة من رمضان، فليست اللام كإلى على هذا الأخير، وإن قال لأقضينك حقك في العيد. سحنون: إن كان في الفطر فاليوم الأول، وإن كان في الأضحى فالثلاثة الأيام، وإذا قال يوم العيد فالأضحى والفطر سواء له اليوم الأول، وإن قال في أيام التشريق فأربعة أيام، وإنما كان له اليوم الأول فقط فيهما في قوله: يوم العيد؛ لأنه لما لم يضف له إلا لفظ يوم كان واحدا، ولا يرد أن المفرد المضاف يعم، فقياسه أن يعم في الأضحى الثلاثة الأيام؛ لأنه روعي مدلول اللفظ هنا عرفا لا لغة. قاله الشيخ عبد الباقي. ولو قال: إلى انسلاخ رمضان أو لانسلاخ رمضان لم يحنث إلا بانقضاء رمضان، ولو قال لأقضينك حقك إلى العيد لحنث بانقضاء رمضان، كما أفاده المص بقوله:"وإلى رمضان"، وهو قول سحنون، وصدر به اللخمي، وخالف في ذلك أصبغ.

وقوله شعبان، الظاهر أنه مبتدأ حذف خبره أي وله شعبان في حلفه لأقضينك حقك إلى رمضان أو لاستهلال رمضان، فهو راجع للمسألتين الأخيرتين فقط، ولذا أتى بالواو ولم يعطفه بأو. والله سبحانه أعلم. وبجعل ثوب قباء؛ يعني أنه إذا حلف لا يلبس هذا الثوب فجعله قباء بالمد والقصر، فإنه يحنث بلبس ذلك القباء، والقباء: ثوب مفرج. أو عمامة؛ يعني أنه لو حلف لا يلبس هذا الثوب وجعله عمامة، فإنه يحنث بلبس تلك العمامة، وكذا لو جعله سراويل فإنه

ص: 281

يحنث بلبس ما ذكر على هذه الحالة التي صار إليها، ومثل جعل الثوب ما ذكر ما لو حلف لا يلبسه فأداره عليه أو اتزر به أو لف به رأسه أو جعله على منكبيه أو جلس عليه.

وعلم مما قررت أن عليه مراد المص أنه يحنث بالجعل وإن لم يلبس،

وعلم مما قررت أن قوله: في لا ألبسه راجع للأمرين. والله سبحانه أعلم.

لا إن كرهه لضيقه؛ يعني أنه إذا حلف لا يلبس هذا الثوب وقطعه قباء أو قميصا أو سراويل أو جبة أو قلنسوة ولبسه على تلك الحالة، فإنه يحنث كما علمت حيث لم يكرهه لضيقه أو لسوء صنعته، وأما إن كانت يمينه لكونه كرهه لضيقه أو لسوء صنعته فإنه لا يحنث إذا لبسه إذا حول إلى غير تلك الصفة التي حلف عليها، وقوله:"لا إن كرهه لضيقه"، هذا إذا كان الثوب حين حلفه يلبس على وجهٍ مَّا، وأما إن كان لا يلبس على وجه كالشقق فإنه يحنث إذا حوله إلى حال من الأحوال المتقدمة ثم لبسه، ولا ينوى أنه أراد ضيقه لأنها لا تلبس على حالها، كمن حلف لا يأكل هذه الحنطة فأكل خبزها.

ولا وضَعَه على فرجه؛ يعني أنه إذا حلف لا يلبس هذا الثوب فإنه لا يحنث إذا وضعه على فرجه بليل أو نهار علم أم لا إن لم يدره عليه، وإلا حنث كما مر، وقوله:"وضعه" جعله الشيخ عبد الباقي فعلا ماضيا، فإنه قال: ولا يحنث إن وضعه على فرجه، قال: وجعله مصدرا عطفا على توهم الباء في كرهه يمنعه وجود إن في المعطوف عليه إلا أن تفتح همزة أن. انتهى. وجعله الشيخ إبراهيم مصدرا، فإنه قال: ولا يحنث في وضعه على فرجه. انتهى. ثم جوز فيه الأمرين، وقال: إن الأولى كونه فعلا. ابن رشد: وهذا على ثلاثة أوجه، وجه لا يحنث فيه باتفاق وهو إذا جعله على ناصيته، ووجه لا اختلاف أنه يحنث وهو إذا لبس الثوب على هيئة لبسه، مثل ما إذا أخذ عمامة فأدارها على رأسه، ووجه اختلف فيه وهو إذا لبس الثوب على غير هيئته كالقميص يتزر به وما أشبه ذلك، ولو حلف لا يلبس هذا الثوب فحمل فيه زرعا على أكتاقه أو حملت المرأة فيه ولدها لم يحنث وقيل يحنث، ومن حلف في فراش أن لا يضطجع عليه ففتقه والتحف به مع امرأته حنث. ابن يونس: إن كان محشوا فكره سوء حشوه وأنه آذاه في ذلك في الرقاد ففتقه وأزال حشوه وجعله إزارا لم يحنث في الالتحاف به، وإن حلف أن لا يلبس ثوبا

ص: 282

فجلس عليه، قيل يحنث لأن ذلك يسمى لباسا لما في الحديث: قد اسود هذا الحصير من طول ما لبس.

وبدخوله من باب غير في لا أدخله؛ يعني أنه إذا حلف لا أدخل هذه الدار أو لا أدخلها من هذا الباب وغير الباب عن حاله حين اليمين فدخلها من ذلك الباب الذي غير، فإنه يحنث، وكذا يحنث إذا سد وفتح غيره ودخلها من الذي فتح. إن لم يكره ضيقه؛ يعني أن محل حنثه بالدخول من الباب الذي غير إنما هو إذا لم تكن يمينه لأجل ضيقه أو نحو ذلك، وأما إن كانت يمينه لأجل ضيقه أو لاطلاعه على ما لا يحب الاطلاع عليه أو لمروره على من لا يحب، فإنه لا يحنث بدخوله من باب غير.

وبما قررت علم أن معنى قوله: "لا أدخله"، لا أدخل هذه الدار من هذا الباب، أو لا أدخل هذه الدار، وليس المراد لا أدخل من هذا الباب لأنه لا يحنث على هذا إذا دخل الدار من سوى هذا الباب، أشار إليه الشيخ إبراهيم، وقوله:"إن لم يكره ضيقه"، هو من التخصيص بالبساط. وبقيام على ظهره؛ يعني أنه إذا حلف لا يدخل بيتا يحنث بقيامه على ظهر البيت، فلا يشترط الدخول، وقوله:"ظهره"؛ أي ظهر البيت المحلوف على عدم دخوله.

وبمكترى في لا أدخل لفلان بيتا؛ يعني أنه إذا حلف لا دخلت لفلان بيتا أو حلف لا يدخل بيت فلان أو حلف لا دخل دار فلان، فإنه يحنث بدخول بيت أو دار سكنها المحلوف على ترك الدخول لبيته أو داره بكراء، وكذا يحنث بقيام على ظهر ما ذكر؛ لأن البيوت تنسب لسكانها، ولهذا لو حلف لا دخل منزل فلان فدخل على رجل سكنه بكراء فلا شيء عليه، وإنما منزل الرجل حيث هو نازل ومثل المكترى المعار، وقوله:"وبمكترى" لخ، هذا إذا لم يقيد بملكه وأما لو قال لا أدخل لفلان بيتا يملكه فلا يحنث بدخول بيت مكترى له. قاله الشيخ إبراهيم. ولو حلف ليدخلن هذه الدار فقام على ظهر بيت منها لم يبر كما في الحطاب. وبأكل من ودفع له محلوف عليه؛ يعني أن من حلف لا يأكل طعام زيد -مثلا- ثم إن ولد الحالف دفع له زيد المحلوف على ترك أكل طعامه طعاما أو دفعه له غير المحلوف عليه فأكل الحالف مما دفع

ص: 283

لولده فإنه يحنث، فقوله:"دفع"، مبني للمفعول، "ومحلوف عليه"، نائب عن الفاعل صفة لموصوف محذوف تقديره: طعام.

وإن لم يعلم؛ يعني أن الحنث المذكور لا يتقيد بعلم الحالف بأن الطعام الذي دفع للولد من طعام المحلوف عليه، بل لا فرق بين أن يعلم بذلك وأن لا يعلم. إن كانت نفقه عليه؛ يعني أن الحنث المذكور يشترط فيه أن يكون الولد الذي أكل الحالف مما دفع له تجب نفقته على أبيه الحالف لا آكل طعام فلان، ولابد أيضا من كون المدفوع للولد يسيرا، وإلا لم يحنث الحالف إذ ليس للأب رد الكثير بخلاف اليسير فكأنه باق على ملك المحلوف عليه واليسير ما لا ينتفع الابن به إلا بأكله في الوقت كالكسرة وعبده كولده، إلا أنه يحنث بأكله مما دفع له وإن كثر؛ لأن له رده إلا أن يكون على العبد دين فليس له رد ما وهب له حينئذ كما في أحمد والتتائي. قاله عبد الباقي. وقوله: لأن له رده إلا أن يكون لخ، مثله في المواق لكن انظره مع قول المص الآتي:"ولغير من أذن له القبول بلا إذن". انتهى. وقوله: إنه يحنث بما دفع للعبد، ظاهره ولو مكاتبا" شيخنا يعتبر ما يؤول إليه. قاله الشيخ الأمير. ومفهوم قوله: إن كانت نفقته عليه أن الولد الذي لا تجب نفقته على أبيه الحالف لا يحنث بالأكل منه، سواء كان ما دفع له يسيرا أو كثيرا، وكذا لا يحنث بالأكل من ولد الولد لعدم وجوب نفقته عليه، وأما لو حلف لا انتفع منه بشيء، فإن كان الولد قد خرج من ولاية أبيه فلا حنث على الأب الحالف بما أخذ من قليل أو كثير، وأما الصغار فإن كان ما أخذوه يسيرا لا ينتفع به الأب في عون ولده فلا حنث عليه أيضا، وإن أخذ من المحلوف عليه شيئا ينتفع به الأب في عون ولده، مثل الثوب يكسوه إياه أو يطعمه طعاما يغنيه ذلك عن مؤنته فقد حنث، وأقره ابن رشد والله أعلم. قاله الإمام الحطاب.

وبالكلام أبدأ في لا أكلمه الأيام؛ يعني أنه إذا حلف لا يكلم زيدا الأيام، فإنه إن كلمه أبد الدهر حنث، ومعنى ذلك أنه إن كلمه بعد يمينه في وقت أي وقت، فإنه يحنث بتكليمه مرة واحدة ولو بعد سنين كثيرة، ولا تتعدد عليه الكفارة بعدد تكليمه له، وإنما عليه كفارة واحدة إلا لموجب تعدد كما مر، وقوله:"لا أكلمه الأيام"، وكذا الحكم لو قال: لا أكلمه ولم يزد على ذلك، فإنه

ص: 284

يحنث بتكليمه ولو بعد سنين كثيرة، وفي بعض النسخ بأو، وهي أفيد وأحسن. قاله الشيخ إبراهيم.

وعلم مما قررت أن معنى قوله: "أبدا" في جميع ما يستقبل من الزمان؛ لأن أبدا ظرف لاستغراق ما يستقبل من الزمان، وإنما حنث بالكلام أبدا في حلفه لا أكلمه الأيام حملا للألف واللام على الاستغراق. واعلم أنه لا خصوصية للكلام بهذا الحكم، بل يجري مثله في غيره كلا ألبسه أو لا أركبه. قاله الشيخ الخرشي. والله سبحانه أعلم.

أو الشهور؛ يعني أن من حلف لا كلم زيدا الشهور يحنث بتكليمه له في جميع ما يستقبل من الزمن ولو بعد من اليمين جدا، حملا للألف واللام على الاستغراق، ومثل الشهور الأشهر، فلا فرق بين جمع القلة والكثرة، ولو اقتصر على الأيام لفهم منه الشهور من باب أولى، لكن أتى به. -والله سبحانه أعلم- للرد على القول بلزوم سنة فقط في مسألة الشهور ولا يحنث بتكليمه بعدها، قال: لقوله تعالى {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا} ، وذلك مردود بأن المقصود من الآية نفي الزيادة التي كانت تعتقدها الجاهلية من النسي والأيمان مبنية على العرف. انظر الخرشي. وقوله:"وبالكلام أبدا في لا أكلمه الأيام"، مثل ذلك ما لو حلف لا يكلمه السنين فإنه يحنث بتكليمه له أبدا. واعلم أن حنثه في المسائل الثلاث؛ أي مسألة الأيام ومسألة الشهور ومسألة السنين بالكلام أبدا محله حيث لا نية كما هو واضح.

وثلاثة في كأيام؛ يعني أنه لو حلف لا أكلم زيدا أياما بالتنكير فإنه يترك كلامه في ثلاثة أيام من وقت الحلف، ولا يحسب يوم الحلف منها إن سبق بالفجر، لكن إن كلمه فيه حنث، كما أنه إن كلمه في وقت من الأيام الثلاثة بعده ليلا أو نهارا فإنه يحنث، فإن حلف بما ذكر قبل الفجر أو معه حسب، فيحنث إن كلمه ما بقي يوم من الأيام الثلاثة. وإلغاؤه إن سبق بالفجر قول ابن القاسم، وقيل يحسب من وقت الحلف للغروب ويكمل من اليوم الذي يلي اليومين بعده كما هو ظاهر صدر نظم التتائي في السفر حيث قال:

يلفق بعض اليوم لليوم قبله

وقد صح لا تلفيق فاحفظه ترفع

ص: 285

وأدخلت الكاف سنين وشهورا منكرين، ولا يحسب يوم الحلف إن سبق بالفجر فيما يظهر. قاله الشيخ عبد الباقي.

وقال الشبراخيتي: وأدخل بالكاف شهورا وسنين ولا يعد يوم الحلف لكنه لا يكلمه فيه، فإن كلمه فيه حنث، وكذا بقية الأيمان التي يلزم فيها الأبد أو مدة معينة، وقوله:"وثلاثة في كأيام"؛ أي ولا يحنث فيما زاد على ثلاثة مما ذكر على المنصوص عند ابن الحاجب والمشهور عند ابن عبد السلام، ومقابله يحنث بكلامه أبدا. قاله الشيخ إبراهيم.

وهل كذلك في لأهجرنه؛ يعني أن الشيوخ اختلفوا فيما إذا حلف حالف لأهجرن فلانا ولم يذكر مدة، فقيل إنه كذلك أي كمسألة من حلف لا أكلمه أياما فيلزمه ثلاثة أيام لا أكثر حملا للفظه على الهجران الشرعي أي الجائز شرعا، وهو للعتبية والواضحة، وقيل يلزمد شهر رعيا للعرف وهو قول ابن القاسم في الموازية، وإليه أشار بقوله: أو يلزمه شهر؛ والأول هو الراجح كما نص عليه الشيخ المحقق الأمير. ويبر في لأطيلن هجرانه بشهر على القول الأول وهو لابن الماجشون، وعلى القول الثاني لا يبر إلا بسنة وهو لمحمد.

اللخمي: قول محمد احتياط لا أنه لا يجزئ دونها: فإن كانت بينهما مصادقة فالشهر طول وإلا فالشهر قليل، وأما لو قال لأهجرنه وعين مدة كحلفه ليهجرنه أياما أو شهورا أو سنين منكرة فيلزمه أقل الجمع من ذلك، ومن حلف لا أهجره أو لا هجره فسلم عليه ووقف عن كلامه كان على الخلاف، فمن راعى الألفاظ لم يحنثه، ومن راعى المقاصد حنثه وهما قولان، وأما من حلف لأهجرنه ونوى وصلة الهجران بيمينه فسلم عليه، فإنه يحنث؛ لأن السلام يُخرِج من الهجران كما في الرسالة بضم التحتانية.

وقوله: قولان، مبتدأ حذف خبره أي في ذلك. وسنة في حين؛ يعني أن من حلف لا أفعل كذا حينا أو حلف لأفعلن كذا حينا، فإنه يخرج من اليمين بسنة، وكذا إن عرف الحين، وفي التنزيل:{تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ} ؛ أي كل سنة. وزمان؛ يعني أنه لو حلف لا أفعل كذا أو حلف لأفعلن كذا زمانا، كمن قال لا أكلم زيدا مثلا زمانا أو لأهجرنه زمانا فإنه يلزمه سنة. وعصر؛ يعني أنه إذا حلف لا أكلم زيدا -مثلا- عصرا، فإنه يلزمه ترك كلامه سنة، فإن كلمه

ص: 286

قبل مضي سنة من يوم الحلف حنث فإن كلمه بعدها لم يحنث. ودهر؛ يعني أنه إذا حلف لا أكلم زيدا -مثلا- دهرا فإنه يحنث إن كلمه قبل مضي سنة من يوم الحلف، فإن كلمه بعد مضيها لم يحنث، فإن عَرَّف هذه الثلاثة لزمه الأبد، قال الشيخ محمد بن الحسن عند قول المص "وسنة في حين وزمان وعصر ودهر": لعل هذا إذا اشتهر استعمال هذه الألفاظ عرفا في السنة، وإلا فيلزمه أقل ما تصدق عليه لغة، وأما إن قال أحيانا أو أزمانا أو أعصرا أو دهورا فتلزمه ثلاث سنين، وإن جمع بين هذه الألفاظ بالواو في يمين واحدة فالظاهر التوكيد. قاله الشيخ عبد الباقي. وبما يفسخ؛ يعني أنه إذا حلف ليتزوجن فإنه لا يبر بنكاح يفسخ قبل الدخول ولم يدخل حتى فسخ، فإن دخل ومضى بر في يمينه، ولا يبر بما يفسخ أبدا دخل أو لم يدخل، فقوله:"وبما يفسخ"؛ أي وحنث فإن عزم على الضد أو قيد بأجل فمضى ولم يفعل، فالحنث ظاهر صحيح، وإن أطلق أو قيد بأجل ولم يفت كلأتزوجن في هذا الشهر، فالمراد بالحنث عدم البر في اليمين ولا يبر بما يفسخ قبل وبعد إن لم يطل حيث فسخ ولم يثبت، فلا يبر إلا بعقد صحيح ابتداء وانتهاء، ولا يكفي مجرد العقد بل لابد من وطء مباح، ولو حلف شخص لإحدى زوجتيه إن لم أتزوج عليك فضرتك طالق، وحلف للأخرى إن تزوجت عليك فضرتك طالق، فتزوج أخته من الرضاع فإنه يحنث ممن حلف لها إن تزوجت عليك؛ لأنه تزوج، ويحنث من الأخرى أيضا لأنه لم يبر بذلك. قاله الشيخ الخرشي. وقوله: فتزوج أخته من الرضاع؛ يعني حيث لم يعلم بالرضاع كما هو واضح. والله سبحانه أعلم.

وبغير نسانه؛ يعني أنه لو حلف ليتزوجن فإنه لا يبر بتزوجه لامرأة غير مشبهة للنساء التي يليق به التزوج بهن لدناءتها عنهن عرفا، ككتابية ودنية وما أشبههما، فلا يبر إلا بعقد صحيح ووطء مباح في مشبهة نسائه لا في كحيض، ولذا لو قال: لأتزوجن في هذا الشهر أو في هذا اليوم فعقد على امرأة فيه، وبنى بها بعده لحنث، واشترط المغيرة أن تشبهه وتشبه زوجته في حلفه ليتزوجن عليها، ومعنى تشبهها أي في القدر والرفعة؛ لأنها أغيظ لها، وهل يشترط في بره كون نكاحه نكاح رغبة؟ وينسب لابن القاسم، أو ولو قصد به إبرار يمينه. اللخمي: وهو القياس،

ص: 287

والمرأة كالرجل فيما مر إلا أنها ينبغي أن يتفق على أنها لا تشترط فيها رغبة منها له أو منه لها.

وبما قررت علم أن قوله: في ليتزوجن؛ أي في حلفه ليتزوجن، راجع لقوله:"وبما يفسخ"، ولقوله:"وبغير نسائه"، وقوله:"ليتزوجن"، وأما ليتسرين فاشترى سرية فإنه يبر بوطئها مرة على الراجح، وقيل بقيد اتخاذها للوطء وقيل بحملها، وظاهر هذا كانت تشبه أن يتسرى بها أم لا، ولكن يراعى العرف في لفظ سرية، وعرف مصر أنها البيضاء. وإن كانت دنية الجنس. قاله الشيخ عبد الباقي.

وبضمان الوجه في لا أتكفل؛ يعني أنه إذا حلف لا يتكفل بمال فتكفل بنفس رجل فإنه يحنث؛ لأن الكفالة بالنفس كفالة بالمال لأنه يغرم عند تعذر الغريم، والحنث يقع بأدنى سبب، ويدل على التقييد بالمال قوله: إن لم يشترط عدم لغرم؛ يعني أن الحالف لا يتكفل بمال إنما يحنث بضمان النفس إذا لم يشترط عدم الغرم عند تعذر الدين، وأما إن اشترط أنه لا يغرم عند تعذر الدين فلا حنث؛ لأنه يصير ضمان طلب وهو لا يحنث به إذا قيد حلفه بضمان المال أو بضمان الوجه: فإن أطلق بأن قال: والله لا أتكفل حنث بأنواع الضمان الثلاثة، اشترط عدم الغرم أم لا، وإن قيد بالوجه حنث بالمال؛ لأنه أشد من ما سمى.

وبه لوكيله في لا أضمن؛ يعني أنه إذا حلف لا يضمن لزيد حقا على أحد فضمن لوكيله حقا على أحد فإنه يحنث وهذا التقرير لعلي الأجهوري والتاودي وهو تقرير البناني الآتي وقرره عبد الباقي بأن معناه إذا حلف لا يضمن زيدا أي لا يتكفل له بكفالة أي لا يتحمل بما في ذمته، فإنه يحنث بالضمان لوكيل زيد فيما اشتراه الوكيل لزيد أو اقترضه له. إن كان من ناحيته؛ يعني أن هذا الحالف إنما يحنث بضمان الوكيل إذا كان الوكيل المضمون له في ما على زيد من ناحية الموكل في نفس الأمر، كقريبه وصديقه الملاطف، وأما إن لم يكن من ناحيته فلا حنث. وهل إن علم؟ يعني أن الشيوخ اختلفوا في فهم المدونة، فمنهم من حملها على أن محل الحنث بالضمان للوكيل الذي هو من ناحية الموكل، إنما هو إذا علم الحالف أن الوكيل من ناحية الموكل وأما إن لم يعلم أنه ناحيته فلا حنث ومنهم من قال ظاهر الكتاب أنه متى كان الوكيل من سبب الموكل

ص: 288

لم يراع علم الحالف بأن الوكيل من ناحية الموكل بل الحنث منوط بكون الوكيل من ناحية الموكل علم الحالف بذلك أم لا، وعلى اعتبار العلم يقبل قوله إنه لم يعلم إن كانت يمينه بما لا يقضى عليه به أو بما يقضى عليه به، كيمين الطلاق أو العتق المعين، لكن إذا اشتهر أنه وكيل المحلوف عليه لم يقبل في الطلاق والعتق المعين مع المرافعة، وإنما اشترط في الحنث كون الوكيل من ناحية الموكل؛ لأنه إذا كان من ناحيته فكأن الضمان للموكل، فلا يقال الوكيل لم يقصده الحالف ولم يشمله لفظه.

وقوله: تأويلان مبتدأ حذف خبره أي في ذلك تأويلان، ومحلهما حيث لم يعلم الحالف أن المضمون وكيل للمحلوف عليه، فإن علم حنث باتفاق التأويلين علم أنه من ناحيته أم لا.

وتحصل مما مر أن صورة المسألة أنه حلف لا يضمن زيدا أي حلف لا يتحمل بما في ذمته، فاشترى الوكيل لزيد سلعة بثمن في الذمة فضمن الحالف لبائع السلعة ثمنها لكي يسلم بائع السلعة لوكيل زيد، وهذا الذي قررت به المص نحوه لعبد الباقي وهو خلاف ما قرره به البناني، فإنه قال ما نصه: أشار به لقول المدونة: ومن حلف أن لا يتكفل لفلان بكفالة فتكفل لوكيل له ولم يعلم، فإن لم يكن الوكيل من سبب فلان وناحيته لم يحنث الحالف. انتهى. وعليه فاللام في قوله:"لوكيل"، وفي قوله:"له" للتعدية لا زائدة كما يؤخذ من تقرير الزرقاني حيث جعل الوكيل مضمونا لا مضمونا له، وكذا موكله فإنه خلاف ظاهر المص: وخلاف صورة المدونة انتهى ونسخة عبد الباقي ليس فيها له، ولا مانع من شمول المص للمسألتين فإنهما سواء فلا فرق بينهما. قاله مقيده عفا الله عنه. والله تعالى. أعلم.

وقال الشيخ المحقق الأمير: وبضمانه لوكيله في لا أضمن له إن علم الوكالة أو كان كصديقه وقريبه، وهل يشترط علم الحالف بالصداقة ونحوها؟ قولان. انتهى. وهو صريح في أنه يحنث بالضمان للوكيل حيث علم الحالف بالوكالة، وإن لم يكن الوكيل من ناحية الموكل. والله سبحانه أعلم.

وبقوله ما ظننته قاله لغيري لمخبر في ليسرنه؛ يعني أن عمرا -مثلا- إذا حلف ليكتمن خبرا أعلمه به زيد مثلا، ثم إن زيدا أعلم به بكرا مثلا، فقال بكر لعمرو الحالف: زيد أعلمني بكذا

ص: 289

أي الخبر الذي حلف ليكتمنه، فقال عمرو: ما ظننته قاله لغيري، فإن عمرا الحالف يحنث بقوله ما ظننته قاله لغيري، فالضمير في قاله للخبر المحلوف على كتمانه، ومعنى ليسرنه بضم الياء: ليكتمنه ولا يظهره ولا يحدث به أحدا، فقوله لخبر لا مفهوم له، بل لو قاله لغيره لحنث. كما نص عليه الشيخ إبراهيم.

وقوله: "في ليسرنه"، متعلق "بحنث"، وإنما حنث عمرو بقوله ذلك؛ لأن هذا اللفظ يدل على أنه أسره إليه، وحينئذ فكأنه لم يكتمه، والحنث يقع بأدنى سبب، وأما لو قال ما ظننته يقول مثل هذا لغيري ونحوه فإنه لا يحنث.

واعلم أن القاعدة النحوية أنه إذا اجتمع مفعولان أحدهما مسرح والآخر مقيد وجب تقديم المسرح على المقيد، والمص فعل ذلك فقدم المسرح وهو قوله:"ما ظننته"، على المقيد وهو قوله:"لمخبر". قاله الشيخ إبراهيم عن شيخه الأجهوري. وقوله: وجب، فيه نظر إذ ذاك هو الأصل، لكن لا يجب ارتكابه إلا لموجب كما نص عليه غير واحد. والله سبحانه أعلم.

وباذهبي الآن إثر لا كلمتك حتى تفعلي؛ يعني أن الشخص إذا حلف مخاطبا لزوجته -مثلا- لا كلمتك أو لا أكلمك حتى تفعلي كذا، ثم قال لها إثر يمينه اذهبي الآن ونحوه، فإنه يحنث بذلك القول وهذا قول ابن القاسم، وقال ابن كنانة وأصبغ: لا يحنث، قال ابن القاسم: وقضى لي فيها مالك على ابن كنانة، قال الشيخ محمد بن الحسن: يتعين تعلق الظرف باذهبي؛ لأن ابن القاسم فسر قوله: اذهبي بأنه كالقائل إن شئت فافعلي وإن شئت فدعي: وقال الشيخ عبد الباقي: إنه يحنث بمجرد قوله اذهبي؛ لأن الحنث يقع بأدنى سبب، وأن الظرف يحتمل أن يكون متعلقا بالحنث أي وحنث الآن، ولا ينتظر وقوع الفعل. واتفق ابن القاسم وابن كنانة على أنه لو حلف أحد أخوين لا يكلم الآخر حتى يبدأه، فحلف الآخر كذلك لا يكون يمين الثاني تبدئة ينحل بها اليمين عن الأول. قاله الشيخ إبراهيم. وفي الخرشي: ولا مفهوم لقوله اذهبي، بل النهي كلا تذهبي والإشارة كذلك، وقوله:"إثر"، ومن باب أولى في الحنث لو لم يكن قوله ذلك بالأثر. انتهى وفيه أن الحنث يحصل باذهبي فقط.

ص: 290

وليس قوله لا أبالي بدءا لقول آخر في لا كلمتك حتى تبدأني؛ يعني أنه إذا حلف لا يكلم زيدا مثلا حتى يبدأه بالكلام، فقال له زيد: لا أبالي أو نحو ذلك، فإنه يحنث إذا كلم زيدا قبل أن يبدأه زيد بالكلام، ولا يكون قول زيد له: لا أبالي ابتداء بالكلام فيمنعه من الحنث للاحتياط في جانب البر، بل لو قال له: والله إذا لا أبالي فإن ذلك لا يكون ابتداء بالكلام، كما لو كرر قوله لا أبالي. وبالإقالة في لا ترك من حقه شيئا؛ يعني أن من له حق في ذمة شخص وحلف لا ترك من حقه شيئا، ثم إن رب الحق أقال المشتري من السلعة التي ترتب الحق بسببها، فإنه يحنث. إن لم تف؛ يعني أن محل حنثه إن لم تف قيمة السلعة بالحق الذي ترتب في ذمة مشتري السلعة، وفي نسخة: يف بالياء التحتية؛ أي إنما يحنث إن لم يف المشتري بالحق حيث لم تف قيمة السلعة بالحق، فإن حصل وفاء بالحق من المشتري، أو حصل وفاؤه بقيمة السلعة حين الإقالة وفاء محققا بر كعرض أخذ عن ثمن، فإن شك في الوفاء حنث، وما مر من أنه لا يحنث إذا وفى بالقيمة حيث لم تف بها السلعة إنما هو إذا لم يكن ذلك على وجه الهبة وإلا حنث.

لا إن أخر الثمن؛ يعني أن الحالف لا ترك من حقه شيئا لا يحنث بتأخير الحق؛ لأن الأجل إنما تكون له حصة من الثمن إذا وقع ابتداء، وأما بعد تقرر مال فلا زيد ولا نقص. اللخمي: وقيل يحنث والأول أبين؛ لأن التأخير يخف عليه ويراه حسن معاملة ولا يعده وضيعة ويخف عليه ترك اليسير، وإلى ما قاله اللخمي أشار بقوله: على المختار. ابن رشد: ولو حلف أن لا ينظره فوضع عنه لم يحنث بلا خلاف.

ولا إن دفن مالا فلم يجده ثم وجده مكانه في أخذتيه؛ يعني أن الشخص إذا دفن مالا في مكان ثم فتش عنه فلم يجده، فحلف على زوجته -مثلا- لقد أخذتيه ثم وجده في المكان الذي دفنه فيه، فإنه لا يحنث وهذا هو الأصح، وقال ابن عبد السلام: هو المشهور، وحكى ابن حبيب عن مالك الحنث، ووجه المشهور أن معناه: إن كان ذهب فما أخذه إلا أنت ولم يذهب، وكذا لا يحنث إذا وجده في غير مكانه فتذكر أنه كان رفعه منه، وطريقة ابن بشير التفرقة بين المسألتين بحصول التفريط في الثانية دون الأولى، وإن وجده عند غيرها ففي غير اليمين بالله يحنث، وأما اليمين بالله فإما لغو وإما غموس، وكذا لا يحنث إن لم يجده أصلا حيث جزم عند يمينه بأخذها لا إن

ص: 291

لم يجزم، فتطلق كما يفيده قوله في الطلاق:"فلو حلف اثنان على النقيض" لخ، وقوله: أخذته يوجد في بعض النسخ بإشباع كسرة الضمير وهي لغة جاء بها بعض الأحاديث.

وبتركها عالما في لا خرجت إلا بإذني؛ يعني أن من حلف لزوجته لا خرجت إلا بإذني، فخرجت بغير إذنه وتركها عالما بخروجها فإنه يحنث؛ لأن علمه بخروجها لا يعد إذنا منه لها في الخروج وأحرى في الحنث إن لم يعلم، قال الشيخ أحمد: ويؤخذ من هذه المسألة ما أفتى به بعض شيوخنا فيمن حلَّف غريمَه أنه لا يسافر من هذا البلد إلا بإذنه، فسافر مصاحبا له من غير إذنه أنه يحنث؛ لأنه خرج بغير إذنه. وفي الحطاب عن ابن رشد: تحصيل القول في هذه المسألة أن الرجل إذا حلف على امرأته أن لا تخرج، فليس لها أن تخرج إلى موضع من المواضع وإن أذن لها، وإذا حلف أن لا يأذن لامرأته أن تخرج فلها أن تخرج حيث شاءت إذا لم يأذن لها، وإذا حلف أن لا تخرج إلا بإذنه ولم يقل إلى موضع ولا إلى موضع من المواضع، فيجزئه أن يقول لها اخرجي حيث شئت، فيكون لها أن تخرج حيث شاءت وكلما شاءت ولا يحنث، فإن أذن لها إلى موضع يعينه فذهبت إلى غيره حنث، فإن ذهبت إليه ثم ذهبت منه إلى غيره فقيل: لا يحنث، وهو قول ابن القاسم في الواضحة، وقيل: يحنث وهو قول ابن القاسم في سماع أبي زيد، وهو قول أصبغ في نوازله. وفي الواضحة: فإن رجعت تاركة للخروج ثم خرجت ثانية من غير إذنه حنث، وإن رجعت من الطريق لشيء نسيته وما أشبه ذلك من ثوب تتجمل به ونحوه ثم خرجت ثانية على الإذن الأول فقيل يحنث وقيل لا يحنث، اختلف في ذلك قول ابن القاسم، وأما إذا حلف أن لا تخرج إلى موضع من المواضع إلا بإذنه، أو قال إلى موضع ولم يقل من المواضع فأذن لها إلى موضع فخرجت إلى غيره أو إليه، وإلى غيره حنث، وإن رجعت من الطريق غير تاركة للإذن ثم خرجت عليه ثانية فعلى ما تقدم من الخلاف، وإن قال لها اخرجي حيث شئت فقيل لا يجزئها الإذن وليس لها أن تخرج حتى تستأذنه في كل مرة وتعلمه بالموضع الذي تخرج إليه، وهو قول ابن القاسم وروايته عن مالك هاهنا، وقول مطرف وأصبغ، وقيل يجزئها ذلك الإذن، ولها أن تخرج بغير إذنه إلى حيث شاءت لأنه قد عم في الإذن لها، وهو قول ابن

ص: 292

الماجشون وأشهب، فإن رجع عن الإذن بعدما أذن لها فقال لها لا تخرجي فخرجت على الإذن الأول حنث، وقد قيل إنه لا يحنث. انتهى.

لا إن أذن لأمر فزادت بلا علم؛ يعني أنه إذا حلف أن لا يأذن لزوجته إلا في عيادة مريض -مثلا- فزادت على الأمر الذي عينه لها بأن ذهبت لغيره قبله أو بعده أو اقتصرت على غير المعين بلا علم من الحالف، فإنه لا يحنث، فإن فعلت غير المأذون فيه مع علمه بفعلها حنث؛ لأن علمه كإذنه وهو قد حلف لا يأذن لها إلا في عيادة مريض مثلا، وأما علمه بعد فعلها للزيادة فلا يوجب حنثا، فليست هذه من تتمة ما قبلها، وأما لو حلف لا تخرجي إلا بإذني أو إلى موضع من المواضع إلا بإذني، وأذن لها في موضع معين فزادت عليه أو اقتصرت على ما لم يأذن لها فيه، فإنه يحنث سواء علم أم لا، فإن رجعت تاركة للخروج ثم خرجت ثانية من غير إذنه حنث، وإن رجعت لشيء نسيته وما أشبه ذلك من ثوب تتجمل به ونحوه ثم خرجت ثانية على الإذن الأول، فلابن القاسم في سماع أبي زيد أنه لا يحنث وهو قول مطرف وابن الماجشون وابن نافع، ولابن القاسم في الواضحة أنه يحنث، وإذا قال اخرجي حيث شئت انحلت يمينه في لا تخرجي إلا بإذني لا في لا تخرجي إلى موضع أو زاد من المواضع إلا بإذني؛ لأنه لا قيد بإلى موضع أو إلى موضع من المواضع دل على أن مراده لابد من إذنه لها في الخروج إذنا خاصا.

وحنث بعوده أي الحالف أي دخوله لها أي الدار بعت خروجها عن ملكه، وتملك آخر لها في حلفه لا سكنت هذه الدار؛ يعني أن الشخص إذا حلف لا سكنت هذه الدار وهي في ملكه، ثم إنها خرجت عن ملكه وتملكها شخص آخر فسكنها الحالف بعد خروجها عن ملكه وتملك ذلك الآخر لها، فإن الحالف يحنث بدخوله لها على وجه السكنى، فالمراد بالعود هنا مطلق الدخول. وبما قررت علم أن قوله:"تملك"، بالإضافة لا بالتنوين، كما نص عليه الشيخ إبراهيم.

أو دار فلان هذه؛ يعني أنه إذا حلف لا يسكن دار فلان هذه فخرجت الدار عن ملك فلان المذكور لشخص آخر، فإن الحالف يحنث بدخوله لها على وجه السكنى. والله سبحانه أعلم. إن لم ينو ما دامت له؛ يعني أن محل الحنث في الصيغتين إنما هو حيث لم يرد لا يسكنها

ص: 293

ما دامت لمالكها الأول، وأما إن نوى ذلك فإنه لا يحنث بسكناها بعد خروجها عن ملكه ودخولها في ملك شخص آخر. لا دار فلان؛ يعني أن من حلف لا سكنت دار فلان، ولم يقل: هذه، لا يحنث بسكناها في غير ملك فلان إن لم ينو عينها. ولا إن خربت وصارت طريقا؛ يعني أنه إذا حلف لا يدخل هذه الدار ودخلها بعد أن هدمت أو خربت وصارت طريقا فإنه لا يحنث، وكذا لو حلف لا يسكن هذه الدار فسكنها بعد أن هدمت أو خربت وصارت طريقا فإنه لا يحنث، وانظر كيفية السكنى في الطريق. قاله الشيخ عبد الباقي.

قال الشيخ محمد بن الحسن: يتصور بأن يجعل فيها خباء أو بيت شعر، وقد مر أنه إذا حلف لا يدخل هذه الدار لا يحنث بمروره بها بعد أن خربت وصارت طريقا، ومحل ذلك على ما في الموازية إن كانت يمينه من أجل صاحب الدار، وأما إن كانت كراهية في الدار خاصة فلا يمر فيها، وظاهر المدونة كانت يمينه من أجل صاحبها أم لا، قال الشيخ أبو محمد: يحتمل أن يكون قول محمد تفسيرا، ومن حلف لا دخل هذا البيت فحول مسجدا لم يحنث بدخوله، ومن حلف لا دخل هذه الدار ثم هدمت أو خربت وصارت طريقا لا يحنث كما علمت، فإذا بنيت بعد خرابها وصيرورتها طريقا حنث بدخولها كما في المدونة.

إن لم يأمر به؛ أي بالتخريب؛ يعني أن محل عدم حنثه بالمرور بمكان الدار بعد أن خربت وصارت طريقا إنما هو حيث لم يأمر بالتخريب، وأما إن أمر بتخريبها فإنه يحنث بالمرور المذكور هذا ظاهره، قال الشيخ ابن غازي: ولم نر ما يوافقه، وقال الشيخ عبد الباقي: الصواب أن معناه ويحنث إن بنيت ودخلها بعد البناء طائعا، ولا يحنث إن دخلها بعد البناء مكرها إن لم يأمر بالإكراه، وأما إن أمر بالإكراه فيحنث، كأن يقول احملوني ففعلوا به ذلك، فإنه يحنث. انتهى. قوله: الصواب أن معناه إن لم يأمر بالإكرإه لخ، قال الشيخ محمد بن الحسن: صحيح، وإن كان حمل المص عليه يفتقر إلى تقدير يحتاج إلى وحي يسفر عنه لكن يشفع في ذلد قصد موافقة المدونة، ومن حلف لا يدخل على فلان بيتا فأدخل على المحلوف عليه مكرها لم يحنث إلا أن يتراخى، فلو قدر أن يخرج فلم يخرج مكانه حنث، وقوله: إن لم يأمر به، نص المدونة: وإن حلف أن لا يدخل هذه الدار فهدمت أو خربت وصارت طريقا لم يحنث، فإن بنيت بعد ذلد

ص: 294

فلا يدخلها، وإن دخلها مكرها لم يحنث إلا أن يأمرهم بذلك فيقول احملوني ففعلوا به ذلك فإنه يحنث. انتهى. قال الإمام الحطاب: فيحتمل أن المص فهم أن الاستثناء في كلامها راجع لأول الكلام؛ أي إلا أن يأمرهم بالهدم والتخريب، قال الشيخ محمد بن الحسن: لا يصح أن يفهم المص ذلك، ولا يظن به مع قولها كما تقدم، فيقول احملوني ففعل به فإنه صريح لا يقبل التأويل بحال، ولعله سقط من نسخة ابن غازي. انتهى. والله سبحانه أعلم.

وأخذ مما مر أن من ترك ربعه للناس يمشون فيه أنه لا يكون حبسا ولو طال، وأفتى بعض الشيوخ بأنه يكون حبسا، وأخذ منه أيضا أن المسجد إذا خرب وصار طريقا ودخله رجل فإنه لا يطلب فيه بتحية المسجد. انتهى. نقله الإمام الحطاب.

ولا باع مند أو له بالوكيل؛ يعني أنه إذا حلف لا باع من زيد سلعة فإنه يحنث ببيعه سلعة من وكيل زيد، بأن يدفع السلعة لوكيل زيد ويأخذ من الوكيل عوضها دراهم ملكا لزيد المحلوف على ترك المبيع منه، وكذا لو حلف لا باع لزيد أي لا يتولى له بيعا بسمسرة، فإنه يحنث إذا باع لوكيل زيد سلعة وكله زيد على بيعها. إن كان من ناحيته؛ يعني أن محل حنث الحالف المذكور بالوكيل إنما هو إذا كان الوكيل من ناحية الموكل كقريبه وصديقه الملاطف، فإن لم يكن من ناحيته فلا حنث إلا أن يعلم هذا الحالف أن هذا الذي باع منه أو له وكيل لزيد المحلوف على ترك المبيع منه أو له فإن الحالف يحنث، سواء كان الوكيل من ناحية الموكل أم لا. قال الحطاب: وظاهر المص كالمدونة أن الحالف يحنث بالوكيل، علم أنه من ناحية الموكل أم لا، وفي الموازية: إنما يحنث إذا علم أنه من ناحيته، وهل وفاق أو خلاف؟ تأويلان. ابن يونس: وانظر لو اشترى لنفسه ثم ولى المحلوف عليه بحضرة المبيع في الموضع الذي يكون عهدة المولى على البائع، هل يحنث البائع لأن المحلوف عليه هو الذي يطلبه بعهدة الاستحقاق، أم لا يحنث لأن الحالف لا يطلب بثمنه إلا الموَلّي؟ انتهى. نقله الإمام الحطاب.

قال جامعه عفا الله عنه: والذي يظهر أن البائع لا حنث عليه لأنه لم يبع له ولا منه حقيقة. والله سبحانه أعلم.

ص: 295

وإن قال حين البيع أن حلفت فقال هو لي ثم صح أنه ابتاع له؛ هذا مبالغة في الحنث بالوكيل؛ يعني أن الحالف المذكور يحنث بالوكيل وإن كان الحالف قال للوكيل حين البيع أنا حلفت أن لا أبيع لفلان وأخاف أن تشتري له بالوكالة، فقال هو أي الشراء لي لا لفلان ثم ثبت بعد ذلك ببينة لا بقول الوكيل أنه أي الوكيل إنما اشترى أو باع لفلان المحلوف على ترك البيع له. ولزم البيع؛ يعني أن الحالف لا ينفعه في الحنث ولزوم المبيع قوله ذلك للوكيل، بل يلزمه المبيع والحنث، ومحلهما ما لم يقل الحالف إن كنت تشتري لفلان فلا بيع بيني وبينك، فإن قال ذلك وثبت أنه اشترف لفلان لم يحنث الحالف ولم ينعقد البيع على المعتمد. قاله الشيخ عبد الباقي. وهو قول اللخمي والتونسي، وعارض قولهما ابن ناجي بقول المدونة في البيوع الفاسدة إن لم يأت بالثمن إلى أجل كذا، وإلا فلا بيع أن المبيع ماض والشرط باطل.

وأجزأ تأخير الوارث في إلا أن تؤخرني؛ يعني أنه إذا حلف لأقضينك حقك إلى أجل كذا إلا أن تؤخرني، ثم إنه مات المحلوف له وهو رب الحق قبل الأجل، فإنه يبر بتأخير الوارث الكبير له قبل الأجل لأنه حق يورث، ونقل ابن حارث عن المجموعة: لو حلف لأقضينك حقك إلى أجل كذا فمات ربه قبل الأجل فقضى ورثته بعد الأجل لم يحنث. انتهى. نقله الإمام الحطاب.

لا في دخول دار؛ يعني أنه لو حلف لا أدخل هذه الدار إلا بإذن زيد وهو غير ربها، فمات زيد فإنه لا يكفي إذن وارثه في الدخول؛ لأن الإذن ليس بحق يورث، فإن دخل مستندا لإذن الوارث حنث، فإن أذن له وهو حي فدخل فلا يدخل إلا بإذن ثان، وإن مات فقد انقطع الإذن وصار كمن حلف لا يدخل هذه الدار إلا أن يقول له قد أذنت لك أن تدخل كلما شئت، فيكون ذلك له، فإن أذن له ولم يدخل حتى نهاه، فقال أشهب: فقد قيل لا يدخل، فإن دخل حنث، وأما لو كان الحالف علق على إذن مالك الدار ومات فإنه يجزئ إذن وارث المالك. وفي المدونة: وإن حلف بطلاق أو غيره أن لا يدخل دار زيد أو لا قضيته حقه إلا بإذن محمد لم يجزه إذن ورثته؛ إذ ليدر بحق يورث، وإن زوجت امرأة مملوكتها لعبد امرأة فعلمت سيدته ففرقت بينهما، فحلفت سيدة الجارية لا زوجتها ثانية إلا برضى سيدته وماتت فورثته ورثتها، فلها أن تزوجها للعبد بإذن ورثتها الذين ملكوه؛ لأن هذا حق ورثوه فهم كميتهم. انتهى. كلام ابن المواز. نقله

ص: 296

الإمام الحطاب. وبما تقدم علم أنه لا خصوصية للدخول عن غيره، فلو قال: لا في كدخول، لكان أشمل.

وتأخير وصي؛ يعني أنه لو حلف لأقضينك حقك إلى أجل كذا إلا أن تؤخرني فمات المحلوف له وهو رب الدين، فإن الحالف يجزئه تأخير الوصي لرب الحق في الوارث الصغير، فقوله:"وأجزأ تأخير الوارث "، في الوارث الكبير، وقوله:"وتأخير وصي" في الوارث الصغير. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ إبراهيم: وأجزأ تأخير وصي إذا كان الوارث غير رشيد. انتهى. بالنظر؛ يعني أن تأخير الوصي يجزئ حال كونه متلبسا بالنظر للمحجور أي المصلحة له، ككون التأخير يسيرا أو خوف جحود الحق أو الخصام، فإن جهل الحال حمل التأخير على النظر، فإن كان التأخير غير نظر بر الحالف أيضا ولا يجوز ذلك للوصي، وينبغي أن يؤخذ الدين حالا، واتضح لك من هذا أن التقييد بالنظر إنما هو لجواز الإقدام على التأخير فلذا لو حذفه لوافق النقل.

وقوله: ولا دين، قيد في الفرعين قبله؛ يعني أن تأخير الوارث أو الوصي إنما يجزئ حيث لا دين يحيط بمال الميت، فالمراد إنما هو نفي الدين المحيط، فإن كان غير محيط فالكلام للوارث أو الوصي، وقوله:"بالنظر". ابن المواز: يجوز تأخيره لأحد أربعة أشياء، إما لخوف لدد وجحد، أو المخاصمة، أو ليسارة زمنه، أو للشك، هل هو على وجه النظر أم لا؟ انتهى. وتأخير غريم؛ يعني أنه إذا حلف لأقضينك حقك إلى أجل كذا إلا أن تؤخرني فمات رب الحق وعليه دين فإنه يجزئ الحالف تأخير الغرماء. إن أحاط؛ يعني أن إجزاء تأخير غرماء الميت محله إذا كان الدين محيطا بمال الميت، وحينئذ فلا يجزئ إلا تأخير الغريم، ولا عبرة بتأخير الوارث والوصي، وأما إن كان عليه دين غير محيط فالعبرة بتأخير الوارث أو الوصي، ولا عبرة بتأخير الغريم، ولو أبرأ ذمة الميت إلا أن يجعل للغريم ما كان له من التأخير. قاله الشيخ بناني.

وأبرأ؟ يعني أن تأخير الغريم كما يشترط في إجزائه للحالف أن يكون الدين محيطا بمال الميت، يشترط فيه أيضا أن يبرئ الغريم ذمة الميت المحلوف له من القدر الذي أخر به الحالف، وقيده أبو عمران بكون الحق من جنس دين الغرماء حتى يكون حوالة فيقضى بها، وإلا جاء فسخ الدين في الدين. أبو الحسن: وانظر إذا لم يتجانس الدينان، هل يكون مثل تأخير الوصي أو مثل

ص: 297

القضاء المفاسد، وقوله: حتى يكون حوالة لخ، هكذا النص في الحطاب، وهو مشكل إذ ليست لنا حوالة يقضى بها، وكان الظاهر لو قال: حتى تكون حوالة تجوز. والله أعلم، ومن حلف ليقضين فلانا حقه رأس الشهر إلا أن يؤخره فأخره شهرا ثم قال. المطلوب بعد حلول الشهر الآخر: ما علي يمين، فقال مالك: عليه اليمين، فإن لم يقضه حنث. انتهى. وإن أنظر الطالب الحالف من قبل نفسه ولم يعلم الحالف لم يحنث.

اللخمي: هذا على مراعاة الألفاظ، وأما على مراعاة المقاصد وهو أحسن فإنه يحنث؛ لأن قصده أن لا يلد، فإذا لم يعلم بالتأخير فقد ألد، ومفهوم قوله: وأبرأ أنه إن لم يبرئ ذمة الميت لا يجزئ تأخيره. وفي بره في لأطأنها فوطئها حائضا؛ يعني أنه لو حلف ليطأن هذه المرأة أو ليطأنها الليلة فوطئها وطئا لا يجوز كما إذا وطئها وهي حائض أو صائمة أو نحو ذلك مما لا يجوز شرعا: فإن في بره بذلك الوطء قولين لابن القاسم: أحدهما أنه يبر حملا للفظ على مدلوله لغة. نقله محمد عن ابن القاسم، الثاني أنه لا يبر حملا للفظ على مدلوله شرعا والمعدوم شرعا كالمعدوم حسا، وهو ما في سماع عيسى عن ابن القاسم، وأما لو حلف لاوطئها فوطئها حائضا فنص ابن دينار على أنه يحنث، الشيخ: يعني المص وينبغي أن لا يختلف فيه، وقوله:"وفي بره في لأطأنها"، فإذا وطئها وهي حائض واستمر بها الحيض حتى فات الوقت، كما إذا حلف لأطأنها الليلة ولم يرتفع عنها الحيض إلا بعد تلك الليلة أو ارتفع قبل ذلك ولم يطأها أو وطئها بعد مضيه فيحنث على الثاني لا على الأول، ولو قال لأطأنها الليلة فلم يطأها حتى فاتت الليلة لحنث قطعا، كما أفاده بقوله:"وحنث إن لم تكن له نية ولا بساط بفوت ما حلف عليه"، ولو حلف ليطأنها فوطئها حائضا ثم وطئها قبل الأجل حيث أجل وهي طاهر، أو لم يؤجل ووطئها وهي طاهر فعدم حنثه ظاهر على كلا القولين. والله سبحانه أعلم.

وفي لتأكلنها فخطفتها جوفها وأكلت؛ يعني انه جرى قولان فيما إذا حلف لزوجته -مثلا- على بضعة لتأكلنها فخطفتها هرة عند مناولته إياها وابتلعتها، فنتق جوفها عاجلا وأخرجت قبل أن يتحلل في جوفها منها شيء، وأكلتها المرأة فابن الماجشون يقول بالبر، وابن القاسم يقول بالحنث، وهو الأرجح، ومحلهما مع التواني أي فإن لم يتوان لم يحنث اتفاقا،

ص: 298

والمراد بالتواني أن يكون بين يمينه وأخذ الهرة البضعة قدر ما تتناولها المرأة وتحوزها دونها، فإن كان بينهما أقل من ذلك فهو عدم التواني. هذا الذي في سماع أبي زيد كما في نقل الحطاب. وغيره. وقوله:"فخطفتها"، خطف الشيء كفهم على اللغة الفصحي {إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ} ، وخطف كضرب، لغة ردية.

أو بعد فسادها؛ يعني أنه جرى قولان أيضا فيما إذا حلف ليأكلن هذا الشيء أو حلف على غيره ليأكلنه، فأكله هوأو غيره ممن حلف عليه ليأكلنه بعد فساده، أحدهما لابن القاسم وقد وافق مالكا على الحنث، والثاني له أيضا ووافقه سحنون على عدم الحنث، وقوله:"بعد"، متعلق بمحذوف معطوف على مقدر أي أو لم تخطفها وأكلت بعد فسادها،

وبما قررت علم أن قوله: قولان، في كل من المسائل الثلاث، إلا أن تتوانى، هذا مستثنى من قوله:"قولان"، في المسألة الثانية؛ يعني أن ابن الماجشون الذي يقول بالبر في مسألة فخطفتها هرة فشق جوفها لخ، إنما هو فيما إذا لم تتوان البضعة في جوف الهرة حتى يتحلل بعضها، وأما إذا توانت في جوفها حتى تحلل بعضها فإنه يحنث عنده، كما يحنث عند ابن القاسم، وعدم التواني الذي يتفقان فيه على البر أن يكون بين اليمين وأخذ الهرة أقل من القدر الذي تتناولها المرأة فيه وتحوزها دونها.

فتحصل من هذا أنهما يتفقان على البر في المسألة الثانية في بعض الأحوال وعلى الحنث في بعضها، ويختلفان في بعضها، وأما كون قوله:"إلا أن تتوانى"، مستثنى من القولين في الأخيرة فار يصح؛ لأن القولين فيها مع التواني كما في التوضيح، ولفظه: وحكى اللخمي وغيره فيمن حلف ليأكلن هذا الطعام فتركه حتى فسد قولان. انتهى. فحكى القولين مع التواني لا مع عدمه، وهذا الذي قررت به المص هو للشيخ بناني.

وفيها الحنث بأحدهما في لا كسوتها ونيته الجمع؛ يعني أنه قال في المدونة: ومن قال لامرأته أنت طالق إن كسوتك هذين الثوبين، ونيته أن لا يكسوها إياهما جميعا فكساها أحدهما فهو في ذلك حانث. واستشكل؛ يعني أنه استشكل الحنث بكسوتها أحدهما بأنه يخالف نيته، وقوله فيما مر:"وبالبعض"، محله ما لم ينو عدم أكل جميعه وإلا لم يحنث بالبعض، وأجاب المص

ص: 299

بحمل ذلك على ما إذا كانت يمينه بطلاق أو عتق معين وروفع، وأما إن جاء مستفتيا فينبغي أن يتفق على قبول ما ادعاه وهذا الجواب حسن؛ لأن النية هنا مخالفة لظاهر اللفظ، ومن حلف ليشترين لزوجته بهذا الدينار ثوبا فخرج به لذلك فسقط منه، فإن كان أراد الشراء بالدينار بعينه فقد حنث، وإن أراد الشراء به وبغيره فليشتر بغيره ولا يحنث. قاله أشهب وابن دينار في المجموعة. نقله الإمام الحطاب.

قال صاحب القبس: حلف شخص لا لعبت معد شطرنجا إلا هذ الدست، فجاء رجل فخلط عليهم ذلك الدست، فاختلف فيه فتاوي الفقهاء، فأفتى بعض الشافعية بعدم حنثه، وأفتى غيرهم بحنثه، واجتمعت بعد ذلك بالطرطوشي فأفتى بعدم الحنث. والله سبحانه أعلم.

تنبيه من حلف لا آكل خبزا وزيتا أو لا آكل خبزا وجبنا فأكل أحدهما حنث، وقال أشهب: لا يحنث. اللخمي: وهو أبين؛ لأن الزيت والجبن مؤتدم، والمراد أن لا يأكل الخبز مؤتدما بأحد هذين، ولو حلف لا آكل خبزا وكعكا أولا آكل زيتا وجبنا فاكل أحدهما حنث. ولما أنهى الكلام على الأيمان -وكانت النذور تشاركها في كثير من الأحكام- جعل النذر فصلا تاليا لها: فقال:

ص: 300

‌فصل: في بيان النذر وأحكامه وبيان ما يلزم منه وما لا يلزم

والنذر بذال معجمة ساكنة لغة: الوعد بخير أو شر، يقال: نذرت لله تعلى نذرا بالفتح، معناه وعدت، ونذر بالكسر نذارة علم بالشيء. قاله الشيخ إبراهيم، وغيره. وقال الشيخ الخرشي: قال في التنبيه: النذور جمع نذر وربما جمع على نُذُر بضم النون والذال، يقال: نذرت أنذر بفتح الذال في الماضي وبكسرها وضمها في المستقبل ومعناه الالتزام. انتهى. واصطلاحا اسمان أعم وأخص، فالأعم إيجاب أمري على نفسه لله تعالى أمرا، لحديث من نذر أن يعصي الله فلا يعصه، وأطلق الفقهاء على المحرم نذرا، والأخص التزام طاعة بنية قربة لا لامتناع من أمر، هذا يمين حسبما مر. قاله ابن عرفة. قوله: لا لامتناع من أمر، تصريح بمفهوم قوله: بنية قربة، فهو كالمؤكد له.

وعرفه المؤلف بما هو قريب من الأعم، فقال: النذر التزام مسلم كلف؛ يعني أن النذر هو أن يلتزم مسلم مكلف أمرا من الأمور هذا ظاهره، ومقتضاه أن التزام الطاعة نذر، وإن كان لامتناع من أمر. قاله الشيخ بناني. وقال الشيخ عبد الباقي: وأراد المص بالتزام إيجابة على نفسه قربة، بدليل قوله: وإنما يلزم بة ما ندب، وقوله:"مسلم"، احترز به من الكافر فلا يلزمه ما نذره، وندب له الوفاء بة إن أسلم، واحترز بقوله:"كلف"، من الصبي فلا يلزمه ما نذره ميز أم لا، وندب له الوفاء بة إذا بلغ كما هو المنصوص، والبحث الذي ذكره الشيخ عبد الباقي ساقط، وكذا لا يلزم المجنون، وشمل قوله:"مسلم" العبد. واعلم أن الرقيق إذا نذر ما يتعلق بجسده كصوم وصلاة، فإن لم يضر بالسيد لم يمنعه تعجيله، وإن أضر فله منعه ويبقى في ذمته. أبو عمر: وهذا في غير المؤقت، وأما المؤقت ففي سقوطه بخروج وقته ولزوم قضائة قولان، وإذا نذر مالا فلسيده منعه من الوفاء بة في حال الرق، فإذا أعتق وجب عليه الوفاء بما نذر، فإن رد سيده نذره بطل ولم يلزمه الوفاء بة إن أعتق، وإلى ذلك أشار ابن غازي بقوله:

أبطل صنيع العبد والسفيه

برد مولاه ومن يليه

وقيل يلزمه الوفاء بة بعد العتق وإن رده السيد، وهذا الخلاف جار في تبرع العبد والسفيه مطلقا هبة أو صدقة أو غيرهما.

ص: 301

فتحصل من هذا أنه إذا رد نذره بطل النذر ولم يلزمه الوفاء به إن عتق، وقيل يلزمه وأنه إذا لم يرده بل منعه الوفاء به فقط لزمه الوفاء به بعد عتقه، وشمل المص السفيه فيلزمه نذر غير المال لا المال فلا يلزمه على المعتمد، فعلى وليه رده ولا يلزمه إنفاذه بعد الرشد، وشمل المص أيضا المريض والزوجة الرشيدة، ولو نذرا زائدا على الثلث لكن إن أجازه الزوج والوارث نفذ وإلا نفذ الثلث في المريض، وللزوج رد الجميع كما يأتي للمص في قوله:"وله رد الجميع إن تبرعت بزائد"، وقد مر أن مقتضى المص أن التزام الطاعة نذر وان كان لامتناع من أمر وهو خلاف تفصيل ابن عرفة، فلعله عند المؤلف غير يمين وهو التحقيق عند ابن الحاجب.

الحفيد: اختلف إذا لم يلفظ بالنذر هل يلزمه أم لا؟ ابن الفرس: اختلف فيه على قولين، والمشهور أنه يلزمه: وقيل إنه لا يلزمه إلا إذا لفظ بالنذر. انتهى. قال الإمام الحطاب: والظاهر المتبادر أن حكمه حكم اليمين، ويؤخذ ذلك من قول المص في باب الاعتكاف لا النهار فقط، فباللفظ. فتأمله. والله سبحانه أعلم. انتهى.

وتقدم شمول المص للمريض والزوجة وأنه ينفذ الثلث في المريض، وأن للزوج رد الجميع في نذر زائد على الثلث، والفرق بينهما أن الزوجة يمكنها الاستدراك بعد ذلك بإنشاء التبرع بالثلث على ما يأتي من قوله: وليس لها بعد الثلث تبرع إلا أن يبعد، بخلاف المريض؛ لأنا لو أبطلنا له الجميع لم يمكنه استدراك لموته، أشار له الشيخ بناني، وشمل المص أيضا نذر من سكر بحرام حال سكره وأولى قبله، ويلزمهما الوفاء به إذا أفاقا لا بحلال فكالمجنون، وانظر هل يندب لهما وفاؤهما به إذا أفاقا أم لا؟ قاله الشيخ عبد الباقي. ومن سئل أمرا، فقال: علي فيه مشي أو صدقة كاذبا إنما يريد أن يمنعه لا شيء عليه، إنما يلزمه في العتق والطلاق إن كانت عليه بينة. قاله الحطاب. وهو يفيد قبوله في الفتوى. قاله المحقق الأمير. فبان من هذا أنه لا عبرة في النذر بالإخبار الكذب، كما قال الشيخ الأمير. لا مجرد أخبار كذب. والله سبحانه أعلم.

وبالغ على لزوم النذر بقوله: ولو عضبان؛ يعني أن المسلم المكلف يلزمه ما نذره من الطاعة ولو كان الناذر غضبان، خلافا لمن قال عليه كفارة يمين، ومثل نذر الغضبان في اللزوم نذر اللجاج، وهو أن يقصد منع نفسه من فعل شيء ومعاقبتها بإلزامها النذر، كلله علي نذر إن كلمت فلانا،

ص: 302

وكذا نذر كثير من صلاة أو صوم أو غيرهما مما يؤدي إلى الحرج والشقة مع القدرة عليه وهو مكروه، بخلاف ما لا يطيقه فإنه نذر معصية. وقوله:"ولو غضبان"، رد المص بلو قول الليث الذي تقدمت الإشارة إليه، وقد أفتى به ابن القاسم ابنه عبد الصمد حين حلف بالمشي إلى مكة وحنث فأفتاه بكفارة يمين، فقال: إني أفتيك بقول الليث، فإن عدت لم أفتك إلا بقول مالك. ابن العربي: خاف ابن القاسم أنه إذا كلف ابنه المشي لا يفعل فيستهين بمسألة من الدين، فيكون طريقا إلى الاستهانة بغيرها، وهذا حسن من الفتوى عظيم. قاله الشيخ إبراهيم.

وإن قال إلا أن يبدو لي؛ يعني أن الناذر يلزمه ما نذره وإن أعقب نذره بقوله: "إلا أن يبدو لي" أن لا أفعل أو إلا أن يشاء الله، فالمشيئة بالله لا تفيد في النذر غير المبهم على المشهور؛ لأنه نص المدونة، خلافا لما في الجلاب لمن قوله: تنفعه المشيئة، وأما لو قال: لله علي نذر كذا إن شئت أنا، فظاهر كلام التتائي أنه لا ينفعه أيضا. قاله الشيخ عبد الباقي.

أو أرى خيرا منه؛ يعني أن المسلم المكلف يلزمه ما نذره من الطاعة، وإن عقبه بقوله: إلا أن أرى خيرا منه أي من المنذور، كقوله: لله علي عتق رقبة إلا أن أرى خيرا منه أفعله أو أتركه، وقوله:"وإن قال إلا أن يبدو لي أو أرى خيرا منه"، قال الإمام الحطاب: في بعض النسخ، ولو قال وفي بعضها وإن وهي الأحسن؛ لأن هذا الفرع في ظني أنه عار من الخلاف. والله أعلم. انتهى. وقوله: وإن قال إلا أن يبدو لي، هذا في المطلق، وكذا في المعلق حيث جعل الاستثناء راجعا لصيغة النذر، فإن أرجعه للمعلق عليه فقط نفعه ذلك، كقوله: لله علي كذا إن دخلت الدار إلا أن يبدو لي في دخول الدار أن لا أجعله سببا لذلك كما سيذكره.

بخلاف إن شاء فلان فبمشيئته؛ يعني أن الناذر لو علق النذر بمشيئة فلان، كقوله: لله علي صدقة بكذا إن شاء زيد -مثلا- فإن نذره يتقيد بمشيئة زيد، فإن شاء عقده فيلزمه، وإن شاء حله فلا يلزمه، فإن مات قبل أن يختار ولم تعلم مشيئته برد أو إمضاء فلا شيء على الناذر. وقوله:"فلان"؛ أي الحي، فإن كان ميتا حال نذره لزمه نذره إن علم بموته حين نذره لتلاعبه، وإلا فلا شيء عليه، وإن شاء هذا الحجر لزمه لهزله، وكذا مشيئة صبي لا يعقل. قاله الشيخ عبد الباقي.

ص: 303

وقال الشيخ بناني: حاصل ما لهم في الطلاق أن التقييد بمشيئة الله تعالى لا ينفع في الطلاق شرطا كان، نحو إن شاء الله تعالى، أو استثناء نحو إلا أن يشاء الله، وأن التقييد فيه بمشيئة الغير نافع فيه، شرطا كان نحو إن شاء فلان، أو استثناء نحو إلا أن يشاء فلان، وأن التقييد فيه بمنتشة نفسه غير نافع فيه إن كان استثناء نحو إلا أن يبدو لي، وينفعه إن كان شرطا نحو إن شئت على المنصوص، ولم أر نصا مصرحا بذلك في النذر، والظاهر أن جميع التفصيل المذكور في الطلاق يجري هنا في النذر خلاف ما يظهر من كلام الزرقاني. انتهى. قال: فالمسألة في كل منهما على طرفين وواسطة. انتهى.

واعلم أنه ينظر في النذر كاليمين إلى النية ثم البساط ثم العرف.

ولما كانت أركان النذر ثلاثة: الشخص الملتزم، والشيء الملتزم بالفتح، والصيغة. وقدم الكلام على الركن الأول أتبعه بالكلام على الركن الثاني وهو الشيء اللتزم، فقال: وإنما يلزم به ما ندب؛ يعني أن النذر بالمعنى المصدري إنما يلزم به ما كان مندوبا، فالضمير في به يرجع للنذر ويشمل المندوب السنة والرغيبة، وقوله:"ما ندب"؛ أي ما لا يصح أن يقع إلا قربة، وأما ما يصح وقوعه تارة قربة وتارة غيرها فلا يلزم بالنذر، وإن كان مندوبا كالنكاح والهبة ذكر ذلك الشريف التلمساني، ولو قال: إن فعلت كذا فلله علي طلاق فلا نة أو عتق عبدي فلان فلا يلزم الطارق ويلزم العتق، ولا يجبر عليه وإن كان معينا. قاله الإمام الحطاب. وقوله:"وإنما يلزم به ما ندب"؛ أي يلزمه حينئذ مطلقا، سواء أطلقه أو علقه على واجب أو حرام أو مندوب أو مباح أو مكروه، كقوله: إن لم أصل الظهر -مثلا- أو إن لم أشرب الخمر أو إن لم أصل ركعتين قبل العصر -مثلا- أو إن لم أمش إلى كذا -مثلا- أو إن لم أصل ركعتين بعد العصر -مثلا- فعلي صدقة دينار مثلا، فإنه يلزمه إذا لم يوجد المعلق عليه، وأما إن وجد فلا يلزمه شيء، ومفهوم قوله:"ما ندب"، أن نذر غير المندوب من المحرم والمكروه والمباح لا يلزم. ابن عرفة: نذر المحرم محرم. وفي كون المكروه والمباح كذلك أو مثلهما قولا الأكثر مع ظاهر الموطإ والمقدمات. انتهى. وأما الواجب فهو لازم بنفسه، وانظر ما حكم الإقدام على نذره، وإذا نذر المحرم فهو

ص: 304

كما قال اللخمي على ثلاثة أقسام، فإن علم بالتحريم استحب إتيانه بطاعة من جنس المحرم، كنذر صوم يوم النحر، وإن ظن فضله سقط قضاؤه، وإن ظن جوازة ففي قضائه قولان.

فائدة: الطاعة امتثال الأمر، واجتناب المنهي عنه، والقربة ما تقرب به بشرط معرفة المتقرب إليه، والعبادة ما تعبد به بشرط النية ومعرفة المعبود، فالطاعة توجد بدونهما في النظر المؤدي إلى معرفة الله عز وجل المعبود بالحق، والقربة توجد بدون العبادة في القرب التي لا تحتاج إلى نية كالعتق والوقف. انتهى. نقله الشيخ عبد الباقي.

وقوله: "ما ندب" اعلم أن من المندوب زيارة صالح حي، وكذا ميت، وإن أعملت فيه المطي وحديث: (لا تعمل المطي

(1)

) مخصوص بالصلاة، ولا عبرة بتوقف بعض الناس في زيارد القبور وآثار الصالحين؛ لأنه من العبادات. قاله حلولو في مختصر البرزلي. وكذا خبر: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد

(2)

) لا دليل فيه لمنع الزيارة؛ إذ المستثنى منه المحذوف تقديره لمسجد من المساجد الخ، بدليل أن المستثنى مساجد والأصل في الاستثناء الاتصال، ويرد على قول المص ندب صوم رابع النحر والإحرام بالحج قبل زمانه أو مكانه؛ إذ كلٌّ مَّكروهٌ مع أنه يلزم بنذره، ويجاب بأن الصوم والإحرام مطلوبان مع قطع النظر عن الزمن، وغير مطلوبين عند ملاحظته، فالنذر يتعلق بهما نظرا للحالة الأولى. ويمكن أن يجاب أيضا بأن في صوم هذا اليوم جهتين، إحداهما أنه ليس يوم عيد ولا يوم نحر عند مالك، ولا يرمي التعجل فيه الجمار، وهذه الجهة تضعف أن يكون من أيام التشريق التي ورد النهي عن صيامها، والثانية يوم ذبح عند بعضهم: ويطلق عليه اسم أيام التشريق ويرمي فيه من يتعجل، وهو من هذه الجهة يشمله عموم النهي عن صيام أيام التشريق، فغلبنا الجهة الأولى لما اقتضى النذر وجوب صيامه؛ لأن الوجوب مرجح على شائبة الكراهة.

ولما لم يعارض الكراهة ما هو أقوى منها قلنا لا يصام تطوعا، وانظر في صلاة بعد فجر وفرض عصر. قاله الشيخ عبد الباقي.

(1)

الموطأ، كتاب الجمعة، رقم الحديث، 243.

(2)

صحيح البخاري، كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، رقم الحديث 1149، وصحيح مسلم، كتاب الحج، رقم الحديث 511.

ص: 305

قال جامعه عفا الله تعالى عنه: الظاهر عدم لزوم ذلك لقولهم إن النذر إنما يلزم به ما ندب، وخرج عن ذلك ما نصوا على لزومه منه. والله سبحانه أعلم. وفي الحطاب أن غالب مسائل النذر أو جميعها لا تخرج عن قسمين: الوجوب والتحريم، قال: لأن نذر الطاعة لازم ونذر ما عداها لا يلزم ولا يلزم الوفاء به، كنذر المشي في السوق أو لبس ثوب وشبهه. انتهى. وقوله: "وإنما يلزم به ما ندب هو صريح في أن من نذر محرما لا يلزمه شيء، وهو مخالف لحديث: (لا نذر في معصية

(1)

)، ولمن كفارته كفارة يمين، لكن يوافقه خبر: (لا نذر في معصية ولا فيما لا يملكه ابن آدم

(2)

). والله سبحانه أعلم.

وأشار للركن الثالث وهو الصيغة، بقوله: كلله علي أو علي ضحية؛ يعني أن النذر لا يشترط في لزومه أن يأتي بلفظ النذر، بل يلزم بكل لفظ فيه معنى الالتزام، مثل أن يقول: لله علي ضحية، أو يقول علي ضحية، قال ابن الفرس في أحكام القرآن في سورة المائدة: واختلف في المذهب إذا قال لله علي أن أفعل كذا وكذا، أو أن لا أفعل كذا لقربة من القرب، ولم يأت بلفظ النذر، هل يلزم أم لا؟ فعندنا فيه قولان، والصحيح لزومه لقوله تعالى:{أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} ، وفي الحفيد أن حذف لفظ النذر من القول غير معتبر إذا كان المقصود بالأقاويل التي مخرجها مخرج النذر، وإن لم يصرح فيها بلفظ النذر، وهذا مذهب الجمهور، ومقابله لسعيد بن المسيب أنه لابد من لفظ النذر. قاله الإمام الحطاب.

وقال الشيخ بناني عند قوله "كلله علي أو علي ضحية": أتى بكاف التمثيل إشارة إلى عدم انحصار الصيغة في لله علي، أو علي كذا وهو كذلك، بل يلزم بكل لفظ فيه التزام، وقد قال في المدونة: وإن قال داري أو عبدي أو شيء من مالي مما لا يهدى فهو هدي، أو حلف بذلك فحنث فليبعه ويبعث بثمنه، وقد قال الباجي: مثل أن يقول إن شفى الله تعالى مريضي أو قدم غائبي أو نجاني من أمر كذا فإني أصوم يومين أو أصلي أو أتصدق بكذا. انتهى. وتأمل قول المؤلف: "وعجل الإحرام في أن محرم"، وقوله: بمالي في كسبيل الله، وقوله في آخر الهبة:

(1)

سنن النسائي ج 7 ص 26.

(2)

لا نذر في معصية ولا نذر فيما لا يملك ابن آدم، سنن ابن ماجه، كتاب الكفارات، رقم الحديث، 2124.

ص: 306

"وإن قال داري صدقة" الخ، إلى غير ذلك. قاله مصطفى. قال: وإنما نبهت على ذلك لأن بعض القاصرين توهم أن النذر لا يكون إلا بقوله لله علي أو علي كذا. انتهى. يريد أن النذر في ذلك يلزم الوفاء به إن وقع المعلق عليه.

واعلم أن النية فقط لا يلزم بها نذر على خلاف في ذلك، والمراد بالنية هنا الكلام النفسي، قال الشيخ الأمير: وكلام النفس هنا وفي اليمين لغو. انتهى. قال في الشرح: وهو مرادهم بالنية المختلف فيها وإلغاء القصد متفق عليه. انتهى.

واعلم أن التحقيق أن الضحية تجب بالنذر في المعينة وغيرها، لكن معنى وجوبها في المعينة منع البدل والبيع فيها بعده لا باعتبار العيب الطارئ بعد النذر، فإنه يمنع الإجزاء فيها. وقد مر ذلك.

وندب المطلق؛ يعني أن النذر المطلق مندوب، والمطلق هو ما ليس بمكرر ولا معلق وهو ما أوجبه المرء على نفسه شكرا لله تعالى على ما كان ومضى، كمن شفي مريضه فنذر أن يصوم أو يتصدق، وأما ما ليس شكرا على شيء حصل فيباح الإقدام عليه. قاله الشيخ عبد الباقي. قوله: فيباح الإقدام عليه، قال الشيخ محمد بن الحسن: مثله في الحطاب، والذي في المواق: عن ابن رشد أنه مستحب مثل ما قبله سواء. انتهى. وكره المكرر؛ يعني أن النذر المكرر يكره الإقدام عليه مع أنه يجب الوفاء به، كنذر صوم كل خميس لثقله عند فعله فيكون إلى عدم الطاعة أقرب، ولخوف تفريطه في وفائه به.

وقوله: "وكره المكرر"، قد علمت أنه لازم، وإن كره، قال الشيخ إبراهيم: ولا يشكل لزومه مع قوله: "وإنما يلزم به ما ندب"؛ لأن المراد ما ندب في الجملة مع قطع النظر عن العوارض، وهذا مندوب في الجملة والكراهة عارضة له؛ لأنه لتكرره قد يأتي به على كسل، فيكون إلى عدم الطاعة أقرب، وأيضا التكرر مظنة الترك. انتهى.

وفي كره المعلق تردد؛ يعني أن الأشياخ اختلفوا في النذر المعلق على محبوب آت ليس من فعل الناذر؛ كإن شفى الله تعالى مريضي أو رزقني كذا أو نجاني من كذا فعلي صدقة بدينار، فذهب الباجي وابن شاس إلى الكراهة، وذهب ابن رشد إلى الإباحة، وأما ما هو من فعله كعلي كذا إن

ص: 307

فعلت كذا فإنه يوافق ابن رشد على الكراهة لأنه حينئذ يعين وهي بغير الله تعالى، أو صفته مكروهة ما لم يكن نذرا مبهما فلا كراهة فيه؛ لأنه واليمين بالله تعالى سواء. وقوله:"وفي كره العلق تردد"، وجه القول بالكراهة بأنه يأتي به على سبيل المعاوضة لا القربة المحضة، ولأن الجاهل قد يتوهم أنه يمنع من عدم حصول المقدور، ويؤيده ما في مسلم وغيره أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن النذر أي المعلق فقط، وقال: (إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل

(1)

)، وفي مسلم وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (إن النذر لا يقرب من ابن آدم شيئا لم يكن قدره الله ولكن النذر يوافق القدر فيخرج بذلك من البخيل ما لم يكن البخيل يريد أن يخرج

(2)

)، وينبغي أن لحل التردد في حق من لم يعتقد نفع النذر وإلا حرم قطعا.

واعلم أن النذر لازم إن وقع المعلق عليه، كما أن المكرر لازم وهو مكروه كما علمت، ولو علق على محرم كإن لم أزن فعلي صدقة بدينار لزم الوفاء به، قال الإمام الحطاب بعد أن ذكر الحديث ناقلا عن القرطبي: هل النهي محمول على التحريم أو الكراهة؟: المعروف من مذاهب العلماء الكراهة، قلت والذي يظهر لي التحريم فيمن يخاف عليه ذلك الاعتقاد المفاسد، فيكون إقدامه على ذلك محرما، والكراهة فيمن لم يعتقد ذلك، ومما يلتحق بهذا في الكراهة النذر على وجه التبرم والتحرج، فالأول كمن يستثقل عبدا لقلة منفعته وكثرة مؤنته فينذر عتقه تخلصا منه وإبعادا له، وإنما كره ذلك لعدم تمحض نية القربة، والثاني أن يقصد التضييق على نفسه والحمل عليها بأن ينذر كثيرا من الصلاة أو الصوم أو غيرهما مما يؤدي إلى الحرج والمشقة مع القدرة عليه، وأما لو التزم بالنذر ما لا يطيقه لكان محرما، وأما النذر الخارج عما تقدم، فما كان منه غير معلق على شيء وكان طاعة جاز الإقدام عليه ولزم الوفاء به، وأما ما كان منه على وجه الشكر فهو مندوب، كمن شفي مريضه فنذر أن يصوم أو يتصدق. انتهى كلام الحطاب. وقد تقدم ما قاله الشيخ محمد بن الحسن بناني. ووجوب أداء النذر العلق على أمر بحضوره واضح وبحضور بعضه ظاهر الروايات عدمه بخلاف اليمين. قاله الإمام الحطاب عن الإمام ابن عرفة.

(1)

صحيح مسلم، كتاب النذر، رقم الحديث 1639.

(2)

إن النذر لا يقرب من ابن آدم شيئا لم يكن الله قدره له الخ، صحيح مسلم، كتاب النذر، 1640. صحيح البخاري، كتاب الأيمان والنذور، 6694.

ص: 308

وسمع أبو زيد: من نذر إن رزقه الله تعالى ثلاثة دنانير صام ثلاثة أيام فصامها بعد أن رزق دينارين ثم رزق الثالث لم يجزه صومه، ولو نذر إن قضى الله تعالى عنه دينه مائة دينار صام ثلاثة أشهر فصامها بعد أن قضى الله تعالى المائة إلا دينارا ونصفا أرجو أن يجزئه وأفتى به، وضعفه ابن رشد، والقياس عدم إجزائه، ووجه رجائه اعتبار كون التعليق على زوال الدين، ويقوم من سماع ابن القاسم من كتاب الصدقة أنه يلزمه أن يصوم بقدر ما أدى عنه: فالأقوال ثلاثة. انتهى. قاله الإمام الحطاب.

وقال الشيخ عبد الباقي: وكيفما [صدقت

(1)

] أحواله لا يقضى به؛ لأنه لا وفاء به له إلا مع النية، فإذا قضى عليه بغير اختياره لم يكن وفاء. قاله الشارح. أي حتى في المعلق على محبوب لمعين. انتهى. قال الشيخ بناني: وفيه نظر، بل يجب أن يستثنى من ذلك -كما في الحطاب- عتق المعين أو الصدقة بعتق في غير اليمين لمعين، فإنه يقضى بهما، ويأتي للمص في العتق:"ووجب بالنذر ولم يقض إلا ببت معين"، ويأتي في الهبة:"وإن قال داري صدقة بيمين مطلقا أو بغيرها ولم يعين لم يقض عليه بخلاف المعين". انتهى.

وفي حاشية الشيخ بناني ما نصه: لما لم يخرجها -يعني اليمين- المص من تعريف النذر كما فعل ابن عرفة دل على أنها عنده نذر. انتهى. وفي شرح الشيخ عبد الباقي: ثم التردد في المعلق على غير المحرم ظاهر، وأما عليه ففي التلقين أنه لازم إن وجد، كإن زنيت أو إن لم أزن فلله علي صدقة بدينار، ولا يشكل مع قول المص وإنما يلزم به ما ندب لأنه نظر لندب التصدق بدينار لا لما علق عليه على طريقة ما مر في رابع النحر. انتهى. وقال الشبراخيتي: وعلى كل من الأحوال الثلاثة فهو لازم. انتهى يعني حال الإطلاق وحال التكرير وحال التعليق.

ولزم البدنة بنذرها؛ يعني أن من نذر هدي بدنة لزمه إخراجها لله تعالى، سواء كان نذره معلقا أم لا، والبدنة هي الواحدة من الإبل ذكرا كان أو أنثى، ويجوز في لزم إثبات التاء كما في بعض النسخ وحذفها كما في بعضها أيضا؛ لأن البدنة تطلق على الذكر والأنثى، فليس بمؤنث حقيقي والله أعلم. قاله الإمام الحطاب. وقوله:"ولزم البدنة"، علم من قوله:"وإنما يلزم به ما ندب"،

(1)

في ك صدرت وفى مايابى صدرحت والمثبت من عبد الباقي ج 3 ص 94.

ص: 309

فذكره ليرتب عليه ما بعده انظر الشبراخيتي. وقوله: "ولزم البدنة"، قال الشيخ محمد بن الحسن: كلام المؤلف فيمن نذر بلفظ البدنة كما هو واضح، وأما لو نذر بلفظ الهدي فإن كان نوى نوعا لزمه وإلا فالأفضل البدنة كما يأتي. انتهى.

فإن عجز فبقرة؛ يعني أن من نذر بدنة يهدي بها يلزمه عند العجز عن البدنة أن يهدي بقرة، ومعنى العجز عن البدنة أنه لم تكن عنده بدنة ولا مقدار ثمنها، قال الخليل: البقر من البدن أي لأن أصل البدنة عظيمة البدن فشمل الإبل والبقر. قاله الشيخ إبراهيم وقوله: "فإن عجز" الخ، هذا هو المشهور وهو مذهب المدونة، وقيل: لا تجزئه البقرة ولا يجزئه إلا ما نذر.

اللخمي: وهو أحسن؛ لأن الناس لا يعرفون البدنة إلا من الإبل. ثم سبع شياه؛ يعني أن من نذر هدي بدنة يلزمه أن يهدي بدنة كما علمت، وعند العجز عنها يلزمه أن يهدي بقرة، فإذا عجز عن ذلك فإنه يلزمه أن يهدي سبع شياه، ومعنى العجز عن ذلك أنه لم تكن عنده بدنة ولا بقرة ولا ما يشتري به إحداهما، وقوله:"تم سبع شياه"؛ أي لحديث جابر: (نحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية البدنة عن سبعة والبقرة عن سبع

(1)

) فأجزأت البقرة عن البدنة لكون إحداهما تسد مسد الأخرى، وأجزأت السبع عن البقرة لأن البقرة لا كانت تجزئ عن سبعة على قول بعض العلماء عادلت سبعا من الغنم، وهذا هو المشهور وهو مذهب المدونة، وقال في كتاب محمد: إذا عجز عن البقرة فعشر من الغنم، وقد علمت أن كلام المؤلف فيمن نذر بلفظ البدنة، وأما لو نذر بلفظ الهدي فإن كان نوى نوعا لزمه وإلا فالأفضل البدنة، وقال الشيخ علي الأجهوري ما نصه: يعتبر في كل من البدنة والبقرة والسبع الشياه أن يكون مما يجزئ ضحية، وهذا إذا لم يعينها، فإن عينها لزمت ولو معيبة أو صغيرة كما يدل عليه قوله:"كهدي ولو معيبا". انتهى. وقال أيضا: انظر من نذر بقرة وعجز عنها هل يلزمه سبع شياه كما هنا أو يجزئه دون ذلك لا؟ لأن البقرة التي يقوم مقامها الشياه السبع هي التى وقعت عوضا عن البدنة، بخلاف ما إذا وقع النذر على البقرة. انتهى. وقضية كلامه أنه لو أخرج عنها السبع لأجزأ وهو

(1)

صحيح مسلم، كتاب الحج، رقم الحديث 1318.

ص: 310

ظاهر، والنظر فيه إنما هو إجزاء ما دون السبع. والله سبحانه أعلم. واستظهر الشيخ إبراهيم أنه يلزمه إخراج السبع إن نذر بقرة وعجز عنها.

لا غير؛ يعني أن من نذر البدنة وعجز عما ذكر لا يلزمه غير ما ذكر من صيام وإطعام وغير ذلك، بل يصبر حتى يجد الأصل أو البدل أو بدل البدل، وفي المدونة: فإن لم يجد الغنم فلا أعرف في هذا صوما إلا أن يحب الصوم فليصم عشرة أيام، فإن أيسر كان عليه ما نذر، ولذا قال المواق: لو زاد المص وصام إن أحب لتنزل على ما في المدونة. انتهى. وإن قدر على بعض الشياه أخرجه ثم كمل متى أيسر؛ إذ لا يلزمه إخراج السبع دفعة ولا يقتصر على ذلك البعض.

قال الشيخ عبد الباقي: ورأيت بخط علي الأجهوري ما نصه: سئلت عن شخص نذر هديا مطلقا ثم عينه في بدنة ثم عطبت، هل يلزمه مثل ما في ذمته أو مثل ما عينه؟ فأجبت: إن عطبت بتفريطه لزمه مثل ما عين، وإن عطبت بغير تفريطه لزمه مثل ما في ذمته. انتهى. وقال الشيخ علي الأجهوري: إذا وجد بعض الشياه وقلنا بإخراجه وأخرجه ثم قدر على الباقي وتعذر وجوده ووجد البقرة أو بعيرا وقدر على ما وجده، فهل يلزمه إخراجه أولا ويصبر إلى أن يجد من الشياه ما يكمل به السبع وهو الظاهر؟ وإذا قدر على باقي الشياه والبدنة والبقرة ووجد كل فهل يكمل من الشياه وهو الظاهر أو يرجع للأصل وهو البدنة أو البقرة؟ انتهى.

وصيام بثغر، بالثاء المثلثة واحد الثغور والمفرد بالفتح في الأول وسكون الغين المعجمة، وهو الموضع القريب من بلاد الكفار يخاف أهله من هجومهم عليهم، وهو الحد الفاصل بين بلاد الكفار والمسلمين. نقله الشيخ الخرشي؛ يعني أن من نذر أن يصوم بثغر كعسقلان ودمياط وإسكندرية وكل ما يلي دار الحرب وموضع المخافة من فروج البلدان، مثل أن يقول: لله علي أن أصوم بعسقلان يلزمه أن يأتي إلى ذلك الموضع الذي عينه ويصوم به ولو مفضولا لموضع الناذر، كمكي أو مدني نذر موضعا غيرهما، وأما من نذر الصلاة بثغر فإن نذر أن يأتيه لصلاة واحدة ويعود من فوره ليس للرباط فليصل بموضعه ولا يأتيه كما نص عليه اللخمي في المكي والمدني، والظاهر أنه لا خصوصية لهما، بل وكذلك غيرهما، وإن نذر صلاة تمكن معها الحراسة لزمه الإتيان إلى ذلك الثغر الذي نذر به الصلاة. انظر حاشية الشيخ بناني.

ص: 311

واعلم أن من نذر الصوم ولم يعين عددا كفاه يوم واحد، وكذا إذا نذر صلاة ولم ينو شيئا كفته ركعتان، وأتى بعبادة كاملة من نذر صوم بعض يوم أو صلاة ركعة أو طواف شوط، وقيل لا شيء عليه، ومن نذر أن يصوم أياما كان عليه أن يصوم ثلاثة.

سحنون عن ابن القاسم: من قال لله علي صدقة فليتصدق بالدرهم وبنصف درهم وربع درهم، قيل: فالفلس [والفلسان

(1)

]؟ قال ما زاد فهو [أحسن

(2)

]، ومن قال: لله علي صيام ولم يسمه فإنه يصوم ما شاء. ابن رشد: وهذا إذا لم يكن للحالف نية ولا بساط ولا عرف ولا مقصد. قاله الإمام الحطاب. ومن العتبية قيل: فمن نذر إطعام مساكين أيطعم كل مسكين خمس تمرات؟ قال: ما هذا وجه إطعامهم إلا أن ينوي ذلك فذلك له، وإن لم ينو فليطعم كل مسكين مدا بمد النبي صلى الله عليه وسلم، يقول الله تعالى:{إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ} ، فكان مدا لكل مسكين. انتهى.

ابن رشد: ليس هذا بواجب عند مالك، وإنما ذلك استحسان منه. والله أعلم. انتهى. قاله الإمام الحطاب. وقوله:"وصيام بثغر"، وأما من نذر رباطا بثغر، فقال في الرسالة: ومن نذر رباطا بموضع من الثغور فذلك عليه أن يأتيه. انتهى. ما لم يكن بثغر، فإن كان بثغر لزمه أن يذهب للآخر إن كان أخوف مما هو فيه، وإن كان بالعكس لم يلزمه، وإن تساويا فيجري فيه نحو ما يأتي في قوله:"وهل وإن كان ببعضها أو إلا لكونه بأفضل، خلاف". قاله الشيخ إبراهيم. قال: وانظر لو نسي عين ما نذره من صدقة أو صوم أو عتق، هل يلزمه فعلها كلها أو يجتهد كالقبلة والأواني لم أر فيه نصا. انتهى.

قال جامعه عفا الله تعالى عنه: والظاهر أنه يجري فيه ما يأتي في قوله: "وبالأيمان المشكوك فيها"؛ لأن اليمين والنذر يشتركان في كثير من الأحكام، والله سبحانه أعلم. وقوله:"وصيام بثغر"، هذا مكرر مع قوله في الاعتكاف:"وإتيان ساحل لناذر صوم به مطلقا". والله أعلم. قاله الإمام الحطاب. وقال المواق: كرره: لأن هذا بابه.

(1)

في النسخ والفلسين والمثبت من البيان ج 3 ص 227.

(2)

في النسخ حسن والمثبت من البيان ج 3 ص 227.

ص: 312

وثلثه حين يمينه؛ يعني أن الشخص إذا قال: مالي في سبيل الله تعالى إن فعلت كذا، أو شبه ذلك مما فيه قربة نحو مالي للفقراء أو للمساكين أو هدي أو نحو ذلك إن فعلت كذا وحنث، فإن فعل المعلق عليه فإنه يلزمه أن يخرج ثلث ماله الموجود حين الحلف من عين ودين وعرض وقيمة كتابة مكاتب، ثم إن عجز وكان في قيمة رقبته فضل عن قيمة كتابته أخرج ثلثه، وكذا يؤخذ ثلث أجرة مدبر ومعتق لأجل لا خدمتهما عند ابن القاسم، خلافا لأشهب ولا ذاتهما اتفاقا ولا شيء عليه في أم ولده، فإن زاد المال بعد وقت الحلف فلا يلزمه إخراج ثلث الزائد، سواء زاد بهبة أو نماء أو ولادة، فلو حلف وماله ألف فحنث وهو ألفان لزمه ثلث الألف، وهذا مفهوم قوله:"حين يمينه"، وقوله:"وثلثه حين يمينه"، هذا إذا لم يكن عليه دين، وإلا أدى دينه، ويشمل ذلك لمهر امرأته، فإن بقي شيء بعد ذلك تصدق بثلثه. البرزلي: هذا في الحقوق المعينة، فإن كان مستغرق الذمة لغير معين ففيه خلاف. انتهى. نقله الإمام الحطاب. وإذا وجب عليه إخراج الثلث فتارة لا يقضى عليه بذلك ولكن يؤمر به من غير قضاء، وتارة يقضى عليه بذلك فإن جعله لمساكين غير معينين لم يقض عليه ولمعينين قضي عليه، وإن جعله بمسجد معين، فقيل: يقضى عليه به وقيل لا يقضى عليه به. نقله الإمام الحطاب. ونقل عن ابن عرفة أنه لو امتنع مَن جَعَلَ مالَه صدقة من إخراج ثلثه إن كان لمعين أجبر عليه، ولغير معين في جبره قولا ابن القاسم وأشهب. انتهى. وظاهر ما في المدونة أن ابن القاسم موافق على عدم الجبر. قاله الإمام الحطاب. إلا أن ينقص فما بقي؛ يعني أنه لو حلف وماله ألفان فحنث وماله ألف، فإنه لا يلزمه إلا إخراج ثلث الألف الباقية رفقا به نقص بنفقة أو غيرها كهلاكه، ولو بتفريط في صيغة البر اتفاقا، وفي صيغة الحنث على المشهور. الشبراخيتي: ويحسب دينه وما ينفقه في حجة الفرض بلا سرف والكفارة والزكاة التي عليه والنذر السابق ومهر امرأته، ويخرج ثلث ما عداه، وكذا في قوله:"إلا لتصدق به على معين فالجميع". انتهى. وقوله: "فما بقي"، سواء كان النقص قبل حنثه أو بعده، وقال ابن رشد: القياس أن عليه ثلث ما أنفقه. بمالي، متعلق بلزم والباء تحتمل السببية وتحتمل الظرفية. قاله الشيخ إبراهيم؛ أي بقوله مالي: في كسبيل الله، وقوله:"بمالي في كسبيل الله"، راجع لقوله:"وثلثه حين يمينه"؛ يعني أنه يلزم الحالف بمالي في سبيل الله إن

ص: 313

فعلت كذا أو إن لم أفعل كذا وحنث ثلث ماله حين يمينه، وقوله:"مالي في كسبيل الله"، لم يتكلم المؤلف على جواز الإقدام على ذلك، وقال ابن عرفة ما نصه: وفي جواز الصدقة بكل المال نقلا اللخمي رواية محمد، وقول سحنون في العتبية: من تصدق بكل ماله ولم يبق ما يكفيه ردت صدقته. انتهى. ثم اعترض ابن عرفة القول الثاني فانظره. وقال ابن عمر: المشهور أن ذلك جائز وإن لم يبق لنفسه، ودخل بالكاف الفقراء والمساكين والهدي وكل ما فيه قربة.

والحاصل أن الحالف بمالي في كسبيل الله يلزمه ثلثه حين حلفه ولا يعتبر ما زاد، فلا يلزمه إخراج ثلث الزائد إن حنث وقد زاد المال، وإنما يلزمه ثلث الموجود حين اليمين، وإن نقص المال حين الحنث فإنما يلزمه ثلث ما بقي ولا يلزمه ثلث الفائت رفقا به في البر اتفاقا وفي الحنث على المشهور، ومقابله لابن المواز أن ما هلك في الحنث لتفريطه قبل الحنث يعتبر، فيلزمه ثلثه حين اليمين وقد علمت أن المشهور خلافه، وأما ما تلف بعد الحنث بدون تفريط فلا شيء عليه فيه اتفاقا وبتفريط في كونه كذلك ولزوم ثلثه قول هباتها مع الواضحة وأصبغ عن ابن القاسم. سحنون: وما أنفقه بعد حنثه في لغوه ولزوم ثلثه نقلا ابن رشد عن سماع يحيى، ونقله عن محمد عن ابن القاسم، انتهى. ونص المدونة في كتاب الهبات: وإن لم يخرج ثلث ماله حتى ضاع ماله كله فلا شيء عليه فرط أو لم يفرط، وكذلك إن قال ذلك في يمين فحنث فلم يخرج ثلثه حتى تلف جل ماله فليس عليه إلا إخراج ثلث ما بقي. انتهى. حرره الشيخ بناني.

وقد علمت أن المشهور أنه إن نقص لا يلزمه إلا ثلث ما بقي نقص بسببه أو غيره بعد الحنث أو قبله، قال الشيخ عبد الباقي: وفرض المص الكلام في يمين يفيد أنه لو نذر ماله في سبيل الله تعالى فإنه يلزمه ثلث ما نقص بنفقة لا بتلف ولو بتفريط، فإنما يلزمه ثلث ما بقي يوم الإخراج. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: ما ذكره من أنه يلزمه ثلث ما أنفق في النذر دون اليمين أصله لأحمد، وتبعه الأجهوري، وقال الرماصي: ولم أر ذلك التفريق لغيرهما، وظاهر كلام المدونة وابن رشد وابن عرفة وغيرهم التسوية بينهما فلا يلزمه ثلث ما أنفق في نذر ولا يمين، وقول المؤلف حين يمينه فرض مسألة. والله أعلم انتهى.

ص: 314

وهو الجهاد، هو تفسير لسبيل الله تعالى دون مدخول الكاف؛ يعني أن المراد بسبيل الله تعالى أمران، أحدهما الجهاد في سبيل الله تعالى فيعطى لمن في موضعه، ولا يعطى منه مقعد ولا أعمى ولا امرأة ولا صبي ولو قاتل ولا مريض مأيوس منه ولا مفلوج وشبهه ولا أقطع إحدى الرجلين أو اليد اليسرى والظاهر أولوية اليمنى. قاله الشيخ عبد الباقي. وأشار إلى الثاني بقوله: والرباط؛ يعني أن المراد بسبيل الله الجهاد، وسيأتي تعريفه إن شاء الله تعالى، والرباط وهو سد الثغور الخوفة والرباط والمرابطة ملازمة ثغر العدو، فقوله: بمحل، متعلق "بالرباط" خيف تحقيق للرباط لا أنه قِيد زائد عليه، والرباط لغة ما تشد به القربة والدابة وغيرهما، والجمع ربط. وقوله:"بمحلٍّ خيف"، كدمياط وعسقلان وغيرهما من كل موضع مخوف، وإذا ارتفع الخوف عن الثغر لقوة الإسلام به أو بعده عن العدو زال حكم الرباط عنه، وظاهر المص أن القام بمحل خيف رباط ولو كان مع أهله، وهو الذي اختاره الباجي، وقال مالك: ليس برباط، وليس جدة بضم الجيم برباط لأنها قد ارتفع عنها الخوف، والحمد لله. وفي الحديث: (مكة رباط وجدة جهاد

(1)

)، وقال ابن جريج: إني لأرجو فضل مرابطي جدة على سائر المرابطين كفضل مكة على سائر البلاد.

وعق ضوء بن فخر قال: كنت جالسا مع عباد بن بشر في المسجد الحرام، فقلت، الحمد لله الذي جعلنا في أفضل المجالس وأشرفها، قال: وأين أنت عن جدة؟ الصلاة فيها بسبعة عشر ألف صلاة، والدرهم فيها مائة ألف، وأعمالها بقدر ذلك يغفر الله للناظر فيها مد بصره، قال: قلت رحمك الله تعالى مما يلي البحر، وقال فرقد السنجي: إني رجل أقرأ هذه الكتب وإني لأجد فيما أنزل الله عز وجل: جدة أو جديدة يكون بها قتلى وشهداء لا شهيد يومئذ على ظهر الأرض أفضل منهم، فالحمد لله على ما كان بعد ما كان. قاله الحطاب.

وقال: قال في كتاب الحبس: ومن حبس في سبيل الله فرسا أو متاعا فذلك في الغزو يجوز أن يصرف في مواحيز الرباط كالاسكندرية ونحوها، وأمر مالك في مال جعل في السبيل أن يفرق في السواحل من الشام ومصر ولم ير جدة من ذلك، قيل له: قد نزل بها العدو؟ قال: كان ذلك أمرا خفيفا. انتهى. والمواحيز بالحاء المهملة: النواحي، جمع ماحوز. وقوله: وثلثه حين يمينه هذا

(1)

أخبار مكة للفاكهي 1508.

ص: 315

هو المشهور، قال فيها: ومن قال علي أن أهدى مالي أو قال جميع مالي صدقة أو في سبيل الله تعالى، أو هدي أو حلف بذلك فحنث أجزأه من ذلك الثلث، وحجته في ذلك أن أبا لبابة حين تاب الله تعالى عليه؛ قال يا رسول الله: أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب وأجاورك وأنخلع من مالي صدقة لله ورسوله، فقال صلى الله عليه وسلم: (يجزئك من ذلك الثلث

(1)

) وهو يدل على أنه التزم الصدقة بجملة ماله؛ لأن الإجزاء فرع شغل الذمة، وقال سحنون: إنما يلزمه من ذلك ما لا يضر به إخراجه، وقال ابن وهب وابن حبيب: يخرج الثلث إن كان كثير اليسار، والرابع إن كان قليل المال، وكفارة يمين إن كان عديما. وعن ابن وهب أنه يلزمه إخراج جميع ماله، واستظهره بعض الأشياخ عملا بمقتضى اللفظ، ولأن التصدق بالجميع طاعة لإقراره صلى الله عليه وسلم أبا بكر على ذلك.

وقيل للإمام مالك فيمن نذر إطعام مساكين: أيطعم كل مسكين خمس تمرات؟ قال: ما هذا وجه إطعامهم إلا أن ينوي ذلك فذلك له، وإن لم ينوه فليطعم كل مسكين مدا بمد النبي صلى الله عليه وسلم، لقوله جل وعز:{إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ} ، فكان مدا لكل مسكين.

ابن رشد: ليس هذا واجبا عند مالك وإنما ذلك استحسان منه، وسئل ابن أبي زيد عمن حلف بالصدقة وعليه دين، فأجاب: يؤدي دينه ومهر امرأته، فإن بقي شيء تصدق بثلثه، ومن قال داري صدقة على المساكين أو على رجل بعينه في يمين فحنث لم يقض عليه بشيء، ويلزمه فيما بينه وبين الله تعالى، وإن قال ذلك في غير يمين بتلا قضي عليه إن كان لرجل بعينه، ومن وجب عليه إخراج ثلثه أجبر عليه إن كان لمعين، وإن كان لغير معين لم يجبر عليه على المشهور. وقيل: يجبر عليه، ولو قال كل مال أملكه فإن كان ذلك على رجل بعينه لزمه إخراج جميع ماله ويترك له منه كما يترك للمفلس، فيترك له ما يعيش به هو وأهله الأيام. ابن المواز: يترك له كالشهر، ويجري مثل ذلك فيما إذا نذر شيئا معينا وكان ذلك جميع ماله، وإذا حلف بصدقة ما يفيده أو يكسبه أبدا فحنث فلا شيء عليه باتفاق المذهب، وأما إن نذر أن يتصدق بجميع ما يفيده أبدا فيلزمه أن يتصدق بثلث ذلك قولا واحدا، وإن نذر أن يتصدق بجميع ما يفيده إلى

(1)

الموطأ، كتاب الأيمان والنذور، رقم الحديث 1039.

ص: 316

أجل كذا فيلزمه إخراج ذلك قولا واحدا، واختلف إذا حلف بصدقة ما يكسبه أو يفيده إلى مدة ما أو بلدة ما فحنث، فعند ابن القاسم وأصبغ: لا يلزمه شيء. وحكى ابن القاسم إخراج جميع ما يفيده. ابن رشد: وهو القياس، وإذا قال: كل مال أملكه إلى كذا من الأجل صدقة إن فعلت كذا، فحنث. ابن القاسم وابن عبد الحكم: يلزمه إخراج ثلث ماله الساعة وجميع ما يملكه إلى ذلك الأجل. قاله الحطاب.

وأنفق عليه من غيره؛ يعني أن المكلف إذا قال: مالي هدي أو صدقة أو في سبيل الله تعالى أو نحو ذلك، فإنه يلزمه إخراج الثلث كما علمت، وإذا احتاج الثلث المخرج إلى الإنفاق فإن ذلك الحالف أو الناذر ينفق على الثلث من ماله الخاص به الذي يبقى له لا من الثلث، وقيل: ينفق على الثلث المخرج منه أي من الثلث المخرج نفسه، فعلم من هذا أنه إذا احتاج إلى إرساله لمحل الجهاد ونحوه فإنه يلزمه أن ينفق عليه إلى ذلك المحل من غير الثلث، ولو قال ثلث مالي صدقة أو نحوه فإنه ينفق عليه من الثلث بلا خلاف؛ لأن الأصل في مالي إخراج الجميع، فلما رخص له في الثلث وجب عليه إخراج جميع الثلث، بخلاف ثلث مالي فإنه لا يلزمه غيره.

إلا المتصدق به على معين فالجميع، الضمير في "به" راجع لمالي، والاستثناء من قوله:"وثلثه"؛ يعني أن محل ما تقدم من الاكتفاء بالثلث إنما هو إذا قال مالي صدقة للمساكين أو الفقراء أو هبة لهم أو حلف بذلك، أو قال هو هدي أو في سبيل الله تعالى، وأما إن قال هو صدقة لزيد ونحو ذلك فإنه يلزمه إخراج الجميع لزيد، فقوله:"معين سواء"، كان التعيين بالشخص كما مثلت أو بالوصف كبني فلان، وقوله:"فالجميع"، إلا أن ينقص فجميع ما بقى، وكذا يقال في قوله:"وإن معينا أتى على الجميع"، وقوله:"إلا المتصدق به على معين فالجميع"، ويترك له ما يترك للمفلس.

وفي المدونة: وإن قال ثلث مالي أو ثلاثة أرباعه أو أكثر، فيخرج جميع ما سمى ما لم يقل ماله كله. انتهى. والضابط في ذلك أنه حيث أبقى لنفسه شيئا لزمه ما نذر، وحيث لم يبق لنفسه شيئا لزمه الثلث، وإنما لزمه إذا نذر جميعه لشخص؛ لأن المستحق له معين يطالبه به، وإنما

ص: 317

لزمه فيما إذا نذر شيئا معينا وكان ذلك جميع ماله كما سيأتي في كلام المص؛ لأنه قد أبقى شيئا ولو ثياب بدنه وما لم يعلم به من المال. فتأمله. والله أعلم. قاله الإمام الحطاب.

وكرر إن أخرج؛ يعني أنه إذا قال مالي أو ثلث مالي صدقة ونحو ذلك، أو حلف بذلك وحنث فإنه يلزمه إخراج الثلث كما علمت، فإن أخرجه بعد لزومه وقبل إنشاء ما يوجب الثلث من نذر أو يمين ثم حصل سبب آخر يوجب إخراج الثلث أي ثلث الباقي، فإنه يلزمه أن يكرر إخراج الثلث، فيخرج ثلث المال ثم يخرج ثلث ما بقي وهكذا. وإلا؛ أي وإن لم يخرج الثلث حتى حصل موجب لآخر نذرا أو يمينا، سواء أخرج الأول بعد الحنث أو قبله وبعد إنشاء اليمين، فإنه اختلف في وجوب تكرار الثلث بتكرر الموجب والاجتزاء بثلث واحد في الجميع أي في جميع الموجبات، وإلى ذلك أشار بقوله: فقولان، وقد علمت أن النذر يلزم بلفظه واليمين بالحنث فيها، فالقولان يجريان في ثلاث صور، صورة في النذر وهي ما إذا لم يخرج الثلث إلا بعد إنشاء النذر، وصورتان في اليمين وهما ما إذا أخرجه بعد أن أنشأ اليمين وقبل الحنث أو بعده، والقول بلزوم التكرار لابن القاسم وأشهب وابن المواز، والقول بالاكتفاء بثلث واحد لجميع الموجبات قال ابن حبيب: هو قول مالك وأصحابه، وعلة القول بالتكرير أن كلا من ذلك مستقل بنفسه، والقول الآخر يقول: كأنهما يمين واحدة حيث لم يخرج الأول إلا بعد عقد الموجب الآخر. قاله الشيخ إبراهيم. وقوله: "قولان"، مبتدأ حذف خبره؛ أي في لزوم التكرار والاكتفاء بثلث واحد قولان. وما سمى؛ يعني أن الناذر يلزمه ما سمى سواء كان جزءا شائعا كسدس أو ربع أو تسعة أعشار أو جزءا من أحد عشر أو معينا بالعدد، ولم يأت على الجميع كألف ومائة أو بالذات ولم يأت على الجميع أيضا كعبد أو ثوب، بل وإن كان المسمى معينا أتى على الجميع كألف وليس له غيره أو عبدي -مثلا- وليس له غيره، فالمراد بالعين ما قابل الجزء الشائع، وقول المص:"ما سمى"، يشمل ثلاث صور: الجزء الشائع كثلث، والعدد المعين كمائة وألف، وما عين بالذات كالعبد والثوب، والثاني والثالث يمكن أن يأتيا على جميع ماله، فلذا بالغ عليهما، [وتقدير

(1)

] ما قبل المبالغة وما سمى غير معين كثلث أو معينا لم يأت على الجميع، بل وإن معينا أتى على الجميع

(1)

في البنانى ج 3 ص 96 وتقرير.

ص: 318

كما مر ما يفيده انظر حاشية الشيخ بناني. ويترك له في هذه وفي قوله قبل، فالجميع قدر ما عليه من دين وما يصرف في حج فرض بلا سرف وكفارة ونذر سابق وما يترك للمفلس كما مر، ومن لم يكن عنده إلا قوت يوم الفطر لا يلزمه إخراجه في زكاة الفطر، ولو نذر إخراجه لزمه أن يخرجه. قاله في التوضيح. قاله الإمام الحطاب.

وبعث فرس وسلاح لمحله؛ يعني أن من نذر فرسا في سبيل الله تعالى، أو حلف بذلك وحنث فإنه يلزمه في الصورتين أن يبعثها إلى محل الجهاد، وليس له حبسها وإخراج قيمتها، وكذا لو نذر سلاحا في سبيل الله تعالى أو حلف بذلك وحنث فإنه يلزمه أن يبعث به إلى محل الجهاد، وليس له حبسه وإخراج قيمته، وقوله: إن وصل، شرط في لزوم بعث الفرس والسلاح لمحله؛ يعني أن محل وجوب إرسال كل من الفرس والسلاح إنما هو حيث كان يمكن وصول ما ذكر إلى محل الجهاد. وإن لم يصل بيع وعوض؛ يعني أنه إذا لم يمكن وصول الفرس والسلاح إلى أماكن الجهاد فإنه يباع هذا الذي لم يمكن وصوله ويبعث بثمنه فيعوض به مثل البيع من [كراع أو خيل

(1)

]، أو سلاح في محل الجهاد أو قربه، فإن جعل في سبيل الله تعالى ما ليس بفرس وآلة حرب كعبدي أو ثوبي في سبيل الله تعالى بيع ودفع ثمنه لمن يغزو به، والظاهر أنه يمنع فيه وفي المص هنا تقويمه على نفسه، ولا يجري التأويلات الآتية في الهدي لأنه عهد الأكل من نذر المساكين في الجملة، كهدي، تشبيه تام؛ يعني أنه لو قال: لله علي هدي هذه البقرة أو هدي بقرة، أو حلف بذلك وحنث فإنه يلزمه بعث ما ذكر إلى مكة أو منى؛ لأن ذلك هو محله إن أمكن وصوله له فإن لم يمكن بيع واشتري بثمنه هدي من مكة أو غيرها، ويخرجه إلى الحل إن اشتراه بمكة. اللخمي: يشترى من حيث يرى أنه يبلغه ولو وجد مثل الأول ببعض الطريق لم يؤخر رجاء أفضل منه بمكة. اهـ. قاله الشيخ إبراهيم. قال: والظاهر أن نفقة بعثه على بيت المال. قاله غير واحد.

وعلم مما ذكرته أنه لا فرق بين المعين وغيره، ونقل الإمام الحطاب ما نصه: ولابن القاسم فيما لا يصل من إبل يشترى بثمنه من المدينة أو من مكة أو من حيث أحب، وله أيضا فيما لا يبلغ من

(1)

كذا في النسخ والذي في عبد الباقي ج 3 ص 96 من كراع وهو الخيل.

ص: 319

بقر يشتري بثمنها هديا من حيث يبلغ، ويجزئ عند ملك من مكة أو المدينة أو من حيث أحب من حيث يبلغ. انتهى.

ولو معيب يعني أنه لو قال: لله تعالى علي نذر هذه البدنة العوراء أو العرجاء أو نحوهما مما لا يهدى، فإنه يلزمه أن يبعث بها إلى محل الهدي مكة أو منى، فإن لم يصل بيع وعوض سليما. على الأصح؛ يعني أن بعث الهدي المعيب إلى محله هو قول أشهب وهو الأصح، قال الحطاب: انظر من صححه، قال: وظاهر قول أشهب أنه لا يجوز أن يعوضه بالسليم إذا عينه، فإن لم يصل بيع وعوض سليما، ومقابل الأصح لابن المواز: يباع العيب العين ويشتري بثمنه سالما، وعليه رد المص بلو واتفقا على لزوم السليم إذا لم يعين، كعلي بدنة عوراء. التونسي: والأشبه أن لا يلزمه شيء في غير المعين؛ لأنه نذر ما لا يصح أن يكون هديا، كمن نذر صلاة في وقت لا تجوز الصلاة فيه، وكمن نذر صوم أيام النحر أو سنة بعينها أنه لا يقضي أيام الذبح على الصحيح. اللخمي: وأرى المعين وغيره سواء، فإن نذر وهو يظن أن ذلك يجوز لم يكن عليه غير ما ألزم نفسه، فيبيع المعين ويخرج ما في الذمة على أنه معيب، فيشتري بذلك سليما إن بلغ أو يشارك به، وإن كان عالما أن ذلك لا يجوز كان نذرا في معصية، ويستحب له أن يأتي بسليم ليكون كفارة. انتهى. نقله الشيخ الخرشي. وقوله:"وإن معيبا" بالباء؛ يعني وهو معين كما شرحت عليه المص، وفي بعض النسخ بالنون؛ يعني وهو معيب.

وله فيه إذا بيع الإبدال بالأفضل؛ يعني أنه إذا نذر أن يهدي بقرة مثلا فلم تصل فإنها تباع ويشترى بثمنها هدي من جنسها كما مر، ويجوز أن يشترى بثمنها ما هو أفضل منها في الهدي كالإبل، بخلاف مسألة الفرس والسلاح فلا يشترى بثمنها إلا ما هو من جنسهما لا بغيره، ولو كان الاحتياج إليه أكثر، وقوله:"وله فيه"؛ أي الهدي السليم، وأما العيب إذا لم يمكن وصوله فإنه يجب ابداله بالسليم، فقوله:"وله فيه إذا بيع الإبدال بالأفضل"، راجع لقوله:"كهدي"، وقال الشيخ إبراهيم عن الحاشية في قوله:"فيه": أي في الشيء المنذور هديا كان أو غيره، والنقل في العتبية كذلك. انتهى. وقوله:"بالأفضل"، أو بالمساوي لا بالدون إلا إذا قصر الثمن.

ص: 320

وإن كان كثوب بيع؛ يعني أنه لو نذر أن يهدي شيئا من غير بهيمة الأنعام، كثوب وعبد وسلاح ونحوها من كل ما لا يهدى؛ لأن الهدايا محصورة في بهيمة الأنعام، فإنه يباع ويشترى بثمنه هدي سليم مما يهدى في العادة. اللخمي: يشترى من حيث يرى أنه أصلح ويبلغ حسبما مر، وإن كان يبلغ ثمن ذلك بدنة وهو ببلده أصلح اشتراه الآن وبعث به. انتهى. قاله الشيخ الخرشي. وقوله:"وإن كان كثوب"؛ أي وهو معين، وأما لو نذر مبهما كثوب فعليه الوسط يبعث بقيمته يشترى بها هدي. قاله ابن عرفة. نقله الخرشي.

وكره بعثه؛ يعني أنه لو نذر أن يهدي ما لا يصح الهدي به، فإنه يباع ويشتري بثمنه هديا سليما كما علمت، ولا يرسله بعينه لموضع الهدي، فإن بعثه بعينه إلى محل الهدي مكروه لإيهام تغيير سنة الهدي لأن جنس الهدي محصور في بهيمة الأنعام كما عرفت. وآهدى به بالبناء للمفعول، وهو راجع للصورتين؛ أي قوله:"بيع"، وقوله:"وكره بعثه"؛ يعني أنه لو نذر أن يهدي ما هو كالثوب مما لا يهدى فإنه يباع ويشترى بثمنه هدي ويهدى به، وكذا لو ارتكب المكروه بأن بعث الثوب ونحوه بعينه إلى محل الهدي، فإنه يهدى به أي بثمنه بأن يباع ويشترى بثمنه هدي ويهدى به، وما ذكره المص من أن ما لا يهدى يباع ويبعث بثمنه ويشترى به هدي هو مذهب المدونة هنا، وظاهرها في كتاب الحج وموضع آخر من النذور جواز تقويمه على نفسه وإخراج قيمته، وهو مذهب العتبية، واختلف الشيوخ، هل ذلك خلاف أو وفاق؟ كما أشار إلى ذلك بقوله: وهل اختلف هل يقومه أولا أو لا؟ يعني أن الشيوخ اختلفوا هل يحمل ما في الحج والعتبية من جواز التقويم على المخالفة لما في المدونة من أن ما لا يهدى يباع ويشترى بثمنه هدي أو يحمل على الموافقة له، فقوله:"وهل اختلف": أي هل يحمل ما في الموضعين على الخلاف، وكأن سائلا سأله في أي شيء اختلف؟ فأجابه مبينا له المختلف فيه، بقوله: هل يقومه أولا كما في المدونة بموضع والعتبية، أولا يقومه على نفسه بل يبيعه كما في المدونة لأنه رجوع في القربة؟ أي اختلفوا هل ما في الحج والعتبية من جواز التقويم مخالف لما في المدونة هنا من البيع والإهداء بالثمن فلا موافقة بينهما؟ وقوله:"أو لا" الثانية، معناه أن ما ذكر من المواضع ليس بمحمول على المخالفة بل هو محمول على الموافقة، فقوله:"أولا" الأولى عديلة هل الثانية وقوله: "أو لا"

ص: 321

الثانية عديلة "هل" الأولى، وقوله: ندبا، معناه أن الموفقين بين المواضع المتقدمة اختلفوا في وجه التوفيق، فمنهم من قال: ترك التقويم الواقع في المدونة هنا على جهة الندب فلا ينافي ما في حجها والسماع من جواز التقويم، وعلى هذا فلا فرق بين النذر واليمين. وقوله:"ندبا": معمول ليبيع، وهو مفعول مطلق. والله سبحانه أعلم.

أو التقويم إن كان بيمين؛ يعني أن من الشيوخ من وفق بغير ذلك، فقال: إن جواز التقويم الواقع في العتبية محله إن كان اللزوم حاصلا بيمين حنث فيها؛ لأن الحالف لا يقصد قربة فلم يدخل في خبر: (العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه

(1)

)، والبيع والإهداء بالثمن الواقع في المدونة هنا في الملتزم بغير يمين، فهو متطوع قاصد للقربة، فيدخل في الخبر في ذلك تأويلات ثلاث، واحد بالاختلاف واثنان بالوفاق، وما قررت به المص من أن قوله:"أولا" الأولى بسكون الواو هو لابن غازي وغيره، وقرره الشارح على أنه بتشديد الواو ظرفا؛ لأنه فسره بقوله ابتداء أي من غير واسطة بأن يبيعه ثم يشتريه، قال الشيخ الخرشي: وهو أولى إذ عليه يندفع التعقيد ويقل المعادل، وقال الإمام الحطاب: ما حمله عليه الشيخ بهرام هو الظاهر. والله أعلم. انتهى.

واعلم أن القول بالاختلاف هو الذي ذهب إليه جمهور الشيوخ. فإن عجز عوض الأدنى؛ يعني أنه إذا قصر الثمن المبعوث لمحل الجهاد عن شراء المثل فإنه يعوض به ما هو أدنى مما يقرب من المثل إن أمكن، وكذا إذا عجز ثمن الهدي الذي لا يصل عن شراء المثل فإنه يعوض عنه الأدنى مما يقرب منه إلى أن يعجز عن أدنى الهدي الذي هو شاة، وكذا إذا عجز ثمن ما لا يهدى عن قيمة بدنة أو بقرة فإنه يعوض أدنى الهدي وهو شاة.

ثم لخزنة الكعبة؛ يعني أنه إذا قصر ثمن ما لا يهدى أو ثمن الهدي الذي لا يصل عن قيمة أدنى الهدي الذي هو شاة فإنه يدفع ذلك الثمن القاصر لخزنة الكعبة، وإذا قصر الثمن المبعوث لمحل الجهاد عن الأدنى دفع لمن يغزو به ولا يشارك به في شقص: وقوله: "لخزنة الكعبة"، جمع خازن وهم أمناؤها وأصحاب حلها وعقدها، ويقال لهم سدنة وحجبة، ومنصبهم يقال له حجابة وخزانة بكسر الخاء وسدانة وهي منصب بني شيبة، ولاهم رسول الله -صلى الله عليه

(1)

أخرجه البخاري بهذا اللفظ معلقا كتاب الهبة، وبرواية أخرى العائد في هبته كالكلب يقيئ ثم يعود في قيئه رقم الحديث 2589.

ص: 322

وسلم إياها كما ولى السقاية لعمه العباس -رضي الله تعالى عنه-، وصح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ألا إن كل مأثرة في الجاهلية فهي تحت قدمي إلا سقاية الحاج وسدانة البيت

(1)

). انتهى. والأثرة المكرمة والمفخرة التي تؤثر عنهم أي تروى عنهم وتذكر، والمراد -والله أعلم- إسقاطها وحطها إلا هاتين المأثرتين، وسدانة البيت خدمته وتولي أمره وفتح بابه وإغلاقه، يقال: سدن يسدن سدانة فهو سادن والجمع سدنة.

ولما دخل صلى الله عليه وسلم مكة عام الفتح، قال لعثمان بن طلحة ائت بالمفتاح، قال: فأتيته به ثم دفعه إلي، وقال: خذوها يا بني طلحة خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم، ولم يزل عثمان يلي البيت إلى أن توفي، فدفع ذلك إلى شيبة بن عثمان بن أبي طلحة، ابن عمة، فبقيت الحجابة في بني شيبة ومات عثمان في أول خلافة معاوية -رضي الله تعالى عنه- سنة اثنتين وأربعين، وقيل: قتل بأجنادين بفتح الهمزة وفتح الدال المهملة، ومنهم من يكسرها وهو موضع بالشام كانت به وقعة مشهورة بين المسلمين والروم، وقتل أبوه طلحة وعمة عثمان يوم أحد كافرين -نسئل الله تعالى السلامة- وذكر المحب الطبري أنه جاء جبريل، وقال: ما دام هذا البيت فإن المفتاح والسدانة في أولاد عثمان، وقوله:"لخزنة الكعبة"، هذا قول مالك، وقال ابن القاسم: يتصدق به حيث شاء، وقال أصبغ: يتصدق به على مساكين مكة خاصة.

يصرف فيها؛ يعني أن هذا الذي يبعث لخزنة الكعبة من الثمن القاصر عن أدنى الهدي وهم بنو شيبة لا يملك لهم، وإنما يصرفونه في مصالح الكعبة كما في الرواية عن الإمام، ولما استشكلت الرواية بأن الكعبة قد لا تحتاج لأنها لا تنقض فتبنى ولا يكسوها إلا الملوك، ويأتيها من الطيب ما فيه كفاية، ومكانسها خوص ثمنها لا بال له وبعد الكنس يزيد ثمنها على ما كان -فلم يبق إلا أن تأكله الخزنة وليس من قصد الناذر في شيء- أشار إلى الجواب بما في كتاب محمد وساقه ابن يونس على أنه تفسير بقوله: إن احتاجت؛ يعني أن محمد بن المواز قيد قول الإمام: إن الثمن المذكور يدفع للخزنة يصرفونه في مصالح الكعبة، بما إذا كانت تحتاج إلى ذلك، وبهذا التقييد يندفع الإشكال. وإلا تصدق به؛ يعني أن الكعبة إذا لم تحتج فإن الثمن المذكور يتصدق به

(1)

سنن أبي داوود، كتاب الديات، رقم الحديث 4547.

ص: 323

الناذر أو غيره حيث شاء. وأعظم مالك أن يشرك معهم غيرهم؛ يعني أن الإمام أعظم أي استعظم، ومنع أن يشترك مع بني شيبة غيرهم في خدمة البيت، ولذا لا يدفع الثمن المذكور لغيرهم. وقوله:"يشرك"، بفتح المثناة التحتية والراء المهملة من باب تعب؛ لأنها ولاية منه عليه الصلاة والسلام؛ يعني أن الإمام استعظم الاشتراك المذكور ومنعه؛ لأن التشريك نوع من الانتزاع الوارد في خبر: (هي لكم يا بني عبد الدار خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم

(1)

)، قال العلماء: لا يجوز لأحد أن ينزعها منهم، قالوا: وهي ولاية رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال المحب الطبري: ولا يبعد أن يقال هذا إذا حافظوا على حرمته ولازموا الأدب في خدمته، وإلا جعل عليهم مشرف يمنعهم من هتك حرمته. قال الإمام الحطاب: وما ذكره المحب الطبري من أنهم يمنعون من هتك حرمته هو الحق الذي لا شك فيه، لا كما يعتقده بعض الجهلة من أنه لا ولاية لأحد عليهم، وأنهم يفعلون بالبيت الشريف ما شاءوا، فإن هذا لا يقوله أحد من المسلمين، وإنما المحرم نزع المفتاح منهم، وأما إجراء الأحكام الشرعية عليهم ومنعهم من كل ما فيه انتهاك لحرمة البيت أو قلة أدب فهذا واجب لا يخالف فيه أحد من المسلمين، وأجمع العلماء على حرمة أخذهم أجرة على فتح البيت لا كما يعتقده بعض الجهلة المعكوس الفهم تمسكا بقوله صلى الله عليه وسلم: (وكلوا بالمعروف

(2)

)، فاستباح أخذ الأجرة على دخول البيت، فخرج عما أجمعت عليه الأمة، وهذه اللفظة إن صحت يستدل بها على إقامة الحرمة؛ لأن أخذ الأجرة ليس من المعروف، وإنما الإشارة -والله أعلم- إلى ما يقصدون به من البر والصلة على وجه التبرر فلهم أخذه، وذلك أكل بالمعروف لا محالة أو إلى ما يأخذونه من بيت المال على ما يتولونه من خدمته والقيام بمصالحه، فلا يحل لهم منه إلا قدر ما يستحقونه. والله سبحانه أعلم.

ووجه تحريم أخذ الأجرة المذكور أن الأجرة إنما تجوز على ما يختص الإنسان بمنفعته، والبيت لا يختص به أحد دون أحد، فلا يجوز لهم أخذ الأجرة على فتحه، وإنما لهم الولاية على فتحه وإغلاقه في الأوقات التي جرت العادة بفتحه فيها، ولا يجوز لهم إغلاقه ومنع الناس منه

(1)

المعجم الأوسط للطبرانى رقم الحديث 488.

(2)

القرى لقاصد أم القرى الباب 28.

ص: 324

دائما. والله تعالى أعلم. والظاهر أن حكم فتح المقام وحكم أخذ الأجرة عليه كذلك، ولم أقف لأحد في ذلك على كلام. والله أعلم. قاله الإمام الحطاب. وقال أيضا: جرت عادة الشيبيين في زماننا وقبله بمدة طويلة بتقديم الأكبر منهم في السن فالأكبر في كون المفتاح عنده، بل الظاهر أن ذلك كان من أول الإسلام، والظاهر أنهم إذا اختلفوا يقضى بما جرت به عادتهم من تقديم الأكبر، وأنه إذا كان الأكبر غير مرضي الحال يجعل عليه مشرف.

واعلم أن من زعم أن الحجبة قد انقرضوا فقد وهم وغلط، ورد الإمام الحطاب ذلك القول بما فيه مقنع من نصوص علماء مكة والمدينة الذين لا يخفى عليهم مثل ذلك لو وقع كما هو عادته في تحرير المسائل جزاه الله تعالى خيرا، ولله در القائل:

جزى الله الرجال جزاء خير

على ما أظهروه لنا وأبدوا

فقد عظمت كرامتهم علينا

بما للمومنين هدوا وأهدوا

وقال العلماء: إن في الحديث المتقدم إشارة إلى بقاء عقبهم. واعلم أنه لا يعترض على ما مر بإخدام سيدنا معاوية -رضي الله تعالى عنه- الكعبة عبيدا؛ لأن خدام الكعبة غير ولاة فتحها كما هو معلوم، وقال الإمام الحطاب بعد جلب كثير من النقول الدالة على بطلان قول من زعم انقراض الشيبيين: وإنما نبهت على هذا وإن كان- والحمد لله- كالمقطوع به، خشية أن يقف من لا علم عنده على ما نقل عن الشريف النسابة من انقراضهم. انتهى.

تنبيهات الأول: ذكر الفاكهاني

(1)

أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أخذ المفتاح من عثمان فتحها بيده، وقد كانوا يقولون: لا يفتح الكعبة إلا الحجبة. نقله الإمام الحطاب.

الثاني: ذكر الفاكهاني

(2)

أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دفع المفتاح إلى عثمان كان مضطجعا

(3)

عليه رداؤه ودفعه إليه من وراء الثوب، وقال: غيبوه، قال الزهري: فلذلك يغيب

(1)

الذي في الحطاب ج 4 ص 137 ط دار الرضوان: الفاكهي.

(2)

الذي في الحطاب ج 4 ص 137 ط دار الرضوان: الفاكهى.

(3)

كذا في سائر النسخ والذي في الحطاب: ج 4 ص 137 ط دار الرضوان مضطبعا.

ص: 325

المفتاح. انتهى. قاله الحطاب. وقال: فلذلك -والله أعلم- يرخون ستر الباب حين فتحه وحين إغلاقه.

الثالث: قال الفاكهاني

(1)

أيضا: كان من سنة المكيين -وهم على ذلك إلى اليوم- إذا ثقل لسان الصبي وأبطأ كلامه عن وقته جاءوا به إلى حجبة الكعبة، فسألوهم أن يدخلوا مفتاح الكعبة في فمه فيأخذونه

(2)

الحجبة فيدخلونه خزانة الكعبة ثم يغطون وجهه ثم يدخلون مفتاح الكعبة في فمه فيتكلم سريعا وينطلق لسانه بإذن الله تعالى، وذلك مجرب بمكة إلى يومنا هذا انتهى وقال بعض شيوخ شيوخنا: وإلى عصرنا هذا وهو سنة خمس وثمانمائة، قلت: وإلى وقتنا هذا وهو سنة أربعين وتسع مائة، ولا يخصون بذلك من ثقل لسانه بل يفعلون ذلك بالصغار مطلقا تبركا بذلك، ورجاء أن يمن الله تعالى عليه بالحفظ والفهم، وقد فعل ذلك بنا آباؤنا وفعلناه بأولادنا. والحمد لله على ذلك. انتهى.

والمشي لمسجد مكة؛ يعني أن الشخص إذا نذر المشي لمسجد مكة في حج أو عمرة أو حلف بذلك وحنث، فإنه يلزمه الذهاب إليه راجلا ويحرم بما نذر المشي فيه من حج أو عمرة. ولو لصلاة؛ يعني أن من نذر المشي لمسجد مكة لأجل أن يصلي به يلزمه أن يمشي إليه ليصلي به، ورد المص؛ بلو قول القاضي إسماعيل: إن من نذر المشي إلى مسجد مكة للصلاة لا للنسك لم يكن عليه المشي ويركب إن شاء، وقول القاضي إسماعيل هذا هو الذي اعتمده ابن يونس ولم يحك له مقابلا، كما نقله المواق معترضا به كلام المص، وقال ابن بشير: إنه المشهور، وتبعه ابن الحاجب، وكلام صاحب الإكمال يقتضي أن قول إسماعيل مخالف للمذهب، قال الرماصي: وما ذكره المؤلف هو الصواب، كما في الإكمال أن من نذر الصلاة بأحد المساجد الثلاثة ماشيا أنه إنما يلزمه المشي في المسجد الحرام، وقال الشيخ بناني بعد أن جلب من النقول ما جلب: تبين مما تقدم تشهير كل من القولين، وأن على المؤلف أن يعبر بخلاف. انتهى. وقوله:"ولو لصلاة"، ظاهره فرضا كانت أو نفلا. كما نص عليه اللخمي. وقال: هذا قول مالك، وقال بعض أهل العلم: لا يأتي في النفل،

(1)

الذي في الحطاب ج 4 ص 137 ط دار الرضوان: الفاكهي.

(2)

الذي في الحطاب ج 4 ص 137 ط دار الرضوان: فيأخذه.

ص: 326

ومذهب الإمام مالك أن التضعيف الوارد في المسجد الحرام هو في الفرض والنفل، والقول بأنه في الفرض فقط خارج المذهب، وظاهر كلام المص أيضا لزوم المشي ولو لامرأة وهو كذلك كما في المدونة، وقيدها ابن محرز بما إذا لم يلحقها ضرر يظن به انكشافها، ولم تخش منها الفتنة وإلا لم يلزمها المشي بل ربما امتنع عليها وارتضاه في التوضيح، وللزوج منعها من نذر المشي، وأفتى ابن القاسم ابنه عبد الصمد على ما قاله أبو عمر في حنثه في نذر الشي لمكة، بقول الليث: كفارة يمين. وعبد الصمد. هذا أحد رواة ورش الثلاثة، وهم: الأزرق وعبد الصمد والأصبهاني، والذي في المدارك أن صاحب القضية هو ولده موسى لا عبد الصمد، ووجه فتوى ابن القاسم لابنه بقول الليث أنه خاف أنه إن كلف ابنه المشي لا يفعله فيستهين بمسألة من الدين فيكون طريقا إلى الاستهانة بغيرها.

اللخمي: الناذر للمشي إن نوى حجا أو عمرة أو طوافا أو صلاة لزمه ويدخل محرما إذا نوى حجا أو عمرة، وإن نوى طوافا يتخرج دخوله محرما على الخلاف في جواز دخول مكة حلالا، وناذر السعي يختلف فيه هل يسقط نذره أو يأتي بعمرة؛ لأن السعي ليس بقربة بانفراده فيصح نذره بحسب الإمكان؟ وإن نذر صلاة فريضة أتى مكة ووفى بنذره وهذا قول مالك، وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يأتي للنفل، فإن نوى الوصول -خاصة وهو يرى أن ذلك قربة- لم يكن عليه شيء، وإن كان عالما أنه لا قربة فيه كان نذره معصية، فيستحب له أن يأتي بذلك المشي في حج أو عمرة وإن لم تكن له نية مشى في حج أو عمرة. انتهى مختصرا.

وقال الرجراجي: إذا حلف بالمشي إلى مكة ونوى الوصول ويعود ولا نية له في أكثر من ذلك فلا يخلو من وجهين، إما أن يرى أن ذلك قربة وفضيلة فلا شيء عليه لا مشي ولا غيره، أو يكون عالما أنه لا فضيلة في نذره ووصوله إلى مكة فيكون نذره معصية، وهل يلزمه أن يجعل ذلك في حج أو عمرة في ذلك قولان، أحدهما أنه يجعل ذلك في حج أو عمرة ويلزمه ذلك وجوبا، والثاني لا شيء عليه ولا يلزمه المشي وهما مبنيان على الخلاف فيمن نذر معصية، هل يلزمه أن يعكس نذره في طاعة أم لا؟ قاله الإمام الحطاب.

ص: 327

وقال القرافي: وفي الكتاب: من قال إن كلمت فلانا فعلي المشي فكلمه لزمه المشي في حج أو عمرة، والمدرك إما لأن الحج والعمرة العادة تلزم أحدهما، وإما لأن دخوك مكة لا يتأتى إلا بالإحرام بأحدهما، فكان اللفظ دالا عليهما بالالتزام. قاله الحطاب.

وقوله: "والمشي لمسجد مكة"، قال الشيخ يوسف بن عمر في شرح الرسالة: قال أبو الوليد بن رشد: وإنما يلزمه المشي إن وجد التمكين من ذلك. قاله الحطاب. وقوله: "والمشي لمسجد مكة"، قال في الذخيرة: وإحرامه من الميقات لا من موضعه. قاله الحطاب. اللخمي: واختلف في مشي المناسك إذا نذر الحج، فقال مالك: يمشي المناسك، وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يركبها، ولو قال لرجل: علي المشي إلى مصر في حج لم يكن عليه أن يمشي إلا إلى مصر ثم يركب ويحج، وكذلك قوله: علي المشي إلى مكة في حج، يمشي إلى مكة ويركب فيما سواها إلا أن ينوي يمشي المناسك، وقول ابن حبيب: يمشي لرمي الجمار وإن كان قد أفاض فلعادة، فإن لم تكن كان له أن يركب. انتهى. قاله الحطاب. قال: وهذا الذي قاله ظاهر إذا قال: علي المشي إلى مكة في حج، وأما إذا قال: علي الحج ماشيا فالظاهر لزوم مشيه الجميع. والله أعلم. انتهى.

القرطبي: لو قال: علي المشي إلى مسجد من المساجد الثلاثة لم يلزمه المشي عند ابن القاسم، بل اللازم له المضي إليها، وقال ابن وهب: يلزمه المشي وهو القياس. انتهى. فظاهر كالأمه أن صورة المسألة أنه نذر المشي إلى مسجد من المساجد الثلاثة ولم يعينه، وأنه يلزمه المشي إليها جميعا. فتأمله. والله أعلم. قاله الحطاب. ولو قال: علي المشي إلى بيت الله تعالى، فهو الكعبة إلا أن ينوي غيره لاشتهاره. قاله الحطاب.

وخرج من بها وأتى بعمرة؛ يعني أن من نذر المشي إلى البيت أو إلى مكة وهو في المسألتين قاطن بمكة، سوا، كان في المسجد أو خارجا عنه يلزمه أن يخرج إلى الحل ويأتي بعمر من طرف الحل، ولا يضره خروجه لطرفه راكبا، وتحت كلام المص أربع صور: إحداها أن ينذر المشي إلى المسجد وهو داخل المسجد فإنه يخرج إلى الحل ويأتي بعمرة من طرف الحل ماشيا اتفاقا، الثانية أن ينذر المشي إلى المسجد وهو خارج عنه فكذلك عند ابن القاسم وله قول بأنه لم يكن عليه أن يخرج إلى الحل وعزاه في التوضيح للإمام، الثالثة أن ينذر المشي إلى مكة وهو في المسجد، الرابعة

ص: 328

أن ينذر المشي إلى مكة وهو خارج عن المسجد، فإنه يخرج في المسألتين إلى الحل ويأتي بعمرة ماشيا من طرف الحل اتفاقا فيهما، فالصورة الأولى والثالثة والرابعة محل اتفاق، والثانية هي محل الخلاف. والله أعلم. وقوله:"وخرج من بها وأتى بعمرة"، هو فيمن نذر المشي أو حلف به وحنث، وقوله:"وخرج من بها وأتى بعمرة"، فلو أحرم من الحرم فإنه يخرج للحل راكبا ويمشي منه. قاله الشيخ إبراهيم.

وقوله: كمكة، تشبيه في قوله:"والمشي لمسجد مكة ولو لصلاة"؛ يعني أن من نذر المشي إلى مكة كمن نذر المشي إلى مسجد مكة أو حلف بذلك وحنث، فيلزمه الذهاب إليها ماشيا وهو تشبيه تام، فيجري فيه ما تقدم من قوله: ولو لصلاة. أو البيت؛ يعني أن من نذر المشي إلى البيت؛ بأن قال مثلا: علي المشي إلى بيت الله تعالى أو حلف بذلك وحنث يلزمه الذهاب إليه راجلا، وقد مر أنه لو قال: علي المشي إلى بيت الله تعالى، فهو الكعبة إلا أن ينوي غيره لاشتهاره.

أو جزئه؛ يعني أن من نذر المشي إلى جزء من البيت متصل به، أو حلف بذلك وحنث يلزمه الذهاب إليه ماشيا، نحو: لله تعالى علي أن أمشي إلى باب البيت أو ركنه أو ملتزمه أو حَجَرِه بالتحريك أي الحجر الأسود، وأما الحجر بكسر فسكون والحطيم وزمزم فنص ابن حبيب على عدم لزوم المشي فيها، قال في التوضيح: وقد سلم له أبو محمد قوله في زمزم، ولم يسلم له ذلك في الحجر والحطيم لاتصالهما. وفي الشبراخيتي عند قوله:"أو جزئه": أي جزء البيت من كل متصل به، كبابه وركنه وحطيمه وملتزمه وشاذروانه وحجره ولو للخارج عن الستة أذرع منه. انتهى.

لا غير؛ يعني أن من حلف بالمشي لغير هذه الأمكنة وحنث أو نذر ذلك لا يلزمه المشي، سواء كان ذلك الغير منفصلا عن البيت لكنه بالمسجد كزمزم والمقام وقبة الشراب، أو خارجا عنه كالصفا والمروة وأبي قبيس وعرفة وجبال الحرم، فلا يلزمه المشي ولا غيره، وهذا إن لم ينو نسكا؛ يعني أن محل عدم لزوم المشي المنذور في المنفصل عن البيت سواء كان في المسجد أو خارجا عنه إنما هو حيث لم ينو نسكا أي حجا أو عمرة، وأما إن نوى المشي إلى ما ذكر في أحد النسكين فإنه يلزمه المشي ويدخل مكة محرما بما نوى. وفي الخرشي ما نصه: واعلم أنه لا فرق

ص: 329

بين الصلاة والصوم والاعتكاف إذا نذر شيئا من ذلك لأحد المساجد الثلاثة: مسجد مكة والمدينة وإيلياء. انتهى.

من حيث نوى؛ يعني أن لزوم المشي في جميع ما مر مبتدأ من المكان الذي نوى الناذر تنجيزا أو تعليقا منه المشي، أو الحالف كوالله لأحجن ماشيا فيجب في ذلك المشي من الموضع الذي نوى منه المشي، وقوله:"من حيث نوى"، الظاهر أنه متعلق بقوله: والمشي لمسجد مكة أو يلزم، أو يجعل خبر مبتدإ محذوف أي ولزوم المشي في جميع ما مر من حيث نوى. والله سبحانه أعلم. وإلا حلف؛ يعني أنه إذا لم تكن للناذر أو الحالف نية في المشي بمكان من الأمكنة، فإنه يلزمه المشي من المكان الذي حلف به الحالف أو نذر به الناذر، فحذف من حيث قبل حلف لذكره قبل؛ أما النذر فباتفاق، وأما الحلف فعلى المشهور، وقيل: من حيث حنث. أو مثله إن حنث به؛ يعني أن الحالف إذا لم تكن له نية فإنه يلزمه المشي، إما من موضع الحلف أو من الموضع الذي حنث به إن كان مثل موضع الحلف في البعد لا في الصعوبة والسهولة، فإن كان دون موضع الحلف ولو بيسير رجع لموضع الحلف ومشى منه.

واعلم أن الحالف إذا مشى من مثل موضع الحلف فإنه يجزئه، سواء حنث به أو بغيره والنذر كذلك. وقوله:"أو من مثله"، قال اللخمي: لأن قصده التقرب بمثل تلك الخطأ ولا مزية للأرضين. قاله الشيخ إبراهيم. قال: والذي يفيده النقل أنه إذا لم ينو الناذر أو الحالف المحل الذي يبتدئ المشي منه، وجرى العرف بمحل خاص فإنه يمشي مما جرى العرف بالمشي منه، وكلام المص لا يفيده، ولا يقال: قد أشار المص لاعتبار العرف بقوله: وتعين محل اعتيد؛ لأنه ليس فيه بيان مرتبة كونه مع النية أو مع عدمها. انتهى. والظاهر خلاف ما قال: وأن المص إنما أشار بقوله: "وتعين محل اعتيد" لما إذا لم تكن نية كما يظهر ذلك بالتأمل لكلامه كما ستعرفه إن شاء الله تعالى. والله سبحانه أعلم.

وتعين محل اعتيد، هذا مخصص لقوله:"وإلا حلف"؛ يعني أن محل لزوم المشي من مكان اليمين أو النذر عند عدم النية إنما هو إذا لم يكن محل معتاد لمشي الحالفين والناس منه أو

ص: 330

الحالفين فقط، وأما إن كان لابتداء المشي محل معتاد للحالفين والناس أو للحالفين فقط، فإنه يتعين ابتداء المشي من ذلك المكان المعتاد.

فالحاصل أنه يمشي من حيث نوى، فإن لم تكن له نية فإنه يمشي من المحل المعتاد، فإن لم يكن محل معتاد فمن موضع الحلف أو النذر أو مثله إن حنث به، ويحتمل أن يريد بقوله:"وتعين محل اعتيد"، ما ذكره ابن الحاجب في قوله: ولا يتعين موضع مخصوص من البلد إلا بمقصد أو عادة. اهـ. قاله الشيخ بناني.

وركب في المنهل؛ يعني أن الناذر للمشي أو الحالف به فحنث، له أن يركب لحوائجه في المناهل أي أمكنة النزول كان بها ماء أو لا، وقوله:"وركب في المنهل"، قال الشيخ إبراهيم وغيره: ويلغي ما كان في معنى التقدم، ولابد من مشيه بأن يرجع له وينزل عن دابته ويمشي منه. انتهى. ولحاجة؛ يعني أنه كما له أن يركب لحاجته بالمنهل له أن يركب لحاجة قبل نزوله بالمنهل، كحاجة نسيها فتذكرها وهو سائر فليرجع راكبا، وبهذا فارقت التي قبلها. كطريق قربى اعتيدت؛ يعني أن الشخص إذا نذر المشي إلى مكة فإن له أن يمشي في الطريق القريب إذا كان المشي فيها معتادا، فإن لم يكن المشي فيها معتادا فليس له أن يمشي [منها

(1)

]. قاله العلامة الخرشي. وقال الشيخ عبد الباقي بعد قوله "كطريق قربى اعتيدت": فتتعين للمشي منها، وظاهر الشارح والمواق اعتبار الاعتياد للناس اعتادها الحالف أم لا، والذي كان يقرره أكثر شيوخنا أنه إنما يعتبر الاعتياد للحالفين فقط أو لهم ولغيرهم، وأما لو اعتيدت البعدى للحالفين والقربى لغيرهم فإنه يمشي من البعدى وإن اعتيد للناس، ولهم القربى والبعدى معا مشى من أيهما شاء، وإن لم تعتد واحدة مشى من البعدى. انظر الأجهوري. انتهى. وعلى تقرير الخرشي يكون التشبيه في قوله:"كطريق قربى" لخ، لإفادة الحكم الذي هو الجواز والمشبه به الركوب في المنهل ولحاجة. والله سبحانه أعلم. وعلى ما لعبد الباقي يكون التشبيه بقوله:"وتعين محل اعتيد". والله سبحانه أعلم.

(1)

في النسخ منه والمثبت من الخرشي ج 3 ص 98.

ص: 331

وبحر اضطر له؛ يعني أن الشخص إذا نذر المشي إلى مكة أو حلف به وحنث، فإنه يجوز له أن يركب بحرا اضطر إلى ركوبه، ككونه بجزيرة لا يمكنه الوصول لمكة إلا بركوبه، وهذا مما لا إشكال فيه ثم يمشي بعد ذلك ما بقي. لا اعتيد على الأرجح؛ يعني أن الشخص إذا لزمه المشي لمكة بنذر أو يمين فإنه ليس له ركوب البحر إذا كان معتادا للحجاج غير الحالفين وللحالفين معتاد غيره، فإن اعتيد للحالفين فقط أو لهم ولغيرهم ركب.

وحاصل ما للرماصي أن أبا بكر بن عبد الرحمن يجيز ركوب البحر المعتاد للحجاج مطلقا الحالفين وغيرهم؛ وأن أبا عمران يمنع ركوب المعتاد مطلقا، وأن ابن يونس قيد الجواز بأن يكون معتادا للحالفين، فإن اعتيد لغيرهم فقط لم يجز. قاله الشيخ محمد بن الحسن. ففي نسبة المص الإطلاق لابن يونس وتعبيره عن ترجيحه بالاسم نظر. والله سبحانه أعلم.

لتمام الإفاضة؛ يعني أن لزوم المشي لمن أحرم بحج يستمر إلى تمام طواف الإفاضة حيث قدم عليه السعي بين الصفا والمروة، فيركب في رجوعه من مكة إلى منى، وفي رمي الجمار بمنى، وقوله:"لتمام"، الظاهر أنه متعلق بيمشي مقدرا. وسعيها؛ الضمير يرجع للإفاضة؛ يعني أن لزوم المشي لن أحرم بحج يستمر إلى تمام السعي بين الصفا والمروة، حيث لم يقدم السعي بين الصفا والمروة على طواف الإفاضة بل أخره عنه كالمراهق، وأما من دخل مكة محرما بعمرة فإنه يستمر لزوم مشيه لتمام السعي بين الصفا والمروة، ولم يجعل الحلق منتهى مشيه في العمرة لأنه ليس بركن، وحكى ابن بشير الاتفاق عليه، ويمكن أن يرجع الضمير في سعيها للعمرة ويكون مشيرا إلى ما ذكرت فيمن دخل مكة محرما بعمرة، ويفوته الكلام حينئذ على من لم يقدم السعي على الإفاضة في الحج كما قاله الشيخ عبد الباقي.

ورجع وأهدى إن ركب كثيرا؛ يعني أن الشخص إذا لزمه المشي لمكة أو المسجد الحرام بنذره أو حلفه وحنث فركب بعض الطريق فإنه يرجع وجوبا إلى الموضع الذي ابتدأ منه الركوب؛ لأن المشي في ذمته، فلابد من الإتيان به ولا يلزمه الرجوع إلى بلده، ويهدي لأجل تبعيض المشي ويؤخر هديه لعام رجوعه ليجتمع الجابر النسكي والمالي، فإن قدمه عامة الأول أجزأه، ومحل الرجوع إن كان الركوب كثيرا لا إن كان قليلا، فإنه يهدي فقط ولا يرجع كما يأتي للمص.

ص: 332

بحسب مسافته؛ يعني أن الكثرة في الركوب والقلة تعتبران بحسب المسافة من صعوبة وسهولة أو مساحة، فقد يكون الركوب يسيرا في النظر كما لو ركب دون اليوم لكن لقرب مسافته يكون كثيرا، وقد يكون اليسير كثيرا في النظر كما لو ركب فوق اليومين لكن لبعد مسافته يكون يسيرا، وقد يكون بعض المسافة صعبا فيكثر منه بحسب صعوبته ما لا يكثر من غيره لسهولته، والنظر في ذلك لأهل المعرفة ونصف المسافة من حيز الكثير كما في المواق، وظاهره فيها صعوبة أولا بعيدة أو قريبة. أو المناسك والإفاضة؛ يعني أن الشخص إذا لزمه المشي لنذر أو ليمين حنث فيها ولم يمش جميع الطريق بل ركب كثيرا، فإنه يرجع إلى الموضع الذي ابتدأ منه الركوب ويمشي بقية الطريق ويهدي، وكذا لو لم يركب كثيرا لكنه ركب المناسك والإفاضة أي ركبهما معا، فالواو بمعنى: مع، والمناسك ما يفعله من خروجه من مكة إلى رجوعه لمنى، والمراد بالإفاضة رجوعه من منى إلى تمام طواف الإفاضة، فإن ركب أحدهما وجب الرجوع في المناسك أيضا لا في الإفاضة كما يأتي، وقوله:"أو المناسك والإفاضة"، هو قول الإمام، وقال ابن يونس: الصواب أن لا رجوع عليه لأنه بر بوصوله إلى مكة.

نحوُ المصري، مضاف ومضاف إليه، والمضاف يتنازعه "رجع""وأهدى" و"ركب"؛ يعني أن الذي يرجع ويهدي إن ركب كثيرا أو المناسك والإفاضة إنما هو متوسط المسافة كمن في مصر ونحوها، وأحرى القريب الدار كالمدني ونحوه، إلا أن رجوعه ثانيا لا خلاف فيه، كما أن من بعدت داره كالإفريقي والأندلسي لا يرجع ثانيا بلا خلاف، فالأقسام ثلاثة: قريب الدار كالمدني يرجع بلا خلاف، بعيد الدار كالإفريقي لا يرجع بلا خلاف، متوسط الدار كالمصري يرجع على المشهور. وقيل لا يرجع ولو ركب كثيرا، وقيل إن الذي يركب عقبة ويمشي أخرى يبتدئ المشي كله. رواه ابن المواز عن الإمام. وروى ابن حبيب عن مالك أنه يمشي أماكن ركوبه ولم يفصل: وسيأتي الكلام على هذا إن شاء الله تعالى، وقوله:"أو المناسك والإفاضة"، محل رجوعه إذا سافر من مكة، فأما لو أقام بمكة إلى العام القابل لحج من مكة وأجزأه. قاله الإمام الحطاب. واعلم أنه لا يجعل مشيه الأول ولا الثاني فريضة قابلا هو صفة لمقدر؛ أي زمنا قابلا: وهو معمول لرجع؛ يعني أن من وجب عليه الرجوع يرجع زمنا قابلا ولو بعد سنين؛ إذ لا يضر تأخيره عن

ص: 333

العام التالي للعام الذي ركب فيه. قاله الشيخ عبد الباقي. وهو يقتضي أنه لا إثم في تأخيره عن العام الذي يلي العام الذي ركب فيه، وقال الإمام الحطاب: لو ركب في مشيه فوجب أن يرجع ثانيا فلم يرجع في العام الذي يليه وحج بعد ذلك أجزاه. نقله أبو الحسن عن عبد الحق. انتهى. وهو يقتضي الوجوب في العام الذي يليه. والله سبحانه أعلم. ويمكن أن يكون معنى قول الشيخ عبد الباقي ولا يضر تأخيره: لا يوجب خللا في فعله بعد ذلك، فيوافق ما نقله الإمام الحطاب. والله سبحانه أعلم.

فيمشي ما ركب؛ يعني أنه إذا رجع في الزمن القابل فإنه يمشي الأماكن التي ركبها ويركب ما عداها، وهذا إن علم تلك المواضع التي ركبها وإلا مشى الجميع. وقوله: في مثل المعين؛ متعلق برجع كما قاله الشيخ إبراهيم؛ يعني أنه إذا رجع في الزمن القابل ليمشي ما ركب فإنه يحرم بمثل ما عينه أولا من حج أو عمرة بنذر أو نية، فإذا عين أولا الحج لم يجزه أن يرجع ثانيا ويحرم بعمرة، اتفاقا؛ لعدم استلزام العمرة للحج، وإذا عين أولا العمرة فلا يجزئه أن يرجع بحج على مذهب المدونة لما بينهما من التغاير، وقال ابن حبيب: إنه يجزئه لاشتمال الحج على العمرة وزيادة. وإلا فله المخالفة؛ يعني أنه إذا لم يعين حجا ولا عمرة ولا نواه بل نذر المشي فقط وصرفه في أحد النسكين، فإن له في رجوعه في الزمن القابل أن يخالف إلى غير ما أحرم به أولا، كأن يحرم أولا بعمرة ويحرم في زمن رجوعه بحج أو بالعكس، خلافا لسحنون في منعه جعل الثاني في عمرة إذا كان الأول حجا، وعلى المشهور الذي مشى عليه المص فقال أبو محمد وعبد الحق: ما لم يكن ركوبه في العام الأول في المناسك بمنى وعرفة، فيتعين جعل الثاني في حج لا عمرة، وتأولها غيرهما على أن له أن يخالف ولو ركب أولا المناسك وهو ظاهر كلام المص، واستشكل هذا التأويل بأنه إذا ركب المناسك ووقعت المخالفة في الرجوع فأي شيء يمشي فيه، ويجاب بأنه يمشي بالعمرة من محل إحرامه بالحل إلى محل الطواف إن ظن أولا القدرة، شرط في قوله:"ورجع"؛ يعني أن محل الرجوع إنما هو حيث ظن الناذر أو الحالف القدرة على مشي الجميع أولا؛ أي ظن القدرة حين خروجه في المرة الأولى على مشي الجميع ولو في عامين، فخالف ظنه. وإلا مشى مقدوره؛ يعني أنه إذا لم يظن القدرة حين خروجه في المرة الأولى مع علمه

ص: 334

أو ظنه القدرة حين يمينه بل علم أو ظن أو شك العجز حين خروجه في المرة الأولى لضعف أو كبر، فإنه يخرج أول عام ويمشي مقدوره ويركب معجوزه، كما قال: وركب معجوزه، وفي الشبراخيتي أنه إذا ظن القدرة حال اليمين أو النذر على المشي في عام أو محامين يرجع لا في ثلاثة أعوام، فلا رجوع ويتعين الهدي. انتهى.

وأهدى فقط؛ يعني أن هذا الذي لم يظن القدرة حين خروجه في المرة الأولى مع علمه القدرة حين يمينه إذا خرج وركب معجوزه ومشى مقدوره، فإنه يهدي فقط ولا يرجع بعد ذلك ليمشي ما ركب. والحاصل أن من ظن عدم القدرة حين اليمين أو علم عدم القدرة حين اليمين يمشي مقدوره ويركب معجوزه ولا هدي عليه ولا رجوع، وظاهره ولو ظن أو علم القدرة بعد ذلك، وقد قيل إنه لا يخرج أولا لأنه لم ينذر قربة، وكلام الأجهوري يفيد أنه لا يرجع إن شك حين اليمين أو النذر في القدرة على المشي، وكذا من نوى أن لا يمشي إلا ما يطيقه ولو شابا فإنه يخرج ويمشي مقدوره ويركب معجوزه، ولا رجوع عليه ولا هدي، وأن من ظن القدرة حين اليمين أو النذر أو علمها إن ظن حين الخروج القدرة ثم عجز رجع وأهدى إن ركب كثيرا لخ، وإن علم أو ظن أو شك كما في الأجهوري العجز حين خروجه مشى مقدوره وركب معجوزه وأهدى، ولا رجوع عليه كما أشار إلى ذلك بقوله:"وإلا مشى مقدوره وركب وأهدى فقط"، فهذه ثلاثة أقسام: الأول والثالث منها لا رجوع عليه فيهما، وضليه الهدي في الثالث دون الأول، وعليه الرجوع والهدي في الثاني منها، ورجوعه فيه مشروط بأن يظن القدرة حين إرادة الرجوع وإلا قعد وأهدى لقول المدونة: ولو علم في الثانية أنه لا يقدر على إتمام المشي قعد وأهدى وأجزأه الذهاب الأول. انتهى. هذا هو تحرير المسألة. والله سبحانه أعلم.

وقوله كأن قل، مفهوم قوله:"إن ركب كثيرا"؛ يعني أنه إذا قل ركوبه فإنه يهدي فقط ولا رجوع عليه، فهو تشبيه في قوله:"وأهدى فقط". ولو قادرا؛ يعني أنه إذا كان ركوبه يسيرا فإنه لا يلزمه إلا الهدي فقط، ولا فرق في ذلك بين أن يكون ركب مختارا أو عاجزا. قاله ابن المواز. وقال ابن حبيب: إنه يرجع إذا ركب مع القدرة على المشي. ابن يونس: وقول ابن حبيب خلاف ظاهر المدونة، فلا فوق على مذهب المدونة بين من ركب لعذر أو غيره، وقال

ص: 335

الإمام الحطاب عند قول المص: "ولو قادرا": هذا الذي اختاره المص من الخلاف خلاف ما نسبه ابن رشد للمذهب واللخمي أن القادر إذا ركب يلزمه الرجوع ثانية ولا يجزئه المشي. انتهى.

كالإفاضة؛ يعني أنه إذا ركب في مسيره إلى الإفاضة من منى لمكة فإنه يهدي ولا رجوع عليه، فهو تشبيه في الهدي وعدم الرجوع، وليس المراد ركب في طواف الإفاضة. كما قاله البساطي. قاله الشيخ عبد الباقي. فقط؛ يعني أن محل الهدي وعدم الرجوع إنما هو حيث ركب الإفاضة وحدها من غير ضميمة المناسك، فإن ركب الإفاضة والمناسك معا أو ركب المناسك فقط وجب الرجوع، ومقتضى قول المص:"فقط"، أنه لو ركب الإفاضة وبعض المناسك لوجب الرجوع. والله سبحانه أعلم.

وكعام عين، معطوف على قوله:"كأن قل"؛ يعني أن محل قوله: "ورجع وأهدى إن ركب كثيرًا" الخ، إنما هو فيمن نذر المشي أو حلف به وحنث غير مقيد في ذلك بعام، وأما لو عين العام كقوله: لله علي المشي إلى مكة في هذا العام أو عام كذا وركب فإنه يهدي فقط ولا رجوع عليه، سواء أدرك الحج أو فاته لعذر كمرض، وكذا لو مشى فيه وفاته لعذر أو لم يخرج فيه لعذر. ونقضه يعني أن هذا الذي نذر المشي لمكة في العام المعين يقضي ما فاته من حج أو عمرة لغير عذر بمضي العام المعين، وقوله:"وليقضه"؛ أي وله أن يركب لأن العام المعين للمشي قد فات نص عليه غير واحد. وقال الشيخ إبراهيم: وإذا قضاه قضاه ماشيا، ونحوه للشيخ الخرشي، وليس الحيض من العذر.

وقوله: "وليقضه"، قال الشيخ الخرشي: والحاصل أنه إذا فاته لغير عذر وجب عليه قضاؤه، وإن فاته لعذر جرى على الصوم المعين، وقد قال فيه المؤلف:"إلا العين لمرض أو حيض أو نسيان"، ويقضي للنسيان على مذهب المدونة لأنه ليس بعذر عندها، ويقضي للحيض لأنه ليس بعذر هنا. انتهى. أو لم يقدر؛ يعني أن محل لزوم الرجوع ثانيا المشار إليه بقوله:"ورجع وأهدى إن ركب كثيرا"، إنما هو لمن ظن القدرة في العام الثاني على مشي أماكن ركوبه، وإلا فلا يرجع بل يقعد ويهدي كما في المدونة.

ص: 336

وبما قررت علم أن هذا غير قوله: "وإلا مشى مقدوره وركب"، قال الشيخ الخرشي عند قوله:"أو لم يقدر": عدم الرجوع ظاهر إن لم يقدر على مشي شيء مما ركب، وأما لو قدر على مشي بعضه، فإن كان يسيرا بحيث لو ركب لا يلزمه شيء أو يلزمه فيه الهدي فقط فإنه لا يرجع، وأما إن كان فوق ذلك فيخرج وينظر في الباقي، فإن كان بحيث لو ركبه وجب فيه الهدي ركب وأهدى، وإن كان دون ذلك ركبه ولا هدي عليه وهذا هو الظاهر. انتهى. نقله عن الأجهوري. ونحوه للشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ محمد بن الحسن: ما ذكره -يعني الشيخ عبد الباقي- هنا من التفصيل في القليل خلاف ما قدمه عن ابن عرفة من لزوم الهدي في القليل كان له بال أم لا، وعزاه للمدونة كما في المواق. انتهى. وقوله:"أو لم يقدر"، معطوف على قوله:"كأن قل". كما في الخرشي وغيره.

وكإفريقي، هذا هو القسم الثالث الذي تقدم ذكره، وهو منسوب لإفريقية بكسر الهمزة وتشديد التحتية وتخفيفها؛ يعني أن من بعدت داره من مكة كالإفريقي والأندلسي إذا نذر المشي لمكة أو حلف به وحنث فإنه لا يلزمه الرجوع إن ركب كثيرا، بل يهدي ولا رجوع عليه، ويتعارض مفهوم قوله:"وكإفريقي"، ومفهوم المصري فيمن داره بينهما على حد سواء والاحتياط العمل على مفهوم، وكإفريقي فيلزم من داره بينهما ما يلزم المصري، وأما من قربت داره من أحدهما فينبغي أن يلحق به. قاله الشيخ عبد الباقي. وقوله:"وكإفريقي"، معطوف على قوله:"كأن قل"، بأن المصدرية. وكأن فرقه؛ يعني أن من لزمه المشي بنذر أو يمين يجزئه المشي المفرق على خلاف العادة، كمن يقيم في الطريق إقامة طويلة ثم يمشي ثم يقيم فإنه يهدي ولا رجوع عليه، أما مع الضرورة فيجزئ قولا واحدا، وكذا إن كان لغير ضرورة على مذهب المدونة، وإلى ذلك أشار بقوله: ولو بلا عذر، ورد بلو ما في الواضحة من عدم الإجزاء، وهما روايتان، صوب ابن رشد الإجزاء وابن عبد السلام عدمه، ونص ابن رشد على لزوم الهدي في هذا الفرع وفي الفرع الذي قبله. قاله الشيخ محمد بن الحسن.

وفي لزوم الجميع بمشي عقبة وركوب أخرى تأويلان؛ يعني أن الشيوخ اختلفوا في وجه التوفيق بين قول المدونة وليس عليه في رجوعه ثانية وإن كان قويا أن يمشي الطريق كله، وقول الموازية:

ص: 337

إن كان ما ركب متناصفا مثل أن يمشي عقبة ويركب أخرى فلا يجزئه إلا أن يمشي الطريق كلها؛ فجعل أبو الحسن ما في الموازية تقييدا للمدونة فحمل كلام المدونة، على من ركب دون النصف، وحمل المص وابن عرفة ما في الموازية على من لا يتحقق ضبط مواضع مشيه لأنه لا يتحقق بطريق العادد ضبط مواضع مشيه، ولا سيما إذا كان الموضع بعيدا فلا يكون ما في الموازية مخالفا لما في المدونة، فالتأويلان كلاهما بالتوفيق ومحلهما حيث عرف أماكن ركوبه من مشيه، وإلا مشى جميع الطريق اتفاقا، والعقبة ستة أميال. قاله أبو الحسن. نقله الإمام الحطاب.

ثم أشار إلى حكم الهدي بقوله: والهدي واجب؛ يعني أن الهدي في جميع ما مر حيث قيل به واجب، سواء وجب معه رجوع أم لا، واستثنى من ذلك ما أشار إليه بقوله: إلا فيمن شهد المناسك؛ يعني أن محل وجوب الهدي في غير من شهد المناسك راكبا، وأما من ركب المناسك أو بعضها أو الإفاضة أو هما معا، فهو ندب أي مندوب له، قال الإمام مالك: إني أحب ذلك من غير أن أوجبه عليه، وبالغ على الوجوب والندب بقوله: ولو مشى الجميع؛ يعني أن الهدي يجب فيما يجب فيه ويندب فيما يندب فيه، ولو مشى في رجوعه جميع الطريق ولم يقتصر على أماكن ركوبه، ورد بلو قول ابن المواز: إن مشى الطريق كله فلا هدي عليه؛ لأنه لم يفرق مشيه، وتعقبه الأشياخ بأنه بمنزلة من صلى صلاة فسها فيها فوجب عليه سجود السهو فأعادها ثانية ولم يسجد للسهو فلا يسقط ما تقرر في ذمته بإتيانه بما لم يؤمر به، وفرق بعضهم بأن المصلي أخطأ في الإعادة، وإنما تقرر في ذمته سجدتا السهو، فإذا أعادها أتى بما لم يؤمر به فلم تسقط الإعادة ما تقرر في ذمته، وفي الحج هو مأمور بالعودة، فإذا عاد واستكمل المشي فقد استوفى ما في ذمته بالمشي في عودة مأمور بها ففارق مسألة الصلاة. انتهى. انظر التوضيح. قال المواق: فانظر اقتصار خليل على خلاف النص مع أن ابن بشير إنما تردد في المسألة ولم يرتهن فيها. انتهى. نقله الشيخ محمد بن الحسن.

ولو أفسد أتمه؛ يعني أن من وجب عليه المشي بنذر أو بيمين إذا أفسد ما أحرم به من حج أو عمرة كوطئه عامدا أو ناسيا كونه حاجا فإنه يتمه أي يتمادى على إتمامه فاسدا كغيره من فاسد الحج ولو راكبا؛ لأن إتمامه ليس من النذر في شيء، وإنما هو لإتمام الحج. ومشى في قضائه من

ص: 338

الميقات؛ يعني ان هذا الذي أتم ما أفسده يقضيه في الزمن القابل، فإذا شرع يقضيه فإنه يمشي في قضائه من الميقات الشرعي إن كان أحرم منه قبل الفساد، فإن كان أحرم قبله مشى من موضع إحرامه كما صرح به ابن عبد السلام، بلفظ: ينبغي ولا يلزمه مشي فيما قبل الإحرام؛ لأن الفساد لم يتسلط إلا على ما بعد الإحرام، وعليه هديان؛ هدي للفساد وآخر لتبعيض المشي في العامين لأن المشي بعد الإحرام لفساده ألغي، واعتبر المشي قبل الفساد فصار متبعضا قاله الشيخ عبد الباقي. وقوله:"ومشى في قضائه من الميقات"، ظاهره عامدا أو ناسيا، وهو الموافق لما في السماع أي سماع يحيى، ونقل ابن يونس، واعترضه ابن رشد في شرح السماع المذكور، فقال: قوله إنما يمشي من ميقاته ويجزئه المشي الذي مشى من حيث حلف إلى الميقات، خلاف مذهب مالك وابن القاسم في المدونة، وما نص عليه ابن حبيب من أن من ركب من غير عجز عن المشي أعاد المشي كله إذ لا يجوز له أن يفرق مشيه إلا من ضرورة، فلو وطئ فرق مشيه من غير ضرورة، ثم قال: إلا أن يكون وطؤه ناسيا فحينئذ يمشي من الميقات؛ لأنه مغلوب على التفرقة بالوطء ناسيا. انتهى.

وإن فاته جعله في عمرة؛ يعني أنه إذا نذر المشي مبهما أو حلف بذلك وحنث ثم إنه خرج ليوفي بما ترتب في ذمته فمشى وأحرم بحج وفات الحج الذي أحرم به، فإنه يجعل مشيه في ذلك الحج في عمرة أي يتحلل من حجه بفعل عمرة، ويمشي لتمام السعي بين الصفا والمروة، فيتخلص من نذر المشي بذلك؛ لأنه لما فاته الحج وجعله في عمرة فكأنه جعله في عمرة ابتداء. وركب في قضائه؛ يعني أنه إذا فاته الحج وجعل مشيه في عمرة فإنه يقضي الحج الذي فاته في العام القابل، ويركب في قضائه أي يجوز له الركوب فيه ويهدي لفوات الحج، وقال ابن القاسم: يمشي المناسك في قضائه قابلا، وقاله سحنون، وهذا فيمن نذر المشي مبهما وجعله في حج ثم فاته كما في المدونة، وأما من نذر الحج ماشيا وتحلل منه بفعل عمرة، فإنه إذا قضاه يركب أيضا إلا في بقية المناسك وهي ما زاد على السعي بين الصفا والمروة، فإنه يمشي فيها ليخلص من نذر المشي بذلك. قاله الشيخ عبد الباقي. قال الشيخ بناني: الظاهر لزوم مشي المناسك في هذه الثانية بلا خلاف ولم أر فيها نصا. انتهى.

ص: 339

وإن حج ناويا نذره وفرضه مفردا أو قارنا أجزأ عن النذر؛ يعني أنه إذا نذر المشي لمكة مبهما أو نذر الحج ماشيا وهو صرورة في المسألتين، ثم إنه حج مفردا ونوى بحجه فرضه ونذره فإن ذلك يجزئه عن النذر وتبقى حجة الفرض في ذمته، والمفرد هو الذي يحرم بالحج، فإذا فرغ منه أحرم بعمرة، وكذا لو حج قارنا فإن نوى القارن بالحج الذي ضمن إحرامه فرضه ونذره معا أو نوى به فرضه فقط وبالعمرة نذره، فإن ذلك يجزئه عن النذر فقط وعليه قضاء حجة الفريضة، لقول الله عز وجل:{وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} ، فقوله:"أو قارنا": شامل لصورتين كما عرفت، وما ذكره المص من الإجزاء عن النذر دون الفرض هو المشهور وهو مذهب المدونة، وقيل لا يجزئ عن واحد منهما. حكاه اللخمي عن مالك. وقال المغيرة: يجزئ عن الفرض دون النذر واختاره ابن الماجشون.

وهل إن لم ينذر حجا تأويلان؟ يعني أنه اختلف هل تقيد المدونة بقول ابن المواز: هذا إذا لم ينو بنذره حجا ولا عمرة، وأما إذا كانت يمينه بحجة فحنث فمشى في حج نوى به فرضه ونذره، فهذا لا يجزئه عن واحد منهما، أو تحمل المدونة على عمومها فيجزئ ذلك عن النذر مطلقا، نذر المشي مبهما أو نذره في حج. انتهى. والتأويل الأول لابن يونس والثاني لبعض الأصحاب. واعلم أن التأويلين لا يأتيان في الصورة الثانية؛ إذ لا يمكن من حمل المدونة على الإطلاق أن يقول: إذا عين الحج في نذره وجعل العمرة في القران له يجزئه عن نذره. قاله الشيخ محمد بن الحسن.

تنبيهات: الأول: من مشى لنذره حتى بلغ ميقاته فأحرم بحجة نوى بها فرضه فإنها تجزئه لفرضه، ثم يحرم بالعمرة بعد ذلك من ميقاته ليمشي ما بقي من نذره. قاله الحطاب.

الثاني: قال الإمام الحطاب: فإن أحرم ولم يقصد نذرا ولا فرضا لم أر فيه نصا، والظاهر أنه ينصرف للحج كمن أحرم للحج ولم ينو فرضا ولا نفلا فإنه ينصرف للفرض كما صرح به سند وغيره. انتهى.

الثالث: قال البرزلي: من أحرم من الميقات بعمرة عن نذره وأحرم من مكة عن فرضه لم يجزه عن فرضه ويجزئه عن نذره وعليه دم القران. البرزلي: يريد أحرم قبل أن تكمل العمرة في الوقت الذي ترتدف، ولو كان في وقت لا ترتدف بحيث تمت عمرته جاز عنهما وكان متمتعا وعليه دم

ص: 340

لتأخير الحلاق، وقوله:"وإن حج ناويا نذره وفرضه" الخ، لَعَلَّ الْفَرْقَ بينه وبين ما تقدم في الصوم من أنه إذا نواه ونذرا لم يجز عن واحد منهما أَنَّ الصَّوْمَ لا يقبل النيابة فأشبه الصلاة وهي إذا شرك في نيتها تبطل ولا تجزئ عن واحد مما نواه، والحج يقبل النيابة في الجملة فبعد شبهه بالصلاة.

وعلى الصرورة جعله في عمرة؛ يعني أن من نذر المشي مبهما وهو صرورة والصرورة هو الذي لم يحج الفرض، يجب عليه أن يجعل مشيه الذي قصد به أداء نذره في عمرة، تم بعد تمام عمرته يحج في عامة من مكة، ولا يجوز له تأخير حجه عن العام. على الفور؛ يعني أن هذا الذي ذكر من جعل المشي في عمرة ووجوب تعجيل الحج من مكة في عامة إنما هو على القول بوجوب الحج على الفور، وأما على القول بوجوب الحج على التراخي فله أن يجعل مشيه في حج ثم بعد ذلك يحج حجة الفرض، وقوله:"ثم يحج من مكة"؛ أي ويكون متمتعا بشرطه، ومفهوم قوله:"وعلى الصرورة"، أن غير الصرورة ليس كذلك فيخير بين أن يجعل مشيه في حج أو عمرة حيث نذر المشي مبهما أو حلف به كذلك وحنث، أو حلف ليمشين إلى مكة ولم يعين شيئا. وقوله:"وعلى الصرورة جعله" الخ، قال الشيخ محمد بن الحسن: عبارته تقتضي الوجوب، وذلك خلاف قولها: وإن جعل مشيه في عمرة فله إذا حل منها أن يحج الفريضة من مكة. انتهى. لأنه يفيد التخيير. أبو الحسن: يقوم منها أن الحج على التراخي؛ إذ قوله: فله، يقتضي التراخي، قال الرماصي: فلا يليق بالمؤلف ترك النص وكأنه غفل عنه. انتهى.

وعجل الإحرام في أنا محرم أو أحرم؛ يعني أن الناذر للإحرام بحج أو عمرة أو الحالف به الحانث يلزمه تعجيلة أي إنشاؤه فورا إن قيد بزمن أو مكان لفظا أو نية، وسواء في ذلك صيغة المضارع نحو أحرم في رمضان إن كلمت زيدا فإنه يستأنف الإحرام اتفاقا إن حصل الفعل وجاء الوقت، واسم الفاعل نحو أنا محرم في رمضان إن كلمت زيدا في شعبان فإنه ينشيء إحراما عند الإمام وهو المشهور، وقال سحنون: يكون محرما في رمضان بحصول الفعل في شعبان ولا يحتاج لإنشاء إحرام، فإن لم يكلمه في شعبان لم يلزمه إحرام برمضان، وإلى ما مر أشار بقوله: إن قيد بيوم كذا؛ يعني أن وجوب تعجيل إنشاء الإحرام بالحج أو العمرة محله حيث قيد بزمن؛ كإن

ص: 341

كلمت فلانا فأنا محرم يوم أكلمه، فيجب عليه أن ينشيء الإحرام فورا ولا يؤخره لأشهر الحج ولا لوجود رفقة ونية التقييد كاللفظ به والتقييد بالمكان كالتقييد باليوم وقوله إن قيد بيوم كذا يعني أو مكان كذا علم منه أن التقييد بالشرط فقط من الإطلاق، كأنا محرم إن كلمت زيدا فهو بمنزلة أنا محرم فيفصل فيه بين الحج والعمرة وعدم الرفقة ووجودها، ويجري فيه ما يأتي.

والحاصل أنه إذا قيد بزمن كانا محرم في رمضان أوأنا محرم في رمضان إن كلمت زيدا فإنه يجب عليه أن ينشئ إحراما فورا عند مجيء الوقت وحصول الفعل حيث علق، ولا يؤخره لأشهر الحج ولا لوجود رفقة، وسواء في ذلك الحج والعمرة، ومثل التقييد بالزمن التقييد بالمكان، ولا فرق في التقييد بالزمن أو المكان بين أن يلفظ به وبين أن ينويه، ومحل قوله:"وعجل الإحرام" الخ، حيث لم يصرح ولم ينو فورا ولا تراخيا، وأما إن صرح أو نوى فورا أو تراخيا فإنه يعمل على ذلك، وإنما عجل الإحرام حيث لم يصرح ولم ينو؛ لأن القيد قرينة على إرادة الفورية.

وأما المطلق من ذلك فأشار إليه بقوله: كالعمرة مطلقا؛ يعني أن الناذر للعمرة حال كونه مطلقا بكسر اللام كما قاله الشيخ بناني وغيره أي غير مقيد لها بوقت، والموضوع أنها مقيدة بالإحرام كأنا محرم بعمرة أو أنا محرم بعمرة إن كلمت فلانا وكلمه يجب عليه فورا أن ينشئ لها إحراما. وبما قررت علم أن المطلق من العمرة والحج ما عري عن التقييد بالزمن أو بالمكان قيد بالشرط أم لا. إن لم يعدم صحابة؛ يعني ان محل وجوب تعجيل إنشاء الإحرام في العمرة المطلقة إنما هو حيث لم يعدم أصحابا، وأما إن عدم صحابة فإنه لا يجب عليه التعجيل، وقد علمت مما مر أن العمرة المقيدة بالزمان أو المكان كالحج المقيد بذلك فيعجل فيهما إنشاء الإحرام ولو عدم صحابة ما لم يخف على نفسه ضررا من تعجيل الإحرام،

وبما قررت علم أن قوله: "مطلقا"، بكسر اللام وهو حال من مضاف محذوف تقديره: كناذر العمرة مطلقا.

لا الحج؛ يعني أن من نذر الحج مطلقا أي غير مقيد له بوقت أو مكان، أو حلف بذلك وحنث في غير أشهر الحج ليس كمن نذر العمرة المطلقة، فلا يلزمه تعجيل، إنشاء الإحرام بالحج قبل

ص: 342

أشهره، والموضوع أنه قيده بالإحرام كقوله: أنا محرم بحج أو إن كلمت فلانا فأنا محرم بحج. والمشي؛ يعني أنه إذا نذر المشي مطلقا أي لم يقيده بعام ولا حج ولا عمرة أو حلف بذلك وحنث فإنه لا يلزمه تعجيله، وقوله: فلأشهره؛ أي الحج، جعله الشيخ إبراهيم راجعا لقوله:"لا الحج"؛ أي فيلزمه الإحرام بالحج عند مجيء أشهر الحج، فيؤخره حتى تجيء، قال: وأما في المشي المطلق فإنه يمشي في أي عام أراد، وجعله الشيخ عبد الباقي راجعا لمسألتي الحج والمشي المطلقين وهو ظاهر المص؛ أي يلزمه أن يعجل الإحرام عند دخول أشهر الحج في المسألتين؛ أي مسألة الحج المطلق ومسألة المشي المطلق، فقوله:"لأشهره"؛ أي يؤخر الإحرام لأشهر الحج. إن وصل، هو شرط في التأخير لأشهر الحج؛ يعني أن محل التأخير لأشهر الحج إذا كان يمكن أن يصل من بلده إلى مكة في أشهر الحج، قال الشيخ عبد الباقي: لكن في الحج يحرم من مكانه، ويحرم في نذر المشي المطلق من الميقات فإن أحرم قبله أجزأه.

وإلا؛ أي وإن لم يصل من بلده إلى مكة إلا بعد أن تخرج أشهر الحج فيلزمه الإحرام من حيث؛ أي من الزمن الذي يصل فيه إلى مكة ويدرك الحج هذا قول أبي محمد وصححه ابن يونس واستحسنه ابن عبد السلام، فصواب قوله: على الأظهر على الأرجح والأحسن، ومقابله لأبي الحسن القابسي أنه يخرج من بلده غير محرم فأينما أدركته أشهر الحج أحرم، واستعمل المص حيث للزمان وهو للأخفش، قال: ترد للزمان وهي عند الجمهور ظرف مكان، قال الشيخ عبد الباقي: وانظر إذا كان محله على خمسة أيام -مثلا- من مكة هل يلزمه الإحرام من أول أشهر الحج والخروج حينئذ، أو إنما يلزمه ذلك إذا بقي من أشهر الحج قدر ما لو خرج لأدرك الحج وهو الظاهر.

وتحصل مما مر أن نذر الحج والعمرة على ثلاثة أقسام: مقيد بالزمان والإحرام، ومقيد بالإحرام فقط، وغير مقيد بالإحرام ولا بالزمان. فالأول نحو أنا محرم بحج يوم كذا أو مكان كذا: فإن صرح بشيء أو نواه من فور أو تراخ عمل عليه، وإن لم يصرح بذلك ولا نواه فإنه يجب عليه تعجيل الإحرام عند الوقت أو المكان مع حصول المعلق عليه حيث علق ولو قبل أشهر الحج وإن عدم صحابة، ما لم يخف على نفسه ضررا، والثاني يجب فيه تعجيل إنشاء الإحرام إن كان

ص: 343

عمرة، نحو: أنا محرم بعمرة إن لم يعدم صحابة، وإن كان حجا نحو أنا محرم بحج فإنه لا يلزمه التعجيل إن كان ذلك قبل أشهر الحج، بل يصبر حتى تأتي أشهر الحج فيجب التعجيل إن وصل وإلا فمن حيث يصل، وأما الثالث نحو علي عمرة فلا يلزمه تعجيل الإحرام بل يستحب فقط، ونحو لله علي حج فلا يلزمه تعجيل الإحرام ولو في أشهر الحج بل يستحب فقط، ولا فرق في هذا كله بين النذر واليمين. وقوله:"والمشي"، قال الشيخ بناني: في ذكره المشي إشكال لاقتضائه أنه على الفور مع أن نذره محمول على التراخي حتى يقيد مثل الحج غير المقيد بالإحرام على المشهور كما صرح به ابن الحاجب والشامل. انظر الحطاب. وحمل ابن عاشر المشي على معنى الخروج وجعله من تمام ما قبله، والمعنى أن من نذر الإحرام بالحج وأطلق لا يلزمه تعجيل الإحرام والخروج، بل له تأخيرهما إلى أشهره الخ. وهو بعيد. انتهى.

تنبيهات: الأول: من قال أنا محرم بحج يوم أكلم فلانا فحنث ولا يمكنه أن يدرك الحج لضيق الوقت، قالوا: يحرم ويقيم على إحرامه إلى قابل؛ لأنه ضيق على نفسه باليوم.

الثاني: اعلم أن النذور المطلقة محملها على الفور عند عبد الوهاب، والقول بالتراخي هو ظاهر الروايات، وتأول الباجي قول عبد الوهاب على الاستحباب. ابن عبد السلام: وهو الصحيح.

الثالث: إنما كان من نذر الحج قبل أشهره وأطلق لا يلزمه الإحرام إلا إذا دخلت أشهره فيحرم إذا دخلت ولو قبل مكانه، وليس له أن يحرم قبل زمانه وإن كان إحرامه قبل زمانه مكروها كإحرامه قبل مكانه؛ لأن مراعاة الزمن أشد من مراعاة المكان، وإنما كانت الكراهة قبل الزمان أشد من الكراهة قبل المكان في ذلك؛ لأنه وقع الخلاف في إحرامه قبل زمانه هل ينعقد أم لا؟ وأما إحرامه قبل مكانه وفي زمانه فمتفق على انعقاده. قاله الشيخ الخرشي.

ولا يلزم في مالي في الكعبة؛ يعني أن الناذر لا يلزمه ما نذره في قوله: "مالي في الكعبة" أو في بابها أو في رتاجها أو في حطيمها؛ لأن الكعبة لا تنقض فتبنى، والرتاج الباب، والحطيم ما بين الباب والمقام. وحكى ابن القاسم عن بعض الحجبة: ما بين الباب إلى المقام، ولابن حبيب: ما بين الركن الأسود إلى الباب إلى المقام؛ أي منتهيا أو قريبا، سمي في لذلك لأنه يحطم الذنوب كما تحطم النار الحطب، وكما لا يلزمه ما نذر في قوله:"مالي في الكعبة أو في بابها"، لا يلزمه بدله من

ص: 344

كفارة يمين وغيرها، خلافا لابن وهب عليه كفارة يمين، ومحل كلام المص إن أراد صرفه في بنائها إن نقضت أو لم يرد شيئا، فإن أراد كسوتها وطيبها ونحوهما لزم ثلث ماله للحجبة يصرفونه فيها إن احتاجت. قاله في المدونة. وإن قال: أنا أضرب بمالي في حطيم الكعبة أو رتاجها فعليه حجة أو عمرة ولا شيء عليه في ماله، ومعنى أضرب بمالي أي أسير به. وفي المدونة: وأنا أضرب بكذا وكذا في الركن الأسود فليحج أو يعتمر، ولا شيء عليه إن لم يرد حملان ذلك الشيء على عنقه، فإن أراد حملانه على عنقه وكان يقوى على حمله فكذلك يحج أو يعتمر راكبا ولا شيء عليه غيره، وإن كان مما لا يقوى على حمله مشى وأهدى.

قال الإمام الحطاب بعد جلب نقول: فتحصل أنه إذا قال أضرب بكذا في البيت أو جزء منه، فإن أراد الضرب الحقيقي لم يلزمه شيء لأنه معصية، وإن أراد السير أو لم تكن له نية، فإن لم ينو حمله حج أو اعتمر راكبا ولا شيء عليه، وإن أراد حمله فعند ابن المواز: يفصل فيه إن كان يقوى على حمله فمثل الأول وإلا مشى وأهدى، وعند ابن حبيب: يمشي ويهدي ويدفع ما سمى إن لم يبلغ ثمن هدي لخزنة الكعبة. والله أعلم.

وفي الحديث الصحيح: (لولا حداثة قومك بكفر لأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله

(1)

)، وكنز الكعبة: المال المجتمع مما يهدى إليها بعد نفقة ما تحتاج إليه، وليس من كنز الكعبة ما تحلى به من الذهب والفضة كما ظنه بعضهم، فإن ذلك ليس بصحيح؛ لأن حليتها حبس عليها كحصرها وقناديلها لا يجوز صرفها في غيرها، وحكم حليتها حكم حلية السيف والمصحف المحبسين، وأما النذر للكعبة فإما أن يقصد به خدمتها وهو الغالب أو مطلق أهل الحرم فيصرف لمن قصد أو يقصد أن يصرفها في مصالحها، وإن لم يقصد شيئا فالظاهر أن يصرف في غالب ما يقصده الناس بنذورهم.

أو كل ما أكتسبه؛ يعني أنه لا يلزم الشخص شيء إذا قال إن فعلت كذا فكل ما أكتسبه في الكعبة أو بابها أو صدقة للفقراء أو في سبيل الله تعالى أو شبه ذلك وحنث؛ لأنه من باب الحرج

(1)

لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية أو قال بكفر لأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله ولجعلت بابها بالأرض ولأدخلت فيها من الحجر. صحيح مسلم، كتاب الحج، رقم الحديث، 1333.

ص: 345

والمشقة، وهذا إذا لم يقيد بزمان ولا مكان، فإن قيد بزمان أو مكان وحنث لزمه كل ما يكتسبه بعد قوله ذلك، وإن كان في نذر ولم يقيد بزمن ولا بلد فإنه يلزمه ثلث جميع ما يكتسبه بعد قوله ذلك، ومثل كل ما أكتسبه في جميع ذلك كل ما أفيده، وهذا كله في غير المعين، فإن عين لزمه الجميع لمن عينه وسكت عن كل ما أملكه صدقة، فإن أطلق لزمه جميع ما عنده، وإن قيد لزمه جميع ما يتجدد له في النذر، وأما اليمين فيلزمه ثلثه إن أطلق ككل ما أملكه صدقة إن دخلت الدار ودخلها فيلزمه ثلثه، فهو مخالف لكل ما أكتسبه أو أفيده في هذه الحالة؛ لأن أملكه يصدق على ما في ملكه حال اليمين، بخلاف أكتسبه أو أفيده، وإن قيد بمدة أو بلد فإنه يلزمه جميع ما يتجدد بها على أحد أقوال خمسة ستأتي إن شاء الله تعالى.

قال الشيخ علي الأجهوري: والحاصل أنه إن قيد بزمان أو مكان فإنه يلزمه ما أفاده أو اكتسبه في قوله: "كل ما أكتسبه" أو أفيده، سواء أتى به على وجه اليمين أو أتى به لا على وجه اليمين وإن لم يقيد فيهما بزمان ولا مكان، فإن أتى به لا على وجه اليمين فإنه يلزمه الثلث يعني ثلث جميع ما يكتسبه بعد قوله ذلك، وإن أتى به على وجه اليمين فلا شيء عليه، فمع التقييد فيهما يستوي النذر والحلف ومع الإطلاق يختلفان فلا شيء في اليمين، وفي النذر يلزم ثلث جميع ما يتجدد بعد قوله: وهذا ما لم يجعله لمعين وإلا لزمه في الصور كلها، وأن قوله:"كل ما أملكه"، يفارق كل ما أفيد أو أكتسب في حالة الإطلاق حيث أتى به يمينا؛ أي فيلزمه ثلث ما في ملكه، وإن أتى به لا على وجه اليمين فالكل سواء، وهذا إذا لم يعين، فإن عين من يكون له ذلك لزمه الجميع لمن عينه له، سواء كان في يمين أم لا، فإن قيد لزمه في النذر، وأما في اليمين فيلزمه على أحد أقوال خمسة، وللشيخ علي الأجهوري:

وحالف بكل ما يكتسبه

إن قام لا شيء بهذا يلزمه

وإن يكن غير يمين لزمه

إخراج ثلث كسبه فلتعلمه

وإن يقيد بمحل أو زمن

أخرج كسبه لذين فاعلمن

ص: 346

وثلثه إن يحلفن بكل ما

يملكه حين اليمين لزما

كغيرها إن لم يقيده بما

مرو إلا فهو كالذ قدما

فإن يقيده يمينا بهما

فقيل حكمه كعار منهما

وقيل مع جميع ما قد وجدا

أو ثلثه بالذ به قد قيدا

ورابع الأقوال ما يحصل فيه

يلزمه لا ما سواه يا نبيه

وخامس الأقوال لا يلزم في

يمينه شيء ووجهه خفي

والفعل محمول على المستقبل

في رابع وخامس يا معتلي

وفي سواهما عليه وعلى

الحال ذا عن ابن رشد نقلا

ثم مفاد النقل أن الثاني

أرجحها والأصل في البيان

وفي مختصر البيان: واختلف إذا حلف بصدقة ما يفيده أو يكتسبه إلى مدة أو بلد فحنث، فقال ابن القاسم وأصبغ: لا يلزمه شيء، وحكى ابن حبيب عن ابن عبد الحكم أنه يلزمه إخراج جميع ما يفيده أو يكتسبه إلى ذلك الأجل أو في ذلك البلد، وحكى ابن المواز عن أصبغ مثله وهو القياس على ما أجمعوا عليه من وجوب العتق على من حلف بعتق من يملك في المستقبل إن خص

ص: 347

ولم يعم، وأما القول الأول فإنه استحسان مراعاة لقول من لا يرى اليمين بالصدقة لازمة. انتهى. وإن كان المعلق كل ما أملك، فإن قيده بمدة أو بلد ففيه خمسة أقوال من جهة أن لفظة أملك تصح للحال والاستقبال، فعلى تخليصه للاستقبال فقولان أحدهما لا شيء عليه والثاني يلزمه إخراج جميع ما يملك إلى غاية ذلك الأجل أو في ذلك البلد، وعلى حمله على الحال فينبغي أن يلزمه ثلث ما يملك حين الحلف، وأما على أنه للحال والاستقبال فثلاثة أقوال أحدها يلزمه إخراج ثلث جميع ما يملك الساعة مع جميع ما يفيده إلى الأجل، والثاني ثلثهما، والثالث ثلث ماله الساعة فقط. انتهى. قاله الشيخ علي الأجهوري. وقال: فقد استفيد من هذا أنه إن أراد الاستقبال فقط جرى فيه القولان المتقدمان، وأما إن أراد به الحال والاستقبال جرى فيه الأقوال الثلاثة المتقدمة، وأما إن أراد به الحال فقط فينبغي أن يلزمه ثلث ما يملك حين الحلف، وأما إن لم يرد واحدا منهما ففيه الأقوال الخمسة.

أو هدي مالي؛ معنى قوله: "أو هدي"، عطف على "مالي" من قوله:"ولا يلزم في مالي في الكعبة"؛ يعني أن من نذر الهدي لغير مكة بلفظ الهدي أو بلفظ البدنة، كقوله: علي هدي أو لله علي بدنة لضريح النبي صلى الله عليه وسلم أو لقبر فلان أو لفلان أو نحو ذلك، لا يلزمه شيء لا بعثه لمن عينه له ولا ذكاته بموضع الهدي، وأما لو عبر بغير الهدي والبدنة، فإن كان مما يهدى وعبر عنه بلفظ بعير أو خروف أو جزور نحره أو ذبحه بموضعه وفرق لحمه للفقراء، وإن شاء أبقاه وأخرج مثل ما فيه من اللحم: ويمنع بعثه عند القبر ولو للنبي صلى الله عليه وسلم، ولو قصد به الفقراء الملازمين له لما في المدونة سوق الهدايا لغير مكة ضلال، وأما إذا كان مما لا يهدى كثوب ودراهم أو طعام، فإن قصد بذلك الملازمين للقبر الشريف أو لقبر الولي ولو أغنياء أرسله لهم، وإن قصد نفع النبي أو الشيخ أي الثواب له تصدق به بموضعه، وإن لم يكن له قصد أو مات قبل علم قصده فينظر لعادتهم، ولا يلزم بعث ستر ولا زيت ولا شمع يوقد على القبر الشريف أو غيره، ولو نذر فإن بعثه مع شخص وقبله من صاحبه

(1)

فالظاهر تعين فعله بمنزلة شرط الواقف، ولا يجوز له أخذه؛ لأن إخراج مال الإنسان على غير وجه القربة لا يخرجه عن كونه ماله، فلا

(1)

كذا في عبد الباقي ج 3 ص 103.

ص: 348

يباح لغيره تناوله كوضع شيء بصندوق شيخ أو عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فإن علم ربه دفع له، وإلا كان لبيت المال، وإن نذر ما يصح أن يهدى بلفظ بعير أو خروف أو جزور وقيد بمكة بلفظ أو بنية نحره بمكة إلا أن يقلده أو يشعره فيكون هديا فيجري فيه تفصيلة، ومن قال لله علي أن أنحر بدنة أو لله علي هدي فلينحر ذلك بمكة أو بمنى بشرطه، وإن نذر أن ينحر الجزور بمكة كان عليه أن ينحرها بها، والبدنة عندهم ما ينحر بمحل مخصوص، والجزور هي الناقة المعدة للنحر في محل غير مخصوص. انتهى. ملخصا من شرح الشيخ عبد الباقي وشرح الشيخ الحطاب وغيرهما.

وفي الشبراخيتي عند قوله "أو هدي لغير مكة": وحاصل هذه المسألة أن من نذر ما يصح هديه بلفظ هدي أو بلفظ بدنة، فإن سمى مكة أو نواها أو أطلق لزمه سوقه لها حيث كان المحل قريبا بحيث يصل منه، وإن سمى بقعة غير مكة فإن قصد تعظيمها وتفخيم شأنها كأنها مكة لم يلزمه شيء، وإن قصد الرفق بفقرائها فكذلك، وهذا قول مالك في المدونة؛ إذ هو نذر معصية؛ لأن سوقه لغير مكة ضلال، وأما إن نذر ما لا يصح هديه بلفظ جزور أو بعير أو نحو ذلك، فإن قيد بمكة بلفظ أو نية فقال بعض الشارحين: لا يلزمه هدي لكن له نحرها بمكة، وليست بهدي إلا أن ينوي بها الهدي، ثم قال: وأما إن قيد بغير مكة أو أطلق فإنه ينحرها بموضعه، ولا يجوز له بعثها للموضع الذي قيد به حيث قيد بموضع، وكذا لا يجوز بعث لحمها له. انتهى.

وفي المدونة: ومن قال لله علي أن أنحر بدنة، أو قال لله علي هدي فلينحر ذلك بمكة. ابن يونس: أو بمنى يوم النحر، وقاله ابن عمر وابن عباس. انتهى. وقال ابن عرفة: وفيها ينحر من قال لله علي نحر بدنة أو لله علي هدي بمكة يريد أو بمنى بشرطه. انتهى. فيدخل في ذلك ما بعد يوم النحر مما يجوز فيه نحر الهدي. انظر الحطاب.

وللشيخ علي الأجهوري:

ونذر ما يهدى بلفظ البدنه

أو لفظ هدي لغو هذا عينه

إن كان لا لمكة وإن لها

فحكمه متضع للنبها

ص: 349

وما بلفظ كبعير عبرا

عنه ففي موضع نذر نحرا

ولحمه للفقرا يعطيه

بموضع النذر ولا يبقيه

ثم له إخراج لحم مثل ما

فيه ولا ينحره بذا احكما

وكل ذا إن لم يكن بمكة

وإن بها فنحره بها اثبت

إلا إذا قلده وأشعره

فهو كهدي عند من قد حرره

فإن تقل قد ذكروا فيمن نذر

نذرا لصالح ببدو أو حضر

أي عند قبره من القراء

يلزم بعثة بلا امتراء

قلت محله إذا لم يكن

مما يصح هديه فاستبن

ومال غير؛ يعني أن من نذر مال الغير هديا أو صدقة لا يلزمه شيء، كقوله لله علي أن أتصدق بالشيء الفلاني وهو في ملك الغير، وكقوله علي أن أتصدق بدار فلان وما أشبه ذلك لخبر: (لا نذر في معصية ولا فيما لا يملك ابن آدم

(1)

). إن لم يرد إن ملكه؛ يعني أن محل عدم اللزوم حيث لم يرد إن ملكه، وأما إن قال هو صدقة وأراد إن ملكه، فإنه إن ملكه يلزمه التصدق بجميعه، سواء أتى بلفظ جميع أم لا.

(1)

لا نذر في معصية ولا نذر فيما لا يملك ابن آدم، سنن ابن ماجه، كتاب الكفارات، رقم الحديث 2124.

ص: 350

والحاصل أنه يلزمه التصدق أو نحوه فيما علق على ملكه قل أو كثر، أتى على الجميع أم لا، لفظ بجميع أم لا، كان مما يهدى أم لا، ويجري حينئذ على ما تقدم فيما يصح هديه وما لا يصح هديه.

وأصل هذه المسألة ما رواه مسلم في المرأة الأنصارية التي أسرت، وكانت العضباء ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها الرب الذين أسروا المرأة، فهربت المرأة على العضباء ونذرت إن نجاها الله عليها لتنحرنها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (بيس ما جزيتها لا وفاء لنذر في معصية ولا فيما لا يملك العبد

(1)

). قال القرطبي: ظاهر هذه الكلمة يدل على أن الذي صدر من هذه المرأة نذر معصية؛ لأنها التزمت أن تهلك مال الغير فتكون عاصية بهذا القصد، وهذا ليس بصحيح لأن المرأة لم يتقدم لها من النبي صلى الله عليه وسلم بيان تحريم ذلك ولم تقصد ذلك، وإنما معنى ذلك -والله أعلم- أن من قدم على ذلك بعد التقدم إليه وبيان أن ذلك محرم كان عاصيا بذلك القصد، ولا يدخل في ذلك المعلق على الملك، كقوله إن ملكت هذا البعير فهو هدي أو صدقة؛ لأن ذلك الفعل معلق على ملكه لا ملك غيره. انتهى. وهذا يدل على أن حلف الإنسان بملك الغير محرم.

واختلفت العلماء فيما إذا علق العتق أو الهدي أو الصدقة على الملك، مثل أن يقول إن ملكت عبد فلان فهو حر، فلم يلزمه الشافعي شيئا من ذلك عم أو خص تمسكا بهذا الحديث، وألزمه أبو حنيفة كل شيء من ذلك عم أو خص؛ لأنه من باب العقود المأمور بالوفاء بها، ووافق أبا حنيفة مالك فيما إذا خص شيئا تمسكا بمثل ما تمسك به أبو حنيفة، وخالفه فيما إذا عم رفعا للحرج الذي أدخله على نفسه، ولمالك قول آخر مثل قول الشافعي. قاله الحطاب. وقد مر أنه إن ملك مال الغير لزمه التصدق بجميعه حيث علق الصدقة على ملكه، فليس كنذره جميع مال نفسه؛ لأن الذي نذر مال الغير قد أبقى مال نفسه لنفسه، فنذره مال الغير كنذر ثلث ماله أو جميع

(1)

صحيح مسلم، كتاب النذر، رقم الحديث 1641.

ص: 351

المعين، وقد مر الحديث: (لا نذر في معصية ولا فيما لا يملك العبد

(1)

)، قال الشيخ إبراهيم: قال بعضهم ويظهر أن المتعلق بالمرأة هو قوله: ولا فيما لا يملك العبد، وما قبله ذكره تتميما وإعلاما.

أو نحر فلان؛ يعني أن من قال لله علي أو علي نحر فلان لا يلزمه شيء علق أم لا إذا كان فلان حرا أو عبدا لغيره، وإن كان عبد نفسه فعليه هدي. قاله غير واحد. ولو قريبا؛ يعني أنه إذا قال علي نحر فلان لا يلزمه شيء كما عرفت، ولا فرق في عدم اللزوم بين أن يكون فلان أجنبيا من الناذر، وبين أن يكون قريبا له فلا يلزمه شيء لا هدي ولا غيره. وأشار بالمبالغة لرد قول ابن الحاجب التابع لابن بشير: إن كان أجنبيا فلا شيء عليه، وإن كان قريبا فعلى التفصيل الآتي. قاله الشيخ الخرشي. وقال الشبراخيتي: ولو كان قريبا له، كما قال الباجي خلافا لابن الحاجب الذي خصه بالقريب، وأما الأجنبي فلا شيء عليه مطلقا. انتهى. وقال الشيخ بناني: إنما فصل ابن الحاجب بين القريب والأجنبي في ذكر مقام إبراهيم ونحوه، وأما إذا تلفظ بالهدي فلا فرق بين القريب والأجنبي، وهذه طريقة ابن بشير. انتهى.

إن لم يلفظ بالهدي؛ يعني أن محل عدم اللزوم فيما إذا نذر نحر فلان قريبا كان أو أجنبيا إنما هو حيث لم يلفظ بالهدي، كعلي نحر فلان، وأما إن لفظ بالهدي كعلي نحر فلان هديا، أو إن دخلت الدار فأنا أهديك إلى بيت الله تعالى فحنث فعليه الهدي إن كان القول له ذلك حرا، ولا شيء عليه إن كان عبدا، والفرق بينهما -وإن كانا جميعا لا ملك له عليهما- أن العبد يصح ملكه فيخرج عوضه وهو قيمته، وأما الحر فليس مما يصح ملكه ولا يخرج عوضه، فجعل عليه فيه الهدي إذا قصد القربة. انتهى. قاله الحطاب.

قال جامعه عفا الله تعالى عنه: مقتضى هذا أنه لو كان العبد له لكان عليه هدي، وقد مر نحو ذلك قريبا، والظاهر في هذا أنه يهدي بقيمته أو ثمنه. والله سبحانه أعلم. ومقتضاه أيضا أنه إذا ملكه يخرج قيمته هديا. والله سبحانه أعلم.

أو ينوه؛ يعني أن محل عدم اللزوم فيما إذا نذر نحر فلان حيث لم يلفظ بالهدي يشترط فيه أن لا ينوي الهدي، وأما لو نوى الهدي كما لو قال لله علي نحر فلان وينوي نحره هديا فإنه يكون

(1)

صحيح مسلم، كتاب النذر، رقم الحديث 1641.

ص: 352

عليه الهدي كما لو لفظ بالهدي. أو يذكر مقام إبراهيم؛ يعني أنه إذا قال علي نحر فلان ولم يلفظ بالهدي ولم ينوه فإنه لا يلزمه هدي، بشرط أن لا يذكر مقام إبراهيم ولا غيره من الأمكنة التي يذكى فيها، وأما إن ذكر مقام إبراهيم كقوله: لله علي أن أنحر فلانا عند مقام إبراهيم، أو نوى ذلك أو ذكر مكانا من الأمكنة التي يذكى فيها فعليه الهدي، والأمكنة التي يذكى فيها هي منى وجميع أماكن مكة ومنها الصفا وتقدم. والمندوب بمكة المروة وليست المزدلفة منها، فتحصل أن عدم لزوم الهدي عند انتفاء الأمور الثلاثة بالكلية، وأن لزوم الهدي عند وجود واحد منها وأولى في اللزوم لو وجد منها اثنان أو وجدت الثلاثة. وقوله:"إن لم يلفظ بالهدي"، على ثلاثة أوجه: إن قصد الهدي والقربة لزمه الهدي بالاتفاق، وإن قصد المعصية أي حقيقة النحر فلا يلزمه شيء، واختلف حيث لا نية والمشهور أن عليه الهدي.

وقال الإمام الحطاب: قيد ابن بشير مسألة ما إذا ذكر الهدي بأن لا يقصد المعصية -يعني ذبحه- فلا يلزمه حينئذ هدي، وتقيد به مسألة نية الهدي، وذكر القام من باب أولى. قال الشيخ عبد الباقي: والمراد بمقام إبراهيم قضيته مع ولده لا مقام مصلاه، فإنه لا يلزمه شيء، كما إذا نوى قتله ولو مع ذكر مقام إبراهيم أو محل ذكاة فيما يظهر. انتهى. قال الشيخ بناني: هذا التفسير لابن هارون، قال ابن فرحون: وهو بعيد من كلام أهل المذهب، وكلام المدونة وغيرها يدل على أنه مقام الصلاة. انتهى. ولو قال لعدة من ولده أو غيرهم: أنا أنحركم، كان عليه أن يهدي عن كل واحد هديا، وقد قيل عليه هدي لجميعهم، والأول أحب إلينا وهو الحق، وقال في النوادر: ومن كتاب ابن المواز: ومن نذر أن يذبح نفسه فليذبح كبشا أراه يريد إن سمى موضع النحر بمكة، ومن قال لولده: أنت بدنة إن أراد الهدي، أو سمى النحر فعليه الهدي قولا واحدا، وإن لم تكن له نية ولا سمى النحر فمرة رأى عليه كفارة ومرة لم ير عليه شيئا، وهو قول ابن القاسم في هذه الرواية. قاله الحطاب.

وقال عند قوله: "إن لم يلفظ بالهدي أو ينوه أو يذكر مقام إبراهيم"، ظاهر كلامه سواء كان ذلك في نذر أو تعليق وهو اختيار ابن يونس كما قال في التوضيح، وخص بعضهم ذلك بالتعليق، قال: وأما إن قال لله علي نحر فلان أو ولدي فلا يلزمه. انتهى. والأحب حينئذ؛ يعني أن الشخص

ص: 353

إذا نذر نحر فلان أو حلف بذلك وحنث وأمر بالهدي لكونه لفظ بالهدي أو نواه أو ذكر مقام إبراهيم أو نواه، فإن الأفضل له أن يهدي بدنة، فالتنوين في حينئذ عوض عن أربع جمل أي حين لفظ بالهدي أو نواه أو ذكر مقام إبراهيم أو نواه، وعلم من قوله:"والأحب"، أنه لو أهدى بقرة أو شاة مع القدرة على البدنة لكفاه ذلك. والله سبحانه أعلم.

كنذر الهدي؛ يعني أن الشخص إذا نذر الهدي المطلق كقوله لله عليه هدي، فإنه يستحب بدنة، ولو أهدى ببقرة أو شاة مع القدرة على البدنة لكفاه ذلك، فالتشبيه في الأحبية.

وبما قررت علم أن قوله: بدنة. خبر عن قوله: "والأحب".

ثم بقرة؛ يعني أنه إذا عجز كل من الناذر للذبح أو الحالف به الكانث الذي أمر بالهدي والناذر للهدي المطلق عن البدنة، فإن الأفضل له أن يهدي بقرة ولوأهدى شاة لكفته. وقوله:"ثم بقرة"، وبعد العجز عنها تكفيه شاة واحدة.

وبما قررت علم أن الندب هنا منصب على الترتيب، وأما الهدي فواجب، وإنما اكتفى هنا بشاة واحدة لأنه هنا نذر الهدي المطلق أو ما يفيده، كنحر فلان بقيده، ومن أفراد الهدي المطلق الشاة الواحدة بخلاف ما مر فإنه نذر البدنة بلفظها، وإنما يقاربها البقرة أو السبع شياه. قاله الشيخ عبد الباقي. وشبه في صفة الهدي لا في حكمه.

قوله: كنذر الحفاء؛ يعني أن الشخص إذا نذر المشي حافيا أي بلا خف ولا نعل فإنه لا يلزمه أن يمشي حافيا؛ لأنه لا قربة فيه، ويستحب له أن يهدي، وإذا أراد أن يأتي بهذا الهدي المستحب فالأحب بدنة ثم بقرة ثم شاة، ويلزمه الحج ماشيا إن شاء حافيا وإن شاء منتعلا، ومثل الحفاء الحبو والزحف والقهقرى، كقوله لله علي أن أحج حبوا أو زحفا أو القهقرى، فيلزمه الحج فيها ماشيا على العادة. وقد نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل نذر أن يمشي إلى الكعبة القهقرى، فقال: مروه أن يمشي إلى وجهه.

أو حمل فلان؛ يعني أنه إذا نذر أن يحمل فلانا على عنقه إلى بيت الله تعالى فإنه لا يلزمه أن يحمله على عنقه، ولكن يلزمه أن يحج ماشيا وليس عليه أن يحج بفلان ويهدي ندبا وقيل وجوبا إن نوى التعب؛ يعني أنه إنما يهدي ويلزمه الحج بنفسه حيث أراد بحمل فلان إتعاب

ص: 354

نفسه بأن نوى حمله على عنقه، قال الشيخ الخرشي: ولما كان الحمل يطلق على الركوب وعلى الحمل على العنق قيده بقوله: "إن نوى التعب": أي بحمله على عنقه. انتهى. وإلا أي وإن لم ينو التعب بل لا نية له ركب وحج به؛ أي فإن له أن يركب ويحج بفلان، فإن أبى فلان حج وحده ولا شيء عليه، قال أبو الحسن ما معناه: هذا على ثلاثة أوجه، تارة يحج الحالف وحده إذا أراد المشقة على نفسه بحمله على عنقه، وتارة يحج المحلوف به وحده إذا أراد حمله من ماله فيدفع إليه ما يحج به ولا يلزمه هو الحج، وتارة يحجان جميعا إذا لم تكن له نية.

وبما قررت علم أن الضمير في: "به"، عائد على فلان والباء فيه بمعنى: مع. قاله الشيخ الخرشي.

بلا هدي؛ يعني أنه لا هدي عليه حيث ركب وحج به، وكذا لا هدي عليه إن أبى فلان وحج هو وحده، وأما إذا نوى إحجاجه فإن الحالف لا يلزمه حج بل يدفع إلى الرجل ما يحتاج إليه من مؤنة الحج كما مر، وهذا مما لا يختلف فيه، وإن قال لله علي أن أحمل هذا العمود ونحوه لمكة قاصدا به المشقة، مشى في نسك غير حامل شيئا وأهدى، فإن ركب لعجز فهدي فقط. ولغا علي السير؛ يعني أنه إذا قال: عليَّ -بتشديد الياء- المسير إلى مكة علق أم لا فإن ذلك القول باطل؛ أي لا يلزمه به شيء لا حج ولا غيره. والذهاب؛ يعني أن الشخص إذا قال علي بتشديد الياء الذهاب إلى مكة، فإن قوله ذلك باطل فلا يلزمه به شيء لا حج ولا غيره. والركوب؛ يعني أن قول الشخص لله علي الركوب إلى مكة باطل فلا يلزمه به شيء لا حج ولا غيره علق أم لا، ومثل هذه الألفاظ الإتيان والانطلاق لمكة. قاله غير واحد.

وبما قررت علم أن قوله: بمكة، راجع للمسير والذهاب والركوب، ومحل عدم اللزوم في هذه الألفاظ إن لم ينو نسكا، فإن نوى أنه يأتيها حاجا أو معتمرا فإنه يأتيها راكبا إلا أن ينوي ماشيا، قال فيها: ومن قال إن كلمت فلانا فعلي أن أسير أو أذهب أو أنطلق أو آتي أو أركب إلى مكة فلا شيء عليه، إلا أن ينوي أن يأتيها حاجا أو معتمرا فيأتيها راكبا إلا أن ينوي ماشيا. وأشهب يرى عليه إتيان مكة في هذا كله حاجا أو معتمرا، وإذا قلنا بلزوم الركوب فلا يجوز له

ص: 355

المشي، وقوله:"ولغا علي" لخ، الفرق بينه وبين لزوم المشي لمكة لمن نذره أن العرف إنما جرى بلفظ المشي، ولأنه الوارد في السنة بخلاف غيره من الألفاظ المذكورة.

وبما قررت علم أن معنى قوله: "لغا" بطل. والله سبحانه أعلم.

ومطلق المشي؛ يعني أنه يبطل قول الشخص علي المشي من غير تقييد بمكة ولا بيت الله تعالى لا لفظا ولا نية؛ لأن المشي على انفراده لا طاعة فيه هذا مذهب ابن القاسم، وقال أشهب: يلزمه المشي إلى مكة، وقال ابن حبيب: إن كان بموضعه مسجد جمعة لزمه الإتيان إليه، وقاله مالك، وبه أفتى ابن عباس في مسجد قباء وهو من المدينة على ثلاثة أميال. قاله الشارح عند قوله:"ومطلق مسجد". ومشي لمسجد؛ يعني أنه يبطل قول الشخص لله علي المشي لمسجد عينه من غير المساجد الثلاثة، فلا يلزمه شيء علقه أم لا. وإن لاعتكاف؛ يعني أنه لا فرق في عدم لزوم المشي إلى المسجد المعين من غير المساجد الثلاثة بين أن ينذر المشي إليه لاعتكاف أو صلاة، وبين أن ينذر المشي إليه لغيرهما لخبر: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى

(1)

). ولا يعارضه خبر: (من نذر أن يطيع الله فليطعه

(2)

؛ لأنه عام فيخص بهذا. قاله الشيخ عبد الباقي.

وقال قال الشارح: ولو قال: وإتيان أي لغا إتيان مسجد لكان أحسن؛ لأن ظاهره جواز إتيانه راكبا وليس كذلك، قال التتائي: ويجاب بأنه إنما ذكر عدم اللزوم فيما يتوهم أنه قربة فأولى غيره، وأجاب الشيخ سالم بقوله: ولعل المص إنما عبر بقوله: "ومشي لمسجد": لأجل قوله: إلا القريب جدا؛ يعني أنه إذا كان المسجد الذي عينه الناذر من غير المساجد الثلاثة وهو قريب جدا فإنه اختلف، هل يلزم من نذر الاعتكاف فيه أو الصلاة فيه أن يذهب إليه ماشيا لا راكبا أو يترك الذهاب إليه بالكلية فلا يأتيه راكبا ولا ماشيا، ويلزمه فعل ما نذره بموضعه كالمسجد غير القريب جدا، والقريب جدا هو ما على ثلاثة أميال. وقال الإمام الحطاب: هو ما لا يحتاج فيه لإعمال المطي وشد الرحال. انتهى.

(1)

صحيح البخاري، كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، رقم الحديث 1149، صحيح مسلم، كتاب الحج، رقم الحديث 511.

(2)

الموطأ، كتاب الأيمان والنذور، رقم الحديث 1031، صحيح البخاري كتاب الأيمان والنذور، رقم الحديث 6700.

ص: 356

وإلى هذا الخلاف المذكور أشار بقوله: فقولان؛ أي في ذلك قولان في نذر الصلاة والاعتكاف تحتملهما؛ يعني أن هذين القولين تحتملهما المدونة، فظاهر المدونة عند اللخمي وابن يونس أن لا شيء عليه، لقوله: ولو نذر الصلاة في غيرها من مساجد الأمصار صلى بموضعه، وقال ابن المواز: إن كان المسجد قريبا جدا كالأميال اليسيرة فليأته ماشيا كما التزم وهو لمالك أيضا، واستحسنه اللخمي. ومشي للمدينة؛ يعني أنه يبطل قول الشخص: لله علي مشي للمدينة أو ذهاب أو سير للمدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، فلا يلزمه شيء وتوقف الشيخ عيسى الغبريني في ناذر زيارته صلى الله عليه وسلم لعدم النص، واستظهر غيره اللزوم لتحقق القربة، وأنكر ابن العربي زيارة قبر غيره عليه الصلاة والسلام وعده الغزالي في المندوبات، وأجاز الرحلة له في آداب السفر. قاله الإمام الحطاب.

وإيلياء؛ يعني أنه إذا قال لله علي أن آتي أو أمشي إلى بيت المقدس وهو المراد بإيلياء بوزن كبرياء، فإنه لا يلزمه الذهاب إليه لا ماشيا ولا راكبا. إن لم ينو صلاة بمسجديهما؛ يعني أن من نذر المشي أو الإتيان إلى المدينة أو إيلياء محل عدم لزوم الذهاب له إليهما حيث لم ينو صلاة بمسجديهما، وأما إن نوى الصلاة في مسجديهما فإنه يلزمه أن يأتيهما ليصلي فيهما، وظاهره ولو كانت الصلاة نافلة، وقد مر أن إيلياء بوزن كبرياء، وحكي تشديد الياء، ويقال فيها: أيلة بفتح الهمزة واللام، وحكي حذف الياء الأولى وكسر الهمزة مع سكون اللام والمد.

ومن أسمائه بيت المقدس بفتح الميم وسكون القاف وكسر الدال، والبيت المقدس بضم ففتح وتشديد أي الطهر وتطهيره خلوه من الأصنام وإبعاده منها، والأرض المقدسة هي ما أدرك بصر إبراهيم صلى الله وسلم على نبينا وعليه حين رفع على الجبل وقيل له: ما أدرك بصرك فهو ميراث لك ولولدك من بعدك، قال الكلبي: صعد إبراهيم صلوات الله وسلامه على نبينا وعليه جبل لبنان فقيل له: انظر فما أدرك بصرك فهو مقدس وهو ميراث لذريتك، والأرض المقدسة هي الطور وما حوله، وقيل هي أريحاء وفلسطين وبعض الأردن، وقيل هي دمشق، وقيل هي الشام كلها وفلسطين بفاء مكسورة فلام مفتوحة، والأردن بهمزة مضمومة فراء ساكنة فدال مهملة مضمومة فنون مشددة، ودمشق ولإيلياء أسماء كثيرة نحو من أحد وعشرين اسما، منها فسط مصر بضم

ص: 357

الفاء وأرض المحشر والمنشر والمحفوظة والفرقة ومدينة الجنة، واختلفت الأحاديث في قدر مضاعفة الصلاة فيه، ففي رواية بخمسمائة صلاة، وفي رواية بألف وفي أخرى بخمسين ألفا، وفي أخرى بمائتين وخمسين وفي أخرى بعشرين ألفا، ويستحب شد المطي إليه وختم القرآن فيه والمجاورة به والصيام فيه والحج والعمرة منه، وإهداء زيت إليه أي لمن لا يقدر على زيارته، وتضاعف السيئات فيه كمكة والمدينة، ولا يدخله الدجال وصخرته كالحجر الأسود في البيت، ومن دفن فيه أمن فتنة القبر وسؤال الملكين وروي: (أول من يدخل الجنة الأنبياء ثم مؤذنو البيت ثم مؤذنو بيت المقدس ثم مؤذنو المدينة ثم سائر المؤذنين

(1)

)، وتعجل عقوبة الحالف يمينا فاجرة في أحد المساجد الثلاثة، وورد أن الطائفة التي لا تزال ظاهرة على الحق ببيت المقدس، ومن حج وصلى فيه وفي مسجد المدينة في عام واحد خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه إلى غير ذلك من خصائصه. قاله الشيخ إبراهيم.

وقال الإمام الحطاب: عند قوله: "إن لم ينو صلاة بمسجديهما" ما نصه: قال أبو الحسن: ظاهرة سواء كانت فريضة أو نافلة، أما إن نوى صلاة الفريضة فلا إشكال، وأما إن نوى صلاة النافلة فلا تضعيف فيها بل في البيوت أفضل، وانظر أواخر الشفا فإنه حكى فيه قولين. الشيخ: إلا أن ينوي أن يقيم أياما يتنفل فيتضمن ذلك صلاة الفرض. انتهى. وفي النوادر: قال ابن حبيب: من نذر أن يصلي عند كل سارية من سواري المسجد ركعتين، قال: يعد السواري ويصلي إلى كل واحدة لكل سارية ركعتين، وهو قول مالك. انتهى. نقله الإمام الحطاب.

وفي كبير الشيخ الخرشي ما نصه: ولو نذر صلاة ركعتين عند كل سارية من سواري المسجد عد سواريه وصلى عند كل واحدة ركعتين. قاله مالك. انتهى.

أو يسمهما؛ يعني أنه كما يشترط في عدم لزوم المشي أو الإتيان إلى الموضعين المذكورين أن لا ينوي صلاة بمسجديهما، وإلا لزم يشترط فيه أيضا أن لا يسمي المسجدين، وأما إن سمى المسجدين بأن قال: علي المشي إلى مسجد الرسول فإنه يلزمه الذهاب إليه، وكذا لو قال: علي أن أمشي إلى مسجد إيلياء فإنه يلزمه الذهاب إليه أيضا؛ لأنه لما سمى المسجدين فكأنه قال: لله علي أن

(1)

أخبار مكة للفاكهى رقم الحديث 1250.

ص: 358

أصلي فيهما. والحاصل أنه يلزم الإتيان الناذر بأحد أمرين نية الصلاة بالمسجدين، وتسمية المسجدين، وأولى في اللزوم لو حصلت التسمية مع النية. والله سبحانه أعلم.

فيركب؛ يعني أنه إذا لزمه الإتيان إلى المدينة المنورة لكونه سمى المسجد أو نوى الصلاة به، أو إلى إيلياء لكونه سمى المسجد أو نوى الصلاة به، فإنه لا يلزمه المشي بل له أن يركب في الذهاب إليهما، ولو نذر الذهاب إليهما بلفظ المشي كقوله لله علي أن أمشي إلى مسجد الرسول أو إلى مسجد إيلياء. والله سبحانه أعلم. فإن قيل ما الفرق بين قوله: علي المشي إلى هذين المسجدين وبين المشي إلى مكة فإنه هنا يركب وهناك يمشي، فالجواب عن ذلك من وجهين، أحدهما أن المشي إلى المدينة -مثلا- لا قربة فيه وإنما هو وسيلة إلى ما فيه قربة، والمشي إلى مكة فيه قربة لأنه يحرم من الميقات، ثانيهما أن المشي فيه أنسب لعبادة الحج لأنه يمشي الناسك، وقربة الصلاة منافية للمشي. قاله الشيخ أحمد الزرقاني. نقله غير واحد.

وهل وإن كان ببعضها؛ يعني أن الأشياخ اختلفوا إذا كان هذا الناذر بأحد المساجد الثلاثة والتزم أن يأتي مسجدا آخر من المساجد الثلاثة هل يلزمه الإتيان إليه مطلقا كان الذي هو به فاضلا أو مفضولا؟ وإليه ذهب ابن بشير، فإنه قال: والظاهر من المذهب أنه يلزمه الإتيان، وإن كان الموضع الذي هو فيه أفضل من الموضع الذي التزم المشي إليه، أو إنما يلزمه الإتيان إلى الذي التزم الإتيان إليه إذا كان الذي هو فيه مفضولا، وأما إذا كان الذي هو فيه فاضلا فلا يلزمه الذهاب إلى الآخر الذي التزم الإتيان إليه، كما لو كان بمكة والمدينة والتزم أن يأتي بيت المقدس لصلاة فإنه يصلي بموضعه ولا يلزمه الذهاب إليه، والمقدسي يأتيهما وإليه ذهب اللخمي، وإلى هذا القول أشار بقوله: أو إلا لكونه بأفضل؛ أي أو يلزمه الإتيان إلا أن يكون حين نذره بموضع من المواضع الثلاثة أفضل من الموضع الذي التزم الإتيان إليه فإنه يصلي بمكانه. قال اللخمي: وإن نذر مكي الصلاة بالمدينة أو بالعكس أتاه وذلك أحوط ليخرج من الخلاف، وقياس قول مالك يأتي المكي المدينة بخلاف العكس. وقوله: خلاف، أجاب به عما سبق له من السؤال؛ أي في ذلك خلاف أي قولان مشهران.

ص: 359

وقد مر عزو كل من القولين إلى قائله، وبين الفاضل منها من المفضول بقوله: والمدينة أفضل؛ يعني أن المدينة أفضل من مكة؛ أي ثواب العمل فيها أفضل من ثواب العمل في مكة شرفهما الله تعالى، وهذا هو المشهور وهو قول أهل المدينة، ويدل له ما رواه الدارقطني والطبراني من حديث رافع بن خديج: (المدينة خير من مكة

(1)

). نقله في الجامع الصغير. وعبارة الشيخ إبراهيم: والمدينة عندنا -وجميع السلف ومنهم عمر -رضي الله تعالى عنه- أفضل المساجد الثلاثة، ثم يليها مكة في الفضل، ثم بيت المقدس أفضل من باقي البقاع ولو المساجد المنسوبة له صلى الله عليه وسلم، كمسجد قباء والفتح والعيد وذي الحليفة وغيرها.

وقال ابن وهب والشافعي وابن حبيب وجمع: مكة أفضل ثم المدينة. قاله الشيخ إبراهيم.

واعلم أن بيت المقدس لا خلاف في أنه مفضول بالنسبة إليهما، وقال الشيخ عبد الباقي: والمدينة أفضل ثم مكة على قول مالك وهو قول أهل المدينة، وعكس الشافعي وابن وهب وابن حبيب وأهل الكوفة، ومحل الخلاف في غير الموضع الذي ضم عظامه صلى الله عليه وسلم وهو مراد من عبر بموضع قبره فإنه أفضل من جميع بقاع الأرض حتى الكعبة ومن السماوات ومن العرش والكرسي واللوح والقلم والبيت كما للسيد السمهودي، ولعله أراد البيت المعمور فلا يتكرر مع الكعبة، ويليه الكعبة فإنها أفضل من بقية المدينة اتفاقا، ونزول المائة والعشرين رحمة عليها دليل لذلك، وأما المسجدان بقطع النظر عن الكعبة وعن القبر الشريف فمسجد المدينة أفضل، وما زيد من مسجده الشريف حكمه حكم المسجد عند الجمهور وهو مذهب الأئمة الثلاثة، وصرح به الشافعية غير النووي. وقيل: رجع عن ذلك، قال أبو هريرة -رضي الله تعالى عنه-: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لو زيد في هذا المسجد إلى صنعاء كان مسجدي

(2)

)، وعن أبي ذؤيب أن عمر -رضي الله تعالى عنه- قال: (لو مد مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ذي الحليفة لكان منه

(3)

)، قال عمر بن أبي بكر الموصلي: بلغني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ما زيد في مسجدي فهو منه ولو بلغ ما بلغ.

(1)

الكبير للطبراني 4450، والجامع الكبير للسيوطي رقم الحديث 132.

(2)

فتح الباري لابن رجب الحنبلي ج 3 ص 234، رقم الحديث 446.

(3)

فتح الباري، ج 3 ص 234.

ص: 360

والجمهور على تفضيل السماء على الأرض، وقيل بتفضيل الأرض لخلق الأنبياء منها ودفنهم فيها، والمراد بموضع قبره صلى الله عليه وسلم ما يمس أعضاءه كما مر لا أعم، وإن كان لغير الماس حرمة أيضا كجلد المصحف، قال الدماميني: والروضة تنضم أيضا لموضع القبر في الإجماع على تفضيله بالدليل الواضح؛ إذ لم يثبت لبقعة أنها من الجنة بخصوصها إلا هي، فلذا أورد البخاري حديث: (ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة

(1)

) تعريضا بفضل المدينة؛ إذ لا شك في تفضيل الجنة على الدنيا، وورد في المدينة: من صبر على لأوائها وشدتها كنت له شهيدا وشفيعا يوم القيامة، وفي رواية أبي سعيد: لا يصبر أحد على لأوائها وجهدها إلا كنت له شفيعا أو شهيدا يوم القيامة؛ أي شفيعا للعاصين وشهيدا للمطيعين أو شفيعا لمن مات بعد المصطفى صلى الله عليه وسلم، وشهيدا لمن مات في حياته، وأو للتقسيم لا للشك. قاله عياض. وقال السمهودي: وفيه بشرى للصابرين بها بالموت على الإسلام، وهذه مزية عظيمة زائدة على شفاعته صلى الله عليه وسلم وشهادته العامتين، فقد ثبت حديث: من مات بالمدينة كنت له شفيعا يوم القيامة، وخبر: من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت فإنه من مات بها أشفع له وأشهد له، ويلي مكة في التفضيل بيت المقدس كما مر، فهو أفضل ولو من المساجد المنسوبة له صلى الله عليه وسلم، كمسجد قباء بالفتح

(2)

والمد وذي الحليفة وغيرهما.

واعلم أن القفول أفضل من المجاورة بمكة أو المدينة، وكان عمر رضي الله عنه يأمر الناس بالقفول بعد الحج، قال الشيخ علي الأجهوري: ظاهر كلام أئمتنا استواء دخول مكة ماشيا أو راكبا في الفضل، وصحح الشافعية أن دخول مكة ماشيا أفضل. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الإمام الحطاب عند قول المصنف:"والمدينة أفضل ثم مكة"، هذا هو المشهور. وقيل: مكة أفضل ثم المدينة بعد إجماع الكل على أن موضع قبره عليه السلام أفضل بقاع الأرض، ونقل عياض وقبله أبو الوليد الباجي وغيرهما الإجماع على تفضيل ما ضم الأعضاء الشريفة على الكعبة. انتهى. ونقل عن بعضهم أنه قال: الظاهر المتعين تفضيل جميع الأرض على السماء، لحلوله -صلى الله

(1)

صحيح البخاري، كتاب فضائل المدينة، رقم الحديث 1888.

(2)

كذا في الأصل.

ص: 361

عليه وسلم- بها، وحكاه بعضهم عن الأثر لخلق الأنبياء منها ودفنهم بها، قال: لكن قال النووي: الجمهور على تفضيل السماء على الأرض أي ما عدا ما ضم الأعضاء الشريفة، وأجمعوا بعد على تفضيل مكة والمدينة على سائر البلاد، واختلفوا فيهما والخلاف فيما عدا الكعبة، فهي أفضل من بقية المدينة اتفاقا. انتهى.

ونقل الإمام الحطاب عن العلماء أن الصلاة تضاعف فيما زيد فيه: فقال: ما أراه عليه السلام أشار بقوله صلاة في مسجدي هذا إلا لما سيكون بعده من مسجده، فإن الله تعالى أطلعه على ذلك حتى أشار إليه. انتهى. قال ويحتمل أنه أشار بقوله هذا إلى إخراج ما عداه من مساجده التي تنسب إليه، كمسجد قباء ومسجد الفتح ومسجد العيد ومسجد ذي الحليفة وغيرها.

ولما أنهى الكلام على النذر -وكان هو أحد الأسباب الثلاثة المعينة للجهاد كما يأتي في قوله: "وتعين بفجء العدو"- أعقبه بالكلام، عليه فقال:

ص: 362

‌باب: ذكر فيه أحكام الجهاد وما يتعلق به

وهو لغة التعب والمشقة، وفي الشرع قال ابن عرفة: قتال مسلم كافرا غير ذي عهد لإعلاء كلمة الله تعالى أو حضوره له أو دخول أرضه له، فخرج قتال الذمي المحارب على المشهور من أنه غير نقض، وقوله: لإعلاء كلمة الله تعالى، يقتضي أن من قاتل لأخذ الغنيمة أو لإظهار الشجاعة أو غيرهما لا يكون مجاهدا، فلا يستحق الغنيمة حيث أظهر ذلك، ولا يجوز له تناولها حيث علم ذلك من نفسه، قال الشيخ محمد بن الحسن: وفيه نظر، والصواب كما أفاده علي الأجهوري في حاشية الرسالة أنه يستحق الغنيمة بمجرد القتال مطلقا، وأن الذي يتوقف على قصد الإعلاء هو كونه شهيدا.

ابن عرفة: ويدخل في إعلاء كلمة الله تعالى قتال العوام الكافر لكفره، ومحل نية الجهاد عند الخروج له يدل على ذلك الحديث، ويدل على أنه لا يشترط مقارنة النية للشروع في القتال؛ لأن المحل محل دهش وغفلة، وقوله: أو حضوره له، الضمير في الحضور يعود على القتال، وضمير له يعود على إعلاء أو على القتال، وضمير أرضه يحتمل عوده على الكافر وله على القتال، ويحتمل أن الضمير الأول عائد على الققال، والثاني للققال أو لإعلاء الكلمة.

واعلم أن الجهاد على أربعة أقسام: جهاد بالقلب وهو أن يجاهد الشيطان والنفس عن الشهوات المحرمات وهو الجهاد الأكبر كما في الحديث: (رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر

(1)

)، وجهاد باللسان كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن ذلك جهاده صلى الله عليه وسلم للمنافقين قال تعالى:{يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ} ، فجهاد الكفار بالسيف وجهاد المنافقين باللسان، وجهاد باليد كزجر أولي الأمر أهل المناكر والأباطيل والمعاصي وإقامة الحدود على القذفة وشربة الخمر، وجهاد بالسيف وهو قتال المشركين وهو المراد هنا. وحيث أطلق الجهاد في سبيل الله تعالى فلا يقع إلا على مجاهدة الكفار بالسيف حتى يدخلوا في الإسلام أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون قاله الشيخ إبراهيم.

قال الشبراخيتي أيضا: وإنما صار الجهاد حسنا بواسطة كفر الكافرين، فإن الكافر عدو لله تعالى وللمسلمين: فشرع الجهاد إعداما للكافرين وللفرار إلى الدين الحق، وأما مجرد تعذيب عباد الله

(1)

الجامع الكبير السيوطي، رقم 280، كنز العمال، رقم الحديث 11260.

ص: 363

تعالى وتخريب بلاده فليس فيه حسن، وقد قال عليه الصلاة والسلام: الآدمي بنيان الرب ملعون من هدم بنيان الرب

(1)

)، وسأل نبي من أنبياء بني إسراءيل عليه الصلاة والسلام ربه عن تعمير ملوك فارس وقد كانوا عمروا الأعمار الطوال، فأوحى الله تعالى إليه: إنهم عمروا بلادي فعاش فيها عبادي، وفي رواية: أنصفوا عبادي وعمروا بلادي فأدمت لهم الملك. انتهى.

واعلم أن الجهاد من العبادات العظيمة، فقد ورد في البخاري عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (ما من عبد يموت عند الله تعالى له خير يسره أن يرجع إلى الدنيا وأن له الدنيا وما فيها إلا الشهيد، لا يرى من فضل الشهادة، فإنه يسره أن يرجع إلى الدنيا فيقتل مرة أخرى

(2)

)، (ولروحة أو غدوة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها

(3)

). وقال صلى الله عليه وسلم: (من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار

(4)

)، ولقاب قوس أحدكم أو موضع

(5)

قيد -يعني سوطه- خير من الدنيا وما فيها، ولو أن امرأة من أهل الجنة اطلعت إلى أهل الأرض لأضاءت ما بينهما ولملأته ريحا، ولنصيفها -أي خمارها- على رأسها خير من الدنيا وما فيها

(6)

)، وروى ابن سحنون وابن حبيب أنه قيل يا رسول الله: أي الأعمال أفضل؟ قال: (إيمان بالله وجهاد في سبيله

(7)

)، وفي حديث: (وحج مبرور

(8)

)، وروى أن الصحابة قالوا: وددنا لو علمنا أفضل الأعمال، فنزل:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} الآية، وقال عليه الصلاة والسلام لرجل: (لو صمت النهار وقمت الليل ما بلغت نوم المجاهد

(9)

)، وفي رواية: (ما بلغت شراكه

(10)

)، وفي حديث آخر: (ما بعد الصلاة المكتوبة أفضل عند الله من الجهاد

(11)

)، وروي: مثل المجاهد في سبيل الله كالصائم لا يفطر

(1)

التيسير للمناوي، ج 2 ص، 842، 435.

(2)

صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، رقم الحديث 2735، ولفظه ما من عبد يموت له عند الله خير شره. أن يرجع إلى الدنيا لخ.

(3)

صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، رقم الحديث 2796.

(4)

صحيح البخاري، كتاب الجمعة، 907.

(5)

كذا في الأصل.

(6)

صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، رقم الحديث، 2769.

(7)

مجمع الزوائد، ج 1، ص 281.

(8)

الدر المنثور ج 1 ص 249.

(9)

سنن سعيد بن منصور، رقم الحديث، 2128.

(10)

سنن سعيد بن منصور، رقم الحديث، 2128.

(11)

سنن البيهقي، ج 9 ص 48 بمعناه.

ص: 364

والقائم لا يفتر حتى يرجع إلى أهله

(1)

)، وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لموقف ساعة في سبيل الله أفضل من شهود ليلة القدر عند الحجر الأسود

(2)

)، وقال لرجل له ستة آلاف دينار: (لو أنفقتها في سبيل الله لم تبلغ غبار نعل المجاهد

(3)

)، وقال:(غزوة بعد حجة الإسلام خير من ألف حجة ومن صيامها وقيامها)، وقال عليه الصلاة والسلام: ما جميع أعمال البر في الجهاد إلا كبصقة في بحر، وما جميع أعمال البر والجهاد في طلب العلم إلا كبصقة في بحر. نقله الشيخ إبراهيم.

وروى في الموطإ: أنه عليه الصلاة والسلام قال: (تكفل الله تعالى للمجاهد في سبيله لا يخرجه من بيته إلا الجهاد في سبيله وتصديق كلمته أن يدخله الجنة أو يرده إلى مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من أجر ومن غنيمة

(4)

)، وعن ابن عمر أنه قال: لأن أقف موقفا في سبيل الله تعالى مواجها للعدو ولا أضرب بسيف ولا أطعن برمح ولا أرمي بسهم أفضل من أن أعبد الله تعالى ستين سنة لا أعصيه، وروي أنه عليه الصلاة والسلام لم يكن يتلثم من الغبار، وكره مكحول التلثم في سبيل الله تعالى، وقال الحسن: من قلت حسناته وكثرت سيئاته فليجعل الدروب وراء ظهره. نقله المواق. وأشار المص إلى حكم الجهاد بقوله: الجهاد في أهم جهة؛ يعني أن الجهاد فرض كفاية ويكون في أهم الجهات، فقوله:"في أهم جهة"، متعلق بيكون مقدرا، ومحل قوله:"في أهم جهة"، حيث لم يكن فيهم كفاف لجميع الجهات وإلا وجب سد الجميع كما صرح به الشيخ إبراهيم، ووجب في أهم الجهات دفعا لأهم الضررين،

والحاصل أنه إن كان الخوف في جهة واحدة فالأمر ظاهر، وإن كان في أكثر فإن كان فيه أهم فهو واجب فيها وجوب كفاية ارتكابا لأخف الضررين، وهذا حيث لم يكن في المسلمين كفاية لجميعها وإلا وجب سد الجميع، فإن لم يكن أهم فالنظر للإمام في الجهة التي يذهب إليها إن

(1)

صحيح مسلم، كتاب الإمارة، رقم الحديث، 1878.

(2)

سنن ابن حبان، ج 7 ص 61.

(3)

سنن سعيد بن منصور، رقم الحديث، 2305.

(4)

الموطأ ج 1 ص 291.

ص: 365

لم يكن في المسلمين كفاية لجميعها، وإلا وجب سد الجميع. هذا تحرير المسألة. والله سبحانه أعلم.

كل سنة؛ يعني أن الجهاد يجب وجوب كفاية في كل سنة مرة يوب الإمام طائفة ويخرج بنفسه معها أو يخرج بدله من يثق به ليدعوهم للإسلام ويرغبهم فيه ويكف أذاهم ويظهر دين الله تعالى ويقاتلهم حتى يسلموا أو يؤدوا الجزية، وقوله:"كل سنة"، هذا إذا لم يعاجلونا وكان العدو مأمونا، وإلا قوتلوا بقدر دعاء الحاجة إلى ذلك، وقوله:"كل سنة" منصوب على الظرفية عامله "فرض" أو"الجهاد". قاله الشيخ إبراهيم.

وبما قررت علم أن الجهاد واجب وجوب كفاية، سواء كان الخوف في جهة واحدة أو أكثر، ولذلك كان قوله:"في أهم جهة"، متعلقا بيكون مقدراة ولما يتقيد وجوبه وجوب كفاية بكون الخوف في أكثر من جهة، بل هو واجب وجوب كفاية مطلقا، سواء كان الخوف في جهة أو أكثر. والله سبحانه أعلم.

وإن خاف محاربا؛ يعني أن الجهاد فرض كفاية، وإن كان المجاهدون يخافون في طريقهم من المحاربين واللصوص فلا يسقط فرضية الجهاد خوف محارب أو لص؛ لأن قتالهم أهم، ابن شعبان: وقطعة الطريق مخيفو السبيل أحق بالجهاد من الروم؛ أي فإذا كان قتالهم نفس الجهاد لم يتصور أن يعد مسقطا له؛ لأنه بقتالهم يؤدي ما وجب عليه من الجهاد، وفي المدونة: جهاد المحاربين جهاد، وقال ابن عبد السلام: قتالهم أفضل من قتال الكفار، وصوب، وقال ابن ناجي: المشهور أنه ليس بأفضل، وهذا الذي قررت به كلام المص هو الظاهر، وليس معناه إذا كان العدو في جهة والمحارب في جهة وخيف من المحارب عند الاشتغال بقتال العدو: فإن هذا غير ظاهر. انظر حاشية الشيخ بناني. والله سبحانه أعلم. وقال الشيخ الأمير: وقدم؛ يعني جهاد العدو على المحاربين إلا أن يشتد خطرهم عنه على قاعدة أخف الضررين.

كزيارة الكعبة؛ يعني أن زيارة الكعبة أي إقامة الموسم بالحج تجب كك سنة وجوب كفاية، فإقامة الموسم هي إقامة نسك الحج؛ لأن زيارة الكعبة بلا إقامة الموسم ليست فرضا، فيجب على الإمام أن يرسل جماعة في كل سنة لإقامة الموسم إن كان إمام، وإلا فعلى جماعة المسلمين، ولا

ص: 366

يكتفى بزيارة الكعبة بطواف فقط أو عمرة، ولما تسقط بخوف المحاربين لأن كل الناس يخاطبون بقتال المحارب وإقامة الموسم، فلا تسقط زيارتها بالمعنى المتقدم في كل عام من الأعوام إلا من عذر لا يستطاع معه الوصول إليها نعوذ بالله تعالى من ذلك.

وعبارة الشيخ الأمير: كإقامة نسك الحج، قال في الشرح: فرض كفاية كل سنة، فإن لم يقم به أحد وجب على الإمام تعيين طائفة يظهرون الشعيرة، وأفرد المص قوله:"كزيارة الكعبة" عن نظائره الآتية لاشتراكه مع الجهاد في الفريضة وفي كونه كل سنة، بخلاف بقية النظائر. والله سبحانه أعلم. فإن أقيم الموسم من جمع ولحقهم شخص في الوقوف بعرفة فقد دخل معهم قياسا على مدرك تكبيرة من الجنازة، فإنه يوي الفرض لأنه لا يتحقق القيام بفرض كفايتها إلا بسلامها. قاله الشيخ عبد الباقي.

وبها قررت علم أن قوله: فرض كفاية، خبر عن قوله:"الجهاد"؛ يعني أن الجهاد فرض كفاية كل سنة مرة كما تقدم، فليس هو مما يجب مرة في العمر، بل حكمه باق في كل عام، فيجب على الإمام إغزاء طائفة إلى العدو كل سنة مرة، يخرج بنفسه معهم أو يخرج معهم من يثق به ليدعوهم إلى الإسلام ويرغبهم فيه ويكف أذاهم ويظهر دين الله تعالى عليهم، وما ذكره المص من كون الجهاد فرض كفاية كل سنة هو الذي عليه الجمهور، وحكى ابن رشد وابن الحاجب عليه الإجماع لقوله تعالى:{لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} لوعده القاعد والمجاهد الحسنى، ولو كان على الأعيان كما قاله ابن المسيب وغيره لكان القاعد بلا ضرورة عاصيا، واحتج لقول ابن المسيب بقوله تعالى {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً}. الآية. وجوابه أنه منسوخ بقوله تعالى:{وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً} . الآية. وقوله تعالى: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} إلى: {وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} ، فلو كان واجبا على الأعيان لما وعد القاعد الحسنى، ولم تزل الأمة بعده صلى الله عليه ولمملم تنفر بعضا دون بعض، وقال سحنون: ليس بواجب بعد الفتح البتة إلا أن يأمر الإمام فيجب الامتثال، لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا

(1)

)، فعلق الوجوب على الاستنفار، وجوابه أن تعليقه لا يأبى

(1)

صحيح البخارى، كتاب الجهاد والسير، 2825.

ص: 367

وجوبه بدونه بدليل منفصل، وهو قوله تعالى:{وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً} وغيره من النصوص، وقوله:"فرض كفاية"، قال الشيخ عبد الباقي: ما لم تكن أطراف البلد آمنة فالجهاد مندوب، قال الشيخ محمد بن الحسن: فيه نظر، بل ظاهر كلامهم أنه فرض كفاية مطلقا، ونقل عن ابن عبد البر أنه نافلة مع الأمن، لكن قد علمت أن الأول أقوى. انتهى. وقال الشيخ إبراهيم: فإن قيل كيف غضب صلى الله عليه وسلم على الثلاثة الذين خلفوا مع أنه فرض كفاية؟ فالجواب أنه كان فرض عين على الأنصار لمبايعتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك، فكان تخلفهم عن هذه الغزوة كبيرة. قاله السهيلي في الروض الأنف. في حديث الثلاثة عن ابن بطال. وأما ما ورد من أن سحنونا قال: أردت الغزو فنهاني ابن القاسم فلرجحان المعلم له على الجهاد كما قال ابن عرفة، أو لأنه علم أنهم كانوا لا يغزون على الصواب؛ أي لا يقع من الفساد أو الخيانة والغلول ولا يحافظون على الصلوات في أوقاتها كما قال ابن رشد. انتهى. وقوله:"فرض كفاية"، وكذلك قتال المحارب فرض كفاية يخاطب به كل الناس، فإذا قيم به سقط الوجوب عن غير من قام به.

ولو مع وال جائر؛ يعني أن الجهاد من فروض الكفاية ولو مع ولاة الجور الذين لا يضعون الخمس موضعه، قال فيها: ولا بأس بالجهاد مع ولاة الجور. ابن أبي زيد: ويقاتل العدو مع كل بر وفاجر من الولاة، وإنما وجب مع الوالي الجائر ارتكابا لأخف الضررين؛ لأن الغزو معه إعانة له على جوره وتركه معه خذلان للإسلام ونصرة الدين واجبة، وكذا يجب مع ظالم في أحكامه أو فاسق بجارحة لا مع غادر ينقض العهد، فلا يجب معه على الأصح، وفي الحديث: (لكل غادر لواء عند استه يعرف به يوم القيامة

(1)

).

وغزا أبو أيوب الأنصاري رضي الله تعالى عنه مع يزيد بن معاوية بعد أن توقف ثم ندم على توقفه، وممن قال بالغزو معهم عبد الرحمن بن يزيد والنخعي ومجاهد والحسن وابن سيرين وطاووس وسالم بن عبد الله وأبو حنيفة وعمار بن عمير، وقيل لابن عباس: أغزوا مع إمام لا يريد

(1)

صحيح البخاري، كتاب الحيل، رقم الحديث، 6966، وصحيح مسلم، كتاب الجهاد، والسير بلفظ لكل غادر لواء عند أسته يوم القيامة 1738 - 1737.

ص: 368

إلا الدنيا؟ فقال: قاتل أنت على حظك من الآخرة. وعبارة الشيخ عبد الباقي: "ولو مع وال" أي أمير جيش "جائر" لا يضع الخمس في موضعه، وقال الشيخ إبراهيم "ولو مع وال جائر" في رعيته بأن كان يظلمهم، أو في غنيمته بأن كان لا يضع الخمس في موضعه، لقوله صلى الله عليه وسلم: (الجهاد ماض منذ بعث الله نبيه لا ينقضه جور من جار ولا عدل من عدل

(1)

) ثم قال: وظاهر كلام المص ولو كان جوره بغدر أي عدم الوفاء بالعهد، وحكى القرطبي فيه قولين، وكلامه يقتضي ترجيح عدم القتال معه. انتهى. وكلام القرطبي على نقل الحطاب: وقد مال أكثر العلماء إلى أنه لا يقاتل مع الأمير الغادر بخلاف الجائر والفاسق، وذهب بعضهم إلى الجهاد معه والقولان في مذهبنا. انتهى.

واعلم أنه قد حض الشرع على تمني الشهادة ورغب فيه، (فقال: من سأل الله الشهادة صادقا من قلبه بلغة الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه

(2)

). انتهى. قاله القرطبي. نقله الإمام الحطاب. وقال ابن عرفة: قال أبو عمر في الكافي: فرض على الإمام إغزاء طائفة للعدو في كل سنة يخرج هو بها أو من يثق به، وفرض على الناس في أموالهم وأنفسهم الخروج المذكور لا خروجهم كافة، والنافلة منه إخراج طائفة بعد أخرى وبعث السرايا وقت الغرة والفرصة، زاد ابن شاس: عنه وعلى الإمام النصفة في الناوبة بين الناس، وعزا القرافي جميع ذلك لعبد الملك، وقال اللخمي عن الداوودي: بقي فرضه بعد الفتح على من يلي العدو وسقط عمن بعد عنه.

المازري: قوله بيان لتعلق فرض الكفاية [لمن حضره

(3)

]، محل متعلقة قادرا عليه دون من بعد عنه لعسره وإن عصى الحاضر تعلق بمن يليه. انتهى. نقله الإمام الحطاب. وقوله: على كل، متعلق بقوله:"فرض كفاية".

حر؛ يعني أن الجهاد يجب وجوب كفاية على كل من اجتمعت فيه أربعة أوصاف أولها الحرية، احترز بذلك عن العبيد فإنه لا يجب عليهم، ثانيها التكليف وإليه أشار بقوله: مكلف. واحترز بذلك عن الصبي فإن الجهاد ساقط عنه، ثالثها المذكورة وإليها أشار بقوله: ذكر، واحترز

(1)

جزء من حديث أخرجه أبو داوود، كتاب الجهاد، رقم الحديث 2532.

(2)

صحيح مسلم، كتاب الإمارة، رقم الحديث، 1959. والترمذي كتاب فضائل الجهاد، رقم الحديث 1654.

(3)

في الحطاب ج 4 ص 156: بمن حضر. ط دار الرضوان.

ص: 369

بذلك عن الإناث فإن الجهاد ساقط عنهن، رابعها أشار إليه بقوله: قادر؛ يعني أنه ينضم إلى الأوصاف الثلاثة القدرة على الجهاد، واحترز بذلك عن العاجز فإن الجهاد ساقط عنه، وسيأتي للمص التصريح بمفهوم هذه الأمور، وأما الإسلام فقد صرح غير واحد بأنه لا يعد شرطا بل يجب على الكافر، فهو داخل في كلام المص، بناء على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة وهو الصحيح، وممن صرح بذلك الشيخ عبد الباقي، وقال الشيخ محمد بن الحسن: فيه نظر وإن قاله غيره كيف؟ وقد عد ابن رشد الإسلام من شروط الوجوب كما نقله المواق. انتهى.

وعلم من المص أن من فقد منه أحد الأمور الأربعة يسقط عنه الجهاد وهو كذلك كما علمت، ثم شبه بالجهاد في فرضية الكفاية نظائر لا بقيد كل عام، فقال: كالقيام بعلوم الشرع؛ يعني أن طلب المعلم والتفقه في الدين من فروض الكفاية، فيجب وجوب كفاية على من فيه أهلية أن يقوم بعلوم الشريعة غير العينية من فقه وأصول وتصوف كما لميارة، وإجماع وخلاف وحديث ومعرفة رواته وتفسير وعقائد وما تتوقف عليه كنحو ولغة، والمراد بالقيام بعلوم الشريعة حفظها وإقراؤها وقراءتها وتحقيقها وتهذيبها، وتعميمها إن قام دليل على تعميمها وتخصيصها إن قام دليل على تخصيصها، ويدخل في القيام بها حفظ القرآن العزيز سوى الفاتحة فإن حفظها فرض عين كما قاله الشيخ ميارة وغيره، وقوله: من فيه أهلية، دخل فيه النساء فيجب على المتأهلة منهن القيام بعلوم الشرع كما كانت عائشة ونساء تابعات، وفسر بعضهم قوله:"كالقيام بعلوم الشرع"، بأنه تعلم المسائل في أي فن من علوم الشرع، "والفتوى" بأنه تعليمها ليلا يقع التكرار في كلام المص.

واعلم أن الواجب العيني لا ينحصر في معرفة باب معين، بل يجب على كل مكلف أن لا يقدم على أمر حتى يعلم حكم الله فيه ولو بالسؤال عنه، قال الشيخ عبد الباقي: ومما يتوقف عليه عند بعض غير المالكية منطق، واستدل على ذلك بكلام لشرح المطالع وبقول السيد في حاشيته إنه إما فرض عين لتوقف معرفة الله تعالى عليه كما ذهب إليه جماعة، وإما فرض كفاية لأن إقامة شعائر الدين بحفظ عقائده ولا تتم إلا به كما ذهب إليه آخرون. انتهى.

ص: 370

قال الشيخ محمد بن الحسن: شارح المطالع هو القطب الرازي، ومحشيه السيد الجرجاني وليسا مالكيين بل ليسا من الفقهاء، وحينئذ فلا يحتج لوجوب المنطق بكلامهما، فالصواب إسقاط ذلك، وما ذكره السيد من توقف العقائد على المنطق وتوقف إقامة الدين عليها غير صحيح.

وقد قال الغزالي في الإحياء: ذهب مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وجميع أهل الحديث من السلف إلى أن علم الكلام والجدل بدعة وحرام، وأن العبد أن يلقى الله تعالى بكل ذنب خير له من أن يلقاه بعلم الكلام، ونهى عن قراءة النطق الباجي وابن العربي وعياض، وقال الشاطبي في الموافقات في القضايا الشرعية: إن علم المنطق مناف لها، وقال في الإحياء: معرفة الله سبحانه لا تتحصل من علم الكلام بل يكاد الكلام يكون حجابا عنها ومانعا منها، وقال أيضا: ليس عند المتكلم من الدين إلا العقيدة التي يشاركه فيها العوام، وإنما يتميز عنهم بصنعة المجادلة، وحينئذ فإن لم يكن المنطق منهيا عنه فلا أقل أن يكون جائزا. انتهى. كلام الشيخ محمد بن الحسن. والله سبحانه أعلم.

والفتوى؛ يعني أن الفتوى من فروض الكفاية، والمراد بها تعليم المسائل في أي فن من فنون الشرع، والمراد بالقيام بعلوم الشرع تعلمها كما مر ذلك فهو من عطف أحد المتقابلين على الآخر، خلاف ما قدمته أول الحل عند قوله:"كالقيام بعلوم الشرع"، ويحتمل أن يريد بالفتوى ما هو المتعارف من تعريف المسائل الفقهية، وأن يراد بالقيام بها المتعلم والتعليم فيكون من عطف الخاص على العام، وقوله:"والفتوى" دليله قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ} ، وقال تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى} الآية، وقال عليه الصلاة والسلام: (بلغوا عني ولو آية

(1)

)، وعنه: (أولا

(2)

يبلغ الشاهد الغائب

(3)

)، وعن أبي ذر: لو وضعت الصمصامة على هذا -وأشار إلى قفاه- ثم ظننت أن أنفذ كلمة سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يجهزوا علي لأنفذتها

(4)

.

(1)

صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، رقم الحديث 3461.

(2)

في البخاري ومسلم: ألا ليبلغ الشاهد الغائب.

(3)

صحيح البخاري، كتاب التوحيد، رقم الحديث 7447. صحيح مسلم، كتاب القسامة، رقم الحديث، 1679.

(4)

وقال أبو ذر لو وضعتم الصمصامة على هذه -وأشار إلى قفاه- ثم ظننت أني أنفد كلمة سمعتها من النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن

تجيزوا علي لأنفذتها. البخاري، كتاب المعلم، باب المعلم قبل القول والعمل.

ص: 371

والضرر عن المسلمين؛ يعني أنه يجب وجوب كفاية دفع الضرر عن المسلين ومن في حكمهم من أهل الذمة، فقوله:"والضرر"؛ أي دفع أو رفع الضرر فهو على حذف مضاف، ومن دفع الضرر إطعام جائع وستر عورة حيث لم تف الصدقات ولما بيت المال بذلك، ومنه تخليص غريق، وإذا أخذ لص مال غيرك وسلمت أنت فحق عليك معاونته، وورد في منتقم منه لعله رءا مظلوما فلم ينصره، ويجب على كل من قدر على دفع مضرة أن يدفع جهده ما لم يخف مضرة، وخوف العزل عن الخطة ليس من المضرة ويدخل في دفع الضرر ما مر من المواساة وهذا أهم، ويدخل فيه أيضا التمريض فهو فرض كفاية، وقد مر قول ابن عرفة: حضور المحتضر وتمريضه فرض كفاية أي حضوره لغير تمريض، وكذا يجب لقط طفل نبذ وحضانته ونفقته إن لم يعط من الفيء وعيادة المرضى، والتوثيق وهو كتب الوثائق وضيافة الوارد والرباط في ثغور المسلمين وسدها وحياطتها ودفع الصائل ونصيحة المسلم وتشميت العاطس. وفي بعض النسخ: والدرء أي الدفع، وهي أولى. والقضاء؛ يعني أن القضاء من فروض الكفاية وهو إنشاء الحكم. قال في الجواهر: والقضاء والقيام بالإمامة من فروض الكفاية لما فيه من مصالح العباد من فصل الخصومات ورفع التهارج وإقامة الحدود وكف المظالم ونصر المظلوم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والحكم بالعدل أعلى درجات الأجر وهو من عمل البر، قال الله تعالى:{فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} ، وقال عليه الصلاة والسلام: (المقسطون على منابر من نور يوم القيامة

(1)

). والشهادة؛ يعني أن الشهادة من فروض الكفاية أداء وتحملا، فيجب تحملها إن احتيج إليه كما سيقول المص، "والتحمل إن افتقر إليه فرض كفاية"، ومحل كون التحمل فرض كفاية إن وجد أكثر من النصاب وإلا تعين التحمل على النصاب. قاله الشيخ عبد الباقي. وكذا يجب أداؤها وجوب كفاية حيث كان التحملون أكثر من نصاب، وفي الكتاب العزيز:{وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ} ، وفيه:{وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا} ، قيل: ليشهدوا في الابتداء وليؤدوا في الانتهاء، وقال إمامنا مالك وغيره: إنما ذلك أن يدعى لأداء ما شهد به قبل ذلك، قال مالك: وأما قبل أن يشهد فأرجو أن يكون في سعة إذا كان ثم من يشهد، وقال الشيخ الأمير

(1)

صحيح مسلم، كتاب الإمارة، رقم الحديث، 1827.

ص: 372

عاطفا على الواجب الكفائي: وتحمل الشهادة كأدائها وإن كثر التحملون، وهل يتعين بالطلب حينئذ وهو ظاهر قول مالك وآية:{وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا} . اهـ.

والإمامة؛ يعني أن الإمامة الكبرى أي الإمارة العظمى من فروض الكفاية؛ أي يجب على الناس نصب إمام عادل. واعلم أن من كان فيه موضع للإمامة العظمى فالاجتهاد في طلب المعلم واجب عليه عينا، ويشترط في الإمام الأعظم أن يكون واحدا إلا أن تبعد الأقطار بحيث لا يمكن إرسال نائب عنه فيجوز تعدده. قاله المازري. وأما إمامة الصلاة فقد مر حكمها في فصل الجماعة فراجعه إن شئت.

واعلم أن هذه الأمور الثلاثة أي القضاء والشهادة والإمامة العظمى راجعة إلى دفع الضرر عن المسلمين. قاله الشيخ إبراهيم. والأمر بالمعروف؛ يعني أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروض الكفاية بشرط معرفة كل، وأن لا يؤدي ذلك منه إلى مفسدة أعظم، وأن يظن الإفادة والأولان شرطان في الجواز فيحرم عند فقدهما، والثالث للوجوب فيسقط عند ظن عدم الإفادة. قاله الشيخ عبد الباقي. قال الشيخ محمد بن الحسن: ما ذكره الزرقاني من الشروط الثلاثة وأن الأولين في الجواز وأن الثالث في الوجوب هو نص ابن رشد في سماع القرينين. واعلم أن قول المص: "والأمر بالمعروف"، يشمل النهي عن المنكر، فيشمل الأمر الاصطلاحي والنهي نحو: لا تفعل لأنه أمر بالكف كما نصوا عليه. والله سبحانه أعلم. ونظم بعضهم الشروط الثلاثة فقال:

معرفة المنكر والمعروف

والظن في إفادة الموصوف

والأمن فيه من أشد النكر

كقتل شخص في قيام الخمر

أي عند شرب الخمر، وقال النووي: قال العلماء: ولما يسقط عن المكلف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكونه لا يفيد في ظنه بل يجب عليه فعله، فإن الذكرى تنفع المؤمنين، والذي عليه الأمر والنهي لا القبول، قال ابن زكري: الظاهر منه وجوبه مطلقا ولو كان على يأس من الإفادة. انتهى. وينبغي لمن يغير منكرا أن يبتدئ بنفسه ومن تعلق به من أهله ورقيقه وحاشيته، فإن من

ص: 373

أهمل نفسه وأخذ على غيره استحق المقت عند الله تعالى: قال عز وجل: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ} ، وقال جل من قائل:{كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} ، وفي الحديث: (يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه في النار فيدور فيها كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع إليه أهل النار فيقولون: يافلان مالك ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: كنت آمر بالمعروف ولما آتيه وأنهى عن المنكر وءاتيه

(1)

) والأقتاب الأمعاء وما استدار من البطن، واحدها قتب بالكسر كما في القاموس، ولله در القائل:

يا أيها الرجل المعلم غيره

هلا لنفسك كان ذا التعليم

ابدأ بنفسك فانهها عن غيها

فإذا انتهت عنه فأنت حكيم

فهناك يسمع ما تقول ويقتدى

بالقول منك وينفع التعليم

لا تنه عن خلق وتأتي مثله

عار عليك إذا فعلت عظيم

تنبيهات: الأول: يشترط أيضا في المنكر الذي يجب تغييره أن يكون مجمعا على تحريمه أو يضعف مدرك القول بجوازه، كقول أبي حنيفة في شرب النبيذ: فعلينا نهي حنفي عن شربه، وكوطء أمة بالإباحة تقليدا لقول عطاء وأما ما اختلف فيه فلا ينكر على مرتكبه إن علم أنه يعتقد تحليله بتقليد القائل بالحل، كصلاة مالكي بمني في ثوبه مقلدا للشافعي في طهارته بشرط طهارة فرجه قبله عنده، فإن علم أنه يرتكبه مع اعتقاد تحريمه نهي لانتهاك الحرمة، وإن لم يعتقد التحريم ولا التحليل والمدرك فيهما متواتر أرشد برفق من غير إنكار، ولا توبيخ لأنه من باب الورع ولا يشترط في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذن الإمام ولا عدالة الآمر أو الناهي علي المشهور، فيجب على متعاطي الكأس النهي عنها للجلاس، لخبر: مر بالمعروف وإن لم تأته وانه

(1)

صحيح مسلم، كتاب الزهد والرقائق، رقم الحديث 2989. صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، رقم الحديث، 7257.

ص: 374

عن المنكر وإن لم تجتنبه، وأما قوله تعالى:{أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ} لآية، فخرج مخرج الزجر عن نسيان النفس لا أنه لا يأمر.

واعلم أنه يشترط في النهي عن المنكر ظهور المنكر من غير تجسس ولا استراق سمع ولا استنشاق ريح ليتوصل بذلك لمنكر، ولا يبحث عما أخفي بيد أو ثوب أو حانوت أو دار فإنه حرام، والظاهر أن حرمة الإقدام على ذلك لا تمنع وجوب النهي عنه بعد ذلك، فما وقع لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وهو يطوف ليلة بالمدينة في عسسه الذي اخترعه من أنه نظر من خلال باب شيخا يشرب خمرا فصعد على جدار البيت ونزل على الرجل، فقال يا أمير المؤمنين: أنا عصيت الله تعالى واحدة وأنت ثلاثا، قال الله تعالى:{وَلَا تَجَسَّسُوا} وأنت قد تجسست علي، وقال تعالى:{وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا} وأنت أتيت من الجدار، وقال تعالى:{لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا} أي تستأذنوا وأنت لم تستأذن فعفا عنه عمر رضي الله تعالى عنه وخرج وهو يقول: ويل لعمر إن لم يغفر له الله تعالى. انتهى. ليس عفوه عنه مذهبنا فلا يسقط الحد عن شارب الخمر بفعل الإمام ذلك به. قاله الشيخ عبد الباقي.

الثاني: أقوى مراتب ذلك اليد ثم اللسان برفق ولين ثم بقلبه وهو أضعفها، ثم لا يضره من ضل وإنكاره بالقلب فرض عين وإطلاق النهي عن المنكر بالقلب فيه تجوز؛ إذ الذي به إنكار المنكر لا النهي عنه، وقد مر أن الأمر بالمعروف يشمل النهي عن المنكر لأن الأمر بالمعروف هو اقتضاء فعله بأي لفظ كان، سواء كان أمرا اصطلاحيا نحو افعل أو نهيا نحو لا تفعل؛ لأنه أمر بالكف عن الفعل خلافا لقول التتائي: يستلزمه.

الثالث: في الإحياء: المنكرات تنقسم إلى مكروهة ومحظورة، فالمنع من المكروه مستحب والسكوت عليه مكروه، وليس بحرام إلا إذا لم يعلم الفاعل بأنه مكروه فيجب ذكره له. نقله ابن زكري. قال: وهذا أبين والقول بوجوبه في المندوبات غير ظاهر. ابن بشير: في كونه في المندوبات ندبا أو وجوبا قولان، وفي شرح الجوهرة أن المكروهات والمندوبات يدخلها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على سبيل الإرشاد للورع، ولما هو أولى من غير تعنيف ولا توبيخ، وقد مرّ في النهي عن المنكر أنه يشترط فيه أن لا يؤدي إلى مفسدة أعظم منه، قال ابن زكري: وفي ذلك قسمان،

ص: 375

أحدهما أن يفعل الأعظم في غير الناهي، ثانيهما أن يفعله في الناهي، فالأول اتفق الناس على أنه يحرم النهي عن المنكر فيه. والثاني اختلفوا فيه فمنهم من سواه بالأول نظرا لعظم المفسدة ومنهم من فوق، وقال: والتغرير بالنفوس مشروع في الطاعة لقوله تعالى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ} ، مدحهم بأنهم قتلوا بسبب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأنهم ما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله تعالى وما ضعفوا وما استكانوا، وهو يدل على أن بذل النفوس في الطاعة مأمور به، وقتل يحيى بن زكريا بنهيه عن تزويج الربيبة، وقال صلى الله عليه وسلم: (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر

(1)

)، ومعلوم أنه عرض نفسه للقتل بمجرد هذه الكلمة فجعله أفضل الجهاد، ولم يفرق بين كلمة وكلمة كانت في الأصول أو في الفروع من الصغائر أو من الكبائر، فظهر أن المفسدة العظمى إنما تقع إذا كانت من غير هذا القبيل وأما هذا فلا.

الرابع: يجب على الآمر بالمعروف أن يكون أمره بمعروف أي رفق، لقوله تعالى:{فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا} الآية، ولقوله صلى الله عليه وسلم: من كانءامرا بمعروف فليكن أمره ذلك بمعروف،

وقوله: (إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف

(2)

)، وقد يقع الغلط في هذا المقام بأن يكون الرفق من مداهنة وخوف وحشة أو نفرة مؤثرة في مال أو جاه، فيلتبس المذموم بالمحمود فلينتبه لذلك وليبالغ في الرفق حتى كأنه عبد يأمر ابنَ سيِّده ويتم له ذلك بأن لا ينظر إلى المأمور نظر عداوة بل نظر ترحم عليه، ويرى إقدامه على المعصية مصيبة على نفسه؛ إذ المسلمون كنفس واحدة ولا يراعي فيه جانب المعصية بل يلاحظ حرمة إيمانه وغيره من الطاعات التي تصدر منه، ولله در الإمام الشاذلي رضي الله تعالى عنه حيث يقول: أكرم المؤمنين وإن كانوا عصاة فاسقين وأمُرْهم بالمعروف وانهَهُم عن المنكر واهْجرهم رحمة بهم لا تعززا عليهم، وقد قال رضي الله تعالى عنه: لو كشف عن نور المؤمن العاصي لطبق ما بين السماء والأرض، فما ظنك بنور المؤمن المطيع؟ انتهى. ولما ينظر إليه بما تقتضيه الشريعة فقط، بل ينظر إليه مع ذلك بعين الحقيقة ليعذره، وإن أدى الأمر إلى ضربه أو غيره كشتمه فعل ذلك، وفعله ذلك لا ينافي الرفق

(1)

الإتحاف ج 7 ص 64.

(2)

صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والأدب، رقم الحديث، 2593.

ص: 376

لأنه منقذ له به من المعاطب كما هو ظاهر، وإذا خيف فوات التغيير بالرفق وكون رفقه غير نافع لزم تغيير المنكر بما أمكن من العنف المفيد للإزالة. قاله العقباني. نقله ابن زكري.

وليحذر الآمر مخالطة الهوى فإن صاحب الهوى مخذول والمنتصر لدين الله منصور، فأكثر الناس يقصدون الحق في الإنكار، فإذا رد عليهم اشتدوا لنصرة أنفسهم فانقلب الأمر عليهم وهم يظنون أنهم قاموا لله تعالى وغيرهم يرى ذلك من خاصية الإنكار وهو جهل من الجميع أعاذنا الله تعالى من البلاء.

والحاصل أن الرفق في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند عدم الحاجة إلى العنف واجب غير شرط فيهما. فاعلم ذلك.

الخامس: قال الأئمة: ينبغي للآمر والناهي أن يكون بصورة من يقبل منه ذلك؛ فلا ينبغي للعالم أن يأمر أو ينهى وليس لابسا عمامته أو طيلسانه أو ثيابه التي تميزه ويعرف بها، ويتعين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيما يتعلق بالنفس والأهل.

قال العقباني: النهي عن المنكر فرض متأكد وواجب متعين، فلا أحد من المخاطبين إلا وقد تعين عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولو في نفسه وأهله وعياله، لحديث (كلكم راع

(1)

)، وهو على الأئمة والولاة والقضاة وسائر الحكام أوجَبُ وآكَدُ لأنهم متمكنون من التغيير بعلو اليد، وامتثال الأمر ووجوب الطاعة يدل على ذلك قوله عز وجل:{الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ} ؛ لأن من الأمور ما لا يقدر عليه إلا الحكام، فلا عذر لمن قصر منهم عند الله تعالى؛ لأنه إذا أهمل هؤلاء القيام فجدير أن لا يقدر عليه من هو دونهم من رعيتهم.

السادس: في شرح الجوهرة قال العلماء: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مما يجب على الفور إجماعا، فمن أمكنه أن يأمر بمعروفين وجب عليه الجمع، كمن يرى جماعة تركوا الصلاة فيأمرهم بكلمة واحدة قوموا للصلاة. انتهى. نقله ابن زكري.

(1)

صحيح البخاري، كتاب الاستقراض، رقم الحديث، 2439. صحيح مسلم، كتاب الإمارة، رقم الحديث، 1829. ومسند أحمد ج 2 ص 5.

ص: 377

السابع: اعلم بأن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند توفر الشروط كبيرة كما صرح به ابن حجر وغيره. قاله ابن زكري.

الثامن: اعلم بأنه لا يشترط في النهي عن المنكر أن يكون فاعل المنكر ملابسا لمعصية، بل يشترط أن يكون ملابسا لمفسدة واجبة الدفع، أو تاركا لمصلحة واجبة الحصول، كمن رأى مجنونا يزني بمجنونة أو يطأ بهيمة، فعليه أن يمنعه من ذلك كقتال البغاة وهم على تأويل، وكضرب الصبيان على ملابسة الفواحش، وقتال الصبيان والمجانين إذا صالوا على الدماء ولما يمكن دفعهم إلا بقتلهم، وكأن يوكل وكيلا في القصاص ثم يعفو ويخبر الوكيل بالعفو فاسق أو متهم فلا يصدقه وأراد القصاص: فللفاسق الذي أخبره أن يدفعه عن القصاص ولو بالقتل دفعا لمفسدة القتل بغير حق، وكمن وكل في بيع جارية فباعها فأراد الموكل أن يطأها ظنامنه أن الوكيل لم يبعها، وأخبره المشتري أنه اشتراها فلم يصدقه، فللمشتري دفعه ولو بالقتل، وكضرب البهائم للتعليم والرياضة دفعا لمفسدة الشراس والجماح، وكذا ضرب البهائم لدفع الفساد: وقال الشيخ الأمير عاطفا على الواجب الكفاءي: والأمر بالمعروف إن ظن إفادته ولم يعتقد حله من مدرك قوي، وإلا ندب كالأمر بالمندوب والنهي عن المنكر وليكن باليد ثم باللسان، ثم إن عجز تعين بالإنكار القلبي وحده وتشميت العاطس بعد سماع حمده ولو بمعالجة ورد السلام، ولابد من الإسماع إن كان المسلم حاضرا. انتهى.

والحرف المهمة؛ يعني أن الحرف المهمة من فروض الكفاية وهي التي لا يستقيم صلاح الناس إلا بها، كخياطة وحياكة وبناء وبيع وشراء وحجامة، فإذا قام بعض الناس بها سقط وجوبها عن البعض الآخر ولا يجوز تركها جملة، واحترز بالمهمة عن غيرها، كقص الثوب ونقش سقف وجدر وتطريز فإنها لا تجب، بل ربما كان بعضها حراما. ورد السلام؛ يعني أن رد السلام من فروض الكفاية، قال في الرسالة: ورد السلام واجب والابتداء به سنة، والأصل فيما ذكر المص قوله تعالى:{وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} ، وكان عليه الصلاة والسلام يرد السلام ويأمر به، وإنما قلنا إنه فرض كفاية لقوله عليه الصلاة والسلام: (يجزئ عن الجماعة إذا

ص: 378

مروا أن يسلم أحدهم ويجزئ عن الجلوس إذا رد أحدهم

(1)

). ابن الفاكهاني: وفي إسناده كلام، ويجب رد السلام ولو على قارئ قرآن على المعتمد كما يفيده الونشريسي، خلافا لصاحب المدخل، ويفيد الأول أيضا أنه يسن السلام.

واعلم أن المصلي يجب عليه الرد لكن إشارة، ولا يطلب المصلي بالرد عليه بعد فراغه منها، وظاهره أنه يرد بالإشارة وإن كان المسلم أعمى أو في ليل مظلم، كرد سلام غائب في كتاب، وظاهر كلامهم ولو بقي، قال الشيخ عبد الباقي: ويجب على الآكل الرد، قال الشيخ محمد بن الحسن: تقدم عن الحطاب في الأذان أنه يكره السلام على الآكل ولا يرد. انتهى.

وفي كتاب الشيخ الأمير: ويجب الرد وإن حال أكل أو قراءة ونحو ذلك على المذهب، وفيه أنه لابد من إسماع الرد إن كان المسلم حاضرا، وفيه أيضا وجوب رد السلام الشرعي وإن بكتاب. انتهى. فيطلب رد سلام غائب في كتاب، ويكره السلام على اللبي والمؤذن والمقيم حال تلبس كل، ولا يردون كراهة حال تلبسهم، ويجب على هؤلاء الثلاثة الرد بعد الفراغ إن استمر المسلم حاضرا لفراغهم، ويجب إسماعه، ويكره السلام أيضا على مستمع خطبة وواطيء وقاضي حاجة ولا يردون كراهة مطلقا كانوا متلبسين أم فرغوا من ذلك ولو استمر المسلم حاضرا، ويشترط إسماع المسلم المطلوب بالسلام حيث كان حاضرا ولم يكن به صمم كما هو الظاهر، وإلا وجب بغير إسماعه كرد سلام مكتوب لشخص فيه سلامه، وهل يجب على الرسول تبليغ السلام وهو ما لابن حجر الهيثمي الشافعي، أو لا يجب وهو ما للناصر اللقاني؟ قاله الأمير. ويسقط فرض الرد عن جماعة قصدوا بالسلام برد واحد منهم لا من غيرهم، والأولى رد الجميع وهل لغير من رد ثواب أم لا، نقل بعضهم عن بعض شراح الرسالة أنه إنما يحصل الثواب لغير من رد إذا نوى الرد وتركه لأجل رد الغير وإلا فلا، وذكر عن الأبي أنه يحصل مطلقا وفيه تعسف، والأولى ما لبعض شراحها، وقال الشيخ بناني: إنه أي ما لبعض شراح الرسالة هو الظاهر، وأما لو قصد بالسلام من الجماعة كبيرا منهم فقط فلا يجزئ رد غيره فيما يظهر، وإن سلم جماعة دفعةٌ على واحد كفاه رَدٌّ واحدٌ، ويجب رد سلام صبي كما في الزواوي على مسلم عن النووي ولا يكتفى

(1)

سنن آبي داوود، كتاب الأدب رقم الحديث 5210.

ص: 379

برده عن البالغين فيما يظهر لعدم خطابه هو بالرد، وذكر النووي أن فيه وجهين عند الشافعية وأصحهما عدم الاكتفاء، ولا تسلم شابة على رجل غير محرم ولا هو عليها، ولا يرد كل منهما على الآخر المسلم.

وفي الفيشي عند قوله: "ورد السلام": أي من فروض الكفاية إلا على قارئ أو قاضي حاجة أو مستمع خطبة أو ملب أو مؤذن، فلا يجب عليهم الرد، وما عدا هؤلاء الخمسة يجب عليه الرد، والنظم الذي نقله التتائي وغيره من المالكية عن ابن العماد لا يجري على قواعد المذهب، وإنما هو مذهب الشافعي. والابتداء بالسلام سنة كفاية وهو أفضل من الرد على ما عليه غير واحد، وللسيوطي رحمه الله تعالى:

الفرض أفضل من تطوع عابد

حتى ولو قد جاء منه بأكثر

إلا التطهر قبل وقت وابتدا

ء بالسلام كذاك إبرا معسر

قال الشيخ محمد بن الحسن: إنما كان إبراء العسر والوضوء قبل الوقت أفضل لاشتمالهما على الواجب والمندوب معا. انتهى. وفي شرح الشيخ عبد الباقي: وقد يستوي ثواب الواجب والمندوب كما في حديث صاحب الصف وصاحب الجمعة: (لا يفضل هذا على هذا ولا هذا على هذا

(1)

)، قال بعض من شرحه: أي الملازم على الصلاة في الصف الأول، والملازم على صلاة الجمعة في الأجر سواء لا يفضل هذا على هذا ولا هذا على هذا، بل هما متعادلان في حيازة الثواب ومقداره، ويحتمل في الحيازة دون المقدار. انتهى. ولم أر لغيره ما يخالفه. انتهى.

وقول عبد الباقي: قال بعض من شرحه الخ، قال الرهوني على هذا حمل المنوي في شرحه الحديث المذكور: والحديث في الجامع الصغير وهو في الجامع الكبير أيضا، وقال فيه بعد أن ذكر الحديث ما نصه: أخرجه أبو نصر محمد بن الحسن بن عبد الملك القزويني والرافعي عن ثوبان،

(1)

كنز العمال، رقم الحديث، 10583.

ص: 380

قال الرافعي: كأنه يريد صف القتال. انتهى منه بلفظه. وبه تعلم ما في قول الزرقاني، ولم أر لغيره ما يخالفه ويظهر لك أنه لا شاهد فيه لما قاله الزرقاني. والله أعلم. انتهى. كلام الرهوني. وفي مختصر الوقار: وإذا علم رجل من إنسان أنه يثقل بسلامه عليه فإنه يجوز له ترك السلام عليه ولا يدخل في الهجران المنهيّ عنه. انتهى. قلت: وربما يستفاد من هذا أن من علم من شخص أنه إذا سلم عليه لا يرد عليه السلام فإنه يجوز له ترك السلام عليه، بل هذا أولى، وفي أذكار النووي أنه يسلم عليه. انتهى. ما قاله علي الأجهوري. انتهى. كلام الشيخ عبد الباقي.

وقال الشيخ إبراهيم وغيره: الجزولي: يجوز أن يسلم الشاب على المتجالة والمتجالة عليه. انتهى. ويجوز رد السلام على أهل الذمة من غير إيجاب، وفي الحطاب أنه يكره السلام على أهل الباطل وعلى أهل اللهو حال تلبسهم به وعلى لاعب الشطرنج، ويكره السلام على أهل البدع والمعاصي والظالم والكافر والآكل والقارئ، ويجب على القارئ الرد ولو في أثناء آية، قال الشيخ ميارة: ولبعضهم في جمع النظائر التي لا يسلم فيها على الإنسان وإن سلم عليه فلا يرد:

رد السلام واجب إلا على

من في صلاة أو بأكل شغلا

أو شبر أو قراءة أو أدعيه

أو ذكر أو خطبة أو بتلبيه

أو في قضاء حاجة الإنسان

أو في إقامة أو الأذان

أو سلم الطفل أو السكران

أو شابة يخشى بها افتتان

أو فاسق أو ناعس أو نائم

أو حالة الجماع أو تحاكم

أو كان في الحمام أو مجنونا

فواحد من بعدها عشرونا

ص: 381

وتجهيز الميت؛ يعني أن تجهيز الميت -يعني المسلم- من فروض الكفاية، والمراد بتجهيزه مؤن دفنه على ما مر، فالغسل يجب على أحد قولين، ويجب الكفن والدفن وغيرهما على ما مر إلا أن ما مر لا يستفاد منه وجوب الكفاية، فنبه على ذاك هنا، أما الكافر فلا يجهز بل يوارى فقط. وفك الأسير؛ يعني أنه يجب على المسلمين وجوب كفاية فداء الأسير المسلم، فيجب عليهم فداء أساراهم بما قدروا عليه، كما عليهم أن يقاتلوا حتى يستنقذوهم وإن لم يقدروا أي المسلمون على فدائهم إلا بجميع ما يملكون فذلك عليهم، فإن كان بماله -أي الأسير- أو من الفيء فلا يكون فرض كفاية حتى يتعلق بالمسلمين كما قاله الشيخ عبد الباقي، وقال الشيخ إبراهيم عند قوله:"وفك الأسير": حيث كان بمال المسلمين ولو أتى على جميع مالهم لوجوب خلاصه كفاية بالنفس، فكيف بالمال؟ وأما إن كان بماله أو من الفيء فلا. انتهى. وهو عين ما للشيخ عبد الباقي. القرافي: يكفي في سقوط فرض الكفاية ظن الفعل لا تيقنه.

وتعين بفجء العدو؛ يعني أن الجهاد وإن كان من فروض الكفاية قد يعرض له من الأمور ما يتعين به أي يصير به فرض عين لا يجوز تركه لأحد، فلا يقوم به أحد عن أحد كما إذا فجأ العدو قوما أي أتوهم بغتة ولهم قدرة على دفعهم أو قاربوا دارهم ولو لم يدخلوها، فيلزم كل أحد دفع العدو والخروج إليهم. وإن على امرأة؛ يعني أنه لا فرق في وجوب الدفع عينا عند فجء العدو بين الرجال والنساء، وكذا يجب على العبيد والصبيان المطيقين للقتال. الجزولي: ويسهم إذ ذاك للعبد والمرأة والصبي؛ لأن الجهاد صار واجبا عليهم، وأما حيث لم يفجأهم العدو فلا يجب عليهم، ولذا لا يسهم لهم. نقله الشيخ بناني. وقال الشيخ إبراهيم عند قوله:"وإن على امرأة": أو عبد أو صبي أو عاجز لعذر يسقط عنه الفرض كما في حلولو، ويأتي أنه يتعين بتعيين الإمام فبالفجء أولى. انتهى. وقوله:"وإن على امرأة"، قال الشيخ إبراهيم: مبالغة في تعين كما قال ابن غازي؛ أي وإن كان التعين على امرأة لا في فجء كما قال الشارح؛ إذ لا كبير فائدة فيه لأنه لا خصوصية للمرأة؛ لأن العدو إذا فجأ ولو على درهم مثلا تعين.

وعلي قربهم إن عجزوا؛ يعني أنه يتعين الجهاد على من هو قريب من القوم الذين فجأهم العدو إذا عجز الذين فجأهم العدو عن الدفع عن أنفسهم، ومحل تعينه على من بقربهم إن لم يخشوا

ص: 382

معرة على نسائهم وبيوتهم من محدو بتشاغلهم بإعانة من فجأهم العدو وإلا تركوا إعانتهم. وعبارة الشبراخيتي عند قوله: "وعلى قربهم إن عجزوا": عن دفعه ما لم يخافوا معرة العدو، فإن خافوها بأمارة ظاهرة لزموا مكانهم قاله سحنون. وقوله:"قربهم"؛ أي ذي قربهم أو قرب بمعنى مقارب. قاله الشيخ إبراهيم.

وبعيين الإمام؛ يعني أن الجهاد يتعين أي يصير فرض عين بتعيين الإمام، فإذا عين أحدا للجهاد لزمه ولو صبيا مطيقا للقتال كما في النوادر أو امرأة أو عبدا أو ولدا أو مدينا، ويخرجون ولو منعهم الولي والزوج والسيد والأبوان ورب الدين. قاله الشيخ عبد الباقي.

قال محشية سيدي محمد بن الحسن بناني: قول الزرقاني ولو لصبي مطيق للقتال كما في النوادر لخ، إنما عزاه المواق للنوادر عند الكلام على مفاجأة العدو، ولم يذكره في تعيين الإمام أصلا -نعم- لما قال ابن الحاجب: ويتعين على من عينه الإمام مطلقا قال في التوضيح ما نصه: يحتمل قوله مطلقا كانوا من أهل الجهاد أم لا، كالعبد والمرأة فإنهما حينئذ يلزمهما الخروج، ونص عليه ابن شاس. انتهى.

قلت: وفيه نظر، فإن ابن شاس إنما ذكر العبد والمرأة في مسألة نزول العدو لا في تعيين الإمام فانظر ذلك، وأما الصبي فلم أر من ذكره هنا في تعيين الإمام على أن توجيه خطاب الوجوب إلى الصبي خرق للإجماع، انتهى. كلام الشيخ بناني.

مسألة: قال ابن عرفة: الشيخ عن ابن المواز: أيغزى بغير إذن الإمام؟ قال: أما الجيش والجمع فلا إلا بإذن الإمام وتولية وال عليهم، وسهل مالك لمن قرب من العدو ويجد فرصة ويبعد عليه الإمام. محمد: كمن هو على يوم ونحوه، ولأبي زيد عن ابن القاسم: إن طمع قوم بفرصة في عدو قربهم وخشوا إن أعلموا إمامهم منعهم فواسع خروجهم وأحبُّ استيذانهم إِياه، وقال ابن حبيب: سمعت أهل المعلم يقولون: إن نهى الإمام عن القتال لمصلحة حرمت مخالفته إلا أن يدهمهم العدو، وفي الشامل: ولا يجوز خروج جيش دون إذن إمام وتوليته عليهم من يحفظهم إلا أن يجدوا فرصة عدو وخافوا فواته لبعد الإمام أو خوف منعه، وحرم على سرية بغير إذنه ويمنعهم الغنيمة أدبا لهم إلا أن يكونوا جماعة لا يخشون عدوا فلا يمنعهم الغنيمة. انتهى.

ص: 383

لكنهم أخطئوا لخروجهم بغير إذن الإمام، ويقاتل ويبارز بدون إذن الإمام إن كان غير عدل وإلا فلات وإنما يفترق العدل وغيره في الاستئذان لا في الطاعة إذا أمر بشيء أو نهى عنه، فيطاع ما لم يأمر بمعصية فلا يطاع.

والحاصل أنه لا يخرج أحد إلا بإذن الإمام إذا حضر وكان عدلا، وإن كان غائبا وتبينت غرة ولم يخافوا على أنفسهم ولم يغروا بها فلهم ذلك، وأما غير العدل فيقاتل ويبارز بغير إذنه ولا يستاذن الإمام عند المفاجأة، لكن إن نزل العدو بساحتهم والوالي قريب استأذنوه، فإن كان بعيدا فلا يدعوهم حتى يقعوا بهم بل يقاتلونهم، وفي سماع زونان وهو عبد الملك بن الحسن سئل عبد الله بن وحب عن القوم يواقفون العدو، هل لأحد أن يبارز بغير إذن الإمام؟ فقال: إن كان الإمام عدلا لم يجز له أن يبارز إلا بإذنه، وإن كان غير عدل فليبارز وليقاتل بغير إذنه، قلت له: والمبارزة والقتال عندك واحد؟ قال: نعم.

وسقط بمرض؛ يعني أن الجهاد الذي هو فرض كفاية يسقط وجوبه بالمرض الشديد، لقوله تعالى:{وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ} ، وأما إذا تعين بفجإ العدو فلا يسقط كما قاله الشيخ الخرشي، ولفظه: والمعنى أن المرض الشديد يمنع من وجوب الجهاد ما لم يفجأ العدو. انتهى. وقال الشيخ الأمير: وإنما يجب على ذكر مكلف حر قادر، فعلم سقوطه بأضدادها، وتعين على كل أحد بفجإ العدو. انتهى. وصبا؛ يعني أن الجهاد الذي هو فرض كفاية وجوبه ساقط عن الصبي، فلا يجب عليه، وأما إن تعين بفجإ العدو فلا يسقط عنه وجوبه كما مر، وفيه أن الصبي لا يخاطب بالوجوب إلا أن يريدوا بذلك جبره عليه كمكارم الأخلاق. قاله الشيخ الأمير.

وجنون؛ يعني أن الجهاد ساقط وجوبه عن المجنون. وعمى؛ يعني أن الأعمى ساقط عنه وجوب الجهاد. وعرج؛ يعني أن الجهاد ساقط وجوبه عن الأعرج، وظاهر قول الأمير: وتعين على كل أحد بفجء العدو شموله للأعرج، ونحوه للشيخ إبراهيم. والله سبحانه أعلم. وأنوثة؛ يعني أن الجهاد الذي هو فرض كفاية ساقط وجوبه عن النساء، وأما إن تعين بفجء العدو فلا يسقط بالأنوثة ولا بالرق ولما بالصبا، ففاعل سقط ضمير يعود على فرض الكفاية.

ص: 384

وعجز عن محتاج له؛ يعني أن الجهاد ساقط وجوبه عمن عجز عما يحتاج إليه من السلاح والركوب عند الحاجة ونفقة الذهاب والإياب، فيعتبر ما يرد به وإن لم يخش ضياعا لشدة العذر في محل العدو أقوى من الحج، وقد مر للشبراخيتي عند قول المص:"وتعين بفجء العدو وإن على امرأة"، ما نصه: أو عبد أو صبي أو عاجز لعذر يسقط عنه الفرض كما في حلولو. ورق؛ يعني أن الجهاد الذي هو فرض كفاية ساقط وجوبه عن الرقيق، فليس له جهاد بغير إذن سيده بخلاف ما إذا تعين بفجء العدو فلا يسقط بالرقية كما مر. ودين حل؛ يعني أن الدين الحال يسقط عمن هو عليه وجوب الجهاد كفاية إذا منعه رب الدين من الخروج وكان قادرا على وفائه، فإن لم يقدر على وفائه خرج بغير إذن رب الدين فلو حل في غيبته وكل من يقضيه عنه، فلو لم يوكل لعدم ما يقضيه منه الآن وحصوله ببيعه وشرائه لكان له منعه ويسقط حينئذ، واستشكل سقوط خطابه مع القدرة على وفاء الحال بأنه إن ترك وفاءه مطلا ترتب عليه ترك فرض الكفاية، وترك أداء الدين وإن وفاه فلا وجه لسقوط الكفاية عنه، وأجيب بحمله على ما إذا احتاج لبيع عروضه.

كوالدين في فرض كفاية؛ يعني أن فرض الكفاية جهادا أو غيره ولو علما كفائيا يسقط وجوبه بمنع الأبوين أي من السفر له، وكذا يسقط بمنع أحدهما مع إجازة الآخر، وأما العيني فليس لهما ولا لأحدهما المنع من السفر له، وقال أبو بكر الطرطوشي. بضم الطاء: لو منعه أبواه من الخروج للفقه والكتاب والسنة ومعرفة الإجماع والخلاف ومراتبه ومراتب القياس، فإن كان ذلك موجودا ببلده لم يخرج إلا بإذنهما وإلا خرج، ولا طاعة لهما في منعه لأن تحصيل درجات المجتهدين فرض كفاية، لكن اعترضه القرافي بأن طاعة فرض عين لا تسقط لأجل فرض الكفاية. نقله الشيخ بناني. ومفهوم قوله:"فرض كفاية" أنه لو كان فرض عين لم يحتج لإذنهما وهو كذلك، لكن قال القرطبي في شرح مسلم: إذا تعين الجهاد وكان والداه في كفاية ولم يمنعاه أو أحدهما بدأ بالجهاد، فلو لم يكونا في كفاية تعين عليه القيام بهعا فيبدأ به، فلو كانا في كفاية ومنعاه لم يلتفت لمنعهما لأنهعا عاصيان بذلك المنع. انتهى. ومذهب المدونة ما قاله المص. قاله الإمام الحطاب.

ص: 385

وسئل مالك عن الرجل من أهل الأندلس وأراد أن يلحق بالمصيصة والسواحل وله ولد وأهل بالأندلس، أترى له في ذلك سعة؟ قال: نعم، ثم قال: أيخشى عليهم الضيعة؟ قال: نعم، فكأنه لم يعجبه ذلك حين خاف الضيعة، قال ابن رشد: وهذا كما قال لأن قيامه عليهم وترك إضاعتهم واجب عليه، خلاف الغزو والرباط لا ينبغي لأحد أن يضيع فرضا واجبا عليه بما هو مندوب إليه. انتهى. قاله الإمام الحطاب وقوله:"كوالدين"، سواء منعا منه أو أحدهما وسكت الآخر فيسقط وجوبه، وأما لو منع أحدهما وأجاز الآخر فينبغي تقديم المانع. قاله الشيخ عبد الباقي. وفي المدونة: وإذا احتلم الغلام فله أن يذهب حيث شاء وليس لأبيه منعه، قال ابن محرز: هذا على مقتضى الحكم، ولو سئل على مقتضى البر لقال له منعه. انتهى. وإن منعه أحد الوالدين من نكاح امرأة وجبت عليه الطاعة، إلا إن خشي الوقوع معها في معصية بولوعه وصبابته بها. والله تعالى أعلم. قاله في نوازل ابن هلال. ونقل جسوس عن ابن حجر أن الولد لو أمره والده بنحو فراق حليلته لم تلزمه طاعته وإن تأذى بذلك كثيرا، والظاهر أنه إذا فعل معه ما لا يسميه الناس إذاية فإن ذلك لا يكون عقوقا، وإن لم يقنع بذالك منه. انتهى منه على الشمائل للترمذي. كتجر ببحر؛ يعني أن الوالدين لهما أن يمنعا الولد من التجر ببحر لا فيه من الخطر أي الغرر، أو خطر، بكسر الطاء؛ يعني أن الوالدين لهما أن يمنعا الولد من السفر في البراري الخطرة أي ذات الخطر بفتح الطاء أي الغرر، وحيث لا خطر لا يجوز لهما المنع، وهذا في سفر البحر لمعاشه، وأما إن كان للفضول فيمنعه ولو في البر الآمن. قاله الشيخ إبراهيم. وقال: إنهما لا يمنعانه من المعلم الكفائي إذا خلا محلهما عمن يقوم بفرض الكفاية، وقوله:"كتجر ببحر" الخ، كذا في بعض النسخ وهي الصواب، وفي بعضها بإسقاط قوله:"كتجر"، وفيها نظر إذ لهما منعه من فرض الكفاية ببر آمن. لا جد؛ يعني أن الجد والجدة وإن كان يجب برورهما لا يبلغ بهما مبلغ الوالدين في المنع له مما ذكر، قال سحنون: وأحب إليَّ أن يسترضيهما يعني الجد والجدة ليأذنا له، فإن أبيا فله أن يخرج، وقيل إن الأجداد في البر كالأباء فلا يجوز الخروج إلى الجهاد إلا بإذنهما، ذكره في الإكمال، وقوله:"لا جد"؛ أي وإن كان دنية، وكذا الجدة.

ص: 386

والكافر كغيره في غيره؛ يعني أن الوالد الكافر أبا أو أما كالوالد المسلم في أنه الولد من السفر لفروض الكفاية إلا الجهاد، فليس له المنع منه، ونقل عن سحنون أن لهما المنع من الجهاد إلا أن يعلم أن منعهما ليوهنا الإسلام. انتهى. ويظهر من كلام الشيخ بناني أن تفصيل سحنون هذا مقابل لا تقييد للمذهب. والله سبحانه أعلم. ودعوا للإسلام؛ يعني أنه لا يقاتل العدو حتى يدعوا إلى الإسلام جملة من غير ذكر الشرائع إلا أن يسئلوا عنها فتبين لهم سواء بلغتهم الدعوة أم لا، وتكرر الدعوة ثلاثة أيام متوالية كالمرتد، وقيل ثلاث مرات في كل يوم. قاله الشاذلي. وقوله:"ودعوا للإسلام"، قال الشيخ إبراهيم: وجوبا ثلاثة أيام، كما قال الفاكهاني خلافا لابن عرفة في أنها ثلاث مرات، وقوله:"للإسلام"؛ أي لما يحصل به الإسلام المعتبر، حتى يدخل في ذلك من يقر بالشهادتين إلا أنه يزعم عدم عموم رسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وقوله:"ودعوا للإسلام"؛ أي ما لم يعاجلونا بالقتال، فإن عاجلونا به وجب ترك الدعوة جميعها إلا أن يمكن فعل بعضها فيجب فعل ما أمكن فعله. قاله الشيخ إبراهيم. وقال الشيخ عبد الباقي: وظاهر قوله كالمرتد؛ -يعني ما تقدم عن الشاذلي- أن كل مرة فرض، وأن كل مرة في يوم، فإذا دعوا في اليوم الثالث أوله قوتلوا أول الرابع بغير دعوة، والمراد بالإسلام ما يحصل به الإنقاذ من الكفر وهو الشهادتان فيمن لم يقر بمضمونهما، وعموم رسالة المصطفى صلى الله عليه وسلم فيمن ينكر العموم، فمراده تدعى كل فرقة إلى الخروج عما كفرت به. انتهى. وقال الشارح أحمد بن عبد الله الدميري تاج الدين بهرام: واختلف الأشياخ في الدعوة، فمنهم من يرى أن المذهب كله على وجوبها فيمن بعدت داره عن المسلمين، ومنهم من يرى أن المذهب على أقوال ثلاثة وجوبها وعدمه والفرق، فتجب فيمن بعدت داره بخلاف غيره، فلا يدعوا لعلمهم بالدعوة ولتطلب غرتهم، ومنهم من زاد قولا رابعا الفرق فإن كان جيش المسلمين كثيرا آمنا وجبت وإلا فلا.

ابن عبد السلام: جعل الخلاف في الوجوب لا تساعده الروايات إذا تأملت ألفاظها. والذي لا شك فيه أنه إذا لم يعلم حال العدو وهل بلغته الدعوة أم لا أن الدعوة مستحبة لأن الغالب بلوغها إليه، وإن انضاف إلى ذلك رجاء الإجابة وجبت. ثم جزية؛ يعني أنه إذا دعونا العدو للإسلام فامتنعوا من قبوله فإنهم يدعون إلى أداء الجزية إجمالا إلا أن يسئلوا عن تفصيلها فتبين لهم،

ص: 387

قال إمامنا مالك رضي الله تعالى عنه: ولا يقاتل المشركون ولا يبيتوا حتى يدعوا إلى الله ورسوله، فيسلموا أو يؤدوا الجزية عن يد وهم صاغرون، قال ابن القاسم: وكذلك إذا أتوا إلى بلادنا.

وقوله: بمحل يؤمن، متعلق بدعوا وبالإسلام والجزية. قاله الشيخ إبراهيم. وقال الشيخ عبد الباقي: يحتمل تعلقه بدعوا أو بجزية أو بهما. قاله التتائي. انتهى؛ يعني أنهم إنما يدعون إلى الجزية إذا كانوا بمحل يؤمن على المسلمين، منهم بأن يكون من الأماكن التي لا يخشى فيها على المسلمين وإلا دعوا إلى الانتقال إلى محل يؤمن كما نص عليه الشيخ الأمير. وقوله:"بمحل يؤمن": أي بحيث تنالهم أحكامنا، وقال الإمام الحطاب عند قوله:"بمحل يؤمن": أي إنما تقبل منهم الجزية إذا كانوا بمحل يؤمن عليهم من الرجوع إلى الكفر، وكذلك إذا أجابوا إلى الإسلام. قاله أبو الحسن عن ابن يونس. انتهى. وإلا، أي وإن لم يجيبوا للجزية أو أجابوا لها ولكنهم بمحل لا يؤمن بأن يكونوا بمحل لا تنالهم فيه أحكامنا ولم يرتحلوا إلى بلادنا أو خيف من دعوتهم إلى الإسلام أو الجزية أن يعاجلونا بالقتال قوتلوا. أي نأخذ في قتالهم، وإذا شرعنا في قتالهم وقدرنا عليهم قتلوا أي جاز قتلهم، إلا المرأة؛ يعني أنه يجوز قتلهم إذا قدرنا عليهم، إلا المرأة فإنها لا تقتل إذا قدر عليها، فقوله:"إلا المرأة"، مستثنى من نائب "قتلوا"، وقوله: إلا في مقاتلتها، مستثنى من الاستثناء قبله؛ يعني أنه لا يجوز قتل المرأة إلا إذا قاتلت فتقتل إن قتلت بسلاح أو حجارة أسرت أم لا، وكذا تقتل أيضا إن قاتلت بسلاح ونحوه كالرجال أسرت أم لا عند ابن القاسم، قال ابن زرقون: وهو الصحيح، ونقل عن الفاكهاني أنه المذهب، فإن قاتلت برمي حجارة ونحوها لم تقتل بعد الأسر اتفاقا، ولا في حال المقاتلة على الراجح، فالأقسام ثمانية فيستثنى من قوله:"إلا في مقاتلتها" هذان الأخيران.

فتحصل من هذا أن النساء لا يقتلن بصياحهن وحراستهن واستغاثتهن وإن شعرن في مدح القتال وذم الفرار، وفي الصحيحين (أنه عليه الصلاة والسلام رأى امرأة مقتولة في بعض مغازيه فأنكر قتل النساء والصبيان

(1)

). ابن عبد البر: وأجمع العلماء على ذلك، والصبي؛ عطف على قوله:"إلا المرأة"؛ يعني أن الصبي المطيق للقتال لا يقتل إلا أن يقاتل فيكون كالمرأة في الأقسام الثمانية،

(1)

صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، رقم الحديث 3014، وصحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، رقم الحديث 1744.

ص: 388

قاله الشيخ عبد الباقي. وما ذكره من أن الصبي كالمرأة في الأقسام الثمانية، قال الشيخ محمد بن الحسن: صحيح، ففي ابن عرفة: يقتل كل مقاتل حين قتاله. ابن سحنون: ولو كان شيخا كبيرا، وسمع يحيى ابن القاسم: وكذا المرأة والصبي، ولو قال المص: إلا المرأة والصبي إلا في قتالهما لأجاد، فإن شك في بلوغ الصبي كشف عن مئزره واعتبر نبات شعر العانة، وقيل لا يعتبر حتى يحتلم.

تنبيه: اعلم أن المذهب أن اللص يدعى إلى التقوى، فإن أبى قوتل كان بطريق أو أتى إلى محله، وكذا إن نزل قوم بآخرين يريدون أنفسهم وأموالهم وحريمهم ناشدوهم الله تعالى، فإن أبوا فالسيف. والمعتوه؛ يعني أن المعتوه وهو الضعيف العقل لا يحل قتله وكذا المجنون إلا أن يفيق أحيانا ويجن أحيانا. قاله غير واحد.

وبما قررت علم أن قوله: "والمعتوه"، عطف على قوله:"إلا المرأة". كشيخ فان، تشبيه في عدم جواز القتل؛ يعني أن الشيخ الفاني الذي لا بقية فيه للقتال ولا تدبير له وهو من الكفار لا يجوز قتله، قال الإمام الحطاب: وأما الشيخ الفاني الذي لا يخشى منه نكاية ولا يتقى من رأيه غائلة فلا إشكال أنه لا يقتل وهو مذهب المدونة. انتهى.

وزمن؛ يعني أن الزمن من الكفار وهو المريض بإقعاد أو شلل أو فلج أو جذام أو نحو ذلك بحيث لا نكاية فيه للعدو لا يجوز قتله، وأعمى؛ يعني أن الأعمى من الكفار لا يجوز قتله وهو من جملة الزمنى، فهو عطف خاص على عام. وفي الشبراخيتي ما نصه: والمراد بالفاني من لا يطيق القتال وكذا الزمن، هذا هو الظاهر. انتهى. وراهب منعزل؛ يعني أن الراهب وهو عابد النصارى لا يجوز قتله حيث كان منعزلا بدير أو صومعة؛ يعني أن ما تقدم من أن الراهب المنعزل لا يقتل محله حيث كان منعزلا بدير أو صومعة، والدير خان النصارى والصومعة من مساكن العباد، وأما إن انعزل بكنيسة فإنه يقتل لمخالطته أهل دينه كمنعزل بغيرها وله رأي.

وقوله: بلا رأي، قيد فيما بعد الكاف؛ يعني أن الشيخ الفاني والزمن والأعمى والراهب المنعزل بدير أو صومعة محل عدم جواز قتلهم إنما هو حيث كانوا لا رأي لهم ولا تدبير بأن يكون الشيخ الفاني خرفا لا بقية فيه، وإلا جاز قتلهم، وأما المرأة فالرأي في ترك رأيها، والحكمة في حرمة

ص: 389

قتل هؤلاء الأصناف السبعة أن إتلاف النفوس لا يباح إلا مع ما يقتضي رفع المفسدة ومن لا يقاتل ولما هو أهل للقتال في العادة ليس في إحداث الضرر كالمقاتلين، فرجع إلى الأصل فيهم وهو المنع من قتلهم لا لفضل ترهب الراهب، بل هو أبعد عند الله تعالى من غيره، وفي الحديث: (لا تقتلوا أهل الصوامع

(1)

): وفيه: (الآدمى بنيان الرب ملعون من هدم بنيان الرب

(2)

)، واستثناء هؤلاء الأصناف السبعة يفيد قتل الأجراء من الكفار والحراثين وأهل الصناعات وهو كذلك على أحد قولين، والآخر لا يقتلون وهو المشهور كما في حاشية الشيخ بناني، ومحل هذا الخلاف حيث لم يخش منهم وأمنت جهتهم، وفي الحطاب: وأما ذوو الأعذار من الزمنى والمرضى والعميان والشّلِّ والعُرْج، فإن خشي منهم في الحال لما يكون من [خيانة

(3)

]، غيرهم وعلمهم بمصالح الحرب فلا خلاف أنهم يقتلون جميعا، وإن كان لما يتوقع منهم في ثاني حال، فأما المريض فإن كان شابا فالنظر فيه إلى الإمام كسائر الأسرى، وإن كان شيخا فلا يقتل إذا كان صحيحا فكيف إذا كان مريضا، وأما من عداهم من سائر الزمنى وذوي الأعذار فقد اختلف المذهب في جواز قتلهم على قولين بعد الاتفاق على جواز أسرهم.

وترك لهم الكفاية فقط؛ يعني أن الرهبان وكذا غيرهم ممن لا يقتل إذا رأى الإمام إطلاقهم والمن عليهم -إذ الرهبان لا يسبون حتى يطلقوا- يترك لهم ما يكفيهم لظن اليسرة، قال الشيخ عبد الباقي: من مال الكفار، ويقدم مالهم على مال غيرهم، فإن لم يكن للكفار مال وجب على المسلمين مواساتهم. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: قول الزرقاني: من مال الكفار، غير صحيح وصوابه من مالهم فقط. انتهى.

استغفر قاتلهم؛ يعني أن من قتل أحدا من هذه الأصناف التي لا يجوز قتلها قبل أن يصير مغنما لا شيء عليه من دية ولا كفارة، ولكن عليه أن يتوب إلى الله سبحانه. واعلم أن كل من لا يقتل يجوز سباؤه إلا الراهب والراهبة، وقوله:"واستغفر قاتلهم"، قال الشيخ إبراهيم: ولا شيء عليه من دية ولا كفارة، والمراد بالاستغفار حيث أطلقه الفقهاء التوبة بشروطها، وهذا فيما عدا

(1)

مجمع الزوائد، ج 5، ص 319، وسنن البيهقي، ج 9 ص 90.

(2)

التيسير للمناوي، ج 2، 842، ص 435.

(3)

في النسخ نجابة والمثبت من مناهج التحصيل ج 3 ص 25.

ص: 390

الراهب والراهبة المنعزلين بدير أو صومعة بلا رأي، فإن على قاتلهما ديتهما لأنهما حران كما يأتي. اه. وسيأتي ما فيه.

كمن لم تبلغه دعوة؛ يعني أن من قتل أحدا ممن لم تبلغه دعوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لا شيء عليه من دية ولا من كفارة ولو قتله في غير جهاد، ولكن عليه أن يتوب إلى الله سبحانه، وعن بعض البغداديين: لو ثبت أن المقتول كان متمسكا بكتابه وأنه مؤمن بنبيه على حسب ما اقتضاه كتابه ولكنه لم يعلم ببعث نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فإن فيه الدية حكاه المازري. وإن حيزوا فقيمتهم؛ يعني أن من قتل من يجوز أسر من هذه الأصناف وهم من عدا الراهب والراهبة بعد أن حيزوا وصاروا مغنما، يلزمه أن يغرم قيمتهم يجعلها الإمام في الغنيمة، ولفظ الغنيمة يدل على أن هذا الحكم فيمن هو حر. والرهب والراهبة حران؛ يعني أن الراهب والراهبة المنعزلين بدير أو صومعة بلا رأي حران، فلا يؤسران ولا يسترقان، وما تقدم من أنه لا دية في قتل من نهي عن قتله إنما هو قبل أن يصيروا في الغنم، وما ذكره الخرشي عند قوله: واستغفر تبعا للشيخ علي الأجهوري من أن على قاتلهما الدية قبل أن يصيروا مغنما، تعقبه الرماصي وقال: لم أره منصوصا ولا وجه له، والذي رأيته في الباجي خلافه. سحنون: ومن قتل من نهي عن قتله فإن قتله في دار الحرب قبل أن يصيروا في المغنم، فليستغفر الله تعالى، وإن قتله بعد أن صار مغنما فعليه قيمته يجعل الإمام ذلك في الغنم. انتهى. وقوله: عليه قيمته؛ يعني في غير الراهب والراهبة لأنهما حران، ومقتضى ذلك أن فيهما الدية كما قال لكن لم أره منصوصا لأحد فانظره. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وقال الشيخ الأمير: والراهب والراهبة حران ولا دية في قتلهما خلافا لما في الخرشي. انتهى. وظاهره أنه لا دية في قتلهما مطلقا حيزا أم لا.

بقطع ماء، متعلق بقوله:"قوتلوا"؛ يعني أنهم يقاتلون بكل نوع من أنواع الحرب؛ فيقاتلون بقطع الماء عنهم ليموتوا عطشا، وبإرساله عليهم ليموتوا غرقا، فقوله:"بقطع ماء"؛ أي عنهم أو عليهم كما قاله غير واحد، وقال الشيخ محمد بن الحسن: إن شموله للتغريق بعيد على أن المص سيذكر التغريق. انتهى. وآلة؛ يعني أنهم كما يقاتلون بقطع الماء عنهم وإرساله عليهم يقاتلون

ص: 391

بآلات الحرب، كسيف ورمح ونبل ورمي بمنجنيق ولو كان فيهم نساء وصبيان ولو خيف على الذرية، كما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم بأهل الطائف

(1)

).

وبنار؛ يعني أنهم كما يقاتلون بما مر يقاتلون بالنار بشرطين: أشار لأولهما بقوله: إن لم يمكن غيرها؛ يعني أن ما تقدم من جواز قتالهم بالنار محله إن لم يمكن قتالهم بغير النار، وأما إن أمكن قتالهم بغير النار فلا إلا ما يأتي قريبا، ومذهب المدونة أنه إن لم يمكن غير النار فإنهم يقاتلون بها: ولو لم يخف منهم على المسلمين إن تركناهم فالتقييد بالخوف غير صواب، وأشار للشرط الثاني بقوله: ولم يكن فيهم مسلم؛ يعني أن محل جواز القتال للكفار بالنار إنما هو عند انتفاء أمرين، أحدهما عدم إمكان القتال بغير النار كما مر، ثانيهما أن لا يكون في الكفار مسلم، فإن كان فيهم مسلم لم يقاتلوا بها اتفاقا برا أو بحرا أمكن غيرها أم لا، قال الشيخ عبد الباقي: إلا لخوف، قال محشيه محمد بن الحسن بناني: فيه نظر، والذي عليه ابن الحاجب والتوضيح أن المذهب منع قتالهم بالنار حيث كان فيهم مسلم ولو خفنا منهم خلافا للخمي.

وإن بسفن؛ مبالغة في المفهوم أي يمتنع قتالهم بالنار حيث كان فيهم أسير أو أكثر من المسلمين، وإن كنا وإياهم بسفن وهذا ظاهر، وأما رجوع المبالغة لمفهوم الشرط الأول فغير ظاهر لأن الراجح جواز قتالهم بالنار حيث لم يكن فيهم مسلم، وكنا وإياهم بسفن أمكن غيرها أم لا، وأما إن كنا وإياهم ببر أو أحد الفريقين ببر فيقاتلون بها إن لم يمكن غيرها وإلا فبذلك الغير.

فالحاصل أن السفن إن لم يكن فيها أسرى المسلمين جاز أن يرموا بالنار، وإن كان فيها النساء والصبيان قولا واحدا وإن كان فيها أسرى المسلمين، فقال أشهب: ذلك جائز، وقال ابن القاسم: لا يجوز. قاله الشيخ محمد بن الحسن. ونقل عن ابن رشد أن الحصون إذا لم تكن فيها إلا المقاتلة فأجاز في المدونة أن يرموا بالنار، ومنع من ذلك سحنون، وقد روى ذلك عن مالك من رواية محمد بن معاوية الحضرمي، ولا خلاف فيما سوى ذلك من تغريقهم بالماء ورميهم بالمنجنيق وما أشبه ذلك، وأما إن كان في الحصون مع القاتلة النساء والصبيان ففي ذلك أربعة أقوال: أحدها أنه يجوز أن يرموا بالنار ويغرقوا بالماء ويرموا بالمجانيق وهو قول أصبغ فيما حكى عنه

(1)

البيهقي، ج 9 ص 84، وسنن الترمذي، كتاب الأدب، رقم الحديث، 2762.

ص: 392

ابن مزين، والثاني أنه لا يجوز أن يفعل بهم شيء من ذلك وهو قول ابن القاسم فيما حكى عنه فضل، والثالث أنه يجوز أن يرموا بالمجانيق ويغرقوا بالماء ولا يجوز أن يرموا بالنار وهو قول ابن حبيب، والرابع أنه يجوز أن يرموا بالمجانيق ولا يجوز أن يغرقوا ولا أن يحرقوا وهو مذهب مالك في المدونة، وأما إن كان في الحصن مع المقاتلة أسير فلا يرموا بالنار. ولا يغرقوا بالماء واختلف في قطعه عنهم ورميهم بالمجانيق، فقيل ذلك جائز وهو قول ابن القاسم وأشهب في سماع سحنون، وقيل لا يجوز وهو قول ابن حبيب في الواضحة وحكاه عن مالك وأصحابه المدنيين والمصريين. انتهى.

وإلى مذهب مالك في المدونة في الحصن مع الذراري أو النساء أشار بقوله: وبالحصن بغير تحريق وتغريق مع ذرية؛ يعني أن الكفار إذا كانوا في الحصن مع الذراري والنساء ولم يكن فيهم مسلم فإنهم يقاتلون بغير التحريق والتغريق، فلا يقاتلون بالنار ولو لم يمكن غيرها ولا بإرسال الماء عليهم، وأما إن لم يكن في الحصون إلا المقاتلة فلا خلاف في جواز قتالهم بغير النار، فيغرقون بالماء ويرمون بالمجانيق وما أشبه ذلك كما مر، وأما رميهم بالنار فأجازه في المدونة ومنع منه سحنون، وقد روي ذلك عن مالك من رواية محمد بن معاوية، وقوله:"وبالحصن بغير" لخ، قد علمت أنه مذهب مالك في المدونة، وتقابله أقوال ثلاثة مر ذكرها قريبا. والله سبحانه أعلم. قال الشيخ عبد الباقي: والفرق بين السفينة والحصن العموم فيه دونها. اهـ. قال الشيخ محمد بن الحسن: بل العموم في السفينة دون الحصن غالبا، وعلل في التوضيح عن ابن رشد رميهم بالنار مع الذرية في السفينة بأنه إن لم نرمهم رمونا. انتهى. والمنجنيق بفتح الميم وكسرها وفتح الجيم. وإن تترسوا بذرية تركوا؛ يعني أن الكفار إذا جعلوا الذرية أو النساء ترسا أي جعلوهم كالدرقة يتقون بهم سواء كانوا في الحصن أم لا، فإنه يترك قتالهم لحق الغانمين. إلا لخوف؛ يعني أن محل ترك قتالهم عند التترس بمن ذكر إنما هو إن لم يخف على المسلمين من تركهم، وأما إن خيف على المسلمين من تركهم فإنهم يقاتلون وإن تترسوا بهم، وظاهره كابن بشير وإن قل ولذا أطلقه هنا وقيده في الثانية. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ إبراهيم: وظاهره -يعني المص- اعتبار الخوف وإن قل وهو ظاهر كلام ابن بشير أيضا.

ص: 393

وبمسلم لم يقصد الترس؛ يعني أن الكفار إذا تترسوا بمسلم أي جعلوه ترسا أي جعلوه كالدرقة يلقون

(1)

به ما يصل إليهم من حربنا، فإنهم لا يتركون بل يقاتلون ولكن لا يقصد المسلم الذي تترسوا به بالرمي وإن خفنا على أنفسنا؛ لأن دم المسلم لا يباح بالخوف على النفس، والفرق بين الذرية والمسلم مع أن المسلم أشرف من الذرية أن أهل الإسلام جبلوا على بغض أهل الكفر، فلو أبيح قتالهم في حال تترسهم بذريتهم مع عدم قصد الترس لربما أدى ذلك إلى قتل ذريتهم لعدم تحفظ المسلمين منه لبغضهم، ولا كذلك إذا تترسوا بالمسلم. قاله البرموني.

إن لم يخف على أكثر المسلمين؛ يعني أن محل مراعاة الترس المسلم وعدم قصده بالرمي إنما ذلك إذا لم يخف على أكثر أهل الإسلام، وأما إن خيف من استيصال جمهور المسلمين وأهل القوة منهم فإنه يجب الدفع وتسقط مراعاة الترس فيقصد بالرمي، وفوله:"إن لم يخف على أكثر المسلمين"، قيد أيضا في قوله:"وبالحصن بغير" لخ، وقيد في قوله:"وبنار" أيضا. والمسألة على ثلاثة أوجه: أحدها أن يحصل الخوف على أكثر المسلمين وفي هذه الحالة يقاتلون تترسوا بمسلم أو ذرية ولا يعتبر فيها عدم قصد الترس، ثانيها أن يحصل الخوف منهم لكنه دون الأول وفي هذه الحالة يقاتلون ولا يقصد الترس المسلم وإن تترسوا بذرية لم يعتبر ذلك وفي هذه الحالة يكون المسلم أشد حرمة من ذريتهم، ثالثها أن لا يخاف منهم أصلا فعلى ما تقدم عن البرموني لا يقاتلون إن تترسوا بذرية وبالمسلم يقاتلون ولا يقصد الترس، وعلى مقتضى ما لأحمد لا يقاتلون مطلقا تترسوا بمسلم أو بذرية، فإنه حمل قوله:"وبمسلم"، على ما إذا خيف منهم أي وإن تترسوا بمسلم وخيف منهم فإنهم يرمون، ولا يقصد الترس إلا أن يخاف على أكثر المسلمين فيسقط اعتبار قصد الترس.

ولما ذكر جائزات القتال شرع في ممنوعاته، فقال وحرم نبل سم؛ يعني أنه يحرم علينا أن نرمي العدو بالنبل المسموم وكذا الرمح ونحوه؛ لأن هذا لم يكن فيما مضى وليلا يعاد إلينا، والذي في النوادر: كره مالك أن يسم النبل والرماح: ونحوه لابن يونس، وحمل المولف الكراهة على

(1)

كذا في النسخ.

ص: 394

التحريم، وقيد بعضهم النهي بما إذا لم يكن عند العدو نبل مسموم وإلا فيجوز حينئذ، وكره سحنون جعل سم في قلال خمر ليشربها العدو.

وبما قررت علم أن قوله: "نبل"، لا مفهوم له، وقال الشيخ الأمير: وكره سم نبل، قال في الشرح: هكذا للإمام في النوادر، وحمله الأصل على الحرمة وعدلت عنه؛ لأنه علل بشيئين لا يقتضيانها خوف رده إلينا، وأنه ليس من عمل من مضى. انتهى.

واستعانة بمشرك؛ يعني أنه يحرم علينا في الجهاد أن نستعين بمشرك، لما في مسلم أنه صلى الله عليه وسلم خرج قبل بدر، فلما كان بحرة الوبرة أدركه رجل قد كان يذكر منه جرأة ونجدة، ففرح أصحابه عليه الصلاة والسلام حين رأوه أدركه، فقال له: جئت [لأتبعك

(1)

] وأصيب معك، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (تؤمن بالله ورسوله؟ قال: لا، قال: ارجع فلن أستعين بمشرك، ثم أدركه [بالشجرة

(2)

] فقال له كما قال أول مرة، فرجع ثم قال له في الثالثة: أتؤمن بالله ورسوله؟ فقال: نعم، فقال صلى الله عليه وسلم: فانطلق

(3)

)، وقوله:"واستعانة بمشرك"، ظاهر الخبر أنه يمنع من إعانة المشرك ولو خرج من تلقاء نفسه وهو قول أصبغ، قال: يمنعون أشد المنع، وقوله صلى الله عليه وسلم: (ارجع فلن أستعين بمشرك

(4)

)، قاله ليهودي خرج من غير طلب، وإن جعلنا المص ماشيا على ما لأصبغ تكون السين والتاء في المص للتأكيد، فيحرم علينا قبول إعانته وهو مخالف لظاهر ما في سماع يحيى من أن الممنوع طلب إعانتهم، وأما من خرج من تلقاء نفسه فلا تحرم عليه معاونته، وعليه فالسين والتاء للطلب وهو الذي قرر به الزرقاني كلام المص، وظاهر ابن رشد ترجيحه وهو المعتمد، ويدل له غزو صفوان بن أمية مع النبي صلى الله عليه وسلم حنينا قبل إسلامه،

وقوله: "بمشرك"، المراد بالمشرك مطلق الكافر، وقال ابن حبيب: لا بأس أن يقوم بمن سالمه على من حاربه؛ لأنه عليه الصلاة والسلام استعان بأهل الكتاب على عبدة الأوثان، ولا بأس أن يكون

(1)

في الننسخ لأنفعك والمثبت من مسلم.

(2)

في النسخ بالسحرة والمثبت من مسلم.

(3)

صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، رقم الحديث، 1817.

(4)

صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، رقم الحديث، 1817.

ص: 395

من سالمه بحذاء عسكره وقربه ما لم يكن في داخل عسكره، وقال الشيخ إبراهيم: ولو عبر المص بكتابي بدل مشرك لكان أولى؛ لأنه هو الذي فيه الخلاف بين مالك وأبي حنيفة، وأما الشرك غير الكتابي فلا يستعان به باتفاقهما. انتهى.

وقوله: إلا لخدمة؛ مستثنى من حرمة الاستعانة بالمشرك؛ يعني أن حرمة الاستعانة بالمشرك محلها في الصف والزحام، وأما الخدمة منهم لنا فلا بأس بالاستعانة بهم فيها، كحفر أو هدم أو رمي بمنجنيق أو صنعة، وتجوز الاستعانة بالعبيد إذا أذن السادات وبالمراهقين إن كان فيهم فنَّة، وقوله. "لخدمة"، اللام فيه إما بمعنى: في، أو بمعنى: على. قاله الشيخ إبراهيم.

وإرسال مصحف لهم؛ يعني أنه يحرم إرسال المصحف للمشركين ولو طلبه الطاغية أي ملكهم لتدبره، وكره ذلك خشية إهانته ولأنهم لا يتوقون النجاسات، فينال المصحف ما ينزه عنه وهم أنجاس، وأهل ظنة وبغض في الإسلام وأهله، والمراد بالصحف ما قابل الكتاب الذي فيه كالآية، ولا يجوز تعليم الكافر القرآن ولا الفقه، وكره مالك إعطاء الكافر درهما فيه آية من القرآن، ولا خلاف فيه إذا كانت آية تامة وإنما اختلفوا إذا كان فيه اسم من أسماء الله تعالى ولم تكن الدراهم عليها اسم الله تعالى.

وإنما ضربت دراهم الإسلام في أيام عبد الملك بن مروان، وأجاز مالك وأبو حنيفة والشافعي أن يقرأ عليهم القرآن وأن يبعث إليهم كتاب فيه آيات من القرآن، والأحاديث بذلك كثيرة، وأجاز أبو حنيفة تعليم الكافر القرآن رجاء الإسلام.

وسفر به لأرضهم؛ يعني أنه كما يحرم إرسال المصحف للكفار يحرم السفر به لأرضهم ولو مع جيش كثير مخافة سقوطه منا ولا نشعر به فتناله الإهانة وتصغير ما عظم الله تعالى، وفي الموطإ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو

(1)

).

كمرأة تشبيه في الحرمة؛ يعني أنه يحرم علينا أن نسافر بالمرأة إلى أرض الكفار؛ يعني مسلمة حرة أو أمة ملك لمسلم أو حرة كتابية زوج لمسلم. إلا في جيش آمن؛ يعني أن محل حرمة السفر بالمرأة إلى أرض الكفار ما لم تكن في جيش كثير آمن، وأما إن كانت في جيش كثير آمن فإنه

(1)

الموطأ ج 1 ص 293.

ص: 396

يجوز السفر بها إلى أرض العدو، (وقد صح أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد غزوا أقرع بين نسائه

(1)

)، ولا إشكال أن الأمن موجود معه صلى الله عليه وسلم ونص سحنون على جواز السفر بالنساء إلى الثغور التي في بلاد المسلمين إذا كانت كثيرة مأمونة.

وبما قررت علم أن الاستثناء راجع للمرأة، وقوله:"آمن"، بالمد اسم فاعل وبالقصر فعل ماض. قاله الشيخ إبراهيم. والفرق بين المرأة يجوز السفر بها إلى أرض العدو حيث كانت في جيش آمن، والمصحف لا يجوز السفر به إلى أرضهم ولو مع جيش آمن، أن المصحف قد يسقط ولا يشعر به، والمرأة تنبه على نفسها، ولكون الاستثناء راجعا للمرأة فقط أتى بالكاف. قاله الشيخ عبد الباقي.

وفرار إن بلغ المسلمون النصف؛ يعني أنه يحرم على المسلمين الذين معهم سلاح أن يفروا من العدو إذا كان المسلمون على النصف منهم فأكثر، فلا يجوز أن يفر مسلم واحد عن اثنين من الكفار، ولا اثنان من المسلمين عن أربعة من الكفار، ولا عشرة من المسلمين عن عشرين من الكفار، ولا مائة عن مائتين ونحو ذلك ولو فر الإمام. وقوله:"إن بلغ المسلمون النصف"، ولو شكا أو توهما، ولو كانوا أشد سلاحا وجلدا وقوة ما لم يكن العدو بمحل مدده ولا مدد للمسلمين، ففي التولية سعة، والمعتبر هنا وفي الثانية العدد عند ابن القاسم والجمهور لا القوة ولا الجلد خلافا لابن الماجشون، وتختص الحرمة بمن فر أولا من النصف إن فر البعض ثم الباقون، فإن لم يكن معهم سلاح لم يحرم، وكذا يقال فيما بعده كإن نقصوا عن النصف ولو واحدا.

ولم يبلغوا اثنى عشر ألفا، قيد في المفهوم؛ يعني أن محل جواز الفرار للمسلمين الذين هم أقل من النصف حيث لم يبلغ المسلمون اثني عشر ألفا، وأما إن بلغ المسلمون اثني عشر ألفا فإنه يحرم عليهم الفرار، ولو نقص عددهم عن نصف عدد الكفار ولو كثر الكفار ما لم تختلف كلمة المسلمين، وإلا جاز لهم الفرار لخبر: (لن يغلب اثنا عشر ألفا من قلة إلا أن تختلف كلمتهم

(2)

)، وإن بلغ المسلمون العدد المذكور بقيده حرم الفرار ولو كان العدد بمحل مدده ولا مدد للمسلمين،

(1)

صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، رقم الحديث، 2879. صحيح مسلم، كتاب التوبة، رقم الحديث، 2770.

(2)

سنن أبي داوود كتاب الجهاد، رقم الحديث، 2611، سنن الترمذي كتاب السير، رقم الحديث، 1555، والحاكم، ج 1، ص، 189. ومسند أحمد، رقم الحديث 2582.

ص: 397

بل ولو كان العدو أضعاف أضعافهم كما هو ظاهر كلامهم، وقوله:"ولم يبلغوا اثني عشر ألفا"، هذا القيد ذكره ابن رشد ونسبه لأكثر أهل المعلم. نقله أبو الحسن وسلمه. وكذا نقله ابن عرفة وابن غازي في تكميله وأقراه، وذلك يدل على اعتماده وإن أنكره سحنون ونسبه للعراقيين، ويؤيده الحديث: (لن يغلب اثنا عشر ألفا من قلة

(1)

). أخرجه الترمذي وحسنه وأحمد في مسنده وأبو داوود والحاكم وصححه وأقره الذهبي. وفي بعض التقاييد أن محل حرمة الفرار إذا كان في الاثني عشر نكاية للعدو، فإن لم يكن فيهم ذلك وظن المسلمون أن الكفار يقتلونهم جاز الفرار. واعلم أن الفرار المحرم من الكبائر ولا تجوز شهادة صاحبه إلا أن يتوب. ابن عرفة: تظهر توبته في زحف آخر.

هذا وفي الحطاب عن السهيلي ما نصه: إن قيل كيف فر الصحابة يوم حنين وهو من الكبائر؟ قلنا لم يجمع على أنه من الكبائر إلا في يوم بدر، وكذلك قال الحسن ونافع مولى ابن عمر، ويدل له قوله تعالى:{وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ} ، فيومئذ إشارة ليوم بدر، ثم نزل التخفيف في الفارين يوم حنين، فقال:{وَيَوْمَ حُنَيْنٍ} الآية: وفي تفسير ابن سلام: كان الفرار من الزحف من الكبائر يوم بدر، وكذلك يكون من الكبائر في ملحمة الروم الكبرى وعند الدجال، وأيضا فإنهم رجعوا وقاتلوا حتى فتح الله تعالى عليهم. انتهى. وفيه: -أي الحطاب- عن القرطبي ما نصه: قال عياض: ولم يختلف أنه متى جهل منزلة بعضهم في مراعاة العدد لم يجز الفرار. انتهى.

إلا تحرفا؛ يعني أنه يحرم على المسلم أن يولي العدو دبره إلا أن يكون متحرفا لقتال؛ بأن يظهر من نفسه الهزيمة وليس ذلك قصده ليتبعه العدو فيرجع عليه المسلم فيقتله، وهو من مكائد الحرب، ويجوز التحرف للقتال ولو كان الكفار أقل من الضعف. أو تحيزا؛ يعني أنه يجوز للمسلم تولية العدو الدبر إذا كان متحيزا إلى فئة من المسلمين أو إلى أمير الجيش فيتقوى بهم، ويشترط في جوازهما أن يفعلهما غير أمير الجيش والإمام، وأما هما فليس لهما فعل التحرف

(1)

سنن أبى داوود كتاب الجهاد، رقم الحديث، 2611، سنن الترمذي كتاب السير، رقم الحديث، 1555، والحاكم، ج 1، ص، 189. ومسند أحمد، رقم الحديث 2582.

ص: 398

والتحيز لما يحصل بذلك من الخلل والمفسدة، والذي من خصائصه عليه الصلاة والسلام مصابرة العدو الكثير من غير اشتراط ماهنا.

وقوله: إن خيف، شرط في التحيز فقط لا في التحرف، فقول البساطي إنه قيد في هذين غير ظاهر. قاله الإمام الحطاب؛ يعني أنه يشترط في جواز التحيز أن يكون المتحيز خاف على نفسه خوفا بينا وقرب المنحاز إليه قربا بينا، وأما إن بعد منه الأمير أو الجيش فلا يجوز، وقاله مالك، قاله الشارح. واعلم أنه يحرم الغدر وينبغي أن يستعمل الخداع في الحرب. والله أعلم قاله الحطاب.

والمثلة؛ يعني أنه يحرم علينا أن نمثل بأحد من العدو بعد القدرة عليهم، لنهيه عليه الصلاة والسلام عن ذلك

(1)

)، ولا بأس بقتل المشرك قبل الظفر به بأي قتلة أمكنتنا، وأما بعد الظفر فلا نعبث به ولكن نضرب عنقه، قيل لمالك: أيضرب وسطه بالسيف؟ قال: قال الله سبحانه وتعالى: {فَضَرْبَ الرِّقَابِ} ولا خير في العبث، قيل: أفيعذب إن رجي أن يدلنا على عورة العدو؟ قال: ما سمعت ذلك، قال ابن حبيب: وقد أبى النبي صلى الله عليه وسلم أن يمثل بحيى بن أخطب)، وإنما مثل المشركون بالمسلمين (فتواعدهم النبي صلى الله عليه وسلم بأكثر من ذلك وأقسم على ذلك، فأنزل الله عز وجل:{وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} الآية فكف صلى الله عليه وسلم وكفر عن يمينه

(2)

رراه البزار، وتجوز المثلة بهم إن مثلوا بمسلم كما في هذه الآية. وفي الحطاب عن الاستذكار أن المثلة محرمة في السنة المجمع عليها، وفي الشبراخيتي عند قوله:"والمثلة": فلا يضرب وسطه بالسيف ولا يعبث به، وإنما يضرب عنقه. والمثلة بضم الميم وسكون المثلثة وبفتح الميم وضم الثلثة: العقوبة. انتهى.

وحمل رأس لبلد أو وال؛ يعني أنه يحرم علينا أن نحمل رأس الكافر إلى بلد، وكذلك يحرم علينا أن نحمله إلى وال أي أمير الجيش الكائن مع الجيش وإلا فهو ما قبله، وقد أنكر أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه حمل رأس الكافر، وقال إنه من فعل فارس والروم، ومن فعله فقد تأسى بهم

(1)

الموطأ ج 1 ص 294.

(2)

مجمع الزوائد ج 6 ص 122، الدر المنثور، ج 5 ص 170.

ص: 399

فيه، وأما حمل الرؤوس بالبلد الذي وقع به القتال لغير وال بأرماح فيمنع في أهل البغى ولا يمنع في رءوس الكفار.

وخيانة أسير ائتمن طائعا؛ يعني أنه يحرم على الأسير المسلم الذي أسرته الكفار إذا ائتموه على مال أن يخون: وهذا إذا ائتمن في حال طوعه لقوله عليه الصلاة والسلام: (أد الأمانة إلى من ائتمنك

(1)

ولو على نفسه؛ يعني أن الأسير المسلم إذا ائتمنه الكفار يحرم عليه أن يخون فيما ائتمن فيه، ولا فرق في ذلك بين أن يأتمنوه على مال وبين أن يأتمنوه على نفسه: فلا يجوز له أخذ المال ولا يجوز له أن يهرب، وسواء كان ذلك بعهد منه أن لا يهرب وأن لا يخونهم في مالهم وبغير عهد بيمين فيهما أو بغير يمين، فإن حلف مكرها مع تأمينه طائعا لم يحنث لا إن حلف طائعا فيحنث مع حرمة خيانته حينئذ، ومفهوم قوله:"ائتمن طائعا"، جوازها بدون ائتمان أو به مكرها بعهد أو بغيره بيمين أو بغيرها، لكن إن حلف مكرها أيضا لم يحنث وطائعا حنث بهروبه وخيانته لهم في مالهم مع جواز ذلك كله له، ويحرم الغدر في الحرب وينبغي الخداع فيها.

وفي البيان عن المخزومي وابن الماجشون: له الهروب والأخذ من أموالهم ويقتلهم، وإن ائتمنوه وإن أحلفوه فار حنث عليه. انتهى.

وللأسير أن يسرق من أموالهم ولا يعاملهم بالربا. قاله أشهب. وإن دفعوا له ثوبا فلا يحل له أن يسرق منه لأنه ائتمن عليه، وما أقر به بعد تخلصه إلى بلاد الإسلام من سرقة أو ربى أو زنى فلا شيء عليه في السرقة، وأحب إلي أن يتصدق بقدر ما أربى فيه، واختلف في زناه فقال ابن القاسم: يقام عليه الحد إن أقر وأقام على إقراره ولم يرجع، وقاله أصبغ، زنى بحرة أو أمة، وقال عبد الملك: لا حد عليه في زناه ولا في سرقته، قوله:"ولو على نفسه"، هو الذي عليه الأصحاب، ونقل ابن عبد السلام عن مالك قولا أنه يهرب بنفسه دون ما لهم. وحكى في الكافي عن مالك أيضا. قال: وفرض عليه أن يخرج ويكفر عن يمينه إن لم يكره عليها وإلا فلا كفارة، وإذا أسلم الحربي ببلاد الحرب فقتله مسلم خطأ قبل الخروج وهو لا يعلمه مسلما فقد قيل: عليه

(1)

سنن أبي داوود كتاب البيوع، رقم الحديث 3535، سنن الترمذي، كتاب البيوع، رقم الحديث، 1264.

ص: 400

الدية والكفارة، وقيل الكفارة لا غير، ولو تعمد قتله وهو لا يعلمه مسلما كانت عليه الدية والكفارة، ولو تعمد وهو يعلم بإسلامه قتل به، ولو قتل مسلم مسلما عند التحام الحرب وقال ظننته من العدوِّ حلف على ذلك وكانت عليه الدية والكفارة، وإذا جنى الأسير المسلم على أسير مثله فلا يسقط ذلك كونهما بدار الحرب بل هما كغيرهما، ونقل الحطاب عن ابن عوفة ما نصه: الأسير إن ترك بعهدة أن لا يهرب ولا يخون، ظاهر الأقوال لزومه وهو ظاهر قول ابن حارث: يجب على المسلم الوفاء بعهدة العدو اتفاقا، وفي لزومه العقد ولو كان مكرها أو إلا إن كان مكرها نقلا المازري عن الأشياخ، وإن ترك دون ائتمان ويمين فله الهروب بنفسه وما أمكنه من قتل نفس وأخذ مال إن قدر على النجاة، وإن ترك بائتمان وأيمان طلاق أو غيره ففي كونه كذلك أو كالعهد، ثالثها له الهروب بنفسه فقط. انتهى. ونحود للشبراخيتي، وزاد بعد قوله:"فقط" ما نصه: لابن رشد عن المخزومي في المبسوط مع ابن الماجشون وسماع عيسى ابن القاسم مع سماع أصبغ والأخوين مع روايتهما. انتهى.

وفيه أي الشبراخيتي عند قوله: "ائتمن طائعا"، بعهد كما إذا أعطاهم عهدا أن لا يخون أو لا يهرب، فليس له الخيانة فيما عوهد عليه من نفس وغيرها اتفاقا أو بغيره نحو أمناك على نفسك أو هي وغيرها، فإنه ليس له الخيانة فيما أمن عليه على المعتمد، سواء انضم لذلك حلف منه أم لا، فلا يسرق من ثوب دفع له يخيطه مثلا، وإن لم يؤمن لا بيمين ولا بغيره فله الخيانة اتفاقا، فإذا كان مرسلا وقدر أن يأخذ من أموالهم شيئا لم يؤمن عليه فله ذلك، ومفهوم ائتمن طائعا أنه لو لم يؤتمن أو ائتمن مكرها على وجه المعاهدة أو غيرها فإنه بمنزلة من لم يؤمن فله الخيانة فيما شاء من نفسه وغيرها من نسائهم وذراريهم وأموالهم، سواء انضم لذلك يمين أم لا، ولا حنث عليه لأن أصل يمينه إكراه، وإذا تنازع الأسير ومن أمنه هل وقع الائتمان على الطوع أو الإكراه؟ فالقول للأسير، وإذا اقترض الأسير دراهم من بعض الحربيبن وضمنه فيها شخص من الحربيين فإنه يلزمه؛ لأن المقرض ائتمنه على ما أقرضه له طائعا وأفتى بعضهم بعدم اللزوم، وبه قال الحنفية.

ص: 401

ومن فروع هذا الباب ما ذكره ابن حبيب عن مطرف وابن المجشون أن الأسير إذا أطلقه العدو على أن يأتيه بفدائه فله بعث المال دون رجوعه، ولو عوقد على أن يبعث بالمال فعجز عنه فليجتهد فيه أبدا ولا يرجع، والفرق بينهما شرط رجوعه في الأولى دون الثانية.

والغلول؛ عطف على نبل من قوله: "وحرم نبل" يعني أن الغلول حرام، والغلول أخذ ما لم يبح الانتفاغ به من الغنيمة قبل حوزها، قال بعضهم: وهو من الكبائر وهو مأخوذ من الغلل وهو الماء الجاري بين الشجر؛ لأن الغال يدخل ما يأخذه بين متاعه، من غل يغل بضم الغين في المضارع وكسرها، وليس من الغلول من جاهد مع وال جائر لا يقسم الغنيمة قسمة شرعية وأخذ قدر ما يستحقد فيها فإن ذلك سائغ لأنه بمثابة من أخذ عين شيئه، وينبغي إن أمن فتنة ورذيلة.

وو الحديث. (لا تغلوا فإن الغلول عار ونار وشنار

(1)

)، وفي الحديث أيضا ما معناه: أن الغال يحمل ما أخذ يوم القيامة، إن كان شاة أتى بها تيعر، وإن كان بعيرا أتى به يحمله وله رغاء، وإن كان بقرة أتى بها يحملها ولها خوار

(2)

، وفي الكتاب العزيز:{وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} وما مر من تعريف الغلول لابن عرفة كما في التتائي وهو الصواب، وفي عبارة قبل قسهما فيتماري من مؤدى العبارتين فيما إذا أخذ منها بعد الحوز وقبل القسم، هل هو من الغلول؟.

وأدب إن ظهر عليه؛ يعني أن الغال يجب على الإمام أدبه بحسب اجتهاده إن اطلع عليه قبل أن يجيء تائبا، وإلا لم يؤدب كالزنديق والراجع عن شهادته قبل أن يعثر عليه. ابن رشد: وهذا إن تاب قبل القسم ورد ما أخذ في المغنم، وأما لو تاب بعد القسم فلا يسقط أدبه عند الجميع. انتهئ. قال الشارح: قلت وظاهر ما حكاه في النوادر عن ابن حبيب أن التوبة تسقط عنه الأدب، ولو قسمت الغنيمة وتفرق الجيش إن جاء تائبا أخذ منه ذلك ولا نكال عليه، فإن تفرق الجيش وتعذر الرد تصدق به عنهم بعد دفع خمسة للإمام. قاله الشيخ عبد الباقي. يريد ويرد في المغنم إن لم يقسم أو يدفع لهم إن قسم ولم يتفرقوا. انتهى.

(1)

الموطأ، كتاب الجهاد، رقم الحديث، 994. مسند الشاميين للطبراني، رقم الحديث 1483.

(2)

صحيح البخاري، كتاب الهبة، رقم الحديث 2597، وصحيح مسلم، كتاب الإمارة، رقم الحديث 1832.

ص: 402

ولا بأس بالصلاة على من غل؛ لأنه صلى الله عليه وسلم، قال: (صلوا على صاحبكم

(1)

) في رجل مات وقد كان غل خرزات من خرزات اليهود وترك الصلاة عليه، وقوله:"وأدب"؛ أي ولا يحرق رحله ولا يمنع سهمه من الغنيمة، ويأتي مفهوم الغال في قوله:"وحد زان وسارق إن حيز المغنم".

وفي الحطاب عن ابن عبد البر: وأجمع العلماء على أن على الغال أن يرد ما غل لصاحب المقاسم إن وجد السبيل إلى ذلك، وأنه إن فعل ذلك فهي توبة وخروج عن ذنبه، فإن افترق العسكر ولم يصل إليهم، فقال جماعة من أهل المعلم، يدفع إلى الإمام خمسة ويتصدق بالباقي أي عنهم، وإلى هذا ذهب الزهري والأوزاعي ومالك. ابن عرفة: إن تنصل منه عند موته فإن كان أمرا قريبا ولم يفترق الجيش فهو من رأس ماله، وإن طال فمن ثلثه. اننهى. وفي الشبراخيتي عند قوله "إن ظهر عليه ": لا إن جاء تائبا ولو بعد القسم وتفرق الجيش وتعذر الرد، وهو ظاهر ما حكاه ابن حبيب في النوادر، ويتصدق به عنهم بعد دفع خمسة للإمام. انتهى.

وجاز أخذ محتاج نعلا؛ يعني أن المجاهد الذي يسهم له يجوز له أن يأخذ نعلا من الغنيمة احتاج إليها، ولا يكون ذلك غلولا، ومثل النعل الخف وحزاما يعني أنه يجوز للمجاهد أيضا أن يأخذ من الغنيمة حزاما احتاج إليه ولا يكون ذلك غلولا. وإبرة؛ يعني وكذلك يجوز للمجاهد أن يأخذ إبرة من الغنيمة احتاج إليها ولا يكون ذلك غلولا، قال الشيخ عبد الباقي: وظاهر قوله: "وجاز أخذ محتاج"، كالباجي أن مطلق الحاجة كاف وإن لم يبلغوا الضرورة المبيحة للميتة، وإن كان الأخذ لمن لا يسهم له، ففي جوازه وعدمه قولان، وقال الشيخ إبراهيم: وجاز للجيش أخذ محتاج من الغنيمة، سواء كان بنية الرد أم لا، أذن الإمام في الأخذ أم لا، بلغت بهم الحاجة إلى الضرورة أم لا فإن نهاهم الإمام عن الأخذ لم يبح لهم الأخذ إلا إذا بلغت بهم الحاجة إلى الضرورة المبيحة لأكل الميتة، وقوله:"وجاز أخذ محتاج"، قيده ابن رشد بما إذا لم يأخذه بنية الغلول ولابد منه. انتهى. وقال الإمام الحطاب: قال ابن عرفة: ولو نهاهم الإمام عنه ثم اضطروا إليه جاز لهم أكله. انتهى.

(1)

الموطأ كتاب الجهاد، رقم الحديث 995.

ص: 403

وطعاما؛ يعني أنه يجوز للمجاهد أخذ طعام من الغنيمة احتاج إليه ولا يعد ذلك غلولا، وقوله:"وطعاما" وكذا مصلحه من نحو فلفل، وإن نعما؛ يعني أنه يجوز للمجاهد أن يأخذ طعاما احتاج إليه، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الطعام المحتاج إليه ثمرا أو حبا أو غيرهما من سائر المطعومات، وبين أن يكون نعما تذكى فإن الكل سائغ أخذه. والنعم الإبل والبقر والغنم وإذا ذبح المنعم رد جلدها للمغنم إن لم يحتج إليه وإلا أخذه أيضا كما إذا احتاج إليه لنعل أو لخف أو لغير ذلك من الحوائج.

وعلفا؛ يعني أنه يجوز للمجاهد أيضا أن يأخذ العلف لدوابه إن احتاج إليه ولا يسمى ذلك غلولا، وقإله:"وجاز أخذ محتاج" إلى آخره، قد مر قول ابن عرفة: ولو نهاهم الإمام ثم اضطروا إليه جاز لهم أكله. أبو الحسن: لأن الإمام إذ ذاك عاص فلا يلتفت إليه. انتهى. كثوب؛ يعني أنه كما يجوز له أخذ ما ذكر عند الحاجة، يجوز له أيضا أن يأخذ ثوبا احتاج إلى لباسه ثم يرده بعد ذلك للغنيمة. وسلاح؛ يعني أنه يجوز له أيضا إذا احتاج للسلاح يقاتل به أن يأخذ من الغنيمة سلاحا يقاتل به ثم يرده للغنيمة. ودابة؛ يعني أنه يجوز للمجاهد إذا احتاج إلى دابة ليقاتل عليها أو يركبها إلى بلده أن يأخذ من الغنيمة دابة لذلك ثم يردها للمغنم، فإن كانت الغنيمة قد قسمت باعها وتصدق بالثمن، والسلاح كذلك.

وقوله: لترد؛ راجع لما بعد الكاف؛ يعني أن أخذ هذه الأشياء الثلاثة للمحتاج إليها إنما يجوز إذا كان ليردها إلى الغنيمة، وأما إن نوى تملكها فلا يجوز له أخذها، والأقسام ثلاثة: أخذها ليردها، أخذها بلا نية يسوغ الأخذ فيهما، أخذها بنية التملك لا يجوز، وقوله:"كثوب" الخ، قال الشيخ إبراهيم: أتى بكاف التشبيه ليرجع القيد لما بعدها، وأما ما قبلها فله أخذه بنية التملك. انتهى. وروي علي وابن وهب عن الإمام أنه قال: لا ينتفع بدابة ولا بسلاح ولا بثوب، ولو جاز ذلك لجاز أن يأخذ المعين فيشتري بها هذا، وفرق بأن المعين لا ينتفع بها إلا مع ذهاب عينها.

ورد الفضل؛ يعني أن المجاهد إذا أخذ أكثر مما يحتاج إليه فيما قبل الكاف فإنه يجب عليه أن يرد الفاضل عن الحاجة إن كثر؛ يعني أن محل لزوم رد الفضل عن الحاجة إنما هو حيث كثر

ص: 404

الفاضل، وأما إن قل فلا يلزمه رده بل له أكله، والكثير ما ثمنه زائد على الدرهم والقليل ما لا ثمن له، أو ما ثمنه الدرهم وشبهه عند ابن القاسم وعند مالك كالدانق، وأما الفاضل عن الحاجة فيما بعد الكاف فإنه يرده بعينه، ولا معنى فيه للقلة والكثرة، وقوله:"ورد الفضل إن كثر"، فإن لم يرد الكثير وأقرضه لشخص فليس له أخذ عوضه ولا ثمنه إن باعه، وإنما يأخذه الإمام ليفرقه هذا إذا كان المقترض من غير الجيش، فإن كان منهم لم يرده إن احتاج إليه وإلا رده. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ إبراهيم: والشرط راجع لما قبل الكاف وهو لا ينافي أن له أخذه بنية التملك لحاجته؛ لأنه إذا استغنى عنه رده، وأما ما بعدها فإنه يرده من غير قيد الكثرة، فلا يجري فيه هذا التفصيل ولو أقرض أصحابه ما فضل لم يلزم المقترض ببلد العدو بدله، فإن جهل فرد بدله رجع به إن كان قائما لا فائتا، كمن أثاب على صدقة ظانا لزومه، ومن صاد شيئا بأرضهم بريا أو بحريا فله أكله وإن باعه أو شيئا منه جعل ثمنه في الغنيمة. انتهى.

فإن تعذر تصدق؛ يعني أنه إذا تعذر رد الكثير فيما قبل الكاف أو تعذر رد ما أخذه ليرده فيما بعد الكاف لسفر الإمام وتفرق الجيش، فإنه يتصدق به كله عنهم كما لو جهلت أربابه، وفي شرحي الخرشي وعبد الباقي أنه يتصدق به كله بعد إخراج الخمس في مسألة تعذر رد الكثير، قال المحشي محمد بن الحسن بناني: هو خلاف ما يؤخذ من التوضيح من أنه يتصدق بالجميع انتهى ويؤخذ من كلام الشارح أيضا أنه يتصدق بالجميع، وقوله:"فإن تعذر تصدق به" هو المشهور، ومقابله لابن المواز أنه يتصدق به حتى يبقى منه اليسير، فيجوز له أكله كما يجوز له لو كان جميع الباقي، واستبعده ابن عبد السلام بأن اليسير قد يغتفر منفردا لا مع غيره.

ومضت المبادلة بينهم؛ يعني أنه لو أخذ أحد المجاهدين الغانمين قمحا وآخر عسلا وآخر لحما -مثلا- لحاجة كل إلى ذلك، ثم إن أحدهم أراد أن يمنع صاحبه مما أخذ حتى يبادله بما أخذ فبادله، فإن ذلك يمضي بل يجوز الإقدام عليه ابتداء ولو بتفاضل أو تأخير في طعام ربوي؛ لأن كل واحد منهما إنما يعطي ما استغنى عنه، فللآخر أن يأخذ بغير عوض، وقيل لا تجوز المبادلة في الطعام الربوي إلا مع التساوي، وكما تجوز المبادلة بين الغزاة تجوز لهم مع غيرهم بشرط السلامة من الربا وإلا منعت؛ لأن الربا إنما هو مغتفر للغزاة فيما بينهم، وإنما يغتفر فيما فضل

ص: 405

عن الحاجة مع الحاجة إلى ما يأخذ بدله، وأما إن لم يكن عند واحد إلا ما يحتاج إليه فلا يجوز فيه الربا بل يمنع، وبهذا قيد الجواز أبو الحسن في شرح المدونة، واعتمدد أحمد وعلي الأجهوري وقيد به كلام المؤلف، وتبعه الزرقاني، وظاهر كلام ابن عبد السلام عدم اعتماده وتبعه في التوضيح، وفائدة التعبير بالمضي مع أن المبادلة تجوز ابتداء هي أنه لو امتنع من دفع العوض في المبادلة لما أجبر عليه، كما لا يجب رد العوض في القرض، لكنه لو لم يعثر على ذلك حتى رد العوض فإن ذلك يمضي، فهذه فائدة التعبير بالمضي.

واعلم أن مضي المبادلة وجوازها إنما هو قبل القسم كما هو الموضوع، وأما بعد القسم فبيع يعتبر بشروطه، ولا تجوز المبادلة فيما استغنى عنه وعن بدله لوجوب رده للمغنم كما مر. قاله الشيخ عبد الباقي. وهذا في الفضل الكثير لا في القليل لما مر أنه له أكله، واختلف فيمن أخذ من الغنيمة قبل القسم طعاما فباعد واشترى بثمنه طعاما، فكرهه ابن حبيب ورأى الثمن مغنما، وقال سحنون: قال بعض أصحابنا لمن باعه لحاجته ليصرف ثمنه في كسوة أو سلاح ولا شيء عنده: لا بأس به كما لو أخذه من المغنم وإن بلغ بلاده تصدق به وإن باعه لينال ثمنه وكان له قدر كان مغنما، ومن استقرض من الغنيمة قبل القسم ما يحتاج إليه من غيره من الغانمين فلا يلزمه رد العوض، فإن جهل فرده من طعام يملكه فليرجع بما دفع إن كان قائما وإن أفاته المدفوع إليه فلا شيء عليه، كمن عوض من صدقة يظن أن ذلك يلزمه فإنه يرجع في عوضه إن كان قائما، وإن فات فلا شيء له لأنه سلطه عليه وانظر هل يجوز اجتماع ربا الفضل والنساء في حق الغزاة أم لا يجوز إلا وقوع أحد الأمرين؟

وببلدهم إقامة الحد؛ يعني أنه يجوز للإمام أن يقيم الحد ببلد العدو، والمراد بالجواز الإذن لأن ذلك واجب فلا يؤخر خوف الفوات، ولأن ذلك من أكبر الطاعات والقربات ولا يراعى خوف ارتدادد لإقامة الحد عليه. حلولو: وانظر إذا توقع من ذلك حصول مفسدة ويظهر -والله أعلم- أن يؤخر لذلك سيما إن خيف عظمها. وتخريب؛ يعني أنه يجوز للمسلمين إذا دخلوا بلاد العدو أن يخربوا منازل العدو وحصونهم وقراهم، وقطع نخل؛ يعني أنه كما يجوز للمسلمين إذا دخلوا بلاد العدو أن يخربوا قراهم وحصونهم، يجوز لهم أن يقطعوا نخيلهم وأشجارهم لما في ذلك من

ص: 406

التضييق عليهم وتوهين شأنهم، وحرق؛ يعني أنه كما يجوز تخريب منازل العدو وحصونهم وقطع أشجارهم يجوز لهم أيضا حرق النخيل والأشجار، وإنما جاز ما ذكر لما فيه من الإضرار للعدو، ولهذا قال: إن أنكى، بغير همز؛ يعني أنه إنما يجوز ما ذكر من التخريب والقطع والحرق حيث كان فيه نكاية للعدو أي ضرر، أو لم يرج؛ يعني أن ما ذكر من التخريب والقطع والحرق يجوز لأحد أمرين وأولى إن اجتمعا، أحدهما أن يكون فيه نكاية أي ضرر، الثاني أن لا يكون فيه نكاية للعدو ولكنه لم يرج أن يصير للمسلمين.

والحاصل أنها إن رجيت للمسلمين جاز ما ذكر إن كان فيه نكاية للعدوِّ، وإن لم ترج جاز مطلقا وإن لم تكن فيه نكاية ورجي وجب الإبقاء قال فيها: ولا بأس بتحريق قراهم وحصونهم وتغريقها بالماء وتخريبها وقطع الشجر الثمرة وغيرها، (وقد قطع صلى الله عليه وسلم نخل بني النضير وأحرق قراهم

(1)

)، فأنزل الله عز وجل:{مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ} ، قال سحنون: وأصل نهي أبي بكر الصديق رضي الله عنه عن قطع الشجر وإخراب العامر إنما ذلك فيما يرجى مصيره للمسلمين نظرا لهم، وما لم يرج الظهور عليه فالنظر لهم خرابه، وهل اللينة ما سوى العجوة من الثمار أو هي نوع من النخل أو هي النخل كله العجوة وغيرها؟ أقوال. قاله الشيخ إبراهيم.

واعلم أن الصور أربع: إحداها أن يكون ما ذكر فيه نكاية للمشركين ورجيت للمسلمين، الثانية أن لا ينكي ولا يرجى للمسلمين قال الشيخ عبد الباقي: فالجواز في هاتين الصورتين، الثالثة أن ينكى ولم يرج للمسلمين قال الشيخ عبد الباقي: فيتعين التخريب أو القطع أو الحرق، الرابعة أن لا ينكى مع أنها مرجوة للمسلمين قال الشيخ عبد الباقي: فيجب الإبقاء. كذا يفيده النقل فلا تدخل هاتان الصورتان -يعني الأخيرتين- في كلامه.

والظاهر أنه مندوب، قال الشيخ عبد الباقي في تفسيره للمص هنا: والظاهر عند ابن رشد أنه -أي ما ذكر من جواز التخريب وما معه- مندوب فيما إذا لم ترج ولم تنك وهي الصورة الثانية من صورتي الجواز. انتهى؛ يعني الصورة التي هي أن يكون ما ذكر ليس فيه نكاية للعدو ولم يرج

(1)

صحيح البخاري، كتاب التفسير، رقم الحديث، 4884. صحيح مسلم كتاب الجهاد والسير، رقم الحديث 1746 بدون لفظ قراهم.

ص: 407

للمسلمين، كعكسه. قال الشيخ عبد الباقي شارحا لقوله "كعكسه": أي عدم التخريب وما معه فيما إذا رجيت وأنكى ما ذكر، وهي الصورة الأولى من صورتي الجواز اللتين قدمهما، وما استظهره من لندب فيهما لا ينافي الجواز، ولا يحمل كلام المص على الحالة التي يجب فيها التخريب وما معه، ولا على الحالة التي يجب فيها الإبقاء. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: فيه نظر، بل إنما تكلم ابن رشد كما في المواق على صورتين؛ إذا أنكت ولم ترج فضل القطع وإن رجيت فضل الإبقاء ولم يتكلم على سواهما انظره ولعل وجهه أن ذلك لا يمكن أن يكون إلا منكيا لهم، وقرره التتائي على الصواب، فقول الزرقاني: ولا يحمل كلام المص الخ غير صواب، وحكمه فيها بوجوب التخريب لا مستند له. انتهى.

قال جامعه عفا الله تعالى عنه: قد تقدم قول سحنون وأصل نهي أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه عن قطع الشجر وإخراب العامر أن ذلك فيما يرجى مصيره للمسلمين نظرا لهم، وما لم يرج الظهور عليه فالنظر لهم خرابه. انتهى. فقوله: فالنظر لهم خرابه، فيه للرأي مجال فيكون له مستند في الوجوب. والله سبحانه أعلم. ونحو ما للشيخ عبد الباقي للشيخ إبراهيم، وقال: قال في الحاشية: قوله وتخريب إلى لم يرج، هذا مذهب الجمهور وهو المذهب، وقوله:"والظاهر" الخ، مقابل. انتهى.

ووطء أسير زوجة؛ يعني أن سبي العدو لزوجات المسلمين والعياذ بالله تعالى لا يهدم النكاح، فلذلك يجوز للأسير المسلم أن يطأ زوجته التي سباها العدو حيث تيقن أنها سلمت من وطء العدو كما في الشبراخيتي. وأمة؛ يعني أنه يجوز للأسير المسلم أن يطأ أمته التي سباها العدو إن تيقن أنها سلمت من وطء العدو لها؛ لأن سبي العدو لإماء المسلمين لا يبطل ملكهم لها، وقوله:"ووط أسير زوجة وأمة". اعلم أن الجواز فيهما مع الكراهة لقول الإمام: أكره ذلك لما أخاف من بقاء ذريته بأرض الحرب. انتهى. ولو ظن أو شك في وطء الكافر لهما لحرم وطء الأسير المسلم لهما، وتيقنه يحصل بعدم غيبة الكافر عليهما، ولا تصدق المرأة حينئذ في عدم وطئه فيما يظهر. قاله الشيخ عبد الباقي.

ص: 408

وبما قررت علم أن الضمير في قوله: سلمتا يرجع للزوجة والأمة المسبيتين للعدو، وفي بعض النسخ سبيتا، قال الشيخ إبراهيم: والأولى والأحسن جمعهما؛ لأن الموضوع أنهما سبيتا ولابد من سلامتهما من وطء العدو أي سبيتا وسلمتا. انتهى.

وذبح حيوان وعرقبته وأجهز عليه؛ يعني أنه إذا عجز المسلمون عن حمل مال الكفار أو حمل بعض متاعهم فإنهم يتلفونه ليلا ينتفع به العدو، وسواء الحيوان وغيره على المشهور والمعروف، وعلى المشهور فاختلف؛ يتلف الحيوان، فقال المصريون من أصحاب مالك: تعرقب أو تذبح أو يجهز عليها وقال المدنيون يجهز عليها، وكرهوا أن تعرقب أو تذبح هكذا قال في التوضيح، ومثله للباجي وأبي الحسن وابن عبد السلام، وبه تعلم أن المص درج على قول المصريين وهو مذهب المدونة، وأن الواو في كلامه بمعنى: أو أولا وثانيا؛ إذ ليس المراد اجتماع الثلاثة ولا اثنين منها، قال الشيخ محمد بن الحسن: لم أر من قال ذلك ولا معنى له، وحينئذ فقول الزرقاني كغيره من الشراح: وأجهز عليه عقب عرقبته غير صواب، قال مصطفى: ما هو إلا تهافت؛ إذ لو كان يجهز عليه فما فائدة عرقبته؟ فالجمع بينهما عبث، فالصواب أن معناه: ويجوز الإجهاز عليه، فهو عطف على ذبح، وإن كان تغييره الأسلوب يشعر بما قالوه لكن يتعين ما قلنا ليطابق النقل. انتهى. وقوله:"وعرقبته"، مصدر عرقبه أي قطع عرقوبيه، وقوله:"وأجهز عليه"، معناه تزهق روحه، وذلك صادق بقطعه نصفين وضرب عنقه وغير ذلك، وبقول المدنيين: قال ابن حبيب: قال لأن الذبح مثلة والعرقبة تعذيب، واعترض بأن الذبح مباح وإنما نهي عنه خشية أن يكون وسيلة لأكل الخيل ونحوها، وتشكيكا للعوام في ذلك. المازري: واختار بعض أصحابنا الذبح، وجعله ابن بشير خلافا في حال إن أمكن احتياج المسلمين إليه، فالذبح وإلا فالإجهاز، وكل هذا في غير مراكبهم، وأما هي فيجوز إتلافها بأي وجه أمكن من وجوه الإتلاف باتفاق توصلا إلى قتل راكبها.

وفي النحل إن كثرت ولم يقصد عسلها روايتان؛ يعني أن المسلمين إذا دخلوا بلاد العدو فإنه وردت روايتان في جواز إتلافهم للنحل حيث كثرت؛ لأن إتلافها حينئذ فيه نكاية للعدو وكراهة

ص: 409

إتلافهم لها، ومحل الكراهة على هذه الرواية إنما هو حيث لم يقصد المسلم بإتلاف النحل أخذ العسل.

والحاصل أن الصور أربع: قصد المسلم بالإتلاف أخذ العسل لا كراهة كثرت أو قلت وهاتان صورتان، قلت النحل ولم يقصد مسلم عسلها فالكراهة، كثرت ولم يقصد مسلم عسلها هي محل الروايتين.

وحرق إن أكلوا الميتة؛ هذا راجع لقوله: "وذبح حيوان وعرقبته وأجهز عليه"؛ يعني أن الحيوان الذي فعل به ما ذكر إذا كان ميتة فإنه يحرق إن كان العدو يستحلون أكل الميتة ولو ظنا ليلا ينتفعوا بد وإلا لم يحرق، قال التتائي: والأظهر تحريقه مطلقا لاحتمال أكلهم له حال الضرورة، ولا يقال ذلك تعذيب؛ لأنا نقول: التعذيب في الحي، فإن لم يكن المذبوح ميتة حرق مطلقا، وقوله:"وحرق"؛ أي وجوبا، وفرق اللخمي بين أن يكون رجوعهم إليه قبل فساده فيحرق وجوبا، وبعد فساده فلا يجب حرقه لأن القصد عدم انتفاعهم بذلك وقت حصل وهو ظاهر إلا أن المص لم يمش عليه. نقله الشيخ إبراهيم.

كمتاع عجز عن حمله، تشبيه تام؛ يعني أنه إذا قدر المسلمون على أمتعة الكفار وعجزوا عن حملها أو حمل بعضها وكذا أمتعة المسلمين، فإنهم يتلفون ذلك حتى لا ينتفع العدو بشيء منه قصدا لحصول النكاية لهم، وقوله:"عجز عن حمله"، وكذا لو عجز عن الانتفاع به، فلو قال: عجز عن الانتفاع به لكان أحسن لشموله ما عجز عن حمله ولما قدر عليه ولكن لا ينتفع به. قاله الشيخ إبراهيم. فتحصل من كلامهم أنه يتلف وجوبا ما ينتفعون به مما يحرم علينا وما لا يحرم إن لم يمكن انتفاعنا به. والله سبحانه أعلم.

وجعل الديون؛ يعني أنه يجوز للإمام أن يجعل ديوانا لطائفة تناط بهم أحكام، والديوان قال ابن عرفة: اسم لرسم جمع أسماء أنواع المعدين لقتال العدو بعطاء. انتهى. والرسم الكتاب وأخصر منه رسم فيه أسماء من يجاهد بعطاء. قاله الشيخ إبراهيم. قال في شرح الفصيح: ثلاثة لا يقولها بالفتح إلا فصيح: الديوان ودحية والديباج. قاله الشيخ إبراهيم. وقال الشيخ عبد الباقي: والديوان بكسر الدال على المشهور وفي لغة بفتحها بخلاف دحية ففتح داله وكسرها لغتان. قاله

ص: 410

النووي في تهذيبه. وكذا ديباج كما في دقائق المنهاج، زاد ابن الملقن: وجعل أبو زيد الفتح فيه خطأ، وبهذا يرد ما قيل عن شرح الفصيح: ثلاثة لا يقولها بالفتح إلا فصيح: ريوان وديباج ودحية انتهى.

وقوله: "وجعل الديوان" علم مما قررت أن الجيم مفتوحة، وقرره الشارح على أنه جعل بضم الجيم أي أنه يجوز للشخص أن يكتب نفسه في الديوان إذا كان عطاؤه حلالا. قاله غير واحد. قال الشيخ عبد الباقي: ويزاد أن يكون محتاجا، وأن يأخذ قدر حاجته المعتادة لأمثاله. انتهى. قال الشيخ بناني: لم أر من ذكر هذين القيدين فانظرهما، ثم قال بعد أن جلب سماعا لابن القاسم: فإن أراد الزرقاني أنهما شرطان في الكمال ظهر كلامه، وإن أراد أنهما شرطان في الجواز ففيه نظر. والله أعلم.

وأول من دون الدواوين سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه.

وإذا تنازع رجلان في اسم مكتوب في العطاء فأعطى أحدهما الآخر مالا على أن يبرأ إليه من ذلك الاسم لم يجز؛ لأن الذي أعطى الدراهم إن كان صاحب الاسم فقد أخذ الآخر ما لا يحل له، وإن كان الذي أخذ الدراهم هو صاحب الاسم لم يجز ذلك لأنه لا يدري ما باع قليلا أو كثيرا، ولا يدري ما تبلغ حياة صاحبه فهذا غرر لا يجوز.

قال في المدونة: قال ابن محرز: أصحاب العطاء أفضل من المتطوعة لما يدعون، قال أبو الحسن: وذلك لأن أصحاب العطاء كالعبيد والعبد يأمره سيده وينهاه، قال ابن عرفة: وحاصله الترجيح بكثرة العمل، فإذا اتحد كان دون عطاء أفضل. انتهى. وسمع ابن القاسم: لا أرى قبول فرس أو سلاح أعطاه في الجهاد ولا بأس به للمحتاج. ابن رشد: قبول المحتاج أفضل إجماعا لأنه من إعلاء كلمة الله تعالى بالقوة على الجهاد، وهو يفيد أن الأولى للغني أن لا يستعين على الجهاد بمال غيره ولا يدل على تحريم ذلك. انتهى.

وجعل -بضم الجيم- من قاعد لمن يخرج عنه؛ يعني أنه لو عين أمير المؤمنين طائفة للجهاد في سبيل الله تعالى، فأراد أحدهم أن يقعد ويجعل لمن يخرج عنه جعلا، فإن ذلك جائز بأربعة شروط: أحدها أن يكون الخارج والجاعل بديوان واحد، وإلى ذلك أشار بقوله: إن كانا؛ أي

ص: 411

القاعد الجاعل والخارج عنه بديوان واحد، ثانيها أن تكون الخرجة واحدة والخرجة مرة من الخروج احترازا من أن يتعاقد معه على أنه متى وجب الخروج خرج نائبا عنه، ثالثها أن يقع الجعل عند صرفها كذا عبر عبد الباقي، وعبارة الشبراخيتي: وأن يكون عند حضور الخرجة، رابعها أن يكون المستنيب لم يعينه الإمام بالشخص بل عينه بالوصف، بأن يقول أصحاب فلان أوأهل القرية الصيفية أو الشتوية وكان منهم فإن له أن يستنيب، فإن عينه بالشخص فظاهر المدونة الجواز، وقال التونسي: إنما يجوز بإذن الإمام.

تنبيه: يزاد مع الشروط الأربعة المتقدمة شرط خامس لكن للكمال فقط، وهو أن تكون نية النائب أن لا يغزو بجعل، فإن كانت نيته أن لا يغزو إلا بجعل كره، ومفهوم قوله:"بديوان"، أنهما لو كانا بديوانين لم يجز لأنها إجارة مجهولة؛ إذ لا يدرى هل يقع لقاء أم لا، ولا كم مدة اللقاء وإنما أجيز إذا كانا من ديوان واحد؛ لأن على كل واحد ما على الآخر، فليس إجارة حقيقة، وأهل مصر ديوان واحد كما أن أهل الشام ديوان واحد، فلا ينوب من بديوان الشام عمن بديوان مصر وكذا العكس، والسهم للقاعد لا للخارج. ابن عرفة: الأظهر أنه بينهما، قال الشيخ عبد الباقي: وانظر لو خرج المجعول له مع عدم الجواز، هل السهم له أو للجاعل وعليه أجرة مثل الخارج أو جعل مثله؟ انتهى.

ورفع صوت المرابط بالتكبير؛ يعني أنه يجوز للمرابطين أن يرفعوا أصواتهم بالتكبير لأن التكبير شعارهم، قال فيها: وجائز التكبير في الرباط والحرس على البحر ورفع الصوت به في ليل أو نهار، وظاهره عقب الصلاة أم لا وظاهره أيضا كان وحده أو في جماعة، ومقابله الاستحباب كما في المدخل، فإنه قال: ويستحب للمرابطين إذا صلوا الخمس أن يكبروا جهرا يرفعون أصواتهم ليرهبوا العدو: فقول عبد الباقي: وجاز بمرجوحية فيه نظر، صوابه برجحانية، وقوله:"ورفع صوت مرابط بالتكبير"، الجواز فيه مقيد بأن لا يؤذي الناس في قراءة أو صلاة وإلا لم يجز، وقال القاضي عياض: وأما رفع الصوت بالذكر، فإن كانوا جماعة فيستحسن لهم ليرهبوا العدو بذلك، وإن كان وحده فغير مستحسن، وفي المدخل: يكره ذلك إن كان وحده.

ص: 412

وكرد التطريب؛ يعني أنه يكره للمرابطين التطريب أي التغني بالتكبير، ومثل رفع صوتهم بالتكبير رفع الصوت بالتلبية، ورفع الصوت بالتكبير في الخروج للعيد، فيجوز، وأما في غير هذه الواطن الثلاثة فالسر أفضل، لقوله صلى الله عليه وسلم لقوم وهم يرفعون أصواتهم بالدعاء: (إنكم لم تدعوا أصم وإن الذي تدعون بين أكتافكم

(1)

)، وقولى:"وكره التطريب"؛ إذ لا ترهيب فيه. وقتل عين؛ يعني أنه يجوز قتل المعين وهو الجاسوس، وهو الذي يطلع على عورات المسلمين وينقل أخبارهم للعدو، ويقال هو رسول الشر والناموس رسول الخير. وإن أمن؛ يعني أنه يجوز قتل الجاسوس وإن كان تحت الذمة، ثم تبين أنه عين للعدو ويكاتبهم بأمور المسلمين فلا عهد له، أو كان حربيا دخل عندنا بأمان، ومحل جواز قتله إن لم يسلم، فإن أسلم فلا يقتل، قال الشيخ عبد الباقي: قيل والواو للحال لأن غير المؤمن يطلب قتله والظاهر وجوب قتله أو يسترق إلا أن يسلم. انتهى.

وقوله: "وقتل عين"، النووي في شرح مسلم اعلم أن الجاسوس إن كان كافرا حربيا فإنه يقتل بإجماع، وأما المعاهد والذمي فقال مالك والأوزاعي يصير ناقضا للعهد، فإن رأى استرقاقه أرقه ويجوز قتله، وقال الشبراخيتي: وجاز قتل عين إلا أن يسلم أو يرى الإمام استرقاقه. انتهى. قال الشيخ بناني: هذا وإن نقله ابن عرفة وغيره مشكل؛ لأن استرقاقه لا يرفع إذايته. انتهى. وقوله: "وإن أمن"، قال الشيخ إبراهيم: وهذا إذا أمنه معتقدا أنه غير عين،، فإن أمنه معتقدا أنه عين فكذلك إلا أنه لا يجوز عقده عليه. انتهى.

والمسلم كالزنديق؛ يعني أنه إذا تبين أن المسلم جاسوس للعدو فإنه يكون حكمه كحكم الزنديق الآتي في باب الردة، فيقتل ولا تقبل توبته إلا أن يجيء تائبا قبل الظهور عليه فلا يقتل، وهذا مذهب ابن القاسم وسحنون، وقال ابن وهب: يقتل إلا أن يتوب، وقال عبد الملك: إن ظن به الجهل وعرف بالغفلة وأن مثله لا عون عنده وكان منه المرة وليس من أهل الطعن على الإسلام فلينكل انتهى.

(1)

سنن أبي داوود كتاب الصلاة، رقم الحديث 1526، بلفظ: يا أيها الناس إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إن الذي تدعونه بينكم وبين أعناق ركابكم.

ص: 413

وقبول الإمام هديتهم؛ يعني أنه يجوز للإمام وأمير الجيش إن لم يكن إمام أن يقبل هدية الكفار، لما روي أنه عليه الصلاة والسلام قبل هدية من أبي سفيان ودحية ومن المقوقس، وإنما يكون للإمام ومن في حكمه قبولها إن كان فيهم منعة وقوة، لا إن ضعفوا وأشرف الإمام على أخذهم فقصدوا التوهين بها فإنها حينئذ رشوة لا يحل قبولها، وقوله:"وقبول الإمام هديتهم"؛ أي وله ردها عليهم، ورد صلى الله عليه وسلم هدية عياض المجاشعي، وقال: (إنا لا نقبل رفد المشركين

(1)

)، قيل: لأنه كان من المشركين الذين لا يؤمنون بالبعث وغيره ممن قبل هديته كانوا أهل كتاب، وقيل كان ذلك قبل نزول قوله تعالى:{وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ} لآية. قاله الشيخ إبراهيم.

وهي له إن كانت من بعض لكقرابة؛ يعني أن الهدية المذكورة تكون للإمام يختص بها إذا علم أن مهديها له إنما أهداها لقرابة بينه وبين الإمام أو مكافأة له أو لرجاء بدلها أو نحو ذلك، قال أحمد: وسواء دخل بلد العدو أم لا، فإن كانت من بعض الحربيين للإمام لا لكقرابة ففيء للمسلمين من غير تخميس إن كانت قبل دخول بلدهم وإلا فغنيمة، وإن كانت من بعض لغير الإمام لكقرابة فيختص بها المسلم بالأولى من الإمام دخل بلده أم لا، وإن كانت الهدية من بعض الحربيين لغير الإمام لا لكقرابة بل لكونه مسموع الكلمة فالظاهر أن حكمه كحكم الإمام، فتكون فيئا إن كانت قبل دخول بلدهم وغنيمة إن كانت بعده، وهذه ثمان صور؛ لأنها إما أن تكون من بعض الحربيين للإمام لكقرابة أو لغير ذلك، وفي كل منهما حصلت الهدية قبل دخول بلد العدو أو بعده، وإما أن تكون لغير الإمام لكقرابة أو غير ذلك، وفي كل منهما إما أن تكون قبل دخول بلد العدو أو بعده، فهذه ثمان صور فيما إذا كان الهدي غير الطاغية.

وأشار إلى بيان ما إذا كانت الهدية من الطاغية بقوله: وفيء إن كانت من الطاغية؛ يعني أن الهدية للإمام إذا كانت من الطاغية أي ملك الكفار فإنها تكون فيئا إن لم يدخل الإمام بلده أي العدو، كانت لكقرابة أو غير ذلك فلا تخمس، فإن دخل الإمام بلد العدو فإنها تكون غنيمة تخمس، كانت لكقرابة أم لا، وإن كانت الهدية من الطاغية لغير الإمام بل لبعض الجيش فإن

(1)

البيان والتحصيل، ج 2 ص، 595، وفي مسند أحمد، ج 4، ص 162، إنا لا نقبل زبد المشركين.

ص: 414

كانت لكقرابة فإنها تكون له دخل الإمام بلد العدو أم لا، وإن كانت لوجاهة ونفوذ كلمة فيفصل فيها كما للإمام من الطاغية فيما يظهر؛ أي فتكون فيئا إن لم يدخل بلده وإلا فغنيمة. قال الشيخ بناني: الذي في حاشية جد علي الأجهوري وارتضاه أبو زيد ما نصه: إنما فرق في البيان بين أن تكون من قبل قرابة وبين غيره فيما إذا دخل بلادهم، وأما إن لم يدخل فهي فيء كانت من الطاغية أو من غيره، فلو قال: وهي فيء إن لم يدخل بلده وإلا فهي له إن كانت من بعض لكقرابة، وغنيمةٌ إن كانت من الطاغية لوفى بذلك. انتهى. وهو ظاهر كما يعلم من كلام البيان، ونقله الحطاب.

وقتال روم؛ يعني أن الروم يجوز قتالهم أي يؤذن فيه فيصدق بالوجوب، وفي نسخة نوب بدل روم، والمراد بهم الحبشة، وهذه النسخة هي الصواب؛ لأن الروم مجمع على جواز قتالهم، فلا وجه لذكرهم. انظر حاشية الشيخ بناني. وسيأتي توجيه ذكرهم عن عبد الباقي. وترك؛ يعني أنه يجوز قتال الترك، وحديث: (اتركوا الترك ما تركوكم

(1)

) و (اتركوا الحبشة ما تركوكم

(2)

) ليس معمولا بهما على ظاهرهما من وجوب الترك وحرمة القتال، وإنما المراد بالنهي فيهما النهي الإرشادي فقط، فلا ينافي الجواز، فلهذا نص المص على جواز قتالهما على نسخة نوب أو أن قتال غيرهم في ذلك الزمان أولى، أو لم يصحح عند الإمام ذلك الأثر.

والترك جيل من الناس لا كتاب لهم، والروم أولاد عيصو بن إسحاق بن إبراهيم صلوات الله وسلامه على نبينا وعليهما. وفي شرح الشيخ عبد الباقي أن المص إنما نص على الروم والترك لقوتهما، فغيرهما يقاتل أيضا إذا أبى الإسلام.

واحتجاج عليهم بقرآن؛ يعني أنه يجوز أن يحتج على الكفار مطلقا لا في خصوص الروم والترك بالقرآن، لقوله تعالى:{قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا} الآية، ابن عبد السلام: وأجازه الجميع، ومحل الجواز إن أمن سبهم له أو لمن أنزل عليه وإلا حرم، وقوله:"بقرآن"، ظاهره ولو كثر، وقوله: واحتجاج أراد بالاحتجاج التلاوة عليهم لعلهم يرجعون. وبعث كتاب فيه كالآية؛ يعني

(1)

سنن أبي داوود، كتاب الملاحم، رقم الحديث، 4302.

(2)

سنن أبي داوود، كتاب الملاحم، رقم الحديث، 4309.

ص: 415

أنه يجوز أن يبعث إلى الكفار كتاب فيه آية أو آيتان أو ثلاث إن أمن سبهم وامتهانهم له، وفي الش عن ابن عبد السلام: التعبير بالآيات وهو يشمل أكثر من ذلك، وكذا يجوز أيضا بعث كتاب فيه حديث شاهد عليهم فيما يظهر، وفي الحطاب: قال ابن عبد السلام: وأجاز مالك وأبو حنيفة والشافعي أن يقرأ عليهم القرآن وأن يبعث إليهم بالكتاب فيه آيات من القرآن، والأحاديث بذلك كثيرة انتهى. وفيه أيضا: لا يجوز تعليم الكافر القرآن ولا الفقه ونقله في التوضيح. انتهى. وفي التوضيح أيضا: كره مالك وغيره أن يعطى الكافر درهما فيه آية من القرآن، ولا خلاف فيه إذا كانت آية تامة، وإنما اختلفوا إذا كان فيه اسم من أسماء الله تعالى ولم تكن الدراهم عليها اسم الله تعالى، وإنما ضربت دراهم الإسلام في أيام عبد الملك بن مروان. انتهى. قاله الحطاب.

وإقدام الرجل على كثير؛ يعني أنه يجوز للرجل من المسلمين أن يقدم على جمع كثير من العدو، والمراد بالجمع الكثير ما زاد على اثنين، وقوله:"وإقدام الرجل على كثير" أي وإن علم ذهاب نفسه، وقوله:"وإقدام الرجل على كثير"، وإنما يجوز ذلك بشرطين أحدهما أن يقصد بذلك أن تكون كلمة الله تعالى هي العليا، وإليه أشار بقوله: إن لم يكن ليظهر شجاعته؛ يعني أنه يشترط في جواز إقدام الرجل على كثير أن لا يكون قصده بذلك أن يظهر شجاعته، بل إنما يجوز إن قصد إعلاء كلمة الله تعالى لا ما يعطيه لفظه الشامل لذلك ولمن لا قصد له بالكلية كما أشرت إليه في صدر العبارة، الثاني أن يعلم من نفسه من الشجاعة ما يكون عنه نكاية العدو وإن قتل فهذا ليس من إتلاف النفس في غير فائدة، وهذا الشرط لم يصرح المص بذكره لكنه يعلم من الشجاعة التي يفيد كلامه اتصافه بها، وحقيقة هذا الشرط الأخير أن يعلم من نفسه أو يظن تأثيره فيهم وإلا لم يجز، فحيث علم أو ظن تأثيره فيهم جاز له الإقدام ولو علم إذهاب نفسه إن لم يكن الخ. على الأظهر، راجع لقوله:"وإقدام الرجل"، ولا يرجع للشرط أعني قوله:"إن لم يكن ليظهر شجاعته"، وأشار به إلى قول ابن رشد، والصحيح الجواز قال ابن عبد السلام أيضا: والظاهر من أقوال مالك الجواز بشرط أن يعلم من نفسه من الشجاعة ما يكون عنها نكاية للعدو وإن قتل، وبشرط أن يمحض النية لله تعالى لا لإظهار شجاعته، وإذا كان كذلك حصل منه إرهاب العدو

ص: 416

وهي إحدى فوائد الجهاد، ولم يكن من إتلاف النفس لغير فائدة. انتهى. وقوله:"على الأظهر" اعلم أن مقابل الأظهر الكراهة. والله سبحانه أعلم.

وانتقال من موت لآخر؛ يعني أن من تعارضت عليه أسباب العطب يجوز له أن ينتقل من سبب من أسباب الموت إلى سبب آخر كحرق الكفار مركبا للمسلمين، فإنهم إذا مكثوا فيها هلكوا وإن طرحوا أنفسهم في البحر هلكوا وهذا هو المشهور. قاله في المدونة. وزاد فيها: وإن صبر فهو أكرم وفي كتاب محمد عن ابن القاسم: أنه لا ينتقل، واختاره ابن المواز لأن في انتقاله تسببا في قتل نفسه، ومحل كلام المص حيث لم يرج حياة أو طولها وإلا وجب عليه طلب الحال الذي يظن حصول ذلك معه، كما أشار إليه بقوله: ووجب إن رجا حياة أو طولها؛ يعني أن من تعاورته أسباب العطب أو سببان له وترجح عنده في إحدى الجهات أو الجهتين حياة مستمرة أو طولها، يجب عليه أن ينتقل إلى الجهة التي يرجو فيها استمرار الحياة أو طولها، قال عز الدين: إذا رجا الإنسان حياة ساعة فلا يحل له استعجال موته، وينتقل للسبب الذي يرجو فيه ذلك ولو شكا، ولو حصل فيه ما هو أشد من الموت المعجل؛ لأن حفظ النفوس واجب ما أمكن، فيجوز قطع من أكلت الأكلة بعض كفه خوف أكل جميعه ما لم يخف الموت من قطعه، وكذا من فعل به ما لا يعيش معه فلا يجوز أن يسقى ما يموت به عاجلا، وكذا لا يجوز أن يضرب بنحو مدية في لبته ليموت عاجلا.

ابن عبد السلام: من تحتم قتله بذنب من الذنوب لم يجز له أن يقتل نفسه، وستره على نفسه مع التوبة أولى به، وإن أراد تطهير نفسه بالقتل فليقر بذلك عند ولي القتل ليقتله على الوجه الشرعي، فإن قتل نفسه لم يجز له ذلك، لكنه إن قتل نفسه قبل التوبة كان ذنبه صغيرا لافتياته على الإمام ويلقى الله تعالى فاسقا بالجريمة للقتل، وإن قتل نفسه بعد التوبة، فإن جعلنا توبته مسقطة لقتله فقد لقي الله تعالى فاسقا بقتله نفسه لأنه قتل نفسا معصومة، وإن قلنا لا يسقط قتله بتوبته لقي الله تعالى عاصيا لافتياته على الأئمة، ولا يأثم بذلك إثم من يرتكب الكبائر لأنه فوت روحا يستحق الله تعالى تفويتها وأزهق نفسا يستحق الرب إزهاقها، وكان الأصل يقتضي أن

ص: 417

يجوز للآحاد القيام بحق الله تعالى في ذلك، لكن الشرع فوضه إلى الأئمة كي لا يوقع الاستبداد به في الفتن. انتهى. قاله الإمام الحطاب.

وبما قررت علم أن قوله: "حياة أو طولها"، متغايران؛ إذ المراد بقوله "حياة" استمرارها، وبقوله:"طولها" ولو لم تستمر، وقد سئل ربيعة عن مدينة حاصرها العدو فضعفوا عن قتالها وليس عندهم ما يكفيهم؛ أيخرجون للقتال أم يصبرون للموت جوعا؟ فقال: يخرجون أحب إلي يريد لاحتمال الأسر أو الهرب أو النصر أو غيره، وأما إن علموا أنهم يقتلون بمجرد خروجهم فالظاهر عدم خروجهم. قاله الشيخ إبراهيم.

وشبه في الوجوب قوله: كالنظر في الأسرى؛ يعني أنه يجب على الإمام أن ينظر بالمصلحة فيما يفعل بالأسرى قبل قسم الغنيمة من هذه الأمور الخمسة، فيخير الإمام فيهم بينها فما رآه نظرا أمضاه.

أحدها القتل، وإليه أشار بقوله: بقتل؛ يعني أن الإمام له أن يقتل من رأى القتل في حقه نظرا للإسلام وهذا فيمن يقتل، وإذا قتل فإنه يحسب من رأس المال، وقوله:"بقتل"، بدل من قوله:"في الأسرى"، والباء ظرفية.

ثانيها أشار إليه بقوله: أو مَنٍّ؛ يعني أن الإمام كما له أن يقتل الأسرى بالنظر له أن يمن على الأسير الكافر أي يطلقه ويخلي سبيله إن رأى ذلك مصلحة للمسلمين، كأن لا يكون له قيمة معتبر ويحسب من الخمس، وله بعد المن الذهاب إلى بلده إلا أن يكون الإمام من عليه على البقاء. قاله الشيخ إبراهيم. وغيره.

ثالثها أشار إليه بقوله: أو فداء من الخمس أيضا؛ يعني أن الإمام كما له أن ينظر بما تقدم في الأسارى، له أيضا أن يأخذ فيهم فداء بالنظر، فيأخذ في الأسير الكافر مالًا يدفعه الكفار في فداء أسيرهم حيث كان ذلك نظرا للمسلمين، كأن يبذل فيه أكثر من قيمته أو يفادوه بأسرى مسلمين عندهم، خلافا لقول سحنون: إنما يكون الفداء بأسارى المسلمين.

ص: 418

رابعها أشار إليه بقوله: أو جزية؛ يعني أنه كما للإمام أن ينظر بما تقدم في الأسارى، له أيضا أن ينظر فيهم بضرب الجزية عليهم حيث كانوا ممن تضرب عليهم، ويحسب المضروب عليهم من الخمس أيضا.

خامسها أشار إليه بقوله: أو استرقاق؛ يعني أنه كما للإمام أن ينظر في الأسارى بما تقدم له أيضا أن ينظر فيهم بالاسترقاق فيمن يرق منهم فيرجع للغنيمة، فمتى كانت المصلحة في خصلة من هذه الخصال الخمس تعينت، وحينئذ فمعنى التخيير أن الإمام يخير حيث رأى أن كلا من الأمور مصلحة، ويحتمل أن يكون المراد بالتخيير لازمه وهو عدم تعيين واحد منها ابتداء، فلا ينافي وجوب فعله ما هو المصلحة من غير تخيير عند ظهورها.

فتحصل مما مر أن من قتل من رأس المال وأن من رق يقسم ومن مُنَّ عليه ومن فُدِيَ ومن ضربت عليه الجزية من الخمس، وكون هذه الثلاثة من الخمس هو الذي صرح به اللخمي ونقله الحطاب، والذي لابن رشد أن الثلاثة من رأس المال ويرجع الفداء للغنيمة من أموالها، قال بعض الشيوخ: وهو الراجح، ومعنى كون هذه الثلاثة من الخمس أن قيمتهم تجعل فيما يخمس لأنها من جملة الغنيمة، ولكنها تحسب من الخمس وهو الذي مر عن اللخمي، ومعنى كونها من رأس المال وهو الذي لابن رشد أنها لا تحسب من الغنيمة ولا تؤخذ قيمتها من الخمس، لكن من أخذ منه الفداء يجعل فداؤه من جملة الغنيمة، فيقسم خمسة أقسام: أربعة للغانمين وواحد لبيت المال واعلم أن هذه الوجوه الخمسة بالنسبة للرجال، وأما الذراري والنساء فليس فيهم إلا الاسترقاق أو المفاداة. قاله غير واحد. السهيلي: ولا يجوز للإمام المن على الأسارى بعد القسم، ويجوز له ذلك قبل القسم كما فعل عليه الصلاة والسلام [بأهل خيبر]

(1)

، وقال أبو عبد الله: ولا يجوز أن يمن عليهم بردهم إلى دار الحرب، ولكن على أن يؤدوا الجزية ويكونوا تحت حكم المسلمين. انتهى. وهو خلاف ما مر من أن له بعد المن الذهاب إلى بلده إلا أن يكون الإمام مَنَّ عليه على البقاء.

ولا يمنعه حمل بمسلم؛ يعني أنه لا يمنع استرقاق الكافرة كونها حاملا بمسلم كأن يتزوج مسلم كتابية حربية ببلد الحرب ثم تسبى حاملا، أو يتزوج كافر كافرة ويسلم ثم تسبى وهي حامل وقد

(1)

في الحطاب ج 4 ص 166 ط دار الرضوان: بأهل حنين.

ص: 419

أحبلها وهو كافر أو مسلم، فالحمل في هذه الصور الثلاث مسلم؛ لأنه يتبع أباه في الدين والنسب وترق هي في جميع الصور، وأما رقه هو ففيه تفصيل أشار إليه بقوله: ورق إن حملت به بكفر؛ يعني أن الحمل المذكور يكون رقيقا إن حملت به أمه في حال كفر أبيه ثم أسلم بعد ذلك كما في الصورة الوسطى، ويكون الحمل حرا إن حملت به في حال إسلام أبيه كما في الطرفين، ولهذا يقيد قوله:"وماله وولده فيء مطلقا"؛ أي سواء كان الولد صغيرا أو كبيرا، فإن شك هل حملت به في إسلام أبيه أو كفره لم يرق إن وضعته لستة أشهر من إسلامه، ولأقل رق ثم محل رقه فيما ذكر ما لم يمن على أمه بعد رقها، ويضرب عليها أي على رجالها الجزية أو تفدى، وإلا كان حرا تبعا لها، كما يكون حرا إذا أسلمت به قبل سبيها. انظر شرح الشيخ عبد الباقي.

وبما قررت علم أن المراد بقوله: "بكفر"، كفر أبيه. واعلم أنه لا يجوز للإمام المن بعد القسم، وإنما يجوز له قبل القسم، وقوله:"كالنظر في الأسرى بقتل"، فإن قتل فلا كلام وإن أبقي لم يجز له أن يحبسه عن الذهاب إلى بلده إلا أن يكون اشترط عليه أن يبقيه للجزية، فإن أبقاه للجزية لم يجز له أن يسترقه، ويجوز أن يفادى به برضاه، وإن أبقاه على وجه الاسترقاق جاز أن ينتقل معه إلى الجزية والمن والفداء وإن أبقاه للفدية لم ينتقل للجزية ولا للرق إلا برضاه، ومن استحياه فلا يقتله إلا أن يبقيهم الإمام ليرى فيهم رأيه.

والوفاء بما فتح لنا به بعضهم؛ يعني أنه يجب علينا الوفاء لبعض العدو بالأمر الذي فتح لنا به أي بسببه الحصن أو البلد أو القلعة، نحو: أفتح لكم على أن تؤمنوني على نفسي أو أولادي أو عيالي أو مالي أو على مالي ونفسي أو على عشرة من أهل الحصن أو أفتح لكم على أن تؤمنوني على فلان رأس الحصن، فالرأس مع القائل آمنان لأنه لا يطلب الأمان لغيره إلا مع طلبه لنفسه، وكذا على أهلي أو على عشرة من أهلي كان هو آمنا أيضا، فإن قال علي ألف درهم من مالي أخذها من ماله كان عينا أو عرضا، وإن لم يف بها لم يكن له غيره، بخلاف من دراهمي ولا دراهم له فلا شيء له وماله فيء.

وبأمان الإمام؛ يعني أنه يجب الوفاء بأمان الإمام أو الأمير للمجعول له ذلك، وإنما وجب ذلك لأن الإمام قد يرى المصلحة للمسلمين في تأمين العدو أو بعضهم إما مطلقا أو مقيدا بزمان أو مكان

ص: 420

أو صفة، ولا خلاف في ذلك بين الأمة. مطلقا؛ أي يجب الوفاء بتأمين السلطان مطلقا أي في بلاد ذلك السلطان وفي غيرها من البلاد، فليس لغيره من السلاطين إذا خرج إلى بلده أن يستبيح دمه ولا استرقاقه ولا غيرهما.

المازري وغيره: ولا خلاف في ذلك، وقال في الكافي: قد قال بعض أصحاب مالك أن ليس له أمان إن وقع بغير البلد الذي أمن به. انتهى.

وحكى ابن حبيب عن ابن الماجشون أنه إذا بعد عن بلد الإسلام وقرب من حوزه ومأمنه يصير كمن لا عهد له، فمن لقيه من أهل ذلك السلطان المؤمن يحل له، وكذا لا يكون آمنا فيما عدا بلاد السلطان الذي أمنه. انتهى. وقوله:"مطلقا"، مفعول مطلق أي وفاء مطلقا لا يتقيد ببلد عن بلد، وسواء أمنه على مال أو غيره، ويكفي إخبار الإمام بأنه أمن غيره دون غيره كأمير الجيش، فلابد من بينة تشهد على أنه أمن غيره، ويصح أن يفسر قوله:"مطلقا"، بأن يقال سواء أطلق أو قيد قبل الفتح أو بعده.

وعرف ابن عرفة الأمان بقوله: الأمان رفع استباحة دم الحربي ورقه وماله حين قتاله أو العزم عليه مع استقراره تحت حكم الإسلام مدة ما، فيدخل الأمان بأحد الثلاثة لأنه رفع لاستباحتها. انتهى. قوله: فيدخل الأمان بأحد الثلاثة؛ لأن رفع المجموع يتقرر بأحد أمرين: إما برفع كله أو برفع أحد أجزائه، وقوله: حين قتاله، احترز به من الصلح والمهادنة والاستيمان، قال ابن عرفة: قال ابن سحنون: ذكر لمالك ما روي عن عمر في القاتل

(1)

للعلج متروس وهو بالفارسية لاتخف، قال سحنون: هوأمان، وكذا بكل لسان قبطي أو غيره ولو لم يفهمه الحربي. قاله الشيخ إبراهيم.

كالمبارز مع قرنه؛ يعني أنه يجب على المسلم المبارز لقرنه الكافر الوفاء بما عاهده عليه ولا يقتل هذا القرن غير من بارزه؛ لأن مبارزته كالعهد على أن لا يقتله إلا واحد، لكن لو سقط المسلم وأراد قرنه الكافر الإجهاز عليه منعه المسلمون من ذلك على الصحيح أي بغير القتل إن أمكن، وإلا فبه. هذا هو الذي تجب به الفتوى دون القول بأنه لا يعان بوجه. وقوله:"قرنه"، القرن

(1)

كذا في النسخ.

ص: 421

بالكسر هو الذي يقارنك في بطش أو شدة أو قتال أو علم، وجمعه أقران، وأما في السن فقرنه بالفتح وقرينه والجمع قرناء، ولابد في المبارزة من إذن الإمام كما ذكره ابن عرفة عن سحنون عن معن عن مالك، قال: أكره أن يبارز أحد إلا بإذن الإمام واجتهاده، وكما ذكره ابن حبيب، قال أهل العلم: لا بأس بالمبارزة بإذن الإمام، وكما في سماع زونان من وجوب استئذان الإمام في المبارزة والقتال إذا كان الإمام عدلا، وارتضاه ابن رشد، واقتصر عليه المواق خلاف قول ابن المنذر: كل من أحفظ عنه العلم على جواز المبارزة والدعوة إليها وشرط بعضهم فيها إذن الإمام، وهو قول الثوري والأوزاعي وأحمد وإسحاق ولم يشترطه غيرهم، وهو قول مالك والشافعي، وقوله:"كالمبارز مع قرنه"، قال الشبراخيتي شارحا له: يجب عليه الوفاء بما شرطه من القتال راجلين أو راكبين على بعيرين أو فرسين أو رمح أو خنجر أو نحو ذلك، وقد بارز أنس بن مالك مرزبان الدارة من البحرين فقتله، وأخذ منطقته وسواريه فقوما بثلاثين ألفا وأربعين. انتهى.

وأن أعين بإذنه قتل؛ يعني أن القرن الكافر إذا استنصر واحدا من قومه أو أكثر على مبارزه المسلم فأعانه فإنه يقتل المعان مع المعين، فقوله: معه؛ أي المعين المفهوم من أعين.

وبما قررت علم أن نائب أعين ضمير يعود على القرن الكافر، وأن الضمير في "بإذنه"، عائد عليه أيضا، وكذا نائب قتل، وأن الضمير في "معه" عائد على المعين أي قتل المعان المبارز مع المعين له في قتل المبارز المسلم، ومفهوم قوله:"بإذنه"، أنه لوأعين الكافر المبارز بغير إذنه قتل المعين وترك المعان مع مبارزه على ما دخل معه عليه، ولو جهلت الإعانة هل وقعت عن إذن أم لا فالظاهر الحمل على الإذن إن دلت قرينة عليه، كما إذا راطنه ولم يعرف ما يقول فجاء عقب ذلك فورا، وإلا فالأصل عدم الإذن. قاله الشيخ عبد الباقي.

ولمن خرج في جماعة لمثلها إذا أفرغ من قرنه الإعانة؛ يعني أنه يجوز للمسلم الذي خرج في جماعة مسلمين لمثلهم من الحربيين إذا فرغ من قرنه الكافر أن يعين مسلما آخر على قرنه؛ أي يجوز لمن ظفر من المبارزين المسلمين أن يعين من لم يظفر من أصحابه في الدفع والقتل، وهذا إذا عقد الطائفتان المبارزة من غير تعيين شخص لآخر عند العقد، بل برز عند مناشبة القتال كل واحد من المسلمين لكل واحد من الكفار نظرا إلى أن الجماعة خرجت لجماعة فكأن كل جماعة

ص: 422

بمنزلة قرن واحد، لقضية علي وحمزة وعبيدة بن الحارث بن المطلب رضي الله عنهم بارزوا يوم بدر الوليد بن عتبة وعتبة بن ربيعة وأخاه شيبة بن ربيعة، فقتل علي الوليد وحمزة عتبة، وأما شيبة فضرب عبيدة فقطع رجله فكر عليه علي وحمزة فاستنقذاه من شيبة وقتلاه، وقيل إن شيبة هو الذي قتله حمزة، وأن عتبة هو الذي بارز عبيدة ولابن غازي:

عبيدة لشيبة

وحمزة لعتبة

ثم علي للوليد

شيخ وكهل ووليد

وأما لو كانت الجماعة عند المعاقدة عينت كل واحد لواحد فلا يجوز في هذه لواحد منهم أن يعين غيره بل يمنعه من التذفيف فقط، وهذه هي قوله:"كالمبارز مع قرنه"، فإنه شامل لواحد مع واحد وأكثر مع أكثر، فالمسائل ثلاث. وعبيدة هذا رضي الله تعالى عنه كانت هجرته إلى المدينة مع أخويه الطفيل والحصين ابني الحارث ابن المطلب، وكلهم من أهل بدر رضي الله تعالى عنهم أجمعين.

وأجبروا على حكم من نزلوا على حكمه؛ يعني أن الإمام يجبر الكفار أهل الحصن أو المدينة أو من قدم لتجارة على حكم من أنزلهم الإمام على حكمه سواء كان الذي نزلوا على حكمه، هو الإمام أو غيره، وهذا بعد الوقوع، وأما ابتداء فلا يجوز للإمام أن ينزلهم على حكم غيره، وإنما يجوز له أن ينزلهم على حكمه هو، وأما إنزاله صلى الله عليه وسلم بني قريظة فإنما نزلوا على حكمه صلى الله عليه وسلم، وبعد أن نزلوا على حكمه صلى الله عليه وسلم حكم فيهم سعدا تطييبا لخواطر الأوس من الأنصار لأنهم مواليهم، لا أنه أنزلهم على حكم سعد لأنه صلى الله عليه وسلم لا يطيب قلوبهم إلا بما يجوز، ونقل الحطاب عن عياض جواز نزولهم على حكم غير الإمام إن كان عدلا؛ يعني أن الجبر المذكور إنما يكون بشرطين، أحدهما أن يكون هذا الذي أنزلهم الإمام على حكمه عدل الشهادة، ثانيهما أشار إليه بقوله: وعرف المصلحة؛ يعني أنه لابد في ذلك أيضا من كون الذي نزلوا على حكمه يعرف المصلحة للمسلمين فيما يفعل حالا، قال الشيخ بناني ما حاصله أن المراد بالعدل في كلام المص هنا هو عدل الشهادة، فلو حكموا عبدا أو

ص: 423

ذميا أو امرأة أو صبيا لم يجز، وحكم الإمام نقله عن ابن عرفة، وجعل نظر الإمام خاصا بالفاسق مع كونه حرا ذكرا بالغا. وإلا بأن انتفت العدالة والمصلحة أو إحداهما نظر الإمام فيما فعل هذا الذي نزلوا على حكمه، فإن رآه مصلحة وإلا رده وتولى هو الحكم بنفسه فيما يراه مصلحة.

وفي الشبراخيتي ما نصه: وإذا أنزلهم على حكم غيره، فإن كان عدلا نفذ حكمه ولم يردهم لمأمنهم حيث حكم بقتل أو جزية أو استرقاق، وإن كان فاسقا تعقب الإمام حكمه، فإن رآه حسنا أمضاه وإلا حكم بما يراه نظرا، ولا يردهم لمأمنهم، ولو نزلوا على حكم رجلين فمات أحدهما ردوا لمأمنهم ولو اختلفا في الحكم ردوا أيضا، ولا يجوز أن ينزلوا على حكم الله تعالى، فإن وقع فليس فيه إلا القتل أو الاسترقاق. انتهى.

وتحصل مما مر أنهم يجبرون على حكم من نزلوا على حكمه إن كان عدلا وعرف المصلحة، فإن لم يكن عدلا فإن كان عبدا أو ذميا أو امرأة أو صبيا لم يجز وحكم الإمام وإن كان فاسقا حرا ذكرا بالغا نظر الإمام، فيما فعل، فإن رآه مصلحة أمضاه وإلا رده وتولى الحكم بنفسه فيما يراه مصلحة، كما لو لم يعرف المصلحة أو اجتمع الأمران. والله سبحانه أعلم. وأنهم لو نزلوا على حكم الله تعالى لم يجز ذلك، فإن نزل فالقتل أو الاسترقاق ليس إلا، ولو نزلوا على حكم الله تعالى وحكم فلان فهو كنزولهم على حكم الله تعالى فقط.

كتأمين غيره إقليما؛ يعني أن غير الإمام إذا أمن إقليما أي عددا لا ينحصر إلا بعسر وإن لم يكن أحد الأقاليم السبعة، فإن الإمام ينظر في ذلك التأمين فيمضيه أو يرده بالمصلحة نص عليه غير واحد، ونحوه في الجواهر.

تنبيهان: الأول: الأقاليم السبعة هي: الهند والحجاز ومصر وبابل وخامسها الروم والترك وسادسها يأجوج ومأجوج وسابعها الصين، وأما المغرب والشام فمن مصر بدليل اتحاد الميقات والدية.

الثاني: وقع في كلامهم لفظ الأمان والمهادنة والصلح والاستيمان والمعاهدة، فالأمان تقدم تعريفه والمهادنة والصلح مترادفان، والصلح هو عقد المسلم مع الحربي على المسألة مدة ليس هو فيها تحت حكم الإسلام، فيخرج الأمان والاستيمان والاستيمان وهو المعاهدة تأمين حربي ينزل بنا

ص: 424

لأمر ينصرف بانقضائه. انظر الحطاب وفيه عن فتح الباري قال ابن بطال: العلماء مجمعون على أن الإمام إذا صالح ملك القرية أنه يدخل في ذلك الصلح بقيتهم، واختلفوا في عكس ذلك وهو ما إذا استأمن لطائفة معينة هل يدخل هو فيهم؟ فذهب الأكثر إلى أنه لابد من تعيينه لفظا، وقال أصبغ وسحنون: لا يحتاج إلى ذلك بل يكتفي بالقرينة لأنه لم يأخذ الأمان لغيره إلا وهو يقصد إدخال نفسه. والله أعلم. انتهى.

وإلا فهل يجوز وعليه الأكثر أو يمضي؟ يعني أنه وقع في المدونة أنه يجوز أمان المرأة والعبد والصبي إن عقل الأمان، وقال ابن الماجشون: الإمام مخير بين أن يمضيه ويرده، واختلف الشيوخ في قول ابن الماجشون هل هو خلاف للمدونة وإليه ذهب عبد الوهاب والباجي وغيرهما والمص، أو وفاق فيحمل قول المدونة: يجوز، على أنه يمضي إن أمضاه الإمام؟ قال ابن يونس: أصحابنا يحملون قوله -يعني قول ابن الماجشون- على أنه ليس بخلاف. والله سبحانه أعلم.

وهذا إنما هو فيما إذا كان المؤمن واحدا أو عددا محصورا بغير عسر، فقوله:"وإلا"، معناه وإن لم يكن المؤمن إقليما بل كان واحدا أو عددا محصورا بغير عسر. والله سبحانه أعلم. واعلم أنه يرد على المص أمران، أحدهما أنه يقتضي جريان التأويلين فيمن سوى الإمام ولو كان مستوفيا لشروط الأمان وليس كذلك؛ إذ من كملت فيه خمسة شروط وهي الإسلام والعقل والحرية والذكورة والبلوع إذا أعطى أمانا فهو كأمان الإمام، فيمضي تأمينه من غير تأويلين. الأمر الثاني أن ظاهره يقتضي أن معنى التأويلين، هل يجوز ابتداء أو لا يجوز؟ وبظاهره قرره غير واحد وليس كذلك، بل معناهما هل يمضي ابتداء أو لا يمضي إلا إن أمضاه الإمام، وليس فيهما تعرض للجواز ولا عدمه. قاله الشيخ بناني.

من مؤمن؛ يعني أن هذا الأمان الذي اختلف فيه هل يجوز أو يمضي إن أمضاه الإمام؟ يشترط فيه أن يكون من مؤمن مميز كما قال: مميز، واحترز بذلك عن تأمين الكافر ومن تأمين غير المميز، فإن ذلك لا يصح، وبالغ على صحة التأمين مع استيفاء الشرطين المذكورين بقوله: ولو صغيرا أورقا أو امرأة أو خارجا عن الإمام، وأشار المص بلو في الثلاث الأولى لرد قول عبد الملك، وقوله: لا ذميا؛ يعني به أنه إذا كان التأمين من ذمي فإنه لا يجوز ولا يمضي لأن مخالفته في

ص: 425

الدين تحمله على سوء النظر للمسلمين، وقوله: لا ذميا عطف على قوله: "من مؤمن"؛ لأنه في موضع الحال وهو محترزه.

أو خائفا منهم؛ يعني أن المسلم إذا أمن العدو لخوفه منهم فإن أمانه غير معتبر؛ لأنه لم يرع في ذلك مصلحة المسلمين وهي المقصود الأعظم من التأمين، وإنما يرعى مصلحة نفسه، وهل يقدر الأسير مثلا أن لا يؤمنهم إذا طلبوه الأمان، وقوله: تأويلان، راجع لما قبل "لا"، ولو قدمه هناك لكان أحسن، وكلام المص يقتضي أن المسلم الحر الذكر البالغ العاقل فيه تأويلان، وليس كذلك كما مر التنبيه عليه؛ إذ تأمينه يمضي باتفاق التأويلين ولو كان خارجا عن طاعة الإمام، فلو أمن الخوارج حربيين على أن يخرجوا إليهم يكونون معهم بدار الإسلام يقاتلوننا فظهرنا على الجميع بعد قتال أو قبل أن يقاتلونا، فلا يستباح أولئك الحربيون بشيء من أخذ مال أو غيره؛ لأنهم انعقد لهم أمان على الكون بدار الإسلام، ويمضي الأمان بالشروط الخمسة من غير تأويلين، ولو كان المؤمن خسيسا لا يسئل عنه إذا غاب ولا يشاور إذا حضر والتأويل بالجواز وأنه لا خيار للإمام لعبد الوهاب والباجي وغيرهما، حملوا قول المدونة: يجوز أمان العبد والمرأة والصبي على أنه لا خيار للإمام فيخالف قول ابن الماجشون أنه ينظر الإمام، وقال ابن يونس: أصحابنا يحملون قول ابن الماجشون على الوفاق، فيكون معنى قول المدونة: يجوز الخ يمضي إن أمضاه الإمام، وقال ابن حبيب: لا ينبغي تأمين لغير الإمام، واختلف هل هو وفاق المدونة أو مخالف لها؛ أي لقولها: يجوز أمان الصبي والعبد والمرأة. انتهى.

وعلم مما مر أن ما قبل المبالغة في كلام المص غير صحيح؛ لأن ما قبلها هو المستكمل للشروط الخمسة، وقد علمت أنه تأمينه كتأمين الإمام على المشهور، فلا يجري فيه التأويلان، فلا يمضي باتفاقهما كما نص عليه غير واحد. والله سبحانه أعلم.

وهنا دقيقة وهي أن ابن الماجشون قال: إن تأمين غير الإمام يمضي إن أمضاه الإمام مطلقا، لكن لم يذهب أحد إلى أن قوله في المستكمل للشروط الخمسة وفاق كما أشار إليه الشيخ إبراهيم. وقال الشيخ الأمير، وله النظر إن أمن غيره عددا لا ينحصر: فإن أمن محصورا جاز، وهل من امرأة

ص: 426

وعبد وصبي عقل الأمان، أو ينظر الإمام لتأمينهم؟ قولان، قال: وأسقطت الخارج عن الإمام لأنه ليس من محل الخلاف. انتهى.

وسقط القتل؛ يعني أن القتل يسقطه تأمين الإمام أو غيره، وهو راجع لما قبل:"لا ذميا"؛ أي ووجب الوفاء بما فتح لنا به بعضهم وسقط القتل وبأمان الإمام وسقط القتل كتأمين غيره إقليما وأمضاه الإمام وسقط القتل، وإلا فهل يجوز أو يمضي إن أمضاه الإمام؟ وسقط القتل. ولو بعد الفتح؛ يعني أن التأمين قبل فتح العدو يسقط به القتل ولا إشكال في ذلك، وأما التأمين بعد الفتح فكذلك أيضا على قول ابن القاسم وابن المواز، وقال سحنون: لا يجوز لمؤمنه قتله ويخير فيه الإمام إن شاء قتل وإن شاء أمضى أمانه وكان فيئا فمحل الخلاف في سقوط القتل بالتأمين بعد الفتح، وإنما هو بالنسبة لغير المؤمن، وأما المؤمن فليس له قتله اتفاقا هكذا في التوضيح والحطاب، ومقتضى نقل المواق عن ابن بشير أن محل الخلاف في تأمين غير الإمام. قاله الشيخ بناني.

واعلم أن الأمان بعد الفتح إنما يسقط به القتل خاصة، وللإمام أن يرى رأيه في بقية الأمور من الاسترقاق والمن والفداء والجزية، وأما التأمين قبل الفتح فيسقط به القتل وغيره من الأمور المذكورة، فمتعلق الأمان بعد الفتح القتل خاصة وقبله مطلق. قاله الشيخ إبراهيم. وغيره.

واقتصار المص على القتل إنما هو لأجل المبالغة بلفظ؛ يعني أن التأمين في أي مسألة يكون باللفظ، فالتأمين لازم بكل لسان فهمه المؤمن أم لا، قال في النوادر عن سحنون سواء ناداهم المسلمون بالقبطية أو الفارسية أو الرومية أو غيرها، وإن كان العدو لا يعرف ذلد اللسان فهو أمان لهم. أو إشارة؛ يعني أن التأمين بالإشارة كالتأمين باللفظ. مفهمة؛ يعني أنه لابد أن تكون الإشارة مفهمة أي شأنها أن يفهم منها العدو الأمان وإن قصد المسلمون ضده. قاله عبد الباقي. كفتحنا لهم المصحف وحلفنا أن نقتلهم [فظنوا ذلك أمانا]

(1)

. ابن المواز: وقعت فأفتى فيها جميع فقهائنا أنها أمان، قال عبد الباقي: وكذا لو قصد بها المشير الأمان وفهم منها الكفار ضده. انتهى. أي فإن ذلك أمان، قوله: وإن قصد المسلمون ضده، قال بناني: هذا داخل في قوله: وإن

(1)

في النسخ فظنوا أن ذلك أمانا والمثبت من عبد الباقي ج 4 ص 123.

ص: 427

ظنه حربي الخ، ومعنى كونه أمانا أنه يعصم دمه وماله، لكن يخير الإمام بين إمضائه ورده لمأمنه، وبهذا يجمع بين ما في التوضيح من اشتراط قصده وما في المواق من عدم اشتراطه، فيحمل ما في التوضيح على الأمان المنعقد الذي لا يرد، وما في المواق على ما يشمل تخيير الإمام. والله أعلم. انتهى.

وقد مر أنه يكفي إخبار الإمام أنه أمن غيره بخلاف غير الإمام كأمير الجيش فلابد من البينة إن لم يضر؛ يعني أنه يشترط في لزوم الأمان أي في جميع صورة أن لا يضر بالمسلمين، بأن حصلت به المصلحة أو استوت حالة المصلحة وعدم الضرر فالشرط عدم الضرر لا المصلحة، فإن أضر بالمسلمين فلا يلزم كما لو أمن جاسوسا أو طليعة أو من فيه مضرة، وأما تأمين أهل الحصن بعد إشرافهم على فتحه فلا يتأتى التمثيل به على مذهب ابن القاسم القائل بصحة الأمان ولو بعد الفتح؛ لأنه إذا صح بعد الفتح فأحرى قبله، والظاهر من كلامهم أن التأمين بعد الإشراف على الفتح يسقط به القتل وغيره، وليس هو كالتأمين بعد الفتح فلا يسقط به إلا القتل فقط، وقد علمت أن قوله:"إن لم يضر"، عام في جميع صور الأمان، فإن أضر فلا يلزم سواء كان المؤمن هو الإمام أو غيره. انظر حاشية الشيخ بناني.

وإن ظنه حربي فجاء؛ يعني أنه لو ظنه أي الأمان حربي من قول أو إشارة منا لهم كقول مسلم لرئيس مركب العدو: ارخ نعلك أو لشخص منهم مطرس ونحو ذلك ولم يقصد بذلك الأمان فظنوا أنه أمان، فجاء الحربي للمسلمين معتمدا على ذلك الظن، فإن الإمام إن شاء أمضى الأمان وإن شاء رد الحربي لمحله الذي كان به قبل التأمين، ولا يجوز قتله ولا استرقاقه ولا أخذ ماله، فالضمير في "ظنه"، يرجع للأمان كما علمت، وقوله: مطرس بالطاء مشددة وساكنة وبالتاء كذلك معناه بالفارسية: لا تخف، وقال عبد الباقي: وإن ظنه حربي من غير إشارة منه لهم، قال بناني: يعني فإن كان بإشارة ففيه التفصيل بين المفهمة وغيرها كما يفيده كلام المص، وقد قدمت عنه عند قول المص مفهمة التصريح بأن الإشارة المفهمة إذا فهم منها العدو الأمان وقصدنا ضده أن ذلك داخل في قول المص هنا، وإن ظنه حربي وهو الذي عليه الشيخ الأمير، فإنه قال: وإن

ص: 428

فهم الأمان وإن من إشارة فإنها كاللفظ أو نهى الناس عنه، فخالفوا أمضاه الإمام أو رُدَّ لمحله. انتهى.

أو نهى الإمام الناس عنه فعصوا؛ يعني أنه إذا نهى الإمام الناس عن تأمين العدو فعصوا أمره وأمنوا فإنه -أي الإمام- إن شاء أمضى تأمينهم وإن شاء رد الحربي إلى حيث كان قبل التأمين، ولا يقتل ولا يسترق ولا يؤخذ ماله. أو نسوا؛ يعني أنه إذا نهى الإمام الناس عن التأمين فنسوا أمره وأمنوا، فإن الإمام إن شاء أمضى تأمينهم وإن شاء رد الحربي إلى محله الذي كان به قبل التأمين، ولا يقتل ولا يسترق ولا يؤخذ ماله. أو جهلوا؛ يعني أن الحكم كذلك فيما إذا نهى الإمام الناس عن التأمين فجهلوا أي لم يعلموا نهيه أو جهلوا وجوب طاعته وحرمة مخالفته، أو جهل إسلامه؛ يعني أنه لو أمن الحربي ذمي واعتقد الحربي أن الذمي الذي أمنه مسلم فاعتمد على تأمينه فإن الإمام مخير، إن شاء أمضى ذلك التأمين وإن شاء رده إلى محله الذي كان به قبل التأمين، وفاعل "جهل" ضمير يعود على الحربي، والضمير في إسلامه عائد على المؤمن وإسلامه على حذف مضاف تقديره عدم، والاعتقاد والظن هنا متساويان، وهل الشك والوهم كالظن أو لا؟ لا إمضاءه؛ يعني أن الحربي إذا علم أن الذي أمنه ذمي، لكنه جهل حكم إمضاء تأمين الذمي بل ظن أنه ماض عند المسلمين كأمان الصبي والمرأة، فإنه لا أمان له بل يكون فيئا لبيت المال.

وقوله: أمضى أو رد لمحله، جواب عن المسائل الخمس، فهو راجع لما قبل "لا"؛ يعني أن الحكم في هذه المسائل الخمس أن يخير الإمام بين أن يمضى الأمان وبين أن يرد الحربي إلى حيث كان قبل التأمين كما مر، وقوله:"لمحله"، أحسن من قول غيره: رد لمأمنه؛ لأنه لا يلزم رده بحيث يأمن، بل لمحله قبل التأمين ولو لم يأمن به.

وإن أخذ مقبلا بأرضهم، وقال: جئت أطلب الأمان؛ يعني أنا إذا أخذنا الحربي ببلد العدو وهو مقبل إلينا، وقال: أتيت إليكم أطلب الأمان ولم تقم قرينة على صدقه ولا كذبه، فإنه يرد إلى مأمنه. أو بأرضنا، وقال: ظننت أنكم لا تتعرضون لتاجر؛ يعني أن الحربي إذا أخذناه ببلدنا ومعه تجارة وقد دخل بلادنا بلا أمان، فقال لنا جئت لأتجر وظننت أنكم لا تترضون لتاجر،

ص: 429

فإنه يرد إلى مأمنه، قال ابن القاسم في الرومي ينزل بساحلنا تاجرا قبل أن يعطى الأمان، فيقول ظننت أنكم لا تتعرضون لتاجر حتى يبيع: فإما قبلت منهم وإما رددتهم إلى مأمنهم. أو بينهما؛ يعني أنا إذا أخذنا الحربي بعد انفصاله عن بلده وقبل دخوله بلدنا، وقال أتيت إليكم أطلب الأمان فإنه يرد إلى مأمنه.

وبما قررت علم أن قوله: رد لمأمنه، جواب الشرط فهو راجع للمسائل الثلاث؛ يعني أنه لابد أن يرد إلى مأمنه في هذه المسائل الثلاث أو يقبل منه ذلك، ولو أخذ بأرض العدو وقال ظننت أنكم لا تتعرضون لتاجر وهو تاجر، فالظاهر رده لمأمنه، ولو أخذ بأرضنا وقال جئت أطلب الأمان فالظاهر جريانه على ما إذا أخذ بأرضنا وقال جئت للإسلام أو للفداء، فاختلف هل يرد لمأمنه، أو يخير فيه الإمام ويرى فيه رأيه؟ ومحل الخلاف حيث أخذ بحدثان مجيئه وإلا خير فيه الإمام باتفاق، قال الإمام الأجهوري: وانظر ما وجه القول برده لمأمنه حيث قال: جئت أطلب الإسلام ولم لا يطلب منه فإن أبى خير فيه الإمام. انتهى.

وإن قامت قرينة فعليها؛ يعني أن الحربي إذا قامت قرينة على صدقه أو كذبه في المسائل الثلاث كما لو وجد معه سلاح فإن ذلك يدل على حرابته، وكمن قال جئت رسولا ومعه مكاتبة أو جئت لفداء وله من يفديه.

وإن رد بريح فعلى أمانه حتى يصل؛ يعني أن الحربي المؤمن إذا ردته الريح بعد أن توجه لبلده وقبل أن يصل إلى مأمنه فإنه يكون على أمانه السابق حتى يصل لبلده أو مأمنه وله نزوله بمكانه الذي كان به وعلى الإمام ذلك، وليس للإمام أن يلزمه الذهاب، فإن رد بعد وصوله لمأمنه، فقيل يخير الإمام في إنزاله ورده، وقيل هو حل أي فيء، وقيل إن رد غلبة خير فيه الإمام واختيارا فهم حل، وقوله: وإن رد بريح أي وكذا لو رجع اختيارا على ظاهر ابن يونس.

ولما أنهى الكلام على متعلقات الأمان، شرع في متعلقات الاستئمان، فقال: وإن مات عندنا فماله فيء؛ يعني أن الحربي المستأمن إذا مات عندنا في غير معركة ولا أسر فإن ماله يكون فيئا، وإن قتل يكون ماله وديته فيئا أي يكون ذلك لبيت المال بلا تخميس. إن لم يكن معه وارث؛ يعني أن محل كون ما ذكر فيئا إنما هو حيث لا وارث معه ببلدنا، ويعين وارثه ببينة مسلمين، وأما

ص: 430

إن كان معه ببلدنا وارث عندهم بقول أساقفتهم أو له زوجة أو ذو رحم، فإن ماله يكون لوارثه دخل على التجهيز أم لا. ولم يدخل على التجهيز؛ يعني أنه يشترط في كون مال المستأمن الميت عندنا بلا وارث فيئا أن لا يكون قدم لحاجة يقضيها ثم يعود بل قدم ليقيم، أو كانت الإقامة هي الشأن أو جهل ما دخل عليه ولا عادة، وكذا إن دخل على التجهيز أو كان العادة وطالت إقامته فيهما بالعرف تنزيلا لطول الإقامة منزلة الدخول على الإقامة، ففي هذه الصور الخمس يكون ماله وديته فيئا، وقد علمت أن محل هذا حيث لم يكن معه وارث، ولا يمكن في هذه الصور إن كان حيا من الرجوع لو أراده.

واعلم أن الحربي المؤمن إذا مات لا يخلو من أربعة أوجه، إما أن يموت عندنا، وإما أن يموت ببلده من غير أسر ولا معركة فيهما، وإما أن يموت بأسر، وإما أن يموت في معركة. فأشار إلى الوجه الأول بقوله:"وإن مات عندنا"، إلى قوله:"التجهيز"، وبقوله:"وإلا أرسل مع ديته لوارثه"، وأشار إلى الوجه الثالث بقوله: ولقاتله أن أسر ثم قتل؛ يعني أن الحربي المؤمن إذا نقض العهد وحارب المسلمين فأسروه حيا وقتلوه، فإن ماله يكون لمن أسره من المسلمين، والصواب حذف قوله:"ولقاتله"، وحذف قوله:"ثم قتل"، فإن ماله يكون لمن أسره قتل أو لم يقتل؛ لأن آسره ملك رقبته، ومحل قوله:"ولقاتله"، حيث كان من غير الجيش وغير المستند له، وإلا فيخمس كسائر الغنيمة كما يأتي.

وإلا أرسل مع ديته لوارثه، هذا من تمام الوجه الأول، وهو مفهوم قوله:"ولم يدخل على التجهيز"؛ يعني أن الحربي المستأمن إذا مات عندنا وقد دخل على التجهيز أي قدم لحاجة يقضيها ثم يعود أو كان ذلك الشأن ولم تطل إقامته فيهما، فإن ماله يبعث لوارثه وإن قتل ظلما لا في معركة، فسياتي بَعْثُ مالهِ مع ديته لوارثه أيضا، فإن لم يكن له وارث رد لحاكمهم يدفعونه لأهل دينه من كورته، كما يأتي نحوه في مال الكتابي المؤدي للجزية ولا حق فيه للمسلمين كما هو صريح النصوص، لكن نقل الدميري أنه إن لم يكن له وارث فلبيت المال، فقوله:"وإلا" أي بأن دخل على التجهيز أو كان ذلك الشأن ولم تطل إقامته فيهما.

ص: 431

وأشار إلى الوجه الثاني بقوله: كوديعته؛ يعني أن الحربي المستأمن إذا سافر من عندنا ومات في بلده فإن وديعته أي ماله المتروك عند المسلمين لا خصوص الوديعة العرفية يجري على ما مر من موته ببلدنا من غير فرق، فالتشبيه تام. قاله الشيخ بناني. وأشار إلى الوجه الرابع بقوله: وهل وإن قتل في معركة أو فيء قولان؛ يعني أن الحربي المستأمن إذا نقض العهد وحارب المسلمين وقتل في محاربته دون أسر، فإنه جرى قولان في ماله هل يبعث به لورثته أو يكون فيئا لا يخمس؟ الأول لابن المواز والثاني لابن حبيب مع نقله عن ابن القاسم وأصبغ، وأما لو أسر ثم قتل فقد تقدم.

واعلم أن غرماءه مقدمون في وديعته على من أسره بخلاف المال الذي معه فإنه غنيمة أو لمن أسره، فلا حق فيه للغرماء كما يفيده المواق، واعلم أيضا أن وديعة المستأمن ترسل له حيث كان حيا، وظاهر كلامهم وإن قاتل المسلمين. قاله الشيخ عبد الباقي.

وكره لغير المالك اشتراء سلعة؛ يعني أن الحربي إذا قدم إلينا بأمان ومعه سلع للمسلمين أو للذميين فإنه يكره كراهة تنزيه لغير من ملكها أن يشتريها من المستأمن ليلا يفوتها على مالكها، وفهم منه أنه لا يكره لمالكها شراؤها وهو ظاهر، ولهذا كان تعليل الكراهة بأن فيه تسليطا لهم على أموال المسلمين ضعيفا؛ لأنه يأتي فيما إذا كان المالك هو المشتري لها. وفاتت به؛ يعني أنه إذا باع هذا المستأمن السلع المذكورة لغير مالكها، فإن السلع تفوت على مالكها، فليس له إلى أخذها من سبيل لا بالثمن ولا بغيره. وبهبتهم لها؛ يعني أن السلع المذكورة كما تفوت على مالكها بالبيع لغيره تفوت بهبة الحربي المستأمن لها لمسلم أو ذمي، فليس لمالكها سبيل إلى أخذها لأنه بالعهد صار له حرمة ليست له بدار الحرب، بخلاف ما وقع في المقاسم أو باعوه أو وهبوه بدراهم فلا يفوت، بل لمالكه أن يأخذه في الأوليين بالثمن، وفي الثالثة مجانا كما سيأتي إن شاء الله تعالى، ومعنى الفوات هنا أنه ليس له أخذها ولا أخذ ثمنها.

فرع: يجوز شراء أولاد المشركين منهم. قاله في النوادر. ونقله الإمام الحطاب. ابن القاسم: وما أخذ أهل الشرك من أموال المسلمين فأتوا به ليبيعوه لا أحب لأحد أن يشتريه، قال أبو الحسن: ابن المواز: واستحب غيره أن يشترى ما بأيديهم للمسلمين ويأخذه ربه بالثمن. الشيخ: وعلى

ص: 432

قول محمد له أن يأخذها بالثمن على ما حكاه عن الغير، وفهم من المص أن الحربي إذا قدم بأمان وبلغ لم يكن لرب السلع أخذها وهو كذلك. انظر الحطاب.

وانتزع ما سرق ثم عيد به؛ يعني أن الحربي المستأمن أو الذمي إذا سرق في زمن العهد أو غصب من مسلم أو ذمي ثم ذهب لدار الحرب ثم عاد إلينا ما سرقه أو غصبه، فإنه ينتزع لربه ممن جاء به سواء عاد به السارق بعد أمانه ثانيا أو بلاه، أو عاد به غيره فلذا أتى بعِيدَ مبنيا للمجهول، لكن إن عاد به السارق قطع كما هو مذهب المدونة كما يقتل إن قتل ولا يزيل ذلك عنه أمانه، ولو شرط عند عوده أن لا تقام عليه الحدود، وكذلك من هرب بديون عليه ثم عاد واشترط عند عوده أن لا تؤخذ منه فإنها تؤخذ ويلغى الشرط، وقيل يوفى له بالشرط ويوفيها الإمام من بيت المال. قاله الشيخ إبراهيم. وقوله:"وانتزع ما سرق"، وقيل: لا ينتزع، وقيل إن عاد بذلك غيره لم ينتزع، وإن عاد هو به نزع، والقول الأول قال ابن رشد في البيان: هو الأرجح، فلهذا قال: على الأظهرت وقوله: "سرق" بالبناء للمجهول، وقوله:"على الأظهر"، متعلق بانتزع وقد علمت مقابل الأظهر، وقوله:"وانتزع ما سرق"؛ أي أو غصب كما مر رقيقا أو غيره،

لا أحرار مسلمون قدموا بهم؛ يعني أن الحربي إذا قدم إلينا ومعه أحرار مسلمون ذكورا أو إناثا، فإنهم لا ينتزعون منه ولا يمنع من الرجوع بهم إلى بلاده ولا يمنع من وطء إناثهم، ووجه بأن الأمان يحقق لهم الملك، وهذا الذي ذكر المص لابن القاسم في أحد قوليه والقول الآخر أنهم ينزعون منه بالقيمة وهو الذي عليه أصحاب مالك وبه العمل ورجحه جماعة، وما ذكره المص يجب كتمه. قاله العلامة الخرشي. وأما ما احتج به من قضية أبي جندل بن سهيل فأجيب عنه بأن ذلك في مبادئ الإسلام قبل أن يكثر المسلمون. اللخمي: ولا يجوز ذلك بعد ظهور الإسلام لأن فيه وهنا للمسلمين وإذلالا لهم، وقوله:"لا أحرار"، عطف مغايرة على نائب انتزع وهو "ما" من قوله:"ما سرق"، وأنكر القول الذي عليه المص رجل من أهل المدينة يقال له داوود، فبلغ ذلك مالكا فقال: ألم يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صالح أهل مكة على رد من جاء منهم

ص: 433

فهرب إليه أبو جندل بن سهيل وهو مسلم حتى أتى رسول الله صلى اللّى عليه وسلم فرده عليه السلام وقال: (إنا لا نخفر العهد

(1)

) وأجيب بما قدمته.

(وملك بإسلامه غير الحر المسلم) يعني أن الحربي إذا أسلم يملك بإسلامه جميع ما غصبه أو نهبه، إلا الحر المسلم فيملك العبد ولو مسلما والذمي والأمتعة، ولا يملك الحر المسلم ولا المسروق ولا الحبس المحقق كونه حبسا وفي ملكه لما احتمل كفرس في فخذه للسبيل أو في سبيل الله لأنه قد يكتب الرجل ذلك ليمنعه من الناس وعدم ملكه له قولان، وقوله:"وملك بإسلامه" الخ، هذا إذا قدم علينا بأمان أو لم يقدم بأمان حال كفره لكن قدم بعد إسلامه، وأما إذا أقام ببلده فسيأتي:"وماله وولده" الخ، وقد مر قولان في ملكه لما احتمل الوقفية، ومقتضى عزو علي الأجهوري ترجيح الثاني فيما وجد في غنيمة، ويقاس ما أسلم عليه هنا عليها -أي الغنيمة- ولا يملك الحربي بإسلامه ما تسلفه من مسلم أو ترتب في ذمته من شيء اشتراه من مسلم أو استأجره: فيؤخذ منه ولو وقع الشراء أو الإجارة بأرض الحرب كما يفيده ما ذكره القرافي من أنه إذا أسلم الحربي يلزمه كل ما رضي به حال كفره. قاله الشيخ عبد الباقي.

ولما كان قوله: "وملك بإسلامه غير الحر المسلم" يشمل ذا الشائبة بين ما يفعل بذي الشائبة، فقال: وفديت أم الولد؛ يعني أن الحربي إذا قدم بأم ولد لمسلم غنمها منه وأسلم فإنه يجب على سيدها أن يفديها لشبهها بالحرة، ويفديها بقيمتها على أنها قن، فإن كان مليا وإلا اتبعت ذمته، وقوله:"وفديت أم الولد"؛ أي إلا أن تموت هي أو سيدها كما سيذكره فيما إذا وقعت هي أو غيرها غنيمة للمسلمين من الكفار، وتقدم ما يستفاد منه حكم ما إذا قدم بأمان ومعه أم ولد أو مدبر أو معتق لأجل وهوأنهم يبقون بيده، وتكلم هنا على من ذكر حيث أسلم عليهم. قاله الشيخ عبد الباقي.

وعتق المدبر عن ثلث سيده؛ يعني أن الحربي إذا أسلم وعنده مدبر قد غنمه من المسلمين فإنه يبقى بيده يخدمه أو يواجره إلى موت سيده؛ لأنه يملك منه ما يملك سيده، فإذا مات سيده فإنه يعتق من ثلث سيده، فإن حمله الثلث فواضح، فإن حمل بعضه رق باقيه لمن أسلم عليه، وإذا

(1)

صحيح البخاري، باب الشروط في الجهاد، رقم الحديث، 2731 - 2732.

ص: 434

علم أنه مدبر ولم يعلم سيده أو علم ولم يعلم موته فينبغي أن يبقى بيد من أسلم إلى مضي مدة تعمير سيده مع تقدير كون سنة وسطا ثم يخرج حرا. قاله الشيخ عبد الباقي.

ومعتق لأجل بعده؛ يعني أن الحربي إذا أسلم وعنده معتق لأجل غنمه من مسلم فإنه يبقى بيده يخدمه أو يؤاجره إلى أن يمضي الأجل المعلق عتقه على مضيه، فإذا مضى خرج حرا. ولا يتبعون بشيء؛ يعني أن الحربي إذا أسلم لا يتبع المدبر بشيء إذا عتق من ثلث سيده، وكذا لا يتبع المعتق لأجل بشيء إذا تحرر بعد الأجل لأنه كالمالك المحقق، فليس له غير خدمة من ذكر، وجمع الضمير باعتبار أفراد المدبر والمعتق لأجل أو جمعه لرجوعه للحر المسلم لأنه ينزع منه بلا عوض، وللمدبر والمعتق لأجل، وإذا مات سيد المدبر وعليه دين يستغرقه كلَّهُ أو بعضه رق ما قابل الدين، وهو الكل في الأولى والبعض في الثانية للحربي الذي أسلم، وعتق ثلث باقيه فيما إذا استغرق بعضه ورق الباقي عن الثلث للحربي الذي أسلم لتقديم حقه على أرباب الديون فيما تستغرقه ديونهم فهو أولى به منهم.

ولا خيار للوارث؛ يعني أنه لا خيار لوارث سيد المدبر فيما رق منه بين إسلامه للحربي الذي أسلم وأخذه ودفع قيمته له، كما له ذلك في المدبر الجاني؛ لأن السيد هنا لم يكن له انتزاعه من الحربي الذي أسلم، فكذا وارثه، وسكت المص عن المكاتب لوضوحه وهو أن الذي أسلم يستوفي منه الكتابة، فإن أدى خرج حرا والولاء لعاقدها أي الكتابة، وإن عجز رق له ولا شيء لسيده. وحد زان؛ يعني أن من زنى من الجيش بحربية أو ذات مغنم يحد حد الزنى حيز المغنم أم لا، قل الجيش أو كثر. وقال عبد الملك: لا يحد، وهو الصواب للشبهة. وسارق؛ يعني أن من سرق من الجيش من الغنيمة نصابا فما فوقه يقطع بشرط إن حيز المغنم؛ أي إنما يقطع السارق من الغنيمة نصابا وهو من الجيش بشرط أن يكون المغنم قد حيز وإلا فلا، وقال عبد الملك: إنما يقطع إن سرق فوق حقه بنصاب أي ثلاثة دراهم أو ربع دينار؛ لأن حقه فيها واجب موروث، بخلاف حقه في بيت المال فإنه لا يورث، وقول عبد الملك هو الصواب كما قاله غير واحد.

وفي المدونة: ومن أعتق عبدا من الغنيمة وله فيها نصيب لم يجز عتقه.

ص: 435

وبما قررت علم أن الشرط إنما يرجع للسارق، فلو قال: كسارق إن حيز المغنم لجرى على قاعدتد الأغلبية. قاله الشيخ إبراهيم.

ووقفت الأرض، شرحه عبد الباقي وغيره بأن الأرض المفتوحة عنوة تصير وقفا بمجرد الاستيلاء، ولا تحتاج إلى طيب نفس المجاهدين، ولا إلى صيغة من الإمام، قال عبد الباقي: وهذا كالمستثنى من قوله في الوقف: "بحبست ووقفت" الخ. انتهى. قوله: "ووقفت الأرض"، قال عبد الباقي: أي غير الموات وأما الأرض الموات، فللإمام أن يقطعها لمن شاء، والمراد بالأرض في كلام المص أرض الزراعة المفتوح بلدها عنوة، وكذا أرض الدور على المشهور، وقيل للغانمين، وقيل يخير الإمام فيها وعلى الأول فلا يؤخذ لها كراء بخلاف أرض الزراعة كما قال:"بخراجها" لخ، ولذا قال القرافي بعد ذكر الخلاف في كراء دور مكة: المشهور منع كرائها لأنها فتحت عنوة، وكذا دور مصر وأراضيها؛ لأن مالكا صرح في الكتاب وغيره بأنها فتحت عنوة، وما يقع من القضاة من إثبات الأملاك وعقود الإجارات والأخذ بالشفعات ونحو ذلك مبني على القول بأن للإمام قسمها كسائر الغنائم، وعلى القول بأنه مخير في ذلك، والقاعدة المتفق عليها أن مسائل الخلاف إذا اتصل ببعض أقوالها قضاء حاكم تعين ذلك القول وارتفع الخلاف، فإذا قضى حاكم بثبوت ذلك في أرض العنوة ثبت الملك وارتفع الخلاف وتعين ما حكم به، وهذا يجري في مكة ومصر وغيرهما.

واعلم أن القول بأن الدور وقف إنما يتناول الدور التي صادفها الفتح، فإذا تهدمت تلك الأبنية وبنى أهل الإسلام دورا غيرها فهذه الأبنية لا تكون وقفا، وحيث قال مالك: لا تكرى دور مكة، أراد ما كان في زمانه باقيا من دور الكفار التي صادفها الفتح، واليوم ذهبت تلك الأبنية فلا يكون قضاء الحاكم بذلك خطئا. نعم يختص ذلك بالأرضين فإنها باقية إلى الأبد، وإذا جهل الأمر فإن الحائز ينتفع بحيازته إذا جهل أصل مدخله، وذكر في التوضيح خلافا في مطالبة الحائز ببيان سبب ملكه، فقال ابن أبي زمنين: لا يطالب، وقال غيره يطالب، وقيل إن لم يثبت أصل الملك للمدعي فلا يسئل الحائز عن بيان سبب ملكه وإلا سئل.

ص: 436

وقال ابن القطان وابن عتاب: لا يطالب إلا أن يكون معروفا بالغصب والاستطالة والقدرة على ذلك، وإنما لم تقسم كغيرها لتكون في أعطية المقاتلة وأرزاق المسلمين أي الذين يقاتلون في المستقبل، فإن قسمت بين المجاهدين مضى ولا ينقض، اللخمي من غير خلاف. قاله المواق. أي حيث قسمها من يراه. انتهى كلام الشيخ عبد الباقي.

ونقل الشيخ بناني عن الرماصي ما نصه: فيه -يعني كونها تصير وقفا بمجرد الاستيلاء- نظر؛ إذ لم أر من قال إنها تصير وقفا بمجرد الاستيلاء، لكن كلام الأئمة فيما يفعله الإمام هل يقسمها كغيرها أو يتركها لنوائب المسلمين، فمعنى وقفها تركها غير مقسومة لنوائب المسلمين لا الوقف المصطلح عليه وهو التحبيس، قال: وقول الزرقاني: وعلى الأول فلا يؤخذ لها كراء، قال بعض الشيوخ: ينبغي على الأول أن يؤخر كراؤها كأرض الزراعة، ويكون في المصالح بعد الآل. والله أعلم. اهـ. وقول الزرقاني: واعلم أن القول بأن الدور وقف إلى آخره، الدار اسم للقاعة والبناء فلا يتأتى هذا التأويل. والله أعلم. انتهى.

وقال إمامنا مالك رضي الله تعالى عنه: وكل أرض افتتحت عنوة فالشأن فيها أن تترك كما فعل عمر رضي الله تعالى عنه، قال مالك: وبلغني أن بلالا وأصحابه سألوا عمر في قسم الأرض التي أخذت عنوة فأبى ذلك عليهم، وكان بلال من أشد الناس عليه كلاما، فزعم من حضر ذلك أن عمر رضي الله عنه دعا عليهم، فقال اللهم اكفنيهم، فلم يأت الحول على واحد منهم وهو حي، ولم ينكر ذلك عليه أحد من الصحابة، وتلاه على ذلك عثمان وعلي رضي الله تعالى عنهما. نقله الشيخ إبراهيم. وقوله:"ووقفت الأرض"، هذا هو المشهور، وقيل يقسمها الإمام كأرض خيبر، وقيل إن عمر استطاب أنفس المفتتحين، فمن شح أعطاه في حقه الثمن، فعلى هذا لم يخرج فعله رضي الله تعالى عنه عما فعله صلى الله عليه وسلم بأرض خيبر، وإذا أبقى الإمام أرض العنوة وأقر أهلها فيها لعمارتها ضربت عليهم الجزية على ما فرض عمر رضي الله تعالى عنه: وسوقوا في السواد وضرب عليهم الخراج في البياض بقدر اجتهاد الإمام، وقوله:"ووقفت الأرض"؛ أي قريبة أو بعيدة أو متوسطة، وتفصيل اللخمي ضعيف. قاله الشيخ إبراهيم.

ص: 437

ومثل للأرض المأخوذة عنوة بفتح العين، بقوله: كمصر والشام والعراق؛ يعني أن مصر والشام والعراق مما فتح عنوة، فالشأن فيها أن توقف كغيرها مما أخذ عنوة، وقوله:"كمصر والشام والعراق" تمثيل لفعل عمر: وعبارة الشيخ الأمير: ووقف أرض العنوة غير الموات، فإنه ملك لمحييه.

ولما كانت أموال الكفار غير الأرض المأخوذة عنوة ثلاثة أقسام: غنيمة وفيئا ومختصا، أشار إلى ذلك بقوله: وخمس غيرها لما ذكر ما يفعل بالأرض ذكر ما يفعل بغيرها؛ يعني أن ما سوى الأرض مقوما كان أو مثليا يقسم خمسة أخماس، خمس لبيت المال وأربعة أخماس للمجاهدين. إن أوجف عليه؛ شرط في قوله:"ووقفت الأرض"، وفي قوله:"وخمس غيرها"؛ يعني أن الوقف المذكور والتخميس إنما هما فيما أوجف عليه بالبناء للمفعول؛ أي قوتل عليه بالفعل، وأما ما لم يقاتل عليه فإنه يكون فيئا موضعه بيت المال، ولأقسام أربعة: هربوا قبل خروج الجيش من بلاد الإسلام فما تركوا فيء لا يخمس وموضعه بيت المال، هربوا بعد خروج الجيش وقبل نزوله بلدهم فهو فيء أيضا كما يؤخذ من كلام الباجي ولم يستحضره ابن عرفة فتوقف فيه، هربوا بعد نزول الجيش بلادهم قبل المقاتلة فهو فيء أيضا كما قاله الشيخ بناني، ونقل عن المازري في المعلم أنه قال: لا خلاف أن الغنيمة تخمس وأما ما انجلى عنه أهله دون قتال فعندنا لا يخمس ويصرف في مصالح المسلمين كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل فيما أخذ من بني النضير، وقال الشافعي: يخمس كالغنيمة. انتهى. والرابع قتالنا لهم بالفعل، فيما أخذ به فهو غنيمة تخمس.

فتحصل من هذا أن ما أخذ بقتال غنيمة، وما أخذ بغيره فيء.

تنبيه: قال المقرى في قواعده: قال بعضهم: احذروا أحاديث عبد الوهاب، وإجماعات ابن عبد البر، واتفافات ابن رشد، وخلافات اللخمي. وقد قيل إن مذهب مالك كان صحيحا حتى أدخل فيه الباجي يحتمل ويحتمل حتى جعل اللخمي له ذلك خلافا.

وأشار إلى الثاني من أقسام مال الكفار بقوله: فخراجها؛ يعني أن خراج أرض العنوة أي الكراء الذي يؤخذ على بياضها إن أقرت بأيدي المسلمين أو أهلها لعمارتها أو سوقوا على سوادها موضعه بيت المال يصرفه الإمام باجتهاده، ويبدأ بآل سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم،

ص: 438

فأرض الزراعة يؤخذ خراجها على ما عرفت، وليس معنى وقفيتها أن يزرعها الفقراء مجانا، والدور لا أجرة لها على ما مر عن عبد الباقي والأمير.

والخمس بالرفع عطف على خراجها وهو مبتدأ؛ يعني أن الخمس الذي لله ورسوله الخارج بالقرعة من الغنيمة والزكاة موضعه بيت المال، ويصرفه الإمام باجتهاده، ويبدأ بآل النبي صلى الله عليه وسلم. والجزية؛ يعني أن الجزية العنوية والصلحية وعشر أهل الذمة وخراج أرض الصلح حكمها كذلك، فتوضع في بيت المال للمسلمين فيصرفها الإمام باجتهاده، ويبدأ بآل النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك الحكم في الفيء أي الذي أخذ بغير إيجاف، فهذه الثلاثة، وما أخذ بغير إيجاف فيء فلا يخمس بل موضعها بيت المال يصرفها الإمام باجتهاده، ويبدأ بآل سيدنا ومولانا محمد خاتم النبيئين وإمام المرسلين صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين.

وبما قررت علم أن قوله: لآله صلى الله عليه وسلم خبر عن قوله: "فخراجها"، وما عطف عليه؛ يعني أن هذه الثلاثة موضعها بيت المال يصرفها الإمام باجتهاده، ويبدأ بآله صلى الله عليه وسلم.

وسيشير للثالث بقوله كمتلصص. ابن شعبان: استفتح الله الغنيمة والفيء بذكره لأنهما أشرف الكسب، وإنما ينسب إليه ما شرف وعظم، ولم ينسب لنفسه الصدقة لأنها أوساخ الناس، فقال:{إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} الآية.

قال مؤلفه عفا الله تعالى عنه: وآل النبي صلى الله عليه وسلم جديرون بالتفخيم والتكريم لاستحقاقهم المنصب الرفيع والتعظيم الذي هو أفخم التعظيم، وقد قلت في صلاة لي عليه وعلى آله: اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد وعلى آل سيدنا محمد القادة الأبرار، والسادة الأخيار، زهر النجوم الطوالع، والشموس السواطع، والسيوف القواطع، والبروق اللوامع: والغيوث الهوامع، فلله در بني هاشم ما أرفع بناءها، وأحسن في الهيجاء بلاءها، وأشق لقاءها، وأكثر في اللزبات عطاءها، وأثبت في المكرمات بقاءها، فكم هناك من قطب بهي، يبرز منه علم شهي؟ أبان معالم التحقيق، وسلك بالمسلمين أنفع طريق، عالم خبير بصير يسع الأنام حلما، ويملأ طباق الأرض علما، يتدفق كرما ونوالا، ويتلهب إشراقا وجمالا، مبناه في الدين رفيع،

ص: 439

وكلامه إذا أعرب عن مسألة منه تخاله في الحسن زهر الربيع، أفاض الأنوار، وطهر القلوب والأسرار، عددهم كثير: وشأنهم كبير وخبرهم شهير، لا تسعة الدفاتر، ولا تفي به الأقلام والمحابر، وكم هناك من فارس بطل ندب، ذي لسان عضب ومضاء غرب، يمنع السرب ويبيح النهب، يسد الثغور ويصلح الخلل، يعطي الجزيل ويضرب البطل، أباد أهل الكفر والطغيان، ضرب فوق الأعناق وضرب منهم كل بنان: جاهد في الله حق جهاده، ووفى بحقوق عباده، فرد في النوال والجمال والمكارم، لا تأخذه في الله لومة لائم، خبرهم مشتهر، وعددهم غير منحصر، وكم هناك من أمير، غصت منه الكفرة بالماء النمير، محياه كالشمس، يسوق بعصاه الجن والإنس، كسر الأصنام، وبنى قبة الإسلام:

بنى قبة الإسلام حتى كأنما

أتى الناس من بعد الضلال رسول

أمير هو وأي أمير؟ سام في الفخر منير شيد بروج الدين، وأذل رقاب الكفرة والملحدين، أباح حماهم وفلل شباهم، ودمدم على ناديهم وسبى ذراريهم، فهم من بين مأسور، مصلوب ومثبور، لطخ السيف بالعذره وصار جيفة قذره، وكم هناك من نساء باهرات بارعات زاهرات طيبات عطرات بهجات ناضرات فاخرات خفرات مؤنسات قانتات مسلمات عابدات سائحات تائبات، أحصنَّ الفروج، وأخجلن البروج، كالشموس الطوالع والبروق اللوامع، حور عين كأنهن لؤلؤ مكنون، من كل رعبليب وخودة عروبة،

حصان رزان ما تزن بريبة .........................................

من الخفرات البيض أما حرامها

فصعب وأما حلها فذلول

ولله در زوج زينب بنت الرسول حيث يقول:

بنت الأمين جزاها الله صالحة

وكل بعل سيثني بالذي علما

ص: 440

ولله در القائل أيضا:

عن كل أزواجه أرضى وأوثر من

أضحت براءتها في الذكر مستطره

وفي خديجة والزهرا وما ولدت

أزكى مديحي سأهدي دائما درره

وماذا عسى أقول؟ والله يقول الحق وهو يهدي السبيل

(1)

برأ وأدب وأوعد وأرهب وشرف وكرم ومجد وعظم. ولله در القائل:

لله مما قد برا صفوة

وصفوة الخلق بنو هاشم

وصفوة الصفوة من بينهم

محمد النور أبو القاسم

صلى الله عليه وسلم تسليما.

فائدة: كان صلى الله عليه وسلم متبلج الوجه أزهر اللون يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر ويضيء البيت المظلم من نوره، وكان يلاحك وجهه الجدار وإذا تبسم بالليل أضاء البيت، وكان وجهه يظهر في البيت كالسراج وإذا سر استنار وجهه كأنه قطعة قمر وعرف ذلك منه وكأن وجهه المرآة، وإذا غضب تلون وجهه واحمرت عيناه، ويعرف رضاه وغضبه في وجهه لصفاء بشرته، وكان صلى الله عليه وسلم فخما مفخما، وكان صلى الله عليه وسلم أبيض مليحا مقصدا، ولم يكن بالأبيض الأمهق ولا بالآدم الشديد الأدمة، وكان بياضه مشربا بالحمرة، وكان صلى الله عليه وسلم أنور المتجرد، وكان أطول من المربوع وأقصر من المشذب، ولم يكن أحد يماشيه من الناس ينسب إلى الطول إلا طاله، وربما اكتنفه الرجلان الطويلان فيطولهما فإذا فارقاه نسبا إلى الطول ونسب هو صلى الله عليه وسلم إلى الربعة، وإذا جلس تكون كتفه أعلا من جميع الجالسين، وكان معتدل الخلق في السمن بادنا متماسكا غير مطهم، وكان ضخم الرأس والكراديس، وكان شديد سواد الشر حسنه رجله، ليس بالجعد القطط ولا بالسبط فيه حجونة،

(1)

وفي نسخة ك ومايابى والتا: والله يقول وهو يقول الحق ويهدي السبيل الخ.

ص: 441

وكان حسن الجمة أجلى الجبين يرى جبينه كأنه ضوء السراج المتوقد تلألؤا وكان واسع الجبهة واضحها، وكان صلى الله عليه وسلم أزج الحاجبين سابغهما دقيقهما لا تعدوا منهما شعرة لأخرى مقوسهما، وكان حاجباه غير مقرونين، وكان بين حاجبيه عرق يدره الغضب وكان أنجل العينين وكان أدعجهما وكان أشكلهما، وكان صلى الله عليه وسلم أهدب الأشفار أقنى العرنين يحسبه من لم يتأمله أشم، له نور يعلو أنفه، وكان صلى الله عليه وسلم ضليع الفم حسن الثغر أشنب، وكان صلى الله عليه وسلم أفلج الثنيتين براقهما، وكان صلى الله عليه وسلم إذا تكلم ريء كالنور يخرج من ثناياه، وكان الدر ينتثر من بين شفتيه ويفتر إذا تبسم عن مثل حب الغمام وجل ضحكه التبسم: فإذا افتر ضاحكا افتر عن مثل سنا البرق إذا تلألأ، وكان أحسن عباد الله شفتين وألطفهم ختم فم، وريقه يعذب الماء الملح ويجزئ الرضيع، وشرب من ماء بير في دلو ثم صب البقية فيها أو مج فيها ففاح منها مثل رائحة المسك، وبزق في بئر في دار أنس فلم يكن في المدينة بئر أعذب منها، ولم يكن بالطويل الوجه ولا بالشديد تدويره وهو المكلثم بل فيه تدوير قليل، وكان صلى الله عليه وسلم أسيل الخدين، وكان صلى الله عليه وسلم كث اللحية، وكان حسن السبلة قد ملأت لحيته من هذه إلى هذه قد كادت تملأ نحره، وكانت عنفقته بارزة وفنيكاه حول العنفقة كأنهما بياض اللؤلؤ، وفي أسفل عنفقته شعر منقاد حتى يقع انقياده على شعر اللحية حتى يكون كأنه منها، وكان صلى الله عليه وسلم أحسن عباد الله عنقا كأن عنقه جيد دمية، أو كأنه إبريق فضة مشرب ذهبا يتلألأ في بياض الفضة وحمرة الذهب. وما غيبته الثياب من عنقه تحتها فكأنه القمر ليلة البدر، وكان صلى الله عليه وسلم عريض الصدر بعيد ما بين المنكبين، ممسوح الصدر كأن صدره المرآة في شدتها واستوائها على بياض القمر ليلة البدر مستوي البطن والصدر، وكان عظيم رءوس العظام جليل الكتد واسع الظهر، بين كتفيه خاتم النبوءة دقيق فقار الظهر، كأن ظهره سبيكة فضة موصولا بين لبته من الصدر إلى سرته بمسربة، أشعر الذراعين والمنكبين وأعالي الصدر، عاري الثديين والبطن من الشعر. هكذا في حديث ابن أبي هالة.

ص: 442

وفي آخر أنه كان له شعر من لبته إلى سرته يجري كالقضيب، ليس على صدره ولا على بطنه غيره، وفي حديث علي رضي الله تعالى عنه أنه أجرد ذو مسربة، وكان بطنه كأنه القراطيس المثني بعضها على بعض، أبيض من القباطي المطراة، وألين مسا من الحرير، وكان عبل العضدين والذراعين شبحهما، طويل الزندين، سبط القصب، شتن الكفين، رحب الراحة سائل الأطراف، كفه ألين من الحرير وأبرد من الثلج وأطيب ريحا من المسك، كأن كفه كف عطار، مس طيبا أو لم يمس. يصافحه المصافح فيظل يومه يجد ريحها، ويضعها على رأس الصبي فيعرف من بين الصبيان من ريحها على رأسه، وكان صلى الله عليه وسلم أعطر من حانوت العطار، وكان عبل ما تحت الإزار من الفخذين والساقين.

وفي الحديث أنه كان في ساقيه حموشة أي دقة. أخرجه الترمذي وصححه. والحاكم في المستدرك وفي السير من قول سيف بن ذي يزن وصححه ابن ظفر يصفه صلى الله عليه وسلم: أنه خدلج الساقين؛ يعني ممتلئهما ويمكن الجمع -والله أعلم- بأن أعلى الساقين مما يلي الركبة عبل وأسفلهما مما يلي الكعب والقدم دقيق، ويرشد إلى هذا قول الغزالي وابن سبع أن العبل من الساق ما تحت الإزار، وكان صلى الله عليه وسلم منهوش العقب أحسن البشر قدما شثنها مسيحها، ينبو عنها الماء معتدل أخمصها وكان صلى الله عليه وسلم إذا مشى مشى مجتمعا وإذا زال زال تقلعا، ويخطو تكفؤا ويمشي هونا ذريع المشية كأنما ينحط من صبب، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء، جُلُّ نظره الملاحظة يسوق أصحابه فكانوا يمشون بين يديه وهو خلفهم، ويقول: خلوا ظهري للملائكة، وكان إذا التفت التفت جميعا، ولم يكن له ظل في شمس ولا قمر؛ إذا صمت فعليه الوقار، وإذا تكلم سما وعلاه البهاء، وكان أفصح خلق الله لسانا وأوضحهم بيانا وأعذبهم كلاما وألينهم خطابا وأسرعهم أداء وأوجزهم عبارة، يجمع كلما أراد ويتكلم بجوامع الكلم لا فضول ولا تقصير، وكان أحلاهم منطقا يأخذ بمجامع القلوب ويسلب الأرواح؛ إذا تكلم تكلم بكلام مبين مرتل مفصل يتبع بعضه بعضا يعده العاد ويفهمه كل من سمعه ويعيه، وكان يعيد الكلمة ثلاثا لتحفظ عنه، وكان صلى الله عليه وسلم حسن الصوت جهيره رخيمه أحسن الناس نغمة، وكان صوته يبلغ حيث لا يبلغه غيره، فكان إذا خطب أو قرأ يسمعونه من

ص: 443

منازلهم، وكان صلى الله عليه وسلم في صوته صحل، وكان صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وأجود الناس وأشجع الناس، وكان جل ضحكه التبسم وربما ضحك حتى تبدو نواجذه من غير قهقهة، وإذا بكى دمعت عيناه حتى تهملان من غير شهيق ورفع صوت ويسمع له أزيز كأزيز المرجل، وقد حفظه الله تعالى من التثاؤب، وقيل والتمطي لأنهما من الشيطان، وكان يرى ما لا يرون ويسمع ما لا يسمعون، وكان يرى بالليل في الظلمة كما يرى بالنهار وفي الضوء، وكان يرى من أمامه وخلفه وعن يمينه وشماله، وكان يرى في الثريا أحد عشر أو اثنى عشر نجما، وأوتى قوة أربعين في الجماع والبطش مع قلة الأكل وقناعته بالعلقة، وفي رواية قوة بضع وأربعين رجلا كل رجل من أهل الجنة، وقوة الرجل من أهل الجنة كمائة من أهل الدنيا، وقد حفظه الله تعالى من الاحتلام وكان طيب الرائحة ريحه أطيب من المسك والعنبر، وكان كثير العرق وكان عرقه كاللؤلؤ في البياض والصفاء، وكان عرقه أطيب من الطيب، وكان من توصل إليه عرقه يجعله في طيبه ومن تطيب به عبقت رائحته وشمها أهل المدينة وعلموا به ولا يجدون له شبها في الطيب، وكان صلى الله عليه وسلم لا يمر في طريق فيتبعه أحد إلا عرف أنه سلكه من طيب عرقه وعرفه، وكان يعرف في الليلة المظلمة بطيب ريحه، وإنما كان مع ذلك يحب الطيب ويكثر منه محبة للزيادة من الرائحة الطيبة لأجل الملائكة، وكان صلى الله عليه وسلم إبطه أبيض نظيفا طيب الرائحة، وكان إذا دخل الخلاء انشقت الأرض فابتلعت ما يخرج منه وشمت من مكانه رائحة المسك، ولم يطلع على ما يخرج منه بشر قط، وشربت أم أيمن وغيرها بوله صلى الله عليه وسلم غلطا فما وجدت له طعم البول ولو وجدته لما أدخلته جوفها ولكرهته كما قال السيد عبد الجليل، وشرب دمه غير واحد منهم عبد الله بن الزبير فتضوع فمه مسكا، وبقيت رائحته في فيه إلى أن صلب رضي الله تعالى عنه، ومعنى تضوع: فاح، وانتشرت رائحته واستدلوا [بتقريره لهم]

(1)

، على ذلك على طهارة فضلاته، وعدوا ذلك في خصائصه صلى الله عليه وسلم، وما ثبت عن عائشة رضي الله تعالى عنها من أنها كانت تفرك منيه صلى الله عليه وسلم من ثوبه، فقيل للتشريع وقيل للتنظيف، والصحيح أنه لما مسه من رطوبة فرج المرأة وهي نجسة.

(1)

في بعض النسخ بتقريرهم له.

ص: 444

وقال الشيخ أبو عثمان سعيد العقباني: لما تكلم العلماء على الخلاف في طهارة المني استثنى أسودهم النطفة التي صور منها النبي صلى الله عليه وسلم فلا خلاف في طهارتها، واختلفت الروايات في منتهى شعره صلى الله عليه وسلم، ففي بعضها أنه كان جمة وفي بعضها لمة وفي بعضها وفرة، وفي حديث ابن أبي هالة: وكان إن فرقت عقيقته فرق وإلا فلا يجاوز شعره شحمة أذنه إذا هو وفره. انتهى. ويروى عقيصته، ولم يشب صلى الله عليه وسلم ولم يهرم، فلم يكن في رأسه ولحيته إلا شعرات بيض نحو العشرين أو دونها بعضها في عنفقته وبعضها في صدغيه وبعضها في مفرق رأسه؛ إذا ادهن واراهن الدهن.

شَرْحٌ لمشكِلِ ما مر قوله: كان صلى الله عليه وسلم متبلج الوجه أزهر اللون أي مشرق الوجه مضيئه أزهر اللون أي نيره مشرقه وقيل حسنه، وقوله: يتلألأ في الجدر جمع جدار وهو الحائط أي يشرق نوره عليها إشراقا كإشراق الشمس عليها، وقوله: كان يلاحك وجهه الجدار، الملاحكة شدة الملاءمة أي يرى شخص الجدار في وجهه صلى الله عليه وسلم، وقوله: وإذا سر الخ، وقوله: وإذا غضب الخ؛ يعني أنه لصفاء بشرته يعرف رضاه وغضبه في وجهه، وقوله: فخما مفخما؛ يعني أنه كان ممتليء الوجه من الجمال والمهابة، وقيل إنه كان عظيما معظما في الصدور والعيون، وقوله مليحا مُقَصَّدًا أي قصدا في طوله وجسمه، فلم يكن نحيل الجسم ولا ضخمه ولا طويلا ولا قصيرا، وقوله: الأمهق الذي يضرب بياضه إلى الشهبة ويشبه لونه لون البرص، وقوله مشربا بياضه بحمرة أي قد علت على لونه حمرة من الإشراب وهو خلط لون بآخر كأنه سقي به، وقوله أنور المتجرد أي ما جرد عنه الثياب من جسده وكشف فهو مشرق، وقوله: المشذب، بمعجمتين كمعظم هو الفائق في الطول في نحافة، وقوله: كان معتدل الخلق في السمن بادنا أي ذا لحم متماسك البدن أي يمسك بعضه بعضا غير مطهم بفتح الهاء المشددة بعد المهملة أي غير مسترخي اللحم، وقوله: وكان ضخم الرأس المراد بالضخامة المذكورة في هذا الباب في الرأس والفم والكراديس وغير ذلك القدر الممدوح من ذلك لا الإفراط فيه والخروج إلى ما هو مذموم، وقوله رجل الشعر هو الذي فيه حجونة أي تثن قليل، وهو الذي كأنه مشط فتكسر قليلا، وقوله السبط هو الذي لا تكسر فيه كشعر الروم، وقوله القطط أي الشديد الجعودة كشعر السودان، والرجل والقطط

ص: 445

والسبط كلها كقمر وفرح وبدر مع إدغام اللفظ الثاني في الوجه الثالث، وقوله: أجلى الجبين هو ما فوق الصدغ وهما جبينان عن يمين الجبهة وشمالها، قال ابن سبع: إذا طلع جبينة من بين الشعر أو في فلق الصبح أو عند طفل الليل بفتح المهملة والفاء المروسة يعني ظلمته، أو اطلع بوجهه على الناس يرى جبينه كأنه ضوء السراج المتوقد تلألؤا، وكانوا يقولون هو صلى الله عليه وسلم كما قال شاعره وهو حسان بن ثابت رضي الله عنه:

متى يبد في الداجي البهيم جبينه

يلح مثل مصباح الدجى المتوقد

فمن كان أو من ذا يكون كأحمد

نظاما لحق أو نكالا لملحد

قوله: واسع الجبهة هو على ما مر في الضخامة، وقوله واضحها يستحب من الجبهة استرسالها ورقة بشرتها وعدم تغضنها، ويقال لمن كان بهذه الصفة صلت الجبهة وطلقها وواضح الجبين، وليس واضح الجبين كناية عن البياض؛ إذ قد يقال ذلك ممن كان أسمر اللون وهو صلى الله عليه وسلم أسمر اللون وضد الصلت والواضح الأغضن والمرأة غضناء، ويستحب من الجبهة اتساعها من غير إفراط، وغضون الجبهة أساريرها، وأزج الحاجبين دقيقهما لا تعدو منهما شعرة لأخرى في النبات والاستواء مقوسهما أي ممتدهما حتى كأنهما خطا بقلم، طويل طرفهما رقيقه وشبهت حواجبه بالنونات في قوله:

جبينه مشرق من فوق طرته

يتلو الضحى ليله والليل كافره

بالمسك خطت على كافور جبهته

من فوق نوناتها سينا ضفائره

مكمل الخلق ما تحصى خصائصه

منضر الحسن قد قلت نظائره

ص: 446

قوله: وكانا غير مقرونين هذا هو الصحيح، فكان صلى الله عليه وسلم أبلج ما بين الحاجبين نقيه، قال حجة الإسلام في الإحياء وابن سبع في شفائه: كأن ما بينهما الفضة المخلصة وهذا هو المستحب عند العرب، والعرب تكره قرن الحاجبين وزرقة العينين.

وقد روي في بعض الأحاديث أنه صلى الله عليه وسلم كان مقرون الحاجبين، فإن صح فلعله كان قرنا خفيفا خفيا جدا. قاله غير واحد. وقوله: بين حاجبيه عرق يدره الغضب أي يمتلئ دما لا يرى إلا أن يدره الغضب، وقوله: أنجل العينين: واسعهما حسنهما، وقوله: أدعجهما أي شديد سواد العين، وقوله: أشكلهما أي في بياضهما حمرة يسيرة وتفسير الشكلة بطول شق العين وهم عند جميعهم، وقوله: أهدب الأشفار: طويلةا وهي شعر العين، وقوله أقنى العرنين أي الأنف: وقنا الأنف طوله ودقة أرنبته وهي طرف الأنف الذي فيه ثقبه مع حدب في وسطه، وقيل هو دقة في الأنف مع ارتفاع في قصبته، وقيل هو استواء الأنف من أوله إلى آخره، والشمم: ارتفاع قصبة الأنف واستواء أعلاها وإشراف الأرنبة قليلا، وقيل هو أن يكون الأنف دقيقا لا نتو فيه، وقيل هو طول قصبة الأنف.

وقال التجاني: الشمم هو استواء أعلى قصبة الأنف مع ارتفاع يسير في الأرنبة وهو من صفات الجمال وعلامة السؤدد في الرجال، ثم قال: وضد الشمم القنا، وهو احديداب قصبة الأنف مع نزول الأرنبة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشمَّ بذلك وصفه أصحابه، وفي بعض الأحاديث ما يدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان أقنى، والمعروف ما ذكرناه، ولعل القنا كان فيه خفيا جدا كما ذكرناه في البلج والقرن، وقد بين ذلك ابن أبي هالة بقوله: أقنى العرنين يحسبه من لم يتأمله أشم، وقد مر أن العرنين: الأنف، وقيل ما صلب منه وهو أعلاه تحت مجتمع الحاجبين، قيل وفيه يكون الشمم، وعليه قول ابن القوطية: شم الأنف شمما ارتفع أعلاه. انتهى. فكان أنفه مرتفع القصبة في اعتدال، دقيق الأرنبة سائلا منقادا مستويا من أوله إلى آخره، وقوله: ضليع الفم واسعه يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه، والعرب تتمادح بهذا وتذم بصغر الفم، وقوله: حسن الثغر بمثلثة فمعجمة كبدر، والشنب بفتحتين الأشر وهو أن تكون الأسنان

ص: 447

فيها طرائق مثل تفرق المشط إلا أنها حديدة الأطراف. والفلج: فرجة وتفسح بين الثنايا، ويفتر أي يكشف.

وقد مر أن المكلثم هو الشديد تدوير الوجه وقيل هو القصير الذقن، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم كذلك، والخد الأسيل: السهل المستوي الذي لا يفوت بعض لحمه بعضا وليس مرتفع الوجنة، وقال ابن القوطية: أسل الخد أسالة لان وسهل، وقال السهيلي: لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم مدور الوجه ولكنه مسنون، قال في القاموس: رجل مسنون الوجه مملسه حسنه وفي وجهه وأنفه طول، والسهولة خلاف إشراف الوجنة أي علوها وارتفاعها والوجنة أعلى الخد، وقوله: كث اللحية؛ أي كثير منابت شعرها ملتفها واسعها، والسبلة محركة مقدم اللحية، والفنيكان هما عظمان يتحركان عند مضغ الطعام، والدمية بالضم هي الصورة من العاج، والجيد العنق، وقوله: عظيم رءوس العظام كالمنكبين والمرفقين والوركين والركبتين وهي الكراديس، والمشاش كغراب والكتد بوزن جسد وكتف: مجتمع الكتفين أو الكتفين والظهر، وقوله: فقار، بتقديم الفاء على القاف: سلسلة الظهر، واللبة بفتح اللام وتشديد الموحدة: موضع القلادة من الصدر، والمسربة بفتح الميم وسكون المهملة وضم الراء، ويقال بفتحها: شعر دقيق منقاد كالخط وكالقضيب والعبل كالضخم زنة ومعنى والشتن الغليظ، وقوله: رحب الراحة: واسع الكف، وقيل كني بذلك عن سعة جوده وعطائه، وقوله: سائل الأطراف أي ممتد الأصابع.

قال الغزالي وابن سبع: كان أصابعه قضبان الفضة وما يذكر من أن سبابته صلى الله عليه وسلم كانت أطول من الوسطى فهو غلط ممن قاله، وإنما روي ما روي من ذلك في أصابع رجليه، وقوله: منهوش العقب قليل لحمها، وقوله: مسيحها لينها أملسها ليس فيها تكسر ولا شقوق ينبو عنها الماء سريعا لملاستها ولا يقف، وقوله: معتدل أخمصها، الأخمص هو الموضع الذي لا تناله الأرض من أسفل القدم وهو وسطه لم يكن مرتفعا جدا ولا مستويا جدا على ما حرره ابن الأعرابي، وقال: إذا كان هكذا فهو أحسن ما يكون، وإذا استوى أو ارتفع جدا فهو ذم. انتهى. وبهذا يجمع بين ما روي من أنه خمصان الأخمصين وأنه إذا وطئ وطئ بقدمه كلها ليس لها أخمص. والله سبحانه أعلم. وما روى البيهقي من (أن خنصر رسول الله صلى الله عليه وسلم من

ص: 448

رجله كانت متظاهرة

(1)

)، ففي سنده: سلمة بن حفص السعدي: قال ابن حبان: كان يضع الحديث فلا يحل الاحتجاج به ولا الرواية عنه، وحديثه هذا باطل لا أصل له، ورسول الله صلى الله عليه وسلم معتدل الخلق، وقوله: مشى مجتمعا؛ أي هو قوي الأعضاء غير متراخ في المشي تقلعا هو رفع الرجل عن الأرض بقوة ارتفاعة واحدة كأنما يتقلع وهو نفي للاختيال في المشي مع إثبات التثبت ويخطو تكفؤا أي يميل إلى سنن ممشاه وقصده، ويمشي هونا أي برفق ووقار، ذريع المشية أي واسع الخطو أي أنه كان في مشيه يرفع رجليه بسرعة ويمد خطوه خلاف مشية المختال وكل ذلك برفق وتثبت دون عجلة، كأنما ينحط من صبب وهو الطريق تكون في حدور أو ما انحدر من الأرض يريد أنه مقبل على ما بين يديه غاض بصره لا يرفعه إلى السماء وكذلك يكون المنحط، وفسر أيضا بأنه يترفق في مشيته وكذلك شأن المنحط من الصبب يترفق مخافة السقوط والزلق. والله سبحانه أعلم. التفت جميعا؛ يعني أنه كان لا يسارق النظر ولا يلوي عنقه يمنة ولا يسرة إذا نظر إلى الشيء كفعل الطائش الخفيف، ولكن كان يقبل جميعا ويدبر جميعا.

وكان أحسن الناس اعلم أنه صلى الله عليه وسلم كان أجمل العالمين صورة، وجعل الله تعالى خلق ذاته على وجه لم يظهر قبله ولا بعده خلق آدمي مثله وأعطاه الحسن كله، وحسن يوسف عليه السلام وغيره جزء من حسنه صلى الله عليه وسلم؛ لأن يوسف عليه السلام وغيره على صورة اسم محمد صلى الله عليه وسلم، خلق ولولا أن الله تبارك وتعالى ستر جمال صورة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كما قيل بالهيبة والوقار وأعمى عنه آخرين لما استطاع أحد النظر إليه بهذه الأبصار الدنيوية الضعيفة، وقد وقعت لعائشة رضي الله تعالى عنها إبرة في ظلمة الليل في بيتها فأبصرتها بنور وجهه صلى الله عليه وسلم، وقد وقعت في عدة أحاديث من غير واحد من الصحابة أنهم لم يروا قبل أي لم يعلموا مثله في الحسن، وصفوه بأنه أحسن الناس صفة وأجملهم صورة وأكملهم خلقا وأنورهم لونا، وما وصفه واصف منهم قط إلا شبه وجهه بالشمس وبالقمر ليلة البدر، ولقد كان يقول من يقول منهم ربما نظرنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإلى القمر ليلة

(1)

البداية والنهاية ج 6 ص 23 باب آثار النبي صلى الله عليه وسلم.

ص: 449

البدر فنرى حسنه وجماله يزيد على القمر، ووصفه كل واحد منهم على قدر ما يستطيع أن ينظر إليه صلى الله عليه وسلم، ومنهم من لم يكن يملأ عينيه منه صلى الله عليه وسلم، ولله در حسان حيث يقول:

روح من النور في جسم من القمر

كحلة نسجت بالأنحم الزهر

لما نظرت إلى أنواره سطعت

وضعت من خيفة كفي على بصري

خوفا على بصري من حسن صورته

فلست أنظره إلا على قدر

وكان أبو بكر رضي الله تعالى عنه إذا رآه صلى الله عليه وسلم يقول:

أمين مصطفى للخير يدعو

كضوء البدر زايله الظلام

وكان عمر رضي الله تعالى عنه ينشد قول زهير:

لو كنت من شيء سوى بشر

كنت المضيء لليلة البدر

ثم يقول عمر وجلساؤه: كذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يكن كذلك غيره، وفيه يقول عمه أبو طالب:

وأبيض يستسقى الغمام بوجهه

ثمال اليتامى عصمة للأرامل

وقوله: أجود الناس، قال القائل:

أصح وأقوى ما سمعناه في الندى

من الخبر المأثور دون تردد

أحاديث ترويها السيول عن الحيا

عن البحر عن كف النبي محمد

ص: 450

صلى الله عليه وسلم، وقوله: صحل بحة مستحسنة وعدم حدة الصوت، والأزيز الغليان، والمرجل براء وجيم كمنبر: قدر من نحاس، وقيل القدر مطلقا، وقوله: واختلفت الروايات في منتهى شعره صلى الله عليه وسلم الخ، الوفرة كجمرة: ما وصل من شعر الرأس إلى شحمة الأذن وهو ما لان من أسفلها وهو معلق القرط، فإذا زاد حتى ألم بالمنكبين فهو لمة بالكسر، فإذا زاد ونزل إلى المنكبين فهو جمه بالضم، قال القاضي عياض: والجمع بين هذه الروايات أن ما يلي الأذن، هو الذي يبلغ شحمة الأُذن وما خلفه هو الذي يضرب إلى منكبيه، قال: وقيل بل ذلك باختلاف الأوقات إذا غفل عن تقصيرها بلغت المنكب وإذا قصرها كانت إلى أنصاف الأذنين فكانت تطول وتقصر بحسب ذلك، وقال غيره: المراد أن معظم الشعر كان عند شحمة أذنيه، وما استرسل منه متصل إلى المنكبين واقتصر المحب الطبري والعز بن جماعة على الثاني، وقوله: كان إن انفرقت عقيقته الخ، العقيقة قال المقدسي: الشعر، وقال في فتح الباري: شعر رأسه الذي على ناصيته، ثم قال في أثناء كلام لابن قتيبة في غريبه: قوله وكان لا يفرق شعره إلا إذا انفرق محمول على ما كان أول كما بينه حديث ابن عباس. انتهى. وقال في الشفا: العقيقة شعر الرأس أراد إن انفرقت من ذات نفسها فرقها وإلا تركها معقوصة. ويروى عقيصته. انتهى. وعقص الشعر ليه وقيل على الرأس، وقيل عقصه ضفره وليه على الرأس، وقيل عقص الرأس جمع ما ضفر منه قرونا صفا من كل جانب، وقال أبو عبيد القاسم بن سلام في تفسير العقيقة إنها الشعر المعقوص وهو نحو من المضفور، وكان ربما فعله غدائر أربعا جمع غديرة بالدال المهملة وهي الذؤابة بالمعجمة وهي ما تدلى من شعر الرأس، قال حجة الإسلام في الاحياء: تخرج كل أذن من بين غديرتين، وربما جعل شعره على أذنيه فتبدو سوالفه تتلألأ، وقال العز تبعا لابن سبع: تخرج الأذن اليمنى من بين غديرتين تكتنفانها واليسرى كذلك تتوقد كأنها الكواكب الدرية بين سواد شعره، وكان أول مرة قد سدل ناصيته بين عينيه كالفضة موافقة لأهل الكتاب، ثم أمر بالفرق وهو فرق الشعر بعضه من بعض ففرق أي ألقى شعر رأسه إلى جانبه فلم يترك منه شيئا على جبهته.

ص: 451

فائدة: من الأمور التي خالف فيها النبي صلى الله عليه وسلم أهل الكتاب بعد أن وافقهم السدل ثم الفرق، وترك صبغ الشعر ثم فعله، والنهي عن صوم يوم السبت ثم نسخه بتحريه صوم يوم السبت والأحد لأنهما يوما عيد للكفار مخالفة لهم، وترك مخالطة الحائض ثم خالفهم، فقال: اصنعوا كل شيء إلا الجماع، فقالوا: لا يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه.

تنبيهات: الأول: اعلم أن الحسن والحسين وزينب بنت علي رضي الله تعالى عنهم، منهم انتشرت ذريته صلى الله عليه وسلم شرقا وغربا، وأمهم سيدتنا فاطمة البتول، سميت بذلك لانقطاعها بما لا طمع فيه من الفضائل لأحد من هذه الأمة، ولا تعادلها امرأة وهي الزهراء، سميت بذلك لأنها لم تحض قط ولا تمادى بها دم نفاس كغيرها، بل كانت إذا ولدت طهرت في الحين حتى لا تفوتها صلاة: ويقال لها من أجل ذلك حوراء آدمية؛ لأن الحور العين لا يحضن فشاركتهن في هذا الوصف، وهي من بنات آدم عليها السلام، وفي حديث (إن الله لم يبعث نبيا قط إلا جعل ذريته من صلبه غيري، فإن الله جعل ذريتي من صلب علي

(1)

)، وسرى انتشار ذريته صلى الله عليه وسلم في أقطار الأرض أمنة للأمة فلا يخلو إقليم ممن ينتسب وفيهم صادق وكاذب، فمن وجد شيئا بيد آبائه فله التمسك به للبركة وإن لم يقف على صحته للحديث: (من تبرأ من نسب وإن دق كفر

(2)

)، والناس مصدقون على أنسابهم ما لم يعلم خلاف ما قيل، والتعرض للنسبة مع العلم بعدمها مقت وخزي وخسران في العقبى، وقد جعل الله تعالى لهذه الذرية البشرية -أعني ذريته صلى الله عليه وسلم الانتشار على وجه البسيطة كما تخللت أنهار المياه الأرض فحيثما حفروا وجدوه إذ هو حياتهم، وبالماء أقام الله تعالى وجودهم، وكذلك هذه الذرية المحمدية في هذه الأمة تخللها عمران الإسلام.

واعلم أن كل ما تسبب أولاد فاطمة في وجوده يطلق عليه حكم الذرية على العموم، ويختص حكم الأول فقها بعمود نسب هاشم كما تخص آية المباهلة أهل الرداء: النبي صلى الله عليه وسلم وبنته فاطمة وعليا، وابنيهما: الحسن والحسين. ومن له شيء من الوصلة بهذه النسبة السنية

(1)

المعجم الكبير، رقم الحديث 2610.

(2)

المعجم الأوسط، رقم الحديث، 2818.

ص: 452

المباركة فعليه بتعهدها وتفقد معالمها بصلاح شأنه بحفظ حدود ربه ومراعاة أسرارها في سره وجهره والمراقبة بالتقوى، ولا يرضى لنفسه متابعة الهوى وحالة الغمرة في جاهلية الجهل والاعتداء، وليأخذ في تعلم ما يعنيه والإقبال على ما يحمد به عند العليم العلام، وقد جاء أن الناس تبع لقريش ولا يعتمد الحسيب المحق على حسبه ولا ذو الأصالة في الأبوة على نسبه، فإن النسبة المقطوع بها عند الله تعالى الهداية بالتقوى والتقرب إليه بمجاهدة الهوى {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} ، {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} عام على عالم المكلفين، فينبغي لهم ولكل مكلف من أمة محمد صلى الله عليه وسلم التأسي بالسلف الصالح والاستعانة بحالهم على المتجر الرابح كما كان النبي صلى الله عليه وسلم وتابعوه بإحسان، ولا يعتمد اللبيب على سابقة الآباء ولا على تأصيلهم بالديانة من غير اقتفاء، وقرابة الأرحام وحدها لا تنفع إذا كانت عارية من مخافة الله تعالى وحبذا هما إذا اجتمعا، قال صلى الله عليه وسلم: (يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئا

(1)

)، قيل هذا في فاطمة والمراد غيرها، ومثله:(لو سرقت فاطمة لقطعت يدها)

(2)

اعلم أن لله تعالى بأهل البيت عناية عظيمة، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أربعة أنا شفيعهم: المكرم لذريتي، والقاضي لهم حوائجهم، والساعي لهم في أمورهم عندما اضطروا إليه، والمحب لهم بقلبه ولسانه

(3)

).

الشيخ زروق: تعظيم قرابته صلى الله عليه وسلم من تعظيم حرمته، ولقد بالغ في ذلك الحاتمي رحمه الله تعالى حتى قال يعتقد في أهل البيت أن الله تعالى تجاوز عن جميع سيئاتهم لا بعمل عملوه ولا بصالح قدموه بل بسابق عناية من الله تعالى لهم؛ إذ قال الله تعالى:{إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ} ، فعلق الحكم بالإرادة التي لا تبدل أحكامها، فلا يحل لمسلم أن ينتقص عرض من شهد الله بتطهيره وإذهاب الرجس عنه، وما نزل بنا من قبلهم من الظلم ونحوه ننزله منزلة القضاء الوارد من الله تعالى بلا واسطة ولا سبب كالغرق والحرق إذ قال تعالى:

(1)

صحيح البخاري، كتاب الوصايا، رقم الحديث 2753.

(2)

صحيح البخاري، كتاب المغازي، رقم الحديث، 4304.

(3)

الإتحاف، ج 8 ص 73.

ص: 453

{إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} ، فجعل يد نبيه يده بلا واسطة، وللولد مثل ما للوالد، وإن العقوق لا يخرج من النسب ما لم يذهب أصل النسبة وهو الإيمان، وما تعين عليهم من الحقوق فأيدينا فيهم نائبة عن الشريعة، وما نحن في ذلك إلا كالعبد يؤدب ابن سيده بإذنه فيقوم بإذن السيد ولا يهمل فضل الولد، وقد قال تعالى:{قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} ؛ أي إلا أن تودوا قرابتي، وقال صلى الله عليه وسلم: (فاطمة بضعة مني يريبني ما يريبها

(1)

)، وللجزء من الحرمة ما للكل، وقد قال تعالى:{وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا} ، فأثنى بصلاح الأب فما ظنك بنبوءته، وقال بعضهم: إذا أمرنا بتعظيم أولاد الصالحين فما ظنك بأولاد الأولياء؟ إذا كان هذا في أولاد الأولياء فما ظنك بأولاد الأقطاب؟ إذا كان هذا في أولاد الأقطاب فما ظنك بأولاد الأنبياء؟ إذا كان هذا في أولاد الأنبياء فما ظنك بأولاد المرسلين؟ بل قل لي بماذا تعبر عن أولاد سيد المرسلين؟ فبان أن لهم من الفضل ما لا يقدر قدره غير من خصهم، وينسب لأبي العباس الحباك:

السب لا يجوز في آل النبي

ولو عصوا وبدلوا في المذهب

من سب من آل نبي الله

هو عدو كافر بالله

ولا يصلى خلفه فرض ولا

يجوز في شهادة إن نزلا

يقتل شرعا باتفاق العلما

إن لم يتب من قوله ويندما

إن مات عند الناس لا يكفن

وفي قبور المشركين يدفن

(1)

صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة، رقم الحديث، 2449، صحيح البخاري، كتاب النكاح، رقم الحديث 5230.

ص: 454

وهذا -والله أعلم- إذا كانت المشاتمة تسري في الآباء والأجداد فيلزم منها انتقاص منصب النبوءة. والله أعلم. وفي الخصائص: لا يدخل قلب أحد الإيمان حتى يحبهم لله تعالى ولقرابتهم منه صلى الله عليه وسلم، وما فيهم أحد إلا وله شفاعة يوم القيامة، وفي أثر أن آله صلى الله عليه وسلم في أعلى ذروة الجنة، وفي الحديث: (مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق

(1)

)، وأن من تمسك بهم وبالقرآن لم يضل وأنهم أمان للأمة من الاختلاف وأنهم سادات أهل الجنة، وأن الله وعد أن لا يعذبهم، وأن من أبغضهم أدخله الله تعالى النار، وأن من قاتلهم كمن قاتل مع الدجال، وأن من صنع إلى أحدهم برا كافاه صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، وأن الرجل يقوم لأخيه من مجلسه إلا بني هاشم لا يقومون لأحد، (وسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه أن لا يدخل النار أحد من أهل بيته)

(2)

فأعطاه ذلك، وورد أن كل نسب وسبب منقطع يوم القيامة إلا سببه ونسبه.

واعلم أنه لا يجوز لهم -يعني آل النبي صلى الله عليه وسلم أن يحرجوا أحدا حتى يغضب فيصدر منه ما لا يحل في منصب النبوءة؛ لأن الغضب نار تتوقد وهم فيما بينهم كذلك، فلا يحل لواحد منهم شتم مثله، ويلزمه من الأدب ما يلزم غيره، ولا يعذر بكونه شريفا؛ لأن المكلفين في حق حدود الشريعة لا تباين فيما بينهم يعمهم الأمر والنهي: لو سرقت فاطمة قطعت يدها، خطاب لها وهم المراد لاستحالة وقوع السرقة منها وجوازها من غيرها. قاله في الوصلة الزلفى.

الثاني: لا ينبغي لأهل هذا البيت طلب رياسة الإمارة وملك دار الدنيا؛ لأن الحسن رضي الله تعالى عنه أوصى الحسين عند موته بذلك، فقال: إن الله لم يجمع لنا معشر أهل البيت بين الدنيا والآخرة، وهذا يخص بني فاطمة، وأما بنو العباس فقد أوتوا من ملك الدنيا ما شاء الله، وكانت عادة الله في بني فاطمة أنهم يغلبون مهما حاولوا منها شيئا، وإن وقع لهم منه فشيء تافه، ووردت عنه صلى الله عليه وسلم آثار في المهدي

(3)

الذي يختم الله تعالى به خلافة أمته

(1)

المستدرك على الصحيحين، ج 2 ص 343.

(2)

كنز العمال، رقم الحديث، 34149.

(3)

المستدرك على الصحيحين، ج 4 ص 557. سنن الترمذي باب ما جاء في المهدي، سنن ابن ماجه، باب خروج المهدي، رقم الحديث، 6461.

ص: 455

مناسبة لبراعة الختم كما كان عليه السلام براعة الابتداء، فهو صلى الله عليه وسلم أولها يقدمها وابنه المهدي آخرها يسوقها، فلابد منه تصديقا له صلى الله عليه وسلم، وقد مضى من ملك هذه الأمة ستون ومائتان وألف سنة من هجرته صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة، فلم يظهر هذا المهدي الموعود به، فدل على أن مدة الأمة لم تنقض بحمد الله تعالى، وقد ذكر صلى الله عليه وسلم أنه يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما، وأنه يحثو المال حثيا ولا يعده عدا، ومن المجرب أنه ما من مدة كانت ملوكها يعظمون أهل هذا البيت إلا طالت مدتهم في أعقابهم والعكس بالعكس، وينبغي لهم أي لأهل هذا البيت القصد وعدم التوسع في متاع هذه الدار القليل؛ لأن حلالها حساب وحرامها عقاب ومتشابهها عتاب، والمراد بالقصد فيها الاقتصار على قدر الضروة، وذلك لتحقق التأصل لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم اجعل قوت آل محمد قوتا كفافا اللهم عيش يوم وليلة

(1)

)، بل ورد العموم بذلك وهو قوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم من آمن بي وعلم أن ما جئت به حق فأقلل ماله وولده

(2)

)، وذكر الغزالي أن الاختلاف المذكور في الأفضلية بين الغنى الشاكر والفقير الصابر المراد به الغني بالله تعالى، والذي لغيره أن الغني الشاكر هو القائم بالحق الواجب عليه في المال ولم يشغله عن إقامة الفرائض ولم ير ما في يده ملكا له، وإنما هو أمين فيه لمن ملكه إياه وهو الله سبحانه، ولأجل هذا قيل لم نجد غنيا شاكرا ولا فقيرا صابرا لصبره على مكابدة اكتسابه من حله وصرفه في محله.

ولا يكافئ أهل البيت في النكاح إلا أهل البيت أعني على جهة الأدب وإلا فالفقه أن الدين كفاءة، فإذا كان عادتهم أن لا يناكحوا غيرهم فلا يخطب عندهم لأن ذلك يضرهم ويسوءهم، وأما إن كانت عادتهم مصاهرة غيرهم فلا بأس به لنص الفقه، فإذا تزوج أحد منهم بأمة فما الحكم في استرقاق ولده؟ فقد وقع وقد رأيت إنسانا يسئل عنه وقع في أمة بعض أقاربه ولا أدري ما أجيب به. انظر الوصلة الزلفى.

(1)

صحيح مسلم، كتاب الزكاة، اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا، رقم الحديث، 1055. سنن ابن حبان، ج 8 م ص 87، وج 9 ص 283، وفي البخاري اللهم ارزق آل محمد قوتا، وفى أبي داوود قالوا يا رسول الله وما الذي لا ينبغى معه المسألة قل أن يكون له شبع يوم وليلة أو ليلة ويوم رقم الحديث 1628.

(2)

سنن ابن ماجه رقم الحديث، 4133،

ص: 456

قال مؤلفه عفا الله تعالى عنه: الذي يدل عليه النص الفقهي أن هذا الولد المذكور يكون رقيقا لمالكه، ولكن نعوذ بالله تعالى من استرقاقه. والله سبحانه أعلم. ويجب عليهم -أي أهل البيت- التنزه عن أوساخ الصدقات والزكاة والكفارات، فإن جدهم مولانا محمدا صلى الله عليه وسلم نوه بتحريم ذلك عليهم بقوله عليه الصلاة والسلام: (إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة

(1)

)، أو كيفما قال صلى الله عليه وسلم، ويجب على كل منهم النظر في فقه ذلك وما يلزمه في خاصة نفسه منه، وما يرخص له فيه عند الضرورة، ويعرف الفرق بين الصدقة والهدية والهبة، وما حد الضرورة التي تبيح له أخذ شيء من ذلك، فقد توسع اليوم في هذا الباب كبيرهم ومن دونه حتى كأن الجميع مباح لهم على الإطلاق في جميع الحالات، أو ليسوا مخاطبين بالتحريم ولم يقدروا قدر نسبتهم وما أمروا به في ذلك ولم يفرقوا بين الغني والفقير ولا بين القوي والضعيف ولا بين الواجد والعديم، بل يطلبون الزكاة ولا يتحرجون في أكل الصدقات فلا يحل لهم ذلك على الجملة، أما مثل الطعام الذي يؤتى به إلى المساجد والمكاتب والمقابر وما يسمونه عشاء الميت، فكل ما شاكل هذه الأشياء يتعين أن يكون صدقة، فمن كان عنده منهم غداؤه أو عشاؤه فلا يحل له أكله، فلو خصه رب الطعام حينئذ على الانفراد عن العامة لكان له أن يأكله ولو كان غنيا؛ لأنه إذ ذاك يصير هبة وهذا من آفة عدم اعتنائهم بما يجب عليهم، وكان صلى الله عليه وسلم إذا جاءه شيء يقول: (صدقة أم هدية

(2)

)، فمن ضيع حقوق الله تعالى أتلف الله تعالى حقوقه في الدنيا والآخرة، وأما ما يقصد به أحدهم محب له أو صديقه أو معاشره إذا كان يعرفه فيتعين أن يكون هبة أو هدية، فيجري على حكم ذلك في الفقه، وأما الزكاة فهي أخف للمضطر منهم ومن بعضهم لبعض أخف من عامة الناس لأنها درن لكنها دون الصدقة والكفارة وزكاة الفطر، ومن الزكاة تؤدّى عطياتهم إذا عدمت أو ظلموا فيها فتباح لهم الزكاة حينئذ عند المخافة على إتلاف النفوس، وينبغي أن ينظر في الوجه الذي يصح فيه اضطراره ولا يقبل على الأخذ على سبيل البله والغفلة فيقع فيما هو محرم عليه، فإذا أبيح له شيء من ذلك فهل يباح له التوسع أو على قدر

(1)

صحيح ابن حبان، ج 2 ص 52، (720)، مسند أحمد، ج 1 ص 200، وج 3 ص 490، ج 6 ص 390، وأصله في الصحيح.

(2)

سنن الترمذي، رقم الحديث، 656، سنن النسائي، رقم الحديث، 2613.

ص: 457

الضرورة كالميتة؟ وكل من بيده شيء من المتشابه إذا وجد عنه مندوحة تعين طرحه ويجب الانفكاك عنه ما استطاع، فينبغي لذي المروءة الدينية التنزه عن كل ما نهي عنه، والسر في ذلك تحسين الهيئة والتجمل بمحاسن السيرة والملابس النورانية لملاقاته صلى الله عليه وسلم في عرصات القيامة حين يستبشر صلى الله عليه وسلم بوجوه مضيئة ناضرة لم يدنسها تلبس بحرام ولا مكروه، ولا يحوج المؤمن نبيه ولا الشريف جده صلى الله عليه وسلم إلى الاعتذار عنهما في حقوق الله تعالى، ولا أن يؤدي عنهما ما تحملاه من الأوزار والتبعات بل تدهم خطوب المحن وأهوال الموقف قبل الإذن في الشفاعات، ويخشى على المستهزئين بالأوامر النبوية أن يحال بينهم وبين الشافعين حتى ينفذ وعيد الحق سبحانه، فإن الحقوق إذا قوبل العبد بالعدل فيها لابد من ذكرها وطلبها إظهارا لسر التكليف وبيان فضائل الذي وفى من العبيد.

واعلم أن من لا يبالي من أين اكتسب ماله وحاطت بما في يده مصائب معاملاته، لا تجوز على المنصوص معاملته فيما عنده لا بيعا ولا شراء ولا تضييفا ولا قبول هديته، وقد قال أئمة هذا الشأن: من مد يده للعطاء من غير استفصال أكل الحرام النص، وفي الصحاح: نص كل شيء: منتهاه، والتقوى أساس الفلاح ولا غنى عنه للمؤمن، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به البأس

(1)

)، وقال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: دلني على عمل أدخل به الجنة: قال: (لا تسئل الناس شيئا ولك الجنة

(2)

)، قال: زدني، قال: (لا تغضب ولك الجنة

(3)

)، وقال صلى الله عليه وسلم: (من سأل الناس أموالهم تكثرا فإنما هي جمر فليستقل أو ليستكثر

(4)

)، وقال صلى الله عليه وسلم: (من سأل عن ظهر غنى فصداع في الرأس وداء في البطن

(5)

)، ولأجل هذا كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم يأنفون من

(1)

سنن الترمذي رقم الحديث 2451.

(2)

جامع الأحاديث للسيوطي، رقم الحديث، 16418.

(3)

جامع الأحاديث للسيوطي، رقم الحديث، 16418.

(4)

صحيح مسلم، كتاب الزكاة، رقم الحديث 1041.

(5)

السنن الكبرى للبيهقي، ج 4، ص 174.

ص: 458

السؤال حتى إن بعضهم ليسقط سوطه وهو راكب فينزل لأخذه ولا يسئل من يناوله إياه، وقال صلى الله عليه وسلم: (من رضي عن الله باليسير من الرزق رضي الله عنه بالقليل من العمل

(1)

).

الثالث: اعلم أنه لا يصح لأهل هذا البيت الكريم مطالبة الناس بما قصروا فيه من حقوق تعظيمهم؛ لأنهم كرام وعادة الكريم عدم مؤاخذة اللئيم، وكذلك من له نسبة ما في العلم والصلاح اللهم إلا أن يكون ذلك مما يرجع لانتفاء النبوءة فيجب إبلاغ ذلك للحاكم، فيقوم فيه بما يأمره لسان العلم، وروي عن الحسن السبط التقي الزكي أنه بكى عند احتضاره، فجعل أخوه الحسين يذكره ويسليه بقومه ومن يلتحق به، فقال: إنما تلقى جدك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفاطمة أمك ابنته البتول، وأباك عليا وجدتك خديجة، فقال: بل ألقى أقواما لم أرهم قط ولا أعرف ماذا يواجهوني به. وفي الحلية لأبي نعيم عن سهل بن عبد الله، قال: يرفع من بين المنسوبين إلى الصلاح في آخر الزمان علم الخشية وعلم الورع وعلم المراقبة، قيل: ولم يا أبا محمد؟ قال: تظهر في القراء دعوى التوكل والحب والمقامات ترى أحدهم يصوم ويصلي عشرين سنة وهو يأكل الربى ولا يحفظ لسانه من الغيبة وجوارحه مما نهى الله تعالى عنه. قاله في الوصلة الزلفى.

الرابع: نقل في الوصلة الزلفى عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن لله عز وجل ثلاث حرمات، فمن حفظهن حفظ الله دينه ودنياه ومن لم يحفظهن لم يحفظ الله دنياه ولا آخرته، قلت: وما هن يا رسول الله؟ قال: حرمة الإسلام وحرمتي وحرمة رحمي

(2)

)، ونقل فيها أيضا: (استوصوا بأهل بيتي خيرا فإني أخاصمكم عنهم غدا ومن أكن خصيمه أخصمه ومن أخصمه دخل النار

(3)

)، وفيها أيضا: قال صلى الله عليه وسلم: من حفظني في أهل بيتي فقد اتخذ عند الله عهدا، وقال صلى الله عليه وسلم: أنا وأهل بيتي شجرة في الجنة وأغصانها في الدنيا، فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا، وقال صلى الله عليه وسلم: (إني مخلف فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله عز وجل طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم

(1)

الإتحاف، ج 9 ص 650.

(2)

الوصلة الزلفى مخطوط.

(3)

الوصلة الزلفى مخطوط.

ص: 459

وعترتي أهل بيتي ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض

(1)

)، ورواه البزار. وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: (إني خلفت فيكم اثنين لن تضلوا بعدهما أبدا كتاب الله ونسبي ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض

(2)

)، وعن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (أيها الناس إني تركت فيكم الثقلين الثقل الأكبر والثقل الأصغر فأما الثقل الأكبر فبيد الله طرفه والطرف الآخر بأيديكم وهو كتاب الله إن تمسكتم به فلن تضلوا ولن تبدلوا أبدا، وأما الثقل الأصغر فعترتي أهل بيتي إن الله هو الخبير أخبرني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض وسألته ذلك

(3)

). الحديث. وفيه: والله سائلكم كيف خلفتموني في كتابه وأهل بيتي، وفيها أيضا: وقال صلى الله عليه وسلم: في كل خلف من أمتي عدول من أهل بيتي ينفون عن هذا الدين تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين ألا وإن أيمتكم وفدكم إلى الله عز وجل فانظروا من توفدون، وفيها أيضا عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال في مرضه الذي توفي فيه: أيها الناس يوشك أن أقبض قبضا سريعا فينطلق بي، وقد قدمت إليكم القول معذرة إليكم إلا أني مخلف فيكم كتاب ربي عز وجل وعترتي أهل بيتي، ثم أخذ بيد علي فرفعها فقال هذا علي مع القرآن والقرآن مع علي فلا يفترقان حتى يردا علي الحوض، وقال صلى الله عليه وسلم: (أوصاني الله بذي القربى وأمرني أن أبدأ بالعباس

(4)

)، وفيها أيضا أن علي بن أبي طالب أخرج صحيفة فيها مكتوب: بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أوصى به محمد صلى الله عليه وسلم أهل بيته وأمته، أوصى أهل بيته بتقوى الله العظيم ولزوم طاعته، وأوصى أمته بلزوم أهل بيته وأهل بيته يأخذون بحجزة نبيهم صلى الله عليه وسلم: وإن شيعتهم يأخذون بحجزهم يوم القيامة، وإنهم لن يدخلوكم باب ضلالة ولن يخرجوكم من باب هدى. وعن أبي بكر رضي الله تعالى عنه: أيها الناس ارقبوا محمدا صلى الله عليه وسلم في أهل بيته، والمراقبة المحافظة على الشيء أي احفظوه فيهم فلا تؤذوهم ولا تسيئوا إليهم.

(1)

الإتحاف ج 10، ص 506، 507.

(2)

مجمع الزوائد، ج 9 ص 166.

(3)

الإتحاف ج 10، ص 506، 507، سنن الترمذي كتاب، رقم الحديث، 3794.

(4)

المستدرك ج 3 ص 334.

ص: 460

وقوله: الثقلين، الثقل بالتحريك يطلق على متاع المسافر وكل شيء نفيس، قال في القاموس: ومنه الحديث: (أنا تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي

(1)

)، قال في الوصلة الزلفى: والحاصل أنه لما كان كل من القرآن والعترة الطاهرة معدنا للعلوم الدينية والأسرار والحكم النفيسة الشرعية وكنوز دقائقها واستخراج حقائقها، أطلق صلى الله عليه وسلم عليهما الثقلين، ويرشد لذلك حثه صلى الله عليه وسلم على الاقتداء والتمسك والتعلم من أهل البيت، وقيل سماهما بذلك لأن الأخذ بهما والعمل بما يتلقى منهما والمحافظة على رعايتهما والقيام بواجب حرمتهما ثقيل، قيل ومنه قوله تعالى:{إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا} ؛ لأن أوامر الله وفرائضه ونواهيه لا تؤدى إلا بتكلف ما يثقل. واعلم أن الذي وقع الحث على التمسك بهم من أهل البيت النبوي والعترة الطاهرة هم العلماء بكتاب الله عز وجل؛ إذ لا يحث صلى الله عليه وسلم على التمسك بغيرهم وهم الذين لا يقع بينهم وبين الكتاب افتراق حتى يردا على الحوض، واختصوا بمزيد الحث عن غيرهم من العلماء لما خصوا به من الثبات في الدين والرسوخ في اليقين لكونهم من قرابة المصطفى صلى الله عليه وسلم.

وفي حديث أحمد: ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم ما قضى به علي رضي الله تعالى عنه فأعجبه ذلك، وقال: الحمد لله الذي جعل الحكمة فينا أهل البيت، واعلم أن الحديث يفهم منه وجود من يكون أهلا للتمسك من أهل البيت الطاهر في كل زمان وجدوا فيه إلى قيام الساعة حتى يتوجه الحث المذكور إلى التمسك به، كما أن الكتاب العزيز كذلك، ولهذا كانوا أمان أهل الأرض فإذا ذهبوا ذهب أهل الأرض، وهذا الحث شامل لمن تقدم منهم وأحق من يتمسك به منهم إمامهم وعالمهم علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، وخصه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: (من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه

(2)

)، وهذا حديث صحيح لا مرية فيه، واحتج بالحديث الرافضة على أن الخلافة لعلي بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك ما صح من قوله صلى الله عليه وسلم: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي

(3)

(1)

كبير الطبراني، رقم الحديث، 5043، ج 4 ص 186.

(2)

مسند أحمد، ج 5 ص 419، سنن الترمذي، رقم الحديث، 3713.

(3)

صحيح مسلم، فضائل الصحابة، رقم الحديث، 2404.

ص: 461

ولا حجة لهم في ذلك فقد سئل كرم الله وجهه عن ذلك بعد أن صارت إليه الخلافة، فقال: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لو عهد إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم عهدا لجاهدت عليه ولو لم أجد إلا رداءي ولم أترك ابن أبي قحافة يصعد درجة واحدة من منبره صلى الله عليه وسلم، فرسول الله صلى الله عليه وسلم رأى موضعي وموضعه، فقال له: قم فصل بالناس وتركني فرضينا به لدنيانا كما رضي به رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا. وفي رواية: فلا والله لئن كنت أول من صدق به لا أكون أول من كذب عليه. لو كان عندي من النبي صلى الله عليه وسلم عهد في ذلك ما تركت أخا بني تيم بن مرة وعمر بن الخطاب يقومان على منبره ولقاتلتهما بيدي، ولو لم أجد إلا بردتي هذه، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقتل ولم يمت فجأة مكث في مرضه أياما وليالي يأتيه المؤذن فيؤذنه بالصلاة، فيأمر أبا بكر فيصلي بنا وهو يرى مكاني. وأخرج الأئمة الحفاظ منهم الدارقطني وغيره أن عليا رضي الله عنه بلغة أن ابن سبإ يفضله على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فهم علي بقتله فقيل له: تقتل رجلا أحبك وفضلك؟ فقال لا جرم لا تساكنني في بلدة أنا فيها، فأخرجه إلى المدائن. وروى علي كرم الله وجهه، قال: تفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة شرهم من ينتحل حبنا ويفارق أمرنا، وفي رواية: وآية ذلك أنهم يسبون أبا بكر وعمر. انتهى. وفي التنبيه: اللهم صل وسلم على سيدنا ومولانا محمد وعلى آل سيدنا محمد الذي كلمه أبو الكلاب شر شر، وأخبره أنه ينهش في النار من سب أبا بكر وعمر.

الخامس: قال في الوصلة الزلفى: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الزموا مودتنا أهل البيت فإنه من لقي الله عز وجل وهو يودنا دخل الجنة بشفاعتنا والذي نفسي بيده لا ينفع عبدا عمله إلا بمعرفة حقنا

(1)

). أخرجه الطبراني في الأوسط وسنده ضعيف. لكن له موافق يعضده، ففي الشفا أنه صلى الله عليه وسلم قال: (معرفة آل محمد صلى الله عليه وسلم براءة من النار، وحب آل محمد صلى الله عليه وسلم جواز على الصراط والولاية لآل محمد صلى الله عليه وسلم

(1)

المعجم الأوسط، رقم الحديث، 2230.

ص: 462

أمان من العذاب

(1)

). ونقل في الشفا عن بعض العلماء أن المراد بمعرفتهم معرفة مكانهم من النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا عرفهم بذلك عرف وجوب حقهم وحرمتهم بسببه. انتهى. ويشهد لذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (ولو أن رجلا صفن أي جمع قدميه قائما بين الركن والمقام فصلى وقام ثم لقي الله مبغضا لآل محمد صلى الله عليه وسلم دخل النار

(2)

).

وروى الخوارزمي عن بلال بن حمامة رضي الله عنه قال: طلع علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم متبسما ضاحكا ووجهه مشرق كدارة القمر، فسألته عن ذلك فقال: (بشارة أتتني من ربي في أخي وابن عمي وابنتي بأن الله تعالى زوج عليا من فاطمة، وأمر رضوان خازن الجنان بهز شجرة طوبى فحملت رقاعا يعني صكاكا بعدد محبي أهل البيت، وأنشأ تحتها ملائكة من نور ودفع إلى كل ملك صكا، فإذا استوت القيامة بأهلها نادت الملائكة في الخلائق فلا يبقى محب لأهل البيت إلا دفعت إليه صكا فيه فكاكه من النار، فصار أخي وابن عمي وابنتي فكاك رقاب رجال ونساء من أمتي من النار

(3)

). وعن زيد بن علي بن الحسين عن أبيه، قال: إن الله تعالى أخذ ميثاق من يحبنا وهم في أصلاب آبائهم فلا يقدرون على ترك ولايتنا؛ لأن الله عز وجل جبلهم على ذلك، وعن علي رضي الله تعالى عنه: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يرد الحوض أهل بيتي ومن أحبهم من أمتي كهاتين السبابتين

(4)

).

وعن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: حب آل محمد خير من عبادة سنة ومن مات عليه دخل الجنة، وعنه صلى الله عليه وسلم: (لا يحبنا أهل البيت إلا مؤمن تقي ولا يبغضنا إلا منافق شقي

(5)

)، وروى أحمد والترمذي عن علي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيد حسن وحسين يوما، وقال: (من أحب هذين وأباهما وأمهما ومات متبعا لسنتي كان معي في الجنة

(6)

)، وقوله: مات متبعا لسنتي تقييد للرواية المطلقة، رزقنا

(1)

الشفا ج 2 ص 47.

(2)

المستدرك على الصحيحين، ج 3 ص 149.

(3)

الصواعق المحرقة، ج 3 ص 166.

(4)

الصواعق المحرقة، ص 438.

(5)

ذخائر ذوي العقبى في مناقب ذوي القربى، 51.

(6)

سنن الترمذي، أبواب المناقب، رقم الحديث، 3733.

ص: 463

الله الاتباع ومجانبة الابتداع نص على ذلك في الوصلة الزلفى. وقد قال علي رضي الله عنه: من ادعى حب النبي صلى الله عليه وسلم وأهل بيته ولا يقتدي بأفعالهم ولا يجالس المساكين فهو كذاب، وقال علي بن الحسين: من أحبنا لله أسكنه الله في ظل ظليل يوم لا ظل إلا ظله، ومن أحبنا يريد مكافأتنا كافأه الله عنا بالجنة، ومن أحبنا لغرض دنياه آتاه الله رزقه من حيث لا يحتسب، وكان صلى الله عليه وسلم يثني على بني هاشم ويضيفهم إلى نفسه ويغضب على من يسيء إليهم. وأتى العباس رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله إني انتهيت إلى قوم يتحدثون فلما رأوني سكتوا وما ذلك إلا أنهم يبغضونا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أو قد فعلوها؟ والذي نفسي بيده لا يؤمن أحد حتى يحبكم بحبي؛ أيرجون أن يدخلوا الجنة بشفاعتي ولا يرجوها بنو عبد المطلب

(1)

)؟ وعن عمر رضي الله تعالى عنه في سبب تزويجه أم كلثوم بنت فاطمة، قال صلى الله عليه وسلم: (كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي، وكل ولد أم فإن عصبتهم لأبيهم ما خلا ولد فاطمة فإني أبوهم وعصبتهم

(2)

)، وأخرج الطبراني في الكبير عن عمر عنه صلى الله عليه وسلم: (كل بني أنثى فإن عصبتهم لأبيهم ما خلا ولد فاطمة فإني أنا أبوهم وعصبتهم

(3)

) ورجاله موثقون. وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال. صعد عمر بن الخطاب رضي الله عنه المنبر، فقال: أيها الناس إني والله ما حملني على الإلحاح على علي بن أبي طالب في ابنته إلا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (كل سبب ونسب وصهر منقطع إلا نسبي وصهري فإنهما يأتيان يوم القيامة يشفعان لصاحبهما

(4)

)، وقال البيهقي: لما كان منصور النمري مغريا للرشيد في الطالبيين بقوله:

يسمون النبي أبا ويابى

من الأحزاب سطر في السطور

(1)

كنز العمال، 33906، إتحاف المهرة، ج 5، ص 148.

(2)

المستدرك للحاكم ج 3 ص 142، كنز العمال، رقم الحديث، 37586.

(3)

الصواعق المحرقة، ص 637.

(4)

الصواعق المحرقة، ص 637.

ص: 464

يريد: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ} ، رأى في منامه النبي صلى الله عليه وسلم وهو يهوي إليه بقضيب من نار، ويقول: أنت الذي تنفي ذريتي مني فانتبه مذعورا، ومال إلى التشيع وقال في ذلك: ما أوجب أن أمر الرشيد لما أوقف عليه بقتله فنجاه الله تعالى ووجدوه قد مات.

وعن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وعدني ربي في أهل بيتي من أقر منهم بالتوحيد ولي بالبلاغ أن لا يعذبهم

(1)

) رواه الحاكم. وقال صحيح الإسناد. وعن علي رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم: يقول: (اللهم إنهم عترة رسولك فهب مسيئهم لمحسنهم وهبهم لي ففعل وهو فاعل، قال: قلت: ما فعل؟ قال: فعله ربكم بكم ويفعله لمن بعدكم

(2)

). وعن علي رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا معشر بني هاشم والذي بعثني بالحق نبيا لو أخذت بحلقة الجنة ما بدأت إلا بكم

(3)

). أخرجه أحمد. وعنه أيضا: قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (أول من يرد علي حوضي أهل بيتي ومن أحبني من أمتي

(4)

)، وعن ابن عمر رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أول من أشفع له من أمتي أهل بيتي ثم الأقرب من قريش ثم الأنصار ثم من آمن بي وبايعني من اليمن ثم سائر العرب ثم الأعاجم ومن أشفع له أولا أفضل

(5)

).

وعند الطبراني والبزار وغيرهما: أول من أشفع له من أمتي أهل المدينة ثم أهل مكة ثم أهل الطانف.

واعلم أنه يحق على كل من له نسبة ما إليه صلى الله عليه وسلم أن يصون حسن وجهها عن دنس الأغيار المخلة ببهجتها بذلك الوصف بولاية الله تعالى ورسوله، فأعظم خسارة وخزي وإساءة أن يمنح الله العبد قرب النسب من أفضل خلقه وأشرفهم، فيكفر هذه النعمة العظمى بتعاطي ما يسوؤه صلى الله عليه وسلم عند عرض عمله عليه، فإذا قال في القيامة يا محمد أعرض

(1)

المستدرك على الصحيحين، ج 3 ص 150.

(2)

ذخائر ذوي العقبى في مناقب ذوي القربى، الطبري، ص 53.

(3)

كنز العمال، رقم الحديث 33905. فضائل الصحابة، 1139.

(4)

كتاب السنة لابن عاصم، 748.

(5)

كنز العمال، رقم الحديث، 34145.

ص: 465

عنه وكفى بذلك بلاء ونقمة فواسوأتاه من الله ورسوله، وإن حصل له الغفران ودخول الجنان فإنما أولياؤه المتقون كما قال صلى الله عليه وسلم: إن أولياءي يوم القيامة المتقون من كانوا.

وقال الحسن المثنى: لو كان الله نافعا بقرابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير عمل بطاعته لنفع بذلك من هو أقرب إليه منا أباه وأمه، وإني أخاف أن يضاعف للعاصي منا العذاب ضعفين، ووالله إني لأرجو أن يؤتى المحسن منا أجره مرتين. انتهى. وقوله: لو كان الله نافعا الخ، المراد مجرد القرابة مع عدم الإيمان، وأما مع الإيمان فلا إشكال في ذلك، وكان بعض العلماء الكبار توقف عن الصلاة على بعض الأشراف لكونه كان يلعب بالحمام: فرأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام ومعه ابنته فاطمة رضي الله تعالى عنها فأعرضت عنه فاستعطفها حتى أقبلت عليه وعاتبته على ما وقع منه في ترك الصلاة على ذلك الشريف، فكان بعد ذلك يعظمهم ويتولى خدمتهم بنفسه، واسم العالم المذكور: محمد بن عمر بن يوسف الأنصاري القرطبي.

ويروى عن الشيخ عفيف الدين الدلاصي أنه امتنع من الصلاة على صاحب مكة الشريف محمد بن حسن بن علي بن قتادة الحسني، فرآى في المنام فاطمة في المسجد الحرام والناس يسلمون عليها: وأنه قام للسلام عليها فأعرضت عنه ثلاث مرات، فتحامل حتى سلم عليها وسألها عن سبب إعراضها عنه، فقالت: يموت ولدي ولا تصلي عليه، فتاب إلى الله تعالى واعترف بالظلم. وأخبر بعض الأثبات أن شخصا من أعيان المغاربة عزم على التوجه من بلاده للحج فأتاه شخص بمال أظنه قال: يبلغ مائة دينار، وقال له: إذا وصلت إلى المدينة النبوية فاسأل عن شخص من الأشراف بها يكون صحيح النسب فادفع إليه ذلك عسى أن يكون ذلك لي وصلة لجده صلوات الله وسلامه عليه، فلما جاءهم ذلك المغربي أخبرهم أنه قدم المدينة وسأل عن أشرافها فقيل له إن نسبهم صحيح غير أنهم من الشيعة الذين يسبون الشيخين، قال: فكرهت دفع ذلك لأحد منهم، قال ثم جلس إليَّ واحد منهم أو قال: جلست إليه فسألته عن مذهبه، وقال شيعي، فقلت له: لو كنت من أهل السنة لدفعت إليك مبلغا عندي كذا، فشكى فاقته وشدة حاجته وسألني شيئا منه، فقلت له لا سبيل إلى أن أعطيك شيئا منه، فذهب عني، قال: فلما نمت تلك الليلة رأيت أن القيامة قامت والناس يجوزون على الصراط فأردت أن أجوز، فأمرت فاطمة رضي الله تعالى

ص: 466

عنها بمنعي فمنعت فصرت أستغيث فلا أجد مغيثا حتى أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستغثت به، وقلت: يا رسول الله فاطمة منعتني الجواز على الصراط، فالتفت إليها صلى الله عليد وسلم وقال: لم منعت هذا؟ فقالت: لأنه منع ولدي رزقه، قال فالتفت إلي وقال لي: قالت إنك منعت ولدها رزقه، فقلت له والله يارسول الله ما منعته إلا أنه يسب الشيخين، قال فالتفت صلى الله عليه وسلم إليها وقال لها: قد قال إنما منعه لأنه يسب الشيخين، قال فالتفتت فاطمة رضي الله تعالى عنها إلى الشيخين وقالت لهما: أتؤاخذان ولدي بذلك؟ فقالا: لا، بل سامحناه بذلك، قال فالتفتت إلي وقالت فما أدخلك بين ولدي وبين الشيخين؟ قال: فانتبهت فزعا فأخذت المبلغ وجئت إلى ذلك الشريف فدفعته له فتعجب من ذلك، وقال: بالأمس أسألك في يسير منه فامتنعت والآن كيف جئتني به كله؟ فقصصت عليه الرؤيا، فبكى وقال: أشهدك علي وأشهد الله ورسوله أني لا أسبهما أبدا ما حييت. انتهى. نقله في الوصلة الزلفى.

وقال الشيخ أبو عبد الله محمد الفارسي: كنت أبغض أشراف المدينة النبوية بني حسين لما يظهرون من التعصب على أهل السنة وما يتظاهرون به من البدع، فرأيت وأنا نائم بالمسجد النبوي تجاه القبر الشريف رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: يا فلان باسمي ما لي أراك تبغض أولادي؟ فقلت حاشا الله ما أكرههم، وإنما كرهت منهم ما رأيت من تعصبهم على أهل السنة، فقال لي: مسألة فقهية، أليس الولد العاق يلحق بالنسب؟ فقلت: بلى يا رسول الله، فقال: هذا ولد عاق فصرت بعد ذلك لا ألقى أحدا منهم إلا بالغت في إكرامه.

ووقع لأبي المحاسن نصر بن عنيق الشاعر أنه كان متوجها إلى مكة ومعه مال وقماش، فخرج عليه بعض الأشراف فأخذوا ما كان معه وجرحوه فكتب قصيدة إلى الملك العزيز أبي أيوب صاحب اليمن وقد كان أخوه يستنجده إلى الجهاد بالساحل إلى الإفرنج، ومن القصيدة:

ولا تقل ساحل الإفرنج أفتحه

فما يساوي إذا قايسته عدنا

وإن أردت جهادا فادن سيفك من

قوم أضاعوا فروض الله والسننا

ص: 467

طهر بسيفك بيت الله من دنس

وما أحاط به من خسة وخنا

ولا تقل إنهم أولاد فاطمة

لو أدركوا آل حرب حاربوا الحسنا

فلما نظم هذه القصيدة رآى في النوم فاطمة رضي الله تعالى عنها وهي تطوف بالبيت، فسلم عليها فلم تجبه، فتضرع إليها وتذلل وسألها عن ذنبه الذي أوجب ذلك فأنشدته:

حاشا بني فاطمة كلهم

من خسة تعرض أو من خنا

وإنما الأيام في غدرها

وفعلها السوءى أساءت بنا

فتب إلى الله فمن يقترف

إثما بنا يا من مما جنى

أإن أسا من ولدي واحدٌ

يجعل كل السب عمدا لنا

فاكْرم لِعَيْن المصطفى أحمد

ولا تهن من آله أعينا

فكل ما نالك منهم غدا

تلقى به في الحشر منا منى

قال أبو المحاسن: فانتبهت من نومي مرعوبا وقد أكمل الله تعالى عافيتي من الجراح والمرض، فكتبت الأبيات وحفظتها وتبت إلى الله تعالى، وقطعت تلك القصيدة وقلت:

عذرا إلى بنت نبي الهدى

تصفح عن ذنب محب جنى

وتوبة يقبلها من أخ

مقالة توقعه في العنا

ص: 468

والله لو قطعني واحد

منهم بسيف البغى أو بالقنا

لم أر ما يفعله سيئا

بل أنه في الفعل قد أحسنا

السادس: مما يطلب لأهل البيت الآداب والأخلاق والهمم العلية، فمن ذلك بذل الهمة في تحصيل العلوم الشرعية خصوصا الكتاب العزيز والسنة النبوية؟ لأن أولى الناس بذلك أهل البيت، ولم يزل سلفهم الصالح رضوان الله تعالى عليهم على ذلك فإن العلوم الشرعية ما ظهرت إلا من عنصر بيتهم الشريف، ولم يزل سلفهم الصالح رضوان الله تعالى عليهم على ذلك، ومما يطلب منهم تطهير القلب من كل دنس وغل وحسد وخلق ذميم وسوء عقيدة فإنها من خبائث القلب، قال تعالى:{إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (36)} ، فبذلك يحصل التهيؤ لقبول العلم وحفظه والاطلاع على دقائقه وغوامض حقائقه، ولا بد من حسن النية في طلب العلم بأن يقصد بذلك امتثال أمر الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وإحياء الشريعة والدخول في سلسلة العلم المنتهية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيتم له بذلك حصول النسبتين وأن يعد في جملة مبلغي وحي الله تعالى وأحكامه وتنوير قلبه، وإياك أن تقصد بالعلم الأغراض الدنيوية من تحصيل الرياسة والجاه والمال وغير ذلك، فيحبط عملك ويكسف نور علمك ويضيع تعبك وتكون ممن لم ينفعه الله تعالى بعلمه، وقد استعاذ رسول الله صلى الله عليه وسلم من علم لا ينفع، ومن المطالب في حقهم أيضا اجتناب كل ما يستقبح شرعا، فإن القبيح الصادر من أهل البيت أقبح منه من غيرهم، ولله در القائل:

العيب في الجاهل المغمور مغمور

وعيب ذي الشرف المذكور منكور

كفوفة الظفر تخفى من حقارتها

ومثلها في سواد العين مشهور

ص: 469

وقد قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله يحب معالي الأمور ويكره سفسافها

(1)

)، قوله معالي الأمور هي الأخلاق المحمودة، كالتواضع والصبر وسلامه الصدر والزهد وحسن الخلق وكثرة الاحتمال، وقوله: ويكره سفسافها أي دنيها من الأخلاق المذمومة، كالكبر والغضب والحقد والحسد وسوء الخلق وقلة الاحتمال، انظر المحلى عند قول ابن السبكي: وذو النفس الأبية يربأ بها عن سفساف الأمور ويجنح إلى معاليهاة وقال عليه الصلاة والسلام: إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق. انتهى.

وأولى الخلق بذلك أكمل البيت النبوي لكريم مجدهم، ولشريف نسبهم، ولتكون حشمتهم في النفوس موفورة، وحرمة الرسول صلى الله عليه وسلم محفوظة، حتى لا ينطق بذمّهم لسان ولا يشنأهم إنسان، رأولى الناس بالمروءة من كانت له بنوة النبوءة، ومنها أيضا ترك الفخر بالآباء وعدم التعويل عليهم، فقد قال تعالى:{إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} ، وقال صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا يسئلكم عن أحسابكم ولا عن أنسابكم يوم القيامة إلا عن أعمالكم إن أكرمكم عند الله أتقيكم

(2)

)، وعنه صلى الله عليه وسلم: (الناس مستوون كأسنان المشط ليس لأحد على أحد فضل إلا بتقوى الله عز وجل

(3)

)، وقال صلى الله عليه وسلم: (يا أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد لا فضل لعربي على عجمي ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى (خيركم عند الله أتقيكم

(4)

)، وقال عليه الصلاة والسلام: (الناس رجلان رجل بر تقي كريم على الله وفاجر شقي هين على الله

(5)

) إن الله تعالى يقول: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)} ، وقال صلى الله عليه وسلم: (من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه

(6)

)، وقال عليد السلام: (إن الله عز وجل أوحى إلي أن تواضعوا حتى

(1)

المعجم الأوسط رقم الحديث، 2940.

(2)

الطبقات الكبرى، ج 1 ص 13.

(3)

الفردوس للديلمي، ج 4 ص 301، رقم الحديث، 6883.

(4)

مجمع الزوائد ج 3 ص 269، وما بين القوسين في الصواعق ص 649.

(5)

سنن الترمذي كتاب التفسير، رقم الحديث:3270.

(6)

صحيح مسلم، كتاب الذكر، رقم الحديث، 2699.

ص: 470

لا يفخر بعضكم على بعض

(1)

)، ومنها أيضا اجتناب الدخول في الولاية الدنيوية والتعرض لطلبها. قال في الوصلة الزلفى. وفيها أن حديث (إن فاطمة أحصنت فرجها فحرم الله ذريتها على النار

(2)

) خاص للحسن والحسين نقله عن محمد الجواد بن علي الرضى. ومنها أيضا سلوك طرائق سلفهم في التواضع والحلم والصبر على الأذى ذاكرين قوله تعالى: {وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (17)} ، ومنها أيضا الإعراض عن الدنيا وزينتها لأن ذلك دأبه عليه الصلاة والسلام.

ونقل في الوصلة الزلفى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم من سفر فأتى بيت ابنته فاطمة رضي الله تعالى عنها، وكانت تهيأت ولبست مسكتين من ورق وقلادة وقرطين وسترت باب البيت لقدوم أبيها وزوجها، فلما دخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف أصحابه على الباب لا يدرون أيقيمون أم ينصرفون لطول مكثه عندها، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد عرف الغضب في وجهه حتى جلس على المنبر، ففطنت فاطمة أنه فعل ذلك لما رآى من المسكتين والقلادة والستر فنزعت قرطيها وقلادتها ومسكتيها، ونزعت الستر وبعثت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالت للرسول: قل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: تقرأ عليك ابنتك السلام وتقول: اجعل هذا في سبيل الله. وذكر الراوي أنه قام فدخل عليها.

ومنها أيضا وهو أعظمها مقابلة المسيء بالإحسان، كما روى عن علي بن الحسين رضي الله تعالى عنهما أنه كان خارجا يوما من المسجد فلقيه رجل فسبه فثارت إليه العبيد والموالي، فقال علي بن الحسين: مهلا عن الرجل ثم أقبل عليه فقال: ستر عليك من أمرنا أكثر، ألك حاجة نعينك عليها؟ فاستحيا الرجل ورجع إلى نفسه فألقى إليه علي خميصة كانت عليه وأمر له بألف درهم، فكان الرجل يقول بعد ذلك: أشهد أنك من أولاد الرسول. ومنها أيضا تعظيم الصحابة رضوان الله عليهم، وإن كان عاما ففي حق أهل البيت أوكد لأنهم خير القرون بشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد قال صلى الله عليه وسلم: من حفظني في أصحابي ورد عليَّ الحوض، ومن لم يحفظني في أصحابي لم يرد عليَّ الحوض، ولم يرني إلا من بعيد، فأحق الناس بتعظيمهم

(1)

صحيح مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها، رقم الحديث 2865. وصحيح ابن حبان، رقم الحديث، 4214. وسنن أبي داوود رقم الحديث، 4895.

(2)

المستدرك على الصحيحين، ج 3 ص 152 حلية الأولياء لابن نعيم، ج 4 ص 188.

ص: 471

أهل البيت النبوي لما فيه من امتثال وصية مشرفهم صلى الله عليه وسلم وتعظيمه مع الاقتداء بصالح سلفهم والاهتداء بهديهم. فالحذر الحذر مما ينقله الرافضة عنهم مما يخالف فذلك كله مختلق عليهم: وإنما المأثور عن سلف صالحي أهل البيت إنما هو تعظيم الصحابة، وقد أفسد كثير من الرافضة عقائد أكثر أهل البيت النبوي لإظهارهم لهم كمال المحبة والتعظيم، فمالوا إلى تقليدهم حتى إنه قد اشتهر مصداق ما قاله بعضهم: أعز الأشياء في الدنيا شريف سني فلقد عظمت مصيبة أهل البيت بهؤلاء وعظم ضررهم عليهم أولا وءاخرا. ومنها أيضا معاملتهم لأمة مشرفهم بمكارم الأخلاق وطلاقة الوجه وإفشاء السلام ومزيد الإكرام ورفقهم بهم في الكلام وترك التعاظم على آحادهم وإحسان الظن بهم كما كان عليه أئمة سلفهم، ويخصون بمزيد الإكرام المتمسكين بسنة مشرفهم صلى الله عليه وسلم. ومنها أيضا أن يكون لهم بل ولجميع الأمة غيرة على هذا النسب الشريف وضبطه حتى لا ينتسب إليه صلى الله عليه وسلم أحد إلا بحق، كما جرى عليه السلف الكرام، ولم تزل أنسابهم والحمد لله مضبوطة على توالي الأيام، قد قيض الله لهم من يقوم بتصحيح ذلك في كل زمان من علماء الأمة، مع أن وسامة وجوههم لائحة ونفحات طيب عرفهم فائحة:

ومن يقل للمسك أين الشذى

كذبه في الحال من شمه

هذا والاستفاضة يثبت بها النسب المصون، ومن انتسب إلى غير آبائه فهو ملعون، ففي صحيح البخاري عند صلى الله عليه وسلم: (من انتسب إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين

(1)

) والأحاديث في هذا كثيرة.

ثم للمصالح؛ يعني أن الإمام بعد بداءته بآل النبي صلى الله عليه وسلم في العطاء من هذه الأمور التي توضع ببيت المال، يصرف الباقي لمصالح المسلمين أي الأمور التي يعود نفعها على المسلمين، كبناء المساجد والقناطير والغزو وعمارة الثغور وأرزاق القضاة وقضاء الديون وعقل الجراح وتزويج الأعزب وغير ذلك، والذي في المدونة استواء الآل والمصالح إلا أن تحمل البداءة بهم على

(1)

سنن ابن ماجه، كتاب الحدود، رقم الحديث، 2609.

ص: 472

الندب كما قال البساطي، وتحمل المدونة على أصل الإعطاء ثم إذا أعطوا فيوفر نصيبهم لأنهم لا يعطون من الزكاة، واكتفى المص عن ذكر الفيء بذكر الخمس، وفي المواق: وقد نصوا أنه إن لم عن بيت مال يجمع الناس مالا ليرتبوا به الجند وحملة العلم أعني فرض الكفاية الذي سئل مالك عنه أهو فرض؟ قال: أما على كل الناس فلا، قالوا والذي يتعين عليه هذا العلم هو من جاد حفظه وحسن إدراكه وطابت سجيته وسريرته، فمثل هذا هو الذي يجوز له أخذ الجائزة، ومن لم يكن فيه هذه الأوصاف فلا يجوز له الأخذ، وربما كان طلبه العلم من باب العبث بالنسبة للمصلحة المختلفة، ومِن تكلُّفِ مالا يطيق في حقه وكلاهما باطل شرعا، فكيف يحل أن يأخذ على ذلك مرتبا أو أجرا؟ انتهى. ونظم ابن جماعة الشافعي ما يوضع في بيت المال فقال:

جهات أنواع بيت المال سبعتها

في بيت شعر حواها فيه كاتبه

خمس وفيء خراج جزية عشر

وارث فرض ومال ضل صاحبه

قال عبد الباقي: لو قال وارث مال كان أحسن؛ لأن بيت المال لا يرث بالفرض عندنا، وقوله: ومال ضل صاحبه؛ أي جهل مالكه ولم يكن لقطة كالمأخوذ مكسا. انتهى. وقال الشيخ الأمير: فخراجها والخمس والفيء أي المنجلى عنه بلا قتال، والجزية والعشر من تجار الذميين ومال جهل صاحبه أو لا وارث له في بيت المال للمصالح العامة كقنطرة، والخاصة كقضاء الدين، وندب البداءة بآله صلى الله عليه وسلم، ووجب البدء بمن جبي فيهم المال لكفاية سنة إلا أن يكون غيرهم أحوج فالأكثر له وجوبا. انتهى.

وبدئ بمن فيهم المال؛ يعني أن الذين يجبى فيهم المال أي الفيء وما جرى مجراه يبدءون وجوبا بالعطاء بعد آله صلى الله عليه وسلم، فيصرفه في المصالح التي يعود نفعها على المسلمين، كبناء المساجد والقناطير والغزو وعمارة الثغور وتزويج الأعزب ونحو ذلك، ويعطون حتى يغنوا كفاية سنة، وقد كتب عمر رضي الله تعالى عنه أن لا يخرج فيء قوم عنهم، وفي الشبراخيتي أن الترتيب على سبيل الاستحباب إن كان في المال سعة وإلا بدئ بالأحوج، وقوله:"وبدئ بمن فيهم المال"؛

ص: 473

أي بمن في بلادهم الخراج أو الخمس أو الجزية، فيعطون حتى يغنوا، والغنى كفاية سنة كما قاله أبو الحسن، فإن فضل شيء أعطي للفقراء، فإن فضل شيء وقف لنوائب المسلمين، وقوله:"وبدئ بمن فيهم المال"؛ أي عند مساواة غيرهم لهم في الحاجة بدليل ونقل للأحوج الأكثر؛ يعني أنه إذا كان في غير بلد الذين فيهم المال من هو أشد منهم حاجة، فإنه يجب نقل أكثر المال للأحوج أي الأشد حاجة، ويبقى الأقل لمن فيهم المال كما فعل عمر رضي الله تعالى عند في أعوام الرمادة الستة، وهذا الذي ذكرته قاله الأجهوري، وظاهر نقل الشيخ سالم خلافه، ففي ابن عرفة وفيها أيسوى بين الناس فيه؟ قال مالك: يفضل بعضهم على بعض، ويبدأ بأهل الحاجة حتى يغنوا؛ إذ أهل كل بلدة افتتحوحا عنوة أو صلحا أحق بها إلا أن ينزل بقوم فاقة فينقل إليهم منها بعد إعطاء أهلها ما يغنيهم على وجه النظر. قاله الشيخ عبد الباقي.

تنبيهات: الأول: إذا كان الغانمون صالحين لا يظن بهم أن يمنعوا الخمس فيجوز الشراء منهم، وإذا لم يعلم حالهم فترك الشراء منهم هو التورع، وإذا علم أنهم يبيعون ولا يؤدون الخمس فروى يحيى بن عمر عن أبي مصعب أنه يشترى منهم وتوطأ الأمة، وإنما الخمس على البائع وقيل لا يجوز وهو قول سحنون.

ابن رشد: وهذا الاختلاف عندي إنما ينبغي أن يكون إذا كانت الرقيق لا تنقسم أخماسا فالواجب أن تباع ليخرج الخمس من أثمانها، وإن كانت تقسم أخماسا فلم يخرجوا الخمس وباعوها ليستأثروا بها فهو كمن تعدى على سلعة لغيره فباعها، فلا يجوز لمن علم ذلك شراؤها.

الثاني: إذا افترق الجيش قبل قسم الغنيمة أخذ الإمام الخمس ثم يحصي من حضر الغنيمة من الغزاة على التحري والتخمين؛ بأن يجمع الإمام أعيان أصحابه وشيوخ عسكره ويقول لهم كم تقدرون الجيش الذي كان في غزاة كذا؟ فإن اتفقوا على تقديره بعدد ما قسم أربعة أخماسه على ذلك، وإن اختلفوا أخذ ما اتفق عليه من القدر وترك المختلف فيه ويوقف أنصباء الغيب، وحكم الموقوف حكم اللقطة فإن مضت سنة ولم يعلم له طالب جرى على حكمها.

الثالث: قال في سماع أشهب: من أخذ كبة فوجد فيها بعد تفرق الجيش صليبا زنته سبعون، قال: هو كاللقطة تطيب له إذا جهل الجيش بعد المدة.

ص: 474

الرابع: يجوز لمن لا يتوصل إلى حقه من الغنيمة أن يخفى مقدار ما يحصل له لو قسمت على وجهها بعد أن يتحرى عدد الجيش ويخرج من الغنيمة الخمس، فيقدر حقه ويأخذه خفية ويطرح كل ما شك فيه.

الخامس: قال الفقيه المسكوري ناظما تقسيم ابن رشد فيمن يعامل ومن لا يعامل:

معاملة الإنسان من جل ماله

حلال حلال لست فيها بآثم

وقال ابن وهب بالكراهة وامنعن

لأصبغ محتاطا لأجل المحارم

وإن كان جل المال فاعلم محرما

فمنع وإن يكره فقول ابن قاسم

وإن لم يكن في المال حل فإنه

حرام على ما قاله كل حازم

وسوغه الزهري وابن مزينهم

فكل وانتفع لا تخش لومة لائم

وقيل استبح ما نال بالإرث والعطا

وما ابتاعه فاترك وبالعقل زاحم

وقيل مباح إن تعامل بقيمة

بغير محاباة على رأي عالم

حكى ذا الذي قلنا وأحكم شرطه

سليل ابن رشد ذو العلا والمكارم

وذيلها ابن غازي ببيتين فقال:

وهذا الخلاف كله عن جميعهم

إذا فوت المغصوب ليس بقائم

ص: 475

وإن كان مغصوب بعينه لم يفت

فلم يختلف اثنان فالحظر لازم

نقله في الوصلة الزلفى. وقوله: وما ابتاعه؛ أي اشتراه بالمغصوب.

واعلم أن معاملة مستغرق الذمة بالحرام حصل فيها ابن رشد أربعة أقوال: أحدها وهو الصحيح عدم جوازها مطلقا لا فيما بيده ولا فيما ورثه أو ابتاعه أو وهب له من الحلال فأحرى قبول عطيته أو أكل طعامه لأنه كالمفلس المضروب عليه، الثاني: جواز معاملته بالقيمة ولا تقبل هبته ولا يؤكل طعامه لدخول النقص بذلك على أهل تباعته واستحسن هذا القول وأفتى به غير واحد. ثالثها: عدم جواز معاملته فيما ابتاعه بالمغصوب وجوازها فيما ورثه أو وهب له ويجوز قبول ذلك منه هبة وعلى هذا تأتي مسألة السلعة الحلال تشترى بحرام، هل يجوز شراؤها أم لا؟ رابعها: جواز معاملته على الإطلاق وهو أضعف الأقوال.

ابن رشد: هذا الاختلاف كله إنما يصح إذا جهل أهل التبعات وأيس من معرفتهم، وأما إذا علموا وتعينوا فلا يصح إلا القول الأول، وعلى الأول فلو غصب شيئا لجاز للمغصوب منه أن يضمنه ذلك اتفاقا القيمة في القوم والمثل في المثلي؛ لأنه لم يدخل على أهل تبعاته نقصا، ولو أهلك دابة أو أفسد ثوبا فلا يسوغ له أن يأخذ قيمة ذلك إلا على القول الرابع؛ لأنه يدخل عليهم نقصا، وكذا لا يسوغ له أن يأخذ منه أجرة في خدمة أو حجامة أو تعليم قرآن ونحو ذلك أو تعليم ولده ولا يورث ماله ولا تنفذ وصاياه ويتصدق بتركته عن أهل تباعته إذا أيس من معرفتهم، وهذا الاختلاف إذا لم يكن الحرام قائم العين وإلا فلا يحل شراؤه إن كان عرضا ولا قبول هبته ولا أكله إن كان طعاما اتفاقا، ولا أخذه في ثمن شيء إن كان عينا، ومن فعل ذلك عالما فحكمه حكم الغاصب ومصرف أموالهم مصرف الصدقة على قول، والقول الآخر مصرفها مصرف بيت المال. انتهى. وفي نوازل ابن هلال: لا تنبغي معاملة من استغرق الحرام ذممهم لغير أهل الفضل، فكيف بأهل الفضل؟ ولا يقدح في شهادة من عاملهم إن تمذهب بمذهب من أجاز ذلك وتقلده،

ص: 476

ولا يجوز أكل طعامهم لغير من اضطر إلى أكله وتصدق بقيمته إن كان [غنيا

(1)

]، وهذا كله إن لم يتعين ربه. انتهى.

السادس: حكى الشيخ ابن رحال في شرحه قاعدة وهي أن الخوف في وقوع محرم مكروه وإن تحقق الوقوع فيه حرم. انتهى.

ونفل منه السلب، فاعل "ئفل" ضمير يعود على الإمام والضمير المجرور بمن عائد على الخمس؛ يعني أن الإمام له أن ينفل من خمس الغنيمة أي له أن يزيد من الخمس بعض الغانمين على ما حصل له في قسم الغنيمة، وله أيضا أن ينفل من ليس من أهل السهم، والزيادة تكون بالسلب أي له أن يزيده على حظه بما سلب من بعض العدو، وله أن يزيده بغير السلب.

ابن عرفة: النفل ما يعطيه الإمام من خمس الغنيمة مستحقها لمصلحة وهو: جزءي، وكلي، فالأول ما يثبت بإعطائه بالفعل، والثاني ما يثبت بقوله: من قتل قتيلا فله سلبه. انتهى. الفاكهاني: النفل بإسكان الفاء وفتحها وهو زيادة أسهم أو هبة لمن ليس من أهل السهم يفعله الإمام بطريق الاجتهاد أو لطليعة ونحو ذلك.

واعلم أن النفل لا يكون من أصل الغنيمة، وإنما يكون من الخمس، وقوله:"السلب"، مفعول "نفل"، قال الشيخ محمد بن الحسن: والظاهر أن لفظ السلب في كلام المص حشو لا حاجة إليه. انتهى. وقال الشيخ إبراهيم: ولو حذفه -يعني السلب- لكان أشمل لأنه ينفل منه الجاسوس والحارس، وفي الموطإ عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه سلم (بعث سرية قبل نجد فغنموا إبلا كثيرة فبلغت سهمانهم اثني عشر بعيرا أوأحد عشر بعيرا ونفلوا بعيرا بعيرا

(2)

)، زاد في غير الموطإ: من الخمس.

لمصلحة، متعلق "بنفل"؛ يعني أن النفل سلبا أو غيره موكول إلى نظر الإمام فيمن يعطيه له، وفي القدر الذي يعطيه بالمصلحة للمسلمين، لا يحكم في شيء من ذلك برأيه ولا بالهوى، فلا يعطي الجبان ويحرم الشجاع، ولا يعطي الشجاع فوق ما يستحقه، ومفهوم قوله:"لمصلحة"، أن الإمام

(1)

في الأصل: عينا، وما بين المعقوفين من نوازل ابن هلال ص 449.

(2)

صحيح البخاري، كتاب فرض الخمس، رقم الحديث 3134. صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، رقم الحديث، 1779.

ص: 477

لا ينفل لغير مصلحة وهو كذلك كما أشرت إليه في الحل، فلا ينفل لغيرها لا من الخمس ولا من غيره.

ولم يجز إن لم ينقض القتال من قتل قتيلا فله سلبه؛ يعني أنه لا يجوز للإمام أن يقول للمجاهدين قبل أن ينقضي القتال أي قبل القدرة على العدو، من قتل قتيلا فله سلبه لأن ذلك يؤدي إلى فساد النية فيلقي بعضهم نفسه إلى الهلاك لأجل الغرض الدنيوي، وأما بعد القدرة على العدو فإن ذلك جائز إذ لا محذور فيه، ومثل قول الإمام: من قتل قتيلا فله سلبه، قول والي الجيش: من جاءني بشيء من عبد أو متاع أو خيل فله ربعه مثلا، أو من صعد موضع كذا أو قلعة أو وقف فيه فله كذا، فيمنع للعلة المتقدمة، ولأنه يؤدي إلى التحامل على القتال، وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، لا تقدموا جماجم المسلمين إلى الحصون، لمسلم أستبقيه أحب إلي من حصن أفتحه. وقوله:"ولم يجز إن لم ينقض" الخ، في المدونة: الكراهة، فحملها بعضهم على ظاهرها، وحملها بعضهم على التحريم وهو ظاهر كلام المص.

سحنون. وإن قال الإمام للسرية ما غنمتم فلكم بلا خمس، فهذا لم يمض عليه السلف وإن كان فيه اختلاف فإني أبطله لأنه قول شاذ. قاله الإمام الحطاب.

ومضى؛ يعني أن القول المذكور لا يجوز ابتداء، ولكنه إذا وقع مضى أي لزم، فيكون السلب لمن قتل على ما سيبين إن شاء الله تعالى، وإنما لزم بعد الوقوع؛ لأن ثم من يجيزه كأحمد وغيره كالأوزاعي. إن لم يبطله قبل المغنم؛ يعني أن محل المضي المذكور إنما هو حيث لم يرجع السلطان عن ذلك القول قبل حوز المغنم، وأما إن أبطله بأن أظهر الرجوع عنه قبل حوز المغنم اعتبر إبطاله فيما بعد الإبطال لا فيما قبله ولا فيما بعد حوز المغنم، فإنه يستحق الفاعل ذلك ما رتبه الإمام عليه، ولو كان من أهل الغنيمة حيث نص الإمام على ذلك، فإن نص الإمام على ذلك من الخمس أو أطلق فمنه. قاله الشيخ عبد الباقي. قوله: ولو كان من أصل الغنيمة، نحوه في المواق وظاهره ولو فعل الإمام ذلك جهلا نظرا للاختلاف، وفيه نظر لما قالوا إن الجاهل ألا يعتبر

(1)

] بموافقته للمذهب. قاله الشيخ بناني.

(1)

لفظ البناني ج 3 ص 128 لا يعتد.

ص: 478

ولما لم يكن كل قاتل يستحق السلب حيث قال الإمام ذلك بل ذلك مخصوص بين المص المستحق لذلك، فقال: وللمسلم فقط سلب اعتيد؛ يعني أن الإمام إذا قال هذا الكلام الذي لا يجوز وهو: من قتل قتيلا فله سلبه، فإن المسلم الذي قتل حربيا يستحق ما سلبه منه بشرط أن يكون معتادا وجوده مع المقتول حال الحرب، ومنه خاتم ودابة ركبها وأمسكها للركوب بيده أو بيد غلامه، ومنه أيضا اللجام والدرع والبيضة والسيف والمنطقة بما في ذلك من حلية، ويدخل في ذلك كل ثوب عليه وسلاح ونفقة معتادة، ومفهوم قوله:"وللمسلم"، أن الذمي لا يستحق بذلك القول ما سلبه من حربي قتله وهو كذلك.

ابن يونس: إلا أن ينفذه له الإمام فلا يتعقب، وإن لم يجز ابتداء لأن أهل الشام يرون ذلك للذمي، وأشهب يرى أن يرضخ لأهل الذمة.

وقوله: "وللمسلم فقط سلب اعتيد" اعلم أنه إنما يستحق السلب بقتله قبل كمال الاستيلاء عليه، ولذا قال سحنون: من أتى بعد ذلك بأسير للإمام فقتله لم يستحق سلبه، وقوله:"وللمسلم"؛ أي وللشخص المسلم، فيشمل الذكر والأنثى حيث كانت يسهم لها كما سأبينه إن شاء الله تعالى عند قول المص:"ولم يكن لكمرأة" الخ، وقوله:"وسلب اعتيد". قال الشيخ إبراهيم. كفرسه المركوب له أو الممسوك معه للقتال وسرجه ولجامه ودرعه وبيضته وسيفه ورمحه وقوسه وسهامه وما هي فيه ومنطقته بما فيها من حلية ورايته وثيابه التي عليه، ولو وضع المبارز بعض سلاحه بالأرض ثم قاتل المسلم فقتله فليس له إلا ما عليه.

لا سوار، هذا مفهوم قوله:"اعتيد"؛ يعني أن المسلم القاتل لا يستحق بقول الإمام ذلك من سلب الحربي المقتول ما ليس بمعتاد، كسوار بيديه أو معه، وقوله:"لا سوار"، قال الشبراخيتي: لا سوار بيديه، خلافا لابن حبيب. وصليب؛ يعني أن المسلم إذا قاتل حربيا ومعه صليب وقد قال الإمام من قتل قتيلا فله سلبه، فإن المسلم القاتل لا يستحق الصليب الذي مع الحربي، بقول الإمام ذلك خلافا للأوزاعي.

وعين؛ يعني أن المسلم القاتل لا يستحق بقول الإمام ذلك ما مع الحربي الذي قتله من العين ذهبا كانت أو فضة، ولا يستحق أيضا التاج من العين ولا القرط منها ونحو ذلك. ودابة؛ يصح

ص: 479

عطفها على المثبت وهو سلب وتحمل على ما إذا كانت مركوبة له أو ممسوكة معه ليقاتل عليها، كما لو كان بيده زمامها أو مربوطة في حزامه أو منطقته أو عضده، وعلى المنفي وهو سوار والحمل على دابة لم تكن مركوبة له ولا ممسوكة لركوبه، فلا تكون للقاتل ولو كان المقتول راجلا. ابن عرفة: والشركة في موجب السلب يوجبها فيه. سحنون: من أنفذ مقتل علج وأجهز غيره عليه فسلبه للأول ولو جرحه ولم ينفذ مقتله فبينهما، ولو تداعى قتله جارحه ومحتز رأسه فبينهما. انتهى. وانظره فإنه بحث في ذلك قاله الحطاب. وقال ابن عرفة: وسلب القتيل المستحق سلبه إن ثبت أنه غصبه من مسلم أو استعاره من مباحٍ مَالُه فلقاتله وإلا فلربه، كمسلم تاجر أو رسول، فإن كان لمن أسلم بدار الحرب فلقاتله على قول ابن القاسم. قاله الحطاب.

وإن لم يمسع، مبالغة في قوله:"وللمسلم سلب اعتيد"؛ يعني أن المسلم الذي قتل حربيا يستحق سلبه بقول الإمام من قتل قتيلا فله سلبه، وإن لم يسمع القاتل قول الإمام ذلك لبعد أو غيبة إذا سمعه بعض الجيش، وإن لم يسمعه أحد فلغو، ولو دخل عسكر ثان لم يسمعوا ما جعل للأول فلهم مثله إن كان أمير العسكرين واحدا.

أو تعدد يعني أن المسلم يستحق بذلك القول سلب من قتله إن اعتيد، وإن تعدد السلب كما لو قتل اثنين فأكثر فإنه يستحق سلب كل. ابن عرفة: ولو قال الإمام لعشرة هو أحدهم من قتل قتيلا فله سلبه أو زاد منا فله إن قتل ثلاثة سلبهم كغيره من العشرة، قلت: إن كان من ضمه إليه ممن لا يتهم في شهادته له، وإقراره له بدين في مرض أو ذي خصوصية لا يشاركهم فيها غيرهم. انتهى. نقله الإمام الحطاب.

وقوله إن لم يعين قتيلا؛ صوابه إن لم يعين قاتلا؛ لأن موضوع المسألة أنه قال: من قتل قتيلا، ومعنى ذلك أن السلب إن تعدد إنما يكون للقاتل حيث لم يعين الإمام قاتلا بأن قال من قتل قتيلا فله سلبه. إلا، بأن عين قاتلا بأن قال: إن قتلت يا زيد قتيلا فلك سلبه، فقتل أكثر من واحد فإنما له الأول أي سلب المقتول الأول دون غيره إن لم يأت الإمام بما يدل على الشمول، وإلا فله سلب الجميع كقوله: كل من قتلته يا زيد فلك سلبه، فإن علم الأول فواضح وإن جهل فنصفهما، وقيل أقلهما وإن قتلهما معا فقيل له نصف سلبهما وقيل أكثرهما، والفرق احتمال

ص: 480

سقوط الأكثر في الجهل باحتمال تأخيره فيسقط وامتناع سقوطه في المعية، وإن قال: إن أصبت أسيرا فأصاب اثنين فله نصف كل منهما، والقتل الموجب لما رتب عليه إن ثبت بشاهدين فواضح وإلا فإن كان قول الإمام من قتل قتيلا له عليه بينة لم يثبت دونها. الباجي: ولا بشاهد ويمين لأن المثبت القتل لا المال، وإن لم يقل بينة ففي لزومها نقل الشيخ، وقول الباجي: وقوله صلى الله عليه وسلم: (من قتل قتيلا عليه بينة

(1)

)، قال النووي فيه تصريح بالدلالة لمذهب الشافعي والليث ومن وافقهما من المالكية وغيرهم أن السلب لا يعطى إلا لمن له بينة ولا يقبل قوله بغير بينة، قال مالك والأوزاعي: يعطاه بقوله بلا بينة. انتهى.

ولم يكن لكمرأة؛ يعني أن الإمام إذا قال من قتل قتيلا فله سلبه، فقتل المسلم امرأة من الحربيين فإنه ليس له سلبها، بل يوضع ببيت المال، فاللام بمعنى من، كسمعت له صراخا واسم يكن أو فاعلها ضمير يعود على السلب، ومن مجيء اللام بمعنى من قوله:

لنا الفضل في الدنيا وأنفك راغم

ونحن لكم يوم القيامة أفضل

أي منكم.

إن لم تقاتل؛ يعني أن محل ذلك إن لم تقاتل الحربية وأما إن قاتلت قتالًا يقتضي قتلها، بأن قتلت مطلقا أو قاتلت بسلاح فإن سلبها يكون لمن قتلها، لا إن قاتلت بحجارة ونحوها ولم تقتل أحدا فإن سلبها يوضع ببيت المال، وأدخلت الكاف كل من لا يقتل كالصبي والشيخ الفاني ونحوهما مما مر وفيهم في ذكر من التفصيل في قتال المرأة، وعبارة الشيخ إبراهيم ولم يكن السلب لكمرأة وصبي وشيخ فان وزمن وراهب منعزل بدير أو صومعة ممن يحرم قتلهم إن لم تقاتل المرأة ومن ذكر معها، فإن قاتلوا استحق قاتلهم سلبهم لجواز قتلهم. انتهى. وقال بعد ذلك: وهذا إذا قاتلت قتالا يقتضي قتلها بأن قتلت أو قاتلت بالسلاح لا إن قاتلت بالحجارة ونحوها ولم تقتل أحدا فإنه بمنزلة عدم مقاتلتها. انتهى. وأما المرأة المسلمة المقاتلة فلا تدخل في قول الإمام من قتل قتيلا فله سلبه إلا إذا تعين عليها بفجإ العدو، فيكون لها سلب من قتلته من الحربيين كما مر

(1)

صحيح البخاري، كتاب فرض الخمس، رقم الحديث 3142. صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، رقم الحديث، 1751.

ص: 481

التنبيه عليه، وكذلك يسهم لها أيضا إذا قضى الإمام بأنها يسهم لها كما في بناني، وفي تعيين الإمام تردد. قاله الأمير.

كالإمام إن لم يققل منكم، تشبيه في قوله:"وللمسلم سلب اعتيد"؛ يعني أن الإمام إذا قال من قتل قتيلا فله سلبه ولم يقل منكم وقتل هو أحدا من الحربيين فإنه يكون له سلبه بناء على دخول المتكلم في عموم كلامه، وأما إن قال منكم نحو من قتل منكم قتيلا فله سلبه وقتل أحدا من الحربيين فإنه لا يكون له سلبه لأنه أخرج نفسه. أو يخص نفسه؛ يعني أن الإمام إنما يكون له سلب من قتله من الحربيين بقوله ذلك بقيدين، أحدهما أن لا يقول منكم كما بينته، ثانيهما أن لا يخص نفسه، وأما إن خص نفسه بأن قال إن قتلت قتيلا فلي سلبه فإنه لا يكون له سلب من قتله، ولو عمهم بعد ذلك اندرج فلو قتل قتيلا قبل تعميمه وآخر بعده استحق الثاني فقط، ولو قال إن قتلت قتيلا فلي سلبه ومن قتل منكم قتيلا فله سلبه، فقتل الأمير قتيلين وقتل غيره قتيلين، فللأمير سلب قتيله الأول لا الثاني، ولغيره سلب قتيليه.

وانظر ما الفرق بين تعيينه وعدمه، فإنه إذا قال إن قتلت يا زيد قتيلا أو إن قتلت قتيلا وقال من قتل قتيلا النكرة في كل ذلك في سياق الشرط وهي تعم فما الذي زاده عدم التعيين، فالفرق بين ذلك مشكل. انظر حاشية الشيخ بناني. وقال الشيخ الأمير: فإن قتل جماعة فله لسلبهم إلا أن يخص القاتل الإمام، ولم يقل له كلما قتلت فالأول لأن التعيين أمارة التضييق فإن جهل أو قتلهم معا، فهل يؤخذ من كل بنسبته لمجموعهم أو في الأول أقلهم وفي الثاني أكثرهم قولان، وللإمام سلب قتيله إلا أن يقول منكم أو يخص نفسه ومن يميل إليه. انتهى.

وله البغلة إن قال على بغل؛ يعني أن الإمام إذا قال من قتل قتيلا على بغل فهو له، فقتل أحد من المسلمين بعض الحربيين على بغلة فإن تلك البغلة تكون لذلك المسلم الذي قتل راكبها، وكذا تكون له الحمارة إن قال من قتل قتيلا على حمار فهو له فقتل أحدا من الحربيين على حمارة؛ لأن البغل يطلق على البغلة والحمار على الحمارة، بخلاف ما لو قال من قتل قتيلا على بغلة أو حمارة فقتل المسلم حربيا على بغل ذكر أو حمار ذكر، فإنه لا يكون له البغل ولا الحمار ومثل ذلك الأتان والجمل والناقة، فلو قال على كبغل لكان أشمل، وهذا الباب يتبع فيه العرف لأنه

ص: 482

من الأمور التي مبناها العرف، قال الشيخ عبد الباقي: [وإطلاق

(1)

] الذكر على الأنثى فيما ذكر خلاف عرف مصر

(2)

).

لا إن كانت بيد غلامه؛ يعني أن المسلم إذا قتل حربيا وكانت للحربي دابة بيد غلامه والمقتول راجل أو راكب على غيرها، فإنه لا حق فيها للقاتل إلا إذا كانت ممسوكة ليقاتل عليها، وكلامه هنا فيما إذا قال من قتل قتيلا فله فرسه أو بغله، وأما إن كانت بيد المالك أو مربوطة بمنطقته فلقاتله. قاله التتائي. وظاهره ولو كان راكبا غيرها. قاله عبد الباقي.

ولما تقدم له ما يقتضي أن الغنيمة تخمس وأن خمسها كالفيء، شرع يتكلم على ما يفعل بالأخماس الأربعة الباقية، فقال: وقسم الأربعة؛ يعني أن الأخماس الأربعة يقسمها الإمام على من اجتمعت فيه سبعة أوصاف: الأول الذكورة، الثاني الحرية وإليه أشار بقوله: لحر، اللام فيه بمعنى على أي إنما تقسم الأخماس الأربعة على الأحرار لا العبيد، الثالث الإسلام وإليه أشار بقوله: مسلم، واحترز به عن الكافر فإنه لا يسهم له، الرابع العقل وإليه أشار بقوله: عاقل، واحترز به من الأحمق فإنه لا يسهم له الخامس، البلوغ وإليه أشار بقوله: بالغ، واحترز به من الصبي فإنه سيأتي الكلام عليه، السادس أن يحضر مناشبة القتال أي الوقعة وإليه أشار بقوله: حاضر للقتال، وقوله:"حاضر"، وكذا من في حكم الحاضر كمن ضل في بلد العدو أو من تخلف عن الحضور لمصلحة تعود على الجيش، السابع أن لا يكون مريضا على تفصيل يأتي في قوله:"ومريض" الخ. ولا خلاف أن من اجتمعت فيه هذه الشروط يستحق الإسهام، وقوله:"حاضر"، أي يستحق الإسهام إذا حضر مناشبة القتال قاتل أو لم يقاتل، واحترزت بالذكر عن المرأة فإنه لا يسهم لها وإن قاتلت على المشهور، وحكى الباجي واللخمي والمازري الإسهام بشرط القتال، وقد مر أنه يسهم لها إن تعين عليها القتال بفجء العدو، واتفق على عدم الإسهام لها إن لم تقاتل، ويسهم للخنثى ربع سهم عند ابن رشد، واقتصر عليه من نظم أحكامه الفقهية فقال:

له ربع سهم في الغزاة وإن زنى

به فعليه الحد والحد أعدل

(1)

ما بين المعقوفين ساقط من النسخ والمثبت من عبد الباقي ج 3 ص 129.

(2)

في النسخ المص والمثبت من عبد الباقي ج 3 ص 129.

ص: 483

وقيل له نصف سهم، واستظهر لأنه إن قدر أنثى فلا شيء له وإن قدر ذكرا فله نصف نصيبه كالميراث، وفي الشبراخيتي عن الأجهوري:

حقيقة الخنثى وإن لم يشكل

ذو آلة لمرأة والرجل

وقيل أيضا منه عار منهما

ويمنع المشكل من وطء الإما

كالنكح ثم إن يلد من ظهره

أو بطنه تم بيان أمره

ومنهما فمشكل ويمتنع

بينهما إرث ونكح فاستمع

وإن يلد من نفسه فمشكل

وحكم أنثى في استتار يجعل

ومثله الصلاة والشهادة

إلا بما به تخص النسوة

كعيب فرج وله إن جاهدا

شطر وقيل بل له ربع بدا

فما له شهادة فيما به

يختص نوع منهم فانتبه

كذاك للخروج للحج وفي

لباس الإحرام وفدية تفي

وإن يكن في حجه بعرفه

يحضر جالسا كأنثى فاعرفه

ص: 484

وإن يصل في جماعة يقف

بعد النسا وخلف ذكران عرف

وهل عليه جمعة كالذكر

وسنة العيد محل نظر

وما عليه إن زنى بالذكر

حد كذا بالفرج عند الأكثر

والحد في ذا للصقليين

واقتصرا عليه دون مين

ومن زنى به بغير الدبر

عنه انتفى الحد بقول الأكثر

وحد قذفه على حد الزنى

يجري وهذا ظاهر بلا عنا

ورضعه محرم كالمرأة

هذا الذي يظهر في القضية

كلغونا أذانه وعدم

إجزائه عن الزكاة فاعلم

ووحده في سجنه يكون

وعقله كإرثه يبين

وقال بعض إن في قطع الذكر

نصف حكومة وعقل يعتبر

ذكر هذا الحافظ ابن عرفه

قلت وشفراه كذا والحشفه

وهل يعاقل لثلث الدية

كمرأة لا نص في المسألة

ص: 485

وإن يمت فخادم تشرى له

من ماله لتلي اغتساله

أو تشترى من بيت مال حيث لا

مال ولا محرم للخنثى انجلا

وأعتقنها وولاؤها استقر

للمسلمين قلت في هذا نظر

إذ لو تكون ملكه لم تعتق

ودفعت للوارث المحقق

فإن تعذر اشتراء الأمة

يمم واحتيط بغير مرية

فهو كمرأة مع الرجال

ورجل في عكس هذا الحال

وإن رجال ونساء حصلا

قدمت النساء يا من كملا

وختنه في فرجه مع الذكر

تختنه الرجال والفرج استتر

وتختن النساء فرجه ولا

ينظرن منه حال ختن قبلا

وإن له حضانة فكالذكر

والعكس كالأنثى وهذا ما ظهر

ويستمر أبدا محضونا

كمنع نكحه كما قضينا

ص: 486

وإرثه نصف نصيبي ذكر .... ومرأة بشرطه المعتبر

وإن يرث في حال تأنيث فقط

فنصفها يقضى به بلا شطط

ككونه أختا في الأكدرية

ومثل ذا في حالة المذكورة

ككونه عما فيعطى نصف ما

له من ارثه به فلتعلما

وإن يمت زوج له يعتد

عدة موت في نكاح يفسد

وإن له التذكير أو أنثى استقر

ثم طرا خلاف ذا لا يعتبر

كتاجر، تشبيه في الإسهام؛ يعني أن التاجر الكائن مع الجيش يسهم له سواء كانت تجارته تتعلق بالجيش أم لا، وأجير يعني أن الأجير في الجيش يسهم له كانت منافعه عامة كتسوية الطرق ونحوها، أو خاصة بمعين لا يختص ببعضهم كخياطة أو يختص كأجير خدمة إن قاتلا؛ يعني أن التاجر والأجير المذكورين إنما يسهم لهما بحصول أحد أمرين، أحدهما أن يقاتلا وإذا قلنا إنه يسهم للأجير إن قاتل وكان القتال مرارا ولم يشهده إلا مرة واحدة وعرف أنه حضر، ففي كتاب ابن مزين: يسهم له في جميع الغنيمة. ابن نافع: لا يسهم له إلا أن يحضر أكثر ذلك فيسهم له في الجميع، وإلا أسهم له فيما حضر فقط، ثانيهما أشار إليه بقوله: أو خرجا بنية غزو؛ يعني أنهما أي الأجير والتاجر إذا لم يقاتلا لا يسهم لهما إلا أن يخرجا بنية الغزو أي بنية جهاد العدو، كانت تابعة أو متبوعة أو هما على حد سواء، فيسهم لهما إن حضرا مناشبة القتال ولو لم يقاتلا لأنهما كثرا سواد المسلمين، وفي التوضيح أن المعتمد فيما إذا كانت نية الغزو تابعة أنه لا يسهم لهما فيقيد كلام المص بما إذا كانت نية الغزو متبوعة أو هما على حد سواء،

ص: 487

وقال بعض الأشياخ: لا يخلو الأجير أن يكون على منفعة عامة تعود على الجيش كرفع الصواري والأحبل وتسوية الطرق في البر، واختلف في الإسهام له على قولين أو خاصة في معين ولكن لا تختص ببعضهم كخياطة، وقد اختلف في ذلك على قولين إذا شهد القتال وإن لم يقاتل أو خاصة ببعضهم كأجير الخدمة لرجل مخصوص فهذا فيه أقوال ثلاثة: الأول أنه لا يسهم له وإن قاتل؛ لأنه إن لم يقاتل فلا إشكال إذا لم يقصد إلى الجهاد وإلا انتفع به المجاهدون وإن قاتل فكأنما وقعت من غير قصد إليها وذلك لا يوجب الإسهام له، والثاني أنه يسهم له بشرط شهوده القتال وإن لم يقاتل، والثالث أنه يسهم له بشرط أن يقاتل، والقول الثاني هو الظاهر في النظر، وإذا فرعنا على الإسهام فقال سحنون: يبطل من أجرته بقدر ما اشتغل عن الخدمة. حكاه ابن يونس. وليس لمن استأجره أن يأخذ منه السهمين عوضا عما عطل من الخدمة بخلاف المؤاجر نفسه في خدمة أخرى؛ لأن السهمين ربما كثرا ولأن القتال لا يشبه الخدمة لأن فيه إذهاب نفسه.

لا ضدهم؛ يعني أنه لا يسهم لضد من ذكر والضد المقابل، فضد المسلم الكافر وضد الحر العبد ومن فيه شائبة رق وضد العاقل المجنون، وضد البالغ الصبي، وضد الذكر المدلول عليه بإتيانه بالأوصاف مذكرة المرأة وقد مر الكلام عليها، وضد الحاضر الغائب، وضد التاجر والأجير الخارجين بنية الغزو أو المقاتلين من خرج منهما ولم يقصد غزوا ولم يقاتل.

فتحصل من هذا أنه لا يسهم لعبد ولا لذمي ولا خلاف في عدم الإسهام لهما إن لم يقاتلا، وأما إن قاتلا فالمنصوص أن العبد لا يسهم له، واختلف في الذمي على ثلاثة أقوال: الأول وهو المشهور أنه كالعبد لا يسهم له، الثاني لابن حبيب: إذا نفر أهل الذمة مع المسلمين فما صار لهم ترك بغير تخميس، الثالث لسحنون: إذا قاتلوا ولم يقدر على الغنيمة بدونهم أسهم لهم ولو قدر عليها بدونهم لم يسهم لهم ولا يسهم للمجنون المطبق، وأما إن كان معه من العقل ما يمكنه به القتال فإنه يسهم له ولا يسهم للصبيِّ إن لم يطق القتال اتفاقا، واختلف إذا كان يطيقه على ما سأبينه إن شاء الله تعالى، وبالغ على عدم الإسهام لهم بقوله: ولو قاتلوا؛ يعني أنه لا يسهم لأحد من الجماعة الذين شملهم لفظ الضد ولو قاتلوا إلا أن يتعين عليهم القتال بفجء العدو فيسهم لهم وهل تعيين الإمام كذلك أم لا؟ وهو ظاهر إطلاقهم. قاله الشيخ عبد الباقي. والمبالغة راجعة لما عدا ضد

ص: 488

حاضر؛ إذ لا يتصور مع الغيبة قتال، ورد بلو القول بأنهم يسهم لهم إذا قاتلوا، وما في المواق عن ابن حارث من أنه لا يسهم لأهل الذمة اتفاقا طريقة له. والله أعلم قاله بناني.

إلا الصبي؛ يعني أنه يخرج عن الضد الذين لا يسهم لهم الصبي بثلاثة شروط، فإنه إذا توفرت فيه يختلف في الإسهام له كما أشار إلى ذلك بقوله: ففيه إن أجيز وقاتل خلاف؛ يعني أنه اختلف هل يسهم للصبي أم لا بثلاثة شروط: أحدها أن يجيزه الإمام، ثانيها أن يطيق القتال كما أشعر به قوله: وقاتل، ثالثها أن يقاتل بالفعل والقول بأنه لا يسهم للصبي ولو استوفى الشروط المذكورة هو ظاهر المدونة، وشهره ابن عبد السلام، وأما القول بأنه يسهم له إن أجيز وقاتل، فقال الشيخ بناني: لم أقف على من شهره وهو وإن اقتصر عليه في الرسالة لكن لا تتقيد بالمشهور، نعم شهر الفاكهاني القول بأنه يسهم له إن حضر صف القتال كما في التوضيح وهو قول ثالث لم يعرج عليه المص، لكن قد يقال يلزم من تشهيره تشهير ما حكاه المص، وعن ابن وهب أنه يسهم لمن بلغ خمسة عشر لما روي أنه عليه الصلاة والسلام أجاز ابن عمر رضي الله تعالى عنه في هذه السن ورده قبل ذلد، وأجيب بأن هذه السن علامة على البلوغ، أو بأنه أجيز لقدرته على القتال فصادف هذه السن إطاقته، لا أن السن بمجردها معتبرة، ولا خلاف في أنه لا يسهم للصبي إذا لم يطق القتال كما مر، وقال الأمير: وفي صبي قاتل بإذن الإمام خلاف أرجحه عدم الإسهام. انتهى.

ولا يرضخ لهم؛ يعني أن الذين لا يسهم لهم لا يرضخ لهم أي لا يعطون من الغنيمة، فلا يرضخ لصبي ولا لعبد ولا امرأة، وقال ابن حبيب: يرضخ لهم، والرضخ قال موكول تقديره للإمام محله الخمس كالنفل، وروي أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يسهم للنساء والصبيان والعبيد غير أنه كان يحذيهم من الغنيمة، وحكى الباجي واللخمي والمازري الإسهام لهما

(1)

بشرط القتال.

كميت قبل اللقاء؛ يعني أن الميت من آدمي أو فرس قبل اللقاء للعدو لا يسهم له ولا يرضخ له، والمراد باللقاء القتال، وسواء مات قبل دخول بلد العدو أو بعده.

(1)

كذا في النسخ.

ص: 489

وأعمى؛ يعني أنه إذا كان في الجيش أعمى فإنه لا يسهم له ولا يرضخ له، وأعرج؛ يعني أنه لا يسهم للأعرج ولا يرضخ له إلا أن يقاتل فيسهم له راكبا أو راجلا، وفي المواق ما يفيد اعتماد هذا القيد وينبغي جريه في الأعمى وفي الأشل. قاله الشيخ عبد الباقي. وأشل؛ يعني أن الأشل لا يسهم له ولا يرضخ له وكذا أقطع يد أو رجل ومقعد ويابس شق فلا يسهم لهم إن لم تكن لهم منفعة اتفاقا أو كانت لهم على المشهور. قاله الشيخ عبد الباقي.

ومتخلف لحاجة؛ يعني أن من تخلف عن الجيش في بلد الإسلام لحاجة لا يعود على الجيش منها نفع ولو تعلقت بالمسلمين لا يسهم له ولا يرضخ له، ولذا قال: إن لم تتعلق بالجيش؛ يعني أن كون من تخلف عن الجيش لحاجة لا يسهم له ولا يرضخ له محل ذلك حيث لم تتعلق الحاجة بالجيش ولو تعلقت بالمسلمين كما عرفت، وأما إن تخلف لكون الحاجة تعلقت بالجيش، فإن عاد على الجيش أو على أميره منها نفع فإنه يسهم له، فالأول كإقامة سوق وحشر وإصلاح طريق، لقسمه صلى الله عليه وسلم لطلحة وسعيد بن زيد وهما غائبان بالشام قبل أن يصل إلى بلد العدو لمصلحة تعلقت بالجيش، والثاني لقسمه صلى الله عليه وسلم يوم بدر لعثمان وقد خلفه على ابنته لتجهيزها ودفنها.

وضال ببلدنا؛ يعني أنه لا يسهم ولا يرضخ لمن ضل ببلد المسلمين من الجيش ولم يرجع حتى غنم الجيش؛ لأنه لم يحصل منه منفعة للجيش بتكثير سوادهم، وعبارة الأمير: ولا يرضخ لمن لا يسهم له. وإن بريح؛ يعني أن من ردته الريح من الجيش إلى بلد المسلمين، بأن ردت مركبه ولو كان مركب الإمام لا يسهم له ولا يرضخ له، واستعمل المص الضال فيما قبل وإن بمعنى التائه وفيما بعدها بمعنى الرد، والمعتمد في الفرعين خلاف ما ذكره المص لقول ابن القاسم فيها: ولو ضل رجل من العسكر فلم يرجع حتى غنموا فله سهمه، كقول مالك في الذين غزوا في البحر فردتهم الريح إلى بلد الإسلام، والمص تبع تشهير ابن الحاجب تبعا لابن شاس وهو غير ظاهر. قاله محمد بن الحسن بناني.

بخلاف بلدهم؛ يعني أن من ضل من الجيش ببلد العدو يسهم له وإن ظفرنا بعدو وفيهم مسلمون أسارى أسهم لهم وإن كانوا في الحديد؛ لأنهم إنما دخلوا أولا للقتال وغلبوا عليه فكانوا كالضال،

ص: 490

وإذا أقر الغانم بالرجوع وادعى أنه كان مغلوبا أو ضالا، فإن وجد ما يدل على صدقه قبل قوله: وإلا فلا فإن أنكر التخلف فهو مدعى عليه للإقرار أنه من الجيش، ولا يثبت تخلفه بقول أحد من أهل الغنيمة؛ لأنه جار لنفسه ولو كان الأمير عند ابن القاسم، وقال سحنون: يثبت بقول الأمير بناء على جواز حكمه بعلمه فيما تدعو إليه الضرورة كالعدالة والجرح.

ومريض شهد؛ يعني أن المريض الذي شهد القتال وهو مريض يسهم له بأن خرج من بلده مريضا أو مرض قبل دخول أرض العدو أو بعده وقبل القتال، واستمر مريضا في الثلاث لكنه شهد القتال ويؤخذ من هذا بالأحروية أنه يسهم للمريض الذي شهد القتال ابتداء وهو صحيح فمرض فتمادى به المرض، وهو يقاتل إلى أن هزم العدو فإن مرضه لا يمنعه سهمه على المشهور، فإن لم يشهد القتال لم يسهم له ولو كان ذا رأي، وكذا لا يسهم للمقعد والأعرج والأشل والأعمى ولو كان لهم رأي كما مر.

كفرس رهيص؛ يعني أن الفرس الرهيص يسهم له لأنه بصفة الأصحاء، والرهيص هو الذي حصل له مرض في باطن قدمه من وطئه على حجر أو شبهه كالوقرة، أو مرض بعد اأشرف على الغنيمة؛ يعني أن المجاهد الذي شهد القتال وهو صحيح ولم يزل كذلك حتى قاتل أكثر القتال، ثم مرض بعد أن أشرف على الغنيمة مرضا أوجب مغيبه يسهم له باتفاق، وكذا يسهم للفرس الذي مرض بعد أن أشرف على الغنيمة، وقوله:"أو مرض"، عطف على "شهد"، فهو في موضع الصفة لمريض. وإلا فقولان؛ يعني أنه إذا لم يشهد المريض القتال بل حضر بلد الحرب فقط أو مرض قبل أن أشرف على الغنيمة وغاب عن القتال، فإنه اختلف هل يسهم له أو لا يسهم له؟ فصور الخلاف الذي أشار إليه المص فيما إذا لم يشهد القتال بل حضر بلد الحرب فقط. والله سبحانه أعلم. انظر حاشية الشيخ بناني ووجه القول بالإسهام مع أنه لم يشهد القتال حضوره مع المسلمين وتكثيرة سوادهم.

والحاصل أن المريض الذي شهد بلد الحرب ولم يشهد القتال في الإسهام له قولان، وإن شهد القتال مع مرضه أسهم له، وقد علمت أنه يدخل تحت وإلا أيضا ما إذا حضر القتال صحيحا ومرض مرضا أوجب مغيبه عن القتال قبل الإشراف على الغنيمة، ولا يدخل تحت وإلا صور

ص: 491

زوال المانع بأن يخرج مريضا ثم يصح قبل دخول بلاد الحرب أو بعد الدخول وقبل القتال أو بعدهما وقبل الإشراف فإنه يسهم له في هذه الصور بلا خلاف. وفي الشبراخيتي وعبد الباقي أنه يجري في مرض الفرس ما يجري في مرض الآدمي من التفصيل. انتهى. وسيأتي ما لبناني فيه. وما قررت به كلام المص هو الذي قرره به الشيخ بناني، وعبارة الشيخ الأمير: أو مريضا إلا أن يبعد عن الصف فقولان. انتهى. قوله: "أو مريضا"، عطف على من يسهم له في حيز المبالغة.

وللفرس مثلا فارسه؛ يعني أن الفارس يسهم له ثلاثة أسهم، سهمان لفرسه وسهم له كسائر الرجال من لا فرس له فإنما له سهم واحد، وهذا هو المذهب، وعزا المص لابن وهب أنه يسهم للفرس سهم واحدة وتبع في ذلك ابن عبد السلام، وأنكر ابن عرفة وجوده، واعترض على ابن عبد السلام فقال: حظ الفارس منها ثلاثة أمثال الرجال للخبر والعمل، وقال أبو حنيفة: لا يسهم للفارس إلا سهم واحد ولفرسه سهم، وقال أكره أن أفضل بهيمة على مسلم. نقله القسطلاني. وقوله:"وللفرس" الخ، كان الفرس ذكرا أو أنثى فحلا أو خصيا، وكان له سهمان إما لعظم مؤنة الفارس بكلفة نفسه وفرسه وخادمه وإما لقوة المنفعة بالفرس، ولهذا لا يسهم لبغل ونحوه، والمعتبر في كون الفارس فارسا كونه كذلك عند مشاهدة القتال ولو أوجف راجلا. ابن القاسم: يسهم لخيل غزاة قاتلوا على أرجلهم وخيلهم في رحالهم لاستغنائهم عنها، وجعله السهمين للفرس يفيد أنه يستحقهما، ولو كان الفارس عبدا فيكونان لسيده وهو أحد شقي التردد، والآخر هما للفارس فلا يسهم له في هذه، وخرج البخاري ومسلم ومالك في موطئه من حديث ابن عمر

(1)

عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أسهم لرجل وفرسه ثلاثة أسهم) وظاهر كلام المص ولو كان الفرس لأمير الجيش الأعظم.

وإن بسفينة، مبالغة في قوله:"وللفرس"؛ يعني أنه لا فرق في الإسهام للفرس سهمين بين أن يكون الفرس بسفينة وبين أن يكون في البر، فلا فرق بين كون القتال في البر والبحر لأن المقصود بحملها معهم القتال عليها عند الحاجة. ابن القاسم: وإذا لقوا العدو في البحر فإنه يسهم للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهم، وكذا العسكر إن كان لبعضهم خيل فغنموا وهم رجالة، فإنه يعطى

(1)

هكذا في النسخ.

ص: 492

لمن له فرس ثلاثة أسهم، وكذا لو خرجت سرية من العسكر فغنمت إن ذلك بين أهل العسكر والسرية للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهم، وفي التنزيل:{وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} ، والقوة هي الرمي، وقوله:"وإن بسفينة"، خلافا لقول اللخمي: القياس إِن لا يسهم له لأنه لم يرد للبحر ولا بلغ موضع القتال، ويشهد للأول أي لا عليه المص ما لو تركوا خيلهم بمضيق وقاتلوا على أرجلهم فإن الفرس يسهم له. قاله الشيخ إبراهيم.

وبما قررت علم أن قوله: "بسفينة"، متعلق بكان واسمها ضمير يعود على الفرس كما يفيده الشبراخيتي، وعبارة عبد الباقي: وإن كان القتال بسفينة. أو برذونا؛ يعني أن الفرس له سهمان وإن كان برذونا بشرط أن يجيزه الإمام، ومعنى إجازة الإمام أن تعرض عليه، فإن كانت كالخيل في جريها وسبقها أسهم لها، والبرذون هو العظيم الخلقة الغليظ الأعضاء كخيل الروم، والعراب أضمر وأرق أعضاء، وقيل إن البرذون هو الذي أبوه وأمه نبطيان. قاله الشيخ إبراهيم.

وهجينا؛ يعني أن الهجين من الخيل له سهمان وهو ما أبوه عربي وأمه نبطية، وظاهره وإن لم يجزه الإمام، ولا يشمل كلامه الهجين من الإبل لأن الإبل لا يسهم لها مطلقا، وعكس الهجين مقرف وهو في أمه عربية وأبوه نبطي أي ردي، فالإقراف من قبل الأب والهجنة من قبل الأم. وصغيرا؛ يعني أن الفرس الصغير له سهمان كالكبير، وظاهره وإن لم يجز الإمام الصغير أيضا. يقدر بها على الكر والفر؛ يعني أنه يشترط في الإسهام للبرذون والهجين والصغير أن يقدر بكل واحد منها على الكر والفر أي على الكر على العدو وعلى الفرار من العدو وقت القتال عليها وإن لم تكن كذلك وقت دخول بلد العدو. ابن سحنون عن أبيه: وإذا دخل بفرس صغير لا يقاتل على مثله فأقاموا حتى كبر وصار يقاتل عليه، فله من يومئذ سهم فرس لا فيما قبل ذلك، وكذلك من أنبت أو بلغ من الصبيان في أرض العدو فلا يسهم له إلا فيما يغنمون بعد ذلك أي بعد البلوغ، وإذا دخل دار الحرب بفرس لا يقدر أن يقاتل عليه من كبر فهو راجل لا ينبغي للإمام أن يجيزه، وهذا يدل على إِن الإمام يتفقد أمر الخيل فيجيز منها ما يحسن ويرد منها ما لا يمكن القتال عليه.

ص: 493

ومريض رجي؛ يعني أن الفرس المريض الذي يرجى برؤه كالصحيح فيسهم له على قول مالك، خلافا لأشهب وابن نافع لأنه لا يمكن القتال عليه الآن فأشبه الكبير، ويؤخذ من هذا أنه إذا أمكن القتال عليه أو قاتل عليه يسهم له بلا خلاف، وأنه لا يأتي فيه التفصيل السابق في الإنسان خلاف ما قدمته عن الشبراخيتي وعبد الباقي. ومحبس؛ يعني أنه يسهم للفرس المحبس وسهمه للغازي عليه ولا يجعل في علفه وصلاحه. المازري: أما على أن السهمين للفارس فواضح، وأما على أنهما للفرس فلأن المحبس لما حبس هذا الفرس وأخرجه عن ملكه صار قاصدا لتسليم حركاته وفي يكون عنها، وعلى هذين إذا قاتل العبد على الفرس أسهم له ويكونان لسيده، وإن كانا منسوبين للفارس فلا لأن العبد لا يسهم له، واختلف في سهم الفرس المستعار هل هو لربه أو للمستعير؛ الأولُ أحد قولي ابن القاسم، والثاني لمالك وأحد قولي ابن القاسم. واعلم أنه اختلف هل ما للفرس للفارس في الحقيقة أو لها كما في الحطاب.

ومغصوب من الغنيمة؛ يعني أنه لو غصب فرسا من الغنيمة وقاتل عليه في غنيمة أخرى فإنه يسهم لذلك الفرس وسهماه للمقاتل عليه وعليه الأجرة للجيش، وكذا لو أخذ فرسا للعدو قبل القتال فقاتل عليه فله سهمان وعليه الأجرة للجيش. أو من غير الجيش؛ يعني أنه إذا غصب فرسا ليس من الغنيمة وليس للجيش فقاتل عليه فإنه يسهم لذلك الفرس وسهماه للمقاتل عليه وغرم الأجرة لمالك الفرس. ومنه لربه؛ يعني أنه إذا غصب فرسا لأحد من الجيش فإن سهمي الفرس يكونان لمالك الفرس ولا أجرة على الراكب، وهذا حيث لم يكن للمغصوب منه غيره، فإن كان لربه غيرد فسهماه للمقاتل عليه ويدفع أجرته لربه، قال ابن عرفة: من غصب فرسا لذي فرسين فسهماه لغاصبه وعليه أجره. انتهى. وأما الفرس المكترى فسهماه للفارس لا لربه، وقوله:"ومنه لربه"، وكذا الفرس الهارب من الجيش فسهماه لربه إن لم يكن له غيره وإلا فسهماه للمقاتل عليه ويدفع أجرته لربه. وقوله:"أو من غير الجيش". سحنون: وإن تغير خير ربه إما ضمنه قيمة الفرس أو يأخذ منه الأجرة. انتهى. والمراد بالأجرة في هذه الأمور أجرة المثل. والله سبحانه أعلم.

ص: 494

لا أعجف، معطوف على "مريض رجي"؛ يعني أنه لا يسهم للأعجف من الخيل أي الهزيل أي لا يسهم له بالكلية، أو كبير؛ يعني أنه لا يسهم للفرس الكبير أي لا يسهم له بالكلية. لا ينتفع به؛ يعني أن محل عدم الإسهام في الأعجف والكبير إنما هو حيث لا ينتفع بهما وإلا أسهم لهما، وبغل؛ يعني أن البغل لا يسهم له ومثله الحمار. وبعير؛ يعني أنه لا يسهم للبعير أي بالكلية فيهما، وإنما لم يسهم للبغل والبعير لأن منفعتهما غير مقاربة لمنفعة الخيل، وكذا لا يسهم للفيل اتفاقا.

واعلم أن عدم الإسهام للبغال والإبل مما لا خلاف فيه وكذلك الحمير. والله سبحانه أعلم. وثان؛ يعني أن من له فرسان فإنما يسهم لواحد منهما لا لهما معا، وهذا هو المشهور لما جاء أن الزبير رضي الله تعالى عنه كان له يوم حنين فرسان فلم يسهم إلا لواحد منهما، وقال ابن الجهم: يسهم لهما، ورواه سحنون عن ابن وهب، وقال به ابن حبيب، وروي في بعض طرق الحديث أنه عليه السلام (أسهم لفرسي الزبير

(1)

)، ولا خلاف أنه لا يسهم لما زاد على الاثنين. والمشترك للمقاتل؛ يعني أن الفرس المشترك بين مالكين فأكثر سهماه لمن قاتل عليه وحده، فإن تداولا القتال عليه فبينهما إن تساويا وإلا فلكل ما حضر.

ودفع أجر شريكه؛ يعني أنه حيث يكون السهمان للمقاتل فانه يدفع أجر حصة الشريك، فيدفع الأجرة حيث لم يقاتل على الفرس غيره من الشركاء أو قاتل ولم يتساويا، وعبارة الأمير: والمشترك سهماه بحسب المقاتلة وأجرته بحسب الملك. انتهى. وفي النوادر عن سحنون: من حضر القتال على فرس فلم يفتح لهم في يومهم، فباعه لثان فقاتل عليه مبتاعه في اليوم الثاني فلم يفتح لهم، فباعه الثاني فقاتل عليه الثالث يوما ثالثا ففتح لهم أن سهم الفرس لبائعه الأول لأنه قتال واحد كما لو مات بعد أول يوم وقاتل عليه أحد ورثته في اليومين أو لم يقاتل، أن سهمية لورثته. قاله الشارح. وقال: قلت وعلى القول بأن الفرس إذا مات قبل الإشراف على الغنيمة لا شيء لربه لا يكون للأول شيء، ومن أعطى فرسا لمن يقاتل عليه على أن سهمي الفرس لربه أو بينهما لم يجز، فإن وقع فإن كان قبل القتال بزمن يتمكن كونه بيده وحوزه إياه فسهماه له، وإن كان

(1)

مجمع الزوائد ج 5 ص 269.

ص: 495

ذلك بحدثان القتال فسهماه لربه وله على راكبه أجر مثله في الوجهين في مثل ما ركبه له وعرضه إياه، ومن ابتاع فرسا وقد غنموا فاشترط سهمه، فقال سحنون: لا يجوز ذلك ولو كان السهم ذهبا والثمن ذهبا، ويصير كمن باع ذهبا وعرضا بذهب، ولو كان الثمن عرضا والسهم معروفا جاز ولو كانت الغنيمة عروضا والسهام معروفة جاز شراؤها مع الفرس بالذهب والفضة، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم (نهى عن بيع السهمان حتى يعلم ما هي

(1)

).

والمستند للجيش كهو؛ يعني أنه إذا خرج واحد أو أكثر وكانوا مستندين للجيش أي متقوين به فغنموا شيئا وحدهم فإن كل ما غنم هو أو هم يقسم على جميع الجيش ولا يختص به الغانمون، كما أن الجيش لا يختص بما غنم في غيبتهم بل يشاركونه في ذلك، وهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (ويرد عليهم أقصاهم

(2)

؛ أي يضم لهم البعيد ولا فرق على المذهب بين أن يخرج هؤلاء بإذن الإمام أم لا، وإنما كان الجيش مشاركا لهؤلاء لأنهم إنما توصلوا إلى الغنيمة التي غنموها بسببه ووفور قوته، وقوله:"والمستند"، مبتدأ وخبره "كهو" أي كالجيش، وإلا يكن الخارج مستندا للجيش بل خرج على حدته وليس متقويا بالجيش فغنم، فما غنمه يكون له يختص به عن الجيش ولا يشاركونه فيه، وقوله: كمتلصص مثال لغير المستند للجيش؛ يعني أن المتلصص أي السارق يكون له ما أخذ من مال الحربيين يختص به لأنه لم يتقو بالجيش، واللص لغة فعل الشيء في سر والسارق ويثلث: والمراد به هنا من يسرق مال الحربيين، وأدخل بالكاف من لم يكن متقويا بالجيش. والله سبحانه أعلم. وعبارة الأمير: واختص غير المستند كسارق.

وخمس مسلم؛ يعني أن المسلم يخمس ما أخذه مما يختص به وغيره سواء كان المسلم ذكرا أو أنثى بالغا أو صبيا، وظاهر المص أن اللص يخمس ولو لم يخرج للغزو، وحمله بعضهم على ما إذا خرج للغزو وإلا فلا يخمس. انظر الشبراخيتي. ولو عبدا؛ يعني أن ما أخذه المسلم يخمس ولو كان الآخذ له عبدا، وهو قول ابن القاسم ورد بلو قول سحنون، قال: لا يخمس ما أخذه العبد من مال الحربيين، وقوله: على الأصح؛ يعني به أنَّ قول ابن القاسم يخمس ما أخذه العبد المسلم

(1)

مجمع الزوائد ج 4 ص 104، كنز العمال، رقم الحديث، 14575.

(2)

سنن أبي داوود، كتاب الجهاد، رقم الحديث 2751، سنن ابن ماجه، كتاب الديات، رقم الحديث، 2685، مسند أحمد، ج 2، ص 180.

ص: 496

هو الأصح، قال ابن عاشر: لم أر من صححه ولعله المص. لا ذمي، عطف على قوله:"مسلم"؛ يعني أن ما أخذه الذمي من مال الحربيين لا يخمس إن لم يستند للجيش أو استند له وكان مكافئا أو غالبا وإلا فلا شيء له.

والحاصل أن المستند للجيش كالجيش، فيشترط فيه شروط المجاهدين فإن لم توجد فيه كعبد أو نصراني -مثلا- فلا شيء له، ويكون ما غنمه للجيش إلا أن يكون الكفار مكافئين للمسلمين الأحرار في القوة على المحاربة، أو يكونوا هم الغالبين فتقسم الغنيمة بينهم وبين المسلمين قبل أن تخمس، ثم يخمس سهم المسلمين خاصة، ومن لم يستند للجيش يختص بما غنمه مسلما كان أو كافرا لكن المسلم يخمس ما أخذه ذكرا أو أنثى صغيرا أو كبيرا حرا أو عبدا، والذمي لا يخمس ما أخذه. وبالله تعالى التوفيق. ولو خرج عبد وحر أو ذمي ومسلم للتلصص، فما أخذه العبد والحر المسلمان يخمس ويقسم الباقي بين الحر والعبد، وما أخذه الذمي والمسلم يقسم أولا بينهما ثم يمس ما صار للمسلم، قال ابن رشد: وإنما لم يكن للعبيد والنصارى في الغنيمة حق مع الأحرار المسلمين إذا غزوا معهم في عسكرهم من أجل أنهم في حيز التبع لهم، فإذا لم يكونوا في حيز التبع كان لهم حقهم من الغنيمة، وكذلك إذا خرج العبد أو النصراني مع الرجل أو الرجلين أو الثلاثة أو الأربعة كان لكل واحد منهما سهمه وعبارة الأمير: وإن قاتل الكفار مثلنا أو أشد دفع لهم نصف الغنيمة، ولا يتعرض لهم فيه. انتهى.

ومن عمل سرجا؛ يعني أن من عمل أي صنع سرجا من الغنيمة لا يخمس مصنوعه بل يختص به. قوله: "ومن عمل" معطوف على "ذمي:؛ أي ولا يخمس من عمل من الجيش سرجا. أو سهما؛ يعني أن أحد الجيش إذا صنع سهما من الغنيمة فإنه لا يخمس بل يختص به، وكالسرج والسهم غيرهما كمن صنع مشجبا أو قصعة أو غير ذلك، والشجب بميم مكسورة وشين معجمة ساكنة وجيم مفتوحة: اسم آلة كالقبان،

(1)

وقيل شيء من العيدان تركب عليه الثياب، وفهم من قوله:"عمل" أن ما أصلحه مما كان معمولا من الغنيمة لا يختص به وإن دق وهو كذلك كما قال ابن حبيب، وقوله:"ومن عمل سرجا أو سهما"، قيد سحنون ذلك بما إذا كان يسيرا، وحمله

(1)

في ك كالعنان والمثبت من عب ج 3 ص 133.

ص: 497

ابن رشد على أنه خلاف، ولهذا أطلق الشيخ ولم يقيد وقيل وفاق، وعليه فاليسير متفق على أنه له، وقال ابن الماجشون: إن كان له قدر أخذ إجارة ما عمل والباقي يصير فيئا، ولابن القاسم في سماع سحنون أن جميعه يكون فيئا ولا أجر له في عمله، وهل للرجل أن يأخذ من أرض العدو مما لم يحوزوه من بيوتهم من أشيائهم المباحة مثل المسن والدواء من الشجر والطير للاصطياد إذا صادها؟ وهو قول ابن وهب وابن عبد الحكم، أو ليس له أن يأخذ شيئا من ذلك إذا كان له ثمن؟ وما صاده للأكل حكمه حكم طعام الغنيمة، ومن باع منه شيئا جعل ثمنه في المقاسم وهو قول ابن حبيب في الواضحة وعزاه لمالك وأصحابه.

والشأن القسم ببلدهم؛ يعني أن الشأن أي السنة التي فعلها صلى الله عليه وسلم أو العمل الذي مضى عليه السلف أن تقسم غنائم الكفار بحكم حاكم ببلد العدو لتعجيل المسرة للغانمين؛ ولأنه أحفظ للغنيمة لأن كل واحد إذا أخذ نصيبه بالغ في حفظه أكثر مما إذا بقيت مشتركة بينهم، ولا فيه من نكاية العدو ولما فيه من الرفق بالجيش في تفرقهم إلى بلادهم وعدم رجوعهم إلى بلد واحد لو آخر القسم، ويكره تأخير القسم إلى بلد الإسلام؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يرجع من غزوة فيها مغنم إلا خمسة وقسمه قبل أن يرجع، ثم لم يزل المسلمون بعده على ذلك. وفي الشبراخيتي: وحل المراد بالشأن السنة التي فعلها النبي صلى الله عليه وسلم أو العمل الذي مضى عليه السلف أو الوجه الصائب؟ أقوال. وحكمه الندب.

الجزولي عن عبد الوهاب: تركه لبلد الإسلام مكروه، وهذا حكم الجيش والسرية الخارجة منه، وأما السرية الخارجة من بلد الإسلام فتقسم حيث تأمن، وسكت المص عن كون القسم يحتاج لحاكم، ونص ابن فرحون في تبصرته على أنه لا بد منه. وهل يبيع ليقسم قولان؛ يعني أنه اختلف في أعيان الغنيمة هل ينبغي للإمام أو أمير الجيش أن يبيعها ليقسم الغنيمة خمسة أقسام، أربعة للمجاهدين وخمس لبيت المال وهو لسحنون، أو يخير بين البيع وقسم الأعيان وهو لمحمد، فالقولان جاريان في الخمس كما قررنا، فقول البساطي: محلهما بعد إخراج الخمس سلعا وتبعه التتائي والشيخ سالم فيه نظر. قاله الشيخ عبد الباقي. واعترض بيعها ببلد الحرب بأن فيه ضياعا لرخصها هناك، وأجيب بأن رخصها يرجع لهم لأنهم هم المشترون فهم أحق برخصها.

ص: 498

وأفرد كل صنف؛ يعني أنه إذا فرعنا على القول بعدم البيع فإنه يفرد وجوبا في القسم كل صنف على حدته، فيقسم كل صنف خمسة أقسام فيجعل الرقيق خمسة أقسام، فإذا فرغوا من الوصفان فعلوا بالنساء المسبيات كذلك ثم بالرجال كذلك. إن أمكن؛ يعني أن محل وجوب إفراد كل صنف في القسم إنما هو حيث أمكن القسم شرعا وحسا بأن اتسع مال الغنيمة، فإن لم يمكن القسم بالانفراد ضم ما لم يمكن إلى غيره، ولا تقسم أم دون ولدها قبل إثغاره لتعذر ذلك شرعا ولا حلي فيه إضاعة مال، وقوله: على الأرجح؛ غير جار على اصطلاحه؛ يعني أن محمد بن المواز رحمه الله تعالى لما حكى في الوصفان والنساء والرجال ما تقدم من أنه يفرد كل صنف على حدته، قال: واختلف في المتاع فقيل يجمع في القسم ابتداء، وقيل إن احتمل كل صنف القسم بانفراده لم يجمع وإلا جمع، قال اللخمي: وهو أحسن. وأقل غررا، فصواب قوله:"على الأرجح" على المختار، وأما ابن يونس فإنما نقل كلام ابن المواز ولم يزد عليه شيئا، وهذا الذي قررته به للشارح، وصريحه أن الخلاف المذكور إنما هو في الأمتعة لا في الوصفان والرجال والنساء. والله سبحانه أعلم.

وأخذ معين وإن ذميا ما عرف له قبله مجانا؛ يعني أنه إذا وجد في الغنيمة مال مسلم أو ذمي وعرف ربه واطلع على أنه له قبل القسم، فإن لربه أن يأخذه مجانا أي بلا شيء، وقوله:"معين" بفتح الياء المشددة أي شخص معروف بعينه، وشمل قوله:"عرف"، ما كان ببينة وما عرفه واحد من الجيش، كما يدل له كلام البرقي وأبي عبيد، قال في التوضيح: ونص البرقي وأبو عبيد على عدم قسمة إذا عرف ذلك واحد من الجيش، قالا وإن وجد أحمال متاع عليها مكتوب هذا لفلان بن فلان وعرف البلد الذي اشتريَ منه كالكتان بمصر لم يجز قسمة، ووقف حتى يبعث إلى ذلك البلد ويكشف [عمن

(1)

] اسمه عليه، فإن وجد من يعرفه [فله

(2)

] وإلا قسم. انتهى. ونحوه نقله ابن فرحون في شرحه. قاله الحطاب. قال: وعدل المص عن عبارة ابن الحاجب إذا ثبت أن في الغنيمة مال مسلم أو ذمي، قال في التوضيح: ثبت أي بطريق الشرع،

(1)

في النسخ عن والمثبت من عبد الباقي ج 3 ص 133.

(2)

ساقطة من النسخ والمثبت من عبد الباقي ج 3 ص 173.

ص: 499

ثم نقل عن ابن عبد السلام قول المص ثبت مخالف لعبارة أهل المذهب في هذه المسألة، وهي قولهم: فإن عرف ربه، ولفظ الثبوت إنما يستعملونه فيما هو سبب الاستحقاق كالشاهدين وما يقوم مقامهما، ولفظ المعرفة والاعتراف وشبههما يستعملونه فيما سوى ذلك وفيما يشمل البينة أو ما دونها، ومنه استعمالهم لفظ المعرفة في اللقطة ومعرفة العفاص والوكاء. انتهى.

وقال الشيخ إبراهيم: وذكر ابن عرفة عن المازري ما يوافق ما ذكره ابن الحاجب، وأشار إلى الاعتراض على ابن عبد السلام، وقوله:"وإن ذهبا"، أشار به لقولها ما أدركه مسلم أو ذمي من ماله قبل قسمة أخذه بغير شيء. انتهى. وقوله:"ما عرف له"، يشمل المدبر والمعتق لأجل والمكاتب فيأخذ كلا ربه ولا تسلط للجيش على خدمة الأولين ولا على كتابة الثالث، وشمل قوله:"معين" من عين بشخصه ومن عين بجنسه كما لو غنمت سرية من المسلمين من العدو ثم غنم العدو غنيمتهم ثم غنمت سرية أخرى من المسلمين ما غنمه العدو من السرية الأولى، فإنها ترد للسرية الأولى ولا تخمس مرتين. كما قاله ابن عرفة. نقله الشيخ إبراهيم.

وقوله: معين سيذكر المص غير المعين. ابن عرفة: وفي أخذ ربه إن حضر بموجب الاستحقاق طرق، مقتضى نقل اللخمي عن المذهب ومحمد حملَه للغائب عدمُ يمينه. المازري: كالاستحقاق في إثبات ملكه ويمينه. ابن بشير: في وقفه عليه وأخذه إياه بمجرد دعواه مع يمينه قولا ابن شعبان: والتخريج على مالك الغنيمة بالقسم لا قبله. انتهى. قال الإمام الحطاب: فقول المص "عرف"، يقتضي أنه عدل عن طريق ابن الحاجب، وقوله: وحمل له، يقتضي أنه ماش على طريق اللخمي، وقوله: وحلف أنه ملكه، يقتضي أنه مشى على طريقة ابن بشير. ويمكن أن يجمع بين كلامه بأن يحمل قوله: وحلف أنه ملكه على ما إذا لم يكن إلا دعواه كما قال ابن بشير. فتأمله. انتهى. قال الشيخ بناني: وما حمله عليه ظاهر إذ لو حملناه على ظاهره من الحلف مطلقا مع عدم اشتراطه الثبوت كان مخالفا للطرق التي ذكرها ابن عرفة كلها. فتأمله. واعلم أن ابن شعبان يشترط مع اليمين الثبوت بموجب الاستحقاق. قاله الشيخ بناني.

وحلف: أنه ملكه؛ يعني أن المعين المذكور إذا كان حاضرا ولم يكن إلا مجرد دعواه فإنه لا بد في استحقاقه لما عرفه من أن يحلف أن هذا المال الذي وجد في الغنيمة باق على ملكه.

ص: 500

وحمل له إن كان خيرا؛ يعني أن المعين إذا كان غائبا فإنه يحمل إليه ما عرف أنه له إن كان حمل شيئه له بعينه خيرا له من بيعه وعليه كراؤه. وإلا بيع له؛ أي وإلا بأن لم يكن حمل ما عرف للمعين خيرا له من بيعه، بل كان البيع خيرا له أو استوت مصلحة بيعه وحمله، فإنه يباع لأجل ربه المعين ويدفع ثمنه له، فاللام في قوله:"له" للتعليل، أو بمعنى على.

وبما قررت علم أن قوله: "وحمل له" الخ، قسيم قوله:"معين"، باعتبار شيء مقدر؛ أي وأخذ معين إن حضر وحمل له إن غاب. انظر الشبراخيتي.

وبما قررت علم أيضا أن قوله: "وحمل له إن كان" الخ، معناه أنه يدفع له بغير يمين، فتحصل من هذا أنه إن حضر ولم يكن إلا مجرد دعواه إنما يأخذه بيمين، وأنه إن غاب يحمل إليه أو يباع له ويأخذ بغير يمين. والله سبحانه أعلم. هذا هو تحرير المسألة. والله سبحانه أعلم. وقوله:"بيع له"؛ أي وأنفذ الإمام بيعه وليس لربه غير ثمنه، وقوله:"له"، قد مر أن اللام للتعليل أي لأجل إيصال الثمن إليه لا صلة لبيع؛ لأن الشيء لا يباع لمالكه، قال الشبراخيتي: وأحسن من جعلها للتعليل جعلها بمعنى على؛ أي بيع عليه. انتهى.

ولم يمض قمسه؛ يعني أن الإمام إذا قسم على المجاهدين ما عرف لعين سواء كان حاضرا أو غائبا: فإن ذلك القسم لا يمضي بل يرد ويأخذ المعين شيئه بلا ثمن لأنه قسم وهم يعلمون ربه العين فلا يفوته القسم إلا لتأول؛ يعني أن محل إبطال القسم المذكور إنما هو حيث لم يتأول الإمام، وأما إن تأول بأن أخذ بقول الأوزاعي: إن الحربي يملك مال المسلمين فإن القسم يمضي حينئذ، وما قاله الأوزاعي مثله رواه ابن وهب عن مالك، وإذا مضى القسم بالتأويل المذكور فلا يأخذه ربه إلا بالثمن، وإنما مضى مع التأويل لأنه حكم بمختلف فيه، ولم يمض القسم المذكور تعمدا أو جهلا؛ لأن حكم الحاكم جهلا أو قصدا للباطل يجب نقضه وإن وافق قول عالم؛ لأن حكمه كذلك باطل إجماعا، وما ذكروه في الأقضية من أن الحاكم إذا حكم بمختلف فيه أو وافق حكمه قول عالم فإنه حكمه ماض، في الجاهل الذي يشاور العلماء. قاله الشيخ عبد الباقي. وقوله:"إلا لتأول"، هو اختيار الأشياخ وهو الأصل. قاله ابن عبد السلام.

ص: 501

وإلى قول ابن عبد السلام أشار بقوله: على الأحسن. وقيل: يمضي قسمة مطلقا ولا يأخذه ربه إلا بالثمن وهو قول سحنون، وقيل: لا يمضي مطلقا ويأخذه ربه بلا ثمن، وهو قول ابن القاسم وابن حبيب. لا إن لم يتعين. هذا مفهوم قوله:"معين"؛ يعني أنه إذا عرف أن المتاع لمسلم أو ذمي ولم يعرف ربه بعينه ولا ناحيته فإنه يجوز قسمة ابتداء، وإن كان كلامه لا يفي بهذا لأنه إن رجع لقوله:"وأخذ معين" الخ، احتمل أن يقسم أو يوقف، وإن رجع لقوله: ولم يمض قسمة يكن المعنى أنه يمضي القسم والكلام في الجواز ابتداء، وما تقدم من جواز القسم ابتداء هو المشهور، وقال ابن المواز والقاضي عبد الوهاب: يوقف، لكن ظاهر كلام ابن المواز أنه يوقف ما رجي العلم بصاحبه. وظاهر كلام القاضي وقفه مطلقا. قاله الشارح. ومثال ما علم أنه لمسلم ولم يتعين المصحف والموطأ والبخاري ونحو ذلك.

بخلاف اللقطة؛ يعني أنهم قالوا بالقسم هنا فيما إذا علم أن المال لمسلم ولم يتعين ولا يوقف على المشهور، واتفقوا على الإيقاف في اللقطة الآتية مع أن المالك غير معين فيهما لحق المجاهدين، فقوله:"بخارف اللقطة"؛ يعني اللقطة الآتية، وليس معنى كلام المص أن المراد اللقطة التي توجد عند الحربيين مكتوبا عليها أنها لمسلم أو ثبت ذلك ولم يعين فإنها لا توقف؛ لأن مذهب مالك أن كل ما أخذه المشركون من أموال المسلمين لهم فيه شبهة الملك من أي وجه حصل لهم، سواء أخذوه على وجه القهر أو غيره، وهذا التقرير للشيخ بناني.

وبيعت خدمة معتق لأجل؛ يعني أنه إذا وجد في الغنيمة معتق لأجل وعلم أنه لمسلم غير معين أو معين وقسم تأويلا فإنه تباع خدمته، فإن بيع وقدم به فلسيده فداؤه كما سيذكره، وإذا بيعت خدمته فإن استخدمه مشتريه للأجل حتهج حرا ولا شيء لربه، وإن جاء ربه بعد خدمة نصفه -مثلا- خير في فدائه. ومدبر؛ يعني أنه إذا وجد في الغنيمة مدبر وعلم أنه لمسلم لم يعين أو عين وقسم تأويلا، فإنه تباع خدمته. فإن بيع فلسيده فداؤه كما سيذكره.

وقوله: "ومدبر" اعلم أنه لا يصح بيع جميع خدمة المدبر لأنها محدودة بحياة سيده وهي غير معلومة الغاية: وإنما يواجر بقدر قيمة رقبته مدبرا على فرض أن لو جاز بيعه كذلك، وعبارة المواق: يؤاجر بمقدار قيمة رقبته وليس فيها قنا ولا مدبرا. والله أعلم. قاله الشيخ بناني. وعبارة

ص: 502

الش: وإنما ينبغي أن يؤاجر زمنا يظن حياة سيده إليه ولا يزاد به على الغاية التي تذكر في باب الإجارة. انتهى؛ يعني قوله: وعبد خمسة عشر عاما، قال: ثم إن عاش هو وسيده بعد تلك المدة تكون الخدمة الزائدة كاللقطة لتفرق الجيش وعدم العلم بأعيان من يستحقها. انتهى. قال عبد الباقي: فيوضع خراجه في بيت المال. والله سبحانه أعلم. وإذا بيعت خدمة المدبر والمعتق لأجل المملوكين لعين حيث لم يكن حملهما خيرا فالبيع حينئذ لازم ليس للسيد نقضه فلا خيار له في فدائهما، وقوله:"وبيعت خدمة معتق لأجل"، وأما رقبته فلا تباع، فلو بيعت ثم علم ربه فله فداؤه، فإن تركه صار حق مشتريه في خدمته يحاسب بها من ثمنه ويخرج بحلول الأجل حرا، فلو حل الأجل قبل استيفائه فلا يبيعه مشتريه بقيمة الثمن على الراجح، ولو استوفاه قبل أجله لم يرجع لربه بل تبقى خدمته لمن هو بيده إلى الأجل على الراجح أيضا، وأما إذا بيعت خدمته فقط كما هو موضوع المص فلا خلاف فيه في المسألتين.

وكتابة؛ يعني أنه إذا وجد في الغنيمة قبل قسمها مكاتب فإنه تباع كتابته، فإن أدى لمشتريها عتق وولاؤه للمسلمين لعدم علم سيده، فإن علم سيده فولاؤه له، فإن عجز رق لمشتري كتابته. لا أم ولد؛ يعني أن أم الولد ليست كمن تقدم فإذا اطلع في الغنيمة على أم ولد لمسلم قبل قسم الغنيمة ولم يعلم سيدها فإنها لا تباع خدمتها؛ إذ ليس لسيدها فيها إلا الاستمتاع ويسير الخدمة، والاستمتاع لا يقبل المعاوضة ويسير الخدمة لغو، قال الشيخ عبد الباقي: فينجز عتقها ولا بد من ثبوت العتق لأجل والتدبير والإيلاد. ابن عرفة: إنما تتم الشهادة في المدبر بقولهم: أشهدنا قوم يسمونهم أن سيده دبره ولم نسألهم عن اسم ربه أوسموه ونسيناه، قلت: وكذا في أم الولد والعتق لأجل. انتهى كلام الشيخ عبد الباقي. قوله: فينجز عتقها، قال الشيخ بناني: تبع فيه الشيخ سالم ولم أره لغيره ولا يخفى ما فيه من التفويت على السيد إن ظهر، فالظاهر أنه يخلى سبيلها وتترك على حالها، وقوله:"لا أم"، بالجر فيه حذف المضاف وإبقاء المضاف إليه على جره، وهو جائز هنا لكون المحذوف معطوفا على مثله، قال في الألفية:

لكن بشرط أن يكون ما حذف

مماثلا لما عليه قد عطف

ص: 503

قاله الشيخ بناني. ولا يصح كونه معطوفا على معتق ليلا يلزم عليه العطف على المصدر قبل تمام معمولاته.

وله بعده أخذه بثمنه: هذا مفهوم "قبله" من قوله: "وأخذ معين وإن ذميا ما عرف قبله مجانا"؛ يعني أن الشخص العين مسلما أو ذميا إذا عرف ماله بعد القسم أو بعد البيع، فإن له أن يأخذه بثمنه الذي بيع به على القول بالبيع أو بما قوم به على القول بقيمة الأعيان أو قيمته إن أخذه أحد من الغانمين دون تقويم أو جهل ما قوم به عليه، وسواء دخله عنده زيادة أو نقص، وتكون القيمة يوم القسم كما نص عليه في التوضيح عن ابن راشد، وقوله:"وله بعده أخذه بثمنه"، يشمل ما إذا بيع جهلا أنه لمسلم أو علما بأنه لمسلم غير معين أو معين وبيع تأويلا: وقوله: "وله أخذه بثمنه"؛ يعني وإن أبى من هو بيده، ومثل ما قسم ما بيع من خدمة مدبر ومعتق لأجل وكتابة، فإن له أخذ ذلك بثمنه، وقد مر قوله:"ولم يمض قسمة إلا لتأول". وبالأول إن تعدد؛ يعني أنه إذا تعدد البيع فإنه لا خيار للمالك في أخذه متاعه بأي ثمن شاء، وإنما له أن يأخذ شيئه بالثمن الأول الذي بيع به أو قوم به في المقاسم، فيشمل ما بيع وقسم ثمنه وما أخذه أحد في سهمه، فإن قوم في الغنيمة أخذه بتلك القيمة إن علمت، فإن جهلت أخذه بقيمته يوم أخذه ربه فلو أراد الأخذ بغير الأول سقط حقه لأنه سلم صحة الملك لآخذه من الغنيمة، بخلاف الشفيع فإنه إذا سلم للأول صارا شريكين وكل شريك باع حصته في الربع فلشريكه عليه الشفعة، فلذا يأخذه بما شاء من الأثمان، وقوله:"وبالأول إن تعدد"، هو مرتب على قوله:"وله بعده أخذه بثمنه".

وأجبر في أم الولد على الثمن؛ يعني أن غير أم الولد مما عرف لمعين بعد القسم لربه أخذه بالثمن وله تركه، وأما أم الولد فإن السيد يجبر على أن يفديها بالثمن الذي بيعت به أو قومت به في المقاسم، وهذا إذا قومت جهلا بأنها أم ولد أو اشتريت من المغانم ظنا أنها غير أم ولد، وأما إن قسمت مع العلم بأنها أم ولد وجهل الحكم فإن هذه يأخذها ربها من غير ثمن اتفاقا، ولذا لا يصح بيعها وهو يظن أنها تباع مع علمه بأنها أم ولد، فيأخذها سيدها بلا ثمن، وقوله: "وأجبر

ص: 504

على الثمن"؛ أي وإن كان أضعاف قيمتها، وقال أشهب والمغيرة: يفديها بالأقل من الثمن والقيمة.

واتبع به إن أعدم، قد علمت أن السيد يجبر على أن يفدي أم الولد بالثمن الذي بيعت به أو قومت به في المقاسم، أما إن كان مليا به فالأمر ظاهر؛ أي يجبر على دفعه الآن، وأما إن كان معدما فإنه يتبع به دينا في ذمته، واستثنى من قوله:"وأجبر في أم الولد" الخ، قوله: إلا أن تموت هي؛ يعني أن السيد إنما يكون عليه فداء أم الولد المذكورة حيث لم تمت، وأما إن ماتت فلا شيء عليه لأن القصد بالفداء تخليص الرقبة من الرق وقد تعذر ذلك بموتها. أو سيدها؛ يعني أن هذه الأمة المذكورة إذا مات سيدها فلا شيء عليها ولا على الورثة في تركة سيدها لأنها حرة بموته، وهذا إذا مات سيدها قبل الحكم بها لمالكها كما نقله الباجي وابن عبد السلام عن سحنون، وفي نقل النوادر وابن يونس واللخمي عن سحنون: قبل أن يعلم بها عتقت ولم يتبع بشيء، وما في عبد الباقي والتتائي تبعا لابن بشير يجب أن يؤول بأحد الأمرين. قاله الشيخ بناني. وله فداء معتق لأجل ومدبر؛ يعني أنه إذا كان في الغنيمة معتق لأجل أو مدبر أو هما ولم يعلم بحالهما حتى وقعا في المقاسم أو بيعت رقابهما، فإن السيد له أن يفديهما بما وقعا به في المقاسم في الأولى أو بما بيعا به في الثانية، وإذا فداهما فإنهما يرجعان لحالهما الأول الذي كانا عليه قبل بيع رقابهما جهلا لحالهما، وحالهما الأول الذي يرجعان إليه هو العتق لأجل في المعتق لأجل، والتدبير في المدبر.

وبما قررت علم أن قوله: "لحالهما"، متعلق بمحذوف أي حال كونهما راجعين لحالهما. قاله الشيخ إبراهيم. وشمل كلام المص ما إذا عرف أنهما لمسلم غير معين أو معين وقسما تأويلا، ولا يشمل ما إذا بيعا حيث لم يكن حملهما خيرا لسيدهما؛ لأن البيع في هذه لا ينقض وليس للسيد إلا الثمن.

وبما قررت علم أن قوله: "وله فداء معتق لأجل ومدبر" فيما إذا جهلت حالهما وقسمت رقابهما أو بيعت، بخلاف ما تقدم في قوله:"وبيعت خدمة معتق لأجل ومدبر" فإنه علم بحالهما، كذا

ص: 505

في التوضيح وابن عرفة والشارح في الكبير، وفي الصورتين سيدهما غير معلوم أو معلوم وتأول الإمام قسمهما أو كان حملهما لسيدهما ليس بخير. قاله الشيخ إبراهيم.

وقوله: "وله فداء معتق لأجل" الخ، اعلم أن هذه المسألة يستغنى عنها بقوله:"وله بعده أخذه بثمنه"، لكن ذكرها ليرتب عليها قوله: وتركهما مسلما لخدمتها؛ يعني أنه كما للسيد أن يفدي العتق لأجل والمدبر بما مر ويرجعان لحالهما، له أن يتركهما أي يترك فداءهما، وإذا ترك فداءهما فإن ذلك الترك من السيد يكون تسليما لخدمتهما؛ واختلف هل تسليم الخدمة للمشتري على جهة التمليك؟ وهو لابن القاسم، وينبني عليه أنه لا يرجع لسيده إن استوفى الثمن قبل الأجل بل يملك الخدمة إلى الأجل وإن كثرت، وأنه إن انقضى الأجل قبل أن يستوفى لا يتبع بعده بشيء وهو الراجح فيهما كما مر، أو على التقاضي وهو لسحنون، وينبني عليه أنه إن استوفى قبل الأجل عاد إلى سيده، وأنه إن تم الأجل ولم يستوف عتق واتبع بما بقي. وفي كلام الشيخ عبد الباقي هنا تخليط. قاله الشيخ محمد بن الحسن. والله سبحانه أعلم.

وإن مات المدبر قبل الاستيفاء فحر؛ يعني أن المدبر الذي وجد في الغنيمة ولم يعرف حاله حتى بيعت رقبته، أو وقع في المقاسم ثم علم بعد ذلك أنه مدبر، فإن السيد يخير في إسلامه وفدائه كما عرفت، فإن أسلمه السيد فإنه يبقى بيد مشتريه أو بيد من حصل له في نصيبه إلى أن يستوفي من ذكر حقه منه، فإن ساوى مدة السيد فالأمر ظاهر، وإن مات السيد قبل الاستيفاء لما قوم به أو اشتري به فإن المدبر يكون حرا كله بشرط أشار إليه بقوله: إن حمله الثلث؛ أي إنما يكون حرا إن حمله ثلث سيده.

وبما قررت علم أن قوله: "المدبر" بكسر الباء، وفي بعض النسخ: وإن مات سيد المدبر، واتبع بما بقي؛ يعني أن هذا المدبر إذا خرج حرا قبل أن يستوفى من خدمته ما قوم به أو اشترى به فإنه يتبع بما بقي، وهذا إنما يأتي على قول سحنون الذي يقول: إنه يسلم الخدمة تقاضيا، وإن كان الاتباع بما بقي في المدبر هو قول ابن القاسم في المدونة كما نقله في التوضيح، ولذا اقتصر عليه المص. قاله الشيخ بناني. وينبني على ما لسحنون أنه يرجع لسيده إذا استوفى منه قبل موت سيده لا على ما لابن القاسم، بل تبقى خدمته لمن بيده، وأما قول عبد الباقي: والفرق بينه وبين

ص: 506

المعتق لأجل الموفي قبله في بقائه له على الراجح قوة شائبة العتق فيه وضعفها في المدبر ففيه نظر؛ لأنه ينتج عكس المراد. قاله الشيخ بناني.

كمسلم أو ذمي قسما؛ يعني أن المسلم أو الذمي إذا وقعا في المقاسم ولم يخبرا بحالهما بل سكتا حتى قسما جهلا، فإنهما يتبعان بما وقعا به في المقاسم مع الحكم بحريتهما اتفاقا. ولم يعذرا في سكونهما بأمر؛ يعني أن محل كونهما يتبعان بما وقعا به في المقاسم إنما هو حيث لم يعذرا في سكوتهما عن الإخبار بحريتهما بأمر من الأمور، وأما إن عذرا في سكوتهما بأمر كصغر أو بله أو عجمة فإنهما لا يتبعان بشيء، وقوله:"ولم يعذرا" الخ، جملة حالية والظاهر العمل بقولهما: إن تنازعا مع من أخذهما في العذر وعدمه، ولم تقم قرينة على صدق واحد منهما، وقيل بالاتباع مطلقا وهو لأشهب، وقيل بعدمه مطلقا وهو لمالك وابن القاسم وسحنون، وقال اللخمي: لا خلاف أن المتبع إذا أعذر بجهل لا شيء عليه، وقيد اللخمي الخلاف بما إذا افترق الجيش أو كانوا لا يعرفون لكثرتهم، فإن لم يفترق الجيش أو عرفوا بعد افتراقهم رجع عليهم المشتري أو من صارا في سهمه، وقال ابن مسلمة: على الإمام أن يغرم ذلك من الفيء أو الخمس. قاله الشارح في الكبير.

وإن حمل بعضه رق باقيه، قد تقدم أن المدبر إذا حمله الثلث خرج حرا، وذكر هنا ما إذا حمل الثلث بعضه، ومعنى كلامه أنه إذا لم يحمل الثلث إلا بعض الدبر الذي أسلم السيد خدمته لمن وقع في سهمه، فإنه يعتق ذلك البعض الذي حمله الثلث ويرق الباقي لمن هو بيده، وهل يتبعه بما ينوب البعض الذي يعتق أو لا؟ قولان، وأما إن استغرقت الديون جميعه فإنه يرق كله لمن هو بيده. قاله الشيخ إبراهيم. ولا خيار للوارث؛ يعني أنه لا خيار لورثة سيد المدبر في إسلام البعض الذي رق منه لمن وقع المدبر في سهمه أو اشتراه، وفدائه بما بقي له من ثمنه الذي اشتراه به من المقاسم أو قوم به، بل يكون البعض الذي رق لمن هو بيده لأن سيده تركه، والموضوع أنه بيعت رقبته لاعتقاد رقه، وأما لو بيعت خدمته لاعتقاد أنه مدبر فإن للوارث الخيار؛ لأن المشتري لم يدخل على أنه يملك رقبته، وإن لم يحمله الثلث فالظاهر أنه يرق جميعه لمن هو بيده ولا خيار

ص: 507

للوارث كما إذا رق بعضه. قاله الشيخ عبد الباقي. وعبارة الشيخ إبراهيم: ولا خيار للوارث فيما رق من كله أو بعضه. انتهى.

بخلاف الجناية؛ يعني أن المدبر إذا جنى فأسلمه سيده في الجناية ثم مات السيد والثلث يحمل بعضه فإن الورثة يخيرون فيما رق منه بين أن يفدوه بما يقع عليه من بقية الجناية أو يسلموه رقا للمجني عليه. الشبراخيتي: وسكت المص عما إذا لم يحمل الثلث شيئا منه في مسألة الجناية كما سكت عنه في مسألتنا هنا، ويظهر أنه في مسألة الجناية يخير الوارث كما يخير فيما إذا رق بعضه، ولا خيار لهم في مسألتنا هنا كما لا خيار لهم فيما إذا رق بعضه. انتهى. وقوله:"ولا خيار للوارث"، وقيل: يخير كالجناية. قاله الشارح. وإن أدى الكاتب ثمنه فعلى حاله؛ يعني أنه إذا كان في الغنيمة مكاتب وبيعت رقبته جهلا بحاله أو قسمت كذلك ثم جاء سيده، فإنه لا يخير ابتداء بين إسلامه وفدائه، بل يؤمر الكاتب بأن يؤدي ما وقع به في المقاسم لمن اشتراه أو لمن وقع في سهمه، فإن أداه فإنه يبقى على حاله أي على كتابته فيرجع مكاتبا، فإن أدى كتابته خرج حرا وإلا رجع رقيقا، وإن عجز الكاتب المذكور عن أداء ما اشتري به صار عبدا فيخير حينئذ سيده في إسلامه عبدا أو فدائه كذلك، وأما من بيعت كتابته فالخيار لسيده ابتداء في إسلامها وفدائها بما بيعت به، فإن أداها خرج حرا وولاؤه لمكاتبه فديت الكتابة أو أسلمت، وإن عجز رق لسيده إن فداه وإلا رق للمشتري، وأما لو بيع المكاتب مع العلم بأنه مكاتب فإنه لا يتبع بشيء. وإلا؛ أي وإن لم يؤد الكاتب ثمنه الذي وقع به في المقاسم بل عجز عن تأديته، فهو قن -أي رقيق- أسلم أو فدي؛ يعني أنه إذا عجز عن تأدية الثمن الذي وقع به في المقاسم يكون رقيقا سواء أسلمه سيده لصاحب الثمن أو فداه بما اشتري به من المقاسم أو دار الحرب.

فتحصل من هذا أنه إنما يخير السيد بين إسلامه وفدائه بعد العجز عن تأدية ما وقع به في المقاسم.

فرع: وإذا أسلم حربي على مكاتب بيده لمسلم فإنه يكون له في كتابته، فإن عجز رق له وإن أدى فولاؤه لعاقدها، ولو كان مع مكاتب آخر بيد السيد في عقد واحد فإنه يقال للذي أسلم على الواحد وللسيد: إما أن يبيع أحدكما من الآخر كتابة الذي بيده ليصير المكاتبان في ملك واحد

ص: 508

وأداء واحد، وإلا فيبيعا كتابتهما جميعا، واقتسما الثمن بقدر قيمة المكاتبين وقوتهما على الأداء، وإذا أديا فالولاء للأول، وإن عجزا رقا لمبتاع كتابتهما. قاله الشارح. فإن قيل: لأي شيء لم يثبت التخيير لسيد المكاتب ابتداء بين إسلامه وفدائه كما في المدبر والمعتق لأجل؟ قيل: لأنه لما أحرز نفسه وماله لم يكن لسيده تسلط على إسلامه؛ لأنه لا يملك خدمته حتى يسلمها بخلاف المدبر والمعتق لأجل. قاله الشيخ عبد الباقي وغيره.

ولما كان الحربي لا يملك مال المسلم بل ولا الذمي ملكا تاما، بل إنما له فيه شبهة فقط أشار إلى ذلك بقوله: وعلى الآخذ إن علم بملك معين ترك تصرف ليخيره؛ يعني أن الحربي لا يملك مال المسلم ولا الذمي ملكا تاما بل إنما له فيه شبهة فقط، فلذلك كان على من أخذ شيئا من أموال الكفار رقيقا أو غيره، وعلم أنه ملك لمعين مسلم أو ذمي أن يترك التصرف فيه ليخير ربه فيه وهذا أمر واجب، ومحل وجوب ترك التصرف حيث وقع في سهمه من الغنائم أو اشتراه من بلاد الحرب، وأما إن اشتراه في بلد الإسلام من حربي قدم بأمان فليس عليه ذلك؛ لأنه ليس لربه أخذه، فمن وقع في سهمه من الغنم أمة أو ابتاعها من العدو الذين أحرزوها، فإن علم أنها لمسلم فلا يحل له وطؤها حتى يعرضها عليه فيأخذها بالثمن أو يدعها، وسواء اشتراها ببلد الحرب أو ببلد الإسلام، وكذلك إن كان عبدا فليعرضه على سيده، ومعنى اشتراها ببلد الإسلام أنه اشتراها ببلد الإسلام من المغنم، ولا يشمل ما إذا اشتراها من حربي قدم إلينا بأمان، فإنه لا يأخذها سيدها، كما لا يشمل ما إذا اشتراها ببلد الإسلام ممن اشتراها من حربي؛ لأنه قد نص في المدونة على أن من اشترى شيئا من بلاد الحرب ثم باعه فإنه يفوت ببيعه على ربه ولا يصير لربه إلا الثمن. قاله الإمام الحطاب. وقوله:"على الآخذ" الخ، قال الشيخ بناني: ولا يصح أن يدخل في كلام المص ما إذا رأى الإمام قسمه مع العلم بمالكه، فإنه يجوز التصرف فيه لمن صار إليه كما في التوضيح. انتهى. وهذا التعميم إنما هو بحسب الفقه، وإلا فكلام المص في المغنم بدليل قوله:"كالمشتري من حربي". والله سبحانه أعلم.

وإن تصرف مضى؛ يعني أنه إذا تصرف الآخذ بما سيذكره مرتكبا للمحرم فإن ذلك التصرف يمضي، وليس لربه أخذه، وقوله:"تصرف" بالبناء للمفعول كما ضبط المص ابن الحاجب أي

ص: 509

تصرف الآخذ أو المشتري منه أو موهوبه. قاله الشيخ عبد الباقي وغيره. وعبارة الشيخ إبراهيم: هو بالبناء للمفعول ليفيد أن مضي التصرف يجري في تصرف من أخذه من الغنيمة ومن صار له ممن أخذه من الغنيمة بهبة أو بيع ونحوهما، وبه ضبط المص عبارة ابن الحاجب التي هي كهذه. انتهى.

كالمشتري من حربي، تشبيه في ترك التصرف والمضي؛ يعني أن من اشترى من حربي ملك معين مسلم أو ذمي وكان الشراء قد وقع في دار الحرب، يجب عليه أن يترك التصرف فيه حتى يعرضه على ربه فيأخذه بالثمن أو يدعه، وإذا ارتكب المحرم وتصرف فيه باستيلاد أو بعتق ناجز أو لأجل أو كتابة أو تدبير أو بيع مضى ذلك وليس لمالكه أخذه، وقوله: باستيلاد، يتنازعه "تصرف" "ومضى": يعني أن الآخذ ومن في حكمه إذا تصرف باستيلاد أو بعتق ناجز أو لأجل على الراجح أو بكتابة أو تدبير، فإن ذلك يمضي وليس لمالكه أخذه، بخلاف البيع فلا يمضي على الراجح وهو مخالف لما مر من قوله:"وبالأول إن تعدد"؛ وعليه فالفرق بين المسألتين أن ما وقع في المقاسم قد أخذ على وجه القهر والغلبة فكان أقوى في رده إلى ربه، والمشترى من دار الحرب إنما دفعه الذي كان بيده طوعا، ولو شاء ما دفعه فهو أقوى في إمضاء ما فعل به من البيع. والله تعالى أعلم. انظر حاشية الشيخ بناني.

إن لم يأخذه على رده لربه، هذا راجع لقوله:"وإن تصرف مضى"، ولا يرجع لما بعد الكاف؛ إذ لا يشترط ذلك في مضيه؛ يعني أنه إذا اشترق عبدا من الغنيمة وأعتقه، فإن ذلك يفوته على ربه حيث لم يأخذه الذي اشتراه على نية أن يرده، بأن اشتراه بنية تملكه بنفسه، وإلا بأن اشتراه على نية أن يرده لربه وأعتقه ففي مضيه على ربه وعدمه قولان. القابسي وأبو بكر بن عبد الرحمن: يمضي فليس لمالكه أخذه، ابن الكاتب: لا يمضي لأنه رضي أن يرده على صاحبه، والفرق بين المسألتين حيث جرى قولان في المغنم فيما إذا أخذه على أن يرده لربه دون المشتري من حربي، فلا فرق فيه بين أن يأخذه على أن يرده لربه وأن يأخذه بدون تلك النية فيفوت بالعتق مطلقا، قُوةُ تسلط المالك فيما أخذ من المغنم دون ما أخذ من الحربي، بدليل أن

ص: 510

المالك لو جاء قبل القسم أخذه مجانا، وقوله:"قولان"، الراجح منهما عدم المضي كما نص عليه الشيخ إبراهيم والشيخ عبد الباقي.

وفي الموجل تردد، حقه أن يقدمه على قوله: إن لم يأخذه على رده لربه؛ لأنه فيما إذا أخذه لا ليرده لربه؛ يعني أنه إذا أخذ العبد من الغنيمة لا ليرده لربه بل بنية تملكه بنفسه وأعتقه عتقا مؤجلا، فإنه اختلف في ذلك هل يكون مفوتا وهو للخمي، أو لا يكون مفوتا وهو لابن بشير؟ والراجح أنه مفوت، وقوله:"وفي المؤجل تردد"، قال الشارح ما نصه: اللخمي: بعد أن حكى خلاف ابن القاسم وأشهب في العتق الناجز والاستيلاد هل هو فوت أم لا؟ قال: ويختلف على هذا إذا أعتق إلى أجل، فعلى قول ابن القاسم: يمضي ذلك كله، وعلى قول أشهب: يرد، وإليه أشار بقوله:"وفي المؤجل تردد"، ثم قال: إن التردد هنا لعدم نص المتقدمين، وقال الحطاب موضحا لكلام المص ما نصه: اللخمي: المعتق لأجل كناجز. ابن بشير: إجراؤه عليه بعيد لتأخره. انتهى. ولمسلم أو ذمي أخذ ما وهبوه بدراهم مجانا؛ يعني أن من دخل دار الحرب فوهب له الحربي عبدا أو غيره هرب من مسلم أو ذمي، أوأغار عليه الحربي يأخذه ربه من الموهوب له مجانا أي بغير شيء، وهو يتنازعه "أخد"، "ووهبوه"، وقال أحمد: الأولى كونه معمولا لأخذ، واستبعد كونه متنازعا فيه، وكذا ما وهبه الحربي بدارنا قبل تأمينهم فله أخذه مجانا، ومر حكم ما باعوه أو وهبوه بدارنا بعد تأمينهم، وقوله:"ولمسلم أو ذمي أخذ ما وهبوه بدارهم مجانا"؛ أي بلا خلاف.

وبعوض به؛ يعني أنه إذا وصل إلينا منهم شيء بعوض كبيع أو هبة ثواب وحصل، فإن المالك إنما يأخذ شيئه بذلك العوض أي بمثله في ذلك المحل مقوما أو مثليا؛ لأنه كمن أسلف عرضا، فإن عجز عن المثل في محلّه اعتبرت القيمة في العوض ولو كان مثليا، ومحل لزوم المثل ما لم يتراضيا على ما يجوز، ففي التوضيح: إنما يأخذه ربه بالثمن، فإن كان عينا دفع مثله حيث لقيه، وإن كان عرضا أو مثليا دفع إليه مثل ذلك ببلد الحرب إن كان الوصول إليها يمكن، كمن أسلف ذلك فلا يلزمه إلا مثله بموضع السلف إلا أن يتراضيا على ما يجوز. ابن يونس عن بعض شيوخنا: وإن لم يمكن الوصول إليها فعليه هنا قيمة ذلك الكيل ببلد الحرب. نقله الشيخ بناني.

ص: 511

إن لم يبع، قيد في المسألتين؛ يعني أن محل كون المالك يأخذ شيئه مجانا أو بعوض، إنما هو حيث لم يبعه الموهوب له أو المعاوض، فأما إن باعه الموهوب أو المعاوض فإن ذلك البيع يمضي في المسألتين، وإذا مضى فليس للمالك أخذ شيئه لا مجانا ولا بعوض؛ أي لا يجبر المشتري على ذلك، وقد مر بعض هذا في قوله:"كالمشتري من حربي". ولمالكه الثمن أو الزائد؛ يعني أنه إذا لم يكن للمالك أخذ عين شيئه أي فيما إذا باعه الموهوب له أو المعاوض، فإن له الثمن على البائع إن كانت الهبة مجانا والزائد عليه إذا أخذه بعوض كان يأخذه من الحربي بمائة ويبيعه بمائتين فيأخذ المالك المائة الزائدة، فهو لف ونشر مرتب، وقوله:"ولمالكه"؛ أي المعين من مسلم أو ذمي كما هو الموضوع، وقوله فهم منه أنه لو باعه المشتري من الحربي بمثل ما أخذه منه أو بأنقص فلا رجوع للمالك الأصلي بشيء، وعبارة الشيخ الأمير: ولربه الثمن إن باعه أي ما أخذه مجانا كالزائد إن باعه بأكثر مما دفع. انتهى.

وفهم من قوله: "ولمالكه الثمن أو الزائد"، أنه لا يرجع بالغلة وهو كذلك، وقوله:"إن لم يبع"، وأما الهبة فقال الشيخ علي الأجهوري: والأظهر أن الهبة فوت كالبيع والعتق. قاله بعض الشارحين. انتهى. والأحسن في المفدي من لص أخذه بالفداء، قوله:"المفدي"، بفتح الميم وكسر الدال لأنه من فدى كالمقليّ والمشوي لا من أفدى لأنها لغة ضعيفة. قاله الشيخ إبراهيم. ومعنى كلامه أن المال الذي فدي من أيدي اللصوص أي السراق والمحاربين أو الجيش أو ظالم أو سائر ما أخذ من صاحبه بغير رضاه اختلف فيه على قولين، أحدهما: أنه إنما يأخذه ربه بعد أن يدفع الفداء للذي فداه، قياسا على ما فدي من أيدي العدو.

ابن عبد السلام: والذي كان يميل إليه بعض من نرضى من أشياخنا أنه لا يأخذه ربه إلا بعد دفع ما فدي به؛ لأنه لو أخذه من غير شيء مع كثرة أخذ اللصوص سد هذا الباب مع كثرة حاجة الناس إليه.

ابن ناجي: وبه كان يفتي شيخنا الشبيبي، وإلى ما ذكره ابن عبد السلام أشار المؤلف بقوله:"والأحسن" الخ، وإنما يكون له الفداء إذا فداه لا ليتملكه، وإن كان ليتملكه لم يرجع بشيء،

ص: 512

كما أنه لا يرجع بشيء إذا أمكنه التخليص بدون فداء، ويرجع بما يتوقف خلاصه عليه فقط في فدائه بأكثر مما يمكن عادة، وانظر لو تنازع المالك مع الفادي في أن الفداء للتملك أو للرجوع من يعمل بقوله؟

ثانيهما: أنه يأخذه ربه بغير شيء؛ لأن اللص لا يملك المسروق ولا شبهة له فيه. ابن راشد: وهو الأقيس. ابن ناجي: ولا يبعد أن يكون مراد القول الثاني حيث أخذه ليتملكه أي فيرجعان إلى الوفاق. قاله الشيخ بناني. وفي نوازل ابن هلال: وأما أخذ ما ينوب اليتيم من الضيافة ونحوها من ماله مداراة فلا يحل ذلك إلا إن خيف على ماله من أولئك الظلمة، وتحقق أنه إن لم يعط منابه استولوا عليه وصرحوا بذلك، وقال الشيخ الأمير: وما فدي من نحو لص الأظهر أخذه بما لا يمكن تخليصه إلا به، ما لم ينو الفادي التملك فلا شيء له ولو جاهلا بحاله، ويرجع على بائعه كالاستحقاق. انتهى. وقوله:"والأحسن"، مصب الاستحسان القول بوجوب الفداء؛ أي الأحسن من القولين القول بأنه إنما يأخذه بالفداء، وليس المراد أن أخذ المفدي من لص بالفداء مستحب كما هو ظاهر. انظر الشبراخيتي. وقوله:"والأحسن في المفدي" الخ، وهل تجوز الإجارة للفادي؟ التوضيح: لا شك في المنع إن دفع الفداء من عنده لأنه سلف وإجارة، وإن كان الدافع غيره ففي ذلك مجال للنظر.

ولما قدم المص الحكم فيما اشتري من أيدي العدو وهو تخيير مالكه في أخذه بالعوض وتركه ملكا للمعاوض عليه، وكان ذلك في كل ما ليس فيه شائبة من حرية، ذكر ما إذا عاوضهم على ما فيه شائبة حرية من كتابة أو تدبير أو عتق لأجل، وهو أنه يخير ربه في أخذه بالعوض فيرجع لحاله كما مر، وفي إسلامه وهو ما أشار إليه بقوله: وإن أسلم لمعاوض مدبر ونحوه استوفيت خدمته؛ يعني أن المدبر ونحوه وهو المعتق إلى أجل إذا فداهما سيدهما ممن عاوض عليهما فإنهما يرجعان لحالهما من تدبير وعتق لأجل، وأما إن أسلمهما لمن عاوض عليهما من أيدي العدو فإن خدمتهما تستوفى، فإن وقت من المدبر ما عليه قبل موت سيده ومن المعتق لأجل قبل حلول أجله فلا كلام للمعاوض لوصوله إلى ما دفعه.

ص: 513

ثم هل يتبع إن عتق بالثمن أو بما بقي قولان؟ يعني؛ أنه إذا لم يوف كل منهما قبل ذلك وتحرر كل منهما بأن تم الأجل وحمل المدبر ثلث السيد، فإنه اختلف هل يتبع كل واحد منهما بجميع الثمن ولا يحتسب بما أخذ قبل تحررهما؟ وهو لسحنون بناء على أنه أخذه تمليكا، أو إنما يتبع كل منهما بما بقي بناء على أنه أخذه تقاضيا، وهو لمحمد. قال الشيخ عبد الباقي: وهو الراجح. قال الشيخ محمد بن الحسن: اعتمد في ترجيحه على ما يظهر من كلام المواق، كما صرح به الأجهوري، والذي يفيده كلام ابن الحاجب أن الأول هو الراجح، وعطف الثاني عليه بقيل. انتهى. لكن قال المص في التوضيح: ظاهر كلام المص أن اتباعه بالجميع هو المشهور، ولم أر من شهره. انتهى. قاله الحطاب. وعلى قول سحنون ومحمد: لو استوفى فداءه منها قبل أجله، ففي كون باقيها له أو لربه قولان، وقد سبق أنهما إذا وقعا في القاسم أو اشتريا منها لا يتبعان إلا بما بقي عليهما فقط بلا خلاف كما يفيده غير واحد، وقال الأجهوري: إنه لا فرق بين هذه المسألة ومسألة المدبر السابقة التي جزم فيها بأنه يتبع بما بقي، إلا أن تلك هو فيها مشترى من الغنيمة وهذه من الحربي. والمذهب فيهما واحد أنه يتبع بما بقي، والمسألتان فيهما القولان. نقله الشيخ إبراهيم. وقوله:"مدبر ونحوه"، لا يدخل في نحوه أم الولد، فإن السيد يجبر على فدائها.

وعبد الحربي يسلم حر إن فر؛ يعني أنه إذا أسلم عبد الحربي وفر إلى بلاد الإسلام قبل إسلام سيده فهو حر بلا خلاف، وكذا يكون حرا إن فر إلينا ولم يسلم، ولو استمر كافرا عندنا وكان سيده مسلما.

وبما قررت علم أن قوله: "يسلم"، لا مفهوم له، وإنما أتى به لأجل قوله: أو بقي حتى غنم فإن قيد الإسلام فيه معتبر، وقوله:"وعبد الحربي" الخ، اعلم أنه إذا قدم بمال فإنه لا يخمس بل يكون له بلا تخميس، وعبارة الشيخ إبراهيم: وقوله: "إن فر"، شرط في تحريره مطلقا أسلم أم لا. ابن رشد: لأن المذهب أن العبد حر بخروجه إلينا كافرا. انتهى. فلا مفهوم لقوله: "يسلم"، وإنما يشترط الإسلام في التي بعدها، وهذا إذا فر قبل إسلام سيده. أو بقي حتى غنم؛ يعني أن عبد الحربي إذا أسلم وبقي في بلاد الحرب حتى غنمه المسلمون قبل إسلام سيده فهو

ص: 514

حر، وقال الشيخ الأجهوري: لو قال: وعبد الحربي حر إن فر أو أسلم وبقي حتى غنم قبل إسلام سيده فيهما ويحذف: لا إن خرج، لكان أشمل وأظهر وأخصر.

ولما حكم بحريته في الصورتين المذكورتين، ذكر عدمها في صورتين أشار إلى الأولى منهما بقوله: لا إن خرج بعد إسلام سيده؛ يعني أن عبد الحربي إذا خرج إلينا من دار الحرب فارا مسلما بعد إسلام سيده، فإنه يكون رقيقا له أو بمجرد إسلامه؛ يعني أن عبد الحربي لا يكون حرا بمجرد إسلامه، بل حتى يفر أو يغنم، فالضمير في إسلامه للعبد، وقوله:"أو بمجرد"، عطف على معنى إن خرج أي لا بخروجه ولا بمجرد إسلامه، وقال أشهب وسحنون: يكون حرا بمجرد الإسلام، والمشهور خلافه وهو مذهب المدونة.

والحاصل أن عبد الحربي إذا أسلم قبل سيده فإنه يكون حرا إن فر إلينا أو بقي حتى غنمه المسلمون قبل إسلام سيده فيهما، وأما إن أسلم السيد قبل العبد أو أسلما معا فإنه لا يزول عنه ملك سيده، ولو فر إلينا فيهما كما لو أسلم السيد بعد إسلامه لكن قبل أن يفر إلينا. والله سبحانه أعلم. وفي الشبراخيتي: أنه إذا لم يصل إلينا لا يكون حرا، وحيث تحرر العبد فلا يرد إلى سيده إن أسلم سيده بعد ذلك، (وقد أعتق النبي صلى الله عليه وسلم عبيد أهل الطائف لخروجهم مسلمين

(1)

)؛ أي حكم بما وقع فيهم من العتق لا أنه أنشأه. قاله الأجهوري. وأعتق أبو بكر بلالا إذ أسلم فأعتقه والدار دار شرك وكان الولاء له رضي الله تعالى عنه، فلو انتقل ملك ربه عنه بمجرد إسلامه كان ذلك فداء ولم يكن ولاؤه لأبي بكر، وعلى قول أشهب وسحنون يكون الولاء للمسلمين ولا يمضي بيعه إذا باعه سيده، وذلك لحر مسلم فدى، وعلى مذهب المدونة يكون الولاء لمن اشتراه وأعتقه لمضي البيع، ولو فر وادعى أن فراره قبل إسلام سيده وكذبه السيد فالظاهر قبول قول السيد، كما أن الظاهر قبول قول السيد إذا أسلم العبد وبقي حتى غنم، وادعى السيد أنه أسلم قبل ذلك، وأما إذا بقي العبد حتى غنم فادعى أنه أسلم قبل فلا يقبل قوله لتعلق حق الغانمين به.

(1)

سنن البيهقي، ج 9 ص 229، ومصنف ابن أبي شيبة ج 8 ص 544.

ص: 515

وهذم السبي النكاح؛ يعني أنا إذا سبينا زوجين كافرين فإن ذلك السبي يهذم النكاح بينهما سبيا معا أو مترتبين أو سبيت هي قبل إسلامه وقدومه بأمان، أو قبل إسلامه وبعد قدومه بأمان أو سبي هو فقط. فينهذم النكاح بينهما في هذه الأقسام، وعلى السبية الاستبراء بحيضة ولا عدة عليها لأنها أمة يحل للسابي وطؤها بعد حيضة الاستبراء، ولا فرق في انهذام النكاح فيما إذا سبيا مترتبين بين أن يكون حصل إسلام بين سبيهما، وبين أن يكون حصل بعده مطلقا أي منه أو منها، كما أنه لا فرق بين انهذامه أيضا إذا سبيت هي قبل إسلامه وقدومه بأمان بين أن يبقيا على كفرهما وبين أن يسلما بعد سبيهما، ولو تقدم إسلامه على إسلامها.

والحاصل أن السبي يهذم النكاح سبيا معا أو مفترقين قدم أحدهما بأمان أم لا، ولا سبيل له عليها إلا بنكاح جديد؛ هذا هو المشهور، وقيل: يقر عليها فيما إذا سبيت قبل إسلامه وبعد قدومه بأمان إن أسلم وأسلمت أو عتقت في العدة، وفيما إذا بقي هو ثم أسلم في عدتها مطلقا كبعدها إن لم تسلم ولها الخيار فيهما إذ هي حرة تحت عبد السابي.

ألا أن تسبي وتسلم بعده؛ يعني أن الحكم على ما ذكر إلا في صورة واحدة، وهي أن يكون سبيها وإسلامها وقعا بعد إسلام زوجها حربيا أو مستأمنا، فلا يهذم السبي النكاح بل يكون زوجها أحق بها لأنها أمة مسلمة تحت مسلم، وهذا الاستثناء مقيد بأن يكون الزوج أسلم من غير سبي وهو في دار الحرب أو مؤمن، وبما إذا أسلمت قبل حيضة، وبما إذا لم يبعد ما بين إسلامها وإسلامه، ومثل إسلامها عتقها، وقوله:"بعده"، يتنازعه الفعلان، وقوله:"وهدم" بدال مهملة ومعجمة، ومعنى هذم بمعجمة: قطع بسرعة، وبمهملة: أسقط ونقض، والضمير في قوله:"بعده"، يعود على إسلام الزوج، وقوله:"وهذم السبي النكاح"، الأصل فيه ما روى ابن وهب عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، قال: أصبنا سبيا يوم أوطاس ولهن أزواج، فكرهنا أن نقع عليهن فسألنا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فأنزل الله تعالى:{وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} فاستحللناهن أي أن المحصنات وهن ذوات الأزواج محرمة عليكم إلا ما ملكت أيمانكم بالسبي، فإن ذلك يهذم النكاح.

ص: 516

تنبيه: اعلم أنه يصدق التجار الكفار في الزوجية بين المملوكين لأن هذا إقرار وليس بشهادة، ولا يكتفى بقول الرقيق إن بينهم نكاحا. وولده وماله فيء مطلقا؛ يعني أن ولد الحربي الذي أسلم وفر إلينا أو بقي حتى غزا المسلمون بلده فغنموا ولده، وكانت أمه قد حملت به قبل إسلام أبيه فيء؛ أي غنيمة للجيش الذي دخل بلاده، ولو عبر بغنيمة كان أولى، سواء كان الولد صغيرا أو كبيرا، جاء الحربي الذي أسلم وترك ولده أو لم يجيء كما مر، وهذا هو معنى قوله:"مطلقا"، وأما إن حملت به بعد إسلام أبيه فحر اتفاقا، وأما زوجته فغنيمة اتفاقا وكذا مهرها، وكما أن ولده فيء كذلك ماله فهو فيء أي غنيمة مطلقا، سواء كان عندنا وترك ماله في بلده أو كان باقيا بدار الحرب مع ماله كما هو مذهب ابن القاسم وروايته، وقال التونسي: إذا كان باقيا بدار الحرب مع ماله يكون له. سحنون: وقال بعض الرواة إن كان الولد صغيرا فهو تبع لأبيه وكذلك ماله، وإن أدركه قبل القسم أخذه، وإن قسم فهو أحق به بالثمن. ابن حارث: وقيل: إن ضموا المال إلى أموالهم لأجل إسلامه فهو فيء، وإن تركوه فهو له، وإن قسم أخذه بالثمن، وقيل: الأولاد مطلقا تبع.

والحاصل أن في كل من الولد والمال ثلاثة أقوال، والمشهور منها ما مشى عليه المص وهو مذهب المدونة. قاله الشارح. لا ولد صغير لكتابية سبيت؛ يعني أن الكتابية الذمية الحرة إذا سباها العدو وحدث لهم منها ولد بدار الحرب، ثم غنم المسلمون الحرة وأولادها، فإن ولدها الصغير الذي ولد بدار الحرب لا يكون فيئا بل يكون حرا تبعا لأمه، بخلاف الأولاد الكبار فإنهم يكونون فيئا كما أفاد ذلك بقوله:"صغير". أو مسلمة؛ يعني أن العدو إذا سبوا حرة مسلمة -والعياذ بالله تعالى- وحدث لهم منها ولد ثم غنم المسلمون تلك الحرة المسلمة وولدها، فإن أولادها الصغار يكونون أحرارا تبعا لأمهم. وهل كبار المسلمة فيء أو إن قاتلوا؟ يعني أن المسلمة الحرة إذا سباها العدو وولدت منهم ثم إن المسلمين غنموا تلك الحرة المسلمة وأولادها، فإن أولادها الكبار يكونون فيئا، أما إن قاتلوا فيكونون فيئا اتفاقا، وأما إن لم يقاتلوا فهل يكونون فيئا أو يكونون أحرارا تبعا لأمهم؟ في ذلك تأويلان على قول المدونة، وأما الكبار فيكونون فيئا إذا قاتلوا، فحملها ابن أبي زيد والقاضي عبد الوهاب على ظاهرها، ورأى ابن شبلون أن الشرط لا مفهوم

ص: 517

له، وأن المقصود أن يكونوا على حال يمكنهم القتال، وقد أخرج المص رحمه الله تعالى أولاد الذمية الكبار بقوله:"وهل كبار المسلمة"، فأولاد الذمية الكبار فيء اتفاقا، ومعنى الفيء هنا أن ما ذكر غنيمة كما في الأمير.

وولد الأمة لمالكها؛ يعني أن أولاد الأمة التي سباها العدو وولدت عندهم ثم يغنمها المسلمون وأولادها يكونون لمالكها مسلما أو ذميا، كانوا صغارا أو كبارا من زوج أو غيره؛ لأن الولد تابع لأمه في الرق والحرية ويتبع أباه في الدين وأداء الجزية، وصرح أبو الحسن علي بأن ولد الزنى يتبع أمه في الرق والحرية والإسلام، وفي ابن ناجي على المدونة ما يفيده، وبه تعلم ما في شرح الشيخ سالم. قاله عبد الباقي وغيره. وما ذكر المص من أن ولد الأمة لمالكها هو المشهور، وقال ابن الماجشون: هم فيء، وفرق سحنون فقال: ما ولدته من زوج فهو لمالكها، وما ولدته من غيره ففيء. ابن عبد السلام: والظاهر في النظر هو المشهور؛ لأن الولد تابع لأمه في الرق ولا مالك هنا سوى مالك أمه. ولما أنهى الكلام على قتال الكفار، أتبعه بما ينشأ عنه من جزية ومهادنة وفك أسير وغير ذلك من متعلقاته، وبدأ بالكلام على الجزية لأنها الأمر الثاني المانع من القتال كما مر في قول المص:"ودعوا للإسلام ثم جزية" فقال:

ص: 518

‌فصل: في ذكر عقد الجزية وما يتعلق بها

وهي بكسر الجيم مأخوذة من المجازاة والجزاء لكفنا عنهم وتمكينهم من سكنى دارنا، وقيل: من جزى يجزي إذا قضى، قال تعالى:{وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا} ؛ أي لا تقضي، وفي الشبراخيتي: وسميت جزية لأنها جزت عن القتال أي كفت عنه. انتهى. وجمع الجزية الجزى بالكسر وهي عنوية وصلحية، فالعنوية قال ابن عرفة: الجزية العنوية ما لزم الكافر من مال لأمنه باستقراره تحت حكم الإسلام وصونه، والصلحية ما التزم كافر منع نفسه أداءه على إبقائه ببلده تحت حكم الإسلام حيث يجري عليه، وأخرج بقوله: منع نفسه العنوية فإنها تضرب عليه بعد القهر والأسر، وقوله: منع نفسه، جملة من فعل وفاعل ومفعول. وقوله: أداءه، مفعول التزم، ومقتضاه أن التراضي معهم على ترك المقاتلة بمال مع عدم كونهم تحت حكم الإسلام لا يكون جزية صلحية، وسيأتي في تعريف المهادنة ما يفيده، وحكمها الجواز، وقد تترجح للمصلحة، وقد تتعين عند الإجابة إليها قبل القدرة. وفي الجواهر: عقد الذمة التزام تقريرهم في دارنا وحمايتهم، والذب عنهم بشرط بذل الجزية والاستسلام من جهتهم، وينتهي حكم الجزية إلى نزول السيد عيسى ابن مريم صلوات الله وسلامه على نبينا وعليه، ثم لا يقبل إلا الإيمان، قال الأبي عن القاضي عياض في قوله صلى الله عليه وسلم: (ويضع الجزية

(1)

)؛ أي لا يقبلها لفيض المال وعدم النفع به حينئذ، وإنما يقبل الإيمان، وقد يكون معنى وضعها ضربها لجميع أهل الكفر: لأن الحرب تضع حينئذ أوزارها ولا يقاتله أحد. انتهى.

قال العلماء: الحكمة في ضرب الجزية أن الذل الذي يلحقهم يحملهم على الدخول في الإسلام مع ما في مخالطة المسلمين من الاطلاع على محاسن الإسلام، ويدل لهذا أنه لما حصل صلح الحديبية وخالط المسلمين الكفار آمنين أسلم بسبب ذلك خلق كثير من صناديد قريش، مثل من كان قبل ذلك في الإسلام أو أكثر، واختلف في سنة مشروعية الجزية، فقيل: سنة ثمان، وقيل: سنة تسع، والأصل فيها الآية الكريمة: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ

(1)

صحيح مسلم، كتاب الإيمان، رقم الحديث 155.

ص: 519

صَاغِرُونَ (29)} ويبحث في هذا الفصل عن خمسة أشياء: العقد، والعاقد، والمعقود معه، والكان الذي يسكنه الذمي، والمال الذي يلتزم أداءه.

وبدأ بالأولين فقال: عقد الجزية إذن الإمام: يعني أن العقد للجزية هو أن يأذن الإمام ممن سيذكره من الكفار أن يسكن بحيث تنالهم أحكامنا على ما سيذكر بعد إن شاء الله تعالى، وإضافة العقد للجزية صحيحة وهي بمعنى اللام، وأشار إلى الثالث بقوله: كافر؛ يعني أنه يعقد الجزية على الكفار أي يلزمها لهم إذن الإمام لهم في سكنى غير مكة الخ. قال الشيخ عبد الباقي وغيره: فتؤخذ منهم الجزية ولو كانوا قريشا على الراجح، وما للشارح أنه لا تؤخذ منهم، طريقة كما في التتائي. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: قوله: فتوخذ منهم؛ أي لأنه المشهور عند ابن الحاجب، وقال المازري: إنه ظاهر المذهب وهو مقتضى إطلاق المص، وهذه طريقة، ولابن رشد طريقة أخرى لا تؤخذ منهم إجماعا، إما لمكانتهم أي قرابتهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم كما لابن الجهم، وإما لأن قريشا أسلموا كلهم كما للقزويني، فمن وجد منهم كافرا فمرتد. المازري: وإن ثبتت الردة فلا يختلف في عدم أخذها منهم، وقوله:"لكافر"؛ أي لكل كافر؛ لأن النكرة في سياق الإثبات قد تعم نحو: {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ} ، قاله غير واحد. ونظر فيه الشيخ بناني، وقال: الصواب أنه مطلق لا عام لاقتضاء العموم أنه لا يحصل بالإذن لبعضهم وليس كذلك.

صح سباؤه، بالمد أي أسره، واحترز المص بالإمام من غيره فلا يصح عقدها بغير إذنه، لكن يمنع من القتل والأسر، ويجب على الإمام إذا بذلوه ورآه مصلحة إمضاؤه إلا أن يخاف غائلتهم، وأتى بقوله:"كافر"، توطئة لقوله:"صح سباؤه"، وأخرج بقوله:"صح سباؤه" المرتد، فلا يقر على ردته، والمعاهد قبل انقضاء عهده ولو طال مقامه عندنا، فلا يصح سباؤه إلا أن يضربها الإمام عليه حين يريد الإقامة فيصير من أهلها، وليس له حينئذ الرجوع على أحد قولين في ابن الحاجب، قال الشيخ عبد الباقي: ومحلهما بعد الوقوع، وأما ابتداء فلا يجوز ضربها عليه لدخوله بأمان كما في العجماوي وابن مرزوق. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: فيه نظر، بل ظاهر كلام ابن الحاجب جوازه ابتداء، ونصه: فلو قدم حربي فأراد الإقامة نظر السلطان، فإن

ص: 520

ضربها عليه ثم أراد الرجوع ففي تمكينه قولان. انتهى. القول بتمكينه لمالك في الموازية، واستحسنه ابن القاسم، وقال محمد: لا يمكن من الرجوع والأظهر المنع، وأخرج به أيضا الراهب والراهبة الحرين، ويخرجان أيضا بقوله الآتي:"مخالط".

مكلف؛ يعني أنه يشترط في أخذ الجزية من الكافر أيضا أن يكون مكلفا، فلا تؤخذ من مجنون ولا من مختبل ولا من صغير، فإن بلغ أخذت منه عند بلوغه ولا ينتظر، فلا يجعل البلوغ بمنزلة ضربها حتى ينتظر به حول من يومه، ولعله مراعاة لقول أبي حنيفة: تؤخذ أول السنة، أو لمن يقول بعدم اشتراط التكليف، أو لأنها في نظير استقراره ببلدنا وصون دمه عن السفك، وكذا يقال فيما يظهر في قوله: حر؛ يعني أنه يشترط في أخذ الجزية من الكافر مع الشرطين المتقدمين أن يكون حرا، فلا تؤخذ من العبيد، وتؤخذ من العبد فيما يظهر عند عتقه كالصبي، ومحل ضربها عند البلوغ والحرية إذا تقدم لضربها على كباره الأحرار حول فأكثر، وتقدم له هو حول عندنا صبيا أو عبدا، وإلا فهو كغيره في عدم الأخذ، وإذا أخذت من العبد عند عتقه والصبي عند بلوغه فالظاهر أنها تؤخذ ثانيا بمرور حول من يوم أخذها منه عند بلوغه وحريته، والظاهر أنها تؤخذ من المجنون عند إفاقته قياسا على ما تقدم في الصبي إذا بلغ، وينتظر حولا من يوم الإفاقة، ولا يطالب الفقير بما مضى قبل غناه إذا استغنى، قال عبد الباقي: بل يبتدأ له حول من يوم غناه. انتهى. قال محمد بن الحسن: فيه نظر، والظاهر وقت الأخذ من السنة، فإن كان غنيا حينئذ أخذت منه وإلا سقطت. وقال الشيخ الأمير: وأخذت آخر الحول من الضرب وبمجرد صيرورته من أهلها بعد أن لم يكن كذلك، كراهب رفض الترهب، وصبي بلغ إن مضى له ولأهله عندنا حول ثم يصير مستقبلا بحول ولا يضم لهم، اللهم إلا أن ينزل بهم حاكم كساعي الزكاة.

قادر؛ يعني أنه يشترط في أخذ الجزية مع ما مر من الشروط أن يكون الكافر المأخوذ منه قادرا على أداء جميع الجزية أو بعضها، لا إن كان فقيرا لا يقدر على أداء شيء منها فإنها ساقطة عنه.

مخالط؛ يعني أنه يشترط في أحذ الجزية من الكافر مع ما مر من الشروط أن يكون مخالطا لأهل دينه، ولو راهب كنيسة أو شيخا فانيا أو زمنا أو أعمى ولا رأي لهم، فيجوز استرقاقهم وضرب

ص: 521

الجزية عليهم، وإن كان لا يجوز قتلهم ما عدا راهب الكنيسة فإنه يجوز قتله كما مر، وخرج راهب منعزل بدير أو صومعة أو غار بلا رأي فإنها لا تضرب عليه؛ ولو ترهب بعد عقدها ففي سقوطها قولان: الأول لابن القاسم وصححه صاحب الشامل، والثاني لطرف وابن الماجشون، قال عبد الباقي: وأما من له رأي من هؤلاء فيقتل ولا يبقى حتى تضرب عليه. انتهى. محمد بن الحسن: قول الزرقاني: ولا يبقى حتى تضرب عليه الخ فيه نظر، بل للإمام الاجتهاد فيه بالقتل أو غيره. انتهى. وقوله:"مخالط" يغني غنه قوله: "صح سباؤه".

لم يعتقه مسلم؛ يعني أنه يشترط في أخذ الجزية من الكافر مع ما مر من الشروط أن لا يعتقه مسلم ببلد الإسلام، وإلا لم تؤخذ منه، والعبرة بمحل العتق ولو كان العتق بفتح التاء بمحل آخر. قاله الشيخ عبد الباقي. فإن أعتقه ببلاد الحرب أخذت منه كما إذا أعتقه غير مسلم.

والحاصل أن العبد الكافر إذا أعتق لا يخلو إما أن يعتق بدار الحرب وهذا تضرب عليه الجزية بكل حال سواء أعتقه حربي أو ذمي أو مسلم، وإما أن يعتق بدار الإسلام وهذا إن أعتقه مسلم فلا تضرب عليه الجزية إلا إذا حارب وأسر، وهذا خارج بقوله:"صح سباؤه" وإن أعتقه كافر ضربت عليه الجزية، وإن كان السيد المعتق ذميا تبعا لسيده وإن لم يصح سباؤه وهذا وارد على المص، فلو قال: صح سبيه أو أعتقه ذمي لوفى به. إذا عرفت هذا، فقوله:"لم يعتقه مسلم"، لا حاجة إليه للاستغناء عنه بقوله:"صح سباؤه"، بل هو نص لاقتضائه أن معتق المسلم إذا حارب لا تضرب عليه. والله تعالى أعلم. وانظر فيمن أعتقه مسلم وكافر مشتركا بينهما، هل تبعض عليه أو لا تؤخذ منه نظرا لعتق المسلم أو تؤخذ منه نظرا لعتق الكافر؟ واستغنى عن الذكورة لإتيانه بالأوصاف مذكرة، فعلى هذا يستفيد أن الخنثى المشكل لا جزية عليه؛ لأنه ليس بذكر محقق، ومرادهم بالذكورة: المذكورة المحققة. قاله الشيخ إبراهيم.

وأشار إلى الرابع بقوله: سكنى غير مكة والمدينة واليمن. هذا تفسير لجزيرة العرب الواردة في الحديث، أعني قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يبقين دينان بجزيرة العرب

(1)

)، وهي مأخوذة من الجزر الذي هو القطع لانقطاع المياه عن وسطها إلى جوانبها، وجزيرة العرب قد احتف بها بحر

(1)

لا يجتمع دينان في جزيرة العرب، الموطأ، كتاب الجامع، رقم الحديث، 1651.

ص: 522

القلزوم من جهة المغرب، وبحر فارس من جهة المشرق، وبحر الهند من جهة الجنوب، ومعنى كلام المص أن عقد الجزية أي الأمر الذي يلزم الكفار الجزية هو أن يأذن لهم الإمام في سكنى موضع أي موضع تنالهم فيه أحكام الإسلام بحيث لا يمكنهم نقض عهد، لقوله تعالى:{حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} ؛ أي أذلاء منقادين ما عدا جزيرة العرب وهي مكة والمدينة وما في حكمهما من أرض الحجاز واليمن للحديث المتقدم، ولقوله صلى الله عليه وسلم: (لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب

(1)

)، ولقوله عليه الصلاة والسلام: (أخرجوا المشركين من جزيرة العرب

(2)

)، وقوله عليه الصلاة والسلام:(لا يبقين دينان بجزيرة العرب) أي لأنها أرض الإسلام، فكره بقاءهم بها لغوائلهم ومكرهم واطلاعهم على أحوال المسلمين، ولا يقال: كلامه يقتضي غير مكة والمدينة واليمن من بقية أرض الحجاز، وليس كذلك؛ لأن قوله:"واليمن"، يفهم منه منع سكناهم بأرض الحجاز، وكما لا يسكنون جزيرة العرب لا يدفنون بها، وحكم العبيد حكم الأحرار، وهو قول عيسى بن دينار خلافا لابن مزين، وقال أبو عبيدة: هي ما بين حفر أبي موسى الأشعري أي وهو آخر العراق وأول الشام إلى أقصى اليمن طولا، وفي العرض ما بين رمل يبرين أي وهو آخر حد اليمن إلى منقطع السماوة أي وهو آخر الشام من جهة اليمن وهو آخر بلاد سبإ، وكان يخرج من سبإ لهذه بلا زاد وهي مسيرة شهر وعشرين يوما لكثرة القرى.

وبما قررت علم أن قوله: "سكنى"، منصوب بنزع الخافض متعلق بقوله: أذن، وقد علمت أنهم يمنعون من السكنى بجزيرة العرب، وحينئدت فيؤمرون بالانتقال منها إن سكنوها، فإن أبوا قوتلوا. ولهم الاجتياز؛ يعني أن أهل الذمة عنويين أو صلحيين إن منعوا من السكنى في جزيرة العرب لا يمنعون من الاجتياز أي المرور بها، وظاهره ولو لغير حاجة ككون طريقه من غيرها أقرب، وكذا لهم إقامة ثلاثة أيام إن احتاجوا لها لدخولهم أيام عمر بجلبهم الطعام إلى المدينة من الشام، وضربه لهم ثلاثة أيام يستوفون ثمنه وينظرون في حوائجهم. وقد علمت أنهم يمنع أحرارهم من

(1)

صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، رقم الحديث، 1767.

(2)

البخاري، كتاب الجهاد والسير، رقم الحديث 3053.

ص: 523

السكنى بجزيرة العرب ويخرجون منها، فإن أبوا قوتلوا، واختلف في العبد هل يمنع ويخرج كالحر، وهو قول عيسى؟ أو لا وهو قول ابن مزين؟ قيل لعيسى: فما لأبي لؤلؤة؟ قال: قد أراد عمر إخراجه مع من أخرج، وقال ابن مزين: إنما كره عمر رضي الله عنه أبا لؤلؤة ونحوه لغوائلهم.

وأشار للخامس بقوله: وبمال، متعلق "بسكنى"، والباء للسببية؛ يعني أن عقد الجزية هو أن يأذن لهم الإمام أن يسكنوا في مواضع المسلمين بسبب مال يدفعونه للمسلمين عن يد وهم صاغرون، ويصح تعلقه بإذن أي أن عقد الجزية هو أن يأذن الإمام في السكنى المذكورة إذنا مصحوبا بمال، أو مع مال يؤدونه له عن يد وهم صاغرون، ولو أقرهم من غير جزية أخطأ، ويخيرون بين الجزية والرد إلى المأمن، ولو مر مشرك بالحرم فمات به لم يدفن فيه، فإن دفن فيه نبش عليه وأخرج من قبره. نقله الأبي عن النووي. قاله أحمد. ومثله في السنهوري دون عزو، وبحث فيه بأمره صلى الله عليه وسلم بمواراة أبي طالب بمكة، ولم يأمر صلى الله عليه وسلم بإخراجه للحل.

للعنوي، نسبة إلى العنوة، قال في التنبيهات: أرض العنوة بفتح العين التي غلب عليها أهلها قهرا. أربعة دنانير، الجار والمجرور خبر عن المبتدإ بعده، واللام بمعنى على، وهذا تبيين للمال المتعاقد عليه؛ يعني أنه يضرب على كل مكلف من أهل العنوة بفتح العين أربعة دنانير شرعية، قال عبد الباقي: وهي أكبر من دنانير مصر وهي بدنانير أهل مصر الآن أربعة وثلثا دينار وثلاثة أسباع تسع دينار. انتهى. وقوله: "أربعة دنانير"؛ يعني إن كان الكفار من أهل الذهب أو أربعون درهما؛ يعني أن الكفار أهل الذهب يضرب على كل مكلف منهم أربعة دنانير كما علمت، وأما إن كانوا أهل ورق فإنه يضرب على كل مكلف منهم أربعون درهما، والمراد بالدرهم هنا الدرهم الشرعي، فإن كانوا أهلهما روعي الأغلب إن كان وإلا خير الإمام، وأهل مصر أهل ذهب، فإن كانوا أهل إبل فما راضاهم عليه الإمام أي راضاهم عليه ابتداء أو عند الأخذ، فإن لم يقع بينهم وبينه مراضاة فالظاهر أنه يؤخذ منهم من الإبل بقدر أربعة دنانير، وكذا أهل المعز والضأن والعروض، ويؤخذ منهم ما راضاهم عليه الإمام. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال

ص: 524

الشبراخيتي: والأربعون درهما الشرعية سبعة وثلاثون درهما مصرية وثمن درهم، وإن كانوا أهل إبل فما راضاهم عليه الإمام. انتهى.

في سنة؛ يعني أن الجزية المذكورة تؤخذ من الكفار في كل سنة، فمن كان منهم غنيا يؤخذ منه القدر الذي ذكر، ومن لم يكن قادرا على شيء سقطت عنه ولا يطلب بما مضى بعد غنائه. والظاهر آخرها؛ يعني أنه اختلف هل تؤخذ منهم الجزية أول الحول وهو مذهب أبي حنيفة؟ أو آخره وهو مذهب الشافعي؟ قال الباجي: ولم أر في ذلك نصا لأصحابنا، والذي يظهر من مقاصدهم أنها تؤخذ آخر السنة كالزكاة، وكلام الباجي هذا موافق لقول ابن رشد، وليس عند مالك وأصحابه في ذلك نص، والظاهر من مذهبه وقوله في المدونة أنها تجب بآخر الحول وهذا هو معنى كلام المص: والظاهر آخرها، ولا فرق في ذلك بين العنوي والصلحي إذا وقعت مبهمة، وقوله:"والظاهر آخرها" ينبغي تقييده بما إذا كان يحصل له فيه اليسار، فإن كان إنما يحصل له أولها أخذت فيه؛ لأن تأخيرها يؤدي إلى سقوطها، وآخرها منصوب بنزع الخافض أي حلولها في آخرها، أو مرفوع مبتدأ وخبره محذوف أي حلولها.

ونقص الفقير بوسعه؛ يعني أن الفقير ينقص عنه من الجزية فيؤخذ منه بقدر وسعه أي طاقته وتؤخذ من الفقير الذي يجد من أين يؤديها ولا كبير إجحاف عليه، وتسقط عمن لا يقدر عليها ولا على شيء منها ولا يطلب بها بعد غناه، وتخفف عمن حاله بين هذين على نظر الإمام في ذلك، ويؤخذ منه بقدر وسعه ولو درهما ويسقط عنه ما ليس في وسعه، وإن أيسر بعد ذلك لم يؤخذ منه ما نقص لضيقه، هذا هو المشهور. وقال ابن حبيب: لا تؤخذ الجزية من الفقير، واستحسنه اللخمي، وقوله:"بوسعه"، متعلق بمقدر كما قررت؛ أي وأخذ منه بقدر وسعه. ابن شاس: قال القاضي أبو الوليد: من اجتمعت عليه جزية سنين إن كان فر منها أخذت منه لما مضى، وإن كان لعسر لم تؤخذ منه ولا يطلب بها بعد غناه. ولأ تزاد؛ يعني أن الجزية لا تزاد على القدر المذكور، فلا يزاد الغني على ما ذكر ولو كثر يساره، فلا يزاد الذهبي على أربعة دنانير ولا الورقي على أربعين درهما، وقيل: يزاد على من قوي علي ذلك. وللصلحي ما شرط؛ يعني أن الصلحي وهو من فتحت بلدته صلحا جزيته تكون بقدر ما شرط هو ورضي به الإمام

ص: 525

قليا، أو كثيرا، قال عبد الباقي والشبراخيتي: فلو لم يرض الإمام فله مقاتلته، ولو بذل أضعاف ما بذل العنوي وهذا هو المذهب، وبهذا يعلم أن قوله:"والظاهر إن بذل الأول" مقابل لهذا، وسيأتي البحث معهما. وإن أطلق فكالأول؛ يعني أن الصلحي إذا أقر على الجزية من غير تعيين لقدر فإنه يكون كالأول أي العنوي، فتؤخذ منه أربعة دنانير أو أربعون درهما.

والظاهر إن بذل الأول حرم قتاله؛ يعني أن ابن رشد استظهر من عند نفسه أن الصلحي إذا بدل أي أعطى القدر الأول أي الذي مر أنه يضرب على العنوي، فإنه يحرم قتاله في سنة البذل وغيرها، فحقه أن يعبر بالفعل لأنه من عند نفسه وقد علمت ما مر عن عبد الباقي والشبراخيتي من أن هذا ضعيف مقابل لما مر من أن الصلحي عليه ما شرط ورضي به الإمام، قال محمد بن الحسن: فيه نظر، والصواب أن ما لابن رشد تقييد لما قبله الذي هو نص ابن حبيب، ولذا اعتمده المؤلف ولا معنى لإطلاق ابن حبيب مع قوله تعالى:{حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ} الآية. والله أعلم. انظر المواق. ولعبد الباقي هنا فرع هو عين فرع المص، وليس بزائد عليه كما يوهمه والله سبحانه أعلم.

مع الإهانة عند أخذها؛ يعني أنه يجب عند أخذ الجزيتين العنوية والصلحية الإهانة أي الإذلال لهم، لقوله تعالى:{حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} ، عن يد أي استعلاء منكم عليهم أو نقدا يدا بيد أو بأيديهم ولا يرسلون بها، وصاغرون ماشون كارهون. قاله ابن عباس وسلمان. مذمومون غير محمودين ولا مأجورين، وهو أنه إذا أداها صفع في قفاه، ويؤخذ من كلامهم عدم قبول النائب في ذلك؛ لأن المقصود حصول الإهانة والإذلال لكل واحد بعينه عسى أن يكون ذلك مقتضيا لرغبتهم في الإسلام، وقال المغيلي: ومن صفة ذلك أي إهانتهم عند أخذها أن يجمعوا يوم أخذها بمكان مشتهر كسوق، ويحضروا فيه قائمين على أقدامهم وأعوان الشريعة فوق رؤوسهم بما يخوفهم على أنفسهم حتى يظهر لهم ولغيرهم أن مقصدنا منهم إظهار ذلهم لا أخذ أموالهم، ويرون أن الفضل لنا في قبولها منهم وتركهم، ثم يجذب كافر بعد كافر لقبضها، ويصفع على عنقه ويدفع دفعا كأنما خرج من تحت السيف:{عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا} . وعن المغيرة بن شعبة أنه قال لرستم: تعطي الجزية عن يد وأنت صاغر،

ص: 526

فقال لترجمانه: أما الجزية فقد عرفتها، فما قوله: وأنت صاغر؟ وقد سألوا عن الجزية، قال: تؤخذ منكم الدراهم والتراب على رءوسكم. قاله التتائي. وينبغي استحضار ما جبلوا عليه من بغضنا وتكذيب نبينا، وأنهم لو قدروا علينا لاستأصلونا واستولوا على دمائنا، وما أحسن قول الطرطوشي وقد دخل على الخليفة بمصر ورءاه سلم قياده لوزيره يونس الراهب، ونفذ كلمته المشئومة حتى في الطرطوشي فرءاه الطرطوشي رحمه الله تعالى مغضبا عليه فأنشده:

يا أيها الملك الذي جوده

يطلبه القاصد والراغب

إن الذي شرفت من أجله

يزعم هذا أنه كاذب

وذكر العلقمي بدل البيت الأول:

يا ذا الذي طاعَتُه قربة

وحقه مفترض واجب

فغضب الخليفة عند سماع ذلك وأمر بسحب الراهب، فسحب وضرب وقتل، وأقبل على الطرطوشي بعد أن كان عزم على إذايته، وقوله:"مع الإهانة"، جعله الشبراخيتي صفة لمال أي مال كائن مع الإهانة، ويظهر أنه متعلق بتؤخذ مقدرا؛ أي تؤخذ كل منهما مع الإهانة عند أخذها.

وسقطتا بالإسلام يعني أن الجزيتين العنوية والصلحية تسقطان عمن ضربتا عليه بالإسلام، ولو كان في ذمته جزى سنين ولو ظهر منه التحيل على إسقاطها ولو كان موسرا ترغيبا له في الإسلام، وكذا تسقط بالموت وبالترهب الطاري عند ابن القاسم خلافا للأخوين كما مر، وانظر هل تسقط بهما المتجمدة مع اليسر أم لا؟ وتسقط أيضا بالفقر والجنون، وانظر هل حتى المتجمدة فلا يطالب بها إن عقل أو استغنى بما قبل سنة جنونه أو فقره؟ أو يطالب وهو الظاهر؛ لأنهم لم يعدوا ذلك فيما يسقط ما وجب منها، وسقوطها بالترهب مقيد بترهب لا جزية معه.

ص: 527

فتحصل من كلامه أن أهل الذمة قسمان: أهل عنوة وأهل صلح، فأما أهل العنوة فهم قوم من الكفار فتحت بلادهم قهرا وغلبة، وأما أهل الصلح فهم قوم من الكفار حموا بلادهم حتى صولحوا على شيء يعطونه من أموالهم، فأشار للعنوي بقوله:"للعنوي أربعة دنانير" الخ، وأشار للصلحي بقوله:"وللصلحي ما شرط" الخ: ورجع الشبراخيتي ضمير التثنية في قوله: "وسقطتا للجزية والإهانة". والله سبحانه أعلم.

كأرزاق المسلمين؛ يعني أن الإمام قال: أرى أن توضع اليوم أرزاق المسلمين التي قدرها الفاروق عليهم رضي الله تعالى عنه مع الجزية في كل شهر على من بالشام والحيرة -بكسر الحاء- على كل نفس مُدْيَان وثلاثة أقساط زيت، وعلى من بمصر كل شهر على كل واحد إردب حنطة، ولا أدري كم من الودك والعسل والكسوة؟ وعلى أهل العراق خمسة عشر صاعا من التمر على كل واحد مع كسوة كان عمر يكسوها الناس لا أدري ما هي؟ والمدي بضم الميم وسكون الدال المهملة مكيال لأهل الشام ومصر يسع خمسة عشر مكوكا، والمكوك صاع ونصف، وقيل: أكثر من ذلك، وقوله: ولا أدري كم من الودك الخ، الظاهر أنه كان يرجع في هذا لاجتهاد الإمام، والظاهر أيضا أنه ينقص الفقير ويؤخذ منه بوسعه في ذلك كما في الجزية. قاله الشيخ إبراهيم.

وإضافة المجتاز ثلاثا؛ يعني أن الإمام قال: أرى أن توضع عنهم الضيافة التي قدرها السيد الفاروق عليهم، قدر عليهم أن يضيفوا من مر بهم في مصر من المسلمين ثلاثة أيام، وحذف التاء لأنه إذا حذف المعدود يجوز تذكير العدد وتأنيثه، لكن الأولى إثبات التاء. للظلم، علة للسقوط في المسألتين؛ يعني أن سقوط الأرزاق وإضافة المار إنما هو لأجل ما أحدث عليهم من الجور. قاله الإمام. وفهم من قوله:"للظلم": أنه إن لم يكن ظلم فلا يسقط عنهم شيء. اللخمي: ولا أرى أن يوضع عنهم اليوم بالمغرب لأنه لا جور عليهم. ابن عرفة: قلت: قل أن يكون وفاء غير عمر كوفائه، ولا تثبت الجزية لمدعيها إلا ببينة أو دليل لسماع سحنون ابنَ القاسم: إن أخذ يهود مقبلين من أرض الشرك وقالوا: نحن من جزية ملك الأندلس، إن ثبت قولهم وإلا فهم فيء، فإن ثبت وادعوا على آخذهم أخذ مال لم يحلفوا إن كانوا صالحين مأمونين. ابن رشد: إنما كانوا

ص: 528

فيئا إن عجزوا عن البينة لدعواهم ما لا يشبه لإقبالهم من أرض الشرك، ولو ادعوا ما يشبه لم يستحلفوا، وسقط اليمين عن المأمونين لأنها دعوى عداء. نقله الإمام الحطاب.

وسكت المص عما يؤخذ من كبار الذميين المضروب عليهم الجزية التجار، والحكم أنه يؤخذ منهم العشر إن قدموا إلينا وباعوا أو اشتروا، خلافا لقول ابن حبيب: يؤخذ منهم عشر ما قدموا به بمجرد وصولهم، وعلى الأول فإن قدموا بعرض وباعوه بعين أخذ منهم عشر الثمن، وان قدموا بعين واشتروا بها عرضا أخذ عشر العرض على المشهور لا عشر قيمته، وإن قدموا بعرض واشتروا به عرضا آخر فعليهم عشر عين ما اشتروه، ولا يتكرر عليهم الأخذ بتكرر بيعهم وشرائهم ما داموا بأفق واحد كما في المدونة والموازية، فإن باعوا بأفق [كالشام أو العراق أو الحجاز]

(1)

، واشتروا بآخر كمصر أو اليمن أخذ منهم عشر في الأول والثاني، كما أنه يتكرر الأخذ منهم إن قدموا بعد ذهابهم لبلدهم ولو مرارا في سنة واحدة، فيؤخذ منهم كلما قدموا وباعوا واشتروا، خلافا لقول الشافعي وأبي حنيفة: إنما تؤخذ مرة في العام وإن تكرر مجيئهم فيه، ثم وجوب العشر فيما مر إن لم يحملوا الطعام لمكة والمدينة والقرى المتصلة بهما، وإلا فنصفه فقط، واختلف هل الراد بالطعام جميع أنواعه أو ما عدا القطاني فعشر؟ ومقتضى ابن ناجي ترجيح الأول، والتوضيح ترجيح قصره على الحنطة والزيت، والحربي المؤمن في العشر ونصفه كالذمي، لكن يفترقان في أمرين، أحدهما: أن الحربي يؤخذ منه بمجرد وصوله، بخلاف الذمي فإنه لابد من بيعه وشرائه بعد وصوله عند ابن القاسم خلافا لابن حبيب كما مر، ثانيهما: أن الذمي إذا باع بأفق ثم اشترى بآخر يتكرر عليه العشر كما مر، بخلاف المؤَمَّن فإنه إنما عليه عشر واحد ونصفه بوصوله ولو باع بأفق واشترى بآخر؛ لأن أمان الحربي عام في كل أفق من بلاد الإمام المؤمن، فجميع بلاد الإسلام كبلدة واحدة بالنسبة له، بخلاف الذمي لعدم احتياجه لأمان لكونه تحت ذمتنا.

ابن ناجي: مقتضى الروايات أن أفقه محل أخذ جزيته وعمالاتها، وفي المدونة: الشام والمدينة أفقان. انتهى ملخصا من شرح الشيخ عبد الباقي وحاشية الشيخ بناني.

(1)

في النسخ كالشام والعراق والحجاز والمثبت من عبد الباقي ج 3 ص 144.

ص: 529

وقال الشيخ الأمير: إن اتجر ذمي لإقليم أخذ عشر ثمنه وتكرر ولو بعام واحد، وعلى تجار الحربيين ما شرطه الإمام، فإن أطلق فعشر ما قدموا به ولو لم يبيعوا أو باعوا بأقاليم، وأسقط من طعام للحرمين نصف عشر. انتهى. وتأمل قوله:"ذمي"، فإنه يعم الكبار وغيرهم. والله سبحانه أعلم.

حكاية: اتفق أن بعض أهل العلم كان بقرية فضيق عليه النصراني الصراف وآذاه، فكتب إلى ملتزمها:

لقد وليت ذميا علينا

ولم تشكر لفضل الله منه

ألم تسمع لقول الله فيهم:

{وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ}

والعنوي حر؛ يعني أن العنوي بعد ضرب الجزية عليه حر، فعلى قاتله خمسمائة دينار إن كان المقتول ذكرا كتابيا؛ لأن إقراره في الأرض لعمارتها من ناحية المن الذي قال الله عز وجل فيه:{فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} ، والمن العتاقة، فلا يمنعون من هبة أموالهم والصدقة بها، ويحكم بذلك حاكم المسلمين ولا يمنعون من الوصية بجميع أموالهم، إلا إذا لم يكن لهم وارث من أهل دينهم كان ميراثهم للمسلمين. وسئل ابن القاسم عن نساء أهل الذمة الذين أخذوا عنوة مثل أهل مصر، هل يجوز أن ينظر الرجال إلى شعورهن؟ قال: لا، قيل له: أليس هن بمنزلة الإماء؟ قال: لا، بل هن أحرار يحرم منهن ما يحرم من الأحرار. ابن رشد: حكم لأهل العنوة بحكم الأحرار، ووجهه أنه جعل إقرارهم في الأرض لعمارتها من ناحية المن الذي قال الله تعالى:{فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} ، والمن العتاقة. انتهى. المراد منه.

وإن مات أو أسلم فالأرض فقط للمسلمين؛ يعني أنه ينبني على كون العنوي حرا إذا مات أن تكون الأرض التي أقر فيها لعمارتها للمسلمين دون غيرها من ماله، كالرقيق والحيوان والعروض فإنه يكون لورثته أي العنوي، وكذا الحكم لو أسلم العنوي فإن الأرض فقط للمسلمين دون غيرها، فإنه للعنوي الذي أسلم، وما مشى عليه المص هو المشهور، وقيل: إن العنويين إذا أقرت بأيديهم

ص: 530

الأرض يكونون عبيدا للمسلمين، فلا يكونون أحرارا بإسلامهم، ولا يملكون مما بأيديهم شيئا؛ ولا فرق على هذين القولين بين ما اكتسبوه بعد الفتح وما كان بأيديهم قبله، والقول بأنهم أحرار لابن القاسم في سماع عيسى ويحيى، وقول ابن حبيب، وظاهر المدونة، وفي سماع سحنون: أنهم عبيد مأذون لهم في التجارة، ولابن المواز: أن ما اكتسبوه بعد الفتح لهم وما اكتسبوه قبله للمسلمين، واعترضه ابن رشد بأن إقرارهم إن كان عتقا فما بأيديهم لهم، وإلا لم يكن إسلامهم عتقا فلا تكون أموالهم لهم، لكن نقل الباجي قول ابن المواز وأقره، وجعله ابن يونس تفسيرا للمدونة، وإذا مات الذمي العنوي فإن كان له وارث ورثه وسئل عن ذلك أساقفتهم، وإن لم يكن له وارث فميراثه لبيت المال، وقوله: فالأرض فقط للمسلمين، مراده الأرض التي تكون وقفا بالفتح أي الأرض المتقدمة في قوله: وقفت الأرض، وأما الأرض التي اشتراها بوجه شرعي فهي كماله، فإن قيل: ما ذكر من أن ماله حيث لا وارث له كالأرض يكون للمسلمين، مخالف لقوله في الفرائض:"ومال الكتابي الحرّ المؤدي للجزية لأهل دينه من كورته"، فالجواب أن ذلك في غير العنوي جمعا بين الموضعين. قاله الشيخ عبد الباقي. وقوله:"وإن مات أو أسلم"، الأولى الإتيان بالفاء بدل الواو لأنه مفرع على القول بالحرية.

والحكم في الصلحي. أي الذمي الصلحي إن أجملت الجزية بالبناء للمجهول، فلهم أرضهم، يعني أن حكم الأرض والمال في أهل العنوة هو ما عرفت، وأما الذمي الصلحي فإن الأرض تكون لهم إذا كانت الجزية مجملة على البلاد بما حوت من أرض ورقاب من غير تفصيل لا يخص كل شخص ولا ما يخص الرقاب من الأرض فلهم بيعها، ولا يزاد في الجزية بزيادتهم ولا ينقص بنقصانهم، ولا يبرأ أحد منهم إلا بأداء الجميع لأنهم حملاء.

وبما قررت علم أن الشرط وجوابه خبر مبتدأ مقدر؛ أي والحكم في الصلحي الخ. والوصية بمالهم؛ يعني أن أهل الصلحية المجملة على الأرض والرقاب معا لهم الوصية بمالهم كله، وإن لم يكن لمن مات منهم وأوصى وارث. وورثوها؛ يعني أن أهل الجزية الصلحية المجملة على الأرض والرقاب معا يرثون الأرض عمن مات منهم، ومن مات منهم بلا وارث فلأهل دينه، وكذا

ص: 531

يرجع ماله أيضا لوارثه أو لأهل دينه حيث لا وارث له ولا شيء للمسلمين منه، واقتصر على الأرض لأنها المتوهمة.

وإن فرقت على الرقاب فهي لهم. مذا مفهوم قوله: "إن أجملت"؛ يعني أن الجزية الصلحية إذا وقعت مفرقة على الرقاب، كعلى كل رأس كذا أو أجملت على الأرض أو سكت عنها، وكذا إن فرقت على الأرض وأجملت على الرقاب أو فرقت عليهما فإن أهلها تكون لهم الأرض فيبيعونها ويرثونها كما لهم غير الأرض. إلا أن يموت بلا وارث؛ يعني أن محل كون الأرض للصلحيين يرثونها عمن مات منهم حيث فرقت الجزية على الرقاب إنما هو إذا كان الميت له وارث، وأما إن لم يكن له وارث فمال الميت وأرضه للمسلمين لا لأهل دينه، بخلاف ما إذا كانت الصلحية مجملة على الأرض والرقاب كما مر فإن ماله وأرضه لأهل دينه حيث لا وارث له. ووصيتهم في التلث؛ يعني أن الصلحي حيث فرقت الجزية على الرقاب له أن يوصي بالثلث فقط حيث مات ولا وارث له وما بقي للمسلمين، فإن مات وله وارث فله أن يوصي بجميع ماله.

ولما تكلم على الأرض والمال والوصية، تكلم على بيع الأرض وخراجها فقال: وإن فرقت عليها أو عليهم فلهم بيعها؛ يعني أن الجزية الصلحية إذا كانت مفرقة على الأرض كعلى كل زيتونة أو ذراع كذات أو أجملت على الرقاب أو سكت عنها أو فرقت على الأرض والرقاب معا كعلى كل فدان كذا وعلى كل دراس كذا، فإن لأهل الأرض أن يبيعوها في هذه الأحوال كلها. والله سبحانه أعلم.

وخراجها على البائع؛ يعني أن الخراج في المسألتين، أعني قوله:"وإن فرقت عليها أو عليهما"، على بائع الأرض، والمراد بخراجها المضروب عليها، وما ذكره المص من أن لهم بيع الأرض هو المشهور، وقيل: لا يجوز لهم ذلك، وقيل: يجوز، والخراج على المشتري، وسكت المص عما إذا أسلم الصلحي، والحكم فيه أنه يكون له ماله وأرضه، قال في المقدمات: ولا اختلاف أنها أي الأرض تكون لهم إن أسلموا، وأنهم يرثونها بمنزلة سائر أموالهم وقرابتهم من أهل دينهم أو المسلمين إن لم تكن لهم قرابة. انتهى. قاله الحطاب. وفي التوضيح: وكيف نعلم

ص: 532

ورثتهم [ونحن لا]

(1)

، نعلم مواريثهم؟ روى يحيى عن ابن القاسم أن ذلك راجع إلى أهل دينهم وأساقفتهم، فمن قالوا: يرثه من ذوي رحم أو غيره أو امرأة دفع إليه ذلك، وإن قالوا: لا وارث له فميراثه للمسلمين، ووجه ذلك أن طريق ذلك الخبر كما ينفردون به من العلم فيقبل قولهم كإخبارهم عما يعلمونه من الأدواء وترجمتهم عن الألسنة التي لا نعرفها. قاله الباجي. قال ابن راشد: وأما العنوي فإن كان له وارث ورثه وسئل عن ذلك أساقفتهم، وإن لم يكن له وارث فماله لبيت المال. انتهى. والله أعلم. قاله الحطاب.

والحاصل أن الجزية الصلحية على أربعة أوجه؛ لأنها إما أن تجمل على الأرض والرقاب معا، وإما أن تفرق على الرقاب والأرض معا، وإما أن تفرق على الرقاب دون الأرض أو على الأرض دون الرقاب، وفي الجميع لهم أرضهم ومالهم، يهبون ويقسمون ويبيعون ويورث عنهم، إلا أن الوجه الأول يفترق من غيره بأن من مات منهم بلا وارث فأرضه وماله لأهل دينه، وله حينئذ الوصية بجميع ماله، وإن لم يكن له وارث، بخلافه في غير الأول فإن من مات بغير وارث ماله وأرضه للمسلمين، ولهم الوصية في الثلث إن لم يكن لهم وارث. قاله الشيخ بناني. وإلا فلهم الوصية بالجميع، وإذا فرقت الجزية على الأرض والرقاب أو على الأرض دون الرقاب، فاختلف في بيع الأرض على ثلاثة أقوال، مشهورها قول ابن القاسم في المدونة وغيرها: البيع جائز والخراج على البائع، وعليه مشى المص. هذا حاصل المسألة. انظر حاشية الشيخ بناني. وفي الشبراخيتي ما نصه: وقوله: "وخراجها على البائع"؛ أي إلا أن يموت أو يسلم.

واعلم أن الأرض لهم في الأقسام كلها، إلا أنهم إن باعوها في القسمين الأولين لا يكون خراجها على البائع، وفي هذين القسمين خراجها على البائع، وفي ابن يونس وجه خامس وهو: ما إذا أجملت على الرقاب دون البلد، قال: فلهم بيع الأرض وتورث عنهم كما لو كانت مفصلة على الجماجم. انتهى. انتهى كلام الشبراخيتي. وإيضاحه أن المص ذكر أربعة أوجه، اثنان منها إذا بيعت لا يكون الخراج على البائع، أحدهما قوله:"وفي الصلحي إن أجملت فلهم أرضهم"،

(1)

في النسخ ولا والمثبت من التوضيح ج 3 ص 450 والحطاب ج 4 ص 186 ط دار الرضوان.

ص: 533

والثاني قوله: "وإن فرقت على الرقاب فهي لهم"، واثنان إذا بيعت يكون خراجها على البائع، وهما: ما إذا فرقت عليها أو عليهما معا. والله سبحانه أعلم. وفي شرح الشيخ عبد الباقي: وسكت عما إذا أسلم وتكون له أرضه وماله، سواء أجملت الجزية عليه أو فصلت على الرقاب أو الأرض أو عليهما.

وللعنوي إحداث كنيسة إن شرط؛ يعني أن الذمي العنوي له أن يحدث في أرض العنوة كنيسة في بلد العنوة المقر بها أهلها إن شرط؛ أي أذن الإمام لهم في ذلك بأن سأل العنوي الإمام ذلك فأجابه إليه، على هذا حمله غير واحد؛ لأن العنوي مقهور فلا يتأتَى منه شرط، قال الشيخ إبراهيم: فمراده بالشرط إذن الإمام أي بأن أذن الإمام له في ذلك. انتهى. وقال الشيخ بناني: ليس المراد بالشرط حقيقته؛ لأن الفرض أنهم مقهورون، وإنما المراد إن أعطوا ذلك وأذن فيه الإمام، وفهم من قوله:"إحداث كنيسة" تبقى لهم إن تركها المسلمون. قاله الشيخ إبراهيم وغيره.

وقال الإمام الحطاب: مذهب ابن القاسم على ما نقله ابن عرفة أنه يترك لأهل الذمة كنائسهم القديمة في بلد العنوة المقر بها أهلها، وفيما اختطه المسلمون فسكنوه معهم، وأنه لا يجوز إحداثها إلا أن يعطوا ذلك، وهذا هو المأخوذ من المدونة في كتاب [الجعل]

(1)

والإجارة بعد تأمل كلامه وكلام شراحه. وقال عبد الملك: لا يجوز الإحداث مطلقا: ولا تترك لهم كنيسة وهو الذي نقله في الجواهر: وهو الذي رآه البساطي فاعترض على المؤلف فراجعه إن شئت، وعليه اقتصر في الإرشاد. انتهى.

وفي حاشية بناني: وما اختطه المسلمون عند فتحهم وسكنوه فليس لهم إحداث ذلك فيها إلا أن يكون لهم عهد فيوفى به. انتهى. وإلا فلا؛ يعني أنه إذا لم يشترط إحداث الكنيسة بأن لم يأذن فيه الإمام، فإنه لا يجوز للعنوي أن يحدثها أي لا يمكن من ذلك، قال الشيخ عبد الباقي: والذي عليه المحققون وتجب به الفتوى أنه لا يمكن العنوي من الإحداث مطلقا شرط أم لا. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: تبع في ما قاله البساطي وفيه نظر، بل الصواب ما عند

(1)

في النسخ الحفظ والمثبت من الحطاب ج 4 ص 186 ط دار الرضوان.

ص: 534

المؤلف لأنه قول ابن القاسم في المدونة. انتهى. قال الشيخ إبراهيم: وصرح بمفهوم الشرط ليشبه به قوله: كرم المنهدم، مصدر رمه براء فميم مشددة: أصلحه؛ يعني أنه لا يجوز للعنوي رم كنيسة هدمت؛ أي لا يمكن من إصلاحها، وظاهره مطلقا اشترط ذلك أم لا. قاله عبد الباقي والخرشي. وهو المعتمد، وما ذكراه من المنع، قال محمد بن الحسن: غير صحيح، وإن كان ظاهر المص لتصريح أبي الحسن في العنوي بالجواز، وظاهره مطلقا.

وللصلحي الإحداث؛ يعني أن الصلحي إذا أراد أن يحدث كنيسة ببلده الذي لا يسكنه معه المسلمون، فإنه لا يمنع من ذلك الإحداث شرط أم لا، والفرق بين الصلحي والمعنوي أن أرض العنوة فيء ليست لهم ولا تورث عنهم، ولو أسلموا لم يكن لهم منها شيء، بخلاف أرض الصلح. قاله ابن القاسم. قاله عبد الباقي. وكما للصلحي الإحداث له رم المنهدم على قول ابن القاسم، وفي حاشية الشيخ بناني عن ابن عرفة: ويجوز لهم بأرض الصلح إحداث الكنائس وتركها قديمة إن لم يكن معهم بها مسلم، وإلا ففي جوازه قولا ابن القاسم وابن الماجشون قائلا: ولو شرط ذلك لهم، ويمنعون من رم قديمها إلا أن يكون شرط فيوفى لهم به.

حكاية: قال المتيطي: جاء أن الوليد بن عبد الملك هدم كنيسة للروم، وكان أبوه عبد الملك أذن لهم فيها لوجه اقتضى ذلك، فكتب ملكهم إلى الوليد وهو يقول له: إن أباك قد أذن لنا في البناء وأنت هدمتها، فإما أن يكون أبوك قد أصاب وأخطأت أنت، وإما أن تكون أصبت وأخطأ أبوك، فأشكل على الوليد الجواب وطلبه من أهل الفطنة حتى تكلم فيه مع الفرزدق، فقال: الجواب ما حكاه الله تعالى في قصة سليمان: {وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} ، فاستحسن الوليد هذا الجواب، وعلم فطنته وأتحفه بعطية. انتهى. نقلة الحطاب. ونقل عن المشدالي أنه قال: حاصل الجواب أنا لا نسلم انحصار القسمة في إصابة أحدهما وخطإ الآخر، لجواز إصابتهما معا لنظر ورأي رآه كل منهما. انتهى.

وبيع عرصتها؛ يعني أن الصلحي له أن يبيع عرصة الكنيسة، والعرصة الرحبة لا بناء بها. أو حائط؛ يعني أن الصلحي له أن يبيع حائط الكنيسة، بخلاف العنوي فليس له بيع عرصة الكنيسة ولا حائطها كما في الشارح؛ لأن الأرض توقف بالفتح كما مر:"ووقفت الأرض" إلخ،

ص: 535

وقوله: "أو حائط"، عطف على لفظ عرصة أو على محلها؛ لأنه منصوب على أنه مفعول المصدر. قاله الشيخ عبد الباقي.

لا ببلد الإسلام: يعني أنه لا يجوز لكل من العنوي والصلحي إحداث الكنائس ببلد الإسلام الذي نقلوا إليه؛ أي لا يمكنون من ذلك، وأما بلادهم التي سكن معهم المسلمون فيها فللعنوي ذلك مع الشرط أي الإذن من الإمام كما مر، وقال بعض الشراح: لا ببلد الإسلام أي التي بأرض الإسلام أي التي انفرد باختطاطها المسلمون؛ أي التي كان بها المسلمون قبل فتح أرضه، لا البلد التي اختطها المسلمون بعده أو معه، فإنه لا يمنع من ذلك. هذا ما يعول عليه. نقله عبد الباقي.

إلا لمفسدة أعظم؛ يعني أن الذمي يمنع من إحداث الكنيسة ببلد الإسلام عنويا أو صلحيا كما عرفت: إلا لأجل مفسدة أعظم من إحداث الكنيسة فلا يمنع منه ارتكابا لأخف الضررين، كما لو خيف منهم تقوية الحربيين على أهل الإسلام بحيث يحصل من ذلك ضرر أقوى من إحداث الكنيسة. ويمنع ركوب الخيل، نائب منع ضمير مستتر يعود على الذمي المفهوم من العنوي والصلحي، وركوب منصوب على المفعولية، ويصح رفعه على أنه نائب الفاعل وهو مصدر مضاف لفعوله بعد حذف فاعله، والتقدير: ومنع ركوبه الخيل، ومعنى كلامه أن الذمي صلحيا كان أو عنويا يمنع من ركوب الخيل نفيسة أم لا. والبغال؛ يعني أن الذمي صلحيا كان أو عنويا يمنع من ركوب البغال النفيسة كما قاله القرافي وغيره، ولا يمنعون من الحمير ومن البغال غير النفيسة، وأما الجمال فهي في عرف قوم كالخيل وفي عرف آخرين كالحمير بل دونها، فتجري على هذا. قاله الشيخ عبد الباقي. والسروج، عطف على الخيل؛ يعني أن الذمي صلحيا كان أو عنويا يمنع من الركوب على السروج ولو على الحمير وإنما يركبون على الحمير فقط ومن جانب واحد فقط بأن يجعل رجلاه في جانب الدابة اليمنى أو اليسرى، قال الشيخ عبد الباقي: وهو مراد التتائي بقوله: ويركبون على الأكف عرضا. انتهى. والأكف بضمتين جمع إكاف بكسر الهمزة: البردعة الصغيرة التي تجعل تحت البردعة الكبيرة. انتهى كلام عبد الباقي.

وجادة الطريق؛ يعني أن الذميين يمنعون من جادة الطريق أي وسطه ويضطرون إلى المضيق إذا لم يكن الطريق خاليا، زروق: ولهم المشي على الجادة عند اختلائها وإلا فيضطرون إلى أضيق

ص: 536

الطريق. نقله الحطاب. وقال الشارح: ابن حبيب: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا تبدءوهم بالسلام، وإذا لقيتموهم وهم في طريق فألجئوهم إلى أضيقها)، انتهى. ولا يكنون ولا تشيع جنائزهم لأن ذلك إكرام، ولو كانت الجنازة أبا أو ابنا نعم لوارثه إن لم يجد أحدا من أهل دينه. زروق: ولم أقف على تلقيبهم بفلان الدين والأشبه المنع، وفي التتائي: ويجوز تلقيب الكافر والفاسق إذا لم يعرف إلا بها أو خيف من ذكره باسمه فتنة، وأفتى الشيخ ياسين المالكي بأنه يحرم تعظيمه لغير ضرورة بمعلم وغيره، وذكر القرافي ما يفيد أنه لا يحرم مخاطبة الذمي بمعلم ونحوه إذا لم يقصد تعظيمه وظاهره لضرورة أو غيرها. قاله الشيخ عبد الباقي.

وألزم بلبس يميزه؛ يعني أن الذمي يلزم بلبس يميزه عن زي المسلمين ليلا يشبه

(1)

بهم، كسواد أو صفرة على رءوسهم وما يمتهن من الثياب. وعزر لترك الزنار؛ يعني أن الذميين يؤدبون إذا تركوا لبس الزنانير، جمع زنار بضم الزاي وشد النون ما يشد به الوسط علامة على ذله. قاله عبد الباقي. والتعزير: التأديب، وقال الشيخ إبراهيم: هو خيوط كثيرة ملونة بألوان شتى تشد في الوسط لأنه علامة على ذله، وربما يشعر هذا بأنه إذا لبس ما يؤدي هذا المعنى كالبرنيطة والطرطور لا يعزر. انتهى.

وظهور السكر، ظهور هنا بمعنى إظهار كما فسره به غير واحد؛ يعني أن الذمي يؤدب إذا أظهر السكر في مجلس غير خاص به، فيشمل الأسواق وجوائزهم

(2)

التي يدخل المسلمون ولو لبيع أو في بعض الأحيان فيما يظهر، وأما لو أظهروه في بيوتهم وعلمنا ذلك برفع صوتهم أو برؤيتهم من دارنا المقابلة لهم فلا يؤدبون. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ إبراهيم: وعزر على إظهار السكر بين المسلمين والخنزير والجهر بالقراءة بين المسلمين. ومعتقده، عطف على السكر؛ يعني أن الذمي يؤدب إذا أظهر معتقده في المسيح وغيره مما لا ضرر فيه على المسلمين، ولا ينتقض بذلك عهده، وأما ما فيه ضرر على المسلمين كتغيير اعتقادهم فإنه ينتقض بذلك عهده، وكإظهار السكر إظهار قراءتهم بكنائسهم بحضرة مسلم. قاله عبد الباقي. وقد مر مثله عن الشبراخيتي.

(1)

لفظ عبد الباقي ليلا يشتبه.

(2)

في عبد الباقي/ ج 3 ص 146: وحوائرهم.

ص: 537

وبسط لسانه. عطف على قوله: "لترك"؛ يعني أن الذمي يؤدب إذا بسط لسانه على مسلم أو بحضرته لانتهاكه حرمته، والمراد به أن يتكلم ولا يحترم الحاضرين، وإن لم يكن سبا ولا شتما. قاله الشيخ عبد الباقي. وأريقت الخمر؛ يعني أن الذمي إذا أظهر الخمر أو حملها من بلد لآخر فإنها تراق عليه وتكسر آنيتها، وأما إن لم يظهرها فلا تراق عليه وضمن مسلم أراقها حينئذ لتعديه، ويؤدب من أظهر صليبا وخنزيرا في أعيادهم واستسقائهم، ويكسر الصليب. وكسر الناقوس؛ يعني أن الذمي إذا أظهر الناقوس فإنه يؤدب. والناقوس الخشبة التي يضرب عليها لأجل اجتماعهم لصلاتهم ولا شيء على من كسره. المواق: تقدم أن الصليب هو الذي يكسر. انتهى. الرماصي: فيه رمز إلى الاعتراض على المص وهو قصور، ففي الجواهر: وإن أظهروا ناقوسا كسرناه. انتهى. نقله محمد بن الحسن.

والحاصل أنهم لا يرفعون أصوات نواقيسهم بل يضربون بها ضربا خفيفا.

ولما ذكر ما يؤدب فيه ولم يكن ناقضا للعهد بسببه، شرع في أمور تنقض عهده بحيث تصيره كالحربي الأصلي في النظر فيه إذا ظفر به بأحد الأمور الخمسة الخير فيها التي أحدها إباحة استرقاقه خلافا لأشهب القائل بأنه لا يباح رقه، فقال: وينتقض بقتال؛ يعني أن الذمي ينتقض عهده بواحد من سبعة أمور، فيسقط ما كان له من الحماية والذب، أحدها: القتال، والمراد به إظهار الخروج عن الذمة على غير وجه المحاربة، ولا يدخل في ذلك مدافعته عن نفسه من يريد قتله. قاله عبد الباقي. ثانيها أشار إليه بقوله: ومنع جزية؛ يعني أن الذمي إذا امتنع من أداء الجزية فإنه يكون ناقضا للعهد، فيخير فيه الإمام بواحد مما مر، ثالثها أشار إليه بقوله: وتمرد على الأحكام؛ يعني أن الذمي ينتقض عهده بالتمرد على الأحكام بأن يظهر عدم المبالاة بها؛ لأن ذلك مناف للإهانة والصغار الذي أمر الله تعالى به في قوله: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} ، وقوله:"وتمرد على الأحكام"، قال الشيخ عبد الباقي: بأن يظهر عدم المبالاة بها، ويستعين على ذلك بجاه أو استمالة ذي جرءة على المسلمين يخشاه الحاكم على ماله أو نفسه أو عرضه، رابعها أشار إليه بقوله: وغصب حرة مسلمة؛ يعني أن الذمي ينتقص عهده بسبب غصب حرة مسلمة أي الزنى بها مكرهة، ووطئها بالفعل لا بمجرد الغصب، والراجح أنه لابد

ص: 538

فيه من أربعة عدول يرونه كالمرود في المكحلة، وقيل: يكفي اثنان؛ لأن الشهادة على نقض العهد. ابن حبيب: ولها الصداق من ماله، والولد على دين أمه أي مسلم لا أب له، وكذا يكون الولد على دينها إن زنى بها طائعة، وفهم من المص أنه لا ينتقض عهده بغصب الأمة ولا بطوع الحرة المسلمة وهو كذلك مع العقوبة الشديدة، وكذا لا ينتقض عهده بغصب حرة ذمية، وما نقص الأمة في ماله، ومحل عدم نقضه فيهن ما لم يعاهد على أنه إن أتى شيئا من ذلك انتقض عهده وإلا انتقض. انظر الشبراخيتي. خامسها أشار إليه بقوله: وغرورها؛ يعني أن الذمي ينتقض عهده إذا غر حرة مسلمة بأنه مسلم وتزوجها ووطئها، فيخير فيه الإمام بالنظر في واحد من الأمور المتقدمة، واحترز بهذين الأمرين مما إذا طاوعته على الزنى أو علمته وتزوجته ووطئها فلا يكون نقضا فيهما، ويفرق بينهما في مسألة التزوج، واحترز بالحرة المسلمة عن الأمة المسلمة فلا يكون زناه بها ناقضا للعهد طائعة أو مكرهة، إلا أن يعاهد على أنه إن أتى شيئا من ذلك انتقض عهده، ولو زنى بالحرة الكافرة فلا يكون ذلك نقضا طائعة أو مكرهة، وقد مر قريب من هذا.

سادسها أشار إليه بقوله: وتطلعه على عورات المسلمين؛ يعني أن الذمي ينتقض عهده بالتطلع على عورات المسلمين؛ بأن يطلع الحربيين على عوراتهم، كأن يكتب لأهل الشرك بأن الموضع الفلاني للمسلمين لا حارس له ليأتوهم من قبله، فإنه يقتل ليكون نكالا لغيره، والعورة لغة الموضع المنكشف الذي لا حارس له، وعورة العدو ما انكشف من حاله الذي يتوصل منه إليه، ومنه:{إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ} ، وهو مأخوذ من عورة الإنسان المنكشفة. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ إبراهيم: المراد بعورات المسلمين كل ما يقصد إخفاؤه عن العدو. وسابعها أشار إليه بقوله: وسب نبي؛ يعني أن الذمي ينتقض عهده إذا سب نبيا مجمعا على نبوءته عند الأمة، وإن أنكرها اليهود كنبوءة داوود وسليمان، لا إن سب من لم يجمع على نبوءته كالخضر. بما لم يكفر به؛ يعني أن الذمي إنما ينتقض عهده بسب النبي المجمع على نبوءته إنما هو حيث سبه بما لم يكفر به الكفر الذي يقر عليه بأن كفر به، كما في بناني رادا على عبد الباقي الكفر الذي لا يقر عليه، وأما إن سبه بما كفر به الكفر الذي يقر عليه فإنه لا ينتقض عهده بذلك كلم يرسل إلينا،

ص: 539

ونحو ذلك عيسى ابن الله، أو ثالث ثلاثة، فلا يقتل لإقرارهم على ذلك بالجزية، ولكن يوجع أدبا؛ لأن فيه إظهار معتقده، وقول الشفا: لا شيء عليه لا قتل عليه.

قالوا: كليس بنبي، مثال لما ينقض به العهد؛ يعني أن الذميين إذا قالوا في النبي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: ليس بنبي، فإنه ينتقض عهدهم، والضمير في قالوا لأهل المذهب، وذكره على وجه التبري لأن بعض هذه الأمور مما يكفر به، كقولهم: إنه تقول القرآن. قاله التتائي. وقال الشارح: وكأن الشيخ إنما قال: قالوا، متبرئا من ذلك لأنه أيضا مما كفروا به، وفيه نظر. انتهى. قال الشيخ إبراهيم: وقول التتاني واضح، وقول الشارح فيه نظرت لعل وجهه أنه وإن كان مما كفروا به لكن فيه استحقار وانتقاص، وقال الزرقاني: لم ينسبه إلى غيره لقصد التبري منه، بل لكونه كلاما قبيحا لا ينبغي أن ينسبه إلى نفسه، وعلى هذا فالضمير للكفار. انتهى كلام الشيخ إبراهيم.

أو لم يرسل؛ يعني أن الذمي إذا قال في النبي صلى الله عليه وسلم: لم يرسل، فإنه ينتقض عهدد، بخلاف ما لو زاد: إلينا. أو لم ينزل علية قرآن؛ يعني أن الذمي إذا قال في النبي صلى الله عليه وسلم: لم ينزل عليه قرآن، فإنه ينتقض بذلك عهده. أو تقوله؛ يعني أن الذمي إذا قال: تقول محمد القرآن أي اختلقه من قبل نفسه فإنه ينتقض بذلك عهده، روى عيسى عن ابن القاسم في ذمي قال: إن محمدا ليس بنبي أو لم يرسل أو لم ينزل عليه قرآن وإنما هو شيء تقوله أنه يقتل، وأما إن قال: لم يرسل إلينا إنما أرسل إليكم، وإنما نبينا موسى وعيسى لا شيء عليه؛ لأن الله تعالى أقرهم على مثله. قاله الشارح. وقال الشبراخيتي: وهما يعني قوله: "أو لم ينزل عليه أو تقوله"، فالمعنى واحد وإن اختلفا لفظا لكنه مما كفروا به. انتهى.

أو عيسى خلق محمدا؛ يعني أن الذمي إذا قال: عيسى خلق محمدا فإنه ينتقض بذلك عهده، قال القاضي: سئل أبو المصعب عن نصراني قال عيسى خلق محمدا؟ قال: يقتل. قاله الشارح.

أو مسكين محمد يخبركم أنه في الجنة ما له لم ينفع نفسه حين أكلته الكلاب؟ يعني أن الذمي إذا قال: مسكين محمد يخبركم أنه في الجنة ماله لم ينفع نفسه حين أكلته -أي ساقيه-

ص: 540

الكلاب؟ فإنه ينتقض بذلك عهده، قال ابن القاسم: سألنا مالكا عن نصراني بمصر شهد عليه أنه قال: مسكين محمد يخبركم أنه في الجنة فهو الآن في الجنة ما له لم ينفع نفسه إذ كانت الكلاب تأكل ساقيه؟ لو قتلوه استراح منه الناس، قال مالك: أرى أن تضرب عنقه، وقوله: كليس بنبي، إلى هنا مثال للسب الذي لم يكفروا به، والمراد بما لم يكفروا به ما لم يقروا عليه، وبما كفروا به ما أقررناهم عليه، وقوله:"أو مسكين محمد" الخ، قال البساطي: ينبغي أن لا يكون تحت التبري إذ لا شك في قصد التنقيص به وليس من مهيع ما قبله.

وقتل إن لم يسلم؛ يعني أن الذمي إذا سب النبي صلى الله عليه وسلم بما لم يكفر به، فإنه يقتل وجوبا إن لم يسلم، وأما إن أسلم إسلاما غير فار به من القتل لم يقتل، لقوله تعالى:{قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا} الآية، ولا يقال له: أسلم، والفرق بين الذمي الساب يقتل إن لم يسلم والمسلم الأصلي الساب يقتل ولا تقبل توبته من أجل حق الآدمي، هو أن الذمي منعناه من إظهار ما في باطنه من تنقيصه صلى الله عليه وسلم مع علمنا به، فلم يزدنا ما أظهره إلا مخالفة للأمر ونقضا للعهد، فإذا أسلم سقط ما قبله، والمسلم ظننا أن باطنه كظاهره بخلاف ما بدا منه الآن، وأما غير السب مما ينقض به العهد فإنه يوجب الرجوع للأصل من التخيير بين الأمور السابقة الخمسة المشار إليها بقوله: كالنظر في الأسرى بقتل أو من أو فداء أو جزية أو استرقاق، وقيل: لا يسقط إسلام الذمي الساب قتله لأنه حق للنبي صلى الله عليه وسلم، وجب لانتهاك حرمته؛ لأنه إذا لم تقبل توبة المسلم فأولى توبة الكافر، وفي الشفا: لا خلاف عندنا أن الذمي إذا صرح بسب نبينا أو عرض أو استخف بقدره أو وصفه بغير الوجه الذي كفر به أنه يقتل إن لم يسلم، وهذا قول عامة العلماء إلا أبا حنيفة والثوري وأتباعهما من أهل الكوفة، فإنهم قالوا: يؤدب ويعزر. انتهى. ملخصا من كبير الشارح، وشرح عبد الباقي، وحاشية بناني.

وإن خرج لدار الحرب وأخذ استرق؛ يعني أن الذمي إذا خرج من دار الإسلام لدار الحرب ناقضا للعهد، فإنه يسترق إذا أخذ على ما اتفق عليه مالك وأصحابه، وقال أشهب: لا يسترق، وذكر الاسترقاق وإن كان مخيرا فيه الإمام في جميع الوجوه المتقدمة من الاسترقاق وغيره ردا لقول

ص: 541

أشهب: لا يعود الحر إلى الرق أبدا، وأجاب ابن رشد عن قول أشهب بأن الحرية لم تثبت لهم بعتاقة من رق متقدم فلا تنقض، وإنما تركوا على حالهم من الجزية التي كانوا عليها ويعطوها عن يد وهم صاغرون، فإذا منعوا لم يصح العوض وكان للمسلمين الرجوع.

إن لم يظلم؛ يعني أن الذمي إذا خرج لدار الحرب وأخذ فإنه يسترق كما عرفت، ومحل ذلك حيث لم يخرج لأجل ظلم لحقه بل إنما خرج ناقضا للعهد. والإ بأن كان خروجه لأجل أنه ظلم حقه، فلا يسترق، بل يرد لجزيته، ويصدق في قوله: خرجت لظلم لحقني، إن قامت قرينة على ذلك. قاله عبد الباقي. وقال الشيخ إبراهيم: وإلا بأن خرج لظلم لحقه ولو بشك فلا يسترق، كمحاربته، تشبيه بقوله:"فلا"، ولذلك صرح بمفهوم الشرط؛ يعني أن الذمي إذا حارب بدار الإسلام، بأن قطع الطريق لأخذ مال أو لمنع سلوك ولم يظهر الخروج عن الذمة، فإنه إذا أخذ لا يسترق بل يحكم فيه بحكم الإسلام في المحارب المسلم من قتل أو صلب أو قطع أو نفي، ولا يناقض هذا قوله:"وينتقض بقتال"؛ لأن هناك أظهر القتال وهنا متلصص.

وإن ارتد جماعة وحاربوا فكالمرتدين؛ يعني أنه إذا ارتد جماعة بعد إسلامهم الطارئ على كفرهم، وحاربوا بعد الارتداد كمحاربة الكفار للمسلمين ثم ظفرنا بهم، فإن حكمهم حكم المرتدين من المسلمين الأصليين، فيستتاب كبارهم ثلاثة أيام، فإن تابوا وإلا قتلوا، ومالهم فيء، ويجبر صغارهم على الإسلام، وإن حاربوا كمحاربة المسلمين فإن الإمام يخير فيهم للحرابة ثم ينظر فيهم كما ينظر في المرتدين، وما مشى عليه المص هو الراجح.

وقال أصبغ: يحكم فيهم بحكم الحربيين، وقد حكم عمر رضي الله تعالى عنه في أهل الردة من العرب بحكم المرتدين برد الصغار والنساء من الرق لعشائرهم، وأبو بكر رضي الله تعالى عنه قضى فيهم بالسبي بحكم الحربيين. ابن رشد: الذين قضى فيهم أبو بكر بالسبي هم الذين نقض فيهم عمر القضية، وهو خلاف قولهم: إن القاضي لا يرد ما قضى به غيره قبله باجتهاده فتدبر ذلك. ابن عبد السلام: لا نسلم أنه خالف أبا بكر، وإنما فعل تطييبا لنفوس المسلمين لمشقة رؤية أحدهم زوجته وابنته مملوكة، وذكر أنه فعله بعوض: وفعل أبي بكر أجمع عليه الصحابة، واعترض ابن عرفة كلام ابن عبد السلام، قال: والجواب الحقيقي أن الحكم بالسبي في قوم لا

ص: 542

يناقضه الحكم بالمن عليهم لأنه لا منافاة بينهما، وبأن المن مسبب عن السبي والسبب يغاير سببه ولا يناقضه، ولذا كان الإمام في حكمه بالسبي في قوم ثم بالمن عليهم ليس بمتناقض في حكميه، فحينئذ أقول: الصادر من عمر إنما هو المن عليهم لمصلحة لاسيما وقد أسلموا كلهم، لا نقض لحكم أبي بكر، وهذا كله على ما حكاه ابن حبيب وسلمه ابن رشد، وإلا فالذي ذكره أبو الربيع في الاكتفاء أن أبا بكر توفي وهم

(1)

موثقون من غير أن يحكم فيهم بالسبي ولا بغيره، فلما ولي عمر سرحهم، فإذا ثبت هذا فلا إشكال؛ لأن أبا بكر لم ينفذ فيهم الحكم.

وللإمام المهادنة، المهادنة هي صلح الحربي مدة ليس هو فيها تحت حكم الإسلام؛ يعني أن عقد المهادنة لا يتولاه إلا الإمام، فاللام لاختصاص، وينبغي أن نائب الإمام كالإمام. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشبراخيتي: وللإمام حقيقة أو حكما حتى يدخل نائبه، وقدم الجار والمجرور لإفادة الاختصاص؛ أي للإمام لا لغيره من آحاد الناس. انتهى. بخلاف التأمين فيصح ولو من آحاد الناس كما مر. الشبراخيتي عن ابن عرفة: وهي -يعني المهادنة- عقد المسلم مع الحربي على المسالمة مدة ليس هو فيها تحت حكم الإسلام، فخرج الأمان والاستيمان، والمسالمة المتاركة. انتهى. وقد علمت مما مر أن المراد بالمسلم في قوله خصوص الإمام، ولابد من بيان ألفاظ يذكرونها في هذا الباب وهي الأمان والاستيمان والمهادنة والجزية الصلحية والعنوية، فالمهادنة قد علمتها، والأمان هو رفع استباحة دم الحربي ورقه وماله حين قتاله أو العزم عليه مع استقراره تحت حكم الإسلام مدة ما، والجزية الصلحية ما التزم كافر منع نفسه أداءه على إبقائه ببلده تحت حكم الإسلام حيث يجري عليه، والعنوية ما لزم الكافر من مال لأمنه باستقراره تحت حكم الإسلام وصونه، وأما الاستيمان فهو رفع استباحة دم الحربي ورقه وماله، لا في حين القتال أو العزم عليه بسبب طلبه الأمان. والله أعلم.

لمصلحة، متعلق بالمهادنة، واللام للتعليل؛ يعني أن شأن المهادنة موكول إلى الإمام فليفعل ما فيه المصلحة للمسلمين من المهادنة وتركها، فيشمل كلام المص ما إذا كانت المهادنة جائزة، وذلك حيث استوت المصلحة في المهادنة وعدمها، وما إذا تعينت المهادنة فإن تعين عدم المهادنة

(1)

ساقطة من النسخ والمثبت من بناني ج 3 ص 148.

ص: 543

-وذلك إذا كانت المصلحة في عدمها لكون المسلمين ظاهرين على العدو- فلا تجوز حينئذ، وإن بذل العدو المال لقوله تعالى:{فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ} ، ولقد طلب الطاغية ذلك من عبد الله بن هارون، وبذلوا مائة ألف دينار كل عام، فشاور الفقها، في ذلك فقالوا له: إن الثغور اليوم ضامرة وفيها أهل البصائر وأكثرهم [فازعون]

(1)

من البلدان. فمتى انقطع عنهم الجهاد تفرقوا وخلت الثغور للعدو، والذي تصيب أهل الثغور منهم أكثر من مائة ألف، فصوب ذلك ورجع إليهم، ولا بأس أن يصالحوا على غير شيء يؤخذ منهم، وقد (صالح رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديبية على غير شيء

(2)

)، والمراعى في ذلك ما يراه الإمام الأصلح.

إن خلا عن كشرط بقاء مسلم؛ يعني أن المهادنة إنما تجوز إذا خلت عن شرط فاسد، وذكر الضمير باعتبار العقد أو الصلح، وأما إن لم يخل عقد المهادنة عن شرط فاسد فإنها لا تجوز، مثال الفاسد ما إذا اشترطوا بقاء مسلم أسير بأيديهم، وفعله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية خاص به لا علم في ذلك من الحكمة وحسن العاقبة. نقله الإمام الحطاب. ومن الشرط الفاسد ما إذا شرطوا بقاء قرية للمسلمين خالية لهم، وكذا لو شرطوا الحكم بين مسلم وكافر بحكمهم.

وتحصل من كلام المص أن المهادنة تجوز بثلاثة شروط، الأول: أن تقع من الإمام لا من غيره، الثاني: أن تكون لمصلحة، الثالث: أن تخلو عن شرط فاسد ولم يعطف الثالث بالواو لجعل السابقين كالموضوع للمهادنة. قاله الشيخ عبد الباقي. وإن بمال. يحتمل أنه مبالغة في مفهوم الشرط، والمعنى على ذلك أن المهادنة إذا لم تخل عن شرط فاسد فإنها لا تجوز، وإن كان الشرط المذكور مع مال أي مصاحبا له يدفعه أهل الكفر لنا، لقوله تعالى:{فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ} ، ويحتمل أن تكون المبالغة في المنطوق؛ أي تجوز المهادنة إن خلت عن شرط فاسد، وإن كان الفاسد بسبب مال يلتزمه الإمام للعدو. إلا لخوف؛ معناه -على أن المبالغة في المنطوق- تجوز المهادنة إن خلت عن شرط فاسد، وإن كان الفساد بسبب مال يدفعه الإمام للكفار فتمنع إلا لأجل خوف ضرر أشد من دفع المال لهم فتجوز على دفع مال لهم، وأما على أن

(1)

في الجواهر ج 1 ص 497 نازحون.

(2)

صحيح البخاري، كتاب الصلح، رقم الحديث، 2700. وصحيح مسلم، كتاب، الجهاد والسير، رقم الحديث، 1783.

ص: 544

المبالغة في المفهوم، فالمعنى إذا لم تخل المهادنة عن شرط فاسد لم تجز، وإن كان ذلك الشرط مصاحبا لمال يدفعوه

(1)

لنا إلا لخوف ضرر أشد، كاستيلائهم على المسلمين فتجوز المهادنة حينئذ، ويجوز كل ما منع، وإنما جاز أن يهادنهم الإمام على مال يدفعه لهم عند الخوف، (لمشاورته صلى الله عليه وسلم لسعد بن معاذ وسعد بن عبادة لما أحاطت القبائل بالمدينة في أن يبذل للمشركين ثلث الثمار، لما خاف أن تكون الأنصار ملت القتال، فقالا: إن كان هذا من الله سمعنا وأطعنا، وإن كان رأيا فما أكلوا منها في الجاهلية تمرة إلا بشراء أو قرى، فكيف وقد أعزنا الله بالإسلام؟ فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم عزمهم على القتال ترك ذلك

(2)

)، فلو لم يكن الإعطاء عند الضرورة جائزا لما شاور رسول الله صلى الله عليه وسلم. انظر الشبراخيتي وحاشية الشيخ محمد بن الحسن.

ولا حد؛ يعني أن مدة المهادنة ليس لها حد واجب لا يجوز النقص عنه ولا الزيادة عليه وإنما هي باجتهاد الإمام وما يراه مصلحة، وقوله:"ولا حد"، جملة مستأنفة لبيان الحكم وليست شرطا. وندب أن لا تزيد على أربعة أشهر؛ يعني أنه يندب للإمام أن لا يزيد في مدة المهادنة على أربعة أشهر لاحتمال حصول زيادة قوة للمسلمين، وكلام المص حيث كانت المصلحة في ذلك وفي غيره على السواء وإلا تعين ما فيه المصلحة. أبو عمر: يستحب أن لا تكون مدتها أكثر من أربعة أشهر إلا مع العجز. وإن استشعر خيانتهم نبذه؛ يعني أنه يجب على الإمام أن ينبذ عقد المهادنة أي يطرحه ويحُلهُ حيث استشعر خيانة العدو؛ أي ظن ظنا قويا أن الخيانة حاصلة منهم بظهور دلائلها، والخيانة هي ما يؤذن بنقض العهد. وأنذرهم؛ يعني أنه يجب على الإمام إذا نبذ عهدهم، أن ينذرهم بأن يعلمهم إعلاما حقيقيا أنه طرح المهادنة بينه وبينهم، لقوله تعالى:{وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ} ، ويعلمهم أنه يقاتلهم وأنه لا معاقدة بينه وبينهم، وأما إن تحقق خيانتهم فإنه ينبذ عهدهم من غير إنذار. قال الشبراخيتي: ابن العربي: إن قيل: كيف ينقض العهد المتيقن بالخوف وهو ظني؟ قيل: إذا ظهرت آثار الخيانة

(1)

كذا في النسخ.

(2)

مجمع الزوائد ج 6 ص 135.

ص: 545

ودلائلها وجب نبذه خوف الوقوع في الهلكة بالتمادي، وسقط اليقين هنا بالضرورة أي بسببها. انتهى.

ووجب الوفاء؛ يعني أنه يجب على الإمام أن يفي لهم بما شرطوه عند عقد المهادنة إذا كان الشرط صحيحا، فلا يجوز أن يشترط رد من جاءنا منهم مسلما عليهم وذلك ممنوع في الرجل، كالرأة إذا جاءت إلينا مهاجرة مسلمة فلا يحل ردهما

(1)

ولا يجوز شرط ذلك. نقله في الجواهر. وقال المازري: عندنا يرد من جاء مسلما وفاء بالعهد إذا كان من الرجال دون النساء لقوله تعالى: {فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ} ، ولأن ردتهن أقرب، وقيل: يمنع رد الجميع لحرمة الإسلام. قاله الشارح. وإن برد رهائن. المراد بالرهائن هنا ناس من العدو نأخذهم يكونون عندنا حتى تنقضى مدة المهادنة توثقا في الأمان ودفعا للخيانة؛ والرهائن هي: "لِمْنَازْلَ" بالحسانية؛ يعني أن الكفار إذا رهنوا لنا ناسا منهم حتى تنقضي مدة المهادنة، فإنه يجب علينا الوفاء بأن نرد إليهم رهائنهم أي ناسهم الكفار الذين رهنوهم لنا.

ولو أسلموا؛ يعني أنه يجب على الإمام أن يرد إلى الكفار رهائنهم الذين رهنوهم لنا كفارا ولو أسلموا بعد ذلك، فيردهم إليهم وهم مسلمون بشرط أن يكون عند العدو رهائن مسلمون، وتوقف تخليص الرهائن المسلمين الذين عند الكفار على رهائن الكفار الذين أسلموا، فإن لم يكن عند العدو رهائن مسلمون أو كانوا عندهم ولم يتوقف تخليص الرهائن المسلمين الذين عند الكفار على رد الرهائن الكفار الذين طرأ إسلامهم لم نرد لهم من أسلم من رهائنهم. روى ابن وهب أن مالكا سأله أهل المصيصة إذ رهنوا منهم سبعة وارتهنوا من الروم سبعة حتى يفرغ ما بينهم، فأسلم الذين بأيدينا وأبوا الرجوع إلى بلدهم؟ فقال: يردون إليهم، قال ابن حبيب: قال [من لقيت]

(2)

من أصحابه المدنيين: ومعنى ذلك أن الروم حبسوا من عندهم من المسلمين حتى نردها، فإن رجي خلاص أولئك فلا يرد إليهم هؤلاء. نقله الشارح. وما شرحت به قول المص "ولو أسلموا"، من تقييده بما إذا كان عند العدو رهائن مسلمون هو للشيخ عبد الباقي، وقال الشيخ بناني عن

(1)

في الجواهر ج 1 ص 498 ردها.

(2)

ساقط من النسخ والمثبت من الجواهر ج 1 ص 498.

ص: 546

الرماصي: هذا القيد نقله في الجواهر عن ابن حبيب، واعتمده الشارح في الكبير، وتبعه علي الأجهوري وفيه نظر؛ لأن ذلك لابن حبيب، وإنما قاله على أصله في عدم رد الرهائن والرسل إن أسلموا ولو مع شرط ردهم إن أسلموا، ومذهب ابن القاسم خلافه، بل ترد الرهائن والرسل عنده ولو بلا شرط ولو أسلموا وهو قول مالك.

ابن عرفة: سمع سحنون رواية ابن القاسم: إن أسلم رسول أهل الحرب رد إليهم. ابن رشد: وقال ابن حبيب: لا يرد إليهم ولو شرطوه، وثالثها: إلا أن يشترطوه. انتهى كلام الشيخ بناني. وقوله: "ولو أسلموا"، لا يخالف قوله: إن خلا عن كشرط بقاء مسلم، لحمل ما هنا على من طرأ إسلامه بعد عقد المهادنة، وحمل الأول على من سبق إسلامه عقد المهادنة، أو أن ما سبق في البقاء وهذا في الرد، ولا يلزم منه البقاء لجواز فراره أو فدائه. قاله الشيخ عبد الباقي.

وعلم مما قررته أن المص رد بلو على ابن حبيب، وقال الإمام الحطاب: قال ابن عرفة: المازري: لو تضمنت المهادنة أن يرد إليهم من جاءنا منهم مسلما لوفي لهم بذلك في الرجال، لفعله صلى الله عليه وسلم دون النساء، لقوله تعالى:{فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ} . ابن شأس: لا يحل شرط ذلك في نساء ولا في رجال: فإن وقع لم يحل ردهما، قلت: ومثله لابن العربي، قال: وفعله صلى الله عليه وسلم خاص به لما فيه من الحكمة وحسن العاقبة. انتهى كلام الحطاب.

كمن أسلم؛ يعني أنهم إذا شرطوا علينا عند عقد المهادنة أن نرد إليهم من جاءنا منهم مسلما، فإنه يوفى لهم بذلك وجوبا إن كان من الرجال دون النساء، لقوله تعالى:{فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ} ، وقوله:"كمن أسلم"، سواء كان إسلامه قبل مجيئه أو بعده، (لفعله صلى الله عليه وسلم في أبي جندل وأبي بصير

(1)

)، وقوله:"كمن أسلم"؛ يعني: وليس رهنا كما قاله الشبراخيتي، وهو واضح، وبالغ على وجوب رد من أسلم بقوله: وإن رسولا؛ يعني أنهم إذا شرطوا أن يرد عليهم من أسلم منهم فإنه يوفى لهم بذلك وجوبا، ولا فرق في ذلك بين الرسول وغيره، خلافا لابن الماجشون في الرسول، وقد علم من هذا أنه لا فرق بين من جاء هاربا ومن جاء طائعا، فلا يقصر الحكم بالرد على من جاء هاربا، قال الشيخ عبد الباقي: وهذا ظاهر حيث قالوا

(1)

صحيح البخاري، ج 5، ص 67.

ص: 547

في شرطهم: من جاءكم، فإن قالوا: من جاءكم هاربا، فالظاهر أنه لا يجب رد الرسول، قال: وينبغي جريان القيد المتقدم في قوله: "كمن أسلم"؛ يعني القيد الذي قدمه في رد الرهائن منهم الذين أسلموا، وهو أن يكون عند العدو رهائن مسلمون وتوقف تخليصهم على رد أولئك. والله سبحانه أعلم.

إن كان ذكرا، شرط في المسألتين قبله؛ يعني أن ما ذكر من وجوب رد الرهائن الذين أسلموا ورد من أسلم وإن رسولا، محله في المذكور، وأما الأنثى فلا ترد ولو مع شرط ردها صريحا لقوله تعالى:{فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ} ، ولعله إلا لمفسدة أعظم، وينبغي عدم الرد لعموم الآية ولو كانت عندهم مسلمة سافرت في جيش آمن وأسروها، وتوقف تخليصها على رد التي أسلمت. وانظر في الخنثى المشكل. قاله الشيخ عبد الباقي.

وقد تقدم كلام ابن شأس وابن العربي: أنه لا يوفى لهم بالشرط في رد من أسلم من الرهائن وغيرهم ذكرا كان أو أنثى، وقولُ ابن العربي: إن فعله صلى الله عليه وسلم خاص به.

وفدي بالفيء؛ يعني أنه يجب على المسلمين أن يفدوا من كان من المسلمين بأيدي الكفار، ومن رد إليهم ممن أسلم ومن الرهائن الذين أسلموا، ويجب على الإمام أن يبدأ في الفداء بالفيء أي بيت المال. ثم بمال المسلمين؛ يعني أنه إذا تعذر بيت المال أو تعسر أو قصر عما فيه الكفاية فإنه يجب كفاية أن يفدى من ذكر بمال المسلمين؛ أي من يمكن الأخذ منه من أهل قطره وهو كواحد منهم لا ما بعد جدا، قال في العتبية: يجب على المسلمين فداء أساراهم بما قدروا عليه، كما عليهم أن يقاتلوا حتى يستنقذوهم، وإن لم يقدروا على فداهم إلا بكل ما يملكون فذلك عليهم. ابن عرفة: ما لم يخش استيلاء العدو بذلك.

ثم بماله؛ يعني أنه إذا تعذر فداؤه من الفيء وأموال المسلمين فإنه يجب على من ذكر أن يفدوا أنفسهم بأموالهم؛ أي يجب على من له مال منهم أن يفدي نفسه بماله ويحرم عليه البقاء عندهم لظن جري أحكامهم عليه، قوله:"بمال المسلمين" أعاده مع تقدمه ليبين تأخيره عن الفيء وتقديمه على ماله، وقدم مال المسلمين لأنه يحملهم على قتال الكفار، وليس للإمام أن يلزم واحدا من المسلمين بذلك، وإنما عليهم بمقدار يسرهم، وقوله:"وفدي بالفيء"، هذه طريقة ابن

ص: 548

رشد، وقيل: يفدى من ماله، فإن لم يكن فمن بيت المال لخ، وهذه طريقة ابن حارث عن ابن عبدوس عن سحنون. واختاره اللخمي. قاله الشيخ بناني. وقوله:"وفدي بالفيء"، قال عبد الباقي شارحا له: وفدي من أسلم ورد للكفار من الرهائن أو غيرهم، وأولى المسلم الأصلي الأسير. واعلم أَن الأسير الذمي لا يفدى بفيء ولا بمال المسلمين ولا يتعرض له في ماله كما قاله الشيخ عبد الباقي.

ورجع بمثل المثلي، قد علمت أن الأسير بأيدي العدو من المسلمين يفدى بالفيء إلى آخر ما مر، فإذا لم يكن فداؤه على الوجه المذكور سيفيده المص فإن الفادي المسلم واحدا أو متعددا يرجع عليه أي على الأسير المفدي بمثل ما فداه به إن كان مثليا. وقيمة غيره؛ أي المثلي وهو القوم، يعني أنه إذا لم يكن ما فدي به مثليا بل كان مقوما، فإن الفادي يرجع بقيمته بمحل الفداء على المفدي، ومثل الفداء ما لو اشتراه، وما قررت به المص هو الذي للشيخ الأمير، ونصه: وفدي المسلم بالفيء ثم مال المسلمين وهو أحدهم ثم ماله، فإن تعسر ما سبق وفداه إنسان رجع عليه إن لم يقصد صدقة، وهل بجميع ما دفع واعتمد أو بما لا يمكن الخلاص بدونه وهو الوجيه؟ خلاف. انتهى. قوله: واعتمد، قال في الشرح: نقلا، وقوله: ثم مال المسلمين، قال في الشرح: ولو استغرقه لتتحرك حمية الجهاد إلا أن يلزم استيلاؤهم علينا، وقال الشيخ بناني عند قوله:"ثم بمال المسلمين" ما نصه: روى أشهب ولو بجميع مال المسلمين. ابن عرفة: ما لم يخش استيلاء العدو بذلك، وما تقدم عن الأمير راجع للإشكال، وقال الشيخ عبد الباقي: واستشكل رجوعه بأن كون المفدي كواحد منهم يقتضي أنه لا يرجع عليه بما دفع عنه؛ إذ هو كقاتل الخطإ تكون الدية على عاقلته وهو كواحد منهم، ولا يرجعون عليه، وأيضا لو كان لهم رجوع عليه لكان فداؤه بماله الموجود بأرض الإسلام مقدما على مالهم، ولما كان للوجوب عليهم فائدة، وأجيب بأنه فيما إذا فداه المعين مع علمه أو ظنه أن الإمام لا يفديه من بيت المال ولا مما يجمعه من المسلمين وفداه بقصد الرجوع كما يذكره، وأما إن علم أو ظن أو شك أن الإمام يفديه من بيت المال أو مما يجمعه من المسلمين وفداه بقصد الرجوع، فإنه لا رجوع له عليه لحمله على التبرع وتفريطه، أو أنه فداه بغير علم الإمام كما قررنا وما مر بعلمه، وإذا جهل الفادي المذكور أن الإمام

ص: 549

يلزمه فداؤه من بيت المال أو أن يجمع له ما يفديه به من ماله وفداه بقصد الرجوع فإنه يرجع أيضا، والظاهر أنه لابد من حلفه كما يرشد له قوله في باب الرهن:"وحلف المخطئ الراهن أنه ظن لزوم الدية ورجع"، ثم رجوعه بمثل المثلي إن كان المثلي عينا أي ذهبا أو فضة فواضح، وإن كان غيرهما أي كقمح رجع بمثله بمكان دفعه فيه كما قدمنا. وهذا صادق بما إذا كانت قيمته بمكان دفعه أكثر من قيمته بمكان قضائه وعكسه. انتهى. وقال في تقرير المص: ورجع المسلم الفادي أو المشتري المعين واحدا أو متعددا بغير علم الإمام على الأسير مسلما أو ذميا حرا أو عبدا، وفداء العبد كجنايته يخير سيده بمثل المثلي يدفعه للفادي في محل الفداء، فإن تعذر فقيمته بمحل الفداء. انتهى.

قال الشيخ بناني: قوله: وأجيب بأنه فيما إذا فداه الخ، هذا الجواب غير ظاهر؛ لأن العلم بأن الإمام لا يفديه لا يقتضي تقديم مال الأسير على بيت المال. وكذا يقال في الجواب الذي بعده، ولذا قال ابن رشد واللخمي: القياس أن لا يتبع المفدي بشيء. انظر كلامهما في المواق. وتأمله، وقوله:"بمثل المثلي"، مثله للباجي وابن بشير، وقال ابن عبد السلام: الأظهر المثل مطلقا؛ لأنه قرض. ابن عرفة: الأظهر إن كان الرجوع بقول المفدي: افدني وأعطيك الفداء، فالمثل مطلقا لأنه قرض، وإن كان بغيره فقول الباجي لأن السلعة المفدي بها لم يثبت لها تقرر في الذمة ولا التزامها قبل صرفها في الفداء، فصار دفعها هلاكها

(1)

). انتهى.

علي الملي، متعلق برجع؛ يعني أن الأسير إذا وجب للفادي عليه الرجوع فإنه يرجع على الملي بمثل المثلي وقيمة المقوم، يأخذ منه ذلك الآن. والمعدم؛ يعني أن الأسير المسلم إذا كان معدما فإن عدمه لا يمنع من الرجوع عليه، فهو كالملي إلا أنه يرجع عليه باتباع ذمته فينظره إلى ميسرته. ابن رشد: وأما من فدى أسيرا لا مال له بغير أمره، فالصحيح الذي يوجبه النظر أنه ليس له أن يتبعه بما فداه به؛ لأن ذلك إنما يتعين على الإمام وجميع المسلمين، وظاهر الروايات خلاف ذلك وهو بعيد. انتهى قاله الحطاب.

(1)

في البناني ج 3 ص 150 كهلاكها.

ص: 550

إن لم يقصد صدقه؛ يعني أن محل رجوع الفادي على المفدي إنما هو حيث لم يقصد التصدق عليه بالفداء؛ بأن قصد الرجوع أو لا قصد له، وأما إن قصد بالفداء الصدقة عليه فإنه لا يرجع بشيء، والقول قوله في قصد الصدقة وعدمه؛ لأنه أمر لا يعلم إلا من جهته. ولم يمكن خلاصه بدونه؛ يعني أنه يشترط في رجوع الفادي على المفدي أيضا أن لا يمكن تخليصة إلا بالفداء الذي دفعه: فيرجع حينئذ بجميع ما دفعه، فإن أمكن تخليصه بدون شيء لم يرجع كبيت المال، فإنه إذا أمكن تخليصه به لم يرجع، وإن أمكن تخليصه بأقل مما خلصه به رجع بقدر ما يمكن أن يخلص به، فالصور ثلاث، مفهومه اثنتان ومنطوقه واحدة.

قال الرماصي: هذا القيد -يعني قول المص: ولم يمكن خلاصه بدونه- للخمي: وجعله ابن عرفة وابن بشير مقابلا، فجعل المؤلف له هنا، وفي التوضيح تقييدا للمذهب منتقد عليه، قال محمد بن الحسن: فيه نظر، والظاهر ما فعله المص تبعا لابن عبد السلام. إلا محرما، مستثنى من قوله:"ورجع"؟ يعني أن محل رجوع الفادي على المفدي بمثل المثلي وقيمة المقوم، إنما هو حيث لم يكن الفادي محرما من القرابة للمفدي، وأما إن كان محرما له فإنه لا يرجع عليه بشيء، وخرج بمحرم القرابة محرم الصهر والرضاع. أو زوجا؛ يعني أن الزوج إذا أسرت زوجته وفداها فإنه لا يرجع عليها بشيء، كما أن الزوج إذا أسر وفدته زوجته لا ترجع عليه بشيء، فالأسير المسلم إنما يرجع عليه حيث لم يكن زوجا ولا محرما، وإلا فلا، لكن بشرط أشار إليه بقوله: إن عرفه؛ يعني أن محل عدم الرجوع بالفداء على الزوج والمحرم إنما هو حيث عرف الفادي كلا منهما حين الفداء، وأما إن لم يعرف حين الفداء أنه زوج أو محرم ثم تبين بعد ذلك أنه زوج أو محرم فإن الفادي يرجع على المفدي، وأفرد المؤلف الضمير لأن العطف بأو.

وبعما قررت علم أن قوله: "إن عرف"، شرط في مسألتي المحرم والزوج، وقوله: إلا محرما أي وهو لا يعتق عليه، ولهذا قال: أو عتق عليه؛ يعني أنه يشترط في عدم رجوع الفادي على قريبه المحرم أحد أمرين أن يعرفه أو يكون ممن يعتق عليه.

والحاصل أن الفادي إذا كان زوجا للمفدي لا يرجع عليه بالفداء إذا عرفه حين الفداء، فإن فداه وهو لا يعرفه فإنه يرجع عليه بما فداه به، وأن الفادي إذا كان قريبا محرما للمفدي يرجع عليه

ص: 551

بما فداه به بشرطين، أن لا يعتق عليه، وأن لا يعرفه حين الفداء، فإن عتق عليه فإنه لا يرجع عليه عرفه أم لا، وإن لم يعتق عليه وعرفه لم يرجع عليه، وإن لم يعرفه حين الفداء رجع عليه كما مر، وإن كان الفادي قريبا غير محرم فهو كالأجنبي بلا خلاف يرجع عليه إن لم يقصد صدقة ولم يمكن الخلاص بدونه.

إلا أن يأمره به، مستثنى من قوله:"إن عرفه أو عتق عليه". قاله الشيخ إبراهيم؛ يعني أن المفدي إذا كان زوجا للفادي أو محرما له وعلم الفادي ذلك فيهما: أو كان المحرم يعتق عليه وأمر الفادي بالفداء، فإن الفادي يرجع حينئذ على المفدي بالفداء حيث التزم المفدي الفداء، كما أشار إلى ذلك بقوله: ويلتزمه؛ أي يشترط في رجوعه عليه بالفداء أمران، الأمر بالفداء والتزامه له، كأن يقول: افدني وأعطيك الفداء، وظاهر كلام ابن حبيب أن الزوج يرجع على زوجته بما فداها به بأمرها وإن لم تقل له ذلك، خلاف ما ذهب إليه فضل من أنه لابد من أن تقول: افدني وأعطيك الفداء، فالواو على بابها للجمع. قاله الشيخ بناني. وقال الشيخ عبد الباقي: إن الواو بمعنى أو؛ أي يرجع الفادي الزوج أو القريب المحرم على المفدي بحصول أحد أمرين، أن يأمره المفدي بالفداء أو يلتزم لد الفداء، قال الشيخ بناني: فيه نظر، وعبارة ابن الحاجب: فلا رجوع إلا أن يأمره ملتزما، وقرره في التوضيح على ظاهره. انتهى. وفي شرح الشيخ عبد الباقي: ثم ما ذكره المص يقيد بغير الأب العدم، وأما هو فلا يرجع عليه ولده الفادي له ولو أشهد أو أمره به، ومثل الأب الأم، بل مقتضى التعليل أن من تجب عليه نفقته من ولده كذلك. انتهى.

وقدم علي غيره؛ يعني أن الفادي حيث قلنا: إنه يرجع بالفداء فإنه يقدم على غيره من أرباب الديون، أما بالنسبة إلى ما قدم به من بلاد العدو فلا إشكال فيه لأنه دفع ذلك في رقبته وفيما في يديه، وأما بالنسبة إلى ماله الذي في بلد الإسلام فقال عبد الملك وسحنون: هو أولى به أيضا؛ لأن الفداء آكد، بدليل أنه يفدى بغير رضاه وبأضعاف قيمته، وإلى ما ذهب إليه عبد الملك وسحنون أشار بقوله: ولو في غير ما بيده؛ أي أنه لا فرق في تقديم الفادي في مال الأسير على غيره من أرباب الديون، بين أن يكون المال بيد الأسير في بلاد العدو حين الفداء، وبين أن يكون المال ببلد

ص: 552

الإسلام، ورد بلو على ابن المواز القائل: هو إسوة الغرماء فيما بيده وهو أقيس؛ لأن الفداء تعلق بذمته كالدين.

ابن يونس: وعلة ابن الماجشون أصح من علة محمد. نقله الشارح. وعلق "برجع"، قوله: على العدد؛ يعني أن من فدى أسارى من المسلمين كخمسين بألف دينار مثلا ومنهم ذو القدر وغيره والملي والمعدم، وقلنا: يرجع عليهم بالفداء فإنه يكون على عددهم بالسوية. إن جهلوا قدرهم؛ يعني أن محل رجوع الفادي على المفديين بالنسبة لعدد رؤوسهم إنما هو حيث جهل العدو قدر الأسارى أي غناهم وفقرهم أو رفعتهم وضدها، وأما إن علم العدو قدرهم بالمعنى المذكور فإنه يقسم الفداء على تفاوت أقدارهم بحسب العادة: فإن علموا قدرهم أو جهلوا ولو بقرينة عمل على ذلك، وإلا حملوا على الجهل بقدرهم. والقول للأسير في الفداء؛ يعني أنه إذا اختلف الفادي والأسير في أصل الفداء، فقال الأسير: خلصتني بغير شيء، وقال الفادي: بل بمال، فإن القول قول الأسير، بيمين أشبه أم لا حيث لا بينة.

أو بعضه؛ يعني أنهما إذا اختلفا في قدر الفداء وهو مراده ببعضه كما في الشارح، فقال الأسير: بكذا، وقال الفادي: بأكثر من ذلك، فالقول قول الأسير بيمين أنتبه أم لا حيث لا بينة للفادي، والذي رواه ابن حبيب عن ابن القاسم وابن الماجشون ومطرف وأصبغ أن القول قول الأسير إن أشبه. قاله الشارح. وقال الشبراخيتي: ابن رشد: وليس هذا على أصولهم، والجاري عليها أنه إذا اختلفا في مبلغ الفداء أن يصدق الأسير إن أشبه، وإلا صدق الفادي إن أشبه وإلا حلفا ولزمه فداء المثل وكذا إن نكلا ويقضى للحالف على الناكل، وإن اختلفا في أصل الفداء صدق الأسير. انتهى. ولو كان في يده، الضمير في كان عائد على الأسير، والضمير في يده عائد على الفادي، يعني أن القول للأسير ولو كان الأسير بيد الفادي، ونقل الباجي عن سحنون أن القول قول الفادي إذا كان الأسير بيده، قال الخرشي: ولك أن تقول: القول للأسير، ولو كان مال الأسير بيد الفادي، وهذه النسخة هي الصواب كما قاله غير واحد، وفي نسخة: ولو لم يكن في يده أي ولو لم يكن مال الأسير في يده أي في يد الأسير، بل كان في يد الفادي وادعى الأسير أنه وديعة والفادي أنه أمره بالفداء به، وأنه أعطاه له لذلك. قاله عبد الباقي. والصواب الأولى كما مر.

ص: 553

وقد قال ابن عبد السلام: فالذي يظهر من هذا النقل أنه إن لم يكن في يديه فالقول للأسير، وإن كان في يده فقولان. انتهى. وعلى هذا تكون نسخة: ولو لم يكن في يده معكوسة؛ أي إن جعل الضمير في يكن للأسير وفي يده للفادي، وقد صرفه عبد الباقي عن ذلك كما رأيت. والله سبحانه أعلم. وجاز بالأسري المقاتلة؛ يعني أنه يجوز فداء أسرى المسلمين من العدو بأسارى الكفار الذين بأيدينا، وإن كان أسارى العدو من المقاتلة، وإلى هذا ذهب أصبغ في العتبية لما في صحيح مسلم أنه صلى الله عليه وسلم فدى أسيرين بمشرك. اللخمي: ما لم يخش بتسليمهم الظهور على المسلمين، وأما إن كان إنما يخشى وقوع الضرر بالقتال الذي يحدث بعد تسليمهم فلا بأس به، لأن القتال لاستنقاذهم يجب مع وقوع الضرر بالقتال، إلا أن يعطوا عهدا أن لا يقاتلونا معهم ويري أنهم يوفون بذلك.

سحنون: لا بأس أن يفدى بصغار أطفالهم إذا لم يسلموا، وبالذمي إذا رضي الذمي وكانوا لا يسترقونه، وحكى ابن الحاجب قولا أنه لا يجوز بأسرى العدو المقاتلة. ابن عبد السلام: ولا شك أن من منع المفاداة بآلات الحرب منع هذا. قاله الشارح. وقوله: "وجاز بالأسرى المقاتلة"، قال غير واحد: أي التي شأنها القتال لأنه مترقب وخلاص المسلم محقق. انتهى. قال الشيخ إبراهيم: وقيده اللخمي بما إذا لم يخش الظهور على المسلمين إلا أن يحلفوا على عدم القتال ويري أنهم يوفون بذلك، وقيده بعضهم بما إذا كان لا يمكن خلاص أسرى المسلمين إلا بخلاص أسراهم. انتهى.

وبالخمر؛ يعني أنه يجوز فداء أسرى المسلمين أيضا بالخمر. والخنزير؛ أي وكذلك يجوز أيضا فداء أسارى المسلمين بالخنزير، والحاصل أنه يجوز فداء أسارى المسلمين بالخمر والخنزير ونحوهما وهو مذهب سحنون وأحد قولي ابن القاسم، قال في كتاب محمد: هو أخف من الفداء بالخيل وآلة الحرب. ومنع أشهب ذلك وابن القاسم في القول الآخر، وإذا قلنا بالجواز، فنقل اللخمي وابن يونس وصاحب البيان عن سحنون أنه قال: يأمر الإمام أهل الذمة بدفع ذلك إليهم ويحاسبهم بقيمته في الجزية، زاد ابن يونس: فإن أبوا فلا يجبروا. على الأحسن؛ يعني أن ابن عبد السلام استظهر قول سحنون الذي هو جواز الفداء بما ذكر واستحسنه اللخمي أيضا، قال:

ص: 554

لأنه قد أبيح للمسلم استعمال هذه للضرورة، ومعونة الكافر على استعمالها أخف. قاله الشارح. وفيه مخالفة مع ما قاله الشيخ بناني، فإنه قال: الجواز لأشهب وعبد الملك وسحنون، والمنع لابن القاسم، وسوى المص بين القولين؛ لأن انفراد ابن القاسم يضعف قوله، وتقديم الشيوخ قوله على قول غيره يقويه. قاله البساطي. وقال عبد الباقي: ولا بأس بابتياع ذلك لهم أي باشتراء الخمر والخنزير، وقال أيضا: وظاهر المص أنه يجوز الفداء بما ذكر ولو أمكن الخلاص بغيره وهو ظاهر النقل أيضا، ويفهم منه جواز الفداء بالطعام بالأولى. انتهى. وقوله: وهو ظاهر النقل، قال محمد ابن الحسن: فيه نظر؛ إذ كيف يكون ظاهر النقل الجواز مع أنهم عللوا المسألة كما في الواق بأن هذه ضرورة، وذلك ينافي الجواز مع إمكان الخلاص بغيره؟

ولا يرجع به على مسلم؛ يعني أن الأسير إذا افتكه مسلم بخمر أو خنزير، فإن الفادي لا يرجع عليه بشيء حيث كان الأسير مسلما، وكذا لو كان الأسير كافرا لوجوب إراقة الخمر على المسلم، فلو حذف قوله:"مسلم" لكان صوابا، وفي الشبراخيتي: كان الأولى أن يقول: ولا يرجع به مسلم على مثله اتفاقا، ولا على ذمي على الأصح، ويرجع به الذمي على مثله اتفاقا أي إن تحاكموا إلينات وعلى المسلم على الأصح ليوافق النقل. انتهى. وأما إن اشتراه فيرجع بثمنه. انتهى كلام الشبراخيتي.

قوله: وأما إن اشتراه الخ، إنما يرجع لا إذا كان الفادي كافرا كما في المواق.

والحاصل أن الصور ثمان؛ لأن الفادي إذا كان مسلما، فإما أن يفدي مسلما أو كافرا، وفي كل إما أن يخرج ما ذكر من الخمر والخنزير من عنده أو يشتريه، والحكم أنه لا رجوع له على من فداه بما ذكر، كان المفدي مسلما أو كافرا، وإن كان الفادي كافرا، فإما أن يفدي مسلما أو كافرا، وفي كل إما أن يخرج ما ذكر من عنده أو يشتريه، والحكم أنه إن فدى مسلما رجع بقيمة ما ذكر عندهم إن أخرج ذلك من عنده، فإن اشتراه رجع بثمنه، وإن فدى كافرا رجع بما فداه به أي حكم له بذلك إن ترافعا إلينا اشتراه أو كان عنده. والله تعالى أعلم. قال المشدالي: ويجوز فداء الأسير بنصراني ميت، وقال الحطاب عقبه: قلت: الذي نص عليه عياض المنع، وفي القرطبي: ومما لا يجوز بيعه جسد الكافر لأنه ميتة، وقد أعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق

ص: 555

في جسد نوفل بن عبد الله المخزومي عشرة آلاف درهم فلم يأخذها ودفعه إليهم، وقال: (لا حاجة لنا بجسده ولا بثمنه

(1)

). انتهى.

تنبيه: من غصب جارية ثم ماتت بعد أن باعها الغاصب، فإن لربها إجازة البيع وأخذ الثمن الذي بيعت به. انتهى. ولا يستقرأ منه جواز فداء الأسير بنصراني ميت؛ لأنه إنما نظر هنا إلى يوم العقد، ولو نظر إلى يوم الإجازة وأجاز لصح الآخر، والحكم فيه من غير هذا الموضع الجواز. قاله المشدالي. نقله الحطاب. وتقدم كلامه معه.

وفي الخيل وآلة الحرب قولان؛ مبتدأ وخبرد المجرور قبله؛ يعني أنه اختلف على قولين في جواز فداء أسرى المسلمين من العدو بالخيل وآلة الحرب وعدم جواز ذلك، فذهب ابن القاسم إلى المنع، وذهب أشهب وعبد الملك وسحنون إلى الجواز، وقد جمع بعضهم هذه المسألة مع التي قبلها، وذكر فيهما أربعة أقوال: الجواز مطلقا لسحنون، والمنع مطلقا لابن القاسم، والجواز بالخيل والسلاح دون الخمر والخنزير والميت لابن الماجشون وأشهب، وعكسه لابن القاسم. قاله الشارح. وقال عبد الباقي: محل القولين ما لم يخش بهما الظفر على المسلمين، وإلا منع اتفاقا، قال محمد بن الحسن: تبع في ذلك الأجهوري واعترضه المصطفى بأن هذا القيد لابن حبيب، وجعله ابن رشد قولا ثالثا: وقول ابن حبيب: إنما يجوز ذلك ما لم تكن الخيل والسلاح أمرا كثيرا تكون لهم به القدرة الظاهرة.

ولما أنهى الكلام على الجهاد وما يتعلق به أتبعه بالكلام على ما يتقوى به عليه، فقال:

(1)

لا خير في جسده ولا في ثمنه، سنن البيهقي، ج 9 ص 132. مصنف ابن أبى شيبة ج 7 ص 672.

ص: 556

‌باب: في المسابقة وهي مفاعلة من السبق

والسبق بالسكون مصدر سبق إذا تقدم، وبالفتح ما يخرج لأجل ذلك. الشبراخيني: وهي مستثناة من ثلاث قواعد ممنوعة من القمار بكسر القاف وهو اللعب، يقال: تقامروا إذا لعبوا، وتعذيب الحيوان لغير مأكله، وحصول العوض والمعوض عنه لشخص واحد أي فيما إذا أخرج الجعل أجنبي كما يأتي بيانه، وأجيزت لمصلحة الجهاد. انتهى. وأصله للقرافي وقوله: لغير مأكله أي لغير أكله؛ إذ لا يعذب إلا لأكله بالعقر والذبح. قاله بناني. قال: والقمار بكسر القاف المقامرة، وتقامروا لعبوا القمار. قاله في الصحاح. انتهى. وقال في القاموس: قامره مقامرة وقمارا فقمره كنصره وتقمره: راهنه فغلبه، وهو التقامر، وقميرك مقامرك، جمعه أقمار، وقد قمر يقمر، وتقمر المرأة: تزوجها. انتهى. وفي الرسالة: وحرم الله سبحانه أكل المال بالباطل، ومن الباطل الغصب والتعدي والخيانة والربا والسحت والقمار، فالخيانة هي أن يخون الرجل غيره في أمانته أو في نفسه أو في أهله أو في ماله، والسحت كالرشا وثمن الجاه والسؤال للتكثير ونحو ذلك، والقمار هو ما يأخذه بعضهم من بعض على لعب الشطرنج ونحوه. قاله الشاذلي.

المسابقة بجعل في الخيل؛ يعني أن المسابقة حال كونها متلبسة بجعل أي بعوض، تجوز في الخيل أي من الجانبين؛ أي الخيل من جانب زيد مثلا ومن جانب عمرو المتسابقين، قال الشيخ عبد الباقي: المسابقة مبتدأ وخبره كون خاص أي جائزة في الخيل. وقال الشيخ محمد بن الحسن: الظاهر أن الخبر هو قوله: "في الخيل والإبل" الخ، ونحو ما لعبد الباقي للشبراخيتي، قال: وإنما قدرنا العامل هنا خاصا لأن القرينة هنا قائمة على ذلك. انتهى. والإبل؛ يعني أن المسابقة بجعل كما تجوز في الخيل من الجانبين تجوز في الإبل من الجانبين. وبينهما؛ يعني أن المسابقة بجعل كما تجوز في الخيل والإبل من الجانبين فيهما تجوز أيضا بين الإبل والخيل بأن تكون الخيل من جانب والإبل من الجانب الآخر، ولا تجوز المسابقة بجعل في غير ما ذكر، فلا تجوز في الفيلة بينها ولا مع غيرهما ولا في البغال والحمير.

والسهم؛ يعني أن المسابقة بجعل كما تجوز فيما مر تجوز في السهام، وهو يشمل نوعين: نضال في إصابة الغرض، ونضال في بعد الرمية، والمراد بالجواز الإذن؛ إذ قد تجب إن توقف معرفة

ص: 557

الجهاد عليها وقد تندب، وفي الحديث: (لا سبق إلا في خف أو حافر أو نضل

(1)

) أخرجه أبو داوود والترمذي وأحمد بن حنبل في مسنده. وصححه الحاكم. والخف للبعير، والحافر للفرس، والسبق بفتح الموحدة: المال المأخوذ في المسابقة؛ أي لا عوض يستحق إلا في خف الخ، ويروى بالسكون مصدرا، والنضل بفتح النون وسكون الضاد المعجمة أي السهم. قاله الشيخ بناني. وفي الرسالة: ولا بأس بالسبق بالخيل وبالإبل وبالسهام والرمي.

الزناتي: إنما قال ذلك لأنه من اللهو واللعب، فينبغي أن لا يشتغل بشيء منه، لكن لما كانت هذه الأشياء مما يستعان به في الجهاد في سبيل الله تعالى الذي هو طريق إلى إظهار دين الله تعالى ونصرته، جاز لما فيه من منفعة الدين وما يؤدي إلى عبادة أو يستعان به في عبادة فهو عبادة، وقد أثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم على المتصفين من الرجال بأوصاف الكمال إذ بالناس حاجة إليه، فقال: من ركب وعام وخط وخاط ورمى بالسهام فذلك نعم الغلام، وقال: (كل لهو يلهوه المؤمن فهو باطل إلا لهوه بفرسه وقوسه أو زوجة

(2)

). قاله الحطاب. وقوله: "بجعل"، وأولى بغيره، وإنما قال: بجعل؛ لأنه محل الخلاف، وأما بغيره فهو جائز باتفاق، وسيأتي قوله:"وجاز فيما عداد مجانا"، ولا تدخل الفيلة في ذي الخف ولا الحمار في ذي الحافر؛ لأنه لا يقاتل عليهما كما تقدمت الإشارة إلى ذلك، والأظهر عند الشافعية الجواز لدخولهما في الخبر المذكور. قاله الشيخ إبراهيم.

وذُكِر أن هارون الرشيد كان يعجبه الحمام ويلهو به، فأهدي إليه حمام وعنده أبو البحتري وهب بن وهب، وكان قاضيا ولي بغداد بعد أبي يوسف، فروى بسنده إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قال:(لا سباق إلا في خف أو حافر أو جناح)، فزاد في الحديث: أو جناح لأجل الرشيد، فأعطاه جائزة سنية ثم أمر بالحمام فذبحت. فقيل له، ولماذا؟ فقال: من أجل ما كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فترك العلماء الرواية عنه لذلك، ولغيره من موضوعاته، كذا في حياة الحيوان. قاله الشيخ إبراهيم. إن صح بيعه؛ يعني أنه يشترط في جواز المسابقة بجعل أن

(1)

سنن أبي داوود، كتاب الجهاد، رقم الحديث، 2574. سنن الترمذي، كتاب الجهاد، رقم الحدث، 1700. مسند أحمد، ج 2 ص 474.

(2)

سنن الترمذي، كتاب فضائل الجهاد، رقم الحديث 1637.

ص: 558

يكون هذا الجعل مما يصح بيعه أي تصح المعاوضة عليه، فلا يصح بغرر ولا مجهول ولا خمر ولا خنزير ولا ميتة أو دم أو أم ولد أو مدبر أو مكاتب أو حر، قال في النوادر: وتجوز على عتق عبده عنه أو عن غيره أو يخيط ثوبه أو يعمل له عملا معروفا، أو على العفو عن جرح عمدا وخطئا. انتهى.

وقوله: على عتق عبده، يمكن دخوله في كلام المص لأنه يقدر دخوله في ملك المعتق عنه بدليل أن الولاء له، وقوله: أو على العفو عن جرح عمدا، لا يعارض قوله:"إن صح بيعه"، لحمله على ما إذا جاعله على أن يتملك أحدهما من المعاوضة المالية، وأما لو جاعله على أن يعفو عن جرحه عمدا إذا غلبه بالسبق فلا يعتبر هذا الشرط. قاله الشيخ عبد الباقي. وقوله: لحمله على ما إذا جاعله، الصواب والله أعلم ترك كلام النوادر على ظاهره، وتأويل كلام المؤلف بصحة المعاوضة عليه. قاله الشيخ يناني. وقد مر في أول الحل الإشارة إلى ذلك. والله سبحانه أعلم.

وعين المبدأ؛ يعني أنه كما يشترط في جواز المسابقة أن يكون الجعل مما يصح بيعه، يشترط في جوازها أيضا أن يعين المبدأ أي الموضع الذي يبتدأ منه الجري أو النضال أي الرمي في السهم، وقوله:"عين" بالبناء للمجهول، ولا بأس أن يقدم أحدهما الآخر على أن يجريا معا، أو إذا بلغ المؤخر المقدم، ويجوز نصبهما أمينا يحكم بالإصابة والخطإ. نقله الإمام الحطاب.

والغاية؛ يعني أنه كما يشترط في جوازها ما مر، يشترط فيه أيضا أن تعين الغاية أي الموضع الذي ينتهي إليه الجري والرمي، ولا يشترط تساويهما في الغاية كالمبدإ كما مر قريبا وقد (سابق رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الخيل المضمرة وجعل غاية المسابقة بعيدة من الحفياء لثنية الوداع، وبين الخيل التي لم تضمر وجعل لها غاية قريبة من الثنية لمسجد بني زريق

(1)

)، وتضمير الفرس أن يعلف حتى يسمن ثم يرد إلى القوت وذلك في أربعين يوما. وفي النهاية: وتضمير الفرس هو أن يظاهر عليها بالعلف حتى تسمن، ثم لا تعلف إلا قوتا لتخف، وقيل تشد عليها سروجها وتجلل بالأجلة حتى تعرق تحتها فيذهب رهلها بفتح الراء والهاء وباللام، من رهل لحمه بالكسر

(1)

صحيح مسلم، كتاب الإمارة، رقم الحديث، 1870. والموطأ، كتاب الجهاد، رقم الحديث 1017. وصحيح البخاري، كتاب الصلاة، رقم الحديث، 420.

ص: 559

اضطرب واسترخى. قاله الجوهري. والحفيا بفتح الحاء المهملة وسكون الفاء وبالياء آخر الحروف والألف الممدودة وتقصر وقدم بعضهم الياء على الفاء، وهو اسم موضع بالمدينة، وثنية الوداع موضع آخر سمي به لتوديع أهل المدينة من يسافر لمكة منه، وهل بينهما خمسة أميال أو ستة أو سبعة؟ أقوال. قاله الشبراخيتي. والمركب؛ يعني أنه كما يشترط في جواز المسابقة بجعل ما مر يشترط فيه أيضا أن يعين الركب بفتح الكاف ما يركب من خيل أو إبل وظاهره عدم الاكتفاء بالوصف فأحرى أن لا يكتفى بذكر الجنس وهذا هو الصواب، كما يدل عليه قول ابن شاس: من شروط السبق معرفة أعيان الخيل. وأخذ ابن عرفة صحة التراهن بغير معين، واعترضه الرماصي. قاله الشيخ بناني. ولابد أن تكون متقاربة في الجري، وأن يجهل كل واحد منهما سبق فرسه وفرس صاحبه، فإن قطع أحدهما أن أحد الفرسين أجرى من الآخر لم يجز. قاله الشيخ عبد الباقي. وفي البخاري: (أنه صلى الله عليه وسلم قال: من أدخل فرسا بين فرسين وهو لا يأمن أن يسبق، ومن أدخل فرسا بين فرسين وقد أمن أن يسبق فهو قمار

(1)

)، وفي مسلم: (سابق عليه الصلاة والسلام بالخيل التي قد أضمرت من الحفياء وحدها ثنية الوداع، وسابق بين الخيل التي لم تضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق

(2)

)، وقوله:"وعين" الخ صريحا أو بعادة، كأن تكون لهم سنة في ذلك كانت المسابقة بدواب أو سهام.

والرامي؛ يعني أنه لابد في جواز المسابقة بالنضال أن يعين المتناضلان كزيد وعمرو مثلا وإن جهل رميهما، وهذه النسخة أحسن من نسخة والرمي بلا ألف لأنها هي عين ما بعدها. والله أعلم. وعدد الإصابة؛ يعني أنه لابد في الجواز أيضا من تعيين عدد الإصابة للغرض؛ أي الشيء الذي يرمى عند التناضل كأربعة من عشرة. ونوعها؛ أي أنه لابد في الجواز أيضا من تعيين نوع الإصابة مع تعيين عددها. من خزق، هذا تبيين للنوع ما هو أي يبين كون الإصابة خزقا بخاء وزاي معجمتين، وهو أن يثقب ولا يثبت فيه، والثقب هو الخرق النافذ، جمعه أثقب وثقوب

(1)

سنن أبي داوود، كتاب الجهاد، رقم الحديث، 2579، بلفظ: من أدخل فرسا بين فرسين (يعني وهو لا يؤمن أن يسبق) فليس بقمار ومن أدخل فرسا بين فرسين وقد أمن أن يسبق فهو قمار. وسنن ابن ماجه، كتاب الجهاد، رقم الحديث، 2876.

(2)

صحيح مسلم، كتاب الإمارة، رقم الحديث 1870، والموطأ كتاب الجهاد رقم الحديث، 1017، صحيح البخاري، كتاب الصلاة، رقم الحديث، 420.

ص: 560

ثقبه وثقَّبه، قاله في القاموس. فمضارع ثقب يثقب بضم القاف. والله سبحانه أعلم. أو غيره؛ أي الخزق أي ولابد من تعيين نوع الإصابة، فيبين كونه خزقا أو غيره كحسق بخاء معجمة فسين مهملة، وهو أن يثبت السهم في الغرض، وخرم براء مهملة وهو أن يصيب طرف الغرض فيخدشه، وحواب والحوابي بالحاء المهملة هو أن يقع بين يدي الغرض ثم [يثب]

(1)

إليه، ومنه حبا الصبي، والخاصر بخاء معجمة وصاد وراء مهملتين وهو إصابة أحد جانبي الغرض من غير خدش، مشتق من خاصرة الإنسان وهي جانبه، ونحو ذلك مما هو معلوم عند أهله.

واعلم أن مخرج الجعل على ثلاثة أقسام: جائز من غير شرط، وجائز بشرط، وممنوع. وأشار المص إلى الأول بقوله: وأخرجه متبرع، عطف على قوله:"إن صح بيعه"؛ يعني أنه لابد أن يخرج الجعل متبرع أي شخص ليس أحد المتسابقين أو أحدهما على الوجه الذي يذكره، فإن كان الذي أخرجه هو المتبرع وأخرجه على أنه إن سبق أحدهما كان له أي للسابق فإن ذلك جائز اتفاقا. الزناتي: وهو وعد يجب الوفاء به ويقضى عليه به إن امتنع. قاله الحطاب.

وأشار إلى الثاني بقوله: أو أحدهما؛ يعني أنه إذا أخرج الجعل أحد المتسابقين فإن ذلك يجوز اتفاقا عند ابن رشد، لكن بشرط أشار إليه بقوله: فإن سبق غيره أخذه وإن سبق هو فلمن حضر؛ يعني أنه يشترط في الجواز إذا كان المخرج للجعل أحد المتسابقين أن يدخلا على أنه إن كان الخرج للجعل مسبوقا أخذه الذي سبقه، وإن كان الخرج للجعل سابقا فيكون للذي يليه في السبق إن كانوا أكثر من اثنين، وإلا فلمن حضر ولا يأخذ المخرج شيئا من ذلك، وكذا الحكم لو سكتا فيصح العقد ويحملان على ذلك، فالمضر اشتراط المخرج أنه إن سبق عاد إليه فإنه ممنوع. وقوله:"فلمن حضر"؛ يعني صدقة عليهم ويؤجر الذي أخرجه. الحطاب.

وبما قررت علم أن قول المص: "وإن سبق هو فلمن حضر"، حيث كانا اثنين، وهل يأكل المخرج معهم منه فيه قولان؟ وانظر قوله:"لمن حضر": هل معناه حضر العقد أو المسابقة أو هما معا؟ وإن لم يسبق أحد أحدا بل استوى الجميع فالظاهر أنه يكون لمن حضر، وقوله:"لمن حضر"، انظر إذا لم يحضر أحد، والظاهر أن المخرج السابق يتصدق به. قاله الشيخ عبد الباقي. ثم إنه

(1)

في النسخ يثبت والمثبت من عبد الباقي ج 3 ص 152.

ص: 561

يعتبر في السبق عرف بلد المتسابقين، فإن كان عرفهم أن السبق إنما يكون بمجاوزة فرس لجملة فرس الآخر أو بعضها أو بذلك مع بعدها عنه قدرا معينا عمل به. هذا هو الظاهر. وما ذكره الحطاب من الخلاف في السبق فلعله حيث لا عرف. ونصه:

فرع: اختلف بماذا يكون السابق [سابقا]

(1)

، فقيل: أن يسبق بأذنيه، وقيل: بصدره، وقيل: حتى يكون رأس الثاني عند مؤخر الأول. انتهى. ويجري مثل ذلك في المناضلة. قاله الشيخ عبد الباقي. وعبارة الأمير: وأخرجه غيرهما وجاز إن سبق فلان فله خمسة وفلان فله عشرة، فلا يشترط تساويهما في الجعل أو أحدهما، قال في الشرح: عطف على غير، فإن سبق غيره أخذه، وإن سبق هو فلمن حضر أو وليه في السبق.

لا إن أخرجا ليأخذه السابق؛ يعني أن المتسابقين إذا أخرجا جعلا بأن أخرج كل واحد منهما جعلا استوى الجعلان أو اختلفا وتعاقدا على أن من سبق في الجري أو الرمي أخذ الجعلين، فإن ذلك لا يجوز لأنه ظاهر في القمار؛ لأن الشرع منع في باب المعاوضة من اجتماع العوضين لشخص واحد، فإن وقع فلا يكون للسابق لدخولهما ابتداء على القمار، فهو لربه، فإن سكتا عمن يأخذه فظاهر المص أنه لا يمتنع، وانظر هل يكون لربه أو لمن حضر؟ فإن كان ليأخذه المسبوق جاز كما هو ظاهر كلامهم، وتوقف عبد الباقي في موافقتهما من غير إخراجهما على أن من سبق فله على الآخر كذا، هل يمنع ذلك أو يجوز؟ قال محمد بن الحسن: منع هذا واضح، ولا معنى للتوقف فيه. انتهى. وما قاله المحشي ظاهر. والله سبحانه أعلم.

ولو بمحلل يمكن سبقه، مبالغة في عدم الجواز، والمراد بالمحلل هنا من لا يخرج شيئا. قاله الشيخ إبراهيم. وقال الإمام الحطاب: وسمي محللا لأنه أجاز هذا الفعل؛ لأن فعله يدل على أنهما لم يقصدا القمار، وإنما قصدا القوة على الجهاد. قاله الجزولي. انتهى. وقال الشيخ إبراهيم: وسمي محلا لأنهما كأنهما تحللا به وجه الحرمة. انتهى. وقال الشيخ الأمير: محللا في زعمهما، ومعنى كلام المص أنه إذا كان مع المتسابقين شخص آخر لم يخرج شيئا وهما لا يأمنان أن يسبقهما في الجري والرمي لقوة فرسه ووفور قوة ساعده يغنم إن سبق، ولا يغرم إن

(1)

ساقطة من النسخ والمثبت من الحطاب ج 4 ص 190 ط دار الرضوان.

ص: 562

سبقه غيره، ودخلوا على أن من سبق أخذ الجميع أي الجعلين اللذين أخرجهما المتسابقان، فإن المشهور عن مالك منع ذلك، والجواز مع المحلل لابن المسيب، وقال به مالك مرة، وعلى قول ابن المسيب: لو استوى الثلاثة في الوصول إلى الغاية أخذ كل واحد من المتسابقين جعله، ولا شيء للمحلل، وإن سبق أحد المتسابقين أخذ الجميع، وكذا إن سبق المحلل أخذ الجميع، وإن سبق المتسابقان دون المحلل أخذ كل واحد جعله، وإن سبق أحدهما مع المحلل أخذ السابق منهما جعله وقسم جعل المسبوق بينه وبين المحلل نصفين. كذا في الحطاب. ومفهوم قوله:"يمكن سبقه"، أنه لو لم يمكن سبقه لم تجز المسابقة حينئذ وهو كذلك بلا خلاف، قال الإمام الحطاب: وأما إذا لم يمكن سبقه فلا قائل بالجواز، وأما لو تحقق سبقه ففي الحديث: (من أدخل فرسا بين فرسين وهو يعلم أنه يسبقهما فهو قمار

(1)

)، وعلى هذا فهو ممنوع خلاف ما لأحمد الزرقاني. انظر شرح عبد الباقي. وتقدم عن الإمام الحطاب الخلاف فيما يحصل به السبق، وتقدم أن العرف يعتبر في ذلك.

وتحصل من كلامهم أن المخرج للجعل لا يخلو إما أن يكون متبرعا أي ليس أحد المتعاقدين، والحكم فيها الجواز اتفاقا، وظاهر كلام الشارح وغيره سواء كان الجعل للسابق أو غيره، وإما أن يكون المخرج له أحد المتعاقدين، فإن دخلا على أنه إن كان المخرج مسبوقا أخذه السابق، وإن سبق المخرج فلمن حضر جاز أيضا اتفاقا عند ابن رشد، وإما أن يكونا قد أخرجاه معا فإن دخلا على أن السابق منهما يأخذ ذلك منع عقدها، ويكون ذلك لربه، فإن كان ليأخذه المسبوق جاز، والمنع فيما إذا كان على أن يأخذه السابق حاصل ولو كان معهما أحد لم يخرج شيئا، ويمكن أن يسبق وأن لا يسبق، فإن سبق بفتح الباء غنم، وإن سبق بضم السين لم يغرم شيئا، وأولى في المنع لو قطع بأنه مسبوق. والله تعالى أعلم.

واعلم أن السابق من الحلبة يسمى بالمجلي بضم الميم وشد اللام، والذي يليه في السبق يسمى بالمصلي، ومنه قوله:

(1)

سنن أبى داوود، كتاب الجهاد، رقم الحديث، 2579، وسنن ابن ماجه، كتاب الجهاد، رقم الحديث، 2876.

ص: 563

إن تبتدر غاية يوما لمكرمة

تلق السوابق منا والمصلينا

ثم المسلي ثم التالي ثم العاطف ثم المرتاح ثم الحظي ثم المؤمل ثم اللطيم ثم السكيت، وجمعها بعضهم فقال:

أتانا المجلي والمصلي وبعده الـ

ـمسلي وتال بعده عاطف يسري

ومرتاحها ثم الحظي ومؤمل

وجاء اللطيم والسكيت له يجري

قال جامعه عفا الله تعالى عنه: وها أنا أذكر بعض منظومة أبي عبد الله محمد بن عيسى ابن أصبغ الأزدي القرطبي المعروف بابن المناصف المسماة بالذهبية، فإنه قال فيها في تفسير الحلبة وأسماء خيلها بعد أبيات ما نصه:

فالحلبة التي هناك تعرف

جماعة الخيل التي تؤلف

من حلب القوم وأيضا أحلبوا

كل بمعنى اجتمعوا وحزبوا

وموضع الجري هو المضمار

ثم المدى غاية ما يسار

والخطر ما يجعل للسوابق

عند المدى من خطر المسابق

وكان من فعلهم فيما مضى

أن يجعل الشيء الذي قد فرضا

على رءوس قصب الرماح

في طرف الغاية للإفصاح

ومنه قالوا في الذي قد كملا

حاز فلان قصب السبق على،

وجملة المخصوص عند العرب

مِن سُبَّقِ الخيل بوضع اللقب

عشرة محفوظة الأسماء

موقوفة النقل عن الفراء

ص: 564

أولها سبقا هو المجلي

ينقضُّ مثل النجم أو كالنبل

اشتق من جلّي بمعنى ظهرا

ما كان من أمر الرهان مضمرا

والفرس الثاني هو المصلي

لأنه يليه دون فصل

فهو كأن رأسه تراه

عند صلا الأول أي أخراه

وثالث الخيل هو المسلي

من السلو في اشتقاق الفعل

كأنما صاحبه به سلا

إذ جاء بعد السابقين أولا

وبعده الرابع وهو التالي

لتلوه الثالث في الإعجال

ثم يليه الخامس المرتاح

كأنه من كده يرتاح

إذ كان يخشى أن يكون بعد

لكونه للسبق منه بعد

وبعده السادس وهو العاطف

عطفا على المرتاح يعني الواصف

لأنه قد فاته ما قبل

فانضاف للمرتاح أيضا يتلو

فنسبوه منه في التولي

كنسبة التالي من المسلي

والسابع الذي هو الحظي

وأصله من حظوة معنيُّ

لأنه يحظى وان تأخرا

بسبق من خلفه موخرا

والثامن الذي هو المؤمل

ليس وراءه لسبق أمل

ص: 565

فهو مؤمل الثلاث الباقية

بأن يفوز من ملام اللاحيه

والتاسع اللطيم فهو يحرم

حظ الجياد قبله ويلطم

لأنه لم يترك المؤمل

لتلوه حظا عليه يعمل

والعاشر السكيت ليس ينظر

وما أتى من بعدد لا يذكر

وأصله ووزنه فعيل

من السكوت إذ عداه القول

لأنه ماذا عسى تراه

يقول واللطيم في أولاه

ويؤثر السكيت والسكيت

كلاهما فيه وقد وفيت

وقوله: ويؤثر السكيت الخ؛ قال في القاموس: السكيت كالكميت ويشدد: آخر الحلبة. ولا يشترط تعيين السهم؛ يعني أنه لا يشترط في جواز المناضلة تعيين السهم الذي يرمى به برؤية أو وصف، بل تجوز بدون تعيين للسهم. والوتر؛ يعني أنه لا يشترط جواز المناضلة تعيين الوتر بالتحريك وهو السير الذي تشد به القوس، وكذا لا يشترط تعيين القوس فيجوز تناضلهما بعربيتين أو فارسيتين، ثم إن تناضلا بعربيتين أو فارسيتين لم يجز لأحدهما ولا لهما أن يبدل قوسه بغير صنفها وإن تناضلا بفارسية وعربية جاز ذلك كما يفيده ابن عرفة، وهذا واضح إن كان الجعل على إصابة الغرض، وأما إن كان على بعد الرمية فلا يجوز لأن رمية التركية لخفتها أبعد من رمية العربية، فهو كالمسابقة بين فرسين يقطع بسبق أحدهما. قاله الشيخ عبد الباقي.

وله ما شاء؛ يعني أنهما إذا تسابقا في السهام فإنه لا يلزم تعيين السهم ولا الوتر كما عرفت، فإن لم يعين ذلك فإن لكل منهما أن يأخذ أي وتر شاء وأي سهم شاء. ولا معرفة الجري؛ يعني أنه لا يشترط في جواز المسابقة معرفة كل منهما لجري فرس صاحبه، بل يشترط أن يجهل كل واحد منهما جري فرس صاحبه وإلا كان قمارا، قال القرطبي في شرح مسلم: ومن شرط جوازها أن

ص: 566

تكون الخيل متقاربة في النوع والحال، فمتى علم حال أحدهما أو كان مع غير نوعه كان السبق قمارا باتفاق. قاله الإمام الحطاب. وظاهر كلام المص أن معرفة الجري لا تضر وليس كذلك كما عرفت.

والراكب؛ يعني أنه لا يشترط في المسابقة معرفة الراكب للخيل ولا الإبل. ولم يحمل صبي؛ يعني أنه يكره في المسابقة أن يحمل الصبي على الخيل والإبل، فتكره المسابقة بين الصبيان، وكذا بين الصبي وبالغ، والكراهة في حق ولي الصبي وفي حق البالغ المسابق له، فلا يحمل عليها إلا محتلم. قاله غير واحد. الشيخ الأمير: وهل السبق بتقديم الأذن أو الصدر أو الذنب على رأس الآخر؟ أقوال، فإن اشترط شيء أو اعتيد فهو.

ولا استواء الجعل؛ يعني أنه لا يشترط في المسابقة استواء الجعل من الجانبين، بل يجوز أن يكون متفاوتا أو من جانب واحد كما سبق، كأن يقول متبرع: إن سبق فلان فله كذا، وإن سبق فلان فله كذا أقل أو أكثر، وكذا لو كان منهما كما مر، ومن ذلك ما لو أخرج أحدهما شاة والآخر بقرة. أو موضع الإصابة، بكسر المعين عطف على الجعل؛ يعني أنه لا يشترط في جواز المناضلة تساوقي المتناضلين في موضع الإصابة، بل يجوز أن يشترط أحدهما إصابة موضع من الغرض والآخر أعلى منه أو أدنى، ويرضى الآخر بالشرط، وقال الشيخ أحمد: إنه مرفوع على حذف مضاف أي واتحاد موضع الإصابة بحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. انتهى. وكلاهما صحيح. قاله الشيخ عبد الباقي.

أو تساويهما، بالتثنية أي المتسابقين أو المتناضلين، عطف على "تعيين"؛ يعني أنه لا يشترط في المسابقة تساوي المتسابقين ولا المتناضلين في المسافة، ولا تساوي المتناضلين في عدد الإصابة، فيجوز أن يرمي أحدهما أو يجري من موضع إلى موضع والآخر من نصفه أو أبعد منه بقدر معلوم؛ ويجوز عدم التساوي في العدد بين المتناضلين، وإن كان لابد من بيانه كما مر.

وإن عرض للسهم عارض؛ يعني أنه إذا عرض للسهم في طريقه عارض كبهيمة أو إنسان أو طير أو نحو ذلك فعطل سيره، فإنه لا يكون بذلك مسبوقا. أو انكسر؛ يعني أنه إذا انكسر سهم أحد المتناضلين فإنه لا يكون بذلك مسبوقا. أو للفرس ضرب وجه؛ يعني أن المتسابقين إذا ضرب وجه

ص: 567

فرس أحدهما إنسان فعاقه فإنه لا يكون مسبوقا بذلك، أو نزع سوط؛ يعني أن المتسابقين إذا نزع شخص السوط من يد أحدهما تعديا أو أزاله عن الطريق فإنه لا يكون بذلك مسبوقا لعذره، وقوله:"أو نزع سوط"؛ أي أو حصل للفارس، ففيه حذف يدل عليه المقام، كما قاله الشيخ إبراهيم.

وبما قررت علم أن قوله: لم يكن مسبوقا. جواب الشرط وهو قوله: "وإن عرض"، فهو راجع للمسائل الأربع.

ابن عرفة: ومن عاقه عن الرمي فساد بعض آلته انتظره مناضله لتلافيه على ما عرف دون طول، فلو انقطع وترد ومعه آخر يبعد من وترد في الرقة والغلظ لم يلزمه الرمي به إلا أن يقاربه، وكذا السهم، ويرتفع لزوم الرمي بالغروب ولو كان في أثناء وجه ولو رميا بعد الغروب لزم إتمام الرشق، والمطر وعاصف الريح يمنعه. انتهى. قاله الحطاب. بخلاف تضييع السوط؛ يعني أن السوط إذا سقط من يد الفارس من غير أن ينزعه منه أحد فإنه يكون بذلك مسبوقا، أو حرن الفرس؛ يعني أن أحد المتسابقين يعد مسبوقا بحرن فرسه؛ وكذا بنفوره عن السرادق أي الخيمة، وكذا يعد أيضا مسبوقا بانقطاع اللجام: وقوله: "أو حرن الفرس"، بضم الحاء وسكون الراء. الجوهري: حرن الفرس يحرن ويحرن حرونا وحرنا بالضم. انتهى. وفي القاموس أن الفعل كنصر وكرم، وفي المصباح أنه من باب قعد. انتهى.

ولما أنهى الكلام على المسابقة بجعل وأنها لا تجوز في غير ما مر، أشار إلى حكمها فيما إذا وقعت بغير جعل فيما عدا ما مر، فقال: وجاز فيما عداه مجانا؛ يعني أنه يجوز السبق فيما عدا ما مر مجانا أي بغير جعل، وما مر هو الخيل والإبل من الجانبين فيهما، والخيل من جانب والإبل من الجانب الآخر والسهام، فتجوز في السفن والطير لإيصال الخبر بسرعة، وعلى الأقدام ورمي الحجارة والصراع وغير ذلك بشرطين، أحدهما: أن تكون مجانا كما قال، ثانيهما: أن يقصد بها الانتفاع في نكاية العدو ونحو ذلك لا المغالبة، فإن اختل أحد الشرطين لم تجز، والشرط الثاني صرح به الإمام الحطاب وغيره، إلا أن لفظ الحطاب يشترط أن يكون فيه منفعة للجهاد. قاله في الجواهر. انتهى. وعبارة الشبراخيتي بحذف بعضها: فيما عداه أي المذكور إذا

ص: 568

كانت المنفعة شرعية، كالارتياض للحرب والطير لإيصال الخبر بسرعة، ثم قال عند قوله:"مجانا": وأما للمغالبة فهو من فعل أهل الفسق، (وقد صارع صلى الله عليه وسلم أبا ركانة في الجاهلية وكان شديدا وعاوده ثلاثا كل ذلك يصرعه، وصارع جماعة غيره

(1)

). انتهى. وقال الزناتي: واختلف فيمن تطوع بإخراج شيء للمتصارعين أو للمتسابقين على أرجلهما أو على حماريهما أو غير ذلك مما لم ترد به سنة بالجواز والكراهة. نقله الإمام الحطاب.

والافتخار عند الرمي؛ يعني أنه يجوز الافتخار عند الرمي أي ذكر المفاخر بالانتساب إلى أب أو قبيلة، ويجوز أيضا التبختر في المشي كفعل السيد أبي دجانة رضي الله تعالى عنه في الحرب، وكان ذلك سجية منه رضي الله عنه لقوله صلى الله عليه وسلم: (إنها لمشية يبغضها الله إلا في مثل هذا الموضع

(2)

)، وقوله:"والافتخار عند الرمي"؛ لأنه إغراء لغيره، كقوله عليه الصلاة والسلام: (أنا ابن العواتك من سليم

(3)

). قاله الشيخ عبد الباقي. وقوله صلى الله عليه وسلم: (أنا ابن العواتك

(4)

) أى: ذوات الروائح الطيبة. قاله الشيخ إبرهيم.

والرجز؛ يعني أنه يجوز الرجز بين المتناضلين أو المتسابقين، وكذا في الحرب عند الرمي لقضية سلمة بن الأكوع رضي الله تعالى عنه، قال: خرجت في آثار القوم أرميهم بالنبل وأرتجز وأقول: أنا ابن الأكوع، اليوم يوم الرضع

(5)

). وروي أنه صلى الله عليه وسلم يقول يوم حنين حين نزل عن بغلته: (أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب

(6)

). قاله الشيخ إبراهيم. والشيخ عبد الباقي. وانظر إتيانهما بهذا عند قوله: "والرجز". والتسمية؛ يعني أنه يجوز عند الرمي أن يسمي نفسه، نحو: أنا فلان ابن فلان، والصياح؛ يعني أنه يجوز الصياح أي رفع الصوت عند الرمي لما فيه من التشجيع واشتغال النفس عن التعب، والأحب ذكر الله؛ يعني أنه أولى من ذلك كله ذكر الله

(1)

سنن أبي داوود، كتاب اللباس، رقم الحديث، 4078. وسنن الترمذي كتاب اللباس، رقم الحديث، 1787.

(2)

البداية والنهاية لابن كثير، غزوة أحد، ج 4 ص 15، كنز العمال، رقم الحديث، 1787.

(3)

كنز العمال، رقم الحديث، 318743، و 35504، ومجمع الزوائد ج 8 ص 212.

(4)

البداية والنهاية، ج 4 ص 328. كنز العمال، رقم الحديث، 35504.

(5)

البخاري، كتاب الجهاد والسير، رقم الحديث 3041.

(6)

صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، رقم الحديث، 2864. صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، 1776.

ص: 569

عند الرمي بالتكبير وغيره، وقوله:"والافتخار" الخ، هذا جار في قتال العدو، وفي القتال الجائز بين المسلمين.

لا حديث ذكر الله؛ أي لا يجوز عند الرمي أن يتكلم بغير ما مر، بل إما حرام إن كانت فيه فاحشة وإلا فمكروه، فقوله:"حديث" بالإفراد، وما شرحته به هو لعبد الباقي: ومقتضاه أن قوله: "لا حديث"، معطو على فاضل "جاز". انتهى. وقال الشيخ إبراهيم: أي أن ذكر الله أحب من كلامه بالألفاظ المسابقة، وليس المراد بالحديث على هذه النسخة الحديث المروي عنه صلى الله عليه وسلم. انتهى. ومقتضاه أن قوله:"لا حديث"، عطف على قوله:"ذكر الله"، وفي نسخة: لأحاديث بالجمع، ولام الجر الدالة على التعليل، وهي متعلقة بجاز؛ أي وجاز الافتخار وما معه لأجل الأحاديث الواردة في الرمي.

حكاية: روى ابن الجوزي بسنده إلى ميسرة. قال: غزونا بعض الغزوات: فإذا بين الصفوف شاب يحمل على اليمنة ثم حمل على القلب ثم قال:

أحسن بمولاك سعيد ظنا

هذا الذي كنت له تمنى

تنح يا حور الجنان عنا

لا فيك قاتلنا ولا قتلنا

لكن إلى مليككن اشتقنا

قد علم السر وما أعلنا

ثم حمل وهو يقول:

قد كنت أرجو ورجاءي لم يخب

أن لا يضيع اليوم للرب التعب

يا من ملا تلك القصور باللعب

لولاك ما طبنا ولا طاب الطرب

ثم حمل حتى قتل منهم عددا كثيرا ورجع فحمل وهو يقول:

يا لعبة الخلد قفي واستمعي

لا فيك قاتلنا فكفي وارجعي

ثم ارجعي إلى الجنان واسرعي

لا تطمعي لا تطمعي لا تطمعي

ص: 570

ثم حمل فقاتل حتى قتل. نقله الشيخ إبراهيم. لكنه حكى البيت الخامس بهذه الرواية: لكن إلى سيدنا اشتقنا.

ولزم العقد؛ يعني أن عقد المسابقة إذا وقع بجعل يلزم بين المتسابقين والمتناضلين، فليس لأحدهما حله عن نفسه إلا برضى الآخر. كالإجارة؛ يعني أن لزوم العقد هنا كلزوم عقد الإجارة، فيتوقف على رشد العاقد وتكليفه. انتهى. ولو سلم أحدهما للآخر أنه منضول، فإن كان قبل الرمي ما يتبين في مثله أنه منضول فليس على مناضله قبول ذلك، وكأنه كره أن يسمى منضولا، وإن كان بعد تبين أنه منضول جاز إن قبله الآخر، ويمنع من شرط أن من ترك الرمي اختيارا فهو منضول. انتهى. قاله الحطاب. وقال الشيخ عبد الباقي: وأتى بقوله: كالإجارة، ليفيد أن لزومه يتوفف على رشد العاقد وتكليفه. انتهى. وإلى ذلك أشرت في الحل، وقال الشارح: ومعنى ذلك أن العقد إذا جرى بين المتسابقين أو الراميين فليس لأحدهما حله عن نفسه إلا برضى الآخر كالحكم في عقد الإجارة. انتهى.

ولما أنهى الكلام على الجهاد وما يتعلق به وما يتقوى به عليه، شرع يتكلم على ذكر مسائل تختص بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وفيها بعض ما يتعلق بالجهاد، كإباحة الخمس وصفي المغنم فقال:

ص: 571

‌باب: ذكر فيه مسائل من خصائصه صلى الله عليه وسلم

ولم يتعرض المص لذكر الخصائص التي لا تتعلق بالأحكام، وها أنا أذكر بعضا من خصائصه الفردية من مناقبه الأولية، فأقول ومن الله تعالى أستمدّ في حصول المأمول: سيدنا ونبينا وحبيبنا ومولانا وقرة أعيننا ووسيلتنا إلى ربنا محمد بن عبد الله العربي القرشي الهاشمي رسول الله صلى الله عليه وسلم أول من تنشق عنه الأرض، وهو الذي يستظل إبراهيم خليل الرحمن تحت لواثه يوم العرض، وهو أول من يجلس على سرير الرضاء: وهو أول من يتيه في رياض الدرة البيضاء، وهو أول من يفيق من الخلق، ويلوح نوره عليهم في عرصات الحشر كما يلوح البرق، وهو أول من ينادى بأبي وأمي؛ أين النبي الأمي؟ وهو أول من يبدو في الميعاد نوره وجماله، وهو أول من يتجلى له الرب جل جلاله، وهو أول من يرتدي برداء الكرامة، وهو أول من يقضى لأمته يوم القيامة، وهو أول من يشفع فيشفع لفصل القضاء بين العباد، وهو أول من يجوز على الصراط بأمته يوم التناد، وهو أول من يقول فيسمع، وهو أول من يشفع فيشفع، وهو الذي يرد النار بخطامها عن أمته، ويزجرها عن أهل ملته ومحبته، وهو الذي تطيعه النار وتمتثل أمره، حين لم يكن في الموقف من تقله قدماه غيره؛ ويناديه خازن النار، ما تركت في أمتك من نقمة لغضب الجبار، ويكسوه الله يوم القيامة حلة خضرا، يعرفه بها العباد طرا، ويحشر راكبا على البراق يوم القيامة ولا أحد راكب سواه، وجميع الخلائق يلوذون بحماه، ينادون: يا محمداه يا محمداه يا محمداه، وهو أول من يسجد تحت العرش يوم اللقا، وهو أول من يأخذ بحلقة دار البقا، وهو أول من يقرع باب الجنان، وهو أول الخلق قدوما على رضوان، وهو أول من يتحلى بحلة الإيمان، وهو أول من يتلقاه الحور الحسان والولدان، وهو أول من يلقى تحية وسلاما، وهو أول من يتمثل له الخلق في الجنة قياما تعظيما لقدره وإكراما.

وهو أول من يطأ الفرش المهده

(1)

)، وهو أول من تفتح له القصور المشيدة، وهو أول من يرتقي في الغرفات والدرجات، وهو أول من يتحف بالنعم والكرامات، وهو أول من يسمع غناء

(1)

في نسخة الممدده.

ص: 572

الحور، وهو أول من يجلس على كثبان المسك والكافور، وهو أول من يلبس تاج البهاء والمحاسن، وهو أول من يشرب من الماء غير الآسن، وهو أول من يشرب من الرحيق المختوم، وهو أول من يقوم بين يدي الحي القيوم، وهو أول من يشرب بكأس الصفا، وهو أول من يشرب من أنهار من عسل مصفى، وهو أول من يسئل فيعطى، وهو أول من تفتح له أبواب النوال والعطا، وهو أول من ينصت لكلامه وخطابه، وهو أول من يحط بساحة جاهه وجنابه، وهو أول من ينال الأجر والثواب، وهو أول من يوفى أجره بغير حساب، وهو أول من يجني ثمرات التوحيد والاستقامة، وهو أول من يروى من منهل الأمن والسلامة، وهو أول من يلتحف ببهجة الأمن والسرور، وهو أول من يشتمل برداء البركة والحبور، وهو أول من يتحلى بحلة التصدير والتقديم، وهو أول من تجري في وجهه نضرة النعيم، وهو أول من تحتفل به المحافل، وهو أول من تزين له القباب والمنازل، وهو أول من يتجلى على قبة

(1)

الفردوس وقبابه، وهو أول من يسعى بين أصحابه، وأنصاره في حلله وثيابه، وهو أول من توضع بين يديه أواني الفضة والمذهب، وهو أول من يدخل بيوت القصب، التي لا صخب فيها ولا نصب، تقر عليه خَلعَةُ الرسالة، وهو أول من توضع عليه هيبة الجلالة، وهو أول من ينزل المنزل المقرب الراقي، وهو أول من يُطيف به النديم والساقي، وهو أول من يلحظ بعين العناية، وهو أول من يحمل على كاهل المبرة والرعاية.

وهو أول من يسلك به ذات اليمين، وهو أول من يحلى بحلية الذين أنعم الله عليهم من النبيئين والمرسلين، وهو أول من تقاد إليه أزمة المفاخر، وهو أول من تساق إليه النعم والذخائر، وهو أول من يقوم مقام الشرف العالي، وهو أول من يطرز بطراز الكمال والمعالي، وهو أول من يتقلد قلائد التكريم والتعظيم، وهو أول من يزف إلى النعيم المقيم، وهو أول من يقتعد غارب السيادة، وهو أول من يمتطي معراج الخيرات والزيادة، وهو أول من يجلس على بساط الحق جل وعلا، وهو أول من يطلع على عجائب الملكوت الأعلى، وهو أول من تقفوه الرسل والأنبيا، وهو أول من يطأ مراتب المكانة العليا، وهو أول من يعطى نفوذ الفعل

(1)

في نسخة قنة.

ص: 573

والقول، وهو أول من يحضر محاضر الفخر والطول، وهو أول من يدعى باسمه الكريم، في جنة النعيم، ولا يبقى على صورته في الآخرة من الأنام إلا أهل دار السلام، وهو أول من يكشف شدائد الأزمات، وهو أول من يدفع عظائم الغمرات، عن أهل الغفلات، وهو أول من إليه في الميعاد يلتجا، وهو أول من تمد إليه أكف الآمال والرجا، وهو أول من يتطاول إليه بالأعناق، وهو أول من تشخص إليه الأحداق، يوم يكشف عن ساق، وهو أول من يركب نجائب السرور والنور، عند البعث من القبور، وهو أول من تعنوه الوجوه، لدفع الكرب والمكروه، وهو أول من يتمسك الخلق بأذياله، خوفا من عذاب الله ونكاله، وهو أول من تحيط به العصاة، يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات، وهو أول من يتصدر في محافل التصدير والتمكين، لتفريج هموم المذنبين.

وهو أول من يلوذ به القريب والقاصي، من أهل الذنوب والمعاصي، وهو أول من تحف به أهل الجلالة، يبتغون رأيه وأقواله، وهو أول من يطاف بمنزلة وخيامه، تمسكا بعلو جاهه ومقامه، وهو أول من يخاطبه الرب الغفور، يوم ينفخ في الصور، وهو أول من يرى في المحشر الملائكة بأمته إلى الجنة سالكه، وهو أول من تطير به ملائكة الجنان، بأجنحة مرصعة بالدر والمرجان، وهو أول من يحمد على مكارم الأخلاق، من جميع الخلق على الإطلاق، وهو أول من يثاب من المرسلين، على تبليغ الرسالة للعالمين، وهو أول من يقابل بالرضا والرضوان، وهو أول من يعامل بالجود والإحسان، وهو أول من تدفع إليه المراكب المحثوثة، وهو أول من تبسط له الزرابي المبثوثة، وهو أول من يحث إلى زيارة المولى، وهو أول من تفتح له الدرجات العلا، وهو أول من يرفع عن أمته مخاوف الوعيد، وهو أول من يسرع به إلى عرصات دار المزيد، وهو أول من ينال جزيل الخيرات، وهو أول من يبتكر شوامل البركات، وهو أول من يقوم بحمل الشهادة، وهو أول من يوفيه الله قصده ومراده، وهو أول من يوفى له بجميل وعده، وهو أول من يقام له بكمال فضله ومجده، وهو أول من يعانق الحور الحسان، في روضات الجنان، وهو أول من تهتز قلوب الأكابر، شوقا إلى نوره الباهر، وهو أول من تدخل عليه الملائكة من أعلى القصور والغرف، بالهدايا والتحف، وهو

ص: 574

أول من تصفف له الصحاف والأواني، وهو أول من تقر عينه بالقصور والأماني. قاله صاحب التنبيه.

وتعرض المص رحمه الله لذكر شيء من الخصائص التي لها تعلق بالأحكام؛ لأنه بصدد بيان الأحكام وفائدة ذكره -وإن كان أكثرها مضى حكمه- التنبيه على خصوصها به صلى الله عليه وسلم ليلا يعتقد فيها أنها مشروعة لنا مع ما في ذكرها من التنويه بعظيم فضله وشريف قدره، فذكرها مطلوب إما ندبا أو وجوبا وهو الظاهر. قاله الحطاب.

والذي خص به صلى الله عليه وسلم خمسة أنواع، الأول: ما وجب عليه صلى الله عليه وسلم دون غيره تشريفا له وتكثيرا لثوابه، قال بعض العلماء: ثواب الواجب يزيد على ثواب النافلة بسبعين درجة، قال المحلي: هو مأخوذ من حديث رواه ابن خزيمة والبيهقي في شعب الإيمان. انتهى. قال محمد بن الحسن بناني: ذكر ابن أبي شريف أن الحافظ بن حجر ضعفه في كتاب تخريج أحاديث الرافعي، وحينئذ فلا ينبغي الاستدلال به مع ضعفه، وكان يكفيه أن يقول: بأن ثواب الواجب أفضل من ثواب المندوب، للحديث القدسي في البخاري: (وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه

(1)

). الثاني: ما وجب له صلى الله عليه وسلم على غيره، الثالث: ما حرم عليه صلى الله عليه وسلم دون غيره تشريفا له، الرابع: ما حرم على غيره لأجله صلى الله عليه وسلم، الخامس: ما أبيح له صلى الله عليه وسلم دون غيره. فإن قيل: التعظيم والتشريف إن اقتضى التشديد فلم أبيح له ما لم يبح لغيره؟ وإن اقتضى التسهيل ولم وجب عليه ما لم يجب على غيره وحرم عليه ما لم يحرم على غيره؟ فالجواب أن التشريف يوجب جميع ذلك بحسب ما يقتضيه المقام، فبعض الأشياء سومح فيها غيره خشية أن لا يقدر على القيام بها، ولوفور قوته صلى الله عليه وسلم كلف بها، وبعض الأشياء حرمت على الغير ليلا يتجاوز الحد المأذون فيه، كصفي المغنم ونحوه، أو أن لا يقوم بالواجب عليه كزيادة على أربع وهو صلى الله عليه وسلم مأمون منه ذلك.

(1)

صحيح البخاري، كتاب الرقاق، رقم الحديث، 6502.

ص: 575

فائدة: اعلم أنه لا يجوز على الأنبياء جنون وإن قل زمنه، ولا إغماء طويل فيما جزم به البلقيني: ولا عمى كما ذكره السبكي فلم يعم نبي قط، وما روي في شعيب لم يثبت، ويعقوب كان به غشاوة وزالت، أو أنه استحال السواد بياضا كما أشير إليه بقوله تعالى:{وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ} ، وكان يدرك بهما. فقوله تعالى:{فَارْتَدَّ بَصِيرًا} ؛ أي عن حالة البياض. قاله الشيخ عبد الباقي.

واعلم أن المص رحمه الله أتبع الجهاد بالنكاح لأنه يشاركه في معناه لغة وهو الجهد والمشقة، لخبر: (إن من الذنوب ذنوبا لا يكفرها صلاة ولا صوم ولا جهاد إلا السعي على العيال

(1)

)، أو كما قال صلى الله عليه وسلم، وافتتحه بذكر شيء من الخصائص؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم خص في باب النكاح بخصائص متعددة لم يجتمع مثلها في باب من أبواب الفقه، وبدأ المص بذكر الواجب عليه، فقال:

خص النبي صلى الله عليه وسلم بوجوب الضحى؛ يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم خص عن أمته أي انفرد عنها بجميع هذه الخصائص فلم يشاركوه في فرد من أفرادها، ويحتمل خص عن غيره من الأنبياء بكلها ويشاركونه في بعضها، وبدأ المص من الأقسام الخمسة بالواجب عليه دون غيره، فمما خص النبي صلى الله عليه وسلم بوجوبه الضحى أي الصلاة في وقت الضحى، والواجب عليه أقل الضحى وهو ركعتان، لخبر: (كتب الله علي ركعتي الضحى وهما لكم سنة

(2)

)، ولخبر: (ثلاثة هن علي فرائض ولكم تطوع: النحر والوتر وركعتا الضحى

(3)

)، وأكثر ما روي عنه منها ثمان ركعات، وروي أنه صلاها أربعا، وأما اثنتا عشرة فلم ينقل، وقوله:"بوجوب الضحى"، هو خلاف مذهب الجمهور، ومذهب الجمهور أنها مستحبة له صلى الله عليه وسلم لا واجبة عليه، قال الشيخ عبد الباقي عند قوله "بوجوب الضحى" ما نصه: شاذ، والجمهور أنه مستحب. انتهى. وقال الشيخ

(1)

الإتحاف، ج 3 ص 315. ومجمع الزوائد، ج 4 ص 63.

(2)

التلخيص الحبير،

(3)

سنن البيهقي، ج 2 ص 468. ومسند الإمام أحمد، ج 1 ص 231.

ص: 576

إبراهيم: لم يقل به - يعني وجوب الضحى - إلا من شذ من العلماء، والجمهور على أن الضحى في حقه صلى الله عليه وسلم مستحبة. انتهى.

وقال الشيخ محمد بن الحسن: إن الحديثين المتقدمين في وجوب الضحى لا حجة فيهما لضعفهما. واعلم أنه لا يلزم من عدم نقل الاثنتي عشرة عن فعله صلى الله عليه وسلم أنه لم يرغب فيها، فقد روي أن من صلاها كذلك بنى الله له بيتا في الجنة. النووي: وأفضلها ثمان وأكثرها اثنتا عشرة، قوله: وأفضلها؛ أي لنا، ففرق بين الأفضل والأكثر، ومن فوائد الضحى أنها تجزئ عن الصدقة التي تصبح على مفاصل الإنسان وهي ثلاثمائة وستون كما في رواية مسلم، (ويجزئ عن ذلك ركعتا الضحى

(1)

)، وما اشتهر بين العوام أن من صلاها ثم قطعها يعمى فصار كثير من الناس يتركها أصلا، فليس لما قالوا أصل، بل الظاهر أنه مما ألقاه الشيطان على ألسنة العوام ليحرمهم الخير الكثير. انتهى. نقله الشيخ عبد الباقي.

والأضحى؛ يعني أنه مما خص به صلى الله عليه وسلم وجوب الأضحى، وقوله:"الأضحى"، جمع أضحاة، وتجمع أيضا على أضاح. نقله الحطاب. والدليل على وجوب الضحية عليه قوله تعالى:{فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} ، الجمهور على أن المراد نحر الضحية، وخبر الطبراني بسند صحيح عن ابن عباس: (الأضحى علي فريضة وعليكم سنة

(2)

)، وهذا حيث لم يكن حاجا، فإن كان حاجا فهو كغيره في المخاطبة بالهدي. قاله الشيخ إبراهيم وغيره. أي فالهدي يسن في حقه كغيره. والله سبحانه أعلم.

والتهجد؛ يعني أنه صلى الله عليه وسلم يجب عليه التهجد دون غيره من أمته وهو الصلاة بعد العشاء أو الصلاة بعد النوم أو النوم ثم الصلاة، ويقال: تهجد إذا نام، وتهجد إذا سهرت وروى حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن رجل من الأنصار أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فقال: لأنظرن كيف يصلي النبي صلى الله عليه وسلم، قال: فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم استيقظ فرفع رأسه إلى السماء فتلا أربع آيات

(1)

صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين، رقم الحديث، 720.

(2)

كنز العمال، رقم الحديث:12257.

ص: 577

من آخر سورة آل عمران: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} . الآيات. ثم أهوى بيده إلى القربة فأخذ سواكا فاستن به، ثم توضأ ثم صلى ثم نام ثم استيقظ فصنع كصنعه أول مرة، ويرون أنه التهجد الذي أمره الله عز وجل به. قال تعالى:{وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ} . وليس في الآية ما يدل على عدم الوجوب؛ إذ يحتمل أنه صلى الله عليه وسلم زيد عليه دون غيره وجوب التهجد كما قال ابن عبد السلام. وفي المسألة أقوال: جمهور العلماء على أن الأمر بقيام الليل أمر ندب لجميع الناس، وقيل: بالوجوب على جميع الناس ثم نسخ، وقيل: كان فرضا على النبي صلى الله عليه وسلم خاصة وبقي كذلك حتى توفي، وقيل: غير ذلك، ذكر ذلك ابن عطية وغيره. والله أعلم. قاله الحطاب. الثعلبي في قوله تعالى {فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ}: أي قم بعد نومك وصل، قال المفسرون: لا يكون التهجد إلا إذا نام. انتهى. قاله الحطاب. وقال عبد الباقي عند قوله "والتهجد": نفل الليل، لقوله تعالى:{وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ} في أي زيادة لك على الفرائض. قاله التتائي. انتهى. أي فليس فيه دليل لعدم وجوبه وهو صلاة بعد نوم على المختار. انتهى. وقال الشبراخيتي عند قوله "والتهجد": هو صلاة الليل.

قال الأقفهسي: واختلف في صفة التهجد على ثلاثة أقوال، أحدها: أنه النوم ثم الصلاة، الثاني: أنه الصلاة بعد النوم، الثالث: أنه الصلاة بعد العشاء. انتهى. والمختار أنه الصلاة بعد العشاء وبعد النوم، ثم قال: وكان التهجد أولا واجبا عليه وعلى أمته حولا كاهلا، ثم نسخ وجوبه. انتهى. والفرق بين القول الأول والثاني في كلام الأقفهسي واضح كما لا يخفى. والله سبحانه أعلم.

والوتر؛ يعني أنه صلى الله عليه وسلم مخصوص بوجوب الوتر؛ فيجب عليه دون غيره من أمته، وقلى تقدم دليله وهو حديث: (ثلاث علي فرائض ولكم تطوع: النحر والوتر وركعتا الضحى

(1)

)، وقوله:"والوتر"، قال الشبراخيتي: ولم ينسخ على الأصح؛ يعني وجوب الوتر،

(1)

سنن البيهقي، ج 2 ص 468. مسند أحمد، ج 2 ص 231.

ص: 578

وأقله ركعة وأكثره إحدى عشرة ركعة وأدنى الكمال لم يتعرضوا له، والظاهر أن مرادهم الجنس. انتهى. أي أن الواجب واحد من هذه الثلاثة لا بعينه. انتهى.

بحضر، راجع للثلاثة أي الضحى والتهجد والوتر؛ يعني أن وجوب الضحى والتهجد والوتر عليه صلى الله عليه وسلم محله حيث كان بحضر لا إن كان بسفر؛ لأنه صلى الله عليه وسلم (كان يوتر على راحلته ويتهجد عليها

(1)

). والسواك؛ يعني أنه صلى الله عليه وسلم مخصوص بوجوب السواك عليه لكل صلاة كما في التتائي والأمير، وفي الحديث: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة

(2)

). وقال الشبراخيتي: وبوجوب السواك لكل صلاة فرضا أو نفلا كما قاله الشافعية، ثم نقل عن بعضهم ما نصه: في سنن أبي داوود (أنه عليه الصلاة والسلام أمر بالسواك لكل صلاة)، قال العسقلاني: وسياق الحديث يخصصه بالمفروضة.

وتخيير نسائه فيه؛ يعني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مخصوص بأنه يجب عليه أن يخير نساءه في المقام معه طلبا للآخرة، وفي مفارقته طلبال للدنيا، والأصح أن من اختارت الدنيا يطلقها النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك، لقوله تعالى:{أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا} . قاله الشيخ بناني. وقال الإمام الحطاب: قال الأقفهسي: اختلف العلماء فيمن اختارت منهن الدنيا هل تبيين بنفس الاختيار أم لا؟ أصح القولين أنها تبين، والذي في الصحيح أن آية التخيير نزلت وعنده تسع نسوة وهن اللواتي توفي عنهن، وذكر ابن إسحاق أن آية التخيير نزلت وكانت فاطمة بنت الضحاك في عصمته صلى الله عليه وسلم، فاختارت الدنيا ففارقها صلى الله عليه وسلم فكانت بعد ذلك تلتقط البعر، وتقول: هي الشقية اختارت الدنيا. قال أبو عمر: هذا عندنا غير صحيح؛ لأن ابن شهاب يروي عن عروة عن عائشة رضي الله عنها (أنه صلى الله عليه وسلم بدأ بها فاختارت الله ورسوله وتابعها بقيتهن على ذلك). انتهى. وعائشة رضي الله عنها هي التي قالت: (أفيك أستشير

(1)

صحيح مسلم، كتاب الطهارة رقم الحديث، 252. صحيح البخاري، كتاب الجمعة، رقم الحديث، 887.

(2)

سنن أبي داوود، كتاب الطهارة، رقم الحديث 48.

ص: 579

أبوي؟) وليس المراد بتخيير نسائه الذي يوقعن فيه الثلاث كما ظنه قوم وهو ظن سوء به صلى الله عليه وسلم، وبقي مما يجب عليه أن يقول إذا رأى ما يعجبه: لبيك إن العيش عيش الآخرة. وأن يؤدي فرض الصلاة كاملة لا خلل فيها وإتمام كل تطوع شرع فيه، وأن يدفع بالتي هي أحسن، وكلف من العلم وحده ما كلف الناس بأجمعهم، وكان مطالبا برؤية مشاهدة الحق مع مشاهدة الناس بالنفس والكلام، وأن يتوضأ لكل صلاة، ولا يرد سلاما ولا يتكلم إذا أحدث حتى يتوضأ، لكن نسخ هذا الذي ذكر من قوله: وأن يتوضأ لخ. قاله الشيخ عبد الباقي.

وأشار إلى القسم الثاني وهو الواجب علينا له صلى الله عليه وسلم، بقوله: وصلاق مرغوبته؛ يعني أنه صلى الله عليه وسلم مخصوص بأنه يجب على من تحته منا امرأة ورغب فيها صلى الله عليه وسلم أن يطلقها لأجل رغبته فيها تشريفا له صلى الله عليه وسلم، وله نكاحها بعد انقضاء عدتها، وقول من قال: له نكاحها في المعدة، قال ابن الصلاح: منكر غلط؛ لكن لم يقع منه صلى الله عليه وسلم رغبة في نكاح امرأة غيره، وأما تزوجه زينب بعد طلاقها فواقع لقوله تعالى:{فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا} . الأمير: ولم يرغب في زوجة أحد، وغاية ما في زينب إخبار الله تعالى بأنه يتزوجها وكتمه. انتهى. وقال السنوسي: رغبته صلى الله عليه وسلم إنما كانت في بقائها تحت زيد، والذي أخفاه إنما هو أمر الله بتزوجها إذا فارقها زيد، فكان يخفي ذلك الإيحاء عن الناس خشية تطرق الألسنة إليه بأنه تزوج زوجة ابنه؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان تبنى زيدا فكان لهذا الموجب يقول له: أمسك عليك زوجك خشية وجوب تزوجها عليه إذا طلقها زيد، وأن قوله:{وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ} - معناه ليلا يجب عليه زواجها إذا طلقها لا محبتها مع قوله ذلك؛ أي وقال له ذلك حين شكا زيد له منها كما في سيرة الشامي - {وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ} ما أمرت به من تزوجها بعد طلاق زيد لا حبها {مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ} ؛ أي مظهره بعد ذلك بوجوب تزوجك إياها، {وَتَخْشَى النَّاسَ} أن يقولوا:

ص: 580

تزوج زوجة ابنه، {وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ} لما أراد من إبطال ما كان في الجاهلية من حرمة تزوج زوجة من تبناه الواحد منهم. نقله عبد الباقي.

وقوله: لا محبتها، الظاهر أنه عطف على قوله: أمر الله، قال عبد الباقي بعد نقله كلام السنوسي: ونحوه للسيد في شرح المواقف وكذا في شرح المقاصد، وزاد: ولا خفاء أن إخفاء عزيمة تزوج زينب أمر دنيوي خوفا من أعداء الدين، ليس من الصغائر فضلا عن الكبائر، وكذا ميلان القلب في غير هذه القصة أن لو وقع. انتهى.

واعلم أنه يحرم خطبة خلية رغب فيها، وقال النووي: وإن كانت خلية لزمتها الإجابة على الأصح وحرم على غيره خطبتها. القرطبي: أبيح له صلى الله عليه وسلم أخذ الطعام والشراب من الجائع والعطشان، وإن كان من هو معه يخاف على نفسه التلف لقوله تعالى:{النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} ، ويجب على كل أحد أن يقي النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه، وقد قال تعالى:{وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ} . قاله الحطاب.

وإجابة المصلي، هذا من القسم الثاني أيضا؛ يعني أنه يجب علينا لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجيبه المصلي منا إذا دعاه وغير المصلي منا أحرى، وفي الموطأ ومسلم: لما دعا أبيا وهو في الصلاة ولم يجبه، قال له صلى الله عليه وسلم: (ألم يقل الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ}

(1)

؟ ومثله في (البخاري مع أبي سعيد رافع بن المعلى

(2)

). ولا تبطل صلاة المجيب. قاله الشارح والأقفهسي. وظاهره ولو أجاب بنعم أو بنحو ما فعلت الشيء الفلاني ونحو ذلك. وقال الشافعي: في حديث أبَيٍّ [دليل]

(3)

على أن الفعل الفرض أو القول الفرض إذا أتي به في الصلاة لا يبطلها، قال الحطاب: ونقله القرطبي وأقره، وفيه حجة لقول الأوزاعي: إن المصلي لو أبصر غلاما يريد أن يسقط في بير فصاح وانتهره وانصرف إليه لم يكن بذلك بأس. انتهى. قوله: "وإجابة

(1)

لفظ الموطإ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نادى أبىّ بن كعب وهو يصلي فلما فرغ من صلاته لحقه فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على يده.

(2)

صحيح البخاري، كتاب التفسير، رقم الحديث، 4474.

(3)

ساقطة من النسخ والمثبت من الحطاب ج 4 ص 194 ط دار الرضوان.

ص: 581

المصلي"، قال الشيخ سالم: ويشاركه في هذه الخصوصية غيره من الأنبياء، قال العجماوي: مثل الإجابة في عدم البطلان ما إذا ابتدأه المصلي بالخطاب، فقال: السلام عليك أو سلام عليك. قاله النووي. قال علي الأجهوري: والظاهر حينئذ قصره على ما فيه ذكر كما عبر به النووي، لا ما كان كلاما أجنبيا، ومعنى الوجوب اعتقاد أن الله تعالى أوجب له على أمته إجابته إذا نادى أحدا منهم في صلاته في حياته عليه الصلاة والسلام، كما وقع ذلك لأبي، وانظر إن وقع ذلك بعد وفاته لبقاء خصوصية الحياة له صلى الله عليه وسلم، والظاهر البطلان لأن الكلام في حياته الأصلية. قاله عبد الباقي.

والمشاورة. هذا من القسم الأول؛ يعني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مخصوص بوجوب المشاورة عليه لذوي الأحلام من الصحابة في الآراء والحروب تطييبا لخواطرهم وتأليفا لهم، لا ليستفيد منهم علما، وأما الشرائع والأحكام فلا يشاور فيها لأنه ليس أحد أعلم منه صلى الله عليه وسلم بما أنزل إليه، وقد قال تعالى:{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} ، ولا يرد مشاورته في الأذان وفعله قبل الوحي به؛ لأنه قبل أمر الله تعالى له بالمشاورة إذ قصته في السنة الثانية من الهجرة أو الأولى قولان، رجح الحافظ ابن حجر الثاني، وأما الأمر بالمشاورة بقوله تعالى:{وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} ففي السنة الثالثة اتفاقا. قاله الشيخ عبد الباقي. ويشاركه صلى الله عليه وسلم في وجوب المشاورة الولاة؛ أي مشاورتهم للعلماء فيما لا يعلمون وفيما أشكل عليهم من أمور الدين، ويجب على الولاة أيضا مشاورة وجوه الجيش فيما يتعلق بالحروب، ومشاورة وجوه الناس فيما بتعلق بالمصالح، ومشاورة وجوه الكتاب والعمال والوزراء في ما يتعلق بمصالح البلاد وعمارتها.

ابن عطية: الشورى من قواعد الدين وعزائم الأحكام، ومن لا يستشير أهل العلم فعزله واجب، وهذا مما لا خلاف فيه. انظر الحطاب. قال الشبراخيتي: وعلى هذا فلا يصح عده في الخصائص. انتهى. وقال عبد الباقي: فالخصوصية له صلى الله عليه وسلم كونه كامل العقل والمعرفة وتجب عليه المشاورة. انتهى. ولما نزلت الآية قال رسول الله صلى الله عليه

ص: 582

وسلم: (إن الله ورسوله لغنيان عنها

(1)

)؛ يعني المشاورة. والله سبحانه أعلم. (لكن جعلها الله رحمة لأمتي). نقله الشيخ إبراهيم.

وقضاء دين الميت المعسر؛ يعني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مخصوص بأنه يجب عليه أن يقضي دين الميت المسلم من ماله الخاص به بشرطين، أحدهما: أن يعجز عن الوفاء به، وحو معنى المعسر، ثانيهما: أن يتداينه في غير معصية أو فيها وتاب منها. وأحاديث الحبس عن الجنة منسوخة اتفاقا بوجوب القضاء من بيت المال على الولاة بالقيدين المذكورين، وإنما كان ذلك قبل أن تفتح الفتوحات، فيأثم منهم من لم يفعل إن كان حق الميت منهم في بيت المال؛ يعني بقدر ما عليه من الدين وإلا سقط، وفي الحديث:(من ترك دينا أو ضياعا فعلي وإلي)

(2)

؛ أي فعلي قضاؤه وإلي كفاية عياله، قال ابن بطال: هذا ناسخ لتركه الصلاة على من مات وعليه دين، وقوله:"الميت"، قال غير واحد: لا مفهوم له بل الحي كذلك، قال الشيخ بناني: قوله: لا مفهوم له، نحوه في الخرشي، ولم أر من ذكر أن الحي هنا كالميت، وظاهر نصوصهم وظاهر الأحاديث التي في الحطاب أنه خاص بالميت، ونحوه في المواق ككلام المؤلف.

وعلم مما مر أن الخصوصية في قوله: "وقضاء دين الميت" لخ، كون ذلك من مال النبي صلى الله عليه وسلم الخاص به، وأما من بيت المال فيشاركه جميع الولاة في وجوب ذلك بالقيدين المتقدمين كما قاله عبد الباقي، وقال الإمام الحطاب: اختلف العلماء هل كان القضاء واجبا عليه صلى الله عليه وسلم أو تطوعا؟ وهل كان يقضيه من خالص مال نفسه أو من مصالح المسلمين؟ وظاهر كلام ابن بطال أنه كان يقضيه من المصالح، وأنه واجب عليه وعلى من بعده من الأئمة.

وإثبات عمله؛ يعني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مخصوص بأنه يجب عليه إذا عمل عملا من أعمال البر أن يزبته أي يداوم عليه، والمراد بالمداومة عليه أنه لا يقطعه حتى يعد

(1)

الدر المنثور، للسيوطي، ج 2 ص 359.

(2)

صحيح مسلم، كتاب الجمعة، رقم الحديث، 867.

ص: 583

تاركا له لا المداومة عليه أبدا؛ لأنه ورد أنه (كان يصىلي الضحى حتى نقول لا يدعها ويتركها حتى نقول لا يصليها)، وورد أيضا: (كان يصوم حتى نقول لا يفطر ويفطر حتى نقول لا يصوم

(1)

).

تنبيه: ررى أبو داوود أنه صلى الله عليه وسلم، قال: (اكلفوا من العمل ما تطيقون فإن الله تعالى لا يمل حتى تملوا

(2)

)، ولمسلم: (إن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل

(3)

)، وقال عليه الصلاة والسلام: (إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة

(4)

). خرجه البخاري والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه. وهو معدود من جوامع الكلم. قوله: يسر، معناه ذو يسر، وجعله يسرا مبالغة بالنسبة إلى الأديان قبله؛ لأن الله تعالى رفع عن هذه الأمة الإصر الذي كان على من قبلهم: فمن ذلك أن توبة هذه الأمة بالإقلاع والعزم والندم وتوبة من قبلهم كانت بقتل أنفسهم وقوله: الدين، منصوب على المفعولية، قال ابن المنير: في هذا الحديث علم من أعلام النبوة فقد رأينا ورأى الناس قبلنا أن كل متنطع في الدين ينقطع. انتهى. قال في الفتح: وليس المراد منع طلب الأكمل في العبادة فإنه من الأمور المحمودة، بل منع الإفراط المؤدي إلى الملل والمبالغة في القطع المفضي إلى ترك الأفضل أو إخراج الفرض عن وقته، كمن بات يصلي ويغالب النوم إلى أن غلبته عيناه في آخر الليل فنام عن صلاة الصبح إلى خروج الوقت المختار أو إلى أن تطلع الشمس، وقوله: فسددوا؛ أي الزموا السداد وهو الصواب من غير إفراط ولا تفريط، قال أهل اللغة: السداد التوسط في العمل، وقوله: وقاربوا؛ أي إن لم تستطيعوا الأخذ بالأكمل فاعملوا بما يقرب منه، وقوله: وأبشروا أي بالثواب على العمل المستمر وإن قل؛ أو المراد تبشير من عجز عن العمل بالأكمل: لأن العجز إذا لم يكن من صنيعه لا يستلزم نقص أجره، وأبهم المبشر به تعظيما وتفخيما له، وقوله: واستعينوا

(1)

صحيح البخاري، كتاب الصوم، رقم الحديث، 1969.

(2)

سنن أبي داوود، كتاب الصلاة رقم الحديث 1368.

(3)

صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافر رقم الحديث، 782، صحيح البخاري، كتاب الرقاق، رقم الحديث، 6464.

(4)

صحيح البخاري، كتاب الإيمان، رقم الحديث، 39.

ص: 584

بالغدوة أي استعينوا على مداومة العبادة بإيقاعها في الأوقات المنشطة، والغدوة بالفتح سير أول النهار، وقال الجوهري: ما بين الغداة إلى طلوع الشمس، ومعنى الغدوة في الحديث قال الشيخ زروق: يعني ذكر ما بعد الصبح إلى طلوع الشمس، والدلجة بضم أوله وفتحه وإسكان اللام سير آخر الليل؛ يعني به الذكر والعبادة في آخر الليل، وعبر فيها بالتبعيض لأن عمل الليل أشق من عمل النهار، وهذه الأوقات أطيب أوقات المسافر، فكأنه صلى الله عليه وسلم خاطب مسافرا إلى مقصده فنبهه على أوقات نشاطه؛ لأن المسافر إذا سافر الليل والنهار جميعا انقطع وعجز، وإذا تحرى السير في هذه الأوقات المنشطة أمكنته المداومة من غير مشقة، وحسن هذه العبارة الاستعارة أن الدنيا في الحقيقة دار نقلة إلى الآخرة، وأن هذه الأوقات بخصوصها أروح ما يكون للبدن في العبادة. نقله ابن زكري.

ومصابرة العدو الكثير؛ يعني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مخصوص بأنه يجب عليه أن يصابر العدو الكثير، أتي يجب عليه أن يقاتلهم ويحرم عليه أن يفر عنهم ولو زادوا على الضعف، ولو أهل الأرض؛ لأنه موعود بالعصمة، لقوله تعالى:{وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} ، أي من قتلهم، فلا ينافي أنه شج في وجهه وكسرت رباعيته. قاله الشيخ عبد الباقي.

ومن خصائصه صلى الله عليه وسلم أنه فئة للمسلمين ولو كان مقيما بالمدينة، فيجوز للجيش أن ينحاز إليه ولا يكون ذلك فرارا، بخلاف غيره من الأئمة فإنما يكون فئة إذا برز مع الجيش فيكون فئة لمن خرج من السرايا. والله أعلم. ذكره ابن رشد في أول رسم من سماع ابن القاسم. قاله الإمام الحطاب. وقال الشيخ إبراهيم عند قوله "ومصابرة العدو الكثير": الزائد على الضعف ولو مع الخوف لأنه موعود بالعصمة، وأما ما وقع له من شج رأسه ونحوه فكان قبل نزولها، أو أن قوله: من الناس؛ أي من قتلهم، ولم ينقل أن المصطفى صلى الله عليه وسلم انهزم في موطن قط. انتهى. كيف؟ وهو صلى الله عليه وسلم ما ولى العدو ظهره قط، قال الشبراخيتي: وسيأتي أن من زعم أنه انهزم يقتل. انتهى. وقوله: "العدو الكثير"، قد علمت أنه يجوز لأمته الفرار إن لم يبلغوا نصف العدو.

ص: 585

وتغيير المنكر؛ يعني أنه صلى الله عليه وسلم مخصوص بأنه يجب عليه تغيير المنكر وجوبا عينيا من غير شرط، بخلاف أمته فكفاية بالشروط المتقدمة. قوله:"وتغيير المنكر"، يشاركه فيه غيره من الأنبياء.

وعلم مما قررت أن الخصوصية في هذا كونه فرض عين عليه من غير شرط. السيوطي: ووجه الخصوصية فيه من وجوه أنه في حقه من فرائض الأعيان، وفي حق غيره من فرائض الكفاية، وأنه يجب عليه إظهار الإنكار ولا يجب الإظهار على أمته، وأنه لا يسقط عنه للخوف بخلاف غيره. نقله الحطاب. وقال الشبراخيتي عند قوله:"وتغيير المنكر" ما نصه: قولا أو فعلا ولو صغيرة وهو فرض عين، ولا تعتبر شروطه في حقه أي إظهار تغيير المنكر أي إزالته في الظاهر، ولا يكفي تغييره بقلبه لأن فيه الإقرار عليه، وإقراره لغيره على ذلك يدل على جوازه. انتهى.

وأشار إلى النوع الثالث بقوله: وحرمة الصدقتين عليه؛ يعني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مخصوص بحرمة الصدقتين عليه، أما الصدقة المفروضة فلا خلاف في حرمتها عليه صلى الله عليه وسلم، وأما صدقة التطوع فأكثر أهل العلم على تحريمها عليه أيضا، وقالت طائفة: كان يتنزه عنها ولم تكن محرمة عليه. قاله الحطاب. والواجبة كالزكاة والكفارة والنذر. قاله عبد الباقي. وحرمتا عليه صيانة لنصبه الشريف لإنبائهما عن ذل الآخذ وعز المعطي؛ وأبدل بهما الفيء المأخوذ بالقهر والغلبة لإنبائه بعكس ذلك. قاله غير واحد.

وعلى آله؛ يعني أن الصدقتين حرام على آل رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما الصدقة المفروضة فلا خلاف أنها حرام على بني هاشم الذين هم آله على المشهور، وأما صدقة التطوع فالمشهور على ما في التوضيح عن ابن عبد السلام حرمتها عليهم، وهو مذهب مطرف وابن الماجشون والمنافع، فلذلك جزم به المص هنا، ومذهب ابن القاسم أنها لا تحرم عليهم. ابن عبد البر: وهو الذي عليه جمهور أهل العلم وهو الصحيح عندنا، وصرح القرطبي أيضا في سورة براءة بأنه الصحيح. قاله الحطاب. وحرمة الصدقتين على آله ولو من بعضهم لبعض وزوجاته كآله. ويحرم كون آله عمالا على الزكاة في الأصح، وفي كون مواليه

ص: 586

كآله أو كمواليهم فتجوزان لهم خلاف، المواق: إذا لم يعط آله صلى الله عليه وسلم من بيت المال وأضر بهم الفقر أعطوا من الزكاة، وإعطاؤهم أفضل من إعطاء غيرهم. الباجي: إنما يعطون من الزكاة إن أبيحت لهم الميتة. وكلام الباجي ظاهر لأنه لا ينتقل من حرمة إلى حل إلا عند الضرورة. قاله الشيخ عبد الباقي. ويحرم أن يوقف عليه صلى الله عليه وسلم معين أي بعينه، بخلاف آله؛ لأن الوقف صدقة تطوع، ومفهوم معين أن الصدقات العامة كالمساجد ومياه الآبار لا تحر عليه، ويحرم عليه أن يمد عينيه إلى ما متع الله به الناس، لقوله تعالى:{وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ} . الآية. وأبيحت له صلى الله عليه وسلم الهدية، قال الإمام السهيلي: أمواله صلى الله عليه وسلم من ثلاثة أوجه: من الصفي، والهدية تهدى إليه في بيته لا في الغزو من بلاد الحرب، والثالث: خمس الخمس. قاله الحطاب. وقال الأمير: وبحرمة الصدقتين عليه إلا الأحباس العامة والواجبة على آله إلا لضرورة، وما في الأصل من تحريم التطوع على الآل ضعيف.

وأكله كثوم؛ يعني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مخصوص بأنه يحرم عليه أن يأكل ما له رائحة كريهة، كثوم وبصل وغيرهما، وقوله:"كثوم"؛ إذا كان نيا؛ لأنه صلى الله عليه وسلم يناجي الملائكة، فإن طبخ جاز (لما صح أنه صلى الله عليه وسلم أكل طعاما طبخ ببصل

(1)

). نقله الحطاب. وقال الشبراخيتي عند قوله: "كثوم": بضم الثلثة أي وبصل وفجل وسائر ما له رائحة كريهة، وهذا كله إذا كان نيا، وأما إن طبخ فيجوز (لما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها سئلت عن أكل البصل؟ فقالت: آخر طعام أكله رسول الله صلى الله عليه وهلم فيه بصل)، زاد البيهقي أنه كان مشويا في قدر أي مطبوخا، والظاهر أن ما في حكم المطبوخ كالبصل المنقوع في المخل حتى تذهب رائحته كذلك. انتهى. وقال عبد الباقي: وكذا يجوز فيما يظهر بصل نقع في خل حتى تذهب رائحته. انتهى.

(1)

سنن أبي داوود، كتاب الأطعمة، رقم الحديث، 3829.

ص: 587

أو متكئا؛ يعني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مخصوص بأنه يحرم عليه أن يأكل متكئا، لحديث البخاري: (أما أنا فلا آكل متكئا

(1)

)؛ أي متربعا كما للخطابي وعياض: فإنه قال: الاتكاء هو التمكن من الأرض والتقعدد في الجلوس كالتربع، وشبهه من تمكن الجلسات التي يعتمد فيها على ما تحته فإنه يستدعي الإكثار من الأكل؛ ورسول الله صلى الله عليه وسلم إنما كان جلوسه جلوس المستوفز، وقال: (إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد

(2)

). انتهى كلام عياض. وفسر الفاكهاني الاتكاء في الحديث بأنه الميلان على الشق، فإنه قال: التحقيق أنه -يعني الاتكاء- الميل على الشق لأنه الذي يسبق إلى الذهن من لفظ الاتكاء؛ لأن الاتكاء غير الجلوس، ولذلك قال الراوي في الحديث: وكان متكئا فجلس، ويلزم على ما قال عياض أن يكون معنى الكلام: وكان جالسا فجلس. انتهى. وأقر البيهقي تفسير عياض والخطابي وأنكره عليه ابن الجوزي وفسره بما قال الفاكهاني. قاله الحطاب. واعتمد الشبراخيتي تفسير عياض والخطابي وفسر الاتكاء في الحديث أيضا بأنه الاستناد من غير ميل لشق، نقله عبد الباقي. وفي الشبراخيتي: وأحسن الجلسات للأكل الإقعاء على الوركين ونصب الركبتين، ثم الجثي على الركبتين وظهور القدمين، ثم نصب رجله اليمنى والقعود على اليسرى. انتهى. وقوله:"متكئا"؛ بالنصب حال معطوف على "كثوم". كما قاله الشبراخيتي.

فائدة: روى الإمام أحمد والبيهقي عن ابن عباس: (كلوا في القصعة من جوانبها ولا تأكلوا من وسطها فإن البركة تنزل في وسطها

(3)

)، وروى أبو داوود عن عبد الله بن بسر: (كلوا من حواليها وذروا ذروتها يبارك فيها

(4)

). رواهما السيوطي في الجامع الصغير. وفيه عن واثلة: (كلوا بسم الله من جوانبها وأعفوا رأسها فإن البركة تأتيها من فوقها

(5)

)، وفيه: (كلوا التمر

(1)

البخاري، كتاب الأطعمة، رقم الحديث 5398 سنن الترمذي، كتاب الأطعمة، رقم الحديث، 1837. ولفظ البخاري، إني لا آكل متكئا.

(2)

الإتحاف، ج 5 ص 214.

(3)

مسند أحمد ج 1 ص 230. والإتحاف، ج 5 ص 216، والجامع الصغير، رقم الحديث 6399.

(4)

والجامع الصغير رقم الحديث، 6400

(5)

الجامع الصغير، رقم الحديث، 6401.

ص: 588

على الريق فإنه يقتل الدود

(1)

)، وفيه: (كلوا البلح بالتمر وكلوا الخلق بالجديد فإن الشيطان إذا رآه غضب وقال عاش ابن آدم حتى أكل الخلق بالجديد

(2)

). انتهى.

وإمساك كارهته؛ يعني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مخصوص بأنه يحرم عليه أن يمسلث في عصمته كارهة بقائها في العصمة معه لا لذاته بل للغيرة التي لا صبر للنساء عليها ولا قدرة لهن على تركها لكونها جبلة منهن، لخبر العائذة القائلة: أعوذ بالله منك، فقال: (لقد استعذت بمعاذ الحقي بأهلك

(3)

). رواه البخاري. ومعاذ بفتح الميم أي تحصنت بملاذ وملجإ، وبضمها أي الذي يعاذ به، وألحقي بقطع الهمزة وكسر الحاء من ألحق رباعيا، وبفتح الحاء من لحق. نقله التاودي. وفي حديث مرسل: كان إذا خطب فرد لم يعد. قال الشيخ عبد الباقي: والأصح أن اسم المرأة المذكورة أميمة بنت النعمان بن شرحبيل، وقيل: مليكة الليثية، فإن كرهته لذاته - والعياذ بالله تعالى - كفرت فبانت. وفي الشبراخيتي: أنها -أي المستعيذة- بنت الجون بفتح الجيم وبعد الواو الساكنة نون: وأن اسمها أميمة بنت النعمان بن شرحبيل، والحقي بأهلك بكسر الهمزة وفتح الحاء وقيل بالعكس، قال المناوي؛ إن نساء لقنها أن تقول ذلك، وقلن لها: إنه كلام يعجبه. انتهى.

وتبدل أزواجه؛ يعني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مخصوص بأنه يحرم عليه أن يبدل أزواجه؛ يعني اللواتي خيرهن فاخترنه؛ أي لا يحل له أن يطلق امرأة منهن وينكح غيرها، لقوله تعالى، {وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ} وهذا لم ينسخ كما نص عليه الشيخ بناني. والله تعالى أعلم. واختلف في تفسير الآية على ثلاثة أقوال أصحها قول ابن عباس: أنه لا يحل لك أن تطلق امرأة من أزواجك وتنكح غيرها وهو الذي قدمته، والثاني: لا يحل لك أن تبدل المسلمة التي عندك بمشركة. قاله مجاهد. والثالث: لا تعطي زوجتك في زوجة أخرى، كما كانت تفعله الجاهلية. انتهى. من أحكام ابن العربي. قاله الحطاب.

(1)

الجامع الصغير، 6394.

(2)

الجامع الصغير، رقم الحديث، 6395.

(3)

صحيح البخاري، كتاب الطلاق رقم الحديث 5254 و 3255.

ص: 589

وقال أول الآية {لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ} : واختلف في معناها على أقوال أصحها قإل ابن عباس أيضا: إن معناه لا يحل لك النساء من بعد من عندك منهن: وقال الأقفهسي: واختلف هل نسخ هذا التحريم أم لا؟ وحمل كلام المص على هذا الأخير؛ أعني قوله: لا يحل لك النساء من بعد، والظاهر أن المراد الأول. والله أعلم. قاله الحطاب. وعلى القول بأن قوله تعالى:{لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ} قد نسخ، فهو منسوخ بقوله تعالى:{إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ} لتكون له المنة بترك التزويج عليهن وهو من خصوصيته قبل النسخ.

ونكاح الكتابية؛ يعني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مخصوص بأنه يحرم عليه نكاح الكتابية الحرة، وأما الأمة الكتابية فيشاركه في تحريمها غيره، وخص صلى الله عليه وسلم بذلك لأنه صلى الله عليه وسلم أشرف من أن يضع نطفته الشريفة في رحم كافرة، ولأنه تكره صحبتهم ولخبر: (سألت ربي أن لا أتزوج إلا من كان معي في الجنة فأعطاني

(1)

) قال الإمام الحطاب؛ وكذا يحرم عليه وطء الأمة الكتابية بملك اليمين على ما اختاره ابن العربي، وقال الشارح: إن التسري بها حلال على الأصح، وقال الشبراخيتي: ونكاح الكتابية؛ لأنه أشرف من أن يباشر كافرة أعم من أن تكون المباشرة بوطء أو غيره، ولقوله تعالى:{وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} ، ولا يجوز أن تكون الكافرة أم المؤمنين، ولحديث:(زوجاتي في الدنيا زوجاتي في الجنة)

(2)

: والجنة حرام على الكافر، وأما الكافرة غير الكتابية فلا يحل نكاحها للنبي صلى الله عليه وسلم ولا لغيره.

والأمة؛ يعني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مخصوص بأنه يحرم عليه نكاح الأمة المسلمة؛ لأن نكاحها إنما يجوز لخوف العنت وعدم الطول، وكلاهما منتف في حقه صلى الله عليه وسلم، أما خوف العنت فلعصمته، وأما عدم الطول فلأنه صلى الله عليه وسلم له أن يتزوج بغير مهر، بخلاف غيره فإنه لابد في نكاحه من المهر إما ابتداء أو انتهاء كما في

(1)

المعجم الأوسط للطبراني، رقم الحديث 3644.

(2)

التلخيص الحبير، ج 3 رقم الحديث، 1554.

ص: 590

نكاح التفويض، وأما وطء الأمة المسلمة بملك اليمين فحلال له صلى الله عليه وسلم كما نص عليه غير واحد.

وأشار إلى القسم الرابع بقوله: ومدخولته لغيره؛ يعني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مخصوص بأنه تحرم على غيره زوجته التي دخل بها وتوفي عنها، وحرمة هذه مجمع عليها، واللام في لغيره بمعنى على، وكذا التي مات عنها قبل البناء على المذهب، فلا مفهوم لمدخولته بالنسبة للموت، بخلاف مطلقته قبل البناء بعد الموت، لِهَمِّ عُمَر برجم المستعيذة منه صلى الله عليه وسلم إذ تزوجت بعد وفاته الأشعث بن قيس، فتركها حين أخبر بمفارقته أي النبي صلى الله عليه وسلم لها قبل البناء، وهل كذا قبل موته وهو ظاهر القرطبي أم لا؟ لأن فيه إيذاء له كما هو المشاهد فينا، وكذا لا تحرم مطلقته بعد البناء وقبل المسيس كما عليه القزويني الشافعي، كالتي وجد في كشحها بياضا. وفي الحطاب: الصحيح لا تحرم مدخولته التي طلقها كما للقرطبي وابن شاس، وظاهره حتى التي مسها، وينبغي حمله على التي دخل بها ولم يمسها وهو الذي تطمئن إليه النفس. قاله الشيخ علي الأجهوري. عن شيخه البدر، وتحرم السرية التي فارقها بموت أو عتق أو بيع. نقله الحطاب. عن بعض الشافعية.

قال الحطاب: قلت: وهو ظاهر: وإذا حرمت موطوءته فأحرى أم ولده، وقد قال ابن القطان من أصحابنا في كتابه الإقناع في مسائل الإجماع: اتفقوا على أن إبراهيم بن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلق حرا أمه مارية أم ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم محرمة على الرجال بعده غير مملوكة، وأنه عليه السلام كان يطؤها بعد ولادتها، وأنها لم تبع بعده ولا تصدق بها، وأنها كانت بعده حرة، قال الإمام الحطاب: وقع بحث بين بعض طلبة العلم في أم ولده إبراهيم عليه السلام، هل هي من أمهات المؤمنين أم لا؟ والذي يظهر لي أنها ليست من أمهات المؤمنين لما في صحيح البخاري أنه صلى الله عليه وسلم لما بنى بصفية قال أصحابه: هل هي (إحدى أمهات المؤمنين؟ أو مما ملكت يمينه، فقالوا: إن حجبها فهي

ص: 591

من أمهات المؤمنين وإن لم يحجبها فهي مما ملكت يمينه

(1)

). فتأمله. وانظر شراحه. والله أعلم. انتهى.

وفي بقاء نكاحه وانقطاعه خلاف، وعلى انقطاعه ففي وجوب المعدة ونفيها خلاف، منشؤه هل هن متوفى عنهن وهي عبادة أو لا؟ إذ لا ينتظرن الإباحة كالتي لم يمت عنها، لما ورد أن الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون ويحجون. انتهى. نقله الشيخ عبد الباقي.

وحكى القرطبي في كون نسائه عليه الصلاة والسلام كالأمهات في الحرمة وإباحة النظر أو في الحرمة فقط قولين، الظاهر منهما الثاني، فقد ذكر القاضي عياض وغيره أن من خصائصه صلى الله عليه وسلم تحريم رؤية أشخاص أزواجه ولو في الأزر تكريما له، ولذا لم يكن يصلي على أمهات المؤمنين إذا ماتت الواحدة منهن إلا محارم ليلا يرى شخصها في الكفن حتى اتخذت القبة على التابوت.

ووجبت نفقة أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في ماله بعد وفاته إلى أن متن لقوله صلى الله عليه وسلم: (إنا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة

(2)

)، ولقوله: (ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤونة عاملي فهو صدقة

(3)

): ولأنهن كن محبوسات عليه بعد موته، لقوله تعالى:{وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا} ، ويحرم علينا فعل كل شيء يؤذيه وإن كان مباحا لولا إذايته صلى الله عليه وسلم؛ فمتى أدى إلى إذايته ارتفعت الإباحة وحصل التحريم، بخلاف ما لو أدى إلى إذاية غيره صلى الله عليه وسلم. وفي الحديث: فاطمة بضعة مني يريبني ما يريبها. انظر الحطاب. ونظم بعضهم أسماء اللاتي مات عنهن رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله:

توفي رسول الله عن تسع نسوة

إليهن تعزى المكرمات وتنسب

(1)

صحيح البخاري، كتاب النكاح، رقم الحديث:5085.

(2)

شرح الزرقاني على الموطأ، باب ما جاء في تركة النبي صلى الله عليه وسلم وأصله في الصحيحين

(3)

صحيح البخاري، كتاب الوصايا، رقم الحديث، 2776، وصحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، رقم الحديث 1760.

ص: 592

فعائشة ميمونة وصفية

وحفصة تتلوهن هند وزينب

جويرية مع رملة ثم سودة

ثلاث وست نظمهن مهذب

ونزع لأمته؛ يعني أن من خصائصه صلى الله عليه وسلم إذا لبس لأمة الحرب وهي آلته أنه يحرم عليه نزعها حتى يحكم الله بينه وبين محاربه بقتال أو غيره، ولهذا كان صواب قوله: حتى يقاتل، أن يقول: حتى يحكم الله بينه وبين محاربه؛ إذ هو قسيم ما هنا، وبهذا ظهر لك أن حكم الله بينه وبين محاربه أعم من القتال، وكان لا يرجع إذا خرج للحرب ولا ينهزم إن لقي العدو ولو كثر العدو عليه. قاله الحطاب. وقوله:"ونزع لأمته" لخ، يشاركه في ذلك غيره من الأنبياء، واللأمة بالهمزة جمعها لأم كتمرة وتمر، وقوله:"حتى يقاتل"؛ أي إن احتيج لذلك كما قال الشبراخيتي، وقال: وكان الأولى أن يسقطه لأنه قد ينهزم العدو بعد الملاقاة من غير قتال، وأجيب بأنه أتى به تبركا بالحديث، وهو قوله صلى الله خليه وسلم: (لا ينبغي لنبي أن يلبس لأمته فيضعها حتى يقاتل

(1)

)، أو أن قوله:"حتى يقاتل"؛ أي حقيقة أو حكما، فإذا لم يقع قتال بالفعل فهو في حكم وقوعه.

والمن ليستكثر؛ يعني أن من خصائصه صلى الله عليه وسلم أنه يحرم عليه أن يمن ليستكثر وهو قريب من لفظ الآية: {وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ} ، وفي معناه ستة أقوال، الأول: لا تعط عطية لتطلب أكثرمنها، الثاني: لا تعط الأغنياء فتصيب منهم أضعافها، الثالث: لا تعط عطية تنتظر ثوابها، الرابع: لا تمنن بعملك على ربك، الخامس؛ لا تمنن على الناس بالنبوءة وتأخذ منهم أجرا عليها، السادس: لا تضعف عن الخير أن تستكثر منه. والله أعلم. قاله الإمام الحطاب. وزيد سابع وهو أن المعنى: لا تعط عطية مستكثرا لها أي تعدها كثيرة أي لا تستكثر ما تمن به. وهو ظاهر ما قاله بناني.

(1)

فتح الباري، ج 13 ص 339، وج 12، ص 423.

ص: 593

وخائنة الأعين؛ يعني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مخصوص بأنه تحرم عليه خائنة الأعين، وهي أن يظهر خلاف ما أبطن أو ينخدع عما يجب. قاله في الجواهر. والأول في غير الحروب، وحديث: (إنا لنبش في وجوه قوم وإن قلوبنا لتلعنهم

(1)

) هو كالحرب من حيث المعنى، ونبش بفتح المعين من باب علم، وقد أبيح له ذلك إذا أراد سفرا لغزوٍ أن يوري بغيره، ولا تحرم خائنة الأعين على غيره إلا في محظور، والذي كان يقع منه في الحروب إنما هو إذا أراد أن يذهب إلى محل سأل عن سهولة طريق محل آخر وحزونتها وكيف ماؤه؟ ونحو ذلك مما يوهم الذهاب إلى غيره. قاله الأجهوري. وهذا تورية قطعا. والله سبحانه أعلم.

والحكم بينه وبين محاربه؛ هو من تتمة قوله: "حتى يقاتل"، فهو من عطف المصدر الصريح على المصدر الأول، فكان حقه أن يوصله به؛ يعني أنه يحرم عليه صلى الله عليه وسلم إذا لبس لأمة الحرب أن ينزعها حتى يقاتل أو يحكم الله بينه وبين محاربه، وقد مر أن صواب العبارة أن يقول: ونزع لأمته حتى يحكم الله بينه وبين محاربه. قال ابن غازي: صواب العبارة ونزع لأمته حتى يقاتل أو يحكم الله بينه وبين محاربه، وهو كذلك في بعض النسخ ولا يصح غيره. قاله الشيخ إبراهيم. وفسر الحطاب المص بما قال في المقصد الجليل، أي حرم على غيره أن يحكم بينه صلى الله عليه وسلم وبين محاربه، لقوله تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} . انتهى. قال الحطاب: ويكون المراد بالمحارب من بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم خصومة، قال مجاهد في تفسير الآية: لا تفتاتوا على الله ورسوله حتى يقضي الله على لسان رسوله.

ورفع الصوت عليه؛ يعني أن من خصائصه صلى الله عليه وسلم أنه لا يجوز لأحد أن يرفع صوته عليه لقوله تعالى: {لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} وأما خبر ابن عباس وجابر أن نسوة كن يكلمْنَه عالية أصواتهن فالظاهر أنه قبل النهي بقوله تعالى: {لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} ، ويحرم رفع الصوت على حديثه أيضا؛ لأن حرمته ميتا

(1)

صحيح البخاري، كتاب الأدب، معلقا، بلفظ إنا لنكشر في وجوه أقوام وإن قلوبنا لتلعنهم.

ص: 594

كحرمته حيا، فإذا قرئ كلامه وجب على كل حاضر أن لا يرفع صوته عليه ولا يعرض عنه، لقوله تعالى:{وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ} الآية، وكلامه من الوحي: وله من الحرمة مثل ما للقرآن إلا في معان مستثنيات.

ويكره رفع الصوت في مجالس العلماء لأنهم ورثة الأنبياء، ويكره رفع الصوت عند قبره الشريف، ويكره قيام قارئ حديثه لأحد، بل قيل: تكتب عليه خطيئة. قاله الحطاب وغيره.

وندائه من وراء الحجرات؛ يعني أن من خصائصه صلى الله عليه وسلم أنه لا يجوز لأحد أن يناديه من وراء الحجرات أي المحل المحجور، وهو الموضع الذي يحتجب فيه عن الناس بحائط ونحوه؛ لأنه إنما كان يحتجب عنهم في أشغاله المهمة، فإزعاجه عن تلك الحالة سوء أدب، قال تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} ، وما تقدم من التعليل يفيد أن نداءه من وراء الحجرات إذا لم يكن على الوجه المذكور لا يحرم، كأن يناديه من لا يحصل له بندائه إزعاج كخادمه. انظر شرح عبد الباقي.

وباسمه؛ يعني أن من خصائصه صلى الله عليه وسلم أنه لا يجوز لأحد أن يناديه باسمه غير مقترن بما يدل على التعظيم، فيقول: يا محمد، بل يقول: يا نبي الله، يا رسول الله، وحرمته صلى الله عليه وسلم ميتا كحرمته حيا، فلا ينادى باسمه بعد موته غير مقترن بالتعظيم عند قبره أم لا، فإن اقترن بما يدل على التعظيم جاز، ففي خبر ابن فديك: بلغنا أن من وقف عند قبره صلى الله عليه وسلم، فقال:{إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} صلى الله عليك يا محمد سبعين مرة ناداه ملك: صلى الله عليك وسلم يا فلان لم تسقط لك اليوم حاجة. قاله الحطاب. قال عبد الباقي: وانظر هل مثل ذلك الشفاعة يا محمد أم لا؟ ومثل ندائه باسمه نداؤه بكنيته كما قال ابن حجر أخذا من قوله تعالى: {لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا} ، وحينئذ فلا يقال للكنية: تعظيم، فالأوجه جواز ندائه بكنيته لأنا نقول: مقتضى الآية الكريمة أن لا ينادى بكنيته لأنهم كانوا يدعون بها بعضهم بعضا. قاله غير واحد.

ص: 595

وإباحة الوصال؛ هذا من القسم الخامس؛ يعني أنَّ من خصائصه صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى أباح له الوصال أي صوم يومين فأكثر دون فصل بينهما بفطر، قال القاضي عياض: كركعه مالك والجمهور لغير النبي صلى الله عليه وسلم، لنهيه صلى الله عليه وسلم عن الوصال، وأجازه جماعة قالوا: والنهي رحمة وتخفيف فمن قدر فلا حرج؛ وأجازه ابن وهب وأحمد وإسحاق إلى السحر، وقال الخطابي هو من خصائصه وحرام على أمته. النووي: والأصح عندنا أن النهي على التحريم، وقيل: على الكراهة، وكرهه مالك ولو إلى السحر، واختار اللخمي جوازه إلى السحر لحديث: (من واصل فليواصل إلى السحر

(1)

) وهو لابن وهب وأحمد وإسحاق كما مر، وقول أشهب: من واصل أساء، ظاهره التحريم. انظر الحطاب. وفي الصحيحين (أنه صلى الله عليه وسلم نهاهم عن الوصال، فقيل: إنك تواصل، فقال: إني لست مثلكم إني أطعم وأسقى)

(2)

؛ أي أعطى قوة الطاعم والشارب. قاله الشيخ إبراهيم. قال. وأما الوصال في حق غيره فهو مكروه لأنه موجب للضعف والملل من المواظبة على كثير من وظائف العبادات والقيام بحقها. انتهى.

ودخول مكة بلا إحرام؛ يعني أن من خصائصه صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى أباح له أن يدخل مكة بلا إحرام بحج أو عمرة من غير عذر كحصر عدو، وأما لعذر فلا خصوصية له صلى الله عليه وسلم بذلك. قاله الشيخ إبراهيم. وبقتال؛ يعني أن من خصائصه صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى أباح له القتال بمكة شرفها الله تعالى، وتقدم في الحج أن في جواز قتال الحاصر ترددا فراجعه إن شئت، وقوله:"بقتال"؛ أي بخلاف غيره، وقوله في الحديث: (وإنما أحلت لي ساعة من نهار

(3)

)، الساعة التي أحلت له من أول النهار للزوال. قال الشيخ إبراهيم. قال: كما في شرح شيخنا لألفية العراقي: وذكر في الشرح هنا أنها من طلوع الشمس إلى العصر. انتهى. ولبعض الشعراء:

(1)

إكمال الإكمال، ج 4 ص 35 وانظر البخاري، رفم الحديث، 1967.

(2)

صحيح البخاري، كتاب الصوم، رقم الحديث، 1962. صحيح مسلم، كتاب الصيام، رقم الحديث، 1102.

(3)

صحيح البخاري، كتاب العلم، رقم الحديث، 1962. بلفظ: وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار، وصحيح مسلم، كتاب الحج، بلفظ: وإنها أحلت في ساعة من نهار الخ رقم الحديث، 1355.

ص: 596

ومكة أرض ما يحل حرامها

من الناس إلا اللوذعي الحلاحل

يعني النبي صلى الله عليه وسلم.

وصفي المغنم؛ يعني أن من خصائصه صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى أباح له أنه يصطفي من الغنيمة قبل أن تقسم؛ أي يختار منها ما أراد وينفق منه على نفسه وأهل بيته وعياله، ومنه كانت صفية رضي الله عنها، فلا حق للإمام من رأس الغنيمة، والصفي مخصوص به صلى الله عليه وسلم بإجماع العلماء إلا أبا ثور، فإنه قال: أمر الصفي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لإمام المسلمين، وكان أمر الصفي أنه عليه الصلاة والسلام إذا غزا مع الجيش اختار من الغنيمة قبل القسم سهما وضرب له بسهم مع المسلمين، فإن قعد ولم يخرج مع الجيش ضرب له بسهم ولم يكن صفي. نقله الإمام الحطاب. وقال السهيلي في شرح غزوة حنين: كان في الجاهلية المرباع أي ربع الغنيمة، والصفي أي ما يصطفى للرئيس، فنسخ الرباع بالخمس وبقي الصفي. قاله الحطاب.

والخمس؛ يعني أن من خصائصه صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى أباح له الخمس، قال ابن غازي: قال الهروي: إن أعطيتم الخمس وسهم النبي صلى الله عليه وسلم والصفي فأنتم ءامنون. ابن العربي: من خواصه صلى الله عليه وسلم صفي المغنم والاستبداد بخمس الخمس أو الخمس، ومثله لابن شأس وكأنه إشارة إلى القولين، فاقتصر المص على الثاني، ولو اقتصر على الأول كان أولى لأنه أشهر عند أهل السير. قاله الحطاب. وقال الشبراخيتي: كان الأولى أن يقول: وخمس الخمس؛ لأنه المشهور وينفق منه صلى الله عليه وسلم على أهله وعياله، ثم قال: وشذ من قال باستبداده بالخمس. انتهى. وفي سماع أصبغ: إنما والي الجيش كرجل منهم له مثل الذي لهم وعليه مثل الذي عليهم. ابن رشد: لا حق للإمام في الخمس إلا الاجتهاد في قسمة، ومن أهل العلم من ذهب إلى أن الخمس مقسوم على الأصناف المذكورين بالسواء، وأن سهمه عليه السلام للخليفة بعده. انتهى. نقله الحطاب. وقال الشيخ بناني: ابن العربي: من خواصه عليه الصلاة والسلام صفي المغنم والاستبداد بخمس

ص: 597

الخمس أو الخمس، ومثله لابن شأس وكأنه إشارة إلى قولين، والثاني منهما: الاستبداد بجميع الخمس: واقتصر المص على الثاني منهما، ولو اقتصر على الأول كان أولى؛ لأنه أشهر عند أهل السيرة، قال ابن غازي: وقد مر أنه كان في الجاهلية الرباع أي ربع الغنيمة فنسخ المرباع بالخمس.

ويزوج من نفسه؛ يعني أن من خصائصه صلى الله عليه وسلم أنه يباح له أن يزوج المرأة من نفسه ولو لم ترض هي ووليها ويتولى الطرفين، ولكن إذا كرهت الإقامة بعد ذلك حرم عليه إمساكها كما مر. قاله الشيخ عبد الباقي. ومن شاء؛ يعني أنه يباح له صلى الله عليه وسلم أن يزوج المرأة ممن شاء من الرجال بغير إذنها ولا إذن وليها: وكذا له أن يزوج من شاء من الرجال بغير إذنه، والأشبه من الوجهين عند الشافعية أنه لا يدخل فيمن شاء الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، وأما بين الأم وابنتها أو الأخت وأختها فلا. قاله الشيخ إبراهيم. ونحوه للشيخ عبد الباقي. وفسر الأشبه بأنه الراجح. وبلفظ الهبة؛ يعني أن من خصائصه صلى الله عليه وسلم أنه يباح له أن يزوج بلفظ الهبة من غير ذكر صداق، وظاهره لنفسه ولغيره. وقوله: وبلفظ الهبة أي من جهة المرأة. وزائد على أربع؛ يعني أن من خصائصه صلى الله عليه وسلم أنه يباح له أن يتزوج أكثر من أربع نسوة، وكذا غيره من الأنبياء، وقد مر أنه صلى الله عليه وسلم توفي عن تسع.

وبلا مهر؛ يعني أن من خصائصه صلى الله عليه وسلم أنه يباح له أن يعقد نكاحه ونكاح غيره بلا مهر أي صداق يدفعه لها ابتداء وانتهاء، بخلاف غيره فلا بد مند ابتداء أو انتهاء كما في نكاح التفويض. وبلا ولي؛ يعني أنه من خصائصه صلى الله عليه وسلم أنه يباح له أن يعقد نكاحه ونكاح غيره بلا مهر وبلا ولي معا. وبلا شهدود، أي بلا واحد من عذه الثلاثة أي يجوز له ذلك عند انتفائها بالكلية، وأولى لو كان المنتفي بعضها لا كلها، وإنما تشترط الشهود في جانبه صلى الله عليه وسلم؛ لأن القصد من حضورهم خوف الجحد وهو مأمون منه صلى الله عليه وسلم، وجحدها غير مفيد لها بل تكذيب وحكمه معلوم. قاله الشيخ عبد الباقي. وقوله: ويزوج من نفسه، تكرار مع قوله: بلا مهر وولي وشهود.

ص: 598

وبإحرام؛ يعني أن من خصائصه صلى الله عليه وسلم أنه يباح له أن يتزوج بإحرام ولو منه ومن المرأة ومن الولي لخبر ابن عباس: (أنه نكح ميمونة وهو محرم

(1)

)، وأكثر الروايات حلال، وخص رسول الله صلى الله عليه وسلم عند مالك بجواز جعل عتق الأمة صداقها، خلافا ولشافعي. والله تعالى أعلم. قاله الحطاب.

وبلا قسم؛ يعني أنه صلى الله عليه وسلم مخصوص بأنه يباح له أن لا يقسم بين نسائه، فله أن يفضل بعضهن على بعض في المبيت والكسوة والنفقة بخلاف غيره في المبيت، وخص صلى الله عليه وسلم بإباحة المكث في المسجد جنبا، وبجواز خلوته بالأجنبية، وقال جلال الدين السيوطي: واختص صلى الله عليه وسلم بإباحة النظر للأجنبيات والخلوة بهن وإردافهن، وبإباحة المكث في المسجد جنبا والعبور فيه عند المالكية، وأنه لا ينتقض وضوؤه بالنوم ولا باللمس في أحد الوجهين، وهو الأصح، وبجواز صلاة الوتر على الراحلة مع وجوبه عليه وقاعدا، وبجواز الصلاة على الغائب عند أبي حنيفة، وعلى القبر عند المالكية. انتهى. نقله الحطاب. قال: وكذا على الغائب عند المالكية، وذكر ابن العربي أنه اختص بإباحة الكلام لأمته في الصوم وكان محرما على من كان قبلنا عكس الصلاة، وذكر السيوطي أنه صلى الله عليه وسلم اختص بوجوب ركعتي الفجر الحديث في المستدرك وغيره

(2)

)، وغسل الجمعة ورد في حديث واه، وأربع عند الزوال ورد عن سعيد بن المسيب، وبالوضوء لكل صلاة، وبالوضوء إذا أحدث، قيل: ولا يكلم أحدا ولا يرد سلاما حتى يتوضأ، ثم نسخ. قيل: وبالاستعاذة عند القراءة، وأن يقول إذا رأى ما يعجبه: لبيك إن العيش عيش الآخرة، وإتمام كل تطوع شرع فيه، وأن يدفع بالتي هي أحسن. وحرم عليه صلى الله عليه وسلم الخط وتعلم الشعر، وذكر النقاش أنه صلى الله عليه وسلم ما مات حتى كتب، والأول هو المشهور، والصحيح أنه لم يكن لنبي دعوة عامة إلا لنبينا صلى الله عليه وسلم. انتهى. ويحكم صلى الله عليه وسلم وهو غضبان بخلاف غيره، ففي صحيح البخاري أنه عليه

(1)

صحيح مسلم، كتاب النكاح.

(2)

المستدرك على الصحيحين، ج 1 ص 300.

ص: 599

الصلاة والسلام حكم للزبير على الأنصاري الذي أحفظه أي أغضبه؛ إذ قال له: [أن]

(1)

كان ابن عمتك. ابن غازي: ليس ما قيل باختصاصه صلى الله عليه وسلم محصورا فيما ذكر، وذكر شئيا مما مر ثم قال: إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة.

ويحكم لنفسه؛ يعني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مخصوص بأنه يحكم لنفسه على غيره للأمن فيه صلى الله عليه وسلم مما يخشى من حكم الشخص لنفسه: وولده، أي من خصائصه صلى الله عليه وسلم أنه يحكم لولده على غيره لعصمته عليه الصلاة والسلام، وظاهره أنه لا فرق بين العدو وغيره وهو كذلك. قاله الشيخ إبراهيم. وكما يحكم لنفسه وولده يشهد لهما وهذا لازم للحكم لهما، ويحمي له؛ يعني أن من خصائصه صلى الله عليه وسلم أن يحمي لنفسه مواتا من الأرض يختص به دون غيره لترعى فيه ماشيته، وقد ثبت أنه حمى النقيع بالنون لكنه لم يحمه لنفسه، وقال عمر رضي الله عنه: والذي نفسي بيده لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله ما حميت عليهم من بلادهم شيئا، وقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم قال: (لا حمى إلا لله ورسوله

(2)

)، فلعل القائل بالاختصاص حمله على ظاهره وهو خلاف ما فسره به الباجي؛ إذ قال: يريد أنه ليس لأحد أن ينفرد عن المسلمين بمنفعة تخصه، وإنما الحمى لحق الله ولرسوله أو من يقوم مقامه من خليفة وذلك إنما هو في سبيل الله والنظر في دينه. قاله الحطاب. قال عبد الباقي: وانظر هل يحمي لولده أم لا؟ انتهى. وقال الشبراخيتي: وثبت أنه صلى الله عليه وسلم حمى النقيع وحمى ثلاثة أميال بالربذة للقاحه صلى الله عليه وسلم، وأما غير النبي صلى الله عليه وسلم فلا يحمي إلا بشروط ستأتي، وهي أن يكون قليلا وعافيا ومحتاجا إليه وكونه لكغزو. انتهى.

ولا يورث؛ يعني أن من خصائصه صلى الله عليه وسلم أنه لا يورث، وإنما ذكر هذا في قسم التحليل أي الإباحة؛ لأن الرجل إذا قارب الموت بالمرض لم يبق له إلا الثلث، وبقي ملكه صلى الله عليه وسلم بعد موته. نقله الحطاب عن ابن العربي. فيباح له أن يوصي بجميع

(1)

في النسخ إذا والمثبت من الحطاب ج 4 ص 204 ط دار الرضوان.

(2)

صحيح ابن حبان، رقم الحديث، 136.

ص: 600

ماله وينفذ وإن بهبة جميعه. الأقفهسي: اختلف هل ما تركه باق على ملكه ينفق على أهله منه كحياته أو سبب له سبيل الصدقات؟ والصواب أنه صدقة لقوله صلى الله عليه وسلم: (إنا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة

(1)

). قاله ابن غازي. ونقله الحطاب، قال: وتقدم ما يخالف ما صوبه، وقوله:"ولا يورث" يشاركه في ذلك الأنبياء، وقالت الرافضة: إن الأنبياء يورثون، والحكمة في كونهم لا يورثون عليهم الصلاة والسلام خشية أن يتمنى وارثهم موتهم فيكفرت فإن تمني موت النبي كفر. ابن غازي: ليس كل ما هنا مشهورا، بل فيه أشياء ما قال بها إلا من شذ، كوجوب الضحى واستبداده بجميع الخمس. انتهى. قاله الحطاب. قلت: وفيه نظر؛ لأنه قد قال به جماعة، وقوله: في الحديث: صدقة بالرفع لا بالنصب على الحال كما فهم الرافضة أبعدهم الله تعالى، وقوله:"ولا يورث" مفهومه أنه يرث وهو كذلك على الراجح لما ثبت أنه صلى الله عليه وسلم ورث من أبيه أم أيمن بركة الحبشية وبعض غنم وغيره، وقلى ينازع في تسمية ذلك إرثا لأنه لا حكم قبل ورود الشرع، وقد يجاب بأن الله لا عصمه مطلقا كان ما يحصل منه قبل الشرع موافقا لما بعده. قاله الشيخ عبد الباقي. وفي الذخيرة: ورأيت كلاما للعلماء يدل ظاهره على أنهم لا يرثون. انتهى. قاله الحطاب. قال: والحكمة في كونهم لا يرثون على القول به خشية أن يتوهم الموروث أنهم يحبون موته فيبغضهم لذلك. انتهى. وقال الأمير: وترث الأنبياء ولا تورث بل ما تركوه صدقة فلهم الوصية بالجميع.

(1)

المسالك شرح موطأ مالك، ج 5 ص 143.

ص: 601