الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
نوابغ العالم
فريدريك الأكبر
بقلم كبير كتاب الإنكليز ومؤرخيهم اللورد ماكولى
تمهيد
هذه المملكة البروسيانية، أحدث أمم الغرب عمراً، وأنضرها شباباً وخامسة أترابها خلائق وسكاناً، ووفرة وغناء، وثالثتها إن لم تكن ثانيتها أدباً وعلماً ومدنية وعمراناً، وثبت من منشأ وضيع، وطفرت من أصل خفيض، وتسنمت ذروة المجد، وكانت من قبل في الحضيض.
أنعم الإمبراطور (سجسماند) على أسرة هوهنزلرن، العريقة في النهل المتمكنة في الشرف، بمركيزية برندنبورغ، وكان القرن الخامس عشر لا يزال بعد وليداً، فلما قضي ذلك الجيل وأقبل القرن السادس عشر يمشي الخيلاء، دخلت هذه الأسرة الكريمة في دين لوثر، واعتنقت مذهبه، وفي أوائل القرن السابع عشر خلع عليها ملك بولونيا دوقية بروسيا وقلدها ذلك المنصب.
على أن هذه الأرض التي تملكتها، والولايات التي تقلدتها، ما نهضت بها إلى مرتبة أمراء سكسونيا، ولا رفعتها إلى مقام سادة (بافاريا).
كانت أرض (برندنبورغ) جرداء، لا يطيب فيها زرع ولا يصلح فيها نبات بل كانت جنبات برلين، وهي عاصمتها، وجوار بوتسدام، وهي مقام حكامها المحبوب ومقر ولاتها الأمين، عراء خلاء.
وكان يحصل في بعض أصقاعها، من كثبان رمالها، على شيء نزر من الحنطة والدخن، بشق النفس، ومشقة الحرث.
وفي نواح أخر بقيت الغابات القديمة والأجمات التي جازها الفاتحون من الدولة الرومانية إلى ضفاف (الطونة)، لم تمسها يد الإنسان، ولا عملت فيها معاوله.
وما كان من هذه الأرض غنياً خصيباً فشت فيه المستنقعات وأفسد هواؤها صحة السكان حتى تولى الزارع عنها بعد ما غرهم خصبها وخدعتهم جودة تربتها. وكان فريدريك غليوم الملقب بالأمير الكبير السيد الذي اجتمع خلفاؤه على أنه واضع أساس عظمتهم، ومعلى بناء
مجدهم، نال من معاهدة (ويستفاليا) أملاكاً واسعة كثيرة، ومن بينها مقاطعة (مجديبورغ) وبلدها الغني، وترك لأبنه (فريدريك) من بعده أمارة لا تقل في شيء عن تلك الإمارات التي لم ينل حاكمها لقب الملك.
وطمحت نفس فريدريك هذا إلى الملك والملكية وكان مفتوناً بالمظاهر سخياً مبذراً، غافلاً عن فوائده الحقيقية، قاعداً عن واجباته، قلقاً يحتال للشهرة التي لا قيمة ولا وزن يقام لها، فلم تتسع على يديه أملاك الحكومة التي هو واليها، ولا ترامت أرض لرعية التي هو راعيها، بل لعله أورثها بنيه وقد حط من شأنها ولم تزدد به قدراً، ولكن نجحت غاية عيشه وفاز بأمنيته فنال لقب الملك في عام 1700 واتشح بوشاحه ونودي بجلاله.
وكان يجب عليه عند ذلك أن يحتمل المتاعب التي تصيب الطامعين الحديثي عهد بالسلطة والنعمة.
وكان بين الرؤوس المتوجة في أوروبا أشبه بالإنجليزي التاجر الذي أثرى في الهند وطال هناك غناه فاشترى بالمال لقب الشرف فبدا بين جماعة الأشراف الذين تآمر أجدادهم على أسرتي (يورك) و (لانكستر) المتنازعين على الملك المتقاتلين.
وكان حسد الطبقة التي فارقها، واحتقار الوسط الذي سلك نفسه بين ملوكه، ظاهرين أوضح ظهور.
رفض أمير سكسونيا في أول الأمر أن يقر لذي الجلالة الجديد، بمنصبه السامي البعيد، وجعل لويس الرابع عشر ينظر إلى أخيه المليك مزريابه نظر الكونت في رواية موليير إلى السيد (جوردان) وقد حاز مظهر السيادة لا حقيقتها، وابتزت النمسا منه أشياء طائلة ونفائس كثيرة لكي تعترف له باللقب الحديث، وترضى له بالملوكية واسمها، ثم جادت عليه بعد ذلك باعترافها، من غير ما رقّه ولا أدب.
وخلف م بعده ابنه (فريدريك غليوم) وكان على شيء من المقدرة على الإدارة والنظام، وإن شوه خلقه تلك الشرور المنكرة التي ركبها والرذائل التي لبسها، بل أن الأفعال الشواذ التي كان يأتيها لا ترى إلا في مستشفى المجاذيب.
وكان في تصريف وجوه الأمور دقيقاً نشيطاً. وهو أول من فكر في جعل بروسيا أمة ذات قوة وسلطان بين أمم أوروبا بتعبئة جيش عرمرم شديد وساعده اقتصاده المعنت أن يكفل
في السلم ستمائة ألف مقاتل وكانوا على نظام لو وضعت كتائب (فرسايل) بجانبه أو جنود (سان جيمس) لبدت إزاء جيوشه شرذمة قليلين، ورَب قوة كهذه يرهب جانبه ويخاف بأسه، ويطمع في صداقته، وينتفع من محالفته، وترى فيه الجيران عدواً لا تكسر له حدة، أو حليفاً قيماً غالياً.
ولكن عقل فريدريك غليوم كان مختلاً فانقلبت أمياله غراماً وكان ذلك الغرام نتيجة مرض عقله ونقص أخلاقه.
وأصبح ذلك المقتصد شحيحاً مغلول اليد، وبات حبه أبهة الجيش ووراءه جنوناً، كجنون شيخ البلدة الهولاندي بزهر الخزامى، فبينا أهل بلاط (برلين) في الفاقة يتضورون، وأهل العواصم الأخرى يضحكون من حالهم ويسخرون، وبينما طعام أمراء الأسرة وأميراتها لا يسمن ولا يغني من جوع، بل لتمتنع عنه النفس والنفس طاوية، لم يعز على الملك أن يصرف الأموال الطائلة في جمع الجند الطوال.
وكان غاية الملك أن يؤلف فرقة من الجنود الطوال النجاد فأرسل رسله يبحثون في كل مملكة وينقبون عن طوال رجالها ولم يقصروا البحث على البلاد الغريبة، بل ما ارتفعت على رؤوس الجموع رأس في أسواق حلب والقاهرة وسورات ولا طالت على الهام هناك هامة واستطاع صاحبها أن يفر من أيدي رجال فريدريك ولقد نال (ايرلاندي) تبلغ قامته أكثر من سبعة أقدام التقطه سفير بروسيا في لندن، جائزة مقدارها ألف وثلاثمائة جنيه، وهي تربى بكثير على مرتب السفير نفسه.
ذلك إسراف طائش، وتبذير مجنون فلعل فتي شديد الأسر لامتناه في القصر ولا في الطول بريالات معدودات يكون خيراً من هذا وأحسن عملاً. . . .
وعجيب أن يكون فريدريك غليوم أحب الملوك للمسلم، وأكرههم في الحرب، وهذا مطمعه في القوة الحربية، وهذا عهده المأثور في تاريخ النظام الحربي، وهذا حبه لرواء الحرب.
ونحن نخشى أن كراهيته للحرب لم تكن أثراً من أثار الإنسانية فيه بل إن هي إلا وهم من أوهامه، وخيال من خيالاته. وكان خوفه على جنده خوف البخيل على ماله. هام الملك بجمع الجنود وعدهم وازدياد عددهم ولكن لم يطاوعه قلبه يوماً أن يباغت ذلك القطيع العزيز.
وكان ينظر إلى المستقبل قيمني النفس بأن جنوده ستسوق راجلة العدو سوق الأغنام. على أن ذلك اليوم الذي كان يتعلل به، والحرب التي يتوقع نشوبها، كانت تعدو هاربة من أمام عينيه، ولو كان الله مد في فسحة أجله ثلاثين حولاً لما ألفى أصعب ملمة، ولا أعصب شدة، من قتال بسيط في سهول برلين.
ولكن قضى الله أن تستخدم هذه المعدات التي أعدها، والوسائل التي ادخرها، روح أصدق منه لقاء، وأثبت جرأة، وأعلى في النظام كعباً. .
ولد فردريك، الملقب بالأكبر، ابن فردريك غليوم، في يناير سنة 1712.
ونحن نقول أمنين، أن الله رزقه فهماً ثاقباً، وذكاءً حديداً، وحلماً قليلاً وعزمة راسخة.
أما معالم أخلاقه الأخرى فلا ندري أهي من متممات الطبيعة، أم هي تأثير التربية الغريبة التي ترباها.
وتأريخ نشأته وعهد شبيبته مؤلم يشوق المستطلعين.
فلا أوليفر توست في معمل القرية، ولا (سميك) في معمل الصبيان، بأشقى حالاً من ذلكم الوريث المسكين.
كانت شيمة أبيه فردريك غليوم الغلطة والشر وقد صيره استبداد الملك وحشاً فتاكاً ضارياً.
وامتد أذاه في كل مكان، عن اليمين وعن الشمال، باللكمات واللعنات كان إذا خرج إلى الرياضة والنزهة فر الناس من طريقه، وعدوا هاربين ما يحتمون كأنما من نمر انطلق مفلتاً من قفصه.
إن لقي امرأة في الطريق رفسها ثم أمرها أن تتولى إلى بيتها فترعى أطفالها، وإن صادف قسيساً يعظ الجنود نصح له أن يعمد إلى صلاته وقراءته ويأخذ في تضرعه ومطالعته، وأتبع النصيحة بالعصا.
أما في داره فهو الأحمق الذي لا يراض، والوحش الذي لا يسكن. كان قصره جهنم وكان هو أرجم الشياطين. وكان ابنه فردريك وابنته ولهلمينة موضع كراهيته وتعذيبه، وكان جاهلاً ما هذبه علم ولا أخصب من قلبه ما أجدبه الجهل، يكره الأدب ويزرى به، ويمقت الملحدين وشيعة البابا والفلاسفة الباحثين فيما وراء الطبيعة، ولا يعرف الفرق بينهم جميعاً.
شأن الحياة لديه أن يريض جنده وأن يتريض، وألذ رياضات ذلك الأمير وأبردها على
كبده، أن يدخن حتى يمتلئ هواء الحجرة بالدخان، وأن يحسو من جعة السويد، بين ذوائب غليونه، وأن يلعب (الطاولة) مراهناً بقطعة من المطاط لا تساوي ثلاثة فلوس، وأن يقتل الخنازير البرية، وأن يصيد من الحجل بالألوف.
وولى عهده فردريك راغب عن أمور أبيه وملاهيه، لا يميل إلى استعراض الجند، ولا يحب رائحة التبغ ولا (لعب الطاولة) ولا يرغب في القنص، فجنح إلى المزمار فأفتن فيه، وكان أول ما أخذ ذلك عن فئة من لفرنسيين الطريدين حببوا إليه الأدب الفرنسي وحببوه في مجتمعه وأيقظوا ما هدأ من عواطفه.
وكان فردريك غليوم يعد كل ذلك مخنثاً مزرياً، وكلما ازداد على ابنه نكيراً وتضييقاً، ازداد هذا ميلاً إليها ورغباً فيها.
وحان الوقت الذي فيه يتطور عقل الشباب وتثور في القلب الثورات، فاشتد ما بين الابن والوالد من العلائق جفوة وفتوراً.
وارتكب فردريك بعض هفوات من هفوات الصبا ونزقه مما يحسن بالأب العاقل الأريب أن يغض عنها بصره، ولا يأخذ بها ولده.
ولقد اتهموه بعد حين، إن صدقا وإن كذباً، بارتكاب شرور يحمي التاريخ عنا ناظريه، بل ليخجل النقد أن يذكر اسمها، شرور تتحاماها الطبيعة الحيوانية في الإنسان وهي التي تجر إلى عظائم الذنوب وتقود بابن آدم إلى كل جرم.
على أن هفوات صباه لم تكن نهاية في المنكر، ولا اختلفت عن الذنوب الأخرى الشائنة، ولكنها اهتاجت غضب الملك وزادت سخطه وكان يكره الهفوات إلا ما كان منها حظه ونصيبه، ويحسب أنه طالما تضرع إلى الله يحمده إذ كرهه في العواطف الرقيقة وحببه في الجفوة والقسوة ولم يكن فردريك ممن يأخذ المسائل الدينية قضية مسلمة، لا بحث فيها ولا جدال، فجعل يلقي الأسئلة المعضلة في الدين، وطفق يأتي بحجج تشتم منها رائحة المروق عن مذهب لوثر وشيعته، وظن الملك أن ابنه سيصبح ملحداً، زنديقاً كان أم (كالفينيا) فرأى أن القسوة على ابنه أمست واجبة لأنه مسيحي يغار على مسيحيته، فعمد إلى مزماره فحطمه، وإلى الكتب الفرنسية فأمر بإخراجها من قصره، وانحنى على الأمير رفساً وضرباً وتقريعاً وتأنيباً.
وإذا جلس إلى الغداء رمى بالصحاف في وجهه، وكان لا يقدم إليه حيناً إلا الخبز والماء، وحيناً يلجئه إلى ازدراد طعام خبيث فاسد لا تكاد المعدة تسيغه ولا تكاد تمسكه، ولقد رماه أبوه إل الأرض ثم جعل يجره حتى النافذة يريد أن يخنقه بحبال الستائر!
هذا والملكة في أشد الغضب تشفق من زوجها على ابنها، وأخته ولهلمينا انحازت له فلقيت ما يلقى كل يوم من عذاب.
وبلغ بفردريك الشاب اليأس فاحتال للهروب، وبلغ بأبيه المستبد الغشوم الغضب فاستحال جنوناً.
وكان الأمير ضابطاً في الجيش، وفراره يعد في العرف نكولاً، والنكول في قانون فردريك غليوم أكبر الجرائم نكراً، وقد كتب ذلك الملك المتدين في إحدى رسائله الهوجاء النكول من الجحيم، عمل صبية الشياطين وأطفال الأبالسة، لا يقع في جريرتها عبد من عباد الله.
وكان مع فردريك شريك يرى رأيه، ويذهب مذهبه، فأمر الملك بقتله، ولم تأخذه فيه رحمة، ولم يستمع لنصيحة المجلس الحربي له أن يأخذه بالعفو.
وكاد فردريك نفسه يلحق بشريكه، وكاد ينفذ فيه حكم أبيه بالموت، لو لم يقيض الله له حكومات هولاندة، وملوك بولونيا والسويد، والإمبراطور فتداخل الجميع في أمر ذلك الحكم، وبعد تعب وجهد سكنت حدة الملك وأنقذ آل براندنبورج من وصمة كادت تعلو جباههم، وعار قتل أوشك أن يلبس شرفهم.
وعلم فردريك بعد قلق عدة أشهر أن حياته قد أنقذت من مخالب الموت، ولكنه لبث في السجن طويلاً، وقد رأى أن لا مناص من غياباته.
ووجد في حبسه من الحراس رحمة لم يجدها في أبيه، وألفي بين الحفاظ قلوباً رحيمة أين منها قلب والده ومليكه.
ولم تكن مائدته في السجن فاخرة، ولا الطعام لذيذاً، لكنه صحي مفيد، يقتل الجوع ويسكن ثائرته، واستطاع أن يقرأ (الهنريات) ولا يرفس من أجلها، ويعبث بمزماره، وينفخ بالألحان والنغم، ولا يكسر فوق رأسه.
فلما انقضت مدة حبسه، خرج من محبسه رجلاً وقد أوشك أن يتم الحول الواحد بعد العشرين، فلا يستطيع أحد، حتى وإن بلغ من القسوة مبلغ والده، أن يضيق عليه أو يصرفه
عن وجهة هو موليها.
خرج وقد أصبح أنضج الألم فهمه وذكاءه، وأقسى العذاب فؤاده، وأمر الهم طبيعته وأخلاقه.
تعلم ربط النفس وحكمها، وملابسة الناس وخديعتهم، وادعى أنه منتصح ببعض آراء أبيه وقبل يد المرأة التي أحب والده أن يزوجها منه، ولم تكن في الحقيقة زوجته إلا اسما واشتغل تحت أمرة الأمير (أوجين) في حرب ما اشتهر عنها شيء ولا حدث في نقعها للشجاعة خارقة ولم يكن لفردريك فرصة فيشرق في وطيسها ذكره.
وسمح له والده أن يعيش في دار منفصلة واستطاع بذلك أن يكفل ملاهيه ويطفئ كلما استعرت جذوة أمياله سراً لا علانية.
وصرف جزءاً من وقته ينظر في الأمور الحربية والمسائل السياسية وذلك لإرضاء الملك وعن ميل في نفسه ورغبة تنازعه وكذلك كان فردريك يدرج في معارج المقدرة على تصريف هذه الشؤون دون أن يعلم بذلك أخلص أصدقائه، ولا أصدق المخلصين.
وكان مقامه المحبوب رينسبورغ، على مقربة من الحدود التي تفصل أملاك بروسيا عن دوقية ميكلنبورغ.
درينسبورغ موضع خصيب، ومكان ضاحك، وخميلة طيبة، في وسط رمال المركيزية المترامية الأطراف.
وكان يحوط الدار أجم السرو والسنديان، تشرف على بحيرة واسعة هناك كان يلهو، وفي هذه البقعة الجميلة كان يمرح، يزرع البساتين في طرق متشعبة وغير متشعبة: ويبني المسلات والمعابد والمتاحف، ويقطف الأثمار والأزهار.
وكان يخفف عنه عزلته صحاب جمعهم إليه وأدناهم منه، وآثر الفرنسيين منهم مولداً وأصلاً.
وكان يأكل مع هؤلاء جميعاً ويشرب، ويقيم للهوه المراقص، وحيناً يقرأ في كتاب ديني سماه (عهد بايارد)، ولكن في الأدب كان كل هواه.
وتعلم كل شيء بالفرنسية، وأن العلياء التي نعم بها لويس الرابع عشر، والنبوغ العظيم الذي رزقه شعراء ذلك الأمير الكبير وكتاب مآسيه ومضحكاته وأهاجيه والشأو الذي حازه
خطباؤه ودعاته، تركت اللغة الفرنسية شائعة في أوربا منتشرة في كل فجاجها ذائعة في كل أقطارها، حتى في البلاد التي لها أدبها، والتي تستطيع أن تفخر برجال أعظم من راسين، وأقدر من موليير، وأبدع من ماسيون - بلد دانتي، وأرض سرفانت وموطن ملتون وشكسبير، اختار القوم أذواق باريس وأدبها وآثروا رقة لغة الفرنسيين وبدائع كتابهم.
ولم تخرج ألمانيا في ذلك العصر شيئاً من محاسن الشعر وعقائله، ولا نشرت للناس من آيات الفصاحة البينات ولا من فرائد النثر المترقرقات، ولذلك شاع الأدب الفرنسي في أرضها لا يزاحمه مزاحم ولا يقف في سبيله حائل.
فكان كل شاب ذي مكانة أو يافع رب وجاهة يتعلم اللسان الفرنسي كلاماً وكتابة، أما تعلمه الكلام بلسانه الأصلي والإنشاء بلغته الوطنية، أو تعلمه أدبها، وإن لم يستطع فسهولتها وصحتها، فكان غير مهم.
حتى فردريك غليوم نفسه على خواطر في اللغة السكسونية بالية، وفكر ذاوية، كان يرى لزاماً لأبنائه أن يعرفوا الفرنسية، أما التمكن في الألمانية والتبحر في آدابها فأمر غير ذي بال، ومسألة لا ينظر فيها وليست من اللزوم في شيء.
وأما اللاتينية فكانت ممنوعة محظورة.
وقد كتب الملك أن ابني لن يتعلم اللاتينية، وفوق ذلك فأني لن أحتمل أن يذكر أحد ذلك أمامي.
وقد جسر يوماً أحد الأساتذة على قراءة العجل الذهبي في الأصل اللاتيني مع ولي العهد وباغتهما (فردريك غليوم) فصاح بالمعلم في لهجة الملوك:
ماذا تعمل، أيها الشقي
فأجابه المعلم. ليهدأ ثائر ذي الجلالة فقد كنت أفسر العجل الذهبي لسموه.
فصرخ ملك بروسيا، لأردنك أيها المجرم عجلاً، وارتفعت العصا، وجرى المعلم المسكين هارباً، وكان ذلك آخر عهد فردريك بالعلوم القديمة. ولكنه كان يتبجح في بعض الأحيان فيتشدق ببعض كلم سيشرون وكلامه.
أما حظه من اللغة الطليانية فلم يك بالأكبر الأوفر بل ليصعب عليه أن يقرأ صحيفة من صحف (متاستاسيو).
أما في الاسبانيولية والإنكليزية، فلم يعرف على ما تعلم حرفاً واحداً.