الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
العدد 44
فهرس العدد
1-
كلمة العدد - لا منجاة إلا بالإسلام: لفضيلة الشيخ سعد ندا
2-
في رحاب القرآن الكريم تفسير آية من سورة النساء: لفضيلة الشيخ أبو بكر الجزائري
3-
مع الهدي النّبوي - منزلة السنة في التشريع الإسلامي: فضيلة الشيخ محمد أمان بن على الجامي
4-
في ظلال العقيدة الإسلاميّة - مفهوم الربوبية (الحلقة الرابعة والأخيرة) : لفضيلة الشيخ سعد ندا
5-
مرتكزات التربية الإسلامية: لفضيلة الدكتور عباس محجوب
6-
من مشاهد الإعجاز النفس في القرآن الكريم: لفضيلة الدكتور علي البدري
7-
الدعوة الإسلامية في الهند: لفضيلة الدكتور محيي الدين الألوائي
8-
النفاق وَأضرَاره: لفضيلة الشيخ علي الحذيفي
9-
المثالية والواقعية في الإسلام: لفضيلة الدكتور جمعة علي الخولى
10-
الذكر وأثره في حياة المؤمن: لفضيلة الدكتور عبد الرحمن بله علي
11-
من أبحاث فقه السنة - سنن الفطرة بين المحدثين والفقهاء: لفضيلة الدكتور أحمد علي طه ريان
12-
قبسات من أخلاق النبوة: الشيخ محمد المجذوب
13-
الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي: لفضيلة الدكتور عبد الرحمن العدوي
14-
نماذج من الدعاة الصالحين (الحلقة الأولى) : الشيخ أبو بكر الجزائري
15-
ترجمة البيهقي: لفضيلة الشيخ نايف هاشم الدعيس
16-
الأفعال الملازمة للمجهُول بين النحويين واللغويين: لفضيلة الدكتور مصطفى أحمد النماس
17-
مراجعة القول في مواضع في كتب النحو: لفضيلة الدكتور بابكر بدوي دشين
18-
إليك مددت الكف: لفضيلة الدكتور عز الدين علي السيد
19-
تنبيه وتحذير: لسماحة الرئيس العام لإدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
20-
بيان من الرئاسة العامة للمجلس الأعلى العالمي للمساجد: رابطة العالم الإسلامي
21-
تعقيب لا تثريب - السفينة الأولى: بقلم الشيخ محمد المجذوب
22-
وقفة مع طب العيون وعظمة الخالق: لفضيلة الدكتور فكري السيد عوض
23-
الأسنان ووظيفتها: الدكتور أحمد كرات
24-
التدخين وأمراض القلب: لفضيلة الدكتور محمد علي البار
25-
ليس كل ما في النهج من أمير المؤمنين: عباس محجوب
26-
مختارات من الصحف
27-
التبشير في أفريقيا
28-
المجلس الأعلى للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة يعقد دورته السابعة
عمادة البحث العلمي - جميع الحقوق محفوظة 1423 هـ / 2002 م
كلمة العدد
لا منجاة إلا بالإسلام
سعد ندا
عضو تحرير المجلة
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. صلى الله عليه وسلم وبارك على عبده ورسوله، محمد وعلى آله وصحبه.. وبعد..
فإن الإنسان إذا كان هدفه في هذه الحياة أن يأكل، ويشرب ويتمتع بالملذات، ويربي الشحم واللحم فيتصدر بضخامته المجالس، ويباهي بجسمه الثقيل خفاف الأجسام، غير مدرك أن المرء كما يقولون بأصغريه قلبه ولسانه، إذا كان هدفه من حياته كذلك، ساعياً إلى تحقيق تلك القولة العميا:
إنما الدنيا طعام
وشراب ومنام
فإذا فاتك هذا
فعلى الدنيا السلام
فإنه بهذا يستوي مع الأنعام التي لا تعيش إلا لتأكل، وتشرب، وتنام، وتربي اللحم والشحم، ثم منها ما يساق إلى المجزر لينحر، ومنها ما يهلك على مدى الزمن.
وليس بمستغرب أن يوجد في الناس من هذه النوعية الكثير، بدليل وصف الله جل وعلا مجموعة من الناس بقوله:{وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ} (محمد) .
ولقد عرف المؤمنون هذه الحقيقة، وربأوا بأنفسهم أن يكونوا بتلك المثابة، ودار كل منهم في فلك الإيمان يسعى في هذه الحياة مؤمناً ليحقق الهدف الإيماني الذي حدده له خالقه تباركت أسماؤه في قوله:{وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} (القصص) وجعل هدفه الآخرة، مستعيناً على طاعة الله والتزود لدار المُقَامَةِ بما يتبلغ به من الدنيا – لهذا كرمه الله في دنياه وآخره، ويشير إلى هذا قوله تعالى:{وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً} (الإسراء) .
وحين نلقى نظرة على العالم اليوم، نجد أممه – إلا من رحم الله – تجعل سعيها، وكدها، ونصبها، وتصارعها، وأول أهدافها وآخرها، الحياة الدنيا، لذا ترى أفرادها يموج بعضهم في بعض: فيتصارعون في عنف، ويتناحرون بلا هوادة، ويتقاتلون بوحشية، ويجدُّ القوي ليبتلع الضعيف، ويخفُّ العَجِل ليلتهم المتأني، ويتحرك المتكلم ليأكل الصامت، كوحوش الغاب، لا شريعة تحكمها، ولا نظام يدبر أمرها، بل تضرب الفوضى بينها أطنابَها، وتعيش هكذا في فزع العدوان ورعب استباحة الحمى؛ وأضحت حياة الناس اليوم كمِرْجَلٍ محكِم الغطاء زاد غليانه، فأوشك أن يتفجر، وإذا انفجر توزع خطره على من حوله جميعاً، فأهلك من أهلك، وشوّه من شوّه، ومن عاش مُشَوَّهاً، عاش عيشة بئيسة يَئنُّ فيها مما ألَمَّ به وأصابه: في معتقده، أو في نفسه، أو في عقله، أو في عِرْضه، أو ماله، ويحاول أن يلتمس سبيلاً للنجاة، فلا يهتدي إليها، ذلك بأنَهُ كَبَّلَ نفسه بأغلال وآصار حسبها حريةً وتقدماً، لكنها في حقيقة أمرها دفن للنفوس في مقابر الحضارات الزائفة، إنها {أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} (النور) .
وما جرَّ الإنسان إلى هذا الشقاء إلا إعراضه عن هدى خالقه وشرعه الذي لا تطيب الحياة بدونه، وقد لَفَتَهُ ربنا سبحانه إلى هذه الحقيقة فقال:{فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى} (طه) ..
ولما أعرض الإنسان عن شرع خالقه سبحانه، لجأ إلى التشريع بنفسه، فأخذ يضع نظماً – تحكم حياته – نبعث من دخيلة نفسه الأمارة بالسوء {إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَاّ مَا رَحِمَ رَبِّي} (يوسف) ، نفسه الكفارة {إِنَّ الإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} (إبراهيم) ، نفسه التي جُبلت على العجلة وعدم التريث في الأمور {وَكَانَ الإِنْسَانُ عَجُولاً} (الإسراء) .. نفسه التي تهوى الجدل {وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً} (الكهف) نفسه الجهولة {إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} (الأحزاب) .. نفسه التي يملؤها الهلع فلا تقابل الأحداث بما ينبغي أن تقابل به {إن الإنسان خلق هلوعاً، إذا مسه الشر جزوعاً. وإذا مسّه الخير منوعاً، إلا المصلين} (المعارج) .. نفسه التي تؤثر الدنيا العاجلة على الآخرة الآجلة لباقية {كَلَاّ بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَتَذَرُونَ الآخِرَةَ} (القيامة) .. نفسه التي تسيطر عليها الأنانية وحب المال {كَلَاّ بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ، وَلا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ، وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلاً لَمّاً وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً} (الفجر) . نفسه التي تجهل ما تكسبه في الغد {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً} (لقمان) .
كيف إذن: والإنسان يحمل هذه النفس التي حوت تلك النقائص. وغيرها. أن يُشَرِّع للغد القريب والبعيد؟ أنه وضع نظماً تحكمه نبعت من نفسه التي بتلك المثابة، وأخذ يفكر: هل يجعل تلك النظم مبقية للأموال في أيدي الناس فتكون الحياة رأسمالية طاغية؟ أو يسلبها من أيديهم فتكون شيوعية أو اشتراكية باغية؟ هل يعاقب مرتكب جريمة الزنا أو يطلق سراحه؟ هل يجري السارق أو يعفو عنه؟ هل يقتل القاتل أو يكتفي بسجنه؟ هل يمنع الربا أو يبيحه بعد تغليفه بغلاف يسميه الفائدة؟ هل يسمح بتأسيس حانات الخمور؟ ويعفو عن السكارى والداعرين؟ هل يملأ البلاد طولاً وعرضاً بمواد مخدرة مفسدة للعقول بل ومذهبةً لها؟ فيرضى أمزجة المجرمين؟ ويشبع هوى الداعرين؟ هل يحمى المجرم الذي ينال منه مغنماً ولو على حساب دينه ويجعله منه في أقرب مكان؟ هل يوالي أعداء الله من اليهود والنصارى والشيوعيين والإشتراكيين الملاحدة ويلقى إليهم بالمودة ليثبتوا قدمه في موضعها الذي يجب؟ هل.. وهل.. وهل..؟ إنه حَسِب أن سيسعد بتلك النظم، لأنه يجاري بها حياة من حادَّ الله ورسوله ويسير إمعة وراء كل ناعق، فتعس وشقي.
{إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ، فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ، ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ} (المدثر) .
لقد أخذ يتخبط في دروب تلك النظم المظلمة، رغم أن المنقذ منه قريب، والعلاج لشقائه ناجع، والثمن في متناول كل إنسان، وصيدلية الدواء مفتوحة مصاريعها في كل ساعة من ليل أو نهار.
إن العلاج هو الإسلام، والإسلام وحده، ولا شيء سوى الإسلام..
الإسلام الذي أقام حدود الله بالقسط والحق، وبين أن هناك رباً خالقاً لا يعبد إلا هو، وإن هناك عبداً مخلوقاً لا ينبغي أن يوجه عباداته إلا لخالقه وحده.
الإسلام الذي جعل أساسه عقيدة التوحيد الخالصة: توحيد الله عز وجل، وتوحيد شرعه الذي يوصل إليه، في معنى (لا إله إلا الله، محمد رسول الله) بحيث لا يقبل أي عمل مهما كثر ومهما حَسُن دون أن يبني عليها، والذي لو مات الإنسان على غيرها لما غُفر له ألبتة، يقول تعالى:{إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} (النساء) ..
الإسلام الذي جعل ذروة سنامه الجهاد في سبيل الله بالنفس والمال، يقول سبحانه:{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} (الحجرات) ..
الإسلام الذي يطهر النفوس ويربيها على الصفاء والبعد عن الإجرام في حق ربها، وفي نفسها، وفي حق غيرها من النفوس، حتى تلقى خالقها نظيفة غير ملوثة، فتسعد بالنعيم المقيم، يقول جل شأنه {إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى، وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى، جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى} (طه) .
الإسلام الذي يربط بين أفراده رباطاً أخوياً يفوق كل رباط – يقول تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} (الحجرات) .. ويجعل قلوبهم متراحمة تذل لبعضها وتعز على غيرها، وبذا وصفهم الله تعالى {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِين} (المائدة) .
الإسلام الذي يجعل أفراده حين يصبغهم جميعاً صبغةً مؤمنةً واحدةً، كالبنيان المتماسك الذي يصمد أمام الهزات العنيفة "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً "(البخاري) ..
الإسلام الذي يجعل في أفراده إحساساً مرهفاً يشعر بأدنى ألم يمس أي واحد منهم في أي بقعة من جوانب الأرض " مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى "(البخاري)، ومن ثم يقف بجانبه دائماً: ينصره إن ظلم، ويحجزه إن تطاول:"أنصر أخاك ظالماً أو مظلوماً". قال: أنصره مظلوماً، فكيف أنصره ظالماً قال:"تحجزه عن ظلمه فذلك نصره "(البخاري) ..
الإسلام الذي يطهر مجتمع أفراده من دناءات الظن، والتجسس، والتحسس، والتنافس المذموم، والتحاسد، والتباغض، والتدابر، والظلم، والخذلان، والإحتقار، والتطاول على الأموال، والدماء والأعراض، والتعويل على مظاهر الأشكال والأجسام، والبيع على بيع الآخرين بما يوغر صدورهم، والهجر الذي يمزق عرى الأخوة ويفرق الأمة "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا ولا تحسسوا، ولا تنافسوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً كما أمركم الله تعالى، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم. كل المسلم على المسلم حرام: ماله ودمه وعرضه. إن الله لا ينظر إلى صوركم وأجسادكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم. التقوى ها هنا.. التقوى ها هنا.. التقوى ها هنا – ويشير إلى صدره – ألا لا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخواناً. ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث "(مسلم) .
الإسلام الذي لم يعتد بعصبيات ولا ألوان ولا جنسيات ولا أوطان، ولم يجعل منها أساساً لوزن عمل صاحبها، وقربة من الله جل وعلا، بل أذاب كل تلك الإعتبارات جميعاً وصهرها في بوتقة الإسلام لتكون ركيزة التفصيل عند الله رب العالمين هي التقوى – فقال تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (الحجرات) . ومن ثم رأينا في الصحابة الكرام- أفضل قرون هذه الأمة- بلالاً الحبشي، وصهيباً الرومي، وسلمان الفارسي، أخاً للمؤمن القرشي، والهاشمي، وغيره من سادات العرب الذين آمنوا بالله ورسوله.
الإسلام الذي جمع أفراده تحت أمة واحدة، وصفها ربنا تعالى بقوله {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} (الأنبياء) ، وحذرهم من الخلاف في الدين والتفرق في فهمه شيعاً متناحرة، فقال سبحانه:{وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (آل عمران) .. وقال {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} (الأنعام) .. ولو أنه وجد اختلاف في الفهم- نتيجة لاختلاف العقول والأنظار- فإن ذلك لا ينبغي أن يؤدي إلى تشتيت الأمة، وبلبلة أفكارها، ثم إلى التطاحن والتقاتل، وفي هذا يقول الرسول صلى الله عليه سلم:" إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر "(البخاري) .
الإسلام الذي أوجب الإلتفاف حول إمام المسلمين، والسمع والطاعة له، وحرَّم الخروج عليه ما دام يحكم بكتاب الله تعالى. فعن يحي بن معين عن جدته أم الحصين قال:"سمعتها تقول: حججت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع، قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قولاً كثيراً، ثم سمعته يقول: "إن أُمر عليكم عبد مُجدَّع (حسبتها قالت: أسود) يقودكم بكتاب الله تعالى، فاسمعوا وأطيعوا " (مسلم) .. [1]
وحذر الإسلام من شق عصا الطاعة على الإمام، وإلا كان ذلك سبيلاً للخروج من الإسلام. فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال:"من خرج من الطاعة، وفارق الجماعة فمات، مات ميتة جاهلية "(مسلم) .. [2]
الإسلام الذي قرر أن المسلم الذي يحمل السلاح على المسلمين أو يغشهم ينخلع من الإسلام. فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من حمل علينا السلاح فليس منا، ومن غشنا فليس منا "(مسلم) .. [3]
الإسلام الذي قضى باستئصال من يريد تفريق جمع الأمة الإسلامية فعن عرفجة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله على الله عليه وسلم يقول: "إنه ستكون هِناتٌ، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع، فاضربوه، كائناً من كان "(مسلم) .. [4]
الإسلام الذي لا يسمح لأفراده أن يوالوا الذين يعادون الله ويعادونهم ويستهزئون بدينهم. فيقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقّ} (الممتحنة)[5] .. ويقول سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ} (المائدة)[6] .. ويؤكد لهم أن وليهم الله ورسوله والمؤمنون، فيقول تعالى:{إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} (المائدة)[7] .. ثم يطمئن نفوسهم بأن من كان وليه الله ورسوله والمؤمنون، فإنه يكون من حزب الله الذي له – بحوله تعالى – الغلبة على صنوف الأعداء – فيقول جل شأنه:{وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} . (المائدة)
هذا هو الإسلام الذي حمى الفرد، والجماعة،والأمة، وحرص على عقاب كل من يحاول الاعتداء على الكليات الخمس التي هي جماع مصالح العباد، وهي: النفس، والعقل، والدين، والمال، والعرض ووضع حدوداً، وقرر تعزيرات تقام على المعتدى، وبهذا استأصل شأفة الجريمة، وطهر الحياة الإسلامية من الفحشاء والمنكر.
هذا هو الإسلام الذي ساد به سلفنا الصالح، فنشروا به في العالم حضارة أخرجت الناس من الظلمات إلى النور، حملت معها مبادئ: الرحمة، والسماحة، والعدالة، والأخوة، والمساواة، والصدق، والأمانة، والإخلاص، والوفاء، وغير ذلك من المبادئ السامية، بعد أن ترجمتها في الآفاق سلوكاً عملياً كانوا به أعظم القدوة لمن أراد أن ينهج نهجهم، ويسير على درب الهدى والنور.
هذا هو الإسلام، عقيدة ومنهاج، سياسة واقتصاد، تربية واجتماع، سلم وحرب، مصحف وسيف، دين ودولة، أمن وأمان، سعادة في الدنيا والآخرة. به وحده تُحلُّ المشكلات كلها مهما استصعب، وبه وحده تفرج الكروب جميعاً مهما استحكمت حلقاتها. وفي هذا يقول ربنا تبارك وتعالى:{قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ} [8] .
بهذا المفهوم كان الإسلام صالحاً لكل عصر وفي كل مصر، فقضى الله تعالى أن يكون عالمياً يعم البشرية جميعاًً، لأنه لا منجاة لها إلا بهذا الإسلام، ودعاهم إلى الإيمان به وإلى اتباعه ليسلك بهم طريق الهدى والرشاد – فقال سبحانه:{قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [9]
فهل من لجوء إلى الإسلام وعض عليه بالنواجذ لنتحقق السعادة بالنجاة؟.. اللهم لك الحمد كل الحمد أن هديتنا للإسلام، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله – ثبت اللهم قلوبنا عليه، واختم لنا به خير ختام.. وصل اللهم وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه.
--------------------------------------------------------------------------------
[1]
مسلم.
[2]
مسلم.
[3]
مسلم.
[4]
مسلم.
[5]
سورة الممتحنة 01
[6]
سورة المائدة 57
[7]
سورة المائدة 55
[8]
سورة الأنعام 63 ، 64
[9]
سورة الأعراف 157
الذكر وأثره في حياة المؤمن
لفضيلة الدكتور عبد الرحمن بله علي / كلية اللغة العربية
الذكر المأثور:
إن ذكر الله عز وجل، مع يسره وخفة مؤونته على اللسان والنفس من أعظم القربات، وأبرك الطاعات، وأكثرها، ثواباً وأحمدها عند منقلب إياباً كما أنه ذو أثر كبير على سلوك المؤمن في هذه الحياة الدنيا، فهو يصل العبد بربه ويجعله يحلق في آفاق عالية من الطهر والصفاء، فينعم بالقرب والحب والأنس فينعكس ذلك عليه تزكية نفس، وتهذيب أخلاق واستقامة سلوك، واستنارة بصيرة، وشرف مكانة وسيرة.
ولا يكفي أن يلهج اللسان بالذكر فحسب بل لا بد أن يخفق القلب بالحب، ويقوم الذهن بالتأمل واستحضار المعاني والمقاصد وتدفع العاطفة إلى العمل والسلوك، كما أن الذكر لا يؤدي غرضه، ولا يحدث في النفوس أثره إلا إذا جاء مأخوذاً من أذكار رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي أذكار محفوظة مدونة في كتب السنة ما بيننا وبينها إلا أن نطلع عليها، ونأخذ منها ونشغل أنفسنا، ونرطب ألسنتنا بها، وندع ما وجدنا عليه آباءنا وأجدادنا.
وقد نهض جماعة من العلماء الأخيار فدونوها مبوبة في مؤلفات مثل الشيخ النووي الذي ألف كتاب (الأذكار) الذي جمع فيه ما تفرق من غيره من كتب الحديث مما لا غنى لمسلم عنه، ومثل الإمام ابن القيم الذي ألف (الوابل الصيب) مع تقدمه في الفوائد الذكر وفضله وأسراره وأحكامه ومثل (تحفة الذاكرين) للشوكاني ومثل (المأثورات) للإمام حسن البنا التي جاءت حافلة بالمفيد حاوية لكل طيب سهل التطبيق، مؤكد النسبة والتحقيق، وغيرها من الكتب التي اهتمت بأمر الذكر تحقيقاً ورصداً وتبويباً وشرحاً..
إن الإنسان إذا أراد أن يزرع أرضاً خصبة التربة اختار لها البذر الصالح المجرّب، ليجني ثماراً طيبة، ويحصد محصولاً وفيراً، والأمر هنا أعظم خطباً لأنه دين، وذاك دنيا، وأجود الأذكار أسلمها عاقبة وأكثرها ثواباً وأجودها نبتاً وثماراً وأرضاها لله رب العالمين هي تلك التي تحمل خاتم النبوة، ولو أن إنساناً ذكر الله بالليل والنهار، وعلى كل حال، وبكل لسان شتى ذبلت شفتاه، وعمشت من كثرة البكاء عيناه ولكنه على غير ما شرع الله لرسوله من سنن الهدى – لم يزدد من الله إلا بعداً ومن الشيطان إلا قرباً. ولو أن مؤمناً ترك المأثور من الأذكار النبوية، وأخذ بالمبتدع من الأوراد الصوفية ظناً منه أن هذه هي التي تفتح له أبواب الرزق وأبواب الجنان – لو أن مؤمناً فعل هذا لخرج من الإيمان والإسلام كما تخرج الشعرة من العجين، والجرّ على نفسه خزي الدنيا وعذاب الآخرة، وإن مشى على الماء، وطار في الهواء. قال تعالى:{قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [1] وقال: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً} [2] وقال عليه الصلاة والسلام:"من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو ردّ "[3] .
فضل الذكر:
قال عليه الصلاة والسلام:" مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت "[4] وقال صلى الله عليه وسلم:"مثل البيت الذي يذكر الله فيه والبيت الذي لا يذكر الله فيه مثل الحي والميت"[5] وفيهما حث على ذكر الله عز وجل لأنه يكسب الحياة ذاتيتها وأصالتها، ويجعلها شيئاً ذا قيمة عظيمة ويخرج بالإنسان من عالم الأحياء، فكم من حي لا يذكر الله هو من الأموات، وكم من ميت كان لله ذاكراً هو من الأحياء.
والحياة إنما تتحقق إذا اتجهت وجهتها الصحيحة التي أرادها الله لها، ومن أجلها خلق الأحياء والله عز وجل خلق الخلق لعبادته. قال تعالى:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَاّ لِيَعْبُدُونِ} [6] ومن ثمَّ شبّه رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي يذكر ربه بالحي حسية، ومعنوية بما يفاض عليه من الخير والبركة والفضل وبما يغشاه من التجليات الإلهية والأنوار الربانية، وبما ينعم به من سكينة نفسية وطمأنينة قلبية فذكر الله عز وجل منقبة جليلة ومكرمة عظيمة وفضيلة رفيعة.
جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له:"يا رسول الله إن شرائع الإسلام قد كثرت عليَّ فأخبرني بشيء أتشبث به ". فقال:"لا تزال لسانك رطباً بذكر الله ". رواه الترمذي.
وقال عليه الصلاة والسلام:" إنما جعل الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله تعالى "[7] وقد سئل عليه الصلاة والسلام، أي أهل المسجد خير؟ قال:"أكثرهم ذكراً لله عز وجل". قيل: أي الجنازة خير؟ قال:" أكثرهم ذكراً لله عز وجل ". قيل وأي المجاهدين خير؟ قال: "أكثرهم ذكراً لله عز وجل". قيل: وأي الحجاج خير؟ قال:"أكثرهم ذكراً لله عز وجل". قيل: وأي العباد خير؟ قال:" أكثرهم ذكراً لله عز وجل ".
قال أبو بكر:"ذهب الذاكرون بالخير كله "[8] .
وقال عبيد بن عمير:"أن أعظمكم هذا الليل أن تكابدوه، وبخلتم على المال أن تنفقوه، وجبنتم عن العدو أن تقاتلوه فأكثروا من ذكر الله عز وجل "[9] .
وقال عليه صلوات الله وسلامه: " ألا أخبركم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والفضة، وخير لكم من أن تلقوا العدو فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقكم؟ "قالوا: بلى يا رسول الله قال: "ذكر الله "[10] .
وقد استشكل بعض أهل العلم تفضيل الذكر على الصدقة لأن العمل الذي يتعدى نفعه إلى الغير أفضل من الذي يقتصر على صاحبه. كما استشكل بعضهم تفضيل الذكر على الجهاد مع ما فيه من دفع لأعداء الإسلام ونشر لأعلامه، ومدّ لأنواره مع ورود الأدلة الصحيحة على تفضيله على إعلاء مكانة في الصالحات. ونجد الشوكاني رحمه الله يرد على هذا الإستشكال بأن ذلك باعتبار الأشخاص والأحوال، فمن كان مطيقاً للجهاد قوي الأثر فيه فأفضل أعماله الجهاد، ومن كان كثير المال فأفضل أعماله الصدقة، ومن كان غير متصف بإحدى الصفتين المذكورين فأفضل أعماله الذكر [11] .
فوائد الذكر:
ذكر ابن القيم رحمه الله أكثر من مائة فائدة للذكر منها أنه يرضي الرحمن، ويطرد الشيطان، ويزيل الهم، ويجلب السرور، ويقوي القلب والبدن، وينور القلب والوجه، ويجلب الرزق، ويكسب المهابة والحلاوة، ويورث محبة الله التي هي روح الإسلام ويورث المعرفة والإنابة والقرب وحياة القلب وذكر الله للعبد، وهو قوت القلب وروحه، ويجلي صداه، ويحط الخطايا، ويرفع الدرجات ويحث الأنس ويزيل الوحشة، وينجي من عذاب الله، ويوجب تنزيل السكينة، وغشيان الرحمة وحفوف الملائكة بالذاكر ويشغل عن الكلام الضار، ويسعد الذاكر، ويسعد به جليسه، ويأمن من الحسرة يوم القيامة، وهو مع البكاء سبب لا ظلال الله العبد يوم الحر الأكبر في ظل عرشه، وأنه سبب لإعطاء الله الذاكر أفضل ما يعطي السائلين وأن دوام الذكر للرب تبارك وتعالى يوجب الأمان من نسيانه الذي هو سبب شقاء العبد في معاشه ومعاده، وأن الذكر يسير وهو في فراشه وفي سوقه، وأنه نور الذاكر في الدنيا ونور له في قبره ونور له في معاده، وأن في القلب خلة وفاقة لا يسدها شيء البتة إلا ذكر الله عز وجل، وأنه يجمع ما تفرق على العبد من قلبه وإرادته وهمومه وعزمه، ويفرق ما اجتمع عليه من الهموم والغموم والأحزان والحسرات، ويفرق ما اجتمع عليه من ذنوبه وخطاياه وأوزاره حتى تتساقط وتتلاشى ويفرق ما اجتمع حربه من جند الشيطان، وأن الذكر ينبه القلب من نومه ويوقظه، والقلب إذا كان نائماً فاتته الأرباح والمتاجر وأن الذكر شجرة تثمر المعارف والأحوال التي شمّر إليها السالكون فلا سبيل إلى نيل ثمارها إلا من شجرة الذكر، وأن الذاكر قريب من مذكوره ومذكوره معه وهذه المعية معية خاصة وأن الذكر يعدل عتق الرقاب ونفقة الأموال والحمل على الخيل في سبيل الله عز وجل، وأنه رأس الشكر، وأن أكرم الخلق على الله من المتقين من لا يزال لسانه رطباً بذكر الله عز وجل، وأنه يذيب قسوة القلب وما استجلبت نعم الله واستدفعت نقمه بمثل ذكر
الله، وأنه يوجب صلاة الله عز وجل وملائكته على الذاكر، وأن من شاء أن يسكن رياض الجنة في الدنيا فليستوطن مجالس الذكر فإنها رياض الجنة، وأن ذكر الله يسهل الصعب وييسر العسير ويخفف المشاق، ويذهب مخاوف القلب كلها، وأن الإشتغال به اشتغال عن الكلام من الغيبة والنميمة واللغو وأنه سبب لتصديق الرب عز وجل عبده فإنه أخبر عن الله بأوصاف كماله ونعوت جلاله فإذا أخبر بها العبد صدقه ربه ومن صدقه الله لم يحشر مع الكاذبين ورجي له أن يحشر مع الصادقين.
وأن الذكر سدّ بين العبد وبين جهنم فإذا كانت له إلى جهنم طريق عمل من الأعمال كان الذكر سداً في تلك الطريق، وأن الملائكة تستغفر للذاكر كما تستغفر للتائب وأن الجبال والقفار تتباهى وتستبشر بمن يذكر الله عز وجل عليها وأن كثرة ذكر الله عز وجل أمان من النفاق فإن المنافقين قليلوا الذكر لله عز وجل قال تبارك وتعالى في وصف المنافقين:{وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَاّ قَلِيلاً} وإن للذكر من بين الأعمال لذة لا يشبهها شيء فلو لم يكن للعبد من ثوابه إلا اللذة الحاصلة للذاكر لكفاه، وأنه يكسو الوجه نضرة في الدنيا ونوراً في الآخرة، وأن في دوام الذكر في الطريق والبيت والحضر والسفر والبقاع تكثيراً لشهود العبد يوم القيامة فإن البقعة والدار والجبل والأرض تشهد للذاكر يوم القيامة، وأن الذكر يعطي الذاكر قوة حتى أنه ليفعل مع الذكر ما لم يظن فعله بدونه، وإن ذكر الله عز وجل من أكبر العون على طاعته، فإنه يحببها إلى العبد، ويسهلها عليه ويلذذها، ويجعل قرة عينه فيها ونعيمه وسروره بها بحيث لا يجد لها من الكلفة والمشقة والثقل ما يجد الغافل، وأن دور الجنة تبني بالذكر، فإذا أمسك الذاكر عن الذكر أمسكت الملائكة عن البناء، وغراس بساتينها بالذكر أيضاً وأن الإشتغال بالذكر اشتغالاً عن الكلام الباطل من الغيبة والنميمة واللغو ومدح الناس وذمهم وغير ذلك فإن اللسان لا يسكت البتة: فأما لسان ذاكر، وأما لسان لاغ ولا بد من أحدهما في النفس إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل، وهو القلب إن لم تسكته محبة الله عز وجل سكتته محبة المخلوقين ولا بد وهو اللسان إن لم تشغله بالذكر شغلك باللغو وما هو عليك ولا بد [12] .
أفضل الذكر:
ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صيغ للذكر مختلفة مثل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله، ومثل سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ومثل ربنا لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، ومثل سبحان الله عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته إلى غير ذلك مما هو مدون في كتب السنة إلى جانب أذكاره في ليله ونهاره، أكله وشربه، غضبه وسروره، خروجه ودخوله، صحوه ونومه، ركوبه ونزوله، ركوعه وسجوده، قيامه وجلوسه صومه وحجه وجميع حالاته ومختلف عباداته مما يجعله على صلة بربه فلا غرو إن كان ما ينطق به حجة الأرض بعد حجة السماء.
والمتأمل في أذكاره يجدها تمتاز باختصار العبادات وقلة الأعداد وتكامل المعاني وأنها ذات مضمون واضح ودلالة قوية على تمجيد الله وتنزيه ووصفه بكل كمال يليق بجلاله وجماله وبهائه. وقد ورد عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال:
" أفضل ما قلته أنا والنبيين من قبلي لا إله إ إلا الله وحده لا شريك له "[13] ووحده لا شريك له أشبه فقط لا غير التي تكتب في الشيكات عقب كتابة الرقم تحوطاً من زيادة مزيد ولله المثل الأعلى فهي مبالغة في توحيد الله ونفي الشريك عنه وسد لباب قد يُتوقع دخول شرك منه. وقد أنفق عليه الصلاة والسلام عمره المبارك كله يذود عن جناب التوحيد، ويحارب الشرك بكل ألوانه، ويضع من الإحتياطات ما يدفع الشرك بعيداً عن حمى الكلمة الشريفة، ويحفظها على مرِّ العصور جلية نقية بيضاء.
وللكلمة الشريفة التي هي أفضل الذكر شروط ذكرها الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله.
الأول:
العلم المنافي للجهل، فمن لم يعرف المعنى فهو جاهل بمدلولها.
الثاني:
اليقين المنافي للشك، لأن من الناس من يقولها وهو شاك فيما دلت عليه من معناها.
الثالث:
الإخلاص المنافي للشرك، فإن من لم يخلص أعماله كلها لله فهو مشرك شركاً ينافي الإخلاص.
الرابع:
الصدق المنافي للنفاق، لأن المنافقين يقولونها، ولكنهم لم يطابق ما قالوه لما يعتقدونه، فصار قولهم كذباً لمخالفة الظاهر للباطن.
الخامس:
القبول المنافي للرد، لأن من الناس من يقولها مع معرفة معناها ولكن لا يقبل ممن دعاه إليه. إما كبراً أو حسداً، أو غير ذلك من الأسباب المانعة من القبول فتجده يعادي أهل الإخلاص ويوالي أهل الشرك ويحبهم.
السادس:
الإنقياد المنافي للترك، لأن من الناس من يقولها وهو يعرف معناها لكنه لا ينقاد للإتيان بحقوقها ولوازمها من الولاء والبراء والعمل بشرائع الإسلام، ولا يلائمه إلا ما يوافق هواه، أو تحصيل دنياه، وهذه حال كثير من المسلمين.
السابع:
المحبة المنافية لعدمها [14] .
فاكثرنْ من ذكرها بالأدبِ
تنلْ بهذا الذكر أعلى الرتبِ
كثرة الذكر:
مدح الله تعالى الذاكرين له كثيراً وأعدّ لهم مغفرة وأجراً عظيماً فقال عز من قائل: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ} إلى قوله سبحانه.. {وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً} [15] .
قال ابن عباس رضي الله عنهما المراد:"يذكرون الله في أدبار الصلوات وغدواً وعشياً وفي المضجع، وكلما استيقظ من نومه، وكلما غدا وراح من منزله ذكر الله تعالى "- وقال مجاهد:" لا يكون من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات حتى يذكر الله تعالى قائماً وقاعداً ومضطجعاً "، وقال عطاء:"من صلى الصلوات الخمس بحقوقها فهو داخل في قوله تعالى: {وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ} وفي حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا أيقظ الرجل أهله من الليل فصليا أو صلى ركعتين جميعاً كتبا في الذاكرين الله كثيراً والذاكرات " وسئل ابن الصلاح رحمه الله عن القدر الذي يصير به من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات، فقال:"إذا واظب على الأذكار المأثورة المثبتة صباحاً مساءً في الأوقات والأحوال المختلفة ليلاً ونهاراً كان من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات " [16] .
والإنسان إذا داوم على ذكر الله فلا يكاد يعمله عملاً إلا جاء مقروناً بذكر الله تعالى وفي هذا من الخير والبركة ما يجعل عمله مقبولاً وثوابه عظيماً، وأن مدلول الذكر ليتسع حتى يشمل كل عامل لله بطاعة فكل طاعة سواء أكانت قولية أم فعلية أم قلبية فهي ذكر لله تعالى وقال عطاء رحمه الله:"مجالس الذكر هي مجالس الحلال والحرام، كيف تشتري وتبيع وتصلي وتصوم وتنكح وتطلق وتحج وأشباه هذا ".
كما أن ذكر الله كثيراً يجعل الدعاء مستجاباً فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاث لا يرد الله دعاءهم: الذاكر الله كثيراً والمظلوم والإمام المقسط".
وأخرج أحمد في سنده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"أكثروا ذكر الله حتى يقولوا مجنون " فالحديث دعوة إلى الإكثار من ذكر الله إكثاراً يجعل من يراه يظن أن به مساً من الجنون لما يرى عليه من تحريك الشفتين واضطراب البدن من الخوف من الله تعالى.
وصاحب هذا الظن هو المنصرف عن ذكر الله المنشغل بمعاصيه المستهزئ بالطائعين الذاكرين الله كثيراً، وفي الحديث- جواز الجهر بالذكر وقد وردت بعض النصوص ترغب في الإسرار به ويجيب الإمام الشوكاني على ذلك فيقول:"وقد وردت أحاديث تقتضي الإسرار بالذكر، وأحادث تؤدي الجهر به والجمع بينهما أن ذلك مختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، فقد يكون الجهر أفضل من إذا أمن الرياء، وكان في الجهر تذكير للغافلين وتنشيط لهم إلى الإقتداء به، وقد يكون الإسرار أفضل إذا كان الأمر بخلاف ذلك "[17] .
الذكر ضرورة لا مفر منها:
لو أن أحداً عفي عن الذكر لكان زكريا عليه السلام أولى الناس بهذا حين اعتقل لسانه عن الكلام وحبس عن النطق وذلك أنه لما بُشِّر بالغلام طلب من الله تعالى علامة يعرف بها حيل امرأته حتى يتلقى النعمة إذا جاءت بالشكر: {قَالَ آيَتُكَ أَلَا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَاّ رَمْزاً وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ} [18] . فكان يعجز عن تكليم الناس وليس به آفة تمنعه منه إنما هي آية من آيات الله الباهرات فكان كلامه وخطابه لقومه إشارة باليد أو إيماءة بالرأس أو كتابة على الأرض، مع هذا قيل له:{وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً} .
ومن وراء ذلك حكمة بالغة وسرّ نفيس كأنه لما طلب الآية من أجل الشكر حبس لسانه إلا عن الذكر حتى يخلص لشكر تلك النعمة الكبرى والمنة العظمى وهي رزقه الولد على وهنٍ منه وعقم من زوجه وكِبرَ سِنٍّ منهما معاً فقد ناهزا المائة عام وهكذا جاء الجواب مشتقاً من السؤال ومنتزعاً منه، وهو أوقع في النفس وأدخل في باب الحسن، ذكره الزمخشري في كشافه.
ولو أن جماعة أعفيت عن الذكر لكان أولى الناس بهذا المقاتلون في سبيل الله تعالى حين تقوم الحرب بينهم وبين عدوهم على قدم وساق. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} فرغم انشغالهم بمجالدة العدو أمروا بالذكر، لأن به اطمئنان القلوب وتثبيت الإقدام واستدفاع كيد العدو، واستجلاب نصر الله.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: "لم يفرض الله تعالى على عباده فريضة إلا جعل لها أجلاً معلوماً، ثم عذر أهلها في حال العذر غير الذكر فإن الله لم يجعل له حداً ينتهي إليه ولم يعْذر أحداً في تركه إلا مغلوباً على عقله فقال اذكروا الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبكم وبالليل والنهار في البر والبحر في السفر والحضر في الغنى والفقر في الصحة والسقم في السر والعلانية في الحرب والسلم وعلى كل حال.
الذكر في جماعة:
أخرج مسلم في صحيحه وأحمد في مسنده عن أبي هريرة وابن مسعود رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه سلم، قال:"لا يقعد قوم يذكرون الله تعالى إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وذكرهم الله فيمن عنده " وأخرج الترمذي عن أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:"إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا"قالوا: يا رسول الله وما رياض الجنة قال: "حلق الذكر ".
وأخرج البيهقي من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:"يا أيها الناس إن لله سرايا من الملائكة تحل وتقف على مجالس الذكر في الأرض فارتعوا في رياض الجنة"، قالوا: وأين رياض الجنة قال: "مجالس الذكر فاغدوا وروحوا في ذكر الله وذكروا أنفسكم من كان يريد أن يعلم منزلته عند الله فلينظر كيف منزلة الله عنده فإن الله ينزل العبد عنده حيث أنزله العبد في نفسه " قال المنذري والحديث حسن.
وأخرج الطبراني في الكبير عن ابن عباس رضي الله عنهما عنه صلى الله عليه وسلم:" إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا". قالوا: وما رياض الجنة؟ "قال مجالس العلم ".
وأخرت الترمذي عن أبي هريرة قالوا: وما رياض الجنة قال:"المساجد" قيل: وما الرتع؟ قال: "سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ".
ولا تعارض بين هذه الأحاديث فقد تكون رياض الجنة مجالس الذكر ومجالس العلم وهذه قد تكون في المساجد وفي غيرها. فالمجالس التي لم يذكر فيها الله جل جلاله كانت خيبة ووبالاً وحسرة يوم القيامة فقد أخرج الحاكم في المستدرك على شرط مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما من قوم جلسوا مجلساً، وتفرقوا عنه ولم يذكروا الله فيه إلا كان كأنما تفرقوا عن جيفة حمار وكان عليهم حسرة يوم القيامة ". في رواية:"لا يجلس قوم مجلساً لا يذكرون الله عز وجل، ولا يصلون على النبي صلى الله عليه وسلم إلا كان عليهم حسرة يوم القيامة ".
وفيه تنفير شديد عن ترك ذكر الله في المجالس فأي مجلس لا يذكر الله فيه ينبغي للمسلم ألا يقعد فيه ولا يخالط أهله بل ينبغي أن يفر منه كما يفر من جيفة الحمار. فحري بنا أن تكون مجالسنا عامرة بذكر الله تعالى ومدارسة العلم والصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فذلك أليق بنا وأرجى لنا.
وقراءة القرآن ومدارسته وتفسير آياته ومعرفة أحكامه من أعظم الذكر وأبركه وخاصة إذا كان ذلك في جماعة لأنهم يعين بعضهم بعضاً ويشجعه، وينتفع بعضهم من بعض ويسدد، من هنا جاء الترغيب في ذلك فقال عليه الصلاة والسلام:"ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه فيما بينهم إلا نزلت السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده"[19] .
وما يفعله أهل التصوف في أذكارهم الجماعية من ضرب على الدفوف وعزف بالمزامير ليس بذكر ولا هو بقربة لأن القُربَ لا تعرف إلا عن طريق الشرع، وليس في الشرع أمر بهذا ولا استحسان [20] .
وزبدة الذكر مخافة الله واستشعار قربه ومراقبة جلاله لتزكوا نفس المؤمن وتسمو روحه، ويطهر قلبه، وتقسيم على نهج الشريعة أقدامه فيدعو إلى الخير ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر قال عليه الصلاة والسلام:" أمرني ربي بتسع: خشية الله في السر والعلانية، وكلمة العدل في الغضب والرضا، والقصد في الفقر والغنى وأن أصل من قطعني، وأعطي من حرمني، وأعفو عمن ظلمني وأن يكون صمتي فكراً، ونطقي ذكراً، ونظري عبرة ".. يقول عليه الصلاة والسلام بعد ذكر هذه الأوصاف:
" وأن آمر بالمعروف، وأنهى عن المنكر ".
فذكر الله عز وجل ليس انصرافاً عن الحياة وانطواء عن الأحياء وتعطيلاً للأعمال وإنما هو (الدينمو) الذي يولد الحرارة ويهب القوة الدافعة إلى العمل والإنتاج، فهو كالنفس الذي يتردد في جوف الإنسان لا يمنعه من العمل والأكل والشرب والصعود والهبوط والجري والمشي.
إن ديننا دين وجود لا جمود.. دين اجتماع لا انعزال.. دين حركة لا سكون.. دين إيجابية لا سلبية.. إنه عبادة وقيادة وثقافة وقضاء.. ومصحف وسيف.. ومسجد ومصنع.. إنه دين دنيا حتى لكأن الإنسان يعيش أبداً، ودين أخرى حتى لكأنه يموت غداً..
ولله در الدكتور حسان حتحوت إذ يقول:
حسبوا بأن الدين عزلة راهب
واستمروا الأوراد والأذكارا
عجباً أراهم يؤمنون ببعضه
وأرى القلوب ببعضه كفارا
والدين كان ولا يزال فرائضاً
ونوافلاً لله واستغفارا
والدين ميدان وصمصام وفر
سان تبيد الشر والأشرار
والدين حكم باسم ربك قائم
بالعدل لا جورا ولا استهتارا [21]
الذكر القلبي:
إن التفكر في الكون أرضه وسمائه.. حيوانه وجماده.. أخضره ويابسه.. ليله ونهاره.. نجومه وكواكبه، لمن أجل الأعمال وأعظم الطاعات وأفضل العبادات التي ترفع الإنسان في مدارج السمو الروحي، وتنقل الإيمان من التقليد إلى الأصالة ومن الشك إلى اليقين.
قال الزمخشري:"الفكرة تذهب الغفلة "، وتحدث للقلب الخشية كما يحدث الماء للزرع النبات، وما جليت القلوب بمثل الأحزان، ولا استنارت بمثل الفكرة "
فلا غرو إن رغب الإسلام فيه، وحض عليه فنجد كثيراً من الآيات القرآنية تذكره داعية إليه مثربة عدم الإهنداء إليه والإستعانة به {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [22] ، {مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ} [23] ، {وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ} [24]
…
الخ.
كما نجد كثيراً من الأحاديث النبوية تذكر فضله، "لا لعبادة كالتفكير ""تفكر ساعة خير من عبادة سنة " ومما أمره الله به عليه الصلاة والسلام أن يكون صمته فكراً، ونظره عبرة.
والتفكير في خلق الله تعالى سنة الأنبياء والمرسلين. قال عليه الصلاة والسلام:"لا تفضلوني على يونس بن مَتَّى فإنه كان يرفع له في كل يوم مثل عمل أهل الأرض " قال العلماء: إنما كان ذلك التفكُّر في أمر الله الذي هو عمل القلب، لأن أحداً لا يقدر أن يعمل بجوارحه في اليوم مثل عمل أهل الأرض..
كما أن التفكر هو ديدن السلف الصالح، روى ابن القاسم عن مالك قال:"قيل لأم الدرداء: ما كان أكثر شأن أبي الدرداء؟ قالت: كان أكثر شأنه التفكر ". قيل له: أفَترى التفكر عمل من الأعمال؟ قال: نعم هو اليقين "، وقيل لابن المسيب في الصلاة بين الظهر والعصر، قال:"ليست هذه بعبادة إنما العبادة الورع عما حرم الله والتفكر في أمر الله "..
وقد اختلف العلماء في العملين أفضل: التفكر أو صلاة النفل؟ بعضهم يرى التفكر أفضل، لأنه يثمر المعرفة، وهو أفضل المقامات الشرعية وبعضهم يرى الصلاة أفضل، لما ورد في الحديث من الحث عليها والدعاء إليها والترغيب فيها، ونجد القرطبي في تفسيره يرى السنة التي يعتمد عليها الجمع بين التفكر والصلاة كما كان يفعل عليه الصلاة والسلام عندما يستيقظ من نومه فإنه يقرأ أواخر سورة آل عمران الدالة على التفكر، ثم يتوضأ ويصلي فجمع بين التفكر والصلاة.
والتفكر المقصود هو التفكر في خلق الله، وما حواه كونه من آيات باهرات وشواهد ناطقات بوجوده ووحدانيته وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد. لا التفكر في ذاته العلية، فإن ذلك مظنة الزيغ والهلاك لهذا نهى عنه الرسول عليه الصلاة والسلام فقال:" تفكروا في خلقه، ولا تفكروا في ذاته فتهلكوا ".
وليس المراد أن يظل الإنسان طيلة يومه ناظراً في السماء محدقاً في الأجواء، منقطعاً عن أعماله مقصراً في واجباته فإنه ليجد من الفطرة السليمة أو السنة القويمة، ولا من عمل السلف الصالح الذين يقتدى بهم ويعتمد عليهم ويؤخذ عنهم..
ضروب من الذكر:
من ضروب الذكر أن تذكر نعم الله وأفضاله وآلاءه، فيحملك ذلك على شكره والثناء عليه، فذكر النعمة هو في الواقع ذكر لمن أسداها، وتفضل بها، وهذا مما يحمل الإنسان على أن يسخر النعمة في طاعة ربه ومرضاته فذلك أليق بها، وأبقى لها، وأدى لزيادتها كما قال تعالى:{لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ} .
وقد امتن الله عز وجل بالنعم التي أسبغها على عباده وذلك ليوحدوه ويعبدوه، ولا يشركوا به، ولا يلتفتوا لغيره ولا يجوز في ميزان العقل أن يخلق ويعبد غيره، ويرزق ويشكر دونه فمن الولاء والوفاء أن نذكر آلاءه التي لا تعد ونعماءه التي لا تحصى والتي نشاهدها في كل لحظة عن أيماننا وشمائلنا ومن خلفنا وأمامنا.. ظاهرة وباطنة.. يقول سبحانه وتعالى:{وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ} [25] ويقول عز وجل:
ويقول جل جلاله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ} [27]، ويقول عز وجل:{وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ} [28] ويقول سبحانه: {فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ} [29] ويقول عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا} [30] .
ومن ضروب الفكر أن يحافظ المؤمن على الذكر المأثور في الأوقات والأحوال الذي كان عليه الصلاة والسلام يقول فيها كالذكر عند دخول المسجد والخروج منه وعند دخول المنزل والخروج منه وعند الأكل والشرب والجماع والنوم، والسفر والرجوع منه وبالليل والنهار وفي الصلوات والحج والصوم.. وفي مختلف العبادات والأحوال وهو ما يعرف بعمل اليوم والليلة أو المأثورات وقد نهض جماعة من العلماء الأبرار فألفوا فيها كتباً جامعة. وقد أشرنا إليها في أول المقال بما أغنى عن إعادتها هنا.
والمداومة على هذه الأذكار تربط المؤمن بخالقه وتعمر قلبه بتقواه وخشيته، وتحيي ضميره بدوام مراقبته، فلا تكاد تمرّ لحظة إلا وهو ذاكر لله جل جلاله متعلق به، مراقب له، متفان فيه خائف منه، طامع في عظيم فضله وواسع رحمته.
كما أنها تنمي فيه ملكة الإقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، فبه لا بغيره يصل المؤمن إلى ربه ويحظى بعفوه ورضاه وحبه وتقواه، ولن يصل أحد إلى باب الله تعالى إلا إذا سار خلف رسول الله عليه الصلاة والسلام. والمحافظة على هذه الأذكار تشعر المؤمن بأنه يتأسى برسوله، ويسير على نهجه.. وهكذا تبقى هذه الأذكار جزءاً من حياته، بل هي حياته التي يذوق لها طعماً، يجد في ظلالها الطمأنينة القلبية والسعادة الأبدية..
ربنا أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وصل على صفوتك من خلقك وأمينك على وحيك محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً..
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
"المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عليه كربة من كرب يوم القيامة " متفق عليه.
--------------------------------------------------------------------------------
[1]
سورة آل عمران 31.
[2]
سورة الأحزاب 21.
[3]
متفق عليه.
[4]
رواه البخاري ومسلم.
[5]
رواه مسلم.
[6]
سورة الذاريات 56.
[7]
رواه الترمذي.
[8]
رواه ابن أبي الدنيا.
[9]
الوابل الصيب ط3 ص68.
[10]
الحاكم في المستدرك ومالك في الموطأ.
[11]
تحفة الذاكرين (دار الكتب العلمية) ص11.
[12]
الوابل الصيب، ابن القيم، ط3، ص36 وما بعدها.
[13]
حديث صحيح.
[14]
الورد المصفى المختار للإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود، ط جدة، ص99.
[15]
الأحزاب 35.
[16]
الأذكار للنووي ط بيروت ص 7.
[17]
تحفة الذاكرين ص17.
[18]
سورة آل عمران 41.
[19]
حديث صحيح.
[20]
صيد الخاطر لابن الجوزي، ط1، ج1، ص216.
[21]
مجلة المسلمون 3/199.
[22]
الجاثية 13.
[23]
القصص 72.
[24]
الذاريات 21.
[25]
البقرة 231.
[26]
آل عمران 103.
[27]
المائدة 11.
[28]
الأعراف 69.
[29]
الأعراف 74.
[30]
الأحزاب 9.
من أبحاث فقه السنة
سنن الفطرة بين المحدثين والفقهاء
لفضيلة الدكتور أحمد علي طه ريان / الأستاذ المساعد بكلية الحديث الشريف
تقديم: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، وزوجاته أمهات المؤمنين، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد: فمن المعلوم أن الشريعة الإسلامية قد جمعت إلى جانب ما امتازت به من المبادئ السامية والمثل العليا، والعقائد السمحة، والأخلاق الكريمة - كثيراً من القواعد التشريعية التي لها صفة الدوام والإستمرار في الشرائع السماوية السابقة.
وتعتبر من أجل تلك القواعد شأناً وأعظمها أثراً؛ السنن التي فطر الله الناس عليها، وجعلها لهم بارزة من السمات التي تميزهم عن غيرهم من مخلوقاته.
ونظراً لأن هذه السنن تعتبر من الأسس الهامة التي اتفقت عليها كل الشرائع لانسجامها مع التكوين الفطري للإنسان؛ كان لها هذا الإهتمام البالغ من بين السنن النبوية الكريمة؛ فقد أفردها رسول الله صلى الله عليه وسلم في كثير من أحاديثه، وحض على الإلتزام بها، كما أنه ميّزها عن غيرها من السنن بهذا الوصف الرائع الذي يشير إلى أنها لازمة للإنسان باعتباره إنساناً بغض النظر عن لونه أو عنصره أو دينه، وهو وصف الفطرة.
لذلك كانت هذه السنن بحاجة إلى إلقاء الضوء عليها بوجه خاص لإبراز، ما انطوت عليه من معان سامية وحكم بالغة وقواعد شرعية هامة حتى يتسنى للمسلمين التعرف والعمل بها، فيحرزوا بذلك فضيلة العمل بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنن الأنبياء قبله صلوات الله وتسليماته عليهم أجمعين، فنقول وبالله التوفيق:
بعض النصوص الواردة في سنن الفطرة
روى الإمام مسلم في صحيحه؛ عن أبي بكر بن أبي شيبة وعمر والناقد وزهير بن حرب، جميعاً عن سفيان بن عيينة عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن الني صلى الله عليه وسلم قال:"الفطرة خمس. أو خمس من الفطرة: الختان والإستحداد وتقليم الأظفار ونتف الإبط وقص الشارب ".
كما رواه عن غير طريق سفيان؛ قال: حدثني أبو الطاهر وحرملة بن يحي؛ قالا: أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:"الفطرة خمس " وذكر الحديث [1] .
2-
وقال أيضاً في صحيحه: حدثنا قتيبة بن سعيد وأبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب، قالوا حدثنا وكيع عن زكريا بن أبي زائدة عن مصعب بن أبي شيبة عن طلق بن حبيب عن عبد الله بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإبط وحلق العانة، وانتقاص الماء ". قال زكريا: قال مصعب:" ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة ". زاد قتيبة: قال وكيع:"انتقاص الماء يعني الإستنجاء"[2] .
3-
وقال أبو داود حدثنا يحي بن معين: أخبرنا وكيع عن زكريا بن أبي زائدة عن مصعب بن أبي شيبة عن طلق بن حبيب عن ابن الزبير عن عائشة رضي الله عنها. ثم ساق الحديث السابق كما في مسلم. إلا أنه ذكر رواية أخرى قال: حدثنا موسى بن إسماعيل وداود بن شبيب قالا أخبرنا حماد عن عليّ بن يزيد عن سلمة بن محمد بن عمار بن ياسر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"من الفطرة: المضمضة والإستنشاق ". فذكر نحوه ولم يذكر: إعفاء اللحية، وزاد:"والختان". قال "والإنتضاح". ولم يذكر انتقاص الماء؛ يعني الإستنجاء ".
قال أبو داود: وروى نحوه عن ابن عباس؛ وقال "خمس كلها في الرأس "وذكر فيه الفرق..
ولم يذكر إعفاء اللحية [3] .
وقد أخرج ابن ماجه حديث عمار بن ياسر بنفس اللفظ الذي ساقه به أبو داود. مع تقديم بعض الحروف على بعض [4] .
وقد أخرج أبو عوانة في مستخرجه حديث عائشة بلفظ "عشر من السنة "، ذكر فيه الإستننثار بدل الإستنشاق [5] .
أولاً: هذه النصوص من حيث الإسناد:
قال الحافظ العراقي: حديث أبي هريرة أخرجه الأئمة الستة فردوه - خلا الترمذي- من طريق سفيان بن عيينة. والترمذي والنسائي، أيضاً، من رواية معمر، والنسائي أيضاً من رواية يونس بن يزيد ثلاثتهم عن الزهري عن ابن المسيب ورواه النسائي من رواية سعيد المقبري عن أبي هريرة [6] وأقول بل مسلم رواه أيضاً عن غير طريق سفيان. فرواه - كما في الرواية الثانية- عن ابن وهب عن يونس.
أما حديث عائشة فقد أخرجه مسلم في صحيحه، وحسنه الترمذي كما أخرجه النسائي وابن ماجه. وقد ضعف النسائي رفعه. فإنه قد رواه موقوفاً على طلق بن حبيب؛ ثم قال: إنه أولى بالصواب من حديث مصعب بن شيبة. قال: ومصعب بن شيبة منكر الحديث [7] وجاء في شرح الترمذي: إن مصعب بن شيبة، لين الحديث؛ ثم نقل بعد ذلك قول الحافظ في الفتح بعد ذكر هذا الحديث: مصعب بن شيبة وثقه ابن معين والعجلي وغيرهما، ولينه أحمد وأبو حاتم وغيرهما؛ فحديثه حسن وله شواهد في حديث أبي هريرة وغيره: فالحكم بصحته من هذه الحيثية سائغ [8] .
وقد اختلف فيمن حدث منه النسيان والشك في الخصلة العاشرة، وهي المضمضة، فذكر مسلم وأصحاب السنن؛ أن مصعباً هو الذي نسي العاشرة، ووقع في رواية لمسلم أن الذي نسيها هو زكريا بن أبي زائدة والأول أكثر وأشهر.
وفي سن النسائي عن سليمان التيمي:" وأنا شككت في المضمضة إلا أن سليمان جعل الحديث من قول طلق "، وقال النسائي:" إنه أشبه بالصواب "[9] .
والقائل: إلا أن تكون المضمضة؛ يحتمل أن يكون هو مصعب، ويحتمل أن يكون الراوي عنه هو الذي ذكرها.
وقد جزم بعدِّ المضمضة فيها أبو بشر بن إياس الراوي له عن طلق.. وقال النسائي؛ وحديث سليمان التيمي وجعفر بن إياس وأشبه بالصواب من حديث مصعب بن شيبة [10] .
وكذلك هو ثابت في حديث عمار بن ياسر عند أبي داود وابن ماجه [11] .
وقد وافق النسائي في ترجيح رواية كل من سليمان التيمي وجعفر ابن إياس: الدارقطني في العلل. فقد نقل الحافظ السيوطي عنه قوله: هما أثبت من مصعب ابن أبي شيبة وأصح حديثاً. ونقل عن الإمام أحمد أنه قال: مصعب بن أبي شيبة أحاديثه مناكير، منها عشرة من الفطرة.
ولا ذكر ابن منده أن مسلماً أخرجه قال: تركه البخاري فلم يخرجه، وهو حديث معلول رواه سليمان التيمي عن طلق ابن حبيب مرسلاً [12] .
قال ابن دقيق العيد: لم يلتفت مسلم لهذا التعليل لأنه قدم وصل الثقة عنده على الإرسال - ثم - قال: وقد يقال في تقوية رواية مصعب: إن تثبته في الفرق بين ما حفظه وبين ما شك فيه؛ جهة مقوية لعدم الغفلة. من لا يتهم بالكذب إذا ظهر منه ما يدل على التثبت قويت روايته، وأيضاً لروايته شاهد صحيح مرفوع في كثير من هذا العدد من حديث أبي هريرة الذي أخرجه الشيخان [13] .
وقال الترمذي: هذا حديث حسن [14] .
وتقدم ما نقلناه عن الحافظ ابن حجر من قوله في مصعب: وثقه ابن معين والعجلي وغيرهما، ولينه أحمد وأبو حاتم وغيرهما؛ فحديثه حسن وله شواهد في حديث أبي هريرة وغيره، فالحكم بصحته من هذه الحيثية سائغ [15] .
أما حديث عمار بن ياسر؛ الذي أخرجه أبو داود وابن ماجه، وأشار إليه الترمذي [16] فقد صحح أكثر المحدثين إرساله؛ لأنه قد جاء في بعض روايات عن أبيه محمد بن عمار بن ياسر؛ ومحمد بن عمار ليست له صحبة. قاله المنذري في التخليص [17] .
وجاء في رواية أخرى عن سلمة عن عمار بن ياسر؛ قال البخاري: إنه لا يعرف لسلمة سماع من عمار [18] .
أما من حيث المعنى: فلم يزد حديث عمار عما جاء في حديثي أبي هريرة وعائشة سوى ذكر الإنتضاح وقد وردت فيه أحاديث كثيرة بحيث لو ضم بعضها إلى بعض لكانت مقوية له؛ من هذه الأحاديث: ما أخرجه أبو داود عن محمد بن كثير عن سفيان عن منصور عن مجاهد عن سفيان بن الحكم الثقفي - أو الحكم بن سفيان الثقفي - قال:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بال يتوضأ – توضأ – وينتضح "[19] . وقد اختلف في سماع الثقفي هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال النمري له حديث واحد في الوضوء. وهو مضطرب الإسناد [20] . ومنها: ما جاء عن أسامة بن زيد أن جبريل عليه السلام لما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم فعلمه الوضوء. فلما فرغ من وضوئه أخذ حفنة من ماء فرش بها نحو الفرج فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرش بعد وضوئه.
رواه أحمد وفيه رشدين بن سعد وثقة هيثم بن خارجة وأحمد بن حنبل في رواية وضعفه آخرون [21] .
وقد أخرج ابن ماجه؛ حديث أسامة من طريق أخرى لكن فيها ابن لهيقة - وفيه كلام -[22] .
ومنها ما أخرجه: الترمذي وابن ماجه من أبي هريرة: قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا توضأت فانتضح "[23] .
قال الترمذي: هذا حديث غريب: قال وسمعت محمداً يقول: الحسن بن علي الهاشمي منكر الحديث [24] .
ومنها: ما أخرجه ابن ماجه عن جابر قال:"توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فنضح فرجه "[25] . وفيه قيس بن عاصم وهو ضعيف [26] .
وقد أخرج النسائي حديث الحكم السابق فقال فيه: عن إسماعيل بن مسعود عن خالد بن الحارث عن شعبة عن منصور عن مجاهد عن الحكم عن أبيه:"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا توضأ أخذ حفنة من ماء فقال بها هكذا ووصف شعبة، نضح به فرجه " فذكرته لإبراهيم فأعجبه [27] .
ومن شأن هذه الطرق الكثرة: أن يقوي بعضها بعضاً تجعل الحديث صالحاً للعمل به إن شاء الله.
أما أثر ابن عباس الذي أشار إليه أبو داود؛ فقد وصله عبد الرازق في تفسيره والطبري من طريقه بسند صحيح واللفظ لعبد الرازق: أخبرنا معمر بن طاووس عن أبيه عن ابن عباس: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ} الآية [28] قال: ابتلاه الله بالطهارة: خمس في الرأس وخمس في الجسد؛ في الرأس: قص الشارب، والمضمضة، والإستنشاق، والسواك، وفرق الرأس. وفي الجسد: تقليم الأظفار، وحلق العانة والختان ونتف الإبط. وغسل أثر الغائط والبول بالماء " [29] .
وذكر الحافظ ابن حجر أن أبا حاتم قد أخرج أثر ابن عباس هذا من وجه آخر؛ فذكر فيه غسل الجمعة بدل الإستنجاء [30] .
ويلاحظ هنا: أن أثر ابن عباس قد زيد فيه في الرواية الأولى على ما جاء في حديثي عائشة وأبي هريرة: الفرق. كما زيد فيه في الرواية الثانية. غسل الجمعة. أما - فما عدا هاتين الخصلتين فهو متفق مع الحديثين السابقين عن عائشة وأبي هريرة.
وهذا الأثر وإن كان موقوفاً على ابن عباس إلا أن السنة الصحيحة قد وردت بكل ما جاء فيه، ونذكر ذلك بإيجاز فيما يلي:
أ – إن ما عدا الخصلتين السابقين: الفرق وغسل الجمعة فمذكور في حديثي أبي هريرة وعائشة كما أشرنا إلى ذلك قريباً.
ب - إن خصلة فرق الشعر لها شاهد في عدد من الصحاح؛ فقد أخرج البخاري في صحيحة والنسائي وابن ماجه واللفظ للبخاري: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:" كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه. وكان أهل الكتاب يسدلون أشعارهم وكان المشركون يفرقون رؤوسهم فسدل النبي صلى الله عليه وسلم ناصيته ثم فرق بعد "[31] .
ولفظ ابن ماجه والنسائي "وكان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه "[32] .
وقد علل العلامة السندي في تعليقه على سنن ابن ماجه؛ حبه صلى الله عليه وسلم لموافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه، قال: لاحتمال استناد عملهم إلى أمره تعالى أو لتألفهم.. وذلك قبل أن يطلع على أحوالهم ويتكشف له أنهم أبغض الناس إلى الله وأن التآلف لا يؤثر فيهم " [33] .
وعن عائشة رضي الله عنها؛ قالت:"كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفارق النبي صلى الله عليه وسلم وهو محرم ". قال عبد الله:"في مفرق النبي صلى الله عليه وسلم "[34] .
جـ- أما الغسل يوم الجمعة فقد ثبت وروده في جملة من الأحاديث: نشير إلى بعض الصحيح منها: عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"إذا أراد أحدكم أن يأتي الجمعة فليغتسل "[35] . ولفظ البخاري: "إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل "[36] .
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم " متفق عليه [37] .
أما خصلة الإستنثار التي وردت في حديث عائشة بدل الإستنشاق في مستخرج أبي عوانة فقد وردت في عدد كبير من الأحاديث الصحيحة تشير إلى بعضها فيما:
ما جاء في حديث عبد الله بن زيد رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم:"فمضمض واستنشق واستنثر ثلاثاً بثلاث غرفات من ماء"[38] ولفظ مسلم "فمضمض ثم استنثر ثم غسل وجهه "[39] .
ومنها حديث أبي هريرة يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم " إذا استجمر أحدكم وتراً وإذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماءً ثم لينتثر "[40] .
ومنها حديث أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" إذا استيقظ أحدكم من منامه فلينتثر ثلاث مرات فإن الشيطان يبيت على خياشيمه "[41] .
ثانياً: عدد خصال الفطرة:
يستفاد مما ذكر: أن العدد - خمس، أو عشر - لا مفهوم له، وأن خصال الفطرة كثيرة، وليست محصورة في الخمس المذكورة في حديث أبي هريرة، أو العشر المذكورة في حديث عائشة؛ فقد وجدنا ثلاث خصال أخرى في حديث عمار والأثر الوارد عن ابن عباس كما وجدنا رابعة فيما أخرجه أبو عوانة في مستخرجه.
وبذلك تبلغ هذه الخصال خمس عشرة خصلة [42] .
وقد قال القاضي أبو بكر بن العربي:"إن خصال الفطرة تبلغ ثلاثين خصلة ". ثم تعقبه ابن حجر بقوله:"إن أراد خصوص ما ورد بلفظ الفطرة فليس كذلك، وإن أراد أعم من ذلك فلا ينحصر في الثلاثين بل تزيد كثيراً ". فقد أخرج الترمذي من حديث أبي أيوب رفعه " أربع من سنن المرسلين: الحياء والتعطر والسواك والنكاح ". وقد اختلف في ضبط "الحياء " فقيل هي بفتح المهملة وفتح التحتانية وقد ثبت في الصحيحين "الحياء من الإيمان " وقيل هي بكسر المهملة وتشديد النون "الحِنَّاء"فعلى الأول: خصلة معنوية تتعلق بتحسين الخلق. وعلى الثاني: خصلة حسية تتعلق بتحسين البدن. وأخرج البزار والبغوي في معجم الصحابة والحكيم الترمذي في نوادر الأصول من طريق فليح بن عبد الله الخطمي عن أبيه عن جده رفعه " خمس من سنن المرسلين "فذكر الأربعة إلا النكاح وزاد: "الحلم والحجامة " وهكذا [43] ..
وأما قول مسلم في حديث أبي هريرة عن طريق يونس بن يزيد عن الزهري. "الفطرة خمس"، وكذلك رواية النسائي من طريق سفيان:"الفطرة خمس"؛ فإن سفيان قد رواه على الشك كما هو عند مسلم من طريقه أيضاً: "الفطرة خمس أو خمس من الفطرة"؛ فإما أن يكون الشك منه أو ممن فوقه أو من الرواة عنه [44] .
وقد وقع في رواية أحمد: "خمس من الفطرة "ولم يشك. وكذا في رواية معمر عن الزهري عند الترمذي والنسائي [45] . وقد قال ابن دقيق العيد: دلالة مِن على التبعيض: فيه أظهر من دلالة هذه الرواية على الحصر [46] .
وقد أجاب العلماء عن هذا الإختلاف الواقع في ذكر عدد خصال الفطرة في الأحاديث السابقة بأجوبة كثيرة من أهمها ما يلي:
الأول:
أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أفرد ذكر الخمس الواردة في حديث أبي هريرة لبيان شدة الحاجة إليها وأنها أهم من غيرها ويؤكد ذلك حديث ابن عمر عند النسائي: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الفطرة: "قص الأظفار وأخذ الشارب وحلق العانة "فاقتصر فيه على ثلاث خصال وقد رواه البخاري بلفظ: " من الفطرة: حلق العانة وتقليم الأظفار وقص الشارب " [47] فهو من باب قوله صلى الله عليه وسلم: "الدين النصيحة " و"الحج عرفة" وهو كثير [48] .
الثاني:
أن يكون قد أعلمه الله تعالى ببعض الخصال فأخبر بها ثم أعلمه بعد ذلك بالزيادة الواردة في الأحاديث الأخرى على تقدير صحتها [49] .
ثالثاً: عبارة "سنن الفطرة " بين الوضع اللغوي والإصطلاح الشرعي:
السنن: جمع سُنّة تطلق في الأصل على عدة معان من بينها ما يلي:
1-
إنها تطلق على الوجه لصقالته وملاسته: تقول وجه مسنون؛ أي مخروط أسيل كأن قد سنّ اللحم عنه. ومن هذا ما حكاه صاحب الفائق في غريب الحديث؛ "أن النبي صلى الله عليه وسلم حصّه على الصدقة فقام رجل قبيح السُّنَة صغير القِمّة يقود ناقة حسناء جملاء فقال "هذه صدقة" [50] .
2-
ومنها: أن السنة تطلق على الطريقة والسيرة حسنة كانت أو سيّئة، ومنه ما جاء في الحديث المشهور:"من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة "[51] وفي مجمع الزوائد: عن واثلة بن الأسقع عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من سنّ سنة حسنة فله أجرها ما عمل بها في حياته وبعد مماته حتى تترك. ومن سنّ سنة سيئة فعليها إثمها حتى تترك.. الحديث "رواه الطبراني في الكبير ورجاله موثوقون [52] .
ويرى بعض اللغويين: أن السنة إذا أطلقت إنما يقصد بها: الطريقة المحمودة فقط. جاء في التهذيب: السنة هي الطريقة المحمودة المستقيمة. فإذا قيل فلان من أهل السنة؛ معناه: أنه على الطريقة المستقيمة المحمودة. وهي مأخوذة من السنن وهو الطريق. أو من سننت الإبل؛ أي أحسنت رعيتها والقيام عليها.
أما السنة في لسان الشرع: فإنها إذا أطلقت فيه فإنما يراد بها: كل ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير من غير القرآن. والبعض أضاف: أو كان صفة له صلى الله عليه وسلم كما أضاف الشاطبي ما كان قد سنه الخلفاء الراشدون رضي الله عنهم كجمع المصحف وتدوين الدواوين. وما كان عليه عمل الصحابة رضي الله عنهم [53] مستدلاً بما جاء في الحديث العرباض بن سارية عند أبي داود "فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ" وحديث أبي هريرة من قوله عليه الصلاة والسلام: "تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة "قالوا ومن هم يا رسول الله؟ قال:"ما أنا عليه وأصحابي "[54] وغير ذلك.
ولهذا يقال في أدلة الشرع: الكتاب والسنة؛ القرآن والحديث، ومنه ما جاء في الحديث:"إنما أُنَسيَّ لأسن "[55] أي إنما أدفع إلى النسيان لأسوق الناس بالهداية إلى الصراط المستقيم وأبين لهم ما يفعلوه إذا عرض لهم نسيان.
وإذا قيل سنة الله: كان المراد: أحكامه وأمره ونهيه. وسنّ الله الأحكام للناس؛ بينها لهم- وسنه الله سنة، أي بينه طريقاً قويماً قال الله تعالى:{سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ} [56] أي سنّ الله ذلك في الذين نافقوا الأنبياء وأرجفوا بهم؛ أن يقتّلوا أين ما ثقفوا أو وجدوا [57] .
والفطرة: بكسر الفاء وتسكين الطاء المهملة؛ من الفطْر بمعنى الشق تقول: فطر ناب البعير أي شق اللحم وطلع.
وقيل الأصل فيه: الإبتداء والإختراع: تقول: فطر الله العالم: أي أوجده ابتداء واخترعه- وفي التنزيل على لسان سيدنا إبراهيم {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفا} [58] والجمع منه: فطور: وفي التنزيل {هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ} الآية [59] .
والفطرة: هي الحالة منه وصارت تطلق على عدة معان من بينها ما يلي:
أ- صدقة الفطر، وقد اختلف في سبب تسميتها بذلك: فقال الحافظ بن حجر:"لأنها تجب بالفطر من رمضان ".. وقال: ابن قتيبة:"المراد بصدقة الفطر؛ صدقة النفوس، مأخوذ من الفطرة التي هي أصل الخلقة "[60] .
ب- الخلقة التي يكون عليها كل مولود أول خلقه في رحم أمه، قال تعالى:{الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ} [61] أي خلقني. وقوله تعالى: {وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي} الآية [62] . وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "كل مولود يولد على الفطرة " يعني الخلقة التي فطر عليها في الرحم من سعادة أو شقاوة فإذا ولده يهوديان هوّداه في حكم الدنيا، أو نصرانيّان نصّراه في حكم الدنيا، أو مجوسيان مجّساه في حكم الدنيا، أي أن حكمه في الدنيا حكم أبويه حتى يعبر عنه لسانه، فإن مات قبل بلوغه مات على ما سبق له من الفطرة التي فطر عليها. فهذه هي فطرة المولود [63] .
وقا ل ابن الأثير:" المعنى أنه يولد على نوع من الجبلة والطبع المهيأ لقبول الدين فلو ترك عليها لاستمر على لزومها ولم يفارقها إلى غيرها. وإنما يعدل عنه من يعدل لآفة من آفات البشر والتقليد.."[64]
وقيل المعنى: كل مولود يولد على معرفة الله تعالى والإقرار به فلا تجد أحداً إلا وهو يقر بأن له صانعاً وإن سماه بغير اسمه ولو عبد معه غيره [65] .
جـ- الإبتداء والإختراع: وفي التنزيل العزيز: {الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ} [66] قال ابن عباس رضي الله عنهما: "ما كنت أدري ما فاطر السماوات والأرض حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما، أنا فطرتها أي ابتدأت حفرها "[67] .
وقد اختلف العلماء في بيان المعنى المراد من سنن الفطرة الواردة في هذه الأحاديث التي هي قيد البحث: فقال الحافظ أبو سليمان الخطابي: فسر أكثر العلماء، الفطرة في هذه الأحاديث بالسنة؛ وتأويل ذلك: أن هذه الخصال من سنن الأنبياء الذين أمرنا أن نقتدي بهم بقوله تعالى: {فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} الآية [68]، أول من أمر بها إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم التسليم. ويشير إلى ذلك قوله تعالى:{وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنّ} الآية [69] قال ابن عباس رضي الله عنهما: أمره بعشر خصال ثم عددهن فلما فعلهن، قال:{إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً} [70] يقتدى بك ويستن بسنتك، وقد أمرت هذه الأمة بمتابعته خصوصاً. وبيان ذلك في قوله تعالى:{ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً} [71] ويقال كانت عليه فرضاً وهن لنا سنة [72] .
وبعد أن ذكر العراقي حكاية الخطابي عن أكثر العلماء، بأن الفطرة هي السنة، قال: ويدل عليه: رواية أبي عوانة في المستخرج لحديث عائشة:"عشر من السنة "[73] ومعلوم أن مراده بالسنة: هي الطريقة المحمودة التي استنها الأنبياء عليهم السلام.
ويرى فريق آخر من العلماء أن المواد بالسنة في أحاديث الفطرة؛ هي السنة التي تقابل الواجب عند الفقهاء. وهي: ما طلبه الشارع طلباً غير جازم [74] .
وهذا الرأي غير ظاهر: إذ ذهب بعض أهل العلم إلى وجوب بعض هذه الخصال، فقد نقل الحافظ ابن حجر عن ابن العربي قوله في شرح الموطأ: عندي أن الخصال الخمس المذكورة في هذا الحديث - يقصد حديث أي هريرة: خمس من الفطرة - كلها واجبة فإن المرء لو تركها لم تبق صورته على صورة الآدميين، فكيف من جملة المسلمين. إلا أن الحافظ لم يرتض هذا القول من ابن العربي؛ فقد تعقبه بقول أبي شامة: بأن الأشياء التي مقصودها مطلوب لتحسين الخلق وهي النظافة؛ لا تحتاج إلى ورود أمر إيجاب للشارع فيها اكتفاء بدواعي الأنفس، فمجرد الندب إليها كاف [75] .
ويقوي وجهة ابن العربي ما قاله ابن دقيق العيد- نقلاً عن بعض العلماء- من أن الأصل فيما أضيف إلى الشيء أنه منه؛ أن يكون من أركانه لا من زوائده حتى يقوم دليل على خلافه. وقد ورد الأمر باتباع إبراهيم عليه السلام، وقد ثبت أن هذه الخصال، أمر بها إبراهيم عليه السلام، وكل شيء أمر الله باتباعه فهو على الوجوب لمن أمر به.
وقد يناقش هذا، بأن وجوب الإتباع لا يقتضي وجوب كل متبوع فيه. بل يتم الإتباع بالإمتثال، فإن كان واجباً على المتبوع كان كذلك في حق التابع وعلى ذلك فيتوقف ثبوت هذه الخصال على الأمة على ثبوت كونها كانت واجبة على الخليل عليه السلام [76] .
وسيأتي لهذا الموضوع مزيد من بيان في شرحنا للأحكام التي تستفاد من هذه الخصال - إن شاء الله.
ويرى فريق ثالث؛ أن المراد بالفطرة هنا: أصل الدين الذي اتفقت عليه كل الشرائع كقوله تعالى: {أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ.. الآية} [77] وبذلك جزم أبو نعيم في المستخرج. وقال النووي في شرح المهذب جزم الماوردي والشيخ أبو إسحاق؛ بأن المراد بالفطرة في هذا الحديث، الدين [78] وهذا الرأي من شأنه أن يقوي وجهة ابن العربي في القول بوجوب الخصال الخمس الواردة في حديث أبي هريرة.
ويرى فريق رابع؛ أن المراد بالفطرة هنا: الإسلام، ومنه قول حذيفة:"لو مت على هذا مت على غير فطرة محمد صلى الله عليه وسلم "[79] وعليه قول جبريل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم لما أخذ اللبن ليلة الإسراء "أصبت الفطرة "[80] .
وقد أشار القاضي البيضاوي إلى أنه لا تعارض بين هذه المعاني جميعاً حيث قال في بيان الفطرة المرادة هنا: هي السنة القديمة التي اختارها الأنبياء واتفقت عليها الشرائع وكأنها أمر جبلي فطروا عليها [81] ..
رابعاً: أهمية الإستمساك بهذه الخصال:
يترتب على الإستمساك بهذه الخصال مصالح دينية ودنيوية نشير إلى أهمها فيما يلي:
1-
في التمسك بهذه الخصال شرف الإتباع لسنة نبينا صلى الله عليه وسلم وسنن الأنبياء قبله وقد قال تعالى: {فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [82] .
2-
المحافظة على الصورة الحسنة التي خلق الله الإنسان عليها والتي أشار إليها في قوله: {وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ} [83] فكأنه قيل قد حسنت صوركم فلا تشوهوها بما يقبحها، أو حافظوا على ما يستمر بها حسنها.
3-
استمرار التمسك بهذه الخصال فيه استمرار المحافظة على نظافة المواضع التي تعتبر مصدراً للأذى والرائحة الكريهة في جسم الإنسان فيظل الشخص على طهارة دائمة.
4-
في المحافظة على هذه الخصال تحسين لهيئة الإنسان كإنسان قبل أي اعتبار آخر من جنس أو لون أو دين.. وقد سبقت الإشارة إلى قول ابن العربي: أن من ترك هذه الخصال لم تبق صورته على صورة الآدميين، فكيف من جملة المسلمين.
5-
في التمسك بهذه الخصال محافظة على المروءة وعلى التآلف المطلوب لأن الإنسان إذا ظهر في الهيئة الجميلة، كان أدعى لانبساط النفس إليه؛ فيقبل قوله ويحمد رأيه. والعكس بالعكس.
6-
في التمسك بهذه الخصال إحسان إلى المخالط والمقارن؛ من أهل أو صديق أو جليس وذلك بكف ما يتأذى به من رائحة كريهة.
7-
قي التمسك بهذه الخصال مخالفة لشعار الكفار من المجوس واليهود والنصارى وغيرهم من ملل الكفر.
8-
يترتب على العمل بهذه الخصال فوائد بعيدة الأثر، فإن عدم إزالة الأتربة والشوائب التي تعلق بشعيرات الأنف وكذلك الطفيليات التي تتكون داخل القلفة من شأنها أن تسبب للإنسان أضراراً بالغة لها أسوأ الأثر على صحته.
9-
كما أن في التمسك بها غلبة للشيطان، وقطع لوساوسه وبعد عن تسويلاته، وهو ما يشير إليه قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة المتقدم:"إذا استيقظ أحدكم من نومه فلينتثر ثلاث مرات فإنّ الشيطان يبيت على خياشيمه "[84] .
خامساً: معاني هذه الخصال وما يتعلق بها من أحكام وآداب:
وسيكون تناولنا لهذه الخصال حسب ترتيبها في كتب الفقه والحديث، أي سنبدأ بالكلام عن الخصال المتعلقة بالطهارة أولاً. ونختم بالخصال المتعلقة بالزينة؛ من باب تقديم التخلية على التحلية.
الخصلة الأولى: انتقاص الماء. بالقاف:
وقد وردت هذه الخصلة في حديث عائشة الذي أخرجه مسلم وبقية الجماعة ماعدا البخاري.
وقد ذكر وكيع - أحد رواة هذا الحديث: أن المراد بانتقاص الماء هو الإستنجاء بالماء [85] .
وقال ابن ماجه - أثناء سرده للحديث - بعد ذكر الإنتقاص: يعني الإستنجاء [86] . وقال البدر العيني – موضحاً العلاقة بين الإنتقاص والإستنجاء بالماء-: الإنتقاص: انتقاص البول بالماء إذا غسل المذاكير به [87] .
وقال أبو عبيد- من علماء اللغة - انتقاص الماء: غسل الذكر بالماء، وذلك أنه إذا غسل الذكر ارتد البول ولم ينزل. وإن لم يغسل نزل منه الشيء حتى يستبرأ [88] .
وقيل الصواب: انتفاص الماء بالفاء. والمراد: نضح الماء على الذكر من قولهم لنضح الدم القليل: نُفْصَة. وجمعها: نُفَص [89] .
ولكن تفسير وكيع هو الأشهر والأصوب. وذلك لأن الإستنجاء بالماء هو الذي يساعد على تخلية الذكر من بقايا البول، المترسب في بعض ثنايا الذكر. ويكون ذلك في الوضوء حتى يكون المرء على يقين من عدم نزول شيء من بوله أثناء وضوئه أو بعده.
أما النضح، فإنما يكون بعد الوضوء - على ما سيأتي- وليس المراد منه نقص البول بل الغرض منه إزالة الوسوسة من قلب المؤمن. في الطهارة.
وقد اختلف أهل اللغة في الأصل الذي يرجع إليه استعمال الإستنجاء في إزالة آثار البول والغائط عن السبيلين
فحكى العيني عن صاحب المطالع: أن الإستنجاء: إزالة النجو. وهو الأذى الباقي في فم المخرج وأكثر ما يستعمل في الماء. وقد يستعمل في الأحجار. وأصله من النجو وهو القَشْر والإزالة [90] .
ونقل صاحب اللسان عن أبي عبيد: أن النجو: ما يخرج من البطن من ريح أو غائط. وقد نجا الإنسان والكلب نجواً، والإستنجاء: الإغتسال بالماء من النجو والتمسح بالحجارة منه، وقال كراع، هو قطع الأذى بأيهما كان واستنجيت بالماء والحجارة أي تطهرت بهما.
وقال الكسائي: يقال: ما أنجي فلان شيئاً وما نجا منذ أيام أي لم يأت الغائط، والإستنجاء: التنظف بمدر أو ماء، واستنجى أي. مسح موضع النجو أو غسله.
وقال بعض العرب: أنجيت قضيباً من الشجرة فقطعته. واستنجيت الشجرة قطع لها من أصلها. ونجا غصون الشجرة نجواً واستنجاها قطعها، قال شمر: وأرى الإستنجاء في الوضوء من هذا لقطعه العذرة بالماء [91] .
وحكى ابن الأثير ما جاء في حديث بئر بضاعة "تلقى فيها المحائص وما ينجى الناس "أي يلقونه من العذرة. يقال منه: أنجى ينجى؛ إذا ألقى نجوه ونجا وأنجى، إذا قضى حاجته منه، والإستنجاء، استخرج النجو من البطن. وقيل إزالته عن بدنه بالغسل والمسح [92] .
وقيل إن الإستنجاء من الحدث مأخوذ من النجوة وهو ما ارتفع من الأرض لأنه إذا أراد قضاء حاجته استتر بنجوة من الأرض [93] .
والإستنجاء في اصطلاح الفقهاء: هو إزالة النجاسة من السبيلين المعتادين بالماء أو الأحجار أو بهما معاً. سواءً كان الخارج بولاً أو غائطاً أو مذياً أو غير ذلك إذا خرج هذا الغير ملوثاً بالنجاسة [94] .
ثبوت الإستنجاء بالماء:
ثبت الإستنجاء بالماء في السنة بأحاديث كثيرة منها: حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل الخلاء فأحمل أنا وغلام نحوي إداوة من ماء وعنزة فيستنجي بالماء "[95] .
وفي رواية أخرى عن أنس: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل حائطاً وتبعه غلام معه ميضأة وهو أصغرنا فوضعها عند سدرة، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجته فخرج علينا وقد استنجى بالماء "[96] وعند البخاري:"إذا خرج لحاجته أجيء أنا وغلام معنا إداوة من ماء "، يعني يستنجي به [97] .
إنكار الإستنجاء بالماء:
وقد أنكر ثبوت الإستنجاء بعض الشيعة وبعض الفقهاء مستندين في ذلك إلى بعض الآثار المروية عن بعض الصحابة والتابعين وتابعيهم والتي سنورد بعضها فيما يلي:
أ- ما روى ابن أبي شيبة بأسانيد صحيحة عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أنه سئل عن الإستنجاء بالماء. فقال:" إذن لا يزال في يدي نتن ".
ب- وعن نافع ابن عمر: أنه كان لا يستنجي بالماء.
جـ- وعن ابن الزبير: قال:"ما كنا نفعله ".
د- نقل ابن التين عن مالك أنه أنكر أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم استنجى بالماء [98] .
هـ - روى مالك عن يحي بن سعيد "أنه سمع سعيد بن المسيب يسأل عن غسل الغائط فقال سعيد:"إنما ذلك وضوء النساء " [99] .
و– ونقل عن ابن حبيب من المالكية:"أنه منع الإستنجاء بالماء لأنه مطعوم "[100] .
ز – وقيل إن عبارة "يستنجي بالماء "الواردة في حديث أنس المتقدم ليست من لفظ أنس، بل هي من قول أبي الوليد: - أحد الرواة عن شعبة - واستدل على ذلك بأن سليمان بن حرب رواه عن شعبة فلم يذكرها، وقال: فيحتمل أن يكون الماء لوضوئه [101] . وعليه فلا يكون في الحديث دلالة على ثبوت الإستنجاء بالماء.
وما حكاه ابن التين عن أبي عبد الله الملك البوني؛ من أن قوله:"يستنجي بالماء "مدرج من قول عطاء الراوي عن أنس، فيكون مرسلاً فلا حجة فيه [102] .
مناقشة أدلة هذا الفريق والرد عليها:
أ، ب، جـ – ما نقل عن حذيفة وابن عمر وابن الزبير رضي الله عنه ليس فيه نفي ورود الإستنجاء بالماء عن الرسول عليه الصلاة والسلام أو كراهية فعله. بل غاية ما يفيده؛ أنهم كانوا لا يستعملونه بل كانوا يستعملون الأحجار. أو كان ذلك منهم على سبيل المبالغة لدفع قول من يقول بتعيين الماء لإزالة النجاسة الباقية على أحد السبيلين.
وقد نقل عن ابن عمر "أنه بال بالمزدلفة فأدخل يده فنضح فرجه من تحت ثيابه "[103] .
د – أما ما نقل عن مالك من إنكاره ثبوت الإستنجاء عن الرسول عليه الصلاة والسلام فهو غريب إذ الثابت عن مالك هو تقديم الإستنجاء بالماء، حتى أنه إذا استجمر بالحجارة مرة وصلى فإنه ينبغي أن يستنجي بالماء ذلك لما يستقبل.
قال ابن القاسم: وقال مالك:" لا يستنجى من الريح ولكن إن بال أو تغوط فليغسل مخرج الأذى فقط؛ إن بال؛ فمخرج البول الإحليل، وإن تغوط فمخرج الأذى فقط "[104] .
وقال ابن القاسم أيضاً: قلت لمالك؛" فمن تغوط واستنجى بالحجارة ثم توضأ ولم يغسل ما هناك بالماء حتى صلى ". قال:"تجزئه صلاته وليغسل ما هناك بالماء فيما يستقبل"[105] .
وكذلك قواعد المذهب المالكي؛ فإنها تقضي بأفضلية تقديم الماء على الأحجار إذا تعذر الجمع بينهما. وبالجملة؛ فإن مراتب الإستنجاء عندهم خمس:
1-
ماء وحجر.
2-
ماء ومدر. والمدر كل طاهر منق مستوف الشروط غير حجر.
3-
ماء فقط.
4-
حجر فقط.
5-
مدر فقط [106] .
هـ - أما ما نقل عن سعيد بن المسيب، فاختلف العلماء في بيان المراد منه؛ فقال ابن نافع:"يريد سعيد: أن الإستنجاء بالحجارة بجزء الرجل، وإنما يكون الإستنجاء بالماء للنساء ".
وقال الباجي:"يحتمل عندي وجهين: أحدهما أن يكون سعيد أراد أن ذلك حكم من أحكام النساء من جهة العادة والعمل، وأن عمل الرجال الإستنجاء - والوجه الآخر: أنه يريد ذلك عيب الإستنجاء بالماء "[107] .
وقال النووي:"محمول على أن الإستنجاء بالماء لا يجب أو أن الأحجار عنده أفضل ".
وقيل: ربما سعيد اتبع مذهب المهاجرين فهم كانوا يقتصرون في استنجائهم على الأحجار وقد قال ابن عبد البر في الإستذكار:"الإقتصار على الأحجار مذهب معروف عن المهاجرين بخلاف الأنصار فإنهم كانوا يجمعون بين الماء والحجارة ".
وربما كان سعيد لم يصله خبر عن استنجاء الرسول صلى الله عليه وسلم بالماء فاتبع مذهب المهاجرين بدليل ما جاء عند أبي شيبة عن سعيد بن المسيب لما ذكر له الإستنجاء بالماء قال: أنتم فعلتم ذلك؛ هم كانوا يجتزون بالحجارة " [108] .
و– أما ما نقل عن ابن حبيب – فإن ثبت ذلك عنه – فإنه شاذ مخالف لقواعد المذهب المالكي التي أشرنا إليها فيما سلف.
ز – أما نسبة عبارة الإستنجاء في حديث أنس المتقدم إلى غيره للوصول إلى عدم إثبات استنجاء النبي صلى الله عليه وسلم بالماء. فهو مردود عليه بما يلي:
أولاً: ترجيم البخاري لحديث أنس السابق بعبارة "الإستنجاء بالماء "والإمام البخاري فقيه ومحدث. وباختياره تصدير الباب بهذه الترجمة: إثبات الإستنجاء بالماء من النبي صلى الله عليه وسلم عن طريق إثبات اتصال الحديث.
ثانياً: ما رد به الحافظ بن حجر على هذه الدعوى؛ من أن عقبة رواه من طريق محمد بن جعفر عن شعبة فقال:" يستنجي بالماء "وكذلك الإسماعيلي؛ من طريق ابن مرزوق عن شعبة:" فأنطلق أنا وغلام من الأنصار معنا إداوة فيها ماء يستنجي منها صلى الله عليه وسلم "كما رواه البخاري عن طريق روح بن القاسم عن عطاء بن أبي ميمونة: "إذا تبرر لحاجته أتيته بماء فتغسل به "ولمسلم من طريق خالد الحذاء عن عطاء عن أنس: "فخرج علينا وقد استنجى بالماء "وبهذا يثبت أن العبارة من قول أنس. وعليه فيكون الحديث صالحاً للإستدلال به على ثبوت الإستنجاء بالماء [109] .
كما يتأكد ذلك؛ بما أخرجه الترمذي من حديث عائشة رضي الله عنها قالت:"مُرْنََ أزواجكن أن يستطيبوا بالماء فإني أستحييهم؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعله". قال الترمذي بعد سرده لهذا الحديث: هذا حديث حسن صحيح [110] .
وبما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما لما نزلت هذه الآية: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا.. الآية} [111] بعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى عويم بن ساعدة فقال:" ما هذا الطهور الذي أثنى الله عليكم" فقالوا: يا رسول الله ما خرج منا رجل ولا امرأة من الغائط إلا غسل فرجه – أو قال – مقعدته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"هو هذا "رواه الطبراني في الكبير وإسناده حسن، إلا أن ابن إسحاق مدلس وقد عنعنه [112] .
أقول: ابن إسحاق لم يذكره البخاري في الضعفاء وذكره في التاريخ الكبير وقال:"قال لي علي بن عبد الله ابن عيينة؛ قال الزهري: من أراد المغازي فعليه بمولى قيس بن مخرمة هذا ". قال ابن عيينة:"ولم أر أحداً يتهم ابن إسحاق ".
وقال:"قال لي عبيد بن يعيش سمعت يونس بن بكير يقول سمعت شعبة يقول: محمد بن إسحاق أمير المحدثين بحفظه"[113] .
وقال فيه الحافظ في التقريب:" مقبول"[114] .
وقال الذهبي فيه:"هو صالح الحديث "[115] .
وقد روى حديث عويم بن ساعدة أيضاً؛ محمد بن عبد الله بن سلام عن أبيه وقد أخرجه الطبراني في الكبير وفيه شهر بن حوشب. وقد اختلفوا فيه. ولكن وثقه أحمد وابن معين وأبو زرعة ويعقوب بن شيبة [116] .
كما ذكره النووي في المجموع من رواية أبي أيوب وأنس عند ابن ماجه والدارقطني والبيهقي وقال:"إسناده صحيح إلاّ أن فيه عتبة بن أبي حكيم وثقة الجمهور ولم يبين من ضعفه سبب تضعيفه. والجرح لا يقبل إلا مفسراً "[117] .
وبالجملة: فالحديث له طرق كثيرة من شأنها أن يعضد بعضها بعضاً وتجعله صالحاً للإستدلال به على ثبوت الإستنجاء بالماء.
ويستدل لثبوته أيضاً بما جاء في الموطأ عن عثمان بن عبد الرحمن أن أباه حدثه أنه سمع عمر بن الخطاب يتوضأ بالماء لما تحت إزاره [118] أي أنه سمع قول من قال إن عمر بن الخطاب يفعل ذلك.
الحاصل: أن الإستنجاء بالماء أمر مشروع فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم واستحسنه وفعله أصحابه رضي الله عنهم ونبين فيما يلي مدى هذه المشروعية بمعنى هل تتقوى هذه المشروعية حتى تصل إلى الوجوب بحيث يتعين استعمال الماء أو تبقى في مجال السنية باعتبار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعله وداوم عليه ولم يأمر فيه بعزيمة أو تتنزل إلى درجة المندوب أو الأفضل نظراً للأثر الحسن المترتب على استعمال الماء.
حكم استعمال الماء في الإستنجاء:
لمعرفة حكم استعمال الماء في إزالة بقايا النجاسة عن مخرج البول أو الغائط علينا أن نعرض بإيجاز لحكم إزالة النجاسة عنهما: ثم ننتقل منه إلى ما نريد:
يرى جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة وأبو ثور وإسحاق وداود: أن إزالة النجاسة عن أحد المخرجين واجبة لورود الطلب بها بصيغة الأمر مثل حديث عائشة رضي الله عنها عند أبي داود قالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار يستطيب بهن فإنها تجزئ عنه "[119] . وكذلك حديث أبي هريرة " ليستنج بثلاثة أحجار "[120] والأمر يفيد الوجوب إذا أطلق وليس له صارف كما هنا. وغير ذلك من الأدلة.
ويرى الحنفية ورواية عن مالك؛ ونقل عن المزني من أصحاب الشافعي: أن الإستنجاء سنة لمواظبته صلى الله عليه وسلم ولا يجب لحديث أبي هريرة عن النبي على الله عليه وسلم قال:"من اكتحل فليوتر من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج " الحديث، أخرجه أبو داود وأحمد كما أخرجه الطحاوي في الآثار. ذكر ذلك البدر العيني بسنده. ثم قال: فالحديث صحيح ورجاله ثقات ثم رد كلام ابن حزم والبيهقي حول سند هذا الحديث. كما استدل هذا الفريق بأن النجاسة الحادثة بسبب البول والغائط هي كدم البراغيث في عدم وجوب إزالة أثرها، فكذلك عينها. وقال المزني:" لأنا أجمعنا على جواز مسحها بالحجر فلم تجب إزالتها كالمني "[121] .
ونكتفي بهذا الموجز لبيان آراء الفقهاء بعد أن تبين لنا قوة استدلال الفريق الأول على وجوب إزالة النجاسة الحاصلة على أحد المخرجين من أثر البول والغائط لنقصد إلى ما نريد.
يرى أكثر الفقهاء – باستثناء بعض الشيعة وبعض الفقهاء كابن حبيب الذي يذهب إلى كراهة الإستنجاء بالماء لأنه مطعوم [122]-: أفضلية الجمع بين الماء والأحجار في الإستنجاء بأن يقدم الأحجار لإزالة عين النجاسة المتبقية على المحل ثم يتبعها بالماء لغسل الأثر الباقي بعد إزالة العين.
ومحل هذه الأفضلية: إن توفر الماء وتوفرت الأحجار وأمكن الجمع بينهما، وإن توفرا معاً وتعذر الجمع بينهما لسبب ما. فالأفضل استعمال الماء فإنه مزيل لعين النجاسة وأثرها معاً، بخلاف الأحجار فإنها غالباً تزيل عين النجاسة ولكن يبقى أثرها.
وهذه الأفضلية في الجمع بين الماء والأحجار التي قال بها جمهور الفقهاء؛ ليس لها سند صحيح من السنة يمكن الإعتماد عليه. وما جاء في بعض الروايات في سبب نزول قوله تعالى: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا.. الآية} من أن الأنصار كانوا يتبعون الأحجار بالماء، لم يصح منها شيء. قال النووي في رده على صاحب المهذب في استشهاده ببعض هذه الروايات:"وأما قول المصنف: قالوا نتبع الحجارة بالماء. فكذا يقوله أصحابنا وغيرهم في كتب الفقه والتفسير وليس له أصل في كتب الحديث "[123] .
ثم قال:"فإذا علم أنه ليس له أصل من جهة الرواية فيمكن تصحيحه من جهة الإستنباط؛ لأن الإستنجاء بالحجر كان معلوماً عندهم يفعله جميعهم. وأما الإستنجاء بالماء فهو الذي انفردوا به فلهذا ذكر، ولم يذكر الحجر لأنه مشترك بينهم وبين غيرهم، ولكونه معلوماً فإن المقصود بيان فضلهم الذي أثنى الله عليهم بسببه. ويؤيد هذا قولهم إذا خرج أحدنا من الغائط أحب أن يستنجي بالماء. فهذا يدل على أن استنجاءهم بالماء كان بعد خروجهم من الخلاء. والعادة جارية أنه لا يخرج من الخلاء إلا بعد التمسح بماء أو حجر، وهكذا المستحب أن يستنجي بالحجر في موضع قضاء الحاجة، ويؤخر الماء إلى أن ينتقل إلى موضع آخر [124] .
وما قاله النووي:"وهكذا المستحب إلى.. الخ ". محل نظر.. لأنهم كانوا يفعلون ذلك بحكم العادة أو أن بيوت الخلاء كانت ضيقة.. أو لا تتحمل استعمال الماء بها وربما كان هذا في الصحراء حيث الحجر متوفر. ولكن هذا قد يتعذر الآن. لذلك أرى أن تؤخذ أفضلية أتباع الأحجار بالماء على الإطلاق.
الحالات التي يتعين فيها الإستنجاء بالماء:
أ – يتعين استعمال الماء في الإستنجاء إذا تعدى الخارج المحل المعتاد؛ بأن تنتشر النجاسة إلى الصفحتين في الدبر، أو تمتد إلى الحشفة في الذكر. وذلك لأن الإستجمار بالحجر في المحل المعتاد رخصة لأجل المشقة في تكرر غسله كلما أحدث، والرخصة تقدر بقدرها، أمّا ما عدا المحل المعتاد رخصة لأجل المشقة في تكرر غسله كلما أحدث فلا يجزئ فيه إلا الغسل لأن الأمر حينئذ خرج من موضوع الإستنجاء إلى موضع إزالة النجاسة وهي واجبة عند عامة الفقهاء.
وأما ما كان يفعله بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الإكتفاء بالأحجار فلعدم موجب استمال الماء عندهم، وهو تجاوز الخارج المحل المعتاد وهذا ما يفهم من قول علي رضي الله عنه:" إن من كان قبلكم كانوا يبعرون بعراً وأنتم اليوم تثلطون ثلطاً فاتبعوا الماء الأحجار "[125] يريد رضي الله عنه: أنههم كانوا يتغوطون يابساً كالبعر لأنهم كانوا قليلي الأكل وأنتم اليوم تثلطون رقيقاً وهو إشارة إلى كثرة الأكل والمآكل وتنوعها وعلى قول علي رضي الله عنه يحمل قوله صلى الله عليه وسلم: " يكفي أحدكم ثلاثة أحجار "أي ما لم يتجاوز محل العادة.
ويستعمل الماء هنا لإزالة النجاسة الكائنة على المحل المعتاد والأماكن الأخرى التي وصل إليها عند أكثر الفقهاء خلافاً لأبي حنيفة وأبي يوسف اللذين يقصران وجوب الإزالة بالماء للنجاسة الحاصلة على الأماكن الزائدة عن المحل المعتاد، أما المحل المعتاد فيكفي فيه الإستجمار بالأحجار [126] .
2-
إزالة المني لمن فرضه التيمم كالمريض أو عادم الماء الكافي لاغتساله فإنه يتعين عليه غسل المني من المخرج بالماء عند أكثر الفقهاء الذين يقولون بنجاسة المني. كما يتعين الماء لغسل المني لمن فرضه الوضوء كأن خرج بلا لذة في حالة اليقظة أو لذة غير معتادة. فإنه يجب عليه إزالة المني عن المخرج قبل أن يشرع في الوضوء [127] .
ويسن لمن فرضه الغسل ولكن أراد تأخيره لما بعد النوم، أن يغسل ذكره من المني قبل الوضوء ويشهد لذلك حديث ابن عمر رضي الله عنهما "ذكر عمر بن الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه تصيبه الجنابة من الليل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"توضأ واغسل ذكرك ثم نم " [128] .
ومعلوم أن الواو لمطلق الجمع أي أغسل ذكرك وتوضأ ثم نم وفي رواية أبي نوح عند مالك "فاغسل ذكرك ثم توضأ ثم نم "[129] .
وأصرح من ذلك: حديث عائشة رضي الله عنها عند البخاري قالت: " كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن ينام وهو جنب غسل فرجه وتوضأ للصلاة ". أي كوضوئه للصلاة [130] .
3-
إزالة دم الحيض أو النفاس للمريضة التي طهرت منه ولكنها لم تستطع الإغتسال أو تستطيع الإغتسال ولكن عدمت الماء الكافي لذلك فإنها يجب أن تزيل آثار دم الحيض أو النفاس قبل تيممها للصلاة وكذلك الحكم في الإستحاضة إن لم تلازم المرأة كل يوم ولو مرة وإلا فهو معفو كسلس البول [131] .
4-
إزالة بول المرأة بكراً أو ثيباً لتعديه المخرج عادة. وقد استثني الحنابلة البكر من وجوب استعمال الماء لإزالة البول عن المخرج بحجة أن عذرتها تمنع انتشار البول وكذلك الثيب إذا خرج بشدة لأن حدته تمنع انتشاره حول المخرج [132] .
ويلاحظ أن تعين الغسل هنا وفي الحالات السابقة هو من باب إزالة النجاسة وتعين الماء لإزالة النجاسة محل اتفاق عند أكثر العلماء.
5-
إزالة المذي من محل الخارج أو الأماكن الأخرى التي وصل إليها. وقيل بوجوب غسل كل الذكر وقيل كل الذكر مع الأنثيين. فمن أخذ بحديث علي:"سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن المذي فقال:"من المذى الوضوء ومن المني الغسل " قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح [133]-: قال بالإقتصار على موضع المذي فقط.
ومن أخذ بحديث المقداد بن الأسود - "ليغسل ذكره"الحديث ولم يذكر فيه الأنثيين. وقد اختلف في وصله وإرساله – [134]-: قال بالإقتصار على غسل كل الذكر فقط.
ومن أخذ بحديث حزام بن حكيم عن عمه عبد الله الأنصاري الذي جاء فيه:"سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عما يوجب الغسل وعن الماء يكون بعد الماء؟ فقال:"ذلك المذي وكل فحل يمذي فتغسل من ذلك فرجك وأنثييك وتوضأ وضوءك للصلاة " [135] قال بغسل الذكر كله والأنثيين.
وقد رد ابن القيم قول ابن حزم بتضعيف هذا الحديث وذكر له شاهداً من حديث عليّ عند أبي عوانة وفيه:"يغسل أنثييه وذكره ويتوضأ "[136] .
فهذه هي أهم الحالات التي يتعين فيها استعمال الماء في الإستنجاء وإن كان الحنفية يرون أن المائع الطاهر كالخل وماء الورد يحل محل الماء في حكم إزالة النجاسة المذكورة في الصورة السابقة [137] .
أما في غير هذه الحالات وما يماثلها فلا بأس من استعمال الأحجار ونحوها في الإستطابة من البول والغائط ولو مع توفر الماء – وإن كان استعمال الماء أفضل كما أشرنا لذلك فيما تقدم – لثبوت ذلك في السنة.
من قال بتعيين الماء مطلقاً في الإستنجاء وأدلتهم
نقل عن بعض أصحاب مالك:"أن الإستجمار بالأحجار لا يكون إلا عند عدم الماء "كما نسب إلى العترة والحسن البصري وابن أبي ليلى والحسن بن صالح وأبي علي الجبائي: القول بعدم اجتزاء الحجارة للصلاة ووجوب الماء وتعيينه في الإستنجاء وأهم أدلتهم ما يلي:
1-
قال تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً} [138] .
2-
حديث أنس المتقدم؛ وفيه ثبوت استنجاء النبي صلى الله عليه وسلم بالماء.
3-
حديث عائشة:"مُرْن أزواجكنّ أن يستطيبوا بالماء.." الخ وقد تقدم.
4-
حديث قباء: وفيه الثناء على أهلها لأنهم كانوا يستنجون بالماء وقد تقدم الكلام عليه. وقد أجيب عن هذه الأدلة بما يلي:
1-
بالنسبة للآية، فقد وردت في الوضوء ولا شك أن الماء متعين له ولا يجزئ التيمم إلا عند عدمه.
2-
أما حديث أنس؛ ففيه ثبوت الإستنجاء بالماء وليس فيه ما يدل على تعيينه وحصر الإستطابة فيه.
3-
أما حديث عائشة؛ فإنه يفيد ثبوت استنجاء النبي صلى الله عليه وسلم بالماء كما يفيده حث الأصحاب على الإقتداء به صلى الله عليه وسلم في ذلك. والسنة في فعله صلى الله عليه وسلم – لا في قول عائشة رضي الله عنها – وقد ثبت عنه الأمران.
4-
حديث قباء – على فرض ثبوته – فهو يفيد استنجاء بالماء أو إتباع الأحجار بالماء وليس فيه قصر الإستنجاء على الماء دون الأحجار [139] .
والمعتبر في حد الإستنجاء هو الإنقاء ولا يتقيد بعدد معين إذ لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك عدد معين ولا أمر به. فالمدار على الإنقاء حتى تذهب لُزوجة النجاسة وآثارها [140] .
آداب الإستنجاء:
1-
يندب لمن أراد الإستنجاء بالماء: أن يتحوط في ذلك بإحضار الماء الذي يريد استعماله في الإستنجاء أو يؤكد من وجوده في المكان الذي يجلس فيه لذلك؛ لما جاء في حديث أنس رضي الله عنه: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج لحاجته تبعته أنا وغلام معنا إداوة من ماء "أخرجه البخاري [141] . وفي رواية له أيضاً "فأحمل أنا وغلام نحوي إداوة من ماء وعنزة فيستنجي بالماء ".
وقال أبو الدرداء: - موجهاً كلامه لأهل الكوفة – "أليس فيكم صاحب النعلين والطهور والوساد "[142] يقصد ابن مسعود رضي الله عنهما.
2-
كما ينبغي على الشخص ستر عورته عن الناس عند إرادته التكشف للإستنجاء للجماع على حرمة كشف العورة في الجملة. فإذا خشي رؤية الناس لعورته وجب الستر. لما جاء في قوله صلى الله عليه وسلم – من حديث طويل – "من أتى الغائط فليستتر فإن لم يجد إلا كثيباً من رمل فليستدبره فإن الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم " رواه أبو داود [143] .
وفي فتح القدير: إنما يستنجي إذا وجد مكاناً يستر فيه نفسه. ولو كان على شط نهر ليس فيه ما يستره لو استنجى بالماء، قالوا يفسق [144] .
3-
ألا يمس ذكره بيمينه حال الإستنجاء. وقد عقد الإمام البخاري باباً في صحيحه وترجم له بهذا المعنى حيث قال: (باب النهي عن الإستنجاء باليمين) ثم ذكر بعد ذلك حديث قتادة عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء وإذا أتى الخلاء فلا يمس ذكره بيمينه ولا يتمسح بيمينه "[145] بل ينبغي أن يستعمل اليد اليسرى في الإستنجاء لحديث حفصة رضي الله عنها:"أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجعل يمينه لطعامه وشرابه وثيابه ويجعل شماله لما سوى ذلك "[146] .
والنهي هنا عن الإستنجاء باليمين إنما هو للتنزيه عند الجمهور وللتحريم عند الإمام أحمد وأهل الظاهر.
وإنما كان للتنزيه عند الجمهور لأن النهي فيه لمعنيين؛ أحدهما: لرفع قدر اليمين، والآخر: أنه لو باشر النجاسة بها فإنه ربما يتذكر عند تناوله الطعام ما باشرت يمينه من النجاسة فينفر طبعه من ذلك.
وقد حمل أحمد والظاهرية النهي على التحريم لأن النهي إذا أطلق وليس له صارف يكون للتحريم. وقد تشدد أهل الظاهر في هذه المسألة حتى قال الحسين بن عبد الله الناصري، في كتابه (البرهان) على مذهب أهل الظاهر: ولو استنجى بيمينه لا يجزيه، وهو وجه عند الحنابلة وطائفة من الشافعية [147] .
4-
كما ينبغي عليه إذا أراد الإستنجاء عقب البول أن يستبرئ منه حتى لا ينزل منه شيء بعد الإستنجاء أو بعد الوضوء. وهو يختلف باختلاف الأشخاص، فقد يكون بالمشي بضع خطوات، وقد يكون بالتنحنح قليلاً، وقد يكون بالسلت والنتر الخفيفين؛ والسلت: هو إمرار الإبهام على أعلى القضيب من بدايته والسبابة من أسفله كذلك. ويمرهما معاً ثم ينتره نتراً خفيفاً بضع مرات مع التلطف وعدم الإسترسال في ذلك، حتى لا تسترخي أعصاب القضيب وتسبب له أضراراً كثيرة وأيضاً: حتى لا يصل إلى الوسوسة المضرة بالدين وبعض الناس لا يحتاج في استبرائه إلى شيء من ذلك. وبالجملة: ينبغي على المرء أن يستبرئ حتى يطمئن إلى عدم نزول شيء من البول بعد الإستنجاء أو بعد الوضوء – وقد وردت في الإستبراء أحاديث كثيرة أصحها حديث ابن عباس في قصة صاحبي القبرين فقد جاء فيه: "أما أحدهما فكان لا يستنزه من بوله " وفي الترمذي "لا يستتر من بوله "أي لا يتحفظ منه وعند أبي نعيم "كان لا يتوقى " أخرجه مسلم والبخاري وأبو داود والنسائي [148] .
وقد اختلف العلماء في حكم الإستبراء؛ فأوجبه المالكية وبعض الحنفية وبعض الشافعية. وقال يندبه الحنابلة وبعض الحنفية وأكثر الشافعية.
وأرى أن يحمل الوجوب على ما إذا تحقق أو غلب على ظنه بمقتضى عادته أنه إذا لم يستبرئ خرج منه شيء بعد التطهر. فإن لم يتحقق أو غلب على ظنه ذلك، فإنه يندب فعله على سبيل التحوط [149] .
5-
ينبغي لمن أراد الإستنجاء بالماء أن يبل يده التي سيلاقي بها الأذى بالماء حتى تنسد المسام في كفه فلا تتسرب بعض آثار الفضلات في داخلها فيصعب بعد ذلك إزالة الرائحة منها [150] .
كما يسن في حقه أيضاً أن يدلك هذه اليد بعد الإستنجاء بتراب ونحوه أو يغسلها بمنظف آخر كصابون وغاسول ونحوهما من المواد المستعملة [151] في النظافة وقد أخرج أبو داود حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال:"كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتى الخلاء أتيته بماء في ثور أو ركوة فاستنجى ثم مسح يده على الأرض ثم أتيته بإناء آخر فتوضأ "أخرجه أبو داود. كما أخرج ابن ماجه رواية أخرى عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى حاجته ثم استنجى من تور ثم دلك يده بالأرض " [152] .
6-
كما ينبغي عليه أن يبدأ بغسل قُبُلهِ أولاً حتى لا يتنجس إذا ما بدأ بغسل دبره أولاً، كما ينبغي عليه أن يسترخي قليلاً عند غسل مقعدته لأنه أعون على الإستنجاء الجيد.
الخصلة الثانية الإنتضاح:
معنى الإنتضاح: اختلف العلماء في تفسير معنى الإنتضاح الوارد في بعض أحاديث الفطرة. وقد حكى ابن العربي أربعة أقوال للعلماء في بيان المراد من عبارة "فانتضح "الواردة في حديث هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"جاءني جبريل فقال يا محمد إذا توضأت فانتضح "[153] وقد تقدم تخريجه:
الأول: معناه إذا توضأت فصب الماء على العضو صباًّ ولا تقتصر على مسحه فإنه لا يجزئ فيه إلا الغسل.
الثاني: معناه: استبرىء الماء بالنتر والتنحنح: يقال: نضحت: استبرأت وانتضحت: تعاطيت الإستبراء له.
الثالث: معناه إذا توضأت فرش الإزار الذي يلي الفرج ليكون ذلك مذهِباً للوسواس.
الرابع: معناه الإستنجاء بالماء. إشارة إلى الجمع بينه وبين الأحجار. فإن الحجر يخفف الوسخ والماء يطهره، وقد حدثني أبو مسلم المهدي؛ قال:"من الفقه الرائق: الماء يذهب الماء ". ومعناه: أن من استنجى بالحجر فإنه لا يزال البول يرشح فيجد منه البلل فإذا استعمل الماء نسب الخاطر ما يجد من البول إلى الماء وارتفع الوسواس انتهى كلام ابن العربي [154] .
وقال صاحب التحفة:"والحق أن المراد بالإنتضاح في هذا الحديث: هو الرش على الفرج بعد الوضوء، كما يدل عليه ألفاظ أكثر الأحاديث الواردة في هذا الباب "[155] .
وقال الخطابي في معالم السنن في تعليقه على حديث الحكم بن سفيان الثقفي:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بال يتوضأ- توضأ- ينتضح ".. الإنتضاح ههنا الإستنجاء بالماء وكان من عادة أكثرهم أن يستنجوا بالحجارة لا يمسون الماء ". وقال أيضاً:"وقد يتأول الإنتضاح أيضاً على رش الفرج بالماء بعد الإستنجاء ليدفع بذلك وسوسة الشيطان ". وذكر النووي عن الجمهور:"أن هذا الثاني هو المراد ههنا ". وقال صاحب العون:"قلت: وهذا- إشارة إلى كلام النووي:- هو الحق " [156] .
ويتأيد ما ذكره النووي من أن الإنتضاح: هو الرش بالماء على الفرج وما يلبسه من السراويل ونحوها بما نقله صاحب التحفة من حديث ابن عباس الذي أخرجه عبد الرزاق في جامعه " أنه شكا إليه رجل فقال إني أكون في الصلاة فيتخيل لي أنه بذكري بللاً. فقال: قاتل الله الشيطان إنه يمس ذكر الإنسان ليريه أنه قد أحدث. فإذا توضأت فانضح فرجك بالماء فإن وجدت فقل هو من الماء ففعل الرجل ذلك فذهب "[157] وهذا الأثر موقوف على ابن عباس رضي الله عنه لما جاء في سنن البيهقي عن سعيد بن جبير: أن رجلاً أتى ابن عباس فذكره [158] .
كما يتأيد ما ذكره النووي أيضاً بما قال أهل اللغة في تفسير بعض الأحاديث الواردة فيه: قال صاحب النهاية:" من السنن العشر الإنتضاح بالماء "وهو أن يأخذ قليلاً من الماء فيرش به مذاكيره بعد الوضوء لينفي عنه الوسواس وقد نضح عليه الماء ونضح به إذا رش عليه [159] .
وقال صاحب اللسان: استنضح الرجل وانتضح: نضح شيئاً من ماء على فرجه بعد الوضوء، وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه عد عشر خلال من السنة وذكر فيها الإنتضاح بالماء. وهو:"أن يأخذ ماء قليلاً فينضح به مذاكيره ومُؤْتَزَرَه بعد فراغه من الوضوء لينفي بذلك عنه الوسواس "[160] .
إذا ثبت هذا أقول: استحب جمهور الفقهاء من الشافعية والحنفية والحنابلة أن يرش على الفرج أو ما حول من إزار أو سروال أو ثوب؛ قليلاً من الماء ليقطع بذلك وسوسة الشيطان. قال حنبل: سألت أحمد، قلت: أتوضأ واستبرئ وأجد في نفسي قد أحدثت بعده. قال:"إذا توضأت فاستبرئ ثم خذ كفاً من ماء فرشه على فرجك ولا تلتفت إليه فإنه يذهب إن شاء الله "[161] .
الخصلة الثالثة من خصال الفطرة: غسل البراجم:
وقد ورد في الأمر بتنقية البراجم من الأوساخ عند الطهارة للصلاة وغيرها، فقد أخرج ابن عدي من حديث أنس:"أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بتعامد البراجم عند الوضوء، وذلك لأن الوسخ إليها سريع.. الحديث". قال العراقي:" إسناده ضعيف "[162] لكن له شواهد من حديث عائشة عند مسلم المذكور في صدر البحث.
وللترمذي الحكيم في نوادر الأصول من حديث عبد الله بن يسر رفعه:"قصوا أظفاركم، وادفنوا قلائمكم، وتقّوا براجمكم "وفيه عمر بن بلال وهو غير معروف [163] .
كما روى أحمد في المسند من حديث ابن عباس:"أنه قيل له: يا رسول الله لقد أبطأ عنك جبريل. فقال: "ولم لا يبطئ عني وأنتم لا تستنّون ولا تقلّمون أظفاركم ولا تقصون شواربكم ولا تتقون رواجبكم " [164] .
قال أبو عبيد:"البراجم والرواجب مفاصل الأصابع كلها "، وقال ابن سيده؛" البرجمة: المفصل الظاهر من المفاصل.. وقيل الباطن منها ".
وحكى عن صاحب التهذيب:"أن البراجمة: هي البقعة الملساء التي بين البراجم، والبراجم: هي المشنّجات في مفاصل الأصابع ". وقال في موضع آخر:"المشنجات في طهور الأصابع، وفي كل أصبع ثلاث برجمات إلا الإبهام فلها برجمتان ".
وحكى عن الجوهري:"أن البراجم: هي مفاصل الأصابع التي بين الأشاجع والرواجب والأشاجع – جمع أشجع -: وهي أصول الأصابع التي تتصل بعصب ظاهر الكف وقيل عروق ظاهر الكف. والرواجب هي رؤوس السلاميّات من ظهر الكف إذا قبض القابض كفه نشزت وارتفعت ".
وقال محقق اللسان:"البراجم: رؤوس السلاميات، والرواجم – الرواجب – بطونها وظهورها ". هذا ما قاله علماء اللغة في بيان معنى البراجم والرواجب والأشاجع [165] ولكني أختار في بيانها ما قاله الإمام الرهوني في حاشيته على الزرقاني حيث قال:" الرواجب: هي مفاصل الأصابع العليا والبراجم: هي الوسطى والأشاجع هي السفلى التي تتصل ظاهر الكف ". وقد نظمها في بيتين من الزجر تقريباً للحفظ قال:
رواجب براجم أشاجع
ثلاثة مفاصل الأصابع
فأول لأول ثم كذاك
والبدء من أعلى فحقق ما هناك [166]
ويرجح النووي كلام أبي عبيد وصاحب المحكم:"بأن الرواجب والبراجم جميعاً هي مفاصل الأصابع كلها "[167] وهو ما يفهم من قول الخطابي. بأنها المواضع التي تتسخ ويجتمع فيها الوسخ ولا سيما ممن لا يكون طري البدن، وقول الغزالي:"كانت العرب لا تغسل اليد عقب الطعام فيجتمع في تلك الغضون وسخ فأمر بغسلها "[168] .
والحاصل: أن بعض العلماء فسر البراجم: بأنها عقد ظهور الأصابع فقط. ومنهم من فسرها: بأنها عقد بطون الأصابع فقط. ومنهم من فسرها بأنها عقد بطون الأصابع وظهورها.
فعلى رأي الفريقين الأول والثاني يكون بعض العقد قد نص عليها والبعض لم ينص عليها ولكن ما لم ينص عليها أيضاً يتعهدها بالتنقية والتنظيف قياساً على ما نص عليه لوجود العلة فيه وهي تسارع الوسخ إليه.
وقد أدخل العلماء في هذا الباب كل العقد التي تكون مجتمعاً للوسخ سواء كانت في ظهور الأصابع أو بطونها، وسواء كانت في اليدين أو الرجلين كما ألحقوا بها ما يجتمع من الوسخ في معاطف الأذن وقعر الصماخ فيزيله بالمسح لأنه ربما أضرت كثرته بالسمع. وكذلك ما يجتمع في داخل الأنف أو أي موضع شبيه بالبراجم في جميع أجزاء سواء نشأ عن عرق أو غبار أو غيرهما [169] .
تنظيف البراجم سنة:
والمراد: أنه يسن في حق المسلم أن يتعاهد هذه المواضع بإظهار ما يخفى من ثنايا هذه العقد، وإمرار الماء عليها ودلكها حتى يتأكد من نظافتها وليس ذلك في حال الوضوء فقط بل في كل ما يرى ضرورة لذلك. وقد أشار الإمام النووي إلى هذا المعنى حيث قال:" وأما غسل البراجم فمتفق على استحبابه. وهو سنة مستقلة غير مختصة بالوضوء "[170] .
الخصلة الرابعة: الإستياك:
والإستياك: هو دلك الفم بالسواك أو المسواك.
والسواك أو المسواك: اسم للآلة التي تستعمل في دلك الفم.
والإستياك مشتق من ساك؛ فإذا قيل: إستاك أو تسوك فلا يذكر الفم.
يجمع السواك على سوك على وزن فعل، مثل كتاب وكتب، وربما همز فيقال فيه: سؤك، ويذكر ويؤنث؛ ففي الحديث "السواك مطهرة للفم "؛ أي يطهر الفم. قال أبو منصور:"ما سمعت أن السواك يؤنث "ثم قال:" والسواك مذكر.."وقوله: "مطهرة للفم"؛ كقولهم الولد مجبنة مجهلة مبخلة [171] .
ما يستاك به:
ومشروعية الإستياك تحصل بكل شيء خشن يصلح لإزالة بقايا الطعام والرائحة المتغيرة من الفم، والصفرة التي تعلو الأسنان؛ وذلك كالخرقة أو الخشبة أو الأصابع الخشنة. وقد جاء في سنن البيهقي من حديث أنس أن رجلاً من الأنصار من بني عمرو بن عوف قال: يا رسول الله؛ إنك رغبتنا في السواك فهل دون ذلك من شيء؟ قال: "إصبعاك سواك عند وضوئك تمرهما على أسنانك، إنه لا عمل لمن لا نيّة له ولا أجر لمن لا حُسْبةَ له "[172] الحديث رجاله ثقات إلا أن الراوي له عن أنس بعض أهله غير مسمى وقد ورد في بعض طرقه بأنه النضر بن أنس وهو ثقة. ولفظه: "تجزئ من السواك الأصابع "[173] .
وفيه عيسى بن شعيب البصري. قال فيه عمرو بن علي الفلاّس:"إنه صدوق "وقال ابن حبان:"كان ممن يخطئ حتى فحش خطؤه فاستحق الترك "وله عند البيهقي طريق آخر غير طريق عيسى بن شعيب؛ في إسنادها: إسماعيل بن أبي نصر الصابوني عن محمد الحسن بن محمد المخلدي عن محمد بن حمدون بن خالد عن أبي أمية الطرسوسي، عن عبد الله بن عمر الحمال، عن عبد الله بن المثنى عن ثمامة عن أنس، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"الإصبع تجزئ من السواك "[174] . وفيه عبد الله بن المثنى. قال الحافظ فيه:"صدوق كثير الغلط "[175] .
وقد جزم النووي بصحة إجزاء الإصبع الخشنة في الإستياك سواء كانت إصبع نفسه أو إصبع غيره موافقاً بذلك كثيراً من الفقهاء [176] . ومخالفاً للصحيح المشهور عند الشافعية بعدم صحة إجزاء إستياك الإنسان بإصبع نفسه [177] .
وعند الحنابلة رأيان في الإستياك بالإصبع والخرقة؛ قيل لا يصيب السنة لأن الشرع لم يرد به ولا يحصل الإنقاء به حصوله بالعود. قال صاحب المغني:- بعد ذكر ما تقدم:" والصحيح أنه يصيب بقدر ما يحصل من الإنقاء ولا يترك القليل من السنة للعجز عن تحصيل كثيرها والله أعلم "[178] .
وإني لأعجب من موقف الشافعية، إذ يفرقون بين الإستياك بإصبع الغير وإصبع الشخص نفسه فيجيزون الإستياك بإصبع الغير ويمنعون أن يستاك الإنسان بإصبع نفسه؟ والحق أن المدار على الإنقاء وإزالة الرائحة من الفم فإن كان الإصبع خشناً قادراً على ذلك أجزأ الإستياك به وإن كان لا يستطيع ذلك فلا، والله أعلم.
قال ابن عبد البر:"ما جلا الأسنان ولم يؤذها ولا كان من زينة النساء فجائز لاستنان به "[179] .
أفضل ما يستاك به:
يرى أكثر العلماء أفضلية الإستياك بعود الأراك، وهو شجر طيب الرائحة ثم بعده، جريد النخل، ثم عود الزيتون، ثم ما له رائحة ذكية، ثم غيره من العيدان مما لم ينه عنه [180] .
وقال البعض بأفضلية الإستياك بعود الزيتون وقالوا: هو أفضل من عود الأراك؛ لأنه يطيب الفم [181] .
وقد أخرج الطبراني من حديث أبي خبرة الصباحي وله صحبة فذكر حديثاً قال فيه؛"ثم أمر لنا يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم بأراك فقال: "استاكوا بهذا ".
وروى الحاكم في المستدرك من حديث عائشة في دخول أخيها عبد الرحمن بن أبي بكر في مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه سواك من أراك فأخذته عائشة رضي الله عنها فطيبته تم أعطته رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستن به. وقال العراقي- بعد ذكره لهذا الحديث، والحديث الذي قبله - الحديث أي حديث عائشة في الصحيح وليس فيه ذكر الأراك وفي بعض طرقه عند االبخاري؛ ومعه سواك من جريد النخل. ثم قال.. وروى أحمد في مسنده من حديث ابن مسعود "أنه يحتبي سواكاً من الأراك "[182] .
ما لا يستاك به:
ويستحب ألاّ يستاك بعود ليّن لا يقلع القلحة ولا يزيل الرائحة، ولا بعود يابس يجرح اللثة بل يستاك بعود وسط بين الليونة واليبوسة ويمكن معالجة اليابس بوضعه في الماء بعض الوقت.
وقد حكى عن ابن عبد البر: كراهة الإستياك بالريحان والقصب لأنهما يسببان بعض الأمراض [183] .
وفي المغني: كراهة الإستياك بعود الريحان والآس والأعواد الزكية لما روى عن قبيصة بن ذؤيب؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا تتحللوا بعود الريحان ولا الرمان فإنهما يحركان عرق الجذام " رواه محمد بن الحسين الأزدي الحافظ بإسناده، وقيل السواك يضر بلحم الفم [184] .
وأضاف بعض العلماء كراهة الإستياك بأعواد التبن والقصب والأشنان- أحد المواد المنظفة- والحلفة وكل ما جهل أصله من الأعواد وقد نظم بعض أهل العلم في ذلك بيتين من الرجز تسهيلاً للحفظ حيث قال:
تجنب من الأشياء سبعاً فلا تكن
بها أبداً تستاك تنجو من العطب
بحلفة أو رمّان أو ما جهلته
وريحان أو أشنان أو تبن أو قصب [185]
وحكى ابن عبد البر عن بعض أهل العلم كراهة السواك بشيء يغير الفم ويصبغه بأي لون لما فيه من التشبه بزينة النساء [186] .
كيفية الإستياك:
استحب العلماء: أن يبدأ المسلم الإستياك من الجانب الأيمن من فمه لما ثبت من حب رسول الله صلى الله عليه وسلم للتيامن في كل شيء. وأن يكون الإستياك عرضاً في الأسنان حتى لا يدمي لحم لثة وقد وردت بعض الآثار في جعل الإستياك عرضاً في الأسنان منها ما رواه البيهقي في سننه عن ربيعة بن أكثم قال "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستاك عرضاً ويشرب مصّاً ويقول: "هو أهنأ وأمرأ " [187] .
قال العراقي: إن ربيعة بن أكثم استشهد بخيبر، فعلى هذا يكون الحديث منقطعاً؛ لأنه من رواية ابن المسيب عنه [188] .
كما روى أبو داود في المراسيل وذكره البيهقي عن عطاء بن أبي رباح قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إذا شربتم فاشربوا مصّاً وإذا استكتم فاستاكوا عرضاً "[189] .
وعند أبي نعيم من كتاب له في السواك عن عائشة رضي الله عنها قالت:"كان النبي صلى الله عليه وسلم يستاك عرضاً ولا يستاك طولاً " قال العراقي إسناده ضعيف [190] إلى غير ذلك من الأحاديث التي لم يخل أحدها من مقال ولكن يستأنس بها مع الفوائد المترتبة على الإستياك عرضاً؛ للقول بأفضليته.
وأن يكون الإستياك طولاً في اللسان لما جاء في البخاري ومسلم وأبي داود واللفظ له؛ عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال:"أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم نستحمله فرأيته يستاك على لسانه". وقال سليمان، قال:"دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يستاك وقد وضع السواك على طرف لسانه وهو يقول: "إه إه " [191] وإه: بهمزه مكسورة بعدها هاء ساكنة وفي رواية البخاري: "يقول أعْ أعْ والسواك في فيه كأنه يتهوع " [192] أي كأنه يتقيأ. وعند ابن خزيمة:"عا عا " وفي صحيح الجوزي "إح إح " بكسر الهمز وبالحاء المهملة. وفي مسند أحمد:"واضع طرف السواك على لسانه يستن إلى فوق " ووصفه غيلان بأنه يستن طولاً. وكل هذه الروايات؛ تفيد أنه صلى الله عليه وسلم كان يبلغ بالسواك إلى أقصى الحلق. وإنما اختلف الرواة في حكاية الصوت الذي كان يخرج من فمه صلى الله عليه وسلم حينما كان يستاك لتقارب مخارج هذه الأحرف [193] .
وقد حكى النووي عن بعض أهل العلم كيفية الإستياك؛ قال:"يستحب أن يستاك عرضاً في ظاهر الأسنان وباطنها ويمر السواك على أطراف أسنانه وكراسي أضراسه ويمره على سقف حلقه إمراراً خفيفاً ".
قال:"وأما جلاء الأسنان بالحديد وبردها بالمبرد فمكروه لأنه يضعف الأسنان ويفضي إلى انكسارها، ولأنه يخشنها فتتراكم الصفرة عليها والله أعلم "[194] .
ويستحب غسل السواك بعد الإستعمال لتطييبه وتنظيفه مما علق به من الفم لئلا ينفر الطبع منه بعد ذلك، ولما أخرجه أبو داود عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت:"كان النبي صلى الله عليه وسلم يستاك فيعطيني السواك لأغسله، فأبدأ به فأستاك، ثم أغسله وأدفعه إليه "[195] والمراد بقول عائشة رضي الله عنها:"فأبدأ به "؛ أي باستعماله في فمي قبل الغسل لتصل بركة فم رسول الله صلى الله عليه وسلم إليّ.
ولا بأس من استعمال السواك الواحد لأكثر من شخص لحديث عائشة رضي الله عنها عند أبي داود " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستن وعنده رجلان أحدهما أكبر من الآخر فأوصى إليه في فضل السواك أن كبّر، أعط السواك أكبرهما "[196] قال صاحب العون في تفسير هذه العبارة: أي أوحى إليه أن فضل السواك وحقه أن يقدم من هو أكبر [197] ولعل المعنى المراد هو - والله أعلم - أن الله سبحانه وتعالى بعد أن أوصى إليه ما للسواك من فضل أعلمه بأن من أحكامه: أن يقدم الأكبر فالأكبر إذا اجتمع عدة أشخاص على الإستياك بسواك واحد.
ولا خلاف بين أهل العلم في أفضلية البداءة بالجانب الأيمن من الفم ولكنه قد اختلف هل يباشر المرء الإستياك بيده اليمنى أو اليسرى؟ فنقل عن بعض أهل العلم من متأخري الحنابلة: أن الإستياك يكون باليد اليمنى: لأنه ورد في بعض طرق حديث عائشة المشهور؛ "كان يعجبه التيمن في ترجله وتنعله وتطهره وسواكه "[198] ولأن السواك من باب التطيب وهو يكون باليد اليمنى. وقد نص صاحب المغني على استحباب التيامن في الإستياك. ولكنه لم يفصل مراده منه؛ هل التيامن المستحب هو البداءة بالجانب الأيمن من الفم أو الإستياك باليد اليمنى [199] .
وقال بعض الشافعية: الظاهر أنه يكون باليد اليسرى لأنه من باب إزالة الأذى كالإمتخاط ونحوه وقوى هذا الفريق رأيه هذا بما نقل عن أبي العباس القرطبي من المالكية حيث قال في المفهم:" حكاية عن مالك أنه لا يتسوك في المساجد لأنه من باب إزالة القذر والله أعلم ". وقد أجابوا عن استدلال الفريق الأول: بأن المراد منه: البداءة بالشق الأيمن في الترجل والبداءة بلبس النعل والبداءة بالأعضاء اليمنى في التطهر، والبداءة بالجانب الأيمن من الفم في الإستياك [200] .
وبهد أن تبين لنا أن كلا الرأيين يخلو من دليل قوي، وأنه من الناحية العملية: نجد أنه من العسير حمل فائدة السواك على أحد الأمرين: التطيب، أو إزالة القذر بصفة قاطعة؛ لأنه يقوم بالأمرين معاً وإن كان إلى الثاني أقرب. كما أن قيام اليدين بتسويك جانب الفم والأسنان، ظاهراً وباطناً. أمر شاق إن لم يكن متعذراً لذلك ينبغي أن يستاك بما يستطيعه سواء باليد اليمنى أو اليسرى أو هما معاً.
لا بأس من الإستياك أمام الناس:
نقل عن القاضي عياض بأن ذا المروءة لا ينبغي له فعل السواك أمام الناس [201] . وهذا محمول على أنه من باب إزالة القذر وربما كان هذا الرأي مستنداً إلى ما تقدم نقله عن الإمام مالك من عدم الإستياك بالمساجد
…
وقد رد ابن دقيق العيد هذا القول بأمرين:
الأول: ما ورد من حديث أبي موسى رضي الله عنه قال:"أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يستاك وطرف السواك على لسانه يقول:"أعْ أعْ "والسواك في فيه كأنه يتهوع. وقال: إن بعضهم ترجم على هذا الحديث باستياك الإمام بحضرة رعيته ".
الثاني: أن السواك من باب العبادات والقرب فلا يطلب إخفاؤه. والله أعلم [202] .
وقد أجيب عن هذين الأمرين بما يلي:
بالنسبة للأمر الأول: فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبدأ الإستياك بحضرة أبي موسى بل كان متلبساً به قبل مجيئه. كما أن أبا موسى واحد لا جماعة وأيضاً فإن النبي صلى الله عليه وسلم يستشفى بجميع فضلاته فلا يستقذر ذلك منه بخلاف غيره [203] .
أما بخصوص ترجمة النسائي للحديث بقوله: (هل يستاك الإمام بحضرة رعيته) فقد قال العلامة السندي- تعليقاً على هذه الترجمة - إنها تشير إلى أن الإستياك بحضرة الغير ينبغي أن يكون مخصوصاً بما لا يكون ذلك مستقذراً منه لكونه إماماً ونحوه. والله تعالى أعلم [204] اهـ.
وأما بالنسبة للأمر الثاني فقد أجيب عنه بأن كونه من باب العبادات والقرب لا يدل على فعله بحضرة الناس؛ ألا ترى أن الإستبراء واجب ونتف الإبط مندوب ومع ذلك ينبغي إخفاؤهما [205] وأرى أنه لا بأس من الإستياك بحضرة الناس لثبوت استياكه صلى الله عليه وسلم في حديث أبي موسى أمام الناس. ولم يكن أبا موسى وحده بل كان معه غيره فقد جاء عن النسائي: عن أبي موسى قال أقبلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم معي رجلان من الأشعريين، أحدهما عن يميني والآخر عن يساري ورسول الله صلى الله عليه وسلم يستاك.." الحديث [206] .
كما ثبت ذلك عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد جاء في سنن الترمذي: كان زيد ابن خالد يشهد الصلوات في المسجد وسواكه على أذنه "موضع القلم من أذن الكاتب لا يقوم إلى الصلاة إلا استنّ ثم ردّه إلى موضعه "[207] .
وثالثاً لم يرد نهي عن الرسول عليه الصلاة والسلام لأحد من الصحابة عن الإستياك بالمسجد أمام الناس بالرغم من كثرة المستعملين له وإدامتهم عليه. والله أعلم.
فوائد السواك:
الأصل في هذا الباب حديث عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" السواك مِطْهَرةٌ للفم مَرضاة للرب "[208] . . قال النووي: حديث صحيح رواه أبو بكر محمد بن إسحاق ابن خزيمة إمام الأئمة في صحيحه والنسائي والبيهقي في سنتهما وآخرون بأسانيد صحيحة، وذكرهم البخاري في صحيحه في باب الصيام - تعليقاً- بصيغة لجزم [209] .
وقد نقل العراقي ما رواه البيهقي في شعب الإيمان من حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"عليك بالسواك فإنه مطهرة للفم مرضاة للرب، مفرحة للملائكة، يزيد في الحسنات " وهو من السنة يجلو البصر ويذهب الحضرة ويشد اللثة. ويذهب البلغم ويطيب الفم. وزاد البيهقي في رواية أخرى "ويصح المعدة " وفي بعض طرقه عند غير البيهقي "ويزيد في الفصاحة " قال البيهقي: تفرد به خليل ابن مرة وليس بالقوى. وقد قال فيه أبو زرعة:"شيخ صالح.."وقال ابن عدي:"يكتب حديثه "[210] وقد نظم الحافظ بن حجر قصيدة في بيان فضائل السواك ذكر فيها نحواً من ثلاث وثلاثين فائدة، دينية وصحية واجتماعية من فوائد السواك من شاء فليرجع إليها [211] .
حكم الإستياك:
ذهب بعض الفقهاء إلى وجوب السواك ونقل هذا عن داود الظاهري وإسحاق بن راهويه. كما نقل أيضاً عن داود؛ أنه يقول بوجوبه مع عدم بطلان الصلاة بتركه. أما ما نقل عن إسحاق؛ فإنه يذهب إلى بطلان الصلاة لو ترك عمداً [212] وقد استدل لهما بما أخرجه أبو داود بسنده إلى عبد الله بن عبد الله بن عمر رضي الله عنهم قال:"أرأيت توضِئَ (تَوضُّؤَ) ابن عمر لكل صلاة طاهر أو غير طاهر عم ذاك؟ فقال: حدَّثنيه أسماء بنت زيد بن الخطاب أن عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر حدثها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أُمِرَ بالوضوء لكل صلاة طاهراً وغير طاهر فلما شق ذلك عليه، أُمِرَ بالسواك لكل صلاة "[213] .
وجه الدلالة في الحديث قوله:"أمر بالسواك لكل صلاة ". والأمر يقتضي الوجوب والأمر له أمر لأمته حتى يقوم الدليل على التخصص.
وأيضاً است دل لهما: بالأحاديث التي جاءت في السواك بصيغة الأمر كحديث أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"تسوكوا فإن السواك مطهرة للفم.. الحديث"[214] .
وكذلك بما رواه البزار في مسنده من حديث العباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"تدخلون عليّ قلحاً استاكوا " ورواه أحمد في مسنده من حديث تمام بن العباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ما لي أراكم تأتوني قلحاً استاكوا " وما رواه البيهقي في شعب الإيمان من حديث ابن عباس مرفوعاً:" عليك بالسواك فإنه مطهرة للفم.. الحديث "[215] .
ويجاب عن حديث ابن أبي عامر بأنه قد تكلم فيه بأن في إسناده محمد بن إسحاق وهو مدلس وقد عنعن وبأنه على فرض صحته فإنه يفيد الوجوب في حقه صلى الله عليه وسلم دون أمته - وإن كان هذا محل نظر سنعرض له قريباً.
أما الإستدلال بالأحاديث الأخرى التي جاءت بصيغة الأمر فقد قال: العراقي:"لم يصح منها شيء "أما حديث أبي أمامة ففيه علي بن زيد الألهاني وهو ضعيف جداً، وأما حديث أبي العباس وحديث تمام ففيهما أبو علي الصقلي وهو مجهول. وأما حديث ابن عباس فتفرد به الخليل بن مرة وهو منكر الحديث وقد سبق ما قيل فيه قريباً.
والمعتمد عند المالكية والحنفية أنه مندوب عند كل وضوء أما الشافعية والحنابلة وعدد من كبار المالكية بأنه سنة وقد صرح الشافعية والحنابلة بأنه سنة عند كل صلاة.
وقد علل الحنفية عدم القول بالنسبة عند كل وضوء: بأنه ليس هناك ما يدل على مواظبته صلى الله عليه وسلم عند كل وضوء. ثم ذكروا الأحاديث الواردة في ذلك وقالوا: غاية ما تفيده الندب فقط [216] .
أما المالكية: فقد عللوا ذلك بما جاء في حديث "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة " وفي بعض الروايات "عند كل وضوء " وبما أن الأمر المنفي في الحديث؛ هو الأمر المقتضي للوجوب لا غير، فبقي الأمر المفيد للندب. إذ هو لا مشقة فيه. أو كما قال الباجي: فالمراد هنا - أي المنفي -:الوجوب واللزوم دون الندب فقد ندب صلى الله عليه وسلم إلى السواك وليس في الندب إليه مشقة لأنه إعلام بفضيلته واستدعاء لفضله لما فيه من جزيل الثواب [217] .
أما الشافعية والحنابلة: فقد استدلوا على القول بالسنة، بحثه صلى الله عليه وسلم ومواظبته عليه وترغيبه فيه وندبه إليه وتسميته إياه بالفطرة [218] .
والواقع أنه ليس هناك فرق كبير بين القولين: بالسنية والندبة - إذ يعرّف كل من السنة والمندوب عند الفقهاء: بأنه ما يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه. غاية ما في الأمر أن البعض يشترط لإطلاق الحكم بالنسبة حصول المواظبة عليه من النبي صلى الله عليه وسلم والبعض الآخر لا يشترط ذلك بل يكفي عنده حصول الفعل منه صلى الله عليه وسلم ولو مرة أو صدور الأمر به لا على سبيل الحتم والإلزام، بل على سبيل الترغيب والإرشاد.
وعلى أية حال: فإن التفرقة بين الأمرين، من اصطلاحات الفقهاء، وكما قيل: لا مشاحة في الإصطلاح لكن ما ينبغي التعويل عليه. أن جميع الفقهاء بما فيهم ابن حزم [219]- ما عدا ما نقل عن داود وإسحاق - متفقون على أن السواك ليس بواجب. والعمدة في الإستدلال على ذلك؛ بالحديث المخرج في الصحيحين؛ عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لولا أن أشق على المؤمنين - وفي حديث زهير: على أمتي - لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة "[220] .
وفي الموطأ من حديث ابن شهاب الزهري عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة: " لولا أن يشق على أمته لأمرهم بالسواك مع كل وضوء "[221] كما أخرج البخاري رواية "مع كل وضوء" تعليقاً. وأسندها ابن خزيمة في صحيحه والحاكم وصححها.
وبما أن "لولا "حرف امتناع لوجود؛ أي لولا وجود المشقة من وجوب استعمال السواك عند كل صلاة أو عند كل وضوء؛ لحصل الأمر بذلك، وبما أن المشقة حاصلة فقد امتنع الأمر المقتضى للوجوب وبقي حال السواك على ما كان عليه من الندب إليه والحث والترغيب فيه.
وقد استند علماء الحنابلة والشافعية ومعهم ابن حزم على الرواية الأولى التي جاءت بلفظ "عند كل صلاة " في قولهم بمشروعية السواك عند كل صلاة. كما اعتمد المالكية والحنفية وبعض الشافعية على الرواية الثانية التي جاءت بلفظ " مع كل وضوء " في القول؛ بأن السواك مشروع عند كل وضوء وقد تأول بعض علماء الفريق الثاني الحديث الأول، وقالوا: إنه على تقدير عند وضوء كل صلاة.
وقد أكثر الفريقان من إيراد الحجج المؤيدة لدعوى كل منهما ودفع الإعتراضات الواردة عليها. إلا أنه يمكن القول بأن الإستياك عند كل صلاة وإن كان أقوى سنداً لذكر دليله في الصحيحين وغيرهما فإن القول الثاني أنسب عملاً؛ لما علمنا أن السواك يندب غسله قبل الإستعمال أو بعده وقد قالت عائشة رضي الله عنها:"كنا نعدُّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة آنية مخمرة من الليل؛ إناء لطهوره وإناء لسواكه وإناء لشرابه "رواه ابن ماجه [222] وهذا لا يتوافر غالباً في موطن الصلاة.
كما سبقت الإشارة إلى أن بعض العلماء قد كره الإستياك في المسجد بدعوى أن الإستياك من باب إزالة القذر والمساجد منزهة عن ذلك.
وقد حاول بعض علماء الفريق الأول إيجاد مخرج لذلك حيث قالوا: وهذا - أي فعله عند كل صلاة - لا يقتضي ألاّ يعمل إلا في المسجد حتى يتمشى هذا التعليل، بل يجوز أن يستاك ثم يدخل المسجد للصلاة وقد روى الطبراني في معجمه عن صالح بن أبي صالح عن زيد بن خالد الجهني قال:"ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج من بيته لشيء من الصلوات حتى يستاك. ومن كان في المسجد وأراد أن يصلي جاز أن يخرج من المسجد ثم يستاك ثم يدخل ويصلي ". ثم ذكر هذا البعض أيضاً:"أن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يروحون إلى المسجد والسُوك خلف آذانهم "[223] .
بذلك كله نقول: بأنه يستحب الإستياك عند كل من الوضوء والصلاة إذا كان هناك فارق في الزمن بينهما. أما لو كانت الصلاة عقب الوضوء فالسواك عند المضمضة في الوضوء كاف عند إعادته مرة أخرى مع الصلاة لأنه يطلق عليه حينئذ أنه تسوك عند الصلاة أو مع الصلاة والله أعلم.
الحكمة من مشروعية السواك عند الصلاة:
ذكر الحافظ العراقي أنه قد ورد مرفوعاً عند البزار في مسنده من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن العبد إذا تسوك ثم قام يصلي قام الملك خلفه يتسمع لقراءته فيدنو منه أو كلمة نحوها – حتى يضع فاه على فيه فما يخرج من فيه شيء إلا صار في جوف الملك فطهروا أفواهكم للقرآن " ثم قال: رجاله رجال الصحيح إلاّ أن فيه فضيل بن سليمان النميري وهو وإن أخرج له البخاري ووثقه ابن حبان؛ فقد ضعفه الجمهور، وآخر الحديث عند ابن ماجه، من قول علي - إن أفواهكم طرق للقرآن فطيبوها بالسواك، وفيه بحر بن كثير السقا؛ ضعيف جداً وقد رفعه أبو نعيم في الحلية من هذا الوجه [224] .
أقول قد ذكره البيهقي في السنن الكبرى، عن أبي عبد الرحمن السلمي موقوفاً على عليّ رضي الله عنه بلفظ:"أمرنا بالسواك " وقال:"إن العبد إذا قام يصلي أتاه الملك فقام خلفه يسمع القرآن ويدنو فلا يزال يستمع ويدنو، حتى يضع فاه على فيه فلا يقرأ آية إلا كانت في جوف الملك "[225] زاد صاحب كنز العمال بعد هذا: "فطيبوا ما هنالك "[226] .
وذكر صاحب التحفة - نقلاً عن المنذري في الترغيب - عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لأن أصلي ركعتين بسواك أحب إليّ من أن أصلي سبعين ركعة بغير سواك " رواه أبو نعيم في كتاب السواك بإسناد جيد [227] .
كما روى عن جابر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ركعتان بالسواك أفضل من سبعين ركعة بغير سواك " رواه أبو نعيم أيضاً بإسناد صحيح [228] .
وقد ذكر البيهقي في السنن عدداً من الأحاديث بهذا المعنى عن عائشة رضي الله عنها ولم يخل واحد منها من مقال في إسناده [229] .
مدى مشروعية السواك في حقه صلى الله عليه وسلم:
ذهب بعض أهل العلم إلى أن السواك كان واجباً في حقه صلى الله عليه وسلم واستدل بذلك بما رواه أبو داود من حديث عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالوضوء.. الحديث وقد تقدم. وفيه "أمر بالسواك لكل صلاة " قال العراقي: في إسناده محمد بن إسحاق وقد رواه بالعنعنة وهو مدلس. فلا يصلح للإحتجاج به [230] .
وقد دلّ على نفي الوجوب في حقه صلى الله عليه وسلم ما رواه أحمد في مسنده من حديث واثلة ابن الأسقع قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أمرت بالسواك حتى خشيت أن يكتب عليّ " قال العراقي: وإسناده حسن. ومعلوم أن الخصائص لا تثبت إلا بدليل صحيح [231] .
الأوقات التي تتأكد فيها مشروعية السواك:
مشروعية السواك عامة؛ بمعنى أنه يستحب فعله في كل وقت تظهر الحاجة فيه إليه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "السواك مطهرة للفم مرضاة للرب " الحديث. والأحاديث الأخرى التي وردت في الأمر به والحث عليه بصيغة عامة. إلا أنه يتأكد استحبابه في عدة أوقات من أهمها ما يلي:
أ- مشروعيته عند الوضوء وعند الصلاة وقد تقدم بيان ذلك.
ب- عند قراءة القرآن. نظراً لأن الفم طريق للقرآن فينبغي أن ينظف مما به من قذر أو كراهية رائحة كما أنه يقطع البلغم ويزيد في الفصاحة ويساعد على النطق الصحيح للحروف. ويشهد بذلك الحديث السابق: "السواك مطهرة للفهم.. الحديث"[232] .
جـ- عند دخول المنزل لأنه سيتعامل مع أهله ويقترب منهم وربما تأذوا من رائحة فمه وقد أخرج مسلم عن عائشة رضي الله عنها "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل بيته بدأ بالسواك "[233] . ولأبي داود بلفظ "قلت لعائشة: بأي شيء كان يبدأ الرسول صلى الله عليه وسلم إذا دخل بيته؟ قالت: بالسواك "[234] .
د- عند الإستيقاظ من النوم سواء كان ذلك بالليل أم بالنهار؛ نظراً لما يطرأ على الفم من التغير في المدة التي يكون فيها الشخص نائماً بسبب ما يتصاعد من الأمعاء من الأبخرة وبقايا الفضلات المترسبة بين الأسنان. ويتأكد السواك إذا كان القيام بالليل للتهجد لحديث حذيفة عند مسلم قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام ليتهجد يشوص فاه بالسواك"وفي رواية أخرى له:"كان إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك "[235] .
ولأبي داود من حديث عائشة رضي الله عنها:"أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يرقد من ليل أو نهار فيستيقظ إلا يتسوك قبل أن يتوضأ "[236] .
وقد سكت عنه أبو داود. وقال المنذري: في إسناده علي بن زيد بن جدعان ولا يحتج به. ولكن هذا من فضائل الأعمال التي جوز العلماء العمل فيها بالحديث الضعيف.
هـ - عند الإنصراف من صلاة الليل. لما رواه ابن ماجه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما بإسناد صحيح قال:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى بالليل ركعتين ركعتين ثم ينصرف فيستاك "[237] .
أقول: ربما كان هذا عند إرادته النوم بعد الصلاة لأن كثرة القراءة والحديث تغير رائحة الفم، فإذا أراد أن ينام أحب أن يطهر الفم من الرائحة المتغيرة ومما تجمع على الأسنان من اصفرار أو تغير أو غير ذلك ويشهد لذلك حديث ابن عباس عند أبي داود ومسلم والنسائي. واللفظ لأبي داود قال:"بت ليلة عند النبي صلى الله عليه وسلم فلما استيقظ من منامه أتى طهوره فأخذ سواكه فاستاك ثم تلا هذه الآيات {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآياتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ} [238] حتى قارب أن يختم السورة أو ختمها ثم توضأ فأتى مصلاه وصلى ركعتين ثم رجع إلى فراشه فنام ثم استيقظ ففعل مثل ذلك كل ذلك يستاك ويلي ركعتين ثم أوتر "[239] .
وقد جاء ذلك صريحاً في حديث جابر عند ابن عدي في الكامل:"أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستاك إذا أخذ مضجعه "قال العراقي - بعد ذكره لهذا الحديث - في إسناده؛ حرام بن عثمان وهو متروك [240] .
وبالجملة فإن السواك يتأكد عند تغير في رائحة الفم أو تلون الأسنان بالإصفرار. فإذا شعر المرء بتغير في لون أسنانه أو رائحة فمه فإنه يستحب له الإستياك وقد ذكر العلماء عدداً من الحالات التي يكثر فيها التغير المذكور منها؛ الأكل، وعدم الأكل لمدة طويلة وبعد شراب حلو. وبعد كثرة قراءة أو حديث وعدم الكلام لمدة طويلة وقد استحب بعضهم بين كل ركعتين من صلاة الليل، ويوم الجمعة، وقبل النوم وبعد الوتر، وعند الأكل، وعند الإستيقاظ من النوم، وقد وردت أكثر هذه الحالات في السنة وقد أشرنا إلى بعضها فيما تقدم [241] والله أعلم.
مدى مشروعية السواك للصائم:
قال جمهور أهل العلم بمشروعية السواك لكل صلاة، أو عند كل وضوء حسبما بينا سابقاً سواءً كان المرء مفطراً أو صائماً.
والمشهور من مذهب الشافعية: أنه يكره للصائم الإستياك من بعد الزوال إلى غروب الشمس وقال الحنابلة بنفي استحبابه للصائم من بعد الزوال إلى غروب الشمس كذلك. وهل يكره عندهم؛ فيه روايتان بالكراهة وعدمها، كما نفى استحبابه للصائم بعد الزوال كل من إسحاق وأبي ثور.
وقد استدل الجمهور أولاً: بعموم الأحاديث الصحيحة الواردة في الحث على السواك عند كل صلاة، وعند كل وضوء، وكلما دخل بيته.. إلى غير ذلك.
وثانياً: بقوله صلى الله عليه وسلم عند ابن ماجه - "من خير خصال الصائم السواك "، وبما قاله عامر بن ربيعة:"رأيت النبي صلى الله عليه وسلم ما لا أحصي يتسوك وهو صائم "، قال الترمذي عنه: هذا حديث حسن [242] .
وثالثاً: نقل هذا القول عن عدد من الصحابة والتابعين منهم: عمر وعائشة وابن عباس وعروة وابن سيرين والنخعي [243] .
أما الفريق الآخر فقد استدل أولاً بحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك " قال الترمذي: هذا حديث حسن [244] وإزالة المستطاب مكروه كدم الشهيد وشعث الإحرام [245] .
وثانياً: بما نقل عن عمر رضي الله عنه من قوله:"يستاك ما بينه وبين الظهر ولا يستاك بعد ذلك"، ونقل هذا القول أيضاً عن عطاء ومجاهد [246] وللفريقين أدلة أخرى غير ما ذكرناه ولكنها ضعيفة.
والمختار هو مشروعية السواك للصائم والمفطر أول النهار وآخره لأن بعض أدلتهم نص في الموضوع بخلاف حديث أبي هريرة فإنه ليس نصاً فيه بل غاية ما يفيده استحباب عدم تغير رائحة فم الصائم المستطابة عند الله تعالى. والواقع أن رائحة المنبعثة من فم الصائم لا يزيلها السواك؛ لأنها ناتجة عن خلو المعدة وعمل السواك مقصور على إزالة الرائحة الطارئة على الفم.
وقد نقل صاحب التحفة ما رواه الطبراني عن عبد الرحمن بن غنم قال:"سألت معاذ بن جبل: أتسوك وأنا صائم؟ قال: نعم. قلت: أي النهار أتسوك؟ قال: أي النهار شئت غدوة وعشية. قلت: إن الناس يكرهون عشية ويقولون: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك "؟ فقال سبحان الله. لقد أمرهم بالسواك وهو يعلم أنه لا بد بقي للصائم خلوف وإن استاك. وما خار [247] الذي يأمرهم أن ينتنوا أفواههم عمداً، ما في ذلك من الخير شيء بل فيه شرّ إلا من ابتلى ببلاء منه بداً انتهى.."ثم نقل عن الحافظ في التلخيص الحبير: أن إسناد هذا الأثر جيد [248] .
الخصلة الخامسة من خصال الفطرة: المضمضة:
المضمضة: إدخال الماء في الفم وإدارته فيه وطرحه. وقد أكثر الفقهاء: إن سنة المضمضة تتحقق بمجرد إدخال الماء في الفم أما إدارة الماء في الفم فهي سنة المبالغة في المضمضة وعلى هذا يكون المراد من المضمضة - إذا أطلقت في الوضوء - أمرين: إدخال الماء في الفم، ومجه فيه. وقال البعض: إن المضمضة هي إدخال الماء في الفم ومجه ولا تتحقق المضمضة إلا بذلك وعلى أي حال فالخلاف لفظي بين الفريقين [249] .
حكم المضمضة:
يرى الحنابلة: أن المضمضة واجبة لأنها تابعة للوجه وغسل الوجه واجب وذلك في الوضوء والغسل. وحكى هذا القول عن ابن المبارك وابن أبي ليلى وإسحاق.
وقال مالك والشافعي:"المضمضة سنة في كل من الوضوء والغسل "وروى هذا عن الحسن والحكم وحماد وقتادة وهناك رواية عن أحمد بن حنبل بأن المضمضة سنة في الوضوء واجبة في الغسل.
وقال الحنفية والثوري:" المضمضة سنة في الوضوء واجبة في الغسل "[250] وقد استدل من ذلك قال بسنية المضمضة بعدد من الأدلة من أهمها ما يلي:
1-
ثبوت مواظبته صلى الله عليه وسلم عليها برواية اثنين وعشرين صحابياً وقد عدد صاحب فتح القدير أسماء الصحابة الذين رووا هذه الأحاديث والكتب التي أخرجتها [251] .
2-
قال تعالى: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} الآية [252] والوجه عند العرب ما حصلت به المواجهة، وداخل الفم عضو باطن لأنه لم تحصل به المواجهة.
3-
كما احتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم للأعرابي: "توضأ كما أمرك الله ". وموضع الدلالة أن الذي أمر الله به غسل الوجه - وهو ما حصلت به المواجهة دون باطن الفم كما أشرنا لذلك فيما سبق.
قال النووي:"هذا الدليل - مشيراً إلى هذا الحديث - من أحسن الأدلة.. لأن هذا الأعرابي صلى ثلاث مرات فلم يحسنها فعلم النبي صلى الله عليه وسلم حينئذ أنه لا يعرف الصلاة التي تفعل بحضرة الناس وتشاهد أعمالها. فعلّمه واجباتها وواجبات الوضوء؛ فقال له:"توضأ كما أمرك الله " ولم يذكر سنن الصلاة والوضوء لئلا يكثر عليه فلا يضبطها، فلو كانت المضمضة واجبة لأعلمه بها فإنه مما يخفى، لاسيما في حق هذا الرجل الذي خفيت عليه الصلاة التي تشاهد فكيف الوضوء الذي يخفى [253] .
أما الحنابلة ومن معهم فقد احتجوا على وجوب المضمضة بعدد من الأدلة أهمها ما يلي:
1-
إن الفم من الوجه والوجه غسله واجب [254] .
وقد نوقش هذا الإستدلال: بأن الفم وإن كان جزءاً من الوجه إلا أنه جزء باطن منفصل عنه بدليل أن له عبادة مستقلة وهي المضمضة ولم يشترك مع الوجه في آداب العبادة الخاصة به.
2-
كما احتجوا أيضاً بقوله صلى الله عليه وسلم المضمضة والإستنشاق من الوضوء الذي لا بد منه من حديث السيدة عائشة رضي الله عنها وأخرجه الدارقطني في سننه [255] .
والوجه الثاني: إنه لو صح فإنه يحمل على كمال الوضوء [256] للجمع بين الأدلة.
3-
كل من وصف وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر فيه المضمضة ومداومته صلى الله عليه وسلم عليها دليل على وجوبها لأن فعله يصلح أن يكون بياناً وتفصيلاً للوضوء المأمور به في كتاب الله تعالى [257] .
ونوقش هذا الإستدلال بأن مجرد المواظبة لا تصلح دليلاً على الوجوب إلا إذا حفّت بها قرائن تفيد أن هذا الفعل مطلوب على سبيل الحتم والإلزام وقد واظب صلى الله عليه وسلم على غسل الكفين في ابتداء الوضوء ولم يقل أحد إن غسلهما واجب [258] .
كما احتج للحنفية ومن معهم على وجوب المضمضة في الغسل دون الوضوء بعدد من الأدلة من أهمها ما يلي:
1-
حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم " تحت كل شعرة جنابة؛ فاغسلوا الشعر وأنقوا البشرة " وبما أن للفم بشرة فيجب غسله [259] .
وقد أجيب عن هذا الإستدلال: أولاً: بأن هذا الحديث ضعيف لأنه من رواية الحارث بن وجيه وهو ضعيف منكر الحديث. ويجاب عنه ثانياً: بما قاله الخطابي:"من أن البشرة عند أهل اللغة ظاهر الجلد.. وداخل الفم ليس من البشرة كما يجاب "ثالثاً: بأنه على فرض صحته، فإنه يحمل على الإستحباب جمعاً بين الأدلة [260] .
2-
كما احتج لهم أيضاً بحديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم "أنه جعل المضمضة والإستنشاق ثلاثاً للجنب فريضة "[261] .
وقد أجيب عنه: بأنه ضعيف وعلى فرض صحته فإنه يحمل على الإستحباب جمعاً بين الأدلة.
3-
كما احتج لهم ثالثاً: بحديث علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من ترك موضع شعرة من الجنابة لم يغسلها فعل به كذا وكذا من النار "، قال علي رضي الله عنه: فمن ثم عاديت رأسي وكان يجز شعره ".. حديث حسن. رواه أبو داود وغيره بإسناد حسن [262] فترك جزء ولو يسير ولو كان بمقدار موضع شعرة استحق هذا الوعيد الشديد.
وقد أجيب عنه بأنه محمول على الشعر الظاهر جمعاً بين الأدلة ويدل قول عليّ رضي الله عنه: "فمن ثم عاديت رأسي "[263] .
لذلك ترجح القول بأن المضمضة سنة مؤكدة في الوضوء والغسل.
ويستحب أخذ الماء للمضمضة باليد اليمنى لما جاء في حديث عثمان رضي الله عنه، في صفة وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم "إنه أخذ الماء للمضمضة بيمينه "رواه البخاري ومسلم [264] .
الجمع بين المضمضة والإستنشاق:
ذهب عدد من أهل العلم إلى الجمع بين المضمضة والإستنشاق من كف واحدة وقالوا: إنه السنة وينبغي المصير إليه. واستندوا في ذلك إلى جملة من الأحاديث: من بينها ما يلي:
أ- حديث ابن عباس رضي الله عنهما: "أنه صلى الله عليه وسلم توضأ فغسل وجهه ثم أخذ غرفة من ماء فمضمض بها واستنشق "[265] .
ب- حديث عبد الله بن زيد:"رأيت النبي صلى الله عليه وسلم مضمض واستنشق من كف واحد فعل ذلك ثلاثاً "[266] .
ونوقش هذا ال إستدلال: بأنه يحتمل أنه تمضمض واستنشق بكف واحد بماء واحد ويحتمل أنه فعل ذلك بكف واحدة بمياه. والمحتمل لا تقوم به حجة.
ويعقب على هذه المناقشة: بأن هذا الإحتمال قد يرد على حديث عبد الله بن زيد لكن يبعد وروده على حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
وذهب فريق آخر إلى الفصل بين المضمضة والإستنشاق لأنه أبلغ في التنظيف. واستدل بعدد من الأحاديث من بينها ما يلي:
أ- حديث طلحة عن أبيه عن جده قال:" دخلت يعني على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتوضأ والماء يسيل من وجهه ولحيته على صدره. فرأيته يفصل بين المضمضة والإستنشاق ". أخرجه أبو داود وسكت عنه [267] .
وقد اختلف المحدثون في جد طلحة: هل كانت له صحبة أم لا. قال يحي ابن معين:"المحدثون يقولون قد رآه، وأهل بيت طلحة يقولون ليست له صحبة "، وأنكره يحي القطان وابن عيينة [268] .
ب- ولأبي داود أيضاً عن طريق ابن أبي مليكة عن عثمان، أنه رآه دعا بماء بميْضأة فأصفاها على يده اليمنى ثم أدخلها في الماء فتمضمض ثلاثاً واستنثر ثلاثاً - الحديث - ثم قال:"أين السائلون عن الوضوء؟ هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ "[269] .
جـ- وللترمذي عن أبي حية قال:" رأيت علياً توضأ فغسل كفيه حتى أنقاهما ثم مضمض ثلاثاً واستنشق ثلاثاً.. وقال في نهايته: أحببت أن أريكم كيف كان طهور رسول الله صلى الله عليه وسلم "قال الترمذي:"هذا حديث حسن صحيح "[270] .
وقد نوقشت كل هذه الإستدلالات، بأنها وإن كانت قوية لكن أحاديث الجمع أقوى منها فهي أولى بالإتباع.
والواقع أن هذا الخلاف ليس وارداً في بيان الجواز؛ فالمضمضة والإستنشاق يصحان سواء بالجمع بينهما في كف واحدة بالفصل بينهما. ولكن الخلاف حاصل في الأفضلية.
واختار عدد من العلماء أن التعدد في الكيفية محمول على الخيار بين الأمرين قال البدر العيني: "الأحسن أن يقال: إن كل ما روى من ذلك، في هذا الباب محمول على الجواز "[271] وهو المختار.. والله أعلم.
ويسن تثليث المضمضة؛ لأن أكثر الأحاديث الواردة في وصف وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءت بالتثليث. وقد وردت قليلاً بمرّة أو مرتين لبيان الجواز. كما تستحب المضمضة بعد تناول أي شيء يترك أثراً في الفم لحديث ابن عباس "أن النبي صلى الله عليه وسلم شرب لبناً فدعا بماء فمضمض، وقال: "إن له دسماً " [272] .
الخصلتان السادسة والسابعة: الإستنشاق والإستنثار:
وقد ورد كل من الإستنشاق والإستنثار في كثير من الأحاديث التي حكت وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم. كما جاء الأمر بها في عدد آخر:
من ذلك في مسلم من حديث عبد الله بن زيد: "فمضمض واستنشق واستنثر من ثلاث غرفات"[273] . ومنها حديث أبي هريرة عند مسلم أيضاً: "إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم لينثر"[274] .
معنى الإستنشاق والإستنثار لغة:
جاء في لسان العرب: يستنشق في وضوئه: أي يبلغ الماء خياشيمه وهو من استنشاق لريح إذا شممتها مع قوة وانتشق الماء في أنفه واستنشقه: صبّه فيه.
وأما الإستنثار: فقد حكى عن ابن الأعرابي:"أنه الإستنشاق ". وقال ابن الأثير:" نثر ينثر بالكسر: إذا امتخط. واستنثر: استفعل منه: أي استنشق الماء ثم استخرج ما في الأنف بالنفس "[275] .
وقد نقل العراقي عن ابن عبد البر قوله في التمهيد:"إن الإنتثار: دفع الماء بريح الأنف ثم قال: وقد روى ابن القيم وابن وهب عن مالك: قال: الإستنثار أن يجعل يده على أنفه ويستنثر. قيل لمالك: أيستنثر من غير أن يضع يده على أنفه؟ فأنكر ذلك وقال: إنما يفعل ذلك الحمار"[276] .
وإذا علم أن وضع اليد على الأنف في حالة الإنتثار مطلوب للمساعدة على كمال الفعل؛ فالأفضل أن تستعمل اليد اليسرى في ذلك. وقد جاء في الحديث الصحيح "كانت يده صلى الله عليه وسلم اليسرى لخلائه وما كان من أذى "[277] كما روى البيهقي بإسناده الصحيح عن عليّ رضي الله عنه في صفة وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم ".. فأدخل يده في الإناء فملأ فمه فتمضمض واستنشق ونثر بيده اليسرى يفعل ذلك ثلاثا "[278] .
وقد ترجم النسائي لذلك فقال: بأي اليدين يستنثر؟ ثم ذكر حديث علي السابق مختصراً. وقال في آخره:"هذا طهور نبي الله صلى الله عليه وسلم "[279] .
أما الإستنشاق فيكون باليد اليمنى كالمضمضة؛ فقد جاء في حديث عثمان رصي الله عنه: ".. ثم أدخل يمينه في الوضوء فتمضمض واستنشق.. ثم قال في آخره: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ نحو وضوئي هذا "[280] .
حكم الإستنشاق والإستنثار:
الإستنشاق والإستنثار كل منهما سنة عند جمهور الفقهاء محتجين بنفس الأدلة السابقة لهم في المضمضة.
وذهب أحمد بن حنبل إلى أن الإستنشاق فرض في الوضوء والغسل للأحاديث الصحيحة الواردة فيهما بصيغة الأمر: من ذلك: حديث أبي هريرة عند البخاري: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه الماء ثم لينثر.." الحديث [281] .. وعند مسلم من حديث أبي هريرة: " إذا توضأ أحدكم فليستنشق بمنخريه من الماء ثم لينتثر" [282] والأمر يقتضي الوجوب. هذا من جهة ومن جهة أخرى: فإن الأنف يستمر مفتوحاً وليس له غطاء يستره بخلاف الفم. لذلك كان القول بوجوب الإستنشاق والإستنثار دون المضمضة هذا على إحدى الروايتين عند الحنابلة أما الرواية الأخرى فهي على وجوب كل من المضمضة والإستنشاق والإستنثار. وقد تقدم الكلام على المضمضة [283] .
وذهب الظاهرية إلى أن الإستنشاق والإستنثار: فرضان في الوضوء وليسا كذلك في غسل الجنابة. وقد نسب ابن حزم هذا الرأي لأحمد بن حنبل. وليس كذلك، فمذهب أحمد - كما أسلفنا- يذهب إلى الوجوب في الوضوء والغسل. وقد اتفق مع أحمد بن حنبل في ذلك: أبو عبيد وأبو ثور وابن المنذر وابن أبي ليلى وإسحاق [284] .
وقد حكى ابن حزم الأمر بوجوب الإستنشاق والإستنثار عن جماعة من السلف: فروى عن علي بن أبي طالب قوله:"إذا توضأت فانتثر فأذهب ما في المنخرين من الخبث ". وعن شعبة:"قال حماد بن أبي سليمان فيمن نسي أن يمضمض أو يستنشق؟ قال: يستقبل ". وعن شعبة أيضاً عن الحكم بن عتيبة فيمن صلى وقد نسي أن يمضمض يستنشق؟ قال:"أحب إليّ أن يعيد - يعنى الصلاة- "وعن وكيع عن سفيان الثوري عن مجاهد:"الإستنشاق شطر الوضوء ". وروى عن حماد بن أبي سليمان وبن أبي ليلى قالا جميعاً:"إذا نسي المضمضة والإستنشاق في الوضوء أعاد "- يعنون الصلاة- وعن الزهري:"من نسي المضمضة والإستنشاق في الوضوء أعاد "- يعني الصلاة. ثم قال:"وشغب قوم: بأن الإستنشاق والإستنثار ليسا مذكورين في القرآن وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تتم صلاة أحدكم حتى يتوضأ كما أمره الله تعالى؟.. "ثم رد على ذلك بقوله: وهذا لا حجة لهم فيه؛ لأن الله تعالى يقول: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} الآية [285] . فكلما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالله تعالى أمر به "[286] .
وذهب أبو حنيفة وأصحابه والثوري إلى أن الإستنشاق واجب في الطهارة الكبرى دون الصغرى.
وقد تقدمت أدلة القائلين بالوجوب كما تقدمت مناقشتها. ويمكن تلخيصها فيما يلي: أن الأمر الوارد فيها يحمل على الندب لحديث الترمذي الذي رواه محسناً والحاكم مصححاً من قوله صلى الله عليه وسلم للأعرابي:"توضأ كما أمرك الله تعالى ". فأحاله على الآية وليس فيها ذكر الإستنشاق، ولأنه قد ورد الأمر بالإستنثار ومع ذلك لم يقل أحد بوجوبه غير الظاهرية.، رواية عن أحمد ولا يعتد برأيهم في القول بوجوبه لمخالفتهم الإجماع. أما الاحتجاج بمواظبته صلى الله عليه وسلم على الاستنشاق فلا يصلح دليلا على وجوبه لأنه صلى الله عليه وسلم قد واظب على غسل الكفين قبل إدخالهما في الإناء في الوضوء وعلى الإستنثار ومع ذلك فهما من سنن الوضوء عند غالبية الفقهاء. وأما ما نقل عن الفقهاء في طلب إعادة الصلاة ممن نسي المضمضة والإستنشاق، فيحمل على إعادتها ندباً ويؤيده التعبير بلفظ: أحبّ إلى.
أما تفرقة أبي حنيفة ومن معه بين الوضوء والغسل في حكم الإستنشاق: فقد تم بيان أدلتهم؟ مناقشتها في مناسبة الكلام على المضمضة فلا داعي لإعادتها [287] .
الحكمة من الإستنشاق والإستنثار:
أ- إزالة آثار الشيطان الذي يبيت على خياشيم المرء لما جاء في مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إذا استيقظ أحدكم من منامه فليستنثر ثلاث مرات. فإن الشيطان يبيت على خياشيمه "[288] .
وقد حمل بعض العلماء الحديث على الحقيقة: بمعنى أن الشيطان يبيت حقيقة على الخياشيم، والخياشيم جمع خيشوم وهو أعلى الأنف.
وحمله آخرون على الإستعارة: لأن ما ينعقد من الغبار ورطوبة الخياشيم: قذارة توافق الشيطان. قال صاحب المفهم:"وهذا على عادة العرب في نسبتهم المستخبث والمستبشع إلى الشيطان.."
وحمله فريق ثالث: على الأثر المرتب على مبيت الشيطان.. وهو تكسيله عن القيام للصلاة فيكون معناه متوافقاً مع معنى الحديث الآخر:"يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم ثلاث عقد.. الحديث"[289]
ب- تنظيف الأنف مما يعلق به ليساعد على حسن القراءة ولتنقية مجرى النفس الذي تكون به التلاوة وتصح معه مخارج الحروف.
جـ- فيهما فائدة صحية هامة: فإنما يفرزه الأنف من مادة لزجة مع الغبار الذي يتجمع على شعيرات الأنف يعتبر تربة خصبة لتكاثر الجراثيم التي ما تفتأ تفتك بصحة المرء. فالمواظبة على تنظيفه عدة مرات في اليوم- يعتبر وقاية له.
د- قال بعض العلماء: الحكمة من المضمضة والإستنشاق وتقديمهما مع غسل الكفين على الأفعال الواجبة في الوضوء: حتى يعرف المتوضئ بذلك أوصاف الماء الثلاثة: هي الرائحة والطعم واللون. وهل هو متغير أم لا. قال العراقي: بعد حكاية هذا القول:"هذا وإن كان محتملاً فإنه لا دليل عليه، والعلة المنصوصة في الإستنشاق- يشير بذلك إلى الحكمة الأولى الواردة في حديث أبي هريرة- أولى "[290] .
--------------------------------------------------------------------------------
[1]
ج1 ص152، 153: دار التحرير بالقاهرة، ورواه البخاري في صحيحه ج12 ص458 من فتح الباري: مصطفى الحلبي بالقاهرة وأبي داود ج1 ص79 من عون المعبود: المجد بالقاهرة، وابن ماجه ج1 ص125 الطبعة الثانية دار الفكر، والترمذي ج8 ص38 من تحفة الأحوذي؛ المدني بالقاهرة.
[2]
صحيح مسلم ج1 ص153 وسنن الترمذي ج8 ص38 من التحفة وسنن أبي داود ج1 ص81 من العون وابن ماجه ج1 ص126.
[3]
انظر عون المعبود ج1 ص81، 82.
[4]
انظر سنن ابن ماجه ج1 ص126
[5]
فتح الباري ج12 ص456.
[6]
طرح التثريب شرح التقريب ج2 ص72 وانظر أيضاً تحفة الأحوذي ج8 ص33 والنسائي ج1 ص17 مطبعة الحلبي.
[7]
سنن النسائي ج8 ص110، ص111 طبعة مصطفى الحلبي.
[8]
تحفة الأحوذي ج8 ص38 وترجمة: مصعب بن شيبة بن ج بير بن شيبة بن عفان ابن أبي طلحة.. العبدري المكي الحجي في تهذيب التهذيب ج1 ص162 وانظر أيضاً سنن النسائي ج8 ص110، ص111 مطبعة الحلبي.
[9]
النسائي ج8 ص111 مطبعة مصطفى الحلبي.
[10]
المرجع السابق.
[11]
انظر عون المعبود ج1 ص82 وسنن ابن ماجه ج1 ص126.
[12]
انظر زهر الربى على المجتبى – سنن النسائي ج8 ص113 مطبعة مصطفى الحلبي.
[13]
انظر المرجع السابق.
[14]
انظر مسند الترمذي ج8 ص38 من تحفة الأحوذي.
[15]
انظر تحفة الأحوذي ج8 ص38 وتهذيب التهذيب ج10 ص162.
[16]
عون المعبود ج1 ص82 وابن ماجه ج1 ص126 وتحفة الأحوذي ج10 ص38.
[17]
عون المعبود ج1 ص82.
[18]
طرح التثريب ج2 ص84 والتاريخ الكبير للبخاري ج4 ص77.
[19]
انظر عون المعبود ج1 ص285، 286.
[20]
المرجع السابق.
[21]
مجمع الزوائد للهيثمى ج1 ص241، 242 الطبعة الثانية
[22]
سنن ابن ماجه ج1 ص172.
[23]
ابن ماجه ج1 ص33 وتحفة الأحوذي ج1 ص168.
[24]
بسنن الترمذي ج1 ص169 من تحفة الأحوذي.
[25]
سنن ابن ماجه ج1 ص173.
[26]
من تعليق السندي على سنن ابن ماجه ج1 ص173.
[27]
عون المعبود ج1 ص287.
[28]
سورة البقرة الآية رقم 124.
[29]
عون المعبود ج1 ص83.
[30]
فتح الباري ج12 ص456.
[31]
صحيح البخاري ج7 ص209 طبعة ص ب يح بالقاهرة والنسائي ج8 ص184 إحياء التراث وابن ماجه ج2 ص383.
[32]
النسائي ج8 ص160 وابن ماجه ج2 ص383.
[33]
انظر سنن ابن ماجه ج2 ص383. بتصرف
[34]
صحيح البخاري ج7 ص209 مطبعة صبيح بالقاهرة.
[35]
صحيح مسلم ج3 ص3 طبعة دار التحرير بالقاهرة.
[36]
صحيح البخاري ج2 ص3 طبعة صبيح بالقاهرة.
[37]
صحيح مسلم ج3 ص3 والبخاري ج2 ص3.
[38]
صحيح البخاري ج1 ص58 مطبعة صبيح بالقاهرة.
[39]
صحيح مسلم ج1 ص146.
[40]
صحيح مسلم ج1 ص146.
[41]
المرجع السابق ج1 ص 7 14
[42]
فتح الب اري ج12 ص456 وشرح الزرقاني على الموطأ ج4 ص285.
[43]
فتح الباري ج12 ص458.
[44]
طرح التثريب ج2 ص74.
[45]
فتح الباري ج2 ص456.
[46]
المرجع السابق ج12 ص456.
[47]
صحيح البخاري ج12 ص470 من فتح الباري والنسائي ج1 ص15 إحياء التراث.
[48]
المرجع السابق وطرح التثريب ج2 ص74.
[49]
طرح التثريب ج2 ص74 وفتح الباري ج2 ص470.
[50]
ج1 ص210 والسنة: الصورة يقال: ما أحسن سنة وجهه. وقيل: سنة الخد صفحته.. والقمة: شخص الإنسان قائما ً أو راكباً. يقال: إنه لحسن القمة على الر ح ل. ونظر أعرابي إلى دينار فقال: ما أصغر قيمتك وأكبر همتك. والجملاء: وهي فعلاء التي لا أفعل لها. كريمة هطلاء. انظر نفس المرجع.
[51]
الحديث في مسند أحمد ج19 ص 71 من ترتيب المسند للساعاتي.
[52]
مجمع الزوائد للهيثمي ج1 ص178 الطبعة الثانية.
[53]
الموافقات ج4 ص74 المكتبة التجارية بأول شارع محمد علي بالقاهرة.
[54]
أنظر المسألة بطولها في الموافقات للشاطبي ج4 من ص74 إلى ص80، والحديثان عند أبي داود. الأول ج12 ص360 من عون المعبود والثاني ج12 ص340 ولفظه عنده.. " وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة " وليس فيه قوله "كلها.."الخ، وفي لفظ آخر عنده من رواية معاوية ابن أبي سفيان "وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة وهي الجماعة.. " الحديث ج12 ص342.
[55]
الموطأ ج1 ص92 قال ابن عبد البر: لا أعلم هذا الحديث مسنداً ولا مقطوعاً من غير هذا الوجه.. ومعناه صحيح في الأصول انظر تنوير الحوالك على موطأ مالك ج1 ص92 الطبعة الأخيرة مطبعة مصطفى الحلبي.
[56]
سورة الأحزاب الآية رقم 62.
[57]
لسان العرب لابن منظور مادة سنة بتصرف والفائق غريب الحديث. مادة سنة.
[58]
سورة الأنعام الآية رقم 79.
[59]
سورة تبارك الذي بيده الملك: الآية رقم3.
[60]
نيل الأوطار ج4 ص202.
[61]
سورة الزخرف الآية 27.
[62]
سورة يس الآية 22.
[63]
لسان العرب مادة فطر.
[64]
النهاية في غريب الحديث ج3 ص457 مادة فطر.
[65]
لسان العرب. مادة فطر.
[66]
سورة فاطر الآية رقم 1.
[67]
انظر المرجع السابق وانظر أيضاً القاموس للفيروز أبادي ج2 ص114 مادة فطر.
[68]
سورة الأنعام الآية رقم 90.
[69]
سورة البقرة الآية 124.
[70]
سورة البقرة الآية رقم 124.
[71]
سورة النحل الآية رقم 123.
[72]
عون المعبود ج1 ص79، 80.
[73]
طرح التثريب ج1 ص72.
[74]
المرجع السابق.
[75]
فتح الباري ج12 ص459.
[76]
فتح الباري ج12 ص460.
[77]
سورة الشورى الآية رقم 13.
[78]
فتح الباري ج12 ص456.
[79]
طرح التثريب ج2 ص72، 73.
[80]
المرجع السابق.
[81]
فتح الباري ج12 ص456.
[82]
سورة الأنعام الآية رقم 90.
[83]
سورة التغابن الآية رقم 3.
[84]
قد أشار كل من الحافظ العراقي والحافظ بن حجر إلى بعض هذه المعاني. طرح التثريب ج2 ص73 والفتح ج12 ص458.
[85]
صحيح مسلم ج1 ص152.
[86]
سنن ابن ماجه ج1 ص126.
[87]
عمدة القارئ ج22 ص45.
[88]
لسان العرب ج8 ص369 حرف الصاد فصل النون.
[89]
عمدة القارئ ج22 ص45 والنهاية لابن الأثير ج5 ص97 مادة: نقص.
[90]
عمدة القارئ ج1 ص716 طبعة قديمة غير مؤرخة وغير مشار إلى الجهة التي تولت الطبع.
[91]
لسان العرب ج2 ص178 حرف الياء فصل النون.
[92]
النهاية ج5 ص178 مادة نجا.
[93]
لسان العرب ج20 ص 8 17 حرف الياء فصل النون.
[94]
الشرح الصغير ج1 ص96 وفتح القدير ج1 ص212 والمجموع للنووي ج2 ص98 والمراد بالغير: الحصى والدود ونحوهما إذا خرجا من السبيلين.
[95]
صحيح مسلم ج1 ص156 وصحيح البخاري ج2 ص292.
[96]
صحيح مسلم ج1 ص156. والسدرة: الشجرة.
[97]
انظر العيني – عمدة القارئ ج1 ص287.
[98]
العيني – عمدة القارئ ج1 ص 287.
[99]
فقه الإمام سعيد مطبوعات ديوان أوقاف العراق ج1 ص49.
[100]
تحفة الأحوذي ج1 ص95.
[101]
فتح الباري ج1 ص261. وهذا القول منسوب إلى الأصيلي حيث تعقب البخاري استدلالا ً له بهذا الحديث على الإ ستنجاء بالماء وقال: لأن قوله: يستنجي به ليست التيمم..
[102]
فتح الباري ج1 ص262.
[103]
المغنى ج1 ص119.
[104]
المدونة الكبرى ج1 ص8.
[105]
المرجع السابق ج1 ص8.
[106]
الشرح الصغير ج1 ص97.
[107]
المنتقى شرح الموطأ ج1 ص73.
[108]
فقه الإمام سعيد ج1 ص50.
[109]
فتح الباري ج1 ص261، 262.
[110]
تحفة الأحوذي ج1 ص93.
[111]
سورة التوبة الآية رقم 108.
[112]
مجمع الزوائد ج1 ص212.
[113]
التاريخ الكبير ل لبخاري ج1 ص 0 4.
[114]
ج2 ص396.
[115]
ميزان الإ عتدال للذهبي ج3 ص468.
[116]
مجمع الزوائد ج1 ص212.
[117]
المجموع ج2 ص103.
[118]
الموطأ ج1 ص33.
[119]
عون المعبود ج1 ص 61، 62.
[120]
عمدة القارئ ج2 ص301.
[121]
عمدة القارئ ج2 ص300 فتح القدير ص212 مصطفى الحلبي.
[122]
المجموع ج2 ص103.
[123]
المرجع السابق.
[124]
المجموع ج2 ص103.
[125]
في لسان العرب: الثلط هو سلح الفيل ونحوه من كل شيء إذا كان رقيقاً.
[126]
أقرب المسالك على مذهب مالك ج1 ص98 – المغني ج1 ص114، 115 – وفتح القدير ج1 ص215.
[127]
أقرب المسالك ج1 ص98.
[128]
عمدة القارئ ج3 ص245 وأبي داود ج1 ص372 من عون المعبود.
[129]
عمدة القارئ ج3 ص245.
[130]
عمدة القارئ ج3 ص245.
[131]
أقرب المسالك ج1 ص98.
[132]
المرجع السابق ج1 ص98 والمغني ج1 ص118.
[133]
تحفة الأحوذي ج1 ص372.
[134]
عون المعبود ج1 ص360.
[135]
عون المعبود ج1 ص360.
[136]
المرجع السابق.
[137]
فتح القدير ج1 ص192 ص215.
[138]
سورة المائدة الآية رقم 6.
[139]
انظر أدلة المخالفين والرد عليهم ج1 ص120، ص121.
[140]
أقرب المسالك ج1 ص97، فتح القدير ج1 ص213، المغني ج1 ص119.
[141]
عمدة القارئ ج2 ص291، ص292.
[142]
المرجع السابق ج2 ص 290.
[143]
عون المعبود ج1 ص55.
[144]
فتح القدير ج1 ص215 ومغني المحتاج ج1 ص41، وأقرب المسالك ص1 ج91.
[145]
عمدة القارئ ج2 ص294.
[146]
أبو داود انظر عون المعبود ج1 ص54.
[147]
عمدة القارئ ج2 ص296 والمحلى ج1 ص125.
[148]
نيل الأوطار ج1 ص 110.
[149]
مغني المحتاج ج1 ص42، أقرب المسالك ج1 ص96.
[150]
أقرب المسالك ج1 ص96.
[151]
المرجع السابق.
[152]
عون المعبود ج1 ص68 وابن ماجه ج1 ص147.
[153]
الترمذي ج1 ص168 تحفة الأحوذي.
[154]
تحفة الأحوذي ج1 ص168.
[155]
المرجع السابق ج1 ص196.
[156]
عون المعبود ج1 ص285.
[157]
تحفة الأحوذي ج1 ص169.
[158]
السنن الكبرى للبيهقي ج1 ص162 طبعة دار الفكر.
[159]
النهاية في غريب الحديث والأثر ج5 ص69 مادة نضح.
[160]
لسان العرب ج3 ص459 مادة نضح طبعة مصورة عن طبعة بولاق.
[161]
مغني المحتاج ج1 ص46، فتح القدير ج1 ص213، المغني ج1 ص115.
[162]
فتح الباري ج12 ص457، وطرح التثريب ج2 ص84.
[163]
المرجعين السابقين.
[164]
المرجعين السابقين.
[165]
النهاية لابن الأثير ج1 ص113 مادة برجم لسان العرب ج4 ص312 وانظر معهما فتح الباري ج12 ص458.
[166]
حاشية الرهوني عل ى الزرقاني ج1 ص114 تصوير على طبعة المطبعة الأميرية ببولاق 1306. والمصور دار الفكر بيروت.
[167]
المجوع ج1 ص344.
[168]
فتح الباري ج12 ص457.
[169]
تحفة الأحوذي ج8 ص37 المجموع ج1 ص320 دار النصر للطباعة القاهرة.
[170]
المجموع ج1 ص347 مطبعة العاصمة.
[171]
لسان العرب ج12 ص330 صرف الكاف فصل السين.
[172]
السنن الكبرى للبيهقي ج1 ص41 دار الفكر.
[173]
المرجع السابق ج1 ص41.
[174]
السنن الكبرى للبيهقي ج1 ص41.
[175]
التقريب ج1 ص445 الطبعة الثانية.
[176]
المجموع ج1 ص341 مطبعة العاصمة. وحاشية الرهوني على الزرقاني ج1 ص147.
[177]
المجموع ج1 ص341 مطبعة العاصمة.
[178]
المغني ج1 ص72 مطبعة الفجالة.
[179]
المجموع ج1 ص341 مطبعة العاصمة.
[180]
حاشية الرهوني ج1 ص147.
[181]
المرجع السابق.
[182]
طرح التثريب ج2 ص68.
[183]
المرجع السابق.
[184]
المغني ج1 ص72.
[185]
انظر هامش حاشية الرهوني ج1 ص147.
[186]
طرح التثريب ج2 ص68.
[187]
السنن الكبرى للبيهقي ج1 ص40.
[188]
طرح التثريب ج2 ص69.
[189]
السنن الكبرى للبيهقي ج1 ص40.
[190]
طرح التثريب ج2 ص69.
[191]
الجزء الأول في الحديث من رواية مسدد والجزء الثاني منه من رواية سليمان، عون المعبود ج1 ص76.
[192]
[193]
[194]
المجموع ج1 ص340 مطبعة العاصمة.
[195]
عون المعبود ج1 ص78.
[196]
عون المعبود ج1 ص77.
[197]
المرجع السابق.
[198]
طرح التثريب ج2 ص71.
[199]
المغني ج1 ص71.
[200]
طرح التثريب ج2 ص71.
[201]
حاشية الرهوني ص147.
[202]
هامش حاشية الرهوني ج1 ص147 وهو من تعليق المدني على كنون وهما من علماء المالكية.
[203]
المرجع السابق.
[204]
حاشية السندي على شرح السيوطي على سنن النسائي ج1 ص9 دار إحياء التراث بيروت.
[205]
هامش حاشية الرهوني ج1 ص147.
[206]
سنن النسائي ج1 ص10 دار التراث بيروت.
[207]
تحفة الأحوذي ج1 ص108.
[208]
سنن النسائي ج1 ص10 دار إحياء التراث وسنن البيهقي ج1 ص34.
[209]
المجموع ج1 ص330 مطبعة العاصمة.
[210]
طرح التثريب ج2 ص67.
[211]
هامش حاشية الرهوني ج1 ص148.
[212]
المنتقى ج1 ص130 المجموع ج1 ص333 مطبعة العاصمة والمغني ج1 ص71.
[213]
عون المعبود ج1 ص73، ص74.
[214]
ابن ماجه ج1 ص124.
[215]
طرح التثريب ج1 ص63.
[216]
فتح القدير ج1 ص16.
[217]
المغني ج1 ص71.
[218]
المنتقى ج1 ص130.
[219]
المحلى ج2 ص297.
[220]
صحيح مسلم ج1 ص151.
[221]
المنتقى ج1 ص130.
[222]
المغني ج1 ص72 وابن ماجه ج2 ص335.
[223]
تحفة الأحوذي ج1 ص104.
[224]
طرح التثريب ج1 ص66 وسنن ابن ماجه ج1 ص125.
[225]
السنن الكبرى ج1 ص38.
[226]
هامش المرجع السابق.
[227]
تحفة الأحوذي ج1 ص105.
[228]
المرجع السابق.
[229]
السنن الكبرى ج1 ص38.
[230]
طرح التثريب ج2 ص7.
[231]
طرح التثريب ج2 ص70.
[232]
المجموع ج1 ص334 مطبعة العاصمة وطرح التثريب ج1 ص66.
[233]
صحيح مسلم ج1 ص152.
[234]
عون المعبود ج1 ص86.
[235]
صحيح مسلم ج1 ص152.
[236]
عون المعبود ج1 ص84.
[237]
ابن ماجه ج1 ص124.
[238]
سورة آل عمران الآية رقم 190.
[239]
عون المعبود ج1 ص85.
[240]
طرح التثريب ج2 ص66.
[241]
عمدة القارئ ج6 ص182 والمجموع ج1 ص334 مطبعة العاصمة وطرح التثريب ج2 ص66.
[242]
المغني ج1 ص73 تحفة الأحوذي ج3 ص 4 18.
[243]
المغني ج1 ص72، 73.
[244]
وابن ماجه أيضاً ج1 ص502.
[245]
المغني ج1 ص72.
[246]
المغني ج1 ص72 والمجموع ج1 ص334، 335 مطبعة العاصمة.
[247]
في التحفة - وما كار - وليس لها معنى ظاهر وغلب على ظني أنها تحريف من لقط - وما خار - الذي أثبته والله أعلم.
[248]
تحفة الأحوذي ج3 ص419.
[249]
المنتقى ج1 ص34 المجموع ج1 ص404، 405 فتح القدير ج1 ص16.
[250]
المغني ج1 ص85 وفتح القدير ج1 ص16 وحاشية الرهوني ج1 ص124.
[251]
فتح القدير ج1 ص16، 17.
[252]
سورة المائدة الآية رقم 6.
[253]
المجموع ج1 ص411 طبعة العاصمة.
[254]
المغني ج1 ص 88.
[255]
المغني ج1 ص88.
[256]
المجموع ج1 ص411 مطبعة العاصمة. والسنن الكبرى للبيهقي ج1 ص52.
[257]
المغني ج1 ص89.
[258]
المجموع ج1 ص412 مطبعة العاصمة.
[259]
المرجع السابق ج1 ص410.
[260]
المرجع السابق ج1 ص413.
[261]
المرجع السابق ج1 ص410.
[262]
المرجع السابق ج1 ص410 وأيضاً السنن الكبرى ج1 ص175 وعون المعبود ج1 ص412.
[263]
المرجع السابق ج1 ص413.
[264]
صحيح البخاري ج1 ص5 طبعة صبيح بالقاهرة وصحيح مسلم ج1 ص141.
[265]
صحيح البخاري ج1 ص46 طبعة صبيح.
[266]
الترمذي ج1 ص122 ومسلم ص145.
[267]
عون المعبود ج1 ص233 السنن الكبرى للبيهقي ج1 ص51.
[268]
السنن الكبرى للبيهقي ج1 ص51.
[269]
عون المعبود ج1 ص184.
[270]
تحفة الأحوذي ج1 ص164، 165، 166.
[271]
عمدة القارئ ج3 ص9.
[272]
سنن الترمذي ج1 ص296 من تحفة الأحوذي قال الترمذي بعد ذكره هذا حديث حسن صحيح.
[273]
صحيح مسلم ج1 ص145.
[274]
المرجع السابق ج1 ص146.
[275]
لسان العرب ج12 ص231 مادة تشق النهاية ج5 ص15 مادة نثر.
[276]
طرح التثريب ج2 ص54.
[277]
المجموع ج1 ص406 مطبعة العاصمة.
[278]
السنن الكبرى ج1 ص48.
[279]
سنن النسائي ج1 ص67 دار إحياء التراث – بيروت.
[280]
المرجع السابق ج1 ص65.
[281]
عمدة القارئ ج3 ص16 والسنن الكبرى ج1 ص49.
[282]
صحيح مسلم ج1 ص146 والسنن الكبرى ج1 ص49.
[283]
المغني ج1 ص88.
[284]
طرح التثريب ج2 ص53 والمغني ج1 ص88 والمحلى ج2 ص69، 70.
[285]
سورة النساء الآية رقم 80
[286]
المحلى ج2 ص70، 71 دار الإتحاد العربي للطباعة القاهرة.
[287]
فتح القدير ج1 ص16، 17 عمدة القارئ ج1 ص15 وطرح التثريب ج2 ص53.
[288]
صحيح مسلم ج1 ص147.
[289]
الموطأ ج1 ص146 الطبعة الأخيرة مصطفى الحلبي.
[290]
طرح التثريب ج2 ص53 وعمدة القارئ ج1 ص16.
قبسات من أخلاق النبوة
الشيخ محمد المجذوب
سئلت عائشة عن أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت:" كان خلقه القرآن "وتريد بذلك أنه صلى الله عليه وسلم كان في مسلكه الخلقي محققاً لأدب القرآن في كل ما أحبه الله من الصفات العليا، وكمثل من ذلك نذكر أن الله تعالى أمر بالوفاء بالعهد فكان صلى الله عليه وسلم أوفى الناس بعهد، وأمر بالتواضع فكان أكرم الخلق تواضعاً، وأمر بالعبادة فكان أكثر العباد إقبالاً على العبادة، وحث على الشجاعة في الحق فكان أشجع البشر، وحبب للمؤمنين الصفح والعفو فكان صلى الله عليه وسلم أعفى الخلق وأصفحهم، وحض على الرحمة والبر فلا يعرف من يدانيه رحمة وبراً..
وهكذا نعلم أنه صلى الله عليه وسلم كان يمثل سلوكه الكامل أكرم الأخلاق التي رغب الله فيها عباده الصالحين.. حتى كان صلى الله عليه وسلم يقول:"إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق "فهنا يجعل تثبيت الفضائل الخلقية بمثابة الهدف الأعلى لرسالته صلوات الله وسلامه عليه.
لمحة عن شجاعته:
كان صلى الله عليه وسلم مثلاً أعلى في الشجاعة، قد تجلت شجاعته في الناحيتين المعنوية والحسية على السواء، ولكي ندرك مبلغ شجاعته المعنوية نتذكر أنه قد وقف بدعوته الربانية في وجه العالم، إذ كان العالم قد انصرف كله عن طريق الله وغرق في بحر من المعاصي والآثام والشرك، فثبت على دعوته يحتمل في سبيلها أشد ألوان الأذى والبلاء. وقد حاولت قريش معه مختلف الوسائل حتى الإغراء بالملك والمال فلم يزدد إلا ثباتاً وتصميماً، حتى كتب الله له الفلاح، وأظهر دينه على الدين كله.. أما شجاعته الحسية فلا مثيل لها في ما عرف في تاريخ الناس، يستوي في ذلك عهده السابق للبعثة وعهده النبوي.. وقد تجلت شجاعته لعهده الأول في جهره بالكره لآلهة قريش على ملأ من عُبَّادها إذ أقسم بأنه لا يبغض شيئاً بغضه لها. وذات مرة خرج في قافلة بعض أعمامه إلى اليمن وكان في سن الحداثة. وفي أحد الأودية واجههم فحل من الإبل مستوحش جامح فلم يجرؤ على الدنو منه أحد سواه فتغلب عليه وكبح جماحه.. أما شجاعته بعد البعثة فعجب من العجب لقد ثبت يوم حنين في وجه الآلات من هوازن. بعد أن تفرق عنه الناس خوفاً من الكمين المفاجئ وهو يهتف بالأعداء:"أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب "وحسبنا في ذلك ما روى عن علي رضي الله عنه:"إنا كنا إذا حمى البأس واحمرَّت الحدق اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه "وطبيعي أن يكون ذلك منه صلى الله عليه وسلم تعبيراً عن ثقته التامة بربه وتحقيقاً للتوجيه الآلهي الحكيم في قوله تعالى: {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا} .
لمحة عن وفائه:
إن الحديث عن وفاء محمد صلى الله عليه وسلم قبل البعثة وبعدها طويل لا يقوم به الإيجاز بالغاً ما بلغ وحسبنا من أمثلته بعض الحوادث يقول عبد الله بن أبي الحماء:"بايعت محمداً ووعدته أن آتيه فنسيت فذكرته بعد ثلاثة أيام فإذا هو في مكانه ولما رآني لم يزد على أن قال:"لقد شققتَ علي، أنا هنا منذ ثلاثة أيام أنتظر.."هذا وفاؤه في الجاهلية أما في الإسلام فلنذكر من أمثلته الكثيرة موقفه يوم الحديبية من أبي جندل بن سهيل بن عمرو، فقد جاء يرسف في قيود المشركين طالباً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الحماية.
ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد اتفق مع سهيل أبيه أن يسلم إلى قريش من لجأ إليه من المسلمين دون إذن وليه، فرد أبا جندل وفاء بعهده الذي لم يكن قد كتب بعد.
وفتح مكة نفسه إنما حدث بسبب وفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم لحلفائه من خزاعة، ذلك لأن قريشاً نقضت عهدها اعتدت على خزاعة فجاء كبيرها سالم الخزاعي يطالب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعهد، فلم يتردد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يلبث إلا ريثما جمع جنوده وزحف على مكة ففتحها الله عليه.
ولا عجب في ذلك فمحمد صلى الله عليه وسلم إنما يطبق بذلك أمر الله الذي يقول كتابه الحكيم {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً} .
تواضعه وسماحته:
كان صلى الله عليه وسلم أحسن الناس تواضعاً، وأكثرهم لطفاً وسماحة وبعداً عن التكليف يعامل بذلك أبعد الناس وأقربهم على السواء.
زار رسول الله صلى الله عليه وسلم منزل أحد الصحابة ذات يوم فسلم فرد صاحبه رداً خفياً. وحين لم يسمع رد الرجل عاد من حيث أتى فأتبعه الرجل قائلاً: يا رسول الله إني كنت أسمع تسليمك وأرد عليك رداً خفياً لتكثر علينا من السلام فانصرف معه رسول الله صلى الله عليه وسلم..
لقد رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما ظن أن صاحبه لا يأذن له بالدخول ثم عاد فدخل حين علم برغبته في دخوله، وكان من عادته صلى الله عليه وسلم أن يعاقب مع رفاقه على مطيته فيركب حيناً ويمشى حيناً، وكان يردف عليها ويروي جابر أنه صلى الله عليه وسلم كان يتخلف في السير فيزجي الضعيف ويردف ويدعو لهم. وذات يوم كان في سفر أصحابه ولما أرادوا إعداد الطعام تقاسموا العمل بينهم فقام صلى الله عليه وسلم يجمع الحطب وأبى أن يقوم أحد عنه بذلك.
ومن صفاته الأخلاقية صلى الله عليه وسلم أنه كان يبدأ الناس بالسلام وإذا تحدث إلى أحد انصرف إليه بكله، وإذا صافح أحدهم لم يبدأ بسحب يده. يجلس حيث ينتهي به المجلس، يرفع ثوبه ويخصف نعله ويخدم نفسه وأهله: ويجيب دعوة الحر والعبد والأمة والمسكين.
ولا غرابة في شيء من ذلك فهو قدوة المؤمنين والمثل الأعلى للأخلاق التي يحب الله أن يتحلى بها المجتمع الإسلامي. وهو الذي يقول:"إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً " ويقول:"لا يدخل الجنة من كان في قلبه ذرة من كبر " وحسبه مدح ربه له بقوله الحكيم: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} {وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} ، {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ} .
رحمته صلى الله عليه وسلم:
وصف الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم فقال: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَاّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} وأنه {بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ} فكان صلى الله عليه وسلم يقول:" ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء "، "لا تنزع الرحمة إلا من شقي "وقد وصف نفسه فقال صلى الله عليه وسلم:"إنما أنا رحمة مهداة " وقد تجلت هذه الميزة في أفعاله صلى الله عليه وسلم جميعاً لم يعامل بها أصحابه وأقرباءه وحدهم، بل شمل بها الصديق والعدو والحيوان والإنسان، وهو بذلك يخالف عادة العرب الذين نشأ فيهم وعاصروه، إذ كانت الجفوة والقسوة أبرز أخلاقهم حتى إن أحدهم رأى ذات مرة رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الحسين فاستغرب ذلك وقال: إن لي عشرة أولاد ما قبلت أحداً منهم. وقال له أعرابي آخر أتقبلون الصبيان؟ فما نقبلهم فقال صلى الله عليه وسلم:"أَو أملك لك أن نزع الله من قلبك الرحمة " ورأى صلى الله عليه وسلم مرة حُمَّرةً ترفرف.. فقال:" من فجع هذه بولدها؟ ردوا ولدها إليها ".
ومن رأفته بالحيوان قوله صلى الله عليه وسلم:"دخلت امرأة النار في هرة ربطتها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض " وسئل مرة يا رسول الله: وإن لنا في البهائم لأجراً؟ فقال:"في كل كبد رطبة أجر "..
وقد كان صلى الله عليه وسلم شديد الحفاوة بالمساكين ومن قوله فيهم:"ابغوني ضعفاءكم فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم ". ولذلك أحبه الضعفاء والأرقاء حباً عجيباً، حتى أن مملوكه زيد بن حارثة آثره على والده، وقد روى عن أنس رضي الله عنه أنه قال:"خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما قال لي أفٍ قط ".
وسئل مرة أن يلعن أعداءه فقال:" ما جئت لَعَّاناً بل رحمة " وقد أصيب أعداؤه في مكة بعض السنين بضيق وجدب فأرسل إليهم بمعونة كريمة، وهم الذين أخرجوه وآذوه وعذبوا أصحابه، وما كانوا ليدخَّروا وسعاً في سبيل إيذائه.. وبعد فهذه أمثلة يسيرة من أخلاق سيد ولد آدم صلى الله عليه وسلم.
وهي قطرات من بحر لا سبيل إلى استيعابه في صفحات قليلة.. وهى على غرابتها بالنسبة إلى المألوف، لا تُستغرب من إنسان اصطفاه الله ليكون رحمة للعالمين، وأسوة للمتقين، والأنموذج الأمثل للعبد الرباني الذي يمثل بسلوكه الأعلى أخلاق القرآن العظيم.
ونحن حين نعرض هذه الأمثلة من أخلاق المصطفى صلى الله عليه وسلم لا ننسى أن أول واجباتنا نحوها هو التقرب منها ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً، واتخاذها القدوة المثلى لسلوكنا أفراداً وجماعات، في وقت أصبحت الأخلاق الفاضلة فيه غريبة مستغربة، وبذلك نعيد لمجتمع الإسلامي ميزاته الفضلى وصفاته المثلى، التي بها جعل الله المسلمين الأولين {خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ..} ويومئذ نكون قد حققنا في أنفسنا ما أحبه الله لنا، وما دعانا لتطبيقه في قوله الخالد:{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً} 33، 21.
الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي
لفضيلة الدكتور عبد الرحمن العدوي / مستشار الجامعة الإسلامية
شيخ جليل مهيب، أخلص لله في تعليم المسلمين أمور دينهم، ونشر عقيدة الإسلام وأحكامه بينهم، وهو من أهالي بلدة عنيزة من أعمال القصيم في شمال نجد عاش فيها حياته وكان فيها مقره الأخير.
كنا في عام 1373هـ الموافق 1953م اثنين من علماء الأزهر الشريف مبعوثين للتدريس في المملكة العربية السعودية وكانت إدارة المعارف حينذاك في مكة في مواجهة المسجد الحرام وكان على رئاستها الشيخ محمد بن مانع رحمه الله، وقد رأى أن أسافر مع زميلي الشيخ محمد الجبة للتدريس في المدرسة الثانوية بعنيزة، وسافرنا وبدأنا عملنا في المدرسة التي كان بها فصلان في السنة الأولى فقط، ولم يمض شهر حتى صدر الأمر الملكي بنقلنا إلى المعاهد العلمية التابعة لآل الشيخ.
وكانت هذه هي الطريقة التي تستكمل بها المعاهد العلمية حاجتها من المدرسين، ولم يكن المعهد العلمي موجوداً بعد، فطلب منا أن نعلن عن افتتاحه ونستقبل طلبات الراغبين في الإلتحاق به ونحدد مستواهم العلمي ونوزعهم على السنوات الدراسية وقد تم كل ذلك في فترة وجيزة وبدأت الدراسة في المعهد العلمي بعنيزة في شهر ربيع الثاني من عام 1373هـ، وفي الوقت بلغنا أن الشيخ عبد الرحمن السعدي قد عين مشرفاً على المعهد من الناحية العلمية وكان تعيينه براتب شهري قدره ألف ريال، ولكن الشيخ رحمه الله تعالى أرسل إلى رئاسة المعاهد العلمية أنه على استعداد للإشراف على المعهد حسبة لوجه الله تعالى وأنه لا يريد أن يكون له على ذلك أجر مادي وقبلت الرئاسة شاكرة له هذا الصنيع الذي لا يصدر إلا من عالم زاهد يبتغي وجه الله.
وبدأت صلتنا بالشيخ عبد الرحمن السعدي في المعهد أولاً ثم التقينا به كثيراً في المسجد الجامع فقد كان شيخاً له، وفي منزله المتواضع الذي رفع قدره وأعلى صرحه سلوك صاحبه وسيرته في الناس.
كان رحمه الله يأتي إلى المعهد بانتظام يوم الثلاثاء من كل أسبوع وكان يخلع نعليه عند دخول الفصل أثناء الدرس مع أن في نجد لا يخلعون نعالهم عند دخول المسجد ولا عند الصلاة ولكنه الأدب الراقي واحترام العلم ومجلسه، ثم يدخل آخر صف ويجلس فيه وكأنه أحد طلاب هذا الفصل، ويكرر هذا العمل في أكثر من فصل ويستمع إلى أكثر من مدرس ولم يكن في المعهد من المدرسين المصريين سواي وزميلي أما بقية المدرسين فكانوا من أبناء الشيخ علمهم في المسجد الجامع إلى درجة تسمح لهم بالقيام بتدريس المواد التي تعلموها على يديه.
وكان منهم حمد البسام، وسليمان البسام، وعبد الله البربكان، ومحمد بن عثيمين. ومضت فترة بعد وصولنا عنيزة أحسسنا فيها بالغربة والوحشة وكنا نتأثر بجفاء بعض الناس في التعامل واللقاء وعدم رد التحية لا بأحسن منها ولا بمثلها، وكان يحدث أحياناً ونحن وقوف للصلاة أن يأتي أحد البدو ولعله من غير أهل عنيزة فيقف بجوار أحدنا وينظر إليه نظرة استغراب ثم يخط بعصاه خطاً فاصلاً في الرمال يفصل بينه وبين من يجاوره منا ثم يقول بصوت مسموع (أعوذ بالله) وبعدها يكبر للصلاة وقال لي صاحبي: لماذا يتعوذ هؤلاء؟ فقلت لعلهم يعتقدون أننا لسنا من بلاد الإسلام، وما علينا إلا أن نزيل هذا الظن الخاطئ فتقسيم الأمور وتصح المعاملة، قال: ولكن كيف السبيل إلى ذلك ونحن مدرسون في المعهد لطلاب قد يتحدثون مع ذويهم عنا وقد لا يتحدثون؟ قلت: السبيل في رأيي أن نعطي الناس دروساً في التفسير والحديث والفقه بين المغرب والعشاء في المسجد الذي نصلي فيه، وبها نؤدي واجبنا ونزيل التباساً.
وعرضنا الفكرة على الشيخ عبد الرحمن السعدي فاستحسن ذلك أيما استحسان وشجعنا وأوصانا بألا تضيق صدورنا فإن من خلق العلماء الصبر والإحتمال والحرص على تبليغ رسالة الله في كل الظروف وبدأنا التدريس في مسجد (السويطي) بين المغرب والعشاء وزاد عدد الحاضرين يوماً بعد يوم حتى كاد المسجد على سعته أن تملئ بالمصلين، وبعد أسبوعين تقريباً حدث أمر شرح صدورنا وأحسسنا معه بالود والمحبة، فقد تقدم إلينا شيخ كبير وأشار بيده إلى سجادتين مفروشتين خلف الإمام وقال: هذا مكان صلاتكما فأنتم أهل العلم والفضل وعلينا أن نكرم العلماء، وكان لهذه اللفتة أثرها الطيب الحميد فقد أحسسنا صفاء قلوب القوم وزالت العوارض التي كانت تؤثر تأثيراً متعباً فما كانت إلا تصرفاً شخصياً من بعض الجهال لا يعبر عن السلوك العام، ثم زادت الصلة بيننا وبين الناس وتوثقت فدعينا إلى شرب القهوة بالعبارة النجدية الحلوة "نبغى نقاهويك يا أستاذ "وتكرر ذلك والموعد بعد صلاة العشاء الآخرة وكان معنا في المعهد سكرتير من أهل عنيزة اسمه (عبد الله) فكان يتولى تدوين المواعيد ويرشدنا إلى منازل، وفي كل ليلة نجد صاحب المنزل قد دعا أكثر من عشرين شخصاً مبالغة منه في الإحتفاء بنا ثم يدور الحديث حول مسائل من الدين والأخلاق وعادات الناس وتصير الجلسة ندوة علم وأدب وحديث نافع وتعبير عن المحبة والود والأخوة كما ارتضاها الله لعباده المؤمنين.
وكنا نزور الشيخ بين الحين والحين ويكاد يكون لقاؤنا معه يوم الجمعة بانتظام نذهب إلى بيته قبل الصلاة بساعات ونجلس معه ثم ننزل معاً عندما تقرب موعد الصلاة، وذات لقاء قلت له: يا فضيلة الشيخ، لماذا لا تستخدم مكبر الصوت (الميكروفون) في الخطبة فإن أكثر الناس لا يسمعون صوتك ولا يستفيدون مما تلقيه عليهم من المواعظ والأحكام، فابتسم الشيخ وكان له بسمة خفيفة جميلة تنم عن الرضا والسرور وقال: إن مكبر الصوت لم يدخل المساجد في بلاد نجد ولا أحب أن أكون أول من يستخدمه. قلت: ولماذا؟ ألست الشيخ العلم القدوة إذا لم تفعل أنت ما تراه نافعاً فمن يفعله؟ أليس في استعماله خير وهو نشر تعاليم الدين وآدابه وإسماع أكبر عدد ممكن بواسطته، والنساء في بيوتهن حول المسجد يستمعن الخطبة عن طريق مكبر الصوت فيكون الخير قد تجاوز حدود المسجد، ومن سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة. ذلك لأنه سيتعرض لجهل الجاهلين، ونقد الناقدين وسيصيبه من أقوال الناس وإيذائهم واستنكارهم لما لم يألفوه شيء كثير فيكون له من أجل ذلك الأجر الكثير، ثم إنك يا فضيلة الشيخ إذا لم تستخدم مكبر الصوت في خطبة الجمعة فلن يجرؤ أحد على استخدامه من بعدك، وسيقول الناس: لو كان فيه خير لاستقدمه الشيخ السعدي، فتكون قد منعت استخدامه مستقبلاً من حيث لا تدري ولا تريد. فاتسعت الإبتسامة على شفتي الشيخ وقد استمع لكلامي كله مصغياً ومتأملاً، وهز رأسه يميناً وشمالاً في هدوء رتيب وقال: ما شاء الله لقد حدثني في ذلك غيرك، وما شرح الله صدري لذلك مثل ما شرحه الآن، وأعدك أن يكون في المسجد (مكبر صوت) في الجمعة القادمة إن شاء الله وبر الشيخ بوعده وأمر بإحضار مكبر للصوت ذي ثلاث سماعات يعمل بواسطة البطارية فلم تكن عنيزة قد عرفت الكهرباء بعد وفرح الناس وتحدثوا عن استماعهم للخطبة في غير جهد، وحرصت على أن أسمع رأيهم فلم أجد معارضاً وما سمعت إلا كلمات
الإستحسان والسرور، وذهبت إلى الشيخ في بيته لأنقل إليه استحسان الناس وسرورهم فإذا به ينقل إلى بشرى سارة مؤداها أن الشيخ عبد الله السليمان كان يصلي هذه الجمعة في مسجد عنيزة وقد أعجبه أن يكون في المسجد مكبر للصوت فقابل الشيخ بعد الصلاة وأبلغه أنه تبرع.. بماكينة كهرباء للمسجد تضئ خمسين لمبة (مصباحاً كهربائياً) ويشتغل عليها مكبر الصوت. فقلت: الحمد لله. ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
لقد كان الشيخ عبد الرحمن السعدي من الناحية الدينية هو كل شيء في عنيزة فقد كان العالم والمعلم والإمام والخطيب والمفتي والواعظ والقاضي وصاحب مدرسة دينية له فيها تلاميذ منتظمون.
كان يصلي الفجر بالناس ثم يجلس لأداء الدرس حتى تطلع الشمس ويذهب بعد ذلك إلى بيته حتى الضحوة الكبرى فيعود إلى المسجد يعلم أبناه الفقه والتفسير والحديث والعقيدة والنحو والصرف في دروس منتظمة وكتب اختارها لطلابه ويستمر معهم حتى صلاة الظهر فيصلي بالناس ويعود إلى بيته يستريح فيه إلى صلاة العصر ثم يذهب إلى المسجد فيصلي العصر بالناس ويعطيهم عقب الصلاة وهم جلوس بعض الأحكام الفقهية في دقائق لا تؤخرهم عن الإنصراف سعياً وراء أرزاقهم وعندما تغرب الشمس يصلي بالناس المغرب ويجلس للدرس حتى يصلي العشاء. ويتكرر ذلك في كل يوم.
وطلاب الشيخ الذين علمهم في المسجد هم الذين تولوا التدريس في المدارس والمعاهد التي فتحتها الدولة في بلدتهم، فكان الشيخ يكتب بيده شهادة يقول فيها إن فلاناً درس علوم كذا وكذا في كتب كذا وكذا وهو يصلح لتدريس هذه المواد في المستوى الإبتدائي أو الإعدادي أو الثانوي، وتأخذ الدولة بشهادات الشيخ التي أثبتت التجربة فيما بعد أنها معبرة عن الحقيقة أصدق تعبير.
وكان من سيرته - عليه رحمة الله - أنه في موسم الحصاد تأتي إليه ثمار النخيل والبساتين التي وقفها أصحابها على المسجد الجامع ليؤدي رسالته الإسلامية العظيمة، فكان الشيخ يجمع كل هذه الثمار في المسجد ويوزعها على الفقراء والمساكين ولا يأخذ تمرة واحدة يدخلها فاه أو ينقلها إلى بيته. وسألت أحد الأبناء المقربين إليه: من أين ينفق الشيخ على حاجات معيشته؟ فأخبرني أن له ابنين يعملان بالتجارة في الرياض ويرسلان إليه ما يحتاج من النفقة ولا مورد له غير هذا؟ فقلت: سبحان الله: إن خير ما يأكل المرء ما كان من كسب يده، وإن ولد الإنسان من كسبه، وهكذا تكون سيرة العلماء في الإكتفاء بالقليل والزهد فيما يزيد على ذلك مع الإجتهاد في أداء الواجب والإخلاص فيه.
ومرت الأيام.. وفي نهاية عام 1375هـ الموافق 1956م بدأ العدوان الثلاثي على مصر وهاجمت فرنسا وإنجلترا وإسرائيل أرض مصر ولكل دولة منهم دوافعها الخاصة فقد كانت فرنسا تريد أن تعاقب مصر على مساندة ثورة الجزائر ضدها. هذه المساندة التي وصلت إلى درجة تهريب الأسلحة والذخائر للثوار المسلمين في الجزائر وقد وقعت الباخرة (عايدة) المصرية في يد الفرنسيين وهي تحمل الأسلحة إلى ثوار الجزائر ضد الإستعمار الفرنسي فأضمرت لذلك شراً وكان هجومها على مصر، أما إنجلترا فكان هجومها من أجل أسهمها في قناة السويس التي أممتها مصر وأعادتها إلى الشعب المصري الذي حفر القناة بجهود أبنائه ودمائهم، وكانت مع ذلك تراودها الرغبة في إعادة سيطرتها مرة أخرى على مصر ولم يكن جلاء قواتها عن الأراضي المصرية قد جاوز العامين بعد، وانتهزت إسرائيل رغبة الدولتين الكبيرتين في الهجوم على مصر واتفقت معهما لخدمة أغراضها التوسعية العدوانية ولضرب القوة العربية الإسلامية على أرض مصر.
وعرف الشيخ السعدي هذه الأبعاد كلها وخطب الناس الجمعة في هذا الموضوع ورفع الناس معه أكف الضراعة إلى الله أن يحمي القوة الإسلامية وأن ينصر المسلمين ويرد كيد الكافرين، وقد استجاب الله دعاء، فخطب الشيخ في جمعة تالية مهنئاً ومبشراً ومذكراً بقول الله تعالى:{وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً} .
وقد كان للشيخ اهتمامات ظاهرة بأحوال المسلمين في كل بلادهم وكانت مقالاته في الصحف والمجلات في داخل المملكة وخارجها تظهر هذه الإهتمامات وكان يسألنا كثيراً عن أخبار مصر وأحوال المسلمين فيها وجهود علمائها في إقامة السنة وإزالة البدعة مع دعاء حار وأمل كبير في أن يصلح الله أحوال المسلمين.
ومع هذه الجهود المضنية التي كان يبذلها الشيخ كان كثير الكتابة والتأليف فقد كتب تفسيراً للقرآن الكريم كله سماه (منحة اللطيف المنان في تفسير القرآن) وله كتاب في الخطب المنبرية ورسائل في العقيدة وسؤال وجواب وفي بعض الموضوعات والقضايا الإسلامية وقد تبرع بكتبه كلها وطبعها أهل الخير المحبون للشيخ وعلمه ووزعوها بالمجان على أهل العلم وطلبته.
وفي شهر ربيع الثاني من عام 1376هـ توفي الشيخ عبد الرحمن السعدي عليه رحمة الله ورضوانه وحملت مع الناس نعشه وكانوا يعرفون صلتي الوثيقة به فكانوا يفسحون لي كلما رغبت واقتربت قائلين إنه كان يحبك. وإني لا أجد ما أصف به فضل هذا الشيخ وجهاده ومنزلته بين العلماء أحسن مما سمعته من عجوز جالسة على طريق الجنازة فقد قالت ونحن نمر عليها نحمل نعشه قالت العجوز في صدق وحرارة: "نجم هوى ".
رحم الله الشيخ عبد الرحمن السعدي وجعل سيرته الطيبة وأعماله الصالحة في موازين حسناته وأكثر من أمثاله الذين يزهدون في الدنيا ويبتغون ما عند الله.
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
"بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً أو يمسي مؤمناً ويصبح كافراً يبيع دينه بعرض من الدنيا "
رواه مسلم.
نماذج [1] من الدعاة الصالحين
(الحلقة الأولى)
الشيخ أبو بكر الجزائري
بسم الله، والحمد لله.. والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه.
وبعد: فإن دعاة الإسلام في كل زمان ومكان هم دعاة الحق والخير الناهون عن الباطل والشر.
الإسلام: ونعني بالإسلام: دين الله الذي جاءت به كل الرسل عليهم السلام.
دعاة الإسلام: نعني بدعاة الإسلام: أولئك المصطفين الأخيار من أنبياء الله تعالى ورسله نوحاً عليه السلام فمن بعده إلى خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم، وحوارييهم وأنصارهم ممن يتبعون سنتهم ويهدون بهديهم.
الحق: ونعني بالحق: الإيمان بالله تعالى وعبادته وحده بما شرع لعباده أن يعبدوه به من كل أعمال القلوب، والألسن وسائر الجوارح، ليعدهم به للكمال والسعادة في الحياتين.
الخير: ونعني بالخير كل الفضائل النفسية والخلقية مما ينجم عنه طيبة النفس وطمأنينتها، وهدوء الخاطر، وصلاح البال، مما تتحقق به سعادة الإنسان في هذه الحياة، ويهيئ به للسعادة في الدار الآخرة.
الباطل: ونعني بالباطل: الإيمان بالطاغوت وعبادته دون الله تعالى، أو مع عبادته عز وجل من كل ألوان الكفر وضروب الشرك، وما يستتبع ذلك من البدع والأهواء المنافية للشرع والعقل معاً.
الشر: ونعني بالشر كل الرذائل والخطايا مما يفقد الإنسان طهارة نفسه، وفضائلها، ويحرمه السعادة في الدنيا والآخرة.
وهذه أمثلة حق صادقة، ونماذج حية ناطقة تمثل مواقف شتى للدعاة الصالحين، وهم يدعون إلى الحق والخير، وينهون عن الباطل والشر ولنبتدئ بأول أولئك الرسل نوح عليه السلام فنستعرض جوانب من حياة هذا الداعية الكبير، ليكون نموذجاً صالحاً للداعية المسلم اليوم يأخذ به، وينسج على منواله فيكمل في دعوته، ويشرف بها، ويبلغ الغاية المنشودة عليها، وهي هداية وإصلاح من أراد الله تعالى هدايتهم وإصلاحهم من الناس.
أ – نوح عليه السلام:
فمن هو نوح عليه السلام؟ وما هي الجوانب الهامة في حياته الدعوية التي يمكن للداعية المسلم الإ ستفادة منها في مجال الدعوة الإسلامية؟
إن نوحاً هو عبد الله ورسوله نوح بن لامك بن متوسلخ بن اخنوخ (إدريس) بن برد بن مَهْلايِيل بن قبْنَس بن أنوش بن شيث بن آدم عليه السلام، هكذا يقول النسابون وي قولون: إن بينه وبين آدم عشرة قرون أي ألف سنة. هذا هو نوح عليه السلام.
وأما الجوانب الهامة في حياته الدعوية فهي تتمثل في الأرقام التالية:
(1)
طول صبره.
(2)
صدق لهجته.
(3)
تلوينه أسلوب دعوته.
(4)
شجاعته وعظم توكله على ربه عز وجل.
(5)
صدق لجأه إلى ربه سبحانه وتعالى.
1-
صبره الطويل:
وعن صبره الطويل نقول: إن نوحاً عليه السلام قد قضى في الدعوة إلى ربه تعالى من أجل أن يؤمن به، ويعبده وحده دون سواه، قضى دهراً طويلا ً، دعا فيه قومه إلى عبادة الله وحده، وإلى تقواه، وإلى طاعته هو بوصفه رسول الله والمبلغ عنه فقال:{قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُون يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً} .
ولاق ى في ذلك من الأذى ما لم يلقه كثير من الداعين إلى الله تعالى، فقد كذبه قومه ووصفوه بالجنون، ووصفوا اتباعه من المؤمنين با لإ سترذال، ولم يعترفوا لهم بأي فضل عليهم. فقالوا:{مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا [2] بَادِيَ الرَّأْيِ [3] وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ} . ولم يقفوا عند حد التكذيب والعيب بل تجاوزه إلى التهديد بالموت، فقالوا:{لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ} والرجم عندهم بالحجارة وسيلة من وسائل الإعدام، كرجم الزناة المحصنين في الإسلام.
ولما أنذرهم عاقبة شركهم وتكذيبهم وإجرامهم، وخوفهم بعذاب الله تعالى سخروا منه، وطالبوه بالعذاب متحديين له في ذلك. فقالوا:{يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} .
قضى نوح عليه السلام في دعوته دهراً طويلا ً فلم يكل خلاله ولم يمل حتى أوفى على تسعمائة وخمسين عاما ً. وبعدها رفع شكواه إلى ربه عز وجل فقال: {قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} . وقال: {أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ} .
وبعد أن سبر غور القوم. حلل نفسياتهم، وعرف مركب طباعهم، وأيقن أنهم لا يؤمنون، بناء على وحي الله تعالى له بذلك:{أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلا مَنْ قَدْ آمَنَ} .. وعلى ما شاهده من حال أجيالهم المتلاحقة وهم يتواصون بالكفر به وبتكذيبه في دعوته. دعا عليهم قائلا ً: {رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلا فَاجِراً كَفَّاراً} . ولم يكن هذا عن قلة صبر منه عليه السلام، وإنما كان خوفاً منه على الجماعة المؤمنة أن يفتنها أولئك الكفار الفجار فيحولوها عن معتقداتها، ويضلوها عن سبيل ربها {إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ} فلذا دعا ربه بهلاك الكافرين وتدميرهم قطعاً لدابر الكفر والكافرين وإنهاء لفتنة الشرك في الأرض والمشركين.
2-
صدق لهجته:
وعن صدق لهجته نقول: إنه كان عليه السلام صادق اللهجة، واضح البيان وافي النصيحة، ظهر ذلك من أقواله وهو يخاطب قومه في شتى المواقف، والعديد من المجالات. فلنستمع إليه وهو يخاطب قومه آمراً إياهم بعبادة الله وحده، إذ لا إله لهم غيره، معللا ً لهم أمره بعبادة الله وحده بخوفه عليهم عذاب يوم عظيم. فيقول:{يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} .
ولما رد عليه ملأهم قائلين: {إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} ، قال:{قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ. أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} . وقال في بداية دعوته وهو يبلغها قومه لأول مرة: {أَلا تَتَّقُونَ. إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ. فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ. وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} . ولما ردوا عليه دعوته قائلين: {قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ} ؟. رد عليهم قائلا ً: {وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ إِنْ حِسَابُهُمْ إِلا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ، وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ، إِنْ أَنَا إِلا نَذِيرٌ مُبِينٌ} .
ومن خلال هذا الحوار القصير في هذه الجمل التي جاءت في القرآن الكريم وسمعناها عنه عليه السلام وهو يدعو إلى الإيمان بالله وعبادته وحده دون من سواه تظهر الحقيقة التي لقينا إليها وقررناها وهي صدق لهجته عليه السلام في دعوته، وصدق لهجته [4] في الدعوة عامل من عوامل نجاحها، والبلوغ بها إلى غاياتها.
3-
تلوينه أسلوب دعوته:
وعن تلوينه أسلوب دعوته نقول: إن نوحاً عليه السلام لم يدخر وسعاً، ولم يدخر يأل جهداً في سبيل إبلاغ دعوته، ونشرها بين قومه، حتى ملوا ذلك منه، وضجروا له فكانوا يجعلون أصابعهم في آذانهم حتى لا يسمعوا ما يقول لهم، وما يدعوهم إليه من عبادة الله تعالى وحده وترك عبادة ما سواه، ويستغشون ثيابهم فيغطون بها رؤوسهم حتى لا يروه ولا ينظروا إليه من شدة كراهيتهم له وبغضهم إياه.
ولم يمنعه ذلك من مواصلة دعوته فيهم متذرعا ً بكل الوسائل الممكنة، فلم يترك بابا ً لإبلاغ دعوته إلا طرقه، ولا سبيلا ً إلا سلكها وكان لحكمته في دعوته يراعي حال مدعويه، فيسر القول إلى بعضهم، ويجهر به إلى بعض آخر بحسب ما تتطلبه حال الأشخاص المدعوين، إذ من الناس من يكون ذا أنفة وحسية وكبر لا يرضى أن يجهر له بالقول، أو يدعي إلى الحق والخير، أو التوبة وا لإ ستغفار علانية بين الناس، ومنهم السهل الطبع اللين العريكة، الذي لا يشمئز من دعوته جهراً، ولا ينقبض أو يغضب إذا دعي إلى الحق والخير بين الناس.
وهذا من نوح عليه السلام تلوين لدعوته، وبحث لها عن كل ما يمكنها من الذيوع وا لإ نتشار، ثم الفوز وا لإ نتصار، ولنستمع إليه وهو يعرض شكاته ويرفعها إلى ربه تعالى ليعذره وينصره:{قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائي إِلا فِرَاراً وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً [5] وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً} . فمن خلال هذه الشكاة التي رفعها نوح إلى ربه تتجلى حقيقة دعوة نوح عليه السلام وأنه كان ذا بصيرة في دعوته وعلم بها، يلون أساليبها، ويتحين الفرص لإبلاغها وإنجاحها يعتمد في دعوته على أسلوب الترغيب طورا ً والترهيب طوراً آخر، ليأخذ النفوس بالحكمة ويحذو بها إلى محيط الدعوة بالرغبة أو الرهبة، هذا شأن الداعية الحكيم في دعوته العليم بها البصير بمتطلبات نجاحها.
4-
شجاعته وعظم توكله:
وعن شجاعته وعظم توكله أقول: إن نوحا ً عليه السلام كأن ذا شجاعة عظيمة شأنه شأن سائر الأنبياء والمرسلين، وإن تفاوتوا في ذلك قوة وضعفا ً. أما توكله على ربه تعالى فقد ك ان مضرب المثل بحق، وتتجلى هاتان الصفتان: قوة الشجاعة، وعظم التوكل في الموقف التالي: جاء من سورة يونس عليه السلام قوله الله تعالى {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ} .
وبتدبر هذه الآية الكريمة على النحو التالي:
نوح عليه السلام يشعر بأن قومه قد استثقلوا ظله وسئموا الحياة معه، وما أصبحوا لا يطيقون سماع كلامه، ولا رؤية وجهه كل ذلك كأن نتيجة لدعوته إياهم إلى عبادة الله تعالى وتقواه، وهم يصرون على الشرك والفسق ولا يريدون تركهما ولا التحول عنهما بحال.
كما يشعر أن قومه يهددونه بالقتل ويتوعدونه به في غير موطن: {قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ} . فيعلمهم في وضوح أنه لا يخاف الموت ولا يرهبه وأنه قد توكل على ربه عز وجل فلذا هو لا يخاف سواه، ولا يعتمد على غيره بحال من الأحوال ويدلل على عدم خوفه من الموت، وع ل ى عظم توكله على ربه فيرشدهم إلى طريقة قتله والتخلص منه إن كانوا يعتزمون ذلك حقا ً ويريدون هـ ويبالغ في التدليل على شجاعته وعظم توكله على ربه، فينبههم إلى أنهم عندما يجمعون أمرهم على قتله ينبغي لهم أن لا يترددوا في ذلك، حتى لا يفشلوا في مهمتهم ولا يكون أمرهم غمة عليهم.
بهذا التدبر للآية يتضح أن نوحا ً عليه السلام ك ان من أقوى الناس شجاعة ومن أعظمهم توكلا ً على ربه تعالى.
وقوة الشجاعة، وعظم الوثوق في الله والتوكل عليه من أخص صفات الدعاة الصالحين وبدونهما لا يقوى الداعي على تحمل رسالة الدعوة إلى الله تعالى، وإبلاغها إلى الناس.
5 -
صدق لجئه إلى ربه:
وعن صدق نوح في لجئه إلى ربه تعالى نقو ل: إن نوحا ً عليه السلام ك ان صادق اللجئ إلى الله تعالى منيبا ً إلى ربه مسلما ً إليه متوكلا ً في كل شأنه عليه يظهر بوضوح في مثل قوله: {إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ} . وفي قوله وقد ازدجره قومه بعد صراع مرير تجاوزت مدته مئات السنين: {أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ} . قال تعالى في الإخبار عن حاله مع قومه في تكذيبهم له، وزجرهم إياه:{كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ} أن انتصر يا ربي، فانتصر الله تعالى له فأنجاه وأغرق أعداءه ولما هدده قومه توعدوه، وقالوا:{لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ} لجأ في صدق إلى ربه يطلب نصرته وأن يخلصه من قومه العتاة الطغاة الفاسقين فقال: {رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} . كما قال تعالى عنه: {وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ} .
وأخيراً فنبي الله تعالى نوح عليه السلام اجتمع له من صفات الكمال في الداعية ما كان به أول الدعاة فقد جمع بين طول الصبر، وصدق اللهجة، وكمال البيان، وتلوين الأسلوب مراعاة لحال من يدعوهم بعد معرفته لنفسياتهم، وعظم الشجاعة وقوة التوكل وكمال الوثوق، وصدق اللجأ، وهي صفات ما اجتمعت لداع من دعاة الحق والخير، والناهين عن الباطل والشر إلا كان مثالا ً يحتذى به وكانت حياته نموذجا ً صالحا ً يتمثل بها في حياة الدعوات الإصلاحية بين بني الناس.
فعلى أبنائنا النابهين الذين اختاروا لأنفسهم أن يكونوا دعاة حق وخير وأئمة هداية وإصلاح أن يتحلوا أولا ً بالصبر واليقين إذ بهما تنال الإمامة في الدين، قال تعالى:{وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ} .
وثانيا ً أن يترسموا خطى الدعاة الصالحين وينسجوا على منوالهم وقد قدمنا لهم أصدق نموذج للداعية الصالح عرفته البشرية بعد سيد الدعاة محمد صلى الله عليه وسلم ألا وهو أبو البشر الثاني نوح أحد أولي العزم من الرسل، فليذكروا منه طول صبره، وصدق لهجته، وكمال بيانه، وتلوينه لأسلوب دعوته وعظم شجاعته وقوة توكله وصدق لجئه إلى ربه، فإنهم بذلك يكسبون من صفات الكمال في الدعاة ما يعينهم على أداء مهمتهم وإبلاغ رسالتهم. حقق الله تعالى لهم ذلك.
وسلام على نوح في العالمين وعلى محمد في المرسلين.. والحمد لله رب العالمين.
ب- إبراهيم عليه السلام.
من هو إبراهيم؟ ..
إنه أبو الأنبياء والضيفان إبراهيم بن آزر (تارخ) بن ناحور بن ساروغ بن راعو بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخش ذ بن سام بن نوح عليه السلام.
هذا هو إبراهيم في نسبه اسما ً وكنية. أما إبراهيم في كمالاته النفسية، فإنه أمة كاملة، وليس فردا ً واحداً. كما قال عنه ربه تعالى في كتابه الكريم القرآن العظيم {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ شَاكِراً لَأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} .
وذلك لما جمع الله تعالى فيه الكمالات البشرية التي لا يجمع إلا في الأمة من الناس (العدد الكثير) فقد طفحت حياة الخليل بصنوف الإبتلاءات، وضروب البطولات ما أصبح به مثالا ً صالحا ً، وأسوة حسنة لكل راغب في الكمال البشري يفوز به بين العالمين. هذا وإن المرء ليحار عندما يريد أن يستعرض حياة كريمة شريفة، نادرة في خصائصها فذة في نعومتها وشمائلها كحياة إبراهيم الخليل، عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، إذ تزدحم أمامه جحافل الكمالات الإبراهيمية فلا يدري ماذا يستعرض منها، وقد تشاكلت في الحسن، وتسامت في الجلال والجمال، وهذه كواكبها في سماء الحياة الإبراهيمية أنها: الدعوة، والحجة، والبلوى، والهجرة، والخلة، والقدرة، والرحمة والأمة وزاد في إشراق هذه الكواكب أن الأرض يومها كانت مقفرة من الحق والخير، مظلمة لا ضوء فيها ولا نور. ساد فيها الظلم وتحكمت في أهلها الأوثان. وانحرفت فيها الفطر البشرية، وتحجرت منها العقول الآدمية، فعبد الناس الأصنام وخنعوا للظلم واستكانوا للطغيان. والآن قد أظلمت سماء الحياة البشرية، وتغشت أرضها، وحل بها ما كان بأرض بابل والكلدانيين من سائر أنواع الكفر والظلم والشر والفساد والطغيان.
فهل لنا أن نستعير لها من كواكب الحياة الإبراهيمية ما تستنير به وتشرق من جديد. ولم لا..؟ وما المانع لنا..؟
وعليه فبسم الله، وعلى بركته نستعرض تلك الصفات الثمانية التي عددناها كواكب زهرا ً في حياة إبراهيم الخليل، صفة بعد أخرى، وما منها إلا وتمثل جانبا ً هاما ً من حياة إبراهيم المفعمة بجلائل الأعمال وعظائم مثل الكمال، فلنستعرضها ع َ لنا ًَ نكتسب من أبي الأنبياء وإمام الموحدين إبراهيم الخليل ما يساعدنا على النهوض بأعباء ما أنيط بنا - بوصفنا مسلمين - من واجب الدعوة إلى الله تعالى ليعبد وحده بما شرع أن يعبد به فيكمل بذلك العابدون في دنياهم ويسعدوا في أخراهم.
1-
إبراهيم الدعوة:
عند التأمل لا يرى أن هناك مبالغة في نسبة إبراهيم إلى الدعوة وإضافته إليه في قولنا إبراهيم الدعوة أو في كل ما ننسبه إليه من صفاته الكمالية التي امتاز عليه السلام، وذلك لأن إبراهيم عليه السلام غلبت عليه صفات فأصبحت كل صفة تمثل شخصية مستقلة، وذاتا ً متميزة فإبراهيم يمثلها وهي تمثله فقولك دعوة إبراهيم، كقولك إبراهيم الدعوة، سواء بسواء. فعن إبراهيم الدعوة نقول: إن إبراهيم عليه السلام قد أضطلع بأمر الدعوة إلى الله تعالى في سن مبكرة جدا ً ولعل في قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ} دلالة واضحة على أنه ابتدأ الدعوة إلى الله في حداثة سنه. ويرجع هذا أيضاً أنه بدأ بدعوته أباه قبل قومه وذلك لكونه في حجره وكفالته.
وفي دعوة إبراهيم أباه إلى عبادة الله تعالى وحده، جعل عبادة الأصنام قبل دعوة غيره من أهل بلاده دلالة قوية على رشد إبراهيم وحكمته. فقد أمر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أن ينذر عشيرته الأقربين في قوله تعالى:{وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ} ف جمعهم ودعاهم كما جاء ذلك مبينا ً في سيرته صلى الله عليه وسلم حيث ناداهم فعم وخص حتى قال:" يا فاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئت فإني لا أغنى عنك من الله شيئا ً. أنقذي نفسك من النار " والآيات القرآنية التي عرضت دعوة إبراهيم عليه السلام لأبيه هي آيات سورة مريم عليها السلام فلنوردها ولنقف على مواطن العبرة والهداية منها.
قال تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَبِيّاً ، إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً} . ففي نهيه عليه السلام أباه عبادة الأصنام بأسلوب الإ ستفهام الذي هو أخف على النفس من صيغة النهي لا تفعل مظهر من مظاهر الحكمة وفي الدعوة، لأن آزر بحكم أنه والد كبير السن له حق التبجيل الإ حترام يتنافى معه مخاطبته بصيغة الأمر الدالة على العلو والقهر. وفي وصفة إله آزر الذي يعبده بأنه لا يسمع ولا يبصر، ولا يغن ي عنه شيئا ً متى أراد الله تعالى أن يعذبه إن هو استمر على الكفر به وعبادة غيره. مع أنه إخبار بالواقع الذي لا ينكره آزر عليه لعائن الله، إلا أنه أسلوب دعوى عال لا يرقي إليه إلا ذو القدم الراسخة في الدعوة، لان آزر كان غافلا ً تم اما ً عن كون آلهته لا تسمع ولا تبصر ولا تضر ولا تنفع، وإنما يعبدها تقليدا ً لغيره من أهل بلاده، فليسلب إبراهيم عنها أخص صفات الألوهية كان قد أماتها قلبه وهيأه بذلك الإيمان بالله السميع البصير الذي هو على كل شيء قدير.
وقوله له: {يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً} . فإنه عليه السلام تحاشى أن يصم والده بوصمة الجهل التي يأباها الإنسان حتى ولو كان جاهلا ً حقا ً كما أنه لم يصف نفسه بالعلم تمدحا ً وتعاليا ً على والده، وإنما أخبره أنه جاءه من العلم ما لم يأته هو وأو أتاه ما أتي إبراهيم من العلم لما طلب إليه أن يقوده الهدى، ولكان هو القائد له ولنفسه أيضا ً وهو أسلوب عظيم لا يشعر معه المدعو بأدنى غضاضة، أو أية إهانة، أو انتقاص كرامة، فلا يتعقد نفسيا ً، ولا يتحطم شخصيا ً، ومتى بقيت للمدعو كرامته وشخصيته أمكنه أن يأخذ مع الداعي له ويعطى، وهو طريق الوصول إلى معرفة الحق. وبالتالي إلى الهداية المطلوبة لمن شاءها الله تعالى له.
فإنه بعد إقناعه والده أن ما يعبده لا يسمع ولا يبصر ومن كان كذلك لا يعبد عقلا ً ولا شرعا ً مع استمرار آزر على عبادته أعلمه في هذه الجملة الكلامية أنه إنما يعبد الشيطان، ونهاه عن ذلك معللا ً له النهي بأن الشيطان كان ومازال للرحمن عز وجل عصيا ً، وطاعة العاصي تعرض المطيع للعذاب الذي ينال العاصي، إذ طاعة العاصي للسلطان تعتبر معصية للسلطان نفسه وبذا ينالهما جزاء المعصية معا ً، ولهذا قال له في إشفاق عليه ورحمة به: يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا ً، إذ يجمعه وإياه صعيد العذاب، بعد اليم والتوبيخ والعتاب فتتم الولاية بينهما بسبب القرب الذي حصل لهما.
وقوله له: {سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً} . بعد غضب والده عليه وتهديده له بعذاب الرجم بالقول أو الفعل ومطالبته بالبعد عنه وهجرته له دهرا ً طويلا ً. إذ قال له: {أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً} . أقول إن قوله له سلام عليك سأستغفر لك ربي، لقول من أسد الأقوال لا يقوله إلا من أوتي رباطه الجأش، ورحمة القلب، وهما من ضروريات الداعي الناجح، ولذا كان الخليل إمام الدعوة وقدوتهم في الحياة.
وبعد هذا العرض والسماع لدعوة إبراهيم لأبيه وأقرب الناس إليه نستعرض دعوة إبراهيم وهو يوجهها إلى قومه وأهل بلده لنقف ع لى مظاهر كماله في دعوته العامة بعد الخاصة. ولنطلب ذلك من سورة العنكبوت إذ جاء فيها قول الله تعالى: {وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ. إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ. وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ} .
ففئ هذه الجمل الكلامية التي وجهها إبراهيم عليه السلام إلى قومه الوثن ي ين، وحكاها عنه القرآن الكريم، لتكون حافزاً كبراً للمنزل عليه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم على إبلاغ دعوته إلى قومه، وثباته عليها، ائتساء بإبراهيم إمام الموحدين واقتداء به في مجال الدعوة والبلاغ المبين.
كما تكون درساً نافعا ً لكفار قريش، ولكل مشركي العرب، إذ يتعلمون من خلالها بطلان الشرك الذي هم عليه، وأحقية التوحيد الذي يدعون إليه.
ففي قوله: يا قوم اعبدوا الله واتقوه ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون، إنما تعبدون من دون الله أوثانا ً وتخلقون إفكا ً. إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا ً فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون، وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم وما على الرسول إلا البلاغ المبين.
في هذا القول الكريم من مظاهر العلم والحكمة وسلامة التوجيه، وحسن الدعوة ما لا يقادر قدره، الأ مر الذي يجعل إبراهيم أحد نماذج الدعاة الصالحين، الذين يؤتسى بهم ويقتدى باتباعهم.
وإن أمعنا النظر وأعملنا الفكر في هذه الكلمات التي ألقاها إبراهيم في قومه دعوة لهم إلى الحق، وإرشادا ً لهم إلى سبيله تجلت لنا ينابيع الحكمة، وعناصر العلم الغزير الواسع وأساليب البيان الفتان.
إن في قوله: {يا ق َ وم} بدل (أيها المشركون) من استمالة قلوب القوم، واستهواء نفوسهم ما يجعلهم لا ينفرون من سماع دعوته، والتأمل فيها، لأن القومي عادة لا يريد ما يضرهم أو يسئ إليهم ولكن يريد لهم ما ينفعهم ويرفعهم.
وفي قوله: {اعْبُدُوا اللَّهَ} تقرير منه بالإيمان بوجود الله تعالى، ونفي للتعطيل الذي هو مذهب الملاحدة الدهريين، لأن أمرهم بطاعة الله تعالى مستلزم للإيمان به عز وجل.
وفي قوله: {واتقوه} بعد أمرهم بعبادة الله تعالى نه ى لهم عن الشرك في عبادته سبحانه وتعالى لأن التقوى لله تعالى مستلزمة لعدم قطع عبادته ولإفراده تعالى بها، وعدم إشراك غيره فيها، فيكون قوله هذا كقوله الله تعالى في القرآن الكريم من سورة النساء {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً} .
وفي قوله {ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ} ما يجذبهم إلى التعقل والتفكر فيما يدعوهم إليه من الهدي والخير، حيث أشعرهم بأن ما يدعوهم إليه من عبادة الله وتقواه بنفي الشرك عنه، والإ ستمرار في عبادته، خير لهم في الحال والمآل من الكفر والشرك لما يثمره الإيمان والطاعة والتوحيد من الكمال النفسي، وا لإ ستقامة في الحياة وما يستتبع من سعادة الدنيا والآخرة، ولما يعقبه الكفر والشرك والعصيان من آثار سيئه في النفس والسلوك، وما يستلزم ذلك من الردى والشقاء والهلاك في الحياتين.
وفي قوله: {إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} ، دعوة لهم إلى الإ رتفاع بنفوسهم عن منحدر التقليد والجمود إلى مستوى العلم والتفكير، فإن من يعلم الخير والشر، والحق والباطل ويقدر على التمييز بينهما يدرك أن عاقبة الحق والخير أحمد من عاقبة الباطل والشر وأن عبادة الله وتقواه خير من الكفر والشرك ومعصية الله.
وفي قوله: {تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً} قصر لهم على الحقيقة التي يتجاهلونها وهي أنهم ليسوا على شيء في عبادتهم لأوثانهم، لأن الأوثان من صنيع أيديهم وبذلك لم تكن أبدأً أهلا ً لأن تعبد مع الله الخالق لكل شيء إنها في الواقع لم تعد أن تكون إفكاً ائتفكوه، وكذباً اختلقوه فلا يصح عقلا ً أن تعبد بحال من الأحوال، وهي مفتقرة في وجودها إلى من صنعها، ولو حكم العقل في القضية لحكم بعبادة الصانع، وبطلان عبادة المصنوع.
وفي قوله: {إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ} برهنة منه عليه السلام على بطلان عبادة تلك الأوثان، لأنها لا تملك لعابديها رزقا ً، والإله يعبد ويتوسل إليه بالطاعة وشتى القرب ليهب الرزق والخير والبركة والعافية، فإن كان لا يملك ذلك فهو لا يهبه، ولذا فلا حق في عبادته وطاعته وهكذا قرر إبراهيم بطلان آلهة قومه بهذا المنطق من الكلام، لحكمته وعليه السلام.
وفي قوله: {فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ} بناء لصرح التوحيد على أساس بطلان الشرك وتهاويه، فإن الآلهة التي لا تملك الرزق يجب أن ترفض عبادتها، وأن يتجه المفتقرون إلى الرزق إلى الذي يملكه ويعطيه فليعبدوه ليهبهم الرزق، وليشكروا له ذلك ليحفظه عليهم ويزيدهم منه، فإن شكر النعم يحفظ العبد ويستوجب المزيد.
وفي قوله: {إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} تذكير لهم بالمعاد والحياة الآخرة، ليربي في نفوسهم ملكة التقوى لله تعالى ويحي في قلوبهم عقيدة البعث والجزاء التي قد تكون الوثنية أتت عليها وأماتتها في نفوسهم.
وفي قوله: {وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ} إعلان منه عليه السلام أنه يتكلم من مركز القوة وأنه ليس براغب ولا راهب فهو يقول قولته، وتنفذ دعوته فإن استجابوا وآمنوا ووعدوا واستقاموا نجوا من العذاب وفازوا بالنعيم، وإن كذبوا فليس ذلك بضائرة شيئا ً، فقد كذب الذين من قبلهم رسلهم كهود وصالح، ونوح من قبل، وما ضر ذلك رسل الله في شيء بل أنجاهم الله وأهلك المكذبين وليس هناك ما يخافه الدعاة إلى الله تعالى من عدم استجابة الأقوام لهم إذ ما عليهم إلا البلاغ المبين وقد بلغوا وبينوا.
2-
إبراهيم الحجة:
وعن إبراهيم الحجة نقول: لقد أخبر الرب تبارك وتعالى أنه آتى خليله إبراهيم حجته التي تفوق كل حجة، وتعظم سائر الحجج، إنها حجة خالق العقول والحجى يمنحها من يشاء وقد وهبها إبراهيم ليتغلب بها على من يحاجه، ويريد أن يحجه، قال تعالى:{وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} .
ولما كانت قوة الحجة من أسباب النصر على الخصوم، وكان الداعية المسلم يعتمد على قوة الحجة في دعوته لأن ذلك من أسباب نجاحها فإنا نستعرض هنا موقفين عظيمين لإبراهيم عليه السلام قارع فيهما الحجة وانتصر فيهما على خصوم التوحيد من قومه، ليشاهد من خلال الإ ستعراض كيف كان الخليل عليه السلام يرد حجج المبطلين، وينتصر على الظالمين والمشركين بما آتاه الله من العلم والحكمة وقوة الحجة لعل من يقتدي به عليه السلام في أساليب دعوته وكيفية استخدام حجة ربه ليظهر على خصومه وينتصر على أعداء دعوته.
- الموقف الأول:
كان له مع الطاغية النمرود البابلي الذي ادعى الربوبية أول من ادعاها من الخلق. وقد عرض هذا الموقف القرآن الكريم عرضاً موجزاً في عدة جمل لا تتجاوز العشر حيث قال تعالى من سورة البقرة: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} .
وعرض هذا الموقف يكون كالتالي بابل من بلاد العراق ملك جبار يقال له النمرود بن كنعان بن كوشى بن سام بن نوح عليه السلام امتد ملكه حتى شمل كل المعمورة يومئذ ودام زمن ملكه نحوا ً من أربعمائة سنة فغره طول العمر وسعة الملك وقوة السلطان فادعى الربوبية كما ادعاها من بعده فرعون مصر على عهد موسى عليه السلام، فحضر مجلسه إبراهيم عليه السلام بعد حادثة إلقائه في النار ونجاته منها فدعاه إلى الإيمان بالرب تبارك وتعالى فأنكر الطاغية أن يكون هناك رب غيره، وأخذ يناظر إبراهيم في شأن وجود الله تعالى وربوبيته لكل شيء وما حمله على ذلك إلا كبرياؤه واغتراره بسعة ملكه وطول عمره.
وحاول الطاغية أن يقنع إبراهيم بأنه لا رب إلا هو، وأنه هو الرب لا غير فأنكر عليه ذلك إبراهيم ورده وكان الطاغية قد سأل إبراهيم عن ربه فقال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت. فعرفه له بصفاته الخاصة به وهي الإحياء والإماتة وهما من مظاهر وجود الله تعالى وعلمه وقدرته، وتدبيره للكون والحياة. لأن من قدر على إعطاء الحياة وسلبها قادر على كل شيء ممكن وعلمه وقدرته، وتدبيره للكون والحياة. لأن من قدر على إعطاء الحياة وسلبها قادر على كل شيء ممكن في هذه الحياة هو الرب الحق الذي يستحق عبادة الخلق. أما من لا يحيي ولا يميت ولا يرزق الأحياء ولا يدر حياتهم فليس أهلا ً للربوبية بحال من الأحوال، وعرف الطاغية أنه مهزوم أمام هذه الحجة الباهرة وقال من أجل الحفاظ على مركزه والبقاء على ما وجهه وصيانة لموافقة المنهار أمام قوة الحق:{أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ} ، بهذا قد اعترف ضمنا ً أن هنا ربا ً غيره، كل ما في الأمر أنه هو أيضا ً رب يحيي ويميت كما يحيي رب إبراهيم يميت، وتقول الأخبار أنه عمد إلى جانيين في السجن قد استوجبا القتل فدعاهما إلى مجلسه فنفذ حكم الإعدام في أحدهما وعفا عن الآخر. بذلك خدع عقول الحاضرين من أهل بطانته ورجال مجلسه، وأنه فعلا ً يحيي ويميت، إلا أن إبراهيم تفطن للخدعة وعرف المغالطة وقال له إنك أحييت حيا ً ولم تحيي الميت والرب الحق يحيي الميت ويميت الحي وإن بقيت على مغالطتك فإن الله يأتي بالشمس صباح كل يوم من المشرق فأت بها أنت من المغرب. ولم يجد الطاغية في هذا مجالا ً للمغالطة والتضليل كما وجد ذلك في الأولى كما أنه لم يجد ما يقدمه حجة تدحض حجة إبراهيم فانقطع الطاغية وبهت وبان زيف حجته وبطلت دعواه، وقامت الحجة عليه لله.
نتائج هذه المناظرة:
نلخص ثمرة هذا الموقف في النقاط الست التالية:
1-
قوة السلطان وسعة الملك وطول العمر من موجبات الغرور والطغيان للإنسان.
2-
الدعاة يغشون مجالس الملوك لنصحهم ووعظهم وإرشادهم، أو لدعوتهم إلى ربهم. ولا ينقص ذلك من شرفهم ولا يمس بكرامتهم.
3-
صاحب الرسالة يبلغها ولا يهاب في ذلك سلطانا ً ولا يخاف بطشاً ولا عدواناً.
4-
الإدلاء بالحجة يكون بعد الإنكار أو ظهور علاماته.
5-
الإ ن ك ار بالحجة من القوي ة إلى الأقوى لإفحام الخصم وإقامة الحجة عليه.
6 -
النصر والغلبة لدعاة الحق وناصريه، والهزيمة وا لإ نكسار لدعاة الظلم والقائمين عليه.
وأخيرا ً أن السر في هذا الإ نتصار الباهر الذي حققه إبراهيم على خصمه النمرود عليه لعائن الله تعالى هو موالاة الله تعالى لإبراهيم فإن من والاه الله تعالى أخرجه من كل ظلمه، وأمده بكل نور وبه ينتصر ويظهر إذ ذكرت هذه القصة تدليلا ً على قوله تعالى:{اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} .
الموقف الثاني:
جاء هذا الموقف في قول الله تعالى من سورة الأنعام، {وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} .
ولنستعرض أحداث هذا الموقف على النحو التالي:
أنه بعد أن ألان إبراهيم جانبه لوالده وعرض عليه دعوة الله تعالى في لطف وظرف وأدب ازداد ع ت وآزر وظهر إصراره على كفره، وعدم تراجعه عن موقفه العدائي لإبراهيم داعي الله تعالى الأمين. هنا تغير موقف إبراهيم إزاء آزر فاتسم بنوع من الشدة والصرامة فقال ما قصه الله تعالى في كتابه من سورة الأنعام:{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} وفي هذا تصريح كامل بتضليل آزر وقومه خالٍ من كل مواربة أو مجاملة.
ورأى إبراهيم عليه السلام أن يسلك في هداية قومه طريق الوقوف بهم على مظاهر الكون وآيات الله فيه ليريهم خطأهم في عبادة غير الله تعالى من تلك الأصنام التي لا تخلق شيئا ً ولا تنفع ولا تضر أحداً علهم يثبون إلى رشدهم ويعودون إلى عبادة ربهم الحق الذي خلقهم ورزقهم ويميتهم ثم يحييهم وهو على كل شيء قدير.
فلما أظلم الليل بغروب شمس النهار وطلع كوكب من الكواكب المنيرة ونظر إليه وقال في أسلوب استفهامي إنكاري: هذا ربي أي أهذا ربي؟ كما يزعمون؟ فلما أفل الكوكب وغاب بغروبه في الأفق قال: لا أحب الآفلين. وبذلك قرر عدم صلاحية الكوكب للألوهية لذهابه، وطلب غيره مما يصلح لذلك. فلما رأى القمر بازغا ً قال هذا ربي فلما أفل القمر، قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الظالمين. فأرى إبراهيم قومه وأسمعهم أنه باحث عن آية طالب له متطلع إلى يوم يعرف فيه ربه الذي خلقه ورزقه وخالق كل العالمين حتى رأى الشمس بازغة وهي أعظم كوكب في السماء وأكثر الكواكب إشراقا ً ونوراً وضياء ً. فلما رآها قال هذا ربي هذا أكبر. فلما أفلت بغروبها وذهاب جرمها واختفائه عن أعين الناس واجه قومه بالحقيقة التي ينشدها لهم يا قوم إني بريء مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا ً وما أنا من المشركين. وهنا حاجه قومه في توحيد ربه فأنكروا عليه ذلك كما أنكروا عليه براءته من آلهته فانبرى لهم قائلا ً:{أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ} ، فكيف يصح عقلا ً أن أتنكر لربي رب السماوات والأرض فأنكر وجوده وأنكر توحيده، والحال أنه قد هداني لمعرفته فعرفته وإلى صراطه المستقيم فسلكته، أبعد كل هذا تحاجوني في ربي أما ترعون، أم أنكم قوم لا تعقلون؟. ولما رأوا من إبراهيم الإصرار على التوحيد، وإبطال الشرك والتنديد به، وشاهدوا استخفافه التام بآلهتهم المدعاة الباطلة خوّفوه بآلهتهم، وأنها ستنتقم لنفسها ولعابديها منه إن هو بقي على معاداتها وا لإ ستخفاف بها والسخرية منها.
فرد عليهم إبراهيم قائلا ً: سأبقى على توحيد الله، وعلى الدعوة إليه، منددا ً بشرككم ساخرا ً من آلهة باطلكم، ولا أخاف تلك الآلهة التي تشركون بها إن تصيبني بشيء، إذ أنها لا تنفع ولا تضر لضعفها وحقارتها إن هي إلا أصنام نحتموها بأيديكم، وعبدتموها بأهوائكم، فكيف تضر، أو يخاف منه ضر أو شر، اللهم إلا إذا أراد ربي أن يصيبني بشيء عقوبة لي على تقصير مني في عبادته، أو ابتلاء لي في طريق دعوته للصبر عليها، أو أتخلى عنها فإن ذلك من مقتضيات حكمة الله وعلمه، فقد وسع ربي كل شيء علماً.
ثم بعد إقامة الحجة عليهم في بطلان آلهتهم وعجزها عن إصابته بأي أذى أو سوء لم يرده الله تعالى له. أقبل عليهم يوبخهم بجهلهم وغفلتهم وعدم تذكرهم إذ لو علموا بطلان ما هم عليه، ولم يجهلوا الحق الذي يدعون إليه، ولم يغفلوا عن واقع الحياة التي يعيشون وتذكروا في أنفسهم أن ما يخوفون به إبراهيم إنما هو جماد لا حياة فيه، ولا سمع ولا بصر له فكيف يمكنه أن يضر إبراهيم، أو يناله بأدنى سوء، لما خوفوه عليه السلام بما اتخذوا من أصنام آلهة ولكنهم جهلاء غافلون فاقدون لكل تدبر أو تذكر.
وبعد أن وبخهم على جهلهم وغفلتهم، وعدم تذكرهم، عاد لحجاجهم عله يكسر من أغلال تقليدهم ويمزق غفلتهم، ويخفف من تبلد حسهم فيتبينوا الحق ويرجعوا إليه فتتم هدايتهم وينجو من غوايتهم. فقال لهم في أسلوب الإ ستفهام التعجبي المثير للنفس، المحرك للضمير: وكيف أخاف أنا من أشركتم من آلهة لا سمع لها ولا بصر، ولا قدرة لها على نفع أو ضر، ولا تخافون أنتم أنكم أشركتم في ربوبية الله تعالى وعبادته ما لم ينزل به سلطانا ً من هذه الأوثان التي تعبدون، والآلهة التي تزعمون، مع أن الشرك ظلم عظيم يستوجب فاعله العقوبة الشديدة، والعذاب الأليم.
وختم حجاجه عليه السلام بقوله: فأي الفريقين أحق بالأمن من الخوف إن كنتم تعلمون. فريق الإيمان والتوحيد والطاعة وهو أنا، أم فريق الكفر والشرك والمعصية وهو أنتم. أجيبوا عن سؤالي هذا إن كان لديكم علم تجيبون به. وإلا فاعترفوا بجهلكم، وضعف مسلككم في حجاجكم. فإن ذلك أولى بكم، وأليق بمثلكم أيها المحجوجون المغلوبون.
وإلى هنا انتهى الحجاج بين إبراهيم وقومه بانتصار إبراهيم وغلبته وانكسار قومه وهزيمتهم. والنتائج التي تستخلص من هذا الحجاج قد تلخص فيما يلي:
1-
مراعاة الأدب في الدعوة والمناظرة بعدم استعمال الكلمة الخشنة النابية، إلا إذا خرج الخصم المجادل عن تلك الحدود من الآداب المرعية في الجدال والمناظرة.
2-
مراعاة حال المدعو، وتقديم البيان والهد ي إليه شيئا ً فشيئا ً والأخذ بيده تدريجا ً تدريجاً إلى أن يوصل به إلى محيط الهدى ودائرة النجاة إن قدر له ذلك، وإلا فقد أعذر إليه وبرئت ذمة الداعي.
3-
من واجب منكر الباطل على غيره أن يتبرأ منه كما ت برأ إبراهيم من الشرك والمشركين، وا لإ زدراء منه بتناقضه، إذ كان ينهى عن الشيء ويفعله أو يرضى به.
4-
تخويف المشركين إبراهيم من آلهتهم أن تمسه بسوء، سنة باقية في الناس إلى اليوم، فكثيرا ً ما يخوف القبوريون اليوم المصلحين من الأولياء والصالحين الأموات إذا المصلح الداعي أنكر على الناس دعاءهم وا لإ ستغاثة بهم والذبح لهم.
5-
صاحب الحق أولى بالدفاع عن حقه وتحمل الأذى في ذلك من صاحب الباطل، غير أن الناس اليوم على خلاف ذلك فإنا نرى أصحاب الباطل يبذلون الكثير من الجهد والمال في سبيل نصرة باطلهم ويتحملون في سبيل ذلك الكثير من الأتعاب، ونرى على العكس من ذلك أصحاب الحق فإنهم في الغالب لا يبذلون لنصرة حقهم نفسا ً ولا مالا ً، ولا يتحملون تعبا ً كبيراً ولا صغيراً.
6-
الحق وإن ظهر لا بد له من تأييد بقوة الحجة، أو سلطان، وإلا لما سلم أهل الباطل له، ولا ما أذعنوا له، واعترفوا به.
والح ـ ق وإن ع ـ لا ليس بم ـ ؤيد
حتى يحوط بج ـ انبيه حس ـ ام
خط الرس ـ ول بيدي ـ هـ خندق ـ ا ً
وم ـ شى تحوله قنى وس ـ هام
3-
إبراهيم البلوى:
وعن إبراهيم البلوى نقول: إن ما ابتلي به إبراهيم عليه السلام من صنوف البلوى، وضورب الإ متحان ليعد وحيدا ً في بابه، فريداً في حياة الإ بتلاء وا لإ ختبار. إنه لم يعرف في تاريخ البشرية الطويل وخاصة بين أصحاب الرسالات من ابتلي ابتلاء إبراهيم الخليل، كل ذلك ليعد لمنصب الإمامة التي لم يتسمه ولم يرق إليه سوى إبراهيم عليه السلام. قال تعالى في ذلك:{وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً} .
إن ما ابتلي به إبراهيم فصبر له وفاز بحسن عقباه لكثير جداً، ونحن نذكر طرفاً منه:
1-
إرساله وحده إلى أمة غارقة في الوثنية، ضاربة في الضلال، على رأسها ملك جبار طال عمره واتسع ملكه فغره ذلك فادعى الربوبية، فهو لا يرى رباً سواه، ولا ملكاً حاكماً غيره إلى مثل هذه الأمة وهذا الملك يُبعث إبراهيم ليندد بالشرك والوثنية، ويصرخ في وجه الظالم والطغيان. فيحمل رسالته بكفه وينادي بأعلى صوته: ماذا تعبدون أئفكا ً آلهة دون الله تريدون، فما ظنكم برب العالمين؟ ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون.. ما تعبدون؟ قالوا نعبد أصناما ً فنظل لها عاكفين. هل يسمعونكم إذ تدعون، أو ينفعونكم أو يضرون. قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون. قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين. تالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين فجعلهم جذاذا ً إلا كبيرا ً لهم لعلهم إليه يرجعون.
2-
إلقاؤه في النار:
ورأى المشركون آلهتهم متساقطة مبعثرة متناثرة فثارت ثائرتهم، وتأججت نار الحمية في قلوبهم، وتساءلوا عمن فعل بآلهتهم الخراب والدمار، والحق بها الخزي والعار وعلموا أنه الفتى الساخط عليها الناقم منها إبراهيم أحضروه وناظروه فكبتهم وأذلهم وألحق المهانة بهم وبآلهتهم فحاكموه وظلما ً حكموا عليه فبنوا تنوراً أعظم تنور وأحرقوا فيه النار حتى كانت جحيماً لا تطاق القوة فيها فكان هذا كذلك امتحانا ً من أقسى الإ متحانات وابتلاء نادرا ً في باب الإ بتلاءات.
3-
هجرته إلى الشام:
وثالث الإ بتلاءات أن يهاجر إبراهيم فيترك أهله وبلاده، ويقول إني مهاجر إلى ربي إنه هو العزيز الحكيم. إنه بعد أن أنجاه الله من النار بكلمة الله تعالى {قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ} فكانت كما أراد الله برداً وسلاماً على إبراهيم، فخرج منها ولم يمسه سوء ولم ينله مكروه. قرر إبراهيم الهجرة فخرج مهاجراً يؤم أرض الشام وبلاد كنعان. فخروجه من بلاده عليه السلام تاركاً كل شيء وراءه وهو يتجه إلى مجهول من البلاد ليس له فيه صديق أو حميم يعتبر ابتلاء من أعظم أنواع الإ بتلاءات.
4 -
إسكانه امرأته وولده بوادي مكة:
بأمر الله تعالى أسكن إبراهيم أم إسماعيل وولدها وادي مكة حيث لا زرع ولا ضرع والمرأة شقيقة الرجل، والولد فلذة كبده. فليس من غير الإ بتلاء القاسي الشديد أن يضع الرجل زوجه وولده في مكان بعيد ليس فيه ماء ولا مرعى، ولا جار ولا دار، ويقفل راجعاً فتقول له امرأته: لمن تتركنا هنا؟ .. آلله أمرك، فيقول: نعم، فتقول إذاً فاذهب فإنه لا يضيعنا. يذهب ويترك امرأته وولده امتثالا ً لأمر ربه تعالى.
5 -
رؤياه ذبح ولده:
ومن أعظم البلايا التي ابتلي بها إبراهيم وحي الله تعالى إليه أن يذبح ولده إسماعيل قربانا ً لله تعالى إنه بعد أن كبر إسماعيل وبلغ حد السعي والعمل رأى إبراهيم عليه السلام رؤياه العظيمة التي توحي بذبح إسماعيل قربانا ً لله تعالى فقال لإسماعيل يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى، فأجابه إسماعيل قائلا ً: يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين، وخرج إبراهيم بإسماعيل إلى منى ليذبحه هناك، وفعلا ً تله للجبين، وأمر مديته على رقبة الابن الصابر وإذا الحديد لم يقطع، وإذا بمناد يقول خذ الكبش واترك الغلام، وفداه الله بذبح عظيم فذبحه ونجا إسماعيل وقال الله تعالى يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين إن هذا لهو البلاء العظيم.
6 -
بناء البيت:
إذا كان التكليف من الإ بتلاء فإن تكليف إبراهيم ربه ببناء بيت له بوادي مكة حيث لا رجال ولا ماء ولا عدة ولا عتاد فيقوم إبراهيم بمساعدة ولده إسماعيل بإنشاء بيت عظيم عجزت قريش وهي أمة عن إتمامه عند تجديد بنائه، لتكليف جد شاق ابتلي به إبراهيم إعدادا ً له ليصبح إمام الناس، وخليل رب العالمين {وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} .
ونهض إبراهيم بهذا التكليف وبنى البيت الذي أمر ببنائه، فكان هذا نوعا ً من الإ بتلاء الذي ابتلي به إبراهيم فصبر عليه، فكان بذلك إبراهيم البلوى والوفاء..
7-
ختانه نفسه:
وآخر هذه البلايا التي ابتلي بها إبراهيم فصبر لحكم ربه برضا مولاه الذي ابتلاه أمر الله تعالى له أن يختن بعد أن بلغ سن ثمانين من السنين، فاختتن إبراهيم بقدوم. كما أخبر بذلك الرسول صلى الله عليه وسلم في صحيح الأحاديث.
إنه بهذه السلسلة ذات الحلقات السبع من الإ بتلاءات العظيمة أصبح بها إبراهيم بحق إبراهيم البلوى وإبراهيم الوفاء، وفاز بلقبين عظيمين لم يفز بهما غير إبراهيم وهما الإمامة، والخلة، فكان إبراهيم إمام الموحدين، وخليل رب العالمين.
فسلام عليه في العالمين، وسلام عليه في المرسلين.
4 -
إبراهيم الهجرة:
إن للهجرة في دين الله تعالى شأنا ً ناهيك بها أنها تعدل الجهاد في ذات الله تعالى كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقاً حَسَناً وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ، لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ} .
ومن هنا كان العالمون من سلف هذه الأمة يقول أحدهم: " لا أبالي أكنت في قبر مجاهد، أو مهاجر ".
وما ذاك إلا أن الإ بتلاء بهما متساو في المشقة، متعادل في المثوبة والأجر.
وإبراهيم عليه السلام أول من سن الهجرة في ذات الله فقال بعد أن نجاه الله من النار: إني مهاجر إلى ربي إنه هو العزيز الحكيم، فهاجر من بابل العراق إلى الأرض المباركة من الشام وترك وراءه الوطن والأهل والمال. واتجه إلى أرض مجهولة لديه، وبلاد بعدت عليه، فرارا ً بدينه، وهجراً لقومه وأهله وما يعبدون من دون الله. فخرج إبراهيم ومن آمن معه وهو ابن أخيه لوط عليه السلام، واتخذ من أرض الشام دار هجرة، فكانت الشام تعرف بعد ذلك (بمهاجر إبراهيم) . وسر هذه الهجرة كغيرها من الهجر في ذات الله: أن يتمكن المهاجر من عبادة الله تعالى بعد أن عجز عنها في بلاده، وبين قومه وأن لا يرى المنكر أمامه وهو عاجز عن تغييره وأن يطلب من الأسباب ما يمكنه من الجهاد نصرة للحق وأهله، وإرغاما ً للباطل وحزبه.
5 -
إبراهيم الخلة:
وعن إبراهيم الخلة [6] نقول: إن إبراهيم عليه السلام بذل كل شيء في سبيل حب الله تعالى فغلب عليه ذلك حتى كان لا يطعم الكافر طعاما ً ولا يسقيه شرابا ً، وإلى ذلك الإشارة في قوله تعالى:{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} فقط طلب الرزق من الثمرات لمن آمن فقط دون من كفر.. فرد الله تعالى ذلك بقوله: {وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} .
وفي هذا تقول آثار: إن كافرا ً استقرى إبراهيم يوما ً فسأله طعاماً فقال له:" إن تؤمن بربي أطعمتك؟ فقال الكافر: لا أترك ديني من أجل لقمة طعامك وانصرف، فأوحى الله تبارك وتعالى إلى إبراهيم: عبدي أطعمه منذ سبعين سنة وهو كافر بي ولم أمنعه الطعام لكفره، وأنت استطعمك يوما ً فاشترطت عليه أن يترك دينه الذي هو عليه منذ سبعين. فلحقه إبراهيم وا عتذر إليه وأطعمه فقال له الكافر: ما بدا لك يا إبراهيم؟ قال: لقد أوحى الله إلي بكذا وكذا.. فقال الكافر: أو قد وقع هذا، مثل هذا ينبغي أن يؤمن به ويعبد فأسلم الكافر ".
وتقول الآثار: " إن جبريل وميكائيل وإسرافيل لما نزلوا ضيفا ً على إبراهيم وهم في طريقهم إلى قرى لوط، وقدم لهم الطعام وامتنعوا أن يأكلوا. فقال لهم: ألا تأكلون؟ فقالوا: إنا نأكل طعاما ً إلا بحقه فقال: كلوا بحقه قالوا: وما حقه؟ قال: إن تسموا الله في أوله وتحمدوا لله في آخره. فالتفت جبريل إلى ميكائيل وقال: حق للرجل أن يتخذه ربه خليلا ً".
ومهما يكن فإن الخلة قالها إبراهيم - كما قال تعالى واتخذ الله إبراهيم خليلا ً - قالها بتوحيده وصبره وصدقه وحبه ووفائه ورحمته وهجرته وطاعته ونصيحته ومن أعظمها أن يطلب إليه الحبيب أن يقدم له فلذة كبده فلم يتردد إبراهيم وقدم إسماعيل قربانا ً لله تعالى فأي ابتلاء أعظم من هذا الإ بتلاء؟ وكيف والله تعالى يقول فيه: {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ ، وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ، وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} .
6-
إبراهيم القدوة:
وعن إبراهيم القدوة نقول: إن إبراهيم بمواقفه البطولية المشرفة تأهل لأن يكون قدوة لمن جاء بعده من أهل الإيمان والصلاح. وحسبنا في ذلك أن يقول الله تعالى في كتابه العزيز: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَه} .
فقد جعل الله تعالى إبراهيم قدوة لأهل الإيمان يقتدون به في شتى مواقفه التي نجملها فيما يلي: في توحيد الله، في البراءة من الشرك وأهله، في الهجرة في ذات الله، في الصبر على طاعة الله، في الوفاء بكل التزام لله.
ضرب إبراهيم المثل في كل هذه الجوانب من حياة الإيمان والإسلام والإحسان فأصبح مثالا ً يحتذى، وقدوة صالحة بها يقتدى.
7-
إبراهيم الرحمة:
وعن إبراهيم الرحمة نقول: إنه لا أدل على رحمة إبراهيم التي غلب وصفها عليه حتى أصبح يعرف بها من أن يبتليه ربه تعالى بذبح ولده إسماعيل، لأنه ابتلاء يرفع المبتلى إلى درجة الخلة يكون أقسى أنواع الإ بتلاء، وأ شده. فالأمر بذبح فلذة الكبد امتحانا ً لرجل عرف بالرحمة القلبية حتى كان ينادى بالأب - الرحيم، دال على رحمة إبراهيم وشاهد صدق عليها.
ومن مظاهر رحمة إبراهيم قوله وهو يناجي ربه: فمن تبعني فإنه منى، - ومن عصاني فإنك غفور رحيم. فإن في قوله: فأنت غفور رحيم تلويحا ً أشبه بتصريح بأن يقول ومن عصاني فيما هو غير الشرك والكفر فاغفر له وأرحمه، فإنك غفور رحيم.
8-
إبراهيم الأمة:
وعن إبراهيم الأمة نقول: إن وصف إبراهيم بلفظ الأمة كان من وصف الله تعالى له بذلك في قوله من سورة النحل: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} شاكراً لأنعمه.
ووصف الله تعالى هذا له بأنه أمة يعتبر شهادة من الله تعالى له بذلك وكفى بالله شهيداً.
ومعنى أمة أنه جامع للكمالات والفضائل التي لا توجد مجتمعة إلا في أم ة من الناس وهو العدد الكبير. كما أن معنى أمة دال على أن ما تقوم به الجماعة من الناس يقوم به الفرد الموسوم بأنه أمة، وعلى سبيل المثال نقدم رسول الله لهذه الأمة محمد صلى الله عليه وسلم. فنجده فداء أبي وأمي كان قائما ً بما تقوم به أمة من الناس وتعجز عنه، فالرسالة، والإمامة والقضاء، والقيادة فهذه المهام من المناصب لا ي قوم بها عادة إلا أفراد عديدون فإذا قام بها فرد كان بذلك أمة وصح وصفه بأنه وحده أمة.
وهكذا كان إبراهيم أمة فإنه عاش دهراً طويلا ً لا يعبد الله ويوحده في الأرض إلا هو، ولا يأمر بمعروف وينهى عن منكر في الأرض سواه، ثم قد جمع من الفضائل النفسية والكمالية البشرية ما لا يجتمع عادة إلا في العدد الكثير من الناس.
والعبرة من هذه الصفات الكمالية التي استعرضناها لإبراهيم عليه السلام هي أن يجد فيها الداعية المسلم القدوة الصالحة والأسوة الحسنة فيتمثلها في حياته وهو قائم برسالة الحق والخير يعرضها على الناس ويدعوهم إلى الأخذ بها والتمسك بما فيها من الإصلاح والهدى ليكملوا ويسعدوا. فتساعده على حمل رسالته والوصل بها إلى حيث يريد أن يصل بها من إصلاح الناس وهدايتهم ليكملوا ويسعدوا في الحياتين، وسلام على إبراهيم في المرسلين والحمد لله رب العالمين.
ج ـ - موسى الكليم:
من نماذج الدعاة إلى الله تعالى، وإلى الحق والخير، موسى النجي الكليم عليه الصلاة والتسليم.
ترجمته:
فمن هو موسى الكليم؟ إنه موسى بن عمران بن قاهث بن عازر بن لاوى بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عليه السلام. لقب بالكليم وهو لقب تشريف عظيم، إذ كلمه ربه تعالى كفاحا ً أي مواجهة بدون واسطة ملك أو غيره، كما يلقب بالنجي لمناجاة الله تعالى له، وتم له الكلام والمناجاة بطور سيناء، قال تعالى:{وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصاً وَكَانَ رَسُولاً نَبِيّاً، وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً، وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيّاً} .
كانت حياة هذا الرسول الكريم والداعية المخلص العظيم مليئة بالبطولات والتضحيات موحية بمعاني القوة والكمال، والخير والجمال. وإنه لمن غير المتيسر استعراض كل تلك الحياة، والوقوف منها على كل مواطن العظة والعبرة فلذا حسبنا منها لقطات قليلة، ونظرات عابرة يسيرة. تعود على من يقف عليها، وينظر فيها بفوائد روحية، وطوائلة خلقية لم يتوفر على مثلها لو درس حياة أمم وأجيال، من غير أمثال هؤلاء الرجال.
هذا وما سنلقي عليه نظرة خاطفة من حياة موسى النجي الكليم وهي كما تقدم مليئة بالعبر والعظات، زاخرة بالبطولات والتضحيات. هو الكمالات النفسية التالية:
بلاؤه وصبره. نجدته وعفته. قوته وأمانته. شجاعته وقوة حجته. صدقه ووفاؤه. إخلاصه وتوكله. علمه وتواضعه.
بلاؤه وصبره:
فعن بلائه وصبره نقول: إن البلاء الذي اكتنف حياة النجي الكريم موسى عليه السلام من لدن ولادته إلى وفاته، لبلاء عظيم، وفي قوله تعالى من سورة طه:{وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً} إشارة واضحة صنوف البلأ الذي لازم حياة موسى الكليم من المهد إلى اللحد فسلام عليه في المبتلين، سلام عليه في الصابرين.
وها هي ذي نقاط سوداء نشير بها إلى صور عدة من ذلك البلاء:
وفي ذلك عبرة للمعتبرين، وذكرى للذاكرين.
- خوف أمه عليه، وهي حامل به، من أن يطلع عليه مجرموا آل فرعون ساعة وضعه، فيذبحوه تنفيذا ً لقرار فرعون بذبح المواليد الذكور في ذلك العام.
- وضعه في صندوق خشبي وإلقاؤه في اليم كلما أحست أمه بحركة، أو سمعت صوتا ً عند باب منزلها خوفا ً عليه من آل فرعون أن يقتلوه. حتى كان يوم انقطع فيه الحبل وذهب الماء بالتابوت إلى قصر آل فرعون للناقمين عليه الطالبين له، فكان هذا فتونا ً أي فتون.
- تحريم الله المراضع عليه، فلم يرضع منهن واحدة وهو يت ض ور جوعا ً، ويتألم عطشا ً فترة من الزمن، حتى رد إلى أمه فأرضعته، وأخذت أجرة عليه. فكان هذا بلاء، وكان فتونا ً أي فتون.
- هم فرعون بقتله لما تشاءم منه، حتى شفعت آسيا له بقولها: قرة عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً. فكان هذا بلاء به وفتونا ً أي فتون.
- قتله القبطي (خطأً) وما لحقه من جراء ذلك من الهم والغم، وما أصابه من الخوف نتيجة ائتمار الملأ به ليقتلوه، بالنفس التي قتلها، فقضى أياما ً خائفا ً يترقب، فكان هذا بلاء ً عظيما ً صبر موسى عليه.
- هجرته وحده من أرض مصر إلى مدين بلا زاد يأكله ولا ظهر يركبه فناله من الجوع والأعباء ما هو بلاء أو شد من البلاء.
- رعيه الغنم بالصحراء وهو الذي عاش في قصور الأمراء حتى قضى عشرا ً من السنين في أرض الغربية بعيداً عن والدة وأخته وأخيه. فكان هذا من البلاء الذي نزل به وصبر عليه.
- تكليفه وإن كان فيه تشريفه بحمل الرسالة إلى فرعون الطاغية الجبار، مدعي الربوبية وزاعم الألوهية، مضمونها: أن يتجلى عن دعوى الربوبية والألوهية لله ويعبد الله الذي لا إله غيره ولا رب سواه. وأن يرسل مع موسى بني إسرائيل عباد الله إلى الأرض المقدسة التي كتب الله، فكان في هذا من البلاء ما فيه، فصبر موسى عليه.
- خوضه المعركة الفاصلة بينه وبين السحرة تلك المعركة التي أوجس فيها موسى خيفة حتى قال له ربه تعالى: {لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى} .. فكان هذا من البلاء.
- حجاجه لفرعون وآله عدة سنين يقارع فيها الحجة بالحجة ويقابل فيها البرهان بالبرهان، ويسمع فيها من التهديد والوعيد، ما هو بلاء أو أعظم من البلاء.
- ردة بعض بني إسرائيل في غيبته بعبادتهم العجل، وما ناله في ذلك من هم وما أصابه من حزن وغم وما تملكه من جراء ذلك من غضب حتى ألق ى الألواح فتكسرت وأخذ برأس هارون أخيه يجره إليه عاتبا ً عليه مؤنبا ً إياه. أليس هذا من البلاء، فصبر عليه موسى.
- خروجه بخيار قومه إلى الطور ليطلب لبني إسرائيل التوبة ويسأل لهم العفو والمغفرة، وتعنت أولئك المختارين معه، وطلبهم رؤية الله جهرة، حتى أماتهم الله وأحياهم بأخذ الصاعقة لهم وهم ينظرون. وعدم أخذهم التوراة وتمردهم على موسى في ذلك حتى شق الله الجبل فوق رؤوسهم فأخذوها مكرهين خائفين. أليس هذا من البلاء المبين؟ لموسى الكليم؟ وقد صبر عليه.
- اشتراط الله تعالى لقبول توبتهم أن يقتل بعضهم بعضاً ففعلوا حتى بكى موسى وهارون خوفاً من فناء بني إسرائيل، وس ألا الله تعالى أن يرفع منهم القتل فاستجاب الله تعالى لهم وتاب على بني إسرائيل إنه هو التواب الرحيم، أليس هذا من البلاء المبين الذي صبر عليه موسى الكليم؟
- خروجه بني إسرائيل لقتال العمالقة بأرض القدس، ونكول قومه عن قتالهم، وإظهارهم الجبن والخوف منهم بقولهم إن فيها قوما ً جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها. وإساءتهم الأدب معه عليه السلام إذ قالوا له:{فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} . أليس هذا من البلاء المبين؟
- ما قضاه في التيه مع بني إسرائيل من حياة طويلة تعرض فيها لألوان من تعنت بني إسرائيل وسوء آدابهم، وقبح سلوكهم الأمر الذي لا يطيقه الأمثل موسى الكليم عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم. أليس هذا من البلاء المبين الصبر العظيم الذي جعل موسى في عداد أولي العزم الصابرين؟ لاقى موسى عليه السلام كل هذه الضروب من البلاء، فصبر عليها، فكان بذلك أحد أولي العزم الصابرين الذي أمر إمام الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم بأن يصبر كما صبروا في قول الله تعالى:{فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} وهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم عليهم السلام.
نجدته وعفته:
وعن نجدة موسى وعفته المثاليتين نقول: ومن كمالات موسى الكليم النفسية والخلقية نجدته وعفته، وهما خلتان كريمتان يتنافس في اكتسابهما وا لإ تصاف بهما أعاظم الرجال. وبما أن هاتين الخلتين تغلبان على حياة الكليم الروحية والخلقية فإنا نكتفي بذكر حادثتين وعرض موقفين تتجلى لنا فيهما خلتا النجدة والعفة عند موسى النبي النجي عليه السلام.
إن الحادثة الأولى وحياة موسى كلها أحداث مروره بالقبطي والإسرائيلي وهما يقتتلان، واستغاثة الثاني به ليخلصه من الشدة التي أنزلها الأول به، وما تردد موسى في نجدته وإغاثته حيث وكز القبطي وكزة قضى فيها عليه، فكانت هذه مظهراً من أجل المظاهر لنجدة موسى وقوته.
والثانية كانت عند ما جلس تحت الشجرة يستظل بظلها قريبا ً من ماء مدين والرعاة يسقون ويصدرون، وامرأتان تذودان غنمهما حتى لا تختلطا بالرعاء حفاظا ً على شرفهما، وإظهارا ً لكمال عفتهما، فيتقدم الكليم مدفوعاً بخلة النجدة المتأصلة في نفسه، وكأنه أسد هصور وعلى ما هو عليه من وعثاء السفر وغلبة الجوع، فيسقى لهما غنمها ويتولى إلى الظل الذي كان به، كأسد يعود إلى عرينه، فاخر موسى بنجدته المتقدم وقدم المتأخر، وكذلك أهل النجدة يفعلون.
فهذان هما الحادثان وقد تجلت لنا في كل منهما خلة النجدة لدى موسى عليه السلام. أما الموقفان فأولهما كان عند ما تقدمته الفتاة المرسلة إليه لتأتي به إلى والدها ليجزيه على معروفه الذي أهدى وجميله الذي أسدى، وقد عبثت الريح بدرع الفتاة فانكشف منها بعض ساقها فأبت عفة موسى عليه أن ينظر منها إلى ما كشف الريح عنها، فقال لها:" يا فتاة الطهر، امشي وراء الظهر، وأرشديني إلى الطريق بحصى تقذفين بها ".
فكان هذا موقفا ًَ رائعا ً لموسى تجلت فيه عفته أكبر التجلي، وثانيهما كان في استئجاره نفسه من والد المرأتين يرعى له غنمه أتم أجلين وأوفهما "عشر حجج كاملة "مقابل شبع بطنه وإحصان فرجه، إن عملا ً كهذا من شاب في مقتبل العمر، وقوة الفتوة ليعد نادرة النوادر، في حياة الشباب وما كان ذلك إلا لشرف أصل موسى، وكرم محتده وزكاة روحه وعفة نفسه. إن هذه المواقف المشرفة التي وقفها موسى وهو يهيئ لحمل الرسالة ويعد للإمامة والقيادة، لما ينبغي أن يكون نصب أعين الدعاة في كل بلاد الله. أن النجدة والعفة متى خلت النفس منهما خف وزنها، ورق حبل كمالها، وأصبحت نفسا ً لا عبرة بها، ولا وزن لها وأنى لها يومئذ أن تقود أو تسود.
قوة وأمانته:
وعن قوة موسى وأمانته نقول: أن القوة والأمانة في الرجل من مؤهلاته الكبرى لتسنم المراتب العالية، وا لإ رتقاء إلى المناصب الشريفة السامية، وأن حمل رسالة الحق والخير والإصلاح إلى الناس لمنصب شريف، ومرتبة عالية فلا يرشح لهما إلا من توفر لديه مؤهل القوة والأمانة، وقد جمع الله تعالى لعبده ورسوله موسى عليه السلام بين القوة والأمانة: قوة البدن وقوة العزم وقوة الروح، وأمانة النفس وأمانة القول وأمانة العمل، فكان قويا ً أمينا ً، وكان أهلا ً لحمل أعظم رسالة في تاريخ بني إسرائيل. وإن أردنا أن نشير إلى بعض الأحداث التاريخية في حياة موسى التي ظهرت فيها قوته وأمانته، زيادة على شهادة بنت شعيب له ذلك وهي ترشحه للعمل في مال أبيها، إذ قالت:{إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ} .
فإنا نذكر حادثة قتله القبطي بضربة واحدة مالها ثانية فكانت هي القاضية. قال تعالى فيها: {فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ} .
كما نذكر أنه على ما أصابه من جهد، وما مسه من جوع ونصب في رحلته الشاقة وسفره الطويل (والسفر قطعة من العذاب) استطاع أن يرفع غطاء البئر، وقد كان صخرة كبيرة لا يضعها ولا يرفعها بحال إلا عصبة من الرجال وهو المنظر الذي شهدته فتاته فعرفت به قوته، وشهدت بها له عند أبيها ساعة ما رشحته للعمل فقالت: يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين. هذا عن قوة موسى أما عن أمانته فحدث ولا حرج وحسبه أن يقرر وصفه بالأمين القرآن الكريم في قوله تعالى: {أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ} [7] .
والأمانة وصف لازم لكل أرباب الرسالات، وحاملي شرف النبوات وموسى نبي الله، ورسول الله، ولهذا نكتفي من جانبنا في إثبات أمانة موسى وتقريرها، بإعادة استعراض الحادثة التي سبق إن استعرضناها مستدلين بها على خلة العفة النفسية لموسى، وهي حادثة بنت العبد الصالح لما صحبته من منزله قريبا ً من الماء، إلى منزل والدها حيث جمعت الطريق بينهما في خلوة كاملة. فقد روى أنه عندما بدا له بعض جسمها عاريا ً مكشوفا ً لم تسمح له أمانته أن ينظر إليها فاضطر إلى أن يمشي إمامها وهي دليله، كل ذلك من أجل أن لا يخون أمانته بنظرة يلقيها على جسم لا يحل له النظر إليه، كأن موسى قرأ ما قرأناه في كتاب الله، {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} .
إن موسى لم يقرأ هذا الذي قرأناه، ولكنه كان أمينا ً بالفطرة التي فطره عليها الله جل جلاله. فسلام عليه ذا نجدة وعفة. وسلام عليه قويا ً أمينا ً.
شجاعته وقوة حجته:
وعن شجاعة موسى وقوة حجته نقول: إن الشجاعة في اعتقاد الحق وقوله والعمل به تعتبر من أنبل الخلائق، وأسمى الفضائل، وأكرم الشمائل، وفي الحديث الشريف سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله. وإن كانت الشجاعة على نوعين: شجاعة قلوب، وشجاعة عقول، والأخيرة قليلة، والأولى كثيرة.
إن الشج ـ اعة في القلوب كثيرة
وأرى شجع ـ ان العق ـ ول قليلا [8]
وكلا نوع ي الشجاعة محمود محبوب، وإن كانت شجاعة العقول أكثر حمدا ً لاختصاصها بالنوع الإنساني دون شجاعة القلوب حيث يشارك فيها الإنسان الحيوان ومن أشجع من ذي اللبدة ملك السباع الأسد!!؟
ونبي الله موسى عليه السلام أوتي من الشجاعة بنوعيها حظا ً كبيرا ً وقسطا ً وفيرا ً. ولنستعرض بعض الجوانب من حياته لنشاهد المواقف الشجاعة التي وقفها عليه السلام، وبها تتجلى لنا شجاعة موسى القلبية والعقلية معا ً وعلنا ً نأتس ى به في شجاعته فنكتسب خلة شريفة: الدعاة أحوج ما يكونون إلى مثلها في حياة الدعوة التي هي حياة العمل والجهاد.
تقدم موسى عليه السلام برسالته إلى فرعون وهي رسالة مزدوجة جانب منها يطالب فرعون بالإيمان بالله تعالى ومعرفته وخشيته: إذ أمر الله تعالى موسى أن يقول لفرعون: هل لك إلى، أن تزكى، وأهديك إلى ربك فتخشى. وجانب يطالبه بالسماح لشعب بنى إسرائيل أن يذهبوا مع موسى إلى الأرض المقدسة من بلاد الشام (فلسطين) إذ أمر الله تعالى موسى وهارون أن يقولا لفرعون {إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرائيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى} .
ولما عرف فرعون مضمون الرسالة وما تحمله من دعوة صريحة إلى الإيمان بالله وحده والكفر بكل الطواغيت التي تعبد من دون الله، ما تردد فرعون اللعين في تهدد موسى بالسجن مرة وبالقتل أخرى، إذ قال: لئن اتخذت إلها ً غيري لأجعلنك من المسجونين. وقال لرجال دولته: ذروني أقتل موسى وليدع ربه.... فمثل هذا التهديد والوعيد من طاغية كفرعون من شأنه أن يرهب ويخيف ويجعل المطالب بالحق يتخلى عن مطالبة بعذر الضعف والعجز لكن موسى الشجاع لم يفت ذلك من عضده، ولم يفل من قوة عزمه فقابل تهديد فرعون ووعيده بشجاعة لا نظير لها، إذ لم يزد أن قال إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب. فقرر التوحيد وأبطل الشرك وذم الكبر والكفر وأهلهما. فهذا موقف بطولي نادر قد وقفه موسى يسمع فيه رعد التهديد ويرى برق الوعيد، فلم يضعف لدلك ولم يهن فكان مظهرا ً من مظاهر شجاعة موسى النادرة الفذة.
وموقف آخر يتجلى في تقديمه عليه والسلام السحرة عليه في إلقاء حبالهم وعصيهم التي استحالت في اللحظة الأولى إلى حيات وثعابين تملأ ساحة العرض الأمر الذي أوجس منه خوفه في نفسه. فأن تقديم موسى لخصمه عليه في إظهار قوته والضرب بها أمامه لمظهر عظيم من مظاهر الشجاعة القلبية والعقلية معا ً.
وموقف ثالث وإن ذكرنا له فيه جانبين عظيمين فيهما نجدته عليه السلام وقوته، فإن اندفاعته القوية نحو الجبار القبطي وهو يصاول الإسرائيلي الضعيف المستضعف، وأخذه إياه بتلك القوة وبدون تردد ولا تهيب حتى أزهق روحه لمظهر جلي لشجاعة موسى القلبية التي هي زينة الرجال وحلية الأبطال.
هذا عن شجاعته أما عن قوة حجته فحسبنا في تجلية ذلك وبيانه أن نسمع لهذا الحوار الكبير الذي دار بين موسى النبي الكليم وبين خصمه فرعون الجبار العنيد أرسل الله تعالى موسى وأخاه هارون عليهما السلام برسالة الحق إلى فرعون وم لا ئه، فقا لا: إنا رسول رب العالمين: أن أرسل معنا بني إسرائيل، فرد فرعون على هذا الطلب بقوله:{أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ، وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ} ؟؟؟ يريد اللعين بهذا الخطاب: القدح في رسالة موسى واستبعاد أن يكون رسولا ً حيث ذكر بفضله عليه في قصره، وبقتله القبطي وهي جناية قتل تقعد بصاحبها عن شرف الرسالة فرد موسى على الفور وفي شجاعة نادرة قائلا ً:{فَعَلْتُهَا إِذاً} - أي إذ ذلك وأنا ذلك من الظالمين أي الجاهلين ، {فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائيلَ} .
وواصل فرعون رده على قول موسى وهارون أنا رسول رب العالمين قائلا ً ُ: {وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ} ، فأجاب موسى بقوله:{رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ} . فالتفت فرعون إلى رجاله قائلا ً: كالمتعجب المستخف المكذب لقوله الحق: {أَلا تَسْتَمِعُونَ} ؟ وشعر موسى بمكر فرعون واستهتار بمو قف هـ منه ورسالته فقال: {رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ} . ولما خاف فرعون على رجاله أن يكون قول موسى الحق قد زلزلهم، وحرك كامن الفطرة في نفوسهم فيكفروا به ويؤمنوا بالله وحده قال في أسلوب ماكر مضلل تنفيرا ً لقلوب م لا ئه من قول موسى حتى لا يعتبروه ويعتدوا به:{إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ} .
وأراد اللعين بهذا الجواب أن يرمي برجاله في الخصومة ليتحملوا معه عبء المعركة فقال: {إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ} .فأثار بذلك غضبهم وأجج النار حميتهم، بعد أن أظهر نفسه في مظهر المترفع في مستوى لا يصل إليه أحد فيرسل إليه أو يخاطبه بغير إجلاله وإكباره. وعرف موسى هذا فرد عليهم بقوله الأول الذي أزعجهم وزلزل الأرض من تحت أقدامهم:{رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ} . فأعلمهم أن الذي أرسله هو رب كل شيء وليس ورب آبائهم الأولين فقط، ولوح لهم بأن هذه الحقيقة يدركها كل من يعقل، إذ كل الكون حادث مفتقر إلى محدث له، فرب العالمين ورب السماوات والأرض وما بينهما أي خالق ذلك ومالكه والمدبر له هو الذي أرسل موسى وهارون إلى فرعون وملئه برسالة الحق.
وأدرك فرعون قوة الحجة التي أدلى بها موسى، وأنها لا تقاوم بحال فلاذ العين بالتهديد والوعيد حفاظا ً على موقفه المنهار، وإبقاء على سلطانه الذي أخذ يتداعى تحت ضربات الحق الموسوية فقال في صفاقة وعدم حياء لئن اتخذت إلها ً غيري لأجعلنك من المسجونين. ظانا ً أن موسى سيخيفه التهديد والوعيد فيتخلى عن حجاجه قبل أن يفضحه ويهزمه. وعرف موسى هذا فأبى إلا أن يضطره إلى الحوار ليجلله بالخزي والعار فقال له: أولو جئتك بشيء مبين؟ فقال اللعين مضطرا ً إلى ترك الإ نسحاب من الميدان: {فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} .
علمه وتواضعه:
وعن علم الكليم وتواضعه في طلبه نقول: إن موسى عليه السلام آتاه الله حكما ً وعلما ً كما قال تعالى {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً} شأنه في ذلك شأن سائر الأنبياء المرسلين يعلمهم ربهم علوما ًً، ويؤتيهم مع ارف ما يصبحون بها أهلا ً لهداية الناس وإصلاحهم. بيد أن لموسى عليه السلام ميزة خاصة به في رغبته في العلم وا لإ ستزادة منه، يدلك على ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم في صحيحي الحاكم وابن حبان: " قال موسى يا رب علمني شيئا ً أذكرك وأدعوك به. قال: قل لا إله إلا الله، قال يا رب كل عبادك يقولون هذا الحديث
…
" ففي هذه الرواية الصحيحة تطلع كبير من موسى عليه السلام إلى المزيد من العلم والمعرفة، ورغبة أكيدة في طلب العلم والتقوى فيه، وقد بلغ موسى من العلم مبلغا ً جعله لا يرى بين الناس من هو أعلم منه يدل لذلك رواية البخاري، والتي فيها قول الرسول صلى الله عليه وسلم: " بينما موسى في ملأ من بني إسرائيل إذ جاءه رجل فقال: أتعلم أحدا ً أعلم منك؟ قال موسى: لا. فأوحى الله عز وجل إلى موسى: بلى، عبدنا خضر، فسأل السبيل إلى لقياه ".
ويدل على علم موسى عليه السلام وتبريزه فيه كراهيته للجهل أيضا ً وتنديده بالجاهلين. فإنه لما قال لبني إسرائيل قومه {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَة} وردوا عليه قائلين: {أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً} ؟ قال: َ {أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} ، إذ لا يقف مثل هذا الموقف إلا جاهل، كما أنه لما طلب إليه قومه [9] أن يجعل لهم إلها ً يعبدونه، رد عليهم فورا ً قائلا ً:{إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} . ففي الأولى استعاذ موسى من الجهل، وفي الثانية ندد به ونسب إليه كل انحراف في العقيدة وهو كذلك فإن سائر المعاصي والذنوب التي يغشاها الناس ناجمة عن الجهل بالله تعالى وقواعد دينه وأحكام شرعيه، ويشهد لهذه الحقيقة قول الله تعالى:{إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} فقد خص تعالى العلماء بخشيته ولم يرها لأ هل الجهل به وبشرائعه وأحكام دينه.
هذا عن علم موسى الواسع، ومعارفه الكبيرة أما عن تواضعه في طلب العلم فحدث لا حرج إذ لولا تواضعه عليه السلام عند الطلب لما حاز قصب السبق في باب العلم، إذ العلم لا يناله إلا المتواضعون في طلبه والحصول عليه ويشهد لهذا قول مجاهد رحمه الله تعالى لا يتعلم العلم مستح ولا متكبر ويشهد لتواضع موسى عليه السلام في طلب العلم حادثتان جليلتان. الأولى إقامته مع شعيب عليه السلام عشر سنين، إن ظاهر القضية يبدوا أن موسى ما أقام لدى شعيب يرعى غنمه إلا لعفة نفسه وإشباع بطنه: ولكن القضية في باطنها: إنها إقامة طلب علم وتربية روحية تخرج بعد هـ اموسى أهلا ً لحمل رسالة الحق والخير، فإن العيش في كنف عبد صالح يوجه ويرشده ويعلم ويحلم لأ كبر مدرسة يتعلم فيها المتعلمون ويتخرج فيها المتخرجون. إن رضا موسى برعي غنم شعيب ليعيش بجواره ويتلقى العلم منه لضرب من ضروب التواضع في طلب العلم. هذه الأولى والثانية أنه لما قام خطيبا ً في بني إسرائيل وأعجب به أحد الشباب فسأله قائلا ً: أتعلم أحدا ً أعلم منك يا موسى؟ فقال: لا، وأوحى الله تعالى إليه قوله: بلى، عبدنا خضر. طلب الرحلة إليه وسأل ربه السبيل إلى لقيه. فجعل الله تعالى له آية له تدله عليه، وترشده إلى مكان لقيه. وفعلا ً رحل موسى في طلب عبد الله ووليه خضر ووجده، ومن خلال ما دار بينهما من حديث تتجلى لنا حقيقة تواضع موسى في طلبه العلم، إذا قال له موسى عليه السلام وهو نبي ورسول وقائد أمة وإ مامها:{هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً} ؟ فمن سؤاله هذا وهو سؤال تلطف كبير، تظهر حقيقة تواضع موسى في طلب العلم. وإجابة خضر قائلا ً: َ {إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً} . لأني على علم مما علمني الله، وأنت على علم مما علمك الله، وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا ً، أجاب موسى في تواضع تام: {قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِراً
وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً} . ففي قوله عليه السلام ستجدني إن شاء الله من الصابرين تلطف كبير واستعطاف عظيم لعبد الله خضر في أن يسمح له بالسير معه والطلب عنه وفي قوله: {وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً} من التواضع في طلب العلم مالا يقادر قد ر هـ، ولا يعرف كنه حقيقة إلا ذو البصيرة في هذا الشأن.
ونزيد حقيقة تواضع موسى في طلب العلم وضوحا ً فنقول: إن نبيا ً نجيا ً مكلما ً قائدا ً مسؤولا ً عن أمة بكاملها يذكر له أن عبدا ً من عباد الله أعلم منه فيتخلى على الفور عن كل مهامه وشرف منصبه، ويطلب الرحلة إلى من هو أعلم منه ليتعلم عن هـ، ويتحمل المشاق الصعاب في سبيل لقيه فإذا لقيه تواضع له إلى حد أن قال لي: إني لا أعصي لك أمرا ً، إذ لازم هذا القول أنه لو أمره بأعظم الأمور وأشقها على النفس لما تردد في القيام بها طاعة لأستاذه وتواضعا ً منه في طلب العلم وهكذا يكون طلب العلم وهكذا يكون طلابه....
إخلاصه وتوكله:
وعن إخلاص الكليم وتوكله نقول: إن الإخلاص وهو إرادة الله تعالى بكل النيات والأقوال والأعمال بحيث لا يلتفت العبد في نيته أو قوله، أو عمله إلى أحد من الناس، هذا الإخلاص هو أساس الدين، وقوامه قال تعالى:{وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} . قال: {فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ. أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} . وأجدر الناس بهذا وأحقهم به أنبياء الله ورسله، وذلك لكمال معرفتهم بالله تعالى وقوة صلتهم به عز وجل. وأنبياء الله تعالى ورسله قد يتفاوتون في صفات الكمال الذي آتاهم ربهم، فيكون لأحد هم صفة يشاركه فيها كل الأنبياء والرسل غير أنه يكون فيها أكمل من غيره فتغلب تلك الصفة عليه فيعرف بها، وليس معنى ذلك أن إخوانه من الأنبياء والمرسلين ليسوا موصوفين بها وإنما برزوا فيها فقط فغلبت عليه فذكر بها، ومن ذلك صفة الإخلاص فقد وصف الله تعالى بها نبيه موسى بقوله من سورة مريم {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصاً وَكَانَ رَسُولاً نَبِيّاً} [10] .فوصفه بالإخلاص وهو وصف لم يذكره لغيره من سائر المرسلين إلا ما كان من يوسف عليه السلام إذ قالت فيه:{إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} وذلك لتجلى هذه الصفة في موسى وغلبتها عليه في سائر إراداته وأقواله وأعماله، ولنا أن نلحظ ذلك بوضوح في مثل قوله تعالى حكاية عنه عليه السلام:{رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ} . فان دعاؤه ربه تعالى على فرعون وآله بالطمس على أموالهم، وا ل شد على قلوبهم، والمراد من الطمس على أموالهم إما أن تكون حجارة، وإما أن تذهب في الأرض- وتغور فيها فلا يعثر عليها، والمعنى الأول وارد عن السلف، إذ قيل عثر في ديارهم على كيس فيه حمص وبيض قد حول حجاره. وأما الشد على قلوبهم فأنه الطبع
عليها والختم لأنها ما أصبحت مرجوة ل لإ يمان، وهذا كقول نوح عليه السلام {رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلا فَاجِراً كَفَّاراً} .
قال ابن كثير رحمه الله تعالى: " وهذه الدعوة كانت من موسى عليه السلام غضبا ً لله ولدينه على فرعون وملئه ". أقول ومثل هذا لا يكون إلا من قوة الإخلاص الذي عرف به الكليم عليه السلام.
وفي مثل قوله: {قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} . قال هذا لقومه بعد أن طلبوا إليه أن يجعل لهم صنما ً يعبدونه، إذ مروا بقوم يعكفون على أصنام لهم، فاستهواهم ذلك المنظر، وأثر في نفوسهم المريضة فطلبوا بأن يكون لهم إلها ً كما لأولئك المشركين آلهة، ونسوا الله تعالى وقد نجاهم من عدوهم، فلما قالوا ذلك غضب موسى عليهم وصاح في وجوههم قائلا ً:{إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} ، إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون قال أغير الله أبغيكم إلها ً وهو فضلكم على العالمين، فغضبه عليه السلام وشدة إنكاره على قومه ما أرادوه من الشرك مظهر كبير من مظاهر إخلاص موسى وقوته في ذلك.
هذا وتوكل موسى على الله تعالى في كل شأنه ظاهرة قوية في حياة موسى عليه السلام، وصفة بارز ة في حياته غالية عليها: إن خروجه من أرض مصر وحيدا ً وهو شاب عاش في الترف وترب ى في النعيم فلولا توكله على ربه لما هاجر تلك الهجرة التي لم يتوفر لها سبب واحد من أسبابها سوى توكله على ربه عز وجل وتعاقده مع شعيب في ديار الغربة يقيم عشر حج ج يرعى فيها الغنم ويطلب العلم، ويتربى فيها على الكمالات النفسية مظهر من مظاهر التوكل القو ي عند موسى عليه السلام.
وخروجه بأسرته من أرض مدين عائدا ً إلى مصر حيث خرج منها خائفا ً من آل فرعون وهم يطلبونه بالنفس التي قتلها مظهر عظيم من مظاهر توكل الكليم، وإلا كيف يعود إلى بلاد أهلها يطالبونه بدم لهم عليه يريدون أن يقتلوه به لولا التوكل الذي غلب على النفس فحجب منها كل ما عداه.
ولا يقولن قائل: إن طلب موسى من ربه أن يزوده بما يكون له عونا ً على أداء رسالته إلى فرعون وملئه حيث طلب من ربه أن يشرح له صدره وييسر له أمره ويحلل عقدة من لسانه وأن يجعل له وزيرا ً من أهله وهو هارون عليه السلام، لا يقولن قائل أن هذا قادح في كمال التوكل عند موسى، لأن الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل ولا يكون قادحا ً فيه بحال، كما أن الخوف مما من شأنه أنه يخاف منه لا يقدح في شجاعة المرء وبطولة ال ب طل، هذا أمر معلوم لدى العالمين، لا يرتاب فيه ولا يخاصم عليه ومما يحكى لنا صفة التوكل القوية لدى موسى عليه السلام. مطالبته قومه بالتوكل على الله تعالى في غير موطن. من ذلك قوله: يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين، فقالوا على الله توكلنا ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين ونجنا برحمتك من القوم الكافرين، فإنه عليه السلام لغلبة هذا الوصف عليه ولكثرة ما انتفع به أصبح يراه خير معين لقومه على اقتحام المشاق، وتحمل الصعاب، كما لا يرى إيمانا ً وإسلاما ً بدون توكل على الله تعالى وحده، وهو كذلك ف إ ن من آمن بالله تعالى ربا ً كافيا ً وإلها ً حقا ً أسلم له وجهه وقلبه لا يسعه أن لا يتوكل عليه بحال من الأحوال.
إذ التوكل: الإ عتماد على ذي الكفاية من العلم والقدرة والحكمة وتفويض الأمر إليه، وسكون النفس إلى كفايته، وعدم تغلب القلب فيما هو فاعله. هذا هو التوكل مع قيد أن ما كان من الأمور المتوكل فيها مما وضع الله تعالى له الأسباب لتحصله، أو للنجاة منه، فان التوكل لا يتم إلا إذا أحضر العبد تلك الأسباب ووفرها إن كان ذلك في استطاعته. وما لم يكن منها مستطاعا ً له فلا يكلف به ولا يسأل عنه أو يحاسب عليه.
وأخيرا ً فإن صفات الكمال التي ذكرنا لموسى عليه السلام من البلاء والصبر، والنجدة والعفة والقوة والأ مانة، والشجاعة وقوة الحجة والعلم والتواضع فيه والإخلاص والتوكل ليس المراد أنا نثبتها له عليه السلام، لأن من الناس من شك في ثبوتها له، أو حاول نفيها عنه فذكرناها نحن مقررين لها يعد إقامة الدليل على ثبوتها، وإنما القصد من ذكرنا أن يأتسي به فيها دعاة الإصلاح اليوم فتكمل لشخصيتهم كما لا تصبح به ذات تأثير على من يدعونهم إلى الله تعالى ليوحدوه ويطيعوه فيتهيئوا بذلك لسعادة الدارين، بعد النجاة من خزي الدنيا وعذاب الآخرة.
ومن هنا وجب على الداعي أن يستعرض هذه الصفات ويوطن النفس على محاولة الإ تصاف بها، فيكون له خلق الشجاعة والنجدة والعفة والصبر والتوكل والتواضع في طلب العلم، وذلك برياضة نفسه عل ى ذلك وأخذها به شيئا ً فشيئا ً حتى تصبح هذه الفضائل صفات ثابتة لها فان أغلب الفضائل النفسية مكتسبة يحصل عليها المرء بالرياضة وا لإ جتهاد، ولكل مجتهد نصيب. هذا وسلام على محمد في المرسلين وسلام على موسى في العالمين. والحمد لله رب العالمين.
عيسى ابن مريم عليه السلام:
من نماذج الدعاة الصالحين في معارض الكمال البشر ي عبد الله ورسوله عيسى بن مريم عليه السلام وهو رابع أولي العزم من الرسل، وخاتمة سلسلة النبوة في بني إسرائيل، وطلبنا لوجوه الإ ئتساء وصالح القدوة في عظماء الرجال من دعاة الحق الصالحين نستعرض حياة هذا النبي الكريم والرسول الظاهر الرحيم علنا ً نكتسب من ذلك الكمال الذي أوتيه عليه السلام بعض ما نكمل في أخلاقنا وأرواحنا، لنقوى على أداء واجب الدعوة التي حملناها على ضعفنا وقلة مؤهلاتنا العلمية والنفسية.
وقبل استعراضنا لمظاهر الكمال في حياة هذا الرسول الكريم نترجم له بالجمل الآتية: فنقول: عيسى عليه السلام هو عبد الله ورسوله وكلمة الله التي ألقاها إلى مريم، واسم عيسى معرب عن ايشع ومعناه السيد أو المبارك ووالدته مريم بنت عمران من صلحاء بني إسرائيل ومعنى مر يم بالعبرية الخادم أو خادمة الله. ويحمل هذا الإ سم معنى المرأة التي لا تقدر على مقابلة الرجال وا لإ ختلاط بهم كما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل فاطمة رضي الله عنها عن أحب شيء إلى المرأة. فقالت: أن لا ترى الرجال وأن لا يراها الرجال. فرد عليها صلى الله عليه وسلم قائلا ً - وقد ضمها إلى صدره: " ذرية بعضها من بعض ". وهي إشارة إلى قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} .
حملت به والدته بنفخة من روح القدس. نفخها في كمها فسرت إلى فرجها، فكان عيسى عليه السلام بكلمة التكوين كما قال تعالى:{إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} . فلذا لقبه رسول الله صلى الله عليه وسلم بكلمة الله في قوله:" من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا ً عبده ورسوله وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها [11] إلى مريم وروح منه، والجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل ". كما كان يلقب بروح الله فيناد ى بذلك فيجيب، وذلك لأن النفخة كانت من جبريل بأمر الله تعالى، ويشهد له قوله تعالى:{الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا} . وقوله تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ} .
ول دته الصديقة أمه البتول بقرية ب يت لحم من فلسطين. وحفت ولادته آيات عجيبة أظهرها تكلمه في المهد حيث قال: {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً ، وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً ، وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً ، وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً} . وقد أعلمت بهذا والدته عليها السلام ساعة أن بشرها الملك بذلك إذ قالت الملائكة: {يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ، وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ} . وعاش عيسى عليه السلام بين بني إسرائيل مع والدته ولاق ى هو ووالدته من صنوف الأذى ما صرح به القرآن في غير آية منه: فقد بهتوا والدته ورموها بما هي منه براء واتهموه عليه السلام بالسحر، وكذبوه في رسالته إليهم، وآخر الأمر عزموا على قتله وطوقوا منزله بشرطهم واقتحموا عليه المنزل غير أن الله تعالى خيب أملهم وأضل سعيهم فألقى الشبه على رجل منهم فظنوه هو فصلبوه، وما قتلوا عيسى وما صلبوه بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا ً حكيما ً ورفع عليه السلام إلى السماء وعمره ثلاث وثلاثون سنة وسينزل في آخر أيام هذه الحياة ويتمم بقية عمره على هذه الأرض فيعيش أربعين سنة يقضيها إماما ً عدلا ً يكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية كما جاء ذلك في صحاح الأحاديث. فسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويم يبعث حيا ً.
هذا ومظاهر الكمال التي نريد استعراضها في حياته عليه السلام هي: الطهارة، والزهد، والحكمة وكمال اليقين.
طهارته عليه السلام:
وعن طهارة المسيح عيسى بن مريم نقول: إن الطهارة الروحية ضرورية لتلقى الوحي الإلهي من الواسطة في ذلك وهم الملائكة عليهم السلام، ومن هنا كان كل الأنبياء إظهار الأرواح أزكياء النفوس معصومين من فعل كل ما يلوث الروح ويخبث النفس. بيد أن ابن مريم عليه السلام قد بلغ في هذا الش أن مستوى رفيعا ً جدا ً تميز به بين إخوانه الأنبياء والمرسلين. ويشهد لذلك ثلاثة أمور:
الأول: إن الشيطان لم يقربه أبدا ً، ذلك لاستجابة الله تعالى لجدته حنة في دعائها، إذ قالت لما ولدت مريم:{رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} فاستجاب الرب تبارك وتعالى لها، وحفظ مريم وولدها عيسى عليه السلام من الشيطان. وفي هذا المعنى يقول الرسول الكريم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم:" ما من مولود يولد إلا مسه الشيطان حين يولد فيستهل صارخا ً من مسه إياه. إلا مريم وابنها "، تم يقول أبو هريرة راوي الخبر: اقرءوا إن شئتم: {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} . أخرجه الشيخان البخاري ومسلم وإذا حفظ وهو صبى فحفظه وهو كبير يستعيذ بر ب هـ من الشيطان ويقدر على لعن الشيطان ومخالفته فيما يدعوه إليه أولى وآكد. رو ي أنه عليه السلام نام يوما ً على الأرض بدون فراش وتوسد حجرا ً ونام فوجد لذة النوم. فجاءه إبليس عليه لعائن الله وقال له: يا عيسى ألست تزعم أنك لا تريد شيئا ً من عرض الدنيا، فهذا الحجر من عرض الدنيا، فقام فأخذ الحجر ورمى به إليه، وقال: هذا لك مع الدنيا.
الثاني: أنه عليه السلام لما انتهت إليه البشرية تطلب إليه أن يشفع لها عند الله عز وجل ليفصل بها في عرصات القيامة وقد طال بها الموقف، واشتد بها الحال، وغضب الرب عز وجل غضبا ً لم يغضب قبله ولا بعده مثله، فلم يذكر عيسى عليه السلام عند اعتذاره لها ذنبا ً، كما ذكر ذلك آدم، ونوح وإبراهيم وموسى عليهم السلام وعلى نبينا الصلاة والسلام أثبت هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث الشفاعة في صحيح مسلم. وبهذا علم أن عيسى عليه السلام كان من أطهر الناس روحا ً وأزكاهم نفسا ً، وأكثرهم زهدا ً وأقواهم يقينا ً، وسنذكو شواهد لذلك فيها يلي.
الثالث: أن الله تعالى أيده بروح القدس يسدده ويعينه ويدفع عنه فكان جبريل عليه السلام لا يكاد يفارقه فترة حياته كلها حتى رفعه الله تعالى إليه. فمصاحبة جبريل عليه السلام له في أغلب أحواله من شأنها أن تزيد في صفاء روحه عليه السلام وزكاة نفسه لما في ذلك من البركة والعصمة، إذ ما زالت مجالسة الصالحين والحياة معهم حصنا ً منيعا ً للع ب د لا يقربه معه شيطان ولا يغشى فيه إثما ً أو قطيعة.
ويشهد لهذه الحقيقة وهي أن مجالسة الصالحين من الملائكة ومن الناس من شأنها أن تزيد في طهارة الروح وزكاة النفس ما ثبت عن النبي صلى الله عليه كان أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل عليه السلام وكان جبريل عليه السلام يلقاه كل ليلة في رمضان حتى ينسلخ يعرضه عليه النبي صلى الله عليه وسلم القرآن. فإذا لقيه عليه السلام كان أجود بالخير من الريح المرسلة.
ووجه الإ ئتساء في هذا الضرب من الكمال الروحي هو أن يعمل الداعي الناشئ على تزكية نفسه وتطهير روحه بفعل ما يزك ي النفس ويطهرها من الإيمان والعمل الصالح. وبإبعادها عن كل ما يدنسها ويلوثها من الشرك والمعاصي مستعينا ً في ذلك بالله تعالى ثم بمجالسة الصالحين من عباد الله المؤمنين، إذ طهارة روح- الداعي ضرورية للتأثير على نفوس المدعوين إلى الله تعالى وحملهم على طاعته والإنابة إليه والتوكل عليه.
زهده عليه السلام:
وعن زهد عيسى عبد الله ورسوله نقول: إذا كان هو احتقار الدنيا وعدم الرغبة في حطامها، والتقليل من متاعها إلا بقدر البلاغ، والعزوف عما يتكالب عليه أبناء الدنيا من جمع المال وا لإ نغماس في الملاذ والشهوات الجثمانية البهيمية، مع الرغبة الملحة فيما عند الله تعالى، والسعي الحثيث المتواصل إلى ذلك باليقين والعبادة والتوكل. إذا كان هذا هو الزهد المطلوب للكمال البشري والمتعين لأن يكون وصفا ً لازما ً لدعاة الحق والخير من كمال البشر وسادات الناس، فان المسيح عيسى بن مريم عليه السلام كان مضرب المثل في هذا الباب، بحيث لم يزهد زهده أحد ممن سبقه أو تأخر عنه باستثناء خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم. وها هي ذي آثار مروية في زهد المسيح عليه السلام في الدنيا نوردها شواهد حق على زهده عليه السلام، ونماذج كمال ل لإ قتداء به عليه السلام فيها، وموعظة وذكرى للذاكرين ومن هذه الآثار ما رو ي أنه قال للحواريين:" يا معشر الحواريين ارضوا بدني الدنيا مع سلامة الدين، كما رضي أهل الدنيا بدني الدين مع سلامة الدنيا ". وصاغ هذا المعنى أحد الحكماء في بيتين من الشعر فقال:
أرى رجالا ً بأدنى الدين قد قنعوا
ولا أراهم رضوا في العيش بالدون
فاستغن بالدين عن دنيا الملوك كما
استغنى الملوك بدنياهم عن الدين
كما رو ي أنه قال لحوارييه:" وبحق أقول لكم من طلب الفردوس فخبز الشعير والنوم في المزابل مع الكلاب كثير ". وقال:" يا معشر الحواريين اجعلوا كنوزكم في السماء، فإن قلب الرجل حيث كنزه ". ورو ي أنه عليه السلام خرج على أصحابه وعليه جبة صوف، كساء وتبان حافيا ً باكيا ً شعئا ً مصفر اللون من الجوع، يابس الشفتين من العطش فقال:" السلام عليكم يا بني إسرائيل أنا الذي أنزلت الدنيا منزلتها بإذن الله، ولا عجب ولا فخر، أتدرون أين بيتي؟ قالوا: أين بيتك يا روح الله؟ قال: بيتي المساجد، وطيبي الماء، وأدامي الجوع، وسراجي القمر بالليل.... وشعاري خوف رب العزة، وجلسائي الزمن ى والمساكين، أصبح وليس لي شيء، وأمسى وليس لي شيء، وأنا طيب النفس غير مكترث، فمن أغنى مني وأربح؟ ". [12]
وثمرة معرفة هذا الجانب من حيا ة عيسى عليه السلام هي أن يحرص الداعي الناشئ على اكتساب خلق الزهد والتحلي به بين الناس فان الداعي متى زهد في الدنيا ورغب في الآخرة، ورأى الناس ذلك منه مالوا إليه، وأقبلوا عليه، وبذلك يسهل عليه تعليمهم وهدايتهم وإصلاحهم.
حكمته عليه السلام:
وعن حكمة عيسى ن ب ي الله ورسوله عليه السلام نقول: إذا كانت الحكمة هي السداد والإصابة في الأمور، أو هي وضع الأشياء في مواضعها اللائقة بها، كما هي الحلم والعلم والفقه في دين الله تعالى ومعرفة أسرار لشرعه فإن عيسى عليه السلام كان عالما ً حليما ً ذا أصاب ة وسداد فيما يقول ويعمل، ينطق بالحكمة ويعلمها، رو ي أن امرأة من عجائز بيت لحم بعثت إليه بطفلها يقول له: إن أمي تطلب منك إبرة. فكأنه عليه السلام استهجن هذه الطلبة ولم يكن يملك الإبرة فقال للغلام: أطلب تجد، فعاد الغلام إلى أمه وأخبرها بما قال له السيد المسيح فجأته تعتب عليه ردها خائبا ً، فقال لها عليه السلام: إني أعطيت ولدك حكمة وهي خير من إ بر ة، فقلت له أطلب تجد. ولم يكن لدي إبرة فأعطيها إياه فسكت غضب المرأة، وندمت على عتابها!!!
ورو ي أنه كان ي ق ول للحواريين: " كما ترك لحم الملوك الحكمة فاتركوا لهم الدنيا ". كأنه يعني بالحكمة علم الشرع والعمل به، الإ هتداء بهديه.
ورو ي أنه قال للحواريين:" لا تحدثوا بالحكمة غير أهلها فتظلموا، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم. والأمور ثلاثة، أمر بين رشده فاتبعوه، وأمر بين غيه فاجتنبوه وأمر اختلف عليكم فيه فردوا علمه إلى الله عز وجل ". وقال لأصحابه يوما ً: " أنتم ملح الأرض فإذا فسدتم فلا دواء لكم وأن فيكم خصلتين من الجهل: الضحك من غير عجب والصبحة من غير سهر ". يريد بالصبحة النوم بعد صلاة الصبح.
ومن حكمه عليه السلام قوله: " حب الدنيا رأس كل خطيئة، والنظر يزرع في القلب الشهوة، ورب ش هوة أورثت صاحبها حزنا ً طويلا ً ". وكان يقول: " طالب الدنيا مثل شارب ماء البحر كلما ازداد شربا ً ازداد عطشا ً حتى يقتله "، وكان يقول:" لا يستقيم حب الدنيا وحب الآخرة في قلب مؤمن، كما لا يستقيم الماء والنار في إناء ". وقالت له امرأة يوما ً:" طوبى لحجر حملك ولئدى أرضعك !!. فقال: طوبى لمن قرأ كتاب الله واتبعه ". [13]
هذه بعض ما أثرى من حكمه عليه السلام، والقصد من إيرادها الإشارة إلى ك م ال عيسى عليه السلام في هذا الباب، وندب الداعي إلى الله تعالى إلى أن- يتعلم الحكمة ويعمل بها حتى يصبح من أهلها.
ويورث الحكمة شيئان: العمل بالكتاب والسنة، وكثرة الصمت، لأن العمل بالكتاب والسنة يعصم من الخطأ في العمل والحكم، وكثرة الصمت يعصم من الخطأ في القول والتقدير. وقديما ً قال لقمان عليه السلام:" الصمت حكمة وق ل يل فاعله ".
كمال يقينه عليه السلام:
وعن كمال يقين عيسى عليه السلام نقول فقد رو ي " أن الحواريين فقدوا يوما ً نبيهم عيسى عليه السلام فسألوا عنه، فقيل لهم أنه توجه نحو البحر، فانطلقوا يطلبونه هناك، فلما انتهوا إلى البحر، وجدوه عليه السلام على الماء يرفعه الموج مرة ويضعه أخرى وعليه كساء قد ارتدى بنصفه، واتزر بنصفه الآخر. فلما قرب منهم قال له بعضهم ولعله أفضلهم: أجيء إليك يا نبي الله؟ فقال بلى، فوضع الرجل إحدى رجليه في الماء، ثم ذهب ليضع الأخرى، فقال: أؤه، غرقت يا نبي الله، فقال له عيسى عليه السلام: أرني يدك يا قصير الإيمان، لو أن لابن آدم من اليقين قدر شعيرة مشى على الماء ".
وقيل له عليه السلام يوما ً " بأي شيء تمشي على الماء؟ فقال: بالإيمان واليقين، فقالوا: أنا آمنا كما آمنت وأيقنا كما أيقنت، قال: فامشوا إذا ً، فمشوا معه في الموج فغرقوا، فقال لهم: مالكم؟ فقالوا: خفنا الموج، قال: ألا خفتم رب الموج! فأخرجهم، ثم ضرب بيده إلى الأرض فقبض بها، ثم بسطها، فإذا في إحدى يديه ذهب، وفي الأخرى مدر أو حصى، فقال: أيهما أحلى في قلوبكم؟ قالوا: هذا الذهب. قال: فإنهما عندي سواء ".
هذه صورة واضحة من كمال يقين عيسى عليه السلام أبرزناها للداعي الناشئ ليتصورها دائما ً في نفسه ويتمثلها في حياته فتكون عونا ً له على تقوية صبره وكمال يقينه، إذ حاجته إلى الصبر واليقين في باب الدعوة أشد من حاجته إلى غيرهما من أسباب نجاح الدعوة، وعوامل فوزه فيها، قال تعالى:{وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ} . ومن هنا قيل بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين
…
--------------------------------------------------------------------------------
[1]
النماذج: جمع نموذج. والنموذج مثله وقال صاحب القاموس في الأخير لحن ومعناه: المثال "معرب ". والجمع: نموذجات وأنموذجات. وقول صاحب القاموس لحن خطأ فيه كثيرون. وقالوا: إنها دعوة لا تصح وسمى الزمخشري: الأنموذج.
[2]
الأراذل: جمع الأرذل أي الأكثر رذالة، وهو المحتقر الذي لا فضيلة له.
[3]
بادئ: أي ابتداء من غير تفكر فيك، ولو فكروا فيك لما اتبعوك.
[4]
اللهجة: اللسان، ولغة الإنسان التي جبل عليها واعتادها. يقال فلان فصيح اللهجة، وصادق اللهجة. (منجد) .
[5]
ترجون بمعنى تأملون من الله تعالى وقاراً لكم إن أنتم آمنتم به وعبدتموه وحده دون سواه. أو ترجون بمعنى تعتقدون أي ما لكم تعتقدون وقار الله وتعظيمه بأن تعبدوه وحده وتتركوا عبادة غيره وهو قد خلقكم أطواراً
…
الخ.
[6]
الخلة أقصى المحبة وفي وجه اشتقاقها أقول كثيرة أشهرها وأقربها أنها من تخلل الحب كل مسالك النفس وتعلقه بكل جزئيات البدن. وعليه قول القائل: قد تخللت مسلك الروح مني وبذا سمى خليلاً.
[7]
الآية في سورة الدخان ونصها: {ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون وجاءهم رسول كريم. أن أدوا إلي عباد الله إني لكم رسول أمين} .
[8]
عجز البيت مكسور ولعله: وار ى الشجاعة في العقول قليلا.
[9]
كان ذلك لما مروا بأهل قرية يعكفون على أصنام لهم يعبدونها. فقالوا لموسى {اجعل لنا إلها ً كما لهم آلهة} رد عليهم قائلاً: {إنكم قوم تجهلون} ..
[10]
قرء في السبع مخلصا ً بفتح اللام أيضاً ً، وهو من الإ صطفاء لا من الإخلاص.
[11]
متفق عليه.
[12]
كل ما أوردناه من الآثار المتعلقة بحياة نبي الله تعالى عيسى عليه السلام هو من البداية لابن كثير.
[13]
هذه الرواية لم تكن من البداية.
ترجمة البيهقي
لفضيلة الشيخ نايف هاشم الدعيس
المحاضر بكلية الشريعة
ولد أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي بن عبد الله [1] بن موسى البيهقي في شعبان سنة أربع وثمانين وثلاثمائة [2] بقرية – خسرو جرد [3]- وعاش أربعاً وسبعين سنة وتوفي سنة ثمان وخمسين وأربعمائة في نيسابور [4] وحمل [5] منها إلى (بيهق)[6] فدفن بها.
وقد عاش في زمن عاصف بالفتن التي ضربت أمواجها بلاد الإسلام فابتلى المسلمون بلاءًا عظيماً وصاروا طوائف وأحزاباً يطعن بعضهم في بعض حتى طمع فيهم أعداؤهم وهاجم [7] ملك الروم بلاد الشام بجيوشه الجرارة على حين غفلة من المسلمين.
ولولا ما قدر في كتاب لجاز البلاد والأموال وصدّع الصرح الشامخ الذي بناه رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه.
وفي الوقت الذي يهاجم الروم فيه الشام تحاصر مدينة البصرة ويباع [8] نصف مدينة (الرها) بعشرين ألف دينار، ويدخل طغرلبك مدينة نيسابور وخراسان وما جاورها، وتتجدد الفتن في كل وقت وحين بين أهل السنة من جهة والشيعة والرافضة من جهة أخرى عمّ الذعر قلوب الناس وتخلخل الأمن ونهب [9] الأتراك كل من ورد إلى بغداد فشاع الغلاء وقلّ المورد، ولعن الخطباء الرافضة والأشاعرة على المنابر ونحي عن المناصب الشافعية فضج أهل خراسان وأرسل [10] البيهقي رسالته إلى عميد عبد الملك الكندري التي دافع فيها عن أهل السنة عامة وعن الأشعري وما نسب إليه خاصة دفاعاً قوياً لم يترك في نفس الوزير الكندري إلا أثراً عكسياً فتمادى في ظلمه وعد وأنه ولم يأبه بكل ما كتب إليه حتى مات (طغرلبك) وانتقل الأمر من بعده إلى ابن أخيه (ألب أرسلان) الذي نقم على الكندري أعماله فقبض عليه وقتله وأسند أمر الوزارة إلى (نظام الملك) الذي انتصر للشافعية وأبطل ما كان من سب الأشعرية.
وليس مهمّاً أن تُعدد الحوادث بقدر الإهتمام بمعرفة مدى تأثيرها على نفسه المملؤة إيماناً وورعاً ونزاهة وحباً للسنة، التي نصب نفسه للدفاع عنها والتمسك بها فجمع كل ما تحصل عليه ليجعل منه منهجاً يتسم بالتمسك بعرى وثيقة تستمد الهدي من مشكاة النبوة فتكشف الظلام الكثيف الذي هيمن على ربوع الأرض وأحاطها من كل جانب بسبب المطاحنة المذهبية والتعصبات الجاهلية.
وهكذا نراه يمضي قُدماً في ترسيخ الأسس التي قام عليها صرح الإسلام فألف الكتب وجمع فيها ما لم يتهيأ لغيره جمعه فاستوعب الكثير مما يتعلق بالعقائد والسنة والفقه. وكان جل اهتمامه متابعة ما أثر عن الشافعي بعد أن ثبت له تمسكه بالكتاب والسنة وأنه فاق غيره في ذلك.
ولم يكن البيهقي بالرجل الذي يطوع النصوص لمذهبه كما فعل غيره وإنما غرضه منها أسمى من أن يتحدث عنه بمثل ذلك.
وليس غريباً أن يسلك هذا السبيل وهو يتبع إماماً تمسك بالسنة وأوصى بها [11] ما بلغه منها وما لم يبلغه، حتى علق قوله بثبوت ما خفي عليه منها.
أضف إلى ذلك تلقيه العلم عن أئمة برزوا في مناحي الإجتهاد فكان كل واحد منهم جبلا شامخاً تتحطم عنده أمواج التعصب.
وقد انعكس ذلك على مؤلفاته فجاءت صورة صادقة للتعبير عما ينطوي عليه نفسه من حب وإيثار للسنة على غيرها وميول نحو الحق وإن أدى إلى مخالفة الإمام الذي [12] تولى الدفاع عنه، واشتهر بحبه له، فصنف التصانيف لنصرة [13] مذهبه حتى اشتهر عن إمام الحرمين قولته المشهورة "ما من شافعي المذهب إلا وللشافعي عليه منه، إلا أحمد البيهقي فإن له على الشافعي منه "[14] . وقال الذهبي:"إن البيهقي أول من جمع نصوص الشافعي "[15] ، وردّ عليه السبكي [16] ورجح أنه آخر من جمع نصوصه، وأيده السيد أحمد صقر [17] بما نقله عن البيهقي نفسه وأنه ذكر ثلاثة كتب [18] سبقه مؤلفوها إلى جمع نصوص الشافعي فيها والظاهر أن الذهبي قال ذلك في حقه باعتبار استيعابه في مصنفاته أكثر - أو كل - ما في كتب السابقين، وبهذا تجتمع الأقوال التي اتفقت على تفوق البيهقي في هذا المضمار على كل من شارك فيه.
(صفاته)
قال السبكي [19] :"كان الإمام البيهقي أحد أئمة المسلمين وهداة المؤمنين والدعاة إلى حبل الله المتين، فقيه جليل، حافظ كبير، أصولي نحوي زاهد ورع، قانت لله، قائم بنصرة المذهب أصولاً وفروعاً جبلاً [20] من جبال العلم، أخذ الفقه عن ناصر العمري وقرأ علم الكلام على مذهب الأشعري ثم اشتغل بالتصنيف بعد أن صار أوحد زمانه وفارس ميدانه، وأحذق المحدثين وأحدهم ذهناً، وأسرعهم فهماً، وأجودهم قريحة ". هـ.
وقال ابن ناصر الدين:"كان واحد زمانه، وفرد أقرانه حفظاً واتقاناً، وثقة، وعمدة "[21] .هـ
وقال [22] ابن خلكان:"كان قانعاً من الدنيا بالقليل "[23] . هـ.
(علمه)
لم تذكر كتب التراجم كيف بدأ البيهقي حياته العلمية كما لم تعطنا فكرة واضحة المعالم عن أسرته وطفولته وكيف نشأ، لكنها لم تغفل اهتمامه وشغفه بالبحث والإطلاع الذي جازبه حدود قريته إلى العراق والجبال [24] والحجاز فتلقى من علمائها الكثير وقد ربي عددهم على المائة [25] .
فأخذ عن شيخه أبي عبد الله الحاكم علم الحديث، وأخذ الفقه [26] عن أبي الفتح ناصر بن محمد العمري المروزي [27] . (ت 444هـ) .
وقال عبد الغافر [28] :"جمع بين علم الحديث والفقه، وبيان علل الحديث ".
وقال السمعاني [29] :"جمع بين معرفة الحديث والفقه ". هـ.
ومن الغريب أن يقول الذهبي عنه:"دائرته في الحديث ليست كبيرة لكن بورك له في مروياته"[30] .
على رغم ما لمسناه في كتبه من الإطلاع الواسع والمعرفة التامة بالأحاديث وما يتعلق بها.
ورغم ما تقدم من أقوال العلماء وشهاداتهم له وتقديمه في معرفة الحديث ورغم ما أثر عنه من أقوال [31] تفيد مدى اهتمامه واشتغاله بهذا العلم منذ حداثته ونعومة أظافره.
وكما استغربنا كلام الذهبي عنه نقف حائرين أمام تفسير عدم تمكنه من الإطلاع على (سنن النسائي) و (سنن ابن ماجه) و (جامع الترمذي)[32] ، وقد علمنا مدى حرصه واهتمامه بكتب السنة وما قام به من رحلات عديدة للتحصيل وجمع المعلومات.
(مصنفاته)
بعد أن جاب البيهقي أقطار الأرض طلباً للعلم والتقى بالكثير من العلماء ونهل من مواردهم المختلفة حتى فاق الكثير منهم عاد إلى بلده [33] وأخذ يكتب الرسائل ويؤلف الكتب حتى بلغت - فيما قيل - ألف جزء، منها ما هو في الحديث، ومنها ما جمع بين الفقه والحديث ومنها ما انفرد بالعقائد، ولقد بورك له في مؤلفاته حتى لا يكاد يستغني عنها مسلم فنشر منها الكثير وما لم تزغ عنه أعين الباحثين يترقبون له الفرص لنشره وبثه ليستقى من نهله العذب.
ولقد عدّد المترجمون عنه الكثير من كتبه لاسيما ما كتبه السيد أحمد صقر فقد ذكر من مؤلفاته واحداً وثلاثين مؤلفاً لكنه اقتصر في التعريف بها على ما كتبه السبكي عنها، وهي عبارات وجيزة مختصرة ولهذا سنذكر أهم تلك المؤلفات مع التعريف بها:-
1-
السنن الكبرى.
وهو أهم مؤلفاته وشهد له السبكي بقوله:"ما صنف في علم الحديث مثله تهذيباً وترتيباً وجودة" فأقر قول شيخه الذهبي "ليس لأحد مثله "[34] وذكره [35] السخاوي ضمن كتب السنن وقال:"فلا تعد عنه لاستيعابه لأكثر أحاديث الأحكام، بل لا تعلم - كما قال ابن الصلاح- في بابه مثله ولذا كان حقه التقديم على سائر كتب السنن ولكن قدمت تلك لتقديم مصنفيها في الوفاة ومزيد جلالتهم".
وقال الفاداني [36] المكي:"لم يصنف في الإسلام مثلهما " ويعني السنن الكبرى والسنن الصغرى".
وقال أبو عبد الله محمد الأمير الكبير في تفسير كلام السخاوي المتقدم - أي لا تتجاوز أنت عن كتاب السنن الكبرى ولا حاجة لك في طلب غيره " [37] وقد جمع في مؤلفه السنن من أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته وموقوفات الصحابة وما أرسله التابعون فكان موسوعة كبرى في الحديث وقد رتبه على أبواب الفقه [38] ، واشتغل به بعض العلماء فاختصره كل من إبراهيم بن علي المعروف بابن عبد الخالق الدمشقي (ت 744هـ) في خمس مجلدات [39] والحافظ الذهبي (ت 748 هـ) والشيخ عبد الوهاب بن أحمد الشعراني (ت 974 هـ) وصنف الشيخ علاء الدين علي بن عثمان المعروف بابن التركماني (ت 750 هـ) كتاباً سماه (الجوهر النقي في الرد على البيهقي) وهو مطبوع في حاشية كتاب (السنن الكبرى) وأكثره اعتراضات [40] عليه ومناقشات له ومباحثات معه.
ولخص كتاب (الجوهر النقي)[41] زين الدين قاسم بن قطلوبغا الحنفي (ت 879 هـ) في كتاب سماه (ترجيح الجوهر النقي) وقد رتبه على حروف المعجم وبلغ فيه إلى حرف الميم.
2-
(معرفة السنن والآثار) :
قال السبكي [42] :"وأما المعرفة- معرفة السنن والآثار- فلا يستغني عنه فقيه شافعي، وسمعت الشيخ الإمام رحمه الله يقول: مراده معرفة الشافعي بالسنن والآثار ". هـ.
والحق أنه لا غنى لفقيه شافعي وغيره عنه لما جمع فيه من أحكام يستدل عليها بما في الكتاب والسنة، ويوازن فيه بين أقوال الفقهاء ويذكر أدلتهم ويبين الصحيح منها والضعيف.
فهو بدون ريب من موسوعات كتب الفقه المقارن قل أن تجد مثله وقد ضمنه الرد على أبي جعفر أحمد بن سلامه الطحاوي الحنفي الذي شن [43] الغارة على الشافعي وأصحابه.
ويأتي ضمن البحوث تعريف كامل بكتاب (معرفة السنن والآثار) نشير فيه إلى نسخه ومواضعها.
وقد خرج فيه مؤلفه ما احتج به الشافعي من الأحاديث في الأصول والفروع بأسانيدها التي رواها بها مع ما رواه مستأنساً به غير معتمد عليه أو حكاه لغيره مجيباً عنه.
وقد تكلم البيهقي على تلك الأحاديث والأخبار بالجرح والتعديل والتصحيح والتعديل وأضاف إلى بعض ما أجمله الشافعي ما يفسره من كلام غيره وإلى بعض ما رواه ما يقويه من رواية غيره.
وبين فيه أن الشافعي لم يصدر باباً برواية مجهولة ولم يبن حكماً على حديث معلول وأنه قد يورده في الباب على رسم أول الحديث بإيراد ما عندهم من الأسانيد واعتماده على الحديث الثابت أو غيره من الحجج.
وأنه قد يئق ببعض من هو مختلف في عدالته على ما يؤدي إليه اجتهاده كما يفعل غيره.
وأنه لم يدع سنة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بلغته وثبتت عنده حتى قادها، وهكذا نرى مقصده من تأليف (معرفة السنن) يتجلى في مقدمته الطويلة التي صدرها كتابه.
3-
كتاب (المبسوط) :
قال السبكي [44] :" وأما المبسوط في نصوص الشافعي فما صنف في نوعه مثله ". وألفه البيهقي ليجمع كلام الشافعي ونصوصه مضبوطة بعد ما ضاق صدره مما وجده في الكتب [45] من الإختلاف في نصوص الشافعي وإيراد الحكايات عنه دون تثبت، فحمله ذلك على نقل مبسوط ما اختصره المزني من كلام الشافعي وأدلته على ترتيب المختصر [46] .
4-
كتاب (الأسماء والصفات) :
قال السبكي:"وأما كتاب الأسماء والصفات فلا أعرف له نظيراً ".هـ. وألفه البيهقي لبيان أسماء الله تعالى وأدلتها من الكتاب أو السنة أو الإجماع.
وبدأه بالثناء على الله ثم ذكر أسماء الله تعالى التي من أحصاها دخل الجنة وربط معاني تلك الأسماء بخمسة أبواب، وذكر أن هناك أسماء غير هذه لله تعالى [47] .
5-
كتاب (الإعتقاد) :
قال السبكي [48] : "وأما- كتاب الإعتقاد- وكتاب دلائل النبوة- وكتاب شعب الإيمان- وكتاب مناقب الشافعي- وكتاب الدعوات الكبير- فأقسم ما لواحد منها نظير ".
وكتاب الإعتقاد كتبه البيهقي ليبين فيه ما يجب على المكلف اعتقاده والإعتراف به مع الإشارة إلى أطراف أدلته.
وقال المؤلف نفسه:" هذا الذي أودعناه هذا الكتاب اعتقاد أهل السنة والجماعة وأقوالهم ".
وهو لاشك كتاب نفيس في موضوعه يتسم بسلاسة الأسلوب والنقاش الهادئ وقوة الأدلة. وقد جمعه من تواليفه مما كتبه فيما يجب على المكلف اعتقاده والإعتراف به ملتزماً ما فيه الإختصار [49] .
6-
كتاب [50](دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة) :
تكلم فيه عن مولد الرسول صلى الله عليه وسلم ونشأته وشرف أصله ووفاة أبيه وأمه وجده.
وذكر فيه صفاته الخلقية والخلقية وزهده في الدنيا وسيرة حياته منذ ولادته حتى وفاته، تباشير بعثته والمعجزات التي ظهرت على يديه.
وركز في مباحثه على المعجزات وخوارق العادات فذكر فيها أحاديث جلها صحيحة وبعضها فيه مقال [51] .
وهو كتاب من أجمع تصانيف، مؤلفه لما أورده فيه وعنى به وقد اعتمد فيه على كتب السابقين له.
7-
كتاب (شعب الإيمان)[52] :
وهو كتاب كبير في ست مجلدات، كتبه البيهقي على نمط (كتاب)[53] أبي عبد الله الحسين بن الحسن الحليمي (ت 403هـ) في بيان شعب الإيمان المشار إليها في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم "الإيمان بضع وسبعون شعبة أفضلها لا إله إلا الله وأوضعها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان"[54] ولم يجمع تلك الشعب ثم يكلم عليها واحدة تلو الأخرى وإنما أورد كلامه مفصلاً عن كل واحدة منها مستوفياً أدلتها وشارحاً لها في جميع الكتاب وقد زاد على (كتاب) الحليمي ذكر الأسانيد التي عليها مدار الروايات.
8-
كتاب (مناقب الشافعي)[55] :
وهو أجمع ما رأيت من كتب مناقب الإمام الشافعي، وقد نقل فيه مؤلفه عمن كتب قبله في ترجمة الإمام-كابن أبي حاتم (ت 327 هـ) ، وأبي الحسن محمد بن عبد الله الرازي (ت 454 هـ) .
ويتضح فيه تحمسه الشديد للشافعي ومذهبه أن دون المساس بأحد وكأن مرجع ذلك اقتناع البيهقي بتمسك الشافعي بالكتاب والسنة وأنه أقرب الأئمة منهما.
وبدأ كتابه بذكر ما لقريش من الخصائص لا سيما بني هاشم وبني المطلب ليدلل على مكانة الشافعي ونسبه.
وقد ذكر فيه مولده ونسبه وتعلمه وتعليمه وتصرفه في العلم وتصانيفه واعتراف علماء دهره بفضله، ومما يستدل به على كمال عقله وزهده في الدنيا وورعه واشتهاره بخصال الخير، ومكارم الأخلاق.
وقد أورد فيه أحاديث صحيحة وأخرى لا تخلوا من مقال [56] .
وقد نقل كثير من المؤلفين عن كتاب (مناقب الشافعي) بل كان جل كتاباتهم مستقاة منه لأن البيهقي لم يترك شيئاً مما له أدنى علاقة بالشافعي إلا وذكره إلى جانب التثبت من الروايات.
9-
كتاب (الدعوات الكبير)[57] :
ألفه البيهقي إجابة لسؤال أحد، إخوانه في أن يجمع له ما ورد من الأخبار في الأدعية المرجوة التي دعا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم أو علّمها أحداً من أصحابه، وقد ذكرها بأسانيدها وقد رتبه على ترتيب كتاب المختصر المأثور لأبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة وأضاف إليه زيادات لم يعرض لها ابن خزيمة.
بدأ كتابه بذكر ما للدعاء والذكر من الأجر والثواب.
10-
كتاب (الدعوات الصغير) :
ولم أقف عليه.
11-
كتاب (الزهد الكبير)[58] :
ذكر فيه أقوال السلف والخلف رضي الله عنهم في فضيلة الزهد وكيفيته وأنه في قصر الأمل والمبادرة بالعمل الصالح.
12-
كتاب (إثبات عذاب القبر وسؤال الملكين)[59] :
أورد فيه الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة وأقاويل السلف لإثبات عذاب القبر وسؤال الملكين، وقد بين أن ذلك جائز عقلاً كما جاز شرعاً.
13-
كتاب (أحكام القرآن)[60] :
جمع البيهقي فيه من نصوص الشافعي ما يدل على مبلغ- علمه- بالمعاني الدقيقية في القرآن.
ومقصد الكتاب ظاهر من عنوانه وهو مثل كتاب (أحكام القرآن) لأبى بكر أحمد بن علي الرازي- الجصاص-، وكتاب (أحكام القرآن) لأبي بكر بن العربي.
14-
كتاب (المدخل)[61] :
وهو من سماع عبيد الله بن عمر يحي بن عمر الكجي وخط تقي الدين أبي عمر وعثمان بن عبد الرحمن بن عثمان بن موسى أبي نصر النصري الشهروزري.
وعلى الكتاب بعض السماعات وفي آخره ذكر السند إلى البيهقي. وخط النسخة دقيق متداخل بعضه في بعض، وعليها سماعات ابن الصلاح والحافظ المزي وسماعات أخرى.
15-
كتاب (البعث والنشور)[62] :
وهو بخط محمد بن عبد العزيز بن محمد في خيزان في سنة أربع وأربعين وثمانمائة وعليه بعض السماعات.
16-
كتاب (تخريج أحاديث الأم)[63] :
وقد خرج فيه أحاديث كتاب (الأم) حديثاً حديثاً مع سنده والتعليق عليه.
17-
كتاب (الخلافيات بين الشافعي وأبي حنيفة)[64] :
ذكر فيه ما اختلف فيه أبو حنيفة والشافعي في الأحكام، وقد رتبه على أبواب الفقه.
18-
كتاب (بيان خطأ من أخطأ على الشافعي) :
(علمه بمصطلح الحديث)
من الإطلاع على ما كتبه البيهقي تدرك معرفته بعلم مصطلح الحديث وهو يتفق في جميع القواعد التي قعدها علماء المصطلح مع جمهورهم والكثرة الغالبة منهم.
وقد يخرج عن قواعدهم أحياناً لكنه لا يفتأ أن يعود إلى الإلتزام بمنهجهم حتى فيما خالفهم فيه أحياناً أخرى.
وأصدق مثال على هذا ما اتفق عليه جمهورهم من الإختصار على الرمز (ثنا) الدال على الفعل (حدثنا) وقد تزاد (الدال) على الرمز (ثنا) فتكون العبارة (دثنا) .
وقد تحذف الثاء فتكون العبارة (نا) .
وما اتفقوا عليه أيضاً من استعمال الرمز (أنا) الدال على الفعل (أخبرنا) وقد تزاد الراء بعد الألف فتكون العبارة (أرنا) .
وفي كل ما تقدم من الإصطلاحات يختلف البيهقي عن الجمهور ويستعمل رموزاً أخرى مشتقة من مبنى الأفعال المرموز لها فيقول في حدثنا (دثنا) يعني بزيادة حرف (الدال) على اصطلاح الجمهور.
وكذلك فإنه يزيد (الباء) على الرمز (أنا) فيقول (أبنا) بتقديم الباء على النون.
وقد وجدناه في مؤلفاته يستعمل الرمز الأخير بكثرة بينما لم يستعمل الرمز الأول إلا نادراً، مع أنه لم يخرج عن استعمال الجمهور لهذين الرمزين بالكلية وإنما يرجع إليهما في غالب رواياته لاسيما رمز (ثنا) فإنه لم يستعمل غيره في النسخة التي بين يدي ولا في غالب كتبه إلا في بعض المواضع. أما رمز (أبنا) ولم يستعمله في باقي كتبه كما استعمله هنا بل غالب ما هنالك ما اتفق عليه جمهورهم.
ولا يقبل البيهقي الرواية المرسلة إلا أن يأتي ما يعضدها ويقويها وقد نص على ذلك في كتابه [65] المعرفة بقوله:"ونحن إنما لا نقول بالمنقطع إذا كان مفرداً فإذا انضم إليه غيره وانضم إليه قول بعض الصحابة، أو ما يتأكد [66] به المراسيل ولم يعارضه ما هو أقوى منه فإنا نقول به، وقد مضى بيان ذلك في أول الكتاب ".
--------------------------------------------------------------------------------
[1]
جاء في كتاب الأنساب للسمعاني تسميته - أحمد بن الحسين بن علي بن موسى بن عبد الله - فقدم وأخر، وهو خطأ ظاهر. انظر (الأنساب ص101) .
[2]
انظر (طبقات الشافعية الكبرى 3/3) .
[3]
(خسرو جرد) بضم الخاء المعجمة وسكون السين المهملة وفتح الراء وسكون الواو وكسر الجيم وسكون الراء وفي آخرها الدال المهملة قرية من ناحية (بيهق) ذكره السبكي في (طبقات الشافعية الكبرى 3/3) .
[4]
(نيسابور) بفتح النون وسكون الياء وفتح السين المهملة وسكون الألف وضم الباء الموحدة.
قال ابن الأثير:"هي أحسن مدن خراسان وأجمعها للخيرات ".
وقال ياقوت:" (نيسابور) والعامة يسمونها (نشاور) وهي مدينة عظيمة ذات فضائل جسيمة معدن الفضلاء ومنبع العلماء
…
وكان المسلمون فتحوها في أيام عثمان بن عفان رضي الله عنه
…
وقيل أنها فتحت في أيام عمر رضي الله عنه على يد الأحنف بن قيس ". انظر (اللباب 3/341) و (معجم البلدان 5/331) .
[5]
انظر (تذكرة الحفاظ 3/1143) .
[6]
قال ياقوت:" (بيهق) ناحية كبيرة وكسورة واسعة، كثيرة البلدان والعمارة من نواحي نيسابور، تشتمل على ثلاثمائة وعشرين قرية، وكانت قصبتها أولاً (خسرو جرد) وقد أخرجت هذه الكورة من لا يحصى من الفضلاء والعلماء والفقهاء والأدباء ". (معجم البلدان 2/346) .
[7]
انظر (الكامل في التاريخ 7/349) .
[8]
(المرجع السابق 7/353) .
[9]
انظر (الكامل في التاريخ 8/67) ، (8/97 من نفس المرجع) .
[10]
انظر (مقدمة السيد صقر على كتاب معرفة السنن والآثار 1/18) .
[11]
هو الإمام محمد بن إدريس الشافعي عليه رحمة الله.
[12]
ومن ذلك ما ذكره البيهقي عن الشافعي رحمه الله أنه كان ينكر قضاء شريح لعمر ولا يثبته. وأشار إلى اختلاف العلماء في المسألة وأتى بخبرين فيهما دلالة على أن شريحاً تولى القضاء لعمر. (انظر مناقب الشافعية للبيهقي 1/546)
[13]
انظر (شذرات الذهب 3/305) .
[14]
انظر (وفيات الأعيان 1/58) وغيره ممن ترجموا عن البيهقي.
[15]
انظر (تذكرة الحفاظ 3/1133) وكذلك قال ابن خلكان مثل قول الذهبي انظر (وفيات الأعيان 1/76) .
[16]
انظر (طبقات الشافعية للسبكي 3/4) .
[17]
في مقدمته على كتاب (معرفة السنن والآثار 1/25) .
[18]
الكتب الثلاثة هي، كتاب (التقريب) للقاسم بن محمد بن علي الشاشي (ت في حدود الأربعمائة هـ) وكتاب (جمع الجوامع) لأبي سهل بن العفريس الزوزني تلميذ الأصم.
وكتاب (عيون المسائل) لأبي بكر أحمد بن أحمد بن الحسن بن سهل الفارسي ابن سريج. (المرجع السابق 1/25، 26) .
[19]
في (طبقات الشافعية الكبرى 3/3) بتصرف.
[20]
هكذا بالنصب على تقدير (كان) أو يكون حالاً من الضمير في قائم.
[21]
ابن العماد (شذرات الذهب 3/304) .
[22]
(وفيات الأعيان 1/85) .
[23]
نقل الذهبي عن عبد الغافر بن إسماعيل قوله "كان البيهقي على سيرة العلماء قانعاً باليسير متجملاً في زهده وورعه"انظر (سير أعلام 11/184 ورقة) .
[24]
قال ياقوت:"الجبال جمع جبل، اسم علم للبلاد المعروفة اليوم باصطلاح العجم بالعراق وتسمية العجم له بالعراق غلط لا أعرف سببه وهو اصطلاح محدث لا يعرف في القديم، وقد حددنا العراق في موضعه "(معجم البلدان 2/99) .
وظاهر كلامه رحمه الله أن الجبال على البلاد التي في شرق العراق وغرب إيران. فلم نرد الإطالة بنقل كلامه.
[25]
عدد الأستاذ السيد أحمد صقر جماعة من مشايخ البيهقي في مقدمته على كتاب (معرفة السنن 1/2-9) .
[26]
صرح بذلك البيهقي في كتابه (معرفة السنن والآثار 1/143) وانظر (طبقات الشافعية الكبرى 3/4) و (وفيات الأعيان 1/76) .
[27]
انظر ترجمته في كتاب (العبر 3/208) ، (شذرات الذهب لابن العماد 3/273) .
[28]
عبد الغافر صاحب كتاب (السياق) وهو ذيل على تاريخ نيسابور، ونقل الحافظ الذهبي كلامه في كتاب (تذكرة الحفاظ 3/1133)، (سير أعلام النبلاء 11/185) وفيه قوله:"كتب الحديث وحفظه من صباه ".
[29]
(الأنساب ص 101) .
[30]
طبقات الشافعية للسبكي 3/3. ولم أقف على قول الذهبي:"دائرته في الحديث ليست كثيرة "في مؤلفاته إلا أن يكون في كتابه (تاريخ الإسلام) وقد وقفت على صورته التي في الجامعة الإسلامية ولم تبلغ ترجمة البيهقي.
[31]
من ذلك قوله "وهو أني منذ نشأ وابتدأت في طلب العلم أكتب أخبار سيدنا المصطفى صلى الله عليه وسلم وعلى آله أجمعين وأجمع آثار الصحابة الذين كانوا أعلام الدين، وأسمعها ممن حملها، وأتعرف أحوال رواتها من حفاظها، وأجتهد في تمييز صحيحها من سقيمها ومرفوعها من موقوفها وموصولها من مرسلها ". (معرفة السنن 1/140 ط) .
وجاء في رسالته لأبي محمد الجويني "وقد علم الشيخ اشتغالي بالحديث واجتهادي في طلبه ومعظم مقصودي منه في الإبتداء التمييز بين ما يصح الإحتجاج به من الأخبار وبين ما لا يصح ". (المرجع السابق 1/20 مقدمة) . وانظر (طبقات الشافعية الكبرى 3/210 – 217) .
[32]
قال الذهبي:"لم يكن عنده (سنن النسائي) ولا (جامع الترمذي) ولا (سنن ابن ماجه) "انظر (تذكرة الحفاظ 3/1132) و (طبقات الشافعية الكبرى 3/3) ، وكذلك (سير أعلام النبلاء 11/184) .
[33]
انظر طبقات الشافعية لابن هداية ص159 – 160.
[34]
انظر (طبقات الشافعية الكبرى 3/4) ، (سير أعلام النبلاء 11/184) .
[35]
(فتح المغيث 2/333) .
[36]
(سد الأرب من علوم الإسناد والأدب، حاشية ص115)
[37]
(سد الأرب من علوم الإسناد والأدب، حاشية 115)
[38]
والحق أن كتاب السنن الكبرى غني عن التعريف فهو مطبوع بين أيدي الناس يتداولونه في عشر مجلدات، وقد طبع مطبعة مجلس دائرة المعارف النظامية الكائنة في الهند سنة 1344هـ.
[39]
انظر (كشف الظنون 2/1007) .
[40]
ومن تلك الإعتراضات ما نقلناه عنه في موضوع (العقيقة) في النسخة التي بين يدي.
[41]
انظر (كشف الظنون 2/1007) .
[42]
(طبقات الشافعية الكبرى للسبكي 3/4) .
[43]
هاجم أبو جعفر الطحاوي الشافعي وأتباعه هجوماً عنيفاً في كتابه (شرح معاني الآثار) .
[44]
(طبقات الشافعية الكبرى 3/4) .
[45]
سبق البيهقي جماعة إلى جمع نصوص الشافعي في كتب مستقلة ذكرناهم في أول البحث وأشرنا إلى كتبهم.
[46]
انظر (طبقات الشافعية الكبرى 3/215) .
[47]
طبع الكتاب في دار إحياء التراث العربي بلبنان باعتناء وتعليق الشيخ محمد زاهد الكوثري.
[48]
(طبقات الشافعية الكبرى 3/4) .
[49]
وقد نشر الكتاب بتحقيق أحمد محمد موسى عام 1380 هو لم يذكر اسم المطبعة ولا مكان الطبع.
[50]
الكتاب طبع منه الجزء الأول بالمجلس الأعلى للشئون الإسلامية سنة 1390هـ ذكره السيد أحمد صقر (مقدمة معرفة السنن والآثار 1/10) . وقد طبع الجزء الأول والثاني منه بتحقيق عبد الرحمن محمد عثمان - ومنشورات محمد عبد المحسن الكتبي- صاحب الكتبة السلفية بالمدينة المنورة- عام 1389 هـ وكأن السيد أحمد صقر لم يقف على هذه الطبعة أو غفل عنه.
[51]
قال البيهقي:" فاستخرت الله تعالى في الإبتداء بما أردته واستعنت به في إتمام ما قصدته
…
وعلى نحو ما شرطته في مصنفاتي من الإكتفاء بالصحيح من السقيم، والإجتزاء من المعروف بالغريب إلا فيما لا يتضح المراد من الصحيح أو المعروف دونه فأورده والإعتماد على جملة ما نقدمه من الصحيح أو المعروف عند أهل المغازي والتواريخ وبالله التوفيق ". (دلائل النبوة 1/63) .
[52]
وقفت على صورة الكتاب في أربع عشرة مجلدة في مكتبة السيد حبيب أحمد بالمدينة المنورة وصورة أخرى للنسخة الآصفية في مكتبة السيخ عبد الرحيم صديق بمكة المكرمة واختصر الكتاب المذكور الشيخ الإمام أبو جعفر عمر القزويني (ت 699هـ) في كتاب (مختصر شعب الإيمان) إجابة على سؤال محمد بن القاسم المزي له عن عدد شعب الإيمان وكان قد تكرر منه هذا السؤال وذلك بسبب الخلاف في عدد شعب الإيمان، إذ جاء في بعض الروايات "الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة " وفي بعضها "ست وسبعون أو سبع وسبعون " وفي "بعضها أربع وستون "وقد ذكر المصنف في الكتاب سبعة وسبعين شعبة جمعها من متفرق ما كتبه البيهقي في كتابه الذي نحن بصدده فاختصرها على شكل رؤوس المسائل واقتنع باستدلال آية من كتاب الله تعالى أو بحديث من أصح ما روي فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال مؤلفه رحمه الله "وربما زدت في بعض الشعب آية أو آيات أو حديثاً أو كلمات، أو حكاية أو حكايات أو بيتاً أو أبيات لم يذكرها البيهقي"وكتاب (مختصر الشعب) مطبوع بتحقيق محمد منير الدمشقي في إدارة الطباعة المنيرية عام 1355هـ.
[53]
وهو كتاب (منهاج الدين في شعب الإيمان) قال عمر رضا كحالة: وهو في نحو ثلاث مجلدات (معجم المؤلفين 4/3) .
[54]
الحديث أخرجه جمع من الأئمة منهم البخاري ومسلم والترمذي والنسائي واللفظ له. انظر (سنن النسائي 8/110) .
[55]
طبع الكتاب في جزئين نشراً بتحقيق السيد أحمد صقر عام 1391هـ، في مكتبة دار التراث وقد ذكر السيد صقر أن الكتاب طبع منه الجزء الأول عام 1390، بدار التراث وهو يخالف ما نقلناه من كتاب (مناقب الشافعي) وانظر (معرفة السنن 1/10) .
[56]
مثل حديث "عالم قريش يملأ الأرض علماء " أخرجه في المناقب 1/45 وحديث "لا تسبوا قريشاً فإن عالمها يملأ الأرض علماً، اللهم أذقت أولها نكالاً فأذق آخرها نوالاً " أخرجه في (المناقب 1/26) وغيرها.
[57]
رأيت صور من الكتاب في مكتبة الشيخ عبد الرحيم صديق بمكة عن نسخة المكتبة السعدية بالهند.
[58]
لا يزال الكتاب مخطوطاً وقفت على صورته في مكتبة السيد حبيب. وتبلغ أوراقه تسع عشرة ومائة ورقة من الحجم المتوسط. ورأيت صورة أخرى للكتاب في مكتبة الشيخ عبد الرحيم صديق خطها واضح وحديث يرجع إلى عام 1319 هـ وهي مصورة من نسخة المكتبة الآصفية.
[59]
الكتاب لا يزال مخطوطاً ويقوم بتحقيقه زميلنا الشيخ مصطفى سعيد خالد قطاني.
[60]
طبع الكتاب بدار الكتب العلمية في بيروت عام 1359 هـ بتحقيق الشيخ عبد الغني عبد الخالق.
[61]
الكتاب في مجلدين وقفت على صورة الثاني منهما في مكتبة الشيخ عبد الرحيم صديق والنسخة مصورة من مكتبة الجمعية الأسيوية بكلكتا.
[62]
وقفت على صورة الكتاب في مكتبة الشيخ عبد الرحيم صديق بمكة وعليها ختم مكتبة السلطان أحمد.
[63]
ويرجع تاريخ نسخ هذا الكتاب إلى حوالي القرن الثامن، وهو موجود في مكتبة دار الكتب المصرية التي رأيت صورتها ناقصة في مكتبة الشيخ عبد الرحيم صديق ويبدأ الجزء الموجود من كتاب الإستسقاء وينتهي إلى حكم الطفل مع أبويه في الدين. وقد أشار كاتبه إلى أنه يتلوه الجزء الثالث وأوله كتاب الفرائض، وهناك أيضاً كتاب آخر أكبر من هذا الكتاب وهو (تخريج أحاديث مؤلفات الشافعي) وقد وقفت عليه أيضاً في مكان نفسه.
[64]
الكتاب موجود في مكتبة السلطان أحمد الثالث وقد وقفت عل صورة منه في مكتبة الشيخ عبد الرحيم صديق.
[65]
(معرفة السنن والآثار 1/129)
[66]
ذكر السخاوي عن البيهقي ما رواه عن الشافعي وشرطه في قبول المرسل حيث ذكر من شرطه أن يأتي ما يعضده سواء كان حديثاً مسنداً أو قول صحابي أو مرسل تابعي آخر، أو أن يوجد جماعة من أهل العلم يفتون بمثل معنى ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً.
وكذلك من شرط قبول المرسل أن يكون من أرسله ضابطاً وأن لا يسمى مجهولاً ولا مرغوباً عن الرواية عنه إن سئل عن تسميته. هـ. بتصرف (فتح المغيث 1/141) .
الأفعال الملازمة للمجهُول
بين النحويين واللغويين
لفضيلة الدكتور مصطفى أحمد النماس
الأستاذ المشارك بكلية اللغة العربية
الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على أشرف خلقه وأفضل رسله سيدنا محمد الذي اصطفاه مولاه بلسان عربي مبين وجعل فصاحته في ربوة ذات قرار ومعين وعلى آله المفوهين وصحابته الغر الميامين بعد:
مقدمة:
فالأفعال من الأبنية التي عنى بها العلماء، لأنها جذبت أنظار الباحثين أولاً لكثرة تصرفاتها والتغيرات التي تعتريها ومشقة العلم بها ويؤيد ذلك قول ابن القوطية في مقدمة كتابه (الأفعال) : اعلم أن الأفعال أصول مباني أكثر الكلام، وبذلك سماها العلماء الأبنية ولذلك بدأ التأليف فيها وألف فيها من العلماء (قطرب سنة 206) ، والفراء سنة 207 هـ، وأبو عبيده سنة 210، والأصمعي سنة 213 هـ، وأبو زيد الأنصاري سنة 215 وأبو عبيد القاسم ابن سلام سنة 224 هـ وأبو محمد عبد الله التوزى سنة 233 هـ ويعقوب بن السكيت سنة246هـ والسجستاني سنة 255 هـ وابن قتيبة سنة 276 هـ وثعلب سنة 291هـ وألف فيه من أهل القرن الرابع الزجاج سنة 311 هـ، وابن دريد سنة 321 هـ، وابن درستويه سنة347 هـ، وأبو على القالي سنة 356هـ، وأبو بكر محمد بن عمر المعروف بابن القرطبة سنة 317 هـ ثم ألف فيه أبو بكر بن الأنباري سنة 577هـ ثم القاسم بن القاسم سنة 626 هـ وأبو عثمان سعيد بن محمد المعافري السرقسطي سنة 400 هـ، وعلي بن جعفر السعدي المعروف بابن القطاع سنة 515هـ وابن سيدة سنة 458 هـ في المخصص السفر الخامس عشر والرابع عشر.
واللغة العربية من اللغات الإشتقاقية التي تصوغ للمعاني المختلفة أبنية متنوعة من المادة الواحدة وقد عني النحويون والصرفيون بهذه الأبنية ودلالاتها وتصرفاتها منذ أمد مبكر وألفوا فيها الرسائل الصغيرة والكتب الكبيرة التي تبلغ مبلغ المعاجم، وأفرد لها بعض العلماء كثيراً من الأبواب الخاصة وأحاول في هذا البحث أن ألقي نظرة سريعة على جهود اللغويين في صنف معيّن من الأفعال، وهو الفعل الذي وضعه علماء تحت قائمة الأفعال التي جاءت على صورة الفعل المبني للمجهول وأطلقوا عليه اسم (الفعل الذي لم يسم فاعله) وقد فهم بعض النحاة أن المراد من هذه التسمية هو عدم استعمالها في معانيها السالفة مبنية للمعلوم وصرّح بعضهم بذلك في كتابه الفصيح وهو أبو العباس أحمد بين يحيى ثعلب المتوفى (291هـ) فهذه الأفعال حرمت البناء للمعلوم كما يقول البعض وها أنا ذا أحاول وضع هذه الأفعال تحت بساط البحث لنرى هل كان وضعها تحت هذا العنوان مفضياً لهذا الفهم أو يصح أن تكون مبنية للمعلوم تارة وتارة أخرى تكون مبنية للمجهول
…
وهي الصورة المسموعة عن أكثر قبائل العرب. سأحاول الرجوع إلى أمهات كتب اللغة بكل فعل من هذه الأفعال لأعالج ما يصادفه الباحث من عناء في فهم المراد من هذه الأفعال والآثار التي تترتب على هذا الفهم، والله أسأل أن يسدد خطانا لمعرفة أسرار اللغة العربية التي هي وعاء للقرآن الكريم والحديث النبوي الشريف.
الأصل في وضع الفعل أن يكون مبنياً للمعلوم؛ لأن كلّ فعل لا بدّ له من فاعل غالباً هذا بغض النظر عن الأفعال التي تتصل بها (ما) مثل: قلّما، وكثرما، وطالما، فالأخيرة لا تتطلب فاعلاً؛ لأن الفعل لقد كف عن العمل بناء على مذهب سيبويه وعلى هذا لا يليها إلاّ جملة فعلية، ومن العلماء من يزعم أن (ما) في نحو (طالما شكرتك) مصدرية سابكة لما بعدها بمصدر هو فاعل طال والتقدير: طال شكري إيّاك، وهذا يوافق الأصل العام الذي يقتضي بأن يكون لكل فعل أصلي فاعل، فلا داعي لإخراج هذه الأفعال من نطاق الأصل، وكذلك كان الزائدة لا تحتاج إلى مرفوع مثل قول الشاعر:
لله درّ أنو شرون من رجل
ما كان أعرفه بالدون والسفل
فالراجح عند المحققين من العلماء أن (كان) الزائدة لا فاعل لها، وكذلك قول بعضهم وهو قيس ابن غالب في فاطمة بنت الخرشب من بني أنمار من بني غطفان:
ولّت فاطمة بنت الخرشب الأنمارية الكملية من بني عبس لم يوجد كان أفضل منهم، وقال سيبويه:" وقال الخليل: إن من أفضلهم كان زيداً على إلغاء (كان) "، وشبهه بقول الشاعر وهو الفرزدق:
فكيف إذا مررت بدار قوم
وجيران لنا كانوا كرام
وكقول الشاعرة وهي أم عقيل بن أبي طالب:
أنت تكون ماجد نبيل
إذا تهب شمأل بليل
فهذه لا تحتاج إلى مرفوع [1]
فكل فعل لا بد له من فاعل إما أن يكون ظاهراً أو ضميراً بارزاً أو مستتراً كما قال ابن مالك في ألفيته:
وبعد فعل فاعل فإن ظهر
فهو وإلا فضمير استتر
ولا يستغني الفعل الأصلي عن الفاعل إلا إذا غيّر وبني للمجهول فيحذف الفاعل ويسند الفعل للمفعول فيبنى الفعل لهذا المفعول، والملحوظ أن البناء للمجهول يجيء عرضاً لا أصلاً؛ بدليل أن الفعل المفتوح الفاعل تضم فأوه فالفاعل جزء أساسي في جملته لا بد منه لذا فهو عمدة يبنى الفعل الأصلي له وهو الذي فعل الفعل أو قام به الفعل.
فإذا غير أول الفعل وبني للمفعول الحقيقي فهذا أمر أقره النحاة والصرفيون؛ لأن الفعل إذا أسند إلى المفعول فإذا جاء الفعل على صورة المبني للمجهول، وبني للفاعل فهل يصح لنا أن نطلق عليه بأنه أسلوب المبني للمجهول؟ وهل نضع الفعل في أبواب معينة تحت (الأفعال الملازمة للبناء للمجهول) خاصة كما قلت وأن الاسم الذي بعدها هو الذي فعل الفعل أو قام به هذا ما أحببت أن أعالجه لنرى كيف نظر العلماء إلى الفعل الذي جاء على صورة المبني للمجهول ناطوا به بعض البحوث كالبحث في التعجب وأفعل التفضيل، وشذوذ بعض الأبنية على اسم المفعول من غير الثلاثي على وزن مفعول.
نتيجة أنهم نظروا للفعل نظرة المبني للمجهول حقيقة؛ فشذ بذلك نظرهم في مجموعة كبيرة من الأساليب، ولو حققنا هذه الأساليب تبعاً لأفعالها لوجدناها سائغة وقياسية وأنها وردت عن كثير من شعراء وأدباء العرب قديماً ولكنها من الأمور التي ترجع إلى اللغات مثل تعدد صور المضارع واختلاف الصيغ في الماضي من فعل، وفعل، وفعل بفتح الفاء والعين، وفتحها مع كسر العين، وضمها مع كسر العين مع اتفاق المعنى واختلافه في المادة الواحدة، ومن الملحوظ أن اللغويين قد أفردوا باباً لما جاء من الأفعال على صيغة ما لم يسم فاعله، فابن سيدة [2] المتوفى سنة 458هـ في السفر- 15 (باب ما جاء من الأفعال على صيغة ما لم يسم فاعله) يقول: وهذا الباب على ضربين فمنه ما لا يستعمل إلا على تلك الصيغة (كـ عنيت بحاجتك، ونفست المرأة) ومنه ما تكون على هذه الصيغة أغلب، وقد يستعمل بصيغة ما سمي فاعله (كـ زهيت علينا) فإن ابن السكيت حكى زهوت، وإنما أفرد ما لم يسم فاعله أفعال (ما) على صيغة (ما) ؛ لأن ما لم يسم فاعله نائب مناب الفاعل فافردوه بمثال لا يكون لغيره كما أن للفاعل أفعالاً على صيغة خص بها نحو (فعل) وانفعل فمن هذا الباب: عنيت بحاجتك ووعك الرجل، وحم، وقحطت الأرض، وقد أولعت بالشيء وقد بهت الرجل، وقد وثئت يده وقد شغلت عنك وقد شهر في الناس، وطلّ دمه، وهدر دمه، ووقص الرجل إذا سقط عن دابته فاندقت عنقه، ووضع الرجل في التجارة، ووكس وغبن في البيع غبناً وغبن رأيه إذا كان ضعيف الرأي، وهزل الرجل والدابة ونكب الرجل، ورهصت الدابة ونتجت، وعقمت المرأة (إذا لم تحبل) وفلج الرجل من الفالج، وقد غم الهلال على الناس، وأغمي المريض وغشي عليه، وقد أهل الهلال على الناس، واستهل، وقد شدهت: وقد برّ حجك وثلج فؤادك إذا كان بليداً، وثلج بخير أتاه إذا سر به وقد امتقع لونه (تغير) ، وكذلك انتقع والتمع واهتقع وانشف وانتشف كله بمعنى، وانقطع بالرجل وهذا كله حكاية
كقولك: لتعن بحاجتي، ولتوضع في تجارتك، ولتزه علينا، وقعصت الدابة أصابها القعاص وقد يقال بالسين، وهقع بسؤة رمى بها، وعجز الرجل وثمد، ألح عليه في ماله، وعضد الرجل شكا عضده، ويطرد على هذا باب في جميع الأعضاء، وعدس الرجل أصابته عدسة وهي بثرة قاتلة كالطاعون، وسدع الرجل نكب يمانية وسعر الرجل ضربته السموم، وسعف الرجل- أصابته سعفة وهى قرحة ورمع الرجل ورمع أصابه الرماع وهو داء في البطن يصغر منه الوجه، وأوزعت به، وأولعت وحنش الرجل - غمز حسبه ورحض الرجل - عرق، وأرق الزرع - أصابه الأرقان وكذلك جميع آفات النبات، وفقئت الأرض - مطرت وفقيها نبت فحمل عليه فأفسده وضنك الرجل (أصابه الضناك وهو الزكام) ونكس في المرض كظن الرجل- سكت، وكلب أصابه الكلاب وهو ذهاب العقل من الكلب، وأكمت الأرض- أكل جميع ما فيها، وأشب لي الرجل إذا رفعت طرفك فرأيته، وأشرب حب فلا نه- أي خالط قلبه وحنبث به، ضرب وضمئد الرجل- زكم، كذلك أرض وفضم جانب البيت- انهدم، وسل الرجل من السلّ وسلس- ذهب عقله، وسرفت الشجرة - أصابتها السرفة، وأسر بوله - احتبس، ونسئت المرأة- تأخر حيضها، ووطب البعير- احتبس نجوه، وأطلف الرجل ذهب ماله ودمه هدراً، ولبط الرجل أصابه زكام وسعال وبدى جدر أو حصب، وافتلت- مات فلتة وأهتر عدم لبه من الكبر، وهبت- عدم عقله وشخص به - أتي إليه أمر بقلقه ونشعت به أو لعت- وأغرب الرجل- لجّ في الضحك.
جولة في كتب اللغة مع هذه الأفعال:
وعك: قال في اللسان - ورد في الحديث ذكر الوعك وهو الحمى وقيل: المها وقد وعكه المرض وعكا، ووعك فهو موعوك. وقد وعكته الحمى تعكه.
حم: حم هذا الأمر حماً إذا قضى، وحم له ذلك قدر فأما ما أنشده ثعلب من قول جميل:
فليت رجالاً فيك قد نذروا دمي
وحمّوا لقائي يابثين لقوني
فإنه لم يفسر حموا لقائي.. قال ابن سيده:"والتقدير عندي للقائي فحذف أي حم لهم لقائي "ثم يقول في اللسان:
وحم (بفتح الحاء) الله له كذا وأحمه قضاه قال عمر وذو الكلب الهذلي:
أحم الله ذلك من لقاء
أحاد أحاد في الشهر الحلال
وحم الشيء وأحم أي قدر فهو محموم أنشد ابن برى لخباب بن غزّي:
وأرمى بنفسي في فروج كثيرة
وليس لأمر حمّه الله صارف
وحمّه (بفتح الحاء) .
وقال البعيث:
ألا يا لقوم كل ما حم واقع
وللطير مجرى والجنوب مصارع
قحطت الأرض: قال في اللسان: القحط احتباس المطر وقد قحط بفتح الحاء والقاف وقحط (بكسر القاف والحاء) والفتح أعلى قحطاً وقحطوطاً، وقحط الناس (بضم الأول وكسر الثاني) على ما لم يسم فاعله لا غير قحطاً وأقحطوا وكرهها بعضهم وقال ابن سيدة:
لا يقال: قحطوا (بضم القاف وكسر الحاء) ولا اقحطوا.
وحكى أبو حنيفة:"قحط المطر (ضم القاف) على صيغة ما لم يسم فاعله واقحط على فعل الفاعل، وقحطت الأرض على صيغة ما لم يسم فاعله فهي مقحوطة "قال ابن برى:"قال بعضهم: قحط المطر (بفتح القاف والحاء) وقحط المكان (بفتح القاف وكسر الحاء) هو الصواب "ويقال أيضاً قحط القطر (بضم القاف وكسر الحاء) .
قال الأعشى:
وهم يطعمون إن قحط القطر
هبت بشمأل وضريب
وقال ابن سيدة:"وقد يشتق القحط في كل شيء قلة خيره والأصل للمطر ".
وفي الحديث:" إذا أتى الرجل القوم فقالوا قحطاً قحطاً له يوم يلقى ربه "أي أنه إذا كان ممن يقال له عند قدومه على الناس هذا القول فإنه يقال له مثل ذلك يوم القيامة، وهو دعاء بالجدب فاستعاره لانقطاع الخير عنه وجدبه من الأعمال الصالحة.
بهت الرجل: بهت الرجل يبهته بهتاً وبهتاناً فهو بهّات أي قال عليه ما لم يفعله فهو مبهوت، وبهته بهتاً، أخذه بغتة؛ وفي النزيل:{بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ} أما قول ابن النجم: (سبّي الحماة وابهتى عليها) فان على مقحمة لا يقال بهت عليه إنما الكلام بهته.
ثم يقول: وقد بهت وبهت (بفتح فضم، ثم فتح فكسر) وبهت الخصم استولت عليه الحجة، في التنزيل:{فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ} .
تأيله: انقطع سكت متحيراً عنها، ابن جني:"قرأه السميفع فبهت الذي كفر (بفتح الباء والهاء) ؛ أي: فبهت إبراهيم الكافر"، قرأه ابن حيوة (فبهت) بفتح الباء وضم الهاء) لغة في بهت (بفتح وكسر) قال:" قد يجوز أن يكون بهت (بالفتح فيهما) لغة في بهت (بفتح وكسر) ".
ثم يقول: وأفصح منهما (بهت)(بضم فكسر) كما قال عز وجل: {فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ} ؛ لأنه يقال: رجل مبهوت ولا يقال باهت ولا بهيت.
شغل به: قال في القاموس: شغله كمنعه شغلاً، وأشغله لغة جيدة أو قليلة أو رديئة، اشتغل به وشغل كـ عني ويقال منه ما أشغله وهو شاذ لأنه لا يتعجب من المجهول.
وثئت يده: قال في القاموس: الوثاء، والوثأة وصم يصيب اللحم لا يبلغ العظم، أو توجع في العظم بلا كسر، أو هو الفك ووثئت يده كفرح تثأ وثأ ووثأ (بسكون الثاء وفتحها) فهي وثئة كفرحة، ووثئت كعني فهي موثوأة ووثيئة وهذه ضربة قد أوثأت اللحم.
شهر في الناس: قال في القاموس: شهره كمنعه وشهّره والشهير والمشهور: المكان المعروف.
طل دمه: قال في القاموس: وطلّ دمه (بفتح الطاء) يطلّ كيزلّ ويملّ، وأطل بالضم فهو مطل، وطله حقه كمدّه: نقصه إيّاه وأبطله، وغريمه مطله هدر دمه: قال في القاموس: الهدر محركة ما يبطل من دم وغيره هدر يهدر (كضرب يضرب) ويهدر (كنصر ينصر) هدراً وهدرته لازم متعد وأهدرته فعل وأفعل بمعنى.
وقص الرجل: قال في القاموس: وقص عنقه كوعد: كسرها فوقصت لازم متعد، ووقص كعني فهو موقوص، وقصت به راحلته تقصه والفرس الآكام دقها.
ووضع الرجل في التجارة: قال في القاموس: ووضع في تجارته ضيعة ووضيعة كعني خسر، وكوجل يوجل، وأوضع بالضم خسر فيها.
وكس في البيع: قال في القاموس: الوكس كالوعد النقصان لازم متعد والتنقيص، ووكس الرجل في تجارته وأوكس مجهولين، كوكس كوعد، وأوكس ماله ذهب لازم.
غبن في البيع - قال في القاموس: غبنه في البيع يغبنه غبناً (بضم الغين) ويحرك أو بالتسكين في البيع، وبالتحريك في الرأي خدعه. وقد غبن كعني فهو مغبون. ومنه: غبن رأيه غبناً (بالتحريك) إذا كان ضعيف الرأي.
هزل الرجل والدابة: قال في القاموس: الهزل نقيض الجدّ، هزل كضرب وفرح، وهازل ورجل هزل ككتف كثيرة، وأهزله وجده لعّاباً، والهزالة الفكاهة، والهزال (بالضم) نقيض السمن، وهزل كعني هزالاً، وهزل كنصر هزلاً (بسكون الزاي) .
أولع به: قال في تاج العروس: وأولع به (بالضم) إيلاعاً وولوعاً فهو مولع به (بالفتح)، أي: بفتح اللام أي: أغريته وغرى به فهو مغرٍ به، وولع به كوجل يولع ولعاً محركة وولوعاً بالفتح أي: ألح في أمره وحرص على إيذائه.
وقال في المصباح المنير: أولع بالشيء بالبناء للمفعول يولع به ولوعاً بفتح الواو علق به. وفي لغة: ولع (بفتح اللام وكسرها) يلع (بفتحها منهما مع سقوط الواو) .
نكب الرجل: قال في تاج العروس للزبيدي: نكبه الدهر ينكبه نكباً ونكباً بلغ منه أو أصابه بنكبة، ويقال نكبته حوادث الدهر فأصابته نكبة، ونكب فلان فهو منكوب وهو ما يصيب الإنسان من الحوادث. وفي الحديث: أنه نكبت أصدمه أي: نالتها الحجارة، ونكب به على الأرض طرحه وألقاه.
رهصت الدابة: قال في تاج العروس: ورهص الفرس كعني عن ثعلب وفرح عن الكسائي وأبي زيد والأول أفصح قاله ثعلب وأباه الكسائي فهو رهيص- ومرهوص: أي أصابته الرهصة وهي وقرة تصيب باطن حافره.
نتجت الدابة: قال في تاج العروس للزبيدى:
نتجت الناقة والفرس كعني صرح به ثعلب والجوهري نتجاً ونتاجاً بالكسر وبعضهم يقول نتجت الفرس والناقة: ولدت وأنتجت دنا ولادهما، كلاهما فعل لم يسمّ فاعله، وقال: ولم أسمع نتجت ولا أنتجت على صيغة فعل الفاعل.
فلج الرجل من الفالج وقال في تاج العروس: الفالج مرضه من الأمراض يتكون من استرخاء أحد شقي البدن طولاً هذا نص الزمخشري في الأساس وزاد في شرح الفصيح: فيبطل إحساسه وحركته وربما كان في عضو واحد، وفي اللسان هو ريح يأخذ الإنسان فيذهب بشقه، ومثله قول الخليل في كتاب العين: وفي حديث أبي هريرة "الفالج داء الأنبياء "، وقال التدمري في شرح الفصيح:"هو داء يصيب الإنسان عند امتلاء بطون الدماغ من بعض- الرطوبات فيبطل منه الحس وحركات الأعضاء ويبقى العليل كالميت لا يعقل شيئاً، والمفلوج صاحب الفالج ".
وقد فلج كعني اقتصر عليه ثعلب في الفصيح وتبعه المشاهير من الأئمة زاد شيخنا: وبقي على المصنف أن يقال: فلج بالكسر كعلم حكاها ابن القطاع والسرقسطى وغيرهما، فهو مفلوج، قال ابن دريد:"لأنه ذهب نصفه "، وقال ابن سيده:"فلج فالجاً أحد ما جاء من المصادر على مثال فاعل".
غم الهلال على الناس قال في اللسان:
غم عليه الخبر: على ما لم يسم فاعله أي استعجم مثال أغمي وغمّ الهلال على الناس غما ستره الغيم وغيره فلم يرها وفي الحديث " صوموا..الخ ".
قال شمر:"يقال غمّ علينا الهلال غما فهو مغموم إذا حال دون رؤية الهلال غيم رقيق من غممت الشيء إذا غطيته، وفي غم ضمير الهلال، قال: ويجوز أن يكون غم مسنداً إلى الظرف أي فإن كنتم مغموماً فأكملوا وترك ذكر الهلال للإستغناء عنه. وغم القمر النجوم (بفتح الغين) بهرها وكاد يستر ضوءها، وغم يومنا بالفتح، يغم (بفتح فضم) غماً وغموماً من الغيم ورجل مغموم مغتم من قولهم: غم علينا الهلال فهو مغموم إذا التبس ".
أغمي على المريض: قال في اللسان وفي التهذيب أغمي على فلان إذا ظن أنه مات ثم يرجع حياً، وغمي عليه فهو مغمى عليه على مفعول ثم يقول: ومنه أغمي على المريض إذا أغشي عليه كأن المرض ستر عقله وغطاه.
غشي عليه: قال في اللسان: وغشي عليه غشية وغشياً وغشياناً أغمي فهو مغشي عليه وهي الغشية وكذلك غشية الموت وغشي غشياناً أتاه وأغشاه إيّاه غيره.
برّ حجك: قال في القاموس: ويقال برّ حجك وبر (بفتح الباء وضمها) فهو مبرور.
ثلج فؤادك: قال في القاموس. ثلج بخير أتاه إذا سرّ به.
ثلجتنا السماء وأثلجتنا، وثلجت نفس (بفتح الثاء) كنصر وفرح ثلوجاً وثلجاً اطمأنت، والمثلوج الفؤاد البليد، وثلج كخجل فرح.
اهتقع لونه: قال في القاموس:
هقعت الناقة كفرح فهي هقعة وهي التي إذا أرادت الفحل وقعت من شدة الضبعة، واهتقعه عرق سوء، أقعده عن بلوغ الشرف والخير، واهتقع فلاناً صده ومنعه، والحمى فلاناً تركته يوماً فعاودته وأثخنته وكل ما عاودك فقد اهتقعك، واهتقع لونه مجهولاً: تغير (وهقع بسوءة رمى بها) .
وانتشف لونه، وانتسف لونه: قال في القاموس:
أنشفت الناقة ولدت ذكراً بعد أنثى، وانتشف لونه للمفعول تغير.
قعصت الدابة: القعاص داء في الغنم لا يلبثها أن تموت وداء في الصدر كأنه يكسر العنق، قعصت بالضم فهي معقوصة، وقعصت كفرح ما كانت كذلك. وقعصه كمنعه قتله مكانه كأقعصه، وانقعص مات والشيء انثنى.
عضد الرجل: قال في القاموس:
عضده، يعضده قطعه، وكنصره أعانه ونصره، وأصاب عضده وكعني شكا عضده.
عدس الرجل: قال في القاموس:
عدس يعدس خدم، وفي الأرض عدساً وعدساناً وعداساً ذهب، والمال عدساً رعاه، والعدس الحدس وشدة الوطء وقد عدس كعني فهو معدوس أي أصابته العدسة وهي بثرة تخرج بالبدن فتقتل.
سعف الرجل: قال في القاموس: السعفة قروح تخرج على رأس الصبي- ووجهه سعف كعني وهو مسعوف، وسعف بحاجته كمنع، وأسعف قضاها له، وأسعف دنا وله الصيد أمكنه وبأهله ألم.
رمع الرجل، ورمّع: قال في القاموس:
رمع أنفه كمنع رمعاناً محركة تحرك وبيديه أومأ وبالصبي ولدته وعينه بالبكاء سالت، ورأسه نفضة والرماعة وجع يعترض في ظهر الساقي حتى يمنعه من السقي، وقد رمع كعني واصفرار وتغير في وجه المرأة من داء يصيب بظرها وقد رمعت كفرح ورمعت بالضم مشددة.
أوزعت به: قال في القاموس، وزعته كوضع كففته فاتزع هو كف وأوزعه بالشيء أغراه، فأوزع به بالضم فهو موزع مغرى.
رحض الرجل: قال في القاموس: رحضه كمنعه غسله فأرحضه فهو رحيض ومرحوض، والرخضاء كالخشناء العرق أثر الحمى، أو عرق يغسل الجلد كثره، وقد رحض المحموم كعني أي عرق.
أرق الزرع: قال في القاموس- أرق كفرح فهو أرق، وأرق والأرقان بالكسر شجر أحمر والحناء والزعفران، وآفة تصيب الزرع والناس كالأرقان.
أطلف الرجل: قال في القاموس- الطلف الهدر، والعطاء، وأطلفه وهبه وأهدره، والطليف: المأخوذ والهدر والباطل.
سرفت الشجرة: قال في القاموس- سرفة كفرح أغفله وجهله، وسرفت السرفة الشجرة أكلت ورقها.
وأرض سرفة كفرحة كثيرتها.
وأهتر الرجل- قال في القاموس: الهتر مزق العرض، وهتره يهتره، وهتره وبالكسر الكذب والداهية، وبالضم ذهاب العقل من كبر أو مرض أو حزن، وقد أهتر فهو مهتر بفتح التاء، شاذ، وقد قيل: أهتر بالضم ولم يذكر الجوهري غيره، وأهتر بالضم فهو مهتر أولع القول في الشيء، وهتره الكبر يهتره كنصر ينصر، وقد استهتر بكذا على ما لم يسم فاعله.
هبت الرجل- قال في القاموس: الهبيت: الجبان الذاهب العقل كالمهبوت وقد هبت كعني، وهبته يهبته (كنصر) ضربه وحطه، والهبتة الضعف.
نشعت به: قال في القاموس:
نشعه كمنعه نشعاً انتزعه بعنف، والصبي أوجره، وفلاناً الكلام لقنه إيّاه، وفلان نشوعاً قرب من الموت ثم نجا، ونشع بكذا كعني فهو منشوع أولع.
أغرب الرجل: قال في القاموس- أغرب بالفتح بالغ في الضحك وأغرب بالضمّ اشتدّ وجعه، وعليه صنع به صنيع قبيح.
افتلت: قال في القاموس: افتلت الكلام ارتجله، وافتلت على بناء المفعول مات فجأة، وبأمر كذا فوجئ به قبل أن يستعد له.
أشرب فلان حب فلانة: قال في القاموس- خالط قلبه وأشرب به كذب عليه، وأشرب أبله جعل لكل جمل قريناً، والخيل جعل الحبال في أعناقها.
فصم جانب البيت: قال في القاموس- فصمه يفصمه كسره فانفصم، وأفصم الحمى أو المطر أقلع، وفصم جانب البيت كعني انهدم.
ونظرة فاحصة في هذه الأفعال التي لم يسم فاعلها نجد أن أغلبها يدل على الأدواء والمرض والآفات التي لا دخل للإنسان فيها فالفاعل فيها غالباً هو الله تعالى، ولم يستعمل لأنه من المعلوم عادة فهذه الأفعال ليست من أفعال الآدميين. ولهذا يعتبرها بعض اللغويين مبنية للمجهول في الصورة اللفظية لا في الحقيقة المعنوية لأن الإسم معها في أغلبها هو الذي فعل الفعل أو قام به، وهذا ما ينطبق على تصريف الفاعل وحده ولذلك يعرب بعضهم ما بعدها على أنه فاعل وبعضهم يعربه على أنه نائب عن الفاعل تبعاً لصورة الفعل.
وعلى المثال: مجد الدين الفيروزآبادي المتوفى سنة 816-817هـ نبه في مقدمة القاموس المحيط [3] إلى أن الرأي الأول صريحاً قال:"المقصد في بيان الأمور التي اختص بها القاموس عند قوله: مسألة الأفعال المبنية للمفعول صورة وما بعدها فاعل لا نائب فاعل، مثل: هزل، ونتج، وعني، ودهش، وشده بمعناه، وشفف، وأولع، وأهتر به، وأغري، وأغرم، (وأهرع) "ويقول في أثناء شرحه للمواد:"ما يفسر لنا معنى هذه الأفعال للمجهول فكثيراً ما يقول: كعني يريد به: المجهول من الثلاثي المجرد سواء لم يستعمل إلا مبيناً للمجهول أو كان بناؤه للمجهول كثير الإستعمال ولا يريد به أنه لا يستعمل إلا مبنياً للمجهول كما وهم بعضهم بدليل قوله: وعني بالضم عناية وكرضى قليل، وملئ كسمع وملأ كمنع وملئ كعني (المعنى مختلف) وكثير من الأفعال أوردتها من المخصص أوردها الفيروزآبادي متعددة الصورة تبعاً للماضي مع المضارع مما يرجع إلى لغات القبائل التي استعملت المادة من باب ضرب وقبيلة أخرى من باب منع وثالثة على صورة المبني للمجهول، والآن أحاول عرض أراء الكثير من العلماء الذين تعرضوا لهذه المجموعة من الأفعال التي جاءت على صورة المبني للمجهول:-
أما أبو العباس أحمد بن يحيى المعروف بثعلب المتوفى سنة 291 صرح في كتاب الفصيح:"بأنها لا تبنى للمعلوم وجاء بعده كثير من النحاة الذين حذوا حذوه، فيقولون: المقصود بملازمتها للمجهول هو أنها لا تستعمل مبنية للمعلوم، ولا يكون الفعل إلا مضموم الأول، فلا يصح أن نقول في هذا الفعل وأضربه شدهني الأمر، أو عناني أمرك إلخ.."
ويقول الخضري:"في باب أبنية المصادر عند الكلام على مصدر (فعل) إلا إذا كان المبني للمجهول لزوماً غير رافع الاسم بعده نحو سقط في يد المتسرع بمعنى ندم فشبه الجملة نائب الفاعل وليس بفاعل؛ لأن الفاعل لا يكون شبه جملة.
أما ابن درستوريه المتوفى سنة 347هـ فيقول في الرسالة المشتملة على انتقاد ابن الخشاب البغدادي على العلامة أبي محمد الحريري في مقاماته ثم انتصار ابن بري للإمام الحريري في الرد على ابن الخشاب قال ابن الخشاب معترض على الحريري في المقامة السادسة عند قوله:"ومتى اخترع خرع وإن بده شده ".
قال ابن الخشاب:" (شده) من الأفعال التي جاءت في كلامهم مقصورة على بناء الذي لم يسم فاعله. كقوله: شدهت وأنا مشدوه أي شغلت وهو يقارب دهش ولا يكادون يقولون: شدهني كذا، ولا شدهت زيداً في كلام فصيح وقد بينوا ذلك في المختصرات من كتب اللغة فضلاً عن غيرها، قال ابن بري المتوفى سنة 582 هـ:" إنما قطع ابن الخشاب على ابن الحريري بالغلط في قوله (شده) ثقة بقول ثعلب في الفصيح (وقد شدهت، وأنا مشدوه) .
ألا تراه يقول: وقد بينوا ذلك في كتب المختصرات يعني كتاب الفصح ولم يعلم بأن ابن دستوريه أنكر ما قاله ثعلب وغيره من أهل اللغة وهذه حكاية لفظه- قال ابن درستويه:"عامة أهل اللغة يزعمون أن هذا الباب لا يكون إلا مضموم الأول، ولم يقولوا إنه إذا سمي فاعله جاز بغير ضم وهذا غلط منهم لأن الأفعال كلها مفتوحة الأوائل في الماضي فإذا لم يسم فاعلها فهي كلها مضمومة الأوائل ولم يخصّ بذلك بعضها دون بعض وقد بينا ذلك بعلته وقياسه "، وذكر أنه يجوز: عنيت بأمرك، وعناني أمرك، وشغلت بأمرك وشغلني أمرك، وشدهت بأمرك وشدهني أمرك فهذا الذي ذكره ابن درستوريه تصحيح لقول ابن الحريري وإبطال لقول غيره وفي ذلك كفاية تغني عن زيادة إيضاح وبيان ".
ومما يتصل بهذا ما جاء في المقامة السابعة والثلاثين:
(فسقط الفتى في يده ولاذ بحقو والده)
قال ابن الخشاب:"أخطأ في قوله: (سقط الفتى في يده) .
ولم يعلم حقيقة هذا الكلام كيف تستعمله العرب.
وبيانه: يقال: (سقط في يد فلان) إذا ندم، ولا يقال (سقط فلان في يده) .
قال الله تعالى: {وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ} ولم يقل (سقطوا في أيديهم) وهذا كلام جار مجرى المثل، وفاعل (سقط) مضمر لا يظهر، معناه الندم فكأنه والله أعلم (سقط الندم في يد فلان) وليس المعنى (سقط فلان في يد نفسه) هذا محال لا يجوز عليه ولا يعطيه لفظ هذا الكلام ولا معناه، وهذا الغلط من أفحش غلط الحريري في مقاماته، ويدل عليه دلالة قاطعة قوله تعالى:{وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا} أي في الثاني وهو ضلوا وهو ضمير المذكورين في أول الآيات ولم يأت به في الأول وهو سقط لأن فاعله غيرهم وهو ضمير الندم على ما بيّن أهل اللغة العربية وهو الصواب والله أعلم ".
قال (ابن برى) :"قول ابن الخشاب: إن قي سقط من قولهم: (سقط قي يده) وفي قوله تعالى: {سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ} فضمير لا يظهر، معناه: الندم غلط فيه لأن (سقط) فعل غير متعد إنما ذلك في قراءة من قرأ (سقط في أيديهم) وهى قراءة حكاها الأخفش وقال: تقريره: (ولما سقط الندم في أيديهم) وإذا ثبت أن الندم فاعل لسقط لم يجز أن يكون مرفوعاً لسقط، لأن الفاعل لا يكون مفعولاً لم يسم فاعله وإنما يكون غيره وهو قوله (في أيديهم) وكذلك (سقط في يده) الجار والمجرور في موضع المفعول الذي لم يسم فاعله ".
وظاهر كلام ابن الخشاب يقتضي أن القراءة المشهورة: {وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِم} بفتح السين وذلك غلط على أن القراء كلهم مجمعون على (سقط) بضم السين وكسر القاف وهو من الأفعال المبنية لما لم يسم فاعله، مثل: جنّ وزكم.
ولم يقرأ أحد (سقط في أيديهم) إلا أبو السميفع في الشواذ من القراءات وذلك غير معروف عند أهل اللغة وكذلك ذكره ابن الحريري (فسقط الفتى في يده)(ولاذ بحقو والده) ولم يرو أحد عنه فسقط الفتى بفتح السين ولا يصح كلام ابن الخشاب إلا على (سقط) بفتح السين وهو خلاف ما روي عن ابن الحريري في مقاماته إلا أن ابن الحريري غلط بذكر الفتى وصوابه (فسقط في يده) من غير ذكر (الفتى) أو يقول: فإذا الفتى ساقط في يده ولا يكون في سقط ضمير الفتى.
لأنه فعل غير متعد والمجرور في موضع رفع به.
فإذا قال قائل: فلعل هذا من غلط الكاتب على ابن الخشاب أن مثل هذا لا يخفى عليه أعني القراءة المجمع عليها {وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِم} على ما لم يسم فاعله:
قيل له كلام ابن الخشاب يقتضي أنه إنما قال (سقط) بفتح السين ألا تراه قال:"وفاعل سقط المضمر لا يظهر "[4] .
ومعناه: الندم ثم قال بعد هذا، ويدل عليه دلالة قاطعة أي على أن الندم مضمر في (سقط)، قوله تعالى:{وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا} وهو ضمير المذكورين في أول الآيات، ولم يأت به في الأول وهو (سقط) لأن فاعله غيرهم وهو ضمير على ما بيّن أهل اللغة العربية وهو الصواب، انقضى كلام ابن الخشاب.
وقد أثبت أن القراءة (سقط) بفتح السين وأن الفاعل لم يظهر في (سقط) كما ظهر في (ضلوا) ، ولك فاعل (سقط) عين فاعل (ضلوا) وهو الندم، وقد ثبت بهذا غلطة في القراءة، اللهم إلا أن يكون الناقل عنه قد غير الكلام عليه، وأن الذي قال: إن (سقط في يده) فعل مبني للمفعول، وكان الفعل قبل أن يبنى للمفعول (سقط في يده) بفتح السين أي سقط الندم في يده ثمّ حذف الفاعل وأقيم الجار والمجرور مقامه، والدليل على صحة ذلك (سقط في أيديهم) فحينئذ يكون الكلام مستقيماً والردّ صحيحاً.
قال السيوطي [5] :" في شرح المقامات للمطرزي: قال الزجاجي: (سقط في أيديهم) نظم لم يسمع قبل القرآن، ولا عرفته العرب ولم يوجد ذلك في أشعارهم، والذي يدلّ على هذا أن شعراء الإسلام لما سمعوه، واستعملوه في كلامهم خفي عليهم وجه الإستعمال؛ لأن عادتهم لم تجربه، فقال أبو نواس:
(ونشوة سقطت منها في يدي وهو العالم النحرير، فأخطأه في استعماله، وكان ينبغي أن يقول (سقط) وذكر أبو حاتم:" (سقط) فلان في يده وهذا مثل قول أبي نواس، وكذلك قول الحريري (سقط الفتى في يده) وكله بفتح السين، نعرف أن الفاعل هو الذي قام به الفعل، وأوقع منه والمفعول به الذي وقع عليه الفعل ".
--------------------------------------------------------------------------------
[1]
انظر: مواضع زيادة كان في شرح الأشموني وغيره.
[2]
انظر: المخصص السفر 15ص72
[3]
أنظر: القاموس المحيط – المقدمة (مسألة) ص10
أنظر هذه الرسالة – بذيل مقامات الحريري 16.
[4]
أن قول ابن الخشاب هذا لا يعني أنه أراد سقط بفتح السين وقد فات ابن بري أيضا ً أن الفعال التي جاءت ملازمة للبناء للمجهول لا يقال ونائب فاعلها وإنما يعرب فاعلا ً مع هذه الصيغة فلا دليل لابن بري في ذلك. انتهى المرصفي.
[5]
انظر المزهر ج2 ص235 خاتمة.
مراجعة القول في مواضع في كتب النحو
لفضيلة الدكتور بابكر بدوي دشين
كلية الحديث الشريف
الحمد لله رب العالمين، نحمده ونستعينه، والصلاة والسلام على رسوله الأمين محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد،
فهذه كلمة مُشعثةٌ حوت مراجعة القول في مواضع في كتب النحو على أنها لا تعدم ما يَلمُّ شعثها.
الموضع الأول
يذكر النحاة جواز تشديد النون من (هذين) و (هاتين) و (اللذين) و (اللتين) في حالتي النصب والجر، كما يدل عليه قول ابن مالك في الألفية:
بل ما تليه أوله العلامة
والنون إن تشدد فلا ملامه
والنون من ذين وتين شددا
أيضاً وتعويض بذاك قصدا
والظاهر أن الياء حينئذ تبقى على سكونها كما سنبينه بعد، غير أننا وجدنا الأستاذ عباس حسن ينص على تحريكه الياء بالفتح حين تشديد النون في موضعين من كتاب الوافي؛
الموضع الأول حيث يقول [1] :" ويجوز تشديد النون وعدم تشديدها في (ذان وتان) وكذلك في (ذين وتين) ، لكن عند تشديدها في الأخيرتين تتحرك الياء بالفتحة، أي أنها تتحرك بالفتحة في حالتي نصبهما وجرّهما إذا شددت النون ".
والموضع الثاني حيث يقول [2] :" ويجوز أن تكون (يعني النون) مكسورة أيضاً مع التشديد ولكنها في حالة النصب والجر تقتضي فتح الياء قبلها؛ تقول: (اللذانِّ اللذينِّ
…
) فتكون في التشديد وعدمه كنون (ذان) و (تان) إسمي الإشارة حيث يصح فيهما الأمران كما أسلفنا - في رقم 3 من هامش 323- تقول في حالة الرفع: ذان - تان أو ذانِّ وتانّ وفي حلتي النصب والجر ذيْنِ وتيْنِ أو: ذَينِّ وتَينِّ فالنون في كل الأمثلة السابقة من أسماء الإشارة والموصول صالحة للتشديد وعدمه، لكنها عند النصب والجر تستلزم عند التشديد فتح الياء قبلها "انتهى كلام الأستاذ عباس حسن.
ولقد نلاحظ عليه أننا لا نجد في كتب النحو القديمة حسب إطلاعنا ذكراً أو إشارة إلى تحريك الياء بلهَ فتحها، وما فيها إلا الإكتفاء بذكر التشديد النون من هذه الأحرف مقرونًا بذكر قراءة بعض القرّاء لها في القرآن الكريم كما فعل هذا الأشموني في شرحه على ألفية بن مالك عند كلامه عن ذينك البيتين حيث يقول عن تشديد النون في اللذين [3] :" وهو (يعني تشديد النون) في الرفع متفق على جوازه فقد قرئ {وَالَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ} وأما في النصب فمنعه البصري وأجازه الكوفي وهو الصحيح فقد قرئ في السبع {رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلانَا} ".
ويقول في موضع آخر عن تشديد النون من ذان وذين [4] :" مع الألف باتفاق ومع الياء على الصحيح، وقد قرئ {فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ} و {إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ} بالتشديد فيهما." اهـ.
ليس هنا إشارة إلى تحريك الياء من هذه الأحرف بله فتحها كما قلنا ونضيف إليه هنا أنه ليس في حاشية الصبان على الشرح المذكور شيء من هذا. وصنيع النحاة عندئذ يدل على بقاء سكون الياء من هذه الأحرف - (هذين وهاتين واللذين واللتين) - في حالتي النصب والجر عند تشديد النون فيها بآية ما يقرنون ذكر تشديد النون فيها بذكر إحدى القراءات السبعية كما رأينا فيما نقلناه عن الأشموني، والقراءة المذكورة هنا قراءة ابن كثير المكي وفيها المحافظة على سكون الياء من هذه الأحرف عند تشديد النون فيها مع طرق له في أدائها كما يدل على ذلك ما ذكره الصفاقسي عنها عند الحديث عن قوله الله تبارك وتعالى في سورة القصص:{قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ} الآية، فقال [5] :" (هاتين) قرأ المكي بتشديد النون والباقون بالتخفيف ويجوز للمخفف والمشدد لدى الوقف عليه المدّ، والتوسط، والقصر؛ ويجوز الثلاثة للمكيّ حالة الوصل؛ والقصر هو مذهب الجمهور." وكذلك ما ذكره عند الحديث عن قول الله تبارك وتعالى في سورة (فصلت) : {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَاّنَا} الآية فقال:" {أَرِنَا الَّذَيْنِ} قرأ المكي الذينِّ بتشديد النون وله فيها المدّ، والتوسط والقصر الخ ".
هذه هي قراءة ابن كثير لهذه الأحرف كما وصفت لنا حافظ فيها على سكون الياء مع شيء من المدّ والتمكين في هذه الياء الساكنة أو التوسط فيها أو القصر دون أن يخرج بها عن حاقِّ السكون إلى الحركة.
وإذ كانت قراءة ابن كثير لهذه الأحرف عند تشديد النون، كذلك؛ وإذ ما في كتب النحو ما يخافها تصريحاً أو تلميحاً فالظاهر عندنا أن يكون حكم النحوي حينئذٍ وجوب المحافظة على إسكان الياء عند تشديد النون من هذه الأحرف لا تحريكها بَلهَ فتحها. والله تعالى أعلم.
الموضع الثاني
ورد في شرح شواهد العيني عند حديثه على هذا الشاهد:
ليس ينفك ذا غنى واعتزاز
كل ذي عفة مقلٍّ قنوع
ما يلي [6] :" قوله (مقل قنوع) مجروران على الوصفية، وضبط الشيخ أبو حيان (مقل قنوع) برفع (قنوع) على الإبتداء و (مقل) مقدماً خبره والمقل بضم القاف وتشديد اللام بمعنى القليل دخلت عليه باء الجر "اهـ.
ولقد نلاحظ على هذا النص ما يلي:
أولاً: قلاقة سياق الضبط إلى الشيخ أبي حيان من حيث ضم القاف في كلمة المقل فإنه لم يسمع فيها ومن حيث كون المقل بمعنى قليل، فإنه لم يرد في معاجم اللغة؛ ومن حيث دخول باء الجر على المقل فإنه غير موجودة في البيت برواية السابقة ولا محل لها فيه لانكسار وزنه بها. وقد رأيت بأخرة طبعة أخرى للأشموني وشرح شواهد العيني استبدل فيها قوله [7] :(بضم الميم) بقوله في سياقنا السابق (بضم القاف) وهذا هو الإختلاف الفذ بين الطبعتين وباقي السياق متفق فيها ولا يبعد أن يكون هذا من عمل بعض النساخ، كأنه أراد أن يصلح به ضبط الكلمة على فرض أنها المقل دون أن يلتفت إلى بقية السياق؛ ولهذا ما كتب ناشرون في الهامش عند قوله:" دخلت عليه باء الجر "ما يلي: " هكذا نص العبارة في النسخة التي عندنا ".
فهذا يقوي ما ذهبنا إليه إن شاء الله تعالى.
ثانياً: الإعراب المنسوب إلى شيخ أبي حيان بهذه الرواية المثبتة غريب إذ فيه رفع (قنوع) على الإبتداء و (مقل) مقدماً خبره، ومحط الغرابة فيه أنه لا يتمشى مع المعروف المشهور عند النحاة في منع تقديم الخبر على المبتدأ حين يستويان في التعريف والتنكير بغير قرينة معينة كما ذكره ابن مالك في الألفية بقوله:
فامنعه حين يستوي الجزآن
عرفاً ونكراً عادمي بيان
إذ استوت كلمتا (مقل وقنوع) هنا في التنكير بل في الإشتقاق مع عدم وجود قرينة تعين خبرية المقدم وابتدائية المؤخر، أضف إلى ذلك أن رفع كلمة (قنوع) الذي أراده الشيخ أبو حيان يمكن تحققه أيضاً بإعراب (مقل) مبتدأ و (قنوع) خبره إن كانت كلمة مقل باقية على مالها في ضبط الشيخ أبي حيان بحب ما في هذا السياق القلق.
لكل ما ذكرنا نقترح أن السياق المنسوب إلى شيخ أبي حيان في هذا النص فيه ما لا تستقيم معه الرواية ولا يسوغ معه الإعراب. وليس معنا الآن من كتب الشيخ أبي حيان ما نلتمس فيه تقويم هذه الرواية. ومما يشار إليه هنا أن محقق وشارح (همع الهوامع في شرح جمع الجوامع للإمام السيوطي) نقل أول هذا النص في هامشه حيث قال [8] :"وفي العيني: وضبط الشيخ أبو حيان مقل قنوع برفع قنوع على الإبتداء ومقل خبره مقدماً "هذا والأقرب عندنا أن تكون رواية الشيخ أبي حيان للبيت السابق هكذا:
ليس ينفك ذا غنى واعتزاز
كل ذي عفة بقلٍّ قنوع
كما تستشف من النص الذي صدرنا به هذا الجزء إذ معها يستقيم السياق لوجود باء الجر في كلمة (بِقلٍّ) ولاستقامة ضبط الكلمة ومعناها فهي بضم القاف وتشديد اللام بمعنى القليل، وهذا ما ورد عن كلمة (قلّ) في معاجم اللغة مادة [9] قلّ؛ وفوق هذا عسى الإعراب الذي اقترحه الشيخ أبو حيان أن يتلئب معها والله تعلى أعلم.
الموضع الثالث
ورد الحديث عن الشاهد [10] من شواهد ابن عقيل:
خالي لأنت ومن جرير خاله
ينل العلا ويكرم الأخوالا
قول الشيخ محمد محيي الدين رحمه الله تعالى [11] :
" (الأخوالا) قال العيني: هو مفعول به وهو بعيد كل البعد، ولا يسوغ إلا على أن يكون يكرم مضارع أكرم مبنيّاً للمجهول، والأوْلى أن يكون قوله (يكرم) مضارع كرم ويكون قوله (الأخوالا) تمييزاً الخ ".
ولقد نلاحظ على هذا الكلام ما يلي:
أولاً: الظاهر أن نسبة إعراب كلمة الأخوالا هنا للعيني وَهْمٌ لأن الناقل، يعني الإشارة إلى شرح الشواهد للعيني؛ إذ ورد هذا البيت غير أن العينيَّ لم يعرب كاملة الأخوال عند كلامه على هذا الشاهد كما في طبعات شرح شواهده المتعددة التي بأيدينا [12] .
والذي أعرب كلمة الأخوال في هذا الشاهد هو الصَّبَّان في حاشيته على الأشموني وهذا شأنه أن يوقع في هذا الوهم لنشر شرح شواهد العيني مع حاشية الصبان على شرح الأشموني.
ثانياً: قوله هنا " ولا يسوغ إلاّ أن يكون يكرم مضارع أكرم مبنياً للمجهول "لا يستقيم معه إعراب كلمة الأخوال مفعولاً به بله أن يسوغ به لأن بناء الفعل للمجهول. حينئذ يقتضي رفع كلمة الأخوال نائب فاعل إذ لا نائب فاعل غيرها في البيت.
هذا والظاهر أن العبارة السابقة تلخيص غير واف وتعقيب غير كاف لإعراب الصبان لكلمة الأخوال هنا حيث قال رحمه الله تعالى [13] :" والأخوال مفعول يكرم إن بني للفاعل ومنصوب بنزع الخافض إن بني للمجهول أي للأخوال هذا ما ظهر "اهـ.
إذًا فالصبان هو السابق الهادي إلى التنبيه على احتمال بناء الفعل (يكرم) هنا للفاعل وبنائه للمجهول، والله تعالى أعلم.
--------------------------------------------------------------------------------
[1]
النحو الوافي الطبعة الرابعة دار المعارف بمصر ج1 ص323 هامش 3.
[2]
نفسه ص344 هامش 2.
[3]
ج1 ص147 ط دار إحياء الكتب العربية.
[4]
نفسه ص148
[5]
(غيث النفع في القراءة السبع) المطبوع بهامش سراج القارئ المبتدئ بمطبعة البابي الحلبي بمصر ص316
[6]
المطبوع مع شرح الأشموني ط دار إحياء الكتب العربية ج1 ص228.
[7]
شرح الأشموني ومعه شرح الشواهد للعيني الناشرون أصحاب دار إحياء الكتب العربية ج1 ص180.
[8]
همع الهوامع للإمام السيوطي تحقيق الدكتور عبد العال سالم مكرم ط دار البحوث العلمية بالكويت ج2 ص65
[9]
انظر قاموس المحيط
[10]
شرح ابن عقيل تحقيق الشيخ محمد محيي الدين الطبعة الخامسة عشرة ج1 ص237
[11]
ويلاحظ أنه قدم وأخر في كلام الصيني
[12]
راجع شرح شواهد العيني المطبوع مع شرح الأشموني ج1 ص211 ط دار إحياء الكتب
[13]
نفسه ص211
إليك مددت الكف
لفضيلة الدكتور / عز الدين علي السيد
كلية اللغة العربية
إلهي أريد الخير فاربط على فكري
ليبقى مصُونَ الطهر من فاتنٍ يغري
مُضِل. . يماريني بتزويق باطلٍ
عرفت به ضُري.. فزاد له حذري
إذا ما ذكرتُ الفقر فاحتلتُ للغنى
ذكرتُ هوانَ النفس فاحتلتُ للفقر
وهل في احتيال المرء للرزق حيلةٌ
تُغَيرُ مقدوراً. . وترفعُ مِن ذِكرِ
و"نحن قسمنا" حدَّدَتْ رزقَ لاهثٍ
ورزقَ وديع الخطو من سالفِ الدهر؟
ألا إنَّ ما لم يقضيه الله باطل
إذا طرْتُ في الآفاق أو غصت في البحر!
وما هو مقدور أتاك وإن بدأ
على قمة العيُّوق. . أو في فم النسر!
فردى عليك الحلمَ يا نفسُ واقنعي
وثُوبي إلى التقوى تعد لك في يسر!
فما غير تقوى الله يا نفس هالكٌ
ومُهلَكُ مفتونٍ. . ومجلبةُ العسر!
فلا عُسرَ إلا عُسرُ مَنْ جاء ربه
كريهاً.. بلا زادٍ.. بغيضًا.. بلا أجرِ
ولا يُسرَ إلا يُسرُ مَنْ جاء ربه
كريمًا.. بلا جرم.. حبيبًا بلا وزرٍ!
أيارب ألهمني السداد فإنني
بعيدٌ عن التقوى. . فقيرٌ إلى الصبر
وما بسوى التقوى تُرجَى مَسَرَّةٌ
ويُفرجُ من ضيقٍ. . ويُنجي من الضرّ
إليك مددت الكف ألتمس الهدى
فشدّ به أزري. . وأصلحْ به أمري
ووثق به عهدي.. وكن لي.. ولا تكن
عليَّ. . إذا مالت بي النفسُ للشر!
فإن عدوي كاشر الوجه كاشح
دءوبٌ بلا يأسٍ. . حريص على أسري
ونفسي نهب الغي مثل فراشة
إلى النار تهوي للحريق وما تدري!
وليس لها - رباه - دونك عاصِمٌ
من النار. . فاعصمها من الكيد والغدر
يحاك لها حوّك الخبير. . فما يَبنىِ
فم الفاتن الغدَّارِ ينفخ في الجمر!
وكم توبةٍ من غفلة غبّ يقظة
وكم غفلةٍ عن توبةٍ. . كالفتى الغمر!
وكم نظرة في الشّعر للقبر أيقظت
وكم نظرةٍ للزهر أغفت عن القبر!
وذلك عمري باد إلا ثمالةً
تُرَنِّقُ كأسي. . ما بها بلَّة الصدر!
وكان ثمالى لو دريتُ ومخلدي
بدارٍ بها الأنهار من تحتهم تجري!
إلهي فباركْ ذلك السؤْرَ بالهدى
يُبَاركْ. . كما باركتَ في ليلة القدر
فلحظةُ ذل في مقام ضراعة
تُبَدِّدُ أوزارًا وتَعتق مِنْ كُفرِ
وأنت رحيمٌ يا ودودُ. . وإنني
ببابك.. أرجو العفو فاجبر به كسرى!
تنبيه وتحذير
لسماحة الرئيس العام لإدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه - أما بعد:-
فقد اطلعت على نشرة يوزعها الكثير من الناس عن جهل أو قصد سيئ قد بدأها صاحبها بقول الله تعالى {بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ} وذكر بعدها آيات ثم قال ما نصه: "اهتم بإرسال هذه الآيات لتكون مجلبة خير ويمن ومال وفلاح ثم ذكر بعد ذلك أنه تم توزيعها حول العالم وأن من اعتنى بها ربح ربحاً كثيراً ومن أغفلها أصيب بأنواع من الحوادث وذكر أنها تمنع المضرات وتجلب الفلاح والخير بعد أربعة أيام..".
ونظراً إلى أن هذه النشرة لا أساس لها من الصحة بل هي كذب وافتراء وقول بغير علم واعتقاد أنها تجلب الخيرات وتدفع المضرات وأن من اعتنى بها ربح ومن أهملها أصيب بالحوادث اعتقاد باطل يخل بالعقيدة ويدعو إلى تعلق القلوب بهذه النشرة وانصرافها عن الله عز وجل.
فلهذا رأيت تحذير المسلمين منها ووصيتهم بإتلافهما أينما وجدت وتنبيه إخوانهم على بطلانها وأن اعتقاد ما فيها يخالف شريعة الله ويقدح في العقيدة لأنه اعتقاد فاسد ليس له أساس من الصحة بل هو من الكذب على الله ودعوى باطلة وهي من جنس الوصية المنسوبة إلى خادم حجرة النبي صلى الله عليه وسلم وقد سبق أن نبهنا على بطلانها وأنها كذب لا أساس لها من الصحة ولا لما أعاده صاحبها فهاتان النشرتان كلتاهما من أبطل الباطل فالواجب على كل مسلم أن يحذرهما وأن يحذر منهما غيره عملاً بقول الله سبحانه {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} وقوله سبحانه {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} الآية.
ولا شك أن هاتين النشرتين من المنكر الذي يجب النهي عنه ويجب على ولاة الأمور البحث عن مروجهما وعقابه بما يردعه وأمثاله.. ونسأل الله أن يوفقنا والمسلمين للفقه في الدين والثبات عليه وإنكار ما خالفه وأن يعيذنا جميعاً من مضلات الفتن ونزغات الشيطان كما نسأله سبحانه أن يكبت أعداء الإسلام أينما كانوا ويبطل كيدهم أنه سميع قريب. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.
في رحاب القرآن الكريم تفسير آية من سورة النساء
لفضيلة الشيخ أبو بكر الجزائري
رئيس قسم التفسير بالجامعة
الآية: 4 من سورة النساء
مبحث الألفاظ الآية:
الإيتاء: الإعطاء يقال آتاه كذا إذاً أعطاه، فمعنى لا تؤتوا: لا تعطوا.
السفهاء: جمع سفيه وهو في اللغة الضعيف العقل لجهله وعدم بصرته. وفي الشرع هو من لا يحسن التصرف في المال لضعف إدراكه وجهله بالتصرفات المالية أو لغلبة الشهوة وهوى النفس على عقله. وهو عام في كل من لا يحسن التصرف في المال بإتلافه وإضاعته، أو بإفساده بالإنفاق فيما يضر، أو لا ينفع وسواء كان السفيه رجلاً أو امرأة، أو ولداً.
والأموال: جمع مال وهو كل ما يتموّل به من صامت كالذهب والفضة والحبوب والثمار والعقارات من أراضي ودور ومصانع، أو ناطق كالحيوان وخاصة بهيمة الأنعام من إبل وبقر وغنم، والخيل والبغال والحمير.
والقيام: وقرئ في السبع قيماً جمع قيمة وهي ما تقوم بها الأمتعة والقيام ما به يقوم الشيء ويصلح، فالأموال قوام حياة الفرد والجماعة إذ تقيم الحياة وتصلحها.
والقول المعروف: الوعد الجميل والقول اللين الحسن كان يقول الولي أو الوصيّ للمحجور عليه لسفهه: إن هذا المال مالك وما أنا إلا حافظ له من أجلك وإذا كبرت أو رشدت سوف يعود إليك وتتصرف فيه، لأنك مالكه وصاحبه.
معنى الآية:
ينهي الله سبحانه وتعالى جماعة المسلمين الذين هم ما بين زوج أو أب، أو وليّ أو وصيّ أو حاكم مسئول ينهاهم أن يعطوا السفهاء من الرجال والنساء والأولاد أموالهم التي هي ملك لسفهائهم في الواقع ينهاهم أن يُطلقوا أيدي سفهائهم في تلك الأموال فيضيّعوها أو يفسدوها ويتلفوها بإنفاقها في غير حاجة، أو بإنفاقها في معصية الله ورسوله كأن ينفقوها في شرْب وأكل ولبس ما هو حرام على المسلمين.
وأمرهم تعالى أن ينفقوا عليهم منها ما هم في حاجة إليه من طعام وشراب ومسكن ولباس. وأن يلينوا لهم الكلام، ويطيبوا خواطرهم بالعدة الجميلة، بأنهم إذا رشدوا ردوا عليهم أموالهم، بعدما تكون قد نمت لهم وكثرت
…
مناسبة الآية لما قبلها:
لما أمر الله تعالى بدفع أموال اليتامى إليهم بقوله {وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ} ، وأمر بإيتاء الزوجات مهورهن بقوله:{وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} ، عقب على ذلك بهذه الآية مبيّناً أن السفهاء من الرجال والنساء والأولاد لا يحق لهم أن يعطوا المال وإن كان مالهم ثبت لهم بالحق الشرعي- وذلك خشية أن يضيّعوها لخفّة عقولهم، وضعف إدراكهم، جهلهم بالتصرفات المالية فقال تعالى:{وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ.. الخ} .
ما اشتملت عليه الآية من أحكام:
قد اشتملت هذه الآية على أحكام منها:
ا - الحجر على السفيه وهو منعه من التصرف في ماله إلا بقدر محدود لا يتجاوز بنفقته الضرورية اليومية من طعام وشراب، وكسوة
…
2-
حرمة المال واعتباره قوام الحياة وعصبها التي تقوم وتصلح عليه، ولذا حرم تعالى إتلافه، وتبذيره، وإنفاقه فيما يضر أو لا ينفع.
3-
وجوب النفقة على السفيه من رجل وامرأة وولد حتى يرشد وترد إليه أمواله.
4-
وجوب المعرفة بأوجه التصرفات المالية لمن بيده مال يريد التصرف فيه.
5-
المال قوام حياة الجماعة المسلمة؛ فلا يجوز إعطاؤه لمن يفسده بالتبذير والإنفاق في معصية الله تعالى كائناً من كان
…
إذ الملكية الخاصة لا تخول لصاحب المال أن يفسده بأيّ وجه من أوجه الفساد، لأن المال قوام حياة الناس كلهم فيحرم على الفرد منهم إتلافه وإفساده بحال من الأحوال.
هداية الآية:
إن هذه الآية الكريمة هي أولى ثلاث آيات جاءت في كتاب الله تعالى، لتكون قانوناً عاماً لكيفية إنفاق المال، والتصرف فيه بحيث لو اتبع هذا القانون أحد من الناس لما افتقر في حياته ولا احتاج إلى ما يقيم به أوده أبداً، وفي الحديث الصحيح:" ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار، ولا عال من اقتصد "، يعني ولا افتقر من اتبع قانون الإنفاق العام الذي وضعته هذه الآيات الثلاث.
ا- {وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ} .
2-
3-
{وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً} .
وبيان ذلك: أن طلب المال بإنتاجه والحصول عليه من مصادره كالتجارة والصناعة والفلاحة والاكتساب بالاستخدام ليس مشكلاً؟ إذ حب المال فطريّ في الإنسان يشهد له قول الله تعالى: {إِنَّ الإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ، وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} . والخير هنا هو المال. كما يشهد له الواقع إذ العالم الإنساني اليوم قد أصبح يؤله المال تأليه الشرك لوثنه الذي يعبد دون الله تعالى. حتى أصبح الأفراد كالجماعات لا تعتبر ولا تقوم إلا باقتصادياتها، وأموالها، لا بآدابها وأخلاقها، وذلك باستثناء قلة من المؤمنين.
وعليه فليس حب المال واكتسابه والحصول عليه هو المشكل في حياة الناس وإنما هو إنفاق المال والمحافظة عليه، إذ من الناس من يطغى على نفسه حب المال فيركب أفدح الخصال وأقبح الوسائل لجمعه والمحافظة عليه كبيع عرضه ودينه، أو منعه والشح به حتى يمنع كل حق ماليّ عليه والعياذ بالله تعالى، ومن الناس من يجهل قيمة المال فلا يقدره قدره فيبذره حتى ينفقه في أخبث الأشياء، ويسرف فيه حتى يخرجه من يده ولو كان مال قارون كما يقولون. ولا سبيل إلى قانون ضابط يعصم المال وصاحبه من الفساد إلا ما وضعته هذه الآيات الثلاث التي ذكرنا؛ إذ الأولى تقرر مبدأ احترام المال واعتباره عصب الحياة وقوامها فتحرم إطلاق يد السفهاء فيه حتى لا يضيع ويتلف. والثانية تقرر مبدأ الاقتصاد في النفقة فتنهى صاحب المال عن البخل به، والشح في إنفاقه حيث تتعيّن النفقة ويجب البذل والعطاء، ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك وهذا اللفظ كناية عن منتهى الشح والبخل فاليد المربوطة بالعنق لا يمكنها أن تنفق. كما تنهاه عن الإسراف والتبذير وهما الإنفاق لغير حاجة ضرورية، أو في المعصية ولا تبسطها كل البسط، وهذا اللفظ كناية عن الإسراف المالي، والتبذير في النفقة المشروعة وغير المشروعة، فاليد المبسوطة كل البسط لا تمسك شيئاً فلا يبقى بها دينار ولا درهم. وتعلل للحال الأولى {ِفَتَقْعُدَ مَلُوما} إذ الذي يمنع إنفاق المال حيث يجب أن ينفق يلومه الناس، لأنه منعهم حقوقهم، وحال دون بقاء حياتهم كريمة صالحة، وللثانية {مَحْسُوراً} والمحسور هو المنقطع عن مواصلة السير كلاً وتعباً.
فالذي يبدد ماله ويخرجه من يده عن مواصلة حياته إذ قوامها المال وقد بدده وأفسده فيقعد حينئذ عن الحياة عنه، وهذا هو الموت المعنوي القائد إلى الموت الحسي.
والثالثة: وتقرر مبدأ الاعتدال في الإنفاق فتحرم الإسراف، والتقتير معاً.
{وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً} : أي بين التبذير والإسراف المحرمين وبين الشح والبخل المذمومين سبيل وسط وهو الاعتدال والاقتصاد في إنفاق الأموال والتصرف فيها. فهذا هو القانون القرآني لإنفاق المال والتصرف فيه من أخذ به نجا، وسعد، ومن أعرض عنه هلك وشقي ولا يلومن إلا نفسه.
والسؤال الآن هو: ما مدى فهم المسلمين لهذا القانون المالي وأخذهم به؟
والجواب أما المسلمون الأولون فقد فهموه حق فهمه، وعملوا به وآية ذلك ما بلغوا إليه من مستوى حضاري لم يصل إليه غيرهم في دنيا الناس يومئذ. ويدل على فهمهم له وأخذهم به سؤال عبد الملك الخليفة الأموي ابنته فاطمة وقد زوجها من ابن أخيه عمر بن عبد العزيز حين زارها وقال لها:"كيف معيشتكم "؟ فقالت:"الحسنة بين سيئتين ": تعني بالحسنة الاعتدال في النفقة، وبالسيئتين الإسراف والتقتير الذي هو التضييق في النفقة.
وأما المسلمون اليوم فقد جهلوا كل شيء حتى أنفسهم فأنى لهم أن يفهموا مثل هذا القانون القرآني المالي كما عجزوا عن الأخذ بأي قانون من قوانين الإصلاح في الحياة، وذلك لأنهم ماتوا موتاً معنوياً، والميت لا يسمع ولا يبصر، ولا يقبل ولا يدبر. فاللهم يا محيي الأموات أحيهم، ويا مجيب الدعوات أجب دعواتنا فيهم. فارددهم إلى الإسلام، وأعزهم به، وكمّلهم عليه فأنك على كل شيء قدير.
بيان من الرئاسة العامة للمجلس الأعلى العالمي للمساجد
رابطة العالم الإسلامي
قام وفد من الأمانة العامة للمجلس المذكور برئاسة فضيلة الشيخ صالح بن محمد اللحيدان عضو مجلس القضاء الأعلى بالمملكة العربية السعودية وعضوية كل من فضيلة الشيخ أبي بكر محمود جومي كبير قضاة نيجيريا وعضو الرابطة ومجلس المساجد وفضيلة الشيخ أحمد الحماني رئيس المجلس الإسلامي الأعلى في الجزائر وعضو الرابطة ومجلس المساجد وفضيلة الشيخ علي مختار الأمين العام المساعد للمجالس الأعلى العالمي للمساجد بزيارة الجماهيرية العربية الليبية بناء على ما دار بين الأمانة والجماهيرية للبحث مع فخامة العقيد معمر القذافي حول ما تناقلته الصحف والأنباء من إنكاره للسنة النبوية أن تكون مصدراً من مصادر التشريع الإسلامي. وقد تم بالفعل اجتماع الوفد بفخامته في الساعة السابعة والنصف من مساء يوم الأربعاء الثاني عشر من شهر صفر 1399هـ. في مدينة بني غازي بليبيا وتبادل الجميع وجهات النظر وبين الوفد لفخامته الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة على عظم منزلة السنة في الإسلام وأنها الأصل الثاني في إثبات الأحكام وأن العلماء قد عنوا بها وعرفوا صحيحها من سقيمها ووضعوا لذلك قواعد وأصولاً يعرف بها الصحيح الأحاديث من ضعيفها وأجمعوا على اعتماد ما صحت به الأحاديث فأظهر اقتناعه بأكثر ما قاله الوفد وأوضح فخامته للوفد موقفه من الكتاب والسنة والحديث وأنكر بشدة ما نسب إليه من أنه حذف كلمة {قُلْ} من {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} أو أنه صلى العصر ركعتين حضراً كما أوضح للوفد بأنه يعترف بالسنة الفعلية فقط كالصلاة والحج أما الأحاديث القولية فإن ما يصح عنده منها يعمل به ووعد بأنه سيعلن ذلك على الملأ.
هذا ملخص قرار الوفد وقد سرنا كثيراً رجوع فخامة العقيد إلى الصواب في الأخذ بالسنة الصحيحة وقد دلت الأدلة من الكتاب والسنة الصحيحة وإجماع أهل العلم على أن السنة الصحيحة القولية والفعلية والتقريرات أصل عظيم من أصول الإسلام وهي الأصل الثاني في إثبات الأحكام الشرعية وبيان الحلال والحرام وهي الوحي الثاني كما أجمع العلماء أيضاً على أن من جحد كون السنة أصلاً معتبراً يرجع إليه في الأحكام وزعم أنه يكتفي بالقرآن عنها فهو كافر مرتد عن الإسلام وقد صنف في ذلك الحافظ السيوطي رسالة سماها مفتاح الجنة في الإحتجاج بالسنة ذكر فيها الأدلة من الكتاب والسنة والآثار على وجوب تعظيم السنة والأخذ بها وأنها الأصل الثاني من أصول الإسلام كما ذكر فيها إجماع العلماء على كفر من أنكر السنة وزعم أنه لا يحتج إلا بالقرآن ولا شك أن من أنكر السنة فقد أنكر القرآن وكذبه لأن القرآن الكريم قد أمر في مواضع كثيرة بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم وأتباعه وعلق الرحمة والهداية ودخول الجنة والنجاة من النار على ذلك وقد كتبنا في هذا المقام مقالاً أبسط من هذا البيان ننشره قريباً إن شاء الله [1] فالواجب على فخامة العقيد أن يعلن توبته إلى الله سبحانه من إنكاره ما أنكر من السنة وأن يعلن التزامه بما صح منها عند أهل العلم كأحاديث الصحيحين وغيرهما مما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قولاً أو فعلاً أو تقريراً وهنا أمر عظيم يهم القراء والمسلمين ويتعلق بفخامة العقيد ويجب علينا التنبيه عليه وبيان حكمه وهو أن الكتابة الإيطالية (ميريلا بيانكو) قد ذكرت في كتابها (القذافي رسول الصحراء) ص241 عن فخامة العقيد ما يدل على أنه يدعي أنه رسول من رسل الله وقد خاطبته في الصفحة المذكورة بقولها له:"يا رسول الله أكنت راعي غنم " فأجابها بقوله:"بلى فلم يكن هناك نبي لم يفعل ذلك" وهذا الجواب يقتضي إقراره لها على أنه رسول الله لأنه لم ينكر عليها ولم
يقل لست برسول ومعلوم أن دعوى الرسالة أو النبوة بعد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم كفر أكبر وضلال عظيم وردة عن الإسلام بإجماع المسلمين لأن ذلك تكذيب لقول الله عز وجل {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} وتكذيب لما تواترت به الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الدالة على أنه خاتم النبيين والمرسلين لا نبي بعده ولا رسول وقد قاتل الصحابة رضي الله عنهم من ادعى النبوة بعده واعتبره كافراً حلال الدم والمال كالأسود العنسي ومسيلمة الكذاب والمختار بن أبي عبيد الثقفي وقد أجمع علماء الأمة إجماعاً قطعياً على أن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم هو خاتم النبيين والمرسلين لا نبي بعده ولا رسول وقد كفّر العلماء في عصرنا وقبل عصرنا مرزا غلام القادياني لما ادعى النبوة وكفّروا من صدقه في ذلك فالواجب على فخامة العقيد أن يعلن في وسائل الإعلام تكذيبه لما زعمته هذه الإيطالية وأنه يبرأ إلى الله من ذلك إن كان ذلك لم يقع منه، فإن كان قد وقع منه فالواجب عليه إعلان التوبة النصوح من ذلك ومن تاب تاب الله عليه كما دل على ذلك كتاب الله المجيد وسنة رسوله الكريم عليه من ربه أفضل الصلاة والتسليم ومن ذلك قول الله سبحانه:{إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ إِلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} فبين سبحانه أنه لا بد من إعلان التوبة وبيان ما كتم من الحق. وقال النبي صلى الله عليه وسلم:"التوبة تهدم ما كان قبلها ". والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة ونسأل الله أن يهدينا وإياه سواء السبيل وأن يمن علينا وعليه وعلى سائر المسلمين
بالتوبة النصوح من جميع الذنوب، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله، وأصحابه وأتباعه بإحسان.
--------------------------------------------------------------------------------
راجع في العدد بالبحث الخاص بمنزلة السنة في التشريع الإسلامي
[1]
تعقيب لا تثريب
السفينة الأولى
بقلم: الشيخ محمد المجذوب
1-
يا قبرص العزيزة..
أحقاً أنت هي الجزيرة التي طالما تشوقت إلى لقائها!..
إني لأخطو فوق ثراك الرطب الخصب
وأجوب أرجائك علواً وسفلاً..
ألماغوسة.. التي تعانق الأبيض المتوسط بذراع والأخضر المنبسط بالذراع الآخر.. ولفقوسا التي تعيش على مرمى ومرأى من العدو المتربص ومع ذلك تضحك وتتمطى وتبعث.. وكْرنا.. كِرنا.. التي توقد في قلوب المؤمنين لفحات الحنين إلى جنة الله..
هأنذا أطل عليها من أعالي (سانت هيلاريون) الحصن البزنطي القابع كالعجوز يتذكر ماضيه العبيد.. فأشاهد روائعها الساحرة تنشر في كل اتجاه..
ما أروع منظرها بعيدة وهي تغسل أطرافها بهذا الرقراق الأزرق الممتد إلى أقصى أقاصي الآفاق كأنها الغادة البتول تتوضأ استعداداً للوقوف الخاشع بين يدي الخلاق الرازق..
ولكن.. ما أقبحها قريبة.. تعرض لحوم البشر في عريها الكافر.. كأنها حديقة للكلاب والخنازير.. أشبع ما فيها عوراتها المثيرة للإشمئزاز والغثيان..
2-
يا قبرص العزيزة..
ما الذي يربط قلبي بترابك.. الذي طالما جننت إلى رمسّه..
أجمال طبيعتك هذه.. التي تذكرني بروائع الفيلبين..
أغاباتك البهيجة المترنحة على السفوح والقمم..
تتبادل الحوار الهامس مع أمواج الأبيض المترنمة أبداً..
أشواطئك الجذابة المغرية؟!..
أنسميك الناعش المخالط للقلوب.. الحامل خلاصة الأريج..
الأريج الذي ترسله ضفاف الأبيض المتوسط كلها!!
أم ثمارك الشهية من الأعناب والتفاح والخروب..
لا.. وألف لا.. ففي لبنان المجاور لك
…
الكثير من ذلك المتاع الزائل.. واللاذقية الشاخصة إليك
…
الزائل.. مهما طال الأمد..
إنما هي الذكريات يا قبرص..
الذكريات المقدسة.. التي لا تنفك تشد قلبي إليك..
ذكريات السفينة الأولى.. التي أبحرت من سواحل الشام..
تحمل إليك أكرم وأعظم ،اسعد هدية..
تحمل إلى أرضك الحائرة التائهة راية محمد صلى الله عليه وسلم..
أتذكرين تلك الراية يا قبرص العزيزة؟..
تلك التي شرف بها فضاءك أصحاب البشير النذير..
الذي أرسله الله رحمة للعالمين..
فهداك الله بهم بعد ضلال..
وأمتعك بالأمن الذي حُرمتِهِ أجيالاً إثر أجيال..
3-
أجل يا قبرص العزيزة..
إنما نحبك بهذه الروح..
وبهذه الروح نتلقى نفحات ترابك..
التي تحمل إلى رئاتنا أشذاء أولئك المصطفين الأخيار.. من تلاميذ المدرسة الربانية المباركة التي..
ربى بها الوحي جيلاً لا كفاء له
على البسيطة من عُجم ومن عرب..
بهذه الروح أحببناك..
وبهذه الروح بكيناك.. وشاطرناك أوجاعك عندما أقدم متعصبة (أيوكا) ..
وورثة الوثنية الفاجرة..
من سلالة (مارس) رمز الفتك والقتل..
ومن عُبّاد (فينوس) تمثال الدعارة والخيانة..
عندما أقدم هؤلاء البغاة على ترويعك.. وتدمير مساجدك التي يذكر فيها اسم الله..
تجريدك من بركات تلك الراية المقدسة..
وردك إلى المتاهات القديمات من ظلمات الجاهليات..
4-
بلى.. أيتها العزيزة
يا قبرص الإسلام..
بهذه الروح المحبة الباكية قدمنا لزيارتك اليوم..
ولكن.. أيتها الأرض الجميلة الخصبة الغافلة..
أين الإسلام الذي أحببناك به وقصدنا إليك من أجله؟..
أين معالم التراث العظيم الذي نترقب رؤيته عندك؟!
أكل ما بقي لك من الإسلام هذه المساجد..
المساجد.. التي تكاد تخلو من المصلين..
لولا تلك البقية من الشيوخ..
الذين يتلاشون في غمار الموت شيئاً بعد شيء!..
وتلك القلة التي لا تعد وأصابع اليدين من أبنائهم..
الذين أغفلهم الشيطان إلى حين؟!..
5-
حتى مساجدك الحزينة.. يا قبرص..
لقد بدأت تخوى.. وتنزوي مغمورة مهجورة..
وها هو ذا بعضها، وأجملها، يستحيل مراكز لبعض مصالح الحكومة..
لأن ناسك قد استغنوا عنها، فلا يرون حاجة لزيارتها..
لا.. بل قد تجاوزوا هجرها إلى احتقارها وروادها..
فهم يدخنون ويشربون ويتسامرون على أبوابها..
كل ذلك والصلاة قائمة.. وفي رمضان. بل في كل نهار من رمضان..
وا أسفاه!..
وهل أذكرك بنسائك.. اللواتي انسلخن من الإسلام..
وهل أذكرك بنسائك.. اللواتي انسلخن من الإسلام.. إلا من رحم الله..
من المحذرات اللاتي أثرن القرار في بيوتهن..
ومن القواعد المتخلفات عن الماضي اللائي لا يرجون نكاحاً..
في كل مكان.. في كل شارع.. في كل زقاق..
نماذج لا تحصى من الكاسيات العاريات..
وكأنهن تواصين ألاّ يبقى عليهن أثر من معالم الدين الحق..
لذلك تركن أنصافهن العليا عارية من كل شيء..
وغير قليلات اللواتي أتممن سمة الهبوط من تعرية كل ما دون المقدرين..
فتجردن من الحياء الذي أكرم الله به الأنثى من كل المخلوقات..
ولهذا هُنّ عام الرجل فلا يفكر بالواحدة منهن إلا على قدر ما تملكه من مهر..
ذلك المهر الذي فرضه الله على المسلم تكرمة للمسلمة..
فجعلن بزيفهن ضريبة الذل والهوان..
6-
يا قبرصَ عُبَادةَ وأم حِرام وأبي ذر
هل فارقت كل مسكة من الرشد حتى استبدلت كل ما هو أدنى بكل ما هو خير؟!
هل سألت.. هل فكرت.. هل تصورت..؟ أين تسيرين..؟!
وفي أي ظلمة تخبطين؟!.. وبأي هاوية تنزلقين؟!
أي فرق بينك وبين أعدائك المتربصين بك الدوائر على خطوات؟!..
ما أحسب ظاهرة من كفر أولئك العُداة الغواة إلا وهي بارزة فيك.. الخمور.. والسفور..
ودواعي الفجور.. وما وراءها من عبادة المادة.. والغفلة الصارفة عن الله..
وحتى (اليوجا) ، عبادة مجوس الهند، قد أصبح لها عندك أتباع!..
كل أولئك بعض ما شهدته على أرضك..
لقد أصبح الإسلام غريباً بل يتيماً لديك..
اللهم إلا هذه المآذن الشاكية أبناءك إلى رب العالمين..
وإلا أن يموت فيك ميت فيدفن في مقابر المسلمين..
دون أن تشيع جنازته بالصلاة من أهله..
لأنهم لم يجربوا ذلك من قبل.. فلا يعلمون كيف يصلون..
حتى تحية الإسلام باتت فيك مستغربة بل مستهجنة..
فنادراً ما تُسمع فتردّ..
ورب محيا بها يكون رده عليها: (أهنا يقال السلام عليكم؟) ..
7-
وا حسرتا عليك.. يا قبرص العزيزة الشاردة..
كل هذا ولما ينقض على مجزرتك بسكاكين الصليبية سوى لحظات من عمر الزمن؟!..
فكيف إذا غبرت على ذلك الأيام والشهور فالسنون؟..
بالأمس قرحت استفافاتك أكباد المسلمين في كل صوب.. فتوجعوا.. وتضرعوا.. وتبرعوا.. واستجاب ربهم البر الرحيم لدعواتهم لخاشعة..
وحرك صفوة من جنوده المؤمنين.. فزرعوا ثراك بالجديد من شهداء الإسلام
تحت راية (الله أكبر) ..
حتى أتم الله نعمته عليك بإنقاذك من السفاحين.. الإنقاذ الذي كان أكبر من الحلم..
وأورثك أرضهم وديارهم وأموالهم.. وأرضاً لم تطئوها..
فما بالك نسيت ذلك كله ورجعت..
رجعت إلى اللهو.. والعبث.. والركُض وراء الدنيا؟..
ألا تخافين أن تعود المأساة لاستكمال فصولها الدامية؟
ألم تسمعي قط بذلك الإنذار الإلهي القائل: {وإن عدتم عدنا} ؟..
حسرتين عليك لا حسرة واحدة يا قبرص..
حسرة لشططك الذي صدك عن سبيل الله..
وحسرة لفقدانك الهادين الجادين الداعين إلى الله..
المذكرين أولي الغفلة من أمثالك بأيام الله..
ولا حول ولا قوة إلا بالله..
لفقوشا - قبرص 7/10/1399 هـ
وقفة مع طب العيون وعظمة الخالق
لفضيلة الدكتور فكري السيد عوض
أخصائي العيون بالجامعة
لقد وصل العلم الحديث إلى مرحلة بعيدة من التقدم جعلت الفرد لا يملك إلا أن يؤمن بالله إيماناً يقينياً مبنياًَ على الواقع وليس هناك علم صحيح يقال عنه إن الإسلام يخالفه.. فلا شيء يقوم على الفوضى ولا شيء يوجد من تلقاء نفسه.. إنه الإتزان المحكم والدقة الرائعة مؤكداً أن العلم يخدم القضية الإيمانية ويثبتها ولذلك ينادينا ربنا عز وجل في القرآن قائلاً: {وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ} وحينما نتأمل آخر سورة فصلت ونقرأ قوله تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقّ..} ..
نجد أن الرسول عليه الصلاة والسلام وصحابته الكرام قرءوها {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا} وكذلك التابعين قرءوها {سَنُرِيهِمْ} ونحن نقرأها {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا} ومن بعدنا أيضاً سيقرأوها {سَنُرِيهِمْ} .. إنه التعبير عن المستقبل الذي سيكشف لهم كل يوم عن عجز البشرية أمام آيات الخالق عز وجل مبيناً لهم أن هذه الآيات لا فائدة منها إلا للمتفكر والمتأمل فيها: {وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} .
وصدق الله.. فمازالت الآيات كل يوم تكتشف مؤكدة أن مزيداً من العلم مع تأمل وتفكر يعطي مزيداً من الإيمان ورسوخها للعقيدة ولذلك يجب ألا نخالف من زيادة العلم بل يجب أن نفرح به لأنه سيخدم القضية الإيمانية من جميع جوانبها.. وتعالوا معي على سبيل المثال في هذا العالم الإنساني العجيب الذي قيل عنه:
وتزعم أنك جرم صغير
وفيك انطوى العالم الأكبر
لنقف على نقطة واحدة وجزء صغير في جسدنا طالما ذكر في القرآن في مواضع شتى لنرى هذه الدقة العظيمة والروعة الكافية وصنع الله الذي أحسن كل شيء خلقه ثم تنظر هل سيتعمق الإيمان أم سيتزعزع وتحكم هل يرق القلب أم سيزداد قساوة أشد من الحجارة.
إن محور الحديث سيدور بإذن الله حول حاسة الإبصار التي لو قضينا الدهر كله شاكرين لله عز وجل هذه النعمة ما وفيناه حقه:
{وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} .. من سورة النحل: 38.
فماذا كان موقف الإنسانية تجاه تلك النعم:
{وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} من سورة السجدة: الآية: 9..
والحديث في هذا المجال يطول ويطول فهو متعدد الجهات متشعب الجوانب فمن وظائف مختلفة للعين وكيف تعمل.. وكيف ركبت العين في مكان أمين.. وكيف تحمى نفسها داخلياً وخارجياً.. وكيف ترطب نفسها مهما كانت درجات الحرارة العالية.. وكيف تحتفظ بالبريق الخاص بها.. وكيف تتحرك.. وكيف قسمت إلى طبقات مستقلة متخصصة فترى واحدة للتغذية وأخرى للحماية وثالثة للإبصار.. وكيف؟ وكيف؟..
وسنقتصر بإذن الله تعالى على جزء بسيط من هذا العالم العجيب الدقيق وليكن كيفية الإبصار؟..
ونقول وبالله التوفيق: يسقط الضوء فيجتاز أوساطاً متعددة في العين حتى يصل إلى آخر طبقة فيها والتي تسمى بالشبكية حيث يبلغ سمكها أقل من نصف مليمتر وتتركب من عشر طبقات فوق بعضها البعض في رقة متناهية، وإحدى هذه الطبقات العشر تقوم باستقبال الضوء حيث يبلغ عدد الخلايا فيها ما يقرب من 140 مليون (مائة وأربعين مليوناً) خلية مستقبلة للضوء!! كيف ركبت؟! كيف نظمت؟! إنه صنع الله العليم الخبير.
ثم تخرج من هذه الشبكية أليافاً عصبية يبلغ عددها نصف مليون ليف عصبي مكوناً العصب البصري الذي ينقل الصورة واضحة دقيقة ملونة طبيعية إلى المخ.. ولكي ترى العين الأشياء لا بد من توافر أربعة شروط:
أولاً: الضوء الكافي:
ثانياً: طول الموجة الكافية:
وحتى يتضح ذلك نستشهد بتجربة العالم نيوتن حينما سلط نوراً أبيضاً على منشور زجاجي مائل فوجد أن الضوء الأبيض تحلل إلى سبعة ألوان (قوس قزح) تبدأ بالأحمر وتنتهي باللون البنفسجي.
وكل لون له طول موجة معينة.
فأطولها موجة هو اللون الأحمر، وأقصرها موجة هو اللون البنفسجي.
فإذا زاد طول الموجة على ذلك كما في الأشعة تحت الحمراء فإن العين لا تراها مع أنها موجودة ولها آثارها الحرارية.
وإذا نقص طول الموجة الضوئية عن ذلك كما في الأشعة فوق البنفسجية أيضاً لا تبصرها العين مع أنها موجودة ولهذا آثارها الكيميائية.
وهذا الشيء يحدث في جميع الحواس فمثلاً في حاسة السمع تجد أن الإنسان يسمع الأصوات التي تتراوح ذبذبتها ما بين 16 إلى 20 ألف هزة في الثانية وإذا تجاوز ذلك لا يسمع صوتاً وفي بعض الحيوانات مثل القطط تجد أن قوة سماعها يفوق الإنسان فتصل إلى 50 ألف في الثانية. وأعجب الحيوانات هو الخفاش تصل حدة السمع إلى 120 ألف هزة في الثانية ونفس الشيء في العين نجد أنها ليس بمقدورها رؤية كل شيء في الكون وهنا نستشعر الإيحاءات التي قصها الله علينا في القرآن الكريم عندما طلب موسى عليه السلام رؤية ربه عز وجل:
{وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي} سورة الأعراف 143 لماذا؟.. لأنه {لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} .
وعلى هذا فهناك العوالم الغير مرئية كالجن والملائكة ليس في مقدورنا أن نراها لأن هذا فوق مقدرة العين البشرية.. {وَقَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوّاً كَبِيراً} .. أفلا يحق لأولئك المستكبرين أن يتدبروا ذلك حتى يؤمنوا..
وعلى نفس المقياس هناك إشعاعات لا نبصرهما بخلاف الأشعة تحت الحمراء والأشعة فوق البنفسجية وهي أشعة ألفا وييتا وجاما، وكذلك توجد قوى نشعر بآثارها دون أن نراها منها القوة الكهربية والقوة المغنطيسية والجاذبية الأرضية.
ثالثاً: طول كافي للرؤية:
فإذا تناهى الشيء في الصغر عجزت العين عن رؤيته. والإنسان الذي ركب المجهر الذي يكبر الأشياء 300 آلف مرة لم يستطع أن يرى الذرة ويسلم بأنها موجودة. وهنا نجد عظمة الخالق في قوله {فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ وَمَا لا تُبْصِرُونَ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} ..
رابعاً: المدة الكافية:
وهو ما يقوم عليه مبدأ عرض الدور المتحركة المتتابعة على شاشات العروض المختلفة مثل التليفزيون حيث أصبح في استطاعة الإنسان أن يتحكم في المناظر الساكنة المنفصلة عن بعضها البعض ليجعل المشاهد يراها وكأن الحياة تدب فيها..
ماذا يحدث؟.. تحكم العلماء في سرعة العرض للمناظر المتتابعة بما يكفي لرسم منظر على شبكة العين وبعده بمدة كافية محددة يلحقه منظر آخر.. وهكذا فيشعر المشاهد أن الأحداث متلاحقة ومتحركة لكنها في حقيقة الأمر خلاف ذلك بحيث أنك في مقدورك أن تحمل في جيبك الشريط الذي يحتوي على كل هذه الأشياء حيث لا حركة فيها ولا انفعالات وعندما تضعه على شاشة العرض تجد الحركة والصخب والصوت والبكاء والكر والفر وكأنها الحياة العادية.
وهذا ما نفهمه من قصة موسى مع السحرة:
وكذلك في المستشفيات فإنه يوجد في عيادة العيون أشياء من هذا القبيل تقوم على أسس علمية فتقف مثلاً أمام جهاز معين فترى الشيء الحقيقي واضحاً ثم بتجربة بسيطة تجد أنه اختفى تماماً مع أنه موجود وبتجربة أخرى تجد أنه أصبح اثنين مع أنه واحد فقط.. وكل هذا له أسسه وقواعده العلمية. التي تؤثر على العين لا على الشيء لأن الذي في قدرته تغيير طبائع الأشياء هو الله عز وجل. فتبارك الله رب العالمين.
نعود مرة أخرى إلى العين لندرك كيف تتحكم هي في كمية الضوء الداخل إليها: لأنه إذا دخلت كمية كبيرة زائدة من الضوء إلى العين فمعناه فساد الصورة. ولذلك إذا كان النور شديداً تضيق حدقة العين لتقلل من حدته وإذا كان الضوء ضعيفاً تتسع حدقة العين ويحدث هذا دون تدخل من الإنسان {كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ} .
والعجيب أن هذا التفاعل الإلهي وجد أنه لا يحدث في أشخاص خالفوا أمر ربهم واتبعوا أهواءهم حينما قال لهم {وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً} فأصابهم الميكروب الذي لا ينقل إلا عن طريق الجنس (ميكروب الزهري) حيث يترك آثاره على حدقة العين فلا تتأثر بالضوء بل تبقى كما هي ضيقة كما ضاقت بصيرة صاحبها ولا تتفاعل مع الضوء كما لم يتفاعل صاحبها مع منهج خالقه ومصوره علاوة على ذلك يترك هذا الميكروب بصمة أخرى على الحدقة لها شكل معين يعلمها المتخصصون في طب العيون.
العصب البصري:
وهناك نقطة أخرى تتعلق بالعصب البصري الذي كما قلنا أنه يسير فيه حوالي نصف مليون ليف عصبي لنقل الصورة واضحة ملونة ويقول العلماء أنه في مقدور العين أن تميز حوالي 128 لوناً أساسياً.
وبعقد مقارنة بسيطة في بعض الحيوانات نجد أن:
أولاً: حيوانات نهارية مثل الدجاج والحمام: ترى بالنهار فقط.
ثانياً: حيوانات ليلية مثل البوم والخفاش: ترى بالليل فقط.
لكن الإنسان الذي كرمه الله عز وجل ركب فيه ما يؤهله لأن يرى في الضوء الساطع والضوء الخافت بخلايا متخصصة يصل عددها إلى 140 مليون خلية.. {أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ}
ثالثاً: حيوانات مثل الكلاب والقطط والماشية: لا ترى الألوان مطلقاً. فكل الأشياء التي تراها إما لونها أبيض أو أسود.
لكن الإنسان الذي نفخ الله فيه من روحه ركب فيه ما يجعله يرى كل شيء على طبيعته وتخيل لو أن الإنسان خلق مثل الحيوانات السابقة ماذا يحدث؟!.. تزول البهجة والسرور.. {لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ} .. النمل 60.. {وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} .. الحج 5.
إنها نعمة من الله على عباده {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً} ..
والشيء اللافت للنظر أنك تجد أن هناك أسباباً تسبب عمى الألوان ومن جملة هذه الأسباب هو (التسسم المزمن بالتبغ والخمر) .
أشهر مرض يصيب العصب البصري:
وهذا العصب المعقد التركيب قد يصيبه التهابات معينة تؤثر عليه وعلى وظيفته ووجد أن أشهر مرض يسبب التهاب العصب البصري سببه الزنا حيث يدخل ميكروب الزهري إلى الجسم عن طريق الإتصال الجنسي ويكمن الميكروب في الجسم فترة طويلة تصل إلى ربع قرن وبعد ذلك تظهر آثاره السيئة المفجعة على شكل شلل في الأعضاء - وعدم المقدرة على السير في الظلام (بعد أن كان يفعل جريمته مستتراً في الظلام) - ويفقد قدرته الجنسية (التي استعملها في الحرام فحرمه الله منها) - ويبول على نفسه وتصبح رائحته منتنة لدرجة أنه يتمنى الموت.. ويترك أثراً واضحاً على قزحية العين كدليل وشاهد على ذلك. وصدق الله الذي أمرنا فقال: {وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى..} {إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ} ..
وهذا الميكروب عندما تصاب به المرأة يحدث لها إسقاطات متكررة في أشهر الحمل والأدهى من ذلك أن هذا الميكروب ينتقل خلال الدم إلى الطفل إلى الذرية إما أن يكون على هيئة أجنة ميتة.. أو تشوهات جنينية.. أو تشوهات جلدية أو تخريب في الأسنان.. وعتامة في القرنية.. وصمم في الآذان.. {إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ} ..
دور المخ:
تنتقل الصورة إلى المخ بعد أن تكون قطعت طريقها الدقيق حيث تصل إلى خلايا خاصة بالرؤية تتركز في مؤخرة الدماغ فيقوم المخ بترجمتها وإصدار أوامره لجميع أجزاء الجسم لاتخاذ التدابير الخاصة بذلك فمثلاً إذا ركبت سيارتك وفجأة رأيت النور الأحمر ما الذي يحدث؟.. النور يصل إلى العين ثم إلى الشبكية حيث الخلايا المستقبلة للضوء التي تنقل النور الأحمر خلال ألياف العصب البصري الذي يوصله إلى المخ حيث يتولى تفسيره وهو أنه لا بد أن تقف فتستجيب خلايا خاصة في الفص الجبهي من المخ فتأمر خلايا معينة بإرسال إشارات إلى عضلات في القدمين والرجلين لتقوم بالحركة اللازمة لوقف السيارة. وهذا الأمر يتم في ثواني. فكيف صمم وكيف ركب.
وليكن معلوماً كما قرر علماء التشريح أن عدد الخلايا العصبية التي يحتويها المخ تبلغ 14 مليار خلية موزعة في 14 منطقة من مناطق الدماغ.
فسبحان من خلق وقدر كل شيء ووضع الميزان، إنه {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} النمل..
وقال علماء التشريح أن كل خلية تتفاعل مع باقي الخلايا حتى وجد أن بعض الخلايا تتصل بما يقرب من 1800 خلية أخرى في ترابط تام فإذا حاولت أن تتصور كم طريقاً ينشأ من خلال هذا الإتصال من 14 مليار خلية عصبية بالتأكيد أن الرقم الناتج لا يمكن أن تستطيع قراءته وهذا هو واقع الدماغ المعقد المحير وهذا هو خلق الله عز وجل.. {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} ..
بقيت هناك مواضيع كثيرة تدور حول هذا المجال الغريب العجيب لكننا نقف عند هذا الحد لنكمل ما بدأناه في مقالات أخرى إن شاء الله تعالى وقدر.
وفي الختام هذه الكلمة القصيرة أصبح واضحاً أنه في الإمكان أن نوجه سؤالاً لهؤلاء الذين يمرون على هذه الآيات وهم معرضون عنها لكي نسمع إجابتهم عن هذه الدقة البالغة وهذا الإتقان العظيم ونقول لهم إننا نفرح بتقدم العلم لأنه يزيدنا يقيناً وإيماناً وعدم ارتياب: {لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَاناً وَلا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ} ..
وأمام هذه النعمة - نعمة الإبصار - وتجاه تلك الأمانة الغالية.. هل رعيناها حق رعايتها وحافظنا عليها واستعملناها فيما يرضي خالقها عز وجل؟.. هل نفذنا تعاليمه حينما أمرنا بقوله: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ..} النور 30.. وهل وجهنا تلك النعمة العزيزة كما قال ربنا عز وجل:
{فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ..} الطارق 5.
{انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ} .. الأنعام 99.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ} ..
نسأل الله أن يبصرنا بأمور ديننا ويرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه إنه نعم المولى ونعم النصير..
الأسنان ووظيفتها
الدكتور أحمد كرات
الأسنان وظيفتها هامة، وتوجد بالتجويف الفمي، وفي مدخل الجهاز الهضمي ولها أهميتها بالنسبة لصحة الإنسان وهي نوعان لبنية ودائمة.. فاللبنية هي التي يبدأ ظهورها في الطفولة في سن 6 شهور، وتبدأ بالقواطع السفلية، ومجموع عددها 20 سناً وضرساً ينتهي ظهورها وتكتمل في سنتين وهي ناصعة البياض- صغير الحجم- وحيث أنها غير دائمة فيبدأ سقوطها في سن 6 سنوات لتستبدل بها الأسنان الدائمة وعددها 32 سناً وضرساً وتنتهي بظهور ضرس العقل الطاحون الثالث في سن 18- 25 عاماً.. والأسنان الدائمة كبيرة الحجم ولونها يميل إلى الإصفرار بالنسبة للبنية.
والأسنان الطبيعية يجب المحافظة عليها لأنها لا تُعَوَّض ومهما بلغت الدقة في الأسنان الصناعية وصناعتها فلن توازي أبداً الأسنان الطبيعية، فسبحان الذي خلق فأبدع. لذا فإن الدين الإسلامي وهو دين النظافة والطهارة والرسول عليه الصلاة والسلام في حديثه الشريف يقول "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة ". صلاة وسلاماً عليك يا رسول الله وضعت لنا منذ أربعة عشر قرناً من الزمان أسساً في علوم الطب الحديث لو اتبعناها وسرنا على نهجها لسلمنا من كثير من الأمراض الفتاكة. إن عدم نظافة الفم والأسنان ينتج عنه أمراض كثيرة تصيب الجسم كله. فتراكم فضلات الطعام بين الأسنان مرتع خصب للميكروبات التي تجد من الفم المناخ المناسب لها من وجود درجة الحرارة المناسبة والرطوبة لوجود اللعاب والغذاء على فضلات الطعام فتتكاثر.
وأنواع هذه الميكروبات كثيرة منها ما يتعدى ويتفاعل مع المواد النشوية والسكرية وينتج مادة حمضية تؤثر على ميناء الأسنان التي تتكون بنسبة عالية من أملاح الكالسيوم فتذيبها وتذهب ببريقها وتكون حفرة أكثر ملاءمة لمعيشة الميكروبات التي تشتد فاعليتها بازديار عمق الحفرة وتراكم الفضلات ثم التأثير على مادة العاج التي تلي الميناء ونتيجة لتعفن المواد الغذائية الموجودة في الحفرة وينتج عن أكل السكريات وتناول الأشياء الساخنة والمثلجات لأن أعصاب السن تتخلل منطقة العاج، وإذا أهمل المريض العلاج فإن الحفر والتسوس يزداد عمقاً حتى يصل إلى لب السن وفي هذه الحالة تحدث آلام شديدة نتيجة لأن اللب يحتوي على العصب وأي ضغط عليه كذلك البرودة والسخونة تؤثر فيه تأثيراً كبيراً وفي هذه الحالة يتمتع المريض عن الأكل والضغط على المكان المصاب ونتيجة لوصول الميكروب إلى منطقة اللب فإنها تحدث به التهابات قد تكون حادة وتتحول إلى مزمنة بحيث ينتشر الإلتهاب بقناة اللب فإنها تحدث به التهابات بقناة اللب حتى تصل إلى أسفل الجذر تحت التهاب فمي في السن ويكون من نتائجه أن يحدث (خراجات) تحت السن تظهر في صوره ورم بالفك العلوي أو السفلي حسب منطقة السن المصاب إذا كان الإلتهاب حاداً ويصحب هذا الورم ألم شديد وارتفاع في درجة الحرارة وأحياناً ينشر الإلتهاب ويمتد إلى جزء كبير من الفك مما يعوق حركة المفصل الفكي ويجعل المضغ مستحيلاً نظراً لصعوبة فتح الفم ونتيجة ذلك فإن الغدد الليمفاوية الموجودة تحت الفك تتورم وتؤلم ونظراً لتواجدها على مقربة من اللوز فيشتكي المريض وكأنه مصاب بالتهاب اللوزتين وفي كثير من الأحوال يتحول الإلتهاب الحاد إلى مزمن فيحث تحت السن كيس يطل منه الميكروب كامناً إذا ضعفت مقاومة الجسم لأي سبب من الأسباب كالإرهاق أو نزلة برد ينشط الميكروب ويحدث خراجاً حاداً ومن مضاعفاته تسويس بعظام الفك نتيجة إهمال المريض للعلاج.
لذلك فنظافة الفم والأسنان ورعايتها واجبة وضرورية ولو اتبعنا تعاليم ديننا القويم وسنة نبينا العظيم وحافظنا على نظافة الأسنان ونحن في كل يوم نؤدي خمس صلوات لله تعالى وفي كل وضوء لو استعملنا السواك وجعلناه يتحلل بين أسناننا ليزيل آثار الطعام لتجنبنا تسوس الأسنان وتغير رائحة الفم. كذلك فلقد ثبت علمياً بأن السواك به مواد طيبة تساعد على تطهير اللثة وتقويتها وسلامة أسناننا لذلك وجب علينا المحافظة على أسناننا بإتباع النصائح الآتية:
1-
نظافة الأسنان بالسواك في كل صلاة.
2-
نظافة الفم باستعمال الفرشاة والمعجون عقب كل وجبة طعام.
3-
زيارة طبيب الأسنان على الأقل مرة كل ستة شهور.. زيارتك للطبيب سوف تكشف أي مرض مبكراً وبذلك يسهل العلاج.
اهتمامنا بصحة الفم والأسنان مهم لعملية مضغ الطعام وطحنه يحتاج لأسنان سليمة فبداية عمليات الهضم تبدأ في الفم فاللعاب يحتوي على انزيم يحول المواد النشوية إلى سكرية وطحن الطعام واختلاطه باللعاب ومضغه جيداً.. بواسطة الأسنان ليسهل عليه ويسهل عملية الهضم بالمعدة والأمعاء وكثير من أسباب سوء الهضم عدم مضغ الطعام جيداً نظراً لتلف الأسنان أو فقدانها. كذلك فالأسنان تساعد على النطق السليم بمخارج الألفاظ.
الأسنان مثبتة في عظام الفك بواسطة نسيج يتكون من أربطة تربط جذر السن وهي منطقة تسمى بالسمنت بعظام الفك. واللثة نسيج قرنفلي اللون يحيط بعنق السن ويجب الإهتمام باللثة فسلامة اللثة هامة لسلامة الأسنان حفاظاً عليها من الأمراض واستعمال السواك وأيضاً الفرشاة والمعجون بالطريقة الصحيحة يحافظ على سلامة اللثة ومن أخطر الأمراض التي تصيب اللثة هي مرض البيوريا والإهمال في علاجه يؤدي إلى فقد الأسنان ويعرض الصحة العامة للخطر.
التسويس والبيوريا هما بمثابة بؤرة صديدية عفنة تنتقل منها الجراثيم والسميات إلى باقي أجزاء القسم.
البيوريا هي وجود جيوب صديدية حول الأسنان وهذه الجيوب التي تفرز الصديد ويبتلعها المريض مع طعامه وتصل للمعدة والجهاز الهضمي وتعرضه لأخطار شديدة منها قرحة المعدة. كذلك فأثناء عملية مضغ الطعام يكون على الأسنان المصابة بالجيوب بمثابة مضخة تدفع الميكروبات الموجودة بالجيوب والتي تصحب مرض البيوريا إلى مجرى الدم ووصول هذه الميكروبات داخل مجرى الدم له خطورته الشديدة خاصة على المصابين بأمراض في صمامات القلب أو تشوهات خلقية فيه لأنه ميكروب البيوريا له جاذبية خاصة بأمراض صمامات القلب وتشوهات خلقية وهذا يسبب روماتيزم القلب وأحياناً لا يحتاج الميكروب وسمومه الناتجة من البيوريا لضغط المضغ للوصول إلى مجرى الدم فمن الممكن أن يمتص سموم البيوريا في بطء شديد من حول الأسنان المصابة وتصل للدم وهذا يحدث طيلة النهار والليل ويعرض المريض للخطر. وأيضاً تؤثر هذه السموم على المفاصل كما أنها تؤثر على العينين وبعضها يسبب أنواعاً من الحساسية في الجسم وكثيراً ما وجدنا معظم المصابين بالآم المفاصل السبب هو إهمالهم اللثة والأسنان. كذلك ثبت أن الصديد الناتج من البيوريا يؤثر كثيراً على نسبة السكر في الدم ولذلك فإن علاج اللثة والأسنان كان في كثير من الأحوال سبباً وعاملاً من عوامل التحسن في التهاب المفاصل وآلامها وخفض نسبة السكر في مرض البول السكري.
والبيوريا أنواع منها النوع الذي ذكرناه سابقاً وسببه موضعي وهو عدم العناية بالفم والأسنان واللثة والإهمال في العلاج ونوع آخر نادر ويصيب الإنسان في سنوات الشباب ويحدث من أسنان عامة تصيب الجسم كله. إن المصابين بالسكر ونقص الفيتامينات وأمراض الدم كالأنيميا والكيمياء والتهابات الكلي كثيراً ما يتعرض لمثل هذا النوع من البيوريا. كذلك الإضطرابات الهرمونية التي تحدث في فترة نمو الجسم وكذلك أثناء الحمل وعند بلوغ سن اليأس. فقد يكون الشخص مهتماً بأسنانه وفي هذه سليماً دائماً وعند الإصابة بأي مرض من تلك التي ذكرناها والتي تصيب الجسم تتآكل العظام المحيطة تآكلاً شديداً وبذلك يحدث تخلخل في الأنسجة الرقيقة للرباط الذي يربط تلك العظام بمادة السمنت الموجودة في جذر السن ويؤدي ذلك إلى أن تفقد الأسنان تماسكها وتبدأ في التحرك من مكانها وذلك يكون ظاهراً وواضحاً في الأسنان الأمامية. إن فقدان الأسنان للعظم المحيط بها يجعلها في حالة خلخلة ومن العجب في تلك الأمراض العامة التي تؤثر على الأسنان أن المريض لا يشعر بأي ألم أو التهاب باللثة ولا يشتكي من شيء سوى أن أسنانه بدأت تتحرك من مكانها وتتباعد عن بعضها البعض ويشتكي المريض من عدم القدرة على المضغ الجيد وأن الأسنان أصبحت حساسية للضغط نظراً لتحركها أو اللمس نظراً لانكشاف جذورها سبب طول السن. وحيث أن الجيوب في هذا النوع من البيوريا لا تتكون إلا في الأدوار الأخيرة من المرض وبعد مضي وقت طويل وهذا فعندما تبدأ الجيوب تكون سريعة جداً في عمقها لدرجة يصعب فيها العلاج وأحياناً يشكو المريض من أن أسنانه بدأت تتساقط بنفسها.
فالعناية بصحة الجسم والإهتمام بالأسنان شيء هام لسلامة أبداننا فالمرض يسبب الكثير من المضاعفات وفقد الأسنان كذلك فإن الإهتمام والعناية والطب في استطاعتهما أن يزيل تلك المآسي وتمحوها محواً كاملاً زياراتك المبكرة لطبيب الأسنان سوف تكشف أي مرض في أسنانك وسوف يرشدك الطبيب ويفحصك ويكشف ما يراه ويفحصك بالأشعة إن لزم الأمر ذلك ويقوم بعلاج اللثة أو تنظيف التسويس واستعاضة الحفر بالحشو الملائم والمناسب لكل سن قبل أن يستحفل المرض ويزيد ويصبح خلع السن أو الأسنان لا محالة. كذلك فإن استعاضة الأسنان بدلاً من التالف مهم جداً وكثيراً ما يصاب الإنسان بالبيوريا نتيجة للإهمال وعدم عمل الإستعاضات الصناعية اللازمة ويجب أن تكون الأسنان الصناعة جيدة الصنع مناسبة لحالة المريض حتى لا تكون أيضاً سبباً في أمراض أخرى. التركيبات الصناعية تساعد على تكامل الأسنان وبذلك لا تكون هناك فرضه للأسنان المجاورة للأضراس المخلوعة في التحرك من مكانها لأن الأسنان عادة تتحرك في جهة المكان الحالي من الأسنان كذلك بالنسبة للأسنان المقابلة للأسنان المخلوعة بأنها أيضاً تتحرك نحوها فضلاً على أن هذه العملية تسبب الجيوب الصديدية لخلع الأضراس وعدم استعاضتها يلقى حملاً ثقيلاً على الأسنان الأخرى لقيامها بعمل أكثر. أيضاً هناك ملاحظة إنه في حالة عدم استعمال جانب من الفك فالأسنان الموجودة على هذا الجانب تتراكم عليها الرواسب الجيرية وعرضة للإصابة بالأمراض أكثر من الجانب المستعمل. فلنبحث عن الدواء وكل داء له دواء ولا بد أن نعالج أي مرض عام يصيب الجسم كالسكر مثلاً أو أمراض سوء التغذية ونقص الكالسيوم لأن هذه الأمراض تؤثر على جميع أعضاء الجسم بما فيها الأسنان وعلاجها وقاية من أمراض الأسنان أو على الأقل تخفف من شدة المرض..
أسأل الله لي ولكم وللمسلمين الصحة والخير والعافية..
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
التدخين وأمراض القلب
لفضيلة الدكتور محمد علي البار
عضو الكلية الملكية للأطباء بلندن
يعتقد كثير من الناس أن تدخين السجائر يؤثر على الرئتين فحسب.. فلقد أصبح من المعلوم لدى العامة والخاصة أن السجائر تسبب سرطان الرئة.. ولكن قليلين هم الذين يعرفون تأثير السجائر على القلب والجهاز الدوري.
إن تأثير السجائر على القلب والجهاز الدوري يرجع إلى وجود مادتين سامتين في السجائر هما: النيكوتين وأول أكسيد الكربون.
فأما المادة الأولى وهي النيكوتين فهي مادة شديدة السمية. إذ تكفي الكمية الموجودة منه في سيجار واحد لقتل إنسان في أوج صحته إذا أعطيت له هذه الكمية بالوريد.. ومع هذا فإن أي مدخن يأخذ أضعاف هذه الكمية يومياً دون أن تقتله مباشرة.. فكيف يا ترى يتمكن الجسم من مواجهة هذه المواد الشديدة السمية. يستطيع الجسم بواسطة الإنزيمات أن يحول هذه المواد السمية إذا أخذت بالتدريج إلى مواد أقل سمية وأبطأ فاعلية.
يؤثر النيكوتين على القلب والجهاز الدوري عن طريق زيادة ضربات القلب كما تزداد الكمية التي يضخها القلب في كل ضربة. وهذا أحد أسباب وجيب القلب وخفقانه التي يعاني منها كثير من المدخنين.. والسبب في ذلك أن مادة النيكوتين تزيد من إفراز مادة الأدرينالين ومادة النور أدرينالين
…
وهما المادتان المسئولتان عن زيادة ضربات القلب وانقباض الأوعية الدموية..
وهكذا يضطر القلب إلى زيادة عمله عند تدخين كل سيجارة وفي نفس الوقت تفل كمية الدم التي تغذي عضلة القلب وذلك لانقباض الشرايين التاجية التي تغذي عضلة القلب بالدم.. فالنيكوتين يسبب انقباضه هذه الشرايين التاجية كما يسبب أيضاً انقباض الأوعية الدموية في كافة أنحاء الجسم..
وليس هذا فحسب وإنما يساعد - النيكوتين على تكوين الجلطات بتأثير مباشر على المواد التي تسبب تخثر الدم.. وفي نفخ انح على أن تلتصق ببعضها مكونة جلطة تسد مجرى الدم.. وتعتمد الإعراض على الوعاء الدموي الذي انسد بالجلطة فإذا كانت الأوعية الدموية للرجل هي التي انسدت فإن ذلك يسبب ألماً شديداً في الساق ثم ينتهي بالغرغرينا وبتر الساق أو الفخذ. وأما إذا كان الإنسداد في أحد الشرايين التاجية فإن ذلك يؤدي إلى جلطة القلب التي كثيراً ما تنتهي بالوفاة.
هذا باختصار تأثير مادة النيكوتين على القلب والأوعية الدموية فما هو تأثير أول أكسيد الكربون..؟
إن أول أكسيد الكربون هو غاز ينتج عن الإحتراق عندما تكون كمية الأكسجين قليلة.. واحتراق السجائر يؤدي إلى تكون غاز أول أكسيد الكربون بنسبة واحد إلى خمسة في المائة.. وخطورة هذا الغاز أنه شديد القابلية للإتحاد بالهيموجلوبين. (صبغة الدم الحمراء) والتي تحمل الأكسجين.. فينتج عن ذلك أن جزءاً كبيراً من الهيموجلوبين يتحد بأول أكسيد الكربون.. ويبقى جزء بسيط لحمل الأكسجين (غاز الحياة) . في الأنسجة والخلايا..وذلك يؤدي إلى الذبحة الصدرية وخاصة عند المصابين يتصلب الشرايين.. أو عند القيام بمجهود عضلي شديد.. أو حتى عند هيجان العواصف واشتعال الغضب.
إن تدخين عشرين سيجارة يومياً يؤدي إلى حرمان الجسم من خمسة عشر في المائة من الهيموجلوبين.. إذ تصبح هذه الكمية متحدة مع أول أكسيد الكربون ولا يمكن الإستفادة منها في حمل الأكسجين.
ولقد اكتشف أن لهذا الغاز تأثير في زيادة ترسيب الكوليسترول على جدر الأوعية الدموية مما يساعد على سرعة تكون تصلب الشرايين وبالتالي الجلطات..
هكذا يتبين لك باختصار ما تفعله السجائر بالقلب والأوعية الدموية وفي آخر تقرير للكلية الملكية للأطباء الذي نشر قبل بضعة أسابيع في لندن ذكر أن 000ر31 رجل و8000 امرأة قد لاقوا حتفهم نتيجة جلطة القلب في عام 1974.. وجميع هؤلاء ما بين الخامسة والثلاثين والرابعة والستين ويرجع التقرير وفاة 9500 شخص من هؤلاء إلى التدخين مباشرة.. أما عدد الذين ظلوا على قيد الحياة ولكن حياة ملؤها الأسقام والأدواء فقد بلغوا مئات الألوف.
ويبلغ عدد الذين أصيبوا بجلطات المخ عشرات الآلاف سنوياً وكثير منهم يلاقي حتفه في الحال ولكن من يبقى يكون أشد تعاسة ممن مضى إلى العالم الآخر فذلك قد أراح واستراح. أما من بقي فهو للعذاب والآلام والعناء لا يكاد يرفع يده إلا بمعونة ولا يخطو خطوة إلا بالإستناد إلى غيره. فهو في عنت ومشقة هو ومن معه..
وأهون عليه من كل هذا العذاب أن يبادر إلى هذه الأفعال التي بين يديه فيقذفها بعيداً عنه.. ليتمتع بصحته وشبابه.. فقد أثبت الطب أن كل عشر سجائر تفقدك ساعة من عمرك كل يوم وتضيف لك عشرات الساعات والأيام والشهور والسنين في التعاسة والأمراض والأسقام. ولا بديل لك إلا أن تحزم أمرك وتعزم عزمك أكيدة على ترك هذه السجائر دون رجعة. وأسأل ربك العون والتوفيق فإنه جدير بأن يهبك العون إذا لجأت إليه صادقاً. والله يتولاني وإياكم.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:"سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:" إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد، فأتي به فعرفه نعمته، فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال: كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال: جرئ! .. فقد قيل، ثم أمر به، فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتي به، فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت ولكنك تعلمت ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال: هو قارئ! فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل وسّع الله عليه وأعطاه من أصناف المال فأتي به فعرفه نعمه، فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ .. قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت ولكنك فعلت ليقال: هو جواداً! .. فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه ثم ألقي في النار ". (رواه مسلم)
ليس كل ما في النهج من أمير المؤمنين
عباس محجوب
أورد الرضى في نهج البلاغة وصف الرجل الكامل ونسبه إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب بتحريف وزيادة والزيادة قوله:"وكان يفعل ما يقول ولا يقول ما لا يفعل، وكان إن غلب على الكلام لم يغلب على السكوت وكان على أن يسمع أحرص منه على أن يتكلم وكان إذا بدهه أمران نظر أيهما أقرب إلى الهوى فخالفه وهذه المعاني وردت في مكان آخر من كلام ابن المقفع. وأورد ابن قتيبة في عيون الأخبار وصف الرجل الكامل مقتضباً من كلام ابن المقفع، ونسبه للحسن بن علي مع تحريف. ولكن بألفاظ ابن المقفع وأضاف إلى قوله: "وكان إذا غلب على الكلام لم يغلب على السكوت. وكان إذا عرض له أمران لا يدري أيهما أقرب إلى الحق نظر أقربهما إلى هواه فخالفه "وهذه الجملة وردت في اليتيمة بحسب روايتنا هكذا: "وإذا بدهك أمران لا تدري أيهما أصوب فانظر أيهما أقرب إلى هواك فخالفه فإن أكثر الصواب في خلاف الهوى".
وترجح أن عزو هذا الكلام إلى علي بن أبي طالب أو إلى الحسن بن علي هو من فعل من أضافوا على كلام أمير المؤمنين ما ليس منه سامحهم الله، فإن نص عبارة ابن المقفع معلنة عن نفسها بأنه عرف رجلاً هذه صفاته الحسنة فوصفه، ولا يعقل أن يأخذ كلاماً لغيره ويستحل نسبته إليه خصوصاً إذا كان من الكلام المأثور المعروف صاحبه، ثم إن اليتيمة اشتهرت قبل أن يؤلف نهج البلاغة بنحو قرنين ونصف. ويؤيد قولنا هذا ظهور التصنع ماثلاً للعيان، ومن التصنع إدماج سجعات في هذه الجملة الجميلة، حاشا أمير المؤمنين أن يسف في كلامه إلى مثلها، وهو من أكبر الفصحاء.
لا جرم أن نهج البلاغة زيدت فيه زيادات كثيرة بعد عهد الرضى أيضاً، وهو الذي قال إنه جمعه من كلام علي، والحال أن أكثره من كلام فصحاء الشيعة وغيرهم بدليل الإختلاف العظيم في نسخه. وقد اعترف ابن أبي الحديد شارح نهج البلاغة بأن ما عزى إلى أمير المؤمنين هو من كلام غيره من الحكماء لكنه (كالنظير لكلامه والمضارع لحكمته!) قال:"وإن الغرض بالكتاب الأدب والحكمة فإذا وجد ما يناسب كلامه ذكره على قاعدته في ذكر النظير "وإن الرضي قال:"إن روايات كلامه - أي كلام أمير المؤمنين - تختلف اختلافاً شديداً ". إذا عرفنا هذا ساغ لنا أن نقول إن صفة الرجل الكامل الذي عرفة ابن المقفع قد استحسنها بعض المتأخرين فأدمجوها في الكتاب الذي كسروه على كلام الخليفة الرابع. وقد وقعت لصاحب النهج حكم جوز ضمها إلى كلام أمير المؤمنين وهي أشبه بأن تكون لغيره. ومن ذلك ما نسبه لعلي وهو لابن المقفع "للمؤمن ثلاث ساعات، ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يرم فيها معايشه، وساعة يخلي بين نفسه وبين لذتها مما يحل ويجمل، وليس للعاقل أن يكون شاخصاً إلا في ثلاث: مرمة لمعاش، أو خطوة في معاد، أو لذة في غير محرم "، فإن هذه الحكمة وردت في الأدب الصغير لابن المقفع وعلى صورة أجمع وأوسع. من كتاب (أمراء البيان) ج2 لمحمد كرد علي رئيس المجمع العلمي بدمشق.
الأمور التي تتنازع فيها الأمة، في الأصول والفروع، إذا لم ترد إلى الله والرسول لم يتبين فيها الحق، بل يصير فيها المتنازعون على غير بينة من أمرهم، فإن رحمهم الله، أقر بعضهم بعضاً، ولم يبغ بعضهم على بعض، كما كان الصحابة في خلافة عمر وعثمان يتنازعون في بعض المسائل الإجتهادية، فيقر بعضهم بعضاً، ولا يتعدى ولا تعتدي عليه، فإن لم يرحمهم وقع بينهم الإختلاف المذموم، فبغى بعضهم على بعض، إما بالقول، مثل تكفيره وتفسيقه، وإما بالفعل مثل حبه وضربه وقتله.
والذين امتحنوا الناس بخلق القرآن كانوا من هؤلاء، ابتدعوا يدعه، وكفروا من خالفهم فيها، واستحلوا منعه حقه وعفويته.
شرح الطحاوية ص579.
إن المسلم يرفض - بحكم إيمانه بالله وعلمه بأن ما أنزل على محمد هو الحق - كل منهج للحياة غير منهج الله، وكل مذهب اجتماعي أو اقتصادي، وكل وضع كذلك سياسي، غير المنهج الوحيد، والمذهب الوحيد. والشرع الوحيد الذي سنة الله وارتضاه للصالحين من عباده ومجرد الإعتراف بشرعية منهج أو وضع أو حكم من صنع غير الله، هو بذاته خروج من دائرة الإسلام لله فالإسلام لله هو توحيد الدينونة له دون سواه.
إن هذا الإعتراف فوق أنه يخالف بالضرورة مفهوم الإسلام الأساسي فهو في الوقت ذاته يسلم الخلافة في الأرض (للعمى) الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض.
في ظلال القرآن سورة الرعد ص2076.
النتيجة
أيها الأمراء ورؤساء الدول ويا علماء الإسلام:
أما حان الوقت لكي تتعرفوا على حقيقة الوضع في العالم الإسلامي، إن الملايين من المسلمين الآن يعانون من الجهل والفقر والقهر يحتاجون إلى المساعدة، وإلى الدواء.. ثم إنهم يحتاجون إلى من يخلصهم من التشنج الفكري.
إن هذه السماء تظلل إلى جوار الجماعات الإسلامية المثقفة الواعية، جماعات أخرى شريرة تسعى إلى تشوية التراث والمبادئ المشتركة وتحاول النيل من شعار إعلاء كلمة الله. إلى متى سوف تسمحون لهذه القوة الشريرة أن تمارس أعمالها؟ إن أكثر هؤلاء المساكين قد ضلوا الطريق لأنهم لم يجدوا من يرشدهم إلى جادة الصواب.
إن الذي يعرف الشمس لا يستغني عنها بضوء الشموع. إني أتهم الدول التي يحجب نور شمس التعليم عن أبنائهم وتسلمهم إلى الأيدي الأجنبية لتعلمهم وتنشئهم وفق هواها. على البلاد الإسلامية أن تتحمل مسؤولية عقول وقلوب أبنائها وأن تضع حولها درعاً من القيم يحجبها عن سهام الأعداء.
فيما أمراء المسلمين ورؤساء دولهم وعلماء دينهم. إن الشباب المسلم ينتظر منكم أن تمدوا أياديكم بالدواء، بالمعرفة والحكمة.. وبالإخلاص في سبيل إعلاء كلمة الله. عليكم أن تهزوا هذه الكتل من أشباه النيام وأن توقظوهم من سباتهم العميق هذا، افعلوا هذا بعيداً عن كل اعتبارات السياسة والتنافس على السلطة. هذه الكتل من البشر التي تتميز بالإخلاص والصدق تنتظركم.
عليكم أن تولوا للأخوة الإسلامية مكانة فوق كل حسابات السياسة وأن تعلموا أن هذه الأخوة إذا كانت صادقة فإنها سوف تعم بالخير العميم على كل الدول الإسلامية ولكن لا يعزبن عن أذهانكم أن قوى الشر العمياء والأهواء الشخصية والمنافع الطائفية سوف تعمل من أجل الوقوف أمام هذه الأخوة.
لقد سيطر الغرب بغزوه الفكري وتقدمه التكنولوجي على العالم الشرقي واسترقه من الناحية الإجتماعية والفكرية. ولكن يجب أن لا ننسى أن شعلة المعرفة التي يحملها الغرب الآن كانت في أيدينا من قبل.
لا توجد في أوروبا حضارة فرنسية أو ألمانية أو نمساوية، ولكن توجد هناك حضارة واحدة الحضارة الأوروبية المسيحية. كذلك فان الحضارة الإسلامية بغض النظر عن الخصائص القومية لشعوبها كانت تعتبر ذات صبغة واحدة متوحدة.
وكما ذكرت منذ البداية، فإن على العالم الإسلامي أن يدرك أن دعاوى الإستقلال السياسي والحدود الجغرافية يجب أن لا تتحول إلى معاول هدم في صرح الأخوة الإسلامية. ولكن علينا أن نؤمن بهذا إيماناً صادقاً يشبه إيمان أولئك المجاهدين الأوائل الذين كان الإخلاص هو شعارهم الوحيد في عهد البعثة النبوية. لو فعلنا هذا لأصبحنا كالقلعة الصامدة الراسخة التي تنكسر عليها أعتى هجمات الأعداء.
فيا أمراء المسلمين وحكامهم ومثقفيهم:
هذه هي أيام قلائل ويقتر بالعام 1400 ها هي الفرصة تواتيكم لتحقيق هذا الهدف الذي يصبوا إليه العالم الإسلامي. لماذا لا نستقبل هذا العام باحتفالات مشتركة تكون أول خطوة تشييد صرح الأخوة الإسلامية.
على مر قرون طوال تغافلت كنيسة روما الغربية الكاثوليكية عن ضعف الكنيسة الشرقية الأرثوذكسية ولم تحرك ساكناً أيام انهيارها ولم تسارع بمعاونتها حين استصرختها بسبب الخلاف المذهبي الذي كان قائماً بين الكنيستين. ولكن بعد مرور 500 عام على انهيار الكنيسة البيزنطية نجد كنيسة روما تسعى إلى رأب الصدع القديم وأن تجمع شمل النصارى في العام أجمع. ونجد البابا بولص السادس يزور استانبول في عام 1967 ويصلى في آياصوفيا التي كانت كنيسة في العهد البيزنطي.
إن هذا التظاهر بالتقدير الذي تظهره الكنيسة الكاثوليكية للأرثوذكسية بعد مضي قرون طويلة من الخلاف والشقاق لجدير بأن يكون موضع اهتمام المسلمين وأن يفهموا أنه خطر عليهم.
إن آياصوفيا هذه التي زارها البابا بولص السادس وصلى فيها كانت كنيسة في عهد البيزنطيين ولما فتح الأتراك القسطنطينية صلى السلطان محمد الفاتح أول صلاة جمعة في هذا المكان بعد أن حوله إلى مسجد. وهكذا يثأر العالم الصليبي من عالم التوحيد بعد مضي خمسة قرون.
كتاب (من الرق إلى السيادة)
لمؤلفته سامحه أبي ويردى
تعليق
الواقع أن الخلاف بين الكنيستين الكاثوليكية والأرثوذكسية استمر ما يقارب تسعة قرون منذ عام 1054م عندما خرجت الكنيسة البيزنطية عن طاعة الكرسي البابوي في روما.
وتعنى كلمة (كاثوليك) في اليونانية القديمة (الجامعة) لتغطية الكنيسة لأماكن عدة في العالم بينما تعنى كلمة (أرثوذكس) مستقيم الرأي..
والخلاف الأساسي بينهما يرجع إلى رفض الأرثوذكس الإعتراف بالبابا رئيساً للكنيسة وعدم اعترافهم بعصمة البابا عن الخطأ.
وبالرغم مما ذكر من الأسباب الداعية لزيارة البابا في الشهور الماضية لتركيا المسلمة وأهمها ما تواجهه الكنيسة الأرثوذكسية من صعوبات نتيجة انتمائها وولائها إلى اليونان الدولة المتحاربة مع تركيا في قبرص، وتناقص أتباع الكنيسة في تركيا حيث كان عددهم عام 1940 في القسطنطينية (اسطنبول) 166 ألفاً وتناقص إلى أقل من ستة آلاف بالرغم من هذه الأسباب المعلنة فإن السبب الأول هو مواجهة المسيحية الصليبية للمد الإسلامي والصحوة الإسلامية الناجحة في العالم بعامة وتركيا بخاصة والإتفاق على السبل والوسائل الكفيلة بإيقاف هذا الزحف ونشر المسيحية في العالم الإسلامي خاصة البلاد التي تسمح حكوماتها بذلك مثل السودان ومصر وغيرهما.
مختارات من الصحف
أفكار لزوجة دايان
زوجة دايان السابقة روث دايان تعيش الآن في واشنطون وعمرها 61 سنة، وقد تخلى عنها دايان، وتقول أنها لن تعود إلى إسرائيل أبداً وتعتقد أن إسرائيل اسم تاريخي ليس له وجود واقعي، وأن إسرائيل تنقصها الأسس الحقيقية لقيام دولة، وأن العرب مهما طال الزمن سيستطردون فلسطين، وقد فضلت ألا يعيش أحفادها السبعة داخل إسرائيل حتى لا يتشبعوا بأفكار التوسع الصهيوني في أراضي الغير.
الفرق بين العرب والإنجليز
يقول ناحوم غوّلدمان في كتابه (التناقض اليهودي) :"أن من سوء حظ إسرائيل أن يكون أعداءها العرب وليس الإنجليز فإن الإنجليز شعب ينسى بسرعة فرغم أنهم فقدوا في مدى جيل واحد إمبراطورية ضخمة إلا أنهم سرعان ما نسوا تلك المأساة ولم يعودوا يفكرون فيها.
أما العرب: فإن من السذاجة أن نعترف بأنهم سينسون اغتصابنا لأراضهم في فلسطين أو الجولان وسيناء ولقد أثبتوا خلال عقود طويلة أنهم سيظلون يحاربون حتى يستعيدوا أرضهم ".
(الداعي) الهندية
غطرسة مناحيم بيغن
صرح مناحيم رئيس وزراء إسرائيل في مقابلة صحيفة إن الذي ستبحث من خلاله مشكلة الضفة الغربية سيشير إلى الفلسطينيين بالكلمات العبرية "عرب أرض إسرائيل "
وأضاف أنه تلقى وعداً من الرئيس كارتر بموافقة على هذا الإصطلاح وأعلن إذا لم نستعمل ولن نستعمل اصطلاح الشعب الفلسطيني حتى ولو كان هذا الإصطلاح مكتوباً في النص الإنجليزي.
(الداعي) الهندية
الإيمان والوعي
ولا يصح الإقتصار على تحريك الإيمان، وإثارة العاطفة الدينية في نفوس الشعوب والجماهير، بل يجب أن تضم إليه تنمية الوعي الصحيح وتربيته والفهم للحقائق والقضايا، والتمييز بين الصديق والعدو، وعدم الإنخداع بالشعارات والمظاهر، فقد رأينا أن الشعوب التي يضعف فيها هذا الوعي أو تحرمه بتسلط عليها - رغم تمسكها بالإسلام وحبها له - قائد منافق، أو زعيم ماكر أو عدو جبار، فيصفق له الشعب بكل حرارة ويسير في ركابه، فيسوقها بالعصا سوق الراعي لقطعان من الغنم، لا تعقل ولا تملك من أمرها شيئاً، ولا يمنعها تمسكها بالإسلام وحبها له من أن تكون فريسة سهلة أو لقمة سائغة للقيادات اللادينية أو المؤامرات ضد الإسلام.
(الرائد) الهندية.
مآسي المسلمين في الهند
كان حزب المؤتمر الوطني يملك مقاليد الحكم مدة طويلة فتخطت الإضطرابات الطائفية خلالها الأرقام القياسية ولم يتغير الوضع منذ أن تربع على العرش زعماء حزب جاناتا، وحدثت مأسى مماثلة محزنة، وأحداث دامية في وارانسى، وسنبهل، وبرنام بت، وما حدث على جراه منا بعبد الذي تسبب في مقتل عدد كبير، وإصابة آخرين بجروح، وترك مئات من العائلات دون مأوى والذي يزيد الطين بلة هو اشترك. رجال الشرطة في قتل المسلمين وإبادتهم، وبتغيير أدق رعايتهم لمثل هذه الأعمال والأحداث وتشجيع الطائفتين الإرهابيين على ممارسة مثل هذه الأعمال المشبوهة وأحداث مثل هذه المعارك الدامية.
فإلام تنزل هذه النكبات بالمسلمين؟ وحتام تبقى الأيدي الفاتكة الأثيمة تفتك بالأبرياء المعصومين؟ على الحكومة المركزية أن تتخذ موقفاً جدياً بالنسبة إلى هذه الأعمال وإلا فتنتظر مصيرها المحتوم. ولن تجد لسنة الله تبديلاً.
جريدة (الداعي) الهندية
احتفال اليهود
احتفل اليهود بمرور مائة عام على بعث لغتهم العبرية من موتها على يد ابن يهوذا، وقد نادى ابن يهوذا بتعلم اللغة العبرية وإحيائها والتكلم بها وتطهيرها من الكلمات الأجنبية.
وفي الإحتفال نعى أحد المسئولين اليهود على أجهزة الإعلام الإسرائيلية استعمالها لكلمات أجنبية كما دعا الشعب اليهودي إلى التكلف بالعبرية الفصحى وعدم استعمال آية لغة أو كلمات أجنبية.
تعليق: يفعل اليهود هذا بلغتهم الميتة التي لا تحوى شيئاً من التراث سوى توراتهم المحرفة ولكنهم يريدونها رابطة تقوى الصلة بين أبناء اليهودية بينما يتساهل العرب بلغتهم التي شرفها الله بكتابه الكريم ووعت تراث الشعوب الإسلامية وحضارتها فنجد كثيراً من الناس يميل إلى إدخال الكلمات الأجنبية فيها، وكثير من الحكومات لا تتخذها لغة للتعليم في المراحل الجامعية، وبعضهم يسعى إلى وأدها ليمحو العلاقة بين المسلمين ودينهم. فجل من صحوة جديدة.
الدعوة- الرياض.
مخترع قنبلة النيوترون اليهودي يقول
"لا يهمني أن يموت الناس جميعاً! "
فنبلة النيوترون: هي أبشع أشكال الأسلحة المدمرة التي توصل إليها علماء الشر، فهي عند ما تنفجر تتحرر طاقتها النووية وتتحول إلى نيوترونات مشعة تنتشر في الهواء وتقضي على كل كائن حي حولهما بشراً كان أم حيوانات أم نباتاً. دون أن تلحق أذى بالأبنية والمنشآت.
ومخترع هذه القنبلة التي أعلنت وزارة الدفاع الأمريكي عن امتلاكها لأسرار صنعنها، هو صهيوني يهودي يحمل الجنسية الأمريكية يدعى (صموئيل كوهين) ، وكان كرمين هذا قد ساهم في صنع أول قبلة ذرية أمريكية.
ومن ميزات قنبلة النيوترون أن تأثيرها ينقشع بعد وقت قصير بعد أن تكون قد قضت تماماً على أي شكل من أشكال الحياة في المناطق التي يراد مهاجمتها، مما ييسر احتلال تلك المناطق بدون التعرض لأية مقاومة.
وبعد هذه المقدمة المبسطة عن قنبلة (النيوترون) ، ننتقل إلى الحديث عن مخترعها الصهيوني اليهودي الحاقد (صموئيل كوهين) .
عندما سئل هذا المجرم اليهودي في مقابلة صحفية نشرت في الولايات المتحدة وسببت (إحراجاً شديداً) ، للإدارة الأمريكية عن شعوره إزاء قتل ملاين البشر والحيوان والنباتات بسبب قنبلته، أجاب وهو يضحك بصوت عال:
"لماذا أشعر بالرثاء لهؤلاء الناس الذين ستقتلهم قنبلتي، لا تنسى أني يهودي، ولقد قاسينا نحن اليهود الكثير من العذاب، ولم نر أحداً من هؤلاء البشر الذين تريدني أن أحزن عليهم، من يسارع إلى الدفاع عنا نحن اليهود، أو إنقاذنا من الموت والعذاب والإضطهاد. فكيف تريدني أن أفكر بإنقاذ هؤلاء الناس من الموت. إني لن أهتم لو مات الناس جميعاً ما دمت أنا على قيد الحياة ".
ويتابع اليهودي المجرم قائلاً:" أن مهمتي هي قتل الناس وإبادتهم كلياً، وسأتابع القيام بها، ولن أكترث لاحتجاجات الناس وصياحهم، لأنهم لم يكونوا يكترثون بما أصابنا نحن اليهود من إبادة واضطهاد. ولقد سمحت لي الفرصة الآن للإنتقام من كل هؤلاء الناس ".
وهذا دليل جديد، يؤكد ما ورد في قرآننا العظيم من أن هؤلاء اليهود هم أحقد شعوب الدنيا وأشدهم قسوة وإفساداً، في الأرض.
بسم الله الرحمن الرحيم:
{ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} البقرة 74.
{وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} . المائدة 64.
(الرائد) الهندية
عودة إلى الإسلام
ولا بد من عودة الإسلام كله إذا أردنا أن نحيا أن ونرشد، عودة عملية وعلمية نظرية وتطبيقية، لا نفرط في ذرة من ديننا لا نتنازل عن شعبة من شعب الإيمان ولا عن كلمة من القرآن..
إن الأديان القديمة اضمحلت وتلاشت بسبب هذا التفريط العارض، ولعله بدا يسيراً ثم تفاحش مع الزمن حتى أتى على هذه الأديان من القواعد.
ولن نسمح أبدا أن يرد ديننا هذا المصير، ويترك هذا شيئاً وذلك شيئاً، ويتعلل هذا بالتطور، وذاك بالمصلحة، ولا تزال الأعذار تتوالى والتعاليم تتهاوى حتى يسير الإسلام أثراً بعد عين!!
لن نقبل أبداً أن يتعرض الإسلام لهذا المسلك الكفور في الأخذ والرد، فأجزاء الدين كعناصر الدواء لا يتم الشفاء إلا بها كلها ومن ثم فلا تنازل عن شيء منها..
أن تحريف الكلم عن مواضعه آفة تصيب الأديان على امتداد الزمان.. ولهذا التحريف مظاهر ثلاثة..
1-
التدخل في الوحي الإلهي بالحذف والزيادة، اتباعاً للهوى أو غلواً في الدين.
2-
التأويلات الفاسدة والتفاسير الباطلة لما ورد من نصوص.
3-
تعطيل العمل بطائفة من الأوامر والنواهي وتوارث هذا العطل من جيل إلى جيل حتى تنشأ خلوف قاصرة تظن ما أهمل قد نسخ وباد..
ومن حسن حظنا نحن المسلمين أن كتابنا محفوظ بعناية الله، فالأصل الذي نحتكم إليه قائم دائم، ومن حسن حظنا أن الإجماع منعقد على أركان الإسلام والأجهزة الرئيسية أي تتفرغ عنها شعبه وقوانينه هنا وهناك.
وإنه لسهل على المصلحين بعد ذلك أن يقاوموا المعطلين لحدود الله والمنحرفين عن صراطه المستقيم، وأن يتمسكوا بالدين كله علماً وتطبيقاً، دراسة وسلوكاً، نهج حياة خاصة وعامة.
الإسلام نظام شامل مظاهر الحياة جميعاً، فهو دولة ووطن، أو حكومة وأمة، هو خلق وقوة، أو رحمة وعدالة، وهو ثقافة وقانون أو علم وقضاء، وهو مادة وثروة أو كسب وغنى، وهو جهاد ودعوة أو جيش وفكرة كما هو عقيدة صادقة وعبادة صحيحة سواء بسواء.
(الدعوة) القاهرية.
الشريعة الإسلامية هي الملاذ
وكان مما أعلنته - وهو كثير - عن مجال الإجرام والجريمة ما يلي:
أن معدل الجريمة في بلد واحد يطبق الشريعة الإسلامية وهو المملكة العربية السعودية بالمقارنة بمثله في البلاد الغربية التي لا تطبق هذه الشريعة كان على النحو التالي:
من بين كل مليون نسمة من السكان يرتكب الجريمة:
- في السعودية 22 شخصاً فقط.
- في فرنسا 32 ألف شخص.
- في ألمانيا الغربية 42 ألف شخص.
- في فنلندا 63 ألف شخص.
- في كندا 75 ألف شخص.
وإحصائية المنطقة الدولية هذه تدل قاطعة على ما تقوم به الشريعة الإسلامية في تهذيب النفوس وتطويع البشر بما يحقق الأمن والإستقرار للعباد والبلاد.
ولعل هذا هو السبب الرئيسي الذي حدا بباكستان أن تسرع الخطى على درب تطبيق الشريعة الإسلامية ومن بعدها جاء دور مصر والسودان.. على أن يكون (تقنين) أحكام الشريعة الإسلامية - أي وضعها في صيغة مواد وقوانين - في المسائل المدنية والجنائية والأحوال الشخصية مكتملاً في شهر ربيع الثاني من هذا العام إن شاء الله وأن يعرض على المؤتمر الثاني لوزراء العدل العرب الذي يعقد مؤتمره الثاني في هذا التاريخ بسلطنة عمان..
ولعل هذا العدل الإلهي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه هو ما حدا بعلماء القانون من ست عشرة دولة أجنبية اشتركوا في ندوة التشريع الإسلامي التي عقدت بالرياض في العام الماضي إلى أن يعلنوا على الملأ صيحتهم ونداءهم لكل شعوب العالم بالدعوة إلى الأخذ بأحكام الشريعة الإسلامية لإنقاذ المجتمعات من دوامة الجريمة والإنحراف.
فيا أيها المسلمون اعتصموا بحبل الله المتين الذي تحسدنا عليه أمم لم تهتد إلى الإسلام.. واعلموا أن {ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم} .
الدعوة - الرياض
أطفال الولايات المتحدة مهددون بأمراض القلب
قال تقرير طبي صدر في نيويورك أخيراً أن أطفال الولايات المتحدة يمرون بأصعب أزمة صحية عرفتها البلاد حتى الآن.
وأشار التقرير الذي أعده فريق من الأطباء في جامعة ميتشغان إلى أن الأطفال ربما كانوا معرضين للإصابة بأمراض القلب وهم في السادسة من أعمارهم، وأن هناك احتمالاً كبيراً بأن يصاب عدد كبير منهم بذبحات قلبية وهم في هذا السن.
وقال البروفسور توماس جيليان الذي أشرف على وضع التقرير:"أن على الأهل مسئولية كبيرة في منع حدوث مثل هذه الكارثة. وأن المطلوب منهم العمل على رعاية الأطفال بطريقة أفضل ".
وذكر البروفسور:"أن أحد الأسباب الرئيسية التي قد تؤدي إلى إصابة البلاد بهذه الكارثة يعود إلى أن أطفال هذه الأيام أكثر جموداً من أي وقت مضى، فهم لا يذهبون إلى مدارسهم إلا بالسيارات أو الباصات، ولا يركضون ولا يمارسون الرياضة إلا في أوقات قليلة جداً، وبالتالي لا يمارسون الدور المرسوم في الأساس لطفولتهم ".
وأشار التقرير إلى أن الجلوس في البيت والتفرج على التلفزيون بهذا القدر من الوقت له نتائج سلبية أيضاً، إضافة إلى الإكثار من تناول الحلويات وكل ما يروق لهم.
وذكر التقرير أن مثل هذه الأمور تؤدي إلى ارتفاع نسبة الكولسترول عند الأطفال إلى جانب ارتفاع آخر في ضغط الدم، وأن المستقبل يبدو غامضاً إذا ما استمر الوضع على حاله.
(الشرق الأوسط)
وشدد التقرير على وجوب ممارسة كل أنواع الرياضة لأنها تحمي الجسم من كل الأمراض المحتملة.
وقال البروفسور جيليان في التقرير أنه أجرى سلسلة اختبارات على 400 طفل، فأثبتت النتائج أن أكثر من 200 طفل منهم معرضون للإصابة بذبحات قلبية خلال أي وقت.
وعلم أمس أن التقرير نقل إلى وزارة الصحة لإجراء دراسة شاملة حوله وإقرار الخطوات المناسبة بشأنه.
(المجلة) ..
هذه طرائق الغرب التي خدع بها الكثيرون من المسلمين حتى أصبحوا لا يرون خيراً منها لتربية أطفالهم.. فهل يسمعون هذه الشكوى فيصححوا سلوكهم مع صغارهم، ويبعدوهم عن مخاطر السهر على التلفاز إلى الساعات الأخيرة من الليل؟....
وأخيراً: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ..} فيربوا أطفالهم على الأصول التي شرعها الله؟
التبشير في أفريقيا
تخطط المؤسسات الكنسية في العالم أن يكون عدد النصارى في إفريقيا 344 مليون نسمة عام 2000م مقابل 322 مليون مسلم وفي عام 1978م تم إنشاء مركز رئيسي لشمال إفريقيا باسم (معهد تنصير المسلمين للبحث والتدريب) والغاية الرئيسية لهذا المعهد إيصال تعاليم يسوع إلى المسلمين.
وسائل الدعوة إلى الباطل:
اتجه التبشير المسيحي إلى استعمال الإذاعة في الفترة الأخيرة لسببين هامين:
1-
الإتصال بأعداد كبيرة من الناس مدة الإرسال.
2-
اختراق موجات الإذاعة لكل الحواجز والحدود ووصولها إلى الآذان مما جعل الإذاعة الكنسية أداة فعالة في العالم الإسلامي.
وقد بدأ البث الإذاعي للبرامج التنصيرية عام 1920م في الولايات المتحدة، وعدد الإذاعات التنصيرية بلغت اليوم خمسين إذاعة منها إذاعات تخصص إرسالها إلى المناطق الإسلامية وعلى رأسها محطتي دبليو آر (التي بدأ بثها من طنجة ثم انتقلت إلى (مونت كارلو) عام 1960م وتوجد اليوم محطات تابعة لها في البحر الكاريبي وقبرص وسوار بلاند وغوام وسرلانكا كما توجد في كثير من البلاد الإفريقية الإسلامية ومن ضمنها السودان المسلم. والمسلمون لا زالوا يستعملون الوسائل البدائية ويعتمدون على الجهود الفردية.
اليهود والإسلام