الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
العدد 52
فهرس المحتويات
1-
نعمة يحب أن تشكر..: للدكتور أحمد عطية الغامدي
2-
لا خيرة للمؤمن إذا قضى الله ورسوله: الشيخ أبو بكر الجزائري
3-
كشفُ السُتور في نهي النساء عن زيارة القبور: للشيخ حماد الأنصاري
4-
مفهوم الأسماء والصفات: لفضيلة الشيخ سعد ندا
5-
فضل صيام رمضان وقيامه مع بيان أحكام مهمة قد تخفى على بعض الناس: لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز
6-
رخصة الفطر في سفر رمضان وَما يترتب عليها من الآثار: للدكتور أحمد طه ريان
7-
فريضة الحج وجواز النيابة فيها: للدكتور محمد عبد المقصود جاب الله
8-
الرق في الجاهلية والإسلام: للشيخ إبراهيم محمد حسن الجمل
9-
دراسات في أصول الفقه تدرج علم الأصول عبر الأجيال والعصور: للدكتور علي أحمد محمد باكر
10-
إنما المؤمنون إخوة: لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز
11-
أساليب الدعوة إلى الله تعالى في القرآن الكريم: الدكتور أبو المجد سيد نوفل
12-
التربية الإسلامية ومراحل النّمو: للدكتور عباس محجوب
13-
حقوق الإنسان في الإسلام (3) : الشيخ عبد الفتاح عشماوي
14-
نماذج أخرى من الدعاة الصالحين علي بن أبي طالب رضي الله عنه: للشيخ أبو بكر الجزائري
15-
قوة العقيدة سبيل النصر في غزوة بدر الكبرى (3) : د. محمد عبد المقصود جاب الله
16-
جيش العسرة يحمي المدينة
…
ويؤَمِّن حدود الجزيرة: للدكتور عبد العظيم حامد خطاب
17-
من أعلام الدعوة الإسلامية في الهند: الشيخ زين العابدين بن علي المعبري المليباري
18-
لماذا أسلم هؤلاء..؟ عرفت الإسلام بالمراسلة ثم هربت إلى بلد إسلامي لتعلن إسلامها
19-
رسائل لم يحملها البريد: الشيخ عبد الرءوف اللبدي
20-
حول الشعر التعليمي (1) : للدكتور صالح آدم بيلو
21-
الرّاغب الأصفهاني وجهوده في اللّغة: للدكتور عمر عبد الرحمن السّاريسي
22-
صفحة لغة - قل..ولا تقل: للشيخ ضياء الدين الصابوني
23-
برهان الحق في الخلق (2) : د. عز الدين علي السيد
شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن (2) : للشيخ يوسف الهمذاني الشافعي
25-
أنا الكنز والمجد: لشاعر العربية في إندونيسيا الشيخ عبد الله نوح
26-
ذكريات من المدينة: للشيخ عبد الحميد عباس
27-
في المشارق والمغارب جنوب شرقي آسيا (1) : الشيخ عبد الله بن أحمد قادري
28-
إلى الذين يبثون الألغام في طريق الإسلام: للشيخ محمد المجذوب
29-
كتاب في رؤية الله تبارك وتعالى (2) : تأليف: أبي عبد الرحمن بن عمر بن محمد، تحقيق وتخريج الشيخ محفوظ الرحمن بن زين الله السلفي
30-
فتاوى شرعية: لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز
31-
نظرة إسلامية إلى البحث والكشف والابتكار (1) : للدكتور أبو الوفاء عبد الآخر
32-
الكتاب: دور الدول الاشتراكية في تكوين إسرائيل: الدكتور إبراهيم الشرقي
33-
مراكز تقدمية: من كتاب (مشكلات الجيل في ضوء الإسلام)
34-
في ندوة الإسلام في كوريا: سمو الأمير نايف ينجح في التوسط لدى الحكومة الكورية بإنشاء جامعة إسلامية
35-
الأمي الذي أصبح دكتوراً - {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ}
36-
تعليقات وتحليلات: للشيخ محمود محمد سالم
37-
أخبار الجامعة
عمادة البحث العلمي - جميع الحقوق محفوظة 1423 هـ / 2002 م
نعمة يحب أن تشكر..
للدكتور أحمد عطية الغامدي
عميد كلية الدعوة وأصول الدين
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على رسوله الأمين نبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحابته أجمعين؛ أما بعد:
فإن نعم الله علينا كثيرة لا تحصى، إلا أن أجلها نعمة الإسلام الذي ختم الله تبارك وتعالى به الأديان، ولذلك كان رسوله صلى الله عليه وسلم مبعوثاً إلى الناس كافة، وكان غيره من الرسل يبعث إلى قومه خاصة. وإذا كان الإسلام للبشرية كلها إذ لا دين يقبل من أهله بعده سواه، فإن عمومه يقتضي صلاحه لجميع البشر في جميع الأماكن والأزمان، وقد أودع الله فيه من الخصائص العظيمة التي انفرد بها عما سواه من الأديان الأخرى ما جعل الفطر السليمة ترتاح إليه فتعتنقه عن قناعة تامة لأنه هو الدين الحق الذي تجد فيه النفوس ما تنشده من الهدى، إذ كتابه {لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} وقد وعد الله سبحانه وتعالى بحفظه فقال:{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} .وإذا كان الله تعالى قد رضي الإسلام لنا دينا، فإنه- سبحانه- قد أوضح أركانه التي لا يقوم بغيرها، وأصبحت معرفة هذه الأركان من الأمور البديهية التي لا تخفى على أي مسلم مهما كان.
إلا أن الأمر الذي قد يخفى على كثير من المسلمين هو ما يجب تصوره عن حقيقة تلك الأركان، فهي ليست مجرد أفعال تقوم الجوارح بأدائها، بل إن الشهادة ليست قولاً أجوف ينطق به اللسان فحسب، والصلاة ليست مجرد أفعال وحركات يمارسها المصلي في اليوم خمس مرات، والزكاة ليست مجرد اقتطاع جزء من المال لأدائه إلى فئة معينة، والصوم ليس تحسساً لمضايقات الجوع والعطش، والحج ليس مجرد تحمل لمشاق السفر من أجل طواف بالبيت أو التنقل بين المشاعر المقدسة. ليست هذه الأركان أفعالاً جوفاء خالية من المعاني السامية والحكم العظيمة التي ينبغي للمسلم أن يستشعرها حالة أدائه لها، ولا يهمنا هنا الحديث عن هذه المعاني لتلك الأركان جميعها بل من المناسب- وهذا العدد يصدر في فترة الحج- أن نذكر بأن هذا الركن الذي هو الخامس من أركان الإسلام قد فرضه الله تبارك وتعالى على كل من استطاع إليه سبيلا من أبناء هذه الأمة لحكم عظيمة أرادها، علمنا منها ما علمنا وخفي علينا الكثير. فالمسلمون حينما يتجهون إلى قبلتهم تلبية لنداء الله تعالى لأبينا إبراهيم الخليل عليه السلام إذ أمره بقوله سبحانه:{وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} ، واستجابة لأمر الله القائل {عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} فإنهم بذلك يحصدون من المكاسب العظيمة ما ينفعهم في الحياة الدنيا، ومن الثواب الكبير ما تقر به أعينهم في الآخرة. وإذا كانت المكاسب الدنيوية المباحة ثمرة من ثمار الحج، فإن الحج المبرور الذي وعد صاحبه بالجنة في قوله عليه الصلاة والسلام:" الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة" أعظم ثمرة يجنيها الإنسان ليتزود بها من دار الممر إلى دار المقر، حيث لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، إلا أن لتحقق هذه الثمرة المرجوة من الحج شروطا حتمية
ذكر الله تبارك وتعالى أبرزها حين قال سبحانه {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجّ} وإن المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها الذين أكرمهم الله بأن وفقهم لأداء هذه الفريضة ليشعرون بالغبطة والسرور حينما يجدون أنفسهم في حشد بشري هائل، تتوفرله كل سبل الراحة والأمن والاطمئنان، ولذلك وجب عليهم شكر الله تبارك وتعالى على هذه النعمة التي لا تعدلها نعمة، فإن الأمن في عصرنا الحاضر يكاد يكون مفقوداً في أرقى دول العالم التي استطاعت أن تبتكر من الوسائل التي تحاول بها التخلص من الجريمة وتثبيت الأمن ما لم يتوفر لمجتمع على مر التاريخ البشري، ومع ذلك عجزت عن تحقيق مفهوم الأمن فيه مجتمعاتها، فقد استشرت الجريمة وانتشر الفساد ودخل الرعب إلى كل قلب، ناهيك عن الدول التي تفتقر لمثل هذه الوسائل فلم تحصل منها إلا على ما مكنتها منه مواردها وطاقاتها المحدودة، فإنها لم تستطع ولن تستطيع أن توفر لمجتمعاتها ما تبحث عنه من أمن وراحة بال، وما ذلك إلا لأن هذه وتلك إنما تعتمد على ما شرعته لها قوانينها البشرية القاصرة.
أما المجتمع الإسلامي الذي تعتبر المملكة العربية السعودية أسمىمثل له في عصرنا الحاضر، فإنه- بفضل الله- قد تحقق له من الأمن ما عجز الآخرون عن تحقيقه رغم وفرة الوسائل العلمية الحديثة وكثرة التشريعات. وسبب هذا الأمن الوارف المكين ما اعتمدته حكومة هذه البلاد منذ أول أيامها على يد جلالة الملك عبد العزيز- رحمه الله مؤسس الدولة السعودية الحديثة من إلزام نفسها بتطبيق شريعة الله، والسير على هداها، والذود عن حياضها، فكان ثمرة ذلك العز والنصر والتمكين، فلا أمن يعدل أَمنها الذي ينعم به شعبها في هذا العصر الهائج المائج المضطرب، كما أن كل وافد إلى هذه البلاد ينعم بهذا الأمن ويجد فيه ضالته التي طالما نشدها.
وإن من أبرز مظاهر الأمن الذي أنعم الله به على هذه البلاد ما نشهده كل عام من أداء ملايين الحجاج لفريضتهم بيسر واطمئنان بعد أن كانوا في أَحقاب تاريخية سالفة يغادرون أهليهم مودعين وداع اليائس من الرجوع، وذلك لأن النهب والسلب والقتل كان شبحاً يهدد حياة كل حاج وهو في طريقه إلى بيت الله الحرام وحين عودته إلى أهله أما اليوم فليهنأوا وليطمئنوا، فإن الله تعالى قد هيأ لهذه البلاد المقدسة حكومة مسلمة تحكم شرع الله وتربط مصالح المسلمين في إطار هذه الشريعة الغراء، وقد قامت بواجبها إزاء حجاج بيت الله الحرام خير قيام، فكان الأمن وكان اليسر وكان الرخاء.
إلا أن مما يجب الإشارة إليه أن أعداء الإسلام حريصون كل الحرص على النيل من هذه البلاد وهي حصن الإسلام الحصين، إلا أن كيدهم يعود دائماً إلى نحورهم {فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} . وليس بعيداً عنا ما حدث خلال موسم حج هذا العام من محاولة يائسة لتعكير صفو الأمن السائد بين الحجيج، والتي تتمثل فيما قامت به زمرة ضالة مسخرة من قبل مطايا الصهيونية المعاصرة، أحفاد السبئية الحاقدة، التي لا تخفى مواقفها من الإسلام والمسلمين على مر التاريخ.
إلا أن الله تبارك وتعالى خيب مقاصدهم لأن الحق دائما مؤيد بتأييد الله، وستبقى حكومة هذه البلاد إن شاء الله غصة في نحور أعداء الإسلام، وحامياً أميناً لمقدسات المسلمين، ومحكماً عادلاً لشريعة الله وبذلك سيظل الأمن مسيطراً، والرخاء سائداً، وراية الإسلام مرفوعة بإذن الله، أما أعداء الإسلام فسيجرون أذيال الخيبة والخذلان.
والله نسأل أن يحفظ علينا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأن يديم علينا ما نحن فيه من أمن ورخاء، وأن يعيننا على شكر نعمه، إنه نعم المولى ونعم النصير.
إنما المؤمنون إخوة
لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز
رئيس إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
فيما يلي نصيحة عامة لرؤساء الدول الإسلامية وعامة المسلمين:
الحمد لله رب العالمية والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:
فقد اقتضت حكمة الله سبحانه وتعالى أن يبتلي عباده بالخير والشر والصحة والمرض والفقر والغنى والقوة والضعف لينظر كيف يعملون وهل يكونون مطيعين له في حال الرخاء والشدة قائمين بحقوقه سبحانه في كل الأوقات والأحوال قال تعالى: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} وقال سبحانه وتعالى: {الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ. وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} إذا علم هذا فإن الله سبحانه يختبر العباد ويمتحن شكرهم وصبرهم لينالوا الجزاء منه كل حسب حاله وما صدر منه فالواجب على المسلم إذا أنعم الله عليه بنعمة المال أن يتذكر أخاه الفقير فيواسيه من ماله ويعينه على تحمل أعباء الحياة ويؤدي حق الله الواجب في المال وأن يتذكر دائما قوله سبحانه وتعالى: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} وإذا كان المسلم معافى في بدنه قويا في جسمه فينبغي له أن يتذكر إخوانه وجيرانه المرضى والضعفاء العاجزين فيعينهم على قضاء حوائجهم ويبذل ما يستطيع لتخفيف وطأة المرض عليهم. ومثل ذلك إذا كان قويا في علمه فعليه أن ينفع عباد الله المسلمين الذين حرموا نعمة العلم فيرشدهم إلى ما ينفعهم
في أمور دينهم ودنياهم ويعلمهم ما أوجب الله عليهم، كما أن على المسلم الفقير أو المريض العاجز أن يصبر على ما أصابه ويرجو الفضل من عند الله سبحانه ويجتهد في فعل الأسباب المباحة التي يكشف الله بها ما أصابه وليتذكر الجميع قول الرب سبحانه {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} وما يقال بالنسبة للأفراد يقال بالنسبة للأمم المسلمة إذ يجب على الأمة القوية في مالها أو رجالها أو سلاحها أو علومها أن تمد الأمد المستضعفة وأن تعينها على الحفاظ على نفسها ودينها وتمنع عنها الذئاب من حولها المتسلطة عليها وأن تؤتيها من مال الله الذي أتاها فهذا هو مقتضى الأخوة الإسلامية التي عقدها الرب سبحانه بين المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها إذ يقول جل شأنه {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} .
فيا أيها الزعماء والقادة ويا أيها المسلمون في كل مكان أدعوكم إلى تطبيق مقتضى الآية الكريمة والعمل على إقامة الأخوة الحقيقية بين كل المسلمين على اختلاف أجناسهم وألوانهم وألسنتهم وأن يكون المسلمون يدا على من سواهم واعلموا وفقكم الله أن وسائل الابتلاء في هذا العصر أكثر منها في العصور الخالية ذلك أن الله سبحانه أفاض أنواعا من النعم على طوائف من المسلمين وابتلى طوائف أخرى بالفقر والجهل وتسلط الأعداء من اليهود والنصارى والشيوعيين وغيرهم، وابتلى الناس بمخترعات جديدة وآلات حديثة يسرت اطلاع بعضهم على أحوال بعض واتصالهم فيما بينهم وجعلتهم أعظم مسؤولية وأكثر قدرة على النصر ومد يد العون إذا هم أرادوا ذلك. فالمسلمون اليوم يسمعون أو يرون ما يحل بإخوانهم في الفلبين وأفغانستان وأريتيريا والحبشة وفلسطين وبلدان أخرى كثيرة، بل إن هناك أقليات مسلمة في دول شيوعية كافرة والمسلمون قد فرطوا في حقها ولم يقوموا بما يجب من نصرتها وتأييدها وإعانتها والرسول صلى الله عليه وسلم يقول:"مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا أشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر" ويقول صلى الله عليه وسلم: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا وشبك بين أصابعه" وقال صلى الله عليه وسلم: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة"، وقال أيضا عليه الصلاة والسلام:"من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه" وهذه الأحاديث الصحيحة المستفيضة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضح ما يجب أن يكون عليه
المسلمون من التعاون والشعور بحاجة بعضهم إلى بعض. ولقد قرر العلماء رحمهم الله أنه لو أصيبت امرأة مسلمة في المغرب بضيم لوجب على أهل المشرق من المسلمين نصرتها فكيف والقتل والتشريد والظلم والعدوان والإعتقالات بغير حق كل ذلك يقع بالمئات من المسلمين فلا يتحرك لهم إخوانهم ولا ينصرونهم إلا ما شاء الله من ذلك فالواجب على الدول الإسلامية والأفراد من ذوي الغنى والثروة أن ينظروا نظرة عطوف ورحمة إلى إخوانهم المستضعفين ويعينونهم بواسطة سفراء الدول الإسلامية الموثوق بهم أو بواسطة الوفود التي يجب أن ترسل بين حين وآخر باسم الدول الإسلامية لتفقد أحوال المسلمين في تلك الدول الإسلامية أو الأقليات المسلمة في الدول الأخرى، وإذا كانت الأمم النصرانية واليهودية والشيوعية وغيرها من الأمم الكافرة قد تحفظ حقوق أي فرد ينتسب إليها ولو كان يقيم في دولة أخرى بعيدة عنها وتصدر الاحتجاجات وترسل الوعيد والتهديد أحيانا إذا لحق بواحد منهم ضرر ولو كان مفسدا في الدولة التي يقيم في أراضيها فكيف يسكت المسلمون اليوم على ما يحل بإخوانهم كحروب الإبادة وضروب العذاب والنكال في أماكن كثيرة من هذا العالم؟ ولتعلم كل طائفة وأمة لا تخف لنصرة أختها بأنه يوشك أن تصاب هي بمثل ذلك البلاء الذي تسمع به أو تراه يقطع أوصال أولئك المسلمين فلا تجد من ينصرها أو يعمل على رفع الظلم والعذاب عنها فالله سبحانه المستعان وهو المسؤول بأن يوقظ قلوب العباد لطاعته وأن يهدي ولاة أمور المسلمين وعامتهم إلى أن يكونوا يدا واحدة وصرحا متراصا للقيام بأوامر الله والعمل بكتابه وسنة رسوله ونصرة المسلمين ومحاربة الظالمين المعتدين عملا بقول الله سبحانه {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ. الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ
الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ} وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وأتباعه بإحسان. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
التبشير في إندونيسية..!!
عدد الكنائس البروتستانتية في إندونيسية يبلغ أكثر من 9319 أما القسيسين فعددهم 23970 بينما يبلغ عدد المبشرين المتفرغين 4 50 6.
وللمبشرين سفن وطائرات تنتقل بين 3000 جزيرة تمثل جمهورية إندونيسية.
في منطقة كلمنتان الغربية 17 مطارا للمبشرين. (النور المغربية)
أساليب الدعوة إلى الله تعالى في القرآن الكريم
الدكتور أبو المجد سيد نوفل
أستاذ بجامعة الأزهر
8-
العقيدة في أساليب المحاورة والمحاججة:
والمحاورة: مصدر حاور. وأصله: حار، أي رجع، ويحاوره يرا جعه. وهى أسلوب يقتضى وجود طرفين أو أكثر يدور كلام بينهم في صورة حوار يقصد من ورائه الحكم على أمر ما إيجابا أو سلباً وهى طريقة من طرق توضيح المعنى وتثبيته، وهى تتميز بجذب انتباه السامع أو القاريء نحو الموضوع الذي تتحدد معانيه، وتنكشف أبعاده بطريقة تقوم على السؤال والجواب ، والأخذ والرد، والاعتراض والمراجعة ولا يخفى مافي ذلك من عناصر الجذب والمتابعة والتشويق التى تساعد على إدراك الحقيقة العلمية إدراكا واضحا لا خفاء فيه.
والمحاججة: نوع من المحاورة، وهى تتميز بوجود عنصر الإلزام والافحام، واضحا بارزاً بينما يكثر في المحاورة أسلوب العرض والوصفِ.. وقال العلماء: إت المحاجة أسلوب قدم الله فيه مخاطباته مع مخلوقاته في أجلى صور ليفهم العامة من جليها ما يقنعهم وتلزمهم الحجة، ويفهم الخواص من أثنائها ما يرمي على ما أدركه فهم الخطباء وقد اتخذ الأنبياء والمرسلون، والأئمة الهداة.. هذه الأساليب كثيرا في دعوتهم الناس إلى العقيدة والإ يمان بالله سبحانه تعالى.
ولقد عرض القرآن الكريم الكثير من هذين اللونين لاشتمالهما على ما ينشط الذهن ويهيء الفكر للوقوف على الحقيقة والإيمان بالحق.
ومن المحاورة ما ورد في القرآن الكريم بين الله تعالى وبين ملائكته وبين آدم
…
وفيه بين الله سبحانه وتعالى هذه الحقائق العقائدية، فهو سبحانه الرب المالك لكل شيء وهو الذي خلق الملائكة لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وهو سبحانه القادر عل كل شيء، والعالم بكل شيء والذي يعلم مخلوقاته من علمه سبحانه، ويمنح منهم من يشاء من فضله وكرمه، فيجعل خلافته في الأرض في آدم لا في الملائكة، وأنه سبحانه وتعالى الفاعل المختار، لا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه. {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ. وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ. قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَاّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ. قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} البقرة/30-33.
ومن مواقف نوح، وهود، وصالح، وموسى، وعيسى، ومحمد، وجميع الأنبياء والمرسلين صلوات الله عليهم أجمعين الكثير من أساليب الحوار مع أقوالهم لبيان الحق وعرض العقيدة وطلب الإيمان بالله تعالى.
ومن المحاججة ما ورد في القرآن الكريم بين إبراهيم الخليل صلوات الله عليه وسلامه وبين عدو الله الذي حاج إبراهيم في ربه. فلقد قال إبراهيم له وهو يدعوه إلى الإيمان: أن الرب هو الذي يحيى ويميت، وأنت مخلوق من مخلوقاته يميتك ويحييك. فيقول النمرود: أنا رب مثل ربك لأني أحيى وأميت، آمر بقتل الناس فيموتون فأنا أميت، وأعفو عنهم فلا يموتون ويحيون، فأنا أحيى. لكن إبراهيم عليه السلام الذي آتاه الله رشده وعلمه من علمه يأتي للعدو بحجة أخرى لا يقوى على دفعها ولو ظاهرا. فيقول له إبراهيم: إن الله يأتي بالشمس من المشرق، فإن كنت صادقا في ادعائك الألوهية فأت بها من المغرب، وهنا لا مجال إلا الهزيمة لعدو الله {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} البقرة/258.
9-
العقيدة في أسلوب القصة
والقصة جمعها قصص بكسر القاف، وهي من قصص، والفعل قص، والمصدر قصص بفتح القاف قال تعالى: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ
…
} يوسف/3، والقصص بفتح القاف إما مصدر بمعنى الاقتصاص أي نحن نقص عليك أحسن الاقتصاص هذا القرآن بإيحائنا إليك والمراد بأحسن الاقتصاص أنه اقتص على أبدع طريقة وأعجب أسلوب، ألا ترى أن هذا الحديث مقتص من كتب الأولين وفي التواريخ، ولا ترى اقتصاصه في كتاب منها مقاربا لاقتصاصه في القرآن.
أو بمعنى المقصوص أي نحن نقص عليك أحسن ما يقص من الأحاديث، وإنما كان أحسن لما يتضمنه من العبر والحكم والعجائب {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الأَلْبَاب..} يوسف/111 ويشتق القصص من قص أثره إذا أتبعه لأن الذي يقص الحديث يتبع ما حفظ منه شيئا فشيئا كما يقال تلا القرآن إذا قرأ، لأنه يتلو أي يتبع ما حفظ منه آية بعد آية.
والقصة: هي أحد أنواع النثر الفني، ونمط من أنماط الأساليب الجمالية، تقوم على عوامل كثيرة، من التشويق، والحوار، والحبكة، والوحدة الموضوعية، وحل المشكلات عن طريق تسلسل الأحداث وربط المشاهد بعضها ببعض.
والقصة عامة كلون من ألوان الأدب قديما وحديثا تقدم الحقائق المختلفة، كما تقدم إلى جانب ذلك الخيالات والمبالغات، والأساطير، وما إليها.
وقد يكون هدفها التعبير، والنصح، والتوجيه،.. كما يكون هدفها مجرد المتعة الذهنية والعاطفية
…
وقد تتخذ وسيلة للحق أو للباطل، وللخير أو للشر....
لكن القصة في القرآن الكريم تتميز عن سائر أنواع القصص بأنها منزهة عن أي نقص في شكلها وفي مضمونها، ومنزهة عن الخيالات والأوهام، والأساطير، والأباطيل
…
وهي عفيفة الأسلوب، طاهرة اللفظ والمعنى، حيية السياق والعرض، بارعة التركيب، سامية القصد، حسنة الهدف
…
وهي تضم إلى جانب الإيضاح، والتعليم، والنصح
…
جوانب الإقناع الذهني والنفسي والعلمي والأدبي، وتضم إلى جانب عرض الحقائق الدينية الحقائق التاريخية والاجتماعية والثقافية
…
ومن هنا جاءت القصة في القرآن الكريم تحمل لواء الدعوة إلى الإسلام وتعرض مبادئه، وكانت أسلوبا من أساليب الدعوة إلى الله {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} يوسف/111.
والقصص في القرآن الكريم كثيرة، منها قصة إبراهيم عليه السلام مع الأوثان والنمرود.... وقصص نوح وهود وصالح مع أقومهم.. وقصة موسى مع فرعون وبني إسرائيل، وقصة مريم وزكريا وعيسى مع اليهود والرومان
…
وكلها تعرض دعوة الحق والتوحيد، وتقيم الأدلة على صحتها وسلامتها، وتبين آثارها ونتائج الأخذ بها واعتناقها..
كما تعرض العقائد الفاسدة من عبادة الأوثان، والأصنام، واتخاذ الآلهة مع الله
…
وتقيم البراهين على فساد هذه العقائد، وما حل بالكافرين والمشركين، والعصاة من عذاب وعقاب ومن هذه القصص القصة التي جمعت سليمان عليه السلام، والهدهد وملكة بلقيس.
وستظهر لنا من خلال تتبعنا لمشاهد هذه القصد عظمة القصص القرآني، وروعة صياغته وعظيم نفعه، وتصدره قمة القصص الرفيع الذي حوى كل أصول الأدب العالي، من جودة العرض وجمال الصورة، وإيضاح الفكرة، وقوة الحركة، وتناسب المشاهد، وحسن العرض. إن هذه القصة إثبات للخالق سبحانه وتعالى ووحدانيته، ودعوة إلى عقيدة التوحيد ونبذ غيرها من سائر العقائد الفاسدة..
وهي ذات مشاهد وأحداث، وأبطال، وصراعات، ومفاجآت
…
وأعاجيب تفوق الأساطير، بيد أنها حقائق واقعة بقدرة من لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء ولا تشاهد في هذه القصة آدميين فحسب، وإنما تشاهد فيها الجن، ومن هو فوق الجن قوة وعلما.. كما تشاهد فيها الطيور تتكلم، والحشرات تنطق، كل بلغته، وكل يؤدي دوره في صدق، وقوة وإخلاص بين يدي سيده سليمان الذي علمه الله منطق الطير وآتاه من كل شيء فضلا منه سبحانه وتعالى عليه.
في القصة تنطق النملة بنصح قومها وإشفاقها عليهم.. ويدعو الهدهد إلى الإيمان بالذي يخرج الخبء في السموات والأرض ويعلم ما خفي وما علن..
ويعمل الجن بين يدي الملك، ومن يزغ منهم عن أمره يذقه من عذاب أليم.
والذي عنده علم من الكتاب يأتي بما هو أقوى من الخيال، لكنه حقيقة أجراها رب العالمين على يديه، حيث استطاع هذا العالم أن ينقل عرش الملكة من اليمن إلى الشام وهي مسافة لا تقل عن خمسة آلاف كيلو مترا في أقل من لمحة، أو قبل أن يرتد إلى سليمان طرفه.
في القصة قوة الأنبياء وحكمتهم، وعظمة الملوك وحنكتهم، ومشورة أهل الرأي وإخلاصهم وسهر الحاكم على رعيته الكبير منها والصغير حتى الحيوان والطير.. وجرأة المحكوم وحريته في القول والتعبير والعمل مادام يؤدي دوره بصدق ويقوم بواجبه.. وفيها رجوع أهل الفضل إلى الحق بعد ما تبين لهم....
وكل هذه العناصر من القصة هدفت في الأصل إلى أمرين:
أولهما: بيان العقيدة الصحيحة التي يمثلها سليمان وجنوده، وهي عقيدة التوحيد وبيان عقيدة الشرك التي تمثلها بلقيس وقومها قبل إسلامهم.
وثانيهما: تسخير كل مقومات الأمة، وتوجيه طاقاتهاِ إلى الدعوة إلى وجود الله ووحدانيته وصبغ أبناء الأمة بالصبغة الدينية..ِ فهذا الهدهد ينفق جهده وقته في البحث عما يخدم العقيدة ويعلي أمرها، ويعزز شأنها
…
وتحتوي القصة على مشاهد كثيرة، كل منها يؤكد ما ذهبنا إليه ويقرره.
وأول هذه المشاهد يبين قوة الملك، واتساع ملكه، وعظمة سلطانه، وكثرة أتباعهِ
…
فسليمان ملك سخرت له الرياح التي تجري بأمره رخاء حيث أصاب، والشياطين كل بناء وغواص وجمع له الإنس والجن والطير والحيوانات والحشرات، وهو عالم بلغات هؤلاء وهؤلاء {يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ، وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ} النمل/16-17.
وثانيها: يبين قوة هذا الملك العلمية والروحية، فهو قادر على سماع كل ما يدور في مملكته وقادر على سماع حديث النملة، ومعرفة لغتها، وهو يبتسم ضاحكا من قولها لبني قومها تنصحهم بدخول مساكنهم حتى لا يحطمهم سليطان وجيشه..
ثم هو يرجع الفضل في هذه النعمة وغيرها إلى صاحب الفضل اعترافا منه بعظيم منّه وكرمه سبحانه وتعالى عليه، وهو يرجوه توفيقه لينال رضاه {حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ. فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ} النمل/18-19.
وثالثها: يبين مدى حب هذا الملك لرعيته، وحرصه على سعادتها، وتوفير الحرية والأمن لها.. فهو دائب التفقد لشئونها، وهو الساهر على سلامتها، وهو السائل عن غائبها والمعين لحاضرها، وهو الشديد في الحق، لا تأخذه فيه لومة لائم، وهو الغاضب لمحارم الله إذا انتهكت، والمقيم للعدل بين سائر أفراد رعيته، الإنس والجن والحيوان والطير إنه لا يرى الهدهد بين الجمع الذي جمع له فيسأل عنه، ويعلن ذلك على الملأ.... وفيه ما فيه من إحاطته بجميع أجزاء مملكته وكافة أفراد رعيته
…
كما يعلن غضبه من تخلف الهدهد إلا أن يكون عنده عذر أو حجة مقبولة: {وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ، لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ} النمل/20-21 وكانت المفاجأة عندما يتقدم هذا الغائب من الملك العظيم غير خائف ولا مرتاع وقي قوة واعتداد واعتزاز.. ليقول: ما غبت إلا لأمر هام عرفته أنا ولم تعرفه أنت أيها الملك وأحطت به ولم تحط به أنت. لقد رأيت أثناء طيراني ملكة لا تعبد الذي يخرج الخبء في السموات وفي الأرض
…
وإنما تعبد الشمس هي وقومها من دون الله الذي لا إله إلا هو رب العرش العظيم.
ورابعها: يبين موقف سليمان من الهدهد، فهو يأمره بإقامة البينة على دعواه، ويكلفه بعمل ما يثبت قوله، ويأمره بنقل خطاب إلى هذه الملكة يدعوها فيه سليمان إلى الإيمان بالله تعالى وتوحيده، ونبذ عبادة الأوثان والأصنام هي وقومها.
ويطير الهدهد بالكتاب من الشام إلى اليمن ويلقيه بين يدي الملكة، فتطلب من ذويها الرأي والمشورة فيرجعوا إليها الأمر لأنها العارفة بأمور السياسة والمطلعة على سير الملوك وأحوالهم أما هم فأهل الحرب والقوة..
ثم تقدم الملكة على عمل تجربة تتبين من ورائها مدى قوة هذا الملك وقصده، فهل هو كسائر الملوك الذين يسعون إلى جمع المال وقوة السلطة. وهو يسعى إلى هدف نبيل وغاية سامية كما جاء في كتابه فإن كان من الأولين فهو قابل لما ترسله إليه من هدايا مبق على عقيدتها.. فتنقض عليه بعد أن عرفت خباياه.. وإن كان من الآخرين فهو على حق ولا قبل لها به وعليها أن تستسلم إليه:{قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ. اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ. قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ. إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. أَلَاّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ. قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ. قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ. وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ} النمل27- 35.
وهكذا عرضت هذه القصة العقيدة الصحيحة والعقيدة الفاسدة، وأقامت الدليل على صدق الأولى {أَلَاّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ} وعلى فساد الثانية {.. وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ} .
وما انتهت إليه هذه المشاهد من غلبة الحق وأهله، وهزيمة الباطل وجنده، واستسلام الملكة وإذ عانها أَخيرا للحق بعد ما تبين لها {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} .
بقي بيان عقيدة البعث والإيمان بالآخرة وبالقدر. وبيان العقيدة في أساليب المثل والأساليب النفسية، وأساليب الترغيب والترهيب، والأساليب البرهانية والوصفية والموضوعية، وغيرها.. وهى في مقال تال إن شاء الله. والله الموفق.
التربية الإسلامية ومراحل النّمو
للدكتور عباس محجوب
أستاذ مساعد بكلية الدعوة بالجامعة
قسم علماء التربية التربية إلى مستويات تختلف باختلاف مراحل نمو الإنسان باعتبار التربية عملية ملازمة للإنسان في نموه الطبيعي ونمو استعداداته وميوله وقدراته، ومع الاختلاف البسيط في هذه التقسيمات إلا أننا يمكن أن نأخذ بالتقسيم التالي:
ا- مرحلة ما قبل الولادة.
2-
مرحلة الطفولة.
2-
مرحلة المراهقة.
4-
مرحلة الشباب.
أولا: مرحلة ما قبيل الولادة:
حض الإسلام على الزواج باعتباره حاجة فطرية للإنسان فطره الله عليها وهيأه لها ووجهه إليها ليقوم بواجبه في الحياة من المحافظة على النوع الإنساني وتكاثر هذا النوع وزيادته، وفى ذلك يقول الله سبحانه وتعالى:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً} (النساء: آية 1) . وقد وضع الإسلام ضوابط لاختيار الزوج حتى يختار كل منهما الشريك الأصلح لأداء هذه المهمة في الحياة، فالرجل مطالب باختيار المرأة ذات الدين التي تفهم واجباتها الشرعية في البيت والحياة والتي يقوم سلوكها على أساس السلوك الإسلامي والآداب الإسلامية، وإذا لم يكن الدين بمعناه الواسع هو أساس الاختيار لم يكن البناء قائما على أسس سليمة وفي ذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم:"من تزوج امرأة لعزها لم يزده الله إلا ذلا، ومن تزوجها لمالها لم يزده الله إلا فقرا، ومن تزوجها لحسبها لم يزده الله إلا دناءة ومن تزوج امرأة لم يرد بها إلا أن يغض بصره ويحصن فرجه أو يصل رحمه، بارك الله له فيها وبارك لها فيه"[1] .. كما يقول: "ولا تزوجوا النساء لحسنهن فعسى حسنهن أن يرديهن ولا تزوجوهن لأموالهن فعسى أموالهن أن تطغيهن، ولكن تزوجوهن على الدين، ولأمة خرماء سوداء ذات دين أفضل"[2] .. فذات الدين هي التي تقوم بحق الله وحق الزوج وحق الأمة في تربية الجيل المؤمن بالله السائر على هديه.
كما أن على الزوج أن تختار زوجها ممن يتوفر فيه الشروط المناسبة لها وأهمها الدين والخلق حتى يمكنه أن يقوم بواجبه، واجب الرعاية والقوامة والتربية "إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلاّ تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض"[3] واشتراط الدين والأخلاق أمر مهم حتى تعيش الأسر في أجواء شريفة مؤمنة وفي كنف رجال صالحين يتقون الله في نسائهم وأولادهم وحتى تتحقق السعادة في ظل البيت المؤمن وتنشأ الأجيال مؤمنة بالله متحملة المسؤوليات ناقلة للصفات الطيبة من الأبوين الطيبين، ولذلك حذر الرسول صلى الله عليه وسلم من التهاون في الاختيار وترك الصفات الإسلامية المطلوبة من أصالة وصلاح وشرف فقال:"إياكم وخضراء الدمن، قالوا وما خضراء الدمن يا رسول الله؟ قال: المرأة الحسناء في المنبت السوء"[4] .. وقد أثبت العلماء أن الصفات الخِلْقِيةَ والخُلُقِيةَ تنتقل عن طريق الوراثة كما تنتقل الصفات المادية وإلى هذا أشار القرآن الكريم في استنكار المستنكرين لمريم حيث قالوا: {يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً} (سورة مريم 28) وقد رأى بعض علماء النفس والتربية أن الإصابة بمرض الزهري أو وجود أي نوع من العيوب الوراثية العقلية بعين الزوجين يؤدي إلى إنجاب أطفال يحملون المرض نفسه كما أن الأطفال الذين يولدون لأبوين يدمنان السكر والمخدرات بأنواعها خاصة في ساعات التلقيح كثيرا ما يصابون بأمراض عقلية وعصبية قل أن يشفوا منها لأن الأبوين لا يورثان الصفات الجسمية فقط بل الصفات النفسية ولذلك يرى بعض العلماء أن الرجال المتفائلين ينجبون أولادا متحررين من العادات القبيحة والخوف والأوهام، أما الحمقى والموهومون والسكارى فينجبون أولادا عصبي المزاج مصابين بمركب نقص، يعانون من العقد والإحساس بالضعف وعن ذلك يقول كريس مورسون: "إن الجينات جزء من خلايا الوراثة، غير أن خلايا الوراثة لا
تشترك فى التكوين العام للجسم، ولكنها منعزلة ولا تسهم في أي وجه من وجوه النشاط الأقل أهمية التي تقوم بها الكائنات الحية، إن هذه الخلايا تحفظ الشبه الكامل للنوع، ويبدو أنها لا تتأثر بمسلك الوالدين إلا أن سوء الخلق، أو المرض، أو الحوادث، قد تمدها بمواد جد فقيرة لتشتغل بها. إن الوالدين القويين قد ينسلان أطفالا أقوياء، ولكن ذلك لأنه كان هناك أسلاف أقوياء، وان الوالدين قد يمنحان طفلهما مبدأ طبيعيا ليعيش فيه، أوقد يهبانه مباءة لا تصلح مكانا لنفس خالدة".
إن الأبوة والأمومة هما أعظم تبعة تقع على عاتق الإنسان والله سبحانه وتعالى يقول {وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ} (النور: آية 32)، والرسول صلى الله عليه وسلم يطلب اختيار وانتقاء الزوج من النساء فيقول:"تخيروا لنطفكم وانكحوا الأكفاء"[5] وقد سئل سيدنا عمر رضي الله عنه عن حق الولد على أبيه فأجاب "أن ينتقي أمه، ويحسن اسمه، ويعلمه القرآن". إن نشأة الأجيال على الطهارة والعفة والاستقامة تعتمد على الصفات التي يتوارثها الأبناء عن الآباء خلقية أو جسمية أو عقلية، وقد حثت الأحاديث النبوية على تحسين النسل بتفضيل المرأة البعيدة أو التي لا صلة قربى تربطها بالرجل حرصا على انتفاء العيوب الوراثية التي يحملها الزوجان عن الأبناء وقد أثبتت التجارب العلمية في اختبارات الذكاء صحة هذه النظرية التي تنادي بالتغرب في الزواج حتى لا يأتي نسل ذوي القرابة ضعفاء الجسم والخلق وغيرها من العيوب الوراثية.
ولأن تربية الأبناء تبدأ قبل الولادة كما قلنا فإن الأمر لا ينتهي باختبار كل من الزوجين الصحيحين لبعضهما بل لابد من تعهد الجنين فترة الحمل بتعهد الأم نفسها وإبعادها عما يسبب لها الضعف والقلق النفسي وإحسان معاشرتها ومعاملاتها لأن الحالة الصحية والنفسية للحامل تؤثر كثيرا على الجنين ولذلك يرى الدكتور (الكسيسى كاريل) : "أن للحمل قواعد يجب أن تتعلمها النساء في مدارس خاصة لذلك من حيث السلوك الذي يجب اتباعه أثناء الحمل والنواحي الغذائية التي تهتم بها والمخاطر التي يمكن أن يتعرض لها المولود أثناء الحمل والرضاعة من جراء إسراف النساء في التدخين وشرب القهوة والمسكرات والمخدرات"[6] .
فالتربية قبل الولادة هي التي يطلبها الإسلام في زوجة صالحة وامرأة منجبة خالية من الأمراض والعيوب وزوج يتميز بالاستقامة وحسن الرعاية والإنفاق وحسن المعاملة وحسن التربية لأنه مسؤول عنها أمام الله سبحانه وتعالى بنص حديث الرسول صلى الله عليه وسلم "إن الله سائل كل راع عما استرعاه حفظ أو ضيع، حتى يسأل الرجل عن أهل بيته"[7] .
وقد ثبت مما تقدم أن العامل الوراثي له أثر كبير في مستقبل الطفل وتربيته فكانت أهمية مراعاة هذه الجوانب في اختيار كل من الزوجين للآخر كما أن العوامل البيئية لا نستطيع إغفالها أو التقليل من دورها، وعلى رأس هذه العوامل الناحية الغذائية للأم من حيث كمه وكيفه لأن الأم التي تعاني من نقص غذائي قد تلد طفلا يعاني نقصا جسمانيا أو عقليا أو اضطرابا نفسيا حادا، كما أن المرض الذي يصيب الأم عامل هام في التأثير على نمو الجنين هذا بالإضافة لعامل الإفراط في تناول المكيفات كالتدخين وشرب الخمر والمخدرات وكلها تعوق نمو الجنين في بطن أمه ثم تؤثر في مستقبل حياته الصحية والنفسية والعقلية، ولذلك كله لابد من الاهتمام بالمرأة الحامل نفسيا واجتماعيا وغذائيا حتى يتهيأ للطفل الذي يراد تربيته الظروف المساعدة لإيجاد بيئة صالحة للنمو.
الطفولة الأولى:
تبدأ هذه المرحلة في الغالب من فترة الولادة إلى ست سنوات أو سبع كما يرى كثير من علماء التربية والنفس وإن كانت هناك تقسيمات أخرى.. وقد اهتم الإسلام بالطفل من حيث تربيته على أسس معينة منذ ولادته وتبدأ بالتهنئة والبشارة بالمولود ذكرا كان أو أنثى، وفى القرآن ما يشير إلى ذلك كما في قصة زكريا {فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِنَ الصَّالِحِينَ} (آل عمران: 39) وقوله: {يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيّاً} (مريم: 7) ، ويمكن أن تكون التهنئة مادية بتقديم الهدايا وغيرها، كما يستحب له التأذين في الأذن اليمنى والإقامة في اليسرى حتى يكون الأذان والإقامة من أول ما يسمع الطفل كما أن في ذلك رمزاً إلى المهمة التي جاء بها في الوجود وهي عبادة الله وتلبية النداء إلى العبادة وقد فعل ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم للحسن بن علي كما يستحب تحنيكه وحلق رأسه يوم سابعه والتصدق بوزنه فضة أو ذهبا على الفقراء وكلها قد فعلها سيد الخلق صلى الله عليه وسلم بل إن الإسلام يحدد نوع الاسم الذي يستحسن تسمية المولود به لما للاسم من دلالة على المسمى فإذا كان الاسم جميلا متفائلا ذا دلالة طيبة سر به صاحبه وإن كان قبيحا متشائما كان مثار سخرية واستهزاء بصاحبه، ولهذه الدلالة النفسية للأسماء على أصحابها غير الرسول صلى الله عليه وسلم أسماء كثير من أصحابه أمثال حزن وحرب بسهل وسلم وغيرهما والرسول صلى الله عليه وسلم يقول:"إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وبأسماء آبائكم فأحسنوا أسماءكم"[8] كما دعا الإسلام أن لا يسمى بأسماء الله كالملك والوهاب والصمد وغير ذلك ولا الأسماء الدالة على تعظيم غير الله أو المعبودة غيره كعبد يغوث
وعبد العزى وعبد الرسول وعبد النبي وغيرها ويدخل في هذا ما نرا5 في بلاد العرب من يسمون أبناءهم بأسماء لينين وخرشوف وقاقارين وغاندي وأتاتورك أو من يسمون بأسماء النصارى واليهود مثل جوزيف وألين ومارية وغيرها أو التسميات المائعة التي يسمى بها كثير من الأولاد والبنات.
ويحض الإسلام على اختيار أسماء الأنبياء وما يدل على العبادة لله فقد روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم قوله "تسموا بأسماء الأنبياء وأحب الأسماء إلى الله: عبد الله وعبد الرحمن وأصدقها حارث وهمام، وأقبحها حرب ومرة"[9] .
والرضاعة تمثل جانبا مهما في حياة الطفل المستقبلية ولذلك جعلها الإسلام من وظيفة المرأة وحدد لها مدة {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} (البقرة: 233) ، وقد أثبتت الدراسات الحديثة أن للرضاعة أثراً كبيراً في تربية المولود وأخلاقياته، فالمرأة السيئة الخلق الكثيرة الانفعال تؤثر في المولود، وقد اشترط كثير من علماء المسلمين اختيار المرضع للطفل لأن اللبن يعدى كما رأوا أن تكون المرضع صالحة تأكل من الحلال لأن طباع الطفل تتأثر باللبن وقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن إرضاع الحمقاء، ولأن الرضاع وظيفة خاصة بالمرأة فلا يجب استبدال الرضاع الطبيعي بالصناعي لأن اللبن الصناعي لا يعطي الأطفال القيمة الغذائية الكاملة التي يحتاجون إليها ولأن له تأثيراً على العواطف والطباع.
أما بالنسبة للحضانة وهى التي تستمر إلى السابعة فإن الأم هي التي تقوم بها لأنها مهيأة بعواطفها ورقتها وحنانها ورحمتها للقيام بذلك الدور فالطفل السوي هو الذي ينشأ في حضن والديه مستمتعا بدفء عواطفهما ورحمتهما بعيدا عن الاضطرابات النفسية والعصبية والنقص في النمو وغير ذلك من الأمراض التي يمكن أن يصاب بها الطفل الفاقد لوالديه أو لأمه فالظروف التي ينشأ فيها الأطفال هي التي تؤثر في مستقبل حياتهم ونموهم فقد أثبتت الدراسات النفسية أن كثيرا من الانحرافات التي تظهر في الكبار راجعة إلى مواقف وظروف عاشها الشخص في طفولته، ولذلك يرى علماء التربية أن إحساس الطفل بالأمن والاستقرار والمحبة هو الذي يسهل له عملية التكيف والتوافق المطلوبين من كل عضو من أعضاء المجتمع فإذا عاش الطفل في وسط عائلي يحيطه بالرعاية والحب ويشعره بمكانته في المنزل ويقدم له الكثير في سبيل إسعاده أحس بالأمن والطمأنينة ونما نموا طبيعيا خاصة إذا عاش في عائلة مستقرة متجانسة غنية في القيم الاجتماعية الإسلامية ثابتة في أساليب تعاملها مع الطفل لا يحس بالتناقض في معاملة والديه له ولأن الأسرة تمثل البيئة الاجتماعية الأولى التي ينشأ فيها الطفل اهتم الإسلام بنظام الأسرة وتنظيم العلاقات بين الرجل والمرأة وقيام هذه العلاقة على أساس من الرحمة والمودة والعطف والاحترام المتبادل وأداء كل واحد لما عليه من حقوق نحو الآخر وغض الطرف من الجانبين عن بعض نواحي النقص خاصة من الرجل ولذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم:"خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي"[10] .
إن حضانة الأم لطفلها من أهم العوامل المساعدة على تحقيق النمو الكامل له كما أنه العامل المهم في إحداث التكيف بين الطفل والمجتمع الذي يعيش فيه أما إذا انشغلت المرأة عن حضانة أطفالها بالانشغال بالعمل خارج المنزل أو بالانفصال عن زوجها أو بالتعالي على الحضانة وترك الأمر للخادمة في البيت أو الحضانة الصناعية في المدارس والمؤسسات- إذا حدث ذلك نتيجة لهذا الحرمان من الأمومة أدى ذلك إلى التأخر في نواحي النمو المختلفة وتعرض الأطفال للاضطرابات النفسية في حياتهم المقبلة، وقد أجريت بحوث على عدد من الأطفال بلغوا 123 طفلا أعمارهم بين عام وأربعة أعوام يعيشون في مؤسسات مختلفة وقارنوا هذا العدد بأطفال مثلهم يعيشون مع أسرهم ولكنهم في الصباح يذهبون الى دور الحضانة نسبة لانشغال الأمهات بالعمل فكانت النتيجة أن نمو الأطفال في المؤسسات يختلف عن النمو مع أسرهم لأن حرمان الطفل من أمه يعطل نموه جسميا وذهنيا واجتماعيا وإن القليل من عناية الأم قد تثمر [11] ، أما إذا عاش الطفل كل وقته تحت حضانة أمه فإن نموه سيكون متكاملا والدليل على ذلك رجوع كثير من الدول التي تعتمد على الحضانة الصناعية إلى تشجيع الحياة العائلية وتكريم الأمهات اللائي يتفرغن لتربية أطفالهن.
وفي هذه المرحلة يرى علماء التربية من المسلمين أمثال ابن سينا والغزالي أن الطفل يجب إبعاده عن الرذائل وقرناء السوء، وأن يبعد عن الكلام الفاحش واللغو واللعن والشتم ومن تعود على ذلك من الأطفال لأن أصل تأديب الصبي حفظه من قرناء السوء [12] .
الطفولة الثانية:
تبدأ هذه المرحلة من السابعة إلى الثانية عشرة وهي المرحلة التي يلتحق فيها الطفل بالمدرسة بعد أن تعلم القراءة والكتابة وهي المرحلة التي يمكنه أن يتذكر ما يحدث أمام بصره وسمعه نتيجة لقوة ذاكرته وقدرته على الحفظ وتعلم اللغات فيها، ولذلك جعل الرسول صلى الله عليه وسلم هذه المرحلة هي مرحلة أمر الطفل بالصلاة حيث يقول:"مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين واضربوهم عليها وهم أبناء عشر وفرقوا بينهم في المضاجع"[13]، وفي هذه المرحلة يعلم الطفل امتثال أوامر الله سبحانه واجتناب نواهيه ويعرف بالحلال والحرام ويوجه إلى حب رسول الله صلى الله عليه وسلم وآل بيته عملا بقوله صلى الله عليه وسلم:"أدبوا أولادكم على ثلاث خصال: حب نبيكم، وحب آل بيته وتلاوة القرآن، فإن حملة القرآن في ظل عرش الله يوم لا ظل إلا ظله"[14] كما أنه يلقن آداب الأكل والشرب كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم مع عمر بن أبي سلمة الذي يقول: "كنت غلاما في حجر رسول الله صلى الله عديه وسلم وكانت يدي تطيش في الصحفة فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا غلام سم الله تعالى، وكل بيمينك وكل مما يليك"[15] .
وفي هذه المرحلة يتعرف الطفل على زملائه في المدرسة ويكون مع بعضهم صداقات وهو ما يسمى في علم النفس الحديث بشلة الرفاق ولأن الحاجة إلى الأصدقاء والرفقاء من الأمور الطبيعية والمهمة فقد اهتمت التربية الإسلامية بذلك، ودعت إلى أن يختار الأب لابنه الأصدقاء المؤمنين والجلساء الصالحين ليس بطريقة مباشرة وإنما باختيار أصدقائه هو ممن لهم مثل أبنائه وتوطيد صلته بهم حتى تنشأ العلاقة بين الأطفال بحكم سنهم، ولذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم:"لا تصاحب إلا مؤمنا ولا يأكل طعامك إلا تقي"[16]، ويقول:"مثل الجليس الصالح والجليس السوء كمثل حامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك، أو تشتري منه، أو تجد منه ريحا طيبا، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك أو تجد منه ريحا منتنة"[17] ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم مبينا أن الفرد يقارن بخليله سيئا كان أم حسنا-: "المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل"[18] ، والقرآن يوضح أن أصدقاء الشر أعداء لبعضهم يوم القيامة وأن أصدقاء الخير والتقوى سعداء حتى في الآخرة {الأَخِلَاّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَاّ الْمُتَّقِينَ} (الزخرف 67) ويقول تعالى موضحا أثر رفقة السوء على الإنسان وندمه على ذلك {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً، يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنْسَانِ خَذُولاً} (الفرقان 27- 29) وقد نبه علماء التربية في الإسلام أمثال ابن سينا والغزالي وغيرهما إلى أهمية هذه الناحية في التربية وأثر اختيار الأصدقاء على مستقبل الأطفال وتوجيههم إلى الخير والشر، فابن سينا يرى أن الطفل يتأثر برفيقه ويكتسب منه كثيرا من العادات لما ركب فيه من نزعة التقليد والمحاكاة فيقول:
"وينبغي أن يكون مع الصبي صبية من أولاد الحلة حسنة آدابهم مرضية عاداتهم فإن الصبي عن الصبية ألقن وهو عنه آخذ وبه آنس"[19] أما الغزالي فيقول: "وقد قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً} ومهما كان الأب يصونه عن نار الدنيا فَأنْ يصونه عن نار الآخرة أولى. وصيانته بأن يؤدبه ويهذبه، ويعلمه محاسن الأخلاق، ويحفظه من قرناء السوء، ولا يعوده التنعم ولا يحبب إليه الزينة وأسباب الرفاهية، فيضيع عمره في طلبها إذا كبر، فيهلك هلاك الأبد، بل ينبغي أن يراقبه من أول أمره فلا يستعمل في حضانته وإرضاعه إلا امرأة صالحة متدينة تأكل الحلال"[20] ويقول: "ويمنع الطفل من لغو الكلام وفحشه ومن اللعن والشتم ومن مخالطة من يجري على لسانه شيء من ذلك فإن ذلك يسري لا محالة من قرناء السوء، وأصل تأديب الصبيان الحفظ من قرناء السوء"[21] .
ومن أهم الحاجات التربوية في هذه المرحلة غرس الإيمان بالله في نفس الطفل وتبسيط مبادئ العقيدة وتنشئته على الخوف من الله وإحساسه بأن الله مطلع عليه مراقب لأعماله وأن عليه أن يستعين بالله ويلجأ إليه ويدعوه ويطلب منه الهداية للخير، وعلى الوالد ألا يدع فرصة إلا واستفاد منها في ترسيخ المثل العليا واليقين في الله ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة فقد روى ابن عباس قوله:"كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم يوما فقال: يا غلام إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فأسال الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف"[22] .
ولابد أيضا من الاهتمام بالجانب العملي في العقيدة بتعليم الصبي أمور دينه وحثه على المواظبة على الصلاة واعتياد المساجد وتقوية صلته بأبناء حيه ممن يشهدون الصلاة في المساجد.
مرحلة البلوغ:
مرحلة البلوغ من المراحل الطبيعية في النمو إذا سارت في مجراها الطبيعي وهي المرحلة التي تسمى في علم النفس بمرحلة المراهقة وهي التي تبدأ في حوالي الثانية عشرة من العمر وتقابل في مراحل التعليم المرحلة المتوسطة والثانوية "والمراهقة لفظ وصفي يطلق على المرحلة التي يقترب فيها الطفل وهو الفرد غير الناضج انفعاليا وجسمانيا وعقليا في عشر السنوات التالية من الحياة غاية النضج الانفعالي والجسمي والعقلي والمراهق هو فرد، ولد أو بنت في مرحلة بين الطفولة والرجولة أي بين المرحلة التي يكون النضج فيها غير كامل وبين مرحلة النضج الكامل"[23] وهذه المرحلة تبدأ في الغالب من الثالثة عشرة إلى حوالي الواحدة والعشرين وتختلف من فرد إلى آخر ومن مكان إلى مكان وهي مرحلة نمو طويلة قد تمتد إلى عشر سنوات كما أنها مرحلة من الناحية الاجتماعية مرحلة تكليف وتحمل المسؤوليات والواجبات فلذلك ربطت الإسلام بين هذه المرحلة وبين القيام بالتكاليف الشرعية ولم يخرج علماء الشريعة الإسلامية في تحديد سن المراهقة عن الفترة ما بين العاشرة والتاسعة عشرة وهي التي حددوها بالاحتلام عملا بحديث رفع القلم عن ثلاث منهم الصبي حتى يحتلم وترتبط هذه المرحلة بالتفكير في الزواج والحياة الأسرية، لذلك كان على المجتمع أن يهيء أذهان الشباب للاتجاهات الصحيحة للزواج وللأفكار السليمة عنه لأن الزواج يكمل النمو النفسي للإنسان ولذلك حض الرسول صلى الله عليه وسلم الشباب على الزواج:"يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء"[24] ومن أهم الظواهر في هذه الفترة ظاهرة النمو العقلي الذي يقتضي التركيز على التربية
الخلقية والتي تأتي في قمتها توجيه البالغ إلى الإيمان بالله على أساس من القناعة والحجة لا يتزعزع في مستقبله بما يتعرض له من وسائل التشكيك والتغيير، وقد علمنا القرآن كيفية التدرج في ذلك من الحسي إلى المعنوي في آيات كثيرة تدعو إلى التفكير في السماء والنبات والليل والنهار والبحار والنجوم والجبال والأنهار الخ
…
والتفكير في خلق الإنسان {فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ، خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا نَاصِرٍ} (الطارق/4- 10) والتفكير في السماء والأرض وما فيها، وتفكير الإنسان في طعامه كيف نبت وتشكل وتنوع لونا ورائحة ومذاقا وهو يسقى بشيء واحد هو الماء ويخرج من مكان واحد هو الأرض ويتغذى بعناصر طاهرة هي الشمس والهواء وغيرهما. والتفكير بهذا الأسلوب القرآني يفتح البصائر وينير العقول ويدفع إلى الخشوع والخضوع لعظمة الله ومراقبته في السر والعلانية والإخلاص له والتوجه إليه بكل عمل لأن الله لا يقبل العمل إلا إذا كان خالصا له وابتغى به وجهه.. ولا بد من التركيز على العوامل المؤدية إلى الشعور الدائم بمراقبة الله عز وجل مثل تجنب الشهوات الباطلة والحسد والبغض إلا في الله والحقد والكذب والنميمة وما إلى ذلك من العوامل التي تبغض إليه الرذيلة وتحببه في الفضيلة.
ولأن المراهق يعيش مرحلة الإحساس بالذات فإنه يشعر بالخجل ويهتم بالبطولات الأمر الذي يتطلب التركيز على دراسة جوانب البطولة في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وسيرته ومغازيه وسيرة الصحابة والسلف رضوان الله عليهم وفي ذلك يقول سعد بن أبي وقاص: "كنا نعلم أولادنا مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم كما نعلمهم السورة من القرآن الكريم".
أما الخجل فظاهرة تحتاج إلى تغيير ليحل محله الحياء لأن الخجل انكماش وسلبية وانطواء والحياء التزام بالفضيلة وتجنب للرذيلة ومظهر من مظاهر الإيمان وسكينة للنفس وضبط للتصرفات وصحوة للضمير وخجل من الله والنفس والناس وتقتضي التربية هنا تعليم النشء الحياء من النظر إلى المحرمات والاستماع إليها والقرب من المنكرات ونزاهة اللسان عن الفحش والبذاءة والخوض في الباطل وفي ذلك يقول الغزالي: "فينبغي أن يحسن مراقبته وأول ذلك ظهورا أوائل الحياء فإنه إن كان يحتشم ويستغني ويترك بعض الأفعال فليس ذاك إلا لإشراق نور العقل عليه حتى يرى بعض الأشياء قبيحا ومخالفا للبعض فصار يستحيي من شيء دون شيء وهذه هدية من الله تعالى وبشارة تدل على اعتدال الأخلاق وصفاء القلب وهو مبشر بكمال العقل عند البلوغ فالصبي المستحيي لا ينبغي أن يهمل، بل يستعان على تأديبه بحيائه أو تمييزه"[25] .
والتربية في هذه المرحلة تنتقل من مرحلة التقليد والمحاكاة إلى التوعية العقلية بالأسباب والقوانين المتعلقة بالتزام الفضيلة والبعد عن الرذيلة وصيانة اللسان والبطن والفرج من المحرمات خوفا من الله وحياء منه، وعن ذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"استحيوا من الله حق الحياء، قلنا: إنا نستحي من الله يا رسول الله- والحمد لله- قال: ليس ذلك.. الاستحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وتذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الحياة، وآثر الآخرة على الأولى فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء"[26] .
إن هذه الفترة تحتاج إلى سياسة حكيمة واحترام لمشاعر البالغ ورغبته في الاستقلال والإحساس بنفسه وشخصيته وإقامة علاقة من الثقة والاحترام بينه وبين والده حتى يمكن توجيهه بما يساعده على النمو والنضج والاتزان.
التربية الجنسية:
من أهم الظواهر في هذه الفترة قلة اعتماد البالغ أو المراهق على والديه في سبيل تطلعه إلى الاستقلال بنفسه إذ أنه يعتبر نفسه رجلا وليس ذلك الطفل الذي كان يأتمر بأمر والديه في كل صغيرة وكبيرة فهو قد أصبح ناضجا يحتاج إلى تطوير علاقاته مع الأصدقاء والمجتمع، والإسلام لم يهمل هذه الناحية من التربية وأول المبادئ التي يرى الإسلام قيام حياة الفرد عليها هي الاستقامة على قوانين الفطرة الطبيعية في الإنسان واتباع هذه القوانين وعدم الخروج عليها، وقوانين الفطرة تقتضي تربية الناس على حياة الطهارة والشرف والعفة والفضيلة والتقوى، وإن الخروج على هذه التربية والانحراف عنها إنما هو خروج على القوانين التي خلق الله عليها الكون والسموات والأرض والكائنات ومنها الإنسان {قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} (طه/50) فإذا تجاوز الإنسان الحدود التي وضعها الله له والقوانين التي أمره بالتزامها في الدنيا فإنه بسلوكه يظلم نفسه ويعرض نفسه لعقوبات تفرضها عليه قوانين الله الطبيعية المودعة فيه؛ لأن من يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه، ولذلك حرم الإسلام الزنا وكل علاقة غير شرعية وحرم الوسائل والأبواب المؤدية إليها، ولذلك فإن التربية الإسلامية القائمة على الإيمان الكامل والعقيدة الثابتة وعلى الطهر والبراءة والخوف من الله ومراقبته في السر والعلانية والعبودية المطلقة لله فإنها تخلق العفة في النفوس وتحبب حياة الشرف والفضيلة والعفة، وهذه المراقبة الدائمة هي التي تجعل الشاب المسلم في موقف القوي أمام غواية الشيطان ونداء الشهوة والله تعالى يقول:{وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ} (الأعراف 201،200) .
ولا يكفي البقاء على حياة العفة ولذلك دعا الإسلام إلى الزواج باعتباره الوسيلة الطبيعية لمشكلة الجنس، وقد ذكرنا حديث الرسول صلى الله عليه وسلم ودعوته للشباب أن يغض بصره ويحصن فرجه بالزواج وإلا فعليه بالصوم لأن الصوم يقلل من حدة الشهوة ويزيد طاقة الإنسان الروحية، وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله:"الغلام يعق عنه يوم السابع ويسمى ويحاط عنه الأذى فإذا بلغ ست سنين أدب، وإذا بلغ تسع سنين عزل عن فراشه، فإذا بلغ ثلاث عشرة سنة ضرب على الصلاة والصوم، فإذا بلغ ست عشرة زوجه أبوه، ثم أخذ بيده وقال: قد أدبتك وعلمتك وأنكحتك، أعوذ بالله من فتنتك في الدنيا وعذابك في الآخرة"[27] .
فالآباء مسئولون عن تربية أبنائهم وتعليمهم وتزويجهم حصانة لهم أو مساعدتهم على ذلك فإذا لم يتيسر للشباب الزواج تحصّنَ بالتعالي على الغريزة والاستعفاف والتمسك بالفضائل وتصريف الطاقات في عبادة الله وفي ذلك يقول تعالى: {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} (النور/33) وليس ذلك الطلب للرجال فقط بل للنساء أيضا وقد خصهن الله بعد تلك الآية العامة بآية خاصة إذ يقول: {وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَاّتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ} (النور/60) .
والمسلم الذي يتمسك بحياة العفة والشرف أمام الإغراء ولا يلين جعله الرسول صلى الله عليه وسلم من الذين يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله وهو شاب دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله رب العالمين، وفي القرآن مثال لذلك المسلم الشاب في قصة سيدنا يوسف عليه السلام مع امرأة العزيز التي راودته عن نفسه وهددته وتوعدته بالسجن والإذلال ففضل السجن على معصية الله والتخلي عن العفة واستنجد بالله طالبا منه أن يقف معه في محنته ويصرف عنه كيدها فاستجاب الله لدعائه لعلم الله بإخلاصه وصدق دعواه وطهارة نفسه {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} (يوسف/24) . ولم تكتف التربية في الإسلام بذلك إنما سد الأبواب التي يمكن أن تثير الشهوة وتؤدي إلى الفساد ومنها غض البصر للرجال والنساء {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ، وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} (النور 30. 31) وعلى النساء أيضا ألا ينظرن إلى الرجال فقد روت أم سلمة رضي الله عنها قالت: "كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده ميمونة، فأقبل ابن أم مكتوم وذلك بعد أن أمرنا بالحجاب فقال النبي صلى الله عليه وسلم: احتجبا منه، فقلنا: يا رسول الله أليس هو أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أفعمياوان أنتما، ألستما تبصرانه؟ "[28] .
ومنها تحريم خلو الرجل بالمرأة الأجنبية لأنه ما اجتمع رجل وامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما، وقد روى ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله:"لا يخلون أحدكم بامرأة إلا مع ذي محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم فقال له رجل: يا رسول الله إن امرأتي خرجت حاجة وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا؟ قال: انطلق فحج مع امرأتك"[29] ومن الاحتياطات التي اتخذها الإسلام لحفظ الرجال والنساء وحماية المجتمع مما يؤدي إلى الانحلال الأخلاقي والفوضى في العلاقات الجنسية الأمر بالاحتشام والنهي عن السفور والتبرج وإظهار المحاسن من النساء لأن هذه الأشياء هي التي تثير الشباب وتحرك غرائز الرجال وتجعل كلا من الجنسين يبحث عن الآخر لإرضاء شهوته المثارة دائما والله سبحانه وتعالى يقول: {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَاّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ} (النور/31) .
ولا يشك مسلم في حرمة ما نرى من لباس تلبسه النساء تبعا لخطوط (الموده) ونزولا لرغبة بيوت الأزياء العالمية وكثير منها لا يستر شيئا وقد يحدد كل شيء في جسم المرأة ويظهر مفاتنها ثم تلبس مع ذلك (باروكة) تزيدها فتنة وإغراء ولا تتورع عن كشفه ما وجدت لذلك سبيلا وهن اللائي قصدهن الرسول صلى الله عليه وسلم في حديثه الذي رواه أبو هريرة حيث يقول: "صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات، مائلات مميلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا"[30] ومن تربية الإسلام في تحديد علاقات الرجال بالنساء أمر الله بالسؤال من وراء حجاب طهارة للقلوب {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} (الأحزاب/53) كما أمر المرأة ألا يكون في حديثها ما يدعو إلى الفتنة والإغراء والإثارة {فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً} (الأحزاب/33) كما أمر النساء بالقرار في البيوت إلا لحاجة وعدم التبرج والحشمة في اللباس واللسان والمشي {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى} (الأحزاب/33) .
ومن تربية الإسلام في تنظيم العلاقات وجوب استئذان الأطفال إذا بلغوا الحلم حتى ينشأ الجيل سليما معافى محترما لحرمة الحريات الشخصية للرجال والنساء {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ، وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (النور/ 58- 59) .
ومن تربية الإسلام في العلاقات الجنسية تحريم الشذوذ في أنواعه المختلفة حتى لا يتجه الناس إلى تفريغ طاقاتهم الجنسية في أوجه أخرى يظنونها غير محرمة كما حرم المظاهر الشاذة في تشبه الرجال بالنساء واسترجال النساء فقد روى ابن عباس أن الرسول صلى الله عليه وسلم لعن المتخنثين من الرجال والمترجلات من النساء كما لعن المتشبهين من الجنسين بالجنس المغاير لهما سواء أكان هذا التشبه في الأصوات أو الحركات أو فعل شيء هو من خواص جنس دون آخر كلبس بعض الرجال للباروكات وإطالة الأظافر والشعور ولبس الكعوب العالية ووضع مساحيق الزينة واستعمال أدوات التجميل ولبس السلاسل الذهبية على المعاصم والنحور وتزجيج الحواجب وأخذ الحقن التي تزيد نسبة هرمونات في الأنوثة في الرجال حتى لا يظهر الشعر في الشارب والذقن وحتى يتكور الصدر ويبرز كالنساء وكلبس الملابس الشفافة المبينة للعورة وغيرها، وقد روى أبو هريرة رضي الله عنه قال:"لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجل يلبس لبس المرأة، والمرأة تلبس لبسة الرجل"[31] .
أما الشذوذ المتمثل في اللواط والسحاق بين النساء فإن الإسلام قد حرم ذلك وأغلظ في العقوبة لما في هذين النوعين من إفساد خلقي كبير ودلالة على تحلل الأمة وسوء خلقها وتحكم الشهوات فيها، وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا (من عمل عمل قوم لوط) كما بين الرسول صلى الله عليه وسلم مدى خوفه على أمته من انتشار تلك الظاهرة فيها والتي استنكرها القرآن الكريم في حكايته لقوم لوط {وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ، أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَاّ أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} (العنكبوت/29) ويقول: {أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ} (الشعراء/165) .
ومن مظاهر الشذوذ مزاولة كثير من الشباب للعادة السرية نتيجة لما يتعرض له الشباب من مثيرات للغرائز في مظاهر الفتنة من النساء في الشوارع والأمكنة العامة وأمام دور العلم والعبادة وما يقدم على أجهزة التلفاز من تمثيليات مثيرة وأغان مائعة ودعايات للبلاد والأزياء كلها تدعو إلى الفحش والرذيلة، زيادة على ما يعرض في المكتبات من مجلات فاضحة وقصص مثيرة وأفلام جنسية هابطة وأجهزة عرض رخيصة لهذه الأفلام، زيادة على الكتلوجات الجنسية التي تعرض الجنس ممارسا والصور التي تباع لذلك- أمام هذا الإغراء كله يتجه كثير من الشباب والرجال بعامة إلى مزاولة الزنا واللواط والاستمناء عن طريق اليد أو عن طريق آخر مع ما في هذه العادة من تحطيم لشباب الأمة وقواها الجسدية والعقلية والنفسية ومع ما فيها من آثار في مستقبل الشاب الجنسية وعلاقاته الزوجية ومع ما في ذلك من أضرار اقتصادية باهظة واجتماعية مخيفة ولعل هذا هو المقصود مع غيره في قوله تعالى {فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ} (المعارج/31) وذلك بعد أن بين القرآن أن من صفات المؤمنين أنهم يحفظون فروجهم إلا على زوجاتهم أو ما ملكت أيمانهم.
إن حياة النقاء والطهر لا تكون إلا بتشجيع الآباء والدولة لشبابها بالزواج المبكر فإذا كانت الدولة تنشئ بنوكا عقارية لبناء المنازل من الطين والأسمنت عن طريق السلفيات المادية فإن بناء الأسر والبيوت أولى من ذلك لتحصن الدولة أبناءها وتعد جيوشها وتحمي حماها بشباب مؤمن طاهر نقي بدلا من الشباب المخنث المائع المنهوك القوى من الانسياق وراء الشهوات والملذات هذا بالإضافة إلى تشجيع الشباب على الصوم مرتين في الأسبوع ليسمو بروحه على غرائزه وليقوى إيمانه بعبادته وإقامة مجتمع إسلامي نظيف تحكم العلاقة بين الرجال والنساء منهم وشريعته ونظامه من حيث المناهج الدراسية والمواد الإعلامية وتزجية أوقات الفراغ بأنواع الرياضة الممارسة في أجواء صافية حتى يسود الأمن والاستقرار النفسي والجنسي بالتزام أوامر الله والخوف منه ومراقبته.
إن الإسلام لا يحتقر الطاقة الجنسية ولا يطالب بالابتعاد عنها لأن الرغبة الجنسية في الإنسان هي التي تؤدي إلى تعمير الأرض وكثرة التوالد الذي يؤدي إلى بقاء النوع واستمراره.. فلذلك اعتبر الرسول صلى الله عليه وسلم في العلاقة الجنسية بين الرجل وزوجته صدقة فقد قال عليه الصلاة والسلام: "وفي بضع أحدكم صدقة قالوا يا رسول الله إن أحدنا ليأتي شهوته ثم يكون عليها أجر قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ قالوا: نعم، قال: فإذا وضعها في حلال فله عليها أجر"[32] .
وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم صريحا في معالجة كثير من الأمور المتعلقة بالجنس والذي كان القرآن ينزل بها فقد روى الإمام أحمد أن اليهود إذا حاضت المرأة فيهم لم يواكلوها ولم يجامعوها فيسأل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم النبي عن ذلك فأنزل الله تعالى {وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} ثم قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "اصنعوا كل شيء إلا النكاح"، وقد روى عكرمة عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا أراد من الحائض شيئا ألقى على فرجها ثوبا وروي أن مسروقا ركب إلى عائشة فقال:"السلام على النبي وعلى أهله فقالت: عائشة مرحبا مرحبا فأذنوا له فدخل فقال: إني أريد أسألك عن شيء وأنا أستحي فقالت: إنما أنا أمك وأنت ابني فقال: ما للرجل من امرأته وهي حائض فقالت: له كل شيء إلا فرجها"[33] والأحاديث كثيرة في ذلك فليرجع إليها من أحب وقد روى أبو داود عن معاذ بن جبل قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عما يحل من امرأتي وهي حائض قال: "ما فوق الإزار والتعفف عن ذلك أفضل".
والإسلام يحدد مكان الجماع إبعادا للمسلم عن ممارسة الشذوذ مع زوجته فيقول الله تعالى: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} (البقرة/223) أي في الفرج وأكد ذلك بقوله: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ} (البقرة/ 223) ومما ذكر عن سبب نزول هذه الآية ما روته أم سلمة من أن الأنصار كانوا يجبون نساءهم وكانت اليهود تقول: إن من أجب امرأته كان ولده أحول فلما قدم المهاجرون المدينة نكحوا في نساء الأنصار فجبوهن فأبت امرأة أن تطيع زوجها وقالت: لن تفعل ذلك حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخلت على أم سلمة فذكرت لها ذلك فقالت اجلسي حتى يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرجت فسألته أم سلمة فقال: ادعي الأنصارية فدعتها فتلا عليها هذه الآية {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} والحرث هو مكان الولد وولا يكون الولد إلا في الفرج، أما قوله {وَقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ} فيقصد به تسمية الله عند الجماع فقد جاء في البخاري عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال: باسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره الشيطان أبدا"[34] .
وقد رخص الله للمسلمين مجامعة النساء في ليل رمضان إذ كان المحلل في أول الإسلام الأكل والشرب والجماع إلى صلاة العشاء فمن نام أو صلى العشاء حرم عليه ذلك كله فوجد المسلمون مشقة في ذلك وكان البعض يخونون أنفسهم [35] فنزل قول الله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} (البقرة/187) .
ولأن الإسلام يدعو الشباب الذي لم يتزوج إلى التسامي والعفة فإن أسلوب الإقناع الفكري والمنطقي من الأمور التي عالج الرسول صلى الله عليه وسلم بها مشكلة محاولة الانحراف والزنا فقد جاء شاب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وطلب من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يأذن له بالزنا فزجره الصحابة وأسكتوه إلا أن الرسول صلى الله عليه وسلم أدناه منه في رفق ودون غضب وسأله "أتحبه للأمك؟ قال: لا والله، جعلني الله فداك قال: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم، وسأله أتحبه للإبنتك" واستمر يسأله عن أخته وعمته وخالته ويخبره بأن الناس لا يرضونه لهم كما لا يرضاه هو لأهله ثم وضع الرسول صلى الله عليه وسلم يده على قلب الشاب وسأل الله أن يغفر له ذنبه ويطهر قلبه ويحصن فرجه فلم يلتفت الشاب إلى شيء بعدها، فهذا نموذج من أسلوبه صلى الله عليه وسلم في علاج مشاكل الشباب خاصة ما يتعلق بالجنس فالشباب يوجه إلى بذل الجهد العقلي أو الروحي أو الجسدي في سبيل التسامي وتوجيه طاقاته إلى العمل النافع والاستغراق في عبادة الله والاهتمام بالرياضة البدنية والقرآن يبين لنا كثيرا من المواقف التي تسمو فيها النفس المتجهة إلى الله على نداء الجسد وسعار الشهوة فسيدنا يوسف عليه السلام كما ذكرنا سابقا مثال للشاب المؤمن الذي نشأ على تقوى الله ومراقبته فصمد أمام إغراء ملكة جميلة وأذل كبريائها وهي تدعوه لنفسها وقد حسبت أن ذلك أمر يعجز كل الرجال عن رفضه وإذا بيوسف ثابت شامخ ذاكر نهي الله وجميل العزيز عليه فيقول:{قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} ولم ينسَ الالتجاء إلى الله وطلب العون منه {قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَاّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ
إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} (يوسف/33، 34) .
والشاب المؤمن الذي يرفض الفاحشة ويعف نفسه خوفا من الله من السبعة الذين يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله.
إِن الإسلام لا يكبت الرغبات الجنسية كما يظن من لا يفرقون بين الكبت والضبط-لأن الإسلام يضبط الرغبات ويوجهها لتكون أداة بناء وتعمير لا أداة هدم وتخريب للمجتمع فالطريق السوي لمشكلة الجنس هو الزواج لان من صفات المؤمنين أنهم يحافظون على فروجهم إلا على زوجاتهم أو ما ملكت أيمانهم لأن الجنس في الإسلام وسيلة متاع وسكن ومودة ورحمة به يحقق الإنسان غاية وجوده وهو انتشار النوع وتعمير الأرض وعبادة الله.
ولم يكن الجنس وحده الذي ضبطه الإسلام بل ضبط الدوافع الفطرية الكامنة في الإنسان كلها حتى يكون المجتمع المسلم مجتمعا وسطا متوازنا في حياته الروحية والجسدية معا.
مرحلة الرشد
وهي التي تسمى بمرحلة النضوج أو وسط العمر وتقع في الفترة ما بين الأربعين والستين وفيها يكتمل نمو الإنسان وينضج عقله وتطمئن نفسه ويبلغ أشده، وتربية الإسلام في هذه المرحلة أن يجدد التوبة وأن يرجع إلى الله ويعزم على ترك المعاصي وفي ذلك يقول الله سبحانه وتعالى:{حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ} (الأحقاف/ 15. 16) وفي تفسير الآية يقول ابن كثير مشيرا إلى قوله تعالى {حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ} : "أي قوي وشب وارتجل وبلغ أربعين سنة أي تناهى عقله وكمل فهمه وحلمه ويقال: إنه لا يتغير غالبا عما يكون عليه ابن الأربعين"[36] .
وفي هذه المرحلة يكون المرء قد نضج أخلاقيا الأمر الذي يقلل احتمال انحرافه بعد هذه السن فهو دائم الدعاء إلى الله أن يثبته ويقويه ويعصمه من الزلل (فقد روى أبو داود في سننه عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعلمهم أن يقولوا في التشهد: "اللهم ألف بين قلوبنا وأصلح ذات بيننا واهدنا سبل السلام ونجنا من الظلمات إلى النور، وجنبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وبارك لنا في أسماعنا وأبصارنا وقلوبنا وأزواجنا وذرياتنا، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، واجعلنا شاكرين لنعمتك مثنين بها عليك فاقبلها وأتمها علينا"[37] .
أما مرحلة الشيخوخة والتي تبدأ من الستين فهي مرحلة العطاء لا الأخذ والاستعانة بالله وطلب العون والانقطاع إلى عبادة الله والتضرع إليه وهي المرحلة التي يلجأ إلى أهلها من قبلهم مستفسرين سائلين يطلبون التوجيه والعون لأنهم أهل الذكر يحبهم الله ويغفر لهم ويشفعهم في أهلهم.
وهكذا نجد الإسلام قد تعهد الإنسان بالتربية والهداية والتوجيه في جميع مراحل حياته وإلى أن يفارق الدنيا ورسم له الطريق الواضح المستقيم الذي يعصم من الزلل ويقود إلى النجاة. والجنة بعون الله وفضله.
--------------------------------------------------------------------------------
[1]
رواه الطبراني.
[2]
سنن ابن ماجه ج1 كتاب النكاح.
[3]
رواه الترمذي.
[4]
رواه الدارقطني.
[5]
رواه ابن ماجه والدارقطني.
[6]
تأملات في سلوك الإنسان ص110.
[7]
رواه البخاري ومسلم في الإمارة والترمذي في الجهاد.
[8]
رواه أبو داود.
[9]
رواه أبو داود والنسائي.
[10]
رواه ابن ماجة والدارمي في باب النكاح.
[11]
د/مصطفى فهمي –الصحة النفسي ص92-93.
[12]
الغزالي-احياء علوم الدين ج3 ص73.
[13]
رواه الحاكم وأبو داود عن عمرو بن العاص.
[14]
رواه الطبراني.
[15]
متفق عليه رياض الصالحين ص332.
[16]
سنن أبي داود والترمذي.
[17]
رواه البخاري ومسلم.
[18]
رواه الترمذي.
[19]
نقلا عن الابراهيمي، التربية الإسلامية.
[20]
الإحياء ج1.
[21]
المصدر السابق.
[22]
رواه الترمذي عن عبد الله بن عباس وهنالك رواية غير رواية الترمذي.
[23]
د/ أحمد زكي صالح-علم النفس التربوي ص213.
[24]
رواه البخاري في الصوم والنكاح – ومسلم وأبو داود وابن ماجه والدارمي في النكاح.
[25]
إحياء علوم الدين ج أول.
[26]
رواه الترمذي والإمام أحمد في مسنده.
[27]
رواه ابن حبان.
[28]
رواه الترمذي وأبو داود.
[29]
رواه البخاري ومسلم.
[30]
رواه مسلم.
[31]
رواه أبو داود بإسناد صحيح.
[32]
رواه مسلم في الزكاة والدارمي وأحمد في مسنده.
[33]
تفسير ابن كثير ج1 ص258-259.
[34]
ابن كثير ص261 ج1.
[35]
رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي.
[36]
ابن كثير ج4 ص 157.
[37]
ابن كثير ج4 ص 158.
حقوق الإنسان في الإسلام (3)
الشيخ: عبد الفتاح عشماوي
محاضر بكلية الحديث
أما الطلاق في الخارج، والبعض في البلاد الإسلامية يطالب بتقليدهم، بل وقد يكونون أجيبوا إلى ذلك من حكامهم بالفعل، وهو أن يكون أمام القاضي في المحكمة، فهو الطلاق أخو الفضائح، عندما يتبارى الزوجان في كشف أسرارهما الزوجية عند عرض القضية، والمتفرجون الذين تغص بهم المحكمة يسمعون، والصحافة الساقطة عندهم وعندنا، والمولعة بنشر صور النساء في أوضاع الفسق، بما لم يعد يخلو منه بلد إسلامي، هذه الصحافة أيضا تتسابق في نشر فضائح القضايا الزوجية، خاصة إذا كان سبب طلب الطلاق هو الزنا، بما يسمونه أدباً بالخيانة الزوجية، وهذه هي الجريمة الوحيدة التي لا يحكم بالطلاق في الخارج إلا بوقوعها، وغالبا ما تكون من الزوجة، فتخرج من المحكمة أمام الناس ذليلة مفضوحة، وفي الصباح تعلم عن قصة نفسها وهي في الصحف منشورة، وقد تزين أيضا بنشر الصورة.
والطلاق عندنا يتم بتوجيه القرآن مستورا بين حكمين، وبعد أربع مراحل لا يعلم أحد بها إلا الزوجين، فأي حقوق للإنسان أفضل؟ التي أعطاها الله له؟ أم التي وضعها لنفسه؟ أفلم تكونوا تعقلون؟
وعندما نريد تقديم النصوص الشرعية التي خص بها الإسلام المرأة، ورفع قدرها وصان أنوثتها لتكون كالبيض المكنون، لامتد الكلام بنا طويلا، فعشرات الآيات وعديد من الأحاديث، وضعت المرأة في صورة انفرد بها الإسلام وحده، ولكن يكفينا التمثيل بالقليل، فالقرآن يلزم الرجال بمعاملة النساء أكرم معاملة، بقوله تعالى:{وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً} ، فكلمة (المعروف) هنا والتي تعددت في أكثر من آية خاصة بالمرأة، جامعة لكل ما يعرف أنه خير لها وتسربه، وعندما يكرهها الرجل لسبب أو لآخر بعيد عن الفاحشة، لم تتركه الآية على هواه، بل كبحت هذا الهوى وزادت أنَّ ما كرهه منها قد يكون فيه الخير الكثير.
فانظر كيف وقف الإسلام بجانب المرأة حتى عندما فعلت ما أوجب كره الرجل، والحديث الذي رواه مسلم رحمه الله يفسر هذه الكلمات من الآية، فعنه صلى الله عليه وسلم قوله:"لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقا رضي منها آخر"(لا يفرك) أي لا يبغض.
بل وكلمة المساواة التي دنستها ألسنة الغرض والسوء، قالها القرآن صادقة صافية ألزم بها الرجل، بقوله تعالى:{وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنّ} ، وليس لها فقط ماله في جوهر العشرة، وإنما كذلك في الشكل والمظهر، فكما يحبُّ مثلا أن يراها أمامه نظيفة وبهندام حسن، يجب عليه نحوها كذلك، فقد حدث أن امرأة ذهبت إلى عمر رضي الله عنه تطلب منه أن يطلقها من زوجها، ودعا بزوجها فرآه رث الهيئة قبيح المنظر، فأمر به فاغتسل، وألبس ثوبا نظيفا، ورُجِّل رأسه ولحيته، ثم طلب عمر المرأة فقال لها، أطلقك من الأول وأزوجك بهذا، فكان أن ضحكت وأدركت أن عمر عرف ما تريد، وعادا على وفاق بعد أن كانا على طلاق، ثم تقول الآية {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} ، فبعد أن ساواها القرآن بالرجل، بأن يكون لها مثل الذي عليه، لم يجعل الزيادة المفضلة له إلا بدرجة واحدة، فلم يُثَنِّها سبحانه ولم يجمعها حتى لا تضخم عند هواة التسلط على النساء، فلا ينبغي أن تفسر الدرجة بأنها فرض السيطرة أو التحكم، وإنما تفسر بأن له عليها الطاعة في غير معصية الله وخدمة بيته وبنيه، وذلك مقابل مشقة القوامة، والتي اختص بها الرجل تكليفا من ربه وبصيغة المبالغة {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} ، فهو تكليف أكثر من التشريف، ومع هذا رفضت المرأة (الحديثة) مجرد هذه الدرجة الواحدة، بل حتى رفضت نفس القوامة، لما وقفت امرأة بجرأة الفاقدة لحيائها أمام القاضي- وهى محامية في قانون الكفر الفرنسي- لتقول:"لقد سقطت قوامة الرجال علينا لما أصبحنا موظفات"، قالت ذلك مع علمها بتفضيل الله الرجل عليها بأمور عديدة، فهو الذي ذهب لخطبتها، وهو الذي نقلها إلى مسكنه بعد أن أعده لها، وهو الذي يسبب لها الإنجاب، وهو الذي يحميها وأولادها بساعده القوي من العاديات، وأخيرا هو الضارب في الأرض بحثا عن قوتها وقوت عيالها، ولو
تبجحت الموظفة وقالت إنها أصبحت غير محتاجة لماله عند أول نقاش مع زوجها، وحصرت القوامة في أنها بسبب القوت، وأنكرت المفضلات الرجولية التي في الآية الكريمة، والتي ذكرنا بعضا منها.
وحتى لما حصلت المرأة (الحديثة) على الوظيفة، لم تف وظيفتها بمعظم أمْرِها بقوت نفسها، بل تنفق هذا المرتب الذي لا بركة فيه على مستلزمات الوظيفة، من شراء أحدث (الموديلات) في الأزياء، والتسابق مع الزميلات في وسائل الزينة، وفي الفيَّاح من العطور، وما إلى ذلك من وسائل التبرج، فماذا يبقى لها من مرتبها لتأكل منه؟، ويظل الرجل هو المتحمل لهموم العيش، ليعول ويربي قياما بحق القوامة، وحتى لا ينوء بهذه الأمانة الصعبة، أعانته عدالة الله بأن يكون له قدر الأنثيين، لا قدر ثلاث إناث ولا أربع، لكن الأنثى (الحديثة) لم تقبل عدل الله، وأستغفره سبحانه سلفا إذا قلت: لو لم يعطها شيئا البتة- ما دامت ستنعم في كنف القوامة ومشقة مستلزماتها- لكان تعالى هو العادل المنزه أيضا، ولكن زاد سبحانه ومكَّن لها في كيانها لما قال:{وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً} .
وإذا كانت المرأة (الحديثة) قد جاهرت بهذه العداوة لدينها، فقد نلتمس لها عذرا باعتبارها ناقصة دين وعقل أصلا، ولكن ما هو العذر للرجال الذين استغلوا نقصها هذا، فنقصوا بعقولهم ودينهم عنها، لما راحوا يدفعونها بإصرار إلى هلاكها لتفعل ما يخالف النقل والعقل، بل ومنهم الحكام الذين دخلوا معها المعركة سافرين، وقننوا لها القوانين التي تنسخ قانون الله، فلتهنأ المرأة (الحديثة) إذاً وليهنأ معها أنصارها ألداؤها، حكاما ومحكومين.
أما ما نراه من انطلاق المرأة في الشوارع ليل نهار في كل بلاد الإسلام، وفي صورة جامحة كاسحة لكل خلق ودين وفضيلة، فالواضح الذي لا يقبل المراء، هو أن الراعي والرعية اشتركوا في هذه المصيبة على السواء، لما قتلت فيهم النخوة وغَيْرةُ الإسلام.
فأين منا اليوم وكثيرات من نسائنا يستقبلن الرجال في البيوت نيابة عن أزواجهن، ويخرج نساء الدار أمام رب الدار بالقصير الفاضح أو السروال المحدد للعورة أو على عادة هنا برفع العباءة ليظهر الثوب تحتها قشيبا لامعا ليلفت النظر، أو تشد العباءة على خصرها أو على ثدييها، لتقلد البلاد (المتحضرة) بقدر ما تستطيع، ولا يغار القائمون على هؤلاء النسوة هنا أو هناك من زوج أو أب، لا لدينه ولا لرجولته، لقد كان من أهم غايات الشيطان كشف هذه السوءات لأنها أقوى المدمرات للقيم كلها وعلى رأسها القيم الدينية، والمجلبة لسخط الله تعالى، فقد كانت أول مهمة له في دنيا البشر، لما فعلها مع آدم وحواء عليهما السلام، بقوله تعالى: {فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا
…
إلى نهاية الآية في قوله تعالى: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ} .
فَلْيُسَرُّ الشيطان الآن غاية سروره، فقد تحقق له اليوم ما أراده لقد أدت مصيبة إفلات الزمام لامرأة التطور إلى مشكلة من أعقد المشاكل الاجتماعية في عصرنا هذا، وهي مشكلة إعراض الشباب عن الزواج، فبالإضافة إلى مخالفة الشرع بارتفاع قيمة المهر بغير المعقول، أخذ الشاب يتساءل؟ ماذا بقى لي من فتاتي وقد عرضت نفسها في الطرقات للفرجة بغير ثمن، فهل كل فرحتي ليلة الزفاف هو قضاء اللُّبانة، أم أنها جميعها يجب أن تكون لي وحدي؟ ، وفي الحديث الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم:"خير نسائكم الودود الولود، المواسية المواتية، إذا اتقين الله، وشر نسائكم المتبرجات المتخيلات، وهن المنافقات، لا يدخل الجنة منهن إلا مثل الغراب الأعصم"، أي القليلات؛ لأن الغراب الأعصم قليل في نوع الغربان، روى هذا الحديث البيهقي والبغوي وغيرهما، وصحح في الجامع، أما الغلو الذي بلغ حد الخيال في المهر، وأن يكون الخاطب من ذوي المظاهر ماليا وعصريا، ولا يخطر التدين والخلق والاستقامة على بال، فإن أعظم قصة زواج في تاريخ الإسلام لهي صفعة لهؤلاء، الذين عقَّدوا الزواج وجعلوه صفقة تجارية، وهي قصة زواج الزهراء، سيدة البنات بنت سيد الآباء، صلوات الله وسلامه عليه، ورضي الله عن ابنته، فقد اختار الله لها الشاب الفقير عليا رضي الله عنه وكرم وجهه، من دون الصحابة الأغنياء الذين ألحوا على الرسول كثيرا ليظفروا بمصاهرته والتشرف بابنته.
فقد ذكر الإمام القسطلاني شارح البخاري ما حدث في زواج فاطمة رضي الله عنها من حديث أنس،: دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه ثم خطبهم قائلا: "الحمد لله المحمود بنعمته، المعبود بقدرته، المطاع بسلطانه، المرهوب من عذابه وسطوته، النافذ أمره في سمائه وأرضه، الذي خلق الخلق بقدرته، وميزهم بأحكامه، وأعزهم بدينه، وأكرمهم بنبيهم محمد صلى الله عليه وسلم، إن الله تبارك اسمه وتعالت عظمته، جعل المصاهرة سببا لاحقا وأمرا مفترضا، أوشج به الأرحام، وألزم به الأنام، فقال عزّ من قائل: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً} ، فأمْرُ الله تعالى يجري إلى قضائه، وقضاؤه يجري إلى قدره، ولكل قضاء قدر، ولكل قدر أجل، ولكل أجل كتاب، يمحو الله ما يشاء ويثبت، وعنده أم الكتاب، ثم إن الله عز وجل أمرني أن أزوج فاطمة من علي بن أبي طالب، فاشهدوا أني زوجته على أربع مائة مثقال فضة، إن رضي بذلك علي، ثم دعا صلى الله عليه وسلم بطبق من بسْر، ثم قال: انتبهوا، فانتبهنا، ودخل عليّ، فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم في وجهه، ثم قال: إن الله عز وجل أمرني أن أزوجك فاطمة على أربع مائة مثقال فضة، أرضيت بذلك؟ فقال عليّ، قد رضيت بذلك يا رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم: جمع الله شملكما، وأعز جدكما، وبارك عليكما، وأخرج منكما كثيرا طيبا".
قال أنس: "فو الله لقد أخرج منهما الكثير الطيب"، وقد أولم عَلِىّ عَلى فاطمة بشطر من شعير وتمر وحيس، وكان جهاز فاطمة خميلة، وقربة، ووسادة من أدْم حشوها ليف، ونظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هذا الجهاز وقال:"مرحبا بجهاز المساكين"، الله أكبر، سبحان من جعله للناس خير قدوة، ولكن.... تلك قصة زواج سيدة نساء الجنة، مهرها لا يزيد عن أقل أسورة من الفضة تلبسها أفقر نساء اليوم، وجهازها كما سمعتم بما يدمع العين من قول أبيها، وهو الذي عرضت عليه الجبال ذهبا فأباها "مرحبا بجهاز المساكين".
أما اليوم فلم يعد للمسلمين صلة بسنة نبيهم، فعقّدوا الأمر فعقده الله عليهم، وأحاطت بهم المشاكل من كل جانب.
وليس من الخير في شيء أن ننكر الميل الغريزي في المرأة، وأنه أشد منه في الرجل، لولا ما ألقى الله عليها من الحياء، فإن لم نعمل على أن نُكْفَى بما أحلّ الله فماذا يكون إذً؟ لقد سمع عمر رضي الله عنه امرأة تناجي سرير زوجها الغائب بأبيات منها.
لنُقِّض من هذا السرير جوانبه
فو الله لولا الله لا شيء غيره
بأنفاسنا لا يفتر الدهر كاتبه
ولكنني أخشى رقيبا موكلا
وإكرام بعلي أن تنال مراكبه
مخافة ربي والحياء يصدني
فسأل عن زوجها فقيل إنه في الجهاد مع جيش المسلمين، فأمر بأن يؤذن للمتزوجين منهم بالتردد على بيوتهم في فترات متقاربة حسما للفتنة.
وعن تعليم المرأة، نقول: إن الإسلام حرص على تعليم أبنائه رجالا ونساء، لكن على أساس مهمة كل منهما التي عينها لهما الخالق في هذه الدنيا، فللحياة مكانان ليس سواهما، داخل الدار وخارجها، وجعل الدار للأنثى ليكرمها ويصونها في المكان اللائق بها، ولهذا كان أمره الصريح سبحانه إليهن {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} ، ولم تكن بهذا الأمر الكريم الحافظ لها تماما سجينة الدار، فقد سمح لها ولسنين وصلت بها إلى ما قبل سن الاشتهاء، أن تأخذ قسطا كبيرا من التعليم، يمكنها به عندما تُردُّ إلى مقر كرامتها في البيت أن تعرف كيف تعبد ربها وتدير بيتها، بل ويمكنها أن تقرأ وما أيسر الكتب، بما يزيدها معرفة وعلما وقت فراغها من عمل البيت، وهكذا لم يجعلها الإسلام حبيسة لا تفكر
…
ولا تعبر، بل أباح لها حتى في وقت الخجل عندما تُخطب، أن تبدي رأيها في خاطبها، ثم لما تصبح زوجة لم يجعل الإسلام بيت الزوج سجنا والزوج سجّان على بابه، وإنما لو خرجت أمثلة لحاجة المرأة إلى الخروج في صلاة الجماعة والعيدين والحرب أباح لها الخروج للتزاور والعلاج وصلة القربى، فقط حتى لا تهان يكون زوجها أو أحد محارمها أو رفقة من نسوة يصاحبنها في ذلك.
فعن عائشة رضي الله عنها قالت: خرجت (سودة) رضي الله عنها زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجتها بعدما ضرب الحجاب، وكانت امرأة جسيمة لا تخفى على من يعرفها، فرآها عمر فقال: يا سودة، أما والله ما تخفين علينا، فانظري كيف تخرجين؟ قالت عائشة: فانكفأت راجعة ورسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي، وإنه ليتعشى وفي يده عَرْق (اللحم المتصل بالعظام) فدخلتْ فقالت: يا رسول الله، إني خرجت لبعض حاجتي، فقال لي عمر كذا وكذا، قالت عائشة: فأوحى الله إليه ثم رفع عنه، وإن العرق في يده ما وضعه، فقال:"إنه قد أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن"، أخرجه البخاري في صحيحه.
أما عن المعاملة داخل البيت، فهي العزيزة المصونة بنصوص عديدة قرآنية ونبوية، فالقرآن زاخر بإلزام الزوج بحسن المعاملة، ذكرنا منها آنفا ما يكفي، وكذلك السنة مَلآى بنفس الأمر، فبالإضافة إلى ما سبق منها نورد حديثا عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا، وخياركم خياركم لنسائكم"، رواه الترمذي وصححه، وكذلك ابن حبان في صحيحه، ومن ناحية التساوي في الأجر جعلها الإسلام كالرجل ذرة بذرة في كتاب الإسلام الأعظم بوفير من الآيات، ولكن أعجبها في رأيي، تلك الآية، التي ساوتها بالرجل حتى في التعبير اللفظي وليس في الأجر فقط، في عشرة كاملة بالآية الآتية.
{إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً} ، بل وبشرها الرسول صلى الله عليه وسلم بأنها تعدل الرجل تماما، في قصة أسماء بنت يزيد الأنصارية رضي الله عنها، والتي رواها مسلم في صحيحه، وكانت فصيحة حتى لقبت بخطيبة النساء، فقد أتت النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس مع بعض أصحابه وقالت: يا رسول الله، أنا وافدة النساء إليك، وقد أرسلك الله إلينا رجالا ونساء، ولكنكم معشر الرجال فضلتم علينا بالجُمع والجماعات، والحج والجهاد، ونحن قعيدات بيوتكم، نغزل ثيابكم، ونربي أولادكم، ونصنع طعامكم، ونحفظ أموالكم، ونصون عرضكم إذا رغبتم، أفلا أجر لنا معكم؟ فاستدار صلى الله عليه وسلم بكل وجهه إلى أصحابه وقال:"أسمعتم مقالة امرأة في أمر دينها كهذه؟ قالوا: لا يا رسول الله، فنظر إليها صلى الله عليه وسلم وقال: أيتها المرأة، اعلمي وأعْلِمي من خلفك من النساء، أن حسن تبعل المرأة لزوجها يعدل ذلك كله"، فانصرفت وهي تكبر حتى اختفت عن مجلسه صلى الله عليه وسلم.
هذه هي المساواة بين المرأة والرجل، عرّفها الإسلام على حقيقتهما، وليس على ادعائها وزيفها كما ينادى بذلك جهلة اليوم من النساء والرجال على السواء، أما التي تركت البيت باسم التعليم والثقافة، وتعودت أن تخرج في الصباح ولا تعود إلا في المساء لنحو عشرين عاما أو ما يقرب، من سن السادسة حتى تخرجت من الجامعة، أيمكن بعد ذلك ردها إلى البيت كما أمرها خالقها؟ لتكون سيدة بيت ومربية أسرة؟ لا أظن، وما كنا نتمنى هذا اليوم من أيام الأمة الإسلامية، يوم أن أبيح للفتيات دخول الجامعات، فطال بذلك بعد البنت عن البيت، فأصبحت لا تراه إلا سجنا مظلما وجوا خانقا لا تطيق المكث فيه، إلا للأكل أو النوم، ولتختلط مع الفتى في الجامعة اختلاط النار بالحطب الهش وهما في سن الجموح الجنسي، باسم التقدمية ورفع الكلفة والزمالة في طلب العلم، وياله من علم، فلسفات ونظريات وانحرافات، من تعاليم الشرق والغرب في أكثر الكليات، حتى أصبحوا فتيانا وفتيات لا يعرفون شيئا عن دينهم، بقدر ما يعرفون عن الذين احتلوا عقولهم، وقد يقال إن هناك من الكليات ما ليس فيها الذي ذكرت، حيث التعليم فيها ديني وعربي، وبعضها ليس فيه اختلاط، هذا صحيح، ولكن جوهر المشكل باق، وهو التعود على هجر المقر الذي أُمرت من الله أن تقر فيه، وترك حرفتها المنزلية المرموقة والموقوفة عليها، والتي تصَدِّر بها إلى المجتمع البشري من صنع الأمومة صالح الإنتاج من بنين وبنات، فما جعل الله قلبين في جوف، فهي ما استأنفت أي نوع من التعليم بعد المرحلة المتوسطة، إلا وفي النية هجر البيت إلى الأبد، حيث اُتفِق على أن تتوظف بعد التخرج، وتترك البراعم الصغيرة الغالية في البيت للخادمة، وكم فعلت الخادمات بمكنونات البيوت، من إفساد أطفال، وسرقات، وتقويض ما بين الزوجين من صلات، وغير ذلك كثير بما نسمع كل يوم.
فماذا علينا إذا وقفت البنت عند قدر من التعليم معين، ثم تصان في البيت حتى تأتي إلى وظيفتها الأساسية في بيت الزوجية، وقد أعدها الله أصلا لهذه الوظيفة الشريفة، فمهما هربت منها وبلغت من أمر دنياها ما بلغت، فلن يقتل ذلك فيها غريزة الميل إلى الزواج، ولن يغنيها المنصب في الإدارات والشركات عن ذلك أبدا.
إني لأعرف الكثير ممن تمسكوا بتكريم الإسلام لبناتهم، فإلى مرحلة محددة من التعليم، وقبل أن تتعود العين غير البيت، وقبل أن تتفتح الغريزة على ما شرع الله، يردونها إلى صونها في خدرها، فبسط الله لهم في زواج بناتهم، حتى لم تكد تينع الثمرة إلا وتمتد يد الحلال لتقطفها، وهذا يحطم النظرية الخبيثة، من أن البنت الآن أصبحت لا تتزوج إلا إذا تعلمت ووظفت، وثبت العكس، فأكثر العوانس منهن، فإن غامر زميل لها في العمل كان، وإلا فقلما يدق باب أهلها خاطب.
ولقد نتج عن كثرة الخريجات اللاتي يتحتم توظيفهن بعد التخرج مشكلة، أصبح خطرها عالميا، وليست فقط في أمتنا الإسلامية، فالمكان الذي كان أصلا للرجل شغلته المرأة، وأصبح على مدى الأيام تزداد البطالة بين الرجال وهم القوامون خطرها، مما كثر معه الإجرام والسرقات والمظاهرات، وحوادث الشغب والسطو على بيوت المال، وأصبحت الدول الأجنبية التي رمتنا بدائها، يعلو صراخ حكوماتها من تضاعف البطالة وانتشار الإجرام واختلال الأمن بسبب ذلك، وعلى رأس هذه الدول أمريكا الغنية (سابقا) ، التي لا يطفح غناها إلا على إسرائيل، والبطالة فيها تفتك بها بما سمعتم من إعلان حكوماتها أخيرا أكثر من مرة، ونفس الأمر وأشد في زميلتها روسيا، وهما الدولتان العظيمتان كما يقولون، وبالتالي صار عالمنا الإسلامي يعاني نفس الخطر بما هو أخطر، وتصريحات حكوماتنا تقرع أسماعنا، والعلاج معروف، والبيت مفتوح لتعود إليه مَن هجَرْته، ولكن من يضع الجلجل- الناقوس- في عنق القط؟.
على أننا لا نغفل أن هناك من النساء من سلب أكثر حقهن إن لم يكن جميعه، وهن اللواتي يعشن في القرى والصحراء في أنحاء عالمنا العربي والإسلامي، فالكثير من الرجال هناك لازال ينظر إلى المرأة نظرة القرون الأولى، فهي ليست إلا تلك الحقيرة التي تضرب بقسوة لأقل هفوة حتى يمزق جسدها، ولا حق لها في أن تطلب بنفسها شيئا من غذاء أو كساء أو دواء، ومحرومة نهائيا من حقها في الميراث، ولكن سبب البلاء الذي أصاب هذه، وسبب الوباء الذي أصاب أختها في الحضر، هو عدم العمل بقانون السماء وتعطيل نصوصه وأحكامه، فأصبحت المرأة عندنا بين مسلوبة الحق وأخرى سالبة للحق. إن الكلام عن المرأة شيء ما أظنه ينتهي، لأنها نصف الإنس، ولكن مع الأسف نصفه الأعوج، ومع هذا كرمها الإسلام كتابا وسنة كما سمعنا القليل منه، وحسبها أن سمى الله أطول سورة بعد البقرة باسمها، وهي سورة النساء وزخرت هذه السورة وسار غيرها برفع شأنها.
ولكنها أذلت نفسها لما اتبعت الذين حرضوها ضد فطرتها وخلقتها من خارج بلادنا وداخلها، فسلخوها عن دينها وأبعدوها عن ربها، وألقوا بها في متاهات الحياة لتقاسي شظف العيش ومكاره الأيام، والتي ناء بها الرجل بله المرأة، وراحت أيضا تبتذل لتشعل الشهوة وتحرك الفتنة بالرقص والتمثيل والغناء الجنسي، يجرها إلى ذلك تجار الربح السحت من أهل السينما والمسرح والمرقص والحانة، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
ونحن الرجال إزاء هذا الأمر أنواع ثلاثة، نوع قد عوفي من هذا البلاء، ونوع غلب على أمره أمام هذا الإعصار العالي من التحرر، حتى إنه ليشعر بالغربة داخل بيته، لما قيل له من أهله {قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ} ، وهذا النوع المغلوب على أمره من أهله، قريب من الأول بشرط ألا يكف عن النصح ما استطاع ولو لم يصغ إليه، مداومة في الإعذار إلى الله تعالى، وهذا أضعف الإيمان بالنسبة للأب والزوج وكل من له ولاية على المرأة، فلا أحد يطلب من هؤلاء جميعا أن يضربوا أو يحطموا أو يطلقوا، عسى أن تُجْنَى ثمرة النصح يوما، إن لم يكن في الدنيا ففي الآخرة، ونوع ثالث من الرجال راض بهذا السوء غير منكر له ولا بقلبه، بل قد يدفع ويشجع، فهذا لا يعذر أبدا لا من الله ولا من الناس، لأنه (الديوث) الوارد في الحديث الصحيح، ولأنه فقد حتى صفة الحيوان الذي هو معروف بغيْرته على أنثاه.
ونختم هذا الباب بما تعودناه في الأبواب السابقة بمجموعة من النصوص للمستفيد، فعن الآيات القرآنية فقد أخذنا منها الكثير وبنينا بحثنا السابق الطويل عن المرأة من هذه الآيات.
وإليكم بعضا من الأحاديث الصحيحة.
1-
عن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: "ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله خيرا من زوجة صالحة، إن رآها أمرها أطاعته، وإن نظر إليها سرته، وإن أقسم عليها أبرته، وإن غاب عنها نصحته في نفسها وماله" رواه البخاري.
3-
وعنه صلى الله عليه وسلم قوله: "ثلاثة لا ترى أعينهم النار، عين حرست في سبيل الله، وعين بكت من خشية الله، وعين كُفَّتْ عن محارم الله" الطبراني.
3-
وعنه صلى الله عليه وسلم قوله: "لا يخلوَنَّ أحدكم بامرأة إلا مع ذي محرم" البخاري.
4-
وعنه صلى الله عليه وسلم قوله: "لأنْ يطعن في رأس أحدكم بِمخْيط من حديد، خير له من أن يمس امرأة لا تحل له" رواه البيهقي.
5-
قال صلى الله عليه وسلم: "لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا البكر حتى تستأذن"قالوا: يا رسول الله، كيف إذنها؟ قال:"أن تسكت" أبو داود.
6-
وعن خنساء بنت خدام "أن أباها زوجها وهي ثيب دون أن تستأمر فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم تشكو، فرد نكاحها" رواه ابن ماجه.
7-
وعن ابن عباس رضي الله عنه"أن جارية بكراً أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكرت له أن أباها زوجها وهي كارهة، فخيرها النبي صلى الله عليه وسلم"- أي بين أن تأبى أو تقبل.
وحسبنا هذا القدر من الأحاديث الصحيحة، ونقدم أقوالا ممن شهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كاذبين لما غرروا بالمرأة وأخرجوها من خدرها ليزجوا بها إلى هلاكها.
8-
في مؤتمر (كلفرينا) الذي انعقد لهذا الأمر، قدم بحث اعتبره أحسن البحوث التي قدمت إليه، وهو من الدكتورة (إليانورماكوبي)،ونكتفي بأن تأخذ منه ما يلي:-
"إن الاختلافات بين الرجال والنساء أقوى مما نظن حتى في الناحية العضوية، ففي خلال الأربعين سنة الأخيرة، وهي الفترة التي فتحت الجامعات والمعاهد العليا أبوابها للفتيات، دلت على ضعف الإنتاج النسوي والابتكار المفيد أمام ما يفعله الرجال، حتى في المجالات الأدبية، وبرز تخلف المرأة بعد دراسة حالة أربع مائة ممن حصلوا على (الدكتوراه) من النوعين، فاتضح أن عددا قليلا من هؤلاء المتعلمات حاولن الاندماج في المشكلات العلمية لابتكار نظريات جديدة، والباقيات وقفن حيث هن، ولم تكن عقبتهن الزواج ولا الأولاد، لأن الإنتاج العلمي لمن تزوجن تساوي مع من بقين بغير زواج، وحتى في بداية الدخول للجامعات كانت نتيجة التحليلات أن الذكاء الذي يؤهل للدراسات الجامعية كان متفوقا عند الفتيان أكثر منه عند الفتيات، وأن السبب هو النقص في الصفات التحليلية للعقل عند النوعين"، انتهى كلام الدكتورة (إليانور ماكوبي) .
9-
وقالت الباحثة (ماريامان) : "إن النساء مصابات باضطراب عقلي- ألم نسبق نحن بقول نبينا: "ناقصات عقل ودين؟ " – يجعل الأنوثة مثلا أعلى لديهن يضمن لهن السعادة، فهن يَحْرِصْنَ على إظهار ما يلفت أنظار الرجال إليهن بالطبيعة أو بالصنعة عند خروجهن إلى وظائفهن، ولو رضين بأصل تكوينهن اكتفاء بالزواج، والتَّفَنن في طهو الطعام وتربية الأولاد ومعاونة الزوج لكان ذلك أفضل لهن، فإذا خالفت إحداهن ذلك فقد خرجت على التقاليد- ونحن قلنا: خرجت على تعاليم الإسلام- وهذا سر تخلفها العلمي لما دخلت قاعات الجامعات، ولهذا فإن قلة من النساء يحصلن على التفكير التحليلي". انتهى كلام الباحثة (ماريا) وهى واحدة منهن كان المفروض أن تتعصب لبنات جنسها.
10-
وقف (المارشال، بيتان) رئيس فرنسا أثناء هزيمتها المنكرة أمام جيوش الألمان في الحرب العالمية الثانية ليقول:-
"أيها الفرنسيون، إن سبب الهزيمة هو انغماسكم في الملذات مع الجيش المحيط بكم من السيدات، فانشغلتم بذلك بدل جيش الألمان، زنوا خطاياكم فإنها ثقيلة الميزان، إنكم نبذتم الفضيلة وكل المبادئ الروحية، ولم تريدوا أطفالا فهجرتم حياة الأسرة، وانطلقتم وراء الشهوات تطلبونها في كل مكان، فانظروا إلى أي مصير قادتكم الشهوات".
وهكذا ينطقون بديننا ولو لم يؤمنوا به {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ} صدق الله العظيم، تم راحوا يصنعون لنا حقوقا للإنسان، فيا عجبا! فأيهما أنفع؟ ما وضعه خالق الإنسان، أم الذي وضعه الإنسان لنفسه؟ [1] .
--------------------------------------------------------------------------------
[1]
تعليق التحرير: قد كان من المناسب أن يعقد الكاتب مقارنة يضمنها نبذة عن حال المرأة المهين قبل الإسلام عند كل من الرومان، واليهود، والنصارى، والهنود، ثم يخلص إلى تكريم الإسلام لها بما قرر لها من حقوق لم-ولن يقررها أي نظام بشري، ثم ينتهي إلى محاولات ذوي الأهواء-الذين طمس الله على قلوبهم- إعادتها إلى ما كانت فيه من مهانة بدعوى تكريمها، ومحاولة نيل حقوقها السلبية، ومساواتها بالرجل.
نماذج أخرى من الدعاة الصالحين
علي بن أبي طالب رضي الله عنه
للشيخ أبو بكر الجزائري
الأستاذ بقسم الدراسات العليا بالجامعة
هذا هو الأنموذج الرابع والحلقة الأخيرة من السلسة الثانية لنماذج من الدعاة الصالحين ألا وهو أبو الحسن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه، وجعل الجنة مأواه.
نسبه:
إن نسب علي بن أبي طالب هو النسب الشريف لرسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ هما أبناء العم فمحمد رسول الله هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، وعلي هو ابن أبي طالب بن عبد المطلب، ومن هنا وبهذا ونحيل على النسب الشريف إلى عدنان المنحدر من إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام.
وكنيته رضي الله عنه أبو الحسن أو أبو السبطين: الحسن والحسين ابني فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيد أن له كنية أخرى هي من أحب الكنى إليه ألا وهي أبو تراب ولهذه الكنية سبب هو أنه خرج يوما مغاضبا لفاطمة رضي الله عنهما فأتى المسجد ونام فيه، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يطلبه فقالت له فاطمة: لقد خرج مغاضبا فطلبه رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجده في المسجد نائما والتراب قد علا بعض جسمه، فجعل صلى الله عليه وسلم ينفض التراب عنه ويقول: قم أبا تراب، فكانت تلك كنيته المفضلة لديه.
علمه:
إن من أهم جوانب حياة الداعية الإسلامي الجانب العلمي إذ العلم ضروري للداعية المسلم وفي مثل هذا الجانب تكون الأسوة، وعلي بن أبي طالب كان على جانب كبير من العلم والفقه في دين الله تعالى وحسبه شهادة الرسول صلى الله عليه وسلم له بقوله:"أنا مدينة العلم وعلي بابها"أخرجه الترمذي والحاكم وهو حسن الإسناد، وليس كما قيل موضوعا ولا صحيحا لذا قال السيوطي في تاريخه ومن شعب العلم التي برز فيها علي رضي الله عنه: القضاء فقد كان أقضى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد شهد له بذلك عبد الله ابن مسعود حيث قال:"أفرض أهل المدينة وأقضاهم علي بن أبي طالب". أخرجه ابن عساكر.
كما أخرج الحاكم قول ابن مسعود رضي الله عنه: "كنا نتحدث أن أقضى أهل المدينة علي"
وأخرج ابن سعد في طبقاته عن ابن عباس قوله: "كنا إذا حدثنا ثقة عن علي بفتيا لا نعدوها". وكما أخرج عن عمر رضي الله عنه أنه كان يتعوذ من معضلة ليس فيها أبو الحسن ومن الأقوال المأثورة "مشكلة ولا أبا حسن لها". بل هو قول عمر رضي الله عنه.
ولا عجب أن يطول باع ابن أبي طالب في العلم حتى لا يدانى أو يجارى وهو الصاحب الذي عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه من يوم نُبّيء إلى أن قُبض عليه الصلاة والسلام.
أخرجه الحاكم وصححه عنه رضي الله عنه قوله: "بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن فقلت: يا رسول الله بعثتني وأنا شاب أقضي بينهم ولا أدري ما القضاء؟ فضرب صدري بيده، ثم قال: اللهم اهد قلبه وثبت لسانه فو الذي خلق الحبة ما شككت في قضاء بين اثنين".
وهذه الرواية تكشف عن سر علم علي وفقهه في دين الله تعالى.
وكعلمه الواسع في القضاء علمه بالتفسير والأدب والحكمة.
فعن الأول نستشهد بما أخرج ابن سعد عنه رضي الله عنه إذ قال: "والله ما نزلت آية إلا وقد علمت فيم نزلت وأين نزلت وعلى من نزلت، إن ربي وهب لي قلبا عقولا ولسانا صادقا ناطقا". كما أخرج أيضا عن أبي الطفيل قال، قال علي:"سلوني عن كتاب الله فإنه ليس من آية إلا وقد علمت بليل نزلت أم بنهار، وفي سهل أم في جبل".
ويشهد لهذين القولين: قوله رضي الله عنه في الصحيح: "ما خصنا رسول الله صلى الله عليه وسلم نحن آل البيت بشيء إلا ما في هذه الصحيفة أو فهما يؤتاه الرجل في كتاب الله".
وعن الثاني والثالث نستشهد بالروايات التالية: أخرج أبو نعيم في حليته عنه وقال قال علي رضي الله عنه: "الحزم سوء الظن، والقريب من قربته المودة وإن بعد نسبه، والبعيد من باعدته العداوة وإن قرب نسبه ولا شيء أقرب من اليد إلى الجسد وإن اليد إذا فسدت قطعت، وإذا قطعت حسمت".
وأخرج سعيد بن منصور في سننه عنه رضي الله عنه أنه قال: "خمس خذوهن عني: ألا يخافن أحد منكم إلا ذنبه، ولا يرجون إلا ربه، ولا يستحي من لا يعلم أن يتعلم، وإن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، إذا ذهب الصبر ذهب الإيمان، وإذا ذهب الرأس ذهب الجسد"وقال: "الفقيه كل الفقيه من لم يقنط الناس من رحمة الله، ولم يرخص لهم في معاصي الله، ولم يؤمنهم من عذاب الله ولم يدع القرآن رغبة عنه إلى غيره، ألا لا خير في عبادة لا علم فيها، ولا علم لا فهم معه، ولا قراءة لا تدبر فيها".
سرعة بداهته وقوة حجته
مما تميز به علي بن أبي طالب بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سرعة البداهة فقد كان يسأل عن المعضلات فيجيب بما هو شفاء فيها على البداهة بدون ترو ولا تفكر وكان ذا حجة قوية إذا قال أو خطب، أو خاصم، ونذكر لسرعة بداهته الحادثة التالية: ذكر ابن عبد البر في الاستيعاب في الجزء الثالث عند الكلام على علي رضي الله عنه قال: "روي عن زر بن حبيش أن رجلين جلسا يتغذيان، مع أحدهما خمسة أرغفة ومع الآخر ثلاثة أرغفة، فلما وضع الغذاء بين أيديهما مر بهما رجل فسلم، فقالا اجلس للغذاء فجلس وأكل معهما واستوفوا في أكلهم الأرغفة الثمانية، فقام الرجل وطرح إليهما ثمانية دراهم وقال: خذا هذا عوضا عما أكلت لكما ونلته من طعامكما فتنازع الرجلان في قسمة الدراهم الثمانية بينهما، وقال صاحب الخمسة الأرغفة: لي خمسة دراهم، وقال لصاحب الثلاثة: لك ثلاثة دراهم. فأبى صاحب الثلاثة الأرغفة إلا أن تكون الدراهم بينهما نصفين، فارتفعا إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وقصا عليه قصتهما، فقال لصاحب الثلاثة الأرغفة: قد عرض عليك صاحبك ما عرض، وخبزه أكثر من خبزك فارض بالثلاثة، فقال: لا والله، لا رضيت منه إلا بغير الحق. فقال علي رضي الله عنه: ليس لك في مر الحق إلا درهم واحد، وله سبعة. فقال الرجل: سبحان الله يا أمير المؤمنين، وهو يعرض علي ثلاثة فلم أرض، وأشرت علي بأخذها فلم أرض، وتقول لي الآن أنه لا يجب في مر الحق إلا درهم واحد فقال له علي: عرض عليك صاحبك الثلاثة صلحا فقلت لم أرض إلا بمر الحق ولا يجب لك بمر الحق إلا واحد. فقال الرجل: فعرفني بالوجه في مر الحق حتى أقبله فقال علي رضى الله عنه: أليس للثمانية الأرغفة أربعة وعشرون ثلثا، أكلتموها وأنتم ثلاثة أنفس ولا يعلم الأكثر منكم أكلا ولا الأقل، فتجعلون في أكلكم على السواء؟ قال بلى، قال فأكلت أنت ثمانية أثلاث، وإنما لك تسعة أثلاث، وأكل صاحبك ثمانية أثلاث وله
خمسة عشر ثلثا، أكل منها ثمانية، ويبقى له سبعة، وأكل لك واحد من تسعة، فلك واحد- أي درهم- بواحدك، وله سبعة بسبعته. فقال الرجل: رضيت الآن!!! ".
فهذه الحادثة تدل دلالة واضحة على ما كان يتمتع به علي ويمتاز به من سرعة البداهة وذلك لفرط ذكائه وصفاء نفسه. ونظير هذه الحادثة قضاؤه في التي ولدت لستة أشهر بأن الولد للزوج بعد أن حكم عليهما عثمان رضي الله عنه بالرجم لكونها أتت بولد زنى. نظر علي في قول الله تعالى: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً} فقال: "الحولان للرضاع، والستة أشهر للحمل، فمن ولدت لستة أشهر فما فوق فالولد للزوج، ومن ولدت لأقل فالولد لغير الزوج".
أما عن قوة حجته فكتاب الشريف الرضى المعروف بنهج البلاغة قد حوى الكثير من خطب علي ورسائله، وحجاجه ومناظراته وهي تفيض بالبلاغة والحكمة وفصل الخطاب، فليرجع إلى ذلك الكتاب من شاء ليقف على كمال علي في بيانه وبلاغته وقوة حجته، وهي حاجة الداعي الناجح في دعوته، ولنذكر هنا وصفا له رضي الله عنه وصفه به ضرار الصدائي بأمر من معاوية، إذ روى ابن عبد البر في الاستيعاب أن معاوية رضي الله عنه قال يوما لضرار الصدائي: يا ضرار صف لي عليا فقال: أعفني يا أمير المؤمنين. قال: لتصفنه، قال: أما إذ لابد من وصفه، فكان والله بعيد المدى- شديد القوى، يقول فضلا، ويحكم عدلا، يتفجر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، ويستوحش من الدنيا وزهرتها، ويستأنس بالليل ووحشته، وكان غزير الغيرة طويل الفكرة، يعجبه من اللباس ما قصر، ومن الطعام ما حسن، وكان فينا كأحدنا، يجيبنا إذا سألناه، وينبئنا إذا استنبأناه، ونحن والله مع تقريبه إيانا وقربه منا لا نكاد نكلمه هيبة له، يعظم أهل الدين ويقرب المساكين، ولا يطمع القوي في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله، وأشهد أنه لقد رأيته في بعض مواقفه، وقد أرخى سدوله، وغارت نجومه قابضا على لحيته يتململ تململ السليم ويبكي بكاء الحزين ويقول: يا دنيا غري غيري، إلي تعرضت أم إلي تشوقت! هيهات هيهات! قد باينتك ثلاثا لا رجعة فيها، فعمرك قصير، وخطرك قليل، آه من قلة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق!!!
فبكى معاوية وقال: رحم الله أبا الحسن، كان والله كذلك. فكيف حزنك عليه يا ضرار؟ قال: حزن من ذبح ولدها وهو في حجرها.... أو قال واحدها في حجرها....
فمن هذا الوصف الصادق تتجلى كمالات علي رضي الله عنه النفسية التي هي موضع الاقتداء، ومحط الائتساء. إنها علم وحلم وإيمان وتقوى وكياسة، وحسن سياسة، شجاعة قلب، ورجاحة عقل، زهد في الدنيا شديد ورغبة في الآخرة وحب فيها أكيد.
وفي مثل هذه الخلال الجميلة، والخصال الحميدة، يكون الاقتداء ويطلب الائتساء.
شجاعته وبطولته:
إن شجاعة علي وبطولته سارا بين الناس مسار الأمثال فما ذكرت الشجاعة ولا البطولة إلا وذكر علي بن أبي طالب معهما. إن أول فدائي في الإسلام كان علي بن أبي طالب وذلك أنه لما عزم الرسول صلى الله عليه وسلم على الهجرة بعد قرار قريش القاضي بقتله صلى الله عليه وسلم على أيدي جماعة من شباب القبائل القريشية ليتوزع دمه بين القبائل فلا يقدر بنو هاشم على طلبه، تركه على فراشه وخرج صلى الله عليه وسلم وظل المشركون بباب المنزل ينتظرون خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا بالذي يخرج علي بن أبي طالب فسقط في أيديهم، ونجا رسول الله صلى الله عليه وسلم من بينهم. وضرب بذلك علي أعلى مثل في الفدائية والتضحية.
والشواهد على شجاعة علي وبطولته كثيرة فلنكتف منها بذكر ما يلي:
ا- اضطلاعه رضي الله عنه يوم بدر بحمل لواء رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومبارزته الوليد بن عتبة وقتله إياه على الفور فلم يمهله، وعلي يومئذ ابن عشرين سنة.
3-
تقليد رسول الله صلى الله عليه وسلم له الراية يوم خيبر، وما أظهر رضي الله عنه من بطولات خارقة في غزوة خيبر، وحسبه أن كان فتح خيبر على يديه رضي الله عنه.
3-
ثباته مع رسوله الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، ويوم حنين وبلاؤه البلاء الحسن في هاتين الوقعتين العظيمتين.
4-
شهوده كل غزوات رسول الله صلى الله عليه وسلم بحيث لم يتخلف عن غزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم قط اللهم إلا ما كان من غزوة تبوك حيث خلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة على أهله. ولما قال علي رضي الله عنه: تخلفني يا رسول الله مع النساء والصبيان؟ قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي
…
".
5-
عدم تخلفه عن الجهاد مع الراشدين قبله أبي بكر وعمر وعثمان، ومواقفه الشهيرة في كل الحروب التي خاضها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إِلى أن توفي رضي الله عنه وأرضاه.
وموجز القول أن عليا رضي الله عنه كان مثالا عاليا في الشجاعة والبطولة وأنه أسوة صالحة في هذا الباب لمن أراد الائتساء به رضي الله عنه في شجاعته وبطولاته..
عدله وسياسته:
إن خلافة علي رضي الله عنه كانت أربع سنوات وتسعة أشهر فقط، ومع ما صاحبها من فتن داخل الجماعة الإِسلامية وأشهرها وقعة الجمل وصفين، وقتال الخوارج بالنهروان، فإنها كانت خلافة راشدة أتم الله بها العصر الذهبي في تاريخ أمة الإسلام، وقد روي في ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم:"الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم تكون ملكا عضوضا".
لقد ساس عليُّ الأمة الإسلامية بالعدل والرحمة، وأخذها بالعلم، والحكمة، ومن مظاهر عدله في الأمة أنه كان لا يحبس مالا في بيت المال بل يوزعه كله حتى أنه كان يكنس بيت المال بيده ويصلي فيه، رجاء أن يشهد له أنه لم يحبس فيه المال عن المسلمين.
ذكر الطبري في تاريخه ج 6 ص 90 عن أبي رافع خازن بيت المال في عهد علي قال: دخل علي يوما وقد زينت ابنته فرأى عليها لؤلؤة من بيت المال كان قد عرفها. فقال: من أين لها هذه؟ لله علي أن أقطع يدها، فلما رأيت جده في ذلك قلت: أنا يا أمير المؤمنين زينت بها ابنة أخي، ومن أين كانت تقدر عليها لو لم أعطها؟ فسكت.
ومن ذلك أنه فقد يوما درعه فوجدها بيد يهودي فقاضاه إلى قاضيه شريح، وتقدم فجلس إلى جنب القاضي وقال: لولا أن خصمي يهودي لاستويت معه في المجلس، ولكني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:"أصغروهم ممن حيث أصغرهم الله". فقال القاضي: قل يا أمير المؤمنين فقال: نعم هذه الدرع التي في يد هذا اليهودي درعي لم أبع ولم أهب، فقال شريح: ايش تقول يا يهودي، قال: درعي وفي يدى، فقال شريح: ألك بينة، يا أمير المؤمنين؟ قال نعم، قنبر والحسن يشهدان أن الدرع درعي. فقال شريح: شهادة الابن لا تجوز للأب. فقال علي: رجل من أهل الجنة لا تجوز شهادته؟ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة"!! فقال اليهودي: أمير المؤمنين قدمني إلى قاضيه وقاضيه قضى عليه، أشهد أن هذا هو الحق، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، وأن الدرع درعك وحسب على شهادة علي عدله ورحمته وحكمته أن يقول فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم:"علي مع القرآن والقرآن مع علي لا يفترقان حتى يردا على الحوض" رواه الطبراني في الأوسط والصغير عن أم سلمة رضي الله عنها.
ومن هنا كانت سياسة علي قرآنية تعتمد على الصدق والوفاء والعدل والرحمة والحكمة بعيدة عن الخداع والمكر والدهاء وهي عناصر تقوم عليها سياسة أبناء الدنيا في كل زمان ومكان، وأما ابن أبى طالب رضي الله عنه فما أبعده عن هذه الأجواء والمناخات الوبيئة الخانقة التي لا تصلح لحياة الربانيين مثل علي رضي الله عنه.
ونختم هذا الفصل في الحديث عن عدل علي وسياسته بكلمة قالها فيه أحد الغربيين:
قال: "كان علي يعوزه حزم الحاكم ودهاؤه، برغم ما كان يمتاز به من الفضائل الكثيرة، فقد كان نشيطا ذكيا بعيد النظر بطلا في الحرب، مشيرا، حكيما، وفيا شريف الخصومة، نبغ في الشعر والبلاغة واشتهرت خطبه وأشعاره في الشرق الإسلامي.
وكانت تنقصه الحنكة السياسية، وعدم التردد في اختيار الوسائل أيا كانت لتثبيت مركزه، ومن ثم تغلب عليه منافسوه الذين عرفوا أول الأمر أن الحرب خدعة والذين كانوا لا يتورعون عن ارتكاب أي جرم يبلغ بهم الغاية ويكفل لهم النصر".
أثبتنا هذه المقالة لهذا الغربي لاتفاقها مع ما قرناه من بعد حكم علي وسياسته عن المكر والدهاء والخداع والتضليل التي هي سدى ولحمة الساسة والسياسة اليوم وقبل اليوم من غير الربانيين كالخلفاء الراشدين رضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين.
وفاته رضي الله عنه:
إن وفاة علي رضي الله عنه كانت بالكوفة ليلة الأحد التاسع عشر من رمضان سنة أربعين هجرية وذلك أنه لما انتهت معركة الجمل وعاد علي رضي الله عنه إلى الكوفة، خرج معاوية بن أبي سفيان ومن معه من أهل الشام خرجوا عنه رضي الله عنه، فبلغ ذلك عليا فسار إليهم فالتقوا بصفين في شهر صفر سنة سبع وثلاثين، واقتتلوا ودام القتال أياما، فرفع أهل الشام المصاحف يدعون إلى ما فيها، وكان ذلك مكيدة منهم دبرها عمرو بن العاص، فكره الناس الحرب، وتداعوا إلى الصلح، وحكموا الحكمين. فحكّم علي أبا موسى الأشعري وحكّم معاوية عمرو بن العاص، وكتبوا بينهم كتابا على أن يوافوا رأس الحول بأذرح [1] ، فينظروا في أمر الأمة، فافترق الناس، ورجع علي إلى الكوفة ومعاوية إلى الشام، فخرج على علي رجال من أصحابه وقالوا لا حكم إلا لله، وعسكروا بحروراء [2] فسموا بذلك الخوارج، فبعث إليهم علي رضي الله عنه ابن عباس فخاصمهم وحاجهم فرجع منهم أناس كثير إلى طاعة علي رضي الله عنه، وثبت على الباطل منهم أناس كثير وساروا إلى النهروان وعرضوا للسبيل فسار إليهم علي فقتلهم بالنهروان وذلك سنة ثمان وثلاثين. واجتمع الناس بأذرح في شعبان من هذه السنة، وحضرها سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر وغيرهما من الصحابة. فقدم عمرو بن العاص أبا موسى الأشعري مكيدة منه فتكلم وخلع عليا، لأن أصل التحكيم كان على أساس أن يُخلع كل من معاوية وعلي، وتختار الأمة بعد ذلك برضاها من شاعت، غير أن عمرو استعمل دهاءه فقدم أبا موسى ليتكلم ويخلع صاحبه ففعل، ولما تكلم عمرو لم يخلع صاحبه- معاوية- بل أقره، وبايع له. فتفرق الناس على هذا، وصار على علي خلاف من أصحابه، حتى كان يعض على إصبعه ويقول: أعصى ويطاع. وهنا انتدب ثلاثة من الخوارج أنفسهم لقتل علي ومعاوية وعمرو بن العاص بحجة أنهم هم الذين فرقوا كلمة المسلمين وشتتوا أمرهم، وكان الخوارج الثلاثة عبد الرحمن ملجم المرادي، والبرك بن
عبد الله التميمي، وعمرو بن بكير التميمي وقد اجتمعوا بمكة وتعاهدوا على أن يقتل عليا ابن ملجم، ويقتل معاوية البرك، ويقتل عمرو عمرو بن بكير. على أن يتم ذلك في ليلة واحدة وهي ليلة السابع عشر من رمضان. فأما قاتل معاوية فإنه لم يتمكن منه، وأما قاتل عمرو فإنه لم يقتل عمرو، وإنما قتل خارجة، لأنه تربص بعمرو عند باب المسجد فلم يخرج عمرو تلك الليلة لأنه كان مريضا فانتدب قاضيه خارجة بن حذافة ليصلي بالناس فضربه ظنا منه أنه عمرو ابن العاص فقتله، ولما تبين له أنه لم يقتل عمرا قال أردت عمرا وأراد الله خارجة فكانت مثلا سائدا بين الناس. وأما قاتل علي فقد تمكن منه عند خروجه من منزله وهو ذاهب إلى المسجد لصلاة الصبح وبموت علي رضي الله عنه انتهت الخلافة الراشدة، وانتقلت إلى العضوض كما ورد بذلك الخبر.
واستشهد علي وعمره ثلاث وستون سنة فرضي الله عنه وأرضاه، ومن كراماته أنه قال لابنه الحسن: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم الليلة وقلت له: يا رسول الله ماذا لقيت من الأمة من الأود واللدد [3] ؟ فقال لي ادع الله عليهم فقلت: اللهم أبدلني بهم خيرا منهم، وأبدلهم بي شرا لهم مني وما أن فرغ من قص رؤياه على الحسن حتى ناداه مناديه للصلاة فخرج من الباب ينادي أيها الناس الصلاة الصلاة فاعترضه ابن ملجم فضربه بالسيف فأصاب جبهته إلى قرنه وكان ذلك صبيحة الجمعة فأقام الجمعة والسبت وقبض ليلة الأحد فرضوان الله عليه في المؤمنين، وسلامه عليه في المسلمين.
لا تشيرن علي
…
أوصى ابن هبيرة ولده فقال:
لا تكن أول مشير، وإياك والهوى والرأي الفطير، ولا تشيرن على مستبد، ولا على وغد ولا على متلون ولا لجوج.
وخف الله في موافقة هوى المستشير، فإن التماس موافقته لؤم، وسوء الاستماع منه خيانة.
--------------------------------------------------------------------------------
[1]
قرية من قرى الشام.
[2]
حاروراء: موقع بالكوفة.
[3]
الأود: الكد والتعب. اللدد: الخصومة الشديدة.
قوة العقيدة سبيل النصر في غزوة بدر الكبرى (3)
د. محمد عبد المقصود جاب الله
المدرس في كلية الدعوة بالجامعة
وانطلق سواد مكة وهو يغلي يمتطي الصعب والذلول فكانوا تسعمائة وخمسين مقاتلاً معهم مائتا فرس يقودونها، وسبعمائة بعير ومعهم القيان يضربن بالدفوف ويغنين بشعر فيه ذم للمسلمين.
وزين الشيطان للمشركين أعمالهم، وأوحى إليهم بأحلام النصر، وماذا على الشيطان لو انهزموا سوى أن يتركهم وخزيهم. {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ} (الأنفال آية 48) .
ولكن أبا سفيان استطاع أن ينجو من الخطر المحدق به بتعديل سيره عن طريق ساحل البحر تاركا بدراً إلى يساره، ورأى أبو سفيان أنه أحرز القافلة فأرسل إلى قريش يقول: إنما خرجتم لتمنعوا عيركم ورحالكم وأموالكم وقد نجاها الله، فارجعوا.
فقال أبو جهل: "والله لا نرجع حتى نرد بدراً فنقيم فيها ثلاثا ننحر الجزور، ونطعم الطعام، ونسقي الخمر، وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا فلا يزالون يهابوننا أبداً"[1] .
وهذا الذي عالن به أبو جهل هو ما كان يحاذره الرسول صلى الله عليه وسلم فإن دعم مكانة قريش، وامتداد سطوتها في هذه البقاع بعد أن فعلت بالمسلمين ما فعلت يعتبر خطراً على الإسلام ووقفا لنفوذه؛ لذلك لم يلتفت الرسول صلى الله عليه وسلم لفرار القافلة التفاته لضرورة التجوال المسلح في هذه الأنحاء إعلاءً لكلمة الله وتوهينا لكلمة الشرك، وإظهاراً لعبدة الأصنام بمظهر الذي لا يملك نفعا ولا ضراً.
ومضت قريش في سيرها مستجيبة لرأي أبي جهل حتى نزلت بالعدوة القصوى من وادي بدر.
وكان المسلمون قد انتهوا من رحيلهم المضني إلى العدوة الدنيا بعد أن قطعوا في مسيرهم مسافة تربو على مائةٍ وستين كيلومتراً (160) وهكذا اقترب كلا الفريقين من الآخر وهو لا يدري ما وراء هذا اللقاء الرهيب.
وهبط الليل فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم عليا، والزبير، وسعداً يتحسسون الأحوال ويلتمسون الأخبار، فأصابوا غلامين لقريش كانا يَمدّانِهم بالماء. فأتوا بهما وسألوهما- ورسول الله قائم يصلي- فقالا نحن سقاة قريش بعثونا نسقيهم الماء، فكره القوم هذا الخبر، ورَجوْا أن يكونا لأبي سفيان- لا تزال في نفوسهم بقايا أمل للاستيلاء على القافلة- فضربوهما ضربا موجعا حتى اضطر الغلامان أن يقولا نحن لأبي سفيان فتركوهما، ولما فرغ الرسول عليه الصلاة والسلام من صلاته قال:"إذا صدقاكم ضربتموهما وإذا كذباكم تركتموهما [2] صدقا والله إنهما لقريش" وناقشهما الرسول عليه الصلاة والسلام حتى استنتج عدد القوم وهو ما بين التسعمائة والألف وعرف مكانهم، وعرف أن أشراف قريش قد خرجوا جميعا.
فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس فقال: "هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها"[3] وانكشف وجه الجد في الأمر. إن اللقاء المرتقب سوف يكون مُرً المذاق. لقد أقبلت قريش تخب في خيلائها تريد أن تعمل العمل الذي يرويه القصيد، وتذرع المطايا به البطاح، وتحسم به صراع خمسة عشر عاما مع الإسلام؛ لتنفرد بعدها الوثنية بالحكم النافذ.
ونظر الرسول صلى الله عليه وسلم حوله، فوجد أولئك المؤمنين بين مهاجر باع في سبيل الله نفسه وماله، وأنصاري ربط مصيره، وحاضره بهذا الدين الذي افتداه وآوى أصحابه.
فأحب أن يشعر القوم بحقيقة الموقف، حتى يبصروا على ضوئه ما يفعلون. والمسلمون الذين خرجوا لأمر يسير ما لبثوا أن ألفوا أنفسهم أمام امتحان شاق، تيقظت له مشاعرهم، فشرعوا يقلبون الأمر على عجل، تكاليفه ونتائجه، وثار منطق اليقين القديم فأهاج القوم إلى الخطة الفذة التي لا محيص عنها لمؤمن.
استشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه فقام أبو بكر رضي الله عنه فقال وأحسن، ثم قام عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال وأحسن، ثم قام المقداد بن عمرو رضي الله عنه فقال: يا رسول الله امض لما أمرك الله فنحن معك. والله لا نقول لك ما قال بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون مادامت عين تطرف- فوالذي بعثك بالحق- لو سرت بنا إلى برك الغماد (مدينة بالحبشة) لجالدنا معك من دونه حتى نبلغه فقال له الرسول:"خيرا ودعا له".
وروي أن الرسول صلى الله عليه وسلم ضحك وأشرق وجهه عندما سمع مقالة المقداد وبايعه الناس جميعا فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: "أشيروا علَّي أيها الناس؟ " فقال عمر رضى الله عنه: "يا رسول الله إنها قريش وعزُّها والله ما ذلت منذ عزت، ولا آمنت منذ كفرت والله لتقاتلنك فتأهبْ لذلك أهبته، وأعد لذلك عدته".
وأعاد الرسول صلى الله عليه وسلم بعد أن فرغ عمر من قوله سؤاله قائلاً: "أشيروا علي أيها الناس"؟ ففهم الأنصار أن الرسول عليه الصلاة والسلام يقصدهم، فهم كانوا قد بايعوه يوم العقبة على أن يمنعوه مما يمنعون منه أبناءهم ونساءهم، ولم يبايعوه على اعتداء يقع خارج مدينتهم، فلما أحسوا أنه يريدهم قام سعد بن معاذ سيد الأوس وقال:"لعلك تريدنا معاشر الأنصار يا رسول الله؟ "فقال عليه الصلاة والسلام: "أجل" قال سعد رضي الله عنه: "قد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، ولعلك يا رسول الله تخشى أن تكون الأنصار ترى عليها أن لا ينصروك إلا في ديارهم، وإني أقول عن الأنصار وأجيب عنهم، فاطعن حيث شئت، وصل حبل من شئت، واقطع حبل من شئت، وسالم من شئت، وعادِ من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، وما أخذت منَّا كان أحب إلينا مما تركت، وما أمرت فينا من أمر فامرنا نتّبِع أمرك. فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك والذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا، وإنا لصُبُرٌ في الحرب صدُق عند اللقاء، لعلّ الله يريك منَّا ما تقر به عينك فسر بنا على بركة الله تعالى فنحن عن يمينك وشمالك وبين يديك ومن خلفك".
فسُرَّ الرسول صلى الله عليه وسلم بقول سعد ونشطه، ثم قال:"سيروا وأبشروا فإن الله تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين فوالله لكأني أنظر إلى مصارع القوم"[4] .
ولكن هذا الذي قاله المقداد والذي قاله سعد- رضي الله عنهما لم يكن هو مقالة جميع الذين خرجوا من المدينة مع الرسول- صلى الله عليه وسلم.
فلقد كره بعضهم القتال، وعارض فيه، لأنهم لم يستعدوا لقتال، إنَّما خرجوا لمقابلة الفئة الضعيفة التي تحرس البعير، فلما علموا أن قريشا قد نفرت بخيلها ورجلها وشجعانها، وفرسانها وركبانها، كرهوا لقاءها كراهية شديدة حتى قال أحد الحاضرين: إلى مذبحة تقودنا يا محمد.
روي عن أبي أيوب الأنصاري- رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن بالمدينة-: "إني أخبرت عن عير أبي سفيان أنها مقبلة فهل لكم أن نخرج قبل هذه العير لعل الله أن يغنمناها؟ "فقلنا: نعم. فخرج وخرجنا، فلما سرنا يوما أو يومين قال لنا:" ما ترون في قتال القوم؟ إنهم أخبروا بخروجكم"، فقلنا: لا والله مالنا طاقة بقتال العدو، ولكنا أردنا العير. ثم قال:"ما ترون في قتال القوم؟ " فقلنا: مثل ذلك. فقال المقداد بن عمرو: "إذن لا نقول لك يا رسول الله كما قال قوم موسى لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون ".
قال: فتمنينا معشر الأنصار أن لو قلنا كما قال المقداد أحب إلينا من أن يكون لنا مال عظيم.
قال: فأنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ} [5](الأنفال آية 5) .
فهذا ما حاك في نفوس فريق من المؤمنين يومئذ وما كرهوا من أجله القتال حتى ليقول عنهم القرآن الكريم: {كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ} (الأنفال آية 6) .
وذلك بعد ما تبين الحق وعلموا أن الله وعدهم إحدى الطائفتين وأنه لم يبق لهم خيار، وأن عليهم أن يلقوا الطائفة التي قدر الله لهم لقاءها كائنة ما كانت. كانت العير أو كانت النفير. كانت الضعيفة التي لا شوك لها. أم كانت القوية ذات الشوكة والمنعة.
ولقد بقي المسلمون يودون أن لو كانت غير ذات الشوكة هي التي كتب الله عليهم لقاءها: {وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ} (الأنفال آية7)[6] .
هذا ما أراده المسلمون لأنفسهم يومذاك. أما ما أراده الله لهم فكان أمرا آخر {وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ، لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ} (الأنفال آية 7،8) .
أراد الله أن تكون ملحمة لا غنيمة وأن تكون موقعة بين الحق والباطل، ليحق الحق ويثبته، ويبطل الباطل ويزهقه. نعم أراد الله للفئة المؤمنة أن تصبح أمة وأن تصبح دولة، وأن يصبح لها سلطان وقوة، وأراد لها أن تقيس قوتها الحقيقية إلى قوة أعدائها فترجح ببعض قوتها على قوة أعدائها، وأن تعلم أن النصر ليس بالعدد، وليس بالمال والخيل والزاد، وليس بالعدة، وإنما هو بمقدار اتصالها بالقوة الكبرى التي لا تقف لها في الأرض قوة، وأن يكون هذا عن تجربة واقعية لا كلاماً واعتقادا، لتزود الفئة المؤمنة من هذه التجربة لواقعها كله.
بعد أن استشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه وعرف مقدار استعدادهم للقاء عدوهم. وجد أنه يجب على المسلمين- مهما كان الثمن- أن يسبقوا إلى آبار بدر فاخذوا في السير حتى وصلوا إِلى أعلى الوادي، وكان الوادي من الجدب بحيث لم يجدوا فيه قطرة ماء- ونَفِدَ ما كان مع المسلمين من الماء، فلما كان الغد بلغ بهم الظمأ حداً أليماً من العذاب، وانتهز الشيطان هذه الفرصة فوسوس إليهم: "انظروا إلى ما قادكم إِليه ذلكم الذي يزعم أنه رسول الله القادر.
هاهم أولاء الأعداء لا يحصيهم العَدُّ يحيطون بكم، ولا ينتظرون إلا أن تخور قواكم من شدة الظمأ، فليلتهموكم التهام الفريسة السهلة التي لا تجد من يحميها"، وأخذت وسوسة الشيطان تدور برءوسهم، ومن حسن الحظ أن تعودهم على الظمأ في صيام شهر رمضان قوّى من صبرهم، وفي الوقت الذي بلغت فيه الحرارة أشُدَها، وأرسلت الشمس شعاعها كشواظ من نار وكاد ينفد الصبر، أرسل الله سبحانه وتعالى إليهم السحب تتوج القمم والآكام، وتفجرت عن الغيث المنعش، حتى سال الوادي، فشرب المؤمنون وملأوا الأسقية، وسقوا الركاب، واغتسلوا من الجنابة فجعل الله في ذلك طهوراً وثبت به الأقدام، وذلك أنه كانت بينهم وبين القوم رملة، فبعث الله المطار فضربها حتى اشتدت، وثبتت عليها الأقدام، ولم تمنعهم من السير {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ} (الأنفال آية 11) .
وعلى العكس كانت هذه العاصفة ضرراً على المشركين فقد أصابهم منها ما أعجزهم [7] عن التحول فقد كانوا في أرض سبخة، وكانت إبلهم تنزلق، وتخر على الأرض وأرجلها الطويلة ممدودة وراءها في صورة تبعث على الضحك، وكانت قوائم الخيل تغوص في الأرض، وتَعْجِزُ عن إخراجها، ويحاول الفارس تخليصها من الأرض فترتمي عليه الفرس. وساد الاضطراب وعمت الفوضى، وعرقل كل ذلك من سيرهم [8] .
والمدد على هذا النحو مدد مزدوج مادي وروحي فالماء في الصحراء مادة الحياة فضلاً عن أن يكون أداة النصر، والجيش الذي يفقد الماء في الصحراء يفقد أعصابه قبل أن يفقد حياته، والتحرج من أداء الصلاة على غير طهور بالماء لعدم وجود الماء، ولم يكن قد رخص لهم بعد في التيمم، ويدخل الشيطان من باب الإيمان، ليزيد حرج النفوس ووجل القلوب، والنفوس التي تدخل المعركة في مثل هذا الحرج وفي مثل هذا القلق تدخلها مزعزعة مهزومة من داخلها.
وهنا يجيء المدد والنجدة {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ} (الأنفال آية،11) .
ذلك أن فوق ما أوحى الله سبحانه وتعالى إلى الملائكة؛ ليثبتوا الذين أمنوا فوق وعدهم بإلقاء الرعب في قلوب الكفار.
وكان النوم قد جافى عيون المؤمنين من شدة الخوف حينما بلغهم أنهم سيقاتلون جيشاً يزيد على عددهم ثلاثة أضعاف سيحاربهم غداً وهو أشد منهم قوة وأعظم عدة، فكان من مقتضى العادة أن يناموا على بساط الأرق والسهاد ويضربون أخماسا في أسداس، ويفكرون فيما سيلاقونه في غدهم من الشدة والبأس، ولكن الله رحمهم بما أنزل عليهم من النعاس، غشيهم فناموا واثقين بالله تعالى مطمئنين لوعده، وأصبحوا على همة ونشاط في لقاء عدوهم وعدوه. ولكن محمداً صلى الله عليه وسلم بقي متيقظا مستغرقا في الصلاة {إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ.....} (الأنفال آية 11) .
وجاءت الساعة التي سيتقرر فيها مصير الإسلام، وكان ذلك يوم الجمعة السابع عشر من شهر رمضان، وكان الحباب بن المنذر مشهوراً بجودة الرأي وإخلاص النصيحة، فخاطب الرسول عليه الصلاة والسلام قائلاً:"يا رسول الله أرأيت هذا المنزل أمنزلاً أنزلكه الله أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ ". فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا بل هو الرأي والحرب والمكيدة"، فقال: يا رسول الله، فإن هذا ليس بمنزل. امض بالناس حتى تأتي أدنى ماء من القوم فننزله، ثم نغوِّر (نطمس ونردم) ما وراءه من القلب (الآبار) ثم نبني عليه حوضا فنملؤه ماء ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أشرت بالرأي" ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفذ النصيحة خطوة فخطوة، فلم يجئ نصف الليل [9] حتى تحولوا كما رأى الحباب وامتلكوا مواقع الماء.....
وتحدد بذلك مكان الموقعة، فسيضطَرُّ المشركون بلا شك إلى الحضور، لينازعوا المسلمين على الماء فليس في الوادي غيره.
وبنى المسلمون عريشا للنبي صلى الله عليه وسلم؛ ليجلس فيه بناءً على اقتراح سعد ابن معاذ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتفقد الرجال، وينظم الصفوف، ويُسْدِي النصائح، ويذكر بالله والدار الآخرة، ثم يعود إلى العريش الذي هيء له، فيستغرق في الدعاء الخاشع، ويستغيث بأمداد الرحمن.....
ووقف أبو بكر بجوار الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يكثر الابتهال والتضرع بعد أن شاهد قوة المشركين وكثرة عددهم، وينشد الله ما وعده به، وأخذ يردد "اللهم هذه قريش قد أتت بخيلائها تحاول أن تكذب رسولك. اللهم فنصرك الذي وعدتني. اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد بعدها في الأرض".
وما زال يدعو ربه حتى سقط رداؤه، وجاء أبو بكر يرد الرداء على منكبيه ويقول له:"يا نبي الله بعض مناشدتك ربك، فإن الله منجز لك ما وعدك"[10] .
والتقى الجمعان، وبدأ الهجوم من قبل المشركين إِذ برز الأسود المخزومي وكان معجبا بقوته، وصرخ بحيث يسمعه المسلمون والمشركون قائلاً:"وحق اللات والعزى لأشربن من حوضهم أو لأهْدِمَنَّه، أو لأموتن دونه". وخرج له من صفوف المسلمين حمزة بن عبد المطلب فلما التقيا ضربه حمزة ضربةً أطاحت بنصف ساقه، ووقع على ظهره والدم يسيل من رجله، ثم حبا إلى الحوض في مهارة مدهشة، وأسرع نحوه يريد أن يشرب منه، ولكن حمزة أدركه فقضى عليه.
وخرج عتبة بن ربيعة بين أخيه شيبة وابنه الوليد فدعا للمبارزة فخرج له ثلاثة إخوة من الأنصار هم: معوذ ومعاذ وعوف.فقال لهم عتبة: من أنتم؟ فقالوا: رهط من الأنصار، فقال لهم: مالنا بكم حاجة نريد قومنا، يا محمد أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا.
وقيل: إِن الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه هو الذي استرجع أولئك الأنصار رغبة منه أن تكون عشيرته أول من يواجه العدو في مثل هذا الموقف. فقال: "قم يا عبيدة بن الحارث، وقم يا حمزة بن عبد المطلب، وقم يا علي بن أبي طالب ،قوموا يا بني هاشم فقاتلوا بحقكم الذي بعث به نبيكم إِذ جاءوا ببطلانهم؛ ليطفئوا نور الله..".
فبارز عبيدة عتبة، وحمزة شيبة وعلي الوليد. فأما حمزة فلم يمهل شيبة أن قتله، وكذلك فعل علي مع خصمه، وأما عبيدة وعتبة فقد جرح كلاهما الآخر فكرَّ حمزة وعلي على عتبة فأجهزا عليه، واحتملا صاحبهما فجاءوا به إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأفرشه الرسول عليه الصلاة والسلام قدمه، فوضع خده على قدمه الشريفة، وقال يا رسول الله: لو رآني أبو طالب لعلم أني أحق بقوله:
ونذهل عن أًبنائنا والحلائل ونسلمه حتى نصرع دونه
فقال له الرسول عليه الصلاة والسلام: "أشهد أنك شهيد" ثم أسلم الروح [11] .
بعد هذه المبارزة الفردية التي أثارت العواطف الحربية بين جوانح المحاربين لا يمكن أن يطول انتظار الغزاة، وأخذ الرسول صلى الله عليه وسلم يعدل جيشه كتفا بكتف في صفوف متلاصقة كالبنيان المرصوص. وأخذ يكبح شكيمة هؤلاء المتعجلين الذين يريدون أن يتقدموا الجميع إلى القتال فيلاقوا مصرعهم دون فائدة تعود على المسلمين، ومن هؤلاء سواد بن غزيَّة، فقد برز من صفه فضربه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدح (سهم) كان في يده وقال:"استو يا سواد". فقال: يا رسول الله أوجعتني وقد بعثك الله بالحق والعدل فَأقِدْني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"اقتصً مني" فقال سواد كيف وقد ضربتني على بطني العريان.
- وهنا يتجلى حرص الرسول صلى الله عليه وسلم على إقامة العدل بين أمته، ليبين أنه لا فرق بين حاكم ومحكوم ولا بين الرسول صلى الله عليه وسلم وواحد من قومه في ميزان العدل لنأخذ منه عليه الصلاة والسلام الأسوة الحسنة:
فيكشف له الرسول صلى الله عليه وسلم عن بطنه ويقول: "استقد يا سواد"؟ فاعتنقه سواد فقبل بطنه. فقال صلى الله عليه وسلم: "ما حملك على هذا يا سواد"؟ فقال: يا رسول الله حضر ما ترى فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك"فدعا له رسول الله بخير [12] .
واستشاط الكفار غضبا للبداية السيئة التي صادفتهم فأمطروا المسلمين وابلاً من سهامهم ثم حمي الوطيس، وتهاوت السيوف وتصايح المسلمون أحد أحدٌ. وأمرهم الرسول صلى الله عليه وسلم أن يكسروا هجمات المشركين وهم يرابطون في مواقعهم وقال:"إن اكتنفكم القوم فانضحوهم عنكم بالنّبل ولا تحملوا عليهم حتى تؤذنوا". فلما اتسع نطاق المعركة واقتربت من قمتها كان المسلمون قد استنفدوا جهد أعدائهم وألحقوا بهم خسائر جسيمة. والنبي صلى الله عليه وسلم في عريشه يدعو الله سبحانه وتعالى، ويرقب بطولة رجاله وجلدهم قال ابن إسحاق:"خفق النبي خفقة في العريش ثم انتبه فقال: أبشر يا أبا بكر أتاك نصر الله، هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده على ثنايا النقع"[13] .
لقد انعقد الغبار فوق رءوس المقاتلين وهم بين كرٍّ وفرٍّ، جند الحق يستبسلون لنصرة الرحمن، وجند الباطل قد ملكهم الغرور، فأغراهم أن يغالبوا القدر.
فلا عجب إِذا نزلت ملائكة الخير تنفث في قلوب المسلمين روحَ اليقين وتحضهم على الثبات والإقدام.
ونزل قول الله تعالى: {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} (الأنفال آية 13) .
وخرج رسول الله- صلى الله عليه وسلم من مكانه إِلى الناس فحرضهم قائلاً: "والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابراً محتسباً إِلا أدخله الله الجنة". وأخذ الرسول- صلى الله عليه وسلم حفنة من حصباء فرمى بها في وجوه القوم وقال: "شاهت الوجوه".
ثم قال لأصحابه: "شدُّوا"[14]، فشدُّوا فنزل قول الله تعالى:{فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} (الأنفال آية 17) .
ولما دنا المشركون قال الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه: "قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض"والتأميل في الآخرة هو بضاعة الأنبياء. وهل لأصحاب العقائد، وفداء الحق من راحة إلا هناك، وعمل هذا التحريض عمله في القلوب المؤمنة.
فقال عمير بن الحمام الأنصاري: "لا يا رسول الله جنة عرضها السموات والأرض: قال: "نعم". قال: بخ بخ. قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم: ما يحملك على قول: بخ بخ، قال: لا والله يا رسول الله إلاّ رجاء أن أكون من أهلها؟. فقال الرسول- صلى الله عليه وسلم: "فِإنك من أهلها".
فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن. ثم قال: "لئن أًنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إِنها حياة طويلة، فرمى ما كان معه من التمر ثم قاتلهم وهو يقول رضي الله عنه:
إلا التقى وعمل المعاد ركضا إلى الله بغير زاد
وكل زاد عرضة النفاد والصبر في الله على الجهاد
غير التقى والبر والرشاد [15]
فما زال حتى قتل رحمه الله [16] .
واشتد القتال، وقتل سادات قريش، لأن المسلمين كان هَمُّهم الأكبر هو استئصال سادات قريش، فقد عذبوهم بمكة، وصدوهم عن المسجد الحرام. وقُتل من قُتل، وفرّ من فر، وانتصر جيش المسلمين وكانت معركة بدر في صالح محمد- صلى الله عليه وسلم ورجاله وولى أهل مكة الأدبار كاسفا بالهم، خاشعة من الذل أبصارهم لا يكاد أحدهم يلتقي بنظر صاحبه حتى يواري وجهه خجلاً من سوء ما حل بهم جميعا.
ثالثا: تسجيل لمواقف الخزي والعار بالنسبة لقريش ورجالها
قال الله سبحانه وتعالى: {إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ} (الأنفال آية 19) .
حينما خرج المشركون من مكة إلى بدر- أخذوا بأستار الكعبة فاستنصروا الله قائلين: "اللهم انصر أعلى الجندين، وأكرم الفئتين وخير القبيلتين".
وروي أن أبا جهل قال يوم بدر "اللهم أينا كان أقطع للرحم وآتانا بما لا نعرف فاحنه الغداة".
وأنه قال عندما التقى الجمعان في ذلك اليوم: "اللهم ربً ديننا القديم ودين محمد الحديث فأي الدينين كان أحب إليك وأرضى عندك فانصر أهله اليوم"[17] .
وتحقق طلب قريش وأبي جهل، فجعل الله الدائرة عليهم تصديقاً لاستفتاحهم؛ لأنهم طلبوا من الله أن يفتح عليهم وأن يهلك الضالين، وهذه حقيقة فقد دارت الدائرة على الفريق الضال الصاد عن سبيل الله وهزموا هزيمة منكرة.
وهذا نموذج للإجابة لا يسر ولا يشجع على إعادة الاستفتاح من جديد.
ولقد كان أبو جهل أشد المشركين عداوة للإسلام ولما وجد سيل الهزيمة النازل بقومه من المشركين- أقبل يصرخ فيهم، وغباوة الغرور لا تزال ضاربة على عينيه "واللات والعزى لا نرجع حتى نفرِّقهم في الجبال
…
خذوهم أخذاً" [18] .
ولقد كان أبو جهل تمثالاً للطيش والعناد إلى آخر رمق، وكان يقاتل في شراسة وغضب وهو يقول:
بازل عامين حديث سني ما تنقم الحرب الشموس مني
لمثل هذا ولدتني أمي
وكان المسلمون يعلمون أن أبا جهل هو المحرك لكل المؤامرات التي تحاك ضد رسول الله- صلى الله عليه وسلم فاخذوا يبحثون عنه، وتمكن معاذُ بن عمرو من الوصول إِليه وضربه ضربةً أطارت قدمه بنصف ساقه، وأسرع عكرمة بن أبي جهل لإنقاذ أبيه، فضرب معاذاً على عاتقه فطوحت يده....
ثم مر بأبي جهل فتيان من الأنصار وهما ولدا عفراء وهو على فرسه فطعناه حتى هوى عن فرسه واهتم الرسول- صلى الله عليه وسلم بالبحث عن مصير أبي جهل وأمر أن يلتمس في القتلى فذهب عبد الله بن مسعود للبحث عنه فوجده بآخر رمق، فوضع رجله على عنقه كما يضع الإنسان رجله على أفعى يريد أن يقضي عليه، وتحرك أبو جهل يسأل عن الدائرة اليوم؟. قال:"لله ورسوله"، ثم استتلى عبد الله قائلا له:"هل أخزاك الله يا عدو الله؟ "قال: وبماذا أخزاني هل أعمد من رجل قتله قومه؟ وتفرس في عبد الله ثم قال له: "لقد ارتقيت مرتقى صعبا يا رويعي الغنم"، فجعل عبد الله يهوي عليه بسيفه حتى خمد. وجزّ رأسه وجاء بها رسول الله- صلى الله عليه وسلم وحينما رأى رسول الله- صلى الله عليه وسلم وجه عدوه الدامي قال:"الله الذي لا إله غيره" ثم قال: "هذا فرعون هذه الأمة"[19] .
ولقي مثل هذا المصير المفجع أمية بن خلف وغيره من صناديد قريش حتى بلغوا سبعين صنديداً من رؤوس الكفر بمكة دارت عليهم الدائرة، وتجرعوا كؤوس الردى صاغرين، وسقط في الأسر سبعون كذلك، وفر بقية التسعمائة والخمسين يرددون لمن خلفهم أن الظلم مرتعه وخيم، وأن البطر يجر في أعقابه الخزي والعار، وهذا جزاؤهم في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب النار ويقال لهم:{ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ} (الأنفال آية 14) .
وانتصرت القلة المؤمنة على الكثرة الكافرة، والقلة الضعيفة على الكثرة القوية المستعدة.
وسيحدث ذلك في كل معركة بين الحق والباطل، بين الكفر والإيمان، لأن الله مع المؤمنين بمعونته وولايته وتوفيقه فمن ذا الذي ينتصر على من كان الله معينه وناصره؟ من يهزم جمعا معه الله.
الجواب على هذا لا أحد إن شاء الله {إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} (محمد آية7) .
--------------------------------------------------------------------------------
[1]
أبو الفداء عن ابن إسحاق 3/266، ابن هشام 1/618-619.
[2]
صحيح مسلم بشرح النووي 12/125، مسند أحمد رقم 948، ابن هشام 1/618،أبو الفداء 3/265
[3]
ابن هشام1/618، أبو الفداء 3/265.
[4]
ابن هشام 1/614 – 615،أبو الفداء 3/ 264،فتح الباري7/287.
[5]
فتح الباري 7/278-288.
[6]
أبو الفداء 3/264.
[7]
الروض الآنف 5/97، فقه السيرة ص 236، أبو الفداء 3/266.
[8]
الروض الآنف 5/97، فقه السيرة ص 236، أبو الفداء 3/266.
[9]
ابن هشام 1/620، أبو الفداء 3/267 عن ابن إسحاق.
[10]
أبو الفداء 3/272، 275. فتح الباري 7/278، الروض الأنف 5/98-130.
[11]
أبو الفداء 3/279،الروض الأنف 5/103، فقه السيرة ص 237.
[12]
أيو الفداء3/271،الروض الأنف 5/104.
[13]
ابو الفداء 3/276.فقه السيرة ص238، الروض الأنف 5/105.
[14]
أبو الفداء 3/284.
[15]
أبو الفداء 3/277، الروض الأنف 5/105-106،فقه السيرة ص239.
[16]
أبو الفداء3/277.
[17]
أبو الفداء 3/282-283.
[18]
أبو الفداء 3/283.
[19]
أبو الفداء3/287-290 ورواه أبو داود والنسائي بإسنادهما والبخاري ومسلم عن أنس بن مالك. الروض الأنف 5/113-115 142-145.
جيش العسرة
يحمي المدينة
…
ويؤَمِّن حدود الجزيرة
للدكتور عبد العظيم حامد خطاب
أستاذ مساعد بكلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة
ألقت الهجرة على المدينة المنورة عبء الدفاع عن الإسلام والتكلم باسمه، إذ أصبحت مقر الحكومة الإسلامية، وملاذ المهاجرين بدينهم، والقلعة الأولى من قلاع التوحيد.. منها تخرج السرايا والجيوش لحماية الإسلام. ولبثِ الرهبة في قلوب أعدائه لكي يأخذ الإسلام مساره إلى كافة الأرجاء دون معارضة أو صدود..
ألا يكفي أن الإسلام خرج مهاجرا من مكة إلى المدينة؟ هل يسكت حتى يخرج من المدينة أيضا؟.. لم يكن بوسع الرسول صلى الله عليه وسلم القائد النابه أن يسكت على الضيم، أو يدعْ رسولا من رسله يقتل، أو مبشراً بدعوة الإسلام يغتال أو قافلة من قوافل المسلمين تصادر، أو عهداً من عهوده ينقض بلا عقاب رادع، وجزاء فوري، يرد للمسلمين هيبتهم، وللمدينة كلمتها العزيزة المنيعة.
بل لابد للمهاجرين- المصادَرةُ أملاكهم في مكة، المطرودين من ديارهم فرارا بدينهم- أن يستردوا حقهم.. أو يثأروا للظلم الذي وقع عليهم.. ولا بد للدولة الناشئة الفتية الجديدة أن تثبت وجودها، في وسط هذا البحر الهائج بوحشية الكفر وبربرية الوثنية الباقية على الأرض العربية.
وإذا كانت الغلبة في مثل هذا الجو للقوة المسلحة وقلوب الرجال وسواعدهم، فلا بد من أن يتخذ الإسلام جانب القوة حتى يتغلب على الكفر والبربرية، ليمكن أن ينشر بين الناس فيح تعاليمه العبقة وينشر أزاهيره النضرة، ويضيف إلى المجتمع أسمى تعاليم، لبناء الحياة خضوعا لله ذي القوة والجبروت. فالإسلام هنا اتخذ أهبته الحربية بالإضافة إلى سمو تعاليمه وقوة رجاله وفدائيتهم. وأخذ بأسباب النصر.. ومن هنا كان دفاع الرسول صلى الله عليه وسلم عن المدينة..
يمكن القول بأن أول الغزوات التي استهدفت حماية المدينة من ناحية الشمال والمحافظة على تجارتها القادمة من الشام.. تلك الحملة التي خرج فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم في أواخر شهر ربيع الأول من السنة الرابعة من الهجرة النبوية إلى منطقة عرفت (بدومة الجندل)[1] وبينها وبين دمشق خمس ليال.. وكان بهذه البلدة عصابة تعرضت لتجارة المدينة، وأضرت بها ضررا بليغا.. بل بلغ من فسادها أن فكرت في الإغارة على المدينة ذاتها.
أما عن أخبار هذه الغزوة المباركة فقد ذكر مؤرخو السيرة أن الرسول صلى الله عليه وسلم خرج في ألف من المسلمين. كانوا يسيرون ليلا ويكمنون نهارا، حتى وصلت بعد خمس عشرة ليلة إلى (دومة الجندل) وفاجأ الرسول أهل هذه البلدة الظالمة فاستاق النّعَم والشاء وهرب أهل البلدة ورجال حربها وتفرقوا. فأقام صلى الله عليه وسلم أياما وبث السرايا في أنحاء المناطق المجاورة، ثم رجع الرسول بعد أن أقام أياما بما غنم، وقد خلع القلوب رهبة من فدائية رجاله.. وهيبة جلاله.. ولعل هذا الامتداد إلى الشمال هو الذي دفع الأحزاب أن تتماسك وتتعاهد على محاربة الرسول في المدينة مرة أخرى بعد غزوة أحد.
وكان لمشروع مهاجمة المدينة والقضاء على دولة التوحيد أنصار ودعاة. فأول الدعاة لهدم هذه المدينة المناضلة هم اليهود. ومن الغريب العجيب في غزوة الأحزاب أن اليهود وهم أهل كتاب منّزل تحالفوا مع قريش الوثنية على محاربة الرسول والقضاء على دعوته مع أنهم يعرفون صدقها ويجدون ذلك في كتابهم ولكنه الغل والحسد والتكبر. ويروى أن قريشا قالت: "يا معشر يهود إنكم أهل الكتاب الأول والعلم.. أخبرونا عما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد
…
أديننا خير أم دين محمد؟. فنحن نعمر البيت وننحر الإبل ضيافة ونسقي الحجيج ونعبد الأصنام "فماذا كان رد اليهود؟ قالوا: "لا اللهم أنتم أولى بالحق منه" فأنزل الله تعالى قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً} [2] .
وتحصن المسلمون بالخندق الذي أشار بحفره سلمان الفارسي. رغم ما في مشروعه من الجهد والمشقة. وسلمت المدينة من الحصار؛ حصار الأحزاب للمدينة المنورة {وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً} وتفرقت الأحزاب، وانهار آخر أمل للكفار في القضاء على المدينة وسيادتها وزعامتها، بل ازدادت قوة
…
ففي شعبان من السنة السادسة خرج الصحابي الجليل عبد الرحمن بن عوف إِلى (دومة الجندل) أميراً على سبعمائة رجل، ويقال إِن الرسول صلى الله عليه وسلم نقض عمامته [3] بيده الكريمة، وعممه بعمامة سوداء وأرخى له ذؤابة (عذبة) بين كتفيه منها ثم قال له:"هكذا فاعتم يا ابن عوف" وزوده بنصيحة، أو إن شئت بأمر فقال له:"اغزُ باسم الله، وفي سبيل الله، فقاتل من كفر بالله، ولا تغُل ولا تغدر، ولا تقتل وليداً، فهذا عهد الله وسيرة نبيه فيكم".
وخرج ابن عوف مقلدا بعمامة الرسول مزودا بأمره متوكلا على ربه فلما بلغ الجيش (دومة الجندل) مكث عبد الرحمن بها يدعوهم إِلى الإسلام ثلاثة أيام، فأسلم ملكهم (الأصبغ بن عمرو بن ثعلبة) فتزوج عبد الرحمن بابنته تماضر، تنفيذا لوصية الرسول له حين وجهه إليه، وأسلم بإسلام الأصبغ ناس كثيرون من قومه، وأقام من أقام على إعطاء الجزية التي كانت أقل من ضرائب الروم وإتاواتهم.
الفرس والروم
كانت القوى المسيطرة على شمال الجزيرة العربية في العراق والشام تتمثل في الإمبراطورية الفارسية والإمبراطورية الرومانية الشرقية (البيزنطية) وكان بينهما نزاع طويل حول السيطرة على الشام ومصر. وكان الفرس قد استولوا في الفترة بين (615- 626 م) على بيت المقدس ومصر جميعا. مع ما لبيت المقدس من مركز مرموق في الدولة البيزنطية المسيحية، فكان استلاب الأماكن المقدسة المسيحية ضربة قاسية أثارت الروم. فأرسلوا عدة حملات استهدفت إعادة الأرض المقدسة ومصر إِلى أًقاليم وسيطرة الدولة. وبالفعل تمكن الإمبراطور هرقل الأول إمبراطور الروم (610- 641 م) من إِعادة مصر والشام إِلى الحكم البيزنطي.
وفي الوقت الذي ارتقبت فيه الدولتان فترة هدوء حقيقي تستردان فيها قوتهما، وتعيدان تعمير بلادهما بعد الصلح الذي تم بينهما في (7 هـ/ 628 م) وصل إلى كليهما رسول نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يدعوهما إِلى الإسلام، ونبذ ما يعبدان من دون الله.
لم يكن العرب من قبل خطرا يهدد الدولتين وبخاصة أن أحلافا قد عقدت بين هاتين الدولتين والقبائل العربية المنتشرة في الشمال الشرقي والغربي للجزيرة العربية. ولم يكن يدور بخَلَد أي من الدولتين أن قبائل العرب المشتتة المتفرقة قد تتحد يوما، فضلا عن أن تصبح خطرا جديدا يعمل له حساب....
في هذا الوقت كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد عمل على توحيد شبه الجزيرة العربية بعد فتح مكة ونزل قول الله تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} . ودانت أغلب قبائل الجزيرة العربية بالإسلام.
كان المسلمون يتحرقون شوقا إلى حمل رسالة السماء إلى أنحاء الأرض ولم يكن المنفذ الطبيعي للدعوة والمكان المرتقب للامتداد البشري للجزيرة العربية، إلا أرض هاتين الدولتين الفرس والروم في بلاد العراق والشام. وكان على هؤلاء المسلمين أن يقوموا في وجه أكبر قوتين حربيتين في العالم في ذلك الوقت، مع ما توافر لكل منهما من الخبرة الحربية والعدة والأموال الضخمة والبراعة العسكرية.
اتجهت حملات الرسول صلى الله عليه وسلم صوب القبائل العربية المتعاقدة مع الفرس والروم بهدف إِخضاع تلك القبائل وعرض الإسلام عليها، لعلها تحمل رسالة الإِسلام إلى ما وراءها من هذا العالم. فقد وجه الرسول قبل فتح مكة عدة غزوات في هذا الاتجاه، منها الحملة العسكرية ضد دومة الجندل التي أشرنا إليها. ثم غزوة مؤته [4] التي لاقت جموعا كبيرة من الروم. وتحرف خالد بن الوليد فاستنقذ المسلمين من عدوهم وعاد بهم ظافرين. وغزوة ذات السلاسل [5] التي استنفر فيها الرسول أصحابه نحو الشام لحرب قضاعة بأرض جذام، وجعل أمير جيش المسلمين عمرو بن العاص السهمي، وأمده بجيش جعل أميره أبا عبيدة بن الجراح ومعه كبار المهاجرين كأبي بكر وعمر وكبار الأنصار.
وقد حققت تلك الغزوات أهدافها من حيث إظهار القوة الإسلامية، وتمزيق الأحلاف مع غير الإسلام. كما أذاعت الإسلام على حدود دولتي الفرس والروم، وأجبرت القبائل التي بقيت على المسيحية على التعاقد مع الإسلام والخضوع لقوته.
جيش العسرة
علم الرسول صلى الله عليه وسلم أن الروم قد جمعوا جيوشهم مرة أخرى على الحدود المتاخمة لجزيرة العربية. وقد اجتهد هرقل إمبراطور الروم المنتصر على الفرس بالأمس القريب، أن يجمع جيشا أراد به أن يتوج حياته بنصر كبير يحفظ للإمبراطورية البيزنطية هيبتها.
لم يكن أمام المسلمين اختيار بين السلم والحرب، وإنما فرضت الحرب نفسها عليهم وعزم الرسول صلى الله عليه وسلم على مواجهة جيوش الدولة البيزنطية والاصطدام معها، بل والانتصار لمعركة مؤتة والأخذ بثأر جعفر بن أبي طالب وشهداء الإسلام.
ولكن.. في أي ظروف اختار الرسول وقت المعركة.. لم ينتظر عليه السلم، خشية أن تهاجم جيوش الروم أرض الإسلام، فأسرع فأمر بتجهيز الجيش وأمر بالجهاد يقول ابن إسحاق:"كانت غزوة في زمن عسرة من الناس وجدب من البلادِ والناس في شدة"[6] . وحين أمر بالجهاد كانت الثمار قد طابتْ فالناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم، ويكرهون الشخوص لأن السفر طويل ومرهق، والعدو قوي وله ماض في الحروب طويل.
المبادرة لأمر الرسول
كان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا أراد الخروج لغزوة ورىَّ [7] بغيرها، إلا في هذه المرة فإِنه ذكر أنه يعتزم إخضاع الروم ومنازلتهم. وما فعل ذلك إلا لقوة العدو، وبُعد الطريق، وبذل غاية القوة. فحضَّ عليه السلام على الجهاد ورغب فيه وبعث إلى قبائل الجزيرة وإلى مكة يستنفر أهلها على عدوهم، فوفد المسلمون يتسابقون إلى مرضاته وطاعته، وأمر بالصدقة وتجهيز الجيش. فحملت الصدقات الكثيرة إليه صلى الله عليه وسلم.
فأول من حمل صدقته أبو بكر الصديق جاء بماله كله: أربعة آلاف درهم وما أبقى لأهله شيئا وجاء عمر بن الخطاب بنصف ماله وبلغ عمر ما جاء به أبو بكر رضي الله عنه فقال: "ما استبقنا إلى خير إلا سبقني إليه"[8] . وحمل العباس بن عبد المطلب تسعين ألف درهم، وعبد الرحمن بن عوف مائتي أوقية من الذهب، وجهز عثمان بن عفان ثلث الجيش، ثم جاء بألف دينار ففرغها في حجر النبي صلى الله عليه وسلم فجعل يقلبها ويقول:"ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم". وتبادر المسلمون في النفقة، حتى كان الرجل يأتي بالنفقة فيعطيها بعض من يخرج، ويأتي أحدهم بالبعير إلى الرجل والرجلين فيقول:"هذا بينكما تعتقبانه"[9] . وتبرعت النساء بكل ما قدرن عليه فكن يلقين في ثوب مبسوط بالمعاضد والخلاخل والخدمات والأقرطة والخواتيم [10] .
وأنفق صلى الله عليه وسلم كل ذلك على الجيش حتى فرغت النفقة، وجاءه رجال يطلبون منه أن يجهزهم للحرب، فاعتذر عن ذلك، والمشهور من بينهم سبعة رجال وهم من يقال لهم:(البكاؤون)، جاءوا يستحملون رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا أهل حاجة فقال لهم:"لا أجد ما أحملكم عليه"فتولوا يبكون قائلين: "ليس عندنا ما نتقوى به على الخروج ونحن نكره أن تفوتنا غزوة في سبيل الله".
ولقد حقق الله أملهم فحمل العباس رضي الله عنه رجلين، وحمل يامين بن عمرو ابن كعب رجلين منهم، فأعطاهما بعيرا يرتحلانه، وزود كل منهما صاعين من تمر، وحمل عثمان بن عفان منهم ثلاثة رجال [11] .
وفي الوقت الذي يتبادر فيه المسلمون إلى تنفيذ أمر الرسول صلى الله عليه وسلم جاء بعض الأعراب يعتذرون، فلم يأذن لهم الرسول. وجاء المنافقون يستأذنون من غير علة فأذن لهم. وكان عبد الله بن أبيّ بن سلول قد عسكر وحده عند جبل ذباب [12]، أسفل معسكر المسلمين عند ثَنية الوداع [13] فلما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم تخلف عنه في طائفة من المنافقين وأهل الرِّيَب [14] . وأراد أن يوهن قلوب المؤمنين فرجع قائلا:"يغزو محمد بني الأصفر مع جهد الحال والحر والبلد البعيد، أيحسب محمد أن قتال بني الأصفر اللعب؟ وقال: والله لكأني أنظر إلى أصحابه غدا مقرنين في الحبال"[15] .
خرج الرسول في رجب من السنة التاسعة للهجرة على طريق التصميم والجهاد وحوله المسلمون؛ ثلاثون ألف جندي وعشرة آلاف فرس اثنا عشر ألف بعير، وقيل عدد الجيش سبعون ألفا [16] . وأمر الرسول بأن لا يخرج رجل إلا ومعه دابة قوية ذلول. وحدث أن خرج رجل على بعير صعب القياد فعدا به فصرعه في الطريق، فقال الناس:"الشهيد.. الشهيد" فبعث الرسول مناديا ينادي "لا يدخل الجنة إلا مؤمن أو إِلا نفس مؤمنة، ولا يدخل الجنة عاص"[17] فمخالفة أمر الرسول عصيان ويحبط العمل. وفي الطريق إِلى تبوك جهد المسلمون جهدا شديدا، ولكنهم رأوا ما يثّبت قلوبهم على الحق، من علامات النبوة ورعاية الله سبحانه وتعالى لرسوله وللمجاهدين في سبيله، فقد تقَوَّل المنافقون على الرسول، فأظهره الله على مقالتهم وأعلمه ما يقولون.. وجمع الرسول بين الظهر والعصر. فكان يؤخر الظهر ويعجل العصر ثم يجمع بينهما حتى رجع من تبوك [18] .
وعارضه في مسيره حية عظيمة، فأقبلت حتى رافقت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على راحلته طويلا، والناس ينظرون إليها ثم التوت حتى اعتزلت الطريق.. فأقبل الناس حتى لحقوا رسول الله، فقال لهم:"هل تدرون من هذه..؟ " قالوا: "الله ورسوله أعلم"، قال:"هذا أحد الرهط الثمانية من الجن الذين وفدوا إليّ يستمعون القرآنس [19] ، فرأى عليه من الحق حين ألم رسول الله ببلده أن يسلم عليه، وهاهو ذا يقرئكم السلام، فسلموا عليه، فقال الناس جميعا: وعليه السلام ورحمة الله"[20] .
الثمرات السبع: كما ظهرت معجزات للرسول كثيرة منها: البركة في الطعام القليل.. والمثل لذلك ما ذكر من أن العرباض بن سارية [21] كان يلزم باب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحضر والسفر، فترك الباب قليلا ليقضي حاجة له، ثم عاد وقد تعشى الرسول ومن معه من أضيافه، وهو يريد أن يدخل قبته على أم سلمة أم المؤمنين، فلما رأى العرباض سأله عن غيبته فأخبره، ثم جاء جعال بن سراقة، وعبد الله بن مغفل المزني وثلاثتهم جياع، فطلب عليه الصلاة والسلام في بيته شيئا ليأكلوه فلم يجدْ فنادى بلالا:"هل من عشاء لهؤلاء النفر؟ " فقال لا.. والذي بعثك بالحق لقد نفضنا جرُبَنَا وحُمُتَنَا [22] قال: "انظر عسى أن تجد شيئا"، ورغم أن بلالا يعلم تماما أنه ليس بالجرب شيء من التمر، ولكن امتثالا لأمر الرسول أخذ الجرب ينفضها جرابا جرابا.. فتقع من بعض الجرب التمرة والتمرتان حتى اجتمع له سبع تمرات، فوضعها عليه السلام في صحفة وسمى الله تعالى تم قال:"كلوا باسم الله" فأكلوا
…
وأحصى العرباض أربعا وخمسين تمرة أكلها، يعدها بيده، وأكل كل واحد من الآخرين خمسين تمرة، ورفعوا أيديهم فإذا التمرات السبع كما هي.. فقال الرسول:"يا بلال، ارفعها في جرابك فانه لا يأكل منه أحد إِلا نهل شبعا".
وبات الثلاثة حول قبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقام يتهجد على عادته، فلما صلى بالناس الصبح جلس بفناء قبته، وحوله عشرة من الفقراء فقال:"هل لكم في الغداء؟ " فقال عرباض في نفسه: أيُ غَذَاء؟ فدعا بلالا بالتمر فوضع يده عليه في الصحفة ثم قال: "كلوا باسم الله" فأكلوا حتى شبعوا، وإذا التمرات كما هي فقال عليه الصلاة والسلام:"لولا أني أستحي من ربي لأكلنا من هذه التمرات حتى نرد المدينة عن آخرنا". فلما رجع إلى المدينة طلع غليم من أهل المدينة فدفعهن إلى ذلك الغلام فانطلق يلوكهن [23] .
واستطرادا لمعجزات الرسول صلى الله عليه وسلم التي ظهرت في هذه الغزوة، نذكر أنه حدث في عودتهم من تبوك أن فرغ الزاد فاستأذن المسلمون في نحر ركائبهم من الإبل، فأذن لهم رسول الله، وعلم عمر بن الخطاب بذلك فطلب إلى الناس أن يمسكوا ولا يفعلوا حتى يراجع رسول الله، ودخل عمر فقال للرسول:"أذنت للناس في حمولتهم يأكلونها؟ "فقال: "أذنت لهم أن تنحر الرفقة البعير والبعيرين ويتعاقبون فيما فضل من ظهر، وهم قافلون إلى أهليهم" فقال: "يا رسول الله، لا تفعل فإن يَكُ في الناس فضل من ظهر يكن خيراً، ولكن ادع بفضل أزوادهم، ثم اجمعها فادع الله فيها بالبركة كما فعلت في منصرفنا من الحديبية فإن الله سيستجيب لك
…
"فنادى مناديه: "من كان عنده فضل زاد فليأت به"، وأمر الأنطاع [24] فبسطت، فجعل الرجل يأتي بالمد من الدقيق والسويق أو التمر، أو القبضة من الدقيق أو الكسر، فيوضع كل صنف على حدة، وكل ذلك قليل.
…
ثم توضأ صلى الله عليه وسلم وصلى ركعتين ودعا الله تعالى ثم نادى مناديه: "هلموا إلى الطعام خذوا منه حاجتكم ". فأقبل الناس، فجعل كل من جاء بوعاء ملأه، فقال بعضهم: لقد طرحت يومئذ كسرة من خبز وقبضة من تمر، ثم رأيت الأنطاع تفيض، فجئت بجرابين فملأت أحدهما سويقا والآخر تمراً، وأخذت في ثوبي دقيقا كفانا إلى المدينة، فجعل الناس يتزودون حتى اكتفوا عن آخرهم، والرسول صلى الله عليه وسلم واقف يقول:"أشهد أن لا اله إلا الله وأني عبده ورسوله، وأشهد أنه لا يقولها أحد من حقيقة قلبه إلا وقاه الله حر النار"[25] .
نبع الماء من بين أصابع الرسول
وحديث آخر يثير الدهشة والعجب في هذه الغزوة، ومع جيش العسرة التي كانت آخر غزواته صلى الله عليه وسلم، إذ افتقد المسلمون الماء فأغاثهم الله بفضل وضوئه صلى الله عليه وسلم، فقد كان مع أبي قتادة أداوة ماء توضأ منها رسول الله وفضلت فضلة، فقال الرسول:"يا أبا قتادة، احتفظ بما في الأداوة والركوة، فإن لهما شأنا" ثم صلى الفجر بعد طلوع الشمس [26] فقرأ بالمائدة، فلما انصرفنا بعد الصلاة قال:"أما إنهم لو أطاعوا أبا بكر وعمر رشدوا"، وكان الجيش قد سبق سائرا نحو المدينة فأراد كل من أبي بكر وعمر أن ينزل الجيش في موضع الماء فأبوا عليهما، ولكنهم فقدوا الماء بعد ذلك فنزلوا على غير ماء بفلاة من الأرض.
ركب رسول الله فلحق بالجيش عند زوال الشمس، فوجد الجيش قد لحقه عطش شديد، حتى كادت تنقطع أعناق الرجال والخيل عطشا. فلما أبصر الرسول حالهم وما هم عليه من الشدة، دعا بالركوة من أبي قتادة فأفرغ ما في الاداوة فيها. ثم وضع أصابعه عليها فنبع الماء من بين أصابعه، وأقبل الناس فاستقوا وفاض الماء حتى ترووا وأرووا خيلهم وركابهم وإن كان في العسكر اثنا عشر ألف بعير، والخيل عشرة آلاف، والناس ثلاثون ألفا، فظهر سر قول رسول الله لأبي قتادة "احتفظ بما فيهما فإن لهما شأنا"[27] .
وقد دعا صلى الله عليه وسلم لراوية ماء اشتراها أُسيد بن حضير من امرأة من (بَلّى)[28] . في الطريق فأتى بها إلى الرسول فقال للناس: "هلموا أسقيتكم".. فلم يبق معهم سقاء إلا ملأوه، ثم دعا بركائبهم وخيولهم فسقوها حتى نهلت وانبسط الماء حتى يصف عليه المئة والمئتان [29] . وهكذا تحول العسر يسرا، وكأن الله سبحانه أراد أن يُثَبِّتَ المؤمنين ويلزم المنافقين الحجة، ويؤيد رسوله في آخر غزواته بما لا يسع أحداً إنكاره.
على مشارف الشام
فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم تبوك جمع الناس فخطب فقال: "أيها الناس.. أما بعد.. فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأوثق العرى كلمة التقوى، وخير الملل ملة إبراهيم، وخير السنن سنة محمد، وأشرف الحديث ذكر الله، وأحسن القصص هذا القرآن، وخير الأمور عواقبها، وشر الأمور محدثاتها، وأحسن الهدى هدى الأنبياء، وأشرف الموت قتل الشهداء، وأعمى العمى الضلالة بعد الهدى، وخير الأعمال ما نفع، وخير الهدى ما اتبع، وشر العمى عمى القلب، واليد العليا خير من اليد السفلى، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى". وختم بقوله: "ومن يصبر يضاعف الله له، ومن يعص الله يعذبه الله، اللهم اغفر لي ولأمتي، اللهم اغفر لي ولأمتي، اللهم اغفر لي ولأمتي "(قالها ثلاثا) ثم قال: "استغفر الله لي ولكم"[30] .
علم الروم بأمر هذا الجيش الذي خرج لمواجهتهم بقيادة الرسول الكريم وعلموا قوته وعدده وحماسته فآثروا الانسحاب إلى حمص، ورجعت قوة الحدود لتتحصن داخل بلاد الشام وحصونها.. وعرف الرسول بأمر الانسحاب، ونمى إليه ما أصابهم من خوف.. فلم ير محلا لتتبعهم داخل الشام.
وقد يكون الروم قد قصدوا أن لا يسيروا إلى المسلمين لقتالهم، لأن تبوك في الجنوب الأقصى من بلاد الشام، أو لأن هرقل إمبراطورهم اعتقد بأن النبي محمد رسول من الله حقا، وتُورد بعض الصادر الإسلامية أن هرقل أرسل رجلا من غسان لينظر في صفة النبي وعلامته [31] ، فجاء الرجل إلى النبي وهو في تبوك فوعى أشياء ذكرها لهرقل. ولذا لم يتحرك من موضعه لمقابلة جيش المسلمين الواصل إلى تبوك بقيادة الرسول نفسه.
أقام جيش العسرة المتعطش لمدافعة الأخطار الخارجية في تبوك: وهي مدينة على الطريق بين المدينة ودمشق على مسيرة اثني عشر يوما من المدينة. (الطرق الحديثة الحالية تبلغ 686 كيلو مترا) وتقع على الحدود الشمالية للجزيرة العربية، وعلى حدود الإمبراطورية البيزنطية.
ويذكر المؤرخون أن سكان تبوك من الروم وعاملة وجذام هربوا عندما بلغهم وصوله صلى الله عليه وسلم. وذلك راجع إلى ما ظهر عند أول احتكاك فعلي بين الروم والمسلمين العرب في غزوة مؤتة، فقد حدث بعد مقتل أمرائها الثلاثة أن أخذ الراية خالد بن الوليد، وكان الله قد جَلّى لنبيه ميدان المعركة فقال:"ثم أخذ الراية خالد بن الوليد، اللهم إنه سيف من سيوفك أنت تنصره". ثم قال: "الآن حمي الوطيس". فقتل المسلمون من الروم وحلفائهم من العرب مقتلة لم يقتلها قوم، وهزم الله العدو وأظهر المسلمين [32] .
فقد شهد الروم أن المسلم يريد أن يموت في سبيل الله ولا يعنيه كيف مات ما دام قد قتل عددا قبل استشهاده. ولأن المسلم كان في ذروة حماسته لدينه على حين كان الرومي ولو أنه محارب مدرب، إلا أنه لم يكن متحمسا دينيا وذلك للنزاع بين المذاهب المسيحية، فضلا عن أن الحرب مع الفرس كانت قد قضت على خيرة المحاربين الرومان، بالإضافة إلى أنهم لا يقاتلون إلا في قرى محصنة أو من وراء جُدُر.
أقام الرسول صلى الله عليه وسلم وجيش العسرة على حدود الإمبراطورية البيزنطية [33] ، عشرين يوما على أرجح الأقوال، يتحدى من يشاء أن ينازله أو يقاومه، وقصد من بقائه هذه المدة الطويلة أن يعمل على كفالة وضمان حدود الجزيرة العربية في الشمال، حتى لا يتخطاها من بعد ذلك أحد [34] .
وكان يوحنا بن رؤبة صاحب أيله (العقبة) أحد الحكام الموالين للروم على حدود الجزيرة العربية، فأنذره الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يذعن أو يغزوه، فاقبل يوحنا، وعلى صدره صليب من ذهب، وقدم والهدايا معه، وتقدم بالطاعة، فصالح الرسول وأعطاه الجزية [35] . كما صالح الرسول أهل جرباء وأذرح ومقتا فقدموا الجزية رمزا للخضوع والإذعان وكتب لهم الرسول كتبا بالأمان [36] .
أسر أكيدر ومصالحته
لم يكن بعد انسحاب الروم خوف من هجومهم المباشر، ولكن خشي الرسول انتقاض أكيدر بن عبد الملك الكندي النصراني أمير دومة الجندل، ومعاونة جيوش الروم إذا جاءت من ناحيته، وتأتي أهمية دومة الجندل، أن حولها جموع القبائل الكثيرة العدد والمسلحة بأسلحة الرومان، فكان لا بد من إخضاعه لتأمين منطقته.
لذا بعث الرسول صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد من تبوك ومعه أربعمائة وعشرون فارسا إلى أكيدر وأمره بأن يعتقله ولا يقتله ويأتي به أسيرا. ومن أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم أن خالدا قال: يا رسول الله كيف لي به وهو وسط بلاد كلب، وإنما أنا في عدد يسير فقال له:"إنك ستجده يصيد البقر فتأخذه فلا تقتله وائت به إلي"[37] . وما يظن أحد إلا أن الصيد يكون بعيداً عن الحصون والعمران، ولكن خيل السرية المسلمة الممتثلة لأمر رسوله الله، المجاهدة في سبيل إعلاء كلمة الله، سارت بقيادة خالد نحو الحصن، إذ أين يبحث عنه في مسارح الصيد ومشاربه ووهاد الصحراء؟.
قَدم خالد حتى إذا كان من حصن دومة بمنظر العين، ربض ينتظر غِرّة فيهجم، وكان من عادته أن لا يبيت إلا على تعبئة، وأعطاه الله بصيرة بالحرب نافذة، لَبِث حتى مضى جزء من الليل، فإذا بقول رسول الله يتحقق!..ِ
كانت ليلة مقمرة مضيئة، وكان أكيدر على سطح قصره وحصنه ومعه امرأته، فأقبلت البقر الوحشية إلى قصر أكيدر جماعة تحك بقرونها باب الحصن تستنزل صاحبه
…
فقالت له امرأته: هل رأيت مثل هذا قط؟ قال: لا والله. قالت: فمن يترك هذه؟ قال: لا أحد.
فنزل فأمر بفرسه فاسرج له، وركب معه نفر من أهل بيته، منهم أخ له يقال له حسان، فركب وخرجوا معه، ففرت البقر أمامهم فطاردوها، وبينما هم كذلك، تلقتهم خيل رسول الله بقيادة خالد، فأسرت أكيدر وقتلت أخاه، فلما صار في أيدي المسلمين صالح خالد، ودخل به الحصن فافتتحه ومن معه من الفرسان، وكان صلحه على ألفي بعير وثلاثمائة رأس من الرقيق، وأربعمائة درع، وأربعمائة رمح. وتوجه خالد ومعه أكيدر يطلبان الرسول، الذي كان قد انصرف عن تبوك عائدا إلى المدينة، فقدم إليها خالد ومعه أسيره، وما صالح عليه أهل الحصن فأقرّ الرسول ما أمضى خالد [38] .
وعجب الناس لهذه الحادثة وقول رسول الله "ستجده يصيد البقر" فقال رجل من طيء: "وما صنعت البقر تلك الليلة حتى استخرجته"، لتصديق قول رسول الله صلى الله عليه وسلم. وذُكر أن أكيدر قال عن البقر:"والله ما رأيتها قط جاءتنا إلا البارحة. وقد كنت أضمر لها اليومين والثلاثة، ولكن قَدَّر الله". فقال صاحب طيء:
رأيت الله يهدي كل هاد [39]
تبارك سائق البقران إني
وأطلق رسول الله أكيدر وكتب له أمانا كما كتب لغيره [40] . ولعل إصدار هذه الكتب من الرسول يدل على سيادة المسلمين على هذه المناطق. أي السيطرة على حدود الجزيرة العربية في الشمال. وبهذا حقق الرسول هدفه من تأمين حدود شبه الجزيرة، وأقام من هذه البلاد والحصون معاقل متقدمة بينه وبين الإمبراطورية البيزنطية، حتى يأتي دور إخضاعها نهائيا.
المنافقون والتآمر
أشرت فيما مضى أن قطاعا من المنافقين رجع من ثنية الوداع [41] . ولكن صحب المجاهدين أفراد من المنافقين، فكانوا قوة هدامة، اشتد عداؤها للرسول رغم ما ظهر أمامهم من آيات واضحة لكل ذي قلب أو ألقى السمع. ولكن النفاق غلف قلوبهم، وعشى أبصارهم فلا وَعْي ولا بصيرة، بل حدث في هذه الغزوة جريمة كبيرة، حين تاَمروا على قتل الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه، ولكن لم يشأ صلى الله عليه وسلم وهو يعرفهم أن يقتلهم عندما كشف مؤامرتهم.
كان المنافقون قد تآمروا على أن يطرحوا الرسول عندما يبلغ إحدى العقبات على الطريق فلما بلغ صلى الله عليه وسلم تلك العقبة أراد المنافقون أن يسلكوها معه، فاعلم الله نبيه نبأ هذه المؤامرة، فأمر الناس أن يسلكوا بطن الوادي، وسلك صلى الله عليه وسلم العقبة فكان مناديه حين أنذرهم بأمره قد قال لهم:"إن رسول الله آخذ بالعقبة فلا يأخذها أحد"[42] .. وأمر عمار بن ياسر بأن يأخذ زمام الناقة، وأمر حذيفة بن اليمان أن يسوق خلفه.
وبينما رسوله الله صلى الله عليه وسلم يسير في العقبة إذ سمع حِسَّ القوم قد غَشوه فغضب وأمر حذيفة بأن يردهم، فرجع إليهم فجعل يضرب وجوه رواحلهم، فانحطوا مسرعين من العقبة حتى خالطوا الناس، وأتى حذيفة فِساق به، فلما خرج من العقبة سأله الرسول:"هل عرفت أحداً من الركب الذين رددتهم؟ " قال: "يا رسول الله .... عرفت راحلة فلان وفلان وكان القوم ملثمين فلم أعرفهم من أجل ظلمة الليل؟ [43] .
قال ابن اسحق: إن النبي صلى الله عليه وسلم أعلم بأسمائهم حذيفة بن اليمان. وذكر الحافظ البيهقي أنهم كانوا أربعة عشر رجلا أو خمسة عشر، وأشهد بالله أن اثني عشر منهم حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، وعَذَر ثلاثة منهم أنهم قالوا ما سمعنا المنادي، ولا علمنا ما أراد القوم [44] .
وكانوا قد أسرعوا برسول الله فسقط بعض متاع رحله
…
يقول حمزة بن عمرو الأسلمي: "فنور لي في أصابعي الخمس فأضاءت حتى كنا نجمع ما سقط
…
السوط
…
والحبل وأشباهها، حتى ما بقي من المتاع شيء إلا جمعناه" [45] .
هذا موقف عدائي للرسول أطلعه الله عليه، ومع ذلك لم يأذن له لأن يقتدهم. فلما أصبح الرسول قال أسيد بن حضير: ما منعك يا رسول الله من سلوك الوادي فقد كان أسهل، فقال:"يا أبا يحي أتدري ما أراد البارحة المنافقون، وما هموا به؟ ، قالوا نتبعه في العقبة فإذا أظلم الليل قطعوا أنساع راحلتى ونخسوها، حتى يطرحوني عن راحلتي ". قال أسيد بن حضير الأوسي الأشهلي وهو أحد النقباء يا رسول الله: قد اجتمع الناس ونزلوا فمر كل بطن أن تقتل الرجل عشيرتُه
…
وإن أحببت فنبئني بهم، فوالذي بعثك بالحق لا تبرح حتى آتيك برؤوسهم، فإن مثل هؤلاء لا يتركون
…
يا رسول الله، حتى متى نداهنهم وقد صاروا اليوم في القلة والذلة، وقد ضرب الإسلام بجرانه، فما نستبقي هؤلاء، فقال صلى الله عليه وسلم "يا أسيد إني أكره أن يقول الناس إن محمدا لماّ نقضت الحرب بينه وبين المشركين وضع يده في قتل أصحابه"
…
قال يا رسول الله ليسوا بأصحابِ
…
قال: "أليس يظهرون شهادة أن لا إله إلا الله
…
" قال: "بلى ولا شهادة لهم". قال: "أو ليس يظهرون أني رسول الله"، قال: بلى. ولا شهادة لهم.... قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "وقد نهيت عن قتل أولئك" [46] .
والملاحظ أن الرسول اشتد بعد ذلك في معاملته للمنافقين-. وقد بدأ بأن أمر بإحراق مسجد الضرار، وتقويض أركانه وفضح بناته ورواده؛ ذلك لأنه بني ضرارا لمسجد رسول الله بالمدينة أو لمسجد قباء، بني كفراً بالله وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله، وهو أبو عامر الفاسق. وكان المنافقون مجتمعين فيه بين المغرب والعشاء فاحرقه رسولا النبي صلى الله عليه وسلم وهدماه حتى وضعاه في الأرض [47] .
وقد ارتعدت فرائص المنافقين بعد هذا الحادث، وأدركوا- أنه قد انكشف أمر نفاقهم وأن الرسول يعرفهم تماما، من تخلفهم ومن رجوعهم ومن مؤامراتهم. وفقد المنافقون بعد العودة من تبوك شيخهم عبد الله بن أبي بن سلول، فمات بعد شهرين من عودة الرسول من تبوك، وبوفاته انهار ركن المنافقين ونزل قول الله تعالى:{وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ} [48] . ويبدو أن من بقي آثر السلامة، بعد أن اعتبر بما سلف منهم والله أعلم بالسرائر.
المتخلفون عن جيش العسرة
كان قد تخلف عن رسول الله نفر من المسلمين أخطأت بهم النية من غير شك أو ارتياب كما تخلف رهط من المنافقين، وبعد عودة الرسول إلى المدينة جاء المخلفون إليه يعتذرون، فقبل منهم علانيتهم وإيمانهم. وحلَفوا فصدقهم. واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله تعالى.
وكان ممن تخلف ثلاثة نفر هم: كعب بن مالك، ومرارة بن الربيعة وهلال بن أمية. فأما كعب فقد قدم على رسول الله وهو جالس في المسجد فسأله:"ما خلفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟ "[49] . قال:
"بلى يا رسول الله، والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر.. ولقد أعطيت جدلا. ولكن والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديثا كاذبا لترضى عني، ليوشكنّ الله أن يسخط عليّ. ولئن حدثتك اليوم حديثا صادقا، تَجِدُ عليّ فيه. إني لأرجو عقبى الله فيه.. والله ما كان لي عذر. والله ما كنت أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك". فقال عليه السلام: " أما أنت فقد صدقت. فقم حتى يقضي الله فيك"[50] .
وقام إليه رجال من قومه يقولون له: "أما كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله لك". وظلوا به حتى كاد أن يرجع فيكذب نفسه، فلقيه معاذ بن جبل وأبو قتادة فقالا له:"لا تطع أصحابك، وأقم على الصدق فإن الله سيجعل لك فرجا ومخرجا إن شاء الله ".
فقال لهما: "هل أتى هذا أحد غيري؟ "، قالا له:"نعم، مرارة بن الربيع وهلال بن أمية "[51] يقول: "فذكرا لي رجلين صالحين قد شهدا بدراً ولي فيهما أسوة". ومضى حتى يقضي الله فيه.
ونهى رسول الله عن كلام الثلاثة فاجتنبهم الناس، وتغيروا لهم، حتى تنكرت لهم أنفسهم، فلبثوا على ذلك أربعين ليلة. ثم بعث رسول الله بأن يعتزلوا نساءهم. فلما انقضت خمسون ليلة. أنزل الله توبته عليهم التي فرح بها المجتمع الإسلامي كله وهو قوله: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَة
…
} الآية.
وهكذاِ.. كان من نتائج هذه الغزوة تأمين الجزيرة العربية ضد القوى المسيحية والوثنية في الشمال، وكشف العناصر المخادعة من المنافقين في الداخل، والضرب على أيديهم، وتنقية المجتمع الإسلامي من الشوائب الضارة.
ولا ريب أن هذه الغزوة إلى الحدود الشمالية تشير إلى الاتجاه الذي أراده الرسول للفتوحات الإسلامية من بعده. وضرورة إخضاع دولتي الفرس والروم لإزالة سيطرتهما عن العراق والشام، حتى ينطلق الإسلام إلى ما وراءهما، بل كان آخر عمل للرسول صلى الله عليه وسلم، إعداده جيش أسامة بن زيد لقتال الروم، ووصيته للصحابة بأن لا يتخلفوا عنه. والتي ساهم فيها كبار الصحابة وكان لها آثار طيبة على مستقبل الإسلام.
--------------------------------------------------------------------------------
[1]
بضم الدال وفتحها من أعمال المدينة. سميت بدوم بن إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام وهي بلدة وحصن بين الشام والمدينة أنظر: ياقوت: معجم البلدان، العباسي، أحمد بن عبد الحميد: عمدة الأخبار في مدينة المختار ص 210.
[2]
انظر: ابن هشام: السيرة النبوية ج 2 ص 214، 215.
[3]
يذكر ابن هشام أنه كان قد اعتم بعمامة من كرابيس (من قطن) سوداء: انظر السيرة النبوية ج 2 ص 632.
[4]
مؤتة قرية من قرى البلقاء من أرض الشام. وكانت الغزوة في جمادى الأولى سنة ثمان: ابن هشام: السيرة النبوية 2/373.
[5]
ماء بأرض جذام وراء وادي القرى على عشرة أيام من المدينة. وهي أرض بني عذرة: انظر العباسي، أحمد بن عبد الحميد: عمدة الأخبار ص 224، ابن هشام: السيرة النبوية ج 2 ص 623.
[6]
ابن هشام: السيرة النبوية ج2 ص 516؛أبو الحسن الندوي: السيرة النبوية ص 412-416.
[7]
اظهر أنه يريد غير الوجه الذي يتجه إليه.
[8]
المقريزي: إمتاع الأسماع بما للرسول من الأنباء والأموال والحفدة والمتاع تحقيق محمود محمد شاكر ج1 ص 446.
[9]
يعتقبانه أو يعتقبان عليه أي يتناوبانه وفي الحديث: فكان الناضح يعتقبه منا الخمسة أي يتداولون في الركوب عليه (لسان العرب) .
[10]
انظر: المقريزي: إمتاع الأسماع بما للرسول من الأنباء والأموال والحفدة والمتاع تحقيق محمود محمد شاكر ج1 ص 446.
[11]
انظر: المرجع السابق ج1 ص 449.
[12]
جبل بالمدينة وهو الذي عليه مسجد الراية: انظر: العباسي: عمدة الأخبار في مدينة المختار 212.
[13]
تقع شمال المدينة خلف سوقها القديم بين مسجد الراية على جبل ذباب ومشهد النفس الزكية قرب سلع: المرجع السابق ص186.
[14]
انظر: ابن هشام: السيرة النبوية ج2 ص 519: ابن سيد الناس: عيون الأثر ج2 ص 218.
[15]
انظر: المقريزي: إمتاع الأسماع ج 1 ص 450: ابن هشام: السيرة النبوية 2 ص 525.
[16]
انظر: المقريزي: المرجع السابق ج 1 ص 450.
[17]
المرجع السابق ص 449.
[18]
انظر: ابن كثير. أبو الفداء، إسماعيل: السيرة النبوية تحقيق مصطفى عبد الواحد ج 4 ص 22.
[19]
استشهد ابن إسحاق على ذلك بقوله تعالى {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ} وإن ذلك كان بوادي نخلة على ليلة من مكة منصرف النبي من الطائف وذكر أنهم كانوا سبعة نفر من جن نصيبين قاعدة ديار ربيعة: انظر: ابن هشام السيرة النبوية ج1ص422.
[20]
المقريزي: إمتاع الأسماع بما للرسول من الأنباء والأموال والحفدة والمتاع تحقيق محمود محمد شاكر ج1 ص 459.
[21]
ذكر حديث العرباض أيضا ابن كثير: شمائل الرسول ودلائل نبوته وفضائله وخصائصه ص223، 224.
[22]
الجرب واحده جراب وهو الوعاء لحفظ الزاد. والحمت جمع حميت وهو وعاء من جلد لا شعر عليه يحفظ فيه السمن. المعجم الوسيط ج1 ص 114، 195.
[23]
انظر: المقريزي: إمتاع الأسماع ج1 ص 472: ابن كثير: شمائل الرسول ودلائل نبوته ص 224.
[24]
الأنطاع جمع نطع وهو البساط من الجلد. المعجم الوسيط ج2 ص938.
[25]
راجع: المقريزي: إمتاع الأسماع ج1 ص474: راجع أيضا ابن كثير: السيرة النبوية ج4 ص 18 ولكنه يذكر أن الرسول قال: "أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقى الله بها عبد غير شاك فيحجب عن الجنة ".
[26]
كان الرسول قد عرس ومعه أبو قتادة وثلاثة من المسلمين فلم يوقظهم إلا حر الشمس: انظر المقريزي: إمتاع الأسماع ج1 ص 475
[27]
المقريزي: إمتاع الأسماع ج1 ص 476.
[28]
بلّى بطن من قضاعة.
[29]
المقريزي: إمتاع الأسماع ج 4 ص 24، 25: المقريزي: إمتاع الأسماع ج 1 ص 460.
[30]
ابن كثير السيرة النبوية ج4 ص 24، 25: المقريزي: إمتاع الأسماع ج1 ص 460.
[31]
أورد ابن كثير خبر رسول قيصر الروم ورسالته التي حملها إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأن من حمل الرسالة رجل من تنوخ وهي إحدى القبائل الغسانية المتحالفة مع الروم: انظر البداية والنهاية ج5 ص 15، 16.
[32]
وقد ذكر ابن إسحاق من أن خالد إنما حاش بالقوم حتى تخلصوا من الروم (ابن هشام: السيرة ج2 ص 380) أما موسى بن عقبة والواقدي فصرحا بأنه هزم جمع الروم والعرب الذين معهم وهو ظاهر حديث أنس مرفوعا ورواه البخاري: "ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله ففتح الله على يديه "(ابن كثير: البداية والنهاية ج4 ص 248) .
[33]
تسمى الإمبراطورية الرومانية الشرقية كما أسلفنا أو دولة الروم أيضا.
[34]
انظر: المقريزي: إمتاع الأسماع ج1 ص 473.
[35]
انظر: المرجع السابق ج1 ص 468.
[36]
كتب الأمان يمكن الرجوع إليها في مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة لمحمد حميد الله الحيدر أبادي وانظر أيضا: ابن هشام: السيرة النبوية ج2 ص 525، 526: ابن كثير: السيرة النبوية ج4 ص30: المقريزي إمتاع الأسماع ج1 ص 466_469.
[37]
انظر: المقريزي: إمتاع الأسماع بما للرسول من الأنباء والأموال والحفدة والمتاع ج1 ص 463.
[38]
راجع: ابن هشام: السيرة النبوية ج2 ص 526: إمتاع الأسماع ج1 ص 464-465.
[39]
راجع: ابن هشام: السيرة النبوية ج2 ص 526/527.
[40]
انظر: ابن سيد الناس: عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير ج2 ص 221: المقريزي: إمتاع الأسماع ج1 ص 466.
[41]
انظر: ابن هشام: السيرة النبوية ج2 ص 519: ابن سيد الناس: عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير ج2 ص 216.
[42]
راجع: ابن كثير: السيرة النبوية ج4 ص 37.
[43]
المقريزي: إمتاع الأسماع بما للرسول من الأنباء والأموال والحفدة والمتاع ج1 ص 477، 488.
[44]
ابن كثير: السيرة النبوية ج4 ص 35- 37، المقريزي: إمتاع الأسماع ج1 ص 479.
[45]
انظر: المقريزي: إمتاع الأسماع بما للرسول من الأنباء والأموال والحفدة والمتاع ج1 ص 478.
[46]
انظر: المقريزي: المصدر السابق ج1 ص 479.
[47]
في عودة الرسول إلى المدينة عندما اقترب منها أعلمه الله بأمر مسجد الضرار فأمر مالك بن الدخشم السالمي وعاصم بن عدي العجلاني فانطلق مالك فخرج بنار من عند أهله فحرقاه وهدماه (راجع: ابن هشام: السيرة النبوية ج2 ص 530.المقريزي: إمتاع الأسماع ج1 ص 480/481.
[48]
انظر: ابن هشام: السيرة النبوية ج2 ص 552، ابن كثير، البداية والنهاية ج5 ص 34.
[49]
أي اشتريت ما تركبه للسفر معنا، والخروج مع الجيش.
[50]
انظر: لبن هشام: السيرة النبوية ج2 ص 533: المقريزي: إمتاع الأسماع ج1 ص 485.
[51]
راجع: المقريزي: إمتاع الأسماع ج1 ص 485/486.
من أعلام الدعوة الإسلامية في الهند
السيخ زين العابدين بن علي المعبري المليباري
للدكتور محيي الدين الألوائي
أستاذ مساعد بالجامعة
كان الشيخ زين الدين بن علي من جلة العلماء الهنود في القرن التاسع الهجري (القرن الخامس عشر الميلادي) وصاحب مؤلفات عديدة باللغة العربية في العلوم الإسلامية والدعوة والإرشاد والفقه والتاريخ والنحو والصرف والعروض وغيرها. ولعائلة الشيخ زين الدين يد طولى في نشر العلوم الإسلامية واللغة العربية وآدابها في الهند. ولا تزال عائلته معروفة في بلدة (بوناني) في (مليبار) بولاية (كيرالا) الهندية، عائلة علم وأدب ودعوة، ويطلق عليها أهالي مليبار (عائلة المخدومين) ويدعى كل فرد منها بلقب (مخدوم) .
موطنه ومولده:
ولد زين الدين بن علي عام 873هـ _1468م في منطقة (معبر) الواقعة في الجنوب الشرقي لساحل مليبار بشبه القارة الهندية. ومنطقة (كورا مندال) في أقصى جنوب الهند كان يسميها العرب المؤرخون (معبر) لأن الموانئ المنتشرة في هذه المنطقة الممتدة بين مدينة (كويلون) في جنوب كيرالا وبين مدينة (نلّور) بمقاطعة مدراس، وكانت مركزا لارتياد السفن التجارية للعرب في السواحل الهندية، كما كانتا بمثابة معبر رئيسي للسفن القادمة من سواحل جزيرة العرب والخليج العربي في طريقها إلى سيلان والصين وجاوا وغيرها من بلاد الشرق الأقصى. وكذلك استوطنت في شواطئها جاليات عربية منذ عصور قديمة.
معبر (مفتاح الهند)
ونظرا لمركز (معبر) الجغرافي والاقتصادي، عرف ملكها باسم (ديور) أي الغني، وكانت لها علاقات تجارية وثقافية مع جهات الهند والبلدان المجاورة، حتى اشتهرت معبر بين التجار العرب وغيرهم باسم (مفتاح الهند) . وكان ملكها (سوندرا بانديا) يحب التجار العرب كثيرا لما لهم من دور كبير في تنمية اقتصاد البلاد ورخائها، فقد اختار الملك مسلما عربيا وهو (تقي الدين بن عبد الرحمن بن محمد الطيب) المولود في المدينة المنورة ليكون مستشارا له في الشئون التجارية والاقتصادية، ثم عينه واليا على مقاطعة- كايل باتنام- إحدى الموانئ الرئيسية في (معبر) .
ارتحاله إلى مليبار:
وفي بداية القرن العاشر الهجري ارتحل الشيح زين الدين بن علي وأسرته من مسقط رأسه بمعبر إلى مليبار (كيرالا) التي نزلت في مدينة (كوتشين) ، ثم انتقلت إلى مدينة (بوناني) إحدى المراكز الأولى للمستوطنين العرب في شواطئ جنوب غربي الهند على بحر العرب. ثم بنى الشيخ مسجدا جامعا كبيرا في بوناني ليكون مركزا لنشر الدعوة الإسلامية واللغة العربية بين أهالي مليبار.
مركز (بوناني) العلمي:
وبعد وصول الشيخ زين الدين بن علي إلى بوناني وبناء مسجده المدرسي فيها، أصبحت هذه المدينة منار النور والعرفان ومحط رجال العلم والأدب القادمين من أرجاء الهند ومن مصر وسوريا، فكان من بين المدرسين في هذا الجامع الشيخ شهاب الدين أحمد بن حجر الهيتمي (المتوفى سنة 909 هـ) . ووضع الشيخ تصميم هذا المسجد الجامع، بحيث يصلح لأن تعقد فيه حلقات الدروس، ويقيم في زواياه وأروقته طلبة العلم الذين يفدون إليه من خارج المدينة. وقام بالتدريس فيه كبار أساتذة العلوم الإسلامية والعربية مثل الشيخ (ابن حجر الهيتمي) المذكور. وتخرج من هذا المركز العلمي عدد كثير من العلماء الأعلام في علوم الإسلام واللغة العربية، منهم نجل الشيخ زين الدين وحفيده، الشيخان عبد العزيز بن زين الدين، وزين الدين بن عبد العزيز المعروف بزين الدين الثاني، فكانوا من جلّة العلماء الهنود في الفقه والتوحيد والتاريخ الإسلامي في الهند، وأصحاب مؤلفات عديدة باللغة العربية في هذه المواضيع.
وكان من العلماء الدعاة الذين درسوا العلوم الإسلامية في هذا الجامع المدرسيّ الشهير والدي المرحوم الشيخ مقار المولوي- المتوفى سنة 1969م- الذي قضى سنوات عمره كله في الدعوة إلى الله بالوعظ والإرشاد. وبتوجيه من والدي، قضيت فترة من الزمن، في الثلاثينات من هذا القرن، في مدينة (بوناني) أتلقى العلوم الإسلامية والعربية في جامع الشيخ زين الدين، حسب النظام القديم المتبع فيه جيلا بعد جيل.
مؤلفاته العربية:
من مؤلفات الشيخ زين الدين بن علي في اللغة العربية، (مرشد الطلاب) في الوعظ والإرشاد، و (تحفة الأحباء) في السيرة النبوية، و (إرشاد القاصدين) وهو مختصر لكتاب (منهاج العابدين) للإمام الغزالي، و (شعب الإيمان) وهو ترجمة عربية لكتاب فارسي بهذا الاسم للسيد (نور الدين أيجى) و (كفاية الفرائض) في علم الميراث، وكتب أيضا هي شروح قيمة باللغة العربية لبعض كتب العروض والنحو، ومنها كتاب (القافية) لابن حاجب، و (الألفية) لابن مالك، و (تحفة) لا بن الوردي، و (الإرشاد) لابن المقري.
مؤلفاته المنظومة:
وصنف الشيخ زين الدين بن علي بعض الكتب منظومة باللغد العربية منها (أرجوزة) بالعربية باسم: (تحريض أهل الإيمان على جهاد عبدة الصلبان) . وهو في بيان قصد احتلال البرتغاليين لسواحل مليبار ومظالمهم للمسلمين، وفيها يحث الهنود على الجهاد لطرد المستعمرين.
وفيما يلي مقتطفات من شعره:
حمدا يوافي برّه المتكاملا
الحمد لله المفوق للعلا
وتباع أهوا رأس شرّ حائلا
تقوى الإله مدار كل سعادة
وقال مشجعا الناس على التمسك بالورع والعزيمة للوصول إلى السعادة الأبدية:
ويغوص بحرا ثم درا حصلا
من رام دراً للسفينة يركب
ثم يقول في التوبة:
وبعزم ترك الذنب فيما استقبلا
أطلب متابا بالندامة مقلعا
ولهذه الأركان فَارْع وكملا
وبراءة من كل حق الآدمي
تنهاك تقصيرا جرى وتساهلا
وأقم دواما بالمحاسبة التي
الأ عضا جميعا فأجهدن ولا تكسلا
وبحفظ عين واللسان وسائر
ويقول في التوكل:
عن مكسب لعياله متوكلا
أما المعيل فلا يجوز قعوده.
في ما لهم أو جاههم متذللا
لا تبذلن للناس عرضك طامعا
وفي الإخلاص:
الدنا
لماذا أسلم هؤلاء..؟
عرفت الإسلام بالمراسلة ثم هربت إلى بلد إسلامي لتعلن إسلامها
مازال بعض المغرضين الكارهين للدين الإسلامي يحاولون بكل جهودهم أن يلصقوا بالإسلام تهمة الانتشار بحد السيف.
والإسلام من هذا الاتهام بريء تماما.
والدليل على ذلك، أننا في القرن الخامس عشر الهجري، لا نجد إلا ازدياد الداخلين بالأفواج في دين الله.
ولا سبيل لحصر الجنسيات التي تجد نفسها وملاذها الحقيقي، في اعتناق الدين الحنيف، والعمل بتعاليمه، وشريعته التي لا تقهر.
والداخلون في دين الله، يوميا، يعدون بعشرات المئات، في مشارق الأرض ومغاربها وهنا تقع على الكارهين الكوارث حيث أن كل داخل إلى الدين بلا سيف أو عصا يشكل أمامهم قوة حقيقية في أن الإسلام قوي وأن الإسلام باق رغم كراهتهم العمياء له.
وتجيء الردود على كارهي الإسلام، من ذويهم الذين يعملون على قمعه والتشهير به، منذ أوحاه الله تعالى على محمد بن عبد الله صلوات الله عليه وسلامه. وقد قدمنا في عدد ماض قصة اثنين اعتنقا الإسلام وكان أحدهما من النمسا والآخر من ألمانيا.
ونزف في هذا العدد هذه الصورة المشرفة لفتاة عرفت الإسلام وآمنت به، بعد دراسة عميقة متأنية، بعدها لم تستطع أن تخفي إسلامها، فأشهرته، وأعلنته رغم كراهية أبويها اللذين يعملان في بعثات تبشيرية تحرض على الإسلام وتعمل بكل قوتها على استكراه الناس فيه، واعتناقهم الدين الذي يدعون إليه، ويبشرون به.
ومن هنا نستطيع أن نؤكد أن الإسلام قوي في حجته وبراهينه فهو بلا وسيط إلى الخالق يدعو، وبلا وساوس يؤكد وجود الإنسان الذي هو امتداد حقيقي لكرامة الإنسان حرا في هذا العالم رغم التيارات المناوئة التي قتلت في الإنسان حياته.
والفتاة التي نعرض لها قصة تعرفها على الإسلام هي جاكلين هيربرت ماكينزي التي نشأت بين أسرة متدينة تواظب على الذهاب إلى الكنيسة وبصفة مستمرة فأبوها له قراءات دينية ويعمل علاوة على ذلك مدرسا للتربية الدينية والأم واحدة من الأخصائيات الاجتماعيات التي تأثرت بتدين زوجها في عملها فأرخت لتعليماته كل السبل لتنجح في عملها.
الأسرة أمريكية تعيش في ولاية ميتشيجان.
وترى الفتاة أبويها يؤَديان يومهما بروتينية بعثت في نفسها الضجر، الذي انفجر بتساؤلات السن الخطيرة- السادسة عشر- التي كانت تجد لها دائما الإجابة عند أمها وأبيها.
الفتاة غير مقتنعة بكل الإجابات التي تأتيها على أسئلتها من أمها وأبيها وهي تحب القراءة وميالة للانفراد بنفسها، وتأمل الحياة من حولها.
تقول جاكلين:-
حاول أبواي أن يدفعاني إلى الصدقات التي يعترف بها المجتمع الأمريكي لكني كنت استبعد كل خواطر هذه الصداقات من عقلي وقلبي ولم يستطع أبي رغم تدينه أن يجعلني امتدادا له.
لم آبه بكل تصرفاته التي كان يتعمد أن يفعلها أمامي لاستقي منها شيئا ربما يجذبني إلى حظيرته الدينية التي كنت أنظر إليه فيها بشيء من عدم الاستقرار الذي كنت أعتقد أنه يعانيه تمثيلا أمامي.
ولم تستطع أمي رغم ذكائها الشديد أن تأخذني إليها، فكانت ترضخ لتأملاتي وانفرادي بنفسي كثيرا لكني سمعتهما في حديث هامس عني ذات يوم أن هذه الانفرادية التي أقوم بها متأملة الكون من حولي ما هي إلا الطريق إلى تدين عميق ويجب أن نتركها بعض الشيء حتى تعود إلينا فنعرف كل شيء ولم أضع لحديثهما أي اعتبار في حياتي فأنا ابنة السادسة عشر لم أمارس أي شيء يمكن لرفيقات عمري ممارسته في جو عادي يكفل ذلك لكل البشر فيه.
وتقول جاكلين:
وكنت أدرس في إحدى المدارس العادية، حتى وقعت في يدي إحدى المجلات التي تهتم بالمراسلة وأخذت المجلة من زميلتي أتصفحها في هدوء، ووقع اختياري على هذا الاسم لفتاة في مثل سني هي: خديجة محمد عمر الشويحى، من المملكة المغربية، وأخذت أنقل عنوان الفتاة التي وقع اختياري عليها لأكتب لها.
وبالفعل كتبت لها رسالة أطلب فيها معلومات عن المغرب، وجاءني رد صديقتي هادئا.
وتوالت مراسلتي مع صديقتي المغربية وتعرفت من خلالها على تاريخ المغرب والآثار الإسلامية فيه.
وسألت صديقتي عن الإسلام، فراحت تكتب لي بحب شديد عن الإسلام، وكأنه عاشق استهواه قلبها، وجلست أقرأ ما كتبته لي عن الإسلام بأسلوب السهل البسيط، فوجدت أنها تكتب لي من قلبها عن دين يحمل في تعاليمه الخير للبشرية جميعا، ويحمل للإنسان الروح الخالية من التعصب والتعقيد، ولما سألتها عن المعجزات التي قدمها محمد صلى الله عليه وسلم باعتباره نبي الإسلام قالت أكثر من مرة في رسالتها أنه القرآن الكريم.
ووقفت أمام رسالة صديقتي المغربية متسائلة عن المعجزة (القرآن الكريم) وسألت أبي، باعتباره رجل دين، يجب أن يكون ملما وعارفا ببقية ما نزل من أديان، لكنه استشاط غضبا حينما وجدني أسأله عن القرآن الكريم، معجزة الإسلام.
وأصبحت معاملة أبي لي جافة بعيدة عن الأبوة وقلدته أمي تماما حتى أيقنت أني لست ابنتهما، وإنما وجداني في الطريق ولامتني أمي برفق ذات مرة لمراسلتي خديجة المغربية التي قلبت أحوالي وغيرت كل شيء في حياتي حتى أني رحت أقلدها في ارتدائها الزي المغربي الذي أرسلته لي ذات مرة بعد إعجابي بصورتها وهي ترتدي هذا الزي الجميل.
وإزاء ارتدائي الزي المغربي في إجازتي الأسبوعية راح أبي في همجية يمزق رسائل صديقتي المغربية خديجة، وحزنت حزنا شديدا على ذلك وفي اليوم التالي أمسك أبي بالزي المغربي وأحرقه أمامي وكأنه يريد أن يقطع صلتي بالصديقة التي أحببتها دون أن أراها.
وأمام هذا الإصرار على عدم موافقتي لميولهم طرداني من المنزل ذات ليل قارس البرد، وجلست مع نفسي في مكان قريب من منزلنا، وعدت إليه في الصباح، واستقبلني أبي بصرامة شديدة وكذلك أمي ولما سمعا أني عدت إلى حظيرتهما سعدا سعادة لا حدود لها. وجلست هذا اليوم معهما ولم يذهبا إلى عملهما، ولم أذهب إلى مدرستي، احتفالا بعودتي إليهما وإلى الدين الذي أراداني أن أعرفه عنهم، وأنا غير مقتنعة بما يفعلان.
وتقول جاكلين:-
ورحت أراسل صديقتي المغربية في سرية تامة، حتى كانت إجازة الدراسة وكنت قد جمعت مبلغا من المال هو ثمن تذكرة ذهابي إلى الرباط حيث تعيش صديقتي المغربية خديجة.
وحملت حقيبتي الصغيرة وذهبت إلى المغرب تاركة رسالة لأبي وأمي أقول لهما فيها:
"أنا ذاهبة إلى صديقتي التي كرهتموها لأنها حدثتني عن القرآن الكريم معجزة الإسلام، لأعرف منها حقيقة هذه المعجزة التي سببت لكما هذا الإزعاج، أرجو ألا تغضبا مني".
واستقبلتني صديقتي خديجة المغربية كأنها تعرفني من سنوات طويلة وأحسست، براحة شديدة في لقائي بها وجلست مع أسرتها المغربية المسلمة التي رحبت بي تماما ووجدت في نفسي لاستعداد الفطري للإسلام، حيث رحت أسأل وأجد الإجابات الهادئة مليئة بالحب والتقدير للإسلام ونبي الإسلام والقرآن الكريم.
ولم أتردد لحظة واحدة في اعتناقي الدين الإسلامي، فقد وجدت نفسي من بداية خلقي مسلمة، ولهذا تفهمت التعاليم الإسلامية في سرعة شديدة وأصبحت مسلمة مؤمنة بالله وبرسوله، وبمعجزة الإسلام، القرآن الكريم التي عرفت فيه حياة الإنسان الصحيحة التي سار عليها لعاش حياة آمنة سعيدة مطمئنة دون رياء ودون خجل من شيء فالقرآن أتى بكل شيء وفصله تفصيلا.
وكان لا بد لي أن أختار اسما إسلاميا فوجدت أن اسم خديجة صديقتي المغربية خير اسم يمكن أن أسمي نفسي به واشتهرت في المغرب باسم: خديجة الأمريكية وواصلت دراستي هناك وعشت حياتا بعيدا عن رياء التدين غير الطبيعي الذي حاول أبي أن يزج بي إليه ولم يستطع.
الإسلام.. حقيقة أعطت للوجود طعما، فرضته تلك التعاليم البسيطة السهلة التي جاء بها إلى العالم.
ولم يفرض الإسلام تعاليمه العظيمة بحد السيف، كما يدعي الكارهون والمغرضون، لكنه بالحب والسلام، والتعاليم التي لم تخل من كل ما يكرم الإنسان، استطاع أن يفرض نفسه.
ومع افتراء الكثيرين على طريقة انتشار الإسلام، نجد أن الداخلين إليه يوميا، يؤكدون أنه الحق الذي لا يجارى وأنه الحب الحقيقي، والسلام القائم على التكامل الاجتماعي، دون ما زيف لكل ما يحاولون تقديمه في أطر خالية من أي جوانب إنسانية.
.. وأسرة أخرى فرنسية:
وهذه أسرة فرنسية، لها مع الإسلام قصة لا يمكن إلا أن تكون شهادة جديدة تضيف لسوء القلوب، أن الإسلام، ما فرض تعاليمه، إلا بالخلق الكريم الذي بعث الله به نبي الإسلام.
ونترك الدكتور جورج بالو، ليقدم لنا قصد إسلام أسرته منذ البداية:-
يقول دكتور جورج: ولدت لأب فرنسي وأم ألمانية عشنا في باريس غالبية حياتنا، تتكون أسرتي من أخ وأخت كان والدنا يعمل يومه كي يوفر لنا حياة هانئة هادئة فقد كان حبه لنا لا يجارى وكانت أمي تحرص دائما على توفير جو السعادة لأسرتنا وقد سمعت أبي ذات يوم يتحدث لأمي بصوت عال، وبطريقة لم أعهدها في أحاديثهما، وخرجت أمي بعدها متجهمة الوجه عابسة، فحزنت وأنا الطفل الصغير الذي ما زال يدرس في مراحل التعليم الأولى.
ويقول د. جورج:
حاولت أن أسألها عن سبب غضب أبي وعبوسها بعد ذلك، فصمتت بعد سؤالي، وكررت على صمتها الحزين السؤال مرة ومرات، خاصة بعد أن تكررت حادثة غضب أبي منها بعد ذلك مرات كثيرة.
وتحت إلحاحي المستمر، لمعرفة سبب ثوراته الدائمة عليها، قالت هادئة النبرات، دامعة العينين: إنه لا يريدني أن أقرأ هذا الكتاب وكان الكتاب (الشرق كما يراه الغرب) لمؤلفه (ألينزيه دينيه) ، ونظرت إليها في تساؤل، فقالت: إن هذا الكتاب يتحدث عن الدين الإسلامي، وأخلاق نبي الإسلام، ورؤية الغرب السطحية لهذا النبي، وهو لا يريدني أن أتعرف على الشرق والدين الإسلامي، ونبي الإسلام، رغم ما يحمل هذا الكتاب من افتراءات أحسستها في لهجة مؤلفه.
ويضيف دكتور جورج:
وحقيقة الأمر، أذهلني حبها الشديد لنبي الإسلام ولما قلت لها ذلك قالت: إنه نبي أرسله الله سبحانه وتعالى، برسالة هي الدين الإسلامي.
وكان لوقع كلمة- الله- على عقلي وقلبي وقعا كبيرا، وتساؤلات راحت أمي تشرحها لي شرحا وافيا، وعرفت أن الله واحد، لا شريك له، ولا يجب أن يعبد سواه، هو الذي رفع السماء، وبسط الأرض، وهو الذي اختار كل الأنبياء والرسل، وختمهم بمحمد، الذي أدبه فأحسن تأديبه، حتى أنزل عليه القرآن الكريم الذي لو اتبعه البشر، لساد الحب الحقيقي العالم.
ولنبي الإسلام صفات عظيمة، في خلقه وأخلاقه ومن أجل هذا أحببته، وأحببت دينه وتعاليمه البسيطة، وخلقه الكريم.
ويستطرد قائلا: حاولت أن أنهى أمي عن قراءة هذا الكتاب حتى لا يشب شجار بينها وبين أبي في كل وقت وحين، لكنها بلطف نهرتني وأحسست وراء تمسكها بالكتاب وغيره، من الكتب الإسلامية التي أخفتها عن أبي قوة خفية تجذبها إلى هذه القراءات.
وذات يوم.. ذهبت أمي إلى مكان كتبها، فلم تجد أي كتاب منها، وثارت وهاجت وعرفت من سخرية أبي أنه أخذ الكتب وتصرف فيها وعلا صوتها، وأقسمت بالله الواحد، أن تشري غيرها بأي طريقة.
وجلست مع أبي أتحدث معه عن ترك أمي تقرأ ما تشاء، لكنه أصر على أن الذي تفعله مضيعة للوقت وأن عليها أن تنصرف لقراءة أي كتب أخرى، وصرح لي أبي أنه أحرق الكتب. وغضبت في نفسي، وأحسست أنه أحرق أمي بحرق كتبها العزيزة على نفسها، والتي حدثتني عنها في حب شديد ورحت ألوم أبي على فعلته، وأحدثه عن نبي الإسلام حديث الحب الذي روته لي أمي بطريقة هادئة، فثار أبي ووعد أن يحرق أي كتاب في هذا البيت يتحدث عن الإسلام وتعاليمه.
وأحسست أن الإسلام في ذاته يشكل خطورة على أبي، ولهذا جلست أعطي أخي وأختي ما طلبا معرفته عن الإسلام الذي قهر أبي دون أن يتعرف عليه.. ووجدت أنهما يريدان معرفة المزيد، فطلبت من أمي أن تقص علينا ما عرفته وتعرفه عن الإسلام، وابتسمت أمي في سعادة اطمأن لها قلبي وقلب أخوتي.
وكثيرا ما جلسنا معها تقول لنا ولا شيء غير السعادة والحب يملآن قلبها وهي تحكي لنا، وذات يوم دخل علينا والدنا، فوجدها تتحدث معنا عن الإسلام فثار وكاد أن يفتك بها أمامنا، وهاج.. يبحث عن كتب جديدة عن الإسلام أتت بها أمي دون أن يراها فوجد كتبا أخرى غير التي أحرقها، فثار وهاج، وراح يمزقها في عصبية شديدة، وتحدثنا إليه أن يستمع معنا إليها وهي تحدثنا عن الإسلام وتعاليمه، وعن نبي الإسلام وأخلاقه الكريمة.
وغضب لأننا أصبحنا نسمع منها وأننا تأثرنا بها، وأقسم أن يخرج من البيت وألا يعود إليه مرة أخرى.
ويقول دكتور جورج:
وبالفعل خرج أبي، وانتظرنا عودته كثيرا، لكنه لم يعد، واضطرت أمي أن تعمل، وعملت أنا الآخر بجانب دراستي وازدادت مع الأيام والسنين ثقافتنا الإسلامية وقررنا أن نقف على أحوال المسلمين في باريس فذهبنا إلى إحدى الجمعيات الإسلامية المنتشرة هناك وتعرفنا كثيرا على الإسلام وترددنا على الجمعية الإسلامية التي رحب العاملون فيها بالأسرة الفرنسية التي خرج عائلها ولم يعد.
وتدرجت- الحديث للدكتور جورج- في تعليمي حتى أصبحت في سنوات الجامعة النهائية، وكنا قد تشبعنا بالإسلام دينا، وقررت مع أمي أن أعلن إسلامي، وذهبت إلى الشيخ مع أسرتي، وأعلنت الأسرة جميعا إسلامها وأصبح اسمي محمد عبد الله، وأمي أصبحت فاطمة، وأخي أصبح أحمد، وأختي أصبحت خديجة، وأصبحنا نؤدي شعائر ديننا الإسلامي الحنيف، علانية دون خوف من أحد.
ورحت أدعو إلى الإسلام وأنا مازلت طالبا بالجامعة والتف حولي كثيرون من زملائي، كنت أحدثهم عن الإسلام إلا أني كنت أسرح وأنا معهم في أبي الذي تركنا صغاراً نواجه الحياة.
ويقول دكتور جورج- أقصد دكتور عبد الله- وكذلك كان حال أمي وإخوتي إذا ما ران الصمت علينا في أي وقت.
وكانت أمي تقول لنا إنه سيعود، وسيكون مسلما إن شاء الله مهما مرت السنون، ومهما طال غيابه.
ويقول الفرنسي المسلم محمد عبد الله:
وكثيرا ما دعونا الله في صلاتنا أن يعيد إلينا والدنا الذي خرج غاضبا ثائرا، ليرى تلك الأسرة التي تركها، وقد أصبحت دكتورا وتخرج إخوتي من الجامعة ورحنا نمارس حياتنا مسلمين بلغة القرآن الكريم التي تعلمناها في مركز باريس الإسلامي أثناء دراستنا وكانت أمي هذه السيدة العظيمة هي صاحبة الفضل في كل ذلك.
ويقول: ومرت الأيام، ودخل علينا ذات يوم والدنا الذي انتظرناه طويلا، فاستقبلناه بحفاوة بالغة، وكان الشيب قد خط في شعره كثيرا ولحفاوتنا به ولقائه بنا، اغرورقت عيناه بالدموع، فأمسك بيدي أمي، وراح يعتذر لها، ويعتذر لنا..
وجلس والدنا بيننا نملأ عيوننا وقلوبنا به، فقد غاب عنا سنوات طوال.
وحدثتنا أمنا بالعربية أن نقوم إلى الصلاة لنشكر الله على عودة أبينا إلينا، ونظرنا إليه في حب عظيم، وراح أبي يبتسم في هدوء وفاجأنا بأنه يتحدث العربية إذ قال: سأصلي معكم صلاة الشكر على أنني رأيتكم جميعا مسلمين، فأنا الآن مسلم واسمي عبد الله، دعوني أصلي معكم.
(جريدة المدينة)
رسائل لم يحملها البريد
الشيخ عبد الرءوف اللبدي
المدرس بكلية الشريعة بالجامعة الإسلامية
صديقي مرض السكر،
ومن عجب أن أنادِيَك صديقا وأنت الداء الذي أعيا على الدواء، والمرض الذي عزّ فيه الشفاء، ففي كل يوم تقنص آلاف الفرائس من بني آدم، وفي كل عام تقتات مئات الآلاف من الناس.
لا أذكر ذلك اليوم الذي زرتني فيه على غير موعد، ولا أدري في أي يوم من أيام حياتي نزلت علّي ضيفا دائم الإقامة، ربما كان ذلك منذ ثلاثين عاما، غير أني لم أتبين صورتك واضحة إلا منذ عشرين.
لم أحفل بك بادئ الأمر وما كرثني قدومك، غير أنك استطعت فيما بعد أن تشد وثاقي وأن تسلك بي الطريق الذي تريد.
لم أوجه إليك أيّ دعوة، لم أدعك بلساني، وما دعوتك بقلمي، ولم تك لتخطر لي على بال، غير أن الأطباء يقولون إنك لا تزور الناس تطفلا، ولا تنزل بساحتهم دونما استئذان.
لقد عدت إلى ما غبر من حياتي أستعيده وأستذكره، وأحاول أن أرى- على بعد الشقة وطول الزمن- ما اصطبغت به تلك الحياة من ألوان العيش، وما أصابها في هذه الدنيا من مصائب، أحاول ذلك لعلي أبلغ الأسباب أسباب قدومك إليّ بلا رحيل وصحبتك إياي بلا فراق.
عشت أول حياتي التعليمية في منزل داخلي لإحدى المدارس الثانوية أقوم مع جماعة من زملائي المدرسين على تدبير شؤون الطلاب الداخلية بعد انتهاء في دوامهم المدرسي، وكان المنزل يقدم إلينا- معشر المدرسين الموكلين بالإشراف على أولئك الطلاب- طعاما فيه سخاء وفيه تنوع وفيه طيب مذاق، ولقد عشت من قبل سنينا تسعا عجافا في تقشف وكفاف أطلب العلم بعيدا عن أهلي والوطن، فكان أن أقبلت على هذا الطعام الجديد إقبالا لا يخلو من إسراف ونهم، ناسيا قوله تعالى:{وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا} ، وغافلا عن قول الرسول صلى الله عليه وسلم:"ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه".
وفي خلال عامين دراسيين ارتفع وزن جسمي من اثنين وسبعين (كيلو) - وهو الوزن الصحّي لمن كان في مثل طولي- إلى خمسة وتسعين.
كان العقاب سريعا على ما فرطت في نهى الله وفي نصح رسول الله، فصرت بليد الذهن كثير النسيان، لا أستطيع القراءة الواعية أكثر من ساعة أو ساعتين في اليوم، وإذا ما ارتقيت درجا عاليا أو سرت على درب صاعد سقطت من الإعياء، صرت آكل ولا أشبع، وأشرب ولا أرتوي، وأنام ولا أجد الراحة.
مضى على ذلك حين من الدهر وأنا لا أدري أني مصاب بك يا مرض السكر، حتى إذا تمكنت من جسمي وأقمت فيه (القواعد) وأصبحت ذا أمر ونهي وسلطان وجهت إليّ إنذارا غليظ القول شديد النبر: إما الموت وإما الحمية والحرمان، في بضعة أشهر وعلى منهجْ "حسب ابن آدم لقيمات يُقِمن صلبه" استطعت أن أسقط عن جسمي ما اكتسبه من طعام ذلك المنزل، وعدت إنسانا آخر: نشاط جسم، ونشاط عقل، وقدرة على العيش طويلا بين الكتب.
لكنك لم ترحل يا مرض السكر!!
لِمَ تؤثرُ أن تبقى ضيفا،
ضيف ضِرارٍ وخصام لا ضيف وِداد ومحبة؟!
لِمَ تؤثر أن تبقى مستترا،
تنتظر الغفلة مني والعثرة،
لتكشّرَ عن نابٍ ولترميني بحرابٍ ولتسقيَني مرّ عذاب؟!
من أجلك هجرت أطعمة شتى!
من أجلك هُجرتْ أطعمة حلوة!
من أجلك كان طعاميَ قُلاًّ كان شرابيَ ماء!
علامَ تقيمُ وفيمَ تقيمُ وأيان تكون الرحلة؟!
ما أكثر ما ثارت نفسي يا سكر!!
ثارت لتحطّم أغلالك ولتكسر قيدَك،
لكني عدت كسيرا وحسيرا،
أسمع نصحك لي ووعيدك:
أسمع نصحك لي يا مرض السكر:
إنك في أمن وسلام ما دمت قليل طعام،
إن عدتم عدنا والبادئ أظلم.
وصرتُ قليل طعام يا مرضي،
أحيا معك حياة وئام.
لكنك لم ترحل يا مرض السكر!
ما زلت تقيم خفيّا مستترا،
مستترا من خلف حجاب،
تنتظر الغفلة منا والعثرة،
لتكشر عن ناب ولترميني بحراب ولتسقيني مرّ عذاب!!
قال الطبّ المهزوم أمام حِرابك:
ما أكثر ما تعتاد الجسم لأسباب أخرى غير السمنة:
فهناك القلق الدائم والأزمات النفسية،
وهناك الإحساس المكبوت على أرض الحرية،
وهناك الخوف المجنون،
وهناك السجن الدائم في غير سجون.
وعدت أفتش أيامي،
أيام حياتي ومقامي في أرض الله المدحوّة،
وتذكرتُ ولا أنسى أني كنت أخاف (الحاكم) ،
أخاف الحاكم أن يطردني من عملي فأعيش فقيرا.
ما كان الرؤساء ذوي دين،
ما كان الزملاء جميعا يَخشَوْنَ الله،
ما كان العدل له ظل يغشى الناس.
فأنا في قلق دائم.
كنت أرى المنكر مختالا يتحداني،
يتبختر يصرخ ملء العين وآذاني،
فأهِمّ بتغيير المنكر بيدي،
لكني لا أفعل فأنا خائف،
وأهم بتغيير المنكر بلساني،
لكني لا أقدر فأنا خائف،
لا أملك إلا الحسرة مكبوتة،
لا أملك إلا الغضبة مخنوقة،
لا أملك إلا قلبا يتميز من غيظ مسعور.
ما أكثر ما اشتاقت نفسي أن تبدي رأيا،
حين ترى الأصحاب تخلّوا عن واجب،
حادوا عن درب لاحب،
لكني لا أجرؤ أن أُبديَ شيئا،
فأنا أخشى غضبتهم،
آسى لضياع مودتهم،
قد يَزْوَرُّون وينتقمون،
فالعيش بدونهم غربة،
وأنا من بعدهمُ مسجون.
ألهذا القلق الدائم أنت تقيم؟!
ألهذا الخوف الجاثم أنت جثوم؟!
أَلإِحساساتي المخنوقة لا ترحل؟!
ماذا تطلب مني يا سكر؟!
هل تطلب جسما خِفا؟!
ها هو ذا جسمي قد ذاب وأصبح مثل سراب!
هل تطلب من نفسيَ أَمناَ وطمأنينة؟
أن يحيا قلبي بسلام وأمان وسكينة؟!
أن يتبلّد إحساسي فأعيش دفينا؟!
في معظم بلدان الإسلام عذاب وحراب ودماء مطلولة!!
في معظم بلدان الإسلام يتامى عُدم وأرامل مهزولة!!