المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌العدد 53 فهرس المحتويات 1- كلمة التحرير - التطور العلمي والفكري في مفهوم - مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة - جـ ٢٤

[مجموعة من المؤلفين]

فهرس الكتاب

الفصل: ‌ ‌العدد 53 فهرس المحتويات 1- كلمة التحرير - التطور العلمي والفكري في مفهوم

‌العدد 53

فهرس المحتويات

1-

كلمة التحرير - التطور العلمي والفكري في مفهوم الإسلام: لفضيلة الدكتور عبد الله بن عبد الله الزايد

2-

سبيل الفلاح: للشيخ أبي بكر الجزائري

3-

حكم رواة الحديث الذين سكت عنهم أئمة الجرح والتعديل: للشيخ عداب الحمش

4-

حول حديث الذباب: للشيخ أمين محمد سالم

5-

مسلك القرآن الكريم في الاستدلال على وجود الله: للدكتور علي بن محمد بن ناصر الفقيهي

6-

مفهوم الأسماء والصفات: فضيلة الشيخ سعد ندا

7-

الرّاغب الأصفهاني وموقفه من الفرق الإسلامية: للدكتور عمر عبد الرحمن الساريسي

8-

بيان خطأ من جعل جدة ميقاتا لحجاج الجو والبحر: لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز

9-

رخصة الفطر في سفر رمضان وما يترتب عليها من الآثار: الدكتور أحمد طه ريان

10-

يا مسلمون

عودوا إلى الإسلام: للدكتور محمد محمد الشريف

11-

مشروع "اقرأ" لتعليم اللغة العربية عن طريق القرآن: للشيخ أحمد فؤاد البشبيشي

12-

حقوق الإنسان في الإسلام: بقلم الشيخ: عبد الفتاح عشماوي

13-

أهمِّيَّة الدَّعوة وصفات الدَّاعية: للدكتور محمد بيلو أحمد أبو بكر

14-

الحركة السلفية في الهند ودورها في خدمة السنة المطهرة: للشيخ عبد الرحمن عبد الجبار الفريوائي

15-

من روائع الفتح الإسلامي فتوح الشام: للدكتور محمد السيّد الوكيل

16-

من نماذج الدعاة الصالحين الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: الشيخ أبو بكر الجزائري

17-

قوة العقيدة سبيل النصر في غزوة بدر الكبرى: د. محمد عبد المقصود جاب الله

18-

أثر الهجرة على تطور الدعوة الإسلامية وانتشارها في أنحاء العالم: للدكتور محي الدين الألواني

19-

رسائل لم يحملها البريد: للشيخ عبد الرؤوف اللبدي

20-

حول الشعر التعليمي (2) : للدكتور صالح آدم بيلو

21-

بحث في صيغة (أفعل) بين النحويين واللغويين واستعمالاتها في اللغة: لفضيلة الدكتور مصطفى أحمد النماس

22-

يا رب: للدكتور عز الدين علي السيّد

23-

في الغار: للشيخ ضياء الدين الصابوني

24-

في المشارق والمغارب جنوب شرقي آسيا: الشيخ عبد الله بن أحمد قادري

25-

أصح البشائر في مبعث سيد الأوائل والأواخر: للشيخ محمد المجذوب

26-

ملاحظات: حول كتاب عقيدة السلف والخلف (1) : للشيخ عبد القادر السّندي

27-

إنكار الجن من شطحات التفسير الموضوعي للقرآن: للشيخ مصطفى الوراق إبراهيم

28-

عوض الوراثة في الطّب: للدكتور فكري السيّد

29-

حكم الاحتفال بالموالد: لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز

30-

كتاب عن المدينة المنورة: جريدة المدينة المنورة

31-

رسالة المدينة المنورة المؤتمر العالمي الثاني لتوجيه الدعوة وإعداد الدعاة:

32-

ماذا يحدث للمسلمين في فطاني؟ : رئيس جبهة التحرير الوطنية الفطانية عن جريدة المدينة المنورة

33-

أخبار الجامعة - برقية شكر جوابية من جلالة الملك إلى نائب رئيس الجامعة الإسلامية

عمادة البحث العلمي - جميع الحقوق محفوظة 1423 هـ / 2002 م

ص: 272

كلمة التحرير

التطور العلمي والفكري في مفهوم الإسلام

لفضيلة الدكتور عبد الله بن عبد الله الزايد

نائب رئيس الجامعة الإسلامية

التطور حقيقة واقعة في الكون منذ خلق الله الأرض وما عليها، والإنسان - وهو الذي استخلفه الله في الأرض - هو سر الإبداع في هذا التطور فحاجاته لا تنتهي، وتطلعاته لا تقف عند حد، وطموحه دونه أقصى ما يتصوره العقل البشري.

ويصور هذا المعنى الدقيق قول الشاعر:

بلغنا السماء مجدنا وجدودنا

وإنّا لنرجو فوق ذلك مرتقى

لقد بلغ الشاعر شأوا من المجد وصل به عنان السماء، ولكنه لم يقنع به، بل ظل يبتغي مرتقى يصعد إليه، وإني لا أشك في أن الشاعر لو علم شيئا أرفع من السماء ما وقف عندها.

تلك فطرة الله التي فطر الناس عليها ولولا ذلك ما عمرت الأرض، ولتوقفت عجلة الحياة في مكانها لا تريم، ولكنا لا نزال نركب الجمال والبغال والحمير، ونعيش في العراء نفترش الأرض ونلتحف السماء، ونستتر بأوراق الأشجار ونلتهم ما نقدر عليه من الوحوش حيا أو ميتا.

إن الحياة التي يحياها الناس الآن دليل واضح على مدى التطور التي أحرزته الإنسانية في عمرها الطويل المديد منذ خلق الله الكون، وإلى أن يرث الأرض ومن عليها، ذلك لأن الإنسان بخصائصه الذاتية امتداد لآبائه وأجداده، فهو وريثهم يتلقف ما تركوه له، ولا يقف عنده بل يحاول دائما أن يشارك في تلك المسيرة، ويدفعها بكل إمكانياته حتى لا تتوقف.

إنني موقن بأن الذين ابتكروا كل ما تتمتع به الإنسانية اليوم من المخترعات لو رأوا ما بلغته مخترعاتهم من التطور لم يندهشوا، لأنهم عندما اخترعوا ذلك كانوا يؤمنون بأن اختراعهم إن هو إلاّ خطوة أولى في مشوار طويل لابد أن يبلغ مداه، بل إنني أعتقد أنهم سيكونون مسرورين عندما يرون المسيرة التي بدءوها لازالت مستمرة على الدرب.

ص: 273

وأستطيع بالتالي أن أؤكد هذا المعنى في كل إبداع إنساني وصلت إليه عبقرية ذلك المخلوق الفذ العجيب ومن هنا أستطيع أن أقول: إن أي تطور في الحياة خاضع لتطور الإنسان نفسه، فلولا حاجاته الملحة في الاستطلاع والضرب في الأرض لما اخترع المراكب ولما حاول تطويرها، ولولا ميله الشديد إلى الظهور في المجتمعات بمظهر حسن لما تفنن في ابتكار الأزياء وتحسينها، ولولا ولعه القوي بالسكن الهادئ المريح لما أبدع هذا الإبداع في الفن المعماري، ولولا شعوره بالحاجة الماسة إلى العافية لما عرف الدواء، ولما طوره هذا التطور العجيب، وهكذا.

ولكن لا يزال هناك سؤال ملح لا يفارق عقل الباحث المحقق وهو: ما السر في اختصاص الإنسان بهذا التطور المطرد؟ ولماذا لم يشاركه غيره من المخلوقات؟

إننا نلاحظ أن حياة الحيوان والطير حياة رتيبة لم تفارقها منذ خلقت، ولن تفارقها حتى تقوم الساعة، إنها لم تحاول أن تطور عشها الساذج أو حظيرتها المتواضعة، ولم تتطلع إلى تغيير طريقة أكلها أو نمط سلوكها سوى ما كان خاضعا لتطوير الإنسان له كتعليمها وتدريبها على أنواع معينة وفي نطاق ضيق من السلوك وأداء بعض التصرفات، ومع أن هناك من الحيوانات والطيور تميزت بنوع خاص من الذكاء إلا أنها لم تستطع استغلال هذا الذكاء إلا في محاولات يسيرة من تقليد الإنسان ذاته في بعض تصرفاته.

أما الإنسان فإنه كل يوم في جديد يبدع ويبتكر، ويطور ويحسن وكلما وصل إلى غاية تطلع إلى ما فوقها دون أن يحده حد.

التطور من خلال المفهوم الإسلامي:

والتطور من خلال المفهوم الإسلامي هو كل تقدم سليم يحرزه الإنسان، ويحقق مصلحة للجنس البشري، سواء كان ذلك تقدما فكريا كالثقافات المختلفة التي تنير للناس طريقهم نحو مجتمع زاخر بالفضائل والمكرمات، أم كان تقدما ماديا كالمخترعات بأنواعها المختلفة.

ص: 274

أما تلك الفوضى التي عمّت المجتمعات باسم التقدم والحرية، وهذه الابتكارات التي زودت الناس بوسائل القطيعة والتكبر، ومكنتهم من التنابز المقيت، ووضعت بين أيديهم أسباب الدمار والفناء فالإسلام لا يعتبر شيئا منها تطورا حقيقيا ولو أتى بالعجب العجاب.

إن الإسلام لا ينظر إلى التقدم العلمي في مصعد التفوق الحضاري من حيث هو تقدم علمي أو تفوق حضاري، ولكنه ينظر إليه من خلال عوائده على الإنسانية في بيئاتها المختلفة، وظروفها المتباينة، وأوضاعها المتفاوتة، فبقدر ما يحقق العلم للبشرية من الفوائد يحظى من الإسلام بالتأييد والمؤازرة.

والإسلام ينبذ الأنانية والعنصرية لأنه دين البشرية كلها شاء الناس أم أبوا، لأن الله سبحانه قد أمر الناس جميعا بالدخول فيه، فالرسول محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم قد أُرسل إلى الناس كافة.

ولهذا فإنه ينشد السعادة والفائدة لكل الناس في الحقوق العامة لا فرق فيها بين عربي وعجمي ولا أبيض ولا أسود، ولا فقير ولا غني، ولا مسلم ولا غير مسلم، ولكن الذين يرفضون الإسلام ويتأبون عليه قد حرموا أنفسهم من نصيبهم من تلك السعادة، وليس الذنب في ذلك إلا ذنب الذين يرفضون الإسلام، ولا يتخذونه منهج حياة.

إن الإسلام قد أقام حضارته على مبادئ سامية وأواصر وثيقة، وجعل من أهم هذه المبادئ: المساواة، فالناس جميعا ولد آدم، وجميعهم أبناء حواء، فهم إذا اخوة لا يتفاخرون بنسب ولا عرق، وكيف وأبوهم واحد وأمهم واحدة،؟ ولا يتفاضلون بقومية ولا وطنية لأنهم يعيشون على أرض واحدة.

ص: 275

وبهذا قطع الإسلام كل أسباب التفاخر بين الناس، وأغلق باب التفاضل بما لا دخل لهم فيه، وفتح بابا واحدا يمكن للناس كل الناس التنافس فيه بالجهد الشخصي، والتفوق الذاتي وهو باب العمل الصالح وإفراغ الطاقة في البر والتقوى بكل ما تتسع له الكلمة من المعاني، وعلى هذا فالعمل الذي يعم نفعه المجتمع أو أكبر قدر منه هو أعظم من الأعمال القاصرة على الشخص نفسه؟ وأضخمها في ميزان المجتمع المسلم، ومن هنا كان حث الإسلام على التعاون، ودعوته إلى الاجتماع، وعلى هذا المعنى الرائع يدل قوله:"مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر"[1] .

ويوضح هذا المعنى كذلك قول أمير المؤمنين عثمان بن عفان الذي يروى عنه: "المؤمن للمؤمن كاليدين تغسل إحداهما الأخرى".

الدافع والتطور:

والتطور نتيجة حتمية للدوافع التي تحفز الإنسان إلى التطلع للأكمل والأرفع وهذه الدوافع سواء كانت ذاتية منبعثة من داخل النفس الإنسانية أم كانت خارجية كالحوافز المادية والمعنوية كلها ذات أثر بالغ في التطوير سواء كان في المخترعات أم في الفكر والسلوك أم في أساليب الحياة وأنماطها.

والإيمان بالله من أعظم الدوافع التي تدعو إلى التطور وذلك لأن المؤمن يعتقد بأن وعد الله حق، وأن أجله محدود، ورزقه مضمون، وهو مطالب بالعمل حتى يفارق هذه الحياة.

لهذا فهو مقدام لا يهاب المغامرات متى كان ذلك مطلوبا شرعا، كريم لا يخشى الفقر، مجِدٌ لا يعرف الملل وتلك هي المواصفات التي تدعو إلى الابتكار والتطوير والإبداع.

فالشجاع المقدام لا يهاب الفشل، والكريم المعطاء يبذل في سبيل تحقيق آماله، والمجد الدؤوب لا يمل من الدأب حتى يصل إلى مرامه أو يهلك دونه وقديما قيل:

أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته

ومدمن القرع للأبواب أن يلجا

ص: 276

إن المؤمن إذا سمع قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "إذا قامت القيامة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن يغرسها قبل أن تقوم القيامة فليغرسها"، لا يسعه إلا أن يواصل العمل ليل نهار، ويبذل جهده صباح مساء، وكيف لا ونتيجة هذا السعي ستعرض على الله، وثمار هذا البذل ستكون في كفة حسناته يوم يلقى الله وكيف لا والأمر الرباني الكريم يلاحقه في كل حين. {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} (التوبة/105) .

والرسول صلى الله عليه وسلم يحرص على الاحتراف واتخاذ المهنة، "ما أكل أحد طعاما قط خير من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده"[2] .

ولما سمع الخليفة الثالث - عثمان بن عفان - قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "من بنى لله مسجدا يبتغي به وجه الله بنى الله له مثله في الجنة"[3] فهم من ذلك تحسين البناء وتطويره حتى يكون بيته في الجنة بقدر تحسينه للمسجد وإتقانه، ومن هنا بني المسجد بالحجارة المنقوشة، وجعل أعمدته من الحجارة بدلا من جذور النخل، وسقفه بالساج بعد الجريد، وجصصه، وأحكمه.

إن الدوافع التي حدت بعثمان أن يفعل ذلك على غير سابقة دوافع ذاتية، ألم ترى أنه أراد أن يكون بيته في الجنة على غرار بناء المسجد وإتقانه، إن رغبته فيما عند الله، وإيثاره الآخرة على الدنيا هما الدافعان الحقيقيان لهذا التطوير والتجديد.

وعثمان_رضي الله عنه_ وإن تعرض بسبب ذلك للنقد والقيل والقال، إلا أن هدفه كان أسمى من أن يحجزه عنه نقد أو اعتراض، فالدافع هنا هو سبب ذلك الإبداع في البناء، وتطلع عثمان_رضي الله عنه_ إلى ما عند الله كان القوة الدافعة التي جعلته يستهين بعقبات الدنيا مهما كان حجمها، ومهما كانت عواقبها.

ص: 277

والغرائز التي أودعها الله في الإنسان تأتي في الدرجة الثانية من دوافع التطوير والإنتاج. فحب التملك، والرغبة في الاستطلاع، وغريزة المنافسة، كل ألئك دوافع حقيقية ينبعث عنها أروع آيات التجديد والابتكار.

فغريزة التملك تدعو إلى الاقتناء والحرص، وحب الاستطلاع يكشف الجوانب الخفية للإنسان، وغريزة المنافسة تؤدي إلى التطوير والإبداع، وتطلع النفس إلى الأحسن والأكمل يجعله لا يقف عند حد، بل يظل يطور ويجدد، ويبدع ويبتكر ما دام حيا.

ويدخل في هذه الغرائز الخبرات التي يستفيدها الإنسان من ممارسته لعمل ما فاكتساب الخبرات يجعل المرء يعيد النظر في كل ما حوله، ويعالجة في ضوء الخبرات المستجدة في حياته، ليتجنب المضار، ويكتسب المنافع وليصل إلى أرقى ما وصل إليه العقل البشري.

وللمسلمين في ذلك قصب السبق، فإنهم لما أنشئوا المدن كالبصرة والكوفة والفسطاط وواسط والقيروان وغيرها، ورأوا أن ذلك أخف حملا، وأقل مؤونة ولكن النار داهمتهم فأكلت بيوتهم، فلم تبق ولم تذر، فبنوا باللبن والقصب، حتى عرفوا الحجارة فبنوا بها.

وأسسوا بيوتهم على نظام الطابق الواحد، ثم دعت الحاجة إلى تعدد الطبقات، فرفعوا إلى الثلاث.

وكان البناء ساذجا بغير تخطيط، فرأوا في النقوش والزخرفة زينة يجمل أن تتحلى بها البيوت فتفننوا في ذلك وأبدعوا، وأزالوا الأزقة الضيقة، وخططوا الشوارع والميادين وحددوا أماكن الأسواق والحمامات والمرافق العامة، وظل التطوير شأن المسلمين حتى وصلوا إلى إنشاء المجاري لتصريف المياه الزائدة وغير المستفاد منها، وبنوا الجسور ومهدوا الطرق.

وهناك أمر هام ينبغي ألا يغفله الباحث، وهو دور الأخلاق والقيم في التطور والبناء، وهذا ولا شك أمر حيوي يجب أن يحظى بالعناية والتقدير من الباحثين والمفكرين، فالناس إنما يخططون ويبتكرون حسبما يطبعون عليه من الأخلاق أو التفسخ، وما يعتنقونه من الفضائل أو الرذائل.

ص: 278

وإنه مما لاشك فيه أن الفضائل والأخلاق الكريمة تتجه بصاحبها إلى ما يتعارض كلية مع اتجاه التفسخ والرذائل، فلكل من الفريقين اتجاه يعمل جاهدا من الوصول إليه، فالوقار واحترام مشاعر الآخرين، وغض البصر والاهتمام براحة الجيران، والتعاون القائم على أساس المحبة والعدالة، كل ذلك يستدعي نمطا معينا يؤدي إلى تحقيق المراد، وبالعكس من يتصف بضد تلك الأخلاق.

ومن هنا كان للاستقامة أثر إيجابي في مضمار التطور إلى الأفضل من الأعمال، ذلك لأن الاستقامة في مفهوم الإسلام هي الاعتدال في كل الأمور أو هي التوسط بين طرفي النقيض بحيث لا يميل صاحبها إلى الإفراط أو التفريط، ولا إلى الإسراف أو التقتير، ولا إلى التهور أو الجبن ولا إلى التفسخ أو الرهبة، ولهذا كانت الاستقامة دافعا إلى البحث عن الأفضل من الأقوال والأعمال، فهي إذا دافع إلى التطوير والتشييد. وبقدر ما تكون تلك الدوافع الذاتية المنبعثة من النفس البشرية عوامل مهمة ومؤثرة على التطور الإنساني، وبقدر ما يكون الإبداع في التطور والرقي ناجما عن تلك الدوافع يكون الإنسان سعيدا متمتعا بكل مباهج الحياة، آخذا من متاعها الحلال الطيب بقدر ما يحتاج. {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ} (لأعراف: من الآية32) .

وليست الدوافع الخارجية بنوعيها المادي والأدبي بأقل تأثيرا في عملية التطوير في حياة الناس من الدوافع الذاتية، بل لها من الأثر في التطوير والإنتاج ما يضعها مع الدوافع الذاتية في صف واحد، فمنح الجوائز للمبتكرين، وتقدير الأمة لأبنائها المبرزين من الدوافع الحقيقية التي لا ينبغي إغفالها أو السكوت عنها، بل يجب إبرازها كعوامل لها خصائصها في تطوير الحياة وتقدمها.

ص: 279

ومن أجل هذا، وتقديرا لأثر تلك الدوافع الخارجية رصدت الأمم الجوائز المادية والأدبية فجائزة نوبل وجائزة الملك فيصل رحمه الله وغيرهما من الجوائز قد أثمرت وآتت أكلها، ولها من الفوائد والنفع على العالم ما نلمس فوائده في المجالات التي رصدت لها.

وكلمة أخيرة في الموضوع يجب ألا تنسى: تلك هي: أن التطور لا يختص بمجال الاختراع والإبداع، في الجانب العملي من حياة الإنسان، ولكنه ينساق إلى مجالات شتى وغير محصورة في إطار مهما اتسع ذلك الإطار.

فهناك التطور الفكري الذي يلمسه الإنسان في نفسه وفي غيره عندما ينتقل من بيئة قروية أو بدوية إلى بيئة حضارية، وما قصة علي بن الجهم مع الخليفة العباسي مما يغيب على الذهن، فالشاعر_علي بن الجهم_ قد جاء من البادية، ووقف أمام الخليفة ليمدحه فقال:

أنت كالكلب في الحفاظ على الود

وكالتيس في قراع الخطوب

وكان الخليفة فطنا أريبا حين سمع ذلك، فأدرك أن ذلك القول لا يزيد عن انعكاسات خلفتها البيئة في نفس الشاعر، فأمر بإقامته في قصر منيف تحيط به الحدائق الغناء والزهور الباسمة وترك الشاعر فترة في ذلك العيش الرغد، والحياة البهجة، ثم جئ به لينشد الخليفة بعض شعره فأنشد:

عيون المهابين الرصافة والجسر

جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري

فأين هذا من ذاك، وأين الثرى من الثريا؟

وهناك تطور آخر في السلوك، فكثيرا ما ينشأ الإنسان في بيئة زراعية أو صناعية فيتأثر بسلوك معين تمليه عليه طبيعة البيئة التي نشأ فيها، فإذا انتقل من هذه البيئة إلى بيئة علمية مثلا، وترك معاملة الشجر والزرع، ومرافقة الطيور والضرع، وودع حياة المصنع والمعمل أخذ يتهذب سلوكه ويتشكل بحسب الحياة الجديدة التي يحياها فهو يتخير الألفاظ اللينة، ويتكلم بصوت معتدل، ويفكر طويلا قبل أن يقدم على ما يريد، وذلك نوع من التطور ملحوظ في مثل تلك الظروف.

ص: 280

وهناك التطور في أسلوب الحياة التي يتعامل به الإنسان من غيره سواء كان ذلك في المأكل والمشرب، أم كان في الأخذ والعطاء إلى غير ذلك من متطلبات الحياة.

وهكذا يجد الباحث نفسه أمام تطور مطرد يسير في رحاب الإسلام في نواحي الحياة المختلفة في الصناعة والفن، في السلوك والفكر، في الأكل والشرب، في العطاء والأخذ وفي كل ما يمت إلى الإنسان بصلة، ويجد أن هذا التطور نتيجة حتمية لدوافع ذاتية أو خارجية بحيث لو توقفت تلك الدوافع لركد الكون وأسن، وتوقفت عقارب الساعة تبعا لتوقف العقل البشري من الإنتاج والتطور.

والله يقول الحق وهو يهدي السبيل وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله سيدنا وإمامنا محمد وآله وصحبه.

--------------------------------------------------------------------------------

[1]

مسلم وأحمد في المسند عن النعمان بن بشير

[2]

رواه أحمد في مسنده.

[3]

رواه البخاري ومسلم.

ص: 281

يا مسلمون

عودوا إلى الإسلام

للدكتور محمد محمد الشريف

أستاذ مساعد بكلية الحديث الشريف

الإسلام هو دين الله جل وعلا الذي ارتضاه للعالمين وبه تمام النعمة وكمالها ودوامها قال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً} ولئن قلنا إن أعظم نعمة أنعم الله بها على الناس، وأعظم نعمة تستوجب منا الشكر والتقدير والعرفان والمحافظة عليها: هي الإسلام، لكنا قد أصبنا عين الحقيقة.

قال تعالى: {إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ} ومن أجل ذلك أمرنا بالمحافظة على هذه النعمة وصيانتها قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ. وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}

ومن حافظ على هذه النعمة تولى الله جزاءه ومكافأته وأعظم له العطاء {وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} ومن جاء بغير هذا الدين ضل سعيه وحبط عمله وخسر الخسارة الكبرى مهما بدا لنا منه من الخير والبر وحسن المعاملة وكريم الخلق قال تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} وقد يكافئه الله على هذا في الدنيا بكثرة المال، والولد، أو بالصحة، أو بالرفعة في الدنيا، وأما الآخرة فليس له فيها من نصيب.

ص: 282

وقد شرع لنا هذا الدين رب العالمين العليم بخلقه الذي يعلم ما يسعدهم وما يشقيهم وما يصلح لهم وما لا يصلح، العليم بكل ما تحتاجون إليه وما لا يحتاجون إليه، وهو الحكيم الذي يحكم بالحق ويشرع لهم كل خير، وهو الرحمن الرحيم الذي وسعت رحمته كل شيء، وبعث رسله رحمة للناس وكان خاتمهم محمدا صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين.

قال تعالى: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} وقال تعالى: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ} وقال تعالى: {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ. أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} .

ص: 283

ولقد كان هذا الدين التام الكامل الشامل مستوعبا لجميع نواحي الحياة: فقد نظم حياة الفرد من ساعة أن يخرج من بطن أمه إلى أن ينتقل إلى ربه: وبين ما ينبغي للطفل إذا خرج من بطن أمه من عناية الوالدين به وتعهدهما له وبين أهم نواحي هذا التعهد وهو تربية الطفل على معاني الخير والحق والفضيلة، فأمر بإحسان الاختيار لأمه، وإحسان الاختيار لاسمه، وأمر أن يعلم حب الله وسروله صلى الله عليه وسلم وحب القرآن الكريم. ثم إذا صار مميزا أمر بأن يعلم الصلاة ويعود عليها، ولا ريب أن الصلاة تعود النظافة والطهارة والاجتماع على الخير والحق، والمودة والمحبة والتعارف والطاعة، وتغرس قوة الإيمان، وحب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وحب دين الله وحب المؤمنين. فإذا بلغ سن العاشرة وقارب البلوغ كانت العناية به أتم وأكمل، فيتأكد أمره بالصلاة وتعويده عليها، فإذا رؤى منه الترك والتهاون، ضرب ضربا غير مبرح، إلزاما له بالخير حتى يستقيم عليه. فإذا بلغ مبلغ الرجال سهل عليه تعود الصلاة والمحافظة عليها.. كذلك إذا بلغ العاشرة وقارب البلوغ وجب أن يعود على الفضيلة، وأن يمنع من الرذيلة، وأن يحال بينه وبين أسبابها، حتى إذا بلغ كان بعيدا عن الرذيلة ومتأبيا عليها. ولذلك أمرنا بالتفريق بين الأولاد في المضاجع عند بلوغ سن العاشرة.

ص: 284

وقد أمر الإنسان البالغ بأنواع من العبادات كفيلة بأن تحفظ إيمانه وتزيده رسوخا وثباتا، وتملأ قلبه صلة بالله وحبا له وإقبالا عليه، وتملأ قلبه حبا لرسول الله صلى الله عليه وسلم واتباعا له واقتداء بسنته، وتملأ قلبه كذلك حبا لعباد الله الصالحين، وتنشئ الصلة الطيبة والرابطة القوية بينه وبينهم: وأهم ما أمر به إقامة الصلاة وإخلاصها لله تعالى كل يوم خمس مرات موزعة على أول النهار وأوسطه وقبل غروب الشمس ومن أول الليل عند غروب الشمس وعند حلول الظلام وانتشار الليل حيث ينتهي الناس من يومه ويذهب إلى فراشه. وندب الإنسان إلى أنواع أخرى من الصلاة المسنونة: كالسنن التابعة للفريضة المسماة بالرواتب، وصلاة الضحى، وصلاة الوتر، وصلاة الليل، والصلوات التي تقتضيها الحاجة كصلاة الاستسقاء، والكسوف والحاجة، والاستخارة، وصلاة العيدين التي تجمع كل أبناء البلد في صعيد واحد حيث يكون التواد والتعاون على البر والتقوى وإكرام الفقراء والمساكين.

ولا يخفى علينا الآثار الكريمة والنتائج الطيبة التي تترتب على إحسان صوم رمضان، وعلى إيتاء الزكاة وعلى حج بيت الله الحرام وغير ذلك من العبادات المتنوعة.

ص: 285

وقد اهتم الإسلام كذلك بالنواحي الأخلاقية والنواحي الاجتماعية والمعاملات التجارية والشئون الاقتصادية والسياسية. ولم يترك الإسلام أمرا يحتاجه الناس إلا بينه لهم وحثهم عليه وعرفهم به، ولم يترك شرا يضر الفرد والمجتمع إلا نبههم عليه وحذرهم منه، وذلك ليعيش الإنسان سعيدا في نفسه وأسرته ومجتمعه وأمته، وحتى يكون آمنا على نفسه ودينه وعرضه وماله وأهله وولده، قال تعالى:{مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} ، وقال تعالى:{الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} .

وقال تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} ، وقال تعالى:{وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالأِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ} وقال تعالى: {وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ} ، وقال تعالى:{فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً، يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً} .

ص: 286

إنه بحق دين الإصلاح الشامل، ودين التربية الكاملة، وهو مع ذلك دين الرحمة والرفق واليسر {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} ، {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفاً} ، {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج} .

وإذا تحقق للمسلمين حقيقة التمسك بدينهم ساد بينهم الحب والإخاء والسلام، وصاروا على قلب رجل واحد، وحسنت صلتهم بالله تعالى فكان الله وليهم يوفقهم ويسدد خطاهم، وصاروا قوة يحسب العالم لها حسابا، يقدرها الأصدقاء، ويهابها الأعداء. قال الله تعالى:{وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} ، وقال تعالى:{وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} ، وقال تعالى:{إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} . وما نَصْرُ الله إلا نَصْرُ دينه والتمسك بكتابه، والحفاظ على شريعته وإحياء سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والدعوة إلى الله على بصيرة والجهاد في سبيله لإعلاء كلمته، والدفاع عن المستضعفين من المسلمين. ولا يتحقق نصر الله تعالى لمجرد الانتساب إلى الإسلام، بل لابد من حقيقة إقامة الدين والعمل به وتحكيمه وهيمنته على كل شيء لتكون كلمة الله هي العليا.

وهذه هي أسباب تحقق النصر من عند الله تعالى، قال الله تعالى:{وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ. الذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ} .

ص: 287

ولو قلبنا صفحات التاريخ لتبينت لنا هذه الحقائق كاملة غير منقوصة. ولا يخفى على أحد حال الناس عموما والعرب خصوصا قبل الإسلام. وكيف كان الفساد والظلم والظلمات وكيف كان الضعف والتفرق والضياع وكيف تمكن منهم غيرهم. إلى أن جاء الإسلام ودخلوا في دين الله وتمسكوا بهذا الدين وحرصوا عليه وأحبوه حبا يفوق حبهم لأنفسهم وأولادهم وأهليهم وأموالهم. فغير الله حالهم إلى أحسن حال، وساد بينهم الحب والإخاء والعدل والأمن والسلام، وبسط الله لهم الرزق، وصاروا قوة يرهبها عدو الله وعدوهم، ومكن الله لهم في الأرض، وجاهدوا لإعلاء كلمة الله، فانهزمت أمامهم قوة الفرس والروم رغم قلة المسلمين وقلة أسلحتهم. لكنهم رغم قلتهم وقلة أسلحتهم كان معهم السلاح الحاسم الذي لا ينكسر أبدا هو سلاح الإيمان بالله، والاعتماد عليه، والانتصار لدينه وإعلاء كلمته. فلم يقف أمام ذلك السلاح قوة سلاح عدوهم المادي وكثرة أعدادهم

ولم يقف الأمر بالمسلمين عند هذا الحد بل نشروا في هذه الأمم دين الله تعالى وأقبل الناس على دين الله ونشروا بين الناس العدل والإنصاف والمساواة والرحمة والإحسان.. ولقد مكن الله للمسلمين في الأرض، وعلموا الدنيا الحضارة الإسلامية المجيدة التي أنقذت الإنسانية من ظلمات الجهل والأباطيل وعبادة غير الله، وهدتهم إلى نور العلم والحقائق والتوحيد، وكشفوا للناس عن حقائق العلوم الحديثة، وسخروا هذه العلوم ومكتشفاتهم في سبيل الحق والخير، هذا في الوقت الذي كانت فيه أوروبا تخبط في ظلمات بعضها فوق بعض، ظلمات العصور الوسطى. ولم تنج أوروبا من هذه الظلمات إلا عندما اتجهت إلى المسلمين تستنير بما عندهم من معارف وتهتدي بما لديهم من علوم واكتشافات. ولذلك يعترف المنصفون منهم أن أوروبا مدينة في تقدمها العلمي للمسلمين.

ص: 288

هذا قليل من معطيات هذا الدين الحنيف، وقليل من نتائجه البارزة التي ظهرت على أيدي المسلمين الصادقين. ثم خلف من بعد هؤلاء خلف أضاعوا هذا الدين واتبعوا الأهواء والشهوات، وأقبلوا على الدنيا وتركوا أمر الآخرة وراءهم ظهريا. وغلب هذا على الكثير إلا الذين داموا على حبهم للدين وتمسكهم به، وقليل ما هم. فتغير حال المسلمين وانتشر بينهم التنافس على الدنيا والحرص على شهواتها فكان التنازع والاختلاف والشقاق والخصام والعداء، وتقطعت ذات البين، وظهر الخوف، وضاع الأمن، وضرب الله قلوب الناس بعضهم ببعض، وتفرق المسلمون شيعا وأحزابا كل حزب بما لديهم فرحون. وكان الضعف الشديد الذي تمكن منهم، واستطاع الكافرون أن يستغلوا هذا الضعف لمصلحتهم، وتمكنوا من أرض المسلمين وثرواتهم وتحكموا في رقابهم. وصار حال المسلمين على ما نرى الآن. فهم مستضعفون ومضطهدون ومعذبون في كثير من البلاد حتى في البلاد ذات الكثرة المسلمة، وما حال المسلمين في لبنان، وفلسطين، وأفغانستان، والفليبين، والاتحاد السوفيتي والدول التي تدور في فلكه، ما حال هؤلاء وغيرهم عنا ببعيد. والسبب الحقيقي وراء ذلك كله هو ضعف المسلمين عموما لإضاعتهم للدين وإقبالهم على الدنيا وشهواتها.

ولا يصلح حال المسلمين اليوم إلا بما صلح به حالهم بالأمس. إنهم لم تصلحهم الدنيا ولا شهواتها، ولكن أصلحهم هذا الدين. فإذا أراد المسلمون أن يتغير حالهم إلى أحسن حال وإذا أرادوا أن يعودوا إلى سابق عزهم ومجدهم وسعادتهم فالطريق واضح أمامهم {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ} .

ص: 289

فالعودة إلى دين الله الحكيم وشرعه القويم وصراطه المستقيم، كفيلة بأن تصلح الحال والمآل. ولا يصلح حال أحد ولن يصلح إلا بمراعاة شرع الله وتحكيم كتابه الكريم واتباع السنة الرشيدة المطهرة. وعلى كل فرد مسلم أن يبدأ بنفسه، وما الأمة المسلمة إلا مجموع أفراد إذا صلحوا صلحت. وعلى حكام المسلمين وولاة أمورهم من ملوك ورؤساء وأمراء على هؤلاء يقع العبء الأكبر والمسؤولية الأولى لأن الله سبحانه قد ملكهم زمام الأمر ووضع بين أيديهم مقاليد البلاد، يسمع لهم ويطاع، وتنفذ رغباتهم بمجرد الإشارة.

ص: 290

وفي الحديث الصحيح: "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته"وأول الرعاة وأعظمهم أثرا هم الحكام، ولذلك كان الحاكم الصالح العادل له مكانته وشرفه عند الله تعالى لأن الخير الكثير يترتب على صلاحه وعدله فينتفع به العباد والبلاد. ولقد كان من أول السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله (الإمام العادل) ولا يتحقق عدل الإمام إلا إذا أقام الدين وحكم شرع الله في أمور الدولة كلها. ومن أبرز مظاهر تحكيم الشرع المحافظة على أركان الدين وشعائره وحدوده. ولا يخفى ما يترتب على ذلك من الخير والفلاح والصلاح. والحكم بغير شرع الله جور وظلم وفساد وظلام وكم من شعوب مسلمة متدينة ترغب في إقامة حكم الله وشرعه وحدوده ويقف بعض الحكام حجر عثرة أمام هذه الرغبة الصادقة لأن ذلك يخالف أهواءهم وشهواتهم ومقاصدهم، ومن اعتقد أن شرع الله لا يصلح للحكم بين الناس فقد خرج من دين الله {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} ومن اعتقد أن شرع الله يصلح للحكم لكنه ترك الحكم به من باب التقصير اتباعا لهواه أو خوفا من أفراد أو مراعاة لمصالحه مع دول كافرة فهذا من الكبائر وهو بهذا ظالم لنفسه ولشعبه عاص لأمر الله تعالى قال تعالى:{وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} .

ص: 291

هذا وقد بدت تباشير صحوة المسلمين وتيقظهم بالعودة إلى دينهم، وفي ذلك الخير الكثير. وقد تعالى النداء من كل مكان بضرورة العودة إلى هذا الدين الحنيف وتطبيق شرائعه، ورائد ذلك في العصر الحديث هو المملكة العربية السعودية على يد مؤسسها الأول الملك عبد العزيز طيب الله ثراه وعلى أيدي أبنائه من بعده. ويكفينا أن نعلم أن الملك عبد العزيز رحمه الله وجد من العرب أشتاتا متفرقين متناحرين فجمعهم على كلمة الحق ورفع لواء التوحيد واستطاع بعون الله أن ينشئ دولة المملكة العربية السعودية، وأعلن أنها قائمة على دين الله وشرعه، متمسكة بكتاب الله وسنة نبيه الكريم وصدق قوله فصدقه الله. وبعد أن كانت قليلة الموارد والثروات، قليلة المال، ضيقة ذات اليد، إذا بالخير يتوالى عليها، ويكثر حتى تصبح أغنى دولة في العالم، وهي بحمد الله تستغل ذلك الخير لخدمة الدين ونشره والدعوة إليه وخدمة المسلمين في كل مكان.. وبعد أن كانت تعاني من الخوف وضياع الأمن، إذا بالأمن يرفرف على ربوعها ويشمل كل أنحائها، وصار الإنسان لا يخاف من أحد إلا الله، والذئب على غنمه فأطعم الله أهل هذه البلاد من جوع وآمنهم من خوف. وما ذلك إلا بفضل الله أولا ثم بإقامة شرع الله وتطبيق أحكامه وحدوده ثانيا. وقد ضربنا المثل بالمملكة العربية السعودية لأنها والحمد لله مازالت تنادي بأن شرفها وفخرها وعزها في تطبيق شرع الله، ومازالت ترعى هذا الدين وتبذل في سبيله الجهد والمال وتقرن هذا القول بالعمل، ومن ثم كانت أول دولة تحكم بالإسلام، وأول دولة يشعر فيها الجميع بالأمن التام، والطمأنينة الكاملة، وإن الجنود والسلاح والقوانين الأجنبية لا تحقق من ذلك شيئا مذكورا، وفي ذلك القدوة الحسنة لمن أراد أن يقتدي، وأسأل الله أن يعز الإسلام والمسلمين، ويوفق الجميع لما يحبه ويرضاه.

ص: 292

مشروع "اقرأ"

لتعليم اللغة العربية عن طريق القرآن

للشيخ أحمد فؤاد البشبيشي

خبير التعليم بالجامعة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبيه الكريم محمد بن عبد الله النبي الأمي العربي وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين وبعد:

فإن أول ما نزل من القرآن الكريم قول الله تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} .

وفي الأيام الأولى لنزول الكتاب الكريم كان نزول آيات {نْ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ} فالأمر القرآني الأول أمر بالقراءة.

والأداة الأولى التي ورد ذكرها في الكتاب الكريم هي أداة الكتابة.

والكتابة كما يقول العلماء_ بدأت أولا ثم جاءت القراءة [1] .

ذلك لأن الكتابة وليدة الحس والرسم، والقراءة وليدة الإدراك والفهم.

والقراءة أشرف من الكتابة لأن سيد البشر كان قارئا ولم يكن كاتبا ولأن القراءة عملية حسية عقلية يشترك فيها اللسان والعقل والعين فهي إدراك بصري في الغالب ثم نطق لساني ثم فهم عقلي وربط بعد ذلك.

والكتابة وخصوصا في اللغات القديمة ومنها العربية يرتبط رسمها إلى حد كبير بنطق الحرف.

والقرآن الكريم من بين الكتب السماوية ومن بين كتب الدنيا كلها هو الذي جمع بين الاثنين، فهو قراءة محفوظة في الصدور، وكتابة مسجلة على السطور.

والقرآن مصدر على وزن فُعلان بالضم كالغفران.

وقد جاء استعمال كلمة القرآن بهذا المعنى المصدري قال تعالى: {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} .

ص: 293

ثم صارت الكلمة علما شخصيا لذلك الكتاب، وهذا هو الاستعمال الأغلب ومنه قوله تعالى:{إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} .

وروعي في كونه قرآنا كونه متلوا بالألسن [2] .

كما روعي في تسميته كتابا كونه مدونا بالأقلام.

فكلتا التسميتين من تسمية الشيء بالمعنى الواقع عليه.

وفي تسميته بهذين الاسمين إشارة إلى أن من حق القرآن على المسلمين العناية بحفظه في موضعين السطور والصدور.

فلا ثقة بكتابة كاتب حتى يوافق ما عند الحفاظ بالإسناد الصحيح المتواتر. والقراءة ضم الألفاظ بعضها إلى بعض في النطق.

والكتابة ضم الألفاظ بعضها إلى بعض في الخط، فمادة (ك ت ب) ومادة (ق ر أ) تدوران على معنى الجمع والضم.

ولقد خلد القرآن الكريم اللغة العربية وخدمها وهو سبب بقائها وانتشارها.

فمن ناحية التطوير:

كان الخط أو الكتابة المعروفة وقت بعثة النبي صلى الله عليه وسلم هي كتابة أهل الحيرة، ولقد تعلمت قريش هذه الكتابة، وأول من نقلها سفيان بن أمية أو أخوه حرب بن أمية، وقد تطور الخط في صدر الإسلام إلى خط الجزم، ثم تطور مرة ثانية إلى الخط الإسلامي وهو ما يسمى بالخط الكوفي.

والخط الكوفي تأثر بالكتابة السريانية، فحروف الكتابتين متشابهة، والحروف المفصولة في العربية هي نفسها الحروف المفصولة في السريانية، وهي حروف الراء والواو والألف والدال، وكذلك يتشابهان في حذف الألف في لفظتي هذا وهؤلاء.

والكتابة في المدينة المنورة لم تتأخر في الظهور فيما عنها في مكة، فقد قيل إن يهوديا كان يعلم الصبيان الكتابة، وكان هؤلاء الصبيان هم كتبة الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنهم سعيد بن زرارة، والمنذر بن عمرو، وأبيّ بن كعب، وزيد بن ثابت، ورافع بن مالك، وأسيد بن حظير، ومعن بن عدي، وأبو عيد بن كثير، وبشير بن سعيد وغيرهم.

ص: 294

وقد دخل الإسلام -كما يقول البلاذري- وفي قريش سبعة عشر رجلا يكتبون هم: عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وأبو عبيدة عامر بن الجراح، وطلحة بن عبيد الله، ويزيد بن أبي سفيان، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وحاطب بن عمرو، وأبو سلمة بن الأسد المخزومي، وأبان بن سعيد بن العاص، وخالد بن سعيد، وعبد الله سعد بن أبي سرح، وحويطب بن عبد العزى، وأبو سفيان ومعاوية، وجهيم بن الصلت رضي الله عنهم أجمعين.

أما النساء اللائى كن يكتبن فهن:

شفاء بنت عبد العدوية، وهي من رهط عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقد تعلمت منها أم المؤمنين حفصة بنت عمر، وأم كلثوم بنت عتبة، وفروة، وعائشة بنت سعد، وكريمة بنت المقداد، أما عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها فكانت تقرأ المصحف ولا تكتب وكذا أم سلمة.

ولقد كان كتاب الوحي على عهد النبي صلى الله عليه وسلم اثنين وأربعين كاتبا.

وكان أكثرهم في سن الشباب وكانوا يختارون من بين أجود الكتبة خطا وكتابة وكان لهم دور عظيم في النقل والرواية عن الرسول الكريم قرآنا وحديثا وتشريعا، كما كان لهم الدور الأول في جمع المصحف وكتابة المصحف الإمام أيام عثمان رضي الله عنه كما كان لهم دور في نقل العلم وتأسيس مدارسه في مكة والمدينة ثم في غيرها من الأمصار ومن هؤلاء أبيّ بن كعب كاتب الوحي الجليل رضي الله عنه.

وكلنا يعرف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قبل فداء بعض أسارى بدر لأنفسهم بأن يعلم كل واحد عشرة من المسلمين.

ولقد تطور المصحف الشريف بالكتابة العربية مما يجعلنا نقول إن الكتابة إسلامية أولا وهذا التطور قد أخذ الخطوات الآتية:

1_

المصحف الإمام: وهو مصحف سيدنا عثمان رضي الله عنه ولا زال الرسم المعمول به هو رسم هذا المصحف الإمام إلى الآن.

2_

الشكل: وهو ضبط الحروف وقد تم على يد أبي الأسود الدؤلي (ت 69) .

ص: 295

3_

الإعجام: وهو إعجام الحروف أو نقطها أيام خلافة عبد الملك بن مروان بأمر من الحجاج لنصر بن عاصم (ت 89) ثم جاء يحي بن يعمر سنة 129 فوضع الإعجام بنفس المداد [3] .

4_

قام الخليل بن أحمد الفراهيدي بإبدال نقط الشكل التي وضعها أبو الأسود بجرات علوية وسفلية دلالة على الفتح والكسر.

والمصحف في كل هذه المراحل هو مركز الدائرة في كل مراحل تطور الكتابة العربية.

ومن ناحية الحفظ والانتشار:

كان القرآن الكريم هو الدرع الواقي للغة العربية ويكفي في هذا قول الله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} كما كان انتشار المسلمين في كل مكان بالقرآن الكريم مكتوبا بأيديهم ومقروءا بألسنتهم ومحفوظا في صدورهم هو الذي ترك الساحة خالية للغة العربية فسقطت أمامه اليونانية اللاتينية والفارسية في مناطق كثيرة.

ومن ناحية الإثراء والقيمة:

فلا شك أن القرآن الكريم قد أثرى اللغة العربية ثراء عظيما بلغته وبيانه وتصويره وقصصه مما جعلها لغة تشريع وحضارة خالدة باقية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

ولقد تعددت في هذه الأيام أساليب التعلم ووجد ما يسمى بالتعليم الوظيفي وأخذت به كثير من الدول العربية والإسلامية والذي نعرضه هنا إنما هو البديل للتعليم الوظيفي.. ليس هذا فقط وإنما الأساس لتعلم اللغة العربية.

تعليم اللغة العربية عن طريق القرآن الكريم:

والدراسة التي نعرضها بدأناها باستعراض ما في القرآن الكريم من محصول لغوي. فالمصحف يجمع بين دفتيه 114 سورة، 6263 آية، 77460 كلمة، 321250 حرفا، 156051 نقطة.

وقد قمنا بحصر الحروف التي في نصف الجزء الأخير من القرآن من أول سورة الأعلى إلى نهاية سورة الفاتحة وذلك لتداول هذه الآيات وكثرة الحافظين لها وقصر فقراتها وقد تبين أن هذه السورة عددها 29 سورة وأنها تشتمل على "100" سطر.

ص: 296

وبعض الحروف كثر تكراره وهي الحروف التي تتكرر في الكتابة والقراء العادية.

والنوع الأول يحتاج من المعلم بهذه الطريقة والمتعلم بها أن يكثر المران عليها أكثر من الحروف الأخرى.

وقد وضعنا ذلك كله في جدول يمكن أن نأخذ منه الآتي:

أولا الحروف المكررة:

أ_ الهمزة والألف: وقد اعتبر حرفا واحدا وقد تكررتا 503 مرة والهمزة من الحروف الحلقية وهي تخرج من أقصى الحلق مما يلي الصدر.

ب_ اللام: وقد تكررت 499 مرة وهي من الحروف اللسانية السهلة لأنها تخرج من أدنى حافتي اللسان مما يلي طرفه من أصول الثنايا العليا.

ج_ النون: وقد تكررت 298 مرة ومخرجها من تحت مخرج اللام.

د_ الميم: وقد تكررت 272 مرة وهي أسهل الحروف الشفوية نطقا.

هـ_ الياء: وقد تكررت 218 مرة وتخرج من وسط اللسان.

و_ الواو: وقد تكررت 201 مرة وهي حرف شفوي تفتح الشفتان قليلا عند خروج الهواء.

ز_ التاء: وقد تكررت 200 مرة وتخرج من طرف اللسان مع ما يليه من أصول الثنايا العليا.

أما الحروف قليلة التكرار فهي:

أ_ الظاء: وقد تكررت مرتين فقط وهي حرف لثوي وتخرج من طرف اللسان مع أطراف الثنايا العليا.

ب_ الزاي: وقد تكررت 23 مرة وتخرج من طرف اللسان مع أطراف الثنايا العليا.

ج_ الغين: وقد تكررت 22 مرة وتخرج من أدنى الحلق مما يلي الفم.

د_ الضاد: وقد تكررت 25 مرة وتخرج من حافة اللسان مع ما يليها من الأضراس العليا من الجهتين اليمنى واليسرى.

هـ_ الطاء: وقد تكررت 27 مرة وتخرج من طرف اللسان مع مع ما يليه من أصول الثنايا العليا.

و_ الشين: وقد تكررت 36 مرة وتخرج من وسط اللسان مع ما يليه من الحنك الأعلى.

ص: 297

ثانيا: لو ألقينا نظرة على التحليل السابق لتبين أن أكثر الحروف استعمالا هي الهمزة والألف وذلك لسهولة النطق ويسر الكتابة فهي خط رأسي يمثل خط الهواء وهو يخرج من أقصى الحلق

واللام وهي أكثر الحروف اللسانية استعمالا لأنها أسهل نطقا وهي حرف ايزاد عليها قوس في أسفلها واستعمالاتها في لفظ الجلالة ولفظ التعريف وبداية الأسماء كثيرة.

والنون مخرجها من نفس مخرج اللام.

ويمكن تعليل كثرة استعمالات النون والميم والياء والواو والتاء على أن كثرة هذه الحروف وتعدد مخارجها يتيح للسان والحلق وحركة الهواء والشفتين أن يؤدوا جميعا حركات منسجمة منظمة تتم بها أصوات الكلمات ومن ثم تعبر الكتابة بقدر الإمكان عن صورة هذه الأصوات.

وهناك حروف قليلة الاستعمال وقد تكون من نفس المخارج السابقة ولكنها من المواضع الأصعب كالضاد التي تخرج من موضع اللام والزاي التي تخرج من موضع السين.

والحروف المكررة كثيرة هي الأسهل في الكتابة وعكسها هو الأصعب.

والقاموس القرآني هو أحسن وأعظم وأصح قاموس لغوي يمكن أن يعتمد عليه من يتعلم القراءة والكتابة بل من يرتقي بأسلوب كتابته إلى الذروة.

لذا فإن المشروع –وإن لم يكن جديدا- يعتمد لحفظ المسلم لمعظم سور نصف الجزء الأخير وكله قصار سور، وإذا كانت عملية الحفظ متوافرة لدى المتعلم فإنه يستطيع بتكرار القراءة والكتابة لسورة من السور أن يتعلم كتابة وقراءة أكثر من حرف

والبسملة وحدها تتكون من 19 حرفا.

4ل 3ا 3م 2ح 2ر اب اس اهـ اي 1ن.

وكل حرف من هذه الحروف يتكرر في مواضعه المختلفة من الكلمة مرة أولها ومرة وسطها ومرة آخرها.

ص: 298

وقد قلنا أن مجموع هذه السور "100" سطر فلنعد كراسة يتم تدوين سطرين في كل صفحة منها حتى يمكن للمتعلم أن يكتب على منوالها وأن تبدأ العملية بالحفظ ثم بالتكرار جملة جملة ثم كلمة كلمة إلى أن نصل إلى كتابة الحرف وحده ثم عودة إلى الكلمة ثم الجملة.

وإذا كانت فكرة التعليم الوظيفي من ربط التعليم بالعمل الوظيفي اليومي فإن ربط التعلم بالقرآن الكريم هو ربط بالحياة اليومية وربط بالإيمان والقيم، وفرق بلا شك بين كلام تلزم الإنسان به حياته العملية وبين كلام يعين عقله ويحفظه صدره يشرح به صدره ويتعبد به لسانه. أن أول الطريق خطوة وعلى الله قصد السبيل

--------------------------------------------------------------------------------

[1]

الموجز في الطرق التربوية للأستاذ محمد عطية الأبرشي.

[2]

النبأ العظيم للدكتور محمد عبد الله دراز.

[3]

الخط العربي وتاريخه.

ص: 299

حقوق الإنسان في الإسلام

بقلم الشيخ: عبد الفتاح عشماوي

محاضر بكلية الحديث

(الباب السادس)

وقد جمعنا في هذا الباب المواد الآتية من إعلان حقوق الإنسان.

المادة الثالثة عشرة:

(أ) : لكل فرد حرية التنقل واختيار محل إقامته داخل حدود كل دولة.

(ب) : يحق لكل فرد أن يغادر أية بلاد بما في ذلك بلده كما يحق له العودة إليه.

المادة الرابعة عشرة:

(أ) : لكل فرد الحق أن يلجأ إلى بلاد أخرى أو يحاول الالتجاء إليها هربا من الاضطهاد.

(ب) : لا ينتفع بهذا الحق من قدم للمحاكمة في جرائم غير سياسية، أو لأعمال تناقض أغراض الأمم المتحدة ومبادئها.

المادة الخامسة عشرة:

(أ) : لكل فرد حق التمتع بجنسية ما.

(ب) : لا يجوز حرمان شخص من جنسيته تعسفا أو إنكارا لحقه في تغييرها.

ونبدأ فنقول: -إن كلمة الهجرة التي تشير إليها كلمات، (اللجوء، والتنقل، واختيار محل الإقامة، والهرب من الاضطهاد) أقول كل كلمات هذه المواد والتي تجمعها جميعا كلمة الهجرة من بلد إلى بلد للأسباب التي ذكرت ولغيرها من كل قصد عظيم، نحن المسلمين شيوخ هذا الأمر وأساطينه ومعلموه للدنيا كلها، فقرآننا مملوء زاخر بالأوامر القاطعة بالهجرة تارة، وبالترغيب فيها تارة، وبالثناء على الذين يفعلون ذلك تارة ثالثة، وبالحساب العسير في الآخرة للذين تركوها تارة رابعة.

ص: 300

فمن نوع آيات الأمر بالهجرة قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا} {قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ} {أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ} {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَة} أي هاجروا إليها، {قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَة} أي هاجروا إليها.

ومن آيات الترغيب قوله تعالى: {وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً} {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا}

ومن آيات الثناء على أهل الهجرة قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّه} {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} .

ومن آيات الحساب والعقاب على المتقاعس إن اضطر إلى الهجرة ولم يهاجر، قوله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً} وعكس ذلك نعم المثوبة {الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} .

ص: 301

والرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه هم أعظم من قاموا بأخطر وأجل الهجرات في التاريخ، فهجرتا الحبشة قبل الهجرة الكبرى كانتا من رجال ونساء من أكرم الصحابة والصحابيات على السواء، تمسكا بالحق الأعظم والتزاما بالدين الأقوم، وتحملوا في ذلك من وعثاء الأسفار وعناء الاغتراب ما تحملوا، حتى أتاهم النصر العظيم والفرج العميم بالهجرة الكبرى المحمدية، التي سادت كل هجرات الدنيا ولم يحك التاريخ لها نظيرا، فقد تحولت إلى إعصار عات لكل شرك وكفر تذروه من على سطح الأرض، وحولت الدياجير المظلمة إلى نور وضاء حمله الرسول أكبر مهاجر يحمل معه أكبر حق مصور أصدق تصوير في آية الهجرة هذه {وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَاناً نَصِيراً} الإسراء 80، والمدخل الصدق هو البلد الذي هاجر إليه وهي المدينة التي أنيرت بالحق الذي حمله معه إليها، وسميت بالمدينة المنورة من يومها إلى الآن وإلى يوم القيامة، والمخرج الصدق في الآية هو البلد الأمين الذي هاجر منه مكة بلد الله الحرام، فهو صلى الله عليه وسلم خرج من مكة بصدق التوحيد ودخل المدينة بالصدق نفسه، وبنفس هذا الصدق وخيره وعزته جعل الله له كما حكت الآية سلطانا نصيرا، قوة ومنعة أذل بها الجبابرة وقهر بها الأكاسرة والقياصرة، هو وأصحابه الذين تتبعوا الخطى وساروا على الأثر

ثم نحن أيضا خير من هوجر إلينا، يقول كتابنا المعظم:{وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ} ، حتى النساء {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنّ} وقصة الأنصار من أهل المدينة في لقائهم للمهاجرين علم الله أنها تستحق أن تخلد في أخلد كتاب بقوله تعالى: {وَالَّذِينَ

ص: 302

تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} .

وفي (زاد المعاد) : لما قدم رهط من أهل الحبشة إلى النبي صلى الله عليه وسلم أكرم قدومهم وقام يخدمهم بنفسه، فقال له أصحابه: نحن نكفيك يا رسول الله، فقال:"لا، إنهم كانوا لأصحابنا مكرمين" ومن أجل سنين عصر النبوة، العام التاسع للهجرة، الذي جاء فيه من أنحاء الأرض إلى النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من ستين وفدا، ولهذا سمي بعام الوفود، وقد أحسن صلوات الله عليه معاملتهم جميعا حتى الكفار منهم، وكان في هذه الوفود وفد بني حنيفة يرأسه مسيلمة الكذاب نفسه، ولم يصبه أذى من الرسول ولا من أصحابه حتى عاد إلى بلاده وأبلغ مأمنه كما أمرتهم الآية السالفة الذكر، بل ومن هذه الوفود من جاء خصيصا لقتل الرسول صلى الله عليه وسلم متظاهرين بالإسلام، ولم يقابل الرسول ذلك بالمثل حيث جاءوا إليه في بلده، فتولى الله تعالى الدفاع عنه بما حكى ابن إسحاق في المواهب للإمام القسطلاني شارح البخاري بقوله: وفد عليه الصلاة والسلام بنو عامر فيهم بن الطفيل وأربد بن قيس وخالد بن جعفر وحيان بن أسلم، وكان هؤلاء النفر رؤساء القوم وشياطينهم، فقدم عدو الله عامر بن الطفيل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يريد أن يغدر به، فقال لأربد بن قيس:"إذ أقدمنا على الرجل فإني سأشغل عنك وجهه، فإذا فلت ذلك فاعله بالسيف "، فكلم عامر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال:"والله لأملأنها عليك خيلا ورجالا"فلما ولّى قال عليه الصلاة والسلام: "اللهم أكفني عامر بن الطفيل" فلما خرجوا قال عامر لأربد: "ويحك، أين ما كنت أمرتك به؟ فقال: والله ما هممت بالذي أمرتني به إلا دخلت بيني وبينه، أفأضربك بالسيف؟ "، ولما كانوا ببعض الطريق، بعث الله تعالى على

ص: 303

عامر بن الطفيل الطاعون في عنقه فقتله الله، وزاد في صحيح البخاري أن عامرا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال:"أخيك بين ثلاث خصال، أن يكون لك أهل السهل ولى أهل المدر، أو أكون خليفتك من بعدك، أو أغزوك بغطفان بألف أشقر وألف شقراء"، فطعن –أصيب بالطاعون- في بيت امرأة، فقال: أغدة كغدة البكر في بيت امرأة من بني فلان؟ إيتوني بفرسي، فركب فمات على ظهر فرسه.

وسرنا على دمى الأحقاب نكرم اللاجئين إلينا ومن أرادوا الإقامة ولو كانوا غير مسلمين ماداموا لم يتحولوا إلى مقاتلين أو ضارين بالإسلام وأهله بصورة أو أخرى، فقد نص الفقهاء على أنه يجب على الإمام أن ينصر المستأمنين (والمعبر عنهم اليوم باللاجئين السياسيين) ما داموا في دار الإسلام، وأن ينصفهم الإمام ممن يظلمهم، وكذلك أهل الذمة لأنهم تحت ولايته ما داموا في دار الإسلام أيضا.

وفي خلافة عمر بن عبد العزيز أرسل إليه واليه في مصر يطلب منه الموافقة على عدم دخول أهل الجزية الإسلام فقد يكون ذلك هروبا من الجزية، لأن دخولهم أدى إلى نقص في إيراد بيت المال وقال لعمر بن عبد العزيز في رسالته: إن الإسلام أضر بالجزية، حتى لقد نقص عشرون ألف دينار من عطاء أهل الديوان، فكتب إليه هذا الخليفة الراشد بالرد الآتي: "أما بعد، فقد بلغني كتابك، فضع الجزية عمن أسلم، قبح الله رأيك، فإن الله تعالى بعث محمدا صلى الله عليه وسلم هاديا ولم يبعثه جابيا. (ذكر ذلك المقريزي في خططه) .

بل إن خالد بن الوليد رضي الله عنه قد أمن غير المسلمين ضد الشيخوخة والمرض والفقر حين كان يزحف منتصرا باسم الإسلام، فقد كتب في معاهدة الصلح مع أهل الحيرة وكانوا نصارى، ما يلي:

"وجعلت لهم أيّما شيخ ضعف عن العمل، أو أصابته آفة من الآفات أو كان غنيا فافتقر وصار أهل دينه يتصدقون عليه، طرحت جزيته وعيل من بيت مال المسلمين هو وعياله ما أقاموا بدار الإسلام. بل ولتسمع رأي غيرنا فينا.

ص: 304

ذكر الدكتور (فان ديك) ، إن المماثلة في المعاملة في أحقاب كثيرة من عصور الدولة الإسلامية لأهل الذمة غير المسلمين، قد هيأت لهم إظهار مواهب وقدرات كثيرة منهم، مثل (عبد الملك بن أبهر) ، الذي سكن الإسكندرية في عهد عبد العزيز بن مروان، وقبله (يوحنا النحوي) الذي كان في عهد عمرو بن العاص، والطبيب (ثيوذوكس) والطبيب (ثيودون) الروميان في عهد الحجاج بن يوسف الثقفي، و (جيوجيوس) الطبيب الخاص للخليفة العباسي أبو جعفر المنصور، و (بختشيوع) الطبييب الخاص للخليفة هارون الرشيد، واستمرت عائلة (بختشيوع) تتوارث حرفة الطب عند الخلفاء والأمراء المسلمين إلى عام 540 الموافق لعام 1058م.

كما ذاع صيت (عبد السميع بن نعيمة) و (البطريق) و (صالح بن يسهلة) و (عبدوس بن يزيد) و (موسى بن إسرائيل الكوني) و (عائلة الطغيوري) في الترجمة من العربية إلى مختلف اللغات وبالعكس في مختلف أعمال الدولة الإسلامية، كما اشتهر آخرون كثيرون في أعمال أخرى من الهنود والفرس واليهود والنصارى عند الخلفاء. انتهى ما ذكره (فان ديك) .

بل إن رأي جمهور الفقهاء أن حالة الحرب لا تمنع الاتجار بيننا وبين دول الأعداء عن طريق (المستأمنين) ، اللاجئون الذين أعطوا الأمان، وأنه لا حرج في أن تخرج من دار الإسلام إلى دار الحرب لتباع فيها غلاة المسلمين ومنتجاتهم، فيما عدا أسلحة القتال، والشافعي رحمه الله هو الذي خالف في ذلك، وحجة الفقهاء في ذلك ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم حينما أرسل إلى أبي سفيان قبل أن يسلم قدرا من تمر العجوة وخمسمائة دينار ليوزعها على أهل مكة حين أجهدهم القحط.

وأورد ابن قدامة صاحب المغني ما يلي:

إذا دخل حربي دار الإسلام بأمان فأودع ماله لدى مسلم أو ذمي، أو أقرضهما إياه، ثم عاد إلى دار الحرب، نظرنا.

ص: 305

فإن كان قد خرج تاجرا أو رسولا أو متنزها أو لحاجة يقضيها، ثم يعود إلى دار الإسلام فهو على أمانه، آمن على نفسه وعلى ماله.

وإن خرج بقصد أن يستوطن في دار الحرب بطل الأمان في نفسه فقط، فلا أمان له في شخصه، وبقي له الأمان في ماله، لأنه بدخوله دار الإسلام بأمان، ثبت الأمان لماله.

وفي كتاب (السير الكبير) طبعة 58م للشيخ محمد أبو زهرة يقول:

لم مات (المستأمن) في دار الإسلام أو في دار الحرب أو قتل في الميدان محاربا للمسلمين، لا تذهب عنه ملكية ماله وتنتقل إلى ورثته عند جمهور الفقهاء، وخالف الإمام الشافعي في ذلك أيضا.

وفي كتاب (الشريعة الإسلامية والقانون الدولي العام) للأستاذ على منصور ذكر ما يلي:

لا يحل في الإسلام القبض على رعايا الدولة المحارة المقيمين أو الموجودين في دار الإسلام رغم قيام حالة الحرب بيننا وبين دولهم، وما دمنا قد سمحنا لهم بالإقامة من قبل في دار الإسلام، وأعطيناهم الأمان والذمة على أنفسهم، فلا يحل لنا أن نغدر بهم أو نقيد حريتهم، وأصل الأمان قول الرسول صلى الله عليه وسلم:"المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويجير عليهم أدناهم، وهم يد على من سواهم، ويسعى بذمتهم أدناهم" رواه البخاري.

وفي صبح الأعشى ذكر ما يلي:

إن الحربي من الأعداء إذا دخل دار الإسلام للسفارة بين المسلمين كتبليغ رسالة ونحوها، أو لسماع كلام الله فهو آمن دون حاجة لعقد أمان، أما إذا دخل التجارة وأذن له إمام المسلمين أو نائبه، أو من يملك هذا الإذن –كإدارة الهجرة في عصرنا- فهو مستأمن لمدة، أي مسموح له بالإقامة لفترة حددها الفقهاء بأقل من سنة، وهو فيها آمن على نفسه لا يروَّع، فإن احتاجت أعماله التجارية لمدة سنة فأكثر، فهو ذمي آمن في جوار المسلمين وبذمتهم. وبعد هذا نسأل؟

ص: 306

أيهما أفضل، حقوق الإنسان التي جعلها الله له، أم حقوقه التي وضعها لنفسه، فضيق بها على نفسه، فكثرت مشاكله ومصائبه، وكلنا نسمع كل يوم من هذه المشاكل والمصائب الكثير، على مستوى الفرد والمجتمع والحكام، الذين تركوا حقوق الله، وجروا وراء حقوق الخيال والتزويق والأوهام؟

{إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}

(الباب السابع)

والحديث في هذا الباب يشمل مادتين من مواد إعلان حقوق الإنسان، وهما المادة السابعة عشرة، والثالثة والعشرون. ونورد نصهما أولا على نظام ما سبق في هذا البحث.

المادة السابعة عشرة:

(أ) لكل شخص حق التملك بمفرده، أو بالاشتراك مع غيره.

(ب) لا يجوز تجريد أحد من ملكه تعسفا.

المادة الثالثة والعشرون:

(أ) لكل شخص الحق في العمل، وله حرية اختياره بشروط عادلة مرضية، كما أن له حق الحماية من البطالة.

(ب) لكل فرد دون أي تمييز الحق في أجر متساو للعمل.

(ج) لكل فرد الحق في أجر عادل مرض مقابل عمله، يكفل له ولأسرته عيشة لائقة بكرامة الإنسان، تضاف إليه عند اللزوم وسائل أخرى للحماية الاجتماعية.

(د) لكل فرد الحق في أن ينشئ وينضم إلى نقابات، حماية لمصلحته.

ونبدأ فنقول:

ص: 307

ما نظن دينا جعل العمل فرضا وكرم العاملين أكثر من الإسلام، بل ولأنه دين الله ومنسوب إليه فإن من كرم الله تعالى أن يأبى للمؤمنين به أن يكونوا عالة إلا عليه ثم على ما يأمرهم وما يسبب لهم من عمل، حتى لا يمدوا أيديهم إلى عدو له يستجدونه {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} ، فالله لا يجعل أولياءه إلا كذلك حتى إن أكرم خلقه عنده هم رسله جعلهم جميعا يعملون، فمنهم من كان فلاحا وزارعا ماهرا، ومنهم من كان تاجرا رابحا، ومنهم من كان صانعا حاذقا إلى غير ذلك مما زخر القرآن الكريم بقصصهم وكان يمكن أن يكفيهم الله ذلك بكلمة (كن) ولكنه سبحانه شاء أن يجعلهم الشارة المتبعة للعالمين {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَة} والقرآن عندنا قد أكثر من آيات العمل، بعضها بظاهر اللفظ وبعضها بمضمون المعنى.

فمن النوع الأول {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ} {قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ} {لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ} وغير هذا كثير،. وثابت أن كلمة (العمل) عندنا في الإسلام – والقرآن كتاب الإسلام - يشمل عمل الدنيا أيضا، فعمل المسلم كله عبادة حيث لا رهبانية عندنا ولا مذلة ولا انطواء، ومن أجلّ عمل الدنيا المثاب عليه من الله الكدح في سبيل الرزق الطيب للنفس ومن تعول.

والآيات التي خلا منها لفظ العمل وحضت بالمعنى منها {وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ} {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً} {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً} وغير هذا كثير.

ص: 308

ومن الآية الأخيرة نبسط القوة آخذين منها السبب والمصدر لحديثنا، فهو سبحانه في الآية ينادي كل الناس من عباده، أن يأكلوا مما في الأرض، أي يحصلوا على طعامهم بالعمل في ثنايا أرزاقها المختلفة والمتعددة التي خلقها لهم، وأن يتجهوا بالعمل إلى طرق الحلال الطيبة، ليكون مطعمه حلالا طيبا وفي بدن الطاعم هنيئا مريئا.

والآن أسأل الذين وضعوا حقوق الإنسان هذه الأسئلة الآتية:

هل العمل بالربا وأكل نتاجه السحت الخبيث، والذين تتعاملون به يا من أعلنتم حقوق الإنسان أفرادا ومجتمعا وحكومات، وكم خربت به بيوت وأفلست به شركات بل وحكومات، من العمل الحلال الطيب، إنه للسبب الموجز الذي أوضحته ليس عندنا حلالا ولا طيبا.

وهل العمل في مزارع كروم الخمر ومصانعه ومتاجره وحاناته وشربه مما أفرى أكبادكم وأهلك أجسادكم وأطار عقولكم من العمل المباح في حقوق الإنسان لديكم؟، إنه عندنا فحش وقذر وعلى العامل والآكل لعنة منكبة، وهل الاستيلاء على المزارع والمصانع ونزع الملكيات بغير رغبة المالك أو تعويضه باسم الشيوعية تارة وباسم الاشتراكية تارة وباسم الديمقراطية تارة وباسم المساواة تارة وباسم تذويب الفوارق بين الطبقات تارة إلى آخر قائمة لا تنتهي من التعليلات الظالمة الفاجرة لتظل أنيابكم تسيل من دماء الشعوب، كل هذا حقوق مباحة عندكم ولا تمس حقوق الإنسان بشيء، وقد أخذه منكم كثير من بلاد إسلامية، أو كانت كذلك وبإقتدائها بكم لم تعد إسلامية.

وهل السطو على المنازل والبنوك وقطارات السكك الحديدية وقطع الطرقات واحتراف السلب والنهب من حقوق الإنسان عندكم وهي تجتاح بلادكم ودياركم؟، ديننا يقول لنا بقوة: لا.

ص: 309

وهل إضراب العمال عن الأعمال في كل مرافق الدولة مما يؤدي إلى تصلب كل شرايينها وشل كل أعضائها فتضار النساء والأطفال والعجزة وهذا أمر تبيحه قوانينكم وحقوق إنسانيتكم، تعدونه حقا نافعا ومباحا؟. ولقد كنتم السبب لما بخستم حق العامل وأهدرتم آدميته بما لا يقيم أوده هو ومن جعل قواما عليهم.

وهل من العمل وسبل الارتزاق أن يستغل الحاكم منصبه فيفعل ويختلس حتى يبني لنفسه الدور والقصور، منتهزا أيام حكمه قبل أن يترك المنصب ويغور، وقد تعلم منكم كثير من حكام المسلمين بل بعضهم بزّكم وفاقكم فيه؟

إننا نحن المسلمين نحرم العمل وسبل العيش السابقة ونزيد عليها منعا أنواعا شتى لا نقرها أبدا.

فنحرم الارتزاق من مال القصر والأيتام، إلا بأجر صونها لهم بالمعروف، ونحرم الارتزاق بالاحتكار والغش والبخس في البيع والشراء والكيل والميزان والحاضر للباد.

ونحتِّم رد الحقوق وأداء القروض وإعادة الودائع والأمانات، وأكلها، أو الأكل منها عندنا مستحيل.

حتى الأكل عن طريق السؤال واحتراف الشحاذة، يمنعها ديننا ويعتبرها معصية دنيئة.

ولو عددنا ما انتهينا، لأن ديننا شامل لنعم الله ونعمه محال عدها، ولا بأس من تقديم بعض النصوص والوقائع للفائدة في هذا الباب.

1_

عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

"ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده" رواه البخاري.

2_

"طلب الحلال واجب على كل مسلم" رواه الدارقطني.

3_

"أيما رجل كسب مالا من حلال فأطعم نفسه أو كساها فمن دونه من خلق الله فإنه له به زكاة" رواه ابن حبان.

4_

سئل صلى الله عليه وسلم: أي الكسب أفضل؟ قال: "عمل الرجل بيده وكل عمل مبرور" رواه الطبراني.

5_

وعنه صلى الله عليه وسلم "إن الله يحب المؤمن المحترف"رواه البيهقي.

ص: 310

6_

رُوي عن كعب بن عجرة رضي الله عنه قال: مرّ على النبي صلى الله عليه وسلم رجل، فرأى أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم من جده ونشاطه، فقالوا: يا رسول الله، لو كان هذا في سبيل الله!! فقال صلى الله عليه وسلم:"إن كان خرج يسعى على ولده صغارا فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله، وإن كان خرج على نفسه يعفها فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى رياء ومفاخرة، فهو في سبيل الشيطان " رواه الطبراني.

7_

وعنه صلى الله عليه وسلم: "لأن يأخذ أحدكم ترابا –يجعله في فيه- خير له من أن يجعل في فيه ما حرم الله عليه" رواه أحمد.

8_

وعنه صلى الله عليه وسلم: "أيما عبد نبت لحمه من سحت فالنار أولى به" الطبراني

9_

وعنه صلى الله عليه وسلم: "لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله تعالى وليس في وجهه مزعة لحم" رواه البخاري.

10_

أبى صلى الله عليه وسلم أن يصلي على ميت ترك مالا من التسول، فعن مسعود ابن عمرو رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أُتي له برجل ليصلي عليه فقال:"كم ترك؟ "قالوا: دينارين أو ثلاثة، قال:"ترك كيّتين أو ثلاث كيّات"، فلقيت عبد الله بن القاسم مولى أبي بكر رضي الله عنه فذكرت ذلك له، فقال: ذاك رجل كان يسأل الناس تكثّرا، رواه البيهقي

11_

عن أبي مسعود رضي الله عنه، قال: قلت يا رسول الله أي الظلم أظلم؟ فقال: "ذراع من الأرض ينتقصها المرء المسلم من حق أخيه المسلم، فليس حصاة من الأرض يأخذها إلا طوقها إلى قعر الأرض، ولا يعلم قعرها إلا الله الذي خلقها"رواه أحمد

12_

"لا يحل لمسلم أن يأخذ عصا من أخيه إلا بطيب نفس منه"صدق الرسول الكريم، رواه ابن حبان

ص: 311

13_

عن أبي عثمان، عن سلمان الفارسي وسعد بن أبي وقاص وحذيفة بن اليمان وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم قالوا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الرجل لترفع صحيفته يوم القيامة حتى يرى أنه ناج، فما تزال مطامع بني آدم تتبعه حتى ما يبقى له حسنة، ويحمل عليه من سيئاتهم"رواه البيهقي بإسناد جيد

14_

محاورة رائعة بين الخليفة عمر رضي الله عنه وأبي هريرة، ترى منها أن أبا هريرة هذا الصحابي الكريم رضي الله عنه مع رفعة منزلته في الإسلام لم يمنعه ذلك من أن يحاسبه الخليفة عن العمل الذي أداه حتى حصل منه على سعة من مال، قال له عمر:

استعملتك على البحرين وأنت بلا نعلين، ثم بلغني أنك ابتعت أفراسا بألف دينار وستمائة دينار.

قال أبو هريرة: كانت لنا أفراس تناتجت وعطايا تلاحقت.

قال عمر: قد حسبت لك رزقك ومؤنتك، وهذا فضل فأده.

فقال أبو هريرة: ليس لك.

قال عمر: بلى، والله أوجع ظهرك، ثم قام إليه بالدرة حتى أدماه، ثم قال له: إيت بها.

قال أبو هريرة: احتسبتها لله.

قال عمر: ذاك لو أخذتها من حلال، وأديتها طائعا، أجئت من أقصى البحرين، تجبي الناس لك، لا لله ولا للمسلمين؟! ما رجعت بك أميمة –يقصد أم أبي هريرة- إلا لرعية الحمُر.

15_

وكتب رضي الله عنه إلى عمرو بن العاص واليه على مصر قائلا: "إنه قد فشت لك فاشية من متاع ورقيق وآنية وحيوان، لم تكن حين وليت مصر "فكتب إليه عمرو: "إن أرضنا أرض مزدرع ومتَّجر، فنحن نصيب فضلا عما تحتاج إليه نفقتنا ". فرد عليه عمر بالرسالة الآتية: "إني قد خبرت من عمال السوء ما كفى، وكتابك إليَّ كتاب من أقلقه الأخذ بالحق، وقد سئت بك ظنا، ووجهت إليك محمد بن مسلمة ليقاسمك مالك، فأطلعه وأطعمه، وأخرج إليه ما يطالبك به، واعنه من الغلظة عليك، فإنه برح الخفاء "فلما وصل إليه محمد بن مسلمة أذعن لأمر عمر، رضي الله عنهم أجمعين.

ص: 312

هؤلاء هم الرجال الغرّ العظام، الذين عرفوا حقوق الإنسان لا تأخذهم فيها أقارب ولا مناصب، تعلموها عن ربهم كما أمر بها في كتابه، ومن سنة نبيهم وسيرته حسبما وجه، على أنه عبد رباني لا أرب له في هذه الدنيا إلا أن يترك للعالمين تاريخا من قواعد سامقة لا تحيد ولا تميد، هذا؟ أم الذي وضعه لنفسه إنسان هذا الزمان، فكان أن ملأ الجور كل مكان.

ص: 313

أهمِّيَّة الدَّعوة وصفات الدَّاعية

للدكتور محمد بيلو أحمد أبو بكر

أستاذ مساعد بكلية اللغة العربية بالجامعة

إن الدعوة إلى الله من أجل الأعمال التي يقوم بها المسلم، لخدمة الإنسانية وطاعة رب العالمين، ندرك ذلك إذا علمنا من هو الداعية الأول:

إن أول من دعا إلى الله هو حبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم. قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً} الأحزاب الآية رقم 45، 46، وقال تعالى:{وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدىً مُسْتَقِيمٍ} (الحج الآية 67) وقال تعالى: {وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (القصص الآية 87) .

والدعوة إلى الله تعالى وظيفة الرسل جميعا ومن أجلها بعثهم الله إلى الناس لبيان الطريق الصحيح للإيمان بالله وإفراده بالعبادة، وتوجيه الخطاب إلى سيد المرسلين لا يعني أن الدعوة مقصورة عليه صلى الله عليه وسلم وحده، فالأصل أن يشمل الخطاب الناس جميعا ما لم يكن هناك استثناء، ولم يوجد الاستثناء هنا، وبهذا يكون التشريف بالدعوة إلى الله شاملا لأمته صلى الله عليه وسلم، والدليل القاطع على ذلك هو قوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ

} الآية (آل عمران 110)

ص: 314

بل إن الدعوة إلى الله تعالى من صفات المؤمنين التي تميزهم من المنافقين. اقرأ قوله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} التوبة رقم71. وهذا على خلاف المنافقين الموصوفين بقوله تعالى: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ} التوبة الآية رقم67. إذن الفاصل بين الطرفين هو الدعوة إلى الله تعالى، والدعوة إلى غير الله.

من هنا نعرف من الداعية، هو كل من اتبع طريق المصطفى صلى الله عليه وسلم من مسلم ومسلمة، فالدعوة لا يختص بها العلماء أو رجل الدين كما يقولون فإن هؤلاء يمتازون بمعرفة تفاصيل الدين وأحكامه، اقرأ معي لبيان ذلك قوله تعالى:{قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} الآية رقم 108 يوسف.

فاتباعنا له صلى الله عليه وسلم يجعلنا دعاة إلى الله جميعا. وإليك ما رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم: "فليبلغ العلم الشاهد الغائب". والشاهد هو من علم من أمر الإسلام شيئا.

إذن لا تترك الشيطان يوهمك بأنك لست داعيا إلى الله؛ لأنك لست من رجال الدين أو العلماء، أو بالقول إن هذا واجب كفائي علق في رقاب العلماء. فعليك أن تدقق النظر في قوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ

} الآية فالآية شاملة لم تقل بعضكم يأمر بالمعروف. فالطريق واسع شامل للجميع. اقرأ قوله صلى الله عليه وسلم: "من رأى منكم منكرا

" الحديث. و (من) يندرج تحتها كل من يعلم أن هذا الأمر منكر، ومن ثم يلزمه تغييره بقدر طاقته وبقدر ما لديه من العلم.

ص: 315

هنا يا أخي نتساءل لماذا لزمتنا الدعوة على مر الزمن؟، إن بقاء الكفر والشرك في الأرض يؤثر عاجلا أو آجلا على معاني الإسلام، وحقيقة العقيدة، لهذا يلزمنا القيام بالدعوة لحماية ديننا وعقيدتنا، ولعكس هذا يعمل عدونا بجميع السبل لمقاومة الإسلام في كثير من بقاع الأرض اليوم. والأحداث الجارية تشهد على ذلك.

لهذا فإن كل مسلم أو مسلمة يعلم أنه لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأن الحساب يوم القيامة حق، وأن الصلاة والصيام والحج والزكاة من فرائض الإسلام، فعليه أن يبلغ ما علمه لمن لا يعلمه، أما ما لا علم له به غير هذا فلا يكلف به.

ولا أظن أن هناك مسلما إلا ويسعى ليمون قوله من أحسن الأقوال وأصدقها، وقد قال الله تعالى:{وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} الآية 33 من فصلت. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا". وفي حديث آخر: "فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم" إذن ينبغي لك يا أخي أن تفكر معي في هذا الأجر الجزيل المعد للداعية.

ص: 316

لكن كيف يمكنك أن تكون داعية؟ أخي لا يمكن أن تكون داعيا حقا، إلا بعد أن تكون: مفسدا ومخربا قاطعا للصلة بينك وبين الشيطان كما يأمرنا تعالى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً} فاطر آية6. لتكون مقتديا برسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أمرنا الله تعالى بالاقتداء به في قوله: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} سورة الأحزاب21. ولا يكون الإنسان داعية إلا باتباع الرسول صلى الله عليه وسلم فهو الصورة الكاملة للداعية، فكن ملتزما طريقه، فهو المثل الأعلى لما يجب أن يكون عليه الإنسان الكامل في كل موقع من مواقع الحياة. فاجعل نفسك مثالا وأنت زوج في البيت ومع الأبناء وفي ميدان العمل وبين الأهل والأصدقاء. كن صديقا وقريبا وصاحبا للناس جميعا لتملأ لهم أنفسهم ومشاعرهم بما تحمله إليهم من الخير الصادر من قلب طاهر. تعود مريضهم، وتساعد ضعيفهم، وتخفف همومهم، وتمنحهم العطف والمودة كما كان صلى الله عليه وسلم.

عليك أن تجعلهم يرون فيك ذلك العابد الحق الملتزم بدينه من غير رياء ولا تظاهر، فأنت الصادق في قوله وفعله البعيد عن كل ما ينتقص قيمة الرجل المسلم..

فالسلوك الشخصي أعظم شيء يدعو الناس إلى الخير، فالإنسان بطبيعته يتأثر بما يراه ويحسه أكثر من تأثره بما يدركه بسمعه.

فعلى الداعية أن يكون دعوة حقيقية تتحرك على وجه الأرض، وتعيش بين البشر تُرى وتُلمس في شخص الداعي وتصرفاته ومشاعره وأفكاره ومبادئه ومتجهه في الحياة وصلته بالناس. فبهذا يكون قدوة لغيره فيحبه الناس، ويسعى كل واحد منهم أن يكون مثله. إذ هكذا كان صلى الله عليه وسلم دعوة وتأثيرا وتوجيها ونورا وهدى وصراطا مستقيما.

فالدعوة إذن جهاد، ولا بد للمجاهد من أسلحة فما هي أسلحة الداعية؟

ص: 317

أول أسلحة الداعية هو العلم: فلا بد من العلم بما يدعو الناس إليه، فهو مقدم على العمل، لابد أن يعرف ما يقوم به وما يدعو إليه، ونحن لا نقول بضرورة كون الداعية عالما محيطا بكل شيء، أو عالما متبحرا. وفوق كل ذي علم عليم. ولاستحالة بلوغ نهاية العلم أرشدنا الله إلى طلب المزيد منه، فقال تعالى:{وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً} (سورة طه114) .

إذن لابد من العلم أولا لأن الله تعالى قال: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ

} (الآية 19 سورة محمد) . فقدم العلم على العمل.

وينبغي أن يكون دقيقا في معرفة الحلال والحرام حتى لا يقع في الخلط والخبط. والقول على الله ورسوله بغير علم فيكون ضرره أكثر من نفعه.

ومنها الأخلاق الإسلامية التي بينها الله في القرآن الكريم وفصلها الرسول صلى الله عليه وسلم وانصبغ بها الصحابة رضي الله عنهم.

وأول هذه الأخلاق: الصدق..وقد قال ابن القيم حقيقة الصدق هو حصول الشيء وتمامه وكماله وقوته واجتماع أجزائه. أي كمال العزم وقوة الإرادة على السير إلى الله.

ومن ذلك صدق القول والعمل والقصد حتى يظهر أثر صدقه في وجهه وصوته، فإن ذلك يؤثر في المخاطب ويحمله على احترام كلامه.

ومنها الصبر قال تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ} (الآية 45 البقرة) . وذكر الصبر قد ورد وتكرر في الكتاب الكريم مما لا يحتاج إلى التنبيه عليه.

ص: 318

والصبر له ثلاث شعب: صبر على طاعة الله، وصبر عن معصية الله، وصبر على المصائب والبلاء

لابد للداعي أن يتحمل ما يؤلمه، ويصبر على المكروه ويبتعد عن الشكوى إلا لله. ويدخل في ذلك الصبر على عدم ظهور نتيجة دعوته، فليتذكر نبي الله نوحا عليه السلام، الذي دعا قومه ألف سنة إلا خمسين عاما. وأن يتذكر قول الله تعالى:{وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَأِ الْمُرْسَلِينَ} (34 الأنعام) وأن يتذكر قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون".

ومنها: البعد عن الكبر، لأن الكبر حماقة وجهالة، ومنازعة لرب العزة. وعليه أن يتذكر بأن الله تعالى لا يحب المتكبرين، وأن المتكبر يستعظم نفسه ويغمط الناس ويحتقرهم، فهو إذن ليس من صفات الداعية، لأن المتكبر يتبع أباطيل الشياطين وإيحاءاتهم، ومن يتبع الشيطان لا يصلح أن يكون قدوة، فمن هنا لزم الداعية أن يتصف بالتواضع، لأنه ثمرة معرفته قدر الله، ومعرفته قدر نفسه، فالذي عرف ربه وعرف قدر نفسه لا يمكن أن يكون متكبرا، وبالتالي لا يحتقر أي مسلم مهما كان ضعيفا، لأن المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره. كما أن التواضع يتيح للداعية مجالسة الصالحين والفقراء والضعفاء. فالمتواضع هو الذي يتبع قوله تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ

} الآية 28 الكهف. على الداعية أن يكون كذلك في كل مواقفه حتى في حالة انتصاره في دعوته، وليتذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما دخل مكة فاتحا، فقد دخل منكسا رأسه تواضعا لله تعالى شاكرا لأنعمه.

ثم من المدعو هذا؟

ص: 319

المدعو إلى الله هو (الإنسان) كائنا من كان، لأن الإسلام جاء إلى البشر جميعا قال تعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَاّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً} ، هذا العموم يشمل كل البشر من ذكر أو أنثى، وأبيض وأسود وعربي وعجمي، ورئيس ومرؤوس.

وهنا يجدر بنا أن ننظر إلى قدر الله تعالى الذي شاء أن يكون من أوائل من دخل الإسلام، وآمن برسالة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم.

1_

أبو بكر الصديق العربي القرشي

2_

بلال الذي هو من بلاد الحبش داخل قارة أفريقيا التي توصف بالسوداء.

3_

صهيب الرومي من بلاد الروم ذوي البشرة البيضاء.

4_

سلمان الفارسي من البلاد التي يوصف أهلها بذوي البشرة الصفراء.

5_

ومن حيث الجنس آمن من النساء - إلى جانب الرجل- خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها.

6_

وآمن من الصبيان علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

7_

ومن حيث الغنى وكثرة المال آمن عثمان بن عفان رضي الله عنه، وكان ذا ثراء واسع.

8_

ومن الفقراء آمن عمار رضي الله عنه

إذن الدعوة الإسلامية منذ أن قامت، وجدت شاملة عامة لا تفرق بين الناس. فالإسلام يجعل الناس سواسية كأسنان المشط لهذا يجب أن نتدبر قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} فالكل عباد لله تعالى.

هذا ومن حق المدعو أن يتصل به الداعي في موقعه، في منصبه ومعمله ومزرعته وفي كل محفل ومجمع حتى في الأسواق، ولكن يجب أن تتم الدعوة بالطرق المناسبة الكاشفة لحقيقة الإسلام المقربة المحبة، لا المنفرة المبغضة.

أخيرا ما هي مصادر الدعوة؟

ص: 320

لا شك أن المصدر الأول في الدعوة هو كتاب الله والمصدر الثاني هو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ثم سيرة السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان، ثم استنباطات العلماء والفقهاء التي استنبطت من الأحكام الشرعية من أدلتها الأصلية، ثم التجارب الجيدة السليمة التي مرت بالدعاة الصالحين الذين مارسوا الدعوة في حياتهم العملية، مستعملين الترغيب والترهيب والموعظة الحسنة، وتخوّل الناس بها بصورة مناسبة بعيدة عن الملل وجلب الضجر، والله أسأل أن يجعلنا دعاة صالحين صديقين عاملين لوجهه الكريم.

من علامات سعادة العبد وفلاحه:

أنه كلما زِيد في علمه زِيد في تواضعه ورحمته.

وكلما زيد في عمله زيد في خوفه وحذره

وكلما زيد في عمره نقص من تكالبه وحرصه.

وكلما زيد في ماله زيد في سخائه وبذله.

وكلما زيد في قدره وجاهه زيد في قربه من الناس والتواضع لهم وقضاء حاجاتهم.

من علامات شقاء العبد وتعاسته:

أنه كلما زِيد في علمه زيد في كبره وتيهه.

وكلما زيد في عمله زيد في فخره وحسن ظنه بنفسه.

وكلما زيد في عمره زيد في تكالبه وحرصه.

وكلما زيد في ماله زيد في بخله وإمساكه

وكلما زيد في قدره وجاهه زيد في بعده عن الناس والتعالي عليهم وتحقير شأنهم.

ص: 321

الحركة السلفية في الهند

ودورها في خدمة السنة المطهرة

للشيخ عبد الرحمن عبد الجبار الفريوائي

قسم السنة بالدراسات العليا بالجامعة

تلاميذ المحدث السيد نذير حسين الدهلوي من الأسرة الغزنوية.

تقدم ذكر الإمام المحدث المصلح الشيخ عبد الله الغزنوي أحد أعلام الهند وأحد تلاميذ المحدث السيد نذير حسين المبرزين، وقد كان له ولأبنائه وأحفاده وأصحابه وتلاميذه دور كبير في خدمة السنة والسلفية، وقد تتلمذ هو ثم أبناؤه وبعض أحفاده على السيد نذير حسين المحدث الدهلوي كما تتلمذ البعض الآخر من أحفاده على تلاميذ المحدث الدهلوي، ففي هذا المقام نوجز الكلام في علماء هذه الأسرة الكريمة وذكر خدماتهم في نشر السنة والسلفية، فمنهم:

الشيخ المحدث محمد بن عبد الله الغزنوي (ت ذي القعدة سنة 1296 هجري)

أحد أفاضل عصره، قرأ على أبيه، ورحل إلى دهلي، وأخذ الحديث عن المحدث السيد نذير حسين الدهلوي، وفاق الأقران في العلم والفضل، واشتغل بالدرس والإفادة والوعظ والإرشاد، له دور هام في نشر علوم الحديث، والعقيدة السلفية في أبناء الهند، ومن مؤلفاته

1_

حاشية على تفسير جامع البيان (مطبوع) ، ركز فيها على شرح عقيدة السلف الصالح ونصرة مذهب المحدثين، قال الأستاذ عبد الحي الحسني:((وكان – رحمه الله ممن أوذي في ذات الله من المخلصين، وأخيف في نصر السنة المحضة، وهو أكبر من أن ينبه على سيرته مثلي)) [1]

والإمام المحدث الشيخ عبد الجبار بن عبد الله الغزنوي (1268 -25 رمضان سنة 1331 هجري)

أحد العلماء المتبحرين في علوم الحديث والمولعين بنشرها وترويجها وإحيائها، وصفه العلامة المحدث شمس الحق العظيم آبادي بقوله:"عالم كامل، محدث، مفسر، عامل، منكسر النفس، لم تر مثله العيون، وله تلاميذ كثيرة، وصاحب مناقب جمة".

ص: 322

قرأ على إخوانه ووالده، وأوذي في سبيل الله مع أبيه حتى أخرج من وطنه غزنى، فهاجر مع الوالد إلى أمرتسر، ثم سافر إلى دهلي، وأخذ الحديث عن المحدث السيد نذير حسين، وقضى حياته في خدمة الدين الحنيف، ومن أعماله الخيرية تأسيس ((المدرسة الغزنوية تقوية الإسلام)) ، تصدّر فيها للدرس والإفادة وخدمة السنة والعقيدة، له دور قيادي في نشر العقائد السلفية، وبالتالي نشر معارف شيخي الإسلام ابن تيمية وابن القيم، وهو الذي قام لأول مرة بنشر مجموعة التوحيد، ومجموعة الحديث (النجدية) ، بأمرتسر (الهند) .

وبأمره ومشورته نشر كتاب رياض الصالحين لأول مرة من مدينه لاهور، وكان يوصي أصحابه وتلامذته بقراءته، وبأمره قام تلميذه البار الشيخ أحمد الدين الكرمري الدهيانوي بنقل رياض الصالحين إلى اللغة الأردية، وطبعت الترجمة باسم ((روض الرياحين)) بأمرتسر (الهند) كما طبع بإيماء الشيخ عبد الجبار كتاب ((إيقاظ همم أولي الأبصار)) للعلامة الفلاني، لكن وفاه أجله المحتوم قبل أن يتم طبع الكتاب.

ص: 323

وله أيضا بعض المؤلفات منها: 1_ الأربعين في أنّ ثناء الله ليس على مذهب المحدثين، انتقد فيه بعض آراء العلامة الشيخ أبي الوفاء ثناء الله الأمرتسري في مسألة أسماء الله وصفاته التي أظهرها في تفسيره ((تفسير القرآن بكلام الرحمن)) ، وقد وافقه كثير من كبار علماء أهل الحديث في عصره على ملاحظاته وانتقاداته، والشيخ الأمرتسري نفسه رجع عن موقفه حينما دعاهما الملك عبد العزيز آل سعود رحمة الله عليه إلى الرياض، واعترف أن مذهبه هو مذهب المحدثين في مسألة الأسماء والصفات، (والحقيقة التي لابد أن أشير إليها في هذه المناسبة أن العلامة الأمرتسري كان يرى ويعتقد اعتقاد السلف إلا أنه كان لا يرى بأسا في مجال المناقشات والمناظرات والردود التي كانت شغله الشاغل في الدفاع عن الإسلام في عصره أن يواجه أعداء الإسلام بسلاحهم على سبيل التنزل، ومن هنا أظهر بعض الآراء في تفسيره، فهاجمه علماء أهل الحديث هجوما جره إلى ما لا يحمد عقباه، وجزى الله الملك عبد العزيز رحمة الله عليه حيث اهتم بقضية إخوانه في الدين والعقيدة وأدى واجب النصح فجمعهم على كلمة الحق..

ومسألة الاشتغال بعلم الكلام والفلسفة عند الحاجة وبقدر الضرورة، قد نقحها شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه العظيم: درء تعارض العقل والنقل، فليراجع إليه، ويحسن الظن بعلم من أعلام الفكر الإسلامي الذي قضى حياته في سبيل خدمة العلم في جميع ميادين الحياة) .

2_

وله: جزء في سيرة أبيه الشيخ عبد الله الغزنوي.

3_

وسبيل النجاة في مباينة الرب عن المخلوقات [2] .

والشيخ المحدث عبد الواحد والشيخ المحدث عبد الرحيم (ت 1342 هجري) ابني الإمام عبد الله الغزنوي:

تخرجا على والدهما واشتغلا بالتدريس والتأليف، وأقاما في مدينة الرياض (المملكة العربية السعودية) خمس سنوات على طلب الأمير عبد الرحمن آل سعود، وتصدرا للتدريس فتتلمذ عليهما عدد كبير من آل سعود وأصحاب نجد.

ص: 324

وقد ذكر لهما بروكلمان في تاريخ الأدب العربي (3 /166) طبعة صحيح البخاري بأمرتسر سنة 1329 –سنة 1322 هجري، مع ترجمة أردية وشرح عليه [3]

والشيخ المحدث عبد الأول بن محمد بن عبد الله الغزنوي (ت سنة 1313 هـ) :

أحد العلماء الكبار في عصره، أسند الحديث عن السيد نذير حسين، وبرع في علوم الكتاب والسنة، ودرس وأفاد طوال حياته، ومن آثاره:

1_

نصرة الباري في ترجمة صحيح البخاري (إلى الأردية) مطبوع في ستة مجلدات، بمطبعة القرآن والسنة بأمرتسر.

2_

إنعام المنعم بترجمة الصحيح لمسلم نقله إلى الأردية وعلق عليها تعليقات يسيرة، والكتاب مطبوع بأمرتسر سنة 1325 هـ.

3_

الرحمة المهداة إلى من يريد ترجمة المشكاة: ترجمة أردية وشرح موجز لمشكاة المصابيح، مطبوع في أربعة مجلدات بمطبعة أنوار الإسلام بأمرتسر.

4_

ترجمة وشرح رياض الصالحين (إلى الأردية) ونشر بأمرتسر، وأعيد طبعه مرات [4] .

والشيخ المحدث عبد الغفور بن محمد بن عبد الله الغزنوي:

قرأ العلوم على علماء أسرته، واشتغل بالدرس والإفادة والتأليف، تخرج عليه خلق منهم: العلامة محمد الغوندلوي حفظه الله، ومن آثاره: مشكاة الأنوار لتسهيل مشارق الأنوار، رتبه على الترتيب الفقهي، أورد فيه أولا: الأحاديث التي اتفق عليها البخاري ومسلم، ثم ما أخرجه البخاري، ثم م أخرجه مسلم، وإذا وجد فصلا خاليا من الأحاديث صرح بأن هذا الفصل خال من الأحاديث كما في مشكاة المصابيح، وانتقد فيه الشيخ خرّم على الذي نقل الكتاب إلى الأردية، في مسائل الصفات، ورجح مسلك السلف في العقيدة، والكتاب مطبوع في مجلد كبير [5] .

والشيخ العلامة محمد داود بن العلامة عبد الجبار بن الإمام عبد الله الغزنوي (ت 16 ديسمبر سنة 1963 م) :

ص: 325

الذي اكتسب شهرة عظيمة في الأوساط العلمية والسياسية في شبه القارة الهندية، بجهوده المتضافرة لنشر السنة والسلفية، وتنظيم صفوف السلفيين، والمساهمة في حركة تحرير الهند من براثن الاستعمار البريطاني الغاشم.

قرأ على أبيه وعلى الشيخ عبد الأول الغزنوي، ورحل إلى دهلي وتتلمذ على العلامة عبد الله الفازيفوري الذي كان من أخص تلاميذ السيد نذير حسين، وعلى مسنده وفي مدرسته النذيرية آنذاك، وبعد التخرج عكف على التدريس والإفادة، وأصدر مجلة علمية دينية باسم:((التوحيد)) وترأس جمعية أهل الحديث الباكستانية، كما أسس الجامعة السلفية في لائلفور بمشاركة العلماء السلفيين الآخرين كالعلامة محمد إسماعيل السلفي، وله مواقف محمودة في إقامة النظام الإسلامي، وتطبيق الشريعة في باكستان، وله مقالات علمية في الرد على منكري السنة والقاديانية، ونظرا لعلمه وفضله ومكانته اختارته المملكة العربية السعودية عضوا للمجلس الاستشاري الأول بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، واشترك مع العلماء الآخرين في وضع المنهج الدراسي للجامعة سنة 1962م وله دور مهم في نشر أفكار ابن تيمية وابن القيم، ومن رسائله وبحوثه:

1_

تاريخ جمع وتدوين السنة النبوية (نشر في مجلة التوحيد في عدة حلقات)

2_

وبحث قيم حول منصب الإمامة، نشر بعنوان:((إمام هداية أو إمام سياسة)) في مجلة التوحيد [6] .

ومن تلاميذ المحدث السيد نذير حسين الدهلوي:

ابنه الشيخ المحدث البارع السيد شريف حسين (1248 -1304هجري /1886 م) :

من كبار علماء عصره، وأحد أعوان أبيه في شئون التدريس والإفتاء والوعظ والإرشاد والتوجيه، تخرج على أبيه، وأسند عنه الحديث كما أسند عن النواب صديق حسن القنوجي ثم البوفالي والمحدث حسين بن محسن اليماني.

ص: 326

قال الأستاذ عبد الحي الحسني:"اشتغل بالعلم من صباه، وقرأ على أبيه، ولازمه مدة عمره، وتأهل للفتوى والتدريس، فترك والده له الإفتاء، وكان يدرس الفقه والحديث بحضرة والده"[7] .

وكان يدرس مواد التفسير والحديث، ويفتي، ويؤم الناس في مسجد أبيه، وله تلاميذ كثيرون منهم الشيخ عبد الغفار (من أسرة علي جان بدهلي) وبعض فتواه مطبوع في ضمن الفتاوى النذيرية (المطبوعة في ثلاث مجلدات في باكستان في الطبعة الثانية) ، توفى سنة 1304 هجري وكان والده حيا [8] .

والشيخ الفاضل فضل حسين بن فرخ حسين المهدانوي (المولود سنة 1271 هجري

؟) :

أحد علماء المشهورين ومن أخص تلاميذ السيد نذير حسين، اشتغل بالتأليف والدرس والإفادة، قال الأستاذ عبد الحي الحسني: "له تأليفات في الفقه والحديث منها:

1_

رسالة في القنوت النازلة. 2_ والحياة بعد المماة: كتاب في سيرة شيخه وشيخنا السيد نذير حسين" [9] .

قلت: وهذا الكتاب المذكور في سيرة المحدث السيد نذير حسين كتاب قيم استوعب فيه سيرة الإمام المحدث وذكر مؤلفاته ورسائله، وتلاميذه، وهو مطبوع قديما، والحاجة ماسة لإعادة طبعه محققا، فيا ليت يقوم بعض إخواننا من أهل الهند وباكستان على نشر الكتاب المذكور [10] .

والشيخ المصلح عليم الدين حسين النكر نهسوي العظيم آبادي (1261_1306 هـ) :

أخذ العلوم من أفاضل عصره كالعلامة المفتي صدر الدين الدهلوي، وأسند الحديث عن السيد نذير حسين الدهلوي، وقضى حياته في خدمة العلم ونشر الدعوة السلفية، دعا الناس إلى التمسك بالكتب والسنة، ونبذ البدع والخرافات، وكان لجهوده أثر بارز في إصلاح عقائد الناس، حج وزار وسافر إلى مصر، ولقي الخديوي، فرحّب به، وأكرم مثواه، وزار الشيخ عليم الدين والمكتبة الملكية، واستفاد منها، وله مؤلفات منها:

1_

اهتداء الأحناف في اقتداء أصحاب الخلاف.

ص: 327

2_

فيصلة العليم في دفع البهتان العظيم في أحكام الطلاق.

3_

يا أيها الناس بتوفيق أحاديث اللباس.

4_

فيضان العليم على قلب سليم.

5_

تفسير عدة أجزاء من القرآن الكريم [11] .

والشيخ رحيم بخش اللاهوري (ت 1312 هـ) :

أحد العلماء المشهورين في عصره، اشتهر بكتابه العظيم ((سلسلة كتب إسلام)) (سلسلة الكتب الإسلامية في 16 جزءا) في فقه السنة النبوية وتعاليم الإسلام النيرة باللغة الأردية في أسلوب رائع سهل، أورد فيها المسائل الدينية الثابتة من الكتاب والسنة الصحيحة بدون ذكر أدلتها، وخصص الجزء العاشر من الكتاب للتأريخ الإسلامي أسماه ((تأريخ لب اللباب)) ، والجزء الحادي عشر منه في العقائد، ومن الجزء الثاني عشر إلى الجزء الرابع عشر (ثلاثة أجزاء) في المسائل الدينية مع ذكر أدلتها من الكتاب والسنة، وهو كتاب قيم نافع، ومنشور ومشهور، ويدرس في بعض المدارس السلفية الدينية في باكستان [12] .

والشيخ محمد حسين بن عبد الستار الهزاروي (ت 1314 هـ/1896 م) :

من مشاهير تلامذة السيد نذير حسين، وصاحب المؤلفات النافعة منها: 1_تحفة الباقي على ألفية العراقي (في مصطلح الحديث) .

2_

شرح نخبة الفكر لابن حجر.

3_

تحفة أهل الحديث (بالعربية)[13]

والعلامة الشيخ سلامت الله بن رجب علي الجيراجفوري (ت 2132 هـ /1904م)

ص: 328

من كبار تلاميذ السيد نذير حسين، أسند عنه وعن المحدث حسين بن محسن الأنصاري، كان من كبار دعاة السلفية قضى حياته في الدرس والإفادة والوعظ والتذكير ونشر السنة ومحاربة البدع والمنكرات، كان مرشدا عاما وخطيبا لعاصمة مملكة بوفال الإسلامية، ثم ولى التدريس في المدرسة السليمانية مدة، ثم عين رئيسا للشئون الدينية في بوفال، وتولى منصب رئاسة المدارس في المملكة، وبجانب هذه الأعمال والأشغال كان يدرس التفسير والحديث، وكان النواب العلامة صديق حسن البوفالي القنوجي يجلسه عنده ويكرمه غاية الإكرام وقد استفاد منه خلق منهم: شمس العلماء حفيظ الله الأعظمي أستاذ دار العلوم بندوة العلماء، والمحدث عبد الرحمن المباركفوري، والمحدث أحمد الله البرتابكري [14] .

والشيخ المحدث أبو عبد الرحمن شرف الحق الشهير بمحمد أشرف بن أمير علي العظيم آبادي (1275 _1326 هـ) :

صنو الشيخ شمس الحق العظيم آبادي وساعده الأمين، كان من أخص تلاميذ السيد نذير حسين الدهلوي أسند عنه وعن الشيخ حسين بن محسن الأنصاري، وكان أحد أعضاء لجنة المساعدين للشيخ شمس الحق في تأليف عون المعبود، وقد أصدر أخوه المؤلف الجزء الأول والثاني من الشرح المذكور باسم أخيه شرف الحق، وقال الأستاذ عبد الحي الحسني:"وقد عزاه إليه صنوه شمس الحق المجلد الأول من عون المعبود، أخبرني بذلك الشيخ شمس الحق".

وله: خلاصة المرام في تحقيق القراءة خلف الإمام [15] .

والشيخ الفاضل عبد الحميد بن غلام بن نبي محمد عبد الله السوهدروي الفنجابي (1300 –1330 هـ) :

قرأ على أبيه وعلى المحدث عبد المنان الوزير آبادي، وأسند الحديث عن السيد نذير حسين والمحدث حسين بن محسن الأنصاري، وأجاز له المحدث شمس الحق العظيم آبادي، أسس (المدرسة الحميدية) في قريته، كما أنشأ جمعية الإصلاح، واشتغل بالتدريس والإفادة والدعوة والإرشاد، وكان لجهوده أثر طيب في إصلاح حال قومه، ومن مؤلفاته:

ص: 329

زبدة المرام شرح عمدة الأحكام بالأردية [16] .

والشيخ الفاضل تلطف حسين بن همّت علي الصديقي العظيم آبادي ثم الدهلوي (ت 1334 هـ) :

من أخص تلاميذ السيد نذير حسين، لازمه ستا وعشرين سنة، وحج معه سنة 1300هجري، قرأ على أفاضل عصره كما أسند عن المحدث حسين بن محسن الأنصاري، كان من كبار ناشري كتب التفسير والحديث، قد انفق في سبيل نشر كتب السنة مبالغ باهظة، وقام بنشر مؤلفات المحدث شمس الحق كغاية المقصود (الجزء الأول) وعون المعبود، والتعليق المغني على سنن الدارقطني، وإعلام أهل العصر بأحكام ركعتي الفجر وغيرها، كما نشر كتب المؤلفين القدامى، وله تعليقات على بعض كتب الحديث التي نشرت في مطبعة ((المطبع الأنصاري)) وكان لجهوده في مجال النشر والتوزيع أثر كبير في تنشيط حركة نشر السنة في ذاك الوقت، فجزاه الله خيرا، ومن مآثره: تأسيس مدرسة رياض العلوم بدهلي، باشتراك حكيم عبد المجيد الدهلوي، ولا تزال تؤدي هذه المدرسة دورها الفعال في عصر انقراض مدارس السلفيين في دهلي [17]

والشيخ المحدث عين الحق بن علي حبيب الجعفري الفلواري (1287 _1333 هـ) :

ص: 330

أحد العلماء المصلحين في عصره، البارز في علوم الحديث، نشأ وتربى في أسرة متصوفة خرافية ذات عز وشرف ومكانة مرموقة في الشعب، حتى تولى الشياخة الموروثة بعد وفاة أخيه الشاه محمد عبد الحق الفلواري، ثم وفقه الله عز وجل لإكمال الدراسة على العلماء السلفيين، فاختار السلفية، وترك الشياخة الموروثة، وصار من كبار الدعاة إلى السلفية والسنة، وحينما ذهب العلامة الحافظ عبد الله الغازيفوري إلى دهلي، عين رئيس هيئة التدريس في المدرسة الأحمدية بآره بولاية بهار. حج وزار الحرمين الشريفين ثلاث مرات، وأسند الحديث عن مشايخ الحجاز، كما حصل على الإجازة من المحدث السيد نذير حسين الدهلوي، وكان له اطلاع واسع ونظر دقيق في كتب الحديث ومعرفة الرجال، وقد استفاد منه المحدث شمس الحق العظيم آبادي في عدة مواضع من عون المعبود لحل بعض المعضلات الحديثية.

وله جهود طيبة في مجال الدعوة والإرشاد، وكان أحد أعضاء اللجنة الثلاثية المكونة لرفع الخلاف بين العلامة ثناء الله الأمرتسري والعلماء الغزنويين في مسألة الصفات، ومن مؤلفاته:((المغراف في تفسير سورة ق)) بالأردية، مطبوع [18] .

والشيخ عبد الجبار بن نور أحمد الديانوي العظيم آبادي (1297 –1319 هـ) :

أحد علماء الحديث المشهورين بالفضل والكمال، أخذ العلوم عن الشيخ عبد الله الغازيفوري، أسند الحديث عن المحدث السيد نذير حسين والمحدث حسين بن محسن الأنصاري. وكان أحد أعضاء لجنة المساعدين في تأليف عون المعبود وتصحيح سنن أبي داود توفى في عنفوان شبابه في سنة 1319هـ[19] .

والشيخ المحدث أبو إسماعيل يوسف حسين بن القاضي محمد حسن الهزاروي الخانفوري (1285 _1352 هـ)

ص: 331

أحد العلماء المبرزين في العلوم العربية والإسلامية، قرأ على أبيه وعلى عمه الشيخ القاضي عبد الأحد الخانفوري، كما تتلمذ على المجاهد عبد الكريم بن ولاية علي العظيم آبادي سنن النسائي وغيره في أفغانستان، وبعد رجوعه إلى الهند رحل إلى دهلي، ولازم دروس المحدث السيد نذير حسين، أخذ عنه الحديث، كما أخذ عن كل من المحدث حسين ابن محسن الأنصاري والشيخ إسحاق بن عبد الرحمن النجدي، والشيخ إبراهيم بن سليمان المهاجر المكي، وله مؤلفات منها:

1_

إتمام الخشوع بوضع اليمين على الشمال بعد الركوع (بالعربية) .

2_

ورسالة أخرى في موضوع وضع اليمين على الشمال بعد الركوع (بالأردية) .

3_

زبدة المقادير.

4_

رسالة في معرفة الأوقات.

وله قصائد في العربية والأردية والفارسية، وكان أحد أعضاء لجنة المساعدين للشيخ المحدث شمس الحق العظيم آبادي في تأليف عون المعبود [20]

والشيخ العالم رفيع بن بهادر علي الصديقي الشكرانري البهاري (1261 _1338 هـ)

أحد العلماء المشهورين البارعين في العلوم والفنون، أخذ العلوم عن المحدث السيد نذير حسين مشاركا لابنه السيد شريف حسين الدهلوي وكانت له عناية بالغة في جمع الكتب النادرة ونشرها، ومكتبته مشهورة في ولاية بهار.

قال الأستاذ عبد الحي الحسني: "وله مكارم وفضائل وأخلاق حسنة، بذل الأموال الطائلة في تحقيق الكتب النفيسة، واستنسخها وجلبها من العرب والعراق، ولا يقلد أحدا من الأئمة، ويفتي بما يقوم عنده دليله، وله يد بيضاء في التفسير: تفسير القرآن بالقرآن، ويدرسه كل يوم بمحضر الناس، ويدرس الحديث"[21]

وله كتاب قيم في رجال الحديث أسماه: رحمة الودود على رجال سنن أبي داود [22]

والشيخ العلامة عبد الرزاق بن معظم علي الحسيني المعروف بأمير علي المليح آبادي ثم اللكنوي (1244 _1337 هـ)

ص: 332

أحد كبار علماء الهند، البارزين في علوم المعقول والمنقول، وكان من كبار تلامذة السيد نذير حسين، قضى حياته في خدمة العلم، اشتغل بالتأليف وتصحيح الكتب والتعليق عليها، ونقل الكتب العربية إلى الأردية في مطبعة نولكشور بلكناؤ.

وفي آخر حياته اشتغل بالتدريس في المدرسة العالية بكلكتا، ثم تولى رئاسة التدريس في دار العلوم التابعة لندوة العلماء، ثم سافر إلى الحجاز ودرّس بجدة سنوات، قال الأستاذ عبد الحي الحسني:"وكان أعلم الناس في زمانه وأعرفهم بالنصوص والقواعد مع توسعة في الرجال والحديث، مديم الاشتغال بكتبه، غير متصلب في المذهب، يتبع الدليل ويترك التقليد، إذا وجد في المسألة نصا صريحا مخالفا للمذهب غير منسوخ"[23] .

ويظهر من كلامه أنه لم يكن يبالي بالمذهب عند وجود دليل من الكتاب والسنة، وأهل الحديث لا يطالبون أكثر من ذلك، فإن مذهبهم هو مذهب الأئمة المتبوعين رحمة الله عليهم أي إذا صح الحديث فهو مذهبهم، وكان الشيخ أمير علي سائرا على المذهب القويم.

ومن مؤلفاته:

1_

مواهب الرحمن في تفسير القرآن 030 مجلدا بالأردية) .

2_

عين الهداية شرح الهداية.

3_

ترجمة الفتاوى الهندية العالمكيرية إلى الأردية.

وفي علوم الحديث:

1_

حاشية على تقريب التهذيب مع تكملة التقريب المسماة بالتعقيب (مطبوع) .

2_

المستدرك في الرجال: قال الأستاذ الحسني: "جمع فيه رواة الصحاح والسنن واستقراهم من أنساب السمعاني وغيره من الكتب، ولكنه لم يتم"[24]

والشيخ الفاضل السيد عبد الحي بن السيد فخر الدين الحسني البريلوي (1286 _1341 هـ /1923 م) :

ص: 333

من كبار علماء الهند، ومؤلف نزهة الخواطر في تراجم أعيان الهند من القرن الأول إلى القرن الرابع عشر الهجري، أسند عن السيد نذير حسين الدهلوي، وكان يفتخر به ويوقره، كما أسند عن المحدث حسين بن محسن الأنصاري، تولى إدارة العلوم لندوة العلماء، واشتغل بالتأليف والتصنيف، وأكثر مؤلفاته في التأريخ، واشتغل في آخر عمره بالحديث وألف بعض الكتب القيمة وهي:

1_

تهذيب الأخلاق في الأخلاق والأدب (مطبوع بالمكتب الإسلامي بدمشق) .

2_

تلخيص الأخبار: كتاب مختصر نفيس في الحديث، جمع فيه الأخبار بحذف الأسانيد الواردة في كتب السنة الخاصة بتهذيب الأخلاق على غرار الأدب المفرد للإمام البخاري.

3_

شرح على تلخيص الأخبار في عدة أجزاء سماه: منتهى الأفكار في تلخيص الأخبار.

4_

شرح على سنن أبي داود (ولم يتمه)[25] .

والشيخ الفاضل السيد نذير الدين أحمد بن الشيخ جلال الدين أحمد البنارسي (ت 1352 هـ /1934 م)

من كبار تلامذة المحدث نذير حسين، تتلمذ على المحدث محمد بن جعفر المجهلي شهري، والمحدث عبد الحق البنارسي، والعلامة عبد الله الغازيفوري، كان عارفا باللغة الإنجليزية، اشتغل بالمناصب الحكومية، ثم عكف على التدريس والإفادة في بوفال، والمدرسة الأحمدية بآره، وببنارس.

ومن مؤلفاته: 1_ ترجمة الشفاء للقاضي عياض إلى الأردية.

2_

المصادر الستة [26] .

والمحدث أبو سعيد شرف الدين بن إمام الدين الدهلوي الفنجابي (ت 1381 هـ /1961 م) :

من كبار علماء الحديث في الهند، أخذ الحديث عن السيد نذير حسين المحدث الدهلوي وأسند عن المحدث حسين بن محسن الأنصاري، قضى حياته في التدريس والتأليف والتصنيف، وأسس المدرسة العربية السعيدية سنة 1350هجري، تخرج عليه خلق منهم: الأديب المحقق العلامة عبد العزيز الميمني، والشيخ عبد الجبار الكهنديلوي، وله مؤلفات عديدة معظمها غير مطبوع منها:

ص: 334

1_

تكملة تنقيح الرواة في تخريج أحاديث المشكاة للمحدث أحمد حسن الدهلوي من كتاب الزكاة إلى آخر الكتاب، والكتاب في أربعة أجزاء، والأول والثاني منها مطبوع، وقد عثر على الباقي العلامة المحقق الشيخ محمد عطا الله حنيف الفوجياني حفظه الله، إلا أن المخطوط فيه خرم ونقص، والكتاب تحت الطبع بتحقيق الفوجياني، وإكمال النقص الموجود فيه من المكتبة السلفية بلاهور، باكستان، يسر الله طبعه.

2_

تخريج آيات الجامع الصحيح للبخاري

3_

شرح سنن ابن ماجه (لبعض أجزائه) ، وقد حسنه شمس الحق العظيم آبادي.

4_

حاشية على نصب الراية للزيلعي.

5_

كشف الحجاب عما في البرهان العجاب: ترجمة أردية لكتاب الرهان العجاب في فرضية أم الكتاب للعلامة محمد بشير السهيواني مؤلف كتاب صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان.

6_

شرح مسند الإمام أحمد على تبويب المحدث عبد الحكيم النصير آبادي، طبع منه ستون صفحة بالقطع الكبير من جمعية أهل الحديث بدهلي، ثم توقف نشره لعوائق.

7_

استدراك وتعقيب على ((الفتاوى الثنائية)) للعلامة ثناء الله الأمرتسري (رتبه الشيخ محمد داود الدهلوي في مجلدين كبيرين) .

8_

برق إسلام في الرد على كتاب علم الحديث لأسلم الجيراجفوري الذي أنكر حجية السنة [27] .

والشيخ المحدث عبد الحق الملتاني:

من كبار علماء عصره، وأحد تلاميذ السيد نذير حسين البارزين في علوم السنة، وله جهود مخلصة في نشر السنة والعقيدة الصحيحة، وكان يحرر الفتاوى عند شيخه السيد نذير حسين، وعدد كبير من فتاواه مطبوعة في ضمن ((الفتاوى النذيرية)) .

هذه نبذة عن تلاميذ المحدث السيد حسين الدهلوي الذين اشتغلوا بخدمة علوم الحديث الشريف، وكان لجهودهم دور كبير في تنشيط حركة السنة النبوية في القرن.

ص: 335

وقد أحسن من عدّ الإمام مجدد القرن الرابع عشر مجدد علوم الكتاب والسنة ومصلح هذه الأمة، وقد نفع الله بجهوده تلاميذه الأمة الإسلامية بما لا يعلمه إلا الله، وقضى الإمام المحدث حياته في الدعوة والإصلاح والإفتاء والتدريس التي تحتوي على أكثر من نصف قرن، وقد تتلمذ عليه واستجاز منه آلاف من علماء العالم الإسلامي، وقد ذكر أسماء خمسمائة منهم مؤلف الحياة بعد المماة في سيرة الإمام المجدد، وقال:"إن هذا الفهرس مختصر جدا، لأن عدد تلاميذه حسب ما قال لي الشيخ تلطف حسين والحافظ محمد حسين لا يقل عن عشرين ألفا وعدد الذين استفادوا من دعوته وتآليفه وتأثروا بمنهجه لا يقلون عن ثمانية ملايين، فإني سألت الشيخ تلطف حسين حينما سافرت إلى دهلي في سنة 1903م فقلت له: إنك لازمت المحدث السد نذير حسين من خمسة وعشرين سنة، فهل قيدت أسماء تلاميذه في الفهرسة. فأفاد: إني حينما كنت مديرا لشئون تغذية الطلاب، قيدت أسماء تلاميذه في ثلاثة أعوام، فبلغوا اثني عشر ألفا، ثم تركت تقييدهم لكثرة أشغالي وأعمالي التجارية، ثم حينما التقيت بالشيخ الحافظ محمد حسين الضرير الفنجابي في 20 فبراير سنة 1903م فسألته عن عدد تلاميذه بدون أي إشارة إلى ما أفادني الشيخ تلطف حسين، فأفادني أنه حينما سافر إلى للدراسة فكان رقمه في دفتر تلاميذه (12000) [28] ، وقد مضى قول الأستاذ عبد الحي: نفع الله بعلومه خلقا كثيرا، من أهل العرب والعجم، وانتهت إليه رئاسة الحديث في بلاد الهند".

وقول المحدث حسين بن محسن الأنصاري: إنه فرد زمانه ومسند وقته وأوانه ومن أجلّ علماء العصر بل لا ثاني له في إقليم الهند في علمه وحلمه وتقواه وأنه من الهادين والمرشدين إلى العلم بالكتاب والسنة والمعلمين لهما، بل أجل علماء هذا العصر المحققين في أرض الهند أكثرهم من تلامذته.

ص: 336

هذا وفي الحلقات الآتية أذكر بعض تلاميذه من البلاد العربية ثم أردف بذكر علماء الحديث الذين أخذوا العلوم عن تلاميذ الإمام المحدث. وفقنا الله لإتمام هذه الحلقات، ولما يحب ويرضاه.

--------------------------------------------------------------------------------

[1]

نزهة الخواطر 7/ 417 وانظر أيضا لترجمته، (غاية المقصود) المقدمة، والحيات بعد المماة، وحضرت مولانا داود غزنوي (ص 234) .

[2]

انظر لترجمته: غاية المقصود (المقدمة) ، تذكرة علماني حال 36، نزهة الخواطر 8/218 219، تاريخ أهل الحديث للعلامة إبراهيم مير السيالكوتي حضرت مولانا داود غزنوي 232-235، حياة شمس الحق وآثاره 283-284.

[3]

انظر تاريخ أهل الحديث للسيالكوتي، وحضرت مولانا داود غزنوي.

[4]

نفس المصدر السابق.

[5]

تاريخ أهل الحديث، وحضرت مولانا داود الغزنوي.

[6]

حضرة مولانا داود غزنوي لابنه البروفيسور أبي بكر.

[7]

نزهة الخواطر 8/178.

[8]

انظر: الحياة بعد المماة، ونزهة الخواطر 8/178، وتراجم علماء حديث الهند 157-158.

[9]

نزهة الخواطر 8/361.

[10]

انظر لترجمته: الحياة بعد المماة، ونزهة الخواطر 8/360-361.

[11]

انظر لترجمته: جريدة أهل الحديث أمرتسر 17 أكتوبر سنة 1919م ونزهة الخواطر 8/333-334 وحياة شمس الحق ولآثاره223-224.

[12]

علماء أهل حديث كي علمي خدمات 60.

[13]

غاية المقصود (المقدمة) إتحاف النبيه (المقدمة) للفوجياني 28، وأهل الحديث كي علمي خدمات.

[14]

انظر لترجمته: جريدة أهل حديث أمرتسر مجلد 16 عدد 13 31 يناير سنة 1919م وتذكرة علمائي حال 29 ونزهة الخواطر 8 /159 -160، وتراجم علمائي حدين الهند.

ص: 337

[15]

انظر لترجمته: جريدة أهل الحديث أمرتسر 31 أكتوبر سنة 1919م، وتذكرة علمائي حال 73، ونزهة الخواطر 8 /408 وحياة شمس الحق وآثاره 301 -302.

[16]

عون المعبود 4 /552 والحياة بعد المماة 344، وجريدة أهل حديث 6 ديسمبر سنة 1918 م، وتذكرة عامائي حال 30، ونزهة الخواطر 8 /94.

[17]

عون المعبود 4 /552، والحياة بعد المماة 344، وجريدة أهل حديث 6 ديسمبر سنة 1918 م، وتذكرة علمائي حال 20، ونزهة الخواطر8 /94.

[18]

انظر لترجمته: الحياة بعد المماة 344 -345، ونزهة الخواطر8 /337 -338، وحياة شمس الحق وآثاره 289 -291.

[19]

انظر لترجمته: عون المعبود 4 /553، وحياة شمس الحق وآثاره 302.

[20]

عون المعبود 4 /553، وجريدة أهل حديث أمرتسر 2 صفر سنة 1352 هجري، وتذكرة علمائي حال 99، ونزهة الخواطر 8 /526-527، وحياة شمس الحق وآثاره 302 -304.

[21]

نزهة الجواطر8 /153.

[22]

جريدة أهل حديث أمرتسر مجلد 18 أكتوبر سنة 1921 م، ونزهة الخواطر 8 /153 وأهل حديث كي علمي خدمات.

[23]

نزهة الخواطر8/76.

[24]

نزهة الخواطر 8/76.

[25]

نزهة الخواطر (الجزء الأول، المقدمة) ، وتراجم علمائي حال 40، وتراجم علمائي حديث هند، وحياة عبد الحي لابنه أبي الحسن علي الحسني الندوي.

[26]

انظر: لترجمته: تراجم علمائي حديث هند، وهندوستان مين أهل حديث كي علمي خدمات.

[27]

تراجم علماء حديث هند 172، وهندوستان مين أهل حديث كي علمي خدمات، والعجالة النافعة مع التعليقات الساطعة 107، وجريدة الاعتصام، لاهور 4 أغسطس سنة 1961م، وحياة شمس الحق وآثاره، ومجلة برهان 2 سبتمبر سنة 1953م.

[28]

الحياة بعد المماة (354-355) .

ص: 338

من روائع الفتح الإسلامي فتوح الشام

للدكتور محمد السيّد الوكيل

وكيل كلية الحديث الشريف

توطئة:

كانت معركة اليرموك بابا انفتح بانفتاحه الطريق إلى بلاد الروم، كما كانت القادسية بالنسبة لبلاد الفرس، فكلتا المعركتين شجعتا المسلمين على الاستمرار في الفتح والغزو وقد تم النصر في المعركتين في عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب – ضي الله عنه- فقد سبق القضاء بوفاة الخليفة أبي بكر – رضي الله عنه قبل أن يحرز المسلمون النصر في معركة اليرموك وحمل البريد في ذهابه أسوأ نبأ سمعه المسلمون بعد وفاة رسول الله –صلى الله عليه وسلم ألا وهو نبأ وفاة أبي بكر، كما حمل في إيابه نبأ عزى المسلمين في مصابهم، وسلاهم عن وفاة خليفتهم، ذلكم هو نبأ انتصار المسلمين في اليرموك.

إن اليرموك حسنة في ميزان الخليفة الأول، فهو الذي عبأ لها، وهو الذي أمد جندها بالقائد المظفر، عبقري الحرب، خالد بن الوليد، فكيف لا يفرح المسلمون بالانتصار فيها؟ وكيف لا يتسلون بأنبائها عن وفاة الخليفة وهي ثمرة جهده، وثقل في ميزانه؟

وعاد البريد يحمل إلى الخليفة الثاني أنباء النصر، ففرح الخليفة به، وترضى عن أبي بكر، وحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، وأقر الأمراء الذين ولاهم أبو بكر على ما كانوا عليه في عهد سلفه الراحل، واستثنى منهم أميرين: أما الأول فخالد بن الوليد فقد عزله الخليفة عن إمرة الجيش، وضمه إلى أبي عبيدة عامر بن الجراح بعد أن أسند إليه قيادة جيوش الروم، وأما الثاني فعمروا بن العاص وقد أمره الخليفة أن يعين الناس حتى إذا انتهوا من فتح دمشق وفحل تولى أمر الحرب في فلسطين.

ص: 339

آل أمر جيوش الشام إلى قيادة أبي عبيدة، فأخبر أبو عبيدة خالدا بما أحدث أمير المؤمنين بعد انتهاء خالد من فتح دمشق، فقال خالد: يرحمك الله! ما منعك أن تعلمني حين جاءك؟ فقال أبو عبيدة: كرهت أن أكسر عليك حربك، وما سلطان الدنيا أريد، ولا للدنيا أعمل، وما ترى سيصير إلى زوال وانقطاع، وإنما نحن أخوان وما يضر الرجل أن يليه أخوة في دينه ودنياه [1] .

عزم أبو عبيدة –رضي الله عنه على مواصلة الزحف على بلاد الروم، ولكنه تردد، ولم يدر بماذا يبدأ؟ أيتوجه إلى دمشق؟ وحينئذ يكون قد ترك خلفه بفحل جيشا لجبا للروم يقدر بثمانين ألف مقاتل لا يأمن أن يبغته من ورائه.

أم يتوجه إلى فحل، فهو يخشى أن يتجمع الروم بدمشق، ويقوي أمرهم، ولا يستطيع المسلمون فتحها إلا بجهد ومشقة وشدة، وحينئذ قطع هذا التردد، وأرسل إلى الخليفة يستشيره بأيهما يبدأ.

ورد عليه الخليفة قائلا: أما بعد، فابدؤوا بدمشق، فانهدوا لها، فإنها حصن الشام وبيت مملكتهم، واشغلوا عنكم أهل فحل بخيل تمون بازائهم في نحورهم، وأهل فلسطين وأهل حمص، فإن فتحها الله قبل دمشق فذاك الذي نحب، وإن تأخر فتحها حتى يفتح الله دمشق فلينزل في دمشق من يمسك بها ودعوها، وانطلق أنت وسائر الأمراء حتى تغيروا على فحل، فإن فتح الله عليكم فانصرف أنت وخالد إلى حمص، ودع شرحبيل وعمرا وأخلهما بالأردن وفلسطين [2] .

فتح دمشق:

بهذا الرد أنهى الخليفة تردد القائد، وأمن مخاوفه، حيث أمره يبدأ بدمشق لأنها عاصمة البلاد، وسقوط العاصمة يؤدي دائما إلى ضعف المقاومة في الأطراف وكثيرا ما تكون المقاومة بعد سقوط العاصمة من أجل الحصول على الأمان، أما استرداد العاصمة، أو إعادة مكانتها إليها فقلما يخطر ذلك على بال المقاومين، وإن حصل ذلك أحيانا فإنما يكون رمية من رام لظروف طرأت فغيرت مجرى الأوضاع.

ص: 340

وأمن الخليفة خوف القائد مما يجد فحل حين أمره بإرسال خيل تقف بازائهم فتشغلهم بأنفسهم عن التفكير في مباغته المسلمين، ولم ينس الخليفة أهل حمص وأهل فلسطين وما بين أهل دمشق من علاقات تفرض عليهم مساعدة الدمشقيين فذكر القائد بذلك حتى لا يؤتي من قبل ما لا يتوقع.

وصدع القائد بأمر الخليفة وعبأ جيشه، وتوجه به نحو دمشق، وقبل أن ينطلق بجيشه أرسل إلى فحل عشرة قواد، ومعهم جيش عظيم، وأمر عليهم عمارة بن مخشى الصحابي ووجه جيشا بقيادة علقمة بن حكيم ومسروق العكي ليشغل أهل فلسطين عن مساعدة دمشق، وبعث ذا الكلام في جيش ليحول بين أهل حمص وإمدادهم لأهل دمشق.

واطمأن أبو عبيدة للخطة، فلم يعد هناك ما يشغله، ولا يهدد أمن الجيوش الزاحفة نحو دمشق، إن تلك الخطة قد قطعت كل أمل في مساعدة الدمشقيين، ولا شك أنهم سيقفون وحدهم في مواجهة المسلمين، وحينئذ لن يعجز المسلمين أمرهم وستكون الدائرة عليهم.

لقد كانت فحل مصدر خطر عظيم حيث يعسكر فيها جيش قوامه ثمانون ألفا مدججون بالسلاح والعتاد، وهم على استعداد لنجدة قوات دمشق إذا اقتضى الأمر، ولكن عمارة بن مخشى وجيشه قد فاجئوا الجيش المدل بعدته وعتاده فسقط في يد الروم، وبثقوا المياه فأوحلت الأرض راجين أن يحول ذلك بينهم وبين الجيش الذي قدم لمحاصرتهم، واغتم المسلمون لتلك المكيدة الخبيثة ولم يدر قط بخلدهم أن الله –غز وجل- قد قضى أن يكون ذلك من أعظم أسباب نصرهم، ورابط الجيش في مكانه محاصرا جيش الروم بفحل من أرض الأردن.

ص: 341

وكذلك كانت حمص مركزا رئيسيا لقوات الروم، وكان هرقل قد فر إليها بعد اليرموك حين علم بأن قوات المسلمين يستعدون لغزو دمشق، ولما حاصر المسلمون دمشق استغاث أهلها بهرقل، واستمدوه، ولم يخيب هرقل أملهم فيه، فأمدهم بجيش على خيل ليضمن وصول المدد في أسرع وقت، ولكن ذا الكلاع وجيشه قد رصدوا تحركاتهم، ووقفوا في وجه المدد، وحالوا بينه وبين الوصول إلى دمشق، فلم يتمكن المدد من الوصول، وظل أهل دمشق تحت رحمة جيش المسلمين.

توجه أبو عبيدة بجيشه نحو دمشق، وكان الأمير يزيد بن أبي سفيان، فجعل خالدا على القلب، وأبا عبيدة وعمرا على المجنبتين، عياض بن غنم على الخيل، شرحبيل بن حسنة على الرجالة، فلما نزلوا الغوطة وجدوا دورها وبساتينها خاوية على عروشها، ليس بها ديار ولا نافخ نار، لقد فر القوم إلى دمشق ليحتموا بأسوارها المنيعة وحصونها الشامخة، فنزل المسلمون بها وسكنوا دورها واستمتعوا بخيرات بساتينها، وكان ذلك عونا لهم على محاصرة المدينة العتيدة.

كانت أسوار دمشق ترتفع في الهواء ستة أمتار أو تزيد، وكان عرضها ثلاثة أمتار بل تزيد وأما حصونها فكانت شاهقة شامخة كثيرة الشرفات، وكان لأسوارها أبواب ضخمة ترد من يريدها بسوء، وأحيطت تلك الأسوار بخندق عرضه ثلاثة أمتار، تملؤه مياه بردى لتحمي المدينة من المهاجرين أو على الأقل تعوق مسيرتهم حتى يستعد حراس الأسوار للقاء الغزاة.

ورغم كل ذلك أصر أبو عبيدة على محاصرة دمشق، وتقدم الجيش الظافر إلى دمشق، وكانت نشوة النصر في اليرموك لا تزال تهزه وتدفعه لطلب المزيد من النصر واشتغل القائد العظيم طرب الناس بنشوة النصر، كما استعان بشوقهم إلى رؤية دمشق التي كثيرا ما سمعوا عنها ما يشجعهم على التضحية لفتحها، وأصدر أبو عبيدة أمره بمحاصرة المدينة، وعين لكل فريق بابا من أبوابها الكثيرة المنتشرة في سورها الحصين.

محاصرة دمشق:

ص: 342

نزل أبو عبيدة على باب الجابية، ونزل عمرو بن العاص على باب توماء، ونزل شرحبيل بن حسنة على باب الفراديس، ونزل يزيد بن أبي سفيان على باب كيسان، ونزل خالد بن الوليد على بابها الشرقي [3] .

وعلم المسلمون أن الحصار سيطول، وبخاصة أن زمن الشتاء قد اقترب والبرد هناك يمزق الجلود، ويقطع الأوصال، وكان جيش الروم المحاصر في داخل العاصمة يعتمد على بردها القارص، وطقسها الذي لا يتحمله سكان جزيرة العرب الشديدة الحرارة، ولهذا ظل جيش دمشق معتصما بها رغم خيبة أمله في وصول إمدادات هرقل إليه، إن قادة الجيش وإن خاب أملهم في هرقل فلن يخيب في برد الشتاء ورده لهؤلاء الأعداء، فكم حاصر المدينة معتدون وكان الشتاء وحده كفيلا بطردهم وردهم على أعقابهم.

استعد المسلمون لذلك كله فنصبوا المناجيق، وأعدوا الدبابات، فأما طول الحصار فلهم في بساتين الغوطة وأنهارها ما يكفل لهم حياة رغدة هنيئة، وأما شدة البرد فقد هيئوا أنفسهم بالصبر وقوة التحمل، وأما مناعة العاصمة فإن تشديد الحصار وتضييق الخنادق جديران بتحطيم معنويات المتحصنين بها، ولهم بعد ذلك وفوق ذلك كله تأييد الله –عز وجل ونصره فما لهم لا يصبرون؟

بدأ المسلمون يهاجمون دمشق، ويضربونها بالمناجيق، ويقتربون من أسوارها بالدبابات، ولكن ذلك لم يغن شيئا، واستطاع جيش الروم أن يصبر لذلك ويرد هجمات المسلمين، ولكنه يخش الخروج إليهم، فلا تزال النهاية المؤلمة في معركة اليرموك عالقة بأذهانهم، وطال الحصار فعلا حتى بلغ ستة أشهر عند بعض المؤرخين، وانتهى فصل الشتاء، وخاب الأمل الوحيد الذي كانوا لا يشكون في عونه لهم، ووقوفه إلى جوارهم.

وبدأ أهل دمشق يطلبون الصلح على لسان أسقف منهم [4] ، وأجابهم المسلمون على أن يكون للمسلمين نصف ما بأيدي الروم من الأموال والأملاك، ولكن الروم ترددوا وأبوا [5] .

فتح دمشق:

ص: 343

وظل الحال على ما هو عليه، المسلون يشددون الحصار، والروم لا يعرفون سبيلا للخروج من ذلك الحصار، حتى كانت ليلة استطاع خالد بن الوليد الذي كان يراقب الموقف بدقة وعناية فائقتين أن يعبر الخندق هو وجماعة من جيشه منهم القعقاع بن عمرو، ومذعور ابن عدي سباحة بالقرب نفخوها وعلقوها في أعناقهم، وتسلقوا السور الشاهق بالحبال والأوهاق، وانحدروا إلى داخل بالحبال نفسها، وكبروا فاجتمع المسلمون حول السور والباب، وعالج خالد ومن معه الباب بالسيوف ففتحوها بعد أن قتلوا البوابين، ودخل المسلمون المدينة عنوة، وذعر أهل دمشق فهرعوا إلى الأبواب الأخرى يطلبون الصلح فوافق المسلمون، وعقدوا معهم الصلح ما عدا خالدا فقد دخلها عنوة، والتقى القواد المسلمون في وسط المدينة عند كنيسة المقسلاط بالقرب من درب الريحان [6] .

يقول صاحب الفتوح: وهو موضع النحاسين بدمشق، وهو البريص الذي ذكره حسان ابن ثابت في شعره حين يقول:

يسقون من ورد البريص عليهم

بردى يصفق بالرحيق السلسل [7]

والرواية هذه متفق عليها بين المؤرخين في فتح دمشق إلا من شذ منهم فقلب الكلام وعكس الوضع وادعى أن خالدا دخلها صلحا وأبا عبيدة أو يزيد دخلها عنوة.

ولكن كيف عرف خالد بانشغال الروم في تلك الليلة حتى أقدم على اقتحام العاصمة؟ تجري الروايات بأن خالد كان يقظا مهتما بالأمر، وأنه كان لا ينام ولا يترك أحدا ممن معه ينام، وفي تلك الليلة لاحظ هدوء السور وخلوه من الحراس، فما أسباب ذلك؟ يقول الطبري وابن كثير وغيرهم: بأنه ولد للبطريق مولود فصنع لأهل دمشق طعاما اجتمعوا عليه، وأكلوا وشربوا وغفلوا عن واجبهم وشغلوا عن مواقفهم فلاحظ ذلك خالد فانتهز الفرصة وكان الاقتحام.

ص: 344

ويقول البلاذري: "إن رجلا منهم أتى خالدا، وأخبره أن هناك هذه الليلة ليلة عيد لأهل المدينة، وأنهم في شغل، وأن الباب الشرقي قد ردم بالحجارة وترك وأشار عليه بأن يلتمس سلما، فأتاه قوم من أهل الدير الذي عند عسكره بسلمين فرقى جماعة من المسلمين عليهما إلى أعلا السور، ونزلوا إلى الباب وليس عليه إلا رجل أو رجلان، فتعاونوا عليه وفتحوه وذلك عند طلوع الشمس"[8] .

والروايتان تؤديان إلى نتيجة واحدة هي أن خالدا فتح دمشق من بابها الشرقي عنوة، وأن أهلها كانوا عنها غافلين، وأن خالدا استعمل في الوصول إلى غايته السلاليم سواء كانت من الحبال أم منن غيرها، وأنه غامر ودخل المدينة وهي مغلقة الأبواب وهو الذي فتحها لجيشه.

ولكنهما تختلفان مع هذا في شيء آخر وهو أن خالدا في الرواية الأولى عرف انشغال الدمشقيين بفطنته ويقظته، وأن خالدا قد أعد الحبال والأوهاق [9] ليستعملها عندما تحين الفرصة، وفي الرواية الثانية عرف انشغال الناس بواسطة واحد منهم، وأنه استعار السلاليم من أهل الدير القريب منه.

والذي تميل إليه النفس هو الرواية الثانية، فقد حدث ذلك كثيرا في البلاد التي فتحها المسلمون بعد أن استعصت عليهم، وبخاصة وأن الروم كانوا قد ظلموا الرعية، وأرهقوا الناس بالضرائب الباهظة، وكان الناس قد ملوهم وملوا حكمهم، وضاقوا بأساليب ظلمهم، وقد حدث ذلك فعلا عند فتح الإسكندرية.

وإلا فإن هدوء السور وخلوه من الحراس لا يدلان على انشغال الناس فقد يكون ذلك مكيدة للتغرير بالمسلمين وإيقاعهم في حبائلهم، ومثل ذلك لا يغيب عن فطنة خالد العبقري، ولا يعزب عن ذهنه.

ص: 345

والرواية الثانية على ما هي عليه لا تقلل من عبقرية خالد العسكرية، ولا تهون شأن الدور الذي قام به خالد في فتح المدينة الحصينة، بل إنها لتعطي إلى جانب القدرة العسكرية الفائقة حنكة سياسية بارعة، حيث استطاع خالد –رضي الله عنه أن يكسب عطف الناس، ويستميل قلوبهم إليه حتى انتهز ذلك الرجل انشغال الناس بعيدهم، وقصد خالدا، وأخبره بما عليه أهل دمشق وأغراه بالفتح.

فبينما نرى خالدا سياسيا بارعا أقام علاقات حسنة مع أحد الأساقفة، وكسب عطف الناس واستمال قلوبهم، نراه هو وأصحابه وقد نفخوا القرب، وعلقوها في أعناقهم، وعبروا بها الخندق المحيط بالسور، ولا يكاد يعبر حتى ينصب السلاليم ويرقى عليها ثم يستعملها في الهبوط إلى داخل المدينة، وصيحات التكبير تملأ الفضاء، ويقتل الحراس، وينشر الرعب في أنحاء العاصمة الحالمة الوديعة التي كان أهلها بالأمس يلهون آمنين.

إنها حنكة خالد السياسية شدت أزر عبقريته الحربية فكانت الثمرة فتح دمشق العتيدة الحصينة، ما أروع الحنكة السياسية حين تتعاون مع الخبرة العسكرية، وأعظم من ذلك وأروع أن تجتمع الصفتان في رجل واحد قادر على استخدامهما متى شاء لا حين تجبره الظروف وتضطره الأوضاع.

كان فتح دمشق عند بعض المؤرخين بعد اليرموك وفي السنة نفسها بعد حصار دام سبعين يوما أو أربعة أشهر أو ستة أشهر، وكان ذلك كله ولم تخرج سنة ثلاث عشرة للهجرة النبوية، والرأي الذي رجحه ابن كثير هو أنه فتحت في رجب سنة 14 هـ وقال:"هو رأي الجمهور"[10] .

ص: 346

واتفاق المؤرخين على أن دمشق وإن كان بعضها فتح عنوة وبعضها فتح صلحا إلا أنه قد أجرى عليها جميعا حكم الصلح، وكان الصلح عند أكثر المؤرخين على المقاسمة أي أن المسلمين قاسموا سكان دمشق كل ما كان في أيديهم حتى الكنائس، وكان عددها خمس عشرة كنيسة أخذ المسلمون منها سبعة وقاسموهم أكبر الكنائس وأضخمها كنيسة القديس يوحنا المعمدان [11] ، فأخذ المسلمون نصفها وجعلوه مسجدا وتركوا لهم نصفها الغربي كنيسة يقيمون فيها شعائرهم [12] ، وقد أخذ الوليد بن عبد الملك منهم النصف الذي بأيديهم وأدخله في المسجد المعروف بالمسجد الأموي اليوم [13] .

وتضمن هذا الصلح فرض الجزية على سكان دمشق، وقد جعلها أبو عبيدة دينارا على كل رأس وشيئا من الحنطة والزيت والخل يقتات به المسلمون، وكتب أبو عبيدة بذلك إلى عمر بن الخطاب –رضي الله عنه فكأن عمر لم يرض بذلك بل نظر إلى طبقات الناس واختلافهم في اليسار وعدمه [14] ، كما فرضها على الذكور البالغين القادرين على تأديتها دون غيرهم [15] .

روى البلاذري أن عمر بن الخطاب كتب إلى أمراء الأجناد يأمرهم أن يضربوا الجزية على كل من جرت عليه الموس، وأن يجعلوها على أهل الورق أربعين درهما، وعلى أهل الذهب أربعة دنانير، وعليهم من أرزاق المسلمين مدان من حنطة، وثلاثة أقساط زيتا، وجعل عليهم ودكا وعسلا [16]

المسلمون في دمشق:

استقر الأمن للمسلمين في دمشق، وطاب لهم فيها المقام، فعاشوا بين قصور وأنهار وورود وأزهار، ونظر أبو عبيدة فإذا كثير من أهل دمشق يتركون بيوتهم ويفرون إلى إنطاكية، حيث يقيم هرقل، ورأى المسلمين يسكنون هذه الدور، وينعمون بتلك القصور فخاف أن يخلدوا إلى الدعة والنعيم، وأن ينسوا من خلفوا وراءهم من المقاتلين فذكرهم بهم حين عمد إلى قسم الغنائم، فقسم معهم لذي الكلاع وجنوده، ولأبي الأعور ورجاله، ولبشير ومن معه، كما قسم للجنود الذي يحاصرون فحلا.

ص: 347

وبهذا يمون أبو عبيدة –رضي الله عنه قد ذكر المسلمين بإخوانهم الذين دفعوا عنهم، وينتظرونهم ليكملوا معهم المشوار الذي بدءوه.

وأما هذه الدور وتلك القصور التي تركها أهلها وفروا منها، فلا ينبغي أن تشغلهم عن مسيرة الجهاد في سبيل الله حتى لا يحل بهم ما أحل بأهلها الذين فروا منها إلى غير رجعة، وليكن للمسلمين فيهم عبرة فالسعيد من وعظ بغيره.

هرقل يودع دمشق:

وأما هرقل إمبراطور الروم، وصاحب البلاد، فكان كلما سمع بانتصار المسلمين يبتعد عن الموطن الذي فتحوه، وظل يفر من بلد إلى بلد، وينتقل من مكان إلى مكان يطلب النجاة، وينتظر الفرج، حتى سقطت دمشق. ثم حمص وقنسرين في أيدي المسلمين حينئذ فر هرقل إلى القسطنطينية، وأشرف على نشز من الأرض والتفت إلى الشام وقال:"السلام عليك يا سورية سلام لا اجتماع بعده"[17] .

ويقول أبو جعفر: "لما فصل هرقل من شمشاط وأخلا الروم التفت إلى سورية فقال: قد كنت سلمت عليك تسليم المسافر، فأما اليوم فعليك السلام يا سورية تسليم المفارق، ولا يعود إليك رومي أبدا إلا خائفا [18] .

وكتب أبو عبيدة بالفتح إلى الخليفة فسر به، وكتب إلى أبي عبيدة أن اصرف جند العراق إلى العراق، فأخرج أبو عبيدة جند العراق، وهم الذين قدموا مع خالد بن الوليد، وأمّر عليهم هاشم بن عتبة المرقال، وعوضه عمن قتل منهم، وأمرهم بالسير واللحوق بسعد بن أبي وقاص، وخرج هو وبقية الأمراء متجهين إلى فحل [19] .

من دمشق إلى فحل:

ص: 348

لا يزال القواد العشرة الذين أرسلهم أبو عبيدة لمحاصرة فحل مرابطين عندها وكلما هم المسلمون بغزو المدينة حال الوحل بينهم وبين ما يريدون، ذلك لأن جيش الروم لما علم بقدوم جيش المسلمين إليهم فزعوا أشد الفزع، وفكروا كيف يدفعون هذا الموت الزاحف عليهم؟ فبثقوا مياه نهر الأردن ومياه بحيرة طبرية فغرقت الأرض بالمياه، وكانت الأرض سبخة فتحول ترابها إلى وحل وطين لم يتمكن الجيش بسببه من اقتحام المدينة.

وكان أبو عبيدة قد انتهى من دمشق، وعقد الصلح مع أهلها، ونظر فإذا هرقل يحرض الناس عليهم، والروم يجتمعون حوله في إنطاكية، وفكر القائد ماذا يصنع؟ أيذهب إلى هرقل ليقضي عليه، ويريح المسلمين من تحريضه وشره؟ أم يذهب إلى فحل ليؤمن ظهر الناس، وتصير الشام بعدها سلما للمسلمين؟

وسرعان ما تذكر أبو عبيدة رسالة الخليفة وأمره بالتوجه إلى فحل بعد فتح دمشق فلم يعد هناك مجال للتردد والتفكير، فليذهب أبو عبيدة وجيشه إلى فحل، وليكن من أمر هرقل بعد ذلك ما يكون.

استعد أبو عبيدة للمسير إلى فحل، وخلّف يزيد بن أبي سفيان في خيله على دمشق حتى لا تنتقض أو ترتد، وتقلب للمسلمين ظهر المجن.

وكان شرحبيل بن حسنة هو أمير الجيش حسبما وصى الخليفة، ورتب شرحبيل جيشه، فجعل خالدا على المقدمة، وأبا عبيدة وعمرا على المجنبتين، وضرار بن لأزور على الخيل، عياض بن غنم على الرجل [20] .

سار الجيش على بركة الله، يحده أمل كبير في فتح هذه البلاد حتى تهدأ بلاد الشام كلها، ويصبح فيها المسلمون آمنين، واتجه شرحبيل بجيشه نحو الجنوب حتى انتهى إلى الجيش المحاصر وعليه أبو الأعور السلمي، فوجده وقد حال الوحل والماء بينه وبين جيش الروم.

ص: 349

وأراد شرحبيل أن يحرك الجيش الذي حاصر فحل تلك الفترة الطويلة دون أن يستطيع فتحها ليجدد نشاطه، ويحفزه للعمل بعد طول توقف فبعثه إلى طبرية فخرج أبو الأعور السلمي بجيشه متوجها إلى الشمال حيث تكون طبرية.

ونزل شرحبيل بجيشه الذي ضم خيرة قواد المسلمين على فحل، فوجد الأرض لا زالت غارقة بالوحل والماء، وبحث المسلمون حولهم فوجدوا أنفسهم بأطيب مقام، الأرض خصبة، والخيرات كثيرة، والعيش رغد، والروم محصورون لا يصلهم مدد ولا يسعفهم عون، فلماذا يتعجلون؟

وكتب القائد إلى الخليفة يخبره بموقف الجيش، ذلك لأن عمر –رضي الله عنه كان يوصي القواد دائما بالكتابة له بكل ما يكون عليه الجيش حتى يكون بقلبه وروحه دائما مع المجاهدين وما كان يحب أن يخفى عليه شيء من أحوالهم، ولم يكن هناك ما يدعو للعجلة فأقام الجيش حتى يأتيه أمر الخليفة.

مغامرة يائسة:

رأى سقلاّر قائد جيش الروم وجوها جديدة تحاصر المكان، ورأى في تصرفاتهم عدم الاكتراث بطول الحصار، فتأكد أن القوم جادون في حصارهم، وأنهم لن يبرحوا الأرض –مهما طال وقوفهم- حتى يفتحوها، فماذا يفعل؟ وكيف يتصرف؟؟

لقد كانت هزيمتهم في اليرموك لا زالت تقض مضاجعهم، وتفت في أعضادهم ثم بلغتهم أخبار دمشق ذات الحصون والأسوار فزادت في فزعهم واضطرابهم وهاهي ذي الأنباء تترى بأن هرقل يتأهب لمغادرة بلاد الشام إلى غير رجعة.

لم يكن أمام جيش الروم إزاء تلك الأحداث الجسام، وبعد تلك المواقف المفزعة إلا أن يغامر بخوض معركة مع المسلمين وليكن الموت فهو على كل حال خير من الأسر وإن كان مشوبا بعار الهزيمة.

ص: 350

عزم سقلار على مباغتة المسلمين وتبييتهم، فأرسل فرقة من جنوده ليكتشفوا له من خلال الوحل طريقا بها يهاجم منه المسلمين، معتقدا أنه سيأخذهم على غرة وهم نائمون، ولكن شرحبيل قائد قوات المسلمين كان دائما على استعداد، لأنه كان يتوقع أن يهاجمه الروم في أي لحظة، ولهذا فإنه كان يمسي ويصبح على تعبئة وجيشه في غاية اليقظة والحذر.

وتخير سقلار بن مخراق القائد اليائس ليلة ليبيت فيها المسلمين، فلما جن الليل عبر تحت ستار ظلامه ذلك المكان الوحل إلى حيث يعسكر المسلمون، وهو مطمئن تماما إلى غفلة المسلمين وعدم انتباههم له، ولكنه لم يكد يواجه الجيش الإسلامي حتى فوجئ باستعدادهم لملاقاته، وخاب أمله في كل ما كان يتوقعه من غفلة المسلمين وعدم انتباههم، فلم يكن بد من المعركة.

وتلقاه شرحبيل هو وجنوده، فقاتلوا أشد القتال، وقاوموا أعنف مقاومة أعادت إلى أذهان الروم استبسال المسلمين في معركة اليرموك، واستبسل الروم في القتال فلم تكن لهم رغبة في الحياة بعد قتلى اليرموك واستسلام دمشق وفرار هرقل.

واستمرت المعركة بتلك الشراسة طول الليلة التي هاجم فيها سقلار، وتنفس الصبح والقتال لا يزال مستمر الأوار، والموت يتخطف الناس من كل جانب، وأيقن المسلمون أن ما بين النصر والهزيمة هو صبر ساعة فصبروا محتسبين، وانتصف النهار والمعركة تزداد شراسة وفتكا، وتحمس المسلمون فبعد الزوال ينزل نصر الله كما علمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وازدادت ثقتهم بهزيمة عدوهم فقد بدا على جيش الروم إعياء شديد، ولولا تشبث النفس الإنسانية بالحياة لألقوا بأيديهم منذ الجولة الأولى.

اللحظة الحاسمة:

ص: 351

ولمس خالد بن الوليد وضرار بن الأزور ما أصاب جيش الروم من الفشل والوهن فشدا عليه شدة حطمت معنوياته، وأحدثت فيه من الخلل والاضطراب ما لم يعد في الإمكان تلافيه، وأقبل الليل بظلامه المخيف وسيوف المسلمين تنهبهم نهبا، فتزلزلت قلوبهم في صدورهم، واضطربت مع شدة الضربات صفوفهم، فحسبوا الليل فرصة للهروب من سيوف المسلمين فانهزموا حيارى خائفين، فضلوا الطريق، وأسلمتهم الهزيمة إلى الوحل الذي صنعوه بأيديهم لينع عنهم زحف المسلمين وقتل سقلار ورديفه نسطورس، وظفر المسلمون أحسن ظفر وأهنأه [21] .

ولحق بهم المسلمون وقد حال الوحل بينهم وبين الفرار، فتناولوهم بأطراف الرماح وقتلوا منهم ثمانين ألفا لم يفلت منهم إلا الشريد، وهكذا بدأت الهزيمة في فحل، ووقع القتل في الرداغ [22]

إن تنصروا الله ينصركم:

وهكذا بدت للمسلمين آيات الله تعالى فقد كان سبحانه يهيئ لهم أسباب النصر في شيء كرهوه وبرموا به، لقد كان انبثاق الماء، وتوحل الأرض مكيدة اتخذها الروم ليعوقوا تقدم جيش المسلمين، وأراد الله أن يكون الماء والوحل سببا في انتصارهم وهزيمة عدوهم {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} (الأنفال الآية 30) . فانقلبت المكيدة على من اتخذها، وكانت عونا للمسلمين على عدوهم، وأناة من الله ليزدادوا بصيرة وجدا [23] .

وغنم المسلمون من الروم في تلك المعركة مغانم لم يقدرها المؤرخون، فاقتسموها بينهم، واطمأنت نفوسهم إلى موعود الله لهم، وانصرف أبو عبيدة وخالد بن الوليد إلى حمص تنفيذا لأمر الخليفة، وصحبا معهما سمير بن كعب وذا الكلاع الحميري ومن معه وخلفا شرحبيل بن حسنة وعمرو بن العاص ليتمما فتح الأردن وفلسطين.

--------------------------------------------------------------------------------

[1]

ابن كثير 7/320.

[2]

الطبري 3/437-438.

ص: 352

[3]

هيكل: الفاروق عمر 1/128.

[4]

البلاذري ص128.

[5]

الطبري 3/440.

[6]

ابن كثير 7/20.

[7]

البلاذري ص128.

[8]

البلاذري ص128.

[9]

الأوهاق: الحبال في أطرافها عقد تطرح على الشيء فتمسك به.

[10]

ابن كثير 7/22.

[11]

الفاروق عمر/هيكل 1/133.

[12]

ابن كثير 7/21.

[13]

البلاذري ص132.

[14]

نفسه ص132.

[15]

أبو يوسف ص132.

[16]

البلاذري ص131.

[17]

ابن كثير 2/494.

[18]

الطبري 3/603.

[19]

ابن الأثير 2/429.

[20]

الطبري 3/442.

[21]

الطبري 3/443 وابن كثير 2/430.

[22]

ابن الأثير 2/430 والرداغ الطين والوحل.

[23]

الطبري 3/443.

ص: 353

من نماذج الدعاة الصالحين

الإمام أحمد بن حنبل

الشيخ أبو بكر الجزائري

رئيس قسم التفسير بالجامعة

لما كان الإمام أحمد رحمه الله تعالى علما من أعلام الدعوة الإسلامية جعلناه الحلقة الأولى في السلسلة الثالثة من سلاسل ثلاث لنماذج من الدعاة الصالحين.

نسبته:

فمن هو الإمام أحمد؟

إنه أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال العربي العدناني، إمام الفقه والحديث يكنى بأبي عبد الله الشيباني قدم به أبوه من مرو، حملا في بطن أمه فهو مروزي، وولد ببغداد ونشأ بها فهو بغدادي.

الكمال الأحمدي

إننا إذ نستعرض حياة الرجل العظيم إنما نهدف دائما إلى مكان الإئتساء فيها، فلذا لا نعمد غالبا إلى ذكر الكمالات الوهبية في الرجل العظيم، لأنها محض هبة الله لمن يشاء من عباده، وإنما نعرض للكمالات النفسية الكسبية إذ هي محط الإئتساب ومجال الاقتداء وهكذا فعلنا في استعراضنا لحياة من قدمنا من نماذج الدعاة الصالحين. وكذلك نفعل مع من سنذكر في هذه السلسلة الأخيرة، فلا نستعرض من حياة الداعية المثالي إلا ما كان فيه مجال للقدوة والائتساء وذلك كالعلم والجد في طلبه، والحلم والتفوق فيه، كالورع والزهد، والصبر والثبات والكرم والسخاء والصدق والوفاء.

ومن الكمال الأحمدي الذي نستعرضه طلبا للأسوة فيه: العلم وقوة الحجة فيه والورع والزهد والصبر على المكاره، والثبات على المبدأ، والربانية التي هي أهم الكمالات النفسية.

علمه وقوة حجته فيه:

ص: 354

وعن علم الإمام أحمد نقول: إن أبا عبد الله أحمد بن حنبل الشيباني قد طلب العلم طلبا عاديا فلم يطلب الحديث ولم يجلس بين يدي رجاله إلا بعد أن بلغ السادسة عشرة من عمره كما ذكر ذلك غير واحد من المؤرخين له. غير أنه فارق دياره ورحل في طلب الحديث والفقه في فجاج البلاد طولا وعرضا، ورحل إلى اليمن ماشيا على قدميه، لقلة ذات يديه. وأقام بها زهاء العامين يطلب الحديث من رجالها كعبد الرزاق صاحب المصنف ونالته في ذلك مشقة كبيرة ظهرت على جسمه وصحته العامة ولما وصل مكة وقيل له أجهدت نفسك يا أبا عبد الله قال رحمه الله: ما أهون المشقة فيما استفدنا من عبد الرزاق كتبنا عنه حديث الزهري عن سالم بن عبد الله عن أبيه وحديث الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة. كما روى الحديث عن يحي بن معين وإسحاق بن راهوية، والشافعي رحمهم الله تعالى. وقد دعاه إلى زيارة مصر فلم يقدر لعجزه المادي. ولما التقى به في رحلته الثانية إلى بغداد قال له: يا أبا عبد الله إذا صح الحديث عندك فأعلمني به أذهب إليه حجازيا كان أو شاميا، أو عراقيا أو يمنيا. قال ابن كثير رحمه الله تعالى: إن في قول الشافعي هذا لأحمد لإجلالا كثيرا وشهادة في العلم عظيمة.

وحسب الإمام شهادة مسنده الذي خرجه من سبعمائة ألف حديث وخمسين ألف وجمع فيه من الحديث ما كاد يحوي الكتب الستة إلا قليلا، وقال ولده عبد الله كان أبي يحفظ ألف ألف حديث أي مليون حديث.

وهاهي ذي شهادات العلماء له بالعلم والسعة فيه، والفضل والكمال لديه قال الإمام الشافعي خرجت من العراق فما تركت رجلا أفضل ولا أعلم ولا أورع ولا أتقى من أحمد بن حنبل.

وقال البخاري لما ضُرب أحمد بن حنبل كنا بالبصرة فسمعت أبا الوليد الطيالسي يقول: لو كان أحمد في بني إسرائيل لكان أحدوثة.

ص: 355

وقال أبو عمر النحاس وقد ذكر أحمد يوما في الدين: ما كان أبصره وعن الدنيا ما كان أصبره! وفي الزهد ما كان أخيره! وبالصالحين ما كان ألحقه وبالماضين ما كان أشبهه! عرضت عليه الدنيا فأباها، والبدع فنفاها!

وقال علي بن المديني: إذا ابتليت بشيء فأفتاني أحمد لم أبال إذا لقيت ربي كيف كان. وقال يحي بن معين: كان في أحمد بن حنبل خصال ما رأيتها في عالم قط كان محدثا وكان حافظا، وكان عالما ورعا، وكان زاهدا وكان عاقلا.

وقال أبو زرعة الرازي: ما أعرف في أصحابنا أسود الرأس أفقه منه. يعني أحمد بن حنبل رحمهم الله تعالى أجمعين.

أما عن قوة حجته في علمه:

فحسبنا للكشف عنها وإثباتها أن نورد بعض ما كان يرد به على أسئلة المبتدعة المبطلين من المعتزلة المارقين في مجلس الامتحان أيام المحنة.

قال المعتصم ناظره يا عبد الرحمن كلمه فقال عبد الرحمن: ما تقول في القرآن؟ فأبى أن يجيب ويسأل عبد الرحمن قائلا ما تقول في علم الله؟ فلم يجب عبد الرحمن المعتزلي، فيقول أحمد: إن القرآن من عند الله فمن زعم أن القرآن مخلوق فقد زعم أن علم الله مخلوق، ومن قال بذلك فقد كفر..... فقال المعتزلي: إن الله كان في الأزل ولم يكن معه القرآن.

فيقول أحمد: لقد قلت إن القرآن من علم الله، فإذا قال قائل كان الله ولا قرآن معه فكأنه قال: كان الله ولا علم له.

المعتزلي: هو ضال مبتدع يا أمير المؤمنين.

الإمام: يا أمير المؤمنين يأتوني بآية من كتاب الله أو بسنة من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أجيبهم إليها

المعتزلي: فأنت لا تقول إلا ما في كتاب الله وسنة رسوله؟

الإمام أحمد: وهل يقوم الإسلام إلا بهما.

المعتزلي: إن الله يقول {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} والقرآن شيء فهو إذا مخلوق!

ص: 356

الإمام: إن هذه الآية عامة أريد بها الخصوص لا العموم كقوله تعالى عن الريح التي أهلك بها قوم هود: {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا} فهل دمرت كل شيء حقا، أو أنها لم تدمر إلا ما أراد الله..

المعتزلي: ويقول إن الله تعالى يقول: {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ} فهل يكون محدثا إلا المخلوق؟

الإمام: إن الذكر هو في القرآن جاء في قوله تعالى: {ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ} فهو هنا معرف بالألف واللام، وفي الآية الأولى بدون الألف واللام فهذه غير تلك.

المعتزلي: إن عمران بن معين يروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله "إن الله خلق الذكر.." وفي ذلك تقرير من النبي صلى الله عليه وسلم بأن القرآن مخلوق.

الإمام: أخطأت فالرواية التي رويناها عن عمران وغيره من ثقلت أهل الحديث هي "أن الله كتب الذكر"

المعتزلي: أليس رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "تقرب إلى الله ما استطعت فإنك لن تتقرب إلى الله بشيء هو أحب إليه من كلامه! "

أحمد: بلى، فلا روي ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

المعتزلي: إن فيه دليل على أن القرآن مخلوق!

أحمد: لست أجد فيه هذا الدليل!

المعتزلي: إذا قرأت القرآن لتتقرب به إلى الله تعالى أليست كلمات مؤلفة من حروف وأصوات، وهل يتألف من حروف وأصوات إلا الكلام المخلوق فهل نجد لك مفرا بعد إذ أمرنا الرسول صلى الله عليه وسلم أن نتقرب إلى الله بتلك الألفاظ إلا أن تسلم بأن القرآن مخلوق!

الإمام: القرآن كلام الله قديم غير مخلوق، وأما أفعالنا فيه إذا كتبناه أو تلفظنا به فهي مخلوقه ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول زينوا القرآن بأصواتكم، فالقرآن إذا غير أصواتنا المخلوقة التي نزينه بها. الكلام كلام الباري، والصوت صوت القارئ.

ص: 357

المعتزلي: إن تشبثك بأن القرآن كلام الله غير مخلوق معناه أنك تنسب إلى الله تعالى جوارح يتكلم بها كالمخلوقين وتشبيه الخالق بالمخلقات كفر!

الإمام: هو أحد صمد لم يلد ولم يولد، لا عدل له ولا شبيه وهو كما وصف نفسه. حدثني عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إن الله كلم موسى بمائة ألف كلمة وعشرين ألف كلمة وثلاثمائة كلمة، وثلاثة عشرة كلمة فكان الكلام من الله والاستماع من موسى، فقال موسى أي رب أنت الذي تكلمني أم غيرك؟ قال الله تعالى يا موسى أنا أكلمك لا رسول بيني وبينك"، فهذا ما يخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربه، وأنا ما أقول إلا ما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم.

المعتزلي: كذبت على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أحمد: إن يك هذا كذبا مني على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد قال الله تعالى:{وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً} .

وقال: {وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} فهو قول منه وليس خلقا من خلال هذا الحوار الذي دار بين المعتزلة الخصوم، تتجلى لنا حقيقة أن أحمد بن حنبل كان قوي الحجة وذلك ما رمناه من عرض هذا الجزء من المناظرة التي دامت أياما بين الإمام وخصومه وانتصر فيها حقه على باطلهم.

زهده وورعه:

إن الزهد لتقليل الدنيا زهي قليلة، واحتقارها وهي حقيرة ولو كانت تساوي عند الله جناح بعوضة لما سقى الكافر منها جرعة ماء، والرغبة عنها إلى الآخرة إيمانا بها وبخيراتها ودوامها والآخرة خير وأبقى. كما أن الورع هو الكف عن شهواتها وترك محرماتها والتقلل من مباحاتها، والبعد عن متشابهاتها طلبا للسلامة منها حتى يترك ما لا بأس به مخافة ما به بأس.

ص: 358

وبناء على هذا فإن الزهد والورع كل منهما صفة كمال في الإنسان المسلم وهما سلم إلى درجات الفضل والكمال والتفاوت بينها عظيم جدا، ومن هنا لم يكن أهل الورع والزهد في درجة واحدة بل بينهما من التفاضل ما الله بع عليم وهذا الإمام أحمد بين أهل الزهد والورع، يعتبر مثالا عاليا، وقدوة صالحة فلم يسبقه في هذا المجال أحد، ولم يلحقه آخر، والروايات التالية وهي صحيحة السند إلى الإمام أحمد أخرجها البيهقي ورواها عنه ابن كثير في بدايته تثبت الحقيقة وتؤكدها.

ولنكتف في باب الورع بروايتين منها فقط:

الأولى: قال يوما الإمام الشافعي لهارون رشيد: يا أمير المؤمنين إن اليمن يحتاج إلى قاض، فقال له الرشيد اختر رجلا نوله إياه. فقال الشافعي لأحمد وكان يتردد عليه لطلب العلم: ألا تقبل قضاء اليمن يا أحمد؟ فقال أحمد: إنما أنا اختلف إليك لطلب العلم المزهد في الدنيا، فتأمرني أن آتي القضاء، ولولا العلم لما كلمتك بعد اليوم!!!

فاستحي منه الشافعي وسكت.

إن رغبة أحمد عن الولاية وهي مما يتسابق الناس إليه ويتنافسون في الحصول عليه، بل مما يتقاتلون على طلبه والظفر به لم تكن إلا ورعا منه، إذ طلب الولاية طلب مباح، ولكن تركها أحمد وهي لا بأس بها خشية الوقوع فيما به بأس.

ص: 359

والثانية: أنه جاع ثلاثة أيام لقلة ذات يده فاستقرض دقيقا من أحد إخوانه ولما وصل إلى أهله عرفوا حاجته إليه فأسرعوا في خبزه وإنضاجه ووجدوا تنور لولده صالح مسجورا فأنضجوا قرص الخبز فيه، فلما قدم إلى أحمد وكأنه لاحظ سرعة تقديم الخبز له فسألهم فأخبروه أنهم طبخوه في تنور صالح ولده وكان صالح يتقاضى راتبا من الدولة فامتنع من أكله وواصل جوعه من ورعه. فأي ورع أعظم من هذا الورع؟ أمن أجل أن ولده يأخذ الجوائز المالية من السلطان يمتنع من أكل خبز يطبخ في تنوره المسجور، وهو ولده والولد وماله لوالده؟ فضرب أحمد بهذا رقما قياسيا في الورع لا يمكن أن يناله أحد سواه.

أما عن زهده رحمه الله تعالى فحدث ولا حرج قال أبو داود رحمه الله تعالى كانت مجالس أحمد مجالس الآخرة لا يذكر فيها شيء من أمر الدنيا وما رأيت أحمد ذكر الدنيا قط.

ولم يكن هذا منه رحمه الله تعالى إلا احتقارا للدنيا وعدم التفات إليها وذلك لقلتها وسرعة زوالها وهذا هو الزهد في الدنيا.....

وحكى ولده عبد الله رحمهما الله تعالى معا فقال كنا في زمن الواثق الخليفة العباسي في ضيق شديد فكتب أحد الصالحين إلى أبي -لا شك أنه سمع بحاجة أحمد وما هو فيه من ضيق- كتب إليه: إن عندي أربعة آلاف درهم ورثتها من أبي، وليست صدقة ولا زكاة، فإن رأيت أن تقبلها أبعثها لك: فامتنع أحمد من قبولها، فكرر عليه الرجل قبولها فأبى أن يقبلها ورضي بحاجته وما به من خصاصة. وعرض عليه أحد التجار عشرة آلاف درهم ربحها من بضاعة جعلها باسمه فأبى أن يقبلها، ورد عليه قائلا: نحن في كفاية وأنت جزاك الله عن قصدك خيرا. كما عرض عليه شيخه عبد الرزاق باليمن يوما ملء كفه دنانير وهو في أمس الحاجة إليها لنفاد ماله وانقطاعه عن بلده فلم يقبلها.

ص: 360

وأعظم من هذه وسابقتها أنه سرقت ثيابه باليمن فجلس في بيته ورد عليه الباب، ووفده أصحابه فجاءوا إليه فسألوه فعرضوا عليه ذهبا فلم يقبله ولم يأخذ منهم إلا دينارا واحدا، ليكتب لهم به، فكتب لهم مقابله فكان أخذه منهم بأجرة عمل. ولم يكن بإحسان.

صبره على المكاره وثباته على المبدأ:

إن كان الصبر هو حبس النفس على الطاعة بحيث لا تتركها في سراء ولا ضراء وحبسها عن المعصية فلا تغريها في يسر ولا عسر وحبسها على البلاء فلا تضجر ولا تجزع فإن الإمام أحمد كان بذلك إمام الصابرين، وقدوتهم بحق فقد صبر في مواطن الصبر كلها فلم يضعف ولم يهن بحال من الأحوال حتى غدا صبره في محنته مضرب الأمثال وأعني بمحنته تلك التي امتحن فيها ببدعة القول بخلق القرآن حيث أن الخليفة المأمون العباسي كان قد استحوذ عليه جماعة من المعتزلة فأزاغوه عن طريق الحق –كما قال ابن كثير وزينوا له القول بخلق القرآن ونفي الصفات عن الله تعالى، واتفق أن خرج إلى غزو الروم فكتب إلى نائبه ببغداد وهو إسحاق بن إبراهيم بن مصعب يأمره أن يدعو الناس إلى هذه البدعة، فلما وصل الكتاب إليه قام فاستدعى أئمة الحديث ودعاهم إلى هذا الباطل فامتنعوا فهددهم بالضرب وقطع الرواتب والأرزاق فأجاب أكثرهم مكرهين واستمر على الامتناع أحمد ابن حنبل وآخر يقال له محمد بن نوح فحملهما على بعير وسيرا إلى الخليفة، حيث أمر بهما، وكان ببلاد الرحبة جاءها رجل من الأعراب يقال له جابر بن عامر فسلم على الإمام أحمد وقال له: يا هذا إنك وافد الناس فلا تكن شؤما عليهم وإنك رأس الناس اليوم فإياك أن تجيبهم إلى ما يدعونك إليه فيجيبوا، فتحمل أوزارهم يوم القيامة، ،وإن كنت تحب الله فاصبر على ما أنت عليه فإنه ما بينك وبين الجنة إلا أن تقتل وإنك إن لم تقتل تمت، وإن عشت عشت حميدا. قال أحمد: وكان كلامه مما قوى عزمي.

ص: 361

ولما اقتربا من جيش الخليفة ونزلا بمرحلة دونه جاء خادم وهو يمسح دموعه بطرف ثوبه ويقول يعز عليه أن أقول لك يا أبا عبد الله أن المأمون قد سل سيفه، وهو يقسم بقرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لئن لم تجبه إلى القول بخلق القرآن ليقتلنك بسيفه. فحنى أحمد على ركبته، ورفع طرفه إلى السماء وقال: اللهم فإن يكن القرآن كلامك غير مخلوق فاكفنا مؤذته فما كان آخر الليل خرج الصريخ ينعي موت المأمون. ولم تكد تنفرج حتى ولى الخلافة المعتصم والتف حوله غلاة المعتزلة وشحنوه بالباطل وكان أشد على أهل السنة من المأمون، فردا إلى بغداد في سفينة مع بعض الأسارى ومات ابن نوح في الطريق وأودع أحمد السجن مدة ثمانية وعشرين شهرا قضاها والقيد في رجليه لم ينزع عنهما فكان يصلي إماما بأهل السجن والقيد في رجليه رحمه الله تعالى. ولما تمت هذه المدة أحضر أحمد أمام الخليفة وليسأل ويضرب ويطلب إليه القول بالبدعة فيرفض ويعذب، حتى مل سائلوه ومعذبوه.

وضج من هول العذاب من حوله من السامعين والمتفرجين، والإمام صابر ثابت يقرع الحجة بالحجة، ويدفع ضجة الباطل ويعلو الحق. حتى كتب الله له وفاز بلقب بطل المحنة وإمام الثبات والصبر.

وهكذا صبر أحمد وثبت على مبدأ الحق فلم يبدل ولم يغير فكان مثال الكمال في الصبر والثبات على المبدأ فرحمه الله رحمة واسعة وخلد ذكراه، وجعل الجنة مثواه.

ربانيته ووفاته:

وأخيرا ربانيته ووفاته..

إن ربانية أحمد وهي قوة صلته بربه تعالى ونسبته إليه ولصوقه بجنانه تعالى حتى ما كان يعرف إلا به تعالى فيبلغ القول فيها إنها كانت ربانية قائمة على التوحيد الخالص، والعلم اليقين الكامل، والزهد لا فيما عند الله، والفقر إلا إلى الله. ولتجلي هذه الربانية القوية نورد طرفا من موجز كلامه وآخر من مظاهر كماله فنقول:

ص: 362

لما حمل أحمد من دار الخلافة إلى دار إسحاق بن إبراهيم وهو صائم أتوه بسويق ليفطر من الضعف الذي أصابه فامتنع وأتم صومه، وحين حضرت الصلاة صلى معهم فقيل له صليت في دمك، فقال صلى عمر وجرحه ينصب دما، ولما أقيم ليضرب السياط انقطعت تكة سراويله فخشي أن تنكشف عورته فحرك شفتيه بالدعاء، فعادت سراويله كما كانت، وما حرك به شفتيه هو قوله: يا غياث المستغيثين يا إله العالمين إن كنت تعلم أني قائم لك بحق فلا تهتك لي عورة. وقيل له يوما ادع الله تعالى لنا فقال اللهم إنك تعلم أنك على أكثر مما نحب فاجعلنا على ما تحب دائما وسكت. فقيل له زدنا فقال اللهم إنا نسألك بالقدرة التي قلت للسماوات والأرض إيتيا طوعا أو كرها فقالتا أتينا طائعين اللهم وفقنا لمرضاتك. اللهم إنا نعوذ بك من الفقر إلا إليك، ونعوذ بك من الذل إلا لك. اللهم لا تكثر فنطغى، ولا تقل علينا فنسيء، وهب لنا من رحمتك وسعة رزقك ما يكون بلاغا لنا في دنيانا، وغنى من فضلك.

وقال صالح ولده كان أبي لا يدع أحدا يسقي له الماء ليتوضأ رمى بالدلو فخرج ملآن فقال الحمد لله، فقلت له يا أبت ما الفائدة بذلك؟ فقال يا بني أما سمعت قول الله تعالى:{قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ} .

وعن مظاهر كماله نقول:

ص: 363

لما انكشفت الغمة وزالت المحنة وولى أمر المسلمين المتوكل على الله وكان سلفيا يحب أهل السنة والجماعة بعث بصرة للإمام أحمد فلم يقبلها فأصر الخليفة إلا أن يقبلها وأصر أحمد على عدم قبولها جعلها الخليفة في ولده وأهله. فقال أحمد لولده وأهله يلومهم: إنما بقي لنا أيام قلائل، وكأننا وقد نزل بنا الموت فإما إلى الجنة وإما على النار، فنخرج من الدنيا وبطوننا قد أخذت من مال هؤلاء.!!! فاحتجوا عليه بقول الرسول صلى الله عليه وسلم لعمر:"ما جاءك من هذا المال وأنت غير سائل ولا مستشرف فخذه "وابن عمر وابن عباس قبلا جوائز السلطان، فقال: وما هذا وذاك سواء، ولو أعلم أن هذا المال أخذ من حقه وليس بظلم ولا جور لم أبال.

ولما علم المتوكل ببراءة أحمد مما نسب إليه حيث وشى به الواشون فحوصر بيته ليلا وفتشته تفتيشا دقيقا عما يثبت ولاءه للعلويين وتواطؤه معهم بعث إليه الخليفة مع أحد حجابه بعشرة آلاف درهم، وقال هو يقرئك السلام ويقول لك استنفق هذه فامتنع من قبولها. فوضعها عنده ثم ذهب، فلما كان من آخر الليل استدعى أحمد أهله وبني عمه وعياله، وقال لم أنم الليلة من هذا المال، فجلسوا وكتبوا أسماء جماعة من المحتاجين من أهل الحديث وغيرهم من أهل بغداد والبصرة، ولما أصبحوا فرقوها كلها حتى الكيس الذي كانت به تصدق به ولم يعط منها أهله وأولاده شيئا وهم في غاية الجهد والفاقة والفقر وهكذا تجلت ربانية أحمد وصدقه فيها فكان بذلك إماما وقدوة فيها وفي غيرها من سائر الكمالات النفسية.

ص: 364

وعن وفاته نقول: مرض أحمد متى صح ذلك الجسم الذي أضناه الصيام وأقعده القيام. مرض مرضه الذي توفى فيه في أوائل شهر ربيع الأول من سنة إحدى وأربعين ومائتين، قال ابنه صالح دخلت على والدي يوم الأربعاء ثاني ربيع الأول وهو محموم يتنفس الصعداء وهو ضعيف فقلت له يا أبت ما كان غداؤك قال ماء الباقلا. وأقبل الناس الأفاضل على عيادته، وتوافد الأكارم على بيته، فكتب رحمه الله تعالى وصيته، وكان يئن في مرضه، ولما بلغه عن طاووس كراهة الأنين تركه حتى كانت ليلة وفاته وهي ليلة الجمعة الثاني عشر من ربيع الأول. ومن غريب ما حدث له في تلك الليلة أنه سمع وهو يقول لا، بعد، لا، بعد، فقال له ابنه صالح ما هذه اللفظة التي تلهج بها؟ فقال إن الشيطان واقف بزاوية البيت وهو عاض على إصبعه ويقول فتنى يا أحمد، فأقول لا، بعد، لا، بعد. ولما دنا الأجل قال لأهله وضئني وخللوا أصابعي فوضئوه ولما فرغوا من وضوئه فاضت روحه وهو يذكر الله تعالى. فإلى رحمة الله يا أسوة الصالحين وقدوة الزهاد والورعين، والسلام عليك في الأولين والآخرين.

ص: 365

قوة العقيدة سبيل النصر في غزوة بدر الكبرى

د. محمد عبد المقصود جاب الله

المدرس في كلية الدعوة بالجامعة

رابعا: أسباب النصر وعوامله:

فتح المسلمون عيونهم على بشاشة الفوز تضحك لهم خلال الأرض والسماء، لأن هذا الظفر المتاح لهم ردّ عليهم الحياة والأمل والكرامة، وخلصهم من أغلال ثقال {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (آل عمران آية 123) .

وكانت عدة من استشهد منهم أربعة عشر رجلا استأثرت بهم رحمة الله فذهبوا إلى عليين ثبت عن أنس بن مالك. أن حارثة بن سراقة قتل يوم بدر وكان في النظّارة أصابه سهم طائش فقتله فجاءت أمه فقالت: يا رسول الله أخبرني عن حارثة فإن كان في الجنة صبرت، وإلا فليرين الله ما أصنع - تعني النياحة - وكانت لم تحرم بعد

فقال لها الرسول عليه الصلاة والسلام: "ويحك أوهبلت إنها جنان ثمان وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى"[1] .

فإن كان هذا جزاء النظارة الذين اختطفتهم سهام طائشة، فكيف بمن خاض إلى المنايا الغمرات [2] الصعاب.

ولقد كان نصر الله للمؤمنين في بدر بالقوة المعنوية وحدها، فالتدبير تدبير الله، والنصر بيد الله، والكثرة العددية ليست هي التي تكفل النصر، والعدة المادية ليست هي التي تقرر مصير المعركة.

ولقد وضع الله للمؤمنين الموادّ في دستور هذه القوة التي لا يستغني عنها جيش يحرص على الفوز، وأرشدهم إلى طريق النصر وقانونه.

ص: 366

قال الله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَراً وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} (الأنفال آية 45-47) .

هذه عوامل النصر الحقيقية: الثبات عند لقاء العدو، والاتصال بالله بالذكر الكثير، والطاعة لله والرسول، واطراح النزاع والشقاق، والصبر على تكاليف المعركة، وعدم البطر والبغي والعدوان.

أولا: الثبات عند لقاء العدو:

إن الثبات هو المادة الأولى في قانون النصر، لأنه بدء الطريق إليه فأثبت الفريقين أغلبهما، وما يدري المؤمنين أن عدوهم يعاني أشد مما يعانون، وأنهم لو ثبتوا للحظة فسينهار عدوهم، وينخذل، وما الذي يزلزل أقدام المؤمنين، وهم واثقون من إحدى الحسنين: الشهادة أو النصر.

والثبات محله القلب ولا يتأتى إلا بقوة العقيدة ورساخة الإيمان، وهي لازمة للمؤمنين في ميدان القتال، وفي كل ميدان فتقابل فيه قوة إيمانية، وأية قوة أخرى من قوى الأرض، وفي كل مجال ينازل فيه خصما، وهو الثبات على العقيدة مهما فتن، وعلى الطريقة مهما لاقى، وعلى الكيد مهما يدبر الكائدون.

وما وقفه الشعب الأفغاني المسلم أمام قوى الكفر والطغيان، وجحافل الشيوعية الباغية التي احتلت أرضه ودنست ثراه ولا تريد أن تعترف بحقه في تصريف أموره، وتقرير ما يراه مما يتناسب مع تاريخه وعراقة إيمانه. إلا ثبات في المعركة.

ص: 367

لقد واجه العدوان في صلابة واستبسال، وصبر وإيمان لا يعرف الخور ولا الهوان، فنراه في القرى والمدن وفوق قمم الجبال يقابل الطائرات المغيرة بوحشية وضراوة أعزل من السلاح. ولكنه بإيمانه بحقه ويقينه بالله وقف في وجههم وكأنه يملك الصواريخ المضادة لها وسينتصر الشعب الأفغاني بثباته وبيقينه بوعد الله الذي ينصر المؤمنين الواثقين بنصره، والعاملين بكتابه.

وهل ما يفعله الشعب الفلسطيني المجاهد، والشعب الإريتري المكافح والشعب الصومالي الصامد من ثبات في المعركة ووقوف صلب في وجه العدوان ومجابهة لقوى البغي والطغيان من الصهيونية والصليبية والشيوعية إلا تمسكا بهذا المبدأ الذي وضعه الله سبحانه وتعالى من فوق سبع سماوات وستنتصر الشعوب المسلمة المكافحة بعون الله وسيخذل أعداؤهم ويرجعون مدحورين أذيال الخزي والعار، ويبوءون بالبوار والخسران.

ثانيا: الإكثار من ذكر الله:

والإكثار من ذكر الله في ميدان القتال هو المادة الثانية:؛ لأنه الاتصال بالقوة الكبرى، والاستعانة بالله سبحانه وتعالى ذي الجبروت، والثقة بالله الذي ينصر الحق، واستحضار حقيقة المعركة، لإعلاء كلمة الله، لا للسيطرة ولا للجاه، ولا للمغانم، ولا للشهوة أو النزوة وإنما كانت لله، وفي سبيل الله.

ثالثا: طاعة الله ورسوله:

وطاعة الله وطاعة رسوله هو المادة الثالثة في هذا القانون، وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم هو القائد العام، فليدخل المؤمنون المعركة، وقد أدوا فرائضهم وقدموا واجبهم، وأسلموا أمرهم لله ورسوله ثقة منهم بحكمة تدبيره، وبصدق رسوله، فيتم النظام الذي لا بد منه لكل جيش، بتوحد القوى وسرعة التحرك، ودقة التنفيذ للخطط.

رابعا: اتقاء النزاع:

ص: 368

واتقاء النزاع هو المادة الرابعة في قانون النصر، لأنه في زمن الحرب تتنازع الهيئات أو الأحزاب أو الأفراد، فنهوا عن التنازع {وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} ومن ثم وجب أن ينهوا عنه ولو اقتضى الأمر وقف العمل بمبدأ الشورى.

خامسا: الصبر عند لقاء العدو:

الصبر عند لقاء العدو هو خامس المواد في قانون النصر، إذ للحرب ضروراتها التي لا تسيغها النفوس كإعلان الحكم العسكري الذي يقيد بعض الحريات، والمقاطعة الاقتصادية التي تسبب شيئا من الضيق، ونقص الأسلحة الذي قد يوقع في الحرج، وتفوق العدو الذي قد يدفع إلى القلق، وهي ضرورات لا بد لمن يريد النصر أن يصبر عليها راضيا بها.

سادسا: اتقاء البطر والرياء:

قد يحسن المؤمنون الاستعداد للحرب، فيشعرون بأنهم أهل، لأن ينصروا بقوتهم فيحملهم هذا على الاستعلاء والفخر، فيخرجون متبطرين طاغيين يتعاجبون بقوتهم، ويستخدمون نعمة القوة التي أعطاها الله في غير ما أرادها الله حرصا على ثناء الناس وإعجابهم فيفتوهم في هذه الحال النصر، لأن قانونه يهيب بهم في قوة {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَراً وَرِئَاءَ النَّاسِ} ومن هنا اعتبر اتقاء البطر والرياء سادس المواد في قانون النصر.

سابعا: التوكل على الله:

ويقتضيهم الإيمان مع الثبات وذكر الله وطاعة القائد، وتجنب أسباب النزاع والصبر والإخلاص لله مادة سابعة هي التوكل على الله، وهو روح المواد الست وقوامها إذ لا بد منه باعثا على كل منها ونتيجة لكل منها على أنه يعني الاستعداد التام قبل المعركة والاطمئنان التام للنصر من بعد، ولن يحرم النصر جيش أحسن الاستعداد للحرب وامتلأ ثقة بالله فكيف إذا جمع إلى هذه المادة سائر المواد في قانون النصر.

خامسا: الأسرى وموقف الرسول منهم:

ص: 369

كان عدد الأسرى سبعين كعدد الذين قتلوا، وكانوا ينتسبون في الأغلب – إلى أكبر أسر المشركين - وبعد أن وزعهم الرسول صلى الله عليه وسلم على أصحابه قال لهم:"استوصوا بالأسارى خيرا"[3] .

ولم يكن هناك نظام ثابت لمعاملة الأسرى حتى بعد غزوة بدر إلا أن الرسول – صلى الله عليه وسلم شرع نظاما معينا للأسرى ينحصر في أمور ثلاث: 1_ الافتداء 2_والاسترقاق. 3_والقتل.

ولم يلجأ الرسول – صلى الله عليه وسلم إلى القتل إلا إذا كان الأسير أحد هؤلاء الذين اشتدوا في الإيذاء له، وإيذاء أهله، وأصحابه وكان خطرا على دعوته وعلى رسالته، ومن أمثلة ذلك قصة الأسيرين: النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط فقد وقعا معا في الأسر وكان الاثنان شرا مستطيرا على المسلمين أثناء وجودهم في مكة، وكانا يبحثان في أفضع الوسائل لتعذيب محمد وقومه، ولهذا ارتعد النضر عندما نظر إليه الرسول صلى الله عليه وسلم أثناء استعراضه للأسرى، وصدر ذلك في قوله لرجل إلى جانبه:"محمد والله قاتلي لقد نظر إليّ بعينين فيهما الموت"فقال له الرجل الذي بجانبه: "ما هذا والله منك إلا رعب".ودعا النضر مصعب بن عمير وقال له: "قل لصاحبك أن يجعلني كرجل من رجاله فهو قاتلي إن لم تفعل"وكان رد مصعب إنك كنت تقول في كتاب الله كذا، وفي نبيه كذا، وكنت تعذب أصحابه. وحاول المقداد أن ينقذ النضر فقال النضر أسيري فرد النبي صلى الله عليه وسلم:"اضرب عنقه"وقيل إن الذي قتله هو علي بن أبي طالب [4] .

ص: 370

واستشار النبي صلى الله عليه وسلم ماذا يفعل بالأسارى فقال لهم: "ما تقولون في هؤلاء الأسرى؟ " فقال أبو بكر: "يا رسول الله قومك وأهلك استبقهم واستأمنهم لعل الله أن يتوب عليهم". فقال الرسول صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب: "ما ترى يا بن الخطاب". فقال: "لا والذي لا إله إلا هو ما أرى الذي رأى أبو بكر يا نبي الله، ولكن أرى أن تمكننا منهم فتمكن عليا من عقيل فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من العباس فيضرب عنقه، وتمكنني من فلان فأضرب عنقه، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديده، حتى يعلم الله أنه ليس في قلوبنا هوادة للمشركين".

وقال عبد الله بن رواحة: "يا رسول الله انظر واديا كثير الحطب فأدخلهم فيه ثم أضرمه عليهم"

فمال الرسول صلى الله عليه وسلم إلى قول أبي بكر وأخذ منهم الفداء [5] .

قال عمر رضي الله عنه: "فلما كان من الغد غدوت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي الله عنه وهما يبكيان. فقلت: يا رسول الله ما يبكيك أنت وصاحبك. فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما

قال النبي صلى الله عليه وسلم: "للذي عرض عليّ أصحابك من أخذهم الفداء. لقد عرض عليّ عذابكم أدنى من هذه الشجرة"- لشجرة قريبة-[6]

وأنزل الله تعالى قوله: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (الأنفال آية 68-69)[7] .

فلقد كانت غزوة بدر هي المعركة الأولى بين المسلمين والمشركين وكان المسلمون قلة والمشركون كثرة.

ص: 371

وكان نقص عدد المحاربين من المشركين بالقتل والأسر كسبا ضخما في هذه الحالة لا يعدله مال، وكان هناك معنى آخر يراد تقريره في النفوس، وتثبيته في العقول، ذلك هو المعنى الكبير الذي أشار إليه عمر رضي الله عنه في صراحة ونصاعة. "وحتى يعلم الله أنه ليس في قلوبنا هداوة للمشركين"لهذين السببين الكبيرين نحسب أن الله سبحانه وتعالى كره للمسلمين أن يفادوا أسارى بدر.

وهذا الذي انتهى إليه المسلمون في معاملة أسراهم هو آية كبيرة تتجلى فيها مظاهر الرأفة والرحمة والحسنى.

ومع ذلك يقف غير واحد من المستشرقين. عند أسرى بدر هؤلاء وعند مقتل النضر ابن الحارث وعقبة بن أبي معيط ويتساءلون: "أليس في ذلك ما يدل على ظمأ في هذا الدين الجديد إلى الدم ظمأ لولاه لما قتل الرجلان، ولكان أكرم للمسلمين بعد أن كسبوا المعركة أن يردوا الأسرى وأن يكتفوا بالفيء الذي غنموا". علما بأن هذا التساؤل ما يلبث أن ينهار ويتداعى إذا نحن وازنّا بين مقتل النضر وعقبة، وما يجري اليوم وما سيجري ما دامت الحضارة الغربية التي تتشح بوشاح المسيحية متحكمة في الأرض. فهل نراه يوازي شيئا إلى جانب ما يقع بايم قمع الثورات في بلاد يحكمها الاستعمار على كره من أهلها؟ وهل تراه شيئا إلى جانب ما وقع من مجازر الحرب العالمية الكبرى؟.

وهل هذه المعاملة التي وقعت من الرسول صلى الله عليه وسلم وقبول الفداء منهم وقوله لأصحابه "استوصوا بالأسارى خيرا" أفضل؟.

أم ما يناله الأسارى في الحروب الحديثة من معاملة سيئة قاسية عنيفة رغم وجود النظر الدولية الخاصة بالأسرى، وكيفية معاملتهم مما لم تحترمها الدول الحديثة وجعلتها حبرا على ورق.

وما زال أسرى الحرب العالمية الأخيرة تعامل بعضهم معاملة مجرمي الحرب، ويلاقون العذاب والمهانة والذل، ويعاملون معاملة سيئة لا تمت إلى الإنسانية بصلة.

ص: 372

والجواب واضح وصريح في أن المعاملة الطيبة التي كان يلقاها الأسرى من الرسول صلى الله عليه وسلم تعتبر من أعلى مظاهر الإنسانية الرفيعة التي كانت تكون العلاقة بين القائد العسكري وبين أسرى الحرب.

سابعا: الخاتمة:

وبعد فهذه غزوة بدر الكبرى التي انتصر فيها المسلمون، وزلزل المشركون، وأنجز الله وعده، وأعز جنده، وأسعد من حضرها من المسلمين فهو عند الله من الأبرار.

ولقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة"[8] .

وبهذه الغزوة، وبهذا الانتصار استقر أمر المسلمين في بلاد العرب جميعا، وكانت هذه الغزوة مقدمة وبداية للدولة الإسلامية المترامية الأطراف، ولا عجب أن سماها الله سبحانه وتعالى فرقانا حيث يقول:{وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَان} (الأنفال آية 41) ، لأنها فرقت بين الحق والباطل، وبين الهدى والضلال، والنور والظلام.

ورغم أن بدرا تعد أول غزوة من غزوات جيش الإسلام ورغم أنها المرة الأولى التي يقف فيها الرسول الكريم موقف المحارب فإننا نستطيع أن نستخلص منها دروسا لها قيمتها ومبادئ خطيرة لها شأنها في سير المعارك.

وهذه الدروس لم تتغير ولم تتبدل رغم اختلاف العصر الذي نعيش فيه والعصر الذي تمت فيه غزوة بدر. ومن أهمها:

1_

أهمية القضاء على قوة العدو الاقتصادية، ووضعها في المقام الأول، لأن في القضاء عليها قضاء على القوة العسكرية.

2_

الشورى وما لها من أهمية كبرى في الميدان ووقت الحرب، فالقائد الحكيم هو الذي يستشير خبراءه ليعرف منهم الخطة السليمة الصحيحة.

3_

أهمية القوى المعنوية للمحاربين والقوة المعنوية هي العامل الأول الذي دفع بالمسلمين إلى النصر رغم قلة عددهم وكثرة عدوهم.

ص: 373

4_

الاهتمام بالاستكشاف والاستطلاع قبل إبان المعركة، ولذلك نجد أن الرسول صلى الله عليه وسلم خرج بنفسه لذلك أو كان يختار من يثق بهم.

5_

تكتيك الحرب الذي يبدو واضحا في السرية التامة في التحركات وخاصة خلال العمليات.

فاحتلال المسلمين لمواقع المياه تنفيذا لرأي الحباب بن المنذر ثم في منتصف الليل حتى لا يشعر بهم العدو.

والرسول صلى الله عليه وسلم كان يأمر جنده بأن يظلوا في أماكنهم لا يتحركون أو يتحدثون أو يأتون بما يثير انتباه أعدائهم، وكانون بذلك يتركون العدو يتقدم ويتقدم ويظل في تقدمه، حتى إذا أصبح في مرمى النبال ألقوها عليهم، فتصيب منه العدد الكبير فوق ما تحدثه المفاجأة في نفسه، فيرتبك ويضطرب وتكثر إصابته ويزيد عدد قتلاه.

6_

ضرورة تغلغل العقيدة في نفوس المحاربين، فإن العقيدة المتغلغلة في نفوس المسلمين بلغت منهم منزلة تسمو على صلات الرحم والقرابة. فكان الرجل منهم يقتل أباه أو أخاه أو عمه أو قريبه من المشركين لا تأخذه فيه شفقة أو رحمة.

فها هو ذا عبد الرحمن بن أبي بكر يقول لأبيه بعد إسلامه – وكان يقاتل في صف المشركين يوم بدر-: "يا أبت لقد أهدفت لي يوم بدر مرارا فصدفت عنك "فقال أبو بكر رضي الله عنه: "لو كنت أهدفت لي أنت ما صدفت عنك"[9] .

وهذا أبو حذيفة بن عتبة ينظر إليه الرسول صلى الله عليه وسلم يوم بدر وقد سحبت جثة أبيه عتبة لتلقى في القليب فألفاه كئيبا قد تغير لونه فقال: "لعلك يا أبا حذيفة قد دخلك من شأن أبيك شيء" فقال أبو حذيفة: "لا والله ما شككت في أبي ولا في مصرعه، ولكني كنت أعرف من أبي رأيا وحلما وفضلا فكنت أرجو أن يهديه ذلك إلى الإسلام، فلما رأيت ما أصابه وذكرت ما كان عليه من الكفر بعد الذي كنت أرجو له أحزنني أمره"فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بخير وقال له خير [10] .

ص: 374

7_

معاملة الأسرى معاملة كريمة فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قبل الفداء، وفوق هذا أطلق سراح الأسير الفقير الذي لا مال له ولا شيء عنده يفتدي به نفسه.

وفي الختام فهذه غزوة بدر وتلك أسبابها ونهايتها وهي صفحة بيضاء مشرقة من صفحات تاريخنا دونها بإخلاصهم وإيمانهم آباؤنا الأولون. وليس لنا من سبيل إلى ما وصلوا إليه من عر ومجد، إلا أن نستن سنتهم، وأن نسير على طريقتهم وأن ننسج على منوالهم، وعندئذ يكون لنا بوعد الله ما كان لهم من عزة ومجد وكرامة، أرجو وآمل إن شاء الله، وما النصر إلا من عند الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.

--------------------------------------------------------------------------------

[1]

أبو الفداء 3/317،328-329 والبخاري.

[2]

غمرات الموت: شدائده.

[3]

أبو الفداء 3 /306.

[4]

أبو الفداء 3/305، الروض الأنف5/153.

[5]

مسند الإمام أحمد، أبو الفداء 3/296-297، وصحيح مسلم وأبو داود والترمذي.

[6]

نفس المصدر السابق.

[7]

صحيح مسلم 5/106-257، أحمد رقم 20،22، البيهقي 9/67-68 من حديث عمر، انظر الروض الأنف 5/221-242.

[8]

انظر البخاري ومسلم وأبو داود، أبو الفداء 3/329.

[9]

الروض الأنف للإمام السهيلي 6/181 دار الكتب الحديثة تفسير بن كثير 4 /329.

[10]

أبو الفداء 3/294 عن ابن إسحاق، السيرة لابن هشام 1/640-641.

ص: 375

أثر الهجرة

على تطور الدعوة الإسلامية وانتشارها في أنحاء العالم

للدكتور محي الدين الألواني

الأستاذ المشارك في الجامعة

لقد امتازت الرسالة التي أرسل بها الرسول العربي محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم بعموميتها إلى كافة الثقلين، وشمولها لجميع مرافق الحياة البشرية. وقد خص الله تعالى رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم وحد بأن يكون رسولا إلى كافة الناس، وجعله خاتم النبيين، ورحمة للعالمين. وقد صرح القرآن الحكيم بهذا فقال تعالى مخاطبا له:{قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً} (الأعراف 158) . وقال له رب العزة أيضا: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَاّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} (سبأ 28) .

فلا بد أن تكون الدعوة المحمدية غير محلية ولا بيئية ولا موجهة لأمة دون أخرى. وتحت عنوان عموم الدعوة المحمدية يقول فضيلة الدكتور محمد فتح الله بدران رحمه الله في كتابه: الفلسفة الحديثة في الميزان: "

ولقد كانت كل الدعوات السابقة عليه: بيئية، محلية، محدودة، مصدقة، ومكملة، وممهدة. أما منذ دعوته صلى الله عليه وسلم إلى الأبد، فهي في عمومها أوسع من أن تدرك أو تحدد لأنها تشمل الناس كافة وجميعا" [1] .

ص: 376

وقد كان دين الرسل واحدا كما قال سبحانه: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} (الشورى آية 13) . وقال تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ولكل واحد من أتباعه في سورة آل عمران: {قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} (الآية 84) .

وإذا نظرنا إلى طبيعة الدعوة المحمدية وخصائصها نرى أنها مرت بمراحل كثيرة، وكلها بإذنه تعالى وأمره، وبمقتضى حكمته في خلقه، فكانت الهجرة من مكة إلى المدينة مرحلة هامة من مراحل الدعوة الإسلامية، ونقطة تحول خطير في انتشارها في أرجاء الأرض، وهي التي مهدت السبيل لوصولها إلى مختلف القبائل العربية، ودعت الأمم والشعوب لاستطلاع حقيقة هذه الدعوة وصاحبها وجذبت الوفود من داخل شبه الجزيرة العربية وخارجها إلى الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم، وفتحت الأبواب إلى فتح مكة ثم إلى فتوحات أخرى عديدة.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بدأ دعوته في مكة، من أول نبوته، سرا، وبعد أن مضى في هذه المرحلة من الدعوة السرية أو المحدودة مدة ثلث سنين، أمره الله تعالى أن يدعو الناس إلى الإسلام علنا، فكان يذهب إلى الناس في مواسم الحج كل عام، وإلى المواسم الأخرى في عكاظ، ومجنة، وذي المجاز وغيرها من الأسواق العربية الشهيرة، واستمر هذا الدور المكي العلني من الدعوة الإسلامية لمدة عشر سنين أخرى، أي أنه استمر يدعو قومه ثلاث عشرة سنة، ولقي من الأذى هو المؤمنون به الكثير، ثم أمره الله بالهجرة إلى المدينة.

ص: 377

ونجم عن هجرة الرسول من مكة إلى المدينة أن تكونت في المدينة نواة الدولة الإسلامية الأولى. وتقع المدينة المنورة شمالي مكة، على مسيرة أحد عشر يوما منها، وكانت في تلك الأيام مدينة مكشوفة معرضة للغزو الخارجي، حتى قام النبي صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق المشهور لرد عدوان قريش، ويقال إن أول من بنى يثرب أحد رؤساء العمالقة يسكنون في يثرب وفي ضواحيها في العصور الغابرة، ثم توالت هجرة اليهود إلى بلاد العرب فرارا من وجه مضطهدين، أو الآخذين بالثأر منهم من البابليين، واليونان، والرومان، فاستوطنوا شمال الحجاز

وكانت أشهر القبائل اليهودية النازلة ببلاد العرب: بني نضير في خيبر، وبني قريظة في فدك، وبني قينقاع بالقرب من المدينة ذاتها. وكان اليهود يقيمون في قرى محصنة فاستطاعوا أن يسيطروا على جيرانهم من القبائل العربية إلى أن جاءت الأوس والخزرج –وهما قبيلتان من نسل قحطان- فأقامتا في يثرب ودانتا لليهود في أول الأمر ثم صارت لهما الولاية عليهم [2] .

وكانت حال ((يثرب)) السياسية حين قدم النبي صلى الله عليه وسلم إليها: حالة حرب عوان بين الأوس والخزرج، ومؤامرات من اليهود لإشعال نار الفتنة بين هاتين القبيلتين العربيتين، ومحاولتهم السيطرة على القبائل العربية المجاورة، فكان قدومه صلى الله عليه وسلم فاتحة عصر جديد في تاريخ جزيرة العرب لأنه آخى بين الأوس والخزرج حتى نسوا ما تأصل في نفوسهم من عداوة وضغائن، وأصبحوا بنعمة الله إخوانا، وانضموا تحت لواء الإسلام، ثم آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين جماعات المؤمنين من المهاجرين الذين هجروا وطنهم ولحقوا به في المدينة، وبين الأنصار الذين رضوا به والمهاجرين معه، وأكرموا وفادتهم، وكانت المؤاخاة بين هذين الفريقين من المؤمنين في السراء والضراء توثيقا لعرى المحبة والأخوة الإسلامية بينهم.

ص: 378

وبهجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وضع أول حجر في بناء الدولة الإسلامية، واتخذ مسجده مقره العام ليقيم فيه المسلمون شعائر دينهم، وليعقدوا فيه اجتماعاتهم للنظر في شئونهم العامة. ووضع الرسول للجماعة الإسلامية نظاما تسير عليه في زمن السلم والحرب، وبدأ يعقد اتفاقيات بين الطوائف الأخرى، تضمن عدم الاعتداء على المسلمين، والاشتراك معهم في الدفاع عن المدينة ضد الخطر الخارجي. ثم أخذ يعد العدة لنشر الدعوة الإسلامية بين القبائل العربية، ولحماية هذه الدعوة، حتى صارت المدينة خلال فترة وجيزة مركز إشعار للدعوة الإسلامية، ومحط أنظار قبائل العرب وشعوب العالم.

ص: 379

وكان بالمدينة في الفترة الأولى لهجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إليها ثلاث طوائف مختلفة، الطائفة الأولى: المهاجرون والأنصار وهو نواة الإسلام، وكانوا يحبون رسول الله حبا لا حد له، إذ أن روح الأخوة الإسلامية التي غرسها النبي صلى الله عليه وسلم بينهم حالت دون ظهور أي أثر من آثار الجاهلية، وبدأ الأنصار والمهاجرون يتنافسون في بذل أكبر تضحية في سبيل الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. والطائفة الثانية: كانت تتألف من المنافقين، وعلى رأسهم عبد الله بن أبي، وكان عبد الله يطمع أن يكون ملكا على المدينة، فجمع حوله طائفة قوية من الأتباع ولكن قدوم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أحبط أعماله في استغلال من يريد إذ تولى زمام السلطة، فاضطر هو وأنصاره في غمرة الحماسة التي استقبل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن يتظاهروا بالإسلام، ولكنهم كانوا يتحينون الفرصة لينقلبوا على المسلمين، وأخذوا يدبرون المؤامرات ضدهم في الخفاء، ولذلك كانوا مصدر خطر كبير على الدولة الإسلامية الناشئة، وهذه الطائفة هي التي ذكرها القرآن الكريم في سورة المنافقين، فقال لهم:{إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (المنافقون: الآية 1-2) .

ص: 380

وأما الطائفة الثالثة في المدينة فكانت تتألف من اليهود الذين أثارت ضغائنهم وأحقادهم هجرة الرسول إليها، ورسوخ دعوته فيها، وذيوع أمرها في أنحاء جزيرة العرب، فتحزبوا ضد المسلمين وأصبحوا أشد الأحزاب خطرا على الدعوة الإسلامية، مع أنهم كانوا يستفتحون على المشركين إذا نشبت الحرب على الفريقين بنبي يبعث قد قرب زمانه، ولكن أعماهم حب الرياسة، فاستعظموا الأمر، ومما زاد خطرهم على الدعوة الإسلامية في المدينة أن كانت لهم بقريش علاقات تجارية وثيقة، كما كانت توجد منهم شعب في مختلف القبائل المعادية للإسلام، وكذلك كان يساعدهم على المخالفة للرسول صلى الله عليه وسلم ومحارة دعوته جماعة المنافقين من عرب المدينة.

ص: 381

وقد بلغت المؤامرات الثلاثية –بين اليهود والمنافقين والمشركين- ضد الدولة الإسلامية الناشئة ذروتها. وهذا الوضع استلزم اليقظة التامة من جانب النبي صلى الله عليه وسلم، فكان يعاملهم بغاية الصبر والحلم رجاء أن يستميلهم إلى الحق والسلم، وكان يواصل دعوته فيهم بالحكمة والموعظة الحسنة. وتظاهر اليهود في أول الأمر بالاشتراك مع أهل المدينة في الترحيب بالنبي صلى الله عليه وسلم، والتزموا خطة المسالمة فترة من الزمان، وذلك على أمل أن هذا الداعية المتواضع الذي نزل على الأوس والخزرج الذين كانوا أعداءهم بالأمس ومواليهم اليوم، قد يساعدهم على قهر العرب واستعادة مملكة يهوذا [3] . ولم يكد يمضي زمن قصير حتى عاودهم داء التمرد القديم الذي دفعهم إلى قتل أنبيائهم، وتجلت أعراض هذا الداء فيما جاهروا به من الفتنة، وما أسروه من الغدر والخيانة، فجاهروا المسلمين بالعداوة ومدوا يد المساعدة لقريش علنا، وما أظهره النبي صلى الله عليه وسلم من الرفق وكرم المعاملة ما كان ليرضي اليهود، ولم تجد الحيل في إطفاء نار الحقد التي كانت تتأجج في صدورهم، وغاظهم أنهم عجزوا عن اتخاذه آلة في أيديهم لتهويد العرب، وأن الدين الذي جاء به أقرب إلى الفطرة من قصصهم التلمودية، فلم يلبثوا أن نقضوا العهد والميثاق وانضموا إلى أعداء الإسلام، ولما سألتهم قريش:"أديننا خير أم دين محمد؟ "قالوا: "بل دينكم خير من دينه"[4] ، مع علمهم بكل ما ينطوي عليه دين قريش من شرك وخرافات ومساوئ.

ص: 382

وإذا أردنا أن نعرف دمى أثر هجرة الرسول إلى المدينة على تطور الدعوة الإسلامية وتدعيم دعائمها، وتوسيع نطاق نفوذها في أنحاء جزيرة العرب وخارجها، وجب علينا أن نتتبع مجرى الحوادث الهامة التي تبعت وصول الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، ومنها حدوث الظروف التي أفضت إلى عقد المسلمين ومعاهدات واتفاقيات مع اليهود وقبائل العرب في المدينة، وفيما جاورها من المدن، وكذلك دخول المسلمين في حروب دفاعية مع أعدائهم وخاصة ما نتج عنها من انتصارهم في بدر، وكان للنتائج التي ترتبت على هذه المعاهدات. والانتصارات أثر عميق في نفوس المسلمين، ووقع كبير في أسماع العرب أجمعهم. من ذلك أن الوفود قد قدمت إلى المدينة لمقابلة نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم ومبايعته بعد انتشار خبر دعوته في أرجاء الجزيرة. ومنها تكوين حلف منظم يجمع شمل العناصر المتنافرة الضاربة في المدينة وضواحيها، فوضع الرسول وثيقته التاريخية يبين فيها ما للمسلمين وما عليهم فيما بينهم، وما للمسلمين واليهود وما عليهم. وتظهر لنا هذه الوثيقة عظمته الحقيقية، وما حباه الله من مواهب، وهدفه المنشود في إنشاء مجتمع سليم ينتظم الجنس البشري كله. وكذلك سدد بهذه الوثيقة ضربه قاضية إلى الفوضى التي كانت سائدة بين قبائل العرب. وهذا بعض ما تضمنته تلك الوثيقة التاريخية التي أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم ملزما بمحتواها كما أصبح اليهود ملزمين به كذلك:

"بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد النبي، بين المؤمنين والمسلمين من قريش، ويثرب، ومن تبعهم فلحق بهم، وجاهد معهم، أنهم أمة واحدة من دون الناس". ثم يقول بعد أن عرض لتنظيم دفع الديات بين القبائل المختلفة وتقرير بعض القواعد الحكيمة بصدد ما يجب على المسلمين بعضهم نحو بعض:

ص: 383

"لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله إلا على سواء وعدل بينهم، وإنه من تبعنا من يهود فإنه له النصر والأسوة، غير مظلومين ولا متناصرين عليهم. وإن يهود بني عوف، وبني النجار، وبني الحارث، وبني جشم وبني ثعلبة، وبني الأوس وغيرهم ممن يقيم في يثرب أمة واحدة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم مواليهم وأنفسهم، إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ [5] إلا نفسه وأهل بيته. وإن بينهم النصر على دهم يثرب. وإن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة. وإن بطانة يهود ومواليهم كأنفسهم وكذلك المؤمنون. وإن المؤمنين المتقين على من بغى منهم، أو ابتغى وسيعة ظلم أو إثم أو عدوان أو فساد بين المؤمنين. ،عن أيديهم عليه جميعا ولو كان ولد أحدهم".

وبعد أن الكتاب على بعض أمور خاصة بالإدارة الداخلية للدولة، ختمت هذه الوثيقة العجيبة بما يلي:

"وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله تعالى وإلى محمد رسول الله"[6] .

وهكذا أخص صوت الدعوة الإسلامية الذي بدأ في مكة، وجلجل في المدينة، يتردد في القارات الكبرى في العام. ولولا الهجرة لما كانت الفتوحات التي غيرت مجرى التاريخ وعدلت وجهة الدنيا. هذه الهجرة هي التي مكنت العرب من أن يفكوا حصارهم وينتشروا في بقاع العالم يحملون أمانة الله ويبلغون رسالته، فما أجل أمر هذه الهجرة! وأعظم أثرها في تاريخ الدعوة الإسلامية!

هل تعلم

أن البلاد الغربية تعتبر نسبة الطلاق فيها أعلى نسبة:

في السويد 60 في المائة يتطلق كل عام

في الولايات المتحدة 40 في المائة

في الدنمارك 39 في المائة. ألمانيا الشرقية 30 في المائة. الاتحاد السوفياتي 28 في المائة. فلندا 24 في المائة.

وكمثال فإن 22 في المائة من حالات الطلاق بألمانيا هي بسبب الخيانة الزوجية و10 في المائة لأسباب جنسية و10 في المائة بسبب الإدمان على الكحول.

ص: 384

جريدة النور

--------------------------------------------------------------------------------

[1]

ص 340 الطبعة الأولى. القاهرة سنة 1968م.

[2]

روح الإسلام لأمير علي ج1 ص133 طبع مصر سنة 1961م.

[3]

روح الإسلام ص139 الطبعة المذكورة.

[4]

روح الإسلام.

[5]

يهلك.

[6]

ابن هشام طبع مصر 1346 هجري.

ص: 385

رسائل لم يحملها البريد

للشيخ عبد الرؤوف اللبدي

المدرس بكلية الشريعة بالجامعة الإسلامية

أختي العزيزة هل:

لقد كتبت إليك من قبل هذه خمس رسائل حدثتك فيها عن عشر صيغ من هذه الصيغ التي أدخل فيها على لم النافية الجازمة للفعل المضارع، وها أنا ذي اليوم محدثتك عن الصيغة الحادية عشرة والصيغة الثانية عشرة.

أما الصيغة الحادية عشرة فهي: ((ألم يأت

)) وقد وردت في سبع آيات من آيات القرآن الكريم:

الآية الأولى: قوله تعالى: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالأِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ} الآية (130) من سورة الأنعام.

الآية الثانية: قوله تعالى: {أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} الآية (70) من سورة التوبة.

الآية الثالثة: قوله تعالى: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَاّ اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ} الآية (9) من سورة إبراهيم.

ص: 386

الآية الرابعة: قوله تعالى: {وَقَالُوا لَوْلا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الأُولَى} الآية (133) من سورة طه.

الآية الخامسة: قوله تعالى: {وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ} الآية (71) من سورة الزمر.

الآية السادسة: قوله تعالى: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} الآية (5) من سورة التغابن.

الآية السابعة: قوله تعالى: {تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ. قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَاّ فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ} الآيتان (8-9) من سورة الملك.

وقد جاءت همزة الاستفهام في هذه الصيغة: (ألم يأت

) الواردة في هذه الآيات السبع على معنى التقرير والتقريع والتوبيخ.

وكان قد تقدم في الرسالة الأولى من هذه الرسائل أن استفهام التقرير يجيء لأحد أمرين:

الأول: حمل المخاطب على الاعتراف بالأمر الذي استقر عنده من ثبوت ما تضمنه الاستفهام أو نفيه.

والثاني: تثبيت النسبة التي اشتمل عليها الاستفهام في الذهن إن كان المخاطب جاهلا بها، وزيادة تثبيتها إن كان بها عالما.

وقد جاءت همزة الاستفهام في هذه الصيغة بالمعنى الأول في الآية الأولى والخامسة والسابعة من الآيات السالفة الذكر.

وجاءت بالمعنى الثاني في الآيات الباقيات.

ص: 387

وقد تضمنت الآية الأولى من هذه الآيات مشهدا من مشاهد يوم القيامة حيث يقرع الله سبحانه وتعالى ويوبخ كافري الجن والإنس ويسألهم (وهو أعلم) ألم يأتكم رسل منكم يخبرونكم ما أوحي إليهم، ويخوفونكم لقاء يومكم هذا، فيجيب هؤلاء المسؤولون في حسرة وصغار معترفين بما تضمنه السؤال من إرسال الرسل وتبليغهم آيات ربهم، وتخويفهم لقاء هذا اليوم الذي كانوا يوعدون، لكن الحياة الدنيا ولذاتها ومتعها وما فيها من زينة حالت بينهم وبين إيمانهم بالرسل واليوم الآخر.

لقد شهدوا على أنفسهم بالكفر فحق عليهم العذاب، وذاك جزاء الكافرين.

وتصور الآية الخامسة مشهدا آخر من مشاهد يوم القيامة، حيث يساق الذين كفروا إلى جهنم زمرا فتفتح لهم الأبواب، ويقول لهم خزنتها الغلاظ الشداد على سبيل التقرير والتقريع والتوبيخ: ألم يأتكم رسل من جنسكم يتلون عليكم آيات ربكم المنزلة عليهم، ويقيمون الحجج والبراهين على صحة ما دعوا إليه، وينذرونهم لقاء يوم القيامة هذا.

فيقول لهم الكفار معترفين بلى قد جاءونا وتلوا علينا الآيات وأنذرونا، ولكنا كذبناهم وخالفتاهم وعدلنا عن الحق إلى الباطل، فحق علينا العذاب عذاب الكافرين.

وتتضمن الآية السابعة والتي تليها مشهدا آخر من مشاهد يوم القيامة حيث يشتد غيظ جهنم على أولئك الكفار الذين يلقون فيها فوجا بعد فوج، حتى لتكاد من شدة الغيظ يتميز بعضها من بعض، ولم لا تحنق هذا وتغتاظ هذا الغيظ، وهي التي ترى خزنتها الملائكة الغلاظ الشداد يسألون مقررين مقرعين موبخين في حسرة وذلة: بلى، قد جاءنا نذير، ولكنا كذبناه في أن يكون نذيرا، ثم –لشقوتنا- بالغنا في التكذيب فقلنا ما أنزل الله على أحد من شيء، وما أنتم أيها النذر في ادعاء إنزال الآيات عليكم إلا في ضلال كبير.

ص: 388

والاستفهام في الآيات الباقيات (الثانية والثالثة والرابعة والسادسة) استفهام تقرير على حد {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} أي قد أتتهم - وقد سبقت الإشارة إلى هذا - يدل هذا الاستفهام أيضا على التوبيخ كما دل عليه في الآيات المتقدمة.

ففي الآية الثانية والثالثة والسابعة يوبخ الله سبحانه وتعالى الكافرين أن لم يتعظوا بالأنباء التي قد أتتهم عمن كان قبلهم من الأقوام الذين جاءتهم رسلهم بالبينات فكذبوهم فاستحقوا العذاب، وما الله بظلام للعبيد.

وفي الآية الرابعة يوبخ الله سبحانه وتعالى كفار مكة على مطالبتهم الرسول صلى الله عليه وسلم أن يأتيه بآية من ربه تبين صدقه وقد أتاهم بالقرآن الذي بشرت به الكتب الإلهية السابقة المنزلة على الرسل، لقد أتاهم بالقرآن الذي هو أعظم الآيات إعجازا حتى تقوم الساعة، فأي آية بعد القرآن يريدون!!.

وإعراب هذه الصيغة (ألم يأت) واضح سهل، فالفعل المضارع (يأت) مجزوم ب (لم) وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره وهو الياء، والضمير بهذا الفعل سواء أكان كافا في (ألم يأتكم) أم كان هاء في (ألم يأتهم) مبني على الضم في الأول وعلى الكسر في الثاني في محل نصب مفعول به ل (يأت) والميم يدل على جمع الذكور مبني على السكون لا محل له من الإعراب.

وأرى أن الكاف والميم معا في (ألم يأتكم) هما الضمير وليس الكاف وحدها، فالكاف وحدها لا تدل على جماعة المخاطبين، فالميم جزء من لفظ الدال عليهم، واعتبار الميم حرفا ملحقا بالضمير وليس جزءا منه تحكم لا داعي إليه، ورأي تعوزه الحجة. وعلى هذا أرى أن يقال في إعراب (كم) من (ألم يأتكم) ضمير متصل مبني على السكون في محل نصب مفعول به.

ص: 389

وكذلك الرأي في (هم) من (ألم يأتهم) ، فالهاء والميم معا هما الضمير وليس الضمير هو الهاء وحدها، لأنها لا تستقل بالدلالة على جماعة الغائبين، فالميم جزء من اللفظ الدال عليهم، وليست حرفا ملحقا بالضمير، وأرى أن يقال في إعرابه:(هم) من (ألم يأتهم) ضمير متصل مبني على السكون في محل نصب مفعول به.

وهكذا الرأي في (كما) من قولنا مثلا رأيتكما ف (كما) ضمير متصل دال على المثنى المخاطب مبني على السكون في محل نصب مفعول به، وليس كما يقول المعربون: الكاف وحدها هي الضمير، والميم حرف عماد والألف حرف دال على التثنية.

لأن الكاف وحدها لا تدل على ضمير المخاطب المثنى وإنما اللفظ الدال عليه هو هذه الأحرف الثلاثة مجتمعة.

ومثله (كن) من قولنا مثلا (رأيتكن) ضمير متصل يدل على جماعة الإناث مبني على الفتح في محل نصب مفعول به، وليس كما يقولون: الكاف وحدها هي الضمير والنون المشددة حرف ملحق بالهاء للدلالة على جماعة الإناث. لأن الكاف والنون معا هما اللفظ الدال على جماعة الإناث فهما معا الضمير، وليس الكاف وحدها.

وهكذا القول في ضمير الغيبة (هما) في قولنا مثلا (رأيتهما) و (هن) في قولنا مثلا (رأيتهن) ..

هذا والاسم الظاهر المرفوع الذي جاء بعد (يأت) في هذه الصيغة وهو: (رسل، نبأ، بينة، نذير) فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره.

أما الواو الواقعة بين همزة الاستفهام ولم في الآية الرابعة من هذه الآيات فعاطفة على ما قبل الهمزة، وقد تقدم ذكر الخلاف في المعطوف عليه لهذه الواو أكثر من مرة.

أما الصيغة الثانية عشرة من هذه الصيغ التي أدخل فيها على لم النافية الجازمة للمضارع فهي التي دخلت فيها على لم النافية الجازمة لمضارع كان نحو: ((ألم تكن

)) ((أو لم تكونوا

)) .

ص: 390

وقد وردت هذه الصيغة في إحدى عشرة آية من آيات القرآن الكريم، وقد جئت أنا –همزة الاستفهام- في هذه الصيغة على معنى التقرير والتوبيخ في تسع من هذه الآيات الإحدى عشرة المتقدمة، وعلى معنى التقرير وحده في آيتين اثنين، وسوف ترين-أيتها الأخت العزيزة هل- هذا واضحا مفصلا فيما يلي:

الآية الأولى قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً} الآية (97) من سورة النساء.

صيغة الاستفهام في هذه الآية: {أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا} قالها الملائكة الذين توفوا ناسا من المسلمين ظلموا أنفسهم بأن تركوا الهجرة وأقاموا بين ظهراني المشركين بمكة على حال لا تمكنهم من إقامة الدين.

والهمزة هنا تفيد التقرير أي كانت أرض الله واسعة وكانت الهجرة فيها مستطاعة، وتفيد أيضا التوبيخ توبيخ هؤلاء الناس أن آثروا التمتع بالإقامة في بيوتهم وبين أقوامهم غير قادرين على إقامة شعائر الدين، آثروا ذلك على الهجرة إلى أرض أخرى يستطيعون فيها إقامة الدين والوفاء بحقه كما فعل الذين هاجروا إلى الحبشة ثم لحقوا بالمؤمنين في المدينة.

وجاءت هذه الجملة الاستفهامية أيضا ردّا على اعتذار هؤلاء الناس بأنهم كانوا مستضعفين في مكة، فقد كان اعتذار كاذبا غير صحيح، بدليل قوله تعالى عن هؤلاء بعد ذلك في ختام هذه الآية:{فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً} .

ص: 391

الآية الثانية قوله تعالى: {الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً} الآية (141) من سورة النساء.

في هذه الآية الكريمة يقول المنافقون الذين كانوا يتربصون بالمؤمنين الخير أو الشر، وينتظرون بهم ما يتجدد من الأحوال من ظفر لهم أو ظفر بهم، يقولون للمؤمنين إن كان للمؤمنين فتح من الله أي نصر وتأييد وظفر وغنيمة:{أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ} أي كنا معكم مساندين مظاهرين فأسهموا لنا في الغنيمة، فالاستفهام هنا للتقرير على معنى الإخبار أي كنا معكم.

الآية الثالثة قوله تعالى: {وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ} الآية (44) من سورة إبراهيم.

هذا الاستفهام: {أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ

} يفيد التقرير والتوبيخ

يفيد التقرير على معنى الإخبار أي كنتم أقسمتم من قبل في ديار الدنيا ما لكم من زوال عما أنتم فيه، وأنه لا معاد ولا جزاء، فذوقوا هذا بذاك.

ويفيد أيضا التوبيخ، يوبخ الله سبحانه وتعالى هؤلاء الذين ظلموا أنفسهم حين يرون العذاب يوم القيامة، يوبخهم على إنكارهم البعث وإقسامهم على ذلك.

ويوبخهم تعالى أيضا على أنهم لم يعتبروا بما أوقعه الله تعالى بالأمم التي كذبت الرسل من قبلهم مع أنهم سكنوا في مساكنهم ورأوا ما حلّ بهم وسمعوا.

ص: 392

الآية الرابعة قوله تعالى: {أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ} الآيتان (105-106) المؤمنون.

هذا الاستفهام: {أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ} يفيد التقرير والتقريع والتوبيخ. التقرير على معنى حمل المخاطب على الاعتراف بم تضمنه السؤال على جهة الإثبات أو النفي، وقد اعترف أهل النار المخاطبون على جهة الإثبات في الآية التي تلت هذه الآية:{قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ} .

وأفادت الهمزة هنا أيضا التقريع والتوبيخ: يقرع الله سبحانه وتعالى أهل النار ويوبخهم على تكذيبهم بآيات الله واتخاذهم المؤمنين سخريا.

الآية الخامسة قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لا يَرْجُونَ نُشُوراً} الآية (40) من سورة الفرقان.

في هذه الآية الكريمة يخبر الله سبحانه وتعالى عن كفار مكة أنهم كانوا يمرون كثيرا على سدوم عظمى قرى قوم لوط التي أمطرت من السماء بالحجارة فدمرت على من فيها تدميرا، وأنهم كانوا يرونها ويرون ما حل بها وبأهلها قوم لوط لارتكابهم الفاحشة ومخالفتهم أوامر الله، ولكن كفار مكة لم يجدوا في هلاك أهلها عبرة وذكرى، لأنهم كانوا لا يؤمنون بالبعث والنشور ويوم الحساب.

والهمزة في قوله تعالى: {أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا} تفيد التقرير والتوبيخ: تفيد التقرير على معنى الإخبار أي كانوا يرونها، وتفيد التوبيخ: يوبخ الله سبحانه وتعالى أولئك الكفار على أنهم لم يعتبروا برؤيتها وبما حلّ بأهلها فمروا بها كما مرّت ركابهم.

ص: 393

الآية السادسة قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرائيلَ} الآية (197) من سورة الشعراء.

همزة الاستفهام هنا في هذه الآية الكريمة تفيد التقرير والتقريع والتوبيخ: التقرير على معنى الإخبار أي كان علم علماء بني إسرائيل بأن هذا القرآن قد ذكر في كتب الأنبياء السابقين كالتوراة والإنجيل علامة دالة لكفار قريش على صحته عندهم.

وإنما صارت شهادة أهل الكتاب حجة على المشركين لأنهم كانوا يرجعون في أشياء من أمور الدين إلى أهل الكتاب، ويقولون هم أصحاب الكتب الإلهية، فيظنون بهم العلم، وقد تهود كثير من العرب وتنصر كثير لاعتقادهم صحة دينهم.

وتفيد الهمزة هنا أيضا التقريع والتوبيخ: يقرع الله سبحانه وتعالى كفار قريش ويوبخهم على أنهم لم يؤمنوا بالقرآن المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم مع قيام الدليل على صحته وهو علم علماء بني إسرائيل بذكره في الكتب الإلهية المنزلة على الأنبياء من قبل وعلماء بني إسرائيل في اعتقادهم صادقون لا يكذبون.

الآية السابعة قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ} الآية (62) من سورة يس.

قبل هذه الآية آيتان يتصل بهما معنى هذه الآية وهما: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ. وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ} الآيتان (60-61) من سورة يس.

هذا الاستفهام: {أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ} للتوبيخ والتقريع: يوبخ الله سبحانه وتعالى الكفار ويقرعهم على مخالفتهم العقل ومجانبتهم الحق والصواب في اتباعهم الشيطان وهو لهم عدو مبين، وعلى تركهم عبادة الله وهي الصراط المستقيم..

ص: 394

الآية الثامنة قوله تعالى: {قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَاّ فِي ضَلالٍ} الآية (50) من سورة غافر.

وقبل هذه الآية آية يتصل بها معنى هذه الآية وهي: {وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِنَ الْعَذَابِ} الآية (49) من سورة غافر.

تتضمن هذه الآية الثامنة قول الملائكة خزنة جهنم ردا على الذين يعذبون في النار حين قال هؤلاء الكفار المعذبون في النار لخزنتها: {ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِنَ الْعَذَابِ} فقال خزنتها لهم: {أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ} .

هذا الاستفهام يفيد التقرير والتوبيخ والتهكم: التقرير على معنى حمل المخاطب على الاعتراف بما تضمنه السؤال على جهة الإثبات أو النفي، وقد اعترف المخاطبون بالإثبات بقولهم:(بلى) أي أتتنا الرسل بالبينات.

وخزنة جهنم باستفهامهم هذا {أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ} يوبخون المعذبين في النار ويسخرون منهم أن ضيعوا الفرصة الطيبة الملائمة للدعاء وهي الإيمان بالرسل في الدار الدنيا، ثم جاءوا يطلبونه بعد فوات وقته وهم في النار حيث لا يكون دعاء الكافرين إلا في ضلال.

الآية التاسعة قوله تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْماً مُجْرِمِينَ} الآية (31) من سورة الجاثية.

ص: 395

في هذه الآية يقول الله سبحانه وتعالى للذين كفروا: {وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ} وهمزة الاستفهام هنا تفيد التوبيخ والتقريع: يوبخ الله سبحانه وتعالى في يوم القيامة الذين كفروا ويقرعهم على استكبارهم عن الإيمان بآيات الله، وعلى إعراضهم عنها.

الآية العاشرة قوله تعالى: {يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ} الآية (14) من سورة الحديد.

ومعنى هذه الآية يتصل بمعنى آيتين قبلها وهما {يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} {يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ} الآيتان (12-13) من سورة الحديد.

في هذه الآية العاشرة ينادي المنافقون والمنافقات وقد شاهدوا العذاب، وضرب بينهم وبين الذين آمنوا بسور له باب، ينادون الذين آمنوا:{أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ} أي ألم نكن في الدنيا معكم بحسب الظاهر نصلي ونغزو كما تغزون ونفعل مثل ما تفعلون.

هذا الاستفهام: {أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ} يفيد التقرير والتعجب: التقرير على معنى حمل المخاطب على الاعتراف بما تضمنه السؤال على سبيل الإثبات أو النفي.

ص: 396

وقد أجاب الذين آمنوا بالإثبات قائلين: {بَلَى} أي كنتم معنا بحسب الظاهر، ثم بينوا لهم حقيقة أمرهم في الدنيا بقولهم لهم:{وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ} أي استعملتموها في الفتنة وأهلكتموها في النفاق {وَتَرَبَّصْتُمْ} بالمؤمنين الدوائر، {وَارْتَبْتُمْ} في أمر الدين، وغركم الشيطان بأن الله عفوّ كريم.

ومثار التعجب لدى المنافقين والمنافقات أنهم رأوا اختلاف الجزاء مع أن العمل –حسب زعمهم - واحد.

الآية الحادية عشرة قوله تعالى: {أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى} الآية (37) من سورة القيامة.

وليكون معنى هذه الآية أوضح وأتم أذكر ما قبلها وما بعدها من الآيات: {أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى، فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى، أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى} الآيات (26-40) من سورة القيامة.

همزة الاستفهام في {أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى} للتقرير على معنى الإخبار، أي كان نطفة من مني يمنى.

وقد جاء هذا الاستفهام وما بعده ردا على من ينكر المعاد من أهل الزيغ والفساد، الذين يحسبون أنهم سوف يتركون في قبورهم مهملين لا يبعثون ولا يحاسبون، فالله القادر على أن يخلق الزوجين الذكر والأنثى من قطرة مني تراق في الرحم قادر على أن يحي الموتى ويبعث من في القبور، سبحانه وتعالى هو الخالق البارئ وهو على كل شيء قدير.

أختي العزيزة هل

إعراب هذه الصيغة واضح بين غير أني سوف أعربها وأعرب ما يتعلق بها في قوله تعالى: {أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ

} لاشتمال هذا القول على شيئين أحب أن أنبهك عليهما:

ص: 397

{أَوَلَمْ} مرّ غير مرة إعراب الهمزة والواو ولم، و {تَكُونُوا} فعل مضارع من كان الناقصة مجزوم بلم وعلامة جزمه حذف النون، والواو ضمير جماعة الذكور اسم تكون مبني على السكون في محل رفع، و {أَقْسَمْتُمْ} : أقسم فعل ماض مبني على الفتح مقدر على آخره منع من ظهوره السكون العارض بسبب اتصال الفعل بضمير رفع متحرك، ولك أن تقولي في إعراب هذا الفعل: أقسم فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بضمير رفع متحرك، والفعل على كلا الإعرابيين لا محل له من الإعراب. و (تم) ضمير رفع متصل يدل على جماعة المخاطبين مبني على السكون في محل رفع فاعل، ولك أن تعربيه مجزئا فتقولي: التاء وحدها ضمير مبني على الضم في محل رفع فاعل، والميم حرف يدل على جماعة الذكور مبين على السكون لا محل له من الإعراب (وقد سبق بيان الضعف في تجزئة هذا الضمير وأمثاله) . {مِنْ قَبْلُ} من: حرف جر مبني على السكون لا محل له من الإعراب، وقبل: ظرف زمان مبني على الضم في محل جر بمن، والجار والمجرور يتعلقان بالفعل (أقسم) .

{مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ} {ما} نافية مهملة حرف مبني على السكون لا محل له من الإعراب، و {لكم} اللام حرف جر مبني على الفتح لا محل له من الإعراب و {كم} ضمير متصل يدل على جماعة المخاطبين مبني على السكون في محل جر باللام، ولك أن تعربيه مجزئا على النحو الذي تقدم ذكره.

ص: 398

والجار والمجرور يتعلقان بمحذوف تقديره كائن، وهذا المحذوف هو الخبر على رأي من أراء ثلاثة لأهل النحو في هذه المسألة. {مِنْ زَوَالٍ} من: حرف جر زائد مبني على السكون لا محل له من الإعراب و {زَوَالٍ} مجرور بمن وعلامة جره السكون الظاهرة على آخره. و {زَوَالٍ} المجرور بمن الزائدة مبتدأ مؤخر مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها الكسرة المأتي بها لمناسبة حرف الجر الزائد، أما على رأي من يرى أن المجرور بحرف الجر الزائد يكون إعرابه محليا ف {زَوَالٍ} في محل رفع مبتدأ مؤخر.

وجملة {مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ} جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة {أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ} في محل نصب خبر تكونوا الناقصة.

وجملة {أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ} في محل نصب مفعول به لقول مقدر، والتقدير فيقول الله سبحانه وتعالى لهم: {أَوَلَمْ تَكُونُوا

}

أختي العزيزة هل

قبل أن أختم هذه الرسالة أرى لزاما علي أن أنبهك على شيئين:

لقد مر في إعراب قوله تعالى {مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ} أن {من} حرف جر زائد، والحكم على هذا الحرف بالزيادة لا يعني أنه حشو في الكلام لا حاجة إليه، وإنما هو اصطلاح نحوي يعني أن المعنى الأساسي للجملة يتم بدونه، وأن هذا الجار الزائد لا يحتاج إلى متعلق وأن مجروره له محل من الإعراب غير هذه الكسرة التي جاءت لمناسبة هذا الجار الزائد.

وإذا كان المعنى الأساسي يتم بدون هذا الجار الزائد فهذا لا يعني أن دخول هذا الزائد في الكلام كخروجه منه، فهناك المعاني الفرعية التي تصاحب المعاني الأساسية فترفع الكلام في سلم البلاغة درجات.

ص: 399

شتان أيتها - الأخت العزيزة - ما بين {مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ} مع مِنْ وبين (ما لكم زوال) بدونها فالمعنى الأساسي وهو نفي زوال المخاطبين واحد في الكلاميين، ولكن هناك فرقا بين النفي مع من والنفي بدونها، فالزوال معها منفي على سبيل العموم والشمول نصا ل يقبل أي احتمال أو تجوز، فليس هناك نوع من أنواع الزوال لم يشمله هذا النفي، على حين أن نفي الزوال بدون من وإن أفاد العموم والشمول ليس نصا، واحتمال التجوز فيه قائم.

والحال التي كان عليها المخاطبون من أنهم لن يبعثوا البتة ولن يتحولوا من هذه الدنيا إلى الدار الآخرة بأي حال من الأحوال تقتضي ذكر (من) لأن ذكرها يجعل التعبير مصورا ما كانوا عليه تصويرا دقيقا، ويجعل الكلام مطابقا لما تقتضيه حالهم، وفي هذا التصوير الدقيق وفي هذه المطابقة التامة تكون البلاغة.

فـ (من) لا يمكن الاستغناء عنها بلاغة، وإن سماها أهل النحو زائدة.

الشيء الآخر الذي أحرص على أن أنبهك عليه هو بلاغة التعبير في قوله تعالى {رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ} يطلبون أن يردوا إلى الدنيا وكأنهم نسوا ما كان منهم فيها من تكذيبهم الرسل وإنكارهم البعث، أو كأنهم يريدون أن ينكروا ما كان منهم من ضلال، فيقول الله سبحانه وتعالى لهم:{أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ} توبيخا لهم على ما كان منهم في الدار الدنيا وردا مقرعا على ما يطلبون.

فالحال التي كان عليها هؤلاء الذين يطلبون العودة إلى الدنيا ليؤمنوا بالرسل بعد أن كذبوهم تقتضي أن يساق لهم الجواب قويا مؤكدا، لأنهم كانوا بمنزلة المنكرين.

وقد كان الجواب كذلك إذ اشتمل على أسلوبين هما أقوى الأساليب التي تجعل المعاني تستقر في الأذهان فلا تنسى، وتتلقاها الأنفس على شوق فتثبت:

ص: 400

أحدها كان في تكرار المسند إليه والمسند، فـ {تَكُونُوا} فيها مسند ومسند إليه و {أَقْسَمْتُمْ} فيها مسند ومسند إليه أيضا، وأنت إذا أمعنت النظر رأيت أن المسند إليه في الموضعين واحد، وكذلك المسند غير أنه جاء في تكونوا عاما وجاء في أقسمتم خاصا.

أما الأسلوب الثاني فأسلوب الإيضاح بعد الإبهام والتفصيل بعد الإجمال، فـ {تَكُونُوا} تدل على حدث عام مبهم ناقص، ولهذا العموم والإبهام والنقصان تتطلع نفس المخاطب راغبة وتستشرق لهفى إلى ما عساه يأتي، فإذا جاء الخبر وهو {أ َقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ} استقر في نفس المخاطب وثبت.

وهذه البلاغة التي جاءت في مطابقة الكلام في هذه الآية لحال المخاطبين لن تجدي شيئا منها في قول قائل: أو لم تقسموا

بحذف (تكونوا) .

أختي العزيزة: هل

أختم هذه الرسالة وفي النفس أشياء كثيرة تتصل بهذه الصيغة كنت أود أن أقولها لك، ولكني أتركها على حسرة ومضض خشية الإملال.

أسأل الله تعالى أن يعين على رسالة قادمة نلتقي فيها عما قريب. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أختك

همزة الاستفهام

ص: 401

سبيل الفلاح

للشيخ أبي بكر الجزائري

رئيس قسم التفسير بالجامعة الإسلامية

يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}

(الآية 35 من سورة المائدة)

بين يدي تفسير الآية:

أخرج بن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره عن ابن أبي حاتم بسنده إلى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن رجلا أتاه فقال يا عبد الله اعهد إليّ، فقال: "إذا سمعت الله تعالى يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ} فارعها سمعك: فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه.

فهذا القول من عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يعتبر غاية الفقه، وغاية النصح، أمّا كونه غاية الفقه فقد دل عليه ما فهمه من أن الله تعالى إذا نادى عباده المؤمنين لم ينادهم إلا لخير يريدهم أن ينالوه، أو لشر يريدهم أن يحذروه، أمّا أولا: فلأن الله تعالى منزه عن اللعب والعبث فلا يمكن أن يناديهم لغير أمر يهمهم في حياتهم، وأمّا ثانيا فلأن ولايته تعالى لهم تستلزم هدايتهم وإرشادهم لما ينجيهم، ويكملهم ويسعدهم.

وأمّا كونه غاية النصح: فلأن العبد إذا أخذ نفسه على أن يُصغيَ دائما لنداء الله تعالى فيعي عنه ما يقول له ويدعوه إليه من فعل خير أو ترك شر، فإنه ينجو حتما ويكمل ويسعد، وهذا ما يرجوه كل عاقل ويعمل له طوال حياته.

مباحث ألفاظ الآية:

آمنوا: الإيمان التصديق الجازم. فآمنوا معناه صدقوا بوجود الله ربّا وإلها وبلقائه وعدا حقا.

تقوى الله تعالى المأمور بها في الآية هي الإسلام لله تعالى بطاعته فيما يأمر به ويدعو إليه من الإيمان وصالح الأعمال، وفيما ينهى عنه ويزجر من الشرك والمعاصي.

ص: 402

وابتغوا إليه الوسيلة: الابتغاء: يقال ابتغى الشيء يبتغيه إذا طلبه، والوسيلة: ما يتوصل به إلى تحقيق غرض ما صالح كان أو فاسد وهي هنا – الوسيلة - طلب ما يتوصل به إلى رضوان الله تعالى ومحبته، والحظوة لديه من القرب والكرامة.

وجاهدوا: الجهاد بذل الجهد واستفراغ الوسع. والجهاد المأمور به هنا بذل الجهد في إصلاح النفس والناس.

في سبيله: سبيله تعالى هي ما يوصل العبد إلى إصلاح نفسه وإصلاح غيره، فينجوا ويكمل ويسعد في الدنيا والآخرة.

لعلكم تفلحون: لعل هنا تعليلية أي اتقوا وتوسلوا وجاهدوا لتفلحوا. والفلاح: الفوز وهو النجاة من النار، ودخول الجنة دار الأبرار، مع ما يسبق ذلك من كمال، وطهارة، وعزة، وكرامة في دار الدنيا قبل يوم القيامة.

بيان معنى الآية:

اعلم أخي القارئ فتح الله علينا وعليك أن هذه الآية الكريمة المباركة قد اشتملت على ثلاثة أوامر إلهية موجهة كلها إلى المؤمنين به تعالى وبلقائه، وبوحيه ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وهذه الأوامر الثلاثة هي الأمر بتقواه عزوجل وبطلب الوسيلة إليه، والجهاد في سبيله. كما اشتملت على علة هذه الأوامر وهي الفلاح المترتب على فعلها. والفلاح هو الفوز بالنجاة من المرهوب. والظفر بالمرغوب، وبعبارة أوضح: الفلاح هو الكمال، والسعادة في الدنيا والآخرة. وإليك شرح هذه الأوامر علّك تقوم بها فتفوز كما فاز بها أهلها.

1_

الأمر بالتقوى، ومعناه: اتقاء عذاب الله تعالى المترتب على مخالفة أوامره وسننه في خلقه، ويتم للعبد هذا الاتقاء إذا هو أطاع الله تعالى، وأطاع رسوله صلى الله عليه وسلم فيما أمرا به من العقائد والعبادات، وفيما نهيا عنه من الشرك والمعصيات.

ص: 403

2_

ابتغاء الوسيلة إليه تعالى وهو طلب التقرب إليه عز وجل بأداء الفرائض مصحوبة بنوافلها، إذ لكل فريضة نافلة للحديث الصحيح:"ما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه الحديث....."

وأما التعليق على التوسل فإنا نقول للقارئ الكريم: إن التوسل الصحيح النافع هو ما بيناه في شرح جملة {وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ} . وليس ما عليه أكثر العوام من الذبح على أضرحة الأولياء والنذر لهم، والاستغاثة بهم، ودعائهم، والعكوف على قبورهم وشد الرحال إليها، وسؤال الله تعالى بحقهم وجاههم، ليس هذا من التوسل في شيء وإنما هو الشرك بعبادة الله تعالى. والله يقول:{فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً} (الكهف: من الآية110) .

كما أن قول العوام اللهم إني أسألك بجاه نبيك أو فلان، واللهم إني أسألك بحق فلان أو فلان ليس من التوسل في شيء، لأن التوسل أن تقوم بعمل صالح شرعه الله ليكون قربة لعباده يتقربون به إليه فتفعله ثم تسأل الله تعالى بعبده فيعطيك سؤالك أما قول المرء أسألك بجاه فلان أو بحق فلان فإنه لا معنى له، إذ لم يشرعه الله دعاء ولا ذكرا ولا عبادة فكيف إذا يعطي عليه ويستجيب لصاحبه؟؟

وأغلب الظن أن التوسل بجاه فلان وحق فلان، كان من وضع غلاة الباطنية والزنادقة من أجل صرف العبد المسلم عن الوسائل المشروعة النافعة إلى وسيلة لا تشفع ولا تنفع، ولكن تضر وتغر، والعياذ بالله تعالى.

3_

الجهاد في سبيله تعالى هو بذل الجهد، وما في الطاقة والوسع في مدافعة النفس عن اتباع هواها المفضي بالعبد إلى ترك العبادة التي خلق لأجلها، ولا يكمل ولا يسعد إلا بها، وفي حملها أن تتعلم أمور الدين، وتعمل بها، وتعلمها غيرها من الناس.

ص: 404

وهذا جهاد، يستلزم جهاد أهل الفسق والخروج عن طاعة الرب، وذلك بحملهم على التزام حدود الشرع بواسطة الأمر والنهي المصحوبين بالترغيب والترهيب وهي الموعظة الحسنة المأمور بها في قوله تعالى:{ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} (النحل: من الآية125) .

وجهاد الشيطان عليه لعائن الله، وذلك بالتنبّه لكيده، ومعرفة تزيينه وإلغاء شبهه، وعدم الإصغاء إلى وساوسه، والاستعانة على ذلك بذكر الله تعالى، والاستعاذة بجنانه جل وعلا من كل فتنه وشروره.

وجهاد الكفار وهو أكبر من جهاد الشيطان. ويكون بالنفس والمال، وذلك بقتالهم مع إمام المسلمين أو نائبه حتى يسلموا لله رب العالمين، أو يستسلموا لحكم المسلمين، وبذلك يتمكن المؤمنون من عبادة ربهم حيث لم يخلقوا إلا لها، ولن يكملوا ولن يسعدوا في كلا حياتيهم إلا بها وعليها.

وأخيرا أيها القارئ الكريم إن العبد المؤمن إذا امتثل هذه الأوامر الثلاثة فاتقى الله عز وجل، وتوسل إليه بالإيمان وصالح الأعمال، وجاهد أعداءه ليأمن من شرهم، فيتمكن من العبادة التي هي سبب كماله وسعادته في الدنيا والآخرة، ربح أعظم ربح وفاز أكبر فوز، وذلك هو النجاة من ذل الدنيا وشقائها، وعذاب الآخرة وخزيها ودخول الجنة والتمتع بنعيمها، قال تعالى:{فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَاز} (آل عمران: من الآية185)

هداية الآية:

إن هذه الآية كغيرها من الآيات القرآنية الكريمة تحمل الهدى للمؤمنين، والموعظة للمتقين والرحمة والبشرى للمسلمين، وهذه بعض مظاهر ذلك:

1) في نداء الله تعالى للمؤمنين بعنوان الإيمان - يا أيها الذين آمنوا - إشعار بتكريمهم وتقدير لشرفهم، وعلو منزلتهم، وضمن ذلك تذكيرهم بما يتطلبه إيمانهم من الاستعداد للعمل والجهاد، وما يستلزمه من الطاعة بالاستجابة لله والرسول صلى الله عليه وسلم والامتثال:

ص: 405

2) في الأمر بالتقوى القائمة على أساس فعل المأمور، وترك المنهي إعداد للمؤمن لأن يكمل في معارفه ويسمو بأخلاقه، ويطهر في نفسه، فيتأهل للقيادة والسيادة في الدنيا، والسعادة بالنعيم المقيم في الدار الآخرة. بعد أن يكون قد شرف بولاية الله تعالى، وفاز بمحبته، إذ بإيمانه وتقواه يحصل على ولاية الله، قال تعالى:{أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} . فجعل تعالى شرط الحصول على الولاية: الإيمان والتقوى.

3) في الأمر بالتوسل فتح الباب للعبد ليقرب ويحب ويرضى، وهو نعيم روحي ما فوقه نعيم، وكمال نفسي دونه كل كمال، وما كان هذا ليحصل للعبد لولا أن الله تعالى فتح له، وفتح عليه. قال تعالى في حديث صحيح:"من آذى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض روح عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته، ولا بدّ له من". فتح على العبد باب الإيمان والتقوى فآمن واتقى. وفتح له باب التوسل والتقرب فتوسل وتقرب فأحبَّ وأدْني وقرِّب، وفاز بالخلد والرضوان.

ص: 406

4) في الأمر بالتقوى، والتوسل، والجهاد دعوة المؤمن إلى العلم، والمعرفة، والمفروض أن تكون حاصلة له قبل القول والعمل، إذ لا يتأتى للعبد أن يتقي وهو يعرف لا يعرف ماذا يتقي، ولا أن يتوسل وهو لا يعرف بماذا يتوسل، ولا أن يجاهد وهو لا يعرف من يجاهد، ولا بماذا يجاهد؟ ولا ما الغاية من جهاده؟ ومن هنا كان المؤمن ملزما بطلب العلم، والحصول عليه، ومهما كان الثمن، وكانت المشقة، إذ لا يخطو خطوة واحدة في مضمار طلب النجاة، والكمال، والإسعاد في الدارين إلا بعد العلم والمعرفة. ولذا لا يوجد وليّ لله من عباده جاهل به تعالى، وبالطريق إليه المتمثلة في معرفة محابه، ومساخطه من الاعتقادات، والأقوال، والأفعال.

5) في الأمر بالجهاد في ميادينه الأربعة التي مرت آنفا وهي جهاد النفس، وجهاد الشيطان، وجهاد الفساق، وجهاد الكفار. في الأمر به دفع للمؤمن إلى القوة والكمال الذاتي، والخلقي، والروحي، تلك القوة التي بدونها لا يكمل، ولا يسود، ولا يقود، إنه بجهاده في هذه الجبهات الأربعة وبانتصاره فيها يكون قد آمن لنفسه المناخ الصالح، والساحة النقية للعبادة الحرة، والترقي في مدارج الكمال فيها، بأداء الفرائض، والنوافل، مع التخلي عن النقائص، والرذائل حتى يصل إلى مستوى الحب. فيعلن في السماء عن حبه، ويلقى له القبول في الأرض فلا يراه عبد صالح مثله إلا أحبه.

هذا بعض ما في آيتنا هذه من هداية، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

ص: 407

حول الشعر التعليمي (2)

للدكتور صالح آدم بيلو

الأستاذ المساعد بكلية اللغة العربية بالجامعة

في ميدان النحو والفلك:

لمحمد بن إبراهيم الفزاري قصيدة مزدوجة في علم الفلك، يقول عنها ((ياقوت الحموي)) إنها تقوم مقام زيجات المنجمين، وهي طويلة يدخل في تفسيرها - هي وشروحها - عشرة أجلاد، أولها:

الحمد لله العلي الأعظم

ذي الفضل والمجد الكريم الأكرم

الواحد الفرد الجواد المنعم

الخالق السبع العلى طباقا

والشمس يجلو نورها الأغساقا

والبدر يملا نوره الآفاقا

الفلك الدائر في المسير

لأعظم الخطب من الأمور

يسير في بحر من البحور

فيه النجوم كلها عوامل

منها مقيم دهره وزايل

فطالع منها ومنها نازل

وهي هكذا ثلاثة أقفال ثلاثة أقفال [1]

وفي ميدان النحو استخدم الشعر التعليمي الإلمام به وتحخبيب دراسته، يقول إسحاق بن خلف البهراني:

النحو يبسط من لسان الألكن

والمرء تكرمه إذا لم يلحن

وإذا طلبت من العلوم أجلها

فأجلها منها مقيم الألسن [2]

ويقول الكسائي ((ت 183 أو 189 هجري)) في المعنى نفسه:

إنما النحو قياس يتبع

وبه في كل أمر ينتفع

فإذا ما أبصر النحو فتى

مرّ في المنطق مرّا فتّسع

فاتقاه كل من جالسه

من جليس ناطق أو مستمع

وإذا لم يبصر النحو فتى

هاب أن ينطق جبنا فانقطع

فتراه ينصب الرفع وما

كان من خفض ومن نصب رفع

يقرأ القرآن لا يعرف ما

حرّف الإعراب فيه وصنع

والذي يعرفه يقرؤه

فإذا ما شكّ في حرف رجع

ناظرا فيه وفي إعرابه

فإذا ما عرف اللحن صدع

فهما فيه سواء عندكم

ليست الألسن فينا كالبدع

كم وضيع رفع النحو وكم

من شريف قد رأيناه وضع [3]

في ميدان اللهو والمجون:

ص: 408

وإن تعجب فعجب لما بذله شعراء هذا العصر من جهد لاستخدام الشعر التعليمي في موضوعات اللهو والمجون الذي أصاب جانبا من جوانب ذلك المجتمع متأثرا بأمراض الفكر الوافد، والثقافة الدخيلة وأدوائهما

فراحوا يضعون للهو والمجون أصولا وقواعد تجب مراعاتها، وقوانين ومراسم ينبغي أن تراعى وتلتزم [4] .

من ذلك أرجوزة الرقاشي المزدوجة التي تحدث عنها ابن المعتز في طبقاته، قائلا عن ناظمها: ".... وهو يزعم كما ترى: أنها تدخر لوقت الموت، مجونا وخلاعة، وأولهما:

أوصى الرقاشي إلى خلاّنه

وصية المحمود في إخوانه

وهي مشهورة وموجودة" [5]

ولكن لم يصل منها غير هذا الذي أشار إليه ابن المعتز.

كما قام ((حمدان بن أبان اللاحقي)) بوضع أرجوزة طويلة في الحب وحيل المحبين اختار منها أو بكر الصولي ثمانية أبيات ومائة بيت أثبتهما في كتابه ((الأوراق)) بدئت بقوله:

ما بال أهل الأدب

منّا وأهل الكتب

قد وضعوا الآدابا

واتبعوا الأصحابا

لكل فن دفتر

منقط محبر

ففرقت أجناسا

وعلموها الناسا

بالحيل الرقيقة

والفطن الدقيقة

فارشدوا الضلالا

وعلموا الجهالا

سوى المحبين فلم

يرعوا لهم حق الذمم

في علم ما قد جهلوا

وما به قد ابتلوا

ويمضي حمدان اللاّحقي إلى أن يقول في آخر منظومته:

قد تم مني الوصف

ولم يخني الرصف

وانقضت القصيدة

محبوبة حميدة

والحمد للرحمن

ذي العزّ والسلطان

والذم للشيطان

ذي الذم والطغيان [6]

ومن أروع ما جاء في هذا اللون من الشعر التعليمي ما أورده ابن المعتز في أرجوزته الطويلة ((ذم الصبوح))

إذ يصور شارب الخمر في أتعس حالاته وأبأس أوضاعه، فيقول في آخر قصيدته:

فمن أدام للشقاء هذا

من فعله والتذه التذاذا

لم يلف إلا دنس الأثواب

مهوّسا مهوّس الأصحاب

فازداد سهوا وضنى وسقما

ص: 409

ولا تراه الدهر إلا فدما

ذا شارب وظفر طويل

ينغص الزاد على الخليل

ومقلة مبيضة المآقي

وأذن كحقة الدباق

وجسد عليه جلد من وسخ

كأنه أشرب نفطا أو لطخ

تخال من تحت إبطه إذا عرق

لحية قاض قد نجا من الغرق

وريقه كمثل طوق من أدم

وليس من ترك السؤال يحتشم

في صدره من واكف وقاطر

كأثر الذرق على الكنادر

هذا، كذا، وما تركت أكثر

فجربوا ما قلته وفكروا [7]

في ميدان السير والتاريخ:

لعل أهم عملين كبيرين في هذا المجال مزدوجتان: مزدوجة علي بن الجهم [8] ومزدوجة عبد الله بن المعتز في السير والتاريخ..

أما ابن الجهم (188 –249 هجري) فله مزدوجة تسمى ((المحبّرة)) شديدة الطول، تقع في ثلاثمائة وثمانية أبيات، ذكر فيها ابتداء الخلق والأنبياء والخلفاء إلى أيامه –أيام الخليفة المستعين العباسي 248 هجري- وبدأ حديثه بحمد الله والصلاة على نبيه، ثم أخذ يجيب من يسأله عن بدء الخليقة:

الحمد لله المعيد المبدي

حمدا كثيرا، وهو أهل الحمد

ثم الصلاة أولا وآخرا

على النبي باطنا وظاهرا

يا سائلي عن ابتداء الخلق

مسألة القاصد قصد الحق

أخبرني قوم من الثقات

أولو علوم وأولو هيئات

تقدموا في طلب الآثار

وعرفوا حقائق الأخبار

وفهموا التوراة والإنجيلا

واحكموا التنزيل والتأويلا

أن الذي يفعل ما يشاء

ومن له العزة والبقاء

أنشأ خلق آدم إنشاء

وقد منه زوجه حواء

مبتدئا ذلك يوم الجمعة

حتى إذا أكمل منه صنعة

أسكنه وزوجه الجنانا

فكان من أمرهما ما كانا

وراح يتحدث عن إغراء إبليس آدم وزوجه، واستجابتهما له، وكيف أهبطا من الجنة إلى الأرض في جبل بالهند يسمى ((واسم))

واستمر يتحدث عن أبناء آدم وأحفاده، إلى أن جاء إلى نوح عليه السلام، فقال:

فأرسل الله إليهم نوحا

عبدا لمن أرسله نصوحا

ص: 410

فعاش ألفا غير خمسين سنة

يدعو إلى الله وتمضى الأزمنة

يدعوهم سرا ويدعو جهرا

فلم يزدهم ذلك إلا كفرا

وانهمكوا في الكفر والطغيان

وأظهروا عبادة الأوثان

وهكذا يمضي الشاعر في أرجوزته يتحدث في استفاضة، ودقة متناهية عن قصة أبي البشر الثاني مع قومه، وما أعقب ذلك من أحداث. وتحدث عن الأنبياء والرسل نبيا نبيا، ورسولا رسولا، وعن الأمم والشعوب من عرب وعجم قبل مطلع النور –الإسلام

فيقول:

فهذه جملة أخبار الأمم

منقولة من عرب ومن عجم

وكل قوم لهم فكير

وقلما تحصل الأمور

وعميت في الفترة الأخبار

إلا التي سارت بها الأشعار

والفرس والروم لهم أيام

يمنع من تفخيمها الإسلام

وإنما يقنع أهل العقل

بكتب الله وقول الرسل

وجاء الإسلام بنوره الوهاج:

ثم أزال الظلمة الضياء

وعاودت جدتها الأشياء

ودانت الشعوب والأحياء

وجاء ما ليس به خفاء

أتاهم المنتخب الأوّاه

محمد صلى عليه الله

وانساب الشاعر يصور الأحداث حدثا حدثا، والخلفاء خليفة خليفة إلى أيام المستعين الذي عاصره الشاعر، واختتم أرجوزته قائلا:

فنحن في خلافة مباركة

خلت عن الأضرار والمشاركة

فالحمد لله على إنعامه

جميع هذا الأمر من أحكامه

ثم الصلاة أولا وآخرا

على النبي باطنا وظاهرا [9]

وبذا يكون علي بن الجهم أول شاعر يقوم بعمل متكامل وصل إلينا كاملا في هذا الباب [10] .

أما عبد الله بن المعتز ((247 -296 هجري)) فقد نظم في أرجوزته حياة الخليفة العباسي المعتضد ((279 -289 هجري)) وسيرته وما قام به من أعمال كبيرة وعظيمة، فرفع من شأن الخلافة بعد اتضاع، وأخذ على يد الأتراك بقدر المستطاع، وشرح الشاعر فيها الحالة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وفسادها، وتحدث عن القضاء على الثائرين والمتمردين!..

ص: 411

وهذه الأرجوزة يحسبها كثير من النقاد والباحثين مظهرا من مظاهر الشعر القصصي [11]، ويقول الأستاذ أحمد أمين: "

هي صورة مصغرة لنمط الملاحم كالإلياذة والشاهنامة سدت بعض النقص في الشعر العربي من هذا النوع" [12] .

يفتتح الشاعر أرجوزته على الطريقة التي سلكتها المتون في الأزهر القديم:

باسم الإله الملك الرحمن

ذي العز والقدرة والسلطان

الحمد لله على ألائه

أحمده والحمد من نعمائه

أبدع خلقا لم يكن فكان

وأظهر الحجة والبرهانا

وجعل الخاتم للنبوة

أحمد ذا الشفاعة المرجوة

الصادق المهذب المطهرا

صلى عليه ربنا فأكثرا

مضى وأبقى لبني العباس

ميراث ملك ثابت الأساس

برغم كل حاسد يبغيه

يهدمه كأنه يبنيه

ثم يذكر أنه ألف هذه القصيدة في سيرة أبي العباس المعتضد، ويعرض لحال الخلافة قبله، والفوضى السياسية والاجتماعية التي كانت سائدة، وأعمال أبيه ((الموفق)) والقضاء على فتنة الثائر العلوي 270 هجري، فيقول:

قام بأمر الملك لما ضاعا

وكان نهبا في الورى مضاعا

تذللا ليست له مهابة

يخاف إن طنت به ذبابة

وكل يوم ملك مقتول

أو خائف مروع ذليل

أو خالع للعقد كيما يغني

وذاك أدعى للردى وأدنى

وكم أمير كان رأس جيش

قد نغصوا عليه كل عيش

وكل يوم شغب وغصب

وأنفس مقتولة وحرب

وكم فتى قد راح نهبا راكبا

إما جليس ملك أو كاتبا

فوضعوا في رأسه السياطا

وجعلوا يردونه شطاطا

وكم فتاة خرجت من منزل

فغصبوها نفسها في المحفل

وفضحوها عند من يعرفها

وصدقوا العشيق كي يقرفها

وحصل الزوج لضعف حيلته

على نواحه ونتف لحيته

وكل يوم عسكر فعسكرا

بالكرخ والدور مواتا أحمرا

كذاك حتى أفقروا الخلافة

وعودوها الرعب والمخافة

فتلك أطلال لهم قفارا

ترى الشياطين بها نهارا

ص: 412

ويصور الشاعر الفظائع التي كانت تنصب على أفراد الأمة من مصادرات لأموالهم بعد انتهاك حرماتهم، فيقول:

أجرأ خلق الله ظلما فاحشا

وأجور الناس عقابا بالوشى

يأخذ من هذا الشقي ضيعته

وذا يريد ماله وحرمته

وويل من مات أبوه موسرا

أليس هذا محكما مشهرا؟!

وطال في دار البلاء سجنه

وقال: من يدري بأنك ابنه؟!

فقال جيراني ومن يعرفني

فنتفوا سباله حتى فنى

وأسرفوا في لكمه ودفعه

وخدرت أكفهم في صفعه

ولم يزل في أضيق الحبوس

حتى رمى إليهم بالكيس

وتاجر ذي جوهر ومال

كان من الله بحسن حال

قيل له عندك للسلطان

ودائع غالية الأثمان

فقال: لا والله ما عندي له

صغيرة من ذا ولا جليلة

وإنما أربحت في التجارة

ولم أكن في المال ذا خسارة

فدخنوه بدخان التبن

وأوقدوه بثفال اللبن

حتى إذا مل الحياة وضجر

وقال ليت المال جمعا في سقر

أعطاهم ما طلبوا فأطلقا

يستعمل المشي ويمشي العنقا [13]

ثم يأتي إلى تصوير عناية الخليفة المعتضد بالجيش واختياره جنوده، وقيامه بحركة تطهير واسعة في هذا الجيش ونبذ غير اللائقين منهم بكرامة الجندي:

واختار من جنوده كل بطل

مجرب إن حضر الموت قتل

ثم نفى كل دخيل قد مرق

إذا رأى السيف جرى من الفرق

حتى إذا صفى خيار الجند

قال يا حرب اهزلي وجدي

سار إلى الموصل ينوي أمرا

فملأ البر معا والبحرا [14]

وهكذا يسير ابن المعتز في أرجوزته، أو قل ملحمته التي بلغت نحوا من عشرين وأربعمائة بيت في تاريخ الخليفة المعتضد.

ص: 413

ومن هنا: نرى أن الشعر التعليمي قد وجد عند العرب منذ جاهليتهم بكل أقسامه التي عرفت عند اليونان، وقد رأينا لذلك أمثلة عند شعراء جاهليين، كما وجدناه عند الشعراء الأمويين في أخص أقسامه، في أبياته في صناعة الكيمياء.. ووجدناه في الأرجوزة الأموية التي اتخذت وسيلة لتعليم غريب اللغة، مما ألهم المقامة فيما بعد، ودفع بالشعراء في العصر العباسي إلى التوسع في الشعر التعليمي، حتى إذا ولج أبان اللاحقي هذا الميدان، فتح الباب واسعا، فتهافت عليه من تهافت من الشعراء أو النظاميين!..

وبهذا يتضح أن الشعر التعليمي العباسي لم يكن في جملته وتفصيله تقليدا لمثيله عند الأمم الأخرى كالهنود واليونان.. تلك الأمم التي عرفت هذا اللون من الشعر!..

ولكن هل يعني هذا الكلام أننا ننكر أن للثقافة الدخيلة والفكر الوافد أثرا في الشعر التعليمي خلال هذا العصر؟!.

كلا!.. نحن لا ننكر هذا التأثير، ولكنا نريد أن نقول: إن التأثير الوافد لم يكن في إنشاء هذا اللون من الشعر في الأدب العربي وإيجاده –فلقد كان ذلك موجودا في العربية منذ زمن طويل كما رأينا- ولكن التأثير كان في تشكيله وإعطائه ملامح نهائية، وسمات بينة، متعاونا مع عوامل أخرى

ص: 414

إن تأثير الفكر الوافد في الشعر التعليمي لا يعدو أن يكون هو التأثير ذاته أثره في الخمريات وشعر اللهو والمجون، والزهد

الخ في هذا العصر، وكل أولئك كان موجودا في العصور السابقة لهذا العصر، ولم يعز أحد ابتكارها وابتداعها للعصر العباسي، مع ذلك فلا ينكر أحد أنها في هذا الوقت قد زيدت مساحتها ومدت الرقعة التي تشغلها، وأنه أضيف إلى الصورة أشياء وألوان، حتى لقد ينخدع كثيرون بأن كل ما هناك جديد مبتكر.. والشعر التعليمي لم يكن بدعا في ذلك؛ فهو قد تأثر بالعصر وظروفه وملابساته، وبما كان يموج فيه من فكر وثقافة ومعرفة متعددة المصادر والينابيع.. ولقد بانت في هذا العصر ملامح وحدود كثير من العلوم، واتضحت معالم كثير من المعارف، فأخذ الشعراء منذئذ يتناولون هذه المعارف والفنون بالنظم شعرا؛ فظن الظانون أن المضمون ما دام جديدا أو شبه جديد فلا بد أن يكون هذا الشكل الذي قدم فيه جديدا كذلك!..

والمسألة في نظرهم بدت على الصورة الآتية: إن كليلة ودمنة يمثل جانبا من الثقافة الجديدة الوافدة الدخيلة على الأدب العربي، وقام أبان اللاحقي الفارسي بما أوتي من الفاتنة، فافتتن الناس بها افتتانا

إذن؛ فالشعر التعليمي الذي نظم به هذا الكتاب الوافد، وافد أيضا، أو من نتاج الثقافة الوافدة!..

وهذه النتيجة ليست صحيحة!..

إلى هنا رأينا كيف اتخذ الشعر التعليمي صورا متعددة وجديدة

ومما نلحظه: أن الشعراء في هذا قد آثروا بحر الرجز المصرع –غالبا وفي أكثر الأحوال خصوصا في العصور التي تلت العصر العباسي- لأنه بزحافاته يسهل تشكيل الكلام، ولأنه أخف وقعا، وأسهل حفظا، وأبقى في الذاكرة

ولذا فإن السابقين قد التفتوا إلى أن الشعر بموسيقاه وإيقاعه ألطف وأوقع في النفس، وأخف على السمع، وأسرع رسوخا في الذاكرة، مع أن هذا اللون من النظم خال من مقومات الشعر، وهي العاصفة والخيال وروعة الأسلوب!..

ص: 415

القيمة الفنية للشعر التعليمي:

هذا اللون من الشعر من الناحية الفنية ليس على شيء، وليس هو بأكثر من كلام موزون مقفى، لأن الشعر في حقيقته إن هو إلا عاصفة جياشة، وخيال مهوم بديع، وأسلوب جميل، ولفظ أخاذ، يضاف إلى ذلك الموسيقى والتوقيع!..

على أنه ينبغي ألا نندفع ونبالغ في التعميم، فنردد أن الشعر التعليمي – على إطلاقه - إن هو إلا كلام موزون مقفى

الخ.

إن هذا الكلام لا يصدق إلا في بعض ألوان الشعر التعليمي، أو على القسم الذي أسموه ((حقائق الفنون والعلوم والمعارف)) .. على حين لا يكون الأمر كذلك – دائما- في الأقسام الأخرى من الشعر التعليمي، خصوصا النوع الذي يتناول التاريخ وأحداثه، فقد يحور ويتحول عند الشاعر المبدع، والفنان البارع الموهوب إلى شعر قصصي [15] )) آسر للقلوب كالذي رأيناه في رائعتي ابن المعتز اللتين وقفنا عندهما بقصد توكيد هذه الحقيقة!..

اعتراف بالجميل:

ومهما قيل في القيمة الفنية للشعر التعليمي، فإنني أرى –من الإنصاف- عدم تجريده من كل فضيلة، ولا أرى إنكار أنه قد أدى بعض المهمة التي أريد له أن يؤديها

ذلك أنه قد حفظ كثيرا من تراث هذه الأمة الديني واللغوي والعلمي خصوصا في العصور المتأخرة التي شمل الضعف والتدهور كل جوانب الحياة فيها!!..

الأدب الإسلامي

- إدخال مادة الأدب الإسلامي بصفة عامة وأدب الدعوة بصفة خاصة في أقسام الدعوة والإعلام وفي السنوات التمهيدية من الدراسات العليا وإعداد الرسائل الجامعية التي تبرز هذا الأدب وتقعد له وتخرج الباحثين المختصين فيه.

- أن يكون الأدب الإسلامي الذي نقدمه للطلاب في مراحل الدراسة جميعها وثيق الصلة –مادة ومعنى- بكتاب الله وحديث رسول الله وآثار الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان لما في ذلك من روعة بيانية. وعمق إيماني وروح نابضة بالخير والبر وتغذية مستمرة لأدبنا الإسلامي المعاصر.

ص: 416

(من توصيات مؤتمر حوار الأدب الإسلامي ومناهج دراسته. الذي عقد بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة)

--------------------------------------------------------------------------------

[1]

معجم الأدباء بتحقيق مرجايوث ج 2 /268، والوافي والوفيات للصلاح الصفدي المطبعة الهاشمية بدمشق عام 1953 م ج 1 /336.

[2]

زهر الآداب للحصري بتحقيق زكي مبارك ج 3 /138 والكامل للمبرد مطبعة نهضة مصر ج 2 /23.

[3]

تاريخ بغداد للخطيب البغدادي ج 11 /412 وبعض الأبيات في كتاب ((الورقة)) لابن الجراح ص 46.

[4]

وانظر باستفاضة ((التيارات الفكرية الوافدة في العصر العباسي وصداها في الأدب)) للدكتور صالح آدم بيلو ص 223 -250.

[5]

طبقات ابن المعتز ص 226.

[6]

الأوراق للصولي –قسم أخبار الشعراء- ص 57 -62.

[7]

رسائل ابن المعتز بتحقيق الدكتور عبد المنعم خفاجي مطبعة مصطفى الحلبي عام 1946 م ص 107 -114.

[8]

راجع مقدمة ديوان علي بن الجهم بقلم خليل مردم بك –لجنة التراث العربي ببيروت ص 36 وكذلك ص 157 وص 227.

[9]

راجع القصيدة في ديوانه ص 228 -250.

[10]

انظر مقدمة محقق الديوان.

[11]

من حديث الشعر والنثر لطه حسين ص 285 وما بعدها.

[12]

ظهر الإسلام لأحمد أمين ج 1 /25.

[13]

إنها لصورة حية للشعوب التيب منيت بالحكم الاشتراكي والماركسي في العصر الحديث المجلة.

[14]

رسائل ابن المعتز بتحقيق الدكتور خفاجي ص 80 -107.

[15]

انظر طه حسين في حديث الأربعاء ج 2 /220 وأحمد أمين في ظهر الإسلام ج 1 /25.

ص: 417

بحث في صيغة أفعل [1]

بين النحويين واللغويين واستعمالاتها في اللغة [2]

لفضيلة الدكتور مصطفى أحمد النماس

المدرس بكلية اللغة العربية – جامعة الأزهر

مقدمة:

الحمد لله رب العالمين خالق الألسن واللغات واضع الألفاظ للمعاني بحسب ما اقتضته حكمه البالغات وأصلي وأسلم على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي بعثه رحمة للعالمين واصطفاه بلسان عربي مبين، وجعل فصاحته في ربوة ذات قرار ومعين وبعد فقد جاءت صيغة أفعل في اللغة العربية متداولة في الاستعمال في أغراض شتى وأنواع متعددة فجاءت فعلا متعدد المعاني مما جعل العلماء يعنون به ويؤلفون فيه كتبا كثيرة تحمل هذا الاسم (فعلت وأفعلت) أو (فعل وأفعل) فألف فيه أبو زيد الأنصاري المتوفى سنة 216 هجري (وقيل سنة 214، 215) وأبو عبيدة المتوفى سنة 211 هجري والأصمعي المتوفى سنة 215 هجري والفراء المتوفى سنة 257 هجري وثعلب في فصيحه المتوفى سنة 291 هجري والزجاج المتوفى سنة 311 هجري وأبو علي القالي المتوفى سنة 356 هجري، (والآمدي المتوفى سنة 370 هجري وكمال الدين بن الأنباري المتوفى سنة 577 هجري وابن مالك المتوفى سنة 272 هجري وفي أدب الكاتب لابن قتيبة المتوفى سنة 267 هجري فصل خاص به من شرح الجواليقي المتوفى سنة 465 هجري وفي المخصص لابن سيدة المتوفى سنة 458 هجري فصل خاص به، وقد عنى بصيغة أفعل في نهاية كل باب (الميداني المتوفى سنة 518 هجري في كتابه مجمع الأمثال) ومن يمعن النظر في هذه الكتب يلاحظ العناية بهذه الصيغة نظرا لما يستفاد منها من المعاني المتفرقة، ويلاحظ أنها جاءت اسما وصفة وعلما واستعملت في تراكيب شتى كالتعجب وأفعل التفضيل. وربما بعض الأفعال أدى وظيفة خاصة به كأصبح وأمسى من أخوات كان وأعلم وأرى من أخوات ظن لكنهما ينصبان مفاعيل ثلاثة وبعض الأسماء والصفات له علاقة ببعض الأبواب في النحو كباب

ص: 418

ما لا ينصرف وباب الجموع لذا كرست جهدي في جمع حبات العقد المنفرط ليكون أمام القارئ فلا يحتاج إلى إعمال فكر وكد ذهن وقد جعلت حديثي عن هذه الصيغة من ناحية فعليتها أولا واسميتها ثانيا ذاكرا ما يتعلق بها من أحكام متفرقة من السماع والقياس والشذوذ والندور وما إليها من الأحكام اللغوية لهذه الصيغة العربية والله أسأل أن يجعل عملي خالصا لوجهه الكريم وأن يجنبني الخطأ والزلل وأن يجعل لي من الفهم عنه وعن رسوله ما أبلغ به منازل الصديقين وأحشر في زمرة العلماء العاملين إنه سميع قريب مجيب الدعوات.

ومبلغ الرجاء أن يكون هذا البحث قد حقق ما قصدت إليه من تقريب تلك الآثار العلمية لاستعمال هذه الصيغة إلى جمهرة اللغويين والمنتفعين كي يزدادوا باللغة العربية استمساكا وإعزازا حتى تكون لسانا مبينا لحضارة عصرهم كما كانت حضارة أسلافهم الزاهرة بلسان عربي مبين خاصة وأنها وعاء القرآن الكريم كلام رب العالمين.

صيغة (أفعل) بين العربية وأخواتها في السامية

جاءت هذه الصيغة في اللغات السامية وقد لوحظ أن اللغات الحبشية والسريانية والنبطية والتدمرية واللهجات العربية القديمة كالصفوية واللحيانية والثمودية تعبر عن كثير من المعاني بوزن (أفعل) كاللغة العربية الحالية.

وتعبر بعض اللهجات الآرامية عن هذه المعاني بوزن (هفعل) وأيضا في اللهجتين العربيتين الجاهليتين وهم الثمودية واللحيانية ونجد أن صيغة (أفعل) كانت مستعملة في اللغة السبئية وبعض اللهجات الآرامية

وكانت اللغات الأكدية تعبر عن بعض المعاني التيتستفاد من (أفعل) في العربية بصيغة أخرى تقترب منها هي شفعل المستخدم في اللغة السريانية بجانب وزن (أفعل)

وكانت اللغات الحضرمية والقتبانية والأوسانية تعبر بصيغة هي (سفعل) غير أنه توجد آثار استخدام وزن (هفعل) في بعض اللهجات.

ص: 419

ويستدل عن وجود هذه الصيغ المختلفة في اللغات السامية على أن تلك الصيغ (أفعل- هفعل- شفعل – سفعل) كانت مستخدمة جميعا عند الجماعات السامية الأولى للدلالة على المعاني المختلفة، وأخذت بعض تلك الصيغ تضيع من الاستعمال في بعض اللهجات وتهمل لأسباب تتفق وطبيعة تلك الشعوب.

كما أخذت كل جماعة من الجماعات السامية تكتفي بصيغة واحدة من هذه الصيغ للدلالة على المعاني المختلفة التي تستفاد منها.

وقد بقيت بعض آثار الصيغ الأخرى في كثير من اللغات السامية لكي تدل على أن الصيغ المهملة كانت في القديم متداولة وشائعة بين الجماعات السامية الأولى، وتوجد في اللغة العربية آثار لبعض الأوزان الأخرى، وقد فطن النحويون واللغويون العرب لذلك، فقد جاء في كتاب المقتضب للمبرد المتوفى سنة 285 هجري: أرقت وهرقت وإياك وهياك [3] .

وجاء في كتاب الأفعال لابن القوطية المتوفى سنة 367 هجري ما يلي:

وهرقت الماء هرقا، وأهرقته ويقال إن الهاء في هرقت مبدلة من همزة فيكون حينئذ رباعيا مستقبله أربعة وقالوا أهريقه [4] .

وجاء في كتاب المنصف لابن جني المتوفى سنة 392 هجري (وقد قيل إن الهاء في هجرع وهو الطويل فالهاء زائدة كأنه من الجرع وهو المكان السهل المنقاد. وهو من معنى الطول، وكذلك هبلع وهو الأكول مأخوذ من البلع أما هركولة وهو المرأة الجسيمة فذهب الخليل فيما حكاه عنه أبو الحسن إلى أن الهاء زائدة ووزنه هفعولة أخذه من الركل وهو الرفس بالرجل كأنها لثقلها تركل في مشيتها أي ترفع رجلها وتضعها بقوة كالرفس [5] .

وجاء في شرح المفصل لابن يعيش المتوفى سنة 643هجري ما يلي:

اعلم أنهم قالوا: أهراق فمن قال هراق فالهاء عنده بدلا من همزة أراق على حد هردت أن أفعل في أردت ونظائره [6]

وجاء في شرح المفصل أيضا ما نصه:

ص: 420

ومن ذلك هات الشيء أي أعطينيه، وهو اسم لأعطيني وناولني ونحوهما وهو مبني لوقوعه موقع الأمر وكسر لالتقاء الساكنين (الألف والتاء) وكأنه من لفظ (هيت) ومعناه، وقال بعضهم هو من آتى يؤاتي والهاء فيه بدل من الهمزة ويعزى هذا القول إلى الخليل واستدل على ذلك بتصريفه ويلحقونه ضمير التثنية والجمع لقوة شبه الفعل به [7] .

وجاء في القاموس المحيط مادة (جزع) والهجزع كدرهم الجبان هفعل من الجزع كما جاء فيه أيضا في مادة هزرف

والهزرف كزنبور وعلابط وقرطاس الظليم السريع الخفيف وهزرف أسرع.

وجاء في كتاب المزهر للسيوطي المتوفى سنة 911 هجري:

وهذه أمثلة من كتاب الإبدال ليعقوب بن السكيت (المتوفى سنة 244 هجري) فمن إبدال الهمزة هاء أيا وهيا، وإياك وهياك، وأتمأل السنام وأتمهل إذا انتصب، وأرحت دابتي وهرحتها وأبزت له [8] وهبزت له وأرقت الماء وهرقته.

وبعد هذا العرض نلاحظ أن اللغة العربية كغيرها من اللغات السامية كانت تستخدم في الزمن القديم الهمزة والهاء والسين والشين في أوائل الأفعال للدلالة على التعدية وبعض المعاني الأخرى التي سأذكرها فيما بعد إن شاء الله تعالى.

وقد فضلت اللغة العربية الهمزة بعد ذلك وأهملت الحروف الأخرى لأسباب تتفق مع طبيعتها اللغوية

ولكن بعض آثار استعمال هذه الحروف ما زال باقيا في بعض الأفعال والأسماء والصفات أو أن اللغة العربية تأثرت بأخواتها من السامية

أما الهمزة في صيغة (أفعل) المزيدة فاستخدمت في اللغة العربية وفي لهجاتها القديمة والحديثة للدلالة على التعدية في الأكثر، وعلى التعريض للشيء وعلى الصيرورة كما دلتا على وجود الشيء على صفته، ودلت على السلبية وجاءت أخيرا متضمنة معنى فعل الخ، وجاءت بعض الأفعال رافعة للاسم ناصبة للخبر وبعضها ناصبة لمفاعيل ثلاثة الخ.

الفصل الأول: ورود (أفعل) المستعمل فعلا

ص: 421

الفعل في اللغة العربية باعتبار التعدي واللزوم نوعان: لازم وهو القاصر الذي لا ينصب المفعول به بنفسه مباشرة بل يتعدى إليه بوسائل معروفة في باب (التعدي واللزوم) مثل جلس وقعد الخ، النوع الثاني المتعدي وهو الذي يتعدى إلى المفعول به بدون واسطة فتارة يتعدى إلى مفعول واحد مثل الفعل (سمع) تقول سمع محمد الخبر، الفعل (قرأ) تقول: قرأ محمد القرآن، وتارة يتعدى الفعل الثلاثي إلى مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر كالفعل (كسا) تقول: كسوت الفقير ثيابا، والفعل (أعطى) تقول: أعطيت الفقير مالا، وقد ينصب الفعل الثلاثي مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر كأفعال القلوب والرجحان واليقين في باب (ظن وأخواتها) هذا شأن الفعل الثلاثي. وقد تدخل الهمزة على هذا الفعل الثلاثي زائدة فتغير حاله وتنقل معنى الفعل إلى مفعوله ويصير بها الفاعل مفعولا ولا تقتضي في الغالب تمهلا ولا تكرارا، فإدخال الهمزة على أول الفعل الثلاثي تكسبه معنى النقل والتعدية وهذا هو المعنى الغالب لاستعمال صيغة (أفعل) .

معنى التعدية وأثرها

ومما يجدر ملاحظته أن التعدية في اللغة العربية نوعان: تعدية عامة وهي التي نشاهدها في الأفعال المتعدية بطبيعتها ولا تحتاج إلى واسطة تتعدى بها كالأفعال كسا، وأعطى، وقرأ، وأكل، وما شاكلها فالتعدية في هذه الأفعال تعدية عامة.

النوع الثاني من التعدية تعدية خاصة وهي التي نشاهدها في الأفعال التي تتعدى بالهمزة كثيرا ويجوز أن تتعدى بالباء فإدخال الهمزة على أول الفعل الثلاثي وهي همزة تنقل معنى الفعل إلى مفعوله ويصير الفاعل مفعولا فما كان فاعلا للفعل اللازم يصير مفعولا لمعنى الجعل وهو في الوقت نفسه فاعل لأصل الحدث على ما كان عليه فهو وإن كان مفعولا للجعل فاعل من ناحية المعنى قال الشاعر وهو أعشى باهلة:

وإن صبرنا فإنا معشر صبر

فإن جزعنا فإن الشر أجزعنا

ص: 422

فالفعل جزع لا يتعدى ولكنه بالهمزة التي للنقل صار متعديا إلى مفعول به من أثر الهمزة التي للنقل وهو الفاعل للذهاب من ناحية المعنى

وتقول: لبس محمد الثياب وألبست محمدا الثياب فقد أثرت الهمزة في الفعل المتعدي إلى مفعول واحد وجعلته متعديا إلى مفعولين أولهما مفعول الجعل، والثاني مفعول لأصل الفعل، ولكن الأول في رتبة مقدمة على الثاني لأن مرتبة المجعول مقدمة على مرتبة أصل الفعل قال سيبويه في الكتاب [9] :"هذا باب فعلت وأفعلت في الفعل للمعنى يقول: دخل وخرج وجلس فإذا أخبرت أن غيره صيره إلى شيء من هذا قلت: أخرجه، وأدخله، وأجلسه وتقول: فزع وأفزعته، وخاف وأخفته، وجال وأجلته، وجاء وأجأته، فأكثر ما يكون على فعل (بتثليث العين) إذا أردت أن غيره أدخله في ذلك يبني الفعل منه على أفعلت ومن ذلك أيضا مكث (بضم العين) وأمكثته، وقد يجيء الشيء على فعلت (بتشديد العين) فيشرك أفعلت وذلك قولك فرح وفرحته وإن شئت قلت: أفرحته"انتهى كلام سيبويه.

ص: 423

وقال الرضى في شرح الشافية [10] : "فاعلم أن المعنى الغالب في أفعل للتعدية تعدية ما كان ثلاثيا وهي أن يجعل ما كان فاعلا للازم مفعول لمعنى الجعل فاعلا لأصل الحدث على ما كان، فمعنى (أذهبت زيدا) جعلت زيدا ذاهبا فزيد مفعول لمعنى الجعل الذي استفيد من الهمزة، فاعل للذهاب كما كان في (ذهب زيد) فإن كان الفعل الثلاثي غير متعد صار بالهمزة متعديا إلى واحد هو مفعول لمعنى الهمزة (أي الجعل والتصيير) كأذهبته ومنه أعظمته أي جعلته عظيما باعتقادي بمعنى استعظمته، وإن كان متعديا إلى واحد صار بالهمزة متعديا إلى اثنين أولهما مفعول الجعل، والثاني لأصل الفعل نحو أحفرت زيدا النهر أي جعلته حافرا له فالأول مجعول والثاني محفور ومرتبة المجعول ومرتبة مقدمة على مرتبة مفعول أصل الفعل لأن فيه معنى الفاعلية وإن كان الثلاثي متعديا إلى اثنين صار بالهمزة متعديا إلى ثلاثة أولهما للجعل والثاني والثالث لأصل الفعل وهو فعلان فقط: أعلم وأرى. وقد يجيء الثلاثي [11] متعديا ولازما في معنى واحد نحو فتن الرجل أي صار مفتتنا وفتنته أي أدخلت فيه الفتنة. وحزن وحزنته أي أدخلت فيه الحزن ثم تقول: أفتنته وأحزنته فيهما لنقل فتن، وحزن اللازمين لا المتعديين فأصل معنى أحزنته جعلته حزينا كأذهبته وأخرجته وأصل معنى حزنته جعلت فيه الحزن وأدخلته فيه، ككحلته ودهنته أي جعلت فيه كحلا ودهنا، والمغزى من أحزنته وحزنته شيء واحد، لأن من أدخلت فيه الحزن فقد جعلته حزينا إلا أن الأول يفيد هذا المعنى على سبيل النقل والتصيير لمعنى فعل آخر وهو (حزن) دون الثاني.

وقولهم: لأسرع وأبطأ في سرع وبطؤ ليس الهمزة فيهما للنقل بل الثلاثي والمزيد فيه معا غير متعديين، لكن الفرق بينهما أن سرع وبطأ أبلغ لأنهما كأنهما غريزة كصغر وكبر،" انتهى كلام الرضى على الشافية.

ص: 424

وقال ابن هشام في المغني: "مبحث الأمور التي يتعدى بها الفعل القاصر: وهي سبعة أحدها همزة (أفعل) نحو أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا، ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين، {وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتاً} وقوله تعالى: {ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً} ، وقد ينقل المتعدي إلى واحد بالهمزة إلى التعدي إلى اثنين نحو: ألبست زيدا أثوابا ولم ينقل متعد إلى اثنين بالهمزة إلى التعدي إلى الثلاثة إلا في رأي وعلم وقاسه الأخفش في أخواتهما الثلاثة القلبية نحو ظن وحسب وزعم وقيل النقل بالهمزة كله سماعي وقيل قياسي في القاصر والمتعدي إلى واحد والحق أنه قياسي لأن القاصر سماعي في غيره وهو ظاهر مذهب سيبويه"فابن هشام يرى فيه ثلاثة أقوال: قول يقول إنه التعدية بالهمزة سماعي مطلقا أي في المتعدي إلى واحد وإلى اثنين وفي القاصر.

والقول الثاني يقول بقياسية التعدي بالهمزة في القاصر وفي المتعدي لواحد فقط، والقول الثالث يقول إن التعدية بالهمزة قياسي في القاصر فقط سماعي في غيره سواء كان متعديا إلى واحد أو إلى اثنين فيسوغ لك أن تبني على أفعلته للتعدية من الفعل القاصر من غير أن ينكر عليك أحد ذلك وإن لم تكن سمعت تعديته بالهمزة عن العرب وقال سيبويه [12] في مباحث (فعّلت) بالتضعيف: "هذا باب دخول فعّلت بتضعيف العين على فعلت لا يشاركه في ذلك (أفعلت) تقول كسرتها وقطعتها فإذا أردت كثرة العمل قلت: كسّرته وقطّعته ومزّقته ومما يدلك على ذلك قولهم: علطت البعير وإبل معاطة وبعير معلوط وجرحته وجرّحته (بتضعيف العين) أكثرت الجراحات في جسده.

ص: 425

ومن شواهد القرآن لأفعل التي للتعدية قوله تعالى: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ} وقوله تعالى: {قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ} وقوله تعالى: {وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتاً} وقوله تعالى: {ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً} [13] .

وقوله تعالى: {فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا} الهمزة للتعدية والمعنى حملهما على أن زلا وهذا قول أبي حيان في البحر المحيط [14] .

وقوله تعالى: {وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْن} الهمزة للتعدية [15] ويعدى بالتضعيف أيضا وقوله تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنّ} قال أبو حيان: الإتمام الإكمال والهمزة فيه للنقل [16] وقوله تعالى: {وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ} قال أبو حيان: في أعجز للتعدية كما قال ولن نعجزه هربا لكنه كثر فيه حذف المفعول (البحر ج5 ص169) .

وقد يجيء الثلاثي والمزيد فيه بالهمزة لازمين نحو أسرع وسرع وأبطأ وبطؤ والفرق بينهما أن سرع وبطؤ أبلغ كأنهما عريزة كصغر وكبر وجعل منه أبو حيان قوله تعالى: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ} فالفعل فاض وأفاض بمعنى واحد (وانظر البحر المحيط ج2 ص83)

همزة أفعل قد تكون للتعدية فقط ولا تفيد غيره: وقد صرح المالقي والمتوفى سنة 702 هجري [17] في كتابه رصف المباني بما يبين أن صيغة (أفعل) تستعمل أحيانا للتعدية فقط على وجه خاص قال الموضع الثامن أن تكون التعدية خاصة إذا كان الفعل ثلاثيا لا يتعدى لو نطق به فتقدر أن الهمزة فيه زائدة كقولك: (ألقيت ما في يدي) وقال تعالى: {وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِك} [18] .

وقال الشاعر: [19]

(كما قرّ عينا بالإياب المسافر)

فألقت عصاها واستقر بها النوى

ص: 426

كان الأصل في هذا الفعل أن يقال فيه: (لقيت ما في يميني) إلا أنه لم ينطق به إلا بالهمزة، وحكمنا أن الهمزة زائدة لأنه من اللقاء فالأصل اللام والقاف والياء فعلمنا بذلك أنه لا معنى لدخول الهمزة وزيادتها إلا تعدية الفعل الثلاثي الذي لم يستعمل النطق به وحده للمفعول، وهذه الهمزة تعدي ما لا يتعدى إلى واحد نحو ما ذكر وما يتعدى إلى واحد إلى اثنين نحو: ألفيت زيدا قائما ومنه (قوله) :

ولا ذاكر الله إلا قليلا [20]

فألفيته غير مستعتب

وما يتعدى إلى اثنين إلى ثلاثة كقولك أعلمت زيدا عمرا قائما ومنه:

أنبئت عمرا غير شاكر نعمتي

(والكفر مخبثة لنفس المنعم)[21]

ثم انتقل إلى همزة (أفعل) التي لم تستعمل إلا لنقل الفعل من مادة الثلاثية إلى مادة الرباعية خاصة قال:

الموضوع التاسع: أن تكون للنقل خاصة ومعنى ذلك أنها تنقل الفعل من الثلاثي إلى الرباعي فإن كان متعديا في أصله بقى كذلك بعد النقل فالهمزة لا تفيد فيه شيئا سوى النقل خاصة، وقد ينطق بثلاثية وقد لا ينطق نحو: أشكل الأمر فهذا لا ينطق بثلاثية، في القاموس وأشكل الأمر التبس وشكَل وإن كان الأصل من حيث أن حروفه أصول ووزن أشكل (أفعل) فالهمزة زائدة لمجرد النقل وتقول لاح البرق، وألاح فهذا ينطق بثلاثية قبل الهمزة وهو غير متعد، وتدخل الهمزة عليه فيبقى كذلك فيعلم أن الهمزة لا معنى لها فيه إلا مجرد النقل خاصة.

وسواء كان الفعل غير متعد كما ذكر أو متعديا كقوله: وقفت الدابة وأوقفتها ومهرت المرأة وأمهرتها، وسقيته وأسقيته فهذا يستعمل بغير الهمزة متعديا وبالهمزة كذلك فعلم أن الهمزة ليس لها معنى إلا مجرد النقل خاصة قال الله تعالى:{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ} .

وقال الشاعر: [22]

وحتى الجياد ما يقدن بأرسان

سريت بهم حتى يكل مطيهم

وقال آخر: [23]

نُميرا والقبائل من هلال

سقى قومي بني بكر وأسقى

ص: 427

ثم ذكر بعد ذلك أن الهمزة في صيغة (أفعل) تفيد التعدية والنقل معا قال: [24]

الموضع التاسع: أن تكون للتعدية والنقل معا وذلك أكثر من أن يحصى وذلك إذا كان الفعل في أصله ثلاثيا لا يتعدى فيصير بالهمزة رباعيا يتعدى ويكون متعديا إلى واحد فيصير إلى اثنين، ويكون إلى اثنين فيصير إلى ثلاثة وذلك نحو قام زيد، وأقمت زيدا وكرم زيد، وأكرمته وعطى زيد الكأس، وأعطيتها عمرا، وعلمت زيدا منطلقا، وأعلمت عمرا زيدا منطلقا قال الله تعالى:{وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} والأصل: ترفوا، وقال تعالى:{فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضاً} والأصل تبع بعضهم بعضا وعليه {فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ} وقال الشاعر: [25]

فأتبعتهم طرفي وقد حال دونهم

غوارِب رمل ذي ألاءٍ وشِبرق

وقال آخر: [26]

ب جاءوا تُتْبِع شُخْبا ثَعْولا

فأتبعتهم فيلقا كالسرا

فجمع بينهما.

واعلم أن هذه الهمزة تقوم مقام الباء في التعدية ولا تجمع معها ويجري مجراها التضعيف الخ

قال أحمد فارس في الجاسوس على القاموس نجز حاجته بالفتح ينجزها بالضم نجزا قضاها يقال أنجز حر ما وعد، ونجز الوعد فيكون نجز لازما ومتعديا وقد استطردته هنا لبيان أن العرب تعدي بالهمزة ما يتعدى بنفسه كما تقدم ومثل فاظ فإنه لازم ومتعد ثم تقول أفاظه، ومثله نشر الموتى نشورا حيوا ونشرهم الله يتعدى ولا يتعدى ثم يعدى بالهمزة أيضا فيقال أنشرهم الله، ومثله حسر البعير أي أعيا وحسرته أنا وأحسرته، وساغ الشراب وأسغته وهدر الدم وهدرته وأهدرته.

ص: 428

2_

المعنى الثاني من معاني (أفعل) الصيرورة أي تكون لصيرورة ما هو فاعل (أفعل) صاحب شيء وهو على وجهين: إما أن يصير صاحب ما اشتق منه نحو ألحم فلان أي صار ذا لحم وأطفلت المرأة أي صارت ذا طفل، وأعسر وأيسر وأقل أي صار ذا عسر ويسر وقلة، وأغد البعير أي صار ذا غدة [27] وأراب أي صار ذا ريبة، وكأن (أفعل) هنا تفيد النسب بمعنى ذي كذا قال ابن قتيبة: وأجرب الرجل وانحز وأحال صار صاحب جرب ونحار وحيال في ماله، وإما أن يصير صاحب شيء هو صاحب ما اشتق منه نحو: أجرب الرجل أي صار ذا إبل ذات جرب، وأقطف صار صاحب خيل تقطف (أي أساءت السير وأبطأت) وأخبث أي صار ذا أصحاب خبثاء [28] .

ومن القسم الأول أحصد الزرع أي صار ذا حصاد وبعضهم جعل هذا قسما آخر فقال يجئ (أفعل) بمعنى حان وقت يستحق فيه فاعل (أفعل) أن يوقع عليه أصل الفعل مثل أحصد الزرع، وأجدّ النخل أي حان له أي يجد (أي يقطع ثمره) ، وأقطع النخل (حان قطاعه)[29] .

ومن هذا النوع أي صيرورته كذا، دخول الفاعل في الوقت المشتق منه (أفعل) أصبح (وأمسى) وأفجر، وأشهر، أي دخل في الصباح والمساء والفجر والشهر وكذلك أضحى أي دخل في الضحى.

ملحوظة: الأفعال: أمسى، أصبح، أضحى قد تستعمل ناقصة أي تدل على حدث ناقص (معنى مجرد ناقص) لأن إسناده إلى مرفوعة لا يفيد الفائدة الأساسية المطلوبة من الجملة الفعلية إلا بعد مجيء الاسم المنصوب، فالاسم المطلوب المنصوب (الخبر) هو الذي يتمم المعنى الأساسي المراد، ويحقق الفائدة الأصلية للجملة وهذا يخالف الأفعال التامة فإن المعنى الأساسي يتم بمرفوعها الفاعل أو نائب الفاعل فالفعل (أصبح) مع اسمه يدل على مجرد دخوله في وقت الصباح وليس هذا هو المقصود من الناقصة فإذا جاء الخبر كان كفيلا بتحقيق المراد

ص: 429

وليس السبب في تسميتها ناقصة أنها تتجرد للزمان وحده ولا تدل معه على حدث (معنى) كما يقول بعض النحاة وقد أشار إلى ذلك بإيجاز طيب ومنطق مقبول سليم الأمير على المغني في الباب الثالث [30]

فإذا استعملنا الأفعال الأخيرة بمعنى النقصان فلها أحكام تخصها في باب كان وأخواتها فهي تفيد مع معمولها اتصاف اسمها بمعنى خبرها اتصافا يتحقق مساء في أمسى ويتحقق صباحا في أصبح ويتحقق وفي وقت الضحى من أضحى.

هذا وقد وردت أصبح وأمسى زائدتين في كلام عربي قديم نصه:

(الدنيا ما أصبح أبردها، وما أمسى أدفأها) وهذا لا يقاس عليه.

وقد جاء أفعل بمعنى الدخول في القرآن الكريم ومن شواهد ذلك قوله تعالى: {فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ} أي داخلين في وقت الشروق فهي كأصبح إذا دخل في وقت الصباح، وقال أبو عبيدة المتوفى سنة 211 هجري فأتبعوهم نحو الشرق فهو كأنجد إذا قصد نجدا [31] .

ومن قوله تعالى: {إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ} الهمزة في أصعد للدخول أي دخلتم في الصعيد وذهبتم فيه كما تقول أصبح زيد إذا دخل في الصباح فالمعنى إذ تذهبون في الأرض [32] .

ومنه قوله تعالى: {وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ} أي داخلون في الظلام كما تقول أعتمنا وأسحرنا أي دخلنا في العتمة والسحر [33] .

ومنه قوله تعالى: {فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ} أي آت بما يلام عليه يقال ألام فلان إذا فعل ما يلام عليه وفي البيضاوي وهو مليم أي داخل في الملامة يعني بناء أفعل للدخول في الشيء نحو أحرم إذا دخل في الحرم [34] .

ومنه قوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجاً} من أعصرت أي دخلت في حين العصر فحان لها أن تعصر [35] .

المعنى الثالث (لأفعل) التعريض فتفيد الهمزة أنك جعلت ما كان مفعولا معرضا لأن يقع عليه الحدث سواء صار مفعولا له أم لا.

ص: 430

تقول: أقتلته أي عرضته لأن يكون مقتولا

قتل أو لا، وأبعت الفرس أي عرضته للبيع وأسقيته أي جعلت له ماء وسقيا شرب أم لم يشرب وأقبرته أي جعلت له قبرا، قبر أو لا وقبرته ودفنته، وأشفيته عرضته للشفاء [36] وفي كتاب فعلت وأفعلت للزجاج وقال النحويون أبعته عرضته للبيع وأنشدوا.

فرسا فليس جوادنا بُمباع

ورضيت ألاء الكميت فمن يُبِع

قالوا معناه يعرض للبيع ومعنى ألاء الكميت نعم الكميت جعل نجاءه به من المهالك نعما [37] .

المعنى الرابع (لأفعل) السلب أي أنك تسلب عن مفعوله ما اشتق منه نحو أشكيته أي أزلت شكواه وأعجمت الكتاب أي أزلت عجمه وقد يكون لسلب الفعل عن الفاعل إذا كان لازما كقولهم: أقسط أي أزال عنه القسط وهو الجور ويحتمل هذا المعنى قوله تعالى: {إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا} مضارع أخفى بمعنى ستر والهمزة للإزالة أي أزلت الخفاء وهو الظهور [38] وإذا أزلت الظهور صار للستر كقوله أعجمت الكتاب أزلت عنه العجمة بوضع النقط والحركات وقال أبو علي هذا باب السلب ومعناه أزيل عنها خفاءها وهو سترها [39] قال أحمد تيمور في رسالة السماع والقياس أفعل الذي همزته للسلب مثل شكى فأشكيته أي أزلت شكواه وجاء بعكسه، أحمأت البئر. في القاموس أحمأت البئر ألقيت فيها الحماة (الطين الأسود) وحمأتها كمنعتها نزعت حمأتها [40] .

المعنى الخامس (لأفعل) أنه يأتي لوجود مفعوله على صفة وهي كونه فاعلا لأصل الفعل نحو أكرمت فاربط أي وجدت فرسا كريما وأسمنت أي وجدت سمينا وأبخلته أي وجدته بخيلا، أو كونه مفعولا لأصل الفعل نحو أحمدته أي وجدته محمودا [41] .

وجاء هذا المعنى في القرآن الكريم قال تعالى: {وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا} معنى أغفلنا قلبه وجدناه غافلا [42] .

ص: 431

وقال عمرو بن معديكرب لمشاجع السلمي [43] : "لله دركم يابني سليم قاتلناكم فما أجبلناكم (أي فما وجدناكم جبناء) ، وسألناكم فما أبخلناكم (أي ما وجدناكم بخلاء) ، وهاجيناكم فما أفحمناكم (أي فما أسكتناكم) "

وجاء في الشعر قوله [44] :

وكل شيء سوى الفحشاء يأتمر

لا يصعب الأمر إلا ريث يركبه

ومعناه لا يصعب الأمر لآ يجده صعبا كقولهم أبخلته وجدته بخيلا فهو لا يجد الأمر صعبا إلا وقت ركوبه.

وقد عقد الجواليقي بابا خاصا بأفعلت الشيء أي وجدته على صفته وقال ابن جني في الخصائص ج3 ص253: واذكر يوما وقد خطر لي خاطر مما نحن بسبيله فقلت: لم أقام إنسان على خدمة هذا العلم ستين سنة حتى لا يحظى منه إلا بهذا الموضع لما كان مغبونا فيه ولا منتقص الحظ ولا السعادة به وذلك قول الله تعالى: {وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً} ولن يخلو {أَغْفَلْنَا} هنا من أن يكون من باب أفعلت الشيء أي صادفته ووفقته كذلك كقوله: (وأهيج الخلصاء من ذات البرق)[45] أي صادفها هائجة النبات وقوله: (فمضى وأخلف من قتيلة موعدا [46] ) أي صادفه مخلفا.

وقوله: [47]

بآخرنا وتنسى أولينا

أصم دعاء عازلتي تحجّي

وقوله: [48]

عن الجود والمجد يوم الفخار

فأصممت عمرا وأعميته

أي صادفته أعمى: وحكى الكسائي: دخلت بلدة فأعمرتها أي وجدتها عامرة ودخلت بلدة فأخربتها أي وجدتها خرابا ونحو ذلك.

ثم يعقب ابن جني بعد هذا بقليل بقوله: وإذا صح هذا الموضع ثبت به لنا أصل شريف يعرفه من يعرفه ولولا ما تعطيه العربية صاحبها من قوة النفس ودربة الفكر لكان هذا الموضع ونحوه مجوزا عليه غير مأبوه له.

ص: 432

وقال ابن قتيبة في أدب الكاتب [49] : باب أفعلت الشيء وجدته كذلك أتيت فلانا فأحمدته وأذممته وأخلفته أي وجدته محمودا مذموما ومخلافا للوعد، وأتيت فلانا فأبخلته وأجبنته وأحمقته وأنوكته وأوهجته إذا وجدته كذلك وأقهرته إذا وجدته مقهورا.

وأنشد:

فأمسى حصين قد أندَّ وأقهر الخ

تمنى حصين أن يسود جذاعه

المعنى السادس المستفاد من صيغة (أفعل) الإعانة كأحلبت فلانا وأرعيته أي أعنته على الحلب والرعي [50] .

المعنى الثامن المستفاد من أفعل المطاوعة (لفعّل) كفطرته فأفطر وبشرته فأبشر [51] وقد يكون مطاوعا (لفعل) المتعدي بغير تشديد العين –فيكون أفعل لازما بالهمزة وبغير الهمزة يكون متعديا مثل عرضت الشيء أي أظهرته فأعرض أي ظهر، وكبه الله على وجهه فأكب، وقد ذكر السيوطي في الأشباه والنظائر جملة منها [52] وكذلك الفيومي في خاتمة المصباح.

وجاء أيضا بعضها في المزهر [53] قال السيوطي: ليس في كلامهم (أفعل الشيء) وفعلته إلا أكب وكببته، وأقشعت الغيوم وقشعتها الريح، وأنسل الريش والوبر ونسلتها وأنزفت البئر ونزفتها، وأشنق البعير رفع رأسه وشنقته بزمامه.

ص: 433

ومنه قوله تعالى: {أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى} قال أبو حيان [54] : من أكب وهو لا يتعدى وكب متعد قال تعالى: {فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ} والحديث "وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم" فقال يكب بالفتح، وقد عقد لها ابن جني بابا في الخصائص [55] قال هذا هو الحديث أن تنقل بالهمز فيحدث النقل تعديا لم يكن قبله، غير أن ضربا من اللغة جاءت فيه هذه القضية معكوسة مخالفة فتجد (فعل) فيها متعديا و (أفعل) غير متعد وذلك قولهم: أجفل الظليم وجفلته الريح، وأشنق البعير إذا رفع رأسه وشنقته وأنزف البئر إذا ذهب ماؤها ونزفتها، وأقشع الغيم وقشعته الريح، وانسل ريش الطائر ونسلته وأمرت الناقة إذا در لبنها ومريتها (أي مسحت ضرعها لتدر) ونحو من ذلك ألوت الناقة بذنبها، ولوت ذنبها، وصرّ الفرس أذنه، وأصر بأذنه [56] وكبه الله على وجهه وأكب هو. وعلوت الوسادة وأعليت عنها. فهذا نقض عادة الاستعمال لأن فعلت فيه متعد وأفعلت غير متعد وعلة ذلك عندي أنه جعل تعدي (فعلت) وجمود (أفعلت) كالعوض (لفعلت) من غلبة (أفعلت) لها التعدي نحو جلس وأجلسته.

ص: 434

وقال العلامة أحمد تيمور باشا في رسالة السماع والقياس ص 69 أفعل الذي همزته للتعدية دخول هذه الهمزة على بعض أفعال وجعلها لها لازمة انظر مادة (حجم) في اللسان، وانظر فائدة في ذلك في آخر نسخة السعد على التصريف العزى ص 127 -131، وانظر ضرّه وأضرّ به في القاموس، وانظر باب نقض العادة في الخصائص ج 2 ص 32 وانظر فقه اللغة للصاحبي ص 69، مادة جفل من المصباح (جفلته فأجفل على العكس من المشهور) وله نظائر تأتي في الخاتمة أي في الفصل الذي أورده في الثلاثي اللازم وتعديته وهو ثالث فصل في الخاتمة، وفي مادة (قشع) منه (قشعته فأقشع) من النوادر وفي كببته فأكب، وهمع الهوامع ج 2 ص 81 ذكر كببته فأكب وأقشع الغيم وانسل الطائر، وقد يكون عكس ذلك قال ابن قتيبة ص 483 باب أفعلته ففعل تقول أدخلته فدخل، وأخرجته فخرج، وأجلسته فجلس، وأفزعته ففزع، وأخفته فخاف، وأجلته فجال، وأمكثته فمكث هذا القياس وقد جاء في هذا انفعل وافتعل قال الكميت: ولا يدرى في حميت السكن تندخل.

وقال آخر:

بالخيل تحت عجاجها المنجال

وأبى الذي ورد الكلاب مسوما

والقياس تدخل والجائل.

أفعل بمعنى فعل عند أهل اللغة

ص: 435

ويجيء أفعل بمعنى فعل كثيرا في اللغة والأصل اختلاف معنييهما وقد ألفت كتب كثيرة تحمل هذا الاسم فعلت وأفعلت، أو فعل وأفعل والكتب التي تناولت هاتين الصيغتين من الفعل الواحد حين تتفقان في المعنى أو تختلفان أو لا يرد للعرب إلا إحداهما وأول من ألف في هذه الصيغة الخاصة من الأفعال قطرب المتوفى سنة 206 هجري والفراء المتوفى سنة 207 هجري ثم أبو عبيدة ستة 210 هجري، والأصمعي سنة 213 هجري وأبو زيد الأنصاري سنة 215 هجري وأبو عبيدة القاسم بن سلام سنة 224 هجري وورد في أبواب من الغريب المصنف وقد خص أبو عبيدة هاتين الصيغتين بالأبواب الأولى مما خصصه الأفعال وعالجهما حين يتفق معناهما أو يختلف، أو يختلفان في التعدي واللزوم وقد تأثر به ابن قتيبة في ذلك إلا أنه أحسن تصنيفهما وتوسع ابن السكيت أيضا وعنى بموقف العامة.

ثم عالج أبو عبيدة صيغة (أفعل) وحدها وألف فيها أيضا أبو محمد عبد الله بن محمد التوزي سنة 233 هجري ويعقوب السكيت توفى سنة 246 هجري وقد أفرد بابين من إصلاح لمنطق لخلط العامة بين هاتين الصيغتين [57] ، وأبو حاتم سهل بن محمد السجستاني توفى سنة 255 هجري تقريبا، وأبو العباس الأحول تلميذ ابن الأعرابي، وخصص له ابن قتيبة توفى سنة 276 هجري أبوابا من كتاب الأبنية في أدب الكاتب، وألف فيه من أهل القرن الرابع الزجاج سنة 311 هجري وابن دريد سنة 321 هجري وابن درستويه سنة 347 هجري وأبو علي القالي سنة 356 هجري وأبو بكر محمد بن عمر المعروف بابن القوطية سنة 367 هجري ثم ألف فيه أبو البركات بن الأنباري سنة 577 هجري ثم القاسم بن القاسم الواسطي سنة 626 هجري كما ألف فيها أيضا ابن سيدة في كتابه المخصص فقد عقد أبوابا في السفر الخامس عشر وقد شغل 133 صفحة تقريبا وابن القطاع سنة 455 هجري في كتابه الأفعال الذي عنى بفعل وأفعل في أول كل باب.

ص: 436

فمن ذلك ما رواه أبو زيد الأنصاري في النوادر قال: وأمهرت وأصدقت واحد قال أبو الحسن أخبرني أبو العباس محمد بن يزيد قال ومهرت المرأة هي المشهورة الفصيحة وأمهرت لغة وليست في جودة الأولى وأنشدنا المازني عن الرياحي لقحيف العقيلي.

وأمهرن أرماحا من الخط ذُبَّلا

أخِدْن اغتصابا خطبة عجرفية

قال وكذلك زففت المرأة هي اللغة الجيدة وأزففت لغة وقال في ص 212 –213:

وقالوا بقرة فارض من بقر فوارض وهي السمينة وبقرة عوان من بقر عون وهي التي نتجت بعد بطنها البكر ويقال أعوان بقرتكم أم لا؟ يقول أنتجتموها بعد البطن الأول شيئا قال أبو الحسن هكذا قال أنتجتموها وهو صواب صحيح والمحكي من غيره وهو الشائع نتجت الناقة فهي منتوجة قال الأصمعي ولا يخبر عنها بفعل البتة إلا أن تضع هي وحدها فتعاني ذلك من نفسها فيقال خلت فأنتجت قال وإلا فالمسموع نتجت الناقة ونتجها أهلها وقوله أنتجت يجوز أن يكون في معنى نتجت [58] ويجوز أن يكون جعلت لها نتاجا فقط قالوا في أسقاه الله أنه في مهنى سقاه الله وأنشدوا قول لبيد:

نميرا والقبائل من هلال

سقى قومي بني نجد وأسقى

وقال الأصمعي هما يفترقان وهذا الذي أذهب إليه قال معنى سقيته أعطيته ماء لشفته ومعنى أشقيته جعلت له ماء يشربه، أو عرضته لذلك، أو دعوت له كل هذا يحتمل هذا اللفظ وأنشد قول ذي الرمّة [59] :

فما زلت أبكي عنده وأخاطبه

وقفت على ربع لمية ناقتي

تكلمني أحجاره وملاعبه

وأسقيه حتى كاد مما أبثه

قال أسقيه أدعو له بالسقيا وهذا أشبه بكلام العرب وقال ابن الأعرابي أسقيه من دمعي وهذا غير بعيد من ذلك المعنى أي أجعله له سقيا من دمعي على سبيل الإغراق والإفراط.

وقال ابن القطاع [60] وسقيتك شرابا وأسقيتك والله تعالى عباده وأرضه كذلك ويقال سقاه لشفته وأسقاه لماشيته وأرضه، وسقاه جلدا أعطاه إياه يتخذه سقاء عن الأصمعي.

ص: 437

وقد ذكر ابن القطاع [61] بابا لما جاء على أفعل وفعل والمعنى متفق قال في مادة (رمل) رملت الحصير رملا، وأرملت نسجته ورمل في السير رملا أسرع، وأرمل القوم فنى زادهم والمرأة صارت أرملة.

وفي مادة ركس: ركس الله العدو ركسا وأركسه رده وقلبه على رأسه وقرئ بهما.

وفي مادة رشق رشقت بالسهم رشقا وأرشقت به رميته ورغت إلى الشيء رغا وأرغت أصغيت.

وردحت الخباء وأردحته وسعته بردحة في آخره وهي الشقة، ورعدت السماء وأرعدت، ورفل في مشيته وأرفل تبختر ومشى مختالا.

وقال في الجزء الثالث مادة وحده وحدت الشيء وأوحدته، ووقف الشيء وقفا ووقوفا ثبت وأوقفت الدار والدابة لغة تميمية.

وبرقت السماء برقا وبروقا وأبرقت لمعت والرجل تهدد والثلاثي في السماء أفصح والثاني لغة.

فهذه جولة في كتاب الأفعال لابن القطاع المتوفى سنة 515 هجري تثبت مجيء فعل وأفعل بمعنى واحد.

وبالنظر في كتاب الأفعال لابن القطاع نجد ما لا حصر له من هذا المعنى المتفق لأفعل بمعنى فعل ومثله كتاب فعلت وأفعلت للزجاج قال في مقدمة كتابه هذا كتاب نذكر فيه ما تكلمت به العرب على لفظ فعلت وأفعلت والمعنى واحد وما تكلمت به العرب على لفظ فعلت وأفعلت والمعنى مختلف، وما ذكر فيه أفعلت وحده مما يجري في الكتب والمخاطبات وهو مصنف مبوب على حروف المعجم ثم قال باب الباء من فعلت وأفعلت والمعنى واحد تقول: بشرت الرجل بخير وأبشرته، أبشر وأبشره وبشرته مشددا وبشرته أيضا من البشارة، وإنما قيل البشارة لأن الرجل إذا سمع ما يحب حسنت بشرة وجهه.

ويقال بل من مرضه وأبل يبل، يبِّل، ويقال بدأ الله الخلق يبدأهم بدءا وأبدأهم إبداء قال تعالى:{قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ} وقال تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ} فهذا من أبدأ وقال جرير:

فلا بدئى حضرت ولا معادي

بدأنا بالزيارة ثم عدنا

ص: 438

وقال أيضا:

بأهل الملك أبدأ ثم عادا

هنيئا للمدينة إذ أهلت

ويقال بكر الرجل في حاجته يبكر

قال زهير:

فهن لوادي الرّس كاليد للفم

بكرن بكورا واستحرن بسحرة

وأبكر إبكارا، قال ابن أبي ربيعة:

غداة غد أم رائح فمهجر

أمن آل نعم أنت غاد فمبكر

ويقال تم الله عليه النعمة وأتم عليه إذا أسبغها، وتبع الرجل الشيء وأتبعه بمعنى واحد، قال الله تعالى:{فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى} وقال تعالى: {فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ} وأتربت الكتاب وتربته جعلت عليه التراب.

قال أبو عبيدة وأبو الخطاب يقال ثوى بالمكان وأثوى إذا أقام به وأنشد بيت الأعشى:

فمضى وأخلف قيلة الموعودا

أثوى وقصّر ليله ليرودا

ويقال ثاب إلى الرجل جسمه وأثاب إليه جسمه إثابة إذا رجع، وثرى المكان وأثرى إذا ندي بعد يبس وكثر فيه الندى، وكذلك ثرى القوم وأثروا إذا كثرت أموالهم، وثلجت السماء وأثلجت من الثلج.

يقال جدي الرجل واجدي إذا انتصب

ويقال جنة الليل وأجنة وجن عليه الليل إذا أظلم عليه وستره جنونا وجنانا وإجنانا، وجننت الرجل وأجننته إذا دفنته، ويقال جلى الرجل بثوبه وأجلى إذا رمى به، وجلى القوم عن ديارهم وأجلوا إذا تركوها وخرجوا عنها، وجنب الرجل من الجنابة وأجنب، وحفل القوم وأحفلوا إذا انهزموا بجماعتهم، وكذلك جفل النعام يجفل جفلا وأجفل إجفالا، ويقال جفأت الباب أجفؤه جفا، وأجفأته إذا أغلقته، ويقال جد في الأمر وأجد فيه إذا ترك الهوينات ولزم فيه القصد والاستواء ومن هذا قيل جاد يجيد، وجاح الله مال العدو وأجاحه إجاحة وجرم الرجل وأجرم إذا كسب جرما فهو جارم ومجرم.

وجرى الرجل إلى الشيء وأجرى إليه إذا قصد إليه وجاز الرجل الوادي وأجازه إذا قطعه ونفذه –وقال الأصمعي جزته نفذته وأجزته قطعته.

ص: 439

وجفا الوادي وأجفأ إذا رمى بغثائه، وجبرت الرجل على الأمر وأجبرته أكرهته عليه، وجهدت الفرس وأجهدته إذا استخرجت جهده، وكذلك جهدت في الأمر وأجهدته إذا بلغت جهدي فيه، وجدعت غذاء الصبي وأجدعته إذا أسأت غذاءه، وجدعت أنفه وأجدعته إذا قطعته وجدب البلد وأجدب إذا لم ينبت شيئا، وجحد الرجل وأجحد إذا أقل خيره، وجمت الحاجة إذا حضرت. وجم الفرس وأجمّ، وجهشت نفسه وأجهشت، وجال الرجل بالشيء وأجال به إذا طاف به، وجلب الجرح وأجلب إذا أخذ في البرء وصارت فيه جلدة رفيعة، وجنح الليل وأجنح إذا مال، وجلد الموضع وأجلد من الجليد وجمر الفرس وأجمر إذا وثب في القيد.

يقال حسنه وأحسنه إذا أغضبه ومثله في معناه حمسه وأحمسه بالسين، وحببت الشيء وأحببته في معنى واحد وهو محبوب ومحب، وحققت الحديث وأحققته إذا تبينته وحال الرجل في ظهر دابته وأحال إذا وثب واستوى على ظهرها، وحل الرجل من الإحرام وأحل إذا خرج منه قال الله تعالى:{وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} وقال زهير:

ومن بالقنان من محل ومحرم

جعلن القنان عن يمين وحزنه

ص: 440

فهذا من أحل، وحصب القوم يحصبون إذا ولوا عنه وأحصبوا عنه إحصابا، وحدق القوم بالشيء وأحدقوا به إذا صاروا حوله، وحزنني الأمر وأحزنني وأمر محزن وحازن، وحمت الحاجة وأحمت إذا دنت، وحدت المرأة على زوجها وأحدت إذا تركت الزينة، وحشمت الرجل، أحشم وأحشمته احتشاما إذا جلس إليك فأذنته وأسمعته مكروها وحشت يده وأحشت إذا يبست، وحمى الرجل المكان وأحماه إذا منعه، وحفت الماشية من الربيع إذا سمنت وأحفت مثله، وضربه فما حاك فيه السيف وما أحاك، وحنكت السر وأحنكته، وحنكه أيضا التشديد وحكم الرجل الدابة وأحكمها إذا جعل لها حكمة وحصر غائطه إذا احتبس، ويقال للرجل من حصرك هاهنا ومن أحصرك، وحر النهار يحرّ حرا وأحر إحرارا مثله، وحاط الرجل بالشيء وأحاط به وحدثت الدابة في السفر وأحدثتها إذا أهزاتها وكذلك حدث الرجل نفسه وأحدثها إذا أتعبها وأذابها ورى في الحديث "فما فعلت نواضحكم قالوا حدثناها يوم بدر"(أي أهزلناها) ، وحتر الرجل الحبل وأحتره إذا شد فتله وأحكم عقده.

وحال الرجل وأحال إذا أتى عليه الحول، وحالت الناقة والنخلة إذا لم تحمل حملا، وحكك الأمر على الرجل وأحكك إذا أشكل، وحسى الولد في بطن أمه وأحسى إذا يبس وحبس الرجل دابته في سبيل وأحبسها وحقن الرجل بوله وأحقنه، وحرمت الرجل عطاءه وأحرمته ألغيتها، وحسرت الناقة وأحسرتها.

ص: 441

ويقال خلس الرجل وهو خليس وأخلس فهو مخلس إذا اختلط البياض بالسواد، وخطئت الشيء أخطؤه خطا وخطاء وأخطأت أخطئ في معنى واحد، وخضعه الكبر وأخضعه خضعا وإخضاعا، وخفق الطائر بجناحه وأخفق أي صفق بهما، وخنب الرجل وأخنب إذا هلك، وخم اللحم وأخم إخماما أي تغيرت رائحته وخلق الثوب وأخلق صار خلقا، وخلف فم الصائم وأخلف فم الصائم وأخلف وعده فهو خالف والنبيذ مثله إذا خالف تقديرك فيه، وخرطت الشاة وأخرطت إذا انحدر لبنها في ضرعها، وخدجت الناقة وأخدجت إذا ألقت ولدها غير تام، وخدر الأسد وأخدر فهو خادر ومخدر إذا استتر في حبسه، وخلى الرجل على الشيء وأخلى عليه إذا لم يخالط به غيره، وخلد الرجل إلى الأرض وأخلد أي مال إليها ولزمها ورجل مخلد إذا أبطأ عنه الشيب والفعل منه أخلد لا غير، وخصب المكان وأخصب إذا كثر الخصب فيه، وخمس الرجل القوم وأخمسهم أي صاروا خمسة وخبيت الخباء وأخببته إذا عملته، وخسرت الميزان وأخسرته ويقال خنست وأخنست أي أسأت في القول.

يقال دجى الليل وأدجى أي أظلم، ودجن الغيم وأدجن إذا لبس الأرض ودام مطره فهو يدجن وداجن، ودير بالرجل وأدير به فهو مدور به ومدار به، وديم به، وأديم به مثله ودبر الليل وأدبره أي ولى وداد الطعام وأداد إذا وقع فيه الدود، ودسمت القارورة وأدسمتها أي شددت رأسها، واسم ما يشد به الدسامة مثل الصمانة، ودخنت النار وأدخنت.

تقول ذرا ناب الفحل يذر ذروّا، وأذرى يذري إذراء إذا كل ورق قال أوس بن حجر:

تخمط فينا ناب آخر مقرم

إذا مقرم منا ذرا حدّنا به

وقال آخر:

على النأي عني اليوم عمر بن أخرقا

فيا راكب إما عرضت فبلغن

إذا الحرب أذرى نابها ثم حرقا

رسالة من لا يرتجي العطف منكم

وذرت الريح التراب تذروه ذروا وأذرته إذراء إذا رمته.

ص: 442

يقال رصدت القوم بالخبر رصدا فأنا راصد وأرصدتهم إرصادا فأنا مرصد قال الله تعالى: {وَإِرْصَادَاً لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} ، ورمى الرجل على الستين وأرمى عليها إذا زاد عليها في السن، ورمل الرجل الحصير رملا وأرمله إرمالا أي نسجه وركس الله العدو وأركسه أي رده وقلبه على رأسه وراح الرجل الشيء وأراحه أي شم رائحته ورذت السماء وأرذت من الإرذاذ وهو الصغير من القطر ورعشت يد الرجل وأرعشت أي ارتعدت، وراع الطعام وأراع ريعا أي زاد، وردفت الرجل وأردفته إذا ركبت خلفه، وردحت البيت وأردحته من الردحة وهي قطعة تدخل فيه وردفت الدابة وأردفتها أي جعلت لها رفادة، ورسنت الدابة وأرسنت أي جعلت لها رسنا، ورحبت الدار وأرحبت أي اتسعت، ورفث الرجل وأرفث إذا فحش ورشح الرجل عرقا وأرشح، ورشقت في الرمي وأرشقت أي رميت، ورثّ الشيء وأرثّ أي أخلق وصار رثا، ونقول كلمني فلان فما رجعت إليه كلمة وما أرجعت إليه كلمة بمعنى واحد قال أبو عبيدة رابني الشيء بمعنى واحد، ورغثت الرجل بالرمح وأرغثته إذا طعنته به مرة بعد أخرى، ورعدت السماء وأرعدت أي جاءت برعد، ورعد الرجل وأرعد إذا أوعد وتهدد، ورعظت السهم وأرعظته أي جعلت له رعظا وهو مدخل سنخ الفصل في السهم، ويقال رعصت الريح الشجرة وأرعصتها أي نفضتها.

تقول زكنت للرجل بخير أو شر، وأزكنت ظننت، وزكى الزرع وأزكى أي ارتفع، وزهى النخل وأزهى إذا بدت فيه الحمرة والصفرة وزهم العظم وأزهم أي صار فيه مخ، وزحف الصبي وأزحف أي لم يقدر على النهوض مهزولا كان أو سمينا، وزفت العروس زفا وأزففتها إزفافا، وزلق الرجل رأسه وأزلقه أي حلقه، وزال الرجل الشيء يزيله وأزاله يزيله إذا محاه، وزهرت الأرض وأزهرت إذا كثرت زهرتها وزهرت عينه وأزهرت أي احمرت من الغضب ويقال زعفته وأزعفته إذا لحقته فقتلته مكانه.

ص: 443

يقال سعد الله جُدَّه فهو مسعود وأسعده وسند الرجل في الجبل وأسند أي صعد وسكن الرجل وأسكن أي صار مسكينا، وسمح الرجل الشيء وأسمح به، وحست الرجل الشيء وأسحته إسحاتا أي استأصله وسنع البقل وأسنع إذا طال وحسن فهو سانع وسَفَنَ الرجل الباب وأسفنه إذا رده، وسملت بين القوم وأسملت أصلحت، وسمل الثوب وأسمل أي أخلق، وسقت الصداق إلى المرأة وأسقته وسرع الرجل إلى الشيء وأسرع إليه، وساس الطعام وأساس أي أكله السوس. وساست الشاة وأساست إذا صار القمل في أصول صوفها، وسنفت البعير وأسنفته إذا جعلت له سنافا وهو خيط وسير يشد به من جانبي البطان، وسريت القوم وأسريت بهم إذا سرت بهم ليلا، وسؤت بهم ظنا وأسأت به، وسفر الرجل القوم سرا وأسفرهم سرا إذا كثر فيهم السر، وسكت الرجل عن الكلام وأسكت، وسقط في كلامه وأسقط، وسلكه الطريق وأسلكه وسقيت الرجل وأسقيته قال لبيد بن أبي ربيعة:

نميرا والقبائل من هلال

سقى قومي بني نجد وأسقى

وسقف الحوض وأسقفته، وسعطه وأسعطه قال الأصمعي: تقول العرب لا آتيك ما سمّر ابنا سمير، وما أسمرا أي ما اختلف الليل والنهار، وسفرت البعير وأسفرته من السفار وهو الحديد في أنف البعير، وسحقت الريح السحاب وأسحقته أي ذهبت به، وسفت الريح التراب وأسفته أي حملته ورمت به، وسرت الدابة وأسرته.

شبرت فلانا ملا وسيعا شبرا أو شبيرا إذا أعطيته وأشبرتها مثله قال أوس بن حجر يصف درعا:

غدير جرت في متنه الريح سلسل [62]

واشبرنيها الهالكي كأنها

وشترت عين الرجل وأشترها إذا شققت جفنها الأعلى وشعبت الناقة وأشبعت إذا لم يكن لها حمل ولا لبن ويقال شغلني الرجل وأشغلني وأفصحهما شغلني.

ص: 444

وشنقت الناقة وأشنقتها إذا كففتها بزمامها، وشنق الرجل القربة وأشنقها شدّ رأسها إلى عمود الخباء، وشسعت النعل وأشسعنها جعلت لها شسعا، وشمس يومنا إذا طلعت شمسه وشظظت الوعاء وأشظظته إذا جعلت فيه الشظظ، وشررت الثوب وأشررته إذا لبطته (أي نشره ليجف) وشررت الملح وأشررته إذا جففته، وشاعه الله السلام وأشاع السلام قال الشاعر:

برود الظل شاعكم السلام

ألا يا نخلة من ذات عرق

وشار الرجل العسل شورا وأشاره إشارة إذا جناه، شكرت الشجرة وأشكرت إذا بدا ورقها الصغار، وشكل الأمر على الرجل وأشكل، وشط الرجل في القوم وأشط إذا جار، وشكرت الرجل وأشكرته إذا أعطيته طعاما أو غيره، وشجاني الأمر وأشجاني.

قال أبو زيد صمت الرجل صمتا وأصمت إصماتا وصفحت الرجل عن حاجته إذا رددته، وصدني الرجل عن الأمر وأصدني عنه، وصففت السرج وأصففته جعلت له صفة، وصغى القمر وأصغى إذا مال للغروب، وصر الفرس أذنيه وأصر بأذنيه إذا أصغى بهما إلى الصوت، وصاب السهم وأصاب إذا وقع في الرمية وصاب السحاب الموضع وأصابه إذا أمطره، وصليته النار وأصليته إذا أدخلته النار، وصلت الناقة وأصلت إذا استرخى صلواها والصِّلوان مكنفا الذنب، وصرد الرجل السهم وأصرده إذا أنفذه.

يقال ضاء القمر وأضاء، وضبعت الناقة وأضبعت إذا أرادت الفحل، وضررت الرجل وأضررت به وضربت عن الشيء وأضربت عنه إذا أعرضت عنه، وضبر الفرس ضبرا وأضبر إضبارا إذا جمع قوائمه ووثب.

يقال طعت الرجل وطعته طوعا وأطعته بمعنى واحد وطاع النبت وأطاع إذا أمكن من رعيه، وطل دم الرجل وأطل إذا أهدر، وشطت السماء وأشطت إذا أمطرت مطرا ضعيفا، وطاف الرجل بالقوم إذا دار على القوم وطلع على القوم وأطلع عليهم إذا أشرف عليهم وطلع النخل وأطلع إذا ظهر طلعه ويقال طلق الرجل يده بخير وأطلقها بخير ويقال طال عليه الليل وأطال عليه إطالة بمعنى واحد وطفلت الشمس وأطفلت إذا دنت للغروب.

ص: 445

وطف لك الشيء وأطف إذا سنح لك ويقال خذ ما طف لك وخذ ما أطف لك أي ما ارتفع لك وسنح.

قال أبو زيد يقال ظلفت الأثر ظلفا إذا اتبعت ما غلظ من الأرض لئلا ينص أثرك، وأظفلت الأثر مثله، ويقال ظلم الليل وأظلم إذا اشتدت ظلمته.

يقال عمر الله بك منزلك، وأعمر الله بك منزلك بمعنى واحد، وعرشت الكرم وأعرشته إذا جعلت له عريشا،

غضبت الشيء وأغضبته إذا كسرته، وعلمت الشفة وأعلمتها إذا شققت العليا

عذرت الغلام وأعذرته إذا ختنته، وعذر الرجل من نفسه وأعذر إذا أتى بالعذر، وعصفت الريح عصوفا وأعصفت إعصافا إذا اشتد هبوبها، وعجفت الدابة عجفا وأعجفت إعجافا إذا هزلت، وعاذت الناقة بولدها تعوذ عياذا، وأعاذت إعاذة إذا طافت ولزمته، ويقال عصدت العصيدة وأعصدتها إذا لويتها، وعصفت القارورة وأعصفتها إذا سددت رأسها بالعصاف وهو مثل الصمام

وعننت الفرس وأعننته إذا جعلت له عنانا

وعتم الليل وأعتم إذا ظلم، وعلفت الدابة وأعلفتها، وعاض فلانا إذا أعطاه عوضا من الشيء وأعاضه مثله

وعقمت المرأة وأعقمت إذا كانت لا تحمل، وعثرت عليه أعثر وأعثرت وأعثر إذا وقفت منه على ما كان قد خفى عليك

وعرت عين الرجل أعورها عورا وأعورتها إعوارا

وعفّت الفرس وأعفّت إذا عظم بطنها وهي حامل، وعافاه الله وأعفاه بمعنى واحد

وعكل عليه الأمر وأعكل إذا شكل

وعمرت الشيء وأعمرته إعمارا

وعدمت الشيء وأعدمته بمعنى واحد.

يقال غلّ الرجل الغنيمة غلولا وأغل إغلالا إذا سرق منها، وغمدت السيف وأغمدته، ويقال غسق الليل وأغسق، وغسّى وأغسّى، وغطش وأغطش وغبش وأغبش كل هذا إذا أظلم، وغُمِي على الرجل وأغمي عليه، وغبَّ اللحم وأغبَّ إذا تغير، وغرضت الناقة وأغرضتها إذا شددتها بالغوضة وهي للناقة مثل الحزام للفرس.

ص: 446

وأغربت بالشيء وغربت به إذا لهجت به ولزمته، وغامت السماء وأغامت السماء وأغتمت

وغار القوم وأغاروا أتو الغور، وغرست الشجرة وأغرستها إغراسا وغبن الرجل وأغبن الرجل إذا غشي عليه قال وكذلك إذا أحاط به الدين.

يقال فلجت على الخصم وأفلجت عليه، وفرشت الرجل فراشا وأفرشته إفراشا إذا جعلت له فراشا، وفاحت الرائحة وأفاحت وفردت النصيب وأفردته، وفند الرجل وأفند فنادا إذا كذب، وفتيت الرجل وأفتيته من الفتية، وفحش الرجل عليه وأفحش عليه، وفحلته فحلا وأفحلته إفحالا إذا أعطيته فحلا

وما فتئت أذكره وأفتأت أذكره ويقال: فاخ الرجل يفوخ ويفيخ فيخا وأفاخ إفاخة إذا خرجت منه ريح فصوتت، وفريت التمر وأفريته إذا أفتته وكل مفت مفروت، وفسح المكان وأفسح إذا اتسع، وفتكت به وأفتكت به من الفتك، ويقال: فرقت النفساء فريقة وأفرقتها إذا أطعمتها الفريقة وهي التمر يطبخ بالحلبة، وفغر الرجل فاه وأفغره إذا فتحه

وقال الأصمعي وأبو عبيدة فريت الشيء وأفريته إذا قطعته وفشعت الرجل وأفشعته إذا ضربته بالسوط.

يقال قبل الرجل الشيء وأقبله، وعام قابل ومقبل، وقلب الرجل في البيع وأقلبه

وقدعته عني بالدال (المهملة) إذا أكفيته،،، وقصر الرجل عن المجد وأقصر، وقهيت عن الطعام وأقهيت عنه، وقهمت عنه أيضا إذا تركته ولم تشتهيه، وقبلت النعل وأقبلتها إذا جعلت لها قبالا، وقذعت الرجل بلساني وأقذعته إذا شتمته، وأسمعته ما يكره، وقرنت السماء وأقرنت إذا دام مطرها، وقوى الموضع وأقوى إذا خلا، وقتر الرجل على نفسه وأقتر إذا ضيق في النفقة، وقتر السرج وأقتر إذا لزم، وقعمت الرجل وأقعمته إذا قهرته، وقطع بالرجل وأقطع به، وقطرت عليه الماء وأقطرته، وقمّ الفحل الناقة وأقمها إذا لقمها وفرغ من ضرابها.

ص: 447

وقبست الرجل وأقبسته، وقصّت الفرس وأقصت إذا ذهب وداقها وهو شهوتها للفحل، وقهرت الرجل وأقهرته وقصّى الرجل النسرين وأقصّه إذا ألقى عليه سكرا أو قندا، وقصرت الثوب وأقصرته إذا جعلته قصيرا، وقررت ماء في أسفل الإناء وأقررته إذا صببته، وقممت الرجل في الماء وأقممته إذا عطعطته في الماء، وقلته في البيع وأقلته وقطيت الشراب وأقطيته إذا مزجته.

يقال كن الرجل كنّا وأكنه إكنانا إذا غطاه وستره، وكئب الرجل وأكأب من الكآبة إذا حزن، وكنبت يد الرجل وأكنبت إذا غلظت من علاج شيء يعمله

وكشفت الناقة وأكشفت إذا تابعت من النتاجين، وكمأت الرجل وأكمأته إذا أطعمته الكمأة، وكمأ الرجل شهادته وأكمأها إذا كتمها، وكرن الحمار وأكرن إذا شم البول ثم رفع رأسه، وكلأت الإبل وأكلأت إذا أكلت وكل نبت يرعى فهو كلأة.

يقال لاق الرجل الدواة وألاقها

وقال أهل اللغة أصل هذا أن يحبس الأنفاس فيها، ولحفت الرجل الثوب وألحفته إياه

ولمع بثوبه وألمع به إذا أشار به، ولحد عن القصد وألحد إذا مال، وكذلك لحدت الميت وألحدته جعلت له لحدا، ولحقت القوم وألحقتهم، ورووا: أن عذابك بالكافرين ملحق ولاحق، ولغط القوم وألغطوا إذا ضجوا ولم يأتوا بما يفهم، ولبدت السرج وألبدته جعلت له لبدا ولخوت الغلام وألخوته إذا أسعطته، ولاح السيف وألاح إذا برق قال الشاعر:

كأنه ضرم بالكف مقبوس

وقد ألاح بعدما هجعوا

ولاذ الطريق بالدار وألاذ بها إذا أحاط بها

ولاذ الرجل وألاذ به إذا دار وطاف حوله، ولظ الرجل وألظه إذا ستره، ولاثنى الشيء عن وجهي وألاثنى إذا صرفني وأمر لائث ومليث، ولبدت الخف وألبدته وخف ملبود وملبد.

يقال: نعم الله به عيشنا، وأنعم بك عيشنا وقال الشاعر:

سل والمرسل الرسالة عينا

نعم الله بالرسول الذي أر

ص: 448

ونصف النهار وانتصف، وأنصف، ونحد الفرس وأنحد إذا جرى عرقه من العدو، ونزف الرجل عبرته وأنزفها، ونكرت الشيء، وأنكرته، ونويت الصوم وأنويته نمن النية، ونويت التمر وأنويته إذا أكلت ما على النوى منه ورميت بالنوى، ونويت فلانا وأنويته إذا قضيت حاجته، ونحوت الجلد وأنحيته إذا كشطته، ونميت الشيء أنميه نماء إذا رفعته، وأنميته إنماء مثله، ونبت البقل نباتا وأنبت إنباتا، ونصع الرجل بالحق نصوعا وأنصع به إذا أقرى به، ونضر الله وجهه، وأنضر الله وجهك أي حسنه ونفله الله وأنفله إذا أعطاه، ونحا بصره إليه ينحوه وأنحى بصره ينحيه إذا رماه ببصره، وقال الأخفش: نتجت الناقة وأنتجت بمعنى واحد

ويقال: نهد الرجل الهدية وأنهدها إذا أعظمها وأضخمها، ونسأ الله أجله، وأنسأ الله في أجله أي أخره، ونجمت السن وأنجمت إذا طلعت، ونسل الوبر نسولا وأنسل إنسالا إذا سقط.

يقال وفيت بالعهد وأوفيت قال الشاعر:

كما وفا بقلاص النجم حاديها

أما ابن طوق فقد أوفى بذمته

ص: 449

ويقال وجرت الرجل وأوجرته من الجور وهو السيوط، ووتدت الوتد أتده وأوتدته أوتده

وقد وضح الراكب وأوضح إذا بين لك

ووقعت بالقوم في القتال وأوقعت بهم أي أثرت فيهم بالعزيمة والقتل. ووقفت الدابة وأوقفته [63] بالألف زدته جدا، ووكف البيت وأوكف، ووجنت الرجل وأوجنت هو أن تكلمه بكلام تخيفه، وومأت وأومأت إليه، ووهن الله أمر فلان وأوهنه، ووغل الرجل في الأرض وأوغل فيها إذا أنفذ، وورس الرمث وأورس إذا اصفر والرمث ضرب من الشجر، ووضعت الناقة في السير وأوضعت إذا أسرعت فيه، ووبهت للشيء ووبهت له إذا انتهيت له وعلمت به، ووخفت الخطمى وأوخفته إذا بللته بالماء وضربته بيدك ليختلط، ووقذت الرجل أقذه قذة ووقذا، وأوقذته إيقاذا إذا تركته عليلا، ووترت الشيء إذا أفردته، ووسع الله على الرجل وأوسع عليه، ووهمت في الشيء وأوهمت، ووصب الرجل وأوصب إذا مرض، ووهطت في الشيء وأوهطته إذا ألقيته كسرته.

يقال ألفت الشيء آلفه، وآلفته وأولفه إيلافا

ويقال أجره الله بأجره وآجره يؤجره وهو مأجور ومؤجر وكذلك أجرت المملوك وآجرته أعطيته أجرته.

وأدمت بين القوم وآدمت بينهم وأدمت الثريد وآدمته إذا خلطته باللحم، وأمرت الشيء وآمرته أي كثرته.

وعلاج هذه الأبواب في اللغة العربية أن صيغة أفعل:

1_

قد تأتي بمعنى فعل عند أهل اللغة وقد حصرنا طرفا من هذه الأفعال.

2_

وقد يكون أفعل مستقلا ويرفض [64] الثلاثي منه مثل رسل وأرسل أو يكون ثلاثيه قليلا.

3_

وقد يكون أفعل مستقلا بمعنى لأن فعل الثلاثي له معنى آخر يختلف عن معنى الرباعي وقد حصر العلماء طرفا من هذه الأفعال منهم الزجاج في كتابه فعلت وأفعلت والمعنى مختلف.

4_

هذا وبعض المواد يكون ثلاثيا ولا يأتي منه أفعل عند أهل اللغة أو يكون لغة قليلة، فيختار فيه الثلاثي على أفعل.

ص: 450

وقد عرضت طرفا من الأفعال التي جاءت على أفعل عند بمعنى فعل أي أن الثلاثي المجرد والمزيد بالهمزة بمعنى واحد عند أهل اللغة.

ثم بينت آراء العلماء في هذا الاستعمال، كما عرضت طرفا من الأفعال التي استعمل العلماء ثلاثيها وأختير المزيد بالهمزة على الثلاثي في الاستعمال.

--------------------------------------------------------------------------------

[1]

هذه هي الحلقة الأولى من هذا البحث. سبقتها في النشر الحلقة الثانية بعدد المجلة رقم 49 للسنة 13 بصفحة 266 سهوا، فرأينا نشر الحلقة الأولى في هذا العدد، وتليها إن شاء الله الحلقة الثالثة –فإلى هذا نلفت انتباه القراء الكرام. والله الموفق (تحرير المجلة) .

[2]

هذا البحث يجمع ما تفرق من أحكام السماع والقياس والشذوذ والندور وما إليها من الأحكام اللغوية لهذه لصيغة.

[3]

انظر المقتضب تحقيق العلامة الشيخ عضيمة ج 1 ص154.

[4]

انظر الأفعال لابن القوطية ص 12.

[5]

انظر المنصف ص 25.

[6]

شرح المفصل ج 10 ص 5.

[7]

شرح المفصل ج4 ص 30.

[8]

أبزلفة في هبز إذا مات فجأة ولم أجد فيما بين أيدينا من كتب اللغة أبز له وهبز له وفي الأمالي أبزت له وهبزت له فهو تصحيف.

[9]

انظر سيبويه ج 2 ص 233.

[10]

انظر الشافية ج 1 ص 86.

[11]

انظر سيبويه ج 2 ص 234 والشافية ج 1 ص 87، والأشموني ج 2 ص 125 تحقيق محي الدين.

[12]

انظر سيبويه ج 2 ص 237.

[13]

انظر المغني لابن هشام ص 150 ج 2 مبحث الأمور التي يصير اللازم بها متعديا.

[14]

انظر البحر المحيط ج 1 ص 160.

[15]

البحر المحيط ج 1 ص 198.

[16]

انظر البحر المحيط ج 1 ص 372.

[17]

انظر رصف المباني في شرح حروف المعاني للمالقي ص 48، 49، 50 وتحقيق الخراط.

[18]

سورة طه 69.

ص: 451

[19]

قال في اللسان: مادة (عصا) نسب إلى معقر بن حمار أو عبد ربه السلمي أو سليم بن ثمامة وجاء في القرطبي ص 474.

[20]

البيت لأبي الأسود الدؤلي وهو في ديوانه /123، والكتاب ج 1 ص 169 وثعلب /123 واللسان (عتب) الإنصاف ص 159 وابن يعيش ج 9 ص 254.

[21]

البيت لعنترة وهو في ديوانه ص 214 وفي حماسة البحتري /110، انظر المرجع السابق ص 50.

[22]

البيت لامرئ القيس ديوانه ص 93، الكتاب ص 489 ومعاني القرآن ج 1 ص 133 واللسان (مطا) وابن يعيش ج 5 ص 79 والمغني والأشموني وشواهد المغني ص 374.

[23]

البيت للبيد ديوانه ص 93، ونوادر أبي زيد ص 213، واللسان (مجد) والخصائص ج 1 ص 370 باب في لفصيح يجتمع في كلامه لفتان فصاعدا.

[24]

انظر المرجع السابق ص 151.

[25]

البيت لامرئ القيس ديوانه ص 169، وطرفي عيني، غوارب الرمل: أوائله، الالأ: الشجر وكذلك الشبرق.

[26]

لبيت لزهير ديوانه ص 201، والفيلق: الكتيبة وشبهها بالشراب اللون الجديد: جأواء علاها لون الصدأ والحديد شخب خروج اللبن من ضرع الناقة.

[27]

الغدة عقدة بها شحم.

[28]

انظر سيبويه ج 2 ص 235، والشافية ج 1 ص 88.

[29]

انظر سيبويه ج 2 ص 236، والشافية ج 1 ص 89، وأدب الكاتب لابن قتيبة ص 475 قال: أركب المهر حان أن يركب، وأحصد الزرع حان أن يحصد، وأقطف الكرم حان أن يقطف وكذلك يقال أقطف القوم حان أن يقطفوا كرومهم، وأجزوا وأوجدوا وأغلوا كذلك وانتجت النخيل حان نتاجها.

[30]

انظر المغني ج 2 الباب الثالث عند الكلام على تعلق الظرف والجار والمجرور بالفعل الناقص.

[31]

انظر البحر المحيط ج 3 ص 83.

[32]

انظر البحر المحيط ج 3 ص 83.

[33]

انظر البحر ج 7 ص 335.

[34]

انظر حاشية الجمل ج 3 ص 548.

[35]

انظر البحر ج 8 ص 411.

[36]

انظر سيبويه ج 2 ص 235، والشافية ج 1 ص 88.

ص: 452

[37]

انظر شرح أدب الكاتب للجواليقي ص 313، وأدب الكاتب لابن قتيبة ص 472.

[38]

الخفاء من الأضداد يقال خفيت الشيء، إذا أظهرته.

[39]

انظر البحر المحيط ج 6 ص 232 والعكبري ج 2 ص 63.

[40]

انظر رسالة أحمد تيمور باشا في السماع والقياس ص 69 موجود بمكتبة الجامعة الإسلامية العامة.

[41]

انظر سيبويه ج 2 ص 236 والشافية ج 1 ص 90.

[42]

انظر البحر المحيط ج 6 ص 119، وأمالي الشجري ج 1 ص 149.

[43]

انظر أدب الكاتب لابن قتيبة ص 473.

[44]

انظر أمالي ابن الشجري ج 1 ص 226، وشرح أدب الكاتب ص 313.

[45]

لرؤبه من أرجوزة التي أولها: وقاتم الأعماق خاوي المخترق والحديث عن حمار الوحش والخلصاء، والبرق جمع لبرقة وهي مكان فيه حجارة ورمل.

[46]

الأعشى من قصيدته التي هذا البيت مطلعها وصدره: أثوى وقصر ليله ليزودا.

[47]

لابن أحمر وقوله: (تحجي بآخرنا) أي تسبق إليهم باللوم.

[48]

لم أعثر على نسبته وذكره ابن قتيبة في المعاني الكبير ص 521.

[49]

انظر أدب الكاتب ص 472.

[50]

انظر اللمع ج 2 ص 161.

[51]

انظر سيبويه ج 2 ص 235، والشافية ج 1 ص 89.

[52]

انظر الأشباه ج 1 ص 312 وانظر الخصائص ج 3 ص 253، ص 254 باب فيما يؤمنه علم العربية من لاعتقادات الدينية.

[53]

انظر المزهر ج 2 ص 82.

[54]

انظر البحر المحيط ج 8 ص 303.

[55]

انظر الخصائص ج 2 ص 215 باب في نقض العادة، وانظر الأشباه ج 1 ص 338.

[56]

أي سوى أذنه ونصبها للاستماع وذلك إذا جد في السير.

[57]

انظر إصلاح المنطق ص 251، 311.

[58]

بفتح النون من نتجت.

[59]

انظر كتاب النوادر لأبي زيد بن أوس الأنصاري ص 208.

[60]

انظر كتاب الأفعال ج 2 ص 162 سقى.

[61]

انظر باب الراء على فعل وأفعل باتفاق معنى ج 2.

ص: 453

[62]

أنشده في بعض كتب اللغة وأشبرنيه وقال أنه لابن أحمر يصف سيفا

[63]

انظر المزهر ج 2 وقف وأوقف وصرف وأصرف.

[64]

مثل، أرسل، أعرب، وأطنب، وأسهب، وأقفر المكان، وأهملت الشيء، وأبقل، وأيفع، وأورس، ،اعشب، وأغضى الليل وأمحل البلد، وأجنه الله، وأزكمه الله، وأقره الله فهو مقرور، وأحمه الله فهو محموم، وألجم، وأسحم.

ص: 454

يا رب

للدكتور عز الدين علي السيّد

كلية اللغة العربية

فلبي عليل.. منك يشفيني

وعلتي حب دنيا عنك تنئيني!

فلا تكلني لنفسي.. إنها رصد

لفاتني.. بهوى دنياي يغريني!

وبالغرائز نحو الشر يسرع بي

ومن حياض الردى بالحس يسقيني

لا أستطيع نجاة دون لطفك بي

وكيف والنفس مني نصف تكويني؟

والحسن يا رب في الآفاق منتشر

وفي المروج.. وفي زهر البساتين

شتى التصاوير.. أجناس مفوفة

بأبدع الصنع من رسم وتلوين

وفي العيون التي فاض الزلال بها

من باطن الأرض في ورد ونسرين!

وفي العيون التي يزكى الهيام بها

نار الجوى.. من وجوه الخرد العين

وفي البلابل والأغصان تحملها

نشوى.. تمايل من شدو وتلحين!

ونسمة الفجر بالريا معطرة

يمازج الوجد منها كل عرنين

وفي السماء غوان بتن في ألق

والبدر بالنور يدنو لي فيدنيني

إن عسعس الصبح خلى الأفق في خجل

لموكب الشمس مزهوا يحييني

أني وردت بعيني موردا سبحت

عيني على ضوء حسن منك يصبيني

أخاف يا رب أن أشقى بظاهره

عن باطن السر أغفو عنه يرديني!

أخاف أعشق دنيا الحسن تملكني

فلا أراك وراء الحسن تهدينيي

فلا تكلني لنفسي.. إنها سكنت

من بعد أفق السنى بيتا من الطين

يهوي بها إن يدعها اللطف مرتكسا

بلا جمال.. ولا دنيا.. ولا دين!

ص: 455

في الغار

للشيخ ضياء الدين الصابوني

موجه اللغة العربية بالمعهد الثانوي

إني لأذكر كيف كان محمد

يقضي الليالي ناعم الوجدان

في الغار ينعم سابحا ومناجيا

متفكرا في روعة الأكوان

يتأمل الكون البديع نظامه

والليل ساج مفعم الأشجان

قد فر من رجس الطغاة وجورهم

والقوم قد عكفوا على الأوثان

يقضي الليالي وحده متحنثا

في الغار يستوحي هدي الديان

وتنزل الوحي العظيم بيانه

متدفقا في قلبه الظمآن

(اقرأ كتاب الله. لست بقار

اقرأ بربك خال

(اقرأ) كتاب الله لست بقارئ

اقرأ بربك خالق الإنسان

(اقرأ) وتلك مكانة لم يعطها

غير النبي المصطفى العدناني

فمضى يخف إلى خديجة زوجه

مترقبا في حيرة الوجلان

فإذا به يجد السعادة والرضا

وتقر من تطمينها العينان

تالله لا يخزيك يا علم التقى

يا واصل الأرحام والجيران

يا مسعف الفقراء في آلامها

يا مكرم الأيتام والضيفان

يا ماسح العبرات من آماقها

ومخفف الآلام والأشجان

فكأنما كلماتها في لينها

شهد، وفي التأثير سحر بيان

ص: 456

في المشارق والمغارب

جنوب شرقي آسيا

الشيخ عبد الله بن أحمد قادري

عميد كلية اللغة العربية

في شاطئ البحر:

جاء إلينا الأخ محمد فذهبنا بعد صلاة الفجر إلى شاطئ البحر واستغرق مسيرنا إليه ساعتين إلا ربعا تقريبا، وهذا البحر الذي كنا في شاطئه هو المسمى بمضيق ملقة، وهو من المحيط الهادي، وملقة اسم يطلق على ماليزيا وهذا البحر يفصل بين ماليزيا وبين سومطرة إحدى الجزر الأندونسية الغربية.

وكان البحر هادئا في هذا الوقت فقعدنا على الشاطئ والأخ محمد يثير كثيرا من الأسئلة التي كنا نحاول الإجابة عليها والمذاكرة في شأنها.

وقبيل الساعة التاسعة تحركنا إلى العاصمة، وكنت في الذهاب راكبا في المقعد الأمامي مربوطا كالسائق بحزام الأمان، لأن القانون هناك يوجب ذلك على القائد ومن بجواره وكنت متضايقا طيلة السير الذي لا يقل عن مائة كيلو وعند الرجوع قلت للشيخ عبد القوي لابد أن تكون أنت الآن في الأمام مظهرا له الإيثار وكنت أريد أن أتمتع برؤيته مربوطا لا يحرك إلا رأسه، وكنت أقول له انظر يمينا –لبعض المناظر- أو يسارا فيقول أنا مربوط.

دعوة زعيم البوذيين في داخل معبده:

ص: 457

وعندما دخلنا المدينة أشير إلى المعبد بوذى وعرض علينا الأخ محمد زيارته للاطلاع. فقلت: نحن مسلمون لباسنا ينبئ الناس أننا من الجزيرة العربية وفيها الكعبة بيت الله الذي يتجه إليه ملايين المسلمين لعبادة الله الواحد وأخشى أن يكون في حضورنا إليه ما يدعو بعض الجهال إلى اعتقاد شيء لا يليق قالوا فلنقترب لنراه من الخارج ثم نعود وعندما اقتربنا شاهدنا خارج المعبد رجلا قاعدا تحت شجرة بجوار المعبد وهو يلبس مثل لباس الإحرام عندنا إلا أن ثيابه تميل إلى الصفرة وهي رقيقة فسألت من يكون هذا؟ فقالوا هذا هو السادن المعظم عند البوذيين وهو المسئول عن المعبد قلت: يجب إذن أن نبلغه دعوة التوحيد وعندما نزلنا اتجه هو إلى داخل الدير الذي نصب فيه الوثن فدخلنا بعد أن خلعنا نعالنا ترجيحا لجانب تبليغ عقيدة لا إله إلا الله وإلا فقد كنت عازما على الدخول بالنعال.

وعندما دخلنا رأينا المبنى كله قاعة واحدة من الداخل وبجانب الجدار الواقع أمام الداخل – أي في أقصى القاعة - بنيت دكة مرتفعة من الحجارة وعليها نصب التمثال الذي يرمز لبوذا والناس يدخلون وقد وضعت أمامهم أعواد الند (بخور) وملئت أحواض بتربة وكان الواحد منهم يشعل النار في عود البخور ثم يتجه إلى الوثن مشيرا إليه برأسه ويديه وفيها البخور ثم يغرز عود البخور في التربة وينصرف وبعضهم يرفع العودين في يديه فوق رأسه مشيرا بهما وبرأسه سواء إلى الوثن.

ص: 458

قلت للرجل مشيرا إليه بيدي – أي السادن - تعال فجاء حتى وقف بجواري وعليه علامة الاضطراب عندما رآنا نقف وقوف المستهترين بإلهه وبعبادته رافعين رؤوسنا نحس بالعزة وقلت له – وكان يترجم بيني وبينه الأخ عبد الله باهرمز ويساعده محمد أمين - ما سبب عبادتكم لهذا الحجر ومن أين جئتم بأصل هذه العبادة؟ فقال: هذه عبادة أصلها من الهند وهو من توجيهات بوذا. قلت: ولكن هذا حجر منحوت أعطيتموه صفة الألوهية وعبدتموه من دون الله فلماذا؟ قال: لأنه يرمز لبوذا.

قلت: وبوذا هذا إله عندكم أم نبي؟ قال: نبي، قلت: أنتم إذن تعبدون رمز النبي وليس الخالق. فقال: هكذا تعاليم بوذا.

قلت: الأنبياء كلهم دعوا إلى عبادة الله وحده مباشرة بدون واسطة ونهوا الناس عن عبادة غيره وهذه الأوثان لا تضر ولا تنفع والذي يستحق العبادة هو الله الخالق ونحن ندعوك إلى الإسلام الذي لا يوجد في الأرض دين يرضاه الله سواه. فقال: هذا صحيح ونحن نعتقد أن الإله واحد وهذه الأوثان ما هي إلا وسائط تقربنا إليه فبينت معنى لا إله إلا الله وأنها هي السبيل الوحيد للدين الحق وأنه لا يجوز عبادة غير الله بأي شكل من الأشكال وأن الرسول صلى الله عليه وسلم حارب مشركي قريش الذين كانوا يقولون مثلكم ما ندعوهم إلا ليقربون إلى الله زلفى فقال هذه تعاليم بوذا، وكان يبدو عليه الخوف والوجل والعجز أمام الحجة حتى أن ريقه جف ووجهه انتقع قلت: هكذا كان أهل الشرك حجتهم على شركهم: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ} . قلنا له بعد ذلك لقد أقمنا عليك الحجة.

ثم ذهبنا إلى مطعم يقال عنه أنه إسلامي: تناولنا فيه طعام الإفطار ووجد فيه الشيخ عبد القوي بغيته فاكهة (ليتشي) إلا أنه معلب كما وجدنا فاكهة أخرى لذيذة تسمى باباي، واسمها في اليمن (عمبرود) وكنت في غاية الشوق إلى تناولها فقلت للشيخ: تلك بغيتك وهذه بغيتي.

ص: 459

رجعنا إلى الفندق واتفقنا أن ننام (شوية) حسب اصطلاح الشيخ عبد القوي –وكان ذلك من الساعة الثانية عشرة ظهرا إلى أذان العصر حيث قمنا فصلينا الظهر والعصر.

لا تقف كالقرد عند القشرة:

أحضر لنا الأخ عبد الله بن سعيد باهرمز فاكهة عجيبة تسمى: (منجز) يحيط بها غلاف (قشر) يميل إلى السواد وفي أحد طرفيه –الطرف الأسفل نتوءات مصفوفة تارة تكون خمسة وتارة تكون ستة، فإذا أزيل القشر وجد بداخله حبات مصفوفة من جوانبه المختلفة بعدد النتوءات الموجودة في طرفه وهذه الحبات مستطيلة مع شيء من الاستدارة وهو التي تؤكل بعد إزالة القشرة وبداخل كل حبة نواة صغيرة تلفظ أما قشره فإنه مر.

قال الأخ عبد الله إن قردا أعطى هذه الفاكهة فذاق قشرها فوجده مرا فرمى الفاكهة فصار يضرب به المثل للإنسان الذي لا يسبر غور الأمور ولا يفكر فيها فيقال لا تكن كالقرد يرمي المنجز لمرارة قشره.

أما طرف هذه الفاكهة الأعلى – وهو الذي يكون معلقا بالشجرة فإن فيه ثلاث نتوءات أحدها كبير واثنان صغيران وتوجد إحدى الحبات في الداخل كبيرة.

اجتهاد هو أم انحراف:

التقينا في الفندق برجل سلم علينا وخاطبنا باللغة العربية عندما رآنا نلبس اللباس العربي وعندما بدأنا التعارف ظهر أنه الأستاذ يوسف كمال أحد كتاب جريدة الدعوة المصرية، وبدأ الأخ يوسف يشكو من انحراف فكر بعض من يزعمون أنهم من الدعاة إلى الإسلام الذين يتنكرون للفقه الإسلامي الذي وصل إلينا عن طريق علماء السلف الصالح.

ص: 460

وقال: إن هؤلاء أحلوا عقولهم محل النصوص الإسلامية كما هو شأن المعتزلة وحذر من خطرهم على الدين الإسلامي بدعوى الاجتهاد وتحريف المفاهيم الإسلامية وحثنا على أن نبلغ علماء المملكة العربية السعودية بأن يتصدوا لهذه التيار الجارف في كثير من بلدان العالم الإسلامي، لأن كلمة علماء المملكة العربية السعودية لها وقع في نفوس كثير من المسلمين وضرب بعض الأمثلة على هذا الانحراف منها ما زعمه بعض الناس من أن المعاملات التجارية والاقتصادية ونحوها لا داعي لتقييدها بالفقه الإسلامي بحجة أن الفقهاء السابقين اجتهدوا في قضايا عصرهم ونحن يجب أن نجتهد في قضايا عصرنا دون حاجة إلى التقيد بآرائهم في ذلك.

ومنها ما زعمته طائفة أخرى من أن أخبار الآحاد في السنة لا تثبت بها عقيدة ولا شريعة وإنها كانت مجرد تجارب للرسول صلى الله عليه وسلم في قضايا معينة ولا يلزم اطراد أحكامها والتقيد بها محتجين ببعض قضايا اجتهادية حصلت من بعض الصحابة كقضاء عمر في طلاق الثلاث ونحوها قالوا: فإذا تخطى الصحابة تلك الأحكام في عهدهم دل على جواز اجتهاد من بعدهم ولو خالف هذا الاجتهاد أخبار الآحاد.

قلت: وهؤلاء المنحرفين، وأمثالهم هم بلاء على الأمة الإسلامية لأنهم يظهرون برجال دعوة ويلجون من باب مسلم به، وهو باب الاجتهاد المفتوح، لأهله لا أمثالهم من الجهلة المنتسبين إلى العلم ويلزم على آرائهم هذه أن تنبذ أغلب النصوص الإسلامية ويأتي من أراد بما يهوي من بدع وانحرافات فليحذر شباب الإسلام المتحمس لدينه من هؤلاء الجهلة، وليحذر الصالحون الذين يرغبون في تقدم الفقه الإسلامي لإيجاد الحلول للمشكلات المعاصرة، من دعوى هؤلاء فإنهم قد يكونون رسل هدم لحصوننا من داخلها.

ص: 461

وجاء الأخ دخلان –الأمين المساعد لحركة الشباب الإسلامي الماليزي- وذكر لنا أن عندهم مشروع إنشاء مدرسة لتحفيظ القرآن الكريم، وإن المدرسة قائمة في مبنى أعارهم إياه بعض الصالحين، وقد بلغ عدد الطلبة الموجودين فيه أكثر من أربعمائة طالب. وهو يرغبون في شراء أرض يقيمون عليها مبنى لهذه المدرسة، ولكنهم لا يملكون ما يكفي لذلك، وأنهم يرغبون في المؤسسات الإسلامية أن تساعدهم. فقلنا لهم: لا مانع عندنا من إبلاغ المؤسسات الإسلامية الموجودة في المملكة العربية السعودية وإذا شئتم أن تكتبوا خطابات بهذا الشأن فسنحملها ونبلغ هذه المؤسسات.

إلى سنغافورة (15 /8 /1400 هجري) :

ذهب الأخ عبد الله با هرمز والابن عبد البر فحجزوا لنا على الخطوط الماليزية إلى سنغافورة، كما حجزوا لنا كذلك إلى أندونيسيا.. من سنغافورة صباح غد الأربعاء وطلب منا الأخ دخلان أن نستعد لنذهب للمركز، لأن الأخ أنور إبراهيم في انتظارنا يود مقابلتنا لأنه لانشغاله لم يستطع مقابلتنا، ومن المركز نذهب إلى المطار فذهبنا إلى المركز واتقينا بالأخ أنور، الذي قدم لنا طعام الغداء واعتذر لتقصيره –كما قال- في عدم استطاعته لقاءنا فقلنا له: أنت في جهاد ونرجو لك التوفيق.

والأخ أنور من شباب الدعوة النوادر، الذين يمنحهم الله صفات نادرة من الصبر والحماس والتأثير على الناس وإقناعهم بالدعوة والتضحية بالوقت، والقدوة الحسنة. هكذا نظنه ولا نزكي على الله أحدا.

ص: 462

غادرنا المركز إلى المطار وفي الثانية والربع بعد الظهر صعدنا إلى الطائرة خطوط ماليزيا –وبعد إقلاعها (في الساعة الثانية والنصف) بثلاث وعشرين دقيقة أعلن المضيف أننا دخلنا سنغافورة فلم أرها فيما ظهر لي تختلف عن أرض ماليزيا في مونها مكسوة بالأشجار والغابات والمزارع. وكنت في هذه اللحظات أتمتع بجمال خلق الله: غابات تكسو الجبال والوهاد، وبحر تنعكس زرقته على أشعة الشمس وسحاب شديد البياض مثل قوافل يتبع بعضها بعضا وباجتماع ذلك كله أصبح ضوء الشمس يشبه غسق الفجر أو الليل المقمر.

هبطت بنا الطائرة في مطار سنغافورة في الساعة الثالثة والدقيقة السابعة- فرأينا باحة المطار وممراته وقاعاته غاية في النظافة والتنظيم والجمال.

فك الارتباط:

كان الأخ عبد الله بن سعيد باهرمز، قد فهم من الخطوط الماليزية أن نزولنا في أحد فنادق سنغافورة سيكون على حساب الخطوط المذكورة، لأن الحجز تم عن طريقها من سنغافورة إلى جاكرتا، وعندما طلب من الموظفة المختصة أن تعطيه بطاقة للفندق قالت له أنتم لا تستحقون ذلك، لأنكم حجزتم ليوم غد وكان في إمكانكم السفر اليوم لأن الرحلات موجودة –وكانت على حق في ذلك- ولكن صاحبنا باهرمز أخذ يراجع ويحاجج وبدأت الموظفة ترتفع درجة حرارتها لتدافع عن رأيها واقتربنا من الخصمين وسألت عبد الله عما يجري فأخبرني فقلت له: الحق معها وبذلك فك الارتباط والحمد لله.

وفك مثل هذا الارتباط محمود، أما غيره فأهله أدرى به.

ثم ذهبنا إلى مكان آخر أودعنا فيه عفشنا الذي لا حاجة لنا به بأجرة محدودة.

جمال المظهر:

ص: 463

ركبنا سيارة أجرة صغيرة إلى داخل المدينة (سنغافورة)، فرأينا إعلانا في مقدمة السيارة: ممنوع التدخين، وكنا رأينا ذلك في جميع الأماكن داخل قاعة المطار، فقلنا للسائق هل التدخين ممنوع في سنغافورة كلها، فقال: ممنوع في كل مرفق عام يشترك فيه عامة الناس، ويضطرون للاختلاط كالسيارات والقطارات والطائرات والسفن والأماكن العامة كالقاعات ونحوها.

قلت: يا ليت قومي يعلمون فيعملون، والحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها أخذها، أننا نكاد نختنق في وسائل نقلنا العامة وفي قاعات مطاراتنا وفي بعض قاعات اجتماعاتنا ومحاضراتنا، ويعود الإنسان منا إلى أهله وقد انبعثت عليهم من ثيابه رائحة الدخان حتى ليشك فيه أنه أصبح من المدمنين، وأن المؤمنين لأولى بمنع هذه المضرات التي بين ضررها المختصون فأين الجهات المسئولة وأين المتجاوبون معها؟

وكان السائق مسلما يسمى موسى بن دحلان وكان لطيفا في قيادته ومعاملته.

وصلنا إلى فندق نيجارا في داخل المدينة في الساعة الرابعة والنصف أخذنا راحتنا ثم تجولنا في بعض الأسواق، ويقتضي النظام هناك أن تقفل الدكاكين في الساعة التاسعة مساء، إلا بعض الأماكن التجارية الخاصة وبحثنا عن مطعم إسلامي فلم نجد إلا بعد مشقة مطعما يقوم بإدارته والطبخ فيه بعض مسلمي الهند، وعندما رأونا استقبلونا استقبالا حارا وقدموا لنا أيضا طعاما حارا بالفلافل فشكرناهم بألسنتنا ودموعنا التي أسالها الفلفل. ثم رجعنا إلى الفندق فنمنا، ويسود مدينة سنغافورة إضافة إلى النظافة والجمال الهدوء.

إلى أندونيسيا (26 /8 /1400 هجري) :

ص: 464

وفي الساعة العاشرة تحركنا من الفندق على مطار سنغافورة فتسلمنا الأثاث وأنهينا الإجراءات وأقلعت بنا طائرة الخطوط السنغافورية في الساعة الحادية عشرة والدقيقة العاشرة، وبعد الإقلاع مباشرة أطللت من النافذة –كعادتي- فرأيت البحر وقد انتشرت فيه البواخر والقوارب، ثم ظهرت بعد قليل الجزر المكسوة بالخضرة وهي منتشرة في البحر بأشكال هندسية مختلفة.

وبعد ساعة وثمان دقائق أعلن المضيف دخولنا الأراضي الأندونيسية وهي كذلك مكسوة بالخضرة إلا أنها أقل كثافة –فيما بدا لي من ماليزيا وسنغافورة كما ظهرت بعض الأنهار المتعرجة التي تكتنفها الأراضي الزراعية وتنتشر القرى التي تستظل بيوتها بالأشجار، وفي الساعة الثانية عشرة والدقيقة الثالثة والعشرين هبطت بنا الطائرة في مطار جاكرتا.

فطرة الأخوة الإسلامية في صمود أمام أعدائها:

مررنا بموظف الجمرك وكان التفتيش دقيقا إلا أنه عندما رآنا بلباسنا العربي قابلنا بالترحيب ولم يمس أثاثنا فغادرنا المطار وأخذنا سيارة أجرة صغيرة لم يتسع صندوقها الذي في المؤخرة للأثاث فرص ما بقي في المقعد الأمامي بجانبه ورصنا الأربعة في المقعد الأخير، قلت للأخوة أترون لو كان هذا في إحدى مدن بلادنا يرضى قائد السيارة أن يفعل هذا مع المبالغة في أخذ المزيد من المال، وهذا القائد لا يأخذ إلا ما حكم له به عداد سيارته.

ونزلنا في فندق كرتيكا (بلازه) وكان مزدحما بالنزلاء وفيه من ينتظر غيرنا ولم يحصل على مكان ولكن صاحب الفندق عندما رآنا سألنا باللغة العربية كم غرفة تريدون –وكان عبد الله باهرمز يجادل مع الموظفين وهم يقولون له لا توجد عندنا غرف فاضية- قلنا نريد غرفتين فقال: تفضلوا وأمر الموظفين أن يهيئوا لنا حجرتين فهيئوهما بسرعة ونزلنا مطمئنين والحمد لله.

ص: 465

وهذا الذي حصل في الفندق، وما حصل من موظف الجمرك في المطار يدل على أن عواطف المسلمين في الشعوب الإسلامية مؤتلفة ملتحمة ولم يفرق بينها إلا أعداء الله الذين نفخوا في أبناء الشعوب الإسلامية روح التعصب والعنصرية حتى أصبح كل شعب معزولا عن الآخر وأصبح الفرد المسلم من شعب مسلم يشعر بالغربة وبأنه أجنبي في شعب مسلم آخر ولكن فطرة الإخاء الإسلامي لا زالت موجودة إذا هبت ريح الإيمان على رماد الأعداء الذي دفنوا تلك الفطرة به ذهب هباء وبرزت فطرة الأخوة الإسلامية على رغم أنف أعداء المسلمين حية ملتهبة.

وفي المساء زارنا بعض طلبة الجامعة الإسلامية من الأندونيسيين وتذاكرنا معهم منهاج زيارتنا وضربنا بعض المواعيد مع بعض علماء أندونيسيا لزيارتهم والتشاور معهم في منهاج الزيارة.

في المجلس الأندونيسي الأعلى (27 /8 /1400 هجري)

في الساعة الحادية عشرة صباحا قمنا بزيارة المجلس الأعلى الأندونيسي للدعوة الإسلامية، فوجدنا فيه بعض الذين تخرجوا من الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.

ورئس هذا المجلس هو الدكتور محمد ناصر رئيس الوزراء الأسبق ورئيس حزب ماشومي سابقا (وقد حل هذا الحزب) .

ولم يكن الدكتور موجودا في هذا الوقت، وعندما علم عنا أبلغنا عن طريق موظفي مكتبه أن الموعد معه بعد العصر.

وجدنا في المكتب الدكتور محمد رشيدي عضو المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي وعضو المجلس الفقهي في الرابطة ومساعد مدير مكتب الرابطة في جاكرتا (ومدير المكتب هو الدكتور محمد ناصر) .

ص: 466

تذاكرنا نحن والدكتور رشيدي –وهو يتكلم اللغة العربية- أحوال المسلمين في أندونيسيا والجهود التي يقوم بها دعاة الإسلام هناك والجهود المضادة من أعداء الإسلام هناك، والمحاولات الجادة لتحريف معاني الإسلام وتقوية المعاني الخرافية وإيجاد طائفة باطنية وغير ذلك من الانحرافات الشخصية، وخطر المدارس النصرانية على أبناء المسلمين الذين يضطرون للدخول فيها لعدم وجود مؤسسات إسلامية تستوعبهم لقلة الإمكانات.

أظهرت أم الخبائث حقده:

وعندما رجعنا إلى الفندق (بلازه) قابلنا عند المصعد رجل أوربي كبير الجثة طويل القامة متجهم الوجه، وأخذ يتكلم كلاما يظهر منه أنه غاضب وما كنت أفهم منه إلا كلمة عرب، وهيد، وبيق، (أي رأس كبير) وكان يوجه خطابه إلي ويمس رأس الابن عبد البر فعرفت بسرعة أنه قد خلط كمية كبيرة من الخمر بمخ رأسه حتى أصبح يهذي بما لا يدري فقلت للأخوة أنه سكران، فأشاروا إلي بالسكوت، وصعد معنا إلى الطابق الذي نحن فيه وهو يرغي ويزبد، وخرجنا من المصعد فخرج معنا وهو على حالته ومشى معنا، حتى قارب باب حجرتنا، ثم رجع إلى المصعد يردد كلمة (آم - سوري) أي آسف ويذكر هوتيل أي فندق فسألت الأخوة عن كلامه فقالوا كان يقول أن العرب متكبرون رؤوسهم كبار وعند رجوعه كان يقول أنا آسف وأنا سكنت معكم في فندق واحد وسأطلب من صاحب الفندق أن يخرجكم منه، وظهر أنه كان يسكن في غير الطابق الذي نسكن نحن فيه وصعوده معنا كان بدون شعور.

28 /8 /1400 هـ:

ص: 467

في الساعة السادسة إلا عشر دقائق صباحا طرق باب الحجرة فقام الشيخ عبد القوي ليفتح فقلت له محذرا: لا تفتح حتى تعرف من بالباب لأن الوقت مبكر، وكنت أخشى أن يكون الأوروبي الذي شبهته بالثور الهولندي هو الذي طرق الباب في حالة تشبه حالته في الليلة الماضية وتحفزت في نفس الوقت وراء الشيخ عبد القوي استعدادا لأي طارئ، فقال الشيخ:((هو)) أي من فإذا هو أحد الخدم يحمل إلينا طعام الإفطار فقال له الشيخ نحن لم نطلب طعاما في هذا الوقت فأراه الورقة وفيها رقم غرفتنا فعرفنا أن الأخ عبد الله باهرمز هو الذي طلب ذلك من الليل ليجمع بين الأمرين:

الأول: إحضار الإفطار

الثاني: إيقاظنا مبكرين على موعد مع المسئولين عن المدرسة الشافعية لزيارتها في الساعة الثامنة صباحا، وكان اليوم يوم جمعة يجب أن نستعد للصلاة، بعد ذلك نقلنا أثاثنا إلى الفندق (برزونت) بعد أن تناولنا طعام الإفطار.

في الطريق إلى المدرسة الشافعية:

وفي طريقنا إلى المدرسة الشافعية مررنا بالأسواق الشعبية في جاكرتا على شاطئ البحر، وبدت شوارعها غير نظيفة ولا منظمة بخلاف ما هو الحال في الشوارع العامة والأسواق الحديثة، ومررنا بإحدى الحارات فقال عبد الله باهرمز: هنا بيت عمتي وكان مصوبا نظره إلى جهة البيت حتى ابتعدت السيارة عن المكان وكأنه بذلك يستعطفنا لإعطائه فرصة زيارتها وقد أعطيها فعلا بعد ذلك.

ص: 468

ثم قال عبد الله: أرى أن تروا ميدان الجنرالات السبعة. فقلنا: وما معنى الجنرالات السبعة هؤلاء؟ قال: عندما قام الشيوعيون بالمحاولة الانقلابية قتلوا بعض العلماء وبعض الضباط وكان منهم سبعة جنرالات أخذوهم وقتلوهم ورموهم في بئر وقد بنى حولها دكة ليست مرتفعة، وإذا أراد أحد أن يصعد إلى الدكة ليرى البئر فعليه أن يخلع نعليه مبالغة في تقديس هذا المكان فرفضت أن أخلع نعلي ولم أصعد واكتفيت بمعرفة أنها بئر وهكذا فعل الشيخ عبد القوي، وأخونا عبد الله والابن عبد البر. وبجانب البئر بني جدار عال وأقيمت عليه صور الجنرالات السبعة مجسمة وهم يمدون أيديهم مشيرين بأصابعهم إلى البئر إشارة إلى أن أعداءهم وضعوهم في هذه البئر بعد أم قتلوهم ورفع على نفس الجدار الذي أقيم عليه السبعة، الشعار الذي يحمل المبادئ الخمسة:(نتشاسيلا) . وسيأتي إن شاء الله شرح هذا الشعار وبيان الهدف منه.

والصور المجسمة في أندونيسيا أمر طبيعي توجد في كل مكان وهي من آثار الوثنية التي لم تمح إلى الآن.

في المدرسة الشافعية:

ص: 469

هكذا تسمى هذه للمؤسسة، إذ أطلق اسم الشافعية في أندونيسيا فهي المقصودة وهي منسوبة إلى مؤسسها الشيخ عبد الله الشافعي، وهي تشمل الإعدادية والثانوية والعالية والجامعة وبها معهد للأيتام لا يقل عددهم عن أربعمائة يتيم ويتيمة، وعدد طلبة المؤسسة كلها لا يقلون عن خمسة آلاف طالب وطالبة، وكثير منهم يسكنون في القسم الداخلي، ولها فروع في مدن أخرى، ومع الدراسة المنهجية توجد تدريبات مهنية: خياطة، تطريز، وطباعة، وصباغة، وغيرها، وكان المؤسس قد ورث أرضا واسعة من والده، فأوقف هذه الأرض لهذه المؤسسة وبنى عليها المرافق اللازمة تدريجيا ولا زال الشيخ عبد الله الشافعي يسعى للتوسع في الأرض والبناء واستيعاب أعداد كثيرة من أبناء المسلمين الذين هم في أمس الحاجة إلى الرعاية والتعليم ولا يعرف قدر جهوده وجهود أمثاله من المهتمين بإقامة المدارس والملاجئ لأبناء المسلمين إلا من رأى الجهود القوية التي يبذلها أعداء الله لإبعاد شباب المسلمين عن دينهم من المبشرين بالدين وغيرهم من داخل البلاد ومن خارجها.

وصلنا مقر هذه المؤسسة واستقبلنا المسؤولون الموجودون بها –وكانوا في أيام إجازة- وكان الاجتماع في قاعة المحاضرات بمعهد اليتامى، واليتامى موجودون كلهم في مساكن معهدهم، لأنهم مضطرون للبقاء لعدم وجود من يعيلهم وكان هؤلاء اليتامى قد اجتمعوا في القاعة، بين وبنات وغالبهم من سن السادسة عشرة فأقل، البنون في جهة، والبنات في جهة أخرى، ويلبس البنات لباسا ساترا لما عدا الوجه والكفين وكانوا عند قدومنا ينشدون بعض الأناشيد الإسلامية وهي تتضمن ترحيبا بالقادمين والظاهر أنها معدة لكل ضيف يستحق أن يحتفى به عندهم وكان الشيخ عبد الله الشافعي غائبا في مهمة وحضر نائبه واعتذر له.

ص: 470

وعندما دخلنا القاعة طلبوا من الأخ عبد الله باهرمز أن يعرف الحاضرين بنا وبمهمتنا ففعل. ثم قرأ أحد الطلبة من اليتامى ما تيسر من القرآن، وهو بالإضافة إلى كونه يتيما مقعد وكانت قراءته مجودة جيدة. وقام أحد الطلبة بكلمة ترحيب وإشادة بما يقوم به المؤسس من مساعدة الأيتام، وتلته إحدى الطالبات كذلك ثم قرأت إحدى الطالبات سورة الصف من حفظها.

ثم طلب مني أن ألقي كلمة فألقيت كلمة تضمنت. تهنئة المؤسس بهذا الفضل العظيم المبارك والدعاء له بالتوفيق للمزيد من الخير والإخلاص في العمل. ودعوة أغنياء المسلمين للاقتداء به في أعمال الخير.

وتهنئة طلبة هذه المؤسسة بما يسر الله لهم من العناية ولا سيما هؤلاء الأيتام وأن عليهم أن يشكروا الله ويدعوا للمؤسس ليكافئوه على عمله وأن على الجميع شكر الله الذي لولاه ما تيسر مثل هذا العمل المبارك.

وذكرت هؤلاء اليتامى بحالة غيرهم ممن يقعون في أيدي الكفار كالنصارى وغيرهم فإنهم ينفقون عليهم ليخرجوهم من دينهم ويجعلوهم أعداء له مع ضرب بعض الأمثلة لذلك. قام بعد ذلك نائب رئيس المؤسسة فألقى كلمة ترحيب وشكر على الزيارة وأشار إلى حاجة هذه المؤسسة إلى الدعم والمساعدة لا سيما المدرسين للغة العربية والمنح الدراسية، وأشار إلى أنهم سيبعثون للجامعة المنهج لمعادلته.

ثم تجولنا بعد ذلك للاطلاع على التدريبات المهنية للبنين والبنات من خياطة وتطريز وطباعة وغيرها.

وللشيخ عبد الله الشافعي أخ يدعى: الشيخ طاهر رحيلي: أسس مثله المدرسة الطاهرية وهي شبيهة بالشافعية ولم يتيسر لنا زيارة هذه ولكننا دعونا الله للجميع بالإعانة والتوفيق ورجونا للأخوين أن يحقق الله فيهما لأبويهما: علما ينتفع به وولدا صالحا يدعو له، وأن يحقق لهما كذلك من بعدهما هذا المعنى.

في الأزهر:

ص: 471

وفي الساعة العاشرة صباحا غادرنا المدرسة الشافعية إلى الأزهر وهو جامع كبير سمى بالأزهر حبا في أن يكون له ما للأزهر في مصر من أثر في العالم الإسلامي.

استقبلنا الشيخ عبد الله سالم وهو أمين عام جامعة المعهد الإسلامي، وهي مؤسسة جامعية على الطراز الإسلامي –كما يقول الشيخ عبد الله سالم- ويرأس المؤسسة الدكتور همكا، وتتكون من أقسام منها: قسم التعليم من روضة الأطفال إلى العليا التي يدخل المتخرج فيها الجامعة. وقسم الصحة ويتولى معالجة الموظفين والطلاب مجانا، ويعالج غيرهم من خارج المؤسسة بأجر رمزي، وقسم الشباب ويقوم بنشاطات رياضية وثقافية واجتماعية، وبعض نشاط الفتوة، مثل الدفاع عن النفس ونحوها.

ومن النشاطات الثقافية إلقاء محاضرة أسبوعية لطلبة الجامعات والمدارس في جاكرتا حيث يحضرها منهم ما لا يقل عن ألف طالب يلقي هذه المحاضرة بعض كبار العلماء هناك مثل الدكتور محمد ناصر والدكتور رشيدي.

ومن نشاطاتهم تعليم الموسيقى الحربية وضرب الدفوف (والأندونيسيون) مغرومون بالموسيقى والأغاني والدفوف والرقص، وقد ينسبون بعض هذه الأنشطة إلى الدين فيقولون الموسيقى الدينية ولذلك قال الشيخ عبد القوي: يخشى أن يصبح كل شيء دينا فيقال: أغنية دينية موسيقى دينية ورقص ديني وطبل ديني وهكذا.

وقسم المكتبات، ويوجد في مكتبة المؤسسة خمسة آلاف كتاب باللغة العربية واللغة الإنجليزية واللغة الأندونيسية، ولكن رواد المكتبة قليلون.

ويتبع التعليم شعبة تعليم اللغة العربية وقد تخرج فيها اثنان وأربعون شخصا. وتدرس القراءة والكتابة صباحا ومساء للرجال والنساء وقسم الدعوة وتصدر عنه مجلة وهي نصف شهرية يوزع منها أكثر من خمسين ألف نسخة وغير ذلك من الأقسام التي لا تخرج عن النشاط الثقافي والاجتماعي والرياضي والفتوة.

ص: 472

وقال الشيخ عبد الله سالم إن أول ما زار المملكة العربية السعودية (سنة 59 م) وأنه قد زار المملكة سبع مرات.

دخلنا بعد ذلك هذه المذاكرة إلى المسجد الذي قام بخطبة الجمعة والصلاة بالناس الدكتور همكا وكانت الخطبة –كما فهمت من النصوص العربية التي كان يستشهد بها في صيام رمضان وفوائده وآدابه- وبعد صلاة الجمعة ألقيت كلمة كانت تعبيرا عن شعورنا بالغبطة والسرور بهذه الجموع والعواطف الإسلامية وتذكيرا للمسلمين بأن هذا الدين أمانة عندما سلمنا إياه الأباء والأجداد وإن علينا أن نؤدي هذه الأمانة ونحفظها وأنه لا عزة لنا إلا بهذا الدين وإن كل من يحاول أن يصرفنا عنه فإنه خائن ظالم علينا أن نحذره وأن كل مبدأ غير الدين الإسلامي قد جرب فكان خسارة علينا ووبالا.

أعفونا من هذه التحية:

ثم ذهبنا بعد ذلك إلى أحد المطاعم –يسمى مطعم الشرق الأوسط- وأصل أهله حضارم وعندما رأونا بملابسنا العربية قدموا لنا تحية غير مرغوبة عندنا، وما كانوا على علم بذلك، وهي أغنية عربية –قال بعضنا إنها سعودية- فطلبنا منهم أن يعفونا من هذه التحية بإيقافها. فأوقفوها فورا، وكان هذا الإيقاف دليلا على أنهم ما أرادوا إلا احترامنا، ويؤسفنا أن هذا الطلب قد لا يلبى في كثير من مطاعمنا في البلاد العربية إصرارا على المعصية وعنادا للطالب.

وكانت وجوه أصحاب المطعم وجوها عربية واضحة وإن كانت ألسنتهم أندونيسية وكانوا مسرورين جدا بوجودنا ظهر ذلك في عنايتهم بنا أكثر من غيرنا وبطلاقة وجوههم معنا.

في منزل الدكتور محمد ناصر:

ص: 473

زرنا في الساعة الرابعة والنصف مساء الدكتور محمد ناصر في منزله حيث كنا على موعد معه، وكنا نتذاكر شئون الدعوة الإسلامية ووسائلها ومعوقاتها، وكيف يمكن التغلب عليها، ومما ذكره في هذا المجال ربط العلوم الكونية بالعقيدة الإسلامية في الجامعات والمعاهد المعنية بهذه العلوم، لأن هذا الربط يؤثر في نفوس الطلبة ويجعلهم أكثر إيمانا وحماسا للإسلام ثم أنهم هم الذين يتقلدون مناصب الشعوب الإسلامية، وهم الذين سيكونون خنجرا في نحور أعداء الإسلام الذين يحاولون تثبيت العلمانية في الشعوب الإسلامية عن طريق الأفكار والنظريات وعن طريق التطبيق العملي بالقوة التي مكنوا منها، ولذلك لا بد من وضع مناهج تقطع الطريق على هؤلاء الأعداء.

وذكر الدكتور محمد ناصر أن محاولة ربط العلوم بالعقيدة قد بدأت فعلا من سنة 1972 م على هيئة دورات تدريبية حيث تخصص ثلاث أيام في الأسبوع ويشتغل اليوم بأكمله من صلاة الفجر إلى الليل ثم بعد كل ستة أشهر ثلاثة أيام، ثم انتشرت الفكرة وأصبح كثير من المثقفين يطلبون المزيد فأثمر ذلك.

وممن لهم اهتمام بهذا الأمر من العلماء:

1_

الأستاذ يوسف فيصل - متخصص في العلوم الاجتماعية

2_

الأستاذ الشاذلي – تكنولوجيا

3_

دارودي شريف – طب

4_

د. فريد مفتاح – تكنولوجيا

5_

د. عبد الرحمن – الاقتصاد

6_

د. رودي – طب

وقد حرصت على كتابة أسماء هؤلاء العلماء المهتمين بهذا السبيل ليتعرف عليهم أمثالهم من زملائهم في العالم الإسلامي ويستفيد بعضهم من بعض، لعلمي بأن أمثالهم موجودون وقد كتبوا وحاضروا ولهم أثر ملموس، وعن طريق المجلس الأعلى للدعوة الإسلامية في أندونيسيا الذي يرأسه الدكتور محمد ناصر ونائبه الدكتور رشيدي يستطيع من أراد الاتصال بهؤلاء العلماء أن يتصل بهم.

ص: 474

وقد حملن سلسلة من الكتيبات التي أعدت لطلاب المدارس حسب منهج كتبهم التي ألفت في العلوم وربطت فيها تلك العلوم بالعقيدة الإسلامية وهي من إعداد الدكتور محمد ناصر جملتها إلى الجامعة الإسلامية لدراستها وطبعها وتوزيعها في أندونيسيا إن أنكن.

وقال الدكتور محمد ناصر إن محاولات جادة قد بذلت لإنشاء مساجد في الجامعات لإقامة الصلاة فيها وربط الطلاب الأساتذة بها وإن تلك المحاولة لقيت استجابة شعبية وقد أقرت بندا في ميزانية الجامعات يدعم هذا النشاط إلا أن ذلك أغاظ من تربوا في أحضان الغرب ممن لهم صلاحيات في هذه الجامعات وهزهم هذا النشاط الإسلامي فألغوا البند الخاص بذلك. وكان طلبة المدارس الحكومية –كالأهلية- يمنحون إجازة في شهر رمضان ويستغل ذلك علماء أندونيسيا والدعاة إلى الله فيقومون بتدريس طلبة المدارس الحكومية والجامعات في المدارس والجامعات الإسلامية طيلة شهر رمضان ويفد أبناء المسلمين لتلقي العلم والدعوة من كل مكان وتمتلئ بهم تلك المؤسسات، ولكن الحاقدين على الإسلام ألغوا إجازة شهر رمضان ليحرموا طلبة هذه المدارس من تلقي العلوم الإسلامية التي لا يجدونها في مدارسهم.. وعلى الرغم من ذلك فإن هؤلاء الطلبة يفدون إلى المساجد والمدارس في المساء الذي هو وقت راحتهم وبعد صلاة الفجر –بل وقبل صلاة الفجر كما شاهدت ذلك بنفسي في الجامع الكبير في باندونج وسيأتي ذكره إن شاء الله- وقد كان رد فعل أولياء أمور الطلبة عنيفا ضد هذا القرار الذي اعتبروه ظالما، لأنه يحول بينهم وبين تعلم أبنائهم أمور دينهم التي لا ينالونها في المدارس الحكومية..

أخطار تهدد الإسلام في هذا الشعب:

ص: 475

الأول: محاولة إقناع الجيش بموالاة بعض الأحزاب التي تقف ضد الإسلام، والأصل في الجيش حسب العرف السياسي العام أن يكون محايدا يحافظ على أمن البلاد في الداخل ويرد عنها الأخطار من الخارج، كما أن الأصل في الجيش حسب العرف الإسلامي أن يعد نفسه لرفع راية الإسلام "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله".

الخطر الثاني: إن هنالك محاولة جادة لدعم جماعات التخريف وتعميق العقيدة الباطنية في نفوس هذه الجماعات وجعل هذه الجماعات حزبا باطنيا معترفا به ليقوي به ذوو الاتجاه العلماني في البلاد وقد شعر العلماء بهذين الخطرين ولهم مواقف يشطرون عليها أعانهم الله وهدى بهم عباده.

وهناك خطر ثالث: وهو الإبقاء على الصفة الوثنية بين الوثنيين وتشجيع ذلك بشتى الوسائل والحول بين هؤلاء الوثنيين وبين الدخول في الإسلام بأساليب شتى.

ومن الأمور التي تبشر بخير نجاح محاولة ربط الشباب بالمساجد وقد رأينا هذا عندما كنا نصلي في أي مسجد العشاء والفجر وكذلك التراويح فإن المساجد والأماكن التي تحيط بها تمتلئ بالشباب من بنين وبنات من طلبة الجامعات والمدارس وإن الشوارع المؤدية إلى المساجد لتقف فيها حركة السير لكثرة الوافدين إلى المساجد أو الخارجين منها بعد انتهاء الصلاة وكأن المدينة – جاكرتا أو غيرها - قد أعدت مظاهرة عامة خرجت من كل بيت ينادي الجميع فيها – بلسان حالهمل - بسقوط الكفر.

رأينا هذا في شهر رمضان. أما في غيره فالظاهر أن قصاد المساجد أقل وهذا مع جهل كثير من الناس بدينهم وسيأتي تعليقي على هذا فيما بعد إن شاء الله.

مع الشيخ عبد الله الشافعي (29 /8 /1400 هجري)

ص: 476

في صباح هذا اليوم زارنا في الفندق الشيخ عبد الله الشافعي مؤسس المدرسة الشافعية، وشرح لنا ما تقوم به مدارسه المتعددة واعتذر لنا عن عدم حضوره أمس عندما زرنا المدرسة وألح علينا في نقل رغبته في أن تساعد الجامعة مدارس الشافعية بتخصيص منح دراسية ومدرسين للغة العربية فوعدناه أننا سنبلغ المسؤولين في الجامعة وطلبنا منه أن يبعث للجامعة الإسلامية منهج المدرسة ويطلب معادلته لأن المنح إنما تخصص بناء على المعادلة.

إفراط وتفريط (1 /9 /1400 هـ)

كان هذا اليوم هو يوم الأحد، وهو يوم إجازة في أندونيسيا. على عادة النصارى مع أن الشعب شعب مسلم ينبغي أن يأخذ يوم راحته يوم الجمعة الذي يحتاج فيه إلى الاستعداد لصلاة الجمعة.

ونحن وإن كنا لا نرى تعطيل العمل لا في يوم الجمعة ولا في غيره لأن الإسلام يحث المسلم على العمل في كل وقت وعمل المسلم عبادة لله سواء كان من الشعائر التعبدية أو من الأمور المباحة مادام يقصد به وجه ربه تعالى، والآيات القرآنية تدل على عدم تخصيص يوم الجمعة بالتعطيل –وإن كان يوم عيد يجتمع فيه المسلمون في كل أنحاء الأرض للصلاة وسماع الخطبة- قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} وقال: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} . وكان أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم يعملون يوم الجمعة في مزارعهم إلى أن يحين وقت الصلاة، كما في حديث عائشة قالت:"كان الناس ينتابون الجمعة من منازلهم ومن العوالي فيأتون في العباء فيصيبهم الغبار والعرق فتخرج منهم الريح فأتى النبي صلى الله عليه وسلم إنسان منهم وهو عندي فقال النبي صلى الله عليه وسلم:" لو أنكم تطهرتم يومكم هذا".

ص: 477

فالآيات القرآنية دلت على جواز البيع والشراء إلى وقت النداء ودلت على مشروعية الابتغاء من فضل الله بعد الصلاة وهذا الحديث دل على أن الصحابة منهم من يأتي من منزله ومنهم من يأتي من العوالي. والظاهر أن المقصود من بساتينهم التي يذهبون إليها يوم الجمعة وما ذلك إلا للعمل والله أعلم.

ولكن أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالتبكير والاغتسال والتطيب يؤخذ منه إعطاء فرصة لمن أراد ذلك مبكرا، والمسلمون –إذا كان لابد من يوم تعطيل- أحق بيوم الجمعة وإعطاء فرصة للنصارى في بلد، هو أقلية فيه، دليل عن الانحراف عن الدين الإسلامي وموافقة أعداء الله في أعيادهم وهذه الموافقة فيها معنى الموالاة التي قد تصل إلى الكون من أهل الكفر:{وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} .

لهذا تجد المسلمون يضيقون ذرعا في بلادهم عندما يعطي حكامهم عيدا للنصارى وهو قلة تعطل فيه جميع الدوائر الحكومية والمحلات التجارية كل أسبوع وهو لا يؤدون في هذا اليوم إلا لحظات في الكنيسة قلة قليلة منهم وهم كفار وعباداتهم كفرية وبقية الوقت يقضونه في لهو ولعب أما المسلمون وهم الأغلبية فيومهم يوم عيد مشروع ويؤدون عبادة مشروعة تحتاج إلى الوقت للاستعداد قبل الصلاة ثم يحال بينهم وبين هذا العيد المشروع، يضق المسلون ذرعا بهذا الوضع وبعض البلدان قد لا يعطى المسلم فيها فرصة للصلاة إلا إذا فاتت بعض مصالحهم كأن يكون طالبا في كلية علمية كالطب والهندسة والدراسة مستمرة وقت الصلاة.. فأين إسلام هؤلاء الذين يضايقون المسلمين في أوقات عباداتهم ويحققون للكافرين مآربهم.

وهنا لابد من كلمة حق أقولها للمسلمين وأعدائهم على السواء الأصل في يوم الجمعة أن يكون يوم عمل –غير إجباري- لأن عمل الصحابة جرى على ذلك كما دلت على ذلك الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وقد سبق بعضها، ولزيادة الإيضاح أسوق هذه الأحاديث الصريحة في العمل يوم الجمعة:

ص: 478

عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان الناس ينتابون يوم الجمعة من منازلهم من العوالي فيأتون في العباء ويصيبهم الغبار والعرق فيخرج منهم الريح فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم إنسان منهم هو عندي فقال: "لو أنكم تطهرتم يومكم هذا" وفي رواية كان الناس مهنة أنفسهم فكانوا إذا راحوا إلى الجمعة راحوا في هيئتهم فقيل لهم: "لو اغتسلتم"

وفي رواية كان الناس أهل عمل ولم يكن لهم كفاه فكانوا يكون لهم تفل فقيل لهم: "لو اغتسلتم يوم الجمعة" أخرجه البخاري ومسلم، وللبخاري قالت كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عمال أنفسهم فكان يكون لهم أرواح فقيل لهم:"لو اغتسلتم"وفي رواية أبي داود قالت كان الناس مهان أنفسهم فيروحون إلى الجمعة بهيئتهم فقيل لهم: "لو اغتسلتم"[1] .

هذه الأحاديث مع قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْع} ، وقوله:{فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} . تدل دلالة واضحة، أن أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم في عهده كانوا يعملون يوم الجمعة.

وعلى هذا لا ينبغي أن يشدد على التعطيل يوم الجمعة، لإمكان الجمع بين قضاء المصالح العامة، وهي من رضا الله، وبين الاستعداد للصلاة وهذا هو ما جرى عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو واضح من النصوص السابقة.

وينبغي أن يعطى المسلم الحريص على التفرغ للعبادة هذا اليوم فرصة للتنظيف والتطيب والتبكير إلى المسجد وأن توقف الوظائف العملية التي تحول بين المسلم وبين هذا الحق مثل الدراسة والتدريس والعمل في المصانع وما أشبه ذلك مما يجبر المسلم على التأخر عن التبكير وما يلزمه وإذا كان لابد من التعطيل فينبغي أن يكون يوم الجمعة لا يوم السبت ولا الأحد اللذين هما من أعياد الكافرين.

ص: 479

هذا استطراد رأيت أن إيضاح هذا المعنى فيه مفيد، فأرجو من القارئ المعذرة.

في هذا اليوم –يوم الأحد الذي هو إجازة في أندونيسيا مجاراة لأعياد النصارى- ذهبنا في الساعة العاشرة والنصف للصعود في برج الاستقبال في جاكرتا والذي يمكن منه رؤية المدينة لارتفاعه وبعد أخذ البطاقات وجدنا صف الانتظار للصعود طويلا والمصعد واحد وليس واسعا مثل مصعد عمارة نيويورك فقررنا الانسحاب من هذا الصف لنرجع في وقت أقل ازدحاما ومررنا على الحجرات المحيطة بالبرج وفيها الآثار التاريخية الأندونيسية التي تحكي تاريخ أندونيسيا من عصورها الهمجية القديمة إلى عصر الاستقلال بالصور المجسمة.

ثم ذهبنا إلى شاطئ البحر، وفي طريقنا رأينا أنهارا في وسط المدينة قذرة، وروائحها كريهة، فسألنا ما هذه الأنهار القذرة التي تخترق جاكرتا العاصمة فقيل هذه هي المجاري يشق لها هذا المجرى الواسع ليصب في البحر.

لكل ساقطة لاقطة:

ومن المناظر الغريبة وجود بعض الأشخاص يستحمون في مثل هذا المجرى. رأى الشيخ عبد القوي رجلا وهو يستحم فاستغرب ذلك فقال بعض الأخوة الأندونيسيين ما أظنه يستحم ولكن يمكن أن يكون عاملا يحفر بعض المجاري الفرعية وكان ذلك فيه شيء من الاحتمال عندي ولكن بعد قليل رأينا آخر وهو في وسط هذا البحر يدلك جسمه عند ذلك قلت للأخوة لا تستغربوا فلكل ساقطة لاقطة كما قال الإمام الشافعي رحمه الله.

وعندما وصلنا إلى ساحل البحر وجدنا المكان أشد ازدحاما من برج جاكرتا، مع سعة الساحل، وكان أهل جاكرتا قد اجتمعوا في هذا المكان فلم نطق النزول به لما فيه من المنكر والصخب.

ركشة الأندوبيسيين:

ص: 480

ومرت بنا قاطرة من العربات عددها عشر محملة بالمتنزهين ومكنتها شبيهة بمكنة الدراجة النارية إلا أنها أقوى منها قليلا قلت هذه ركشة الأندونيسيين لأن الركشة الباكستانية أو البنغالية لا تتسع لعالم الذر ولا تتسع شوارع أندونيسيا لها مع أهلها.

ثم تشاور عبد الله باهرمز مع قائد السيارة بلغتيهما وكر السائق راجعا إلى البحر من جهة أخرى بعد أن قال له عبد الله ترى مقاسي قلنا خيرا إن شاء الله إلى أين؟ فقال عبد الله ذكر السائق أن هذه الجهة التي نسير إليها الآن لا يوجد بها مرتادون لعدم وجود ظلال بها.

المواساة

المواساة للمؤمنين أنواع: مواساة بالمال. ومواساة بالجاه. ومواساة بالبدن والخدمة. ومواساة بالنصيحة والإرشاد. ومواساة بالدعاء والاستغفار لهم. ومواساة بالتوجع لهم. وعلى قدر الإيمان تكون هذه المواساة فكلما ضعف الإيمان ضعفت المواساة، وكلما قوى قويت وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم الناس مواساة لأصحابه بذلك كله. فلأتباعه من المواساة بحسب اتباعهم له.

--------------------------------------------------------------------------------

[1]

جامع الأصول (7 /327 /328) وراجع مجمع الزوائد.

ص: 481

أصح البشائر في مبعث سيد الأوائل والأواخر

للشيخ محمد المجذوب

كلية الدعوة وأصول الدين

لا حاجة إلى القول بأني أحد المستمعين بأحاديث الأخ الشيخ علي الطنطاوي، التي يرسلها عن طريق المذياع قبيل صلاة العصر من كل يوم، حتى لا يكاد يفوتني أحدها إلا تحت الضرورة، فالشيخ، حفظه الله وبارك في حياته، قد أصبح منذ بدأ هذه الأحاديث أنيس الجماهير، إذ اقتحم على الناس مساكنهم ومشاغلهم، واجتذب اهتمامهم فألفوا صوته، واستعذبوا أسلوبه، الذي يمزج الجد باللعب، والعلم بالأدب، ويخالط مشاعرهم بما يتناول من مسائلهم ومشكلاتهم وتطلعاتهم.. بتلك اللهجة المحببة التي يطلقها على فطرتها، فتحمل المستمع – والرائي- نفحات الغوطة ومشاهد قاسيون، وذكريات دمر وبردي من دنيا الشام، دنيا الصبا والشباب والأحلام.

والله تبارك اسمه، الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، هو الذي قدر التلاقي والاقتراب في نطاق الأفكار، فقد تتقارب حتى لتجمعها الوحدة، وتتباين حتى لا يتصور بينها لقاء. وطبيعي أن يرتفع منسوب هذا وذاك بالنسبة إلى أحاديث تكاد تؤلف موسوعة يتعذر تحديدها من المعلومات والمفهومات والتقريرات والفكاهات.. وعلى الرغم من كثرة نقاط التلاقي بين أفكار الأخ الطنطاوي وأفكاري، فهناك مواقف نختلف عليها وقد يبلغ بعضها حدا يقتضي الحوار، فأكتب به إليه أو يعقب في أحاديثه عليه.. وعلى هذا السنن أراني اليوم مدفوعا لمناقشة واحدة من نقاط الاختلاف التي عرض لها في بعض أحاديثه أكثر من مرة. وقد كان علي أن أثير هذه المناقشة معه من زمان، بيد أن ظروف العمل التي تستحوذ على معظم وقتي حالت دون ذلك من قبل، وإنما حفزني إليها اليوم خبر أورده ابن إسحاق في تضاعيف السيرة ومر به ابن هشام ثم العاملون في خدمتها من المحققين والناشرين دون أن يلقوا إليه بالا فيما أعلم..

ص: 482

وبازاء هذا الخبر وقفت أتأمل وأفكر وأقارن، حتى انتهيت إلى القناعة بأن من الخير كتابة هذا البحث لا في شأنه وحده، بل في أهم جوانب الموضوع المتصل به، مما سبق أن أثاره في صدري حديث الأستاذ المكرر..

* أما الموضوع ففي نطاق البشائر التي تقدمت مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مقدمه ومبعثه والرسالة العظمى التي يحملها إلى الثقلين جميعا، فيجمع بها شمل الإنسانية التي فرقتها العصبيات، وينشر لأول مرة في تاريخ الدنيا إعلانه العالمي عن حقوق الإنسان في الحياة والكرامة والحرية.

ومهما تكن المناسبة التي دعت الأستاذ الطنطاوي إلى التعرض لهذا الموضوع، فهي لا تعدو سؤالا أورده أحد مستمعيه بغية الوقوف على جوابه بشأن ما ذكره كتاب السيرة النبوية عن المبشرات بظهور رسول الله في مختلف الروايات التاريخية. وقد رأيت الأستاذ أجزل الله مثوبته يميل صراحة إلى إنكار هذه الأخبار، ليؤكد خلو ذهن المصطفى صلى الله عليه وسلم من أي علم سابق عن ترشيحه لذلك المنصب الأعلى.. وما أدري أجاء تكراره لهذه الأفكار من قبل الإذاعة التي من عادتها إعادة بعض الحلقات في مناسبات مختلفة، أم كان جوابا آخر مؤكدا على سؤال جديد في الموضوع نفسه!. وعلى أي حال فقد كان لموقفه هذا أثره في صدري كما أسلفت، لاعتقادي أنه ينطوي على إطلاق لابد من تقييده، حفاظا على الحقيقة التي نحبها جميعا، ذلك لأن قبول كل ما ورد في السيرة من هذه البشائر ضرب من الاستسلام الضرير، الذي لا تقره الرؤية الإسلامية، كما أن رفض كل ما يتعلق بهذا الجانب تحكم لا مسوغ له في منطق العلم والعقل.

وإذن ففي جوابَيْ الأستاذ حول هذه البشائر صواب لا مندوحة عن إقراره، وفيهما خطأ لا يرضى هو بالسكوت عنه، ولا يتفق مع منهجه العلمي.. ولننظر الآن في كل من الجانبين على حدة

ص: 483

* إن المتتبع في وعي لروايات السيرة حول نشأة المصطفى صلوات الله وسلامه عليه يجد نفسه بازاء أخبار من حقها –لو صحت- أن تهيء ذهنه صلى الله عليه وسلم لاستقبال النبأ العظيم.. وفي مقدمة هذه الروايات خبر بحيرا، الذي تقدمه الرواية على أنه راهب عربي، اتخذ طريق القوافل على حدود الشام صومعة يعبد بها ربه، حتى إذا مرّ به ركب قريش، وفيه أبو طالب وابن أخيه – الذي لم يتجاوز الثانية عشرة بعد - شدّت انتباهه ظاهرة غير مألوفة ما لبث أن تحرك لاستكشافها، فدعا القوم لطعامه، وأكد عليهم أن لا يتخلف عنه أحد منهم ومن ثم شرع في تحريه، استقراء عن طريق العلامات المميزة، واستنطاقا بالأسئلة التي طرحها على الغلام المنشود، حتى استيقن الحقيقة التي يتطلع إليها أولو العلم من أحبار يهود ورهبان النصارى.. وهنا تنتهي قصة بحيرا لدى ابن هشام وابن كثير [1] ثم يواصل الثاني حديثه عن بحيرى برواية ٌراد أبي نوح، التي تقول إن بحيرا قد أعلن قناعته بكون هذا اليتيم هو المبعوث المنتظر [2] .

ثم تأتي الرواية الأخرى عن رحلته صلى الله عليه وسلم بتجارة الطاهرة – خديجة - إلى الشام، حيث أتيح لفتاها ميسرة أن يرى ويسمع من خلال محمد صلى الله عليه وسلم ما ملأ قلبه إعجابا وتقديرا.

ولا تقف الرواية عند هذا الحد، بل تضم إليه أيضا بعض المشاهد الخارقة التي أحاطت بالرفيق الكريم أثناء الرحلة، من تظليل الغمامة ورعاية الملكي له.. وإخبار راهب نصراني لمسيرة بما يفيد أن رفيقه مرشح لمقام النبوة [3] .. حتى إذا وصل ركبهما مكة ذهب مسيرة يحدث مولاته خديجة بمرتئياته ومسموعا ته، وبخاصة كلمة الراهب، فلم تتمالك أن مضت إلى ابن عمها ورقة بن نوفل تذكر له حديث ميسرة، فما كان من هذا إلا أن أكد لها توقعات الراهب قائلا: "لئن كان هذا حقا يا خديجة إن محمدا لنبي هذه الأمة [4] .

ص: 484

وتمضي الرواية فتعرض لنا اهتمام ورقة عقيب ذلك بخبر محمد صلى الله عليه وسلم حتى ليترجم أشواقه إلى يوم إعلانه دعوته بأبيات نثبت فيما يلي بعضها:

لججت، وكنت في الذكرى لجوجا

لهم طالما بعث النشيجا

ووصف من خديجة بعد وصف

فقد طال انتظاري يا خديجا

ببطن المكتين على رجائي

حديثك أن أرى منه خروجا

بما خبرتنا من قول قس

من الرهبان أكره أن يعوجا

بأن محمدا سيسود فينا

ويخصم من يكون له حجيج

ويظهر في البلاد ضياء نور

يقيم به البرية أن تموجا

فيا ليتي إذا ما كان ذاكم

شهدت وكنت أكثركم ولوجا

ولوجا في الذي كرهت قريش

ولو عجت بمكتها عجيجا

ويتبع هذه الرواية أخبار أخرى عن كهنة العرب، وتشير إلى مبعث النبي الموعود، مرة بالرمز إليه، وأخرى بالتصريح عن اسمه.. وحسبنا منها جميعا معالجة الخبرين الأولين بالممكن من التدقيق في قيمتهما العلمية ومدى صلتهما بالواقع.

ص: 485

* ونبدأ بخبر بحيرا. فمع اختلاف مؤرخي السيرة في شخصيته ونسبته وملته يكادون يتفقون على كونه من أحبار أهل الكتاب، قد أقام في صومعته تلك يعبد الله في معزل عن مفاسد عصره. وحين يعرضون ليوم لقائه محمدا صلى الله عليه وسلم مع عمه أبي طالب يكادون يتفقون كذلك علة تنويهه بشأنه، بعد تحققه من صفاته التي يجدها في بعض آثار الأنبياء السابقين.. ويزيد بعضهم أنه على مرأى ومسمع من أشياخ الركب (أخذ بيد محمد صلى الله عليه وسلم فقال:"هذا سيد العالمين"وفي رواية الترمذي والبيهقي قال: "هذا رسول رب العالمين بعثه الله رحمة للعالمين.."ولما سأله هؤلاء عن مستند علمه عنه أجاب: "إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق شجر ولا حجر إلا خرّ ساجدا، ولا يسجدون إلا لنبي.. وإني أعرفه بخاتم النبوة بأسفل من غضروف في كتفه.."ولم يكتف بالخبر فأراهم الشجرة وهي تفيء بظلها عليه.. ثم مازال بعمه حتى رده إلى مكة حماية له من الروم –وفي رواية من يهود- وتختم هذه الرواية بأن أبا بكر بعث معه بلالا وزوده الراهب بالكعك والزيت [5] .

والذي يهمنا من حديث بحيرا هو إخباره بمستقبل محمد صلى الله عليه وسلم من حيث اصطفاء الله إياه لرسالته الخاتمة، وتوكيده ذلك بسجود الشجر والحجر له.. فهاهنا يتوقف القارئ المفكر ليتساءل عن نصيب القصة من الواقع، وبخاصة أن بحيرا لم يلق بالخبر همسا في مسمع واحد بعينعه بل أعلنه صراحة على ملأ من أفراد الركب، الذين طالبه أشياخهم بالبرهان على مدّعاه..

ص: 486

وأنت حين تواجه هذا الخبر لابد لك من التساؤل ((كيف ينسى محمد صلى الله عليه وسلم ذلك النبأ فيما بعد، وما بال أشياخ قريش ينسونه أيضا، فلا يتذكرونه يوم يطله عليهم بدعوة ربه؟. بل يقابلونها بالجحود والعناد، الذي يقطع بأن المعارضين قد فوجئوا بها، كما فوجئ بها محمد صلى الله عليه وسلم نفسه، الذي ناء تحت ثقله أول الأمر، ثم لم يطمئن قلبه إليها إلا بعد أن ثبته الله بلطفه، وبما يسر له من عون الزوج العظيمة خديجة.

ونظرة أخيرة إلى خاتمة القصة تكشف لك واحدة أخرى من المشكلات التي لا تجد لها حلا. إذ المعلوم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان في الثانية عشرة، يكبر صديقه أبا بكر بما يقارب الثلاث من السنوات، إذ كان ما بين التاسعة والعاشرة، ولم تذكر له السيرة أي صلة ببلال، الذي كان في رق أمية بن خلف حتى يوم انتقاله إلى الملك الصديق في أوائل سني البعثة.. فكيف كبر الصديق حتى قام بمسئولية الحماية لمحمد؟.. وكيف أفلت بلال من رق أمية ودخل سلطان الصديق؟.. وكيف ارتفعت سنه بغتة صار قادرا على القيام بهذه المهمة؟.. ومن أين جاء اسم الكعك إلى القصة وهو لفظ لعله لم يتطرق إلى العربية إلا بعد الفتح الإسلامي؟.

وهذه الحيرة التي تراودك بازاء القصة قد سبقنا إليها عدد من رجال الحديث الذين لم يستطيعون ردها تهيبا لسنده، ولكنهم لم يكتموا رأيهم بأن من حملها إنما حملها لغرابتها مع التوكيد على انفراد راويها الأخير بها، حتى أن ابن إسحاق نفسه لم يستطع عرضها إلا في صيغة ((الزعم التي تنم عن منتهى الشك)) [6] وكذلك فعل ابن كثير حين وجه إليها نقدا يوشك أن يكون ردا للرواية بأسرها، ومثله صنع الزرقاني في شرحه على المواهب إذ نقل تضعيف الذهبي للخبر [7] كما فعل البيهقي بقوله نقلا عن أحدهم:"ليس في الدنيا مخلوق يحدث به غير قراد"[8] .

وننتقل الآن إلى القسم الثاني:

ص: 487

لقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بتجارة خديجة وهو في الخامسة والعشرين من سنيه، وكان رفيقه في هذه الرحلة ميسرة غلامها، ولابد أنها استغرقت طويلا من الزمن، وبذلك أتيح لمسيرة وهو العاقل الفهم –كما يلوح من خلال الرواية- أن يشهد من خلائق محمد وسمو تصرفاته أثنائذ ما يدفعه إلى الحديث عنهما لكل من يتصل به وبخاصة مولاته خديجة، التي لابد أنها أصغت إلى روايته تلك بإعجاب الكريم الفاضل يسمع أنباء إنسان بلغ القمة في عالم الفضائل، حتى ليدفعها ذلك الإعجاب إلى التفكير في الاقتران به. وسواء توسلت إلى هذه الأمنية الغالية بعرض أمرها عليه مباشرة –كرواية ابن إسحاق [9]- أو بوساطة المرأة الحكيمة نفيسة بنت علية [10] أو عن طريق أخت لخديجة في إحدى الروايات، فقد أتم الله ذلك القران السعيد الذي عم ببركته لا بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فحسب بل العالم الإسلامي بأجمعه حتى تقوم الساعة.

وإلى هنا والخبر طبيعي ومعقول، ولكن التوقف إنما يتأتى عند بقيته، حيث نرى خديجة رضي الله عنها مشغولة الذهن بموضوع الغمامة والملائكة وخبر النبوة، حتى لا تتمالك أن تقصد إلى ذلك الرجل الحكيم العليم ورقة بن نوفل لتتعرف تأويل تلك الظواهر، فتسمع منه البشرى بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم فيكون ذلك باعثها الفعال على طلب الزواج منه.

ص: 488

وبقليل من التأمل في مسيرة هذا الجزء من الرواية يتضح لك اضطرابه هو الآخر ذلك أن خبرا كهذه تسمعه خديجة من ميسرة ثم من ورقة من حقه أن يصل إلى محمد صلى الله عليه وسلم عقب زواجه أو خلال الخمس عشرة سنة التي سبقت الوحي، وهذا ما ترفضه الوقائع، التي تؤكد أن محمدا وخديجة كليهما كانا سواء في خلو ذهنيهما من أمر الوحي، إذ فاجأة على غير انتظار، وفاجأها به في جو من الورع المهيب، فلم تجد ما تقوله له سوى التذكير بفضائله التي لا يقاربها الشيطان.. وحسبنا دليلا حاسما على خلو ذهنه صلى الله عليه وسلم من موضوع النبوة كليا قول ربه له تبارك اسمه: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الأِيمَانُ

} (الشورى آية 52) وهو توكيد حازم لما سبق من قوله الآخر سبحانه في سورة الضحى {وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى} ففي كلتا الآيتين تصوير عميق الدلالة على الوضع النفسي الذي كان يلابس محمدا صلى الله عليه وسلم قبل الوحي، فهو في حيرة لا يعرف السبيل إلى جلائها، فلا فكرة لديه عن رسالات الله، ولا يعرف من الإيمان سوى التوحيد الفطري الذي ينطق به كل شيء في هذا الكون، إلى أن فاجأه الزائر العظيم في أحضان حراء..

ومن هذا كله نجد أنفسنا تلقاء أمرين: أحدهما الشك في خبر الراهب النصراني عن الغمام والملائكة والشجرة التي ما نزل تحتها قط إلا نبي [11] والثاني أن يكون اتصال خديجة بورقة لاستطلاع رأيه لم يأت عقيب عودته صلى الله عليه وسلم ومسيرة من الشام، بل الأحرى أن يكون حصوله على إثر نزول الوحي مباشرة، يوم عاد إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف من الرعب، فذهبت به إلى ابن عمها الذي اطمأن وبشره بالنبوة [12] .

ص: 489

وعلى هذا التقدير يكون ثم تقديم وتأخير في أجزاء الحادث المتصل ببشرى ورقة.. ولعلنا لو لأعدنا ترتيب هذه الأجزاء وفق منطق الحوادث لوجدنا أنفسنا تلقاء الصورة التالية أو قريبا منها:

يعود رسول الله صلى الله عليه وسلم إثر اللحظة الهائلة التي قدر فيها لقاء جبريل عليه السلام إلى خديجة يرتجف من الروع، فتتلقاه بأحسن ما تملك من كريم الرعاية وجميل البيان، حتى إذا اطمأن إلى هدوئه، أخذت سبيلها في زورة عجلي إلى ابن عمها ورقة، أعلم أهل مكة بأمر الدين، فما إن يسمع حديثها عن تلك المفاجأة حتى يهزه الوجد، ويأخذ في التسبيح: قدوس قدوس.. ثم يصرح بالبشرى: "والذي نفسي بيده لئن كنت صدقتني يا جديجة لقد جاءه الناموس الأكبر –جبريل- وإنه لنبي هذه الأمة، فقولي له فليثبت [13] ".

وهكذا تعود خديجة رضي الله عنها إلى محمد صلى الله عليه وسلم بكلمة ورقة تشد بها عزيمته، ولتقول له في ثقة عالية وبألفاظ ورقة نفسها:"والذي نفس خديجة بيده إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة [14] ". وطلبا للمزيد من التثبيت ترى أن يسمع محمد تلك البشرى الشافية من فم صاحبها مباشرة، ولذلك (انطلقت بمحمد حتى أتت ورقة فقالت له:"يا ابن عم اسمع من ابن أخيك".. فأخبره صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى فقال له ورقة: "هذا الناموس الذي كان ينزل على موسى [15] ". ومن هنا جعلت الأشواق تتفاعل في صدر ورقة إلى اليوم الذي يؤمر فيه النبي الخاتم بتبليغ رسالة ربه، فلا يتمالك أن يترجمها بتلك الأبيات التي أثبتناها في ما تقدم. ثم يلقي محمد صلى الله عليه وسلم وهو يطوف بالبيت فيستعيد خبره، ولعله يستوضحه عما جدّ له، فيقص عليه ما رأى وما سمع، فيكرر ورقة ما قاله من قبل مؤكدا بشراه بالقسم:"والذي نفسي بيده إنك لنبي هذه الأمة"[16] .

ص: 490

ومما يؤكد هذا الاتجاه في ترتيب أجزاء الخبر رواية ابن كثير له حيث يعرض نبأ عودته صلى الله عليه وسلم إلى خديجة وهو يقول: " زملوني زملوني، فزملوه حتى ذهب عنه الورع، فأخبر خديجة بأمره، وقال: "لقد خشيت على نفسي".. فجعلت خديجة تسري عنه بقولها: "كلا.. والله لا يخزيك الله أبدا. إنك لتصل الرحم وتقري الضيف وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتعين على نوائب الحق.." ويعقب ابن كثير ذلك بقوله: "فانطلقت به خديجة حتى أتت ورقة.."إلى نهاية الخبر.

فأنت ترى خلو رواية ابن كثير من هذا القول المنسوب في السيرة إلى خديجة "إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة"وتؤكد رواية البخاري ومسلم وأحمد والترمذي والنسائي.

ورب متسائل يقول: ومن أين جاء خبر تظليل الملائكة والغمام وسجود الحجر والشجر لمحمد وانصهارها عليه؟!.. فأقرب جواب على ذلك أن يكون بعض نساخ السيرة، وربما كان من مسلمة أهل الكتاب، قد آسفه أن يقرأ في أسفارهم مثل تلك العجائب تواكب بعثة بعض الأنبياء، ولا يرى مثل ذلك في سيرة محمد صلى الله عليه وسلم وهو الذي أكرمه الله بإمامتهم جميعا، فلم ير بأسا في إضافة مثلها إلى بعض أخباره.. بل لا أستغرب أن يكون من هذه الإضافات ذلك الخبر القائل إن يهوديا أطل من أطمه في يثرب ليصرخ في قومه: "يا معشر يهود.. طلع الليلة نجم أحمد الذي ولد به [17] وذلك مضاهات لما تقوله بعض مكتوبات النصارى من أن رجلا من فارس قد عرفوا بميلاد المسيح عليه السلام من نجم معين فجعلوا يتتبعونه حتى انتهوا إلى مقره في بيت لحم [18] .

ص: 491

وأنا إذ أعرض هذه التصورات لا أنسى أن بعض هذه الأخبار مكتوب في بعض المؤلفات المقدرة عند جمهور المسلمين، ولكن علينا أن نتذكر كذلك أن لمؤلفيها رأيا معلوما في التفريق بين التاريخ والشريعة، فهم إذا رووا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تشددوا في التحقيق، وإذا عرضوا للأخبار التاريخية مالوا إلى التساهل. وليتهم لم يفعلوا ذلك لأن التاريخ في ضوء الإسلام معرض العبر التي يجب على المسلم تطبيقها في حياته، وإنما يصلح التطبيق إذا صحت الوقائع، وكل تحريف في عرضها إنما هو مضيعة أو مفسدة للعبرة نفسها..

* ونعود الآن إلى قصيدة ورقة ذات الصلة الوثيقة بهذا الموضوع، فهي من الناحية الفنية أشبه صياغة بأساليب الشعر المكي أثناء البعثة، الذي قلما يتوافر له الألق الجذاب، الذي نعرفه في أساليب الفحول من نجد ويثرب.. إنه أقرب ما يكون إلى نظم العلماء منه إلى غناء الشعراء

ولذلك لا يستبعد أن تكون نسبتها إلى ورقة الحبر العالم صحيحة لما تحمله من التركيز على الجانب الفكري، الذي يصور تطلعه إلى موعد الجهر بدعوة المصطفى صلى الله عليه وسلم ليقف بجانبه يشاطره ما سيتحمله من العناء والبلاء في سبيل الله.. ولا نرى حاجة إلى استعادتها مرة ثانية هنا، ولكن ثمة بعض المؤشرات التي لا مندوحة من التوقف عندها قليلا:

يقول ورقة رحمه الله :

لججت وكنت في الذكرى لجوجا

لهم طالما بعث النشيجا

ووصف من خديجة بعد وصف

فقد طال انتظاري يا خديجا

ببطن المكتين على رجائي

حديثك أن أرى منه خروجا

فهو في هذه المقدمة يعبر عن تشوقه لأخبار محمد صلى الله عليه وسلم التي حركت سواكن الأشجان في صدره من أوضاع الناس الغارقين حوله في حلكات الظلام.. فهو يتطلع بلهفة إلى الموعد المنتظر.. وهي مقدمة واضحة الدلالة، على الرغم مما فيها من جفاف العبارة وتكلف الشاعرية.. ولكن هذا الانسجام لا يلبث أن يتقلقل عندما نقرأ البيت الرائع:

ص: 492

بما خبرتنا من قول قس

من الرهبان أكره أن يعوجا

والمراد بالقس هو ذلك الراهب الذي سبقت إشارته إلى نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لمجرد جلوسه تحت الشجرة

وهو بيت غريب عن السياق غرابة خبر الراهب هذا، ويكاد ينطق بأنه مدسوس على القصيدة دسا، سواء من حيث صياغته أو مضمونه أو بعض مفرداته، ففي (يعوجا) محاولة لقصر اللفظ على أن يكون قافية في منظومة لا قرابة بينه وبينها البتة، فضلا عن ضياع موضع الربط بين (بما) ومتعلقها أهو (الهم) أم (النشيج) أم (الانتظار) أم (الخروج) ! ولكي تتضح لك غربة هذا البيت أكثر فما عليك إلا أن تحذفه من خيالك ثم تقرأ بدله البيت الخامس مباشرة:

بأن محمدا سيسود فينا

ويخصم من يكون له لجيجا

فأحق مكان بتعليق المصدر المجرور أول هذا البيت (بأن

) هو (وصف) في صدر البيت الثاني، وهكذا تستكمل الدارة الفكرية تلاقيها، فينسجم مضمون الأبيات في مجرى واحد لا عوج فيه ولا أمت

فنشعر أن الباعث النفسي لصياغة القصيدة هو ما قصته خديجة على ورقة من أمر الوحي، وما سمعه عقيب ذلك من الرسول نفسه عن ملابساته، وكل ما قيل عن علاقتها بغير هذه المناسبة فهو ادعاء ينقصه الدليل المعقول.

ولقد آن لنا بعد هذه الرحلة الطويلة أن نعود إلى منطلق البحث، وهو موقف الأخ الكريم الأستاذ على الطنطاوي وآخرين مثله من موضوع البشائر عن مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم السابقة لظهوره.

فأما جانب الصواب في إنكار هؤلاء الفضائل فقد أوضحناه مؤيدا بكل ما نملك من الحجج والبيانات، وقد بقى أن نقف بعض الكلام على الجانب الآخر، جانب المبشرات الثابتة بأقوى ما يهتدي إليه العقل والقلب من وسائل الإثبات.

ص: 493

وقبل التعرض لهذه الوسائل يحسن بنا أن نذكر القارئ بما لا يحسن أن يغفله من المعلومات الأولية، وهي أن بعثة محمد صلى الله عليه وسلم كانت ولا تزال أعظم أحداث التاريخ البشري قاطبة، لأن الإنسانية بها انتقلت من صحراء الضياع الذي يصوره قول الله تبارك اسمه: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ

} (الروم الآية 41) . ثم قول رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم في وصف الوضع البشري أثناء بعثته: "

إن الله اطلع إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب" [19] . إلى ساحت النور فاتضحت معالم الطريق، وتحددت المسئوليات، وانكشف للأبصار ما طمسته الجاهلية من حقيقة الإنسان وتبعاته، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حي عن بينة..

وحدث له مثل هذا الثقل في موازين الوجود لا يعقل أن يفاجئ الله به الجنس البشري دون أن يمهد له بما يهيئ لاستقبله الأذهان.. ولذلك لم يبعث الله نبيا إلا أخذ عليه العهد بالإبلاغ عن هذا المبعوث الذي يدخره سبحانه لإنقاذ سفينة الحياة من زوابع الضلال..

يقول جل شأنه في سورة آل عمران: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ} .

وفي تفسير هذا الميثاق ينقل ابن كثير عن علي وابن عباس أن الله لم يبعث نبيا إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث الله محمدا وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه، وأن يأخذ الميثاق على أمته لئن بُعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه.

ص: 494

ويقول سبحانه في التعقيب على استغفار نبيه موسى عليه السلام : {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنَا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (الأعراف 156 و157) .

وفي هاتين الآيتين يقول ابن كثير أيضا: "وهذه صفة محمد صلى الله عليه وسلم في كتب الأنبياء بشروا أممهم ببعثته وأمروهم بمتابعته ولم تزل صفاته موجودة في كتبهم يعرفها علماؤهم وأحبارهم".

ص: 495

ولقد والله رأينا صفاته هذه في التوراة لا تزال قائمة على الرغم من كل التحريفات التي لحقت بها، ورأيناها في إنجيل يوحنا منقولة عن لسان عيسى عليه السلام يبشر فيها بمبعث محمد صلى الله عليه وسلم ويحدد صفته بالاسم، على الرغم من تلاعبهم بتغييره في الترجمة العربية، إذ جعلوه (المعزّي) بدل (أحمد) ويأبى الله إلا يفضح المزورون فيكشف الحقيقة بلسان المستشرق الإيطالي الدكتور ((نلينو)) الذي صرح للشيخ عبد الوهاب النجار بأن اسم المبشر به باليونانية وهو (الفارقليطس) يعني بالعربية الكثير الحمد.. بل لقد كشفوا هم أنفسهم عن تزويرهم هذا بما كتبوه في ذيل الصحف التي حملت البشارة من إنجيل يوحنا المطبوع بالعربية، حيث يقولون بالحرف الواحد تعقيبا على كلمة المعزي (إن لفظ المعزي ليس له في المتن الأصلي شيء من معنى الحمد. ومن فسره بالمعزي فإنما تحرف عليه المعزي الذي في الترجمات العربية..) ومجرد ذكرهم هنا لفظ الحمد دليل قاطع على اختلافهم حول ترجمة اللفظ اليوناني الأصلي، وعلى أن بينهم من ذهب إلى ربطه بمعنى (الحمد) الذي يراد استبعاده بهذه الحاشية، فكان ذلك شهادة منهم على أنفسهم بالتزوير والتحريف.. وملاحظة أخرى وهي أن في الفقرة الأخيرة إشارة صريحة إلى وجود ترجمات سابقة بالعربية أثبت فيها اللفظ المشتق من الحمد بدل (المعزي)[20] .. ولو هم انصفوا عقولهم وآثروا الحق لتركوا لبشارة المسيح أن تصل إلى آذان الناس وقلوبهم، لأنها إذ ذاك لن تكون إلا إعلانا للحقيقة التي بلغها المسيح عليه السلام من قبل في قوله لبني إسرائيل:{وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} (الصف 6)

ص: 496

ولقد بلغت تلك البشريات في التوراة والإنجيل بمبعث خاتم الرسل صلى الله عليه وسلم حدا لم يبق معه مجال للتجاهل، حتى أصبح أولو العلم من أهل الكتاب {يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} (البقرة 146) . ولم يقف أمر هذه البشائر على ذوي العلم من خاصة أهل الكتاب وحدهم، بل لقد انتشرت أنباؤها في سوادهم، حتى لقد كان يهود يثرب يوعدون وثنييها من العرب بأن نبيا أطل زمانه سيتبعونه ويقاتلونهم معه فيقتلونهم قتل عاد وارم {وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ} (البقرة 89) .

وحسبنا بهذه الشهادات الدامغة أدلة مقنعة بما أسلفناه من أن ذكر محمد صلى الله عليه وسلم كان محفوظا في الكتب المقدسة، وعلى ألسنة أهل العلم، الذين كانوا لا يبرحون يتوارثونه جيلا بعد جيل منذ بعث الله أول نبي وحتى تقوم الساعة.

وليست قصة سلمان رضي الله عنه وضربه في الأرض بحثا عن الحق وتلقيه خبر محمد صلى الله عليه وسلم وعلاماته من أسقف عمورية، إلا واحدا من نقول الثقات بعضهم عن بعض لهذه المبشرات..

وحتى موروثات الهنود والفرس القديمة من علوم أسلافهم لم تخل من هذه المبشرات، وقد عني بالحديث عنها كثيرون من مؤرخي المسلمين كابن حزم والشهر ستاني وابن تيمية ورحمة الله الدهلوي، وفي كتاب (مطالع الأنوار) لعباس محمود العقاد نماذج وفيرة لمن شاء المزيد من أخبارها. ويقول الأخ الدكتور ضياء الرحمن الأعظمي – الهندي - إنه معني بتأليف كتاب يحمل الكثير من بشائر الكتب الهندوسية بمحمد صلى الله عليه وسلم [21] .

وسأختم هذا العرض بواحدة من هذه البشائر التي لا مجال للمراء في مدلولها، وقد اخترتها من الكتاب المنسوب إلى أشعياء في مجموعة العهد القديم.

ص: 497

في الإصحاح: 35/ من رؤى أشعياء يعرض هذا النبي صورة رائعة الوضوح والجلال للحدث العظيم الذي أطل على الدنيا ببعث محمد صلى الله عليه وسلم فيرينا معالم الخير الذي غمر الجزيرة العربية، والحضارة المثلى التي نشرها الإسلام، لا في الإنسان وده بل في كل شيء.

فلنستمع إليه يفصل مرئيا ته من وراء أكثر من ألف سنة قبل بعثة ذلك المنقذ العالمي الذي اصطفاه الله رحمة للعالمين:

يقول أشعياء: "تفرح البرية والأرض اليابسة، ويبتهج القفر ويزهر كالنرجس، يزهر إزهارا ويبتهج ابتهاجا ويرنمّ.

يدفع إليه مجد لبنان بهاء كرمل وشارون، هو يرون مجد الرب بهاء إلهنا.

شدّدوا الأيادي المسترخية والركب المرتعشة ثبوتها. قولوا لخائفي القلوب تشددوا لا تخافوا هو ذا إلهكم. الانتقام يأتي جزاء الله هو يأتي ويخلصكم.

حينئذ تتفتح عيون العمي، وآذان الصم تتفتح، حينئذ يقفز الأعرج كالأيل، ويترنم لسان الأخرس، لأنه قد انفجرت في البرية مياه وأنهار في القفر ويصير السراب أجما، والمعطشة ينابيع ماء.

في مسكن الذئاب، في مربضها دار للقصب والبَرْدِيّ.

وتكون هناك سكة وطريق يقال لها الطريق المقدسة، لا يعبر فيها نجس، بل هي لهم.

من سلك في الطريق حتى الجهال لا يضل.

لا يكون هناك أسد، وحش مفترس لا يصعد إليها، بل يسلك المفديّون فيها، ومفديو الرب يرجعون ويأتون إلى صهيون بترنم وفرح، فرح أبديّ على رؤسهم.. ابتهاج وفرح يدر كانهم، ويهرب الحزن والتنهد [22] ".

إن أشعياء يصوغ مرئياته السعيدة هذه في أسلوب شعري يترقرق بالفرح والبهجة، فلا يتمالك أن يسكب من مشاعره على الأرض اليابسة فإذا هي تموج بمثل فرحه وبهجته.. حتى ليرى كل شيء فيها يضحك ويزهر ويغني

ولم كل ذلك؟

لأن انقلاب خارقا قد غيّر مسيرة الحياة فاستبدلت بكآبة الشقاء والضياع هداية السماء التي ملأت الأرض بنور الله.

ص: 498

ولذلك يهيب بالمظلومين: أن افتحوا قلوبكم فقد جاءكم الخلاص على قدر، فلا عدوان بعد اليوم ولا بغي ولا طغيان..

إنه انقلاب شامل يطلق المواهب كلها في جزيرة العرب، فتنشط العقول، وتتفجر منابع الحكمة على كل لسان.. وتستحيل الأرض، التي كانت حتى الأمس مرتعا للموت، جنات ترف بالأمن الذي ينعم به كل شيء من إنسان وحيوان.

يالها معجزةً أحالت مرابض الذئاب دورا للعلم فلا يكاد يرى فيها إلا القارئون والكاتبون والمعلمون!

ثم ماذا؟

ثم الحرم المقدس الذي طهره الله من كل نجس الكفر، فلا يرتاده إلا القائمون والعاكفون والركع السجود..

إليه يزحف الملبون لنداء السماء من كل حدب وصوب، ومن جوار المسجد الأقصى يفدون لتمجيد الله، الذي وهب لهم كل هذه النعم، حتى إذا قضوا حجهم، وأدّوا مناسكهم، عادوا إلى ربوعهم فرحين بما نالوا من تجلي مولاهم الحق، وقد غمرتهم السعادة بما استشعروه من مغفرته ورضوانه..

لقد قربوا الذبائح في طاعته، وأكثروا من صدقات الفداء عن كل مساءة يتوهمون أنهم أتوها، ومن أجل ذلك استحقوا أن يسميهم أشعياء (مفديي الرب) ..

ويالها بشارة من حقها أن تذكر أهل الكتاب بالعهد الذي أخذه الله عليهم أن يكونوا أول المؤمنين بالصادق الأمين. إمام النبيين، وسيد الأولين والآخرين

عليه صلوات الله وسلامه إلى يوم الدين..

تذييل:

ص: 499

بعد الفراغ من كتابة هذا البحث شاء الله أن أقع على خبر بحيرا في (فقه السيرة) للأستاذ محمد الغزالي وأن أقف من هناك على مناقشة المحدث الفاضل الشيخ ناصر الدين الألباني لقول المؤلف: "سواء صحت قصة بحيرا أو بطلت"ثم لقوله الآخر في شأنها: "والمحققون على أن هذه الرواية موضوعة مضاهاة لمزاعم الإنجيليين في شأن المسيح"حيث يقفي الشيخ ناصر على الفقرة الأولى بقوله: "بل هي صحيحة.."ويحتج لرأيه بأن الترمذي قد أخرج الخبر من طريق أبي موسى الأشعري وعرفه بأنه (حديث حسن) ثم نقل قول الجزري بأن "ذكر أبي بكر وبلال فيه غير محفوظ"وأردف ذلك برواية البزار عن هذه الفقرة أن الذي عاد بمحمد صلى الله عليه وسلم إلى مكة رجل آخر أرسله معه عمه. ومن ثم عمد إلى نفي الوضع عن الخبر في الفقرة الثانية محتجا لصحته بما أورده الإنجيليون من أخبار عن موسى عليه السلام مطابقة لمضمون القرآن.

وقد دافع الأستاذ الغزالي عن وجهته في الصفحة نفسها محتجا بتقرير أئمة من أهل الحديث، كالذهبي الذي يقول –في ميزان الاعتدال- "مما يدل على بطلان هذا الحديث قوله:(وبعث معه أبو بكر بلالا)"وكالحافظ ابن حجر الذي ينقل قوله في (المواهب اللدنية) أن "رجاله ثقات وليس فيه سوى هذه النقطة، فيحتمل أن تكون مدرجة فيه، منقطعة من حديث آخر وهما من أحد رواته.."وأخيرا يورد قول ابن كثير أن من غرائب هذا الحديث كونه من مرسلات الصحابة، فهل على كل تقدير مرسل. [23]

وقد رأيت أن ألفت نظر القارئ إلى بعض الملاحظات حول هذا الحوار:

أ_ إن عمدة القائلين بصحة هذا الخبر هي ثقتهم بسنده فهو عند صيارفة الحديث من الضرب الموثوق دون ريب. ولا غبار على متنه لأنه داخل في الممكنات التي تتعلق بتكرمة الله عبده المختار صلى الله عليه وسلم .

ص: 500