الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
العدد 61
فهرس المحتويات
1-
الدَّعوَة إلى الله وَالوَاقِع المعاصِرْ: الدكتور عبد الله الصالح العبيد
2-
آيةُ العَدَدِ: للشيخ أبي بكر الجزائري
3-
الجَمَاعَة في ضوءِ الكتاب وَالسُّنَّةِ: للدكتور عبد العزيز بن عبد الله الحميدي
4-
فقه السُّنّةِ - صَلاة الجَمَاعَة: للدكتور محمد ضياء الرحمن الأعظمي
5-
مِن مَزَايَا التشرِيع الإسلامِي: محمد بن ناصر السّحِيباني
6-
مَنْهَجُ السَّلَفِ في العَقِيدَةِ وأثَرُهُ في: وحدَةِ المُسلِمِينَ: الدكتور صالح سعد السحيمي
7-
أثر العقيدَة الإسلاميَّةِ في تضامُنِ وَوَحْدَة الأمَّةِ الإسلاميَّةِ: الدكتور أحمد سعد الغامدي
8-
العِبَادَاتُ في الإسلام وَأثرُهَا في تَضَامُن المسلِمِينَ: للدكتور علي عبد اللطيف منصور
9-
التضَامن الإسلامي: لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز
10-
الإسلام يَسُدُّ مَنافِذَ الفرقة وَالاختِلَاف وَيَصُون عَوامِل الوحدة وَالائتلاف: للدكتور جمعة علي الخولي
11-
مُرْتكزَاتُ التّضامُن وَالوَحْدَة: للشيخ عطيّة محمد سالم
12-
كَيفَ أقامَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أوَّل دَوْلة إسلاميَّة عَلى التضَامُنِ وَالوَحْدَة؟ : الدكتور محمد السيد طنطاوي
13-
الفتح العُمَرِي لِلقدسِ نموذج للدّعوَة بالعمل وَالقدوَةِ: د. شفيق جاسر أحمد محمود
14-
الإسْلَامُ والمسلِمُونَ في إنجلتِرَا مَاضيهمْ وَحَاضرهم وَمسْتقبلهمْ (2) : للدكتور محمد إبراهيم الجيوشي
15-
المشارق في المغارب: الدكتور عبد الله بن أحمد قادري
16-
رسائل لم يحملها البريد: الشيخ عبد الرؤوف اللبدي
17-
حديث مع البلبل: محمد بن عبد الله زربان الغامدي
18-
من تراثنا الشعري المعاصر المؤاخاة بين المهَاجرين والأنصَارِ: للشاعر أحمد محرم
19-
الرَّأيُ العَامُ في المجُتمع الإسلامِيِّ: لِلدكتور إبراهيم زيد الكيلَاني
20-
دَورُ الإعلَامِ في التضَامُنِ الإسلَامِي: الدكتور إبراهيم إمام
21-
مِنَ الفَتَاوى الشرعيَّة: حُكْمُ الصَّلاةِ عَلى النَّبَيِّ صلى الله عليه وسلم والإشارة إليهَا بالحُروفِ: لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز
22-
مختارات من الصحف: آراء ومواقف جَلالة الملك لخدمَة الإسلام بمناسَبَة اختياره لجائِزة الملك فيصَل
23-
أحدَاث العَالمِ الإسلاميِّ: إعداد الشيخ محمد محمود سالم
24-
أخبار الجامعة
25-
القسم الإنجليزي (English Section)
عمادة البحث العلمي - جميع الحقوق محفوظة 1423 هـ / 2002 م
الدَّعوَة إلى الله وَالوَاقِع المعاصِرْ
الدكتور عبد الله الصالح العبيد
رئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة
الحمد لله العزيز القائل: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} والصلاة والسلام على البشير النذير والسراج المنير محمد النبي الأمين خير من دعا إلى الله وآمن به وعمل لشرعه فكان القدوة المثلى والأسوة الحسنة ورضي الله عن أصحابه وأتباعه إلى يوم الدين. وبعد:
فإنه لشرف للجامعة الإسلامية أن تحتضن المؤتمر العالمي الثاني لتوجيه الدعوة وإعداد الدعاة الذي ينعقد تحت موضوع (سبيل الدعوة الإسلامية إلى تحقيق التضامن الإسلامي ووحدة المسلمين) وفي نطاق الاستعداد لهذا المؤتمر يشرفها كذلك أن تصدر هذا العدد الخاص من
(مجلة الجامعة الإسلامية) الذي يضم بعض المقالات والبحوث والدراسات عن الدعوة من خلال اهتمامات المؤتمر.
وبين يدي هذه المناسبة أطرح هذه الأسطر التي تتعلق بمنهج الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى ومتطلباتها إذ لعل في مناقشتها ما يلقي بعض الضوء في طريق الوصول إلى الحكمة المنشودة في هذا السبيل.
أهمية الدعوة:
تكتسب الدعوة إلى الله أهميتها من أنها رسالة الله إلى الخلق وأمر الله الذي أراد من عباده أن ينهجوه، ومن هذه الأهمية يتسابق محبّوا الخير، وفي السباق يكون التنافس ومعروف أنه إذا لم يحكم التنافس منهج وضوابط فإنه يورث الحقد والكراهية والحسد. والضوابط التي يضعها الله سبحانه هي القول الحسن في الدعوة، والعمل الصالح في سبيلها، والانتماء الصادق لجماعة المسلمين، حيث يقول سبحانه {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} وهي مع هذه الالتزامات لا تقف على وسيلة معينة ولا على جماعة مخصصة أو بلاد محددة، إنها رسالة المسلم حيث وجد على ظهر الأرض أياً كان عمله وأينما كان مركزه وكيفما كان موقعه {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} ، وللحكمة أبعادها وآفاقها وللموعظة حكمها وأساليبها وللمجادلة أسبابها وآدابها والأمر مع كل ذلك لا يعني أن العمل في مجال الدعوة مطلق للفرد على عواهنه فالفرد يخسر بمفرده لكن للنجاة من الخسار عليه أن يعمل مع الآخرين لهدايتهم ومع الآخرين للاستعانة بهم يقول عز وجل {وَالْعَصْرِ إِنَّ الأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} .
ومع هذه المسئولية الكبيرة والرسالة العظيمة يصبح من نافلة القول الإطالة في الحديث عن أهمية العلم والمعرفة للإنسان ولجماعة المسلمين قبل الدخول في مجالات العمل، ذلك أن المعرفة في دين الله وفي أصول الدعوة إذا لم تقم وتبنى على العلم الشرعي فسوف تقام وتبنى على غيره وأمر الله لا يقوم إلا على شرعه {أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ} ومن المسلم به عقلاً وشرعاً ألا يعبد الله إلا بما شرع. فالعلم بشرع الله أولا ثم الالتزام بالدعوة إليه ثانياً. من خلال المسئولية الفردية والتعاون الجماعي وعلى الأصل المشار إليه يتشكل منهج الدعوة إلى الله سبحانه ثم إن الدعوة بهذا تعتبر حركة مستمرة لا تنتظر مؤتمرات تعقد ولا اجتماعات ترتب إلا أن الاجتماع على الخير أمر مطلوب وتدارس أحوال الدعوة والدعاة إلى الله أمر مرغوب "ومن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم ".
واقع الدعوة:
ويعيش المسلمون هذه الفترة من حياتهم على الكثير من الخلافات والصراعات القائمة بينهم وبين أعدائهم من جهة وبينهم وبين أنفسهم من جهة أخرى. ويصعب في الوقت الحاضر التفريق بين الواجهتين الداخلية والخارجية ذلك أن الأعداء نقلوا المعركة من المواجهة العسكرية المكشوفة بعد فشلهم فيها وتحرر بعض البلدان الإسلامية من ربقة الاستعمار، نقلوها في كثير من المواقع إلى مواجهات بين المسلمين أنفسهم من خلال زرع بذور الفتنة والخلافات العنصرية والعصبية والقبلية وأن يتسمى بالمسلمين من ليس منهم فيؤسسون الجمعيات ويقيمون الجماعات كيما يضرب المسلمون رقاب بعض ويستعين بعضهم بأعداء الله لقتال البعض بل لقتال المستقيمين منهم على أمر الله. لقد كان من المقبول في السابق أن تعيش القبيلة على تعدد فصائلها والدولة على شتات أقاليمها واختلاف تضاريسها وخلفياتها أيام الاستعمار. أما الآن فأصبح ذلك من سمات التخلف وصفات الماضي التي يجب أن لا تعود وأضحى من اللازم أن تتفرع القبيلة وتتشتت الأسرة الكبيرة وتتوزع الدولة إلى دويلات كيما تكون دواعي الافتراق أقوى من دواعي الالتقاء وعوامل الاختلاف أكبر من عوامل الائتلاف وليس بخاف على كل مسلم مدرك ما يعايشه المسلمون اليوم من جراء ذلك ولكن بفضل الله ومنته- تولدت بين المسلمين عودة إلى دين الله واستعادة لمنهج الله فبقدر ما لقوا من العناء وما كابدوا من الشقاء عملوا بقوة واندفاع لاستعادة المكانة وإعادة البناء، وفي ظل هذه الظروف وملابساتها كانت الصحوة الإسلامية المعاصرة التي بدأت بيئية وإقليمية بحكم المعايشة للظروف المحلية ثم انتقلت إلى صيغة الشمول والعالمية بحكم ما جد في العلاقات والاتصالات والمصالح والروابط الدولية، لقد حققت الدعوة الإسلامية في العصر الحديث جانبا هاما في سبيل التضامن الإسلامي وتحقيق وحدة المسلمين، ولكن ما يخشى هو ألا تستمر الجماعات والجمعيات الإسلامية في أداء هذا الدور
بل إن ما يخشى منه أكثر أن تكون بعض تلك الجماعات والجمعيات نقطة ضعف في تضامن المسلمين وتحقيق وحدتهم ولذا فلابد من مواجهة الواقع من قبل العاملين في مجال الدعوة الإسلامية ومن قبل القادة والمسئولين في مجال تلك الجماعات والجمعيات بدراسة الوضع ومعالجته. وليست هذه العجالة مكانا لتشخيص الداء ولا لوصف الدواء، ولكن بقدر ما تقدم من لمحة عن أهداف الدعوة إلى الله وما يستعرض من أسباب أدت إلى الصحوة الإسلامية المعاصرة بما فيها من سلبيات وإيجابيات ما يمكن أن ينظر على ضوئه - وما يمكن أن يضاف عليه- في منهج للتفكير في مواجهة التحديات الجديدة والصراعات القائمة.
من أسباب وظواهر الصحوة الإسلامية:
إن من أهم الأسباب التي أدت إلى الصحوة الإسلامية المعاصرة وما اكتنف تلك الأسباب من سلبيات ما يلي:
أولاً: إن المسلمين قد تجاوزوا مرحلة من مراحل الجهل التي ضربت أطنابها على بقاعهم فانتشر التعليم وتوسعت دوائر المعرفة وتعددت وسائل الإعلام والنشر وأصبحت وسائل التعريف بالدعوة بين المسلمين في وضع أفضل مما كانت عليه في الفترة الممثلة لعصر التخلف والانحطاط. ومع أن المناهج والبرامج التعليمية والإعلامية لم توجه التوجيه الديني الكافي إلا أن التوجيه الديني كان قويا حتى بين صفوف المشتغلين بالعلوم التطبيقية والذين حصيلتهم الدينية من خلال المناهج التربوية بسيطة وعامة. إلا أن الوسائل والمؤسسات العاملة في مجالي التعليم والإعلام لم تسلم من التأثيرات الخارجية وضعف التجربة الذاتية. كما أن الكتاب الإسلامي لم يسلم من سبل الارتزاق والمتاجرة.
ثانياً: قيام بعض الحركات الإصلاحية في الجزيرة العربية والهند ومصر والسودان وتونس وغيرها من بلاد المسلمين مثل دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب والمهدية والسنوسية وأهل الحديث وأنصار السنة والجماعات الإسلامية والإخوان المسلمون وما تولد عن تلك الحركات من نشاطات وما صاحب ذلك من تضحيات بالأموال والأنفس والثمرات وما نتج عن ذلك كله من تمدد وانكماش وما رافق العنف الذي حوربت به تلك الحركات والنشاطات من تعاطف مع التوجيه الديني فالملاحظ أن الضربات التي واجهت تلك الحركات قد أضعفت الحركة نفسها لكنها ضاعفت من النشاط الإسلامي من المتعاطفين مع العمل الإسلامي حتى أصبحنا نرى ما بين فينة وأخرى ميلاد جماعات جديدة وأصبحت العواطف وردود الفعل هي الموجه حتى كان حرب القلم واللسان التي مر بها العالم الإسلامي في مرحلة ما تعود اليوم وقد حملت مع القلم واللسان السيف والسنان.
ثالثاً: الاتجاه الرسمي الجديد من قبل بعض القيادات السياسية في العالم الإسلامي إلى تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية مثل ما حصل في الباكستان والسودان مما يدل على فشل النظم والمبادىء المستوردة، وإن الممارسات المبنية على تلك النظم والمبادىء لم تحقق آمال وتطلعات المسلمين في تحكيم شريعة الله في الأرض. لقد أعطى هذا الاتجاه التوجه لمراجعة حصيلة المسلمين من العلوم والمعارف الشرعية وإجراء المزيد من الدراسة والبحث في تلك العلوم والمعارف من أجل التطبيق على أرض الواقع كما بعث روح التفكير في طبيعة الحياة الإسلامية المتكاملة لدى المسلمين وغيرهم وما يمكن أن تقدمه التجربة الإسلامية في مثل تلك البلدان بعد أن مرت بالعديد من التجارب ذلك أن النظام العام لا يمس كل فرد في الدولة فقط بل يتعداه إلى من هم خارج الدولة بحكم العلاقات المتبادلة ووسائل الاتصال المترابطة وعلى كل فليس ما تم أو أعلن عن التوجه إليه في تطبيق أحكام الشريعة هو نهاية المطاف إذ أن ذلك إنما يمثل جانباً من جوانب تحقيق حكم الله سبحانه وتعالى في الأرض. ذلك أن الأمر يتطلب إعادة النظر في البناء الاقتصادي والسياسي والتربوي في تلك البلدان.
رابعاً: اهتمام الطبقة المثقفة والمتعلمة من غير المسلمين بدراسة الإسلام والتعرف عليه وإعلان العديد منهم اعتناق الإسلام وكان من أشهر من أسلم منهم من رجال الدين خليل إبراهيم ومن الأدباء ميشيل سركيوسكي ومن الباحثين فنسان منتيل ومن المؤرخين بنواميشان ومن الفلاسفة روجي جارودي.
قد دفع إسلام هؤلاء وما يقومون به من أبحاث ودراسات، دفع من يختلط بهم من المسلمين بحكم التعامل إلى العودة لتاريخهم وتراثهم كما وفر الكثير من القناعة لدى الشباب المسلم الذي انبهر بحضارة الغرب بضرورة العودة إلى دينه الأصيل والنهل من منابعه الصافية التي لم تكدرها التحزبات والطوائف والتجمعات المنحرفة.
خامساً: دعم بعض الدول الإسلامية وعلى رأسها المملكة العربية السعودية- التي قامت على أساس تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية- والمؤسسات والهيئات والأفراد في تلك الدول للنشاط الإسلامي مادياً ومعنوياً مما ساعد الهيئات والمنظمات والجماعات الإسلامية على تخطي بعض الصعاب وتجاوز بعض العقبات. إلا أن تلك المساعدات قد لا تنفق في وجهها المشروع مما جعل الثقة في بعض المشاريع الإسلامية تضعف وتهتز.
سادساً: قيام بعض التنظيمات والروابط الدولية وشبه الدولية بين بلدان العالم الإسلامي مثل رابطة العالم الإسلامي والبنك الإسلامي للتنمية والدعاة للتضامن الإسلامي التي تولاها جلالة الملك فيصل رحمه الله وما أسفرت عنه من عقد مؤتمر القمة الإسلامي وما انبثق عنه من منظمات ومقررات ومواقف. وقد كان لهذه الجوانب تأثيراً إيجابياً في سبيل تحقيق الشعور بالذات بين المسلمين وتقوية وتنمية الروابط فيما بينهم كأمة واحدة دولا وأقليات ولاجئين إلا أن هذه التنظيمات والروابط تحتاج إلى المزيد من الشعور بالأهمية والالتزام بالمسئولية من جانب جميع الدول الإسلامية من أجل تنفيذ القرارات وتحقيق الأهداف الإسلامية في كافة المجالات.
الحاجة لمراجعة واقع الصحوة:
وعند الرغبة في التفصيل فإن هذه العناصر تحتاج إلى المزيد من التسبير والتفريع، إلا أن الحاجة القائمة تدعو إلى تجاوز ذلك إلى النظر في توجيه هذه الصحوة من حيث الدوافع والمقاصد والنتائج.
إن هذه الصحوة في معظم دوافعها ومقاصدها قد ارتبطت بمواجهة التخلف من جهة ومقاومة الاستعمار من جهة أخرى ولذا فقد اتسمت بالاندفاع الشديد المرتبط بالقوة العسكرية من جانب والاندفاع الفكري والجدلي من جانب آخر وهي أمور فرضتها الظروف وقد حققت تلك الأمور الكثير مما نتج عنه هذه الصحوة الإسلامية التي تعم ليس فقط أرجاء العالم الإسلامي بل العالم أجمع. وإذا كان ذلك أمر تطلبه وضع الدفاع فإن الأمر يحتاج اليوم إلى إعادة النظر في الأمور من أجل ترميم المواقع وترتيب الصفوف والاستعداد للمرحلة القادمة.
لقد كان من نتائج هذه الصحوة عودة الأذان إلى منابر الأندلس في الغرب وإلى منائر الصين في الشرق وإلى مواقعه القديمة في عمق العالم الإسلامي التي اسكت فيها فترة من الزمن كما امتد الأذان إلى مآذن جديدة في مواقع جديدة في أوربا وأمريكا واستراليا وأفريقيا وآسيا ولكن السؤال المطروح هو هل متطلبات ودوافع العمل الإسلامي في المستقبل هي نفس متطلبات ودوافع ذلك العمل في الماضي؟
ولن تكون الإجابة على هذا السؤال متطابقة نتيجة للظروف التي يعايشها المسلمون وهي ظروف متعددة ومتغايرة، ومع أن هذا التعدد والتغاير يكون في كثير من الأحيان مجالا للخلاف في الرأي والتباين في وجهات النظر إلا أنه ينبغي ألا يخرج إلى حد نقل المعركة من المسلمين وأعدائهم إلى ما بين المسلمين أنفسهم.
لقد بات من الملاحظ وجود فراغات في بنية العمل الإسلامي وأخطاء في الممارسات القائمة في مجال الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى فالدعوة تعاني من تشتيت الجهود بل تعارضها وتصادمها في كثير من الأحيان حتى انشغلت بعض الجماعات الإسلامية في محاربة بعضها بدلاً من توجيه السهام إلى العدو المشترك، كما تعاني من الشقاق داخل الجماعة الواحدة حتى أصبح منها اليمين واليسار والحمائم والصقور واندست في صفوف الدعوة جيوش النفاق التي كانت عاملا من عوامل ذلك الشقاق وتشتيت الجهود. كما كان من اهتمام بعض الجماعات الإسلامية بتكثير السواد وتجميع الأتباع أن يتحدث عن الإسلام من لا يعرفه ويدعو إليه من لا يلتزم به.
متطلبات الدعوة:
وأمام هذا الجانب من الصورة وهو الجانب السلبي نحتاج إلى وقفة وفي هذه الوقفة نستعرض شيئا مما يدعو إليه ديننا الحنيف وما يأمر به من توجيه في مجال أدب الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى.
يقول سبحانه وتعالى {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} ويقول سبحانه {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} ويقول سبحانه {وَالْعَصْرِ إِنَّ الأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْر} ويقول سبحانه {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} ويقول سبحانه {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} ذلكم هو منهج كتاب الله ووصف الله للمؤمنين العاملين والدعاة الصادقين. أما رسول الهدى ونبي التقى فيقول "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر" ويقول "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا" ويقول عليه الصلاة والسلام " لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم" وذلكم هو منهج رسول الله وخلق رسول الله {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ} .
وعلى ضوء هذه الأوامر والتوجيهات يمكن التركيز على أن المتطلبات والمقاييس الثابتة للدعوة هي:
أولاً: الانطلاق من وحدة الفكر والهدف من خلال التوحيد الخالص لله سبحانه وتعالى مهما كانت الظروف المكانية والمصالح الزمنية والتحديات الحضارية.
ثانياً: العلم بشرع الله والفهم الصحيح له على هدى كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
ثالثاً: العمل على أساس الصدق والإخلاص والتضحية والتجرد والتحلي بالحكمة والبصيرة في التلقي والتلقين لدعوة الله.
بين الواقع والمستقبل:
وعلى ضوء هذه المتطلبات والمقاييس يجب وضع الضوابط الخاصة بطبيعة العمل وطريقة التحرك لمواجهة الظروف المكانية والمصالح الزمنية والتحديات الحضارية المعاصرة وهي أمور بلا شك تختلف في عدة جوانب عن الظروف والمصالح والتحديات التي دعت إلى نشأة بعض الحركات الإسلامية وحددت منهج العمل فيها. لقد انتقل التحدي الاستعماري من العمل العسكري إلى العمل الفكري، كما انتقلت المواجهة من الشخصية الأجنبية إلى الشخصية الوطنية وذلك في معظم المواقع. لقد ارتحل الاستعمار بعساكره من بعض البلدان لكن قوافل الصليب ومناجل الإلحاد قد تكالبت على نشر الفساد في البلاد والكفر بين العباد، ومن جهة أخرى فإن الاستقرار الذي تم في بعض البلاد الإسلامية وتطلعها إلى تحكيم شرع الله يتطلب توفير الأسس والتطورات والأساليب والإجراءات الخاصة بتطبيق تحكيم الشريعة في تلك البلدان في كافة الشؤون الاقتصادية والسياسية والتربوية والفكرية ويجب ألا يكون العاملون في مجال الدعوة إلى الله في غيبة عن هذه المواقع لأنها المحك العملي والممارسة الفعلية لتطبيق الشريعة الإسلامية في بلاد المسلمين.
أمل ورجاء:
ومن هذا التصور أتطلع إلى أن يلتقي العاملون في مجال الدعوة إلى الله وأن تكون هذه المقاييس والمتطلبات ضابطاً للجميع فيما يقولون ويعملون وأن تكون عونهم فيما يواجهون.
وما مناسبة انعقاد المؤتمر العالمي الثاني لتوجيه الدعوة وإعداد الدعاة في رحاب الجامعة الإسلامية إلا إحدى الظروف المناسبة لمناقشة مثل هذه الأمور ودراستها والتفكير فيما يمكن أن يعمل من أجلها وأسأل الله سبحانه على ألا يقتصر هذا الاجتماع على إضافة اضبارة إلى خزانة الأوراق أو كسب ورقة في مجال الدعاية والاستهلاك والله سبحانه وتعالى هو المسئول أن ينشر دينه وأن يعلي كلمته وأن يوفق عباده إلى الخير والسداد والهدى والرشاد إنه ولي ذلك والقادر عليه.
الإسلام يَسُدُّ مَنافِذَ الفرقة وَالاختِلَاف
وَيَصُون عَوامِل الوحدة وَالائتلاف
للدكتور جمعة علي الخولي
رئيس قسم الدعوة بالجامعة
يحرص الإسلام حرصاً بالغاً على أن تبقى أواصر الود والائتلاف بين المسلمين متينة العود، صلبة القوام، لا يكدرها غيم، ولا يوهنها كيد.. ولذلك نفر من كل ما من شأنه أن يوغر الصدور أو يوهي رباط الاخوة.
فحرم الغيبة والنميمة:
لما لهما من أثر سيء على علاقات الناس، قال عليه الصلاة والسلام "كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله "[1] وجاء في خطبة الوداع "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا"[2] .
والغيبة كما قال عليه الصلاة والسلام هي "ذكرك أخاك بما يكره، فإن كان فيه فقد أغتبته وإن لم يكن فيه فقد بهته"[3] ومعنى بهته افتريت عليه الكذب.
والنميمة هي نقل الكلام بين الناس على جهة الإفساد، قال عليه الصلاة والسلام:"لا يدخل الجنة نمام "[4] وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا يبلغني أحد عن أصحابي شيئاً فإني أحب أن أْخرج إليكم وأنا سليم الصدر"[5] .
ونفر من المراء والجدال:
لما يولده ذلك من الخصومة والاختلاف، ويورثه من الفرقة والتعدد، روى ابن ماجة عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل "[6] تم تلا هذه الآية {بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} وكذا رواه الترمذي وقال: حسن صحيح.
وكذا روى الترمذي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"من ترك المراء وهو مبطل بنى الله له بيتا في ربض الجنة، ومن ترك المراء وهو محق بنى الله له بيتا في أعلى أجنة"[7] وقال أبو الدرداء "كفى بك إثما ألا تزال ممارياً".
ونهى عن التباغض والتقاطع والتدابر:
وفي الحديث "لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تقاطعوا وكونوا عباد الله إخواناً، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث "[8] .
وفيه أيضا "تفتح أبواب الجنة يوم الإثنين ويوم الخميس فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئاً إلا رجلاً كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقال "أنظروا هذين حتى يصطلحا أنظروا هذين حتى يصطلحا" [9] .
كما نهى عن احتقار المسلم ولمزه والسخرية به والتجسس عليه وسوء الظن به من غير ضرورة:
وقال عليه الصلاة والسلام "بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم"[10] ، وقال "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث "[11] .
وأتى برجل إلى ابن مسعود فقيل له "فلان هذا تقطر لحيته خمرا، فقال: إنا نهينا عن التجسس ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به"[12] .
ونهى عن إظهار الشماتة بالمسلم:
عن وائلة بن الأسقع رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا تظهر الشماتة لأخيك فيرحمه الله ويبتليك"[13] والشماتة هي الفرح ببلية الغير.
****
وهكذا حاول الإسلام أن يبعد أتباعه عن كل ما من شأنه أن ينفر بعضهم من بعض، أو يقطع صلات بعضهم ببعض، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم شديد الكره للفرقة والاختلاف، كثير التحذير من عواقبهما السيئة، ولذلك كان يحارب كل مظهر يشى بالفرقة والشذوذ، أو يدل على التشتت والانقسام.
عن أبي ثعلبة.. كان الناس إذا نزلوا منزلاً تفرقوا في الشعاب والأودية - ولعل ذلك كان لتفيهؤهم الظل وأماكن الشجر- فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن تفرقكم هذا من الشيطان.. فلم ينزلوا بعد ذلك منزلا إلا انضم بعضهم إلى بعض حتى يقال "لو بسط ثوب عليهم لعمهم"[14] .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "أما يخشى أحدكم إذا رفع رأسه قبل الإمام أن يجعل الله رأسه رأس حمار أو يجعل الله صورته صورة حمار"[15] .
وهكذا ترهب السنة من الخروج على صورة في التجمع الإسلامي وتهدد من يشد عن الجماعة ولو كان يؤدي عبادة. روى الترمذي بسنده عن عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "عليكم بالجماعة، وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الإثنين أبعد، ومن أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة".
إن الحفاظ على وحدة الصف الإسلامي والإبقاء على جماعته وأمته قربة عظيمة يجب أن تمحى من أجلها كل ما يشينها أو يخلخلها، ولذلك فإن الإسلام في الوقت الذي نفر فيه من عوامل الفرقة والاختلاف، بارك كل ما من شأنه أن يقوي الروابط، ويشيع الألفة، وكافأ على ذلك الأجر الجزيل.
فدعا إلى التآخي والتواد والتحابب في الله:
قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} وجاء في الحديث القدسي "المتحابون في جلالي لهم منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء"[16] وفي رواية للإمام مالك "وجبت محبتي للمتحابين في، والمتجالسين في، والمتزاورين في، والمتباذلين في".
وروى أبو داود بسنده عن عمر بن الخطاب قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن من عباد الله لأناساً ما هم بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمكانهم من الله، قالوا يا رسول الله تخبرنا من هم، قال: هم قوم تحابوا بروح الله على غير أرحام بينهم، ولا أموال يتعاطونها، فوالله إن وجوههم لنور، وإنهم لعلى نور، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس، وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية من سورة يونس {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} [17] .
ودعا إلى المصافحة والبشر عند اللقاء:
قال عليه الصلاة والسلام "إذا التقى المسلمان فسلم أحدهما على صاحبه كان أحبهما إلى الله أحسنهما بشرا بصاحبه، فإذا تصافحا أنزل الله عليهما مائة رحمة للبادي تسعون وللمصافح عشرة"[18] وذلك لأن المصافحة كالبيعة، ومن شرط الإيمان الأخوة والولاية، فإذا لقي المسلم أخاه فصافحه فكأنه بايعه على هاتين الخصلتين- الأخوة والولاية- ففي كل مرة يلقاه يجدد بيعته، فيجدد الله ثوابها كما يجدد للحامد على النعمة ثوابا على شكرها، فإذا فارقه بعد مصافحته لم يخل في أثناء ذلك من خلل فيجدد عند لقائه، فالسابق إلى التجديد له من المائة تسعون لاهتمامه بشأن التمسك بالأخوة والولاية، ومسارعته إلى تجديد ما وهى منهما، وحثه على ذلك وحرصه عليه " [19] .
كما دعا إلى التعاون والتناصر ودعم أواصر الجماعة:
قال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}
ومن توجيهات الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الباب ما يلي.
"المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً"وشبك عليه الصلاة والسلام بين أصابعه" [20] .
"المؤمنون كرجل واحد إذا اشتكى عينه اشتكى كله، وإذا اشتكى رأسه اشتكى كله"[21] .
"المؤمن مرآة المؤمن والمؤمن أخو المؤمن يكف عنه ضيعته ويحوطه من ورائه "[22] .
"من دل على خير فله مثل أجر فاعله"[23] .
"من يسر على معسر في الدنيا يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلما في الدنيا ستر الله عليه في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه"[24] .
"من جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا. ومن خلف غازيا في أهله فقد غزا"[25] .
"انصر أخاك ظالما أو مظلوما، قيل يا رسول الله أنصره إذا كان مظلوما، فكيف أنصره إن كان ظالما،؟ قال: تحجزه أو تمنعه من الظلم فإن ذلك نصره "[26] .
كما دعا الإسلام إلى التزاور بين الإخوان في الله:
روى مسلم عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم "أن رجلا زار أخا له في قرية أخرى فأرصد الله تعالى على مدرجته ملكا، فلما أتى عليه قال: أين تريد؟ قال: أريد أخاً لي في هذه القرية، قال: هل لك عليه من نعمة تربها؟ أي تحفظها وتربيها وتسعى في إصلاحها، قال: لا. غير أني أحببته في الله. قال: فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه "[27] .
وروى الترمذي عن أبي هريرة أيضا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من عاد مريضا أو زار أخا في الله ناداه مناد بأن طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلاً".
النزاع والشقاق مدمر للأمة مذهب لريحها:
من قوانين المجتمعات الإنسانية التي لا تتخلف أن "الاتحاد قوة والتفرق ضعف "فإذا اتحدت الأمة عز جانبها، وقوي سلطانها، واحترمها العدو والصديق، أما إذا تفرقت وتوزعت طمع فيها من لا يدفع عن نفسه.. ولذلك بين الله عز وجل للأمة الإسلامية أن عقبى الخلاف والنزاع قاتلة وذلك في قوله تعالى:{وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} فالنزاع والخلاف واتباع الأهواء لن يورث إلا المذلة والفشل، وقد جنت الأمة من وراء ذلك المر والحنظل، كما ينبه الله في آية أخرى أن افتراق الأمة وتمزقها شيعا متناحرة إنما هو كارثة اجتماعية مدمرة لا تقل في خطورتها عن خطورة الكوارث الكونية الأخرى التي تبدل الأرض غير الأرض، وذلك في قوله تعالى {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْض} فالآية كما ترى تقرن الوعيد بافتراق الأمة شيعاً وأحزاباً بالكوارث الكونية المدمرة كالحرق والغرق.
وهذا يدل على أن تمزق الأمة من الداخل بلاء خطير يقضي عليها ولا تجد من يرثى لها ولقد ساق المفسرون عند شرح هذه الأحاديث عدة أحاديث منها ما رواه الإمام مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوى لي منها، وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض، وإني سألت ربي لأمتي ألا يهلكها بسنة عامة وألا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، وإن ربي قال يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني أعطيت لأمتك ألا أهلكهم بسنة عامة، وألا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من أقطارها- أو قال من بين أقطارها- حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً ويسبي بعضهم بعضا"[28] .
وهذا الحديث يعطي- ضمن ما يعطى- أن الأمة الإسلامية لا تزال قوة غالبة ما دامت محتفظة بمقومات الغلبة والقوامة من الاجتماع على شريعة الله والاعتصام بحبله المتين، عندئذ لا تستطيع قوة في الأرض مهما بلغت من العتو والفجور أن تنال منها شيئاً، ولو اجتمعت عليها من كل جانب.. ومن هذا نفهم أن أخطر بلاء يصيب الأمة هو تمزيق وحدتها من الداخل.. وأن الفرقة تصنع مالا يصنعه الأعداء.. ولاشك أن الفرقة والاختلاف نتيجة حتمية لبعد الناس عن التطبيق النظري والعملي لشرع الله، عندئذ تلعب بهم الأهواء وتظهر القوميات والعصبيات وكل ما يجر الشقاق والبلاء، ولذلك وجهنا القرآن الكريم إلى العصمة من هذا كله فقال {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}
فالنجاة مما تعانيه الأمة من عواقب الفرقة والاختلافات تكمن في الاعتصام بحبل الله والتجمع حول عقيدته ونهجه ودينه، وليس على أي تصور آخر، أو تحت راية أخرى. ذكر ابن اسحق وغيره أن هذه الآية- والآيات قبلها- نزلت في شأن الأوس والخزرج، وذلك أن رجلا من اليهود يدعى شاس بن قيس مر بملأ من الأوس والخزرج، فساءه ما هم عليه من الاتفاق والألفة، فبعث رجلا معه، وأمره أن يجلس بينهم وأن يذكر ما كان بينهم من حروب.. ففعل، فلم يزل ذلك دأبه حتى حميت نفوس القوم، وغضب بعضهم على بعض، وتثاوروا، ونادوا بشعارهم، وطلبوا أسلحتهم، وتوعدوا إلى الحرة، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأتاهم فجعل يسكنهم ويقول "أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم" وتلا عليهم هذه الآية، فندموا على ما كان منهم، واصطلحوا وتعانقوا وألقوا السلاح رضي الله عنهم.. وكذلك بين الله لهم فاهتدوا، وكذلك يبين الله لنا {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} .
مؤتمر على الطريق:
ولقد فطن المسئولون في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة إلى الخطر الذي يتهدد المسلمين من جراء فرقتهم واختلافهم.. فدعوا إلى المؤتمر العالمي الثاني لتوجيه الدعوة وإعداد الدعاة بناء على الموافقة السامية على انعقاده في شهر ربيع الأول من هذا العام سنة 1404 هـ، وإنها لبادرة طيبة ويقظة مباركة من الجامعة أن تجعل الموضوع الرئيسي للمؤتمر "سبيل الدعوة الإسلامية إلى تحقيق التضامن الإسلامي ووحدة المسلمين" وذلك بعد أن تردى بالمسلمين الحال إلى درجة طمع فيهم عدوهم وتجرأ عليهم أراذل خلق الله وأجبنهم من الصهاينة الذين وصفهم الله بقوله {لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ}
أجل "إنها ليقظة جليلة موفقة- نسأل الله أن يباركها ويكتب لها العون والنجاح- جاءت في وقت اشتدت فيه حاجة المسلمين إلى التضامن والوحدة، ونبذ الخلافات والأهواء، والالتقاء على كلمة سواء".
ومن يمن هذا المؤتمر أن ينعقد في طيبة الطيبة، مركز الهجرة، وعاصمة الدولة الإسلامية الأولى.. فمن هذا المكان الطاهر المقدس جمع النبي صلى الله عليه وسلم القبائل المتنافرة في حزمة متآلفة وقضى على الأطماع الشخصية والرايات العنصرية ووحد الجميع تحت راية التوحيد فأصبحوا بنعمة الله إخواناً متحابين.
واليوم يجيء علماء الأمة من كل أصقاع الأرض إلى دار التوحيد والوحدة يحدوهم الأمل في أن يرسموا للأمة طريق الخلاص من واقعها الأليم..
فاللهم إن هذه الجموع التي قطعت الفيافي والقفار التقت قلوبها على محبتك، ونصرة دينك وبإعلاء كلمتك، فأيد اللهم يا رب جهودها، وامنحها عونك ونورك، ورضاك وتوفيقك، وكلل عملها ومسعاها بالنجاح والفلاح ، إنك يا مولانا نعم المولى ونعم النصير.
--------------------------------------------------------------------------------
[1]
مسلم رقم 2564 ترتيب فؤاد عبد الباقي.
[2]
البخاري ج1/145 ومسلم 1679.
[3]
مسلم 2589.
[4]
مسلم 105.
[5]
أبو داود 4860 والترمذي 3893.
[6]
ابن ماجة ج1/19.
[7]
في لفظ لابن ماجة ج1/20 "من ترك الكذب وهو باطل بني له قصر في ربض الجنة، ومن ترك المراء وهو محق بني له في وسطها، ومن حسن خلقه بني له في أعلاها".
[8]
البخاري ومسلم، (انظر فتح الباري ج10/401 ومسلم 2559) .
[9]
مسلم 2565.
[10]
مسلم 2564.
[11]
البخاري ج10/404 ومسلم 2563.
[12]
أبو داود 4890.
[13]
الترمذي 2508.
[14]
أبو داود كتاب الجهاد ج3/95 وأحمد ج4/193.
[15]
متفق عليه عن أبي هريرة، البخاري كتاب الأذان ومسلم كتاب الصلاة.
[16]
الترمذي وابن ماجة كتاب الزهد.
[17]
أبو داود ج3/799، كتاب البيوع.
[18]
البزار والطبراني والحكيم في النوادر (انظر فيض القدير (ج1/301) .
[19]
انظر فيض القدير ج1/301.
[20]
البخاري كتاب الصلاة ومسلم كتاب البر.
[21]
مسلم عن النعمان بن بشير ـ كتاب البر.
[22]
أبو داود والترمذي.
[23]
أبو داود وكتاب الأدب.
[24]
مسلم عن أبي هريرة كتاب الذكر.
[25]
البخاري كتاب الجهاد ومسلم كتاب الإمارة.
[26]
البخاري كتاب المظالم ومسلم كتاب البر.
[27]
أحمد ج2 / 4292، 408، 462.
[28]
مسلم كتاب الفتن.
مُرْتكزَاتُ التّضامُن وَالوَحْدَة
للشيخ عطيّة محمد سالم
المدرس بالمسجد النبوي والقاضي بمحكمة المدينة المنورة
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وعلى اله وصحبه وسلم. وبعد:
إن الحديث عن التضامن الإسلامي والوحدة الإسلامية موفي حقيقته ومعناه حديث عن الإسلام، وعن الأمة الإسلامية.
إذ إن التضامن كما يقال على وزن تفاعل ولا يكون إلا بين أطراف متعددة تعمل متضامنة على تحصيل ما يضمن لها تحقيق سعادتها ويكفل لها متطلبات حياتها في عزة وكرامة. وحرية إرادة، وإقامة مجتمع فاضل تسوده العدالة وتظله الحرية ويعمره الأمن والرخاء.
وعليه فإن التضامن الإسلامي بهذا المعنى هو بعينه الدعوة إلى الإسلام بكل معانيه وتعاليمه ومناهجه.
بل إن مفهوم التضامن هو نتيجة حتمية لدعوة الرسل جميعا الذين دعوا أممهم لعبادة الله وحده والالتفاف حول ما دعوهم إليه، والالتزام بما جاءوهم به من عند الله كما قال صلى الله عليه وسلم "نحن معاشر الأنبياء أبناء علات ديننا واحد". وقوله سبحانه في دعوة إبراهيم- عليه السلام وإسماعيل في رفع بناء البيت:{رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَاّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} .
وبعد محاجة اليهود والنصارى وابطالها أمر سبحانه المؤمنين أن يعلنوها صريحة: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} .
فالدعوة إلى التضامن الإسلامي والوحدة الإسلامية دعوة إلى الإسلام الذي دعت إليه جميع الرسل في جميع الأمم.
تعدد الدعوات المعاصرة:
والدعوة إلى التضامن الإسلامي ووحدة العالم الإسلامي قد جاءت في هذا العصر الذي كثرت فيه الدعوات وتميزت فيه التكتلات، واختلفَت فيه مناهج الحياة وكل حزب بما لديهم فرحون. وقد غشيت العالم الإسلامي من هذا كله سحب معتمة حجبت عن الكثيرين أضواء الحقيقة. وغزت عقولَ المسلمين حملات فكرية مشككة أوقعت العوام في حيرة وتركتهم في متاهة. تشتت فيها الصفوف وتفرقت فيها الكلمة وضاعت فيها الشخصية الإسلامية السليمة فطمع فيهم العدو وعجز عن مساعدتهم الصديق.
فاغتصبت بلادهم، ونهبت ثرواتهم، ودنست مقدساتهم. وعجز العالم كله ماثلا في المنظمة العالمية (هيئة الأمم) أن يفعل لنا شيئا مهما كان الحق واضحا والظلم فادحا. وأصبحنا على كثرة عددنا نكاد لا يعبأ بنا فتخلفنا عن مكانتنا المرموقة وتخلينا عن مواقع قيادتنا الحكيمة.
بل أصبحنا تبعا لغيرنا وبدون اختيارنا. الأمر الذي جعل المخلصين من ولاة أمورنا يبحثون عن الشخصية الإسلامية الضائعة وعن المنهج العملي الصالح ويتطلبون أقوم السبل التي تعيدنا إلى ما كنا علَيه وترد لنا حقوقنا وتخلصنا من تبعيتنا لغيرنا ونصبح حيث وصفنا الله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} .
فأيقن أولئك المخلصون أن لن يصلح آخر هذه الأمة إلا الذي أصلح أولها ألا وهو العودة إلى الإسلام وليست تلك الدعوات الزائفة ولا المفلسفة فدعوا إلى التضامن الإسلامي والوَحدة الإسلامية.
وكان من فضل الله وتوفيقه أن يكون انطلاقها من مهبط الوحي ومنطلق الرسالة يقودها خادم الحرمين الشريفين وتتبناها رابطة العالم الإسلامي برحاب بيت الله تعالى.
ثم يأتي هذا المؤتمر العالمي لتوجيه الدعوة وإعداد الدعاة فينعقد وللدورة الثانية في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي انطلق منها الغزاة والدعاة على السواء.
وموضوعه الآن: سبيل الدعوة الإسلامية إلى تحقيق التضامن الإسلامي ووحدة المسلمين وقد حددت أهداف هذا المؤتمر في أهداف نبيلة بناءة واضحة وافية وهي كالآتي:
أهداف المؤتمر:
جاءت أهدافه محددة في خمس نقاط وهي:-
1-
تبصير الأمة بالطريق الذي رسمته الدعوة لتحقيق التضامن والوحدة لتعود كما كانت وكما يريد لها دينها أن تكون {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّه} . {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَة} .
2-
تعميق الانتماء والولاء للأمة الواحدة عقيدة وسلوكا، والتجاوب مع مقوماتها من الأخوة والولاية، والتضامن، والاعتزاز بما اختصها الله به من الخيرية {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} . {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} .
3-
إيجاد رأي عام إسلامي قوي يعي عن إيمان وبصيرة على هدى الكتاب والسنة حقيقة التضامن والوحدة، ويربط حركته بهما في كل جوانب الحياة واتجاهاتها.
4-
تحكيم شريعة الإسلام بين جميع المسلمين والتسليم بما حكم به.
5-
أن يتحقق للأمة الإسلامية ما تسعى إليه من التقدم والقوة، وأن يراها العالم في مكانتها التي يجب أن تكون فيهَا لكي تعطي ذلك المكان ما هو مفتقر إليه لتصحيح أوضاعه وإصلاح حيا ته.
وهذه الأهداف كلها تلتقي مع العمل الجاد الأكيد الشامل لكل الأفراد وعلى مختلف المستويات للانضواء تحت راية الدعوة إلى التضامن الإسلامي وتطبيقه عمليا على واقع حياتنا وفي منهج سلوكنا.
وقد وضعت عناوين لمواضيع مختلفة كفيلة بتحقيق هذه الأهداف بلغ عددها الثلاثين عنوانا
…
ومنها ومن أهمها الموضوع الثاني بعنوان مرتكزات التضامن والوحدة وبما أن المرتكزات في كل شيء وهي جمع ركيزة ما تكون بمثابة القواعد والأسس التي يقوم عليها وظهرت لي أهمية العناية بهذا الموضوع أحببت الكتابة فيه آملا التوفيق والسداد ومن الله تعالى العون والتأييد
…
تمهيد بين يدي الموضوع:
إن المتأمل لتاريخ الدعوات التي ظهرت في المجتمع الإنساني أيا كان شعارها وخاصة في منطقة الشرق الأوسط وبالأخص في دول المنطقة فإن لكل دعوة مرتكزات ترتكز عليها، ومنطلقات تنطلق منها. وقد تزيف أو تفلسف بما يوهم العامة ويغريهم بها.
من ذلك الدعوة إلى القومية فإنها ترتكز على الجنس والعنصر ولا تبالي بالمبادئ ولا بالعقائد، أشبه ما تكون بدعوى الجاهلية من التعصب للقبيلة ويكفي لفساد هذه الدعوة أنها كانت ولا تزال السبب في تمزيق الأمم التي تظهر فيها وأول خطر منها على العالم ضياع الدولة العثمانية إذ عمل اليهود على إثارة الأتراك ضد العرب وحرضوهم على اختصاص تركيا بالأتراك، فكانت ثورة (أتا ترك) وضياع الخلافة العثمانية وتمزيق العالم الإسلامي دويلات.
وفي أوروبا القومية الجرمانية وغير ذلك.
وآخر الويلات التي جاءت بها دعوة القومية تقسيم قبرص بين الجنسية التركية والجنسية اليونانية.
ومما يندى له الجبين ما سمعته في نجيريا في رحلة داخلية ضمن بعثة الجامعة الإسلامية مع الزعيم الراحل أحمد بلو أنه أثناء الحرب الفلسطينية جهزت سفينة حربية لتتجه إلى فلسطين لإنقاذ القدس فسمع المسؤولون التنادي بالقومية العربية وأن على العرب حماية القدس وعليهم مسؤوليتها، فقال المسؤولون هناك إذا كانت القضية الفلسطينية قضية عربية وليست إسلامية فلسنا بعرب وأمروا السفينة بالعودة.
ومن ذلك الدعوة إلى الوطنية. وكان من سوء نتائجها على الشعب البريطاني صاحب المدنية والحضارة حينما طرد عيدى أمين جميع الرعايا البريطانيين من بلده امتنع الشعب البريطاني في بريطانيا أن يقبلهم بدعوى أنهم استوطنوا غير وطنهم. إلى غير ذلك مما شهده العالم أخيرا.
وكل تلك الدعوات مع خطورتها فإنها محدودة الأفق محصورة الموطن مهزوزة المرتكزات لم تلبث أن تنهار فتنهدم بأصحابها.
وبعض تلك الدعوات قد تأباها فطر البشر فتفرض عليهم بقوة السلطة كالاشتراكية والتمييز العنصري، فتسلب الفرد أخص خصائص الإنسانية وهي حرية الاختيار، وتعطيل الإرادة وإهدار الكرامة.
أما دعوه التضامن الإسلامي والوحدة الإسلامية:
فهي دعوة تتفق تماما مع فطرة الإنسان التي فطره الله عليها وتساير طبيعته كل المسايرة وتتجاوب مع جبلته إلى أعماق نفسه.
ولهذا فلقد لمست شفاف القلوب واستجابت معها العواطف. فبرزت بين تلك الدعوات العديدة وكتب لها البقاء وقوبلت بقبول حسن لأنها ارتكزت على مرتكزات أصيلة وعميقة وعملية واقعية لم تخرج عن طبيعة الإنسان ولم تغاير عقيدته الإسلامية ولم تصطدم مع واقع حياته التي يحياها في هذا العالم. وهذا هو الإطار الكلي للفرد المسلم وللمجتمع الإسلامي.
وتتلخص تلك المرتكزات في نظري في ثلاثة أمور:-
(1)
سنة الحياة وتكوين الإنسان.
(2)
منهج التشريع الإسلامي جملة وتفصيلا.
(3)
الواقع السياسي والوضع الاجتماعي الذي نعيشه مع العالم حولنا
…
ولكل مرتكز من هذه المرتكزات معطياتها، وفعاليتها لو تأملها كل عاقل ومسلم لما حاد عنها ولبادر إلى الانتماء إليها ولعرف أنها هي السبيل الوحيد التي تحقق له كل ما يتطلع إليه من استرجاع حقوقه المسلوبة والحاقه بأمجاد أسلافه.
وسنحاول بعون الله تعالى وتوفيقه بيان كل مرتكز من هذه الثلاثة ومدى عطائه لدعوة التضامن والوحدة
…
وإني لآمل أن أكون بهذا العمل المحدود وجهد الطاقة حسب ما أجتزؤه من الوقت وأزاحم به من الأعمال قد أسهمت ولو بأيسر اليسير بين الثلاثين موضوعا ومن بين العديدين من أفاضل الكتاب الذين تمكنهم ظروفهم من الاستيفاء والاستقصاء وبالله التوفيق
…
المرتكز الأول: تكوين الإنسان وسنن الحياة:
قام تكوين الإنسان على أن يكون تعاونيا متضامنا مع غيره لا انعزاليا منفردا بنفسه. ولعل معنى إنسان من الإيناس.
ففي تاريخ هذا الإنسان لم يستطع الإنسان الأول وهو أبو البشر آدم عليه السلام أن يعيش وحده ولو كان في جَنة الفردوس. فخلقَ الله له من نفسه زوجة يسكن إليها {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} . (الأعراف: 189) .
قال ابن كثير في تفسيره (ج1 ص79) ويقال إن خلق حواء كان بعد دخوله الجنة كما قال السدي في خبر ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن ناس من الصحابة: أخرج إبليس من الجنة وأسكن آدم الجنة فكان يمشي فيها وحيشا ليس له زوج يسكن إليه فنام نومة فاستيقظ وعند رأسه امرأة قاعدة خلقها الله من ضلعه، فسألها من أنت؟.
قالت: امرأة. قال: ولم خلقت؟. قالت: لتسكن لي
…
وذلك ما يشعر بأن تكوين الإنسان أساسا تكوينا جماعيا تعاونيا.
ثم بعد هبوطه إلى الأرض كانت حاجته أشد إلى من يعاونه فيها فبدأ بالإنجاب وتزاوج الأولاد وإيجاد الأجيال والحفاظ على بقاء النوع. ومن ثم تقاسم أعباء الحياة.
ثم كانت الجماعة البشرية أمام العوامل الكونية التي اضطرتها اضطرارا على التضامن والتعاون والاتحاد لتواجه مجتمعة تلك العوامل التي لا يستطيع الفرد أن يواجهها كحماية أنفسهم من المخلوقات المتوحشة وكتذليل الصعاب في الأرض لاستنبات نباتها، واستحصاد زرعها، واستخراج كنوزها، وتصنيع موادها مما يحتاجونه في حياتهم على هذه الأرض.
ثم بعد انتشار الجماعة وتكاثر الجماعات جاءت التنظيمات الجماعية التي تميزت فيها التخصصات الميدانية وتخصص لها بعض أفراد الجماعة.
1-
فتميز مثلا مجال الاقتصاد من مآكل وملبس ومسكن وتخصص له رجال يعملون وينتجون ما يوفر للجماعة حاجتها الاقتصادية.
2-
وتميز مجال الدفاع وحفظ الأمن، وتخصص له عسكريون ومدافعون.
3-
وتميز مجال الطب والعلاج وتخصص له أطباء ومعالجون.
4-
وتميز مجال التعليم وغير ذاك من المجالات بقدر ما تستجد حاجة الأمة.
5-
ومن وراء ذلك كله السياسة والحكم والحكام والسياسيون مما هو في حكم الضرورة للجماعات البشرية ولا يمكن أن تقوم كلها ولا بعضها إلا بتعاون الأفراد بعضهم البعض بل إن كل تلك المجالات ذات الاختصاصات لا يمكن أن تقوم واحدة منها منفردة بدون معاونة مع الآخرين.
وإنا لنلمس ونشاهد ذلك في عالمنا المعاصر في جميع مؤسساته وفي مجموعها فيما بينها. ففي جميعها نجد أن كل مؤسسة تشتمل رئيسا ومرؤوسين وجميعهم من القاعدة إلى القمة كل في موقعه يؤدي واجبه. ولا غنى لرئيس عن مرؤوس.
وكذلك فيما بين تلك المؤسسات كل منها تؤدي دورها في خدمة المجتمع مما لا تؤديه غيرها. وكل منها خادم ومخدوم في دائرة التعاون والتضامن كما قيل:
الناس للناس من بدو وحاضرة
بعض لبعض وإن لم يشعروا خدم
فسنة الحياة تلزم الأحياء أفرادا وجماعات بالتضامن معا، وقد امتد فشمل هذا المرتكز الطبيعي جميع دول العالم كله اليوم طوعا أو كرها سواء كان في السلم أوفي الحرب.
عن طريق تبادل منافعهم فيما بينهم فعند هذه سلع وإنتاج ولتلك حاجة ماسة إليها وقد قامت السوق الأوربية بين دول أوربا بتنظيم هذه العلاقة بسبب تفاوت الثروات الطبيعية والكفاءات البشرية. فالسلعة التي تفيض عند هذه تحتاجها تلك وكذلك العكس وهلمّ جرا.
ولا يمكن لأمة اليوم أن تعيش في معزل عن العالم حيث ارتبطت كلها بمصالح مشتركة فهي تسير في نظام تضامن إلزامي تمليه ظروف الحياة وتطورات العالم وعلى سبيل المثال ترابط العالم في تسيير الخطوط الجوية والخدمات البريدية، والأعمال المصرفية، والإصدارات المالية، والتمثيل الدبلوماسي وغير ذلك مما له الصبغة العالمية.
ولا يبعد من يقول إن هذه السنة الكونية التعاونية ليست قاصرة على الإنسان بل هي أيضا موجودة في عالم الحيوانات والحشرات ولا أدل على ذلك من عالم النحل والنمل.
وعلى هذا فإن هذا المرتكز التضامني فطري كوني وهو إلزامي جبري ليس للإنسان فيه اختيار ولا له عنه استغناء.
فإذا كان هذا المرتكز الفطري يقر في إطار إسلامي، وكانت دعوة التضامن من هذا المنطلق دعوة فطرية تساير الفطرة وتساندها طبيعة الحياة.
وإذا كان لابد للإنسان أن يتضامن مع غيره ولكل جماعة أن تتعاون مع غيرها على أي مبدأ كان سواء كان عنصريا بالجنس أو وطنيا بالموطن أو اقتصاديا بالإنتاج أو عسكريا بالأحلاف فلأن يكون باسم ومنهج الإسلام من باب أولى حيث أنه منهج التعاون على البر والتقوى. وأن الخلق كلهم عباد لله والأرض كلها له سبحانه
…
المرتكز الثاني: منهج التشريع الإسلامي:
ولكي نحدد معالم هذا المنهج نعود إلى مدلول التضامن والغرض منه وهو أن يجد الإنسان فردا كان أو جماعة ما يضمن له حياة أفضل يتوفر له فيها ما ينقصه، ويسلم فيها مما يضره ومعلوم أن هذين المطلبين جلب النفع ودفع الضر هما مطلب كل عاقل كما قيل:
إذا أنت لم تنفع فضر فإنما
يراد الفتى كيما يضر وينفع
أي يضر عدوه أو ينفع صديقه.
ومنهج الإسلام شامل لهذين المطلبين ومعهما الحث على مكارم الأخلاق وهو مطلب إنساني كما قال أكثم بن صيفي حين بلغه أمر ظهور دعوة الإسلام فأرسل ولده ليأتيه بخبر محمد صلى الله عليه وسلم وما يدعو إليه، فرجع إليه وقال له: إنه يأمر بصلة الرحم وصدق الكلم وأداء الأمانة والوفاء بالعهد وينهى عن كذا وكذا
…
فقال أكثم: إنه والله يا بني إن لم يكن دينا فهو من مكارم الأخلاق.
وقد شرع الإسلام عقود المعاملات لجلب النفع وتبادل المصالح لتوفير حاجيات الإنسان. من مطعم وملبس ومسكن في صناعة وزراعة وتجارة.
كما شرع لدفع الضر تحريم كل ضار بجواهر الحياة الخمسة- الدين- النفس- العقل- النسب والعرض. والمال. وجعل فيها حدودا رادعة وزاجرة.
كما أرشد ووجه لمكارم الأخلاق في الروابط الاجتماعية ابتداء من حقوق الزوجين وبر الوالدين. وحسن المعاشرة من العفو عن المسيء والإحسان والإيثار على النفس وغير ذلك، وكذلك روابط الجوار وصلة الأرحام وكفالة الأيتام ومساندة الضعفاء. وعموم التعاون على البر والتقوى.
وتظهر صور التضامن والوحدة في منهج الإسلام مفصلة ابتداء من العقيدة السليمة ثم العبادات التي هي الغاية من خلق الثقلين الجن والإنس كما قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَاّ لِيَعْبُدُونِ} . فجميع المسلمين يلتقون على عبادة الله تعالى وحده وبالوجه الذي يرضاه.
وهذا المنهج قد ربط بين جميع الأمم الإسلامية كما قال تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيه} . فهي وحدة دينية تربط الحق بالخلق في إطار التشريع الإسلامي.
وكما تقدم قوله تعالى: {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} .
وعقيدة التوحيد هي المرتكز والتي يجتمع عليها العرب والعجم ويستوي فيها الغني والفقير والكبير والصغير ويلتقي عليها من بالمشرق بمن بالمغرب. وهى العقيدة التي تحرر الإنسان من استعباد الإنسان ومن طغيان المادة وعوامل الطغيان لأن الفرد بإحساسه بأن جميع الخلائق عباد لله ملتزمون بأوامر الله.
وفي العبادات تتجلى هذه الصور عمليا بصور ملموسة وذلك كالآتي:-
(1)
ففي الصلاة:
أ- وحدة التوقيت مرتبطة بحركة كونية من طلوع الشمس إلى غروبها.
ب- واستجابة النداء حي على الصلاة حي على الفلاح الله أكبر: {أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً} .
{إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْع} .
ج- وحدة الوجهة إلى مركز العالم كله إلى البيت الحرام: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَه} .
تبدأ هذه الوحدة في استدارة حول الكعبة ثم تتسع حتى تشمل أقطار العالم شرقا وغربا شمالا وجنوبا.
(2)
وفي الصيام:
أ- وحدة الزمن في الصوم بشهر واحد للجميع: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} .
ب- وحدة الشعور بالتعاطف والتراحم- يبدأ بالإمساك وينتهي بالإطعام وإخراج الفطرة طعمة للمساكين وطهرة للصائمين.
(3)
- أما الزكاة:
أ- فهي تضامن إلزامي يربط مختلف الطبقات بعضها ببعض ويقارب بين من باعدت بينهم المادة ويجمع بين من فرق بينهم الغنى والفقر حيث يلتزم الغني بإخراج زكاة ماله: {وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} . {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِم} .
فالزكاة طهرة للنفوس من شح الأغنياء وحسد الفقراء، وزكاة للمال فلا تنقص وتصون المجتمع من حرب الطبقات وغزو الدعايات.
أما الحج وهو الركن الأعظم:
فهو عين التضامن ومظهر الوحدة في أظهر الصور وأقوى المعاني يفد الحجيج من كل فج عميق ملبين الداعي لحج بيت الله العتيق. مجددين العهد القديم مستجيبين نداء إبراهيم- عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم- يخرج الحاج من أهله ودياره مفارقا زوجه وصغاره حتى يأتي الميقات فيتجرد من ثيابه متخليا عن مظاهر دنياه. مُتدثرا رداءه وإزاره متهيأ لحال أخراه.
هناك يعود الحجيج على مختلف ألوانهم وتباعد أقطارهم وتعدد لغاتهم يعودون إلى الفطرة التي فطرهم الله عليها. وتعود إليهم فطرتهم التي ابتعدوا عنها فطرة الوحدة والإخاء والمساواة. فيستوي غنيهم وفقيرهم وأميرهم ومأمورهم. ويستوي عربيهم وعجميهم. وقاصيهم ودانيهم وحدة في الشكل والصورة ووحدة في الهدف والغاية يهتفون لبيك اللهم لبيك.
ب- وفي أرض عرفات في ذلك المشهد الفريد في تاريخ البشرية حاضرها وماضيها حواضرها وبواديها. مشهد يذكر بالماضي في عالم الذرة، حين أخرج الله من بني آدم من ظهورهم ذريتهم {وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} .
مشهد ينبههم لمستقبلهم يوم يجمع الله الخلائق ويحشرهم حفاة عراة. مشهد تذوب فيه فوارق الجنس والعنصر واللون وتتجلى فيه وحدة الأصل (كلكم لآدم وآدم من تراب) . مشهد تفتح له حدود الأقاليم والأقطار والدول: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} .
مشهد تلتقي فيه الأشباح وتتعانق فيه الأرواح {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ} .
جـ - وفي منى يلتقي الجميع على موائد الهدى والإخلاص فيأكلون ويطعمون {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ} .
أمانة الدعوة: ومن هناك يتحملون أمانة الدعوة والبلاغ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث حملها أصحابه لمن بعدهم: "بلغوا عني ولو آية". "رب مبلغ أوعى من سامع". فيرجع الحجاج بمثابة السفراء إلى بلادهم الدعاة إلى ربهم وقد تعارف كل منهم على الكثيرين من إخوانهم ووثقوا عرى الأخوة والولاء، قد ينتج عنها زيارة وصلة ونحو ذلك.
الاجتماعيات:
وكما ظهر مدى التضامن والوحدة في العبادات يظهر كذلك وبقوة في مجال الاجتماعيات لأن الإسلام أقام المجتمع الإسلامي على قواعد مثالية عالية ترتفع عن مقاييس المادة والمعاوضة إلى حد البذل والإيثار.
أ- ففي أصل تكوين المجتمع توجد المساواة في المبدأ: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} . ففيها وحدة الإنسانية جمعاء.
ب- وفي تكوين الأسرة التي هي لبنة بناء المجتمع. أقامها على روابط المودة والرحمة: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} . وجعل معادلة بين الزوجين غاية في تضامنهما: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنّ} .
فإذا جاء الأولاد: قابل بين عاطفة الأبوة بإيجاب بر البنوة وجعلها وفاء بحق قد استوفاه الأولاد من قبل {وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً} . ثم أظهر مدى حق الوالدين حين قرنه بحقه سبحانه في قضاء مبرم. {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَاّ تَعْبُدُوا إِلَاّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} . ثم إن الولد سيستوفي مثل هذا الحق من أولاده إن هو أداه لأبويه. وهكذا دواليك.
جـ - ثم هو يراعي هذا الصنف من الناس الذي حرم رعاية الأبوين وذاق بؤس القطيعة وذل العزلة ألا وهو اليتيم فكفله بالرعاية وأحاطه بالحنان وجعل صلى الله عليه وسلم لكافله أعلى المنازل في الجنة.
وهذا من أقوى دلائل التضامن الإسلامي في المجتمع الإنساني. لأنه يطيب نفس الأب على ولده إذا حضرته الوفاة بأن المجتمع كافل له ولده.
ثم إن هذا الولد اليتيم المكفول اليوم سيصبح غدا رجلا ويكفل يتيماً غيره.
د- ثم يفسح المجال خارج نطاق الأسرة فيأتي للجوار فيقول صلى الله عليه وسلم: "الجار أحق بصقبه". "ولا يزال جبريل- عليه السلام يوصيه بالجار حتى ظن صلى الله عليه وسلم أنه سيورثه ".
هـ- ثم يربط العالم كله برباط النصح والإخلاص ومحبة الخير "الدين النصيحة قلنا لمن يا رسول الله. قال: لله ورسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم".
و فتكون النتيجة ترابط العالم الإسلامي كالبناء الحصين "مثل المسلمين في توادهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد". "المسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضا" فأي تضامن بعد هذا وأي وحدة بعد هذا وأي وحدة تضاهي ذلك.
ومن هنا حمل الإسلام جماعةَ المسلمين مسوؤلية الحفاظ على تلك الوحدة وعلى هذا التضامن في السلم وفي الحرب أفراد أو جماعات.
(1)
…
(2)
"من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان".
"كلكم راع وكل مسئول عن رعيته".
{وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} .
وفرض حقوقا عامة على كل مسلم لأخيه المسلم: "حق المسلم على المسلم ست: إذا لقيته فسلم عليه. وإذا دعاك فأجبه. وإذا عطس فحمد فشمته. وإذا استنصحك فانصح له. وإذا مرض فعده. وإذا مات فشيعه".
وتلك حقوق متبادلة بين الأفراد يتقاضونها فيما بينهم وقد استوعبت كامل وضع الإنسان من أول لقائه بالسلام عليه إلى آخر وداعه بالتشييع إلى مثواه الأخير.
ربط الإيمان بالمحبة والمودة والعاطفة والرحمة بينهم "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه مايحب لنفسه ".
وحرم الجنة عليهم حتى تسودهم المحبة: "لن تدخلوا الجنة حتى تحابوا".
فالدعاة إذا ما ركزوا دعوتهم إلى التضامن الإسلامي والوحدة الإسلامية على منهج الإسلام كان تركيزا قويا ينطلق من عواطف وشعور كل مسلم حيث يحقق للجميع أفرادا وجماعات كل ما يسمو إليه دون أن تعترضه العقبات ولا تكدره الشبهات.
وهناك مجال الحكم في سلطاته الثلاث:
السلطة التشريعية. والسلطة القضائية. والسلطة التنفيذية، وهذه السلطات الثلاث وإن كانت بصورها موجودة في كل دولة إلا أنها في الإسلام تتميز بصبغة خاصة تضفي عليها بهاء الرفق ورونق الإحسان.
فالسلطة التشريعية في كل أمة هيئة متخصصة تنظر في ظروف وملابسات حياة الأمة فتشرع لها ما تراه صالحا.
ومهما يكن من شأن هذه الهيئة وتخصصاتها فهو عمل بشري جائز عليه الخطأ والصواب وهو ما يشهده العالم من طروء التغيير والتبديل فقد يكون ما رأوه اليوم يكون غير صالح في الغد.
وإن ما يطرأ على تلك الهيئات من سياسة داخلية واتجاهات فكرية قد تؤثر عليها إلى غير ذلك.
بينما التشريع في منهج الحكم الإسلامي مرجعه لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم والمختصون للتشريع بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم هم العلماء ورثة الأنبياء فإذا ما لزم نظروا تشريع لمستجد في الحياة فإنهم لن يخرجوا عن المنهج الإسلامي في حدود ما أنزل الله من كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
وقد نوّه القرآن الكريم إلى أصل هذه السلطات وإلى تميزها عما سواها. في قوله تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} فإرسال الرسل بالبينات من ربهم، وإنزال الكتاب لتشريع مناهجهم والميزان للعدالة
…
والسلطة القضائية، ليقوم الناس بالقسط إذ القضاء تطبيق للمنهج التشريعي.
وأنزل الحديد إشارة إلى السلطة التنفيذية وأداة لنصرة دين الله فيكون المجتمع الإسلامي تحت سلطة حكم عادلة قوية حكيمة وأساس الحكم في البشر إنما هو لله خالقهم لا سواه، وهو أعلم بمصالحهم وما يصلحهم. فهو كالعبادة سواء في قوله تعالى:{إِنِ الْحُكْمُ إِلَاّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلَاّ تَعْبُدُوا إِلَاّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} . (يوسف:40) .
ومن هذا المنطلق في الحكم كان الظلم في غيره محققا في أي حكم سوى حكم الله: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} .
وفي مقابل ذلك لا يتم إيمان العبد حتى ينزل على حكم الله راضيا مسلما تسليما:
ومن هذا المنطلق فان ارتكاز دعوة التضامن إلى منهج التشريع الإسلامي وفي ظل الحكم بما أنزل الله تكون دعوة ممتدا سببها بالله لا تلاقيها صعوبات ولا تعطلها عقبات وهي دعوة مضمون لها النصر من عند الله: {إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} . مضمونة نتيجتها للأمة سعادة في الدنيا وفلاحا في الآخرة.
المرتكز الثالث: واقع الحياة الذي نعيشه والتيارات السياسية التي حولنا:
من الواضح البين حالة العالم السياسي والسياسة التي فرضت على الجميع وألزمت العالم كله العيش ضمن تكتلات سياسية، وأحلاف عسكرية واتفاقيات اقتصادية. وليس بوسع أي دولة أن تعيش وحدها في معزل عن هذا العالم بعيدة عن تلك التكتلات لقوة ترابط الدول بعضها مع بعض شاءت أم أبت.
ولم تعد السياسة مجرد تنظيم لعلاقات الدولة في الخارج بل أصبح الداخل مرتبطا بالخارج في السلم وفي الحرب عن طريق الإنتاج والتسويق. فهي منافع مشتركة ومصالح متبادلة. توثقت باتفاقيات عالمية أو ثقافية وأحلاف عسكرية. وأهم ذلك كله الأحلاف العسكرية لأنها لحماية الدولة بكل مرافقها والداعي لكل ذلك من اتفاقيات وأحلاف هو شعور تلك الدول بالضعف وبالحاجة إلى تضامنها بعضها مع بعض وذلك منذ الحرب العالمية الأخيرة حيث كانت عصبة الأمم لدولة أوروبا ضد هتلر والنازية لعجز تلك الدول منفردة عن مقاومتها.
وبعد عصبة الأمم جاءت هيئة الأمم وضمت دول العالم على أمل الحياة في أمن وطمأنينة. ولكن هيئة الأمم لم تحقق للعالم ما أمله فيها حيث أقيمت في بادئ أمرها على التخصيص والامتياز فمنحت الدول الكبرى حق النقض (الفيتو) .
ومن العجب أن يمنح هذا الحق للدول القوية التي تستطيع أن تظلم وأن تتعدى مما يصعب معه استخلاص حق المظلوم أو استرجاع حق مغصوب.
وكان الأولى لو أجيز ذلك أن يعطى للدول الضعيفة لترد به عن نفسها.
وأن أحداث التاريخ وخاصة في الدول النامية لتشهد بذلك.
قامت جامعة الدول العربية وكان قيامها مظهرا من مظاهر تضامن دول المنطقة مهما قيل عن أسباب قيامها.
وكل تلك الهيئات والمؤسسات العالمية لم تستطع استتباب الأمن ولا منح الطمأنينة للعالم فنشأت تكتلات وأحلاف عسكرية انطلقت في سياق التسلح النووي بما يهدد العالم كله بالدمار. وذلك في حلفي الناتو وحلف شمال الأطلسي.
وانقسم العالم إلى معسكرين اقتصاديين شيوعي في الشرق ورأسمالي في الغرب وما بقي من العالم يدعى بدول عدم الانحياز.
ولكن عدم انحيازه لم يعزله عن غيره ولم يبعده عن الخطر ومن ثم أوجد لنفسه ارتباطات فيما بينه وعقدت له عدة مؤتمرات لدراسة وضعه ووضع التدابير لصالحه.
وآخر ما يكون ما حدث في المنطقة من قيام مجلس تعاون دول الخليج دفع قيامه واقع العالم السياسي وحاجة دول المنطقة إلى التعاون الأخوي وقد شمل عدة مجالات عامة اقتصاديا وسياسيا وأمنيا وثقافيا وإعلاميا. فهو أصدق صورة لما نرجوه للعالم الإسلامي من التضامن والوحدة.
ومع هذا كله فان هذه المؤسسات الدولية على اختلاف مناهجها وأشكالها فهي إما إقليمية محدودة وإما عالمية غير عادلة.
أما التضامن الإسلامي فليس هو بالتضامن المادي النفعي وإنما هو تضامن أخوي عاطفي إنساني ديني دعَا إليه الإسلام والتزم المسلمون بمضمونه ولا غنى لهم عنه.
"المسلم أخو المسلم لا يخذله ولا يظلمه ولا يسلمه، المسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضا، لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه لما".
وتحت هذا الشعار واستجابة لهذا النداء: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا} يدعوا دعاة التضامن بكل قوة ووضوح.
وحدة الأمة:
إن الوحدة والتضامن متلازمان ويلزم من وجود كل منهما وجود الآخر لأن الأمة المتحدة المتضامنة، والأمة المتضامنة، متحدة، وهذا من خصائص الإسلام ونتائج منهجه وتشريعه.
ووحدة الأمة في نظر الإسلام وتعاليمه ترتكز على مرتكزين رئيسين:
(1)
وحدة الجنس.
(2)
وحدة العقيدة.
ومن ورائهما عناية الله وإنعامه على عباده وامتنانه.
(1)
أما وحدة الجنس ففي إرجاعهم إلى أبيهم آدم عليه السلام وأمهم حواء: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} ومن وراء هذا التعارف إخاء وتراحم: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} وقد صور الإمام علي رضي الله عنه معنى وحدة الجنس فقال في أبيات له:
أبوهم آدم والأم حواء
الناس من جهة التمثيل أكفاء
(2)
أما وحدة العقيدة فهي الوحدة المعنوية التي تقابل الوحدة الحسية لأن العقيدة عمل القلب لا علاقة لها بالجنس ولا باللون ولا بالمكان ولا بالزمان فيرتبط فيها جميع أبناء المعتقد الإسلامي فيؤمن أنه وكل من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله وآمن بما آمن به السلف الصالح ودعا إليه الكتاب والسنة، شعر يقينا أن كل من دان بذلك أنه أخ له في دينه وملتزم معه في تكاليفه فيرتبط آخر الأمة بأولها بل صالح هذه الأمة بصلحاء الأمم واقرأ قوله تعالى:{اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِم} .
(ج) أما عناية الله في هذه الوحدة وإنعامه على هذه الأمة فهو من تأليف هذه القلوب وتقارب هذه النفوس يلقى المسلم أخاه المسلم من أقصى الدنيا وأدناها. فإذا هو يبادله التحية ويتبادل معه التعاطف. وذلك تحقيق لقوله تعالى: {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً} .
وقوله تعالى: {لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ} . فهي نعمة امتن الله تعالى بها على هذه الأمة. وبعد امتنانه بها شرع ما يحفظها. وما يديمها فبعد قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ} .
كما نهى عن سوء الظن وعن التجسس والغيبة. وهي كلها عوامل فرقة وتمزيق الوحدة بينما دعا إلى تقوية هذه الوحدة بالتراحم والتعاون وحسن الجوار وكل ما فيه معاني الإنسانية من عفو وتسامح إلى حد الإحسان إلى المسيء: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} .
فهذه كلها روافد تصب في أصل أوجه الوحدة الإسلامية ترويها فتنمو على أثرها.
الخاتمة:
وإذا كانت دعوة التضامن الإسلامي كدعوة ظهرت في هذا العصر متميزة من بين الدعوات التي انطلقت في العالم وخاصة بين المسلمين. من قومية وطنية ومدنية ديمقراطية وشعارات متعددة.
فإن الدعوة إلى التضامن الإسلامي في هذا الوقت بالذات وبدت هذه الدعَوات والشعارات لهي أولى وأحرى للأمة الإسلامية لتعود بها إلى صميم دينها والحفاظ على كيانها وإثبات شخصيتها وتثبيت دعائمها على تلك المرتكزات الثلاث
…
وإذا كانت في ظهورها ومنطلقها من خادم الحرمين الشريفين ومن جوار القبلة المشرفة قبلة وجهتهم ومهوى أفئدتهم فإنها بلا شك قد لامست شغاف القلوب المؤمنة وأيقظت شعور الشعوب المسلمة، ولا طقت عواطف كل مسلم في العالم فلقيت بحمد الله قبولا لدى الجماعات واستقبلت بترحاب من الأفراد.
ولا نزال نسمع كل حين وآخر بنتائج عظيمة حيث تنادي بعض الدول بالعودة إلى الإسلام والتزامها بتنفيذ أحكام الشريعة بدلا من القوانين التي كانت تسير عليها.
ومن ثم يلتقي قادة تلك البلاد بشعوبها وتلتف تلك الشعوب بقادتها وتواصل الأمة سيرها على نور الله.
واليوم ومن رحاب الجامعة الإسلامية ومن أرض المدينة المنورة مهد الدعوة ومنطلق الدعاة تتجدد تلك الدعوة من المؤتمر الثاني لإعداد الدعاة تنطلق في جدتها وجديد رونقها وصفاء محاسنها بريئة من كل شائبة نزيهة عن كل غرض شخصي أو مادي بعيدة عن أي اتجاه سياسي أو فكر أجنبي مصطبغة بصبغة الله: {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ} فإنها بحمد الله لتعلوا على الشبه وتسمو عن الشكوك وتحلق في سماء الحق معلنة أنها دعوة السلف وأمانة الخلف وأنه لا يصير آخر هذه الأمة إلا ما قد أصلح أولها وسما بسلفها قمة المجد.
كما أنها بارتكازها على تلك المرتكزات الثلاث التي أسلفنا وهي مرتكز طبيعة تكوين الإنسان وسنة الحياة. ومرتكز منهج التشريع الإسلامي. ومرتكز الحالة السياسية والوضع الاجتماعي الذي نعيشه. فإنها ترتكز على عوامل قبولها وتحمل دواعي بقائها.
كما تحقق للأمة الإسلامية كل مطالبها وتمكن لها ما أراده الله منها: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} . {وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُم} . أي دعوة التضامن الإسلامي بما تشير إليه هذه الآية في نهايتها لم يقتصر نفعها على المسلمين فحسب بل وعلى أهل الكتاب لو آمنوا بها وأيدوها.
ثم بين تعالى ما لو تم للعالم الإسلامي اتحاده وتضامنه وأخذ الأعداء يكيدون له أنهم سيندحرون كما قال: {وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ} .
ونحن لا نبعد إلى هذا الحد ولا نفرط في التفاؤل أو نتطلع إلى غير المسلمين وإنما ندعو إلى تضامن الأمة الإسلامية تحت شعار الوحدة والإخاء
وإن دور الدعاة إبراز أهمية التضامن وضرورة الوحدة على ضوء كتاب الله وسنة رسوله ومحاسن الإسلام وحكمة التشريع ما أمكن ذلك.
فإن العالم الغربي اليوم في متاهة الحيرة وظلمة الضلالة ولو وجد ضياء من تعاليم الإسلام لبادر إليه.
وليس بعيدا عنا إسلام (الدكتور المسيحي) في المؤتمر الطبي. لما رأى ما في الإسلام من تعاليم وما في القرآن من إعجاز الأمر الذي جعله يعلن عن إسلامه في قاعة المؤتمر عن قناعة وإدراك ومعرفة.
وها هي الأعداد الكثيرة التي يعلن عن إسلامها في كثير من دول العالم. وفي هذه البلاد وفي المدينة بالذات لما يشاهدون من إخاء وتعاطف وتعاون وتراحم فالله الله في الدعوة إلى الله وإلى التضامن الذي هو التطبيق العملي لدعوة الإسلام: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُون} .
كما إنا لنهيب بالجهات المختصّة أن تمد يد العون وتبذل كل الجهد لمساعدة الدعاة إلى الله في دول العالم بما يستطيعون به القيام بواجبهم وأداء عملهم على الوجه الذي يرونه وتتطلبه دعوتهم في مراكز عملهم.
كما نأمل دوام انعقاد هذا المؤتمر وعلى فترات متقاربة لمدارسة أحوال الدعاة على ضوء واقع حياتهم وما يستجد أمامهم: وتقديم المساعدة إليهم قولا وعملا وبالله التوفيق.. وصلى الله وسلم وبارك على إمام المرسلين وخاتم النبيين وعلى آله وصحبه وسلم
…
كَيفَ أقامَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أوَّل دَوْلة إسلاميَّة
عَلى التضَامُنِ وَالوَحْدَة؟
الدكتور محمد السيد طنطاوي
رئيس شعبة التفسير بالدراسات العليا بالجامعة
كلمتا التضامن والوحدة، من الكلمات المحببة إلى النفوس، لأنهما تدلان على التكافل، والترابط، والتراحم، بين الأفراد والجماعات.
وقد سما الإسلام بهاتين الكلمتين، فجعلهما رمزاً للتعاون على البر والتقوى لا على الإثم والعدوان، بعد أن كانتا في الجاهلية، تخضعان للروابط العنصرية، وللنزعات القبلية، ولإرضاء ما جبلت عليه النفوس - التي استحوذ عليها الشيطان- من حب للسيطرة، ومن التعالي على الغير، وإخضاعه لسلطانه
…
فمثلا، قبل الإسلام، تضامنت واتحدت قبيلة الأوس فيما بينها، وقبيلة الخزرج فيما بينها، على أن تنتقم كل قبيلة من الأخرى، وأن تخضعها لسلطانها
…
أما بعد أن وفق الله- تعالى- هاتين القبيلتين للدخول في الإسلام فقد صار هذا التضامن، يقوم على الحب والإخاء والتعاطف بين الجميع، بدون تفرقة بين قبيلة وأخرى.
ولقد أقام النبي صلى الله عليه وسلم أول دولة إسلامية على التضامن والوحدة، عن طريق التوجيهات القرآنية، والإرشادات النبوية.
وذلك لأن القرآن الكريم، هو الكتاب الذي أنزله الله- تعالى- على نبيه صلى الله عليه وسلم لكي يخرج الناس به من الظلمات إلى النور، وليكون هداية لهم إلى ما هو أقوم، وليرشدهم إلى ما يسعدهم ويصلحهم، وليجنبهم الوقوع في الأخطاء التي لا تحمد عقباها.
أما السنة النبوية فمن أهم وظائفها: تفصيل ما جاء في هذا القرآن من إجمال، وتأكيد ما أمر به أو نهى عنه
…
روى الإمام أبو داود في سننه عن المقداد بن معد يكرب، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:"ألا وإني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي، ولا كل ذي ناب من السباع"[1] .
وهذه التوجيهات القرآنية، وتلك الإرشادات النبوية، قد سلكت في إقامة أول دولة إسلامية على التضامن والوحدة، مسالك متنوعة، أن أهمها ما يأتي:
أولاً: أن القرآن الكريم، قد بين للناس جميعا، أن الله- تعالى- قد خلقهم بقدرته من نفس واحدة، فعليهم أن يعيشوا في هذه الحياة متآخين متحابين.. قال - تعالى- {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً} ] النساء: [1.
والمعنى: يا أيها الناس اتقوا ربكم بأن تطيعوه فلا تعصوه، وبأن تشكروه فلا تكفروه، فهو وحده الذي أوجدكم من نفس واحدة، هي نفس أبيكم آدم، وهو وحده الذي أوجد من هذه النفس الواحدة زوجها حواء، وهو وحده الذي "بث "أي: نشر وفرق، من تلك النفس الواحدة وزوجها، على وجه التوالد والتناسل، رجالا كثيرا، ونساء كثيرة.
فأنت ترى أن هذا النداء لجميع المكلفين، قد نبههم إلى أمرين:
أولهما: وحدة الاعتقاد بأن ربهم واحد لا شريك له، فعليهم أن يخلصوا له العبادة، لأنه هو الذي خلقهم وهو الذي رزقنهم، وهو الذي يميتهم وهو الذي يحييهم، وهو الذي أوجدهم جميعاً - بقدرته النافذة- من نفس واحدة.
وثانيهما: وحدة النوع والتكوين، إذ الناس جميعاً على اختلاف ألسنتهم وأشكالهم وأجناسهم، قد انحدروا عن أصل واحد..
ومادام الأمر كذلك فيجب أن يشعر الجميع بفضل الله عليهم، وأن يبنوا علاقاتهم فيما بينهم على التضامن والتكافل والإخاء وأن يوقنوا بأنه لا فضل لجنس عَلى جنس، ولا للون على لون، إلا بمقدار حسن صلتهم بربهم، وطاعتهم لخالقهم- عز وجل.
وقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى في كثير من أحاديثه، ومن ذلك ما جاء في خطبته الجامعة في حجة الوداع فقد جاء فيها:
"أيها الناس ألا إن ربكم واحد، لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأسود على أحمر، ولا لأحمر على أسود، إلا بالتقوى. ألا هل بلغت؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال صلى الله عليه وسلم: فليبلغ الشاهد الغائب".
ثانياً: لقد صرح القرآن الكريم، بالحكمة التي من أجلها خلق الله- تعالى- الناس من ذكر وأنثى، وجعلهم شعوباً وقبائل، فقال- تعالى-:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} ] الحجرات: 13 [.
وقوله "شعوباً" جمع شعب، وهو الجمع العظيم من الناس يجمعهم أصل واحد.
وقوله "قبائل"جمع قبيلة. والقبيلة: الجماعة من الناس يضمهم أب واحد.
والمعنى: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى، وهما آدم وحواء {وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} .
أي: وجعلناكم كذلك ليعرف بعضكم بعضاً، فتصلوا الأرحام، وتتبينوا الأنساب، وتتعاونوا على ما ينفعكم، ويصلح شأنكم.
فالتعارف - لا التناكر- هو أساس العلائق بين البشرِ، وهو الحكمة التي من أجلها خلق الله- تعالى- الناس من ذكر وأنثى، وجعلهم شعوباً وقبائل. ويجب أن يعود الناس إلى هذا التعارف والتآلف، وأن يزيلوا ما نشب بينهم من خلاف، وما دب فيهم من خصام، حتى تتحقق الحكمة المنشودة من وجودهم في هذه الحياة.
ثالثاً: لقد بين القرآن الكريم في كثير من آياته، أن الأمة الإسلامية، أمة واحدة في عقيدتها وفي شريعتها، مهما تناءت ديارها، وتباعدت أوطانها، واختلفت لغاتها، ومن هذه الآيات قوله- تعالى-:{إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} ] الأنبياء: 92 [.
وقوله- تعالى-: {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} ] المؤمنون:52 [.
أي: إن هذه الأمة الإسلامية، التي هي أمتكم- أيها المسلمون- "أمة واحدة"لأن إلهها واحد، ودينها واحد، وشريعتها واحدة، وقبلتها واحدة، وأهدافها واحدة
…
{وَأَنَا رَبُّكُمْ} لا شريك لي في الربوبية {فَاعْبُدُونِ} أي: فأخلصوا لي العبادة والطاعة، ولا تشركوا معي أحداً من خلقي في ذلك.
وهذه الوحدة للأمة الإسلامية، قد أكدها الرسول صلى الله عليه وسلم تأكيداً قوياً، عن طريق إرشاداته المتنوعة، وتوجيهاته السامية.
وفي هذا المعنى يقول بعض العلماء: لقد بين النبي صلى الله عليه وسلم بأقواله وأفعاله، الوحدة الإسلامية الجامعة لأمته، فقد تضافرت عنه الروايات الدالة على الأخوة الإسلامية التي لا تفرق بين عربي وأعجمي، ولا بين شريف وضعيف، ولا بين إقليم وإقليم، وقال في عبارة جامعة: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً
…
"
وغير هذا مشهور مستفيض، حتى إن ذلك ليتواتر في المعنى، فهو من المعاني التي تفهم من تعاليم الإسلام بالضرورة، ولا يعد من المسلمين من ينكرها، أو يخالفها جحودا بها.
وأما أفعاله صلى الله عليه وسلم المبينة لهذه الوحدة الجامعة، فهي تلك المؤاخاة التي ربط بها بين القرشي، والخزرجي، والأوسي، ومن كان من أصل غير عربي
…
المسلمون إذن أمة واحدة، وتلك حقيقة يعد من نافلة القول بيانها، فضلاً عن إقامة الدليل عليها، لأنها مجمع عليها [2] .
رابعاً: أن القرآن الكريم، قد بين للناس، أن الرسالات السماوية جميعها، قد اتفقت على إقامة الدين على إخلاص العبادة لله- تعالى- وعلى نبذ التفرق والاختلاف في أحكامه..
والمعنى: إن الله - تعالى- سن لكم- يا معشر المسلمين- من الدين، ما سنه لنوح والذين من بعده من الأنبياء إلى زمن نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم.
ثم بين- سبحانه- ما أمرهم به جميعاً فقال: {أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} .
أي: أن أقيموا الدين على ما أمركم به الله- تعالى-، من توحيده وطاعته، ولا تختلفوا في أحكامه التي أجمعت على صحتها شرائع الأنبياء السابقين، فإن هذا الاختلاف يؤدى إلى فشلكم وذهاب ريحكم
…
ثم بين- سبحانه- موقف المشركين من دين التوحيد فقال: {كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ} .
أي: شق وعظم على المشركين ما تدعوهم إليه من إخلاص العبادة لله- تعالى-، ومن ترك الاختلاف في أحكامه الدين الحق.
ثم ختم- سبحانه- الآية الكريمة ببيان من هم أهل لرضاه وهدايته فقال: {اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ} .
أي: الله- تعالى- يصطفي من يشاء من عباده، فيقربهم إلى محل كرامته، ويوفق للعمل بطاعته من ينيب إليه، ويسلم له وجهه.
ثم يبين- سبحانه- الأسباب التي أدت بالناس إلى التفرق في أحكام الدين الحق، فقال - تعالى-: {وَمَا تَفَرَّقُوا إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُم
…
} .
أي: وما تفرق هؤلاء السابقون بعد موت أنبيائهم {إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْم} الدال على صدق هؤلاء الأنبياء، وكان الدافع لهم على هذا التفرق والاختلاف، هو البغي والحسد وتجاوز الحدود التي شرعها الله- تعالى.
وقوله: {إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ} وهو زيادة في تقبيح أفعالهم، فإن الاختلاف بعد مجيء العلم أشد في القبح والعناد.
فهم قد اختلفوا في الحق مع علمهم بأنه حق، لأن العلم كالمطر، فكما أن المطر لا تستفيد منه إلا الأرض الطيبة النقية، فكذلك العلم لا ينتفع به إلا أصحاب النفوس الصافية، والقلوب الواعية، والأفئدة المستقيمة.
وبذلك نرى أن هاتين الآيتين الكريمتين، قد بينتا للناس، أن جميع الأنبياء قد دعوا أقوامهم إلى عبادة الله – تعالى- وحده، وإلى اجتناب التفرق والاختلاف في أحكام الدين، التي أجمعت عليها الشرائع الإلهية، والتي لا يترتب على الاختلاف فيها سوى الفساد والخسران.
خامساً: لقد ذكَّر القرآن الكريم المؤمنين في كثير من آياته، بسوء عاقبة الاختلاف والتنازع، وحذرهم من طاعة أعدائهم، وحرضهم على الاعتصام بحبل الله - تعالى-، وعلى التآلف والتضامن فيما بينهم، وهذه بعض الأمثلة لذلك:
أ- في أعقاب غزوة بدر، تطلع بعض الناس إلى الغنائم، واختلفوا في شأن تقسيمها، فنزل قوله- تعالى-:{يَسْأَلونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} ] الأنفال: ا [.
وقد ذكر الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية، عدداً من الروايات التي وردت في سبب نزولها، ومن هذه الروايات، ما أخرجه أبو داود، والنسائي، وابن جرير، وابن مردويه - واللفظ له-، عن ابن عباس- رضي الله عنهما قال:
لما كان يوم بدر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من صنع كذا فله كذا، فتسارع في ذلك شبان القوم، وبقي الشيوخ تحت الرايات، فلما كانت الغنائم، جاءوا يطلبون الذي جعل لهم. فقال الشيوخ: لا تستأثروا علينا، فإنا كنا رِدْءاً لكم، لو انكشفتم لثُبْتمُ إلينا، فتنازعوا، فأنزل الله- تعالى- {يَسْأَلونَكَ عَنِ الأَنْفَال......} الآية.
وروى الإمام أحمد- بسنده- عن أبى أمامة قال: سألت عبادة بن الصامت، عن هذه الآية فقال: فينا معشر أصحاب بدر نزلت، حين اختلفنا في النفل، وساءت فيه أخلاقنا، فنزعه الله من أيدينا، وجعله إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فقسَّمه بين المسلمين عن بواء - أي على السواء- " [3] .
والمعنى: يسألك بعض أصحابك يا محمد عن غنائم بدر كيف تُقسَّم؟ ومَن المستحق لها؟ قل لهم: الأنفال لله يحكم فيها بحكمه - سبحانه-، ولرسوله صلى الله عليه وسلم فهو الذي يقسمها على حسب حكم الله وأمره فيها.
فاتقوا الله- تعالى- أيها المؤمنون، وأصلحوا ما بينكم من أحوال وروابط، بأن يكون ما بينكم من صلات، يقوم على الألفة والمحبة والمودة وترك الخلاف
…
وفي هذه الإجابة على سؤالهم، تربية حكيمة لهم- بعد أول لقاء بينهم وبين أعدائهم-، حتى يجعلوا جهادهم بعد ذلك خالصاً لوجه الله- تعالى-، وحتى لا تكون أعراض الدنيا، سببا في اختلافهم
…
ب- وفي السورة نفسها، وفي أعقاب غزوة بدر- أيضاً-، ناداهم بصفة الإيمان، ودعاهم إلى الثبات عند لقاء الأعداء، وإلى الإكثار من ذكر الله- تعالى-، وإلى التزام طاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، ونهاهم عن التنازع، وبين لهم سوء عاقبته فقال ـ تعالى-:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} ] الأنفال: 45-46 [.
فقوله- سبحانه-: {وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} نهي لهم عن الاختلاف المؤدي إلى الفشل وضياع القوة، بعد أمرهم بالثبات والمداومة على ذكر الله- تعالى- وطاعته.
والمتأمل في هاتين الآيتين الكريمتين، يراهما قد رسمتا للمؤمنين في كل زمان ومكان، الطريق التي توصلهم إلى الفلاح والظفر.
إنهما تأمران بالثبات عند لقاء الأعداء، والثبات من أعظم وسائل النجاح، وأقرب الفريقين إلى النصر، أكثرهما ثباتاً
…
وتأمران بمداومة ذكر الله، لأن ذكر الله هو الصلة التي تربط الإنسان بخالقه الذي بيده كل شيء، ولا يعجزه شيء
…
وتأمران بطاعة الله ورسوله، لأن طاعتهما دليل على قوة الإيمان، وصفاء النفوس، وطهارة القلوب
…
وتنهيان عن التنازع، لأنه يؤدى إلى الضعف، والتخاذل، وهوان الأمر، وذهاب القوة
…
ثم تختمان بالأمر بالصبر، الذي هو توطين النفس على ما يرضى الله، وعلى احتمال المكاره والمشاق في جَلَد. وهذه الصفة لابد منها لكل من يريد الوصول إلى آماله وغاياته.
ورحم الله الإمام ابن كثير فقد قال عند تفسيره لهاتين الآيتين الكريمتين: "هذا تعليم من الله- تعالى- لعباده المؤمنين، آداب اللقاء، وطريق الشجاعة، عند مواجهة الأعداء"[4] .
سادساً: أن القرآن الكريم قد أمر المؤمنين، بأن يصلحوا بين إخوانهم في العقيدة، إذا ما دب نزل فيهم، وأن يجبروا الفئة الباغية، على الخضوع للحق والعدل، حتى ولو أدى ذلك إلى قتالها
…
ذكر المفسرون في سبب نزول هاتين الآيتين روايات منها، ما أخرجه الإمام أحمد - بسنده- عن أنس بن مالك قال: قلت: يا نبي الله، لو أتيت عبد الله بن أبي؟ قال: فانطلق إليه النبي صلى الله عليه وسلم فركب حمارا، وانطلق المسلمون يمشون
…
فلما أتاه النبي صلى الله عليه وسلم قال: إليك عني، فو الله لقد آذاني نَتْن حمارك.
فقال رجل من الأنصار: والله لحمار رسول الله صلى الله عليه وسلم أطيب ريحا منك.
فغضب لعبد الله رجل من قومه، وغضب لكل واحد منهما أصحابه، فكان بينهم حرب بالجريد والأيدي.. فبلغنا أنه نزل فيهم قوله- تعالى-: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا
…
} الآية" [5] .
ومن المعروف بين العلماء، أن هاتين الآيتين وإن كانتا قد نزلتا في حادثة معينة، إلا أن ما اشتملتا عليه من أحكام وآداب يعم الأمة الإسلامية كلها، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، كما يقوله أهل العلم.
والمعنى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا} أي: تقاتلوا أو دبّ بينهما ما يوجب حجزهما وردهما إلى المحبة والسلام.
{فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} عن طريق النصح، وإزالة الشبهة وأسباب الخصام، والدعاء إلى حكم الله- تعالى- والرضا به.
والأمر هنا للوجوب، والخطاب لأولي الأمر، ولكل من في إمكانه الإصلاح بين المسلمين.
وقوله- سبحانه-: {فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى} أي: تعدت إحداهما على الأخرى بغير حق، وأبت الصلح، والاستجابة لحكم الله- تعالى-.
{فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} أي: قاتلوا الباغية حتى ترجع إلى حكم الله - تعالى-، وتقبل قضاءه عن سمع وطاعة.
قال الإمام القرطبي عند تفسيره لهذه الآية: قال العلماء: لا تخلو الفئتان من المسلمين في اقتتالهما، إما أن يقتتلا على سبيل البغي منهما جميعاً أولا.
فإن كان الأول فالواجب في ذلك أن يُمشَى بينهما بما يصلح ذات البين، ويثمر المكافَّة والموادعة.
فإن لم يتحاجزا ولم يصلحا وأقامتا على البغي، صِيرَ إلى مقاتلتهما.
وأما إن كان الثاني وهو أن تكون إحداهما باغية على الأخرى، فالواجب أن تقاتل فئة البغي إلى أن تكف وتتوب، فإن فعلا أصلح بينها وبين المبغي عليها بالقسط والعدل" [6] .
وقوله- سبحانه-: {فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} بيان لما يجب اتباعه مع الفئة الباغية، إذا ما ثابت إلى رشدها، وقبلت حكم الله - تعالى-.
أي: فإن رجعت الفئة الباغية إلى حكم الله، فأصلحوا بين الفئتين بالعدل الذي أمر الله- تعالى- به، وأقسطوا في كل الأمور، لأن الله- تعالى- يحب العادلين في أحكامهم. وجمع- سبحانه- في هذه الجملة بين الأمر بالعدل وبالقسط، لتأكيد هذا الأمر؛ لأن عدم العدل في الأحكام، كثيراً ما يؤدي إلى ازدياد التنازع والخصام.
ثم بين- سبحانه- الأسباب الداعية إلى وجوب المسارعة إلى الإصلاح بين المؤمنين فقال: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} .
أي: إنما المؤمنون إخوة في العقيدة والدين، فهو يجمعهم أصل واحد وهو الإيمان، كما يجمع الإخوة أصل واحد وهو النسب.
بل إن أخوّة الدين أثبت من أخوة النسب، لن أخوة النسب تنقع بمخالفة الدين، أما أخوة الدين فلا تنقطع بمخالفة النسب.
قال الجمل في حاشيته على تفسير الجلالين: "وخص الاثنين بالذكر في قوله {فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} لأنهما أقل من يقع بينهما الشقاق، فإذا لزمت المصالحة بين الأقل، كانت بين الأكثر ألزم، لأن الفساد في شقاق الجماعة، أكثر من في شقاق الاثنين"[7] .
ولقد أكد رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله وعمله ما دعا إليه القرآن من وجوب الإصلاح بين المسلمين إذا ما نشب بينهم نزاع.
أما قوله صلى الله عليه وسلم في ذلك فمنه ما رواه الشيخان عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كل سُلامى [8] من الناس عليه صدقة، وكل يوم تطلع فيه الشمس، تعدل بين الاثنين صدقة".
وأما عمله فقد كان صلى الله عليه وسلم يسعى في الإصلاح بين الناس، حتى ولو أدى ذلك إلى تأخير الصلاة..
أخرج الشيخان عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغه أن بني عمرو بن عوف كان بينهم شر، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلح بينهم في أناس معه، فحبس صلى الله عليه وسلم وحانت الصلاة، فجاء بلال إلى أبي بكر فقال: يا أبا بكر، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حبس، وحانت الصلاة، فهل لك أن تؤم الناس؟ قال:
نعم إن شئت.....الحديث" [9] .
سابعاً: أستطيع أن أقول ـ على سبيل الإجمال ـ: إن تعاليم الإسلام، قد أمرت باعتناق كل فضيلة، تؤدي إلى وحدة المسلمين، وتضامنهم، وترابطهم، وتكافلهم
…
وحاربت كل رذيلة من شأنها التفريق بينهم، وتشتيت كلمتهم، وتمزيق وحدتهم، وإشاعة البغضاء فيهم
…
ولقد سقنا قبل ذلك من توجيهات القرآن الكريم، ما فيه العبر والعظات، لقوم يعقلون.
وبقي أن نسوق المزيد من سنة النبي صلى الله عليه وسلم التي من أهم وظائفها، تفصيل ما أجمله القرآن الكريم، وتأكيد ما أمر به أو نهى عنه
…
أ- لقد حض النبي صلى الله عليه وسلم أتباعه على التضامن والاتحاد، في عشرات الأحاديث، ومن ذلك ما رواه الشيخان عن أبي موسى الأشعري - رضى الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً" وشبك بين أصابعه [10] .
ب- وحض على التمسك بكل فضيلة توصل إلى غرس روح المحبة والمودة بين المسلمين، ومن ذلك أنه صلى الله عليه وسلم: أمر بالتزاور والتواصل والتحاب في الله، وإعلام الرجل من يحبه أنه يحبه.
روى الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة- رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم "أن رجلا زار أخا له في قرية أخرى، فأرصد الله - تعالى- على مَدْرَجته ـ أي ـ طريقه- ملكا، فلما أتى عليه قال له: أين تريد؟ قال أريد أخا لي في هذه القرية.
قال: هل لك من نعمة تَرُبُّها عليه؟ [11] قال: لا غير أنى أحببته في الله- تعالى-.
قال: فإني رسول الله إليك، بأن الله قد أحبك كما أحببته" [12] .
جـ - وأمر بالتهادي، وبالطيب من الكلام، وبطلاقة الوجه عند اللقاء. روى الإمام الترمذي، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"تهادوا فإن الهدية تذهب وقر الصدر" أي تذهب غله وغشه وبغضه.
وعن عائشة- رضي الله عنها قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها".
وروى الشيخان عن عدي بن حاتم- رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة".
وروى مسلم في صحيحه عن أبي ذر- رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تحقرن من المعروف شيئا، ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق"[13] .
د- هذه بعض الفضائل التي أمر النبي صلى الله عليه وسلم أتباعه بالتخلق بها، لأنها مدعاة إلى غرس روح الإخاء والمحبة فيهم..
وقد نهى صلى الله عليه وسلم وفي مقابل ذلك عن كل ما من شأنه أن يزعزع وحدة المسلمين، أو يضعف تضامنهم وتعاونهم على البر والتقوى.
وحسبنا أن نسوق في ذلك هذا الحديث الجامع، الذي رواه الشيخان، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث. ولا تجسسوا [14] ، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا تناجشوا [15] ، وكونوا عباد الله إخوانا كما أمركم.
المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، التقوى ههنا، التقوى ههنا، ـ ويشير إلى صدره- صلى الله عليه وسلم.
بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم. كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه، إن الله لا ينظر إلى أجسادكم وصوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم" [16] .
هـ- هذه بعض أقواله صلى الله عليه وسلم قالها الداعية إلى وحدة المسلمين وتضامنهم، والناهية عن تفرقهم وتناكرهم وتباغضهم.
فإذا ما اتجهنا إلى أفعاله صلى الله عليه وسلم وجدناها تقوم على تأكيد هذا المعنى وتحقيقه عمليا، ومن أبرز الأدلة على ذلك ما يأتي:
و حرصه صلى الله عليه وسلم على المؤاخاة بين المسلمين، منذ السنوات الأولى للدعوة الإسلامية، فقد ذكر أصحاب السير، أنه صلى الله عليه وسلم وهو بمكة، آخى بين أبي بكر وعمر، وبين الحمزة وزيد بن حارثة، وبين الزبير وابن مسعود، وبين عبيدة بن الحارث وبلال، وبين أبي عبيدة وسالم - مولى أبي حذيفة-، وبين سعيد بن زيد وطلحة بن عبيد الله، وبين عثمان وعبد الرحمن بن عوف
…
وهذه المؤاخاة في الدين والعقيدة، تعتبر أول تنظيم للجماعة الإسلامية الأولى، يقوم على الترابط، والتكافل، والتكاتف
…
ز- فلما هاجر صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وسَّع دائرة هذا التضامن والإخاء، فجعله بين المهاجرين والأنصار.
قال ابن إسحاق- رحمه الله: وآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه من المهاجرين والأنصار، فقال- فيما بلغنا عنه ونعوذ بالله أن نقول عليه ما لم يقل-:"تآخَوا في الله أخوين أخوين"، ثم أخذ بيد عليّ بن أبى طالب فقال:"هذا أخي"، وكان جعفر بن أبي طالب ومعاذ ببن جبل أخوين، وأبو بكر الصديق وخارجة بن زهير أخوين، وعمر بن الخطاب وعِتْبان بن مالك أخوين، وأبو عبيدة وسعد بن معاذ أخوين، وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع أخوين، وعثمان بن عفان وأوس ابن ثابت أخوين، وطلحة بن عبيد الله، وكعب بن مالك أخوين، ومصعب بن عمير وأبو أيوب خالد بن زيد أخوين، وعمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان أخوين
…
وبلال بن رباح وأبو رُوَيْحة عبد الله بن عبد الرحمن الخثعمي أخوين
…
فلما دون عمر بن الخطاب الدواوين بالشام، وكان بلال قد خرج إلى الشام، فأقام بها مجاهدا، فقال عمر لبلال:"إلى من تجعل ديوانك يا بلال؟ قال: مع أبي رويحة، لا أفارقه أبدا، للأخوة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عقدها بينه وبيني، فَضُمّ إليه"[17] .
حـ - وقد استمر صلى الله عليه وسلم يؤكد هذا الإخاء بين المسلمين- بقوله وعمله- إلى أن لقي ربه.
ولقد بلغ من حرصه على ذلك، أنه عندما كان في سفر مع أصحابه، ورأى أن القافلة حين تستريح يتفرق أهلها، لم يعجبه هذا التفرق، بل دعاهم إلى التجمع والتقارب
…
روى أبو داود عن أبى ثعلبة الخُشَني قال: كان الناس إذا نزلوا منزلا تفرقوا في الشعاب والأودية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"إن تفرقكم هذا من الشيطان" فلم ينزلوا بعد منزلا، إلا انضم بعضهم إلى بعض، حتى قال: لو بُسِط عليهم ثوب لعمهم" [18] .
هذه بعض الأحاديث من أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأعماله، ومنها نرى، كيف كان صلى الله عليه وسلم يحرص كل الحرص على وحدة المسلمين، وعلى تضامنهم، وعلى إخائهم وترابطهم، ويسوق الإرشادات المتنوعة، التي من شأنها أن تجعل المسلمين- متى اتبعوها- كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا، ويحذر من الفرقة والتباغض وشق عصا المسلمين تحذيرا شديدا، وأختتم هذه الأحاديث بما رواه الإمام مسلم في صحيحه عن جابر- رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم"[19] .
أي: ولكنه لم ييأس من الإفساد بينهم، وتغيير قلوبهم، والعمل على تقاطعهم..
وبما رواه- أيضا- الإمام مسلم عن عبد الله بن عمرو- رضي الله عنهما قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فنزلنا منزلا، فمنا من يصلح خباءه - أي خيمته -، ومنا من ينتضل،- أي يسابق بالرمي- ومنا من هو في جَشَره - أي في رعاية دوابه -، إذ نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: الصلاة جامعة، فاجتمعنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:"إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلم لهم. وإن أمتكم هذه جُعِلت عافيتها في أولها [20] ، وسيصيب آخرَها بلاء وأمور تنكرونها، وتجيء فتن يرقِّقُ بعضُها بعضا [21] ، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه مُهلِكَتِي، ثم تنكشف، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه هذه. فمن أحب أن يُزَحزح عن النار، ويدخل الجنة، فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يُؤتَى إليه. ومن بايع إماما فأعطاه صفقة يده، وثمرة قلبه، فليطعه، وإن جاء آخرُ ينازعه، فاضربوا عنق الآخر. ومن مات وهو مفارق للجماعة، فإنه يموت ميتة جاهلية "[22] .
أما بعد: فإن التضامن والتراحم والاتحاد، يزيد الأقوياء قوة على قوتهم، ويرفع عن الضعفاء ضعفهم
…
أما الشقاق والتفرق والتدابر
…
فيضعف الأمم القوية، ويمحق الأمم الضعيفة
…
وقد فطن إلى هذا المعنى رجل حكيم، فقد جمع أولاده عندما أحس بدنو أجله، ـ ليلقنهم درسا في فوائد الاتحاد-، ثم أحضر حزمة من العصي قد اجتمعت عيدانها، وطلب منهم أن يكسروها فعجزوا، فلما فرق عيدانها سهل عليهم كسرها، فقال لهم:
كونوا جميعا يا بني إذا اعترى خطب، ولا تتفرقوا آحاد
تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسرا
فإذا انفردن تكسرت أفرادا
وإذا كان أهل الباطل يتجمعون من أجل نصرة باطلهم
…
فأولى ثم أولى بأهل الحق أن يتضامنوا ويتحدوا، لإحقاق الحق، وإزهاق الباطل.
إن العقلاء من الناس يختلفون في وجهات نظرهم، ولكنهم لا يتباغضون ولا يتنابذون
…
بل يعيدون التشاور فيما بينهم، حتى يصلوا إلى الحق الذي ينشدونه.
إننا نتطلع إلى تضامن بين المسلمين، يقوم على تعاليم الإسلام، وتحرسه تشريعاته الحكيمة، وتحميه من الانحراف آدابه القويمة، وتوجهه إلى البر والتقوى آدابه الكريمة
…
وهذا إنما يتأتى، متى صلحت النيات، وصدقت العزائم، وطهرت النفوس من الغل والحسد والأنانية والميل مع الهوى
…
وصدق الله إذ يقول: {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}
--------------------------------------------------------------------------------
[1]
تفسير القرطبي جـ1ص37.
[2]
من مقال لفضيلة الأستاذ لشيخ محمد أبي زهرة رحمه الله نشره بمجلة (المسلمون) سنة 1371هـ ص364.
[3]
تفسير ابن كثير جـ 2ص283 طبعة عيسى الحلبي.
[4]
تفسير ابن كثير جـ2ص316.
[5]
تفسير ابن كثير جـ4ص211.
[6]
تفسير القرطبي جـ16ص317.
[7]
حاشية الجمل على الجلالين جـ4ص179.
[8]
السلامى ـ بضم السين وتخفيف اللام ـ: أصله عظام الأصابع وسائر الكف، ثم استعمل في سائر عظام البدن.
[9]
رياض الصالحين: باب الإصلاح بين الناس ص128-129.
[10]
من كتاب رياض الصالحين ص120 للإمام النووي، باب تعظيم حرمات المسلمين.
[11]
تربها عليه: تقوم بها وتسعى في صلاحها.
[12]
رياض الصالحين: ص176، باب زيارة أهل الخير.
[13]
رياض الصالحين: ص312، باب استحباب طيب الكلام.
[14]
التجسس: تتبع عورات الناس وعيوبهم.
[15]
النجش: الزيادة في السلعة للخديعة لغيره.
[16]
رياض الصالحين: ص602، باب النهي عن التجسس، للإمام النووي.
[17]
السيرة النبوية لابن هشام جـ1ص504، طبعة مصطفى الحلبي ـ بتصرف وتلخيص ـ.
[18]
مختصر سنن أبي داود جـ3ص430، تحقيق الأستاذ أحمد محمد شاكر رحمه الله.
[19]
رياض الصالحين: ص610، باب تحريم الهجران بين المسلمين.
[20]
أي: جعلت سلامتها من الفتن في أولها.
[21]
أي أن كل فتنة تكون ما بعدها أشد منها.
[22]
رياض الصالحين: ص310، باب وجوب طاعة ولاة الأمور في غير معصية الله.
الفتح العُمَرِي لِلقدسِ نموذج للدّعوَة بالعمل وَالقدوَةِ
د. شفيق جاسر أحمد محمود
رئيس قسم التاريخ بالجامعة
تمهيد:
وضع الإسلام معايير خاصة لسلوك المسلمين، تجعل له طابعاً متميزاً، وهذه المعايير مستوحاة من القرآن الكريم، والسنة النبوية الشريفة، ومن التطبيق العملي لهذه الأخلاق وهذا السلوك، كما قام بها ومارسها رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدون وأصحابه والسلف الصالح جميعاً.
فلا إيمان بالقلب إلا إذا صدقه العمل وظهر على الجوارح بالعبادات والأخلاق والمعاملات. وقد كان التزام سلفنا الصالح بهذا الخلق سبباً لنيلهم خيري الدنيا والآخرة، ومثاراً لإعجاب أعدائهم بهم، وبعقيدتهم ودينهم الجديد. فدانت لهم الأمم، وأعجبه بهم الشعوب، ودخلت في دينهم زرافات ووحدانا طائعة مسرورة. وحتى الشعوب التي بقيت على دينها، فإنها رأت في الخضوع لسلطان المسلمين خلاصاً من ظلم مستعبديهم ولو كانوا من بني جلدتهم، ورأت في الوجود الإسلامي أمناً واطمئناناً على النفس والعرض والمال والولد والمعتقد والمقدسات.
لهذا فقد كان سلوك المسلمين أهم وسائل إظهار محاسن دينهم وكان لذلك أثره على الفرد والمجتمع، كما كان تطبيقهم العملي لتعاليم ذلك الدين، أهم وسائل الدعوة لهذا الدين، فالمساواة، والعدل، والتواضع، والإعراض عن الإغراق في متع الدنيا، والرحمة ورعاية أهل ذمة الله ورسوله، كل تلك الصفات المثالية طبقها المسلمون وخصوصاً في عصر النبوة والخلفاء الراشدين كما طبقها من جاء بعدهم من الخلفاء المتقين أمثال عمر بن عبد العزيز وغيره.
وكنموذج لهذه الأخلاق الإسلامية، وتطبيق لأهمية القدوة والعمل بالأخلاق الإسلامية في الدعوة الإسلامية، أورد فيما يلي من خلال هذا البحث المتعلق بفتح القدس، وصفاً لسلوك عمر بن الخطاب رضي الله عنه والمسلمون عامة، مما كان له أطيب الأثر في نفوس النصارى. ودفعهم إلى المطالبة بأن يكون الخليفة نفسه المتولي لاستلام مدينتهم. وزاد في ثقتهم في عدله وعدل المسلمين، ما رأوه وجربوه من أخلاقه وأخلاق أصحابه، فأعجبوا بهذا الدين الجديد الذي استطاع تحويل هؤلاء العرب إلى الدين بعد القسوة، والقناعة بعد الطمع، والوحدة بعد الفرقة، وحفظ العهد ورعاية الذمة بعد الغزو والنهب. فدفع ذلك معظم أهل الشام ومنهم أهل القدس إلى الإقبال على الدخول في الإسلام خلال سنوات ليست بالطويلة.
أهمية القدس لدى المسلمين:
للقدس مكانة خاصة لدى المسلمين، لا تقل عن مكانتها لدى أصحاب الديانات السماوية الأخرى، فهي أولى القبلتين، وثالث المسجدين الشريفين اللذين تشد إليهما الرحال، وإليها أسرى بالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، ومنها عرج به إلى السماء، وفيها صلى بالملائكة.
وقد نص القرآن الكريم على أنها مباركة، باركها رب العالمين هي وما حولها وذلك في الآية الأولى من سورة الإسراء:{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} . هذا بالإضافة إلى ما ذكره المفسرون في تفسير بعض آيات القرآن الكريم وما حوته من إشارات إلى مكانة القدس في الإسلام.
كما أشار إليها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، حينما حض على زيارتها في الحديث الصحيح "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى"[1] بالإضافة إلى العديد من الأحاديث التي أوردتها كتب الحديث، وكتب الفضائل المتعلقة بأهمية القدس وفضلها وفضل الصلاة في مسجدها، والإهلال منها بحجة أو عمرة، والوفاة فيها.
كما أنه ليس من المستغرب أن نعلم بأن معظم سكانها قبل الفتح كانوا من أصل عربي، شأنهم شأن سكان فلسطين، حيث كان جل سكانها من لخم وجذام الذين تنصروا [2] . ولو رجعنا إلى التاريخ أكثر قليلاً لوجدنا أصل سكانها من اليبوسيين الكنعانيين الذين هاجروا لبلاد الشام من السواحل الشرقية للجزيرة العربية.
الروايات المختلفة في كيفية وتاريخ فتحها:
لهذا كله أهتم المؤرخون المسلمون بأخبار فتحها، والسنة التي تم فيها الفتح، كما أفاضت كتب التاريخ في ذكر أخبار محاضرة المسلمين لها، وحضور الخليفة العادل عمر بن الخطاب رضي الله عنه لتسلمها ومصالحة أهلها وإعطائهم عهد الأمان الذي عرف بالعهدة العمرية، بالإضافة إلى بناء مسجده بساحة المسجد الأقصى.
ومن دراسة الروايات المختلفة يتبين لنا أن الروايات الشامية تؤكد أن هدف قدوم الخليفة عمر بن الخطاب من المدينة إلى الشام، كان تسلم مدينة القدس بناء على طلب أبي عبيدة، القائد العام للجيوش الإسلامية المحاصرة لها، وتلبية لرغبة بطريركها. مما يؤكد أهمية القدس لدى المسلمين، وهذا لا يمنع أن يكون الاجتماع بالمسلمين وتنظيم إدارة بلاد الشام أحد أهداف الخليفة عمر أيضاً من مسيره إلى الشام. فسار بعد تسلم القدس إلى الجابية حيث كانت غنائم اليرموك وغيرها موجودة هناك، وقد أيد الشاميين في وجهة النظر هذه بعض الرواة الحجازيين. وإنني أميل إلى ترجيحها، فأهل الشام قد يكونون أدرى بفتوح بلادهم.
أما الروايات التي ذكرت بأن حضور الخليفة إنما كان بقصد الاجتماع بالقادة المسلمين في الجابية، ثم اتفق أن طلبت القدس الاستسلام في ذلك الوقت فذهب إليها الخليفة وتسلمها، فهي على الأغلب روايات كوفية، بعيدة عن مجريات الأحداث، إن لم نقل إن الغرض منها قد يكون إظهار أن القدس ليس لها فضل كبير على المدن الأخرى، وذلك نكاية بالأمويين الذين كانوا يظهرون اهتماماً خاصاً بالقدس، وهذا ينطبق على الروايات التي أفادت بأن خالد بن ثابت الفهري، أو عمرو بن العاص هما اللذان حاصرا القدس واضطرا أهلها لطلب الصلح، وكذلك الرواية التي ذكرت بأن العوام هم الذين صالحوا عمر بن الخطاب وليس البطريرك صفرونيوس.
أما عن السَنَةِ التي فتحت فيها القدس، فقد ذكر الطبري عن سيف أنها كانت سنة 15هـ[3] . كما ذكر ابن سعد، وخليفة بن خياط، واليعقوبي، وابن عساكر، والواقدي، والبلاذري، والطبري في رواية أخرى عن سيف أن الفتح كان سنة 16هـ[4] . كما ذكر ياقوت الحموي، والبلاذري وابن اسحق، والطبري في رواية سيف عن هشام بن عروة بأن الفتح كان سنة 17 [5] . والأغلب أن عام 17، هو الأصح.
أحداث الفتح والقدوة في سلوك الخليفة وأصحابه:
لقد تخللت أحداث الفتح مجموعة من المواقف، ونماذج من السلوك صدرت عن الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعن أصحابه، كانت كما سبق أن ذكرت أكبر برهان على أثر الإسلام على معتنقيه من حيث إحداث التغيير الأساسي في الخلق والسلوك وتوجيههما نحو المثالية والكمال الذي طمحت وتطمح إلى بلوغه أو بلوغ شيء منه جميع الأمم والمصلحين. فكان أن أقبلت الشعوب على الدخول في ذلك الدين، أو انضوت تحت حكم المسلمين واثقة من عدالتهم ووفائهم بعهودهم، ورأى قادة الروم والفرس أن أمة تعتنق مثل هذا الدين لا يمكن أن تغلب أو تقاوم، فانهارت مقاومتهم وعمهم الرعب وأزيلت أكبر أمبراطوريتين في ذلك العهد، رغم فارق العدد والعدة والغنى والخبرة بين المسلمين وبين أعدائهم.
ونلمس في أحداث فتح مدينة القدس معالم من هذا السلوك الإسلامي والمواقف الإنسانية منها:
ثقة القادة المسلمين بقيادتهم العامة وطلبهم الدائم لتوجيهاتها، فنرى أبا عبيدة بعد انتصاره في معركة اليرموك وفتح مدينة دمشق، يرسل رسوله، عرفجة بن ناصع النخعي، يطلب التوجيه من الخليفة عمر بن الخطاب في المدينة، فيأمر الخليفة قائده المظفر وصديقه الحميم بأن يتوجه بالمسلمين نحو القدس. وعند ذلك يوجه القائد أبو عبيدة جيوشه نحو القدس، على هيئة كتائب يقود كل منها أحد القادة، أمثال خالد بن الوليد، وشرحبيل بن حسنة، ويزيد بن أبي سفيان، وتضم كل منها خمسة آلاف جندي ويفصل بينها وبين الكتيبة الأخرى مسيرة يوم واحد. بالإضافة لجيش عمرو بن العاص الذي كان قد سبقهم إليها، وإلى ضعفة الناس والنساء الذين سار بهم أبو عبيدة [6] على مهل رفقاً بهم.
وكدأب المسلمين في فتوحاتهم، وجه أبو عبيدة رسالة لأهل القدس خيرهم فيها بين الدخول في الإسلام، أو دفع [7] الجزية، أو القتال. فكان أن رفض بطريركها صفرونيوس ـ الذي تولى قيادتها بعد فرار بطريكها إلى مصر على إثر معركة أجنادين - رفض طلب أبي عبيدة، وتحصن بالمدينة آملا في وصول إمدادات ونجدات رومية إليه، خصوصاً وهو يعلم أهمية القدس لدى الروم النصارى، وظناً منه أن المسلمين لن يستطيعوا تحمل برد القدس الشديد، مما سيضطرهم لفك الحصار عندما يشتد البرد.
وهنا تبدو مرة أخرى مقدرة المسلمين على تخطي الشدائد، فتحملوا بتجهيزاتهم البسيطة، برد القدس الشديد وأمطارها الغزيرة، ولاقوا من ذلك عنتاً كبيراً ولكن لم يفت في عزيمتهم ولم يفكروا في فك الحصار.
وعند حلول فصل الربيع، رأي صفرونيوس أن ما توقعه لم يحدث، فلا الروم أنجدوه، ولا البرد أجبر المسلمين على فك الحصار. فلم يجد بداً من عرض التسليم على أبي عبيدة، ولكنه اشترط أن يحضر الخليفة بنفسه من المدينة المنورة [8] ليتسلم القدس ويعطي أهلها عهداً، وذلك لما كان يسمعه عن الخليفة عمر بن الخطاب من عدالة، ورفق، ووفاء بالعهد.
ورغم أن بعض قادة أبي عبيدة قد أشاروا عليه بمناجزة أهل القدس حتى يجبروهم على الاستسلام، إلا أن ما رآه أبو عبيدة من شدة ما قاساه المسلمون من البرد، وما قاساه أهل القدس من الحصار الذي طال أمده، دفعه لأن يكتب للخليفة، يخبره بأحوال المسلمين والنصارى، وبما عرضوه عليه من تسليم المدينة [9] للخليفة شخصياً، وأشار عليه بالحضور لأن في ذلك حقناً لدماء المسلمين.
أرسل أبو عبيدة رسالته مع رسول من المسلمين يرافقه وفد من أهل القدس أرسلهم صفرونيوس. وذكر أن أشد ما أثار دهشة وفد النصارى أن رسول أبي عبيدة أخذ يسأل عن مكان الخليفة حتى وجده مستلقيا من الحر، فقدم إليه وفد أهل القدس رسالة أبي عبيدة، وجلس الرسول بجانبه ببساطة العربي وأخوة الإسلام يصف له أحوال المسلمين ويبلغه سلامهم، في حين وقف وفد أهل القدس وهو لا يَكاد يصدق، أن حاكم المسلمين الذين دَوَّخوا دولتي الفرس والروم، ليس له مقر معروف، ولا حرس ولا حجاب، وإنه في مثل هذا الحال من البساطة في المظهر والمعاملة.
وهنا يلجأ عمر بن الخطاب لاستشارة الصحابة كدأبه في مثل هذه الأحوال، فيشير عليه بعضهم بالخروج ويشير بعض آخر بعدم الخروج. ولكنه يفضل الخروج رغم مشاق السفر، ويستخلف على المدينة عثمان بن عفان رضي الله عنه، ويصطحب خادمه وبعض أصحابه منهم عبادة بن الصامت، والزبير بن العوام، والعباس بن عبد المطلب [10] .
وتبدو البساطة واضحة في تجهيزاته للخروج، فيركب بعيره الأحمر، ويضع عليه غرارتين في أحدهما سويق، وفي الآخر تمر، ويضع بين يديه قربة ماء ويخلفه جفنة زاد. كل ذلك أمام وفد أهل القدس ودهشتهم.
ومن تواضعه أنه عندما وصل إلى مشارف بلاد الشام، استقبله المسلمون بالرايات والسيوف والخيول وعلى رأسهم أبو عبيدة. وأقبل أبو عبيدة على الخليفة عندما رآه مسلما عليه ومحاولاً أن يقبل يده تعظيماً له، ثم تعانقا، وقيل إن المسلمين قدّموا لعمر برذوناً وثياباً بيضاء ليكون مظهره مهيباً، في قلوب الروم، ولكنه رفض الثياب وركب البرذون، فهملج به البرذون، فنزل عنه مسرعاً وركب بعيره وقال:"لقد غيّرني هذا حتى كدت أتغير وأنس نفسي "[11] .
وروي أن عمر بن الخطاب وهو في طريقه من المدينة إلى القدس، عرضت له مخاضة، فنزل عن بعيره، ونزع جرموقيه وأمسكها بيديه وخاض الماء ومعه بعيره، فقال له أبو عبيدة:"لقد صنعت اليوم صنعا عظيماً عند أهل الأرض "فما كان من عمر إلا أن صك أبا عبيدة في صدره قائلاً: "لو غيرك يقولها يا أبا عبيدة، إنكم كنتم أذل الناس وأحقر الناس وأقل الناس، فأعزكم الله بالإسلام"[12] .
وزاد من دهشة النصارى أن عمر بن الخطاب عندما اقترب من القدس كان يركب ركوبة غلامه، وكان غلامه يركب جمله الأحر [13] ، فعندما رآه أهل القدس يركب حماراً صغيراً، وقيل كان ماشياً والخادم يركب جملاً أحمر، أكبروه وسجدوا له، فقال:"لا تسجدوا للبشر واسجدوا لله ". فتعجب القسيسون والرهبان من ذلك وقالوا: "ما رأينا أحداً قط أشبه في وصف الحواريين من هذا الرجل "[14] . وقال صفرونيوس باكياً "إن دولتكم باقية على الدهر، فدولة الظلم ساعة ودولة العدل إلى قيام الساعة"[15] .
كما تجلى حرصه على أموال النصارى في تصرفه- لدى وصوله القدس- عندما علم بأن المسلمين قد استولوا على كرم من العنب يقع قرب المدينة، وكان تحت يد الروم وقد غلبهم المسلمون عليه، وكان الكرم لرجل من النصارى، فأخذ المسلمون يأكلون من عنب ذلك الكرم، فأسرع النصراني إلى عمر بن الخطاب شاكياً، فدعا عمر ببرذون له فركبه عرياناً من العجلة، ثم خرج يركض به ليردّ المسلمين عن الكرم، فلقي في طريقه أبا هريرة يحمل فوق رأسه عنباً، فقال له الخليفة عمر:"وأنت أيضا يا أبا هريرة؟ ". فقال أبو هريرة: "يا أمير المؤمنين، أصابتنا مخمصة شديدة، فكان أحق من أكلنا من ماله من قاتلنا". وعند ذلك استدعى عمر رضي الله عنه صاحب الكرم، وطلب منه أن يقدر ثمن محصوله، لأن الناس كانوا قد أكلوه، فقدره الذمي، ودفع له عمر ثمنه، فما كان من الذمي إلا أن أسلم [16] .
وصف المصادر النصرانية لدخول الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه القدس:
وأذكر هنا ما أورده مؤلفا كتاب (تاريخ القدس ودليلها) وهما نصرانيان، نقلاه بدورهما عن كتاب للآباء الفرنسيسكان وهم من أكثر الفئات تعصباً للنصارى، فقد ذكرا بأن عمر بن الخطاب عندما قدم إلى القدس "استطلع أبا عبيدة على ما كان من أمر القتال، فقص عليه أبو عبيدة تفصيلاً لما جرى، وما أصاب المسلمين وأهل القدس من الضيق والشدة، فبكى عمر، وأمر فوراً بأن يبلغوا البطريرك قدومه، ففعل أبو عبيده ما أمره به الخليفة. وعند ذلك خرج صفرونيوس ومعه الرهبان والصلبان ووجوه النصارى، فلما انتهوا إليه، خف للقائهم، وقد حياهم بالسلام، واقتبلهم بمزيد من الاحتفاء والإكرام. وبعد أن تجاذب والبطريق أطراف الحديث، في شأن المعاهدة والتسليم، أخذ قرطاساً وكتب لهم وثيقة أمانهم كما طلبوا. وقد رفض عمر عند دخوله المدينة أن يصلي في كنيسة القيامة وصلى على مقربة منها. وعندما فرغ من صلاته قال للبطريرك: أيها الشيخ لو أنني أقمت الصلاة في كنيسة القيامة، لوضع المسلمون عليها أيديهم في حجة إقامة الصلاة فيها، وأني لآبى أن أمهد السبيل لحرمانكم منها، وأنتم بها أحق وأولى "[17] .
وصف المصادر الإسلامية لدخول المسلمين مدينة القدس:
أما المصادر الإسلامية فتذكر أن الخليفة كتب للبطريرك صفرونيوس عندما حضر لاستقباله على جبل الزيتون كتاباً، أمنهم فيه على دمائهم وأموالهم وكنائسهم، إلا أن يحدثوا حدثاً عاماً، شريطة أن يدفعوا الجزية [18] . وقد ذكرت المراجع الإسلامية والنصرانية، نصوصاً مختلفة لهذا العهد الذي عرف بالعهدة العمرية لا مجال للتفصيل فيها. ثم دخل الخليفة يرافقه قادة المسلمين وأربعة آلاف جندي منهم، لا يحملون إلا السيوف في أغمادها خوفاً من الغدر، فزار كنيسة القيامة وصلى على مقربة منها، ثم طلب من صفرونيوس أن يدله على مسجد داود عليه السلام، الذي أسرى بالرسول صلى الله عليه وسلم إليه حيث صلى فيه وعرج به منه إلى السماء. فطاف به صفرونيوس على عدة أماكن، وعمر ينظر إليها ثم ينكرها، لمخالفتها للوصف الذي وصفه الرسول صلى الله عليه وسلم يوم سرى به، فلما وصل به صفرونيوس إلى ساحة المسجد الأقصى، وكانت مليئة بالزبل، نظر عمر يميناً وشمالاً ثم كبرّ قائلا:"هذا والله مسجد داود عليه السلام الذي وصفه لنا رسول الله"فأزال المسلمون الزبل عن المكان، فصلى فيه وقيل طلب من المسلمين ألا يصلوا فيه حتى تصيبه ثلاث مطرات [19] .
المسجد الذي بناه الخليفة عمر بن الخطاب في ساحة المسجد الأقصى:
قال عمر بن الخطاب لكعب الأحبار: "يا أبا إسحق، أتعرف موضِع الصخرة؟ ". فقال كعب: "اذرع من الحائط الذي يلي وادي جهنم، كذا وكذا ذراعاً، ثم احفر فإنك تجدها ". وعندما حفر عمر ومن معه ظهرت الصخرة، وقيل إن عمر رضي الله عنه عاد فسأل كعباً:"أين ترى أن نجعل المسجد؟ - أو قال القبلة-"قال كعب: "اجعله خلف الصخرة، فتجتمع القبلتان، قبلة موسى عليه السلام، وقبلة محمد صلى الله عليه وسلم". فقال له عمر - بعد أن صكه بيده في صدره -: "لقد ضاهيت اليهودية يا أبا إسحق! خير المساجد مقدمها. فنجعل قبلته صدره كما جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلة مساجدنا صدورها. اذهب، إليك عني، فإنا لم نؤمر بالصخرة، وإنما أمرنا بالكعبة. وما الصخرة إلا قبلة منسوخة"[20] .
مكان المسجد:
قال الواقدي: لقد خط عمر مسجده إلى الجنوب الغربي من الصخرة المشرفة [21] . وذكر البكري وابن حبيش والمقريزي في الخطط وجمال الدين في مثير الغرام ونقل عنه السيوطي أن عمر بنى مسجده أمام الصخرة المشرفة [22] . وذكر مجير الدين أن بداخل المسجد الأقصى في صدر صدره من جهة الشرق مجمع معقود بالحجر وأشيد به محراب، ويقال لهذا المجمع جامع عمر، لأنه من بقية بناء عمر عند الفتح [23] . وذكر كروزويل بأن المسجد الذي بناه عمر بن الخطاب كان مكان المسجد الأقصى اليوم، ونقل ذلك عن كلير منت غانو [24] .
وصف المسجد الذي بناه الخليفة عمر بن الخطاب:
لم يشر البلاذري (ت 868 م) ، والطبري (ت 915 م) ، واليعقوبي (ت 874 م) ، وابن الفقيه (ت 03 9 م) . إلى المسجد الذي بناه الخليفة عمر بن الخطاب عندما تعرضا لفتح القدس، ووصفا الحرم القدسي في أيامه الأولى، وهذا أمر يدعو إلى الاستغراب.
وقد وصفه الواقدي فقال: " وخط عمر بن الخطاب مسجده إلى الجنوب الغربي من الصخرة وصلى وأصحابه به صلاة الجمعة. وكان البناء من الخشب، ويتسع لحوالي ثلاثة آلاف مصلي، وغادر القدس بعد أن أقام بها عشرة أيام [25] .
وأقدم وصف لهذا المسجد أورده أحد السائحين الفرنجة إلى الشرق وهو الأسقف اركولف، اسقف غاليا (فرنسا اليوم) ، حيث زار القدس بقصد الحج عام 670 م أي بعد الفتح الإسلامي بحوالي اثنين وعشرين عاماً فقط. فقال إن عمر بن الخطاب بنى بساحة الهيكل مسجداً مربع الشكل، يتسع لحوالي ثلاثة آلاف مصلي، ويقع إلى جوار الحائط من الشرق، وهو مبنى من بقايا أعمدة وجذوع أشجار، وغير مسقوف. كما ذكر لي سترانج بأن المؤرخ الرومي ثيوفانوس (751-818 م) قد وصف المسجد الذي بناه عمر فقال: "إن الخليفة عمر بن الخطاب بدأ يبني مسجده في منطقة الهيكل سنة 643م (22هـ)[26] ، لهذا ظل الغربيون والنصارى عامة يطلقون اسم (مسجد عمر) على المسجد الأقصى، مع أن (مسجد عمر) عند المسلمين هو المسجد الصغير المقام أمام كنيسة القيامة على المكان الذي صلى فيه عمر بن الخطاب عندما فتح القدس.
خاتمة:
وبعد فهذه عجالة سريعة، وصورة خاطفة ومشهد قصير في مدته ضيق في مساحته، ولكنه كملايين المشاهد الخالدة مليء بالمفاخر التي حققها سلفنا الصالح، صحابة النبي صلى الله عليه وسلم. فكان أن فتحت عليهم المشارق والمغارب، ودانت أمم الجبابرة، وعم على أيديهم نور الإسلام أنحاء المعمورة. فكانوا قدوة للعالمين في تمسكهم بعقيدتهم، والتزامهِم بتعاليم دينهم، وفي وحدتهم وتناصحهم وجهادهم، بعد أن كانوا في جاهليتهم مضرباً للمثل في الفرقة، والفردية الأنانية، والذل، وما ذلك إلا بإرادة الله وفضل الإسلام. والله الموفق.
المصادر والمراجع
1-
ابن البطريق، أوثيشيوس الاسكندري (المتوفى سنة 328هـ) : التاريخ المجموع على التحقيق والتصديق. بيروت 1904م.
2-
ابن حنبل، الإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن محمد
…
بن هلال (164-241هـ) : المسند، تعليق أحمد محمد شاكر. القاهرة 1946م.
3-
ابن سعد، محمد بن سعد بن منيع الهاشمي البصري، أبو عبد الله: الطبقات الكبرى. بيروت 1957م
4-
ابن عساكر، علي بن الحسن بن هبة الله
…
الدمشقي الشافعي، أبو القاسم (499ـ 571هـ) : تاريخ دمشق وأخبارها (التاريخ الكبير) . دمشق 1329هـ.
5-
الأزدي، محمد بن عبد الله
…
البصري، أبو إسماعيل البصري: فتوح الشام. كلكتا 1854م.
6-
البلاذري، أحمد بن يحيى بن جابر بن داود البغدادي (القرن الثالث الهجري) : فتوح البلدان. نشر صلاح المنجد، القاهرة 1956، أنساب الأشراف، القاهرة.
7-
. GRESWELL (K.A.C) : EARLY MUSLEM ARCHITECTURE YMMAYYADS 622-750
LSTED.OXFOD 1940
8-
خليفة بن خياط، أبو عمر بن خياط بن أبي هبيرة
…
الليثي، العصفري، الملقب بشهاب (القرن الثالث الهجري) تاريخ خليفة بن خياط. تحقيق أكرم ضياء العمري. بغداد 1967م.
9-
خليل طوطح، وبولس شماده: تاريخ القدس ودليلها. القدس، بدون تاريخ.
10-
STRANGE (GUY LE) : PALESTINE UNDER THE MUSLIMS: LONDON 1980.
11-
الطبري، أبو جعفر، محمد بن جرير (224- 310هـ) : تاريخ الرسل والملوك. تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، القاهرة 1960-1969م.
12-
مجير الدين العليمي، عبد الرحمن بن محمد
…
العليمي المقدسي (810-927هـ) : الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل. عمان 1977م.
13-
مسلم، الإمام المسلم أبو الحسن بن الحجاج بن مسلم القشيري (206-261هـ) : الجامع الصحيح. تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي. القاهرة 1955م-
14ـ الواقدي، أبو محمد عبد الله بن عمر 130-207هـ: فتوح الشام، عمان 1975م.
15-
ياقوت، بن عبد الله الرومي الحموي (575-626هـ) : معجم البلدان. بيروت 1955م.
16-
اليعقوبي، أحمد بن أبي يعقوب، إسحق بن جعفر بن وهب بن واضح، العباسي المعروف بابن واضح، وابن اليعقوبي (المتوفى 284هـ) : تاريخ ابن واضح. النجف 1358هـ.
--------------------------------------------------------------------------------
[1]
ابن حنبل: المسند، 2:234 ،238، مسلم: الصحيح 2:415 ،513.
[2]
البلاذري: 259، الواقدي: 1:170.
[3]
الطبري: جـ1:2405-2406.
[4]
ابن سعد: 3:203، اليعقوبي: 2:167، ابن عساكر: 1:553، الطبري: 1:2408، البلاذري: أنساب
الأشراف ق2ص495 عن الواقدي.
[5]
ياقوت: 5:598-599، البلاذري: فتوح: 138-139، الطبري 1:2360.
[6]
الواقدي: 1:229.
[7]
مجير الدين: 1:247.
[8]
مجير الدين: 1:249.
[9]
مجير الدين: 1:250.
[10]
الواقدي: 1:231، روى الطبري عن سيف أن عمر استخلف علي بن أبي طالب على المدينة، انظر ابن كثير: البداية والنهاية: 7/61.
[11]
مجير الدين: 1:250-252، انظر ابن كثير: البداية والنهاية 7/61، والطبري: 1:2408.
[12]
مجير الدين: 1:253.
[13]
ابن عساكر: 7:226.
[14]
ابن عساكر: 7:226.
[15]
ابن عساكر: 7:226.
[16]
مجير الدين: 1:253.
[17]
خليل طوطح ورفيقه: 9-23، انظر الأباء الفرنسيسكان: السير السليم من يافا إلى أورشليم القدس 1890م.
[18]
اليعقوبي: 2:46.
[19]
مجير الدين: 1:255.
[20]
الواقدي: 1:242، الطبري: 1:2409، عن رجا بن حيوة عمن شهد الفتح.
[21]
الواقدي: 1:242.
[22]
ابن البطريق: نظم الجواهر 2:170.
[23]
مجير الدين: 1:367.
[24]
GREWELL.L.P.11
[25]
الواقدي: 1:242.
[26]
LE STRANGE P.91
الإسْلَامُ والمسلِمُونَ في إنجلتِرَا
مَاضيهمْ وَحَاضرهم وَمسْتقبلهمْ (2)
للدكتور محمد إبراهيم الجيوشي
أستاذ بالدراسَات العليَا
مشاكل المسلمين: بعد أن عرفنا حال المسلمين في إنجلترا يبلغون زهاء المليون ونصف، وأنهم اتخذوها وطنا لهم، فإننا نتساءل:
كيف يباشرون عباداتهم اليومية في تلك البلاد وكيف يحصلون على طعام حلال لا شبهة فيه؟ وكيف تتعرف الأجيال الناشئة في وسط هذا المجتمع الغريب عن الإسلام على مبادئ الدين وسلوكه وأخلاقه ومنهج حياته؟
في الحقيقة إن كل سؤال من هذه الأسئلة يمثل مشكلة تواجه كل مسلم يستقر في هذه البلاد، ويحاول أن يجد لها حلا، وبعض هذه المشاكل قد وجدت لها حلول كاملة، وبعضها الآخر اهتدت إلى حلول جزئية تحتاج إلى متابعة.
ا- فبالنسبة لمشكلة الطعام الحلال: لقد حلت هذه المشكلة، بواسطة المحلات والمطاعم الإسلامية المنتشرة في كل مدينة وحي وقرية يسكنها المسلمون، وقد يدرك ذلك إخواننا الذين يترددون على لندن من وقت لآخر.
2-
وأما بالنسبة لأماكن العبادة: فقد واجهها المسلمون باتخاذ أماكن للعبادة مؤقتة أو دائمة، وسبيلهم إلى ذلك يبدأ بتجمع السكان المسلمين في كل حي، ثم يؤلفون جمعية من أنفسهم تتخذ لها مقرا مؤقتا في الحي، وغالبا ما تبدأ باستئجار أحد المنازل تجتمع فيه لتدارس أمورها، ثم تخصص جانبا منه للصلاة وجانبا للاجتماعات، وجانبا لتعليم الأطفال إن أمكن، وينمو هذا الاتجاه بسرعة أو ببطء حسب نشاط القائمين على الجمعية، وغالبا ما ينتهي بشراء مكان خاص يتخذ مسجدا، وتقوم من حوله أوجه النشاط الأخرى، وعن هذه الطريقة أصبحت لا تجد حيّا في مدينه لندن أو سواها من المدن التي يقطنها المسلمون إلا وبه مسجد يصلي فيه المسلمون، ويباشرون أنشطتهم الدينية الأخرى، وترتب على ذلك أن أقيمت مساجد جديدة على الطراز الإسلامي كما هو الحال في المركز الإسلامي ومسجد لندن المركزي، وهو أكبر المؤسسات الإسلامية هناك، وسنعود للحديث عنه، ومسجد ويمبلدن، مسجد شرق لندن، ومسجد نور الإسلام بكارديف، ومسجد ساوث شيلد، ومساجد برينجهام ومنشستر، وليفربول وشيفيلد وسواها كثير.
وأحيانا يشتري المسلمون كنيسة أو معبدا يهوديا ثم يحولونه إلى مسجد كما هو الحال بالنسبة لبرسيتول ونيوكاسل، وأماكن متعددة في لندن، ومن ألطف ما يذكر في هذه المناسبة أن عددا من التجار السوريين يقيمون في مدينة منشستر كانوا أول من اشترى كنيسة وحولوها إلى مسجد وأطلقوا عليه اسم الجامع الأزهر تيمنا بالأزهر ودوره في نشر الثقافة الإسلامية.
وأحيانا يشتري المسلمون بناية ويحولونها إلى مسجد وهذا هو الغالب في الأماكن التي تتخذ مساجد في إنجلترا الآن لأن تكاليفه أقل من إقامة مبنى جديد، وحسبك أن تعلم أنه يوجد في لندن وحدها الآن قرابة مائتي مكان للصلاة منتشرة هنا وهناك، وبهذه الوسائل حلت هذه المشكلة. وقد أصبح من المألوف الآن أن ترى في مدن إنجلترا المختلفة مآذن المساجد مرتفعة هنا وهناك، وليس غريبا أن أصبح مسجد لندن المركزي أحد المعالم الرئيسية للمدينة، وقد تكلف بناؤه الجديد أكثر من خمسة ملايين جنيه استرليني، ويتألف البناء من المسجد الذي يتسع من داخله لأكثر من ألفي مصلّ. يرتفع العدد إلى سبعة آلاف حينما يستعمل الطابق السفلي والرحبات المحيطة بالمسجد من الغرب والشمال والشرق، ويلمس الزائر للندن في الصيف هذه الأعداد الضخمة فعلا، تحضر صلاة الجمعة في المسجد الذي يقدم صورة صادقة للأخوة الإسلامية الخالصة تلتقي في رحاب بيت من بيوت الله.
ويضم المبنى أيضا مكتبة إسلامية ضخمة صمّمت لتسع خمسمائة وسبعين ألف كتاب عن الإسلام باللغات المختلفة، وكان الأمل معقودا أن تتخذ هذه المكتبة مركز انطلاق للدراسَات الإسلامية في قلب أوربا يقوم على توجيهها علماء مسلمون، ولعل ذلك يتحقق قريبا إن شاء الله تعالى.
ويضم المبنى أيضا إدارة المركز الإسلامي وصالات الاجتماعات التي تعقد فيها الندوات والمؤتمرات، ويستقبل فيها وفود الزوار من الراغبين في التعرف على الإسلام، وعادة ما يكون هؤلاء من طلاب المدارس العليا والجامعات حيث يستمعون إلى محاضرة عن الإسلام يعقبها نقاش حول بعض القضايا وموقف الإسلام منها، وأحيانا يسبق ذلك أو يلحقه عرض أحد الأفلام الذي يقدم صورة إسلامية حضَارية أو تاريخية أو عبادية.
ومن معرفة الفضل لأهله أن نذكر هنا أن المغفور له جلالة الملك فيصل قد أسهم بالنصيب الأكبر في تكاليف إقامة هذا البناء، وأن المغفور له جلالة الملك خالد قد وقف على المسجد والمركز مبلغ مليون ومائتي ألف جنيه إسترليني يستغل في بعض المشاريع النافعة وينفق من ريعه على احتياجات المسجد ونشاطات المركز التي تزيد سنويا عن مائتي ألف جنيه إسترليني.
ومن طريف ما يذكر هنا أن أقدم مسجد أقيم في لندن كان في حديقة أحد القصور المطلة على نهر التيمس، أقامته سيدة إنجليزية تدعى ليدلى استانلى هوب STANLY HOP LADY منذ حوالي ثمانين عاما، كانت معنية بالبحث في تاريخ طائفة الدروز، ورحلت إلى دمشق، وأقامت في ضيافة إحدى الأسر السنية هناك ثم استضافت فيما بعد رب االأسرة في لندن، وأقامت له مسجدا في حديقة القصر حتى يؤدي صلواته فيه أثناء إقامته بلندن، وقد حافظ أحفاد هذه السيدة على المسجد وظلوا يفتحونه لصلاة العيدين في كل عام، ومنذ اثني عشر عاما عرض القصر للبيع، وجاء مالكوه إلى المركز الإسلامي يعلنون عن رغبتهم في أن يشتريه أحد المسلمين حتى يحافظ على المسجد، إلا أننا للأسف لم نوفق في ذلك الوقت إلى من يرغب في شرائه من المسلمين. ولست أدرى ماذا آل إليه أمره الآن.
جـ - أما كيف تربى الأجيال المسلمة الناشئة: فهذه هي المشكلة التي يتوقف على النجاح في علاجها مستقبل الإسلام في هذه البلاد وقد تجسم الإحساس بهذه المشكلة بعد أن نشأت أجيال ولدت في إنجلترَا وشعر الآباء بالحاجة الملحة في تنشئة أبنائهم حسب تعاليم دينهم، ولم يشعر الجيل الأول القادم إلى تلك البلاد بهذه المشكلة، لأنه قدم إليها بعد ما استوى عوده، ونشأ في بلاده على الأخلاق الإسلامية، والسلوك الإسلامي ومرن على القيام بواجباته الدينية، فلم يكن من السهل أن تجرفه التيارات والاتجاهَات المخالفة لما ألفه في بلاده وتربى عليه، بل إن عددا منهم كان يبنى مسجدا صغيرا في حديقة منزله مماثلا للمساجد في بلده التي عاش فيها ونشأ وكان إذا اضطر لبيع المنزل يشترط على المشترى أن يحافظ على المسجد ويبقيه مفتوحا للمسلمين في الصلوات الخمس، رأيت هذا المثل في مدينتين ساحليتين من ضواحي كارديف تسمي إحداهما نيوبورت يعني الميناء الجديد، وتسمي الثانية بارى أيلند يعني جزيرة بارى، لذلك لم يكن هناك خوف على هؤلاء الذين قدموا ولهم من الحصانة الدينية ما يحميهم من المغريات.
فلما نشأت أجيال جديدة ليست وثيقة الصلة ببلادهم الأولى، ولا يستطيعون أن يتحدثوا لغة الآباء إلا بصعوبة بالغة بدت في الأفق دلائل الخطر التي تهدد الأجيال الناشئة بالضياع، فتحرك الآباء والمهتمون بأمر الدعوة الإسلامية هناك، وأخذوا في البحث عن علاج لهذه المشكلة، قبل أن يستفحل خطرها، وتستعصي على الحل. وسارت الحلول في اتجاهات متعددة، تمثلت في افتتاح فصول في آخر الأسبوع في أماكن تجمعات المسلمين يتعلم فيها أبناؤهم الضروري من أمور دينهم وتسمي هذه الفصول مدارس آخر الأسبوع week and schools واستطعنا أن نرتفع بعدد تلاميذ هذه الفصول في لندن وحدها في فترة ما إلى ألفي تلميذ، وحاولت بعض الجمعيات الإسلامية أن تهيئ فترة يومية لأبناء المسلمين في المساجد والجمعيات الإسلامية بعد انتهَاء اليوم الدراسي، وقام آخرون بالاتصال بمديري المدارس الحكوميَة التي يوجد بها تلاميذ مسلمون، وخصصت لهم أوقات محددة حوالي عشرين دقيقة في الصباح قبل بداية اليوم الدراسي مرتين أو أكثر أسبوعيا يسمح فيها لأحد المدرسين المسلمين بالتحدث إلى التلاميذ المسلمين بالمدرسة عن الإسلام، وهو جهد قليل الجدوى على الرغم من الإخلاص البادي في القائمين عليه ومماَ لاشك فيه أن هذه المحاولات تعكس اهتمام الآباء بمصير الأبناء إلا أنها ليست كافية لمواجهة المشكلة والتغلب عليها، وذلك لأن الأوقات المخصصة للدراسة ليست مناسبة لأنها إما أن تكون بعد أن يقضى التلميذ يوما مرهقا في المدرسة يحتاج بعده إلى الراحة والاستجمام. أو أنها في يوم الراحة الأسبوعية وهو ضروري من الناحية التربوية لاستمرار نشاط التلميذ في الإقبال على دروسه بدون ملل أو سأم، أو أنها في أوقات مبكرة قبل بداية اليوم الدراسي مما يجعلها ثقيلة على الأطفال غير محببة إليهم وآثارها النفسية في هذه الحالات معروفة للجميع هذا بالنسبة للوقت أما بالنسبة للأمكنة فإن كثيرا من القائمين على هذه الفصول
لم تساعدهم إمكاناتهم المادية والتربوية على تهيئة الاستعداد الكافي الذي يناسب مستويات هذه البلاد وطبيعتها وتبدو الآثار الضارة لهذا التفاوت في الاستعدادات حينما يقارن الطفل بين ما يجده في مدرسته التي يشارك فيها الآخرين من أبناء الشعب الإنجليزي، وبين هذه الفصول التي يتلقى فيها تعليمات باسم الإسلام مما يجعله يحس بالفرق بين ما ينتسب للإسلام وما ينتسب إلى سواه، وهذا يسبب خَطرا نفسيا يتعرض له أطفال المسلمين في تلك البلاد.
وبالنسبة للمدرس والكتاب فلم يكن هناك مدرس متخصص أو منهج متكامل، وقد دعانا ذلك إلى الاستعانة بعدد من طلاب الدراسات العليا بين المسلمين ليقوموا بعملية التعليم، وأما موضوع الكتاب فقد أمكن التغلب على النقص في المنهج بإعداد سلسلة من الكتب المدرسية باللغة الإنجليزية تقدم المعلومات الضرورية للناشئة المسلمين من سن الخامسة حتى الخامسة عشرة.
وعلى الرغم من كل ذلك فإن المشكلة لا تزال قائمة تحتاج إلى حلّ عاجل، ومن استعراض هذه النماذج التي أشرنا إليها نرى أن مدارس آخر الأسبوع أكثرها فائدة، وقد أشرف المركز الإسلامي في لندن على إدارة أعداد منها في لندن وضواحيها وقدم المساعدات المالية والثقافية للقائمين عليها في الأماكن المختلفة، ولكن ذلك كله لا يقدم حلا جذريا لهذه المشكلة.
لكل هذه الظروف وانطلاقا من الإحساس بالخطر المقبل، ومحاولة تأمين مستقبل النشء المسلم في تلك البلاد إلى جانب ما لاحظناه من أن عددا من أسر المسلمين في الشرق العربي والإسلامي يبعثون بأبنائهم إلى المدارس الإنجليزية الخاصة ويقدمون في سبيل ذلك نفقات باهظَة ليتلقى أبناؤهم تربية تختلف في أهدافها ومناهجها وقيمها عن أهداف الإسلام وقيمه ومناهجه فإذا ما أكملوا دراستهم وعادوا إلى بلادهم شعروا أنهم غرباء بين أَهليهم وذويهم وعاشوا في صراع معلن أو خفي والخاسر في كل الحالات هو العالم الإسلامي لهذا رأينا أن نتقدم بمشروع إنشاء مدرسة إسلامية كاملة تحقق للنشء المسلم ما نريد، وتحميه من الضياع وتكون نموذجا يحتذى لمن يريد أن يشارك في هذا المجال ويتلخص المشروع فيما يلي:
1-
تتكون المدرسة من مراحل التعليم المختلفة من الروضة إلى نهاية المرحلة الثانوية.
2-
تزود المدرسة بكل ما تستلزمه التربية الحديثة من استعدادات من ملاعب وصالات اجتماعات ودور للعرض وحمامات للسباحة إلى جانب المسجد الذي ترتبط المدرسة به ارتباطا وثيقا، ويراعى في مواعيد الدراسة عدم تعارضها مع أوقات الصلاة.
3-
يدرس الطلاب المناهج الإنجليزية كاملة، مضافا إليها دراسة الإسلام عقيدة وشريعة وتاريخا وحضارة وأخلاقا وسلوكا، ودراسة اللغة العربية وآدابها دراسة تمَكن الطلاب من إتقانها فهما ونطقا وكتابة.
4-
إعطاء عناية خاصة للقرآن الكريم والسنة النبوية وتقديم جوائز لم يثبت تقدما في حفظ الكتاب والإلمام بالسنة.
5-
إعداد مساكن خاصة بالطلاب، ومعلوم أن هذا الاقتراح لو أخذ في تطبيقه فسيكون هناك مدارس خاصة بالبنات على نفس المستوى ونتيجة هذا الاقتراح حينما يطبق أن المتخرج من هذه المدارس سيكون من الممكن بالنسبة له الالتحاق بأي جامعة في أي بلد إسلامي أو عربي بدون إحساس بوجود أي فرق بينه وبين الطلاب الآخرين لأن ما درسه من العلوم الإسلامية والعربية سيهيئ له ذلك على أحسن وجه، فإذا التحق بجامعة في بلد أوربي لا يخشى عليه من الاندفاع وراء الدعوات البراقة لأنه قد تلقى من الدراسات الإسلامية والعربية ما زوده بزاد كاف للصمود في وجه الإغراءات السلوكية والفكرية التي تعج بها الحياة في تلك البلاد.
وقد قدم نص المشروع كاملا إلى مجلس أعضاء المركز الإسلامي بلندن منذ أكثر من اثني عشر عاما، ولكنه لازال ينتظر من يوفقه الله فيضعه موضع التنفيذ، ومن الممكن الحصول على نسخ منه لمن يريد ويا حبذا لو تبنت الجامعة الإسلامية تحقيقه، فسيكون ذلك بلا شك حسنة تضاف إلى حسناتها المتعددة.
وإني على يقين أن هذا المشروع لو رأى النور بصورة شاملة فلن يكون هناك خطرا على ناشئة الإسلام في تلك البلاد.
هذه هي المشكلات الرئيسية التي تواجه المسلم هناك وقد بقيت بعض المشكلات السهلة الحل مثل عقود الزواج حسب الشريعة الإسلامية، وقد نظم ذلك منذ البداية وأصبح واحدا من المهام الرئيسية التي يباشرها المركز الإسلامي في لندن والمراكز المماثلة في المدن الأخرى وإيجاد مقابر خاصة بالمسلمين وإجراء مراسم الدفن والغسل حسب الشريعة الإسلامية.
مهمة المؤسسات الإسلامية:
أ- تهتم المؤسسات الإسلامية في تلك البلاد بالدرجة الأولى بالحفاظ على أبناء المسلمين وحمايتهم من الذوبان في المجتمع الأوربي، وذلك عن طريق التعليم واللقاءات والندوات والاهتمام بالمناسبات الإسلامية والإعداد الخاص لها مثل شهر رمضان والاحتفال بالعيدين الفطر والأضحى والأيام الهامة في تاريخ المسلمين، والهدف من ذلك هو ربط الناشئة بتاريخهم، ومن الوسائل التي تعكس هذا الاهتمام طبع مواقيت الصلَاة على مدى العام وإعداد إمساكية شهر رمضان، وإعداد تقاويم إسلامية يبين فيها التاريخ الهجري مع التاريخ الإفرنجي.
ب- إعداد ونشر المطبوعات الإسلامية التي يحتاج إليها المسلمون والراغبون في التعرف على الإسلام من غير المسلمين، وقد كنا منذ حوالي خمسة عشر عاما نعاني نقصا كبيرا في تقديم مطبوعات إسلامية باللغة الإنجليزية تمثله الصورة التالية: كنا نملك في مكتبة المركز عددا محدودا من ترجمة معاني القرآن الكريم يطالع فيها من يتردد على المكتبة، فإذا جاء راغب في الازدياد من المعرفة بالإسلام لم نجد ما نقدمه له إلا الكتب العربية وهو لا يعرف العربية، وحدث ذات يوم أن كنت في أحد الشوارع التي تقام فيها الأسواق أيام السبت من كل أسبوع، فوجدت قسيسا يدعو الناس إليه ويوزع عليهم نسخا من الإنجيل مطبوعة طبعا أنيقا باللغة الإنجليزية، وأغراني المنظر أنا وصاحبي فتقدمنا منه، فدفع بنسخة إلى كل منا، ولما تفرس وجوهنا أدرك أننا لسنا من أهل البلاد فسألنا عن لغتنا الأصيلة وما كاد يعرف أنها العربية حتى مد يده إلى أحد الرفوف فاستخرج نسختين من الإنجيل باللغة العربية، ونسختين من اسطوانات عليها تراتيل باللغة العربية أيضا وأخذني العجب من استعداد هؤلاء الناس ونشاطهم، وأخذت أقارن في نفسي بين اهتمام هؤلاء بالترويج لباطلهم، وبين تهاوننا في إيضاح الحق الذي بين أيدينا، وعدم قيامنا بها يجب علينا نحو الدعوة إلى عقيدتنا أو اتخاذ الاستعداد الضروري لتقديم بيان لمن يسأل أو يريد أن يعرف.
والدليل على هذا الفرق تلك الصورة التي عرضتها من الواقع الذي لمسته، وفيها تقدم الكنيسة نسخ الإنجيل إلى من تلقاه عرضا باللغة العربية في قلب لندن، ويعجز المركز الإسلامي هناك أن يقدم ترجمة لمعان القرآن الكريم لمن يريدها. وكلما زار المركز أحد الفضلاء من المسلمين قصصت عليه هذه القصة، ولكن الله تداركنا برحمته، فلم نلبث إلا قليلا حتى أخذت تتوارد على المركز مئات النسخ من ترجمة معاني القرآن الكريم، وكان السيد حسن الشربتلي صاحب النصيب الأوفر في ذلك العمل جزاه الله خيرا، وقد غادرت المركز منذ قرابة أربع سنوات، وبه آلاف النسخ والحمد لله غير ما كنا نبعث به لكل طالب فردا أو مؤسسة أو هيئة، ويندر أن تجد مدرسة أو جامعة أو مركزا من مراكز الثقافة أو سجنا إلا وتجد في مكتبة كل منها عددا من نسخ ترجمة معاني القرآن الكريم والكتب الإسلامية الأخرى.
وأصبح من الممكن لأي راغب في التعرف على الإسلام أن يجد من المطبوعات الإسلامية باللغة الإنجليزية ما يقدم له صورة وافية عن مبادئ الإسلام وعقائده وعباداته.
جـ - استقبال وفود الطلاب أو المؤسسات الراغبة في التعرف على الإسلام من شباب المعاهد والجامعات وأعضاء الهيئات والجمعيات ويقدم لهم برنامج يبدأَ بعرض فيلم عن الإسلام يتناول موقفا تاريخيا أو صورة حضارية أو يقدم عرضا لبعض العبادات في الإسلام كالحج مثلا، ثم يعقب ذلك حديث عن الإسلام، تدور بعده مناقشة حول النقاط التي يرغب الحاضرون في مزيد من الاستيضاح عنها سواء حول ما شاهدوه أو سمعوه أو كان من القضايا التي يريدون أن يعرفوا موقف الإسلام منها وبخاصة ما يتعلق بالزواج أو الطلاق أو حقوق المرأة في الإسلام أو نظرة الإسلام إلى أهل الديانات الأخرى وكيفية تعامله معهم.
وقد تبين من واقع التجربة أن عرض فيلم لبعض المشاهد الإسلامية يعتبر وسيلة ناجحة في جذب انتباه أبناء تلك البلاد. وقد لوحظ أن كثيرين ممن يحضرون في هذه الوفود يبعثون بعد عودتهم مباشرة في طلب مطبوعات إسلامية يستعينون بها في إعداد بحوت عن الإسلام في معاهدهم، وبخاصة هؤلاء الذين ينتسبون إلى المدارس العليا التي تسمى high schools.
د- وأحيانا توجه هذه المؤسسات الدعوة إلى أحد العلماء المسلمين للتحدث إلى طلابهم عن الإسلام بالصورة التي قدمنا تفصيلا لها، وقد يستبد العجب بالكثير منا حينما يعلم أن الكنائس أيضا كثيرا ما توجه الدعوات إلى المتخصصين للحديث عن الإسلام في صالات اجتماعاتها إلى جمهور المترددين على الكنيسة، لأنهم يرون في ذلك وسيلة إلى جذب أكبر عدد ممكن للتردد على الكنيسة.
هـ- استقبال الراغبين في التعرف إلى الإسلام واعتناقه، وتنظيم لقاءات متعددة بهم يتم خلالها عرض شامل لمبادئ الإسلام، ثم يزودن بعدد من الكتب الإسلامية لدراستها، ومناقشتهم في محتوياتها في اللقاءات التالية، وعادة ما ينتهي كل ذلك بدخول هؤلاء في الإسلام وحصولهم على وثيقة من المركز بدخولهم في الإسلام.
وقد لوحظ أن أعداد هؤلاء الراغبين في اعتناق الإسلام في تزايد مستمر في السنوات الأخيرة، وأن أغلبهم من الشباب من الجنسين، ويتضح من المناقشات التي تدور مع هؤلاء ضعف ارتباطهم بالدين المسيحي وعدم اقتناعهم بما تسير عليه الكنيسة من طقوس لا تمس القلوب. وإنما تهتم بالشكليات فقط، ولقد حاولت الكنيسة إغراءهم بالتردد عليها حتى إنها لجأت إلى بعض الأساليب التي تنفر منها الأديان، وسهلت التقاء الفتى بالفتاة، ولا عليها بعد ذلك أن تكون الكنيسة موئلا للعشاق والمراهقين.
والحقيقة أن انصراف الشباب عن الكنيسة قد دفع الكثيرين من علماء اللاهوت إلى البحث عن الأسباب الحقيقية التي أدت إلى موقف الشباب، واضطروا إلى إعادة النظر في المسيحية ككل، ومن الغريب أنهم وصلوا بعض ما قرره الإسلام منذ البداية بالنسبة للعقيدة المسيحية من أنها غير مقنعة حتى انتهوا إلى إعلان أن فكرة ألوهية المسيح فكرة خرافية، ودعوا إلى تطوير العقيدة المسيحية لتتمشى مع الواقع وتقبلها العقول، وقد وصلوا إلى هذه النتيجة من خلال بحوث عكفوا عليها وسجلوها ونشروها في كتاب طبع عام 1976 م بعنوان The Myth of God In Carnate وترجمته خرافة الإله المتجسد، ولاشك أن مثل هذه الاتجاهات والبحوث تعكس الأزمة التي تمر ّ بها الكنيسة، وهذا يتطلب منا أن نتقدم بذكاء لنقدم البديل الذي يقنع العقل، ويملأ القلب، ويلبي هواتف الروح، ويقدم المنهج العملي الذي يحقق التوازن النفسي بالمواءمة بين حاجات الجسد، ورغائب الروح عملا بقول الله تعالى:{وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا"، حينئذ تجد الحياة طريقها السويّ، وتخلو من المادية القاسية الجافة التي تميت نوازع الخير في الإنسان، وتفيض منابع الحب فيه وتقضي على الرهبنة السلبية التي تعتبر هروباً من الحياة لا يتفق مع المقصود من حكمة خلقها. {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} .
والحق الذي لا مرية فيه أن الطريق مهيأ أمام الإسلام، ولكن العقبة الحقيقية تكمن في المسلمين أنفسهم، ويوم أن يغيروا من أوضاعهم سيتغير كل شيء، كما يقول الحق سبحانه:{إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} .
و وتقوم المؤسسات الإسلامية في إنجلترا بدور اجتماعي فعال، نابع من منطق الأخوة الإسلامية، فهناك العَديد من الأسر المسلمة التي تتلقى معونات مادية تساعدها على التغلب على مشاق الحياة، وتحفظ لها ماء وجهها، وهناك كذلك الكثير من الطلاب الذين انقطعت بهم السبل يجدون من المؤسسات الإسلامية وبخاصة من المركز الإسلامي عونا صادقا يتحمل عنهم نفقات دراساتهم عند الأزمات التي يمرون بها، وتستغل حصيلة الزكاة في القيام بهذه الالتزامات إلى جانب ما يقدمه القادرون من أهل الخير واليسار للإنفاق منه في هذه الحالات.
نظرة إلى المستقبل: تقوم حركة نشيطة الآن في أنحاء إنجلترا تهدف إلى بناء مساجد ومراكز إسلامية، وهي حركة يسودها في الغالب الإخلاص، ولكنها ينقصها التخطيط وحسن القيادة، وقد يترتب على انعدام التخطيط وحسن القيادة أن تضيع أموال لمسلمين وتنفق في غير الهدف الذي جمعت من أجله، إذ كثيرا ما أدى التنافس الشخصي أو التعصب لبلد أو إقليم أو جماعة إلى تعطيل أعمال هامة كان من الممكن أن يستفيد منها المجموع، ولم يخل الجو الإسلامي هناك من انتهازيين يريدون ركوب موجة التدين، والتظاهر بالغيرة الإسلامية لتحقيق نفع مادي لأنفسهم، ولهذا تجد أعدادا ضخمة من الرسائل والطلبات تقدم إلى الحكومات والمؤسسات الإسلامية في العالم العربي تطلب مساعدات مادية لإقامة بعض المشروعات الإسلامية، وقد تكون الحقائق الواقعة لهذه المشروعات أقل بمراحل مما هو مسطر في الكتابات أو تكون مجرد فكرة فقط يبغى صاحبها من ورائها أن يجد وسيلة للسفر والوجاهة عند بعض المسئولين، وضمانا لأن توجه المساعدات التوجيه الصحيح أضع الاقتراحات التالية.
أ- أن تنشأ لجنة تسمى لجنة المساجد والمؤسسات الإسلامية يمثل فيها أعضاء من سفارات الدول التي تقدم المساعدات المالية للأغراض الإسلامية وعضو من المركز الإسلامي بلندن ويحال إلى هذه اللجنة كل الطلبات التي تأتي من الجمعيات لطلب المساعدة لتدرسها وترى مدى جديتها وأهميتها، وتحول في الوقت نفسه الدول والمؤسسات المبالغ التي ترصدها للعمل الإسلامي في ذلك البلد مثلا إلى نفس اللجنة، وتعطى صلاحيات توزيع ما تراه مناسبا على أصحاب هذه الطلبات حسبما يبدو من الدراسة التي تجريها حول المشروع ومدى أهميته للمسلمين والاطمئنان إلى استقامة القائمين عليه وجديتهم. وأعتقد أننا نستطع بهذه الطريقة أن نؤدي خدمة جليلة للمسلمين في تلك البلاد ونوجه أموال المسلمين إلى الوجهة النافعة.
ب- أن تعد لجنة أخرى من المهتمين بأمر التعليم والثقافة الإسلامية، وتضع خطة منظمة لإقامة مدارس إسلامية على غرار الاقتراح السابق تعد له ميزانية خاصة، وتتولى اختيار الأساتذة الصالحين للتدريس بهذه المدارس، وهذا اللون من المدارس موجود في بلادنا للجاليات غير الإسلامية التي تعيش في العالم الإسلامي فلماذا لا نقيم لأبناء المسلمين مدارس مماثلة.
وعن هذا الطريق نكون قد خطونا الخطوة الأولى في تأمين مستقبل الأجيال القادمة تزويدهم بثقافة إسلامية كافية إلى جانب ما يتلقونه من معارف العصر وعلومه، والواقع أن هذا هو العمل الباقي الذي أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم حين قال:"إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له ".
جـ - إقامة دار نشر متخصصة تقوم بطبع الكتب الإسلامية وإصدار صحف ومجلات إسلامية للكبار والصغار على السواء من رجال ونساء، وتتعقب ما ينشر عن الإسلام والعالم الإسلامي فتقر الصحيح وترد على غير الصحيح.
د- إقامة مصرف إسلامي وشركات بناء إسلامية يقوم المصرف بالأعمال التجارية والاستثمارية حسب شريعة الإسلام، ويحمي التجار المسلمين من المضاربات غير المأمونة، ومن التعامل بالربا مع البنوك الأجنبية.
وقد دفعني إلى تقديم هذا الاقتراح حوار دار بيني وبين أحد التجار المسلمين في لندن، قال لي فيه: إنه يكون أحيانا أمام بعض الصفقات التجارية، ويحتاج إلى التقدم لشرائها، ولكنه ليس في يده مال سائل في ذلك الوقت، فهل يلجأ إلى البنك يقترض منه بالفائدة ليتم صفقته؟
فقلت له: إن الفائدة ربا، والربا حرام.
فعلق قائلا: وماذا نصنع، وسيؤول الأمر أن نترك المجال للتجار غير المسلمين، إذا أخذنا بما تشير به.
فقلت له: إن ذلك لا يبرر أن يتعامل بالفائدة.
فتساءل: وما الحل إذن؟
فأجبت: إن علينا أن ننشئ شركات استثمار وبنوك إسلامية تقدم العون للتجار المسلمين في هذه الحالات، وتدخل شريكا معهم حسبما هو معروف في المضاربة في الفقه الإسلامي، وأعتقد أن الأوان قد آن لتحقيق ذلك، فإن المال بيد المسلمين كثير، وسبل الكَسب الحلال ميسر للجميع.
أما شركة البناء الإسلامية فاقتراحها نابع من الظروف التي يعيش في ظلالها المسلمون في إنجلترا، فقد يرغب أحدهم في شراء مسكن له ولأولاده، ولكنه ليس لديه من الثمن إلا بعضه، فيتقدم إلى شركة البناء التي تدرس الموضوع من جانبها، وتعرف مستوى دخل الشخص وقيمة البيت، فإن اقتنعت قبلت أن تدفع باقي الثمن، وتمكن الشخص من استغلاله نظير مبلغ يدفع شهريا لمدى عشرين عاما مثلا يؤول المسكن بعده إلى المشتري، فإذا ذهبت تحسب المبلغ الذي استردته الشركة وجدته قد زاد أضعافا مضاعفة على المبلغ الذي دفعته، وقد نصحنا المسلمين أن لا يتعاملوا بهذه الطريقة، ونرى أن البديل لذلك أن تنشأ شركات مباني إسلامية يتوفر لديها رأس المال، وتكون على استعداد لأن تحل محل شركات البناء الأجنبية، ولكن من منطلق إسلامي، يهيئ لها ربحا حلالا، ويريح المسلم من التعامل بالربا، وكيفية ذلك أن يتقدم الراغب في الشراء إلى الشركة فتجرى الدراسات اللازمة للاطمئنان إلى سلامة الإجراءات. فإذا اقتنعت قبلت أن تدخل مع المشترى بصفة شريك حسب المبلغ الذي تقدمه، ويتم البيع على هذه الصفة، ثم تمكن الشركة المشتري من استغلال المسكن نظير مبلغ يدفع شهريا، تحتسب نسبة منه إيجار نصيب الشركة، ويعتبر القدر الباقي سدادا من ثمن نصيب الشركة، فإذا استوفي الأجل الذي اتفق عليه آل المنزل كله إلى ملك المشتري، وبذلك تربح الشركة ربحا حلالا، وينجو المسلم من استغلال الشركات الأجنبية له استغلالا ربويا، ويتحقق بذلك التعاون بين أفراد المجتمع المسلم وهيآته، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه.
والذي لا ريب فيه أننا لو أخذنا في الاعتبار هذه الخطوات جميعها لأمنّا مستقبلا زاهرا للإسلام والمسلمين في الغرب، وصدق الله العظيم:{وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} ألا هل بلغت، اللهم فاشهد.
المشارق في المغارب
الدكتور عبد الله بن أحمد قادري
رئيس شعبة الفقه بالدراسات العليا
التبشير بالإنجيل وسنة المعوقين:
في هذا اليوم نشرت جريدة "كومباس" الصادرة في جاكرتا عدد "36"في 2 أغسطس "السنة16"نشرة مقتضبة عن نتائج المؤتمر الدولي لمجلس الكنائس البروتستانتية تتضمن أربع مسائل:
الأولى: التضامن مع الشعب الإندونيسي: (أغلبية الشعب مسلمة) والمؤتمر مسيحي دولي، وحقد المسيحيين وسعيهم الحثيث في القضاء على الإسلام والمسلمين معروفان. فما معنى التضامن مع الشعب الإندونيسي وهل المقصود- هنا- الشعب الذي يخططون له ليكون في المستقبل مسيحيا أو أغلبية مسيحية؟. هذا ما يبدو.
الثانية: التبشير بالإنجيل: (والتبشير حاصل ولكن الظاهر أن المقصود مضاعفة الجهد في ذلك حسب الخطط المرسومة) .
الثالثة: تجديد الكنائس وتعميرها وتوحيدها.
الرابعة: مسائل عامة: ومنه إقرار البانتشاسيلا (الشعار الذي تضمن المبادئ الخمسة) وسيأتي قريبا إن شاء الله شرح هذا الشعار من منشورات الحكومة الإندونيسية التي توزع في طائرتها وما تيسر من التعليق عليه لبيان هدفه وموقف العلماء هناك منه وفهمهم له. ومن الأمور التي أقرها المؤتمرون أن السنة المقبلة 1981 هي سنة المعوقين.
ويرى القارئ من هذه الأمور المقتضبة جدا أن التبشير بالإنجيل مقترن بمغريات من المادة: تعمير الكنائس وتجديدها وسنة المعوقين والمعوقون كثيرون في كل شعب من شعوب العالم، والمعوق يضيق من بقائه في الأرض عندما يكون فقيرا وأسرته فقيرة ويضيق منه أسرته ومجتمعه ويتمنى لو نزل به الموت وتتمنى أسرته ذلك.
والصابرون على البلاء هم المؤمنون حقا وأين هم هؤلاء المؤمنون حقا؟. لذلك يشعر المعوق: الأعمى المشلول، المقعد
…
بأن الذي يهتم به وينفق عليه ويكسوه ويعلمه ويؤنسه يشعر بأن له عليه فضلا كبيرا وأنه يجب أن يكافئه، والنصراني يبنى الملاجئ لهؤلاء المعوقين والمستشفيات والمدارس وما الذي يمكن أن يقدمه هذا المعوق من مكافأة لهذا المتفضل عليه المحسن الكريم، وما الذي يريد المحسن من هذا المعوق من مكافأة؟!.
إن المكافأة التي يريدها هذا النصراني هي أن يتنازل هذا المعوق (المسلم) عن إسلامه أولا، وأن يكون بعد ذلك نصرانيا. وهذا المعوق الذي كشرت الدنيا في وجهه ونال هذه العناية من هذا النصراني جاهل بدينه لا يعرف قيمة عقيدته ويسهل عليه أن يلبي رغبة من أحسن إليه فيتنازل عن عقيدته في سبيل أنه ينال عاطفة كانت مفقودة.
ثم سيرى أن الشهوات في الدين الجديد مباحة له، لا قيد ولا عيب.
نعم: الإنجيل وسنة المعوقين، وهذا يعني أن الدعوة إلى النصرانية يرافقها خدمات اجتماعية مغرية فأين هذا الذي يصدر من أعداء الدين مما يقدمه دعاة الإسلام والمؤسسات الإسلامية: أين مدارسهم؟. أين مستشفياتهم؟. أين ملاجئهم؟. أين مساجدهم؟. أين مؤسساتهم الثقافية؟. أين. أين. أين؟؟؟. قد يجيب مجيب ذاكرا بعض المراكز الإسلامية القليلة أو بعض المساجد أو بعض المساعدات الخفيفة.
ولكن الذي يجب أن يعلم أن ذلك شيء لا يذكر بجانب ما يبذله أعداء الحق وأنصار الباطل. فليتق الله المسلم الذي عنده ما يقدر على الإسهام به في أبواب الخير التي تحصن المسلمين من دعوات أعداء الله الهدامة وليقدم في سبيل الله ما استطاع بما منحه الله ليبتليه فيه ويجازيه عليه.
لعل جنّيا أدخل السحور: (22/9/1400 هـ) :
نام عبيد الله الأربعة كلهم، ولعلي كنت آخرهم نوما في هذه الليلة وكان من عادة الأخ عبد الله باهرمز أن يطلب من مديري الفندق أن يبعثوا لنا بطعام السحور في الساعة الثالثة صباحا وما فاتنا السحور طيلة أيام رمضان إلا هذه الليلة. قام الشيخ عبد القوي قبل أذان الفجر بثلاث دقائق تقريبا فأيقظني قائلا: ذهب الوقت. فقمت مسرعا إلى الماء فشربت. وشرب هو. وقلت له: اتصل بصاحبنا فاتصل هاتفيا ونادى المؤذن بالصلاة. فقال عبد الله: السحور موجود عندنا هنا في الحجرة لا أدري من أدخله ومن فتح الباب!! ثم أخذ عبد الله وعبد البر كل منهما ينسب إلى الآخر فتح الباب للفرّاش الذي أدخل السحور. فقال عبد الله: أنت فتحت الباب له ثم نمت ولم توقظنا. فقال عبد البر: بل أنت أنا ما قمت من نومي- وكان الباب مقفلا- فقلت: لعل جنيا غير مسلم أدخل السحور وأراد الإضرار بنا فلم يوقظنا من النوم. وقد فات السحور فلا داعي للنزاع. ثم قلت للأخ عبد الله: الاحتمال القوي أنك أنت كنت مستغرقا في النوم وفتحت الباب ورجعت لتنام (شوية) حسب اصطلاح الشيخ عبد القوي فلم تفق إلا بإيقاظنا أما عبد البر فإن نومه ثقيل يستبعد قيامه قبلك والله أعلم بالصواب. قال عبد الله: كأن الله أراد لكم أن يكون آخر ما تذوقون في إندونيسيا الشاهي السعودي والقهوة السعودية. قلت والماء الإندونيسي.
إلى هونغ كونغ:
وفي الساعد السابعة إلا ربعا ذهبنا إلى مطار جاكرتا، وبعد الفراغ من الجمارك والجوازات ودعنا الأخ عبد الله فدخلنا إلى قاعة الانتظار ثم صعدنا إلى الطائرة التي أقلعت في الساعة الثامنة والدقيقة الخمسين، وجالت بنا فوق جاكرتا. ذات المنازل القصيرة المسنمة، وترى العمارات الكبيرة متناثرة هنا وهناك.
ملحوظات
وحيث أن هذه النظرة من نافذة الطائرة إلى مدينة جاكرتا عاصمة الشعب الإندونيسي هي النظرة الأخيرة في هذه الرحلة فانه لابد من إبداء بعض الملحوظات لهذا الشعب المسلم.
الملحوظة الأولى: البانتشاسيلا:
1-
إن هذا الشعب هو أكثر الشعوب الإسلامية عددا، ومنظمات هذا الشعب الإسلامية- على قلة إمكاناتها- تكافح وتناضل ومن أجل نشر مبادئ الإسلام وتثبيت قواعده لالتفاف هذا الشعب حوله والولاء لله ورسوله وللمؤمنين، الولاء الذي يجب أن يتميز به المسلم عن غيره وإلا لما كان هنالك فرق بينه وبين غيره ممن تعدد ولاءاتهم قال تعالى:{إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} . وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} . وهذا الولاء يجمع المسلمين في كل أقطار الأرض فالمؤمن في الفلبين ولي المؤمن في أمريكا والمؤمن في مكة ولي المؤمن في باريس ولندن والشعوب الإسلامية بعضها ولي بعض لا فرق بين شرقي وغربي ولا بين عربي وعجمي. وعندما كان هذا الولاء محققا في الإسلام كانوا كلهم أعداء لأعداء الله يدعونهم إلى الله ويجاهدون من كفر بالله حتى كان الابن يقتتل هو وأبوه في معركة واحدة وكذلك الأخ وأخوه والقريب مع قريبه مهما كانت القرابة حتى جعل الله كل علاقات الإنسان من مال وقرابة وغيرهما في كفة، وجعل تعالى طاعته والجهاد في سبيله ومحبته في كفة من رجح الكفة الأولى على الثانية كان فاسقا بعيدا عن هدى الله مستحقا لوعيده في الدنيا والآخرة، ومن رجحت كفة الله
على علائقه كلها كان وليا لله مهتديا مستحقا نصره ورضوانه، كما قال تعالى:{قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} .
وعندما كان الولاء محققا في المجتمع الإسلامي حقق الله لهم العزة والنصر والغلبة على أعدائهم على الرغم من كثرتهم وكثرة عددهم وعندما ضاع هذا الولاء وحلت محله ولاءات أخرى لشعارات جاهلية باسم الأرض، أو باسم الجنس أو باسم أي مبدأ آخر تفرقت كلمة المسلمين فصارت كل طائفة توالي هذه الأرض أو هذا الجنس أو هذا المبدأ أذلهم الله وأذهب شوكتهم وأنزل الرعب في قلوبهم بدلا من إنزاله في قلوب أعدائهم.
وقد أدرك أعداء الله الكافرون أن ولاء المسلمين بعضهم لبعض إذا تحقق أخضع الله به لههم راية الكفر ورفع لهم راية الإسلام، وإذا تشتت هذا الولاء دب فيهم الضعف والوهن وكانوا أذنابا لغيرهم من أمم الكفر فوضعوا خطتهم لإيجاد شعارات كثيرة تتعدد لها ولاءات الشعوب كما وضعوا شعارات كثيرة في داخل الشعوب تتعدد لها ولاءات الأحزاب وقد نجحوا في ذلك أيما نجاح عندما جعلوا العرب وهم حملة رسالة وأهل الولاء الأصيل لله ولكتابه ولرسوله وللمؤمنين يتركون الدعوة إلى الولاء لكلمة التوحيد وينادون بالولاء للجنس أو القوم ورفعت راية القومية العربية بدلا من الجامعة الإسلامية وهكذا أصبح لكل شعب من شعوب المسلمين راية قومية يدعون لها ويلتفون في الظاهر حولها هذا تركي وهذا هندي، وهذا إفريقي وهذا إندونيسي حتى أصبح بعض المنتسبين للإسلام لو رأى كتاب الله يداس بالأقدام أو كلمة لا إله إلا الله يستهان بها لم يتحرك قلبه ولم يتغير وجهه غضبا لذلك ولكنه لو رأى علم بلاده وقد رسم فيه حيوان أو غيره ينزل من مكانه ضاق بذلك ذرعا وغضب وعمل كل ما يقدر عليه للانتقام من فاعل ذلك بعلم بلاده.
والحكام الذين لا يريدون الإسلام أو يخافون من انتشاره وسيطرة أحكامه على نفوس شعوبهم يحاولون إيجاد كل الوسائل لإيجاد شعارات ومبادئ وطقوس يحلونها محل لا إله إلا الله محمد رسول الله ويدعون طوائف شعوبهم على اختلاف أديانهم لموالاة بعضهم بعضا على أساس تلك الشعارات أو المبادئ ويوهمونهم أن في ذاك عزتهم وقوتهم وأن ولاءات الدين تغرق الشعوب وتضعفها. وهذا المعنى هو الذي يظهر المراد بأول مبدأ من المبادئ الخمسة التي تضمنها شعار: "البانتشاسيلا"على الرغم من التحفظ الذي يبدو في أسلوب الشارح باللغة العربية.
المبدأ الأول: الربانية المتفردة، قال المعلق: "ولقد وضع الشعب- مبدأ الإيمان بالربانية المتفردة- في المقام الأول من فلسفة حياته ويعتنق الشعب طائفة من الأديان، فهناك من يدينون بالإسلام، وهناك من يدينون بالنصرانية، ومن يدينون بالهندوكية، أو البوذية أو غير ذلك من المعتقدات.
المبدأ الثاني: الإنسانية العادية المهذبة، والمقصود بها ولاء الإنسان لأخيه الإنسان بصرف النظر عن الدين والعقيدة والخلق- وهي دعوى نظرية يصعب تطبيقها على الرغم من اصطدامها بأصل من أصول الإسلام وهو موالاة أولياء الله ومعاداة أعدائه- وأول ما تصطدم به هو:
المبدأ الثالث: الذي هو الوحدة القومية الإندونيسية، فالوحدة ليست إنسانية وإنما هي إندونيسية وكل قوم يدعون وحدة منسوبة إلى أرضهم أو جنسهم كالوحدة القومية العربية، ثم الوحدة المدعاة بين شعبين، ثم الوحدة المدعاة لشعب بعينه.
المبدأ الرابع: سلطة الشعب الموجهة بالحكمة والحصافة في الشورى النيابية، وهذا المبدأ يصطدم اصطداما مباشرا مع مبدأ الطاعة المطلقة لله وحده ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فالسلطة في الدين الإسلامي لله وحده وإن كان أولوا الأمر يجتهدون في تطبيق النصوص الإسلامية إذا لم يرد بصفة معينة، كما أنهم يجتهدون في قياس ما لم يرد فيه نص على ما ورد فيه نص، كما قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} .
المبدأ الخامس: العدالة الاجتماعية لكافة الشعب الإندونيسي، وهذا المبدأ مبنى على المبادئ الأولى التي منها المبدأ الرابع الذي يجعل السلطة للشعب- والمقصود أفراد من الشعب يغلبهم الهوى والجهل فيظلمون الشعب ويسمون ظلمهم عدالة.
وبعد أن أشار إلى هذه المبادئ صرح بأنها هي الأساس والمنطلق في السياسة والاقتصاد والثقافة والتربية والتعليم ومختلف النشاطات الاجتماعية الأخرى. فالشعار بهذا المفهوم هو مصدر النشاط الإندونيسي، وكأنه يقول إذا كان المسلم مأمورا أن يقول:{قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لاشَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} فإن الإندونيسي مسلما وغير مسلم يجب أن يقول إن نشاطي كله (لبنتشاسيلا) .
وقد رحب بهذا الشعار غير المسلمين، كما نص أن المؤتمرين النصارى أيدوا البنتشاسيلا في مؤتمرهم.
أما المسلمون فمنهم الجاهل الذي لا يفرق بين الجمرة والتمرة إلا بعد الندم ولات ساعة مندم
…
ومنهم الذي ضعف إيمانه فيحاول التوفيق بين هذه المبادئ وبين الإسلام بطرق معوجة وتحريف الكلم عن مواضعه، ومنهم من ينكر ويبصر ولو أحاطت به الأخطار ويقول:{حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} . كما قال إبراهيم ومحمد صلى الله عليه وسلم.
ومن الأدلة الواضحة أن هذا الشعار قصد به صرف المسلمين عن ولاء الله ورسوله والمؤمنين. أن رئيس الجمهورية (سوهارتو) يصرح في كل مناسبة أن إندونيسيا لا دينية ومن ذلك تصريحه في مؤتمر الإعلام الإسلامي الذي نظمته رابطة العالم الإسلامي في جاكرتا.
فقد قال: إننا نرحب بكم في إندونيسيا وإن كانت دولتنا لا دينية والشعار يمثل ذلك ويدل عليه.
وهذا يوجب على علماء الإسلام أن تكون تربيتهم لأبناء المسلمين مبنية على أصل العبودية المطلقة لله تعالى الذي له وحدة الألوهية المطلقة وأن يؤصلوا في نفوسهم معنى المولاة والمعاداة في الله التي اهتم بها علماء السلف وألفوا فيها المؤلفات لعلمهم بما يترتب على ذلك من ترابط المسلمين وقوتهم.
الملحوظة الثانية:
إن الجمعيات والمنظمات الإسلامية تبذل جهودا قوية لتحصين أبناء المسلمين من الكفر بأنواعه: النصراني والشيوعي والخرافي على الرغم من قلة الإمكانيات المادية، والذي يؤخذ على كثير من علماء هذه الجمعيات السكوت عن كثير من المنكرات التي حرمها الإسلام، إذ يكتفي الكثير منهم بالمواعظ العامة ولا يمسون الجوانب السلوكية كالسفور بالنسبة للمرأة، والاختلاط - اختلاط الرجال والنساء –يوجد هذا الاختلاط في المدارس والجامعات والمجامع العامة مع وجود الإغراء ووسائل الفتنة وغير ذلك فيما لا يجوز السكوت عليه، كما أن بعض المؤسسات على الرغم من قيامها على أساس الإسلام ـ يوجد هذا الاختلاط فيها وكذلك اللباس غير ساتر. وهذا ما رأيته في كثير من المقاطعات التي زرتها ووجدنا بعض الشباب المتحمس يشكون سكوت كبار علمائهم عن هذه الأمور وينتقدونهم.
الملحوظة الثالثة:
أن وجود ثقة المسلمين في إندونيسيا ـ وربما في غيرها من الشعوب الإسلامية- في البلدان العربية جعلهم ينظرون، إلى العرب الذين يزورونهم نظر احترام ومحبة، وقد يدعوهم ذلك إلى الاقتداء بهم وكثير من العرب الذين يزورون تلك البلدان لا يلتزمون بأوامر الإسلام ولا يجتنبون نواهيه وقد يظن الجهال في الشعوب الإسلامية أن تصرفات هؤلاء العصاة من الإسلام.
ومما ذكره بعض الشباب منكرا له أن بعض كبار الموظفين من بعض البلدان العربية المهمة كان يصحب معه قرينته التي ما كان لباسها يختلف عن لباس المرأة النصرانية أو غير الملتزمة بالدين والخلق وكان هؤلاء الشباب مستائين جدا من هذا التصرف الذي كانوا يودون أن يحصل عكسه وهو الالتزام بالإسلام، وآدابه ليكون ذلك حافزا للفتيات الإندونيسيات على الاقتداء به.
بما يدل على ثقة المسلمين بالشعوب العربية أن الطلبة الذين يجيدون اللغة العربية يتجمعون أمام الجدران التي تعلق عليها الصحف العربية لقرائها بشغف مع أن تلك الصحف يصدر أكثرها من دول عربية معادية للإسلام وصحفها تحمل أفكار زعمائها.
لهذا كله فإنه ينبغي أن تهتم الدول التي تدين بالإسلام ببعث الكتب الإسلامية والجرائد والمجلات الإسلامية لتملأ الفراغ الذي جعل لصحف أعدا الإسلام رواجا هناك.
ويجب كذلك أن يتقي الله زوار تلك البلدان من الشعوب العربية ولاسيما الشعوب التي ينظر إليها المسلمون في العالم أنها قدوة فيلتزموا بالإسلام ولا يكونوا دعاة شر وفساد بأعمالهم السيئة.
الملحوظة الرابعة:
ينبغي للجامعات الإسلامية والمؤسسات الإسلامية من الشعوب العربية أن تقوي صلاتها بالجامعات والمؤسسات الإسلامية في إندونيسيا بتبادل الزيارات والإكثار من المنح الدراسية الشاملة بمعنى أن يكون الطلاب من جميع مناطق الجزر الإندونيسية لا من منطقة دون أخرى، وإن كان لا يمنع ذلك أن تكون الكثرة من بعض المناطق لاعتبارات راجحة.
وكذلك ينبغي أن تخصص إعانات مالية لمساعدة تلك الجامعات ومؤسسات وكتب علمية مفيدة وغير ذلك مما يرفع معنويات المسلمين هناك الذين يواجهون تيارات مدعومة من دول ومؤسسات ضد مبادئ الإسلام.
الملحوظة الخامسة:
ينبغي أن تختار كتب ورسائل إسلامية مفيدة وتترجم وتطبع في داخل إندونيسيا لتوزع على الجمعيات والمؤسسات الإسلامية هناك بدون مقابل أو تباع في الأسواق بأثمان مستطاعة.
وأقترح الكتب التالية: ويمكن اقتراح غيرها:
(1)
كتاب العبودية لشيخ الإسلام ابن تيمية.
(2)
السياسة الشرعية له.
(3)
الحسبة في الإسلام له.
(4)
اقتضاء الصراط المستقيم له.
(5)
كتاب الصلاة لابن القيم.
(6)
مفتاح دار السعادة له.
(7)
زاد المعاد له.
(8)
تحفة الودود في أحكام المولود له.
(9)
جامع العلوم والحكم لابن رجب.
(10)
الأصول الثلاثة للشيخ محمد بن عبد الوهاب (وقد ترجم كتاب التوحيد الشيخ عارفين أحد علماء سورابايا ويمكن النظر في هذه الترجمة فإذا كانت صحيحة طبعت وهو كتاب مطبوع أخدنا منه نسخة للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة) .
(11)
مبادئ الإسلام للأستاذ المودودي.
(12)
تذكرة دعاة الإسلام له.
(13)
ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين للأستاذ أبى الحسن الندوي.
(14)
رسالة التعاليم للأستاذ البنا.
(15)
رسالة إلى أي شيء ندعو الناس له.
(16)
خصائص التصور الإسلامي لسيد قطب.
(17)
معالم في الطريق له.
(18)
منهاج التربية الإسلامية (بقسميه) لمحمد قطب.
(19)
كتاب التوحيد بجزئيه له.
(20)
كتب توحيد الخالق بأجزائه الستة للزنداني:
وبتوحيد الخالق سبحانه- استودعك الله يا إندونيسيا، راجيا أن تهيمن كلمة الله على كل جزء من أجزائك ويحملها كل قلب من قلوب أبنائك مجاهدا في سبيلها مواليا من ولاها معاديا من عاداها:{هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} .
عروس تهديها عرائس:
وأخذت الطائرة تنهب الجو نهبا، فوق المحيط الهادي، الذي كانت قوافل السحاب تتناثر بيننا وبينه، فظهر بها كبساط أزرق مائل إلى الخضرة، وشبه أبيض، وكنا نشاهد قوافل الأمواج الهائجة صفوفا يتبع بعضها بعضا، كما كانت السحب الخفيفة الحمل طائرة فوق الطائرة سائرة إلى حيث أمرها الله، وبدا القمر على يسارنا على شكل نصف دائرة، والسحب العالية تحجبه عنا تارة وتكشف نفسها عن وجهه تارة أخرى.
حقا لقد كانت مناظر عجيبة، ولقد شبهت طائرتنا، وهى تسير في هذا الجو بالعروس التي تهديها عرائس، وهى جميلة، وكل واحدة منهن أجمل وزاد جمالها على جمالهن بسبب وقوعها في وسطهن مثل البدر الذي أحاطت به هالته.
وكنت لا أدرى إلى أين ألتفت لأتمتع بتلك المناظر التي قد لا تحصل لمسافر- هكذا مجتمعة- شمس ساطعة، وسحب جميلة متفرقة، على بحر أمواجه هائجة ترى من بعد كصفوف المصلين ذوو اللباس الأبيض، وقمر يداعبه السحاب فيحجبه تارة ويكشف عنه أخرى، الله أكبر ما أعظم خالق هذا الكون الجميل المنسق الذي يتعاون تناسقه على جماله، ولو أن بني البشر تعاونوا فيما بينهم على حياة سعيدة في هذه الدنيا، فآثر بعضهم بعضا، وكف بعضهم ظلمه عن بعض وبذل كل واحد وسعه في إيجاد الأمن والاستقرار واجتهد أولياء الله في نشر دينه وإعلاء كلمته فأمن الناس على دمائهم وأعراضهم وأموالهم لاكتمل الجمال جمال الحياة البشرية وجمال الكون العظيم:{أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ} .
وبدأت تظهر بعض الجزر المستديرة التي تشبه قصعات الطعام الموضوعة على طاولة مكسوة بالجوخ الأخضر، وصغارها تبدو كعيون البقر، والمحيط الهادي يحتضنها من جميع جوانبها ولم يغمرها يا الله ما الذي يمنعه عنها غير خالقها وخالقه.
وظهرت جزر مكسوة بالغابات: جبالها وسهولها، وهي تفاخر البحر المحيط بها بملابسها الموشاة بالزهور المختلفة، وكأنها تقول له: إذا كنت تجود للناس بأسماكك ولآلئك بعد أن يقتحموا الصعاب ويتجشموا الأخطار ومنهم من لا ينجو من قسوتك وعنفوانك على الرغم من اتعاب أنفسهم في اتخاذ وسائل الوصول إليك، فإني أمد يدي بالخير لكل الناس قويهم وضعيفهم بثمر النارجيل، والموز والبرتقال والباباي والتفاح والأناناس بدون مشقة ولا خطر. ثم جاء قوس قزح ليشارك بألوانه الجميلة فأضاف إلى الجمال
…
جمالا
…
الحمد لله:
وفي هذا الجو الممتع المريح الذي يربط المخلوق بالخالق ذكرنا المضيفون بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ". فقد كنا فعلا - ولكن القليل منا- نتمتع بالفطرة ونشعر بالغبطة والسرور، ولكن المضيفين بدأوا يغلقون النوافذ من أجل عرض فيلم الرحلة (وأفلام الرحلات كلها ثقيلة علينا) الثقيل ولعل القارئ يدرك من عاطفتي مع الكون ورغبتي في صحبته باستمرار أن غلق النافذة بالنسبة لي يعتبر سجنا.
وأخذت أقرأ بعض الجرائد السعودية التي حصلت عليها من مكتب الأخ الشيخ عبد العزيز العمار في جاكرتا، وكان الفيلم قذرا في ميزان ذوي العقول ولاسيما عند المسلم، ولذلك قال الشيخ عبد القوي: يعملون هذا وهم في الجو ما يخافون من ربهم، قلت: إن الله يمهلهم ولا يهملهم وهو من ورائهم محيط.
وبعد أن قرأت بعض أخبار الجرائد ومقالاتها أخذتني غفوة سمعت على أثرها الشيخ عبد القوي وهو يقول: الحمد لله، فنظرت إلى الفيلم فوجدت أنه انتهى. فقلت مثل هذا الشيخ: الحمد لله، وفتحت النافدة ورجعت إلى كتاب الله المنظور.
وعلى الرغم من بعد المسافة بيننا وبين البحر فإن أثر هياجه كان واضحا في بياض الماء الذي كان كل صف منه يتبع الآخر على أثر ارتطام أمواجه بعضها ببعض.
رأيت باخرة كبيرة، وهي تمخر عباب المحيط، وقد امتد وراءها انخفاض واضح كأنه واد بين جبلين ـ وهو الأثر الذي حدث من شقها طريقها في البحر- فأحسست بطارق ينبهني إلى آيات الله القرآنية الواردة في تسخير الله تعالى لهذا الإنسان السماء والبحر وغيرها، كقوله تعالى:{اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الأِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} . وقوله تعالى: {وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُون وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلا بِشِقِّ الأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ} . إلى قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} .
إن حكمة الله في هذا التسخير لهذه النعم لهذا الإنسان هي أن تعم رحمته خلقه وأن يشكر هذا االإنسان الخالق المنعم: {وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} .
ولكن هذا الإنسان- إلا من شاء الله- كلما زاده الله من نعمه زاد طغيانه وتمرده. {وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الأِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} .
ويرى العاقل هذا الظلم وهذا الكفران في هذا الإنسان في السفر في الجو وفي البحر وفي البر، وفي الحضر في كل مكان. قد غفل ـ أو مات قلبه ـ عن التفكير في نعم الله التي يجب أن تطرق قلبه في كل وقت ليعود إلى المنعم فيعبده ويشكره.
وعدد البواخر التي شاهدتها في المحيط في هذه المرحلة أكثر من عشر كانت الأولى أكبرها.
مظاهرة عارمة:
وكان منظر السحاب في هذا اليوم – يأخذ بالألباب- وقد شبهته بعدة تشبيهات حسب الحالة التي رأيته عليها.
فشبهته مرة بصفوف المصلين الذين اجتمعت حشودهم في مصلى العيد في الصحراء ـ كما هي السنة ـ كل إنسان بجنب صاحبه، وكل صف وراء أخيه وهكذا كان السحاب: كل سحابة بجانب أختها وكل صف من السحاب وراء الصف الذي قبله.
ورأيته تارة على هيئة مخيم الحجيج في منى وقد ربطت كل خيمة في وتد أختها وبين كل جملة من الخيام وأخرى ممر.
ثم بدا لي- تارة أخرى- كأنه مدينة واسعة، ذات قصور عالية، متناسقة خططت شوارعها بحكمة وإتقان، إلا أنه لا يوجد في تلك الشوارع الزرقاء إلا تتابع الأمواج الهادرة، ومساحة هذه المدينة لا تقاربها مساحة أي مدينة من مدن العالم البشرية.
وآخر قافلة رأيتها كانت تشبه أسرابا من الطائرات الحربية تحلق فوق هذه الأجواء الواسعة إلا أنها لا تلقي قنابل النابالم المحرقة، ولا تقذف الصواريخ المدمرة وإنما كانت - في ذهني- تقذف بالحق على الباطل فيدمغه. وكأنها في مظاهرات عارمة ضد الملحدين، {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} .
وشاهدت جزيرة صغيرة من اليابس تحيط ببحيرة صغيرة من الماء وأمواج المحيط الهادي تتلاطم حولها، وهما على هيئة قذيفة صاروخية هكذا.
جزيرة صغيرة
بحيرة صغيرة
المحيط الهادي
ورأيت خضرة على اليابسة تشبه العشب لم أتبين ما هي لبعدها. والظاهر أن البحر يغمر هذه الجزيرة عندما يشتد هياجه، فتغدو كلها من قاعه، ويولي عنها عند جزره وهدوئه - النسبي- فتنكشف مرتفعاتها ويبقى البحر الصغير - البحيرة- في وسطها.
في مطار هونغ كونغ:
ثم أخذت الطائرة في الهبوط رويدا رويدا فرأينا الجبال القريبة من هونغ كونغ في وسط البحر ورأينا القوارب الصغيرة وهي تتحرك في البحر في كل اتجاه مثل الأسماك. وهبطت الطائرة في مطار هونغ كونغ في الساعة الواحدة إلا عشر دقائق بتوقيت جاكرتا الثانية إلا ربعا بتوقيت هونغ كونغ فكانت مدة الطيران أربع ساعات كاملة.
دّبر نفسك:
ودخلنا قاعة الجوازات فكان إمامنا في الصلاة هو شيخنا في اللغة وقف الشيخ عبد القوي أمام الموظفة فرطنت باللغة الإنجليزية - بلهجتهما الصينية السريعة التي يختلط على السامع مخارج حروفها- فلم يفهمها، فختمت له ومشى، فقلت له: لا تبتعد عنا لأنا لا نستطيع التفاهم معها- أصلا- فقال: دبر نفسك، وبدأت ترطن لي فناديته فجاء فتكلمت بكلام لم يفهمه فأشارت إليه أن يعود إلى مكانه وقالت لي: نو إنجلش فهززت لها رأسي فختمت جوازي وجواز الابن عبد البر ونذرت صوما، وقلت عندئذ للشيخ عبد القوي: لقد كادت الرؤوس تتساوى- أي في اللغة.
أخافتهم الغترة عند الدخول:
ذهبنا إلى قاعة الجمرك فتسلمنا عفشنا وأخذ الموظفون يفتشون كل شيء بدقة، وكان الموظف- على الرغم من التفتيش الدقيق- يسأل أعندكم سلاح. والشيخ يقول له: نو. قلت له: لا تجبه يكفيه ما يفعل.
وبعد أن فرغ من تفتيش الحقائب وكدنا نفارقه نظر إلى عبد البر فرأى رأسه مغطى بالغترة- أما الشيخان فكانا مكشوفي الرأس- فأخذ الموظف يمر بيديه على رأس عبد البر متحسسا، وكأنه ظن أن تحت هذا الغطاء مفرقعات أو غيرها من الأسلحة، فاقتر بت أنا من الموظف وأشرت له إلى رأسي - أي فتش رأسي أيضا، فابتسم وفهم أننا نستغرب تفتيش الرأس.
الفندق قبل السيارة:
خرجنا من قاعة المطار فلم نجد أحدا ينتظرنا وكنا قد اتصلنا من جاكرتا بمنزل الأخ مظهر السيد (باكستاني مقيم في هونغ كونغ يشتغل بالتجارة) الذي كنت قد التقيت به في المرة الأولى عندما كنا في طريقنا من اليابان بعد زيارة أمريكا. ووقفنا ننتظر سيارة أجرة وكنا كلما أشرنا لسائق تجاوزنا إلى غيرنا من الواقفين، فاستغربنا ذلك. وبعد وقوف طويل كان يأتينا بعض الشباب يسألنا ماذا تريدون؟. فنقول: نريد استئجار سيارة فيتركنا ويذهب يوقف سيارة لغيرنا ويضع له أثاثه في صندوق السيارة بنفسه ويفتح له الباب وإذا ركب أغلقه وودعه. فأخذنا نتساءل: ما سبب صدود الناس عنا أهو لباسنا العربي!؟.
ثم قلت لشيخنا القارئ - شيخ اللغة الإنجليزية- انظر إلى هذه اللافتات التي يقف الناس تحتها فتأتيهم السيارة بسهولة ويجدون من يحتفي بهم دوننا، فنظر فوجد أسماء فنادق. من أختار أحدها وقف تحت لافتته فجاءته السيارة التابعة لذلك الفندق فتوصله إليه، فقلت: إذن يجب أن نختار الفندق قبل السيارة، فأختر لنا ما تشاء فاختار فندق "أمباسدور" وعندها يسر الله عسرنا، وكان من فنادق الدرجة الأولى.
جوهرة في مزبلة:
ونزلنا في هذا الفندق، واتصلنا بالأخ مظهر السيد الذي وعدنا بالمجيء إلينا، فاسترحنا، وجاءنا في الساعة السادسة ونزلنا إلى السوق لشراء بعض المأكولات للإفطار وذهبنا إلى مسجد كولون الذي هدم ليبنى من جديد، وهو في دور التأسيس، وقد شاركت فيه رابطة العالم الإسلامي في إعانته وشارك غيرها من الكويت وبعض تجار المسلمين في هونغ كونغ ولا زالوا يجمعون له المساعدات لأنه سيبنى من طابقين وكان قد بني قبل ثمان عشرة سنة بنته بريطانيا للمسلمين الذين شاركوا في فتح البلدان لها مع جيشها وهم من الهند والباكستان، وكنت زرت هذا المسجد قبل ثلاث سنوات وكان إمامه شيخا باكستانيا كبير السن ذكر لنا حاجته إلى بناء جديد وضمنت التقرير الذي قدمته للجامعة الإسلامية هذا الطلب وبعثت بصورة منه إلى فضيلة الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي، ولعله على أثر ذلك قدمت المساعدة من الرابطة.
وقد منحت الحكومة في هونغ كونغ المسلمين قطعة أرض بجوار المسجد مباشرة إعارة يؤدون فيها صلاتهم حتى يتم بناء المسجد وقد بنوا على هذه القطعة مسجدا مؤقتا من الخشب وغطوه بغطاء من البلاستيك ليقيهم من حر الشمس والمطر.
وعندما وصلنا إلى هذا المسجد وجدنا المسلمين مجتمعين وقد وضعوا سفر الإفطار على بسط المسجد وضعوا القصعات على تلك البسط ووضعوا أمام كل واحد من المصلين الذين لا يقلون عن ثلثمائة مصل حبات تمر وشيئا من الفاكهة- برتقال أو تفاح- وخبزا محشو بخضرة ولحم (سمبوسة) وقعب نحاس ملي بشربة أرز وعدس ولحم ورحبوا بنا وفرحوا عندما رأونا ونحن فرحنا أيضا بهذا الجمع الغفير من المسلمين يفطرون كلهم في مكان يصلون بعد الإفطار وراء إمام واحد والبيئة التي تحيط بهذا المسجد كلها بيئة كفر ترى فيها النساء العاريات والأخلاق الفاسدة والغفلة عن الله وعن اليوم الآخر فكان وجود هذا المسجد في هذا المكان بهذه الأوصاف مثل الجوهرة المرمية في مزبلة ولعل هذه الجوهرة تحول تلك المزبلة كلها إلى جواهر في يوم من الأيام وما ذلك على الله بعزيز.
فقد كانت الأرض كلها مزبلة عندما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدعوة إلى الله في مكة المكرمة.
راحت تتعجب فدخلت تلعب:
هذا مثل يمني حفظته وأنا صغير، ومعناه- في الأصل- خرافي فهناك مرض يسمى بمرض الزار، إذا مرض شخص أي مرض أقعده في منزله جاء بعض المرتزقين وأوهموه بأن شيطان الزار قد أصابه بهذا المرض ولابد من ذبح بعض الخرفان ودعوة الناس للأكل منها لا سيما هيئة شيطان الزار الذين هم رئيس الهيئة- رجل أو امرأة- وضاربوا الدفوف وصاحب المزمار والمصفقون ويحضر المريض- أو تحضر الهيئة عنده إن كان لا يستطيع هو الحضور- فيأخذ ضاربوا الدفوف في ضرب دفوفهم، ويأخذ صاحب المزمار في زمره، ويصفق المصفقون، ويبدأ المريض يهز رأسه شيئا فشيئا، وبعد أن يسخن جسمه تشتد حركته فيرقص ويغيب عقله ويقال إنه عندئذ يحضر شيطان الزار ثم يتقدم شيطان الإنس رئيس هيئة الزار ويغمز بعض أجزاء جسمه ويتحدث مع المريض والمريض يأتي بألفاظ غريبة وكأنه يتحدث على لسان شيطان الزار، ويخبر عن الأسباب التي جعلته يدخل الضرر على المريض ويشترط شروطا لابتعاده عنه يضمن له رئيس هيئة الزار تحقيقها ثم يصحو المريض، وقد يشفيه الله ابتلاء وقد ينتقل إلى الدار الآخرة مشركا بالله معتقدا أن الجن تنفع وتضر، وتمرض وتشفي. هذه نبذه مختصرة لوصف مرض الزار وليس هذا هو المقصود، والظاهر أن القارئ قد ضاق صدره لإدخال هذا المرض ووضعه في هذا المكان من هذه الرحلة وتعب في ربط هذا الكلام بالعنوان، فليصبر على ذلك وإليك بيان المراد.
تستأذن بعض النساء من أولياء أمورهن لحضور حفلة الزار لتتفرج وهي ليست مريضة، وعندما تقف في الصف تنظر إلى المريض وهو يرقص فترتعش هي وتدخل تفعل مثل ما يفعل المريض (فقيل راحت تتعجب فدخلت تلعب) فصار ذلك مثلا يضرب لمن قلد شخصا أو حاكاه في أمر ما كان ينبغي له أن يحاكيه أو يقلده لاستغنائه عن ذلك. وقد انطبق هذا المثل على الشيخ عبد القوي - والمثل يحكى كما هو ولا يغير- فقد اجتمع حولنا بعض الباكستانيين والهنود الذين يتحدثون باللغة العربية المفهومة ولم يكونوا يظنون أن الشيخ يتحدث اللغة الأردية فتبادلنا الحديث معهم قليلا ثم لم يقدر الشيخ أن يستمر في التحدث معهم باللغة العربية فانطلق يتكلم باللغة الأردية ولا سيما عندما كان بعض المتحدثين باللغة العربية يترجمون لبعض أصدقائهم باللغة الأردية فأوقفت الشيخ عن التحدث بلغته. وقلت له: أعطهم فرصة ليتمرنوا على اللغة العربية وذكرت عندئذ في نفسي هذا المثل وسجلته في مذكرتي: (راحت تتعجب فدخلت تلعب) .
الجو مهيأ للدعوة الإسلامية في الصين الشيوعية:
التقينا بشاب عربي مسلم جاء لتوه من الصين الشيوعية، فاشتقنا لنسمع منه عن المسلمين في الصين، وكان هذا الشاب قد تلقى بعض العلوم التجريبية في الصين، فسألناه أن يحدثنا عن أحوال المسلمين في الصين، فأعطانا خلاصة للحالة التي كانوا عليها في عهد ماوتسي تونغ، فقال: لقد كانوا في عهده مضطهدين مطاردين غير مسموح لهم بدخول المساجد والصلاة فيها بل هدمت كثير من مساجدهم وقتل الكثير منهم.
أما الآن فقد حصل شيء من التسامح من الحكومة الجديدة، وسمحوا للمسلمين أن يقيموا شعائر دينهم في مساجدهم، بل إن الحكومة رمّمت لهم بعض المساجد المتهدمة كما سمحت لهم بتداول المصحف الشريف وكتبهم الدينية بل سمحت الحكومة ببناء الكنائس والمساجد وقد شرع المسيحيون في بناء عشرين كنيسة في بيكين.
ولو أن المسلمين في الدول العربية وغيرها أمدوا إخوانهم المسلمين الآن في الصين بالمصاحف المطبوعة والمسجلة والكتب الإسلامية والعربية وساعدوهم في بناء المساجد لكان ذلك خيرا من التأخر لأن المسلمين في الصين سيصابون بخيبة أمل إذا أبطأ إخوانهم عن مساعدتهم وهم يرون المسيحيين تنهال منهم الإعانات والمساعدات على بني دينهم.
وقال الأخ المذكور: إن الجو الآن مهيّأ للدعوة الإسلامية في الصين ولكنه يحتاج إلى خطة مدروسة وأسلوب مناسب لحالة الانفتاح الاقتصادي في الصين، ولو وجد دعاة مسلمون على هيئة تجار فإنهم يقدرون على الاتصال بالمسلمين ومساعدتهم وتفقيههم في دينهم.
وقال إن المصاحف والكتب يمكن بعثها إلى بعض تجار المسلمين الصينيين في هونغ كونغ وهم يبعثونها إلى أقربائهم في الصين ويمكن بعثها إلى جامع بيكين مباشرة.
زرع المسلمون وحصد غيرهم: (23/9/ 1400هـ)
جاء إلينا الأخ يوسف كريم، وهو صيني مولود في هونغ كونغ. وشاب نشيط متحمس لدينه الإسلامي، جاء إلينا في الساعة العاشرة صباحا وكانت معه شابة مسلمة مشهورة- أيضا- بالنشاط الإسلامي ولها كتابات في المجلات والجرائد عن الإسلام، وبدأنا نتشاور في كيفية اللقاء بالمنظمات الإسلامية وأعضائها في لقاء واحد يتم في مسجد كولون بعد عصر غد الثلاثاء، وطلبوا مني عنوانا لموضوع محاضرة تلقى في هذا الاجتماع فاخترت لهم هذا العنوان:(أثر الإيمان في حياة الإنسان) .
وطلبت منا الأخت ربيعة أن نتصل بالسيدة سعاد الفاتح السودانية التي كانت تعمل عميدة لكلية البنات في الرياض لما بلغها عنها من تحمس للإسلام وثقافة إسلامية طيبة، قالت: إن وجودها هنا سيساعدنا كثيرا على اجتذاب الفتاة المسلمة إلى مبادئ دينها.
وقالت المناسبة لدعوتها هي أننا نريد أن ننظم ندوة عن المرأة في الإسلام بمناسبة الاحتفال بالهجرة، وتقوم ربيعة بعمل سكرتيرة لجنة الاحتفال هذا الذي تشترك فيه جميع المنظمات الإسلامية.
وقال الأخ يوسف كريم: إننا نعاني عدم وجود من يقوم بتدريس اللغة العربية لأبناء المسلمين، والشيخ صلاح السوداني لا يكفي وحده وعندنا الكلية الإسلامية لو أن الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة منحتها مدرسين لأفادوا فيها، فسألت عن هذه الكلية وعن نشأتها وطلابها وأساتذتها ومناهجها، فأخبرت أن الذي أسسها رجل مسلم صيني اسمه قاسم تويت وهو رئيس الجمعية الإسلامية الصينية في هونغ كونغ وقد التقينا به فيما بعد وأنه أسس هذه المدرسة، في الأصل - لأبناء المسلمين ولكن لجهل المسلمين وعدم وجود مدرسين متفقهين في الدين منهم يضعون المنهج الإسلامي ويدرسون مواده. تسلمت المدرسة السلطات الحكومية- لا قهرا ولكن خداعا من جانبها وعجزا من جانب المسلمين- ووضعت مناهجها مثل مناهج بقية مدارسها وأساتذتها من رجال الحكومة نصارى أو صينيين وأكثر طلابها من غير المسلمين، ونسبة المسلمين فيها 10% فقط.
قلت: لقد زرع المسلمون وحصد غيرهم، ويجب أن تبذلوا جهدكم في تعديل المناهج وإيجاد المدرسين المسلمين ليقوموا بتدريس الطلاب الدين الإسلامي وتكثروا من أبنائكم في المدرسة حتى تؤثروا أنتم في غيركم بالمنهج والكتاب والمدرس لا غيركم يؤثر فيكم كما هو الشأن الآن.
قال الأخ يوسف: نحن لا نقدر على ذلك بدون مساعدة منكم فانقلوا رغبتنا إلى المسئولين في المملكة العربية السعودية في أن يساعدونا بمدرسين لأبنائنا وكتب إسلامية ووضع مناهج.
وقال الأخ يوسف: أدخلت الآن في مناهج المدرسة هذه مادة التاريخ الإسلامي ويدرسها الأستاذ صلاح شيخ ومن تدريسه لها يستطيع أن يعطى الطلبة فكرة عن مبادئ الدين الإسلامي وهى مادة يدرسها المسلمون وغير المسلمين. وقال: توجد في هونغ كونغ ثلاث جامعات: جامعة هونغ كونغ الأم، وجامعة صينية يشرك فيها الصينيون والأوربيون، وجامعة أمريكية تبشيرية كاثوليكية ولم يعترف بشهاداتها إلى الآن، ويستفيد الأوربيون من الجامعة الصينية بل يكادون يسيطرون عليها.
وكثير من الشباب الإسلامي تكون صلتهم بالمنظمات الإسلامية ونشاطاتها الإسلامية جيدة ولكنهم عندما يدخلون في هذه الجامعات ينعزلون عن إخوانهم وقد لا نراهم إلا بعد تخرجهم وذلك بسبب الواجبات الملقاة عليهم في الدراسة وخشية فشلهم فيها وهم هنا لابد أن يتعبوا أنفسهم ليحصلوا على وسيلة جلب رزقهم.
وقال: إن المنظمات هنا لها كامل الحرية في نشاطاتها لا فرق بين المنظمات اليهودية والنصرانية والصينية، وكذلك المنظمات الإسلامية فتستطيع أي منظمة أن تقوم بأي عمل دون أن تصطدم بالمنظمات الأخرى، واليهود هم الذين يسيطرون على الاقتصاد العام ورئيس الجهاز التعليمي يهودي. والبوذيون أغنياء بالأراضي والعمارات.
رسائل لم يحملها البريد
الشيخ عبد الرءوف اللبدي
أستاذ مساعد بكلية الشريعة
أختي العزيزة (هل) :
هذه هي الرسالة الحادية عشرة أبعث بها إليك لأحدثك فيها عن الصيغة الثانية من هذه الصيغ التي تدخل فيها أختك همزة الاستفهام على (لا) النافية للفعل المضارع، وهذه الصيغة هي {أَفَلا تَتَّقُونَ} وقد وردت في اثنتي عشرة آية من آيات القرآن الكريم:
الآية الأولى قوله تعالى: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ} . الآية (65) من سورة الأعراف.
الآية الثانية قوله تعالى: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ} . الآية (31) من سورة يونس.
الآية الثالثة قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ} . الآية (23) من سورة المؤمنون.
الآية الرابعة في قوله تعالى: {ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ َأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ} . الآيتان: (31-32) من سورة المؤمنون.
الآية الخامسة في قوله تعالى: {قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ} (87) . الآيتان: (86-87) من سورة المؤمنون.
الآية السادسة في قوله تعالى: {وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ} (11) . الآيتان: (10-11) من سورة الشعراء.
الآية السابعة في قوله تعالى: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ} (106) . الآيتان: (105-106) من سورة الشعراء.
الآية الثامنة في قوله تعالى: {كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ} (124) . الآيتان: (123-124) من سورة الشعراء.
الآية التاسعة في قوله تعالى: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ} (142) . الآيتان (141-142) من سورة الشعراء.
الآية العاشرة في قوله تعالى: {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ} (161) . الآيتان: (160-161) من سورة الشعراء.
الآية الحادية عشرة في قوله تعالى: {كَذَّبَ أَصْحَابُ لأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ} (771) . الآيتان: (76 ا-177) من سورة الشعراء.
الآية الثانية عشرة في قوله تعالى: {وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إذ قال لقومه ألا تتقون} (124) 0 الآيتان: (123-124) من سورة الصافات.
هذه الصيغة: "أفلا تتقون "جاءت في الآيات المتقدمة على لسان رسل يخاطبون بها أقواما كافرين.
وقد سمي معظم هذه الآيات أسماء الرسل الذين قالوا هذه الصيغة وأسماء الأقوام الذين خوطبوا بها، ولم ترد هذه التسمية في ثلاث آيات، ولكن سياق المعنى في الآية الثانية والآية الخامسة يدل على أن القائل لهذه الصيغة هو محمد صلى الله عليه وسلم خاطب بها المشركين من قريش.
أما الآية الرابعة فليس فيها ولا فيما اكتنفها من الآيات ما يدل على اسم الرسول القائل لها ولا اسم القوم الذين خوطبوا بها.
وهمزة الاستفهام في هذه الصيغة تفيد الإنكار والتوبيخ:
لقد أنكر هؤلاء الرسل على أولئك الكافرين الذين خوطبوا بهذه الصيغة، أنكروا عليهم تركهم تقوى الله تعالى والخشية من عقابه، ووبخوهم على ذلك.
وقبل أن أنتقل بك إلى الصيغة التالية أحب أن أنبهك على أشياء:
لعلك تسألين وتقولين إن هذه الصيغة التي جاءت في الآية السادسة على لسان موسى يخاطب بها قوم فرعون جاءت بياء الغيبة (ألا يتقون) ولم تجئ بتاء الخطاب (ألا تتقون) ، ثم إنه لم يُذكر قبلها (قال) أو (قل) كحالة هذه الصيغة في آياتها الأخر، فكيف يصح أن تقولي قالها موسى يخاطب بها قوم فرعون؟!.
لقد أجاب الطبري في تفسيره عما تسألين، فقد جاء فيه عند تفسيره لهذه الآية:{قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ}
…
ومعنى الكلام قوم فرعون فقل لهم ألا يتقون، وترك إظهار (فقل لهم) لدلالة الكلام عليه، وإنما قيل (ألا يتقون) بالياء، ولم يقل (ألا تتقون) بالتاء لأن التنزيل كان قبل الخطاب
…
إهـ.
والشيء الثاني أن هذه الصيغة جاء ت في خمس آيات من آياتها الاثنتي عشرة بصورة (أفلا تتقون) بالفاء فاصلة بين همزة الاستفهام و (لا) النافية، وهذه الصورة لا نزاع في أن الهمزة فيها للاستفهام، والفاء عاطفة، و (لا) نافية للفعل المضارع.
أما الصورة الأخرى التي جاءت عليها هذه الصيغة وهي (ألا تتقون، ألا يتقون)
بدون فاء فاصلة بين الهمزة و (لا) فقد وقع فيها النزاع والخلاف:
جاء في البحر المحيط لأبي حيان في تفسيره لهذه الآية: {وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ} جاء فيه: "والظاهر أن (ألا) للعرض المضمن الحض على التقوى، وقول من قال إنها للتنبيه لا يصح، وكذلك قول الزمخشري: إنها للنفي دخلت عليها همزة الإنكار"إهـ.
وجاء في الفتوحات الإلهية المعروفة بحاشية الجمل على الجلالين عند تفسير هذه الآية: "وفي السمين أن (ألا) للعرض، وقال الزمخشري: إنها لا النافية دخلت عليها همزة الإنكار، وقيل هي للتنبيه "إهـ.
وعبارة الزمخشري في تفسيره لهذه الصيغة في هذه الآية: "ويحتمل أن يكون (لا يتقون) حالا من الضمير في الظالمين أي يظلمون غير متقين الله وعقابه، فأدخلت همزة الإنكار على الحال، وأما من قرأ (ألا تتقون) على الخطاب فعلى طريقة الالتفات إليهم وجبههم وضرب وجوههم بالإنكار والغضب عليهم "إهـ.
وتفيد عبارة الزمخشري هذه أن الهمزة هنا تفيد الإنكار على كلتا القراءتين: القراءة بياء الغيبة والقراءة بتاء الخطاب.
والرأي - فيما يبدو لي- مع الزمخشري، لأن هذه الصيغة جاءت اثنتي عشرة مرة، خمس منها بالفاء، وهذه لا نزاع في أن الهمزة فيها للاستفهام و (لا) نافية، وفاء العطف الفاصلة بين الهمزة ولا النافية هي التي تقضي بذلك.
وسبع منها بدون فاء، وهذه تحتمل أن تكون (ألا) فيها مكونة من همزة الاستفهام ولا النافية وتحتمل أن تكون (ألا) كلمة واحدة تفيد العرض.
ولما كان القائل لهذه الصيغة في آياتها جميعاً واحداً وهم الرسل، وكان المخاطب بها واحداً وهم الكفار، وكانت الحال البلاغية التي تقتضي أسلوبا معينا من القول واحدة وهي كفر المخاطبين وتكذيبهم الرسل وإنكارهم البعث، لما كان الأمر كذلك كان الصواب أن تحمل هذه الصيغة في آياتها جميعا على معنى واحد هو الاستفهام الذي يفيد التوبيخ والتقريع والإنكار.
ثم إننا إذا نظرنا إلى هذه الصيغة التي وقع فيها الخلاف في قوله تعالى: {وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ} . وجدنا أن هذه الصيغة قد سبقت بما لم تسبق به في الآيات الأخر، فقوله تعالى {وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى} يدل على عظم ما نودي موسى من أجله، وهذا الأمر {أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} يوحي بالقوة والشدة والإسراع، ثم إن وصف القوم بالظالمين وأنهم قوم فرعون يدل على سخط عليهم وغضب. فمن ذا الذي يتوقع بعد هذا كله أن يكون ما حمله موسى إلى قوم فرعون غير ما يدل على الإنكار والتقريع والتوبيخ. إن العرض وحتى لو ضمن معنى التحضيض يأباه كل الإباء سياق الكلام المتقدم الموحي بالسخط عليهم والغضب، وأخذهم بالشدة والغلظة والعنف.
الشيء الثالث: أصل (تتقون) فيما يتخيله علماء الصرف (تَوْتَقِيُونْ) ، على وزن تفتعلون، استثقلت الضمة على الياء فحذفت، فالتقى ساكنان: الياء التي هي لام الكلمة وواو الجماعة، فحذفت الياء لالتقاء الساكنين، وضممت القاف التي قبلها لمناسبة واو الجماعة، ثم إن الواو التي هي فاء الكلمة أبدلت تاء لوقوعها قبل تاء الافتعال ثم أدغمت في تاء الافتعال، فصارت الكلمة تتَّقون على وزن تفتعون؛ والفعل المجرد لهذا الفعل المزيد هو: وقى يقي.
أختي العزيزة: (هل) :
أنتقل بك الآن إلى الصيغة الثالثة من هذه الصيغ التي تدخل فيها أختك همزة الاستفهام على (لا) النافية للفعل المضارع، وهذه الصيغة هي (أفلا تتذكرون)، وقد وردت هذه الصيغة في تسع آيات من آيات القرآن الكريم:
الآية الأولى قوله تعالى: {وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ} . الآية (80) من الأنعام.
تتضمن هذه الآية الكريمة أن قوم إبراهيم عليه السلام جاءوه يجادلونه في توحيده الله سبحانه وتعالى وفي نبذه الأصنام التي يعبدونها من دون الله، ويخوّفونه أن تمسّه هذه الأصنام بسوء.
فأجابهم إبراهيم عليه السلام منكرا عليهم هدا الحجاج والجدال قائلا: أتحاجوني في توحيدي الله تعالى وإخلاصي العمل له دون سواه وقد هداني إلى أنه لا إله إلا هو وحده لا شريك له؟!!.
أما أصنامكم هذه التي تعبدونها من دون الله وتخوفونني أذاها فلا أخافها، إنها لا تستطيع أن تدفع عن نفسها الأذى، فمن أين لها القدرة على الإيذاء؟!!.
إنها لا تضر ولا تنفع إلا أن يشاء ربي بي شيئا فإنه ينالني، فهو القادر على كل شيء ولا يعجزه شيء في السماوات ولا في الأرض، قد وسع علمه كل شيء فلا تخفى عليه خافية.
ثم ختم محاجّته بقوله (أفلا تتذكرون) وهو استفهام إنكار وتوبيخ:
ينكر عليهم ويوبخهم ألا يتعظوا ويتدبروا هذا الأمر الذي وقع فيه الحجاج والجدال، وكأنه يقول لهم: أفلا تتعظون أيها الأغبياء الجاهلون وتعقلون فتدركوا أن هذه الأصنام لا تفقه ولا تعقل ولا تملك نفعا ولا ضرا ولا تستحق العبادة، وأن الله العالم بكل شيء والقادر على كل شيء والخالق الرازق الذي بيده ملكوت كل شيء هو وحده الذي يستحق العبادة.
الآية الثانية قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ} . الآية (3) من سورة يونس.
تتضمن هذه الآية الكريمة أن ربكم أيها الناس هو الله المعبود بحق، وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش مدبرا أمر ملكه على أكمل وجه، لا يشاركه أحد في التدبير، ولا يصيب تدبيره خلل واضطراب، ولا يشفع عنده يوم القيامة إلا من يأذن له. ذلكم أيها الناس هو الله الذي خلق هذا الخلق العظيم ودبّر أمور هذا العالم أكمل التدبير، ذلكم هو ربكم الحق الذي ينبغي أن تخلصوا له العبادة وأن تفردوه بالربوبية وأن تتقربوا إليه بالطاعات، وليس هناك من شيء يستحق أن يُعبد من دون الله ولا أن يُتخذ شريكا له.
وفي ختام هذه الآية قال تعالى: {أَفَلا تَذَكَّرُونَ} . وهو استفهام إنكار وتوبيخ:
ينكر الله سبحانه وتعالى على المشركين ويوبخهم أن لا يفكروا في خلقه العظيم خلق السماوات والأرض، وفي تدبيره المحكم لأمور خلقه فيدركوا ما هم فيه من خطأ فاحش وضلال بعيد وإشراك بالله بغير حق، ومن عبادة من لا يضر ولا ينفع ولا يقدر على شيء، فيدركوا ذلك وينيبوا إلى الله جلت قدرته وعظم تدبيره ويوحدوه ويفردوه بالعبادة.
الآية الثالثة قوله تعالى: {مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً أَفَلا تَذَكَّرُونَ} . الآية (24) من سورة هود.
تتضمن هذه الآية الكريمة شبه الكافر والمؤمن:
فالكافر الذي عمي قلبه فلم ير الحق والهدى والإيمان، وصمّت أذنه عن سماع الفهم والتدبر لآيات القرآن، يشبه الإنسان الأعمى الأصم الذي لا يبصر بعينه الطريق الذي يوصله إلى غايته، ولا يسمع بأذنه كلاما ينتفع به في حياته، ووجه الشبه إخفاق كل منهما في الوصول إلى ما فيه النفع والخير والفلاح.
والمؤمن الذي أراه الله الحق والإيمان، وفهم وتدبر بسمعه آيات القرآن، يشبه الإنسان البصير السميع الذي يرى بعينه طريقَه الذي يوصله إلى غايته، ويسمع بأذنه كلاما ينتفع به في حياته، ووجه الشبه فوز كل منهما بما فيه النفع والخير والفلاح.
والتشبيه في الموضعين من تشبيه المعقول بالمحسوس، وهذا هو الغالب على تشبيهات القرآن الكريم، لأن المشبه به المحسوس أوضح تصويراً للمشبه وأدق، وأشد تأثيرا في النفوس وأعمق.
ومن هذين التشبيهين يتبين أن الكافر والمؤمن ليسا سواء عند الله تعالى فشتان ما بين الضلال والهدى، وشتان ما بين الكفر والإيمان.
وفي ختام هذه الآية قال تعالى: {أَفَلا تَذَكَّرُونَ} وهو استفهام إنكار وتوبيخ:
ينكر الله سبحانه وتعالى على الكافرين ويوبخهم أن لا يتدبروا ويفكروا في حال كل من الكفر والإيمان وما بينهما من اختلاف وتباين، في أيهما الخير والفلاح، وفي أيهما الشر وسوء المنقلب، فيرتدعوا عما هم فيه من الضلال إلى الهدى ومن الكفر إلى الإيمان.
الآية الرابعة في قوله تعالى: {وَيَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ} (30) . الآيتان: (29-30) من سورة هود.
تتضمن هاتان الآيتان الكريمتان أن نوحا عليه السلام قال لقومه: يا قوم أنا أدعوكم إلى عبادة الله وحده لا تشركون به شيئا، ولا تظنوا أني أطمع من وراء ذلك في مال تعطونني إياه أجرا على ذلك، إنما أجري على الله تعالى، فهو الذي يثيبني وعنده حسن الجزاء.
أما هؤلاء الذين تزعمون أنهم أراذلكم وتطلبون مني أن أطردهم وأعرض عنهم فما أنا بطاردهم، وكيف أطردهم وقد آمنوا بالله لا يشركون به شيئا، ثم إنهم ملاقو ربهم، وأي شرف أعظم من هذا اللقاء؟!!.
ولكني أراكم قوما تجهلون أن لهم فضلا عليكم وزلفى عند الله بهذا الإيمان، وأن أموالكم وأحسابكم ليست بالتي تقربكم عند الله شيئا.
ومن يمنعني يا قوم من عقاب الله إن طردتهم وهم المؤمنون به الملاقون له المقربون عنده؟ !!.
وفي ختام هذه الآية قال لهم {أَفَلا تَذَكَّرُونَ} وهو استفهام إنكار وعتاب:
ينكر نوح عليه السلام على قومه ويعتب أن لا يتدبروا أمرهم وأمر المؤمنين من قومهم فيدركوا أن الإيمان بالله وباليوم الآخر ونبذ الآلهة التي تعبد من دون الله هو الفوز والفلاح والعلو والشرف، وأن الإشراك بالله وإنكار البعث والحساب هو الخسران المبين.
تبين هذه الآيات الكريمة خلائق عظيمة خلقها الله تعالى لعباده، ونعما جليلة أنعم بها سبحانه وتعالى عليهم، وفي ختام هذه الآيات جاءت الآية الكريمة:{أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ} .
وقد تضمنت هذه الآية الكريمة التباين بين من يخلق وينشئ ويبدع ابتداء وهو الله جل وعلا وبين من لا يخلق شيئا ألبتة ولا يستطيع أن يخلق وهي الأصنام ممن يعبد من دون الله.
وفي ختام هذه الآية جاء قوله تعالى: {أَفَلا تَذَكَّرُونَ} وهو استفهام إنكار وتوبيخ:
ينكر الله سبحانه وتعالى على الناس الذين لا يفردونه بالعبادة ويوبخهم على غفلتهم وجهلهم وسوء نظرهم وعدم تنبههم لأمر واضح جلي يدرك بأقل تفكر، ويعرف بأدنى تذكر، وهو أن من يخلق هذه الخلائق العظيمة وينعم بهذه النعم الجليلة هو المستحق لأن يفرد بالعبادة، وأن من لا يخلق شيئا ولا يستطيع أن يخلق هو شيء لا يستحق عبادة ما أبدا.
الآية السادسة في قوله تعالى: {بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الأَوَّلُونَ قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ} (85) 0 الآيات: (81-85) من سورة المؤمنون.
تتضمن هذه الآيات الكريمة أن المشركين من كفار مكة قالوا مثل ما قال أسلافهم الأقدمون الذين كذبوا من أرسله الله تعالى إليهم، قالوا لهم أإذا متنا وبليت أجسامنا وصارت ترابا وعظاما، أإنا لمبعوثون من قبورنا أحياء كما كنا من قبل الممات؟! إنّ هذا لن يكون.
وتتضمن أيضا أن المشركين من كفار مكة قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم أنت يا محمد تعدنا أننا سنبعث بعد الممات، وهذا وعد قد وعده آباؤنا من قبل أناس قالوا عن أنفسهم إنهم رسل لله، فما هذا الوعد إلا أكاذيب سطرها الأولون في الكتب.
وتتضمن أيضا أن الله سبحانه وتعالى قال لرسوله صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لقومك المكذبين بالبعث: "لمن مُلْك هذه الأرض ومن فيها من الخلائق إن كنتم تعلمون ذلك؟ ".
ثم أعلمه الله سبحانه وتعالى أن قومه سيقولون في جواب هذا السؤال مقرّين: إنها ملك لله وحده، ثم أخبره سبحانه وتعالى أن يقول لهم بعد أن يجيبوا هذا الجواب:(أفلا تذكرون) وهو استفهام إنكار وتوبيخ:
ينكر عليهم أن لا يتدبروا ويعقلوا أن من قدر على خلق هذه الأرض ومن فيها بدءاً وإبداعاً قادر على إعادتهم إلى الحياة مرة ثانية خلقا سويّا كما بدأهم أول مرة.
الآية السابعة قوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ} . الآية (4) من سورة السجدة.
تتضمن هذه الآية الكريمة أن الله سبحانه وتعالى هو وحده الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش، فهو المتفرد بهذا الخلق العجيب العظيم، فليس لكم أيها الناس من ناصر ينصركم منه إن أراد بكم ضرا، وليس لكم من شفيع يشفع لكم عنده إن عاقبكم على مخالفتكم أمره.
وفي ختام هذه الآية الكريمة قال تعالى: {أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ} وهو استفهام إنكار وتوبيخ:
ينكر الله سبحانه وتعالى على الكافرين ويوبخهم أن لا يفكروا في قدرته العظيمة المبدعة وفي تفرده بتدبير أمور خلقه لا شريك له، فيدركوا أنه وحده المستحق للعبادة، وأن من دونه لا يستحقون شيئا.
الآية الثامنة في قوله تعالى: {فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِنَاثاً وَهُمْ شَاهِدُونَ أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أَفَلا تَذَكَّرُونَ} (155) . الآيات: (149-155) من سورة الصافات.
مما تضمنته هذه الآيات الكريمة أن مشركي قريش كانوا يقولون إن الملائكة بنات الله، وقد وبخهم الله سبحانه وتعالى بأنهم لا يرضون الإناث لأنفسهم فكيف يرضون ذلك لله رب العالمين.
ومما تضمنته أيضا تبيان كذبهم بأنهم لم يحضروا ولم يروا خلق الله تعالى للملائكة حين خلقهم فمن أين عرفوا أنه جل وعلا قد خلقهم إناثا، وكيف يحكمون بهذا الحكم دونما حجة ولا برهان.
وفي ختام هذه الآيات قال تعالى: {أَفَلا تَذَكَّرُونَ} وهو استفهام توبيخ وإنكار:
يوبخ الله سبحانه وتعالى مشركي قريش وينكر عليهم أن لا يتدبروا ما يقولون، وأن لا يفكروا فيما يحكمون، فيعرفوا ما في قولهم من خطأ وجهل وما في حكمهم من إفك وبهتان، فيرجعوا عن الضلال ويثوبوا إلى الرشد.
الآية التاسعة قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ} .. الآية (23) من سورة الجاثية.
تتضمن هذه الآية الكريمة أن من اتخذ معبوده ما تهواه نفسه، وأضله الله على علم منه بأنه لا يهتدي ولو جاءته كل آية، وختم على سمعه فلا يسمع آيات الله ويتدبرها ويدرك ما فيها من نور وهداية، وختم على قلبه فلا يفقه به حقا، وجعل على بصره غشاوة فلا يبصر آيات الله المنبثة في جنبات الأرض وآفاق السماء الدالة على قدرته ووحدانيته فيعلم أنه لا إله إلا هو، إن من كان على هذه الصفة لن يستطيع أن يهديه أحد من بعد الله تعالى.
وفي ختام هذه الآية جاء قوله تعالى: {أَفَلا تَذَكَّرُونَ} وهو استفهام توبيخ وإنكار:
يوبخ الله سبحانه وتعالى أولئك المشركين وينكر عليهم أن لا يتدبروا أن معبوداتهم من دون الله لا تنفعهم إن أراد الله بهم ضرا، وأنها لا تغني عنهم من الله شيئا، وأنه وحده الهادي إلى الصراط المستقيم، وأنهم لن يجدوا لأنفسهم من دونه وليّاً مرشدا.
أختي العزيزة (هل) :
في ختام هذه الرسالة أحب أن أنبهك على أن هذه الصيغة قرئت في بعض آياتها بتاءين (أفلا تتذكرون) وفي معظم آياتها بتاء واحدة (أفلا تذكرون) ، وما جاء بتاءين فعلى الأصل، والتاء الأولى هي تاء المضارعة، والتاء الثانية هي تاء تفعّل الزائدة في الفعل الماضي، وحين يجتمع تاءان في أول مضارع تفعّل يجوز أن لا تخففيهما فتبقيان على حالهما، ويجوز أن تخففيهما فتحذفي إحدى التاءين، وقد اختلفوا أيهما المحذوفة. فرأى سيبويه: أن المحذوفة هي الثانية لأن الثقل منها نشأ، ولأن حروف المضارعة زيدت على تاء تفعل لتكون علامة دالة على معنى المضارعة فهي أولى بالبقاء. وقال الكوفيون: المحذوفة هي الأولى، وجوز بعضهم الأمرين.
ومهما يكن من أمر فقراءة التاءين جاءت على الأصل، وقراء التاء الواحدة جاءت على التخفيف.
أختي العزيزة:
أستودعك الله تعالى، وأسأله جل وعلا أن يعين على رسالة قادمة يكون فيها الخير والرشاد.
والسلام عليك ورحمة الله وبركاته
…
أختك
همزة الاستفهام
مراجع ما جاء في هذه الرسالة
(أ) المراجع على وجه الإجمال:
ا- تفسير أبى جعفر محمد بن جرير الطبري- الطبعة الثالثة- الناشر: الحلبي بمصر.
2-
تفسير البحر المحيط لأبى حيان الأندلسي. الناشر. مكتبة ومطابع النصر الحديثة بالرياض.
3-
تفسير أبي السعود. الناشر: دار المصحف- مكتبة ومطبعة عبد الرحمن محمد القاهرة.
4-
الفتوحات الإلهية المعروفة بحاشية الجمل على الجلالين. الناشر: الحلبي بمصر.
5-
تفسير ابن كثير. الناشر: الحلبي بمصر.
6-
تفسير الكشاف للزمخشري. الناشر: الحلبي بمصر.
7-
تفسير القرطبي (نسخة مصورة عن طبعة دار الكتب المصرية) . الناشر: دار الكاتب العربي للطباعة والنشر بالقاهرة.
8-
شرح شافية ابن الحاجب للرضى- تحقيق محمد نور حسن وزميليه. الناشر: محمود توفيق، مطبعة حجازي بالقاهرة.
(ب) المراجع على وجه التفصيل:
1-
مراجع صيغة 0 (ألا تتقون) في آياتها الإثنتي عشرة.
- الآية الأولى (65) الأعراف: تفسير أبي السعود (ج3 ص231) . تفسير البحر المحيط: (ج4 ص323) . تفسير الطبري: (ج5 ص215) .
- الآية الثانية: (31) يونس أبو السعود. (ج4 ص14) . البحر المحيط: (ج5ص154) . الطبري: (ج11 ص114) . القرطبي: (ج 8 ص335) .
- الآية الثالثة: (23) المؤمنون. أبو السعود: (ج5 ص130)، البحر المحيط (ج6 ص 402) . الطبري:(ج18 ص16) .
الآية الرابعة: (32) المؤمنون: الطبري: (ج18 ص19) .
الآية الخامسة: (87) المؤمنون: الطبري: (ج18 ص47) . البحر المحيط: (ج6 ص418) . القرطبي: (ج12 ص145) . حاشية الجمل: (ج3 ص200) .
الآية السادسة: (11) الشعراء: الطبري: (ج19 ص64) القرطبي: (ج13 ص91) . البحر المحيط: (ج7 ص7) 0 الزمخشري: (ج3 ص106) أبو السعود: (ج6 ص236) حاشية الجمل: (ج3 ص273) .
الآية السابعة: (106) الشعراء. البحر المحيط: (ج7 ص30) . الطبري: (ج19 ص90) . أبو السعود: (ج6 ص254) القرطبي: (ج13 ص119) .
الآية الثامنة: (124) الشعراء. البحر المحيط: (ج7 ص33) . الطبري: (ج19 ص92) .
الآية التاسعة: (1،2) الشعراء: الطبري: (ج19 ص99) .
الآية العاشرة: (16) الشعراء: الطبري: (ج19 ص105) .
الآية الحادية عشره: (177) الشعراء: الطبري: (ج19 ص107) . القرطبي: (ج13ص135) .
الآية الثانية عشرة: (124) الصافات: الطبري (ج23 ص91) . أبو السعود: (ج 7ص 203) .
2-
مراجع صيغة (أفلا تذكرون) في آياتها التسع:
الآية الأولى: (80) الأنعام: البحر المحيط: (ج4 ص170) . الطبري: (ج7 ص253) . أبو السعود: (ج3 ص155) . ابن كثير: (ج2 ص152) .
الآية الثانية: (3) يونس: البحر المحيط: (ج5 ص124) . الطبري: (ج11 ص83) . ابن كثير: (ج2 ص406) . الزمخشري: (ج2 ص225) .
الآية الثالثة: (34) هود: البحر المحيط: (ج5 ص213) . أبو السعود: (ج4 ص199) . الطبري: (ج12 ص25) . حاشية الجمل: (ج2 ص.39) .
الآية الرابعة: (30) هود: البحر المحيط: (ج5 ص218) . أبو السعود: (ج4 ص203) . الطبري: (ج12 ص30)
الآية الخامسة: (17) النحل: البحر المحيط: (ج5 ص481) . الطبري: (ج14ص92) . أبو السعود: (ج5 ص104) .
الآية السادسة: (85) المؤمنون: البحر المحيط: (ج6 ص418) . أبو السعود: (ج6 ص130) . الطبري: (ج18 ص47) . حاشية الجمل: (ج3 ص200) . القرطبي: (ج12 ص145) . ابن كثير: (ج3 ص253) . الزمخشري: (ج3 ص40) .
الآية السابعة: (4) السجدة: أبو السعود: (ج7 ص85) . الطبري: (ج21 ص91) . القرطبي: (ج14 ص86) . ابن كثير: (ج3 ص456) .
الآية الثامنة: (155) الصافات: البحر المحيط: (ج7 ص377) . أبو السعود: (ج7 ص208) . الطبري: (ج23 ص106) . القرطبي: (ج15 ص134) .
الآية التاسعة: (23) الجاثية: الطبري: (ج25 ص151) . القرطبي: (ج16 ص169) .
3-
مرجع ما ورد من صرف في صيغة (أفلا تتذكرون) :
شرح شافية ابن الحاجب للرضيّ: تحقيق محمد نور حسن وزميليه: (ج3 ص290) .
حديث مع البلبل
محمد بن عبد الله زربان الغامدي
وكيل عمادة شئون الطلاب
أيا بلبل الروض أين النغم
يفيض على القلب طيب النسم
وأين الأغاريد تلك التي
عهدنا ترددها من قدم
فقد غاب صوتك عنى فهل
عناؤك مازال أم بي صمم
فقال وفي مقلتيه الدموع
لقد زال عهد الرضا وانصرم
وجاء زمان يحار اللبيب
من العيش فيه ويخشى النقم
لقد كنت أشدوا وما في الحمى
سواى يشاركني في النغم
تنقلت من فوق غصن لغصن
وغنيت من كل لحن لهم
وصوتي يردد في العالمين
وتصغى له عربها والعجم
أمنت فنمت لرجع الصدى
وأدركني الليل يهدي الظلم
فقلت: أيا ليل هل تنقضي
فزاد بظلمته وادلهم
أما آن ياليل أن تنجلي
ليطلع فجر يضيء الأكم
أفقت إذا الأرض غير التي
عهدت فلم يبق فيها علم
سوى طلل يندب السابقين
ويحكى نهاية من قد ظلم
فأين صقور الحمى هاجرت
ولم يبق من بعد إلا الرخم
وبوم يعشش بين الخراب
وغربان تبحث بين الرمم
أمن بعد أن قادت العالمين
تقاد لأعدائها كالنعم
تقول فمن يستمع قولها؟!
وترمي المواثيق لا تحترم
إذا ما دعوا للهدى أدبروا
وأما الهوى فأجابوا نعم
أما قرأوا سيرة السابقين
ومن قد مضى قبلهم من أمم
وكيف انتهى منهم الظالمون
وحل بهم من عظيم النقم
وآي الكتاب وهدى الرسول
وفيها الهداية والمعتصم
طريق النجاة لمن رامها
وتنذر بالويل من قد ظلم
وبعد اجتماع نرى فرقة
يذوب لها القلب مما ألم
وأمتنا جسد واحد
فإن يشك عضو تداعى الألم
وصرح تماسك بنيانه
وشد على بعضه فاحتكم
ولكنه اليوم جسم جريح
ففي كل واد جرى منه دم
واهمل بنيانه فاعتدت
عليه أيادي الردى فانهدم
وبعد السيادة العوبه
واضحوكة تعتلى كل فم
ترى كل شيء غلا سعره
وفيه التنافس إلا القيم
نصحت وأدركت من نصحهم
يرون النصوح لهم متهم
وقلت لغيري ألا تنصحون
فأين الشهامة أين الشيم؟
ترامى لسمعي صوت حزين
وأوقف سيري وشد القدم
وقال وفي عينه دمعة
لقد بح صوتي وجف القلم
أيا بلبل الروض لا تيأسن
وتبقى صريع الأسى والألم
فقد لاح في الأفق فجر يضيء
يشع بأنواره في القمم
فأصغى إلى: أحقا نقول؟
وقد كظم الحزن ثم ابتسم
فقلت له خفف الروع قد
دنا جرحنا للشفاء والتأم
أما تبصر الجمع قد ضمهم
لقاء بطيبة أرض الحرم
وفي مهبط الوحي حين التقوا
على الخير والكل منهم عزم
آيا قادة العلم في أمة
تحيط بها حالكات الظلم
تداعى عليها الأعادي فكم
عدو ينادي عدوا هلم
فذا طامع حاسد غيره
وهذا حقود دعا نقتسم
وهذا الغثاء وقد ساقهم
إلى الغي سيل الهوى كالغنم
وألقى بهم في بحور الضلال م
تقاذفه اليم يم ليم
وسارت بهم في عميق البحار
فعاث بهم موجها والتطم
فخافوا وكل بكى نفسه
وعضوا جميعا أكف الندم
ألاّ فاذكروا اليوم تفريطكم
وما كان من زلة للقدم
أيا قادة العلم حُمِّلتم
أمانة علم، فأعلوا الهمم
ففي جمعكم أمل يرتجى
لأفئدة باللظى تضطرم
تطلع فيكم إلا حققوا
مناها فكم مسها من سقم
وأدوا الأمانة في همة
تكونوا منارا لمن بعدكم
فما قام حق وأربابه
يرون المقيم له متهم
إذا باطل قام في غفلة
من الحق ثم انتشى وانتقم
أفاق له الحق في عزة
فعاد لأدراجه وانهزم
فتحيا البلابل في روضها
وتهتف فيه بشكر النعم
من تراثنا الشعري المعاصر
المؤاخاة بين المهَاجرين والأنصَارِ
للشاعر أحمد محرم
الأسرة اجتمعت في الدّار واحدة
حيّيت من أسرة، بوركت من دار
مشى بها من رسول الله خير أب
يدعو البنين فلبَّوا غير أغمار [1]
تأكد العهد مما ضمَّ ألفتهم
واستحصد الحبل من شد وإمرار [2]
كلَّ له من سراة المسلمين أخ
يحمي الذمار، ويرعى حرمة الجار
يطوف منه بحقِ ليس يمنعه
وليس يعطيه إن أعطى بمقدار
يجود بالدم، والآجال ذاهلة
ويبذل المال في يسر وإعسار
هم الجماعة، إلا أنهم برزوا
في صورة الفرد، فانظر قدرة الباري
صاح النبي بهم، كونوا سواسية [3]
يا عصبة الله من صحب وأنصار
هذا هو الدّين، لا ما هاج من فتنٍ
بين القبائل دين الجهل والعار
ردوا الحياة فما أشهى مواردهَا
دنيا صفت بعد أقذاء وأكدار
الجاهليَّة سمُّ ناقعٌ وأذىً
تشقَى النّفوس بداءٍ منه ضرّار
تأهبوا، إنَّ ديناً قام قائمه
يومي إليكم بآمالٍ وأوطار [4]
أما ترون رياح الشّرك عاصفةً
تطغى على أممٍ شتًّى وأقطار؟
لن أترك النَّاس فوضى في عقائدهم
ولن أسالم منهم كل جبَّار
أكلّما ملك الأقوام مالكُهم
رمى الضّعاف بأنيابٍ وأظفار؟
الشّرُّ غطَّى أديم الأرض فارتكست
أقطارها بين آثامٍ وأوزار [5]
أخفى محاسنها الكبرى، فكيف بكم
إذا تكشّف عن وجهٍ لها عار؟
لأنزلنَّ ذوي الطغيان منزلةً
تستفرغُ الكبر من هامٍ وأبصار
ظنُّوا الضّعاف عبيداً، بئس ما زعموا
هل يخلقُ الله قوماً غير أحرار؟
ما غرَّهم إذ أطاعوا أمر جاهلهم
بواحدٍ غالب السُّلطان قهَّار؟
يرمي العروش إذا استعصت ويبعثها
مبثوثةً في جناحي عاصفٍٍٍ ذار [6]
بعثت الحق يهدي الجامحين كما
يهدي الحيارى شعاع الكوكب الساري
أدعو إلى الله بالآيات واضحة
وتنهى الغويّ وتنهى كلّ كفار
فمن أبى فدعائي كلُّ ذي شطب
ماضي الرسالة في الهامات بتار [7]
الله أكبر. هل في الحق معتبة
لمستخفّ بعهد الله غدّار؟
ألم يكن أخذ الميثاق من قدمِ
فما المقام على كفر وإنكار؟
إن الألى اتخذوا الأصنام آلهة
على شفا جرف من أمرهم هار
يستكبرون على من لا شريك له
ويسجدون على هون لأحجار
راحوا يجلونها من سوء ما اعتقدوا
والله أولى بإجلال وإكبار
لكل قوم إله يؤمنون به
ما يبتغي الله من إيمان فجار؟
سبحانه من إله شأنه جلل
يهدى النّفوس بآيات وآثار
لأكشفنّ عن الأبصار إذ عميت
ما أسدل الجهل من حجب وأستار
ما للسراحين بد من مصارعها
إذا انتضت سطوات الضيغم الضاري [8]
ضموا القوى، إنها دنيا الجهاد بدت
أشراطها، وترآى زندها الوارى
لابدّ من غارة للحقّ باسلة
وجحفل من جنود الله جرّار
خير الذخائر أبقاها، ولن تجدوا
كالعهد يرعاه أخيار لأخيار
لا تنقضوا العهد، إن الله منزله
على لسان رسول منه مختار
قالوا: عليك صلاة لله إنّ بنا
ما الله يعلم من عزم وإصرار
آخيت بين رجال يصدقون إذا
زلّت قوى كل خداع وختار [9]
جنود ربك، إن قلْت: اعصفوا عصفوا
يرمون في الحرب إعصاراً باعصار [10]
من كلّ منغمس في النفس مرتجس
وكلّ منبجس بالبأس فوّار [11]
--------------------------------------------------------------------------------
[1]
غير أغمار: غير حاقدين.
[2]
استحصد: قوى والإمرار الفتل.
[3]
سواء.
[4]
الأوطار والحاجات ويومي يشير.
[5]
أديم الأرض وجهها ارتكس الرجل والشيء انتكس.
[6]
من ذرت الريح إذا هاجت التراب.
[7]
الشطب الطرائق في السيف والبتار القاطع.
[8]
السراحين الذئاب والضيغم الضاري الأسد المفترس.
[9]
الختار الغدار.
[10]
الإعصار الريح العاتية تثير السحاب، أو التي يكون فيها برق ورعد.
[11]
ارتجست السماء رعدت، والسحاب صوت، وانبجس الماء ونحوه تفجر، والنقع الغبار يثور من حدة المعركة.
الرَّأيُ العَامُ في المجُتمع الإسلامِيِّ
لِلدكتور إبراهيم زيد الكيلَاني
كلية الشريعة ـ الجامعة الأردنية
الرأي العام في المجتمع الإسلامي
الحمد لله رب العالمين وبه أستعين والصلاة والسلام على نبيه الكريم محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد:
فقد رأيت أن أكتب في الرأي العام في المجتمع الإسلامي من خلال النقاط التالية:
1-
تعريف الرأي العام.
2-
تكوين الرأي العام والمؤثرات فيه.
3-
وظيفة الرأي العام.
الرأي العام:
تعريفه: وردت تعاريف متعددة للرأي العام منها: "أنه ميول الناس نحو قضية ما، إذا كان هؤلاء الناس من فئة اجتماعية واحدة "[1]
ومنها: "أنه الحكم الذي تصل إليه الجماعة في قضية ما ذات اعتبار ما ".
ومن هذين التعريفين يتبين أن الرأي العام هو نتيجة أمور عديدة منها:
ا- أن تكون هناك قضية مطروحة.
2-
أن تكون مناقشات وافية حول القضية المطروحة.
3-
أن يكون (الحكم) الذي تصل إليه الجماعة أو "الرأي "متفقا مع [2] :
أ- عقيدة الأمة.
ب- ملبياً لحاجاتها محققاً لمصلحتها.
ومن الجدير بالذكر أن الرأي العام الذي ينشده الإسلام في المجتمع الإسلامي هو الرأي العام الصالح المتفق مع عقيدة الأمة وقيمها.
ومن الأهمية بمكان أن نقول إن هذا الرأي العام هو ثمرة ارتباط أفراد المجتمع الإسلامي برباط ثقافي موحد مستمد من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن شأن أفراده أن يرجعوا إلى حكم الله فيما يعرض لهم من حوادث، وأن ينطلقوا من القيم الإسلامية مهتدين بهديها ليكون الرأي العام فيها وليد عقيدتهم، راجعاً إلى هدى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
تكوين الرأي العام:
يتكون الرأي العام في المجتمع الإسلامي نتيجة للإطار الثقافي الذي وضع القرآن الكريم حدوده، وبينته السنة المشرفة، والمبادئ الإسلامية التالية من شأنها أن تبين معالمه:
1-
من مبادئ الإسلام أن يرجع المسلم في أموره كلها إلى حكم الله قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِم} . (الأحزاب: 36) .
2-
من مبادئ الإسلام ألا يتسرع المسلم بالحكم على شيء قبل معرفة حكم الله فيه قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} . (الحجرات: 1) .
قال الإمام ابن كثير في تفسير هذه الآية: "أي لا تتسرعوا في الأشياء بين يديه، أي قبله بل كونوا تبعاً له في جميع الأمور، حتى يدخل في عموم هذا الأدب الشرعي حديث معاذ ـ رضى الله عنه- حيث قال له النبي صلى الله عليه وسلم حين بعثه إلى اليمن: "بم تحكم؟ ". قال: بكتاب الله تعالى، قال صلى الله عليه وسلم : فإن لم تجد؟ قال: بسنة رسول صلى الله عليه وسلم ، قال: فإن لم تجد؟ قال رضي الله عنه: أجتهد رأيي، فضرب في صدره وقال: "الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم لما يرضى رسول الله صلى الله عليه وسلم . ". رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة ـ قال ابن كثير: فالغرض منه أنه أخر رأيه ونظره واجتهاده إلى ما بعد الكتاب والسنة، ولو قدمه قبل البحث عنهما لكان من باب التقديم بين يدي الله ورسوله [3] .
3-
حدد الإسلام المصدر الوحيد لتلقي الثقافة وهو الكتاب والسنة، ولا يجوز للمسلم أن يشوه فكره بثقافة مغايرة، وعلى أولي الأمر في المجتمع الإسلامي أن يحموا أفراد المجتمع من منابع الفكر الغريب المنحرف، حتى لا تقع الأمة في مدارس فكرية مختلفة، فيحصل الانقسام، والفرقة، والتفكك، ومن المناسب هنا أن نذكر غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم واستنكاره عندما رأى صحيفة من التوراة بيد عمر بن الخطاب- رضي الله عنه وبين أن موسى عليه السلام لو كان حياً لما وسعه إلا أن يتبع رسالة خاتم الرسل ومكمل الرسالات السابقة برسالته محمد صلى الله عليه وسلم .
المؤثرات في تكوين الرأي العام في المجتمع الإسلامي:
في ظل هذه المبادئ والأسس التي رسمها الإسلام للمجتمع، نجد أن الإسلام دعا إلى قيام المؤسسات التوجيهية التي تربى أفراد الأمة تربية إيمانية صالحة على عقائد الإسلام وقيمه واتجاهاته ليكون الرأي العام في المجتمع الإسلامي الثمرة المباركة لهذه المؤسَسات وهي:
(1)
المسجد:
كانت إقامة المسجد العمل الأول الذي بدأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة.
رسالة المسجد في الإسلام:
وليس المسجد في الإسلام مكاناً للعبادة فحسب، إنه مدرسة توجيه وإرشاد يلتقي فيه أفراد الحي كل يوم خمس مرات فيستمعون كتاباً واحداً هو القرآن الكريم ويتلقون توجيهاً واحداً من هدايته، ويستشعرون رابطة الوحدة والأخوة التي تجمعهم وهم صفوف مستوية متراصة تقتدي بإمام واحد.
(2)
العلماء:
وفي المسجد تلقى دروس العلم، ويلتقي أبناء الحي يتلقون ثقافة واحدة من هدي الكتاب والسنة وشروح العلماء.
وفي المسجد يلتقي أبناء الحي وتدور بينهم المناقشات حول قضاياهم الاجتماعية والاقتصادية التي من شأنها أن توحد رأيهم وتجمعهم على طريق سواء.
وللعلماء والعاملين الذين يتصفون بغزارة العلم، والزهد، والصدق والإخلاص والجرأة في قول الحق دور كبير في تكوين الرأي العام وتوجيهه نحو الخير.
فالعالم العاقل حتى يكون قدوة حسنه بعلمه ونزاهته وزهده وجرأته وصدقه وإخلاصه جدير به أن يؤثر بالجماهير ويقودها، ولقد حفل تاريخنا الإسلامي بالأمثلة العديدة لهذه القيادة التي قاد بها العلماء الرأي العام لمواجهة بدع المعتزلة في خلق القرآن وتأثير الفلسفة اليونانية في الفكر الإسلامي وضرب هذا الاتجاه الفلسفي ضربة قاصمة بعلمه وصبره وجهاده وثقة الناس به العالم أحمد بن حنبل- رضي الله عنه والشيخ العز بن عبد السلام- رضي الله عنه قاد الرأي العام في المجتمع الإسلامي لمواجهة الحاكم الذي تعاون مع الصليبين ضد المسلمين، ولمواجهة الانحراف في المجتمع والفساد الذي كان وراءه بعض الأفراد.
والإمام ابن تيمية - رحمه الله تعالى- وتلميذه ابن القيم قاد الرأي العام وأذكى شعلته لمواجهة التتار من جهة. ولمحاربة البدع والأفكار الدخيلة في المجتمع من جهة أخرى، وكان جهاده في ميدان الفكر كجهاده في ميدان المعركة يعطي الصورة الكريمة للعالم المسلم القادر على قيادة الجماهير بعلمه وموقفه، بقلمه وجهاده، حتى لا ينفصل العلم عن الموقف، ولأن الناس لا ينظرون إلى العلماء بألقابهم ووظائفهِم ورتبهم فحسب، وإنما ينظرون إليهم بسيرتهم وحسن اقتدائهم برسول الله صلى الله عليه وسلم جهاداً ودعوة.
(3)
فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
والعلماء في المجتمع الإسلامي هم المسؤولون بالدرجة الأولى عن القيام بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وللقيام بهذه الفريضة آثارها الكبيرة في إيجاد الرأي العام الصالح في المجتمع الإسلامي، ولهذا كانت الآيات الكثيرة في القرآن الكريم مبينة هذه الفريضة داعية الأمة إلى القيام بها. ومنها:
{وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} . (آل عمران: 104) .
ومن صفات المؤمنين الصالحين أنهم: يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.
{يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ} . (التوبة: 71) .
-وهناك مؤثرات أخرى في تكوين الرأي العام، عمل الإسلام على توجيهها وربطها بقواعده ومبادئه وهي:
(أ) البيت: وقد أشار القرآن الكريم إلى الذرية الصالحة التي تتبع الوالدين على طريق الإيمان {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُم} . (الطور: 21)، وأشار إلى خطر انفصال الولد عن أبيه والأسرة عن بعضها إذا انحلت عرى الإيمان فقال:{لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ} . (المجادلة: 22) .
وفي الحديث الشريف: "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه [4] "وكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته".
(ب) المدرسة: وهى بيوت العلم التي حرص الإسلام على أدائها لرسالتها مهتدية بقواعد الإسلام ومبادئه في المنهج، والكتاب، والعلم، وحذر أشد التحذير من انحرافها عن الكتاب والسنة، ووجه لأن تكون العلوم المختلفة خادمة العقيدة والإيمان بالله ووحدانيته، حتى لا يتناقض ما يقرأه الطالب في درس التربية الإسلامية عما يقرأه في المباحث الأخرى، ولتكون الثقافة الواحدة التي يتربى عليها أفراد المجتمع في المدارس ثقافة واحدة، توحد الفكر ولا تمزقه، وتساعد على إيجاد رأي عام واحد صالح يخدم أهداف الإسلام ويرعى مبادئه.
لقد أثمرت الثقافة الإسلامية الواحدة التي تلقتها الأمة في المسجد والمدرسة وحدة في الاتجاه العام والرأي العام جعل أبناءها في العصور السالفة على اختلاف تخصصاتهم العلمية في الحديث، والتفسير، والفقه واللغة، والفلك والكيمياء والفيزياء والطب والهندسة أبناء ثقافة واحدة، تسلك طريقهم، وتوحد خطاهم في المجتمع، وتصنع وحدتهم وتقيم أواصر التعاون فيما بينهم. وحين وقع الانفصال بين الجامع والجامعة، وبين المدرسة والمسجد، وبين مصادر التوجيه، والدين، وأخذت تتسرب للأمة الثقافات المتعددة نتيجة الغزو الفكري الأجنبي، وسيطرة المستشرقين وتلاميذهم على معظم الجامعات في البلاد الإسلامية
…
وانتقل هذا التأثير المنحرف إلى المناهج والكتب المدرسية في مراحل الدراسة الابتدائية والإعدادية والثانوية في بلاد المسلمين، حين حصل هذا وقع الانفصال بين ثقافة الأمة وشخصيتها الحضارية المستمدة من دينها وتاريخها وأصولها. وأصبح الرأي العام يتأثر تأثراً كبيراً بقيم جديدة وثقافات غريبة أوجدتها مراكز التوجيه المنحرفة. وأصبحت مهمة العلماء صعبة شاقة، ورسالتهم كبيرة ضخمة لإيجاد التغيير في المجتمع، والعودة إلى قيادة الأمة والرأي العام فيها من جديد.
بالإضافة إلى المؤثرات الاقتصادية والاجتماعية الأخرى التي شغلت الناس بالمادة عن الله وعبادته.
4-
من مبادئ الإسلام أن يرجع المسلم إلى العلماء المشهود لهم بالصدق والنزاهة للتعرف على أحكام الله، ومتابعتهم قال تعالى:{فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} .
{وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} . (النساء:83) .
5-
من مبادئ الإسلام أن الذي يصيب مسلما بسوء يصيب المجتمع كله، ومن هنا حرم الإسلام الإشاعات الباطلة ونزلت الآيات في حديث الإفك تربية للأمة وتطويراً للرأي العام فيها وصيانة له من الانحراف والجرأة على الباطل بدون بينة [5] .
6-
من مبادئ الإسلام فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والآيات كثيرة تدل على وجوبها.
وسائل الإعلام والتوجيه المختلفة:
لوسائل الإعلام من إذاعة وتلفزيون وصحافة أثرها في إيجاد الرأي العام، فالرأي العام هو أساس الإعلام
…
فهدف الإعلام الأول إيجاد الرأي العام أو توجيهه نحو قضية ما أو وجهة نظر مطلوبة وتأثير الإعلام في الرأي العام راجع إلى اتصاله المباشر بالجماهير على اختلاف طبقاتهم ومستوياتهم الثقافية.
ورجل الإعلام الناجح هو الذي يعرف نفسية الجماهير ورغباتهم ويحاول توجيهها لمصالح فكرته ومؤسسته.
ودخول وسائل الإعلام كل بيت بغير استئذان، وعرضها للفكرة بوسائل الإقناع المختلفة في أوقات النهار المختلفة يجعل لها التأثير البالغ على عقول الجماهير وإيجاد الرأي. العام في الأمة.
ومن هنا كانت خطورة أجهزة الإعلام وأهميتها البالغة إيجاباً أو سلباً، ومن هنا كان على العلماء في البلاد الإسلامية واجب كبير في توجيه هذه الأجهزة "السيطرة عليها حتى تكون معبرة عن عقيدة الأمة وحضارتها، داعية إليها بالحكمة والموعظة الحسنة، وهذا يقتضي أن تكون لهذه الأجهزة رسالة وفلسفة واضحة تلتقي مع رسالة أجهزة التوجيه الأخرى في المجتمع وهي: المسجد والمدرسة والصحافة والكتاب، حتى لا تتناقض هذه الأجهزة ولا يهدم جهاز ما يبنيه الآخر، ولا تحدث الصراع والتمزق في نفوس أبناء الأمة. كما يقتضي حسن اختيار العاملين في هذه الأجهزة كفاءة وديناً وخلقاً ليكون رجال الإعلام القدوة الحسنة لما يدعون إليه الناس بسيرتهم وخلقهم، ولتكون دعوتهم مؤثرة فاعلة في الجماهير.
إن انفصال رجل الإعلام عن قيم الإسلام وأخلاقه بسيرته وسلوكه جريمة كبرى في أي بلد إسلامي تجعل من اللص (محافظاً على بيت المال) . (والمجرم) مسؤولاً عن حفظ الأمن.!!
كما تقيم الهوة السحيقة بين أجهزة الإعلام وثقة الناس بها. ومن هنا كان من أعظم الواجبات التي يجاهد لتحقيقها العلماء إنقاذ أجهزة الإعلام من التوجيه الفاسد المنحرف في البلاد الإسلامية. والقيام بمسؤولياتهم في توجيه الأمة من خلالها بلغة العصر وأسلوبه وكفاءته.
(3)
وظيفة الرأي العام:
للرأي العام في المجتمع الإسلامي وظائفه عديدة من أهمها:
1-
رعاية تطبيق الأحكام الشرعية.
2-
حراسة المبادئ الإسلامية وصيانتها ومساندة هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في هذا المجال.
3-
حسن استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها في الكتاب والسنة عن طريق إعطاء الثقة بأهل الحل والعقد من العلماء والعاملين.
4-
رفع الروح المعنوية للأمة وتقوية أواصرها وتعاونها.
5-
استثارة مشاعر الأمة للقيام بواجب معين.
1-
رعاية تطبيق الأحكام الشرعية:
الأمة الإسلامية مخاطبة جميعها بتطبيق الأحكام الشرعية، والخطاب في القرآن في هذا المجال يتناول أَفراد الأمة جميعاً. فقوله تعالى في سورة النور مثلاً:{الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} . موجه لكل فرد في الأمة. ونظراً لأن الأفراد لا يستطيعون القيام بهذه المسؤولية متجمعين فلابد أن يختاروا من يقوم عنهم بهذه المهمة وهو الحاكم أو الإمام فالحاكم في الدولة الإسلامية وكيل الأمة في إقامة أحكام الله المطلوبة منهم جميعاً.
ومن هنا كان للرأي العام سلطانه في دعوة الحكومة لتطبيق أحكام الله تعالى والتقيد بها وعدم الخروج عنها إلى قوانين وضعية أو مشاريع مستوردة.
يقول الإمام النسفي في تفسير قوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} . والخطاب للأئمة لأن إقامة الحد من الدين، وهي على الكل إلا أنهم لا يمكنهم الاجتماع فينوب الإمام منابهم [6] .
2-
حراسة المبادئ الإسلامية وصيانة قيمتها في المجتمع:
ومن هذا المبدأ كانت مسؤولية الأمة عامة عن حراسة مبادئ الشريعة وقيمتها، وكان الرأي العام في المجتمع الإسلامي ذا سلطان قوي في حراسة هذه المبادئ ورعاية هذه القيم وصيانتها.
وقد وجه القرآن الكريم الأمة الإسلامية ودعاها مجتمعة متعاونة لترفع صوتها في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومساندة العلماء الذين يقومون بهذه المسؤولية. والأمر بالمعروف يعني الأمر بما قرره الكتاب والسنة من مبادئ وقيم وأحكام للمجتمع، والنهي عن المنكر يعني النهى عما نهى عنه الكتاب والسنة من معاصي تعتبر خروجاً عن المبادئ الإسلامية وقيمها.
ومن المناسب إيراد النصوص التالية من الكتاب والسنة التي تصور حرص الإسلام على مساندة تعاليمه وأحكامه بسلطان الرأي العام المسلم:
(1)
قال الله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} . (آل عمران:104) .
(2)
عن النعمان بن بشير- رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم: "مثل القائم في حدود الله، والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فصار بعضهم أعلاها، وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا، ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً"[7] .
فالرأي العام مدعو هنا للتوجيه وإصلاح الخطأ وإنقاذ نفسه مع إنقاذ المرتكبين للخطأ، إن الحديث الشريف يحذر الجماعة من شعور (اللامبالاة) وعدم الاهتمام بقضايا الجماعة العامة بحجة أن الذين يرتكبون الفساد قوم غيرهم.
(3)
والمسلم.. مدعو للجهاد والتضحية في سبيل نصرة أحكام الشريعة إذا انتهك حرمتها حاكم ظالم. عن جابر- رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه، فقتله"[8] .
إن الجمع بين حمزة بن عبد المطلب- رضي الله عنه الذي أبلى بلاء حسناً في قتال المشركين والتنكيل بهم حتى قضى شهيداً في غزوة أحد، وبين من جهر بكلمة الحق في وجه إمام ظالم، يصلنا بطبيعة المعركة التي خاضها حمزة- رضي الله عنه في وجه الجاهلية وظلمها، ويخوضها إخوان حمزة في طريق العمل لاستئناف الدولة الإسلامية، أو في مواجهة محاولات الظالمين لإبعاد أحكام الشريعة عن التطبيق بالتدريج وبالوسائل المختلفة. إن ظهور أمثال هؤلاء الرجال في ساحات المجتمع الإسلامي ومواجهة أعداء الشريعة من شأنه إلهاب مشاعر الجماهير المسلمة وإضاءة الطريق أمام الرأي العام ليقول كلمته ويتحمل مسؤوليته.
(4)
إن دعوة الرأي العام في المجتمع المسلم ليقف في وجه الانحراف والفساد ومحاولات الخداع والتمويه تظهر صريحة في حديث النبي الكريم: عن ابن مسعود- رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون، وأصحاب يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون مالا يفعلون، ويفعلون مالا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدمم بقلبه فهو مؤمن، ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل "[9] .
(5)
ويحذر الإسلام أفراد المجتمع المسلم من الجبن في نصرة الحق والوقوع في ذلة الجبن والخور أمام رأي الأكثرية الفاسدة.
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يُحقِّرَن أحدكم نفسه، قالوا: يا رسول الله وكيف يحقر أحدنا نفسه؟ قال: يرى أن عليه مقالا، ثم لا يقول فيه، فيقول الله عز وجل يوم القيامة: ما منعك أن تقول في كذا وكذا؟ فيقول خشية الناس: فيقول فإياي كنت أحق أن تخشى"[10]
(6)
ويحذر الله الجماعة المسلمة أن يفلت من يدها زمام الأمر فتغلب المعاصي وتنتشر الفاحشة فيستحقوا عذاب الله. وقد سألت عائشة- رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث"[11] .
وعن جرير بن عبد الله- رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما من رجل يكون في قوم يعمل فيهم بالمعاصي يقدرون على أن يغيروا عليه، ولا يغيرون إلا أصابهم الله منه بعقاب قبل أن يموتوا"[12] .
وعن أبي بكر الصديق- رضي الله عنه قال: يا أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ
…
} (المائدة: 160) وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب عن عنده"[13] .
الرأي العام ودوره في مقاطعة مجالس المنكرات:
ومن خير ما تتجلى به حراسة الرأي العام في المجتمع الإسلامي لمبادئ الشريعة وقيمها الحكم الشرعي الذي يأمر الجماعة المسلمة وكل فرد مسلم بمقاطعة مجالس المنكرات، والأماكن التي يعصى فيها الله، والمحافل التي يستهزأ فيها بدين الله، قال تعالى:
{وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً} . (النساء: 140) إن المسلم مدعو إذا لم يستطع أن يغير المنكر بيده ولسانه، أن يغيره بقلبه والتغيير بالقلب ليس حركة انفعالية نفسية ولا تظهر أثراً إيجابياً في إزالة المنكر، بل هي حركة انفعالية نفسية عملية تساعد على التغيير بالانسحاب من مجلس يعصى فيه الله، وهذا ما عبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم في حديث له:"من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان".
إن كلمة: "فبلسانه"و "فبقلبه"متعلقتان بالفعل فليغيره، والتقدير: فليغيره بيده، أو فليغيره بلسانه أو فليغيره بقلبه
…
ولا يكون بالقلب تغيير إلا بحركة هي أضعف الحركات وأقلها بعد اليد واللسان هي حركة الانسحاب من مجالس المنكرات ومقاطعتها
الرأي العام ودوره في مقاطعة من عصى:
والرأي العام في الإسلام حين يخاصم ويقاطع هدفه الإصلاح والعلاج، لا التشهير والهدم، وهذا ما يميزه عن المجتمعات المادية، فالثلاثة الذين خلفوا عن الجهاد بغير عذر وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم الأمة بمقاطعتهم واستعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم سلاح الرأي العام هذا وسيلة صالحة لإبرار أثر التخلف عن الجهاد على الأمة، وقيام الأمة جميعها بواجب المقاطعة، حتى أقارب المقاطع وزوجه يقاطعونه.
حتى إذا حققت المقاطعة ثمرتها التربوية للمتخلفين خاصة، وللأمة عامة نزل الحكم من السماء بإنهاء المقاطعة والتوبة على الذين تخلفوا وتابوا وأنابوا.
إن سلاح المقاطعة يمثل قمة التربية الإيمانية للشخصية المسلمة حين تحب في الله، وتبغض في الله، وتصل في الله، وتقطع في الله، وتحارب في الله وتسالم في الله.
وإن العقيدة التي توحد رأي أبنائها في إصدار حكم على شخص بمقاطعته لأنه تخلف عن الجهاد، أو جاهر بمعصية لتمثل لنا أسلوباً من أساليب الدعوة الإسلامية في تربية الجماعة وإصلاحها، والدارس للتاريخ الإسلامي يجد تطبيقاً كريماً لهذه المبادئ في محيط الأسرة، أو محيط الجماعة حين يخرج أحدهم عن الجادة، ويجاهر بمعصية الله فيهجر في الله، وتعطى الأمة برأيها فيه بالمقاطعة العلنية.
وقد ظهر هذا الأسلوب في مرحلة الدعوة الأولى في مكة قبل الهجرة حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يهجر المجالس التي لا توقر فيها آيات الله وشرائعه فقال تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} . (الأنعام: 68) .
قال القرطبي في تفسير هذه الآية: "من خاض في آيات الله تركت مجالسته وهجر مؤمناً كان أو كافراًً
…
وقد قال بعض أهل البدع لأبي عمران النخعي: اسمع مني كلمة فأعرض عنه وقال: "ولا نصف كلمة"[15] وروى عن عائشة- رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من وقر صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام"[16] .
3-
حسن استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها، وإعطاء الرأي في قضايا الأمة المهمة:
المقصود بهذا العنوان إظهار الأهمية التي يعطيها الإسلام للرأي العام من خلال بيان الرابطة بين جمهور الأمة وأهل الحل والعقد فيها، وبيان صلاحيات أهل الحل والعقد، ودورهم في بيان أحكام الشريعة باعتبارهم ممثلين شرعيين لجمهور الأمة، ومعبرين عن رأيها العام في أمور الشريعة، وهذا يقتضي التعريف بأهل الحل والعقد وأهم أعمالهم.
أهل الحل والعقد كما يسميهم جمهور العلماء، أو أهل الاختيار كما يسميهم الماوردي وغيره [17] أو أهل الاجتهاد كما يسميهم البغدادي [18] هم جماعة معينة من فضلاء الأمة يوكل إليهم النظر في مصالحها الدينية والدنيوية ومنها اختيار رئيس الدولة، فهم المسؤولون عن تصفح أحوال الذين يمكن صلوحهم لتولي هذا المنصب الخطير، والاجتهاد في ذلك، وهذه الجماعة لا تقوم باختيار الإمام إلا نيابة عن الأمة جميعاً، فهم بمباشرتهم هذا الاختيار لا يمثلون أنفسهم، بل يمثلون الأمة كلها، ولهذا فإنه عند مبايعة أهل الحل والعقد للإمام تجب مبايعته والانقياد له على سائر أفراد الأمة [19] .
وقد بين العلماء أن أهل الحل والعقد هم: "العلماء والرؤساء، ووجوه الناس الذين يتيسر اجتماعهم "[20] ويرى الشيخ محمد رشيد رضا أن أهل الحل والعقد هم المقصودون بأولي الأمر في قوله تعالى: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} . (النساء: 83) . وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ} . (النساء: 59) . وليس المراد بأولي الأمر في الآيتين الأمراء والسلاطين كما يرى بعض العلماء بدليل أن الآية الأولى نزلت في أولي الأمر الذين كانوا على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يكن هناك أمراء ولا سلاطين، قال: "وما كان هناك إلا أهل الرأي من كبار الصحابة- عليهم الرضوان- الذين يعرفون وجوه المصلحة مع فهم القرآن
…
"وهكذا يجب أن يكون في الأمة رجال أهل بصيرة ورأي في سياستها، ومصالحها الاجتماعية، وقدرة على الاستنباط، يرد إليهم أمر الأمن والخوف وسائر الأمور الاجتماعية والسياسية وهؤلاء الذين يسمون في عرف الإسلام أهل الشورى وأهل الحل والعقد
…
[21] .
فيفهم من هذا القول ومما ذكره الفقهاء أن أهل الحل والعقد هم المتبوعون في الأمة الحائزون على ثقتها ورضاها لما عرفوا به من التقوى والعدالة [22] .
أما علاقة أهل العقد والحل في الأمة فهي علاقة النائب والوكيل [23] أما كيف ينالون هذه المنزلة فإن الأمة هي التي ترفعهم إلى هذه المنزلة باختيارها لهم صراحة أو ضمنا، وأن السوابق التاريخية تبين لنا وكالة أهل الحل والعقد عن الأمة في عصر الإسلام الأول- عصر الخلفاء الراشدين- كانت وكالة ضمنية لأنهم كانوا معروفين بتقواهم وإخلاصهم وكفاءتهم وعلمهم شهد لهم القرآن الكريم والنبي صلوات الله وسلامه عليه بالثناء العام والخاص عليهم، فما كان هناك من حاجة لقيام الأمة بانتخابهم وتوكيلهم عنها صراحة.
ومن المقاييس المهمة في معرفة نبل هذا العالم أو ذاك لثقة الجماهير رجوعُها إليه في الفتوى، وحضورها دروسه، وترددها على مجالسه، وأخذها برأيه، في أمور حياتهم المختلفة.
ومع ذلك فإننا إذا أخذنا في الوقت الحاضر بنظام الانتخاب المباشر لأهل الحل والعقد ضمن شروط يقرها الإسلام، منها أنه يجب أن تتوافر فيمن يرشح نفسه للانتخاب:
(أ) العدالة الجامعة لشروطها.
(ب) العلم.
(ج) الرأي والحكمة والخبرة [24] .
وإن مثل هذا الانتخاب على هذا النحو المذكور جدير بأن يترجم إرادة الأمة صراحة وتوكيلها لهؤلاء، وهو المناسب لعصرنا لأن إجازة التوكيل الضمني في هذا الزمن قد يفتح باب شر خطير ويؤذن بالفوضى التي تضعها المزاعم الكاذبة والدعاوى الفارغة [25] .
الفرق بين سيادة الرأي العام في الإسلام والنظم الديمقراطية:
(أ) ومن الأهمية بمكان أن نذكر أن الأمة حين تبدي رأيها عن طريق ممثليها في قضية من القضايا فلرأيها السيادة ولحكمها النفاذ في النظم الديمقراطية الغربية، أما في الإسلام فإن أهل الحل والعقد لا ينفذ رأيهم إلا في الأمور التي لم ينص عليها الشرع
…
فإذا جَاء الله بحكم فليس لجماعة من الأمة أن تعارضه وليسر للأمة بمجموعها إن تبطله.
ومن هنا كانت المسائل الفقهية الخاضعة لرأي الجماعة مقيدة بأمرين:
أ- ألا يكون قد نزل فيها نص صريح.
2-
أن يرجع أهل الحل والعقد في بيان الرأي فيها إلى أصول الشريعة ومقاصدها العامة.
(ب) أن القانون أو الحكم حين تصدره الدولة نابعاً من عقيدة الأمة ودستورها، تجد اقتناع الرأي العام به قوياً صادقاً، وتنفيذه سهلاً ميسوراً، بينما نجد حرمان القوانين الوضعية من هذه الميزة. وخير مثال يوضح هذه الفكرة المقارنة بين تحريم الخمر في الإسلام الذي تهيأ الرأي العام لقبوله وبين تحريمه في أمريكا
…
فنجح في المجتمع الإسلامي ولم ينجح هناك.
4-
رفع الروح المعنوية للأمة وتقوية أواصرها وتعاونها:
من أهم وظائف الرأي العام في المجتمع الإسلامي رفع الروح المعنوية عند الجماهير التي تكونه، لأن وحدة الجماعة المسلمة على رأي واحد من شأنه أن يبرز قوة هذه الجماعة وتعاونها، ويعطيها الزاد والقوة على تحقيق أهدافها مهما بلغت التكاليف.
لقد وضع القرآن الكريم القاعدة المباركة لوحدة الجماعة المسلمة على الهدف الكريم بقوله: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} . (المائدة: 2) . وبقوله: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ} . (الصف: 2) . وبقوله صلى الله عليه وسلم: "ترى المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر"[26] .
وتظهر أثر هذه التربية الإيمانية للجماعة المسلمة في وحدتها وتآلفها، في وقوفها في وجه المحن والشدائد صفاً واحداً، ومن أبرز الأمثلة على ذلك في تاريخ الإسلام خروج المسلمين، في اليوم التالي لغزوة أحد، للثأر من عدوهم، ومسح آثار مصيبتهم، وهذا ما عبر عنه القرآن بقوله:{الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ} (آل عمران:172) .
لقد حرص الإسلام على دعم أهدافه بسلطة الرأي العام، وإيجاد روح التعاون بين أبناء الأمة الإسلامية، والتقارب بين فئات الشعب، لتتوحد اتجاهاتها، وتسيطر على مبدأ أساسي في حياة الأمة، وهو الاتفاق على الأهداف، وهذا الاتفاق يؤدي حتما إلى نجاح الأمة في بلوغ غايتها وتحقيق أمانيها.
إن الأذان الذي يتردد كل يوم خمس مرات، عالياً مدوياً معبراً عن أهداف الإسلام الكبيرة، وإن الصلوات التي تقام كل يوم خمس مرات جامعة للأمة موحدة لرأيهَا، وإن الجُمَع، والجماعات، وفريضة الحج التي من شأنها أن يظهر وحدة الأمة على أهدافها، وإن القرآن الذي يتلى في كل صلاة جامعا للأمة على أهدافه وغاياته، إن هذا كله جدير بأن يحقّق في المجتمع الإسلامي وحدة الأهداف ووحدة الرأي العام على هذه الأهداف، ويرفع معنويات الأمة لأداء دورها الكبير ورسالتها العظيمة في الحياة، ولنتأمل في روحِ العزة التي يصنعها الإسلام بالإيمان والعمل الصالح {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} .
وإلى رفع هذه الروح المعنوية في ضمير الأمة بالتقائها على أهدافها ووحدة رأيها يشير النبي صلى الله عليه وسلم بقوله:
"يد الله على الجماعة ومن شذ شذ في النار".
"المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا"[27] .
إن البنيان الذي يشد بعضه بعضا يصور لنا الروح المعنوية العالية التي يعطيها وحدة الرأي العام لأفراد الأمة كما يصور لنا معاني التعاون على أهداف الإسلام الكريمة في الحياة، وأن الجماعة التي تباركها يد الله وترعاها وتنصرها جديرة بأن تتغلب على أسباب الضعف وتحقق أسباب قوتها ونموها وازدهارها.
استثارة مشاعر الأمة للقيام بواجب معين:
في كل مسجد جامع منبر وظيفته مخاطبة الرأي العام كل أسبوع يدعوه إلى واجب أو يحذره من أمر، أو يبصره بقضية لها أهميتها في حياته.
لقد سن رسول الله صلى الله عليه وسلم للأمة كيف تكون يدا واحدة في مواجهة الأحداث، يأخذ قويها بيد ضعيفها، وغنيها بيد فقيرها، وأنه من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم.
والدارسون لسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسير الخلفاء الراشدين والتابعين هم بإحسان، نجد أن النبي الكريم كان يدعو المسلمين إلى المسجد عند كل حدث مهم يخبرهم به، أو واجب يدعوهم إليه، حين يوجه الحملات للجهاد، فيدعو إلى البذل والنفقة، كما يدعو إلى المشاركة بالجهاد.
وحين يرى طائفة من المسلمين تعاني ضائقة مالية فيدعو المسلمين إلى مساعدتهم وكذلك كان الصحابة- رضوان الله عليهم- فأبو بكر- رضي الله عنه يوجه الجيوش لفتوح الشام والعراق، وكلما دعا الداعي لإمداد جيش وجه النداء للأمة وندبها إلى الخروج مع هذا القائد أو تلك الحملة.
وفي تهيئة الأمة لقبول حكم معين كان الخليفة يوم الجمعة يعلن في الناس ويمهد لقراره ويقنع الجماهير به، ففي مسألة تحديد المهور استشار عمر الناس في المسجد فردت عليه امرأة رأيه بالآية الكريمة:{وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً} . فأعلن رجوعه عن رأيه وقال: "اللهم، غفرا كل الناس أفقه من عمر، أخطأ عمر وأصابت امرأة"[28] .
وفي الصورة المقابلة نجد خطبة الجمعة التي من شأنها أن تعالج قضايا الأمة يعرضها أولو الأمر من العلماء والحكام لتقوم بتهيئة الرأي العام لقبول القرار الذي ستتخذه الدولة أو رفضه بمناقشته وبيان مدى تحقيقه لأهداف الشريعة ومقاصدها.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
--------------------------------------------------------------------------------
[1]
E.S.Bo gardus. The Making of public opinio - P. 5
والإعلام والدعاية نظريات وتجارب. د: محمد عبد القادر حاتم (ص123) .
[2]
المرجع السابق.
[3]
تفسير ابن كثير: (4/206) . ط دار الفكر.
[4]
متفق عليه.
[5]
نزلت (18) آية في سورة النور في هذا الموضوع.
[6]
تفسير النسفي: (3/323) .
[7]
رواه البخاري والترمذي: الترغيب والترهيب (4/4-5) .
[8]
رواه الترمذي والحاكم: وقال صحيح الإسناد/ الترغيب (4/ص4) .
[9]
رواه مسلم: الترغيب والترهيب للحافظ المنذري (4/5) .
[10]
رواه ابن ماجه: ورواته ثقات ـ المرجع السابق (6) .
[11]
رواه البخاري: عن زينب بنت جحش رضي الله عنها المرجع السابق (6) .
[12]
رواه أبو داود: المرجع السابق: (8) .
[13]
رواه أبو داود والترمذي.
[14]
انظر قصتهم في صحيح البخاري كتاب المغازي زفي الطبري (11/58) .
[15]
تفسير القرطبي: (7/13) .
[16]
المرجع السابق، وانظر تفسير المنار (ج7/506) والتحرري والتنوير (ج7/288) للشيخ محمد بن عاشور.
[17]
الأحكام السلطانية للماوردي (ص6) والأحكام السلطانية أبي يعلى.
[18]
رسالة الدولة في الفقه الإسلامي. د: محمد رأفت عثمان (256-257) ط دار الكتاب الجامعي-القاهرة.
[19]
رسالة الدولة في الفقه الإسلامي. د: محمد رأفت عثمان (256-257) ط دار الكتاب الجامعي-القاهرة
[20]
نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج لشمس الدين محمد بن أبي العباس الرملي (7/3990) .
[21]
تفسير المنار: للشيخ السيد محمد رشيد رضا (7/11) .
[22]
أصول الدعوة للدكتور: عبد الكريم زيدان (199) وتفسير المنار (5/181) .
[23]
المرجع السابق. (/199)
[24]
الأحكام السلطانية للماوردي (6) ، وأصول الدعوة لعبد الكريم زيدان (200) .
[25]
المرجع السابق (201) .
[26]
رواه البخاري.
[27]
رواه البخاري ومسلم والترمذي.
[28]
حقوق النساء في الإسلام للشيخ محمد رضا (ص13) .
آيةُ العَدَدِ
للشيخ أبي بكر الجزائري
رئيس قسم التفسير بالجامعة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم النبيين، وإمام المرسلين، وآله وصحابته أجمعين.
وبعد فهذه آية العدد نقدم شرحها لأبنائنا طلبة العلم على طريقتنا في التفسير التحليلي فنبدأ بذكر مناسبة الآية لما قبلها من الآيات، ثم نذكر الغرض الذي سيقت له الآية ثم نشرح مفرداتها، ثم نذكر معنى الآية المراد فهمه منها ثم نختم الشرح للآية بذكر ما فيها من هداية قرآنية راجين أن يهتدي بها الطالب إلى ما يزكي نفسه، ويكمل أخلاقه ومعارفه، وبسم الله نبدأ، ومنه نستمد العون والتوفيق فنقول:
مناسبة الآية لما قبلها:
لقد جاء في السياق قبل هذه الآية قول الله تعالى: {أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ} . وهو إخبار منه تعالى لعباده المؤمِنين بأنهم إن أطاعوا بعض أفراد اليهود أو النصارى بأن سمعوا منهم واستجابوا لما يقولون لهم أدَّى بِهِمْ ذلكَ إلى الردَّة والعياذ بالله تعالى، وهو إخبار بمعنى الإنشاء؛ إذ مراد الله تعالى من هذا الخبر نهيه عز وجل المؤمنين عن طاعة أهل الكتاب لما قد تُفْضي بهم تلك الطاعة إلى الكفر والعياذ بالله. ومن هنا ناسب أن يأمرهم بما يكون عصمة لهم من الوقوع في الردَّةِ والكفر بعد الإيمان والإسلام فقال عز وجل:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} . {اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا} . فهذا وجه المناسبة بين الآيتين وهو ظاهر والحمد لله.
الغرض الذي سيقت له الآية:
إنّ الغرض الذي سيقت له هذه الآية هو الأمر بتقوى الله عز وجل وذلك بفعل مأمور الله عز وجل وهو الإيمان والعمل الصالح، وترك منهيه تعالى وهو الشرك والمعاصي بترك واجب أو فعل منهيّ وبذل الجهد في تحقيق هذه التقوى، والصبر عليها مع الاعتصام بدين الله وعدم التفرّق فيه، حتى الموت على الإسلام.
مباحث الألفاظ:
من مباحث ألفاظ هذه الآية ما يلي:
التقاة: اتّقى يتقي اتّقَاءً وتُقَاةً، وهى بمعنى التقوى التي هي الاسم من اتقى.
حق تقاته: هذا من إضافة الصفة إلى الموصوف، إذ الأصل اتقوا الله التقاة الحقة.
ولا تفرقوا: تفرّقوا أصلها: تتفرقوا فحذفت إحدى التائين تخفيفا.
إلا وأنتم مسلمون: الجملة حالية، والاستثناء فيها مفرّغ من أعم الأحوال إذ
المعنى: ولا تموتن على أيِّ حال من الأحوال إلاّ على حال أنتم مسلمون.
شرح الكلمات:
آمنوا: اذعنت قلوبهم للتصديق بوجود الله تعالى ربّاً لكُلِّ شيء وإلهاً لكل العالمين. موصوفاً بكل كمال، منزّها عن كل نقصان، وللتصديق بمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًّا ورسولاً للعالمين، وبكل ما جاء به من الدين، وأخبر عنه من أمور القدر والغيب، وللتصديق بالبعث والجزاء في الدار الآخرة بالنعيم المقيم، أو العذاب المهين.
اتقوا: أمر بالتقوى، والتقوى الاسم من فعل، اتّقَى، ومعناه: اتخذوا الإيمان والاعتصام بالطاعة وقاية تقيكم وتحفظكم مما تخافون من العذاب المترتب على الكفر والمعاصي.
الله: اسم الجلالة الأعظم: وهو عَلَمٌ على ذاتِ الربّ المعبود بحق، واشتقاقه من اله ياله إلهة وتألّهاً. إذا عبد فأذعن وأطاع حبًّا وتعظيماًَ. فمعنى الله: المعبود الذي تتحير الأفكار في حقائق صفاته، وتطمئن القلوب إلى ذكره، وتفرح النفوس بمعرفته، وتولع الخليقة بدعائه والتضرع إليه، ولا تفزع عند الشدائد إلا إليه سبحانه لايدرك كنه ذاته، ولا تعلم حقائق صفاته.
حق: يقال حَقّ الشيء يحق إذا ثبت ووجب.
التقاة: مصدر بمعنى التقوى، ومعنى المتضايفين {اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} : اتقوا الله التقاة الحقة الواجبة لله تعالى الثابتة له بما له من قوة لاتحد، وقدرة لا تعجز، وسلطان لا يقهر.
ولا تموتن: الواو [1] عاطفة للجملة على سابقتها وهى: اتقوا الله حق تقاته. ولا: أداة نهى وجزم وتموتن: مضارع مات يموت؛ إذا فارقته الحياة، وهو مسند إلى واو الجماعة دخل عليه الجازم فحذف نون الرفع، فصار ولا تموتوا، فأكد بنون التوكيد فالتقى ساكنان فحذفت الواو لوجود ما يدل عليها وهى الضمة فصارت الكلمة ولا تموتن.
إلا وأنتم مسلمون: إلا أداة استثناء وهو هنا مفرغ من أعم الأحوال، والواو للحال وجملة "أنتم مسلمون "خبريّة مؤلفة من مبتدأ وخبر في محل نصب على الحال. ومعنى الجملة: لا تموتن أيها المؤمنون على أي حال من الأحوال إلا على الحال التي أنتم فيْها مسلمون، والجملة متضمنة النهي عن الرّدّة بعد الإسلام، فلا يحل للمؤمن أنْ يكفر بعد إسلامه. كما يريد ذلك كفار أهل الكتاب.
واعتصموا: الاعتصام: التمسك بالشيْء بشدة حتى لا يسقط منه، مأخوذ من معصم اليد، إذ قوة التمسك بالشيء تابعة لقوة معصم الإنسان وساعده.
حبل الله: الحبل لغةً السبب، وما يتوصّل به إلى الشيء أو ما يتمسّك به طلبا للنجاة والمراد به هنا: القرآن الكريم، والدّين، وجماعة المسلمين، إذ التمسّك بهذه يُنجي من السقوط والهبوط في الدنيا والآخرة.
جميعا: حال من ضمير واعتصموا، والمعنى تمسّكوا بكتاب الله ودينه وجماعة المسلمين حال كونكم مجتمعين لا يتخلف منكم أحد أبداً.
ولا تفرقوا: الواو عاطفة، ولا ناهية جازمة. وتفرقوا مضارع مجزوم بحذف النون، والواو فاعل. والتفرق لا يكون إلا بعد الاجتماع، وعليه فالجملة مؤكدة لسابقتها؛ إذ الأولى فيها أمر الله تعالى للمؤمنين بالتمسك بدينهم، وفي هذه نهيه تعالى عباده المؤمنين عن التفرق المفضي بعدم التمسك المأمور به.
معنى الآية الكريمة:
ينادى الله تبارك وتعالى عباده المؤمنين بوصف الإيمان: يا أيها الذين آمنوا؛ إذ بالإيمان حياتهم فهم بإيمانهم أحياء غير أموات يقدرون على فهم الخطاب، وعلى القول والعَمل، يناديهم ليأمرهم بما فيه سلامتهم من كل مرهوب، وظفرهم بكل مرغوب محبوب من سعادة الدارين ألا وهو تقوى الله الحقة الواجبة له على عباده، والمتمثلة في امتلاء القلب بخشيته ومحبّته، وانقياد الجوارح كل الجوارح لطاعته، حتى يطاع فلا يُعصى، ويذكر فلا يُنْسى ويشكر فلا يكفر. ولينهاهم عن الكفر بعد الإيمان، والردة بعد الإسلام {وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} . فليثبتوا على إيمانهم، وليستمرّوا على إسلامهم لربهم مطيعة قلوبهم وجوارحهم لا يفارقون الطاعة حتى تفارقهم الحياة، ابقاء على نور قلوبهم، وزكاة أنفسهم، وطهارة أرواحهم؛ ليكونوا أهلاً لمواكبة الرفيق الأعلى والنزول في منازل الأبرار، والفوز بالنعيم المقيم في جوار الربّ الرحيم.
وناداهم ليأمرهم بالاعتصام بكتابه ودينه، وعهده الذي أخذه عليهم لمّا شهدوا له بالوحدانيّة، ولنبيّه بالرسالة، والاعتصام بكتابه يعنى العمل بما فيه فيعملون بمحكمه، ويؤمنون بمتشابهه، ويُحلّون حلاله ويحرمون حرامه، ويلتزمون بآدابه، ويتحلون بأخلاقه. والاعتصام بدينه يعنى التمسك بعقائده، وأداء فرائضه، وإقامة حدوده، والتأدب بآدابه، والتجمّل بأخلاقه، مع ملازمة أهله القائمين به والداعين إليه. والاعتصام بعهده يعني الوفاء لله تعالى بطاعته وطاعة رسوله، وذلك في المنشط والمكره، والعسر واليسر، وفاءً دائماً، لا يُخلُّون به حتى تفارق الحياة أبدانهم، وتباينهم أرواحهم، وناداهم أيضاً لينهاهم عن التفرق بعد التجمع، وعن الاختلاف بعد الائتلاف؛ لما في تفرقهم من فشلهم وذهاب ريحهم، ولما في اختلافهم من سوء أحوالهم وفساد بالهم، والقعود بهم عن مواكبة الصالحين في الدارين.
هداية الآية:
إن من بين الهدايات القرآنية التي تضمّنتها هذه الآية الكريمة الهدايات التالية:
ا- تقوى الله عز وجل، وذلك لأن الله تعالى بيده ملكوت السموات والأرض يحيي ويميت ويعطى ويمنع ويضر وينفع، يُغنى ويفقر، يُعزّ ويذل يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، قدرته لا تُحدّ، وسلطانه لا يقهر، فهو لذلك يجب أن يتقى، ولكن لا بالحصون والأسوار العالية، ولا بالقوات الضاربة، من رجال وسلاح، على اختلافه وتطوره حتى لو كان سلاح الذرّة والهدروجين، وإنما يُتّقى الله جل جلاله وعزّ سلطانه، وهو الذي ذلّت له رقاب الجبابرة، وانحنت أمام جبر وته هامات القياصرة والأكاسرة، يتقى بشيء واحد ألا وهو العبودية الحقة المتمثلة في إسلام القلوب والجوارح له، فالقلوب تؤلّهه رهبةً ورغبةً، ومحبّةً وتعظيماً. والجوارح انقياداً لأمره، ولنهيه تركاً. بهذا فقط يتقى الله ذو الجبروت والملك والملكوت، فمن طلب النجاة من العار والنار، وأحب الفوز بالجنة دار الأبرار فليتّق الله الواحد القهار، فإن ذلك له، ومردّه إليه، وتقواه عز وجل هي مفتاح بابه، وسلم الوصول والارتقاء إليه، وهاهي آيات كتابه تنبئ عما قلناه، وتترجم للقارئ معناه، قال تعالى في كتابه الكريم:
{وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِب} ] الطلاق: 2، 3 [.
إن مما تهدي إليه هذه الآية: الموت على الإسلام، والموت على الإسلام هو الغاية التي ما وراءها غاية، والأمل الذي دونه كل أمل ولنشهد هذه الحقيقة من خلال القصة التالية: جلس على عرش مصر نبي الله ورسوله الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم- عليه السلام ورفع أبويه فوق عرشه فأجلس أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله، وجلس إخوته الأحد عشر أخاً بين يديه وقد تم له الملك بحذافيره، وجاءته الدنيا طائعة، وحفل الكون به من حوله. هنا ابتهل يوسف إلى ربّه قائلا:{رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} .
إن هذه القصة تقول: إن المال والملك والسلطان واجتماع الشمل بالأهل والإخوان ليس بالغاية المطلوبة ولا بالأمل المرجو عند الأبرار الأطهار الأخيار، وإنما الغاية المرغوبة والأمل المنشود: الوفاة على الإسلام، واللّحاق بمواكب الصالحين.
وإن قيل: وهل الإنسان يملك أن يموت على الإسلام، أو على غيره من الأديان؟.
قيل له: نعم؛ إذ عدم الردة عن الإسلام هي الموت عن الإسلام، ومن شبّ على شيء شاب عليه، ومن لازم شيئا في حياته وآثره على غيره مات علَيه، يضاف إلى هذا أن التكليف بملازمة الإسلام وعدم الارتداد عنه ليس تكليفا بما لا يطاق، لاسيما وأن الإسلام دين الفطرة فلا يوجد في النفس البشرية من نوازع تدافع الإسلام وتأباه، والردة المحذر منها قد تأتي من خارج النفس لا من داخلها، تأتى من طريق الاستجابة للشيطان وإخوان الشيطان:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ} .
هذه هداية وثالثة:
3-
الاعتصام بحبل الله تعالى:
إن مما تهدي إليه هذه الآية من أسباب الكمال والسعادة الأمر بالاعتصام بحبل الله تعالى الذي هو كتابه الكريم، ودينه القويم، وجماعة عباده الصالحين.
2-
الموت على الإسلام:
إن مما تهدي إليه هذه الآية: الموت على الإسلام، والموت على الإسلام هو الغاية التي ما وراءها غاية، والأمل الذي دونه كل أمل ولنشهد هذه الحقيقة من خلال القصة التالية: جلس على عرش مصر نبي الله ورسوله الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم- عليه السلام ورفع أبويه فوق عرشه فأجلس أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله، وجلس إخوته الأحد عشر أخاً بين يديه وقد تم له الملك بحذافيره، وجاءته الدنيا طائعة، وحفل الكون به من حوله. هنا ابتهل يوسف إلى ربّه قائلا:{رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} .
إن هذه القصة تقول: إن المال والملك والسلطان واجتماع الشمل بالأهل والإخوان ليس بالغاية المطلوبة ولا بالأمل المرجو عند الأبرار الأطهار الأخيار، وإنما الغاية المرغوبة والأمل المنشود: الوفاة على الإسلام، واللّحاق بمواكب الصالحين.
وإن قيل: وهل الإنسان يملك أن يموت على الإسلام، أو على غيره من الأديان؟.
قيل له: نعم؛ إذ عدم الردة عن الإسلام هي الموت عن الإسلام، ومن شبّ على شيء شاب عليه، ومن لازم شيئا في حياته وآثره على غيره مات علَيه، يضاف إلى هذا أن التكليف بملازمة الإسلام وعدم الارتداد عنه ليس تكليفا بما لا يطاق، لاسيما وأن الإسلام دين الفطرة فلا يوجد في النفس البشرية من نوازع تدافع الإسلام وتأباه، والردة المحذر منها قد تأتي من خارج النفس لا من داخلها، تأتى من طريق الاستجابة للشيطان وإخوان الشيطان:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ} .
هذه هداية وثالثة:
والاعتصام بكتاب الله تعالى يكون باعتقاد الحق الذي جاء به من التوحيد والنبوة، والبعث والجزاء، وتحليل حلاله وتحريم حرامه من المقول والمفعول: كالصدق وقول الحق والمعروف، والمطاعم والمشارب والمناكح والمكاسب، كما يكون بإقامة حدوده والتزام آدابه ومحاسن أخلاقه بعد دراسته وفهمه وتلاوته آناء الليل وأطراف النهار.
والاعتصام بدينه يكون بإقامة فرائضه والمحافظة على سنته، وتطبيق شرائعه والتخلق بأخلاقه والتأدب بآدابه بعد معرفة أحكامه وحفظ قواعده، كما يكون بالدعوة إليه، والموالاة فيه، والمعاداة عليه.
والاعتصام بجماعة عباده الصالحين يكون بموالاتهم، وتحريم معاداتهم، وبحبِّهم، والحب لهم وصدقهم وتصديقهم، والصلاة معهم وعليهم، والجهاد مع إمامهم وحرمة الخروج عليه وعليهم ما أقيمت الصلاة فيهم.
هذه هداية ورابعة:
4-
حرمة الفرقة والاختلاف:
إن هداية هذه الآية تقول: إن الفرقة والاختلاف محرمان ممقوتان، وكونهما بعد الاجتماع والائتلاف اشدّ حرمة وأكبر مقتاً، إن من هداية هذه الآية تحريم الفرقة والاختلاف في الكتاب والدين والجماعة، أما الاختلاف في الكتاب فإنه لا يكون في ألفاظه وكلماته؛ إذ قد تولى الله منزّله سبحانه وتعالى حفظه من الزيادة والنقصان، والتبديل والتغيير، حيث جمع أمة الإسلام عليه منذ نزوله فلم تختلف فيه ولن تختلف بإذن الله تعالى فيه. وإنما الاختلاف في الكتاب يكون في معانيه وما يدل عليه، والعصمة من ذلك في الأخذ بالسنة والتمسك بها؛ إذ هي الشارحة لألفاظه ومعانيه، والمبيّنة لمجمله، والمخصّصة لعمومه، والمقيدة لمطلقه. وذلك بأقوال الرسول صلى الله عليه وسلم وأفعاله وأحكامه وأقضيته، وسياساته، وفي سيرة أصحابه من بعده حصن حصين، وسياج منيع من الفرقة والاختلاف في كتاب الله أيضا. ولهذا فالأمة المرحومة وهى أهل السنة والجماعة لم تختلف في كتاب الله، وإنما اختلف فيه من رد سنة رسول الله التي وردت من غير طريق من فتن بهم، وكفر أصحاب رسول الله، وغض من شرفهم وأهدر كرامتهم، ولعنهم وأبغضهم. والعياذ بالله تعالى من ضلال الطوائف والفرق المنتسبة إلى الإسلام باطلا وزوراً. وكذباً وميناً.
وأما الاختلاف في الدين فإنه ذو خطورة كبيرة على أمة الإسلام، ولذا كان من هداية هذه الآية التصريح بتحريمه والتحْذير من آثاره المدمرة، وفي الكتاب الكريم الأمر بإقامة الدين وعدم التفرق فيه، والتوصية بذلك قال تعالى:{شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} .
ولكي تُتجنب الفرقة في الدين يلزم اتباعُ ما يأتي:
(1)
اعتقاد أن الدين هو ما شرع الله ورسوله، ورفض كل تشريع يخالفهما، أولا ينبع منهما.
(2)
تقديم الكتاب في الاستدلال ثم السنة، ثم الإجماع، ثم القياس، ولا يجوز العمل بقياس لا يشهد له كتاب ولا سنة ولا إجماع بصحة ولا اعتبار.
(3)
اعتبار المذاهب الأربعة الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي مذاهب حق، وذلك لاتفاقها في أصول الدين وشرائعه، وعدم تعمد أصحابها الخروج عن الكتاب والسنة بأيّ حال من الأحوال. وعدم وجود خروج فيها عن الكتاب والسنة وإن قل.
(4)
اعتبار هذه المذاهب الأربعة مَذْهَباً واحداً موسّعاً يستعان بها على فهم الكتاب والسنة والعمل بهما، ولذا على هيئة الإفتاء في البلد الإسلاميّ أن تنظر فيها مجتمعة ثم تصدر فتواها نابعة عنها مؤثرة في ذلك الدليل من الكتاب والسنة وشواهد الإجماع والقياس الصحيح.
(5)
تأليف كتب فقهية على غرار"بداية المجتهد"و"منهاج المسلم" تعرض للمذاهب الأربعة وتؤيد ما يؤيّده الدليل من الكتاب والسنة والإجماع والقياس وتنشر تلك الكتب الفقهيّة الجامعة الموحدة وتعممها على سائر المسلمين.
(6)
ترويض الأفكار الخاصة والعامة على انتهاج هذا المنهج الذي يجمع أمة الإسلام ولا يفرقها، ويوحدها ولا يخالف بينها، عملا بقول الله تعالى:{أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} . وأخذاً بهداية هذه الآية في الاعتصام بالدين وعدم التفرق فيه: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا} .
وترويض الأفكار يكون بإلقاء الدروس والمحاضرات في المعاهد والمساجد في كل ديار المسلمين بأن الله تعالى لم يتعبدنا إلا بما شرع لنا في كتابه وعلى لسان رسوله، وأن التعصب لما في مذهب معين ولو خالف الحق لا يجوز أبداً لما يلزم عنه من ردّ الكتاب والسنة وردهما ردة أوشبهها، والعياذ بالله تعالى. وأن العلماء مجمعون على أن لا معصوم في هذه الأمة إلا رسولها محمد صلى الله عليه وسلم.
وبذلك يتقارب أهل الحق من هذه الأمة، وتتم وحدتهم، وتنتهي الفرقة بينهم ويسيرون صفاً واحداً يحيون ميّت الإسلام ويجددون بناء ما انهدم منه بعامل الفرقة والخلاف قرونا طويلة.
وأما الاختلاف في الجماعة فإنه وإن كان أقل خطراً من الاختلاف في الدين فإنه معوق لأمة الإسلام عن النهوض والتقدم، ومعرّض لها أيضا لأوخم العواقب، وأسوأ الأحوال، ودليل ذَلك أنها ما وقعت في براثن الاستعمار الغربي ردحا من الزمن غير قليل يسومها الخسف ويصب عليها سياط العذاب والإهانة إلا بعد أن تفرقت جماعتها، وقاتل بعضها بعضاً، وإنها- والله- اليوم لعرضة لمحنة قاسية أشد من محنة الاستعمار السابقة وذلك لما تعيش عليه من الفرقة والاختلاف في كل شيء فلذا وجب على المصلحين أن يسارعوا إلى تلافي الموقف بجمع الأمة المحمدية تحت لواء واحد وهولا إله إلا الله محمد رسول الله فلا يعبد في ديارها إلا الله، ولا يتابع إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأحسب أن ما تقدم في الأرقام الستة السابقة كاف في بيان الطريق الذي يتم به وحدة المسلمين وجمعهم على منهج الله ليكملوا ويسعدوا عليه دنيا وأخرى
…
والله المستعان، وعليه وحده التكلان. وسلام
--------------------------------------------------------------------------------
[1]
إن قيل: لم شرح هذه الجزئيات، والتعرض للإعراب؟ قلنا: إن المجلة مجلة طلبة العلم وهم ينتفعون بمثل هذا التحليل اللفظي والمعنوي.
دَورُ الإعلَامِ في التضَامُنِ الإسلَامِي
الدكتور إبراهيم إمام
أستاذ بكلية الدعوة وأصول الدين
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم للأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإن التضامن الإسلامي هو المبادرة النابعة من أصول العقيدة الإسلامية، لإرساء قواعد الحياة على أسس متينة في عالم تتنازعه المطامع، وتشن فيه المبادئ الملحدة حرباً شرسة ضد التراث الحضاري الإسلامي بقيمه النبيلة، ولقد كان التضامن هو السر فيما حققت الأمة الإسلامية من مجد وسؤدد، يوم كانت متمسكة بدينها حق التمسك، آخذة بتعاليمه حق الأَخذ.
وتكمن إحدى معجزات الإسلام الكبرى في قوة التضامن، عندما وحد بين قلوب القبائل المتنافرة، ثم بين الأقطار والشعوب المتباينة، وأصبح التضامن من أهم سمات الحياة الإسلامية وليست رابطة الأرض أو مكان الإقامة أو الولادة كما هو الحال في الفكر الغربي، لأن مفهوم الأمة في الإسلام يقوم على الاشتراك في وجهة عامة، فقد أشار القرآن الكريم إلى المسلمين على أنهم أمة واحدة، فلم يفرق بين شعب وشعب، ولم يخص بلداً أو قبيلة أو فئة بالأمر بالوحدة، بل كان خطابه عاماً شاملاً يضم كل من آمن بالرسالة المحمدية وتبع هديها وطريقها. قال تعالى:{إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [1] وقال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [2] وقال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [3] وقال عز من قائل: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً} [4]
ويشير القرآن الكريم إلى إعجاز الوحدة الإسلامية وعظمة ما تعنيه في مدلولها فيقول تعالى: {هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ} [5] .
فالأمر الإلهي بالتضامن فرض جوهري في صلب العقيدة الإسلامية، والأخوة هي إحدى النعم الكبرى التي منّ الله بها على عباده المسلمين، وقد برأ الله تعالى رسوله الكريم من العاملين على تفرقة كلمة المسلمين وهدم وحدتهم، فيقول جل جلاله:{إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} .
ويؤكد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أهمية الأخوة الإسلامية والتضامن بين المسلمين، ولا يدع فرصة مواتية إلا وعبر عن أهميتها فيقول صلى الله عليه وسلم:"مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى".
وقال صلى الله عليه وسلم: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا" وقال أيضا: "من خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها ولا يتحاشى من مؤمنها فليس مني ولست منه".
لقد كان الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يحث على الإخاء الإسلامي على مستوى الأفراد والجماعات فأوصى بالمودة بين أفراد الأسرة الواحدة وبين الإخوان والجيران، وهكذا تلتئم خلايا المجتمع التئاماً متدرجاً حتى يتم بناء الأمة الإسلامية بأسرها على أسس من المحبة والود والإخاء والتضامن.
الإِعلام سلاح في يد الأعداء
فالتضامن الإسلامي فرض من فروض الإسلام على الأمة أن تنهض به، وهو ليس مجرد عمل سياسي أو شعاراً مؤقتا وإنما هو جزء لا يتجزأ من جوهر الدعوة الإسلامية، ولا يستقيم للمسلمين عمل ولا حال إلا إذا تحققت أركان التضامن بينهم.
ومن واجب الدولة الإسلامية أن تحقق التضامن، وأن تسعى إلى تثبيت أصوله وحمايته من التصدع، ولا ينبغي أن يسعى إقليم أو قومية أو دولة لتحقيق مصالحها على حساب الوحدة الإسلامية، إذ أن هذه الآفة هي التي حركت مطامع الدول الأجنبية في المسلمين وشجعتها على الانفراد بكل قطر على حدة.
ولقد دبر أعداء المسلمين شتى الخطط التآمرية على الأقطار الإسلامية ولجأوا إلى مختلف الطرق والأساليب من أجل إضعاف التضامن، ووضع العقبات والعوائق للحيلولة دون اتصال المسلمين ببعضهم لتحقيق تضامنهم. وقد كان الإعلام من أهم الأسلحة المستخدمة لبث روح الفرقة والانقسام بين المسلمين، إذ أن أعداء الإسلام يعلمون تماماً أنهم ما كانوا ليحققوا ما حققوه لو أن الصف الإسلامي كان موحداً ومتماسكاً وقوياً.
الإِعلام الطباعي
لقد كانت المطبعة هي السلاح الأولى الذي جلبه الصليبيون والمبشرون إلى العالم العربي لشن حملاتهم التبشيرية عن طريق الكتاب والصحيفة، ففي أحد الأديرة المارونية في لبنان وفي دير قزحيا طبع كتاب المزامير سنة 1610 بالحرف السرياني، ثم أنشأ الشماس عبد الله زاخر أول مطبعة عربية سنة 1731 بقرية الشوير اللبنانية، وتخصصت هذه المطبعة في نشر كتب التبشير المسيحي.
وفي سنة 1834 أنشأ المبشرون الأمريكيون من أمثال كورنيليوس فان دايك، ووليم ورتبات وغيرهما مطبعة في بيروت لطبع الإنجيل، وتزويد الجمعيات التبشيرية بالكتب الدينية، ومن المعروف أن هذه الجمعيات كانت تضم الكثير من القسس والأطباء والعلماء الذين نذروا أنفسهم للتبشير بين المسلمين في العالم العربي.
وأنشأ المبشرون مدارس دينية ومدرسة عليا هي الكلية السورية الإنجيلية التي تحولت إلى الجامعة الأمريكية في بيروت، ومن الغريب أن هذه المعاهد قد اتخذت من بيروت والقاهرة ولا هو وأنقرة، وهى من أركان العالم الإسلامي، مراكز للتبشير في جميع أجزاء العالم الإسلامي، وبث الفرقة بين أقطاره المختلفة، وكان الإعلام الطباعي يغذي هذه الحركات التبشيرية بالكتب والصحف والمجلات والأطالس.
وخاف اليسوعيون الكاثوليك أن يتفوق الأمريكيون البروتستانت عليهم في مضمار الإعلام التبشيري المسيحي والدعوة الصليبية بفضل مطبعتهم، فقرروا في سنة 1848 إنشاء مطبعة يواجهون بها منافسيهم، فاستوردوا من فرنسا مطبعة كبيرة طبعوا عليها الكتب الدينية والأدبية والعلمية، وفي الربع الأخير من القرن الماضي أصبحت طابعات هذه المطبعة الكاثوليكية تدار بالبخار لأول مرة في لبنان.
لقد كانت خطة الأمريكين البروتسانت والفرنسيين الكاثوليك هي تعليم اللبنانيين والسوريين طرق التبشير وفنون الكتابة وأساليب الإعلام وأصول التحرير الصحفي، وتقنيات الطباعة لكي يصيروا دعاة لهم في جميع أنحاء العالم العربي، ثم في جميع أركان العالم الإسلامي، لبث الفرقة والانقسام بين أبنائه، والحيلولة دون تضامن العالم الإسلامي بأي شكل من الأشكال.
وبالفعل نجد أن ناصيف اليازجي وبطرس البستاني في لبنان وبلاد الشام، ثم يعقوب صروف الذي أنشأ مجلة المقتطف، وشاهين مكاريوس وفارس نمر اللذان اشتركا في تأسيس المقطم مع خليل ثابت، بالإضافة إلى شبلى شميل وأنطون فرح، ثم سلامة موسى ولويس عوض، وهم جميعا من أنصار الاتجاهات المادية والاشتراكية، فضلا عن التروج للمذهب الدارويني في النشوء والتطور، والهجوم على كل ما يتصل بالإسلام.
ولا يفوتنا ذكر ما لقيته الصوفية المنحرفة، من تشجيع فقد أنشأ الإيطالي (بلفنطى) مطبعته الحجرية التي طبعت بعض الدواوين الصوفية إلى جانب الكتب المسيحية، فالتبشير المسيحي يهتم بالتصوف الذي يحث على التواكل والتكاسل، ويشجع انتشار روح الفرقة بين المسلمين، ويعبر المستشرقون في كتاباتهم عن الإعجاب الشديد بالفلسفات الشرقية الغنوصية، وبالشطحات الصوفية مثل الفتوحات المكية لابن عربي وقصائد الحلاج وكتابات السهروردي وغيرها من الأفكار المدسوسة على الإسلام بما فيها من جبرية ووحدة الوجود ومذهب الحلول المنحرف الكافر.
الإعلام الصهيوني
ولقد تسابق اليهود والمسيحيون في إرساء قواعد الإعلام عن طريق إنشاء المطابع في فلسطين، ففي سنة 1830 أنشأ نسيم باق مطبعته في القدس لطبع كتب الديانة اليهودية، وكانت حروف تلك المطبعة عبرية، وفي سنة 1848 أسس جماعة من الإنجليز مطبعة بالقدس أسموها مطبعة لندن لانتشار الإنجيل، كما أنشأ الأرمن في السنة نفسها مطبعة وضعوها بديرهم المجاور لجبل صهيون، ولم يكتف اليهود بمطبعة نسيم باق بل ثنوها بمطبعة أسسها داويد ساسون سنة 1850.
وهكذا أخذت المطابع اليهودية ترتبط بالحركة الصهيونية، وكانت الدعاية توجه إلى يهود العالم، ثم إلى العالم المسيحي توطئة للأحداث المؤسفة التي فرقت شمل العالم العربي، وعملت على تمزيق الصف الإسلامي أيضا، وليست مجرد صدفة أن معظم قادة اليهود من رجال الإعلام والصحافة بدءاً من تيودور هرتزل الذي ترأس مؤتمر بازل في سويسرة سنة 1897 حتى رجال الصحافة والسينما والتلفزيون الذين يهيمنون على وكالات الأنباء والصحف وغيرها من دور النشر والإذاعة والسينما.
ويكفي أن نلقي نظرة سريعة على اهتمام اليهود بالإعلام والصحافة بوجه خاص، فهم يملكون:
1-
244 صحيفة في الولايات المتحدة الأمريكية، منها 151 دورية.
2-
30 دورية في كندا.
3-
118 صحيفة في أمريكا اللاتينية.
4-
348 صحيفة في أوروبا بجميع اللغات الأوروبية.
5-
3 صحف في الهند.
6-
خمس دوريات في تركيا.
7-
42 دورية في أفريقيا.
وتعلن إسرائيل رسميا أن الصهيونية تسيطر على 889 صحيفة في الدول الغربية.
ٍوقد استطاع الصهيوني روبرت مردوخ أن يشتري أعظم صحف بريطانيا وأقواها نفوذا وهي صحيفة التايمز التي كان يملكها اللورد طومسون.
وقد عرضت مجلة نيوزويك الأمريكية المشهورة للبيع فاشترى أكثر أسهمها أحد اليهود بمبلغِ 800 ألف دولار، وأصبحت هذه المجلة التي لها شهرتها وانتشارها وتأثيرها سلاحاً دعائياً جديداً في يد الصهيونية، وكم قامت هذه المجلة وغيرها بتشويه صورة الإسلام والمسلمين، وبذر روح الفرقة والانقسام بينهم!.
الإذاعات التنصيرية
وهكذا استطاع اليهود والصليبيون السيطرة على وسائل الإعلام في العالم وسخروها لخدمة أهدافهم الشيطانية ولم يستطع الإعلام الإسلامي حتى الآن أن يتغلب على هذه القوى الشريرة، لذا استطاع الإعلام الصهيوني أن يحجب الاهتمام بالقضايا التي تهم عالمنا الإسلامي حتى تموت في ضمير المسلمين، وفي نفس الوقت يركز على قضايا جانبية أو ظواهر فيها الخطر المحدق بمجتمعاتنا الإسلامية يمهد لها ويعمل على نشرها وبث الزخارف المضللة حولها كالأفكار والمذاهب الهدامة والإباحية إلى غير ذلك.
وقد سخروا لهذا أحدث أنواع الأساليب والوسائل الإعلامية من مجلات ونشرات وجرائد ونشرات متخصصة حتى للأطفال والنساء بصورة جذابة وبمختلف اللغات ينفقون عليها حتى تظهر بصورة مغرية جذابة منها ما يوزع مجانا ومنها ما يوزع بثمن ضئيل.
كما أن هناك معاهد متخصصة في هذا المجال في أمريكا وغيرها، وقد سخرت مطابع ودور نشر لهذه الأغراض علاوة على طباعة الإنجيل ونشره وتوزيعه وترجمته إلى لغات عديدة. هذا في مجال الكلمة المطبوعة أما في الكلمة المسموعة فقد بلغت شأواً بعيدا في هذا المضمار حيت أنشئت برامج إذاعية تنصيرية بل أنشئت محطات خاصة للتنصير في مناطق عديدة منها:
1-
إذاعة ساعة الإصلاح بالخرطوم في السودان.
2-
إذاعة نور على نور في مرسيليا.
3-
صوت كلمة الحياة في مالاكا بأسبانيا.
4-
نداء الرجاء في شتوتجارت بألمانيا الغربية.
5-
إذاعة المحبة والوفاء في بيروت.
6-
إذاعة مونت كارلو بمونت كارلو.
7-
المدرسة الإذاعية الإنجيلية مرسيليا.
8-
المركز المعمداني في بيروت.
9-
دار الهداية بسويسرا.
10-
الإذاعة التنصيرية في ليبيريا.
11-
الإذاعة التنصيرية في سيشيل.
هذا وقد عقدت المؤتمرات واللقاءات في هذا المضمار حيث عقد في هوس بنيجيريا اجتماع ضم حوالي أربعين من زعماء الكنائس الأفريقية اللوثرية ومديري المحطات الإذاعية ورجال الإعلام لبحث تضافر الجهود وتطوير أسلوب الإذاعات التنصيرية في غرب أفريقيا، كما عقد اجتماع في تنزانيا في مارس 1981 خاص بشرق أفريقيا.
وفي أكتوبر عام 1980 عقد مؤتمر كبير في سوزايلند ضم مجموعة من العامين في مجال البث الإذاعي يمثلون 12 دولة من إفريقيا حضر معهم مجموعة من المراقبين في أوروبا.
ومن المعروف أن للطائفة المعمدانية فقط حوالي 111 محطة إذاعية تنصيرية منتشرة في ثمانية وثمانين بلداً. كما تم تخصيص عشرين مليون دولار ابتداء من عام 1980 لتقوية إذاعة آسيا التنصيرية لمنطقة جنوب شرق آسيا خاصة وقارة آسيا عامة وهذه الإذاعة متمركزة في الفلبين وتبث برامج بلغات كثيرة بلغت 28 لغة آسيوية.
أضف إلى ذلك محاولة تجنيد رجال التنصير في المؤسسات الإعلامية في الدول الإسلامية ليضمنوا السيطرة بشكل أو بآخر على هذه الأجهزة، بل تعدى الأمر إلى إنتاج برَامج خاصة بالتنصير بأساليب خادعة لتفوت على رجال الرقابة في المؤسسات الإعلامية الإسلامية المسموعة والمرئية.
الفيلم وقضايا المسلمين
وعلى حين تغطى أفلام الترفيه والضياع أسواق العالم الإسلامي في السينما والتلفزيون، فإن القضايا الإسلامية الخطيرة، ومشاكل المسلمين العديدة، لا تجد مجالاً في تلك الأسواق. فمثلاً قضية فلسطين وهي أكبر تحد واجهه المسلمون منذ ضياع الأندلس، تقف إمكانات المسلمين عاجزة عن إنتاج فيلم واحد يشرح قضيتها، ويبصر الناس بمأساتها، في حين أن اليهود قد عرضوا في عامي 1974 و1975 أكثر من 300 فيلم في المهرجان اليهودي الدولي للسينما والتلفزيون.
وقد بذل مجلس الجامعة العربية جهوداً كبيرة للحصول على أفلام يوزعها على مراكزه في الخارج، وفي سنة 1964 اعتمد المجلس مبلغ نصف مليون دولار لإنتاج فيلم عن فلسطين بالتعاون مع منتج معترف به دوليا، غير أن الفيلم لم يظهر إلى الوجود نظرا للعجز في الإمكانات، ولعل الحقيقة تكمن في العقبات التي يضعها أعداء الإعلام الإسلامي في سبيل إنجاز أي إنتاج يكون له تأثير على الرأي العام.
ومع ذلك فعندما احتج سفراء الدول العربية والإسلامية على عرض فيلم "الخروج "الذي يقدم دعاية سافرة عن إسرائيل واليهود، قامت قيامة الصحف الغربية، وأخذت تكيل السباب والشتائم للعرب والمسلمين.
مسؤولية الإعلام عن بث روح التضامن
والحق إن من أهم وظائف الإعلام تنوير العقول وتهذيب النفوس في ضوء تعاليم الإسلام، فمن واجب الإعلام الإسلامي الدعوة لوحدانية الله، وتحريره الإنسان من عبودية العباد وإنقاذه من سيطرة الأهواء والشهوات والغرائز.
فالإعلام مرفق هام من مرافق الدولة الإسلامية ولا ينبغي العبث به أو استخدامه لإثارة الشهوات، وتحريك الرغبات الدنيا بين الشباب والناشئة، بل أن المفروض أن ترقى اهتمامات الناس، وأن يسمو الإعلام بعقولهم وعواطفهم.
ولعل الهدف الأسمى للإعلام هو توحيد الأمة فكراً وسلوكاً وولاء وإيجاد التعارف والتآلف بين أبنائها، والإصرار على معاني الأخوة والتراحم والتواد بين أفرادها، بل يجب على السلطان أن يضرب بيد قوية على كل من تسول له نفسه العبث بوحدة الأمة، أو تعريض وحدتها للخطر، وهذه جريمة من جرائم الخيانة العظمي.
ولاشك أن أهم ما ينبغي أن نسارع إليه هو وقف حملات التشهير والسب والشتم والمهاترات بين أقطار العالم الإسلامي، كما يجب مواجهة الحملات الإعلامية المعادية، والتفرغ للدفاع عن الأمة ومقدساتها وتنشيط الروح الجهادية عند المسلمين.
وبدلاً من إذاعة برامج لتعليم اللغة الإنجليزية بالراديو أو نشر اللغة الفرنسية أو غيرها من اللغات الأجنبية، ينبغي أن تتوفر إذاعاتنا الإسلامية على محو الأمية بأشكالها المختلفة، ونشر التعاليم الإسلامية، ومحاولة تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها.
وبدلاً من الدعاية للحضارة الغربية، والتحدث عنها بإكبار وتقدير، وتقديم نماذج للشباب يقتدون بها، يجب على الإعلام في الدولة الإسلامية أن يتخذ مثله العليا من أبطال الإسلام وعلمائه، مع تعرية الحضارَة الغربية والثقافةَ الشيوعية والدعاية الصهيونية والمذاهب المنحرفة، وتسليط الأضواء على المعطيات الحضارية للإسلام.
إن الطالب في كثير من الجامعات التي تنتشر في العواصم الإسلامية يعرف عن فرنسا، وإيطاليا وبريطانيا وأمريكا أضعاف أضعاف ما يعرف عن إندونيسيا والباكستان ونيجيريا والعراق، ويعرف عن فولتير وشكسبير وروسوولويسر التاسع ودانتى أكثر بكثير مما يعرف عن عبد الرحيم الغافقي ومحمد الفاتح وحسان بن ثابت والمتنبي والجاحظ وابن قتيبة.
ولعل من أهم أسباب تقوية روح التضايق الإسلامي العمل على تعميم وسائل الإعلام، بنشر بعض الصحف اليومية لكي يتداولها الناس في جميع العواصم الإسلامية باللغة العربية وبعض اللغات الإسلامية الحية، على أن تتبنى هذه الصحف القضايا الإسلامية وتطالب بحقوق المسلمين المستضعفين وتعرف الناس بالأقليات الإسلامية وما تتعرض له من مشكلات، ولاشك أن إطلاق القمر الصناعي العربي بعد تسعة أشهر ـ بإذن الله - سوف يتيح فرصاً سانحة عظيمة لنشر الدعوة الإسلامية وربط أواصر العالم الإسلامي والعمل على تضامنه ووحدته.
الإعلام وأصالة التضامن الإِسلامي:
والتضامن الإسلامي ليس دعوة مستحدثة، ولا فكرة جديدة، ولا هو عمل سياسي لغايات مؤقتة، وعلى الإعلام أن يرسخ في أذهان المسلمين أن التضامن هو جوهر الدعوة الإسلامية، وبغيره لا يمكن أن يستقيم للمسلمين حال، ولا أن ينتظم عمل، ولا أن يحقق الإسلام ذاته في ديار المسلمين.
إن وحدة المسلمين واتفاق كلمتهم قد جعلت من العرب قوة ناجزت أعظم قوتين في العالم هما دولة الفرس ودولة الروم، كما سارت مواكب المجد الإسلامي- بفضل الوحدة- مشرقة ومغربة توسع ديار الإسلام، رافعة رايته خفاقة، وحاملة رسالته مضيئة منيرة مشعة في الخافقين.
والمسلمون لا يجهلون أن سقوط الأندلس يرجع إلى تمزق الصف العربي والإسلامي وكثرة دويلات المسلمين، وتسلل العناصر المتآمرة إلى صفوف تلك الدويلات، والركون إلى الترف والتعرض للأفكار المنحرفة والعقائد الشاذة.
على أن الحاجة إلى تنظيم الدعوة للتضامن قد أصبحت ملحة للغاية، ولابد أن تقوم على أسس مدروسة وخطط علمية، وهنا يقوم الإعلام بدور هام في تعميق الإحساس بالحاجة إلى التضامن، وتصوير الإطار الذي تدور فيه كل الوسائل والعوامل السياسية والاقتصادية والثقافية والعسكرية المؤدية إلى وحدة الأمة الإسلامية وتضامنها بما هو يعود على دينهم ودنياهم بالخير والنفع والبركة.
الإِعلام وتحقيق التضامن الإِسلامي:
ولا تخلو الساحة الإسلامية من الجهود الطيبة لإذكاء روح التضامن، مثال ذلك إنشاء رابطة العالم الإسلامي التي تعتبر بحق من أروع مظاهر التضامن الإسلامي، وهى التي تبذل جهوداً طيبة في حقل الإعلام لتجسيد دعوة التضامن وإبرازهاَ إلى حيز الوجود على أسس عملية وعلمية في آن واحد.
لقد ظهرت رابطة العالم الإسلامي بنتيجة القرار الذي اتخذه "المؤتمر الإسلامي"الذي انعقد في مكة المكرمة عام 1381هـ، وقد عبرت المقررات التي اتخذها المؤتمر عن مدى الإحساس بضرورة تقوية الروابط بين المسلمين، وتحقيق التقارب والتعاون فيما بينهم، فجاء في مقدمة تلك القرارات:
"يؤكد المؤتمر الإسلامي إيمانه برابطة الأخوة بين المسلمين، ويعتبرها الرابطة الحقيقية بين سائر الشعوب الإسلامية، كما يعلن المؤتمر أن أخوة الإسلام فريضة الله على كل مسلم تربطه بأخيه المسلم مهما كان جنسه ووطنه، وأن هذه الأخوة ظلت دائماً ركيزة القوة وخصيصة المجتمع الإسلامي في كل عهود العزة والمنعة في تاريخ المسلمين، وأن كل عصبية دون الإسلام تقع تحت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "ليس منا من دعا إلى عصبية" وكل دعوى باسم القومية أو غيرها تفرق بين المسلمين وتتخذ بطانة من دونهم هي من دعاوى الجاهلية الباطلة التي أنكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يستفيد منها إلا أعداء الإسلام والمسلمين ".
"ويجد المؤتمر من واجبه أن يهيب بالعرب خاصة أن يذكروا أن اجتماع شملهم إنما كان في حجر الإسلام أول مرة، وأنه لم يجتمع لهم شمل إلا في ظل أحكامه وسلطانه، وأنهم حملوا رسالةَ الإسلام إلى الدنيا فدانت لدعوتهم شعوب آثرت أخوة الإسلام على قومياتها، وأصبح ولاؤهَا منذ أسلمت للإسلام وأمة الإسلام، فجدير بالعرب حَملة الرسالة الأولى أن يكونوا القدوة في الحفاظ على أخوة الإسلام، وأن يعتبروا كل توهين لها عدواناً على تاريخهم وانتقاصاً من قوتهم، وانحرافاً عن طَريق وحدتهم ".
والذي يهمنا في هذا الصدد هو دور الإعلام في تحقيق التضامن الإسلامي عن طريق التعاون الثقافي بين الدول الإسلامية، وتعريف كل من الشعوب الإسلامية بالمعطيات الثقافية التي أنتجتها شعوب إسلامية أخرى، وبأوضاع كل دولة إسلامية وحياتها ومشكلاتها وإنجازاتها.
ومن الممكن إنشاء مؤسسة ثقافية إسْلامية كبرى ذات نشاط إسلامي شامل تمارس عملها في جميع أنحاء العالم سواء بنشر المؤلفات أو ترجمتها أو بإصدار الكتب والصحف الإسلامية التي تنطق باسم المسلمين جميعاً وتكون ذات شكل إعلامي حديث عصري متطور، بالإضافة إلى تبادل الخدمات والبرامج والأشخاص بين المؤسسات الإعلامية الإسلامية.
وإن الدور الذي يلعبه التعاون الثقافي والإعلامي بين الدول الإسلامية كفيل بتنظيم الرأي العام الإسلامي وتوجيهه وفق مقتضيات مبادئ التضامن الإسلامي بأشمل معانيه وكافة تفاصيله، كما يمكنه قيادة تطوير المجتمع الإسلامي نفسه على ضوء الشريعة الإسلامية، وتحقيق التجانس والتقارب بين فئاته بصورة تجعل كل شعب إسلامي قادرا على الاستفادة من التجارب المفيدة للشعوب الإسلامية الشقيقة الأخرى.
أساليب الإعلام والدعوة الإسلامية:
ويتمثل الدور الذي يقوم به الإعلام في تحقيق التضامن الإسلامي في عدة أمور أهمها تبليغ دعوة الإسلام وشرح مبادئها وتعاليمها ودحض الافتراءات والشبهات عنها، ومجاهدة المؤامرات الماكرة الخطيرة التي يريد بها أعداء الإسلام من الصهاينة والشيوعين والصليبين فتنة المسلمين عن دينهم وتمزيق وحدتهم وأخوتهم.
ومن أهم وسائل الدعوة اجتماع علماء المسلمين المرموقين وكبار دعاة الإسلام لتبادل الرأي وتنسيق الجهود والنظر في تقوية وسائل الدعوة وتجديدها باستمرار، وتبادل الخبرات والتجارب في ميدان الدعوة والإعلام الإسلامي.
ولما كان الحج من أهم المواسم الدينية والإعلامية في وقت معاً، كأن من الضروري انتقاء صفوة من أقوى الدعاة بمختلف اللغات لإذكاء مشاعر الأخوة والتضامن، مع عقد ندوات كبيرة لقادة الرأي والتوجيه، لاتخاذ القرَارات والتوصيات في المشكلات والقضايا الإسلامية، هذا بالإضافة إلى تحقيق التعارف والمودة بين الحجيج.
كما ينبغي دعم أجهزة الإذاعة الإسلامية بالرجال والبرامج وبعدة لغات حتى تبلغ الدعوة آذان أكبر عدد ممكن من الناس، وهنا ينبغي الاستفادة من القمر الصناعي العربي لتحقيق وصول الدعوة الإسلامية إلى جميع أركان المعمورة، لأن الإسلام دين عالمي شامل وعام. وينبغي ألا تكتفي الإذاعات الإسلامية بتلاوة القرآن الكريم بتقديم بعض المواعظ، إذ أن العبرة تكمن في تقديم البرامج العامة أدبية وعلمية وسياسية من منطلقات إسلامية، وعلى هدى تعاليم الإسلام ومبادئه، أما أن تترك البرامج سادرة في غيها ومتردية في شكلها ومضمونها، فذلك مما يتنافى مع طبيعة الإعلام الإسلامي.
الإعلام قوة حضارية إسلامية:
لقد سارت خطوات التضامن الإسلامي سريعة إلى الأمام بفضل النظرة الشاملة لعوامل الإخاء والتعاون. ولعل أهم معالم هذه النظرة الشاملة تبدو فيما قرره مؤتمر وزراء خارجية ثلاث وعشرين دولة إسلامية الذي انعقد في كراتشي سنة 1970م وبحث موضوع إنشاء مصرف إسلامي دولي تساهم فيه جميع الدول الإسلامية ويستفاد منه في مشروعاتها الإنمائية، كما درس موضوع إنشاء وكالة أنباء إسلامية دوليَة تكون هي المصدر الرسمي لأنباء الوطن الإسلامي في العالم كله، كما بحث موضوع دعم المراكز الثقافية الإسلامية في العالم أجمع، وإنشاء مراكز إسلامية جديدة، كما درس موضوع تعميم الثقافة الإسلامية وترسيخ قواعدها وجعلها ثقافة عصرية حضارية تقيس على أسس ثابتة من القيم الإسلامية، كما كان موضوع الحق الإسلامي في فلسطين على رأس الموضوعات.
وهكذا يتضح لنا الفهم الحقيقي للإعلام على أنه قوة حضارية تتفاعل مع سائر القوى السياسية والاقتصادية والثقافية الأخرى، فجاء الاهتمام بإنشاء وكالة الأنباء الإسلامية حتى نتخلص من الاعتماد على الوكالات الأوروبية والأمريكية الدولية في استقاء أخبار العالم الإسلامي بوجه خاصِ والعالم الدولي بوجه عام، فالاستقلال الاقتصادي بإنشاء المصارف الإسلامية يسير جنباً إلى جنب مع الاستقلال الإعلامي بتقوية وكالة الأنباء الإسلامية التي أَقيمت في جدة، ثم تعزيز المراكز الثقافية الإسلامية في العالم كله للحفاظ على ذاتية الحضارة الإسلامية وتفردها باعتبار أن الأمة الإسلامية هي أمة متفردة في العالم كله.
لذلك يسعى الإعلام إلى تعزيز روح التضامن بين البلاد الإسلامية وتهيئة الجو لروح الوحدة، مع الاهتمام بإشاعة روح التعاون والمساواة التامة بين الدول الإسلامية في الحقوق والواجبات، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، واحترام سيادة كل دولة ووحدتها، وحل المنازعات بالطرق السلمية الإسلامية عن طريق التفاوض والمناقشات الودية الأخوية، وتعزيز المبادئ الإسلامية والعمل بمقتضاها، مع احترام حقوق الإنسان وفقاً لمبادئ الشريعة الإسلامية السمحة.
وينبغي على الإعلام الإسلامي أن يعمل على نشر اللغة العربية الفصحى بين الشعوب المسلمة وجعلها لغة التفاهم بين الجميع، على أن تخصص الصحف والإذاعات برامج مدروسة لتعليم اللغة العربية وتداولها بين المسلمين.
الإعلام وإشاعة روح التضامن:
أهم ما يسعى إليه الإعلام في الأمة الإسلامية العمل الإيجابي على بث روح التضامن والوحدة بين أجزائها. يقول عليه الصلاة والسلام: "ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضو تداعى له سائر جسده بالسهر والحمي". وأقدس واجبات الإعلام، ومسؤوليته العظمى تكمن في السهر على إشاعة روح الترابط والتماسك للمحافظة على كيان الأمة وحمايتها من الأخطار.
وكما تنضم خلايا الجسم لتكوين الجسد الحي، فإن الأفراد ينضمون بعضهم إلى بعض ليكونوا الأمة. والسر في هذا الانضمام هو تولد روح التضامن والتكامل التي تؤدي إلى الترابط والتماسك، فالمجتمع الإسلامي ينشأ من حمل فرد مثلا أعلى إلى آخر وهذا هو التبليغ.
والرابطة التي تربط الأمة هي العقيدة الواحدة والهدف الواحد، والمثل الأعلى الواحد، والكتاب الواحد والسنة الواحدة، والثقافة الواحدة والقيم الواحدة والشريعة الواحدة.
والتبليغ وهو الإعلام واجب مقدس لإشاعة روح الترابط والتضامن في الأمة الإسلامية، وكتمان هذا البلاغ من كبائر الذنوب.
{إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ} [7] ولا يكون البلاغ إكراها {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيّ} [8] وإنما يكون إقناعاً وترغيباً، وأما من يعرضون عن البلاغ المبين فهم الذين لا يعلمون أو الذين لم يبذل الجهد الكافي لإقناعهم {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ} [9] .
مسؤولية الإعلام الإسلامي ومستقبله:
ومما يؤسف له أن الإعلام في البلاد الإسلامية كان مسرحاً للقوى الاستعمارية والمؤامرات الصهيونية والأفكار الشيوعية التي اصطنعت أقلاماً ووجوها تنشر المبادئ الهدامة والقيم غير الإسلامية. وحسبنا في هذا الصدد كلمات صدرت عن المؤتمر العالمي لتوجيه الدعوة وإعداد الدعاة الذي عقد في صفر سنة 1396هـ. بالمدينة المنورة، فقد ورد في قرارات المؤتمر.
"ويندد المؤتمر بالهوة السحيقة التي تردى إليها إعلامنا ولا يزال يتردى، فبدلاً من أن يكون منارة إشعاع، ومنبر دعوة إلى الخير، صار صوت إفساد وسوط عذاب وسكت القادة فأقروا بسكوتهم، أو جاوزوا ذلك فشجعوا وحموا، وخفت صوت الدعاة وسط ضجيج الإعلام الفاسد ولم يعد الأمر يحتمل السكوت".
ونأمل أن ينهض الإعلام بالمسؤولية الكبرى الملقاة على عاتقه وأن تعود الصحافة الإسلامية إلى سابق مجدهَا، فقد لمعت والحمد لله صحف فذة من أمثال المنار للشيخ محمد رشيد رضا ووادي ميزاب للعلامة الجزائري عبد الحميد بن باديس، وقد قامت الصحافة بدور خطير في قيادة الرأي العام الجزائري لمقاومة الاستعمار بفضل صحيفة البيان وصحيفة الشريعة.
وقد أصدر الحزب الإسلامي في أفغانستان مجلة إسلامية اسمها "الموقف"وأصدرت جمعية أفغانستان الإسلامية مجلة "صوت الجهاد" لتنطق بلسان المجاهدين هناك، وهاتان المجلتان صدرتا بعد الاحتلال الشيوعي الغاشم لأفغانستان المسلمة، وهذا دليل على قوة الصحوة الإسلامية، وقدرة الإعلام على المشاركة في الجهاد.
وإن واجب الإعلام أن يبين للأمة سبل التضامن، ويقيننا أن الركب واصل- بإذن الله تعالى- إلى هدفه المنشود، لجمع ما تشتت من شمل الأمة، ولإعادة بناء ما تهدم من بنيانها، ولفتح صفحات جديدة في تاريخ العالم، مؤكداً أن أمة محمد عليه الصلاة والسلام لن تموت ما وفت للرسالة، وما قامت بالدعوة، وما عملت بالأمر الإلهي بالوحدة والتضامن والتآلف والتعاضد.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحابته والتابعين.
--------------------------------------------------------------------------------
[1]
الأنبياء: 92.
[2]
آل عمران: 110.
[3]
الحجرات: 10.
[4]
آل عمران:103.
[5]
الأنفال: 62.
[6]
الشورى: 52-53.
[7]
البقرة: 159.
[8]
البقرة: 256.
[9]
الأنبياء: 24.
مِنَ الفَتَاوى الشرعيَّة
حُكْمُ الصَّلاةِ عَلى النَّبَيِّ صلى الله عليه وسلم
والإشارة إليهَا بالحُروفِ
لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز
الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
سألتنا الأخت: (س: ر: ج) من الكويت عن حكم الإشارة إلى اسم رسول الله صلى الله عليه وسلم بحرف أو بعدة حروف
…
وقد تلقينا من فضيلة الشيخ عبد العزيز بن باز ما يفي الغرض من مشروعية الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وعدم الإشارة إليها ببعض الحروف.
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وآله وصحبه أما بعد:-
فقد أرسل الله رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم إلى جميع الثقلين بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، أرسله بالهدى والرحمة ودين الحق، وسعادة الدنيا والآخرة لمن آمن به وأحبه واتبع سبيله صلى الله عليه وسلم، ولقد بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده فجزاه الله عن ذلك خير الجزاء وأحسنه وأكمله.
وطاعته صلى الله عليه وسلم وامتثال أمره واجتناب نهيه من أهم فرائض الإسلام وهي المقصود من رسالته. والشهادة له بالرسالة تقتضي محبته واتباعه والصلاة عليه في كل مناسبة وعند ذكره لأن في ذلك أداء لبعض حقه صلى الله عليه وسلم وشكراً لله على نعمته علينا بإرساله صلى الله عليه وسلم.
وفي الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم فوائد كثيرة منها امتثال أمر الله سبحانه وتعالى والموافقة له في الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم والموافقة لملائكته أيضاً في ذلك قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً} .
ومنها أيضاً مضاعفة أجر المصلي عليه ورجاء إجابة دعائه وسبب لحصول البركة ودوام محبته صلى الله عليه وسلم وزيادتها وتضاعفها وسبب هداية العبد وحياة قلبه فكلما أكثر الصلاة عليه وذكره استولت محبته على قلبه حتى لا يبقى في قلبه معارضة لشيء من أوامره ولاشك في شيء مما جاء به.
كما أنه صلوات الله وسلامه عليه رغب في الصلاة عليه بأحاديث كثيرة ثبتت عنه منها ما روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة- رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من صلى علي مرة صلى الله عليه بها عشرا " وعنه رضي الله عنه أيضاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تجعلوا بيوتكم قبوراً ولا تجعلوا قبري عيداً، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم " وقال صلى الله عليه وسلم: "رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي".
وبما أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم مشروعة في الصلوات في التشهد ومشروعة في الخطب والأدعية والاستغفار بعد الأذان وعند دخول المسجد والخروج منه وعند ذكره وفي مواضع أخرى فهي تتأكد عند كتابة اسمه في كتاب أو مؤلف أو رسالة أو مقال أو نحو ذلك لما تقدم من الأدلة. والمشروع أن تكتب كاملة تحقيقا لما أمرنا الله تعالى به، وليتذكر القارئ عند مروره عليها ولا ينبغي عند الكتابة الاقتصار في الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم على كلمة (ص) أو (صلعم) وما أشبهها من الرموز التي قد يستعملها بعض الكتبة والمؤلفين لما في ذلك من مخالفة أمر الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز بقوله:{صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً} مع أنه لا يتم بها المقصود وتنعدم الأفضلية الموجودة في كتابة صلى الله عليه وسلم كاملة. وقد لا ينتبه لها القارئ أو لا يفهم المراد بها، علما بأن الرمز لها قد كرهه أهل العلم وحذروا منه.
فقد قال ابن الصلاح في كتابه علوم الحديث المعروف بمقدمة ابن الصلاح في النوع الخامس والعشرين من كتابة الحديث وكيفية ضبط الكتاب وتقييده قال ما نصه:
التاسع: أن يحافظ على كتابة الصلاة والتسليم على رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذكره ولا يسأم من تكرير ذلك عند تكرره فإن ذلك من أكبر الفوائد التي يتعجلها طلبة الحديث وكتبته ومن أغفل ذلك فقد حرم حظاً عظيماً. وقد رأينا لأهل ذلك منامات صالحة، وما يكتبه من ذلك فهو دعاء يثبته لا كلام يرويه فلذلك لا يتقيد فيه بالرواية. ولا يقتصر فيه على ما في الأصل.
وهكذا الأمر في الثناء على الله سبحانه عند ذكر اسمه نحو عز وجل وتبارك وتعالى وما ضاهى ذلك إلى أن قال: "ثم ليتجنب في إثباتها نقصين أحدهما أن يكتبها منقوصة صورة رامزاً إليها بحرفين أو نحو ذلك، والثاني: أن يكتبها منقوصة معنى بألا يكتب وسلم وروى عن حمة الكناني - رحمه الله تعالى- أنه كان يقول كنت أكتب الحديث وكنت أكتب عند ذكر النبي صلى الله عليه ولا اكتب (وسلم) فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقال لي مالك لا تتم الصلاة علي؟. قال: فما كتبت بعد ذلك صلى الله عليه إلا وكتبت (وسلم) إلى أن قال ابن الصلاح: قلت ويكره أيضاً الاقتصار على قوله عليه السلام والله أعلم". انتهى المقصود من كلامه- رحمه الله تعالى ملخصا.
وقال العلامة السخاوي- رحمه الله تعالى- في كتابه فتح المغيث شرح ألفية الحديث للعراقي ما نصه: واجتنب أيها الكاتب (الرمز لها) أي الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطك بأن تقتصر منها على حرفين ونحو ذلك فتكون منقوصة صورة كما يفعله (الكسائي) والجهلة من أبناء العجم غالبا وعوام الطلبة فيكتبون بدلا من صلى الله عليه وسلم (ص) أو (صم) أو (صلعم) فذلك لما فيه من نقص الأجر لنقص الكتاب خلاف الأولى.
وقال السيوطي - رحمه الله تعالى- في كتابه تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي: ويكره الاقتصار على الصلاة أو التسليم هنا وفي كل موضع شرعت فيه الصلاة كما في شرح مسلم وغيره لقوله تعالى: {صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً} إلى أن قال: ويكره الرمز إليها في الكتابة بحرف أو حرفين كمن يكتب (صلعم) بل يكتبها بكمالها. انتهى المقصود من كلامه- رحمه الله تعالى مخلصا.
هذا وصيتي لكل مسلم وقارئ وكاتب أن يلتمس الأفضل ويبحث عما فيه زيادة أجره وثوابه ويبتعد عما يبطله أوينقصه. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا جميعا لما فيه رضاه إنه جواد كريم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
السفر إلى بلاد الكفرة
تقوم بعض المؤسسات بالنشر في الصحف داعية أبناء المسلمين لقضاء العطلة الصيفية في البلاد الغربية لتعلم اللغة الإنكليزية.
وللإجابة على ذلك ننشر توضيح فضيلة الشيخ عبد العزيز بن باز حول هذا الموضوع:
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين أما بعد
…
فقد أنعم الله على هذه الأمة بنعم كثيرة وخصها بمزايا فريدة وجعلها خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله. وأعظم هذه النعم نعمة الإسلام الذي ارتضاه الله لعباده شريعة ومنهج حياة وأتم به على عباده النعمة وأكمل به الدين قال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِيناً} . ولكن أعداء الإسلام قد حسدوا المسلمين على هذه النعمة الكبرى فامتلأت قلوبهم حقدا وغيظا وفاضت نفوسهم بالعداوة والبغضاء لهذا الدين وودوا لو يسلمون المسلمين هذه النعمة أو يخرجونهم منها كما قال تعالى في وصف ما تختلج به نفوسهم: {وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً} .
وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ} . وقال عز وجل: {إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ} . وقال جل وعلا: {وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} . والآيات الدالة على عداوة الكفار للمسلمين كثيرة. والمقصود أنهم لا يألون جهدا ولا يتركون سبيلا للوصول إلى أغراضهم وتحقيق أهدافهم في النيل من المسلمين إلا سلكوه ولهم في ذلك أساليب عديدة ووسائل خفية وظاهرة فمن ذلك ما ظهر في هذه الأيام من قيام بعض مؤسسات السفر والسياحة بتوزيع نشرات دعائية تتضمن دعوة أبناء هذا البلد لقضاء العطلة الصيفية في ربوع أوروبا وأمريكا بحجة تعلم اللغة الإنجليزية ووضعت لذلك برنامجا شاملا لجميع وقت المسافر. وهذا البرنامج يشتمل على فقرات عديدة منها ما يلي:
(ا) اختيار عائلة إنجليزية كافرة لإقامة الطالب لديها مع ما في ذلك من المحاذير الكثيرة.
(ب) حفلات موسيقية ومسارح وعروض مسرحية في المدينة التي يقيم فيها.
(ج) زيارة أماكن الرقص والترفيه.
(د) ممارسة رقصة الديسكو مع فتيات إنجليزيات ومسابقات في الرقص.
(هـ) جاء في ذكر الملاهي الموجودة في إحدى المدن الإنجليزية ما يأتي (أندية ليلية، مراقص ديسكو، حفلات موسيقى الجاز والروك، الموسيقَى الحديثة، مسارح ودور سينما وحانات إنجليزية تقليدية) .
وتهدف هذه النشرات إلى تحقيق عدد من الأغراض الخطيرة منها ما يلي:
1-
العمل على انحراف شباب المسلمين وإضلالهم.
2-
إفساد الأخلاق والوقوع في الرذيلة عن طريق تهيئة أسباب الفساد وجعلها في متناول اليد.
3-
تشكيك المسلم في عقيدته.
4-
تنمية روح الإعجاب والانبهار بحضارة الغرب.
5-
تخلقه بالكثير من تقاليد الغرب وعاداته السيئة.
6-
التعود على عدم الاكتراث بالدين وعدم الالتفات لآدابه وأوامره.
7-
تجنيد الشباب المسلم ليكونوا دعاة التغريب في بلادهم بعد عودتهم من هذه الرحلة وتشبعهم بأفكار الغرب وعاداته وطرق معيشته.
إلى غير ذلك من الأغراض والمقاصد الخطيرة التي يعمل أعداء الإسلام لتحقيقها بكل ما أوتوا من قوة وبشتى الطرق والأساليب الظاهرة والخفية وقد يتسترون ويعملون بأسماء عربية ومؤسسات وطنية إمعانا في الكيد وإبعادا للشبهة وتضليلا للمسلمين عما يرومونه من أغراض في بلاد الإسلام. لذلك فإني أحذر إخواني المسلمين في هذا البلد خاصة وفي جميع بلاد المسلمين عامة من الانخداع بمثل هذه النشرات والتأثر بها وادعوهم إلى أخذ الحيطة والحذر وعدم الاستجابة لشيء منها فإنها سم زعاف ومخططات من أعداء الإسلام تفضي إلى إخراج المسلمين من دينهم وتشكيكهم في عقيدتهم وبث الفتن بينهم كما ذكر الله عنهم في محكم التنزيل قال تعالى: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} الآية كما أنصح أولياء أمور الطلبة خاصة بالمحافظة على أبنائهم وعدم الاستجابة لطلبهم السفر إلى الخارج لما في ذلك من الأضرار والمفاسد على دينهم وأخلاقهم وبلادهم كما أسلفنا وإرشادهم إلى أماكن النزهة والاصطياف في بلادنا وهي كثيرة بحمد الله والاستغناء بها عن غيرها فيتحقق بذلك المطلوب وتحصل السلامة لشبابنا من الأخطار والمتاعب والعواقب الوخيمة والصعوبات التي يتعرضون لها في البلاد الأجنبية. هذا وأسأل الله جل وعلا أن يحمي بلادنا وسائر بلاد المسلمين وأبنائهم من كل سوء ومكروه وأن يجنبهم مكائد الأعداء ومكرهم وأن يرد كيدهم في نحورهم كما أسأله سبحانه أن يوفق ولاة أمرنا لكل ما فيه القضاء على هذه الدعايات الضارة والنشرات الخطيرة وأن يوفقهم لكل ما فيه صلاح العباد والبلاد إنه ولي ذلك والقادر عليه وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.
مختارات من الصحف
آراء ومواقف جَلالة الملك لخدمَة الإسلام
بمناسَبَة اختياره لجائِزة الملك فيصَل
استقبلت الأوساط العالمية والثقافية في العالمين العربي والإسلامي
…
نبأ اختيار جلالة الملك فهد من قبل جائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام
…
بارتياح كبير
…
لتجاوبه مع طبيعة قناعاتها بعظمة الدور الذي يضطلع به جَلالته على الساحتين لخدمة العقيدة الإسلامية ونشرها في مختلف ربوع الأرض، ورعاية شئون المسلمين، وخدمة مصالحهم في كل مكان من هذا العالم
…
حيثيات القرار:
أولا: أجمعت اللجنة على اختيار جلالته فائزا وحيدا بجائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام لهذا العام وذلك لما عرف به جلالته شرقا وغربا قبل توليه رئاسة الدولة وبعدها من عزيمة ثابتة وجهد صادق وعمل في خدمة الإسلام والمسلمين في كل المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية
…
وغيرها وعلى الأخَص فيما يأتي:
(1)
جهود جلالته الخيرة في جمع الشمل ورأب الصدع للأمة العربية والإسلامية
…
ومسعى المملكة العربية السعودية بقيادته لتحقيق التضامن الإسلامي. وما بذله ويبذله من جهود جادة ومستمرة من أجل إنهاء مشكلة لبنان وتخفيف آلامه، ودعم القضية الفلسطينية
…
(2)
إسهامات جلالته الخاصة والرسمية باسم المملكة في كل ما يضمد جراح المسلمين من آثار المحن والكوارث ومد يد العون لجميع الأقليات الإسلامية في بلاد العالم والوقوف بجانبها
…
(3)
تركيز الدعوة إلى الله ونشرها وحمايتها ومساندتها بما يرسل من دعاة يتحملون أعباء هذه الأمانة في مختلف البلاد الإسلامية وغيرها
…
(4)
العمل المستمر في سبيل نهضة البلاد وعمله المتميز المتواصل في سبيل خدمة الحرمين الشريفين ورعاية وفود الرحمن وتيسير أداء مناسك الحج والعمرة إليها
…
من هذه الحيثيات نخرج بأن اختيار جلالته جاء إقراراً لواقع قائم بالفعل فلا أحد يطاوله بل ولا أحد يمكن أن يقترب من درجته في الوقت الراهن فيما أدى للإسلام من خدمات وفيما أسبغ على الأمة الإسلامية من رعاية وعناية. فجلالته على مسرح الأحداث العربية والإسلامية
…
بل وكذلك الدولية يصول ويجول يهدى من عقيدته الراسخة ويهدي من تعاليم الإسلام القوية
…
فهو في كل سلوكه إنما يتصرف تصرف المؤمن الذي يخشى الله ويتقيه فخشية الله تنسحب على منهاج حياته كإنسان وكمسئول
…
الإسلام في سلوك الفهد:
فمنذ أن كان جلالته وليا للعهد كانت اهتمامات جلالته إسلامية بحتة
…
ففي لقاء مع أعضاء ندوة دور المساجد في المجتمع المعاصر والتي عقدت في الرياض في 8/3/1398 هـ أكد جلالته أن هدف المملكة نصرة الإسلام والمسلمين ونصرة العقيدة وقال جلالته: أن العالم في جميع قاراته يحمل العرب مسئولَية كبيرة تجاه نشر العقيدة. وقال: إن دفع التضامن الإسلامي والاستمرارية في الدفاع عن العقيدة الإسلامية هي مسئولية الجميع أمام الله وأمام الأجيال. وأكد جلالته أن المملكة تبذل محاولة أكيدة مع الدول الصديقة في جميع القارات لفتح مدارس إسلامية من أجل تثقيف بنين وبنات المسلمين للمحافظة على عقيدتهم ولغتهم
…
وبهذه المناسبة نذكر أن جلالته عندما كان وليا للعهد تبرع بمبلغ 29686 دولار لمشروع شراء مركز إسلامي وبناء مسجد فيه بولاية إنديانا بأمريكا (في 24/8/1399هـ) .
وكذلك أقام جلالة الملك فهد وعلى نفقته الخاصة أيضا مشروع مسجد ومدرسة ومستوصف وصالة للألعاب الرياضية ومكتبة تضم آلاف الكتب وذلك بمدينة طنجة بالمغرب (في21/5/1403هـ) .
هذان النموذجان لاهتمام جلالة الفهد بالدعوة الإسلامية وهو ولي للعهد ثم وهو ملك إنما هما مثالان فقط
…
وسنأخذ خطاب جلالته عندما كان وليا للعهد وذلك في 7/12/1398هـ الذي وجهه جلالته للحجاج كنموذج لمفهوم الإسلام عند جلالة الفهد قال جلالته: "أيها الأخوة في الله يسعدني وقد التقى جمعكم الكريم هذا في أقدس البقاع وأطهرها
أملا في الرحمة ورجاء في المغفرة وتطلعا إلى خير العواقب وإني أرحب باسم جلالة الملك خالد وباسمي واسم إخوانكم شعب وحكومة المملكة العربية السعودية وأتمنى لكم حجا مبرورا وسعيا مشكورا وذنبا مغفورا
…
أيها الأخوة في الله إن المملكة العربية السعودية قادرة بعون الله وتوفيقه على تحمل مسئولياتها التاريخية تجاه الأمة الإسلامية والعربية تجاه الإنسانية بأسرها وسعيدة بما شرفها الله من خدمة لضيوف بيته العتيق
…
ونحن ننطلق في هذا من منطلقين هما:
أولاً: تعزيز الدعوة إلى الله ونشرها والعمل على جمع كلمة المسلمين وتوحيد صفوفهم ودعم قدراتهم حتى نتمكن معا من استرداد الحق التاريخي لهذه الأمة الرائدة ونجعلها من جديد في مصاف الأمم القوية القادرة على أن تؤكد وجودها وتحقق أدوارا هامة وتساهم في صناعة وبناء المجتمع البشرى إن شاء الله..
ثانياً: تكريس الأمن والاستقرار في الداخل ليكونا أساسا في التعامل مع الغير ومنطلقا إلى خدمة الأمم الأخرى والعيش ضمن إطار الأسرة الدولية على أرفع درجات
…
أيها الأخوة في الله إن الأمة الإسلامية العظيمة يجب أن تقوم بدورها الصحيح الطبيعي في إنقاذ البشرية من الضلال وقيادتها من الظلام إلى النور
…
وعلينا أن ندرك تماما بأن لا عزة لنا بدون الإسلام. والخطاب يسير على هذا المنوال من وضع دستور أخلاقي يجدد منهج العمل في المملة العربية السعودية ونظرتها نحو الإسلام ونحو الدعوة الإسلامية ونحو الإنسان المسلم القوي القادر الذي يحيا بين حضارة تقوم على أعظم رسالة عالمية هي الإسلام ولو كان الأمر فيه متسعاً لأتينا على باقي هذا الحديث الذي يصدر من قلب مؤمن بالله محب لجميع المؤمنين والمسلمين.
وقد أكد الفهد على قوة المسلم وذلك في حديث نشرته جريدة البلاد بتاريخ 23/1/1399هـ وكان وليا للعهد. قال جلالته:
"إذا كان هناك خيار بين الحرب والسلم فنحن نختار السلام القائم على العدل والحق. أما إذا فرضت علينا الحرب فإننا لن نتخاذل ونبذل كل قوانا ومجهوداتنا فيها".
وقال: جلالته أننا نؤمن دوما أن النجاح في السلام أو في الحرب مرهون بقوتنا كأمة وبوحدتنا وتضامنا
…
وأشار جلالته أن القوة الحقيقية هي قوة الإنسان وقال: إن طريقنا الوحيد لحل مشكلاتنا هو تحقيق القوة في الفرد العربي والمجتمع والقوة بتوحيد الجهود المبعثرة
…
وفي حديث لمجلة نيوزويك الأمريكية ونشر في صحيفة الرياض بتاريخ 11/2/1399هـ:
كرر جلالته القول: "بأننا دعاة وحدة الكلمة وجمع الشمل على الصعيدين الإسلامي والعربي
…
ونحن دعاة السلام العادل الشامل الذي يرضي أصحاب الحق بالدرجة الأولى". وقال جلالته: "نحن دعاة الرخاء وتوازن الاقتصاد العالمي على أن نكون جميعا شركاء في مسئولية إتاحة الرخاء والتوازن العالمي".
وفي كلمة ألقاها جلالة الفهد أمام أعضاء المؤتمر الجغرافي الإسلامي الذي عقد اجتماعاته في الرياض في 22/ 2/ 1399هـ عندما كان وليا للعهد طالبَ بتصحيح العقيدة الإسلامية
…
والعناية بها والتجمع على أساسها إذا ما أرادوا اليوم أن ينهضوا وأكد جلالته عَلى أهمية العقيدة الإسلامية في جمع شمل المسلمين وتوحيد كلماتهم.
وحرصا من جلالته على سلامة القرآن الكريم فقد أصدر جلالته تعليماته وتوجيهاته إلى الأمير سعود الفيصل وزير الخارجية في 26/ 1/ 1400هـ بتعميم قرار مجلس هيئة كبار العلماء القاضي بتحريم كتابة القرآن الكريم بالحروف اللاتينية أو غيرها من حروف اللغات الأخرى - على السفارات في الخارج لتقوم بإبلاغه لجميع الجهات والهيئات والجمعيات العاملة في مجال العمل الإسلامي لتكون على علم ودراية لما تقرر
…
وفي30/2/1400هـ نشرت هذه الصحيفة هذا الخبر:
"أصدر صاحب السمو الملكي الأمير فهد بن عبد العزيز توجيهاته بضرورة العناية بمنطقة المشاعر حتى يمكن للمسلمين قضاء مناسكهم بسهولة ويسر بحيث تعبر هذه العناية عن تلبية احتياجات المسلمين ومتطلباتهم.
وقد تضمنت هذه التوجيهات توسعة منطقة الجمرات بمنى بزيادة عرض الشوارع الفردية لها إلى 35 مترا خصوصا شارعي جلالة الملك فيصل وسوق العرب وذلك لضمان انسياب أفواج ضيوف الرحمن بسهولة ويسر
…
كما أصدر سموه توجيهاته بدراسة إنشاء 6 أنفاق في منطقة المشاعر لتسهيل المواصلات مما يقضي على الاختناقات وتبلغ التكاليف الإجمالية لتنفيذ هذه المشروعات 200 مليون ريال
…
وفي أول خطاب ملكي وجهه جلالة الملك فهد والذي حدد فيه ابعاد المرحلة القادمة قال جلالته (في 24 شعبان 1402هـ) مركزا على ضرورة التمسك بكتاب الله وسنة رسوله إذ لا تقدم إذا ما انفصلت الأمة عن تراثها الديني والحضاري وقال: "إن الإنجاز الأساسي قبل كل شيء هو العقل فصناعة الإنسان هي الأساس فالمال يذهب والرجال وحدهم الذين يصنعون المال إننا نريد قاعدة شعبية متعلمة وهذا هو السر في التركيز على بناء المدارس والجامعات ومعاهد التدريب
…
وأكد جلالته على التضامن العربي والإسلامي لتحقيق رفعة الأمة الإسلامية وتمكينها من أن تبدأ وضعها الطبيعي في العالم ولتمكينهَا من التصدي للأطماع والأخطار
…
وأكد جلالته على التوجيه الإنساني من مفهوم تردي الحضارة المادية واستبعادها عن العامل الروحي الذي يحدث التوازن والذي يحول بينها وبين النزعات الشريرة والعدوانية
…
ويتأتى ذلك بتكثيف الدعوة الإسلامية.
وفي خطاب جلالة الملك فهد أمام رؤساء بعثات الحج والشخصيات الإسلامية وضيوف الرحمن في 15 ذي الحجة 1402هـ قال جلالته:
"إننا لا نكتفي إن شاء الله بما تحقق من إنجازات وسوف نواصل العمل على تطوير مناطق الحج في مكة المكرمة والمشاعر المقدسة وعلى تطوير مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم المدينة المنورة".
وقال جلالته: "إننا مهما بذلنا من جهد فهو أقل من طموحنا ولا يزال أمامنا الكثير مما نريد عمله بعون الله وتوفيقه حتى نخفف مما يلاقيه الحاج من مصاعب ونحن نعلم مهما بذلنا من الجهود أن المشقة جزء من أداء المناسك وقد قال تعالى في محكم كتابه: {ما كنتم ببالغيه إلا بشق الأنفس} ولاشك أن هذه إرادة الله سبحانه وتعالى ليجزل لعباده في الأجر والثواب والمغفرة في هذا النسك العظيم
…
واستطرد جلالته يقول:
"إنني أعلنها صريحة أمامكم إنه ليس لدينا التزامات أو ارتباطات مع أية دولة أجنبية على حساب عقيدتنا أو على حساب وطننا ومواطنينا أو على حساب دولة شقيقة عربية كانت أم إسلامية.
وفي الحفل الأول لجائزة الدولة التقديرية في الأدب في 28 محرم 1404 دعا جلالة الملك فهد بن عبد العزيز المفدى الأمة العربية إلى التمسك بالعقيدة الإسلامية وأكد جلالته أنه لن يكون للأمة العربية أي وزن وقيمة إلا إذا عادت إلى القاعدة الصحيحة. وهي القاعدة الإسلامية وهكذا نرى جلالته في كل مناسبة يدعو فيها إلى التمسك بأهداب الإسلام والقيم الإسلامية والعودة إلى الأصالة
…
الاهتمام بفلسطين من منطلق إسلامي:
تقع فلسطين عامة والقدس خاصة في قلب اهتمامات جلالة الملك فهد وهذا الاهتمام يأتي أساسا من منطلق إسلامي لما للقدس من موقع هام في المقدسات الإسلامية.
وقد امتد اهتمام جلالة الملك بفلسطين والقضية الفلسطينية منذ أن كان وليا للعهد.
فجلالته في خطابه في بون بألمانيا الغربية أمام المستشار هيلموت شميث مستشار ألمانيا الغربية طالب الدول الأوربية بالمساهمة في حل القضية الفلسطينية وقال:
"لاشك أن دول أوروبا تستطيع أن تلعب دورا رئيسيا وبناء في حل هذه القضية حلا عادلا وسريعا يعيد الحق إلى نصابه والأرض إلى أصحابها ويمكن الشعب الفلسطيني من الوصول إلى حقوقه. والقدس يا صاحب الدولة لابد أن تعود إلى وضعها الطبيعي تقام فيها شعائر الأديان كما كان في الماضي ويتم فيها الوصول إلى المثل العليا التي تنادي بها تلك الأديان ونادى بها كل الأنبياء".
وفي تصريح لجلالته أدلى به لمندوب وكالة الأنباء السعودية حول نتائج مؤتمر القمة العربي التاسع الذي أنهى أعماله ببغداد ونشرته صحيفة المدينة في 7/12/1398هـ قال جلالته: "إن المملكة لا تقبل المساس بأي قضية إسلامية في أي مكان ومن باب أولى القدس الشريف ".
وفي حديث نشرته صحيفة البلاد في 23/ 1/ 1399هـ أكد جلالة الملك أن سياسة المملكة كانت ولا تزال محددة وثابتة بالنسبة للقضية الفلسطينية لا تردد فيها ولا تعديل وهي من حق الشعب الفلسطيني في العودة إلى أرضه وتقرير مصيره وبناء دولته المستقلة وعودة الأراضي المحتلة سنة 1967م بما فيها القدس إلى العرب وأن الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني هي منظمة التحرير الفلسطينية.
وفي حديث لجلالة الفهد في باريس أمام الصحفيين أكد جلالته أن المملكة العربية السعودية لها موقف عربي وإسلامي ثابت تجاه القدس العربية
…
وقال جلالته أن هذا الموقف يتطلب بالضرورة استعادة القدس إلى الأمة العربية سواء تم ذلك من خلال السلام أو عن طريق الحرب (في 18/6/1399هـ) .
وفي روما أدلى جلالته بتصريح للصحفيين في 21/6/1399هـ أكد فيه أن حل مشكلة القدس ضرورة لحل مشكلة الشرق الأوسط وأكد جلالته على عدالة القضية العربية المؤيدة من قبل الأمم المتحدة والمجتمع الدولي.
وعند وصول جلالته إلى الرياض في 23/6/ 1399هـ بعد جولة في عدد من الدول الأوربية صرح جلالته بقوله: "القدس بالنسبة لنا حياة أو موت ولا خلافات إلا في خيال مختلقيها فقط.
وفي حديث صحفي لجلالته لصحيفة (لوموند الفرنسية) أكد جلالته أن التزام المملكة العربية السعودية تجاه حق الشعب الفلسطيني في العودة إلى أرضه وتقرير مصيره وضمان استقلاله يتساوى مع التزامها بالدفاع والمحافظة على سيادتها. وقال جلالته: "إن حقوق الشعب الفلسطيني جزء لا يتجزأ من تراثنا العربي والوطني والإسلامي والأخلاقي وأنه لا يمكن أن يتخلى إنسان عن كل هذه القيم ".
وقال جلالته في حديث لمجلة الحوادث اللبنانية:
"يمكنكم أن تنقلوا على لساني أنه لا سلام بلا القدس العربية وبلا حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره ".
وأضاف جلالته يقول: "لابد أن يمارس الفلسطينيون حقهم في تأسيس دولة لهم مثل أي شعب مستقل أخر".
وفي تصريح لوكالة الأنباء السعودية نشرته (عكاظ) في 3/ 10/ 1400هـ أكد جلالته أنه لابد أن نقف جميعا وقفة واحدة في معركة واحدة مع إسرائيل مهما طال زمنها وارتفع ثمنها وأن نضع فيها كل الإيمان والتصميم والطاقات والإمكانات وكل غال ورخيص.
وقال جلالته حول إقدام إسرائيل على إعلان كل القدس عاصمة لها أنه عندما بدأت الحركة الصهيونية مدعمة بعصاباتها الإرهابية التي كان مناحم بيجن يتزعم واحدة منها باغتصاب أجزاء من فلسطين عام 1948م أعلنت بعض الأوساط العربية حينذاك الجهاد المقدس ضد تلك الغزوة الصهيونية.. واليوم تعلن إسرائيل كل القدس عاصمة موحدة وأبدية لها متحدية مشاعر العرب والمسلمين
…
فهل يلومنا العالم بعد اليوم إذا ما أخذنا الأمور بأيدينا وتصدينا للدفاع عن مقدساتنا ضد هذه الحملة الصهيونية الدينية والعسكرية.
هذا وقد قوبلت دعوة الفهد إلى الجهاد المقدس بالتأييد من العالم العربي والإسلامي كله.
وفي 5/1/1401هـ أكد جلالة الفهد عن أهمية الجهاد المقدس وقال جلالته: "إن الدعوة إلى الجهاد المقدس لم تكن فقط دعوة المسلم إلى حمل البندقية والسيف والتوجه إلى القدس ولكنها دعوة عامة للمسلمين عموما ومن الممكن تنظيمها في مؤتمر القمة أو المؤتمر الإسلامي حتى تكون الدعوة للجهاد دعوة كاملة.
وفي حديث جلالته لضيوف الرحمن في 7/12/1402هـ قال: "لقد شهد العالم الإسلامي في العام الهجري الحالي قضايا ومشاكل بعضها جديد وبعضها قديم متجدد وتعرض لحروب وصراعات دامية وهذه الحروب والصراعات وغيرها استنزفت بلايين الآلاف من المسلمين وإن أكثر هذه الأحداث مأساة وإثارة للأحزان والآلام المذبحة التي تعرض لها إخواننا الفلسطينيون واللبنانيون في مخيمي صبرا وشاتيلا في بيروت مؤخرا ومما يزيد من عمق الأحزان أن الضحايا كانوا من المدنيين العزل من السلاح.
وبهذه المذبحة المروعة تضيف إسرائيل حلقة سوداء إلى عدوانها الشامل الإجرامي الذي قامت به هذا العام على المقاومة الفلسطينية والشعب اللبناني
…
وإني إذ أحيي بطولة الشعب الفلسطيني والشعب اللبناني المجاهدين الصامدين في معركة بيروت الخالدة لآمل من قادة وشعوب الأمة الإسلامية تقديم الدعم الكامل والفعلي للمقاومة الفلسطينية ماليا وعسكريا وهي تدخل مرحلَة جديدة من الكفاح ".
واستطرد جلالته يقول:
إننا نجتمع اليوم في هذه الرحاب الطاهرة بعد أن جمع الله كلمة أمتنا العربية في فاس ووحد صفوفها وهداها إلى هذه القرارات التاريخية ولله الحمد على جمع صفوفها وتنسيق جهودها والعودة إلى التضامن والتعاون حيث أثبت قدرتها التحدث بلغة واحدة فيها من وضوح الرؤية والتحسب لابعاد المصير ما يدعونا إلى التفاؤل بمستقبل مشرق لقضايانا إن شاء الله خصوصا إذا وضعت أمتنا الإسلامية ثقلها كما تفعل دائما مع أشقائها العرب وخصوصا إذا تحملت الدول المحبة للسلام في العالم مسئولياتها تجاه الضغط على إسرائيل وحملها على قبول السلام العادل المنصف الذي يعطى الأخوة الفلسطينيين حقهم في تقرير مصيرهم وحقهم في إنشاء دولتهم المستقلة بما في ذلك عاصمتها القدس الشريف وإعادة الأرض العربية إلى أهلها وضمان حق الجميع في العيش بسلام ".
جلالة الملك وباكستان:
وباكستان من الدول المسلمة تلقى التأييد من جلالة الفهد الذي يؤمن بعزة الإسلام ومنعته والذي يرى في قوة البلاد الإسلامية قوة للإسلام نفسه.
وفي زيارة قام بها جلالة الفهد "سمو الأمير فهد في 2/2/1401هـ "لباكستان صرح جلالته بأن العالم الإسلامي يواجه تحديات خطيرة. وقال إن المملكة العربية السعودية قوة مساندة لباكستان المسلم. ودعا جلالته الأمة الإسلامية إلى تحكيم الشريعة في حياتها.
وقال جلالته:
"لابد لنا ونحن في مطلع القرن الخامس الهجري من وقفة لإلقاء نظرة كاملة بعيدة على أوضاع المسلمين في كل مكان وعلى حقوقنا وواجباتنا وأن نعد أنفسنا لمواجهة التحديات الخطيرة التي نواجهها وأن نعمل جاهدين ومؤملين بأن يشهد هذا القرن عزة المسلمين وإحقاق حقوقهم التي أهدرت في القرن الماضي وأن نشهد سلاما قائما على العدل في العالم ".
"ودعا جلالته كل المسلمين إلى تحكيم كتاب الله في كل شئونهم وألاّ يستسلموا لأسباب الفرقة".
وقال جلالته: "باكستان القوية بقوة إيمانها وعقيدة شعبها هو صمام أمان للسلام ".
وقال جلالته أيضا: "المملكة العربية السعودية والباكستان متضامنتان تحت راية الإسلام".
أفغانستان البلد المسلم:
قال جلالة الفهد أثناء استقباله لأعضاء المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي في 4 ديسمبر 1983م: "إن الأمة الإسلامية تواجه الآن الكثير من المخاطر والتحديات ولابد من أن تصمد أمام كل هذه المصاعب وأن تثبت إنها أمة قوية بالحق وراسخة برسوخ العقيدة المتمكنة في نفوس أبنائها"
…
وأردف يقول جلالته: "بأن الأمة الإسلامية تستطيع أن تكرس كل عوامل الأمن والاستقرار والطمأنينة في العالم إذا تمسكت بشريعة الله وحافظت عليها وسعت إلى تبنيها في حياتها ومعاشها ولم تنجرف وراء المادة وتفقد خصائصها المتميزة.
من هذا المنطلق يقف جلالته بكل حزم وصلابة ضد الغزو السوفيتي الشيوعي لأفغانستان الدولة المسلمة وعداء جلالته للشيوعية القديم
…
ويبرز هذا العداء في حديث جلالته عندما كان وليا للعهد في 8/3/1398هـ أمام أعضاء ندوة دور المسجد في المجتمع.
فقد أكد جلالته أن هدف المملكة هو نصرة الإسلام ونصرة العقيدة. وأشار جلالته إلى المبادئ والعقائد الهدامة التي تحاول النيل من العقيدة فأكد ضرورة التصدي لها وإظهار العقيدة الإسلامية على حقيقتها وفي إطارها الصحيح وقال أن عقيدتنا لم تمنع شيئا إلا وفيه خير للبشرية ولم تمدح شيئا إلا لصالح البشرية جمعاء.
وأضاف جلالته أن العقيدة الإسلامية استمرت شامخة رغم محاولات التصدي المتكررة التي تعرضت لها من المستعمرين في كافة البلدان التي غزوها.
وفي حديث لجلالته لمجلة نيوزويك الأمريكية في 18/2/1399هـ قال جلالته: "إن المملكة لا تغير مبادئها في تطبيق الشريعة السمحاء ومحاربة الإلحاد
…
نحن دعاة سلام ولكن نسعى للسلام المبني على العدل.
وفي 2/2/1401هـ توجه جلالته أثناء زيارته لباكستان إلى مدينة بيشاور ولاهور للالتقاء بالمجاهدين الأفغان وصرح جلالته: "إن على الاتحاد السوفيتي أن يرحل عن أفغانستان وأن ينسحب من الأراضي الأفغانية حتى يتمكن الشعب الأفغاني من أن يحكم نفسه بنفسه".
وقال الفهد أمام اللاجئين الأفغان في 3/2/1401هـ: "إن الأزمة الأفغانية جرح عميق في العالم الإسلامي".
وردا على سؤال عن المساعدات التي تقدم للاجئين الأفغان قال جلالته: "هذا واجب إسلامي ونأمل أن تنتهي هذه المشكلة ويترك الشعب الأفغاني في تقرير ما يريده بنفسه وفي نفس الوقت نأمل من جميع الدولة أن تساعد الشعب الأفغاني سواء في الداخل أو في الخارج بالمساعدات الاستثنائية مثل المواد الغذائية والطبية وما يحتاجه الإنسان واعتقد أن هذا شيء مجاز في أي ظروف كانت ومن المعروف أن الشعب الأفغاني يحتاج إلى مثل هذه الأمور وبالأخص اللاجئين الأفغاني إلى الباكستان حيث لمست حاجتهم إلى مثل هذه الأمور".
وفي البيان السعودي الباكستاني المشترك الذي أذيع في إسلام آباد والرياض عقب انتهاء زيارة جلالة الفهد لباكستان جاء تأكيد حق تقرير المصير للشعب الأفغاني ومساندة نضاله العادل ودعا البيان القوى العظمي إلى عدم التدخل في الشئون الداخلية للدول الأعضاء.
وفي كلمة جلالته إلى حجيج بيت الله في 7/12/1402هـ قال جلالته عن أفغانستان:
"وفي ناحية أخرى من العالم الإسلامي يحارب أخوة لكم في أفغانستان من أجل دينهم والمحافظة على استقلالهم وإن حركَة المقاومة الأفغانية تستحق من العالم الإسلامي وكل الشعوب المحبة للسلام التأييد الكافي لتحقيق أهدافها في الحرية والسيادة.
كما أننا نتطلع أن يأخذ قادة الاتحاد السوفيتي بعين الاعتبار مشاعر العالم الإسلامي تجاه هذه القضية وتأثير ذلك على علاقته ببلادهم وفما مقدمة هذه الاعتبارَات حق أفغانستان في تقرير المصير والمحافظة على استقلاله.
الدعوة إلى سوق إسلامية مشتركة:
كان جلالة الفهد من أول الداعين لإقامة سوق إسلامية مشتركة وفي ذلك قال جلالته:
"إذا ما نظرنا إلى اقتصاديات الشعوب الإسلامية نجد أن كثيرا من البلاد الإسلامية تعاني من زيادة السكان والبطالة والتضخم.
وهذا الوضع يدعونا إلى النظر بجدية إلى إقامة سوق إسلامية مشتركة ومنح الأفضلية والأولوية في التجارة وتشغيل العمال والاستثمارات بين الدول الإسلامية وسيكون لذلك إن شاء الله أثر مهم في تخفيف المشاكل الاقتصادية في الدول الإسلامية وزيادة المنافع بين المسلمين وتقوية الروابط الإنسانية والسياسية بينهم وتقليل الاعتماد على الآخرين ".
من هذا المنطلق دعت المملكة في مؤتمر وزراء الخارجية الإسلامي الرابع عشر الذي انعقد في دكا في أوائل ربيع أول سنة 1404هـ إلى أن يولى الجانب الاقتصادي اهتماما بالغا أصبح حقيقة بارزة وملموسة وذلك بمساعدة الدول الإسلامية عن مجابهة الصعوبات التي تعترضها لإنجاز مشاريع تنتجها وقد استعرض مندوب السعودية في المؤتمر ما تم من إنجازات في هذا المجال من خلال المجهودات التي بذلت عبر منظمة المؤتمر الإسلامي واللجان والمؤسسات المختلفة التي كرستها لهذه الأغراض مثل البنك الإسلامي للتنمية وصندوق التضامن الإسلامي وأكد أن المملكة قد أدت واجبها ووفت بجميع التزاماتها وبما وعدت بتقديمه وهو مبلغ 1000 مليون دولار الذي أعلنه جلالة الملك فهد بن عبد العزيز المفدى أثناء انعقاد مؤتمر القمة الإسلامي في مكة المكرمة والذي خصص لدعم برنامج التنمية.
وقال رئيس وفد المملكة في المؤتمر إن مجموع القروض الإنمائية الميسرة التي اعتمدها الصندوق السعودي للتنمية للدول الإسلامية منذ إعلان مكة المكرمة حوالي 5232 مليون ريال سعودي خصصت للمساهمة في تمويل 73 مشروعا في 25 دولة من دول الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي بالإضافة إلى ما تقدمه المملكة بصورة مباشرة للدول الإسلامية من مساعدات غير مستردة وقروض نقدية ميسرة. مؤكدا أن المملكة العربية السعودية بقيادة جلالة الفهد لم ولن تتوقف عن بذل كل جهد وسلوك كل سبيل يؤدى إلى تدعيم هذا التعاون وتقويته وترسيخه إلى الغاية التي يرنو إليها كل مسلم.
الإسلام والسلام:
وحول سؤال عن ما إذا كان في نية جائزة الملك فيصل التوسع وإيجاد جوائز جديدة في ميادين جديدة واستحداث جائزة للسلام في ظل ظروف الحرب التي تضم أجزاء كثيرة من العالم قال سمو الأمير خالد الفيصل: إن كل الجوائز العالمية المنبثقة عن جائزة الملك فيصل هي جوائز للسلام. فخدمة الإسلام جزء من السلام فالإسلام يدعو إلى السلام والمحبة والإخاء والتعايش السلمي بين أبنَاء البشر.
فالجائزة التي نالها بحق جلالة الفهد وهي جائزة خدمة الإسلام إنما هي أيضا جائزة للسلام. وجلالة الفهد بذل في سبيل السلام ما لم يبذله أحد قط. فهو في خدمة الإسلام كان يسعى إلى السلام والتضامن والوفاق بين الشعوب الإسلامية.
أليس هو الذي سعى للوفاق والسلام بين سوريا والأردن.
أليس هو الذي سعى إلى السلام والوفاق بين سوريا والعراق.
أليس هو الذي سعى إلى السلام وحقن الدماء وإنهاء الحرب العراقية- الإيرانية والتي قال عنها أنها لا تخدم هدفا وليس فيه منتصر ومنهزم وأنها دماء تسيل بغير طائل وكان أجدر بها أن تسيل من أجل استعادة الحقوق المسلوبة في فلسطين.
أليس هو الذي حقن دماء الطوائف اللبنانية المتشاحنة في لبنان وأن السلام الذي ينعم به اللبنانيون الآن في هذه الهدنة إنما هو من صنع يديه الكريمتين.
أليس هو الذي حقن دماء الفلسطينين الذين اقتتلوا فيما بينهم من غير طائل ولا هدف.
إن جلالة الملك بحق صانع السلام في هذا العصر ولذلك استحق جائزة خدمة الإسلام. لكل هذا فإن الجائزة
…
اعتراف بالجهود الكبيرة التي صنعت الاستقرار والسلام
…
بدافع من أخلاقيات القرار السعودي الذي يعمل على تكريسه جلالة الملك فهد.
وهى في نفس الوقت تعبير مخلص من مؤسسة علمية كبيرة
…
في عالمنا الإسلامي عما تكنه الشعوب الإسلامية لشخص جلالة الملك فهد من عرفان ومن إعزاز لخدمة قضاياها ورعاية شئونها
…
جريدة عكاظ
أحدَاث العَالمِ الإسلاميِّ
إعداد الشيخ محمد محمود سالم
جَائِزة الملك فيصَل العَالميَّة
صَاحِبُ الجلالة المعظم فهد بن عبد العزيز ينالُ الجائِزة في مَجال خدمَةِ الإسلام
أعلن يوم الأربعاء الموافق الثالث من ربيع الأول 1404هـ أسماء الفائزين بجائزة الملك فيصل العالمية. وقد اهتمت الأوساط العلمية والثقافية في العالم العربي والإسلامي والمحيط الدولي بخبر الإعلان عن أسماء الفائزين بهذه الجائزة ذلك لما جاء فيهم من شخصيات لها تأثيرها الفعال في مجريات الأحداث السياسية والأدبية والثقافية والعلمية.
فقد حصل جلالة الملك فهد بن عبد العزيز المعظم حفظه الله على جائزة الملك فيصل العالمية في مجال خدمة الإسلام- فقد قدرت لجنة الاختيار ما قام به جلالته من جهود وعمل دءوب في خدمة الإسلام والمسلمين في كل المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
وفاز الشيخ مصطفى الزرقا بجائزة الملك فيصل للدراسات الإسلامية لما قام به من دراسات علمية دينية قامت على إبراز سمو الشريعة الإسلامية بمقارنة الفقه الإسلامي بالقانون وقد قدم هذه الدراسة في موسوعة فقهية رائعَة، وفضيلته عضو بارز في المجمع الفقهي منذ إنشائه 1398هـ وقدم للمجمع عدة دراسات فقهية في مواضيع معاصرة.
وفاز الأستاذ محمود محمد شاكر بجائزة الملك فيصل في مجال الأدب العربي على كتابه الممتع "المتنبي"والأستاذ شاكر من أعلام الحركة الفكرية والأدبية في العالم العربي وقام بجهد بارز مشكور في مجال خدمة التراث العربي والإسلامي. بما حققه من كتب الأدب واللغة والشعر.
ومنحت جائزة الطب مناصفة بين كل من الأستاذ جون س فوردتران رئيس قسم الأمراض الباطنية بكلية الطب بجامعة بيلر في دالاس تكساس بالولايات المتحدة الأمريكية. ونُصِّفَتْ جائزة الطب بينه وبين المجموعة المكونة من الدكتور وليام جريتوف مدير مركز أمراض الإسهال العالمي في بنجلاديش، والدكتور مايكل فيلد الأستاذ بقسم المعاقين ووظائف الأعضاء بجامعة شيكاغو بالولايات المتحدة الأمريكية.
ومنحت جائزة الملك فيصل العالمية في مجالي العلوم مناصفة بين اثنين من علماء الفيزياء أحدهما العالم الألماني جيرد بيننج. وثانيهما العالم السويسري هايزخ روهرر.
هذا وإن إجماع لجنة الاختيار على اختيار صاحب الجلالة الملك فهد بن عبد العزيز للجائزة في مجال خدمة الإسلام لهو اعتراف من الأمة الإسلامية بالخدمات والأعمال الجليلة التي يوالي جلالته تقديمهَا للإسلام ومد يد العون للمسلمين في جميع أنحاء الأرض ووقوفه بجانبهم ونصرة قضاياهم.
والفوز بهذه الجائزة لا ترجع قيمته إلى الجانب المادي بل إلى الجانب المعنوي الذي يقدم برهان وفاء من الأمة الإسلامية للعاملين بإخلاص وصدق في سبيل إعزازها وتوحيدها تحت راية الإسلام.
قرارات وتوصِيات
مؤتمر وزراء خارجية الدول الإسلامية
أنهى وزراء خارجية الدول الإسلامية مؤتمرهم الرابع عشر في يوم الأحد 7 ربيع الأول 1404هـ في دكا عاصمة بنجلاديش واتخذ الكثير من القرارات والتوصيات التي تناولت أهم القضايا التي تشغل أذهان المسلمين في العالم الإسلامي.
فقد ندد المؤتمر بالتدخل العسكري السوفيتي المستمر في أفغانستان وناشد الدول الأعضاء مراعاة سيادة أفغانستان وهويتها الإسلامية.
وأثنى المؤتمر على الأعمال التي تقوم بها لجنة التضامن الإسلامي مع شعوب الساحل الإفريقي وما تقوم به اللجنة المنبثقة عنها وأقرت برنامجها وتوصياتها. وحث المؤتمر الدول الإسلامية إلى الاستجابة إلى النداءات التي توجهها اللجنة للحصول على مساعدات والعمل على تنفيذ البرامج التي وضعتها بلدان الساحل المتضررة من الجفاف.
وناشد المؤتمر الدول الأعضاء جعل فلسطين وجغرافيتها مادة إجبارية في المناهج الإسلامية.
"وأدان المؤتمر المشروع الإسرائيلي لشق قناة تربط البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر مؤكداً أن هذا المشروع يشكل عدواناً على الحقوق المشروعة والموارد الطبيعية والمصالح الحيوية للشعب الفلسطيني والأردن فضلا عن كونه يهدد السلام والأمن.
فيما يتعلق بمسلمي الفلبين دعا المؤتمر حكومة الفلبين إلى تطبيق اتفاقية طرابلس والبدء في إجراء مفاوضات مع جبهة مورو، وطلب من جبهة مورو ومن قادتها اتخاذ موقف موحد قبل البدء في المفاوضات.
دعا المؤتمر الأمانة العامة لمنظمة المؤتمر الإسلامي إلى مواصلة تنفيذ خطة الإعلام التي وافق عليها المؤتمر الإسلامي الحادي عشر وحثّ الدول الأعضاء على تقديم مساهمة طواعية لتنفيذ هذه الخطة.
وفي مجال الاتصالات أوصى المؤتمر الدول الأعضاء بخفض تعريفة استخدام قنوات الأقمار الصناعية إلى مستوى يناسب موارد وكالات الأنباء لتيسير وسائل الاتصال الحديثة أمام وكالة الأنباء الإسلامية الدولية.
وأحاط المؤتمر الوزراء بالتوصية المقدمة للجنة الدائمة للشئون الإعلامية والثقافية بخصوص عقد اجتماع لوزراء الإعلام بهدف بحث مشكلات وكالات الأنباء عن كثب
…
واتخاذ التدابير اللازمة لتعزيز وضع وكالة الأنباء الإسلامية الدولية.
وفيما يتعلق بمنظمة إذاعات الدول الإسلامية أعرب المؤتمر عن تقديره للمملكة والكويت والدول الأخرى التي قدمت إسهامات طَواعية لدعم نشاطات المنظمة وبرامجها.
الكيَان الصهيُوني:
يُهدِّد أمن العَالم الإسلامي ويُهَدِّد سَلام العَالم
أكد مندوب المملكة سمير الشهابي في كلمة ألقاها مساء الجمعة 5 ربيع الأول 1404هـ "10 ديسمبر 1984م"أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة التي تناقش الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط. أكد أن الصهيونية العالمية والكيان الصهيوني يتحملان مسئولية الجرائم ضد الفلسطينيين في الأراضي العربية المحتلة ودول وشعوب الشرق الأوسط. وندد مندوب المملكة بالجرائم التي يرتكبها هذا الكيان في الضفة الغربية وغزة وبالمجازر التي تقوم بها في لبنان ضد كل العرب من فلسطينيين ولبنانيين وسوريين ودعا الذين يقدمون العون للكيان الصهيوني وخاصة الولايات المتحدة إلى وقف هذا الدعم الذي سيؤدى إلى استمرار هذا العدوان على الدول العربية.
وأضاف إن هذا الكيان الإسرائيلي يهدد أمن المنطقة وهو ما أكدته قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن وتشهد به أعمَال إسرائيل العدوانية المستمرة
…
وإن أمن المنطقة يرتكز على السلام العالمي الذي برهن العرب على أنهم دعاته. على شرط أن يكون سلاما قائما على الحق والعدل. ولكن الصهيونية لا تكف عن استخدام كل صور الإرهاب. وليس السلام من مخططات اليهود والصهيونية العالمية ومن الحق أن نقول.. إن هذَا العدو الشرس تسانده كل قوى الشر والعدوان من الصهيونية العالمية والاستعمار الغربي بكل اتجاهاته ومسمياته التي تجمعها الصليبية الحاقدة على الإسلام والمسلمين. والشيوعية والإلحاد
…
ولا علاج لهذه المأساة إلا بوحدة إسلامية شاملة تصد هذه الأطماع وترح هذا العدوان. فمتى يتوحد المسلمون..؟ وكيف..؟ هذا ما ستجيب عنه الأيام
…
القاديَانيّة الكافرة:
تسعَى لهَدم الشريعَةِ الإسلاميَّةِ
بعث معالي الدكتور عبد الله عمر نصيف الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي رسالة هامة عاجلة إلى المسلمين عامتهم وخاصتهم يحذرهم من فتنة الجماعة المسماة "بجماعة الأحمدية: القاديانية ".
وجاء في هذه الرسالة: لا يخفي عليكم أن جماعة الأحمدية "القاديانية" طائفة كافرة تتعاون مع الدول الاستعمارية، وتسعى إلى هدم الشريعة الإسلامية. وتتستر باسم الإسلام لتضليل المسلمين وتمزيق وحدتهم.
وأضاف معاليه: قد صدر بشأنها قرارات عديدة تؤكد على خروج هذه الطائفة من الإسلام واعتبارها فئة غير إسلامية، ومنها القرار الصادر من حكومة باكستان 1394هـ والمؤكد بآخر عام 1400هـ وكذا بشأنها قرارات اتخذها مؤتمر المنظمات الإسلامية العالمية الذي انعقد بمكة عام 1394هـ ومجلس المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي.
ندَاءُ الملك فهْد إلى الإخوَة المقاتلينَ في لبنان
نقلت وكالة الأنباء السعودية في نهاية الأسبوع الثاني من شهر صفر نداء صاحب الجلالة الملك المفدى فهد بن عبد العزيز حفظه الله إلى الإخوة العرب المتقاتلين على أرض لبنان.
ويسرنا أن نسجل هذا النداء الصادر من قلب رجل مؤمن يشعر بالمسئولية تجاه إخوانه العرب والمسلمين في كل مكان:
بسم الله الرحمن الرحيم: إخواني أبناء الشعب العربي على أرض لبنان:
أخاطبكم اليوم مجددا باسم جميع ما يصل بيننا في المملكة العربية السعودية وبين كل فرد منكم على أرض لبنان. وفي كل موقع نضال فلسطيني من روابط العقيدة والدم والعرق واللغة والتاريخ. أخاطبكم من أعماق قلب عربي أدمته المأساة التي حلت بأبناء الأمة العربية في أكثر من بقعة على صعيد المنطقة. ولعل أكثرها خطورة وأشدها ألما ما يحدث الآن في مدينة طرابلس. وحول المخيمات الفلسطينية شمال لبنان. رغم قرار وقف القتال، وما يتكرر كل يوم في مختلف الجبهات اللبنانية من قتال عنيف ودمار ساحق مخيف رغم الاتفاق اللبناني الشامل على وقف إطلاق النار
…
أيها الإخوة: إن على لسان كل عربي يعيش اليوم في هذا العالم سؤالا يتردد حتما كل صباح ومساء. سؤال حائر يتكرر: لماذا يراق الدم العربي بيد يجري في عروقها الدم نفسه؟. لماذا يحرق العربي أرضه، ويشتت أهله، وينسف داره؟.
ماذا نقول للعالم الغربي الذي يراقب صراع الأشقاء الدامي ثمانية أعوام في لبنان..؟ وكيف نقنع دول هذا العالم بعدالة قضيتنا وكيف نطالبه بالوقوف معنا لاسترداد أرضنا وحقوقنا وأوطاننا إذا نحن لم نستطع أن نعدل بين أنفسنا لنصرة قضايانا..؟.
أيها الإخوة في لبنان: وعلى أرض القتال: لقد رأينا منذ أيام شعاعا من الأمل يضيء الدروب أمامكم إثر وقف القتال والتقاء قادتكم لأول مرة منذ بدء المأساة على كلمة سواء بينكم عليها تجتمعون، ومنها تنطلقون للبحث عن أفضل الوسائل للعيش في ظل رفاه وطني شامل. وأخشى ما أخشاه أن يضيع من أعيننا هذا الشعاع قبل رؤية الطريق السوي لمسيرة العودة والمحبة والصفاء على طريق الوحدة المتكاملة.
أيها الإخوة الأشقاء: أليس من الأجدر بنا أن ندخر شبابنا ونحتفظ بسلاحنا وقدراتنا، وقدراتنا لمواجهة أعدّاء الأمة العربية والإسلامية في معركة المصير بدلاً من أن يستدرجنا العدو الجاثم على صدورنا لاستنفاد طاقاتنا البشرية والآلية كي ينقض علينا بعد ذلك حيث لا خيل لدينا ولا رجل..؟.
إني أصارحكم اليوم بكل صدق ووفاء بأني لا أكاد أجد أي سبب أو دافع يبرر ما يجري الآن على أرض لبنان مهما كانت الأسباب والدوافع، بل لا أكاد أعتقد بوجود عامل خارجي يبيح للأخ سفك دم أخيه، ولنفترض جدلا بوجود عامل أو آخر فأين رجاحة العقل..؟ وأين الحكمة في وزن الأمور وضبط المشاعر، وكبح جماح النفس برفض تلك العوامل والدوافع مهما كانت أنواعها ومصادرها فمن البطولة الإيثار في ساحات القتال، ومن أرقى مراتب القيادة إنكار الذات
…
أيها الإخوة: هل نسينا العدو المتربص من حولنا؟ أم تناسينا نضالنا من أجل تحرير القدس وتطهير كل شبر من أرضنا في كل موقع دنسه العدو بأقدامه؟.
لنا حقوق مشروعة يعرفها العالم بأسره فإن نحن أضعناها في خضم صراعاتنا وخلافاتنا فكيف نطالب بها؟ ومن نطالب؟.
أيها الإخوة: لا أخاطبكم اليوم من موقع مسئوليتي كخادم للحرمين الشريفين فحسب ولكني أخاطبكم بوصفي الأخ العربي الشقيق لكل فرد منكم أشارككم الأفراح والأتراح وأشاطركم الآلام والآمال وأتطلع وإياكم إلى يوم النصر على خطى وحدة المصير. كما أوجه ندائي المخلص بعد ذلك لجميع زعماء وقادة الأمة العربية أن يبادروا لعمل فوري موحد لوقف هذه المأساة الدامية التي كلما أوقفنا نزيف شريان منها انفجر فيها شريان جديد وعلينا أن نواصل جهادنا ونكثف جهودنا في غير ما يأس أو تهاون حتى يحقق الله آمالنا، ويسدد خطانا على طريق الخير لكل شعوبنا والله وحده القادر على تأليف القلوب. ومنه النصر وإليه المصير.