المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌العدد 62 فهرس المحتويات 1- كلمة التحرير: للدكتور صالح بن عبد الله - مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة - جـ ٣٠

[مجموعة من المؤلفين]

فهرس الكتاب

الفصل: ‌ ‌العدد 62 فهرس المحتويات 1- كلمة التحرير: للدكتور صالح بن عبد الله

‌

‌العدد 62

فهرس المحتويات

1-

كلمة التحرير: للدكتور صالح بن عبد الله العبود

2-

القرآن يتحدّى..! : للأستاذ الدكتور محمد سيّد طنطاوي

3-

القول الفصل في العمل بالحديث المرسل: للشيخ مظفّر رزق

4-

أوّل واجب على المكلّف عبادة الله تعالى وضوح ذلك من كتاب الله ودعوات الرسل:

للشيخ عبد الله الغنيمان

5-

منهج الأشاعرة في العقيدة: للشيخ سفر بن عبد الرحمن الوالي

6-

إضطراب الناس في مسألة الكلام مع بيان الحق الذي تدل عليه الأدلة وتشهد به الفطر السليمة: للشيخ عبد الكريم مراد

7-

نظامُ الإثبَات في الفقه الإسلامي [دراسة مقارنة] : للدكتور: عوض عبد الله أبو بكر

8-

الإمداد بأحكام الحداد: للدكتور فيحان شالي المطيري

9-

الكتاب والسنة

10-

بحث حول: طبيعة العقوبة في الشريعة الإسلامية ومثاليتها: للدكتور حمد الحماد

11-

الملك عبد العزيز آل سعود بين نصره لله ونصر الله له: للشيخ إبراهيم محمد حسن الجمل

12-

من مراحل الدعوة الإسلامية في مكة: الدكتور جميل عبد الله المصري

13-

العهدة العمرية: الدكتور شفيق جاسر أحمد محمود

14-

رسائل لم يحملها البريد: الشيخ عبد الرؤوف اللبدي

15-

الأدب الإسلامي.. وعلاقته بالمجتمع والحياة: د. نجيب الكيلاني

16-

صفحة لغة: لا تقل.. وقل: للأستاذ الدكتور: عبد العظيم علي الشناوي

17-

غريب يبحث عن غريب: للشيخ محمد بن عبد الله زربان الغامدي

18-

من تراثنا الشعري: للشاعر: أبي إسحاق إبراهيم الإلبيري الأندلسي

19-

الأقراص - الحبوب - الكبسول Capsules pills tablets: صيدلي/ حمدي إبراهيم علي إبراهيم

20-

تنَبيهَاتٌ هَامّة على ما كتبه الشيخ محمد علي الصابوني في صفات الله عز وجل: لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز

21-

أخبار الجامعة: إعداد العلاقات العامة بالجامعة

22-

رسالة إلى رئيس التحرير: الدكتور أحمد عطية الغامدي المحترم

…

عمادة البحث العلمي - جميع الحقوق محفوظة 1423 هـ / 2002 م

ص: 163

كلمة التحرير

للدكتور صالح بن عبد الله العبود

رئيس قسم العقيدة بالجامعة الإسلامية

الحمد لله رب العالميين والصلاة والسلام على رسوله الأمين.

أما بعد: فإن مجلة الجامعة الإسلامية حين تحفل بمواضيع مكثفة في العقيدة الإسلامية، عقيدة أهل السنة والجماَعة فإنما تنطلق من هدف الجامعة وهو تعميق التديُّن المَبني على إخلاص العمل الصالح لله وحده، وعلى الالتزام بسنة رسوله صلى الله عليه وسلم في ذلك.

وهذا هو جوهر العقيدة الإسلامية ومرتكزها

…

والعقيدة: ضرورة حيوية، فالإنسان الحي مضطر أن يعتقد عقيدة ما، يتحرك من أجلها ويدور عليها حبه وبغضه عن اقتناع؛ لأن الإنسان حساس متحرك بإرادة تنبثق عن عقيدة وقناعة ولو خلا الحي من عقيدة ما كان ذا حركة إرادية ولكن إن كانت عقيدته صحيحة كانت حركته سليمة صالحة، وإن كانت عقيدته فاسدة كانت حركته خطرة مفسدة.

ولو تحسسنا أسباب فرِقة المسلمين لوجدناها تكمن في الشبهات التي طرأت على بعضهم وفي الشهوات أيضاً فبسبب ذلك فارقت فرق المسلمين التي تصل إلى اثنتين وسبعين جماعة (؟) أهل السنة والجماعة، وهذه الشبهات والشهوات ما هي إلا فساد في العقيدة.

ص: 164

وإذا ألقينا نظرة في عالم هذا العصر نجده يموج ويتجاذب بعقائد جازمة وأيديلوجيات حادة، كالشيوعية والديمقراطية والقومية على المفهوم الغربي مثلاً، ونجد أصحابها يتمسكون بها أشد التمسك ويتحركون من أجلها أعظم حركة، وبيد كثير منهم دولاً كبيرة لها ثقلها الراجح في ميزان الأكثرية من الناس، ولهم قوة مادية هائلة، وقد أخذوا بزمام الصناعة والتقدم التكنولوجي والتفوق العسكرى، هذا فضلاً عن حصولهم على مباهج الشهوات الدنيوية وحضارتها ونظرتها، إلا أننا رغم هذا نرِى الإنسان في الحقيقة تحت ظل تلك العقائد والايدلوجيات قلقا حائراً مضطربا خائفاَ لا يقر له قرار، ولا يعرف طريق الاستقرار، قد شقي في دنياه وأضاع نصيبه من أخراه، وعموماً فهو منساق في متاهات الضلال وأوحال الفساد والشرور ومُنْتَهٍ إلى الهلاك والدمار، والشقاء والخسران.

وحين نختار العقيدة الإسلامية فإنما نختارها عَلى غيرها من العقائد لأنه ثبت في علم اليقين وعين اليقين أن كل عقيدة تخالفها غير صحيحة ولا صالحة فإما أن تكون مخالفة للواقع أو مخالفة للعدل.

أما العقيدة الإسلامية فقد احتوت كل الصحة والصلاح، فالصحة فيها هي مطابقتها للواقع علما ومعرفة وتصورا سواء في النفي أو الإثبات، والتزامها العدل في العمل والإرادة والتصديق فعلا وتركا، أخذا واجتنابا، وحظا ومنعا.

ص: 165

وهذا ما تفيده شهادة أن لا إله إلا الله، لأن هذه الشهادة تهني أن يعتقد العبد بعلم ويقين، وصدق وإخلاص أنه لا إله يتصف بالتفرد بالأسماء الحسنى وصفات الكمال المطلق واستحقاق العبودية على الحقيقة إلا الله تبارك وتعالى وهذا الاعتقاد اعتقاد صحيح مطابق للواقع، وتعني تلك الشهادة أن يعمل العبد بمقتضاها فلا يصرف شيئاً من عبادته كالحب والإرادة والدعاء والنذر لغير الله تعالى لأن ذلك ونحوه من الأعمال التعبدية التي شرع الله أن يعبد بها، لا يستحقه إلا الله، فصرفه أو صرف نوع منه لغير الله ظلم عظيم {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} ، وإخلاصه لله تعالى هو العدل الذي لا عدل فيما خالفه.

والمخالفون لأهل السنة والجماعة إذا لم يخلصوا عبادتهم لله وأشركوا مع الله غيره لم يكونوا عابدين لله وإن كانوا يقصدون بشركهم التقرب والتزلف إلى الله قال تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} . وإذا عينوا الله بصفات نفي أو إثبات ليست واردة في الكتاب والسنة فإن ما عينوه بتلك الصفات ليس هو الله في الحقيقة والواقع، كما إذا قال قائلهم:"ليس الرحمن على العرش استوى"، أو قال:"إن الله لم يتكلم بالقرآن، وإنما القرآن عبارة عن كلام الله"، فهذا القائل إذا عبد من يعتقده بهذا الوصف لم يكن عابدا لله وإن قصد الله بعبادته بل يكون عابدا لما اعتقده معطلا عن وصف الكمال.

والله برئ من عبادته لأن موصوفه ليس هو الله فتنصرف عبادته إلى غير الله كما انصرف سبُّ قريش عن محمد صلى الله عليه وسلم قال عليه الصلاة والسلام: "ألا ترون كيف يصرف الله عني سب قريش، يسبون مذمَّما"أي: أنه محمد لا مذمم. اللهم صل وسلم عليه.

ص: 166

وبالجملة، فإن كل من لم يؤمن بما وصف به الرسول صلى الله عليه وسلم ربه فهو في الحقيقة لم يعبد ما عبده الرسول صلى الله عليه وسلم وقس على هذا.

وأما صفة الصلاح في العقيدة الإسلامية فهي بناؤها على شهادة أنّ محمداً صلى الله عليه وسلم عبد الله ورسوله، ومعنى ذلك اعتقاد أنه صلى الله عليه وسلم عبد لا يعبد ورسول لا يكذب، بل يطاع ويتبع، ويصدق فيما أخبر، ويجتنب ما نهى عنه وزجر، ولا يعبد الله إلا بما شرع، ويرفض ما يعارض من ذلك من عقل وذوق وسياسة وعرف وتقليد وعادة.

وبهذا صارت العقيدة الإسلامية هي الصالحة المقبولة، وصارت مادة للحياة الطيبة، وإن لم تكن الحياة طيبة لم تكن حَياة حقيقية، قال تعالى:{أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} .

قال ابن كثير- رحمه الله في تفسيره: "هذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمن الذي كان ميتاً أي في الضلالة، هالكاً حائراً فاحياه الله أي أحيا قلبه بالإيمان وهداه له ووفّقه لاتباع رسله". اهـ.

وقال الله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} .

ص: 167

ولقد سمى الله ما أنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم روحاً لتوقف الحياة الحقيقية عليه ونوراً لتوقف الهداية عليه، فقال تعالى:{يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ} ، وقال تعالى:{وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ} .

ومما تقدم يتبيَّن لنا أنَّ العقيدة الإسلامية هي روح الحياة ونور الهداية، فلا أشرف ولا أطيب من حياة تنبني عليها، ولا أصلح ولا أهدى من عمل يسير بمقتضاها ولا حول ولا قوة إلا بالله العليِّ العظيم.

وصلى الله وسلم على رسوله الأمين وأصحابه الغر الميامين وأتباعهم ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين

…

ص: 168

بحث حول:

طبيعة العقوبة في الشريعة الإسلامية ومثاليتها

للدكتور حمد الحماد

كلية الشريعة

إن الأشياء التي تعتبر في نظر الشريعة جرائم إنما نهي عنها لأن في ارتكابها أضراراً جسيمة تلحق بنظام المجتمع وعقائده أو بأمنه وكرامته أو بحياة أفراده وأموالهم وأعراضهم ومشاعرهم.

وعمل العقوبة هو أن تشعر المذنب بذنبه وأن تنبّهه إلى خطئه عسى أن يقوده هذا إلى التوبة والإصلاح وبذلك تصبح الجريمة كالملغاة.

وإذا أمكن الوصول إلى هذه الغاية بوسيلة أخرى أقل كلفة لم يكن من الحزم الإصرار على استخدام العقوبة في غير الحدود طبعاً لذا كان العفو أحيانا صورة من صور العقوبة بمعنى أنه قد يحقق غرضها من الإصلاح غير أنه له نفوس خاصة وظروف خاصة وذنوب خاصة.

وقد شرع العقاب لمنع الناس من ارتكاب المحظور وحملهم فعل المأمور حيث أن الأمر بفعل شيء والنهى عن فعل شيء لا يكفي في تنفيذه فالعقاب هو الذي يحمل على التنفيذ ويجعل للأمر والنهى معنى مفهوماً ونتيجة حقيقية، وهو الذي يزجر ويردع الناس عن المعاصي ويقضي على الفساد في الأرض.

قال الماوردي: "والحدود زواجر وضعها الله تعالى للردع عن ارتكاب ما حظر وترك ما أمر به لما في الطبع من مغالبة الشهوات الملهية عن وعيد الآخرة بعاجل اللذة فجعل الله تعالى من زواجر الحدود ما يردع به ذا الجهالة حذراً من ألم العقوبة وخيفة من نكال الفضيحة ليكون ما حظر من محارمه ممنوعاً وما أمم به من فروضه متبوعاً فتكون المصلحة أعم والتكليف أتم"[1] .

إنّ تطبيق العقوبات في الشريعة يحقق ما تقدم إلى جانب أنه سوف يطارد الجريمة ويحصرها في مجال ضيق بل يقضي عليها قضاء تاما فيعيش المجتمع ملتزما إيجابيا بعيدا عن المحالفات وبذلك يتحقق صلاح حال البشر.

ص: 169

وإذا كان تطبيقها يحقق ما تقدم فإن تعطيلها يهدر ذلك كله وبسببه تتعطل أحكام الشرع من أمر ونهي لعدم وجود ضمان لها يحمل عليها من لا ينفذها طوعاً وتعود حياة المجتمع إلى مثل حياة الغاب يتسلط فيها القوي على الضعيف نهباً وسلباً وقتلاً واعتداء بل تعود الحياة إلى مثل قطعان البهائم لا شرف ولا كرامة ولا عرض مصان.

فتعطيل عقوبة الزنا مثلاً معناه إباحة الزنا الذي حرمته جميع الأديان الإلهية لما فيه من المفاسد العظيمة والمضار الشديدة.

وتعطيل عقوبة السرقة معناه إباحة لها كذلك فيؤدي ذلك إلى الاعتداء على ممتلكات الناس فيكون الإنسان غير آمن على طعامه وشرابه وكسائه ومسكنه وَأداة عمله.

وتعطيل عقوبة الردة معناه إباحة الاعتداء على نظام المجتمع المسلم والخروج على مبادئه والتشكيك في صحة دينه ولا يمكن أن تستقيم الأمور في هذا المجتمع إذا وضع نظامه موضع التشكيك والطعن.

وتعطيل القصاص معناه إباحة الاعتداء على حياة الأفراد من ناحية واعتداء على نظام المجتمع من ناحية أخرى.

وتعطيل عقوبة القذف معناه إباحة الاعتداء على نظام الأسرة حيث أن القذف هنا قاصر على الأعراض والذي يمس الأعراض يشكك في صحة نظام الأسرة

…

كما يترتب على القذف إشاعة الفاحشة فما ترامى الناس بها إلا شاع فعلها بينهم فإن القول يسهل الفعل. {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} . (النور: 19) .

وتعطيل عقوبة الخمر معناه إباحة للفساد في الأرض عموماً إذ هو يؤدي إلى فقدان الشعور وإذا فقد الشارب شعوره فقد أصبح على استعداد لارتكاب جميع الجرائم فضلاً عن أن شربها يضيع المال ويفسد الصحة ويضعف النسل ويذهب العقل الذي هو ملاك التكليف.

ص: 170

وعلى العموم فإن تعطيل هذه العقوبات مدعاة إلى تعطيل أحكام الشرع وانتشار الفساد والفوضى في المجتمع، وتطبيقها هو الضمان الوحيد لتنفيذ أحكام الشرع وقطع دابر الفساد والحفاظ على النظام والأمن والاطمئنان.

وما يُرى الآن في بعض المجتمعات من مفاسد وفوضى واضطراب واختلال أمن وكثرة جرائم إنما هو بسبب تعطيل العقوبات في الشريعة الإسلامية التي شرعها وأنزلها العليم الخبير بهذا الكون وما يصلحه {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ الله حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُون} (المائدة: 5) .

وتأديب الجاني ليس للانتقام والتشفي منه وإنما لإصلاحه، والعقوبات على اختلاف أنواعها تتفق- كما يقول الفقهاء- في أنها "تأديب استصلاح وزجر يختلف بحسب اختلاف الذنب"[2] .

فهي إنما شرعت رحمة من الله تعالى بعباده فهي صادرة عن رحمة الخلق وإرادة الإحسان إليهم ولذا يجب على من يؤدب المذنبين أن يقصد بذلك الإحسان إليهم والرحمة لهَم كما يقصد الوالد تأديب ولده وكما يقصد الطبيب معالجة المريض.

هذا وقد نشأت مذاهب مختلفة في العقوبة تعددت اتجاهاتها في الغرض منها.

فمذهب يقول: إن العقوبة يجب أن تكون انتقامية فلابد أن ينال الجاني جزاء ما اقترفت يداه حتى يشعر بأن النتائج الشريرة لجرائمه وبال عليه هو.

ومذهب يقول: يجب أن تكون العقوبة رادعة فالغاية منها ردع الجاني وزجره عن العودة للجناية.

ومذهب يقول: يجب أن تكون العقوبة واعظة للغير فالغاية منها زجر الناس عن ارتكاب جرائم تشبه جريمة الذي يعاقب المجرم من أجلها فهي تعظ قوما ليسوا مجرمين لكيلا يصبحوا يوماً مجرمين.

ومذهب يقول: يجب أن تكون العقوبة مصلحة فمعاقبة الجاني الغاية منه أولاً وآخراً هو إصلاح الجاني لا الانتقام منه واكتفاء شره ولا عظة غيره [3] .

ص: 171

وبالنظر إلى هذه المذاهب نجد كل واحد منها نظر إلى العقوبة والغرض منها من زاوية واحدة ولو نظر إليها من جميع الجهات فقد يجد الأغراض الأخرى يمكن أن تأتي تبعاً للغرض الذي يراه هو المقصود، وكما تقدم أن العقوبات في الشريعة الإِسلامية هي في الدرجة الأولى استصلاحية بيد أن هذا لا يمنع أن تردع العقوبة وأن تزجر في نفسِ الوقت كما لا يمنع أن تكون قصاصاً من الجاني فيه معنى الانتقام فتتحقق الأغراض جميعاً، وكل ما تقدم لا يمنع أن يكون هناك مسائل استثنائية مثل قتل المرتد وقتل القاتل قصاصاً إذ لا يتأتى إصلاح الشخص بعد إزهاق روحه ومثل هذا روعي فيه مصالح أخرى تتعلق بنظام المجتمع وأمنه يجب أن تراعى قبل مراعاة مصلحة الجاني.

ومما يؤيد القول بأن العقوبات في الشريعة الإسلامية استصلاحية نظرية العفو في الشريعة الإسلامية في مجال التعازير والقصاص والديات

…

فلولي الأمر أن يعفو عن تعزير من استحقَ التعزير إذا رأى أن المصلحة في ذلك مثلما إذا تاب المذنب وندم على ذنبه واستقام وهكذا.

أما الحدود فلا مجال للعفو فيها إذا وصلت إلى الحاكم إنما شرع التستر على المسلم ومنع التجسس عليه، والحدود تدرأ بالشبهات وكل ذلك يؤيد أن الاستصلاح مراعى فيها بالدرجة الأولى.

والعقوبات في الشريعة الإسلامية - وخاصة الحدود - أُحيطت بضمانات كثيرة حتى تنحصر في أضيق دائرة ممكنة فالحدود تدرأ بالشبهات والإثبات فيها اقترن بضمانات قوية تمنع الكذب كما أن الإسلام في تطبيقه القضائي ما سوغ لأحَد التتبع والتجسس على الناس {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا

…

} . (الحجرات: 12) .

وقال الرسول صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة- رضي الله عنه "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ولا تحسّسوا ولا تجسّسوا

…

" [4] .

ص: 172

إن الإسلام يعاقب على الجرائم إذا أعلنها فاعلها وكشف أمره فيها ولم يستتر عن الناس إذ في الإعلان تحريض عليها ودعوة إليها. "أيها الناس قد آن لكم تنتهوا عن حدود الله من أصاب من هذه القاذورات شيئاً فليستتر بستر الله فإنه من يبدِ لنا صفحته نقم عليه كتاب الله"[5] . إذاً فلا تجسس ولا تتبع للعورات بل إنّ العقاب يكون حيث يتحقق الإثبات فهو مفسدة ودفعها مصلحة وهذه

الأصول الخمسة حفظها واقع في رتبة الضرورات فهو أقوى المراتب في المصالح" [6] .

والحدود تقوم على دعامتين هما:

1-

حماية المجتمع من الشرور والآفات التي تفتك به وتروع أمنه وعلى مقدار ما في الجريمة من ضرر وفساد وترويع وإفزاع تكون غلظة العقوبة بقدر ذلك.

2-

عموم العقاب في أحكام الشريعة الإسلامية فالحدود تطبق على الجميع ولا يعفى منها أحد لمركزه أو شخصه أو لغير ذلك من الاعتبارات.

الموازنة بين الضرب والسجن:

إن المشرعين في القوانين الوضعية يعيبون على الإسلام أن العقوبات فيه أكثرها بدني بالضرب المبرح وقالوا إن هذه العقوبات ليست إنسانية بل فيها استهانة وحط للكرامة الواجب توفيرها للإنسان.

ويرد على هذا بأن الإسلام لاحظ في العقوبات ما لاحظه في كل تشريعه وهو ملاحظة أكبر منفعة والموارنة بين الضَرر الواقع والنفع المطلوب من حيث المقدار وتحمل أقل الضررين ولاشك أن العقاب كيفما كان ضرره لابد منه لأنه يترتب عليه نفع أكبر من الضرر اللاحق بالمعاقب.

وقد لاحظ الإسلام في العقاب الرادع أن يكون ضرره غير وخيم العاقبة بحيث يكون عاجلاً غير معطل للقوى أو مفضياً إلى ما هو أشد ضرراً في عاقبته.

والناظر في عقوبة السجن التي تعتمد عليها القوانين الوضعية إلى حد بعيد يوازن بين ضرر السجن وضرر الضرب أيهما أوخم عاقبة وأيهما أحسم للداء، إنه يلاحظ في السجن أضراراً كثيرة وبالغة الخطورة منها:

ص: 173

1-

انقطاع الجاني عن أهله وأولاده مدة قد تطول لا يرعونه ولا يرعاهم.

2-

أنه يعاشر في السجن المجرمين فتصل إليه عدواهم -وعدوى الجريمة كعدوى المرض يسري بالمجاورة والاختلاط- فيدخل مريضاً بجريمة واحدة ربما كان وقوعه فيها بسبب عارض وليس متمكناً من نفسه ولكنه يخرج وقد أصيب بعدة أمراض أخرى ربما حولته إلى إنسان شاذ في المجتمع.

3-

أن السجن تهان فيه الكرامة، وحيث فقدت الكرامة واستمر السجين أمدا ذليلا مهينا فإن قلبه يفسد ويكون مستعدا لارتكاب الكثير من الجرائم لأن الجريمة مهانة تسهل عند المهين وتصعب على الكريم.

4-

أن السجناء وقت سجنهم قوة إنسانية معطلة وبذلك يوقع السجن ضرراً بالمجتمع.

5-

أن السجين يعاقب أثناء السجن بعقوبات بدنية إذا ارتكب ما يخالف لوائح السجن وقليل من ينجو من هذه المخالفات وآثارها وبهذا يقعون فيما فروا منه.

هذه بعض أضرار السجن فوق ما فيه من تقييد الحريات وعدم الردع الكافي عن ارتكاب الجرائم.

أما عقوبة الضرب فإنها وإن كانت لا تخلو من امتهان لكنه لا يدوم وسرعان ما يسترد المعاقب بالضرب اعتباره إذا عمل بعد ذلك صالحاً ونفسه لم تتدرن بدرن يأكل الكرامة وإذا مازالت جراحه استأنف نشاطه واستئناف النشاط يرد إليه اعتباره ويستمر بين أهله يرعاهم ويرعونه ولا تصل إليه عدوى من أمراض أخرى كما لا يوقع الضرب ضررا بالمجتمع كما هي الحال في السجن.

وقولهم إن في الضرب استهانة وحطاً للكرامة فكرة لا محل لها في العقاب ولا يصح أن يحتج بها لمن لا يوفر الاحترام لنفسه.

ص: 174

وبعد فإن العقوبات في الحدود وغيرها شرعت لمنع الكافة عن الجريمة وزجرهم عنها فهي ضمانات لتطبيق أحكام الشريعة وليس كما يتصورها الجاهلون بها وبحقيقتها وبطبيعة المجتمع المسلم حيث يتصورونه أو يصورونه مجتمعاً مقطع الأيدي في كل زاوية رجل مصلوب وفي كل شارع رجل مجلود أو مرجوم ويكفينا لتقرير هذه الحقيقة ورد هذه التصورات الجاهلة أننا حينما ننظر في المجتمع الملتزم بأحكام الله وحدوده أن هذه الجرائم لا تقع إلا في حالات قليلة بل نادرة في بعض أنواعها، في حين أننا نلاحظ ازدياد جرائم السرقة مثلاً في المجتمعات التي لا تطبق فيها الشريعة الإسلامية رغم أنها تعاقب عليها أحياناً بالإعدام.

آمنا بالله وبشرعه فهو العليم الخبير أعلم بطبيعة خلقه وبما يصلحهم وما تستقيم به أحوالهم وشئون حياتهم.

{وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ}

بعض مراجع البحث غير ما ذكر في الهامش

1-

التشريع الجنائي في الإسلام لعبد القادر عودة.

2-

الجرائم في الفقه الإسلامي لأحمد فتحي بهنسي.

3-

جرائم الحدود في التشريع الإسلامي لمحمد عطية راغب.

4-

التعزير في الشريعة الإسلامية للدكتور عبد العزيز عامر.

5-

الجريمة في الفقه الإسلامي للشيخ محمد أبو زهره.

6-

العقوبة في الفقه الإسلامي له.

غنى وملك

رأى زينون الحكيم رجلا على شاطىء البحر مفكرًا حزينًا على الدنيا فقال له:

"يا فتى ما تلهفك على الدنيا

…

؟ لو كنت في غاية الغنى وأنت راكب لجة البحر وقد انكسرت بك السفينة وأشرفت على الغرق!! أما كانت غاية مطلوبك النجاة وأن يذهب كل ما بيديك؟

قال: "نعم".

قال: "ولو كنت ملكا وأحاط بك من يريد قتلك، أما كان مرادك النجاة من يده ولو ذهب جميع ما تملك؟ ".

قال: "نعم".

قال: "فأنت ذلك الغني الآن وأنت ذلك الملك"، فتسلى الرجل بكلامه.

ص: 175

--------------------------------------------------------------------------------

[1]

الأحكام السلطانية ص 221 طبعة مصطفي الحلبي (الطبعة الثالثة) .

[2]

الأحكام السلطانية للماوردي ص 236.

[3]

انظر فلسفة العقوبة لمحمد مهدي علام ص 36.

[4]

البخاري بشرح فتح الباري الطبعة السلفية 10/ 481. حديث رقم 6064 ومسلم تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي 4/1985 حديث رقم 28 من كتاب البر والصلة.

[5]

رواه مالك في الموطأ ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي 2/825 ضمن حديث مرسل وقد وصل ذلك الحاكم في المستدرك 4/383 والبيهقي في السنن 8/330 وهو حديث مشهور معروف العمل عليه.

[6]

المستصفى للغزالي ص 251 تحقيق محمد مصطفى أبو العلا.

ص: 176

الملك عبد العزيز آل سعود بين نصره لله ونصر الله له

للشيخ إبراهيم محمد حسن الجمل

المدرس بالمعهد الثانوي التابع للجامعة

2

لقد وفق الله الملك عبد العزيز آل سعود في كل ما قام به، والتوفيق أمر عظيم لا يهبه الله إلا لرجل عظيم، ومما لا شك فيه أن عبد العزيز كان عظيما، وتظهر هذه العظمة واضحة جلية في توفيق الله له، ونصره إياه في وقعة الرياض وفتحها.

كان عبد العزيز في سن دون العشرين من عمره المبارك، وما تزال ترن في أذنه نصائح أبيه الرجل الصالح الإمام عبد الرحمن بن فيصل آل سعود، الذي كان دائماً يقص عليه تاريخ الآباء والأجداد، ومواقف الضعف والقوة فيهم، ويذكر بالخير مواقف الصلحاء والأتقياء منهم، ويحرص كل الحرص على أن يبث في نفس ابنه عبد العزيز الروح الدينية، ويغرس في قلبه حب الجهاد والتضحية في سبيل إعلاء كلمة الله، ويذكره بالعهد الذي تم بين جده محمد بن سعود والشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله، الذي يقضى بالعمل على نشر العقيدة السلفية، وجذب الناس إلى توحيد الله سبحانه وتعالى، وإقراره بالعبادة، ودحض حجج الآثمين والمشركين، وإقامة الأدلة والبراهين الناصعة على ثمرة التمسك بكتاب الله وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وما يجنيه الإنسان من وراء ذلك من سعادة في الدنيا والآخرة.

ص: 177

لقد رأى حوادث جساماً، وهو صغير، رأى الأعداء على أبواب عاصمة الآباء والأجداد، وشاهدهم وهم يحاولون الاستيلاء على الرياض وما حولها، ثم استسلم للبيداء بقسوتها وبحرّها وبردها، حتى انتهى به المطاف إلى الكويت، وفي الكويت عرف الكثير عن أمرائها وعلمائها، كان يجلس صامتا، ويسمع أكثر مما يتكلم، وكان ما يسمعه ويقرؤه ويتعلمه يلقى به في بئر آماله وأحلامه العريضة ويضطرب كل ذلك في بحر لجي تتدافقه الأمواج العالية، التي تصل به إلى قمة التفكير ألا وهو كيف يخلص بلاده الغالية من يد الغاصبين.

لقد ذهب إلى الرياض مسقط رأسه، ومحط آماله، وملعب طفولته غازياً، ومكث بها أربعة أشهر، لكنه تركها أمام مالا قبَل له به، فوقعة الصريف [1] وانتصار الأعداء بها، والهزيمة التي لحقت بجيش الشيخ مبارك كان لها أكبر الأثر في التأثير على مجريات الأحداث في ذلك الوقت.

ولقد مرت الأيام، وبلغ عبد العزيز الواحدة والعشرين، وما تزال تراوده فكرة الرجوع إلى بلده، فإما أن يعيش فيها، وإما أن يستشهد في سبيلها، لقد اختمرت في ذهنه فكرة استرداد الحق المغتصب، والمُلك الذي سلب، ونُهِب قسراً عن أهله، والذي لا يُسْتَطاع بغيره أن يُمْتَلك الزمام، فتقام حدود الله، وتطبق أسس الدعوة التي كاد يقضى عليها، إلا من أنفس ما تزال تعض عليها بالنواجذ، ثم أقسم ليستردنّ مجد آبائه وأجداده، ولينشرنّ الدعوة لربه جل وعلا، كما قام بها أجداده الأوائل.

ثم كاشف بما جال في خاطره الأصفياء من ذويه، وأقاربه الشباب، فوافقوه على ما دعا إليه، وذهب إلى والده الإمام، واستأذنه في السفر، بعد أن بين له الدافع الشديد الذي دعاه إلى ذلك فإيمانه القوي بنصر الله، وتوكله عليه، واطمئنان قلبه إلى توفيقه تعالى، جعله متأكداً من عون الله، وشد أزره له.

ص: 178

وتنفس الصعداء الرجل العارف بأخبار العدو وقوته، وحرصه على ما اغتصبه، وقد أدرك أن عبد العزيز الذي رباه وعلمه لساعة آتية، قد أدرك الآن أنه أصاب الهدف، واعتمد على من عليه الاعتماد، وأوى إلى ركن حصين وسند عظيم، ولذلك لم يتردد في الإذن له بالعمل، ودعا له بالتوفيق والنجاح [2] .

وإذا وجد الإيمان والتوفيق، والنصر والتوكل على العليم الخبير، فكل ما عداه من الأسباب هين لتحقيق الرغبة القوية.

لقد تمكن عبد العزيز الشاب من الحصول على أربعين جملا، وثلاثين بندقية، وبعض الزاد، ومعه أربعون رجلاً من عائلة آل سعود الذين بالكويت، ومن المقربين إليه، ثم راح يغزو الأرض التي استولى عليها ابن الرشيد، والناس يجتمعون معه، ويتفرقون عنه، حتى وصلوا إلى الألفين، لم يبق منهم في آخر الأمر إلا عشرون ضمهم إلى الأربع فأصبح جيش عبد العزيز ستين رجلا، واتجه ببصره إلى الرياض، واستطاع القائد الشاب عبد العزيز ابن عبد الرحمن بما وهبه الله من الذكاء أن يخطط للاستيلاء على الرياض.

ففي الخامس من شوال عام 1319 هـ كان الشاب عبد العزيز والستون شاباً على مسافة من الرياض. قالوا: إنها كانت على بُعْد ساعتين، ترك فيها عشرين شابا ممن معه، وتقدم بالأربعين الآخرين، فلما وصل إلى البساتين خارج سور المدينة، ترك أخاه محمدا، ومعه ثلاثون رجلاً، ومشى بالعشرة في الظلام الدامس، حتى تمكن من اقتحام الأسوار، والوصول إلى حاكم الرياض من قبل ابن الرشيد، وقتله في مغامرة مثيرة، رافقه فيها تأييد الله له وتوفيقه، وأظلته العناية الإلهية التي شدت من أزر الشاب عبد العزيز، حتى تم له النصر، واستولى على الرياض [3]

ص: 179

أرسل من ينادي في الناس، في محل تجمعاتهم، وفي الأسواق، وكان الخبر قد سرى في كل مكان، والبشر والفرح يعلو الوجوه، وهم يشكرون الله الذي أرجع الحق إلى أصحابه، كان المنادي يقول بأعلى صوته:"الله اكبر.... الحكم لله ثم لعبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود"[4]

هذا الفتح العظيم جدير بأن نسميه "فتح الفتوح في العصر الحديث"فلقد كان بداية لسلسلة من الانتصارات التي مَنَّ الله بها لا على عبد العزيز وحده، بل على العالم الإسلامي، وهذا ما أثبته مرور الأيام.

لقد تناول المؤرخون والكتاب والأدباء هذا الحدث العظيم بالدرس والتحليل والثناء والإكبار، واتفقوا على أن هناك توفيقا إلهيا، سار في ركب تلك الفتية التي آمنت بربها، فظَلت عناية الله تحرسهم وترعَاهم فحققوا النصر على أول طريق الجهاد والكفاح حتى أتم الله نوره.

يقول نجيب نصار في كتابه (الرجل) : "إن ابن سعود الذي تعلم الصعود إلى مراقي العظمة، في مدرسة الإسلام، كما تعلمه فيها أبو بكر وعمر وعلي وخالد ومعاوية، وغيرهم من الصحابة الكرام، وتمرن على الخشونة، وشظف العيش، والشدة في مدرسة بني مرة الساذجة، ارتقى أول درجة من سلّم العظمة بالاستيلاء على الرياض"[5] .

وقال حافظ وهبة: "إن هذه القصة تشبه قصص أبطال اليونان، وترينا عظم الأخطار التي أحاطت بابن سعود"[6] .

لقد جاء الناس من كل مكان، وتجمعوا في قصر الحكم، يرحبون بالأمير عبد العزيز، ويبايعونه زرافات ووحدانا، والفارس الشجاع يدعوهم إلى تناسي ما حدث في الماضي، وإلى المحبة والتعاون، والاستعداد للمستقبل.

ص: 180

لم يضيع الأمير عبد العزيز لحظة من وقته، فقام بالبناء والتحصين والاستعداد لكل ما يطرأ من أحداث، وكتب للوالد الإمام عبد الرحمن أن يأذن لأخيه سعد بالقدوم إليه، ومعه نجدة من الرجال والعتاد، ثم أرسَل إلى والده بالكويت، يطلب إليه العودة إلى الرياض؛ فسير الحوادث تفضي أن يكون بجواره، فودع الإمام والشيخ مبارك، وغادر الكويت تلبية لولده، وسلك طريقا غير معروف، فابن الرشيد ما يزال يسيطر على البلاد، وليس من الصواب أن يعرف طريقه في ذاك الوقت.

لم يمض زمن طويل بل أيام معدودات حتى وصل الإمام عبد الرحمن إلى الرياض بسلام، وأسرعت الوفود من كل مكان للتهنئة والتحية والسلام، وتجديد البيعة لآل سعود، ثم دعا الإمام شيوخ العاصمة وعلماءها إلى اجتماع طلب عقده في المسجد الكبير بالرياض بعد صلاة الجمعة، وبعد الصلاة وقف الإِمام فحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه صلى الله عليه وسلم، وأعلن أمام الجميع تنازله عن جميع حقوقه في الإمارة والإمامة إلى ابنه عبد العزيز.

ولكن الابن البار الذي تربى في رحاب الإسلام، ووعى قضاء الله للوالدين رد قائلا:"الإمارة لكم وأنا جندي في خدمتكم".

فجمع الإمام العلماء، وأرسل إلى عبد العزيز، وخاطبه قائلا:"إذا كان قصدك في استدعائي إلى الرياض لأتولى الإمارة فيها، فهذا غير ممكن ولا أقبله مطلقا...."

وبعد مناقشات طويلة، قال الحاضرون من العلماء للقائد عبد العزيز:"على الابن أن يطيع أباه"

وقالوا للإمام: "أنت كوالد عبد العزيز رئيس عليه، وبالتالي على أهل نجد".

فقال الإمام رحمه الله: "ولكن الإمارة له".

فقال عبد العزيز: "إني قابلها بشرط أن يكون والدي مشرفا على أعمالي دائما، فيرشدني إلى ما فيه خير البلاد، ويردعني عما يراه مضراً في مصالحها"[7] .

ص: 181

موقف فريد في زمنه، زمن قتل الطامع أخوته في سبيل الملك، وتنمر الابن فيه للأب، وضاعت فيه مُثُل الإسلام العليا إلا من فئة قليلة، ظلت محافظة على تعاليم الحنيفية السمحة، تمثلت في أصل عبد الرحمن وفرعه وعين الله ترعاهم، وتوجههم إلى الطريق المستقيم.

تمت البيعة لعبد العزيز، وأصبح قريبا من الله، متحملا مسئولية من تولى أمرهم، فليضاعف النشاط، وليسهر على راحة رعيته، وليتجه إلى ربه، يطلب منه العون والمساعدة والتوفيق.

لو أسرع ابن الرشيد إلى الرياض بجيوشه الجرارة، وقوته الكبيرة لتغير وجه التاريخ، ولقضى على تلك العصابة التي أخذت على عاتقها نشر الدعوة، وإقامة حدود الله.

قال الإمام عبد العزيز:

"أما ابن الرشيد، فقد أشار عليه بعض رجاله بأن يسير من "ثادق"ويضبط الحفر، ولكنه رفض، والحقيقة لو أطاع رأي قومه، ورحل إلى الحفر، لكانت ضربة قوية علينا "[8] ، ولكن الله شغل ابن الرشيد بآماله، وتطلعاته التي دار في فلكها، وشغلته عما سواها، فهو يخطط ليستولي على الكويت، فقد طغى عليه التفكير في امتلاكها، وأخذها من الشيخ مبارك، وحسبها هي الأصل، والرياض هي الفرع، وإذا امتلك الأصل، فإن الفرع يأتي إليه بأقل جهد.

لقد مناه الأتراك بالمساعدة، ورسموا له كيفية الاستيلاء على الكويت، ولكنه ما كاد يقترب منها، حتى كان له الإنجليز -حلفاء الشيخ مبارك- بالمرصاد، فقد قضوا على آماله وتطلعاته، وأخيرا وبعد فوات الوقت، عرف أنه أمام قوة لا قبل له بها.

كان كلما ذكروا له عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، واستيلاءه على الرياض، أجاب بلا مبالاة، وأظهر عدم الاهتمام بهذا الاستيلاء، وأن الأمر لا يستحق أقل مجهود، وحينما ألحوا عليه في الذهاب إليه، قال المثل المشهور وهو غير مكترث:"أرنبة محجرة وأهلها مقيمون "أي أنه يستطيع أي يوم شاء أن يخرج عبد العزيز من الرياض" [9] .

ص: 182

ومرت شهور، وأتى ابن الرشيد، وفي حسبانه أنه سوف يتسلم الرياض، وأن ساعة تخليصها له قد دنت، ولكنه ارتد على عقبه أمام قوة لم تخطر على باله، بل إنه كلما حاول الاقتراب منها لم يستطع، فنكص على عقبيه، ورجع غير موفق فصرف النظر عنها مؤقتا، لكن كانت له جولات، ومواقع في أماكن أخرى، لازم النصر فيها الإمام عبد العزيز آل سعود رحمه الله.

ظلت الحرب سجالا بين الإمام عبد العزيز وابن الرشيد، وربما كان ابن الرشيد قويا وذا بأس، وكان أكثر عدة وعتاداً، إلا أن الإمام كان أصلب عوداً وأكثر تحملا، وأشد إيماناً؛ فهو يحارب من أجل حق اغتصب، وسُطي عليه، ومن أجل دعوة ودين خف الوازع إليه، وإن له لمبدأ عظيماً يستمد منه الحماسة والقوة.

كانت الجيوش تصول وتجول من قبيلة إلى قبيلة، ومن أرض إلى أرض، والناس قد قلّ تمسكهم بالدين، فتاهوا في البيداء الواسعة، يسعون لمغنم دنيوي، وقد يكونون معك بالنهار، فإذا ما أتى الليل تراهم قد انقلبوا عليك، وتعقدت الأمور بالتقارب الذي لم يكن يخطر على بال، هذا التقارب الذي تم بين الشيخ مبارك وابن الرشيد، وكان هذا مما يستبعد، والعداء ما يزال مستحكما بين طرفي الجزيرة، وبدأ النفاق في بعض القبائل ظاهراً جلياً، وبين رجال تنكبوا الطريق، فكانوا متذبذبين بين الطرفين فأحذ الإمام عبد العزيز الحذر والحيطة منهم، وظل يتنقل وهو في أوج حماسه وقوته وتخطيطه، والمولى جَل وعلا يدبر له الأمر، ويوفقه إلى الطريق الذي سيوصله بإذنه تعالى إلى النجاح الذي يريده.

لقد وصل ابن الرشيد إلى روضة مهنا، بعد سلسلة من التنقلات والمناوشات ولحق به الإمام عبد العزيز، وشرع يجمع رجاله، ثم بدأ هجوما على خط الدفاع الأول ليلا، على من تقدم من رجال ابن الرشيد، وتواقعا في 8 صفر سنة 1324، وتمكن جيش الإمام من أن يزيح جيش ابن الرشيد قليلا، ويقهقره، ويحتل مكانه.

ص: 183

وفجأة وبدون تدخل من البشر، والليل حالك الظلام، والنجوم ترسل شعاعاً خافتاً على الرمال، والبصر محدود الرؤيا، والحرس يضعون أيديهم على الزناد استعدادا لإخراج الطلقات، وعين الله الحارسة تتولى الأمور، وتصرفها كما يشاء لها رب الكون، وفجأة يحدث ما لم يكن في الحسبان، ولم يخطر على بال إنسان، وما أراه إلا من صنعِ الله العلي القدير. لقد ركب ابن الرشيد فرسه، وراح يدور في معسكره مستنهضاً همم القوم ممن معه، ومحرضاً للضرب والنزال، يجري هنا وهناك، حتى وصل إلى المكان الذي كان له فيه فرقة من جنوده، ظن أنها لا تزال هناك، وأنسي أنها تراجعت، وتركت مكانها لجيش الإمام عبد العزيز.

صاح بحامل البيرق يحرضه على الهجوم، وما حسب أنه بين القوم الذين يحرض عليهم، ويدبر لهم الشر، ويبتغي الغلبة عليهم.

كان يصيح باسم حامل البيرق، وعرف رجال الإمام الصوت، وعرفوا أنه ابن الرشيد، فصوبت عليه البنادق، ونفذت إرادة الله، وحمل سيفه وخاتمه إلى الإمام [10] .

أما الإمام عبد العزيز آل سعود فكان حينما يبشر بنصر من الله سبحانه وتعالى يخر ساجداً، ويطيل التضرع والدعاء، حامداً شاكراً فضله سبحانه على ما أولاه من نصر وتأييد، وبهذا قُضي على أكبر قوة كانت أمام الإمام رحمه الله.

لقد شمل تأييد الله جل وعلا لعبده عبد العزيز رحمه الله في كل ما دخل من معارك، وإن كان قد خف أوارها في ملحقات الرياض، رغم تشعبها وكثرتها، إلا أنها كانت تنتهي دائماً بنصر من الله، وفي النهاية الاستقرار والهدوء.

وشاء الله أن ينتقل الصراع من نجد إلى الحجاز، وكأن ما حدث ما هو إلا مقدمة لتنفيذ إرادة الله، حتى يوفي سبحانه وتعالى بوعده، فيستجيب دعاء سيدنا إبراهيم عليه السلام كلما اشتد البأس، وانعدم الأمن والطمأنينة بأرضه المقدسة.

ص: 184

{رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ} . (إبراهيم: 35) .

وكان ذلك في أرض الحجاز حيث البيت العتيق. والحرم الآمن، وحيث يجب أن تقام شريعة الله، وتنفذ حدوده، والله أشد غيرة من أحدنا على حرماته، ولكن الله يؤخر، ويممهل ولا يهمل.

لقد ظلت حدود الله معطلة زمنا طويلا، وشرائعه مستباحة، والمكان الطاهر مسرحاً للمساومة والمزايدة، والنهب والسلب في كثير من الأوقات، تقام فيه البدع والمنكرات، ويساق الناس وكأنهم قطعان ماشية، وكأنما هذه الأرض الطاهرة ما هي إلا ضيعة لفئة من الناس بلا وازع، فليس لهم -كما يقال- من الإسلام إلا اسمه، ولا من الدين إلا رسمه؛ والدليل القوي على ذلك قانون (أبو نمى) وهو الدستور الذي كانت تسير عليه الأمة في الحجاز في معاملتها مع السادة الأشراف، فشرعت قوانينه لأشراف الحجاز، وضعه (أبو نمى) الذي تولى إمارة مكة سنة 932هـ، وظل يعمل به إلى أن قضى عليه الإمام العادل عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، حينما طهر الأرض المقدسة من الرجس والآثام.

إن قانون (أبو نمى) يمثل أفدح الظلم في أطهر بقعة على وجه البسيطة، وهو بعيد كل البعد عن التشريع السماوي، ولم يسمع بمثله إلا في العصور الوسطى، ومحاكم التفتيش.

يقول حسين محمد نصيف:

"وهذا القانون على ما أعتقد لم يوضع أقسى ولا أظلم منه، وإذا بحثنا عن معنى الظلم في أي قاموس، فلا نجده وافياً بمعناه الحقيقي إلا في هذا القانون"[11] .

ص: 185

كانت انتصارات الإمام عبد العزيز في نجد وما يجاورها مثار إعجاب وإكبار من أبناء شبه الجزيرة، وهو واحد من أبنائها، وهذا ما أوغر صدر حكام الحجاز وأقضّ مضجع الحاكم في ذلك الوقت، وبخاصة أن الإمام كلما أخضع جهة، أقام فيها حدود الله، ونفذ حكم الشرع، والناس قد استجابوا، وسكنوا إلى أحكام الله، وحار الشريف فيما يفعل، وقد أصبحت بلاد نجد قوة لا يستهان بها!!

ماذا يفعل؟ إنه كلما حاول مساعدة البقية الباقية من الخارجين، أو معاونة واحد من أعداء نجد الذين يحاربهم الإمام، ارتدت إليه سهامه.

كان الشريف بين المَد والجزر، والبعد والقرب، فهو يتقرب إلى الإمام أحياناً، حتى ليظن الإمام أن الصفاء والمودة ستمحو كل ما سبق من عداء، وفجأة لا يلبث أن يقلب ظهر المجن فيظهر ما يضمر فإذا به عداء مستحكَم، لا يستقر به على حال، والإمام عبد العزيز ينظر إلى تحركاته نظرة الواعي المستفيد من كل هذه التحركات، إلى أن ظهرت نواياه أخيرا، وهي قوله:"إن الجزيرة بما فيها من نجدٍ من رعاياه، وأن كل هذه البلاد من حق الشريف".

وتذرع الإمام بالصبر والأناة كعادته، وتركه يقول كل ما يريد أن يقوله، وكانت هناك عهود ومواثيق لحلفاء الشريف من الإنجليز، احترمها الإمام، ولم يثر أي مشكلة لهؤلاء الحلفاء إبان الحرب العالمية الأولى، حتى كانت القشة التي قصمت ظهر البعير؛ وهي مسألة الخلاف على الحدود بين نجد والحجاز، وبالأخص تربة والخرمة -وهما قريتان على الحدود- الشريف يرى أنها من قرى الحجاز، والإمام عبد العزيز يؤكد أنها من نجد وكلاهما يدلي بحججه.

ص: 186

لقد كان من المتعارف عليه أنهما من نجد، وأن جبل (حَضَن) هو الفاصل بين نجد والحجاز، وأنه يبعد عن القريتين بمسافة قدرت بسبعين كيلومترا بالنسبة لتربة، وبخمسين كيلو بالنسبة للخرمة، وأنّ البلدين وعربانهم حنابلة المذهب من زمن بعيد، وأنّ كثيراً من تجار نجد يعيشون بين ظهرانيهم، كذلك ما يزال ولاؤهم لآل سعود قائماً منذ زمن بعيد. ولما لم تنفع المكاتبات، ولم تغن الوساطات، ولم يجد الشريف ملاينة من الإمام عبد العزيز، وقد استقل الشريف بالحجاز، وطرد الأتراك، وأصبح يتمنى حكم الجزيرة كلها عزم على غزو نجد مبتدئاً بتربة والخرمة، وهو يعتقد أنه سيفتحهما، بعد أن تكتسح جيوشه كل من يقف أمامه. ومما تجدر الإشارة إليه ما حصل بين خالد بن لؤي أمير الخرمة والذي يعتبر عاملا من قبلِ الشريف على هذه الجهة وبين ابن الشريف الأمير عبد الله بن الحسين، وكان بالعيص قريباً من المدينة المنورة بعد أن اشترك مع الأمير عبد الله في القضاء على الحكم التركي بالمدينة المنورة، فقد ضرب خالداً على وجهه أحدُ المقربين إلى الأمير عبد الله هو فاجر بن شليويع أحد شيوخ الرقة، فاشتكى خالد إلى الأمير، ولكن الأمير لم يهتم كثيراً لخالد، لحاجة في نفسه، وكل ما فعله أنه حبس فاجراً ثم أطلق سراحه بعد أيام.

لم يرض خالد عن هذا الحكم، ولما خاطب الأمير في ذلك لم يأبه به، فغضب خالد، واستأذن على خلاف المعهود في الرحيل، فأذن له غير مكترث به، ولا بما سيتم عليه الأمر، ورجع خالد إلى الخرمة [12] .

إن آثار هذه الحادثة البسيطة كانت السبب في تغيير مجرى الحوادث، ولا نكون مبالغين إذا قلنا إنها غيرت وجه التاريخ، فبمجرد أن وصل خالد إلى موطن إقامته، وثق علاقته مخلصا بالإمام عبد العزيز، وقد كان على علاقة طيبة به، إذ كانت تجمعهما وحدة المذهب ويرى أنه من رجاله، وربما كانت هذه من الأسباب التي أوغرت صدر الأمير عبد الله.

ص: 187

صار خالد من رجال الدعوة، وما عاد يخفي شيئاً، فقد أخلص لها، واستعد لأن يضحي في سبيلها بكل شيء، وكأنما رسمت المقادير لخالد دوراً، كان له أكبر الأثر في الاستيلاء على الحجاز.

قطع خالد كل صلته بحكام الحجاز، فكان كلما أرسل إليه الشريف بالحضور والمثول بين يديه، تخلص من هذا بحيلة من الحيل، وتكرر منه ذلك، وعلم الشريف أن خالداً غير راغب في مقابلته، ورأى أن القوة هي الفيصل بينه وبين خالد الذي هو واحد من رجاله، واعتبره خارجاً على طاعته، فأرسل إليه جيشاً تلو جيش، فكان نصيبه الهزيمة، ففكر في أن يرسل إليه جيشاً قوياً بقيادة صهره، الشريف عبد الله بن محمد فلما وصل إلى جبل (حَضن) كان القدر له بالمرصاد، فقد تفشت فيه الأمراض فأفنته [13] وكفى الله المؤمنين القتال.

ويقال: إن الشريف طلب من صهره ألا يباشر عملاً عسكرياً وأن يلتزم مكانه حتى يصل الأمير عبد الله قائد الجيوش [14] .

عبأ الشريف كل قوته استعداداً لإعلان الحرب على الخارجين على طاعته أولا ثم على الإمام عبد العزيز، واستحث ابنه الأمير عبد الله الذي ولاه قيادة الجيوش الغازية أن يعجل بإخضاع القبائل في تربة والخرمة، وأن يقضي على من فيها من الولاة والخارجين، ثم يتجه إلى الرياض.

ص: 188

بدأ الأمير عبد الله في الإغارة والتأديب، واستمالة القبائل على حدود تربة، وقتل بعض التجار النجدين، واستَكان له الأعراب المتفرقة في هذه الجهات، فأخذه الزهو، واستصغر شأن خصمه حينما نظر إلى جيشه وكان تعداده 12000 مقاتل على أن هناك من يقول إن تعداد الجيوش وصلت إلى 25000 مقاتل [15] منهم خمسة آلاف من الجيش النظامي، والباقي من المتطوعة والأعراب، ومعهم المعدات وآلات الحرب والقتال التي لا تعد ولا تحصى مما أخذ من الإنجليز، وغنم من الأتراك، فنظر إلى كل هذا الأمير القائد، وأرسل إلى والده قائلا:"إني في 30 يوماً سأطوي نجداً بأجمعها وأخاطبكم من البحرين"[16] .

كان الإمام يراقب ما يجرى في تربة، وتأتيه الأخبار تحت جناح السرعة، فأعدّ جيشا قوامه 000 12 مقاتل، تحرك به من الرياض، إلا أنه حينما وصل إليه أخبار جيش الشريف أرسل سريعاً إلى سلطان بن بجاد كبير هجرة الغطْغُط، أن يلتحق بسرعة وسرية مع جيشه بخالد بن لؤي بالخرمة لنجدته، حتى يصل هو ومن معه، وأسرع سلطان بن بجاد، والتقى بخالد، وجلسا يفكران في كيفية الوصول إلى هذه الجيوش، وكيف يدفعان هذه القوه العظيمة التي لا قبل لهما بها.

وراودهما التفكير أن ينتظرا ابن سعود، ومدده الذي سيأتي به إليهما، ولكن إيمان خالد بالله كان أقوى من كل شيء، وأن من معه متعطشون إلى الجنة، وهُدِي إلى خطة عجيبة، راح يخطط لها: وهي مهاجمة جيش الأمير عبد الله، واتفقا على كيفية الهجوم.

اتفقا على تقسيم القوة إلى ثلاثة أقسام:

الأول: يهاجم مخيم الأمير عبد الله.

الثاني: ينازل القوات النظامية.

الثالث: ينتشر على الخطوط لقطع خط الرجعة عليها.

ص: 189

وما إن سكن الليل، وهدأ كل شيء، واستسلم الجيش والأمير القائد للنوم، وإذ بخطة خالد تبدأ في التنفيذ وإذا بالأصوات تملأ عنان السماء تنادي:"الجنة.. الجنة.. الجنة "، ودارت معركة رهيبة، استخدمت فيها مختلف الأسلحة، وكان في مقدمتها السلاح الأبيض، واختلط الحابل بالنابل، وصار جنود الأمير عبد الله يضرب بعضهم بعضا في وسط الظلام على غير هدى، ووصل خالد بن لؤي إلى مخيم الأمير، وأحاطوا به من كل جانب يريدون قتله، فاستيقظ من نومه مذعوراً، فشق له خادمه الخيمة، وخرج منها، وأقبل على فرس فامتطاه بملابس نومه، وأطلق له العنان، ولم يتوقف به العَدْو إلى أن بلغ الطائف، وكانت نجاته من تلك المجزرة التي لم ينج منها إلا النزر القليل من رجاله أعجوبة الأعاجيب.

أما الذين نجوا من المعركة، ومن المذبحة، ولم يستطيعوا الفرار، فقد التجأوا إلى حصن من الحصون القريبة، فهجم عليهم جيش خالد وابن بجاد في اليوم التالي، فجعلوا خاتمة المذبحة كأولها.

تراكمت الجثث بعضها فوق بعض، ولم ينج إلا من سابق الريح، ومن انضم إلى جيش خالد، وكان أكثرهم من عتيبة، وكان عدد القتلى خمسة آلاف، بينما خسر خالد وابن بجاد من جنودهما حوالي خمسمائة، أربعمائة من رجال الغُطْغُط، ومائة من أهل تربة والخرمة. تمت هذه المعركة التي قضت على كل آمال الشريف، والتي قصمت الظهر، ليلة 25 شعبان 1337 هـ على مقربة من تربة، واستولى خالد بن لؤي وسلطان بن بجاد ومن معهما على معدات جيش الشريف وذخائره، وكان أكثرها لم يزل في صناديقه [17] .

ص: 190

ثم وصل الإمام عبد العزيز على رأس جيشه، وكان تعداده 12000 اثني عشر ألف مقاتل بقيَادته إلى تربة بعد انتهاء المعركة، ولم يعلم بها إلا وهو في الطريق، رأى ضحايا الواقعة، ولم يطق الإمام رؤية هذه المناظر الرهيبة، فقد جيفت الجثث، ولعبت برائحتها الريح، ونقلتها من مَكان إلى مكان، فأطرق رحمه الله حزيناً، وتساقطت الدموع من عينيه [18] ، ثم أمر بدفن الجثث، وقد حمّل الشريف نتيجة كل ما حدث.

بعد هدوء الحالة في منطقة تربة والخرمة، واستقرار الوضع بها، اجتمع الإمام عبد العزيز بجيوشه وقواده، واستعرضوا موقف الشريف، وبينوا أنه هو الذي اعتدى، وعليه دارت الدائرة، وأن هذا النصر من الله وحده، فله الحمد في الأولى والآخرة.

كان في قيادة الإمام من يرى أن ساعة الخلاص من حكام الحجاز قد قربت، وأنه ينبغي الزحف إلى مكةَ، وكان الجنود متحمسين لإنهاء الأمر، وتخليص الأراضي المقدسة من كل دنس إلا أن الإمام عبد العزيز رأى أن الأمر يقتضي التريث حتى يُسْمَع الصدى الذي ستأتي به هذه المعَارك، وأن الاحتياط واجب، فليس المهم الآن ما عليه الشريف وإنما مَنْ هم وراء الشريف.

ص: 191

لقد كان الإمام رحمه الله يخاف من تدخل قوة خارجة عن المنطقة، ويرى أن ما أصاب الدعوة ورجالهَا من كوارث في الماضي كان بسبب تدخل هذه القوة، وأنه يسير بتؤدة وتأن وصبر، ليفوت على الجميع أمراً قد لا تحمد عقباه، ومن هنا نرى براعة الإمام في معرفته ووعيه للتاريخ، ودراسة أحداثه، والخوف كل الخوف أن يتجمع الصليبيون مرة أخرى مع المسلمين الجاهلين بأمور الدين وتشريعاته، ولكنهم والحمد لله كانوا مشغولين بأمورهم، ففرنسا منصرفة إلى حروبها ونتائجها، وتركيا أصبحت وليس لها من الأمر شيء، أما الإنجليز الذين يهمهم أمر المنطقة، والذين يعتقد الشريف أن لهم التأثير الكبير، ويرى أنهم يستطيعون أن يمدوا له يد العون والمساعدة، فإنهم يدورون في فلك مصلحتهم وحدها، وقد يكونون معك، ولكن حينما لا يرجون الخير منك، فإنهم سينصرفون عنك حتما، ولقد كانوا في طريق الانصراف عن الشريف، حينما رأوا أن التوفيق تخلى عنه.

لقد هال الشريف ما حدث في تلك المأساة المروعة، وحار فيما يفعل، وأخيراً استغاث بحلفائه الإنجليز الذين أخذتهم الشفقة والرثاء لحاله، وأرادوا أن يفعلوا له شيئاً، فأرسلوا إلى الإمام هذا الكتاب:

"ترجوكم حكومة جلالة الملك -ملك الإنجليز- أن تعودوا إلى نجد عند وصول هذا الكتاب إلى أيديكم، وتتركوا تربة والخرمة منطقة حرة، وغير مملوكة لأحد، حتى عقد الصلح، وتحديد الحدود، وإذا لم تعودوا فإن حكومة بريطانيا تعدّ كل اتفاق بينكم وبينها ملغى، وتتخذ ما يلزم من التدابير ضد حركاتكم العدوانية، ونأسف كل الأسف لما حصل بين أصدقائها، وكانت ترجو ألا يقع"[19] .

كانت الحكمة تقضي بأن يتريث الإمام حتى تهدأ العاصفة فيتجه بجيشه إلى الرياض، وقد كان هذا ما قام به فعلاً، فأخذ طريقه إلى العاصمة، بعد أن حذر رجاله من عدم التحرك حتى تحين الفرصة وهى قريبة إن شاء الله.

ص: 192

حقيقة إن الذي كان يشغل الإمام الخوف من التدخل الأجنبي، ومن إثارة الرأي العام الإسلامي في الخارج.

"إنني إذا أمنت من جانب تدخل بريطانيا في الأمر من أجل الشريف، فما يدرينا لعلها تتدخل فيما بعد من أجل العالم الإسلامي إذا أنا بسطت نفوذي على الحرمين الشريفين، وحاولت إقامة الدين الحق، ولذلك فلا بد أن أنتظر، وأنتظر طويلاً حتى يأذن الله لي وهو خير الحاكمين"[20] .

ولكن الله مؤيده وناصره، ومن كان الله معه، فكل شيء يهون، وكل الأمور تحل بتوفيقه سبحانه وتعالى، وقد بدأ هذا التوفيق بأن أرسلت له جمعية الخلافة المعروفة بشدة تعصبها للدين، وللدولة العثمانية تطالبه بتحرير الحجاز من المظالم، وأن يعمل على عقد مؤتمر إسلامي يقرر فيه مصير البلاد.

وكان أول الغيث قطرة، استراح لها قلب الإمام، وهدأت نفسه قليلاً، وحمد الله سبحانه وتعالى، ولكنه مازال يفكر في مخرج مما قد يحدث، وإذا بالبشير يجيئه ليقول له:"إن جيش خالد بن لؤي وسلطان بن بجاد قد دخلا مكة ملبياً طائعاً كما يريد من غير إراقة قطرة واحدة من الدماء، ودون أن يلحق بأحد من جيرة بيت الله أي أذى"[21]

سجد الإمام لله شاكراً، معدداً فضله عليه، وكرمه له، ثم شرع رحمه الله في الإعداد ليتوجه إلى مكَة فكتب إلى جميع ملوك المسلمين وأمرائهم يشعرهم بسفره إلى مكة المكرمة غير باغ ولا آثم، وأنه عازم على عقد مؤتمر هناك، يفكر فيما يراه كفيلا بتوطيد الأمن، ونشر السلام.

وجمع كبار قومه ومعهم العلماء، وخطب فيهم خطبته التاريخية.

بدأ الخطبة بحمد الله والصلاة والسلام على نبيه.... وكان مما قاله:

"إني مسافر إلى مكة لا للتسلط عليها، بل لرفع المظالم التي أرهقت كاهل عباد الله، إني مسافر إلى حرم الله لبسط أحكام الشريعة وتأييدها؛ فلن يكون بعد اليوم سلطان إلا للشرع، الذي يجب أن تطأطأ جميع الرءوس له.

ص: 193

إن مكة للمسلمين كافة، فيجب أن يكون أمر إدارتها وتنظيمها طبق رغائب العالم الإسلامي.

إننا سنجتمع بوفود العالم الإسلامي هناك، وسنتبادل معهم الرأي في كل الوسائل التي تجعل بيت الله بعيداً عن الشهوات السياسية، وتحفظ راحة قاصدي حرم الله" [22] .

غادر الإمام عبد العزيز آل سعود الرياض يوم 13 ربيع الثاني عام 1343 هـ في موكب كبير في طريقه إلى الحجاز، ومعه كبار القوم وعلماؤها، وألوية من أهل الحضر، وسكان الهجر، والفرحة قد عصت الوجوه، وسار الموكب على بركة الله، وجاء البريد من مكة، وهو على آبار المصلوم (المصلوق) مساء 22 ربيع الثاني عام 1343 هـ، فأمر بفتحه في الحال- على عادته- وعُرضَ عليه، فإذا به كتاب موقع عليه من معتمدي قناصل الحكومات البريطانية، والإيطَالية، والفرنسية، والهولندية والإيرانية، وهذا نصه:

جدة في 4 نوفمبر سنة 1924 م

إلى خالد بن لؤي، وسلطان بن بجاد:

بعد الاحترام

وصلنا كتابكما، ولا يخفى كما أن حكومتنا ملتزمة الحياد التام في الحرب بين نجد

والحجاز، وعلى ذلك فنحن محايدون، ولا يمكننا التدخل بأي وجه كان في هذا الخصام، وقد أخذنا علماً بتصريحكما بأن ليس لكما نظر في رعايانا، ونؤيد مضمون كتابنا الأول المختص بهم. والسلام.

إمضاءات [23]

وعندما انتهى من قراءة الكتاب، خر الإمام عبد العزيز ساجداً لله، ورفع رأسه يشكر الله، ثم قال:"قد لزموا الحياد".

يقول الزركلي:

"فعرفنا أن سبب قلقه ترقبه ما سيكون عليه موقف بعض الحكومات الأجنبية، فلما اطلع على الرسالة زال ما كان يساوره"[24] .

كانت جموع الله وعلى رأسها الإمام عبد العزيز قد وصلت إلى قرن المنازل، وهو ميقات أهل نجد، فأحرموا بالعمرة، وانحدر الجمع من فوق جبال الهَدي حتى كانوا بأعلى مكة، بمكان يقال له "الأبطح".

ص: 194

"..... ولم يكن يخطر على بالي أن أحضر مكة على هذه الصورة، بل إنني لو رأيت في المنام ما تم لي الآن، لما عبرت رؤياي لدى أحد المشايخ (العلماء) مخافة أن يسخروا مني، لكن فضل الله لا يحد، وهذا من محض إحسانه جل وعلا، وإكرامه لي، أسأله تعالى أن ينصر دينه، ويعلي كلمته، وأن يوفقني للعمل بكتاب لله، وإحياء سنة سيد المرسلين إنه سميع مجيب الدعوات"[25] .

ومما لا شك فيه أن هذا من فضل الله وكرمه وعطفه الذي أولاه لقائد المسيرة عبده وابن عبده الذي كان يستصغر نفسه أمام عطاء الله، وتأييده له، ولقد أثبتت الأحداث أن الله كان دائما معه موفقا وناصرا.

كان حاكم الحجاز قد ترك مكة إلى جدة، يريد أن يلعب بآخر ورقة معه، فراح يعد العدة، ويجمع جيوشا، وحاول أن يعمل شيئا لكنه لم يستطع، ولم يجد مالا يدفعه لجنده، فثاروا عليه، وهاج الناس بجدة بسبب ما وقع عليهم من النهب والسلب، وعمت جدة فوضى عظيمة، ولم يستطع الحاكم أن يسيطر عليها، فيئس، وقد ضاعت كل أمانيه [26] ، فتقدم بموافقته على تسليم آخر البلاد.

أما الملك عبد العزيز فقد بقي خارج جدة، وكلما طالبه جنده بالسماح لهم بدخول جدة دعاهم إلى الصبر والتؤدة، وطال الحصار لجدة وعبد العزيز واثق من توفيق الله له، ويؤكد خير الدين الزركلي هذا التوفيق ببعض ما حدث في أثناء هذا الحصار فقال:"جهز الشريف عليّ طائرة بمدفع رشاش، وكلف الطيار بأن يغير على قيادة جيش الملك عبد العزيز، ولم يكن عنده مدافع مضادة ولا مخابئ، ووصل الخبر إلى الملك عبد العزيز فقال: "وقانا الله شّرها".

وقال الزركلي مكملا:

ص: 195

"وحلقت الطائرة فوق الخيام، ومن في الخيام ينظرون، وحامت حول أكابر سرادق في المخيم، حيث يجلس عبد العزيز وخاصته، وكان الوقت قبيل الظهر، ومن في الطائرة يرى من في الأرض بالعين المجردة، وكان مع قائدها شاب أعرفه، روى لي من تمنى له النجاح في مطار جدة قبل قيام الطائرة، وأنه رآه يحمل قنبلتين من اللواتي تقذف باليد وسمعه يقول: "سألقيها على رأس عبد العزيز

…

"

ولم يكن بين الطائرة ورأس ابن سعود أكثر من مئات الأمتار؟ وقد أحكم القائد جعل السرادق هدفاً له، وهيئ الرشاش وإحدى القنبلتين، ولكن التوفيق يقظ، فإذا بالقنبلة تنفجر في الطائرة، وإذا بالنار تشتعل في الجو، وتهوي الطائرة، ثم تصبح ومن فيها كومة من الرماد أمام خيمة عبد العزيز" [27] .

وبينما رجال عبد العزيز يواصلون إلحاحهم عليه بدخول جدة، وهو يأمرهم بالتأني والصبر وردت رسالة الملك علي بالتسليم، وأجابه عبد العزيز بالموافقة، ورحل عن جدة والبلاد، وتم الحكم لله ونودي بعبد العزيز في مكة المكرمة في 22 جمادى الثانية 1344 هـ الموافق 8 يناير سنة 1926م ملكاً على البلاد [28] .

كلمتان لأبي بكر وعلي

كان من دعاء خليفة رسوله الله أبي بكر الصديق إذا مدحه الناس أن يقول:

"اللهم أنت أعلم بي من نفسي، وأنا أعلم بنفسي منهم اللهم اجعلني خيراً مما يحسبون، واغفر لي، واجعلني خيرا مما يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون "

…

وكان أمير المؤمنين علي يقول لمن يتملقه مغاليا في مدحه:

"أنا دون ما تقول وفوق ما في نفسك"..

--------------------------------------------------------------------------------

ص: 196

[1]

وقعة الصريف كانت بين قرية الطرفية وماء الصريف بين الشيخ مبارك شيخ الكويت وابن الرشيد عام 1318هـ، وبالرغم من أن الأمير عبد العزيز كان مستقلا عن هذه الوقعة إذا اتجه بحملته إلى الرياض إلا أن هزيمة الشيخ مبارك في هذه الوقعة كان لها تأثير عليه ففضل الانسحاب هذه المرة.

[2]

الإمام العادل الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود ج اص 19.

[3]

القصة الكاملة لفتح الرياض رواها بتواضع جم الملك عبد العزيز رحمه الله، نقلها عنه فؤاد حمزة في كتابه "البلاد العربية السعودية"ونقل جزءاً منها الكاتب خير الدين الزركلي في كتابه "شبه الجزيرة في عهد الملك عد العزيز"وكذلك نقلها الكاتب أمين الريحاني في كتابه "تاريخ نجد وملحقاتها"بتصرف، وتناولها جميع الكتاب الذين كتبوا عن الملك عبد العزيز رحمه الله من عرب وأجانب بالشرح والتحليل.

[4]

المتوكل على الودود عبد العزيز آل سعود 90.

[5]

شبه الجزيرة ج اص 87.

[6]

شبه الجزيرة ج اص 87.

[7]

نجد وملحاقتها ص129.

[8]

فتح الرياض كما يرويها الملك عبد العزيز آل سعود من كتاب "المتوكل على الورود عبد العزيز آل سعود "ص 322..

[9]

نجد وملحقاتها لأمين الريحاني ص 127.

[10]

نجد وملحقاتها ص158.

[11]

تاريخ الحجازص17.

[12]

صقر الجزيرة ج 1 ص 207.

[13]

صقر الجزيرة ص 210.

[14]

المتوكل على الودود عبد العزيز آل سعود ص 189.

[15]

تاريخ الحجاز ص 64.

[16]

نفس المصدر ص 64.

[17]

شبه الجزيرة في عهد الملك عبد العزيز ج 1 ص 323.

[18]

نفس المصدر ج اص 323.

[19]

المتوكل على الودود عبد العزيز آل سعود.

[20]

الإمام العادل عبد العزيز عبد الرحمن الفيصل آل سعود ج اص 79 – 80.

[21]

شبه الجزيرة في عهد الملك عبد العزيز ج اص333.

[22]

صقر الجريرة ج 2 ص هـ 31.

ص: 197

[23]

جريدة أم القرى العدد 2 السنة الأولى، وتاريخ الحجاز ص 151.

[24]

شبه الجزيرة في عهد الملك عبد العزيز ج اص340.

[25]

الإمام العادل عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود ج 1 ص 3.

[26]

تاريخ الحجاز ص 199.

[27]

شبه الجزيرة العربية في عهد الملك عبد العزيز ج 2 ص 584.

[28]

قلب جزيرة العرب لفؤاد حمزة ص 394.

ص: 198

من مراحل الدعوة الإسلامية في مكة

أستاذ مساعد بكلية الدعوة وأصول الدين

الدكتور جميل عبد الله المصري

تحتاج الأمة أية أمة وهي تتلمس طريقها نحو النهضة إلى ما يسمى بالحس التاريخي تعي فيه ذاتها وتحقق أصالتها، وأي أمة خلت من هذا الحس التاريخي هي أمة تابعة مقلدة لاهثة، لا تعي ذاتها وبالتالي لا تملك ذاتها، ومصيرها يكون إلى زوال.

والأمة العربية والإسلامية لم تتميّز ولم تعرف إلا بالإسلام وبدعوته، والكشف عن جذور هذه الدعوة وأصالَتها يجعلها أمة متميّزة شاهدة على الناس، فلا تبعية ولا تقليد ولا ذوبان في حضارة شرقية أو غربية، ويوم تعي هذه الأمة ذاتها تشمخ عملاقة تسير في دروب الخير والعطاء للإنسانية جمعاء، تمديدها لإنقاذ الإنسانية من مهاوي الردى، تنير لها سبيل الخلاص، وتخرجها من الظلمات إلى النور فيصدق فيها قوله سبحانه وتعالى:{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} . (سورة آل عمران: 110) .

وتاريخ الإسلام هو تاريخ للدعوة الإسلامية، يتلازمان صعوداً وهبوطاً، وطبيعة تاريخ الدعوة تنبع من طبَيعة الدعوة الإسلامية ذاتهَا التي من أخص خصائصها الشمول والاتساع والعالمية - فهي لا تعترف بحدود جغرافية أو جنسية أو لغوية أو سياسية حتى في الوقت الذي تمزّق فيه المسلمون إلى دول ودويلات وإمارات- لم يتأثر المسلمون بهذا التقسيم بل كانوا ينظرون إلى ذاتهم كأمة دون الناس يطلقون على عالمهم دار الإسلام، يستطيع كل مسلم أن يدخل أي قطر يقيم فيه ويتخذه وطنا هويته الإسلام وجنسيته دار الإسلام.

ص: 199

هكذا كان المسلمون يدركون ذاتهم ويتميّزون عن غيرهم إلى أن عصفت بالمسلمين موجات الاستعمار الغربي التي حملت معها أفكار القومية والتغريب والعلمانية، فبهت حسّهم التاريخي وتعثروا في تلمس انتمائهم بين يمين ويسار، ورجعية وتقدمية، وشعارات بعيدة عن ذاتهم وعن أصولهم.

ودراسة الدعوة الإسلامية في مراحلها الأولى طريق إلى إيجاد الحس التاريخي في هذه الأمة، وإنعاشه وبلورته إلى عمل فعّال في استثارة كوامن الطاقات الإسلامية وتجميعها وتوجيهها نحو الخير والعطاء. وسأتحدث عن ثلاث مراحل من مراحل الدَعوة الإسلامية في مكة المكرمة.

المرحلة الأولى: الدعوة سّرًا:

ص: 200

بعدما نزل الوحي على الرسول صلى الله عليه وسلم وكلفه حمل الرسالة وأمره بتبليغها بقوله: {قُمْ فَأَنْذِرْ} . أخذ يدعو لدين الله فبدأت المرحلة السرية التي استمرت ثلاثة أعوام، فكان فيها صلى الله عليه وسلم يدعو من آنس فيه الاستعداد لقبول هذه الدعوة بغضّ النظر عن سنه ومكانته وبغضّ النظر عن جنسه وأصله، فكان يدعو جميع من يتوسّم فيهم القبول والتعقل، فأسلم خلالها جماعة من ذوى العقل والرأي والنضجِ مثل خديجة بنت خويلد زوجه، وزيد بن حارثة مولاه، وعلي بن أبى طالب وكان صبيا، وأبو بكر وعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام وسعد بن أبى وقاص وعثمان بن عفان وطلحة بن عبيد الله وأبو عبيدة عامر بن الجراح وسعيد بن زيد وخالد بن سعيد بن العاص والأرقم بن أبي الأرقم وجميع هؤلاء من الأسر المتنفّذة القوية، كما كان من السابقين إلى الإسلام أغنياء وفقراء، أقوياء وضعفاء، أحرار وموالي، عرب وعجم، تجار وعمال، وبعض الكتابيين أمثال صهيب الرومي، والأرقاء أمثال بلال الحبشي وياسر وزوجته سمية وابنهما عمار. فالإسلام من بدايته لم يكن لفئة دون فئة من الناس ولا لجنس دون جنس أو طبقة دون طبقة، بل جاء للناس كافة، وخلاصاً للإنسانية جمعاء، قال تعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} . (سورة الأنبياء: 107) .

ص: 201

أخذ الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم هؤلاء المؤمنين ما ينزل عليه من القرآن الكريم بعيداً عن أعين المشركين، واتخذ دار الأرقم بن الأرقم مركزاً لبث الدعوة فكانت أول مدرسة في الإسلام، كان يلتقي بالمؤمنين سراً في هذه المدرسة أوفي شعاب مكة أثناء الليل أو في الهاجرة، فيحفظهم القرآن الكريم ويثير فيهم الفكر بالتأمل في آيات الله والتدبر في مخلوقاته، ويعوّدهم الصبر على الأذى وبروّضهم على الطاعة والانقياد لأوامر الله حتى خلصوا لله العلي القدير، وكان أثناء ذلك يتصل بالعرب سراً يبلغهم الرسالة [1] فاستجاب نفر غير قليل من قريش الظواهر التي كانت تتألف من بطون قريش المستضعفة وحلفائها [2] وكان صلى الله عليه وسلم يرسل لمن يدخل في الإسلام من يعلمه القرآن ممّن أسلموا من قبل وفقهوا في الدين، فقد أرسل مثلاً خباب بن الأرت يعلم زينب بنت الخطاب [3] .

المرحلة الثانية: الدعوة جهرا:

نضج الصحابة السابقون في الإسلام وأصبحت عقليتهم عقلية إسلامية ونفسيتهم نفسية إسلامية، وأصبح إدراكهم لصَلتهم بالله بارزة آثاره على أعمالهم، فنزلت الآية الكريمة:{وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ} . (سورة الشعراء: 14) . فجمع صلى الله عليه وسلم قومه من بني عبد المطلب وكانوا يومئذ أربعين رجلا، واتبع معهم ضروب الملاينة، وتحدث معهم في لطف وشرح لهم الدعوة في بساطة وعطف فقال لهم:

"إني ما أعلم شاباً جاء قومه بأفضل مما جئتكم به، فلقد جئتكم بخير الدنيا والآخرة"[4] .

ص: 202

ثم نزل قوله سبحانه وتعالى: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} . (سورة الحجر: 94) فأظهر صلى الله عليه وسلم الدعوة وخرج في أصحابه إلى الكعبة في نظام دقيق لم تعهده العرب من قبل، فطاف بهم حول الكعبة، ونادى قريشاً وأبلغهم الدعوة فهتف به عمه أبو لهب:"تبّاً لك ألهذا دعوتنا؟ "، فنزل قوله سبحانه:{تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ} . (سورة المسد: ا- 3) . فانتقلت الدعوة من دور الاستخفاء إلى دور الإعلان، ومن دور الاتصال بمن يأنس فيهم الاستعداد إلى دور مخاطبة الناس جميعاً، فلقي المسلمون من عداوة مشركي قريش وعنتهِم الشيء الكثير، ولكن الدعوة سارت في سبيلها، ولم يرفع المسلمون سيفاً أو يشرعوا رمحاً، إنما كانوا يدعون إلى سبيل ربّهم بالحكمة والموعظة الحسنة، يتفاعلون مع المجتمع، وتتنزل الآيات تصارع عقائد المشركين وعاداتهم وتقاليدهم دون مهادنة لزعمائهم.

كان الرسول صلى الله عليه وسلم يصارع بدعوة الإسلام عقائد الجاهلية جاهداً لإحلال العقيدة الإسلامية محل العقائد الزائفة ببيان زيف تلك المعتقدات وسخافة عقول معتنقيها، يتلو عَليهم ما ورد في القرآن الكريم من قصص الأمم السابقة التي تشبههم في عبادة الأوثان ليوقظ تلك العقول الجامدة لعل أصحابها يتعمقون في التفكير، وينذرهم بالعذاب الشديد لعكوفهم على عبادة الأوثان، فكان يتلو عليهم:{إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} . (سورة الأنبياء: 98) .

ص: 203

وتعدّى الأمر ذلك إلى مهاجمة نظمهم القبلية وعاداتهم وتقاليدهم البالية التي يستمدون منها نظام حياتهم كالربا وجواز اسئتجار الجواري للزنا والميسر واستشارة الكهنة والعراشين، ووأد البنات وقتل الأولاد والنسيء، وتتنزّل الآيات تحمل الردود العنيفة القاسية على زعماء قريش وسادتهم وكبرائهم وأغنيائهم وطغاتهم كقوله تعالى:{كَلا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ} . (سورة العلق: 15-17)[5]، وقوله سبحانه:{وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ مَهِينٍ هماز مشاء بنميم هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ} . (سورة القلم:. ا-16) . وقوله سبحانه وتعالى: {وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ الَّذِي جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ كَلا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ} . (سورة الهمزة: 1-4) .

كان الرسول صلى الله عليه وسلم يتلو عليهم هذه الآيات ومثلها غير مبالٍ بقوتهم وضعفه وكثرتهم وقلته، جرأة في الحق وعدم خشية أحد فيه، فكان المثل الأعلى لأصحابه الدعاة، فلم يهادنوا عظِيماً ولم يراعوا في الحقّ جباراً، ولم يغضوا البصر عن جانب من جوانب الفساد، ولم يتركوا باباً لتبليغ دعوتهم إلا طرقوه، ولم يجدوا مسلكاً إلا سلكوه.

مواقف قريش المضاد للدعوة الإِسلامية في مكة:

واجهت الدعوة الإسلامية من اللحظة الأولى لظهورها الوثنية وتزعمتها قريش، وبشكل خاص بعد أن اعتَنق الدعوة كثير من أهل الفضل منهم ووقفوا في سبيلها بمختلف الوسائل. ومن هذه الوسائل:

ص: 204

1-

اتهام الرسول صلى الله عليه وسلم بمختلف التهم ليبعدوا الناس عنه، فكانوا يقولون:"هذا أساطير الأولين"، قال تعالى:{وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً} . (سورة الفرقان: 5) .

ونعتوا الرسول صلى الله عليه وسلم بالكاهن حيناً والكاذب المفتري حيناً والمتعلم المقتبس من غيره حيناً، وظلوا يكرّرون ذلك حتى آخر العهد المكي، قال تعالى:{وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ} . (سوره ص: 4) . وقال سبحانه: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَاّ إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْماً وَزُوراًً} . (سورة الفرقان: 5) .

ووصفوا القرآن بالسحر قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ} . (سورة سبأ: 43) .

2-

اتبعوا أسلوب الحِجاج فكانوا يحاجّون الرسول صلى الله عليه وسلم وهو أسلوب أهل الكتاب ومن ذلك قصة النضر بن الحارث الذي حاول أن يخصم الرسول صلى الله عليه وسلم فجاء بعظم بالٍ يتفتت بين يديه ويقول: "أتزعم يا محمد أن الله يبعث هذا؟ "فأجابه محمد صلى الله عليه وسلم: "نعم ويدخلك جهنم". ونزل قوله تعالى: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} . (سورة يس: 78-79) .

ص: 205

ومن قوله سبحانه وتعالى يبيّن أسلوبهم في الحجاج: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَاّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إلَاّ تَخْرُصُونَ} (سورة الأنعام: 148) . وقوله تعالى: {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَاّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} . (سورة الجاثية: 24- 25) .

3-

مطالبة الرسول بالمعجزات وتحدّيه: فقد طالبوه بالمعجزات والآيات برهاناً على صدق دعواه كما فعل الأنبياء السابقون، قال تعالى على لسانهم:{فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ} . (سورة الأنبياء: 5) . وقال سبحانه: {وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعاً أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَقْرَأُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلا بَشَراً رَسُولاً} . (سورة الإسراء: 90-93) .

ص: 206

4-

محاولة استمالة الرسول صلى الله عليه وسلم وإقناعه بالعدول عن الدعوة: فقد عرض عليه زعماء قريش الملك والمال والنساء، أرسلوا إليه عتبة بن ربيعة سيد قومه، فذهب إليه وهو يصلي في المسجد فقال له:"يا ابن أخي، إنك منا حيث قد علمت، من خيارنا حسباً ونسباً، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم وسفهت به أحلامهم وعبت به آلهتهم ودينهم، وكفرت به من مضى من آبائهم فاسمع مني أعرض عليك أمورا تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها: إن كنت تريد بما جئت به من هذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت تريد شرفاً سوّدناك علينا حتى لا نقطع أمراً دونك، وإن كنت تريد ملكاً ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا من الجن لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطبيب، وبذلنا فيه أحوالنا حتى نبرئك منه "، فقال صلى الله عليه وسلم:"أفرغت يا أبا الوليد؟ " قال: "نعم"قال: فاسمع مني: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} . (سورة فصلت:1 - 38) حتى انتهى إلى آية السجدة فسجد، ثم قال:"قد سمعت يا أبا الوليد"، فقام عتبة إلى أن جلس لقومه وقال: "إني سمعت قولاً والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة

…

يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها لي، وخلّوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه، فاعتزلوه، فوالله ليكوننّ لقوله الذي سمعت منه نبأ، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم، وعزّه عزكم، وكنتم أسعد الناس به". فقالوا:"قد سحرك يا أبا الوليد بلسانه"، قال:"هذا رأيي فاصنعوا ما بدا لكم". فقال النضر بن الحارث: "بماذا جاءنا محمد؟ " واللات ما محمد بأحسن حديثا مني" [6] .

ص: 207

هكذا كان زعماء قريش يحاولون إقناع محمد صلى الله عليه وسلم بالعدول عن الدعوة أو التنازل عن شيء منها مقابل تنازلهم عن أشياء، فكان قوله تعالى:{وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} . (سورة القلم: 9) . فثبت الرسول أصحابه في الموقف الذي لا يحتمل مساومة ولا تعدداً.

5-

أسلوب التعذيب:

لما رأى زعماء قريش إصرار الرسول صلى الله عليه وسلم وانتشار الإسلام توجهوا إلى مقاومة الإسلام عن طريق تعذيب العبيد والضعفاء من المسلمين ليعودوا إلى الشرك وليحولوا دون إسلام المزيد، فكان من صور هذا التعذيب أن يعرّى صدر المسلم ويطرح فوق الرمال والصخور المحرقة المتوهجة من شدة حرارة الشمس ويوضع على أجسادهم الصخور الثقيلة ويمنع عنهم الماء والطعام وتقيّد أيديهم وأرجلهم بقيود الحديد ويجلدون بالسياط جلدا شديدا، فزهقت أرواح بعضهم ومن بين الذين تعرضوا لمثل هذا العذاب ياسر وزوجته سمية وابنهما عمار، وبلال بن رباح، وخباب بن الأرت، فكان المشركون يخرجون ياسراً وزوٍجة وابنه إلى الأبطح إذا حميت الرمضاء ويعذبونهم بحرّها فيمر الرسول صلى الله عليه وسلم فيقول:"صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة"[7] . وقد مات ياسر وهو يعذّب وأما زوجه فقد طعنها أبو جهل بحربة فقتلها [8] . وكان بلال يخرجه مولاه ويأمره أن يستلقي على الرمّل المتّقد تحت الشمس المحرقة في الصحراء ثم يضع قطعا ثقيلة من الحجارة على صدره، ويبقى على هذه الحال إلى أن يُغشى عليه وهو يقول:"أحد.. أحد"لا يزيد على كلمة التوحيد، وقد ضرب المسلمون مثلاً خالدا للتمسّك بالعقيدة وتحمّل أنواع الأذى والتضحية بالنفس، وكان بعضُ المسلمين الأغنياء وخاصة أبو بكر يشترون الأرقاء المضطهدين من مالكيهم وينقذونهم من الاضطهاد.

ص: 208

ثم خطا المشركون خطوة أخرى في التعذيب فأخذوا يعتدون على المسلمين جميعاً ودون تمييز حتى شمل الاعتداء ذوي الثراء والوجاهة والقوة كأبي بكر وعثمان والزبير وطلحة وأبي عبيدة وعثمان بن مظعون، فقد شدّ نوفل بن خويلد وكان يسمى (أسد قريش) أبا بكر وطلحة القرشيين بحبل واحد، فسميا القرينين [9] ، وعذب أبو أحيحة ابنه خالد بن سعيد ابن العاص، فكان يضربه بقراعة في يده حتى يكسرها على رأسه ثم يأمر بحبسه ويضيّق عليه ويجيعه ويعطشه حتى لقد مكث في حر ّمكة ثلاثاً ما ذاق ماء [10] .

ونتيجة لتعرض المسلمين جميعاً للعذاب أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه بالهجرة إلى الحبشة في السنة الخامسة من بعثته، واختياره للحبشة يعود لشخصية النجاشي أصحمة بالذات لعدله، خلافاً لما يراه المستشرقون بأن الإذن بالهجرة كان لكون الحبشة على صلة ببيزنطة، بانين ذلك على ما ورد في سورة الروم من تنبؤ بنصر الروم على الفرس، وخلافاً لما ذهب إليه الأستاذ الكبير الصعيدي من أن الإسلام كان ناشئا ولم تفسد السياسة بعد بينه وبين النصرانية فآثر المسلمون مصافاتها على مصافاة أعدائهم من مشركي قريش [11] . والأمر واضح في قوله صلى الله عليه وسلم لأصحابه:

"لو خرجتم إلى أرضِ الحبشة فإن فيها ملكاً لا يظلم عنده أحد وهي أرض صدق حتى يجعل الله لكم مخرجاً مما أنتم فيه"[12] . وقوله كما في اليعقوبي: "ارحلوا مهاجرين إلى أرض الحبشة إلى النجاشي فإنه يحسن الجوار"[13] .

فتسلل بعض المسلمين مهاجرين، ومع الذين هاجروا جعفر بن أبي طالب، وقد يكون ندبه الرسول صلى الله عليه وسلم ليكون وكيله في المهاجرين ورسوله إلى ملك النجاشي، وبنو هاشم كانوا ينصرون النبي صلى الله عليه وسلم مع احتفاظ أكثرهم بدينه وكان رئيسهم في ذلك أبو طالب الذي تولى قيادة النصرة والتعصب للنبي صلى الله عليه وسلم وجعفر هو ابنه.

ص: 209

6-

تهديد الرسول صلى الله عليه وسلم بالكف عن دعواه والعدوان عليه:

حين باءت أساليب مقاومة كفار قريش بالفشل لجأوا إلى عمه أبي طالب وقال زعماؤهم: "يا أبا طالب إن ابن أخيك قد سبّ آلهتنا وعاب ديننا وسفّه أحلامنا، فإما أن تكفّه عنا وإما أن تخلّي بيننا وبينه". فردّهم أبو طالب ردّاً جميلاً دون أن يتوقف صلى الله عليه وسلم عن نشاطه أو يتهاون في الدعوة، فعاودوا الكرة وخاطبوا أبا طالب بلهجة المتوعد المهدد وأنهم لن يصبروا على هذا الحال، وخيرّوه بين أن يمنعه عمّا يقول أو ينازلوه وإياه حتى يهلك أحد الطرفين، فعظم الأمر على أبي طالب فكلّم محمداً صلى الله عليه وسلم بما جاء به إليه قومه وقال له:

"يا ابن أخي، إن قومك جاءوني وقالوا لي كذا وكذا، فأبق عليّ وعلى نفسك ولا تحملني من الأمر مالا أطيق". فكان ردّ المبلّغ الداعية إلى الحقّ الذي يحمل نفساً أبيّة لا تعرف الذل ولا تنحني للوهن، ينظر إلى خصمه من علٍ لأنه يستمد القوة من عزيز حكيم، ينظر إلى زخارف الدنيا وكأنها أوراق الخريف تتطاير في الهواء، ويحتقر أبهة المشرك وعظمته، يستعلي على الدنيا بإيمانه، فهو على الحق وان لقي العنت الشديد، قال صلى الله عليه وسلم:"والله يا عم، لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي، ما تركت هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك دونه"[14] . فطمأنه أبو طالب ووعده الاستمرار في حمايته. فعاد زعماء قريش إلى أبي طالب يعرضون عليه عمارة بن الوليد أوسم شباب قريش ليسلموه إليه على أن يسلمهم محمداً صلى الله عليه وسلم فردهم ساخراً بقوله: "بئس ما تسومونني، أتعطونني ابنكم أغذوه لكم، وأعطيكم ابني تقتلونه!! "[15] . فاتجه بعضهم إلى إنزال الأذى بالرسول صلى الله عليه وسلم مباشرة، قال الهيثمي: "ورجاله

ص: 210

ثقات"، عن منيت الأزدي قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجاهلية وهو يقول: "يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا، فمنهم من تفل في وجهه، ومنهم من حثا عليه التراب، ومنهم من سبّه حتى انتصف النهار، فأقبلت جارية بعسّ من ماء، فغسل وجهه ويديه وقال:"يا بنيّة لا تخشَيْ على أبيك غيلة ولا ذلة"[16] . ومن الذين اشتدوا في إيذائه صلى الله عليه وسلم: أبو جهل عمر وبن هشام، وأبو لهب عمه، وأم جميل زوجة أبي لهب، وعقبة بن أبي معيط، ولكنّ إسلام حمزة ثم عمر بن الخطاب كفّ القرشيين عن بعض ما كانوا ينالون به الرسول صلى الله عليه وسلم من أذى خوفاً منهما. وفي أثناء ذلك استمر القرآن الكريم يردّد مشاهد الشدة والعنف مع المشركين يندّد بهم وينذرهم بسوء المصير، ويصبّر الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين ويعدهم بالنصر والتأييد وحسن العاقبة.

أسلوب المقاطعة:

إزداد حنق المشركين من قريش إزاء صبر الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين على الأذى والتعذيب وإصرارهم في المضي بالدعوة وإزاء فشوا لإسلام في القبائل، فاجتمعوا وائتمروا وقرروا مقاطعة المسلمين وبني هاشم دون أبي لهب، فلا يتزوجون منهم ولا يزوّجونهم، ولا يبيعون لهم شيئاً ولا يشترون منهم، وتعاهدوا وتواثقوا على ذلك، وعلقوا صحيفة المقاطعة بالكعبة [17] . فاضطر بنو هاشم وبنو عبد المطلب إلى النزوح إلى شعب أبي طالب شرقي مكة، وقطعت عنهم قريش كل أنواع المؤن، ولم يكن يتاح لهم الاختلاط بغيرهم من الناس إلا في الأشهر الحرم حين يفد العرب إلى مكة لزيارة البيت الحرام، وبلغ بهم الجهد حدّاً لا يطاق، فذاقوا الجوع والحرمان حوالي ثلاث سنوات لا يصل إليهم القوت إلا خفية.

ص: 211

وأخيراً أخذت الحمية والرأفة نفراً من القرشيين منهم: هشام بن عمرو بن الحارث العامري، وزهير بن أمية بن المغيرة المخزومي، والمطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف، وأبو البختري ابن هشام، والأسود بن عبد المطلب بن أسد، وتعاهدوا على نقض الصحيفة رغم اعتراض أبي جهل، وخرجوا إلى بني هاشم وبني عبد المطلب وطلبوا منهم العودة إلى منازلهم وشقوا الصحيفة فوجدوا الأرض قد أكلتها إلا ما كان من: "بسمك اللهم، وهي فاتحة ما كانت تكتب قريش [18] .

وأخيراً أخذت الحمية والرأفة نفراً من القرشيين منهم: هشام بن عمر وبن الحارث العامري، وزهير بن أبى أمية بن المغيرة المخزومي، والمطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف، وأبو البختري ابن هشام، والأسود بن عبد المطلب بن أسد، وتعاهدوا على نقض الصحيفة رغم اعتراض أبي جهل، وخرجوا إلى بني هاشم وبني عبد المطلب وطلبوا منهم العودة إلى منازلهم وشقوا الصحيفة فوجدوا الأرضة قد أكلتها إلّا ما كان من: بسمك اللهم، وهى فاتحة ما كانت تكتب قريش [19] .

المرحلة الثالثة: عرض الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه على القبائل:

فقد الرسول صلى الله عليه وسلم بعد المقاطعة بقليل عمه أبا طالب وزوجه خديجة فخسر نصيرين كبيرين، وتألم لفقدهما، فسمي ذلك العام بعام الحزن [20] . وأدرك صلى الله عليه وسلم أن مجتمع الشرك في مكة وصل مرحلة التحجر فلا تجدي الدعوة فيه، فأخذ يتلمسّ النصرة من قبائل العرب، فكان يقف على منازل القبائل مِن العرب فيقول:"يا بني فلان: إني رسول الله إليكم آمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه من هذه الأنداد وأن تؤمنوا بي وتصدقوا بي وتمنعوني حتى أبينّ عن الله ما بعثني به"[21] .

ص: 212

عرض الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه على بني عامر بن صعصعة وغسان وفزارة وبني مرة وبني حنيفة وبني سليم وبني عبس وبني نصر وكندة وكلب وبني الحارث بن كعب وبني عذرة، دون مساومة.

فقد دعا بني شيبان بن ثعلبة فقال لهم: "أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، وأن تؤووني وتمنعوني وتنصروني حتى أؤدي عن الله ما أمرني به"، فقال له المثنى بن حارثة:"ولعل هذا الأمر الذي تدعو إليه تكرهه الملوك، فأما ما كان مما يلي بلاد العرب فذنب صاحبه مغفور وعذره مقبول، وأما ما كان مما يلي بلاد فارس فذنب صاحبه غير مغفور وعذره غير مقبول، فإن أردت أن ننصرك مما يلي بلاد العرب فعلينا "، فأجابه رسول الله صلى الله عليه وسلم بحزم لا يقبل المساومة:"ما أسأتم الردّ إذا أفصحتم بالصدق، إنه لا يقوم بدين الله إلا من حاطه من جميع جوانبه "[22] .

وقال له أحد بني عامر بن صعصعة: "أرأيت إن نحن تابعناك على أمرك، ثم أظهرك الله على من خالفك، أيكون لنا الأمر من بعدك؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء" [23] .

وذهب صلى الله عليه وسلم إلى الطائف يتلمسّ نصرة ثقيف فاتصل بسادتها وأشرافها ودعاهم إلى عبادة الله وإلى نصرته فلم يجيبوه وخافوا على أحداثهم أن يتأثروا بدعوته، فأمروه بالخروج من بلدهم، وأغروا به سفهاءهم يسبون ويصيحون به، وقد اصطفوا على جانبي الطريق على مسافات طويلة في داخل المدينة، فلما مر ّمن بينهم جعلوا يرشقونه بالحجارة حتى أدموا قدميه، حتى إذا وصل شجرة فاستظل بظلها اتجه إلى ربه سبحانه يستمدّ منه القوة والعون ودعا قائلا:"اللهم إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي"[24] .

ص: 213

ورجع الرسول صلى الله عليه وسلم إلى مكة فوجد قومه يقفون له بالمرصاد، ليمنعوه من دخول مكة، فاستجار بالمطعم بن عدي فأجاره، وتسلح هو وبنوه لحمايته حتى دخل مكة وطاف بالبيت ثم انصرف إلى منزله في حراسة المطعم وأولاده ليعود إلى الكفاح من جديد وليستأنف تبليغ الدعوة في ذلك الجو العاصف المليء بالأخطار والمخاوف، فامتدت له يد الرحمن بالرحمة والخير والحنان واحتضنت العناية الإلهية محمداً صلى الله عليه وسلم لترتفع به إلى أسمى مكان، فأسري به من المسجد الحرام في مكة إلى المسجد الأقصى في القدس، ثم عرج به من الصخرة المشرفة إلى سدرة المنتهى بجسده وروحه حيث فرضت الصلوات الخمس، واطِّلع على جوانب الإعجاز الإلهي في الكون الكبير، قال تعالى:{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} . (الإسراء: 1) .

وبحادثة الإسراء والمعراج تأكد الرباط المتين الذي يشدّ البلدين مكة والقدس إلى بعضهما، حيث انطلق الأنبياء على مدار القرون يدعون إلى عبادة الله الواحد ورفض الأصنام والطواغيت، ففي مكة حيث أقام إبراهيم أبو الأنبياء وابنه إسماعيل- عليهما السلام أول بيت وضع للناس لعبادة الله على الأرض، وفي القدس حيث انبعثت نبوات متتالية تكافح من أجل تعزيز دعوة إبراهيم، حيث اجتمع هؤلاء الأنبياء الكرام في صلاة جماعية أمهّم فيها خاتمهم تعبيراً عن الدور الذي جاءوا إلى العالم لأدائه، واتجاهاً إلى الهدف الواحد الذي بعثوا لتحريك الناس إليه، وسجوداً لله الواحد الذي كرم الإنسان وشرّفه بالدين.

ص: 214

لقد سرّت الحادثة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأيقن بنصر الله، وزادت من إيمان المؤمنين المخلصين من أصحابه، فاستمر ّيقدم نفسه إلى قبائل العرب في موسم الحج، ويدعوهم إلى الله والإسلام ويقول:"من رجل يحملني إلى قومه فيمنعني حتى أبلغ رسالة ربي فإن قريشاً قد منعوني أن أبلغ رسالة ربي"[25] .

وكانت قد لاحت بشائر النصر حين التقى صلى الله عليه وسلم بستة من الخزرج من عرب يثرب التي أنهكتها المنازعات القبلية ودسائس اليهود، فحدّثهم صلى الله عليه وسلم عن دعوته وبيّن لهم أسس الدين فاستجابوا له وقبلوا ما عرض عليهم من الإسلام ووعدوه أن يحدّثوا قومهم، وقالوا:"إنا تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، فعسى أن يجمعهم الله بك، فسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك، وتعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم الله عليه، فلا رجل أعز منك"[26] .

وفي موسم الحج في السنة الحادية عشرة من بعثته صلى الله عليه وسلم قدم اثنا عشر رجلا، تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس، قابلهم الرسول صلى الله عليه وسلم عند العقبة بمنى وبايعوه على الإسلام بيعة العقبة الأولى، وسميت بيعة النساء لأنها لم تكن بيعة على القتال وإنما أخذاً للعَهد والميثاق على الشروط التي ورد ذكرها في سورة الممتحنة قال تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرُجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} . (سورة الممتحنة: 12) .

ص: 215

وأرسل فيها معهم مصعب بن عمير معلماً ومرشداً، يقرؤهم القرآن، ويعلمهم الإسلام ويفقههم في الدين، فانتشر الإسلام في يثرب وغزا كل بيت [27] . إما إيجاباً أو قبولاً، أو رفَضاً ومناهضة، فتفاعلت الدعوة مع مجتمع يثرب تفاعلا قوياً وتهيأت يثرب لتكون نقطة ارتكاز للدعوة تمهيداً لانطلاقها إلى شبه الجزيرة ثم العالم.

وفي موسم الحج التالي وفد مصعب إلى مكة ومعه ثلاثة وسبعون رجلاً وامرأتان من المسلمين، وأعلمه أن يثرب أصبحت جاهزة لتتلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنّ الغرس نما واشتد وبدأ يعطي ثماره، واجتمع الرسول صلى الله عليه وسلم بمسلمي يثرب اجتماع العقبة الثانية ليلاً وسرّاً بعيدا عن عيون قريش وعرض عليهم شروطه التي رآها ضرورية للدعوة والضمانات الضرورية ليترك مكة وينتقل إلى يثرب، فكانوا على استعداد أن يمنعوا ما يمنعون منه أنفسهم وأبناءهم ونساءهم، وأن يحاربوا معه الأسود والأحمر وأن ينصروه على القريب والبعيد، وشرط لهم الوفاء بذلك والجنة [28] . فقال له أحدهم:"يا رسول الله، إن بيننا وبين الرجال حبالا (يقصد عهودهم مع اليهود) وإنّا قاطعوها، فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ "، فتبسّم الرسول صلى الله عليه وسلم ثم قال:"بل الدم الدم، والهدم الهدم، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم"[29] . وطلب منهم أن يخرجوا من بينهم اثني عشر نقيباً ليكونوا على قومهم فأخرجوا تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس، وبايعوا الرسول صلى الله عليه وسلم بيعة العقبة الثانية التي مهّدت لهجرة المسلمين إلى يثرب.

ص: 216

كانت زعامات قريش المشركة تدرك أبعاد اتصال الرسول صلى الله عليه وسلم بالقبائل وبخطر ذلك على كيانها وعقيدتها وزعامتها الدينية والسياسية فكانت تعمل للحيلولة دون هذه الاتصالات، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يدرك قوة قريش وتزعّمها للعرب وقوة تأثيرها، ولذلك أحاط اتصالاته هذه بمنتهى السرّية، ورغم ذلك فقد تسللت الأخبار إلى قريش فجاء وفد منهم إلى اليثربيين وتهدّدوهم، فحلف لهم عبد الله بن أبيّ أنه لا علم له بذلك، وكان لا يعلم بالفعل، وتعقب بعض قريش مسلمي يثرب وقبضوا على بعضهم وضربوهم وعذبوهم [30] .

بدأت بيعة العقبة الثانية مرحلة جديدة من مراحل الدعوة الإسلامية فأذن الرسول صلى الله عليه وسلم لأتباعه بالهجرة قائلا: "إن الله عز وجل قد جعل لكم إخواناً وداراً تأمنون بها"[31] . فأخذ المسلمون يتجهزون بسرعة وفي ستر وخفية، فخرجوا جماعة بعد جماعة وفرادى، وأخذت مكة تقفر من المسلمين يوماً بعد يوم، وزعماء قريش يلحظون ذلك والغيظ يملأ قلوبهم وقد خرج الأمر من أيديهم، حتى لم يبق في مكة من المسلمين غير الرسول صلى الله عليه وسلم وأبي بكر الصديق وعلي بن أبي طالب، فلجأوا إلى آخر سهم ليسددوه إلى الدعوة الإسلامية في قلبها وصميمها، للقضاء على محمد صلى الله عليه وسلم نفسه، في الوقت الذي كان يعدَّ للهجرة واللحاق بالمسلمين.

اجتمع مشركوا قريش في دار الندوة فتشاوروا في أمر الدعوة الإسلامية ففكروا في ثلاث وسائل وهي: حبسه صلى الله عليه وسلم أو اغتياله أو نفيه. قال تعالى: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ} . (سورة الأنفال: 30) . واتفق رأيهم أخيراً على قتله شريطة اشتراك شبان من مختلف بيوتات قريش حتى يتوزع دمه فلا يستطيعِ آله المطالبة بدمه.

ص: 217

علم الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك فخرج من داره ليلاً بعد أن ترك عليا ليقوم بتأدية الأمانات، وشق طريقه مع صاحبه أبي بكر- رضي الله عنه إلى المدينة المنورة لتتشرف باستقبال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبدأ الدعوة مرحلة جديدة مليئة بالكفاح والنضال والجهاد.

وقد يتساءل المرء عن استجابة يثرب لدعوة الإسلام وللإجابة على ذلك:

كان نشاط الأوس والخزرج الاقتصادي والسياسي قد اتسع، فلجأ اليهود إلى الدسّ والوقيعة بينهما وأخذوا يحالفون القبيلة المهزومة على المنتصرة حتى تضعف شوكتها فيحتفظون بالسيادة واحتكار الموارد الاقتصادية، وكانت يوم (بعاث) آخر حرب عنيفة بين الأوس والخزرج فشعر الفريقان بالخطر فاتفقا على أن يضعا حدّاً لهذه المآسي، وشعر اليهود مقدار الخطر الذي يهدد مصالحهم من جرّاء هذا التقارب فاتبعوا أسلوب الدسّ الذي برعوا فيه وتمكنوا أن يرشحّوا عميلهم عبد الله بن أبي، ليكون ملكاً على الأوس والخزرج.

ولا ريب أن بعض المستنيرين من الأوس والخزرج أدركوا ما ينطوي عليه تتويج عبد الله من محافظة على مصالح اليهود حلفائه فأسرعوا لتصديق الرسول صلى الله عليه وسلم لإنقاذهم فبايعوه.

كما كان أهل يثرب قد ألفوا فكرة المسيح [32] المخلص الذي ينتظر اليهود عودته فكان اليهود يستفتحون به على الأوس والخزرج بقولهم: إن نبيّاً الآن مبعوث قد أطلّ زمانه نتبعه ونقتلكم معه قتل عاد وإرم، فسارع الأوس والخزرج لتصديق الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد قال النفر الذين بايعوا بعضهم لبعض:"تعلمنّ والله أنه للنبي الذي توعدكم به يهود فلا يسبقنكم إليه"[33] .

ص: 218

وقد أرجع جورجي زيدان أسباب انتشار الإسلام في يثرب إلى كثرة من في المدينة من اليهود وهم أهل كتاب يعتقدون الوحي ويدركون معنى النبوة، وليس فيهم من يخاف على تجارته إذا بطلت عبادة الأصنام، بل هم يفضلون إبطالها لتسقط مكة وتنهض مدينتهم وخصوصاً إذا هاجر إليها صاحب الدعوة نفسه وصارت مركزاً للدين الجديد [34] . وكأن جورجي يحاول أن يثبت أن الذين استجابوا لدعوة الإسلام كانوا من اليهود، وواضح أن ذلك بعيد عن الحقيقة ومجافٍ لها فاليهود أول من وقف في وجه الدعوة الإسلامية، كما أن نص الطبري السابق يوضح أن استجابة الأوس والخزرج كانت بناءاً على قنَاعتهم بصحة ما حدثهم به اليهود.

كما حاول جورجي أن يرجع الاستجابة إلى أثر العصبية الجاهلية فيقول: "ناهيك بما كان بين تينك المدينتن من المنافسة والمسابقة والتحاسد لتباعدهما في الانساب، لأن أهل مكة من العدنانيين وأهل المدينة من القحطانين

…

[35]

ولسنا نريد تفنيد هذه المزاعم فهي واهية ويكفي أن نذكر من مظاهر العلاقة الحسنة بين المدينتين المصاهرات التي تمت بين قريش وأهل المدينة، ثم محاولات الأوس قبل بعاث أن تستنجد بقريش ضد الخزرج فرفضت قريش حتى لا ترضى فريقاً دون آخر.

والحق أن استجابة الأوس والخزرج للإسلام كانت لحسن إدراك الزعماء فيهما لدعوة الإسلام نكاية باليهود، ومحاولة للتخلص من استغلالهم الاقتصادي وللتخلص من فتنهم ودسائسهم ومن حليفهم الذي رشحته لحكم المدينة، ثم لا ننس أسلوب الرسول صلى الله عليه وسلم في عرض دعوته عليهم واجتذابهم. وإذا أراد الله أمراً هيأ أسبابه.

رسول الله صلى الله عليه وسلم يربي أصحابه

كان صلى الله عليه وسلم في سفر فأمر بذبح شاة، فقال رجل:"يا رسول الله عليّ ذبحها"، وقال آخر:"عليّ سلخها"، وقال ثالث:"عليّ طبخها"، فقال صلى الله عليه وسلم:"وعليّ جمع الحطب".

ص: 219

قالوا: "يا رسول الله نحن نكفيك ذلك"، فقال:"قد علمت، ولكني أكره أن أتميز عليكم، فإن الله يكره من عبده أن يراه متميزا بين أصحابه"، وقام صلى الله عليه وسلم فجمع الحطب.

--------------------------------------------------------------------------------

[1]

حسن إبراهيم: تاريخ الإسلام السياسي (ج اص 70) .

[2]

ابن هشام. السيرة (ج 1ص 218) .

[3]

تهذيب سيرة ابن هشام: (ج اص 78) .

[4]

البداية والنهايةج3 ص 24.

[5]

ناديه: تعني مجلس قومه، ولعلها دار الندوة.

[6]

ابن هشام: السيرة: (ج 1 ص 248) .

[7]

ابن الأثير: (ج3 ص 30) .

[8]

انظر ابن هشام: السيرة: (ج 1 ص172 - 202) .

[9]

البداية والنهاية: (ج 3 ص 29) .

[10]

انظر تاريخ الطبري: (ج 2 ص 323-326) .

[11]

السياسة الإسلامية في عهد النبوة: (ص 51) .

[12]

ابن هشام: السيرة: (ج اص 343)، الكامل:(ج2 ص 327) .

[13]

اليعقوبي: تاريخ: (ج 2 ص 29) .

[14]

ابن هشام السيرة: (ج اص 278) .

[15]

ابن هشام: (ج اص277 - 279) الطبري: (ج 2 ص327)، طبقات ابن سعد:(ج4 ق1 ص 68) .

[16]

الكاندهلوي: حياة الصحابة: (ج اص 289) .

[17]

الطبري: (ج 2 ص 74)، ابن هشام:(ج اص 231) .

[18]

الطبري: ج2 ص80، وابن هشام: ج1 ص231) .

[19]

الطبري. (ج 2 ص 80) ابن هشام (ج اص ا 23) .

[20]

ابن هشام: (ج 1 ص416) .

[21]

حياة الصحابة: (ج 1 ص71)، اليعقوبي:(ج 2 ص 36) .

[22]

حياة الصحابة: (ج اص 74-75) .

[23]

الطبري: (ج 2 ص 84) .

[24]

البداية والنهاية: (ج 3 ص 136) .

[25]

المقريزي: إمتاع الأسماع (ج اص 30) .

[26]

ابن هشام: السيرة: (ج1ص429) .

[27]

الطبري: (ج 3 ص60) .

[28]

اليعقوبي: تاريخ: (ج 2 ص 38) .

[29]

ابن هشام: (ج 2 ص 412) .

ص: 220

[30]

ابن هشام: (ج اص 468) .

[31]

ابن هشام: (ج2 ص 76) .

[32]

أرنولد: الدعوة إلى الإسلام (ص 42) .

[33]

الطبري. (ج 2 ص 354) .

[34]

التمدد الإسلامي: (ج 1 ص 48) .

[35]

نفسه: (ج1ص48) .

ص: 221

العهدة العمرية

الدكتور شفيق جاسر أحمد محمود

رئيس قسم التاريخ بالجامعة

مناقشة نص كتاب الصلح الذي قيل إن عمر بن الخطاب قد منحه لأهل القدس كان من عادة المسلمين أن يمنحوا أهل الذمة، في المدن التي يفتحونها صلحاً، عهداً يتعهدون بموجبها، حمايتهم ومنحهم حرية العبادة وممارسة حياتهم المعتادة، مقابل دفعهم الجزية والدخول في طاعة المسلمين.

وقد تفاوتت هذه العهود في الشروط التي اشترطتها عليهم، والحقوق والامتيازات التي ضمنتها لهم، حتى أن نصوص العهد الواحد قد رويت بصيغ مختلفة. وقد كان التحريف أو التزوير يحدث من قبل أهل الذمة أنفسهم، طمعاً في اكتساب حقوق جديدة إضافة إلى الحقوق التي منحهم إياها المسلمون، أو تخفيفاً لبعض الشروط التي اشترطها المسلمون عليهم. وهم في هذا متأكدون بأن ذلك سينطلي على المسلمين، في الأغلب، ذلك أن المسلمين في ذلك العهد المبكر، لم يكونوا يحتفظون بنسخ من هذه العهود، حتى أن بعض أهل الذمة قد وضعوا عهوداً ليس لها أصول على الإطلاق، وفي بعض الأحيان كان النصارى خاصة يحرفون في عهودهم عندما يلمسون ضعفاً من المسلمين في بلادهم.

ومن العهود المشهورة التي شغلت المؤرخين والباحثين زمناً طويلاً (العهدة العمرية) وهو الاسم الذي أطلق على العهد الذي قيل إن الخليفة العادل عمر بن الخطاب، رضي الله عنه قد منحه لأهل القدس حينما جاء لتسلمها من بطريرها صفرونيوس في العام الخامس عشر للهجرة!!؟.

ومن الغريب أن المصادر الإسلامية الأولى لم تشر إلى ذلك العهد، فأول مصدر إسلامي أشار إليه هو اليعقوبي، ثم أورده من بعده ابن البطريق وابن الجوزي، والطبري، ومجير الدين العليمي، وأورد فيما يلي مجموعة الروايات المختلفة التي وردت في هذه المصادر التاريخية لهذا العهد.

1-

نص اليعقوبي:

ص: 222

أورد اليعقوبي المتوفى عام 284 هـ نصاً مختصراً لهذا العهد جاء فيه: "بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما كتبه عمر بن الخطاب لأهل بيت المقدسِ: إنكم آمنون على دمائكم وأموالكم وكنائسكم، لا تسكن ولا تخرّب، إلا أن تحدثوا حدثاً عاماً، وأشهد شهودا"[1] .

2-

نص ابن البطريق:

وقد أورد أفثيشيوس (ابن البطريق) المتوفى سنة 328 هـ، صيغة تشبه صيغة اليعقوبي جاء فيه:"بسم الله، من عمر بن الخطاب لأهل مدينة إيلياء، إنهم آمنون على دمائهم وأولادهم وأموالهم وكنائسهم، لا تهدم ولا تسكن، وأشهد شهوداً"[2] .

3-

نص ابن عساكر:

ص: 223

أورد ابن عساكر المتوفى عام 571 هـ عهد عمر على صيغة شروط وضعها أهل الذمة على أنفسهم في كتاب وجهوه للخليفة عمر بن الخطاب عندما جاء إلى الشام وهذا نصه:- "عن عبد الله ابن غنم أن عمر بن الخطاب كتب له النصارى حين صالحوه عهدا يقولون فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب لعبد الله عمر أمير المؤمنين من نصارى أهل الشام إنكم لما قدمتم علينا سألناكم الأمان لأنفسنا وأهالينا وأموالنا وأهل ملتنا، على أن نؤدي الجزية عن يد ونحن صاغرون، وعلى ألا نمنع أحداً من المسلمين أن ينزل كنائسنا في ليل أو نهار، ونضيفهم فيها ثلاثاً، ونطعمهم الطعام ونوسع لهم أبوابها، ولا نضرب فيها بالنواقيس إلا ضرباً خفيفا، ولا نرفع فيهاأصواتنا بالقراءة، ولا نؤوي فيها ولا في شيء من منازلنا جاسوساً لعدو لكم، ولا نحدث كنيسة ولا ديراً ولا صومعة ولا قلاية، ولا نجدد ما خرب منها، ولا نقصد الاجتماع فيما كان منها من خطط المسلمين وبين ظهرانيهم، ولا نظهر شركاً ولا ندعوا إليه، ولا نظهر صليباً على كنائسنا، ولا في شيء من طرق المسلمين وأسواقهم، ولا نتعلم القرآن، ولا نعلمه أولادنا، ولا نمنع أحداً من ذوي قراباتنا الدخول في الإسلام إذا أراد ذلك، وأن نجز مقادم رؤوسنا، ونشد الزنانير في أوساطنا، ونلزم ديننا، ولا نتشبه بالمسلمين في لباسهم ولا في هيئتهم، ولا في سروجهم، ولا في نقش خواتيمهم فننقشها نقشاً عربيا، ولا نتكنى بكناهم. وعلينا أن نعظمهم ونوقرهم، ونقوم لهم من مجالسنا، ونرشدهم في سبلهم وطرقاتهم، ولا نطلع في منازلهم، ولا نتخذ سلاحا ولا سيفا، ولا نحمله لا حضر ولا سفر في أرض المسلمين، ولا نبيع خمراً ولا نظهرها، ولا نظهر ناراً مع موتانا في طريق المسلمين، ولا نرفع أصواتنا مع جنائزهم، ولا نجاور المسلمين بهم، ولا نضرب أحداً من المسلمين، ولا نتخذ من الرقيق ما جرت عليه سهامهم. شرطنا ذلك كله على أنفسنا وأهل ملتنا. فإن خالفنا

ص: 224

فلا ذمة لنا ولا عهد، وقد حل لكم منا ما يحل لكم من أهل الشقاق والمعاندة" [3] .

وذكر مجير الدين المتوفى سنة 927 هـ أن الخليفة عمر بن الخطاب عندما جيء إليه بهذا الكتاب زاد فيه "ولا نضر بأحد من المسلمين. شرطنا لكم ذلك على أنفسنا وأهل ملتنا وقبلنا عليه الأمان، فإن نحن خالفنا شيئاً مما شرطنا لكم وضمناه على أنفسنا فلا ذمة لنا". وأضاف مجير الدين بأن هذا العهد قد رواه البيهقي أيضاً واعتمده أئمة المسلمين والخلفاء الراشدون وعملوا به [4] .

4-

نص ابنِ الجوزي:

أورد ابن الجوزي المتوفى في عام 597 هـ ما يلي: "كتب عمر (بن الخطاب) لأهل بيت المقدس إني قد أمنتكم على دمائكم وأموالكم وذراريكم وصلاتكم، وبيعكم، لا تكلفون فوق طاقتكم، ومن أراد منكم أن يلحق بأمته فله الأمان، وأن عليكم الخراج كما على مدائن فلسطين"[5] .

5-

نص الطبري ومجير الدين العليمي المقدسيِ:

أوردَ مجير الدين العليمي المقدسي المتوفى سنة 927 هـ نصاً منقولاً عن نص الطبري، الذي أسنده لسيف عن أبي حازم وأبي عثمان عن خالد وعبادة، بأن عمر بن الخطاب صالح أهل إيلياء بالجابية وكتب لهم:

ص: 225

"بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى عبد الله أمير المؤمنين عمر، أهل إيليا من الأمان، أعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم ولصلبانهم ومقيمها وبريئها وسائر ملتها، إنها لا تسكن كنائسهم ولا تهدم ولا ينتقص منها ولا من حدها ولا من صلبانهم، ولا شيء من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم، ولا يضار أحد منهم، ولا يسكن بإيليا معهم أحد من اليهود، وعلى أهل إيليا أن يعطوا الجزية كما يعطي أهل المدائن (يقصد مدن فلسطين) ، على أن يخرجوا منها الروم واللصوص، فمن خرج منهم فهو آمن على نفسه وماله حتى يبلغوا مأمنهم، ومن أقام منهم فهو آمن وعليه مثل ما على أهل إيليا من الجزية، ومن أحب من أهل إيلياء أن يسير بنفسه وماله مع الروم، ويخلي بيعتهم وصليبهم، فإنهم آمنون على أنفسهم وعلى بيعتهم وصليبهم حتى يبلغوا مأمنهم، ومن كان فيها من أهل الأرض، فمن شاء منهم قعد وعليه مثل ما على إيليا من الجزية، ومن شاء سار مع الروم، ومن شاء رجع إلى أرضه، فإنه لا يؤخذ منه شيء حتى يحصد حصادهم، وعلى ما في هذا الكتاب عهد الله وذمته، وذمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وذمة الخلفاء وذمة المؤمنين، إذا أعطوا الذي عليه من الجزية.

شهد على ذلك خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاوية بن أبي سفيان. كتب وحضر سنه خمس عشرة [6] .

6-

النص المعتمد حاليا:

وآخر هذه النصوص، النص المعتمد حالياً لدى كنيسة القدس الارثوذكسيه والذي نشرته بطريركية الروم الأرثوذكس عام 1953م، وهو الأساس الذي ينظم العلاقة بين السلطات الإسلامية الحاكمة للقدس، والنصارى فيها. وهذا نصه:

ص: 226

"بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي أعزنا بالإسلام، وأكرمنا بالإيمان، ورحمنا بنبيه صلى الله عليه وسلم، وهدانا من الضلالة، وجمعنا بعد الشتات وألف قلوبنا، ونصرنا عَلى الأعداء، ومكن لنا من البلاد، وجعلنا إخواناً متحابين، واحمدوا الله عباد الله على هذه النعمة.

هذا كتاب [7] عمر بن الخطاب لعهد وميثاق أعطي إلى البطرك المبجل المكرم وهو صفرونيوس بطرك الملة الملكية في طورزيتا بمقام القدس الشريف في الاشتمال على الرعايا والقسوس والرهبان والراهبات حيث كانوا وأين وجدوا، وأن يكون عليهم الأمان، وأن الذمي إذا حفظ أحكام الذمة وجب له الأمان والصون منا نحن المؤمنين وإلى من يتولى بعدنا وليقطع عنهم أسباب جوانحهم كحسب ما قد جرى منهم من الطاعة والخضوع، وليكن الأمان عليهم وعلى كنائسهم وديارهم وكافة زياراتهم التي بيدهم داخلا وخارجاً وهي القمامة وبيت لحم مولد عيسى عليه السلام كنيسة الكبراء، والمغارة ذي الثلاثة أبواب، قبلي وشمالي وغربي، وبقية أجناس النصارى الموجودين هناك، وهم الكرج والحبش، والذين يأتون للزيارة من الإفرنج والقبط والسريان والأرمن والنساطرة واليعاقبة والموارنة تابعين للبطرك المذكور، يكون متقدما عليهم لأنهم أعطوا من حضره النبي الكريم والحبيب المرسل من الله وشرفوا بختم يده الكريم، وأمر بالنظر إليهم والأمان عليهم، كذلك نحن المؤمنون نحسن إليهم إكراماً لمن أحسن إليهم، ويكونوا معافاً (معافيين) من الجزية والغفر (الخفر) والمواجب، ومسلمين من كافة البلايا في البر والبحور وفي دخولهم للقمامة وبقية زياراتهم لا يؤخذ منهم شيء، وأما الذين يقبلون إلى الزيارة إلى القمامة، يؤدي النصراني إلى البطرِك درهم (درهما) وثلث من الفضة، وكل مؤمن ومؤمنة يحفظ ما أمرنا به سلطاناً كان أم حاكماً والياً يجرى حكمه في الأرض، غني أم فقير من المسلمين المؤمنين والمؤمنات. وقد

ص: 227

أعطى لهم مرسومنا هذا بحضور جم الصحابة الكرام، عبد الله، وعثمان بن عفان وسعد بن زيد، وعبد الرحمن بن عوف، وبقية الأخوة الصحابة الكرام. فليعتمد على ما شرحنا في كتابنا هذا ويعمل به، وأبقاه في يدهم، وصلى الله تعالى على سيدنا محمد وآله وأصحابه، والحمد لله رب العالمين حسبنا الله ونعم الوكيل.

في العشرين من شهر ربيع الأول سنة خامس وعشر للهجرة النبوية. وكل من قرى (قرأ) مرسومنا هذا من المؤمنين وخالفه من الآن والى يوم الدين فليكن لعهد الله ناكثا ولرسوله الحبيب باغضاً [8] .

مناقشة هذه النصوص

من المرجح أن مكانة القدس لدى النصارى من أهم أسباب تعدد الرِوايات للعهدة العمرية، واختلاف نصوص هذه الروايات، وقد كان هذا الاختلاف قليلا، كما نراه بين روايات اليعقوبي وابن البطريق وابن الجوزي، أو جزئيا أحيانا أخرى كما هو الحال بين هذه النصوص ونص الطبري ومجير الدين. أوكلياً، في الصيغة والأسلوب والمحتوى، كما هو يبين الروايات المذكورة ورواية ابن عساكر، ورواية الوثيقة التي نشرتها بطريركية الروم الأرثوذكس سنة 1953م.

ومكانة القدس لدى النصارى تعود إلى أنها تضم أقدس مقدساتهم، ومحجهم الذي يحجون إليه، ومقر بطريركية الروم الأرثوذكس. فكان هذا التحريف تلبية لرغبتهم في الحصول على أكبر قسط من الامتيازات والتسهيلات لهم، وللحجاج من الطوائف الأخرى، وخاصة حجاج الإفرنج، مستغلين في ذلك علمهم بأن المسلمين لا يحتفظون بنسخة من هذا العهد، وبعض فترات ضعف السلطة الإسلامية.

ص: 228

إنّ المطلع على أسلوب الكتابة عامة، وكتابة العهود والمواثيق والمراسلات الرسمية خاصة في عصر صدر الإسلام، يدرك أنها كانت تعمد إلى الاختصار، وتبتعد عن المقدمات، وألفاظ التفخيم، والمحسنات، وتعالج الموضوع المقصود مباشرة، بأوضح الألفاظ وأقل الكلمات. كما أن من غير المحتمل ولا المقبول عقلاً أن ترد في هذه الروايات شروط وعهود تنظم أحوالاً وأوضاعاً لم تكن قد وجدت بعد.

لذلك يتوقع المطلع والمؤرخ أن يكون هذا العهد مصوغاً بأسلوب ذلك العصر، وأن يتضمن نصاً يعطي لأهل الذمة أماناً على أنفسهم وأموالهم وذراريهم وعبادتهم، مقابل دفع الجزية والدخول في طاعة المسلمين [9] .

وبناء على ذلك نستنتج أن أقرب النصوص توافقاً مع مثل هذه الصيغة المتوقعة هو ما نقلناه عن اليعقوبي [10] ، وابن البطريق [11] ، وابن الجوزي [12] . وذلك لأن هذه النصوص قد جاءت مختصرة، ومعانيها وألفاظها أقرب ما تكون لما هو متوقع من عهد كتب في ذلك العصر، وإنها وإن اختلفت بعض الكلمات فيما بينها، تشير إلى أنها قد أخذت عن مصدر واحد. والأرجح أن اليعقوبي قد روى عن مصدر أقدم منه قد يكون سيف وإن لم يشر إلى ذلك، كما يرجح أن ابن البطريق قد نقل عن اليعقوبي أو عن مصدر نصراني. أما ابن الجوزي فإنه قد نقل عن أحدهما، على الأغلب.

ص: 229

أما النص الذي أورده الطبري عن سيف، والنص الذي أورده مجير الدين عن سيف أيضاً وعن آخرين، فبالرغم من ورود بعض الاختلافات بينهما، إلا أنه من المرجح أنهما أخذا عن مصدر واحد، وإن مجير الدين قد أخذ عن الطبري، مع بعض التصرف في النص، هذه واحدة، أما الثانية فهي أن ما ورد فيهما من تحفظات وشروط قصد بها مصلحة النصارى، كالتعهد بعدم هدم الكنائس، وعدم إكراههم على دينهم، وعدم مساكنة اليهود لهم بالقدس، وغيرها [13] ، يدعو للشك فيهما، ومما يقوى هذا الشك أنهما وردا مفصلين ومطولين، مع أن عهود المدن الأخرى جاءت مختصرة وبسيطة، بالغة البساطة كعهد حمص، ومما يؤكده أيضاً أن الطبري ومجير الدين الذي نقل عنه، أشارا إلى أنه أعطي لأهل القدس في الجابية، مع أن المشهور أنه أعطى لهم في القدس نفسها [14] ، كما أن التحفظات المذكورة تنافي الواقع ولم تذكر الروايات الأولى ما يؤيدها. ومن المحتمل أن هذا العهد قد وضع في فترة لاحقة حيث يذكر الدكتور عبد العزيز الدوري "أن الأمر لم يخل من ادعاءات يهودية"[15] . كما تدعي رواية يهودية بأن اليهود طلبوا من عمر بن الخطاب السماح لهم باستقدام مائتي عائلة يهودية من مصر للسكن في القدس، ولكن البطريق صفرونيوس عارض ذلك، فسمح عمر بن الخطاب لسبعين عائلة بالحضور من مصر وأسكنهم جنوب الحرم [16] القدسي. ويسهل كشف كذب هذا الادعاء ببساطة، فمصر قد فتحت بعد فتح القدير بأربع سنوات.

ومن المحتمل أن عبارٍة "ألا يساكنهم فيها اليهود" المذكورة في النصين إنما تدل على أن القدس كما هو معلوم تاريخيا كانت خالية من اليهود، ولم يشأ النصارى أن يسكنها اليهود من جديد تحت حكم المسلمين. وليس كما فسرها اليهود سن أن اليهود كانوا يسكنون في القدس، واشترط النصارى على المسلمين إخراجهم منها.

ص: 230

أما النص الذي أورده ابن عساكر، والذي أورد مجيرالدين نصاً يشبهه بالإضافة للنص المذكور سابقاً، فمن المستبعد جداً أن يكون صحيحا، بالإضافة إلى أنه يفيد بأنه وضع لأهل الشام عامة وليس لأهل القدس خاصة كما ذكر مجيرالدين. كما أنه من المستغرب أن يضع المغلوبون الشروط التي يرتضونها لينعقد الأمان لهم على يد الغالب، كما أنه من غير المنطقي أن يتعهد النصارى بعدم قراءة القرآن في الوقت الذي يستشهدون بآية منه في النص نفسه {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} . ويلفت النظر أيضاً اختلاف هذا النص المطول عن عهود المدن الأخرى التي كانت بالغة البساطة، وإنه نص يدل على وجود صلات قوية بين المسلمين والنصارى أقوى من الصلات الفعلية التي كانت في مستهل أيام الفتح، وأنه احتوى شروطاً لأمور لم تكن موجودة في ذلك الزمن، كجز المقادم وشد الزنانير ونقش الخواتم والتكني بكنى المسلمين

…

ويبدو أن مثل هذا النموذج من العقود كانت تضعه المدارس الفقهية الإسلامية لتصور واجبات وحقوق لأهل الذمة كالنموذج الوارد في كتاب الأم للشافعي [17] .

من هذا كله نرى أن هذه الروايات لنصوص العهود المسماة بالعهدة العمرية قد وسعت وطورت على الزمن تبعاً لتطور أحوال أهل الذمة منذ عهد عمر بن عبد العزيز وهارون الرشيد والمتوكل إلى عهود بعدها لأنها احتوت شروطاً لأمور لم تكن موجودة أو معروفة زمن الفتح، فطورت من نصوص مختصرة، أقرب ما تكون للحقيقة، كنصوص اليعقوبي، وابن البطريق وابن الجوزي، إلى نصوص مطولة تحتوي شروطاً مستهجنة كنص الطبري ومجير الدين [18] أو نص مختلف في الصيغة والشروط والمحتويات كنص ابن عساكر [19] .

ص: 231

أما النص الأخير الذي نشرته بطريركية الروم الأرثوذكس بالقدس عام 1953 ميلادية، فإن جميع الدلائل، من أسلوب، وألفاظ، وأحكام، ومعلومات تاريخية، تشير إلى أنه غير صحيح. وسوف أقوم بتفنيده في بحث آخر إن شاء الله.

ولعل من المفيد أن نعلم في نهاية البحث أن المؤرخ فيليب حتي ينكر وجود العهدة العمرية [20] ذاتها، بدعوى أن مؤتمر الجابية الذي عقده الخليفة عمر بن الخطاب، لبحث الأمور الإدارية بالشام، لم يعرف بالضبط ما الذي دار فيه وما هي القرارات التي اتخذها [21] معتمداً في ذلك مع المؤرخ ترتون [22] على اختلاف روايات تلك النصوص، واحتوائها على معلومات وأحكاماً وجدت في عصور تالية لعصر الفتح. وإنني لا أوافقه على نفي وجود مثل هذا العهد أصلا. والله اعلم.

المرا جع

1-

ابن البطريق، أفشيشيوس الإسكندري، المتوفى عام 328 هـ؛ التاريخ المجموع على التحقيق والتصديق، بيروت 1904م.

2ـ ابن الجوزي، أبو الفرج عبد الرحمن علي بن الجوزي: المتوفى 597 هـ فضائل القدس، تحقيق د. جبرائيل سليمان بيروت 1980 م.

3-

ابن عساكر، علي بن الحسن بن هبة الله

…

الدمشقي الشافعي أبو القاسم، المتوفى عام 571 هـ، تاريخ تهذيب دمشق وأخبارها

…

(التاريخ الكير) ، دمشق دار المسيرة/ بيروت 1329هـ.

4-

أحمد زكي صفوت: جمهرة رسائل العرب مصر 1917م.

5-

البلاذري/ أحمد بن يحي بن جابر بن داود البغدادي (القرن الثالث الهجري) : فتوح البلدان، القاهرة 1956 م.

6-

Tritton (A.s) the calisphs and their non _ moslim subjects oxford 1930

7-

حتى، تاريخ العرب، مطول بيروت.

8-

الشافعي، محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع القرشي المطلبي الشافعي الحجاز المكي أبو عبد الله (150 ـ 204 هـ) ، الأم، القاهرة 1325 هـ.

9-

الطبري، أبو جعفر محمد بن جرير (224-310) : تاريخ الرسل والملوك، طبعة طهران.

ص: 232

10-

عارف الغارف: المسيحية في القدس، القدس 1951 م.

11-

د. عبد العزيز الدوري: (فكرة القدس في الإسلام) بحث أعده للمؤتمر التاريخي لبلاد الشام (فلسطين) المنعقد بالجامعة الأردنية سنة 1980م.

12-

مجير الدين الحنبلي، عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن بن محمد العليمي المقدسي، (810 - 927 هـ) ، الإنس الجليل بتاريخ القدس عمان 1977.

--------------------------------------------------------------------------------

[1]

اليعقوبي: تاريخ اليعقوبي: ج 2، ص 46.

[2]

ابن البطريق: التاريخ المجموع على التحقيق والتصديق، 2، ص 147.

[3]

ابن عساكر: تهذيب تاريخ دمشق، ج اص 179، انظر مجير الدين: ج اص 254، الطبري: ج 3 ص609، شذرات الذهب، ج1 ص 28، ذكر أن عقد الصلح كتب على جبل الطور بالقدس.

[4]

مجير الدين: الإنس الجليل وتاريخ القدس والخليل، ج اص 255، انظر جرجي زيدان ج4 ص 109، تاريخ العرب.

[5]

ابن الجوزي: فضائل القدس ص 123-124.

[6]

محير الدين: الأنس الجليل في تاريخ القدس والخليل، ج اص253.

[7]

لدي نسخه مطبوعة عام 1953 نشرتها بطريركية الروم الأرثوذكس بالقدس، وفي أعلاها صورة للخليفة عمر بن الخطاب يقود جملا يركبه خادمه أمام أسوار القدس التي وقف عليها النصارى يشاهدون هدا المنظر، صفرونيوس يتقدم لاستقبال الخليفة.

[8]

انظر: أحمد زكي صفوت: جمهرة رسائل العرب، رسائل الخلفاء الراشدين.

[9]

انظر البلاذري: فتوح البلدان ص 139.

[10]

اليعقوبي: تاريخ اليعقوبي، ج 2 ص 167.

[11]

ابن البطريق: التاريخ المجموع على التحقيق والتصديق، ج 2 ص16.

[12]

ابن الجوزي: فضائل القدس، ص 125.

[13]

الطبري: تاريخ الرسل والملوك، ج 1، ص 2405- 2406.

[14]

البلاذري: فتوح البلدان، ص 131.

ص: 233

[15]

عبد العزيز الدوري: فكرة القدس في الإسلام، بحث أعده للمؤتمر التاريخي لبلاد الشام (فلسطين) المنعقد بالجامعة الأردنية سنة 1980م.

encyclobidia judacia Art Jerusalem [16] .

[17]

الإمام الشافعي: الأم، ج 4، ص118.

[18]

مجير الدين: الإنس الجليل في تاريخ القدس والخليل، ج 1 ص 253-254.

[19]

ابن عساكر: تهذيب تاريخ دمشق، ج ا، ص 179.

[20]

انظر عارف العارف: المفصّل في تاريخ القدس، ص 91-92، وعبد العزيز الدوري: بحث بعنوان (فكرة القدس في الإسلام)، ص 11:8.

Tritton;The caliphe and their non - Muslim subjects P5

[21]

حتى فيليب: تاريخ العرب، ج 3 ص 19 -20.

Tritton;The caliphe and their non - Moslem subjects12. [22]

ص: 234

رسائل لم يحملها البريد

الشيخ عبد الرؤوف اللبدي

أستاذ مساعد بكلية الشريعة

أختي العزيزة: "هل"

هذه هي الرسالة الثانية عشرة من رسائلي إليك، سوف أحدثك فيها عن الصيغة الرابعة وما بعد الرابعة من هذه الصيغ التي تدخل فيها همزة الاستفهام على (لا) النافية للفعل المضارع، وكنت قد حدثتك من قبل عن ثلاث صيغ من هذه الصيغ.

أما الصيغة الرابعة فهي (أَوَلا يَرَوْن) وقد وردت في أربع آيات من آيات القرآن الكريم:

الآية الأولى قوله تعالى: {أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ} (التوبة:126) .

هذا الاستفهام {أَوَلا يَرَوْنَ} في هذه الآية الكريمة يفيد الإنكار والتوبيخ:

فالله سبحانه وتعالى ينكر على أولئك المنافقين زمن الرسول صلى الله عليه وسلم ويوبخهم أن لا يتوبوا من نفاقهم المنتن، وأن لا يتعظوا بما يريهم الله من آيات وحجج، مع أنهم يبتلون في كل عام مرة أو مرتين بما هو حقيق أن يكون زاجرا يزجر، ورادعا يردع، وواعظا يعظ.

وفعل (يرون) في هذه الصيغة يحتمل أن يكون بمعنى يبصرون فهو متعد إلى مفعول به واحد هو المصدر المؤول من (أنهم يفتنون) ، ويحتمل أن يكون بمعنى يعلمون فهو متعد إلى مفعولين، والمصدر المؤول من (أنهم يفتنون) في محل نصب سدّ مسدّ هذين المفعولين، وتقدير المصدر المؤول على كلا المعنيين: أو لا يرون فتن الله إياهم.

وإعراب {أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ} واضح، و (مرةً) منصوب على المصدرية فهو مفعول مطلق، و (مرتين) معطوف بأو على (مرة) وهو مثله منصوب على المصدرية مفعول مطلق.

ص: 235

{ثُمَّ لا يَتُوبُونَ} : جملة (لا يتوبون) معطوفة بثم على جملة (لا يرون) فهي داخلة في حيز الاستفهام ولا محل لها من الإعراب.

{وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ} : جملة (لا هم يذّكرون) معطوفة بالواو على جملة (لا يتوبون) فهي مثلها داخلة في حيز الاستفهام ولا محل لها من الإعراب.

وأصل (يَرَون) - عند علماء الصرف- (يَرْءَيون) - بسكون الراء وفتح الهمزة وضم الياء التي قبل واو الجماعة-: تحركت الياء التي قبل واو الجماعة وهي لام الكلمة وفتح ما قبلها فقلبت ألفا، فصارت الكلمة (يَرْءَاوْن) فالتقى ساكنان الألف وواو الجماعة فحذفت الألف لالتقاء الساكنين فصارت الكلمة بعد حذف الألف (يرْءَوْن) - براء ساكنة وهمزة مفتوحة وواو ساكنة- فنقلت فتحة الهمزة إلى الراء الساكنة قبلها فأصبحت الراء مفتوحة والهمزة ساكنة فالتقى ساكنان الهمزة وواو الجماعة فحذفت الهمزة لالتقاء الساكنين وصارت الكلمة بعد حذف الهمزة (يَرَوْن) - بفتح الراء وتسكين الواو- على وزن (يَفوْن) - بفتح الفاء وتسكين الواو- وقد حذفت لام الفعل وعينه وبقيت فاؤه وحدها.

الآية الثانية: في قوله تعالى: {وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ} الآيتان (58-59) من سورة يوسف.

استفهام هذه الصيغة (ألا ترون) في آيتنا الكريمة هنا يفيد التقرير والترغيب والإغراء وإلإيناس والاستمالة على معنى: قد رأيتم أني أوفي الكيل لكم ولغيركم، ولا أبخسه أحدا، وأنا خير من أنزل ضيفا على نفسه في هذا البلد، فإنكم إن أتيتم بأخيكم -يعني بنيامين أخاه لأبيه وأمه- وجدتم خير نُزُل وخير مضيف، وازددتم به كيل بعير.

ص: 236

و (ترون) في هذه الصيغة هنا بمعنى تبصرون، والمصدر المؤول من أن وخبرها مضافا إلى اسمها في {أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ} في محل نصب مفعول به لفعل (ترون)، والتقدير: ألا ترون إيفائي الكيل. {وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ} هذه الجملة في محل نصب على الحال من فاعل الفعل المضارع (أوفي) ، وهو ضمير مستتر فيه تقديره (أنا) ، ورابط جملة الحال بصاحبها الواو والضمير معا.

الآية الثالثة: قوله تعالى: {أَفَلا يَرَوْنَ ألا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً} . الآية (89) من سورة طه.

الضمير في (يرون) يعود على بني إسرائيل عبدة العجل الذي أخرجه لهم السامريّ من حليّ كانوا قد استعاروها من قوم فرعون وحملوها معهم حين خروجهم من مصر مع موسى عليه السلام، وفي أثناء غياب موسى لمناجاة ربه جل وعلا ألقوا ما حملته من زينة القوم وكذلك ألقى السامري، فأخرج لهم من هذه الحلي عجلا جسدا له خوار، فقال السامري وأتباعه الذين افتتنوا به أول ما رأوه:"هذا إلهكم وإله موسى، وقد نسي أن ربه الذي ذهب يريده هو هذا العجل".

والضمير المستتر في (يرجع) و (يملك) يعود على هذا العجل المعبود من دون الله.

والاستفهام في هذه الآية الكريمة {أَفَلا يَرَوْنَ} استفهام إنكار وتوبيخ وتقريع، ينكر الله سبحانه وتعالى على عبدة العجل من بني إسرائيل ويوبخهم ويسفّه أحلامهم ويعيب عليهم أن يتخذوا العجل إلههم من دون الله، وأن لا يروا أن هذا العجل المعبود لا يقدر أن يردّ عليهم قولا إن كلّموه، ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا إن رجوا منه ضرا ونفعا، كيف يكون إلها من كان على هذه الصفة أيها الجاهلون الأغبياء؟!!.

ص: 237

و (يرون) في هذه الصيغة هنا بمعنى يعلمون، و (أن) مخففة من الثقيلة، وليست الناصبة للفعل المضارع لأن الناصبة للفعل المضارع لا تجيء بعدما يفيد العلم، واسم (أن) المخففة من الثقيلة ضمير الشأن محذوف، و (لا) : نافية، و (يرجع) : فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره، والفاعل ضمير مستتر فيه تقديره هو يعود على العجل، و (قولا) مفعول به ليرجع. وبقية كلمات الآية واضحة الإعراب، والمصدر المؤول من أن المخففة من الثقيلة وخبرها مضافا إلى اسمها في محل نصب سدّ مسدّ مفعولي (يرون) والتقدير: أفلا يرون عدم رجعه إليهم قولا.

الآية الرابعة: قوله تعالى: {بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ} الآية (44) من سورة الأنبياء.

يتضمن صدر هذه الآية الكريمة أن الله سبحانه وتعالى قد متّع هؤلاء المشركين من قريش وآباءهم من قبلهم بهذه الحياة الدنيا حتى طال عليهم العمر وهم مقيمون على عبادة الأصنام لا يأتيهم عذاب ولا ينزل بهم عقاب جزاء كفرهم هذا، فنسوا نعمة الله عليهم، وضلّوا طريق الشكر إليها.

والاستفهام الذي جاء بعد ذلك في قوله تعالى: {أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا} للإنكار والتوبيخ.

ينكر الله سبحانه وتعالى على أولئك المشركين أن لا يبصروا ما يحدثه الله جل وعلا في الأرض من خراب بعد عمارة، ومن موت بعد حياة، ومن هلاك وعذاب وقهر وإذلال بعد حياة نعيم وعز، فيعتبروا بذلك ويتعظوا به، ويحذروا أن ينزل بهم من العذاب ما أنزله الله بالأمم التي كذبت الرسل من قبل.

أفبعد هذا النقص الذي يحدثه الله- جلّت قدرته- في أطراف الأرض بالهلاك والتدمير والقهر، أفبعد هذا يظن هؤلاء المشركون أنهم الغالبون؟!!.

ص: 238

وأنًى لهم الغلبة؟! أمن هذه الآلهة التي لا تستطيع أن تنصر نفسها ولا تملك لهم ضراً ولا نفعا؟!.

الله القاهر فوق عباده هو الغالب على أمره ولا معقب لحكمه وهو الذي ينصر رسوله والذين آمنوا معه.

و (يرون) في هذه الصيغة هنا بمعنى يبصرون، فهو فعل متعد إلى مفعول به واحد، هو المصدر المؤوّل من أن وخبرها مضافا إلى اسمها في (أنا نأتي الأرض) والتقدير: أفلا يرون إتياننا الأرض.

وجملة {نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا} -فيما يرى العكبري- في محل نصب حال من ضمير الفاعل في نأتي أومن الأرض التي هي مفعول به لنأتي.

وأما الصيغة الخامسة: من هذه الصيغ التي تدخل فيها همزة الاستفهام على (لا) النافية للفعل المضارع فهي (أفلا تبصرون) وقد وردت في أربع آيات من آيات القرآن الكريم:

الآية الأولى: قوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ} . الآية (72) من سورة القصص. تتضمن هذه الآية الكريمة أن الله سبحانه وتعالى قال لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لهؤلاء المشركين بالله من قومك: أرأيتم يا هؤلاء إن جعل الله عليكم النهار دائما مستمرا إلى يوم القيامة من إله غير الله المعبود بحق يأتيكم بليل تستريحون فيه من عناء النهار ومتاعبه، أفلا تبصرون هذه النعمة التي أنعم الله بها عليكم وهو اختلاف الليل والنهار، فتعلموا أن العبادة لا تكون إلا لمن أنعم بها.

وهذا الاستفهام {أَفَلا تُبْصِرُونَ} الذي جاء في ختام هذه الآية الكريمة يفيد الإنكار والتوبيخ.

ص: 239

ينكر الله سبحانه وتعالى على المشركين من قريش ويوبخهم أن لا يتبصروا في هذه النعمة العظيمة التي أنعمها الله عليهم، فقد جعل الليل والنهار خلفة، جعل النهار ليكسبوا فيه ويبتغوا من فضله، وجعل الليل ليستريحوا فيه من عناء ويسكنوا من جهد، ينكر الله عليهم أن لا يتَبصّروا في ذلك فيعلموا أن المنعم بهذه النعمة وهو الله جل وعلا هو وحده الذي يستحق العبادة ويستحق الشكر، فيعبدوه وحده لا شريك له، ويتبعوا ما جاء به رسوله صلى الله عليه وسلم

الآية الثانية:قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ} . الآية (27) من سورة السجدة.

تضمنت هذه الآية الكريمة إقامة الحجة على الكافرين المنكرين للبعث، وبيان بعض النعم التي ينعم الله بها على عباده، فذكر جل وعلا في هذه الآية أنه يسوق الماء إلى الأرض اليابسة الجافة التي لا نبات فيها فيخرج به زرعاً تأكل منه أنعامهم ويأكلون، وفي ختام هذه الآية قال تعالى:{أَفَلا يُبْصِرُونَ} ، وهو استفهام إنكار وتوبيخ:

ينكر الله سبحانه وتعالى على المكذبين بالبعث أن لا يبصروا ذلك بأعينهم إبصارا يشوبه التدبر والتفكر فيعلموا أن القدرة العظيمة التي تسوق الماء إلى الأرض المجدبة المغبرة فتخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم لا يعجزها أن تبعث الأموات من قبورهم أحياء يوم القيامة كما كانوا من قبل في حياتهم الدنيا.

الآية الثالثة: في قوله تعالى: {وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ} . الآيتان: (51-52) من سورة الزخرف.

ص: 240

يخبر الله سبحانه وتعالى في هاتين الآيتين الكريمتين أن فرعون قد جمع قومه من القبط فنادى فيهم متبجحا مفتخرا بملكه مصر وما هو فيه من خير ونعيم، فقال: أليس لي هذا الملك العظيم ملك مصر، وهذه الجنان الناضرة الحسان، وهذه الأنهار الجارية من بين يدي لا تقف ولا تجف؟!! أين موسى الذي هو مهين ولا يكاد يبين من هذا كله؟!!.

وقد جاء الاستفهام في قوله: {أَفَلا تُبْصِرُونَ} للفخر وتعظيم نفسه.

الآية الرابعة: في قوله: {وَفِي الأرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ} . الآيتان: (20- 21) من سورة الذاريات.

تتضمن هاتان الآيتان الكريمتان أن الله سبحانه وتعالى قد جعل في هذه الأرض التي دحاها وفي هذه الأنفس التي سواها آيات كثيرة للموقنين الذين ينظرون إليها نظرا صحيحا متدبرا معتبرا، فيؤمنون بعظمة خالقها وقدرته الباهرة، ويصدقون بما جاءت به الرسل دونما ريب.

وفي ختام هاتين الآيتين قال تعالى: {أَفَلا تُبْصِرُون} وهو استفهام إنكار وتوبيخ: ينكر الله سبحانه وتعالى على الكافرين ويوبخهم أن لا ينظروا النظر الصحيح السليم المتأمل المتبصر إلى ما في هذه الأرض من آيات دالة تثير التفكر، وإلى ما في هذه الأنفس من عجائب التركيب ودقائق الصنع التي تبعث على الاعتبار، فيعلموا وحدانية الذي خلقها وقدرته له على أن يعيدهم إلى الحياة بعد الموت كما بدأهم أول مرة.

وأما الصيغة السادسة: فهي ما دخلت فيه همزة الاستفهام على (لا) النافية لمضارع (علم) . وقد جاءت هذه الصيغة في ثلاث آيات من آيات القرآن الكريم:

ص: 241

الآية الأولى: في قوله تعالى: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُون} . الآيتان: (76-77) من البقرة.

تبين الآية الأولى من هاتين الآيتين الكريمتين أن منافقي اليهود في المدينة زمن الرسول صلى الله عليه وسلم كانوا يقولون للذين آمنوا -إذا لاقوهم-: "قد آمنا بما آمنتم به"، ويذكرون أن سبب إيمانهم ما وجدوه في التوراة من نعت النبي صلى الله عليه وسلم والتبشير به، وإذا خلا اليهود بعضهم إلى بعض بعيداً عن المؤمنين أخذ الفريق الذي لم يؤمن ولم ينافق ينكر على الفريق الآخر المنافق أن يحدثوا المؤمنين بأن التوراة قد ذكرت صفة النبي صلى الله عليه وسلم وبشّرت به؛ لأن عاقبة ذلك أن يكون للمؤمنين في هذا الحديث حجة عليهم عند ربهم، ثم يختمون إنكارهم قائلين:{أَفَلا تَعْقِلُونَ} وهو استفهام إنكار وتوبيخ تقدم الحديث عنه في الرسالة العاشرة.

وفي الآية الثانية من هاتين الآيتين الكريمتين قال تعالى: {أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} وهو استفهام يفيد التقرير على معنى أن أولئك اليهود المنافقين واليهود اللائمين يعلمون أن الله تعالى يعلم ما يسرونه وما يعلنون.

ص: 242

ويفيد أيضا الإنكار والتوبيخ على معنى لا ينبغي لهم مع علمهم هذا أن يفعلوا ما فعلو: فيأتي المنافقون منهم إلى المؤمنين قائلين لهم كذباً ونفاقاً: "لقد آمنا بما آمنتم به"، ويأتي الفريق الذي لم ينافق فيلوم في الخفاء الفريق الذي آمن نفاقاً على تظاهرهم بالإيمان وعلى تحديثهم المؤمنين بأنّ نعته عليه الصلاة والسلام قد ورد في التوراة وأنها قد بشّرت به. ألا ساء ما كانوا يفعلون!! وأَقْبِحْ بما كانوا يزرون!!.

الآية الثانية: في قوله تعالى: {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} . الآيتان: (13-14) من سورة الملك.

تتضمن الآية الأولى من هاتين الآيتين الكريمتين أن السر والجهر يتساويان بالنسبة إلى علمه عز وجل، فالله سبحانه وتعالى عليمٌ بما تهمس به الألسن وما تكنّه الأنفس وما تخفيه الصدور، لا يخفى عليه شيء في السماء ولا في الأرض ولا في أنفسكم أيها الناس.

وفي الآية الثانية من هاتين الآيتين الكريمتين قال تعالى: {أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} وهو استفهام إنكار وتوبيخ.

ينكر الله سبحانه وتعالى على أولئك الذين يزعمون عدم إحاطة علمه عز وجل بالمظهر والمضمر، ويوبخهم على ذلك، كيف لا يعلم الله الذي خلق الأشياء من عدم وخلقكم أنتم أيضا أيها الناس، كيف لا يعلم الخالق أحوال من خلقهم ما ظهر منها وما بطن وحاله أنه اللطيف الخبير المحيط علمه بخفيات الأمور وجلياتها؟!!.

ص: 243

الآية الثالثة: في قوله تعالى: {إِنَّ الإنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُور وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ} . الآيات: (6- 11) من سورة العاديات.

هذه الآيات الكريمة جاءت في سورة العاديات، وتعني الآية السادسة من آيات هذه السورة أن الإنسان لجحود لنعم ربه، لا يذكرها ولا يشكرها. وتعني الآية السابعة أن الإنسان ليشهَد بلسان حاله على جحوده هذا ولا يقدر أن ينكره لظهوره في أقواله وأفعاله، وتعيى الآية الثامنة أن الإنسان لشديد الحب للمال.

وفي الآية التاسعة جاء هذا الاستفهام: {أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ} وجاء بعده في الآية العاشرة والآية الحادية عشرة ما يتصل بهذا الاستفهام ويتمّم معناه.

وهو استفهام إنكار وتهديد ووعيد على معنى لا ينبغي لهذا الإنسان الجحود لنعم ربه، لا ينبغي لهذا الإنسان الذي استولى على قلبه حب المال، لا ينبغي له أن ينسى شكر الله تعالى على نعمه التي لا تعد ولا تحصى، ولا أن ينسى العمل الصالح للدار الآخرة، سوف يعلم هذا الإنسان مآله ويرى جزاءه يوم يبعث الأموات من قبورهم، ويبرز ما في صدورهم من خير وشر، إن الله سبحانه وتعالى خبير بما عمل، ومجازيه يومئذ على ما قدم، ويل له يومئذ وثبور!!.

وإعراب {أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِير} :

(أفلا يعلم) : الهمزة حرف استفهام، والفاء عاطفة على ما قبل الهمزة، ولا نافية، ويعلم مضارع مرفوع وهو متعد إلى مفعولين.

ص: 244

{إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ} : إذا: ظرف زمان مبنية على السكون في محل نصب متعلقة بالفعل المضارع (يعلم) ومعمولة له، وهي هنا لا تفيد الشرط فلا جواب لها، وكون (إذا) متعلقة بالفعل المضارع يعلم ومعمولة له هو رأي العكبري والحوفي وجملة {إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ} في محل جر بإضافة إذا إليها. وجملة {وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ} معطوفة بالواو على جملة (بعثر ما في القبور) فهي مثلها في محل جر.

وجملة {إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِير} في محل نصب سدّت مسد ّ مفعولي (يعلم) ، والجار والمجرور (بهم) والظرف (يوم) المضاف إلى (إذ) يتعلقان بخبر (إنّ) وهو (خبير) .

وقال أبو حيان في تفسيره البحر المحيط: "إن الرأي القائل (إذا) ظرف معمول ليعلم غير متضح، لأن المعنى: أفلا يعلم الآن وليس إذا بعثر ما في القبور"، ومن رأيه أنّ إ (ذا) متعلقة بمحذوف تقديره:"مآله: أو "أنه مجازف"، وهذا المحذوف هو مفعول ليعلم المتعدية إلى مفعول به واحد، ومن رأيه أيضا أن جملة {إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِير} تكون استئنافية دالة على مفعول (يعلم) وعلى متعلق (إذا) .

والأرجح -فيما يبدو لي- هو إعراب العكبري والحوفي من أن العلم سيكون إذا بعثر ما في القبور وحصّل ما في الصدور؛ لأنه الظاهر المتبادر من الآية فلا تقدير ولا حذف، ويؤيده -في أن العلم سيكون في المستقبل وليس الآن- قوله تعالى في سورة التكاثر:{كلَاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ} فهو صريح في أن العلم سيكون في المستقبل، وفي كلتا الآيتين تهديد ووعيد.

أما الصيغة السابعة: من هذه الصيغ التي تدخل فيها همزة الاستفهام على (لا) النافية للفعل المضارع فهي: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآن} . وقد وردت في آيتين اثنتين من آيات القرآن الكريم.

ص: 245

الآية الأولى: قوله تعالى: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ الله لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً} . الآية (82) من سورة النساء.

هذا الاستفهام في قوله تعالى: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ} يفيد الإنكار والتوبيخ؛ الإنكار على أولئك الذين أعرضوا عن الإيمان برسول الله جيدا، ولم يصدّقوا بأن هذا القرآن الذي يبلغهم إياه هو من عند الله تعالى، وَتوبيخهم على ذلك.

ينكر الله سبحانه وتعالى على أولئك ويوبخهم أن لا يتدبروا القرآن ويتأملوا ما فيه وينعموا النظر في إِحكام آياته واتساق معانيه وصدق أخباره مع أنه نزل في أزمنة متقاربة ومتباعدة، وفي أماكن متعددة، وفي أمور شتى، وأخطر عن الماضي والحاضر والمستقبل.

ينكر عليهم ويوبخهم أن لا يتدبروا القرآن وهو على هذه الصفات فيدركوا أنه لو كان من عند غير الله تعالى لوجدوا فيه اختلافا كثيرا، لوجدوا أن بعض آياته يخالف بعضها الآخر، وأن معانيه يناقض بعضها بعضا، وأن أخباره جاء بعضها غير مطابق للواقع.

الآية الثانية: قوله تعالى: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} .الآية (24) من سورة محمد.

الاستفهام في قوله تعالى: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ} للإنكار والتوبيخ.

ينكر عليهم، ويوبخهم أن لا يتأمّلوا في القرآن ويتفهموا ما اشتملت عليه آياته من حجج وبراهين ومواعظ وعبر فيعلموا أنّ ما هم عليه هو الباطل، وأنّ ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم هو الحق.

ولكن من أين لهم تدبّر القرآن وتفهّم ما جاء فيه، وقلوبهم مقفلة ليس لها أبوابه مفتوحة يدخل منها التدبر والتأمل فنور الهدى والإيمان؟!!.

أما الصيغة الثامنة: فهي: {أَفَلا يَشْكُرُونَ} . وقد وردت في آيتين اثنتين من آيات القرآن الكريم.

ص: 246

الآية الأولى: في قوله تعالى: {وَآيَةٌ لَهُمُ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ} الآيات (33-35) من سورة ياسين.

تتضمن هذه الآيات الكريمة الدلالة على قدرة الله تعالى على ما يشاء، وعلى إعادة الحياة إلى الموتى كما كانوا عليه في الحياة الدنيا، فإحياؤه جل وعلا الأرض الميتة التي لا نبات فيها، ينزل عليها من السماء ماء فيخرج به زرعا وحبا يأكل منه أولئك المشركون بالله المنكرون للبعث، فإحياؤه هذا آية لهم محسوسة لا تردّ ولا تنكر.

وتتضمن أيضا أن الله سبحانه وتعالى قد جعل في هذه الأرض التي أحياها بعد موتها عيوناً يتفجر منها الماء وبساتين نخيل وأعناب يأكلون منها ثمراً طيّبا لم تعمله أيديهم ولا كان بكدّهم ولا سعيهم، وإنما هو فضل من عند الله ورحمة.

وفي ختام هذه الآيات قال تعالى: {أَفَلا يَشْكُرُونَ} وهو استفهام إنكار وتوبيخ: ينكر الله سبحانه وتعالى على أولئك الذين يشركون به جل وعلا ويكذبون بالبعث، ويوبخهم أن لا يشكروا له عز وجل تلك النعم العظيمة ذلك الشكر الذي ينبغي أن يتجلى في إفراده تعالى بالعبادة وفي الإيمان بقدرته على إحياء الموتى كما يحيي الأرض الميتة.

الآية الثانية: في قوله تعَالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلا يَشْكُرُون} الآيات: (1 7-73) من سورة ياسين.

ص: 247

تتضمن هذه الآيات الكريمة أن الله سبحانه وتعالى قد خلق لبني آدم ومنهم هؤلاء المشركون، قد خلق لهم مما خلق هذه الأنعام من إبل وبقر وغنم، وجعلهم يملكونها ويضبطون أمورها، وجعلها مذلّلة لهم يتخذون منها ركائب يحملون عليها أنفسهم وأثقالهم في تنقلاتهم وأسفارهم، ويتخذون من لحومها طعاماً يأكلون منه ويطعمون.

وفوق هذا وذاك لهم فيها منافع شتى: فهم يتخذون من أصوافها وأوبارها وأشعارها وجلودها ملابس دافئة وأكناناً تقيهم الحر والقر، وأثاثاً فارهاً به يستمتعون، ولهم فيها مشارب مختلفة كثيرة مريئة سائغة للشاربين.

وفي ختام هذه الآيات قال تعالى: {أَفَلا يَشْكُرُونَ} وهو استفهام إنكار وتوبيخ: ينكر الله سبحانه وتعالى على هؤلاء المشركين ويوبخهم أن لا يشكروه تعالى على هذه الأنعام التي خلقها نعمة لهم وللناس جميعا، وشكر الله تعالى إنما يكون بطاعته وإفراده بالعبادة، وبالإيمان أنه الرازق الخالق لها ولكل شيء.

أما الصيغة التاسعة: فهي (ألا تكلون) وقد وردت في آيتين اثنتين من آيات القرآن الكريم:

الآية الأولى: في قوله تعالى: {إِذْ قَالَ لأبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ مَا لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} الآيات (85 ـ96) من سورة الصافات.

ص: 248

تتضمن هذه الآيات الكريمة أن إبراهيم عليه السلام قال لأبيه وقومه الذين كانوا يعبدون الأصنام، قال لهم منكرا موبخا: ما هذه الأصنام التي تعبدونها من دون الله؟!! إن عبادتكم لغير الله إفك، وإن الآلهة التي تعبدونها من دون الله لباطل. ثم ما ظنكم أن يفعل بكم رب العالمين وقد عبدتم غيره؟!!.

وحين أرادوه على أن يخرج معهم إلى عيد لهم ليشاركهم فيه نظر نظرة في النجوم فقال: إني سقيم، فتولوا عنه مدبرين خائفين من أن تصيبهم عدوى مرضه، وتركوه وحده في بيت أصنامهم، وتركوا وراءهم في ذلك البيت الطعام الذي أتوا به ليأكلوه إذا رجعوا من عيدهم بعد أن تصيبه بركة الأصنام فيما يزعمون، فأقبل إبراهيم على أصنامهم هذه يخاطبها مخاطبة من يعقل؛ لأنهم أنزلوها تلك المنزلة، فقال ساخراً مستهزئاً: مالكم أيها الأصنام لا تأكلون؟! طعام كثير لذيذ شهي!!.

ولما كانت الأصنام لا تعقل ولا تنطق -ومن أين لها العقل والنطق؟! - عاد إبراهيم عليه السلام يقول ساخرا زاريا: مالكم لا تنطقون، مالكم لا تجيبون؟! أيّ آلهة أنتم؟! إن كنتم آلهة حقاً وصدقاً فادفعوا عن أنفسكم ما أنا فاعل بكم، وراحت يده اليمنى تهوي على رءوسهم بفأسه القوية ضرباً ملؤه الغيظ والكراهية لآلهة الباطل.

والاستفهام - كما رأيت - في قوله: {أَلا تَأْكُلُونَ} استفهام سخرية واستهزاء وزراية.

الآية الثانية: في قوله تعالى: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلاماً قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُون فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيم} الآيات: (24 -8 2) من سورة الذاريات.

ص: 249

تتضمن هذه الآيات الكريمة أن جماعة من الملائكة أرسلهم الله سبحانه وتعالى إلى إبراهيم عليه السلام، فجاءوه ضيوفاً في صور بشرية جميلة، فلما دخلوا عليه حيّوه وقالوا سلاما، فردّ عليهم التحية قائلا لهم: سلام أيها القوم الذين لم نعرفهم من قبل، وما لبث أن ذهب إلى امرأته مسرعاً لتعدّ لهم طعام الضيافة، وعاد به إليهم مسروراً بإكرامهم يحمل عجلاً سميناً مشويّاً، وقرّبه إليهم، ولكنه رأى أيديهم لا تمتد إليه، فأنكر ذلك منهم وقال مستغربا: مالكم لا تأكلون؟!! ولكنهم ظلوا ممسكين عن تناول طعامه، فأحس بالخوف منهم وبدت عليه علاماته، فقالوا -وقد رأوا ذلك منه-: لا تخف، وبشروه بغلام سيكون على جانب عظيم من العلم.

وقد رأيت أن الاستفهام في قوله: {أَلا تَأْكُلُونَ} قد جاء للإنكار والاستغراب: أنكر إبراهيم عليه السلام على ضيوفه أن لا يأكلوا من طعامه، واستغرب ذلك منهم، وحق له أن ينكر ويستغرب، فقد كان طعاماً شهياً فيه سخاء وكرم، وما كان يعرف حينئذ أنهم ملائكة لا يأكلون ولا يشربون.

أما الصيغة العاشرة: فهي (أفلا تسمعون)، وقد وردت في آيتين اثنتين:

الآية الأولى: قوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ} . الآية (71) من سورة القصص.

تتضمن هذه الآية الكريمة أن الله سبحانه وتعالى قال لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لهؤلاء المشركين من قومك: أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل دائما مستمرا لا يعقبه نهار إلى يوم القيامة من إله غير الله المعبود بحق يأتيكم بالنهار فتقدرون في ضوء شمسه أن تبتغوا من رزقه الواسع وتذهبوا في وجوه المعاش كل مذهب.

ص: 250

أفلا تسمعون هذا الذي أقوله لكم سماع تفهّم وتبصّر فتدركوا أن الله هو وحده الذي جعل لكم الليل والنهار خلفة، وجعل الليل سكنة وراحة، وجعل النهار سعيا ومعاشا، فتفردوه بالعبادة.

وقد أفاد هذا الاستفهام {أَفَلا تَسْمَعُونَ} الإنكار والتوبيخ.

أنكر الله سبحانه وتعالى عليهم ووبخهم ألا يكون لديهم سمع يتفهم ما يسمعه ويتدبره، فيدرك أن الله الذي خلق الليل والنهار يتعاقبان قادر على أن يجعل الليل مستمرا دائما إلى يوم القيامة فيكون لهم في ذلك شقاء وفناء.

لو كان لديهم سمع يدرك ويعتبر لأدركوا أن الله الذي أنعم عليهم بليل يعقبه نهار، ونهار يعقبه ليل هو وحده الذي يستحق العبادة دون أن يكون له شريك.

الآية الثانية: قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ أَفَلا يَسْمَعُونَ} الآية (26) من سورة السجدة.

في هذه الآية الكريمة ينكر الله سبحانه وتعالى على المشركين من أهل مكة وغيرهم أنْ لم يبين لهم وأن لم يعظهم كثرة من أهلكهم من الأمم بسبب كفرهم وتكذيبهم الرسل مع أنهم يمشون في مساكن أولئك المهلكين وهم مسافرون إلى الشام وغيرها، ويتقلبون في بلادهم ويشاهدون آثار العذاب الذي نزل بهم.

وقد جاء الاستفهام {أَفَلا يَسْمَعُونَ} في ختام هذه الآية مفيدا الإنكار والتوبيخ: ينكر الله سبحانه وتعالى على أولئك الذين لم يعظهم هلاك الأمم السابقة بسبب تكذيبهم الرسل وها هي ذي مساكنهم يمرون بها غدوّا ورواحا تشهد وتذكر وتعظ، ينكر الله سبحانه وتعالى على أولئك المشركين من أهل مكة ويوبخهم أنْ لا يسمعوا آيات الله وعظاته وتذكيره إياهم سماع تفهم وتدبر واعتبار.

أختي العزيزة "هل":

ص: 251

بقي من صيغ همزة الاستفهام الداخلة على (لا) النافية للفعل المضارع صيغ لم ترد في القرآن الكريم إلا مرة واحدة، وها أنا ذي أقدمها إليك (بحسب ورودها في القرآن الكريم) في الاستفهامات التالية:

الاستفهام الأول: {أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ} وقد جاء في قوله تعالى: {قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ} . الآية (50) من سورة الأنعام.

تتضمن هذه الآية الكريمة أن الله سبحانه وتعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: لا أقول لكم عندي خزائن الله التي منها يرزق ويعطي، فالرزق والعطاء بيد الله لا بيدي.

وهذا رد على ما كانوا يقولونه له وهو: "إن كنت رسولا من عند الله فاطلب منه أن يهب لنا الغنى ويذهب عنا الفقر".

وقل يا محمد لهم: "لا أقول لكم إني أعلم الغيب".

وهذا رد على قولهم له: إن كنت رسولا من عند الله فأخبرنا بما ينفعنا وما يضرنا فنعمل على تحصيل المصالح ودرء المضار.

وقل يا محمد: "لا أقول لكم إني ملك".

وهذا رد على قولهم ما لهذا الرسول يأكل ويمشى في الأسواق.

وقل يا محمد لهم: لا أتبع إلا ما يوحيه الله إليّ، ولا يستوي الذي عمي عن آيات الله وما جاء به الوحي والذي أبصر آيات الله واتبع ما جاء به القرآن، أفلا تتفكرون.

وهذا الاستفهام {أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ} استفهام إنكار وتوبيخ؛ إنكار على هؤلاء المشركين، وتوبيخ لهم أن لا يكون لديهم تفكر في الأمور وتبصر فيدركوا أن ما جاء به الوحي هو الحق، وأن ما هم عليه من الشرك هو الباطل.

ص: 252

الاستفهام الثاني: (أفلا يتوبون) قد جاء في قوله تعالى: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إلا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} . الآيتان: (73-74) من سورة المائدة.

تتضمن الآية الأولى من هاتين الآيتين الكريمتين أن الذين يقولون إن الله أحد آلهة ثلاثة (يريدون بالثلاثة: الله سبحانه وتعالى، وعيسى، وأمه) إن الذين يقولون هذا قد كفروا كفراناً مبيناً، فما من إله في الوجود مستحق للعبادة إلا إله واحد أحد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له صاحبة ولا ولد، وما كان معه من إله، وهو الله سبحانه وتعالى.

وإن لم يرجع هؤلاء الذين كفروا وقالوا إن الله ثالث ثلاثة، إن لم يرجعوا عن مقالتهم ويتوبوا إلى الله تعالى ليصيبنّ الذين كفروا منهم عذاب أليم.

وفي الآية الثانية من هاتين الآيتين الكريمتين جاء هذا الاستفهام: {أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ} . وهو استفهام إنكار وتوبيخ وتعجب.

ينكر الله سبحانه وتعالى على أولئك الكافرين القائلين إن الله ثالث ثلاثة، ويوبخهم أن لا يرجعوا عن مقالتهم هذه ويتوبوا إليه تعالى ويستغفروه، فقولهم هذا لا يقبله عقل سليم، ولا تقوم به حجه بيّنة.

وهو استفهام يدل أيضا على التعجب بمعنى كيف لا يتوبون إليه تعالى ويستغفرونه من هذا الذنب الذي ليس بعده ذنب وقد تهيأت لهم أسباب التوبة والاستغفار، فالله سبحانه وتعالى غفور لذنوب التائبين الراجعين عن معاصيهم، رحيم بهم بقبوله توبتهم والعفو عما سلف من كفرهم.

أختي العزيزة:

ص: 253

جاء في تفسير البحر المحيط لأبي حيان أنّ ابن عطية يرى أن استفهام {أَفَلا يَتُوبُونَ} للتحضيض على التوبة وطلب المغفرة. وقد علق أبو حيان على رأي ابن عطية هذا فقال: "وما ذكره من الحث والتحضيض على التوبة من حيث المعنى لا من حيث مدلول اللفظ؛ لأن مدلول (أفلا) غير مدلول (ألا) التي للحض والحث"اهـ أبو حيان.

وإنما كانت (أفلا) لا تدل على الحث والحض نصاً ومباشرة أو كما قال أبو حيان من حيث اللفظ؛ لأن الفاء الفاصلة بين الهمزة و (لا) تحتّم أن تكون الهمزة للاستفهام، وأن تكون الفاء للعطف، و (لا) نافية.

وأفاد هذا الاستفهام الحث والتحضيض من حيث المعنى والسياق لا من حيث دلالة اللفظ النصية؛ لأنه استفهام إنكار وتوبيخ، وإنكار عدم التوبة، والتوبيخ على تركها يفيد بطريق غير مباشر الحث على التوبة والتحضيض عليها.

وقد سها أبو حيان فقال في صيغة (أفلا تتفكرون) ما قاله ابن عطية في صيغة (أفلا يتوبون)، قال في تفسير البحر المحيط:" (أفلا تتفكرون) هذا عرض وتحضيض معناه الأمر أي ففكروا"اهـ أبو حيان.

وليس لي هنا إلا أن أقول لأبي حيان ما قاله أبو حيان نفسه لابن عطية من أن دلالة (أفلا تتفكرون) على العرض والتحضيض إنما هو من حيث المعنى لا من حيث مدلول اللفظ؛ لأن مدلول (أفلا) غير مدلول (ألا) التي للحثّ والحض.

وقد تقدّم قبل قليل بيان ذلك وسببه.

الاستفهام الثالث: (أولا يذكر الإنسان) وقد جاء في قوله تعالى: {وَيَقُولُ الإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً أَوَلَا يَذْكُرُ الإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وََلمْ يَكُ شَيْئاً} . الآيتان: (66-67) من سورة مريم.

تتضمن الآية الأولى من هاتين الآيتين الكريمتين أن الإنسان الكافر المنكر للبعث يقول لن أخرج حيا من القبر بعد أن أكون قد متُّ وأصبحتُ عظاما بالية، إن هذا لن يكون.

ص: 254

وقد تضمنت الآية الثانية الرد على هذا بأن الله سبحانه وتعالى قد خلقه وأنشأه في هذه الحياة الدنيا ولم يك شيئاً قبل ذلك، فكيف ينكر قدرة الله تعالى أن يعيد خلقه وأن يبعثه من قبره إن الإنسان الذي يذّكرّ ويتبصر ّويفكر ّليرى بلا ريب أن الذي قدر على خلق الإنسان وإبداعه في هذه الدنيا قادر على أن يعيد خلقه يوم القيامة.

وقد جاء هذا الاستفهام في قوله تعالى: {أَوَلَا يَذْكُرُ الإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وََلمْ يَكُ شَيْئاً} جاء مفيداً الإنكار والتوبيخ والتعجب.

أنكر الله سبحانه وتعالى على هذا الإنسان الذي لا يؤمن بالبعث يوم القيامة ووبَّخه أن لا يذّكرّ ويتبصر، ويتفكر أن خلق الله تعالىَ إياه أول مرة ولم يك شيئا من قبل يدل دلالة بيّنة على قدرة الله تعالى على خلقه مرة ثانية.

ويفيد هذا الاستفهام التعجب على معنى كيف يعجز الله سبحانه وتعالى عن إعادة خلقك أيها الإنسان بعد موتك، وقد خلقك من قبل ذلك ولم تك شيئا.

وقد أعرب الزمخشري الواو في (أولا يذكر) عاطفة عطفت (لا يذكر) على (يقول) الواردة في الآية المتقدمة على هذه الآية، وقد وسّطت همزة الاستفهام بين المعطوف وواو العطف.

ص: 255

وهذا من المواضع التي رجع فيها الزمخشري إلى مذهب سيبويه والجمهور، وهو أنّ حرف العطف إذا تقدمته همزة الاستفهام فإنه يعطف ما بعدها على ما قبلها، وكان مذهبه أن يقدر بين الهمزة وحرف العطف ما يصلح أن يعطف عليه، وإعراب (ولم يك شيئا) : الواو حاليا، و (لم) نافية جازمة، و (يك) مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه السكون على النون المحذوفة للتخفيف، وهذا الفعل المضارع يأتي ناقصاً كماضيه، يرفع المبتدأ على أنه اسمه وينصب الخبر على أنه خبره، فالضمير المستتر فيه العائد على الإنسان اسمه، و (شيئاً) منصوب على أنه خبره، وجملة (ولم يك شيئا) في محل نصب حال من الهاء في (خلقناه) ، والرابط الواو والضمير المستتر في (يك) معا.

الاستفهام الرابع: (أفلا يؤمنون) وقد جاء في قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ} . الآية (30) من سورة الأنبياء.

اختلف العلماء في تفسير قوله تعالى في هذه الآية: {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا} .

فقال الطبري في تفسيره: "يقول تعالى ذكره: أولم ينظر هؤلاء الذين كفروا بالله بأبصار قلوبهم فيرَوا بها ويعلموا أن السموات والأرض كانتا رتقا، يقول: ليس فيهما ثقب بل كانتا ملتصقتين،

…

وقوله: (ففتقناهما) يقول: فصدعناهما وفرجناهما"اهـ. وقال أبو حيان في تفسيره (البحر المحيط) : "وقالت فرقة: "السماء قبل المطر رتق، والأرض قبل النبات رتق، ففتقناهما بالمطر والنبات. قال ابن عطية: "وهذا قول حسن، ويناسب قوله:{وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيّ} أي من الماء الذي أوجده الفتق"اهـ.

ص: 256

وعلى الرأي الأول الذي قاله الطبري تكون الرؤية في {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا} علمية، وعلى الرأي الثاني الذي ذكره أبو حيان وحسّنه ابن عطية تكون الرؤية بصرية.

أما تفسير قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} فقد أفاد أبو حيان أن (جعلنا) إن كانت بمعنى خلقنا فالمعنى: وخلقنا من الماء كل حيوان، وإن كانت بمعنى صيرنا فالمعنى: وصيرنا كل شيء حيٍّ بسبب من الماء لابد له منه.

وأما الاستفهام (أفلا يؤمنون) الذي جاء في ختام هذه الآية فهو استفهام إنكار وتوبيخ: ينكر الله سبحانه وتعالى على الذين كفروا ويوبخهم أن لا يؤمنوا بألوهية من قدر على ما تضمنته هذه الآية من فتق السماوات والأرض وإنزال الغيث من السماء وإخراج النبات من الأرض وخلق كل حيوان من الماء، فيفردوه بالعبادة ولا يشركون به شيئا.

الاستفهام الخامس: (ألا تحبون) وقد جاء في قوله تعالى: {وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} الآية (22) من سورة النور.

مما تضمنته هذه الآية الكريمة: لا يحلف الذين آتاهم الله فضلا منه وسعة رزق لا يحلفوا بالله أن لا يعطوا ذوي قراباتهم والمساكين المهاجرين من ديارهم وأموالهم في سبيل الله، وليعفوا عما كان منهم من جرم، وليتركوا ما يعاقبونهم به من حرمانهم ما كانوا يعطونهم إياه من قبل.

ص: 257

ومما جاء في تفسير ابن كثير لهذه الآية: "وهذه الآية نزلت في الصدّيق رضي الله عنه حين حلف أن لا ينفع مسطح بن أثاثة بنافعة أبداً بعد ما قال في عائشة رضي الله عنها ما قال

…

فلما أنزل الله براءة عائشة أم المؤمنين في ذلك، وأقيم الحد على من أقيم عليه شرع تبارك وتعالى -وله المنة والفضل- يعطّف الصدّيق على قريبه مسطح، وكان ابن خالة الصدّيق، وكان مسكينا لا مال له إلا ما ينفق عليه أبو بكر رضي الله عنه، وكان من المهاجرين في سبيل الله، وقد زلق زلقة تاب الله عليه منها وضرب الحد عليها، فلما نزلت هذه الآية إلى قوله:{أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُم} الآية

…

فعند ذلك قال الصدّيق: "بلى والله إنا نحب أن تغفر لنا يا ربنا"، ثم رجع إلى مسطح ما كان يصله من النفقة وقال: "والله لا أنزعها منه أبدا

…

". اهـ تفسير ابن كثير مع حذف بعض الكلمات والجمل.

وهذا الاستفهام {أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُم} يفيد التعطيف؛ تعطيف أبي بكر رضي الله عنه على ابن خالته مسطح بعد أن تاب ونال العقاب، ويفيد أيضاً الترغيب ترغيب أبي بكر رضي الله عنه في مغفرة الله الغفور الرحيم برجع ما كان يصل به مسطحاً من نفقة. والآية تعم كل من كان متصفاً بهذا الوصف الذي تضمنته هذه الآية الكريمة وإن كان سبب نزولها خاصا.

والذي دل على أن (ألا) في {أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُم} ليست للتحضيض، وإنما هي همزة الاستفهام دخلت على (لا) النافية، الذي دل على ذلك هو جواب الصديق رضي الله عنه بقوله:(بلى) ، و (بلى) لا يجاب بها إلا النفي.

الاستفهام السادس: (ألا تستمعون) وقد جاء في قوله تعالى: {قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ} الآيات: (23-25) من سورة الشعراء.

ص: 258

بعد أن قال موسى وهارون عليهما السلام لفرعون: إنا رسول رب العالمين، وبعد محاورة موسى لفرعون (قد سبق بيانها وتفصيلها في الرسالة التاسعة من هذه الرسائل حين تحدثت عن استفهام (ألم نربك فينا وليدا) بعد ذلك {قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ} فأجابه موسى {قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ} فلما سمع فرعون هذا الجواب التفت إلى من حوله من أشراف قومه ورؤساء دولته قائلا:{أَلا تَسْتَمِعُونَ} وهو استفهام تهكّم واستهزاء بموسى عليه السلام وتكذيب له فيما قاله وتعجيب لمن حوله من جواب موسى عليه السلام الدال على أنّ لهم إلها غير فرعون.

الاستفهام السابع: (ألا يظن) في قوله تعالى: {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} . الآيات: (1-6) من سورة المطففين.

في هذه الآيات الكريمة يتوعد الله سبحانه وتعالى بالعذاب الشديد المطففين الذين إذا استوفوا حقهم من الناس بالمكيال يستوفونه وافراً تاماً، وإذا أدّوا حق الناس الذي هو عليهم، إذا أدّوا بالمكيال أو الميزان أنقصوا في الكيل والوزن ولم يعطوهم حقوقهم كاملة.

ص: 259

وبعد أن توعد الله سبحانه وتعالى المطففين بسوء العذاب قال: {أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} وهذا الاستفهام (ألا يظن) استفهام إنكار وتوبيخ وتعجب: ينكر الله سبحانه وتعالى على أولئك المطفّفين ويوبّخهم أن لا يظنوا ويوقنوا أنهم مبعوثون فمسؤولون عما يفعلون يوم القيامة العظيم الشأن والهول، يوم يخضع الناس ويقفون خشّعا لله رب العالمين، ولو أنهم ظنوا وأيقنوا ما نقصوا في كيل ولا وزن، ولخشوا عاقبة ذلك، وأعطوا الناس حقّهم موفوراً.

وهذا الاستفهام يفيد أيضاً التعجّب على معنى: كيف يجرءون على ذلك كأنما لا يخطر لهم إثمه على بال، ولا يلمّ بعقباه ظن؟!!.

الاستفهام الثامن: (أفلا ينظرون) وقد جاء في قوله تعالى: {أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى اْلإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى اْلأََرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ} . الآيات (17- 20) من سورة الغاشية.

تضمنت الآيات الكريمة المتقدمة على استفهام {أَفَلا يَنْظُرُونَ} تضمنت ما يلاقيه الكافرون يوم القيامة من عذاب ونكال، وما يلاقيه المؤمنون من نعيم وتكريم، ثم جاء هذا الاستفهام {أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى اْلإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ، وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ، وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ، وَإِلَى اْلأََرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ} جاء منكراً موبّخا كفارَ مكةَ الذين كذّبوا بيوم القيامة وأنكروا قدرة الله سبحانه وتعالى على أن يبعث الأموات أحياء في ذلك اليوم العظيم.

ص: 260

أنكر عليهم ووبّخهم أن لا ينظروا بعيونهم نظراً يصحبه التدبر والتفكر والاعتبار إلى هذه الإبل كيف خلقت خلقاً بديعاً فريداً لم يأت على سنن غيرها من الحيوان الداجن: فلحمهَا يؤكل، ولبنها يشرب، وفي أوبارها وجلودها منافع كثيرة، ثم هي ركائب أسفار طويلة مضنية، وحاملات أثقال إلى بلاد دانية ونائية، صبور على الجوع والعطش أياما وليالي، طعامها سهل المنال، وقيادها هيّن لينّ لا يعرف جماحا ولا نفورا.

وإلى السماء كيف رفعت من فوقهم عالية بعيدة في علاها، لا تقوم على عمد، وليس فيها من فطور، زانها القمر والشمس والنجوم، فما أجمل وما أروع وما أعظم!!.

وإلى الجبال كيف نصبت من فوق الأرض أشكالا عجيبة وأحجاما غريبة وألوانا مختلفة، منها ما يملأ النفس بهجة وسرورا، ومنها ما يملأ القلب هيبة وجلالا، ومنها ما هو جمال ومتاع، ومنها هو رعب وخوف وفزع، بعضها أجرد أقرع عريان عابس، وبعضها مكسوّ بالشجر والزهر والنبات الأخضر، من قممها تتفجر الأنهار، وعلى سفوحها تسيل العيون.

وإلى الأرض كيف سطحت، فقطع خضر لا يمل منها بصر، وصحارى واسعة تحبو على وجهها الرمال، وتطير في أجوائها العواصف، وأنهار تدفّق فيتدفق على ضفافها المدن العامرة والجنان الناضرة، وعيون جارية فتجري الحياة في النبت والأنعام وبني آدم، وبحيرات في جنبات الأرض صغيرة وكبيرة، وجزر كثيرة هنا وهناك مبعثرة، وأبحر ومحيطات يطول في أوصافها ومنافعها وألوان جمالها الحديث والبيان.

إن الأعين التي تنظر، والقلوب التي تبصر، والعقول التي تفكر وتعتبر، إنها لو نظرت بتأمل، وأبصرت بتدبر، وفكرت بدقة وعمق لأدركت أن القادر على خلق هذه الأشياء التي لا ينظر إليها كفار مكة بتدبر وتفكر قادر على إخراجهم وإخراج الناس جميعا أحياء يوم القيامة وإدخال المنكرين منهم نار جنهم وبئس المصير.

ص: 261

وإعراب كلمات هذا الاستفهام سهل واضح ومع ذلك أعرب لك (كيف خلقت) : (كيف) اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب حال، وصاحب الحال الضمير المستتر في خلقت العائد على الإبل وهو نائب الفاعل للفعل الماضي المبني للمجهول:(خلق) ، والتاء تاء التأنيث حرف مبني على السكون لا محل له من الإعراب، وجملة (كيف خلقت) في محل جر بدل اشتمال من الإبل، والمعنى أفلا ينظرون إلىَ الإبل كيفية خلقها.

أختي العزيزة:

بهذا الذي قد مضى ينتهي حديثي إليك عن همزة الاستفهام الداخلة على (لا) النافية للفعل المضارع، على أنه قد بقي في هذه الرسالة أن أحدثّك عن همزة الاستفهام الداخلة على (لن) النافية الناصبة لهذا الفعل، وهو حديث قصير، فإنّ همزة الاستفهام هذه لم ترد في القرآن الكريم إلا مرة واحدة، وكان ذلك في قوله تعالى:{وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ الله بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا الله لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةُ مُسَوِّمِينَ} . الآيات (123-125) من آل عمران.

وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة أن الله سبحانه وتعالى أخبر عن نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أنه قال للمؤمنين الذين كانوا معه في يوم بدر: {أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ} .

وكان هذا الاستفهام للتقرير ولطمأنة قلوب المؤمنين، ومعنى التقرير هنا طلب الاعتراف من المؤمنين بما تضمنه السؤال: إما بالإيجاب وإما بالسلب.

ص: 262

ولما كان من الواضح البينّ أن هذا العدد من الملائكة فيه الكفاية بادر السائل نفسه صلى الله عليه وسلم إلى الإجابة بدلا من المؤمنين فقال: (بلى) أي إن هؤلاء الملائكة يكفون.

ويحسن هذا الأسلوب وهو أن يقوم السائل نفسه بالإجابة عن سؤاله، يحسن في الأمور البينة التي لا مجال لاختلاف الجواب فيها كهذا الذي ذكر وكما في قوله تعالى:{قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ} .

أختي العزيزة:

بهذا تنتهي رسالتي هذه إليك وينتهي حديثي عن همزة الاستفهام الداخلة على الأدوات النافية للفعل المضارع: على (لم) وعلى (لا) وعلى (لن) .

سوف أحدثك في الرسالة القادمة إن شاء الله عن همزة الاستفهام الداخلة على أدوات الشرط، أسأله تعالى أن يعين وأن يسدد الخطا.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أختك:

همزة الاستفهام

مراجع ما جاء في هذه الرسالة:

أ- المراجع على وجه الإجمال:

1-

تفسير أبي جعفر محمد بن جرير الطبري- الطبعة الثالثة- الناشر: الحلبي بمصر.

2-

تفسير البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي- الناشر: مكتبة ومطبعة النصر الحديثة بالرياض.

3-

تفسير أبي السعود - الناشر: دار المصحف- مكتبة ومطبعة عبد الرحمن محمد بالقاهرة.

4-

الفتوحات الإلهية المعروفة بحاشية الجمل على الجلالين- الناشر: الحلبي بمصر.

5-

تفسير ابن كَثير- الناشر: الحلبي بمصر.

6-

تفسير الكشاف للزمخشري- الناشر: الحلبي بمصر.

7-

تفسير القرطبي -نسخة مصورة عن طبعة دار الكتب المصرية- الناشر: دار الكاتب العربي للطباعة والنشر بالقاهرة.

8-

تفسير الفخر الرازي - الطبعة الثانية- الناشر: دار الكتب العلمية بطهران.

9-

إملاء ما منّ به الرحمن لأبي البقاء العكبري - الطبعة الأولى- الناشر: الحلبي بمصر.

ص: 263

10-

مغني اللبيب لابن هشام الأنصاري -تحقيق الدكتور مازن المبارك وزميله- الطبعة الثانية، الناشر: دار الفكر.

ب: المراجع على وجه التفصيل:

1-

الآية: (126) التوبة: الطبري: (ج11 ص 73) . أبو حيان: (ج5 ص116) . أبو السعود: (ج4 ص113) . الفتوحات: (ج2 ص 330) .

2-

الآيتان (58-59) يوسف: الطبري: (ج13 ص 8) . الفتوحات: (ج2 ص465) . أبو حيان (ج 5 ص 321) أبو السعود: (ج4 ص 288) . ابن كثير: (ج2 ص 483) .

3-

الآية (89) طه: الطبري: (ج16 ص 202) . الفتوحات: (ج3 ص 108) . أبو السعود: (ج 6ص 36) .

4-

الآية: (44) الأنبياء: الطبري: (ج17 ص31) . الفتوحات: (ج6 ص315) العكبري: (ج2 ص 65) .

5-

الآية (72) القصص: الطبري: (ج20 ص103) . الزمخشري: (ج3 ص189) .

6-

الآية (27) السجدة: الطبري: (ج21 ص114) .الفتوحات: (ج3 ص420) . أبو حيان: (ج7 ص205) . ابن كثير: (ج 3 ص 463) .

7-

الآيتان (51-52) الزخرف: الطبري: (ج25 ص80) . أبو السعود: (ج8 ص50) . ابن كثير: (ج4 ص 129) .

8-

الآيتان (20- 21) الذاريات: الطبري: (ج26 ص (204) . أبو حيان: (ج8 ص 136) . ابن كثير (ج4 ص235) .

9-

الآيتان (76-77) البقرة: الطبري: (ج1 ص369) . أبو حيان: (ج1 ص274) . أبو السعود: (ج1 ص 118) . الفتوحات: (ج1 ص 68) .

10-

الآيتان: (13-14) الملك: الطبري: (ج29 ص6) . أبو حيان: (ج8 ص301

) .أبو السعود: (ج9 ص6) . الفتوحات: (ج4 ص377) .

11-

الآيات: (6-11) العاديات: الطبري: (ج30 ص280) . أبو حيان: (ج8 ص 505) . الفتوحات: (ج4 ص577) . أبو السعود: (ج9 ص191) . ابن كثير: (ج4 ص542) . العكبري: (ج2 ص292) . 4

2 1- الآية (82) النساء: الطبري: (ج5 ص179) . أبو حيان: (ج3 ص304) . أبو السعود: (ج2 ص207) .

13-

الآية: (24) محمد: الطبري: (ج26 ص57) . أبو حيان: (ج8 ص83) . أبو السعود (ج8 ص99) .

ص: 264

14-

الآيات (33-35) ياسين: الطبري: (ج23 ص4) . أبو السعود (ج7 ص166) . ابن كثير (ج3 ص 575) .

5 1- الآيات: (71-73) ياسين: الطبري: (ج 23 ص 28) ابن كثير: (ج 3 ص 0 58) .

6 1- الآيات: (85ـ 96) الصافات: الطبري: (ج 23 ص 72) أبو السعود: (ج 7 ص 198) القرطبي: (ج 15ص94) .

17-

الآيات (24! 2) الذاريات: الطبري: (ج 26 ص 208) أبو حيان: (ج 8 ص 139) أبو السعود: (ج 8 ص 140) الفتوحات (ج 4 ص 205) .

18-

الآية (50) الأنعام: أبو حيان: (ج4 ص133) . أبو السعود: (ج3 ص 137) الرازي: (ج12 ص230) . الفتوحات: (ج2 ص32) .

19-

الآيتان: (73-74) المائدة: أبو حيان: (ج3 ص536) . أبو السعود: (ج3 ص67) .

20-

الآيتان: (66-67) مريم: الطبري: (ج16 ص106) . أبو حيان: (ج6 ص205) . أبو السعود: (ج5 ص274) . الزمخشري: (ج2 ص 528) .

21-

الآية (30) الأنبياء: الطبري: (ج17 ص19) . أبو حيان: (ج6 ص307) . أبو السعود: (ج6 ص 65) .

22-

الآية: (22) النور: الطبري: (ج18 ص101) . ابن كثير: (ج3 ص276) . أبو حيان: (ج6 ص440) . أبو السعود: (ج6 ص165) .

23-

الآيات: (23-25) الشعراء: ابن كثير: (ج3 ص333) . أبو السعود: (ج6 ص239) . أبو حيان: (ج7 ص12) .

24-

الآيات: (1-6) المطففين: الطبري: (ج3 ص90) . أبو حيان: (ج8 ص 438) . أبو السعود: (ج9 ص124) . الفتوحات: (ج4 ص502) القرطبي: (ج19 ص254) .

25-

الآيات: (17-20) الغاشية: الطبري: (ج30 ص165) . أبو حيان: (ج8 ص464) . أبو السعود: (ج9 ص150) الفتوحات: (ج4 ص527) . القرطبي: (ج20 ص34) . الزمخشري: (ج4 ص247) . المغني لابن هشام: (ج1 ص227) .

26-

الآيات: (123-125) آل عمران: أبو حيان: (ج3 ص50) . الزمخشري: (ج1 ص 461) . الفتوحات: (ج1 ص311) .

27-

الآية (71) القصص: الطبري: (ج20 ص103) . أبو السعود: (ج7 ص23)(الفتوحات ج3 ص 358) .

ص: 265

28-

الآية (26) السجدة: الطبري: (ج 21 ص113) أبو السعود: (ج7 ص87) .

ص: 266

الأدب الإسلامي.. وعلاقته بالمجتمع والحياة

د. نجيب الكيلاني

عالجت كتب الدراسات الأدبية ذلك الموضوع القديم والجديد معاً، ألا وهو علاقة الأدب (أو الأديب) بالحياة. وعندما نقرأ آراء النقاد البارزين ومؤرخي الأدب، وروّاد المدارس الأدبية المختلفة، ندرك أنهم يقتربون كثيراً في مفاهيمهم العامة، وان بدت الخلافات عميقة جداً في بعض الأحيان، كما يحدث بين الكلاسيكيين والرومانسيين مثلاً، أو كما يحدث بين الواقعيين والرمزيين، لكن يظل الأدب دائما وأبداً وثيق الصلة بالحياة، سواء احتفي بالعقل كما هو عند الرومانسيين، أو ركز على العاطفة مثلما يحدث لدى الرومانسيين، وسواء ارتبط بالواقع المحسوس الملموس، أو اهتم بالمثاليات والغيبيات والسمو الروحي كالذي يفعله الرمزيون، فلكل أديب حياته الخاصة والعامة، وله معتقداته التي يؤمن بها.

ما نريد أن نقوله أن الحياة واسعة وعميقة، وهي تشمل ما هو داخلُ "الذات "أو خارجها، وتنصهر في بوتقتها المظاهر العديدة، والثقافات المتنوعة، والتقاليد الراسخة، والمعتقدات المتباينة، والحياة في حركة موارة دائبة، تزدحم بالأحداث، وترتج بالصراعات، وتضطرم بالانفعالات والتفاعلات الصاخبة، ومما لا شك فيه أن كل عصر يترك بصماته على البيئات، ويؤثر على الأفراد والجماعات، وبإيجاز كبير فإن مادة الحياة غنية، بحيث يجد الأديب -أيّ أديب مهما كان منزعه- العناصر اللازمة لعمله الفني، وفقاً لمزاجه وتصوراته ومعتقداته وأهدافه.

ص: 267

الأديب إذن يستمد من الحياة، وينهض أدبه وينمو ويتحرك بما فيه من عناصر تلك الحياة، باعتبار الأديب كائناً حياً. ويؤثر ذلك الأدب تأثيراًَ متفاوتاً في الأفراد والجماعات، فلكم سمعنا أو قرأنا عن أديب أو كتاب معين ساهم في دفع الحياة وتوجيهها، وكان سبباً في حركة تغيير كبيرة، وقد يتناول التغيير أو التأثير مستويات ثقافية بعينها، أو يتناول القاعدة الشعبية العريضة ككل..

وإذا كان الأدب -كما يقال- تعبير عن الحياة وسيلته اللغة، إلا أنه لا يقدم لنا صوراً فوتوغرافية، أو فعلاً حرفياً لتلك الحياة، "لكنه يعبر عنها أو يفسرها أو ينقدها، أو ينقل إلينا فهم الأديب للحياة"، فضلاً عن عملية التأثير في المتلقي، إذ أنها هدف أساسي وإيجابي للأديب الجاد.

من هنا نستطيع أن نقول إن الأديب الحق هو الأديب الذي يتخذ موقفاً عقائدياً أو فكرياً من المجتمع، ويؤثر في ذلك المجتمع، وهكذا نرى أن اختيار الأديب لموقفه الفكري أو لمضمون عمله الأدبي إنما يستند على دعامتين، أساسيتين:

الأولى: المعتقد الفكري للأديب:

الثانية: التشخيص الصحيح لمشاكل المجتمع وسلبياته واحتياجاته والأسلوب الأمثل لحركته الشاملة.

الارتباط بين الدعامتين ارتباط عضوي، ومن ثمّ من الصعب الفصل بينهما، لما بين الدعامتين من علاقة متبادلة، وتأثير متبادل أيضا.

ص: 268

والأدب الإسلامي يتواءم مع هذه المفاهيم الاجتماعية للأدب، بل إن هذه العلاقة بين الأدب والحياة، أو الأدب والمجتمع، علاقة واضحة في فكر الأديب المسلم، الذي يدرك أبعاد رسالته، ويعي تجاربه الحضارية، ويفهم التلاحم الوثيق بين المبادئ الإسلامية وحركة الحياة على مدار العصور، ولقد حفل الفكر الإسلامي بعناصر القوة والتجدد والحركة والابتكار طوال حقب التاريخ، ولو لم يكن الأمر كذلك لما كانت تلك الحركة العلمية، والتراث الفكري، واتصال عملية الاجتهاد والتجاوب مع ما يجدّ من أحداث الحياة وصورها، ولما ساهمت هذه الأصول الحضارية في إثراء الفكر الغربي، وإثارة الحماسة لنهضته الحديث، ولا ما فتحت الثقافة الإسلامية من قبل نوافذها وأبوابها أمام ترجمات التراث العالمي من اليونان والهند وفارس وغيرها، ولما قامت بحركة التقييم والتصحيح لما انحرف من هذا التراث القديم، أو ضل الطريق، ومن ثم أخرجت فكراً إسلاميا مؤثراً متميّزا مازال يتألّق بروائعه، في شتى الفروع، حتى عصرنا هذا

…

والأدب الإسلامي، تحت مظلة العقيدة الإسلامية الشاملة، يهدف أول ما يهدف إلى تكوين الفرد المسلم، ثم المجتمع المسلم، ويهتم بكل صغيرة وكبيرة للأفراد والجماعات، ويتمثل أمراضهم الأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية، ويثير في النفوس الرغبة للعمل الجاد، والبناء الصامد، ويجعل من ذلك العمل قيمة لا تقل عن العبادة، بل

ويجعل من التفكير والتأمل أيضاً فرعاً من العبادة "لا عبادة كالتفكر"، وبمارس في الواقع فعل الخيرات والتمسك بالإيثار والحب والعدل، ومحاربة الرذائل والمفاسد والمظالم، وصور الاستغلال والتحلل والإباحية، ويربط حياة الفرد، وحركة الجماعة بآداب ونظم وشرائع محكمة، هي مقياس الإيمان الصحيح، والطريق إلى مرضاة الله.

ص: 269

ذلك هو المضمون الفكري للأدب الإسلامي، سواء أكان قصة أو رواية أو مسرحية أو قصيدة أو فيلماً سينمائياً أو تليفزيونياً، ويخطئ من يظن أن الأدب الإسلامي الصحيح ينافق المجتمع، أو يماليء السلطات الجائرَة، أو يعتصم بالجمود والتخلف والرجعية الفاسدة، أو يعتسف حلولاً لقضايا الناس وعللهم لا تمتّ إلى الواقع بصلة، فالعلاقة بين المعتقدات وبين حركة الحياة كما قلنا علاقة فهم وتبادل، وليست علاقة جهل أو تعسف.

والمسلم الحق لا يعيش في برج عاجي، أو يعتزل موكب الحياة الصاخب، فهو عامل وصانع ومفكر وعالم وطبيب ومهندس وفلاح وحرفي، وهو باحث اجتماعي، وقوة سياسية فاعلة، وباحث نفسي متعمق، والمجتمع المسلم هو المجتمع الذي يكون لبناته أفراد مسلمون، لكن هذا الذوبان الاجتماعي، لا يلغي شخصية الفرد المسلم، ولا يقضي على تميّزه أو فرديته، ورحم الله الشاعر الفيلسوف محمد إقبال إذ يقول في إحدى قصائده:

وهو في الحشد طليق.

هو في المجمع خالٍ:

حفل: فريد ورفيق

مثل شمع الحفل في ال

ص: 270

وإذا تعمّقنا هذا التصور تعمقاً صحيحاً، نجد أن الأدب كقيمة اجتماعية، هو في الواقع قيمة إسلامية، نعم قيمة إسلامية من ناحية المضمون الفكري، ومن ناحية المجتمع الإسلامي المثالي الذي ينشده ذلك الأدب الإسلامي، ولا افتئات في ذلك، أو مجافاة لواقع الحَياة وحقيقتها، وعلى الرغم من نشوء تيَارات وفلسفات فكرية مخالفة في المجتمعات الإسلامية، وفي المجتمعات الشرقية أو الغربية، إلا أن التيار الإسلامي يبقى راسخاً صامداً، يواجه تلك النزعات المنحرفة، على ضوء التجارب التاريخية وَالمعاصرة، ومن خلال الممارسات التي أفرزت الكثير من الكوارث العالمية، على صعيد السياسة والأخلاق والاقتصاد، إنّ مجتمعا كالمجتمع الأمريكي تحدث فيه جريمة كل ثلاث ثوان، يعني أن ذلك المجتمع والمجتمعات المشابهة له تقف على أبواب فاجعة كبرى، وهناك ملايين الأطفال الذين يموتون جوعاً، في الوقت الذي تقذف فيه الدول الغنية بملايين الأطنان من المواد الغذائية في البحار، للحفاظ على السعر المرتفع لتجاراتها، وهناك الحروب العنصرية، والمجازر الطائفية في الهند وأفغانستان والفلبين وآسيا وأمريكا اللاتينية وروسيا

…

فليس بدعاً أن يقف الأدب الإسلامي في هذا العصر، ويدين بقوة تلك المآسي المدمرة، ويحاول -عبر الأشكال الفَنية المستحدثة- أن يفسر ويحلل وينقد ويؤثر، ويزرع الأمل في النفوس، موحيا إليهم بالحياة الفاضلة التي دعا إليها الإسلام، وإلى التجربة الحضارية الفذة لعصور الإِسلام المزدهرة.

فهل إذا أدّى الأدب الإسلامي هذه الرسالة يكون منافياً لروح العصر؟؟.

أو يكون مجافياً لاحتياجات الواقع الاجتماعي؟؟.

أو يكون متعسفاً وجائراً عندما يقدّم الحل الإسلامي؟؟.

ص: 271

إنّ صدق التعبير لا يعني الرضا بالواقع المرير، وتكريس ما هو كائن، والسير في ركاب الانحراف بحجة العصرية والحرية؟؟ إنّ تجسيد تلك المأساة على أسس ومقاييس إلهية موضوعية هو الصدق، وإن شفاء الأرواح والقلوب والعقول هدف أسمى، وبداية صحيحة، وإن إزالة الأنقاض والخرائب، تمهيداً لبناء صحي شامخ هو الحل، ولما يوظف الأدب الإسلامي الصحيح في تأديب العنصرية والطبقية والإباحية، لكنه دائماً وأبدا مشعل حق، ومبعث هداية وعامل بناء وسعادة ورفاهية وطاعة، وتآلف وتراحم.

إنّ الأوضاع الراهنة قد توحي بالحسرة بل واليأس أحياناً، فالفساد قد تسلح بمختلف الأسلحة الحديثة من فكر وإعلام وفيالق مدربة وقوى خفية تعمل من وراء ستار، وأنوار النيون البراقة قد غطّت على سمات الفضيلة، والحب والمغريات قد غزت عقول الناس وأرواحهم، فتحوّلت الأشواق العلوية إلى مطالب مادية، وملذات جسديه، واحتفت الآداب العالمية بالغرائز وعنفها واشتعالها، وركزّت على إشباع الرغبات الرخيصة، وأنماط الحياة المترهلة الكسلى، والمتع الزائلة، وأصبح ذلك كله هدفاً في حد ذاته. وهذا ليس بجديد على تاريخ البشرية، فالناظر في صفحات الماضي، سوف يجد مثيلاً أو شبيهاً له فيما مضى من حضارات ومدنيات وأحداث، ولا يصح أن نخدع باختلاف العصر والأسماء والأزياء ووسائل الحرب والحياة الجديدة.

لكن يبقى أن يكون الأدب الإسلامي كما نقول دائماً، على وعي كامل بنشوء تلك الظواهر الشاذة، وأسباب تلك الأَمراض الاجتماعية وأعراضها، وأن يكون لديه حصيلة كافية من الممارسات والتجارب ومختلف الثقافات، حتى يلعب دوره الاجتماعي -أعني الديني- عن وعي وبصيرة، وأن يكون نداً لحملة الأقلام في أي موقع، محلياً كان أم عالمياً، ولسوف يجد الأديب الإسلامي حافزاً قوياً، يحرّك مشاعره، ويجلي موهبته، وينشط

ص: 272

فكره: وليترنم دائماً بذلك التعبير القرآني الإلهي: {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لا شَرِيكَ لَه، ُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} . (الأنعام: 162- 163) .

إن أحد نقادنا الكبار -د. عز الدين إسماعيل- يقول "مؤلفات كبار الكتاب تهدي إلى السلوك بأوسع معانيه، لأنها تكشف عن النظام الدقيق، وعن الحكمة والتوافق بين العناصر المختلفة، وألا تبدد الحياة أجزاء لا معنى لها. والعمل الأدبي يرتاد بنا الحياة ويخلق بيننا وبينها علاقات جديدة من الفهم والمعرفة

…

".

والآن أهناك شك في أن التزام أدبنا المعاصر بالإسلام تشريف لهذا الأدب، وسمو بتلك المجتمعات التي عانت وتعاني مرارة القهر واليأس والحرمان منذ سنوات طويلة؟؟.

تعلموا العلم

روي عن معاذ بن جبل –رضي الله عنه أنه قال:

"تعلموا العلم، فإن تعلمه لله خشية، وطلبه عبادة، ومدارسته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه من لا يعلم صدقة وبذله لأهله قربة.

وهو الأنيس في الوحدة والصاحب في الخلوة والدليل على الدين، والمصبّر على البأساء والضراء.

يرفع الله به أقواما، فيجعلهم في الخير قادة سادة، هداة يقتدى بهم، أدلة في الخير، تقتصى آثارهم وترمق أفعالهم

…

يبلغ العبد به منازل الأبرار والدرجات العلا، والتفكر فيه يعدل بالصيام، ومدارسته بالقيام

…

به يطاع الله عز وجل، وبه يعبد، وبه يوحد ويمجد، وبه يتورع، وبه توصل الأرحام، وبه يعرف الحلال والحرام

…

وهو إمام والعمل تابعه، يلهمه السعدية ويحرمه الأشقياء

…

"

ص: 273

صفحة لغة

لا تقل.. وقل

للأستاذ الدكتور: عبد العظيم علي الشناوي

رئيس قسم اللغويات بالجامعة

ملحوظة: قد يجوز في بعض اللهجات بعض ما منعناه، ولكن النحويين أهملوا تلك اللهجات لأنها لم تأخذ مكانها ف الأساليب العربية الفصيحة الواردة عن جمهور العرب.

وقل: فتاة غيور

لا تقل: فتاة غيورة

وقل: امرأة صبور

ولا تقل: امرأة صبورة

وقل: هي طموح

ولا تقل: هي طموحة

وذلك لأن (فعولا) بمعنى (فاعل) لا يقبل التاء ولو كان وصفا لمؤنث.

قال ابن مالك: "ولا تلي فارقة فعولا أصلا".

أي أن التاء لا تلي فعولا فارقة بين المؤنث والمذكر إن كان أصلا أي بمعنى فاعل، فإن كان فعول بمعنى مفعول وجاء وصفا لمؤنث جاز دخول التاء وعدم دخولها نحو ناقة ركوب وركوبة، وشاة حلوب وحلوبة.

وقس على ما ذكرنا فلا تقل: معدة هضومة وقل: معدة هضوم، وهكذا.

وقل: نحن فُخرُ.

لا تقل: نحن فخورون

وقل: نحن صُبرُ.

ولا تقل: نحن صبورون

وقل: نحن غُيُر.

ولا تقل: نحن غيورون

ذلك لأنه يشترط في الصفة التي تجمع جمع مذكر سالما قبول التاء، وفعول بمعنى فاعل لا يقبل التاء -كما عرفت- فلا يجمع جمع مذكر سالما، وإنما يجمع جمع تكسير على فُعُل، كقول الصحابي:"نحن صبُرُ عند اللقاء، صدق في المقال"، وقول الشاعر:

غُفُر ذنبهم غير فُخُر

ثم زادوا أنهم في قومهم

وقل: امرأة غضبى.

لا تقل: امرأة غضبانة

وقل: امرأة سكرى.

ولا تقل: امرأة سكرانة

وقل: امرأة عطشى.

ولا تقل: امرأة عطشانة

وذلك لأن جمهور العرب لم يؤنث فعلان صفة بالتاء وإنما أنثه بالألف كما مثلنا:

وقل: هم سُكارى أو سكرى.

لا تقل: هم سكرانون

وقل: هم غضابى أو غضبى أو غِضاب.

ولا تقل: هم غضبانون

وقل: نحن عِطاش.

ولا تقل: نحن عطشانون

ص: 274

وذلك لأن هذه الصفة لا تقبل التاء فلا تجمع جمع مذكر سالما. وقد عرفت ذلك آنفاً.

وهذا وبالله التوفيق،،،

ص: 275

غريب يبحث عن غريب

للشيخ محمد بن عبد الله زربان الغامدي

مدير المعهد الثانوي التابع للجامعة

والحب تطلبه النفوس وتقبل

العشق يسكن في القلوب فيقتل

حينًا فتمسكها وحينًا ترسل

وتصارع الأشواق في سكراتها

يسعى إليها جاهداً ويهرول

كل يروم محبة لينالها

ضل الطريق إلى الحبيب فيفشل

يفني الحياة لأجلها ولربما

يتلمس الأعوان فيه فيخذل

فيظل طول طريقه متعثراً

هو في فؤادي ساكن متغلغل

أنا لي حبيب حبه في مهجتي

من نبعه الصافي دواما أنهل

هو راحتي هو قوتي هو عزتي

كالأمس يدنو للمحب ويقبل

يا صاح ما بال الحبيب فلم يعد

أتراه يتركنا وعنا يرحل

قد غاب عن عيني سوى أطيافه

ونسير بين العالمين ونسأل

هيا بنا يا صاح نطلب إثره

فلعله فيها يقيم وينزل

أرني بلاد العرب فهو يحبها

فلعلنا نجد الحبيب فندخل

وأقصد بلاد الشام وأطرق بابها

إن قيل من هو قل إمام عادل

وأدخل دمشق فربما عمر بها

أو هل ترى القعقاع وهو يهلل

قف في ربا اليرموك هل ترى خالدا

كالأمس هاهي قد بدت تتبدل

ماذا دها الشام الحبيبة لم تعد

ولكم تشد لها الرحالَ وتنقل

لا تنس أولى القبلتين نزورها

أمروا إلى البلد الحرام تحولوا

صلى إليها المسلمون وحينما

أيدي اليهود الغاصبين مكبل

من يخبر الفاروق أن القدس في

عن عالم الإِسلام يومًا يعزل

ما كان يخطر للقلوب بأنه

إني لأذكره ودمعي يهطل

واليوم في لبنان ينزف للقلوب بأنه

من آمنين وكم نساء رملوا

كم من رضيع يتموه وخوفوا

ساموهمو سوء العذاب ونكلوا

عاثوا فسادًا في البلاد وأهلها

يا أمة الإسلام أمر مخجل

فإلى متى والذل فوق رقابنا

بغداده دار الرشيد ومنزل

هيا بنا نحو العراق فكان في

ص: 276

في أي أرض شئت قطرك ينزل

من خاطب المزن الثقال بقوله

بالعدل يأتينا ولو لم نسأل

فلسوف يأتيني خراجك إنه

قد كان صحبته أقول تمهلوا

والقادسية هل ترى سعدا ومن

مما يشيب له الوليد ويذهل

حتى تروا ماذا جرى من بعدكم

قالوا رويدك قد مضى أفتجهل

وسألت أرض النيل هل عمرو بها

لاقيت فيها من أحب وأقبل

يا صاحبي عودًا إلى الحرمين إن

أنا لم أجدها بل إلي يخيل

يا رب هل أنا في بلاد العرب أم

هيا لأندلس ودعني أسال

ارحل بنا يا صاح نطلب غيرها

من ضيعوا الملك العظيم وأهملوا

يا أهل أندلس أجيبوا من همو

يدري حقيقتها فسارع يعمل

يا صاح عن أفريقيا أرأيت من

ظلمًا فمن لمصيرها يتحمل

أو يترك الباغي يعيث بأهلها

قد أعجز الإِلحاد شعب أعزل

هيا إلى الأفغان إن جهادهم

للمسلمين به الصعاب تذلل

لكنه الإِيمان أعظم قوة

فالجسم منها بالهزائم مثقلُ

كيف الخلاص لأمتي مما بها

والمستجيب لما سواه سيخذل

الله ينصر من يجيب لأمره

فالموت في أشلائها يتسللُ

كثرت مصائب أمتي فتمزقت

ح وزهرنا في كل يوم يذبل

في كل أرض نشتكي ألم الجرا

لكننا نحو الظلام نهرول

النور ننبذه ولاء ظهورها

والسنة الغرا كذاك وأغفلوا

يا ويل قوم ضيعوا قرآنهم

والنور والأحزاب والمزمل

ولسورة الأنعام فيها منهج

وهناك من يذكى الخلاف ويشعل

ساد الشقاق مع التفرق بينهم

في حضنهم وهدى المهيمن أكمل

ظنوا الكمال لدى العدل فتهافتوا

أقوى نظام للحياة وأشمل

وتلمسوا نظمًا تصاغ وفيهم

من بأسه وببعضهم قد أشغلوا

في كل يوم والعدو يذيقهم

فالله يجزى بالجميل ويجزل

يا أمة الإسلام هل من توبة

فالباب مفتوح فهيا فادخلوا

توبوا إلى الرحمن توبة صادق

للحق والأعدا تتزلزل

ص: 277

أين الشباب اليوم هل من يقظة

عن جسم أمتنا الجريح ونغسل

ونزيل أدران الهزائم كلها

بالنصر يأتيكم فلا تستعجلوا

فترسموا نهج الرسول وأيقنوا

لله وجهتكم عليه توكلوا

وعلى المحجة فاستقيموا ولتكن

كم نكبة أسبابها المستعجل؟

وسلوا الثبات من المهيمن

وأكاد من ألم الحقيقة أقتل

وأقولها، والحزن يعصر مهجتي

الموت خير للجبان وأجمل

كم من خبايا في الزوايا إنما

إني أنا الإسلام يا من تسأل

يا صاحبي وأراك تسأل من أنا

ص: 278

من تراثنا الشعري

للشاعر: أبي إسحاق إبراهيم الإلبيري الأندلسي

لقبيح ما يأتي فليس بِزَاكِ

من ليس بالباكي ولا المتباكي

ما عدّ في الأكياس من لَباكِ [1]

نادت بي الدنيا فقلْتُ لها: اقْصِري

منه امرؤ صَافاكِ أو دَاناكِ

ولما صفا عند الإلهِ ولا دنَا

ولو اهتديت لما انخدعت لِذاكِ

ما زلت خادعتي ببرق خُلَّب

وكأن به قد قُصَّ في أشْراكي [2]

قالت: أغرَّكَ من جناحك طوله

إلا وقد نصبت عليه شباكي

تالله ما في الأرض مَوْضعُ راحة

عان بها لا يرتجى لِفَكاك

طِرْ كيف شئت فأنت فيها واقع

فعليّ صرْعَتُهُ بغير عِراكِ [3]

من كان يصرع قرنه في معرك

ولقد بَطَشْتُ بذي السلاح الشَّاكي

ما أعرف العضب الصقيل ولا القنا

ولكم فتكت بأفتك الفُتَّاكِ

كم ضَيْغَمٍ عفرته بعرينه

أجزيت بالبغضاء من يَهْواكِ

فأجبتها متعجباً من غدرها

أسراك أو جرحاك أو صَرعاكِ

لأجلت عيني في بنيك فكلهم

قطعوا مدى أعمارهم بِقِلَاكِ [4]

لو قارَضوكِ على صنيعك فيهم

فتهافتوا حرصاً على حَلْواكِ [5]

طُمسَتْ عقولهم ونور قلوبهم

في الأرى حتى استؤصلوا بهَلاكِ [6]

فكأنهم مثل الذباب تساقطت

عطفاً عليه وأنت ما أقْسَاك

ولقد عهدنا الأم تلطف بابنها

إلا سَيُهْشَمُ في ثفال رَحاكِ [7]

ما فوق ظهرك قاِطنٌ أو ظاعنٌ

بين الضلوع فما أعَز دَواكِ

أنت السراب وأنت داء كامن

لله ربي أن أشق عَصاكِ [8]

يُعْصى الإله إذا أطعت وطاعتي

وعُقوقهنَّ محرم إلاّكِ!

فرض علينا برنا أماتنا

ص: 279

سيَّان فقرك عندنا وغِناكِ

ما إن يدوم الفقر فيك ولا الغنى

قد باشروا بعد الحرير ثَراكِ [9]

أين الجبابرة الألى ورَياشُهُمْ

فتعوضوا منها رداء ردَاكِ

ولطالما رُدُّوا بأردية البها

فغدت مُسَجَّاةً بثوب دُجاكِ

كانت وجوههم كأقمار الدُّجا

رب الجميع، وقاهر الأمْلاكِ [10]

وعنت لقيوم السماوات العل

لزهدت فيك ولابْتَغَيتُ سِواكِ

وجلال ربي لو تصح عزائمي

وشددت إيماني بنقض عُراكِ

وأخذت زادي منك من عمل التقى

ولما رآني الله تحت لِواكِ

وحططت رحلي تحت ألوية الهدى

فترى بلا أرض ولا أفْلاك

مهلا عليك فسوف يلحقك الفنا

ليكون يرضى غير من أرضاكِ

ويعيدنا رب أمات جميعنا

إلا لبيب لم يزل يَشنْاكِ

والله ما المحبوب عند مليكه

يضحكن حبا للولي الباكي

هجر الغَواني واصلاً لعقائل

تبكي الهديل على غصون أراكِ

إني أرقت لهن لا لحمائم

تصفو وتحمد عيشة النّسّاكِ

لا عيش يصفو للملوك وإنما

عدد النجوم وعِدَّةَ الأمْلاكِ [11]

ومن الإلهِ على النبي صلاته

--------------------------------------------------------------------------------

[1]

أقصر (بهمزة القطع) : انتهى، وسهّلها الشاعر ضرورة.

[2]

ضبطت الكاف من (أغرك) و (جناحك) بالكسر في الأصل المخطوط قلت. وانظر الخطاب بعد ذلك.

[3]

القِرن بالكسر كفؤك في الشجاعة، أو هو عام.

[4]

في الأساس: فلان يقارض الناس مقارضة: يلاحيهم ويواقعهم. وعن أبي الدرداء: "إن قارضت الناس قارضوك وإن تركتَهم لم يتركوك".

[5]

في الأساس: طمس الأثر، وطمسته الريح.

[6]

الأرى: العسل.

ص: 280

[7]

الثقال: الحجر االأسفل من الرحى.

[8]

شق العصا: قال في القاموس. هي مخالفة جماعة الإسلام

[9]

الرياش والريش (بمعنى) وهو اللباس والفاخر، ومنه قوله تعالى، {وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَى} .

[10]

في التنزيل الحكيم (طه 20 /111){وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً} والأملاك ج ملك.

[11]

قلت: الظاهر من البيت أن يريد بالأملاك: الملائكة.وفي القاموس: الملك تجمع على ملائكة وملائك.

ص: 281

الأقراص - الحبوب - الكبسول

Capsules pills tablets

صيدلي/ حمدي إبراهيم علي إبراهيم

مستشفي الجامعة الإسلامية

يمكن تعاطي العقاقير بطرق عديدة.

ويعتبر التعاطي عن طريق الفم هو أشهر هذه الطرق وأبسطها وكثرها أمناً، بل وأفضلها من الناحية الاقتصادية.

وهَناك بعض الاستثناءات النادرة التي نضطر فيها إلى أخذ الدواء عن طريق آخر.

فقد يتأثر العقار بإفرازات المعدة ويعتبر غير ذي فعالية كما في الأنسولين insulin والأدرينالين adrenaline.. وبعض الأدوية بالرغم من عدم تأثرها بالعصارات المعدية ولكنها عديمة الامتصاص. ولذلك لا يعتمد عليها إلا في التأثير الموضعي داخل المعدة والأمعاء كما في حالات الإصابات المعوية أو لتقليل البكتريا الموجودة في الأمعاء الغليظة قبل إجراء العمليات الجراحية فيها.

ومن هذه الأدوية عديمة الامتصاص عقار النيومايسين neomycin والسلفات الشحيحة الذوبان كما في السلفاجواندين والسلفاثيازول. أيضا هناك بعض الأدوية تؤثر تأثيرا مباشرا على جدران المعدة gastric mucosa ويمكن تقليل التأثير المباشر لها إذا أعطيت بعد الطعام أو كسوة الأقراص والكبسولات بالكسوة المعوية. وتعتبر الأمزجة mixtures هي الأدوية السائلة التي يمكن تعاطيها عن طريق الفم بكميات مناسبة عند الحاجة أو يتناولها المريض دفعة واحدة، adraught وهذا حديث عن الأقراص والحبوب والكبسولات.. مركزاً الجانب الأكبر على الأقراص وأسأل الله التوفيق.

الأقراص tablets

ص: 282

الأقراص هي مستحضر صيدلي جامد يشتمل على مادة فعالة أو أكثر.. مخففه أو غير مخففة بمادة خاملة أو أكثر diluents ومقسمة إلى جرعات متفردة في كتل صغيرة متماسكة ومعدّة للتعاطي بالفم عن طريق البلع أو عن طريق المضغ كما نص عقار الفينولفثالين أو phnolphthaline بوضعها تحت اللسان حيث تمتص منها المواد الفعالة مباشرة كما في مادة الأيزوبرينالين isoprenaline.

ويمكن أن تكون الأقراص معدة للاستحلاب lozenges لتذوب ببطؤ في الفم فضلا عن تفتتها إذا لزم الأمر.

وهناك الأقراص الفوارة effervescent_tablets دون العقار أكثر استساغاً..كما في أقراص البوتاسيوم.

ويوجد أيضا في بعض الأحيان مستحضرات طبية ليست للتعاطي عن طريق الفم. ولكنها تحضر على شكل أقراص سريعة الذوبان في الماء كما في محاليل غسول الفم.

وأخيراً فإن الأقراص التي تحتوي على مواد سامة.. لابد أن تكون على شكل خاص وألوان محددة.

صناعة الأقراص

وصف الأقراص:

الأقراص المكسوة والغير مكسوة تكون على هيئة أجسام جامدة مستديرة بيضية أو مزواة مسطحة الأوجه أو محدبتها.

ولا يزيد وزن كل منها في المعتاد على- و1 جم.

وأسطحها ناعمة ملساء. وقد تكون مصقولة لامعة.

ومظهرها العام متجانس منتظم وحوافيها تامة كاملة غير متآكلة وهي غير هشة ولكنها صلبة بحيث تتحمل الصدمات فلا تتكسر إذا سقطت من ارتفاع متر على سطح خشبي.

ولا يحتوى القرص كله على المواد الفعالة فحسب.. وإنما يحتوي بجانب ذلك على سواغات ومواد مضافة إليها.

وهذه المواد بطبيعة الحال هي مواد غير ضارة وليس لها تأثير طبي على القيمة العلاجية للمواد الفعالة في الأقراص.

وهذه المواد المضافة هي:-

- مواد مخففة.

- مواد مبللة.

- مواد مفتتة.

- مواد مزلقة.

- مواد مساعدة على التماسك.

- مواد ملونة ومحسنة للطعم.

ص: 283

ومن المواد المخففة: فسفات الكالسيوم- السيليكا الرغوي- الدكستروز المائي والغير مائي- سكر اللبن وملح الطعام.

والمواد المبللة: تفيد في تحويل مسحوق المواد إلى حبيبات أكبر تخلو من فقاقيع الهواء. ويتحدد نوعيتها وطريقة التعامل معها بالتجربة والخبرة في صناعة الأقراص.

المواد المفتتة:

وهذه المواد تساعد على تفتيت الأقراص وسهولة اختراق المحاليل لها لامتصاص الدواء.

وقد تكون أساساً للمادة الفوارة في الأقراص الفوارة، مثال حمض الليمون أو حمض الطرطريك مع بيكربونات الصوديوم أو البوتاسيوم. ومن المواد التي تساعد على تفتيت الأقراص أيضا: سليكات الألمونيوم والمغنسيوم- ميثيل السليولوز والنشا.

المواد المزلقة:

وهذه لها أهمية خاصة في عملية تصنيع الأقراص.. فهي تساعد على انزلاق الخليط، ومثال لها:

بودرة التلك.

وتقليل الاحتكاك مع الآلات.

ومنع التصاق حبيبات الخليط أثناء عملية الضغط.

ومثال لذلك: مادة حمض الستياريك (الدهنيك) ، ستيارات المغنسيوم.

P (281)

المواد المساعدة على التماسك:

وهي التي تساعد على احتفاظ الأقراص بشكلها النهائي بعد التصنيع. ويجب أن توضع بعناية وبكميات مناسبة لكي لا يتحول القرص إلى جسم صلب لا يتفتت في المعدة أو الأمعاء، وبالتالي لا يستفاد من مواده الفعالة. ومن المواد التي تستعمل لهذا الغرض: الصمغ العربي- الجيلاتين- صمغ الكتيرة- محلول الجلوكوز والنشا.

كسوة الأقراص tablet coating:

قد تكسى الأقراص بطبقة أو بعدة طبقات من مادة خاصة أو أكثر للأسباب التالية:

- إخفاء طعمها الغير مستساغ.

- حمايتها من تأثير تعرضها للجو والرطوبة.

- حمايتها من تأثير العصير المعدي الحمضي.

- تحسين مظهرها.

- قد يصقل سطح الأقراص بالشمع أو بمادة أخرى مناسبة ليصير أملس ناعما.

ص: 284

ومن المواد المستعملة لكسوة الأقراص:

- إيثيل السليولور.

- بولي فينيل بيروليدون.

- السكر.

ويجب أن تكون مادة التغليف من طبقة رقيقة حافظة، علاوة على عدم تأثيرها على حجم أو وزن القرص، خاصة إذا كان حجمه أو وزنه قبل الكسوة كبير.

الكسوة المعوية enteric coating

في هذا النوع تغطى الأقراص بطبقة من مادة خاملة أو أكثر لا تتأثر بالعصير المعدي.. فتمر الأقراص من المعدة سليمة دون أن تتفتت ودون أن تؤثر محتوياتها في ظهارة المعدة، ولكنها تذوب في العصير المعوي القلوي حيث تمتص موادها الفعالة.

ومثال ذلك الأقراص التي تحتوي على أملاح البزموت يوديد الإميتين والإرثرومايسين.

Bismuth_ salts، emetine- iodide، erythromycin

ومن أمثلة المواد المستعملة في الكسوة المعوية:

- الجيلاتين المعامل بالفورمالين formlized- gelatin

- الكيراتين keratin.

-السالول salol

- اللك المصفى shellac.

P (282)

الأقراص طويلة المفعول sustained-action:

في هذه الأنواع من الأقراصِ: يذوب جزء منها في المعدة ليعطي تأثيراً سريعاً.. ثم يذوب باقي القرص في الأمعاء.. ليعطي تأثيراً متجدداً.

ومن أمثلة ذلك الأقراص المحتوية على هالوجينات المعادن القلوية alkali metal halides والإرثرومايسين.

ومن هنا نجد أن مميزات تعاطي الدواء بواسطة الأقراص: أن التعاطي يتم بكمية ثابتة من العقار ذات خاصية طبيعية وكيميائية خاصة لمدة محدودة وله قوة علاجية.

ولكن تبقى صعوبة البلع عند بعض الأفراد.. خاصة عند الأطفال.

الحبوب pills

هي مستحضرات على هيئة كتل صغيرة كروية أو بيضاوية الشكل، تحتوي على جرعات معينة من الأدوية المعدة للاستعمال الباطني.

تزن الحبة ما بين (0.1 – 0.3) جرام عدا الكسوة إذا ما وجدت

ص: 285

وتحضر الحبوب بخلط مادة دوائية أو أكثر خلطاً جيداً مع قاعدة التماسك (السواغ) المناسب.. بنسب تجعل الناتج عجينة شبه صلبة متماسكة متجانسة لدنة تحتفظ بقوامها وشكلها جمع تخزينها

ويجب أن تتفتت الحبوب بعد تعاطيها في المعدة أو الأمعاء.

والسواغ المستعمل في صناعة الحبوب يمكن أن يكون أحد المواد التالية:

النشا

الماء

الصمغ العربي

الجلسرين

مسحوق الآجار

الجلوكوز

مسحوق العرقسوس

الشراب البسيط

سكر اللبن

كسوة الحبوب:

وكما في الأقراص.. قد تكسى الحبوب لتحسين مظهرها أو لتغطية الطعم الغير مستساغ للمواد التي تحتويها.. ولحفظ محتوياتها من الفساد عند التخزين.. أو لحمايتها من العصير المعدي.. أو لمنع تأثيرها على جدار المعدة.

والمواد المناسبة لذلك:-

السكر- الشيكولاتة- زبدة الكاكاو- الجيلاتين- بلسم الطولو.. أيضا.. يمكن كسوة الحبوب بالكسوة المعوية بواسطة الكيراتين أو حمض الاستياريك أو بالسالول حينما يراد تفتيتها في الأمعاء وليس في المعدة كما في حالة الأقراص.

ومن أمثلة الحبوب:- حبوب الكسكارا والبلادونا- حبوب الصبر والحديد- حبوب الكوديين- حبوب الحنظل والسكرات.

الكبسول capsules

الكبسولات هي جرعات مفردة جامدة يكون الدواء فيها في داخل محافظ صلبة أو لدنة أو مرنة قابلة للذوبان.

وتكون كروية أو بيضاوية أو أسطوانية ذات أطراف مستديرة، وهي مختلفة الأحجام وتتكون المحافظ عادة من جزأين.. ينطبق أحدهما على الآخر.

وتصنع من الجيلاتين gelatin أومن ميثيل السليولوز methyl cellulose وقد تلدن بالجلسرين أو بالسورتبول أو بالسكر.. أو بأية مادة أخرى مناسبة وقد تضاف إليها أصباغ أو مواد ملونة.

كل يلزم إضافة مادة حافظة لمنع التخمر الفطري وبخاصة في حالة المحافظ الجيلاتينية.

ص: 286

وتستعمل المحافظ اللدنة soft capsules للمواد السائلة أو شبه السائلة. ولا تستعمل الكبسولات للمحتويات التي تذيب مادة المحافظ، والمواد القوية المفعول.. والتي تكون جرعاتها صغيرة.. يجوز تخفيضها بمواد خاملة قبل توزيعها على المحافظ.

أما المواد التي تتسيل مخاليطها مثل مخلوط المنثول والكافور والكلورال هيدرات، menthol، campher، chloral hydrate فيمكن وضعها في محافظ صلبة.. على أن تخلط بمادة ماصة مثل:- كربونات المغنسيوم:

أما الخلاصات السائلة وكذلك المواد التي تحتوى على نسبة كبيرة من الماء فيجب تبخيرها وتركيزها أولا ثم مزجها بالبرافين السائل أو أي زيت مناسب، ثم وضعها في محافظ لدنة.

وتمتاز الكبسولات على الأقراص بأنه يمكن التحكم في كمية المفرد الدوائي أو المفردات الدوائية بحسب حاجة المريض.

وأمثلة على الكبسولات المستعملة:

- كبسولات الأمبسلين.

- كبسولات الكلورا مفنيكول.

P (284)

- كبسولات أوكسى تتراسيكلين.

- كبسولات تتراسيكلين.

- كبسولات كلور تتراسيكلين.

والحمد لله رب العالمين

المرا جع

text book of pharmaceutics. E.A.Rawlins

دستور الأدوية المصري 1972م

المعجم الطبي الصيدلي الحديث. دكتور علي محمود عويضة.

ص: 287

القرآن يتحدّى..!

للأستاذ الدكتور محمد سيّد طنطاوي

رئيس شعبة التفسير بالدراسات العليا.

قال الله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} . (سورة البقرة: 22- 24) .

بعد أن أمر الله سبحانه وتعالى الناس بعبادته في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} . وساق من الأدلة المقنعة ما يحملهم على اعتناق عقيدة التوحيد، ونبذ عقيدة الشرك

…

أتبع ذلك بإيراد الأدلة على صدق النبي صلى الله عليه وسلم الله فيما يبلغه عن ربه، وعلى أن هذا القرآن ليس من صنع بشر، وإنما هو كلام واهب القوى والقدر

…

ففي هاتين الآيتين انتقال لإثبات الجزء الثاني من جزأي الإيمان، وهو صدق النبي صلى الله عليه وسلم في رسالته، بعد أن تم إثبات الجزء الأول من ذلك وهو وحدَانية الله تعالى وعظيم قدرته.

والمعنى: وإن ارتبتم أيها المشركون في شأن هذا القرآن الذي أنزلناه على عبدنا محمد على مهل وتدريج، فأتوا أنتم بسورة من مثله في سمو الرتبة، وعلو الطبقة، واستعينوا على ذلك بآلهتكم وبكل من تتوقعون منهم العون، ليساعدوكم في مهمتكم، أو ليشهدوا لكم أنكم أتيتم بما يماثله، إن كنتم صادقن في زعمكم أنكم تقدرون على معارضة القرآن الكريم.

والمقصود بقوله: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا

…

} نفى الريب عن المنزل عليه بنفيه عن المنزل.

ص: 288

والتعبير عن اعتقادهم في حقه بالريب للإيذان بأن أقصى ما يمكن صدوره عنهم هو الارتياب في شأنه، أو للتنبيه على أنّ كلامهم في شأن القرآن هو بمنزلة الريب الضعيف لكمال وضوح الدلائل الدالة على أنّ القرآن من عند الله تعالى.

وعبر بقوله: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ} ولم يقل: وإن ارتبتم فيما نزَّلنا، للإشارة إلى أن ذات القرآن لا يتطرق إليها ريب، ولا يطير إلى أفقها شرارة من شك، وأنه إن أثير حوله أي شك فمرجعه إلى انطماس بصيرتهم، وضعف تفكيرهم، واستيلاء الحقد والعناد على نفوسهم.

وأتى بـ (إن) المفيدة للشك مع أنّ كونهم في ريب، مما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم أمر محقق، تنزيلا للمحقق منزلة المشكوك فيه، وتنزيها لساحة القرآن عن أن يتحقق الشك فيه من أيّ أحد، وتوبيخاً لهم على وضعهم الأمور في غير مواضعها.

ووجه الإتيان بـ (في) الدالة على الظرفية، للإشارة إلى أنهم قد امتلكهم الريب وأحاط بهم إحاطة الظرف بالمظروف.

وقال: {نَزَّلْنَا} دون أنزلنا؛ لأن المراد النزول على سبيل التدريج، ومن المعروف أن القرآن قد نزل منجّما في مدة تزيد على عشرين سنة.

قال صاحب الكشاف: "فإن قلت: لم قيل: {مِمَّا نَزَّلْنَا} على لفظ التنزيل دون الإنزال؟ قلت: لأن المراد النزول على سبيل التدريج والتنجيم، وذلك أنهم كانوا يقولون: "لوكان هذا القرآن من عند الله لم ينزل هكذا نجوماً سورة بعد سورة، وآيات غب آيات، على حسب النوازل، وعلى سنن ما نرى عليه أهل الخطابة والشعر من وجود ما يوجد حيناً فحيناً، حسب ما يعن لهم من الأحوال المتجددة

…

" فقيل لهم: "إن ارتبتم في هذا الذي وقع إنزاله هكذا على مهل وتدريج، فهاتوا أنتم نوبة واحدة من نوبه، وهلموا نجماً فرداً من نجومه: سورة من أصغر السور، أو آيات شتى مفتريات، وهذا غاية التبكيت ومنتهى إزاحة العلل" [1] .

ص: 289

والمراد بالعبد في قوله تعالى: {عَلَى عَبْدِنَا} محمد صلى الله عليه وسلم وفي إضافته إلى الله تعالى تنبيه على شرف منزلته عنده، واختصاصه به.

وفي ذكره- صلوات الله عليه- باسم العبودية تذكير لأمته بهذا المعنى، حتى لا يغالوا في تعظيمه فيدعوا ألوهيته كما غالت بعض الفرق في تعظيم أنبيائها أو زعمائها فادّعت ألوهيتهم.

والسورة: الطائفة من القرآن المسماة باسم خاص، والتي أقلها ثلاث آيات، والضمير في قوله:{مِّنْ مِثْلِهِ} يعود على المنزل وهو القرآن.

والمراد من مثل القرآن: ما يشابهه في حسن النظم، وبراعة الأسلوب وحكمة المعنى. وهذا الوجه من الإعجاز يتحقق في كل سورة.

وقيل: إن الضمير في قوله: {مِّنْ مِثْلِهِ} يعود على المنزل عليه القرآن، وهو النبي صلى الله عليه وسلم ولكن الرأي الأول أرجح.

قال الإمام الرازي ما ملخصه: "وعود الضمير إلى القرآن أرجح لوجوه:

* أحدها: أن ذلك مطابق لسائر الآيات الواردة في باب التحدي لاسيما ما ذكره في سورة يونس من قوله: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ

…

} .

* وثانيها: أن البحث إنما وقع في المنزل وهو القرآن؛ لأنه قال: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا

…

} فوجب صرف الضمير إليه، ألا ترى أن المعنى: وإن ارتبتم في أنّ القرآن منزّل من عند الله فهاتوا أنتم شيئاً مما يماثله، وقضية الترتيب لو كان الضمير مردوداً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقال: وإن ارتبتم في أنّ محمداً منزّل عليه فهاتوا قرآنا مثله.

ص: 290

* وثالثها: أن الضمير لو كان عائداً إلى القرآن لاقتضى كونهم عاجزِين عن الإتيان بمثله سواء اجتمعوا أو انفردوا، وسواء أكانوا أمّيين أو عالمين، أما لو كان عائداً إلى محمد صلى الله عليه وسلم فذلك لا يقتضي إلا كون آحادهم من الأمّيين عاجزين عنه، لأنه لا يكون مثل محمد إلا الشخص الأمي، فأما لو اجتمعوا وكانوا قارئين لم يكونوا مثل محمد؛ لأن الجماعة لا تماثل الواحد، والقارئ لا يكون مثل الأمي، ولاشك أن الإعجاز على الوجه الأول أقوى.

* ورابعها: أننا لو صرفنا الضمير إلى محمد صلى الله عليه وسلم لكان ذلك يوهم أن صدور مثل القرآن ممن لم يكن مثل محمد في كونه أمياً ممكن، ولو صرفناه إلى القرآن لدلّ ذلك على أن صدور مثله من الأمي ومن غير الأمي ممتنع فكان هذا أولى [2] .

وقوله تعالى: {وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ} معطوف على قوله: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ} .

وادعوا: من الدعاء، والمراد به هنا: طلب حضور المدعو أي نادوهم.

وشهداءكم: أي: آلهتكم، جمع شهيد وهو القائم بالشهادة، فقد كانوا يزعمون أن آلهتهم تشهد لهم يوم القيامة بأنهم على حق. وقيل: الشهداء جمع شهيد بمعنى الحاضر أو الناصر أو الإمام، وكأنه سمي به لأنه يحضر المجالس وتبرم بمحضره الأمور.

ودون: بمعنى غير، وتطلق في أصل اللغة على أدنى مكان من الشيء، ومنه تدوين الكتب لأنه إدناء البعض من البعض، ودونك هذا أي: خذه من أدنى مكان منك، ثم استعير للتفاوت في الرتب فقيل: زيد دون عمرو أي: في الشرف، ومنه الشيء الدون، ثم اتسع فيه فاستعمل في كل تجاوز حد إلى حد، وتخطي أمر إلى أمر.

ص: 291

قال الجمل: "والمعنى: وادعوا إلى المعارضة من حضركم أو رجوتم معونته من إنسكم وجنّكم وآلهتكم غير الله، فإنه لا يقدر على أن يأتي بمثله إلا الله

…

أو ادعوا من دون الله شهداء يشهدون لكم بأن ما أتيتم به مثله، ولا تستشهدوا بالله، فإن الاستشهاد به من عادة المبهوت العاجز عن إقامة الحجة أو شهداءكم الذين اتخذتموهم من دون الله آلهة وزعمتم أنها تشهد لكم يوم القيامة" [3] .

وفي أمرهم بدعوة أصنامهم وهي جماد، وفى تسميتها شهداء مع إضافتها إليهم مع أنها لا تعقل ولا تنطق، في كل ذلك أقوى ألوان التهكُّم، لكي يثير في نفوسهم من الألم ما قد يكون سبباً لتنبيههم إلى جهلهم، وانصرافهم عن ضلالهم.

وقوله تعالى: {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} جملة معترضة في آخر الكلام، وجواب الشرط محذوف دل عليه الكلام السابق دلالة واضحة حتى صار ذكره في نظم الكلام مما ينزل به عن مرتبة البلاغة. والمعنى: إن كنتم صادقن في زعمكم أنكم تقدرون على معارضة القرآن فأتوا بسورة من مثله. وادعوا آلهتكم وبلغاءكم وجمع البشر ليعينوكم أو ليشهدوا لكم أنكم أتيتم بما يماثله في حكمة معانيه وحسن بيانه.

وفى هذه الآية الكريمة إثارة لحماستهم، إذ عرّض بعدم صدقهم، فتتوفر دواعيهم على المعارضة التي زعموا أنهم أهل لها.

ثم قال تعالى: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} .

والمعنى: فإن لم تفعلوا أي: تعارضوا القرآن، وتبيّن لكم أن أحداً لا يستطيع معارضته، فخافوا العذاب الذي أعده الله للجاحدين وهو النار التي وقودها الناس والحجارة.

ص: 292

والوقود: ما يلقى في النار لإضرامها كالحطب ونحوه، والحجارة: الأصنام التي كانوا يعبدونها من دون الله كما قال تعالى: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} . (الأنبياء: 98) .

واقتران المشركين بما كانوا يعبدون في النار مبالغة في إيلامهم وتحسيرهم. والاقتصار على ذكر الناس والحجارة لا يؤخذ منه أن ليس في النار غيرهما بدليل ما ذكر في مواضع أخرى من القرآن أن الجن والشياطين يدخلونها.

قال صاحب الكشاف: "فإن قلت: انتفاء إتيانهم بالسورة واجب فهلاّ جيء بـ (إذا) الذي للوجوب دون (إن) الذي للشك؟ قلت: فيه وجهان:

* أحدهما: أن يساق القول معهم على حسب حسبانهم وطمعهم، وأنّ العجز عن المعارضة كان قبل التأمل كالمشكوك فيه لديهم لاتكالهم على فصاحتهم واقتدارهم على الكلام.

* والثاني: أن يتهكم بهم كما يقول الموصوف بالقوة الواثق من نفسه بالغلبة على من يعاديه: إن غلبتك لم أبق عليك وهو يعلم أنه غالبه تهكُّما به" [4] .

وقال: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا} ، ولم يقل فإن لم تأتوا بسورة من مثله؛ لأن قوله:{فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا} جار مجرى الكناية التي تعطي اختصارا ووجازة تغنى عن طول المكنى عنه؛ ولأن الإتيان ما هو إلا فعل من الأفعال، تقول: أتيت فلانا، فيقال لك: نعم ما فعلت.

وجملة: {وَلَنْ تَفْعَلُوا} جملة معترضة بين الشرط والجزاء، جيء بها لتأكيد عجزهم عن معارضته، فإن في نفيها في المستقبل بإطلاق تأكيداً لنفيها في الحال.

ص: 293

قال الإمام الرازي: "فإن قيل: فما معنى اشتراطه في اتقاء النار انتفاء إتيانهم بسورة من مثله؟ فالجواب: أنه إذا ظهر عجزهم عن المعارضة صح عندهم صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا صح ذلك ثم لزموا العناد استوجبوا العقاب بالنار، فاتقاء النار يوجب ترك العناد، فأقيم المؤثر مقام الأثر. وجعل قوله:{فَاتَّقُوا النَّارَ} قائماً مقام قوله فاتركوا العناد. وهذا هو الإيجاز الذي هو أحد أبواب البلاغة، وفيه تهويل لشأن العناد، لإنابة اتقاء النار منابه متبعاً ذَلك بتهويل صفة النار [5] .

ومعنى: {أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} هيِّئت لهم؛ لأنهم الذين يخلدون فيها، أو أنهم خصوا بها وإن كانت معدة للفاسقين -أيضا- لأنه يريد بذلك ناراً مخصوصة لا يدخلها غيرهم كما قال تعالى:{إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّار} .

وفي هذه الآية الكريمة معجزة من نوع الإخبار بالغيب، إذ لم تقع المعارضة من أحد في أيام النبوة وفيما بعدها إلى هذا العصر.

قال صاحب الكشاف: "فإن قلت: من أين لك أنه إخبار بالغيب على ما هو حتى يكون معجزة؟ قلت: لأنهم لو عارضوه بشيء لم يمتنع أن يتواصفه الناس ويتناقلوه، إذ خفاء مثله فيما عليه مبنى العادة محال، لاسيما والطاعنون فيه أكثف عدداً من الذابين عنه، فحين لم ينقل عُلِمَ أنه إخبار بالغيب على ما هو به، فكان معجزة"[6] .

ص: 294

وقال بعض العلماء: هذه الآية الجليلة من جملة الآيات التي صدعت بتحدي الكافرين بالتنزيل الكريم. وقد تحداهم الله في غير موضع منه فقال في سورة القصص: {قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} ، وقال في سورة الأسراء:{قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً} ، وقال في سورة يونس:{أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} .

وكل هذه الآيات مكية. ثم تحداهم أيضاً في المدينة بهذه الآية: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ

…

} الآية.

فعجزوا عن آخرهم، وهم فرسان الكلام، وأرباب البيان، وقد خصوا من البلاغة والحكم بما لم يخص به غيرهم من الأمم، جعل الله لهم ذلك طبعاً وخلقة وفيهم غريزة وقوة. يأتون منه على البديهة بالعجب ويدلون به إلى كل سبب، فيخطبون، ويمدحون، ويتوسلون، ويتوصلون، ويرفعون، ويضعون، فيأتون بالسحر الحلال

…

ومع هذا فلم يتصد لمعارضة

القرآن منهم أحد، ولم ينهض- لمقدار سورة منه - ناهض من بلغائهم، ولم ينبض منهم عرق العصبية مع اشتهارهم بالإفراط والمضارة

…

وقد جرد لهم النبي صلى الله عليه وسلم الحجة أولا، والسيف آخرا، فلم يعارضوا إلا السيَف وحده، وما أعرضوا عن معارضة الحجة إلا لعلمهم أنهم أعجز من المعارضة وبذلك يظهر أن قوله تعالى:{وَلَنْ تَفْعَلُوا} معجزة أخرى، فإنهم ما فعلوا، وما قدروا

…

وحيث عجز عرب ذلك العصر فما سواهم أعجز في هذا الأمر

…

فدل على أن القرآن ليس من كلام البشر، بل هو كلام خالق القوى والقدر، أنزله تصديقاً لرسوله، وتحقيقا لمقوله [7] .

ص: 295

من أحب أن ينظر إلى القوي الأمين فلينظر إلى هذا

…

بينما عثمان بن عفان- رضي الله عنه في أرض له في العالية في يوم صائف إذ رأى رجلا يسوق جملين وعلى الأرض مثل الفراش من الحر فقال عثمان لمولى له: "انظر من هذا؟ ".

فقال: "أرى رجلا معمّمًا بردائه يسوق بكرين"ثم دنا الرجل فقال: "أَنظر من هذا؟ ".

فنظر فإذا هو عمر بن الخطاب!!.

فقال: هذا أمير المؤمنين. فقام عثمان فأخرج رأسه من الباب فإذا لفح السموم، فأعاد رأسه حتى إذا حاذاه قال:"ما أخرجك في هذه الساعة؟ " فقال: "بكران من إبل الصدقة تخلّفا وقد مضى إبل الصدقة للمرعى فأردت أن ألحقهما بالمرعى وخشيت أن يضيعا فيسألني الله عنهما يوم القيامة". فقالت عثمان: "هلم إلى الظل، والماء ونكفيك؟ ".

قال عمر: "عُدْ إلى ظلك!! "قال عثمان: "عندنا من يكفيك! "قال عمر: "عُدْ إلى ظلك! "ومضى

…

فقال عثمان: "من أحب أن ينظر إلى القوي الأمين فلينظر إلى هذا

…

"

--------------------------------------------------------------------------------

[1]

تفسير الكشاف: ج 1ص 97.

[2]

تفسير الرازي: ج 1 ص 222.

[3]

حاشية الجمل على الجلالين: ج اص 28.

[4]

تفسير الكشاف: ج اص 101.

[5]

تفسير الفخر الرازي: ج 1 ص224.

[6]

تفسير الكشاف: ج اص 101.

[7]

تفسير القاسمى: ج 2 ص 77.

ص: 296

تنَبيهَاتٌ هَامّة على ما كتبه الشيخ محمد علي الصابوني

في صفات الله عز وجل

لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز

الرئيس العام لإدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد:

فقد اطلعت على المقابلة التي أجرتها مجلة "المجتمع"مع فضيلة الشيخ محمد علي الصابوني ونشرت في العدد رقم 613 وتاريخ 7/ 6/1403 هـ، وعلى مقالاته الست المنشورة في أعداد المجتمع رقم 637 وتاريخ 17/ 17/1403 هـ ورقم 628 وتاريخ 24/ 9/ 1403هـ ورقم 629 وتاريخ 9/ 10/ 403اهـ ورقم 630وتاريخ 16/ 10/ 1403 هـ ورقم 631 وتاريخ 23/ 10/ 1403هـ ورقم 646 وتاريخ17/2/1404. وقد اشتملت على أخطاء نبّه على بعضها صاحب الفضيلة الدكتور صالح بن فوزان الفوزان في مقاله المنشور بمجلة الدعوة في عدد 15 رقم 904 وتاريخ 29/ 10/1403هـ وفي مجلة المجتمع بعددها رقم 646 وتاريخ 17/ 2/ 1404 هـ و650 في 24/2/ 1404 هـ. وقد أجاد وأفاد وأحسن جزاه الله خيرا ونصر به الحق. وقد رأيت التنبيه على ما وقع فيها من أخطاء تأكيداً لما ذكره الدكتور صالح ومشاركة في الخير ونشر الحق واستدراكا لأخطاء لم يتعرض لها فضيلة الدكتور صالح في مقاليه المشار إليهما والله الموفق. فأقول:

ص: 297

1 -

قوله عن تقليد الأئمة الأربعة: "إنه من أوجب الواجبات"لاشك أن هذا الإطلاق خطأ إذ لا يجب تقليد أحد من الأئمة الأربعة ولا غيرهم مهما كان علمه؛ لأن الحق في اتباع الكتاب والسنة لا في تقليد أحد من الناس وإنما قصارى الأمر أن يكون التقليد سائغاً عند الضرورة لمن عرف بالعلم والفضل واستقامة العقيدة كما فصّل ذلك العلامة ابن القيم رحمه الله في كتابه إعلام الموقعين، ولذلك كان الأئمة رحمهم الله لا يرضون أن يؤخذ من كلامهم إلا ما كان موافقا للكتاب والسنة، قال الإمام مالك رحمه الله:"كل يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر"يشير إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهكذا قال إخوانه من الأئمة هذا المعنى.

فالذي يتمكّن من الأخذ بالكتاب والسنة يتعيّن عليه ألا يقلّد أحداً من الناس ويأخذ عند الخلاف بما هو أقرب الأقوال لإصابة الحق والذي لا يستطيع ذلك فالمشروع له أن يسأل أهل العلم كما قال الله عز وجل: {فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} .

2-

قال: "إذا كان ابن تيمية رحمه الله مع درجة علمه لم يصل إلى مرتبة الاجتهاد وإنما مذهبه حنبلي يتقيّد به في كثير من الأحيان" وهذا القول فيه نظر بل هو خطأ ظاهر؛ فان شيخ الإسلام رحمه الله من أعلم المجتهدين، وقد توافرت فيه شروط الاجتهاد، وانتسابه إلى المذهب الحنبلي لا يخرجه عن ذلك؛ لأن المقصود من ذلك موافقته لأحمد في أصول مذهبه وقواعده، وليس المقصود من ذلك أنه يقلده فيما قاله بغير حجة، وإنما كان يختار من الأقوال أقربها إلى الدليل حسبما يظهر له رحمه الله.

3-

ذكر أن الخلافات في العقيدة ضيّقة وقال: "الذين يقولون بضلال مذهب الأشاعرة نقول لهم: ارجعوا إلى فتاوى ابن تيمية واقرءوا ماذا كتب ابن تيمية عن أبي الحسن الأشعري حتى نفهم أن هؤلاء جهلة" اهـ.

ص: 298

والجواب أن يقال: لاشك أنه ضلّ بسبب الخلاف في العقيدة فرق كثيرة كالمعتزلة والجهمية والرافضة والقدرية وغيرهم، وأيضا الأشاعرة ضلّوا فيما خالفوا فيه الكتاب والسنة وما عليه خيار هذه الأمة من أئمة الهدى كالصحابة رضي الله عنهم والتابعين لهم بإحسان والأئمة المهتدين فيما تأولوه من أسماء الله وصفاته على غير تأويله، وأبو الحسن الأشعري رحمه الله ليس من الأشاعرة وإن انتسبوا إليه لكونه رجع عن مذهبهم واعتنق مذهب أهل السنة، فمدح الأئمة له ليس مدحاً لمذهب الأشاعرة.

ولا يصح أن يرمى من اعترض على الأشاعرة فيما خالفوا فيه عقيدة أهل السنة بالجهل؛ لأن حقيقة الجهل هو القول على الله بغير علم، أما من أخذ بالكتاب والسنة وقواعد الشرع المعتبرة، وسار على طريق سلف الأمة، وأنكر على من تأول أسماء الله وصفاته أو شيئا منها على غير تأويلها فإنه لا يرمى بالجهل.

4-

قال: "إنما القوامة للرجل قوامة تكليف وليست قوامة تشريف".

والجواب أن يقال: هذا خطأ والصواب أن يقال إن قوامة الرجال على النساء قوامة تكليف وتشريف لقول الله جل وعلا: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا} الآية. فأوضح سبحانه أنه جعل الرجال قوّامين على النساء لأمرين:

- أحدهما: فضل جنس الرجال على جنس النساء.

- والأمر الثاني: قيام الرجال بالإنفاق على النساء بما يدفعونه من المهور وغيرها من النفقات.

5-

قال في مقاله الأول بعد المقدمة ما نصه: "ولا يجوز أن تجعلهم -يعني بتلك الأشاعرة والماتريدية- في صف الروافض والمعتزلة والخوارج الذين انحرفوا عن أهل السنة والجماعة غاية ما في الأمر أن نقول إنهم مخطئون في التأويل، ذلك لأن الأسلم أن نفوّض الأمر في موضوع الصفات إلى علام الغيوب الذي لا تخفى عليه خافية"اهـ.

ص: 299

والجواب أن يقال: الفرق المخالفة لأهل السنة متفاوتون في أخطائهم فليس الأشاعرة في خطئهم كالخوارج والمعتزلة والجهمية بلا شك ولكن ذلك لا يمنع من بيان خطأ الأشاعرة فيما أخطأوا فيه ومخالفتهم لأهل السنة في ذلك كما قد بيّن خطأهم غيرهم لإظهار الحق وبيان بطلان ما يخالفه تبليغاً عن الله سبحانه وعن رسوله صلى الله عليه وسلم وحذراً من الوعيد المذكور في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَاّعِنُونَ إِلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} . ثم يقال ليس الأسلم تفويض الأمر في الصفات إلى علاّم الغيوب لأنه سبحانه بيّنها لعباده وأوضحها في كتابه الكريم وعلى لسان رسوله الأمين صلى الله عليه وسلم ولم يبيّن كيفيتها، فالواجب تفويض علم الكيفية لا علم المعاني، وليس التفويض مذهب السلف بل هو مذهب مبتدع مخالف لما عليه السلف الصالح. وقد أنكر الإمام أحمد رحمه الله وغيره من أئمة السلف على أهل التفويض، وبدّعوهم؛ لأن مقتضى مذهبهم أن الله سبحانه خاطب عباده بما لا يفهمون معناه ولا يعقلون مراده منه، والله سبحانه وتعالى يتقدس عن ذلك، وأهل السنة والجماعة يعرفون مراده سبحانه بكلامه ويصفونه بمقتضى أسمائه وصفاته وينزهونه عن كل مالا يليق به عز وجل. وقد علموا من كلامه سبحانه ومن كلام رسوله صلى الله عليه وسلم أنه سبحانه موصوف بالكمال المطلق في جميع ما أخبر به عن نفسه أو أخبر به عنه رسوله صلى الله عليه وسلم، وأنا أذكر بعض النقول المهمة عن السلف الصالح في هذا الباب ليتضح للقاريء صحة ما ذكرنا.

ص: 300

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في رسالة (الفتوى الحموية) ما نصه: "روى أبو بكر البيهقي في الأسماء والصفات بإسناد صحيح عن الأوزاعي قال: "كنا -والتابعون متوافرون- نقول: "إن الله تعالى ذكره فوق عرشه ونؤمن بما وردت به السنة من الصفات". فقد حكى الأوزاعي -وهو أحد الأئمة الأربعة في عصر تابع التابعين الذين هم مالك إمام أهل الحجاز والأوزاعي إمام أهل الشام والليث إمام أهل مصر والثوري إمام أهل العراق- حكى شهرة القول في زمن التابعين بالإيمان بأن الله تعالى فوق العرش وبصفاته السمعية.

وإنما قال الأوزاعي هذا بعد ظهور مذهب جهم المنكر لكون الله فوق عرشه والنافي لصفاته ليعرف الناس أن مذهب السلف كان يخالف هذا.

وروى أبو بكر الخلال في كتاب السنة عن الأوزاعي قال: "سئل مكحول والزهري عن تفسير الأحاديث فقالا: "أمروها كما جاءت"، وروى أيضا عن الوليد بن مسلم قال: "سألت مالك ابن أنس وسفيان الثوري والليث بن سعد والأوزاعي عن الأخبار التي جاءت في الصفات فقالوا: "أمروها كما جاءت"وفي رواية قالوا: "أمروها كما جاءت بلا كيف". وقولهم رضي الله عنهم:"أمروها كما جاءت"رد على المعطلة وقولهم: "بلا كيف"رد على الممثلة.

والزهري ومكحول هما أعلم التابعين في زمانهم، والأربعة الباقون أئمة الدنيا في عصر تابعي التابعين ومن طبقاتهم حماد بن زيد وحماد بن سلمة وأمثالهما.

ص: 301

وروى أبو القاسم الأزجي بإسناده عن مطرف بن عبد الله قالت: سمعت مالك بن أنس إذا ذكر عنده من يدفع أحاديث الصفات يقول: "قال عمر بن عبد العزيز: "سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر بعده سننا الأخذ بها تصديق لكتاب الله واستكمال لطاعة الله وقوة على دين الله ليس لأحد من خلق الله تغييرها ولا النظر في شيء خالفها، من اهتدى بها فهو مهتد، ومن استنصر بها فهو منصور، ومن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا.

وروى الخلال بإسناد كلهم أئمة ثقات عن سفيان بن عيينة قال: سئل ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن قوله: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} كيف استوى؟ قال: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ومن الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ المبين، وعلينا التصديق". وهذا الكلام مروي عن مالك بن أنس تلميذ ربيعة بن أبي عبد الرحمن من غير وجه.

(ومنها) ما رواه أبو الشيخ الأصبهاني وأبو بكر البيهقي عن يحي بن يحي قال: كنا عند مالك بن أنس فجاءه رجل فقال: يا أبا عبد الله {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} كيف استوى؟ فاطرق مالك برأسه حتى علاه الرحضاء ثم قال: "الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة وما أراك إلا مبتدعا "فأمر به أن يخرج.

ص: 302

فقول ربيعة ومالك: "الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب"موافق لقول الباقين: "أمروها كما جاءت بلا كيف"؛ فإنما نفوا علم الكيفية ولم ينفوا حقيقة الصفة. ولو كان القوم قد آمنوا باللفظ المجرد من غير فهم لمعناه على ما يليق بالله لما قالوا: "الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول"ولما قالوا: "أمروها كما جاءت بلا كيف"؛ فان الاستواء حينئذ لا يكون معلوما بل يكون مجهولا بمنزلة حروف المعجم، وأيضا فانه لا يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا لم يفهم عن اللفظ معنى وإنما يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا أثبتت الصفات.

وأيضا فإن من ينفي الصفات الجزئية أو الصفات مطلقا لا يحتاج إلى أن يقول بلا كيف فمن قال: "إن الله ليس على العرش "لا يحتاج أن يقول: "بلا كيف"فلو كان مذهب السلف نفي الصفات في نفس الأمر لما قالوا: "بلا كيف". وأيضا فقولهم: "أمروها كما جاءت"يقتضي إبقاء دلالتها على ما هي عليه، فإنها جاءت ألفاظاً دالة على معاني، فلو كانت دلالتها منتفية لكان الواجب أن يقال:"أمروا لفظها مع اعتقاد أن المفهوم منها غير مراد"أو "أمروا لفظها مع اعتقاد أن الله لا يوصف بما دلت عليه حقيقة، وحينئذ تكون قد أُمرّت كما جاءت، ولا يقال حينئذ: "بلا كيف"إذ نفي الكيف عما ليس بثابت لغو من القول"اهـ.

6-

نقل في المقال المذكور عن الشيخ حسن البنا رحمه الله ما نصه: "نجتمع على ما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه".

ص: 303

والجواب أن يقال: نعم يجب أن نتعاون فيما اتفقنا عليه من نصر الحق والدعوة إليه والتحذير مما نهى الله عنه ورسوله، أما عذر بعضنا لبعض فيما اختلفنا فيه فليس على إطلاقه بل هو محل تفصيل؛ فما كان من مسائل الاجتهاد التي يخفى دليلها فالواجب عدم الإنكار فيها من بعضنا على بعض. أما ما خالف النص من الكتاب والسنة فالواجب الإنكار على من خالف النص بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن عملا بقوله تعالى:{وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} وقوله سبحانه: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَر} الآية. وقوله عز وجل: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} . وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من رأى منكم منكراً فليغيّره بيده فان لم يستطع فبلسانه فان لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان"، وقوله صلى الله عليه وسلم:"من دل على خير فله مثل أجر فاعله" أخرجهما مسلم في صحيحه. والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.

ص: 304

7-

ثم نعى الكاتب الشيخ محمد علي الصابوني في مقاله الثاني على المسلمين تفرقهم إلى سلفي وأشعري وصوفي وماتوريدي

…

الخ. ولاشك أن هذا التفرق يؤلم كل مسلم، ويجب على المسلمين أن يجتمعوا على الحق ويتعاونوا على البر والتقوى، ولكن الله سبحانه قدر ذلك على الأمة لحكم عظيمة وغايات محمودة يحمد عليها سبحانه ولا يعلم تفاصيلها سواه ومن ذلك: التمييز بين أوليائه وأعدائه، والتمييز بين المجتهدين في طلب الحق والمعرضين عنه المتبعين لأهوائهم، إلى حكم أخرى، وفي ذلك تصديق لنبيه صلى الله عليه وسلم ودليل على أنه رسول الله حقاً لكونه قد أخبر عن هذا التفرق قبل وقوعه فوقع كما أخبر حيث قال صلى الله عليه وسلم:"ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: هي الجماعة"، وفي رواية أخرى قال:"ما أنا عليه وأصحابي". وهذا يوجب على المسلمين أن يجتمعوا على الحق وأن يردوا ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول لقول الله عز وجل: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} ، وقوله سبحانه:{وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى الله} الآية.، وهاتان الآيتان الكريمتان تدلان على أن الواجب على المسلمين رد ما تنازعوا فيه في العقيدة وغيرها إلى الله سبحانه وتعالى، وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم، وبذلك يتضح الحق لهم وتجتمع كلمتهم عليه ويتحد صفهم ضد أعدائهم، أما بقاء كل طائفة على ما لديها من باطل وعدم التسليم للطائفة الأخرى فيما هي عليه من الحق فهذا هو المحذور والمنهي عنه وهو سبب تسليط الأعداء على المسلمين، واللوم كل اللوم على من تمسك بالباطل وأبى أن ينصاع إلى الحق، أما من تمسك بالحق ودعا إليه وأوضح بطلان ما خالفه

ص: 305

فهذا لا لوم عليه، بل هو مشكور وله أجران: أجر اجتهاده وأجر إصابته للحق.

8-

ذكر الصابوني في مقاله الثاني أن أهل السنة اشتهروا بمذهبين اثنين: أحدهما مذهب السلف والآخر مذهب الخلف

…

الخ.

وهذا غلط بين لم يسبقه إليه أحد فيما أعلم فان مذهب أهل السنة واحد فقط وهو ما درج عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتباعهم بإحسان وهو إثبات أسماء الله وصفاته وإمرارها كما جاءت والإيمان بأنها حق وأن الله سبحانه موصوف بها على الوجه الذي يليق بجلاله من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل ولا تأويل لها عن ظاهرها ولا تفويض بل يؤمنون بأن معانيها معلومة وأنها حق لائقة بالله سبحانه وتعالى لا يشابه خلقه في شيء منها ومذهب الخلف بخلاف ذلك كما يعلم ذلك من قرأ كلام هؤلاء وكلام هؤلاء- ثم ذكر أن أهل السنة يفوضون علم معاني الصفات إلى الله وكرر ذلك في غير موضع وقد أخطأ في ذلك ونسب إليهم ما هم براء منه كما تقدم بيان ذلك فيما نقلناه من كلام شيخ الإِسلام ابن تيمية رحمه الله عن جمع من أهل السنة رحمة الله عليهم وإنما يفوض أهل السنة إلى الله سبحانه علم الكيفية لا علم المعاني كما سبق إيضاح ذلك.

ص: 306

9-

ثم ذكر الصابوني هداه الله تنزيه الله سبحانه عن الجسم والحدقة والصماخ واللسان والحنجرة وهذا ليس بمذهب أهل السنة بل هو من أقوال أهل الكلام المذموم وتكلفهم فإن أهل السنة لا ينفون عن الله إلا ما نفاه عن نفسه أو نفاه رسوله صلى الله عليه وسلم ولا يثبتون له إلا ما أثبته لنفسه أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم ولم يرد في النصوص نفي هذه الأمور ولا إثباتها فالواجب الكف عنها وعدم التعرض لها بنفي ولا إثبات ويغني عن ذلك قول أهل السنة في إثبات صفات الله وأسمائه أنه لا يشابه فيها خلقه وأنه سبحانه لا ند له ولا كفو له، قال الإمام أحمد رحمه الله:"لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم لا يتجاوز القرآن والحديث"، وهذا هو معنى كلام غيره من أئمة السنة، وأما ما وقع في كلام البيهقي رحمه الله في كتابه الاعتقاد من هذه الأمور فهو ممل دخل عليه من كلام المتكلمين وتكلفهم فراج عليه واعتقد صحته والحق أنه من كلام أهل البدع لا من كلام أهل السنة.

15-

ثم قال الصابوني في مقاله الثاني ما نصه: "أما ما يتخيله بعض الجهلة من أدعياء العلم اليوم الذين يصورون الله بصورة غريبة عجيبة ويجعلون الله تعالى كأنه جسم مركب من أعضاء وحواس له وجه ويدان وعينان وله ساق وأصابع وهو يمشي وينزل ويهرول ويقولون في تقرير هذه الصفات أن الله يجلس كما يجلس الواحد على السرير، وينزل كما ينزل أحدنا على الدرج. يريد بزعمه أن يقرر مذهب السلف الصالح للتلاميذ ويثبت لهم حقيقة معنى الاستواء والنزول وأنه جلوس حس لا كما يتأوله المؤولون فهذا والعياذ بالله عين الضلالة لأنه شبه وجسم وهو كمن فرّ من حفرة صغيرة ليقع في هوة عميقة يتحطم فيها ويهوى فيها إلى مكان سحيق"أ. هـ.

ص: 307

وأقول: "إن الأخ الصابوني هداه الله قد جمع في هذا الكلام حقا وباطلا يعلمه كل صاحب سنة وإليك أيها القارئ المؤمن التفصيل في ذلك:

أما الوجه واليدان والعينان والساق والأصابع فقد ثبتت في النصوص من الكتاب والسنة الصحيحة وقال بها أهل السنة والجماعة وأثبتوها لله سبحانه على الوجه اللائق به سبحانه وهكذا النزول والهرولة جاءت بها الأحاديث الصحيحة ونطق بها الرسول صلى الله عليه وسلم وأثبتها لربه عز وجل على الوجه اللائق به سبحانه من غير مشابهة لخلقه ولا يعلم كيفية هذه الصفات إلا هو سبحانه فإنكار الصابوني هذه الصفات إنكار على النبي صلى الله عليه وسلم بل إنكار على الله عز وجل لأنه سبحانه ذكر بعضها في كتابه العزيز وأوحى البعض الآخر لنبيه صلى الله عليه وسلم فإنه صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى، وإنما يخبر عن الله سبحانه بما أوحى إليه. فالصابوني هداه الله تارة يقول:"إنه يلتزم بمذهب أهل السنة"، وتارة ينقضه ويخالفه فإنا لله وإنا إليه راجعون، ونسأل الله لنا وله الهداية والرجوع إلى الحق، وأما قوله:"ويقولون في تقرير هذه الصفات أن الله يجلس كما يجلس الواحد على السرير وينزل كما ينزل أحدنا على الدرج.. الخ". فهذا أهل السنة براء منه بل هو من كلام المشبهة الذين كفرهم السلف الصالح وأنكروا مقالتهم لكونها مصادمة لقول الله عز وجل: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} وما جاء في معناها من الآيات، فلا يجوز لأحد أن يخلط بين كلام أهل الحق من أهل السنة وكلام أهل الباطل من المشبهة وغيرهم، ولا يميز بينهما بل الواجب التفصيل والتمييز.

11-

ثم زعم الصابوني في مقاله الثالث أنّ أوّل من كتب في أصول الدين ورد شبهات أهل الزيغ والضلال أبو الحسن الأشعري وأبو منصور الماتوريدي.

ص: 308

وهذا جزم غير صحيح فقد سبقهما في ذلك الإمام أبو حنيفة رحمه الله والإمام عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون والإمام مالك رحمه الله والإمام أحمد بن حنبل والإمام محمد بن إسحاق بن خزيمة والإمام عثمان بن سعيد الدارمي في الرد على المريسي والإمام عبد العزيز الكناني صاحب الحيدة وغيرهم ممن لا يحصى.

12-

ثم كرر الصابوني هداه الله في قال الثالث قوله: "إن السلف لهم مذهبان مذهب أهل التفويض ومذهب أهل التأويل.."إلى آخر ما قال، إلى أن قال:"إنّ بعضهم يفضل مذهب السلف ويقول: "إنه أسلم" والبعض الآخر يفضل مذهب الخلف ويقول هو أحكم".اهـ

ص: 309

والجواب: أن هذا التقسيم باطل كما تقدم وليس للسلف إلا مذهب واحد وهو مذهب أهل السنة والجماعة وهم الصحابة رضي الله عنهم، وأتباعهم بإحسان، وهو الأسلم والأعلم والأحكم، أما المذهب الثاني فهو مذهب الخلف المذموم، وهو مذهب أهل التأويل والتحريض والتكلف، ولا يلزم من ذم مذهب الخلف والتحذير منه القول بتكفيرهم؛ فإن التفكير له حكم آخر يبنى على معرفة قول الشخص وما لديه من الباطل ومدى مخالفته للحق فلَا يجوز أن يقال إنه يلزم من ذم مذهب الخلف أو الإنكَار على الأشاعرة ما وقعوا فيه من تأويل الصفات وتحريفها إلا صفات قليلة استثنوها القول بتكفيرهم، وإنما المقصود بيان مخالفتهم لأهل السنة في ذلك وبطلان ما ذهب إليه الخلف من التأويل وبيان أن الصواب هو مذهب السلف الصالح وهم أهل السنة والجماعة في إمرار آيات الصفات وأحاديثها وإثبات ما دلت عليه من الأسماء والصفات على الوجه اللائق بالله سبحانه من غير تحريف ولا تعطيل ولا تأويل ولا تكييف ولا تمثيل كما سبق ذكر ذاك غير مرة والله المستعان. ثم ذكر كلام البيهقي هنا وقد تقدم ما فيه وأنه رحمه الله دخلت عليه ألفاظ من ألفاظ أهل البدع فراجت عليه وظنها صوابا فأدخلها في كتابه وهو من جملة الذين خاضوا في الكلام وعلق باعتقاده بعض ما فيه من الشر سامحه الله وعفى عنه، كما نبه على ما يدل على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في الفتاوى ج 6 ص 53.

13-

ثم قال الصابوني في مقاله الثالث ما نصه: "ولا يظن أحد أننا نفضل مذهب الخلف على مذهب السلف ولسنا على الرأي الذي يقوله علماء الكلام: "مذهب السلف أسلم ومذهب الخلف أحكم"، بل نقول عن إيمان ويقين: "إن مذهب السلف هو الأسلم وهو الأحكم فلا نحاول أن نؤول صفات الخالق جل وعلا، بل نؤمن بها كما جاء، ونقربها كما وردت مع نفي التشبيه والتجسيم".

ثم استشهد بقول بعض الشعراء:

مما تكلفه المؤول

ص: 310

إنّ المفوّض سالم

إلى أن قال: "وإذا كان من أول في الصفات ضال فسنضلل السلف الصالح جميعاً لأنهم أوّلوا قوله تعالى: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلا هُوَ سَادِسُهُمْ} .

قالوا معهم بعلمه لا بذاته وأوّلوا قوله تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} قالوا: "معية علم لئلا تتعدد الذات". وسنحكم بضلال الحافظ بن كثير لأنه قال في قوله تعالى: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ} ملائكتنا أقرب إليه منكم ولكن لا ترونهم كما أولى قوله تعالى: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} قال: "المراد ملائكتنا أقرب إلى الإنسان من حبل وريده إليه والحلول والاتحاد منفي بالإجماع تعالى الله وتقدس". وقال: "بل نقول إنه يتعين التأويل أحيانا كما في الحديث الصحيح: "الحجر الأسود يمين الله في أرضه"وكما قال عن سفينة نوح {وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ} ا. هـ.

ص: 311

والجواب أن يقال: قد أحسنت في اختيار مذهب السلف الصالح واعتقاد أنه الأسلم والأحكم ولكنك لم تثبت عليه بل تارة تختار مذهب التأويل وتارة تختار مذهب التفويض والواجب على المؤمن الثبات على الحق وعدم التحوّل عنه، وما ذكرته عن السلف من تفسير قوله تعالى:{وَهُوَ مَعَكُمْ} بالعلم ليس بالتأويل، ولكنه هو معنى آيات المعية عند أهل السنة والجماعة. كما حكى الإمام أبو عمر بن عبد البر وأبو عمر الطلمنكي إجماع أهل السنة على ذلك؛ وذلك لأن النصوص من الكتاب والسنة الدالة على علوه وفوقيته وتنزيهه سبحانه عن الحلول والاتحاد تقتضي ذلك، ومن تأمل الآيات الواردة في ذلك علم أنها تدل على أن المراد بالمعية العلم بأحوال عباده واطلاعه على شؤونهم مع دلالة المعية الخاصة على كلاءته ورعايته وحفظه ونصره لأنبيائه وأوليائه، مع علمه واطلاعه على أحوالهم والعرب الذين نزل الكتاب وجاءت السنة بلغتهم يعلمون ذلك ولا يشتبه عليهم، ولهذا لم يسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن معاني هذه الآيات لظهورها لهم. أما النصوص الأخرى فلا تحتاج إلى تأويل لأن المعنى فيها ظاهر مثل قوله سبحانه:{تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا} و {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} ، {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} فلا يدور بخلد أحد أن السفينة بعين الله سبحانه ولا أن محمداً عليه الصلاة والسلام في عين الله، وإنما المراد بذلك أن السفينة تجري برعاية الله وعنايته وتسخيره لها وحفظه لها وأنّ محمدا صلى الله عليه وسلم تحت رعاية مولاه وعنايته وحفظه كلاءته، وهكذا قوله في حق موسى:{وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} أي تحت رعايتي وحفظي، وهكذا حديث:"كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به" يفسره قوله في الرواية الأخرى: "فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي" ولا يظن من له أدنى بصيرة ممن يعرف اللغة العربية أن المراد بذلك: أن الله سبحانه هو سمع

ص: 312

الإنسان وبصره، وهو يده ورجله، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، وإنما أراد من ذلك سبحانه بيَان توفيقه لأوليائه وتسديده لهم في حواسهم وحركاتهم بسبب طاعاتهم له وقيامهم بحقه، وهكذا الأحاديث الأخرى كقوله:"الحجر يمين الله" فإنه حديث ضعيف والصواب وقفه على ابن عباس، ومعناه ظاهر سواء كان مرفوعا أو موقوفا، وقد قال في نفس الحديث:"فكأنما صافح الله وقبّل يمينه" فدل على أن الحجر ليس هو يمين الله وإنما شبه مستلمه ومقبله بمن صافح الله وقبّل يمينه ترغيبا في استلامه وتقبيله، وهكذا قول الله سبحانه في الحديث الصحيح لعبده "مرضت فلم تعدني، وجعت فلم تطعمني"قد بيّن في هذا الحديث ما يدل على معناه حيث قال سبحانه: "أما علمت أنك لوعدته لوجدتني عنده، ولو أطعمته لوجدت ذلك عندي " فعلم بذلك أن الله سبحانه لم يمرض ولم يجع، وإنما أراد سبحانه من ذلك حث العباد على عيادة المريض وإطعام الجائع.

ص: 313

وأما قوله سبحانه: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} ، وقوله:{وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ} فقد فسره جماعة بقرب الملائكة لأن قربهم من العبد حين يتلقى المتلقيان وحين الموت كان بأمره سبحانه وتقديره ورعايته لعباده، وفسره آخرون بأنه قربه سبحانه بعلمه وقدرته وإحاطته بعباده كالمعية وكقربه من عابديه وسائليه مع علوه وفوقيته سبحانه، وليس المراد الحلول ولا الاتحاد -تعالى الله عن ذلك وتقدس- لأن الأدلة القطعية من الكتاب والسنة تدل على أن الله سبحانه فوق العرش بائن من خلقه عال عليهم، وعلمه في كل مكان، فمن تدبر النصوص من الكتاب والسنة وفسّر بعضها ببعض اتضح له المعنى ولم يحتج إلى التأويل، وقد اختار أبو جعفر بن جرير رحمه الله في تفسيره القول الثاني في سورة (ق) ، والقول الأول في سورة الواقعة، وقد أنكر أهل السنة على من تأول نصوص الصفات وبدّعوه لما يترتب على تأويلها من أنواع الباطل وتحريف الكلم عن مواضعه وتجريد الرب سبحانه من صفات الكمال وسوء الظن به وأنه خاطب عباده بما ظاهره تشبيه وتمثيل وأن المراد غيره. وهذا هو التأويل المذموم وهذا هو الذي سلكه أهل الكلام وأنكره عليهم أهل السنة وضللوهم في ذلك لكونهم تأولوا النصوص عن ظاهرها وصرفوها عن الحق الذي دلت عليه بلا حجة ولا برهان من كتاب ولا سنة بل بمقتضى عقولهم وآرائهم التي لم ينزل الله بها من حجة ولا قام عليها برهان. وقد ألزموهم فيما أثبتوا نظير ما فرّوا منه فيما تأولوه، وهو لازم لهم بلا شك ولا يسلم من التناقض واللوازم الباطلة إلا من أثبت ما أثبته الله ورسوله ونفى ما نفاه الله ورسوله وهم أهل السنة والجماعة والله المستعان.

ص: 314

14-

ثم دعا في مقاله الرابع إلى جمع الكلمة بين الفئات الإسلامية وتضافر الجهود ضد أعداء الإسلام وذكر أن الوقت ليس وقت مهاجمة لأتباع المذاهب ولا للأشاعرة ولا للإخوان حتى ولا للصوفيين"ا. هـ.

والجواب أن يقال:

لاريب أنه يجب على المسلمين توحيد صفوفهم وجمع كلمتهم على الحق وتعاونهم على البر والتقوى ضد أعداء الإسلام كما أمرهم الله سبحانه بذلك بقوله عز وجل: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا} وحذّرهم من التفرّق بقوله سبحانه: {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ} الآية. ولكن لا يلزم من وجوب اتحاد المسلمين وجمع كلمتهم على الحق واعتصامهم بحبل الله ألا ينكروا المنكر على من فعله أو اعتقده من الصوفية أو غيرهم بل مقتضى الأمر بالاعتصام بحبل الله أن يتآمروا بالمعروف ويتناهوا عن المنكر ويبينوا الحق لمن ضل عنه أو ظن ضدّه صواباً بالأدلة الشرعية حتى يجتمعوا على الحق وينبذوا ما خالفه وهذا هو مقتضى قوله سبحانه: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى اْلإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} وقوله سبحانه: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} ومتى سكت أهل الحق عن بيان أخطاء المخطئين وأغلاط الغالطين لم يحصل منهم ما أمرهم الله به من الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومعلوم ما يترتب على ذلك من إثم الساكت عن إنكار المنكر وبقاء الغالط على غلطه والمخالف للحق على خطئه وذلك خلاف ما شرعه الله سبحانه من النصيحة والتعاون على الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والله ولي التوفيق.

ص: 315

15-

ثم ذكر في مقاله الخامس ما نصّه "ليس مذهب السلف الصالح -الذي أسلفنا الحديث عنه في مقالاتنا السابقة في موضوع صفات الباري جل وعلا- هو (التفويض المطلق) كما يتوهم البعض من الناس بل هو مسلك آخر يدل على نظر ثاقب وفهم سليم مستقيم لنصوص الكتاب والسنة، ويتلخص هذا المسلك والمنهج في الآتي:

أولاً: تأويل ما لابد من تأويله من آيات الصفات وأحاديث الصفات مما لا مندوحة عن تأويله لأسباب لغوية أو شرعية أو اعتقادية.

ثانياً: إثبات ما أثبته القرآن الكريم أو السنة المطهّرة من صفات الله جل وعلا: (السمع والبصر والكلام والمحبة والرضى والاستواء والنزول والإتيان والمجيء) وغيرها من الصفات، والإيمان بها على مراد الله عز وجل بطريق التسليم والتفويض دون تشبيه أو تعطيل أو تجسيم أو تمثيل"ا. هـ.

والجواب أن يقال:

إنّ هذه الدعوى على مذهب السلف دعوى لا أساس لها من الصحة فإنّ السلف الصالح ليس مذهبهم التفويض لأسماء الله وصفاته لا تفويضاً عاماً ولا خاصاً، وإنما يفوّضون علم الكيفية كما تقدم بيان ذلك، وكما نصّ على ذلك مالك وأحمد وغيرهما، وقبلهما أم سلمة رضي الله عنهما وربيعة بن أبي عبد الرحمن شيخ مالك رضي الله عن الجميع، وليس من مذهب السلف أيضاً تأويل الصفات بل يمرّونها كما جاءت ويؤمنون بمعانيها على الوجه اللائق بالله سبحانه من غير تحريفا ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل كما سلف ذكر ذلك غير مرة.

ص: 316

وليس من مذهب السلف أيضا نفى التجسيم ولا إثباته لأن ذلك لم يرد في الكتاب ولا في السنة ولا في كلام سلف الأمة كما نصّ على ذلك غير واحد من أئمة السنة ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فقد نصّ على ذلك في كتابه التدمرية حيث قال في القاعدة السَادسة: "ولهذا لما كان الرّد على من وصف الله تعالى بالنقائص بهذا الطريق طريقاً فاسداً لم يسلكه أحد من السلف أو الأئمة فلم ينطق أحد منهم في حق الله بالجسم لا نفياً ولا إثباتاً ولا بالجوهر والتحيّز ونحو ذلك؛ لأنها عبارات مجملة لا تحق حقاً ولا تبطل باطلاً. ولهذا لم يذكر الله في كتابه فيما أنكره على اليهود وغيرهم من الكفار ما هو من هذا النوع بل هذا هو من الكلام المبتدع الذي أنكره السلف والأئمة"اهـ.

وقال الحافظ بن رجب الحنبلي رحمه الله في كتابه (فضل علم السلف على علم الخلف) -بعد كلام سبق-: "والصواب ما عليه السلف الصالح من إمرار آيات الصفات وأحاديثها كما جاءت من غير تفسير ولا تكييف ولا تمثيل، ولا يصح عن أحد منهم خلاف ذلك البتة خصوصاً الإمام أحمد ولا خاضوا في معانيها ولا ضربوا مثلا من الأمثال لها، وان كان بعض من كان قريبا من زمن الإمام أحمد فيهم من فعل شيئا من ذلك إتباعا لطريقة (مُقاتِل) فلا يقتدى به في ذلك إنما الاقتداء بأئمة الإسلام كابن المبارك ومالك والثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد ونحوهم، وكل هؤلاء لا يوجد في كلامهم شيء من جنس كلام المتكلّمين فضلا عن كلام الفلاسفة ولم يدخل ذلك في كلام من سلم من قدح وجرح، وقد قال أبوزرعة الرازي: "كل من كان عنده علم فلم يصن علمه احتاج في نشره إلى شيء من الكلام فلستم منه"اهـ.

ص: 317

وليس فيما ثبت في الكتاب والسنة من أسماء الله وصفاته ما يجب تأويله بل لابد أن يوجد في النصوص ما يدل على المعنى المراد الذي يجب إثباته لله على الوجه اللائق به من غير حاجة إلى تأويل يخالف الظاهر من كلام الله ومن كلام رسوله صلى الله عليه وسلم مع تفويض علم الكيفية إلى الرب عز وجل كما سبق بيان ذلك في كلام أئمة السنة.

16-

ثم قال الصابوني في مقاله الخامس - هداه الله وألهمه التوفيق - ما نصه: "ولكني أربأ بإخواني السلفيين أن يتحملوا في أعناقهم وزر تضليل الأمة وتكفير أئمة المسلمين من أهل الفقه والحديث والتفسير الذين هم على مذهب الأشاعرة فماذا سنجني إن فرّقنا صف المسلمين ونسبنا إلى الضلال شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني شارح البخاري"، وذكر جماعة آخرين ثم قال:"وكل هؤلاء الأئمة الأجلاء وغيرهم من مذهب الإمام الأشعري.. الخ" اهـ.

ص: 318

والجواب أن يقال: ليس من أهل العلم السلفيين من يكفّر هؤلاء الذين ذكرتهم، وإنما يوضحون أخطاءهم في تأويل الكثير من الصفات ويوضحون أن ذلك خلاف مذهب سلف الأمة وليس ذلك تكفيراً لهم ولا تمزيقاً لشمل الأمة ولا تفريقاً لصفهم وإنما في ذلك النصح لله ولعباده وبيان الحق والرد على من خالفه بالأدلة النقلية والعقلية والقيام بما أوجب الله سبحانه على العلماء من بيان الحق وعدم كتمانه والقيام بالدعوة إلى الله والإرشاد إلى سبيله ولو سكت أهل الحق عن بيانه لاستمر المخطئون على أخطائهم وقلدهم غيرهم في ذلك وباء الساكتون بإثم الكتمان الذي توعدهم الله عليه في قوله سبحانه:{إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ إِلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} وقد أخذ الله على علماء أهل الكتاب الميثاق لتبيينه للناس ولا يكتمونه وذمهم على نبذه وراء ظهورهم وحذرنا من أتباعهم.

فإذا سكت أهل السنة عن بيان أخطاء من خالف الكتاب والسنة شابهوا بذلك أهبة الكتاب المغضوب عليهم والضالين ثم يقال للأخ الصابوني ليس علماء الأشاعرة من اتبعا أبي الحسن الأشعري لأنه رجع عن تأويل الصفات وقال بمذهب أهل السنة والجماعة في إثبات الأسماء والصفات وإمرارها كما جاءت من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل كل أوضح ذلك في كتابيه الإبانة والمقالات فعلم مما ذكرنا أن من أول الصفات من المنتسبين للأشعري فليس على مذهبه الجديد بل هو على مذهبه القديم ومعلوم أن مذهب العالم هو ما مات عليه معتقدا له لا ما قاله سابقا ثم رجع عنه فيجب التنبه لذلك والحذر مما يلبس الأمور ويضعها في غير موضعها والله المستعان.

ص: 319

17-

ذكر الصابوني في مقاله السادس الذي بدأه بقوله: "هذا بيان للناس.. إنّ التأويل لبعض آيات وأحاديث الصفات لا يخرج المسلم عن جماعة أهل السنة فمنه ما هو خطأ ومنه ما هو صواب، وهنا آيات صريحة في التأويل أوّلها الصحابة والتابعون وعلماء السلف وما يتجرأ أحد أن ينسبهم إلى الضلال أو يخرجهم عن أهل السنة والجماعة"، ثم ضرب لذلك أمثلة منها قوله تعالى:{نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُم} ، ومنها ما ذكره سبحانه من استهزائه بالمستهزئين وسخريته من الساخرين بالمؤمنين ومكره بالماكرين وكذلك أيضاً الحديث الصحيح عن قول الله عزوجل:"مرضت فلم تعدني، وجعت فلم تطعمني". إلى أن قال: "

…

إذن ليس الأمر كما يظن البعض أن مذهب السلف ليس فيه تأويل مطلقاً بل مذهب السلف هو تأويل ما لابد من تأويله"اهـ.

والجواب أن يقال: هذا الكلام فيه تفصيل وفيه حق وباطل فقوله: "إنّ التأويل لبعض الصفات لا يخرج المسلم عن جماعة أهل السنة صحيح في الجملة فالمتأول لبعض الصفات كالأشاعرة لا يخرج بذلك عن جماعة المسلمين ولا عن جماعة أهل السنة في غير الصفات ولكنه لا يدخل في جماعة أهل السنة عند ذكر إثباتهم للصفات وإنكارهم للتأويل، فالأشاعرة وأشباههم لا يدخلون في أهل السنة في إثبات الصفات لكونهم قد خالفوهم في ذلك وسلكوا غير منهجهم، وذلك يقتضي الإنكار عليهم وبيان خطئهم في التأويل وأن ذلك خلاف منهج أهل السنة والجماعة كما تقدم بيانه في أول هذه التنبيهات كما أنه لا مانع أن يقال: إن الأشاعرة ليسوا من أهل السنة في باب الأسماء والصفات وإن كانوا منهم في الأبواب الأخرى حتى يعلم الناظر في مذهبهم أنهم قد أخطأوا في تأويل بعض الصفات وخالفوا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأتباعهم بإحسان في هذه المسألة تحقيقا للحق وإنكارا للباطل وإنزالا لكل من أهل السنة والأشاعرة في منزلته التي هو عليها.

ص: 320

ولا يجوز أن ينسب التأويل إلى أهل السنة مطلقا بل هو خلاف مذهبهم وإنما ينسب التأويل إلى الأشاعرة وسائر أهل البدع الذين تأوّلوا النصوص على غير تأويلها.

أما الأمثلة التي مثل بها الأخ الصابوني للتأويل عند أهل السنة فلا حجة له فيها وليس كلامهم فيها من باب التأويل بل هو من باب إيضاح المعنى وإزالة اللبس عن بعض الناس في معناها وهاك الجواب عنها: أما قوله تعالى: {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُم} (التوبة: من الآية 67) فليس المراد بالنسيان فيها النسيان في قوله تعالى: {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُم} (مريم: من الآية 64) وفي قوله تعالى: {فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى} (طه: من الآية 52) بل ذلك له معنى والنسيان المثبت له معنى آخر فالنسيان المثبت في قوله تعالى: {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُم} هو تركه إياهم في ضلالهم وإعراضه عنهم سبحانه لتركهم أوامره وإعراضهم عن دينه لنفاقهم وتكذيبهم، والنسيان المنفي عن الله سبحانه هو النسيان الذي بمعنى الذهول والغفلة، فالله سبحانه منزه عن ذلك لكمال علمه وكمال بصيرته بأحوال عباده وإحاطته بكل شؤونهم فهو الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم ولا ينسى ولا يغفل - تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا -، وبذلك يعلم أنّ تفسير النسيان بالترك في قوله تعالى:{الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُم} (التوبة: من الآية 67) ليس من باب التأويل، ولكنه من باب تفسير النسيان في هذا المقام بمعناه اللغوي لأن كلمة النسيان مشتركة يختلف معناها بحسب مواردها كما بيّن ذلك علماء التفسير رحمهم الله قال الحافظ ابن كثير رحمه الله في معنى الآية ما نصه: " {نَسُوا اللَّهَ} ، أي نسوا ذكر الله {فَنَسِيَهُم} أي عاملهم معاملة من نسيهم كقوله تعالى: {وَقِيلَ

ص: 321

الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا} (الجاثية:34) اهـ.

وهكذا ما ذكره الله سبحانه من استهزائه بالمستهزئين وسخريته بالساخرين ومكره بالماكرين وكيده للكائدين لا يحتاج إلى تأويل لكونه من باب الجزاء من جنس العمل لأن السخرية منه سبحانه بالساخرين كانت بحق وهكذا مكره بالماكرين واستهزاؤه بالمستهزئين وكيده للكائدين كله بحق وما كان بحق فلا نقص فيه، والله سبحانه يوصف بذلك لأن ذلك وقع منه على وجه يليق بجلاله وعظمته، ولا يشابه ما يقع من الخلق؛ لأن أعداءه سبحانه فعلوا هذه الأفعال معاندة للحق وكفراً به وإنكاراً له فعاملهم سبحانه بمثل ما فعلوا على وجه لا يشابه فيه أفعالهم، ولا يعلم كيفيته إلا هو سبحانه، وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون، ومن كيده لهم ومكره بهم وسخريته بهم واستهزائه به إمهالهم وإنظارهم وعدم معاجلتهم بالعقوبة، ومن ذلك ما يظهره للمنافقين يوم القيامة من إظهاره لهم بعض النور ثم سلبهم إياه كما قال عز وجل في سورة الحديد:{يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ الله وَغَرَّكُمْ بِالله الْغَرُورُ فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} (الحديد:13)

…

وهكذا قال علماء التفسير من أهل السنة في هذا المعنى:

ص: 322

قال الإمام ابن جرير رحمه الله بعد أن ذكر أقوال العلماء في تفسير قوله تعالى: {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} (البقرة:15) . والصواب في ذلك من القول والتأويل عندنا أن معنى الاستهزاء في كلام العرب: إظهار المستهزئ للمستهزأ به من القول والفعل ما يرضيه ظاهراً وهو بذلك من قبله وفعله به مورثه مساءة باطنا وكذلك معنى الخداع والسخرية والمكر فإذا كان ذلك كذلك وكان الله جل ثناؤه قد جعل لأهل النفاق في الدنيا من الأحكام بما أظهروا بألسنتهم من الإقرار بالله ورسوله وبما جاء به من عند الله الذي أدخلهم في عداد من يشمله اسم الإسلام وان كانوا لغير ذلك مستبطنين أحكام المسلمين المصدّقين إقرارهم بألسنتهم بذلك بضَمائر قلوبهم وصحائح عزائمهم وحميد أفعالهم المحققة لهم صحة إيمانهم مع علم الله عز وجل بكذبهم واطلاعه على خبث اعتقادهم وشكّهم فيما ادّعوا بألسنتهم إنهم به مصدّقون حتى ظنوا بالآخرة إذ حشروا في عداد من كانوا في عدادهم في الدنيا أنهم واردون موردهم وداخلون مدخلهم والله جل جلاله مع إظهاره ما قد أظهر لهم من الأحكام الملحقة هم في عاجل الدنيا وآجل الآخرة إلى حال تمييزه بينهم وبين أوليائه، وتفريقه بينهم وبينهم، معدٌّ لهم من أليم عقابه ونكال عذابه ما أعدّ منه لأعدى أعدائه وشر عباده حتى ميّز بينهم وبين أوليائه فألحقهم من طبقات جحيمه بالدرك الأسفل. كان معلوماً أنه جل ثناؤه بذلك من فعله بهم وإن كان جزاء لهم على أفعالهم وعدلا ما فعل من ذلك بهم لاستحقاقهم إياه منه بعصيانهم له كان بهم بما أظهر لهم من الأمور التي أظهرها لهم من إلحاقه أحكامهم في الدنيا بأحكام أوليائه وهم له أعداء وحشره إياهم في الآخرة مع المؤمنين وهم به من المكذبين إلى أن يميز بينهم وبينه مستهزئا وبهم ساخراً ولهم خادعاً وبهم ماكراً إذ كان معنى الاستهزاء والسخرية والمكر والخديعة ما وصفنا قبل دون أن يكون ذلك معناه في حال

ص: 323

فيها المستهزئ بصاحبه له ظالم أو عليه فيها غير عادل بل ذلك معناه في كل أحواله إذا وجدت الصفات التي قدمنا ذكرها في معنى الاستهزاء وما أشبهه من نظائره"اهـ.

وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسير قوله تعالى: {يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ} الآية. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا عبدة بن سليمان حدثنا ابن المبارك حدثنا صفوان بن عمرو وحدثني سليم بن عامر قال: "خرجنا على جنازة في باب دمشق ومعنا أبو أمامة الباهلي فلما صلى على الجنازة وأخذوا في دفنها قال أبو أمامة: "أيها الناس إنكم قد أصبحتم وأمسيتم في منزل تقتسمون فيه الحسنات والسيئات، وتوشكون أن تظعنوا منه إلى منزل آخر - وهو بهذا يشير إلى القبر - بيت الوحدة وبيت الظلمة وبيت الدود وبيت الضيق إلا ما وسع الله ثم تنتقلون منه إلى مواطن القيامة، فإنكم في بعض تلك المواطن حتى يغشى الناس أمر من الله فتبيض وجوه وتسوّد وجوه، ثم تنتقلون منه إلى منزل آخر فيغشى الناس ظلمة شديدة ثم يقسم النور فيعطى المؤمن نوراً ويترك الكافر والمنافق فلا يعطيان شيئاً وهو المثل الذي ضربه الله تعالى في كتابه فقال:{أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} (النور:40) . فلا يستضيء الكافر والمنافق بنور المؤمن كما لا يستضيء الأعمى ببصر البصير، ويقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا:{انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً} . وهي خدعة الله التي خدع بها المنافقين حيث قال {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} (النساء: من

ص: 324

الآية 142) ، فيرجعون إلى المكان الذي قسم فيه النور فلا يجدون شيئا فينصرفون إليهم وقد ضرب بينهم بسور له باب {بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ} الآية. يقول سليم بن عامر:"فما يزال المنافق مغترّاً حتى يقسم النور ويميّز الله بين المنافق والمؤمن ثم قال: حدثنا أبي حدثنا يحي بن عثمان حدثنا ابن حيوة حدثنا أرطاة بن المنذر حدثنا يوسف بن الحجاج عن أبي أمامة قال: "يبعث الله ظلمة يوم القيامة فما من مؤمن ولا كافر يرى كفّه حتى يبعث الله بالنور إلى المؤمنين بقدر أعمالهم فيتبعهم المنافقون فيقولون: {انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ} "، وقال العوفي والضحاك وغيرهما عن ابن عباس: "بينما الناس في ظلمة إذ بعث الله نوراً فلما رأى المؤمنون النور توجّهوا نحوه وكان النور دليلا من الله إلى الجنة فلما رأى المنافقون المؤمنين قد انطلقوا اتّبعوهم فأظلم الله على المنافقين فقالوا حينئذ: {انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ} فإنا كنا معكم في الدنيا قال المؤمنون: "ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً من حيث جئتم من الظلمة فالتمسوا هنالك النور". انتهى ما ذكره الحافظ ابن كثير.

وبما ذكرناه عن ابن جرير وابن كثير رحمة الله عليهما يتضح للقارئ أن المكر والسخرية بالكافرين والخداع والاستهزاء بالمنافقين والكيد منه سبحانه لأعدائه كله على بابه ولا يحتاج إلى تأويل بل هو حق من الله وعدل وجزاء لهم من جنس عملهم يليق به سبحانه وليس يماثل ما وقع من أعدائه لأن صفة الله سبحانه وأفعاله تليق به وكلها حق وعدل ولا يعلم كيفيتها إلا هو سبحانه وإنما يعلم العباد من ذلك ما أخبرهم به عز وجل في كتابه الكريم أو على لسان رسوله الأمين عليه من ربه أفضل الصلاة والتسليم.

ص: 325

18-

نقل الصابوني في مقاله السادس وفي بعض مقالاته السابقة عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ما نصه: "والعلماء أنصار علوم الدين والأشاعرة أنصار أصول الدين". وعزاه إلى المجلد الرابع من الفتاوى وبمراجعة الفتاوى ص 16 من المجلد الرابع اتضح أن هذا الكلام من فتوى الفقيه أبي محمد لا من قول شيخ الإسلام وبذلك يعلم وهم الأخ الصابوني في النقل المذكور وهذا الكلام على فرض صحته لا يدل على أن الأشاعرة لا ينكر عليهم ما أخطأوا فيه فان القاعدة الشرعية كما نبّه عليها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وغيره أن العالم يمدح بما وافق فيه الكتاب والسنة ويذم على ما خَالف فيه الكتاب والسنة، وهذا الذي قاله رحمه الله هو الحق الذي عليه أهل السنة والجماعة فالأشاعرة وغيرهم يمدحون على ما قالوه وكتبوه في نصر الحق في أبواب أصول الدين وفي غيرها ويذّمون على ما أخطأوا فيه إحقاقا للحق ورداً للباطل حتى لا يشتبه الأمر على من قلّ علمه. والله المستعان.

19-

ذكر الصابوني في مقاله السادس ما نصه: "وفي الحديث الصحيح ثلاثة من أصول الإيمان: الكف عمن قال: لا إله إلا الله ولا نكفر مسلما بذنب والإيمان بالأقدار أو كما قال صلى الله عليه وسلم"اهـ.

وبمراجعتنا لهذا الحديث في الأصول المعتبرة اتضح أنه ضعيف جداً، وقد رمز له السيوطي في الجامع بعلامة الضعف، وأخرجه أبو داود من طريق يزيد بن أبي نشبة عن أنس رضي الله عنه، ويزيد هذا مجهول كما في التهذيب والتقريب. قال المناوي في فيض القدير:"يزيد بن أبي نشبة بضم النون لم يخرج له أحد من الستة غير أبي داود وهو مجهول كما قال المزي وغيره".

ص: 326

وبهذا يعلم أن جزم الأخ الصابوني بأنه صحيح ليس في محلّه، والأولى أن يقال في مثله هذا:"وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم"، فينقل بصيغة التمريض كما نص عليه أهل العلم في رواية الأحاديث الضعيفة، ولم يسق الأخ الصابوني لفظه كما ورد، وإليك أيها القاريء نصه عند أبي داود لمزيد الفائدة: حدثنا سعيد بن منصور ثنا أبو معاوية ثنا جعفر بن برقان عن يزيد بن أبي نشبة عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاثة من أصل الإيمان: الكف عمن قال: لا إله إلا الله، ولا تكفره بذنب، ولا تخرجه من الإسلام بعمل، والجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال، لا يبطله جور الجائر، ولا عدل عادل، والإيمان بالأقدار" ا. هـ.

ص: 327

وهذا الذي دلّ عليه الحديث قد جاء في معناه أحاديث أخرى صحيحة والقول بمعناه هو قول أهل السنة والجماعة فإن أهل السنة يعتقدون أنّ من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله والتزم بمعناه ولم يأت بناقض من نواقض الإسلام فإنه يجب الكف عنه وحسابه على الله عز وجل كما قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه الشيخان من حديث ابن عمر رضي الله عنهما: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله عز وجل". ومن عقيدة أهل السنة أن المسلم لا يكفر بذنب من الذنوب التي دون الشرك ولا يخرج من الإسلام بعمل من الأعمال التي لا تلحقه بالمشركين، خلافا للخوارج لقول الله عز وجل:{إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء} (النساء: من الآية 48) ، وكان الأخ الصابوني ذكر هذا الحديث ليستدلّ به على وجوب الكف عن الكلام في الأشاعرة وبيان ما أخطأوا فيه، وهكذا ما أخطأ فيه غيرهم من الفرق الإسلامية وليس الأمر كما زعم فإن الحديث المذكور لو صح لا يدل على شرعية الكف عن من خالف الحق كما أنه لا يدل على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبيان ما أخطأ فيه المخطئون وغلط فيه الغالطون من الأشاعرة وغيرهم، بل الأدلة من الكتاب والسنة الصحيحة كلها تدل على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإنكار على من خالف الحق وإرشاده إلى طريق الصواب حتى يهلك من هلك عن بينة ويحيي من حيّ عن بينة كما بينا ذلك فيما سبق، وإنما المقصود من الحديث - لو صح -: الكف عن قتال من أظهر الإسلام وتكلم بكلمة التوحيد حتى ينظر في أمره بعد ذلك ويعامل بما يستحق حسب الأدلة الشرعية كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة التي أشرنا إليها آنفا. والله سبحانه ولي التوفيق

ص: 328

وهو حسبنا ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله.

وهذا آخر ما تيسّر التنبيه عليه والحمد لله رب العالمين وصلى الله على عبده ورسوله وأمينه على وحيه وصفوته من خلقه إمام المجاهدين ورسول رب العالمين نبيّنا محمد وعلى آله وأصحابه ومن سلك سبيله، واهتدى بهداه إلى يوم الدين.

المجتمع

ص: 329

أخبار الجامعة

إعداد العلاقات العامة بالجامعة

(1)

تعيينات لمناصب مختلفة في الجامعة

في عمادة شئون الطلاب:

تم تعيين الدكتور أحمد سعد الغامدي عميداً لشئون الطلاب بالجامعة خلفاً للشيخ عوض أحمد ابن سلطان الشهري العميد السابق لعمادة شئون الطلاب.

والدكتور أحمد سعد الغامدي من أعضاء هيئة التدريس بالجامعة في كلية الدعوة وأصول الدين.

وقد وجه معالي رئيس الجامعة الدكتور عبد الله الصالح العبيد خطاب شكر للشيخ عوض الشهري بمناسبة انتهاء فترة تكليفه للقيام بعمل عمادة شئون الطلاب.

وأسرة التحرير تشكر العميد السابق على ما قدم من خدمات جليلة، وتدعو الله أن يوفّق العميد الجديد للنهوض بالمسئوليات الجسام في شئون الطلاب.

في رئاسة الدراسات العليا وعمادات الكليات:

وافق المجلس الأعلى للجامعة الإسلامية في دورته الرابعة عشرة التي انعقدت يومي السبت والأحد 27، 28 ربيع الأول 1404 هـ على التعيينات الآتية:

- عين فضيلة الشيخ عبد الله محمد الغنيمان رئيسا لقسم الدراسات العليا خلفا لفضيلة الدكتور محمد بن حمود الوائلي الذي عين بقرار من مجلس الوزراء أمينا عاما للجامعة.

- وعين الدكتور علي سلطان الحكمي عميداً لشئون المكتبات خلفاً للدكتور علي ناصر فقيهي الذي منح إجازة تفرغ لإنهاء بحوث علمية. وكان الدكتور الحكمي وكيلا لعميد شئون المكتبات.

- وعين الدكتور عبد العزيز الصاعدي عميدا لكلية اللغة العربية.

- وعين الدكتور مرزوق بن هياس الزهراني عميداً لكلية الحديث الشريف والدراسات الإسلامية.

وطبقا للنظام الأساسي للجامعة فإنّ هذه التعيينات تكون لمدة ثلاث سنوات قابلة للتَجديد فترة أخرى بترشيح رئيس الجامعة وموافقة المجلس الأعلى.

وكيل عميد كلية اللغة العربية:

ص: 330

أصدر معالي الدكتور عبد الله الصالح العبيد رئيس الجامعة قراراً بتعيين الدكتور محمد بن حمود الدعجانى الأستاذ المساعد بالجامعة وكيلا لعميد كلية اللغة العربية اعتبارا من 3/17/ 1404هـ لمدة سنتين. وتم هذا التعيين بناء على ترشيح فضيلة الدكتور عبد العزيز الصاعدي عميد الكلية.

هذا ويشغل الدكتور الدعجاني إلى جانب عمله وكيلا لعميد كلية اللغة العربية مدير تحرير مجلة الجامعة في هيئة تحريرها الجديدة.

وكيل لعمادة شئون المكتبات:

كما أصدر معالي رئيس الجامعة الدكتور عبد الله العبيد قرارا بتعيين الشيخ عبد الرحمن بن عبد العزيز بن صالح المحاضر بكلية الشريعة وكيلا لعمادة شئون المكتبات، وذلك لمدة سنتين اعتبارا من 1/5/1404هـ.

والشيخ عبد الرحمن بن عبد العزيز بن صالح أحد خرِّيجي الجامعة الإسلامية من كلية الشريعة.

مدير مكتب نائب رئيس الجامعة، ومدير الإدارة المالية:

تم تكليف الشيخ صالح عوض الأحمدي بعمل مدير مكتب نائب رئيس الجامعة الإسلامية. وكان يقوم بعمل مدير الإدارة المالية بالجامعة. ومن الجدير بالذكر أنه صدر قرار معالي رئيس الجامعة بتعيين الشيخ أحمد أحمد بابا مديرا للإدارة المالية بالجامعة.

أستاذ مساعد بكلية الحديث:

تم تعيين الدكتور عبد الرحيم محمد أحمد القشقري أستاذا مساعدا بكلية الحديث والدراسات الإسلامية بالجامعة بعد حصوله على درجة الدكتوراه بمرتبة الشرف الثانية. ومن الجدير بالذكر أن فضيلته يرأس قسم المخطوطات بعمادة شئون المكتبات.

مديراً للمعهد الثانوي ومستشاراً برئاسة الجامعة:

تم تعيين الشيخ محمد عبد الله الزربان مديرا للمعهد الثانوي بالجامعة كما صدر قرار معالي رئيس الجامعة بأن يقوم بعمل مستشار بالمرتبة الحادية عشرة برئاسة الجامعة بالإضافة إلى عمله الأصلي.

شغل وظائف إدارية عن طريق المسابقة:

ص: 331

أجرت الجامعة الإسلامية مسابقة لشغل عدد من الوظائف الإدارية من المرتبة العاشرة حتى المرتبة الأولى، وذلك باشتراك مندوب من ديوان الخدمة المدنية، وفاز في المسابقة كل من:

- الأستاذ عليان عيد الحربي: "إلى المرتبة العاشرة"في وظيفة مدير الاستقدام والترحيل.

- الأستاذ أحمد أحمد بابا: "إلى المرتبة العاشرة "في وظيفة مدير إدارة الشئون المالية.

- الأستاذ عوض إبراهيم الأحمدي: "إلى المرتبة العاشرة"في وظيفة أخصائي مستودعات.

- الأستاذ مبروك معوض حمدان: " إلى المرتبة التاسعة"في وظيفة أخصائي محفوظات ووثائق.

- الأستاذ الشريف مدني شاكر: " إلى المرتبة الثامنة"في وظيفة رئيس قسم التوظيف.

- الأستاذ محمد إبراهيم التركي: "إلى المرتبة السابعة "في وظيفة فني صيانة.

- الأستاذ غرم الله علي الغامدي: "إلى المرتبة السابعة"في وظيفة مشرف سكن.

- الأستاذ محمد ياسين محمد: "إلى المرتبة السادسة"في وظيفة مشرف اجتماعي.

- الأستاذ فائز عواد عيد: "إلى المرتبة الرابعة "في وظيفة كاتب.

- الأستاذ عبد الرحمن صالح حجري الرحيلي: "إلى المرتبة الثالثة "في وظيفة كاتب.

- الأستاذ عصام صالح العقيل: "إلى المرتبة الثانية"في وظيفة مساعد نجار.

- الأستاذ مساعد غيث الردادي: "إلى المرتبة الأولى"في وظيفة ناسخ آلة.

(2)

مشاركة الجامعة الإسلامية في اللجنة السعودية الأندونيسية

غادر المدينة المنورة في أوائل شهر ربيع الأول 1404 هـ فضيلة الشيخ صالح عبد الله المحيسن نائب رئيس الجامعة الإسلامية متوجها إلى أندونيسيا للمشاركة في اللجنة السعودية الأندونيسية المنوط بها تنفيذ الاتفاقية الثقافية للتعاون العلمي والتعليم الإسلامي.

ص: 332

وقد ترأس وفد المملكة العربية السعودية سعادة وكيل وزارة التعليم العالي الدكتور عبد الرحمن الشبيلي وضم ممثلين عن بعض الوزارات في المملكة وممثلين عن جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض وجامعة أم القرى بمكة المكرمة بالإضافة إلى ممثلين عن المركز الوطني للعلوم والتكنولوجيا بالمملكة.

ومن الجدير بالذكر أن الاتفاقية الثقافية للتعاون العلمي والتعليم الإسلامي قد وقعت عام 1401هـ وصدر مرسوم ملكي بالمصادقة عليها عام 1402 هـ.

(3)

الأمين العام للجامعة يتصل بالجامعات المصرية

غادر إلى القاهرة فضيلة الدكتور محمد بن حمود الوائلي الأمين العام للجامعة في منتصف شهر ربيع الثاني حيث قضى فضيلته قرابة أسبوعين أجرى خلالهما عديدا من الاتصالات مع المسئولين في الجامعات المصرية تمهيدا للتعاقد مع أعضاء هيئة التدريس اللازمين للجامعة الإسلامية في العام الدراسي القادم 1404 /1405 هـ.

(4)

المخيم التربوي لطلاب الجامعة في عطلة الربيع

أقامت الجامعة المخيم التربوي في عطلة نصف العام الدراسي بمنطقة ينبع البحر، بهدف تنمية قدرات الطلاب واكتشاف عناصر التفوق عندهم ولتأهيلهم للقيام بواجب الدعوة إلى الله، وذلك من خلال ما وضعه المشرفون على المخيم من برامج وأنشطة مختلفة في الجوانب الثقافية والاجتماعية والرياضية

…

وقد أدار المخيم فضيلة الدكتور أحمد عطية الغامدي عميد كلية الدعوة وأصول الدين، وساعده فضيلة الدكتور عبد العزيز راجي الصاعدي عميد كلية اللغة العربية.

وقد اشتمل البرنامج الثقافي والتربوي للمخيّم على العديد من المحاضرات واللقاءات الفكرية التي أسهم فيها كل من فضيلة الدكتور صالح بن سعد السحيمي والشيخ جبران بن أحمد صالح والشيخ عطية عتيق الزهراني أعضاء هيئة التدريس بالجامعة الإسلامية والذين تولوا مشكورين مأجورين من الله مهمة توجيه الطلاب وإرشادهم وتثقيفهم والإجابة على استفساراتهم.

ص: 333

وقد استمر المخيم أسبوعين ابتداء من 15/4/1404هـ حيث قسم الطلاب إلى فوجين؛ كل فوج مائة طالب لمدة أسبوع وخصص الأسبوع الأول للطلاب الذين يدرسون في المعهد الثانوي والمعهد المتوسط وداري الحديث المدنية والمكية، وخصص الأسبوع الثاني لمائة طالب من طلاب المرحلة الجامعية.

هذا وقد زار طلاب المخيم ميناء ينبع ومصنع الأسمنت وعملية تحلية مياه البحر إلى مياه عذبة. واشتمل برنامج المخيم على جولات حرة في مدينة ينبع تعرفوا فيها على أهم معالم المدينة.

هذا وقد زار معالي رئيس الجامعة الدكتور عبد الله الصالح العبيد المخيم وقضى يوما كاملا مع طلابه وتعرف على أوجه نشاطهم.

(5)

لجان من الجامعة للتعرف على الطلاب المرشحين للدراسة للعام القادم

تم تشكيل ستّ لجان من بعض مسئولي الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وكلفت هذه اللجان لزيارة العديد من المدارس العربية والإسلامية التي تقبل الجامعة طلابا منها على سبيل المنح، وتهدف هذه الزيارة إلى معرفة مناهجها الدراسية وخطتها وسيرها الدراسي والاطلاع على أوجه نشاطها الاجتماعي وكذا مقابلة المعلمين في هذه المدارس، والالتقاء بالطلاب المرشحين للدراسة في الجامعة الإسلامية للعام الدراسي القادم 1404/ 1405 هـ، وتشمل زيارة هذه اللجان كثيرا من بلدان العالم، ومنها تايلاند والفلبيين، وماليزيا وسنغافورة، وأندونيسيا، وجزر القمر، ومدغشقر، موزمبيق، وموريشيوس، وباكستان وكشمير، والهند ومالديف وكينيا، وأوغندة، وتنزانيا.

(6)

شخصيات ووفود إسلامية في زيارة الجامعة

زار الدكتور فرحان أحمد فيظامي الأستاذ بجامعة أكسفورد ببريطانيا الجامعة الإسلامية واجتمع خلال هذه الزيارة بمعالي الدكتور عبد الله الصالح العبيد رئيس الجامعة وقام بجولة للتعرف على معالم الجامعة شملت مطبعة الجامعة وقسم المخطوطات بالمكتبة المركزية.

ص: 334

كما قام بزيارة الجامعة وفد من طلاب المعهد العالي للدعوة الإسلامية بالرياض في 14/ 5/ 1404 هـ. والتقى فضيلة الدكتور محمد حمود الوائلي بهذا الوفد في لقاء ودي وقام الوفد بزيارة لقسم المخطوطات بالمكتبة المركزية ولكلية الدعوة وأصول الدين والتقى مع مدير مركز شئون الدعوة.

كما قام بزيارة الجامعة وفد من ولاية كلنتان بماليزيا ضم في عضويته السيد هاشم أحمد رئيس الهيئة التنفيذية لمجلس ولاية كلنتان والسيد منصور صالح مدير المؤسسة الإسلامية بكلنتان ونائبه السيد نعمان عبد اللطيف والسيد عبد العزيز عمر نائب مدير دار التعليم بكلنتان، واجتمع بالوفد فضيلة الشيخ صالح عبد الله المحيسن نائب رئيس الجامعة وأدار حوارا مع الوفد حول شئون الدعوة الإسلامية والتعليم الإسلامي وتدعيم سبل التعاون بين الجامعة والمؤسسات الإسلامية بولاية كلنتان. واجتمع الوفد بفضيلة الشيخ عمر محمد فلاتة رئيس مجلسه شئون الدعوة. وبالشَيخ حسن الصايغ مدير مركز شئون الدعوة في أثناء زيارة مركز شئون الدعوة

· وزار الجامعة السيد أبو بكر ضاحي السكرتير الأول بسفارة جامبيا بالمملكة واجتمع به فضيلة الشيخ صالح عبد الله المحيسن نائب رئيس الجامعة حيث تعرف سعادته على أحوال طلبة جامبيا في الجامعة كما قام بزيارة لعميد شئون الطلاب الدكتور أحمد سعد الغامدي ومدير مركز شئون الدعوة الشيخ حسن الصايغ.

· وزار الجامعة فضيلة الشيخ مصطفى الغزال أمين عام الكلية الزيتونية بتونس والتقى بكل من معالي رئيس الجامعة الدكتور عبد الله العبيد وفضيلة الشيخ عبد المحسن العباد رئيس المجلس العلمي بالجامعة وفضيلة الشيخ صالح عبد الله المحيسن نائب رئيس الجامعة.

ص: 335

· ومن الجمهورية التونسية زار الجامعة وفد من المديرين العموميين من وزارة الشباب والرياضة ومندوبين من الحزب الدستوري الحاكم ومديري فروع رعاية الشباب ومديري وم ف تشي معاهد التربية الرياضية وجاءت هذه الزيارة تلبية للدعوة الموجهة من الرئاسة العامة لرعاية الشباب، وقد اجتمع فضيلة الدكتور محمد بن حمود الوائلي الأمين العام للجامعة بهذا الوفد، كما زار الوفد عميد شئون الطلاب وقسم المخطوطات بالمكتبة المركزية.

(7)

رسائل جامعية

نوقشت رسالة الدكتوراه المقدمة من الطالب عبد الرحيم محمد أحمد القشقري (السعودي الجنسية) وموضوعها: "كتاب المعتبر في تخريج أحاديث المنهاج والمختصر للزركشي - تحقيق ودراسة - "، وذلك مساء السبت الموافق 27/3/ 1404هـ بقاعة المحاضرات الكبرى بالجامعة، وتكونت لجنة المناقشة برئاسة فضيلة الشيخ حماد بن محمد الأنصاري المشرف على الرسالة وعضوية كل من الدكتور أحمد نور سيف والدكتور ربيع بن هادي مدخلي.

كما نوقشت رسالة الدكتوراه المقدمة من الطالب عبد الرحيم صالح محمد يعقوب (أفغاني الجنسية) وموضوعها: "تحقيق لكتاب: تقويم أصول الفقه وتحديد أدلة الشرع لأبي زيد الدبوسي من أول باب القياس إلى نهاية الكتاب "، وذلك مساء يوم الخميس 8/5/ 1404 هـ بقاعة المحاضرات الكبرى بالجامعة الإسلامية، وكانت لجنة المناقشة مكونة برئاسة الدكتور عمر عبد العزيز محمد المشرف على الرسالة وعضوية كل من الدكتور حسين خلف الجبوري والدكتور عبد القادر شحاتة.

ونوقشت رسالة الماجستير المقدمة من الطالب جفري أفندي وهاب وموضوعها "الشرك وأنواعه "، وذلك بعد صلاة المغرب من يوم 9/ 4/ 1404 هـ بقاعة المحاضرات بالجامعة وتكوّنت لجنة المناقشة برئاسة فضيلة الشيخ عبد الله محمد الغنيمان المشرف على الرسالة وعضوية كل من فضيلة الشيخ حماد الأنصاري وفضيلة الشيخ محمد أمان.

حول المؤتمر العالمي الثاني لتوجيه الدعوة وإعداد الدعاة

ص: 336

بموافقة سامية من صاحب الجلالة الملك المعظم فهد بن عبد العزيز- حفظه الله- تم عقد المؤتمر العالمي الثاني لتوجيه الدعوة وإعداد الدعاة بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة في المدة من 25- 30 ربيع الأول 1404هـ الموافق الأحد (أول يناير إلى 3 يناير 1984م) وكان موضوعه هو "سبيل الدعوة الإسلامية إلى تحقيق التضامن الإسلامي ووحدة المسلمين ". وجاء هذا المؤتمر الثاني امتداداً للمؤتمر العالمي الأول لتوجيه الدعوة وإعداد الدعاة الذي عقد في رحاب الجامعة الإسلامية في المدة من 24-29 صفر 1397 هـ الموافق: (12-17 فبراير 1977م) .

وقد اتخذت الجامعة الإسلامية كافة الوسائل الكفيلة بإنجاح المؤتمر وتحقيق أهدافه، وعقدت لجاناً متعددة لخدمته، وأرسلت إلى العديد من المفكرين الإسلاميين والدعاة وإلى الكثير من الهيئات والمؤسسات الإسلامية العاملة في ميدان الدعوة، وتلقت العديد من البحوث، ووقع الاختيار على (35) خسة وثلاثين بحثاً تغطي موضوع المؤتمر، ووجهت الدعوات لحضور المؤتمر إلى أصحاب المعالي والسعادة والفضيلة من الوزراء ومديري الجامعات والعلماء والمفكرين من داخل المملكة وكثير من الأقطار الإسلامية ومن رجال الفكر الإسلامي.

وتحت رعاية صاحب الجلالة الملك المعظم فهد بن عبد العزيز- حفظه الله افتتح صاحب السمو الملكي الأمير عبد المحسن بن عبد العزيز أعمال المؤتمر وألقى كلمة جلالة الملك المعظم نيابة عنه.

وعقد المؤتمر ثماني جلسات في قاعة المحاضرات تم فيها مناقشة البحوث، وختم المؤتمر بحفل ختامي أعلنت فيه التوصيات التي انتهى إليها المؤتمر.

ويسرنا أن نسجل هذه التوصيات رصداً لهذا الحدث الإسلامي العظيم.

توصيات المؤتمر العالمي الثاني لتوجيه الدعوة وإعداد الدعاة

مقدمة:

الحمد لله الذي جعلنا بالإسلام خير أمة.. والصلاة والسلام على نبينا محمد رسول الهدى والرحمة، وعلى آله وصحبه ومن اتبعه.. وبعد:

ص: 337

فإن الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة - انطلاقا من رسالتها وأهدافها في تبليغ رسالة الإسلام إلى العالمين - قد دعت إلى عقد المؤتمر العالمي الثاني لتوجيه الدعوة وإعداد الدعاة لبحث وسائل التضامن والوحدة بين المسلمين: تحقيقا لما يجب أن يكون بينهم من تعاون على البر والتقوى، وقياما بواجب الدعوة، واستجابة لله وللرسول فيما أمروا به من الاعتصام بدينهم والاجتماع عليه وما نهوا عنه من التفرق والاختلاف من بعد ما جاءهم البينات..

وقد تم بعون الله وتوفيقه عقد هذا المؤتمر في مقر الجامعة الإسلامية في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفترة من 25-.3 من شهر ربيع الأول 1404 هـ، واشترك فيه علماء ودعاة من العالم الإسلامي.

وبعد دراسة البحوث المقدمة في موضوع المؤتمر والنظر في واقع المسلمين وما يجب أن يكونوا عليه من أخوة وتعاطف وترابط فإن المؤتمر يناشد المسلمين بعامة وحكامهم وأولياء أمورهم بخاصة أن يقدروا الظروف التي تمر بهم والأخطار المحدقة بأوطانهم، وأن يعملوا جميعا على جمع كلمتهم وتوحيد صفوفهم باتباع دينهم وطرح الشعارات المنافية له، وأن يخضعوا كل شيء من أمرهم لإعلاء كلمة الله عز وجل أداء لرسالتهم وتحقيقا لعزتهم ورحمة للعالمين، كما يذكرهم أن يردوا أيّ شيء تنازعوا فيه إلى الله والرسول عملاً بقول ربهم:{فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} (النساء: من الآية 59) .

وفي سبيل تحقيق ذلك:

يؤكد المؤتمر- في مقدمة توصياته- العناية بتنفيذ جميع توصيات المؤتمر العالمي الأول لتوجيه الدعوة وإعداد الدعاة، لشمولها وأهميتها البالغة على طريق الدعوة الإسلامية.

ويوصى بما يلي:

أولا: العقيدة والشريعة:

ص: 338

1-

أن يعمل المسلمون جميعاً حكّاماً ومحكومين على ترسيخ العقيدة الإسلامية الخالصة الصافية، وتعميق حقيقة لا إله إلا الله محمد رسول الله في قلب كل مسلم ومسلمة بعلم ويقين، حتى تكون العبادة خالصة لله وحده وموافقة لشرع رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وحتى يظهر أثر ذلك: صفاء في النفس، واستقامة في الخلق، وصلاحاً في العمل، واعتزازاً بالإيمان، وغيرة على الإسلام، ووحدة وأخوة وتعاوناً بين المسلمين.

2 -

دعوة ولاة الأمور في الأقطار الإسلامية إلى تطبيق الشريعة الإسلامية في كافة شئون الحياة، قياما بما أوجبه الله عز وجل عدلاً منه ورحمة، وخروجاً من دائرة الإثم، والتعرض للعقوبات العاجلة والآجلة، وتوحيداً لمسيرتهم في حياتهم على منهج الإسلام، وتعزيزاً لسبل التعاون والتضامن فيما بينهم، وتوفير الأمن والرخاء والاستقرار والنمو في مجتمعاتهم.

وينوّه المؤتمر بما تحقق قريبا في الباكستان والسودان وموريتانيا من اتجاه إلى تطبيق الشريعة الإسلامية وبدء في تنفيذ ذلك.

3-

أن تقوم هيئات الدعوة الإسلامية ومؤسساتها والجامعات الإسلامية في العالم الإسلامي بجهود علمية نشطة في دراسة أوضاع المسلمين وتشخيص أسباب تفرقهم وتخلفهم وولاء بعضهم لأعدائهم واتباعهم في مذاهبهم وسياستهم، وبيان سبل إصلاح هذه الأوضاع ودعوة المسلمين إليها شعوبا وحكومات للأخذ بها والعودة إلى ما يجب أن يكونوا عليه أمة مسلمة واحدة تقوم على التوحيد الخالص في العقيدة والعبادة، والسير على نهج السلف الصالح خير القرون من الصحابة الكرام ومن تبعهم بإحسان.

4-

يؤكد المؤتمر ألا سبيل لهذه الأمة لاستعادة مجدها ومكانتها العزيزة القوية القيادية بين الأمم وانتصارها على أعداء الله وأعدائها إلا بالله، ثم بتضامنها ووحدتها وتمسّكها الكامل بعقيدتها ومنهج شريعتها وجهادها في سبيل ذلك.. سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلا.

ثانيا: الدعوة والدعاة:

ص: 339

5-

أن يكون للمسجد - منبر الإسلام الأوّل ومنطلق دعوته وأساس دولته - دوره البارز والفعال في توجيه المسلمين في جميع الأقطار الإسلامية وهدايتهم إلى سبيل ربهم، ومنهج دينهم ودنياهم على طريق تضامنهم ووحدتهم، وتطهير مجتمعاتهم من عوامل التدابر والخلاف والفرقة، وتقوية عناصر التآخي والتواد والتعاطف والتراحم والتعاون فيما بينهم مهما تباعدت أوطانهم.. وأن يشارك المجلس الأعلى العالمي للمساجد بمكة المكرمة بجهوده في توجيه هذا النشاط وتعزيزه وتنسيقه.

6-

تعميم مراكز الدعوة الإسلامية في العالم الإسلامي وغيره، وتوثيق الاتصال بينها لتوحيد سياستها وتعزيز جهودها وتنسيق برامجها.

7-

يؤكّد المؤتمر على أهمية الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر الذي أوجبه الله عز وجل وجعله أساسا لخيرية هذه الأمة لما يستهدفه من إقامة حياة المسلمين على الحق والخير وتطهيرها من كل باطل وشر

…

ويوصي الأقطار الإسلامية جميعاً بتعميم إنشاء هيئات الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وتوفير كل ما يمكنها من أداء رسالتهاَ أداء كاملا استجابة لقول الله عز وجل: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (آل عمران: 104)، ولقوله تعالى:{وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (التوبة:71) .

ص: 340

8-

أن تتحمل أجهزة الإعلام في جميع الأقطار الإسلامية مسئوليتها تجاه أمتها، وأن تؤدي دورها كاملا في إبراز معاني التضامن والوحدة ومزاياهما وإظهار مساوئ الخلاف والفرقة، وتكوين رأي عام إسلامي يدرك خصائص أمته التي جعلها الله بها خير أمة أخرجت للناس، ويعي حقيقة تضامنها ووحدتها ويتجاوب معهما: وجدانا وعقلا وسلوكا في كل جوانب الحياة.

والإعلام قادر بإذن الله بقوة تأثيره واتساع دائرة جماهيره أن يخطو بجهود مخلصة خطرات جادة تؤدي إلى الهدف المنشود.

9-

ألا تكون الخلافات المذهبية في الفروع سببا للتفرق والتباعد بين المسلمين، وعلينا أن ننبذ التعصبات المذهبية التي يذمها الإسلام ويرفضها، وأن نلتزم بالتحاكم إلى الكتاب والسنة تطبيقاً لقول الله عز وجل:{فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا} (النساء: من الآية 59)، وقوله تعالى:{وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} .

10-

تكوين هيئات إسلامية للتضامن والوحدة في الأقطار الإسلامية توفّر جهودها وتوجّه نشاطها في هذا السبيل.

11-

يوصي المؤتمر الهيئات والمؤسسات والجامعات ورجال الدعوة في البلاد الإسلامية:

· بمكافحة الفرق الخارجة عن الإسلام والفرق المبتدعة والزائغة التي تهدد الإسلام وتفرّق جماعته والعمل المشترك لدعوتهم إلى الحق والقضاء على شرهم.

· وبالوقوف في وجه الدعوات العنصرية والقومية التي تفتت الكيان الإسلامي الواحد إلى كيانات صغيرة تفقدها قوتها ويسهل على أعدائها المتربصين بها قيادتها والسيطرة عليها.

ص: 341

12-

مقاومة الغزو الفكري من قبل أعداء الإسلام والمسلمين ممثلا في: مؤلفاتهم وصحفهم وإذاعاتهم وجامعاتهم ومؤتمراتهم وغير ذلك من المجاَلات، والوسائل التي تستهدف تضليل المسلمين وبخاصة الشباب في دينهم وتوهين عقيدتهم واتصالِهم بشريعتهم، وتشتيت أفكارهم وتفريق كلمتهم وإضعاف ولائهم لدينهم ومبادئه السامية وقيمه العليا، وانتمائهم إلى أمتهم الإسلامية، مستغلين في ذلك تقدمهم المادي.

وهذه المقاومة هي واجب الجامعات وأجهزة الإعلام وهيئات الدعوة ومراكزها والعلماء والدعاة وقادة الفكر المسلمين في سائر الأقطار الإسلامية: حماية للمجتمع الإسلامي من آثار هذا الغزو وإظهارا للفكر الإسلامي ومباديء الإسلام ومناهجه وقيمه العليا المستمدة من: كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

13-

تيسيراً لقيام الدعاة بواجبهم وتذليلا لما يعترضهم من بعض العوائق يوصي المؤتمر: حكومات البلاد الإسلامية بتسهيل سرعة حصول الدعاة على الإقامة وعلى سمة الدخول في البلدان الإسلامية وغيرها وإعطائهم بطاقات معترف بها من الجهات ذات الاختصاص.

14-

انطلاقا من أهمية الدعوة الإسلامية ومسئوليتها الكبرى في عالمنا المعاصر وضرورة العناية بالدعاة وتعزيز جهودهم وكفاءتهم لأداء رسالتهم يوصي المؤتمر بإنشاء (مجلس عالمي للدعوة والدعاة) يعنى بشئون الدعوة الإسلامية والدعاة في العالم

…

ومن أهم أهدافه:

· توجيه سياسة الدعوة الإسلامية في العالم.

· في تنسيق جهود الدعاة والجهات المعنية بها وتعزيز تعاونهم لأداء رسالتهم الأداء المنشود.

· دراسة مناهج الدعوة وأساليبها ووسائلها، وتزويد الدعاة بنتائج هذه الدراسات للاستفادة منها وتطبيقها في مجال الدعوة.

· تزويدهم بالمراجع المعتمدة والكتب التي تعينهم في أداء رسالتهم وتحقيق أغراض الدعوة.

· تنظيم البرامج التدريبية للدعاة.

· تمويل الدعوة عن طريق صندوق ينشأ لذلك يتبع المجلس.

ص: 342

ويوصي المؤتمر رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة أن تقوم بإنشاء هذا المجلس في أقرب وقت.

ثالثا: الجهاد، وحركات التحرر الإسلامي:

15-

يؤكد المؤتمر أن القضية الفلسطينية قضية إسلامية، وعلى المسلمين واجب الجهاد بكل قدراتهم لاسترداد فلسطين المسلمة والمسجد الأقصى المبارك القبلة الأولى من أيدي الصهاينة المعتدين المغتصبين، ورفع الظلم عن الشعب الفلسطيني المسلم المشرد المضطهد المعذب.. وعليهم أن يكونوا صفا واحدا ضد اليهود ومن وراءهم.. ويناشد المؤتمر أبناء فلسطين أن يجمعوا كلمتهم ويوحدوا صفوفهم تحت راية الإسلام.

16-

إن جهاد الشعب الأفغاني المسلم لدفع العدوان الشيوعي الهمجي على أرض أفغانستان لمحو الإسلام هو جهاد الأمة الإسلامية جمعاء

…

ويوصي المؤتمر أن يشارك المسلمون جميعاً إخوانهم الأفغانيين في جهادهم وأن يكونوا معهم ومن ورائهم بأموالهم وأنفسهم وألسنتهم حتى ينتصروا على عدو الله وعدوهم.

17-

يوصي المؤتمر جميع المنظمات التي قامت لمناهضة الاستعمار والاحتلال الأجنبي لأوطانها (كأرتيريا) وغيرها أن تلتزم بتعاليم دينها وأن يكون جهادها تحت راية الإسلام حتى يتحقق لها التضامن فيما بينها والانتصار على أعدائها {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} (الحج: من الآية40) .. ويوصي المؤتمر بدعمها وإعانتها.

رابعا: التعليم، والتربية، والبحث العلمي:

18-

أن تعمل الحكومات الإسلامية على توحيد سياسة التعليم في جميع المراحل، والتقريب بين المناهج الدراسية وصبغها بالصبغة الإسلامية التي تحفظ للأمة خصائصها التربوية والتعليمية والعلمية المستمدة من الكتاب والسنة.

ويوصي المؤتمر المركز العالمي للتعليم الإسلامي بجامعة أم القرى بمكة المكرمة بالقيام بالدراسات التي تيسر للحكومات تحقيق ذلك.

ص: 343

19-

التوسع في إنشاء الجامعات الإسلامية في جميع الأقطار الإسلامية في التخصصات الشرعية وفي التخصصات الأخرى التي يحتاج إليها المسلمون في نواحي المعرفة الإنسانية من: طب، وهندسة، وزراعة وغيرها، مع العناية بتربية الطلاب في جميع تخصصاتهم تربية إسلامية تجمع بين العلم والعمل حتى يتيسر لأبناء المسلمين- حيثما يوجدون- تحقيق رغباتهم في مواصلة تعليمهم الجامعي في جامعات تعنى بإعدادهم إعدادا إسلاميا متكاملا، يمكنهم من حمل رسالة الإسلام الشاملة، وتطبيق أحكامه في كل مجالات الحياة.

20-

دعوة الجامعات والهيئات والمؤسسات المتخصصة في جميع الأقطار الإسلامية إلى التعاون في مجالات البحوث والدراسات العلمية والتقنية المتطورة في كل فروع المعرفة الإنسانية ونواحي الحياة، والارتقاء بها إلى ما يحقق للأمة الإسلامية التقدم العالمي المنشود في هذا المضمار الذي تتسابق فيه الأمم بكل طاقاتها لتسبق غيرها. وإلى ما يمكن هذه الأمة من بناء قوتها وحضارتها دون اعتماد على غيرها.

21-

أن تعنى الجامعات في الأقطار الإسلامية بالتوسع في توفير المنح الدراسية للطلاب المسلمين في مختلف التخصصات لتنمية التآخي والتعاون بين المسلمين، وتعميم العلوم الإسلامية والمعارف الإنسانية بين الشباب المسلم.

22-

التوسع في إنشاء المدارس والمعاهد التي تستوعب أولاد المسلمين حتى لا يتجهوا إلى الالتحاق بالمدارس غير الإسلامية التي تؤثر على عقيدتهم وأخلاقهم وولائهم لدينهم، وانتمائهم إلى أمتهم الإسلامية.

23-

أن تكون اللغة العربية لغة أساسية في مناهج التعليم في جميع الأقطار الإسلامية بالقدر الذي يمكن من إجادتها إجادة اللغة المحلية، وأن يكون تخاطب الشعوب الإسلامية بها هدفا أساسيا يسعى الجميع إلى الوصول إليه بكل الجهود والوسائل، وعلى أجهزة الأعلام أن تشارك بجهودها وبرامجها في هذا المجال.

ص: 344

وفي تحقيق ذلك توحيد للسان الأمة الواحدة بلغة كتابها وسنة نبيها صلى الله عليه وسلم، وتقريب عقلي ووجداني بين شعوبها، فضلا عن تيسير تفقهها في دينها، وتوسيع دائرة المعارف في مجالات علومه المتعددة.

24-

أن يكون التضامن الإسلامي ووحدة المسلمين ضمن ما يركز عليه في مناهج الثقافة الإسلامية في مختلف مراحل التعليم.

25-

العناية في دراسة التاريخ والجغرافيا للأقطار الإسلامية باعتبارها أمة واحدة تترابط وتتفاعل أجزاؤها وتتكامل ثرواتها وطاقاتها ويتحد مصيرها.

26-

العناية - خاصة في مراحل الطفولة والشباب - بالتربية الإسلامية المبنية على الإيمان وإخلاص العبادة لله عز وجل، وربطها بمبادئ الأخوة والمودة والتعاون والأخلاق والآداب الإسلامية الفردية والاجتماعية المستمدة من الكتاب والسنة وهدي السلف الصالح، وأن تتعاون في ذلك جميع المؤسسات المعنية بالتربية من: الأسرة، والمدرسة، والمسجد، والجامعة، ومراكز الدعوة والثقافة، والمؤسسات الشبابية والإعلامية.

ويؤكد المؤتمر أهمية العناية برعاية الشباب وتنشئتهم تنشئة إسلامية خالصة: عقيدة وخلقا وسلوكا.. وبناء حياتهم على الاستقامة والجد والحزم والقوة والصبر، وحب الطاعة والبر، وكراهية المعصية والشر، والبعد عن مظاهر الترف ومجالات اللهو واللعب وإضاعة الوقت فيما لا يعود عليهم بنفع يدعو إليه دينهم.

27-

دعوة مراكز البحث العلمي ودور النشر إلى تشجيع تأليف الكتب وإعداد البحوث والدراسات لبيان حقيقة الإسلام وشرائعه والدعوة إليه ولا يجب أن تكون عليه الأمة الإسلامية من تضامن ووحدة، ونشرها على أوسع نطاق باللغات المختلفة، وتيسير الحصول عليها.

ص: 345

28-

يؤيد المؤتمر ما جاء في توصيات لجنة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة في المؤتمر الطبي السعودي الثامن من ضرورة العناية بأبحاث الإعجاز العلمي التي تقوم على تحقيق الأدلة الشرعية والكونية لأهميته في مجال الدعوة في هذا العصر.. ويوصي أن يتم ذلك بالتنسيق بين الجامعات المتخصصة في الشريعة الإسلامية والعلوم الكونية.

خامسا: المال، والاقتصاد:

29-

يؤكد المؤتمر أهمية الاستفادة من الزكاة أحد أركان الإسلام الخمسة في تحقيق التضامن والتراحم والتنمية في المجتمعات الإسلامية، ويوصي الحكومات في الأقطار الإسلامية بالعمل على تشجيع وتنظيم جمع الزكاة وإنشاء مؤسسات خاصة بها وإنفاقها في مصارفها الشَرعية، والعناية برعاية فقراء المسلمين وسد حاجاتهم وبخاصة اليتامى منهم، وذلك على مستوى التكافل بين جميع الأقطار والأقليات الإسلامية.

30-

يؤكد المؤتمر ضرورة التعاون الاقتصادي بين الأقطار الإسلامية على أساس إسلامي، ويوصى بإقامة المؤسسات الإسلامية المشتركة التي تنمي ثروة المسلمين وتعزز قوتهم وتحقق التكامل بين أقطارهم في هذا المجال الحيوي.

ويوصي المؤتمر منظمة المؤتمر الإسلامي أن تعمل على تحقيق ذلك من خلال مؤسساتها، وبالتوسع في دعم المشروعات في الأقطار الإسلامية، وفي تقديم المساعدات المالية للمحتاجين إليها، خاصة في مجال توفير الخدمات التعليمية والصحية وغيرها، مع العناية بمناطق الأقليات الإسلامية.

31-

أن تكون الأولوية للأقطار الإسلامية في العمالة والتبادل التجاري والصناعي، والمشروعات الاستثمارية وغيرها مما ينمي ثروة الأمة الإسَلامية ويدعم قوتها.

ص: 346

32-

يؤكد المؤتمر وجوب أن يكونَ إيداع أموال المسلمين في مصارف إسلامية، تلتزم في معاملاتها المالية بأحكام الشريعة الإسلامية.. ويدعو إلى التوسع في إنشاء هذه المصارف غير الربوية لتشمل سائر الأقطار الإسلامية، وإلىَ تعزيزها بالأموال لمساعدتها على بناء اقتصاد إسلامي، يقضي على الاقتصاد الربوي القائم ويحل محله.

ويؤكد أيضا على تجنب إيداع أموال المسلمين في المصارف غير الإسلامية إذ أن هذا الإيداع - فضلا عن أنه محرم شرعا- فإن استثمار هذه الأموال في تلك المصارف قوة لأعداء المسلمين.

33-

يوصي المؤتمر بالحد من استيراد الكماليات، ومنع استيراد وسائل الترف مطلقا، وخاصة من البلاد الأجنبية التي تتخذ من بلاد المسلمين سوقا لبيع بضاعتها واستنزاف أموال المسلمين وثرواتهم.

سادسا: الأقليات الإسلامية:

34-

يوصي المؤتمر بالعناية برعاية الأقليات الإسلامية ومساعدتهم في تفقيههم في دينهم وتوفير احتياجاتهم الضرورية وحل مشكلاتهم، والحصول على حقوقهم العادلة مثل غيرهم من المواطنين دون تفرقة، ومن ذلك حقهم في التحاكم إلى شريعتهم الإسلامية في شئونهم الخاصة وأدائهم لشعائرهم الدينية دون مضايقة: حماية لهم ولعقيدتهم وحياتهم الإسلامية وتعزيزا لولائهم لدينهم والعمل به وانتمائهم إلى أمتهم الإسلامية الواحدة.

سابعا: توصيات عامة:

35-

دعوة الحكومات في جميع الأقطار الإسلامية إلى الاتفاق على (ميثاق إسلامي) مستمد من الكتاب والسنة، يجمع كلمتها ويوحد سياستها ويعزز قوتها، ويجعل ولاءها لدينها، وفيما بينها، وانتصارها بربها، لا بالتحالف مع أعدائها، وأن تكون العلاقات الدولية خاضعة للسياسة الشرعية الإسلامية.

ص: 347

36-

أن تتبنى منظمة المؤتمر الإسلامي إنشاء هيئة للتعاون الإسلامي تعنى بدراسة سبل التعاون والتكامل بين الأقطار الإسلامية في جميع مجالات الحياة: الصناعية، والتجارية، والاستثمارية، والدفاعية، والأمنية، والزراعية، والاجتماعية، والصحية وغيرها، والعمل على تحقيق ذلك.

37 يتابع أعضاء المؤتمر ما يقع لبعض البلاد الإسلامية من محاولات التنصير المدعوم بالقوى المادية و (الاستعمارية) ، ويرى ضرورة العمل من جانب الحكومات والمسلمين على التصدي لهذه المحاولات بإعداد المسلم إعدادا يمكنه من الثبات على دينه والتأثير في غيره لا التأثر به، والعمل كذلك على إقامة المؤسسات وتوفير الخدمات التي تعينه على السير في مجال التعليم، والتمتع بالرعاية الصحية والاجتماعية.

38-

يوصي المؤتمر الدول والهيئات الإسلامية وجميع المسلمين بالعناية بالذين يدخلون في الإسلام لحاجتهم الماسة إلى معاونتهم على زيادة معرفتهم بدينهم الحنيف وإلى الرعاية الأخوية والاجتماعية ومساعدتهم على التكيف مع حياتهم الإسلامية تكيفا يزيدهم إيمانا بدينهم وألفة ومودة بين إخوانهم المسلمين.

39-

إن المؤتمر إذ يقدر الأهمية البالغة للعناية الكاملة بأطفال المسلمين جيل المستقبل للأمة الإسلامية (خاصة فاقدي العائل منهم) ليوصي الحكومات والجمعيات والمؤسسات وذوي القدرة من المسلمين بتوفير رعايتهم الرعاية الشاملة ووضع البرامج وإنشاء المؤسسات التعليمية في مراحلها المختلفة والايوائية وغيرها التي تحقق ذلك.. وعلى الدعاة أن يعنوا بهذا الجانب الإسلامي الإنساني الاجتماعي في دعوتهم لتنشيط الجهود في هذا المجال.

ص: 348

40-

محافظة على البيت المسلم والمجتمع المسلم ومبادئه وقيمه الإسلامية وسلوكه الإسلامي ودرءا للمفاسد المتوقعة يحذر المؤتمر من استخدام غير المسلمين وبخاصة في المنازل، والقيام بتربية الأطفال ورعاية شئونهم: التزاما بواجب الوقاية لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَة} (التحريم: من الآية 6)، ومسئولية الرعاية لقول النبي صلى الله عليه وسلم:"كلكم راع ومسئول عن رعيته".

41-

يؤيد المؤتمر (قيام الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية) بالكويت التي تهدف إلى حماية المسلمين من الهجمات التنصيرية والإلحادية عن طريق العمل الخيري والاجتماعي والثقافي والتنموي، ويدعو المسلمين كافة إلى مساندتها بالدعم المادي والأدبي، امتثالا لقول الله تعالى:{وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} (المائدة: من الآية 2) .

والمؤتمر إذ يختتم أعماله ويقدم توصياته يسجل خالص شكره وتقديره لجلالة الملك المعظم فهد بن عبد العزيز المعظم وولى عهده الأمير عبد الله بن عبد العزيز وحكومته الرشيدة وشعبه الكريم لاستضافة هذا المؤتمر الإسلامي العالمي، وما لقيه أعضاؤه في المملكة العربية السعودية والجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة من أخوة وحفاوة وتكريم.. ويتوجه إلى الله عز وجل بالدعاء أن يوفق جميع ولاة أمور المسلمين لما فيه عزة الإسلام وإعلاء كلمته وخير المسلمين.

والحمد لله رب العالمين.. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه والمهتدين بهديه الداعين بدعوته إلى يوم الدين.

ص: 349

رسالة إلى رئيس التحرير

الدكتور أحمد عطية الغامدي المحترم

…

بعد التحية والتقدير: إن الأدب الإسلامي مما شرفه الله بأن يكون ثوباً يلبس

…

وحلية يتحلى بها

…

وبالقرآن والشريعة الغراء كانت اللغة أدبا ومفردات باقية إلى يوم الدين لأن القرآن والشريعة باقية

…

ومن هنا كان لدولتنا- رفع الله منارها وأعز شعارها- شرف إعزاز الدين ونشره امتداداً للسلف الصالح

…

من الخلفاء الراشدين إلى هذا اليوم الذي أحيت فيه الدولة للعلم قيمته ونشرت إلى الملأ عَلَمَه وعلى الدنيا نوره بعد أن كان باهتا في كثير من العالم

…

وخاملاً في جل أقطار الدنيا.

وما هذه الجامعة التي يدرس فيها عشرات الجنسيات من أسود وأبيض وأحمر وأصفر إلا لغة ناطقة بالحق وداعية إليه في بلادها حيث نهَلت من العلم الصحيح والدين السليم الخالي من كل بدعة ونحلة ضالة مضلة

…

ومن كل أفكار وآراء مُخِلّة

…

من هنا أجد أن شباب جامعتنا - الجامعة الإسلامية- انتقلت من طور التعليم والتربية الإسلامية إلى طور الدعوة بهذه الموسوعات التي أجدها نهراً كالنسيم

…

يسيل منهمراً وينتثر درّاً. وإن في العدد الخاص "61 "من المجلة لعام 1404 هـ من الدعوة إلى الله وعن الواقع المعاصر، ما منحنا فيه الدكتور عبد الله صالح العبيد من الأفكار عن الدعوة ومن الشرف باحتضان المؤتمر العالمي الثاني لتوجيهها وأهميتها ودافعها وأسباب وظواهر الصحوة الإسلامية والحاجة لمراجعة هذا الواقع ومتطلباتها وما نحن فيه بين الواقع والمستقبل مختتما حديثه وبحثه بالأمل والرجاء في أن يلتقي العاملون في مجال الدعوة في رحاب الجامعة الإسلامية للاتفاق إلى الهدف والغاية المثلى.

ص: 350

ولقد كان للشيخ أبي بكر الجزائري هو الأخر تُحَب (بضم التاء وفتح الحاء) أحاديثه لأن له إلماماً عميقاً بالتوحيد وفهماً صحيحاً للعقيدة تبدو لي من خلال أحاديثه فجراً في كثير من الأيام وحديثه عن "آية العدد" شرحاً واستنتاجاً وتعليقاً وتفسيراً ما يجعل من بحثه كنزاً دقيقاً سال على الصفحات التسع

…

وما بحث عميدنا الدكتور عبد العزيز بن عبد الله الحميدي - الجماعة في ضوء الكتاب والسنة- بأقلِ فائدة ولا بأضأل أهمية، إنه حديث جم المنابع وفيه من الآداب والتربية ما يعطي القارئ المسلم نوراً وهدى

…

وإنّ ما فيه من الأدلة الواضحة والشواهد الجليلة والاستنباطات الدقيقة ما يجعله يغني عن كتب

…

وإفاضته عن المساجد وأثرها في تمتين الروابط وتقوية الأواصر ما يهب المسلم قوة معنوية تجعله يقبل على الصلوات الخمس جماعة التي هي ألزم ما يكون بين المسلمين.

ولقد ثنى الدكتور محمد ضياء الرحمن الأعظمي بحديثه المتسلسل- 2- على ذلك حول صلاة الجماعة سائحاً في فقه السنة جامعاً ومفسراً ذلك في ستة عشر صفحة تعتبر موسوعة في مجالها وهذه من مزايا الشريعة والتشريع الإسلامي الذي أبدع فيه الشيخ محمد بن ناصر السحيباني في حديث أنيق وبحث متأمل يحسن أن يكون "كتاب المجلة".

ولقد كان الدكتور صالح سعد السحيمي موفقا في مقاله عن- منهج السلف في العقيدة وأثره في وحدة المسلمين- إن العقيدة هي السياج الذي يحميهم ويلمّ شعثهم ويزيل العنصريات ويجعل من الجميع قوة واحدة متلاحمة والواقع أن ما تناوله حول الصفات وأسماء الله وما قاله العلماء يعطي القاريء فكرة عن وعي شيخنا وعن اطلاعه الواسع ولاسيما نقده لأولئك الضُلاّل الخارجين على الدين بأفكار شاطحة وآراء نادَّه

…

وإن الصوفيين هم أيضا من الشذوذ في درجة استحقوا بها ما استشهد به من شعر في من قال من زعماء الطرق:

إ ن قلت كن يكن بلا تسويف

قد خصّني بالفضل والتشريف

ص: 351

وما أجمل أبياتا نقلها في بحثه منها:

وح وحق النصيحة أن تستمع

ألا قل لهم قول عبد نص

بأن الغنا سنة تتبع

متى علم الناس في ديننا

ويرقص في الجمع حتى يقع

وأن يأكل المرء أكل الحمار

لقد رأيت حادثتين في حياتي

…

فقد حضرت منذ ثلاثين سنة تقريبا في حفل زاره أحد رؤساء الوزارات في مصر لميلاد الرسول الذي سنوه لأنفسهم وما سنه أحد من المسلمين ورأيت امرأة ترقص حتى تعبت وسقطت من الإعياء

…

وحملوها إلى المستشفي والناس يكبرون ويحترمون شأنها

…

والثانية كنت في دمشق منذ أكثر من عشرين عاماً ودعاني أحد الإخوان لزيارة- خلوة- في هذه المدينة لجمعية إسلامية تدّعي أنها من السنة وزعيمها ورائدها

…

عندما صلينا العصر سألت لماذا لم تصلّ؟ قال: لقد رُفِعَت عني التكاليف

…

ثم قال: وقد كان في مبدأ أمره فاسقاً يستعمل كل المحرّمات ثم تاب وأناب وصار يصلي طوال الأربع وعشرين ساعة فهتف به هاتف كما يقول!! وقال له: "غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فلا تصم ولا تصل"

…

من هنا أنفذ إلى كلمة-الدكتور السحيمي- التي ملأت حيزا واسعا من المجلة، إنها لتنفذ إلى القلوب والأفكار لسدادها وصوابها وجودة بحثها وعمق معانيها.

وما أثر العقيدة الإسلامية

…

في تضامن ووحدة الأمة الإسلامية للأستاذ الدكتور أحمد سعد الغامدي- إلا جزء متممٌ لحديث دكتورنا السحيمي إلا أنه فصّل حديثه وقسّمه أقساما أربعة وجزأ الأحاديث لاثني عشر موضوعاً وجعل له خاتمة ثم فصل وشرح هذه المواضيع شرحاً كافياً وشافياً

…

ونتتابع الأحاديث والبحوث فيسعدنا الدكتور علي عبد اللطيف ببحثه القيم عن العبادات في الإسلام وأثرها في تضامن المسلمين مسهباً إسهابا غير مملول عن الصلاة والصيام والزكاة وما لذلك من أثر وتأثير في جمع المسلمين وتضامنهم وتوادهم وتعاضدهم وتعاونهم

…

ص: 352

وبعد أن يملأ أذهاننا وأفكارنا شيخنا عبد العزيز بن عبد الله بن باز بفائدة التضامن الإسلامي يهدي إلينا الدكتور جمعه على الخولي بحديث شائق عن الإسلام الذي يسد منافذ الفرقة والاختلاف ويصون عوامل الوحدة والائتلاف

…

ومن ينسى لا ينسى حديث شيخنا العلامة- عطية محمد سالم- عن مرتكزات التضامن والوحدة

…

كما أن أحاديثه المتوالية فجراً من - نداء الإسلام - جزء من فيض علمه، وعسى أن يكون لحديثه الممتع وإفاضته الجليلة وأفكاره الصالحة ولوج إلى أفكار شبابنا الذين هم في حاجة إلى مثل هذه البحوث التي يدبجها هؤلاء الأعلام

…

وما حديث الدكتور محمد السيد الطنطاوي عن كيفية إقامة النبي صلى الله عليه وسلم أول دولة إسلامية على التضامن والوحدة وما سرده من الأحاديث والتعليقات عليها ينمّ عن سعة علم وفقه - وإنّ الفتح العمري للقدس- من المكانة في قلوب المسلمين والعالم أجمع لدليل قاطع على ما لهذا الدين من أمثلة وأنه دين البشرية. إن المرء وهو يقرأ هذا الحديث الشائق ويسيح في هذا الميدان الرحب ليذكر لعلمائنا الأماثل وأساتذتنا الأجلاء شرف العلم ونباهة التعلم وإحاطة العارف.

وليس الدكتور محمد الجيوشي في حديثه الثاني عن الإسلام والمسلمين في إنجلترا ماضياً وحاضراً ومستقبلاً امتداداً لحديثه السابق في العدد "60 "، وأنّه بهذا يعطينا عمقاً في بحثه وسلامة في تنقيبه وسدادا في مجهوده، وبودّي لو بحث عن مسجد - ليدى ستانلى هوب- وأين هو الآن؟.. وهل من الممكن - وقد كان لدولتنا وجامعتنا الفتية مجهودها - أن تسعى وتَجدَّ في السعي لكي يكون هذا المسجد من مساجد المسلمين المُصَلىَّ فيها وخوفاً من أن يكون متجراً أو كنيسة

…

أفلا تتولى الجامعة ذلك شراء وامتلاكا يضم إلى ما عملته من خير عميم وتربية إسلامية صادقة

…

إننا لننتظر في العدد القادم بحثا عنه

…

ولاسيما ودعاة الجامعة يوجدون في إنجلترا.

ص: 353

وشكراً للدكتور القادري على مسلسل أحاديثه في المشارق والمغارب الذي أبدع فيه ممثلا رحلة أوائلنا التجارية والداعية معاً

…

ورحلته هذه أطول من رحلته السابقة في العدد "60"

…

ومن الرسائل- الرسالة الحادية عشرة

…

وإذا كانت هذه الرسالة مما لم يحملها البريد فقد حملتها المجلة هدية لقرائها

…

أشرقت بإيضاح المعاني للآيات الكريمة تذكيراً ووعظاً وإرشادا

…

ولم تكن رسالة إنشاء وصياغة كلام ولكنها من مشكاة القرآن والسنة أخذها من عشرات المراجع.

وإذا كان للبحوث جدواها

…

وللمقالات تأثيرها فإن للشعر صوتاً يغرد به- محمد بن عبد الله زربان الغامدي:

يفيض على القلب طيب النسم

أيا بلبل الروض أين النغم

ولم يبق من بعد إلا الرخم

فأين صقور الحمى هاجرت

تحيط بها حالكات الظلم

أيا قادة العلم في أمة

وما كان من زلة القدم

ألا فاذكروا اليوم تفريطكم

ولكن.

من الحق ثم انتشى وانتقم

إذا باطل قام في غفلة

فعاد لأدراجه وانهزم

أفاق له الحق في عزة

إنه لشاعر

…

لو يستمر يدلي بدلوه في بئره

…

وسقى به سليم فكره

…

لأعطانا من شعره

…

ومن غالي دره ما هو ممتد إلى شعر حسان وكعب وغيرهما من سيوف المسلمين وأدباء المؤمنين. ولست بناس قصيدة محرم والحديث عن شعره الإسلامي الذي حُدّثنا عنه في الجزء "60"بما يحلو ويغلو.

وأجدني أقف شاكراً للدكتور إبراهيم زيد الكيلاني- عن الرأي العام في: المجتمع الإسلامي وبحثه الممتع وهو خلاصة خالصة لِكُتُب وليس لكتابٍ واحدِ.

ص: 354

وعن دور الإعلام في التضامن الإسلامي يتحفنا الدكتور إبراهيم إمام بحديث مفيد وإفاضة عالم جدير بالتقدير عن الإعلام الإسلامي الذي يجدر بجامعتنا أن تعتز به بأن لديها دعاة هم الأعلام والعلماء معاً في مشارق الأرض ومغاربها

…

وبما أن كليات الإعلام في جامعاتنا وهي الآن أقسام فعليه أن يتلقوا هذا الحديث برغبة وقبول ليكون مادة من مواد علمهم

…

وتستمر المجلة في أبوابها الجميلة وفصولها الممتعة وبحوثها الهادفة تم تفيدنا بالفتاوى الشرعية فينبري لها شيخنا المفضال سماحة الشيخ الرئيس عبد العزيز بن باز- في حكم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والإشارة إليها بالحروف وحكم ذلك إلى غير ذلك من الفتاوى مما هو موضع التساؤل كالسفر إلى بلاد الكفار

…

وأقوال الصحف كما هو واجب فإن الاختيار فيها والمختار من أحسنها جدير بالنقل فقد فاضت في كلمات جلالة الملك الفهد عن الإسلام وتبرعه لكل مفيد يبنى الأفكار وعن نخوته نحو فلسطين وكل بلد إسلامي وموقفه العظيم في لبناَن وإجاباته الجليلة وهو في رحاب الجامعة وعن جائزة الملك فيصل العالمية التي لها دربها ومجالها- فرحم الله الملك فيصل- وبارك في أبنائه الذين كوّنوا هذه الجائزة ونَموَّها ودفعوا بها العلماء إلى الإنتاج والإخصاب الفكري والديني والأدبي، والمرء وهو يقرأ المجلة يصل إلى قرارات وتوصيات مؤتمر وزراء خارجية الدول الإسلامية الصائبة والتنويه والتحذير من كل ما يعمله الكيان الصهيوني والتحذير من القاديانية الكافرة التي هي إحدى أفكار الإنجليز واليهود في إفساد المسلمين ومن أجمل ما يكون نداء الملك فهد إلى الإخوة المتقاتلين في لبنان.

ص: 355

أما أخبار الجامعة فممتعة وفي التعيين عمادها

…

وتهنئة للشيخ صالح العبد الله المحيسن في نيابة الرئيس داعياً له بالتوفيق كما نزف التهنئة للدكتور محمد حمود الوائلي في وصوله إلى خدمة الجامعة حيث صار أمينا عاماً

…

جعله الله موفقاً مسدداً.

وحيا الله ضيوف الجامعة ووفودها

…

وتبركات المحب الودود لكل من حمل رسالة ونجح في "ماجستير أو دكتوراه "وبارك الله في نشاط الموسم الثقافي بالجامعة الذي اعتبره من أجمل ما تعمله الجامعة.

هذا ولقد كان للمجلة في نفسي مكان

…

ولها عند من يحظى بها تقدير وإكبار. وهي موسوعة مصغرة لعلوم الشريعة والأدب ومنطلق للبحث والتنقيب، وأوَدُّ أن يكون فيها بحوث لغوية وتصويبات في المستعمل في المجلات، الصحف وتقويم للألسن يُخْتَار من كتب اللغة والفقه اللغوي من قواميسنا المفيدة أمثال القاموس وشرح القاموس وأن لا يكون لقواميس النصّارى كالمنجد وما ماثله مكان في البحث فإنها لا تعنى باللغة إلا للتضليل وتمكين الدخيل والكلمات الأعجمية وتحريف معاني الإسلام تحريفا مخلاً يزرع فئ شبابنا الخطأ الذي لا يمحوه ماح

…

لهذا أرجو أن تولوا ذلك عناية فائقة وتكليفا ممن هو أهل لذلك لتحظى مجلتنا بذلك ولتكون سفراً متكاملا

…

كما أود أن ترسل هذه المجلة للثانويات من المملكة ولمكتبات الطلبة في سائر المدارس المتوسطة فإنها سفر جليل وكنز دفين

…

هذا وقد أسهبت وخضت خوضا أجدني فيه لست فارساً ولا ممارسا ولكني أرغب إشعاركم بأن لها مكانا في قلبي ومكانا في مكتبتي

…

ولم أشأ بهذا الكتاب إلا الإعلام بأنها عندي ولي شيء مهم.

تحياتي للمحررين والكاتبين [1] .

عثمان الصالح- الرياض

--------------------------------------------------------------------------------

[1]

شكر وتقدير:

ص: 356

وأسرة تحرير المجلة إذ تشكر لسعادة الأستاذ عثمان الناصر الصالح مشاعره الطيبة نحو مجلة الجامعة لتتمنى له مزيداً من التوفيق والسداد. ونرجو أن تكون مجلة الجامعة عند حسن ظن جميع القراء

…

ص: 357

القول الفصل في العمل بالحديث المرسل

للشيخ مظفّر رزق

الموصل ـ العراق.

1-

توطئة:

الحمد لله الذي أنزل أحسن الحديث، وأودع درر بيانه في محكم الحديث، فكرّم هذه الأمة - زادها الله شرفا - بالاعتناء بتدوين ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم حفظاً له على تكرر العصور والآباد. ونصب جهابذة من الحفاظ والنقاد، وجعلهم دائبين في إيضاح ذلك في جميع الأزمان والبلاد، باذلين وسعهم مستفرغين جهدهم في ذلك جماعات وآحادا.

والصلاة والسلام على من أوتي جوامع الكلم، وخُصّ ببدائع الحكم، سيدنا محمد المصطفى بتعميم دعوته ورسالته، المفضل على الأولين والآخرين من بريته، المشرّف على العالمين قاطبة بشمول شفاعته، المخصوص بتأييد ملّته وسماحة شريعته، المكرم بتوفيق أمته للمبالغة في إيضاح منهاجه وطريقته.

أما بعد

…

فإن الله سبحانه وتعالى فضل هذه الأمة بشرف الإسناد، وخصها باتصاله دون من سلف من العباد، وأقام لذلك في كل عصر من الأئمة الأَفراد، والجهابذة النقاد، من بذل جهده في ضبطه وأحسن الاجتهاد، فظفر بنيل المراد وذلك من معجزات نبينا صلى الله عليه وسلم التي أخبر بوقوعها فقال صلى الله عليه وسلم:"تسمعون ويسمع منكم ويسمع ممن يسمع منكم". (رواه أبو داود بإسناده في سننه) .

فباتصال الإسناد عرف الصحيح من السقيم، وصان الله هذه الشريعة عن قول كل أفّاك أثيم، فلذا كانَ الإرسال في الحديث علة يترك بها، ويتوقف عن الاحتجاج به بسببها، لما في إبهام المروى عنه من الغرر، والاحتجاج المبني على الخطر، وقد اختلف العلماء قديماً وحديثاً فيه وكثرت أقوالهم، وتباينت آراؤهم، وتعارضت أفعالهم.

ص: 358

فعمدت في عملي هذا إلى إيضاح ما هو إلى الصواب أقوم المسالك، جامعاً فيه بين طريقة أهل الحديث وأئمة الأصول، والفقهاء الذين في الرجوع إليهم أنفس حصول، ذاكراً من المنقول ما أمكن الوصول إليه، ومن المباحث النظرية ما يعول عند التحقيق عليه، مميزاً في ذلك الغث من السمين، مبيِّناً ما هو الضعيف من المتين.

2 -

المقدمة:

يعرف علم الحديث الخاص بالرواية بأنه: علمٌ يعرف به أقوال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأفعاله وأحواله، وروايتها وضبطها وتحرير ألفاظها. وعلم الحديث الخاص بالدراية: علم يعرف منه حقيقة الرواية، وشروطها وأنواعها وأحكامها، وحال الرواة وشروطهم، وأصناف المرويات وما يتعلق بها [1] .

والمتن: هو ألفاظ الحديث التي تتقن بها المعاني، والسند: هو الطريق الموصلة إلى المتن (أي أسماء رواته مرتبة) . أما الإسناد: فهو حكاية طريق المتن.

إن متن الحديث نفسه لا يدخل في البحث عند أرباب الحديث إلا نادراً، بل يكتب صفته من القوة والضعف، بحسب أوصاف الرواة من العدالة والضبط والحفظ وخلافها، أو بحسب الإسناد من الاتصال والانقطاع والإرسال والاضطراب ونحوها.

وأول من صنف في الاصطلاح القاضي أبو محمد الرامهرمزي بكتابه (المحدث الفاصل) وتلاه الحاكم أَبو عبد الله النيسابوري، لكنه لم يهذب ولم يرتب، وتلاه أبو نعيم الأصفهاني، ثم جاء بعدهم الخطيب البغدادي فوضع قوانين الرواية في كتابه (الكفاية) إلى أن جاء الحافظ الإمام ابن الصلاح فوضع كتابه الشهير، فهذب فنونه وجمع به علوم سابقيه فكان من أئمة هذا الشأن.

لا تخرج أنواع الحديث عن ثلاثة: حسن صحيح، وحسن، وضعيف؛ لأنه إن اشتمل من أوصاف القبول على أعلاها فالصحيح، أو على أدناها فالحسن، أو لم يشتمل على شيء منها الضعيف.

ص: 359

وقد صنف العلماء كالحاكم وابن الصلاح والنووي، الحديث المرسل ضمن الأحاديث الضعيفة لما فيه من انقطاع في السند، واختلفوا فيه بين قبول ورد وتفصيل. وقد عرف المرسل بأنه: ما سقط منه الصحابي، كقول نافع قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، وهو المشهور عند المحدثين. وقد يطلق المرسل على الحديث الذي قد سقط راو من رواته فيدخل فيه المعضل والمنقطع، وهو رأي الفقهاء والأصوليين، ومما يشهد للتعميم قول ابن القطان:"إن الإرسال رواية الرجل عمن لم يسمع منه".

والمرسل على مراتب:

- أعلاها: ما أرسله صحابي ثبت سماعه.

- ثم صحابي له رؤية فقط ولم يثبت سماعه.

- ثم المخضرم.

- ثم المتقن كسعيد بن المسيب.

- ويليها من كان يتحرى في شيوخه، كالشعبي ومجاهد.

- ودونها مراسيل من كان يأخذ عن كل أحد كالحسن.

- أما مراسيل صغار التابعين كقتادة، والزهري، وحميد الطويل، فإن غالب رواية هؤلاء عن التابعين.

قال أبو داود في رسالته: "وأما المراسيل فقد كان أكثر العلماء يحتجون بها فيما مضى مثل سفيان الثوري، ومالك، والأوزاعي. حتى جاء الشافعي- رحمه الله فتكلم في ذلك وتابعه عليه أحمد وغيره". وقد وضعت قواعد معينة من قبل الفقهاء والأصوليين لتمييز المرسل المقبول والمردود لحفظ شطر السنة من الإهمال وإثراء الأحكام الشرعية بما تحويه هذه الأحاديث من أحكام ورقائق.

يتلخص في الاحتجاج بالمرسل عدة أقوال:

1-

حجة مطلقا.

2-

لا يحتج به مطلقاً.

3-

يحتج به إن أرسله أهل القرون الثلاثة.

4-

يحتج به إنْ لم يرو إلا عن عدل.

5-

يحتج به إن أرسله صحابي.

صنف في المراسيل أبو داود، ثم أبو حاتم، ثم البرديجي، ثم الخطيب البغدادي، ثم النووي، ثم الحافظ العراقي. ومن المتأخرين الحافظ أبو سعيد العلائي، والعجمي، وابن الهادي.

(3)

الإرسال بين اللغة والاصطلاح:

ص: 360

المرسل وجمعه مراسيل بإثبات الياء وحذفها أيضاً، وأصله من (رسل) التي تحمل عدة معاني حسب إشتقاقاتها اللغوية.

ا- تقول: (أرسل) : (أطلق وأهمل)[2] فكأن المرسل أطلق الإسناد ولم يقيده براو معروف [3] ، أو أهمل ذكر راوٍ من رواة الإسناد.

2-

(استرسل) : الطمأنينة إلى الإنسان والثقة فيما يحدثه [4] . وكأنَّ التابعي الذي قد ذكر الحديث اطمأن ووثق بصحة ما يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم ووثق بمن أخذ الحديث عنه، فلم يذكره. قال القرافي في (شرح التنقيح) :"إنه ما سكت عنه (الراوي) إلا وقد جزم بعدالته، فسكوته كإخباره بعدالته"[5] .

3-

أرسل الحديث: لم يقيده [6] وكأن الراوي لم يقيد روايته باتصال الإسناد فأسقط ذكر الصحابي الذي تحمله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

4-

مرسال: يقال: ناقة مرسال أي سريعة السير [7] ؛ فكأن المرسل أسرع فيه عَجِلاً فحذف بعض إسناده.

5-

أرسالاً: جاء القوم أرسالا أي قطعاً متفرقين [8]، قال ابن سيده: الرَّسَل بفتح الراء والسين: القطيع من كل شئ والجمع أرسال، وجاءوا رسلة أي جماعة، فكأنه تصور من هذا اللفظ الاقتطاع، فقيل للحديث الذي قطع إسناده وبقي غير متصل: مرسل، أي كل طائفة منهم لم تلق الأخرى ولا لحقتها [9] .

هذا ما يتعلق بهذا اللفظ من حيث اللغة، وأما من ناحية الاصطلاح فلتعريف الحديث المرسل ومعرفة حده ينبغي علينا التمييز بينه وبين المنقطع والمعضل. أما المنقطع فقد ذهب الفقهاء والخطيب وابن عبد البر وغيرهم من المحدثين أن المنقطع ما لم يتصل إسناده على أي وجه كان انقطاعه، وأكثر ما يستعمل في رواية منْ دون التابعي عن الصحابي. وقيل: هو ما اختل منه رجل قبل التابعي محذوفاً كان أو مبهماً [10] . والمعضل- وهو بفتح الضاد- يقولون: (أعضله معضل) وهو ما سقط من إسناده اثنان فأكثر [11] .

ص: 361

لقد عَرَّف الحاكم الحديث المرسل فقال: "إنّ مشايخ الحديث لم يختلفوا في أنَّ الحديث المرسل: هو الذي يرويه المحدث بأسانيد متصلة إلى التابعي، فيقول التابعي: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم[12] . وهكذا عبر ابن الصلاح تبعاً للحاكم.

يقتضي كلام الحاكم أن إرسال صغار التابعين ومتأخريهم يلحق بالمرسل، وإن كان ما يروون عمن أدركوه من الصحابة يسيراً، وجل رواياتهم إنما هي عن التابعين.

إنّ خلاصة أقوال المحدثين في الحديث المرسل بأنه: ما رواه التابعي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم باتفاق على التابعي الكبير، واختلافهم في التابعي الصغير هل هو مرسل أو منقطع. وقد وافق المحدثين جماعة من الأئمة كابن فورك، أبي نصر بن الصباغ، أبى المظفر بن السمعاني، وكذلك القرافي.

أما مشايخ أهل الكوفة فيقول الحاكم عنهم: "بأن كل من أرسل الحديث من التابعين وأتباع التابعين ومن بعدهم من العلماء فإنه عندهم مرسل محتج به"[13] . وهذا قول معظم الحنفية إلا من أطلق الإرسال على قول الراوي من الأعصار الثلاثة الأولى: قال النبي صلى الله عليه وسلم.

وقال الحافظ أبو بكر الخطيب في كتابه "الكفاية": "لا خلاف بين أهل العلم أن إرسال الحديث الذي ليس بمدلس، هو راوية الراوي عمن لم يعاصره أو لم يلقه، نحو رواية سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن وعروة بن الزبير ومحمد بن المنكدر والحسن البصري ومحمد بن سيرين وقتادة وغيرهم من التابعين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بمثابته في غير التابعين نحو رواية ابن جريج عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ورواية مالك بن أنس عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، ورواية حماد بن أبي سليمان عن علقمة، وكذلك رواية الراوي عمن عاصره ولم يلقه كرواية سفيان الثوري، وشعبة عن الزهري، وكان نحو ذلك ما لم نذكره، فالحكم في الجميع عندنا واحد [14] .

ص: 362

والمشهور في الفقه والأصول أن (المرسل قول الإمام) لما من أئمة النقل وهو من له أهلية الجرح والتعديل (الثقة قال: عليه الصلاة والسلام كَذا مقول القول (مع حذف من السند وتقييده) أي القائل أو الإمام القائل (بالتابعي أو الكبير منهم) أي كعبد الله بن عدي وقيس بن أبى حازم (إصطلاح) من المحدثين فدخل في التعريف (المنقطع) بالاصطلاح المشهور للمحدثين (والمعضل) المشهور عندهم [15] . وهو كقول الخطيب وبه قال الشيخ موفق الدين الحنبلي في الروضة [16] والآمدي في الأحكام [17] والغزالي في المستصفى [18] .

من استقراء ما ذكرناه يبدو بأن اصطلاح المرسل لما ذكر من حيث اللغة ممكناً، وعلى هذا هو والمنقطع سيان لغة واصطلاحاً، ويبدو بأن المنقطع أكثر عموماً- وبه قال ابن عبد البر- عن المرسل إذ أن الأول يتحدد بكل ما لم يتصل سنده سواء كان يعزى إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو إلى غيره، أمّا الثاني فهو ما أرسله التابعي عن النبي صلى الله عليه وسلم. والمحدثون كما ذكرنا سابقاً يفصلون بين المرسل والمنقطع ويجعلون بينهم اختلافاً واضحاً.

وقد جعل الحنفية وإمام الحرمين المعضل والمرسل سواء، وعند الجمهور يعتبر المعضل أخص، وعندنا المعضل والمرسل متباينان.

(4)

مذاهب العلماء في قبول الحديث المرسل والعمل به أو رده:

وقد اختلف العلماء في قبول الحديث المرسل بين القبول مطلقاً والرد مطلقاً أو التفصيل فيه.

ويرجع الخلاف في هذه المسألة إلى القواعد المتبناة من أئمة الأصول والفقهاء في أصول الرواية.

أولها: قبول رواية المجهول العدالة والاحتجاج به.

وثانيها: هل أن مجرد رواية العدل عن غيره تعديل له أم لا؟.

وثالثها: قول الراوي: حدثني منِ لا أتهم أو نحو ذلك هل يحتج به إذا لم يسمعه أم لا؟.

ورابعها: هل يقبل التعديل مطلقاً أم لابد من ذكر سببه، وهل يشترط عدد معين في التعديل؟.

ص: 363

إن استقراء هذه القواعد ومناقشتها لتبيين ما هو الحق منها، فتخرج في قبول المرسل أورده إطلاقاً أو التفصيل في ذلك.

أ- المذهب الأول: قبول المرسل:

ممن قال بقبول الحديث المرسل والعمل به: مالك بن أنس، وأبو حنيفة، وجمهور أصحابهما، وأكثر المعتزلة كأبي هاشم، وأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه وابن القيم وابن كثير وغيرهم، ولهم في قبوله أقوال:

أولها: قبول كل مرسل سواء بعد عهده وتأخر زمنه عن عصر التابعين حتى مرسل العصور المتأخرة، وهذا توسع غير مقبول، ومردود بالإجماع في كل عصر، ولو عمل به لزالت فائدة الإسناد وبطلت خصِّيصة هذه الأمة.

ثانيها: قبول مراسيل التابعين وأتباعهم مطلقاً، قال ابن الحنبلي في "قفو الأثر: "والمختار في التفصيل قبول مرسل الصحابي إجماعاً، ومرسل أهل القرن الثاني والثالث عندنا (الحنفية) وعند مالك مطلقاً [19] . ومن الحجج لهذا القول: أن احتمال الضعف في التابعين لاسيما بالكذب بعيد جداً، فإنه صلى الله عليه وسلم أثنى على عصر التابعين، ثم للقرنين الذين يلونه، فإرسال التابعي وبقية القرون الثلاثة بالجزم من غير وثوق بمن قاله، مناف لها.

واوسع من هذا قول عمر- رضي الله عنه "المسلمون عدول، بعضهم على بعض، إلا مجلودا في حد، أو مجرباً عليه شهادة زور، أو ظنياً في ولاء أو قرابة".

إلا إن كان المرسل معروفاً بالإرسال عن غير الثقات، فإنه لا يقبل مرسله. وأما بعد العصر الثالث، فإن كان المرسل من أئمة النقل قبل مرسله [20] ، وهو قول عيسى بن إبان، أبو بكر الرازي والبز دوى وأكثر المتأخرين من الحنفية، وقال القاضي عبد الوهاب المالكي:"هذا هو الظاهرمن المذهب عندي"[21] .

وثالثها: قبول إرسال التابعين على اختلاف طبقاتهم، وهو قول مالك وجمهور أصحابه، وأحمد بن حنبل، وكل من يقبل المرسل من أهل الحديث.

ص: 364

ورابعها: قبول مراسيل كبار التابعين دون صغارهم لقلة روايتهم عن الصحابة كما حكاه ابن عبد البر في التمهيد.

واختلف القائلون بقبول المرسل في طبقته هل هو أعلى من المسند، أو دونه، أو مثله؟. والقائلون بأنه أرجح وأعلى من المسند، وجّهوه بأن من أسند فقد أحالك على إسناده، والنظر في أحوال رواته والبحث عنهم، ومن أرسل مع علمه ودينه وإمامته وثقته فقد قطع لك بصحته وكفاك النظر فيه. قال القرافي في شرح التنقيح:"إن المرسل أقوى من المسند بهذا الطريق؛ لأن المرِسل- بكسر السن- قد تذمم الراوي وأخذه في ذمته عند الله تعالى، وذلك يقتضي وثوقاً بعدالته، وأما إذا أسند فقد فوّض أمره للسامع، ينظر فيه، ولم يتذممه، فهذه الحالة أضعف من الإرسال"[22] .

وساوى بين المرسل والمسند في وجوب الحجة والقبول محمد بن جرير الطبري، وأبو فرج المالكي، وأبو بكر الأبهري، وعندهم متى تعارض مدلول حديث مرسل وآخر مسند فلا ترجيح إلا بأمر آخر خارجي. وقد قدم أكثر محققي المالكية والحنفية كأبي جعفر الطحاوي، وأبي بكر الرازي بتقديم المسند على المرسل عند التعارض، وأن المرسل دون المسند بالرغم من قبوله والعمل به.

- ب - المذهب الثاني: رد المرسل:

قال الإمام مسلم- رحمه الله في مقدمة صحيحه: "والمرسل من الروايات في أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة"[23] .

وهو قول عبد الرحمن بن مهدي ويحي بن سعيد القطان وابن المديني وأبي خيثمة زهير بن حرب ويحي بن معين وابن أبى شيبة والبخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وغيرهم من أئمة الحديث [24] .

ص: 365

قال ابن أبى حاتم: "سمعت أبي وأبا زرعة يقولان: لا يحتج بالمراسيل ولا لقوم الحجة إلا بالأسانيد الصحاح المتصلة"[25] . وهو قول جمهور الشافعية واختيار إسماعيل القاضي وابن عبد البر وغيرهما من المالكية والقاضي أبي بكر الباقلاني وجماعة كثيرون من أئمة الأصول.

والحجة في رد المرسل هو أنا إذا قبلنا خبر من لا نعلم حاله في الصدق والعدالة ممن حاله على خلاف ذلك، فنقول على الدين والشرع ما لم نتحقق من صحته، قال تعالى:{وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} ، وقال عز وجل:{وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} .

وروى الحاكم في كتابه (علوم الحديث) عن يزيد بن هارون قال: "قلت لحماد بن زيد: يا أبا إسماعيل هل ذكر الله عز وجل أصحاب الحديث في القرآن؟ "قال: "نعم، ألم تسمع إلى قوله عز وجل: {لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ} ، فهذا فيمن رحل في طلب العلم ثم رجع به إلى من وراءه ليعلمهم إياه"، وقال الحاكم:"في هذه الآية دليل على أن العلم المحتج به هو المسموع دون المرسل"[26] .

ومن الأدلة على رد المرسل ما رواه أبو داود في سننه في حديث عن ابن عباس- رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تسمعون ويسمع منكم ويسمع ممن يسمع منكم". وما رواه الشافعي- رحمه الله قال: قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نضّر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها ثم أداها إلى من لم يسمعها". والحديثان دلا على أن شأن الرواية اتصال الإسناد، فمتى جوزنا للفرع قبول الحديث من شيخه من غير وقوف على اتصال السند الذي تلقاه شيخه أدى ذلك إلى اختلال السند لجواز أن يكون هذا الساقط غير مقبول الرواية، فلا يجوز الاحتجاج بخبره.

ص: 366

قال الإمام ابن عبد البر: "الحجة في رد الإرسال ما أجمع عليه العلماء من الحاجة إلى عدالة المخبر عنه، وأنه لابد من معرفة ذلك، فإذَا حكى التابعي عمن لم يلقه لم يكن بد من معرفة الواسطة، إذ قد صح أن التابعين أو كثيرا منهم رووا عن الضعيف"[27] .

وقال الحافظ أبو بكر الخطيب: "إرسال الحديث يؤدي إلى الجهل بعين راويه ويستحيل العلم بعدالته مع الجهل بعينه"[28] .

هذا وقد وجد بعد الصحابة من القرنين، من وُجدت فيه الصفات المذمومة، لكن بقلة، بخلاف من بعد القرون الثلاثة، إذ كثر آنذاك وانتشر، وقد روى الشافعي- رحمه الله عن عمه: حدثنا هشام بن عروة عن أبيه، قال:"إِني لأسمع الحديث أستحسنه، فما يمنعني من ذكره إلا كراهية أي يسمعه سامع فيقتدي به، وذلك أني أسمعه من الرجل لا أثق به وقد حدث به عمن أثق به، أو أسمعه من الرجل أثق به، قد حدث عمن لا أثق به". وهذا كما قال ابن عبد البر: "يدل على أن ذلك الزمان، أي زمان الصحابة والتابعين كان يحدث فيه الثقة وغيره".

ج - المذهب الثالث: التفصيل في المرسل:

للاحتجاج بالحديث المرسل عمد الفقهاء والأصوليون إلى اعتماد معيار لنقد الحديث المرسل وتمحيصه للتأكد من صلاحيته في استنباط الأحكام الشرعية.

ص: 367

قال الإمام الشافعي- رحمه الله: "وأحتجُّ بمرسل كبار التابعين، إذا أسند سن جهة أخرى، أو أرسله من أخذ من غير رجال الأول، أو وافق قول الصحابي، أو أفتى أكثر العلماء بمقتضاه"[29] . أما أئمة الجرح والتعديل كيحي بن سعيد القطان وعلى بن المديني وغيرهما فوضعا قاعدة للتفصيل في قبول وردّ الحديث المرسل وذلك في التفريق بين من كان لا يرسل إلا عن ثقة، وبين من يعرف بإرساله عن كل أحد سواء كان ثقة أم ضعيفاً، فيقبل مرسل الأول ويرد مرسل الثاني. قال ابن أبى حاتم في بداية كتابه (المراسيل) :"كان يحي بن سعيد القطان لا يرى إرسال الزهري وقتادة شيئاً، ويقول هو بمنزلة الريح"[30] .

إن عدالة كبار التابعين كسعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح ومكحول وأمانتهم تحول دون روايتهم عن غير الثقة، فلا يستجيز هؤلاء الجزم بحديث إلا بعد التأكد من ثبوته وعدم وجود ما يقتضي القدح في المرسل، والدليل على ذلك ما جاء عن ابن عمر- رضي الله عنهما أنه كان يرسل إلى سعيد بن المسيب يسأله عن قضايا أبيه عمر- رضي الله عنه وأحكامه مع علمه بأنه لم يدركه ولم يختلف عليه اثنان في قبولها منه مرسلة، وقد قال الإمام أحمد بن حنبل- رحمه الله:"إذا لم يقبل سعيد بن المسيب عن عمر فمن يقبل"[31] .

وإذا جاء المرسل من وجهين، وكل من الراويين أخذ العلم عن شيوخ الآخر، فهذا يدل على صدقه، فإن مثل ذلك لا يتصور في العادة تماثل الخطأ فيه وتعمد الكذب، والعادة تمنع تماثلهما في الكذب عمداً وخطأ.

ص: 368

قال إمام الحرمين: "إذا قال أحد أئمة الجرح والتعديل حدثني الثقة أو حدثني من لا أتهم ونحو ذلك وكان ممن يقبل تعديله ويرجع إليه فهو مقبول محتج به بالرغم من إرساله؛ وذلك لأنه لا يقول ذلك إلا عند تحققه من ثقة ذاك الراوي وصدقه. وقد روى عروة بن الزبير لعمر بن عبد العزيز عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: "من أحيا أرضاً ميتة فهي له" فأرسله ولم يسنده، فقال له عمر بن عبد العزيز: "أتشهد على رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك؟ "فقال: "نعم أخبرني بذلك العدل الرضي"، فلم يسم مَنْ أخبره، فاكتفى منه عمر بن عبد العزيز بذلك.

فالقول المختار في التفصيل هو أن من عرف من عادته أنه لا يرسل إلا عن ثقة عدل مشهور بذلك فمرسله مقبول ومن لم تكن عادته ذلك فلا يقبل مرسله، وبهذا القول يحصل الجمع بين الأدلة المتقدمة. فلا يمكننا إنكار قبول المرسل في الصدر الأول، وقد رد جماعة منهم الكثير من المراسيل، فيعزى قبولهم إلى الثقة بمن يرسل الحديث، وإلى هذا أشار ابن عباس- رضي الله عنهما قال:"كنا إذا سمعنا أحدنا يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتدرته أبصارنا وأصغينا إليه بآذاننا، فلما ركب الناس الصعب والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف".

وأما من يرسل عن غير المشهورين، وإن كانوا عنده ثقات فاحتمال جواز كونه ضعيفاً يبقى قائماً، ويندفع هذا الاحتمال ببعض الوجوه التي قالها الإمام الشافعي- رحمه الله وبدونه لا يمكن اعتماد هذا المرسل.

(5)

رواة المراسيل والموارنة بينهم:

قال الحاكم: "وأكثر ما تروى المراسيل من أهل المدينة عن ابن المسيب، ومن أهل مكة عن عطاء بن أبي رباح، ومن أهل البصرة عن الحسن البصري، ومن أهل الكوفة عن إبراهيم النخعي، ومن أهل مصر عن سعيد بن أبي هلال، ومن أهل الشام عن مكحول"[32] .

ص: 369

وقد صحح المحدثون مراسيل بعض الأئمة من التابعين، فمراسيل ابن المسيب في مقدمة المراسيل، قال الحاكم:"وأصحها مراسيل ابن المسيب لأنه من أولاد الصحابة، وأدرك العشرة، وفقيه الحجاز ومفتيهم، وأول الفقهاء السبعة الذين يعتد مالك بإجماعهم كإجماع كافة الناس"[33] . أما مراسيل الشعبي، فقال أحمد العجلي:"مرسل الشعبي صحيح، لا يكاد يرسل إلا صحيحا"[34] . ومراسيل إبراهيم النخعي صحيحة إلا حديث "تاجر البحرين"و "حديث القهقهة"[35] .

وينبغي أن يكون مرسل شريح القاضي أيضاً صحيحاً كمراسيل ابن المسيب والنخعي، فإنه مخضرم ثقة من أجل التابعين الكبار. أما مرسلات الحسن فقال ابن المديني:"مرسلات الحسن التي رواها عنه الثقات صحاح، ما أقل ما يسقط منها"[36] ، وكذا مراسيل ابن سيرين صحاح أيضا.

وممن أرسل الحديث من ثقات التابعين: سعيد بن جبير، مجاهد، طاووس، عمرو بن دينار، ومرسلات مالك بن أنس أصحهم. واختلف في مراسيل الزهري لكن الأكثر على تضعيفها، قال يحي بن معين:"مراسيل الزهري ليست بشيء، وهو قول الشافعي أيضاً"[37] .

خاتمة:

لقد تنازع الناس في قبول المراسيل وردها، فغالى البعض بالقبول بها مطلقاً وهذا غير مقبول؛ لأن هذا يؤدي إلى إزالة فائدة الإسناد، وغالى الآخرون برد المرسل مطلقاً، فرد بذلك شطراً من السنة ومصدراً من مصادر الأحكام الشرعية.

وأصح الأقوال أنّ منها المقبول، ومنها المردود، ومنها الموقوف، فمن علم أنه حاله أنه لا يرسل إلا عن ثقة: قُبل مرسله، ومن عرف أنه يرِسل عن الثقة وغير الثقة، فإن إرساله عمن لا يعرف فهو موقوف، وما كان ومن المراسيل مخالفاً لما رواه الثقات كان مردودا.

إنّ معيار نقد الحديث المرسل الذي تبنّاه كبار الفقهاء والأصوليين، كأبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل، والغزالي، والآمدي، وغيرهم- رحمهم الله يؤكد على:

ص: 370

1-

اعتضاد المرسل بمسند بآخر.

2-

اعتضاد المرسل بمرسل آخر بمعناه عن آخر، فيدل على تعدد المخرج.

3-

موافقة قول بعض الصحابة للمرسل.

4-

أن يكون قول أكثر أهل العلم به.

فإذا اعتضد المرسل المروى عمن يرون عن الثقات بأحد هذه الأربعة دل على حجة صحته وإمكانية اعتماده في استنباط الأحكام الشرعية.

المراجع

(1)

ابن منظور: لسان العرب، الجزء الحادي عشر، 1375 هـ، الطبعة الأولى، دار صادر- بيروت.

(2)

ابن همام الدين، كمال الدين محمد بن عبد الواحد. التحرير. الطبعة الأولى. 1351 هـ. مطبعة بابي الحلبي- القاهرة.

(3)

الشيخ أحمد رضا: معجم متن اللغة. الجزء الأول، الطبعة الأولى. 1377هـ. دار مكتبة الحياة- بيروت.

(4)

أحمد بن فارس بن زكريا: معجم مقاييس اللغة. الجزء الأول. الطبعة الأولى. 1366 هـ. دار إحياء الكتب العربية- القاهرة.

(5)

الآمدي، سيف الدين أبي الحسن على بن أبى على بن محمد: الإحكام في أصول الأحكام. الجزء الثاني. 1387 هـ. مؤسسة الحلبي وشركاؤه- القاهرة.

(6)

البغدادي، الخطيب: الكفاية في علم الرواية. الطبعة الأولى. 1347 هـ- حيدر آباد الدكن.

(7)

الزييدى: تاج العروس. الجزء السابع. الطبعة الأولى. 1306 هـ. دار ليبيا للنشر والتوزيع - ليبيا.

(8)

الزيلعي: نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية. الجزء الأول. 1357 هـ. دار المأمون.

(9)

السخاوي، شمس الدين محمد بن عبد الرحمن: فتح المغيث شرح ألفية الحديث للعراقي. الطبعة الأولى، 1388 هـ، المكتبة السلفية - المدينة المنورة.

(10)

العلائي، الحافظ صلاح الدين أبى سعيد خليل بن كيكلدى، جامع التحصيل في أحكام المراسيل. الطبعة الأولى. 1398 هـ. الدار العربية للطباعة - بغداد.

ص: 371

(11)

السيوطي، الحافظ جلال الدين عبد الرحمن بن أبى بكر: تدريب الراوي شرح تقريب النووي. الطبعة الثانية. 1385 هـ. دار الكتب الحديثة – القاهرة.

(12)

النووي. الحافظ محي الدين أبو زكريا يحي بن شرف. التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير. الطبعة الثانية، 1385هـ. دار الكتب الحديثة - القاهرة.

(13)

المؤلف نفسه: المجموع شرح المهذب، الجزء الأول. الطبعة الأولى. بدون تاريخ. مطبعة العاصمة - القاهرة.

(14)

النيسابوري، الإمام الحاكم أبو عبد الله بن محمد بن عبد الله، معرفة علوم الحديث. المكتبة العلمية - المدينة المنورة.

(15)

الحنبلي، رضي الدين، قفو الأثر. 1326 هـ. مطبعة السعادة.

(16)

القرافي، شرح التنقيح. الطبعة الأولى، 1306 هـ. المطبعة الخيرية القاهرة.

(17)

ابن أبى حاتم، المراسيل، بدون تاريخ.

(18)

القرطبي، ابن عبد البر النمري، التمهيد، الجزء الأول. 1387 هـ. الرباط.

(19)

الدكتور صبحي الصالح: علوم الحديث ومصطلحه. الطبعة العاشرة. 1978. دار العلم للملايين- بيروت.

(20)

القاسمي، محمد جمال الدين: قواعد التحديث في فنون مصطلح الحديث. الطبعة الثانية. 1380 هـ. دار إحياء الكتب العربية - دمشق.

(21)

التهانوي، ظفرأحمد العثماني: قواعد في علوم الحديث. الطبعة الثالثة. 1392 هـ. دار القلم - بيروت.

ترجمان الشافعي

لما مرض الإمام محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله مرضه الذي مات فيه، قال لمن كان عنده:

"إذا أنا متُّ فقولوا لفلان يغسلني".

فلما توفي وأبلغوا كلمة الشافعي إلى ذلك الرجل قال:

"ائتوني بتذكرته"، فجئ بها فوجد فيها على ذلك الشافعي سبعين ألف درهم لفلان وفلان، فكتبها الرجل على نفسه وقال:

"هذا هو الغسل الذي أراده"

…

ص: 372

--------------------------------------------------------------------------------

[1]

التهانوي: قواعد في علوم الحديث. ص 23.

[2]

ابن منظور: لسان العرب. ج ا 1 ص283.

[3]

العلائي: جامع التحصيل في أحكام المراسيل ص 14.

[4]

الزييدى: تاج العروس. ج 7 ص345.

[5]

القرافي: شرح التنقيح. ص164.

[6]

أحمد بن فارس بن زكريا: معجم مقاييس اللغة. ج 1 ص 393.

[7]

الشيخ أحمد رضا: معجم متن اللغة ج اص 393.

[8]

السخاوى: فتح المغيث شرح ألفية الحديث للقراقى. ص128.

[9]

العلائي: جامع التحصيل في أحكام المراسيل. ص 14.

[10]

السيوطى: تدريب الراوي. ج اص 207.

[11]

نفس المصدر. ص 211.

[12]

الحاكم: معرفة علوم الحديث ص25.

[13]

الحاكم: معرفة علوم الحديث. ص 26.

[14]

الخطيب البغدادي: الكفاية. ص 384.

[15]

ابن همام الدين: تيسير التحرير. ج 1 ص 102.

[16]

موفق الدين الحنبلي: الروضة. ص 64.

[17]

الآمدى: الإحكام في أصول الأحكام، ج2. ص112.

[18]

الغزالى: المَستصفي. ج ا. ص 169.

[19]

ابن الحنبلي: قفو الأثر. ص 14.

[20]

العلائي: جامع التحصيل في أحكام المراسيل. ص 27.

[21]

المصدر نفسه: ص 28.

[22]

القرافي: شرح التنقيح. ص 164.

[23]

الإمام مسلم: الجامع الصحيح. ج. ص 132.

[24]

العلائي: جامع التحصيل في أحكام المراسيل. ص30.

[25]

ابن أبى حاتم: كتاب المراسيل. ص 7.

[26]

الحاكم: معرفة علوا الحديث. ص 26.

[27]

ابن عبد البر النمري: التمهيد ج1 ص6.

[28]

الخطيب البغدادي: الكفاية. ص 387.

[29]

النووي: المجموع. ج1.ص99.

[30]

ابن أبي حاتم. كتاب المراسيل. ص3.

[31]

العلائي: جامع التحصيل في أحكام المراسيل. ص77.

[32]

الحاكم: معرفة علوم الحديث. ص هـ 2.

ص: 373

[33]

الحاكم: معرفة علوم الحديث. ص 26.

[34]

الذهبي: تذكرة الحفاظ. ج1 ص 79.

[35]

الزيلعى: نصب الراية. ج 1 ص 52.

[36]

السيوطى: تدريب الراوي ج اص124.

[37]

العلائي: جامع التحصيل في أحكام المراسيل. ص 41.

ص: 374

أوّل واجب على المكلّف عبادة الله تعالى

وضوح ذلك من كتاب الله ودعوات الرسل

للشيخ عبد الله الغنيمان

رئيس قسم الدراسات العليا

الحمد لله الغني الحميد، المبدىء المعيد، غني بذاته عن كل من سواه، وكل من سواه فقير إليه، وصائر إليه، وهو تحت قهره وتصرفه، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه وأتباعه إلى يوم الدين

…

وبعد

…

فإنّ الله تعالى خلق الإنسان وفضله على كثير من خلقه، بالعقل والفكر والنطق والبيان، ووهبه القدرة على الكَسب والقوة على العمل، ليكون مؤهلاً للأمر والنهى، وجعل له دارين، داراً للابتلاء والاختبار والتمييز بين الصالح والفاسد، ومحلا لكسب الأعمال، التي بها يستوجب الثواب أو العقاب، وجعل لها مدة محددة، وأجلاً قصيراً، ثم ينقل إلى الدار الأخرى التي لا تنتهي ولا تنقطع، قال تعالى:{تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ} .

فالله تعالى أوجد الإنسان بعد أن كان معدوماً، وأعطاه ما يحتاج إليه في حياته، وما يكون سبباً لسعادته من العقل والفكر الذي يميز به ما ينفعه مما يضره وما يلزم لذلك من السمع والبصر، والقوى التي يتمكن بها من العمل. قال تعالى:{هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً. إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً. إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً} . (الإنسان: 1- 3) فقوله تعالى: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} . وقوله: {نَبْتَلِيهِ} هذا ما خلق الإنسان من أجله، وقد بين ذلك تعالى بيانا واضحاً وضوح النهار.

ص: 375

قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ} . (النحل: 36) . وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَاّ أَنَا فَاعْبُدُونِ} . (الأنبياء: 25) .

وفي القرآن آيات كثيرة تنص على وجوب عبادة الله تعالى، وتبيِّن لزوم ذلك للإنسان لزوم أمر أوجبه الله تعالى عليه، وأكثر تعالى من التهديد والوعيد لمن تركه، وأعرض عنه، ومن الترغيب والوعد بالجزاء الجميل لمن امتثل ذلك واتبع الرسل، ومع وضوح هذا الأمر وكثرة ما أحيط به من ترغيب في فعله في الدنيا والآخرة، ومن ترهيب لمن أعرض عنه وجانبه مع ذلك كله فقد ضل عنه أكثر الخلق إما جهلاً، وإما عمداً وعناداً، وذلك أن الذي يحمل العبد على امتثال أمر الله واتباع رسله هو قوة الإيمان بالله، وبما أعده لمن آمن به وعمل صالحاً وما أعده لمن عصاه وبارزه بالمعادات والمحاربة.

ص: 376

ومع الإيمان فلابد من العلم بأمره وشرعه، ومع فَقد هذين الأمرين يستحكم الضلال، والبعد عن كل خير، لهذا صار أهم ما على العبد معرفته ما أوجبه الله عليه، والعمل به، وأول ما أوجب الله تعالى على العبد وأعظمه هو الإيمان به تعالى وبرسوله- ثم الاهتداء إلى ذلك وتفاصيله بالوحي الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم قال تعالى:{قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي} . (سبأ: 50) فالاهتداء يكون بالوحي ولهذا أمر الله تعالى أهل العقل بتدبر القرآن واستماعه والإنصات لتلاوته، وحض فيه على التدبر والتفكر والتذكر والعقل والفهم والتأثر منه بالوجل، والبكاء والخشية لما فيه من العلم والهدى، والمقصود من إرسال الرسل إلى العباد، وإنزال الكتب عليهم إصلاح أحوالهم في الدنيا والآخرة، وأن يعرفوا ما خلقوا من أجله ويصلوا إليه وهو عبادة ربهم وحده لا شريك له.

والعبادة أصلها عبادة القلب، المستلزمة لعبادة الجوارح، فإن القلب هو الملك، والأعضاء جنوده، وإذا صلح الملك صلحت الجنود، كما قال صلى الله عليه وسلم:"ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد ألا وهي القلب"[1] .

ص: 377

والقلب بعبادة الله تعالى والاستعانة به: معتصم مستمسك قد لجأ إلى ركن وثيق، واعتصم بالدليل الهادي والبرهان المتين، فلا يزال في زيادة من العلم والإيمان، أو سلامة من الجهل والضلال، سالماً من جهل أهل التصوف وعباد الخلق، وضلال المتكلمين أهل الشك والحيرة والخذلان. والعبد لما كان مخلوقاً مربوباً، عاد في علمه وعمله إلى خالقه وباريه فبه يهتدي وله يعمل، وإليه يصير، فلا غنى له عنه، وانصرافه إلى غيره هو عين هلاكه وفساده، وبالله له عن كل شيء عوض، وليس لكل شيء عن الله عوض وليس للعبد صلاح ولا فلاح إلا بمعرفة ربه وعبادته، فإذا حصل له ذلك فهو الغاية المرادة له والتي خلق من أجلها، فما سوى ذلك إما فضل نافع أو فضول غير نافعة أو فضول ضارة، ولهذا صارت دعوة الرسل لأممهم إلى الإيمان بالله وعبادته، فكل رسول يبدأ دعوته بذلك كما يعلم من تتبع دعوات الرسل في القرآن، بخلاف الطرق الكلامية الفلسفية فإنهم يبدأون بنفوسهم فيجعلونها هي الأصل الذي يفرعون عليه، فيتكلمون في إدراكاتهم للعلم، أنه مرة يكون بالحس ومرة بالعقل، أو بهما.

ويجعلون العلوم الحسية والبديهية هي الأصل الذي لا يحصل علم إلا بها على حد زعمهم، مثل الأمور الطبيعية والحسابية، والأخلاق، وبنوا سائر العلوم على هذه الأمور الثلاثة، ولهذا كانوا يمثلون بها في أصول العلم والكلام كقولهم: إن الواحد نصف الاثنين، والعشرة أكثر من الخمسة، والجسم لا يكون في مكانين، والضدان لا يجتمعان كالسواد والبياض، هذا في الحسابية والطبيعية، وأما الأخلاق فمثل استحسان العلم، والعدل والعفة والشجاعة.

ص: 378

ثم إذا تجاوزوا هذه الأمور إلى العالم العلوي فمقصودهم إثبات خالق العالم والدلائل التي بها تثبت النبوة على طريقهم فإذا ثبتت النبوة تلقوا عنها السمعيات، وهي الكتاب والسنة والإجماع، وهذه الطريقة فيها فساد كثير في وسائلها ومقاصدها كما بين ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في كثير من كتبه، أما الوسائل مع صعوبتها ففيها خطورة ومزلات عظيمة. وأما مقاصدها فغايتها إثبات ربوبية الله تعالى للكون فهي كما قيل:"لحم جمل غث، على رأس جبل وعر، لا سهل فيرتقى، ولا سمين فينتقى"، مثال ذلك قولهم كما في نهاية المرام والإرشاد وغيرهما:"إن الله لا يعرف إلا بإثبات حدوث العالم ثم الاستدلال بذلك على محدثه، والدليل على أن العالم حادث، ما فيه من الأعراض، والأعراض هي صفات الأجسام"[2]، وجمهور المتكلمين يستدلون بهذا الدليل بعينه على نفي صفات الله تعالى حيث قالوا: إن حركات الأجسام وأعراضها هو الذي دل على حدوثها، وسمَّوا الصفات أعراضاً مثل العلم والرحمة والغضب والرضا وغير ذلك وقالوا: إذا اتصف بذلك صار محلا للحوادث، وما كان محلا للحوادث فهو حادث.

ص: 379

[والقدرية من المعتزلة يعتقدون أن إثبات الرب تعالى لا يمكن إلا بعد اعتقاد أن العبد هو المحدث لأفعاله، وإلا انتقض الدليل] . وكثير منهم جعل سلوك هذا متعينا لأنه الموصل إلى معرفة الله، ومن لم يسلك ذلك لم يعرف ربه. وبطلان هذا معلوم بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين، قال تعالى:{وَمَا أُمِرُوا إِلَاّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين} (البينة: 5) . وقال تعالى: {فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ} (الزمر:2) . وقال: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة:21) . وهذا كثير في القرآن يأمر الله تعالى أن يعبد ويخلص له الدين، وأن يؤمن به ابتداء، وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم لم يدع الناس إلى النظر ابتداء إلى الاستدلال على وجود الله تعالى، ولا إلى مجرد إثبات وجوده، بل أول ما دعاهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وكان يأمر رسله والدعاة الذين يبعثهم لنشر دعوته بأن يبدؤا بدعوة الناس إلى أن يوحِّدوا الله أولا بأن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله كما في حديث معاذ المتفق على صحته حينما بعثه إلى أهل اليمن قال:"إنك تأتي قوما من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فإن هم أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، فإن هم أجابوك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تُؤخذُ من أغنيائهم فتُردُّ في فقرائهم"[3] . وقوله في حديث أبي هريرة الذي في الصحيحين وحديث ابن عمر: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله"[4] وقد أجمع الصحابة وأئمة المسلمين من بعدهم على أن الكافر يدعى إلى الشهادتين مهما كانت عقيدته وعمله

ص: 380

فإذا أجاب ونطق بالشهادتين حكم بإسلامه ظاهراً، فإن كان صادقا في نطقه فهو مسلم ظاهرا وباطنا، وإن كان كاذبا في الباطن فهو منافق.

وليس في كتاب الله أن النظر أول الواجبات، بل ولا فيه إيجاب النظر على كل أحد، وإنما فيه الأمر بالنظر لبعض الناس الذين لا يحصل لهم الإيمان إلا به كقوله تعالى:{أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَاّ نَذِيرٌ مُبِينٌ، أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ} (الأعراف:184 ـ 185) . فقول الجويني مثلا في الإرشاد (ص 3) : "أول ما ما يجب على العاقل البالغ، باستكمال سِنّ البلوغ أو الحلم شرعاً، القصد إلى النظر الصحيح المفضي إلى العلم بحدوث العالم"، ومثل ذلك قال الرازي (انظر المحصل ص 47) ، وكذلك الايجي في المواقف (ص 32) وغيرهم، وهذا كلامٌ مخالف لكتاب الله تعالى ولما عُلِمَ من دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما أجمع عليه أئمة المسلمين، وإذا سُلِّم لهؤلاء، "أنّ أول الواجبات هو النظر، أو المعرفة أو حتى الشهادتين كما هو الصحيح قال ابن المنذر: "أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم على أن الكافر إذا قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وأن كل ما جاء به محمد حق، وأبرأ من كل دين خالف دين الإسلام، وهو بالغ صحيح العقل أنه مسلم، فإن رجع بعد ذلك فأظهر الكفر كان مرتداً، يجب عليه ما يجب على المرتد". (الأوسط: ص 735) فكيف يجب على البالغ أن يفعله عقب البلوغ وقد فعله قبل ذلك، وخصوصاً إذا كان النظر مستلزماً للشك المنافي لما حصل له من المعرِفة والإيمان، فيكون التقدير أن يقال:"أُكْفُرْ ثم آمن، واجْهَلْ ثم اعْرِفْ "، وهذا كما أنه محرَّم شرعاً، فهو ممتنع في العقل، فإن

ص: 381

تكليف العالم الجهل من باب تكليف مالا يقدر عليه، فإن الجاهل يمكن أن يصير عالماً أما العالم فلا يقدر أن يصير جاهلاً.

كما أن من رأى الشيء وسمعه لا يمكن أن يقال لا يعرفه، فمن كان الله قد أنعم عليه بالإيمان وشرح صدره للإسلام قبل بلوغه كيف يؤمر بما يناقض إيمانه ومعرفته.

والسلف والأئمة متفقون على أن أول ما يؤمر به العباد الشهادتان، وأن من فعل ذلك قبل البلوغ لم يؤمر بتجديد ذلك بعد البلوغ.

والشهادة تتضمن الإقرار بالله تعالى وبرسوله، لكن مجرد معرفة الله تعالى لا يصير بها الإنسان مؤمناً وإن كان يعلم أنه رب كل شيء فلابد للإيمان من شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وهذا هو الذي دل عليه كتاب الله تعَالى. قال الله تعالى:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَاّ لِيَعْبُدُونِ} (الذاريات: 56) . فالعبادة هي الغاية المقصودة من الخلق التي أرادها الله منهم بأمره وشرعه، وبها يحصل محبوبه تعالى، وتحصل سعادتهم ونجاتهم، وهذا لا يخالف كون كثير منهم لم يعبده؛ لأن الله تعالى لم يجعلهم عابدين له، لما في ذلك من تفويت محبوبات له أخرى، هي أحب إليه من عبادة أولئك، وحصول مفاسد أخرى هي أبغض من معصيتهم كما قال تعالى:{وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} (هود: 119) . فهو تعالى أراد بخلقهم ما هم صائرون إليه من الرحمة، والاختلاف إرادة كونية قدرية، ففي قوله تعالى:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَاّ لِيَعْبُدُونِ} . ذكر الغاية لتي أمروا بها، وفى قوله تعالى:{وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} ذكر الغاية التي يصيرون إليها، وكلاهما مرادة له تعالى تلك مرادة بأمره وشرعه، والموجود منها مراد بخلقه وأمره، والأخرى مرادة بخلقه، والمشروع منها مراد بخلقه وأمره، وهذا معنى ما يروى عن علي بن أبي طالب في قوله تعالى:{إِلَاّ لِيَعْبُدُونِ}

ص: 382

، قال معناه:"إلا لآمرهم أن يعبدون، وأدعوهم إلى عبادتي"، وقاله مجاهد أيضا.

وقال ابن عباس: {إِلَاّ لِيَعْبُدُونِ} : "ليقرُّوا لي بالعبودية طوعاً وكرهاً".

وقال السدي: "خلقهم للعبادة، فمن العبادة عبادة تنفع، ومنها عبادة لا تنفع كما قال تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَضَ لَيَقُولُنَّ: اللَّهُ} (لقمان: 25) ، فهذا منهم عبادة ولكنها لا تنفعهم"، وقال الكلبي:"إلا ليوحدوني، فأما المؤمن فيوحده في الشدة والرخاء، وأما الكافر فيوحده في الشدة والبلاء دون النعمة والرخاء، كما قال تعالى: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} "(العنكبوت: 65)[5] .

ص: 383

وهذه الأقوال تُبيِّن أنّ جميع الإنس والجن مقرُّون بالخالق معترفون به، خاضعون لعبوديته طوعاً وكرهاً، وهذا يقتضي أنّ هذه المعرفة من لوازم نشأتهم لا ينفك عنها أحد منهم، وبه يعلم أن أصل الإقرار بالله تعالى، والاعتراف به ربّاً مستقر في قلوب جميع الإنس والجن، وأنه من لوازم خلقهم، ضروري فيهم، وإن قدر أن الإقرار بالرب تعالى أنه يحصل بسبب يعرض للإنسان في حياته فهو في الحقيقة يظهر بذلك ويبرز، وهذا والله أعلم هو الإقرار والشهادة المذكورة في قوله تعالى:{وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ} (الأعراف: 172- 173) . وشهادة المرأ على نفسه في القرآن يراد بها إقراره، فمن أقر بحق عليه فقد شهد به على نفسه كما قال تعالى:{مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْر} (التوبة: 17) ؛ لأنهم كانوا مُقرِّين بما هو كفر، فصار ذلك شهادة منهم على أنفسهم، وقال تعالى:{يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ} (الأنعام: 130) ، فشهادتهم على أنفسهم هو إقرارهم على أنفسهم.

ص: 384

وقولهم: {بَلَى شَهِدْنَا} أي أنهم أقرُّوا بأن الله ربهم، ومن أخبر بأمر عن نفسه فقد شهد به على نفسه. وقوله:{وَأَشْهَدَهُمْ} يدل على أنه هو الذي جعلهم شاهدين على أنفسهم بأنه ربهم، وهذا الإشهاد مقرون بأخذهم من ظهور آبائهم، وهو أخذ المني من أصلاب الآباء ونزوله في أرحام الأمهات فالمعنى: أُذْكُرْ حين أخذوا من أصلاب الآباء فخلقوا حين ولدوا على الفطرة مُقرِّين بالخالق شاهدين على أنفسهم بأن الله ربهم، فالأخذ يتضمن خلقهم، والإشهاد يتضمن هداه إلى الإقرار بأنه ربهم.

ولهذا صار الإقرار بوجود الله تعالى مما لا يحتاج إلى برهان؛ فإن الفطر الإنسانية السليمة تشهد بضرورة فطرتها وبديهة فكرتها على خالقٍ حكيمٍ، قادرٍ عليمٍ {أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْض} ، {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ: اللَّهُ} (الزخرف: 87) .

ومن غفل عن هذه الفطرة في حال السراء فإنه يلوذ بها في حال الضراء {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَاّ إِيَّاهُ} (الإسراء: 67) . ولهذا لم يأت الأمر التكليفي بوجوب معرفة وجود الله تعالى خلافاً لما يقوله أهل الكلام ومن سلك طريقهم، وإنما جاء الأمر بوجوب عبادته وتوحيده ونفي الشرك كما قال صلى الله عليه وسلم:"أُمرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله". وقال تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ} . (محمد: 19) . وهذا هو محل النزاع بين الرسل وأممهم كما قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ} . (النحل: 36) .

ص: 385

وهذا هو التوحيد الواجب على كل الخلق، وهو مبنيٌّ على أن الله واحد في إلهيته لا ندَّ له، وواحد في ذاته وصفاته وأسمائه لا نظير له، وواحد في ملكه وأفعاله لا شريك معه، فلابد أن يعبد الله وحده لا يشرك معه غيره، والشرك في العبادة: هو أن يجعل معه إِلهٌ آخر يتوجه إليه بنوع من أنواع العبادة، وهذه أقسام التوحيد الثلاثة، توحيد العبادة، وتوحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات، وهذا هو الدين الذي جاءت به الرسل من عند الله موجبين على الخلق أخذَهُ والإيمانَ به، وهو إخلاص التأله والتوجه إلى الله وحده، وعبادته بأسمائه وصفاته، وفعل أمره، واجَتناب نهيه.

ثمرة التوحيد

والتوحيد الخالص هو الذي يرفع نفوس معتقديه ويخلِّصُها من رقِّ الاغيار ويفك إرادتهم من أسر الرؤساء الروحانيين كما يسمون، وشيوخ الطرق الباطلة والدجل، والضلال والتعلقات بالأحياء والأموات، ويخلصها كذلك من إله المادة والتعلق بالطواغيت الماديين وكل مخلوق، فيطلق عزائمهم من قيود العبودية لغير الله والتعلقات بالأحياء والأموات، فيكون المؤمن مع الناس حراً عزيزاً كريماً، ومع الله عبداً خاضعاً ذليلاً خائفاً، فهذا الذي يجب على العبد أن يعتني به أشد الاعتناء، ويحذر أشد الحذر أن ينحرف عنه؛ لأن الانحراف عنه هو الهلاك المحتّم والخسران الأكبر والخلود في جهنم، مع أن أقسام التوحيد الثلاثة متلازمة ولكن توحيد الربوبية أمر فطري خلقي:"والرب: هو المربي الخالق الرازق الناصر الهادي"[6] .

ص: 386

"فالرّب هو الذي يُرَبِّي عبده فيعطيه خلقه الذي تتم حياته به، ثم يهديه إلى جميع مصالحه"[7] . فتوحيد الربوبية: هو العلم بأن الله تعالى هو مالك الأشياء كلها، ومصرِّفُها على ما يريد، فالأمر كله راجع إليه تعالى، من خلق السماوات وما فيهن، وتصريف شأنها، وخلق الأرض ومَنْ عليها، وما فيها من معادن، وأسرار، وخلق الرياح وتصريفها، والسحب وتسخيرها تحمل الماء إلى ما شاء الله تعالى من الأماكن، فينزله، وبه تحي الأرض الميتة وإيجاد الأرزاق للحيوانات والدواب والأناسي، والإحياء والإماتة، وتنظيم أمور الكون كله من بداية وجوده إلى نهايته، وإلى ما شاء الله تعالى، فالجميع ملك الله تعالى وتحت قهره وتصرفه، حسب إرادته جل وعلا، وهذا يُقرُّ به كل المكلفين من مؤمن وكافر إلا من عاند وكابر منهم، والمعاند لا تجدي فيه الأدلة، ولا تزيده المجادلة إلا تماديا في ضلاله، وإنما خلق له الحديد الذي فيه البأس الشديد، قال الله:{فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} (الأنعام: 33) ، فبيَّن الله تعالى أنّ الكفار يعلمون أنّ ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم حق، وقال تعالى:{إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ، وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَاّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ} (النمل: 80- 81) . وأشهر من عرف في الماضي في تجاهله وإنكاره لله تعالى هو فرعون، وكان مستقيناً في قلبه وجود الله تعالى، وأنه مالك كل شيء كما قال تعالى عن موسى أنه قال له:{لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلَاّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ} (الأسراء: 102)، وقال تعالى مخبرا عنه وعن قومه:{وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً}

ص: 387

(النمل: 14)، ولهذا قال منكراً على موسى:{وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ} (الشعراء: 23)، فقال له موسى:{قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ، قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ، قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ، قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ، قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ} (الشعراء: 24- 28) . وما زعمه بعضهم أن قول فرعون: {وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ} استفهام استعلام، وسؤال عن الماهية، وأن موسى عجز عن الجواب؛ لأن الله تعالى لا ماهية له، هو زعم باطل، بل الاستفهام للإنكار كما دلت عليه الآيات الأخر:{وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً} ، وقوله:{لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلَاّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ} . وكل من أنكر وجود الله تعالى فلا يخلو من العناد والكبر.

أما غير المعاند فإنه يعترف بأن الله لا منازع له في الملك والإيجاد والقهر والتدبير ولا مشارك له فيه ولا معين، كما قال تعالى:{قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ، وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَاّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} (سبأ 22- 23) .

ص: 388

والله عز وجل فطر جميع خلقه على معرفة هذا النوع من التوحيد، فلذلك يلجئون إليه عند النوائب، ويفزعون إلى الله كُلَّما ألجأتهم الأزمات، وألمت بهم الكربات، وأصابتهم النكبات، فيخلصون له العبادة عند ذلك، كما لجأ إليه كبراء الملاحدة وقت الشدة مثل فرعون وذويه، فقد أخبر الله تعالى أنهم أنكروا وجود الله تعالى وقت المجادلة لموسى عليه السلام عند العافية، فلما أدركهم الغرق ذهب عنادهم، واعترفوا بالحق الذي كانوا ينكرونه عناداً وتكبراً، قال الله تعالى:{وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرائيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَاّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيل} (يونس: 90) .

وقال تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ} (الأنعام: 40- 41) . وهذا صريح في أنهم يعلمون أن الله هو المالك لكل شيء المتصرف فيه بما شاء، ولهذا صار الإقرار بهذا النوع من التوحيد لا ينفع ولا ينجي من العذاب حتى ينضاف إليه توحيد القصد والنية والإرادة والتوجه، والمقر بتوحيد التصرف والملك لا يصير به مسلماً كما دلت على ذلك آيات كثيرة من كتاب الله تعالى، قال تعالى:{وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} (الزخرف: 87) . وقال تعالى: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأََمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ} (يونس: 31) .

ص: 389

وقال تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} (العنكبوت: 63) . وآيات القرآن في هذا كثيرة، وهي تدل على أن الكفار يؤمنون بهذا القسم من التوحيد ولم يجعلهم ذلك مسلمين، بل فوق هذا كانوا يخلصون الدعاء لله- الذي هو توحيد العبادة - في حالة الاضطرار، ثم يعودون إلى شركهم في الرخاء، كما قال الله تعالى عنهم:{فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} (العنكبوت: 65) . ومعنى قوله تعالى: {دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} أنهم توجهوا إلى الله وحده بالعبادة، من الدعاء، والذل، والخضوع، والرغبة والخوف، والالتجاء، لعلمهم أن شركاءهم لا يملكون لهم نفعا، ولا يستطيعون دفعاً عنهم، وإنما الأمر كله بيد الله تعالى وحده والذي صيرهم مشركين وأوجب خلودهم في النار هم زعمهم أن أصنامهم ومن يتوجهون إليهم يشفعون لهم عند الله كما قال الله تعالى:{وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} (يونس: 28) ، والمعنى أن الله لا يعلم أحدا يشفع عنده لهؤلاء لا من أهل السماء ولا من أهل الأرض؛ لأن الشفاعة لله وحده، ولا أحد يستطيع أن يشفع عنده حتى يأمره بذلك ويأذن له فيمن يشفع فيه، وإذا كان الله تعالى لا يعلم شافعا لهم لا في السماوات ولا في الأرض فالشافع لا وجود له.

ص: 390

روى الحاكم والدارقطني وابن مردويه: أنّ النّبي صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة فرَّ عكرمة بن أبي جهل فركب البحر، فأصابهم عاصف، فقال أصحاب السفينة:"أخلِصُوا فإنّ آلهتكم لا تغني عنكم هاهنا شيئاً"، فقال عكرمة:"والله لئن لم ينجني في البحر إلا الإخلاص لا ينجيني في البر غيره، اللهم إنّ لك عليّ عهداً إن عافيتني مما أنا فيه أن آتي محمداً حتى أضع يدي في يده فلا أجدنّهُ إلا عفوا كريماً"، قال:"فنجا فأسلم"[8] .

قال قتادة: "الخلق كلهم يقرون لله أنه ربهم، ثم يشركون بعد ذلك "[9] .

المشركون اليوم أعظم شركاً ممن بعث فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبهذا يتبيَّن سفاهة عقول مشركي هذا الزمان، وعظم شركهم، وأنه لم يصل إليه شرك السابقين. فمشركوا وقتنا هذا يُخلصون الدعاء وتزداد إنابتهم، ويتضاعف ذلّهم وخضوعهم لمن يعبدونه من دون الله تعالى ممن يدَّعون لهم بالولاية، عندما يقعون في الشدائد، والكربات، ويشركونهم مع الله تعالى حتى في الربوبية، ويجعلون لهم التصرف، والهداية وجلب النفع، ودفع الضر بخلاف مشركي العرب زمن الرسول صلى الله عليه وسلم فما كان أحد منهم يدّعي ذلك لآلهته وإنما كانوا يقولون: إنها تشفع لهم عند الله، وتقربهم إليه تعالى، كما قال تعالى عنهم:{وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَاّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} (الزمر: 3) ، ومع ذلك لم يكن شركهم مستمراً في كل وقت كهؤلاء المشركين الذين يزعمون أنهم مسلمون، بل في وقت الشدائد يخلصون العبادة لله تعالى كما سبق بعض الأدلة على ذلك.

ص: 391

ومن سفاهة هؤلاء أنهم جعلوا الشرك الذي هو أعظم الذنوب أفضل أعمالهم، ورموا من أنكر عليهم ذلك بالجفاء، وتنقص الأنبياء والأولياء، وبأنهم خوارج يكفرون المسلمين. وذلك لأنهم جهلوا معنى العبادة، ومعنى الإله، فظنوا أن معنى الإله: الرب الخالق المحيي الميت، القادر على كل شيء، وظنوا أن الدعَاء والاستغاثة ليست عبَادة، وسموا ذلك توسلا وتعلقا؛ لأن القرآن صرح أن عبادة غير الله كفر، واستبعدوا أن تكون هذه الأعمال التي أدركوا عليها آباءهم وقومهم شرك من أعمال المشركين، فسموا العبادة بغير اسمها لجهلهم دين الإسلام ولغته.

وجهلوا الشرك، فظنوا أنه السجود للصنم، والصلاة له، واعتقاد أنه تدبير الأمور مع الله والتصرف في الكون، واعتقدوا أن المشركين السابقين يعتقدون في آلهتهم هذا المعنى، فحملوا آيات القرآن في الشرك على هذا المعنى.

قال صاحب فرقان القرآن في (ص: 111) في تعريفه العبادة: "الإتيان بأقصى غاية الخضوع قلباً باعتقاد ربوبية المخضوع له أو قالباً مع ذلك الاعتقاد، فإن انتفى ذلك الاعتقاد لم يكن ما أتى به من الخضوع الظاهري من العبادة شرعا في كثير ولا قليل، مهما كان المأتى به ولو سجودا".

وقال في (ص: 87) : "توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية متلازمان عرفاً وشرعاً، فالقول بأحدهما قوْلٌ بالآخر، والإشراك في أحدهما إشراك في الآخر، فمن اعتقد أنه لا رب ولا خالق إلا الله لم ير مستحقا للعبادة إلا هو، ومن اعتقد أنه لا يستحق العبادة غيره فذلك بناء منه على أنه لا رب إلا هو، ومن أشرك مع الله غيره في العبادة كان لا محالة قائلا بربوبية هذا الغير هذا مالا يعرف الناس سواه "

…

ونقل محمود حسن عن هذا الرجل أنه قال في مؤلف له آخر: "إن من ود الرب تعالى إنزال الغوث والرحمة على من يذكر أحباءه ويناديهم ويستغيث بهم ولو كانوا غائبين أو متوفين". (ص هـ 6) : كشف الشبهات.

ص: 392

وقال محمود حسن ربيع في كتابه كشف الشبهات أيضا: "إن استعانتك بالأولياء الذين تعتقد أن لهم حياة وتصرفا بأقدار الله ليس شركاً، وأن الشرك لو اعتقدت فيهم ربوبيةً"(ص 57) . وقال في (ص 58) : "فمن اتخذ من الأنبياء والأولياء وسيلة إلى الله لجلب نفع أو دفع ضر من الله فهو سائل الله"

…

"ومن قال: يا رسول الله أريد أن تردّ عليَّ عيني، أو ترفع عنا الجدب، أو يزول عنا المرض، وهو من المؤمنين كان ذلك دليلاً على أنه يطلب من الله".

فهذه التعريفات للعبادة والشرك أخذت من الواقع الذي عاش فيه هؤلاء وأحزابهم لا من الشرع الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فأراد هؤلاء أن يكون الواقع الذي هم عليه متفقاً مع دين الإسلام، فجمعوا بين المتضادات، وقلبوا الحقائق، فجعلوا الشرك توحيداً، والتوحيد ضلالاً، وسلوكاً لطريق الخوارج الذين يكفرون المسلمين، واستبعدوا أن تكون هذه الأوضاع المنتشرة في سائر أنحاء البلاد الإسلامية هي التي كان يفعلها المشركون السابقون مع معبوداتهم، لذلك حاولوا تبرير أفعاَلهم وجعلها على نهج الإسلام بأحاديث ملّفقة أو موضوعة مكذوبة أو حكايات لا قيمة لها في الشرع الإسلامي، وأقل ما يقال في تلك الأحاديث أنها ضعيفة لا يجوز أن يعتمد عليها في فرع من فروع الشرع، فكيف في أصل الأصول- العبادة - التي خلق الجن والإنس من أجلها، وأرسلت الرسل وأنزلت الكتب لإقامتها وإخلاصها لله.

ص: 393

إن دعاة الوثنية لا يفتئون يؤلّفون الكتب، ويزوّقون الكلام بتحسين الشرك والثناء على أهله، وتقبيح التوحيد، وعيب أهله ودعاته، ورميهم بالعظائم اتباعاً لأهوائهم وأغراضهم الدنيوية، فهم يجهدون في تحريف أدلة الكتاب والسنة حتى تتفق مع ما يقولونه أو يفعلونه، أو يفعله معظموهم من الرعاع أتباع كل ناعق، ولهذا قال هؤلاء:"العبادة هي الإتيان بأقصى غاية الخضوع قلبا وقالبا باعتقاد ربوبية المخضوع له، فإن انتفى ذلك الاعتقاد - يعنى اعتقاد الربوبية - لم يكن المأتى به من العبادة في كثير ولا قليل ولو كان سجود".

فهل يصدق العاقل أن المشركين في عهد النبوة الذين نزل فيهم القرآن- وهم أكمل عقولا من هؤلاء - يعتقدون أن الأحجار هي ربهم الذي يحييهم ويميتهم، وينزل عليهم المطر وينبت الزرع والكلأ، وما يقتاتونه هم وأنعامهم. قال الله تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أي تعلمون أن الله تعالى هو الفاعل لما

ذكر في الآية من خلقهم وخلق من قبلهم، وخلق الأرض وجعلها فراشا لهم يفترشونها وينتفعون بها بما شاؤوا وخلق السماء وبناها وأنزل من السماء ماء فأنبت به الثمرات والأرزاق لكم ولأنعامكم فكيف تعبدون معه غيره مع علمكم أنه لا مشارك له في الخلق والرزق والإحياء والإماتة، وتصريف أمور الكون.

ص: 394

"وحال مشركي العرب مع أوثانهم معلومة، وأنهم إنما كانوا يعتقدون حصول البركة منها بتعظيمها ودعائها، والاستغاثة بها، والاعتماد عليها في حصول ما يرجونه منها ويؤملونه ببركتها وشفاعتها، فالتبرك بالصالحين وبقبورهم هو عين فعل المشركين باللات والعزى ومناة وسائر أوثانهم"[10] .

وهو العبادة التي أوجبت لهم الخلود في النار، وحرّمت عليهم الجنة، وأخبر الله تعالى أنه لا يغفر ذلك إلا بالتوبة منه وفعل التوحيد الذي هو ضده.

وتسمية هذه الأفعال تبركا، أو توسلا أو غير ذلك لا يغير من الحقائق شيئا، فالشرك: هو الاتجاه بالعبادة إلى غير الله مهما سمّي ذلك، (وهو نوعان: شرك في الربوبية وشرك في الإلهية) .

فالأول: إثبات فاعل مستقل غير الله تعالى كمن يجعل الإنسان مستقلاً بأحداث فعله مهما كانت مرتبته نبياً فما دونه، وكذا من يجعل الكواكب أو الأجسام الطبيعية، أو العقول كما تقوله الفلاسفة، أو النفوس كما يقوله عُبّاد القبور، أو الملائكة أو غير ذلك من المخلوقات، من جعل شيئاً من ذلك مستقلاً بشيء من الأحداث فهو مشرك في الربوبية.

"وكل ما سوى الخالق الواجب الوجود بنفسه مفتقر إلى غيره، فلا يتم به حدوث حادث، ولا وجود ممكن، وجمهور العرب لم يكن شركها من هذا النوع، بل كانت مقرة بأن الله خالق كل شئ وربه ومليكه، وإنما كان من الشرك في العبادة".

ص: 395

والنوع الثاني من الشرك: الشرك في الإلهية: وهو أن يجعل مع الله أحداً من خلقه يتوجه إليه في عبادته أو محبته أو خوفه أو رجائه أو إنابته أو أي نوع من أنواع العبادة، وضد هذا الشرك التوحيد في الإلهية: وهو عبادة الله تعالى وحده لا شريك له، فإن المشركين المقرين بأن الله رب كل شيء كانوا يتخذون آلهة يستجلبون بعبادتها المنافع، ويستدفعون بها المضار، ويتخذونها وسائل تقرّبهم إلى الله زلفى، وشفعاء يستشفعون بها إليه، وهذه الآلهة خلق من خلقه لا يملكون لأحد نفعاً ولا ضراً إلا بإذنه، فكل ما يطلب منهم لا يحصل منه شيء إلا بإذن الله تعالى، وهو عز وجل لم يأمر بعبادة غيره، ولم يجعل هؤلاء شفعاء ووسائل تقرب إليه، قال تعالى:{وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} (الزخرف: 45)، وقال تعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَاّ أَنَا فَاعْبُدُونِ} (الأنبياء:25)، وقال تعالى:{وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} . (يونس: 18) .

(والمعنى أن الله تعالى لا يعلم أن أحدا يشفع عنده لهؤلاء لا في السماوات ولا في الأرض فلا وجود لذلك

…

)

فبين الله تعالى في هذه الآيات وغيرها أنه لم يشرع عبادة غيره، ولا أذن في ذلك، بل أخبر أنه لو كان في السماوات أو الأرض آلهة إلا الله لفسدتا، فإنه كما يمتنع أن يكون غيره ربّاً فاعلاً منصرفا، يمتنع أن يكون إلها معبودا) [11] .

ص: 396

"والإنسان بل وجميع الكائنات عباد الله تعالى، فقراء إليه مماليك له، وهو ربهم المتصرف فيهم، وهو إلههم لا إله إلا هو، فالمخلوق ليس له من نفسه شئ أصلاً، بل نفسه وصفاته وأفعاله، وما ينتفع به أو يستحقه إنما هو من خلق الله تعالى. هو الذي أوجده ومَنَّ به، وفقر المخلوق وعبوديته أمر لازم له، لا ينفك عنه بحال، ولا وجود له بدونه، والحاجة ضرورية لكل المخلوقات؛ لأنها ملك لخالقها وموجدها إذ لا قيام لها بدونه، ولكن الناس أو أكثرهم تعزب قلوبهم عن شهود هذه الحاجة الملِّحة وهذا الفقر الاضطراري"[12] . وتشهد توحيد الربوبية العام، الذي تشترك في شهوده سائر المخلوقات، وهو أنه لا خالق إلا الله تعالى، فلا يستقل شيء سواه بإحداث أمر من الأمور، بل ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فكل ما سواه إذا كان سبباً فلابد له من شريك معاون، وضد معوق، فإذا طلب العبد من غير الله إحداث أمر من الأمور، فقد طلب منه ما لا يستقل به، ولا يقدر عليه وحده، حتى أفعال العبد الاختيارية لا يستطيع فعلها إلا بإعانة الله له عليها بأن يجعله فاعلا بما يخلقه فيه من الإرادة الجازمة، والقدرة على ذلك الفعل.

فمشيئة الله وحده هي المستلزمة لكل ما يريد، فما شاء كان، وما لم يشاء لم يكن وما سواه لا تستلزم إرادته شيئاَ، بل ما أراده لا يكون إلا بأمور خارجة عن مقدوره، إن لم يعنه الرب بها لم يحصل مراده، ونفس إرادته لا تحصل إلا بمشيئة الله تعالى كما قال تعالى:{وَمَا تَشَاءُونَ إِلَاّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} .

وبهذا يتبين أن السائل للمخلوق يسأله ما لا يستقل بملكه، هذا إذا كان المسؤول بمقدوره ظاهراً، فكيف إذا سأله مالا يقدر عليه أصلا مثل الشفاعة عند الله؛ لأنها لا تكون إلا بإذنه، ومثل هداية القلوب، وشفاء الأمراض ونحو ذلك.

ص: 397

والراجي لمخلوق، طالب بقلبه لما يريده من ذلك المخلوق، والمطلوب منه عاجز عن المطلوب، ولهذا صار ذلك من الشرك الذي لا يغفره الله إلا بالتوبة منه.

ومن نعم الله على عبده أن يمنع مطلوبه بالشرك، ليصرف قلبه إلى توحيد الله تعالى فإن وحَدّه توحيد الألهية حصلت له سعادة الدنيا والآخرة، وإن كان ممن قال الله فيهم:{وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَائِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ} (يونس: 22) كان ما حصل له من توحيد حجة عليه، كما احتج سبحانه على أمثاله من المشركين، الذين يقرون بأنه خالق كل شيء ثم يشركون غيره معه في العبادة، ولا يخلصونها له، قال تعالى:{قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ، قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ، قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ} [13](المؤمنون: 83-89) . وهذا كثير في القرآن، وهو يدل على ما تقدم من أن الإقرار بتوحيد الربوبية وبوجود الله تعالى أمر فِطريٌ مسلَّمٌ به عند جميع الخلق، إلا من أخذته العزة بالإثم فكابر عقله، وخالف فطرته، وعاند الحق، ولهذا لم تكن رسالة الرسل في دعوة الناس إلى الإيمان بوجود الله تعالى والإقرار بربوبيته، إذ كان هذا مستقراً في القلوب.

ولذلك جعل الله تعالى هذا دليلاً وحجة على وجوب التزام القسم الثاني من التوحيد، الذي هو توحيد العبادة.

ص: 398

فالإقرار بالخالق، وكماله يكون فطرياً ضرورياً في حق من سلمت فطرته من الانحراف، ومع ذلك فقد قامت عليه الأدلة الكثيرة؛ لأنه قد يحتاج إليها كثير من الناس لفساد فطرهم وتغيُّرها ولأحوال تعرض لهم، وإن كانت مسألة الإقرار بوجود الله - كما قلنا - ليست من المسائل التي تحتاج إلى برهان، "فإن الفطر الإنساَنية السليمة تشهد بضرورة فطرتها وبديهة فكرتها على خالق حكيم، قادر عليم". {أَفِي اللَّهِ شَك} ، {ولئن وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} . وومن غفل عن هذه الفطرة في حال السراء، فإنه يلوذ إليها في حال الضراء {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَاّ إِيَّاهُ} .

فالأدلة على الله تعالى كثيرة: منها ما شهدت به الفطر السليمة من احتياج المخلوق إلى مدبر هو منتهى طلبه، يرغب إليه، ولا يرغب عنه، ويستغني به، ولا يستغني عنه، ويفزع إليه في الشدائد، واحتياج الإنسان في نفسه أوضح من احتياجِ الممكن الخارجي إلى موجد، والحادث إلى محدث، ولهذا ذكر الله تعالى هذا المعنى مُحتجاً به على وجوب عبادته كما قال تعالى:{أمَّن يجيب أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ} . (النمل: 62) . ومن رجع إلى نفسه أدنى رجوع عرف احتياجه إلى ربه في تكوينه، وبقائه، وتقلبه في أحواله. وكذلك النظر في آيات الآفاق والملكوت تدل دلالة واضحة على الله تعالى، ولكن المعارف التي تحصل من تعريفات أحوال الاضطرار أشد رسوخاً في القلب من المعارف التي هي نتائج الأفكار في حالة الاختيار [14] .

ص: 399

وكذلك النظر في مخلوقات الله تعالى، وما فيها من العجائب، وإتقان الصنعة، وباهر الحكمة، وتقلّب الليل والنهار، ودوران الشمس والقمر والنجوم، وما يتجدد في طلوعها وغروبها، ودوران الأفلاك، وهبوب الرياح، والسحاب المسخر بين السماء والأرض يحمل الماء إلى حيث يشاء الله، وعوالم المخلوقات مما يطول وصفه.

ومن ذلك خلق الإنسان من نطفة مستوية الأجزاء، متنقلة الأطوار، من نطفة إلى علقة، ومن علقة إلى مضغة، ثم خلق منها لحما وعظاما وعصبا، وبصرا وعقلا وإدراكا، وما يشم، وما يطعم، وما يمشي على بطنه، وما يمشي على أربع، وما يمشى على رجلين، وذكر وأنثى، وهل يمكن أن يكون المداد بنفسه كتاباً معرباً مرتب المعاني والمواضيع، منسق الكتابة والحروف بطبيعة المداد من غير كاتب عالم، {قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ}

…

الآيات.

ومن ذلك المعجزات التي جاءت بها الأنبياء وهي من أوضح الدلائل على الله تعالى مثل إحياء الموتى، وجعل العصا التي هي عود يابس مقطوع من شجرة حية تلتهم ما أمامها، وفلق البحر بضربه بالعصا، وقلب طبيعة النار ومنعها من الإحراق، وإنباع الماء من أصباع الرسول صلى الله عليه وسلم حتى يتوضأ منه الجمع الكثير، وتكثير الطعام القليل حتى يتزوَّد منه الجيش بأكمله، وغير ذلك كثير جدا.

ولما كان الطريق إلى الحق هو السمع والعقل، وهما متلازمان، كان من سلك الطريق العقلي دله على الطريق السمعي وهو صدق الرسل، ومن سلك الطريق السمعي بين الأدلة العقلية، كما بين ذلك القرآن.

ص: 400

وكان الشقي المعذَّب من لم يسلك لا هذا ولا هذا كما قال أهل النار: {لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} (الملك:10)، وقال الله تعالى:{أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} (الحج: 46) .

والإلحاد يعرض لكثير من الناس، ويتبناه بعضهم إما ظاهراً دون باطن كحال فرعون ونحوه من المجرمين، وإما باطناً وظاهراً كحال ملاحدة اليوم.

والإلحاد لا يمنع أن تكون معرفة الله مستقرة في الفطرة، ثابتة بالضرورة؛ لأن إنكار وجود الله تعالى حال تعرض لكثير من الناس عمداً أو خطأ واغترارا، مع أن كثيراً من الناس قد ينازع في كثير من القضايا البديهية، والمعارف الفطرية، من الحسيات والحسابيات، والإلهيات، ومن تأمل ما يذكره أصحاب المقالات في العلوم المختلفة رأى عجائب وغرائب، فمن الطرائف في هذا ما ذكر أن رجلاً صنّف كتاباً في نفي العلوم فمات له ولد قد قارب الحلم فقال: أسفت لموت ولدي قبل أن يقرأ كتابي، فقيل له: وما يدريك أنه كان لك ولد، وأنه مات، وأنه لم يقرأ كتابك، وما يدريك أنك موجود وأنك صنفت كتاباً فلم يدر ما يقول.

وبنو آدم لا ينضبط ما يخطر لهم من الآراء والإرادات، فإنهم جنس عظيم التفاوت، فليس في المخلوقات أعظم تفاوتاً وتفاضلاً منهم، فخيارهم خير المخلوقات أومن خيرهم، وشرارهم أشر المخلوقات كما قال تعالى:{وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} (الأعراف: 179) .

ص: 401

ولكن الحق عزيز، ومع عزَّته كلٌّ يدَّعيه، ودعواهم الحق تحجبهم عن مراجعة الحق،

إنّ على الباطل ظلمة، وإن الحق نور، ولا يبصر نور الحق إلا من حشى قلبه بالنور {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} [15] .

القسم الثاني من التوحيد: توحيد الأسماء الصفات، وهذا القسم شبيه بالذي قبله - توحيد الربوبية - من حيث ثبوته في الفطر، وكثرة الأدلة عليه، كثرة عظيمة، وكون الأمم السالفة لم تنكره إلا من شذ وندر، وقد اختلف الصحابة ومن بعدهم في كثير من آيات الأحكام، ولم يختلفوا في شيء من آيات الصفات وأخبارها، بل اتفقوا على إقرارها على ظاهرها مع فهمهم معانيها، واثبات حقائقها، وذلك لأنها أعظم عناية، وأوضح بيانا من آيات الأحكام، ومن يقرأ كتاب الله تعالى، ويستعرض سنة رسوله صلى الله عليه وسلم يرى مدى العناية بهذا القسم، وإثباته بطرق مختلفة، وكثرة النصوص فيه فما سر ذلك؟ وما مغزاه؟ ذلك لأنه منبع الإيمان والمعرفة بالله على بصيرة وهدى، وهو مصدر التوحيد الكامل، فأكمل الناس توحيداً أَعلمهم بهذا القسم، أبصرهم بمعانيه وفقهه، والفقه فيه هو الفقه الأكبر.

ص: 402

إن معرفة الله تعالى على التفصيل لا يمكن الوصول إليها إلا عن طريق الوحي الذي جعله الله لعباده روحاً ونوراً وهدى، والله تعالى أعلم بنفسه وبغيره من خلقه، ورسوله صلى الله عليه وسلم أعلم الخلق بالله، وما يجب له، وما يمتنع عليه، وما ينزّه منه، وما وصف الله به نفسه وجب قبوله والإيمان به وأنه الحق، وكذا ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم وهو أفصح الخلق وأقدرهم على البيان، وَأنصح الخلق لأمته، وقد بين للناس ما نُزِّل إليه من ربه، وأعظم ذلك معرفة الله تعالى التي هي بها هداية القلوب، فقد بين خياله أوصاف الله تعالى التي تعرّف بها إلى عباده، وأمرهم بدعوته بها، إذ هي الطريق إلى معرفة الله تعالى وعبادته.

فكل اسم من أسمائه الحسنى له تعبّد يختص به علماً وحالاً، وأكمل الناس عبودية لله المتعبِّدُ بجميع الأسماء الحسنى والصفات العليا التي يعرفها الخلق، فلا تمنعه عبودية اسم عن عبودية اسم آخر، وهو جل وعلا يحب مقتضى أسمائه وصفاته، فلمحبته التوبة والمغفرة والعفو خلق من يتوب عليه، ويغفر له، ويعفو عنه كما جاء في الحديث:"لو لم تذنبوا لذهب الله بكم وجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر الله لهم"[16] .

وإذا كان الإيمان بأسماء الله تعالى وصفاته فرض على العبد؛ لأنه داخل في الإيمان بالله تعالى، ومعلوم عجز العقول عن الوصول إلى معرفة ذلك بدون هداية الوحي لأنّ ذلك

ص: 403

من الغيب، فلابد أن تعتصم من الزلل والاضطراب بعاصم وليس ذلك إلا كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ففي ذلك فقط تحديد المسلك الصحيح الذي يهتدي المرء بارتياده، كما فيه أيضا التحذير من السبل الأخرى التي إذا سلكها الإنسان وترك فيها وشأنه لا يمكن أن يجني إلا الحيرة والاضطراب، كما وقع لكثير من أذكيَاء علماء الكلام الذين فتحوا المجال لعقولهم تجول في كل طريق، وفى النهاية أصبح أحدهم يتمنى أن يموت على عقيدة العجائز.

ص: 404

إن الكون مفتوح أمام العقل فعليه أن يعبر وينظر ما يريد، أما أن يحاول ارتياد الغيب بلا عاصم وبدون دليل من الوحي الإلهي، فمن الحق أن يقال له حينئذ "ليس هذا بعشِّك فادرجي"، ولكن عليه أن يقبل من الغيوب ما جاء به الكتاب والسنة، ومن ذلك ما وصف الله تعالى به نفسه أو وصفه الرسول به بدون تأويل أو تبديل بل يؤخذ على ظاهره، وذلك أن الوحي أنزل للهدى والبيان، وهو كما قال الله تعالى:{نور} و {رحمة} و {بصائر للناس} . فمن غير المعقول أن الله تعالى يصف القرآن بأنه هدىً للناس، ونور، وبيان، ورحمة ثم يخاطب الخلق فيه بألفاظ لا يقصد منها ما تدل عليه ظاهراً، بل يكون ظاهرها التشبيه والكفر، كما أنه محالا أن تكون آياته رموزاً وألغازاً أشير بها إلى معان باطنة لا تفهم إلا بصعوبة بالغة، ولا يصل إليها إلا النادر من الأذكياء كما يقوله الذين لم يؤمنوا بالله ورسله، قال تعالى:{وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} (الزمر: 67)، وقال تعالى:{قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ} (سورة ص: 75)، وقال تعالى:{هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَاّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ} (الأنعام: 158) .

فهذا التقسيم والتنويع يُبْطِلُ تأويل إتيان الرب تعالى بإتيانه أمره أو الملائكة كما يقوله أهل التحريف، ومثل هذه الآية قوله تعالى:{وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً} ، وقال تعالى:{قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} (طه: 46) .

ص: 405

والآيات في ذكر أوصاف الله تعالى كثيرة جداً، والإيمان بها على ظاهرها من غير تحريف لها ولا تأويل، ولا تشبيه ولا تمثيل هو سبيل المؤمنين- صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن تبعهم بإحسان - وقد قال تعالى:{وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً} (النساء: 115) . فمن سبيلهم الإيمان بصفات الله تعالى وأسمائه التي وصف بها نفسه، وسمَّى بها نفسه في كتابه، أو على لسَان رسوله، من غير زيادة عليها ولا نقص منها ولا تجاوز لها، ولا تأويل لها بما يخالف ظاهرها، ولا تشبيه لها بصفات المخلوقين؛ لأنهم تيقنوا أن المتكلم بها صادق، وأراد منهم اعتقاد معانيها فصدَّقوه، وسكتوا عما لم يعلموه من حقيقة معناها، وأخذ ذلك الآخر عن الأول، ووصَّى بعضهم بعضاً بحسن الاتباع، والوقوف حيث وقف أولهم، وحذَّروا من التجاوز لمذهبهم، والعدول عن طريقتهم.

وبرهان ذلك أنهم نقلوا إلينا القرآن العظيم، وأخبار الرسول صلى الله عليه وسلم نقل مصدق لها مؤمن بها، قابل لها، غير مرتاب فيها، ولا شاك في صدق قائلها، ولم يفسروا ما يتعلق بالصفات منها، ولا تأوَّلوا، ولا شبهوه بصفات المخلوقين؛ إذ لو فعلوا شيئاً من ذلك لنقل عنهم، ولا يجوز أن يكتم بالكلية إذ لا يجوز التواطؤ على الكتمان لما يحتاج نقله ومعرفته.

"للبحث صلة"

أصاب الشيخ وأخطأت أنا

مرّ أمير المؤمنين سليمان بن عبد الملك بالمدينة - وهو يريد مكة - فأقام بها أياما فقال:

هل بالمدينة أحد أدرك من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؟

قالوا له: أبو حازم، فأرسل إليه، فلما دخل عليه قال:

يا أبا حازم ما هذا الجفاء؟

قال أبو حازم: يا أميرا لمؤمنين وأيُّ جفًا رأيت مني؟

ص: 406

قال: أتاني وجوه أهل المدينة ولم تأتني.

قال: يا أمير المؤمنين أعيذك بالله أن تقول ما لم يكن، ما عرفتني قبل هذا اليوم، ولا أنا رأيتك. فالتفت أمير المؤمنين إلى محمد بن شهاب الزهري فقال:

أصاب الشيخ وأخطأت أنا

…

--------------------------------------------------------------------------------

[1]

رواه البخاري ومسلم انظر الفتح ج 1ص 126 وج 4 ص 0 29 ومسلم ج 3 ص1220.

[2]

انظر غاية المرام ص 7 وانظر الإرشاد ص 18.

[3]

البخاري انظر الفتح ج3 ص 261،322،357 ومواضع أخر وانظر مسلم ج1 ص50.

[4]

البخاري ومسلم انظر الفتح ج3 ص 262 ج12 ص 275 وانظر مسلم ج1 ص 52 ـ 53.

[5]

أنظر تفسير ابن كثير ج 7 401 -452. ط. الشعب.

[6]

مجموع الفتاوى ج 14 ص 13.

[7]

المصدر نفسه.

[8]

الإصابة ج هـ ص 539 وانظر البداية والنهاية ج 4 ص 298.

[9]

انظر تفسير الطبري ج 13 ص 78.

[10]

الضياء الشارق ص 183.

[11]

درأ تعارض العقل ج 7 ص ا 39 بتصرف.

[12]

انظر مجموع الفتاوى ج 14 ص ا 3.

[13]

انظر مجموع الفتاوى ج10 ص 331.

[14]

انظر نهاية الإقدام ص 124.

[15]

نظر صوت المنطق ص 198 ج 1.

[16]

درأ تعارض العقل ج 7 ص ا 39.

ص: 407

منهج الأشاعرة في العقيدة

للشيخ سفر بن عبد الرحمن الوالي

محاضر بكلية الدعوة وأصول الدين

تعقيب على مقالات علي الصابوني

الحمد لله والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. وبعد:

فقد اطلعت على ما نشرته مجلة (المجتمع) في الأعداد من رقم 627 - 632، والمقابلة السابقة لها وكذلك المقالتان المتضادتان في العدد 646 مما كتبه الشيخان الفوزان والصابوني عن مذهب الأشاعرة.

وإذا كان من حق أي قارئ مسلم أن يهتم بالموضوع وأن يدلي برأيه إن كان لديه جديد، فكيف بمن هو متخصص في هذا الموضوع مثلي؟.

فالأشاعرة جزء من موضوع رسالتي للدكتوراه "ظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلامي"إذ هي أكبر فرق المرجئة الغلاة. ولن أستعجل نتائج بحثي ولكن حسبي أن أدّعي دعوى وأطرحها للمناقشة وأقبل بكل سرور من يدلي بوجهة نظره فيها.

فمن واقع إسلامي وتخصصي رأيت أن أقول كلمة عسى الله أن ينفع بها، - ويعلم الله أنني لو لم أشعر أن قولها واجب ضروري لما سطرتها - ولكن الموضوع أكبر من أن يسكت عليه أو يجامل فيه.

ولي على كلا الشيخين ملاحظات:

(1)

أما الصابوني فلا يؤسفني أن أقول: إن ما كتبه عن عقيدة السلف والأشاعرة يفتقر إلى أساسيات بدائية لكل باحث في العقيدة، كما أن أسلوبه بعيد كثيرا عن المنهج العلمي الموثق، وعن الأسلوب المتعقل الرصين.

وقد استبشرت بالبيان الأخير خيراً وحسبته بيان رجوع وبراءة فإذا هو بيان إصرار وتوكيد.

ونظراً لكونه ليس إلا جزءاً من تيار بدعيٍّ يراد له اكتساح الأمة. ونظراً لتعرضه لقضايا بالغة الخطورة تحتاج إلى بحث مستفيض لا تسعه المقالات الصحفية فسوف أرجئ الكلام عنه إلى حين يتيسر لي بإذن الله إخراج الرد في الصورة التي أراها.

ص: 408

وليكن معلوما أن هذا الرد الموعود ليس مقصودا به الصابوني ولا غيره من الأشخاص، فالمسألة أكبر من ذلك وأخطر، إنها مسألة مذهب بدعي له وجوده الواقعي الضخم في الفكر الإسلامي حيث تمتلئ به كثير من كتب التفسير وشروح الحديث وكتب اللغة والبلاغة والأصول فضلا عن كتب العقائد والفكر، كما أن له جامعاته الكبرى ومعاهده المنتشرة في أكثر بلاد الإسلام من الفلبين إلى السنغال.

وقد ظهرت في الآونة الأخيرة محاولات ضخمة متواصلة لترميمه وتحديثه تشرف عليها هيئات رسمية كبرى ويغذوها المستشرقون بما ينبشونه من تراثه ويخرجون من مخطوطاته.

ولهذا وجب على كل قادر أن يبين لأمته الحق وينصح لها مهما لقي، فإنّ مما كان يبايع عليه النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه النصح لكل مسلم وأن يقولوا الحق لا تأخذهم فيه لومة لائم.

أما فضيلة الشيخ الفوزان فقد أحسن إلى (المجتمع) وقرَّائها بتلك المقالة القيمة، فقد عرض فيها - على قصرها - حقائق أصولية مركزة في أسلوب علمي رصين.

وله العذر كل العذر؛ إذا لم يستوف الرد على الصابوني وبيان التناقضات التي هي سمة من سمات المنهج الأشعري نفسه؛ لأن الموضوع أكبر من أن تحيط به مقالة صحفية.

ولهذا رأيت من واجبي أن أضيف إلى ما كتبه فضيلته مستدركاً مالا يجوز تأجيله إلى ظهور الرد المتكامل:-

أولا: فات فضيلته أن يرد على الصابوني فيما عزاه إلى شيخ الإسلام - مكرراً إياه - من قوله: "الأشعرية أنصار أصول الدين، والعلماء أنصار فروع الدين ".

ولعل الشيخ وثق في نقل الصابوني، مع أن الصابوني - على ما أرجح - أول من يعلم بطلان نسبة هذا الكلام لشيخ الإسلام ابن تيمية، ولغة العبارة نفسها ليست من أسلوب شيخ الإسلام، والغريب حقاً أنه أعاد هذا العزو في بيانه الأخير بالعدد 646 مؤكداً إصراره على التمويه والتدليس.

ص: 409

وأنا أطلب من كل قارئ أن يراجع النص في ج4 ص 16 من مجموع الفتاوى ليجد بنفسه قبل تلك العبارة نفسها كلمة (قال) فالكلام محكي منقول وقائله هو المذكور في أول الكلام - آخر سطر من ص 15- حيث يقول شيخ الإسلام:

"وكذلك رأيت في فتاوى الفقيه أبي محمد فتوى طويلة

…

قال فيها: "إلى أن يقول:

"قال: وأما لعن العلماء الأئمة الأشعرية فمن لعنهم عزر وعادت اللعنة عليه

…

والعلماء أنصار فروع الدين والأشعرية أنصار أصول الدين.

"قال: وأما دخولهم النار

…

"الخ

وفى آخر هذه الفتوى نفسها يقول شيخ الإسلام (ص 158- 159، وانظر أيضاً 156) . "وأيضاً فيقال هؤلاء الجهمية الكلامية كصاحب هذا الكلام أبي محمد وأمثاله كيف تدعون طريقة السلف وغاية ما عند السلف أن يكونوا متابعين لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟) .

إلى أن يقول "وأبو محمد وأمثاله قد سلكوا مسلك الملاحدة الذين يقولون إن الرسول لم يبيّن الحق في باب التوحيد". الخ.

وبهذا يتضح قطعاً:

أ- أن العبارة المذكورة ليست من قول شيخ الإسلام بل قائلها أشعري يمدح مذهبه.

ب- أن شيخ الإسلام نسب هذا القائل ومذهبه إلى الجهمية الكلابية واتباع طريقة الملاحدة وأنكر عليهم ادعاء طريقة السلف وهذا ينفى ما حاول الصابوني تدليسه في مقالاته الست تماماً.

وبالمناسبة أذكر بعض ما يحضرني من الكتب التي ألفها شيخ الإسلام في الرد على الأشاعرة نصاً غير التي رد عليهم فيها مع غيرهم:-

1-

درء تعارض العقل والنقل وهو كله رد عليهم بالأصالة كما نص في مقدمته، حيث استفتحه بذكر قانونهم الكلي الآتي في ص 12.

2-

بيان تلبيس الجهمية المسمى نقض التأسيس، رد فيه على إمامهم الثاني "الفخر الرازي"، صاحب تأسيس التقديس أو أساس التقديس.

3-

التسعينية وهي التي كتبها في الأشهر الأخيرة من حياته رحمه الله جواباً عن محاكمة الأشاعرة له.

4-

شرح العقيدة الأصفهانية وهى شرح لعقيدة الشمس الأصفهاني التي جرى فيها على أصول الأشاعرة.

ص: 410

5-

الفتوى الحموية: معروفة.

6-

الرسالة المدنية: وهى في الجزء (6) من مجموع الفتاوى.

7-

النبوات: وهو نقض لكلام الباقلاني خاصة والأشاعرة عامة في النبوات.

8-

الإيمان: وهو نقد للأشاعرة في الإيمان وذكر بقية المرجئة تبعاً.

9-

القاعدة المراكشية: وهى كالبيان لمذهب الإمام مالك وأئمة المالكية في العقيدة ضد المتأخرين من مالكية المغاربة المائلين إلى مذهب الأشعري، وهى في الجزء الخامس من مجموع الفتاوى وطبعت محققة.

15-

المناظرة في العقيدة الواسطية: ألفها في محاكمة الأشاعرة له بسبب الواسطية وهي في الجزء الثالث من مجموع الفتاوى.

11-

الاستقامة: كتبه نقضا لكتاب القشيري الصوفي الأشعري وبين فيه أن عقيدة أئمة السلوك المعتبرين هي مذهب السلف وأن بداية الانحراف في العقيدة عند المنتسبين للتصوف في الجملة إنما جاءت متأخرة في أوائل القرن الخامس حين انتشر مذهب الأشعرى.

ولتلميذه ابن القيم- رحمه الله في الرد على الأشاعرة كتب منها:-

1_

مختصر الصواعق المرسلة ناقش فيه أصولهم ومنها موقفهم من النصوص.

2_

شفاء العليل: معظمه عنهم.

3_

العقيدة النونية: معظمها عنهم.

4_

إجتماع الجيوش الإِسلامية: كله رد على مذهبهم خصوصا في نفي العلو.

هذا ولم يصدر من شيخ الإسلام مدح مطلق للأشاعرة أبداً وإنما غاية مدحه لهم (كما في ج 12 من الفتاوى) أن يصفهم بأنهم أقرب من غيرهم وأن مذهبهم مركب من الوحي والفلسفة، أو يمدح المشتغلين منهم بالحديث لا لكونهم أشاعرة ولكن لاشتغالهم بالسنة مع سؤال المغفرة لهم فيما وافقوا فيه متكلمي مذهبهم. لكن هذا أقل بكثير من المواضع التي صرح فيها بتبديعهم وتضليلبهم، وفساد منهجهم فهي أكثر من أن تحصر. كما أنه حدد- رحمه الله متى يعد المنتسب إلى الأشعري من أهل السنة فقال:

ص: 411

"أما من قال منهم بكتاب الإبانة الذي صنفه الأشعري في آخر عمره ولم يظهر مقالة تناقض ذلك فهذا يعد من أهل السنَة، لكن مجرد الانتساب إلى الأشعري بدعة لاسيما لأنه بذلك يوهم حسنا لكل من انتسب هذه النسبة وينفتح بذلك أبواب شر"

…

أي أن من كان على عقيدة السلف منهم لا ينبغي له الانتساب للأشعري لأنه بدعة ومذمة.

ثانيا: أحسن الشيخ في مطالبة الصابوني بأي دليل صحيح على مسألة تكفير الأشاعرة، ويضاف إلى كلام فضيلته:

إن الحاصل فعلاً هو العكس فالأشاعرة هم الذين كفّروا ولا يزالون يكفّرون أتباع السلف بل كفّروا كل من قال: "إن الله تعالى موصوف بالعلو"- كما سيأتي هنا - وحسبك تكفيرهم واضطهادهم لشيخ الإسلام وهو ما لم يفعله أهل السنة بعالم أشعري قط. وقد سطر- رحمه الله بعض جورهم عليه في أول التسعينية وصرح به كل من كتب عن سيرته. ولولا الإطالة لأوردت بعض ما تصرح به كتب عقيدتهم من اتهامه بالزندقة والكفر والضلال. ومن الأمثلة المعاصرة كتب الكوثري ومقالاته وكتاب "براءة الأشعريين"وكتاب "ابن تيمية ليس سلفياً"وبعض ما في كتاب "أركان الإيمان"

فيا عجباً لهؤلاء القوم يكفّرونه ثم يدّعون أنهم وإياه على مذهب واحد ويشملهم جميعاً اسم "السنة والجماعة"!! ، وإذا كانت كتب الأشاعرة تتبرأ من "الحشوية والمجسمة والنابتة"وغير ذلك مما يلقبون به أهل السنة والجماعة فكيف يكونون وهم سواء!!.

ثالثا: كان بودي أن يفصّل الشيخ معنى مصطلح أهل السنة ودخول الأشاعرة فيه أو عدمه، وهي التي يدندن حولها الصابوني، وأنا أوجزه جداً فأقول:

إن مصطلح أهل السنة والجماعة يطلق ويراد به معنيان:

أ_ المعنى الأعم: وهو ما يقابل الشيعة فيقال: "المنتسبون للإسلام قسمان: أهل السنة والشيعة"، مثلما عنون شيخ الإسلام كتابه في الرد على الرافضي "منهاج السنة"، وفيه بيّن هذين المعنيين وصرح أن ما ذهبت إليه الطوائف المبتدعة من أهل السنة بالمعنى الأخص.

ص: 412

وهذا المعنى يدخل فيه كل من سوى الشيعة كالأشاعرة، لاسيما والأشاعرة فيما يتعلق بموضوع الصحابة والخلفاء متفقون مع أهل السنة وهى نقطة الاتفاق المنهجية الوحيدة كما سيأتي.

ب_ المعنى الأخص: وهو ما يقابل المبتدعة وأهل الأهواء وهو الأكثر استعمالا وعليه كتب الجرح والتعديل فإذا قالوا عن الرجل أنه صاحب سنة أو كان سنياً أومن أهل السنة ونحوها فالمراد أنه ليس من إحدى الطوائف البدعية كالخوارج والمعتزلة والشيعة وليس صاحب كلام وهوى.

وهذا المعنى لا يدخل فيه الأشاعرة أبداً بل هم خارجون عنه، وقد نص الإمام أحمد وابن المديني على أن من خاض في شيء من علم الكلام لا يعتبر من أهل السنة وإن أصاب بكلامه السنة حتى يدع الجدلي ويسلم للنصوص، فلم يشترطوا موافقة السنة فحسب بل التلقي والاستمداد منها فمن تلقى من السنة فهو من أهلها وإن أخطأ، ومن تلقى من غيرها فقد أخطأ وإن وافقها في النتيجة.

والأشاعرة- كما سترى - تلقوا واستمدوا من غير السنة ولم يوافقوها في النتائج فكيف يكون من أهلها.

وسنأتي بحكمهم عند أئمة المذاهب الأربعة من الفقهاء فما بالك بأئمة الجرح والتعديل من أصحاب الحديث:-

ا- عند المالكية:

روى حافظ المغرب وعلمها الفذ ابن عبد البر بسنده عن فقيه المالكية بالمشرق ابن خويز منداذ أنه قال في كتاب الشهادات شرحاً لقول مالك: "لا تجوز شهادة أهل البدع والأهواء"، وقال:

"أهل الأهواء عند مالك وسائر أصحابنا هم أهل الكلام، فكل متكلم فهو من أهل الأهواء والبدع أشعرياً كان أو غير أشعري، ولا تقبل له شهادة في الإسلام أبداً ويهجر ويؤدب على بدعته فإن تمادى عليها استتيب منها".

وروى ابن عبد البر نفسه في "الانتقاء"عن الأئمة الثلاثة "مالك وأبى حنيفة والشافعي"نهيهم عن الكلام وزجر أصحابه وتبديعهم وتعزيرهم، ومثله ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية فماذا يكون الأشاعرة إن لم يكونوا أصحاب كلام؟.

2-

عند الشافعية:

ص: 413

قال الإمام أبو العباس بن سريج الملقب بالشافعي الثاني وقد كان معاصرا للأشعري: "لا نقول بتأويل المعتزلة والأشعرية والجهمية والملحدة والمجسمة والمشبهة والكرامية والمكيفة بل نقبلها بلا تأويل، ونؤمن بها بلا تمثيل".

قال الإمام أبو الحسن الكرجى من علماء القرن الخامس الشافعية ما نصه: "لم يزل الأئمة الشافعية يأنفون ويستنكفون أن ينسبوا إلى الأشعري ويتبرَّءون مما بنى الأشعري مذهبه عليه وينهون أصحابهم وأحبابهم عن الحوم حواليه على ما سمعت من عدة من المشايخ والأئمة، وضرب مثالاً بشيخ الشافعية في عصره الإمام أبو حامد الاسفرائيني الملقب "الشافعي الثالث" قائلا: "ومعلوم شدة الشيخ على أصحاب الكلام حتى ميز أصول فقه الشافعي من أصوله الأشعري، وعلق عنه أبو بكر الراذقاني وهو عندي، وبه اقتدى الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في كتابيه اللمع والتبصرة حتى لو وافق قول الأشعري وجهاً لأصحابنا ميزّه وقال:"هو قول بعض أصحابنا وبه قالت الأشعرية ولم يعدهم من أصحاب الشافعي، استنكفوا منهم ومن مذهبهم في أصول الفقه فضلاً عن أصول الدين" اهـ.

وبنحو قوله بل أشد منه قال شيخ الإسلام الهروي الأنصاري.

3-

الحنفية: معلوم أن واضع الطحاوية وشارحها كلاهما حنفيان، وكان الإمام الطحاوي معاصراً للأشعري وكتب هذه العقيدة لبيان معتقد الإمام أبي حنيفة وأصحابه، وهي مشابهة لما في الفقه الأكبر عنه، وقد نقلوا عن الإمام أنه صرح بكفر من قال:"إن الله ليس على العرش"أو توقف فيه، وتلميذه أبو يوسف كفّر بِشراً المرِيسي، ومعلوم أن الأشاعرة ينفون العلو وينكرون كونه تعالى على العرش، ومعلوم أيضاً أن أصولهم مستمدة من بشر المريسي!! .

ص: 414

4-

الحنابلة: موقف الحنابلة من الأشاعرة أشهر من أن يذكر فمنذ بدّع الإمام أحمد (ابن كلاب) وأمر بهجره - وهو المؤسس الحقيقي للمذهب الأشعري- لم يزل الحناَبلة معهم في معركة طويلة، وحتى في أيام دولة نظام الملك- التي استطالوا فيها - وبعدها كان الحنابلة يخرجون من بغداد كل واعظ يخلِّط قصصه بشيء من مذهب الأشاعرة، ولم يكن ابن القشيري إلا واحداً ممن تعرض لذلك، وبسبب انتشار مذهبهم وإجماع علماء الدولة سيما الحنابلة على محاربته أصدر الخليفة القادر منشور (الاعتقاد القادري) أوضح فيه العقيدة الواجب على الأمة اعتقادها سنة 433

هذا وليس ذم الأشاعرة وتبديعهم خاص بأئمة المذاهب المعتبرين بل هو منقول أيضا عن أئمة السلوك الذين كانوا أقرب إلى السنة واتباع السلف، فقد نقل شيخ الإسلام في الاستقامة كثيرا من أقوالهم في ذلك وأنهم يعتبرون موافقة عقيدة الأشعرية منافيا لسلوك طريق الولاية والاستقامة حتى أن عبد القادر الجيلاني، لما سئل "هل كان لله ولي على غير اعتقاد أحمد بن حنبل؟. قال: ما كان ولا يكون".

فهذا موجز مختصر جداً لحكم الأشاعرة في المذاهب الأربعة، فما ظنك بحكم رجال الجرح والتعديل ممن يعلم أن مذهب الأشاعرة هو رد خبر الآحاد جملة وأنّ في الصحيحين أحاديث موضوعة أدخلها الزنادقة

…

وغيرها من العوام، وانظر إن شئت ترجمة إمامهم المتأخر الفخر الرازي في الميزان ولسان الميزان.

فالحكم الصحيح في الأشاعرة أنهم من أهل القبلة لاشك في ذلك، أما أنهم من أهل السنة فلا، وسيأتي تفصيل ذلك في الموضوعات التالية:

وهاهنا حقيقة كبرى أثبتها علماء الأشعرية الكبار بأنفسهم -كالجويني وابنه أبي المعالي والرازي والغزالي وغيرهم- وهي حقيقة إعلان حيرتهم وتوبتهم ورجوعهم إلى مذهب السلف، وكتب الأشعرية المتعصبة مثل طبقات الشافعية أوردت ذلك في تراجمهم أو بعضه في دلالة ذلك؟.

ص: 415

إذا كانوا من أصلهم على عقيدة أهل السنة والجماعة فعن أي شئ رجعوا؟ ولماذا رجعوا؟ وإلى أيّ عقيدة رجعوا؟.

رابعاً: دعوى الأشاعرة أن أكثر أئمة المسلمين على مذهبهم دعوى عارية عن الدليل يكذبها الواقع التاريخي، وكتب الأشاعرة نفسها عند تعريف مذهبي السلف والخلف تقول:"إن مذهب السلف هو مذهب القرون الثلاثة"، وبعضها يقول:"إنه مذهب القرون الخمسة" ، فماذا بقي بعد هذه القرون؟

وصدقوا فالثابت تاريخيا أن مذهب الأشاعرة لم ينتشر إلا في القرن الخامس إثر انتشار كتب الباقلاني.

ولولا ضيق المجال لسردت قائمة متوازنة أذكر فيها كبار الأشاعرة ومن عاصرهم من كبار أهل السنة والجماعة الذين يفوقون أولئك عدداً وعلماً وفضلاً، وحسبك ما جمعه ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية، والذهبي في العلو، وقبلهما اللالكائي.

أما عوام المسلمين فالأصل فيهم أنهم على عقيدة السلف؛ لأنها الفطرة التي يولد عليها الإنسان وينشأ عليها المسلم بلا تلقين ولا تعليم (من حيث الأصل) ، فكل من لم يلقِّنْهُ المبتدعة بدعتَهم ويدرِّسوه كتبهم فليس من حق أيّ فرقة أن تدَّعيه إلا أهل السنة والجماعة.

ومن الأدلة على ذلك: الإنسان الذي يدخل في الإسلام حديثا، فهل تستطيع أيّ فرقة أن تقول إنه معتزلي أو أشعري؟ أمّا نحن فبمجرَّد إسلامه يصبح واحداً منا.

وإن شئت المثال على عقيدة العوام فاسأل الملايين من المسلمين شرقا وغربا هل فيهم من يعتقد أن الله لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوقه ولا تحته كما تقول الأشاعرة.

أم أنهم كلهم مفطورون على أنه تعالى فوق المخلوقات، وهذه الفطرة تظل ثابتة في قلوبهم حتى وان وجدوا من يُلقِّنهم في أذهانهم تلك المقولة الموروثة عن فلاسفة اليونان.

ص: 416

وقس على هذا نظرية الكسب والكلام النفسي ونفي التأثير وأشباهها مما سترى في عقائد الأشاعرة على أن الموضوع الذي يجب التنبيه إليه هو التفريق بين متكلمي الأشاعرة كالرازى والآمدي والشهرستاني والبغدادي والإيجي ونحوهم، وبين من تأثر بمذهبهم عن حسن نية واجتهاد أو متابعة خاطئة أو جهل بعلم الكلام أو لاعتقاده أنه لا تعارض بين ما أخذ منهم وبين النصوص، ومن هذا القسم أكثر الأفاضل الذين يحتج بذكرهم الصابوني وغيره وعلى رأسهم الحافظ ابن حجر- رحمه الله.

ولست أشك أن الموضوع يحتاج لبسط وإيضاح ومع هذا فإنني أقدِّم للقراء لمحة موجزة عن موقف ابن حجر من الأشاعرة:

وقد ترجم الحافظ الذهبي- رحمه الله في الميزان وغيره للرازي والآمدي بما هم أهله، ثم جاء ابن السبكي- ذلك الأشعري المتعصب - فتعقّبه وعنّف عليه ظلما. ثم جاء ابن حجر- رحمه الله فألف لسان الميزان فترجم لهما بطبيعة الحال- ناقلا كلام ابن السبكي ونقده للذهبي - ولم يكن يخفى عليه مكانتهما وإمامتهما في المذهب كما ذكر طرفاً من شنائع الأرموي ضمن ترجمة الرازي.

فإذا كان موقف ابن حجر لأن موقفه هو الذي يحدد انتماءه لفكر هؤلاء القوم أو عدمه؟ إن الذي يقرأ ترجمتيهما في اللسان لا يمكن أن يقول إن ابن حجر على مذهبهِما أبدا، كيف وقد أورد نقولاً كثيرة موثقة عن ضلالهما وشنائعهما التي لا يقرها أيّ مسلم فضلاً عمّن هو في علم الحافظ وفضله؟.

على أنه قال في آخر ترجمة الرازي "أوصى بوصية تدل على أنه حسّن اعتقاده".

وهذه العبارة التي قد يفهم منها أنها متعاطفة مع الرازي ضد مهاجميه هي شاهد لما نقول نحن هنا، فإن وصية الرازي التي نقلها ابن السبكي نفسه صريحة في رجوعه إلى مذهب السلف.

فبعد هذا نسأل:

أكان ابن حجر يعتقد أو يؤيد عقيدة الرازي التي في كتبه أم عقيدته التي في وصيته؟ الإجابة واضحة من عبارته نفسها.

هذه واحدة.

ص: 417

والأخرى: أن الحافظ في الفتح قد نقد الأشاعرة باسمهم الصريح وخالفهم فيما هو من خصائص مذهبهم فمثلاً خالفهم في الإيمان، وإن كان تقريره لمذهب السلف فيه يحتاج لتحرير. ونقدهم في مسألة المعرفة وأول واجَب على المكلف في أول كتابه وآخره.

كما أنه نقد شيخهم في التأويل (ابن فورك) في تأويلاته التي نقلها عنه في شرح كتاب التوحيد من الفتح، وذم التأويل والمنطق مرجحا منهج الثلاثة القرون الأولى، كما أنه يخالفهم في الاحتجاج بحديث الآحاد في العقيدة ، وغيرها من الأمور التي لا مجال لتفصيلها هنا.

والذي أراه أن الحافظ رحمه الله أقرب شيء إلى عقيدة مفوِّضة الحنابلة كأبي يعلى ونحوه ممن ذكرهم شيخ الإسلام في درء تعارض العقل والنقل ووصفهم بمحبة الآثار والتمسك بها لكنهم وافقوا بَعض أصول المتكلمين وتابعوهم ظانِّين صحتها عن حسن نية.

وقد كان من الحنابلة من ذهب إلى أبعد من هذا كابن الجوزي وابن عقيل وابن الزاغوني. ومع ذلك فهؤلاء كانوا أعداءً ألدَّاء للأشاعرة، ولا يجوز بحال أن يعتبروا أشاعرة فما بالك بأولئك.

والظاهر أن سبب هذا الاشتباه في نسبة بعض العلماء للأشاعرة أو أهل السنة والجماعة هو أن الأشاعرة فرقة كلامية انشقت عن أصلها (المعتزلة) ووافقت السلف في بعض القضايا وتأثرت بمنهج الوحي، في حين أن بعض من هم على مذهب أهل السنة والجماعة في الأصل تأثروا بسبب من الأسباب بأهل الكلام في بعض القضايا وخالفوا فيها مذهب السلف.

فإذا نظر الناظر إلى المواضع التي يتفق فيها هؤلاء وهؤلاء ظن أن الطائفين على مذهب واحد. فهذا التداخل بينهما هو مصدر اللبس.

ص: 418

وكثيرا ما تجد في كتب الجرح والتعديل- ومنها لسان الميزان للحافظ ابن حجر- قولهم عن الرجل أنه وافق المعتزلة في أشياء من مصنفاته أو وافق الخوارج في بعض أقوالهم وهكذا ومع هذا لا يعتبرونه معتزليا أو خارجيا، وهذا المنهج إذا طبقناه على الحافظ وعلى النووي وأمثالهما لم يصح اعتبارهم أشاعرة وإنما يقال:"وافقوا الأشاعرة في أشياء"، مع ضرورة بيان هذه الأشياء واستدراكاتها عليهم حتى يمكن الاستفادة من كتبهم بلا توجس نما موضوعات العقيدة.

خامسا: قال فضيلة الشيخ الفوزان عن الأشاعرة: "نعم هم من أهل السنة والجماعة في بقية أبواب الإيمان والعقيدة وليسوا منهم في باب الصفات".

وهذا سبق قلم من فضيلته ومثل هذه الدعوى هي التي يهش لها الأشاعرة المعاصرون ويروِّجونها؛ لأنه إذا كان الفارق هو الصفات فقط قالوا: إن الخلاف فيها أصله الاجتهاد والكل يتفقون على التنزيه فكأنه لا خلاف إذن

…

وربما قالوا: نحن مستعدون أن نثبت لله يداً وعيناً وسائر الصفات في سبيل توحيد الصف ووحدة الكلمة!!!

وليكن معلوما أن ابتداء أمر الأشاعرة أنهم توسلوا إلى أهل السنة أن يكفوا عن هجرهم وتبديعهم وتضليلهم وقالوا: "نحن معكم ندافع عن الدين وننازل الملحدين"، فاغتر بهذا بعض علماء أهل السنة وسكتوا عنهم فتمكّن الأشاعرة في الأمة ثم في النهاية استطالوا على أولئك واستأثروا بهذا الاسم دون أهله، وأصبحوا هم يضللون أهل السنة ويضطهدونهم ويلقبونهم بأشنع الألقاب. فحتى لا تتكرر هذه المشكلة وإحقاقا للحق رأيت من واجبي أن أسهم بتفصيل مذهب الأشاعرة في كل أبواب العقيدة ليتضح أنهم على منهج فكري مستقل في كل الأبواب والأصول، ويختلفون مع أهل السنة والجماعة من أول مصدر التلقِّي حتى آخر السمعيات ماعدا قضية واحدة فقط.

ص: 419

وإليك هذه الأصول المنهجية في مذهبهم موجزة ومُيَسَّرة ما أمكن- عدا أقوالهم في الصفات وعدا الفرعيات التي لا تدخل تحت حصر- مع التنبيه، ومقدما إلى ما بينها من تناقض لا يخفى على القارئ الفطن:

الأول: مصدر التلقِّي:

أ _ مصدر التلقي عند الأشاعرة هو العقل وقد صرح الجويني والرازي والبغدادي والغزالي والآمدي والإيجي وابن فورك والسنوسي وشُرَّاح الجوهرة وسائر أئمتهم بتقديم العقل على النقل عند التعارض، وعلى هذا يرى المعاصرون منهم، ومن هؤلاء السابقين من صرح بأن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة أصل من أصول الكفر، وبعضهم خفّفها فقال: هو أصل الضلالة!!.

ولضرورة الاختصار أكتفي بمثالين مع الإحالة إلى ما في الحاشية لمن أراد المزيد:

الأول: وضع الرازي في أساس التقديس القانوني الكلي للمذهب في ذلك فقال: "الفصل الثاني والثلاثون في أنّ البراهين العقلية إذا صارت معارضة بالظواهر النقلية فكيف يكون الحال فيها؟

اعلم أن الدلائل القطعية العقلية إذا قامت على ثبوت شيء ثم وجدنا أدلة نقلية يشعر ظاهرها بخلاف ذلك فهناك لا يخلو الحال من أحد أمور أربعة:

1-

إما أن يصدق مقتضى العقل والنقل فيلزم تصديق النقيضين وهو محال.

2-

وإما أن يبطلا فيلزم تكذيب النقيضين وهو محال.

3-

وإما أن يصدق الظواهر النقلية ويكذب الظواهر العقلية وذلك باطل.

لأنه لا يمكننا أن نعرف صحة الظواهر النقلية إلا إذا عرفنا بالدلائل العقلية إثبات الصانع وصفاته وكيفية دلالة المعجزة على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وظهور المعجزات على - محمد صلى الله عليه وسلم.

ولو جوّزنا القدح في الدلائل العقلية القطعية صار العقل متهما غير مقبول القول، ولو كان كذلك لخرج أن يكون مقبول القول في هذه الأصول، وإذا لم تثبت هذه الأصول خرجت الدلائل النقلية عن كونها مفيدة.

فثبت أن القدح في العقل لتصحيح النقل يفضي إلى القدح في العقل والنقل معا، وأنه باطل.

ص: 420

ولما بطلت الأقسام الأربعة لم يبق إلا أن يقطع بمقتضى الدلائل العقلية القاطعة بأن هذه الدلائل النقلية إما أن يقال: إنها غير صحيحة ، أو يقال: إنها صحيحة إلا أن المراد منها غير ظواهرها.

ثم إن جوّزنا التأويل اشتغلنا على سبيل التبرع بذكر تلك التأويلات على التفصيل. وإن لم يجز التأويل فوّضنا العلم بها إلى الله تعالى. فهذا هو القانون الكلي المرجوع إليه في جميع المتشابهات وبالله التوفيق". اهـ.

الثاني: يقول السنوسي (ت 885) في شرح الكبرى:"وأما من زعم أن الطريق بدأ إلى معرفة الحق الكتاب والسنة ويحرم ما سواهما فالرد عليه أن حجتيهما لا تعرف إلا بالنظر العقلي، وأيضا فقد وقعت فيهما ظواهر من اعتقدها على ظاهرها كفر عند جماعة وابتدع".

ويقول: "أصول الكفر ستة

…

"ذكر خمسة ثم قال:"سادسا: التمسك في أصول العقائد بمجرد ظواهر الكتاب والسنة من غير عرضها على البراهين العقلية والقواطع الشرعية".

ب _ صرح متكلّموهم- ومنهم من سبق في فقرة (أ) أن نصوص الكتاب والسنة ظنية الدلالة ولا تفيد اليقين إلا إذا سلمت من عشر عوارض منها: الإضمار والتخصيص والنقل والاشتراك والمجاز

…

الخ. وسلمت بعد هذا من المعارض العقلي بل قالوا: من احتمال المعارض العقلي!!

ج _ موقفهم من السنة خاصة أنه لا يثبت بها عقيدة، بل المتواتر منها يجب تأويله، وآحادها لا يجب الاشتغال بها حتى على سبيل التأويل، حتى إن إمامهم الرازي قطع بأن رواية الصحابة كلهم مظنونة بالنسبة لعدالتهم وحفظهم سواء، وأنه في الصحيحين أحاديث وضعها الزنادقة

…

إلى آخر ما لا أستجيز نقله لغير المختصين، وهو في كتابه أساس التقديس والأربعين.

د _ تقرأ في كتب عقيدتهم قديمها وحديثها المائة صفحة أو أكثر فلا تجد فيها أية ولا حديثاً لكنك قد تجد في كل فقرة "قال الحكماء"أو"قال المعلّم الأول"أو "قالت الفلاسفة"ونحوها

…

ص: 421

هـ _ مذهب طائفة منهم وهم صوفيتهم- كالغزالي والحامي- في مصدر التلقي هو تقديم الكشف والذوق على النص وتأويل النص ليوافقه وقد يصححون بعض الأحاديث ويضعفونها حسب هذا الذوق كحديث إسلام أبوي النبي صلى الله عليه وسلم ودخولهما الجنة بزعمهم. ويسمون هذا "العلم اللّدنّي جرياً على قاعدة الصوفية "حدثني قلبي عن ربي".

الثاني: إثبات وجود الله:

معلوم أنّ مذهب السلف هو أن وجوده تعالى أمر فطري معلوم بالضرورة، والأدلة عليه في الكون والنفس والآثار والآفاق والوحي أجلّ من الحصر، ففي كل شيء له آية وعليه دليل.

أما الأشاعرة فعندهم دليل يتيم هو دليل "الحدوث والقدم"وهو الاستدلال على وجود الله بأن الكون حادث وكل حادث فلابد من محدث قديم، وأخص صفات هذا القديم مخالفته للحوادث وعدم حلولها فيه، ومن مخالفته للحوادث إثبات أنه ليس جوهرا ولا عرضا ولا جسما ولا في جهة ولا مكان

…

الخ. ثم أطالوا جدا في تقرير هذه القضايا هذا وقد رتبوا عليه من الأصول الفاسدة مالا يدخل تحت العد مثل إنكارهم لكثير من الصفات كالرضا والغضب والاستواء بشبهة نفي حلول الحوادث في القديم ونفي الجوهرية والعرضية والجهة والجسمية

…

إلى آخر المصطلحات البدعية التي جعلوا نفيها أصولاً وأنفقوا الأعمار والمداد في شرحها ونفيها. ولو أنهم قالوا: الكون مخلوق وكل مخلوق لابد له من خالق لكان أيسر وأخص، مع أنه ليس الدليل الوحيد، ولكنهم تعمّدوا موافقة الفلاسفة حتى في ألفاظهم.

الثالث: التوحيد:

ص: 422

التوحيد عند أهل السنة والجماعة معروف بأقسامه الثلاثة، وهو عندهم أول واجب على المكلف، أما الأشاعرة قدماؤهم ومعاصروهم، فالتوحيد عندهم هو نفي التثنية أو التعدد ونفي التبعيض والتركيب والتجزئة أي حسب تعبيرهم "نفي الكمية المتصلة والكمية المنفصلة"، ومن هذا المعنى فسروا الإله بأنه: الخالق أو القادر على الاختراع، وأنكروا بعض الصفات كالوجه واليد والعين؛ لأنها تدل على التركيب والأجزاء عندهم.

أما التوحيد الحقيقي ولا يقابله من الشرك ومعرفته والتحذير منه فلا ذكر لها في كتب عقيدتهم إطلاقا ولا أدري أين يضعونه أفي كتب الفروع؟ فليس فيها، أم يتركونه بالمرة؟ فهذا الذي أجزم به.

أما أول واجب عند الأشاعرة فهو النظر أو القصد إلى النظر أو أول جزء من النظر أو

…

إلى آخر فلسفتهم المختلف فيها وعندهم أن الإنسان إذا بلغ سن التكليف وجب عليه النظر ثم الإيمان، واختلفوا فيمن مات قبل النظر أو في أثنائه، أيحكم له بالإسلام أم بالكفر؟!

وينكر الأشاعرة المعرفة الفطرية ويقولون: إن من آمن بالله بغير طريق النظر فإنما هو مقلد، ورجح بعضهم كفره، واكتفى بعضهم بتعصيته، وهذا ما خالفهم فيه الحافظ ابن حجر- رحمه الله ونقل أقوالا كثيرة في الرد عليهم، وإنّ لازم قولهم تكفير العوام بل تكفير الصدر الأول (1) .

الرابع: الإيمان:

الأشاعرة في الإيمان مرجئة جهمية أجمعت كتبهم قاطبة على أن الإيمان هو التصديق القلبي، واختلفوا في النَطق بالشهادتين أيكفي عنه تصديق القلب أم لابد منه، قال صاحب الجوهرة:

والنطق فيه الخلف بالتحقيق

وفسر الإيمان بالتصديق

وقد رجح الشيخ حسن أيوب من المعاصرين أن المصدّق بقلبه ناج عند الله وإن لم ينطق بهما ومال إليه البوطي. فعلى كلامهم لا داعي لحرص النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول عمه أبو طالب: "لا إله إلا الله"؛ لأنه لاشك في تصديقه له بقلبه، وهو ومن شابهه على مذهبهم من أهل الجنة!!

ص: 423

هذا وقد أوّلوا كل آية أو حديث ورد في زيادة الإيمان ونقصانه أو وصف بعض شعبه بأنها إيمان أو من الإيمان.

ولهذا أطال شيخ الإسلام رحمه الله الرد عليهم بأسمائهم كالأشعري والباقلاني والجويني وشراح كتبهم وقرر أنهم على مذهب جهم بعينه. وفى رسالتي فصل طويل عن هذه القضية فلا أطيل به هنا.

الخامس: القرآن:

وقد أفردت موضوعه لأهميته القصوى، وهو نموذج بارز للمنهج الأشعري القائم على التلفيق الذي يسميه الأشاعرة المعاصرون "التوفيقية"حيث انتهج التوسط بين أهل السنة والجماعة وبين المعتزلة في كثير من الأصول فتناقض واضطرب.

فمذهب أهل السنة والجماعة أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأنه تعالى يتكلم بكلام مسموع تسمعه الملائكة وسمعه جبريل وسمعه موسى- عليه السلام ويسمعه الخلائق يوم القيامة.

ومذهب المعتزلة أنه مخلوق.

أما مذهب الأشاعرة فمن منطلق التوفيقية - التي لم يحالفها التوفيق - فرّقوا بين المعنى واللفظ. فالكلام الذي يثبتونه لله تعالى هو معنى أزلي أبدى قائم بالنفس ليس بحرف ولا صوت ولا يوصف بالخبر ولا الإنشاء.

واستدلوا بالبيت المنسوب للأخطل النصراني:

جعل اللسان على الفؤاد دليلا

إنّ الكلام لفي الفؤاد وإنما

أما الكتب المنزلة ذات الترتيب والنظم والحروف - ومنها القرآن - فليست هي كلامه تعالى على الحقيقة بل هي "عبارة"عن كلام الله النفسي. والكلام النفسي شيء واحد في ذاته لكن إذا جاء التعبير عنه بالعبرانية فهو توراة، وإن جاء بالسريانية فهو إنجيل، وإن جاء بالعربية فهو قرآن، فهذه الكتب كلها مخلوقة ووصفها بأنها كلام الله مجاز لأنها تعبير عنه.

ص: 424

واختلفوا في القرآن خاصة فقال بعضهم: "إنّ الله خلقه أولا في اللوح المحفوظ ثم أنزله في صحائف إلى سماء الدنيا "فكان جبريل يقرأ هذا الكلام المخلوق ويبلغه لمحمد صلى الله عليه وسلم، وقال آخرون:"إن الله أفهم جبريل كلامه النفسي وأفهمه جبريل لمحمد- صلى الله عليه وسلم، فالنزول نزول إعلام وإفهام لا نزول حركة وانتقال "(لأنهم ينكرون علو الله) ثم اختلفوا في الذي عبر عن الكلام النفسي بهذا اللفظ والنظم العربي من هو؟ فقال بعضهم: "هو جبريل"، وقال بعضهم:"بل هو محمد صلى الله عليه وسلم"!!.

واستدلوا بمثل قوله تعالى: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} في سورتي الحاقة والانشقاق حيث أضافه في الأولى إلى محمد صلى الله عليه وسلم، وفي الأخرى إلى جبريل بأن اللفظ لأحد الرسولين "جبريل أو محمد"وقد صرح الباقلاني بالأول وتابعه الجويني.

قال شيخ الإسلام: "وفي إضافته تعالى إلى هذا الرسول تارة وإلى هذا تارة دليل على أنه إضافة بلاغ وأداء لا إضافة إحداث لشيء منه وإنشاء كما يقول بعض المبتدعة الأشعرية من أن حروفه ابتداء جبريل أو محمد مضاهاة منهم في نصف قولهم لمن قال انه قول البشر من مشركي العرب".

وعلى القول أن القرآن الذي نقرؤه في المصاحف مخلوق سار الأشاعرة المعاصرون وصرحوا، فكشفوا بذلك ما أراد شارح الجوهرة أن يستره حين قال:"يمتنع أن يقال إن القرآن مخلوق إلا في مقام التعليم".

السادس: القدر:

أراد الأشاعرة هنا أن يوفقوا بين الجبرية والقدرية فجاءوا بنظرية الكسب وهي في مآلها جبرية خالصة؛ لأنها تنفي أي قدرة للعبد أو تأثير، أما حقيقتها النظرية الفلسفية فقد عجز الأشاعرة أنفسهم عن فهمهما فضلا عن إفهامها لغيرهم ولهذا قيل:

معقولة تدنوا إلى الأفهام

مما يقال ولا حقيقة تحته

عند البهشمى وطفرة النظام

الكسب عند الأشعري والحال

ولهذا قال الرازي الذي عجز هو الآخر عن فهمها: "إن الإنسان مجبور في صورة مختار".

ص: 425

أما البغدادي فأراد أن يوضحها فذكر مثالا لأحد أصحابه في تفسيرها شبّه فيه اقتران قدرة الله بقدرة العبد مع نسبة الكسب إلى العبد "بالحجر الكبير قد يعجز عن حمله رجل ويقدر آخر على حمله منفردا به فإذا اجتمعا جميعا على حمله كان حصول الحمل بأقواهما، ولا خرج أضعفهما بذلك عن كونه حاملا"!!

وعلى مثل هذا المثال الفاسد يعتمد الجبرية وبه يتجرأ القدرية المنكرون؛ لأنه لو أن الأقوى من الرجلين عذب الضعيف وعاقبه على حمل الحجر فانه يكون ظالما باتفاق العقلاء، لأن الضعيف لا دور له في الحمل، وهذه المشاركة الصورية لا تجعله مسؤولا عن حمل الحجر.

والإرادة عند الأشاعرة معناها "المحبة والرضا"وأوّلوا قوله تعالى: {وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ} بأنه لا يرضاه لعباده المؤمنين! فبقي السؤال واردا عليهم: وهل رضيه للكفار أم فعلوه وهو لم يرده؟.

وفعلوا بسائر الآيات مثل ذلك.

ومن هذا القبيل كلامهم في الاستطاعة، والحاصل أنهم في هذا الباب خرجوا عن المنقول والمعقول ولم يعربوا عن مذهبهم فضلا عن البرهنة عليه!! .

السابع: السببية وأفعال المخلوقات:

يُنكر الأشاعرة الربط العادي بإطلاق وأن يكون شيء يؤثر في شيء وأنكروا كل "باء سببية"في القرآن، وكفّروا وبدّعوا من خالفهم ومأخذهم فيها هو مأخذهم في القدر، فمثلا عندهم: من قال: "إن النار تحرق بطبعها أوهي علة الإحراق فهو كافر مشرك؛ لأنه لا فاعل عندهم إلا الله مطلقا حتى أن أحد نحاة الأندلس من دولة الموحدين التومرتية الأشعرية هدم "نظرية العامل"عند النحاة مدَّعيا أن الفاعل هو الله!!

ومن قال عندهم: إن النار تحرق بقوة أودعها الله فيها فهو مبتدع ضال، قالوا: إنّ فاعل الإحراق هو الله ولكن فعله يقع مقترنا بشيء ظاهري مخلوق، فلا ارتباط عندهم بين سبب ومسبب أصلا، وإنما المسألة اقتران كاقتران الزميلين من الأصدقاء في ذهابهما وإيابهما.

ومن متونهم في العقيدة:

للواحد القهار جل وعلا

ص: 426

والفعل في التأثير ليس إلا

فذاك كفر عند أهل الملة

ومن يقل بالطبع أو بالعلة

فذاك بدعي فلا تلتفت

ومن يقل بالقوة المودعة

والغريب أن هذا هو مذهب ما يسمى المدرسة الوضعية من المفكرين الغربيين المحدثين ومن وافقهم من ملاحدة العرب، وما ذاك إلا لأن الأشاعرة والوضعيين كلاهما ناقل عن الفكر الفلسفي الإغريقي.

الثامن: الحكمة الغائبة:

ينفي الأشاعرة قطعا أن يكون لشيء من أفعال الله تعالى علة مشتملة على حكمة تقضي إيجاد ذلك الفعل أو عدمه، وهذا نص كلامهم تقريبا، وهو رد فعل لقول المعتزلة بالوجوب على الله حتى أنكر الأشاعرة كل لام تعليل في القرآن وقالوا إن كونه يفعل شيئا لعلة ينافي كونه مختارا مريدا. وهذا الأصل تسميه بعض كتبهم "نفي الغرض عن الله" ويعتبرونه من لوازم التنزيه، وجعلوا أفعاله تعالى كلها راجعة إلى محض المشيئة ولا تعليق لصفة أخرى- كالحكمة مثلا- بها، ورتبوا على هذا أصولا فاسدة كقولهم بجواز أن يخلد الله في النار أخلص أوليائه ويخلد في الجنة أفجر الكفار، وجواز التكليف بما لا يطاق ونحوها.

وسبب هذا التأصيل الباطل عدم فهمهم ألا تعارض بين المشيئة والحكمة أو المشيئة والرحمة. ولهذا لم يثبت الأشاعرة الحكمة مع الصفات السبع واكتفوا بإثبات الإرادة مع أن الحكمة تقتضي الإرادة والعلم وزيادة حتى أن من المعاصرين من أضافها مثل سعيد حوى.

التاسع: النبوات:

ص: 427

يختلف مذهب الأشاعرة عن مذهب أهل السنة والجماعة في النبوات اختلافا بعيدا، فهم يقرّرون أن إرسال الرسل راجع للمشيئة المحضة - كما في الفقرة السابقة - ثم يقررون أنه لا دليل على صدق النبي صلى الله عليه وسلم إلا المعجزة، ثم يقرّرون أن أفعال السحرة والكُهّان من جنس المعجزة لكنها لا تكون مقرونة بادعاء النبوة والتحدي، قالوا: ولو ادّعى الساحر أو الكاهن النبوة لسلبه الله معرفة السحر رأسا وإلا كان هذا إضلالا من الله وهو يمتنع عليه الإضلال

…

إلى آخر ما يقررونه مما يخالف المنقول والمعقول، ولضعف مذهبهم في النبوات مع كونها من أخطر أبواب العقيدة إذ كل أمورها متوقفة على ثبوت النبوة أغروا أعداء الإسلام بالنيل منه واستطال عليهم الفلاسفة والملاحدة.

والصوفية منهم كالغزالي يفسرون الوحي تفسيراً قرمطياً فيقولون: "هو انتقاش العلم الفائض من العقل الكلي في العقل الجزئي".

أما في موضوع العصمة فينكرون صدور الذنب عن الأنبياء ويؤوِّلون الآيات والأحاديث الكثيرة تأويلا متعسّفا متكلّفا كالحال في تأويلات الصفات.

العاشر: التحسين والتقبيح:

ص: 428

ينكر الأشاعرة أن يكون للعقل والفطرة أيّ دور في الحكم على الأشياء بالحسن والقبح ويقولون: مردّ ذلك إلى الشرع وحده، وهذا رد فعل مغال لقول البراهمة والمعتزلة: إن العقل يوجب حسن الحسن وقبح القبيح، وهو مع منافاته للنصوص مكابرة للعقول، ومما يترتب عليه من الأصول الفاسدة قولهم: إن الشرع قد يأتي بما هو قبيح في العقل فإلغاء دور العقل بالمرة أسلم من نسبة القبح إلى الشرع مثلا، ومثلوا لذلك بذبح الحيوان فإنه إيلام له بلا ذنب وهو قبيح في العقل ومع ذلك أباحه الشرع، وهذا في الحقيقة هو قول البراهمة الذين يحرمون أكل الحيوان، فلما عجز هؤلاء عن رد شبهتهم ووافقوهم عليها أنكروا حكم العقل من أصله وتوهموا أنهم بهذا يدافعون عن الإسلام. كما أن من أسباب ذلك مناقضة أصل من قال بوجوب الثواب والعقاب على الله بحكم العقل ومقتضاه.

الحادي عشر: التأويل:

ومعناه المبتدع: "صرف اللفظ عن ظاهره الراجح إلى احتمال مرجوح لقرينة"، فهو بهذا المعنى تحريف للكلام عن مواضعه كما قرَّر ذلك شيخ الإسلام.

وهو أصل منهجي من أصول الأشاعرة وليس هو خاصا بمبحث الصفات بل يشمل أكثر نصوص الإيمان، خاصة ما يتعلق بإثبات زيادته ونقصانه وتسمية بعض شعبه إيمانا ونحوها، وكذا بَعض نصوص الوعد والوعيد، وقصص الأنبياء، خصوصا موضوع العصمة، وبعض الأوامر التكليفية أيضا.

وضرورته لمنهج عقيدتهم أصلها أنه لما تعارضت عندهم الأصول العقلية التي قرروها بعيدا عن الشرع مع النصوص الشرعية وقعوا في مأزق رد الكل أو أخذ الكل فوجدوا في التأويل مهربا عقليا ومخرجا من التعارض الذي اختلقته أوهامهم ولهذا قالوا إننا مضطرون للتأويل وإلا أوقعنا القرآن في التناقض. وإنّ الخلف لم يؤوِّلوا عن هوى ومكابرة وإنما عن حاجة واضطرار؟ فأي تناقض في كتاب الله يا مسلمون نضطر معه إلى رد بعضه أو الاعتراف للأعداء بتناقضه؟.

ص: 429

وقد اعترف الصابوني بأن في مذهب الأشاعرة "تأويلات غريبة"فما المعيار الذي عرف به الغريب من غير الغريب؟

وهنا لابد من زيادة التأكيد على أن مذهب السلف لا تأويل فيه لنص من النصوص الشرعية إطلاقا ولا يوجد نص واحد - لا في الصفات ولا غيرها - اضطر السلف إلى تأويله ولله الحمد، وكل الآيات والأحاديث التي ذكرها الصابوني وغيره تحمل في نفسها ما يدل على المعنى الصحيح الذي فهمه السلف منها والذي يدل على تنزيه الله تعالى دون أدنى حاجة إلى التأويل.

أما التأويل في كلام السلف فله معنيان:

1 ـ التفسير كما تجد في تفسير الطبري ونحوه "القول في تأويل هذه الآية"أن تفسيرها.

2 ـ الحقيقة التي يصير إليها الشيء كما في قوله تعالى: {هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْلُ} أي تحقيقها، وقوله:{يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ} أي تحقيقه ووقوعه.

أما التأوّل فله مفهوم آخر: راجع الحاشية.

وإن تعجب فاعجب لهذه اللفظة النابية التي يستعملها الأشاعرة مع النصوص وهي أنها "توهم"التشبيه ولهذا وجب تأويلها، فهل في كتاب الله إيهام أم أن العقول الكاسدة تتوهم والعقيدة ليست مجال توهم.

فالعيب ليس في ظواهر النصوص -عياذا بالله- ولكنه في الأفهام بل الأوهام السقيمة. أما دعوى أن الإمام أحمد استثنى ثلاثة أحاديث وقال لابد من تأويلها فهي فرية عليه افتراها الغزالي في (الإحياء وفيصل التفرقة) ونفاها شيخ الإسلام سندا ومتنا.

ص: 430

وحسب الأشاعرة في باب التأويل ما فتحوه على الإسلام من شرور بسببه فإنهم لما أوَّلوا ما أوّلوا تبعتهم الباطنية، واحتجت عليهم في تأويل اَلحلال والحرام والصلاة والصوم والحج والحشر والحساب، وما من حجة يحتج بها الأشاعرة عليهم في الأحكام والآخرة إلا احتجّ الباطنية عليهم بمثلها أو أقوى منها من واقع تأويلهم للصفات. وإلا فلماذا يكون تأويل الأشاعرة لعلو الله الذي تقطع به العقول والفطر والشرائع تنزيها وتوحيدا، وتأويل الباطنية للبعث والحشر كفرا وردة؟ .

أليس كل منهما ردّاً لظواهر النصوص مع أن نصوص العلو أكثر وأشهر من نصوص الحشر الجسماني؟. ولماذا يكفّر الأشاعرة الباطنية ثم يشاركونهم في أصل من أعظم أصولهم؟

الثاني عشر: السمعيات:

يقسم الأشاعرة أصول العقيدة بحسب مصدر التلقي إلى ثلاثة أقسام:

1ـ قسم مصدره العقل وحده وهو معظم الأبواب، ومنه باب الصفات، ولهذا يسمون الصفات السبع "عقلية"وهذا القسم هو"ما يحكم العقل بوجوبه"دون توقف على الوحي عندهم.

2ـ قسم مصدره العقل والنقل معا كالرؤية -على خلاف بينهم فيها-، وهذا القسم هو"ما يحكم العقل بجوازه استقلالا أو بمعاضدة الوحي".

3ـ قسم مصدره النقل وحده وهو السمعيات أي المغيبات من أمور الآخرة كعذاب القبر والصراط والميزان، وهو عندهم: مالا يحكم العقل باستحالته لكن لو لم يرد به الوحي لم يستطع العقل إدراكه منفردا، ويدخلون فيه التحسن والتقبيح والتحليل والتحريم.

ص: 431

والحاصل أنهم في صفات الله جعلوا العقل حاكما، وفى إثبات الآخرة جعلوا العقل عاطلا، وفى الرؤية جعلوه مساويا. فهذه الأمور الغيبية نتفق معهم على إثباتها لكننا نخالفهم في المأخذ والمصدر، فهم يقولون عند ذكر أيّ أمر منها نؤمن به لأن العقل لا يحكم باستحالته ولأن الشرع جاء به ويكرِّرون ذلك دائما، أما في مذهب أهل السنة والجماعة فلا منافاة بين العقل والنقل أصلا، ولا تضخيم للعقل في جانب وإهدار في جانب، وليس هناك أصل من أصول العقيدة يستقل العقل بإثباته أبداً، كما أنه ليس هناك أصل منها لا يستطيع العقل إثباته أبدا.

فالإيمان بالآخرة وهو أصل كل السمعيات ليس هو في مذهب أمل السنة والجماعة سمعيا فقط بل إن الأدلة عليه من القرآن هي في نفسها عقلية كما أن الفطر السليمة تشهد به فهو حقيقة مركوزة في أذهان البشر ما لم يحرفهم عنها حارف. لكن لو أن العقل حكم باستحالة شيء من تفصيلاته -فرضا وجدلا- فحكمه مردود وليس إيماننا به متوقفا على حكم العقل. وغاية الأمر أن العقل قد يعجز عن تصوره أما أن يحكم باستحالته فغير وارد ولله الحمد.

الثالث عشر: التكفير:

التكفير عند أهل السنة والجماعة حق لله تعالى لا يطلق إلا على من يستحقه شرعا ولا تردد في إطلاقه على من ثبت كفره بشروطه الشرعية.

أما الأشاعرة فهم مضطربون اضطرابا كبيرا فتارة يقولون: "نحن لا نكفّر أحدا"، وتارة يقولون:"نحن لا نكفِّر إلا من كفّرنا"، وتارة يكفّرون بأمور لا تستوجب أكثر من التفسيق أو التبديع، وتارة يكفّرون بأمور لا توجب مجرد التفسيق، وتارة يكفّرون بأمور هي نفسها شرعية ويجب على كل مسلم أن يعتقدها.

فأما قولهم: "لا نكفّر أحدا"فباطل قطعا؛ إذ في المنتسبين إلى الإسلام فضلا عن غيرهم كفّار لاشك في كفرهم، وأما قولهم:"لا نكفّر إلا من كفّرنا"فباطل كذلكَ؛ إذ ليس تكفير أحد لنا بمسوِّغ أن نكفِّره إلا إذا كان يستحق ذلك شرعا.

ص: 432

وأما تكفير من لا يستحق سوى التبديع فمثل تصريحهم في أغلب كتبهم بتكفير من قال: "إن الله جسم لا كالأجسام"وهذا ليس بكافر بل هو ضال مبتدع؛ لأنه أتى بلفظ لم يرد به الشرع، والأشاعرة تستعمل ما هو مثله وشر منه. وأما تكفير من لا يستحق حتى مجرد الفسق أو المعصية فكما مرّ في الفقرة السابعة من تكفيرهم من قال:"إن النار علة الإحراق والطعام علة الشبع".

وأما التكفير بما هو حق في نفسه يجب اعتقاده فنحو تكفيرهم لمن يثبت علو الله ومن لم يؤمن بالله على طريقة أهل الكلام، وكقولهم:"إن الأخذ بظواهر النصوص من أصول الكفر"كقولهم: "إنّ عبادة الأصنام فرع من مذهب المشبهة"ويعنون بهم أهل السنة والجماعة.

ومن شواهد تكفير بعضهم قديما وحديثا لشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم حسبك ما في كتب الكوثري وتلميذه مؤلف براءة الأشعريين.

الرابع عشر: الصحابة والإمامة:

من خلال استعراض لأكثر أمهات كتب الأشاعرة وجدت أن موضوع الصحابة هو الموضوع الوحيد الذي يتفقون فيه مع أهل السنة والجماعة وقريب منه موضوع الإمامة. ولا يعني هذا الاتفاق التام بل هم مخالفون في تفصيلات كثيرة، لكنها ليست داخلة في بحثنا هنا؛ لأن غرضنا -كما في سائر الفقرات- إنما هو المنهج والأصول.

الخامس عشر: الصفات:

والحديث عنها يطول وتناقضهم وتحكمهم فيها أشهر وأكثر، وكل مذهبهم في الصفات مركب من بدع سابقة وأضافوا إليه بدعا أحدثوها فأصبح غاية في التلفيق المتنافر.

ولن أتحدث عن هذا الباب هنا لأنني التزمت ببيان الأصول التي خالفوا فيها أهل السنة والجماعة عدا الصفات. أما مخالفتهم في الصفات فمعروفة، وإن كان كثير من أسس نظرياتهم فيها يحتاج لتجلية ونسف. ولعل هذا ما يكون في الرد المتكامل بإذن الله.

هل بقي شك؟

ص: 433

بعد هذه المخالفات المنهجية في أبواب العقيدة كلها، وبعد هذا التميّز الفكري الواضح لمذهب الأشاعرة، إضافة إلى التميّز التاريخي هل بقى شك في خروجهم عن مذهب أهل السنة والجماعة الذي هو مذهب السلف الصالح؟.

لا أظن أيّ عارف بالمذهبين ولو من خلال ما سبق هنا يتصور ذلك.

ومع هذا فسوف أضيف فوارق منهجية أخرى وضوابط في علم الفرق والمقالات لا يشك في صدقها مطَّلع بل سأكتفي بفارق واحد وضابط واحد:

فارق منهجي نموذجي: التناقض ومكابرة العقل:

ليس هناك مذهب أكثر تناقضا من مذهب الأشاعرة اللهم إلا مذهب الرافضة، لكن الرافضة كما قال الإمام أحمد:"ليست الرافضة من الإسلام في شيء"، وكما قال شيخ الإسلام:"إن الرافضة قوم لا عقل لهم ولا نقل"، أما هؤلاء فيدّعون العقل ويحكَّمونه في النقل ثم يتناقضون تناقضا يبرأ منه العقل، ويخلو مذهب أهل السنة والجماعة من أدنى شائبة منه ولله الحمد، وكما سيلاحظ القارئ هنا يرجع معظم تناقضهم إلى كونهم لم يسلّموا للوحي تسليما كاملا، ويعرفوا للعقل منزلته الحقيقية وحدوده الشرعية، ولم يلتزموا بالعقل التزاما واضحا، ويرسموا منهجا عقليا متكاملا كالمعتزلة والفلاسفة بل خلطوا وركبوا فتناقضوا واضطربوا.

وإليك أمثلة سريعة للتناقض ومكابرة العقل:

1-

قالوا: "إنه لا يجوز أن يرى الأعمى بالمشرق البقعة بالأندلس".

2-

قالوا: "إن الجهة مستحيلة في حق الله"ثم قالوا بإثبات الرؤية، ولهذا قيل فيهم:"من أنكر الجهة وأثبت الرؤية فقد أضحك الناس على عقله".

ص: 434

3-

قالوا: "إن لله سبع صفات عقلية يسمونها (معاني) هي: "الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام"، ولم يكتفوا بهذا التحكّم المحض، بل قالوا: "إن له سبع صفات أخرى يسمونها (معنوية) وهي "كونه حيا، وكونه عالما، وكونه قادرا، وكونه مريدا، وكونه سميعا، وكونه بصيرا، وكونه متكلما"ثم لم يأتوا في التفريق بين المعاني والمعنوية بما يستسيغه عقل، بل غاية ما قالوا:"إن هذه الأخيرة أحوال فإذا سألتهم ما الحالي؟ قالوا: "صفة لا معدومة ولا موجودة

…

"

4-

قالوا: "إنه لا أثر لشيء من المخلوقات في شيء، ولا فعل مطلقا"، ثم قالوا:"إن للإنسان كسبا يجازى لأجله، فكيف يجازى على مالا أثر له فيه مطلقا"(راجع فقرتي: السادس والسابع) .

5-

قالوا: بنفي الحكمة والتعليل في أفعاله الله مطلقا، ثم إنّ الله يجعل لكل نبي معجزة لأجل إثبات صدق النبي فتناقضوا بين ما يسمُّونه (نفي الحكمة والغرض) وبين إثبات الله للرسول تفريقا بينه وبين المتنبئ.

6-

قالوا: بأن أحاديث الآحاد مهما صحَّت لا يبنى عليها عقيدة ثم أسَّسوا مذهبهم وبنوه في أخطر الأصول والقضايا (الإيمان، القرآن، العلو) على بيتين غير ثابتين عن شاعر نصراني- الأخطل- هما:

جعل اللسان على الفؤاد دليلا

(1)

إن الكلام لفي الفؤاد وإنما

من غير سيف ودم مهراق

(2)

قد استوى بشر على العراق

7-

قالوا: بأن رفع النقيضين محال -وهو كذلك- محتجين بها في مسائل، ثم قالوا في صفة من أعظم وأبيَنِ الصفات (العلو) : "إنّ الله لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوقه ولا تحته ولا عن يمينه ولا عن شماله

…

"وقالوا عن الأحوال: هي صفات لا معدومة ولا موجودة فرفعوا النقيضين معا.

ص: 435

8-

قالوا: "إن العقل يقدَّم على النقل عند التعارض، بل العقل هو الأصل، والنقل إن وافقه قُبِل وإن خالفه رد أو أوّل"، ثم قالوا:"إن العقل لا يحسّن شيئا ولا يقبحه "، فجعلوا -مثلا- نصوص علو الله معارضة للقواطع العقلية في حين جعلوا قبح الزنا والكذب مسألة سمعيه

…

9-

قالوا: "إنّ تأويل آيات الصفات واجب يقتضيه التنزيه وتأويل آيات الحشر والأحكام كفر يخرج من الملة"

…

أما من دعا غير الله أو ذبح له واستغاث به أو تحاكم إلى الطاغوت فلم يتعرضوا لذكره أصلا.

10-

قالوا: "إن من قال: إن النار تحرق بطبعها كافر مشرك، ومن أنكر علو الله على خلقه موّحد منزّه".

11-

جزموا بأن من لم يبلغه الشرع غير مؤاخذ بإطلاق، وردّوا أو أوّلوا النصوص في ذلك. ثم قالوا:"إن على كل مكلف -وان كان مولودا من أبوين مسلمين في ديار الإسلام وهو يظهر الإسلام- عليه إذا بلغ سنّ التكليف أن ينظر في حدوث العالم ووجود الله"، فإن مات قبل النظر أو في أثنائه اختلفوا في الحكم بإسلامه، وجزم بعضهم بكفره.

هذا غيض من فيض من تناقضهم مع أصولهم ومكابرتهم للعقل السليم، ومن أراد الاستزادة والتفصيل فليراجع التسعينية لشيخ الإسلام ابن تيمية.

وهناك قضية بالغة الخطورة لاسيما في هذا العصر وهى الأخطاء العلمية عن الكون التي تمتلئ بها كتب الأشاعرة والتي يتخذها الملاحدة، وسيلة للطعن في الإسلام وتشكيك المسلمين في دينهم.

من ذلك ما حشده صاحب المواقف في أول كتابه من فصول طويلة عن الفلك والحرارة والضوء والمعادن وغيرها مما قد يكون ذا شأن في عصره لكنه اليوم أشبه بأساطير اليونان أو خرافات العجائز.

ص: 436

ومن ذلك قول البغدادي: "إن أهل السنة أجمعوا على وقوف الأرض وسكونها". واستدل على ذلك في كتابه أصول الدين "بمعنى اسم الله الباسط"قال: "لأنه بسط الأرض وسماها بساطا خلاف زعم الفلاسفة والمنجمين أنها كروية" ، ومثله صاحب المواقف الذي أكد أنها مبسوطة وأن القول بأنها كرة من زعم الفلاسفة.

ورحم الله شيخ الإسلام ابن تيمية ما كان أعظمه حين قال:

"والخطأ فيما تقوله المتفلسفة في الإلهيات والنبوات والمعاد والشرائع أعظم من خطأ المتكلمين.

وأما فيما يقولونه في العلوم الطبيعية والرياضية فقد يكون صواب المتفلسفة أكثر من صواب من رد عليهم من أهل الكلام، فإن أكثر أهل الكلام في هذه الأمور بلا علم ولا عقل ولا شرع".

ضابط من ضوابط معرفة الفرق واختلافها:

من المعلوم لدى الباحثين في الفرق واختلافها أن لكل فرقة أساسا منهجيا تتفق عليه طوائفها وترجع إليه أصولها وقواعدها، ومن خالف فيه خرج عن انتسابه لها، ومن لم ينطبق عليه لم يدخل فيها.

فمثلا كل من قال بالأصول الخمسة فهو معتزلي، وكل من قال:"إن الإنسان مجبور على أفعاله فهو جبري"، وكل من قال:"إن الإيمان هو المعرفة أو التصديق فهو مرجئ"، وكل من قال بالكلام النفسي والكسب فهو أشعري

…

إلى آخر ما هو معروف.

وهذا ضابط منهجي يحدّد به الباحث الفرقة والانتماء إليها.

وبتطبيق هذا الضابط الذي لا خلاف في تحديده يتبين قطعا أن المرجئة والقدرية والمعتزلة ليسوا من أهل السنة والجماعة وهذا ما تقوله الأشاعرة ولا تخالف فيه.

ومن الثابت عن كثير من السلف وعليه جرى المصنفون في الفرق والمقالات من أهل السنة والأشاعرة أن أصول الفرق الثنتين وسبعين الخارجة عن أهل السنة والجماعة أربع "القدرية، والشيعة، والخوارج، والمرجئة".

فنقول بعد ذلك:

إذا كان المرجئ والقدري ليسا من أهل السنة فما حكم من جمع بين الإرجاء والقدر أو الإرجاء والجبر أو جمع بين أصول المعتزلة وقول الرافضة؟.

ص: 437

أيكون هذا من أهل السنة والجماعة؟ أم أكثر بعدا عنهم؟.

والجواب الطبيعي معروف. وعليه نقول:

1ـ إذا كانت المرجئة الخالصة (أي التي لم تخلط بالإرجاء شيئا من البدع في الصفات أو غيرها) ليست هي أهل السنة والجماعة ولا منهم، فكيف يكون حال الأشاعرة الذين جاءوا بالإرجاء كاملا، وزادوا عليه بدعاً أخرى في أبواب العقيدة الأخرى كما مر سابقا.

2-

إذا كانت الجبرية الخالصة ليست هي أهل السنة والجماعة ولا منهم فكيف يكون حال الأشاعرة الذين جاءوا بالكسب (الذي اعترف كثير منهم بأنه جبر وإن لم يكن جبرا فهو بدعة على أي حال) وزادوا عليه كما سبق.

أضف إلى هذا أن كل ذم للصوفية فللأشاعرة منه نصيب لأن أكثر أئمة الصوفية المنحرفين كالغزالي وابن القشيري كانوا أشاعرة

…

3-

هل يرضى الأشاعرة أن يقال عنهم معتزلة فإن قالوا: لا وهو المتوقع قلنا: وأهل السنة والجماعة لا يرضون أن يقال عنهم أشاعرة أبدا، فإن خالفونا قلنا: تعالوا لنقيس نحن وأنتم المسافة بينكم وبيننا، وبينكم وبين المعتزلة، وعندها ترون أنكم أقرب إليهم منكم إلينا وإن كنتم أقرب إلينا منهم.

4-

لو أن أيّ باحث في الفرق يعرف أصولها وضوابط تحديدها اطلع على كتب فرقة من الفرق أو علم من الأعلام فوجدها مملوءة شتما وتضليلا وتبديعا وتكفيراً لفرقة معينة فهل يجوز له أن يكتب في بحثه أن هذه الفرقة وتلك سواء أو أن هذه جزء من هذه، وهل يقبل هذا منه أي أستاذ للفرق والمذاهب؟.

بل لو سمعت أحداً من العامة يشتم طائفة من الناس فقلت له: أنت منهم، أفيرضى بهذا أم يعتبره شتما له؟.

فما القول إذن في الأشاعرة الذين تمتلئ كتبهم بشتم وتضليل وتبديع أهل السنة والجماعة، وأحيانا بتكفيرهم أيصح بعد هذا أن نقول إنهم منهم؟.

وإن أردت التأكد فاسأل أي أشعري ما المراد بقول الرازي أو الجويني أو الإيجي

…

الخ. (الحشوية، المجسمة، النابتة، مثبتو الجهة، القائلون بأن الحوادث تحل في الله

…

الخ) .

ص: 438

إن الأجوبة كلها بديهية ولكن ماذا نصنع وقد ابتلينا بمن ينكر البديهيات.

أيهما الفرقة الناجية؟

قد أوضحنا فيما سبق أن أهل السنة والجماعة والأشاعرة فرقتان مختلفتان، وهذا يستلزم تحديد أيهما الفرقة الناجية؟.

وما أوضح هذا التحديد وأسهله، لكن مكابرة بعض الأشاعرة بادّعاء أن الأشاعرة وأهل السنة والجماعة كلاهما ناج يجعلنا نبدأ بإلقاء سؤال عن الفرقة الناجية:

أهي فرقة واحدة أم فرقتان؟

والجواب: مع بداهته لكل ذي عقل- مفروغ منه نصا، فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في روايات كثيرة لحديث افتراق هذه الأمة على ثلاث وسبعن فرقة: أنها كلها في النار إلا واحدة.

وما قال صلى الله عليه وسلم ولا أحد من أصحابه ولا تابعيهم أنها اثنتان. وعليه جاء تفسير قوله تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} أن الطريق المستقيم: هو السنة، والسبل: هي الأهواء، وما هو إلا طريق واحد كما خط النبي صلى الله عليه وسلم بيده.

وعلى هذا سارت كتب الفرق- السني منها والبدعي- فهي تقرران الفرقة الناجية واحدة ثم تدّعي كل فرقة أنها هي هذه الواحدة.

بقى إذن أن يقال:

ما هي صفة هذه الفرقة وعلامتها؟

والجواب أنه جاء في بعض روايات الحديث نفسه - من طرق يقوي بعضها بعضا- أنها "ما أنا عليه وأصحابي" ومعناها قطعا صحيح، ولا تخالف فيه الأشاعرة بل في الجوهرة:

وكل شر في ابتداع من خلف

وكل الخير اتباع من سلف

فنقول لهم إذن:

ص: 439

أكان مما عليه النبي- صلى الله عليه وسلم وأصحابه وسلف الأمة: تقديم العقل على النقل أو نفى الصفات ما عدا المعنوية والمعاني، أو الاستدلال بدليل الحدوث والقدم، أو الكلام عن الجوهر والعرض والجسم والحال

…

أو نظرية الكسب، أو أن الإيمان هو مجرد التصديق القلبي، أو القول بأن الله لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوقه ولا تحته، أو الكلام النفسي الذي لا صيغة له، أو نفي قدرة العبد وتأثير المخلوقات، أو إنكار الحكمة والتعليل

…

إلى آخر ما في عقيدتكم؟

إننا نربأ بكل مسلم أن يظن ذلك أو يقوله.

بل نحن نزيدكم إيضاحا فنقول:

إن هذه العقائد التي أدخلتموها في الإسلام وجعلتموها عقيدة الفرقة الناجية بزعمكم، هي ما كان عليه فلاسفة اليونان ومشركو الصابئة وزنادقة أهل الكتاب.

لكن ورثها عنهم الجهم بن صفوان وبشر المريسي وابن كلاب، وأنتم ورثتموها عن هؤلاء، فهي من تركة الفلاسفة والابتداع وليست من ميراث النبوة والكتاب.

ومن أوضح الأدلة على ذلك أننا ما نزال حتى اليوم نرد عليكم بما ألّفه أئمة السنة الأولون من كتب في الردود على "الجهمية"كتبوها قبل ظهور مذهبكم بزمان، ومنهم الإمام أحمد والبخاري وأبو داود والدارمي وابن أبي حاتم

…

فدل هذا على أن سلفكم أولئك الثلاثة وأشباههم مع ما زدتم عليهم وركبتم من كلامهم من بدع جديدة.

على أن المراء حول الفرقة الناجية ليس جديدا من الأشاعرة فقد عقدوا لشيخ الإسلام ابن تيمية محاكمة كبرى بسبب تأليفه "العقيدة الواسطية"وكان من أهم التهم الموجهة إليه أنه قال في أولها: "فهذا اعتقاد الفرقة الناجية

…

".

إذ وجدوا هذا مخالفا لما تقرر لديهم من الفرقة الناجية هي الأشاعرة والماتريدية

وكان من جواب شيخ الإسلام لهم أنه أحضر أكثر من خمسين كتابا من كتب المذاهب الأربعة وأهل الحديث والصوفية والمتكلمين كلها توافق ما في الواسطية وبعضها ينقل إجماع السلف على مضمون تلك العقيدة.

وتحدّاهم- رحمه الله قائلا:

ص: 440

"قد أمهلت كل لمن خالفني في شيء منها ثلاث سنين فإن جاء بحرف واحد عن أحد من القرون الثلاثة

…

يخالف ما ذكرت فأنا أرجع عن ذلك".

قال: "ولم يستطع المتنازعون مع طول تفتيشهم كتب البلد وخزائنه أن يخرجوا ما يناقض ذلك عن أحد من أئمة الإسلام وسلفه".

فهل يريد الأشاعرة المعاصرون أن نجدِّد التحدِّي ونمدد المهلة أم يكفى أن نقول لهم ناصحين:

إنه لا نجاة لفرقة ولا لأحد في الابتداع، وإنما النجاة كل النجاة في التمسك والاتباع

…

إن السفينة لا تجري على اليبس

ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها

من أهل القبلة لا من أهل السنة:

تبين مما تقدم أن الأشاعرة فرقة من الثنتين وسبعين فرقة وأن حكم هذه الفرق الثنتين وسبعين هو:

1ـ الضلال والبدعة.

2ـ الوعيد بالنار وعدم النجاة.

وهذا مثار جدل كبير ولغط كثير ممن يجهلون منصب أهل السنة والجماعة في الوعد والوعيد إذ ما يكادون يسمعون هذا حتى يرفعوا عقيرتهم بأننا ندخل الأشاعرة النار ونحكم عليهم بالخروج من الملة -عياذا بالله-.

ونحن نقول إنه لا يصح تفسير ألفاظ أو إطلاقات مذهب السلف في الوعد والوعيد إلا من خلال أقوالهم هم وعلى الذين يجهلونه أن يستفصلوا قبل أن يتسرّعوا بادّعاء التكفير.

وهذا موجز لمذهب السلف في ألفاظ الوعيد ونصوصه:

1ـ فمن ألفاظ الوعيد "الضلال"وهو ليس مرادفا للكفر بإطلاق إلا عند من يجهلون أوضح بدهيات العقيدة، فإذا أطلق على أحد من القبلة فالمراد به المعصية في الاعتقادات كما أن لفظ "الفسق"يطلق على المعصية في الأعمال.

مع أن الضلال والفسق يطلقان على الكفر أيضا كما في قوله تعالى: {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً} ، وقوله:{وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَاّ الْفَاسِقُونَ} .

ص: 441

لكن إذا كانت كلمة الكفر نفسها تطلق في الأحاديث ولا يراد بها الكفر الأكبر المخرج من الملة كما في قوله صلى الله عليه وسلم في الصحيح: "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" فكيف بلفظتي الفسق والضلال اللتين دون ذلك في الوعيد.

والقرآن- على الصحيح- لم يأت فيه إطلاق الكفر إلا على الكفر الأكبر المخرج من الملة، أما الضلال فورد فيه بمعنى الانحراف عن الحق والصواب مطلقا غير وروده بمعنى الكفر كما سبق.

ومن ذلك قوله تعالى: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً} . ومعلوم أنه ليس كل عاص كافرا.

وقوله تعالى عن أصحاب الجنة المذكورين في سورة القلم: {فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ} ، وهم لم يشهدوا على أنفسهم بالكفر.

وقوله تعالى: {أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى} أي تخطئ فتذكرها الأخرى.

والحاصل أن قولنا إن الأشاعرة فرقة ضالة يعني أنها منحرفة عن طريق الحق ومنهج السنة، ولا يعني مطلقا خروجها عن الملة وأهل القبلة، وهذا يتضح بالفقرة التالية:

2ـ نصوص الوعيد ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: "كلها في النار إلا واحدة" لها منهجها المنضبط في مذهب السلف عند الإطلاق وعند التعيين.

فنحن نعلم جميعا أن الله توعد قاتل النفس التي حرم الله والزاني وآكل مال اليتيم بالنار بصريح القرآن لكن هل يعني هذا أن كل قاتل وزان وآكل مال يتيم يدخل النار قطعا، وأننا لو رأينا أحدا منهم بعينه يجوز لنا أن نعتقد دخوله النار؟

ليس هذا من مذهب السلف أبدا، وإنما مذهب السلف أن هذه النصوص تبيّن وتقرّر حكم من فعل هذه الذنوب أما تحقق هذا الحكم فيه وتطبيق الوعيد وتنفيذه فيه فهو متوقف على شروط لابد من تحققها وموانع لابد من انتفائها.

ص: 442

فقد يقتل الرجل نفسا مؤمنة متأوِّلاً مجتهداً -كما كان من اقتتال الصحابة رضي الله عنهم ويكون هذا الذنب في حقه مثل النقطة السوداء في بحر من الحسنات وأعمال التقوى.

وقد يقتله ظالماً معتدياً وليس له رصيد من الخير يكفِّر عنه هذا الجرم.

فليس هذان عند الحكيم الخبير سواء، وليس حكمهما في مذهب السلف واحدا.

وكذلك الفرق بين زانٍ وزانٍ، شارب خمر وآخر، وسارق وسارق، وآكل مال يتيم ومثله

…

وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم لعن شارب خمر، ومع هذا صح عنه النهي عن لعن الصحابي الذي شربها وجلده الحد فلعنه بعضهم فنهاه وشهد له بأنه يحب الله ورسوله.

فحب الله ورسوله في هذا المعيَّن مانع من تحقق الحكم المطلق فيه وهو الوعيد لشارب الخمر في الدنيا والآخرة.

وهكذا معاملة أهل القبلة في مجال العقيدة.

فإن أصحاب المناهج والفرق البدعية منهم من هو على الحد الأدنى منها وله مع ذلك علم وعبادة وجهاد وإخلاص في نصرة الدين، ومنهم من يكون رأسا في البدعة داعيا إليها بقصد وسوء نية بل وربما تكون هذه البدعة مجرد ستار لعقائد أخبث يضمرها في نفسه.

فمع اشتراك هذين في أصل المنهج وشمول الاسم لهما معا وتناول الوعيد المطلق لكل منهما يظل الفرق بينهما حقيقة قائمة لاشك فيها.

فالمنهج له حكمه والأفراد كلٌ بحسب حاله، وتقويم الفكرة في ذاتها غير تقويم حامليها كل على حدة.

حتى منهج السلف نفسه يتفاوت أصحابه فيه جدا فمنهم من هو في غاية التمسك به قولا وعملا واعتقادا ودعوة ومنهم من هو على الحد الأدنى منه.

بل نحن نقول إن بعض المنتسبين أو المنسوبين إلى مناهج بدعية ليس منهم أصلا ولكنه متوهم يحسب أنهم على الحق وإن الانتساب إليهم لا ضير فيه مع أنه لا يوافقهم في مذهبهم لو عرفه حق معرفته، أو أنهم مخطئون في نسبته لمذهبهم، ولو فتشنا لما وجدنا فيه مما يدعون شيئا.

ص: 443

ولهذا كانت هذه الأمة- ولله الحمد- أكثر أهل الجنة مع أن الفرقة الناجية منها واحدة فقط، وما هذا إلا لأن المعدودين حقا من الفرق الثنتين وسبعين لا يساوون بالنسبة لسلف الأمة وخلفها إلا نزراً يسيراً، أما من اتبعهم عن جهل أو خطأ أو حسن نية أو تأثر بهم دون أن يشعر فله حكم آخر. والله تعالى حكم قسط ورحمته أوسع وفضله أعظم.

والحاصل أن أحكام الآخرة ومنازل الناس فيها خاضعة لأمر أحكم الحاكمين وأعدلهم، أما نحن في الدنيا مأمورون أن نحكم على كل منهج أو فرد بما حكم الله به عليه من غير إفراط ولا تفريط ونتقيد بالضوابط التي جاءت في مذهب السلف.

قال شيخ الإسلام رحمه الله في مناظرته للأشاعرة والماتريدية أثناء المحاكمة التي أشرنا إليها:

"فأجبتهم عن الأسئلة:

بأن قولي اعتقاد الفرقة الناجية، هي الفرقة التي وصفها النبي صلى الله عليه وسلم بالنجاة حيث قال:"تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، اثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة وهي من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي".

فهذا الاعتقاد (يعنى ما في الواسطية) هو المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه- رضي الله عنهم وهم ومن اتبعهم الفرقة الناجية؛ فإنه قد ثبت عن غير واحد من الصحابة بالأسانيد أنه قال: "الإيمان يزيد وينقص"، وكل ما ذكرته في ذلك فإنه مأثور عن الصحابة بالأسانيد الثابتة لفظه ومعناه، وإذا خالفهم من بعدهم لم يضر في ذلك.

ثم قلت لهم: وليس كل من خالف في شيء من هذا الاعتقاد يجب أن يكون هالكا.

فإن المنازع قد يكون مجتهدا مخطئا يغفر الله خطأه، وقد لا يكون بلغه في ذلك من العلم ما تقوم به عليه الحجة، وقد يكون له من الحسنات ما يمحو الله به سيئاته.

بل موجب هذا الكلام أن من اعتقد ذلك نجا في هذا الاعتقاد، ومن اعتقد ضده فقد يكون ناجيا، كما يقال:"من صمت نجا"."ا. هـ.

وقال في الإيمان:

ص: 444

"وكذلك سائر الثنتين وسبعن فرقة، من كان منهم منافقا فهو كافر في الباطن، ومن لم يكن منافقا بل كان مؤمنا بالله ورسوله في الباطن لم يكن كافرا في الباطن وإن أخطأ في التأويل كائنا ما كان خطؤه، وقد يكون في بعضهم شعبة من شعب النفاق ولا يكون فيه النفاق الذي يكون صاحبه في الدرك الأسفل من النار.

ومن قال: إن الثنتين وسبعين فرقة كل واحد منهم يكفر كفرا ينقل عن الملة فقد خالف الكتاب والسنة وإجماع الصحابة -رضوان الله عليهم أجمعين- بل وإجماع الأئمة الأربعة، وغير الأربعة، فليس فيهم من كفّر كل واحد من الثنتين وسبعن فرقة، وإنما يكفّر بعضهم بعضا (من تلك الفرق) ببعض المقالات، كما قد بسط عليهم في غير موضع"ا. هـ.

ولهذا نجد أن من كفّر الجهمية من السلف مثل ابن المبارك ووكيع أخرجوهم من الثنتين وسبعين فرقة وألحقوهم بالسبئية والغرابية وأمثالها.

وحتى في المناهج الجامعية نجد أن كليات أصول الدين مثل كليتي مكة والمدينة حاليا تفصِّل بين الفرق الخارجة عن الإسلام وبين الفرق الأخرى.

فالأمر واضح لا لبس فيه إلا عند المعاندين أو المعذورين من غير المتخصصين. وكيف يكون عند الأشاعرة لبس في موقف أهل السنة والجماعة منهم وهم يقفون نفس الموقف من المعتزلة فهم يصفونها بالضلال في كتبهم ولا يقولون أن هذا يعنى إخراجهم من الملة، فمن حقنا أن نلزمهم من واقع كتبهم.

وإذا تقرر هذا تبين أنه لا مبرر لمطالبة الأشاعرة بإدخالهم في أهل السنة والجماعة بدعوى أن هذا يجنّبهم تهمة الخروج من أهل القبلة؛ لأن ذلك يعني هدم هذه القاعدة كلها إذ لو أدخلناهم لأدخلنا غيرهم حتى لا يبقى من تلك الفرق الثنتين وسبعن فرقة إلا دخلت، وهذا ليس في أيدينا ولا في يد بشر إنما نحن متبعون لا مبتدعون.

ص: 445

أما باب الدخول الحقيقي فمفتوح على مصراعيه فمن الذي منعهم أن يرجعوا إلى عقيدة أهل السنة والجماعة التي هي عقيدة القرون الثلاثة والأئمة الأربعة وسائر أئمة الهدى في هذه الأمة المعصومة؟

وهذا خير لهم في الدنيا والآخرة من بقائهم على بدعتهم وتفاخرهم بأنهم أقرب الفرق لأهل السنة والجماعة، وقد سمعت هذا التفاخر من بعضهم، فعجبت لمن يعرف الحق ويفتخر بقربه منه ثم لا يكون من أهله ودعاته.

ولكن لله في خلقه شؤون

…

وأخيرا: كلمة التوحيد أساس توحيد الكلمة:

ونأتي أخيرا إلى الشعار الذي اتخذه القوم ستارا للطعن في عقيدة السلف سراً وجهراً حتى إذا قام أحد يردّ عنها السهام صاحوا في وجهه: "لا تفرّق كلمة المسلمين، إنّ وحدة الكلمة أهم من هذه القضايا، لماذا تثير خلافات عفى عليها الزمان واندثرت؟ لماذا الاهتمام بالقشور والشكليات؟ ".

والحق أنه لو سكت كل أعداء الحق عن محاربته -ولن يسكتوا أبداً- لما جاز لنا أن نسكت عن بيانه للناس ودعوتهم إليه، فكيف يجوز أن نسكت وهو يُحَارب والذي يطالبنا بالسكوت هو المحارِب المهاجم.

هذه الأمة الممزّقة المقطّعة الأوصال يراد منا أن نسكت عن بيان طريق الخلاص لها وندعها تتخبط في ظلمات البدع حتى لا نفرِّقها بزعمهم، وكأن القوم لا يعلمون ما الذي فرّقها بعد أن كانت مجتمعة. إن دعوى تقديم توحيد الكلمة على كلمة التوحيد مصادمة للحق من جهة ولسنن الله في الحياة من جهة أخرى:

وأمام القائلين بها خياران لا ثالث لهما:

1ـ إما أن يلتزموا تعميم هذا الحكم على كل من انتسب للإسلام وعليه فلا يجوز أن نثير أو نبحث خلافاً أو نكتب رداً على أيّ فرقة تدّعي الإسلام كالقَاديانية والبهائية والدروز والنصيرية والروافض والبهرة والصوفية الحلولية وسائر الطَوائف الكافرة بل ندعوها جميعاً إلى جمع الصف ووحدة الكلمة لمحاربة الشيوعية والصهيونية وما منها إلا من هو مستعد لذلك إن صدقا وإن كذبا.

ص: 446

ومن لوازم هذا -على كلامهم- حرق أو إخفاء كتب عقيدة الأشاعرة لأنها تثير الخلاف مع المعتزلة وغيرهم فهي إذن تمزّق الصف وتشتّت الكلمة بل هي كما يعلم الصابوني وأمثاله تشتم أهل السنة والجماعة وهم أكثر المسلمين، ومما يجب إعدامه أيضا مقالات الصابوني نفسها لأنه كرّر فيها حكمه بالتضليل للخوارج والرافضة وهذا بلا شك يُغضِب الشيعة والإباضية فهو-على كلامه- قد فرّق كلمة المسلمين أيّما تفريق!!

2ـ وإما أن يقولوا: كلا، لا يعم هذا الحكم كل المنتسبين للإسلام بل لابد من بيان كفر وضلال تلك الفرق وليس في ذلك تفريق ولا تمزيق، وإنما نريد توحيد صف أهل السنة والأشاعرة أو الفرق التي ليست ضالة ولا منحرفة!!

فنقول لهم حينئذ:

أولا: قد نقضتم قاعدتكم بأنفسكم فلا ترفعوا هذا الشعار إلا مقيَّداً مشروطاً إن كنتم صادقين، لكن أخبرونا بأيِّ معيار من معايير العدل تريدون السكوت عن إثارة الخلاف مع هذه وتحكمون بعدم ضلالها، ووجوب إثارته مع تلك وتحكمون بعدم ضلالهما، ووجوب إثارته مع تلك وتحكمون بضلالها؟! أنهاجم الإباضية ونتآخى مع الرافضة مثلا أم العكس؟ أو نشنّع على الرافضة ونصمت عن الصوفية؟ أم ماذا؟ ما هو المعيار؟ وهل هناك حقا فرق ضالة فأخبروني ما هو الضلال إذن؟

…

قد تقولون: "نتعاون جميعا فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه ".

فنقول:

ص: 447

إنه ما من فرقة ظهرت على الأرض تدّعي الإسلام إلا ونحن متفقون معها على أشياء ومختلفون على أشياء، حتى القاديانية نتفق معَها على الإيمان بالله وصحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم والإيمان بالآخرة وتعظيم القرآن، وهم يعلنون محاربة الشيوعية والصهيونية وغير ذلك، فإذا عذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه مثل نبوة أحمد القادياني ونسخ شريعة محمد صلى الله عليه وسلم ونحوهما، فماذا تكون النتيجة؟ وهل ترضون ذلك أم نعود من جديد للمطالبة بالمعيار الذي به نرد القاديانية ونقبل غيرها مع إشراك الكل في أصل الضلال والانحراف.

إن سلمتم أنّ كل ضال لابد من بيان ضلاله وأن المسلمين لن يجتمعوا إلا على الحق فقد بيّنا لكم- وما نزال مستعدِّين لمزيد بيان- أن الأشاعرة فرقة ضالة عن المنهج الصحيح، فهاهي ذي إذن الفرصة الذهبية لتوحيد المسلمين، وهي أن يعلن الأشاعرة في كل مكان رجوعهم إلى مذهب السلف ومنهج الحق وحينئذ يتحقق هذا الحلم الرائع الجميل.

فإن لم تفعلوا فاعلموا أن غيركم أبعد عن الإجابة؛ لأنكم أنتم أقرب الفرق إلينا وترفضون فما بالكم بالبعيدين، فلا تناقضوا أنفسكم إذن وترفعوا شعار الوحدة وأنتم أول من يعاديه ويأباه، وتعلمون منافاته لسنة الله في المبتدعة والزائغين الذين أشربوا في قلوبهم البدعة بضلالهم. واعلموا أن هذا الشعار إن صلح في موقف سياسي أو حركي معيَّن فهو عن المبادئ والأصول أبعد شيء.

ثانيا: إن دعوتمونا إلى أن نتحد نحن وأنتم فقط ضد سائر الفرق كالخوارج والرافضة وغيرها، وضد الشيوعية ومن شايعها، قلنا: قد سهل الخطب إذن، لكن لابد لكم من بيان منطلق التوحيد وموقعه وذلك بان تلتزموا بوضوح بأحد قولين:

1ـ إما أنكم أنتم وحدكم أهل السنة والجماعة ولكن تقبلون التوحد معنا تنازلا وتفضُّلا على ما فينا بزعمكم من "تشبيه وتجسيم وحشو وكفر وضلال".

ص: 448

2ـ وإما أنكم لستم من أهل السنة والجماعة ولكن تريدون التوحد معهم طالبين منهم التنازل والتفضّل بقبولكم على ما فيكم من بدعة وضلالة.

فإذا حدّدتم أحد الموقعين أمكن بعد ذلك عرض موضوعكم إما على أصول العقيدة وقواعدها إن اخترتم الأول وإما على ضوابط المصلحة وحدودها الشرعية إن أقررتم بالآخر، فأمامكم الخيار وإنا لفي الانتظار.

أما أن نظلّ نحن وأنتم مختلفين متصارعين منذ أيام أحمد بن حنبل وابن كلاب ثم أيام البربهاري والأشعري ثم أيام الشريف أبى جعفر وابن القشيري ثم أيام عبد القادر الجيلايى وأبي الفتوح الاسفرائيني ثم أيام شيخ الإسلام والسبكي ثم أيام محمد بن عبد الوهاب ومعاصريه منكم، ثم أيام المعلمي والكوثري ثم أيام الألباني وأبي غدة وأخيرا إلى الفوزان والصابوني

…

وبعد هذا كله ومعه تقولون إننا وإياكم فرقة واحدة ومنهج واحد فهذا مالا يعقله عقل ولا يصدِّقه تاريخ.

غير أننا لابد أن نذكِّر بحقيقة كبرى هي أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قد قال: "ستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة"وهذا الخبر الصادق لا يمكن معه اختصار الفرق إلى سبعين ولا إلى سبع فضلا عن واحدة، فالخير إذن كل الخير أن يبحث الإنسان عن الحق ويعتقده ويدعو إليه وإن خالفته الدنيا كلها، وأن يجتنب الضلال ويدعو إلى نبذه ولو داهنه أصحابه كلهم، هذا هو الذي سار عليه رسل الله، وأمر به الله فلا تصادموا سنة الله وتخالفوا منهج رسله.

والحمد لله رب العالمين

…

---

(1)

وانظر أيضا ص 156من الجزء نفسه. وهذا الكلام المنقول من ص 158 لابد أن الصابوني قرأه؛ لأنه استشهد بكلام بعده في ص 167 من الفتوى.

ص: 449

(1)

قائلها هو أبو محمد الجوينى والد أبو المعالي (توفى440) وقد رجع في آخر عمره إلى عقيدة السلف وشهد له بذلك شيخ الإسلام في مواضع، وكتب في توبته "النصيحة"المطبوعة مع المجموعة المنيرية وطبعها المكتب الإسلامي معزوة إلى ابن شيخ الحزاميين وهو خطأ. ومناسبة فتواه هذه هي صدور مراسيم سلطانية بلعن أصحاب البدع - ومنهم االأشاعرة - على المنابر، انظر المنتظم لابن الجوزي حوادث سنة 433 وما بعدها.

(2)

وهي أول رسالة في المجلد الخامس من الفتاوي الكبرى (الطبعة الطويلة) وهي تشمل الجزء الخامس كله من الطبعة التي قدم لها مخلوف، وسمعت أنها تحقق بجامعة الإمام عام وهى جديرة بالعناية.

(3)

مجموع الفتاوى: 6/ 359.

(4)

وانظر عن القدامى: الرد الوافر على من زعم أن ابن تيمية شيح الإسلام كافر، وكتاب الحصني: دفع شبهة من شبّه وتمرّد. وللعلم فبعض هذه الكتب المعاصرة باسم مستعار، وممن اعترف بموقفهم من شيخ الإسلام الشيخ محمد أبو زهرة في كتابه ابن تيمية (ص 56)، ومن ذلك قول صاحب حواشي على شرح الكبرى للسنوسي قوله:"ابن تيمية

…

أي الحنبلي المشهور زنديق وبغضه للدين وأهله لا يخفى" (ص 62) وانظر في كتاب وهبى غاوجبى أركان الإيمان (ص 297 ـ 299) .

(5)

ج 2 ص 163 تحقيق محمد رشاد سالم.

(6)

انظر شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، اللالكائي، تحقيق الأخ أحمد بن سعد بن حمدان 1/157-165.

(7)

جامع بيان العلم وفضله 17/2 1 تحقيق عثمان محمد عثمان، وهو في 2/96 سن الطبعة المنيرية.

(8)

توفي ابن سريج سنة 306، انظر تاريخ بغداد 4/ 290، وسير أعلام النبلاء14/201، والظاهر أنه توفي قبل رجوع الأشعري لمذهب السلف، والأشعري توفي 324 أو 330 على قولين. وانظر عقيدة ابن سريج في اجتماع الجيوش الإسلامية 62.

ص: 450

(1)

التسعينية: 238 - 239 وانظر شرح الأصفهانية: 31 من ج 5 من الفتاوى الكبرى نفسها، وانظر عن الكرجي وعقيدته: إجتماع الجيوش الإسلامية ومختصر العلو، وله ترجمة في طبقات الشافعية لابن السبكي وطبقات الشافعية لابن كثير.

(2)

يلاحظ أن كلاً من الشافعية والحنابلة يدّعى الهروي لمذهبهم، ورجّح شيخ الإسلام أنه يأخذ من كليهما ويتبع الأثر. انظر (شيخ الإسلام عبد الله الهروي ص96)، وقوله فيهم نقله في التسعينية: 277 عن كتاب ذم الكلام وهو يحقق بجامعة الإمام كما قرأت. وانظر أيضا عن موقف الشافعية درء التعارض 2/106.

(3)

انظر غير ما ذكر سير أعلام النبلاء ترجمة بشر 10/200 - 201، والحموية: 14 - 15 طبعة قصى الخطيب.

(4)

انظر المنتظم لابن الجوزي أحداث سنة: 433، 469، 475، وغيرها ج8 وج9.

(5)

ص81 - 89 و105 ـ 109.

(6)

ومنها شرح الباجوري - أو البيجوري - على الجوهرة 1/82، طبعة محمد علي صبيح.

(7)

انظر الاستقامة:105 وتبين كذب المفتري ابن عساكر410 بتحقيق الكوثري.

(8)

بل إن متكلِّمي الأشاعرة الذين ينفون العلو بكل جرأة ويستندون إلى شبهات كثيرة، تجد في خبايا كلامهم إقراراً به دون أن يشعروا؛ لأن مغالبة الفطرة من أصعب الأمور، فالرازي مثلاً - مع إنكاره الشديد للعلو في (التأسيس والتفسير) قال في التفسير:"إنّ الله خسف بقارون فجعل الأرض فوقه ورفع محمداً صلى الله عليه وسلم فجعله قاب قوسين تحته". 1/248. ط: بيروت.

(9)

ترجمة الرازي: 4/ 426، والآمدي: 6/ 134.

(10)

انظر فتح الباري: 1/ 46، 3/357-361، 13/347 ـ 350.

(11)

انظر فتح الباري 1 /46، 3/357- 361، 13/347 350

(12)

المصدر السابق: 13/ 253، 259، 407، وغيرها كثير.

(13)

وقد رأينا في واقعنا المعاصر علماء فضلاء وافقوا الاشتراكيين أو الديمقراطيين أو القوميين في أشياء للأسباب نفسها. ولم يعدهم أحد اشتراكيين أو قوميين.

ص: 451

(1)

انظر سير أعلام النبلاء: 15/90، مقابلة الأشعري لإمام السنة في عصره "البربهارى"انظر ترجمته في طبقات الحنابلة ورسالته القيمة في السنة التي ساقها صاحب الطبقات.

(2)

يلاحظ أن الدلائل النقلية تشمل نصوص الكتاب والسنة معا فكيف يقال إنها غير صحيحة دون تفريق بينهما، مع أن مجرد إطلاقها على السنة وحدها في غاية الخطورة.

(3)

هل وصلت قيمة نصوص الوحي إلى حد أن الاشتغال بتأويلها - الذي هو تحريف لها - يعتبر تبرعا وإحسانا؟!

(4)

انظر عن مصدر التلقي عندهم: درء تعارض العقل والنقل فهو كله رد عليهم، وقد استفتحه بذكر قانونهم الكلي في التعارض، أساس التقديس للرازي: 168_ 173، الشامل للجويني: 561، الإرشاد له: 359 _360، شرح الكبرى للسنوسي: 502، المواقف للإيجي: 39_40، مختصر الصواعق 33_ 258، مشكل الحديث لابن فورك: مقدمته وخاتمته، أصول الدين للبغدادي: 12، كبرى اليقينيان: محمد سعيد رمضان البوطي الإهداء 32 _33، الرسالة اللدنية للغزالي: 1/ 114_ 118 من مجموعة الفصور العوالي.

(5)

انظر الأبواب الأولى من أي كتاب في عقيدتهم، ومجموع الفتاوى:2/7_23 وأول شرح الاصبهانية. ويلاحظ أن تعمدهم استخدام كلمة (حادث) سببه أنهم لو قالوا: "مخلوق"لألزمهم الفلاسفة بأن هذا هو موضع النزاع ولا يستدل بالدعوى على نفسها في نظرهم، مع هذا فالفلاسفة يقولون: الكون قديم ولا نسلم أنه حادث، فالأشاعرة كما قال شيخ الإسلام:"لا للإسلام نصروا ولا للفلاسفة كسروا".

ص: 452

(1)

عن هذه الفقرة انظر: نهاية الإقدام للشهرستاني: 90، شرح الكبرى: 304، غاية المرام للآمدي: 149، كبرى اليقينيات: 92_93، الله جل جلاله: سعيد حوى: 131، أركان الإيمان لوهبي غاوجي:30. وبخصوص أول واجب والمعرفة الفطرية انظر: درء تعارض العقل والنقل ج 7، 8، 9 كلها، الإنصاف للباقلايى: 22، الإرشاد: 3، المواقف: 32-33، الشامل: 120، أصول الدين للبغدادي: 254_255، فتح الباري 3/357_361، 13/347 ـ 358.

(2)

انظر الإنصاف: 55، الإرشاد: 397، غاية المرام: 311، المواقف: 384، الإيمان لشيخ الإسلام: أكثره رد عليهم فلا حاجة لتحديد الصفحات، تبسيط العقائد الإسلامية لحسن أيوب: 29_33، كبرى اليقينيات:196.

(3)

مجموع الفتاوى

(4)

عن القرآن عندهم انظر: الإنصاف: 96_97 وما بعدها، الإرشاد: 128_137، أصول الدين: 107، الموافف: 293، شرح الباجوري على الجوهرة 64_66_84، متن الدردير 25 من مجموع مهمات المتون، التسعينية وقد استغرق موضوع الرد عليهم في القرآن أكثر مباحثها ومن أعظمها وأنفسها ما ذكره في الوجه السابع والسبعين فليراجع.

(5)

الإنصاف: 45 ـ 46 بهوامش الكوثري، الإرشاد: 187_ 203، أصول الدين: 133، نهاية الإقدام: 77، المواقف: 311، شفاء العليل: 259- ا 26 وغيرها.

(6)

المصادر السابقة في القدر، وشرح الكبرى: 184، شرح أم البراهين: 11،81،80 منظومة الدردير 240 وقد أفردناها عن القدر لأنهم يفردونها وقد يقدمونها باعتبارها من قضايا الكفر والإيمان!!.

وعن المدرسة الوضعية انظر "المنطق الوضعي"، زكي نجيب محمود فهو أحدهم.

ص: 453

(1)

انظر المواقف: 331، شرح الكبرى: 322_ 423، شرح أم البراهين 36، النبوات 163-.23، مجموع الفتاوى-: 16/299، وقد أطال ابن القيم في رد شبه الأشاعرة في شفاء العليل: انظر مثلا من 391 إلى 521، حيث رد عليهم من 36 وجهاً، ومنهاج السنة: 1/128 الطبعة القديمة، الله جل جلاله: 90 قد ذكر الحكمة ضمن الظواهر ولم يذكرها ضمن الصفات.

(2)

انظر الإرشاد: 306، 356، نهاية الإقدام: 461، أصول الدين: 176، المواقف: 359- 361، غاية المرام: 318، الرسالة اللدنية: 1: 114،118 (من مجموعة القصور العوالي) .

(3)

نهاية الإقدام: 370، شرح الكبر ى: 429، غاية المرام:234. المواقف 323، مجموع الفتاوى 8/432_ 436، التسعينية: 247.

(4)

نهاية الإقدام: 370، شرح الكبر ى: 429، غاية المرام:234. المواقف 323، مجموع الفتاوى 8/432_ 436، التسعينية: 247.

(5)

عن التأويل جملة انظر كتاب ابن فورك كاملا، والإنصاف:56. 165، وغيرها، والإرشاد: فصل كامل له، أساس التقديس: فصل كامل أيضا. وعن الثلاثة الأحاديث انظر: إحياء علوم الدين طبعة الشعوب: 1/ 179 والرد عليه في مجموع الفتاوى 5/398، وانظر كذلك 6/397،580 تنبيه حول التأويل: التأوّل الذي يذكره الفقهاء في باب البغاة وقد يرد في بعض كتب العقيدة لا سيما في موضوع التكفير والاستحلال هو غير التأويل المذكور هنا وإن كانت أكثر الكتب تسمِّيه تأويلا وهو في الحقيقة تأوُّلاً لأن الفعل الماضي منه "تأوًل".

ص: 454

فالتأوّل هو: وضع الدليل في غير موضعه باجتهاد أو هو شبه تنشأ من عدم فهم دلالة النص، وقد يكون المتأول مجتهدا مخطئا فيعذر، وقد يكون متعسّفا متوّها فلا يعذر، وعلى كل حال يجب الكشف عن حاله وتصحيح فهمه قبل الحكم عليه، ولهذا كان من مذهب السلف عدم تكفير المتأول حتى تقام عليه الحجة مثلما حصل مع بعض الصحابة الذين شربوا الخمر في عهد عمر متأولين قوله تعالى:{ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا} الآية. ومثل هذا من أوّل بعض الصفات عن حسن نية متأوِّلا قوله تعالى: {ليس كمثله شئ} فهو مؤوِّل متأوّل ولا يكفر، ولهذا لم يطلق السلف تكفير المخالفين في الصفات أو غيرها؛ لأن بعضهم أو كثير منهم متأوِّلون، أما الباطنية فلا شك في كفرهم لأن تأويلهم ليس له أي شبهة بل أرادوا هدم الإسلام عمداً بدليل أنهم لم يكتفوا بتأويل الأمور الاعتقادية بل أوَّلوا الأحكام العملية كالصلاة والصوم والحج. الخ

…

(1)

انظر الإرشاد: 358، 340، الإنصاف: 55، المواقف: 23، شرح الأصفهانية: 49، النبوات: 48، وانظر الجزء الثاني من مجموع الفتاوى 7- 27.

(2)

انظر المواقف: 392، ومصادر المبحث "السابع "، أساس التقديس: 16، 196، شرح الكبرى 62، أركان الإيمان: 298-299.

(3)

شرح الباجوري: 31، شرح الكبرى: 39، 210، 213، حاشية الدسوقي: 54- 70- 97، مصادر الموضوعات السابقة.

(4)

يعنى بهم الأشاعرة كعادته هو وبعض أصحابه، ولهذا يجب التفطن لمثل هذا عند النقل من كتبهم.

(5)

الفرق بين الفرق: 318.

(6)

انظر ص 124.

(7)

انظر المواقف: 199، 217، 219.

(8)

الرد على المنطقيين: 311.

(9)

ومن العجيب أن الماتريدية يخرجون الأشاعرة من أهل السنة ويدعونه لأنفسهم وهم أكثر فرقتين في الإسلام تقاربا واشتراكا في الأصول. انظر حاشية على لشرح العضدية: 38

ص: 455

أما ما يتعلق بالخلاف بين الأشاعرة والمعتزلة فهو برمته خلاف داخلي ضمن المدرسة العقلية التي هي مدرسة الهوى والبدعة، ولا بأس أن يستفيد أهل السنة من ردود الأشاعرة عليهم إذا كانت حقا.

(1)

انظر تفصيل المناظرة في مجموع الفتاوى ج 3.

(2)

انظر المصدر السابق: 169، 217.

(3)

انظر تفصيل ذلك في مجموع الفتاوى: 12/ 479- 501.

(4)

انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة الكلام عن حديث 204.

(5)

مجموع الفتاوى: 3/ 179.

(6)

ص 206.

ص: 456

إضطراب الناس في مسألة الكلام

مع بيان الحق الذي تدل عليه الأدلة وتشهد به الفطر السليمة

للشيخ عبد الكريم مراد

أستاذ مشارك بكلية الشريعة

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى.

وبعد: فهذا بيان موجز لأقوال الناس واضطرابهم في مسألة هي من أهم مسائل الدين وهي: مسألة الكلام مع بيان الحق الذي تدل عليه الأدلة وتشهد به الفطرة السليمة.

أقول وبالله التوفيق: الكلام والقول واحد، وهو في عرف الناس ولغاتهم اسم للفظ والمعنى معاً، فاللفظ بمفرده لا يسمى كلاماً ولا المعنى بمفرده كلاما إلا مع قرينة.

ولهذا تجد الكثيرين من المصنفين في أصول الفقه من جميع الطوائف من أتباع الأئمة الأربعة إذا تكلموا في الأمر والنهي ذكروا: أن الأمر والنهي هو اللفظ والمعنى معاً وخالفوا من قال: إن الأمر والنهي هو المعنى [1] قال الشيخ الموفق في روضة الناظر (2/63) : "وللأمر صيغة مبنية تدل بمجردها على كونها أمراً إذا تعرَّت عن القرائن وهي (إفعلْ) للحاضر و (لْيَفعل) للغائب، هذا قول الجمهور، وزعمت طائفة من المبتدعة أنه لا صيغة للأمر بناءً على خيالهم الفاسد: أن الكلام معنى قائم بالنفس، فخالفوا الكتاب والسنة واللغة والعرف.! "

وعلى هذا مضى السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ولم يكن بينهم أي نزاع في مسمى الكلام ومعناه. وهل يعقل أن ينازعوا فيما هو من أجلى الأمور عند الناس مثل الماء والنار والرأس واليد ونحو ذلك.

والكلام تكلم به الأولون والآخرون منذ خلقوا، وهل يقول عاقل: إنهم ما فهموا معنى الكلام ومسماه.

ولوترك الناس على فطرهم السليمة وعقولهم الصحيحة لم يقع بينهم نزاع في مثل ذلك من الضروريات ولكن الشياطين يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا فيَضلون ويُضلون غيرهم. ونعوذ بالله من فتن المضلِّين.

ص: 457

وإنما حصل النزاع في معنى الكلام ومسماه عند المتأخرين بعد ما حدثت البدع وكثرت بها الشبه والشكوك فمرضت القلوب وفسدت العقول وكثر القيل والقال.

فقال بعضهم: "الكلام حقيقة في اللفظ مجاز في المعنى تسمية المدلول باسم الدال"، وقال آخرون:"عكس ذلك".

وقيل: "يطلق الكلام على اللفظ والمعنى بطريق الاشتراك اللفظي"، وقيل:"حقيقة في كلام الناس؛ لأن لكلامهم حروفاً وأصواتاً تقوم بهم ومجاز في كلام الله عز وجل"[2] .

والصواب في ذلك هو ما ذكرناه آنفاً بأن الكلام: "مجموع اللفظ والمعنى فمسماه مركب".

الكلام من صفات الله تعالى:

قد تواتر عن الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام: أن الله تعالى متكلم موصوف بالكلام حيث أخبروا عن الله عز وجل بأنه: أمر بكذا ونهى عن كذا وأخبر بكذا، وكل ذلك من أقسام الكلام.

ووصف الله تعالى نفسه المقدسة بالكلام كما وصف نفسه بالعلم والقدرة والإرادة ونحو ذلك من صفات الكمال.

وصفاته جل وعلا لا تماثل صفات المخلوقين فهي صفات كمال تختلف عن صفات المحدثات كما تختلف ذاته المقدسة عن ذواتهم، ليس كمثله شيء.

وذلك أن المعاني والصفات التي تطلق على الخالق والمخلوق بالاشتراك لها اعتباران:

أـ اعتبار العموم والتجريد من الإضافة نحو: الحياة والعلم والقدرة والكلام، فهي بهذا الاعتبار مشتركة بين الخالق وبين المخلوق.

ولا يلزم من اشتراكهما في الأسماء والمعاني من حيث العموم وعدم الإضافة تشبيه ولا تمثيل؛ لأن هذا المشترك مطلق كلي لا وجود له في الخارج والواقع وإنما يفرضه الذهن، والذهن يفرض المحال.

ب- إعتبار الخصوص والتقييد والإضافة:

ص: 458

والإضافة تارة تكون إلى الرب جل جلاله نحو: وجود الله وحياة الله وكلام الله، فهذا المضَاف إليه سبحانه مختص به لا يَشْرَكه فيه أحد من خلقه، ولله المثل الأعلى. وتارة تكون الإضافة إلى العبد نحو: وجود العبد وحياته وعلمه وكلامه.

فهذا المضاف إلى العبد مختص به، والله تعالى منزه عن مشاركة العبد في صفاته وخصائصه، فالصفة تابعة للموصوف؛ فإن كان الموصوف بها هو الغني الحميد فصفاته كما يليق به، وإن كان الموصوف هو العبد الفقير فصفاته كما يليق بحاله من الفقر والحدوث والفناء [3] .

اختلاف الناس في حقيقة كلام الله تعالى:

قد تنازع الناس في حقيقة كلام الرب وتفرَّقوا واختلفوا بالأهواء بعد مضيّ خير القرون من الصحابة والتابعين لهم بإحسان.

قال عزّ من قائل: {وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} . (2: 176) .

1ـ وأبعد ما قيل في كلام الله سبحانه: "إنه فيض من المعاني يفيض من الملأ الأعلى على النفوس الشريفة بواسطة العقل أو غيره فيكسبها أنواعا من العلوم من تصورات وتصديقات بحسب استعداد تلك النفوس وقبولها لذلك الفيض". وهذا قول المتفلسفة القرامطة مثل: الفارابي وابن سينا والطوسي.

ويزعم هؤلاء الملاحدة أنّ موسى عليه السلام سمع كلام الله من سماء عقله أي كلّمه بكلام حدث في نفسه لم يسمعه من خارج، وأن أهل الرياضة والصفاء يصلون إلى ما وصل إليه موسى فيسمعون ما سمعه موسى كما سمعه موسى عليه السلام، ويرى هؤلاء أن لتلك النفوس قوتين:

أ - قوة التصور وبها تدرك من المعاني ما يعجز عنه غيرها.

ب - قوة التخييل وبها تستطيع أن تتصوّر المعقول في صورة المحسوس فتتخيل صوراً نورانية تخاطبها وتكلمها بكلام تسمعه الآذان.

ص: 459

وربما تقوى هذه القوة على إسماع ذلك لغيرها وعلى تشكيل تلك الصور النورانية لعين الرائي فيرى الملائكة ويسمع كلامهم وكل ذلك من الوهم والخيال.

وهؤلاء الملاحدة لما علموا أن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر عن الله تعالى بأنه قال: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً} قالوا مصانعين للمسلمين: "إن القرآن كلام الله وما جاء به الأنبياء كلام الله"، ولكن حقيقة كلام الله عندهم هو ما ذكرنا، فحرَّفوا نصوص الكتاب والسنة الدالة على كلام الله وتكليمه لعباده على طريقة إخوانهم في تحريف الكلم عن مواضعه.

والنبوّة عند هؤلاء مكتسبة، وحشر الأجساد عندهم مستحيل، والرب سبحانه لا يعلم الجزئيات، إلى غير ذلك من الكفر والضلال.

والذي قاد هؤلاء إلى هذا الكفر الصريح هو عدم إيمانهم بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وأخبر به عن الله تعالى وعن المعاد، ولكن لما بهرت عقولهم شمس الرسالة حتى شهد شاهد منهم بأنه لم يطرق العالم ناموس أفضل من هذا الناموس ولم يوافق ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم أصولهم الفاسدة وآراءهم الكاسدة أصبحوا حيارى نحو ذلك.

فمنهم من لم يؤمن بكثير من ذلك بل يشك فيه أو يكذبه، ومنهم من يقول:"إن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم تخييل للحقائق وأمثلة مضروبة لتقريبها إلى أفهام العامة، والأنبياء والرسل قد فعلوا ذلك للمصلحة". نعوذ بالله من ذلك.

هذه طريقة الفارابي الملقّب بالمعلّم الثاني لهم، وابن سينا الملقب بالشيخ الرئيس لهم، والطوسي الملقّب بالمحقّق عندهم من المتفلسفة في الإسلام.

يذكر الحافظ ابن القيم في النونية مذهب هؤلاء في كلام الله فيقول:

للمسلمين بإفكٍ ذي بهتان

وأتى ابن سينا القرمطي مصانعاً

الفعال علة هذه الأكوان

فرآه فيضاً فاض من عقل هو

حسن التخييل جيد التبيان

ص: 460

حتى تلقاه زكيّ فاضل

2ـ والقول الثاني في كلام الله تعالى قول أهل وحدة الوجود كابن عربي الطائي والصدر القونوي وحزبهما.

قالوا: "كل كلام في الوجود كلام الله تعالى نظماً كان أو نثراً، صدقاً كان أو كذباً ".

وقال عارفهم:

سواء علينا نثره ونظامه

كل كلام في الوجود كلامه

وهذا القول الذي لا يخفى فساده على كل من عنده مسكة عقل وهو فرع مذهبهم الفاسد وهو أن الله تعالى عين هذا الوجود وأن تلك الكثرة وهم وخداع من الحس لا حقيقة لها من الواقع.

ولازم هذا الهذيان والكفر الصريح أن كلام هذه المخلوقات وسائر صفاتها محمودة كانت أو مذمومةً هي عين كلام الله وصفاته إذ هي عينه. تعالى الله عما يقولون الظالمون علوا كبيرا.

ويصوّر لنا ابن القيم رحمه الله مذهب هؤلاء في نونيته بقوله:

طمت على ما قال كل لسان

وأتت طوائف الاتحاد بملة

الخلق من جن ومن إنسان

قالوا كلام الله كل كلام هذا

صدقا وكذبا واضح البطلان

نظما أو نثرا زوره وصحيحه

للمحصنات وكل نوع أغان

فالسب والشتم القبيح وقذفهم

وسائر البهتان والهذيان

والنوح والتعزيم والسحر المبين

وكلامه حقا بلا نكران

هو عين كلام الله جل جلاله

وعليه قام مكسح البنيان

هذا الذي أدى إليه أصلهم

عين الوجود وعن ذي الأكوان

إذ أصلهم أن الإله حقيقة

وصفاته ما ههنا قولان.

فكلامها وصفاتها هو قوله

3 ـ والقول الثالث قول نفاة الصفات من جهمية ومعتزلة.

قالوا: "الرب متكلم بكلام حرف وصوتُ يخلق ذلك في بعض مخلوقاته".

فكلامه عندهم مخلوق كسائر المخلوقات.

ص: 461

يقول القاضي عبد الجبار المعتزلي في كتابه المغني في التوحيد والعدل (7/3) : "اختلف الناس في كلام الله تعالى والذي عليه شيوخنا: أن كلام الله عز وجل من جنس الكلام المعقول في الشاهد، وهو حروف منظومة وأصوات مقطعة، وهو عرض يخلقه الله تعالى في بعض الأجسام على وجه يسمع ويفهم معناه، يؤدِّي الملِك ذلك المعنى إلى الأنبياء عليهم السلام بحسب ما يأمر به الله عز وجل ويعلمه صلاحاً".

ويقول في القرآن الكريم (7/ 224) : "إن الله خلق القرآن وأحدثه لمصالح العباد".

وهذا القول الفاسد فرع أصلهم الفاسد وهو النفي المجمل: "أن الله تعالى ليس محلا للحوادث ولا يقوم به وصف ولا فعل".

فجرَّدوه سبحانه مما وصف به نفسه ووصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم من صفات الكمال.

ومن لوازم هذا القول الفاسد في مسألة الكلام أن يكون الله تعالى متكلما بكل كلام يحدثه في الجمادات أو يخلقه في الحيوانات حقا كان أو باطلا، صدقا كان أو كذبا، وقد طرد ذلك الاتحادية. تعالى الله عن ذلك كله.

وجرّ هذا القول الفاسد قائليه إلى القول: "إن إضافة الكلام إلى الله تعالى إضافة تشريف مثل: بيت الله وناقة الله ونحو ذلك".

وبطلان ذلك لا يخفى على ذي البصيرة؛ وذلك لأن الإضافة إلى الرب تعالى نوعان:

أـ إضافة معان وصفات نحو: حياة الله وعلمه وقدرته وكلامه ونحو ذلك، فهذه من إضافة الصفة إلى الموصوف، ولا يقال في إضافة شيء من صفاته إليه تعالى إضافة تشريف إذ صفاته سبحانه ليست خارجة عن مسمى اسمه، بل يمتنع وجود ذاته بدون صفاته اللازمة لها وإن كان الذهن يفرض ذاتاً وحدها وصفة وحدها.

ب ـ إضافة ذوات وأعيان نحو: عبد الله وبيت الله وأرض الله ونحو ذلك، فهذه من إضافة المخلوق إلى خالقه جل ذكره.

وإضافة المخلوق إلى الخالق نوعان:

ص: 462

1 ـ إضافة عامة لا تشريف فيها، وذلك أن يضاف إليه سبحانه شيء من المخلوقات نظراً لكونه مخلوقاً مربوباً له سبحانه.

فهذا المعنى العام موجود في جميع المخلوقات من غير فرق بين مخلوق وآخر، ولك بهذا الاعتبار أن تقول في إبليس عليه اللعنة: خلق الله ولا تشريف في ذلك.

2 ـ إضافة خاصة تقتضي التشريف والتكريم للمضاف إلى الله تعالى، وذلك أن يضاف إليه سبحانه شيء من المخلوقات لمعنى خاص يوجد في ذلك المخلوق يحبه الله به ككونه نبياً وكون الكعبة قبلة للمسلمين، فإذا قيل في أحد أنبياء الله: عبد الله أو قيل في الكعبة الشريفة: بيت الله، فهذه إضافة تشريف.

وعلم بذلك أن إضافة المخلوق إلى الخالق لا تكون إضافة تشريف على وجه الإطلاق.

وأول من علم منه إنكار التكليم والمخالفة هو جعد بن درهم في أوائل القرن الثاني للهجرة، وشدد عليه في النكير علماء التابعين مثل الحسن البصري وغيره، وأفتوا بقتله فقتل بسبب ذلك قتله خالد بن عبد الله القسري أمير واسط بالعراق يوم الأضحى وقال للناس في خطبته:"أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضَحٍ بجعد بن درهم فإنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً ولم يكلم موسى تكليماً، تعالى الله عما يقول الجعد علواً كبيرا، ثم نزل فذبحه".

ثم تولى كبر هذه المقالة الشنعاء وهي مقالة تعطيل الأسماء والصفات بعد جعد ابن درهم تلميذه جهم بن صفوان السمرقندي، ونشرها فاشتهرت في الناس بمقالة الجهمية، وهذا الأخير لقي أيضاً مصرعه بسبب زيغه وزندقته.

ويذكر ابن القيم مذهب هؤلاء في النونية بقوله:

أيضاً فهم صنفان

والقائلون بمشيئة وإرادة

كمشيئة للخلق والأكوان

أحدهما جعلته خارج ذاته

التشريف مثل البيت ذي الأركان

قالوا: صار كلامه إضافة

والقول لم يسمع من الديّان

ص: 463

ما قال عندهم ولا هو قائل

بالغير كالأعراض والأكوان

فالقول مفعول لديهم قائم

فيها الشيوخ معلّموا الصبيان

هذي مقالة كل جهميّ وهم

4 ـ والرابع من الأقوال قول الكرّامية أتباع محمد بن كرام السجستاني المتوفى عام (255 هـ) قالوا: "كلام الله تعالى حروف وأصوات حادثة، تكلّم الله بها بمشيئة وقدرة بعد أن لم يكن متكلّما أي حدثت له صفة الكلام".

وفساد هذا القول ظاهِر حيث جعلوه تعالى في الأزل غير قادر على الكلام ثم جعلوا الكلام ممكناً له تعالى مقدوراً له من غير حدوث شيء أوجب القدرة والإمكان.

ويقول في النونية عن هؤلاء:

في ذاته فهم نوعان

والقائلون بأنه بمشيئته

نوعاً حذارِ تسلسل الأعيان

أحدهما جعلته مبدوءاً به

إثبات خالق هذه الأكوان

فيسد ذاك عليهم في زعمهم

5 ـ والخامس قول السالمية أتباع محمد بن أحمد سالم المتوفى عام (297) للهجرة.

قالوا: "كلام الله تعالى حروف وأصوات أزلية قديمة ولها معان تقوم بذات الرب تعالى".

ولا يخفى فساد هذا القول بمجرد تصوره.

6 ـ والسادس قول الكلاّبية والأشاعرة.

قالوا: "كلام الله تعالى معنى واحد قائم بذات الله لازم له لزوم الحياة والعلم والقدرة، أي صفة ذاتية لازمة غير مقدورة وليس لكلامه حرف ولا صوت يسمع".

وذلك المعنى الواحد هو الأمر والنهى والخبر والاستخبار وإن عُبرّ عنه بالعربية كان قرآنا، وإن عبر عنه بالعبرانية كان توراة، وإن عبر عنه بالسريانية كان إنجيلاً، فاختلفت العبارات لا المعنى.

قال سيف الدين الآمدي في كتابه "غاية المرام في علم الكلام"(88) : "ذهب أهل الحق من الإسلاميين إلى كون الباري تعالى متكلما بكلام قديم أزلي أحديّ الذات ليس بحروف ولا أصوات".اهـ.

ص: 464

وقال شارح المواقف (298) : "كلامه تعالى عندنا واحد وهو المعنى القائم بالنفس الذي يعبر عنه بالألفاظ. وأما انقسامه إلى الأمر والنهي والخبر والاستفهام والنداء فإنما هو بحسب التعلق، فذاك المعنى الواحد باعتبار تعلقه بشيء على وجه خاص يكون أمراً، وباعتبار تعلقه على وجه آخر يكون خبراً وهكذا البواقي". اهـ.

هذا الذي قاله الكُلَاّبية والأشاعرة في كلام الله عز وجل هو من أفسد ما قيل في كلامه سبحانه، وكلما تأمّل العاقل هذا القول تبين له فساده، وعلم مخالفته للكتاب والسنة وكلام سلف الأمة.

ومن اللوازم الفاسدة لهذا القول لا مفر لهم منها:

أـ إن القرآن المنزّل على خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم مخلوق فإنه كلام عربي مؤلف من حروف، وهؤلاء نفوا أن يكون لكلامه تعالى حرف.

ب ـ إن القرآن الكريم ليس كلام الله تعالى عندهم حقيقة.

ج ـ إن القرآن المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم هي التوراة المنزلة بالعبرية على موسى، وهو الإنجيل المنزل بالسريانية على عيسى عليهما السلام.

د ـ إن معنى قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} معنى قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} .

وهل يقول ذلك عاقل وهو يدري ما يقول؟.

ونفى الكُلاّبية والأشاعرة أن يكون كلام الرب يتعلق بمشيئته وقدرته زعماً منهم أنه لو كان مقدوراً ومراداً له لكان حادثا فيلزم على هذا قيام الحوادث بالرب سبحانه.

وقد وافق هؤلاء نفاة الصفات من جهمية ومعتزلة على أصلهم الفاسد وهو نفيهم المجمل "أن الله ليس محلا للحوادث"، ولكن فرقوا بين الصفات الذاتية وبين الصفات الاختيارية فقالوا: تقوم به تعالى الصفات الذاتية مثل الحياة والعلم والقدرة وجعلوا منها الكلام، وقالوا: لا يلزم من ذلك أي محذور لأنها صفات لازمة الذات.

ص: 465

ونفوا أن تقوم به تعالى الصفات الاختيارية مثل الاستواء والنزول والغضب والرضى ونحوها مما يتعلق بإرادته وقدرته فرارا من أن يلزم به سبحانه قيام الحوادث.

والجواب عن قولهم "ليس الرب تعالى محلا للحوادث"أن هذا لفظ مجمل لا يقبل على إطلاقه بل يفسر ويفصل كآلاتي:

فإن أريد بهذا النفي المجمل: أن الله تعالى ليس محلا للحوادث أي ليس داخل ذاته المقدسة شيء من المخلوقات المحدثة فهذا حق.

أو أريد بذلك نفي تجدد وحدوث صفاته فهو أيضاً حق لأن صفاته تعالى قديمة أزلية إذ هي صفات كمال وفقدها عيب ونقص لا يليق بالإله جل جلاله.

وإن أريد بهذا النفي المجمل "وهو مراد النفاة "نفي وإنكار ما وصف الله تعالى به نفسه وما وصفه رسوله صلى الله عليه وسلم فهو نفي مردود على قائله لأن المؤمن لا يخطر بباله أن الله تعالى قد يصف نفسه أو يصفه أعلم الخلق بالله وهو الرسول صلى الله عليه وسلم بكلام يكون ظاهره كفرا يجب تأويل ذلك.

بل جميع ما وصف الله به نفسه وما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم صفات كمال ظواهرها تليق بجلال الله تعالى تختلف عن الظواهر المشاهدة عند المخلوق كما تختلف ذاته عن ذواتهم. {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} .

وأول ما ظهر إنكار أن الله تعالى يتكلم بحرف وصوت في عهد أبي العباس المأمون بن هارون الرشيد الخليفة العباسي، وذلك أن نفاة الصفات من معتزلة وغيرهم قبل ذلك كانوا أذلاء مهانين فلما أدخلوا المأمون في مذهبهم وتأثر بآرائهم ظهر أمرهم ورفعوا رؤوسهم فعظمت الفتنة والمحنة وثبّت الله أهل الإيمان وورثة الأنبياء على ما ورثوا من الحق والقول الثابت، وعلم الناس سوء مذهب النفاة ومَا فيه من تعطيل الرب تعالى من صفات الكمال من الكلام وغيره، ظهر في ذلك الوقت رجل هو: أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب البصري المتوفى بعد سنة (240) للهجرة بقليل.

ص: 466

وأثبت الصفات مثل الحياة والعلم والقدرة والكلام ونحوها ونفى أن تكون صفات الله تعالى مخلوقة رداً على النفاة القائلين: "إنّ كلام الله مخلوق"، فقال:"إنّ كلام الله معنى واحد قائم بنفسه لازم له ليس له حرف ولا صوت".

فسلك مسلكا خالف فيه المعتزلة ولم يوافق أهل الحديث في جميع ما قالوه، وإنما قابل بدعتهم ببدعة، وردّ باطلهم بباطل.

وأنكر ذلك الإمام أحمد بن حنبل والبخاري وغيرهما من أئمة السنة الذين كانوا في زمنه وبعده.

يقول عبد الله بن أحمد: "قلت لأبي: يا أبت إنّ قوما يقولون: "إنّ الله تعالى لم يتكلّم بصوت "، فقال يا بنيّ: "هؤلاء الجهمية إنما يدورون على التعطيل يريدون أن يلبسوا على الناس بل تكلم بصوت

…

"

قال في النونية عن هؤلاء:

وإرادة منه فطائفتان

ثم الألى قالوا بغير مشيئة

بالنفس أو قالوا بخمس معان

إحداهما جعلته معنى قائما

تبديه معقولا إلى الأذهان

والله أحدث هذه الألفاظ كي

هي القرآن بل دلت على القرآن

وكذلك قالوا إنها ليست

المجاز وذاك وضع ثان

ولربما سمى بها القرآن تسمية

والحق في المسألة هو ما ذهب إليه أئمة السنة والحديث من أن الكلام صفة كمال لله عز وجل كسائر الصفات فهو لم يزل ولا يزال متكلما متى شاء وكيف شاء ولكلامه حرف وصوت يسمع، والكلام على هذا القول صفة ذات وفعل قديم النوع حادث الأفراد.

وذلك أن للكلام اعتبارين بالنسبة إلى المتكلم.

أـ كون الكلام صفة معنوية للمتكلم فبهذا الاعتبار يصح أن يقال: الكلام معنى قائم بنفس المتكلم وصفة قائمة بذاته، والصفة لا تقوم إلا بالموصوف.

ص: 467

ب ـ كون الكلام مسموعا من المتكلم إذا تكلم بحرف وصوت فهذه هي حقيقة الكلام الخارجية وهي بالنسبة إلى المتكلم من المخلوقين مشاهدة لا ينكرها إلا مكابر.

وبالنسبة إلى الخالق جل وعلا فقد دلت الأدلة على أن لكلامه سبحانه حرفاً وصوتاً فقد وصف نفسه بالقول والتكليم وبالمناداة في غير ما آيةٍ.

والنداء هو الصوت ويقال: ناداه مناداة ونداء أي صاح به.

واستفاضت الأحاديث من الرسول صلى الله عليه وسلم والآثار من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ومن بعدهم من أئمة السنة بأن الله تعالى ينادي بصوت ويتكلم بالوحي بصوت.

وكان أئمة السنة رضي الله عنهم يعدون من أنكر كلام الرب تعالى بصوت من الجهمية.

ومن تأمل نصوص الكتاب والسنة وكلام السلف لا يبقى عنده أي شك في ذلك ولا سيما أحاديث الشفاعة وحديث المعراج وأحاديث الرؤية وأحاديث الحساب وأحاديث تكليمه سبحانه ملائكته وأنبيائه ورسله وأهل الجنة إلى غير ذلك من الأحاديث.

ومن أحاط بها علما ومعرفة يقطع بان الله تعالى موصوف بالكلام على وجه يليق بكماله، وأن لكلامه سبحانه صوتا يسمع، بل الرب جل جلاله أحق بهذه الصفة وأولى من كل أحد.

مراجع البحث

1ـ الأعلام للزركلي.

2ـ الرسالة التدمرية لشيخ الإسلام ابن تيمية.

3ـ الرسالة الحموية لشيخ الإسلام ابن تيمية.

4ـ روضة الناظر لابن قدامه.

5ـ شرح العقيدة الطحاوية.

6ـ شرح المواقف.

7ـ غاية المرام في علم الكلام للآمدي.

8ـ فتح المجيد شرح كتاب التوحيد.

9ـ القصيدة النونية لابن القيم.

10ـ مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام.

11ـ مختصر الصواعق المرسلة لابن القيم.

12ـ المغني في التوحيد والعدل للقاضي عبد الجبار المعتزلي.

خلاق أمراء الصحابة

لما تم الصلح بين أمير جيوش المسلمين في فتح الشام وبين أحد قواد الروم، جاءه أمير الروم بطعام فاخر، وقال له:

ص: 468

"هذا طعام الأمير".

فقال له أبو عبيدة: "وأطعمتم الجند مثل هذا الطعام؟ ".

قالت: "لم يتيسر مثله للجند".

فقال أبو عبيدة:

"لا حاجة لنا فيما يقتصر علينا وحدنا من ألوان الطعام، وبئس المرء أبو عبيدة إن صحب جنداً من بلادهم أهرقوا دماءهم دونه، أو لم يهرقوا، فاستأثر عليهم بشيء يصيبه. لا والله لا نأكل إلا مما يأكلون".

--------------------------------------------------------------------------------

[1]

مجموع الفتاوى: (12/ 35/36)

[2]

شرح العقيدة الطحاوية.

[3]

مجموع الفتاوى (12/ 36) ، والتدمرية (44) .

ص: 469

نظامُ الإثبَات

في الفقه الإسلامي

[دراسة مقارنة]

للدكتور: عوض عبد الله أبو بكر

أستاذ مساعد بكلية الشريعة

(4)

الحكم بالفراسة والقرائن

أولا: الحكم بالفراسة:

من وسائل الإثبات المختلف فيها عند فقهاء الشريعة الحكم بالفراسة، وهل تصلح دليلا يعتمد عليه القاضي في بناء أحكامه، أم لا تصلح دليلا لبناء الأحكام القضائية. وقبل أن نعرض آراء الفقهاء ينبغي معرفة المقصود من الفراسة.

الفراسة لغة:

الفِراسة بالكسر من التفرس، يقال: تفرّس الشيء إذا توسمه، وتفرّست فيه خيرا: توسّمته، وهو يتفرّس يتثبت وينظر، فالتفرس والتوسّم معناهما واحد أي يفسّر أحدهما بالآخر [1] .

الأصل في الفراسة ومعناها الفقهي:

الأصل في الفراسة قوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ} . (الحجر: 75) .

فذكر أهل التفسير أن المتوسّمين يعني المتفرسين، وذلك اعتماداً على ما أثر عنه صلى الله عليه وسلم.

فقد روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله ثم تلا الآية "[2] .

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن لله عباداً يعرفون الناس بالتوسُّم"[3] .

يقول الألوسي: "قال الجلال السيوطي: هذه الآية أصل في الفراسة"[4] .

معنى هذا أن الفراسة قد ورد اعتبارها في القرآن الكريم والسنة المطهرة، وأنها سمة من سمات المؤمنين، إذ أن الأحاديث مادحة للمتفرسين، وأن الفراسة مدرك من مدارك المعاني؛ لأن المؤمن المتفرس ينظر بنور الله، فالله عز وجل هو الذي يريه ويفيض عليه.

فإذا ثبت هذا فلينظر كيف سارت تفسيرات العلماء للفراسة:

ص: 470

يقول ابن العربي المالكي في تفسير الآية السابقة: "التوسم: هو تفعّل من الوسم وهي العلامة التي يستدل بها على مطلوب غيرها، وهي الفراسة وحقيقتها: الاستدلال بالخَلقْ على الخُلق، وذلك بجودة القريحة، ووحدة الخاطر، وصفاء الفكر"[5] .

ويقول القرطبي: "هي العلامة التي يستدل بها على مطلوب غيرها

…

"وقال ثعلب [6] : "النظر من القرن إلى القدم، واستقصاء وجوه التعريف، وذلك يكون بجودة القريحة، وحدة الخاطر، وصفاء الفكر، وزاد غيره: وتفريغ القلب من حشو الدنيا وتطهيره من أدناس المعاصي، وكدورة الأخلاق وفضول الدنيا" [7] .

ويفسرها الحكيم الترمذي بقوله: "والتفرس أن يركض بقلبه فارساً بنور الله إلى أمر لم يكن فيدركه

…

وإذا امتلأ القلب من نور الله تعالى نظرت عينا قلبه بنوره فأدرك في صدره مالا يحاط به وصفا" [8] .

ويفسرها ابن الأثير بقوله: "الفراسة بمعنيين: أحدهما: ما دل عليه ظاهر الحديث، وهو ما يوقعه الله في قلوب أوليائه، فيعلمون أحوال الناس بنوع من الكرامات وإصابة الظن والحدس. والثاني: يعلم بالدلائل والتجارب والخلق والأخلاق"[9] .

نلاحظ أن هذه التفسيرات مترددة بين اتجاهين:

الأول: إن الفراسة علامة يستدل بها على مطلوب غيرها- وأصحاب هذا التفسير يوافقون المعنى اللغوي، ويقولون: إن العلامات لما كانت متفاوتة منها ما يظهر من أول وهلة ولكل فرد من الناس، ومنها ما كان خفيا لا يدرك بباديء النظر، كان الخفيّ منها لا يعرفه إلا ذوو التجربة وصفاء الفكر، والفراسة في جميع هذه الأحوال استدلال بالعلامة لا مدخل للإلهام فيها، بل إن أصحاب هذا القول استنكروا على الصوفية وغيرهم ممن يرون أن الفراسة نوع من الإلهام والكرامة.

وقد تمثل هذا الاتجاه في قول ابن العربي وبه أخذ القرطبي وثعلب، وهو المعنى الثاني عند ابن الأثير.

ص: 471

الثاني: إنّ الفراسة خاطر إلهامي يوقعه الله سبحانه وتعالى في قلوب الصالحين من عباده، فيعرفون به أحوال الناس، ويطّلعون على مالا يطّلع عليه العامة، وقد يدركون به أمراً لم يكن بعد.

وهذا يتمثل في تفسير الحكيم الترمذي، والمعنى الأول عند ابن الأثير وإليه أشار القرطبي بقوله: "إنها تكون لمن صفى قلبه من كدورات الأخلاق وتفريغ القلب من حشو الدنيا

…

"الخ.

سواء كانت الفراسة استدلالاً بالعلامة أو خاطراً إلهامياً، فإن المتفق عليه في هذه التفسيرات هو أنّ سبيل الإدراك بالفراسة مستتر، وطريق المعرفة بها طريق خفي، وخطوات الاستنتاج فيها غير ظاهرة إلا لمن صفى فكره وكان حادّ الذكاء، أو كان من المؤمنين الصادقين الذين مدحتهم الآية والأحاديث وذكرت أنهم ينظرون بنور الله فتكون فراستهم صادقة ويطرد صوابها.

وجدير في هذا المقام، وحتى يتبيّن لنا معنى الفراسة، أن نذكر جانباً من الآثار التي أوردها الفقهاء تمثيلا للفراسة.

أولا: ما روي من فراسة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه:

أـ أنه قال: "يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى"ونزلت الآية {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً} . (البقرة: 125) .

ب ـ أنه قال: "يا رسول الله لو أمرت نساءك أن يحتجبن. فنزلت آية الحجاب".

ج ـ أنه قال حين اجتمع على رسول الله صلى الله عليه وسلم نساؤه في الغيرة: " {عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِنْكُن} . فنزلت كذلك". (التحريم: 5)[10] .

هـ ـ أنه دخل عليه قوم فيهم الأشتر فصعّد فيه النظر وصوّبه، وقال:"أيهم هذا؟ "قالوا: "مالك بن الحارث"، فقال:"ماله قاتله الله إني لأرى للمسلمين منه يوما عصيبا"، فكان منه في الفتنة ما كان [11] .

ثانيا: ما روي عن ذي النورين عثمان رضي الله عنه:

ص: 472

أـ أنه دخل عليه بعض الصحابة، وكان قد مرّ بالسوق فنظر إلى امرأة، فلما نظر إليه عثمان قال:"يدخل أحدكم عليّ وفي عينيه أثر الزنا". فقال له: أَوَحْياً بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ، قال عثمان:"لا ولكن فراسة صادق"[12] .

ب ـ أنه لما تفرّس أنه مقتول ولابد، أمسك عن القتال والدفع عن نفسه لئلا يجري بين المسلمين قتال وآخر الأمر يقتل هو، فأَحبَّ أن يُقتل دون أن يقع قتال بين المسلمين [13] .

ثالثا: ما روي من فراسة عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في الحسين بن علي رضي الله عنهما لمّا ودَّعه قال: "أستودعك الله من قتيل"، ومع الحسين رضي الله عنه كتب أهل العراق تناشده الحضور لنصرته، فكانت فراسة ابن عمر أصدق من كتبهم [14] .

رابعا: ما روي من فراسة الشعبي- رحمه الله أنه قال لداود الأزدي - وهو يماريه-: "إنك لا تموت حتى تكوى في رأسك"، فكان كذلك [15] .

والأمثلة من هذا القبيل كثيرة تجل عن الحصر، ولكن الذي يبدو كما ذكرت هو خفاء طريق الاستنتاج، وأن المتفرس يدرك الأمر بأسلوب مستتر، فقد يكون استنتاجه هذا مبنياً على علامات خفية تفرسها، وقد يكون مبنيا على خواطر إلهامية قذفها الله في قلبه ونطق بها لسانه.

القضاء بالفراسة في آراء الفقهاء:

لما كان الاستدلال بالفراسة لا يقوم على أسس واضحة ظاهرة حيث أنّ خطوات الاستنتاج فيها خفية غير معروفة لغير المتفرِّس فقد منع جمهور الفقهاء بناء الأحكام القضائية على الفراسة، وقالوا: إنها لا تصلح مستنداً للقاضي في فصل الدعوى، إذ أن القاضي لابد له من حجة ظاهرة يبني عليها حكمه.

يقول الشيخ الدردير المالكي فيما يتصف به القاضي: "فالمطلوب الدهاء ويندب ألا يكون زائدا فيه عن عادة الناس، خشية أن يحمله ذلك على الحكم بين الناس بالفراسة وترك قانون الشريعة من طلب البيّنة وتجريحها، وتعديلها، وطلب اليمين ممن وجهت إليه وغير ذلك"[16] .

ص: 473

ويقول ابن العربي المالكي: "إذا ثبت أن التوهّم والتفرّس من مدارك المعاني، ومعالم المؤمنين، فإن ذلك لا يترتب عليه حكم، ولا يؤخذ به موسوم ولا متفرس، فإن مدارك الأحكام معلومة شرعاً، مدركة قطعاً، وليست الفراسة منها"[17] .

وجاء في تبصرة الحكّام لابن فرحون قوله: "والحكم بالفراسة مثل الحكم بالظن والحرز والتخمين، وذلك فسق وجور من الحكم، والظن يخطئ ويصيب"[18]، ثم بيّن الشاطبي في كتابه الموافقات: أن الفراسة لا تصلح مستنداً للقاضي في حكمه لأن الاعتبارات الغيبية لا دخل لها في بناء الأحكام القضائية، فالرسول صلى الله عليه وسلم وهو أعظم المتفرِّسين - لم يعتبرها دليلا يعتمد عليه فقال:"إنكم تختصمون إليّ ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، فمن قضيت له بحق أخيه شيئا بقوله فإنما أقطع له قطعة من النار فلا يأخذها". فقيّد الحكم بمقتضى ما يسمع وترك ما وراء ذلك" [19] .

كما أن صاحب (معين الحكام) الحنفي قد ذكر من القول في منع الحكم بالفراسة مثل ما قدمناه عن صاحب تبصرة الحكام، وأن الحكم بها حكم بالظن والتخمين [20] .

رأي ابن القيم:

خالف ابن القيم جمهور الفقهاء وذهب إلى القول بجواز الحكم بالفراسة وقال إنها مدرك صحيح للأحكام، واستخراج الحقوق وفصل الدعاوى، ومن قوله في ذلك:"ولم يزل حذّاق الحكام والولاة يستخرجون الحقوق بالفراسة والأمارات، فإذا ظهرت لم يقدّموا عليها شهادة ولا إقراراً"[21] .

وهو في ذلك يرى أنّ الفراسة من القرائن، ويفسِّرها بالعلامة، ويظهر ذلك من فحوى اعتراضه على تفرقة أبي الوفاء بن عقيل- أحد فقهاء الحنابلة - بين الفراسة والأمارات. قال:"وسئل أبو الوفاء بن عقيل عن هذه المسألة - أي مسألة الحكم بالقرينة والأمارات - فقال: "إن الحكم بالقرينة ليس من باب الحكم بالفراسة التي تختفي فيها خطوات الاستنتاج".

ص: 474

فاعترض ابن القيم قائلا: "وقول أبي الوفاء بن عقيل ليس هذا فراسة فيقال: لا محذور في تسميته فراسة، فهي فراسة صادقة، وقد مدح الله الفراسة وأهلها في مواضع كثيرة من كتابه فقال تعالى:{إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ} وهم المتفرسون الآخذون بالسّيما وهي العلامة2.

ومن هنا يتضح لنا أن ابن القيم لا يفرّق بين الاستدلال بالعلامات كانت هذه العلامات خفية لا تدرك إلا للمتفرسين، أم كانت ظاهرة تدرك لكل أحد، ومع أنه قد ذكر جانباً من الأمثلة التي تقدّمت عن الفراسة التي يختفي فيها طريق الاستدلال بالعلامة ويتضح فيها جانب الإلهام كتلك التي قدمناها عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، إلا أنه يرى أن كل ذلك استدلالا بالعلامة ويجوز بناء الأحكام القضائية عليه.

وزيادة على ذلك فقد استدل ابن القيم على القضاء بالفراسة بما كان يفعله إياس بن معاوية وشريح، إذ اشتهر عنهما ذلك، وذاع ذكاؤهما وحسن فراستهما، وقد أورد ابن القيم في الطرق الحكمية آثارا كثيرة عنهما تنم عن ذكاء وصفاء فكر وحدّة فراسة تميّزا بها في إرجاع الحقوق إلى أهلها.

تعقيب.

ومن رأينا أن الفراسة لا تصلح مستندا لحكم القاضي وفصل الدعاوى وهو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء خلافا لابن القيم، وذلك للأسباب التالية:

الأول: أنه لم يرد في الشرع الحكيم ما يدل على اعتبارها والأخذ بها في القضاء، ومع أن الله عز وجل قد مدح المتفرّسين، وأنه تعالى هو الذي يفيض عليهم ويهديهم هذه المعارف التي لا يدركها غيرهم، إلا أن مدارك الأحكام القضائية معلومة شرعا، وقد وضّحها النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه صلى الله عليه وسلم خير المتفرسين وأفضلهم وأعرف الناس بالناس. قال:"إنكم تختصمون إليّ.." الحديث، فلم يجعل للاعتبارات الخفية مدخلا، ولم يترك لوسائل الاستنباط غير المنضبطة والمستترة مجالا.

ص: 475

ثانيا: لما كانت الفراسة غير مدركة بالعين الحسية، فقد يكون الاحتجاج بها مدخلا لذوي النفوس المريضة والأغراض والدعاوى الباطلة، فيحكمون بما يوافق أهواءهم وأطماعهم مما يؤدي إلى اختلاف الأحكام وفساد القضاء.

ثالثا: إذا كنا قد وافقنا الفقهاء القائلين بعدم السماح للقاضي القضاء بعلمه لكون طريق الإثبات غير معروف لغير القاضي، فمن باب أولى ألا نوافق في القضاء بالفراسة لنفس السبب. وإن كان فساد الزمان من أسباب منع القاضي أن يقضي بعلمه فهو أيضا سبب كاف لمنع الحكم بالفراسة [22] .

رابعا: قول ابن القيم رحمه الله "إن الفراسة من الاستدلال بالعلامة"محل نظر لوجود حالات كثيرة للفراسة يختفي فيها الاستدلال بالعلامة، وفيما قدّمنا من أمثلة دليل صادق على صحة قولنا. أما الفراسة التي يكون الاستدلال فيها مبنيا على العلامة الظاهرة فحكمها ملحق بحكم العمل بالقرائن والعلامات. وهو ما سيأتي الحديث عنه إن شاء الله تعالى.

أما فعل إياس بن معاوية وشريح، فقد رجعت إلى كثير من القضايا المأثورة عنهما ووجدت استدلالهم بالعلامة الظاهرة واضحا، غير أنه يظهر جليا ذكاؤهما وفراستهما في الوصول إلى هذه العلامة. ثم إن القضاة ليسوا كإياس وشريح حتى يسيروا سيرهما. كما أنّ جمهور الفقهاء لا يتفق معهم على الأخذ بمنهجهما في القضاء.

وعلى هذا أرى أن الفراسة لا تصلح أن تكون طريقاً من طرق الإثبات في الفقه الإسلامي.

ثانيا: الحكم بالقرائن:

معنى القرينة لغة:

ص: 476

القرينة، جمعها قرائن، قارن الشيء يقارنه مقارنة وقرانا: اقترن به وصاحبه، وقارنته قرانا: صاحبته، وقرينة الرجل: امرأته، وسميت الزوجة قرينة لمقارنة الرجل إياها. وقرينة الكلام ما يصاحبه ويدل على المراد به. والقرين المصاحب، والشيطان المقرون بالإنسان لا يفارقه، وفي الحديث:"ما من أحد إلا وكّل به قرينه"[23] أي مصاحبه من الملائكة والشياَطين [24] .

معنى القرينة اصطلاحا:

لم أعثر فيما اطلعت عليه من كتب الفقه القديمة على تعريف للقرينة إلا ما ورد في كتاب "التعريفات"للجرجاني حيث يقول: "القرينة: أمر يشير إلى المطلوب"[25] . وما نقله العلامة ابن نجيم المصري الحنفي عن ابن الغرس من قوله: "من جملة طرق القضاء القرائن الدالة على ما يطلب الحكم به دلالة واضحة بحيث تصيره في حيز المقطوع به"[26] . وأيضا ما جاء في مجلة الأحكام العدلية من أن: "القرينة القاطعة هي الأمارة البالغة حدّ اليقين"[27] .

هذه التعريفات وان اختلفت كلماتها إلا أنها تتفق على أن القرينة أمر أو أمارة أي علامة تدل على أمر آخر وهو المراد، بمعنى أنّ هناك واقعة مجهولة يراد معرفتها فتقوم هذه العلامة أو مجموعة العلامات بالدلالة عليها، وهي لا تختلف عن المعنى اللغوي لأن هذه العلامات تصاحب الأمر المجهول فتدل عليه، أي تدل عليه لمصاحبتها له.

والقرينة في مجال الإثبات هي العلامات التي تدل على الواقعة المجهولة التي يراد إثباتها عند انعدام أدلة الإثبات الأخرى الأقوى من إقرار أو بينة.

ص: 477

مثال ذلك: أن يرى شخص الله عليه وسلم يحمل سكينا ملطخة بالدماء وهو خارج من خربة خائفا يرتجف، فيدخل شخص أو أشخاص الخربة على الفور فيجدون آخر مذبوحا لتوه مضرجا بدمائه وليس في الخربة غيره. فالواقعة المراد إثباتها هي شخصية القاتل والعلامات التي تدل عليها هي خروج ذلك الرجل وبتلك الهيئة التي تحمل على الاعتقاد أنه القاتل، وذلك عند عدم اعترافه أو قيام البيّنة على القاتل. فالاعتراف والبينة دليلان يتناولان الواقعة المجهولة مباشرة، أما العلامات فإنها تدل عليها دلالة أي يؤخذ منه بالدلالة والاستنتاج حكم الواقعة المجهولة.

الفرق بين القرينة والفراسة:

بناء على ما قدمنا من تعريف للقرينة، وبناء على ما قدمنا من قول في الفراسة فيمكن تلخيص الفرق بين القرينة والفراسة في النقاط التالية:

أولا: أن القرينة علامة ظاهرة مشاهدة بالعيان، كمن يرى رجلا مكشوف الرأس وليس ذلك من عادته يعدو وراء آخر هارباً وبيد الهارب عمامة وعلى رأسه عمامة، فهذه قرينة مشاهدة بالعين الحسية ودلالتها كما يقول العلماء واضحة على أن العمامة للرجل مكشوف الرأس، ولا يقال عمن يرى هذه العلامة ويستنتج هذا الحكم إنه متفرس.

ثانيا: أن رؤية القرينة لا تتطلب مواصفات معينة في الرائي، كصدق الإيمان وصفاء الفكر وحّدة الذكاء، وذلك لأن خطوات الاستنتاج فيها ظاهرة واضحة، حتى أن الدقيق منها كتلك التي تقوم على التجارب العلمية لها أسسها وضوابطها وقانونها الذي يسهل الاطلاع عليه ومعرفته، أما الفراسة فهي تتطلب مواصفات معينة في المتفرّس، صدق إيمان أو حّدة ذكاء وصفاء فكر، وذلك لأن خطوات الاستنتاج فيها مستترة خفية.

ص: 478

ثالثا: إنه يمكن أن تقام البيّنة على وقوع القرينة ويتأكد القاضي من ثبوتها ففي المثال المتقدّم قد يشهد اثنان أو أكثر على رؤية الواقعة، أما الفراسة فلا يتوفر فيها ذلك، فلا يستطيع أحد الشهادة عليها وإن صحّ وقوعها على قلب اثنين أو أكثر فتلك حالة نادرة.

رابعا: القرينة قد تصلح دليلاً لبناء الأحكام القضائية ومستنداً للقاضي في فصل النزاع كما سنبين ذلك. أما الفراسة فلا يصح الحكم بها على قول جمهور الفقهاء خلافاً لابن القيم.

القرينة والعرف:

وقبل أن نبيِّن آراء الفقهاء في القضاء بالقرينة نشير إلى ما لاحظناه من ارتباط وثيق بين القرينة والعرف.

والعرف: هو ما تعارف عليه الناس وساروا عليه من قول أو فعل أو ترك، بحيث لا يخالف دليلا شرعيا أو يحلّ حراما أو يبطل واجبا، والعرف بهذا المفهوم قد راعته الشريعة طالما أن الناس تعارفوا عليه واتفق مع حاجاتهم ومصالحهم، فقد راعى الشارع الحكيم عرف العرب ففرض الدية على العاقلة واعتبر العصبية في الإرث ولهذا يقول الحنفية:"المعروف عُرفاً كالمشروط شرطاً"و"الثابت بالعرف كالثابت بالنص"، وقد غيّر الإمام الشافعي- رحمه الله بعض أحكام مذهبه بعد أن ذهب إلى مصر لاختلاف أعرافهم عن أعراف أهل العراق [28] .

ويظهر ارتباط القرينة بالعرف في صور يشكل فيها العرف قرائن تجب مراعاتها وملاحظتها، مثال ذلك: لقد تعارف الناس على البيع بالتعاطي وهو التبادل بين المتعاوضين من غير لفظ، فهذا عرف وهو في نفس الوقت قرينة دالة على رضا الطرفين بالبيع، وقد استجاب الفقهاء لمتطلبات العرف وتحرّروا بموجب هذه القرينة عن التقيُّد بشكلية اللفظ.

ص: 479

ومن أظهر الصور التي جعلوا فيها العرف قرينة تجب مراعاتها في فهم الدعوى مسألة تنازع الزوجين في متاع البيت، وفى هذا يقول القرافي المالكي:"إنّ الإشهاد بين الزوجين يتعذر لأنهما لو اعتمدا ذلك، وأن من كان له شيء أشهد عليه أدى إلى المنافرة وعدم الوداد بينهما، وربما أفضى إلى الطلاق والقطيعة، فهما معذوران في عدم الإشهاد وملجآن إليه، وإذا الجاَ لعدم إشهاد فلو لم يقض بينهما بالعادة لانسد الباب بينهما"[29] ر.

ومن ذلك أيضا قولهم: إن الزوجين إذا اختلفا في قدر المعجل والمؤجل في المهر ولا بينة لأحدهما فالقول لمن شهد له العرف [30] .

يستفاد من هذا أن العرف قد يكون قرينة تدل على ما يطلب معرفته فلذلك كان لابد من ملاحظته ومعرفته عند نظر الدعوى، لأجل هذا فقد نبّه الفقهاء على القاضي بالتعرف على أحوال الناس وعاداتهم وما تواضعوا عليه لأنه بذلك تتبين له الدعوى ويعرف المحق من المبطل. ومن يرجع إلى ابن القيم في كتابيه الطرق الحكمية وأعلام الموقعين، وابن فرحون في تبصرته، والطرابلسي في كتابه معين الأحكام، لوجد ما فيه الكفاية من حث القاضي على معرفة العرف. ثم إن الفقيه الحنفي ابن عابدين قد ألف رسالة في هذا الشأن أسماها "نشر العرف في بناء بعض الأحكام على العُرف"[31]

ومع هذا التداخل بين القرينة والعرف يجب ألا يغيب عن نظرنا التفرقة بينهما، فالقرينة كما قدمنا هي العلامات التي يستنتج منها الواقعة المجهولة التي يراد إثباتها أو الحكم فيها، فقد تكون هذه العلامات مستفادة من أعراف الناس وما تواطأوا عليه، وقد تكون من غير ذلك. بمعنى آخر إن للقاضي أن يبني حكمه بناء على قرينة تعارف الناس على كذا، وقد يبنيه على علامات أخرى في الدعوى ليست مستفادة من العرف والعادة. ومن ثم فإن دائرة القرينة في مجال الإثبات أوسع لأنها تضم العرف وغيره.

القضاء بالقرينة:

ص: 480

لم تحظ القرينة بالاتفاق على صلاحيتها كدليل لبناء الأحكام القضائية إلا أنه بالرغم مما يبدو لنا من خلاف حول تحكيم القرائن في فصل النزاع القضائي، فإن جميع المذاهب لا تخلو من إعمال القرائن في بعض المسائل حتى ولو كان ذلك تحت ستار العرف والعادة. ولكن هذا التحكيم للقرائن يختلف من مذهب لآخر، فيتسع مداه لدى فقهاء المالكية ومتأخري الحنابلة ويتوسط لدى الحنفية ويضيق عند فقهاء الشافعية والظاهرية.

وقبل أن نعرض أمثلة توضح أخذ المذاهب المختلفة بالقرائن نطرح أولا أدلة الفريقين، القائلين بتحكيم القرائن والمانعين لها.

أدلة القائلين بالقرينة:

أولا: القرآن الكريم:

لعل من نافلة القول أن نذكر أنه ليس في القرآن الكريم نص قطعي الدلالة على اعتبار القرينة في الأحكام أو عدم اعتبارها، ولكن القائلين بالقرينة قد استنبطوا اعتبارها بدلالة ظنية لبعض النصوص في القرآن الكريم ورأوا جواز الأخذ بها.

والآيات التي استنبط منها الفقهاء جواز الأخذ بالقرينة في الأحكام هي:

(1)

قوله تعالى: {وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} . (يوسف: (18) .

ص: 481

(2)

قوله تعالى: {وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلَاّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ، فَلَمَّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيم} . (يوسف: 26- 28) .

ومحل الاستدلال الوارد في هذه الآيات ما ذكره المفسرون من أنّ يعقوب عليه السلام استدل بقرينة سلامة القميص من التمزيق عَلى كذب دعوى إخوة يوسف- عليه السلام بأن الذئب قد أكله، وكذلك استدل الشاهد بقرينة قدّ القميص من دبر على كذب امرأة العزيز وبراءة يوسف- عليه السلام.

ونرى الآن منهجهم في استنباط حكم القرينة من هذه الآيات.

الشاهد الأول:

يقول ابن العربي المالكي عن قوله تعالى: {وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ

…

} الآية: "فيها ثلاث مسائل- نذكر منها:

المسألة الأولى: إنما أرادوا أن يجعلوا الدم علامة على صدقهم فروي في الإسرائيليات أن الله تعالى قرن بهذه العلامة تعارضها، وهي سلامة القميص من التلبيب. والعلامات إذا تعارضت تعيَّن الترجيح، فيقضى بجانب الرجحان وهي قوة التهمة لوجوه تضمنها القرآن، منها طلبهم إياه شفقة ولم يكن من فعلهم ما يناسبها فيشهد بصدقها بل كان سبق ضدها وهي تبرمهم، ومنها أن الدم يحتمل أن يكون في القميص موضوعاً، ولا يمكن افتراس الذئب ليوسف وهو لابس القميص ويسلم القميص من تخريق، وهكذا يجب على الناظر أن يلحظ الأمارات (العلامات) وتعارضها.

ص: 482

المسألة الثانية: القضاء بالتهمة إذا ظهرت كما قال يعقوب: {بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} ولا خلاف في الحكم بالتهمة، وإنما اختلف الناس في تأثير أعيان التهم" [32] .

ومن ذلك أيضا قول القرطبي في تفسيره "استدل فقهاؤنا بهذه القرينة على إعمال الأمارات في مسائل الفقه كالقسامة وغيرها وأجمعوا على أنّ يعقوب عليه السلام استدل على كذبهم بصحة القميص، وهكذا يجب عَلى الناظر أن يلحظ الأمارات والعلاقات إذا تعارضت، فما ترجح منها قضى بجانب الترجيح وهى قوة التهمة ولا خلاف في الحكم بها"[33] .

الشاهد الثاني:

إنه لما نشب النزل بين يوسف عليه السلام وامرأة العزيز التي قذفته بما قذفته من إرادة الفاحشة، قال يوسف عليه السلام مكذبا لها، ودفعا لما نسب إليه، {قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي} فعند ذلك جاء دور الشاهد الذي وصفه القرآن الكريم بأنه من أهلها والذي فصل الخطاب بما ذكره من القرائن التي بان بها الحق وانفض بها النزاع.

والقرائن التي ذكرها الشاهد هي أنه إذا كان قميص يوسف قدّ من القبل فالمرأة صادقة في دعواها بأنه هو الذي أرادها، أما إذا كان قدّ من دبر فهي كاذبة ويوسف بريء من التهمة. والحاصل أن القميص قدّ من دبر، وهذا دليل إدباره عنها وهو دليل براءته [34] .

وقد يعترض على العلامة المذكورة إذ أنها لا تدل قطعا على براءة يوسف عليه السلام لاحتمال أن الرجل قصد المرأة بطلب الفاحشة فغضبت عليه المرأة فعدت خلفه لتضربه، فعلى هذا الوجه قد يتمزّق القميص من دبر، والمرأة بريئة من الذنب.

ص: 483

وأجيب على هذا الاعتراض بأن القرائن كانت كثيرة وكفيلة بصرف هذه التهمة عنه، أما القرينة المذكورة في الآية إنما جاءت دليلا مرجحا ومقويا لتلك القرائن، ومن هذه القرائن التي ذكرها المفسرون أن يوسف عليه السلام كان عبدا في ظاهر الأمر والعبد لا يمكن أن يتسلط على مولاه إلى هذا الحد، كما أنهم رأوا أن المرأة زيّنت نفسها على أكمل الوجوه، ولم يكن على يوسف عليه السلام آثاراً للتزين. ثم إنّ أحوال يوسف عليه السلام في المدة الطويلة تدل على براءته إذ لم يروا منه حالة تناسب إقدامه على مثل هذا الفعل المنكر وذلك مما يقوى الظن. وقيل: إن زوج المرأة كان عاجزا وآثار طلب الشهوة في حق المرأة كانت متكاملة [35] .

فلما حصلت هذه الأمارات الدالة على أن مبدأ هذه الفتنة كانت من المرأة استحى الزوج وتوقف وسكت لعلمه بأن يوسف هو الصادق والمرأة كاذبة، أظهر الله ليوسف دليلا يقوي تلك الدلائل فجاءت تلك القرينة على لسان الشاهد.

كما اعترض على هذه القرينة من ناحية الشاهد المذكور، فقد اختلفوا فيه فقيل:"إنه كان ابن عم المرأة وكان حكيما يستشره الملك"، وقيل:"إنه طفل تكلّم في المهد". فقالوا: إن كان الشاهد طفلا تكلم في المهد لا يكون في الآية دليل على إعمال الأمارات إذ أن الدليل هو كلام الصبي في مهده.

وقد دفع هذا الاعتراض بأنه يستبعد أن يكون الشاهد صبيا بل كان رجلا حكيما وهو الذي يناسب سياق الآية، فلو أنطق الله الطفل لكان كافيا قوله:"إنها كاذبة"ولما احتاج إلى نصب العلامة، ثم قوله تعالى:{وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا} ليكون أولى بالقبول في حق المرأة ولو كان صبيا لا يتفاوت الحال كونه من أهلها أو من غير أهلها. كما أن لفظ الشاهد لا يقع في العرف إلا لمن تقدمت معرفته بالواقعة وإحاطة بها [36] .

ص: 484

وقيل: إنه لا تعارض بين كونه صبيا تكلم في المهد وبين الأمارة المنصوبة، فقد يتكلم الصبي، ومع ذلك ينبههم إلى الدليل الذي غفلوا عنه وهي أمارة القميص [37]

وهناك اعتراض ثالث هو أن هذه الآية تبيِّن شرع السابقين وشرع من قبلنا لا يلزمنا.

وقد أجيب على هذا الاعتراض بالأدلة التي يحتج بها مثبتو العمل بشرع من قبلنا إذا لم يرد دليل على نسخه عنا.

ثانيا: السنة الشريفة وعمل الصحابة رضوان الله عليهم:

كذلك احتجّ القائلون بالقرينة في الأحكام بآثار كثيرة وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته، ومن هذه الآثار:

(1)

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "بينما امرأتان معهما ابناهما، جاء الذئب فذهب بابن إحداهما، فقالت لصاحبتها: "إنما ذهب بابنك "، وقالت الأخرى: "إنما ذهب بابنك"، فتحاكمتا إلى داود عليه السلام فقضى به للكبرى فخرجتا على سليمان ابن داود عليهما السلام فأخبرتاه فقال: ائتوني بالسكين أشقّه بينكما"، فقالت الصغرى:"لا تفعل يرحمك الله هو ابنها "، فقضى به للصغرى" [38] .

فاستدل بقرينة رضا الكبرى أن يشقّه نصفين وعدم شفقتها عليه أنه ليس ابنها، بينما أشفقت الصغرى وامتنعت عن الدعوى حتى لا يذهب الطفل، فهذا يدل على أنه ابنها إذ أن الله أودع في قلوب الأمهات الشفقة على أبنائهن.

(1)

ما روي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: "أردت السفر إلى خيبر، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا جئت وكيلي فخذ منه خمسة عشر وسقاً فإذا طلب منك آية فضع يدك على ترقوته" [39] .

فأقام العلامة مقام الشهادة.

(3)

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تنكح الأيّم حتى تستأمر ولا تنكح البكر حتى تستأذن"، قالوا:"يا رسول الله وكيف إذنها؟ "قال: "إذنها صماتها". أو قال: "أن تسكت"[40] .

ص: 485

فجعل عليه الصلاة والسلام صماتها قرينة على الرضا.

(4)

أنه صلى الله عليه وسلم حينما صالح يهود خيبر كان لحي بن أخطب مال كثير فأخفوه عن النبي صلى الله عليه وسلم، فسألهم عنه؟ فقال ابن أبي الحقيق عم حيّ ابن أخطب:"أذهبته الحروب والنفقات"، فقال صلى الله عليه وسلم:"العهد قريب والمال أكثر من ذلك"، ثم دفعه إلى الزبير فضربه حتى أقر بمكان المال [41] . فيظهر اعتماده صلى الله عليه وسلم على الأمارات وشواهد الحال قرب العهد وكثرة المال.

(5)

عن زيد بن خالد الجهني أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اللقطة فقال: "عرِّفها سنة ثم اعرف وكاءها ووعاءها وعفاصها ثم استنفع بها فإن جاء ربها فأدها إليه"[42] . فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الملتقط أن يدفع اللقطة إلى صاحبها بمجرد الوصف لأن وصفه لها بما يطابق الواقع قرينة على ملكيته.

(6)

أن ابني عفراء لما تداعيا قتل أبي جهل قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هل مسحتما سيفيكما؟ "قالا: "لا". قال: "فأرِياني سيْفيكُمَا"، فلما نظر فيهما قال لأحدهما:"هذا قتله وقضى له بسلبه"[43] .

(7)

أنه صلى الله عليه وسلم حكم بالقافة وجعلها من أدلة ثبوت النسب وليس فيئها إلا مجرد العلامات والأمارات [44] .

(8)

حكم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه برجم المرأة التي ظهر حملها ولا زوج لها ولا سيد. كما ورد في المتفق عليه قوله في شأن الرجم: "وإن الرجم حق في كتاب الله على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف"[45] .

(9)

كذلك ما ورد في الموطأ وكذلك عن مسلم عن عمر وعثمان وابن مسعود -رضوان الله عليهم - بحد من وجدت منه رائحة الخمر [46] .

ص: 486

هذا نزر قليل من الأدلة الكثيرة التي أوردها مثبتو العمل بالقرائن في القضاء راعيت في اختياره قوة الثبوت ووضوح الدلالة، ولنقف الآن قليلا مع أدلة المانعين لإعمال القرائن في بناء الأحكام القضائية.

أدلة المانعين:

تتركز حجة هؤلاء في خطورة الأخذ بالقرائن لما يحوطها من الاحتمالات من شأنها أن تؤدي إلى القصاص من متهم بريء، أو إنزال العقوبة على شخص لا يستحق العقاب.

ومن الآثار الواردة في هذا المعنى:

ص: 487

(1)

ما روي أنه أتي برجل وجد في خربة بيده سكين ملطخة بدم، وبين يديه قتيل يتشحط في دمه، فسأله علي رضي الله عنه فقال:"أنا قتلته"، قال علي:"اذهبوا به فاقتلوه"، فلما ذهبوا به أقبل رجل مسرعاً، فقال:"يا قوم لا تعجلوا ردّوه إلى علي"، فردوه، فقال الرجل:"يا أمير المؤمنين ما هذا صاحبه أنا قتلته"فقال علي للأول: "ما حملك على أن قلت: أنا قتلته ولم تقتله؟ "قال: "يا أمير المؤمنين وما أستطيع أن أصنع وقد وقف العسس على الرجل يتشحَّط في دمه وأنا واقف وفي يدي سكين وفيها أثر الدم، وقد أخذت في خربة، فخفت ألا يقبل مني وأن يكون قسامة فاعترفت بما لم أصنع واحتسبت نفسي عند الله"، فقال علي:"بئسما صنعت فكيف كان حديثك؟ "قال: "إني رجل قصاب وخرجت إلى حانوتي في الغلس فذبحت بقرة وسلختها، فبينما أنا أصلحها والسكين في يدي أخذني البول فأتيت خربة كانت بقربي فدخلتها، فقضيت حاجتي، وعدت أريد حانوتي فإذا أنا بهذا المقتول يتشحط في دمه، فراعني أمره فوقفت أنظر إليه والسكين في يدي، فلم أشعر إلا بأصحابك قد وقفوا وأخذوني فقال الناس: "هذا قتل هذا ما له قاتل سواه"، فأيقنت أنك لا تترك قولهم لقولي، فاعترفت بما لم أجنه"، فقال علي للمقر الثاني:"فأنت كيف قصتك؟ "فقال: "أغواني الشيطان فقتلت الرجل طمعاً في ماله، ثم سمعت حس العسس، فخرجت من الخربة واستقبلت هذا القصاب على الحال التي وصف فاستترت منه ببعض الخربة حتى أتى العسس فأخذوه وأتوك به، فلما أمرت بقتله علمت أني سأبوء بدمه أيضا، فاعترفت بالحق". فقال للحسين رضي الله عنه: "ما الحكم في هذا؟ "قال: "يا أمير المؤمنين إن كان قد قتل نفساً فقد أحيا نفساً، وقد قال الله تعالى: {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً} "(المائدة:32) فخلّى عليّ عنهما، وأخرج دية القتيل من بيت المال" [47] .

وقد وقع نظير تلك القضية في عهده صلى الله عليه وسلم إلا أنها ليست في القتل.

ص: 488

عن علقمة بن وائل عن أبيه: أن امرأة وقع عليها رجل في سواد الصبح وهي تعمد إلى المسجد بمكروه من نفسها، فاستغاثت برجل مرّ عليها وفر صاحبها، ثم مرّ ذوو عَدد فاستغاثت بهم، فأدركوا الرجل الذي كانت استغاثت به فأخذوه، وسبقهم الآخر، فجاءوا به يقودونه إليها فقال:"أنا الذي أغثتك وقد ذهب الآخر"، فأتوا به النبي صلى الله عليه وسلم فقال الرجل:"إنما كنت أغثتها على صاحبها فأدركني هؤلاء فأخذوني"، فقالت:"كذب، هو الذي وقع عليَّ "، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"انطلقوا به فارجموه"، فقام رجل فقال:"لا ترجموه فارجموني فأنا الذي فعلت بها الفعل"واعترف، فاجتمع ثلاثة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم: الذي وقع عليها والذي أغاثها والمرأة. فقال: "أما أنت فقد غفر لك"، وقال للذي أغاثها قولا حسنا. فقال عمر رضي الله عنه:"أرجم الذي اعترف بالزنا"، فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال:"لا. لأنه قد تاب"، وفي رواية فقالوا:"يا رسول الله أرجمه"، فقال:"لقد تاب توبة لو تابها أهل المدينة لقبل منهم"[48] .

وعند الترمذي أمر برجمه، فقال:"ارجموه لقد تاب توبة لو تابها أهل المدينة لقبل منهم"[49] .

مما لا شك فيه أن هذين الأثرين يوهنان الأخذ بالقرينة ويفتان في عضد الاحتجاج بها ويقويان شبهة المانعين للعمل بها من حيث أن شواهد الحال كثيرا ما تكذب، وأن الأمر يكون خلاف ما دلت عليه القرائن الظاهرة، فلو أخذنا بها لذهبت دماء وأموال لمجرد الاحتمال. غير أنه لا يفوتنا في هذه المقام أن نورد ما ذكره الإمام ابن القيم- رحمه الله عن هذين الأثرين.

ص: 489

يقول ابن القيم عن القضية التي عرضت على أمير المؤمنين علي-رضي الله عنه: "وهذا إن كان صلحا وقع برضا الأولياء فلا إشكال، وإن كان بغير رضاهم فالمعروف من أقوال الفقهاء أن القصاص لا يسقط بذلك؛ لأن الجاني قد اعترف بما يوجبه ولم يوجد ما يسقطه فيتعين استيفاؤه، وبعد فلحكم أمير المؤمنين وجه قوي"[50] .

رأي ابن القيم أن القصاص قد وجدت موجباته فليس هناك ما يمنع استيفاءه، اللهم إلا أن يكون قد تم ذلك برضاء الأولياء، فكأنه يرى نقصان الرواية لكونها لم تبين وجه عدول أمير المؤمنين علىّ عن استيفاء القصاص.

أما الحديث الثاني فيقول عنه: "وهذا الحديث إسناده على شرط مسلم، ولعله تركه لهذا الاضطراب في متنه"، ويقصد بالاضطراب في المتن ورود رواية بعدم رجم الذي اعترف بالزنا، ورواية الترمذي أنه أمر برجمه. قال ابن القيم:"إن الراوي إما أن يكون قد جرى على المعتاد برجم المعترف، وإما أن يكون اشتبه عليه أمره برجم الذي جاءوا به أولا، فوهم وقال: إنه أمر برجم المعترف. ثم بين أن الذين رجمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم معروفون، ولم يكن هذا من بينهم. والظاهر أن راوي الرجم في هذه القصة استبعد أن يكون قد اعترف بالزنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يرجمه، وعلم أن من هديه رجم الزاني فقال: "وأمر برجمه".

ص: 490

وبعد أن بيّن ابن القيم رحمه الله هذا الاضطراب في متن الحديث، ووهّم أحد رواته ذكر أن القرائن في هذا الحديث مع أنها دلت على خلاف الواقع، إلا أن الرسول عليه الصلاة والسلام قد حكّم القرائن أيضا، وإلا فكيف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجم المتهم الذي كان مغيثا للمرأة مع عدم إقراره ولم تقم شهادة على رؤية الزنا. قال:"فيقال: - والله أعلم- إن هذا مثال إقامة الحد باللوث الظاهر القوي، فإنه أدرك وهو يشتد هارباً بين أيدي القوم، واعترف بأنه كان عند المرأة، وادعى أنه كان مغيثا لها، وقالت المرأة: "هو هذا"وهذا لوث ظاهر، وقد أقام الصحابة حد الزنا والخمر باللوث الذي هو نظير هذا أو قريب منه وهو الحمل والرائحة

…

ولما انكشف الأمر بخلاف ذلك تعين الرجوع إليه، كما لو شهد أربعة بزنا المرأة لم يحكم برجمها إذا ظهر أنها عذراء أو ظهر كذبهم" [51]

يتبين من هذا أن الإمام ابن القيم يرى أن هذين الأثرين لا يمنعان العمل بالقرينة، إنما يؤيدان الحكم بالقرائن إذ أنه عليه السلام أمر برجم الرجل الذي وجد عند المرأة وادّعى إغاثتها وليس هناك ما يدعوه إلى إصدار هذا الحكم بالرجم إلا القرائن الظاهرة. ويرى ابن القيم أن في هذا الحديث تأييداً لمذهبه القاضي بإعمال القرائن في إثبات الحدود.

رأينا في الموضوع:

ص: 491

تبين مما سبق أن الحديث الذي استدل به من رفض القرينة اختلفت فيه أقوال الرواة فظهر الاضطراب في متنه، ومع ذلك ففيه الدلالة على تحكيم القرائن. وكذلك الأثر المروي عن علي- رضي الله عنه وأعوانه فيه اتهام بنقصان الرواية حيث لم تبين كل ظروف القضية المطروحة، ومع ذلك فمن رأيي أن القرائن في هذا الأثر مع أنها دلت على خلاف الواقع إلا أن فيه دلالة على إعمالها أيضا، فالمتهم الأول بالرغم من أنه لم يرتكب الجريمة إلا أنه علم أنه لا يستطيع دحض القرائن الظاهرة فآثر الاعتراف بما لم يجنه. ونفس هذه القرائن هي التي جعلت عسكر علي رضي الله عنه يلقون القبض على المتهم، ولو لم تكن القرائن دليلا في الدعوى لما قبضوه ولما ذكروا أنه القاتل، وإلا كيف يكون الحال إذا وجدنا رجلا مذبوحا وإلى جواره آخر يحمل سكينا مضرجة بالدماء ثم نتركه لاحتمال أن يكون القاتل غيره، فإن صح وجود قاتل غيره كما في هذا الأثر فإنه في حكم النادر.

ففي اعتقادي أنه لا خلاف في أن القرائن لا تخلو من بعض الاحتمالات التي توهن اعتبارها وتضعفها كدليل، ولكن يمكن القول بأن هذه الاحتمالات -كما تدخل في القرينة- قد تدخل في غيرها من طرق الإثبات، فالبينة قد يتطرق إليها كذب الشهود أو نسيانهم، والإقرار قد يدخل الغرض وتحقيق مصلحة ذاتية، ومع ذلك لم يلغ الشارع الحكيم اعتبارهما واعتمادهما كأدلة للإثبات لتوهم هذه الاحتمالات، فالشريعة لها الظاهر والله يتولى السرائر. فإذا كان الاحتمال قد يدخل في أقوى الحجج الشرعية، فليس هو بحجة يمنع بها اعتبار القرائن، وكما يكون هناك ضحايا في القرائن في مثل هذه الاحتمالات، فلا تخلو الأدلة الأخرى أيضا من ضحايا.

ص: 492

ولكن هذه الاحتمالات ليس هي الغالب في أحوال القرينة كما أنها ليست الغالب في الإقرار والبينة. والشارع الحكيم قد عول على الظاهر ودلالة الحال في مواطن كثيرة لا يمكن تجاهلها منها ما ذكرنا ومنها مالا يتسع المجال لذكره. والرسول عليه الصلاة والسلام يقول: "إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان"[52] . فجعل الشهادة على إيمانه مبنية على الظاهر من حاله وهو ارتياد المساجد. وما الحكم بعدالة الشهود إلا بناء على الظاهر من حالهم، فالغالب من الأحوال أن الظاهر يطابق الواقع. أما الاحتمال فهو في حيز التوهم، فيجب ألا نلقي بالتعويل على القرائن لمجرده. ثم إننا بهذا القول الذي نطلب فيه من القاضي النظر إلى القرائن والأمارات نشترط عليه إمعان النظر والفكر والتثبت فلا يحكم بالقرائن الضعيفة المتهافتة التي لا يقوى بها الظن على ظهور الحكم. فلا بد أن يؤسس حكمه على قرائن ظاهرة يتبين فيها وضوح الدلالة وقوة الحجة بحيث يكون مطمئنا لذلك الحكم منشرح الصدر.

ص: 493

ثم إن هؤلاء المانعين للعمل بالقرائن إذا كانوا قد عاشوا في مجتمعات سليمة غلب على الناس فيها الأمانة والصدق والورع، مما جعلهم يتورعون إلى هذا الحد ويوجبون على القاضي ألا يتعدّى في أدلته على المذكور، فإنّ أعراف اليوم قد تغيَّرت تماما، وتعقّد أسلوب الحياة، ومع هذا التعقيد انعدم الضمير والوازع، وانتشر الفساد وضرب أطنابه، وتكونت للسلب والنهب والسطو عصابات وجمعيات ليس في البلد الواحد فحسب بل أصبحت لها شبكات وفروع عالمية، وانتشرت دعاوى التزوير والغش، وسهل التعدي على النفس والعرض والمال، وكل ذلك يتم وقلّ أن يكون في حادثة منها شاهد عيان واحد، أو إقرار ممن قام بها، وليس هناك من الوازع الديني أو الأخلاقي ما يجعل المتهم يقر بحق عليه أو جريمة ارتكبها، ولو تركناه لليمين لحلفها وحلف عليها ألفاً أنه ما فعل ولا أخذ، فلو قصرنا الإثبات على الأدلة المذكورة لما ثبتت جريمة ولا استخلص حق. ولعمري أن رجال هذا المذهب -مع قلتهم بالنسبة للقائلين بالقرائن- لو وقعت عليهم مثل ما يقع اليوم من الحوادث والقضايا، أو لو أنهم عاشوا حتى رأوا ما نرى لما توقفوا في الإفتاء بما يوافق متطلبات هذه الحوادث والمنازعات، خصوصا وقد عرف منهم حرصهم الشديد على إقامة الحق والعدل.

ثم إنه مع هذا التقدم العلمي الذي يشهده عالم اليوم أمكن التوصل إلى قرائن قوية تبين الحق وتعين على فهم الدعوى كالتحليلات المعملية من فحص للدم وغيره ومطابقة بصمات الأصابع ومضاهاة الخطوط وغير ذلك. فإننا إذا أهملنا هذه القرائن وألقينا بها في البحر بحجة ما يتطرق إليها من الاحتمال لعرضنا الشريعة الإسلامية لتهمة الجمود وعدم مسايرة العصر، وهذا ما لم يقله إلا المكابر، فهي شريعة كل وقت وقانون كل جيل، وما هذه الفتاوى المأخوذة من أصولها المعروفة إلا دليل مرونتها وقابليتها لحكم الأجيال المتعاقبة.

ص: 494

وعليه فإنه لا مناص من الأخذ بالقرائن والرجوع إليها في بناء الأحكام القضائية إذا لم يكن من دليل غيرها وفقاً على فتوى الكثيرين من الفقهاء -كما رأينا وسنرى إن شاء تعالى-.

على أننا حينما نؤيد الأخذ بالقرائن ونرى ضرورة مراعاتها عند بناء الأحكام القضائية لا نلقي هذا القول على عواهنه ونطلقه بلا حدود، فالقرائن التي نرى الاحتكام إليها هي تلك القرائن التي تكون واضحة الدلالة في الدعوى ظاهرة في محل النزاع، لا القرائن الضعيفة التي يتسع فيها باب الشك والاحتمال.

كما أننا نرى ضرورة المحافظة على مقاصد الشرع الحكيم ومراعاة منهجه في الإثبات، فالدعاوى التي تكون منهج الشارع فيها التشدد في الإثبات والحيطة في تطبيق عقوباتها كجرائم الحدود ينبغي ألا يكون هناك توسّع في إثباتها أو إعمال للقرائن لدرجة يخل بنظام الشارع، إذ أن هذا النوع من القضايا ليس متروكا لاقتناع القاضي بارتكاب المتهم للجريمة، ولذا فقد جعل له الشارع نظاما مقيَّدا في الإثبات، وزاد في أمر التثبت والنظر دون ما هو معهود في غيرها من القضايا، كما طلب من القاضي أن يفسر كل شك يطرأ في الدعوى لصالح المتهم، فإذا وجد أي شبهة تصرف الحد عن المتهم دفع عنه الحد لأن الحدود تدرأ بالشبهات.

القرائن في نصوص الفقهاء:

ليس مقصودي في هذه الفقرة أن أسجِّل دراسة نصِّية للقرائن عند الفقهاء فإن ذلك لا يتسع له المجال. ثم إني قد جعلت هذه الدراسة في كتاب أعدّ لطبعه بإذن الله تعالى. تناولت فيه أنواع القرائن وتطبيقاتها على الدعاوى سواء كانت دعاوى الجنايات أو المعاملات أو الدعاوى التي تقع في دائرة الأحوال الشخصية كما تناولت فيه نظرة الفقه الإسلامي للقرائن المستحدثة التي أبرزتها العلوم المعاصرة. أما الذي أقصده من هذه الفقرة أن أبيِّن في عجالة ملاحظاتي عن تلك الدراسة.

ص: 495

الناظر في مذاهب الفقهاء يبدو له من أولى وهلة أن الفقهاء على فريقين، فريق يرى عدم الاعتداد بالقرينة ويقول إنها لا تصلح حجة في بناء الأحكام القضائية، وفريق آخر يراها حجة يجوز للقاضي عدها من أدلة الإثبات والفصل في الدعوى بناء على دلالتها.

لننظر مثلا في هذا النص الذي نقلناه عن العلاّمة الحنفي ابن نجيم المصري يقول في كتابه البحر الرائق: "إعلم أنه قد ظهر من كلام المصنف أنّ طرق القضاء ثلاثة: بيّنة، وإقرار، ويمين ونكول عليه، أو القسامة أو علم القاضي بما يريد أن يحكم به

…

قال ابن الغرس -ولم أره حتى الآن لغيره-: "أو القرائن الدالة على ما يطلب الحكم به دلالة واضحة بحيث تصيره في حيز المقطوع به "، قال الخير الرملي-أي عن قول ابن الغرس في القرائن-:"هذا غريب خارج عن الجادة فلا ينبغي التعويل عليه ما لم يعضده نقل من كتاب معتمد"[53] .

هذا النص يبيّن لنا اختلاف فقهاء المذهب الحنفي في الاحتجاج بالقرينة، ولكن عند التحقيق نجد أن فقهاء المذهب الحنفي قد اتفقوا على الاعتداد بالقرائن في بعض المواضع، ولذا فإننا نقول إنه لا يخلو مذهب من هذه المذاهب من الاحتجاج بالقرينة، ولكن هذا الاحتجاج يختلف من مذهب لآخر، فبينما يتسع مداه عند فقهاء المالكية ومتأخري الحنابلة ليشمل إعمال القرائن في الحدود والقصاص، يضيق لدى فقهاء الشافعية والظاهرية الذي اقتصدوا في الاحتجاج بها ولم يأخذوا بها إلا حيث بلغت من القوة مبلغ اليقين وأصبح عدم الأخذ بها يخالف بداهة العقول أو يخالف النص الصريح.

ونبرهن على صحة هذا القول بعرض موجز لبعض القرائن التي تحدث عنها الفقهاء، وسأكتفي بسرد موجز لآرائهم، مشيرا إلى المواطن التي اعتمدت عليها في النقل عنهم حتى يتمكّن من يريد الاستزادة في هذا الخصوص من الرجوع إلى هذه المصادر.

أـ قرينة الحيازة ودلالتها على الملك:

ص: 496

والحيازة هي وضع اليد على الشيء والاستيلاء عليه [54] . ولا فرق بين الحيازة ووضع اليد عند فقهاء الشريعة إذ المقصود هو الاستيلاء على الشيء بصورة مختلفة، فإذا وضع شخص يده على دار أو أرض تصير تلك الدار أو الأرض في حيازته، وترتب على ذلك حماية تلك الحيازة واحترامها، وعُدَّ ذلك المال المحاز من أملاكه وذلك بناء على أمرين هامين:

الأول: القاعدة الفقهية التي تقضى بأن "الأصل في الإنسان البراءة"وأنّ الناس محمولون على السلامة، فما لم يثبت أن الشخص مقيَّد أو غاصب فالأصل أنه بريء.

الثاني: ما جرت عليه العادة وما عرف من غالب أحوال الناس أنهم يتصرفون في أملاكهم، فإذا حاز الإنسان شيئا وتصرف فيه، فالغالب أنه يتصرف في ملكه ما لم يقم دليل على عكس ذلك.

وبناء على ذلك فإنّ أقلّ أحوال ثبوت هذه اليد عند الفقهاء أنها تفيد الملك كما يدل عليه ظاهر الحيازة، وعليه فإنه يجب حماية هذه الحيازة وذلك بعدم انتقال الملكية من الحائز إلا بناقل أرجح من هذه القرينة الظاهرة، أي قرينة الحيازة، والناقل الأرجح عند الدعوى هو إما الإقرار أو البيّنة أو قرائن أخرى تكون دلالتها أقوى من دلالة الحيازة وأظهر في حجيتها من دلالة الظاهر.

هذا المعنى في الحيازة متفق عليه بين الفقهاء. ومن أهم مميزات هذه القرينة أنها وضعت حلاً للمشكلات التي تبدو في سبيل تمييز المدّعي من المدّعى عليه، مستفيدين بذلك من دلالة الظاهر التي تفيد أنّ الحائز يتصرّف في ملكه، وعلى مدّعي الملكية في مواجهة الحائز إثبات دعواه [55] .

ب ـ قرينة الاستعمال وقرينة الصلاحية:

ص: 497

قلنا إنّ الفقهاء اتفقوا على أن الحيازة قرينة على الملكية لما تدل عليه شواهد الأحوال، غير أنّ الحيازة وحدها قد لا تضع حداً لكثير من المنازعات، وخاصة إذا كان الشيء المتنازع عليه في أيدي المتداعيين يستعملانه أو يتجاذبانه بحيث تكون يد كل واحد منهما عليه، لم يقف الفقهاء عند ذلك مكتوفي الأيدي إنما رجعوا للقرائن المرجحة، والقرائن المرجحة هي:

1ـ قرينة الاستعمال:

وفكرة هذه القرينة تقوم على أساس أنّ اليد دليل الملك كما قدمنا، فإذا تداعا اثنان في الشيء وكان في يد أحدهما، قدّم من كان في يده إذا لم يقدِّم المدَّعي بينة استحقاقه للشيء المتنازع فيه، فيترك لمن كان في يده، أما إذا تداعيا الشيء وكان في أيديهما، يقوم من كان استعماله للمال المحاز أظهر، ذلك أنَّ الحيازة تقوم على أساس استعمال المال والتصرّف فيه، إذ لا معنى لحيازة الشيء دون تصرف فيه، فالأموال جعلت للاستفادة منها. ومن تم قالوا: كلما كان أحد المتداعيين مستعملا للمال المتنازع فيه، ومتصرفا فيه تصرفا يميزه عن الآخر بحيث يجعل سيطرته عليه أكثر وأرجح، ترجح جانبه وقضى له بناء على قرينة استعماله لهذا المال.

ويظهر جليا اعتداد فقهاء الحنفية والمالكية والشافعية بهذه القرينة في المسائل التي بحثوها في باب "مسائل الحيطان "أو باب "التنازع بالأيدي"أو باب "الشهادات"أو باب "الدعاوى والبينات ". ومن المسائل التي ظهر فيها اعتدادهم بهذه القرينة، قولهم:"إذا تداعيا حائطا وكان لأحدهما عليه جذوع ولا شيء للآخر يقضى به لصاحب الجذوع لأنه مستعمل للحائط والاستعمال دليل الصدق، وإذا تنازعا في دار يقدّم ساكن الدار على الذي لا يسكنها، ومن حفر فيها بئراً أو أحدث فيها بناءً يقدَّم على غيره، وإذا تنازعا دابة يقدَّم راكبها على المتعلق بلجامها.. كل ذلك مع الاستهداء بما يقضي به العرف وشواهد العادات في مثل هذه الأحوال"[56]

ص: 498

ومن الذين اقتصدوا في الاعتداد بهذه القرينة ابن حزم الظاهري فيرى فيما ذكرنا أن يد المتنازعين متساوية فيقسم المتنازع فيه بينهما [57] .

قرينة الصلاحية:

وتقوم فكرة هذه القرينة على أساس ترجيح أحد الجانبين بناء على صلاحية الشيء المتنازع فيه لأحد المتداعيين، يعني أن يكون ذلك الشيء ملائماً له بحسب العرف والعادة، كأن يكون أداة صنعته أو آلة حرفته، أومن مستلزمات مظهره حسب نفوذه أو مركزه في المجتمع وما عرف به بين الناس، ومن أمثلة ذلك الجلد للدباغ أو العطر للعطار أو السفينة للملاح أو الفرس للأمير وذي الجاه وغير ذلك من الأشياء التي تصلح لأحد الجانبين، في الوقت الذي يكون هذا الشيء ليس من مستلزمات أو أداة حرفة للجانب الآخر، وكما قلت إن أثر هذه القرينة يبدأ حينما يكون أيدي المتداعيين متساوية على الشيء المتنازع فيه.

وقد قال بالترجيح بهذه القرينة فقهاء المالكية والحنفية والحنابلة، ومنع من الترجيح بها الإمام الشافعي وابن حزم الظاهري بحجة أنَّ ذلك يخالف قاعدة الدعوى من أنّ كل من يدّعي حقا فعليه إثبات دعواه ولا ينظر لصلاحية المدّعى به له أو لغيره.

ج ـ في دعوى ملكية اللقطة أخذ الفقهاء بقرينة مطابقة الوصف دليلا على ملكية الواصف -بمعنى أن الواصف للقطة إذا ذكر وصفاً مطابقاً للواقع، جاز للملتقط تسليمه اللقطة- ومن ثم لا يلزمه ضمان المال إذا اتضح أنّ الواصف ليس هو المالك عند المالكية والحنابلة والظاهرية وهو الصحيح في نظري، ويلزم بالضمان عند الشافعية [58] .

د ـ قرينة التهمة أدت إلى تقييد تصرفات المريض في مرض الموت، فلا تنفذ تصرفاته المنجزة سواء أكانت تبرعية أم بعوض إلا في حدود ثلث أمواله مراعاة لحق ورثته. خالف في ذلك ابن حزم الظاهري ولم يعتد بقرينة التهمة وجعل تصرفات المريض نافذة كتصرفات الأصحاء. ورأي الجمهور هو الظاهر الغالب [59] .

ص: 499

هـ ـ لم يعتد جمهور الفقهاء بالقرينة في إثبات الحدود، وذهب فقهاء المالكية وابن تيمية وابن القيم وهو قول عن الإمام أحمد إلى القول بثبوت الحدود ببعض القرائن وهي قرينة الحمل في الزنا في المرأة التي لا زوج لها ولا سيد، وقرينة الرائحة أو السكر أو القيء في حد الخمر، والتعريض مع دلالة القرائن الأخرى في حد القذف. ولكل من الفريقين أدلة تؤيد مذهبه، أقواها من جهة النقل أدلة المانعين لإثبات الحدود بالقرائن [60]

وـ يقول فقهاء المالكية والشافعية والحنابلة: إنّ الوسيلة المستخدمة في القتل تدل على القصد الجنائي أو العمدية فإذا استخدم القاتل وسيلة معدة للقتل كالسلاح أو آلة تقتل غالبا كان ذلك قرينة على العمدية، وكان القتل قتلا عمدا، ولم يأخذ بفكرة الوسيلة هذه مالك وابن حزم [61] .

ز ـ أخذ الفقهاء بالقرائن في إثبات القسامة، وهي اللوث عند جمهور الفقهاء، وقرينة وجود القتيل في محله قدم عن الحنفية [62] .

ح ـ في مجال إثبات الحقوق المترتبة على عقد الزواج يعدّ فقهاء الحنفية والحنابلة الخلوة الشرعية قرينة على الدخول الحقيقي، فإذا ما ثبتت خلوة الرجل بزوجته خلوة صحيحة - وهى التي ينعدم فيها المانع الحقيقي الذي يمنع اتصاله بها كمرضه أو مرضها أو المانع الشرعي كالصوم أو الإحرام في الحج أو المانع الطبعي كوجود شخص ثالث- فالغالب أنه يجامعها. ولما كان إثبات هذا الجماع أمرا متعذرا قال هؤلاء بأنه يكفي المرأة إثبات الخلوة الصحيحة، لتنال حقوقها في إثبات المهر وثبوت النسب والعدة، ووجوب النفقة والسكنى وغير ذلك، وجعل المالكية أيضا الخلوة قرينة على الوطء ولذا قالوا لن تصدق المرأة في دعواها الوطء وعليها اليمين [63] .

ص: 500