المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌العدد 110 فهرس المحتويات 1- كلمة العدد: تحرير المجلة 2- دعائم التمكين للمملكة - مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة - جـ ٤١

[مجموعة من المؤلفين]

فهرس الكتاب

الفصل: ‌ ‌العدد 110 فهرس المحتويات 1- كلمة العدد: تحرير المجلة 2- دعائم التمكين للمملكة

‌العدد 110

فهرس المحتويات

1-

كلمة العدد: تحرير المجلة

2-

دعائم التمكين للمملكة العربية السعودية

تابع (1)

تابع (2)

تابع (3)

الدكتور/ حمد بن حمدي الصاعدي

3-

منهج الملك الإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود رحمه الله في تحقيق الوحدة ونبذ الفرقة

تابع (1)

تابع (2)

د/ غازي بن غزاي بن عبد العزيز المطيري

4-

كتابة العدل "ولاية التوثيق" في المملكة العربية السعودية

تابع (1)

تابع (2)

تابع (3)

د/ عبد الله بن محمد بن سعد الحجيلي

5-

الشيخ الإمام عبد الله بن عبد اللطيف وجهوده التعليمية في عهد الملك عبد العزيز

تابع (1)

عبد المحسن بن محمد بن عبد المحسن المنيف

6-

الفكر التربوي في رسائل الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود وخطاباته

تابع (1)

للدكتور/ طارق بن عبد الله حجّار

عمادة البحث العلمي - جميع الحقوق محفوظة 1423 هـ / 2002 م

ص: 134

كلمة العدد

تقديم

بسم الله، والحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله؛ محمّد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

وبعد؛ فهذا هو العدد الثّالث من (مجلّة الجامعة الإسلاميّة بالمدينة المنوّرة) الّذي يصدر خلال سنة المناسبة الحاليّة المباركة؛ الّتي يحتفي فيها أبناءُ المملكة بمرورِ مائة عام على دخول الملك عبد العزيز رحمه الله الرّياضَ؛ في الخامس من شهر شوّال من عام 1319هـ، وانطلاقِ تأسيس المملكة على العقيدة الصّحيحة، وتطبيق أحكام الشّريعة على الوجه الذي أراده الشّارع الحكيم؛ عبر جهود متّصلة من الكفاح والبناء والتطوير؛ من عهد المؤسّس رحمه الله إلى عهد خادم الحرمين الشّريفين (يحفظه الله) .

ويتضّمن هذا العددُ، مثل العددين السّابقين، بحوثاً في هذه المناسبة تستحضر - في النّفوس - شيئاً ممّا أفاء الله به على المملكة وأبنائها من نعم كثيرة لا تحصى، وترصد شيئاً من جهود وإنجازات المؤسّس رحمه الله وأبنائه من بعده، والتّذكير بأنّ هذه البلاد قامت على الدّعوة والدّولة معاً، وأنّها ما تزال تسير على ذات المنهج القويم، وتحرص على المحافظة على مكتسباتها، وأنّ ذلك هو أساس التّمكين في الأرض، وشرط العاقبة الحسنة، والنّجاة، والحياة السّعيدة في الدّنيا والآخرة (إن شاء الله) .

والحمد لله أوّلاً وآخراً.

وصلّى الله وسلّم على نبيّنا محمّد وآله وصحبه أجمعين.

(التّحرير)

ص: 135

تابع لكتابة العدل

المبحث السابع

شروط الموثق "كاتب العدل"عند الفقهاء

عرفنا مما سبق أن ولاية التوثيق ولاية شرعية وخطة من الخطط الدينية الكاملة، وقد تكون جزئية، فتضاف إلى غيرها من الولايات الدينية، وهذه الإضافة لا حصر لها في الشرع، بل هي تنظيم إداري سائغ ذائع من عهد الصحابة رضوان الله عليهم إلى عصرنا الحاضر.

لهذا يشترط في تولي هذه الولاية الشرعية ما يشترط في كل الولايات الدينية، وهذا عرض لأهم مقولات الفقهاء، قال الفقيه العلامة إبراهيم بن يحيى الغرناطي ما نصه:

"يعتبر في الموثق عشر خصال متى عري عن واحدة منها لم يجز له أن يكتبها وهي:

1-

أن يكون مسلماً.

2-

عاقلاً.

3-

مجتنباً للمعاصي.

4-

سميعاً.

5-

بصيراً.

6-

متكلماً.

7-

يقظاً.

8-

عالماً بفقه الوثائق.

9-

سالماً من اللحن.

10-

وأن تصدر عنه بخط بين يقرأ بسرعة وسهولة وبألفاظ بينة غير محتملة ولا مجهولة" [1] .

وزاد غيره: "أن يكون عالماً بالترسيل؛ لأنها صناعة إنشاء فقد يرد عليه ما لم يسبق بمثاله، ولا حُدى على منواله، وكذلك ينبغي أن يكون له حظ من اللغة وعلم الفرائض، والعدد، ومعرفة النعوت والشيات، وأسماء الأعضاء والشجاج، وهذه الشروط قلما تجتمع اليوم في أحد، وقصاراهم اليوم حفظ نصوص الوثائق"[2] .

وقال ابن لبابة [3] : "ينبغي لمرسّم الوثائق أن لا يخلو من ثلاثة:

1-

فقه يعقد به الوثيقة، ويضع كل شيء منها موضعه.

2-

ترسيل يحضر به شأنها. 3- نحو لاجتناب اللحن فيها".

وقد حكى الإمام ابن القاص الإجماع عند الإمام أبي حنيفة والإمام الشافعي على شروط معتبرة في كاتب القاضي، وهي في كاتب العدل أليق، وهو بها أجدر، وهذه الشروط حكاها الإمام ابن القاص الشافعي فقال:

ص: 136

"أجمع الشافعي والكوفي -أي أبو حنيفة- على أن لا يجوز للقاضي أن يتخذ كاتباً لأمور المسلمين في القضاء إلا مسلماً، عدلاً، جائز الشهادة، حرّاً، بالغاً،..، وأن يكون فصيحاً، عالماً بلغات الخصوم، ضابطاً لتغيير العجمية إلى العربية، فقيهاً، فطناً متيقظاً لا يؤتى عن جهالة، عاقلاً لا يخدع بغيره، نزهاً عن الطمع لا يستمال بهدية، قوي الحفظ قائم الحروف، عالماً بمواضع التدليس في الخط، ضابطاً لنُظُمها، لا يلتبس على خطه تسعة بسبعة، ولا ثلاث بثلاثين، ولا خمس عشر بخمس وعشرين"[4] .

وقال الإمام الطرابلسي الحنفي [5] : "إن شروط الكاتب عند بعض العلماء أربعة هي:

1-

العدالة. 2- العقل.

3-

الرأي. 4- الفقه".

وقال المتيطي: "ينبغي للموثق أن يكون -مع ذلك مما مضى- عارفاً بالحلال والحرام، بصيراً بالسنن والأحكام، وما توجبه تصاريف الألفاظ وأقسام الكلام، ويطالع مع ذلك من أجوبة المتأخرين وما جرى به العمل بين المفتين، ما يكون له أصلاً يعتمد عليه، ويرجع في نوازل الأحكام إليه"[6] .

ويقول الإمام ابن فرحون ما نصه:

"ينبغي أن يكون فيه من الأوصاف ما نذكره وهو أن يكون حسن الكتابة، قليل اللحن، عالماً بالأمور الشرعية، عارفاً ما يحتاج إليه من الحساب والقسم الشرعية، متحلياً بالأمانة، سالكاً طريق الديانة والعدالة، داخلاً في سلك الفضلاء، ماشياً على نهج العلماء الأجلاء"[7] .

ويقول العلامة النويري عن شروط كاتب الشروط:

ص: 137

"ينبغي أن يكون كاتب الحكم والشروط عدلاً ديناً، أميناً، طلق العبارة، فصيح اللسان، حسن الخط، ويحتاج مع ذلك إلى معرفة علوم وقواعد تعينه على هذه الصناعة، لابدَّ له منها ولا غنية له عنها وهي: أن يكون عارفاً العربية والفقه، متفنناً في علم الحساب، ومحرراً القسم والفرائض، درباً بالوقائع، خبيراً بما يصدر عنه من المكاتبات الشرعية، والإسجالات الحكمية على اختلاف أوضاعها، وأن يكون قد أتقن صناعة الوراقة، وعلم قواعدها، وعرف كيفية ما يكتب في كل واقعة وحادثة، من الديون على اختلافها، والحوالات والشركات، والقراض والعارية والهبة، والنحلة والصدقة والرجوع، والتملك والبيوع والرد بالعيب والفسخ، والشفعة والسلم، والمقابلة والقسمة والمناصفة، والإجارات على اختلافها، والمساقاة، والوصايا، والشهادات على الكوافل بالقبوض، والعتق والتدبير، وتعليق العتق، والكتابة، والنكاح، وما يتعلق به، وإقرار الزوجين بالزوجية عند عدم كتاب الصداق، واعتراف الزوج بمبلغ الصداق، والطلاق، وتعليق الطلاق، وفسخ النكاح، ونفي ولد الجارية، والإقرار باستيلاد الأمة، والوكالات والمحاضر، والإسجالات، والكتب الحكمية، والتقاليد، والأوقاف، وغير ذلك"[8] .

وقد ذهب بعض الفقهاء إلى أنَّه يشترط في الكاتب سواء أكان كاتب العدل "العدالة"أو كاتب القاضي يشترط فيه ما يشترط في القاضي.

قال الإمام ابن مازة الحنفي في معرض شرحه كتاب القاضي للإمام الخصاف ما نصه:

ص: 138

"يشترط أن يكون ورعاً مسلماً؛ لأن عمل الكتابة من جنس القضاء، فيشترط في الكاتب ما يشترط في القاضي"[9] ، وشروط القاضي متفاوتة كثرة وقلة عند الفقهاء وأشهرها عشرة، كما حصرها الإمام التمرتاشي الحنفي فقال: شروط القاضي: "العقل، والإسلام، والحرية، والنظر، والنطق، والسلامة من حد القذف، فلا يجوز تعيين المجنون، والصبي، والكافر، والعبد، والأعمى، والأخرس، والمحدود في القذف، والسمع، وليس بشرط على الأصح حتى يجوز تولية الأطروش. ."[10] .

وما ذهب إليه الإمام ابن مازة هو ما ترجح لدي في شروط كاتب العدل لهذا سردت في هذا البحث أهم هذه الشروط مستدلاً بأقوال الفقهاء؛ لأن كتابة العدل ولاية، فيشترط فيها ما يشترط في ولاية القاضي، أما إن كان كاتب العدل تابعاً لولاية القاضي غير مستقلٍّ عنه، فلا أقل من توفر أدنى الشروط، وهي الشروط الواجبة في كل من تولى أدنى ولاية، والإمام ابن تيمية قد بين لنا أن كل ولاية مهما صغرت فهي ولاية شرعية ينطبق عليها ما ينطبق على الولاية الكبرى حيث يقول:"والدعاوي: التي يحكم فيها ولاة الأمور، سواء سموا قضاة أو ولاة، أو تسمى بعضهم في بعض الأوقات ولاة الأحداث، أو ولاة المظالم، أو غير ذلك من الأسماء العرفية الاصطلاحية، فإن حكم الله تبارك وتعالى شامل لجميع الخلائق، وعلى كل من ولي أمر الأمة أو حكم بين اثنين أن يحكم بالعدل والقسط. .."[11] .

ص: 139

فالإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى عمق مفهوم الولاية الشرعية وجعل أعلاها الملك والخلافة وأدناها الحكم بين اثنين، وكل الولايات الإسلامية ولايات شرعية، كما وضح ذلك في مواطن كثيرة في فتاواه، فمن تولى ولاية فعليه الحكم بالعدل والقسط، ويجب على ولاة الأمر أَلَاّ يولوا أي والٍ إلا من اجتمعت فيه شروط الولاية الشرعية، وذلك لعظم حاجة الناس للوالي، أيّاً كان نوعه، والذي ترجح لديّ بعد هذا العرض أن شروط الكاتب ما رجحه بعض الفقهاء كالغرناطي وابن مازة وغيرهما، وهي مجملة كالتالي:

1-

الإسلام. 2- الحرية.

3-

العقل. 4- الفقه.

5-

العدالة. 6- الذكورة.

7-

السمع. 8- البصر.

9-

النطق.

10-

الورع وجزالة الرأي وحسن الضبط.

فهذه الشروط العشرة مستفادة مما نص عليه الفقهاء في شروط القاضي، وشروط كاتب الوثائق "العدل"، وهي شروط واجبة فيمن تصدى لهذه الولاية العظيمة التي أضحت اليوم في عصرنا الحاضر من أهم الولايات الشرعية، وحاجة كافة الناس لخدماتهم أكثر من حاجتهم للقضاة، فلاشك اليوم أن كل فرد في المجتمع قد استفاد من أعمالهم الجليلة، باستخراج وكالة، أو إفراغ صك، وغير ذلك، وهذا هو المعمول به اليوم والمطبق في المملكة العربية السعودية، وسأفردها إن شاء الله في مبحث مستقل في الفصل القادم [12] .

المبحث الثامن

آداب كاتب الوثائق الشرعية "كاتب العدل"

ص: 140

ذكر الفقهاء مجموعة من الآداب المستحب أن يتحلى بها الموثق، وهذه الآداب هي خلال مثالية نتمنى أن يتحلى بها كل موثق، ولكنها ليست شرطاً في صحة الولاية، واهتمام فقهاء الإسلام بهذه الآداب الإسلامية نابع من اهتمام الفقهاء بالأخلاق الإسلامية التي جاء بها الشرع الشريف، ومحاولة بثها بين الناس، وإرشاد كل من تصدى لقيادة الناس أن يكون مثالاً حيّاً في حسن تطبيقه للآداب الإسلامية، والحجة قائمة عليه بما قاله الفقهاء، والناحية التطبيقة مناطة بالوالي القائم بالأمر، وهذه بعض آداب كاتب العدل [13] :

1-

التحلي بالتقوى في السر والعلن، وأن يكتب كما علمه الله سبحانه وتعالى، وهذا أمر صريح تضمنته آية التوثيق التي جاءت في محكم التنزيل.

2-

وأن يحيط علماً بعلوم الوثائق والشروط، فيعرف فقهها، وأحكامها، وعللها، وطرائقها، ويحيط بعلومها التي فصّلها الفقهاء حسب اصطلاح العصر الذي يعيش فيه.

3-

النصيحة لمن استعمله من ولاة الأمر، فالدين النصيحة، وكذلك للمسلمين المراجعين له، وكلمة:"الدين النصيحة"شاملة لحقوق الخالق وحقوق الخلق فهي من جوامع الكلم.

4-

الاحتراز من الألفاظ المحتملة والمبهمة، حتى ينقطع النزاع ويرتفع التخاصم؛ لأن الإبهام في الأسماء والاحتمال في الألفاظ مؤذن بالنزاع في مستقبل الأيام.

5-

أن يكون من أهل العلم والدين متحليّاً بحلية الأمانة، عالماً بالأمور الشرعية؛ لأن الله سبحانه وتعالى أناط ولاية التوثيق بالعلم عندما قال:{أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ} (البقرة/ 282) .

6-

أن يكون حسن الخط، حاوياً طرفاً كبيراً من علم العربية؛ وذلك لأن رداءة الخط قد توقع في المحذور.

يقول الأسيوطي عن حسن الخط:

ص: 141

"ينبغي للموثق..، أن يحسن خطه، ولا يقرطم الحروف، ولا يداخلها في بعضها مداخلة تسقط بها بعض الحروف، أو تخل المعنى، أو تؤدي إلى خلل في اللفظ المشهود به، ولا يقيد موضع الأطلاق، كما لا يطلق موضع التقيد، فإن ذلك إخلالٌ بالعقود، وسبب لحصول الضرر من ضياع حقوق المسلمين، وإتلافها أو بعضها"[14] .

7-

أن يكون سالكاً مسلك الفضلاء، متحلياً بآداب النجباء في هديه كله، من قول أو فعل أو ملبس أو زِي، ماشياً على نهج العقلاء في تصرفاته كلها؛ لأن العيون إليه ناظرة، والألسن بأفعاله ناطقة، فرحم الله امرءاً دفع الغيبة عن نفسه.

8-

أن يكون عارفاً بعلوم الفرائض الشرعية وقسمتها -إذا كانت إليه- ومراتب الحساب، متصرفاً في بسط مجموعها، وموضوعها، وتبين أصولها وفروعها.

9-

الابتعاد عن التلبس بالكذب، ومعاشرة الأراذل والأسافل ومجاوبتهم، والمشي معهم، أو التلطف بهم، فإن القرين إلى المقارن ينسب.

10-

أن يميز بين الخصوم، ويعرف المشهود من المشهود له، ولا يتكلم مع الأخصام والشهود إلا بالقضايا المعروضة لديه، ولا يبطن قضية مع أحد الخصمين يكون للآخر فيها حقّاً، فإن ذلك يؤدي إلى الاتهام في النصيحة، وربما جرت المباطنة مع أحد الخصمين إلى زيادة المخاصمة، وعادت بالضرر العميم في الحال أو المآل.

11-

أن يسمع كلام الشهود على الترتيب، ويلزم من أخل به بالوقوف عند حده حتى يأذن له، وينبه على ذلك الصواب برفق، ويمنع تنازع الخصوم في المجلس؛ لأن ذلك يكسر الحرمة ويزيل الهيبة.

ص: 142

12-

التأني عند الكتابة وعدم الإسراع عند الشروع فيها، فلا يوقع الشهادة من الشهود إلا بما يقع عليه الاتفاق بينهم، فإن ذلك يقطع التنازع بين الخصمين، وربما يكون المشهود عليه ضعيفاً، فإذا اشتغل الشاهد في الكتابة ربما أغمى عليه، واستمر مغمياً عليه إلى أن يموت، فيفوت المقصود، وهذا يدل على أن يراعي الكاتب أحوال المراجعين من الناحية الجسمية والعقلية، فلا يكلف أحداً ما لا يطيق من الانتظار أو الوقوف مدداً طويلة؛ لأن ذلك يوقع في المحذور الشرعي.

13-

أن يلتزم بحسن الأدب في الخطاب، ودعوة الشهود، ومخاطبه المراجعين، فيلين لهم القول بغير ضعف، ولا يرفع الصوت بلا سبب جوهري، فإذا أساء أحد منهم الأدب أدبه بحسب الحال الواقعة قوة أو ضعفاً.

14-

ينبغي للموثق أن يعرف مقادير الناس، فينزلهم منازلهم، ويكتب لكل شخص ما يناسبه من الألقاب اللائقة به من الخليفة أمير المؤمنين، أو السلطان، أو مقدمي الألوف، أو أرباب الوظائف.، أو أرباب الأقلام والسيوف، أو أمراء الأجناد والمناطق أو السادات القضاة، أو فقهاء المذاهب الأربعة، ومن في درجتهم ممن هو موصوف بالعلم والدين والفضل، وينوه بذكر البيوت العريقة، فيذكر نعته ولقبه بحسب ما يعرف الموثق من مقامه.

ويكتب للنساء بما يليق بهن، ويكتب لأهل الذمة والعهد بما يليق بهم، على طريقة علماء التوثيق المتقدمين والمتأخرين، ويراعي دوماً الاصطلاح المتفق عليه في عصره.

15-

ينبغي للموثق أن يتحفظ أو يُحَصّل في ضبط أنواع من الحُلَى مما هو أشهر في الإنسان، ويراجع أبواب الحُلَى عند أهل اللغة والفقه إذا احتاج إلى ذلك، فإن استعملها نفعته، وإن تركها اعتماداً على معرفة الخصوم فما تضره، هذا ما جرى عليه الأسلاف قبل عصرنا، أما الآن فالاعتماد على الوثائق الرسمية الموضحة الصادرة من إدارات الأحوال المدنية.

ص: 143

16-

ينبغي للموثق أن يتزيَّا بزي الصالحين في عصره، في اللباس والسمت والكلام، وقد جرى العرف في بعض العصور أن يلزم القضاء والمعدلين بزي معين، فقد كان الزي في العصر العباسي الأسود، وفي العصر المملوكي يلبسون الطرحة، وهي من القماش الأبيض، وفي عصرنا تلبس العباءة أيّاً كان نوعها.

لهذا يستحب له أن يلبس الزي الذي يلبسه القضاة والكتاب في عصره؛ لأنه به أليق، ولمنصبه أهيب، وحتى يعرفه الداخل عليه من النظرة الأولى، ويكون لحاله وقع في النفوس، وهيبة في القلوب، وهذا هو الحال اللائقة به، وبأمثاله من أصحاب الولايات الدينية.

17-

أن يحذر من كتابه وثيقة نكاح أو عقد صداق في خرق الحرير، أو أي شيء محرم شرعاً بل بحسب ما نصت عليه التعليمات المرعية؛ لأنه باب من أبواب الإسراف، وإضاعة المال، وإن كان يجوز للمرأة لبس الحرير، والتحلي بالذهب، ولكن يلبس فيما يكون لبساً وتحلياً شرعيّاً، وأن يحذر كتابة الصداق في خرق الحرير؛ لأنه من باب الفخر والخيلاء والمباهاة، بل يكتب وثائق النكاح في الأوراق والرق وغير ذلك من المباح شرعاً، وفي عصرنا الحاضر يجب على العاقد الموثق أن يلتزم بالتعليمات المبلغة له من المحكمة حول هذا الشأن.

18-

الحذر من أن يكتب سطراً أو سطرين ثم يترك بياضاً خارجا عن العادة لأن هذا من باب إضاعة المال والسرف والخيلاء، وإن كان ذلك في رق أو ورق، ولو لم يكن فيه إلا مخالفة السلف الماضيين -رحمهم الله تعالى- لكان فعله ذلك قبيحاً، فكيف به مع مصادمته للنصوص الشرعية المانعة من السرف والخيلاء.

ص: 144

19-

يحذر كاتب عقود الأنكحة أن يحضر للكتب في موضع فيه منكر، أو عند من يتعاطى ذلك جهراً، مثل شرب الخمر، وضرب المغاني، أو كشف الوجوه والمعاصم، أو يكون ثمت نساء متبرجات، سواء اختلطن بالرجال أم لا؛ لأن الموثق منسوب إلى الخير والصلاح والعلم، أو أحدهما، ودخوله هذه الأماكن فيه قدح في سمعته، وصلاحه وعلمه؛ لأنه يجب عليه تغيير ذلك، وأقل درجات التغيير امتناعه عن الحضور، يقول الإمام ابن الحاج: "إن من أعظم المفاسد المترتبة على حضوره وهي كثيرة جدّاً مفسدتان عظيمتان:

أحدهما: سقوط عدالته في نفسه، وإذا سقطت عدالته بطلت عقوده.

الثانية: أنه قدوة، فيقع العوام بسبب تعاطيه ذلك اعتقاد جواز فعله في الشرع" [15] .

20-

ينبغي للكاتب إذا رأى في الكتاب أو السجل خللاً أن ينهي ذلك إلى القاضي بأسلوب مؤدب، وتصرف لبق، حتى يغير ما سها عنه القاضي، ولا يذكر ذلك على سبيل التعليم للقاضي، بل على سبيل الإرشاد عليه.

21-

ينبغي للكاتب ألاّ يفشي سرّاً استودع، ولا يتحدث عنه بكذب، ولا يغتاب أحداً، وأن يشاور من هو أعلى منه درجة، ولا يقطع أمراً دونه.

22-

ينبغي للكاتب أن يتفقد ما كتب، ويتصفح عمله المرة تلو المرة، فكل عمل معرض للخطأ والتصحيف، ويحاول أن يكون عمله في منتهى الإتقان والضبط، حتى يأمن الوقوع في خلل ما يكتبه، ويدونه، ويمضيه من الأحكام التي تبقى على مر الدهور وكر العصور.

المبحث التاسع

شروط صحة كتابة الوثيقة الشرعية عند الفقهاء

إذا صدرت الوثيقة في أي تصرف شرعي صحيح من قبل كاتب الوثائق متضمنة الشروط التي نص عليها الفقهاء فهي وثيقة شرعية صحيحة، وإن خالفت تلك الشروط فتعتبر لاغيه، والتصرف المتضمنة له غير صحيح، وهذه أهم الشروط التي نص عليها الفقهاء [16] :

الشرط الأول:

ص: 145

أن تصدر الوثيقة الشرعية من والٍ مأذون له من قبل ولي الأمر بإصدار الوثائق الشرعية، مهما كان نوعها أو موضوعها، سواء أكان هذا الوالي قاضياً أم كاتباً للعدل أم غيرهما.

وأن تكون مستوفية كل التعليمات النظامية المبلغة لهم من جهة الوزارة التابعين لها، أو من قبل رئاسة مجلس الوزراء أو الملك.

وأن يستوفي كافة الأشهادات الشرعية، والتصديقات الرسمية، مذيلة بالتوقيع والختم الذاتي على الوثيقة، ووجود الختم الرسمي الخاص بتلك الإدارة القضائية من محكمة أو كتابة عدل أو غيرها.

وهذا الشرط مأخوذ من الواقع التطبيقي المعاصر الذي نراه ويعمل به اليوم في تلك المؤسسات القضائية.

الشرط الثاني:

أن تكون الوثيقة مشتملة على تعريف المتصرف من بائع أو مشتري، أو مؤجر أو مستأجر، أو راهن أو مرتهن ونحو ذلك، بحيث يتميز عن بقية الناس بحسب الغالب في العادة أو النظام المعمول به في الدولة.

وعبء تحديد شخصية المتصرف كانت في أوائل الدولة الإسلامية خاصة القرون الثلاثة الأولى من الأعباء العظيمة التي أرهقت كاهل الحكام والقضاة والموثقين؛ لعدم وجود ما نعرفه في عصرنا من (بطائق الأحوال الشخصية) التي تحدد شخصية الطالب تحديداً دقيقاً في الحياة وعند الوفاة.

وفي هذا المقام نص الفقهاء جميعاً قديماً وحديثاً على أنه لابد من تحديد شخصية المتصرف بما يدل عليه دلالة واضحة جلية لا لبس فيها ولا غموض، لهذا قال الفقهاء: "إن كان المتصرف مشهوراً بالاسم اكتفى بذكر اسمه، بدون ذكر اسم الأب أو الجد، وذلك كشريح وعطاء وأمثالهما، وإن لم يكن المتصرف مشهوراً بالاسم وجب تعريفه بذكر اسمه واسم أبيه (عند أبي يوسف) ، ووجب ذكر اسم أبيه واسم جده مع اسمه (عند أبي حنيفة ومحمد) ، وهذا ما به أصل التعريف.

ص: 146

يقول الإمام ابن فرحون عن الشاهد وتعريفه عند القاضي أو الموثق: "ينبغي للقاضي إذا شهد الشاهد عنده أن يكتب شهادته، واسمه ونعته وقبيلته، ومسكنه ومسجده الذي يصلي فيه، والسنة والشهر الذي شهد فيه، ثم يرفع ذلك عنده ويودعه في ديوانه، فقد يحتاج المشهود له إلى شهادته، فربما زاد الشاهد منها أو نقص، وفائدة تسميته ونعته أنه قد يتسمى له أحد بغير اسمه، ممن هو في الناس عدل، فإذا سأل عنه وبعث السؤال إلى مسجده ومسكنه بالاسم والنعت والنسب. كشف بالسؤال شخصية المنتحل، وتحقق من شخصية كل طالب"[17] ، وهذا واجب مناط بكل كاتب قاضٍ أو كاتب عدل أو كاتب ضبطٍ أو غيرهم.

الشرط الثالث:

أن تكون الوثيقة مشتملة على تعريف المتصَرّف فيه من مبيع أو مستأجر أو مرتهن وغير ذلك، فإذا كان عقاراً كان لابد من أن يُعرفه بذكر حدوده الأربعة، ثم يذكر مكانه في المدينة أو القرية أو البلدة ثم يذكر المحلة، ويذكر السكة التي يطل عليها، مبتدءاً من الأعم ثم الأخص؛ لأن العام يتميز بالخاص دون العكس، ثم يكتب الحدود الأربعة من الجهات الأربع، حتى يكون التعريف به حاصلاً على جميع أقوال الأئمة، وإن كان هنالك خلافٌ واقعٌ بينهم؛ لأن بعض الفقهاء قد يكتفي بذكر ثلاثة ويكون الرابع بمسامتة أحد الحدين المقابلين له، ولكن الوثيقة يأخذ فيها بجانب أحوط الوجوه، ويتحرز فيها عن الخلاف، ثم يشرع في وصفه ووصف حدوده وصفاً شاملاً مانعاً من الاشتباه بغيره.

وإذا كان المتصرف فيه عقاراً بأنواعه المختلفة من الدور والمزارع والدكاكين والأسواق ونحو ذلك فعل مثل ما فعل في العقارات مما مضى بيانه.

ص: 147

أما إن كان المتصرف فيه عيناً آخر، أو الكتابة على رهن أو دين في الذمة أو قرض أو سلم، أو غير ذلك، فلابد من ذكر شروط صحة التصرف المتفق عليها عند الفقهاء في كل نوع منها، وقد يحتاج إلى ذكر الوزن أو النوع أو نحو ذلك، بحسب نوع ذلك المتصرف فيه ذهباً كان أو فضة أو جواهر أو حيوانات أو زروع أو ثمار ونحو ذلك.

وهذا يحتاج من الكاتب الاطلاع الواسع على مقالات الفقهاء حول أحكام صحة التصرف في كل نوع من هذه الأنواع الماضي ذكرها.

الشرط الرابع:

أن تكون الوثيقة مشتملة على التعريف بالثمن في البيوع تعريفاً جامعاً مانعاً من الجهالة والنزاع، فإن كان نقداً كتب النقد ووصفه وصفاً دقيقاً، فيقول مثلاً:"بألف ريال، عربي سعودي"في عصرنا؛ لأن الريال قد يشتبه بغيره من عملات الريال في الدول الأخرى، فينص عليه بذكر صفته، "أنه عربي سعودي"، وكذلك إذا كان بالدولار أو الجنيه، فيذكر نوعه واسم الدولة المصدرة له.

وإن كان المبيع حبوباً ذكر نوعها وصفتها ومقدارها، فإذا كان المبيع قمحاً يقول:"قمح سعودي، أبيض أو أسود" ومقداره كذا بالكيلو أو الطن أو غير ذلك من الأوزان المستعملة في عصره وبلده، أو البلد المشترى منه.

وهذا يجري في كل تصرف من التصرفات الشرعية، أن يكون جارياً على الشروط الصحيحة التي نص عليها الفقهاء خوفاً من التزوير، وحذراً من الجهالة ووقوع التنازع، الذي يتسبب في الضرر للطرفين من كافة الجهات.

الشرط الخامس:

أن يكتب الموثق الوثيقة مراعياً فيها إزالة الوهم بقدر الإمكان، منعاً لما عساه أن يوجد النزاع بين المتعاملين، لهذا يكتب في الوثيقة مراعياً فيها الشرط المذكور لأجل حسم النزاع في المستقبل، وضمان حق كل طرف من الطرفين، ومنعاً للالتباس المتوقع حصوله بينهما في المستقبل.

ص: 148

مثاله: إذا كانت الوثيقة وثيقة شراء لدار، يكتب في وثيقة الشراء:(أن فلان الفلاني اشترى جميع أو كامل الدار) ؛ لأن الالتباس قد يحصل في الشراء فقد يكون الشراء لجزء منها، أو نحو ذلك، ولهذا يزيل ما يتوهم، أو قد يقع في ذهن الشاري أن المراد البعض من الثلث أو الثلثين أو الأرباع ونحو ذلك.

الشرط السادس:

أن يراعي الموثق عند كتابة الوثيقة حفظ كافة حقوق المتعاملين؛ لأنه مؤتمن على الصياغة، فتجب أن تكون الوثيقة شاملة، ومحيطة بحقوق كافة أطرافها، خوفاً من وجود ما قد يتسبب في نقضها، أو تغليب حق أحد الطرفين على الآخر، فإزالة أسباب الشقاق والإسقاط في المستقبل تجب مراعاتها في كل وثيقة تكتب في كل تصرف من التصرفات الشرعية.

مثال: "إذا كان المبيع داراً أو استحقاق دار، يفضل أن يكتب:(أنها تنتهي إلى الحد الفلاني من حدود الأرض المباعة) ، حتى إذا اشتراها أحد بعد ذلك كانت صورة العقار واضحة لديه كل الوضوح.

وإذا كان التصرف بيعاً من الأفضل أن يقول: (وحصل التفرق بينهما بأبدانهما، عن تراض منهما جميعاً، وإنفاذاً منهما له) ، ونحو ذلك.

والمقصود من هذا الشرط ذكر بعض الشروط التي نص عليها الفقهاء في صحة المبيع أو المشترى؛ لأنه لو لم يقر أحدهما بصحة البيع أو الشراء، لقام بنقض البيع يوماً من الدهر، وقد استغل العقار –مثلاً- وحاول الرجوع بالثمن على البائع، فيحدث خلاف جديد مستحق لنظر القاضي ومراجعة المحاكم، وهذا الشيء يمكن تلافيه حال كتابته الوثيقة، بأن تكون مشتملة على ما يمنع النزاع المستقبلي بأي صورة من الصور، خالية من كل ما قد يؤثر في صحتها وصحة ما اشتملت عليه من التصرفات التي قد يظهر ضررها في الحوادث والأيام المقبلة.

الشرط السابع:

ص: 149

الاحتراز عند كتابة الوثيقة من ذكر ما يترتب عليه فساد التصرف الذي اشتملت عليه الوثيقة الشرعية، وذلك بذكر المجمع عليه من أقوال الفقهاء وترك ما فيه نزاع بينهم، أو بذكر الراجح من المذهب، أو التعليمات والأنظمة الجاري العمل بها في الدولة التي صدرت الوثيقة فيها، وأصدرتها مؤسساتها القضائية أو الإدارية.

وهذا الشرط يبين أهمية علم الوثائق، وعظمه مسؤولية كاتبها؛ لأنه يجب عليه أن يراعي كل قيد أو شرط أو نحوهما، مما يترتب على ذكره فساد التصرف الذي كتبت الوثيقة به، فإنه يجب التحرز عنه، محافظة على صحة التصرفات الشرعية، لهذا كان من المستحسن جدّاً ألاّ يتعرض لكتابة الوثائق إلا من كان خبيراً بها، عالماً بأوجه الخلاف فيها، محيطاً بما يلزم لصحتها من شروط، مطلعاً على الأشياء التي تفسدها، خوفاً من كتابتها على غير وجهها، فيؤدي ذلك إلى فساد التصرفات المشتملة عليها، وفي هذا من الضرر ما لا يخفى على كل عاقل ومجرب ومطلع مراجع.

الشرط الثامن:

أن تكون الوثيقة مشتملة على ذكر ما يفيد صحة التصرف الذي كتب به، ونفاذه ولزومه، وخلوه مما يفسده.

لهذا نرى أن متقدمي علماء الشروط من علماء الحنفية يكتبون في وثيقة الشراء الكلمات التالية: "شراء صحيحاً باتاً بتاتاً، لا شرط فيه ولا خيار ولا فساد عدة وفاء، ولا على وجه الرهن أو التلجئة، بل بيع المسلم من المسلم".

وهذا تصرف حسن، وعمل شرعي ناجح، وفيه أخذٌ بجانب الاحتياط خوفاً من الاحتيال عليها في المستقبل بادعاء فساد العقد، أو أن الدار المباعة موقوفة مثلاً، أو غير ذلك من الدعاوى الباطلة أو الكيدية التي توقع الشقاق والنزاع بين المتعاملين، وتعطل كثيراً من الحقوق وما أكثرها اليوم!، وهذا ما جاء في بعض الوثائق النبوية وهي وثيقة شراء قال فيها:"بيع المسلم للمسلم"[18] ، فهذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم راعى جانب الاحتياط، ولنا في رسول الله أسوة حسنة.

ص: 150

الشرط التاسع:

أن تكون الوثيقة مشتملة على ذكر أن المتصرف يملك حق التصرف الشرعي، وأن هذا التصرف صدر منه في حال نفاذ تصرفاته، وصحة بدنه وكمال عقله، وأنه غير مكره ولا ملجأ، بل صدر التصرف منه طواعية بدون إكراه أو جبر، بل حصل بطوعه ورضاه، وأنه لا علة به من مرض أو غيره مما يمنع نفاذ تصرفاته البدنية، وصحة إقراراته الشرعية، هذا كُلُّه لأجل ألاّ يكون هنالك مدخل شرعي لنقض صحة التصرف من جانب المتصرفين أو أحدهما، بدعوى علة المرض أو الإكراه أو الحجر أو السفه وغير ذلك من الموانع الشرعية المانعة من التصرفات القولية أو الفعلية.

الشرط العاشر:

أن تشتمل الوثيقة الشرعية على شهادة الشهود العدول على صحة ما صدر من تصرف كتب في الوثيقة، وأخذ توقيعهاتهم بجانب اسم كل واحد منهم، أما محل ذكر شهادة الشهود، هل تكون في أول الوثيقة أو في وسطها أو في آخرها بجانب توقيع القاضي أو كاتب العدل، فالأمر سيان والنتيجة واحدة.

والأفضل أن تكتب في ذيل الوثيقة كما جرى به العمل في عصرنا خاصة في وثائق الوكالات والرهون ونحوها، وأما في غيرها كوثائق البيوع فتكون في وسط الوثيقة بعد ذكر أهم شروط صحة الوثيقة.

ولابد من ذكر أسماء الشهود الثلاثية أو الرباعية كما جرى به العمل اليوم، وذكر أرقام وثائقهم الشخصية -حفائظ النفوس-، وهذا جار العمل به منذ القدم.

وأن ينص على أن الشهود وقفوا على حقيقة التصرف، وتكتب شهاداتهم بذلك على الإثبات له، وقد علموه علم اليقين بالإقرار الجاري أمام أعينهم من كلا المتعاقدين، أداء للشهادة على وجهها، وتحريا للصدق والأمانة، ويكتب في نهاية الوثيقة "شهد الشهود المسلمون بجميع ما في هذا الكتاب"بما علموه ووقفوا على حقيقة من إقرار المتعاقدين وبما لم يقفوا على حقيقته.

الشرط الحادي عشر:

ص: 151

يجب أن تكون الوثيقة مشتملة على تاريخ التصرف الذي تضمنه، بذكر اليوم، والشهر والسنة، ومكان صدور الوثيقة وذلك دفعاً للاشتباه والالتباس والتزوير.

ويكتب التاريخ في نهاية الوثيقة، وقد جرى العمل عند الموثقين أن يقولوا:"وذلك كله صدر أو جرى في يوم كذا في شهر كذا في سنة كذا"، وبعض الموثقين يجعله في صدر الوثيقة فيقول:"في يوم كذا، في شهر كذا، في سنة كذا"، أمام الموثق الفلاني في المحلة الفلانية، أو القاضي الفلاني في المحلة الفلانية وهكذا، ولابد أن يكون تاريخ اليوم والشهر والسنة بموجب التاريخ الهجري المحمدي، إلا إذا كانت الوثيقة سوف تستعمل في بلاد أخرى فيستعمل فيها تاريخاً آخراً، كما في عصرنا وهو -التاريخ الميلادي- فلا بأس من ذكره، مؤخراً بعد التاريخ الهجري، والله أعلم.

--------------------------------------------------------------------------------

[1]

الوثائق الغرناطية / ق 3/) .

[2]

شرح الوثائق الفرعونية: ص4.

[3]

المصدر السابق.

[4]

أدب القاضي له: 1/117.

[5]

معين الحكام: ص19.

[6]

شرح الوثائق الفرعونية: ص5.

[7]

تبصرة ابن فرحون: 1/282.

[8]

نهاية الأرب: 9/1-2.

[9]

شرح أدب القاضي: 1/244.

[10]

مسعفة الحكام: 1/195 -210.

[11]

مجموع الفتاوى: 35/389.

[12]

انظر ص80 من البحث.

[13]

مستفاد من كتاب جواهر العقود (1/7) وما بعدها بشيىء من التصرف.

- وكتاب المدخل لابن الحاج: 2/162 وما بعدها (مع تصرف يسير) .

[14]

انظر جواهر العقود 1/12.

[15]

انظر المدخل لابن الحاج: 2/163.

[16]

انظر المصادر التالية:

- الأصول القضائية في الموافقات الشرعية لعلي قراعه الصفحات (290-298) بتصرف.

- مذكرات في علم التوثيق/ أحمد الفاضلي: الصفحات (39-48) .

ص: 152

- الأنظمة واللوائح والتعليمات إصدار وزارة العدل السعودية، 1400هـ.

[17]

تبصرة الحكام: 1/56.

[18]

انظر ص262 من البحث.

ص: 153

تابع لكتابة العدل

الفصل الثاني

(كتابة العدل)"ولاية التوثيق"في المملكة العربية السعودية

وفيه المباحث التالية:

المبحث الأول: حالة القضاء والتوثيق عند ظهور الملك عبد العزيز.

المبحث الثاني: مراحل تطور أنظمة (كتابة العدل) في عهد الملك عبد العزيز رحمه الله.

المبحث الثالث: شروط كتاب العدل "الموثقين"ودرجاتهم الوظيفية.

المبحث الرابع: أعمال كتاب العدل "التوثيق" وصلاحيتهم واختصاصاتهم.

المبحث الخامس: مسميات وظائف كتابة العدل وواجباتهم.

المبحث السادس: الفئات التي منع كاتب العدل من التوثيق لهم.

المبحث السابع: المذهب المعمول به في أنظمة كتاب العدل (الموثق) .

المبحث الثامن: أنواع الوثائق الشرعية الصادرة من كتابات العدل.

المبحث التاسع: الطرق المرعية في إصدار وتحرير الوثائق الشرعية.

المبحث العاشر: نظام إصدار الوكالات الشرعية بالحاسب الآلي.

المبحث الحادي عشر: الارتباط بين كتابات العدل والمحاكم.

المبحث الثاني عشر: فروع كتابات العدل في المملكة العربية السعودية.

المبحث الثالث عشر: أنشطة كتابات العدل بالمملكة العربية السعودية.

المبحث الرابع عشر: العقوبات النظامية المترتبة على تزوير الوثائق الشرعية.

"كتابة العدل"ولاية التوثيق في المملكة العربية السعودية

تمهيد:

مقدمة تاريخية موجزة عن الأحوال الإدارية عند ظهور الملك عبد العزيز.

اصطلح المؤرخين كافَّة أن يقسموا الأدوار التي مرت بها الدولة السعودية منذ قيامها على يد الإمام محمد بن سعود رحمه الله، إلى ثلاثة أدوار تاريخية هي:

الدولة السعودية الأولى: 1157 - 1233هـ

الدولة السعودية الثانية: 1240 - 1308هـ.

ص: 154

الدولة السعودية الثالثة: وتبدأ من قيام الملك عبد العزيز –رحمه الله تعالى- بفتح الرياض في 5/10/1319هـ ويُعَدُّ فتح الرياض البداية الحقيقة لظهور الدولة السعودية المعاصرة؛ لأن فتح الرياض كان نقطة الارتكاز لانطلاق جيوش الجهاد لتحرير بقية أجزاء الدولة السعودية، وهذه حقيقة تاريخية لا ينكرها إلا جاهل لم يقرأ التاريخ مطلقاً، والوقائع التاريخية المشابهة لهذا الفتح كثيرة لعل أبرزها صورة، وأشهرها ذكراً، وأصدقها حقيقة، فتح النبي الكريم صلى الله عليه وسلم للمدينة، فقد ذكرت عائشة رضي الله عنها:"أن المدينة فتحت بالقرآن"، ولما وقعت المعاهدة بين النبي الكريم صلى الله عليه وسلم وزعماء الأنصار في بيعتي العقبة، وتحقق النبي صلى الله عليه وسلم من شدة عقدة العهد ومتانته، أذن لأصحابه بالهجرة إلى المدينة المنورة، وأرسل إليهم "مصعب بن عمير"معلماً ومرشداً، فكانت المدينة بداية الانطلاقة الكبرى للفتوح الإسلامية التي سارت مشرقة ومغربة، وعلى ذلك فقس في كل الدُّولِ الإسلامية التالية لها، كالدولة الأموية أو العباسية وغير ذلك.

فلابد إذن من نقطة ارتكاز وموقع حصين مأمون، يكون بداية الانطلاق لتحرير جزيرة العرب في عهد عبد العزيز، فوقع اختياره على المدينة الحصينة الرياض، فمنها انطلقت الجيوش السعودية لتحرير أغلب الجزيرة العربية من براثن الأعداء، وظلمات الجهل، والفتن العمياء، وبالاستقراء التاريخي نجد أن الرياض مؤهلة لتكون بداية الفتح لأسباب كثيرة أهمها ما يلي:

(1)

الرياض تتمتع بمزايا كثيرة تؤهلها لتكون محور ارتكاز العملية الجهادية، فهي عاصمة الأجداد، وبها أكثر الموالين للملك، وأهلها عمدة جيش تحرير البلاد من الغاصبين والطامعين.

(2)

بعد الرياض عن مراكز القوى القوية التأثير في بداية الانطلاق، كحائل وهي مركز لآل الرشيد، أو الحجاز مركز الأشراف وغيرهما.

ص: 155

(3)

الموقع الجغرافي الرائع لمدينة الرياض وسهولة الوصول إليها من كافة الجهات الأربع.

(4)

يجب على القائد المحارب المدرب، أن يجعل نقطة البداية موقعاً يعرفه كما يعرف نفسه، حتى تمكنه هذه المعرفة الدقيقة، من مواجهة كافة الاحتمالات المستقبلية المتوقعة.

(5)

وقبل هذا وبعده عمق الإيمان في قلب القائد الفاتح فالإيمان بِسموِّ الهدف، دافع قوي مؤثر، وفي التاريخ أمثلة كثيرة ورائعة لقادة الفتح الإسلامي وهم القدوة لكل قائد في كل عصر وزمان، فها هو خالد بن الوليد، يرمي نفسه في المهالك وهو يردد "الشهادة أغلى الأماني"، ورغم هذا يموت على فراشه، فالملك عبد العزيز - رحمه الله تعالى - أقدم على فتح الرياض بمغامرة جريئة في عرف المؤرخين فريدة في نوعها عبر التاريخ الإسلامي، ولكن الله سلم، وحفظ تلك الفئة، وله في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في بدر، وكانت بدر هي الفرقان بين الحق والباطل، وكانت الرياض هي الفيصل بين عهد الفرقة والضياع والتحزب والجهل، وعهد التوحيد والإصلاح والبناء والعلم والتطور والانطلاقة الكبرى إلى القرن الحادي والعشرين، بدولة قوية الأساس، ثابتة الأركان، عظيمة النمو، غنية بحكامها وأهلها ومالها، فكانت أنموذجاً عجيباً في هذا العالم المليء بالفتن والانحلال والتحزب والتدهور، فريدة في تلاحم القائد مع الشعب، عظيمة في مؤسساتها الحكومية والأهلية، وإداراتها التنظيمية والأمنية والحربية والقضائية والإدارية، لهذا كله فلا عجب أن يسميها بعض الكتاب "معجزة فوق الرمال"، وهي مقوله حق وصدق.

المبحث الأول

حالة القضاء والتوثيق عند ظهور الملك عبد العزيز

ص: 156

كان القضاء في مناطق الحجاز وعسير والأحساء يسير وفق أحكام النظام القضائي العثماني، من حيث التنظيم، أما من حيث الواقع فإن استبداد أمراء تلك المناطق، والنزاعات الحاصلة بين السلطة العثمانية الممثلة في الحاميات التركية المنتشرة في تلك الأنحاء، وبين الحكام الإداريين، ألقى بظلال من الشك والريبة، وعدم سلطة الأنظمة إلا في بعض الجوانب اليسيرة كتنظيم بيع العقار وإفراغه، ونحو ذلك.

أما غالب جزيرة العرب فهي لا تخضع لسلطان عدا بعض الإمارات المنتشرة في بعض أجزاء جزيرة العرب، كالأدارسة في الجنوب وآل رشيد في حائل بالشمال وما حولها.

وفيما يلي تلخيص لحال القضاء في الجزيرة العربية عند بدء ظهور الملك عبد العزيز رحمه الله.

(1)

قضاء متأثر بالنظام القضائي العثماني في مناطق الحجاز وعسير والأحساء، والمذهب المطبق المذهب الحنفي، إلى جانب بعض المذاهب الأربعة خاصة المذهب الشافعي والحنبلي في الحجاز ونجد.

(2)

قضاء عشائري قائم على العادات والأعراف والتقاليد البدوية السائدة بينهم، وهذا النظام العرفي مطبق عند كافة قبائل الجزيرة العربية في الحجاز ونجد، والشمال والجنوب، وتقع مسؤلية تطبيقه على القاضي البدوي المشهود له بالحكمة والخبرة في العادات العرفية وضمان شيوخ القبائل في تلك المناطق.

وفي الغالب تتم العملية القضائية عند قضاء البادية بدون تسجيل، وقد يلجأ بعض القضاة إلى كتابة محضرٍ بما حصل، ويشهد عليه من حضر من زعماء القبائل، ويحتفظ به زعيم القبيلة المعتدى عليها، وقد رأيت نماذج من مثل هذه الأحكام في كتاب "فصول من تاريخ قبيلة حرب للبدراني".

يقول الأستاذ / صالح الجودي واصفاً بعض الإجراءات القضائية البدوية:

ص: 157

"وقد علمت من بعض كبار السن، أنه إذا اتفق البدو في بعض أطراف الجزيرة العربية من منطقة الحجاز، على التقاضي على يد قاض معين، يقدم كل واحد منهم "معدال"، وهو: "عبارة عن آله من آلات الحرب كالسيف أو الخنجر أو البندقية"، ونادراً ما تقدم مبالغ مالية، وذلك لقلتها، وإهانتها أمام السلاح، على اعتبار أن السلاح أهم من المال

، ويوضع هذا "المعدال"

، لدى شخص القاضي، وبشهادة شهود يضمن به تنفيذ ما حكم به عند قناعتهم به، وهو أشبه بالكفيل..، وبعد التنفيذ يعادلهم ذلك المعدال" [1] .

أما في الجهات التي تخضع لسلطان الدولة العثمانية، ففيها محاكم قائمة لها قضاؤها وكتبتها وسجلاتها الخاصة بها، وفق النظام القضائي المعمول به في الدولة العثمانية، وقد رأيت في أرشيف محكمة المدينة المنورة شيئاً من هذه السجلات الصادرة في العصر العثماني، وبعض العصور قبله إذْ أقدم الصكوك الموجود فيها صادرة (في القرن العاشر الهجري) ، بداية العام 963هـ فما بعده إلى عصرنا الحاضر.

المبحث الثاني

مراحل تطور أنظمة (كتابة العدل) في عهد الملك عبد العزيز رحمه الله

بإطلالة سريعة على تاريخ القضاء في شبه الجزيرة العربية قبل ظهور الملك عبد العزيز، وحتى تأسيس المملكة العربية السعودية، يتضح لنا جليّاً حالة ولاية التوثيق في العصور الماضية، وهذا موجز لأحوالها قبل ظهور الملك عبد العزيز وتأسيس دولة التوحيد المعاصرة.

ففي جزيرة العرب ومنذ عصر قديم، ضعفت الولاية السياسية على جزيرة العرب، من قبل الدول الإسلامية الماضية كالدولة العباسية ودولة المماليك والدولة العثمانية، وكان لهذا الضعف السياسي تأثيره العظيم على كل النواحي السياسية والإدارية والاجتماعية والأمنية..، الخ.

ص: 158

لهذا قامت دول صغيرة متناثرة في أطراف جزيرة العرب على امتداد التاريخ الإسلامي، إلى قيام الدولة السعودية الأولى على يد الإمام محمد بن سعود رحمه الله، والإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، فاهتمت الدولة السعودية الأولى بنشر الأمن في كافة البقاع التي تخضع لسلطانها، وانتشر القضاة من تلاميذ الشيخ وتلاميذ تلاميذه في أنحاء الجزيرة العربية، وكان القضاء في عصرهم كما كان في العهد النبوي والعصر الأموي، يجلس القاضي في المساجد أو في الأماكن المحددة له من قبل الإمام، ويفصل بالقضية شفاهاً بحضور الخصوم، وتحصل القناعة من قبل أطراف الدعوى، ناهيك بقلة الكتاب والكتبة في تلك العصور الماضية.

وعلى هذا المنوال نسجت الدولة السعودية الثانية.

أمّا في عهد الملك عبد العزيز خاصة بعد فتحه لمدينة الرياض، واستعادته لملك آبائه وأجداده، وانشغاله في الغزوات الجهادية لتحرير الجزيرة العربية من الجهل والفقر والخوف، واستغرقت هذه الجهود المباركة ردحاً من الزمن، لذا أرى أنه لابد من تقسيم تاريخ ولاية التوثيق إلى مرحلتين:

المرحلة الأولى: التوثيق قبل تدوين النظم:

وتبدأ هذه المرحلة من تاريخ فتح الرياض 5/10/1319هـ، وتنتهي بفتح الحجاز وقيام مؤسسات الدولة الحديثة، على أنظمة متنوعة شاملة، لكافة أعمال الدولة في شتى مؤسساتها الإدارية في ذلك الوقت، وقد اتسمت هذه المرحلة الماضية، وهي مرحلة تأسيس الدولة، بصفات خاصة بها، أملتها الظروف المحيطة بها، وهي مرحلة الغزوات الجهادية لتحرير الأراضي السعودية من المحتلين والطامعين وغيرهم.

ص: 159

ورغم هذا الانشغال العظيم بتوحيد البلاد، لم يهمل الملك عبد العزيز الولايات القضائية بشتى أنواعها، من قضاء أو حسبه أو كتابة عدل، فكان الملك يصحب في معيته القاضي الخاص به، وإليه توكل كل القضايا المحالة من الملك عبد العزيز للبت فيها، أما بقية المناطق الإدارية في الدولة السعودية ففي كل صقع منها قاض مبعوث من الملك عبد العزيز رحمه الله، عهد إليه بكافة الأعمال القضائية.

وقد اتسمت هذه المرحلة بعدم تسجيل كافة القضايا المنظورة، وذلك لأمور أهمها بساطة المشكلات المتنازع فيها، وندرة الورق، وعدم وجود أنظمة تحكم سير المحاكمات، وتنظم كتابه العدل، وغيرها من الدوائر القضائية.

يقول الشيخ حسن آل الشيخ عن هذه المرحلة التي أسماها "القضاء قبل تدوين النظم".

"القاضي في نجد - لا يميزه عن غيره مظهر أو هيبة، فهو على ما اعتاده الناس منه، يقضي بين المتخاصمين في داره حيث يسكن، فهي داره ومجلس قضائه، والناس يقصدونهم في أغلب ساعات الليل والنهار

، أما إذا كانت القضية المنظورة لديه من قبيل الأملاك المبيعة أو المرهونة أو الموهوبة، فهو يعمد إلى رصد ما أجراه حيالها، من إقرار البائع أو الراهن أو الواهب، بما باعه أو رهنه أو وهبه، ويذكر حدوده، وخلاصة الحكم فيه بثبوت نوع الحكم، ويختمه كما ابتدئه بحمد الله وإيضاح اسمه ولقبه والصلاة على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ثم يسلمها للمشتري أو المرهون أو الموهوب، (صاحب الحق فيها) ، مالم يكن القاضي كفيفاً (لا يبصر) فإن كتابة هذه المحاضر أو الصكوك إن أن جاز يطلق عليها هذان الاسمان، أو مايسمونها هنالك "بالمخاليص"، بيد القاضي وينصرف المتبايعان في امتنان وغبطه" [2] .

وهكذا نرى أن التوثيق في ذلك العصر أشبه ما يكون بسندات ورقيه صادرة من قبل القاضي، تكون في يد المحكوم له، وهذا ما جرى عليه العمل في كثير من العصور الإسلامية السالفة.

ص: 160

المرحلة الثانية:- مرحلة إصدار أنظمة التوثيق (كتابة العدل) ومراحلها المتنوعة:

تبدأ هذه المرحلة من دخول الحجاز تحت سلطان الملك عبد العزيز، فبعد فرض سلطانه عليه، قام الملك عبد العزيز في هذه المرحلة الدقيقة، بإصدار مجموعة من التعليمات والأنظمة، تبلغ إلى مقام النيابة العامة في الحجاز، ومما صدر في عام 1345هـ مما له علاقة بالتوثيق، الإدارة السنية رقم 1166 في 27/12/1345هـ المبلغة لمقام النيابة العامة ومما تضمنته: "إن أحكام القانون العثماني لا زالت جارية إلى الآن، لأننا لم نصدر إرادتنا بإلغائها، ووضع أحكام جديدة مكانها، لذا نوافق على اقتراحاتكم بشأن استمرار أحكام هذا القانون، ونطلب منكم أن تبلغوا رئاسة القضاة، والحكام الإداريين بالملحقات بضرورة الامتناع عن إجراء إفراغ العقار إلى الأجانب، وتوقيف الإجراءات المعروضة الآن

" [3] .

ص: 161

من خلال هذه النصوص يتضح أن أحكام القانون العثماني المطبق في الحجاز قبل دخولها في سلطان الملك عبد العزيز جار العمل به، لأنه لابد في هذه المرحلة الدقيقة من استمرار العمل بالقوانين المرعية المطبقة قبل الوضع الجديد، حتى يتسنى للدولة السعودية سن الأنظمة البديلة، وهذا شيىء لابد منه، حتى تقوم الإدارات الحكومية كافةً بشتى أنواعها بأعمالها في تسيير مصالح الناس حتى يأتي البديل، خوفاً من فراغ في الأنظمة يُعطِّل المصالح والإدارات، وهذا ما حذر منه علماء الإدارة والسياسة. ويحتوي هذا النص على أول إشارة إلى ما يتعلق بأنظمة التوثيق في الدولة السعودية فيما يتعلق بالأراضي الحجازية، حيث تضمنت الإدارة السنية منع إفراغ العقار للأجانب من غير رعايا الدولة السعودية، وما أفرغ قبل صدور هذه الإرادة السامية يعمل كشف مفصل يحصره، لترى الدولة ما يجب اتخاذه في هذا الشأن من إلغاء أو إمضاء، وبعد أن قام الملك عبد العزيز بإنشاء مجلس الشورى عام 1344هـ عهد إليه بسن الأنظمة بمختلف أنواعها.

فقام مجلس الشورى بإعداد مجموعة من النظم التي تتعلق بالقضاء الشرعي، من سنه 1345 إلى 1357هـ، ونشرت قراراته في كتاب مرتب على السنين، وهذه المجموعة بترتيبها التاريخي تبين الأطوار التي مرت فيها أنظمة كتابات العدل، وفيما يلي استعراض موجز لبعض الأنظمة المتعلقة بكتابات العدل، ليطلع القاريء على المراحل التنظيمية التي مرت بها هذه الإدارات الشرعية التوثيقية، حسب ما احتوته مجموعة النظم الشرعية والأنظمة الصادرة في تلك المرحلة.

1) ما تضمنه الفصل الرابع من المرسوم الملكي الصادر في 4/2/1346هـ[4] وفيه:

أ - تحديد وظائف كاتب العدل وهي كما يلي:

1) تحرير الوثائق التجارية والتصديق عليها.

2) تحرير السندات المالية والتصديق عليها.

3) تحرير الوكالات والوصايا والتصديق عليها.

ص: 162

4) تحرير العقود العقارية والتصديق عليها.

5) تحرير الإنذارات.

ب- يسير كاتب العدل في أعماله الداخلية في اختصاصاته طبقا لنظام يضعه مجلس الشورى.

ج- يتكون مكتب كاتب العدل في مكة من رئيس وكاتب ومساعد له، وفي المدينة من كاتب، وفي الملحقات يتولى القاضي الشرعي كتابة العدل.

2) صدور نظام كتاب العدل بالأمر السامي بالموافقة على هذا النظام، بتاريخ 26/صفر/ 1346هـ[5] .

ويتكون النظام من ثلاثين ماده.

- المواد من (1 - 12) تنص على كيفية نصب كاتب العدل، وشروط وكيفية اختياره، وتحليفه ونحو ذلك.

- المواد (13 - 28) تنص على تحديد وظائف كتاب العدل وطريقة عملهم.

- المواد (29 - 30) تنص على إيضاح رسوم كتاب العدل.

3) صدر قرار هيئة القضاة برقم 112 وتاريخ 21/7/1347هـ المقترن بالتصديق السامي رقم 1878 في تاريخ 8/8/1347هـ يوضح المرجع الفقهي لكتاب العدل ويتضمن هذا القرار ما يلي:

1 -

لا يجري كاتب العدل عقد بيع الوفاء نزولاً على المنصوص عليه من مذهب الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله.

2 -

أن يكون مجرى الصكوك منطبقاً على المفتى به من المذهب المشار إليه.

3 -

إذا وجدت مشقة أو مخالفة لمصلحة العموم في المفتى به من مذهب الإمام أحمد بن حنبل، نظر إلى ما نصت عليه المذاهب الأخرى.

4 -

المراجع التي يجب أن يكون عليها المدار من كتب المذاهب هي:-

أ - شرح المنتهى

ب - شرح الإقناع

فما اتفقا عليه أو انفرد به أحدهما فهو المتبع، وما اختلف فيه فالعمل بما في المنتهى، وفي حالة عدم وجودهما يكون العمل بما في الزاد والدليل.

أما إذا لم يجد كاتب العدل النص المراد في الشرحين، فلا بأس من أن يطلبه في المبسوطات من كتب المذهب، مع ملاحظة الأخذ بالراجح من الأقوال.

ص: 163

4) صدور ملحق نظام كتاب العدل بقرار مجلس الشورى رقم 368 وتاريخ 4/12/1347هـ المتوج بالتصديق السامي رقم 384 وتاريخ 3/2/1348هـ، وتضمن هذا الملحق تحديد الرسوم المأخوذة عند إصدار بعض الوثائق الشرعية في ذلك الوقت.

ومثله قرار مجلس الشورى عدد 543 في 233/7/1348هـ المقترن بالتصديق العالي رقم 1043 في 21/7/1348هـ، المتضمن تحديد ثمن الصكوك الشرعية الخاصة بكتابة العدل.

5) صدور قرار مجلس الشورى رقم 243 في 20/4/1350هـ المقترن بالتصديق العالي رقم 1538 وتاريخ 29/4/1350هـ، بصدد تنظيم وتحديد شرط تملك الأجانب العقار في الحجاز.

6) صدور نظام تركيز مسؤليات القضاء الشرعي بالأمر السامي رقم 32/1/3 وتاريخ 4/1/1357هـ

واحتوى هذا النظام على الأبواب التالية:

الباب الأول / رئاسة القضاة.

الباب الثاني / تفتيش المحاكم الشرعية.

الباب الثالث / قضاء المحاكم الشرعية.

الباب الرابع / كتاب المحاكم الشرعية.

الباب الخامس / المحاضرة.

الباب السادس / كتاب العدل.

الباب السابع / دوائر بيت المال.

الباب الثامن / مواد عمومية.

ويتكون هذا النظام من (282) مادة، وقد احتوى الباب السادس المواد الخاصة بكتاب العدل وهي المواد (201 - 229) المتضمنة تحديد اختصاصات وصلاحيات كتاب العدل وواجبات المعاون لهم، ومسجل الصكوك، ومقيد الأوراق، والمبيض واختصاصاته وصلاحيته.

7) صدور نظام كتاب العدل بالأمر السامي رقم 11083 وتاريخ 19/8/1364هـ ويتكون هذا النظام من الفصول التالية.

1) الفصل الأول / كتاب العدل ويشمل المواد (1-7) .

2) الفصل الثاني / وظائف كتاب العدل وواجباتهم وصلاحيتهم.

ويشتمل على المواد (8-21)

3) الفصل الثالث / رسوم كتاب العدل ويشتمل على المواد (22 - 34) .

4) الفصل الرابع / المعفو من رسم كتاب العدل ويشتمل على المادة (35) .

ص: 164

5) الفصل الخامس / أحكام عامة ويشتمل على المواد (36 - 48) .

ثم صدر الأمر السامي الكريم رقم 9143 وتاريخ 22/6/1372هـ بشأن إعفاء الصكوك الشرعية من الرسوم، وتعديل المواد التي نصت على الرسوم.

8) صدور نظام تركيز مسؤوليات القضاء الشرعي (الجديد) بالأمر السامي رقم 109 وتاريخ 24/1/1372هـ.

ويتكون هذا النظام من (258) مادة، في ثمانية أبواب، واختص الباب السادس: بكتاب العدل، ويتضمن المواد (177 – 205) المنظمة لأعمال كتاب العدل، ويتكون من الفصول التالية:

- كتاب العدل / (177) تبين هذه المادة تعريف كتابة العدل وارتباطها.

- الفصل الأول / كاتب العدل واختصاصاته المواد (178 - 200) .

- الفصل الثاني / معاون كاتب العدل. (المواد (201 - 202) .

- الفصل الثالث / مسجل الصكوك ومقيد الأوراق المادة (203) .

- الفصل الرابع / المبيض واختصاصه وصلاحيته المادتان (204 - 205) .

9) صدور نظام القضاء بالأمر السامي رقم م/64 وتاريخ 14/7/1395هـ، ويتكون هذا النظام من (102) مادة، في سبعة أبواب وفصول.

ويتضمن الباب الخامس المواد المتعلقة بكتاب العدل، ويشتمل على الفصول التالية:

الفصل الأول / شروط تعيين كتاب العدل ومؤهلاتهم.

ويشمل المواد (90 - 95)

الفصل الثاني / اختصاصات كتاب العدل والتفتيش عليهم.

ويشتمل على المواد (93 - 95)

الفصل الثالث / قوة الأوراق الصادرة من كتاب العدل.

ويشتمل على المادة (96) فقط.

هذا عرض لأهم الأنظمة المتعلقة بكتابات العدل منذ صدور أول نظام لها إلى وقتنا الحاضر، وفي المباحث التالية عرض لأهم ما احتوته الأنظمة والتعليمات السارية المفعول المطبقة في عصرنا الحاضر مما يخص كتاب العدل.

المبحث الثالث

شروط كتاب العدل "الموثقين" ودرجاتهم الوظيفية

ص: 165

يعين كاتب العدل من قبل وزير العدل، لأنه عندما أنشئت وزارة العدل، صدر الأمر الملكي رقم1/126 وتاريخ 13/8/1390هـ القاضي بأن يباشر وزير العدل الصلاحية المحدودة لرئيس القضاة، ويكون رئيساً لمجلس القضاء الأعلى وله الصلاحيات المحددة لرئيس القضاء فيما سبق، وهي ما نصت عليها المادة الثانية من نظام تركيز مسؤوليات القضاء الشرعي الصادر عام 1372هـ ونصها "أن رئيس القضاء هو رئيس الدائرة الرئيسة، وصاحب الرقابة التامة على المحاكم وكتاب العدل من الوجهة الشرعية [6]

" الخ.

وبناء على هذه الصلاحيات الممنوحة له أصدر لائحة تحديد مؤهلات شغل وظائف كتاب العدل، وقبل عرض هذه اللائحة لابد من ذكر شروط كتاب العدل، وهذه الشروط هي الشروط الواجب توفرها في تعيين القضاة، كما نصت عليه المادة الثالثة من لائحة تحديد مؤهلات شغل وظائف كتاب العدل، وهذا نص المادة:"يشترط فيمن يشغل وظيفة كاتب عدل أن تتوفر فيه الشروط المنصوص عليها في المادة (37) من نظام القضاء، على أن يجتاز من لا يحمل الحد الأدنى من المؤهل العلمي حسب ما ورد في الفقرة (د) من المادة (37) من نظام القضاء الامتحان الذي تجريه وزارة العدل باشتراك الديوان العام للخدمة المدنية".

وقد نصت المادة (37)[7] من نظام القضاء على ما يلي:

"يشترط فيمن يولى القضاء:

أ - أن يكون سعودي الجنسية.

ب - أن يكون حسن السيرة والسلوك.

ج- أن يكون متمتعا بالأهلية الكاملة حسب ما نص عليه شرعاً.

ص: 166

د – أن يكون حاصلاً على شهادة أحد كليات الشريعة بالمملكة العربية السعودية أو شهادة أخرى معادلة لها، بشرط أن ينجح في الحالة الأخيرة في امتحان خاص تعده وزارة العدل، ويحوز في حالة الضرورة تعين من اشتهر بالعلم والمعرفة من غير الحاصلين على الشهادة المطلوبة، وألَاّ يكون قد حكم عليه بحد أو تعزير، أو في جرم مخل بالشرف، أو صدر بحقه قرار تأديبي بالفصل من وظيفة عامة، ولو كان قد رد إليه اعتباره" [8] .

تبين لائحة تحديد مؤهلات شغل وظائف كتاب العدل المعتمدة بموجب خطاب معالي رئيس الديوان العام للخدمة المدنية رقم 4/ن/10/44/36 في 30/10/1398هـ، وخطاب معالي وزير العدل رقم 53/5/خ في 6/10/1399هـ.

والصادر بناء على أحكام المادة (91) من نظام القضاء والتي تقضي بما يلي:

"مع مراعاة ما جاء في المادة (90) التي تقضي فيمن يعين كاتب عدل أن تتوفر فيه الشروط المطلوبة في تعيين القضاة - تحدد مؤهلات شغل فئات ووظائف كتاب العدل بلائحة تصدر باتفاق بين وزارة العدل وديوان الموظفين العام"-، وهذه بعض نصوص اللائحة المذكورة [9] .

مادة (1) تعتبر وظائف كتاب العدل ضمن المجموعة العامة للوظائف الإدارية وتصنف كالتالي:

- كاتب عدل بالمرتبة السابعة.

- كاتب عدل بالمرتبة الثامنة.

- كاتب عدل بالمرتبة التاسعة.

- كاتب عدل بالمرتبة العاشرة.

- كاتب عدل بالمرتبة الحادية عشرة.

مادة (2) تكون الخبرة المعتبرة لشغل وظائف كتاب العدل هي الخبرة المكتسبة في أعمال كتابة العدل أو الأعمال القضائية في المحاكم الشرعية بالمملكة، أو الأعمال القضائية النظيرة، أو في تدريس المواد الدينية أو في أعمال كتابة الضبط أو السجل في المحاكم وكتابات العدل في المملكة.

ص: 167

مادة (3) نصت على شروط من يشغل وظيفة كاتب العدل (وسبق ذكرها فيما مضى) أما المواد من (4) حتى المادة (8) فتنظم طريقة تعيين كتاب العدل وتحديد المؤهلات المطلوبة لشغل كاتب عدل من المرتبة السابعة وحتى المرتبة الحادية عشرة.

وأهم الشروط المطلوبة للتعيين على وظيفة كاتب عدل هي:

1-

الحصول على الشهادة الجامعية في الشريعة وما يعادلها، ثم الماجستير، ثم الدكتوراه في نفس التخصص بحسب علو الدرجة.

2-

الخبرة العملية في أعمال كتابة العدل فكلما زادت الخبرة علت الدرجة.

المادة (9) عالجت أوضاع الموظفين الذين يشغلون وقت العمل بهذه اللائحة وظيفة كاتب عدل ولا تتوفر لديهم المؤهل العلمي المطلوب.

المادة (10) نصت على مراعاة ما ورد في نظام القضاء من أحكام، فيما لم يرد منه نص في هذه اللائحة، ويخضع كتاب العدل لجميع الأحكام الواردة في نظام الخدمة المدنية ولوائحه التنفيذية.

المبحث الرابع

أعمال كتاب العدل "التوثيق" وصلاحيتهم واختصاصاتهم

أنيطت بكتاب العدل مهام عظيمة، وواجبات حقوقية جسيمة، فكل فرد من أفراد الدولة يحتاج لكاتب العدل، إما لإفراغ صك مبايعه، أو رهنه، أو إصدار وثيقة مهما كان نوعها من وكالة أو توكيل، أو استقدام أو نحو ذلك.

ومع فشو التجارة وكثرتها، وانتشار الأموال وتداولها، أصبحت الحاجة إليهم أكثر من ذي قبل، فتجد أن ردهات وغرف دوائر العدل ممتلئة بالمراجعين رغم سعتها، وعظم المباني التي تشغلها.

ونصت المادة (8) من نظام كتاب العدل الصادر بالأمر السامي بالموافقة عليه برقم 11083 وتاريخ 19/8/1364هـ وعلى ما يلي:

تقوم دوائر العدل وما قام مقامها في الجهات التي ليس بها كاتب عدل بالأعمال التالية:

أ - تحرير الوثائق التجارية والتصديق عليها.

ب - تحرير السندات المالية على اختلاف أنواعها والتصديق عليها.

ص: 168

ج- تحرير الوكالات والوصايا والإقرارات بالعزل من الوكالة وخلافها، والتصديق عليها.

د - تحرير العقود على اختلاف أنواعها والتصديق عليها.

هـ – تحرير المقاولات والإنذارات وتبليغها، عقود الرهونات والتصديق عليها.

و تسجيل خلاصة الصكوك الصادرة من المحاكم الشرعية.

ز- تسجيل الشركات بموجب نظامها "مؤقتاً".

ح – تقرير الفروع من المسقفات السلطانية والتصديق عليها.

هذه هي أهم الأعمال التي نص عليها النظام الآنف الذكر، ولا يخفى على كل مطلع أن الأنظمة تصدر تباعاً، وقد يطرأ عليها كل عام نوع من التحديث أو الإلغاء أو الإضافة بحسب ما تمليه الحاجة.

وهذا عرض لأهم الصلاحيات والاختصاصات المناطة بهم كما نصت عليها المواد من المادة رقم (178) حتى المادة (200) من نظام تركيز مسؤوليات القضاء الشرعي [10] .

1-

النظر في الإقرارات، وكل ما نصت عليه التعليمات الخاصة بكتاب العدل، وضبطه في الدفتر المخصص له، مع مراعاة ما قضى به النظام، من أخذ توقيع المتعاقدين، وغير ذلك كالمعرفين، وما شاكل ذلك، والتوقيع بالدفتر الذي حصل به الإقرار المذكور، بما يدل على أن ذلك حصل وبإجازته (المادة /178) .

2-

إصدار الصكوك المتعلقة بالإقرارات والعقود المذكورة، وتنظيمها تنظيماً شرعياً وفق مذهب الإمام أحمد، إلا ما نصت عليه التعليمات والأوامر بأن يكون تنظيمه على مذهب مخصوص، والتوقيع على الصكوك بتوقيعه الذاتي، وختم الدائرة الرسمية بجانب توقيعه (المادة / 179) .

3-

إحالة الصكوك التي تصدر لديه إلى المسجل لتسجيلها بالسجل حرفياً بعد مطابقتها منه ومن المسجل، على أن يوقع في سجل المعاملة المذكورة هو والمسجل (المادة / 180) .

4-

السير في معاملاته طبق نظام كتاب العدل المبلغ إليهم بحينه، وعدم إهمال شيىء منه، وهو مسؤول حال مخالفته ذلك، (المادة / 181) .

ص: 169

5-

لا يجوز لكاتب العدل أن يسجل معاملة أو تقريرا يخالف الوجه الشرعي، وإذا صدر ذلك منه فيكون مسؤولا عن ذلك، (مادة / 182) .

6-

لا يجوز لكاتب العدل أن يعبر عن أحد المتعاقدين أو غيرهما من أرباب المعاملات بما لا تفيده عباراته، ولا أن يغير أقواله، وأن يكون سلوكه مع أرباب المعاملات كسلوك القضاة معهم، (المادة / 183) .

7-

يجب على كاتب العدل أن يرصد الإقرارات والعقود وما عطف على ذلك بخط واضح، وليس له أن يمسح أو يحك فيما بضبطه ولا أن يحرر شيئا بين الأسطر، وإذا دعت الضرورة إلى شيىء من ذلك فيضرب عليه بصورة يمكن معها قراءة ما ضرب عليه، ويشير فيها من الضبط إلى ذلك كتابه حسب الأصول، ويأخذ توقيع الطرفين على ذلك بحضور الموقعين (المادة /184) .

8-

أن كاتب العدل هو المرجع لجميع المعاملات الواردة إلى دائرة كتاب العدل، والصادرة عنه، وهو المسئول عن جميع موظفي الدائرة المذكورة، وهو المسؤول عن تطبيق التعليمات والنظم المبلغة إلى دائرته (المادة /185) ، ولا يخفى أن كتابة العدل اليوم بها مجموعة من الكتاب يتفاوت عددهم قلة وكثرة بحسب المناطق الإدارية في المملكة، ولكل دائرة كتاب عدل رئيس ومساعد، وهم يتولون تنفيذ ما تضمنته هذه المادة.

9-

يجوز إعطاء صور مستخرجة من السجل لطالبها، إذا تحقق كاتب العدل من صفة استحقاقه شرعاً فيعطى المطلوب بعد الختم والتصديق (المادة/186) .

10-

يصدر كاتب العدل الأمر على المسجل بالشرح على هوامش السجلات والصكوك بما تقتضيه المعاملات الصادرة لديه أو لدى غيره، ثم يختم السجل والصك بختم الدائرة الرسمي، والتوقيع عليهما كتوقيعه وتوقيع المسجل بعد المقابلة (المادة/ 188) .

11-

إن طريقة الشرح على الصكوك الصادرة لدى كتاب العدل أو القضاء، وكذلك التهميش على سجلاتها بما وقع لديه بينتها (المادة /189) .

ص: 170

12-

يجب على كاتب العدل التثبت من الصكوك والمستندات المبرزة من المتعاقدين، أو أحد الطرفين المستند إليها في الإقرار، من كونها صالحة للاستناد إليها، ولم يطرأ عليها ما يوجب إلغاء مفعولها، والتحقيق من كونها خاليةً من أي شبهة أو تزوير، سواء أكان الصك أو المستند صادراً من إدارته أم من غيرها، وعالجت موضوع الصكوك المزورة حين اكتشافها وطريقة إلغائها (المادة/ 190) .

13-

يجب على كاتب العدل حفظ الختم الرسمي لدائرته، الذي تختم به الصكوك، وأن يختم به الصكوك بجانب توقيعه الذاتي، وأن مهمة حفظه من أهم واجباته (المادة/ 191) .

14-

يمنع كاتب العدل من تسجيل صك أو معاملة أو الأمر بتسجيلهما في السجل مالم تكن صادرة منه، أو من معاونه (المادة/ 193) .

كما تضمنت هذه المادة كيفية التصرف بالمعاملات غير المستكملة إذا مات كاتب العدل.

15-

إن كيفية ضبط الإقرارات والمصادقة عليها ممن لا يستطيع الحضور إلى دوائر كتاب العدل عالجتها (المادة /194) من هذا النظام.

16-

لا يجوز لكاتب العدل أن يضبط إقرارا ليس من اختصاصه، بل يجب أن يحيله إلى الجهة المختصة، وإن فعل ذلك فلا اعتبار لعمله، ويكون مسؤولا عن هذا العمل (المادة/ 195) .

17-

يمنع كاتب العدل من ضبط إقرار أو تنظيم معامله في غير البلد الداخل في اختصاصه، ومن خالفها فعمله باطل، ويكون مسؤولا عن فعله هذا (المادة/ 196) .

18-

إن الطلبات العاجلة، التي لا تحتمل التأخير ويجب فيها المبادرة والإسراع كمريض يخشى موته، ونحو ذلك بينتها (المادة/ 197) من هذا النظام.

19-

يجب على كاتب العدل التوقف عن إجراء المعاملات التي فيها محاكمات جارية حتى تنتهي المحاكمة، أما إن كان المعارض ليس لديه الوثائق المعتبرة، فيكمل المعاملة، ويفهَّم المعارض بمراجعة الجهات المختصة (المادة / 198) .

ص: 171

20-

يلزم كاتب العدل اتخاذ دفتر حسب الأصول لتسليم الصكوك الصادرة منه، والتي تمت إجراءاتها إلى أصحابها، وأخذ توقيعهم على تسلمها في الدفتر المخصص لذلك، (المادة/199) .

21-

يعهد كاتب العدل لمعاونه بالقيام بما هو موضح في المواد الماضية، وأن عليه القيام بذلك ما عدا التصديق على الإقرارات الصادرة من الطرفين، فلا تكون إلا لديه بالذات وموقعه منه، (المادة/ 200) .

هذه أهم الصلاحيات التي تضمنها النظام المشار إليه فيما سبق، وهي مواد دقيقة متضمنة للإجراءات النظامية داخل كتابات العدل، ولا زالت سارية المفعول إلى الآن، وقد ذكرت بعض المواد بنصها لأهميتها والبعض الآخر ذكرت أهم ما نصت عليه، لأن الهدف هو إبراز أهم الاختصاصات والصلاحيات النظامية الممنوحة لهؤلاء الموثقين، واطلاع القاريء الكريم عليها، ومن أراد الاستزادة فعليه بمراجعة نص النظام.

المبحث الخامس

مسميات الوظائف الإدارية والكتابية بكتابات العدل وواجبا تها

لقد مر الحديث عن صلاحيات كاتب العدل وواجباته، وهي صلاحيات في مجملها تقوم على الإشراف العام على إدارة كتابة العدل، والأمر على كتاب الإدارة بإنهاء معاملات الناس بسهولة ويسر، حسب اللوائح والنظم المرعية، والتوقيع والختم على المعاملات الصادرة من إدارته بالإجازة، ونظراً لكثرة الأعمال الكتابية التي تحتاجها إدارات كتابة العدل، زودت تلك الإدارات بعدد وافر من الكتاب تحت مسميات متعددة، وهذا عرض لها ولاختصاصاتها.

أولا: معاون كتاب العدل وواجباته:

فصلت المواد (201 - 202) من نظام تركيز مسؤوليات القضاء الشرعي اختصاصات معاون كاتب العدل وواجباته ومنها:

1-

أن يقوم المعاون بمهام كاتب العدل طيلة غيابه، ويكون المعاون مسؤولا عمَّا يجري تحت تصرفه خلال غياب كاتب العدل.

ص: 172

2-

أن لمساعد كاتب العدل كامل الصلاحيات في ضبط الإقرارات في ضبوطها بعد تصحيحها في جميع ما هو من صلاحيات كاتب العدل.

ثانياً: مسجل الصكوك ومقيد الأوراق:

نصت المادة (203) من النظام المشار إليه آنفاً: "إن اختصاصات مسجل الصكوك ومقيد الأوراق في إدارات كتابات العدل مثل اختصاصات وصلاحيات مسجل الصكوك ومقيد الأوراق بالمحاكم الشرعية، والتي فصلها النظام في المواد (143 - 160) ، والمواد (129 - 139) الخاصة بمقيد الأوراق.

ثالثاً: المبيض واختصاصاته وصلاحياته:

بينت المواد (204 - 205) من النظام الماضي اختصاصات المبيض في إدارات كتابات العدل وهي:

1-

تبييض الصكوك وجميع المحررات الصادرة، وكل ما يلزم نسخه في الدائرة، وتحرير الكشوف لأية جهة كانت، بخط جميل.

2-

صلاحياته واختصاصاته كاختصاص وصلاحية المبيض في المحاكم الشرعية، والتي بينتها المواد (140 - 142) من النظام.

3-

القيام بكل ما يعهد إليه كاتب العدل أو معاونه ضمن صلاحيتهما.

هذه أهم الوظائف الإدارية والكتابية التي تشتمل عليها دوائر كتابات العدل في المملكة العربية السعودية، كما بينها نظام تركيز مسؤوليات القضاء الشرعي، والملاحظ أن إدارات كتابات العدل ينطبق عليها النظام المنظم لإدارات المحاكم الشرعية، لذا لا نرى فروقاً كبيرة خاصة في مسميات الوظائف الإدارية أو الكتابية وأعمال الكتاب، فالنظام القضائي يشملهم جميعاً، إنما الفروق في أن نوعيات القضايا المنظورة عند القضاة تخالف الواجبات التي تأديها كتابات العدل في المملكة العربية السعودية.

المبحث السادس

الفئات التي منع كاتب العدل من التوثيق لهم

ص: 173

نص الفقهاء في كتبهم أن القاضي لا يجوز له أن يقضي لأصوله مهما علوا، ولا لفروعه مهما نزلوا، وكذلك لأقاربه الذين هم تحت كنفه كوصيه ووليه، أو لمحبيه كالصديق الملاطف والزوج وغير ذلك، وذلك لشدة الشفقة عليهم بداعية الطبع الجبلي بالمحبة لهم، وإبعاداً للتهمة وسوء ظن الوالي الشرعي به.

وكتابة العدل (ولاية التوثيق) إحدى الوظائف القضائية التي ينطبق على ولاتها ما ينطبق على القضاة؛ لذا جاء في الأمر السامي رقم 1738 في 29/7/1360هـ المبني على قرار مجلس الشورى رقم (232 في 3/12/1359هـ) أن تحل المادة التالية محل المادة (40) من نظام كتاب العدل ونص المادة المذكورة ما يلي:

"لا يجوز لكاتب العدل أن يحرر أو يصدر الأوراق المتعلقة بمصلحته الذاتية، أو المتعلقة بأصوله وفروعه من النسب، بل يقوم بهذه الوظيفة في جميع الأعمال المنصوص عليها في المادة الثامنة من هذا النظام قاضي البلد، وتجري المعاملة لديه في ضبوط المحكمة، وتسجل في سجلاتها، تحت ختم القاضي وتوقيعه، وفي الوقت نفسه يسجل نص العقد في دائرة كتابة العدل في نفس الدفاتر المتخذة لأفعاله، ويوقع عليها نفس القاضي باعتبار أنها صورة طبق الأصل المسجل في سجلات محكمته ويستوفى على ذلك رسم كتابة العدل فقط، وفي الجهات التي يقوم فيها الحاكم الشرعي بوظيفة كاتب العدل يتولى هذا العمل رئيس كتاب محكمة تلك البلدة".

المبحث السابع

المذهب المعمول به في أنظمة كتاب العدل (الموثق)

المذهب الحنبلي هو المذهب السائد في المملكة العربية السعودية، وأغلب الأنظمة مستقاة من هذا المذهب، ومنها أنظمة كتابة العدل (الموثق) .

لذا نصت المادة رقم (179) من نظام تركيز مسؤوليات القضاء الشرعي في الباب السادس الخاص بكتاب العدل على ما يلي:

ص: 174

"إصدار الصكوك المتعلقة بالإقرارات والعقود المذكورة في نظام كتاب العدل وتنظيمها تنظيماً شرعيّاً وفق مذهب الإمام أحمد، إلا ما نصت عليه التعليمات والأوامر بأن يكون تنظيمه على مذهب مخصوص...."[11]

ومن هذا المادة ترى أن المملكة العربية السعودية تأخذ الأحكام التنظيمية التي تنظم الدوائر الشرعية فيها من المذاهب الأربعة ما فيه المصلحة الراجحة، علاوة على الأصل المعمول به المغلب وهو مذهب الإمام أحمد، وأصول مذهب الإمام أحمد لا تخفى على طالب العلم من حيث الصحة والرجحان.

وحرص الملك عبد العزيز على جعل الشريعة الإسلامية بمذاهبها الأربعة مصدراً للتشريع، وذم التعصب المذهبي في الصحيفة الرسمية؛ لذا قال في خطاب عام موجه لكافة الشعب السعودي والأمة الإسلامية عامة: "وقد جعلنا الله، أنا وآبائي وأجدادي مبشرين ومعلمين بالكتاب والسنة، وما كان عليه السلف الصالح، لا نتقيد بمذهب دون آخر، ومتى ما وجدنا الدليل الأقوى في أي مذهب من المذاهب الأربعة رجعنا إليه وتمسكنا به، أما إذا لم نجد دليلاً قويّاً، أخذنا بقول الإمام أحمد فهذا كتاب الطحاوية في العقيدة الذي نقرؤه وشرحه للأحناف، وهذا تفسير ابن كثير وهو شافعي

، " [12] .

ولا شك أن ما قاله الملك عبد العزيز هو الحق والصواب الذي لا محيد عنه.

المبحث الثامن

أنواع الوثائق الشرعية الصادرة من كتابات العدل

عهد إلى إدارات كتابة العدل منذ إنشائها في عهد الملك عبد العزيز مهمة إصدار الوثائق الشرعية بمختلف أنواعها، فقد نص الأمر السامي الكريم الصادر بتاريخ 4/2/1346هـ على وظائف كاتب العدل، ومما جاء في المادة الثامنة عشرة منه:

"أن وظائف كاتب العدل كما يلي:

أولاً: تحرير الوثائق التجارية والتصديق عليها.

ثانياً: تحرير المستندات المالية والتصديق عليها.

ثالثاً: تحرير الوكالات والوصايا والتصديق عليها.

ص: 175

رابعاً: تحرير العقود العقارية والتصديق عليها.

خامساً: تحرير الإنذرات" [13] .

ونظراً لمسيس الحاجة إلى كتابة العدل، وعلاقتها الوثيقة بالحاجيات الأساسية لكل مواطن، من حيث الحصول على صك للسكنى، أو التوكيل لحاضر أو غائب، أو تأسيس شركة، ونحو ذلك، توسعت وزارة العدل في إنشاء إدارات كتابة العدل في كل مناطق المملكة العربية السعودية، وأغلب مدنها وقراها.

وفي السنوات الأخيرة زاد الطلب كثيراً على كتابات العدل، نتيجة طبيعية للنهضة الشاملة في المملكة العربية السعودية في شتى جوانب الحياة، وخاصة مع التوسع في البناء والتعمير وإنشاء الشركات العامة والخاصة، وزيادة حركة البيع والشراء، ولمواجهة هذا الكم الهائل من الطلبات قامت وزارة العدل في مواجهة هذا الأمر بتعداد كتابة العدل في المدن الكبرى، فقد نص تعميم معالي وزير العدل رقم 14/12/ت في 12/10/96 على ما يلي: "فنظرا لتضخم أعمال كتابات العدل في المدن الرئيسية، وحرصاً على تخفيف الضغط عن تلك الإدارات، فقد بحثت الوزارة موضوع اختصار خطوات العمل وتبسيط الإجراءات، وبعد استطلاع رأي الهيئة القضائية العليا، وأراء المختصين إلى جانب أراء كتاب العدل في هذا الموضوع، وبعد المناقشة والتمحيص تقرر ما يلي:

أولاً: يسند لفرع كتابة عدل الرياض، ويقاس عليه ما يستحدث من فروع مستقبلا، جميع الأعمال المستعجلة كالوكالات، والأقارير العائدة للبنوك الحكومية، وأقارير التنازل والكفالات، والوصايا الداخلة في اختصاص كاتب العدل، مع ملاحظة شمولها بالنماذج المطبوعة ذات القسيمتين بحيث يوقع عليها من جميع الأطراف، وكاتب الضبط وكاتب العدل، وتكون إحداهما متحركة تعطى لصاحبها، والأخرى ثابتة وتحفظ في كتابة العدل، وما عدا ذلك فيكون من اختصاص كتابة العدل الأولى في المدن التي يوجد بها أكثر من كتابة عدل واحدة" [14]

ص: 176

وهذه الفقرة الأولى من هذا التعميم كما ترى وضحت تمام التوضيح اختصاصات كل من كتابة العدل الثانية وما تقوم به، وبينت اختصاصات كتابة العدل الأولى وما عهد إليها من اختصاصات، وقد جاء في الكتاب الإحصائي الصادر من وزارة العدل ما نصه:"ونتيجة للتطور الذي تشهده المملكة العربية السعودية خلال السنين الأخيرة في شتى الميادين، وتزايد النشاط الاقتصادي وأنواع التعامل بين الأفراد والمؤسسات، فقد زادت أعمال كتابات العدل مما حدا بالوزارة إلى افتتاح المزيد من كتابات العدل؛ لمواجهة هذا النمو مع فتح كتابتي عدل بالمدن الرئيسة، بحيث تختص الأولى بإفراغ المبايعات والهبات والمنح، والثانية تختص بالوكالات والأقارير"[15] .

وهذا حصر لأهم أنواع الوثائق التي تقوم فروع كتابة العدل في المملكة العربية السعودية بإصدارها بحسب ما جاء في تعميم معالي وزير العدل رقم 14/12/ت في 12/10/96هـ[16] .

1) عقود الشركات [بالتصديق عليها] .

2) إقرار بمبلغ.

3) إقرار باستلام مبلغ.

4) إقرار بتنازل.

5) إقرار بكفالة أو فكها.

6) إقرار برهن أو فك رهن البنوك الأهلية.

7) إقرار بتعديل اسم.

8) إقرار بوصيه.

9) إقرار بتنازل عن إصابات.

10) إقرار باستلام دية.

11) إقرارات منح أملاك الدولة.

12) إقرارات منح أمانة مدينة الرياض [أو أي أمانة أخرى] .

وتضمن التعميم الماضي تقسيم الصلاحيات والاختصاصات بين كتابتي العدل الأولى والثانية، فخص كل واحدة منهما بما يلي:

أولاً: اختصاص كتابة العدل الأولى:

1) توثيق عقود الشركات

2) الإقرار بمبلغ.

3) الإقرار باستلام مبلغ.

4) الإقرار برهن أو فك رهن.

5) الإقرار برهن للبنوك الأهلية أو الحكومية.

6) الإقرار بتعديل اسم.

7) الإقرار باستلام دية.

8) الإقرار بمنح أملاك الدولة.

9) الإقرارات بمنح أمانة الرياض.

ص: 177

ثانياً: اختصاصات كتابات العدل الثانية ما عدا ما مَرّ من الأقارير والوكالات ومنها:

1) الوكالات الشرعية.

2) أقارير الكفالات وفكها.

3) أقارير الوصايا.

4) أقارير التنازل.

ويدخل ضمن وثائق الأقارير (أقارير التنازل عن الجنسية) و (أقارير التنازل عن الأصابات المرورية) ، و (الأقارير بالوصية) ونحوها [17] .

المبحث التاسع

الطرق المرعية في إصدار وتحرير الوثائق الشرعية لدى كتابات العدل السعودية

هذه نبذ متسلسلة في ذكر الطرق المتبعة، في الحصول على الوثائق الشرعية بمختلف صورها وأنواعها، التي تقوم بإصدارها وتحريرها إدارات كتابتي العدل الأولى والثانية، في بعض مناطق المملكة العربية السعودية.

وسوف أقصر الحديث على ذكر الطرائق المتبعة في استخراج والحصول على نوعين فقط من أنواع الوثائق والصكوك التي تقوم كتابات العدل بإصدارها، والتي سبق أن ذكرت أسماء أنواعها على التفصيل في المبحث السابق.

أولاً: الإجراءات المتبعة في إصدار توكيل شرعي بموجب الحاسب الآلي لدى كتابة العدل الثانية:

هذا عرض مبسط جدّاً للإجراءات المتبعة، مستقى من فضيلة رئيس كتابة العدل الثانية بالمدينة المنورة، وهذه أهم خطوات إصدار الوثيقة:

1-

يقوم طالب الوكالة بمراجعة الموظف المختص بإدارة كتابة العدل الثانية، المكلف بمعرفة نوعية الوكالة أو الوثيقة المراد الحصول عليها، ويتأكد الموظف المختص من وجود كل الأوراق الثبوتية معه، والتي سوف يقوم فضيلة كاتب العدل بطلبها منه عند الإصدار، ووجود شهود الحال معه حال تقديمه الطلب مشافهة للموظف المختص.

2-

يقوم الموظف المختص بتسجيل طلب الطالب، ونوعية الصك المطلوب في جهاز الحاسب الآلي الخاص بإدارة كتابة العدل الثانية.

ص: 178

3-

يقوم جهاز الحاسب الآلي باختيار وترتيب الإحالات إلى فضيلة المشايخ كتاب العدل القائمين بالعمل في إدارة العدل الثانية، وعددهم في الغالب بين ثمانية إلى عشرة كتاب عدل، وهذه الإحالات مبرمجة مسبقاً من قبل وزارة العدل، ويحدد الجهاز نوعية الوثيقة المطلوبة التي قام الموظف المختص بإدخالها في الجهاز بعد التأكد من صحة وكمال الطلبات النظامية.

4-

يقوم جهاز الحاسب الآلي بإصدار ورقة إحالة للطالب، فيقوم الموظف المختص بالحاسب الآلي، بمنحها للطالب الذي يقوم بدوره بالذهاب إلى فضيلة كاتب العدل الموضح اسمه ورقم مكتبه في ورقة الإحالة.

5-

يقوم فضيلة كاتب العدل بمراجعة كافة الأوراق الثبوتية التي يحملها الطالب، والتأكد من شخصية الموكل والشاهدين، والتأكد من أوراقهم الثبوتية الرسمية، مع التثبت من صحة تصرف الموكل، وصحة الإقرار بالتوكيل، ونحو ذلك.

6-

يقوم كاتب العدل بإحالة الطلب وصاحبه إلى كاتب الضبط الخاص به، مع إيضاح نوع الوكالة المطلوبة، ويقوم كاتب الضبط بتسجيل الوكالة في جهاز الحاسب الآلي الخاص بكاتب العدل.

7-

بعد استكمال إدخال المعلومات عن طريق كاتب الضبط في جهاز الحاسب الآلي بكاتب العدل، يعود الطالب مرة أخرى إلى كاتب العدل الذي يقوم بمراجعة صحة تحرير الوكالة في جهاز الحاسب الآلي الخاص به، وذلك من خلال شاشة الجهاز المأمور بإصدار الوثيقة.

8-

يقوم كاتب العدل بإصدار الوثيقة المطلوبة من خلال جهاز الحاسب الآلي مكونة من أساس وصورة، ويأمر أصحاب العلاقة من موكل وشهود بالتوقيع على الصورة لتحفظ في أرشيف كتابة العدل، أما الوثيقة الأصلية فسيقوم بتسليمها للطالب.

9-

يقوم فضيلة كاتب العدل بمراجعة الوثيقة الأصلية مرة أخرى بعد الإصدار، والطبع على ورق صقيل جميل معد من قبل وزارة العدل، فإذا تأكد من صحتها قام بالتوقيع عليها ووضع خاتمه الذاتي الخاص به بجانب توقيعه الأصلي.

ص: 179

10-

تحال الوثيقة بعد التوقيع من فضيلة كاتب العدل الذي قام بإصدارها، إلى فضيلة رئيس كتابة العدل الثانية، فيقوم بختم الوثيقة بالختم الرسمي لإدارة كتابة العدل الثانية، ثم تسلم الوثيقة مستكملة الإجراءات إلى الطالب، وبهذا تنتهي إجراءات إصدار الوثيقة من قبل إدارات كتابة العدل الثانية [18] ، وهذه الطرائق تتكرر غالباً في كل وثيقة مصدرة من إدارات كتابات العدل الثانية.

ثانيا/ الإجراءات المتبعة في نقل ملكية العقار لدى كتابة العدل الأولى:

إذا أراد صاحب عقار بيع عقاره لأحد المشترين فتتم نقل ملكية العقار عن طريق إدارات كتابة العدل الأولى في المناطق التي يوجد بها العقار، ولا يمكن إفراغ عقار من مالك إلى آخر مشترٍ في أي إدارة عدل لا يوجد العقار تحت سلطتها، كأن يكون العقار في الطائف ويتم بيعه وإفراغه في المدينة المنورة مثلاً.

فهذا التصرف قد منعته التعليمات المرعية، في أنظمة كتابات العدل والقضاء في المملكة العربية السعودية، أما إذا كان العقار موجوداً في نطاق صلاحية كتابة العدل الأولى فالطريقة المتبعة في إفراغ العقار ونقل ملكيته من بائع إلى مشترٍ، كالتالي:

1-

يقوم البائع بمراجعة فضيلة رئيس كتابة العدل الأولى، حاملا صك ملكية العقار.

2-

يقوم رئيس كتابة العدل الأولى بإحالة البائع إلى أحد أصحاب الفضيلة كتاب العدل الموجودين تحت رئاسته، وعددهم يترواح بين (8-10) كاتب عدل.

3-

يقوم كاتب العدل الذي أحال إليه فضيلة رئيس كتاب العدل طلب الإفراغ بالتأكد من صحة الصك الذي يحمله البائع من التزوير أو التلف، ثم بعد تأكده من ذلك، يقوم كاتب العدل بإرفاق نموذج طلب الكشف على السجل الأصلي لهذا الصك، (انظر/ النموذج المرفق ص104) .

4-

يقوم المراجع بحمل الصك الشرعي الخاص بعقاره، مع نموذج طلب الكشف الموقع من رئيس كتابة العدل الأولى، بمراجعة قسم السجلات.

ص: 180

5-

يقوم رئيس قسم السجلات بالتأكد من سلامة السجل الأصلي لصك المبايعة، من أي إجراء شرعي يفسد البيع، كالبيع السابق، أو الرهن لآخر ونحو ذلك، فإذا تأكد من سلامة السجل أشّر عليه بما يفيد ذلك.

6-

يعود الطالب أدارجه مرة أخرى إلى فضيلة كاتب العدل المختص بإفراغ العقار المحدد من قبل رئيس كتابة العدل الأولى.

7-

عند وصول الطلب لكاتب العدل يقوم بتقييد الطلب، ويحدد وقتاً لسماع الإقرار وضبطه، ثم يتثبت كاتب العدل من شخصية البائع والمشتري والشاهدين، وذلك بالاطلاع على ما يحملونه من أوراق رسمية، ومن سلامة التصرف الشرعي فيما لوكان البائع أو المشتري أو أحدهما وكيلاً أو وليّاً أو وصيّاً، مع التثبت من صحة أهلية كل من البائع والمشتري.

8-

التثبت من الصكوك والوثائق المثبتة للملكية، وذلك بمطابقتها على سجلاتها، إذا كانت في الإدارة، أو بعثها مصحوبة بمذكرة رسمية لمصادرها لتطبيقها وإعادتها مرة أخرى إلى كتابة العدل الأولى.

9-

إذا توافرت الشروط الشرعية، واستكمال الإجراءات النظامية، وثبوت سريان مفعول الصك المراد إفراغه، يتم بعد ذلك سماع إقرار البائع بالبيع، وقبض الثمن، وإقرار المشتري بقبول الشراء واستلامه المبيع في محله، والتصرف فيه والرضا به، وذلك بحضور المعرفين شاهدي الحال، ثم يضبط ذلك بدفتر الضبط، ويؤخذ توقيع الجميع على ذلك.

10-

التصريح بصحة البيع وثبوته، وإفراغ الملكية باسم المشتري، والتوقيع والختم على ذلك بدفتر الضبط.

11-

يخرج الصك اللازم المثبت لذلك، ويوقع ويختم من كاتب العدل، ثم يقوم كاتب الضبط بكتابة رقم وتاريخ وصحيفة وجلد وعام الضبط، على ظهر الصك، ويوقع على ذلك، ويدرج ذلك في فهرس الضبط.

12-

يحال الصك لتسجيله عن طريق مدير الإدارة أو رئيس الكتاب، فيبعثه مدير الإدارة أو رئيس الكتاب رسمياً إلى المسجل ليقوم بتسجيله.

ص: 181

13-

يقوم المسجل بتسجيل الصك بدفتر السجل حرفيا، ثم يضع على ظهره رقم وتاريخ وصحيفة وجلد وعام تسجيله، ثم يدرج ذلك بفهرس السجل، ويوقع على ظهر الصك، ثم يقوم المقابل بمقابلة الصك على سجله، فإذا وجده مطابقاً وقع على ظهره بما يفيد المقابلة، وبعد ذلك يعاد الصك إلى كاتب العدل عن طريق مدير الإدارة، أو رئيس الكتاب ليتم الإشارة في الضبط بتسجيله لكيلا يخرج مرة أخرى، وكذا للتأشير على الطلب بما تم.

14-

يجري التهميش على الصكوك، أو الوثائق التي بني عليها الإجراء بانتقال الملكية، ويشار لرقم وتاريخ الصك الأخير، وينقل ذلك في هوامش سجلاتها إن كانت في نفس الإدارة وإلا بعثت رسميّاً لمصادرها للتهميش على هوامش سجلاتها وإعادتها.

15-

يجري ختم الصك بالختم الرسمي، ويسلم للمشتري أو وكيله الشرعي، بعد أن يودع بدفتر تسليم الصكوك، ويوضع على الصك رقم وتاريخ تسليمه، ويؤخذ توقيع المستلم على الاستلام.

إذا عادت الصكوك والوثائق المهمش على سجلاتها، ضمت بملف الطلب، ثم يحفظ الطلب ومرفقاته لدى مأمور الإضبارات بعد بعثه إليه رسميّاً.

16-

إذا كان المبيع جزءاً من الصك، فبعد أن يهمش على الصك الذي بني عليه يسلم الصك لصاحبه، بعد أخذ توقيعه على استلامه، ثم يحفظ سند استلام الصك المذكور بملف الطلب [19] .

بسم الله الرحمن الرحيم

المملكة العربية السعودية الرقم:-

وزارة العدل التاريخ:-

كتابة العدل الأولى بالمدينة المرفقات:-

الموضوع

المكرم/رئيس قسم السجلات بكتابة العدل الأولى بالمدينة المنورة المحترم،

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

ص: 182

اعتمدوا الكشف والبحث في السجلات والقيودات لديكم عن الصك رقم [] وتاريخ [/ / 14هـ] الصادر من كتابة العدل بالمدينة والإفادة عما إذا كان لا يزال ساري المفعول أو عليه شروحات تؤثر على مفعوله وهل صاحب الصك من الأشخاص المطلوب البحث والتحري عن أملاكهم للإفادة عن ذلك.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،.

رئيس كتابة العدل الأولى بالمدينة المنورة

يقدم مع التحية لفضيلة رئيس كتابة عدل المدينة المنورة حيث تحقق لدي أن واقع السجلات والقيودات بأن الصك لا يزال ساري المفعول ولم يطرأ أي شروحات تؤثر على مفعوله وأن صاحب الصك لم يسجل لدينا في القائمة المطلوب البحث والتحري عن أملاكهم. للإحاطة بذلك، والله يحفظكم،،،

رئيس قسم السجلات

الاسم:-

التوقيع:-

المكرم المحترم،،،

بعد التحية للاطلاع على ما جاء بشرح قسم السجلات وإكمال اللازم حسب المتبع، والله يحفظكم

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،،

رئيس كتابة العدل الأولى بالمدينة المنورة

--------------------------------------------------------------------------------

[1]

مضامين القضاء البدوي قبل العهد السعودي ص 104.

[2]

النظام القضائي في المملكة العربية السعودية لحسن آل الشيخ - ص 32.

[3]

مجموعة النظم والتعليمات / ص 8.

[4]

مجموعة النظم والتعليمات ص 142.

[5]

مجموعة النظم والتعليمات ص (143- 148) المصدر السابق ص (150) .

ص: 183

[6]

نظام تركيز مسؤوليات القضاء الشرعي / ص 3.

[7]

نظام القضاء / ص 12 - 13.

[8]

نظام القضاء ص 12 - 13.

[9]

الأنظمة واللوائح والتعليمات / ص 7 - 8.

[10]

انظر الصفحات (22 - 25) من النظام المذكور بعاليه.

[11]

نظام تركيز مسؤوليات القضاء ص 22.

[12]

التطور التشريعي في المملكة العربية السعودية لمحمد عبد الجواد / ص 85.

[13]

لمحات حول القضاء في المملكة العربية السعودية لعبد العزيز آل الشيخ، ص 150.

[14]

وزارة العدل (الأنظمة واللوائح والتعليمات) ص 71.

[15]

الكتاب الإحصائي التاسع عشر (1415، ص 181) .

[16]

وزارة العدل (الأنظمة والتعليمات واللوائح) ص 72 - 73.

[17]

انظر قسم الملاحق فهنالك نماذج مختارة لعدد من الوثائق الشرعية التي تصدرها كتابات العدل.

[18]

المعلومات الماضية أملاها علي فضيلة رئيس كتابة العدل الثانية بالمدينة المنورة فضيلة الشيخ خالد الحصين.

[19]

المعلومات الماضية أملاها علي فضيلة كاتب العدل الشيخ مريشيد راشد البذيلي - أحد كتاب العدل في كتابة العدل الأولى بالمدينة المنورة.

ص: 184

تابع لكتابة العدل

نظام إصدار الوكالات الشرعية بالحاسب الآلي

جاء في كتيب أصدرته وزارة العدل بعنوان (الحاسب الآلي في وزارة العدل) ذكر المبررات التي حدت بالوزارة إلى استحداث نظام إصدار الوكالات الشرعية بالحاسب الآلي ومما تضمنته النشرة ما يلي:

"نظراً لازدياد أعداد السكان، وتنوع النشاطات الاقتصادية والتجارية، وكثرة الشركات المساهمة، وتنامي حركة البيع والشراء، فقد ازدادت الرغبة في الحصول على الوكالات الشرعية وارتفعت بمعدلات متسارعة في كل عام إذ بلغت مثلاً صكوك الوكالات الشرعية التي أصدرتها كتابة عدل الرياض الثانية - على سبيل المثال - أكثر من مائة وعشرة آلاف وكالة عام 1416هـ.

كل هذا استلزم الشروع في إدخال الحاسب الآلي في أعمال كتابة العدل الثانية، لذا عمدت الوزارة إلى البدء في إعداد هذا النظام والأعمال المصاحبة له" [1] .

وتضمنت تلك النشرة ذكر أهم المزايا والفوائد التي جناها المواطن، والوزارة من تشغيل نظام أعمال كتابة العدل بالحاسب الآلي ومنها:

1-

الحصول على تقارير آنية دقيقة عن عدد المراجعين وإنتاجية كل موظف، مما يفيد في معالجة أي قصور إن وجد سواء بزيادة القوى العاملة أو تعديل الإجراءات المتبعة.

2-

سهولة مراقبة العمل من قبل المسؤولين بالوزارة وذلك بالدخول على النظام الآلي، لغرض التعرف على سير العمل بشكل عام، أو تفصيل حسب الحاجة.

3-

توحيد نصوص الوكالات للجميع، حيث إنها مخزنه بالحاسب الآلي خلاف السابق الذي كان يعتمد على نص وتعبير كاتب الوكالة.

4-

إخراج وكالات مطبوعة بشكل جيد وخط واضح.

5-

سهولة حصر الأشخاص من التوكيل أو الشهادة عندما ترد عليهم ملحوظات عليها من قبل الجهات المختصة خلافاً لما هو قائم حالياً.

ص: 185

6-

سرعة وسهولة الاستفسار عن أي معلومة تم تخزينها خلال ثوانٍ مقارنة بالفترة المطلوبة في السابق.

7-

سهولة تصحيح نص الوكالة بالإضافة أو التعديل، في حالة الخطأ خلاف السابق الذي يتطلب إعادة كتابة الوكالة مرة أخرى.

8-

التوزيع العادل للعمل بين أصحاب الفضيلة كتاب العدل.

9-

المحافظة على سرية العمل حيث لا يمكن الإطلاع على المعاملات إلا من قبل الموظف المختص [2] .

وهذا النظام يعمل به الآن في كل من كتابات العدل في الرياض والمدينة المنورة، وسيطبق مع مرور الزمن في كافة كتابات العدل الثانية في كافة مناطق المملكة العربية السعودية.

نموذج صك وكالة صادر من كتابة عدل بواسطة الحاسب الآلي

المصدر: نشرة الحاسب الآلي في وزارة العدل.

المبحث الحادي عشر

الارتباط بين كتابات العدل والمحاكم

كانت كتابات العدل منذ إنشائها مرتبطة بالمحاكم الشرعية فقد نصت المادة (201) من نظام تركيز مسؤوليات القضاء الشرعي، الصادر بالأمر السامي برقم 32/1/3 وتاريخ 4/1/1357هـ على ما يلي:

"دوائر كاتب العدل ملحقة بالدوائر الشرعية، ضمن صلاحياتها الممنوحة لها في نظامها المنصوص...."[3] .

ولم يختلف الأمر في الإصدار الجديد لهذا النظام، الصادر بالتصديق العالي رقم 109 في 24/1/1372هـ عما سبق عرضه أعلاه، كما هو منصوص عليه في المادة (177) من نظام تركيز مسؤوليات القضاء الشرعي الجديد

وكان لرئيس القضاة كامل الإشراف على المحاكم الشرعية وكتاب العدل وبيوت المال، كما نصت عليه المادة الثانية من نظام تركيز مسؤوليات القضاء الشرعي الصادر عام 1372هـ

ولما أنشئت وزارة العدل صدر الأمر الملكي رقم أ/126 وتاريخ 13/8/1390هـ ويقضى الأمر بأن يكون وزير العدل يباشر الصلاحيات المحددة فيما مضى لرئيس القضاة، وأن يكون رئيساً لمجلس القضاء الأعلى

ص: 186

وعندما صدر نظام القضاء الأخير رقم م/64 وتاريخ 14/7/1395هـ نصت المادة السادسة أن رئيس الهيئة العامة لمجلس القضاء هو وزير العدل

ثم صدر الأمر السامي الملكي رقم م/76 في 14/10/1395هـ الذي عدل بعض نصوص نظام القضاء ومن التعديلات التي أدخلت في النظام إنشاء وظيفة جديدة مسماها (رئيس مجلس القضاء الأعلى) وعهد إليه برئاسة المجلس بدلاً من وزير العدل [4]

وجاء في المادة (87) أن وزارة العدل تتولى الإشراف الإداري والمالي على المحاكم والدوائر القضائية الأخرى، ومنها كتابات العدل.

ثم صدر تعميم معالي وزير العدل رقم 124/12/ت في 19/5/93هـ، بشأن ارتباط كتاب العدل بالمحاكم، ومما جاء فيه:

- حكم إدارة العدل في أي منطقة، حكم إحدى المحاكم في تلك الجهة، فهي مرتبطة برئاسة المحاكم مثل المحاكم الفرعية والمحاكم المستعجلة.

- كتابات العدل في جهة فرع الوزارة بالمنطقة الغربية تعتبر مرتبطة بالفرع.

- كتابات العدل الموجودة في البلدان المرتبطة محاكمها رأساً بالوزارة المجمعة والخرج والأفلاج والحوطة وأمثالها تكون مرتبطة بقاضي البلد.

- كتابة العدل بالرياض تبقى على وضعها في الارتباط بالوزارة لقربها منها.

- الارتباط بين كتابات العدل والوزارة يكون في الشؤون المكتبية والوظيفة.

- المخابرات الرسمية العادية مع الدوائر الأخرى كالإمارة والبلدية والدوائر ذات العلاقة بأعمال كتابة العدل يكون من تلك الدوائر

- وكتابات العدل رأساً من غير واسطة [5]

المبحث الثاني عشر

فروع كتابات العدل في المملكة العربية السعودية

ص: 187

عندما أُنشِئت كتابات العدل لأول مرة كانت محصورة في بعض المناطق كالرياض وجدة ومكة والمدينة، ونظراً للزيادة المطردة في عدد السكان، وحاجة البلاد والعباد إلى خدمات هذه الدوائر الشرعية، والإرتباط الوثيق بينها وبين الناس، فلابد لكل فرد من أفراد المجمع أن تعن له حاجة إليها من وكالة أو إفراغ أو رهن، وخلاف ذلك فقد حرصت حكومة خادم الحرمين الشريفين على تعميم كتابات العدل في كافة أنحاء المملكة العربية السعودية، فبعد أن كانت محدودة بعدد أصابع اليد، أضحت اليوم تغطي كافة أنحاء البلاد، ووصل عدد فروعها إلى (121) فرعاً، وهذا بيان بأسماء كتابات العدل بالمملكة العربية السعودية كما وضحها الكتاب الإحصائي الثامن عشر الصادر عام 1415 - 1995م (انظر البيان المرفق بعدد كتابات العدل في المملكة العربية السعودية خلال العام 1415هـ) .

بيان بكتابات العدل بالمملكة خلال عام 1415هـ

التسلسل

اسم الكتابة

التسلسل

اسم الكتابة

التسلسل

اسم الكتابة

منطقة الرياض

محافظة القويعية

27

كتابة عدل نفي

1

كتابة العدل الأولى بالرياض

16

كتابة عدل القويعية

منطقة القصيم

2

كتابة العدل الثانية بالرياض

17

كتابة عدل الرين

28

كتابة العدل الأولى ببريدة

3

كتابة عدل الخرج

18

كتابة عدل رويضة العرض

29

كتابة العدل الثانية ببريدة

4

كتابة عدل الدلم

محافظة وادي الدواسر

30

كتابة عدل عنيزة

5

كتابة عدل حوطة بني تميم

19

كتابة عدل وادي الدواسر

31

كتابة عدل الرس

6

كتابة عدل الحريق

20

كتابة عدل السليل

32

كتابة عدل البكيرية

7

كتابة عدل الحلوة

محافظة سدير

33

كتابة عدل الخبراء

8

كتابة عدل شقراء

21

ص: 188

كتابة عدل المجمعة

34

كتابة عدل المذنب

9

كتابة عدل ضرمى

22

كتابة عدل حوطة سدير

35

كتابة عدل الأسياح

10

كتابة عدل ثادق

محافظة الأفلاج

36

كتابة عدل البدائع

11

كتابة عدل حريملاء

23

كتابة عدل الأفلاج

37

كتابة عدل عيون الجواء

12

كتابة عدل الزلفي

محافظة الدوادمي

منطقة حائل

13

كتابة عدل الدرعية

24

كتابة عدل الدوادمي

38

كتابة عدل حائل

14

كتابة عدل المزاحمية

25

كتابة عدل عفيف

39

كتابة عدل بقعاء

15

كتابة عدل مرات

26

كتابة عدل ساجر

40

كتابة عدل الحائط والحويط

(تابع) بيان بكتابات العدل بالمملكة خلال عام 1415هـ

التسلسل

اسم الكتابة

التسلسل

اسم الكتابة

التسلسل

اسم الكتابة

منطقة الحدود الشمالية

منطقة المدينة المنورة

67

كتابة عدل رابغ

41

كتابة عدل عرعر

53

كتابة العدل الأولى بالمدينة المنورة

68

كتابة عدل الخرمة

42

كتابة عدل رفحاء

54

كتابة العدل الثانية بالمدينة المنورة

69

كتابة عدل الليث

43

كتابة عدل طريف

55

كتابة عدل ينبع

70

كتابة عدل ميان

منطقة الجوف

56

كتابة عدل خيبر

محافظة القنفذة

44

كتابة عدل سكاكا

57

كتابة عدل الحناكية

71

كتابة عدل القنفذة

45

كتابة عدل القريات

58

كتابة عدل العلا

72

كتابة عدل العرضية الجنوبية

46

كتابة عدل دومة الجندل

منطقة مكة المكرمة

73

كتابة عدل القوز

47

كتابة عدل طبرجل

59

كتابة العدل الأولى بمكة

ص: 189

منطقة الباحة

منطقة تبوك

60

كتابة العدل الثانية بمكة

74

كتابة عدل الباحة

48

كتابة العدل الأولى بتبوك

61

كتابة العدل الأولى بجدة

75

كتابة عدل المندق

49

كتابة العدل الثانية بتبوك

62

كتابة العدل الثانية بجدة

76

كتابة عدل قلوة

50

كتابة عدل الوجه

63

كتابة العدل الأولى بالطائف

77

كتابة عدل بالجرشي

51

كتابة عدل أملج

64

كتابة العدل الثانية بالطائف

78

كتابة عدل المخواة

52

كتابة عدل تيماء

65

كتابة عدل تربة

منطقة عسير

66

كتابة عدل رنيه

79

كتابة العدل الأولى بأبها

(تابع) بيان بكتابات العدل بالمملكة خلال عام 1415هـ

التسلسل

اسم الكتابة

التسلسل

اسم الكتابة

التسلسل

اسم الكتابة

80

كتابة العدل الثانية بأبها

95

كتابة عدل أبي عريش

المنطقة الشرقية

81

كتابة عدل خميس مشيط

96

كتابة عدل بيش

108

كتابة العدل الأولى بالدمام

82

كتابة عدل بالقرن

97

كتابة عدل المسارحة

109

كتابة العدل الثانية بالدمام

83

كتابة عدل النماص

98

كتابة عدل ضمد

110

كتابة العدل الأولى بالخبر

84

كتابة عدل رجال ألمع

99

كتابة عدل فرسان

111

كتابة العدل الثانية بالخبر

85

كتابة عدل بيشة

100

كتابة عدل صامطة

112

كتابة عدل حفر الباطن

86

كتابة عدل محائل

منطقة نجران

113

كتابة عدل القطيف

87

كتابة عدل المجاردة

101

كتابة عدل نجران

114

كتابة عدل الخفجي

88

ص: 190

كتابة عدل السراة

102

كتابة عدل شرورة

115

كتابة عدل صفوى

89

كتابة عدل أحد رفيدة

محافظة الأحساء

116

كتابة عدل بقيق

90

كتابة عدل ظهران الجنوب

103

كتابة العدل الأولى بالأحساء

117

كتابة عدل رأس تنورة

91

كتابة عدل تثليث

104

كتابة العدل الثانية بالأحساء

118

كتابة عدل الجبيل

منطقة جازان

105

كتابة عدل المبرز

119

كتابة عدل قربة

92

كتابة العدل الأولى بجازان

106

كتابة عدل الجفر

120

كتابة عدل سيهات

93

كتابة العدل الثانية بجازان

107

كتابة عدل العيون

94

كتابة عدل صبياء

المبحث الثالث عشر

أنشطة كتابات العدل بالمملكة العربية السعودية

تؤدي كتابات العدل في المملكة العربية السعودية خدمات جليلة، لا يستغني عنها أي مواطن أو مقيم على أراضي المملكة العربية السعودية، إذ تقوم بإصدار صكوك انتقال الملكية العقارية لمواطني المملكة، وإصدار الوكالات الشرعية للمواطنين، وغيرهم من المقيمين، وإصدار الأقارير والمبايعات، وشهادات الضمان، وغير ذلك من الوثائق الشرعية المتنوعة.

ص: 191

ونتيجة للتطور الذي تشهده المملكة العربية السعودية خلال السنين الأخيرة، في شتى الميادين وتزايد النشاط الاقتصادي، وتعدد أنواع التعامل بين الأفراد والمؤسسات، ازدادت أعمال كتابات العدل، مما حدا بوزارة العدل إلى افتتاح العديد من كتابات العدل، لمواجهة هذا النمو المطرد، سواء أكان ذلك في زيادة عدد كتابات العدل في المدن الرئيسية، أم في فتح كتابات عدل في مدن أخرى لا توجد بها كتابة عدل، وفي حالة فتح كتابتي عدل بالمدن الرئيسة جرى تخصيص كل إدارة منهما بإصدار أنواع من الوثائق المقصورة عليها:

- بحيث تخصص كتابة العدل الأولى بإفراغ المبايعات والهبات والمنح.

- وتختص الثانية بالوكالات والأقارير ونحوها.

أما الجهات التي لا توجد بها كتابات عدل، فإن القضاة يقومون

بأعمال كتاب العدل، إلى جانب أعمالهم الأساسية، مما يخفف عن المواطنين أعباء التنقل من مدينة إلى أخرى.

وقد أوضح الكتاب الإحصائي التاسع عشر أن مجموع ما أنجزته كتابات العدل بالمملكة العربية السعودية خلال عام 1415هـ (905911) صكّاً شرعيّاً مقارنة بالعام الذي قبله وهو (980054)، أي: بنقص قدره (74143) صكّاً، وكانت أنواع الصكوك الصادرة من كتابات العدل ذلك العام كالتالي:

1-

139953 صك مبايعه 2- 671727 صك وكاله.

3-

18338 صك رهن. 4- 45638 صك أقارير.

5-

30255 صكوك أخرى متنوعة [6]

وفيما يلي البيانات الخاصة الموضحة لأعداد الصكوك، ونشاط كتابات العدل على مستوى المناطق والمحافظات، خلال عام 1415هـ (انظر البيان المرفق بأعداد الصكوك الشرعية الصادرة من كتابات العدل خلال الأعوام 1406 -1415هـ) .

جدول يوضح أعداد الصكوك الصادرة من كتابات العدل بالمملكة من عام 1406هـ وحتى عام 1415هـ

م

السنة

مبايعات

ص: 192

وكالات

رهونات

أقارير

صكوك أخرى

المجموع

1

1406هـ

77566

276090

27864

68584

24185

474289

2

1407هـ

80628

326595

29372

55042

30343

521980

3

1408هـ

91627

362373

25244

54390

37605

571239

4

1409هـ

94470

406648

19636

52377

18304

591435

5

1410هـ

124110

465876

27378

54876

21303

693543

6

1411هـ

88447

493704

16868

44629

22395

666043

7

1412هـ

160216

612630

16875

63475

61892

915088

8

1413هـ

197528

617053

23520

42259

40478

920838

9

1414هـ

213094

642703

25932

47351

50974

980054

10

1415هـ

139953

671727

18338

45638

30255

905911

جدول يوضح نشاط كتابات العدل على مستوى المناطق أو المحافظات خلال عام 1415هـ

م

اسم المنطقة/ المحافظة

مبايعات

وكالات

رهونات

أقارير

صكوك أخرى

المجموع

عدد كتاب العدل

عدد كتاب العدل

1

منطقة الرياض

128525

2750

6979

310

170730

51

15

2

منطقة مكة المكرمة

139213

4194

6730

2582

173799

42

12

3

منطقة المدينة المنورة

54773

759

6801

3282

74343

20

6

4

المنطقة الشرقية

64929

1585

5202

1569

111677

21

13

5

منطقة القصيم

40339

730

3744

163

54230

16

10

6

منطقة عسير

ص: 193

52243

734

3369

4024

67009

22

13

7

منطقة جازان

19296

837

574

-

22789

13

9

8

منطقة حائل

2608

20219

514

1095

128

24564

6

3

9

منطقة تبوك

2075

23486

305

1268

4861

31995

8

5

10

منطقة الجوف

1946

18733

2963

1411

-

25053

6

4

11

منطقة الباحة

739

12838

62

1517

430

15586

6

5

12

منطقة الحدود الشمالية

1366

12862

348

439

5095

20110

4

3

13

محافظة الأحساء

7634

28630

1073

3389

6927

47653

9

5

14

محافظة نجران

1182

9184

124

771

-

11261

3

2

15

محافظة القنفذة

257

4536

54

81

-

4928

3

3

16

محافظة الدوادمي

1189

13601

214

482

626

16112

5

4

17

محافظة سدير

1001

4442

114

904

-

6461

4

2

18

محافظة الأفلاج

346

5223

51

122

257

5999

2

1

19

محافظة وادي الدواسر

589

11108

270

544

-

12511

4

2

20

محافظة القويعية

660

7567

657

216

1

9101

2

3

المجموع

139953

671727

18338

45638

30255

905911

247

120

المبحث الرابع عشر

العقوبات النظامية المترتبة على تزوير الوثائق الشرعية

ص: 194

قامت حكومة جلالة الملك في المملكة العربية السعودية، منذ توحيدها بتوفير كافة الصكوك الشرعية في دوائر المحاكم الشرعية وكتابات العدل في شتى مناطق المملكة العربية السعودية، وهذه الصكوك تصرف مجانا لذوي العلاقة بعد استكمال الإجراءات النظامية من تحرير وتوقيع وختم، أما الصكوك والوثائق الشرعية غير المستعملة فتحفظ لدى الجهات المختصة في المحاكم وكتابات العدل، وتحظى كافة الأوراق الرسمية والخاصة بالحماية من قبل الدولة -أعزها الله- كما هو الحال عند كل الدول في كافة أنحاء العالم، وذلك لأهميتها العظيمة للأفراد والسلطات معاً.

والاستعمال الرسمي والفردي للأوراق الصادرة من الجهات الحكومية لها أهمية كبرى في عصرنا الحاضر، لذا سنت الدولة الأنظمة التي تدعم الثقة بتلك المحررات الشرعية، حكومية كانت أو خاصة، حتى يتسنى لكل فرد التعامل بها والاحتجاج فيها، دون شك أو ريب في سلامتها وحجيتها.

وإذا تفشى التزوير في مجتمع ما، لعدم وجود الحماية الجنائية المقررة نظاماً، أو لعدم قيام السلطات بالجهود الضبطية الكافية لمواجهة هذه الجرائم وضبط مرتكبيها، فإن الثقة في الأوراق الرسمية أو الخاصة سوف تفقد أهميتها لدى العامة والخاصة، وسوف يؤثر ذلك سلباً على سلامة التعامل بها، وستكون لها آثارًا غير محمودة في المجتمع التي تفشت فيه، وهي أضرار لا تخفى على أحد.

لذا صدر نظام مكافحة التزوير بموجب المرسوم الملكي رقم 114 في 26/11/1380هـ، وقد بينت مواد هذا النظام، عقوبة كل من تجرأ على تزوير الأوراق الحكومية بشتى صورها وأنواعها، والمحررات الخاصة، وكذلك الأوراق النقدية وغيرها، وبيان العقوبات النظامية على من قام بالتزوير منفردًا كان أو شريكًا مع غيره، سعوديّاً أو غير سعودي، إذا وقع هذا التزوير في أرض المملكة العربية السعودية.

ص: 195

وقبل صدور هذا النظام كان الأمر متروكاً للقاضي الشرعي في تطبيق العقوبة الشرعية التعزيرية وفق ما أدى إليه اجتهاده على ضوء الفقه الإسلامي.

وبعد صدور هذا النظام، عهد إلى إدارة ديوان المظالم في المملكة العربية السعودية النظر في الدعاوي المرفوعة ضد المزورين؛ لأن حق إيقاع العقوبة والفصل فيها من اختصاصاته، كما نصت على ذلك (المادة الثامنة) : الموضحة لاختصاصات ديوان المظالم، فقد نصت الفقرة (و) من هذه المادة على أن من اختصاصه الفصل في:"الدعاوي الجزائية الموجهة ضد المتهمين بارتكاب جرائم التزوير المنصوص عليها نظاماً"[7] .

وقد أوضحت المادتان (5،6) صور الجرائم التي يعاقب عليها نظام مكافحة التزوير وهذا نص المادتين الخامسة والسادسة:

أولا: نص المادة (5) من نظام مكافحة التزوير "كل موظف ارتكب أثناء وظيفته تزوير بصنع صك إداري مخطوط لا أصل له، أو محرف عن الأصل عن قصد، أو بتوقيعه إمضاء أو خاتماً أو بصمة أصبع مزورة، أو أتلف صكاً رسمياً أو أوراقاً لها قوة الثبوت، سواء كان الإتلاف كليّاً أو جزئيّاً، أو زور شهادة دراسية، أو شهادة خدمة حكومية أو أهلية، أو أساء التوقيع على بياض أو تمن عليه، أو بإثباته وقائع وأقوال كاذبة على أنها وقائع صحيحة، وأقوال معترف بها، أو بتدوينه بيانات وأقوال غير التي صدرت عن أصحابها، أو بتغير أو تحريف الأوراق الرسمية، والسجلات والمستندات بالحك أو الشطب، أو بزيادة كلمات أو حذفها وإهمالها قصدًا، أو بتغيير الأسماء المدونة في الأوراق الرسمية والسجلات، ووضع أسماء غير صحيحة، أو غير حقيقية بدلاً عنها، أو بتغيير الأرقام في الأوراق أو السجلات الرسمية، بالإضافة أو الحذف أو التحريف، عوقب بالسجن من سنة إلى خَمْسِ سنوات"[8] .

ص: 196

ثانياً: نص المادة السادسة "يعاقب الأشخاص العاديون الذين يرتكبون الجرائم المنصوص عليها في المادة السابقة (5) أو الذين يستعملون الوثائق، والأوراق المزورة والأوراق المنصوص عليها في المادة السابقة (5) على علم من حقيقتها بالعقوبات المنصوص عليها في المادة المذكورة، وبغرامة مالية من ألف إلى عشرة آلاف ريال"[9]، ومن استعراض هاتين المادتين نخلص إلى ذكر بعض الجرائم التي يعاقب عليها هذا النظام مما يتعلق بالدوائر الشرعية ومنها:

أ - الصكوك الشرعية بكافة أنواعها.

ب - الأختام الخاصة بالدوائر الشرعية.

ج - الأقوال الكاذبة.

د - الإثباتات القولية أو الخطية الكاذبة.

هـ - تغيير أو تحريف الأوراق الرسمية أو السجلات أو المستندات بالحك أو الشطب أو الزيادة أو الحذف أو الإهمال قصداً.

و تغيير الأسماء المدونة في الأوراق الرسمية أو السجلات أو وضع أسماء غير صحيحة أو غير حقيقية بدلا عنها.

ز - تغيير الأرقام في الأوراق والسجلات الرسمية بالإضافة أو الحذف أو

التحريف، وقد أوضحت المادتان الخامسة والسادسة عقوبة كل من أقدم

على ارتكاب شيءٍ من الجرائم الماضي ذكرها، وهذه العقوبات هي:

1-

الموظف العام يعاقب بالسجن من سنة إلى خمس سنوات.

2-

الأشخاص العاديون يعاقبون بالسجن الماضي ذكره، ويضاف إلى ذلك عقوبة مالية مقدارها ألف إلى عشرة آلاف ريال.

3-

الموظف العام الذي ارتكب جريمة تزوير تعتبر هذه الجريمة في حقه من الجرائم المخلة بالشرف والأمانة، لذا تنطبق بحقه لوائح نظام الخدمة المدنية التي تنص على الفصل من الوظيفة الحكومية، والحرمان من العودة إليها مرة أخرى إلا بعد مضي ثلاث سنوات:(انظر: البند (30/16/ج) من لوائح نظام الخدمة المدنية بالمملكة العربية السعودية) .

ص: 197

وأختم الحديث بالتذكير بالوعيد الشديد الوارد على لسان المصطفى صلى الله عليه وسلم في حق التزوير والمزورين وشهادة الزور، حيث قال:"ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ثلاثاً: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متكئاً فجلس، فقال: ألا وقول الزور، وشهادة الزور، فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت" أخرجه الشيخان [10] .

فالتزوير بالقول أو بالفعل من الكبائر التي غلظ الشارع فيها العقوبة في الدنيا والآخرة، قال الشيخ ابن حجر الهيثمي:"لا فرق في كون شهادة الزور كبيرة بين قليل المال وكثيرة، فطماً عن هذه المفسدة القبيحة الشنيعة جدّاً التي جعلت عدلاً للشرك"[11] ، والمزور ما زور صكاً أو غيره إلا للاستيلاء على أموال الناس بالباطل، وأكلها بدون وجه حق، وهذا كله من المظالم المحرمة في الشريعة العادلة، والتي رتب على الفاعل لها العقوبات التعزيرية الزاجرة في الدنيا والعقوبة الشديدة في الآخرة.

الخاتمة

وفي ختام هذا البحث أحب أن أنوه بأهم النتائج المستخلصة منه:

1-

نشأة ولاية التوثيق في عهد النبي صلى الله عليه وسلم إذ عهد للزبير بن العوام، وجهم بن الصلت بكتابة أموال الصدقات

"، وكان المغيرة بن شعبة والحصين بن نمير يكتبان المداينات والمعاملات".

2-

استمرت هذه الولاية من عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلى عصرنا الحاضر وعلى مدار كافة العصور الإسلامية الماضية، ومن هنا انعقد الإجماع على جوازها في كافة العصور الإسلامية.

3-

لابد من توفر الشروط الواجبة التي ذكرها الفقهاء في كاتب العدل عند تعيينه وتوليته لهذه الولاية الشريفة، أما الشروط المستحبة فيحسن الاتصاف بها من قبله.

4-

يستحب لكاتب الوثيقة التحلي بالآداب الإسلامية التي يندب إلى التحلي بها من كل ذي ولاية.

ص: 198

5-

شروط صحة كتابة الوثيقة شروط معتبرة عند فقهاء الإسلام، فلا يعقد تلك الشروط إلا من اتصف بالفقه، وعليه أن يكتبها كما علمه الله عز وجل.

6-

لم تعرف الجزيرة قبل الملك عبد العزيز التوثيق الرسمي لغلبة الجهل على أغلب أهلها وكثيرة الفتن والنزاعات في شتى أصقاعها، وعدم وجود دولة تنظم أحوالها.

7-

أول من رتب أمور وأحوال الموثقين "كتاب العدل"، هو الملك عبد العزيز رحمه الله بعد توحيده لأجزاء شبه الجزيرة العربية، فسن الأنظمة المنظمة لأعمال التوثيق في المملكة العربية السعودية، وهذا التنظيم لم تعرفه الجزيرة العربية منذ ألف سنة مضت.

8-

المملكة العربية السعودية من أوائل الدول العربية التي اهتمت بسن الأنظمة ومنها أنظمة التوثيق "كتابة العدل"، ولازال الكثير من هذه الأنظمة إلى اليوم هو المعمول به لدى ولاة التوثيق (كتاب العدل) في كافة أنحاء المملكة العربية السعودية.

9-

احتوت أنظمة التوثيق (كتاب العدل) مئات المواد المنظمة لأمور وشئون كتاب العدل في كافة أعمالهم الإدراية والوظيفية والمالية ونحو ذلك.

10-

اشترطت الأنظمة في من يتولى هذه الولاية العظيمة الشروط التي نص عليها نظام القضاء في حق من يعين قاضياً في المملكة العربية السعودية، وهذا يدل دلالة أكيدة على أهمية هذه الولاية الشرعية الجليلة، ومكانتها السامية في المملكة العربية السعودية.

11-

إن وزارة العدل هي الوزارة المسؤولة عن تنظيم أعمال كتاب العدل وإصدار التعاميم المنظمة لشؤونهم في كافة مناطق المملكة العربية السعودية.

12-

تسعى وزارة العدل دوماً في تطوير وتحسين أداء موظفي كتاب العدل لما لهذا التطوير من آثار إيجابية على الوطن والمواطن.

13-

أن الإجراءات المتبعة في إصدار الوثائق إجراءات سهلة وميسورة متضمنة الرفق بالمواطن، والإسراع في تحقيق مطالبة.

ص: 199

14-

إن وزارة العدل تقوم دوماً بدراسة الوثائق الشرعية وصياغتها وطرق إصدارها، مراعية في ذلك حاجة المواطن في سرعة الإصدار، وتحقيق المقاصد الشرعية في جودة صياغة الوثائق، وخلوها من الخلل.

15-

قامت حكومة خادم الحرمين الشريفين بفتح وتعداد كتابات العدل في المناطق الكبرى في المملكة العربية السعودية، وفتح إدارات أخرى في كافة مدن وقرى المملكة العربية السعودية، وعينت لهذه الإدارات مشايخ كرام مؤهلين في كافة جوانب العلمية والإدارية.

16-

إن الوثائق الشرعية المعدة من قبل وزارة العدل وتقوم بإصدارها كتابات العدل، وثائق شرعية محمية من قبل الدولة، لهذا سنت العقوبات الرادعة لكل من تسول له نفسه الإقدام على العبث بها وتزويرها.

الملاحق

مجموعة مختارة من الوثائق الشرعية التي تصدرها وزارة العدل وتقوم كتابات العدل باعتمادها ومنحها للطالبين

أولاً: نماذج من الوثائق الصادرة من كتابة العدل الأولى:

1-

نموذج لوثيقة كفالة لصالح البنك الزراعي العربي السعودي.

2-

نموذج لوثيقة رهن لصالح صندوق التنمية الصناعية السعودي.

3-

نموذج لوثيقة رهن لصالح صندوق التنمية العقارية.

4-

نموذج لوثيقة رهن لصالح بنك التسليف السعودي.

5-

نموذج لصك منحة أرض صريحة.

6-

نموذج لصك بيع أرض.

7-

نموذج لصك تنازل عن أرض حكومية مباعة لمواطن.

1-

نموذج لوثيقة كفالة لصالح البنك الزراعي العربي السعودي.

2-

نموذج لوثيقة رهن لصالح صندوق التنمية الصناعية السعودي.

3-

نموذج لوثيقة رهن لصالح صندوق التنمية العقارية

4-

نموذج لوثيقة رهن لصالح بنك التسليف السعودي

5-

نموذج لصك منحة أرض صريحة

6-

نموذج لصك بيع أرض

7-

نموذج لصك تنازل عن أرض حكومية مباعة لمواطن

ص: 200

ثانياً: نماذج من الوثائق الشرعية الصادرة من كتابة العدل الثانية:

1-

نموذج صك وكالة عامة.

2-

نموذج صك وكالة خاصة.

3-

نموذج صك وكالة استقدام عمالة من خارج المملكة العربية السعودية.

4-

نموذج وكالة شرعية في قبض الرواتب والعوائد والمقررات.

5-

نموذج صك تنازل عن جنسية.

6-

صك أقارير التنازل لدى كاتب العدل.

7-

صك وصايا.

8-

فسخ وكالة.

1-

نموذج صك وكالة عامة

2-

نموذج صك وكالة خاصة

3-

نموذج صك وكالة استقدام عمالة من خارج المملكة العربية السعودية

4-

نموذج وكالة شرعية في قبض الرواتب والعوائد والمقررات

5-

نموذج صك تنازل عن جنسية

6-

صك أقارير التنازل لدى كاتب العدل

7-

صك وصايا

8-

فسخ وكالة

أهم المراجع والمصادر

- أحكام القرآن، للإمام أبي بكر أحمد بن علي الرازي الجصاص، حققه/ محمد الصادق قمحاوي، نشر/ دار إحياء التراث العربي، 1405هـ.

- الأحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام، للإمام شهاب الدين أحمد بن إدريس الصنهاجي الشهير بالقرافي، ت684هـ، نشر/ المكتب الثقافي في القاهرة، الطبعة الأولى، 1989م.

- أدب القاضي، للإمام أحمد أبي أحمد الطبري الشهير بابن القاص، ت335هـ، تحقيق/ حسين خلف الجبوري، نشر/ مكتبة الصديق، الطائف، الطبعة الأولى 1409هـ.

- الأشباه والنظائر، تأليف/ جلال الدين عبد الرحمن السيوطي، ت911هـ، نشر/ مكتبة مصطفى البابي الحلبي بمصر، 1378هـ.

- الأصول القضائية في المرافعات الشرعية، للشيخ/ علي قراعة، مطبعة النهضة بمصر، الطبعة الثامنة، 1344هـ.

- الأموال، لحميد بن زنجوية ت251هـ، تحقيق/ د. شاكر فياض، نشر/ مركز الملك فيصل للبحوث، الطبعة الأولى، 1406هـ.

ص: 201

- الأموال، للحافظ أبي عبيد القاسم بن سلام المتوفى 224هـ، تحقيق/ محمد خليل هراس، نشر/ مكتبة الكليات الأزهرية، ودار الفكر، القاهرة، عام 1401هـ.

- بدائع السلك في طبائع الملك، تأليف، أبي عبد الله بن الأزرق ت896هـ، تحقيق/ علي سامي النشار، نشر/ وزارة الثقافة العراقية 1978م.

- تاريخ القضاعي، للإمام محمد بن سلامه القضاعي ت454هـ، تحقيق/ جميل عبد الله المصري، نشر/ جامعة أم القرى، 1415هـ.

- تبصرة الحكام، للقاضي إبراهيم بن علي بن فرحون ت799هـ، مراجعة/ طه عبد الرؤف سعد، مكتبة الكليات الأزهرية، ط، الأولى، 1406هـ.

- التطور التشريعي في المملكة العربية السعودية، تأليف/ د، محمد عبد الجواد محمد، مطبعة جامعة القاهرة، والكتاب الجامعي، 1977م.

- تفسير القرآن الحكيم، محمد رشيد رضا، دار المعرفة بدون، الطبعة الثانية.

- التنظيم القضائي في المملكة العربية السعودية، تأليف/ حسن عبد الله آل الشيخ، ط، الأولى، تهامة، 1403هـ.

- التنبيه والإشراف، لأبي الحسن علي بن الحسين المسعودي، طبع مدينة ليدن، بمطعة بريل سنة 1893م، مصوره دار صادر، بيروت.

- الجامع لأحكام القرآن، للإمام أبي عبد الله محمد بن أحمد القرطبي، نشر دار الكاتب العربي 1387هـ عن الطبعة الثانية الصادرة من دار الكتب المصرية.

- جوهرة العقود ومعين القضاة والشهود، لشمس الدين محمد بن أحمد المنهاجي الأسيوطي، تحقيق/ محمد حامد الفقي، مصورة عن الطبعة الأولى، الطبعة الثانية، تصوير دار الأندلس/ جدة.

- الحاسب الآلي في وزارة العدل، نشر وزارة العدل، طبع في مطابع العصر الرياض.

- روضة القضاة وطريق النجاة، للعلامة أبي القاسم علي بن محمد الرحبي السمناني، تحقيق/ د، صلاح الدين الناهي، نشر مؤسسة الرسالة بيروت، ودار الفرقان عمان، الطبعة الثامنة، عام 1404هـ.

ص: 202

- شرح أدب القاضي للخصاف، تأليف/ عمر بن عبد العزيز بن مازه ت536هـ، تحقيق/ محمد هلال السرحان، مطبعة الإرشاد بغداد.

- الشروط والوثائق والسجلات، (شروط الجلالي) ، مخطوط في عارف حكمت، برقم (155/254) .

- شرح الوثائق الفرعونية، للقاضي عبد السلام محمد الهواري، طبع الشركة المغربية، عام 1368هـ.

- الطرق الحكمية، للإمام شمس الدين محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية ت751هـ، تحقيق/ بشير عيون، نشره مكتبة المؤيد، بيروت، 1410هـ.

- الفروق، للإمام أبي العباس أحمد بن إدريس الصنهاجي المشهور بالقرافي المتوفى 684هـ، عالم الكتب، بيروت، بدون تاريخ.

- قضاة قرطبة، لأبي عبد الله محمد بن الحارث الخشني ت361هـ، نشر الدار المصرية للتأليف والترجمة، 1966م.

- القواعد والفوائد الأصولية، لأبي الحسن علاء الدين علي بن عباس الحنبلي ت803هـ، تحقيق/ محمد حامد الفقي، نشر/ دار الكتب العلمية بيروت، ط، الأولى 1403هـ.

- الكتاب الإحصائي، التاسع عشر 1415هـ لوزارة العدل، نشر وزارة العدل، قسم الإحصاء، طبع مطابع مرامر، الرياض 1417هـ.

- لمحات حول القضاء في المملكة العربية السعودية، تأليف/ عبد العزيز عبد الله بن حسن آل الشيخ، بمطابع دار الستين الرياض، ط، الأولى 1411هـ.

- مجموعة اللوائح التنفيذية لنظام الخدمة المدينة، الرياض، محرم 1399هـ.

- مجموعة النظم والتعليمات المصدقة والمراسيم بالمملكة، من عام 1345 - 1356هـ، نشر مكة المكرمة في 17/9/1357هـ.

- مجلة البحوث الفقهية المعاصرة، العدد/ العاشر، السنة الثالثة، محرم - صفر- ربيع الأول 1412هـ، "وثائق ونصوص""نظام ديوان المظالم".

- المدخل، للإمام محمد بن محمد بن محمد العبدلي ت737هـ، نشر دار التراث القاهرة.

ص: 203

- المدخل الفقهي العام، تأليف/ مصطفى أحمد الزرقا، مطبعة طربين بدمشق، 1387هـ.

- مذكرات في علم التوثيق، تأليف/ أحمد الفاضلي، مطبعة مخيمر القاهرة، عام 1384هـ.

- مسعفة الحكام على الأحكام، لمحمد بن عبد الله أحمد التمرتاشي، تحقيق/ د/ صالح عبد الكريم الزيد، مكتبة المعارف الرياض، ط الأولى 1416هـ.

- مضامين القضاء البدوي قبل العهد السعودي، تأليف/ صالح غازي الجودي، الطبعة الأولى، 1412هـ، مطبوعات نادي الطائف الأدبي.

- معجم المصطلحات الاقتصادية في لغة الفقهاء، تأليف/ د، نزيه حماد، نشر الدار العلمية/ الرياض، والمعهد العالمي للفكر، الطبعة الثالثة 1415هـ.

- معلمة الفقه المالكي، تأليف/ عبد العزيز بن عبد الله، دار الغرب الإسلامي، ط، الأولى 1403هـ.

- معين الحكام فيما يتردد بين الخصمين من الأحكام، تأليف/ علي بن خليل الطرابلسي، الطبعة الثانية، 1393هـ.

- مقدمة ابن خلدون، للعلامة عبد الرحمن بن خلدون ت808هـ، نشر دار التراث العربي، بيروت، لبنان، الطبعة الرابعة.

- نظام تركيز مسؤوليات القضاء الشرعي، نشر مطابع الحكومة الأمنية، الطبعة الرابعة.

- نظام تنظيم الأعمال الإدارية في الدوائر الشرعية، نشر مطابع الحكومة الأمنية الرياض، 1398هـ.

- نظام الحكم في الشريعة الإسلامية والتاريخ الإسلامي، تأليف/ ظافر القاسمي، الطبعة الأولى، 1398هـ، دار النفائس، بيروت.

- نظام القضاء، نشر مطابع الحكومة الأمنية، الرياض، 1402هـ.

- نظام مكافحة التزوير، نشر مطابع الحكومة الأمنية، الرياض 1401هـ.

- نهاية الأرب في فنون الأدب، تأليف/ شهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب النويري ت733هـ، نسخة مصورة من طبعة دار الكتب، نشر وزارة الثقافة بمصر.

ص: 204

- الوثائق الغرناطية، لأبي إسحاق إبراهيم بن يحيى الغرناطي، مخطوط في مكتبة الحرم المدني الشريف برقم (33/1/80) .

- وزارة العدل والأنظمة واللوائح التعليمات، نشر وزارة العدل السعودية، طبع عام 1400هـ.

- الولاية على النفس في الشريعة الإسلامية، تأليف/ صالح جمعة الجبوري، مؤسسة الرسالة/ بيروت، 1976م.

- الولاية العامة للمرأة في الفقه الإسلامي، د، محمد طعمه القضاة، نشر دار النفائس، عمان، الأردن، 1418هـ.

[1]

ص 13 من الكتيب المذكور بعاليه.

[2]

انظر المصدر السابق الصفحات 14-16.

[3]

مجموعة النظم القضائية ص 107.

[4]

التنظيم القضائي في المملكة العربية السعودية لحسن آل الشيخ ص 57.

[5]

وزارة العدل الأنظمة والمواد والتعليمات ص 82.

[6]

الكتاب الإحصائي السادس عشر / ص 181.

[7]

مجلة البحوث الفقهية المعاصرة (نظام ديوان المظالم ومذكرته الإيضاحية) ص 179.

[8]

نظام مكافحة التزوير / ص 16.

[9]

المصدر السابق، ص 16.

[10]

صحيح البخاري: 5/261 - صحيح مسلم 2/81 - 82 - الترمذي: 4/397 - النسائي: 7/88.

[11]

الزواجر: 2/193.

ص: 205

الشيخ الإمام

عبد الله بن عبد اللطيف وجهوده التعليمية في

عهد الملك عبد العزيز

عبد المحسن بن محمد بن عبد المحسن المنيف

الأستاذ المشارك بقسم الفقه

بكلية الشريعة بالجامعة الإسلامية

مقدمة

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [1] .

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً} [2] .

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً} [3] .

أما بعد فهذه ترجمة للإمام العالم الناسك الشيخ عبد الله بن الشيخ الإمام عبد اللطيف بن الشيخ الإمام عبد الرحمن بن حسن بن شيخ الإسلام الإمام محمد بن عبد الوهاب مع بيان جهوده التعليمية في عهد الملك عبد العزيز والذي دعاني إلى جمعها ما يأتي:

أولاً: أن هذا الإمام قام بمؤازرة الإمام المفخم والملك عبد العزيز بن الإمام عبد الرحمن بن الإمام فيصل بن الإمام تركي بن عبد الله بن الإمام محمد بن سعود الذي رفع الله به أعلام الشريعة بعد أفول شموسها وانطماس معالمها [4] .

ص: 206

ثانياً: أن هذا الإمام يعتبر المجدد الثالث للدين في البلاد السعودية حيث قام بتجديد الدين في أول عهد الملك عبد العزيز.

ثالثاً: إنني لم أقف على ترجمة مفردة لهذا الإمام حسب علمي.

لهذه الأسباب رغبت القيام بجمع ترجمته من مظانها وسميتها:

الإمام الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف وجهوده التعليمية في عهد الملك عبد العزيز وقد رتبتها على ثلاثة فصول وخاتمة.

الفصل الأول: حياة الشيخ الإمام الشخصية.

وفيه أربعة مباحث:

المبحث الأول: اسمه ونسبه ومولده وكنيته.

المبحث الثاني: صفاته الحميدة.

المبحث الثالث: ثناء العلماء عليه.

المبحث الرابع: وفاته ومن رثاه.

الفصل الثاني: حياة الشيخ الإمام العلمية وفيه ثلاثة مباحث:

المبحث الأول: ذكر مشائخه.

المبحث الثاني: ذكر تلاميذه.

المبحث الثالث: مسيره إلى حائل.

الفصل الثالث: جهوده التعليمية في عهد الملك عبد العزيز.

وفيه أربعة مباحث:

المبحث الأول: مبايعته للملك عبد العزيز.

المبحث الثاني: جلوسه للتدريس وثمرة ذلك.

المبحث الثالث: بذله النصيحة.

المبحث الرابع: توطين البادية وإرسال الدعاة لهم.

والخاتمة في ملخص ترجمته.

هذا وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يعز الإسلام والمسلمين، وأن يوفق خادم الحرمين الشريفين وولي عهده والنائب الثاني وإخوانهم الميامين لكل خير، وأن يبارك في جهودهم لصالح الإسلام والمسلمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

وكتبه الفقير إلى الله تعالى

عبد المحسن بن محمد بن عبد المحسن المنيف

الأستاذ المشارك بقسم الفقه

بكلية الشريعة بالجامعة الإسلامية

الفصل الأول

ص: 207

حياة الشيخ الإمام الشخصية

وفيه أربعة مباحث:

المبحث الأول: اسمه ونسبه ومولده وكنيته.

المبحث الثاني: صفاته الحميدة.

المبحث الثالث: ثناء العلماء عليه.

المبحث الرابع: وفاته ومن رثاه.

المبحث الأول

اسمه ونسبه ومولده وكنيته

هو الإمام العالم الناسك الورع الزاهد فخر الإسلام مفتي الديار النجدية الشيخ عبد الله بن الشيخ الإمام عبد اللطيف بن الشيخ الإمام عبد الرحمن بن حسن بن شيخ الإسلام الإمام محمد بن عبد الوهاب [5] بن الشيخ سليمان بن علي بن محمد بن أحمد بن راشد بن بريد بن محمد بن بريد بن مشرف بن عمر بن معضاد بن ريّس بن زاخر بن محمد بن علوي بن وهيب بن قاسم بن موسى بن مسعود بن عقبة بن سنيع بن نهشل بن شداد بن زهير بن شهاب بن ربيعة بن أبي سود بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم بن مر بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان [6] .

وقال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن البسام حفظه الله: "وهذا النسب إلى عقبة منقول بالتواتر، ومن خطوط علماء الوهبة المعتبرين المجمع على علمهم وثقتهم واطلاعهم؛ من أمثال الشيخ سليمان بن علي والشيخ أحمد بن محمد بن بسام والشيخ أحمد بن محمد البجادي والشيخ أحمد بن محمد بن حسن القصير والشيخ عبد المحسن بن شارخ المشرفي والشيخ محمد بن أحمد القاضي.

ومن عقبة إلى إلياس منقول عن ثقات النسابين والمؤرخين من أمثال العالم النسابة ابن الكلبي صاحب الجمهرة في الأنساب وياقوت الحموي الكاتب" [7] .

ص: 208

قدم والده الإمام عبد اللطيف من مصر إلى الرياض في عام 1264هـ ولمّا استقر في مدينة الرياض بضعة أشهر، وجلس لطلاب العلم فيها، عرف الإمام فيصل بن الإمام تركي آل سعود ووالده الشيخ الإمام عبد الرحمن بن حسن غزارة علمه، وسعة اطلاعه، وقوة عارضته، وقدرته على المناظرة، فبعثاه إلى الأحساء؛ لتقرير عقيدة السلف، ونشر دعوة التوحيد فقدم الشيخ الإمام عبد اللطيف الأحساء في عام 1264هـ وأقام بها سنتين يوضح طريقة السلف وينشر دعوة التوحيد [8] ، وفي أثناء جلوسه في الأحساء تزوج بنت الشيخ العلامة الفقيه عبد الله بن الشيخ أحمد الوهيبي قاضي الأحساء المتوفى سنة 1263هـ فأنجبت منه الشيخ الإمام عبد الله [9] ، فقد ولد رحمه الله في مدينة الهفوف بالأحساء سنة 1265هـ[10] .

فنشأ رحمه الله أول ما نشأ في بيت جده لأمه وقد كان خاله الشيخ الفقيه عبد الرحمن بن الشيخ عبد الله الوهيبي خلف والده في قضاء الأحساء بعد وفاته.

فقرأ الشيخ في هذا البيت القرآن حتى حفظه عن ظهر غيب [11] .

ثم أتى به والده الشيخ الإمام عبد اللطيف من الأحساء إلى الرياض وهو في الرابعة عشرة من عمره [12] .

وكنيته أبو عبد الملك [13] .

المبحث الثاني

صفاته الحميدة

يتصف الشيخ الإمام عبد الله بن عبد اللطيف بصفات عديدة والتي وقفت عليه من صفاته رحمه الله ما يأتي:

1 ـ كان رحمه الله عليه من الهيبة والوقار ما لا يخفى على من قابله [14] .

2 ـ كان رحمه الله حسن الأخلاق، ذا رأي ودهاء، ومعرفة، قليل الإهتمام بالدنيا مفوضاً أمره إلى الله عز وجل [15] .

3 ـ كان رحمه الله لا يُوفِّر جانبه عمن قصده قريباً كان أو بعيداً ولا يدخر شفاعته عمن اعتمده برياً أو بحرياً ضعيفاً أو شديداً، ينتابه الأمراء والملوك والعلماء وأثنى عليه القريب والبعيد [16] .

4 ـ كان رحمه الله يتصف بالاتزان وحصافة الرأي والإخلاص في الدعوة [17] .

ص: 209

5 ـ كان رحمه الله جواداً كريماً جلب إليه جوده وحسن أخلاقه محبة الناس وتقديرهم له فشاع له الذكر الجميل [18] .

6 ـ كان رحمه الله يعتمد في معيشته على الله عز وجل، ثم على الحرث من الزراعة والنخل، وما يصله به الشيخ قاسم بن محمد بن ثاني حاكم قطر [19] .

وكان هذا الشيخ أعني حاكم قطر على مذهب الإمام أحمد، وكان فيه محبة لمجدد الدعوة شيخ الإسلام الإمام محمد بن عبد الوهاب ولأنجاله ولمن أواهم ونصرهم، يرى رأيهم ويقول بقولهم ومات رحمه الله عام 1331هـ[20] .

المبحث الثالث

ثناء العلماء عليه

قد أثنى على الشيخ الإمام عبد الله بن عبد اللطيف جمع من أهل العلم، ومما وقفت عليه ما يأتي:

1 ـ قال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن محمد بن قاسم في ترجمته ما نصه: "هو الإمام العلامة الشهم الثقة الفهامة محي السنة قامع البدعة الزاهد الورع العابد ذو العقل الكامل والخلق الحافل أوحد العصر في أنواع الفضائل أبو عبد الملك شيخ الإسلام عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف"[21] .

2 ـ قال الشيخ المؤرخ عبد الرحمن بن محمد بن ناصر في حوادث سنة 1339هـ ما نصه: "وفيها توفي الإمام العالم الناسك الورع الزاهد فخر الإسلام مفتي الديار النجدية الشيخ عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف"[22] .

3 ـ قال الشيخ المؤرخ عبد الرحمن بن عبد اللطيف آل الشيخ ما نصه: "هو الإمام العالم الجليل مفتي الديار النجدية ومحيي الآثار السلفية علامة نجد وزعيمها الإسلامي في زمنه الشيخ عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف"[23] .

4 ـ قال الشيخ العلامة عبد الله بن عبد الرحمن البسام حفظه الله في ترجمته ما نصه: "الشيخ العلامة والحبر الفهامة الإمام عبد الله بن عبد اللطيف"[24] .

5 ـ قال الشيخ محمد بن عثمان القاضي حفظه الله ما نصه: "هو العالم الجليل المدقق الشيخ عبد الله عبد اللطيف"[25] .

المبحث الرابع

ص: 210

وفاته ومن رثاه

لم يزل الشيخ الإمام عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف موضع الإجلال والتقدير والإعجاب من الولاة والعلماء ومن دونهم من الخاصة والعامة إلى أن انتقل إلى رحمة الله تعالى يوم الجمعة في العشرين من شهر ربيع الأول سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة وألف عن أربع وسبعين سنة قضى معظمها في نشر العلم وبث الدعوة وصلى عليه الناس بالمسجد الجامع الكبير بالرياض، وكانوا جمعاً غفيراً وغصت الأسواق بالمشيعين، وخرج معه إلى المقبرة خلق كثير على رأسهم جلالة الملك الإمام المفخم عبد العزيز بن الإمام عبد الرحمن آل سعود رحمه الله، وقبروه في مقبرة العود بجوار والده الشيخ عبد اللطيف وجده الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمهم الله جميعاً وغفر لهم [26] .

وقد رثاه الجم الغفير، فممن وقفت عليه أنه رثاه ما يأتي:

1 ـ سماحة الشيخ محمد بن الشيخ إبراهيم آل الشيخ فقد رثاه بقصيدة تبلغ جملة أبياتها خمسة وخمسين بيتاً [27] .

2 ـ الشيخ العلامة سليمان بن سحمان فقد رثاه بقصيدة تبلغ أربعاً وثلاثين بيتاً [28] .

3 ـ الشيخ العلامة عبد اللطيف بن الشيخ إبراهيم آل الشيخ فقد رثاه بقصيدة تبلغ خمساً وعشرين بيتاً [29] .

4 ـ الشيخ الأديب محمد بن عبد الله بن عثيمين فقد رثاه بقصيدة تبلغ ثلاثاً وعشرين بيتاً [30] .

5 ـ الشيخ العلامة إسحاق بن الشيخ حمد بن عتيق فقد رثاه بقصيدة [31] .

6 ـ الشيخ العلامة ناصر بن سعود بن عيسى شويمي فقد رثاه بقصيدة تبلغ اثنين وعشرين بيتاً [32] .

7 ـ الشيخ الأديب محمد بن عبد الله بن بليهد فقد رثاه بقصيدتين:

الأولى: تبلغ ثلاثاً وستين بيتاً [33] . والثانية: تبلغ اثنين وأربعين بيتاً.

وهذه القصيدة مخمسة وتبلغ مخمساتها إحدى وعشرين [34] .

8 ـ سماحة الشيخ العلامة عمر بن الشيخ حسن آل الشيخ فقد رثاه بقصيدة مؤثرة طويلة تبلغ مائة بيت [35] .

ص: 211

حياة الشيخ الإمام العلمية

وفيه ثلاثة مباحث:

المبحث الأول: ذكر مشائخه.

المبحث الثاني: ذكر تلاميذه.

المبحث الثالث: مسيره إلى حائل.

المبحث الأول

ذكر مشائخه

تلقى الشيخ الإمام عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف العلم على جهابذة العلماء الذين أدركهم وممن وقفت عليه من مشائخه ما يأتي:

1 ـ جده الشيخ الإمام المجدد الثاني عبد الرحمن بن حسن بن شيخ الإسلام الإمام محمد بن عبد الوهاب (1193 ـ 1285هـ) :

ومن مشائخه: جده شيخ الإسلام الإمام محمد بن عبد الوهاب، وأعمامه المشائخ عبد الله وحسين وعلي أبناء شيخ الإسلام الإمام محمد بن عبد الوهاب.

وقد قام بتجديد الدين في عهد الإمام تركي بن عبد الله آل سعود وابنه الإمام فيصل [36] . وقد درس عليه حفيده الشيخ الإمام عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف [37] .

2 ـ والده الشيخ الإمام عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن (1225 ـ 1293هـ)

من مشائخه: جده لأمه وعم والده الشيخ الإمام عبد الله بن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، ووالده الشيخ الإمام عبد الرحمن بن حسن، والشيخ أحمد بن حسن بن رشيد الحنبلي، والشيخ إبراهيم الباجوري شيخ الجامع الأزهر في زمنه.

وقد قام بمؤازره الإمام فيصل بن تركي مع والده، كما خلف والده في الزعامة العلمية والدينية في آخر الدولة السعودية الثانية [38] .

وقد قرأ الشيخ الإمام عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف على والده في التوحيد والفقه والحديث والتفسير [39] .

3 ـ الشيخ العلامة حمد بن عتيق (1227 ـ 1301هـ)

من مشائخه: الشيخ الإمام عبد الرحمن بن حسن، وابنه الشيخ الإمام عبد اللطيف.

وقد ولاه الإمام فيصل بن الإمام تركي آل سعود قضاء الخرج، ثم الحلوة، ثم نقل منها إلى قضاء الأفلاج واستقر بها وجلس لطلاب العلم يقرأون عليه فتخرج به خلائق لا يحصون كثرة [40] .

ص: 212

وممن أخذ عنه الشيخ الإمام عبد الله بن عبد اللطيف؛ وذلك أنه لما توفي والده سنة 1293هـ استوحش لفقده فسافر إلى الأفلاج وأقام بها ثلاث سنوات قرأ خلالها على الشيخ حمد بن عتيق، ثم عاد إلى وطنه [41] .

4 ـ الشيخ العلامة عبد الرحمن بن عبد الله بن عدوان (1229ـ1285هـ)

من مشائخه: الفقيه محمد بن مقرن الودعاني، وقد عينه الإمام فيصل آل سعود قاضياً في مدينة الرياض [42] . وقد أخذ عنه الشيخ الإمام عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف [43] .

5 ـ الشيخ العلامة عبد العزيز بن صالح المرشدي (1241ـ1324هـ)

من مشائخه: الشيخ الإمام عبد الرحمن بن حسن وابنه الشيخ الإمام عبد اللطيف.

وقد ولاه الإمام فيصل بن الإمام تركي آل سعود قضاء مقاطعة سدير، ثم نقله إلى قضاء مدينة الرياض [44] .

وقد أخذ عنه العلم الشيخ الإمام عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف [45] .

6 ـ الشيخ العلامة الفقيه محمد بن إبراهيم بن محمد المحمود (1250ـ1333هـ)

من مشائخه: الشيخ الإمام عبد الرحمن بن حسن وابنه الشيخ الإمام عبد اللطيف.

وقد عينه الإمام فيصل بن الإمام تركي آل سعود قاضياً في وادي الدواسر، ثم نقل إلى قضاء ضرماء ثم نقله الإمام عبد الله بن فيصل آل سعود إلى قضاء مدينة الرياض [46] ، وقد درس عليه الشيخ الإمام عبد الله بن عبد اللطيف [47] .

7 ـ الشيخ الفقيه فارس بن حمد بن محمد بن فارس بن عبد العزيز بن محمد ابن إسماعيل بن رميح [48](ت:1285هـ)

وقد درس عليه الشيخ الإمام عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف [49] .

8 ـ الشيخ الواعظ عبد الله بن حسين المخضوب (1230ـ1317هـ)

من مشائخه: الشيخ الإمام عبد الرحمن بن حسن وابنه الشيخ الإمام عبد اللطيف، وقد عينه الإمام فيصل بن تركي قاضياً في الخرج [50] . وقد درس عليه الشيخ الإمام عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف [51] .

ص: 213

9 ـ الشيخ العلامة عبد العزيز بن محمد بن شلوان:

من أهل الرياض والمتوفى في آخر القرن الثالث عشر الهجري.

ومن مشائخه الشيخ الإمام عبد الرحمن بن حسن وابنه الشيخ الإمام عبد اللطيف والشيخ العلامة حمد بن عتيق.

وقد عينه الإمام فيصل بن الإمام تركي آل سعود قاضياً في الرياض.

وقد درس عليه الشيخ الإمام عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف [52] .

هذا ما وقفت عليه من مشائخه رحم الله الجميع وأسكنهم فسيح جناته.

المبحث الثاني

ذكر تلاميذه

أخذ عنه العلم خلق كثير من كبار العلماء وجهابذتهم وغيرهم.

وممن وقفت عليه من تلاميذه ما يأتي:

هذا وقد قدمت ذرية شيخ الإسلام الإمام محمد بن عبد الوهاب في الذكر لأنهم أئمتنا وأما غيرهم فقد رتبتهم على الحروف الهجائية.

1 ـ ابنه الشيخ عبد الملك (ت 1322هـ)

وكان رحمه الله شهماً شجاعاً كريماً فاضلاً قُتل في وقعة البكيرية التي حصلت بين الملك عبد العزيز وعبد العزيز بن متعب بن رشيد، وكان غازياً مع الملك عبد العزيز [53] .

وقد أخذ العلم عن والده [54] .

2 ـ ابنه الشيخ صالح

ولم أقف له على ترجمة وقد درس على والده [55] .

3 ـ ابنه الشيخ عبد اللطيف (ت 1374هـ)

وكان رحمه الله جواداً كريماً له معرفة تامة بالأنساب وفيه صراحة متناهية، وهو والد الشيخ المؤرخ عبد الرحمن مؤلف مشاهير علماء نجد وغيرهم [56] . وقد درس على والده [57] .

4 ـ ابنه الشيخ محمد: (ت 1386هـ)

ص: 214

أخذ العلم عن والده وعن عميه الشيخ محمد بن عبد اللطيف والشيخ عمر بن عبد اللطيف، وقد أنعم الله عليه بالمال الكثير واشتهر – رحمه الله بالكرم [58] . وقد ذكر صاحب السمو الملكي الأمير خالد بن فيصل بن عبد العزيز آل سعود ما نصه:"فقد حدثني الشيخ محمد بن عبد الله بن عبد اللطيف خال والدي الملك فيصل قال: يوم قتل ابن رشيد في معركة روضة مهنا أخذت خاتم ابن رشيد إلى الملك عبد العزيز وهنأته بالنصر"[59] .

5 ـ عمه الشيخ المحدث إسحاق بن الشيخ عبد الرحمن بن حسن (1276ـ1319هـ)

أخذ العلم عن أخيه الشيخ الإمام عبد اللطيف وابن أخيه الشيخ الإمام عبد الله والشيخ العلامة حمد بن عتيق [60] .

6 ـ أخوه الشيخ العلامة إبراهيم بن الشيخ عبد اللطيف (1280-1329هـ)

أخذ العلم عن والده، وعن الشيخ الإمام عبد الله بن عبد اللطيف، والشيخ العلامة حمد بن فارس.

وقد عينه الملك عبد العزيز قاضياً في مدينة الرياض عام 1321هـ[61] .

7 ـ أخوه الشيخ عبد العزيز بن الشيخ الإمام عبد اللطيف

أخذ العلم عن والده وعن الشيخ الإمام عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف [62] ولم أقف له على ترجمة.

8 ـ أخوه الشيخ العلامة محمد بن الشيخ عبد اللطيف (1282-1367هـ)

أخذ العلم عن والده، وعن أخيه الشيخ الإمام عبد الله، والشيخ العلامة محمد بن محمود، وقد عينه الملك عبد العزيز قاضياً في الوشم ثم في الرياض [63] .

9 ـ أخوه الشيخ عمر بن الشيخ عبد اللطيف (1284-1365هـ)

أخذ العلم عن أخيه الشيخ الإمام عبد الله، وعن الشيخ العلامة محمد بن إبراهيم بن محمود، وقد شارك الملك عبد العزيز بن الإمام عبد الرحمن آل سعود معظم غزواته، وقد ولاه الملك عبد العزيز الخطابة في الجامع الكبير بمدينة الرياض [64] .

10 ـ أخوه الشيخ العلامة عبد الرحمن بن الشيخ عبد اللطيف (1288-1366هـ)

ص: 215

أخذ العلم عن أخيه الشيخ عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف، والشيخ العلامة محمد بن إبراهيم بن محمود، والشيخ العلامة حمد بن فارس، وقد عينه الملك عبد العزيز قاضياً لساجر، ثم عينه قاضياً في عروى عام 1342هـ.

وقد صحب الملك عبد العزيز في دخوله مكة المكرمة عام 1343 هـ، ثم عينه الملك عبد العزيز آل سعود قاضياً في الخرج عام 1350هـ إلى عام 1357هـ[65] .

11 ـ ابن أخيه سماحة الشيخ العلامة محمد بن الشيخ إبراهيم بن الشيخ عبد اللطيف (1311-1389هـ)

أخذ العلم عن والده، وعن عمه الشيخ الإمام عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف، والشيخ العلامة سعد بن عتيق، وقد عينه الملك عبد العزيز آل سعود خلفاً لعمه الشيخ عبد الله في الفتيا والتدريس وإمامة مسجده المعروف بدخنه في مدينة الرياض.

وهو رئيس قضاة المملكة العربية السعودية من عام 1378هـ إلى وفاته، وهو أيضاً مفتي المملكة العربية السعودية في زمنه رحمه الله وأسكنه فسيح جناته [66] .

12 ـ ابن أخيه الشيخ العلامة الفرضي عبد اللطيف بن الشيخ إبراهيم بن الشيخ عبد اللطيف (1315-1386هـ)

أخذ العلم عن عمه الشيخ الإمام عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف، والشيخ العلامة حمد بن فارس، والشيخ سعد بن الشيخ حمد بن عتيق، وقرأ الفرائض على الشيخ الفرضي عبد الله بن محمد بن راشد الجلعود وتبحر في هذا العلم حتى اشتهر به رحمه الله. وقد تولى إدارة المعهد العلمي بالرياض عند افتتاحه عام 1370هـ ثم صار مديراً عاماً للمعاهد والكليات، ثم نائباً للرئيس العام للكليات والمعاهد العلمية [67] .

13 ـ ابن أخيه الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن عبد اللطيف (1315-1393هـ)

ص: 216

أخذ العلم عن والده، وعن عمه الشيخ الإمام عبد الله بن عبد اللطيف، وعن الشيخ سعد بن حمد بن عتيق وكان – رحمه الله – زاهداً ورعاً، وله مساهمة في نشر العلم حيث طبع على نفقته كتباً كثيرة ورشح للقضاء وامتنع عن توليه [68] .

14 ـ الشيخ العلامة صالح بن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن حسين بن شيخ الإسلام الإمام محمد بن عبد الوهاب (1287-1372هـ)

أخذ العلم عن الشيخ الإمام عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف، والشيخ العلامة حمد بن فارس، والشيخ العلامة محمد بن إبراهيم بن محمود، وقد غزا مع الملك عبد العزيز آل سعود عدة غزوات وفي عام 1337هـ ولاه الملك عبد العزيز آل سعود رحمه الله قضاء مدينة الرياض وقراها للحضر، ثم ضم إليه قضاء البوادي في عام 1349هـ واستمر في القضاء إلى عام 1352هـ[69] .

15ـ الشيخ عبد الرحمن بن إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن (1298-1407هـ)

أخذ العلم عن الشيخ الإمام عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف، والشيخ العلامة حمد بن فارس والشيخ العلامة سعد بن عتيق [70] .

16 ـ الشيخ عبد الملك بن الشيخ إبراهيم بن الشيخ عبد الملك بن الشيخ حسين بن شيخ الإسلام الإمام محمد بن عبد الوهاب.

أخذ العلم عن والده، وعن الشيخ الإمام عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف [71] . ولم أقف له على ترجمة.

17 ـ سماحة الشيخ العلامة الفقيه عبد الله بن الشيخ حسن بن الشيخ حسين بن الشيخ علي بن الشيخ حسين بن شيخ الإسلام الإمام محمد بن عبد الوهاب (1287-1378هـ)

أخذ العلم عن والده، وعن الشيخ الإمام عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف، والشيخ المحدث إسحاق بن الشيخ الإمام عبد الرحمن بن حسن والشيخ العلامة سعد بن حمد بن عتيق.

ص: 217

وقد غزا مع الملك عبد العزيز غزوات كثيرة وحضر معه فتح مدينة حائل عام 1340هـ، وقد عينه الملك عبد العزيز إماماً وخطيباً للمسجد الحرام، ثم عينه في عام 1346هـ رئيساً للقضاة بالحجاز، واستمر في ذلك حتى وفاته رحمة الله وأسكنه فسيح جناته [72] .

18 ـ سماحة الشيخ العلامة عمر بن حسن بن حسين بن علي بن حسين بن شيخ الإسلام الإمام محمد بن عبد الوهاب (1319-1395هـ)

أخذ العلم عن والده، وعن الشيخ الإمام عبد الله بن عبد اللطيف، والشيخ سعد بن حمد بن عتيق، وقد ولاه الملك عبد العزيز رئاسة هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بنجد عام 1345هـ ثم ضم إليه المنطقة الشرقية [73] .

19 ـ الشيخ حسين بن حسن بن حسين بن علي بن حسين بن شيخ الإسلام الإمام محمد بن عبد الوهاب (1284-1329هـ) .

أخذ العلم عن والده، وعن الشيخ الإمام عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف، والشيخ محمد بن إبراهيم بن محمود [74] .

20 ـ الشيخ علي بن الشيخ عبد العزيز بن محمد بن الشيخ علي بن شيخ الإسلام الإمام محمد بن عبد الوهاب.

أخذ العلم عن الشيخ الإمام عبد الله بن الشيخ الإمام عبد اللطيف [75] . ولم أقف له على ترجمة.

21 ـ الشيخ عبد الرحمن بن عبد العزيز بن محمد بن علي بن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب.

أخذ العلم عن الشيخ الإمام عبد الله بن الشيخ الإمام عبد اللطيف [76] . ولم أقف له على ترجمة.

22 ـ الشيخ صالح بن عبد العزيز بن محمد بن علي بن شيخ الإسلام الإمام محمد بن عبد الوهاب (ت 1362هـ)

وكان رحمه الله طالب علم مجتهداً عابداً ورعاً، وقد أخذ العلم عن الشيخ الإمام عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف [77] .

23 ـ الشيخ إبراهيم بن حسين.

أخذ العلم عن الشيخ الإمام عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف [78] . ولم أقف له على ترجمة.

24 ـ الشيخ إبراهيم بن سليمان بن ناصر الراشد (1320-1371هـ)

ص: 218

أخذ العلم عن الشيخ الإمام عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف، والشيخ الفرضي عبد الله بن محمد بن راشد الجلعود، وقد عينه الملك عبد العزيز قاضياً في الشعيب والمحمل ثم في الخرمة ثم في الرياض [79] .

25 ـ الشيخ أحمد بن عبد العزيز بن صالح المرشدي (1291-1359هـ)

أخذ العلم عن والده، وعن الشيخ الإمام عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف، والشيخ العلامة سعد بن الشيخ حمد بن عتيق. وقد تولى قضاء الجوف [80] .

26 ـ الشيخ حمد بن محمد بن موسى من أهل البير (ت 1357هـ)

أخذ العلم عن الشيخ الإمام عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف. وقد تولى القضاء في رنية [81] .

27 ـ الشيخ حمد بن مزيد آل مزيد من أهل المجمعة (1311-1407هـ)

أخذ العلم عن الشيخ الإمام عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف، والشيخ العلامة عبد الله بن عبد العزيز العنقري. تولى القضاء في قبه ثم في الرياض [82] .

28 ـ الشيخ حمود بن حسين الشغدلي من أهل حائل (1295-1391هـ)

أخذ العلم عن الشيخ الإمام عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف، والشيخ صالح ابن سالم البنيان. وقد تولى قضاء حائل [83] .

29 ـ الشيخ سالم بن ناصر بن مطلق بن محمد الحناكي (1291-1379هـ)

أخذ العلم عن الشيخ الإمام عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف، والشيخ العلامة محمد بن عبد الله بن سليم، والشيخ صالح بن قرناس، والشيخ العلامة سعد بن عتيق، وقد عينه الملك عبد العزيز قاضياً في الرس عام 1340هـ، ثم عينه قاضياً في دخنه بالقصيم ثم قاضياً في حريملاء ثم في الخرج [84] .

30 ـ الشيخ العلامة سعد بن حمد بن عتيق (1277-1349هـ)

أخذ العلم عن والده، وعن الشيخ الإمام عبد الله بن عبد اللطيف [85] ، والشيخ صديق بن حسن خان، والشيخ نذير حسين، والشيخ أحمد بن إبراهيم بن عيسى.

ص: 219

وقد تولى قضاء الأفلاج، ثم نقله الملك عبد العزيز إلى قضاء مدينة الرياض، وذلك في عام 1329هـ، ليتولى قضاء البادية واستمر في ذلك حتى وفاته رحمه الله [86] .

31 ـ الشيخ سعد بن سعود بن مفلح (1301-1379هـ)

أخذ العلم عن الشيخ الإمام عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف، والشيخ سعد ابن عتيق. وقد تولى القضاء في الأفلاج ثم في وادي الدواسر [87] .

32 ـ الشيخ العلامة المجاهد سليمان بن سحمان بن مصلح بن حمدان الخثعمي (1266-1349هـ)

أخذ العلم عن الشيخ الإمام عبد الرحمن بن حسن، وعن ابنه الشيخ الإمام عبد اللطيف.

وأخذ أيضاً عن زميله الشيخ الإمام عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف، وله اليد الطولى والقدم المعلى في التأليف والرد والقصائد في الدفاع عن العقيدة السلفية. ومن مؤلفاته المشهورة: الأسنة الحداد في الرد على علوي الحداد، وكشف غياهب الظلام في أوهام جلاء الأوهام، والضياء الشارق في رد شبهات الماذق المارق [88] .

33 ـ الشيخ العلامة سليمان بن عبد الرحمن بن محمد بن حمدان من أهل المجمعة (1317 تقريباً – 1397هـ)

أخذ العلم عن الشيخ الإمام عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف، والشيخ العلامة سعد بن الشيخ حمد بن عتيق، والشيخ العلامة عبد الله بن عبد العزيز العنقري. ولي القضاء في الطائف، ثم صار عضواً في رئاسة القضاء بمكة، ثم تولى القضاء في المدينة، ثم في المجمعة، ثم بعد إعفائه من القضاء في المجمعة انتقل إلى مكة المكرمة وجلس للتدريس في المسجد الحرام إلى وفاته رحمه الله، كما ألف مؤلفات كثيرة منها (الدر النضيد على أبواب التوحيد)[89] .

34 ـ الشيخ العلامة سليمان بن عبد الرحمن بن محمد بن عمر العمري (1298-1374هـ)

أخذ العلم عن الشيخ الإمام عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف، والشيخ العلامة محمد بن عبد الله بن سليم، والشيخ العلامة صالح بن عثمان القاضي.

ص: 220

وقد عينه الملك عبد العزيز آل سعود قاضياً في المدينة المنورة عام 1345هـ، ثم نقله في عام 1359هـ إلى حريملاء ثم نقله قاضياً في الأحساء في آخر عام 1360هـ واستمر في ذلك حتى عام 1373هـ[90] .

35 ـ الشيخ صالح بن سالم البنيان (1256-1330هـ)

أخذ العلم عن الشيخ الإمام عبد الله بن عبد اللطيف وهو أكبر منه سناً، والشيخ عوض الحجي، وقد تولى القضاء في حائل [91] .

36 ـ الشيخ صالح بن مطلق من أهل حوطة بني تميم (1305-1380هـ)

أخذ العلم عن الشيخ الإمام عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف، والشيخ العلامة سعد بن الشيخ حمد بن عتيق، تولى القضاء في الخرج ثم في حوطة بني تميم عام 1367هـ، ثم قضاء حفر الباطن عام 1371هـ إلى عام 1375هـ[92] .

37 ـ الشيخ عبد الرحمن بن حسين.

أخذ العلم عن الشيخ الإمام عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف [93] . ولم أقف له على ترجمة.

38 ـ الشيخ عبد الرحمن بن سالم الدوسري.

أخذ العلم عن الشيخ الإمام عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف [94] . ولم أقف له على ترجمة.

39 ـ الشيخ عبد الرحمن بن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن خريف من الوهبة من تميم (1310-1390هـ)

أخذ العلم عن الشيخ الإمام عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف، والشيخ العلامة سعد بن الشيخ حمد بن عتيق، والشيخ إبراهيم بن سليمان المبارك. وقد جلس في حريملاء للتدريس [95] .

40 ـ الشيخ العلامة عبد الرحمن بن علي بن عودان (1315-1374هـ)

أخذ العلم عن الشيخ الإمام عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف، والشيخ العلامة حمد بن فارس، والشيخ العلامة سعد بن الشيخ حمد بن عتيق.

وقد عينه الملك عبد العزيز قاضياً في منطقة السر، ثم ضم إليه قضاء الوشم، ثم عينه قاضياً في عنيزة ثم في الرياض [96] .

41 ـ الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن حمد الدواد (1300-1355هـ)

ص: 221

أخذ العلم عن الشيخ الإمام عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف، وقد ولي قضاء الخرمة [97] .

42 ـ الشيخ العلامة عبد الرحمن بن محمد بن قاسم (1319-1392هـ)

أخذ العلم عن الشيخ الإمام عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف، والشيخ العلامة سعد بن الشيخ حمد بن عتيق، وهو جامع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية، وجامع فتاوى ورسائل علماء نجد الأعلام وذلك في الدرر السنية [98] ، وله مؤلفات كثيرة منها حاشية على الروض المربع شرح زاد المستقنع.

43 ـ الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن مبارك.

أخذ العلم عن الشيخ الإمام عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف، وقد تولى قضاء الدرعية وإمارتها [99] . ولم أقف له على ترجمة.

44 ـ الشيخ عبد العزيز بن الشيخ حمد بن عتيق (1279-1359هـ)

أخذ العلم عن والده، وعن الشيخ الإمام عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف، وعن الشيخ نذير حسين.

وقد تولى القضاء في الأفلاج، ثم في وادي الدواسر، ثم في الأفلاج مرة ثانية واستمر في ذلك حتى وفاته رحمه الله [100] .

45 ـ الشيخ المعمر عبد العزيز بن صالح المرشد من أهل الرياض (1310-1417هـ)

أخذ العلم عن الشيخ الإمام عبد الله بن عبد اللطيف، والشيخ العلامة حمد ابن فارس، والشيخ العلامة سعد بن الشيخ حمد بن عتيق [101] .

46 ـ الشيخ العلامة عبد العزيز بن عبد الرحمن بن ناصر البشر (1275-1359هـ)

أخذ العلم عن الشيخ الإمام عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف، والشيخ محمد بن إبراهيم بن محمود.

عينه الملك عبد العزيز قاضياً في بريدة، ثم عينه قاضياً في الأحساء، ثم في الرياض [102] .

47 ـ الشيخ عبد العزيز بن عبد الله النمر (ت1337هـ)

أخذ العلم عن جده لأمه شيخ الإسلام عبد الرحمن بن حسن، وعن خاله عبد اللطيف، وعن ابنه الشيخ عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف، وقد جلس رحمه الله للتدريس [103] .

ص: 222

48 ـ الشيخ العلامة عبد العزيز بن محمد الشثري (1305-1387هـ)

أخذ العلم عن الشيخ الإمام عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف، والشيخ العلامة سعد بن الشيخ حمد بن عتيق، والشيخ إبراهيم بن عبد الملك آل الشيخ.

وقد عينه الملك عبد العزيز قاضياً في الرين عام 1337هـ واستمر في القضاء إلى عام 1373هـ[104] .

49 ـ الشيخ عبد اللطيف بن الشيخ حمد بن عتيق (1282-1350هـ)

أخذ العلم عن والده، وعن الشيخ الإمام عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف، وعن أخيه الشيخ العلامة سعد بن عتيق.

وقد عينه الملك عبد العزيز بن الإمام عبد الرحمن آل سعود قاضياً في رنية [105] .

50 ـ الشيخ الأديب عبد الله بن أحمد العجيري (1275-1352هـ)

أخذ العلم عن الشيخ الإمام عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف، وعن أخيه الشيخ العلامة إبراهيم بن الشيخ عبد اللطيف، والشيخ حمد بن فارس، وكان رحمه الله مولعاً بكتب الأدب، وله إلمام ودراية بالأنساب.

وقد صحب الملك عبد العزيز في كثير من رحلاته [106] .

51 ـ الشيخ عبد الله بن حمد بن عبد الله الحجازي (ت1347هـ)

أخذ العلم عن الشيخ عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف، والشيخ العلامة محمد بن إبراهيم بن محمود، والشيخ العلامة سعد بن حمد بن عتيق، وقد عينه الملك عبد العزيز قاضياً في بلدان المحمل (ثادق وما حولها)[107] .

52 ـ الشيخ عبد الله بن الشيخ حمد بن علي بن عتيق (1284-1342هـ)

أخذ العلم عن والده، وعن أخيه الشيخ سعد، والشيخ عبد العزيز، وأخذ أيضا عن الشيخ الإمام عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف، وقد عينه الملك عبد العزيز مرشداً وواعظاً في هجرة الغطغط [108] .

53 ـ الشيخ عبد الله بن حمد بن محمد الدوسري (ت1350هـ)

ص: 223

أخذ العلم عن الشيخ الإمام عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف، والشيخ العلامة إبراهيم بن الشيخ عبد اللطيف، والشيخ العلامة حمد بن فارس. وقد جلس رحمه الله في مدينة الرياض للتدريس، وكان له باع واسع في الأدب والتاريخ والسير والمغازي [109] .

54 ـ الشيخ عبد الله بن خلف بن راشد بن خلف (1265-1344هـ)

أخذ العلم عن الشيخ الإمام عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف وهو من أقرانه، والشيخ عبد العزيز بن صالح المرشدي. وقد عينه الملك عبد العزيز قاضياً في حائل [110] .

55 ـ الشيخ عبد الله بن رشيدان.

أخذ العلم عن الشيخ الإمام عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف، وعن الشيخ العلامة سعد بن عتيق [111] .

ولم أقف له على ترجمة.

56 ـ الشيخ العلامة عبد الله بن سليمان بن سعود البليهد (1284-1359هـ)

أخذ العلم عن الشيخ الإمام عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف، وعن الشيخ العلامة محمد بن عبد الله بن سليم، والشيخ محمد بن عبد الله بن دخيل.

وقد عينه الملك عبد العزيز في البكيرية والرس والخبراء والبدائع عام 1333هـ قاضياً، ثم في عام 1342هـ عينه قاضياً في حائل، ثم عينه في عام 1344هـ رئيساً للقضاة بمكة، ثم في عام 1345هـ عينه قاضياً في حائل [112] .

57 ـ الشيخ عبد الله بن سليمان السياري.

أخذ العلم عن الشيخ الإمام عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف.

وقد تولى القضاء في القويعية [113] .

58 ـ الشيخ العلامة عبد الله بن عبد العزيز العنقري (1287-1373هـ)

ص: 224

أخذ العلم عن الشيخ الإمام عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف، والشيخ إبراهيم بن الشيخ عبد اللطيف، والشيخ محمد بن إبراهيم بن محمود، والشيخ حمد بن فارس وقد عينه الملك عبد العزيز بن الإمام عبد الرحمن آل سعود قاضياً في سدير عام 1324هـ وسكن مدينة جلاجل، ثم في عام 1326هـ ضمت إليه المجمعة فانتقل إليها وسكنها فصار رحمه الله قاضياً لجميع منطقة سدير واستمر في القضاء إلى عام 1360هـ. وكان رحمه الله إلى جانب اشتغاله بالقضاء يقوم بالتدريس ونشر العلم [114] .

59 ـ الشيخ العلامة عبد الله بن عبد الوهاب بن زاحم (1300-1374هـ)

أخذ العلم عن الشيخ الإمام عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف، والشيخ العلامة حمد بن فارس، والشيخ العلامة سعد بن الشيخ حمد بن عتيق، والشيخ المؤرخ إبراهيم بن صالح بن عيسى، والشيخ العلامة عبد الله بن عبد العزيز العنقري.

وقد عينه الملك عبد العزيز قاضياً في الداهنة عام 1336هـ، ثم في عام 1357هـ عينه قاضياً في مدينة الرياض، ثم في عام 1363هـ عينه رئيساً لمحكمة المدينة واستمر في ذلك إلى وفاته رحمه الله [115] .

60 ـ الشيخ عبد الله بن علي بن عبد الله بن محمد بن الشيخ عبد الله بن سليمان بن حماد من أهل الرياض.

أخذ العلم عن الشيخ الإمام عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف، وكان رحمه الله إماماً للإمام عبد الله بن الإمام فيصل آل سعود، وقد اشتهر رحمه الله باهتمامه بشراء الكتب وجمعها [116] .

61 ـ الشيخ عبد الله بن علي بن محمد بن يابس من أهل القويعية (1313-1389هـ)

أخذ العلم عن الشيخ الإمام عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف، والشيخ حمد ابن فارس، والشيخ سعد بن عتيق، والشيخ عبد العزيز بن عبد الرحمن بن بشر.

ثم إنه انتقل إلى مصر عام 1343هـ، فأخذ عن علماء الأزهر وسكن مصر، ثم جاء إلى مدينة الرياض للزيارة فوافته منيته فيها [117] .

ص: 225

62 ـ الشيخ عبد الله بن فيصل الودعاني (ت 1349هـ)

أخذ العلم عن الشيخ الإمام عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف، والشيخ حسن بن الشيخ حسين آل الشيخ، وقد تولى القضاء في حريملاء [118] .

63 ـ الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد العزيز بن فدا (1272-1337هـ)

أخذ العلم عن الشيخ الإمام عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف، والشيخ العلامة محمد بن عمر بن سليم، والشيخ العلامة محمد بن عبد الله بن سليم [119] .

64 ـ الشيخ العلامة عبد الله بن محمد بن عبد الله بن سليم (1287-1351هـ)

أخذ العلم عن الشيخ الإمام عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف، والشيخ محمد بن عمر بن سليم.

وقد عينه الملك عبد العزيز قاضياً في البكيرية عام 1328هـ، ثم عينه عام 1331هـ قاضياً في بريدة، واستمر في ذلك حتى وفاته.

وكان رحمه الله يقوم بنشر العلم والتدريس والإفتاء بالقصيم [120] .

65 ـ الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عثمان الدخيل (1260-1324هـ)

أخذ العلم عن الشيخ الإمام عبد الرحمن بن حسن، وعن ابنه الشيخ عبد اللطيف، كما أخذ العلم أيضاً عن الشيخ عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف وهو من أقرانه، كما أخذ العلم عن الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم، وقد رحل إلى المذنب بناء على طلب أهلها فاستمر عندهم قاضياً ومفتياً ومدرساً إلى وفاته رحمه الله [121] .

66 ـ الشيخ عبد الله بن محمد بن فنتوخ.

أخذ العلم عن الشيخ الإمام عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف [122] .

ولم أقف له على ترجمة.

67 ـ الشيخ عبد الله بن محمد بن منصور المطرودي (1311-1361هـ)

أخذ العلم عن الشيخ الإمام عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف، والشيخ العلامة عبد الله بن الشيخ محمد بن سليم، والشيخ العلامة سعد بن عتيق، والشيخ العلامة صالح بن عثمان القاضي، وكان يحفظ صحيح البخاري عن ظهر غيب [123] .

ص: 226

68 ـ الشيخ عبد الله بن مسلم بن عبد الله التميمي (1268-1341هـ) .

أخذ العلم عن الشيخ الإمام عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف وهو من أقرانه، وقد صحبه في مسيره إلى حائل، كما أخذ العلم عن الشيخ محمد بن إبراهيم بن محمود، والشيخ صالح بن سالم البنيان.

وقد تعين قاضياً في حائل، كما جلس للتدريس لطلاب العلم يستفيدون منه [124] .

69 ـ الشيخ عبد الله بن مطلق بن فهيد الفهيد (1312-1377هـ)

أخذ العلم عن الشيخ الإمام عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف، والشيخ العلامة سعد بن الشيخ حمد بن عتيق، والشيخ العلامة صالح بن عثمان القاضي [125] .

70 ـ الشيخ عثمان بن أحمد بن عثمان بن بشر (1294-1367هـ)

أخذ العلم عن الشيخ الإمام عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف، والشيخ العلامة عبد الله بن عبد العزيز العنقري، وقد تولى القضاء في الأسياح [126] .

71 ـ الشيخ عثمان بن حمد بن مضيان من أهل بريدة (1290-1366هـ)

أخذ العلم عن الشيخ الإمام عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف، والشيخ محمد بن عبد الله بن سليم، والشيخ سعد بن حمد بن عتيق.

وقد تولى القضاء في أبي عريش عام 1353هـ إلى عام 1358هـ، ثم قاضياً في محايل من أعمال عسير واستمر في ذلك حتى وفاته رحمه الله [127] .

72 ـ الشيخ علي بن زيد بن غيلان من أهل جلاجل (1283-1370هـ)

أخذ العلم عن الشيخ الإمام عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف، والشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري.

وقد تولى القضاء في قرية ثم في الأرطاوية [128] .

73 ـ الشيخ العلامة المحدث علي بن ناصر أبو وادي (1273-1361هـ)

أخذ العلم عن الشيخ الإمام عبد اللطيف بن الشيخ عبد الرحمن بن حسن، وعن ابنه الشيخ الإمام عبد الله، والشيخ المحدث نذير حسين، والشيخ المحدث صديق حسن خان.

وقد جلس رحمه الله للتدريس في عنيزه [129] .

ص: 227

74 ـ الشيخ العلامة عمر بن الشيخ محمد بن سليم (1299-1362هـ)

أخذ العلم عن والده، وعن الشيخ عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف.

وقد ولاه الملك عبد العزيز قضاء مدينة بريدة وتوابعها بعد وفاة أخيه الشيخ عبد الله عام 1351هـ، واستمر في ذلك إلى وفاته، وكان يقوم بجانب القضاء بالتدريس والإفتاء وإمامة الجامع الكبير ببريده، فتخرج عليه أفواج من طلبة العلم رحمه الله وأسكنه فسيح جناته [130] .

75 ـ الشيخ عيسى بن حمود المهوس (1254-1350هـ)

أخذ العلم عن الشيخ العلامة عبد العزيز بن صالح المرشدي، والشيخ الإمام عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف وهو أكبر منه سناً، والشيخ العلامة حمد بن فارس [131] .

76 ـ الشيخ فالح بن عثمان الصغير (1287-1356هـ)

أخذ العلم عن الشيخ الإمام عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف، والشيخ العلامة إبراهيم بن الشيخ عبد اللطيف، والشيخ العلامة حسن بن الشيخ حسين آل الشيخ، وقد تولى القضاء في الداهنة ثم في الزلفي [132] .

77 ـ الشيخ فوزان بن سابق الفوزان (1275-1373هـ)

أخذ العلم عن الشيخ الإمام عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن، وعن ابنه الشيخ الإمام عبد الله، والشيخ سليمان بن مقبل، والشيخ العلامة محمد بن عمر بن سليم.

وقد عينه الملك عبد العزيز في السلك الدبلوماسي حيث عينه معتمداً له في دمشق، ثم مفوضاً له في مصر [133] .

78 ـ الشيخ العلامة فيصل بن عبد العزيز المبارك (1313-1377هـ)

ص: 228

أخذ العلم عن الشيخ الإمام عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف، والشيخ العلامة حمد بن فارس، والشيخ العلامة سعد بن عتيق، والشيخ العلامة عبد الله بن عبد العزيز العنقري، والشيخ العلامة محمد بن فيصل المبارك، وقد غزا مع الملك عبد العزيز عدة غزوات، وقد تولى القضاء في البلدان التالية: تثليث ثم أبها ثم بيشه ثم تربه ثم الخرمة ثم أبها ثم القنفذة ثم قرية ضرماء ثم الجوف وبقي في الجوف ما يقارب من عشرين عاماً [134] .

79 ـ الشيخ مبارك بن عبد المحسن بن باز (1303- أواخر القرن الرابع عشر هـ)

أخذ العلم عن الشيخ الإمام عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف والشيخ إسحاق بن عبد الرحمن وقد تولى القضاء في الحلوه وبيشه والأرطاوية ورنية والطائف ومقاطعة الشعيب [135] .

80 ـ الشيخ محمد بن إبراهيم بن محمد البواردي (1320-1404هـ)

أخذ العلم عن الشيخ الإمام عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف، والشيخ العلامة حمد بن فارس، والشيخ سعد بن الشيخ حمد بن عتيق، والشيخ ناصر بن عيسى شويمي.

وقد تعين قاضياً في الصرار عند العجمان، ثم نقل إلى الجبيل ثم إلى ساجر ثم في شقراء، ثم نقل قاضياً في المحكمة المستعجلة بالرياض، ثم قاضياً في محكمة التمييز بالرياض إلى عام 1392هـ[136] .

81 ـ الشيخ محمد بن عبد العزيز بن عياف المقرن (1312-1389هـ)

أخذ العلم عن الشيخ الإمام عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف، والشيخ العلامة حمد بن فارس، والشيخ العلامة سعد بن عتيق، وقد جلس للتدريس في مدينة الرياض، وكان غزير العلم واعظ زمانه ولمواعظه أعظم الأثر في النفوس [137] .

82 ـ الشيخ محمد بن عبد العزيز بن محمد الرشيد (1311-1395هـ)

أخذ العلم عن الشيخ الإمام عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف، والشيخ العلامة حمد بن فارس، والشيخ العلامة سعد بن عتيق، والشيخ العلامة عمر بن محمد بن سليم.

ص: 229

وقد عينه الملك عبد العزيز عام 1348هـ قاضياً في الرس، ثم في عام 1364هـ عينه قاضياً في الخرمة [138] .

83 ـ الشيخ العلامة محمد بن عثمان بن محمد الشاوي (1313-1354هـ)

أخذ العلم عن الشيخ الإمام عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف، والشيخ العلامة عبد الله بن الشيخ محمد بن سليم، والشيخ الفرضي عبد الله بن محمد بن راشد الجلعود، والشيخ العلامة حمد بن فارس، والشيخ العلامة سعد بن عتيق.

وقد عينه الملك عبد العزيز بن الإمام عبد الرحمن آل سعود في عام 1333هـ قاضياً في هجرة سنام، ثم نقل منها إلى القضاء في هجرة الغطغط، وقد حضر عدداً من الغزوات بصفته قاضياً للغزاة من أهل الغطغط، ثم في عام 1349هـ عينه قاضياً في تربة، ثم نقله إلى القضاء في شقراء إلى أن توفي بها رحمه الله [139] .

84 ـ الشيخ محمد بن علي بن محمد البيز (1313-1392هـ)

أخذ العلم عن الشيخ الإمام عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف، والشيخ العلامة المؤرخ إبراهيم بن صالح بن عيسى.

وقد عينه الملك عبد العزيز بن الإمام عبد الرحمن آل سعود قاضياً في مستعجلة جده عام 1351هـ، وفي عام 1353هـ عينه قاضياً في محكمة جدة ثم عينه رئيساً للمحكمة الكبرى بالطائف عام 1372هـ[140] .

85 ـ الشيخ محمد بن فيصل بن حمد المبارك (1284-1365هـ)

أخذ العلم عن الشيخ الإمام عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف، والشيخ محمد بن ناصر المبارك والشيخ العلامة حمد بن فارس، والشيخ العلامة سعد بن عتيق، وقد غزا مع الملك عبد العزيز آل سعود تسع غزوات كان فيها شجاعاً مقداماً بالإضافة إلى كونه مستشاراً وإمام ومفتي الجيش، فقد كان جامعاً بين العلوم الدينية والسياسية [141] .

86 ـ الشيخ محمد بن ناصر بن مطلق الحناكي (1293-1387هـ)

ص: 230

أخذ العلم عن الشيخ الإمام عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف، والشيخ المحدث إسحاق بن الشيخ الإمام عبد الرحمن بن حسن، والشيخ العلامة حمد بن فارس والشيخ العلامة سعد بن الشيخ حمد بن عتيق، والشيخ محمد بن عبد الله بن سليم.

وقد تعين قاضياً في عام 1347هـ في الرس، وفي عام 1350هـ نقله إلى الشبيكية إلى عام 1352هـ، وفي عام 1369هـ تعين قاضياً في الخاصرة إلى عام 1374هـ[142] .

87 ـ الشيخ العلامة ناصر بن سعود بن عيسى الشويمي (1285-1350هـ)

أخذ العلم عن الشيخ العلامة علي بن عبد الله بن عيسى، والشيخ العلامة أحمد بن إبراهيم بن عيسى، والشيخ الإمام عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف.

وقد جلس للتدريس في جامع شقراء وولي إمامته وخطابته، فصار عالم البلد والمرجع إليه في الإفتاء [143] .

88 ـ الشيخ يعقوب بن محمد بن سعد من أهل حائل (1252-1320هـ)

أخذ العلم عن الشيخ الإمام عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف وهو أكبر منه سناً، وقرأ أيضاً على والده الشيخ محمد بن سعد [144] .

هذا ما وقفت عليه من تلاميذه رحمهم الله جميعاً.

المبحث الثالث

مسيره إلى حائل

طلب الأمير محمد بن عبد الله بن رشيد من الشيخ الإمام عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف أن يرحل إليه في حائل؛ للانتفاع به في نشر العلم في مدينة حائل، فوافق على ذلك فرحل إلى حائل في آخر عام 1308هـ[145] .

وقد ذكر الشيخ العلامة المؤرخ عبد الله بن عبد الرحمن البسام - حفظه الله - مسير الشيخ الإمام عبد الله إلى حائل وتكريم الأمير محمد بن رشيد له، وهذا نص ما كتبه حفظه الله في ذلك:

ص: 231

"حدثني بعض الثقات قال: بينما راكان بن حثلين شيخ قبيلة العجمان سائر إلى الأمير محمد بن رشيد، ومعه وفد كبير من زعماء العجمان بزي فاخر ودلّ ناعم وأبهة وعظمة، وإذا بركب قليل يسايرهم في الطريق لا يزيدون عن سبع ركاب، وكل ما عليهم وما تحتهم عادي، حتى إذا قرب الركب الكبير الزاهي والركب الصغير المتواضع من مدينة حائل جاء واحد من الركب القليل إلى الأمير راكان فسلمه خطاباً إلى الأمير محمد بن رشيد، وقال: "يُسلّم عليك الشيخ، ويقول: ربما أنهم يسبقوننا في دخول البلد فليسلمه إلى الأمير محمد بن رشيد".

وراكان لم يعرف من هو الشيخ مُرْسِل الكتاب، فلما دخل راكان حائلاً وسلم على الأمير محمد بن رشيد واحتفى به سلمه الخطاب المُرْسَل معه، فما أن قرأه محمد بن رشيد حتى أخذ يردد وصل الشيخ وصل الشيخ، وذهل عن ضيفه راكان وشغل عنه.

وأمر بتدبير المراسيم التي ينبغي أن يقابل بها الشيخ، وكان من ذلك أن يُعدّ كوكبة من الخيل عليها أمراء آل رشيد، ليكونوا معه عند استقبال الشيخ خارج مدينة حائل.

فلما وصل الشيخ عبد الله واستقر في البيت المُعدّ له ولأصحابه وفرغ الأمير محمد بن رشيد لضيوفه العاديين، قال لراكان أعذرنا إن حصل شيء من قلة أدب المجالسة والمؤانسة فقد صادف قدومك قدوم الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف علينا.

فقال راكان: نأسف إننا تسايرنا نحن والشيخ خمسة أيام ولم نعرفه؛ لنأنس به في سفرنا". انتهى كلامه حفظه الله [146] .

وقد تقدم أن الشيخ عبد الله بن مسلم بن عبد الله التميمي صحبه في هذه الرحلة [147] .

وقد جلس الشيخ الإمام عبد الله بن عبد اللطيف سنة كاملة في مدينة حائل معززاً محترماً، وجلس طيلة هذه المدة يدرس العلم فأخذ عنه علم العقائد والتوحيد والحديث والتفسير غالب علماء حائل ولازموه ملازمة تامة [148] .

ص: 232

وقد تقدم ذكر من وقفت عليه من علماء حائل الذين تتلمذوا على الشيخ الإمام عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف في مدينة حائل وهم: الشيخ حمود بن حسين الشغدلي، والشيخ صالح بن سالم البنيان، والشيخ عبد الله بن خلف بن راشد الخلف، والشيخ عيسى بن حمود المهوس، والشيخ يعقوب بن الشيخ محمد بن سعد [149] .

وبعد ذلك أنعم عليه الأمير محمد بن عبد الله الرشيد بالهبات وأعاده إلى وطنه مكرماً عام 1309هـ[150] .

[1]

سورة آل عمران آية 102.

[2]

سورة النساء آية 1.

[3]

سورة الأحزاب آية 70،71.

[4]

انظر: عنوان السعد والمجد في أخبار الحجاز ونجد المجلد الأول لوحة 17.

[5]

انظر: الدرر السنية 12/96 وعنوان السعد والمجد في أخبار الحجاز ونجد المجلد الأول لوحة 180، ومشاهير علماء نجد وغيرهم ص129.

[6]

انظر: في سلسلة نسب شيخ الإسلام الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله ما يأتي: تاريخ بعض الحوادث الواقعة في نجد ص125،126 وص112،212 وسقط من النسب عنده: مسعود، والدرر السنية في الأجوبة النجدية 12/3. وعنوان السعد والمجد في أخبار الحجاز ونجد المجلد الأول لوحة605. لكنه جعل بدل أحمد بن راشد: راشد بن أحمد وسقط من النسب عنده: بن أبي سود وبريد والد محمد. وأبدل حنظلة بعدي وجعل بدل زيد مناه: زيد بن عبد مناه. ومشاهير علماء نجد وغيرهم ص20. وعلماء نجد خلال ستة قرون 1/25 لكن سقط عندهما من سلسلة النسب: بريدة والد محمد، وعقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية ص68ـ73.

[7]

علماء نجد خلال ستة قرون 1/25، وانظر: تاريخ بعض الحوادث الواقعة في نجد ص212 وعنوان السعد والمجد في أخبار الحجاز ونجد المجلد الأول لوحة 6،7.

[8]

انظر: مشاهير علماء نجد ص94، 95.

[9]

انظر علماء نجد 2/225، 226 وروضة الناظرين 1/334،335

ص: 233

[10]

انظر: الدرر السنية 12/96 ومشاهير علماء نجد وغيرهم ص129 وعلماء نجد 1/72.

[11]

انظر: مشاهير علماء نجد وغيرهم ص129، وعلماء نجد خلال ستة قرون 1/72،73

[12]

انظر: علماء نجد وغيرهم ص129 وروضة الناظرين 1/163. وذكر الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن قاسم في الدرر السنية 12/97 أنه قدم الرياض عام 1172هـ أي وعمره سبع سنوات.

[13]

انظر: الدرر السنية 12/96.

[14]

انظر: عنوان السعد والمجد المجلد الأول لوحة 181.

[15]

انظر: المصدر السابق.

[16]

انظر: الدرر السنية 12/97.

[17]

انظر: مشاهير علماء نجد وغيرهم ص135.

[18]

انظر: المصدر السابق.

[19]

انظر: المصدر السابق ص130.

[20]

انظر: عنوان السعد والمجد في أخبار الحجاز ونجد المجلد الأول لوحة 123،124.

[21]

الدرر السنية 12/96.

[22]

عنوان السعد والمجد في أخبار الحجاز ونجد المجلد الأول لوحة 180.

[23]

مشاهير علماء نجد وغيرهم ص129.

[24]

علماء نجد خلال ستة قرون 1/72.

[25]

روضة الناظرين 1/360،361

[26]

مشاهير علماء نجد ص137، 138. وانظر عنوان السعد والمجد في أخبار الحجاز ونجد المجلد الأول لوحة 182، 183.

[27]

انظر: القصيدة كاملة في عنوان السعد والمجد في أخبار الحجاز ونجد المجلد الأول لوحة 183 والدرر السنية 12/99ـ101.

[28]

انظر: القصيدة كاملة في الدرر السنية 12/101ـ103.

[29]

انظر: القصيدة كاملة في الدرر السنية 12/103ـ104.

[30]

انظر: القصيدة كاملة في مشاهير علماء نجد ص139ـ141.

[31]

انظر: تاريخ اليمامة 5/46.

[32]

انظر: القصيدة كاملة في الدرر السنية 12/104.

[33]

انظر: القصيدة كاملة في ابتسامات الأيام في انتصارات الإمام ص330ـ333.

[34]

انظر: القصيدة كاملة في ابتسامات الأيام في انتصارات الإمام ص336ـ339.

ص: 234

[35]

انظر: مشاهير علماء نجد وغيرهم ص18 وص139.

[36]

انظر: عنوان المجد 2/20ـ26 وعقد الدرر ص51ـ58 والدرر السنية 12/60ـ66، ومشاهير علماء نجد وغيرهم ص78ـ86.

[37]

انظر: عنوان السعد والمجد في أخبار الحجاز ونجد المجلد الأول لوحة 180، والدرر السنية 12/97، ومشاهير علماء نجد ص129، وعلماء نجد 1/56.

[38]

انظر: عقد الدرر ص77،78، والدرر السنية 12/66ـ75، ومشاهير نجد وغيرهم ص93ـ121.

[39]

مشاهير علماء نجد ص129 وانظر: عنوان السعد والمجد في أخبار الحجاز ونجد المجلد الأول لوحة 180، والدرر السنية: 12/97، وعلماء نجد 1/72، 73.

[40]

انظر: الدرر السنية 12/77ـ79 ومشاهير علماء نجد وغيرهم ص244ـ254، وعلماء نجد 1/228ـ232.

[41]

مشاهير علماء نجد وغيرهم ص129 وروضة الناظرين 1/361 وانظر: الدرر السنية 1/97، وعلماء نجد 1/228، 229.

[42]

انظر: علماء نجد 2/396، 397، وروضة الناظرين 1/206، 207.

[43]

انظر: الدرر السنية 12/97، وعلماء نجد 1/72، وروضة الناظرين 1/273ـ275.

[44]

انظر: علماء نجد 2/469،470، وروضة الناظرين 1/273 ـ 275.

[45]

انظر: الدرر السنية 12/97، وعلماء نجد 1/72.

[46]

انظر: مشاهير علماء نجد وغيرهم ص270، 271، وعلماء نجد خلال ستة قرون 3/783ـ786.

[47]

انظر: الدرر السنية 12/97، وعلماء نجد 3/785، وروضة الناظرين 1/361.

[48]

انظر: علماء نجد 1/233، 234، وتاريخ اليمامة 5/66.

[49]

انظر: الدرر السنية 12/97، وعلماء نجد 1/72، وروضة الناظرين 1/361. وعلماءنجد ط2، 5/358، 359.

[50]

انظر: علماء نجد 2/530ـ532.

[51]

انظر: الدرر السنية 12/97 وروضة الناظرين 1/361.

[52]

انظر: روضة الناظرين 1/261.

[53]

انظر: مشاهير علماء نجد ص138.

[54]

انظر: الدرر السنية 12/98.

[55]

انظر: المصدر السابق.

[56]

انظر: مشاهير علماء نجد ص138.

ص: 235

[57]

انظر: الدرر السنية 12/98.

[58]

انظر: الدرر السنية 12/98، ومشاهير علماء نجد ص138، وروضة الناظرين 2/302، 303، وتاريخ اليمامة5/219.

[59]

مسرد تاريخ الفيصل ص2.

[60]

انظر: الدرر السنية 12/98، ومشاهير علماء نجد وغيرهم ص122، وعلماء نجد 1/219، وروضة الناظرين 1/74ـ76.

[61]

انظر: عقد الدرر ص78، والدرر السنية 12/82-86و98، ومشاهير علماء نجد وغيرهم ص125، 126، وعلماء نجد خلال ستة قرون 1/126-130.

[62]

انظر: الدرر السنية 12/72و98.

[63]

انظر: الدرر السنية 12/72و98، ومشاهير علماء نجد وغيرهم ص146، 147، وعلماء نجد 3/849، 850، وروضة الناظرين 2/267-272.

[64]

انظر: مشاهير علماء نجد وغيرهم ص144، وروضة الناظرين 1/363، وتاريخ اليمامة 5/191.

[65]

انظر: الدرر السنية 12/98، ومشاهير علماء نجد وغيرهم ص145، وروضة الناظرين 1/209-211، والأعلام للزركلي 3/311، وتاريخ اليمامة 5/109.

[66]

انظر: الدرر السنية 12/98، ومشاهير علماء نجد ص169-184، وعلماء نجد خلال ستة قرون 1/88-97، وروضة الناظرين 2/316-322 ومقدمة فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ 1/9-23.

[67]

انظر: الدرر السنية 12/98، ومشاهير علماء نجد وغيرهم ص164-168، وعلماء نجد خلال ستة قرون 2/494، 495، وروضة الناظرين 1/313-315.

[68]

انظر: الدرر السنية 12/98، وروضة الناظرين 1/240-242، وتاريخ اليمامة 5/110.

[69]

انظر: الدرر السنية 12/98، ومشاهير علماء نجد ص148-151، وعلماء نجد 1/356، 357، وروضة الناظرين 1/363.

[70]

انظر: الدرر السنية 12/98، وروضة الناظرين 1/363، وتاريخ اليمامة 5/111. وعلماء نجد ط2، 3/24، 25.

[71]

انظر: الدرر السنية 12/98، واتحاف اللبيب في سيرة الشيخ عبد العزيز من محمد الشثري ص73، 86.

ص: 236

[72]

انظر: مشاهير علماء نجد وغيرهم ص152-163، وعلماء نجد خلال ستة قرون 1/82-87.

[73]

انظر: مشاهير علماء نجد ص152-163، وعلماء نجد 3/741-744.

[74]

انظر: مشاهير علماء نجد ص127، 128، وعلماء نجد 1/219.

[75]

انظر: الدرر السنية 12/98.

[76]

انظر: الدرر السنية 12/98.

[77]

انظر: الدرر السنية 12/98 ومشاهير علماء نجد ص123، 124.

[78]

انظر: الدرر السنية 12/99.

[79]

انظر: الدرر السنية 12/99، وعلماء نجد 1/112-115.

[80]

انظر: تاريخ اليمامة 5/29.

[81]

انظر: الدرر السنية 12/99 ومشاهير علماء نجد ص132، وعلماء نجد ط2، 2/106، 107.

[82]

انظر: مشاهير علماء نجد وغيرهم ص132، والإفادات عن ما في تراجم علماء نجد لابن بسام من التنبيهات ص127128،، وتاريخ اليمامة 5/57.

[83]

انظر: مشاهير علماء نجد ص427، وعلماء نجد 1/244، 245.

[84]

انظر: الدرر السنية 12/99، ومشاهير علماء نجد ص132، وعلماء نجد 1/76، وروضة الناظرين 1/116-119.

[85]

قد اعتبره من تلاميذه الشيخ عبد الله بن خميس في تاريخ اليمامة 5/92،93 وأما غيره ممن ترجمه لم يذكره ومما يؤيد ما ذكره الشيخ عبد الله بن خميس ما ذكره الشيخ سعد مع جمع من المشائخ بقولهم:"وآخر من قام بهذا الأمر شيخنا الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف"انظر الدرر السنية 11/131.

[86]

انظر: الدرر السنية 12/93-96، ومشاهير علماء نجد ص323-328، وعلماء نجد 1/266-269، ومقدمة الشيخ عبد الرحمن بن سحمان لكتابه نيل المراد ص7،8.

[87]

انظر: الدرر السنية 12/99. وعلماء نجد ط2، 2/228،229.

[88]

انظر: الدرر السنية 12/87-93 ومشاهير علماء نجد ص290-323، وعلماء نجد 1/279-281.

ص: 237

[89]

انظر: الدرر السنية12/99، والافادات ص129، ومعلومات شفهية من الشيخ عبد الرحمن بن عبد الله التويجري، وروضة الناظرين 1/149-151، ومقدمة الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد لكتابه (هداية الأريب الأمجد لمعرفة أصحاب الرواية عن أحمد) ص ج-ن.

[90]

انظر: مشاهير علماء نجد ص391، وعلماء نجد 1/288، 289، وروضة الناظرين 1/138-140.

[91]

انظر: مشاهير علماء نجد ص267-269، وعلماء نجد 2/349-351.

[92]

انظر: تاريخ اليمامة 5/97.

[93]

انظر: الدرر السنية 12/99.

[94]

انظر: الدرر السنية 12/98، ومشاهير علماء نجد ص132، وعلماء نجد 1/76.

[95]

انظر: تاريخ اليمامة 5/104.

[96]

انظر: مشاهير علماء نجد ص388-390، وعلماء نجد 2/401-403.

[97]

انظر: الدرر السنية 12/98، ومشاهير علماء نجد ص133، وعلماء نجد 1/77. وعلماء نجد ط2، 3/157-162.

[98]

انظر: مشاهير علماء نجد ص432-434، وعلماء نجد 2/414-416.

[99]

انظر: مشاهير علماء نجد ص133، وعلماء نجد 1/77.

[100]

انظر: الدرر السنية 12/98 ومشاهير علماء نجد ص133، وعلماء نجد 2/451-453، وروضة الناظرين 1/280،281، وتاريخ اليمامة 5/117.

[101]

انظر: الدرر السنية 12/92، 93،99. وعلماء نجد ط2، 3/372-375) .

[102]

انظر: الدرر السنية 12/99، ومشاهير علماء نجد ص343، وعلماء نجد 2/471،472، وروضة الناظرين 1/282-286.

[103]

انظر: الدرر السنية 12/99، ومشاهير علماء نجد ص133، وعلماء نجد 1/77. جريدة الرياض عدد 11022 وتاريخ 6/5/1419هـ ترجمة له بقلم عبد المحسن بن عبد العزيز العسكر.

[104]

انظر: روضة الناظرين 1/295-299، وإتحاف اللبيب في سيرة الشيخ عبد العزيز ص23، 32، 77، 89، 179، 180.

[105]

انظر: الدرر السنية 12/78، 94، 99، وروضة الناظرين 1/312، 313، وتاريخ اليمامة 5/35.

[106]

انظر: علماء نجد 2/514-516، وتاريخ اليمامة 5/142.

ص: 238

[107]

انظر: روضة الناظرين 1/387 وتاريخ اليمامة 5/148.

[108]

انظر: الدرر السنية 12/94، 99، وعلماء نجد 2/528، 529، وتاريخ اليمامة 5/150.

[109]

انظر: روضة الناظرين 1/388، وتاريخ اليمامة 5/149.

[110]

انظر: مشاهير علماء نجد ص132، وعلماء نجد 2/537، 538.

[111]

انظر: الدرر السنية 12/94، 95، ومشاهير علماء نجد ص133.

[112]

انظر: الدرر السنية 12/99، ومشاهير علماء نجد ص 344-351، وعلماء نجد 2/542-549، وروضة الناظرين 1/397-405.

[113]

انظر: الدرر السنية 12/98، 99، ومشاهير علماء نجد ص133 وعلماء نجد ط2، 4/155-161.

[114]

انظر: مشاهير علماء نجد ص381-383، وعلماء نجد 2/582-587، والافادات ص123-133، وروضة الناظرين 2/9-13، وتاريخ اليمامة 5/158-159 ومعلومات شفهية من عم والدي علي بن محمد بن حمد بن محمد بن حمد بن منيف.

[115]

انظر: مشاهير علماء نجد ص387، وعلماء نجد 2/588-591، وروضة الناظرين 2/14-17، وتاريخ اليمامة 5/162، 163، والشيخ عبد الله بن زاحم وجهوده في عهد الملك عبد العزيز ص19-63.

[116]

انظر: انجاز الوعد بذكر الاضافات والاستدراكات على من كتب عن علماء نجد ص81، 82.

[117]

انظر: مشاهير علماء نجد ص343، وروضة الناظرين 2/37-40، وتاريخ اليمامة 5/164.

[118]

انظر: الدرر السنية 12/87، 98. وعلماء نجد ط2، 4/378-380.

[119]

انظر: مشاهير علماء نجد ص273، 274، وعلماء نجد 2/638-341، وروضة الناظرين 1/357-360.

[120]

انظر: مشاهير علماء نجد ص329، 330، وعلماء نجد 2/623-626.

[121]

انظر: مشاهير علماء نجد ص265، وعلماء نجد 1-76 و2/617-619، وروضة الناظرين 1/352-354.

[122]

انظر: علماء نجد 1/77.

[123]

انظر: روضة الناظرين 2/7-9.

[124]

انظر: تاريخ اليمامة 5/170، 171.

[125]

انظر: روضة الناظرين 2/26-29.

ص: 239

[126]

انظر: روضة الناظرين 2/99-101، وتاريخ اليمامة 5/173.

[127]

انظر: مشاهير علماء نجد ص133 و259، وعلماء نجد 1/77 و2/624. وروضة الناظرين 2/98، 99.

[128]

انظر: مشاهير علماء نجد ص133، والافادات ص127، 131، ومدينة جلاجل ص73.

[129]

انظر: روضة الناظرين 2/126-128.

[130]

انظر: مشاهير علماء نجد ص357-362، وعلماء نجد 3/745-748، وروضة الناظرين 2/136-141.

[131]

انظر: روضة الناظرين 2/148، 149.

[132]

انظر: الدرر السنية 12/84، 87، 99، ومشاهير علماء نجد ص133. وعلماء نجد ط2، 5/367-369.

[133]

انظر: مشاهير علماء نجد ص133، وعلماء نجد 1/77 و3/759،760.

[134]

انظر: مشاهير علماء نجد ص398-401، وعلماء نجد 3/754-757. وروضة الناظرين 2/159-162، وتاريخ اليمامة 5/194-196.

[135]

انظر: الدرر السنية 12/99 وعلماء نجد ط2، 5/425، 426.

[136]

انظر: روضة الناظرين 2/364، 365، وتاريخ اليمامة 5/203.

[137]

انظر: روضة الناظرين 2/315، 316، وتاريخ اليمامة 5/212.

[138]

انظر: علماء نجد 3/825، 826. وروضة الناظرين 2/332-337.

[139]

انظر: مشاهير علماء نجد ص337، 338. وعلماء نجد 3/897-899. وروضة الناظرين 2/249-253.

[140]

انظر: مشاهير علماء نجد ص430، 431. وعلماء نجد 3/900-903. وروضة الناظرين 2/325-327.

[141]

انظر: روضة الناظرين 2/264-267. وتاريخ اليمامة 5/222، 223.

[142]

انظر: الدرر السنية 12/99، ومشاهير علماء نجد ص132، وعلماء نجد 1/76، وروضة الناظرين 2/309-312.

[143]

انظر: علماء نجد 3/961-964. وروضة الناظرين 2/375-378.

[144]

انظر: روضة الناظرين 2/386-387.

[145]

انظر: مشاهير علماء نجد ص130، 131.

[146]

علماء نجد 1/74،75.

[147]

في المبحث الثاني من الفصل الثاني رقم 68.

[148]

انظر: مشاهير علماء نجد ص131.

ص: 240

[149]

في المبحث الثاني من الفصل الثاني رقم 28 و35و54و75و88.

[150]

انظر: مشاهير علماء نجد ص131.

ص: 241

تابع لشيخ الإمام عبد الله بن عبد اللطيف وجهوده التعليمية في عهد الملك عبد العزيز

الفصل الثالث

جهوده التعليمية في عهد الملك عبد العزيز

وفيه أربعة مباحث:

المبحث الأول: مبايعته للملك عبد العزيز.

المبحث الثاني: جلوسه للتدريس وثمرة ذلك.

المبحث الثالث: بذله النصيحة.

المبحث الرابع: توطين البادية وإرسال الدعاة لهم.

المبحث الأول

مبايعته للملك عبد العزيز

لما تم لجلالة الملك المفخم الإمام الأجَلّ عبد العزيز بن الإمام عبد الرحمن بن الإمام فيصل آل سعود الاستيلاء على مدينة الرياض في الخامس من شهر شوال عام 1319هـ، بايعه الشيخ الإمام عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف، وأصفاه الود وأخلص له النصيحة، وصاهره الملك عبد العزيز حيث تزوج بنته طرفة فأنجبت منه صاحب الجلالة الملك فيصل بن الملك عبد العزيز (1) .

وقد وجد الملك المفخم عبد العزيز في الشيخ الإمام عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف من العون والمساعدة على مهام الأمور ما وجد آباؤه وأجداده من أباء الشيخ وأجداده الذين ساروا بهذه الدعوة السلفية عبر ثلاثة قرون.

فصار الشيخ الإمام عبد الله زعيم الدعوة الإسلامية ورئيس علماء المسلمين في البلاد السعودية والمرجع العام في الشئون الدينية والمهام الشرعية.

وكان الملك المفخم عبد العزيز آل سعود رحمه الله يأتي إليه في داره ويحضر دروسه، ولا يخرج عن رأيه ومشورته في جميع مسائل العلم والدين.

المبحث الثاني

جلوسه للتدريس وثمرة ذلك

قد عاش الإمام عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف رحمه الله عشرين عاماً في عهد الملك المفخم الإمام عبد العزيز بن الإمام عبد الرحمن آل سعود رحمه الله، قضاها في نشر العلم والدعوة إلى الله فتخرج عليه في هذه المدة المذكورة عدد كثير من التلاميذ.

وقد ذكرت من وقفت عليه من تلاميذه في المبحث الثاني من الفصل الثاني.

(1) انظر: مشاهير علماء نجد ص131، 132. وشبه الجزيرة في عهد الملك عبد العزيز 4/145.

ص: 242

وقد تولى تلاميذه مناصب القضاء والفتيا في عهد الملك المفخم الإمام عبد العزيز بن الإمام عبد الرحمن آل سعود رحمه الله.

ومن أشهر تلاميذه الذين برزوا واشتهروا بعلمهم بعد وفاته ما يأتي:

1 ـ أخوه الشيخ العلامة العالم الجليل محمد بن الشيخ عبد اللطيف:

وقد بعثه الملك عبد العزيز عام 1339هـ إلى عسير وغامد وزهران لبث الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى.

وكذلك جلس في داره لطلاب العلم يقرأون عليه.

2 ـ ابن أخيه سماحة الشيخ العلامة الجليل الأصولي المحدث الفقيه محمد بن الشيخ إبراهيم بن الشيخ عبد اللطيف:

كان عمه الشيخ الإمام عبد الله قبل موته أوصى الملك عبد العزيز بن الإمام عبد الرحمن آل سعود به خيراً، وأخبره بكفاءته العلمية، وأنه بموجب ذلك يصلح أن يكون خليفة بعده في إمامة المسجد والتدريس وحل المشكلات إلى غير ذلك.

فلما مات عمه في عام 1339هـ عينه الملك عبد العزيز آل سعود خلفاً لعمه في الفتيا وإمامة المسجد والتدريس، فصار يؤم الناس الفروض الخمسة في مسجد عمه المشهور بمسجد الشيخ في حي دخنه بمدينة الرياض، ويجلس فيه لطلبة العلم يقرأون عليه في مختلف العلوم، وقد تخرج على يديه أفواج من العلماء كثيرون شغلوا مناصب القضاء والتدريس والدعوة إلى الله والوعظ والإرشاد، وقد استمر رحمه الله على ذلك إلى قبيل وفاته. وفي عام 1373هـ أنشئت دار الإفتاء والإشراف على الشئون الدينية تحت رئاسة سماحته، وفي عام 1376هـ أنشئت رئاسة القضاء تحت رئاسة سماحته في نجد والمنطقة الشرقية والشمالية، وبعد وفاة سماحة الشيخ عبد الله بن الشيخ حسن آل الشيخ رئيس القضاة بالحجاز والمنطقة الغربية عام 1378هـ ضمت إليه فأصبح رحمه الله رئيس القضاة بالمملكة العربية السعودية.

وهو رئيس الكليات والمعاهد العلمية من حين إنشائها إلى وفاته رحمه الله.

وهو أيضاً رئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة من حين إنشائها إلى وفاته رحمه الله وأسكنه فسيح جناته.

ص: 243

3 ـ الشيخ الورع التقي العلامة صالح بن عبد العزيز بن الشيخ عبد الرحمن بن الشيخ حسين بن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب:

كان رحمه الله بجانب قيامه بالقضاء يصلي بالناس الفروض الخمسة في مسجده بمدينة الرياض، ويجلس بعد صلاة الظهر لطلبة العلم يقرأون عليه في زاد المستقنع وغيره من كتب العلم إلى قريب العصر.

4 ـ سماحة الشيخ العلامة عبد الله بن الشيخ حسن بن الشيخ حسين بن الشيخ علي بن الشيخ حسين بن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب:

أسند إليه الملك عبد العزيز آل سعود بجانب إمامته وخطابته في المسجد الحرام ورئاسته للقضاة بالحجاز الإشراف على المسجد الحرام والمسجد النبوي والمدرسين فيهما، وكذلك وظائف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وملاحظة المساجد والإشراف عليها، باختيار أئمة المساجد وتعيينهم وتوزيع الكتب المطبوعة على نفقة الملك عبد العزيز رحمه الله على المستحقين من طلاب العلم.

وأسند إليه أيضاً اختيار الوعاظ والمرشدين وبعثهم إلى القرى والبوادي؛ لإرشادهم وتعليمهم واجبات الإسلام وأمور الدين، فقام رحمه الله بأعباء كل ما أسند إليه خير قيام.

وكذلك كان يقوم رحمه الله بنشر العلم وتدريسه، وقد تخرج عليه كثيراً من طلاب العلم.

5 ـ الشيخ العلامة الفقيه عبد العزيز بن عبد الرحمن بن بشر:

كان رحمه الله بجانب قيامه بالقضاء يقوم بالتدريس في كل مدينة يحل بها فقد تخرج عليه عدد كثير من طلاب العلم.

6 ـ الشيخ العلامة الفقيه عبد العزيز بن محمد الشثري:

وقد عينه الإمام الملك عبد العزيز آل سعود في عام 1337هـ قاضياً ومفتياً ومدرساً وواعظاً في وادي الرين، فقام بما أسند إليه خير قيام، وتخرج عليه عدد من طلاب العلم، ثم عين في عام 1374هـ مدرساً في معهد إمام الدعوة العلمي بالرياض واستمر في ذلك إلى عام 1384هـ.

وكان أيضاً يقوم بجانب ذلك بالتدريس في مسجد الشيخ الإمام عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف.

ص: 244

7 ـ الشيخ العلامة الفقيه عبد الله بن عبد العزيز العنقري:

كان رحمه الله بجانب قيامه بالقضاء مواظباً على التدريس ونشر العلم باذلاً جهده في ذلك، فتخرج على يديه أكثر من ستة وثلاثين طالباً من طلبة العلم.

كما بعثه الملك عبد العزيز رحمه الله إلى الأرطاوية؛ ليتولى تعليم الأخوان أمور دينهم وحل مشاكلهم القضائية ونهيهم عن التعصب المخالف للشريعة الإسلامية، فقام بهذا الواجب المهم متنقلاً بين المجمعة والأرطاوية في همة ونشاط، فكان موضع تقدير الملك عبد العزيز وعلماء نجد الأعلام.

8 ـ الشيخ العلامة الفقيه عبد الله بن عبد الوهاب الزاحم:

كان رحمه الله بجانب قيامه بالقضاء يقوم بالتدريس ونشر العلم في كل بلد ينزل فيه، كما كان رحمه الله كثير المرافقة لجلالة الملك عبد العزيز آل سعود رحمه الله في غزواته وأسفاره، كما كان جلالته يبعثه في المهمات التي منها كونه أحد أعضاء وفد المملكة العربية السعودية في إبرام اتفاقية الطائف مع اليمن في عام 1353هـ وقد صحب جلالة الملك عبد العزيز آل سعود في رحلته الملكية إلى مكة عام 1343هـ.

9 ـ الشيخ العلامة الفقيه عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الله بن حمد بن سليم:

كان رحمه الله بجانب قيامه بالقضاء يقوم بما يجب عليه من نشر الدعوة وإرشاد العامة وتدريس الخاصة، فجلس للتدريس فحف به الطلاب وقصدوه من مدن القصيم وقراها للاستفادة من علمه والاقتداء بسمعته وهديه فتخرج على يديه طوائف من مشاهير العلماء نفع الله بهم في مجال القضاء والتعليم.

10 ـ الشيخ العلامة الفقيه عمر بن الشيخ العلامة محمد بن عبد الله ابن سليم:

ص: 245

جلس رحمه الله للتدريس في مسجد ناصر بن سليمان بن سيف بمدينة بريدة، فعمر هذا المسجد بتدريس العلم حيث عقد فيه حلقات للعلم، فتخرج عليه في هذا المسجد أفواج من طلبة العلم ولما توفي أخوه الشيخ عبد الله عام 1351هـ أسند إليه قضاء مدينة بريدة وتوابعها من القرى والبلدان، وتولى أيضاً إمامة مسجد الجامع الكبير وخطابته وصلاة الأعياد والتدريس فيه.

بما ذكرت أتضح ثمرة جهوده في التدريس رحمه الله وأسكنه فسيح جناته.

المبحث الثالث

بذله النصيحة

قد بذل الشيخ الإمام عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف النصيحة للمسلمين؛ وذلك بقيامه مقام جده شيخ الإسلام الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله بالدعوة إلى توحيد الله وإفراده بالعبادة، والنهي عن الشرك، والتزام الكتاب والسنة، والتحذير من البدع.

وقد شهد بذلك الإمام المفخم والملك المعظم عبد العزيز بن الإمام عبد الرحمن آل سعود رحمه الله في نصيحة وجهها إلى علماء المسلمين في عام 1339هـ بعد وفاته – رحمه الله – جاء فيها:

"حتى إن آخرهم والدنا وشيخنا الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف نرجو الله أن يجرنا في مصيبتنا به بعز الإسلام والمسلمين، وأن الله سبحانه يعيضه بنا رضوانه والجنة. ولا هو بخافي أحداً مقامه في آخر هذا الزمان وإلتزامه في هذا الفصل الذي لا حياة إلا به، وصار نوراً وقوة لكل عارف عاقل في أمر دينه ودنياه، وردع أهل البدع والضلال، ولا نقول إلا إنا لله وإنا إليه راجعون. (اللهم أجرنا في مصيبتنا خيراً واخلفنا خيراً منها) "(1) .

(1) انظر: الرسالة كاملة في الدرر السنية 11/132، 133.

ص: 246

وممن شهد له بذلك أيضاً أصحاب السماحة والفضيلة المشائخ حسن بن حسين آل الشيخ، وسعد بن حمد بن عتيق، وسليمان بن سحمان، وصالح بن عبد العزيز آل الشيخ، وعبد الرحمن بن عبد اللطيف آل الشيخ، وعمر بن عبد اللطيف آل الشيخ، وعبد الله بن حسن آل الشيخ، ومحمد بن إبراهيم آل الشيخ، وذلك في نصيحة لهم وجهوها إلى علماء نجد بعد وفاته جاء فيها:

"وآخر من قام بهذا الأمر شيخنا الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف - رفع الله درجاته في المهديين - وخلفه في عقبه وإخوانه في الغابرين، فإنه قام بهذا الأمر أتم القيام وبذل جهده في النصيحة لله ولرسوله ولعباده المؤمنين، ورسائله في ذلك مبثوثة منشورة".

ونصائحه التي وقفت عليها هي على النحو التالي:

1 ـ نصيحة عامة وجهها إلى المسلمين.

2 ـ نصيحة وجهها إلى كافة الإخوان من أهل الأرطاوية وغيرهم.

3 ـ نصيحة وجهها إلى جناب الإخوان الكرام.

4 ـ نصيحة وجهها إلى جمع من المشائخ الفضلاء الأعلام منهم الشيخ حمد بن عتيق والشيخ صالح الشثري (1) .

5 ـ نصيحة وجهها إلى أهل الفرع وقد اشترك معه في بعث هذه النصيحة جمع من المشائخ منهم الشيخ العلامة محمد بن محمود والشيخ العلامة سعد بن حمد بن عتيق.

6 ـ نصيحة وجهها إلى من يراه من الإخوان وذلك في التحذير لهم من الغلو في الدين. واشتهرت هذه النصيحة باسم رسالة الإتباع وحظر الغلو في الدين والابتداع.

7 ـ نصيحة وجهها إلى الإمام المفخم والرئيس المقدم عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود رحمه الله وقد اشترك معه في بعث هذه النصيحة كل من الشيخ العلامة حسن بن حسين آل الشيخ، والشيخ العلامة سعد بن حمد بن عتيق، والشيخ العلامة محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ.

8 ـ نصيحة وجهها إلى من بلغه هذا الكتاب من إخواننا المسلمين.

9 ـ نصيحة وجهها إلى كافة الإخوان.

10 ـ نصيحة وجهها إلى محمد بن علي الموسى.

(1) انظر: النصيحة كاملة في الدرر السنية 7/265-272.

ص: 247

11 ـ نصيحة وجهها إلى من يراه من إخواننا المسلمين من أهل الجنوب ومن والاهم. وقد اشترك معه في بعث هذه النصيحة الشيخ العلامة محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ.

12 ـ نصيحة وجهها إلى كافة الإخوة من أهل الهجر وغيرهم. وقد اشترك معه في بعث هذه النصيحة كل من الشيخ العلامة حسن بن حسين آل الشيخ، والشيخ العلامة حمد بن عتيق، والشيخ العلامة عمر بن محمد بن سليم، والشيخ العلامة عبد الله بن عبد العزيز العنقري، والشيخ العلامة سليمان بن سحمان، والشيخ العلامة محمد بن عبد اللطيف، والشيخ العلامة عبد الله بن بليهد، والشيخ العلامة عبد الرحمن بن سالم.

13 ـ نصيحة وجهها إلى جناب الإخوان الكرام الشيخ عبد الله بن سليم، والشيخ عمر بن عبد اللطيف، والشيخ عبد الرحمن بن عبد اللطيف، والشيخ عبد الله بن حمد بن عتيق.

وقد اشترك معه في بعث هذه النصيحة الشيخ العلامة حسن بن حسين آل الشيخ، والشيخ العلامة سعد بن حمد بن عتيق، والشيخ العلامة محمد بن عبد اللطيف.

14 ـ نصيحة وجهها إلى الإمام المقدم عبد العزيز بن الإمام عبد الرحمن آل سعود.

وقد اشترك معه في بعث هذه النصيحة كل من المشائخ العلماء: حسن بن حسين، وسعد بن عتيق، وسليمان بن سحمان، وصالح بن عبد العزيز آل الشيخ وعبد الله بن حسن آل الشيخ، وعبد الرحمن بن سالم، وعبد الله بن حمد بن عتيق.

المبحث الرابع

توطين البادية وإرسال الدعاة لهم

قد أقبلت بوادي الأعراب من أهل نجد في زمنه رحمه الله على الدين وقراءة القرآن وتعلم واجبات الإسلام، وسكنوا الهجر وسموا بالإخوان.

ص: 248

والفضل بعد الله عز وجل في هدايتهم وجمع كلمتهم يرجع إلى اهتمام الملك عبد العزيز بن الإمام عبد الرحمن آل سعود بأمور الدين، ثم إخلاص الشيخ الإمام عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف وحسن اختياره للدعاة والمرشدين من أهل العلم، حيث وكلّ إليه جلالة الملك المفخم المظفر عبد العزيز آل سعود رحمه الله أمر اختيارهم وابتعاثهم إلى بوادي الأعراب.

فممن أرسل إلى الدعوة إلى الله في الهجر ممن وقفت عليه ما يأتي:

1 ـ سماحة الشيخ عبد الله بن حسن آل الشيخ، فقد أرسله الملك عبد العزيز إلى هجرة الأرطاوية في عام 1337هـ. فمكث عندهم سنة وبضعة أشهر (1) .

2 ـ الشيخ عبد الله بن الشيخ حمد بن عتيق عينه الإمام عبد العزيز بن الإمام عبد الرحمن آل سعود مرشداً وواعظاً وإماماً للجمعة والجماعة في هجرة الغطغط، حال إقبال البادية على السكنى في القرى، والرغبة في الدين والجهاد في سبيل الله.

3 ـ الشيخ العلامة عبد الله بن عبد الوهاب الزاحم وقد عينه الملك عبد العزيز عام 1336هـ قاضياً ومرشداً وإماماً في هجرة الداهنة عند أمير الروقة من قبائل عتيبة عبد الرحمن بن ربيعان.

4 ـ الشيخ العلامة عمر بن الشيخ محمد بن سليم لما آنس منه الملك عبد العزيز رجاحة عقله وبعد نظره، وعلم شيخه منه سعة العلم وحسن الدعوة بعثاه في عام 1330هـ حتى عام 1337هـ إلى بلدة الأرطاوية ليكون قاضياً وواعظاً ومرشداً (2) .

5 ـ الشيخ العلامة محمد بن عثمان الشاوي، فقد صدر الأمر بتعيينه عام 1333هـ قاضياً في هجرة سنام عند سكانها من قبيلة العصمة، ثم نقل منها إلى القضاء في هجرة الغطغط (3) .

الخاتمة

ملخص ترجمته

تتلخص ترجمة الشيخ الإمام عبد الله بن الشيخ الإمام عبد اللطيف فيما يأتي:

(1) انظر: مشاهير علماء نجد ص153، وعلماء نجد 1/82، 83.

(2)

انظر: مشاهير علماء نجد ص357 وعلماء نجد 3/745.

(3)

انظر: مشاهير علماء نجد ص337، وعلماء نجد 3/898.

ص: 249

1 ـ هو الشيخ الإمام العلامة عبد الله بن الشيخ الإمام عبد اللطيف بن الشيخ الإمام عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ الإمام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب.

2 ـ ولد عام 1265هـ.

3 ـ من صفاته أنه كان – رحمه الله – حسن الأخلاق ذا رأي ودهاء ومعرفة وكان رحمه الله جواداً كريماً.

4 ـ توفي رحمه الله في عام 1339هـ.

5 ـ من مشائخه والده وجده.

6 ـ من تلاميذه ابن أخيه سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، وابن عمه سماحة الشيخ عبد الله بن حسن آل الشيخ والشيخ العلامة عبد الرحمن بن محمد بن قاسم والشيخ العلامة عبد الله بن عبد العزيز العنقري.

7 ـ لما استولى الملك عبد العزيز بن الإمام عبد الرحمن آل سعود علي مدينة الرياض، بايعه الشيخ الإمام عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف، وأصفاه الود.

8 ـ جلس رحمه الله للتدريس في عهد الملك عبد العزيز باذلاً في ذلك جهده ووقته حتى تخرج عليه عدد كثير من طلاب العلم على يديه.

9 ـ قد بذل الشيخ الإمام عبد الله النصيحة للمسلمين ودعوتهم إلى توحيد الله وإفراده بالعبادة، والنهي عن الشرك، والتزام الكتاب والسنة، والتحذير من البدع.

هذا ما تيسر لي كتابته في ترجمة الشيخ الإمام عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف مع اعترافي بالتقصير وعدم إيفائي بحقه.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

فهرس المصادر والمراجع

1 ـ ابتسامات الأيام في انتصارات الإمام ديوان الشيخ محمد بن عبد الله بن بليهد صححه وعلق عليه الدكتور محمد بن سعد بن حسين. ط الأولى عام 1405هـ. في مطابع الفرزدق التجارية، الرياض.

2 ـ إتحاف اللبيب في سيرة الشيخ عبد العزيز، أبي حبيب ـ تأليف الشيخ محمد بن ناصر بن عبد العزيز الشثري. ط الأولى عام 1410هـ، نشر دار العاصمة ـ الرياض.

3 ـ الأعلام تأليف خير الدين الزركلي، ط الرابعة عام 1399هـ، ط دار العلم للملايين.

ص: 250

4 ـ الإفادات عن ما في تراجم علماء نجد لابن بسام من التنبيهات تأليف الشيخ عبد الرحمن بن عبد الله بن حمود التويجري، ط الأولى عام 1411هـ مطبعة سفير ـ الرياض.

5 ـ إنجاز الوعد بذكر الإضافات والاستدراكات على كتب في تراجم علماء نجد ـ تأليف الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن حسين آل إسماعيل ط الأولى ـ عام 1409هـ الناشر مكتبة المعارف ـ الرياض.

6 ـ تاريخ بعض الحوادث الواقعة في نجد ـ تأليف الشيخ إبراهيم بن صالح بن عيسى ـ تحقيق الشيخ المؤرخ حمد الجاسر ـ ط الأولى عام 1386هـ. منشورات دار اليمامة للبحث والترجمة والنشر ـ الرياض.

7 ـ تاريخ نجد الحديث وسيرة عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود ـ تأليف أمين الريحاني ـ ط السادسة 1408هـ ـ ط دار الجيل ـ بيروت.

8 ـ تاريخ اليمامة ـ الجز الخامس للشيخ الأديب ـ عبد الله بن محمد بن خميس ـ ط الأولى 1407هـ ـ ط مطابع الفرزدق التجارية ـ الرياض.

9 ـ الدرر السنية في الأجوبة النجدية ـ جمع الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن قاسم ـ ط الثانية عام 1385هـ ـ ط المكتب الإسلامي بيروت من مطبوعات دار الإفتاء بالمملكة العربية السعودية وقد طبع بأمر جلالة الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود.

10 ـ الرحلة الملكية عام 1343هـ إعداد يوسف ياسين ـ ط الثانية ـ ط مطابع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ـ الرياض.

11 ـ روضة الناظرين عن مآثر علماء نجد وحوادث السنين ـ تأليف الشيخ محمد بن عثمان بن صالح القاضي ـ ط الثانية ـ عام 1403هـ ـ ط بمطبعة الحلبي ـ القاهرة.

12 ـ شبه الجزيرة في عهد الملك عبد العزيز. تأليف خير الدين الزركلي ـ ط الثالثة عام 1405هـ ـ ط دار العلم للملايين ـ بيروت.

13 ـ الشيخ عبد الله بن زاحم وجهوده في عهد الملك عبد العزيز ـ تأليف الشيخ عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الوهاب بن زاحم. ط الأولى عام 1417هـ ط مطابع الفرزدق التجارية ـ الرياض.

ص: 251

14 ـ عقد الدرر فيما وقع في نجد من الحوادث في آخر القرن الثالث عشر وأول القرن الرابع عشرـ تأليف الشيخ إبراهيم بن صالح بن عيسى ـ تحقيق وتعليق الشيخ عبد الرحمن بن عبد اللطيف آل الشيخ ـ طبع على نفقة وزارة المعارف بالمملكة العربية السعودية، ط المطابع الوطنية الحديثة ـ الرياض.

15 ـ عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية وأثرها في العالم الإسلامي ـ تأليف معالي الشيخ الدكتور صالح بن عبد الله العبود ـ ط بمطابع الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.

16 ـ علماء نجد خلال ستة قرون تأليف فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن البسام ـ ط الأولى عام 1398 هـ ـ ط مكتبة ومطبعة النهضة الحديثة مكة المكرمة.

17 ـ عنوان السعد والمجد في أخبار نجد والحجاز ـ تأليف الشيخ المؤرخ عبد الرحمن بن محمد بن ناصر المجلد الأول ـ الكتاب لا يزال مخطوطاً حسب علمي ومحفوظ بدارة الملك عبد العزيز بالرياض ورقمه في قسم المخطوطات 12.

18 ـ عنوان المجد في تاريخ نجد ـ تأليف الشيخ المؤرخ عثمان بن عبد الله بن بشر ـ الناشر مكتبة الرياض الحديثة بالرياض.

19 ـ فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ جمع الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن قاسم/ ط الأولى عام 1399هـ ـ ط مطبعة الحكومة بمكة المكرمة.

20 ـ لسراة الليل هتف الصباح: الملك عبد العزيز دراسة وثائقية تأليف معالي الشيخ عبد العزيز بن عبد المحسن التويجري ـ الناشر: رياض الريس للنشر والتوزيع ـ ط مؤسسة الريحاني للطباعة والنشر ـ بيروت.

21 ـ مدينة جلاجل ـ تأليف الدكتور إبراهيم بن سليمان الأحيدب: أصدرته الرئاسة العامة لرعاية الشباب بالمملكة العربية السعودية ضمن سلسلة: هذه بلادنا ـ ط الأولى عام 1409هـ بمطابع جامعة الملك سعود بالرياض.

ص: 252

22 ـ مسرد تاريخ الفيصل تأليف صاحب السمو الملكي الأمير خالد بن فيصل بن عبد العزيز آل سعود ـ ط الأولى عام 1416هـ. ط مطبعة مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية ـ الرياض.

23 ـ مشاهير علماء نجد وغيرهم ـ تأليف الشيخ المؤرخ عبد الرحمن بن عبد اللطيف بن عبد الله آل الشيخ ـ ط الثانية عام 1394هـ ـ الناشر دار اليمامة للبحث والترجمة والنشر بالرياض.

24 ـ نيل المراد بنظم متن الزاد نظم الشيخ العلامة سعد بن الشيخ حمد بن عتيق. تعليق وتكميل الشيخ عبد الرحمن بن عبد العزيز بن سحمان ـ ط المطابع الأهلية للأوفست ـ الرياض ـ من منشورات دار الهداية للطبع والنشر والترجمة ـ الرياض.

25 ـ هداية الأريب الأمجد لمعرفة أصحاب الرواية عن أحمد تأليف الشيخ سليمان بن عبد الرحمن بن حمدان تحقيق الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد ـ ط الأولى عام 1418هـ ـ الناشر دار العاصمة بالرياض.

ص: 253

الفكر التربوي في

رسائل الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود وخطاباته

للدكتور/ طارق بن عبد الله حجّار

بسم الله الرحمن الرحيم

ملخص البحث

إنَّ موضوع هذا البحث هو استقراء النصوص التربوية التي كتبها الملك عبد العزيز في بعض رسائله التي تناولت شؤون التربية والتعليم أو تضمَّنت قضايا تربوية أو تعليمية، بهدف إبراز الأفكار والتوجيهات التربوية التي جاءت في بعض رسائله.

واعتمد الباحث في تحديد الرسائل المعنية على كتاب "من وثائق الملك عبد العزيز"من منشورات رئاسة الحرس الوطني، وكتاب "تاريخ المملكة العربية السعودية في ماضيها وحاضرها" لصلاح الدين المختار، ورسالة واحدة من كتاب:"الدرر السنية في الأجوبة النجدية"تحقيق وترتيب عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، ورسالة واحدة من الملف التأسيسي لكل من دار الحديث المكية، ودار الحديث المدنية.

واستُخْدِم المنهج الوصفي التحصيلي للدراسة لمناسبته تحقيق الهدف، فصُنِّفَت الرسائل ووُصِفَت في ضوء مضامينها، ثُمَّ تناولها الباحث بالتحصيل والاستنباط لجوانب الفكر التربوي فيها.

كما حُدِّدَت أهم المصطلحات الإجرائية وهي: الفكر التربوي، الرسائل أو الخطابات.

وقُسِّمَ البحث إلى مقدّمة وخمسة موضوعات وخاتمة وتوصيات. والموضوعات هي:

- الملك عبد العزيز النشأة والإنجاز.

- تصنيف الرسائل وسماتها العامَّة.

- نص الرسائل المراد تحليلها.

- التوجيهات التربوية التي حوتها رسائل الملك عبد العزيز المربي وثمارها.

- الخصائص التربوية لرسائل الملك عبد العزيز.

وجاءت توصيات البحث تحثّ الباحثين والدارسين بالاهتمام بالأفكار التربوية في رسائل وخطابات ملوك آل سعود حفظهم الله ورحم ميتهم.

مقدمة

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

ص: 254

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} (1) .

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً} (2) .

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً. يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً} (3) .

أما بعد:

فإن العالم الإسلامي قد مرّ بمرحلة عصيبة، فشا فيها بين المسلمين من ظلمات الشرك والخرافات والبدع ما الله به عليم، لا سيما في نهاية الحكم العثماني. ولم تكن جزيرة العرب في تلك الفترة بعيدة عن هذه الحال، لكنّ الله بعنايته ولطفه وتوفيقه أعاد على يد الملك عبد العزيز لهذه الجزيرة الوحدة العقدية والسياسية بعد أن كانت قبائل مشتتة وعمل على تخليص الأمة مما تعلقت به - في بعض مناطق الجزيرة - من البدع والشرك والخرافات بعلم أو بدون علم، فالحمد والمنّ لله أولاً وأخيراً، ثم لمن هيأ الله على يده هذا الفضل.

أهمية الموضوع:

ولقد كان للملك عبد العزيز رحمه الله بعد توحيد الدولة اهتمامات مختلفة يسعى لتحقيقها، وموضوع البحث يتناول جانباً من هذه الاهتمامات وهو الفكر التربوي الذي كان يحمله رحمه الله في جنباته، فالنور يمحو الظلام، والعلم يرفع عن أبناء الأمة الجهل والضلالات، ويرى المرء المستبصر في مكاتبات الملك عبد العزيز - التي وجَّهها لتصحيح العقائد وتوحيد الرِّجال ولَمِّ الشَّمل - منهجاً تربوياً قويماً حكيماً مع بعد النَّظر.

(1) سورة آل عمران، آية 102.

(2)

سورة النساء، آية 1

(3)

سورة الأحزاب، الآيتان 70، 71.

ص: 255

إن لموضوع الفكر التربوي في رسائل الملك عبد العزيز أهمية بالغة. ذلك:

1 -

أن الملك عبد العزيز مؤسس لدولة بعد تفكك، وموحد لأمة بعد تفرق، فقد كانت هذه الأمة مجانبة للحق والصواب في أهم جوانبها لاسيما المتعلقة بالله وتوحيده واتباع سنة نبيه صلى الله عليه وسلم.

2 -

لأن دولته قامت أثناء حروب عالمية، وتحالفات دولية، وتغيرات سياسية. ولأنها ضمت في جنباتها أحب وأقدس بقعتين - عند الله - في العالم، وهما الحرمان الشريفان. ولإحاطة دولته بالمستعمر الغربي القوي في الشمال والشرق والغرب.

كل هذا وغيره كان ينبئ عن حكمة رجل وتوجيه قائد عسكري واجتماعي يستدعيان النظر والتأمل والدراسة لاستخلاص نموذج حي يستفيد منه من وعى وأراد أن يستفيد من المربين والآباء والقادة العسكريين في العالم العربي والإسلامي.

3 -

ومن جوانب الأهمية أيضاً لهذه الدراسة أنها تعين المتبصر ليقف على الحقيقة التي أكدها الإمام محمد بن سعود مع الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمهما الله تعالى - في ربط الدولة بالدين الإسلامي. حتى تم النصر للدولة ليتم لهم موعود الله وهو التمكين في الأرض متى استقاموا على ذلك؛ كما قال تعالى: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ} (1) ، فالأهمية تنبع من هذا الجانب الشرعي الذي كان منطلق الفكر التربوي عند الملك عبد العزيز كما سيأتي.

موضوع البحث:

إن موضوع البحث هو استقراء النصوص التربوية التي كتبها الملك عبد العزيز في بعض رسائله التي تناولت شئون التربية والتعليم، أو تضمنت قضايا تربوية أو تعليمية، مستخلصاً التوجيهات التربوية، ومبرزاً الإيجابيات منها والتي أسهمت في بناء الدولة وحققت آمال الأمة. وبذلك نستطيع التعرف على عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود "الملك المربي".

(1) سورة الحج، آية 41.

ص: 256

هدف البحث:

الهدف من البحث هو إبراز الأفكار والتوجيهات التربوية التي جاءت في بعض رسائل الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود.

حدود البحث:

لقد حدد الباحث لنفسه ست رسائل من كتاب "من وثائق الملك عبد العزيز"من منشورات الحرس الوطني، ورسالة واحدة من كتاب "تاريخ المملكة العربية السعودية في ماضيها وحاضرها"لصلاح الدين المختار، ورسالة واحدة من كتاب "الدرر السنية في الأجوبة النجدية"تحقيق وترتيب عبد الرحمن بن محمد قاسم، ورسالة واحدة من الملف التأسيسي لكل من تأسيس دار الحديث المكية، ودار الحديث المدنية.

منهج البحث:

يرى الباحث أن المنهج المناسب الذي يحقق هدف البحث وموضوعه هو المنهج الوصفي التحليلي، ثم تطبيق أسلوب الاستنباط عبر هذا المنهج؛ كما عمد الباحث -بتوفيق من الله- إلى تصنيف هذه الرسائل ووصفها في ضوء مضامينها، ثم تناولها بالوصف والتحليل لاستنباط جوانب الفكر التربوي فيها، وقام بإحالة الأفكار التربوية وغيرها إلى وجودها في الرسائل وذلك بوضع خط تحتها، كما ربط - ما استطاع - بين الواقع الملموس وبين ما خطه الملك عبد العزيز ظاهراً أو ضمناً في رسائله.

المصطلحات الإجرائية للبحث:

- الفكر: التصور التأصيلي المتكامل - المبني على العقيدة السلفية - الذي سلكه الملك عبد العزيز.

- التربوي: الألفاظ الواردة في الرسائل التي تنم عن التعليم الذي يعنيه الملك عبد العزيز أو التعلم أو الثقافة، أو الدعوة، أو التوجيه بمصلحة عامة في جوانب تربوية.

- الرسائل أوالخطابات: الأوامر أو التوجيهات التي بعث بها الملك عبد العزيز وحدد من خلالها فكره التربوي لمستقبل المملكة العربية السعودية.

خطة البحث:

قسم الباحث البحث إلى مقدمة وخمسة موضوعات، وهي على النحو الآتي:

- الملك عبد العزيز النشأة والإنجازات.

- تصنيف الرسائل وسماتها العامة.

- نص الرسائل المراد تحليلها.

ص: 257

- التوجيهات التربوية التي حوتها رسائل الملك عبد العزيز المربي وثمارها.

- الخصائص التربوية لرسائل الملك عبد العزيز.

- الخاتمة.

- المراجع.

الجهود السابقة:

جهود كثيرة تلك التي تناولت موضوع الملك عبد العزيز، منها ما هو كتاب مفرد مثل:

* الوجيز في سيرة الملك عبد العزيز، للزركلي.

* توحيد المملكة العربية السعودية، لمحمد بن عبد الله السلمان.

* عبد العزيز في التاريخ، لمحمد الحقيل.

* صقر الجزيرة، لأحمد عبد الغفور عطار.

* آل سعود، لأحمد علي.

ومنها ما هو ضمن مؤلفات خص للمؤسس الراحل الملك عبد العزيز مثل:

* عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، لمعالي الشيخ صالح العبود.

* توطين البادية في المملكة العربية السعودية، لأحمد الشامخ.

* المملكة العربية السعودية وتطور مصادرها الطبيعية، لتويتشل (ك -س) .

* بحوث مؤتمر الملك عبد العزيز.

وهناك مؤتمرات علمية تخصصت في الحديث عن الملك عبد العزيز في مختلف جوانبه المشرقة، هذا بالإضافة إلى الأعداد المختلفة من المجلات والصحف المحلية والعالمية.

وتلك الدراسات - في جملتها - كتبت عن جميع الإنجازات التي قام بها الملك عبد العزيز وأبناؤه.

وهناك كتب عديدة غير ما ذكر لم تحظ بالبحث والكتابة المستقلة - حسب علم الباحث.

علماً بأنَّ الباحث قد تناول أدبيات الملك عبد العزيز رحمه الله المنشورة - مع قلتها - وزاد العبء عليه أنَّه لم يُكْتَب فيها، وما كُتِبَ عن التربية والتعليم في عهد الملك عبد العزيز، لم تتطرَّق للتوجيهات والأفكار التربوية في رسائله.

الملك عبد العزيز: النشأة والإنجاز

أولاً) النشأة:

ص: 258

إن نعم الله تبارك وتعالى على خلقه كثيرة لا تُعدّ ولا تحصى، قال تعالى:{وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا} (1) . وهذه النعم الكثيرة منها ما هو ظاهر، ومنها ما هو باطن، وهو ما يؤكده قوله عز من قائل:{وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَة} (2) ، وأيضاً فإن من نعم الله ما هو خاص ببعض خلقه، قال تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ

} الآية، ومنها ما هو عام، قال تعالى:{وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} (3) .

فمن النعم الخاصة التي أولاها الله تبارك وتعالى لعبده عبد العزيز بن عبد الرحمن أن جعله مسلماً مطيعاً لله، على منهج السلف الحق، فهذه نعمة عظيمة، ومِنَّة كان يذكرها الملك عبد العزيز الشاكر لربه في مجالسه، كما ذكر حافظ وهبة حين قال: "أيها الإخوان تعلمون عظم المنة التي مَنَّ الله بها علينا بدين الإسلام

" (4) .

وبعد، فيودّ الباحث أن يطرح هذا السؤال: ما مراحل تكوين الفكر التربوي لدى الملك عبد العزيز؟ إن المراحل التي مرّ بها الملك المربي يحددها الباحث فيما يلي:

(أ) المرحلة الأساس:

(1) سورة إبراهيم، آية 34.

(2)

سورة لقمان، آية 20.

(3)

سورة النحل، آية 53.

(4)

حافظ وهبة، جزيرة العرب في القرن العشرين، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، 1354هـ ص298

ص: 259

كما تقدم من تأكيد الملك عبد العزيز أن الله قد أنعم عليه بنعمة خاصة وهي الهداية للإسلام الحق على منهج السلف الصالح، فإنه -تبارك في علاه- أنعم عليه بنعمة أخرى، وهي أنه من أسرة كريمة ذات دين وخلق وأدب، ترعرع ونما فيها على يد والد إمام عالم بأحوال دينه وتاريخه، ألا وهو الإمام عبد الرحمن بن فيصل -يرحمه الله-، وكما كان لوالده أثر في نشأته، فإن لوالدته أثراً آخر، قال عنها الزركلي:"إنها كان لها فضل في توجيه الملك عبد العزيز...."(1) .

(ب) مراحل الإعداد التعليمي:

تقلّب الملك عبد العزيز في نعم كثيرة من نعم الله عليه، فبعد أن تولت أمره في طفولته الأولى أسرته الكريمة، انتقل إلى تلقي الخبرات العديدة من لدن أهل العلم والدراية في:

1) مدرسة القرآن:

إن هذه المدرسة ما دخلها مسلم حق يريد الهداية إلا وجد ما ينشده، يقول تعالى:{إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ} (2) .

وقد بدأت دراسته للقرآن في وقت مبكر من عمره. وقد قام بتدريسه القرآن -كما تقول المصادر- القاضي المطوع عبد الله الخرجي، ويروى أنه تعلم مبادئ القراءة والكتابة على يديه، وحفظ سوراً من القرآن، ثم قرأه كاملاً على الشيخ محمد بن مصيبيح، ويروي فؤاد حمزة أنه ختم القرآن في عامه الحادي عشر.

ولم يترك مدرسة القرآن طوال حياته، بل ظلَّ طول عمره ينهل من الكتاب الكريم الحكمة والإلهام يتدارسه، ويدرسه، ويسمع تفسيره، ويقوم بجهده في التفسير. فمن المعروف عنه أنه كان يخصص وقتاً محدداً لقراءة القرآن في كل يوم.

2) مدرسة العلوم الشرعية:

(1) خير الدين الزركلي، شبه الجزيرة في عهد الملك عبد العزيز، دار العلم للملايين، بيروت، 1397هـ 1/61.

(2)

سورة الإسراء، آية 9.

ص: 260

وتلك مدرسة أخرى تخالف في طبيعتها وجوهرها مدارسه الأولى بما فيها من قسوة وضراوة، وترتبط ارتباطاً تاريخياً وثيقاً بمدرسة التراث التي تلقى فيها دروس أبيه وتاريخ أسرته، هذه المدرسة هي مدرسة العلوم الشرعية على أيدي علماء من آل الشيخ الذين ارتبط تاريخهم بتاريخ أسرة الملك عبد العزيز منذ بيعة الدرعية التاريخية. لقد تلقى في هذه المدرسة علوم الدين عن أهلها، ودرس فيها التوحيد والجهاد تحت رايته، وعلّمته معنى الدولة وطرق تحقيقها وتنفيذها، لقد كانت مدرسة جعلت منه زعيماً عربياً إسلامياً فريداً في التاريخ الحديث.

وإذا كان تاريخ هذه المدرسة قد ارتبط بتاريخ أسرته منذ الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب، فإن علماء آل الشيخ ظلوا بعلمهم وبما أقاموه في منازلهم وفي جوامعهم أو مساجدهم من دور للتدريس تحت رعاية آل سعود وحمايتهم، مدرسين كراماً لأبناء العائلة السعودية وأبناء أمتهم على السواء.

ومنذ طفولة الملك عبد العزيز وضعه أبوه تحت رعاية الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف الذي أعدّ كراسة صغيرة خصيصاً للأمير الطفل لتعليمه أصول الفقه والتوحيد.

3) مدرسة التاريخ:

يذكر أمين الريحاني أن الملك عبد العزيز كان عارفاً بالمصادر الأساسية لتاريخ أسرته، وخاصة كتابي روضة الأفكار لحسين بن غنام، وعلو المجد في تاريخ نجد لعثمان بن عبد الله بن بشر بعد طباعتهما. فقد أرسلهما للمؤرخ أمين الريحاني لاطلاعه وعلمه بتاريخ الأسرة السعودية وتاريخ نجد وتاريخ الدعوة السلفية. كما أنه اهتم بأن يكلف المؤرخ الشيخ إبراهيم بن صالح بن عيسى أن يضع كتابه عقد الدرر فيما وقع في نجد من الحوادث في آخر القرن الثالث عشر وأول القرن الرابع عشر. وبذلك يمكن القول: إنَّ الفضل في ظهور هذه المصادر الأساسية الثلاثة عن تاريخ نجد إنما يرجع إلى الله، ثم للملك عبد العزيز.

(جـ) مراحل الإعداد العملي:

1) مدرسة الدهناء:

ص: 261

في صورة أدبية أخاذة يصور لنا الزركلي بداية دخول الملك عبد العزيز لتلك المدرسة القاسية التي استمد منها الكثير من قوته، ومارس فيها الكثير من انتصاراته:"في النصف الأخير من رمضان 1308هـ (1891م) كانت قافلة عليها مظاهر النعمة والقوة، تضرب في الصحراء. خرجت مشرقة من الرياض في ميل قليل إلى الشمال، وعلى بعير منها فتى في الخامسة عشرة من عمره عليه "صمادة"بيضاء مطرزة، لف بكساء أشبه بالخرج، وهو يسأل: في أي أرض نحن؟ ويجاب: نحن في الدهناء يا عبد العزيز"(1) .

وهكذا بدأت تجربة الشاب مع تلك المدرسة التي وجد نفسه فيها مع عائلته يتحمل مسئوليات الغزو، ويدخل في المفاوضات، ويقوم بالسفارات، ويألف خشونة العيش، ويختبر تقلبات الزمن وطباع الناس.."وفيما بين هذا اليوم من عام 1308هـ، وليلة 5 شوال 1319هـ وهي ليلة فتح الرياض كان الشاب يتعلم من مدرستين معاً، مدرسة الدهناء، ومدرسة الصراع الدولي في دولة الكويت

وفي المدرسة الأولى عرف مسالك الصحراء ومجاهلها ومتاهاتها ومواقع الماء وما يصلح للمأوى، وازداد خبرة بنفوس القبائل وفهماً لرغباتها وميولها"، وأصبح خبيراً بلهجاتها وأنسابها قادراً على أن يسوسها وأن يوحدها

لقد كانت مدرسة الصحراء مدرسة كبيرة للملك عبد العزيز ظل يواصل الدراسة فيها طوال حياته، فقد كان دائماً يحيط نفسه في رحلاته وغزواته بالخبراء الأدلاء العارفين بالصحراء". كما كان تعليمه الذي تلقاه في هذه المدرسة أساساً لحركاته الإصلاحية ولتكوين جيشه المجاهد. وظل يرعى البادية والبدو طوال حياته وكانت"شعبة البادية وداخلية نجد، من شعب بلاطه الملكي الهامة ".

2) مدرسة الواقع والصراع الدولي:

(1) خير الدين الزركلي، شبه الجزيرة العربية في عهد الملك عبد العزيز ص57 مرجع سابق.

ص: 262

أمضى الملك عبد العزيز حوالي عشر سنوات في الكويت، وكان قد وصلها وهو في الثانية عشرة من عمره". ويرى أكثر من كتبوا عن عبد العزيز أن الكويت كانت مدرسته التي تلقى فيها فن السياسة العملية، وأن أيام الشيخ مبارك المليئة بالمناورات والمحاورات كانت تنطبع مقدماتها ونتائجها في ذهن عبد العزيز، وقد اشترك في بعضها حين أنس فيه مبارك صفات الألمعي اللبق فقربه منه وفسح له المجال لحضور مجالسه والاستماع إلى أحاديثه مع ممثلي الحكومات الإنكليزية والروسية والألمانية والتركية".

"كانت ألمانيا تسعى بساستها ورجالها إلى مدّ السكة الحديدية من الآستانة إلى الخليج، وتطمع في الحصول على الامتياز من حكومة الباب العالي، وكانت روسيا تحاول أن تجعل الكويت محطة من محطات الفحم وأن تحصل بدورها على امتياز مد سكة حديدية بين البحر الأسود والخليج. أما إنجلترا فكانت تخشى على نفوذها في الهند وممتلكاتها في الشرق من المزاحمة الألمانية".

هذه الألوان من الصراع الداخلي والدولي، علّمت عبد العزيز الكثير مما مكنه فيما بعد من استعادة ملك آبائه، ومن التعامل مع الإنجليز والحفاظ على حياده واستقلاله وحماية بلاده من ألوان الحماية التي فرضتها بريطانيا فعلاً على دول الخليج العربية، ودبلوماسية عبد العزيز واتفاقياته الدولية، وما بذله من تفاوض وتحليل للألفاظ والبنود تدل كلها على أن الملك قد أحسن الاستفادة من دروس الشباب في مدرسة الواقع والصراع الدولي.

3) مدرسة المشورة:

ص: 263

لقد كان للملك عبد العزيز مدرسة أخرى لإدارة شئون الدنيا والحكم، ولا شك في أن الملك عبد العزيز لم ينفرد بين الملوك وأبطال التاريخ بوجود حاشية من المستشارين حوله، ولكن المؤسسة التي صنعها حوله كانت مدرسة فريدة في ولائها له وعلاقتها به، وفي تنوع خبراتها وأهمية رجالاتها. لقد انتقى هو بنفسه رجالاته فرداً فرداً، وكان لكل منهم قصة مثيرة عن هذا اللقاء الأول. وكان كثيراً ما يسعى هو إليهم بالكتابة أو اللقاء المباشر، معتمداً على ما كان يستطيع أن يخلفه من انجذاب مباشر وولاء لشخصه. والخطاب الذي وجهه لحافظ وهبة خطاب آسر يحرص على استقدام الرجل وتعبيره الواضح الصريح "أنا في حاجة إلى رجال عمل".

وقد روي عنه أنه قال: "أريد رجالاً يعملون بصدق وعلم وإخلاص حتى إذا أشكل عليَّ أمر من الأمور رجعت إليهم في حله وعملت بمشورتهم فتكون ذمتي سالمة والمسؤولية عليهم، وأريد الصراحة في القول"(1) .

وليس هنا بالطبع مجال تحديد مساهمات كل واحد منهم، وقد بلغوا في حصر الزركلي ثمانية وعشرين مستشاراً، وقد قام بترتيب أسمائهم هجائياً عبد الله أبو راس، وبدر الدين الديب في كتاب: الملك عبد العزيز والتعليم.

وقد تميزت هذه المشورة بميزة، وهي أن الملك عبد العزيز "هو الحاكم العربي الوحيد الذي أحاط به مستشارون من معظم الجنسيات العربية، وكان ديوانه أول وآخر مجلس حكم منذ الدولة العباسي، وجد فيه المصري والسوري واللبناني والليبي والعراقي والفلسطيني إلى جانب السعودي"(2) .

4) مدرسة السياسة التطبيقية:

(1) محمد جلال كشك، السعوديون والحل الإسلامي، شركة مودري جيرافيك، لندن، 1401هـ ص24-25.

(2)

محمد بن عبد الله المانع، توحيد المملكة العربية السعودية ص255-256 مرجع سابق.

ص: 264

استقى الملك عبد العزيز رحمه الله ونهل السياسة التطبيقية من هذه المدرسة حين كان في مطلع شبابه كما ذكر سابقاً معايشاً لحاكم الكويت الشيخ مبارك بن عبد الله الصباح الذي جعل بدهائه السياسي الصراع الدولي في الكويت لمصلحته السياسية، وكان لتقريب الشيخ مبارك الصباح للملك عبد العزيز أثر بارز جعله يستفيد من المخططات الاستعمارية التي كادت أن تهيمن على شبه الجزيرة العربية لموقعها الاستراتيجي، فتعلم الملك عبد العزيز من مثل هذه الأحداث الواقعية الدرس الذي جعل منه قائداً وسياسياً محنكاً.

بفضل الله أولاً وأخيراً، دفعته هذه العوامل لإعادة ملك آبائه وأجداده في منطقة الرياض، ثم التوحيد السياسي لهذه الدولة الإسلامية الأم.

(د) نموذج من إصراره على طلب العلم:

لقد كان من الدلائل على حرص الملك عبد العزيز وجلده ما كان عليه من إصرار في طلب العلم، ويكفي أن نذكر وصفاً لدرس من دروسه، حيث "كانت الطريقة في هذا الدرس اليومي أن يجلس القارئ وهو موظف رسمي من رجال العلم معني بهذا الشأن في أقصى مقعد من يسار الملك وأمامه مصباح كهربائي، يدير زره فيضيء ويفتح كتاباً فيقرأ منه فصلاً بعد الفصل الذي قرأه في الدرس السابق، ثم يطبقه ويُقرؤه فصلاً آخر من كتاب آخر. والعادة أن يبدأ بتفسير القرآن، ويثني بالتاريخ، ولا تزيد المدة عن نصف ساعة. وبعد أن يفرغ القارئ من القراءة ينصرف بهدوء دون أن يشرح أو يزيد شيئاً على تلاوة المتن"(1) .

(1) خير الدين الزركلي، شبه الجزيرة العربية في عهد الملك عبد العزيز ص519 مرجع سابق.

ص: 265

لقد تخرج الملك عبد العزيز من هذه المدارس العلمية والعملية، وتلقى منها تعليمه المتعدد الجوانب المتكامل الموضوعات على يد مجموعة من الخبراء المختصين في موضوعاتهم، وقد تخرج في هذه المدارس جميعاً وفقاً لظروف حياته ومقتضيات جهاده، مكتمل المعرفة والشخصية يبهر المتحدث إليه ومناقشه بمدى ما لديه من معلومات ومدى دقتها وملاءمتها لموضوع الحديث الذي يعرض له.

وما أحسن ما قاله العقبي: "ليس في مقدورنا أن نلم في هذه السطور القليلة والتي هي عبارة عن نبذة موجزة لعبد العزيز آل سعود الملك القائد المؤسس، والزعيم العبقري الكبير بكل مجريات تاريخ حياته، فهي تاريخ طويل لبناء دولة وتأسيس مملكة، جزءاً بعد جزء، وكان عامل بناء يجمع الرمل والمؤونة، ويشيد منها بنياناً قائماً شامخاً ".

بعد أن تناولنا المراحل والمؤثرات التي جعلت عبد العزيز - بفضل الله - ملكاً مرسخاً للعقيدة، ومؤسساً لدولة الإسلام التي دافعت وحافظت - ولا زالت ولله الحمد - على أهم مقدسات المسلمين: الحرمين الشريفين، يجدر بنا بعد ذلك أن نوجز بعضاً من إنجازاته العملاقة.

ثانياً) بعض إنجازاته:

بعد توحيد البلاد وانتشار الأمن والأمان والاستقرار في أركان الدولة وجنباتها، وبالنظر إلى الاحتياجات الضرورية لسكان الجزيرة العربية، جاءت مرحلة التخطيط والإنتاج، فسخّر الملك عبد العزيز نفسه لتحقيق طموحات حضارية عظيمة القدر بعيدة المنال - إلَاّ على مَنْ كان مثله - ليرقى بدولته وشعبه عالياً إلى المستوى المادي المحسوس مثلما رقى بها إلى المستوى الروحي الشرعي الملموس، ليجعلها في مصاف العالم المتحضر، وببصيرة القائد المحنك أدرك عبد العزيز ضرورة إقامة عدد غير يسير من المرافق والأجهزة الحكومية لتنظيم المسيرة، وتحقيق الإنجاز. وكان مما عني به -يرحمه الله-:

ص: 266

التعليم، والاتصالات، والمواصلات، والزراعة، والأمن، والدفاع، والصحة، وتخطيط المدن، والصناعات، والحج، والإعلام، وشئون الحرمين الشريفين، ورعاية الشباب، والخارجية، والقضاء، والبترول. وغير ذلك مِمَّا ننعم به.

تصنيف الرسائل وسماتها العامة

أولاً) التصنيف:

لقد قام الباحث بتصنيف الرسائل التي وقف عليها والتي زادت في مجموعها عن (195) وثيقة في المصادر التي ذُكِرَتْ في حدود البحث. ولقد صنَّفها الباحث بعد تفحصها حسب موضوعاتها التي اشتملت عليها أو وظائفها التي عملت من أجلها في عشرة بنود على النحو التالي:

1 -

ستون وثيقة (رسائل في إدارة المناطق والتنظيم العام للدولة) .

2 -

أربع عشرة وثيقة في (رفع الظلم وتثبيت العدل والحقوق العامة) .

3 -

تسع وثلاثون وثيقة في (المهام العسكرية والتسلح) .

4 -

ثماني عشرة وثيقة في (الدعوة والجهاد) .

5 -

ثماني عشرة وثيقة في (الهبات والمواساة) .

6 -

عشرون وثيقة في (المعاملات الإنسانية) .

7 -

سبع وثائق في (السياسة الخارجية) .

8 -

سبع وثائق في (الأخبار العامة واللوازم المختلفة) .

9 -

ثلاث وثائق في (الخصوصيات) .

10-

عشر وثائق في (التعليم والثقافة) .

وهذه الأخيرة هي التي عُني بها الباحث في بحثه والتي قام بوصفها وتبويبها وتحليلها واستنباط ما فيها من أفكار تربوية، وربطها بالواقع المشرق المشرف.

هذا من ناحية تصنيف الرسائل، أما عن الجانب الوصفي للرسائل وسماتها العامة التي وردت في كتاب (من وثائق الملك عبد العزيز)، فهي كما يلي:

ثانياً) السمات العامة:

ص: 267

إن كل عصر يتميز بخصائص متعددة الجوانب للكتابة، سواء من حيث الألفاظ، أو اختيار العبارات، أو المعاني، وقد تميز عهد الملك عبد العزيز يرحمه الله بعدد من المميزات النوعية. فقد كان الخط الذي كثر استخدامه هو خط الرقعة، وأيضاً خط النسخ، كما استخدم الخط الديواني بندرة في بعض الأحايين. مستبعداً الأخطاء الإملائية التركيبية في الصياغات اللغوية، أو الأغلاط الإملائية في التحريرات الكتابية، ولعل من أهم أسباب ذلك في تلك الفترة القصيرة قلة الكتبة الحاذقين في عهد الملك عبد العزيز، وانحسار مدارس تعليم الكتابة في أماكن محدودة من البلاد، واعتماد الكتاب على تقليد من سبقوهم من الكتاب دون أساس علمي سليم في مهارات الكتابة.

وكان لعدم الاستقرار في المراحل الأولى لتكوين الدولة دورٌ في عدم نضوج الاتجاه الثقافي، مما أثر على نوعية الكتابة في ذلك العصر حيث كان الأمر يتطلب أن تكون المراسلات بلغة مفهومة للعامة. وقد أحال الباحثُ إلى رقم الرسالة التي تحدد سمات الأسلوب الذي كان يستعمله الملك عبد العزيز.

وغلب على هذه اللغة الألفاظ العامية من منطقة نجد (انظر الرسالة الأولى والرابعة) ؛ لأن معظم الكَتبة من تلك المنطقة. وبعد أن ضمت الحجاز إلى الدولة حدث اختلاف في أسلوب الكتابة. إضافة إلى دخول بعض التعبيرات التركية بحكم التوارث الاجتماعي؛ وبعض الألفاظ الفارسية خاصة في تسمية بعض الأدوات وغيرها. واشتملت معظم المراسلات على ألفاظ دينية تكررت أكثر من مرّة.

واتسمت الكتابة في تلك الفترة باستخدام كلمات متماثلة اللفظ مختلفة المعاني حسب موقعها من الجمل، ككلمة "الشرهة"، التي تعني في التوجيهات المالية "صرف مبلغ من المال"، وفي التوجيهات الإدارية تعني "العتب". وغير ذلك من الكلمات.

ص: 268

لقد علم الملك عبد العزيز عند بدء نشأة الدولة أن هذا هو الواقع الملموس، وأدرك مخاطره السلبية، فدفعه ذلك حثيثاً للشروع المباشر في عملية تطوير التعليم وبث الوعي العلمي كخطوة أولى نحو أي تقدم أو ازدهار. وبتفحص الصياغات اللغوية والعبارات الواردة في رسائل الملك عبد العزيز يمكن استخلاص بعض السمات العامة التي تعكس تأثيرات تلك المرحلة في تاريخ قيام الحكم السعودي. وأهم ذلك ما يلي:

1 -

تأثر اللغة بالموقف:

لقد كان للموقف الذي كتبت فيه الرسائل أثره في اختلاف المراسلات من حيث حروفها أوتعبيراتها، فما يكتب في البر يختلف في أسلوبه عما يكتب في المدينة. وما يكتب لأمر سريع في إقامته يختلف عن الكتابة في أثناء الترحال. ويلاحظ ذلك في البرقيات كثيراً، حيث تسقط بعض الحروف أو الكلمات أو تكون غير واضحة.

2 -

رسم الكلمات:

اتسمت المراسلات في عصر الملك عبد العزيز بظهور رسوم خاصة في بعض الكلمات، فمثلاً نلاحظ سقوط الهمزات والنقط في كثير من الكلمات مثل كلمة "إلى"و "الأفخم"و "الأخ"، وكلمة "المملكة العربية السعودية"، وحرف الجر "في"ترسم دون نقط (انظر الرسالة الثانية) .

كما لوحظ أن بعض الكلمات رسمت بصورة مختصرة، مثل كلمة:"ذا"نجدها تكتب "ها"(انظر الرسالة الثانية)، وكلمة:"إن شاء الله"نجد أنها ترد "إنشاء الله"(انظر الرسالة الثانية) .

وبعض الكلمات ترد بزيادة الألف مثل كلمة: "ذلك"، نجدها ترسم هكذا "ذالك"(انظر الرسالة الخامسة) .

أما الألف بعد واو الجماعة، فيندر أن تكتب؛ وذلك لعدم اهتمام الكتّاب بمراعاة قواعد النحو في ذلك.

3 -

التباين في المراسلات:

ص: 269

ولقد اتسمت رسائل الملك عبد العزيز، بالتباين اللفظي والنوعي، حيث كانت المراسلات تخضع لطبيعة المنطقة التي ترسل إليها (انظر الرسالة السادسة) ، فكل منطقة يتم الإرسال لها بحسب اللهجة السائدة فيها (انظر الرسالة الثالثة) ، كما أن الرسالة تختلف في طبيعة ألفاظها ومعانيها وتعبيراتها بحسب الشخص المرسل إليه (انظر الرسالة الرابعة) ؛ حيث يعتمد ذلك على القدرة اللغوية للشخص المرسل إليه، أو استيعابه. وأيضاً تختلف قوة الرسالة في توجيهها من أمر لآخر؛ فصياغة الإعلان تختلف عن المراسلات المالية، وكذا صياغة الأخبار العسكرية أو التحركات. كما أن الرسائل تختلف كمّاً من حيث الجملة حسب الأمر الذي كتبت له الرسالة؛ فالإيضاح يستلزم التفسير، والسريّة تستلزم اختصاراً أو كلاماً محدداً، والمراسلات المالية تستلزم تحديداً مالياً تكون المبالغ فيه محددة كتابةً وبعضها رقماً، إلى غير ذلك.

4 -

الأغلاط النحوية:

يلاحظ في كثيرٍ من المراسلات التي تمَّت في تلك الفترة الزمنية كثرة الأغلاط النحوية التي ترد في عبارات الرسالة، وذلك بسبب الظروف الخاصة بكتبة الديوان، كالظروف المادية، أو ما يتعلق بالعمل الذي يقومون به وكبر حجمه، مما لم يعطهم فرصة للاهتمام بقواعد النحو. وربما كان من الأسباب -أيضاً- اعتماد الديوان الملكي على عدد من الكتبة ذوي مميزات وصفات شخصية معينة تؤهلهم للقيام بمهمة الكتابة، ولا سيما في الأعمال السرية.

كما لوحظ تضمين المراسلات لكلمات عامية، وذلك تمشياً مع ثقافة المرسل إليهم وقدراتهم اللغوية، فقد كان الهدف أن تكون الرسالة مفهومة فهماً تاماً وسريعاً لمن ترسل إليه.

5 -

التكرارات اللفظية:

اتسم كثير من الوثائق بتكرار العديد من الكلمات. وتعدّ هذه إحدى مميزات كتابة الرسائل في ذلك الوقت، ومن هذه الكلمات التي تكررت في أكثر من رسالة:

ص: 270

"ظهر لنا - معلوم مخصوصاً - إنشاء الله - لا تذخر - من طرف - سلمه الله تعالى آمين - الخط المكرم وصل - جناب الأخ الأفخم - جناب الأخ المكرم - وما ذكرتم كان معلوم - يكون معلوم - وبالله ثم بكم - تسنعهم - يكون معلوم والسلام - ودمتم - ودمتم محروسين - تحرصون - هذا ما لزم - هذا ما لزم تعريفه والسلام- من عندنا العيال يسلمون - إبلاغ العيال السلام - يكون معلوم والسلام - إبلاغ السلام العيال".

إن إيراد بعض المدلولات العامية التي اشتملت عليها بعض الوثائق يدل على أهمية هذه الوثيقة أو صفتها. وتوضيحها يلقي الضوء على أهمية تلك الكلمات التي ارتبط تعريفها بالمدلولات الاقتصادية أو السياسية أو الإدارية أو الاجتماعية.

أما من حيث صفة الصياغة، فقد تضمنت الرسائل صيغاً منها:

1 -

التوجيه:

ربما تتضمن المراسلات توجيهات عامة وأخرى خاصة، مباشرة أو غير مباشرة، وقد تكون هذه التوجيهات: إما تعليمات إدارية، أو سياسية، أو عسكرية، أو اجتماعية، ويتم الاستمرار في التوجيه إلى أن يصدر ما يعدّله، فيأخذ شكل نظام دائم، وربما تضمنت بعض المراسلات أكثر من توجيه لأكثر من شخص، وقد تلحق -أحياناً- في ذيل الرسالة بعد التوقيع توجيهات إلحاقية، وربما جعلت في أعلى الرسالة، لا سيما إذا كانت الورقة لا تكفي لكتابة كافة التعليمات، وذلك للمحافظة على الوحدة الموضوعية لنص الرسالة، وقد يكون الإلحاق لأمور أخرى، أو تأكيد لتوجيه تمت الإشارة إليه في صلب الرسالة، وأغلب هذه التوجيهات تكون بخصوص تعيين الأمراء والموظفين.

2 -

التعميد:

تتضمن بعض التوجيهات تعميدات مباشرة في صلب الرسالة، ومما تميزت به تعميدات الملك عبد العزيز رحمه الله الحرص على إيجاد التوازن في الألفاظ وعدم القسوة في التعليمات حتى تلقى قبولاً لدى من توجه إليه، لذلك فإن كلمة "تعميد" لا تمر كثيراً في المراسلات؛ حرصاً منه على مرونة التعامل التي تقتضي ألا يتم إيراد هذه الكلمة كثيراً.

ص: 271

3 -

الأمر:

وكما سبق إيضاحه بشأن التعميدات، كان الشأن في الأوامر التي تضمنتها رسائل الملك عبد العزيز حيث كانت لا تتضمن الأمر المباشر، إنما استخدمت فيها ألفاظ فيها نوع من الحكمة، ليتم قبول الأمر بروح عالية تتلازم مع مقتضيات التنفيذ، وبعد أن تم تنظيم المراسلات بالديوان الملكي أصدرت أوامر هي في الغالب تخص الأنظمة والتعليمات العامة، ونادرة هي تلك الرسائل التي وردت بها كلمة "أمر" إلا أن يرد توجيه يتم إنهاؤه بتحذير من مخالفة ذلك الأمر، وتعد التوجيهات والتعميدات أوامر ملكية.

4 -

التعميم:

تنوعت التعميمات التي يصدرها الملك عبد العزيز، هي ما بين عامة وخاصة، وقد تكون موجهة إلى كافة المواطنين، أو إلى أهل منطقة معينة لقضية معينة. فالتعميم يكون إما مباشراً إلى أهالي تلك المنطقة، أو إلى كافة الرعايا، أو عن طريق الأمير أو المكلف لإبلاغ العموم به.

وتتضمن التعميمات عادةً أموراً وتعليمات إدارية، إما بشكل نظام يتم الاستمرار فيه إلى أن يتم تعديله أو إلغاؤه، أو بشكل تعليمات لحالة خاصة، وهذه الثانية تلغى تلقائياً عند إنهاء المشكلة أو الموضوع الذي قام بشأنه ذلك التعميم، ومما تميزت به التعميمات العامة أو الخاصة: الدعوة إلى التمسك بالإسلام والتحذير من المعاصي، كما تتضمن -أيضاً- إيضاحاً لوجهة نظر الدولة حول القضية التي صدر التعميم لأجلها.

وقد تتضمن التعميمات تعليمات إدارية خاصة بصرف مالي، أو تطبيق أنظمة جديدة، أو تعيينات، أو إقالة.

والتعميمات العامة أو الخاصة يكون توجيهها في الغالب إلى من يراه الملك من طوارفه أو إلى من يراه من البلد الفلاني، أو لمجموعة معينة من الناس، أو إلى من يراه من رعاياه، وبعض التعميمات العامة أو الخاصة تكون مختومة بالتاريخ فقط دون التوقيع، أو دون التاريخ والتوقيع، أو التوقيع دون التاريخ حسب نوعية التعميم أو غرضه وهدفه، أو من وُجِّهت إليه.

5 -

الإعلان:

ص: 272

تصدر بعض الإعلانات وتكون موجهة لعموم الرعية؛ للإخبار عن موضوع معين في منطقة مَّا، أو لأمر معين تم التعديل فيه أو استحداثه؛ وذلك ليضمن وصوله إلى كافة الرعية، وهذه الإعلانات تتلى في أماكن تجمع الناس، ويكون الهدف منها زيادة ولاء الرعية أو تنبيههم لأمر كي يأخذوا حذرهم منه، أو إبلاغ العموم بما استجد من أمور. وهذه الإعلانات قد تكون مطبوعة أو منسوخة بخط اليد.

6 -

القرار:

يصدر الديوان أو الملك عبد العزيز بعض القرارات المطبوعة أو المكتوبة باليد، تشتمل بعضها على بنود رقمية أو كتابية؛ كإحداث وزارة، أو قرار تعيين، أو إقرار نظام معين، وقد اتصفت القرارات بالوضوح وقوة الصياغة والترتيب، ولوحظ اختلاف الورق الذي صدرت عليه هذه القرارات؛ فتارة يكون على الورق الرسمي لسلطنة نجد وملحقاتها، وتارة مملكة نجد والحجاز وملحقاتها، وأخرى المملكة العربية السعودية، وفق مراحل نشأة الدولة.

هذه هي أهم السمات التي اتصفت بها رسائل الملك عبد العزيز التي استخلصها الباحث بتصرف من كتاب "من وثائق الملك عبد العزيز"إصدارات رئاسة الحرس الوطني، الرياض، 1410هـ، إصدارات المهرجان الوطني للتراث والثقافة.

نصّ الرسائل المراد تحليلها

تحت هذا الموضوع يورد الباحث نصوص الرسائل المختارة ذات العلاقة بالنواحي التعليمية التي أرسلها جلالة الملك عبد العزيز آل سعود حسب المناسبة والتاريخ الزمني.

الرسالة الأولى:

بسم الله الرحمن الرحيم

ص: 273

من عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل إلى جناب المكرم عبد الله بن محمد بن ناصر سلّمه الله تعالى وأبقاه آمين سلام عليكم ورحمة الله وبركاته على الدوام مع السئوال عن أحوالكم لا زلتم بخير وسرور أحوالنا بحمد الله جميلة والخط المكرم وصل وما عرفت كان معلوم مخصوصاً من طرف (1) الكتب فلا بعد جانا (2) شي فإذا جا (3) شي انشا الله سنعنا لكم مطلوبكم هذا ما لزم تعريفه مع بلاغ السلام للإخوان ومن عندنا الإمام الوالد والعيال يسلمون ودمتم محروسين 26 ذ1/1339

من:

عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل.

إلى:

عبد الله بن محمد بن ناصر.

النوع: رسالة مكتوبة باليد.

المضمون: إفادة عن استفسار بشأن طلب كتب.

الصفة: ختم عبد العزيز

... البسلمة: ناقصة.

التاريخ: 26/11/1339هـ.

الرسالة الثانية:

بسم الله الرحمن الرحيم

من عبد العزيز بن عبد الرحمن ال فيصل

إلى جناب المكرم ابراهيم النشمي

...

سلمه الله تعالى

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

(1) من طرف: بخصوص.

(2)

جانا: جاءنا.

(3)

جا: جاء.

ص: 274

بعد ذلك واصلكم فلبي معمدينه لاشغال لنا خارطه وغيرها ويحب الاطلاع على انحا نجران من ضلع وسهل ومحلات آثار وجميع ما يطلب منكم تمشونه له انشا الله والذي ما يعرفه تدلونه عليها انشأ (1) الله وسنعوا له رجال طيبين يدلونه في طرفكم وفى تثليث وغيره وما طلب وصوله منكم تساعدونه فيه حتى اذا صار عندكم سياره والشيء تاصله السيارة اركبوه فيها المقصود مسئله حطها على بالك فلبي معمده يكتب لي كتابه عن الاثار وعن هالبلد (2) وانا معتمد على الله ثم عليه واذا قصر شيء ما عرفتوه به او الدليله الذي معه ما يعرف الاثار ولا يدل واخليتوا بشي فأنتم مخلين بي وانتم المسؤلين عن ها (3) المسئله ترا (4) عمل فلبى هذا ماله فيه مدخال حبه خردل كله لي ونقصه علي يكون عندك معلوم وانت تعرف الاشارة ولا وراك احسوفه انشا الله وهو يراجعك في ما يلزم وانت احرص على اخذ خاطره وتسهيل طريقه وما احتاج اسنعوه له بلا تردد ولا توقف انشا الله (5) . هذا ما لزم تعريفه 27/ص/1355

من: عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل

... إلى: إبراهيم النشمي

النوع: رسالة مكتوبة باليد

المضمون: توجيهات خاصة بزيارة فلبي إلى نجران.

الصفة: ختم عبد العزيز.

...

التاريخ: 27/5/1355هـ

الرسالة الثالثة:

بسم الله الرحمن الرحيم

في 23 محرم سنة 1347هـ

نحن عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل السعود.

بناء على كثرة الشكاوى التي تقدمت الينا من الحجاج ضد المطوفين سواء منها ما يتعلق بتقصيرهم في الواجبات الملقاة عليهم ازاء الحجاج او ما يتعلق بتقصيرهم في اداء المناسك وتجاوزهم الحد المشروع أمرنا بما هو آت،،

المادة الأولى - تؤسس في مكة مدرسة للمطوفين يتلقى فيها المطوفون ونوابهم ما يأتي:

أولاً: علم التوحيد

ثانياً: القسم الخاص بالعبادات

(1) انشأ الله: إن شاء الله.

(2)

هالبلد: هذا البلد.

(3)

هالمسئلة: هذه الأمر أو المهمة.

(4)

ترا: إن.

(5)

انشا الله: إن شاء الله.

ص: 275

.. ثالثاً: القسم الخاص بالمناسك وادائها حسب ما دونه علماء السلف والأئمة الأربعة رضوان الله عليهم

رابعاً: ما يجب على المطوفين لحجاج بيت الله الحرام من حسن الوفادة وتسهيل وسائل الراحة.

خامساً: النظامات الإدارية الموضوعة للحجاج.

المادة الثانية - مدة الدراسة في المدرسة المذكورة سنة واحدة ويجرى الفحص في نهاية السنة الدراسية وتعطى الشهادات للناجحين.

المادة الثالثة - اعتباراً من سنة1348 لا يجوز لغير حاملي شهادة المدرسة المذكورة الاشتغال بمهنة التطويف.

المادة الرابعة - على نائبنا تنفيذ أمرنا هذا.

... صدر بالطائف بتاريخ 23 محرم 1347 هـ.

من:

عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل

إلى:

نائب الملك في مكة

النوع: أمر مطبوع.

المضمون: إنشاء مدرسة المطوفين ونظامها ومواد التدريس فيها.

الصفة: ختم عبد العزيز على الورق الرسمي المملكة الحجازية والنجدية وملحقاتها

... ديوان جلالة الملك

... البسملة: مطبوعة

التاريخ: 23/1/1347هـ

الرسالة الرابعة:

بسم الله الرحمن الرحيم

من عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل

إلى جناب الأخ المكرم الشيخ عثمان بن بشر

... سلمة الله تعالى آمين

على الدوام الخط المكرم وصل وماعرفت كان معلوماً مخصوصاً ما أشرت إليه من طرف الكتب فهذا يصلك مع حلو بن نهير نسخه من تفسير ابن كثير من الخامسه وما فوقه ونسخه من المغني من الرابع وما فوقه والجلد الاول من مجموع الرسايل ونسخه من الصواعق ونسخه من شرح الطحاوية ونسخه من كتاب السنه ومايت (1) اريال (2) الجميع انشاء الله تقبضونه كذلك.

ياصلكم من طيه عادتكم مع العمال هذا ما لزم تعريفه مع ابلاغ السلام العيال من عندنا العيال يسلمون.

والسلام 22/ذي/1350

من:

عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل

إلى:

عثمان بن بشر

النوع: خطاب مكتوب باليد

(1) مايت: مائة.

(2)

اريال: ريال.

ص: 276

المضمون: الرد على استفسار والأمر بصرف حقوق وإرفاق عدد من الكتب

الصفة: ختم الملك عبد العزيز

التاريخ: 22/11/1350هـ.

الرسالة الخامسة:

بسم الله الرحمن الرحيم

من عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل

إلى

جناب المكرم الشيخ عبد الرحمن بن عودان

... سلمه الله تعالى

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

بعد ذالك اعتمدنا على الله انشاء الله أننا نفتح مدرسة بالطايف لاجل العلوم النافعة الذي لا بد يشرحها لكم الابن فيصل فا انتم انشاء الله تعتمدون ذلك وتنتخبون من المدارس الرجال الطيبين او من الاهالي الذي ما دخلوا المدارس الذي عمارهم من خمسة عشر سنة الى خمسة وعشرين سنة الذي فيه نفع انشاء الله للدين والدنيا لاجل اني اعرف الناس ايدور الرجال الولد الخبل (1) - من عياله الذي ما فيه نفع واما الذي فيه نفع يخليه لتجارته ولكن هذا شيء انتم المعروفين فيه والمسؤلين عنه لان هذي مصلحة عامة للدين والدنيا والبلاد وانتم انشاء الله تحرصون على ذالك وقد اعتمدنا على ارسال مندوب من جهت النيابة نرجوا ان الله تعالى يوفق الجميع لما يحبنه منه ويرضاه. هذا ما لزم تعريفه والسلام 1364/26/1

من:

عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل

إلى:

عبد الرحمن بن علي بن عودان

النوع: رسالة مكتوبة باليد.

المضمون: الأمر بفتح مدرسة بالطائف وتحديد شروط القبول فيها.

الصفة: ختم عبد العزيز

... التاريخ: 22/1/1364هـ.

الرسالة السادسة:

بسم الله الرحمن الرحيم

المملكة العربية السعودية

في 9 رمضان سنة 1354

من عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل

إلى جناب المكرم الأبن فيصل

...

... سلمه الله

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد

(1) الخبل: الذي به غفلة وغير المبالي.

ص: 277

فقد اقترح علينا فواءد أن يرسل لمعرض سوريا اشياء من منتجات البلاد ومصنوعاتها مثل ما كان ارسل لمعرض القدس ونحن نوافق على ذلك فبلغوا الماليه لأنفاذ ذالك وارسل بواسطة الخارجية يكون معلوم

والسلام

من:

عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل

إلى:

فيصل

النوع: رسالة مطبوعة على الآلة.

المضمون: موافقة على مشاركة في معرض سوريا للصناعات

الصفة: ختم عبد العزيز

التاريخ: 1/9/1354هـ.

الرقم: 43/1/1.

الرسالة السابعة:

بسم الله الرحمن الرحيم

عدد

62

من عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل الى جناب المكرم الشيخ عبد الظاهر أبوالسمح سلمه الله

ص: 278

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد فقد وصل الينا كتابكم الذي بشأن المدرسة واحطنا علما بما ذكرتم به. ومن قبل المدرسة وفتحها فهذا أبرك ما يصير ولكن بارك الله فيك تعرف حالة الناس اليوم وتخالفهم وتعاطيهم امور ليس في الشرع انما هي بعضها عن تعنت وبعضها عن جهل والمقصد من ذلك تعرفون أئمة الاسلام انهم الائمة الاربعة وان لهم مما بينوه من الامور الفقهية التي من الكتاب والسنة ومذهب السلف الصالح اليد الطولى بذلك ولا يعترض عليهم الا كل انسان ما له معرفة بالدين الحقيقي ولا شك ان المرجع كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وكل امر يخرج منه باطل فاذا وجد الدليل من كتاب الله وسنة رسوله وما عليه السلف الصالح - فهو البرهان والدليل فاذا ما وجد المرجع من المذاهب الاربعة اولى من الجهل او الاجتهاد -الذي ما تحمد عقباه لانه ثابت عند الامة ولا يشكك في ذلك الا ناقص عقل ان الائمة الاربعة ما خالفوا الكتاب والسنة ولا بينوا ما يخالفها الا اللهم ان يكون احدهم يشكك في حديث المنقول عن صاحبه ولعدم صحته ويختار غيره او احد ما يطلع الحديث ومعلومك قول الرسول صلى الله عليه وسلم ان كل قول روى عنه يوافق ما كان عليه وما ارسل به فهو احق به وكل قول مخالف لذلك انه باطل والأئمة اجتهدوا فيما يلزم عليهم جزاهم الله عن الاسلام والمسلمين خيرا. فاذا كان المدرسة التي تريدون فتحها انه يعلم فيها الحديث والفقه وبالاخص فقه الامام احمد وعدم الاعابة على احد من الأئمة فهذا نحن ممنونين فيه ونوافق عليه فان كان تخشى ان يصير اعتراض او كلام يشوش الامة كلها فهذا لافائدة فيه فانت يجب عليك تراجع مع الشيخ عبد الله بن حسن في ذلك وتنظرون في الاصلح وتقررون قرار اعتمد عليه فبهذا تفتح المدرسة ونحن نساعد في كل شيء نسأل الله ان يوفق الجميع لما فيه الخير والسداد في الاقوال والافعال هذا ما لزم بيانه والله يحفظكم والسلام في 1صفر1352هـ

ص: 279

من:

عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل

إلى:

عبد الظاهر أبوالسمح

النوع: رسالة مطبوعة على الآلة

المضمون: الرد على طلب فتح مدرسة دار الحديث المكية.

الصفة: ختم الملك عبد العزيز

... التاريخ: 22/11/1350هـ.

الرسالة الثامنة: (1)

من: الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود.

إلى: الشيخ أحمد الدهلوي "مؤسس دار الحديث".

عدد (1074) من عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل إلى جناب المكرم الأفخم الشيخ أحمد الدهلوي وكافة من معه من الإخوان في دار الحديث بالدهلي حفظهم الله تعالى.

بعد السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

مع السؤال عن أحوالكم دمتم بخير وسرور وأحوالنا فهي ولله الحمد جميلة وقد وصلنا كتابكم وتلوناه مسرورين بأخباركم وما ذكرتم كان عند محبكم معلوما خصوصا ما ذكرتم بكتابكم من عبارات الوداد والإخلاص التي تدل على حسن النية وطيب الطوية فنرجو أن تكون تلك "الخدمة" لله وفي الله وأن يوفق الله الجميع لما فيه خير الدنيا والدين وأن ينصر دينه وكتابه ويعلي كلمته ويجعلنا وإياكم من أنصاره والله يحفظكم.

17/12/1345هـ

"ختم ملوكي"

الرسالة التاسعة:

بسم الله الرحمن الرحيم

من عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل الى جناب الاخوين المكرمين الشيخ الفاضل أبو يسار الدمشقى، وناصر الدين الحجازى، سلمهما الله تعالى، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته - "أما بعد"فاني أحمد اليكما الله الذي لا اله الا هو على نعمه التى من أجلِّها نعمة الاسلام، ونشكره سبحانه اذ جعلنا من اهلها وانصارها والذابين عنها، ونسأله أن يصلي على عبده ورسوله وحبيبه وخيرته من خلقه محمد وآله وصحبه وحزبه.

(1) من الملف التأسيسي لدار الحديث المدنية بالمدينة المنورة.

ص: 280

وغير ذلك ورد علينا ردكم على عبد القادر الاسكندراني فرأيناه ردا سديدا وجوابا صائبا مفيدا، وافيا بالمقصود، فحمدنا الله على ما من به عليكم من معرفة الحق والبصيرة فيه وعرضناه على مشائخ المسلمين فاستحسنوه وأجازوه.

فالحمد لله الذي جعل لأهل الحق بقية وعصابة تذب عن دين المرسلين وتحمي حماه عن زيغ الزائغين، وشبه المارقين والملحدين، فلربنا الحمد لا نحصى ثناء عليه، بل هو كما اثنى على نفسه، وفوق ما يثنى به عليه خلقه، وهذه منة عظيمة، ومنحة جليلة جسيمة، وحيث جعلكم الله في هذه الأزمان التي غلب على اكثر أهلها الجهل والهوى والإعراض عن النور والهدى، واستحسنوا عبادة الاصنام والاوثان، وصرفوا لها خالص حق الملك الديان، ورأوا ان ذلك قربة ودينا يدينون به، ولم يوجد من ازمان متطاولة من ينهى عن ذلك أو يغيره، فعند ذلك اشتدت غربة الاسلام واستحكم الشر والبلاء، وطمس اعلام الهدى، وصار من ينكر ذلك ويحذر عنه خارجياً قد اتى بمذهب لا يعرف لأنهم لا يعرفون إلا ما الفته طباعهم وسكنت اليه قلوبهم، وما وجدوا عليه اسلافهم وآباؤهم من الكفر والشرك والبدع والمنكرات الفظيعة فالعالم بالحق والعارف له والمنكر للباطل والمغير له يعد بينهم وحيدا غريبا.

فاغتنموا رحمكم الله الدعوة الى الله والى دينه وشرعه، ودحض حجج من خالف ما جاءت به رسله ونزلت به كتبه من البينات والهدى، وان تكون الدعوة الى الله بالحكمة والموعظة الحسنة بالحجة والبيان، حتى يمن الله عليكم بمن يساعدكم على هذا، فإن القيام في ذلك من أوجب الواجبات، وأهم المهمات وافضل الاعمال الصالحات لا سيما في هذا الزمان الذي قل خيره وكثر شره، قال صلى الله عليه وسلم "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه من غير ان ينقص من أجورهم شيء"، وقال لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه:"فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم" ونحن إن شاء الله من أنصاركم وأعوانكم.

ص: 281

ومن حسن توفيق الله لكم أن اقامكم في آخر هذا الزمان دعاة إلى الحق وحجة على الخلق فاشكروه على ذلك، واعلموا ان من أقامه الله هذا المقام لا بد أن يتسلط عليه الأعداء بالأذى والامتحان، فليقتد بمن سلف من الأنبياء والمرسلين، ومن على طريقهم من الأئمة المهديين، ولا يثنيه ذلك عن الدعوة إلى الله، فإن الحق منصور وممتحن، والعاقبة للمتقين في كل زمان ومكان، وهذه هدية نهديها إليكم من كلام علماء المسلمين وبيان ما نحن ومشائخنا عليه من الطريقة المحمدية والعقيدة السلفية ليتبين لكم حقيقة ما نحن عليه وما ندعو إليه، نحن وسلفنا الماضون نسأل الله لنا ولكم التوفيق، والهداية لاقوم منهج وطريق، والسلام.

الرسالة العاشرة:

بسم الله الرحمن الرحيم

من عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل آل سعود إلى الاخوان وفقنا الله وإياهم إلى فعل الخيرات وترك المنكرات آمين.

ص: 282

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد ذلك: تفهمون ان الله سبحانه وتعالى قد أنعم علينا بنعمة الإسلام ومنّ علينا بأن جعلنا من أهله. ولا يخفى عليكم ما مضى عليه أسلافكم من الأعراب من انحرافهم عن الدين والتقيد بشريعة سيد المرسلين، بما يأتونه من ارتكاب الأمور التي تغضب الله ورسوله، ومن استحلال الدماء ونهب الأموال وترك فرائض الإسلام، فأنتم اليوم لما إن الله جل شأنه مَنّ عليكم بهدايته لكم على دينه القويم وجب عليكم أن تقيدوا تلك النعمة بالشكر له تبارك وتعالى. وأعظم الشكر لله هو اتباع أمره واجتناب نهيه، على وفق ما جاء به نبيه الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام، وان لا تحيدوا عنه ذات اليمين وذات الشمال، فتكونوا من الهالكين. إنى إريد أن أشرح لكم حقيقة ما نحن عليه من العقيدة في الدين، التى أشار إليها العلماء في جوابهم السابق في هذا المجلس، فاسمعوا واحفظوا عني ما أقوله لكم تنجوا من المهالك. إن أصل الدين كتاب الله تعالى، وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وما كان عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان. فهم السلف الصالح ثم الأئمة الأربعة من بعدهم، أبوحنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل رضي الله عنهم، وعن سلف الأمة من الصحابة ومن تبعهم إلى يوم القيامة، فإن هؤلاء الأئمة المقتدى بهم عند جميع المسلمين من اهل الكتاب والسنة فإنه لا خلاف بينهم في أصل الدين، من توحيد الله تعالى في ربوبيته وفي الوهيته وأسمائه وصفاته وهذا الحمد لله ثابت في كتبهم الموجودة بين أيديكم، وإن حصل بينهم اختلاف في الفروع، فما ذاك إلَاّ من شدة حرصهم وتمسكهم بكتاب ربهم، وما صح عن نبيهم صلى الله عليه وسلم واستخراج معانيهما، كل منهم على قد ما آتاه الله من العلم والفهم في دينه، وكلهم إن شاء الله تعالى على حق، ومن سلك طريقهم وحذا حذوهم إلى يوم القيامة، فهذا الذى ندين لله به، وهو اعتقادنا نحن واعتقاد مشايخنا وأسلافنا وهو الصراط المستقيم،

ص: 283

والميزان العدل، فمن استقام عليه فهو المتبع المهتدى ومن حاد عنه وهو جاهل فيجب عليه الرجوع والتوبة إلى الله تبارك وتعالى، ومن خالفه معتقدا بطلانه فهذا ليس على شيء من الدين، لا أصله ولا فرعه، نعوذ بالله من ذلك، ولا يقال عن هذا انه مكذب للمشايخ، بل مكذب لكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وان من حضر منكم هذا المجلس المبارك، وسمع كلام العلماء بغير واسطة، فقد قامت عليه الحجة، وليس هو بمعذور بما يأتيه من المخالفة وعلى الشاهد أن يبلغ الغائب، وإني أحذركم من التفرق في الدين وتتبع الخلافات فيه، فإن هذا من أعظم أسباب الهلاك، وإنكم في زمن قد تشعبت فيه الأمة الإسلامية وكثرت فيها الفرق وفشت فيه البدع، ودنس وجه الدين بما ليس منه، وكثرت فيه شبه الضالين المضلين، غير إنه بحمد الله لم يخل زمان من قائم لله في أمر دينه ينفى عنه غلو الغالين وانتحال المبطلين، أولئك هم علماء الدين، وهم ورثة الأنبياء وهم الحافظون لدين الله تعالى، حيث أقامهم لذلك {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} وكل يدعى إنه القائم لله بحفظ دينه، ولكن ميزان العدل في ذلك هو اتباع هذا النبي الكريم:{قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} إني أرشدكم إلى أعظم قائم لله تعالى في نصر دينه، بعد الأئمة الأربعة رضي الله عنهم، وذلك بعد أن كثرت الملل والنحل، وتشعبت الأهواء، وتفرق الناس شيعاً كل حزب بما لديهم فرحون، ذلك: هو شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه الإمام محمد بن قيم الجوزية - رحمهما الله تعالى، ومن هو على طريقتهم في الدعوة والتحقيق إلى يوم القيامة، فقد قام هذان الشيخان بما أوجبه الله على العلماء من بيان الحق، وعدم كتمانه، ولم تأخذهما في الله لومة لائم، فقد توفى الشيخ ابن تيمية رحمه الله بينما كان محبوسا في قلعة دمشق، وما ذنبه إلا بيان الحق والدعوة إليه وإبطال ما خالفه

ص: 284

من العقائد الزائفة، والطرائق الضالة الفاسدة، فهذه كتب هذين الشيخين بحمد الله بين أيديكم قد سهل الله نشرها بعد أن كانت مدفونة في زوايا الترك والاهمال، فعليكم بمطالعتها، فإنها بادلة الكتاب والسنة تجلو عن القلوب صداها، وبمآثر الصحابة وهديهم تميط عن الأبصار غشاها، هذا شيخنا ذلك الإمام الوحيد في زمانه، الجليل القدر رحمه الله تعالى، قد قام بما قام به هذان الشيخان من الدعوة إلى تحقيق التوحيد لله تعالى في أسمائه وصفاته وتوحيده في الوهيته، بافراده بالعبادة له، وحده لا شريك له بجميع أنواعها، وهذا التوحيد هو أصل بعثة الرسل من نوح إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. قال تعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَاّ أَنَا فَاعْبُدُونِ} وهذا التوحيد هو أصل الأصول للدين، الذي لا يجوز التقليد فيها. فعليكم بالتفقه في دينكم واتباع نبيكم صلى الله عليه وسلم وسلفكم الصالح من الصحابة والتابعين لهم بإحسان إلى يوم القيامة، وقد تقدم لكم البيان بأننا في الأصل على القرآن، وفي الفروع على مذهب الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه. إن هذا المقام ليس مقام تفصيل واطالة، بل هو مقام نصيحة وتنبيه لكم فيما تأتونه من أمور دينكم بأن تكونوا فيه على بصيرة. قال تعالى:{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} وقال تعالى: {فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} فمن كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر وقصده في هجره البداوة وانتسابه إلى الخير طلب رضا الله تعالى التماس ما عنده من الثواب لمن تاب إليه وأناب فلا يتمسك أحدكم بأمور دينه برأيه، وليس الدين بالاستحسان، فكل طريق إلى الحق غير طريق نبيه صلى الله عليه وسلم فإنه مسدود، ولك عمل على غير سنته فهو إلى صاحبه مردود فاتبعوا ولا تبتدعوا، وقاربوا فمن سار على الدرب وصل، وهذا

ص: 285

ما يجب لكم علينا من النصيحة فمن خالف ما بيناه لكم بقول أو فعل فذمتنا وذمة المسلمين منه بريئة ولا يأمن البطش بنفسه وبحلاله ومن أنذر فقد أعذر. نرجو الله أن يوفقنا وإياكم للخير وأن ينصر دينه ويعلى كلمته وأن يجعلنا وإياكم من أنصار دينه وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

ص: 286

تابع لفكر التربوي في رسائل الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود وخطاباته

الأفكار والتوجيهات التربوية التي حوتها رسائل الملك عبد العزيز

"المربي" وثمارها الحضارية

إن الباحث حين يتناول نصاً من النصوص في أي جزء من أجزاء بحثه لابد أن يأخذه ويحلله ويدرسه بعمق ودراية، هذا إن كان النص عادياً، فما بال الباحث وهو يحلل ويدرس نصاً في رسالة لمؤسس دولة، فإنَّه يعرف أن هذه رسائله وتلكم الكلمات كان لها وزنها في تأسيس دولة وإعداد أمة. لذا فإن الباحث حين يقف أمام هذه الرسائل ليسأل الله -تعالى- أن يوفقه إلى تحليلها بحسب قصد قائلها ومراده منها، وهو المربي القائد الملك عبد العزيز يرحمه الله تعالى.

وبعد النظر وسبر غور الرسائل التي وردت في الفصل السابق، استخلص الباحث الأسس والمبادئ والقواعد التربوية التي أقام الملك المؤسِّس عليها الدولة في شئونها التعليمية في حياته، واستمر أنجاله عليها حتى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز، نسأل الله العلي القدير أن يستمر هذا المنهج إلى يوم الدين.

ومن هذه الأسس والمبادئ والقواعد التربوية:

أولاً: التخطيط التربوي:

فيما ظهر للباحث من خلال دراسته لرسائل الملك عبد العزيز أن التخطيط التربوي وإن كان يبدو أنه متأخر، إلا أن تاريخه كان متقدماً، فقد أصدر الملك عبد العزيز يرحمه الله أمره السامي الكريم في 23 محرم عام 1347هـ بمدينة الطائف - حين كانت الدولة تسمى المملكة الحجازية والنجدية وملحقاتها - بإنشاء أول مدرسة منظمة في غرضها ومواد دراستها، وتحديد زمن الدراسة فيها حتى التخرج، وكيفية التقويم فيها، وإعطاء الحوافز والمكافآت. وسُميت "مدرسة المطوفين".

ص: 287

كان سبب إنشاء هذه المدرسة كثرة الشكاوى التي تقدم بها بعض الحجيج ضد القائمين على الطوافة في الحجاز، وذلك لتقصيرهم معهم في الواجبات في أداء المناسك وتجاوزهم الحد المشروع. حيث أدرك الملك عبد العزيز رحمه الله أهمية هذا الأمر خصوصاً مع ضيوف الرحمن الذين أتوا لأداء ركن من أركان الإسلام وهو الحج. فأصدر أمره بتأسيس مدرسة للمطوفين مقرها مكة المكرمة. هذا من جانب التأسيس وتحديد المكان.

أما من جانب المقررات الدراسية، فإن الملك عبد العزيز اهتم بالإعداد المهني للقائمين على شئون الحج والحجاج، فلا بد أن توافق المقررات الهدف الذي من أجله أسست هذه المدرسة. فقد جاء التأكيد على أن يدرس المطوفون مادة العقيدة (التوحيد) التي هي أساس كل فلاح للناس في الدنيا والآخرة. ثم يدرسون مادة الفقه؛ لأنها متعلقة بالعبادات. وحين يتفقه القائم على شئون الحج بشروط وأركان وواجبات وسنن هذه الشعيرة يقوم بالتطبيق العملي مع ضيوف الرحمن.

وهذا المنهج أكد عليه النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: "الدين النصيحة"(1) ؛ إذ لابد من النصح للحجيج، لكن هذا النصح لا يأتي إلا بعد العلم الصحيح.

كما أكد الأمر السامي الكريم على المطوفين أن يقوموا على راحة الحجيج ويحسنوا وفادتهم، وبأن يقدموا جميع التسهيلات ووسائل الراحة لهم حتى يعودوا إلى أوطانهم مسرورين غانمين فائزين شاكرين لله -تعالى-، ثم لمن سهل لهم مناسكهم.

وبعد تحديد المكان والمنهاج وطرق التعامل مع ضيوف الرحمن، فإن الأمر السامي حدد النظام العام لهذه المدرسة. ومن ذلك تحديد مدة بقاء المطوف في المدرسة، فألزم المطوف المتلحق بالمدرسة أن يبقى عاماً كاملاً، يجرى له بعد ذلك التقويم (الاختبار) في نهاية العام، وبعد اجتيازه هذا التقويم يعطى حافزاً، وهو الشهادة له بأنه ناجح.

(1) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب: بيان أن الدين النصيحة، حديث رقم (55) .

ص: 288

فالمتتبع لهذه الرسالة يجد أن تاريخ التخطيط التربوي والتعليمي قد بدأ مبكراً في المملكة العربية السعودية. ومن المعلوم أن تحديد المنهج والزمن وشروط القبول والتقويم والحافز والمتابعة كل هذه من أهم عناصر التخطيط التربوي المعاصر، وهو ما حرص الملك عبد العزيز على وضع أسسه.

وهذا ما استمر عليه أبناء الملك عبد العزيز -يرحمه الله- من عهد الملك سعود وفيصل وخالد -يرحمهم الله جميعاً-، حتى خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز وولي عهده الأمين حفظهما الله. (انظر الرسالة الثالثة) .

ثانياً: التعليم والبطالة:

من معضلات العصر تفشي ظاهرة البطالة في الأفراد في معظم الدول المتقدمة والنامية معاً، فإن الجميع يشكو ارتفاعاً حاداً في نسبة البطالة، ويحذرون من عواقبها الوخيمة على الأمة. ولا زالت المؤسسات التي تعنى بدراسة المناهج تبحث عن حل لهذه المشكلة.

وحين علم الملك عبد العزيز -يرحمه الله- أنَّ بعضاً من الأسر قد أهمل في رعاية بعض أبنائها وتعليمهم وخصوصاً من كان به غفلة وقلة مال، واهتم بالآخرين وهم الأبناء النبهاء الأذكياء، فأشركوهم في أعمالهم التجارية، أمر الملك عبد العزيز بفتح مدرسة للأخذ بيد هؤلاء إلى الجادَّة الصحيحة والطريق القويم؛ وكان الغرض من هذه المدرسة هو:

1 -

الاهتمام بالرعية من أبناء الأمة لإعدادهم لخدمة الأمة.

2 -

احتواء العاطلين عن العمل وتشجيعهم على طلب العلم النافع.

3 -

القضاء على المشكلات المختلفة المتوقع أن تحدث من قبل هؤلاء العاطلين.

جاء الأمر الملكي الكريم بإنشاء مدرسة لعلاج هذه المشكلة في مدينة الطائف، وسبب الاختيار في ظن الباحث هو أن مدينة الطائف مكان معتدل صيفاً في حرارته، وجميل في خضرته، وغائم مريح في جوه وهوائه.

ص: 289

أما المنهج الدراسي، فجاء تحديده في الرسالة التي أرسلها الملك عبد العزيز -يرحمه الله- إلى الشيخ عبد الرحمن بن عودان بتاريخ (26/1/1364هـ) التي بيّن ووضح فيها أن المنهج الدراسي لابُدَّ أن يكون شاملاً لمختلف العلوم النافعة. وقد ذكرها في أكثر من رسالة له -يرحمه الله-؛ وهي: علم التوحيد، والعبادات (الفقه) ، والعلوم الأخرى النافعة التي إذا تعلمها الفرد من الأمة تفقه في دنياه وأخراه.

أما عن شروط القبول فيها، فقد حددت الرسالة أن العمر المطلوب هو بين (15-25 عاماً) ، وهذه الفكرة التربوية الرائدة ما تسمى اليوم بتعليم الكبار.

كما اشترط الملك عبد العزيز يرحمه الله أن يكون اختيار المعلمين والقائمين على هذه المدرسة من ذوي الصفات والخصائص العالية من الأخلاق السامية ومن الرجال الطيّبين؛ لأن المعلم قدوة للآخرين في أفعاله وأحواله وأخلاقه، فلا بد أن يكون ذا علم وعمل وخلق.

كما حوت الرسالة شعوراً بالمصلحة العامة للأمة، فالشعور بالمشكلة يعين على تحديدها، ثم اختيار الحلول المناسبة لها؛ ولذا فإن الملك عبد العزيز علم –بتوفيق الله وإلهام منه- أن هذه المشكلة (وهي البطالة) أمر خطير على الأمة لا بد من أن يجتث من أساسه؛ كي لا يلجأ هؤلاء العاطلين إلى الجريمة - لا سمح الله - أو إلى غير ذلك مما يهدد أمن الناس واستقرارهم.

في نظر الباحث أنَّ على المخططين وضع الخطط العلمية والعملية لعلاج مشكلة البطالة، وأن يأخذ بأيدي أبنائنا إلى ما فيه صالحهم وفلاحهم، وذلك إرضاءً لله تعالى.

ص: 290

فقوله رحمه الله: "مصحلة عامة للدين والدنيا والبلاد"ينبئ عن وعي ورشد عظيمين كبيرين، حيث ربط بين الدين ومتطلباته، وبين الدنيا ومتطلباتها، وبين مصلحة الأمة بعامة، ومصلحة الفرد بخاصّة، فثمرة التعليم في حس الملك عبد العزيز رحمه الله يجب أن تشمل الدين والدنيا والوطن. وهذا مبدأ من أهم المبادئ التي أكدها الدين الإسلامي الحنيف. (انظر الرسالة الخامسة) .

ثالثاً: التخصص:

لقد وضع الملك عبد العزيز المؤسس للنظام التعليمي في الدولة مبادئ التخصص، وذلك حين أصد أمره الكريم بإنشاء مدرسة للمطوفين كي يتعلموا أصول الدين عامة، ومناسك الحج خاصة، فجاء في المادة الثالثة التي نص فيها على أنه "اعتباراً من سنة 1348هـ لا يجوز لغير حاملي شهادة المدرسة المذكورة الاشتغال بمهنة التطويف"(انظر الرسالة الثالثة) .

ومعلوم للجميع ما للتخصص في مجال معين من أهمية، وخصوصاً في عصرنا الحاضر الذي يعتبر عصر التخصص، وأصبح ملتزماً به في جميع المجالات المختلفة.

رابعاً: تعدد مصادر (التعليم والثقافة) الحرة:

ص: 291

إن المتتبع لكلام الله عز وجل في كتابه المبين يجده أنَّه سبحانه وتعالى قد أكَّد على تعدد وسائط التعليم لبني آدم، من ذلك قوله عز وجل:{وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (1) ؛ فبتعدد الوسائط لابُدَّ أن تتعدد الحاجات وتزيد الرغبة في التعرف على الأشياء، كي تكون مدعاة للإيمان والعمل، فما دامت للإنسان عينٌ فلابُدَّ أن يرى بها ويتعلم مما يراه، وكذلك السمع وبقية الحواس التي أنعم الله بها على الإنسان. لذا ترى حين يذكر تبارك وتعالى:{أَفَلا يَسْمَعُونَ} (2) ، فإنه يذكر كذلك {أَفَلا يُبْصِرُونَ} (3) ، {أَفَلا يَعْقِلُونَ} (4) .

فخلاصة القول أن تعدد مصادر الخبرة العلم لطالبه أمر ضروري ومهم لتوسيع مدارك المتعلّم، لذا فقد أسهم الملك عبد العزيز -يرحمه الله- في ذلك كما في النقاط التالية:

أ - نشر الكتب والاهتمام بها:

نشر العلوم النافعة المختلفة يتم عن طريق طباعتها وتوزيعها وإهدائها، والملك عبد العزيز قام بإرسال الكتب المختلفة النافعة إلى بعض أهل العلم والمحتاجين إليها، حيث أرسل إلى الشيخ عثمان بن بشر:

- تفسير ابن كثير - والمغني لابن قدامة - ورسائل ابن تيمية - والصواعق المرسلة - وشرح العقيدة الطحاوية - وكتب السنة النبوية. (انظر الرسالة الرابعة) .

كما يبدو اهتمامه -يرحمه الله- بهذا الأمر من خلال رده على رسالة بعث بها إليه عبد الله بن محمد بن ناصر يطلب فيها إرسال كتب. فأخبره الملك بأن طلبه مجاب، وحين تصل الكتب إليه فإنه سيرسلها له إن شاء الله. (انظر الرسالة الأولى) .

ب - الخرائط:

(1) سورة النحل، آية 78.

(2)

سورة السجدة، آية 26.

(3)

سورة السجدة، آية 27.

(4)

سورة يس، آية 68.

ص: 292

من وسائل سرعة إيصال المعلومات لطالب العلم: الخرائط، وخصوصاً عند الحديث عن موقع (مكان) ، أوحادثة، أو بلد، فمشاهدة هذه الأماكن على خارطة يساعد الفرد على سرعة التصور والإدراك.

ولقد اهتم الملك عبد العزيز يرحمه الله بتوفير الخرائط، فطلب من فلبي أن يعدَّ له خرائط عن بعض أجزاء الدولة. وفعلاً بدأ فلبي بتنفيذ ذلك وبدأ بمنطقة نجران، كما نص على ذلك في رسالته. (انظر الرسالة الثانية) .

جـ – زيارة الآثار:

من المؤكَّد لدى علماء التربية وغيرهم أن المشاهدة المباشرة ليست مثل الخبر. جاء في موقف موسى –عليه السلام في ما حكاه الله -تعالى- عنه في قوله -جل من قائل-: {وَأَلْقَى الأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيه

} (1) الآية، فقال صلى الله عليه وسلم عن هذا الموقف:"ليس الخبر كالمعاينة"(2) .

فالآثار حكمة من الله -تعالى- ليبين للناس كيف فعل بمن عصى من الأمم الماضية. والموعظة والتذكر أمران مهمان ومطلوبان من كل من مارٍّ بتلك الآثار ولا سيما من المؤمنين ليعتبروا ويتعظوا.

وقد طلب الملك عبد العزيز من فلبي زيارة آثار نجران وتحديدها على الخرائط.

د - الرحلة العلمية:

معلوم بالممارسة العقلية للناس أن للرحلة دوراً كبيراً في زيادة واتساع الخبرة والثقافة، وأخبر القرآن الكريم أن لقريش رحلتين في الصيف إلى الشام، وفي الشتاء إلى اليمن، قال تعالى:{لإِيلافِ قُرَيْشٍ. إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ} (3) .

(1) سورة الأعراف، آية 150.

(2)

مسند الإمام أحمد جـ 1 ص215، تفسير ابن كثير جـ 2 ص 248-249.

(3)

سورة قريش، آية 1-2.

ص: 293

فالرحلة التي قام بها فلبي بأمر من الملك عبد العزيز. (انظر الرسالة الثانية) . لتوحي للمخططين للتعليم أن أمر الرحلة في طلب العلم من أسس بناء المنهج والتعلّم، وأنها متممة للشرح والمطالعة والاستذكار. ففي الرحلة تجديد لحياة الطالب وخبراته. فانتقاله من مكان لآخر يغير من رتابة وطريقة حياته المعتادة مما يزيل عنه السأم والملل، كما أنها تزيد في خبرة الطالب، وهذا ما أكد عليه علماء السلف من هذه الأمة حين قاموا بجمع العلوم من مصادرها المختلفة مثلما فعل الإمام البخاري ومسلم وغيرهما من الرحلة في طلب العلم.

ومن فوائد الرحلات العلمية على سبيل المثال لا الحصر ما يلي:

1 - تنمية فرص المشاهدة والتأمل التي لا يسهل تواجدها في المدرسة.

2 - يتم تعلّم كثير من الأشياء في بئيتها الطبيعية.

3 - تعويد الطالب التعاون وتحمل المسئولية والنظام.

4 - التعلم في جو من الحرية والانطلاق بخلاف جو الفصل.

هـ - المعارض:

المعارض الدولية من الوسائل التي لها الأثر الكبير الفاعل في الدعاية للإنتاج، خصوصاً إذا كان الإنتاج من المصنوعات الخاصة بالدولة. (انظر الرسالة السادسة) .

فقد أرسل الملك عبد العزيز رحمه الله إلى ابنه فيصل -يرحمه الله- رسالةً أكد فيها أن المقترح الذي تقدم به أحد الملازمين له وهو (فؤاد حمزة) أن يرسل بعضاً من منتجات البلاد للمشاركة في معرض سوريا، كما كانت الدولة تشارك في معرض القدس، حيث كان هذا المقترح وجيه ومقبول لديه يرحمه الله.

ص: 294

وقد حرص الملك عبد العزيز على الأخذ بهذا الموضوع، ودليل حرصه أنه أسند الأمر إلى ابنه فيصل رحمه الله ولأهميته في نفسه بدا للباحث أن الملك عبد العزيز كان يخطط في قرارة نفسه لتطوير الإنتاج الصناعي والزراعي، فهذا الاشتراك في المعرض الدولي يؤكد النية على المضي في بناء المستقبل سعياً إلى التقدم والتطور في مجالات هي عصب الحياة، وبالتالي الاعتماد - بعد الله - على النفس والوصول إلى الاكتفاء الذاتي.

وحصل الاكتفاء - بحمد الله - في المجال الزراعي، فأصبحت الدولة مصدرةً للحبوب إلى جميع أنحاء العالم وبأسعار تنافس الأسعار العالمية.

كما أن الاشتراك في المعارض الدولية له ثمرة في ربط الدولة بمعاهدات ثقافية وتجارية، وتبادل دبلوماسي، فإن الملك عبد العزيز -يرحمه الله- كان شديد الربط بين الدين والدنيا ومصالح الأمة وبين بقية الدول الإسلامية والعربية وغيرهما.

و نماذج تطبيقية:

أولاً: دار الحديث بمكة المكرمة.

لقد أجاب الملك عبد العزيز برسالة مباركة طيبة إلى الشيخ عبد الظاهر أبو السمح الذي كان إمام وخطيب المسجد الحرام، عندما طلب منه الموافقة على إنشاء دار لدراسة الحديث الشريف إجابة تنم عن حرص على تحقيق التقدم العلمي والإنجاز. فجاء الجواب يحمل مبادئ وأسساً إسلامية منها:

1 -

نبَّه الملك المربي المؤسس إلى أن اختلاف الناس في أمور دينهم ليس من الشرع في شيىء، بالإضافة إلى تفشي الجهل والفساد.

2-

بيّن أن الأئمة الأربعة هم من علماء السلف وإن اختلفوا في الفروع؛ لأنها اجتهادات مبنية على إخلاص القصد لله وإخلاص المتابعة لرسوله صلى الله عليه وسلم.

3 -

أوضح أن كتاب الله -تعالى- وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم هما المرجعان الأوحدان في الأمور كلها، فما ثبت في الكتاب والسنة المطهرة، فهو الحق، وما لا فلا.

4 -

أوصى بالأخذ بمذهب الإمام أحمد رحمه الله، من غير أن يعاب على الأئمة الباقين.

ص: 295

هذه المبادئ الأربعة على قلة عددها حوت في مضمونها كل الخير. فأسس الشيخ عبد الظاهر أبو السمح دار الحديث بمكة المكرمة بعد الموافقة السامية التي أرسلها الملك عبد العزيز رحمه الله بتاريخ (1/2/1352هـ) . (انظر الرسالة السابعة) .

ثانياً: دار الحديث بالمدينة المنورة.

في عام 1350هـ افتتحت دار الحديث المدنية على يد الشيخ أحمد بن محمد الدهلوي بترخيص من الملك عبد العزيز -طيب الله ثراه-، وذلك لتدريس علوم القرآن الكريم، والحديث النبوي الشريف. (انظر الرسالة الثامنة) .

فقد بعث الملك عبد العزيز بتاريخ 17/12/1345هـ رسالة رداً على طلب الشيخ الدهلوي بخصوص إنشاء دار تُعنى بالسنة النبوية المطهرة. فجاء الجواب بالموافقة. فالاهتمام بأمور الدين كان له الأولوية في حياة الملك عبد العزيز -يرحمه الله- منذ طلبه للعلم، ونشأته، حتى توليه المُلْك. وقد أكد الملك عبد العزيز في الرسالة آنفة الذكر على جوانب مختلفة:

1 -

فاستعمل الألفاظ المناسبة للعلماء في الرد، حيث قال:"إلى جناب الشيخ الأفخم".

2 -

أكد على مبادئ الدين الإسلامي في أي مؤسسة تُعنى بالتعليم والتربية.

3 -

سؤاله عن الأحوال الخاصة للناس، فهذا ودّ منه رحمه الله يلاطف به الآخرين.

4 -

دعاؤه لمن كاتبه، فقد دعا للشيخ أحمد ولزملائه بالتوفيق والسداد، مؤكداً له الموافقة المطلقة لخدمة القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة والعلم والعلماء، ونشر دين الله في جميع الأمصار والأعصار. والواقع الملموس الآن شاهد على هذه الإنجازات في داخل المملكة وخارجها.

ثالثاً: نماذج مشرقة:

ص: 296

1 -

في ينبع: وهي مدينة ساحلية تقطنها جهينة وحرب وغيرهما، ولم يكن لأبنائها حظ من العلم إلا القليل. فكتب أحد العلماء إلى الملك عبد العزيز في أمر هؤلاء، فلم "يلبث - يرحمه الله - أن أبرق إلى أمير ينبع بما معناه: أقيموا مدرسة خاصة بأبناء العشائر تتسع مؤقتاً لمائة طالب، وما انتهى عام 1353هـ حتى كانت المدرسة تضم مائة طالب من أبناء العشائر القريبة من ينبع ".

2 -

في الرياض: من عادة المحبين أنهم إذا سافر من أحبوه ورجع بسلامة الله استقبلوه بحسب عاداتهم بالدعوة إلى وليمة مثلاً. وحين سافر الملك عبد العزيز -يرحمه الله- إلى مصر "أراد أهل الرياض إقامة وليمة كبيرة له. وجمعوا مبلغاً من المال للوليمة. وعلم الملك بالأمر فقال: بل يصرف المال على ما فيه مصلحة البلد. فاتفقوا على إنشاء مدرسة في البطحاء سميت (المدرسة التذكارية) ، وبدل اسمها بعد ذلك". وهذه الفكرة في نظر الباحث تعتبر منطلقاً اقتصادياً إسلامياً رفيع المستوى.

3 -

في المدينة المنورة:

(أ) المسيجيد: قرية صغيرة في الصحراء بين الجبال وهي ليست بعيدة عن طيبة المباركة، فيها مدرسة أنشأها السيدان علي وعثمان عبد القادر حافظ -يرحمهما الله على حسابهما-، غير أن الحالة الاقتصادية لم تدم على حالها من الرخاء، فحينها" رفعنا -كما قالا - الأمر للملك عبد العزيز - يرحمه الله - وهو المعروف بحبه للتعليم والعلماء وانتشار العلم في بلاده، شرحا له أمر حال المدرسة. بعدها أصدر أمره لوزير المالية بصرف نصف ريال لكل طالب من طلابها، وتعتبر أول مدرسة في المملكة العربية السعودية لتعليم

البادية ". وهذا يؤكد -أيضاً- حرص واهتمام الملك عبد العزيز بشئون البادية.

ص: 297

(ب) عبد الرحمن بن محمد العربي الإدريسي، هو المؤسس لمدرسة التهذيب الخيرية في المدينة المنورة، هذه المدرسة كانت عبارة عن "كُتَّاب في سوق القفاصة، أسسه عام 1350هـ، وكان الطلاب يدرسون مبادئ القراءة والكتابة والحساب، ويحفظون القرآن الكريم، وصدر الأمر السامي الكريم رقم 880 في 5/7/1352هـ عن طريق مديرية المعارف بالموافقة على تحويل الكُتَّاب إلى مدرسة التهذيب". وهذه الفكرة فيما يبدو للباحث مبدأ من مبادئ التطوير التربوي المستمر.

(ج) إن قلب الملك عبد العزيز الكبير قد حوى - بحمد الله وحده - مختلفَ احتياجات أبناء الأمة في البلاد. ففي عام 1350/1351هـ اجتاح البلاد - وخصوصاً مناطق البادية - القحط وقلة المطر، وساءت أحوالهم، ولما علم بذلك الحال، أمر رحمه الله بصرف البُرّ والتمر والخبز لهم.

وقد زادت هذه المأساة عدد الوفيات في البادية، لذا أسهم الشيخ عبد الغني دادا في خدمة هذه الفئة من المجتمع، فأصبح يقدم لهم الطعام بما تيسر، لكنه نظر إلى أبعد من ذلك، فكتب إلى الملك عبد العزيز رحمه الله بطلب الإذن له في فتح دار للأيتام، فوافق الملك ذو القلب الرحيم، وافتتحت الدار في محرم عام 1352هـ وسميت "دار أيتام الحرمين الشريفين والصنائع الوطنية"، لتأوي الأيتام الذين مات آباؤهم من القحط في البادية، بالإضافة إلى غيرهم من أهل الحاجة في الحاضرة.

وجاءت بعد ذلك فكرة مشروع استيطان البادية كما قال حافظ وهبة: "إن من أعظم المشروعات الإصلاحية التي قام بها الملك عبد العزيز رحمه الله، مشروع تحضير البادية وإقطاعهم الأراضي للسكنى والزراعة، وتعليمهم المبادئ الدينية ومكارم الأخلاق، وبهذا المشروع أقبل البدو الرحل على التعليم. وأقبلوا على الهجر يبنونها بمساعدة الملك عبد العزيز، وبنى لهم المساجد، وبعث إليهم المشايخ والأئمة وطلبة العلم يعلمونهم كتاب الله تعالى وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم".

ثمرات التخطيط الحضاري:

ص: 298

بعد ما أتم الله -تعالى- نعمته على الملك عبد العزيز رحمه الله بتأسيس قواعد دولة إسلامية فتية رائدة قائدة، جاء دور الأنجال من بعده يتممون ما خططه الوالد المربي لهم. فجاء الملك سعود ومن بعده فيصل ثم خالد -يرحمهم الله- جميعاً واستمروا على النهج نفسه الذي رسمه لهم. حتى جاء عهد خادم الحرمين الشريفين الملك فهد -حفظه الله-، فوصل في عهده إلى الثمرات التربوية التي منها ما يلي:

1 -

الجامعات:

... - الملك عبد العزيز.

... - الملك سعود.

... - الملك فيصل.

... - الملك خالد.

... - الملك فهد.

... - أم القرى.

... - الجامعة الإسلامية.

... - الإمام محمد بن سعود الإسلامية.

2 -

الكليات المختلفة الأغراض:

... - الكليات العسكرية المختلفة.

... - كليات المعلمين بنين.

... - كليات المعلمين بنات.

... - كليات التربية بنات.

... - الكليات التقنية.

... - الكليات المتوسطة الصحية.

... - كليات المجتمع للجنسين.

3 -

مدارس التعليم الثانوي.

4 -

مدارس التعليم المتوسط.

5 -

مدارس التعليم الابتدائي.

6 -

مدارس دون التعليم الابتدائي.

7 -

المعاهد المختلفة:

... - معهد الإدارة العامة.

... - معهد القضاء.

... - معاهد النور.

... - معاهد الأمل.

... - معاهد التربية الخاصة.

... - معاهد المعاقين.

8 -

الدور الخاصة:

... - دار التربية الاجتماعية.

... - دار الرعاية.

... - دار الملاحظة.

هذا على سبيل المثال لا الحصر، فهناك مؤسسات تربوية إصلاحية كثيرة في خطط التنمية المستقبلية لهذه الدولة، وما كانت هذه الإنجازات لتكون لولا فضل الله أولاً، ثم ما قام به الملك عبد العزيز رحمه الله من غرس بذورها الأولى عندما كانت البلاد الحديثة التأسيس بحاجة قوية إلى أخذ الخطوات الأولى قوية ودافعة. أسأل الله تعالى لها الحماية والتوفيق.

ص: 299

الخصائص التربوية لرسائل الملك عبد العزيز

لقد كان لتربية الملك عبد العزيز رحمه الله الأسرية تأثير كبير في سلوكه من حيث أقواله وأفعاله وأخلاقه؛ فوالده الإمام عبد الرحمن كان حريصاً على تنشئته النشأة الصالحة حتى جعل منه –بفضل الله- مسلماً لربه ملماً بأمور دينه، وكذلك والدته سارة بنت أحمد السديري التي كان لها فضل – بعد الله – في توجيهه وتعليمه تذوق الأدب والشِّعر؛ لأنها كانت شاعرة "ولها شِعْرٌ"، ولا غرابة -أيضاً- فإن الذي تولى أمر تعليمه في ربيع حياته الأولى ثلة من خيرة العلماء والمربين: فالشيخ عبد الرحمن الخرجي الذي علمه مبادئ القراءة والكتابة، وسماحة الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف آل الشيخ علمه العلوم الشرعية.

أمَّا من حيث السياسة العملية فقد أفاد كثيراً من حاكم الكويت الشيخ مبارك الصباح رحمه الله، الذي لمس فيه الفطنة والذكاء، فقربه إليه ليستفيد، ويطلع عن كثب على معتركات الحياة السياسية السائدة في عصره.

كل هذه المدارس المختلفة جعلت من الملك عبد العزيز - بعد توفيق الله تعالى - رجل دين ودولة، لذا فإن خصائصه التربوية في رسائله رحمه الله اتسمت بكونها نابعة من مبادئ دينه الإسلامي الذي يؤمن به؛ فمن هذه الخصائص ما يلي:

أولاً: العقيدة نبع الفكر التربوي لدى الملك عبد العزيز رحمه الله:

بمجرَّد النظر في نصوص رسائل الملك عبد العزيز يخرج الناظر بأن الملك عبد العزيز كان شديد الحرص على:

1 -

ضرورة البدء بالبسملة في مطلع كل رسالة..

2 -

ربط أفعاله المستقبلية بمشيئة الله تعالى.

3 -

إخلاص النية -لله تعالى- في كل الأقوال والأفعال والأوامر. ومن ذلك ما قاله في رسالته للشيخ أحمد الدهلوي مؤسس دار الحديث بالمدينة المنورة: "نرجو أن تكون تلك الخدمة لله وفي الله". (انظر الرسالة الثامنة) .

ص: 300

4 -

ختم أقواله في معظم رسائله بالدعاء له ولهم - ومعلوم أن دعاء الله عبادة - فنراه -مثلاً- يقول: "أن يوفق الله الجميع"، "والله يحفظكم"، "أن الله تعالى يوفق الجميع للخير والسداد"، فمثل هذه الأدعية تبين لنا مدى تعلق قلبه بالله عز وجل. (انظر الرسالة السابعة والثامنة) .

5 -

تأكيده على أنَّ القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة هما الأساس المتين في منهجه الذي يسير عليه في التخطيط التربوي، فانظر -مثلاً- ما قاله في رسالته التي أرسلها إلى فضيلة الشيخ عبد الظاهر أبو السمح رحمه الله:"ولا شك أن المرجع كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وكل أمر يخرج منهما باطل". (انظر الرسالة السابعة) .

6 -

الاعتماد والتوكل على الله عز وجل في أموره كلها كبيرها وصغيرها. وإذا كان في الأمر الصادر منه تكليف لأحد من عماله، فإنه يقول:"وأنا معتمد على الله ثم عليه"، وإلا أطلق الاعتماد على الله وحده، كما في رسالته للشيخ عبد الرحمن بن عودان:"اعتمدنا على الله". (انظر الرسالة الثانية والخامسة) .

ولا عجب في هذا كله، فقد تعلم في بيت آل الشيخ، على يد سماحة الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف الذي هو من آل بيت الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله.

ثانياً: الاعتصام بالكتاب والسنة المطهرة على منهج السلف:

لقد أدرك الملك عبد العزيز ضرورة تطبيق قول النبي صلى الله عليه وسلم: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما مسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه"(1)، وهو ما قام بتطبيقه فعلاً واتخذه منهجاً لحياته. ويظهر ذلك جلياً فيما يلي:

1 -

ما ذكره في رسالته إلى الإخوان: "إن أصل الدين كتاب الله تعالى وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، كما كان عليه الصحابة والتابعين لهم بإحسان وفهم السلف الصالح ". (انظر الرسالة العاشرة) .

(1) موطأ مالك، كتاب القدر، باب النهي عن القول بالقدر، دار إحياء التراث العربي، مصر، 1370 هـ، حديث رقم 3 جـ2 ص 899.

ص: 301

2 -

تأكيده لضرورة تدريس مادة العبادات للمطوفين التي هي من أهم ركائز هذا الدين، وأن لا يكون ذلك إلا بعد دراسة القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة. (انظر الرسالة الثالثة) .

3 -

تدريس العلوم النافعة. فقد نصت رسالته التي تتعلق بإنشاء مدرسة خاصة بالكبار على ذلك، ومعلوم أنه ليس هناك أنفع من كتاب الله -تعالى- وعلومه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وعلومها، إذ مضمون العلوم النافعة فيهما والعمل بهما. (انظر الرسالة الخامسة) .

4 -

الاعتصام بالسنة النبوية. فقد جاءت موافقة الملك عبد العزيز رحمه الله على إنشاء دار الحديث بمكة المكرمة والمدينة المنورة إيماناً منه بأهمية السنة النبوية؛ فهي التي شرحت القرآن الكريم، فجاء الاعتصام بها مقروناً بالاعتصام بالقرآن الكريم. ومما يؤكد هذا الجانب في رسالته التي أرسلها إلى الشيخ عبد الظاهر أبو السمح قوله: "فإذا جاء الدليل من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم

فهو البرهان والدليل".

ثالثاً: الدعوة إلى الله من أسس إقامة هذه الدولة:

في الرسالة التي أرسلها الملك عبد العزيز إلى الأخوين الكريمين الشيخ أبو يسار الدمشقي، وناصر الدين الحجازي، جاء ما يلي: "من حسن توفيق الله لكم أن أقامكم في آخر هذا الزمان دعاة إلى الحق وحجة على الخلق فاشكروه على ذلك.... إلى قوله: فليقتد بمن سلف من الأنبياء والمرسلين

ولا يثنيه ذلك عن الدعوة إلى الله ". (انظر الرسالة التاسعة) .

ولاشك أن الدعوة إلى الله -تعالى- في هذا البلد مستمرة وقائمه -وله- الحمد حتى الآن، من خلال الهيئات الدعوية التي أقامتها الدولة لنشر الدعوة في الداخل والخارج، وخصوصاً ما تقوم به الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة عن طريق عمادة خدمة المجتمع، فهذا عمل -نسأل الله تبارك وتعالى أن يجعله في ميزان حسناته، وميزان حسنات أبنائه من بعده.

ص: 302

وقد حدد رحمه الله المنهج الدعوي القويم الذي به تستمر الدعوة إلى قيام الساعة وذلك حين قال للشيخين: "فاغتنموا -رحمكم الله- الدعوة إلى الله وإلى دينه وشرعه

بالحكمة والموعظة الحسنة بالحجة والبيان". (انظر الرسالة التاسعة) .

رابعاً: إزالة المخالفات الشرعية:

لقد علم الملك عبد العزيز من خلال معرفته بالعقيدة الصافية النقية، ما عليه الناس من جهل وابتداع ومخالفة لشرع الله -تعالى-. ونلمس هذا في رسالته إلى الشيخ عبد الظاهر أبو السمح حيث جاء فيها:"تعرف حالة الناس اليوم ومخالفتهم وتعاطيهم أموراً ليس من الشرع، إنما هي عن تعنت وبعضها عن جهل"، فهذه الجملة التي جاءت في الرسالة لتأسيس مدرسة دار الحديث تؤكد على ضرورة أن تقوم المدرسة على منهج قويم يستقي علومه من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة وفق منهج سلف هذه الأمة. (انظر الرسالة السابعة) .

خامساً: النصح للرعية:

النصح أمر مطلوب وواجب من الراعي والرعية؛ لأنهم مسؤولون عما استرعاهم عليه الله يوم القيامة، وقد نص على ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم حين قال:"الأمير راعٍ ومسئول عن رعيته"(1) . ولقد بدى جلياً في رسائل الملك عبد العزيز حرصه على النصح لرعيته، ومن ذلك قوله:"التوحيد هو أصل الأصول للدين الذي لا يجوز التقليد فيه، فعليكم بالتفقه في دينكم واتباع نبيكم صلى الله عليه وسلم وسلفكم الصالح من الصحابة والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وقد تقدم لكم البيان بأننا في الأصل على القرآن وفي الفروع على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، إن هذا المقام ليس مقام تفصيل وإطالة، بل هو مقام نصيحة وتنبيه لكم فيما تأتون من أمور دينكم بأن تكونوا فيه على بصيرة ". (انظر الرسالة العاشرة) .

(1) مسند الإمام أحمد، دار صادر، بيروت، د. ت جـ2ص54.

ص: 303

هذه الخاصية في النصيحة مهمة كل راعٍ وخصوصاً ولي الأمر، ثم يليه الوالد فالمعلم وهكذا، فالنصيحة أصل من أصول الدين الإسلامي لا بد أن نربي أنفسنا عليه ونربي أبناءنا عليه -أيضاً-، وأن نتقبل النصيحة والتوجيه من كل ناصح وموجه.

سادساً: أخلاقه رحمه الله:

الخلق صفة مستقرة في النفس - فطرية أو مكتسبة - ذات آثار في السلوك، منها ما هو محمود ومنها ما هو مذموم.

"ونستطيع أن نقيس مستوى الخلق النفسي عن طريق قياس آثاره في سلوك الإنسان، فالصفة الخلقية المستقرة في النفس إذا كانت حميدة كانت آثارها حميدة، والعكس صحيح، وعلى قدر قيمة الخلق في النفس تكون آثاره في السلوك".

ويظهر حسن الخلق لدى الملك عبد العزيز جلياً، من خلال الأمور التالية:

1 -

خلقه مع والده:

في رسالته التي أرسلها إلى عبد الله بن محمد بن ناصر يقول رحمه الله: "ومن عندنا الإمام الوالد"، فقد أعطاه لقب الإمام مما يشير إلى توقير الملك عبد العزيز لوالده واحترامه وبرّه به في حياته وبعد مماته كما هو معلوم عنه يرحمه الله. (انظر الرسالة الأولى) .

يقول الزركلي: "كان عبد العزيز بعد أن ولي الإمارة بالرياض، يزور أباه الإمام عبد الرحمن في قصره صباح كل يوم.

وأما والده فيزوره بعد صلاة الجمعة من كل أسبوع، وعندما يصل يقفز عبد العزيز من مكانه فيستقبله ويقدمه إلى صدر المجلس (مقعد الإمارة) ، يجلس هو بين يديه مع (الخويان) أو بين الزوار.

وكان حين يخاطب أباه يجعل لنفسه صفة الملوك، ويجلس بين يديه صامتاً يَنظر ما يأمره به.

ولما أراد عبد العزيز السفر من الرياض إلى الحجاز في أواخر سنة 1346هـ دخل على أبيه يودعه، وكان يخشى أن يكون هذا هو الوداع الأخير، فكان يقبّل يديه ويسأله: هل أنت راضٍ عني؟ فيجيبه الإمام وهو جلد صبور: لا شك، فيعود إلى يديه يقبلهما، ويعيد السؤال مراراً حتى تشفى نفسه".

ص: 304

ويقول محمد أسد: "كان يصطنع تجاه أبيه سلوكاً متواضعاً إلى أبعد حدود التواضع، حتى إنه لم يكن يسمح لنفسه مطلقاً ولم يكن يرضى بأن يطأ أرض غرفة من غرف القصر إذا كان عبد الرحمن في الغرفة التي تحتها، وكان يقول - أي الملك عبد العزيز - كيف أستطيع أن أسمح لنفسي بأن أمشي فوق رأس أبي؟! وكان لا يجلس مطلقاً في حضرة الشيخ - أي الإمام - إلا إذا دعاه إلى ذلك علانية ".

2 -

خلقه مع أبنائه:

في التاسع من رمضان سنة 1354هـ بعث الملك الأب والمربي رسالة إلى ابنه فيصل يطلب منه المشاركة في معرض سوريا، فنجده يقول له في مقدمة الرسالة:"من عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل، إلى: جناب المكرم الابن فيصل"، فهو بهذا الأسلوب الأبوي الرحيم يجلّ ولده ويكرمه، ونحن في مجال التربية والتعليم نعرف ما لهذا الأسلوب من قوة في نفوس الطلاب حين تعطي لهم مكانتهم وتحترمهم وتوقرهم وتنزلهم منازلهم، فبهذا الخُلق الرفيع يذكرني بأفعال النبي الحبيب صلى الله عليه وسلم حين كان ينزل الناس منازلهم. (انظر الرسالة السادسة) .

3 -

خلقه مع الرعية وخاصة العلماء منهم:

الخُلق لدى الملك عبد العزيز أمر ثابت فيه، ودليل ثبوته ثبات حسن خلقه في معاملته لوالده وابنه، ويؤكد ذلك رسالته إلى أبي يسار الدمشقي، وناصر الدين الحجازي التي قال فيها: "من عبد العزيز إلى جناب المكرمين الشيخ الفاضل أبو يسار الدمشقي، وناصر الدين الحجازي سلمهما الله تعالى

فإني أحمد إليكما الله الذي لا إله إلا هو". (انظر الرسالة التاسعة) .

فهذه النعوت التي نعت بها هذين الشيخين لها مكانة كبيرة في نفوس المخاطبين، فهذا خلق نبيل من ملك والد يرعى حقوق رعيته في مخاطبته لهم.

ومن النماذج الدالة على خلقه الكريم مع رعيته رسائله إلى كل من:

أ - الشيخ عبد الظاهر أبو السمح.

ب - الشيخ عثمان بن بشر.

جـ - الشيخ أحمد الدهلوي.

ص: 305

فقد وصفهم بالأفخم، المكرم، الأخ، جناب، الشيخ. فمثل هذه الألقاب تعطي مكانة للمرسل إليه، فيبعث ذلك الفرح والسرور في نفسه، وهذا خلق إسلامي رفيع المستوى، تمثله الملك المربي الموجه الذي عرف حق رعيته وعلماء أمته. (انظر الرسالة الرابعة والسابعة والثامنة) .

سابعاً: إزالة الجهل عن الرعية بدينها الحق:

مما ظهر للباحث - من خلال إمعان النظر في الرسائل - أن الملك عبد العزيز -يرحمه الله- وضع نصب عينيه سؤال الله -تعالى- له يوم القيامة عن تطبيق قوله: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ} (1) . فأوجب على نفسه من خلال نعمة الله عليه - من تمكينه من ملك هذه الجزيرة العربية المسلمة - الاهتمام بالإسلام، وما ذلك إلَاّ لرفع الجهل بالدين، وإزالة ما كان يشوبه من الانحرافات الشركية أو البدعية أو الخرافية وما شابه ذلك.

فوضع الملك الراعي أمانة هذه المسئولية أمانة في أعناق العلماء، كما جاء في رسالته للشيخين الفاضلين أبي يسار الدمشقي وناصر الدين الحجازي حين قال لهما: "الحمد لله الذي جعل لأهل الحق بقية وعصابة تذب عن دين المرسلين وتحمي حماه عن زيغ الزائغين، وشبه المارقين والملحدين

وهذه منة عظيمة حيث جعلكم الله في هذه الأزمان التي غلب على أكثر أهلها الجهل والهوى والإعراض عن النور والهدى

إلى أن ذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه: "فوالله لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حُمر النعم"(2)(انظر الرسالة التاسعة) .

(1) سورة الحج، آية 21.

(2)

صحيح البخاري، باب مناقب علي رضي الله عنه، دار إحياء التراث الإسلامي، بيروت، د. ت جـ5 ص22-23 حديث رقم (1) ، وسنن أبي داود، كتاب العلم، باب فضل نشر العلم، دار الحديث، حمص، 1393هـ، جـ4ص69 حديث رقم (3661) .

ص: 306

وفي نهاية الرسالة حدد رحمه الله الطريق والمنهج الذي يعتقده هو ومن معه من العلماء فقال: "نحن ومشائخنا على الطريقة المحمدية والعقيدة السلفية". (انظر الرسالة التاسعة) .

وكان في الرسالة التي أرسلها إلى الشيخ عبد الظاهر أبو السمح التي أكد فيها أهمية إنشاء المدرسة قوله: "فإذا كانت المدرسة التي تريدون فتحها يعلم فيها الحديث والفقه وبالأخص فقه الإمام أحمد بن حنبل وعدم الإعابة على أحد من الأئمة فهذا نحن ممنونين فيه ونوافق عليه". (انظر الرسالة التاسعة) .

ثامناً: الهديَّة عنوان المحبة:

لقد تمثل الملك عبد العزيز المربي قول النبي صلى الله عليه وسلم: "تهادوا تحابوا"(1) ، فقد أرسل رحمه الله هدية إلى كل من الشيخين أبي يسار الدمشقي وناصر الدين الحجازي كتاباً فيه تحديد منهج الملك عبد العزيز الديني، فقال:"وهذه (هدية) نهديها إليكم من كلام علماء المسلمين وبيان ما نحن ومشائخنا عليه من الطريقة المحمدية والعقيدة السلفية ليتبين لكم حقيقة ما نحن عليه وما ندعو إليه". (انظر الرسالة التاسعة) .

ما تقدم ما هو إلا عرض موجز لبعض الخصائص التربوية في رسائل الملك

عبد العزيز، وكما سبق أن ذكرت فإني لا أستطيع أن أحيط بكل ما كتب، ولكني أوجزت فقط كي أعطي بعضاً من الأفكار التربوية في رسائله لمن يرغب أن يتناولها بالدراسة العميقة. والله من وراء القصد والحمد لله رب العالمين.

الخاتمة

الحمد لله الذي بنعمته تتم الأعمال الصالحات، والصلاة والسلام على النبي المعلم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

(1) عبد العظيم المنذري، الترغيب والترهيب، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1388هـ جـ3ص434.

ص: 307

* فمِمَّا تقدم نستخلص أن لكل عصر أسلوبه في كتابة ما يعبر عنه من خلال المقالات أو الرسائل، وكانت مهمة الباحث دراسة عدد من رسائل الملك عبد العزيز للتعرف على أسلوب ومفردات العصر الذي كتبت فيه، وإدراك المعنى والمقصود من بعض هذه المفردات، ومعرفة أسباب استعمال بعض الألفاظ وطريقة المراسلات والتوجيهات.

* كما يود الباحث أن ينوه أنه لم يعط مقام الملك عبد العزيز حقه من حيث النشأة والإنجاز، لكنه اختصر لأن المجال هنا مجال عرض الأفكار التربوية في بعض الرسائل الخاصة بالمجال التربوي. فقد قام بتحليل أهم العناصر والنقاط التي رأى أنها الأقوى في إيضاح ما يرغب أن يبينه للقارئ.

* كما أفرد الباحث لنصوص الرسائل موضوعاً خاصاً بها حتى يحيل إلى ما يريد أولاً، ثم يقف القارئ على تلك الرسائل بنفسه فيعرف عن مؤسس هذه الدولة الإسلامية كيف كان يتعامل مع رعيته، وكيف كان يخطط، ومقدار ما كان ينجز.

* لقد ركز الباحث في موضوع تحليل محتوى الرسائل على الجوانب التربوية لاستخراج وتوضيح الأفكار، ومن ذلك تخطيط الملك عبد العزيز للتعليم، وكيف عالج موضوع البطالة، وكيف أكد على التخصص، وتعدد مصادر الثقافة والتعليم وتنويعها، ومنه أيضاً نشر الكتب العلمية والخرائط والزيارات الميدانية، والرحلات العلمية، ثم النماذج التطبيقية في: دار الحديث المكية والمدنية، وإنشاء المدارس في الرياض وينبع وغيرهما، والخدمات التعليمية المختلفة التي قام بها خلال حياته، وأخيراً ثمرة هذا التخطيط ما نحن عليه الآن، والحمد لله.

ص: 308

* كما قام الباحث بعرض موجز لبعض خصائص رسائل الملك عبد العزيز المربي، ومما جاء فيه: الاهتمام بالعقيدة الإسلامية، والدعوة إلى الله، والنصح للرعية، والتمسك بالشريعة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإزالة الجهل عن الأمة، واحترام العلماء، وهذه مجالات كل واحدة منها تحتاج إلى دراسة متخصصة حتى تظهر مكانة هذه الخصائص والنعم التي أنعم الله بها عليه.

لذا فإنَّ الباحث يوصي الدارسين والباحثين في العلوم التربوية أن يهتموا بالبحث في الوثائق التي في طياتها أفكار وتوجيهات تربوية، وخصوصاً في وثائق الشخصيات القيادية، مثل الملك عبد العزيز رحمه الله، والملك سعود رحمه الله، والملك فيصل رحمه الله، والملك خالد رحمه الله، وخصوصاً خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز -حفظه الله-؛ لأنَّه أول وزير للمعارف بالمملكة العربية السعودية.

ومن البحوث المقترحة ما يلي:

1 -

الفكر التربوي في خطب الملك عبد العزيز رحمه الله، التي ألقاها في مكَّة المكرَّمة والمدينة المنورة.

2 -

الإنجازات التعليمية في عهد الملك سعود رحمه الله، وأثرها على التنمية الوطنية.

3 -

الإنجازات التعليمية في عهد الملك فيصل رحمه الله، وأثرها على التنمية الوطنية.

4 -

الإنجازات التعليمية في عهد الملك خالد رحمه الله، وأثرها على التنمية الوطنية.

5 -

الإنجازات التعليمية في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز -حفظه الله-، وأثرها على التنمية الوطنية.

وأخيراً، فإن الباحث يسأل الله -تعالى- أن يكون هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، وإن جاء فيه ما يرضيه فمنه وحده التوفيق وله المنّة، وإلا فإني أستغفر الله عن كل زلة لقلمي.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

قائمة المراجع

1-

القرآن الكريم.

2 -

أحمد بن حنبل، مسند الإمام أحمد بن حنبل، دار صادر - بيروت.

ص: 309

3 -

أحمد حسين العقبي، أسرار لقاء الملك عبد العزيز والرئيس روزفلت، ترجمة لكتاب:"روزفلت يجتمع بابن سعود"، بساط - بيروت، 1404هـ.

4 -

أحمد عبد الغفور عطَّار، صقر الجزيرة، مطبعة الحرية، بيروت، 1392هـ.

5 -

أحمد عسه، معجزة فوق الرمال، المطابع الأهلية اللبنانية - بيروت، 1975م.

6 -

إسماعيل بن كثير القرشي، تفسير ابن كثير، دار عالم الكتب -الرياض، د. ت.

7 -

أمين الريحاني، تاريخ نجد وملحقاتها، دار الريحاني للطباعة والنشر - بيروت، د. ت.

8 -

حافظ وهبة، جزيرة العرب في القرن العشرين، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر - القاهرة، 1354هـ.

9 -

حافظ وهبة، خمسون عاماً في جزيرة العرب، مطبعة الحلبي - القاهرة، 1380هـ.

10 -

حسين مهدي الطوبجي، وسائل الاتصال، دار العلم - الكويت، 1401هـ.

11 – خير الدين الزركلي، الأعلام، دار العلم للملايين - بيروت، 1992م.

12 -

خير الدين الزركلي، شبة الجزيرة في عهد الملك عبد العزيز، دار العلم للملايين - بيروت، 1397هـ.

13 -

خير الدين الزركلي، الوجيز في سيرة الملك عبد العزيز، دار العلم للملايين - بيروت، 1996م.

14 -

دخيل الله الحيدري، التعليم الأهلي بالمدينة المنورة، إصدارات النادي الأدبي - المدينة المنورة، 1412هـ.

15 -

سليمان بن الأشعث، سنن أبي داود، دار الحديث - حمص، سوريا، 1393هـ.

16 -

صالح بن عبد الله العبود، عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأثرها في العالم الإسلامي، الجامعة الإسلامية (المجلس العلمي) - المدينة المنورة، 1408هـ.

17 -

صلاح الدين المختار، تاريخ المملكة العربية السعودية في ماضيها وحاضرها، دار مكتبة الحياة، بيروت، 1376هـ.

18 -

عبد الرحمن بن سبيت السبيت وآخرون، من وثائق الملك عبد العزيز، رئاسة الحرس والوطني - الرياض، 1410هـ، إصدارات المهرجان الوطني للتراث والثقافة.

19 -

عبد الرحمن حسن الميداني، الأخلاق الإسلامية وأسسها، دار العلم - دمشق، 1407هـ.

ص: 310

20 -

عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، مجموعة الدرر السنية في الأجوبة النجدية ورسائلهم، مطابع المكتب الإسلامي، بيروت، 1385هـ.

21 -

عبد العظيم بن عبد القوي المنذري، الترغيب والترهيب، دار إحياء التراث العربي- بيروت، 1388هـ.

22 -

عبد الله أبو رأس وبدر الدين الديب، الملك عبد العزيز والتعليم، دار عكاظ - جدة، 1413هـ.

23 -

عثمان حافظ، صور وذكريات عن المدينة المنورة، إصدارات النادي الأدبي - المدينة المنورة، 1403هـ.

24 -

فؤاد حمزة، قلب جزيرة العرب، مكتبة النصر الحديثة - الرياض، د. ت.

25 -

مالك بن أنس، الموطأ، دار إحياء التراث العربي - مصر، 1370هـ.

26 -

محمد أسد، الطريق إلى الإسلام، ترجمة عفيف البعلبكي، دار العلم للملايين - بيروت، 1968م.

27 -

محمد بن إسماعيل البخاري، صحيح البخاري، دار إحياء التراث الإسلامي - بيروت، د. ت.

28 -

محمد جلال كشك، السعوديون والحل الإسلامي، شركة مودري جيرافيك - لندن، 1401هـ.

29 -

محمد عبد الله السلمان، توحيد المملكة العربية السعودية وأثره في الاستقرار الفكري والسياسي والاجتماعي، مؤسسة المدينة للصحافة - جدة، 1416هـ.

30 -

محمد بن عبد الله آل عبد القادر، تحفة المستفيد بتاريخ الإحساء، مطابع الرياض - الرياض، 1379هـ.

31 -

محمد عبد الله المانع، توحيد المملكة العربية السعودية، شركة مطابع المطوع - الدمام، 1402هـ.

32 -

مسلم بن الحجاج القشيري، صحيح مسلم، دار إحياء التراث الإسلامي – بيروت، 1375هـ.

ص: 311

دعائم

التمكين للمملكة العربية السعودية

على ضوء قوله تعالى:

{الَّذِينَ إنْ مَكَّنَّاهُم في الأَرْضِ أَقَامُواْ الصَّلَاة وَآتُوا الزَّكاة وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهواْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَللهِ عَاقِبَةُ الأُمُور} [الحج، الآية: 41]

الدكتور/ حمد بن حمدي الصاعدي

الأستاذ المشارك بكلية الشريعة

بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

1419هـ

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وعلى آله وصحبه والتابعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين؛ أمَّا بعد:

فإنَّ الكتابة في موضوع دعائم التمكين للمملكة العربية السعودية على ضوء قوله تعالى: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَْرضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ} [الحج: 41] ذات شئون؛ لأنَّ الموضوع واسع جداً، والمادَّة غزيرة ومتشعبة، ولا يفيد في ذلك اختصار الموضوع مهما حاول الكاتب الاختصار. ولكن ما لا يدرك كله لا يترك جله، كما قيل.

ولذا فإني سوف أشير إلى أمور أجدها أولى بالإشارة؛ ومنها ما يلي:

1 -

أنَّ الكتابة في هذا الموضوع هي من باب التذكير بالنعم لتعرف فتُشْكَر فَتَدُوم كما قال الله تعالى: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ} [إبراهيم: 7] .

2 -

أنَّ المقصود الأهم في هذا الموضوع، هو التنبيه على أهمية العقيدة وتطبيق الشريعة في جميع شئون الحياة؛ لأنَّ التمسك بالعقيدة الصحيحة وتطبيق أحكام الشريعة على الوجه الذي أراده الشارع، هما أساس التمكين في الأرض، وشرط العاقبة الحسنة والنجاة والحياة السعيدة في الدنيا والآخرة {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى} [طه: 123] .

ص: 312

3 -

أنَّ الالتفاف حول المنهج الشرعي، والاعتصام بالكتاب والسنة، والتكاتف والتآلف، وتحقيق الأخوة الإسلامية - كما أمر الله - مقصد شرعي ودعامة من دعائم التمكين والاستخلاف في الأرض كما قال تعالى:{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً} [النور: 55] .

4 -

أنَّ عالمية المنهج وبقاءه وتفرده على غيره بميزات لا توجد في غيره، كل ذلك يتطلب الدعوة المستمرة إليه والمحافظة على بقائه ووقايته من كل ما يخدش نقاءه وصفاءه أو الاعتداء عليه؛ لأنَّ الحق لا يكفيه كونه حقاً وحسب، كما قال تعالى:{وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْض} [البقرة: 251] .

5 -

أنَّ المتتبع لسير ولاة الأمر في المملكة العربية السعودية منذ نشأتها وخلال مراحلها وأدوارها المتتابعة، وخاصّةً في الدور الثالث الذي يبدأ بفتح الرياض على يد الملك عبد العزيز رحمه الله عام 1319هـ، لا يمكنه إلَاّ أن يقول: إنَّ القاعدة التي يسير عليها أولئك الحكام، والمنهج الذي يطبقونه في حياتهم وحياة رعيتهم هو تطبيق الدعائم الشرعية الواردة في الآية الكريمة موضوع البحث، وقد وعد الله بالنصر والتمكين لمَنْ وَفَّى بشروط التمكين. وأنَّ المهم هو تحقق الشروط، لا حصول المشروط؛ لأنَّ حصوله قد أخبر الله به، وما أخبر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم لا شك ولا ارتياب في تحققه.

وهذه الأمور التي سبقت - وإن كان البحث سوف يتكفل ببيانها وإيضاحها - الإشارةُ إليها في هذه المقدمة مما يدفع المطلع على الاستمرار في قراءة الموضوع، وهذا أحد أهداف الكاتبين.

ص: 313

نسأل الله تعالى العون والتوفيق، إنَّه سميع مجيب.

خطة البحث:

1 -

المقدمة: وتشتمل على ما يلي:

أ - أهمية الموضوع، أسباب اختياره.

ب - تحديد الزمان الذي يتناوله البحث، وأسباب الحصر في ذلك.

2 -

التمهيد: وهو في بيان ألفاظ عنوان البحث. ويتناول ما يلي:

أ - الدعائم.

ب - التمكين.

ج – المملكة العربية السعودية.

3 -

صُلْب الموضوع، وفيه عِدَّة فصول:

الفصل الأول: فيما يتعلَّق بالآية الكريمة. وفيه مباحث:

الأول: في بيان حال العرب قبل مبعث الرسول صلى الله عليه وسلم.

الثاني: في مناسبة الآيات لِمَا قبلها.

الثالث: في سبب نزول الآية الكريمة.

الرابع: في أقوال المفسرين في الآيات.

الخامس: في بيان دلالات الآية الكريمة، وعلاقة ذلك بما كان عليه الحال إبان قيام الدولة السعودية على يد الملك عبد العزيز رحمه الله. وفيه مطالب:

الأول: الصورة الكريمة التي سيكون عليها الذين إنْ مَكَّنهم الله في الأرض.

الثاني: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

الثالث: وظيفة الدولة المسلمة. وأنَّ الحق لا يكفيه كونه حقاً فقط.

الرابع: أن تلك الصورة الكريمة لم تدم طويلاً. وإن كان التمسك

بالأصل لم يزل موجوداً للوعد الإلهي بذلك.

الخامس: علاقة الآية الكريمة بما كان عليه الحال عند قيام الدولة السعودية على يد الملك عبد العزيز عام 1319هـ.

الفصل الثاني: في ماهية الدعائم، وبيان أهميتها. وفيه مباحث:

الأول: في الدعامة الأولى: إقام الصلاة. وفيه مطالب:

الأول: في ماهية الصلاة.

الثاني: في أهميتها.

الثالث: في المقصود بإقامة الصلاة على ضوء الآية الكريمة.

الثاني: في الدعامة الثانية: إيتاء الزكاة. وفيه مطالب:

الأول: في ماهية الزكاة.

الثاني: في أهمية الزكاة.

ص: 314

الثالث: في الحكمة من إيتاء الزكاة على ضوء الآية الكريمة.

الثالث: في الدعامة الثالثة والرابعة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وفيه مطالب:

الأول: في ماهيتهما.

الثاني: في أهميتهما.

الثالث: في الحكمة منهما على ضوء الآية الكريمة.

الفصل الثالث: في اهتمام ولاة الأمر في المملكة العربية السعودية بتلك الدعائم والأسس، وتطبيقها على أنفسهم ورعيتهم. وفيه مباحث:

الأول: في اهتمام المؤسس الأول بتلك الدعائم. وفيه مطلبان:

الأول: تقريره للهدف العام من الدعامة الأولى، وهو العقيدة السلفية.

الثاني: عنايته بالهدف الخاص من الدعامة الأولى: إقام الصلاة.

الثالث: في جهود أبنائه من بعده في ترسيخ وتطبيق تلك الدعائم.

الرابع: في ثمرة تطبيق تلك الدعائم على الراعي والرعية.

1 -

المقدمة: وتشتمل على ما يلي:

أ - أهمية الموضوع وأسباب اختياره.

ب - تحديد الزمان الذي يتناوله البحث وأسباب الحصر في ذلك.

أ - أهمية الموضوع وأسباب اختياره:

إنَّ بيان أهمية موضوعٍ مَّا تنبع من أهمية الأمور التي يبحثها، وما لها من مكانة وشأن عظيم.

وهذا الموضوع الذي نتحدَّث عن أهمية وأسباب اختياره يتناول الأمور التالية:

1 -

العقيدة الصافية المبنية على توحيد الله، وإخلاص العبادة له دون سواه، امتثالاً لقوله تعالى:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَاّ لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56] .

2 -

الشريعة والمنهج الكامل الذي رضيه الله لعباده وأتَمَّ به النعمة عليهم وفيه بيان صحة المعتقد وسلامة البناء [1] .

ص: 315

3 -

التعاون والاعتصام حول المعتقد الصحيح المبني على النصوص الشرعية من الكتاب والسُنَّة وفهم السَّلَف الصَّالح. كقوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا} [آل عمران: 103] .

وكقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "مثل المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمَّى"[2] .

4 -

السلطة المسلمة التي تحمي ذلك كله، وأنَّه لا يكفي في الأمر أن يكون حقاً، بل لابدَّ من مدافع عن الحق ودافع إليه، في استقامة المنهج.

5 – التذكير بالنعم وتجليتها، لتعرف، فتشكر، فتدوم، لأنَّ دوام النعم والزيادة منها مرهون بشكرها، كما قال تعالى:{لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُم} [إبراهيم: 7] .

6 -

التحذير من كفران النعم؛ لأنَّ ذلك يعرضها للزوال والاضمحلال. هذه بعض الأمور التي حضرتني عند التفكير في كتابة هذا الموضوع دعائم التمكين للمملكة العربية السعودية على ضوء قوله تعالى: {الَّذِينَ إنْ مَكَّنَّاهُم في الأَرْضِ أَقَامُواْ الصَّلَاة وَآتُوا الزَّكاة وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهواْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَللهِ عَاقِبَةُ الأُمُور} [الحج، الآية: 41] .

وإن كانت الأسباب ليست محصورة في تلك الأمور إلَاّ أنَّ ما ذُكِرَ أهمها.

ب - تحديد الزمان الذي يتناوله البحث:

يتحدَّد الكلام في هذا الموضوع بالمدة الزمانية - التي دخل فيها الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود رحمه الله مدينة الرياض عام 1319هـ، إلى الوقت الحاضر - عهد خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود أطال الله في عمره.

ص: 316

والسبب في هذا التحديد أمور منها:

1 -

أنَّ دعائم التمكين للمملكة العربية السعودية المذكورة في عنوان البحث أشد وضوحاً، وأكثر جلاءً في هذا الدور.

2 -

أنَّ المناسبة التي كُتِبَ الموضوع من أجلها حددت الاحتفاء بمرور مائة عام على تأسيس المملكة، فكان من المناسب أن لا يخرج الموضوع عن ذلك التحديد.

3 -

أنَّ قصر الموضوع على هذه المدة المتميزة يعطيه مجالاً للاستيفاء بخلاف ما لو كان مشتملاً على أدوار المملكة العربية السعودية الثلاثة.

التمهيد:

ويتناول شرح ألفاظ عنوان الموضوع. وهي:

أ – الدعائم.

ب - التمكين.

ج – المملكة العربية السعودية.

أ - الدعائم:

جمع لدعامة، وفعله (دَعَمَ) كمَنَعَ، قال في مقاييس اللغة [3] : "الدال والعين والميم أصل واحد.

وهو شيء يكون قياماً لشيءٍ آخر ومساكاً؛ تقول: دعمت الشيء أدعمه دعماً، وهو مدعوم. والدّعامتان: خشبتا البكرة، ودعامة القوم سيدهم. ويقال: لا دعم لفلان أي: لا قوة له".

- وفي اللسان: "دعم الشيء يدعمه دعماً مَال فأقامه"[4] .

- وفي المعجم الوسيط [5] : "دَعَمَهُ دعماً: أسنده بشيءٍ يمنعه من السقوط. ويقال: دعم فلاناً أعانه وقَوَّاه.

ودَعَّمَه: قوَّاه وثبَّته. ويقال: هو دعامة الضعيف أي معينه.

ويقال: هذا من دعائم الأمور، أي: مِمَّا تتماسك به الأمور".

- ومن هذه المعاني السابقة لمادَّة (دَعَمَ) يتضح معنى الدعائم، وأنَّها تدور على معنى التثبيت، والتقوية، والمنع من السقوط، والقوة، والإسناد، والإعانة، والدعم. ولا نقصد بدعائم التمكين إلَاّ هذه الأمور التي ثَبَّتَتْ وقَوّتْ ودعَّمَت وأسندت ومنعت من السقوط، وأعانت على استمرار الولاية الراشدة التي قامت على تلك الدعائم. وبذلك يلتقي المعنى اللغوي مع المعنى الاصطلاحي، وهذا ما قصدناه من البحث اللغوي.

ص: 317

ب - التمكين:

تفعيل مصدر للفعل الرباعي (أمكن أو مَكَّنَ) يقال: (أمكنه) من الشيء جعل له عليه سلطاناً وقدرة.

والأمر: فلاناً سهل عليه وتيسر له. ويقال: فلان لا يمكنه النهوض لا يقدر عليه [6] .

و (مَكَّنَ له في الشيء) : جعل له عليه سلطاناً. وفي القرآن الكريم: {إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ

} [سورة الكهف، الآية: 84] .

وقد يأتي هذا الفعل لازماً كما يقال: (مَكُنَ) فلانٌ عند الناس مكانةً، عظم عندهم، فهو مكين [7] . ويجمع على مكناء. وفي القرآن الكريم:{قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ} [سورة يوسف: الآية: 54] .

وبعد أن عرفنا معنى الدعائم والتمكين يتضح أنَّ إضافة الدعائم إلى التمكين من باب شجر الأراك؛ لأنَّها سلبت المعنى وأصبح معنى الكلمتين واحداً هو التثبيت والإمساك والمنع من السقوط

الخ المعاني التي سبقت.

ج- المملكة العربية السعودية:

دولة إسلامية عربية ذات سيادة، وهي معروفة بما تتميز به وتحويه من الحرمين الشريفين، حيث قبلة المسلمين التي يتوجهون إليها في صلاتهم خمس مرات في اليوم والليلة ومهاجر نبيهم صلى الله عليه وسلم، ومحاولة تعريف المعرف قد يزيده غموضاً. ولكن نقول: إنَّ المملكة العربية السعودية تشغل الجزء الأكبر من جزيرة العرب وتقع في الجزء الغربي من قارة آسياً بين خطي طول 35ْ - 56ْ شرقاً، وعرض 16ْ - 32ْ شمالاً.

ويحدها شمالاً: الكويت، والعراق، والأردن.

وجنوباً: الجمهورية اليمنية.

وشرقاً: عُمان ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر، والخليج العربي.

وغرباً: البحر الأحمر.

وعاصمتها: الرياض.

ومن أهم مدنها: مكة المكرمة، والمدينة المنورة.

وجدة على البحر الأحمر، والدمام على الخليج العربي.

ص: 318

وقد أطلق عليها هذا الاسم (المملكة العربية السعودية) بعد توحيدها تحت راية التوحيد عام 1351هـ الموافق 21 جمادى الأولى، أول برج الميزان 1310 شمسية الموافق الموافق 23/9/1932م.

ووصفت بالسعودية: نسبة إلى مؤسسها الأول محمد بن سعود الذي عاش في المدة من 1139-1179هـ حيث التقى بالداعية السلفي المجدِّد الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وتعاهد معه على نصرة الإسلام، ونشر الدعوة السلفية عام 1157هـ، وعلى تطبيق الشريعة الغرَّاء، وذلك في مدينة الدرعية [8] .

الفصل الأول

فيما يتعلَّق بالآيات الكريمة

وفيه مباحث:

الأول: في حالة العرب قبل مبعث الرسول صلى الله عليه وسلم.

الثاني: في مناسبة الآيات لما قبلها.

الثالث: في سبب نزول الآيات.

الرابع: في بيان أقوال المفسرين في الآيات الكريمة.

الخامس: في دلالات الآية الكريمة وعلاقة ذلك بما كان عليه الحال في زمان قيام الدولة السعودية الثالثة: وفيه مطالب:

الأول: الصورة الكريمة التي سيكون عيها الحال بعد التمكين في

الأرض.

الثاني: أنَّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

الثالث: بيان وظيفة الدولة المسلمة على ضوء الآية الكريمة.

المبحث الأول: في حالة العرب قبل مبعث الرسول صلى الله عليه وسلم:

كانت العرب، والناس جميعاً - إلَاّ القليل - عند مبعث الرسول صلى الله عليه وسلم في جاهليَّةٍ جهلاء، وضلالةٍ عمياء، انتشرت فيهم عبادة الأوثان، وعكفوا على القبور، ودعوا غير الله تعالى. فاضطربت أحوالهم السياسية والاجتماعية والأخلاقية والاقتصادية، وكثرت الحروب، وثارت لأتفه الأسباب، وتفكَّكت الأُسَر، وعمَّت الرذيلة، وقلَّت الفضيلة.

ص: 319

ولم يكن هناك نظام يحكم بين الناس إلَاّ النظام القبلي القائم على التعصب للقبيلة. فبعثَ اللهُ تعالى رسوله محمَّداً صلى الله عليه وسلم بالدين الحقِّ، والتوحيد الخالص، مُبَشِّراً مَنْ أطاعه بالجنة، ومُحَذِّراً مَنْ عصاه بالنار. فاستجاب لدعوته الرجل، والرجلان، وبعض النساء، والصبيان، مِمَّن كتب الله لهم الفوز والفلاح [9] .

وعارضَ دعوته كثيرٌ مِمَّن كُتِبَت عليه الشقاوة، فوقف في طريق الدعوة التي جاء بها الرسول صلى الله عليه وسلم من عند ربه، وأخذ يثير حولها الشكوك والأوهام، ويؤذي الذين دخلوا في دين الله بشتى أنواع العذاب، فَقُتِلَ بعض من آمن، ظلماً وعدواناً، وضُيِّقَ على بعضهم الآخر، حتى اضطروا إلى ترك أهلهم وأموالهم وبلدهم، وفرُّوا بدينهم الذي هو أغلى شيء يملكونه. وكانت الحكمة تقضي بألَاّ يعرض هؤلاء النفر أنفسهم للهلاك، فلم يؤمروا بالجهاد في بادئ الأمر، وإنَّما أُمِرُوا بالصبر والتحمُّل حتى قوي أمر المسلمين، وكانت لهم شوكة ودولة تحميهم، وتصد العدو عنهم [10] . وحينئذٍ شُرِعَ الجهاد لإعلاء كلمة الله -تعالى-، والدفع عن المستضعفين [11] .

المبحث الثاني: مناسبة الآيات لما قبلها:

الآية الكريمة التي يدور البحث على ضوئها مرتبطةٌ بثلاث آيات قبلها، والآيات الثلاث ليست بمنفصلة عمَّا تقدمها من آيات السورة الكريمة.

ص: 320

فالله سبحانه وتعالى لَمَّا ذكر جملة مِمَّا يُفْعَل في الحج، وما فيه من منافع دنيوية وأخروية - وكان المشركون قد صدُّوا الرسول صلى الله عليه وسلم عام الحديبية ومنعوه من دخول الحرم، وآذوا مَنْ كان بمكة من المؤمنين - أنزل الله تعالى هذه الآيات مبشرة للمؤمنين بدفعه عنهم، ومشيرة إلى نصرهم وإذنه لهم في القتال [12] . ومعلنة ما به يزول الصد والمنع، وما به يصير المسلمون أعزة أحراراً أقوياء [13] . ووعد الله في هذه الآيات بالتمكين لهم في الأرض، وردهم إلى ديارهم، وفتح مكَّة لهم [14] . وأنَّ عاقبة الأمور راجعةٌ إلى الله تعالى. والعاقبة للتقوى.

ولم يذكر سبحانه وتعالى ما يدفعه عنهم ليكون أفخم وأعظم وأعمَّ [15] . {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ. أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ. الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَاّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ. الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ} [سورة الحج - الآيات: 38-41] .

المبحث الثالث: في سبب نزول الآيات الكريمة:

ص: 321

1 -

رُوِيَ أنَّ المؤمنين لَمَّا كثروا بمكَّة أذاهم الكُفَّار، وهاجر مَنْ هاجر إلى أرض الحبشة، أراد بعض المؤمنين أن يقتل مَنْ أمكنه من الكُفَّار ويغتال ويغدر، فنزلت الآيات إلى قوله تعالى:{إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ} [الحج: 39] .

فوعد الله فيها بالمدافعة، ونهى عن الخيانة، وخصَّ المؤمنين بالدفع عنهم والنصرة لهم، وعلَّل ذلك بأنَّه لا يحب أعداءهم الخائنين الله والرسول صلى الله عليه وسلم الكافرين نعمه [16] .

2 -

وعن ابن عباس [17] رضي الله عنهما قال: "لما أخرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكَّة قال أبو بكر [18] رضي الله عنه: أخرجوا نبيهم. إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، ليهلكن القوم، فنزلت {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا} الآية. قال ابن عباس: وهي أول آية نزلت في القتال".

قال الترمذي [19] : "حديث حسن". وقد رواه غير واحد عن الثوري [20] . وروى نحوه عن جماعة من التابعين [21] .

المبحث الرابع: في أقوال المفسرين في معنى الآيات:

1 -

{إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ} [الحج: 38] .

المعنى: إنَّ الله يدافع عن المؤمنين الذين توكلوا عليه وأنابوا إليه، غوائل المشركين وشر الأشرار وكيد الفجار.

وقيل: يعلي حجتهم. وقيل: يوفقهم. والمعنى متقارب.

والجملة مستأنفة لبيان هذه المزية الحاصلة للمؤمنين من رب العالمين وأنَّه المتولي للمدافعة عنهم [22] .

ص: 322

وفي الآية إشارة إلى أنَّ المؤمنين مُعَرَّضون للابتلاء من أعداء الله، ولكنَّ الله سبحانه وتعالى يدافع عنهم. فيربط على قلوبهم ويثبت أقدامهم على طريق الهدى، ويمدهم بالصبر على احتمال المكروه، وهذا الوعد أشبه بالدروع التي تتكسَّر عليها ضربات الباطل والكفر. ثُمَّ ينتهي الأمر بانحسار الضلال وأهله، وغلبة الإيمان وانتصار أهله؛ كما قال تعالى:{كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} [المجادلة:21] . وقوله: {إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ} [الحج:38] .

أي أنَّ الله لا يحب مَن اتَّصَف بهذه الصفة، وهي الخيانة في العهود والمواثيق، لا يفي بما قال.

والكفر: الجحود للنعم لا يعترف بها [23] .

والجملة مقررة لمضمون الجملة الأولى؛ فإنَّ مدافعة الله للكافرين عن عباده المؤمنين مشعرة أتم إشعار بأنَّهم مبغضون إلى الله غير محبوبين له.

وإيراد صيغتي المبالغة للدلالة على أنَّهم كذلك في الواقع لا لإخراج مَن خان دون خيانتهم، أو كفر دون كفرهم [24] .

وهكذا تضمَّنت الآية وعداً من الله بنصر المؤمنين، ووعيداً بخذلان الكافرين الخائنين، والخيانة - هنا - تصدق بالأصالة على الخيانة الكبرى. وهي خيانة الأمانة الإلهية التي عرضها الله على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها، وحملها الإنسان. مما يجب على الإنسان الوفاء به من حقوق الله تعالى، وحقوق العباد في كُلِّ آن.

وتصدق بالتبع على بقية صنوف الخيانات مِمَّا يتفرَّع عنها ويظهر أثره في مختلف التصرفات [25] .

2 -

{أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} [الحج: 39] .

الآية على تقدير محذوف: أي أذن لهم في القتال بسبب أنَّهم ظلموا. قال ابن عباس رضي الله عنهما: "هذه أول آية نزلت في الجهاد"[26] .

ص: 323

وقال أكثر المفسرين: هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. كان مشركو مكَّة يؤذونهم أذىً كثيراً، وكانوا يأتون إليه بين مضروب ومشجوج، ويتظلَّمون إليه، فيقول لهم:"اصبروا فإنِّي لم أومر بقتالهم"، حتى هاجروا، فأُنْزِلَت هذه الآية [27] .

وقال في أحكام القرآن: "إنَّ الله سبحانه وتعالى لَمَّا بعثَ محمَّداً صلى الله عليه وسلم بالحجَّة، دعا قومه إلى الله دعاءً دائماً عشرة أعوام لإقامة حجة الله، ووفاءً بوعده الذي امتن به بفضله في قوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً

} [الإسراء:15] .

واستمرَّ الناس في الطغيان، وما استدلوا بواضح البرهان، وحين أعذر الله بذلك إلى الخلق وأبوا عن الصدق، أمَرَ رسولَه صلى الله عليه وسلم بالقتال يستخرج الإقرار بالحق منهم بالسيف" [28] .

وقُرِئ {يُقَاتَلُونَ} بفتح التاء وكسرها. وقوَّى صاحب الأحكام [29] قراءة الكسر؛ لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم بعد وقوع العفو والصفح عمَّا فعلوا، أذِنَ الله له بالقتال عند استقراره بالمدينة، فأخرج البعوث، ثُمَّ خرج بنفسه حتى أظهره الله يوم بدر. وذلك في قوله تعالى:{وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} [30] . وفي هذا التذييل للآية وعد من الله تعالى بنصر المؤمنين نصراً مؤزراً متى خاضوا المعركة لإعلاء كلمة الله ونصر دينه.

وقد جاء هذا الوعد في صيغة تحفز على الاستماتة في سبيل الله، كلها توكيد وتأييد.

ومَنْ كانت قدرة الله توجهه وترافق خطواته وحركاته، لن يستطيعَ عائق كيفما كان أن يقف في طريقه أو يفتّ من عزيمته [31] .

ص: 324

3 -

{الذين أُخْرِجُوا من الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَاّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج: 40] .

{الذين أُخرجوا من ديارهم} : وصفٌ للذين أذن لهم بالقتال، فهو بدل منصوب على المدح، أو مرفوع على أنَّه مبتدأ. والمراد بالديار: مكَّة المكرَّمة [32] .

قال ابن عباس رضي الله عنهما: "أُخْرِجُوا من مكَّة إلى المدينة بغير حق، وهم محمَّد صلى الله عليه وسلم وأصحابه"[33] .

{إِلأَ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ} : أي ما كان لهم إلى قومهم إساءة،

ولا كان لهم ذَنْب إلَاّ أنَّهم وحَّدوا الله وعبدوه لا شريك له.

- وهل في هذا عدوان على أحد؟ أو ضرر يعود على أحد؟! ولكن أهل الضلال والبغي ينظرون بعيون مريضة، ويحكمون على الأمور بعقولٍ فاسدة. فيرون النور ظلمة، والخير شرّاً، والإحسان إساءً!! [34] .

فتكون هذه الآية الكريمة مثل قوله تعالى: {هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ} [المائدة: 59] .

وقول النابغة [35] :

بهنَّ فلولٌ من قراع الكتائب [36]

ولا عيب فيهم غير أنَّ سيوفهم

وقوله تعالى: {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج:40] .

معنى: لهدِّمَت: لَخُرِّبَت باستيلاء أهل الشرك على أهل الملل.

والصوامع: صوامع الرهبان. وقيل: صوامع الصابئين.

والبيع: جمع بيعة، وهي كنيسة النصارى.

ص: 325

والصلوات: هي كنائس اليهود.

والمساجد: هي مساجد المسلمين.

والمعنى: لولا ما شرعه الله للأنبياء والمؤمنين من قتال الأعداء لاستولى أهل الشرك، وذهبت مواضع العبادة من الأرض [37] .

قال ابن كثير [38]رحمه الله: "أي لولا أنَّه يدفع بقومٍ عن قوم، ويكف شرور أناس عن غيرهم بما يخلقه ويقدره من الأسباب، لفسدت الأرض، ولأهلك القويُّ الضعيفَ"[39] .

وقيل: لولا هذا الدفع لهدِّمَت في زمن موسى عليه السلام الكنائسُ. وفي زمن عيسى عليه السلام الصوامِعُ والبِيَعُ. وفي زمن محمَّد صلى الله عليه وسلم المسَاجِدُ.

وقيل: لولا دفع الله ظُلْمَ الظَّلَمة بعدل الولاة [40] .

وحمل الآية على العموم أولى؛ لأنَّ التخصيص لم يقم عليه دليل.

- والآية فيها تحريض على القتال المأذون فيه قبل، وأنَّه تعالى أجرى العادة بذلك في الأمم الماضية بأن ينتظم به الأمر، وتقوم الشرائع، وتصان المتعبدات من الهدم، وأهلها من القتل والشتات.

- وكأنَّه لما قال: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ} قيل: فليقاتِل المؤمنون، فلولا القتال لَتُغُلِّبَ على أهل الحق في كُلِّ أُمَّة [41] .

وقوله -تعالى-: {يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً} .

الضمير {فيها} يعود على المساجد؛ لأنَّها أقرب مذكور. وقيل: يعود على الجميع، باعتبار ما كان عليه الأمر قبل أن ينحرف أهلها عن دين الحق، وتنسخ بما جاء في القرآن. وأُخِّرَت المساجد لتأخرها في الوجود.

وقيل: إنَّ هذه المواضع ذُكِرَت مرتَّبة على الأشرف فالأشرف. فأُخِّرَت المساجد لشرفها [42] ؛ ولأنَّها أماكن العبادة الحقة [43] .

{وَلَيَنْصُرنَّ الله مَنْ ينْصُرُه إنَّ الله لقويٌّ عزيز}

اللام واقعة في جواب القسم. والمعنى: والله لينصرن مَنْ ينصره.

- والمراد بمَن ينصر الله: من ينصر دينه وأولياءه [44] .

ص: 326

- ونصر الله تعالى لهم: أن يظفر أولياءه بأعدائهم جلاداً وجدالاً، وفي ذلك حضٌّ على القتال.

- ثُمَّ أخبر تعالى: أنَّه قوي على نصرهم، عزيز، لا يغالب [45] .

فوصف الله نفسه بالقوة والعزَّة، فبقوته خلق كل شيء، فقدَّره تقديراً. وبعزَّته لا يقهره قاهر، ولا يغلبه غالب. بل كل شيء ذليل لديه، فقيرٌ إليه.

ومَن كان القاهر الذي لا يغالب ناصرَهُ، فهو المنصور، وعَدَوَّهُ المقهور. قال تعالى:{ولقد سَبَقَت كَلِمَتُنا لِعِبَادِنَا المُرْسَلِينَ. إنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورونَ. وإنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} [الصافات: 171-173] . وقد أنجز الله وعده حيث سلَّط المهاجرين والأنصار على صناديد الكفر من العرب، وعلى أكاسرة العجم، وقياصرة الروم، وأورثهم أرضهم وديارهم [46] .

ولن يخلف الله وعده لمن جاء بما شرطه في هذه الآية وغيرها مِمَّن تحقَّق فيه هذا الوعد.

4 -

{الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ} [الحج: 41] .

{الذين} : منصوب بدل {ممن ينصره} أو وصف المأذون لهم في القتال. فيجوز فيه من الإعراب ما جاز في قوله: {الَّذِينَ أُخْرِجُوا} كما سبق.

- والتمكين: السلطنة ونفاذ الأمر على الخلق.

- وفي الآية إخبار بالغيب عمَّا تكون عليه سيرتهم إنْ مكَّن لهم في الأرض وبسط لهم في الدنيا، وكيف يقومون بأمر الدين [47] .

وعن عثمان بن عفَّان [48] رضي الله عنه هذا والله – "ثناء قبل بلاء": يريد أنَّ الله قد أثنى عليهم قبل أن يحدثوا من الخير ما أحدثوا. وقالوا: فيه دليل على صحة أمر الخلفاء الراشدين؛ لأنَّ الله تعالى لم يجعل التمكن ونفاذ الأمر مع السيرة العادلة لغيرهم من المهاجرين. فلا حَظَّ فيها للأنصار والطلقاء [49] .

ص: 327

- وفي الآية أخذ العهد على مَنْ مكَّنه الله أن يفعل ما رتب على التمكين في الآية [50] .

- وقيل: نزلت في أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم [51] .

- وعن الحسن [52]، وأبي العالية [53] : هم أمته عليه السلام.

وقيل: هم أهل الصلوات الخمس، وهو قريب مِمَّا قبله [54] .

وقال ابن أبي نجيح [55] : هم الولاة.

وقال الضحاك [56] : هو شرطٌ شرطه الله من أتاه الملك.

قال ابن عباس رضي الله عنهما: المهاجرون والأنصار والتابعون.

وعن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: "فينا نزلت هذه الآية {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ} . والآية بعدها. أُخْرِجْنَا من ديارنا بغير حق [57] إلَاّ أن قلنا: ربنا الله، ثُمَّ مكنا في الأرض فأقمنا الصلاة، وآتينا الزكاة، وأمرنا بالمعروف، ونهينا عن المنكر، ولله عاقبة الأمور، فهي لي ولأصحابي"[58] .

وقال الصباح بن سوادة الكندي [59] : "سمعت عمر بن عبد العزيز [60] : يخطب ويقول: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْض

} الآية. ثُمَّ قال: ألا إنَّها ليست على الوالي وحده. ولكنها على الوالي والموَلَّى عليه. ألا أُنبئكم بما لكم على الوالي من ذلك. وبما للوالي عليكم منه؟:

1 -

إنَّ لكم على الوالي من ذلكم أن يؤاخذكم بحقوق الله عليكم.

2 -

وأن يأخذ لبعضكم من بعض.

3 -

وأن يهديكم للتي هي أقوم ما استطاع.

- وإنَّ عليكم من ذلك الطاعة غير المبزوزة [61] ، ولا المستكثر بها. ولا المخَالِف سرُّها علانيتها".

وقال عطية العوفي [62] : "هذه الآية كقوله -تعالى-: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ} ، وقوله: {وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ} كقوله: {وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} "[طه: 132] .

ص: 328

وعن زيد بن أسلم [63] : في قوله -تعالى-: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْض} : قال: "أرض المدينة". {أَقَامُوا الصَّلاةَ} : قال: "المكتوبة". {وَآتُوا الزَّكَاةَ} : قال: "المفروضة". {وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوف} : قال: "بلا إله إلَاّ الله". {وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ} : قال: "الشرك بالله". {وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُُمُورِ} : قال: "وعند الله ثواب ما صنعوا"[64] .

ويقول ابن جرير [65]- رحمه الله تعالى - في تأويل قوله -تعالى-:

{الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ} [الحج: 41] : "يقول تعالى ذكره: أذن للذين يقاتلون بأنَّهم ظلموا - الذين إنْ مكَّناهم في الأرض أقاموا الصلاة - والذين ههنا رد على الذين يقاتلون.

ويعني قوله: {إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْض} : إن وطَّنا لهم في البلاد فقهروا المشركين وغلبوهم عليها، وهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: إنْ نصرناهم على أعدائهم وقهروا مشركي مكة، أطاعوا الله فأقاموا الصلاة بحدودها.

{وَآتُوا الزَّكَاةَ} : يقول: وأعطوا زكاة أموالهم من جعلها الله له. {وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ} : يقول: ودعوا الناس إلى توحيد الله والعمل بطاعته وما يعرفه أهل الإيمان بالله [66] .

{وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَر} : يقول: ونهوا عن الشرك بالله والعمل بمعاصيه الذي ينكره أهل الحق والإيمان بالله.

{وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ} : يقول: ولله آخر أمور الخلق، يعني أنَّ إليه مصيرها في الثواب عليها، والعقاب في الدار الآخرة [67] .

ص: 329

وعن أبي العالية: "كان أمرهم بالمعروف أنَّهم دعوا إلى الإخلاص لله وحده لا شريك له. ونهيهم عن المنكر أنَّهم نهوا عن عبادة الأوثان وعبادة الشيطان. ثُمَّ قال: فمن دعا إلى الله من الناس كلهم فقد أمر بالمعروف، ومن نهى عن عبادة الأوثان وعبادة الشيطان فقد نهى عن المنكر [68] .

المبحث الخامس:

في دلالات الآية الكريمة، وعلاقة ذلك بما كان عليه حال الجزيرة العربية عند قيام الدولة السعودية الثالثة عام 1319هـ، وفيه مطالب:

الأول: الصورة الكريمة التي سيكون عليها {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ} .

الثاني: أنَّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

الثالث: وظيفة الدولة المسلمة. وأنَّ الحق لا يكفيه كونه حقّاً فقط.

الرابع: أنَّ تلك الصورة الكريمة لم تدم طويلاً، وإن كان التمسك بالأصل موجوداً للوعد الإلهي بذلك.

الخامس: علاقة ما تدل عليه الآية الكريمة بما كان عليه الحال عند قيام الدولة السعودية على يد الملك عبد العزيز.

المطلب الأول: في الصورة الكريمة التي سيكون عليها المؤمنون بعد التمكين في الأرض:

ص: 330

لقد جاءت الآية الكريمة ذات الرقم (41) من سورة الحج، تحمل دلالات عامَّة وشاملة لا يحدها زمان ولا مكان - كما ظهر ذلك من أقوال المفسرين -، وسواء أريد ب {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْض} طائفة مخصوصة - كالمهاجرين، أو أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، أو أهل الصلوات الخمس، أو الولاة - أو كان المراد عموم أُمَّة الرسول صلى الله عليه وسلم، كما يدل عليه ظاهر نظم الآية - التي سيقت في قوالب شاملة عامَّة - كالذين، والأرض، وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وأمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر - فإنَّ الآية تعرض الصورة الكريمة التي سيكون عليها هؤلاء المؤمنون الذين أُخْرِجُوا من ديارهم بغير حق، وذلك حين ينصرهم الله، ويمكِّن لهم في الأرض، وتكون لهم القوة والغلبة [69] . إنَّهم مع ذلك لن يكونوا على شاكلة مشركي مكَّة الذين كان إليهم وبأيديهم القوة والسلطان، فتسلَّطوا على عباد الله، ورهقوهم، وأخذوهم بالبأساء والضراء، وأخرجوهم من ديارهم بغير حق [70] .

إنَّ هؤلاء المؤمنين حين يمكن لهم في الأرض - سيكونون مصابيح هدى وينابيع رحمة - للإنسانية كلها بما يقيمون فيها من موازين

الحق والعدل، وما يغرسون في آفاقها من مغارس الخير والإحسان.

إنَّهم يقيمون الصلاة ليستمدوا منها العون من الله.

ويؤتون الزكاة فيكشفون الضر عن عباد الله.

ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فيصلحون بهذا من سلوك الناس، ويقيمون لهم الطرق المستقيمة، فلا تتصادم منازعهم، ولا تفسد مشاربهم. وقد صدق الله وعده، ومكَّن سبحانه وتعالى للمؤمنين في الأرض، بعد أن هاجروا من مكة إلى المدينة.

فكانوا أعلام هدى، وآيات رحمة، وموازين عدل وإحسان بين الناس، وكانوا كما وصفهم الله تعالى بقوله:{كُنْتُم خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَت لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بالمعروفِ وَتَنْهَونَ عَنِ المُنْكَرِ وَتُؤْمَنُونَ باللهِ} [آل عمران: 110][71] .

ص: 331

المطلب الثاني: أنَّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب:

وبيان ذلك أنَّ سبب نزول الآية - كما سبق - هو إيذاء كفار قريش لأصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، وهجرتهم إلى المدينة. ولكن نَظْم الآية والقوالب التي صيغت بها معانيها، جاءت عامَّة كليةً تشمل جميع من توفرت فيه شروط التمكين في الأرض، وقد مرَّ مَنْ قال بذلك من المفسرين [72] .

والقاعدة عند العلماء والأصوليين والمفسرين: أنَّ الآية إذا كان لها سبب نزول خاص، وكذا الحديث، إذا كان وارداً على سببٍ خاصٍّ. فإنَّ الحكم لا يكون مقصوراً على السبب. وإن كان دخول صورة السبب في الحكم لها الأولوية؛ لأنَّ العبرة بعموم اللفظ عند استنباط الحكم لا بخصوص السبب، كما هو الراجح لدى كثيرٍ من العلماء. وعلى ذلك يكون الحكم الذي دلَّت عليه الآية الكريمة عامّاً لجميع مَنْ تحقَّقت فيه شروط التمكين في الآية [73] .

وهذا أحد الأسباب التي توضح العلاقة بين دلالة الآية وموضوع البحث.

المطلب الثالث: وظيفة الدولة المسلمة. وأنَّ الحق لا يكفيه

كونه حقّاً فقط:

ذكر كثيرٌ من المفسرين أنَّ الآية الكريمة - وهي قوله -تعالى-: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ

} الآية [الحج: 41] . قد تضمَّنت الغاية الكبرى من وجود الدولة المسلمة الصالحة. وبيان الأسس والدعائم التي تقوم عليها تلك الدولة [74] .

- وأنَّ القيام بالمبادئ المذكورة والتقيد بمضمونها - هو الشرط الذي شرطه الله لمن يستحق النصر في قوله -تعالى-: {وَلَيَنْصُرنَّ الله مَنْ ينْصُرُه إنَّ الله لقويٌّ عزيز} [الحج:40] . وتلك الأسس والدعائم -كما ذُكِرَت في الآية- أربع:

الأولى: إقام الصلاة

الثانية: إيتاء الزكاة.

الثالثة: الأمر بالمعروف.

الرابعة: النهي عن المنكر.

ص: 332

والكلام على أهمية هذه الأسس وما قامت به الدولة السعودية في شأنها - سيأتي - إن شاء الله.

لكن نشير إلى ناحية أخرى تعرَّضت لها الآيات - كما سبق - وهي أنَّ الحق لا يكفيه كونه حقّاً، بل لابدَّ من منافح عنه، ودافع إليه. ومِنْ ثَمَّ لم يشأ الله أن يترك الإيمان والخير عزلاً، تكافح قوى الطغيان والشر - اعتماداً على قوة الإيمان في النفوس، وتغلغل الحق في الفطر، وعمق الخير في القلوب، إلَاّ ريثما يستعدون للمقاومة، ويتهيأون للدفاع. ويتمكنون من وسائل الجهاد. وعندئذٍ أُذِنَ لهم في القتال لرد العدوان؛ لأنَّ الإيمان والخير والحق لابدَّ لها من قوة تحميها من البطش، وتقيها من الفتن، وتحرسها من كُلِّ مَنْ يريد الاعتداء عليها [75] .

ووراء ذلك كُلِّه تلك القاعدة العامَّة، وهي حاجة العقيدة إلى الدفع عنها، وأنَّ الحقَّ مهما كان نوعه لابدَّ له من نصرة ودفاع، وهذه الحقيقة عبَّر عنها القرآن الكريم بمنتهى الدقة والوضوح في قوله -تعالى-:{وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ} [البقرة: 215] وإليها يشير في هذه الآيات بقوله -تعالى-: {وَوَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً} فهذه المواضع - على قداستها وتخصيصها لعبادة الله - معرَّضة للهدم والخراب، ولا يشفع لها في نظر الباطل، كونها يُذْكَر فيها اسم الله كثيراً، ولا يحميها إلَاّ دفع الله الناس بعضهم ببعضٍ، أي دفع حماة العقيدة لأعدائها الذين ينتهكون حرمتها ويعتدون على أهلها، فكان من حكمة الجهاد في الإسلام، حماية العقيدة، وحرية العبادة، وتمكين المؤمنين العابدين العاملين من تحقيق منهاج الحياة القائم على العقيدة، المتصل بالله، الكفيل بتحقيق الخير للبشرية في الدنيا والآخرة [76] .

ص: 333

الرابع: أنَّ تلك الصورة الكريمة والسيرة الحسنة لم تدم طويلاً:

سبق أنَّ الصورة الكريمة التي سيكون عليها المؤمنون الذين أُخرجوا من ديارهم بغير حق - بعد التمكين لهم في الأرض - قد تحقَّقت في رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام - رضوان الله عليهم، وذلك بعد أن هاجروا إلى المدينة النبوية، وتوفَّرت فيهم شروط التمكين، حيث قامت أول دولة إسلامية تحت راية لا إله إلَاّ الله وأنَّ محمَّداً رسول الله.

وكان أولئك المؤمنون القائمون على أمرها، مَصابيح هدى، وينابيع رحمة للإنسانية كلها، بما يقيمون فيها من موازين الحق والعدل، وما يغرسون في آفاقها من مغارس الخير والإحسان.

فكانت سيرتهم في الحكم والرعية شعيرة إسلامية يجب الاهتداء بها، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم:"عليكم بسنَّتي وسُنَّة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسَّكوا بها وعضّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإنَّ كُلَّ محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار"[77] .

كما أصبحت سيرتهم في الرعية وما كانوا عليه من العدل أمنية إنسانية يود كل قائم ومسئول عن أمر المسلمين أن يسيرها ويهتدي بها أو بما يشابهها.

لكن تلك الصورة الكريمة والسيرة الطيبة التي كان عليها الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه من بعده - لم تدُم طويلاً، لحكمةٍ يعلمها الله، وأسباب قدرها، ومنها الابتعاد عن شروط التمكين في الأرض، والإخلال بما أمر الله به.. نعم! ما برحت عوامل الضعف الذاتية، ونقم الكيد الخارجية تنهش في جسم الأمة الإسلامية بما يوهن أو يمرض عافيتها [78] .

إلَاّ أنَّ الله -تعالى- بمقتضى اسمه اللطيف، واسمه الرحيم، وقى هذه الأُمَّة من الاستئصال [79] . وقضى بقدره الحكيم بحفظ الدين إلى يوم التناد، كما قال -تعالى-:{إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] .

ص: 334

وقال الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم: "لا تزال طائفة من أمَّتي ظاهرين على الحق لا يضرهم مَنْ خذلهم - أو مَن خالفهم - حتى يأتي أمرُ الله"[80] .

وإنَّ المستقرئ لتاريخ هذه الأُمَّة في حقبه المتتابعة والمتفاوتة، قوةً وضعفاً، يعلم أنَّ: دولة الإسلام لم ينقطع موكبها، ولم تقف سفينتها منذ أن أقام الرسول صلى الله عليه وسلم دولة الإسلام العظمى في المدينة النبوية.

فقد شهد التاريخ الإسلامي - بعد عهد الرسول صلى الله عليه وسلم والخلافة الراشدة - عِدَّة دول [81] . تعنى بأمر العقيدة والشريعة، وتحمي الحوزة، وتدافع عن حصن الإسلام، وإن كان ذلك لا يقاس بمعيار الخلافة الراشدة، لكن الأمر الذي لا يجوز نكرانه، هو أنَّ تلك الدول قد قامت بمسئولياتٍ كبيرة، منها:

1 -

اتخاذ الكتاب والسُنَّة مصدراً للتشريع والحكم، وإن حصل تقصير في إنفاذ مقتضاهما دون الاستخفاف بالأصل أو ردّ للأمر أو جحود للأحكام.

2 -

الحفاظ على كيان الأُمَّة والاستمساك بمبدأ وحدتها، ولو على ضعف في بعض الأحيان.

3 -

استمرار الدعوة والفتح الإسلامي.

4 -

اتصال النشاط العلمي والحضاري ونشر الثقافة الإسلامية. ولو في مستوى أقل مِمَّا هو مطلوب [82] .

وفي ذلك كله تصديق لمعنىً جليلٍ من معاني الحديث العظيم الذي مرَّ، كما أنَّ فيه دليلاً على صدق ما وعد الله به من أنَّه يخرج لهذه الأمة مَن يجدد لها دينها. كما في الحديث النبوي:"إنَّ الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة مَنْ يجدِّد لها دينها"[83] .

فلم يزل المصلحون يتتابعون على هذه الأمَّة المحمدية، كلَّما بَعُدَ العهد بواحدٍ خلفه آخر، وفاءً من الله جلَّ وعلا بهذا الوعد الحكيم:{إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ} [آل عمران: 9] .

ص: 335

حتى وصل الأمر بالأمة الإسلامية إلى العقد الأول والثاني من القرن الرابع عشر من هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، فكان المجدِّد فيه هو الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله فقد نشأ في زمن ضعفت فيه الآثار المحمدية. وضعفت المعالم الإسلامية، فلا راية إلَاّ لأهل الشرك والبدع. لهم الصولة والجولة، والعامة تبعٌ لهم. والخاصة دعاة لهم، قد ضلوا وأضلوا كثيراً وضلوا عن سواء السبيل، لم يسلم من شباكهم إلَاّ نذر يسير. وأصبحت البدعة عندهم سُنَّة إذا غيرت قيل: غيرت السُنَّة.

فلمَّا رأى الشيخ حالهم، وعرف ضلالتهم، دعاهم إلى توحيد الله بالعبادة، وإفراده بها.

ولم يزل صابراً على ما يلقاه من أذى، داعياً إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة، يسانده في ذلك - بعد عون الله تعالى - الإمام محمد بن سعود رحمه الله، إلى أن أتت هذه الدعوة المباركة ثمارها، وغرست غرساً طيباً ما زال الناس يعيشون في ظله، فأثمرت تلامذة يدعون إلى الحق، وكتباً تهدى إليه، فسار الطلاب بهذه الدعوة إلى كل مكان، وسارت مؤلفات الحق مسار النهار، فانشرحت صدور الموفقين لهذه الدعوة وقبلوها، ودعوا إليها، والتقت قلوبهم عليها، وإن تباعدت أقطارهم. واتضح دين الحق، وظهر أمر الله:{وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [الصف: 8] .

لكن هذه الدعوة المباركة لم تسلم من حروبٍ شرسة، شنَّها أعداؤها، أعداء الدين الذين شَرِقُوا بدعوة الحق وكرهوها، وسعوا في الإطاحة بها، والقضاء عليها، وعملوا بكل ما أوتوا من الوسائل إلى إخماد نور هذه الدعوة الإصلاحية، ولكن وسائلهم باءت بالفشل، ولم تحقق تقدماً ولم تقض لهم وطراً؛ لأنَّ نور الله باقٍ ودينه منصور.

ص: 336

فحقق الله لعباده المؤمنين وعده بالنصر والتمكين في الأرض [84] على يد الإمام الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود، حيث رفع راية التوحيد خفاقة، فأعزَّ الله به أهل هذه الدعوة بعد أن كانوا أذِلَّة، وأغناهم جلَّ وعلا به بعدما كانوا عالة [85] .

المطلب الخامس: في بيان العلاقة والموازنة بين دلالة الآية الكريمة وما كان عليه الحال إبان قيام المملكة العربية السعودية على يد الملك عبد العزيز:

إنَّ بيان العلاقة وعقد المقارنة بين دلالة الآيات الكريمة، وما صاحب نزولها من الظروف المتعلقة بحال العرب من الناحية الدينية أو السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية عند مبعث الرسول صلى الله عليه وسلم، وحال جزيرة العرب إبان قيام الدولة السعودية على يدي الملك عبد العزيز رحمه الله لا يتطلب كبير عناء؛ إذ المشابهة والموازنة بينهما جداً واضحة، فالجاهلية الجهلاء بالأمور الدينية، وكثرة البدع وعبادة القبور من دون الله قد كانت موجودة.

- والفوضى السياسية، واستئساد الحكم القبلي العشائري، هو الذي يتحكم في كثيرٍ من المناطق.

- والفاقة والعوز وقلة الموارد الاقتصادية هي الحالة الظاهرة.

- والتفكك الاجتماعي والأسري والتناحر بين الأخ وأخيه هو المسيطر في غالب الأحيان.

- والإخراج بدون ذنب إلَاّ أن يقول المؤمن ربنا الله، قد حصل.

- والهجرة إلى البلاد الآمنة من أجل إقامة الحق قد وقع.

- والتمكين في الأرض للمؤمنين وعودتهم إلى ديارهم منصورين قد تحقق.

- وتطبيق الشرع ومعرفة الغاية الكبرى من وجود الدولة المسلمة الصالحة، وفقه الأسس التي تقوم عليها تلك الدولة قد وجد.

- والجهاد من أجل إعلاء كلمة الله قد كان.

- فما الذي حدث، حتى عادت الحال إلى ما كانت عليه في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين - رضوان الله عليهم - أو قريباً من ذلك؟!

ص: 337

إنَّ الذي حدث فعلاً، هو العودة إلى الصورة الكريمة التي بشَّرت بها الآية، والاقتراب من شروط التمكين في الأرض التي دلَّت عليها الآيات، واستحقاق النصر الذي وعد الله به المؤمنين. كل هذه الأمور وغيرها مِمَّا يؤهل للاستخلاف في الأرض كما وعد الله قد حصل. والله لا يخلف الميعاد، وينصر مَنْ نصر دينه، ويُعْلِي مَنْ أعزَّ عقيدته، وما ذلك على الله بعزيز [86] .

--------------------------------------------------------------------------------

[1]

المنهج القويم ص 45

[2]

رواه البخاري في كتاب الأدب، باب 36 رقم 5680، وفي كتاب المساجد باب 54 رقم 467 وغيره. ومسلم في البر والصلة والآداب، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم

الخ رقم 2585 – 2586.

[3]

مقاييس اللغة لابن فارس 2/282، تحقيق وضبط عبد السلام هارون، ط2 مطبعة البابي الحلبي بمصر.

[4]

لسان العرب المحيط 2/985 أعاد بناءه على الحرف الأول من الكلمة، يوسف خياط، دار الجبل.

[5]

المعجم الوسيط 1/286، مجموعة من المؤلفين، ط 2.

[6]

المعجم الوسيط 2/881، مختار الصحاح 6/2205

[7]

لسان العرب، مادة (مكن) 5/516-517

[8]

تاريخ المملكة، سيد محمد إبراهيم ص 153

[9]

الدعوة في عهد الملك عبد العزيز 1/35-51، وظلال القرآن 17/600- 601.

[10]

البحر المحيط 1/373.

[11]

التيسير في أحاديث التفسير 4/177

[12]

البحر المحيط 1/373

[13]

التفسير الواضح 2/71، والتيسير في أحاديث التفسير 4/177، وأحكام القرآن لابن العربي، القسم الثالث، 1296-1299

[14]

البحر المحيط 1/373

[15]

أحكام القرآن لابن العربي، القسم الثالث 1296-1299.

[16]

البحر المحيط 1/373.

ص: 338

[17]

ابن عباس هو: عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، ابن عم الرسول صلى الله عليه وسلم، وُلِد قبل الهجرة بثلاث سنين، ودعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفهم فكان يسمى البحر والحبر؛ لسعة علمه. وقال عمر: لو أدرك ابن عباس أسنانا ما عشره منا أحد. مات سنة ثمانٍ وستين بالطائف وهو من المكثرين من الحديث. تقريب التهذيب ص 178-179، وسير أعلام النبلاء 3/331 فما بعدها.

[18]

أبو بكر: هو عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة التيمي، أبو بكر بن أبي قحافة الصديق، خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، مات في جمادى الأولى سنة 13هـ وعمره ثلاث وستون سنة.

تقريب التهذيب ص 181، الاستيعاب 2/243، الإصابة 2/341

[19]

الترمذي: هو محمد بن عيسى بن سورة بن موسى بن الضحاك السلمي الترمذي، أبو عيسى، صاحب كتاب الجامع. أحد الأئمة، ثقة حافظ، مات سنة 279هـ.

تقريب التهذيب ص 314، شذرات الذهب 2/174-175.

[20]

الثوري هو: سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري أبو عبد الله الكوفي، مناقبه كثيرة، أفردها ابن الجوزي في مجلد. من تآليفه: كتاب التفسير، والجامع الكبير. توفي سنة 161هـ.

تقريب التهذيب ص 128، وتاريخ بغداد 9/151، وطبقات ابن سعد 6/371

[21]

فتح القدير 3/457، وكتاب توفيق الرحمن في دروس القرآن للشيخ فيصل بن عبد العزيز آل مبارك ص 107، وانظر سنن الترمذي: كتاب تفسير القرآن حديث (3171) .

[22]

فتح القدير للشوكاني 3/456، وابن جرير 7/171

[23]

ابن كثير 3/224

[24]

فتح القدير 3/456

[25]

التيسير في أحاديث التفسير 4/178

[26]

صفوة التفاسير 2/291

[27]

صفوة التفاسير 2/291، وانظر تفسير ابن كثير 3/225.

ص: 339

[28]

أحكام القرآن لابن العربي، القسم الثالث ص 1296-1297، وابن جرير 17/171-172

[29]

هو: أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد المعافري الأندلسي الأشبيلي، ولد في شعبان سنة 468هـ، ختام علماء الأندلس، وآخر أئمتها وحُفَّاظها، وله عِدَّة مؤلَّفات منها: أحكام القرآن، وكتاب المسالك في شرح موطأ مالك، والعواصم من القواصم، والمحصول في أصول الفقه، وغيرها. وتوفي سنة 543هـ. طبقات المفسرين للدادي 2/167-170، طبقات المفسرين للسيوطي ص34، وفيات الأعيان 3/423

[30]

أحكام القرآن لابن العربي، القسم الثالث ص 1297

[31]

التيسير في أحاديث التفسير 4/178

[32]

فتح القدير 3/457

[33]

صفوة التفاسير 2/292

[34]

ابن كثير 3/225، التفسير القرآني للقرآن - الكتاب التاسع ص 1044

[35]

هو زياد بن معاوية بن ضباب الذبياني الغطفاني المضري، أبو أمامة، شاعر جاهلي، من الطبقة الأولى. كانت تضرب له قبة في سوق عكاظ فتقصده الشعراء وتعرض عليه أشعارها.

طبقات ابن سلام ص51، الأعلام 3/54-55، الشعر والشعراء ص87 وما بعدها.

[36]

ديوان النابغة ص 39. وفتح القدير 3/225

[37]

فتح القدير 3/457

[38]

هو: إسماعيل بن عمر بن كثير بن ضوء بن كثير بن ضوء بن درع. الحافظ، عماد الدين أبو الفداء، ولد سنة 701هـ، وتوفي سنة 774هـ، له عِدَّة مؤلفات منها: التفسير، والبداية والنهاية، والأحكام على أبواب الفقه، وغيرها. طبقات المفسرين للداودي 1/111-113، الدرر الكامنة 1/399.

[39]

ابن كثير 3/226

[40]

ابن كثير 3/226

[41]

البحر المحيط 6/374-375

[42]

ابن كثير 3/226

[43]

صفوة التفاسير 2/292

[44]

فتح القدير 3/457

[45]

أحكام القرآن لابن العربي، القسم الثالث ص 1297

ص: 340

[46]

البحر المحيط 6/376، تفسير النووي لمراح لبيد 2/56

[47]

البحر المحيط 6/376، تفسير النووي لمراح لبيد 2/56، التفسير القرآني للقرآن، الكتاب التاسع ص 1046-1047

[48]

هو: عثمان بن عفان رضي الله عنه ابن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس الأموي أمير المؤمنين، ذو النورين، أحد السابقين الأولين، وثالث الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، استشهد في ذي الحجة سنة 35هـ، وكانت خلافته اثنتى عشرة سنة، وعمره ثمانون سنة.

تقريب التهذيب ص 235، الإصابة 2/455، الاستيعاب مع الإصابة 3/69

[49]

انظر: البحر المحيط 6/376، والطقاء: جمع طليق وهو الأسير الذي خلى سبيله. ترتيب القاموس، مادة طلق. ومختار الصحاح ص:396.

[50]

انظر: البحر المحيط 6/376

[51]

انظر: البحر المحيط 6/376

[52]

هو: الحسن بن أبي الحسن يسار، أبو سعيد، مولى زيد بن ثابت الأنصاري ولد بالمدينة لسنتين بقيتا من خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ثُمَّ نشأ بوادي القرى، وقرأ القرآن على حطان الرقاشي، وروى عن خلف، من التابعين، له ترجمة مطولة في سير أعلام النبلاء 4/563 رقم الترجمة 223، وشذرات الذهب 1/136، وطبقات المفسرين للداودي 1/150. ومن مؤلفاته: التفسير، وكتابه إلى عبد الملك بن مروان في الرد على القدرية. توفي سنة 110هـ.

[53]

هو: رُفَيْع - بالتصغير - بن مهران، أبو العالية الرياحي - بكسر الراء والتحتانية - ثقة كثير الإرسال، من الثانية، مات سنة 90هـ. له تفسير رواه عنه الربيع بن أنس البكري.

تقريب التهذيب ص 154، طبقات المفسرين للداودي 1/178-179

[54]

البحر المحيط 6/376

[55]

هو: عبد الله بن أبي نجيح، الإمام الثقة المفسر. أبو يسار الثقفي المكي، واسم أبيه يسار، مولى الأخنس بن شريف الصحابي، وهو من أخص الناس بمجاهد، توفي سنة 131هـ.

ص: 341

تقريب التهذيب ص 191، سير أعلام النبلاء 6/125-126، شذرات الذهب 1/182، طبقات المفسرين للداودي 2/258، تقريب التهذيب ص 191

[56]

هو: الضحاك بن مزاحم الهلالي، أبو القاسم الخرساني المفسر، يروي تفسيره عنه عبيد بن سليمان، وهو صدوق كثير الإرسال، مات بعد المائة.

انظر: طبقات المفسرين للداودي 1/222، شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي 1/124، سير أعلام النبلاء 4/598-599

[57]

فتح القدير 3/358

[58]

المرجع السابق 3/358

[59]

لم أعثر على ترجمته.

[60]

هو: عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي أمية، أمير المؤمنين، أمُّه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، ولي إمرة المدينة...... وكان مع سليمان كالوزير، وولي الخلافة بعده، فعُدَّ من الخلفاء الراشدين، وروى له الجماعة، كان عادلاً في رعيته وأعادها إلى عهد الخلفاء الراشدين، فلذا عُدَّ الخليفة الخامس، مات رحمه الله سنة مائة وواحد 101هـ.

تقريب التهذيب ص 255، شذرات الذهب 1/119.

[61]

المبزوزة: من بزّ قرينه، بزّاً، وبزّة، غلبه. والشي نزعه وأخذه بجفاء وقهر.

انظر: تفسير ابن كثير 3/226، توفيق الرحمن في دروس القرآن 3/107، المعجم الوسيط 1/54

[62]

هو: عطية بن سعيد بن جنادة الجدلي العوفي الكوفي، أبو الحسن، صدوق يخطئ كثيراً، مدلساً من الثالثة، مات سنة إحدى عشرة.

تقريب التهذيب ص240، شذرات الذهب 1/144

[63]

هو: زيد بن أسلم العدوي، مولى عمر، أبو عبد الله، أو أبو أسامة المدني، ثقة عالم. وكان يرسل، من الثالثة، مات سنة 136هـ. كانت له حلقة للفتوى والعلم بالمدينة، له تفسير القرآن يرويه عنه ابنه عبد الرحمن.

تقريب التهذيب ص 111-112، شذرات الذهب 1/194، سير أعلام النبلاء 5/316

[64]

فتح القدير 3/458، ابن كثير 3/226، زاد المسير 5/437

ص: 342

[65]

هو: محمد بن جرير الطبري، الإمام الحبر، صاحب التفسير المشهور والتاريخ والمصنفات الكثيرة، سمع إسحاق بن إسرائيل ومحمد بن حميد الرازي وطبقتهما، وكان مجتهداً لايقلد أحداً، أثنى العلماء على تفسيره وعدوه من أفضل التفاسير. كانت ولادته سنة أربعٍ وعشرين ومائتين بآمل طبرستان، ووفاته في بغداد سنة 310هـ. شذرات الذهب 2/260

[66]

تفسير ابن جرير 17/179، صفوة التفاسير 2/292

[67]

ابن جرير 17/179

[68]

المرجع السابق 17/179

[69]

التفسير القرآني للقرآن، الكتاب التاسع (9/1047-1048) .

[70]

المرجع السابق.

[71]

المرجع السابق ص 1048

[72]

أحكام القرآن لابن العربي 6/376، وانظر ص 29 من البحث.

[73]

البحر المحيط 6/376

[74]

مجموع الفتاوى لابن تيمية 28/242، الدعوة في عهد الملك عبد العزيز 1/205-206، التيسير في أحاديث التفسير 4/181-182، التفسير الواضح 2/71-72، أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير 3/164، المنهج القويم ص 40

[75]

في ظلال القرآن 17/602، التيسير في أحاديث التفسير 4/179-180، التفسير الحديث 7/106-107، التفسير الواضح 2/71، التفسير القرآني للقرآن 17/1042-1044

[76]

المراجع السابقة.

[77]

رواه أبو داود، كتاب السُنَّة، حديث رقم (4067) . والترمذي في كتاب العلم، باب (16) حديث رقم (2676) . والإمام أحمد (4/126-127) . وابن ماجه في المقدمة 6: باب اتباع سُنَّة الخلفاء الراشدين المهديين، حديث (4342) .

[78]

المنهح القويم ص 25

[79]

لقوله – تعالى -: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} (الأنفال:33) .

ص: 343

[80]

أخرجه الإمام أحمد (5/284،283،78) ، وأبو داود، حديث رقم (4252) وابن ماجه برقم (3952) ، وابن حبان في صحيحه. انظر موارد الظمآن ص 458، ومناهج العلماء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للسامرائي ص 255

[81]

مثل: الخلافة الأموية من 42-132، والخلافة العباسية، والدولة العثمانية، والدولة السعودية قبل الملك عبد العزيز. المنهج القويم ص 26

[82]

المنهج القويم ص 26

[83]

أخرجه أبو داود في الملاحم 2/424 وقال عنه سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز - حفظه الله: "هذا حديث إسناده جيد، ورجاله كلهم ثقات. وقد صحَّحه الحاكم، والحافظ العراقي، والعلَاّمة السخاوي، وآخرون". وصحَّحه الشيخ الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم 599.

وانظر: الفواكه العذاب في معتقد الشيخ محمد بن عبد الوهاب ص 6

[84]

قال -تعالى-: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} (النور: 55) .

[85]

الدعوة في عهد الملك عبد العزيز (1/15-17) ، المنهج القويم في الفكر والعمل ص 21-27، الفواكه العذاب في معتقد الشيخ محمد بن عبد الوهاب ص 6-7

[86]

انظر ما سبق ص 42 من هذا البحث. والمقصود: أن معنى الآية الكريمة قد تحقق في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي الله عنهم.

ص: 344

تابع لدعائم التمكين للمملكة العربية السعودية

الفصل الثاني

في

ماهية الدعائم، وبيان أهميتها

وفيه مباحث:

الأول: في الدعامة الأولى: (إقام الصلاة) .

الثاني: في الدعامة الثانية: (إيتاء الزكاة) .

الثالث: في الدعامتين الثالثة والرابعة: (الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر) .

المبحث الأول: في الدعامة الأولى (إقام الصلاة) :

وفيه مطالب:

الأول: ماهية الصلاة

الثاني: أهميتها.

الثالث: في المقصود بإقامة الصلاة على ضوء الآية الكريمة.

المطلب الأول: ماهية الصلاة:

أولاً: الصلاة في اللغة:

اختلف علماء اللغة في أصل الصلاة:

فقيل: الصلاة الركوع والسجود.

وقيل: أصل الصلاة الدعاء مأخوذة من (صَلَّى) يُصَلِّي إذا دعا. ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا دُعِيَ أحدكم فليُجِب، فإن كان صائماً فليُصَلِّ، وإن كان مفطِراً فليَطْعَم"[1] . فقوله: (فليُصَلِّ) يعني فليدع لأرباب الطعام بالبركة والخير [2] .

ومنه قوله الأعشى: [3]

نوماً فإن لجنب المرء مضطجعاً

عليك مثل الذي صَلَّيْت فاغتمضي

أي: عليك مثل دعائك [4] .

وقيل: أصلها التعظيم وسُمِّيَت الصلاة المخصوصة صلاةً لما فيها من تعظيم الرب تعالى [5] .

وقيل: الأصل في الصلاة اللزوم، يقال: قد صَلِىَ واصطلى إذا لزم، ومن هذا مَن يُصْلَى في النار أي يلزم النار [6] .

هذه أشهر الأقوال التي قيلت في أصل الصلاة لغةً [7] .

ثانياً: الصلاة شرعاً:

عرَّفها العلماء بأنها: أقوال وأفعال مخصوصة مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم [8] .

وأرادوا بالأقوال: القراءة، والتكبير، والتسبيح، والدعاء، ونحوه.

وبالأفعال: القيام، والركوع، والسجود، والجلوس، ونحوه [9] .

ص: 345

وإذا نظرنا إلى معنى الصلاة لغةً وشرعاً، وجدنا الصلة بينهما وثيقة؛ فالدعاء، واللزوم، والتعظيم. كلها معانٍ موجودة في الصلاة بمعناها الشرعي، وأُطْلِقَت على الصلاة، كلها من باب تسمية الشيء ببعض أجزائه. وإن كانت مأخوذة من "الصَّلْوَين"فهما موضعان في الإنسان يقوم عليهما الركوع والسجود، فلا ركوع ولا سجود بلا تحريك لهما، فأخذ اسم الصلاة منهما، كما أخذ اسم البيع من "الباعين"اللذين يمدهما البائع والمشتري [10] .

ثالثاً: الصلاة في القرآن:

لم يقصر القرآن الكريم إطلاق لفظ "الصلاة" على الصلوات الخمس المفروضة؛ بل أطلقه عليها وعلى غيرها، كما لم يقصر التعبير عن الصلاة المفروضة على لفظ "الصلاة"وحدها؛ بل عبَّر عن الصلاة المفروضة بألفاظ أخرى غير لفظ "الصلاة":

ففي المجال الأول: جاء لفظ "الصلاة"في القرآن مراداً به عِدَّة معانٍ:

الأول: الصلاة بمعنى الدعاء [11]، -قال تعالى-:{وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} [التوبة: 103] أي ادع لهم.

الثاني: بمعنى الاستغفار [12]، قال -تعالى-:{وَصَلَوَاتِ الرَّسُول}

[التوبة: 99] أي استغفاره لهم.

الثالث: بمعنى بيوت الصلاة أو الكنائس [13]، قال -تعالى-:{وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً} [الحج:40] .

الرابع: بمعنى الإسلام، قال -تعالى-:{فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى}

[القيامة: 31] أي: ولا أسلم [14] .

الخامس: بمعنى الدين [15]، قال -تعالى-:{أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ}

[هود: 87] .

السادس: بمعنى القراءة [16]، قال -تعالى-:{وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِك}

[الإسراء: 110] أي بقراءتك فيسمع المشركون فيسبوا القرآن [17] .

السابع: بمعنى الصلاة الشرعية [18] أو الصلوات الخمس، قال -تعالى-:

ص: 346

{وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ} [البقرة: 2] . قال ابن الجوزي -رحمه الله تعالى-: "وكذلك كل صلاة قُرِنَت بذكر الزكاة"[19] .

الثامن: الصلاة بمعنى صلاة الأمم الماضية [20]، قال -تعالى-:{وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ والزكاة} [مريم: 31] .

وهذا بالنسبة لإطلاق لفظ الصلاة في القرآن على معانٍ متعددة ومنها المعنى الشرعي.

كما عبَّر القرآن عن الصلاة بألفاظٍ أخرى غير لفظ "الصلاة" ومنها:

الأول: عبَّر عن صلاة الجمعة بلفظ الذكر [21]، قال -تعالى-:{فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة: 9]، وكذلك صلاة العصر على لسان سليمان عليه السلام:{إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي} [ص: 32] ، وعبَّر عن الصلوات الخمس بالذكر أيضاً، قال -تعالى-:{فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ} [البقرة: 239] أي: صلوا الصلاة كاملة بدون نقص [22] .

الثاني: التعبير عن الصلاة بلفظ الاستغفار. قال -تعالى-: {وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الذاريات: 18] أي: يصلون؛ لأنَّ في الصلاة سؤال المغفرة [23] .

الثالث: التعبير عن الصلاة بلفظ الركوع [24]، قال -تعالى-:{وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} [البقرة: 43] أي: صلوا [25] .

الرابع: التعبير عن الصلاة بلفظ الإيمان [26]، قال -تعالى-:{وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} [البقرة: 143] .

الخامس: التعبير عن الصلاة بلفظ الحسنات [27]، قال -تعالى-:{إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود: 114] أي الصلوات [28] .

تلك بعض المعاني التي يشملها لفظ الصلاة في القرآن، وهذه بعض الألفاظ التي عبر بها القرآن الكريم عن الصلاة.

وحين نتأمل في هذا التعبير القرآني ندرك اهتمام القرآن بالصلاة وتفخيمه لشأنها لفظاً ومعنى.

ص: 347

فإذا قيل: علة اهتمام القرآن بأجزاء الصلاة وإطلاقها على كل الصلاة ظاهرة لا تخفى، فما عِلَّة اهتمامه باسم (الصلاة) وإطلاقها على غيرها؟

فالجواب: إنَّ المتأمل في المعاني التي أطلق عليها لفظ الصلاة يجدها لا تعدو أربع حالات:

الأولى: استعمال كلمة (الصلاة) في معناها الأصلي (الدعاء) ، ومنه الاستغفار.

الثانية: إطلاق الكل على البعض، مثل إطلاق الصلاة على صلاة الخوف.

الثالثة: إطلاق الصلاة على بيوت الصلاة.

الرابعة: إطلاق لفظ الصلاة على غيرها؛ لإظهار الصلة الوثيقة بين المعنيين وجعل اللفظ (الصلاة) بمثابة الرباط القوي بينهما، الذي يجعلهما – كالشيء الواحد الذي لا ينفصل بعضه عن بعض – كإطلاق لفظ الصلاة على الدين في:{أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ} [29] أو على الإسلام في: {فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى} [30] أي: ولا أسلم. وفي هذا بلا شك كشف للتلازم بين الصلاة والدين، أو الصلاة والإسلام، أو إطلاقها على المغفرة في قوله -تعالى- {هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ} [31]، أو على الرحمة في قوله -تعالى-:{أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَة} [32] .

وفي هذا إشارة هامة إلى أثرين من آثار الصلاة على العباد، وكأنَّ المغفرة والرحمة لازمتان من لوازم الصلاة المقبولة لا ينفكان عنها. ولذلك ورد في الحديث:"الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة كفارات لما بينهن"[33] .

ولو لم يكن في استعمالات القرآن كلها للفظ الصلاة إلَاّ إطلاقه لها على الدين والإسلام لكفى بهما بياناً لمفهوم الصلاة في القرآن الكريم، حيث جعلهما كالشيىء الواحد الذي لا ينفصل بعضه عن بعض.

وهذا المعنى ظاهر في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة"[34] .

وحديث: "إنَّ العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر"[35] .

ص: 348

فأي تلازم بين الصلاة والإسلام أكثر من هذا؟! وكفى بهذا المفهوم للصلاة في القرآن بياناً [36] .

والذي يهمنا في هذا أنَّ الصلاة أُطْلِقَت في القرآن الكريم على الدين وعلى الإسلام، وعلى الإيمان.

وقد جاء في الآية التي هي موضوع البحث {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ

} الآية.

وسبقتها الآية الكريمة: {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَاّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ} وهذا معنى الإيمان.

فلو حُمِلَت الصلاة في الآية التي هي موضوع البحث على الإيمان، أو الدين، أو الإسلام، لم يكن في ذلك بُعْد؛ لوجود التلازم بين هذه الأمور في الاصطلاح الشرعي.

ولو قيل: إنَّ الصلاة في الشرع من الأمور التي إذا اجتمعت افترقت وإذا افترقت اجتمعت، كالإسلام والإيمان. لم أر في ذلك بعْداً أيضاً. وهذا الأمر هو الذي دعاني لذكر المعاني التي جاء القرآن بها للفظ الصلاة. أو التعبير عن الصلاة بما هو من لوازمها أو ثمراتها.

فيكون معنى الآية الكريمة: الذين إنْ مكَّناهم في الأرض أقاموا الإسلام، أو أقاموا الدين، أو أقاموا الإيمان. وهذا ما فهمه الصحابة رضي الله عنهم، وكذلك السلف الصالح من بعدهم؛ لأنَّ من لوازم إقامة الصلاة الشرعية العمل بالإسلام.

ولأنَّ الإيمان قولٌ وعمل، فالقول وُجِدَ من المهاجرين في مكَّة؛ ولذا قال -تعالى-:{إِلَاّ أَنْ يَقُولُواْ رَبُّنَا الله} . وأمَّا العمل الكامل بالإسلام فلَمَّا مكَّنهم اللهُ في الأرض، أمرهم في مقابل هذا التمكين أن يأتوا بحق الإيمان، وحق الإسلام، وحق الدين كاملاً، وحق الأخوة الإسلامية كاملاً؛ لعدم العذر.

المطلب الثاني: أهمية الصلاة:

ص: 349

1 -

للصلاة منزلة في الإسلام، لا تصل إليها أية عبادة أخرى، فهي عماد الدين الذي لا يقوم إلَاّ به، كما جاء في الحديث: "

ألا أخبرك برأس الأمر كله وعموده وذروة سنامه؟ " قلت: "بلى يا رسول الله". قال: "رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد

" [37] .

2 -

وهي الركن الثاني من أركان الإسلام، بها يفرق بين المسلم

والكافر، فهي مظهر للإسلام، وعلامة للإيمان، وقرة عين وراحة ضمير.

وتأتي منزلتها بعد الشهادتين، لتكون دليلاً على صحة الاعتقاد وسلامته، وبرهاناً على صدق ما وقر في القلب، وتصديقاً له. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"بُنِيَ الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلَاّ الله وأنَّ محمَّداً عبده ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت"[38] . كما أنَّ الصلاة تتقدم على جميع أركان الإسلام بعد الشهادتين؛ لمكانتها وعظيم شأنها، فهي أول عبادة فرضها الله على عباده في مكَّة، وأول عبادة تكتمل بالمدينة. كما جاء في الحديث:"فرضَ اللهُ الصلاةَ حين فرضها ركعتين ركعتين في الحضر والسفر، فأُقِرَّت صلاة السفر وزيد في الحضر"[39] .

3 -

ومِمَّا يدل على مكانة الصلاة في الإسلام: طريقة فرضيتها؛ إذ أنَّ كُلَّ العبادات تُفْرَض على الأُمَّة بطريق الوحي بواسطة جبريل عليه السلام. أمَّا الصلاة ففُرِضَت بدون واسطة، بل بالإسراء بالرسول صلى الله عليه وسلم نفسه إلى السماوات العلا حين لقي ربه في أسمى منزلة وأعظم لقاء، حيث تلقَّى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم من ربه هذا التكليف العظيم.

ص: 350

4 -

ومِمَّا يدل على مكانة الصلاة ومنزلتها العظمى: اشتراك الشرائع السماوية فيها. فقد جاءت آيات كثيرة، وفي مواضع متعددة، تدل على أنَّ الصلاة مِمَّا تشترك فيه الشرائع السماوية، ومِمَّا كان يوصي به الله أنبياءه ويوصي به الأنبياءُ أهليهم وأقوامهم. قال الله -تعالى- في شأن إبراهيم عليه السلام:{رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي} [40] . ووصف الله إسماعيل عليه السلام بقوله: {وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً} [41] . وأمر الله سبحانه نبيه موسى عليه السلام بقوله: {إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَاّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي} [42] . ووصف الله سبحانه وتعالى عبده زكريا بقوله: {فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَاب} [43] . ولقمان عليه السلام يوصي ابنه وصيته الخالدة وفيها: {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} [44] . بل المساجد الثلاثة تشهد بذلك، فالمسجد الحرام في مكة بناه إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام. والمسجد الأقصى بناه نبيّ الله سليمان بن داود عليهما السلام بأمرٍ من الله عز وجل [45] . وبنى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مسجده في المدينة بعد الهجرة. والمساجد إنَّما تبنى للصلاة.

إذاً فالصلاة هي القاعدة التي يقوم عليها الدين الذي جاء به الأنبياء عليهم السلام. ألا وهو الدين الإسلامي بمعناه العام.

5 -

ومما يدل على مكانة الصلاة - أيضاً - أنَّها لا تسقط بحال، وإنَّما تخفف أركانها وعدد ركعاتها على العبد*، وكذلك النداء لها بنداء خاص أصبح شعيرة من شعائر الإسلام، وعلامة مميزة للمسلمين. وهو الأذان.

ص: 351

6 -

وكذلك الطهارة للصلاة والأمر ببناء المساجد لها، مِمَّا يدل على مكانة الصلاة وعظم شأنها، فدوام الصلاة واطرادها على اختلاف الأحوال والأزمنة صفة تميزها عن غيرها من التكاليف العملية. فعامَّة التكاليف غير التعبدية - كالصلاة والصوم والحج* - منوطة بمصالح معينة تدور معها، فتثبت برجاء المصلحة، وترتفع بانتفائها أو نفادها.

وأمَّا أركان الإسلام المتقدمة فهي واجبات عينية، وحقوق لله لا تتخلف؛ ولكن الصلاة من بين تلك الأركان تتميز بصفة الدوام؛ لأنَّ الصوم لا يجب إلَاّ على المستطيع. والحج لا يلزم إلَاّ على من وجد إليه سبيلاً. والزكاة لا يخرجها إلَاّ مَنْ ملك النصاب. أمَّا الصلاة فلا تسقطها أعذار الطاقة، وإنَّما تخفف أركانها لرفع الحرج، ويبقى أصلها لئلا تتخلَّف معانيها الجليلة [46] .

7 -

والصلاة تكاد أن تكون جماعاً لأركان الإسلام؛ وذلك لاشتمالها على الشهادتين في التشهد الأول والأخير. والصلاة زكاة يومية، فالمصلي يبذل من وقته لأداء الصلاة، في حين يحتاج إلى هذا الوقت لأداء عمل يستفيد منه في تحصيل المال الذي سيزكي عنه. فعندما يصلي ينفق من وقته الذي هو أصل المال. فكما أنَّ الزكاة طهرة للمال، فكذا الصلاة طهرة للأوقات، وطهرة للإنسان مِمَّا يرتكبه من معاصي في أوقاته:" أرأيتم لو أنَّ نهراً بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمساً، ما تقول ذلك يبقى من درنه؟ ". قالوا: "لا يبقى من درنه شيئاً" قال: "فكذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بها الخطايا"[47] .

بل تتعدى الصلاة هذا المعنى لتكون تمهيداً للنفس وإعداداً لها لتتخلَّص من البخل والأنانية، فالصلاة [48] وما فيها من إقرار لله بالربوبية*، وما تشتمل عليه من خضوع لله، وقيام وركوع وسجود. هي ترويض للنفس، وإذلال كبريائها، وجعلها طيعة لقبول الأوامر الإلهية والعمل بها.

ص: 352

ومن هنا نلمح اقتران ذكر الصلاة بالزكاة في أكثر الآيات التي أمرت بالزكاة. ويأتي الأمر بالزكاة بعد الأمر بالصلاة، قال الله -تعالى-:{وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [49] ، {وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ} [50] ، {وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ} [51] .

والصلاة بعد ذلك أقوالٌ وأفعالٌ مخصوصة، تصوم فيها نفس الإنسان وجوارحه عن جميع المخالفات التي تفسد تمامها وكمالها.

ويتوجه المصلي في صلاته شطر المسجد الحرام، قال -تعالى-:{قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [52] . وهو في أداء هذا الركن من الصلاة بتوجهه إلى

البيت، يشترك مع ركن الإسلام الحج من طرف.

8 -

والصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، فهي تعالج النفس البشرية من نوازع الشر حتى تصفو من الرذائل، ويبتعد صاحبها عن كُلِّ منكر. قال -تعالى-:{وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ} [53] .

9 -

وللصلاة آثارٌ تربوية، فهي تربي النفس على طاعة الخالق، وتعلِّم العبد آداب العبودية، وواجبات الربوبية، بما تغرسه في قلب صاحبها من قدرة الله وعظمته، وبطشه وشدته، ورحمته ومغفرته.. كما تحليه وتجمله بمكارم الأخلاق لسموها بنفسه عن صفات الخسة والدناءة، فإذا فتَّشْتَ عن آثار الصلاة فيه وجدته صادقاً أميناً متواضعاً عدلاً. ينأى عن الكذب والخيانة والطمع والغدر والكبر والظلم [54] .

ص: 353

وعندما يتجه المصلون في أنحاء الدنيا إلى القبلة، يشعر المسلم بالتآلف والوحدة، ونبذ الفرقة. فكلُّ المسلمين عبيدٌ لله، إلههم واحد، وقبلتهم واحدة، ودينهم واحد. لا فرق بين غني وفقير، وعظيم وحقير. يتوخى المسلم الاستقامة في استقبال بيت الله، فلا يحيد ولا يميل، وبذلك يتربى على العدل في جميع أمور حياته، والحكمة بوضع كل شيىء موضعه.

يعيش آلام إخوانه المسلمين جماعة المسجد وآمالهم، فيصبح عنصراً فعالاً في جماعته ومجتمعه، تعوِّده الصلاة على الدقة في الموعد، والحرص على الوقت. تنظم له أوقاته فيتعوَّد على النظام في جميع أموره، ويتبع الإمام، فيتدرَّب على الطاعة والالتزام [55] .

10 -

والصلاة أهم ركن في الإسلام بعد الشهادتين، وأول ما يحاسب عليه العبد. ولهذا نجد القرآن الكريم يصور حال أهل النار عندما يُسْأَلُون عن سبب ما هم فيه من عذاب فيقولون: لم نكن من المصلين. قال -تعالى-: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ. قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ} [56] .

فالصلاة أول عمل كفر به أولئك المكذبون. وأول ما يندمون على تضييعه يوم القيامة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة، فإنْ صلحت صلح له سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله"[57] .

ولما للصلاة من الفضل العظيم بعد الشهادتين، كانت آخر وصية أوصى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم أمَّته، فعن أم سلمة رضي الله عنها [58] قالت:"كان من آخر وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم" [59] .

والصلاة آخر ما يفقد من الدين؛ فإذا ضاعت ضاع الدين كله. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة"[60] .

ص: 354

لهذا ينبغي أن يفقه المسلم مكانة الصلاة في الإسلام، وأن يحرص على أدائها في أوقاتها. كاملةً أركانها وشروطها، وأن يقيمها كما أمر الله بها. وما ذُكِرَ من الأدلة على مكانة الصلاة، إنَّما هو بعض الأدلة، وإلَاّ فمكانة الصلاة في الإسلام لا يمكن الإحاطة بأدلتها ومواضع الاهتمام بها، وبيان آثارها ومزاياها. لأنَّها تشترك مع أصول الدين الإسلامي من حيث تبادل الأسماء، فتارة تطلق الصلاة على الدين، وتارة يطلق الدين على الصلاة، مِمَّا يؤكِّد التلاحم بينهما كأنَّهما شيء واحد.

المطلب الثالث: في المقصود بإقام الصلاة على ضوء الآية الكريمة:

قال الراغب الأصفهاني [61] في مفرداته: "وإقامة الشيء توفيته حقه" ثُمَّ قال: "ولم يأمر الله تعالى بالصلاة حينما أمر، ولا مدح بها حينما مدح، إلَاّ بلفظ الإقامة تنبيهاً أنَّ المقصود منها توفية شرائطها لا الإتيان بهيئاتها"[62] .

ومن هنا ندرك أنَّ إقامة الصلاة في القرآن أمر زائد على مجرَّد فعل الصلاة. فالصلاة هي حركة الأجساد الخاصة من قيام وقعود وركوع وسجود ودعاء وتسبيح وتكبير وتحميد ونحو ذلك. وبها يعتد في أحكام الدنيا.

أمَّا تمامها الذي يحصل به الثواب فهو إقامتها بحضور القلب فيها. ومن هنا يحصل التفاوت بين المصلين مع أنَّ الحركات الظاهرة واحدة شكلاً وزمناً، لكنها تختلف وتتباين في حضور القلب والخشوع. فليس للعبد من صلاته إلَاّ ما عقل منها وحضر قلبه فيها.

وهذا ما يؤكد أنَّ حضور القلب في الصلاة هو روحها ولبها، وبقدر حضور القلب فيها تكون إقامتها. فإذا تجرَّدت من حضور القلب لم تقترن في القرآن الكريم بلفظ الإقامة.

ص: 355

وقد سبق أنَّ مِمَّا يدل على مكانة الصلاة كونها تأتي بعد الشهادتين. فهي الركن الثاني من أركان الإسلام - كما في الحديث: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلَاّ الله وأنَّ محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله لمن استطاع إليه سبيلاً"[63] .

والحكمة من ذلك كونها دليلاً على صحة الاعتقاد وسلامته، وبرهاناً على صدق ما وقر في القلب، وتصديقاً له.

وسبق أيضاً أنَّ الصلاة تأتي بمعنى الإيمان، وخاصّةً في الآية التي هي موضوع البحث، وأنَّها تشتمل على الشهادتين في التشهد الأول والأخير، وتطلق على الإسلام، والدين - كما سبق - وأنَّها الفارق بين الإيمان والكفر. وأنَّها تنهى عن الفحشاء والمنكر، وتشتمل على جميع أركان الإسلام الخمسة بطريق التلازم. فإقامتها تعني توفية حقوق هذه المعاني - كما تعنى - أداءها كاملة بأقوالها وأفعالها، في أوقاتها المعينة لها شرعاً. فلو نقص المصلي شيئاً من ذلك لم يكن مقيماً لصلاته وإنْ أتى بهيئاتها الظاهرة.

ومِمَّا يدل على ذلك وأنَّها تستلزم الإيمان والزكاة والدين كله:

أنَّ الإيمان في الشرع قولٌ باللسان، واعتقادٌ بالجنان، وعملٌ بالأركان. وكذلك الصلاة أقوال واعتقاد وعمل بالأركان.

وأمَّا استلزامها للزكاة فقد سبق بيانه، وأنَّ أداء الصلاة كاملة بحقوقها يستلزم أداء الزكاة ودفعها لمستحقيها.

وأمَّا كونها تستلزم الدين كله، فلأمور منها:

أولاً: أنَّها الفارق بين الكفر والشرك والإيمان: "بين الرجل والشرك والكفر ترك الصلاة"[64] .

ثانياً: مشروعيتها في جميع الشرائع - كما سبق - وهذا مِمَّا اتفقت عليه جميع الأديان، فهي بمعنى التوحيد، أو تتضمن معناه. فإقامتها تستلزم إقامة الدين كله، والنقص فيها نقص في الدين.

ص: 356

ولَمَّا كان من لوازم إقامتها حضور القلب، والخشوع فيها، وهذا يتطلب أموراً يجب الإتيان بها، فإنَّ من تلك الأمور ما يأتي:

الأمر الأول: تحقيق معنى التوحيد الذي دلَّت عليه الصلاة، وهو الهدف العام الذي سبقت الإشارة إليه في هذه الدعامة.

الأمر الثاني: معرفة ما تتوقف عليه صحتها. وفيه النقاط التالية:

1 -

تأديتها كاملة بأركانها وشروطها وواجباتها وسننها.

2 -

إقامة الصلاة بالنهي عن تركها أو التساهل فيها.

3 -

إقامة الصلاة بتعيين الأئمة العالمين بما تصح به إقامتها.

4 -

إقامتها ببناء مواضعها والمحافظة عليها وتوفير كل ما يلزم لذلك من فرش وتنظيف وتهوية وإنارة وغير ذلك.

المبحث الثاني: في الدعامة الثانية (إيتاء الزكاة) :

وفيه مطالب:

الأول: في ماهية الزكاة.

الثاني: في أهمية الزكاة.

الثالث: في الحكمة من تشريع الزكاة على ضوء الآية الكريمة.

المطلب الأول: في ماهية الزكاة:

أ - الزكاة في اللغة:

الزكاة في اللغة مشتركة بين الطهارة والنماء والبركة والمدح.

قال -تعالى-: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا..} [التوبة: 103]، وقال تعالى:{قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا} [الشمس: 9] ، أي طهرها من الآثام.

وفي معنى النماء والبركة جاء قوله -تعالى-: {وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ} [الروم:39] .

ويقال: زكا الزرع يزكو زكاةً إذا نما. وكل شيء ازداد فقد زكا وزكت النفقة إذا بورك فيها، وفلانٌ زاكٍ أي كثير الخير [65] .

وبمعنى المدح جاء قوله -تعالى-: {فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ

} [النجم: 32] أي فلا تمدحوها على سبيل الفخر والإعجاب.

ص: 357

والزكاة - أيضاً - الصلاح، ومنه قوله -تعالى-:{فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً} [الكهف: 81] .

وتطلق الزكاة على معانٍ أخرى منها: النفقة، والعفو، والحق. وهذه المعاني تدور حول الزكاة بمعناها العام.

وأمَّا إطلاقها بمعناها الخاص، فهي تأتي بمعنى إعطاء الصدقة. وتطلق على الصدقة نفسها واجبة أو مندوبة [66] .

ب - وفي الشرع:

حق واجب في مال مخصوص في وقت مخصوص لتحقيق رضى الرب تعالى. وتزكية النفس والمال والمجتمع [67] . وهذا التعريف - كما سيأتي - يتضمن أهم أهداف الزكاة.

جـ – وإذا نظرنا إلى المعنى اللغوي للزكاة، والمعنى الشرعي لها، وجدنا المناسبة بينهما قوية الصلة موجودة، ذلك أنَّ معاني الزكاة في اللغة وهي: الطهارة، والنماء، والمدح، والصلاح، كلها موجودة في المعنى الشرعي، لأنَّها تطهر مؤديها من الذنوب، ومن صفة البخل، والمال بإنفاق بعضه وتنميته بالخلف، ويمدح بها الفاعل ويثنى عليه بالجميل. قال -تعالى-:{وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ} [سبأ: 39]، وقال تعالى:{وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ} [المؤمنون: 4] .

المطلب الثاني: في أهمية الزكاة:

سبق أنَّ بَيْنَ الصلاة والزكاة تلازماً وثيقاً، حيث قرنت الزكاة بالصلاة في كثيرٍ من النصوص الشرعية، مِمَّا يدل على اتفاقهما وشدة اتحادهما في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، حتى أصبحا كالشيىء الواحد الذي لا ينفك بعضه عن بعض، وذلك لاتحاد هذين الركنين العظيمين من أركان الإسلام، في الأهداف والغايات السامية التي جمعت بينهما.

ص: 358

وقبل أن نبين أهمية الزكاة ومكانتها في الإسلام، لابُدَّ أن نشير إلى أنَّ الإنسان قد عرف الفقر والحرمان منذ زمن بعيد [68] . وذلك لحكمة يعلمها الله تعالى، حيث لم يسوِّ بين خلقه في الرزق، فهناك الغني والفقير، ولم يفلح الداعون لعلاج هذه المشكلة في مختلف العصور لانتشال الفقراء من وضعهم، كما لم يفلحوا في كسب عطف الأغنياء وبذلهم على الفقراء بدون مَنٍّ أو فضل.

وبالرجوع إلى القرآن وحديثه عن الشرائع السابقة على الإسلام، نجد أنَّها دعت إلى البر بالفقراء، والعطف على الضعفاء، والإحسان إليهم والأخذ بأيديهم [69] . قال تعالى في شأن إبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهم السلام:{وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ} [الأنبياء: 73] .

وقال عن إسماعيل عليه السلام: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَبِيّاً. وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً} [مريم: 54-55] .

وقال عن ميثاق بني إسرائيل: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَاّ اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَاّ قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ} [البقرة: 83] .

وقال في شأن أهل الكتاب عامَّة [70] : {وَمَا أُمِرُوا إِلَاّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَة} [البينة: 5] .

ص: 359

وبالنظر في هذه الآيات التي تتحدث عن عناية الشرائع السابقة في علاجها لمشكلة الفقر، ومكانة الزكاة في تلك الشرائع - كوسيلة من وسائل العلاج الناجع - يظهر لنا عدة أمور:

الأمر الأول: أنَّ الآيات السابقة لا تعدو أن تكون ترغيباً في الإحسان والعطف، وترهيباً من الأنانية والبخل، ودعوة صريحة إلى التصدق عن طواعية واختيار، وليس فيها إلزام بحيث يشعر التارك للزكاة بأنَّه محاسب ومعاقب في الدنيا والآخرة.

الأمر الثاني: لم تحدد النصوص الأموال التي تجب فيها الزكاة، ولا شروط الزكاة، ولا مَنْ تُدفع إليه الزكاة، بل أبهمت ذلك كله مِمَّا يتعذَّر معه جباية الزكاة وتوزيعها.

الأمر الثالث: وكلت النصوص السابقة موضوع الزكاة إلى الأفراد،

ولم تلزم الدولة بجبايتها وتوزيعها على مستحقيها.

الأمر الرابع: لا يفهم من النصوص السابقة حل مشكلة الفقر حلاًّ جذرياً والقضاء عليه والأخذ بيد الضعفاء والمحتاجين إلى حد الاكتفاء، بحيث لا يمدون يد الحاجة إلى الأغنياء، بل يفهم منها التخفيف من ويلات الفقراء والتقليل من بؤسهم مع بقاء المشكلة.

وهذا يعني بقاء الضعفاء والمحتاجين تحت رحمة الأغنياء ومِنَّتهم - إذا حرَّكهم حب الله والآخرة أو الثناء الدنيوي جادوا بشيءٍ ولو قليل - على ذوي الحاجة والفقر، فهم أصحاب الفضل والمِنَّة. وإذا غلب عليهم الشح وحب المال - ضاع الفقراء وافترستهم الفاقة - ولم يجدوا من يدافع عنهم أو يطلب لهم حقّاً. إذ لم يكن لهم حق معلوم، وهذا هو خطر الإحسان الموكول إلى الأفراد [71] .*

ص: 360

فلمَّا جاءت الرسالة الخاتمة، والرحمة العامَّة، والهداية التامَّة، على يد محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، اعتنت بعلاج مشكلة الفقر، ورعاية الفقراء والمحتاجين، ولم تكتف بسد عوزهم وانتشالهم من فقرهم، بل قرنت ذلك تماماً بالتربية والتوجيه والتأكيد على أنَّ ما يدفعه الغني حق واجب عليه، وما يأخذه الفقير ملك له ليس عليه فيه غضاضة. وبهذه المبادئ السامية، قضى الإسلام على مشكلة الفقر، وأراح الفقراء وأخذ بأيديهم لِمَا فيه خيرهم في عاجلهم وآجل أمرهم.

وهذا ما سوف يتَّضِح إن شاء الله تعالى من الأهداف التي شُرِعَت من أجلها الزكاة في الإسلام.

أهداف الزكاة:

للزكاة أهداف إنسانية جليلة، ومُثُل أخلاقية رفيعة، وقِيَم روحية عالية. وكلها قصد الإسلام إلى تحقيقها وتثبيتها حين فرض الزكاة، قال -تعالى-:{خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} [التوبة: 103] .

وحين طبَّق المسلمون فريضة الزكاة -في عصورهم الزاهية- كما شرعها الله، تحققت أهدافها الجليلة، وبرزت آثارها العظيمة في حياة الفرد والمجتمع، ومن أبرز تلك الأهداف ما يلي:

1 -

الزكاة عبادة مالية:

لأنَّ أداءها استجابة لأمر الله ووفاءً بعهده، يرجو فاعلها حسن الجزاء في الآخرة ونماء المال والبركة فيه في الدنيا.

2 -

في الزكاة طهارة من البخل والشح والطمع:

والإسلام يقدر غريزة حب المال، ويقرر أن الشح حاضر في النفس الإنسانية، فيعالج ذلك كله علاجاً نفسياً بالترغيب والترهيب، حتى يتم له ما يريد، فيطلب من هذه النفس الشحيحة أن تجود بما هو حبيب إليها، عزيز عليها. {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92] .

3 -

في الزكاة إعانة للضعفاء وكفاية لأصحاب الحاجة [72] :

ص: 361

والمسلم عندما يدفع زكاة ماله يشعر بمسئوليته عن مجتمعه وعن تكافله مع المحتاجين فيه، فتغمره السعادة عندما يؤدي الأمانة ويأخذ بيد أخيه المعدم، ويرتفع به من ويلاتٍ حلَّت به فأفقرته وهو في هذا كله يستشعر قوله -تعالى-:{وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ. لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} [المعارج: 24-25] .

4 -

الزكاة تنمي الروح الاجتماعية بين أفراد المجتمع:

لأنَّ المسلم حين يدفع الزكاة يشعر بعضويته الكاملة في الجماعة، فهو يشترك في واجباتها وينهض بأعبائها، فيتحول المجتمع إلى أسرةٍ واحدة يسودها التعاون والتكامل والتواد، ويتحقق فيها قول الرسول صلى الله عليه وسلم:"مثل المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"[73] .

والزكاة تعبير عملي عن أخوة الإسلام، وتطبيق واقعي لأخلاق المسلم من جانب المزكي، وهي - أيضاً - تجعل الفقير يعيش في المجتمع المسلم خالية نفسه من أي حقد أو حسد، ذلك لأنَّ حقه محفوظ في مال الغني، فنجده يحبه ويدعو له بالبركة وكثرة المال، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم:"المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً"[74] .

5 -

الزكاة امتحان للعبد من الله:

لأنَّ أداءها فيه امتحان لإيمان العبد بربه، وذلك لأنَّ المال محبوب لكل الناس، ودليل الإيمان الصادق مفارقة المحبوب والجود به "وشرط تمام الوفاء بالتوحيد أن لا يبقى للموحِّد محبوبٌ سوى الواحد الفرد الصمد، فإنَّ المحبة لا تقبل الشركة، والتوحيد باللسان قليل الجدوى، وإنَّ مِمَّا يمتحن به درجة الحب مفارقة المحبوب، والأموال محبوبة عند الناس؛ لأنَّها آلة تمتعهم بالدنيا، وبسببها يأنسون بهذا العالم، وينفرون عن الموت مع أنَّ فيه لقاء المحبوب، فامتحنوا بتصديق دعواهم في المحبوب، واستنزلوا عن المال الذي هو مرغوبهم"[75] .

ص: 362

6 -

الزكاة تكفر الذنوب وتدفع البلاء:

وتقع فداء عن المزكي وجالبة له الرحمة من الله تعالى، قال -تعالى-:{وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ..} [الأعراف: 156] .

هذه بعض أهداف الزكاة مختصرة، ولها أهداف كثيرة ماثلة للعيان في كل مجتمع تؤدَّى فيه فريضة الزكاة، وينعم فيه الفقير بأخذ حقه من مال الغني.

وهي أهداف روحية وخلقية ومعنوية للفرد والجماعة. وفيها أهداف اجتماعية واقتصادية كثيرة للمجتمع المسلم بأسره [76] .

المطلب الثالث: في الحكمة من تشريع الزكاة على ضوء الآية الكريمة:

سبق بعض أهداف الزكاة في الإسلام، وهي سر من أسرار تشريعها، وغاية سامية مقصودة من فرضيتها. فالله جلَّ وعلا فرض الزكاة؛ لأنَّها تطهر المزكي من الشح والبخل وأرجاس الذنوب والخطايا، وتدرب المسلم على البذل والإنفاق في سبيل الله.

ولأنَّ في أدائها شكراً لله على ما أسبغ من نعمه الظاهرة والباطنة، ولأنَّها تنمي شخصية الغني، وذلك باستشعاره أنَّه تغلب على شحه وهواه، كما أنَّها تكوِّن بين الغني والفقير حقيقة المحبة والأخوة الإسلامية، وتربط بين أفراد المجتمع بوشائج الصلة والقربى والتكامل [77] .

وبهذا يتضح أنَّ هناك أسراراً عظيمة يرمي إليها الإسلام من وراء تشريعه للزكاة، ولعلَّ من أبلغ وأسمى الأهداف التي تتحقق من أداء الزكاة أنَّ المسلم لا يقتصر نفعه على نفسه وحسب، بل إنَّه مطالب بحكم الشرع أن يمد يد العون إلى أخيه المسلم؛ لأنَّ إيمانه لا يكمل وعقيدته لا تتم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه:"لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"[78] .

ص: 363

ولأنَّه قد سبق أنَّ الحقَّ لا يكفيه كونه حقّاً فقط، بل لابُدَّ له من دافع ومدافع تحقيقاً لقوله –تعالى-:{وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُه} [الحج: 40]، وقوله -تعالى-:{وَالْعَصْرِ. إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ. إِلَاّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر: 1 - 3] .

ومن يتتبع آيات القرآن الكريم يجد أنَّ الزكاة قُرِنَت بالصلاة في ثمانيةٍ وعشرين موضعاً [79] ، وهذا دليل على كمال الاتصال بينهما. ثُمَّ إنَّ ذكر الصلاة في كثيرٍ من الآيات يجيء مقروناً بالإيمان أولاً، وبالزكاة ثانياً، وقد يقرن الثلاثة بالعمل الصالح. وهو ترتيب منطقي، فالإيمان أساس وهو عمل القلب*، والعمل الصالح من حيث الجملة دليل صدق الإيمان، وهو عمل الحس، وأول عمل يطالب به المؤمن الصلاة، وهي عبادة بدنية، ثُمَّ الزكاة وهي عبادة مالية.

ص: 364

ومِمَّا يدل على تلازم الزكاة والصلاة أنَّه لَمَّا توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكفر مَنْ كفر من العرب بمنع الزكاة، استشار أبو بكر [80] رضي الله عنه الصحابةَ رضي الله عنهم، في قتالهم. فقال عمر [81] رضي الله عنه:"كيف تقاتل الناس، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أُمِرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أنَّه لا إله إلَاّ الله، فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلَاّ بحقه، وحسابه على الله؟! " فقال أبو بكر رضي الله عنه:"والله لأقاتلن مَنْ فَرَّق بين الصلاة والزكاة، فإنَّ الزكاة حق المال. والله لو منعوني عَناقاً كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه". قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "فوالله ما هو إلَاّ أنْ قد شرح الله صدر أبي بكر، فعرفت أنَّه الحق"[82] .

فهذه النصوص وغيرها كثير تدل دلالة قاطعة على أنَّ الزكاة أحد أركان الإسلام ومبانيه العظام، الذي لا يتم إسلام إلَاّ بأدائها.

فإنْ أدَّاها عن طواعية واختيار فبها، وإلَاّ وجب على ولي الأمر أخذها منه وإيصالها إلى مستحقيها، وتأديب مانعها بما يراه مناسباً [83] .

ص: 365

وهذا مِمَّا تفارق به مشروعية الزكاة في الإسلام غيرها من الشرائع، إذ سبق أنَّه لا إلزام في الشرائع السابقة على أداء الزكاة، ولذلك لم تحل مشكلة الفقراء، أمَّا في الرسالة التي اختارها الله خاتمةً للشرائع، فإنَّ الزكاة حين طبقت في العصور الإسلامية السالفة [84] لم يبق فقير تصرف إليه الزكاة. وكان الساعي يدور بها فلم يجد من يأخذها، فحُلَّت مشكلة الفقراء، وقام التكافل الاجتماعي، ونُزِعَ من القلوب حقد الفقراء على الأغنياء، وقلَّت الجرائم؛ فلا سرقة، ولا غصب، ولا اختلاس، ولا نهب؛ بل أمن واستقرار ومحبة وإخاء، ومجتمع يسود فيه مبدأ التعاون والتعاطف، فهل يعي المسلمون ذلك ويسارعون إلى تطبيق شرع الله في كل شئونهم؟ ومن ذلك شريعة الزكاة لينعموا بالحياة الآمنة والثواب الجزيل من رب العالمين. ويومئذٍ يفرح المؤمنون بنصر الله {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ} [85] [الحج: 41] .

وقد سبق أنَّ إقامة الصلاة وهي الدعامة الأولى، تعني فيما تعنيه توفية الإسلام، أو الإيمان، أو الدين، حقه كاملاً. وعطف عليها في الآية الأمر بإيتاء الزكاة، وهو داخل فيما سبق، فهل ذلك تكرار، أو لأنَّ الأمر بإيتاء الزكاة يعني شيئاً آخر لم يسبق التعرض لحكمه؟

ص: 366

إنَّ الذي يبدو من الآية وهي ترسم الإطار العام أن يدل العطف فيها على معنى جديد، وهو أنَّ مَنْ مكَّنه الله في الأرض يجب عليه أن لا يقتصر نفعه على نفسه وحسب. بل يجب عليه أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه؛ لأنَّ إيمانه لا يتم ولا يكمل إلَاّ بذلك. وقد سبق أنَّ الحق لا يكفيه كونه حقّاً فقط [86] ، بل لابُدَّ له من دافع ومدافع، كما قال تعالى:{وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ} [الحج: 40] .

وهذا لا يعني أنَّ الآية لا يجوز حملها على المعنى الخاص، وهو دفع الزكاة الخاصة إلى مستحقيها - كما سبق - إلَاّ أنَّ الهدف العام الذي ترمي إليه الآية الكريمة، وهو تكاتف المجتمع المسلم، وتواصي أفراده على فعل الخيرات، والاعتصام بحبل الله، وعدم التفرق، والالتفاف حول المنهج، وتنفيذ أحكامه، يجعل حمل الآية على المعنى الأول أولى، والله تعالى أعلم.

والسبب في ذلك أنَّ الآية الكريمة تركز على أهداف وأسس سامية منها:

1 -

وجوب تطبيق المنهج (الذي تُعَبِّرُ عنه الدعامة الأولى)(إقام الصلاة)(توفية الإسلام، أو الإيمان، أو الدين، حقه كاملاً) على من مكنه الله في الأرض، وحصلت له الولاية على الخلق.

ص: 367

2 -

وجوب الالتفاف حول ذلك المنهج والتكاتف على تطبيقه، لا على النفس فقط، بل على جميع أفراد المجتمع المسلم التعاون على ذلك وتطبيقه في أنفسهم وعلى غيرهم؛ لأنَّ الله -تعالى- تفضَّل به عليهم فأصبحوا بسببه كالجسد الواحد، قال -تعالى- {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا} [آل عمران: 103] .

وتحقيقاً لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "الدين النصيحة" - قالها ثلاثاً -

قلنا: "لمن يا رسول الله؟ "قال: "لله، ولكتابه، ولأئمة المسلمين وعامَّتهم"[87] .

ولقوله صلى الله عليه وسلم: "ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم

"*.

الأمر الثالث: الذي تركز عليه الآية - كما سيأتي - عالمية المنهج ووجوب المحافظة عليه بما يجعله سالماً معافى، والدعوة إلى نشره، والدخول تحت لوائه ومظلته - بحسب الاستطاعة – "بلِّغوا عني ولو آية"[88] .

و"مَنْ رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان"[89] .

المبحث الثالث: في الدعامة الثالثة والرابعة (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) :

وفيه مطالب:

الأول: في ماهيتهما.

الثاني: في أهميتهما.

الثالث: في الحكمة من مشروعيتهما على ضوء الآية الكريمة.

المطلب الأول: في ماهية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

أ - تعريف المعروف في اللغة والاصطلاح:

1 -

المعنى اللغوي: يدور معنى المعروف في اللغة غالباً على ما تعارف عليه الناس وعلموه ولم ينكروه [90] .

ص: 368

وقال ابن فارس: "العين والراء والفاء أصل صحيح يدل على معانٍ منها: السكون، والطمأنينة إلى الشيء، يقال: هذا أمر معروف، أي أنَّ النفس تألفه وتسكن إليه"[91] .

وجاء في المعجم الوسيط: العرف، المعروف وهو خلاف المنكر. وما تعارف عليه الناس في عاداتهم ومعاملاتهم [92] .

2 -

وفي الاصطلاح: المعروف هو كل ما يعرفه الشرع ويأمر به ويمدحه ويثني على أهله، ويدخل في ذلك: جميع الطاعات، وفي مقدمتها توحيد الله عز وجل والإيمان به [93] .

ب - معنى المنكر لغةً واصطلاحاً:

1 -

تدور مادة المنكر في اللغة غالباً على ما جهله الناس واستنكروه وجحدوه [94] .

جاء في القاموس المحيط وغيره: النكر بالضم، وبضمتين المنكر - النكراء، والأمر الشديد، والنكرة خلاف المعرفة، وتناكر تجاهل، والقوم تعادوا، ونكر فلان الأمرَ وتناكره، نكراً ونكوراً جهله، والمنكر ضد المعروف، ويقال: نكر الشيىء وأنكره: لم يقبله ولم يعترف به لسانه [95] .

2 -

والمنكر في الاصطلاح: هو كل ما ينكره الشرع وينهى عنه ويذمه ويذم أهله. ويدخل في ذلك جميع المعاصي والبدع، وفي مقدمتها: الشرك بالله عز وجل، وإنكار وحدانيته، أو ربوبيته، أو أسمائه، أو صفاته [96] .

والمنكر هو كل فعل تحكم العقول الصحيحة بقبحه، أو تتوقف في استباحته واستحسانه العقول، فتحكم الشريعة بقبحه [97] .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وإذا كان جماع الدين وجميع الولايات هو أمر ونهي، فالأمر الذي بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم هو الأمر بالمعروف والنهي الذي بعثه به هو النهي عن المنكر"[98] .

وقال أيضاً: "وتحريم الخبائث مِمَّا يندرج في معنى النهي عن المنكر، كما أنَّ إحلال الطيبات يندرج في الأمر بالمعروف؛ لأنَّ تحريم الطيبات مِمَّا نهى الله عنه"[99] .

ص: 369

وإذا أطلق الأمر بالمعروف يدخل فيه النهي عن المنكر، وذلك لأنَّ ترك المنهيات من المعروف، ولأنَّه لا يتم فعل الخير إلَاّ بترك الشر. قال -تعالى-:{لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَاّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاس} [النساء:114] .

وكذلك إذا أطلق النهي عن المنكر يدخل فيه الأمر بالمعروف؛ لأنَّ ترك المعروف من المنكر، ولأنَّه لا يتم ترك الشر إلَاّ بفعل الخير. -قال تعالى-:{فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ} [الأعراف: 165] . فإنَّ نهيهم عن السوء يتضمن أمرهم بالخير.

وأمَّا عند اقتران كل منهما بالآخر، فيفسر المعروف بفعل الأوامر، ويفسر المنكر بترك النواهي. وأمثلة ذلك كثيرة منها، قوله -تعالى-:{وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 71] .

ولعموم موضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يمكن القول: أنَّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يدخل تحتهما الدين كله؛ فكل ما أوجبت الشريعة عمله أو حببت للناس فعله من صلاة وصيام، وحج، وتوحيد، وغير ذلك، فهو معروف، وكل ما خالف الشريعة من أفعال وعقائد فهو منكر، فيدخل تحته النهي عن التثليث، والقول بصلب المسيح وقتله عليه السلام، ويدخل أيضاً فيه النهي عن الترهُّب وعن شرب الخمر وعن أكل لحم الخنزير، وغير ذلك مِمَّا تخالف فيه الشريعة الشرائع السابقة [100] .

المطلب الثاني: أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

ص: 370

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله، أصل عظيم من آكد الأصول الإسلامية وأوجبها وألزمها. حتى ألحقه بعض العلماء بالأركان التي لا يقوم بناء الإسلام إلَاّ عليها.

وإنَّما أُرْسِلَت الرسل وأُنْزِلَت الكتب للأمر بالمعروف الذي رأسه وأصله التوحيد، وللنهي عن المنكر الذي رأسه وأصله الشرك والعمل لغير الله. وشرع الجهاد لأجل ذلك، وإن كان الجهاد قدراً زائداً على مجرد الأمر والنهي.

إذ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله، يتوقف قيام الدين، فلولاه ما قام الإسلام، ولا ظهر دين الله، ولا علت كلمته.

ويتوقف - أيضاً - قيام الدولة الإسلامية واستقامتها وصلاحها على القيام به. كما أنَّ صلاح العباد متوقف على القيام به [101] .

وبيان ذلك: أنَّ جماع الدين وجميع الولايات هو أمر ونهي، والأمر الذي بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم هو الأمر بالمعروف. والنهي الذي بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم هو النهي عن المنكر.

وبهذا نعت الله تعالى النبيَّ والمؤمنين فقال تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَه} [التوبة: 71] .

وجميع الولايات الإسلامية، كولاية الحكم، وولاية الحرب، وولاية المال، وولاية الحسبة، وغيرها، إنَّما مقصودها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر [102] .

وولي الأمر إنَّما نُصِّبَ ليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وهذا هو مقصود الولاية.

بل إنَّ صلاح العباد جميعهم يكون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ إذ أنَّ صلاح العباد في معاشهم ومعادهم في طاعة الله ورسوله، ولا يتم ذلك إلَاّ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ص: 371

وبه صارت هذه الأُمَّة خير أمَّةٍ أُخرجَت للناس، كما قال -تعالى-:{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّه} [آل عمران: 110] .

ومما يدل على عظم شأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تقديمه على الإيمان الذي هو أصل العقيدة ولا يتقدمه شيىء، لكن في هذه الآية قُدِّمَ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الإيمان. ولا نعلم السر في هذا التقديم إلَاّ عِظَم شأن هذا الواجب، وما يترتب عليه من المصالح العظيمة العامَّة، ولعلَّ التلازم بين الإيمان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الذي سوغ هذا التقديم [103] .

فالأمر والنهي لا يكونان إلَاّ حيث يكون الإيمان، وليس الإيمان إلَاّ عقيدةً وسلوكاً في بضعٍ وسبعين شعبة من أخلاق الإسلام، كلها تعمل في سبيل إرساء قواعد أمَّة الإسلام على أسس من الأصالة والثبات والحياة السعيدة؛ لأنَّ هذه الشعب الإيمانية تشمل كل النشاطات الإنسانية من جهة العقيدة، ومن جهة الذات، ومن جهة ارتباط الإنسان بالإنسان، والتزامه بغيره.

والأمَّة التي تسودها شعب الإيمان تهب إلى الأمر بها، والنهي عمَّا يضادها، حرصاً على مميزان أخلاق الإيمان وأثرها في سعادة الإنسان، وفي قوة الأُمَّة كلها. ومن هنا لا يوجد إيمان إلَاّ كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لازماً له، وخاصّةً من خواصّه لا ينفك عنه [104] .

وقد اتفقت الأُمَّة الإسلامية على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولم يخالف في ذلك إلَاّ مَنْ شَذَّ [105] .

كما اعتبره الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه شرطاً رئيساً في الانتماء إلى صفوف هذه الأُمَّة، فقد قرأ قول الله -تعالى-:{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [106] .

ص: 372

ثُمَّ قال: "أيها الناس! مَنْ سرَّه أن يكون من تلك الأُمَّة فليؤدّ شرط الله فيها"[107] .

- وقد أكَّد الله فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في كتابه العزيز، وبيَّنه الرسول صلى الله عليه وسلم في أخبارٍ متواترة، وأجمع سلف الأُمَّة وفقهاء الأمصار رحمهم الله على وجوبه [108] .

وقال الغزالي [109] : "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو القطب الأعظم في الدين، وهو المهم الذي ابتعث الله له النبيين أجمعين"[110] .

وقال النووي [111] : "قد تطابق على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الكتاب والسُنَّة وإجماع الأُمَّة، وهو أيضاً من النصيحة التي هي من الدين"[112] .

وقال الشوكاني [113] : "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم واجبات الشريعة المطهرة، وأصل عظيم من أصولها، وركن مشيد من أركانها، وبه يكمل نظامها ويرتفع سنامها"[114] .

وهذا غيض من فيض من الأمور التي تدل على أهمية هذه الدعامة من دعائم الإسلام ومبانيه العظام [115] .

وسيأتي بعض حكمه وأسراره في المطلب الثالث إن شاء الله تعالى.

المطلب الثالث: في الحكمة من مشروعية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ضوء الآية الكريمة:

سبق في الكلام على الدعامة الأولى (إقام الصلاة) أنَّ معنى الآية والهدف العام منها هو توفية الإسلام أو الإيمان أو الدين حقه من الأقوال والاعتقادات والأعمال على مَنْ مكَّنه الله في الأرض. وهذه هي القاعدة الأولى في حياة الأمة، وهي تقوى الله، والالتزام بشريعته ومنهجه الذي رضيه، وما رضيه الله لها ديناً فلن يسخط عليه.

ص: 373

كما مرَّ في الدعامة الثانية (إيتاء الزكاة) أنَّ الهدف العام منها هو أن لا يقتصر نفع المؤمن على نفسه، بل إنَّه مطالب أن يمد يد العون إلى أخيه المسلم؛ لأنَّ إيمانه لا يكمل إلَاّ بذلك، وأنَّ التفاف الأمة حول المنهج والتعاون على الخير وتحقيق معنى الأخوة الإسلامية والاعتصام بالكتاب والسُنَّة وعدم التفرق - حتى يصبح المجتمع المسلم كالجسد الواحد، وكالبنيان يشد بعضه بعضاً، وتنعدم فيه الأنانية والبغضاء - هو من أهداف القاعدة الثانية أيضاً.

ثُمَّ تأتي القاعدة الثالثة والرابعة [الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر] وهي صمام الأمان لسلامة الأمة المسلمة واستمرار صلاحها.

فالحكمة من مشروعية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ضوء الآية الكريمة حينئذٍ أنَّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الحارس الأمين الدائم الذي يراقب المجتمع المسلم. فيسد نوافذ الشر والبدع - حتى لا تصل إلى ذلك التجمع الذي مكنه الله في الأرض وأسبغ عليه نعمه وأنقذه من هوة الشرك إلى نور الإسلام. ومن الاضطراب والفرقة إلى التماسك والوئام والمحبة في الله ومن أجل الله.

ولك أن تتصور - أخي الكريم - مجتمعاً - توافرت فيه هذه الأُسس: القيام بتوفية الدين حقه من الأقوال والأعمال والاعتقادات، وتواصي أهله بإيصال كل حق إلى مَنْ يستحقه. ولم يقتصر نفع أفراده على أنفسهم وحسب، بل أحب كل فرد فيه لأخيه ما يحبه لنفسه، وتلاشت بينهم الفروق التي تُسَبِّب العداوة والافتراق، وحلَّت بدلها الألفة والوئام، وأخوة الإسلام.

ص: 374

ثُمَّ جاء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كالسياج الواقي من الأشرار، والدرع الحامي من الأخطار، والمعلم الدائم الاستمرار، الحاث على خير الأعمال، الناهي عن قبح القول والأعمال، فهل ترى أخي القارئ لذلك المجتمع من مثال؟ أو تتوقع أين يوجد ما هو أفضل منه مِمَّن يستحق الوعد بالنصر والتمكين على الأعداء؟! كلا. لقول الله -تعالى-:{الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُِمُورِ} . وقوله جلَّ وعلا: {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَاّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} .

--------------------------------------------------------------------------------

[1]

رواه مسلم 2/1045 كتاب النكاح، باب الأمر بإجابة الداعي إلى دعوة.

[2]

لسان العرب لابن منظور 14/465

[3]

ديوان الأعشى ص 106

والأعشى هو: ميمون بن قيس البكري، جاهلي قديم، وأحد أصحاب المعلَّقات. ويلقَّب بصناجة العرب؛ لأنَّه كان يتغنى بشعره. رحل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليسلم فصدته قريش عنه.

انظر: طبقات الشعراء 1/65، الشعراء 1/257، الأعلام 7/341 الشعر والشعراء ص159

[4]

لسان العرب 14/466

[5]

المرجع السابق.

[6]

المرجع السابق 14/465

[7]

الصلاة في القرآن مفهومها وفقهها ص 9، والصلاة للطيار ص 11

وقيل: إنَّها من الصَّلْوَيْن، وهما: مكتنفا العصعص.

ص: 375

(لسان العرب 14/465) .

[8]

الروض المربع مع حاشية العنقري 1/118

[9]

الصلاة في القرآن ص9، والصلاة للطيار ص 11

[10]

الصلاة في القرآن ص10، والصلاة للطيار ص 12

[11]

بصائر ذوي التمييز للفيروزآبادي 3/437، ومنتخب قرة العيون النواظر ص 161

[12]

منتخب قرة العيون 3/438، إصلاح الوجوه والنظائر للدامغاني ص 284، وكشف السرائر لابن العماد ص 106

[13]

المراجع السابقة، ونزهة الأعين النواظر لابن الجوزي ص 395

[14]

بصائر ذوي التمييز 3/437، فتح القدير 5/341، وابن كثير 8/307.

[15]

منتخب قرة العيون، ابن الجوزي ص 161، وكشف السرائر ص 105

[16]

المعجم الجامع، عبد العزيز السيروان ص 244، وانظر: منتخب قرة العيون ص 161

[17]

صحيح البخاري في كتاب التفسير، سورة الإسراء، باب 14 ج5/229

[18]

بصائر ذوي التمييز 3/438، وكشف السرائر ص 106

[19]

منتخب قرة العيون النواظر ص 106

[20]

بصائر ذوي التمييز 3/438

[21]

منتخب قرة العيون ص121، وتحصيل نظائر القرآن للحكيم الترمذي ص52

[22]

الصلاة في القرآن ص 15

[23]

تحصيل نظائر القرآن ص 118، وابن كثير 7/395، ونسبه إلى مجاهد وغيره. والنكت للماوردي5/366.

[24]

إصلاح الوجوه للدامغاني ص 210

[25]

صحيح البخاري، كتاب التفسير، سورة المرسلات 6/77، والصلاة في القرآن ص15

[26]

كشف السرائر ص 105، بصائر ذوي التمييز 2/105

[27]

المرجعان السابقان.

[28]

الصلاة في القرآن مفهومها وفقهها ص17، وجامع البيان لابن جرير15/409، والنكت والعيون للماوردي2/509.

[29]

هود: 87

[30]

القيامة: 31

[31]

الأحزاب: 43

[32]

البقرة: 157

[33]

صحيح مسلم 1/209

ص: 376

[34]

رواه مسلم في كتاب الإيمان، حديث 134 ج1/88

[35]

رواه النسائي في كتاب الصلاة، باب الحكم في تارك الصلاة 1/231-232

[36]

الصلاة في القرآن ص 18

[37]

رواه الترمذي 5/11-12 ح 2616، والمزي: تحفة الأشراف 8/399 ح1137 وقال عنه أبو عيسى: "حديث حسن صحيح".

[38]

رواه البخاري 1/8 كتاب الإيمان، ومسلم 1/45 ح 31

[39]

رواه البخاري 1/93 كتاب الصلاة، باب كيف فرضت الصلاة.

[40]

إبراهيم: 40

[41]

مريم: 55

[42]

طه: 14

[43]

آل عمران: 39

[44]

لقمان: 17

[45]

الصلاة في القرآن ص 22-23، والصلاة للطيار ص 18

* أي في حال الرخصة تخفف أركانها وعدد ركعاتها فقط بخلاف غيرها كالصوم.

[46]

الصلاة للطيار ص 19-20، والصلاة عماد الدين ص:54

* أي أن غير الأمور التعبدية في الشرع تدور مع مصلحتها في الغالب، المرجع السابق ص:20.

[47]

رواه البخاري 1/134 كتاب مواقيت الصلاة، باب الصلوات الخمس كفارة.

[48]

الصلاة عماد الدين، د. حسن الترابي ص 54

[49]

وردت عِدَّة مرات، منها سورة البقرة الآيات: 43، 83، 110، وغيرها.

[50]

البقرة: 277

[51]

الأحزاب: 33

* إنما خص الإقرار بالربوبية دون الألوهية لظهور الألوهية فيها.

[52]

البقرة: 144

[53]

العنكبوت: 45

[54]

الصلاة للطيار ص 24، والصلاة في القرآن ص 46

[55]

المرجع السابق.

[56]

المدثر: 42 - 43

[57]

مجمع الزوائد: الهيثمي 1/291-292

[58]

أم سلمة هي: هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر المخزومية، أُم المؤمنين. تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم بعد أبي سلمة سنة أربع، وقيل: ثلاث. تقريب التهذيب ص 483

[59]

رواه أحمد 1/290، الإرواء 7/238

ص: 377

[60]

رواه مسلم 1/88 ح 82، والصلاة للطيار ص 26-27

[61]

هو: الحسين بن محمد بن الفضل - أو المفضل - من أهالي أصبهان، أديب لغوي، مفسر، توفي سنة 502 هـ.

الأعلام 2/279، معجم المؤلفين 4/9، البلغة في علوم اللغة ص 153، مقدمة المفردات ص 3

[62]

المفردات للراغب الأصفهاني ص 429، الصلاة في القرآن ص 54

[63]

سبق تخريجه ص 59

[64]

سبق تخريجه ص 56

[65]

الزكاة وتطبيقاتها للدكتور عبد الله بن محمد الطيار ص 12، لسان العرب 2/236

[66]

ينظر: لسان العرب 2/36، القاموس المحيط للفيروزآبادي 4/341، المعجم الوسيط 1/396

[67]

الزكاة وتطبيقاتها المعاصرة ص 12، شرح منهاج الطالبين لجلال الدين المحلى 2/368، المغني لابن قدامة 2/572

[68]

الزكاة للطيار ص 12

[69]

الزكاة وتطبيقاتها المعاصرة للطيار ص 14

[70]

تفسير ابن كثير 4/537، 538.

[71]

فقه الزكاة 1/52، الزكاة للطيار ص 16- 17.* ولا يفهم مما سبق أن ذلك حال المسلمين في الشريعة المحمدية. بل ذلك مفروض في الشرائع التي ترك أمر إخراج الزكاة فيها إلى صاحب المال: لأن الفقر والغنى في الإسلام كله بمشيئة الله تعالى وله فيه حكم لا يمكن الإحاطة بها.

[72]

الزكاة للطيار ص24

[73]

رواه البخاري ومسلم. صحيح البخاري 8/11، صحيح مسلم 8/20.

[74]

المصدر السابق، الجزء والصفحة.

[75]

موعظة المؤمنين من إحياء علوم الدين، لجمال الدين القاسمي 1/47

[76]

فقه الزكاة للقرضاوي 2/851، الزكاة لمحي الدين مستو ص 47، الزكاة للطيار ص 23-27

[77]

الزكاة وتطبيقاتها المعاصرة ص 29

[78]

متفق عليه. رواه البخاري ومسلم (كتاب الإيمان) . ورواه الإمام أحمد في مواضع منها 3/176-177

[79]

الزكاة وتطبيقاتها المعاصرة ص 34، تيسير فقه فريضة الزكاة للميداني ص7.

ص: 378

[80]

هو: عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن مرة التيمي، أبو بكر بن قحافة (الصديق) ، خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، مناقبه كثيرة، مات في جمادى الأولى سنة 13هـ وعمره ثلاث وستون سنة، ومدة خلافته سنتان وشهر. تقريب التهذيب ص181، شذرات الذهب 1/24

* ليس المراد تعريف الإيمان عند السلف. وإنما المراد ترتيب الأهم فالمهم فإن الإيمان قد يوجد بدون العمل، ويعتد به، ولا يعتد بالعمل دون الإيمان.

[81]

هو: عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى العدوي. لُقِّبَ بالفاروق، وبأمير المؤمنين. وهو ثاني الخلفاء الراشدين. ومناقبه جمة مشهورة، استشهد في ذي الحجة سنة 23 هـ، ومدة خلافته عشر سنوات ونصف.

تقريب التهذيب ص 53، شذرات الذهب 1/33، الإصابة 2/588

[82]

رواه البخاري 2/91

[83]

الزكاة للطيار ص 36

[84]

ملامح الانقلاب الإسلامي في سيرة عمر بن عبد العزيز، للدكتور عماد الدين خليل ص140، الزكاة للطيار ص 51

[85]

المرجعان السابقان.

[86]

انظر ص 45 من البحث.

[87]

رواه مسلم في كتاب الإيمان 23، باب بيان أنَّ الدين النصيحة، حديث (55) ، وأبو داود، أدب، حديث (4944) ، وأحمد (4/102-103) .

* رواه الإمام أحمد من حديث جبير بن مطعم عن أبيه 4،80،83،والترمذي كتاب العلم باب ما جاء في تبليغ العلم حديث رقم 2656.

[88]

رواه مسلم، كتاب الأنبياء (50) ، وأحمد 3/159، 302، 314، والترمذي كتاب العلم 13 من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"بلغوا عني ولو آية وحدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج".

[89]

أخرجه الإمام مسلم في كتاب الإيمان، باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان (1/69 رقم 46) ، وأبو داود، باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، رقم (4340) .

ص: 379

[90]

القول البين الأظهر في الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ص8 والقاموس المحيط 3/251-252

[91]

معجم مقاييس اللغة لابن فارس 4/281

[92]

المعجم الوسيط، لإبراهيم مصطفى وآخرين 2/601

[93]

القول البين الأظهر ص 10، والتعريفات ص 275

[94]

القول البين الأظهر في الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ص8

[95]

القاموس المحيط للفيروزآبادي 2/208، معجم مقاييس اللغة 4/281

[96]

القول البين الأظهر ص 10، التعريفات للجرجاني ص 290، من فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لمحمد عبد الله الخطيب ص 13، حقيقة الأمر بالمعروف ص12

[97]

المفردات للراغب ص 505

[98]

مجموع الفتاوى لابن تيمية، جمع وترتيب عبد الرحمن بن قاسم 28/65، 28/122، وتفسير ابن سعدي 2/77

[99]

المرجعان السابقان.

[100]

انظر: التشريع الجنائي في الإسلام 1/497، الإسلام بين جهل أبنائه وعجز علمائه ص46

[101]

القول البين الأظهر في الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ص12-13

[102]

المرجع السابق ص 13

[103]

وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لسماحة الشيخ عبد العزيز بن

عبد الله بن باز ص 6

[104]

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأبي بكر أحمد بن محمد الخلال ص 42 دراسة وتحقيق عبد القادر أحمد عطا.

[105]

الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم، تحقيق د. محمد نصر، ود. عبد الرحمن عميرة.

[106]

آل عمران: 110

[107]

فتح القدير للشوكاني، تحقيق د. عبد الرحمن عميرة 1/453، جامع البيان للطبري 4/43

[108]

أحكام القرآن للجصاص 2/486، مناهج العلماء في الأمر بالمعروف ص 54

[109]

هو محمد بن محمد بن محمد الغزالي، حجة الإسلام، أصولي، فقيه، فيلسوف، متصوف، وُلِدَ عام 450هـ، وتوفي سنة 505هـ.

ص: 380

طبقات السبكي 6/191، تبيين كذب المفتري ص 291

[110]

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للغزالي، تحقيق سيد إبراهيم ص 5

[111]

هو الإمام محي الدين أبو زكريا يحي بن شرف بن مُرِّي النووي الدمشقي، عالم مشهور، اعتنى بالحديث والفقه، شَرَحَ صحيح مسلم. وُلِدَ عام 631 وتوفي سنة 676هـ. المنهج السوي للسيوطي ص 25-26، البداية والنهاية 13/294، طبقات الشافعية 8/395-397

[112]

شرح النووي على صحيح مسلم 2/22

[113]

هو: أبو عبد الله محمد بن علي بن محمد الشوكاني الخولاني، ثُمَّ الصنعاني، عالم بالحديث والتفسير والأصول. وُلِدَ ونشأ في صنعاء، وبها توفي سنة 1250هـ. من مؤلَّفاته: فتح القدير في التفسير، وإرشاد الفحول في الأصول وغيرهما.

أبجد العلوم 3/201، الأعلام 6/298، معجم المؤلفين 11/53

[114]

فتح القدير للشوكاني، تحقيق د. عبد الرحمن عميرة 1/450

[115]

حقيقة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأركانه ومجالاته ص 40

ص: 381

تابع لدعائم التمكين للمملكة العربية السعودية

الفصل الثالث

في

اهتمام ولاة الأمر في المملكة العربية السعودية بدعائم التمكين والأسس وتطبيقها على أنفسهم ورعيتهم

وفيه مباحث:

الأول: في اهتمام المؤسس الأول الملك عبد العزيز بتلك الدعائم.

الثاني: في جهود أبنائه من بعده في ترسيخ وتطبيق تلك الدعائم.

الثالث: في ثمرات تطبيق تلك الدعائم.

المبحث الأول: في اهتمام المؤسس الأول الملك عبد العزيز بتلك الدعائم:

وفيه تمهيد وأربعة مطالب:

التمهيد: في ترجمة الملك عبد العزيز ونشأته وأهم صفاته.

المطلب الأول: في تقرير الملك عبد العزيز للهدف العام من الدعامة الأولى وهو العقيدة.

المطلب الثاني: عناية الملك عبد العزيز بالهدف الخاص وهو (إقامة الصلاة) .

المطلب الثالث: اهتمام الملك عبد العزيز بالدعامة الثانية (إيتاء الزكاة) وفيه مسألتان:

الأولى: اهتمامه بالهدف العام لهذه الدعامة وهو (تحقيق الأخوة الإسلامية) .

الثانية: اهتمامه بالهدف الخاص وهو (إيتاء الزكاة لمستحقيها) .

المطلب الرابع: اهتمام الملك عبد العزيز بالدعامتين الثالثة والرابعة: (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) .

تمهيد:

وُلِدَ الملك الإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل آل سعود - رحمه الله تعالى - في قَصْر الإمارة في مدينة الرياض في اليوم التاسع عشر من ذي الحجة سنة 1293هـ، وقيل: سنة 1297هـ، ونشأ في أسرة آل سعود التي عُرِفَت منذ نشأتها بالتمسك بالإيمان العميق، والتحلِّي بالتوحيد الخالص، والتمسك بكتاب الله وسُنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم.

وقد اهتم الإمام عبد الرحمن بن فيصل آل سعود بتربية ابنه عبد العزيز تربية دينية مشتملة على دراسة القرآن الكريم والعلوم الشرعية إلى جانب تطبيق هذه التعاليم تطبيقاً عملياً.

ص: 382

وقد عوَّده أبوه أن يستيقظ قبل الفجر، وبدأ يصوم وهو في العاشرة من عمره [1] .

وكان يحفظ أجزاءً من القرآن، ويحفظ الرحبية في الفرائض، وتعلَّم زاد المستقنع في الفقه، ويحفظ من كتب الأحاديث (الأربعين النووية) ، و (بلوغ المرام) . وكان يحب قراءة (البداية والنهاية) لابن كثير، و (تاريخ الرسل والملوك) للطبري، و (السيرة) لابن هشام، و (المغني والشرح الكبير) لابن قدامة، و (الإنصاف) للمرداوي، وتفسير ابن كثير، والبغوي.

وكان يحب من الشعر ما تميز منه بالطابع الإسلامي والنصائح [2] .

وكان له وِرْد خاص يقرأه يومياً عن ظهر قلب [3] معظمه من الآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة، وقد طُبِعَ أكثر من مرَّة، ويشتمل على

(116صفحة)[4] .

وقد أجاد استعمال السيف والبندقية وركوب الخيل في سِنٍّ مبكرة، وكان حاد الطبع دائم الحركة، لا يستقر في مكانٍ واحدٍ فترة طويلة [5] .

وقد حباه الله ببنية قوية، وقامة مديدة، فكان يفوق أقرانه ويتفوق عليهم. واجتمع له مع قوة الجسم سلامة الرأي، فكان يشارك في الصلح بين القبائل وهو في الثالثة عشرة من عمره [6] .

وقد كان للنشأة الدينية القويمة التي عاشها الملك عبد العزيز رحمه الله أثرٌ واضح، ونتائج ملموسة، فنراه يتمسَّك بالعقيدة، ويحض على التمسك بها في كل مناسبة، ويحافظ على أداء الفرائض قبل أن يحث غيره على التمسك بها، ويقرأ القرآن الكريم، ويستشهد بآياته، وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم وأقوال السلف الصالح، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويرغب في فضائل الأعمال ومكارم الأخلاق، ويلزم بها نفسه قبل أن يطالب بها غيره ليكون قدوة لغيره، ولذا وفَّقه الله، وآزره فيما سعى إليه [7] .

ص: 383

وقد كان لمعايشته بعض الظروف التي مرَّت بأسرته وسقوط دولة آبائه آثار على نفسه منذ صغره حيث شحذت همته على استيعابها والاستفادة منها. جاء في معرض خطبته عام 1358هـ وهو يتحدث عن أسباب سقوط الدولة السعودية الثانية، قوله:

"كل أمة تريد أن تنهض لابُدَّ لكل فرد فيها من أن يقوم بواجباتٍ ثلاثة:

أولها: واجباته نحو الله والدين.

وثانيها: واجباته في حفظ أمجاد أجداده وبلاده.

وثالثها: واجباته نحو شرفه الشخصي" [8] .

فقد وعى هذا الدرس جيداً، وعمل على تلافي أسبابه ودواعيه.

كما كان لسكناه في البادية مع آل مرة والعجمان آثار إيجابية أكسبته صلابة العود مبكراً، واستوعب فنون القتال والفروسية، وأجاد الكر والغزو والمواهب القتالية، وكان يقول:"أنا ترعرعت في البادية فلا أعرف التلاعب بالكلام وتزويقه، ولكني أعرف الحقيقة عارية عن كل تزويق".

كما كان لإقامته في الكويت على مقربة من موقع المسئولية وصنع القرار الإداري والسياسي أثر كذلك، إذ أتاح له المقام بالكويت الاطلاع على كيفية إدارة شئون الدولة، وأكسبته الخبرة والحنكة السياسية. وراقب بعينٍ بصيرة صراعات الدول الكبرى ومناوراتها على المستوى المحلي والعالمي.

وعرف كيف يتعامل بمهارة مع تلك السياسات عندما أصبح في موقع المسؤلية إبان تأسيس الدولة السعودية الثالثة، فحظي باحترام زعماء العالم المعاصرين له [9] .

كما كان لصفاته الشخصية وسجاياه الجليلة من قوة التدين والإيمان الخالص، والكرم والشجاعة والفراسة والحكمة والأناة في معالجة الأمور، والتواضع وحسن الخلق، والقدرة على كتمان السر، آثار إيجابية وطأت له أسباب التمكين في الأرض وحب الناس له. وكان بروحه المؤمنة الصادقة قد أتاح للجزيرة عهداً سعيداً عامراً بالأمن، والرخاء، ورغد العيش.

ص: 384

فكان عهده مذكراً لجميع المسلمين بعهد الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، إذ حاول قدر جهده أن يسير على دربهم، ويحتذي حذوهم، فصدق فيه قوله -تعالى-:{وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْض} [10]، وقوله -تعالى-:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [11] .

وقد بنى الملك عبد العزيز دولته وأقام نظامه في الجزيرة التي بُعِثَ فيها الرسول صلى الله عليه وسلم ونَزَل عليه الوحي فيها، وجاهد فيها، وأقام دولته فيها.

وهو المكان الذي شهد الدولة الإسلامية للخلفاء الراشدين رضي الله عنهم جميعاً.

وإن كان المؤرخون يقسمون تاريخ الدولة السعودية إلى ثلاثة عهود، فإنَّ وجه الشبه بين هذه العهود هو حرص الحكام والعلماء في العهود الثلاثة على الأُسُس والمبادئ الإسلامية، وتقديم التضحيات في سبيل نشر الدعوة السلفية، واتخاذ الشريعة الغرَّاء منهجاً للبلاد.

حيث كانت أحكام الشريعة غير مطبقة تطبيقاً سليماً أو غير مطبقة

بالمرة، واستبدل بها أحكام جرت مجرى العرف، وكان التمسك بها شديداً؛ لأنَّها من وضع سلفهم، ولأنَّ الخلف وجدوا آباءهم معتزين بها، ومطبقين لها، وهذا مما يجعل تغير هذه الأوضاع البعيدة عن الإسلام من الصعوبة بمكان.

وعندما شرع الملك عبد العزيز في تأسيس دولته على الدين

الحنيف، كانت صورة الحكم الإسلامي مهتزة في أذهان بعض الناس؛ لأنَّهم نظروا إلى الإسلام من خلال واقع المسلمين وأعمالهم، وما ارتكبوه من أخطاء.

ص: 385

أمَّا الملك عبد العزيز فلم يصغ إلى ذلك الوهم؛ لأنَّه يؤمن بالإسلام عقيدة وشريعة ونظاماً للحياة. وأنَّ التمسك بالإسلام يعصم من الضلال، فسارع في إنفاذ الشريعة وتطبيق أحكامها، "ولم يتعلل بعدم وجود فقه تفصيلي، ولم يَخَفْ من نتائج تطبيق الشريعة؛ لأنَّه لا يخاف من هذه النتائج إلَاّ من نوى الظلم والفساد في الأرض.

والملك عبد العزيز قد عرف من سيرته بأنَّه محب للعدل، مقيم له، كاره للفساد مقاومٌ له" [12] .

فلم يبتدع نظاماً، ولم يشرع قانوناً، بل ما عمله في هذا السبيل هو أنَّه أحيا سًنَّة القرآن الكريم، وأيقظ في النفوس وازع الإيمان، ففجر فيها القوة في التضحية والانضباط في التزام ما شرعه الله لعباده [13] .

وقد أطلنا في هذا التمهيد الذي يتقدم جهود الملك عبد العزيز رحمه الله في تقرير العقيدة الإسلامية، وهو الهدف العام من الدعامة الأولى من دعائم التمكين (إقام الصلاة) كما سبق. لكن المقام يتطلَّب هذه الإشارات للربط بين أجزاء الموضوع.

المطلب الأول: تقرير الملك عبد العزيز للهدف العام من الدعامة الأولى للتمكين، وهو (العقيدة) :

سلك الملك عبد العزيز رحمه الله منهجاً قويماً في ترسيخ العقيدة الصحيحة في البلاد مكَّنه هذا المنهج من إحلال الأمن والاستقرار وتحقيق الرخاء في البلاد.

يقوم هذا المنهج على ثلاث دعائم:

1 – توحيد الله تعالى وعبادته.

2 -

تطبيق الشريعة الإسلامية.

3 – السعي إلى وحدة الأمَّة.

{إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 92] .

وامتداداً لجهود الشيخ محمد بن عبد الوهاب، والإمام محمد بن سعود رحمهما الله.

قام الملك عبد العزيز بجهودٍ عظيمة في تقرير العقيدة الصحيحة ونشرها والذَبّ عن حياضها.

ص: 386

ومن تتبع الأسباب التي حملت الشيخ محمد بن عبد الوهاب على القيام بدعوته، ثُمَّ تناول الكتب والرسائل التي كتبها الشيخ، أو كتبها أولاده وأحفاده وتلاميذهم، يلاحظ أنَّ دعوته ركَّزت على ناحيتين:

الأولى: دعوة الناس إلى تجريد العبادة لله وحده؛ بحيث لا يَعْبُد مخلوقٌ مخلوقاً مثله من دون الله أو مع الله، وتجريد المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بحيث لا يقدم قولاً أو رأياً على قول رسول الله صلى الله عليه وسلم.

الثانية: دعوة الناس، وخصوصاً الحكام إلى تحكيم شريعة الله وحدها، وهذا يعني أنَّ دعوة الشيخ كانت تحارب جاهليتين شركيتين:

الأولى: جاهلية عبادة المخلوق لمخلوق مثله، بدعوى حب

الصالحين، أو التوسل بهم، والذي يشبه قول المشركين:{مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَاّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 31] .

والثانية: جاهلية الحكم بغير ما أنزل الله.

وبناءً على هذه الأُسُس للدعوة السلفية قام الملك عبد العزيز رحمه الله، بجهود عديدة في تقرير العقيدة الصحيحة منها:

أ - تمسكه بالعقيدة الصحيحة في خاصَة نفسه.

ب - جهوده في تقرير العقيدة الصحيحة في داخل المملكة.

جـ - جهوده في تقرير العقيدة الصحيحة في خارج المملكة.

أ - تمسك الملك عبد العزيز رحمه الله بعقيدة التوحيد:

كان الملك عبد العزيز يتمسك بعقيدة التوحيد، وبنى على هذا الأساس كل قراراته وتصرفاته.

فالصفة الأكثر أهمية ووزناً وعمقاً في شخصية الملك عبد العزيز أنَّه رجل عقيدة قبل كل شيء، ومؤدَّى ذلك أنَّ الخصائص الأخرى تستمد من العقيدة قوتها وأثرها وظهورها [14] .

وقد علم من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، وسيرة الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، والحكام الصالحين أنَّ أصل الأصول في الدولة الإسلامية هو: عقيدة التوحيد.

ص: 387

والملك عبد العزيز رحمه الله رجل موحّد خالص التوحيد في خاصة نفسه، ملتزم بمنهج السلف الصالح في توحيد الألوهية والربوبية والأسماء والصفات، لا يدعو غير الله، ولا يشرع ما لم يأذن به الله [15] .

والأدلة على هذا كثيرة من أقواله وأفعاله رحمه الله. فمن أقواله في هذا الشأن ما يلي:

1 -

عبارته المشهورة: "كلمة التوحيد لا إله إلَاّ الله محمد رسول الله إني والله، وبالله، وتالله، أقدِّم دمي ودم أولادي وكل آل سعود فداءً لهذه الكلمة لا أضن بها"[16] .

2 -

وقال رحمه الله: "أمَّا العبادة فلا تصرف إلَاّ لله وحده لا لِمَلَكٍ مقرَّب، ولا لنبي مرسل، ولا تخفى عليكم الآية الكريمة: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَاّ لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] . ومعنى يعبدون: يوحدون، فالتوحيد خاص بالله تعالى، والعبادة لا تصرف إلَاّ إليه، والرجاء والخوف والأمل كله بالله ولله، وما بعث محمد ولا أرسل الرسل ولا جاهد المجاهدون إلَاّ لتوحيد الله تعالى"[17] .

3 -

وقال رحمه الله: "إني أفضل أن أكون على رأس جبل آكل من عشب الأرض أعبد الله وحده، على أن أكون ملكاً على سائر الدنيا وهي على حالتها من الكفر والضلال. اللهم إنَّك تعلم أني أحب من تحب وأبغض من تبغض. إنَّا لا يهمنا الأسماء ولا الألقاب، وإنَّما يهمنا القيام بحق واجب كلمة التوحيد"[18] .

4 -

وقال رحمه الله: "أنا داعية أدعو إلى عقيدة السلف الصالح، وهي التمسك بكتاب الله وسُنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم وما جاء عن الخلفاء الراشدين"[19] .

5 -

وأوصى رحمه الله وليّ عهده فقال: "تعقد نيتك على ثلاثة أمور:

أولاً: نية صالحة، وعزم على أن تكون حياتك وأن يكون دينك

إعلاء كلمة التوحيد.

ص: 388

ثانياً: عليك أن تجتهد في النظر في شئون الذين سيوليك الله أمرهم بالنصح سرّاً وعلانية، والعدل في المحب والمبغض، وتحكيم الشريعة في الدقيق والجليل والقيام بخدمتها باطناً وظاهراً.

ثالثاً: عليك أن تنظر في أمر المسلمين عامَّة" [20] .

ومن أفعاله ما يلي:

1 -

اختيار الشهادتين شعاراً لرايته وعلماً لمملكته وشارةً لبلاده.

2 -

اعتباره التوحيد القاعدة الرئيسة في حياة المسلمين - راعٍ ورعية، إمام ومأمومين - وإذ يقيم الملك عبد العزيز قلبه على توحيد الله فإنَّه في اللحظة ذاتها يُلْزِم من يلي أمرهم بتوحيد الله جلَّ شأنه [21] .

3 -

من فرط إحساسه بمعاني التوحيد أنَّه كان يقظاً لكل لفظ يجرح هذا التوحيد.

التقى يوماً بزعيمٍ عربي، وفي أثناء الحديث أراد الزعيم توكيد مسألة معيَّنة فقال - مخاطباً الملك عبد العزيز -: وحياة رأسك. فرمقه الملك عبد العزيز بنظرة موحدة وقال له: "قل: والله"[22] .

وسمع شاعراً ذات يوم يلقي قصيدة أمامه بعد أن استأذن في إلقائها:

أنت أملنا وفيك الرجاء

...

...

فصاح الملك عبد العزيز قائلاً: "تخسأ. تخسأ". ولمح في المجلس أحد طلبة العلم فقال: "علِّمه التوحيد"[23] .

فهو يدرك أنَّ هذه الألفاظ من معاني توحيد الألوهية لا يجوز صرف شيء منها لغير الله [24] .

فالملك عبد العزيز كان داعية للتوحيد بقوله وفعله، وقد اقتدى به عدد كبير من دعاة التوحيد في العالم العربي والإسلامي، ومِمَّا يدل على ذلك أنَّ دعاة التوحيد في العالم الإسلامي كانوا يأتون ويجلسون إليه ويأخذون من أقواله ونصائحه ما يعزز نشاطهم ويحسن أساليبهم في الدعوة إلى التوحيد [25] .

ولم يقتصر الأمر على مجرَّد النصائح، بل تعداه إلى الدعم المادي والمعنوي لهؤلاء الدعاة بغرض نصرة عقيدة التوحيد [26] .

ص: 389

وهكذا نجد الملك عبد العزيز يقرر عقيدة السلف الصالح بأقواله وأفعاله، ويُلْزِم مَنْ يلي أمرهم بذلك. وهي طريقة في الانتصار للعقيدة لا يستخدمها إلَاّ داعية موحد لا يقايض على التوحيد بشيء. ولا غرابة في ذلك فقد عرف عن الملك عبد العزيز رحمه الله بأنَّه داعية عقيدة ومنفّذ شريعة [27]- حتى وُصِفَ بأنَّه:"الإسلامي الداعية إلى الحل الإسلامي"[28] .

ب - جهود الملك عبد العزيز في تقرير العقيدة الصحيحة داخل المملكة.

عندما بدأ الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود بفتح الرياض عام 1319هـ، وبدأ تأسيس الدولة السعودية الثالثة، لم تكن العقيدة الصحيحة التي نادى بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب والأمير محمد بن سعود، وأبناؤهما وأحفادهما من بعدهما، على ما كانت عليه من الصفاء والنقاء الذي وصلت إليه على يد الأمير سعود الكبير حفيد الإمام محمد بن سعود رحمهما الله، بل كثرت الدعاية السيئة ضد الدعوة السلفية في البلاد الإسلامية. وأخذ أعداء الدعوة يذيعون أنَّ أنصار الدعوة السلفية لا يحبون أهل البيت ولا يحفظون للأولياء حقّاً ولا حرمة. كما وصفوا الدعوة السلفية بأنَّها مذهب خامس، وأُلِّفَت الكتب التي ترمي أنصار الدعوة بكبيرات الأمور.

ولم يقف الأمر على مجرَّد الدعاية، بل أرسلوا الجيوش لمحاربة هذه الدعوة وإضعافها [29] .

فعادت مظاهر الشرك من جديد وكثر الاعتقاد في الأشجار والأحجار، والبناء على القبور، والتبرك بها، والنذر لها. وغير ذلك من مظاهر الشرك الأصغر والأكبر [30] .

فلمَّا حمل الملك عبد العزيز راية الدعوة أدرك أنَّ هذه الشركيات قد تغلغلت جذورها في النفوس وترسَّخت مفاسد وأدران الوثنية بسبب الجهل، فشرع يخطط لإصلاح هذه النفوس وتطهيرها. وجعل التوحيد قضيته المنهجية الأولى. ونجح في إزالة مظاهر الشرك والقضاء على ما ينافي عقيدة التوحيد أو يوهن من كمالها.

ص: 390

والأدلة على جهود الملك عبد العزيز في نشر العقيدة داخل المملكة حاضرة وبادية عديدة، اكتفي منها بما يلي:

1 -

يقول الملك عبد العزيز رحمه الله: "إنَّ سبيل رقي المسلمين هو التوحيد الخالص، والخروج من أسر البدع والضلالات والاعتصام بما جاء في كتاب الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم"[31] .

2 -

يقول الدكتور عبد الله التركي: "لما ظهر الملك عبد العزيز بدعوة التوحيد ودين الحق، استطاع بعون الله ثُمَّ بوسيلة الشوكة والسلطان أن يحمي التوحيد من كل ما يخالفه ويزاحمه من عقائد وعادات وأعراف ومظاهر وأساليب"[32] .

3 -

جمع علماء مكَّة بعلماء نجد ليتباحثوا في مسائل الشرع، فاجتمعوا في جمادى الأول عام 1343هـ، وأصدروا بياناً جاء فيه: "قد حصل الاتفاق بيننا وبين علماء نجد في مسائل أصولية منها:

أ - أنَّ مَنْ جعل بينه وبين الله وسائط من خلقه يدعوهم

ويرجوهم في جلب نفع أو دفع ضر فهو كافر حلال الدم والمال.

ب - أنَّ البناء على القبور واتخاذ السرج عليها وإقامة الصلاة فيها بدعة محرمة في الشريعة الإسلامية.

جـ - مَنْ سأل الله بجاه أحد من خلقه فهو مبتدع مرتكب محرماً".

واتفق العلماء على نشر هذا البيان الذي من خلاله اتضحت وحدة العقيدة في أنحاء المملكة [33] .

4 -

تطبيقاً لقوله -تعالى-: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [34] . حرص الملك عبد العزيز على إلغاء جميع القوانين التي كانت موجودة من بقايا الدول السابقة، وكان يُعْمَل بها في بعض مناطق المملكة، وحثَّ العلماء على إصدار فتوى بذلك، وقد أصدروا فتوى بتاريخ 8 شعبان 1345هـ ومِمَّا جاء فيها:"وأمَّا القوانين فإن كان موجوداً منها شيء فيزال فوراً ولا يحكم إلَاّ بالشرع المطهَّر"[35] .

ص: 391

5 -

حماية المملكة من أن يتسلل إليها شيء من عقائد الكفار من نصارى وشيوعيين وغيرهم، وتحريم دخول المنصرين إلى المملكة، أو وجود صلبان أو غير ذلك من شعارات الكفار.

6 -

أبطل التحاكم إلى العوائد والسلوم [36] المخالفة للشريعة، وأن لا يتحاكم إلَاّ إلى أحكام الشريعة فقط.

جـ – جهود الملك عبد العزيز في نشر الدعوة للعقيدة خارج المملكة:

التوحيد عقيدة عالمية، قال -تعالى-:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 21] فالخطاب موجه إلى الناس كافَّة - النداء للناس كافة، والأمر للبشر جميعاً - إنَّه نداء إلى الناس كلهم بأن يوحدوا الله بالعبادة دون سواه.

ومعلوم أنَّ المدعوين للدعوة مسلمون وغير مسلمين، فالدعوة تشملهما. ولما تولَّى الملك عبد العزيز شئون البلاد، وانطلاقاً من أنَّ مِن وظائف الحكومة الإسلامية نشر الدعوة الإسلامية بالحوار والحسنى، كما قال الله -تعالى-:{الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَر} [الحج:41] .

وانطلاقاً من ذلك سعى الملك عبد العزيز يدعو إلى العقيدة الصحيحة عالمياً عن طريق استغلال مواسم الحج في الدعوة، أو إيصال العقيدة النقية إلى البلدان المختلفة عن طريق نشر الكتب وتوزيعها في البلاد المختلفة مجاناً.

فمن سعة أفق الملك عبد العزيز أنَّه كان يستغل مواسم الحج في الدعوة إلى تصحيح العقيدة وكانت له رحمه الله مأدبة كبرى يلتقي فيها بعلماء الدول والحجاج يدعوهم فيها إلى الله وإخلاص العبودية له.

ص: 392

خطب رحمه الله في جمعٍ غفير من ضيوف الرحمن فقال: "المسلم لا يكون مسلماً صحيحاً إلَاّ إذا أخلص العبادة لله وحده. يجب أن يتدبر المسلمون معنى (لا إله إلَاّ الله) . يجب على الإنسان أن لا يشرك مع الله في عبادته نبياً مرسلاً ولا ملكاً مقرّباً. يجب أن يتبع المسلمون القول بالعمل أمَّا القول المجرد فلا يفيد. ما فائدة رجل يقول: (لا إله إلَاّ الله) ولكن يشرك ما دون الله في عبادته؟؟

{إنَّ الله إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء} [النساء: 48] . إنَّ الإشراك مع عبادة الله كفر، وليس بعد الكفر ذنب. إنَّ دين الله ظاهر كالشمس، لا لبس فيه ولا تعقيد".

ثُمَّ أضاف رحمه الله: "إنَّ من أعظم الأوامر توحيد الله جلَّ وعلا توحيداً منزهاً عن الشرك"[37] .

وخطب رحمه الله في حُجَّاج الهند فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه: "إنَّ أول ما يلزمنا من الإسلام هو كلمة الشهادتين، ومعنى الشهادة (لا إله إلَاّ الله) أنَّها تفيد إثبات وحدانية الله سبحانه وتعالى.

لا يوجد إنسان غير مذنب؛ لأنَّ العصمة لله وحده، لكن الذنوب على درجات، منها ما لا يمكن معه صفح أو غفران، وهو الشرك بالله" [38] .

ويقول رحمه الله: "الإسلام عزيز عليَّ، ورهبته في قلوب أعدائه كبيرة، فواجب المسلم أن يقوم بالدعوة إلى عبادة الله خالصة"[39] .

ويقول رحمه الله: "إنَّ الذي يجمع شملنا ويوحد بيننا هو: الالتفاف حول كلمة التوحيد والعمل بما أمر الله به ورسوله"[40] .

ص: 393

ومن المجالات التي نشط الملك عبد العزيز في تقرير ونشر العقيدة الصحيحة عن طريقها عالمياً: اخراج المؤلفات القيمة التي تهتم بنشر العقيدة السلفية الصحيحة، وتطهير العقيدة من أدران الشرك، لا سيما كتب الشيخ ابن تيمية وابن قيم الجوزية، وكتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب، حيث طبعت كتب هؤلاء العلماء السلفيين، ووصلت إلى أيدي الناس في مختلف البلدان ووزِّعت مجاناً.

فقرأها الناس وانتفعوا بها، وأيقظت في نفوسهم الفطرة الأصيلة لتوحيد الله عز وجل، وخدمت هذه الكتب العقيدة السلفية أفضل خدمة. فجزى الله الملك عبد العزيز خيراً على هذه الجهود القيمة في تقريره ونشره لعقيدة السلف الصالح.

المطلب الثاني: عناية الملك عبد العزيز بالهدف الخاص للدعامة الأولى (إقام الصلاة) :

سبق أنَّ الهدف الخاص للدعامة الأولى من دعائم التمكين في الأرض هو أداء الصلاة المعروفة كاملة بأركانها وشروطها وواجباتها وسننها، وأنَّ (إقام الصلاة) قدر زائد على الإتيان بهيئاتها الظاهرة، وإن كان ذلك تسقط به أحكام الدنيا.

لكن إقامة الشيء - كما سبق - هو: (توفيته حقه كاملاً) وأنَّ الله سبحانه وتعالى لم يأمر بالصلاة حينما أمر ولا مدح حينما مدح إلَاّ بلفظ "الإقامة"تنبيهاً أنَّ المقصود منها توفية شرائطها لا الإتيان بهيئاتها [41] . وأنَّه ليس للعبد من صلاته إلَاّ ما عقل، وحضر قلبه فيها، وأنَّ لب الصلاة وروحها الخشوع فيها لله تعالى.

ومن هنا سيكون الحديث إن شاء الله تعالى في هذا المطلب عن الأمور التالية:

الأمر الأول: اهتمام الملك عبد العزيز بأداء الصلاة.

الأمر الثاني: عنايته بإقامة الصلاة، وفيه النقاط التالية:

1 -

إقامة الصلاة بالنهي عن تركها. وهذا سيأتي في الدعامة

الثالثة.

2 -

إقامة الصلاة بتعيين الأئمة العالمين بأحكامها وما تصح به.

ص: 394

3 -

إقامة الصلاة بالاعتناء بمواضع الصلاة.

4 -

إقامة الصلاة بتهيئة كل ما يؤدي إلى الخشوع فيها، من فرش

المساجد، وتهويتها، وتكييفها، وتنظيفها، وغير ذلك.

الأمر الأول: اهتمام الملك عبد العزيز بأداء الصلاة:

كان الملك عبد العزيز منذ صباه ملتزماً بالتعاليم والآداب الشرعية، متمسكاً بكتاب الله، وسُنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم، محكماً كتاب الله في كل أموره. فلم يعرف عنه في شبابه رغم أنَّه عاش في أول شبابه في بلادٍ كان فيها نوعٌ من التساهل. وفي الحديث:"إنَّ الله ليعجب من الشاب ليس له صبوة"[42] .

أمَّا صلته بالله عز وجل فنحسب أنَّها لم تكن مقرونة برغبة دنيوية، فعقيدته خالصة، لذلك نجد التوفيق حليفه في أعماله. وكان من أهم المزايا التي يتصف بها قوة الإيمان بالله تعالى، فمنذ نشأته لم يضعف إيمانه بالله أو يشك في ثقته بنصره [43] .

وقد وضع لحياته نظاماً دقيقاً، أعطى الجانب الديني منه نصيباً وافراً، على الرغم من كثرة مشاغله ومسئولياته. فهو غالباً لا ينام أكثر من ست ساعات في اليوم، على ثلاث فترات، منها أربع ساعات في الليل، يصحو قبيل الفجر فيتوضأ ويصلّي ركعتين، ويقرأ بعضاً من القرآن إلى أن يحين الفجر، فيصلي ثُمَّ ينام ساعة، ثُمَّ يقوم بعدها ليرعى مصالح الدولة. وساعة أخرى بعد الغداء، ثُمَّ المجلس الديني عقب صلاة المغرب [44] .

وبهذا استطاع أن يجمع بين ما نشأ عليه من تعاليم دينية وبين إدارته لأمور الدولة عندما أصبح في موقع المسئولية [45] .

ومن أهم ثمرات تدين الملك عبد العزيز رحمه الله أخذه بمبدأ الشورى، فلا يعرف الاستقلال بالرأي، ولكن كانت المشورة الدائمة والاسترشاد بآراء العلماء دأبه ومنهجه [46] .

الأمر الثاني: عناية الملك عبد العزيز بإقام الصلاة:

ص: 395

سبق أنَّ (إقام الصلاة) قدر زائد على الإتيان بهيئاتها الظاهرة، وأنَّ من (إقام الصلاة) وتوفية حقها النهي عن التساهل فيها، أو تركها، وهذا سيأتي في الكلام عن الدعامتين الثالثة والرابعة.

كما أنَّ من (إقام الصلاة) العناية بمواضعها التي أمر الله أن تقام فيها.

وأنَّ من (إقام الصلاة) تعيين الأئمة الذين يعلمون ما تصح به الصلاة، كما أنَّ من إقامتها كل ما يدعو إلى الاطمئنان والخشوع فيها الذي هو لب الصلاة وروحها. كتهوية المساجد، وفرشها، وتنظيفها، وغير ذلك مِمَّا يساعد على الخشوع وحضور القلب.

وهذا يدعونا إلى بيان جهود الملك عبد العزيز رحمه الله في هذه الأمور مرتبةً، فنقول وبالله التوفيق:

أولاً: جهوده في بناء المساجد:

المساجد جمع مسجَد - بفتح الجيم وكسرها - فالمسجَد - بالفتح - الجهة من الوجه، حيث تكون ندب السجود. والمساجِدُ من بدن الإنسان الأعضاء التي يسجد عليها، وهي: الجبهة، والأنف، والبدن، والركبتان والقدمان.

والمسجِدُ: بالكسر، كل موضع يتعبَّد فيه المسلمون بالصلاة [47] . يشهد لذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم:"جُعِلَت لي الأرض مسجداً وطهوراً"[48]

وقد عظَّم الله تعالى مكانة المسجد، ورفع من شأنه في آياتٍ كثيرة منها قوله -تعالى-:{فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ} . [النور آية:36] .

ص: 396

ولَمَّا كان نور الإيمان والقرآن أكثر وقوع أسبابه في المساجد، ذكرها منوهاً بها فقال:{فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ....} : أي يتعبد لله {فِي بُيُوتٍ} : عظيمة فاضلة هي أحب البقاع إليه وهي المساجد. {أَذِنَ اللَّهُ} : أي أمر ووصَّى {أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} : يدخل في ذلك الصلاة كلها، فرضها ونفلها، وقراءة القرآن، والتسبيح، والتحميد، وغير ذلك من أنواع الذكر وتعلم العلم وتعليمه والمذاكرة فيها والاعتكاف وغير ذلك من العبادات التي تفعل في المساجد، ثُمَّ مدح الله عمَّارها فقال:{رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاة} [49] : فهؤلاء الرجال - وإن اتجروا وباعوا واشتروا فإنَّ ذلك لا محذور فيه، لا تلهيهم تلك بأن يقدموها ويؤثروها على ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، بل جعلوا طاعة الله وعبادته غاية مرادهم ونهاية مقصدهم، فما حال بينهم وبينها رفضوه.

وسبق أنَّ من الأمور الدالة على مكانة الصلاة في الإسلام المواضع التي تقام فيها لما لها من آثار اجتماعية كثيرة منها إيجاد التكافل الاجتماعي بين المسلمين، فالمسجد وسيلة التعارف اليومي، ثُمَّ يتحول التعارف مع مرور الأيام إلى تآلف ومنه تنشأ أواصر الأخوة الإسلامية في الله. والغاية من ذلك كله هو وجود مجتمع مترابط منسجم كالأسرة الواحدة [50] .

وقد عني المسلمون في عصورهم المتتابعة بالمساجد لما لها من دور هام في الإسلام، وكونها الجامعات الأولى في التعليم العام.

ص: 397

ولمَّا وصل الدور إلى الإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، ونظراً لاستقرار دواعي الأمن في ربوع البلاد على يد الملك عبد العزيز والعناية والاهتمام براحة الحجاج، فقد زاد عدد الوافدين لأداء فريضة الحج من البلاد العربية والإسلامية. وكانت الزيادة في اطراد مستمر عاماً بعد آخر - حتى ضاق المسجد الحرام عن استيعابهم، وصار تزاحمهم يمثل مشكلة كبيرة - فوجَّه الملك عبد العزيز بدراسة مشروع لتوسعة المسجد الحرام على أكبر مساحة ممكنة [51] .

وكانت مساحة المسجد في ذلك الوقت حوالي (000ر30) متراً مربعاً، فعملت الدراسة وبُدِئ في تنفيذ هذا المشروع في 23/8/1375 هـ في عهد الملك سعود - يرحمه الله - وكان يعتبر في وقته أكبر مشروع عمل لتوسعة المسجد الحرام، حيث تمت توسعته بأكبر من ضعف مساحته التي كان عليها في السابق، وعملت حوله ساحات وميادين واسعة وشوارع فسيحة، وخدمات متعددة، كتنظيم مياه زمزم، وتوافر دورات مياه، وغير ذلك.

كما تمَّ تنظيم المشاعر والمناسك الأخرى، لتستوعب أكبر عدد ممكن من الحجاج وضيوف الرحمن.

وبالنسبة للمسجد النبوي الشريف بالمدينة المنورة، فقد أجريت في عام 1375هـ أول توسعة كبيرة، وكانت المساحة الإجمالية للمسجد قبل التوسعة (303ر10) متراً مربعاً، فأصبحت بعد التوسعة (500ر16) متراً مربعاً.

ونظراً لأهمية المساجد ودورها الهام في الإسلام، فقد اهتمت المملكة بإنشاء المساجد وتعميرها في مختلف مناطق المملكة منذ زمنٍ بعيد، وزاد هذا الاهتمام في العصر الحاضر نظراً لما أفاء الله به على هذه البلاد من خير وفير، وُجِّه قسط كبير منه لخدمة الإسلام بصفة عامَّة، وبمشاريع وأساليب متنوعة. وكان لإنشاء المساجد وتعميرها نصيب وافر من ذلك الاهتمام حتى بلغ عدد المساجد التي قامت وزارة الحج والأوقاف بإنشائها أو تعميرها (204ر30) مسجداً في عام 1410هـ[52]

ص: 398

ثانياً: عناية الملك عبد العزيز رحمه الله بتعيين الأئمة العالمين بأمور الصلاة:

من أهمية المسجد تنبثق أهمية الإمامة فيه، فهي مسئولية كبرى أولاها الإسلام عناية فائقة دلَّ على ذلك الشروط التي أفاض الفقهاء في شرحها وذهبوا إلى وجوب توافرها في الإمام.

ولا شك أنَّ وجود الإمام الصالح الحافظ لكتاب الله، الفاهم للإسلام والشريعة وقضاياها فهماً صحيحاً يسهم في خدمة الدعوة إلى الله.

ونظراً لأهمية الإمامة، فإنَّ الدولة السعودية ومنذ نشأتها كانت حريصة على تدعيم هذا المرفق الهام، فقد اهتمت بتعيين الأئمة والخطباء فكانوا رجالها في مجال نشر الدعوة السلفية وتثبيت أركانها في المجتمع.

ومع إشراقة الدولة السعودية الثالثة على يد الملك عبد العزيز - يرحمه الله - كان أغلب المساجد بدون أئمة لقلة الدعاة، وازدادت حِدَّة المشكلة مع توالي الفتوح وتوحيد البلاد، واتسعت رقعة الدولة، وازداد عدد المساجد بالإضافة إلى مساجد الهجر الجديدة، فكان على الملك عبد العزيز أن يواجه هذه المشكلة. وقد انتهج في هذا المجال عدة تدابير منها:

1 -

شغل المساجد الكبرى بأئمة وخطباء غير متفرغين مِمَّن كانوا يشغلون مناصب القضاء والتدريس وغير ذلك لما كان يتمتع به شاغلو هذه المناصب من درجة كبيرة في العلم.

2 -

إنشاء المؤسسات التعليمية التي تكون نواة لتخريج أئمة مؤهلين مثل: إنشاء دار التوحيد في الطائف سنة (1364هـ) .

3 -

أسند إلى رئاسة القضاء الشرعي المهام المتعلقة بالمدرسين في المساجد حيث نص نظام تركيز مسئوليات القضاء الشرعي على ما يلي:

"جميع المدرسين الرسميين في المساجد يكون تعيينهم وفصلهم وتنقلاتهم وغير ذلك من اختصاص رئاسة القضاء"[53] .

ص: 399

4 -

توجيه الاهتمام بالأئمة. ونظراً لتطور الظروف المعيشية، وجب أن يمنح القائمون بوظيفة الإمامة والخطابة والدعوة إلى الله الحقوق المادية التي تؤهلهم للتفرغ الكامل لوظائفهم وتضمن لهم المعيشة الكريمة الهادئة فلا يشغلون بمعاشهم ومعاش أسرهم عن التفرغ لمهماتهم [54] .

والمتأمل في سيرة العلماء الذين جعلهم الملك عبد العزيز أئمة في المساجد يجد أنَّ معظمهم قضوا حياتهم في نفع العباد ونشر العلم لوجه الله منهم: الشيخ عبد الله بن حسن آل الشيخ، فقد عينه الملك عبد العزيز إماماً في مسجد والده الإمام عبد الرحمن آل فيصل فاستمر إماماً وواعظاً ومدرساً في هذا المسجد، وقام بذلك خير قيام [55] .

ثُمَّ جعله إماماً وخطيباً في المسجد الحرام سنة 1344هـ، كما أسند إليه تعيين الأئمة في المساجد واختيارهم.

وعين الملك عبد العزيز الشيخ سعد بن عتيق إماماً في المسجد الكبير في الرياض، وفي هذا المسجد الواسع عقد له حلقتين [56] للتدريس إحداهما بعد طلوع الشمس حتى امتداد النهار، والثانية بعد صلاة الظهر.

وكان حريصاً على ما يلقيه من الدروس شديد التثبت لمعنى ما يقرأ عليه فلا يلقى درسه ولا يسمعه [57] من الطالب حتى يراجع فيه شروحه وحواشيه، وما قاله العلماء فيه، وضبطه لغةً ونحواً وصرفاً حتى يحرر الدرس تحريراً بالغاً، لذا أقبل عليه الطلاب، واستفادوا منه فوائد جليلة.

وهذا يدل على العناية باختيار أئمة المساجد من الملك عبد العزيز

رحمه الله لأهمية وظيفة الإمام في الإسلام.

ص: 400

وَلَمَّا كان من الأمور التي تسهل على الإمام مهمته في كل الصلوات وفي الحر والبرد، وجود دار يسكنه بجوار المسجد، واقتداءً بالرسول صلى الله عليه وسلم حيث كانت حجرات نسائه ملاصقة للمسجد، وأبوابها مشرعة إليه، فقد تنبه الملك لهذا الأمر. فلمَّا ازدادت موارد الدولة بعد تدفق البترول شرع يخصص راتب للأئمة ويشتري لهم البيوت. وتوجد مخطوطة في دارة الملك عبد العزيز تحت رقم (719) تتضمن خطاباً من الملك عبد العزيز إلى الشيخ حمد بن عبد المحسن التويجري يكلفه بشراء بيوت للأئمة والمؤذنين [58] .

ومن اهتمام الملك عبد العزيز بالأئمة وتعينهم بصفة دائمة ما ورد في أحد كتبه: "من عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل. إلى عبد الله بن ناصر. توكل على الله وانحر [59] [60] . إخوانك ابن ضنمة وجماعته وأقم عندهم تصلي بهم وتعلمهم أمر دينهم".

وقد كان الملك عبد العزيز رحمه الله يختار لكل عمل أفضل من يراه لذلك العمل، فإن لم يجد الأفضل انتقل إلى مَن هو دونه.

وبناءً على ذلك فقد اختار للإمامة في المسجد الحرام، والمسجد النبوي أفضل من كان معروفاً بالعلم بأحكام الصلاة، ومن كان مشهوراً بالتدريس. ففي عام 1344هـ قدم مكة في صحبة الشيخ محمد رشيد رضا كل من الشيخين:

1) عبد الظاهر أبي السمح.

2) والشيخ محمد عبد الرزاق حمزة.

فرشحهما السيد رضا لدى الملك عبد العزيز للإمامة والخطابة في الحرمين الشريفين فاختار الملك عبد العزيز - الشيخ عبد الظاهر أبا السمح لإمامة الحرم المكي وخطابته، واختار الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة لخطابة المسجد النبوي وإمامته، ومراقبة الدروس بالمسجد النبوي بالإضافة إلى رئاسة هيئة الأمر بالمعروف بالمدينة [61] .

ص: 401

وهكذا كان للملك عبد العزيز يد طولى في تنظيم تنصيب الأئمة والخطباء للوعظ والإرشاد وإمامة الناس في الصلاة. وقد أصبحت الإمامة وظيفة ثابتة لها مخصصات وعليها واجبات، مِمَّا مكَّن من تحقيق أهداف المسجد وأهمها الدعوة إلى الله تعالى بالعبادة والتوجيه في عصرٍ أصبح لا يكفي فيه الاعتماد على الأعمال التطوعية [62] .

والمهم هو عبادة الله على الوجه الذي شرعه الله حتى تتحقَّق الغاية التي من أجلها شُرِعَت، ولن يكون ذلك إلَاّ مِمَّن علم ما تصح به، وما هو روحها ولبها [63] .

ولا شكَّ أنَّ هذه الأمور التي قام بها الملك عبد العزيز، مِمَّا يساعد على حضور قلوب المصلين وخشوعهم في صلاتهم، وقد قال الله -تعالى-:{قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المؤمنون: 1-2] .

المطلب الثالث: اهتمامه بالدعامة الثانية (إيتاء الزكاة) :

وفيه مسألتان:

المسألة الأولى: اهتمامه بالهدف العام لهذه الدعامة، وهو تحقيق الأخوة الإسلامية:

من الأمور التي يتميز بها الملك عبد العزيز رحمه الله أنَّه يسير على منهج واضح مبني على أصول ثابتة مستمدة من كتاب الله وسُنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم وما فهمه السَّلف الصالح منهما.

وقد وصف الملك عبد العزيز بأنَّه داعية عقيدة ومنفذ شريعة.

وقد سبق أنَّ من أهداف الدعامة الثانية للتمكين في الأرض وهي

(إيتاء الزكاة) الاعتصام والالتفاف حول المنهج أو حول الإسلام الذي تضمنته الدعامة الأولى (إقام الصلاة) وأن لا يكون نفع المؤمن مقصوراً على نفسه وحسب.

وكل مؤرخ منصف أمين راسخ في العلم في التاريخ الحديث والمعاصر لا يستطيع أن يصف الملك عبد العزيز إلَاّ أنَّه من أعظم دعاة الوحدة التي دعا إليها الإسلام. ومن أعظم محققيها في العصر الحديث. وكما أنَّه استمد منهج العقيدة والشريعة من الإسلام، فكذلك استمد منهج الوحدة من الإسلام.

ص: 402

إذ كان يسترشد ويستضيء - وهو يرسي دعائم وبناء الوحدة الإسلامية - بالآيات القرآنية الداعية إلى الاعتصام بحبل الله.

قال -تعالى-: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ}

[الأنبياء:92]، وقال -تعالى-:{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَة} [الحجرات: 10]، وقال -تعالى-:{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [آل عمران: 103] .

وكان الملك عبد العزيز ينظر إلى العقيدة والشريعة نظرة منهجية متكاملة.

فالعقيدة عنده هي توحيد الله، ثُمَّ اجتماع المؤمنين في ذات الله [64] .

والشريعة عنده هي النظام الذي يأتلف المسلمون على طاعته وموالاته، ويتحد صفهم تحت لوائه.

ومن العقيدة الموحدة والشريعة المنظمة تنبثق الوحدة، فما ينبغي لمجتمع اتحد في العقيدة والشريعة أن يتفرق اجتماعياً أو سياسياً أو جغرافياً.

ويبين الملك عبد العزيز منهجه في الوحدة فيقول: "نحن دعاة إلى العروة الوثقى التي لا انفصام لها".

وسبق أنَّه قال في العقيدة: "نحن دعاة إلى العقيدة السلفية"[65] .

وصيغ التعبير تكاد أن تكون متطابقة في المجالين، مِمَّا يدل على وضوح المنهج وترابطه لدى الملك عبد العزيز.

ويقول في الوحدة أيضاً: "إني أعتبر كبيركم بمنزلة الوالد، وأوسطكم أخاً، وصغيركم ابناً، فكونوا يداً واحدة، وألِّفُوا بين قلوبكم لتساعدوني على المهمة الملقاة على عاتقنا"[66] .

ويقول: "يجب أن تحرصوا على العمل، والعمل لا يكون إلَاّ بالتساند والتعاضد"[67] .

ص: 403

ويقول: "أنا مسلم وأحب جمع الكلمة، وتوحيد الصف، وليس هناك ما هو أحب إليَّ من تحقيق الوحدة"[68] .

وما قاله الملك عبد العزيز في المنهج طبَّقه بالفعل والإنجاز وما فكَّر فيه من الوحدة حقَّقه في الواقع، كأعظم ما يكون من تحقيق الوحدة، إنَّ المملكة العربية شبه قارَّة.

لكن عزيمة الملك عبد العزيز كانت أقوى من المثبطات والصعوبات التي كانت تقف في سبيل التوحيد، حيث مضى يوحد البلاد، ويرصها صفّاً واحداً، تحت رايةٍ واحدة، وخلف قيادة واحدة، في وطنٍ واحدٍ كبيرٍ، في ضوء منهجٍ جامعٍ قويم.

لأنَّه يعلم ويؤمن أنَّ أمَّةً تعتنق عقيدة التوحيد وتلتزم شريعة الإسلام لا يحل لها - بحالٍ من الأحوال - أن تتفرَّق وتتشتت؛ لأنَّ ذلك مخالفة جسيمة للعقيدة والشريعة.

ومن هنا يعلم أنَّ العزم على رد الأمة إلى العقيدة والشريعة هو عزم - في الوقت نفسه - إلى ردها إلى الوحدة. كما سبق في الآيات الكريمة التي تلوناها، وكما مرَّ في تقرير الملك عبد العزيز رحمه الله للعقيدة عالمياً.

المسألة الثانية: اهتمامه بالهدف الخاص للدعامة الثانية:

وهو (إيتاء الزكاة) بمعناها المعروف، أي دفعها إلى مستحقيها كما أمر الله بذلك ورسوله صلى الله عليه وسلم.

والزكاة أحد أركان الإسلام الخمسة، وقد سبق الكلام على أهميتها في الإسلام. والمنافع التي تعود على المزكِّي والمجتمع والآخذ للزكاة كثيرة، وفيها معنى التعبُّد - كما قال -تعالى-:{وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة:271] .

وليس على المسلم في ماله حق سواها. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس في المال حق سوى الزكاة"[69] .

وقد حدَّد الرسول صلى الله عليه وسلم الأموال التي تجب فيها الزكاة، ومقدار الواجب فيها، والشروط التي يجب توفرها

ص: 404

وكان الرسولُ صلى الله عليه وسلم مثلاً رائعاً لكل المسلمين في زهده، وعفته، وكرمه، فأقبل الناس على إخراج زكاة أموالهم، مِمَّا أشاع المساواة والعدالة في جوانب الجزيرة القاحلة التي كانت قبل الإسلام تتسم بمظاهر الفوارق والأنانية والسلب والنهب..

لقد اهتم الرسول صلى الله عليه وسلم بفريضة الزكاة، فبعث السعاة لجمعها وتوزيعها على مستحقيها، وكان هديه صلى الله عليه وسلم انتقاء هؤلاء السعاة وإصدار التعليمات إليهم في معاملة أصحاب الأموال معاملة فيها رفق وتيسير، مع عدم التهاون في حق الله، وكان يحذر هؤلاء السعاة من الغلول ويحاسبهم على التقصير.

وكذلك سار على هديه خلفاؤه من بعده رضي الله عنهم. لكن العلماء اختلفوا في الزكاة التي يليها الأئمة ما هي:

قال الماوردي [70] في الباب الحادي عشر من كتابه (الأحكام السلطانية) : "والأموال المزكاة ضربان: ظاهرة، وباطنة:

فالظاهرة ما لا يمكن إخفاؤه - كالزرع والثمار والمواشي.

والباطنة ما يمكن إخفاؤه من الذهب والفضة وعروض التجارة.

وليس لولي الصدقات نظر في زكاة المال الباطن، وأربابه أحق بإخراج زكاته منه، إلَاّ أن يبذلها أرباب الأموال طوعاً يتقبلها منهم ويكون في تفريقها عوناً لهم.

ونظرهُ مختص بزكاة الأموال الظاهرة يؤمر أرباب الأموال بدفعها إليه وفي هذا الأمر إذا كان عادلاً قولان:

أحدهما: أنَّه محمول على الإيجاب، وليس لهم التفرد بإخراجها ولا تجزئهم إن أخرجوها.

والقول الثاني: أنَّه محمول على الاستحباب إظهاراً للطاعة، وإن تفردوا بإخراجها أجزأتهم. وله على القولين معاً أن يقاتلهم عليها إذا امتنعوا من دفعها - كما قاتل أبو بكر الصديق رضي الله عنه مانعي الزكاة - لأنَّهم يصيرون بالامتناع من طاعة ولاة الأمر بغاة" [71] .

ص: 405

وهذا ما ذهب إليه واختاره أبو عبيد [72] في كتاب الأموال. وقال عنه: "هو قول أهل السنَّة والعلم من أهل الحجاز والعراق وغيرهم - في الصامت -؛ لأنَّ المسلمين مؤتمنون عليه كما ائتمنوا على الصلاة.

وأمَّا المواشي والحب والثمار فلا يليها إلَاّ الأئمة، وليس لربها أن يغيبها عنهم، وإن هو فرَّقها ووضعها مواضعها فليست كافية عنه، وعليه إعادتها إليهم. فرَّقت بين ذلك السُنَّة والأثر" [73] .

ويقول: "ألا ترى أنَّ أبا بكر الصديق إنَّما قاتل أهل الردة في المهاجرين والأنصار على منع صدقة المواشي، ولم يفعل ذلك في الذهب والفضة"[74] .

والملك عبد العزيز - يرحمه الله - كما سبق - هو داعية عقيدة ومنفذ شريعة، ومتبع لسنة السلف الصالح. فجهوده - بلا شك - ستكون على هذا النحو الذي هو عمل الرسول صلى الله عليه وسلم وعمل خلفائه من بعده. ثُمَّ السلف الصالح.

حيث كان يبعث السعاة كل عام لجلب الزكاة من الأموال التي تجب فيها الزكاة وصرفها على مصارفها الشرعية. وكان يحث على أداء الزكاة في المناسبات، ويأمر رجال هيئة الأمر بالمعروف والأئمة والخطباء بتوضيح أحكام الزكاة وبيان مصارفها.

ص: 406

ولمَّا توسعت الدولة وكثرت الوزارات والهيئات الحكومية والإدارات والمصالح خصصت للزكاة مصلحة خاصة تقوم على شئونها وتنظيمها وجمعها ثُمَّ تفريقها على مستحقيها، حتى وصل الأمر في الأيام الأخيرة إلى تشجيع أهل الأموال على أداء زكاة أموالهم وذلك بإعطائهم بروات [75] تسهل لهم الحصول على الإعانات الحكومية التي تدفعها الحكومة للمواشي والمزارع وغيرها. مِمَّا جعل صاحب المال هو الذي يبحث عن الساعي بعد أن كان الساعي هو الذي يأتي إليه. وقد أدَّى ذلك إلى الاجتهاد في إحصاء الأموال الزكوية ودفع زكاتها بنفسٍ رضية، فجزى الله ولاة الأمر عن ذلك خير الجزاء؛ لأنَّ فيه تعاوناً على البر والتقوى - فضلاً - على أنَّه واجب من واجبات المسلم فرداً كان أو والياً من ولاة الأمر.

المطلب الرابع: في جهود الملك عبد العزيز واهتمامه بالدعامتين الثالثة والرابعة (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) :

سبق أنَّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمعناهما العام يتناولان الإسلام كله؛ لأنَّه إمَّا أمر بمعروف أو نهي عن منكر.

أمَّا بالمعنى الخاص لهما على ضوء الآية الكريمة موضوع البحث، فهما بمعنى السياج الواقي والدرع الحامي والمعلم المستمر الذي يتعاهد شجرة الإيمان بالسقيا ويذود عنها عوادي الأيام من البدع وغيرها. وهما سفينة النجاة التي تسير بهذا الشرع إلى أنحاء المعمورة في صورته العملية النقية وتطبيقاته الجلية.

والكلام عن جهود الملك عبد العزيز رحمه الله في هذه الدوائر الواسعة من الصعوبة بمكان. ولكن سوف نقتصر على إشارات تضيء، وتنبه المُطَّلِع إلى ما لم يذكر مِمَّا هو في المعنى كالمذكور فنقول:

ص: 407

سبق أنَّ كثيراً من المفسرين جعلوا الآية - موضوع البحث - وهي قوله -تعالى-: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ} [الحج: 41] .

أقول: جعلوها متضمنة للغاية الكبرى من وجود الدولة المسلمة، وأنَّ وظيفة الدولة المسلمة تدور حول هذه الدعائم الأربع ومدى تطبيقها على الوالي والرعية.

وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله[76] : "صلاح أمر السلطان بتجريد المتابعة لكتاب الله وسُنَّة نبيه صلى الله عليه وسلم، وحمل الناس على ذلك. فالله سبحانه وتعالى جعل صلاح أهل التمكين في أربعة أشياء:

1 -

إقام الصلاة. 2 - وإيتاء الزكاة.

3 -

والأمر بالمعروف. 4 - والنهي عن المنكر.

فإذا أقام الصلاة في مواقيتها جماعة هو وحاشيته وأهل طاعته، وأمر بذلك جميع الرعية، وعاقب من تهاون في ذلك العقوبة التي شرعها الله، فقد تَمَّ هذا الأصل.

ثُمَّ كل نفع وخير يوصله إلى الخلق هو من جنس الزكاة، فمن أعظم العبادات: سد الفاقات، وقضاء الحاجات، ونصرة المظلوم، وإغاثة الملهوف.

والأمر بالمعروف: هو الأمر بما أمر الله به ورسوله من العدل والإحسان، وأمر نواب البلاد وولاة الأمر باتباع حكم الكتاب والسُنَّة واجتناب حرمات الله. والنهي عن المنكر: هو النهي عما نهى الله عنه.

وإذا تقدَّم السلطان بذاك في عامَّة بلاد الإسلام كان فيه من صلاح الدنيا والآخرة، وله وللمسلمين ما لا يعلمه إلَاّ الله، والله يوفقه لما يحبه ويرضاه" [77] .

والملك عبد العزيز نحسبه من هؤلاء الذين عناهم شيخ الإسلام ابن تيمية بهذا الكلام.

ص: 408

ومن الأدلة على جهوده في هذا الباب ما بذله في ولاية الحسبة وهي ولاية شرعية اهتم بها الملك عبد العزيز اهتماماً ملحوظاً وأولاها عناية خاصة وإن كانت أخص من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكنها باب من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واسع ومهم.

وقد عني بهذا المسلمون في مختلف العصور لأهميتها. وكان الملك عبد العزيز أول مَنْ أسَّس هيئة رسمية للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمكَّة المكرمة بعد فتح الحجاز سنة (1344هـ)[78] تتولى أمر الاحتساب في المملكة العربية السعودية، وكان تسميتها بـ (هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) تسمية طبيعية حيث تسعى هذه الهيئة إلى إقامة صرح هذه الولاية الدينية المهمة (ولاية الحسبة) . وقد جاء في قرار إنشائها أنَّ أهدافها هي الأهداف الخمسة الآتية:

1 -

تتبع المعاملات والعادات، فما وافق الشرع منها تقره، وما خالفه تزيله.

2 -

منع البذاءة اللسانية التي تعودها السوقة.

3 -

حث الناس على أداء الصلوات الخمس جماعة.

4 -

مراقبة المساجد من جهة أئمتها ومؤذنيها ومواظبتهم، وحضور الناس بها، وغير ذلك من دواعي الإصلاح.

5 -

أن تتخذ في سبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جميع الوسائل الموصلة إلى ذلك بالحكمة والموعظة الحسنة، وإذا أعياها أمر من الأمور رفعت مذكرة إلى ولي الأمر لإجراء اللازم" [79] .

ثُمَّ تطورت مهام الهيئة وإجراءاتها فيما بعد. واتسعت دائرة المهام الموكلة إليها.

ص: 409

"ومع أنَّه لا يمكن إغفال الأثر الذي ترتب على تأسيس هذه الهيئة، إلَاّ أنَّه لا ينكر - أيضاً - الجهد الذي قام به الملك عبد العزيز شخصياً في مجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. والمتمثل في رسائله ومناصحته للأمراء وعامَّة الناس بوجوب التزام الطاعات والانتهاء عن المنكرات، حيث عرف عن الملك عبد العزيز رحمه الله أنَّه آمر بالمعروف، ناهٍ عن المنكر، متمسك بأحكام الشريعة الإسلامية قولاً وعملاً في كافة المجالات، عاملٌ بما يحقق المصلحة لبلاده وشعبه، محباً للعلماء، كثير التوجيه والنصح والإرشاد لهم إيماناً بأنَّ محبة الخير لإخوانه كمحبته لنفسه"[80] .

قال الملك عبد العزيز رحمه الله في اجتماع له بموظفي الدولة: "نحن وضعنا جماعة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، فبلاغاتها ومقرراتها تشمل الجميع على السواء، وأنتم يا جماعة الموظفين أحق الناس باتباع أوامرها واجتناب منهياتها، فإنَّكم أنتم المكلفون بتنفيذها، فإذا كنتم لا تبدأون بأنفسكم وتكونون قدوة صالحة للناس يصعب تطبيقها وتنفيذها".

وقد أمر رحمه الله بعض منسوبي الاحتساب [81] بأمور:

أولها: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهذا - كما يقول الملك

عبد العزيز - هو رأس المال.

ثانيها: سعة الصدر مع الناس بحيث يعطي كل ذي حق حقه بالشرع، ولا يتعدى أمر الشرع [82] .

والمحلل لعبارات الملك عبد العزيز السابقة يجد فيها من حرص الملك عبد العزيز إيمانه بضرورة الحسبة وأهميتها، حيث يلاحظ ما يلي:

أ - تقديم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الأمور التي وصى بها.

ب - وصفه للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بأنَّه (رأس المال) أي أنَّه أساس لابُدَّ من المحافظة عليه [83] .

ص: 410

2 -

وفي عام 1355هـ عقد اجتماعاً عامّاً من الرؤساء وأهل الحل والعقد، وكان مِمَّا قاله في هذا الاجتماع ما يلي: "يجب أن ننظر في مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تنفيذاً لأمر الله وحفظاً له، ويجب أن ننظف أنفسنا من الأدران ونطهرها من كل الأمور المخالفة، وندنو إلى ما يرضي الله ونخاف عقوبته، إذ ليست هناك عقوبة أشد من عقوبة الله جلَّ وعلا.

وهذه البلاد يجب أن تكون قدوة صالحة للمسلمين في كل عمل من أعمالها، ونحن نطلب المساعدة في هذا الشأن منكم ومن الأهلين، ونريد أن تكونوا عوناً للحكومة في هذا الأمر؛ لأنَّه إذا كان الجميع اتفقوا على درء المفاسد، سهل العمل. أمَّا إذا كانت إجبارية صعب حلّها وطال أمرها، وإنَّ المساعدة التي نطلبها هي:

أولاً: مساعدة الأهالي.

ثانياً: ترتيب طريقة لدرء المفاسد، والحيلولة دون الفساد، لنتمكن من إقامة الشرع الشريف، فإذا عملنا هذا قمنا باللازم، وهذا أهم ما يجب العناية به؛ لأنَّ الدنيا إذا كثرت خيراتها وأُهْمِلَ الدين فلا فائدة ترجى منها.

أمَّا إذا عُمِّرَ الدين ونُفِّذَت أوامره واجتنبت محارمه، صلُحَت الدنيا، فأنا أرجو أن تفكروا في طاعة الله ومخافته، واتباع سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأرجو أن تهتموا بالأمر اهتماماً شديداً، فبإصلاح هذه المسألة يصلح كل شيء" [84] .

وجهود الملك عبد العزيز في هذا المجال جليلة وعظيمة، وأقواله وأفعاله في هذا الباب تدل على أنَّه منفذ شريعة حقاً، وهي كثيرة، وما ذُكِرَ إنَّما هو نماذج منها فقط للتدليل على جهود الملك عبد العزيز في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر [85] .

--------------------------------------------------------------------------------

[1]

الدكتور سعود بن سعد الدريب، الملك عبد العزيز ووضع قواعد التنظيم القضائي في المملكة ص 9

ص: 411

[2]

فؤاد حمزة، البلاد العربية السعودية ص 30، مطبعة دار المطبوعات الحديثة، ط 1 سنة 1408 هـ، والمرجع السابق ص 9

[3]

الدعوة في عهد الملك عبد العزيز ص:1/ 56

[4]

المرجع السابق ص 56 مع الحاشية.

[5]

الملك الراشد ص 322، لعبد المنعم الغلامي، دار اللواء، الرياض، 1400هـ، والزركلي: شبه الجزيرة 1/57

[6]

د. سعود الدريب، مصدر سابق ص 10

[7]

الدعوة في عهد الملك عبد العزيز ص 1/60، والزركلي في مقدمة كتابه شبه الجزيرة 1/21

[8]

تاريخ نجد ص 110، والزركلي: شبه الجزيرة 2/792

[9]

الزركلي: شبه الجزيرة 2/794، عبد العزيز والشخصية الإسلامية، لعبد العزيز شرف ومحمد إبراهيم شعبان ص 170، الدعوة في عهد الملك عبد العزيز 1/ 62

[10]

القصص: 5 - 6

[11]

محمد: 7

[12]

المنهج القويم في الفكر والعمل ص 42

[13]

الدعوة في عهد الملك عبد العزيز 1/197

[14]

جهود الملك عبد العزيز في خدمة العقيدة ص 2 لعبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ.

[15]

المنهج القويم في الفكر والعمل ص 44

[16]

محمد حامد الفقي: أثر الدعوة الوهابية في الإصلاح العمراني والديني في جزيرة العرب وغيرها ص 110-111، والدعوة في عهد الملك عبد العزيز 1/138، 262

[17]

من خطبة الملك عبد العزيز رحمه الله في المأدبة الكبرى لضيوف الرحمن والمنشورة بجريدة أم القرى بعددها (989) الصادر في 6 من ذي الحجة 1363هـ، والدعوة في عهد الملك عبد العزيز 1/265

[18]

د. عبد الله بن عبد المحسن التركي: منهج الملك عبد العزيز في السياسة الدولية وأثره في العلاقات السعودية المصرية ص 38

[19]

أم القرى، العدد (434) سنة 1351هـ، والدعوة في عهد الملك عبد العزيز 1/264

[20]

الزركلي: الوجيز في سيرة الملك عبد العزيز ص 159

ص: 412

[21]

المنهج القويم للتركي ص 44-47.

[22]

المرجع السابق 44.

[23]

الملك عبد العزيز ووضع قواعد التنظيم القضائي في المملكة ص 23

[24]

الدعوة في عهد الملك عبد العزيز 1/263

[25]

المهندس / سليمان علي الشائع: الملك عبد العزيز وأثره في التاريخ المعاصر ص36

[26]

الدعوة في عهد الملك عبد العزيز 1/263 ومن هؤلاء الدعاة: الشيخ محمد رشيد رضا - مؤسس مجلة المنار - التي نشرت مقالات التوحيد ومحاربة الشركيات. والشيخ محمد حامد الفقي، والشيخ محمود الألوسي، وغيرهم كثير.

[27]

الملك عبد العزيز ووضع قواعد التنظيم القضائي في المملكة ص 17

[28]

وصفه بهذه العبارة محمد جلال كشك في كتابه (السعوديون والحل الإسلامي) ص32، والدعوة في عهد الملك عبد العزيز 1/267

[29]

عبد الله القصيمي: الثورة الوهابية ص 28

[30]

الدعوة في عهد الملك عبد العزيز 1/270

[31]

أم القرى، العدد (333) الصادر في ذي الحجة 1349هـ.

[32]

المنهج القويم ص 66

[33]

الدعوة في عهد الملك عبد العزيز 1/275

[34]

المائدة: 44

[35]

الدرر السنية 5/319

[36]

يراد بها الأعراف التي كانت سائدة في الجزيرة العربية التي تخالف الشرع. مثل نار الملحس التي يزعمون أنها تدل على السارق. وقانون أبي نمى وحماية الدخيل ولو كان مجرماً تعسيم القريبة وجعلها في الوجه عن الخاطب.

[37]

نشر هذا الخطاب بجريرة أم القرى، عدد (857) في 11 ذي الحجة سنة 1355هـ.

[38]

نشر هذا الخطاب بجريرة أم القرى، الصادر في يوم الاثنين في 11 ذي الحجة سنة 1355هـ.

[39]

نشر هذا الخطاب بجريرة أم القرى، عدد (434) في 11 ذي الحجة سنة 1351هـ.

[40]

الدعوة في عهد الملك عبد العزيز 1/282

[41]

المفردات في غريب القرآن ص 429

ص: 413

[42]

الحديث رواه الإمام أحمد في مسنده 4/151 عن عقبة بن عامر.

قال في مجمع الزوائد 10/270: "إسناده حسن".

[43]

الأحيدب: من حياة الملك عبد العزيز ص 37-43

[44]

الوجيز في سيرة الملك عبد العزيز ص 25، المنهج القويم في الفكر والعمل ص 31، الملك الراشد ص 322

[45]

الدعوة في عهد الملك عبد العزيز 1/57

[46]

الدعوة في عهد الملك عبد العزيز 1/65

[47]

لسان العرب / مادة (سجد) 3/204

[48]

رواه البخاري، كتاب التيمم 1/436، مع فتح الباري من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

[49]

وأول الآية قوله تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال} .

[50]

الدعوة في عهد الملك عبد العزيز 1/354-355

[51]

أعلن الملك عبد العزيز عام 1368هـ على العالم الإسلامي اعتزامه توسعة المسجد الحرام، والمسجد النبوي، وبدأت الدراسة في مشروع توسعة المسجد الحرام، وبُدِئَ في التنفيذ بعد وفاته - يرحمه الله -.

عن كتاب إعلامي بعنوان (المملكة العربية السعودية) صدر عن وزارة المالية بمناسبة صدور ميزانية الدولة للعام المالي 1382/1383هـ وقال إنَّ تكاليف توسعة المسجد الحرام بلغت (700) مليون ريال سعودي.

وانظر: التطبيقات العملية للحسبة في المملكة العربية السعودية من عام 1351-1408هـ للدكتور / طامي بن هديف معيض البقمي.

[52]

المرجع السابق.

[53]

أبو راس الديب: الملك عبد العزيز والتعليم ص 204، وبيان إحصائية

بالجوامع والمساجد بالمملكة والمرفق بخطاب سعادة وكيل وزارة الحج والأوقاف لشئون المساجد رقم 272 وتاريخ 19/10/1410 هـ، والتطبيقات العملية للحسبة في المملكة ص 233 مع الحاشية.

ص: 414

[54]

الدعوة في عهد الملك عبد العزيز 1/381، 2/601، 639

[55]

المرجع السابق 1/379

[56]

المراد مجلسين للتدريس.

[57]

أي لا يقبل من الطالب قراءة الدرس حتى يحضره. لأن بعض المعلمين يطلبون من الدارس قراءة الدرس قبل الشرح وتسميعه أولاً.

[58]

المخطوطة في دارة الملك عبد العزيز برقم (719) ، والدعوة في عهد الملك عبد العزيز 1/382

[59]

كان تاريخ هذا الخطاب في 28/1/1342 وهو من وثائق الملك عبد العزيز ص 9

[60]

ومعنى: "وانحر اخوانك"، توجه إليهم، وهي لغة دارجة في الجزيرة.

[61]

الدعوة في عهد الملك عبد العزيز 2/795-796

[62]

الدعوة في عهد الملك عبد العزيز 1/385، 2/635-650

[63]

الخشوع في الصلاة لابن رجب الحنبلي ص 10-11، و 30

[64]

المراد من أجل الله. وانظر المنهج القويم في الفكر والعمل للدكتور التركي ص51.

[65]

المرجع السابق ص51.

[66]

من شيم الملك عبد العزيز 3/130

[67]

الوجيز في سيرة الملك عبد العزيز ص 207

[68]

المصدر السابق ص 216، المنهج القويم في الفكر والعمل ص 51

[69]

رواه ابن ماجه في كتاب الزكاة، حديث رقم (1789) من حديث فاطمة بنت قيس أنَّها سَمِعَت الرسول صلى الله عليه وسلم يقول:"ليس في المال حق سوى الزكاة".

وضعفَّه الألباني في ضعيف الجامع الصغير وزيادته، وأورد عن فاطمة رضي الله عنها:"إنَّ في المال لحق سوى الزكاة". مشكاة المصابيح، حديث رقم (1914) . ويجمع بينهما بأن المنفي الوجوب، والمثبت الندب.

وانظر كتاب الماوردي الباب الحادي عشر. وقارن بالتطبيق المعاصر للزكاة ص13.

ص: 415

[70]

الماوردي: هو علي بن محمد بن حبيب البصري، المعروف بالماوردي، فقيه شافعي، وكنيته أبو الحسن. وُلِدَ بالبصرة سنة (364هـ) . من شيوخه: الحسن بن علي الحنبلي، ومحمد بن عدي المقرئ، وأبو حامد الاسفراييني.

ومن تلاميذه: أبو بكر الخطيب، وأبو العينين كادش.

ومن مؤلفات: الحاوي في الفقه، ودلائل النبوة في الحديث، والأحكام السلطانية في السياسة.

الفتح المبين 1/240، شذرات الذهب 3/286، طبقات الشافعية للسبكي 3/303

[71]

الأحكام السلطانية للماوردي، طبعة نهضة الوطن بمصر، سنة 1298 هـ ص 108، وانظر التطبيق المعاصر للزكاة ص12 للدكتور شوقي إسماعيل.

[72]

أبو عبيد: القاسم بن سلام. البغدادي، الفقيه الأديب صاحب المصنفات الكثيرة في القرآن والفقه والشعر. توفي سنة 244هـ.

مقدمة كتاب الأموال بتحقيق محمد خليل هراس ص5.

[73]

المراد بالسنة: سنة الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، والأثر: آثار الصحابة والتابعين. انظر التطبيق المعاصر للزكاة ص12.

[74]

الأموال لأبي عبيد ص 567، طبعة المكتبة التجارية، سنة 1355هـ.

[75]

البروات: وثائق تدل على دفع الزكاة.

[76]

هو: أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام، شيخ الإسلام ابن تيمية، ناصر السُنَّة وقامع البدعة، وُلِدَ سنة 661هـ، مجتهد في جميع الفنون، وقد بذل نفسه وماله من أجل نصرة الإسلام. آثاره كثيرة، من أعظمها مجموع الفتاوى، ودرء تعارض النقل والعقل. توفي سنة 728هـ.

شذرات الذهب 1/43، الأعلام 1/55، طبقات الأصوليين 2/139

[77]

مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية 28/242، الدعوة في عهد الملك

عبد العزيز 1/205-206

[78]

الدعوة في عهد الملك عبد العزيز 1/315

ص: 416

[79]

لمحات من الإصلاحات الدينية والاجتماعية في عهد صقر الجزيرة، بحث ودراسة تاريخية من إعداد إبراهيم محمد سرسيق 1407هـ، والدعوة في عهد الملك عبد العزيز 1/329-330

[80]

جريدة أم القرى، عدد (142) الصادر في يوم الجمعة 6 ربيع الأول سنة 1346 هـ.

[81]

هما: محمد بن طرمان، ومحمد بن مرضي. الدعوة في عهد الملك عبد العزيز 1/332

[82]

الرسالة مخطوطة بدارة الملك عبد العزيز تحت رقم (1979) .

[83]

الدعوة في عهد الملك عبد العزيز 1/333

[84]

الملك عبد العزيز ووضع قواعد التنظيم القضائي في المملكة ص 25-26

[85]

الدعوة في عهد الملك عبد العزيز 1/299-301. وفي هذه الصفحات خطبة مفيدة وطويلة، ولولا أنَّ المقام لا يحتمل التطويل لنقلتها.

ص: 417

تابع لدعائم التمكين للمملكة العربية السعودية

المبحث الثاني: في جهود أبناء الملك عبد العزيز –رحمه الله– في ترسيخ تلك الدعائم والأُسُس:

لقد كان للمنهج القويم الذي سار عليه الملك عبد العزيز رحمه الله، آثار وثمار طيبة آتت أكلها بإذن ربها.

فالملك عبد العزيز ارتفق منهجاً واضحاً أساسه العقيدة الصافية، ولحمته الشريعة الكاملة المنظِّمَة لجميع شئون الحياة في الدنيا والآخرة. وهدفه وغايته تحقيق الأخوة الإسلامية كما أرادها الله تعالى، ثُمَّ رضى الرب سبحانه وتعالى الذي وعد بالنصر والتمكين لمن ينصره، قال -تعالى-:{وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج: 40]، وقال -تعالى-:{الذين إنْ مكّنَّاهم في الأرض الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ} [الحج: 41] .

وقد سبقت جهود الملك عبد العزيز في تحقيق وتطبيق هذه الأسس والدعائم. فكان من ثمار تلك الجهود المباركة أن أسس الملك عبد العزيز الدولة وأقام الوحدة، وأكسب بلاده احتراماً ووزناً بين الدول، إلى غير ذلك من الأمجاد التي لا يتسع المقام لحصرها.

فلمَّا توفاه الله إلى جواره - قام أبناؤه من بعده - وهم من ثمار منهجه وخريجي سياسته الحكيمة -بالمحافظة على تلك الأسس والدعائم- بكل أمانة وعزم وهمة وشموخ [1] .

وهذا وفاء كريم لوالد كثير العطاء متتابع الإنجاز موفور الأمجاد.

ص: 418

إنَّ الكيان الذي بناه الملك عبد العزيز قد ازداد - في عهد أبنائه - عمقاً وتنوعاً وازدهاراً مع المحافظة على الأساس والغاية والهدف الذي كان الملك عبد العزيز رحمه الله يسعى إليه؛ لأنَّ المنهج الذي كان الملك عبد العزيز يسير عليه في جميع شئونه ليس منهجاً (اجتهادياً) من حيث الأصول والأسس، يطرأ عليه من التبديل والتغيير والتعديل أو التحوير والنقص ما يطرأ على كل المناهج الأخرى التي ليست لها قداسة المصدر، ولا معجزة حفظ النص، ولا خصيصة الخلود، ولا ميزة الشمول والتنوع.

نعم إنَّ المنهج القويم الذي جاهد الملك عبد العزيز زمناً طويلاً في سبيله باقٍ مستمر بإذن الله وتوفيقه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها؛ لأنَّه عقيدة الأمة وشريعتها، وقوام وحدتها.

ولأنَّ تطبيقه آية إيمانها الكامل بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر.

ولأنَّها تعرف مصدره ونصوصه ولغته.

ولأنَّها تتعامل معه في حياتها اليومية، في الصلاة، وقراءة القرآن، وفي الحلال والحرام، في المطعومات والمشروبات، وفي الزواج والطلاق، وتسمية الأولاد، وفي بر الوالدين، وصلة الأرحام، وغير ذلك مما يعتبر - وحده - منهجاً متكاملاً للحياة منبثقاً من المنهج العام [2] .

ولأنَّه منهج تفرَّعت عنه سائر الأنظمة التي تنظم حياة المجتمع وشئون الدولة [3] .

ص: 419

إنَّ الذين وسعوا وعمَّقوا وأضافوا - مع المحافظة على عدم المساس بالأصل، هم خريجو مدرسة الملك عبد العزيز، هم أبناؤه الأوفياء الأمناء الأقوياء، الذين تولوا قيادة سفينة النجاة من بعده، وهم الملك سعود، والملك فيصل، والملك خالد -رحم الله الجميع- حتى وصلت القيادة إلى يد خادم الحرمين الشريفين -حفظه الله تعالى- وأطال في عمره؛ فكانوا خير خلف لخير سلف. وقبل أن نذكر الشواهد والدلائل على تقرير أبناء الملك عبد العزيز وترسيخهم لدعائم التمكين نستمع أولاً إلى ما يقوله خادم الحرمين الشريفين في بيان السياسة الشرعية التي اتبعها آل سعود، حيث يقول: "لقد قامت السياسة الشرعية التي انتهجها آل سعود على الأسس الآتية:

أولاً: عقيدة التوحيد التي تجعل الناس يخلصون العبادة لله وحده لا شريك له، ويعيشون أعِزَّة مكرمين.

ثانياً: شريعة الإسلام التي تحفظ الحقوق والدماء وتنظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وتضبط التعامل بين أفراد المجتمع، وتصون الأمن العام.

ثالثاً: حمل الدعوة الإسلامية ونشرها حيث إنَّ الدعوة إلى الله من أعظم وظائف الدولة الإسلامية وأهمها.

رابعاً: إيجاد بيئة عامَّة صالحة مجردة من المنكرات والانحرافات تعين على الاستقامة والصلاح، وهذه المهمة منوطة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

خامساً: تحقيق الوحدة الإيمانية التي هي أساس الوحدة السياسية والاجتماعية والجغرافية.

سادساً: الأخذ بأسباب التقدم وتحقيق النهضة الشاملة التي تيسر حياة الناس ومعاشهم وتراعي مصالحهم في ضوء هدي الإسلام ومقاييسه.

سابعاً: تحقيق الشورى التي أمر الإسلام بها ومدح من يأخذ بها، إذ جعلها من صفات المؤمنين.

ثامناً: الدفاع عن الدين، والمقدسات، والوطن، والمواطنين، والدولة.

هذه هي الأصول الكبرى التي قامت عليها الدولة السعودية [4] .

ص: 420

ومن يتأمَّل هذه الأُسس التي جاءت في كلمة خادم الحرمين الشريفين التي ألقاها بمناسبة صدور النظام الأساسي للحكم في الدولة السعودية، يجدها قد تضمنت أسس ودعائم التمكين التي ذُكِرَت في الآية موضوع البحث، وقررت ذلك أيما تقرير مِمَّا يدل دلالة واضحة أنَّ أسرة آل سعود تسير في جميع عهودها على ضوء تلك الدعائم الأربع المذكورة في الآية.

يقول الدكتور صالح بن عبد الله العبود - مدير الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية -: "لمَّا توفي الملك عبد العزيز رحمه الله تولَّى بعده الملك سعود رحمه الله وفي عهده تمَّ فتح الجامعة الإسلامية، وتوسعة الحرم المكي والمسجد النبوي الشريف - كما سبق - وكان في المناسبات يشكر الله على ما حبا به الشعب السعودي من نعمة التمسك بكتاب الله وسُنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم في السمع والطاعة ولزوم طريق أهل السُنَّة والجماعة.

ويذكر أنَّ أول ما يهم الجميع هو الاعتصام بحبل الله المتين، واتخاذ الوسائل التي تمكن روح التوحيد الخالص في قلوب أفراد الشعب كافة حتى يخلص الجميع العبادة لله وحده، والسير في ذلك بهدي الكتاب والسُنَّة في الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة في كل مجال، وعلى الأخص في المدارس. ومراقبة ذلك وحثّ الناس على كل ما يأمر به الشرع الإسلامي ومنعهم من كل ما ينهى عنه؛ لأنَّ في ذلك خيري الدنيا والآخرة. ولأنّه ليس شيء من الخير إلَا أمر به الإسلام، وليس شيء من الشرّ إلَاّ ينهى عنه الإسلام" [5] .

وهكذا نرى أنَّ المنهج الذي يترسمه ويهتدي بضوئه أبناء الملك عبد العزيز هو نفس المنهج الذي تبناه وجاهد من أجله المؤسس الأول. وهو تحقيق وترسيخ عقيدة السلف الصالح وتطبيق الشريعة الإسلامية في جميع شئون الحياة على كافة أفراد الشعب يستوي في ذلك الراعي والرعية.

ص: 421

وهذا مثال على جهود أبناء الملك عبد العزيز في ترسيخ وتقرير الدعامة الأولى من دعائم التمكين، وهو تحقيق العقيدة وتنفيذ الشريعة.

أمَّا الدعامة الثانية للتمكين فنذكر لها مثالاً في الهدف العام منها وهو تحقيق الأخوة الإسلامية والوحدة الإيمانية.

جهود الملك فيصل بن عبد العزيز رحمه الله رائد التضامن الإسلامي، ذي الجهد الصادق المشكور، الذي بذل كل ما في وسعه من أجل جمع كلمة المسلمين وتضامنهم تحت راية التوحيد، عملاً بقوله -تعالى-:{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103] . وقوله -تعالى-: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 92] .

وحيث إنَّ العالم يتعرَّض لهجمات سياسية وفكرية من أعدائهم، فكل ذلك يحتم على المسلمين أن يتضامنوا ويتحدوا تحت عقيدة واحدة وراية واحدة، كما أمرهم ربهم، ولا سيما في مقابل تضامن أعدائهم عليهم.

إنَّ جَمْعَ أكثر من ستمائة مليون مسلم على الشعور بالرابطة الإسلامية وتوحيدهم بذلك كفيل بالوقوف أمام أعدائهم أن يستبيحوا بيضتهم ويتسلطوا على ديارهم ومقدساتهم في فلسطين وغيرها.

ولهذا تبنى الملك فيصل رحمه الله الدعوة إلى مؤتمر القمة الإسلامي في الرباط بالمغرب، عام 1389هـ، ثُمَّ تلته مؤتمرات أخرى.

وكان مِمَّا قاله في خطاب له ألقاه في موسم الحج يدعو فيه إلى تضامن المسلمين: "أيها الأخوة.. إنَّ الإسلام هو دين المحبة، دين الأخوة، دين السلام، دين القوة، دين العلم، دين البناء، دين التقدم، دين الفضيلة

لم يبق فضيلة ولا مكرمة إلَاّ دعا إليها، ولم يبق رذيلة إلَاّ حذَّر منها، فحينما نقوم بالدعوة إلى الله سبحانه وتعالى وإلى اتباع ما جاء به في كتابه وسنة نبيه.. فإنَّما تؤدون [6] واجباً مفروضاً عليكم تجاه ربكم ودينكم وتجاه أنفسكم..

ص: 422

وإنَّ واجب المسلمين أن يتكاتفوا ويثبتوا لما يصيبهم من مكاره وما يعترض سبيلهم من صعاب، وعليهم أن يسعوا إلى ما يؤلف قلوبهم ويقرب بينهم، ويبذر بذور المحبة والأخوة والتعاون فيما يصلح دينهم ودنياهم" [7] .

وقال وهو يتحدث عن تحرير المسجد الأقصى: "أيها الأخوة المسلمون. نريدها غضبة ونهضة إسلامية، لا تدخلها قومية ولا عنصرية ولا حزبية، إنَّما دعوة إسلامية، دعوة إلى الجهاد في سبيل الله، في سبيل ديننا وعقيدتنا دفاعاً عن مقدساتنا وحرماتنا، وأرجو الله سبحانه وتعالى أنَّه إذا كتب لي الموت أن يكتب لي الموت شهيداً في سبيل الله". ونرجو أن يكون قد نال الشهادة التي تمناها [8] .

ومن كلمات الملك فيصل رحمه الله:

"إنَّ غيرنا من الحكام مقلدون وليسوا مبتكرين، ونحن لسنا في حاجة إلى استيراد تقاليدنا من الخارج، وقد كان لنا تاريخ مجيد، وقدنا العالم، نحن لنا أجداد وأمجاد وتاريخ وتراث. فلماذا نتنصل من هذا ونلتفت يميناً وشمالاً نتلمس الطريق، ونتلمس المبادئ؟!

تراثنا أشرف تراث، وتاريخنا أشرف تاريخ، وأمتنا خير أمة أخرجت للناس. ونحن لا نقبل أبداً أن يقال عن ديننا وعن شريعتنا إنَّه دين التأخر والجمود. نحن نريد لأمتنا أن تكون قائدة لا مقودة، وأن تكون في المقدمة لا في المؤخرة، وبإمكاننا أن نتقدم ونمسك الأمر إذا اتبعنا كتاب الله وسُنَّة نبيه صلى الله عليه وسلم" [9] .

ومن كلمة له ارتجلها في الحفل الذي أقامته الجامعة الإسلامية بمناسبة زيارته لها: "أيها الأخوة.. إنَّ المسئولية الملقاة على عواتقكم وعواتق الجميع مسئولية عظيمة، فاسعوا إلى التفقه في دينكم ومعرفة كل ما يمكن معرفته لتكونوا مسلحين بسلاح العلم وسلاح الفقه وبسلاح المعرفة حتى تكونوا مستعدين لما يجابهكم من صعاب ومن دعوات مضللة ومن مجهودات يرغب ويأمل أصحابها أن يأخذوا من هذا الدين وأن يحطوا من قدره وأن يهاجموه بكل ما أوتوا من قوة.

ص: 423

وإنَّني لأرجو الله مخلصاً أن يهبكم الصبر والشجاعة والقوة لتكافحوا في سبيل هذا الدين ولتبصروا الناس بما يحتويه هذا الدين، وما تحتويه هذه الدعوة والشريعة من مزايا ومن مكارم ومن أسس هي أصلح ما يكون للبناء الذي يهدف إلى صالح البشر وإلى خير الأُمَّة، ولا يهدف إلى التزوير وإلى البدع والمضللات وإلى هدم الكيانات البشرية وإلى هدم الأخلاق وكل ما هو كريم في بني الإنسان" [10] .

ومن هذا نعلم عظم الجهود التي بذلها الملك فيصل رحمه الله في ترسيخ عقيدة السلف الصالح وتوطيد وحدة الأُمَّة والعمل على تضامن المسلمين، حيث قام برحلات عديدة إلى الأقطار الأفريقية والآسيوية وبعض الدول الأوربية لشرح وجهة نظر المملكة من منطلق إسلامي تجاه الخطر الصهيوني على العرب والمسلمين.

وقبل أن ينتقل الحديث عن هذا الموضوع، أحب أن أشير إلى أنَّ الملك فيصل رحمه الله خلال زيارته للجامعة الإسلامية زار كلية الشريعة ودخل على فضيلة الشيخ محمد الأمين -صاحب أضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن- رحمه الله وكان مِمَّا شرحه الشيخ أمام الملك فيصل رحمه الله الآية الكريمة موضوع البحث {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ} فأعجب بما قاله الشيخ محمد الأمين في تفسيرها وشكره على ذلك.

وأمَّا جهود أبناء الملك عبد العزيز رحمه الله في ترسيخ وتطبيق الدعامتين الثالثة والرابعة (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) :

فقد تقدَّم أنَّ المبدأ والأساس لم يتغير، وإنَّما حدث توسيع في الوسائل وتطور في التنظيم، لما توفرت المادة التي ساعدت على ذلك، والآلة التي سهلت توصيل الدعوة إلى الناس.

ص: 424

وقد مرَّ أنَّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على كل مسلم بقدر الاستطاعة "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان"[11] .

ومرَّ أيضاً أنَّ من وظائف الدولة المسلمة التي دلَّت عليها الآية موضوع البحث وغيرها من أدلة الشرع (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) . وأنَّ ذلك يشمل الدين كله؛ لأنَّه إمَّا أمر أو نهي [12] .

ولأهمية هذا الأمر -كما سبق- كان الملك عبد العزيز -حمه الله- وأبناؤه من بعده يحرصون على تنفيذ هذا المبدأ ويقومون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بأنفسهم، ويحثون من يلون أمرهم بذلك، كما أسندت مهمته إلى هيئة خاصة هي هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو ما يعرف بـ (ولاية الحسبة) في الإسلام. وهي من باب الدعوة إلى الله تعالى، وإن كانت أخص من الدعوة.

وحيث إنَّ المقام لا يتسع لذكر ما يتعلَّق بهاتين الدعامتين (الأمر بالمعروف والنهي بالمنكر) وكذلك الدعوة إلى الله في عهود أبناء الملك عبد العزيز رحمه الله، فسأقتصر على الوسائل التي تقوم بهذه المهمة:

1 -

وسائل أصلية بمعنى أنَّها كانت معروفة من زمن الرسول صلى الله عليه وسلم وعبر العصور المتتالية في تبليغ الدعوة إلى الله.

2 -

وسائل إعلامية حديثة- أي: لم تعرف إلَاّ حديثاً– كالصحافة والإذاعة.

فمن النوع الأول ما يلي:

1) هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقد سبق الكلام عليها وبيان وظائفها.

2) تعيين القضاة والمفتين، فإنَّ ذلك من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

3) التعليم في المساجد.

4) تعيين الأئمة والخطباء في المساجد للدعوة.

ص: 425

5) إرسال العلماء والدعاة إلى البادية والهجر. وكان ذلك في عهد الملك عبد العزيز، أمَّا اليوم فقد تجاوز إرسال الدعاة إلى خارج المملكة، وهناك وزارة خاصة بالأوقاف والدعوة والإرشاد، بلغ عدد دعاتها خارج المملكة أكثر من (2000) داعية.

6) رسائل العلماء ومكاتباتهم.

7) استقبال الوفود. وقد سبق أنَّ الملك عبد العزيز رحمه الله قد استغل هذه الوسيلة في نشر الدعوة السلفية خارج المملكة.

8) إنشاء المدارس.

9) إقامة الجهاد.

كل هذه وسائل تستخدمها الدولة المسلمة في تبليغ الدعوة إلى الله، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وحيث إنَّ المملكة العربية السعودية قد التزمت بتطبيق الشريعة الإسلامية، فقد انعكس أثر ذلك على الأجهزة والقطاعات والمرافق التي أنشئت لتصريف دفة الحكم والقيام بمسيرة الحياة العملية لكيان الدولة.

وذلك بأن تتوافق في نشأتها وحركتها مع مبادئ وتعاليم الإسلام. وإنَّه مهما توسعت تلك القطاعات أو تفرعت؛ فإنَّها تلتزم بالسير وفق تلك المبادئ الإسلامية. وبالتالي فإنَّ جهودها تلتقي في النهاية لخدمة الإسلام والمسلمين.

وإنْ كان بعض الأجهزة يظهر فيها ذلك بشكل أوضح، فإنَّما يعود لكونها أجهزة تقوم بدور أساس في هذا الجانب بينما غيرها يقوم بدور مساعد، لكنها في النهاية تخدم دولة التزمت بتطبيق الشريعة وخدمة الإسلام، فانسحب ذلك الدور على كافة الأجهزة [13] .

وما ذكر إنَّما هو للتمثيل وبيان للأجهزة الحكومية التي تقوم بدور أساس في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتبليغ الدعوة إلى الله بالوسائل الأصلية.

أمَّا القسم الثاني الوسائل الإعلامية الحديثة فمنها:

1 -

الصحافة بأنواعها.

2 -

الإذاعة والتلفاز.

3 -

طباعة الكتب الإسلامية ونشرها.

ص: 426

والمقام لا يتسع لإعطاء فكرة أولية عن أهمية هذه الوسائل وما تقوم به في سبيل الدعوة، فضلاً عن تفصيل الأعمال المشكورة التي قامت بها أو تقوم بها هذه الوسائل في سبيل نشر العقيدة السلفية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

لكن نشير هنا إلى أهم الجهود التي حدثت في عهد أبناء الملك عبد العزيز رحمه الله في أهم هذه الجوانب، ونحيل على ما سبق الكلام عليه، ومن ذلك ما يلي:

2 -

جهود أبناء الملك عبد العزيز في بناء المساجد وعمارتها:

نظراً لما للمسجد من مكانة في قلوب المسلمين، وما له من دور في نشر الدعوة إلى الله، فقد اهتم به المسلمون عبر العصور، وسبق ما بذله الملك عبد العزيز من الأمر بتوسعة الحرمين الشريفين لَمَّا ضاقا عن اتساع الوافدين للحج أو العمرة.

ولكن أكبر توسعة شهدها الحرمان الشريفان هي التوسعة التي تمَّت على يد خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز -أطال الله في عمره- فقد وجه حفظه الله بإجراء توسعة للحرم المكي الشريف، وذلك بإضافة جزء جديد إلى مبنى الحرم، وتبلغ مساحته (000ر76 متراً مربعاً) تستوعب (000ر65) مصلٍّ. وبهذه التوسعة تصل مساحة الحرم الإجمالية (000ر309 متراً مربعاً) تتسع لـ (000ر695) مصلٍّ.

وفي صفر عام 1405هـ تمَّ وضع حجر الأساس لتوسعة المسجد النبوي الشريف، وقد تضمن المشروع إضافة مبنى جديد إلى مبنى المسجد الحالي بمساحته الحالية، وعلى أن يتصل به من الشمال، والشرق، والغرب، لتصبح المساحة الإجمالية بالدور الأرضي للمسجد (500ر98 متراً مربعاً) وعلى أن يستفاد من سطح التوسعة، وهي مساحة (000ر67) متراً تستوعب (90) ألف مصل، وبذلك يتسع المسجد النبوي بعد التوسعة لأكثر من (257) ألف مصلّ [14] ، عدا الساحات المحيطة به، وقد واكبت هذه التوسعة العملاقة التي كانت محل إعجاب جميع المسلمين أعمال أخرى مشكورة، ومنها:

ص: 427

1 -

إقامة محطة للتبريد والتهوية على مسافة سبعة كيلومترات من المسجد.

2 -

تزويد المسجد بكل ما يحتاجه من كهرباء وماء وفرش فاخر وماء بارد وغير ذلك مما يهيئ الجو المناسب ويساعد على إقامة الصلاة في هذه الأماكن وخشوع القلوب لمرتاديها.

3 -

مشروع خادم الحرمين لطباعة مصحف المدينة النبوية وتزويد المساجد داخل المملكة وخارجها بما تحتاجه من هذه المصاحف التي طُبِعَت على أعلى المستويات، وتمَّت مراجعتها على أيدي علماء أجِلَاّء متمكنين في هذا المجال، وذلك لأول مرة في تاريخ طباعة المصحف الشريف.

4 -

ولم تقتصر عناية خادم الحرمين الشريفين -حفظه الله تعالى- على بناء المساجد وعمارتها وتوسيعها في داخل المملكة العربية السعودية؛ بل امتدت جهوده الطيبة إلى جميع أقطار العالم، فوصلت إلى كل مكان يوجد فيه مسلمون أو أقليات إسلامية، حيث أمر ببناء المراكز الإسلامية والثقافية، وتشييد المساجد فيها نظراً لأهمية المسجد وما له من مكانة عالية في الإسلام.. وما مسجد خادم الحرمين الشريفين في جبل طارق عنا ببعيد، حيث افتتح في العام الماضي.. وإنَّك أيها القارئ الكريم أينما ذهبت في هذه المعمورة في قاراتها وعواصم دولها، لتجد هذه المراكز منتشرة فيها لتقوم بدور الدعوة إلى الله تعالى ونشر العقيدة السلفية الصالحة، فجزى الله خادم الحرمين الشريفين عن هذه الجهود وجعلها في موازين حسناته.

2 -

طباعة الكتب الإسلامية ونشرها:

نظراً لأهمية الكتب والمخطوطات في نشر الدعوة إلى الله تعالى، فقد اتجه الملك عبد العزيز رحمه الله إلى طبع نفائس من كتب التراث المخطوطة، ومن كتب العلم المهمة، مما يتصل بالدعوة، وكذلك الكتب الأدبية، وغيرهما مما يجد في نشرها خدمة للدعوة السلفية، أو تشجيع المؤلفين والناشرين، وكانت سياسته في طبع الكتب والمخطوطات أنَّه يأخذ بما يشير به العلماء [15] .

ص: 428

ولذلك كانت الكتب التي أسهم في طبعها تضم:

1 -

كتب الدعوة المعتمدة.

2 -

كتب التفاسير المعتبرة.

3 -

كتب في الحديث والفقه الإسلامي في موسوعاته الكبرى.

4 -

كتب تاريخية عظيمة الفائدة.

5 -

كتب في الأدب ودواوين بعض الشعراء [16] .

ولم يقتصر على طبع الكتب باللغة العربية، بل هناك كتب نشرها الملك عبد العزيز باللغة الجاوية، والهندية، لتعميم الفائدة، ونشر الدعوة في الأقطار الإسلامية.

ومما هو جدير بالذكر أنَّ جهود الملك عبد العزيز وأبنائه من بعده في مجال الكتب اتخذت ثلاثة مسارات:

أ - تمويل طباعة الكتب الإسلامية.

ب - دعم ناشري الكتب قبل الطبع وبعده.

جـ- شراء كميات من الكتب بقصد التوزيع والتشجيع [17] .

ومن أهم الكتب التي طُبِعَت على نفقة الملك عبد العزيز أو أحد أبنائه ما يلي:

1 -

تفسير ابن كثير، والبغوي.

2 -

البداية والنهاية لابن كثير.

3 -

مجموعة الرسائل والمسائل النجدية، لجماعة من علماء نجد.

4 -

المغني والشرح الكبير لابن قدامة المقدسي في الفقه.

5 -

روضة الناظر وجنة المناظر في أصول الفقه.

6 -

جامع الأصول لابن الأثير في الحديث، ومعالم السنن للخطابي.

7 -

الآداب الشرعية لابن مفلح في الأدب.

8 -

شرح العقيدة الطحاوية في العقيدة السلفية، لأبي العز الحنفي.

9 -

مختصر الصواعق المرسلة لابن القيم في العقيدة.

10-

درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية.

11-

الفتاوى لابن تيمية.

12-

مختار الصحاح للجوهري.

13-

مسند الإمام أحمد.

وغير ذلك كثير.

ص: 429

ومن عرض هذه الكتب التي طبعت على نفقة الملك عبد العزيز أو أحد أبنائه، يتأكد لنا أنَّها تخدم العقيدة الإسلامية، ومن ثم كان لها الأثر الكبير في نشر الدعوة السلفية في مختلف البلدان، وبخاصة أنَّ هذه المطبوعات تضمنت العديد من الكتب التي تذب عن الدعوة الإسلامية والعقيدة السلفية النقية [18] ، فجزى الله كل من أسهم في ذلك خير الجزاء.

المبحث الثالث: في ثمرات تطبيق تلك الدعائم:

يجب على كل مسلم آمن بالله رباً، وبرسوله محمد –صلى الله عليه وسلم رسولاً مبلغاً أميناً، وبالإسلام ديناً كاملاً صالحاً لكل زمان ومكان، أن لا يعتريه شك في حصول الثمار المرتبة على تطبيق دعائم التمكين في الأرض التي تضمنتها الآية الكريمة التي هي موضوع البحث؛ لأنَّ الله سبحانه وتعالى هو الذي أخبر بذلك ووعد بالنصر والعاقبة الحميدة لمن عمل بتلك الدعائم وخبر الله ووعده لا يتخلف متى ما توفرت فيه الشروط، وانتفت الموانع.

والمسلمون عامّة - والعرب منهم خاصة - مرهون عزهم ومكانتهم بمدى تطبيقهم للإسلام، كما قال -تعالى- في شأن الرسول –صلى الله عليه وسلم وقومه:{وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلون} [الزخرف: 44] .

وكما قال الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "نحن أمة أعزها الله بالإسلام، فإذا ابتغينا العزة من غيره أذلنا الله"[19] .

ولك أن تتخيَّل -أيها القارئ الكريم- أمَّةً قد قامت بشرع الله وطبَّقته على نفسها، ولم تكتف بهيئات التطبيق الظاهري، وإنَّما أوفته حقه كاملاً كما أمر الله بذلك.

ثُمَّ توحدت قلوب أفرادها حول هذا الدين الكامل، فأصبحوا أخوة متحابين في الله، ومن أجل الله، وتواصوا بالحق وبالصبر عليه. ولم يقتصر نفعهم على أنفسهم وحسب. بل تعدَّى ذلك إلى غيرهم مِمَّن هو بمنزلة النفس في تشريعات الإسلام.

ص: 430

وبعد ذلك كله قد أقامت هذه الأمة المؤمنة المتحابة المطبقة لتعاليم الإسلام -على نفسها- رقيباً منها يتعهد أفرادها وجماعاتها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بحيث لا يدع مجالاً يدخل منه ما يفسد البنيان الواحد الذي يشد بعضه بعضاً، ويتألَّم لآلام بعضه الآخر، ويراقب بعضه أعمال بعض، فيثبت ما فيها من خير، ويعمل على تقويته وزيادته، ويدفع عنها الشر ويعمل على منعه ويسد منافذه.

إنَّ أمّةً تكون بهذه الصورة لا شكَّ أنَّها تستحقق النصر والتمكين في الأرض، ويتحقّق فيها ما وعد الله عليه بالنصر والعاقبة الحميدة وهي أقرب ما تكون إلى مَنْ قال الله -تعالى- فيهم:{لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6]، وقوله -تعالى-:{بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ. لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} [الأنبياء: 26-27] .

وقد سبق أنَّ تطبيق دعائم التمكين قد تحققت في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفائه من بعده، وهي ثمار ونتائج لم تتحدد بزمان أو مكان، وإنَّما علقت بوجود شروطها، فمتى توافرت الشروط ترتبت عليها الثمار، وتحقق الوعد بالتمكين في الأرض. ومن خلال دراسة هذا الموضوع وبيان جهود الملك عبد العزيز رحمه الله وأبنائه من بعده في تقرير وتطبيق دعائم التمكين في الأرض على أنفسهم ورعيتهم، نحسب أنَّ أولئك الحكَّام المسلمين الذين مكَّن الله لهم في الأرض يدخلون فيمن عناهم الله -تعالى- بقوله:{الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ} [الحج:41] .

ص: 431

ذلك أنَّ أسرة آل سعود منذ وجودها قد ارتفقت منهجاً إسلامياً يقوم على تطبيق دعائم التمكين التي جاءت في الآية الكريمة موضوع البحث، فكان من ثمار ذلك -وخاصَّة في عهد الملك عبد العزيز وأبنائه من بعده- ما يلي:

1 -

قيام دولة إسلامية كبرى، هي المملكة العربية السعودية [20] . مملكة العقيدة المنجية، ومملكة الشريعة المنظمة، ومملكة الوحدة الراسخة، ومملكة الأمن المكين الواعد، ومملكة البناء والعمران، مملكة القوة والسلام، ومملكة الوزن الدولي المؤثر والموقر.

هذا أثر واحد من تطبيق تلك الدعائم.

وهناك آثار أخرى وهي آثار طبيعية لما سبق، ومنها:

2 -

أنَّ الملك عبد العزيز قد أقام مؤسسات دولته على ضوء تلك الدعائم وجعلها محكومة بها وخادمة لها، فكان من ثمار ذلك ما يلي: -وهو مثال للتطبيق لا للتفصيل والحصر-

فقد وضع الملك عبد العزيز نواة التعليم المنظم، فإذا هو اليوم ثمان جامعات عملاقة، ورئاسة عامة وكبيرة للبنات، وعشرات الكليات والمعاهد، وألوف المدارس، وملايين من الطلاب والطالبات.

ووضع نواة الزراعة، فإذا الزراعة اليوم اكتفاء ذاتي من القمح والخضروات، بل تصدير للفائض من ذلك كله [21] .

ووضع أسس الأمن، فإذا الأمن اليوم أجهزة متطورة، وطاقة بشرية متعلمة ومدربة وكثيفة قادرة على توطيد الأمن على الرغم من التعقيد الذي حصل في الحياة. وعلى الرغم من الانفتاح والتدفق البشري الغادي والرائح.

ووضع قواعد سياسة جيش قوي، فإذا بالقوات المسلحة السعودية اليوم قوة ضاربة تحرس السلم وتردع العدوان.

ووضع قواعد بناء الحرس الوطني؛ فإذا بالحرس الوطني اليوم من أكبر المؤسسات العسكرية والحضارية التي تسهم في بناء المجتمع وحمايته.

ص: 432

ووضع مبادئ السياسة الخارجية، فإذا الوزن الخارجي للمملكة اليوم ملء السمع والبصر، وموضع التقدير والثقة والمهابة في الوطن العربي، والعالم الإسلامي، والمحيط الدولي.

واعتنى بالحرمين الشريفين -توسعةً وصيانةً- فإذا التوسعة التي قام بها اليوم خادم الحرمين الشريفين -حفظه الله- تفوق التوسعات التي حدثت في التاريخ الإسلامي كله [22] .

وكان الملك عبد العزيز يتمنى أن تُعَبَّد الطرق وتختصر المسافات بين جده والمدينة، فإذا الطرق السريعة التي تربط بين أجزاء المملكة تحقق الأمنية في زمنٍ وجيزٍ [23] .

وهذا -كما سبقت الإشارة- إنَّما هو على سبيل التمثيل لما تحقق من تطبيق لدعائم التمكين، وأمَّا تفصيل ثمار التطبيق فمن الصعوبة بمكان الإحاطة به.

فهرس المراجع

أولاً: القرآن وعلومه:

1 -

أحكام القرآن: للجصاص، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان.

2 -

أحكام القرآن: لابن العربي، تحقيق علي محمد البجاوي، مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه.

3 -

إصلاح الوجوه والنظائر: للدامغاني، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة الثالثة، 1980م.

4 -

أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير: لأبي بكر جابر الجزائري، الطبعة الثانية، 1407هـ.

5 -

بصائر ذوي التمييز: للفيروزآبادي، تحقيق محمد علي النجار، لجنة إحياء التراث الإسلامي بمصر، الطبعة الثانية، 1406هـ.

6 -

تحصيل نظائر القرآن: للترمذي، تحقيق حسني نصر زيدان، مطبعة السعادة بمصر.

7 -

تفسير ابن جرير الطبري (جامع البيان عن تأويل آي القرآن) الطبعة الثالثة، 1388هـ، مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر.

8 -

التفسير الحديث: لمحمد عزة دروزة، طبعة 1383هـ، مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه.

9 -

تفسير ابن سعدي: مؤسسة مكة للطباعة والإعلام، 1398هـ.

ص: 433

10-

التفسير القرآني للقرآن: لعبد الكريم الخطيب، دار الفكر العربي.

11-

تفسير ابن كثير: مكتبة النهضة الحديثة بمصر، الطبعة الأولى، 1384هـ.

12-

تفسير النووي: لمراح لبيد، دار إحياء الكتب العربية، الطبعة الأولى، 1402هـ.

13-

التفسير الواضح: للدكتور محمد محمود حجازي، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان.

14-

توفيق الرحمن في دروس القرآن: للشيخ فيصل بن عبد العزيز آل مبارك، الطبعة الأولى، المكتبة الأهلية، بالرياض.

15-

التيسير في أحاديث التفسير: للشيخ محمد المكي الناصري. ط. أولى. دار الغرب- بيروت

16-

زاد المسير في علم التفسير: لابن الجوزي، المكتب الإسلامي للطباعة والنشر.

17-

صفوة التفاسير: للصابوني، دار الفكر، بيروت، لبنان.

18-

فتح القدير: للشوكاني، الطبعة الثانية، 1383هـ، مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر.

19-

في ظلال القرآن: لسيد قطب، الطبعة السابعة، 1391هـ، دار إحياء التراث العربي، لبنان.

20-

كشف السرائر: لابن العماد، تحقيق الدكتور فؤاد عبد المنعم، مؤسسة شباب الجامعة، الإسكندرية.

21-

منتخب قرة العيون الناظر في الوجوه والنظائر في القرآن: لابن الجوزي، تحقيق محمد الطنطاوي والدكتور فؤاد عبد المنعم، منشاة المعارف، الإسكندرية.

22-

نزهة الأعين النواظر: لابن الجوزي، تحقيق محمد عبد الكريم كاظم، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى، 1404هـ.

ثانياً: الحديث وعلومه:

1 -

إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل: لمحمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الأولى، 1399هـ، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان.

2 -

تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف: للمزي، جمع محمد عبد القادر عطا، الطبعة الأولى،1410هـ، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت.

ص: 434

3 -

سنن الترمذي: تحقيق أحمد محمد شاكر، الطبعة الثانية، 1398هـ مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر.

4 -

سنن أبي داود: تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، دار إحياء السنة النبوية.

5 -

سنن ابن ماجه: دار الفكر، بيروت، الطبعة الثانية.

6 -

صحيح البخاري: دار الدعوة.

7 -

صحيح ابن حيان (الإحسان في ترتيب صحيح ابن حبان) ، ط. دار الفكر.

8 -

صحيح مسلم: دار الدعوة.

9 -

ضعيف الجامع الصغير وزيادته (الفتح الكبير) : للشيخ محمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الثانية، 1399هـ، المكتب الإسلامي بيروت.

10-

مجمع الزوائد: للهيثمي، الطبعة الثانية، 1402هـ، دار الكتاب العربي، بيروت.

11-

مسند الإمام أحمد بن حنبل: المكتب الإسلامي، دار صادر، بيروت.

12-

مشكاة المصابيح: للتبريزي، تحقيق الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الأولى، 1381هـ، المكتب الإسلامي، بيروت.

13-

موارد الظمآن لدروس الزمان: لعبد العزيز أحمد السلمان، الطبعة الثانية، 1413 هـ.

ثالثاً: الفقه والدعوة والأمر بالمعروف والسياسة السلطانية:

1 -

أثر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: للغزالي، تحقيق سيد إبراهيم.

2 -

أثر الدعوة الوهابية في الإصلاح العمراني والديني في جزيرة العرب وغيرها: لمحمد حامد الفقي.

3 -

الأحكام السلطانية: للماوردي، مطبعة النهضة الوطنية، بمصر، سنة 1298هـ.

4 -

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: لأبي بكر الخلال، تحقيق عبد القادر عطار، دار الاعتصام، مصر، الطبعة الأولى، سنة1395هـ.

5 -

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: لخالد بن عثمان السبت، المنتدى الإسلامي، لندن، الطبعة الأولى، سنة 1415هـ.

6 -

الأموال: لأبي عبيد القاسم بن سلام، المجلد الأول، المكتبة التجارية، سنة 1355هـ.

ص: 435

7 -

البحر المحيط في أصول الفقه: للزركشي، قام بتحريره. عمر سليمان الأشقر، الطبعة الأولى، سنة 1409هـ، دار الصفوة للطباعة والنشر والتوزيع بالغردقة.

8 -

التطبيقات العملية للحسبة في المملكة العربية السعودية: د. طامي بن هديف البقمي، الطبعة الأولى، 1415هـ، مطابع الفرزدق التجارية.

9 -

التطبيق المعاصر للزكاة: للدكتور شوقي إسماعيل شحاتة، الطبعة الأولى، 1397هـ، دار الشروق جده.

10 -

الثورة الوهابية لعبد الله القصيمي: المطبعة الرحمانية بمصر، الطبعة الأولى، سنة 1354هـ.

11 -

جهود الملك عبد العزيز في خدمة العقيدة: لعبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ، طبع جامعة الإمام محمد بن سعود، عام 1406 هـ.

12 -

حقيقة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأركانه ومجالاته: للدكتور حمد بن ناصر بن عبد الرحمن العمار، الطبعة الأولى، 1417هـ، مركز الدراسات والإعلام، دار اشبيلية، الرياض.

13 -

الخشوع في الصلاة: لابن رجب الحنبلي، تحقيق عادل أبو المعاطي الطبعة الأولى، 1408هـ، دار المشرق العربي، القاهرة.

14 -

الدرر السنية في الأجوبة النجدية: جمع عبد الرحمن القحطاني النجدي، الطبعة الثانية، 1402هـ، الدار العربية للطباعة والنشر، بيروت.

15 -

الدعوة في عهد الملك عبد العزيز: لمحمد بن ناصر الشثري، الطبعة الأولى، 1417هـ.

16 -

الروض المربع: لمنصور بن يوسف البهوتي، مع حاشية العنقري، مكتبة الرياض الحديثة الرياض، 1390هـ.

17 -

الزكاة: لمحي الدين مستو، الطبعة الرابعة.

18 -

الزكاة وتطبيقاتها المعاصرة: أ. د. عبد الله بن محمد الطيار، الطبعة الثانية، 1414 هـ، مكتبة التوبة، الرياض.

19 -

شرح منهاج الطالبين: لجلال الدين المحلى.

20 -

الصلاة: أ. د. عبد الله بن محمد الطيار، الطبعة الأولى، 1416هـ، دار الوطن، الرياض.

21 -

الصلاة عماد الدين: للدكتور حسن الترابي.

ص: 436

22 -

الصلاة في القرآن مفهومها وفقهها: د. فهد بن عبد الرحمن بن سلمان الرومي، الطبعة الأولى، سنة 1409 هـ.

23 -

عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية وأثرها على العالم الإسلامي: للدكتور صالح بن عبد الله العبود، الطبعة الأولى، دار إحياء التراث الإسلامي.

24 -

الفصل في الملل والأهواء والنحل: لابن حزم، تحقيق د. محمد نصير، والدكتور عبد الرحمن عميرة.

25 -

فقه الزكاة: للشيخ يوسف القرضاوي، مؤسسة الرسالة.

26 -

الفواكه العذاب في معتقد الشيخ محمد بن عبد الوهاب (في الصفات) : للشيخ حمد بن ناصر آل معمر، تحقيق عبد الرحمن بن عبد الله التركي، الطبعة الثانية، 1416هـ، مؤسسة الرسالة بيروت.

27 -

القول البين الأظهر في الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: للشيخ عبد العزيز بن عبد الله الراجحي، الطبعة الأولى 1412هـ، مكتبة دار السلام.

28 -

لمحات من الإصلاحات الدينة والاجتماعية في عهد صقر الجزيرة: إعداد إبراهيم محمد سرسيق، أمين بحوث ندوة العلاقات المصرية السعودية، 1407هـ، الزقازيق، مصر.

29 -

مجموع فتاوى ابن تيمية: جمع عبد الرحمن بن قاسم وابنه محمد، مطابع الرياض، الطبعة الأولى، 1381هـ.

30 -

مجمل اعتقاد أئمة السلف: للدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي، الطبعة الثانية، 1417هـ، مؤسسة الرسالة، بيروت.

31 -

المغني: لابن قدامة، تحقيق د. عبد الله بن عبد المحسن التركي، ود. عبد الفتاح محمد الحلو، الطبعة الأولى، 1408 هـ، هجر للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة.

32 -

ملامح الانقلاب الإسلامي في سيرة عمر بن عبد العزيز: للدكتور عماد الدين خليل.

33 -

الملك عبد العزيز ووضع قواعد التنظيم القضائي في المملكة: للدكتور سعود بن سعد الدريب، الطبعة الأولى، 1408هـ، دار المطبوعات الحديثة.

ص: 437

34 -

الملك عبد العزيز والمملكة العربية السعودية المنهج القويم في الفكر والعمل: للدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي، الطبعة الثانية، 1409هـ، الزهراء للإعلام العربي.

35 -

من فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: لمحمد عبد الله الخطيب.

36 -

مناهج العلماء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: لفاروق عبد المجيد حمود السامرائي، مكتبة دار الوفاء، جدة.

37 -

منهج الملك عبد العزيز في السياسة الدولية وأثره على العلاقات السعودية المصرية: للدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي، بحث مقدم في ندوة العلاقات المصرية السعودية بجامعة الزقازيق بمصر، سنة 1407 هـ.

38 -

موعظة المؤمنين من إحياء علوم الدين: لجمال الدين القاسمي.

39 -

وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، الطبعة الأولى، 1412هـ، دار العاصمة، الرياض.

40 -

الوجيز في سيرة الملك عبد العزيز: لخير الدين الزركلي، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة الثانية، 1392 هـ.

رابعاً: كتب التراجم والتاريخ:

1 -

الاستيعاب في معرفة الأصحاب: لابن عبد البر أبي عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر، مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة، الطبعة الأولى.

2 -

الإسلام بين جهل أبنائه وعجز علمائه: للأستاذ عبد القادر عودة.

3 -

الإصابة في تمييز الصحابة: لابن حجر العسقلاني، تحقيق علي محمد البجاوي، طبعة دار نهضة مصر، القاهرة، 1358 هـ.

4 -

الأعلام: لخير الدين الزركلي، الطبعة السادسة، 1984م، دار العلم للملايين، بيروت، لبنان.

5 -

البداية والنهاية: لابن كثير، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1405هـ.

6 -

البلاد العربية: لفؤاد حمزة، دار المطبوعات الحديثة.

7 -

تاريخ الدولة السعودية: لأمين سعد.

ص: 438

8 -

تاريخ المملكة: لسيد محمد إبراهيم.

9 -

تاريخ المملكة العربية السعودية: للصف الثالث المتوسط، الطبعة الأولى، 1394هـ.

10-

تاريخ نجد ودعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية: تعريب عمر الديراوي، نشر المكتبة الأهلية، بيروت.

11-

تبيين كذب المفتري: لابن عبد البر الدمشقي، دار الكتاب العربي بيروت، 1399هـ.

12-

التعريفات: للجرجاني، الطبعة الأولى، 1403هـ، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.

13-

تقريب التهذيب: لابن حجر العسقلاني، الطبعة الأولى، 1393هـ دار نشر الكتب الإسلامية، باكستان.

14-

الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة: لابن حجر العسقلاني، الطبعة الثانية، حيدر آباد الدكن، الهند، 1392هـ.

15-

سير أعلام النبلاء: للإمام شمس الدين الذهبي، الطبعة الأولى، 1401هـ، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان.

16-

شبه جزيرة العرب: للزركلي، الطبعة الثالثة، دار الملايين، بيروت.

17-

شذرات الذهب: لابن العماد الحنبلي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.

18-

طبقات السبكي: الطبعة الثانية، دار المعرفة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان.

19-

طبقات ابن سعد: دراسة وتحقيق زياد محمد منصور، الطبعة الأولى 1403هـ، من مطبوعات المجلس العلمي بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.

20-

طبقات ابن سلام الجمحي: شرح محمود محمد شاكر، مطبعة المدني بالقاهرة، 1974م.

21-

طبقات المفسرين: للداودي، الطبعة الأولى، 1403هـ، دار الكتب العلمية، بيروت.

22-

طبقات المفسرين: للسيوطي، دار الكتب العلمية، بيروت، 1983م.

23-

عالم جهبذ وملك فذ: للشيخ عبد المحسن بن حمد العباد.

24-

عبد العزيز والشخصية الإسلامية: لعبد العزيز شرف، ومحمد إبراهيم شعبان، الطبعة الأولى، 1403هـ، القاهرة.

ص: 439

25-

الفتح المبين في طبقات الأصوليين: للمراغي، الطبعة الثانية، 1394هـ، الناشر محمد أمين دمج وشركاه، بيروت، لبنان.

26-

معجم المؤلفين: لرضا كحالة، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان.

27-

الملك الراشد: لعبد المنعم الغلامي، الطبعة الثانية، 1400هـ، دار اللواء، الرياض.

28-

الملك عبد العزيز وأثره في التاريخ المعاصر: للمهندس سليمان الشائع، بحث ماجستير مقدم لكلية القيادة والأركان بوزارة الدفاع السعودية، 1405هـ.

29-

الملك عبد العزيز والتعليم: تأليف بدر الدين أبو رأس، الطبعة الأولى، 1407هـ، مكتبة العبيكان للطباعة والنشر، الرياض.

30-

من حياة الملك عبد العزيز: للأحيدب، الطبعة الأولى، 1399هـ الرياض.

31-

من شيم الملك عبد العزيز: لفهد المارك، الطبعة الأولى، 1398هـ، بيروت.

32-

المنهج السوي في ترجمة الإمام النووي: للسيوطي، تحقيق الدكتور محمد العيد الخطراوي، الطبعة الأولى، 1409هـ، مكتبة دار التراث المدينة المنورة.

33-

وفيات الأعيان: لابن خلكان، مطبعة بولاق.

خامساً: اللغة والشعر:

1 -

البلغة في أصول اللغة: للقنوجي، تحقيق نذير مكتبي، الطبعة الأولى 1418هـ دار البشائر الإسلامية، بيروت.

2 -

ديوان الأعشى: دار صادر، بيروت، 1966م.

3 -

ديوان النابغة الذبياني:

4 -

الشعر والشعراء: لابن قتيبة، الطبعة الأولى، 1404هـ، دار إحياء العلوم، بيروت، لبنان.

5 -

لسان العرب المحيط: لابن منظور، أعاد بناءه على الحرف الأول يوسف خياط، دار الجيل، بيروت، دار لسان العرب، بيروت.

6 -

المعجم الوسيط: مجموعة من المؤلفين، الطبعة الثانية.

7 -

المفردات في غريب القرآن: للراغب الأصفهاني، المطبعة الميمنية بمصر.

8 -

مقاييس اللغة: لابن فارس، تحقيق عبد السلام هارون، الطبعة الثانية، مطبعة البابي الحلبي.

ص: 440

--------------------------------------------------------------------------------

[1]

المنهج القويم في الفكر والعمل ص 114

[2]

المرجع السابق ص 110

[3]

الملك عبد العزيز والمنهج القويم في الفكر والعمل ص 109، 115 مع بعض التصرف.

[4]

كلمة لخادم الحرمين الشريفين ألقاها بمناسبة صدور النظام الأساسي للحكم في الدولة السعودية. انظر نص الخطاب في جريدة الجزيرة، عدد (7095) في يوم الاثنين 28/8/1412هـ. والدعوة في عهد الملك عبد العزيز 1/113

[5]

انظر: تاريخ الدولة السعودية، عهد سعود بن عبد العزيز. تأليف أمين سعد 3/17-18، وعقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية وأثرها في العالم الإسلامي ص 611

[6]

التفات من التكلم إلى الخطاب. لأنه كان يتكلم بضمير المخاطب نقول، ثم بضمير الخطاب تؤدون.

[7]

تاريخ المملكة العربية السعودية للصف الثالث المتوسط، ط 1 عام 1394هـ ص 291

[8]

عالم جهبذ وملك فذ، بقلم عبد المحسن العباد ص 26-27

[9]

تاريخ المملكة العربية السعودية للصف الثالث المتوسط ص 289-290

[10]

عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأثرها في العالم الإسلامي ص 618

[11]

سبق تخريجه ص 83

[12]

انظر مبحث أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ص 87

[13]

التطبيقات العملية للحسبة ص 201

[14]

انظر كتيب (الحَرَمَان الشريفان) إعداد وزارة الإعلام. الأهلية للأوفست بالرياض، وملف موجود بمكتب المؤسسة التي قامت بتنفيذ المشروع وهي مؤسسة بن لادن، وبلغت هذه التكلفة حوالي 6 بليون ريال. وانظر: التطبيقات العملية للحسبة ص232

[15]

الدعوة في عهد الملك عبد العزيز 1/503

[16]

المرجع السابق 1/ 505

[17]

المرجع السابق ص 505

[18]

المرجع السابق 1/ 517

ص: 441

[19]

ينظر تاريخ عمر بن الخطاب لابن الجوزي ص174، وتاريخ الدعوة د. جمعة على الخولي2/109، دار الطباعة المحمدية الطبعة الأولى 1405هـ.

[20]

المنهج القويم في الفكر والعمل ص 29

[21]

المرجع السابق ص 115

[22]

المرجع السابق ص 115

[23]

المرجع السابق ص 115

ص: 442

منهج الملك الإمام

عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود

رحمه الله –

في تحقيق الوحدة ونبذ الفرقة

د/ غازي بن غزاي بن عبد العزيز المطيري

الأستاذ المساعد بقسم الدعوة بالجامعة الإسلامية

المقدمة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم المرسلين.

وبعد:

فإن دراسة حياة العباقرة والنابغين، وما تحفل به حياتهم من إنجازات عظام، سبقت زمانهم وفاقت قدرات أقرانهم، مدرسة عملية للأجيال، ومدعاة لاستخلاص العبر والدروس، وإصلاح الحاضر، واستشراف المستقبل، في ضوء الحقائق الموضوعية الماثلة في حياتهم، ولا جرم أن أحق الناس وأولادهم بالدراسة، زعماء الأمة وقادتها التاريخيين، الذين ابلوا بلاءً حسناً في سبيل خدمة أوطانهم وأمتهم، اعترافاً بفضلهم، وحفظاً لحقهم فلا تزال الأمة بخير – ما اعتزت بتاريخها المجيد، وعرفت حق أهل الفضل والعلم فيها، ممن تجتمع معهم في جذور واحدة، وأصول مشتركة، حيث من السهل حينئذ إعادة تاريخهم المجيد، وتطبيق تجربتهم، واختزان نجاحهم، وتوظيفه في رقي الأمة ونهضتها، وحق للشعب السعودي المسلم الأصيل، أن يسترجع بفخر واعتزاز سيرة مؤسس دولته الثالثة، الملك الإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود – رحمه الله – الذي أجمع الباحثون الذين كتبوا عنه، على تعدد مواهبه، وعظيم شخصيته، وقوة شكيمته، وجلالة جهاده ومن العسير – والحالة هذه – الإلمام بجوانب حياته واستعراضها وتحليلها في بحث موجز، مما حملني على طرق جانب واحد، نال قسطاً كبيراً من اهتمام الملك الإمام تبدت فيه عبقريته، وظهرت في ميدانه نباهته، وذلك من خلال نهجه السديد في جمع القلوب المتنافرة، وتأليف النفوس المتناحرة، ورص الصفوف المتفرقة، حيث تكللت جهوده المباركة بنجاح رائع فريد، في أقل من ثلاثة عقود، وعنونته (منهج الملك الإمام عبد العزيز في تحقيق الوحدة ونبذ

ص: 443

الفرقة) وتعظم أهمية هذه الدراسة في وقت تستعيد فيه المملكة العربية السعودية، ذكرى مرور مائة عام على تأسيسها في كيان متحد متلاحم الشعار والدثار، مما دفعني إلى الكتابة في هذا الموضوع، اغتباطاً بتلك الذكرى الأثيرة على نفوسنا جميعاً، والتذكير بضرورة المحافظة على تماسكها، وتوظيف رصيدها في حماية الأمة من براثن التفرق، وويلات التحزب، ومآسي الشقاق، هذا واعتمدت في كتابة البحث على المراجع والوثائق العلمية الأصيلة التي تحدثت عن حياة الملك الإمام عبد العزيز – رحمه الله – وهي أكثر من أن تحصى، ولم أجد عنتاً يذكر في إيراد الأدلة والبراهين والشواهد من حياة الملك الإمام وأقواله، على ما أريد تقريره فقد كانت حياته غنية بالإنجازات والمواقف الفذة، نالت اهتمام الباحثين والدارسين في عصره وبعده، وما من فصل في البحث إلا افتتحته بمقدمة موجزة لتهيئة ذهن القارئ لما أريد تقريره، وذيلته بخاتمة لتكون حلقة وصل لما بعده، وقد اشتمل البحث على مقدمة وتمهيد وأربعة فصول وخاتمة. أما المقدمة، فتحدثت فيها عن أهمية البحث ومنهجي في كتابته، وتضمن التمهيد تعريفاً موجزاً بالملك الإمام عبد العزيز – رحمه الله.

أما الفصل الأول: فاشتمل على أسس الملك الإمام عبد العزيز – رحمه الله – في تحقيق الوحدة ونبذ الفرقة.

أما الفصل الثاني: فتكلمت فيه عن وسائل الملك عبد العزيز – رحمه الله – في تحقيق الوحدة ونبذ الفرقة.

أما الفصل الثالث: فذكرت فيه أساليب الملك الإمام عبد العزيز – رحمه الله – في تحقيق الوحدة ونبذ الفرقة.

أما الفصل الرابع: فجمعت فيه نتائج منهج الملك الإمام عبد العزيز – رحمه الله – في تحقيق الوحدة ونبذ الفرقة.

أما الخاتمة: فتضمنت الدروس المستنبطة من منهج الملك الإمام عبد العزيز – رحمه الله – في تحقيق الوحدة ونبذ الفرقة.

ص: 444

والله تعالى أسأل أن يجعل عملي هذا خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفع به عموم المسلمين.

التمهيد

(التعريف بالملك الإمام عبد العزيز رحمه الله

يلاحظ الباحث المدقق لسيرة الملك الإمام عبد العزيز – رحمه الله – تحليه بصفات ومناقب ذات أثر بالغ في حياته أهلته -بفضل الله- إلى قيادة مبكرة، والتحفز نحو المقاصد العالية والأهداف السامية، حتى نال مرامه، وحقق أحلامه، ولم يزل بعد في مقتبل العمر ورواء الفكر، جامعاً بين رسالة الداعية وريادة المصلح وحنكة القائد، ملماً باتجاهات عصره ومتطلبات زمانه وثقافة وقته، زد على ذلك خلفية أسرية مفعمة بالطموح والمجد، وإرث معنوي ملء السمع والبصر.

نسب الملك الإمام عبد العزيز – رحمه الله:

ص: 445

ينتهي نسب الملك الإمام إلى أرومة عربية، ضاربة في الأصالة، متجذرة في العراقة، فهو عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل بن تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود بن محمد بن مقرن بن مرخان بن إبراهيم بن موسى بن ربيعة بن مانع المريدي من بني حنيفة بن ربيعة من نزار [1] . تولى جده الأول مانع المريدي إمارة الدرعية، والتي لم تزل في توسع في ممتلكاتها وحدودها نظراً لتعاظم دور الإمارة وأمرائها وقوتهم [2] حتى انتهى الحكم إلى الأمير محمد بن سعود – رحمه الله – الذي قاده تعاونه ونصرته ومؤازرته الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله – إلى تبوء أسرة آل سعود مكانة سامقة في تاريخ الجزيرة العربية أفضت إلى قيادة أمة مترامية الأطراف ضمت الجزيرة وأعرابها ودلفت إلى يمنها وعراقها وشامها في عهد الإمام عبد العزيز بن محمد – رحمه الله – وابنه الإمام سعود بن عبد العزيز – رحمه الله[3] وبهذا تكون أسرة الملك الإمام ذات تاريخ معرق في الأصالة، باذخ الصيت في المجد، متجذر الأصول في الإمارة والملك زادها مناصرة دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله – بعداً دينياً لا يرام وعزاً لا يضام، وأضحت رمزاً للوحدة الوطنية، وروحاً حية تبث روح الحياة في أوصال الأمة في أوقات الشدة وتكالب الأعداء عليها.

مولده:

ولد الملك الإمام عبد العزيز – رحمه الله – في قصر الإمارة في الرياض سنة 1297هـ[4] في أوقات عصيبة عصفت بأسرته المباركة، حيث تفتحت عيناه على ملك مضاع، وشعب متناحر، وبيئة سياسية تتسم بالفوضى وعدم الاستقرار.

تعليمه:

ص: 446

منذ نعومة أظافره عبّ الملك الإمام من معين العلوم الشرعية، على أيدي علماء عصره وقراء زمانه الذين أولوه اهتامهم وعطفهم، منهم الشيخ عبد الله الخرجي رحمه الله، الذي أخذ عنه القراءة، والشيخ محمد بن مصيبيح – رحمه الله – الذي درس على يديه الفقه، والشيخ عبد الله بن عبد اللطيف آل الشيخ – رحمه الله – الذي درس عليه التوحيد في كراسة أعدها خصيصاً له [5] . ولم يزل – رحمه الله – طالباً للعلم راغباً في تحصيله، حتى حفظ أجزاء من القرآن الكريم، واستظهر عديداً من المؤلفات، مثل الرحبية في الفرائض، والأربعين النووية، وبلوغ المرام، وقرأ الزاد كاملاً ثم توسع في القراءة الذاتية، فقرأ البداية والنهاية لابن كثير، وتاريخ الطبري، وكان رحمه الله محباً للأدب يحفظ الشاهد والمثل، ويتمثل بهما في خطبه وحواراته، مكثاراً للقراءة العامة، محافظاً على حزبه من الأذكار، وحفلت مجالسه حتى آخر حياته بمجالس العلم ومذاكرته سماعاً ونقاشاً، وقد رزقه الله سرعة البديهة وألمعية النظر وفرط الذكاء وعقلاً متفتحاً متنوراً لا يضيق ذرعاً من النقاش بل يستدعيه وينميه [6] .

تنقلاته ورحلاته:

ص: 447

اضطر الإمام عبد الرحمن بن فيصل آل سعود – رحمه الله – إلى الخروج من الرياض تحت وطأة الضرورة، فرأى من المصلحة التنقل، إلى حين سنحان الفرص، واهتبال الفُرَج، وانكشاف الكُرب، فاصطحب ابنه عبد العزيز، فنزل في بادية العجمان وآل مرة، فتعلم فيها ضروب الفروسية من ركوب الخيل والضرب بالسيوف والطعن بالرماح يقول – رحمه الله – "أنا ترعرعت في البادية، فلا أعرف التلاعب بالكلام، وتزويقه، ولكني أعرف الحقيقة عارية من كل تزويق "[7] وبين تضاعيف كلام الملك الإمام ما ينبئ عن مكنون قوة شخصيته، وصلابة قناته. وفي فترة مبكرة من عمره أسند إليه والده بعض المهام الصعبة الملائمة لتكوينه واستعداده، فشارك في مفاوضة ابن رشيد والإصلاح بين القبائل، والوفادة على الأمراء والشيوخ رسولاً وسفيراً من قبل والده -رحمهما الله-[8] .

وبانتقاله مع والده إلى الكويت، اكتسب من مخالطة داهية العرب في وقته (مبارك الصباح) أمير الكويت – رحمه الله – خبرة ومهارة في التعامل مع الأحداث، والتعرف على القوى الخارجية وسياستها في المنطقة، والوقوف عن كثب على الصراعات الدولية في مناطق النفوذ، ومن هناك بدأ يخطط لوحدة بلاده، ولم شعثها، وجمع كلمتها، يحدوه أمل غير محدود، بنجاح طلبته، وأحقية مهمته، وهو يعلم أن قلوب الشعب وسيوفهم معه، فقد ضاقوا ذرعاً من الانشقاقات والنزاعات ولم تزدهم الإمارات المتسلطة يومئذٍ إلا بؤساً وظلماً يقول – رحمه الله – "أنا قوي بالله تعالى. ثم بشعبي، وشعبي كلهم – كتاب الله في رقابهم وسيوفهم بأيديهم يناضلون – ويكافحون في سبيل الله، ولست أدعي أنهم أقوياء بعددهم أو عُددهم وكلهم أقوياء – إن شاء الله بإيمانهم"[9] .

وفاته:

ص: 448

قضى الملك الإمام عبد العزيز رحمه الله عمراً مديداً مباركاً في زراعة بذرة الوحدة، وسقيها بالإيمان والجهاد، حتى أينعت ثمارها وحان قطافها بالأمن والأمان، والسعادة والاطمئنان، وفي رحلته السنوية التي اعتاد قضاءها في الربوع المقدسة، لرعاية الحجاج من قرب، قعد به المرض في مدينة الطائف قبل أن يبلغ وجهته، مما اضطره إلى إنابة ولي عهده الملك سعود رحمه الله للذهاب إلى مكة في موسم عام 1372هـ، بينما اشتدت وطأة المرض عليه، وفي صبيح الاثنين 2 ربيع الأول سنة 1373هـ انتقل إلى جوار ربه ونقل بالطائرة إلى الرياض ودفن بها [10]رحمه الله رحمة واسعة وجزاه الله عن المسلمين والإسلام خير الجزاء-.

أهلية أسرة الملك الإمام وخصائصها الوحدوية:

لم تكن أسرة الملك الإمام عبد العزيز – رحمه الله – غريبة على سكان الجزيرة العربية، فهم من بني جلدتهم، وبضعة من لحومهم ودمائهم، يتقاسمون بينهم الآلام والآمال، وتاريخهم شاهد على نزاهتها من النقائص، واستعلائها على الأهواء والأطماع، فليس لحي من أحياء العرب من الحظوة والمكانة القيادية ما لأسرة الملك الإمام، وذلك للأسباب التالية:-

1 – تجذر الملك والحكم في أصولها، فلم يكونوا حديثي عهد بملك، بل أخذوه كابراً عن كابر، يقول الملك الإمام:"أنا عربي من خيار الأسر العربية ولست متطفلاً على الرئاسة والملك، ولست ممن يتكئ على سواعد الآخرين في النهوض والقيام، وإنما اتكالي على الله، ثم على سواعدنا يتكئ الآخرون ويستندون إن شاء الله"[11] .

ومن عادة العرب أنها لا تنسى مآثر ذوي المكرمات وتعرف لذوي الهيئات منازلهم مهما تعرضوا للنكبات وطوارق المدلهمات، فسرعان ما تلتف حولهم الخاصة والعامة، عند أول بادرة نهضة ويقظة وهدة، كما هو حال تاريخ أسرة الملك الإمام.

ص: 449

2 – ارتباط أسرة الملك الإمام – رحمه الله – بنصرة الدين الحق، وتجديده مما أكسب حكمها سلطاناً على القلوب لا يزول أثره، ولا يحمي ذكره، يقول الملك الإمام:"نحن دعاة إلى التمسك بالدين الخالص من كل بدعة نحن دعاة إلى العروة الوثقى"[12] ولا أتجاوز الحقيقة إذا قلت: إنها الأسرة الوحيدة التي قام ملكها في جزيرة العرب بعد العهد النبوي والراشدي على أسس دعوية صحيحة، ولا أدعي هذا الفهم لنفسي فقد سبقني إليه الدكتور محمد البهي رحمه الله الذي قال بإنصاف - يشكر عليه - حين الحديث عن التعاضد بين الإمامين: محمد بن سعود ومحمد بن عبد الوهاب – رحمهما الله – "وبهذا التعاضد اجتمع لهذه الدعوة سلطان الحاكم وقوة الإيمان، وقلما اجتمع الأمران في حركة دينية بعد عصر الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين سوى هذه الحركة"[13] وصدق فيهم قول الإمام الشوكاني – رحمه الله – في أبيات له:

جميع بني الدنيا فما للمجادل

هم الناس أهل البأس يعرف فضلهم

إلى أن أقاموا بالظي كل مائل

وقد جاهدوا في الله حق جهاده

كما دافعوا داعي الهوى بالقنابل [14]

لقد نصروا دين الإله وحزبه

3 – ابتعاد أسرة الملك الإمام عن التسلط والظلم، واتسمت سياستهم بالصبغة الشرعية، حتى في أوقات الشدة بخلاف ما اشتهر عن كثير من أفراد الأسر الحاكمة (أحياناً) من الظلم والاعتداء، واغتصاب حقوق الناس وممتلكاتهم، وقد تمتع القضاء تحت ظل حكمهم باستقلالية ونزاهة، لا سلطان لغير شرع الله عليه، وقد أشار أحد الباحثين إلى علة انتصار أسرة الملك الإمام بقوله:"تمكن آل سعود من السيطرة على البلاد لما قاموا به، من جليل الأعمال كما كانوا وما زالوا أكثر الأسر التي حكمت الجزيرة منذ زوال الملكية من أيدي العرب تفانياً في إحقاق الحق وإزهاق الباطل وإعلاء كلمة الله في السر والعلن"[15] .

ص: 450

4 – لم يعهد من سياسة أسرة الملك الإمام – رحمه الله – الانحياز إلى فئة دون أخرى، أو تأليب بعضها على بعض، مما حفظ لهم مصداقية، ونزاهة أمام الأمة (فلا يكاد أمير سعودي، يظهر حتى يتسابقوا في تأييده ونصرته، ويتراكضوا إلى بيعته والانظواء تحت رايته لا يتعانون مع غيره، ولا ينقادون مع سواه، مادام ذلك في مقدورهم وفي حيز استطاعتهم ومرد ذلك ما عرفوه بالتجارب الكثيرة المتتالية عبر التاريخ، وعبر الأيام من زائد الإخلاص في محبتهم، واهتمام بشؤونهم وحرص على إقامة العدل بينهم [16] ، وباشر الجميع تحت حكمهم العمل بتفان وإخلاص في محيط تحفظ فيه الحقوق، وتصان الحرمات، وتتكافأ فيه الفرص أمام الجميع كل على قدر أمانته وكفاءته، فهم أبعد الناس عن التحزب والوقوع في براثن العنصرية والفئوية والقبلية، ومن هنا كان حكمهم بلسماً شافياً، ودواء كافياً ورحمة وسلام، وبهذه المعطيات الراسخة تمثلت أمام الملك الإمام عبد العزيز – رحمه الله – بارقة أمل لا ينقطع في العودة إلى الوطن، ولم شعثه، ورتق فتقه، يؤازره في ذلك رجال صالحون من آل بيته، وعموم علماء الدعوة وفي مقدمتهم أسرة آل الشيخ المباركة الطيبة، وغالب رجالات العرب العرباء وأبطالهم النجباء – رحم الله الجميع رحمة واسعة – وجزاهم عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.

الفصل الأول

أسس منهج الملك الإمام عبد العزيز – رحمه الله – في تحقيق الوحدة ونبذ الفرقة

ص: 451

ما من منهج سديد يروم الكمال ويسعى إلى التأثير، إلا حرص مخططوه ومنظروه على إقامته على دعائم راسخة وقواعد جامعة، تؤكد أحقيته في البقاء وصيرورته في النجاح والإثراء، وقد حرص الملك الإمام عبد العزيز – رحمه الله – في سبيل تحقيق الوحدة ونبذ الفرقة، أن يقيم منهجاً يتسم بالشمولية والاستيعاب لحاجة عصره ومراحل جهاده، توظف فيه مناقب العرب، وفق وجهة إسلامية رشيدة، تنتهي إلى وحدة شاملة، تنطلق في البناء والإعمار، راشدة موفقة، ينعم بها القريب، ويسعد بها البعيد، وتبقى منارة هدى ومثابة أمن وأمان، للأجيال الحاضرة والقادمة، وعليه وطد منهجه على أسس وقواعد، بنيت عليها الوحدة الكبرى بين أبناء شعبه وأفراد أمته، بما لا يستطيع أحد زعزعته، أو النيل منها، ومن أهمها:

المبحث الأول: العقيدة الصحيحة:

ص: 452

ورث الملك الإمام عبد العزيز – رحمه الله – عن آبائه وأجداده، موروثاً علمياً وزاداً حضارياً، أخذه عن علم وبصيرة، وطبقه بنية صادقة، وإرادة قوية، أحدثت معجزة باهرة في جميع أمة مقطعة الأوصال، مختلفة الرؤى متناقضة الأهداف، فانصهرت جميعها في بوتقة الإيمان، وحدة متماسكة وبنية متشابكة، فسعى إلى إعادة هذا الموروث، والاستناد إليها في كل خطوة نحو الوحدة، وطبقها بعلم مكين، وفهم دقيق، وفقه راسخ رشيد، جنبه -بفضل الله- الوقوع في المحاذير والآفات التي تورطت فيها الفرق والطوائف المختلفة. يقول الملك الإمام عن الفهم الصحيح للعقيدة "عقيدتنا هي عقيدة السلف الصالح، التي جاءت في كتاب الله وسنة رسوله، وما كان عليه السلف الصالح، نحن نحترم الأئمة الأربعة، ولا فرق بين الأئمة: مالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة كلهم محترمون في نظرنا"[17] ويقول رحمه الله "أنا داعية لعقيدة السلف الصالح، وعقيدة السلف الصالح هي التمسك بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وما جاء عن الخلفاء الراشدين، أما ما كان غير موجود فيها، فأرجع بشأنه، إلى أقوال الأئمة الأربعة، فآخذ منها ما فيه صلاح المسلمين، أنا مسلم، وأحب جمع كلمة الإسلام والمسلمين، وليس أحب عندي من أن تجتمع كلمة المسلمين، ولو على يد عبد حبشي، وإنني لا أتأخر عن تقديم نفسي وأسرتي ضحية في سبيل ذلك"[18] .

ص: 453

فسعى بإخلاص إلى إعادة هذا الموروث السلفي – الذي يلزم عموم المسلمين فجعله محور دعوته ولب جهاده، مع يقينه بأثرها الناجح في تربية شعبه ونهضته، يقول رحمه الله:"مثل هذه البادية في حياتها، كمثل أرضها تظل قاحلة، إلى أن يسقيها الغيث فإذا سقيت أخضرت وأزهرت، كذلك هي في رجالها، تستمر عصوراً وهي مستغرقة في جهالتها، ويبرز فيها رجل يحسن تنظيمها وتوجيهها، فتنقلب الحياة في كل ناحية من نواحيها"[19] . فعقيدة التوحيد في نظر الملك الإمام، قوة متجددة تؤدي دورها التجديدي في بعث الأمة ووحدتها في كل أوان، متى أراد أهلها ذلك، وتهيئة الأسباب المعينة على ذلك، ومن أهمها بعد توفيق الله – وجود مصلح حكيم، يحسن تنظيمها نحو الإصلاح – كمثل الملك الإمام – رحمه الله – فكان إشهار هذا الدواء الناجح ضرورة شرعية، وحاجة بشرية، يقتضيها خطاب الشرع الحنيف في كل زمان ومكان، فضلاً عن ظروف الجزيرة العربية وأحوالها الاجتماعية والسياسية، والتي عادت بعد سقوط الدولة السعودية الثانية إلى سبل التناحر والتقاتل، فأعلن رحمه الله لشعبه منذ خطواته الأولى أنه لم يأت لإحياء مكاسب دنيوية، وكثيراً ما يقول مبتهلاً في دعائه المنيب:"اللهم إن كان قصدي إعلاء كلمة الله ونصرة الإسلام والمسلمين فأرجو منك التوفيق والتأييد والنصر، وإن كان قصدي خلاف ذلك، فأرجو منك أن تريحني بالموت العاجل"[20] ولم يكن ترسيخ العقيدة في نفوس أبناء العرب بالأمر الهين، ولاسيما بعد طول عهدهم بمعرفتها، فقد واجه الملك الإمام مصاعب عدة، تنبثق من جبلة العرب، ونزعتهم نحو الحرية والاستقلالية وأنفتهم الشديدة من الانصياع للنظام، يقول ابن مانع رحمه الله:"لقد كان من أعظم مشكلات ابن سعود في بناء دولة مستقرة تلك المشكلة التي واجهت كل زعيم في الصحراء وهي نزعة رجال القبائل الجادة إلى الاستقلال، وحبهم للحرب وسرعة تغيير ولائهم"[21] ولكنه رحمه الله سعى بلباقة وحكمة وجلد

ص: 454

إلى توجيه حماس العربي لقبيلته ومنازلها، إلى هدف عقدي يجتمعون على تحقيقه، ويكسبون معيشتهم بسببه، ويتحقق لهم الأمن والطمأنينة على مائدته، مما يستوجب ذلك تغيير المفاهيم السائدة والمصطلحات الراسخة يقول رحمه الله:"إني أريد تغيير نزعة العرب إلى الحرب، وعدم جعلها الأسلوب الوحيد أو الأقوى لتحقيق الأهداف حتى يشعروا بأنهم في جماعة واحدة"[22] فكانت عقيدة التوحيد خير وسيلة لتغيير نزعة العرب إلى الحرب، ولم تكن العقيدة الصحيحة عند الملك شعاراً رناناً للاستهلاك المحلي، كعادة أصحاب الشعارات الطنانة والرايات الرنانة، يقول رحمه الله:"إني أفضل أن أكون على جبل آكل من عشب الأرض أعبد الله وحده، على أن أكون ملكاً على سائر الدنيا، وهي على حالتها من الكفر والضلال، اللهم إنك تعلم إني أحب من تحب، وأبغض من تبغض، إننا لا يهمنا الأسماء والألقاب، وإنما يهمنا القيام بحق واجب التوحيد"[23] ولذا نراه لا يحاب أحداً حين القدح في جانب التوحيد، فقد زاره أحد الزعماء العرب المشهورين، ودار بينهما حوار، وأراد الضيف أن يؤكد أمراً قائلاً: وحياة رأسك فنظر إليه الملك الإمام وقال: "قل والله"[24] ويعلو صوته، ويشتد غضبه إذا ما جانب أحد من رعيته عقيدة التوحيد، ولو كان مدحاً له ففي زيارته إلى الخرج سنة 1363هـ دخل عليه شاعر واستأذنه. في قصيدة مطلعها:

أنت أملنا وفيك الرجا

ص: 455

فصاح الملك الإمام في وجهه قائلاً: "تخسأ – تخسأ"ولمح في المجلس أحد طلبة العلم فقال: "علمه التوحيد"[25] وقد اقترن قوله بفعله في تربية شعبه على التوحيد، فمكنه من قيادة الإصلاح في جميع نواحي الحياة، وسخر العلم لتوجيه الناشئة من صغرهم، ليتولى العلماء تدريسه في حلقاتهم ودروسهم، ويطبقه القضاة في محاكمهم، ولم يحاب فيه أحداً كما تقدم. فحلت العقيدة الصحيحة في قلب الملك الإمام وسياسته موضع الاهتمام البالغ والتحكيم الحازم، وعلى فلكها يدور منهجه، وجهاده وإصلاحه غير آبه لمعارضتها أو مجامل لمخالفتها، مهما كانت المكاسب يقول الدكتور عبد الله التركي -حفظه الله-:"عرف عن كثير من الساسة الذين يهمهم المكسب السياسي فحسب – أنهم يعاملون الناس ويداهنون العامة في أمور العقائد بل إنهم من يشارك العامة في خرافاتها ووثنياتها رغبة في السلطة وطلباً للتأييد، وكان من مقتضيات المجاراة العرفية في منطق السياسيين الذين يضحون بالعقيدة من أجل أهدافهم السياسية أن يجاري الملك عبد العزيز بعض الأعراف وطوائف البدع والخرافات التي تنال من جلال التوحيد، ولكنه لم يفعل لأن التوحيد أعلى وأسمى وأعظم من أي اعتبار آخر، بل فعل ذلك حيث عقد العزم على تطهير الجزيرة من كل عرف أو تقليد أو عادة أو خرافة تفسد على الناس توحيدهم الخالص، وهذه طريقة لا يستخدمها في الانتصار للعقيدة إلا داعية موحد لا يقايض على التوحيد بشيىء "[26] لقد جعل الملك الإمام الاهتمام بالعقيدة أصل الأصول أساساً للحكم ووصية لعقبه من بعده ففي وصيته لولي عهده يقول فيها: "تعقد نيتك على نية صالحة، وعزم على أن تكون حياتك وأن يكون دينك إعلاء كلمة التوحيد"[27] وليس ثمة وصف يصح إطلاقه على جهود الملك الإمام سوى تلك المقولة التي قالها الملك الإمام "أنا داعية أدعو إلى عقيدة السلف الصالح"[28] .

المبحث الثاني: تطبيق الشريعة:

ص: 456

من البدهي أن يكون تطبيق الشريعة، قاعدة أساسية في منهج الملك الإمام عبد العزيز رحمه الله في سبيل جمع فلول أمته على مائدة أحكام الشريعة، التي يتفيؤُ الجميع ظلال عدالتها وبركة قسطاطها، ليغدوا أخوة متحابين، تسودهم المودة، وتغشاهم المحبة وتلك نتيجة طبيعية للعلاقة الوطيدة بين الشريعة والعقيدة في نفس الملك الإمام، فإن تمكنها في نفسه وسريانها في روحه ودمه، استلزم حتماً تطبيقها بمفهومها الشامل، ليقينه بعدالتها المطلقة، وضرورتها الملحة في إزالة أسباب الجفوة بين أفراد شعبه، وكفالتها بإزاحة العوائق أمام الوحدة الكبرى لبلده، فبدأ بنفسه، يقول الملك فيصل رحمه الله:"إن والدي لا يفرق بيننا وبين أبناء شعبه، وليس للعدالة عنده ميزانان، يزن بأحدهما لأبناءه، ويزن بآخر لأبناء الشعب فالكل سواء عنده والكل أبناؤه"[29] وتلك آية حرصه على تكامل حلقات الإصلاح، وسد ثغراتها، مما يؤدي إلى تحقيق العدالة، وتقوية البنية الاجتماعية ولذا نراه يؤكد على هذا المعنى بقوله:"لا يدوم الملك إلا بدولة عادلة"[30] فلم يكن رحمه الله رجل دولة محنكاً، أو قائداً عسكرياً مظفراً فحسب بل جاوز ذلك إلى داعية مخلص، ومصلح اجتماعي متنور، وعالم إسلامي متمكن، جعل من تطبيق الشريعة الإسلامية غاية وهدفاً لتحقيق الأهداف السامية، والإصلاحات العظيمة. يقول رحمه الله: "إن اعتصامي بالله وسيري على الطريقة المحمدية واقتدائي بعلماء المسلمين يدعوني إن شاء الله تعالى لعدم الجموح بالنفس وقد عاهدت الله على ثلاث:

1 – الدعوة لتعلم التوحيد، وتحكيم الشريعة في الدقيق والجليل.

2 – الأخذ على يد السفيه وتحكيم السيف فيه.

3 – الإحسان إلى المحسن والعفو عن المسيئ " [31] .

ص: 457

وقد أنجز ما وعد وحقق – بفضل الله تعالى – ما جاهد من أجله وجد وقال على الملأ مبيناً نهجه الذي يسير عليه في تطبيق الشريعة "إن كتاب الله ديننا، ومرجعنا وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم دليلنا، وفيها كل ما نحتاجه من خير ورشاد، ونحن من جانبنا سنحرص إن شاء الله كل الحرص على إقامته واتباعه، وتحكيمه في كل أمر من الأمور"[32] .

وبهذا النهج القويم انطلق الملك الإمام مسترشداً بشرع الله وتطبيقه نحو تأليف الأمة، وضم أقاليم الجزيرة بعضها إلى بعض معلناً ومؤكداً في كل مرة، هدفه وغايته من ذلك. ففي سنة 1343هـ قال قبل خروجه إلى الحجاز "إني مسافر إلى مكة لا للتسلط عليها بل لرفع المظالم والمغارم التي أرهقت كاهل عباد الله، إني مسافر إلى حرم الله لبسط أحكام الشريعة، وتأييدها فلن يكون هناك بعد اليوم سلطان إلا الشرع"[33] ولا يجد الناظر تأويلاً لهذا الاهتمام الكبير من قبل الملك الإمام بتطبيق الشريعة سوى الإيمان الجازم بأحقيتها في الحكم، ويقينه الراسخ بدورها العظيم في الإصلاح، ولم شعث الشعب الممزق، ووحدته الضائعة، وقد تكللت جهوده المباركة بإقامة دولة الإيمان والوحدة (المملكة العربية السعودية) وأعلن في النظام الأساسي للحكم أن الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي والوحيد للمملكة فقد ورد فيه ما نصه "جميع أحكام المملكة تكون منطبقة على كتاب الله وسنة رسوله وما كان عليه السلف الصالح"[34] فاقترن القول بالعمل في ثنائية لا تعرف الانفصام في حياة الملك الإمام وتمثل منهجه، في تطبيق الشريعة في مسلك إيماني عميق، وصدق حين قال –رحمه الله:"دستوري، وقانوني، وشعاري، دين محمد صلى الله عليه وسلم فإما حياة سعيدة، وإما موتة سعيدة"[35] فحقق الله مرامه وقامت دولة التوحيد والشريعة على يد الملك الإمام عبد العزيز – رحمه الله – مهابة الجانب، متماسكة الجوانب، جددت الدين، ورفعت لواء الدعوة إلى الله، ومدت يد العون إلى عموم

ص: 458

المسلمين، وتحت سلطان الشريعة وقوتها استوى الشعب السعودي في الحقوق والواجبات، واستبدل بالثأر القبلي، الحد الشرعي، وبالسلوم والأعراف، أحكام الشرع الحنيف، ورضي الجميع بحكم الله، فساد الأمن وطهرت البلاد من الفتن، وضربت المملكة مثلاً في الأمن يؤتسى، وأسوة في العدل تقتدى.

المبحث الثالث: القيام بحقوق الرعية:

إن شعور المصلح الحق، بمعاناة الناس، وسعيه في حاجاتهم آية بينة على صدقه، وبلوغه درجة الاشتقاق، التي ميزت أولي الهمم العالية الذين أفنوا حياتهم في خدمة البشرية، وليس من شك أن التفاف الشعب حول الملك الإمام عبد العزيز – رحمه الله – لم يكن من فراغ، أو نتيجة حملهم قسراً أو ساقهم إليه بعصاه، بقدر ما عرفوا عنه الاهتمام البالغ بمشكلاتهم وسعيه الحثيث في خدمتهم، وكفاية حاجاتهم، فنظروا إليه والداً حنوناً لصغيرهم وأخاً شفيقاً لكبيرهم، فأطعم جائعهم وكسا عاريهم، وداوى مريضهم وأمن خائفهم فقد كان يبادر إلى ما في خزائنه الخاصة وخزائن الدولة من مال فيأمر بالإنفاق منه على إطعام القبائل المجدبة أرضها وعلى الأفران تمون بالدقيق لتوزيع العيش (الخبز) على أهل المدن مجاناً، وكان يقول رحمه الله:"إنما يهمنا توفر الراحة والاطمئنان لرعايانا"[36] واستطاع بفضل الله أن يخرج شعبه من ظلمات الجهالة المطبقة، والغفلة المستحكمة إلى نور العلم والهداية، ومن براثن التخلف إلى مراقي التقدم والحضارة، ومن سغب الجوع ورقة الحال إلى بحبوبة العيش والحياة الكريمة اللائقة بالإنسان. لقد أدرك الملك الإمام أن حياة الناس واجتماعهم، لا تستقر في بيئة ينهش المرض فيها أجسادهم، ويطوي الجوع أحشائهم، ويسم الفقر حياتهم فنذر نفسه لخدمتهم شعوراً بالواجب والتزاماً بالمسؤولية يقول –رحمه الله:"إن خدمة الشعب واجبة علينا لهذا نخدمه بعيوننا وقلوبنا، ونرى أن من لا يخدم شعبه ويخلص له فهو ناقص"[37] ولم يقتصر خيره على شعبه بل سرى إلى

ص: 459

أمته الإسلامية والعربية يقول رحمه الله: "وخدمة الإسلام والعرب واجبة علينا بصفة عامة وخدمة شعبنا بصفة خاصة"[38] وأناط المسؤولية بكل وال.

يقول رحمه الله مخاطباً رعيته: "ولابد أنكم سمعتم أننا ألزمنا ولاة الأمور بالنظر في شؤون الرعية، وجعلناها أمانة في أعناقهم، فعليهم أن يقوموا بالواجب والنفع للشعب، وأن يجتهدوا في تحقيق ما عليهم من حقوق وما لهم من واجبات"[39] واتخذ خطوات عملية جادة، تلامس شغاف القلوب، وتأسر النفوس، فأستنهض الهمم، وجند الطاقات، وسخر الموارد لمحاربة الأدواء السارية وألوان الفقر المدقع ومظاهر الجهل المختلفة، وقد تكللت جهوده المباركة بنجاح منقطع النظير يقول أحد شهود العيان:"ومن رأى هذا الشعب من عشرين سنة لا يكاد يصدق عينه، حين يرى تلك الجهود الضخمة التي تبذل في جميع المجالات العلمية والإعلامية والصحية والاجتماعية وحين يرى شباباً متفتحاً على الحياة، يسير بخطى واسعة في طريق التقدم والبناء، وبالجملة فهي حركة ناهضة، تحارب التخلف، في كل صوره"[40] . فكانت جهود الملك الإمام بمثابة الأسس الرئيسية التي قامت عليها صروح النهضة والتنمية لبلاده، وهي تمثل في حقيقتها نقلة جذرية لحياة جديدة لم تكن معهودة من قبل يقول اللورد اوف حاكم كندا:"شهدت بنفسي عندما زرت المملكة العربية السعودية، ماذا صنع الملك عبد العزيز لرفاهية شعبه، لقد استقر السلام والأمن في البلاد التي كانت من قبل تمزقها المنازعات الداخلية، وأتيح لي أن أشهد كيف تم الاعتراف به ملكاً وزعيماً على شعبه الذي أضاء له حكمه الطريق إلى الارتقاء في جميع النواحي الاجتماعية والثقافية"[41] ولا يمكن بحال حصر الخدمات التي قدمها الملك الإمام لشعبه – والتي سرت إلى عموم أبناء العرب والمسلمين، وفي إشارة لآثاره الخيرة وما تؤول إليه جهوده المباركة يقول:"إذا وفق الله أولادي كما وفقني فسوف يتولون مقدرات مائة مليون مسلم"[42] فصدق

ص: 460

ظنه، وحق حدسه، فالكل يلمس ما تقدمه المملكة العربية السعودية، من بذل وعطاء، طال خيره سائر الشعوب العربية والإسلامية.

المبحث الرابع: تحقيق الأخوة:

لا يستقيم الاجتماع البشري، وينتظم العمران الإنساني، ما لم يتحقق الوفاء بين أفراده، بأداء واجبات اجتماعية، وحقوق إنسانية، تنظم العلاقة بين أفراد الجنس البشري، على وجه سوي، تصان به الحرمات، وتحفظ فيه الحقوق وذلك هو الفارق بين حياة الإنسان، وسائر العجماوات، وإنما تتفاضل المجتمعات في استقرارها وسعادتها على قدر فهمها والتزامها بما تمليه عليه الحقوق والواجبات من أنماط سلوكية ومعاملات سوية، وقد تفطن الملك الإمام عبد العزيز – رحمه الله – إلى حاجة مواطنيه، إلى المصالحة الوطنية، والوحدة الأخوية، بعد دهور عديدة من العداء المستحكم، أفرز كماً لا حصر له من الثأرات المتبادلة، والفتن الجاهلية التي عصفت بشعب الجزيرة العربية زمناً ليس بالقصير، فليس من السهل والحالة هذه، إحداث تغيير جذري في أنماط التفكير والسلوك، إلا بما يشبه المعجزة، مما حمل الملك الإمام على تجنيد عديد من الوسائل المتنوعة، لتشكل في مجموعها تياراً جارفاً من قنوات الإصلاح، وعوامل البناء، وأسباب التواصل، وفق مضامين ثابتة وأسس راسخة، وقواعد متينة، تحيط بأفراد الأمة جميعاً، لتصهرهم في بوتقة الوحدة والمؤاخاة، شعباً متجانساً، وكياناً متوحداً، فجعل – رحمه الله – من نفسه قدوة صالحة لرعيته، فعفا عن كل خصومه ومضطهدي مواطنيه، وقابل الإساءة بالحسنى، واستل بلطفه سخيمة القلوب، وجعلهم في حل مما سلف، واتصل وأبناؤه الكرام بنسب إلى كثير من القبائل، فوصل حبلهم بحبله، وودهم بوده، وحرص على أن تسير المصالحة الوطنية وفق آداب الدين الحنيف وقواعده، فأمر بإقامة الصلاة جماعة في سائر القرى والمدن، ووكل رجالاً أكفاء بالدعوة إليها، وتأديب من تهاون في أدائها، وتجسد ذلك في (هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن

ص: 461

المنكر) ، وألغى جميع النعرات الجاهلية، التي كانت عاملاً في تفتيت وحدة الأمة، وتدل خطواته الحكيمة على العناية الفائقة بالوحدة، مهتبلاً كل سانحة ومقتنصاً كل فرصة عارضة، ويوم دخل الحجاز منتصراً ومظفراً دعا علماء نجد والحجاز إلى مائدة مستديرة، تطرح فيها الآراء بحرية كاملة، وتغربل على بساطها مسائل الخلاف الصالحة للنقاش، وقد انفض الاجتماع عن اتفاق في وجهات النظر في جميع المسائل مما أزال الغمة عن القلوب، وكبت جهود أعداء الوحدة، الذين سعوا إلى تشوية سمعة علماء الدعوة السلفية، بمختلف الأكاذيب وألوان الدعايات المغرضة، وانعكس هذا الاجتماع الناجح بدوره على سكان نجد والحجاز، فقامت بينهم أخوة إيمانية راسخة لم تزدها الأيام والسنون إلا رسوخاً كما قال الملك الإمام:"إنا نحمد الله على جمع الشمل، وعلى جعل الحكم في هذه الديار، بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [43] فتغيير ما بأنفسنا يعود علينا بالضرر، وهذا الضرر هو أعظم من الجهل والفساد والجرائم، فالواجب عليكم، هو معرفة الله تعالى، والتمسك بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وترك البدع والخرافات، والتأدب بآداب الشريعة، وتوثيق عرى الألفة وأواصر النصيحة والإخلاص"[44] وقد أكرم الله تعالى شعب المملكة بهذه الوحدة الإيمانية، تحت راية التوحيد كما قال الملك خالد – رحمه الله –:"لقد وحد جلالة الملك عبد العزيز – رحمه الله – هذه المملكة تحت راية التوحيد الخالدة، لا إله إلا الله محمد رسول الله"[45] .

ص: 462

وقد كانت أسس الملك الإمام عبد العزيز – رحمه الله – بمثابة قواعد منهجية ورؤى مسلكية، لداعية مصلح، وقائد حكيم، بذل ما في طاقته مستخدماً ما وقع تحت يده من الوسائل المباحة والمتاحة، لتصير تلك الأسس واقعاً عملياً مثمراً، يفيض بالألفة، وينمو بالمحبة، ويقوى بالتعاون، من خلال وسائله المختلفة، وقنواته المتعددة.

--------------------------------------------------------------------------------

[1]

عنوان المجد في تاريخ نجد لابن بشر ج2 ص12، وانظر الوجيز ص9، وصقر الجزيرة ص80 للعطار.

[2]

الوجيز ص9 – 10.

[3]

المصدر السابق ص92.

[4]

المصدر السابق ص7-5- المصدر السابق ص18-19 شبه الجزيرة الزركلي ج1 ص59.

[5]

الوجيز ص17.

[6]

الملك عبد العزيز ووضع قواعد التنظيم القضائي في المملكة للدريب ص29 الوجيز 186-209-306 البلاد العربية السعودية ص30 فؤاد حمزة.

[7]

شبه الجزيرة للزركلي ج2 ص794.

[8]

الوجيز ص 18-19.

[9]

الوجيز ص 186.

[1 0] المصدر السابق ص 186.

[11]

المصدر السابق ص186.

[12]

المصحف والسيف ص62 محي الدين القابسي.

[13]

الحركة الوهابية ص13 لخليل هراس.

[14]

تاريخ العرب الحديث والمعاصر ص111 لعبد رحيم عبد الرحمن عبد الرحيم

[15]

تاريخ المملكة العربية السعودية في ماضيها وحاضرها ج1 ص28 لصلاح الدين مختار.

[16]

من حياة الملك عبد العزيز ص129 للأحيدب.

[17]

الوجيز ص 216.

[18]

المصدر السابق ص216.

[19]

المصدر السابق ص29.

[20]

من تاريخ الملك عبد العزيز ومواقفه ص9 سعد الرويشد.

[21]

توحيد المملكة للمانع ص71.

[22]

الدعوة في عهد الملك عبد العزيز ج1 ص217.

[23]

جريدة أم القرى العدد 989 سنة 1363هـ.

[24]

الوجيز ص185.

ص: 463

[25]

الملك عبد العزيز ووضع قواعد التنظيم القضائي في المملكة للدريب ص23.

[26]

الفكر والدعوة في عهد الملك عبد العزيز ج1 ص266-267.

[27]

الوجيز ص59.

[28]

الوجيز ص 216.

[29]

من حياة الملك عبد العزيز للأحيدب ص39.

[30]

توحيد المملكة العربية السعودية لمحمد المانع ص357.

[31]

جريدة أم القرى العدد 228.

[32]

حالة الأمن في عهد الملك عبد العزيز ص84 لطفي جمعة.

[33]

المصدر السابق ص83.

[34]

شبه الجزيرة للزركلي ج1 ص354.

[35]

أم القرى العدد 432 سنة 1351هـ.

[36]

الوجيز ص223.

[37]

عبد العزيز وعبقرية الشخصية الإسلامية ص377.

[38]

المصدر السابق ص377.

[39]

عبد العزيز آل سعود وعبقرية الشخصية الإسلامية ص377.

[40]

الحركة الوهابية 52 لخليل هراس.

[41]

عبد العزيز آل سعود وعبقرية الشخصية الإسلامية ص248-429.

[42]

السعوديون والحل الإسلامي ص35.

[43]

سورة الرعد آية (11) .

[44]

المتوكل على الودود عبد العزيز آل سعود البديوي ص 296.

[45]

المصدر السابق للبديوي ص296.

ص: 464

تابع لمنهج الملك الإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود

الفصل الثاني

وسائل تحقيق الوحدة ونبذ الفرقة عند الملك الإمام عبد العزيز آل سعود رحمه الله.

ترتبط المقاصد الكبرى بوسائلها العظمى – كماً وكيفاً – ويتفاضل رواد الإصلاح على قدر نجاحهم في تحقيق أهدافهم المرسومة، وخططهم المحددة، دون تنازل عن ثوابتهم ومبادئهم، ولا يغيب عن الذهن، أن قيام فرد واحد ببناء أمة وإصلاح شعب وتوحيد فئات متناحرة، مهمة في غاية المشقة والخطورة، لا يستطيعها إلا القلة الأكفاء، الذين ألهمهم الله التوفيق وأخذ بأيديهم وسدد خطاهم، فحققوا ما عجز عنه غيرهم، وبنوا ما هدمه خصومهم، ولا مست جهودهم شغاف القلوب ومشاعر الوجدان، ووقعت في حياة الناس موضع الشفاء للمريض المضنى، والري للناهل الصادي، ويأتي في طليعتهم في هذا العصر الحديث الملك الإمام عبد العزيز آل سعود – رحمه الله – الذي استخدم ما وقع تحت يديه من الوسائل المتاحة والمباحة شرعاً لتحقيق ونبذ الفرقة بين مواطنيه، وأبناء جلدته ومن أهمها:

المبحث الأول: الجهاد في سبيل الله:

ص: 465

اقتضت ضرورة المرحلة، إلزام الملك عبد العزيز – رحمه الله – اقتحام لجج المخاطر ولجب المهالك، وركوب الصعب والذلول، لإزالة العقبات الصادة والسدود المانعة أمام الكبرى، مما ليس منه بد فقد بدأ بقوة صغيرة – زهاء أربعين رجلاً – خرج بهم من الكويت على حين غفلة من أعين أعداءه وهو لا يشك أبداً في نجاح أعدائه مهمته، المتمثل في إزالة رمز سلطة ظالمة، وطغمة حاكمة، أطبقت بكلكلها على رقاب العباد، ولم تراع حرمة، أو تحفظ حقاً؛ وبمجرد أن سمع الناس صوت الصارخ بعد فتح الرياض الملك لله ثم لعبد العزيز – إلا وانعطفوا إليه انعطاف الأم الرؤوم على ابنها المفقود، وأقبلت الرياض بعلمائها وأعيانها فرحين مستبشرين، بعهد جديد، طال انتظاره، ولما عظمت مسؤولية التحدي أمام جهود الملك الإمام، وأقبلت قوى الشر بقضها وقضيضها، اضطر إلى مقابلة القوة بمثلها على قدر استطاعته وإمكانياته، يقول الأمير نايف بن عبد العزيز – حفظه الله – عن الملك الإمام:"لم يثن عزيمته، قلة ما معه من عتاد ولا تردد في إنفاذ مسيرته الفذة، رغم قلة العدد من الرجال، ولا توقع الاستحالة في اجتياز الفيافي والجبال، بل اندفع بقوته وقدراته المحدودة مستمداً العون من الله الذي آزره وقواه – من إرادته حتى واجه التحديات المختلفة، وفرق الخصوم والحشود بلا تردد ولا خوف"[1] ولم يكن ذلك حباً في الحرب، وتعلقاً بها حيث قال:"لست من المحبين للحرب وشرورها وليس أحب إلي من السلم والتفرغ للإصلاح"[2] . مما يدل على أن الحرب كانت ضرورة، دفع إليها دفعاً، ولم يلجأ إليها إلا بعد استنفاذ كافة الوسائل.

ص: 466

يقول الملك فيصل رحمه الله: "وهو يتوخى حل المشكلات بالسلم، كما أنه يتسامح مع خصومه، واسع الصدر، لا يدخر وسعاً في استخدام المرونة، ووسائل اللين، ولا يلجأ إلى الشدة حتى يستنفذ هذه الوسائل"[3] . ولكنه لا يتردد في استخدام القوة إذا تعرضت العقيدة والوطن إلى المخاطر يقول رحمه الله: "عندي أمران لا أتهاون في شيىء منهما ولا أتوانى في القضاء على من يحاول النيل منهما ولو بشعرة.

الأول: كلمة التوحيد، لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله وبارك عليه، إني والله وبالله وتالله أقدم دمي ودم أولادي وكل آل سعود فداء لهذه الكلمة.

ص: 467

الثاني: هذا الملك الذي جمع الله به شمل العرب بعد الفرقة وأعزهم به بعد الذلة، وكثرهم بعد القلة فإني كذلك لا أدخر قطرة من دمي في سبيل الذود عن حياضه" [4] ، ومن أجل ذلك أعد جيشاً قوياً على عينه، ورباهم على نهجه، حتى خلصت نفوسهم من الشوائب وقدموا أرواحهم عند النوائب، يبتغون نصرة الدين الحق وسماهم جنود التوحيد يقول رحمه الله: "إن ورائي ما لا يقل عن أربعمائة ألف مقاتل، إن بكيت بكوا، وإن فرحت فرحوا، وإن أمرت نزلوا على أرائي، وإن نهيت انتهوا، وهؤلاء هم جنود التوحيد" [5] وبهذا الوصف الدقيق لجيشه، واجه قوى الشر وأعداء الوحدة، وقد تعرض رحمه الله للأخطار، وأصيب في جسده مرات عدة، ولم يثنه ذلك عن هدفه يقول رحمه الله: "لقد أوذينا في سبيل الدعوة إلى الله وقوتلنا قتالاً شديداً، ولكنا صبرنا وصمدنا" [6] ولم تزل ندب الجراح باقية في جسده شاهدة على تلك المعاناة الملحمية يقول أحد وزرائه:"خاض عبد العزيز أكثر من مائة معركة، ولما مات وجدوا على جسمه ثلاثاً وأربعين ندبة وأثر جرح"[7] ولكنه خرج من هذه جميعاً منتصراً بفضل الله تعالى ثم إيمانه العميق بنصر الله وعدالة قضيته المتمثلة في جمع أمته وإقامة شريعة الله وتحكيمها بها ونشر الدعوة الإسلامية يقول رحمه الله: "إن ربي لم يعطني ما أعطاني من قوة مني بل أعطاني ما أعطانيه عن ضعف مني وقوة منه، اعتدت أن أحزم أمري وأجمع ما استطيع جمعه من قوة وأحياناً يفوتنا النصر مع القوة الكبيرة، حتى إذا قل عددنا، وكاد اليأس يقرب من القلوب هدانا الله إلى الطريق التي نسلكها للنصر، فيفتح لنا لنعلم أن النصر من عنده يؤتيه من يشاء"[8] .

المبحث الثاني: إقامة الدولة المسلمة:

ص: 468

لا ينكر بحال أثر السلطان الصالح في استتباب الأمن، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وتوحيد صفوف الأمة في منظومة واحدة، توثق فيها عرى الأخوة والمودة بين أفراد الوطن الواحد، وليس من شك أن تأليف القلوب واجتماعها على إمام واحد يسوس الأمة بالكتاب والسنة، من أجل نعم الله بركة، وأكثرها نفعاً وخيراً لا يقتصر فضلها على فرد، أو يخص قوماً دون قوم، بل يسري تأثيرها إلى الحياة برمتها، فيحفظ الله بالسلطان الصالح ما ضاع من الحقوق، وما ضيع من الواجبات وما انتهك من الحرمات، وما انخرم من العهود والمواثيق، اتفاقاً مع الاجتماع البشري الذي لا يقوم أوده، وينسق أمره على الفوضى السياسية، والتشرذم الاجتماعي والتقاتل الفئوي، الذي من مفرزاته المشئومة الحروب الأهلية المبددة للطاقات والمنزعة في سفك الدماء، وانتهاك الحرمات ولا سيما في بلاد مترامية الأطراف كحال جزيرة العرب، مما دفع الملك الإمام عبد العزيز – رحمه الله – إلى إقامة دولة مسلمة ذات شوكة، يقودها إمام مسلم، تتوفر فيه شروط وآداب الإمامة والإمارة الشرعية، تكون سياسته بلسماً شافياً لأدواء المجتمع ومفتاحاً لأمان الوطن، ونبراساً للإشعاع الحضاري، ومظلة للهداية وتحكيماً لشرع الله على نحو قوله تعالى:{الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ} [9] طبق الملك الإمام مضمون هذه الآية الكريمة، وأصل منطوقها في النظام الأساسي للحكم بعد إعلان دولته كما ورد نصه:

ص: 469

"الدولة دولة ملكية شورية إسلامية – مستقلة في داخلها وخارجها، إدارة المملكة بيد الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل وهو مقيد بأحكام الشرع، جميع أحكام المملكة تكون منطبقة على كتاب الله وسنة رسوله وما كان عليه الصحابة والسلف الصالح"[10] فقامت دولته المباركة على نهج السلف الصالح، أخذت على عاتقها نشر الإسلام الصحيح، وكان الملك الإمام ينوه بذوي الكفاءات الفاعلة والعاملة لخدمة الإسلام والمسلمين قائلاً:"إني أفتخر بمن خدم الإسلام والمسلمين، وأعتز بهم، بل أخدمهم، وأعطيهم وأساعدهم، وإنني أمقت كل من يحاول الدس على الدين، وعلى المسلمين، ولو كان من أسمى الناس مقاماً وأعلاهم مكانةً"[11] .

وبهذه الرؤية النورانية الواضحة أقام الملك الإمام دولته السعودية السلفية والتي تدرج في إعلانها مراعياً الظروف المناسبة لاكتمالها، وتحرير كامل أرضها، من براثن الفرقة، وعوامل التجزئة، وأسباب الخلاف والكراهية، ولم تلبث أن شقت طريقها نحو المجد والعلياء بخطى ثابتة جامعة بين الانفتاح على الجديد النافع واستيعابه والتكيف معه باستقلالية متميزة، والمحافظة في الوقت نفسه على شخصيتها وتراثها انطلاقاً من دستورها الشرعي الصالح لكل زمان ومكان، وأضحت -بفضل الله- رائدة العالم الإسلامي أجمع، تشرئب إليها الأعناق وتتعلق بها الأفئدة، محتضنة لمؤسسات ومنظمات إسلامية فاعلة حملت على كاهلها هموم العالم الإسلامي وقضاياه.

المبحث الثالث: نشر العلم:

ص: 470

إن إدراك الحقائق الماثلة، والتعامل معها بوعي مستنير، مسلك حضاري ومظهر إيماني، ينم عن عقلية متزنة، وفهم بصير، وعند الإخلال بهذه المعطيات، ينفرط عقد الحقيقة، وتغيب وسط دياجير الغفلة وحوالك الظلم المفضي إلى الخلافات المستعصية، والثارات الدائمة، والخلاف المتكلف الممجوج، ولقد حرص الملك الإمام عبد العزيز – رحمه الله – منذ خطواته الأولى نحو الوحدة ونبذ الفرقة، على إنارة العقل العربي، وتزويده بمدارك الفهم والعلم على أسس متينة، وثوابت علمية، حيث أدرك بثاقب بصره، ونور بصيرته، وسداد رأيه، أن أكثر ما يعانيه مواطنوه – قبل الوحدة – من انحراف عقدي وصراع قبلي، وتخلف اقتصادي يرجع إلى مكنة الجهل في صدورهم، والفراغ في عقولهم، والقسوة في قلوبهم، فعالج – رحمه الله – كل ذلك بالقيام بحركة علمية واسعة النطاق، في طول البلاد وعرضها، وفق منظومة مترابطة الحلقات، فكلف الدعاة، وشجع العلماء، وعين القضاة، وبثهم في البلاد هداة مرشدين، وأساتذة مبجلين، لاجتثاث الجهل من جذوره، وتوطين العلم في أصوله، ومحاصرة الغفلة في مكمنها، وإخراجها من قمقمها، رغم ضيق ذات اليد، ولم يلبث حتى خرج من رعيته علماء محققون وفقهاء مدققون، ومتخصصون في جميع المجالات، وقامت في عصره نواة نهضة علمية مباركة أذكى جذوتها، وأشعل أوارها، أبناؤه البررة من بعده وعلى رأسهم خادم الحرمين الشريفين – حفظه الله – الذي تولى وزارة المعارف في بداية تأسيسها.

وكان الملك الإمام – رحمه الله – يزور بنفسه مدارس العلم ويشجع الطلبة على التزود بالعلم والتحصيل، ومن ذلك قوله:"أبنائي، إن من كان فيكم، من بيت رفيع، فليحرص على أن لا يكون سبباً في خفضه، ومن كان منكم، من بيت آخر فليبني لنفسه مجداً فقد منّ الله عليكم وأرشدكم إلى طريق الخير فاعلموا فلعلمكم منتظرون"[12] .

ص: 471

وقد بلغ عدد المدارس المختلفة بمراحلها في عهد الملك الإمام وبالتحديد في سنة 1373هـ 326 مدرسة، و1652 مدرس و43724 طالب [13] هذا عدا الحلقات العامة في المساجد، والرحلات الدورية للعلماء، فضلاً عن المرشدين المستوطنين في سائر القرى والأرياف والأقاليم والذين عينهم الملك الإمام، بحيث لا توجد قرية دون مدرس أو معلم وخير مثال يضرب في هذا المجال، ما قدمه الملك الإمام من تشجيع ومساعدة وعون للشيخ الداعية (القرعاوي) –رحمه الله، في سبيل نشر العلم والمعرفة في جنوب المملكة حيث بلغت المدارس 2800 مدرسة وبلغ عدد الطلبة 175 ألف طالب منهم 15 ألف طالبة [14] ولم يقتصر اهتمامه بنهضة شعبه ورقيه فحسب بل دعا إلى نهضة العرب، ولزوم أخذهم بالأسباب المدنية، إذ يرى أن العلم سبيل حتمي لنهضة العرب والمسلمين، ولا مندوحة من الدخول من بابه، والعكوف في محرابه يقول رحمه الله:"إذا نهض العرب مرة أخرى، وأخذوا بقسطهم العلمي في سائر العلوم المادية، فإنهم لا يأتون ببدعة، بل يعتبرون محيين لعهد آباءهم، الذين ملكوا ناصية العلم حقبة من الزمن وقدموا خدمات لا تنكر"[15] .

وجاءت دعوته للعلم، بريئة من نفثات الفكر العلماني، الذي عشى نظر وعقول كثير من الأدباء والمفكرين من أبناء العرب إذ يقول رحمه الله رداً عليهم:"يقولون إن المسلمين في تأخر وبحثوا ليجدوا طريقة لتقدم المسلمين، فما وجدوا طريقة أمامهم، إلا أن يقلدوا الأوربيين، فيما لم يكن سبباً لقوتهم ومنعتهم بل قلدوهم فيما يخالف ما ينتسب إليه المسلم"[16] .

المبحث الرابع: عقد المؤتمرات:

ص: 472

لا ينكر بحال، أثر تبادل الآراء، وغربلتها في استخلاص النتائج الصحيحة والسلامة من عثرات الرأي الفطير الذي يؤدي دائماً إلى النتائج العكسية، ولا جرم أن اجتماع ذوي الرأي والمشورة مفتاح كل المعضلات، وتفادي كثير من الأزمات، التي مردها الانغلاق والاعجاب بالذات، ولم تغب هذه الحقائق عن ذهن الملك الإمام عبد العزيز – رحمه الله – الذي مرت جهوده نحو الوحدة، ونبذ الفرقة بعدد من المشكلات المتكررة، مما حمله إلى دعوة أهل الحل والعقد عند ظهور بوادر أزمة أو استفحالها، جمعاً للقلوب، ودفعاً للشبهات والأراجيف والدعايات الكاذبة، ومن أول تلك المؤتمرات ما تم في سنة 1320هـ. حين حضر العلماء وكبار رجالات الرياض وأعيانها بعد صلاة الجمعة وأعلن فيه الإمام عبد الرحمن الفيصل – رحمه الله – نزوله عماله من حقوق الإمارة لكبير أبنائه عبد العزيز، وأهدى إليه سيف سعود الكبير، نصله ومنصبه محلاة بالذهب وقرابه مطعمة بالفضة، وفي سنة 1345هـ دعا الملك الإمام إلى مؤتمر لزعماء الإخوان عقده في الرياض، شرح فيه سياسته ومنهجه في الاصلاح، ورد فيه على جميع الشبهات والأكاذيب فوصف نفسه بأنه خادم الشريعة، والمحافظ عليها، وأنه هو الذي يعهدونه من قبل لم يتغير كما يتوهم بعض الناس، ولا يزال ساهراً على مصالح العرب والمسلمين. وفي سنة 1347هـ. دعا إلى مؤتمر في الرياض حضره 347 من العلماء والزعماء، ورؤساء الحواضر والبوادي، عدا من انضم إليهم من كبار رجالاتهم حتى قدر عدد الجميع بثمان مائة، وافتتح المؤتمر في جمادى الأولى بخطبة ارتجلها قال فيها: "أيها الإخوان، تعلمون عظم المنة التي منّ الله بها علينا بدين الإسلام إذ جمعنا بعد الفرقة، وأعزنا به بعد الذلة، واذكروا قوله تعالى:{وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ} [17] الآية، إن شفقتي عليكم وعلى ما منّ الله به علينا، خوفي من تحذيره سبحانه وتعالى بقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ

ص: 473

لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [18] كل هذا دعاني لأن أجمعكم في هذا المكان لتذكروا.

أولاً: ما أنعم الله به علينا، فنرى ما يجب عمله لشكران هذه النعمة.

ثانياً: لأمر بدا في نفسي وهو أني خشيت أن يكون في صدر أحد شيىء يشكوه مني أو أحد من نوابي وأمرائي بإساءة كانت عليه، أو يمنعه حقاً من حقوقه، فأردت أن أعرف ذلك منكم، لأخرج أمام الله بمعذرة من ذلك، وأكون قد أديت ما عليّ من واجب.

ثالثاً: لأسألكم عما في خواطركم، وما لديكم من الأراء مما ترونه يصلحكم في أمر دينكم ودنياكم.

أيها الإخوان إن القوة لله جميعاً، وكلكم يذكر أنني يوم خرجت عليكم كنتم فرقاً وأحزاباً، يقتل بعضكم بعضاً، وينهب بعضكم بعضاً وجميع ولاة أمركم من عربي أو أجنبي كانوا يدسون لكم الدسائس، لتفريق كلمتكم، وإضعاف قوتكم لذهاب أمركم، ويوم خرجت كنت محل الضعف، وليس لي من عضد ومساعد إلا الله وحده، ولا أملك من القوة إلا أربعين رجلاً تعلمونهم، ولا أريد أن أقص عليكم ما من الله به عليّ من فتوح، ولا بما فعلت من أعمال معكم كانت لخيركم، لأن تاريخ ذلك منقوش في صدر كل واحد منكم وأنتم تعلمونه جميعاً، وكما قيل السيرة تبين السريرة. إنني لم أجمعكم اليوم خوفاً أو رهبة من أحد منكم، فقد كنت وحدي قبل ذلك، وليس لي مساعد إلا الله، فما باليت الجموع، والله هو الذي نصرني، إنما جمعتكم كما قلت لكم خوفاً من ربي، ومخافة من نفسي أن يصيبها زهو أو استكبار، جمعتكم هنا لأمر واحد، ولا أجيز لأحد أن يتكلم هنا في غيره، ذلك هو النظر في أمر شخصي وحدي، فيجب أن تجتنبوا في هذا المجلس الشذوذ عن هذا الموضوع، أما الأشياء الخارجية عن هذا، فسأعين لكم اجتماعات خاصة وعامة للنظر فيها.

ص: 474

أريد منكم أن تنظروا أولاً فيمن يتولى أمركم غيري، وهؤلاء أفراد الأسرة أمامكم فاختاروا واحداً منهم تتفقون عليه، وأنا أقره وأساعده، وكونوا على يقين أني لم أقل هذا القول استخباراً، لأنني ولله الحمد، لا أرى لأحد منكم منة عليّ في مقامي هذا، بل المنة لله وحده، ولست في شيىء من مواقف الضعف. لا يحملني على القول إلا أمران.

الأول: محبة راحتي في ديني ودنياي.

والثاني: إني أعوذ بالله من أن أتولى قوماً وهم كارهون لي فإن اجبتموني إلى هذا فذلك مطلبي، ولكم أمان الله فإن من يتكلم في هذا فهو آمن، ولا أعاتبه لا آجلاً ولا عاجلاً فإن قبلتم طلبي هذا فالحمد لله، وإن كنتم لا تزالون مصرين على ما كلمتموني به إثر دعوتي لكم، فإني أبرأ إلى الله أن أخالف أمر الشرع في اتباع ما تجمعون عليه، مما يؤيده شرع الله وهنا ارتفع صياح الحضور "لا نريد بك بديلاً لن نرضى بغيرك"واستمر في الخطابة فقال: "إذا لم يحصل ذلك منكم، فأبحثوا في شخصي وأعمالي، فمن كان له عليّ - أنا عبد العزيز - شكوى أو حق أو انتقاد في أمر دين أو دنيا فليبينه ولكل من أراد الكلام عهد الله وميثاقه وأمانه، أنه حر في كل نقد يبينه ولا مسؤولية عليه، وإني لا أبيح لإنسان من العلماء، ولا من غيرهم، أن يكتم شيئاً من النقد في صدره، وكل من كان عنده شيىء فليبينه، ولكم عليّ، أن كل نقد تذكرونه أسمعه، فما كان واقعاً أقررت به، وبينت سببه، وأحلت حكمه للشرع يحكم فيه، وما كان غير بين، وهو عندكم منه شيئاً، أما الذي تظنونه مما لم يقع، فأنا أنفيه لكم، وأحكم في كل ما تقدم شرع الله، فما أثبته أثبته، وما نفاه نفيته.

ص: 475

أنتم أيه الإخوان، ابدوا ما بدا لكم، وتكلموا بما سمعتموه، وبما يقوله الناس من نقد ولي أمركم، أو من نقد موظفيه المسؤول عنهم، وأنتم أيها العلماء، اذكروا أن الله سيوقفكم يوم العرض، وستسألون عما سئلتم عنه اليوم، وعما أئتمنكم عليه المسلمون، فابدوا الحق في كل ما تسألون عنه، لا تبالوا بكبير ولا صغير، بينوا، ما أوجب الله للرعية على الراعي، وما أوجب للراعي على الرعية، في أمر الدين والدينا، وما تجب فيه طاعة ولي الأمر، وما تجب فيه معصيته، وإياكم وكتمان ما في صدوركم في أمر من الأمور، التي تسألون عنها، ولكل من تكلم بالحق عهد الله وميثاقه، أنني لا أعاتبه، وأكون مسروراً منه، وأني أنفذ قوله الذي يجمع عليه العلماء، والقول الذي يقع الخلاف بينكم فيه، أيها العلماء، فإني أعمل فيه عمل السلف الصالح، إذ أقبل ما كان أقرب إلى الدليل من كتاب الله وسنة رسوله أو قول أحد العلماء الأعلام المعتمد عليهم عند أهل السنة والجماعة.

إياكم أيها العلماء، أن تكتموا شيئاً من الحق، تبتغون بذلك مرضاة وجهي، فمن كتم أمراً يعتقد أنه يخالف الشرع فعليه من الله اللعنة. أظهروا الحق وبينوه وتكلموا بما عندكم".

ص: 476

بهذا الخطاب العظيم، الذي حوى بين دفتيه، ما يصح أن نطلق عليه منهج الملك الإمام في السياسة الشرعية، حيث تجلت فيه سمات الحاكم المخلص الذي ينشد الحقيقة، ويتفانى في بذل النصح لرعيته، ولا يستنكف من النقد، مما يجعل جميع الطروحات الفكرية في السياسة المعاصرة تتصاغر أمام هذا الطرح السليم والمنهج القويم الذي أوضحه الملك الإمام عبد العزيز رحمه الله على الملأ جهاراً نهاراً، بمصداقية وإلحاح اقترن فيها الوعد بالوفاء، والقول بالعمل، والفهم بالدليل بوضوح وجلاء، لا لبس فيه ولا خفاء، وصل إلى حد التنازل عن الملك من أجل سلامة الذمة، وبراءة العرض، ونقاء السريرة وصحة العمل، بإصرار لا مواربة فيه، وحث لا لبس معه حتى إذا عرف أنه لن يطاع فيما أمّله، دعا إلى النظر في سياسته ووضعها تحت مجهر النقد، مذكراً العلماء بمسؤوليتهم وعظيم أمانتهم في وجوب النصح لولاة الأمر - ويقول من حضر ودوّن ما رأى فيه، إن العلماء أجابوا، بأنهم يبرأون إلى الله من كتمان ما يظهر لهم من الحق، وأعلنوا أنهم ما نصحوه إلا انتصح ولو رأوا في عمله ما يخالف الشرع لما سكتوا عنه، وهم ما رؤا منه إلا الحرص على إقامة شعائر الدين، واتباع ما أمر به الله ورسوله [19] .

ص: 477

وفي سنة 1248هـ دعا الملك الإمام إلى اجتماع، في قرية الشعراء بين الرياض ومكة، وتم الاجتماع في أول جمادى سنة 1348هـ للنظر في أحوال بعض العصاة ومن شايعهم الذين هددوا الوحدة ونزعوا إلى الفرقة، رغم الإعذار لهم والصفح عن مسيئهم والإحسان إليهم [20] ومن المؤتمرات خارج نجد المؤتمر الذي دعا الملك الإمام إلى عقده في مكة المكرمة سنة 1344هـ وجاء في نص الدعوة الرسمية "خدمة للحرمين الشريفين، وأهلهما، وتأميناً لمستقبلهما، وتوفيراً لوسائل الراحة للحجاج والزوار، وإصلاحاً لحال البلاد المقدسة من سائر الوجوه، التي تهم المسلمين جميعاً، ووفاء بوعودنا التي قطعناها على أنفسنا، وميلاً في تكاتف المسلمين وتعاضدهم في خدمة هذه الديار الطاهرة – رأينا الوقت المناسب لانعقاد مؤتمر عام يمثل البلاد الإسلامية والشعوب الإسلامية يكون في20ذي القعدة 1344هـ وقد أرسلنا الدعوة لكل من يهمه أمر الحرمين من المسلمين وملوكهم وأملي أن مندوبيكم سيكونون حاضرين في التاريخ المحدد والله يتولانا جميعاً بعنايته"[21] وقد أدت هذه المؤتمرات أهدافها في تحقيق الوحدة ونبذ الفرقة ففي المؤتمر الأول حددت معالم النظام السياسي للدولة الناشئة، ودفع عن البلاد شبح الفراغ السياسي، وأعاد للجزيرة العربية نواة وحدتها المشروعة المتمثل في إعادة أسرة الملك الإمام، الذي تعد أمل أبناء الجزيرة دون استثناء، وفي المؤتمر الثاني نجح الملك الإمام في إزالة الشبهات والترهات، التي أشاعها العصاة، وفي المؤتمر المنعقد سنة 1345هـ إزدادت أواصر الوحدة ووشايجها بين أفراد الأمة، وتأكد للملك الإمام بما لا يدع مجالاً للشك أن الوحدة الوطنية بخير، ولا خوف عليها من تهديد فئة قليلة شاذة، لا تمثل رأياً عاماً، وأن جميع أفراد الأمة يقفون خلفه صفاً واحداً. وفي مؤتمر قرية الشعراء، وضعت الخطوط العريضة لتأديب أعداء الوحدة، أما مؤتمر مكة المنعقد في سنة 1344هـ، فقد كانت خطوة

ص: 478

موفقة جداً، حققت أهدافها كاملة، حيث اجتمع أهل الرأي والفكر من عموم العالم الإسلامي، وأطمأنوا بأنفسهم على رعاية الملك الإمام للبلاد المقدسة، واطلعوا على حقيقة الدعوة السلفية، وعرفوا عن كثب حقيقة الواقع على الأرض، واطمأنوا بأنفسهم أن الأراضي المقدسة، بأيدي مؤمنة أمينة، فكان هذا المؤتمر فرصة ذهبية لإزالة جميع المخاوف التي أثارها أعداء الوحدة، فجاءت قرارات المؤتمر اعترافاً واضحاً للعهد الصالح الجديد، وشرعيته ومبشراً بعهد زاهر للربوع المقدسة، في ظل حكم الملك الإمام.

المبحث الخامس: إقامة الهجر وتوطين البادية:-

العارف بأحوال الجزيرة العربية وسعة رقعتها وتناثر سكانها، يدرك مدى الصعوبة البالغة في تقديم الخدمات لأهلها، مما يؤدي إلى بعثرة الجهود وهدر الطاقات، دون فائدة تناسب مقابلة ذلك الجهد المبذول، وهذا ما حمل الملك الإمام عبد العزيز رحمه الله أثناء قيامه بلم شعث الجزيرة العربية إلى جمع وتوطين فلول البادية ومن في حكمهم، في كيانات ثابتة تتوفر فيها أسباب العيش الكريم، يمكن من خلالها تقديم الخدمات بأيسر السبل، وأقل التكاليف، وتحقق في ذات الوقت سهولة توجيه البادية عقدياً وعلمياً نحو منهج موحد يحقق الوحدة المنشودة، بعيداً عن القالة والإشاعة التي تقف عادة وراء كل فتنة، وعند سماع مناد الجهاد يهب الجميع من قرب وبقوة دافعة وجماعة شاملة نحو المقصد المحدد دون تأخير، وقد كانت خطوة بارعة اتخذها الملك بمشاورة والده الحكيم، أدت إلى تربية أبناء البادية وبث روح الجهاد والحماس بينهم، وتوجيه حماسهم وتوظيف مناقبهم في نصرة الدين الحق.

ص: 479

وقد أنشئت أول هجرة، على آبار الأرطاوية الواقعة على الطريق بين الزلفي والكويت سنة 1330هـ، وسكنها سعد بن مثيب أحد شيوخ حرب ثم أعطيت لفيصل الدويش وجماعته من (مطير)[22] . وأصبحت خلال بضع سنوات مدينة عامرة فيها من السكان ما يزيد على عشرين ألفاً، ثم ازداد عدد الهجر والتي تكونت بفضل حركة الهجرة، التي سرت دعوتها وفضلها بين أوساط البادية باعتبار أنها هجرة دينية محضة فباعوا الإبل، وأقبلوا على دراسة الدين، وغصت بهم المساجد حتى بلغ عدد الهجر في عهد الملك الإمام 153 هجرة [23] وصفها أحد الكتاب بأنها معسكرات في أنحاء البادية، والإخوان سكان هذه المعسكرات، وقسمت كل هجرة إلى ثلاث فئات فيما يلي بيانها.

1-

الفئة الأولى، التي يجب على أفرادها أن يكونوا دائماً مستعدين لتلبية أمر الجهاد، متى أصدره الإمام، ومن ثم فإن كل فرد من أفرادها يجب أن يكون مسلحاً، وعنده ناقة يمتطيها بالإضافة إلى الذخيرة التي تلزمه..

2-

الفئة الثانية: وهي التي يجب على أفرادها تلبية نداء الإمام عندما يعلن أن الجهاد (مثنى) ويكون كل مجاهد مكلف بإحضار مجاهد آخر بين رفاقه يردفه على جمله.

3-

الفئة الثالثة: يكون كل فرد من أفرادها على استعداد لتلبية دعوة الجهاد، عندما يعلن العلماء هذه المرة، بناء على اقتراح الإمام، النفير العام للدفاع عن الوطن، فيشترك فيها الذكور البالغين، بينما يبقى العمل في الأرض والتجارة على عاتق المسنين من الرجال والأولاد والنساء [24] . وقد كان لهذه الوسيلة الفذة، أثراً عظيماً في توسيع نطاق الجهاد المبارك، وتمكين العربي من أداء رسالة واضحة، ومهمة محددة في بناء الوحدة الكبرى، تنصهر في بوتقتها الإيمانية وشايج العلاقات الأسرية والقبلية، جنوداً مجاهدين ومحاربين مخلصين، ينشدون الشهادة في سبيل الله، ونصرة دعوة الحق المبين.

المبحث السادس: البلاغات والخطب:-

ص: 480

يعد الاتصال بآحاد الناس مطلباً ضرورياً، لكل من رام النجاح الدعوي والتأثير الأممي، حيث يتيح ذلك توسعاً أفقياً غير محدود، ويغطي ما قد يكون قصوراً وضعفاً في الوسائل الأخرى، وتحقيق طموحات الدعاة التي قد لا تسع أعمارهم، ولما كان الملك الإمام عبد العزيز رحمه الله بصدد وحدة كبرى، لم يدع وسيلة نافعة، لتحقيق هدفه المنشود إلا استخدمها، مراعياً الوسيلة المناسبة في الوقت المناسب، فكان رحمه الله حريصاً على الاتصال بآحاد الناس، وجمهور الأمة وحثهم على لزوم الوحدة ونبذ الفرقة وتحقيق العدالة، فعمل على إخراج البلاغات الدعوية لفئة من الناس التي لا يتسنى للملك الإمام اللقاء بهم مباشرة، وذلك من خلال منشورات توزع على الناس أو تعلق في الأماكن العامة، أو تنشر في الصحف الرسمية، أما إذا أتيحت له الفرصة في اللقاءات العامة فإنه لا يدع الفرصة تمر إلا اهتبلها لعرض منهجه الوحدوي ومسلكه الوطني نحو الوحدة، ولا يسعني في هذا المقام استعراض تلك البلاغات والخطب وأكتفي بإيراد نموذج واحد منها يفي بالمقصود -إن شاء الله-. ففي بلاغ علق في المسجد النبوي ورد فيه ما يلي:-

"من عبد العزيز بن عبد الرحمن بن سعود إلى شعب الجزيرة العربية على كل فرد من رعيتنا يحس أن ظلماً وقع عليه، أن يتقدم إلينا بالشكوى، وعلى كل من يتقدم بالشكوى أن يبعث بها بطريق البرق أو البريد المجاني على نفقتنا. وعلى كل موظف بالبريد أو البرق، أن يتقبل الشكاوي من رعيتنا ولو كانت موجهة ضد أولادي أو أحفادي أو أهل بيتي، وليعلم كل موظف، يحاول أن يثني أحد أفراد الرعية، عن تقديم شكواه مهما تكن قيمتها، أو يحاول التأثير عليه، ليخفف من لهجتها أننا سنوقع عليه العقاب الشديد.

ص: 481

لا أريد في حياتي أن أسمع عن مظلوم ولا أريد أن يحملني الله وزر ظلم أحد، أو عدم نجدة مظلوم، أو استخلاص حق مهضوم، ألا قد بلغت، اللهم فاشهد" [25] ونلاحظ في هذا البلاغ التأكيد الجازم على رفع المظالم، إلى مقام الملك الإمام، دون عائق أو تدخل من جهة رسمية أو غيرها متخذاً من التحذير الشديد، أسلوباً واضحاً لطمأنة المواطنين بأن شكاياتهم، ستجد طريقها إلى الحل، دونما إخلال بفحواها أو تغيير ألفاظها أو تخفيف لهجتها، وستنقل كما هي بنصها، معلناً أنه سينصف المظلوم من الظالم، مهما كان مصدر الظلم أو جهته، وليس من شك في تأثير هذا البلاغ وانعكاسه على تقوية الوحدة وتماسكها إذ يجد الناظر بين دفتي البلاغ العدالة ناطقة والنصفة راسخة، والبراءة من الظلم صرخة مدوية، وتلك أسباب بناء العمران البشري، والاستقرار البشري على مر العصور. وأما خطبه فجاءت مفعمة بالصدق طافحة بالإخلاص، تسرى روح الإيمان إلى قائلها فضلاً عن سامعها، فقد أعطي أزمة الفصاحة وأعنة البلاغة، مع صدق اللهجة، والبعد عن التكلف والتصنع يقول أحد معاصريه، والمقربين منه "لم يكن يهيئ الخطبة كما يفعل أكثر الناس ويعرف أنه يخطب، إلا من ارتفاع صوته هادراً، يتحدث حين يخطب منطلقاً على سجيته، غير متأنق ولا متكلف، ويتناول الموضوع، فإن كان عادياً تكلم هادئاً متمهلاً، تتخلل قوله ابتسامة خفيفة، يجتذب قلوب سامعيه وإن لم تكن الابتسامة، فليس هناك عبوس ولا تجهم، أما إذا كان الموضوع لأمر جلل، فكان الخطيب حقاً، المتجهم المزمجر، لا يتلكأ ولا يتعلثم ولا يتمتم ولا يجمجم، وإذا كان في الخطباء، من يدركه العثار حين يستثار، فالملك عبد العزيز كان أبين ما تراه حين يجد الجد ويقندح الزند، فكان عجباً في سرعة الخاطر إذا تحدث، وفي قول الحجة إذا أراد الإقناع" [26] ومن نماذج خطبه العظيمة، ما ألقاه في زيارته إلى المدينة النبوية حيث قال: "إننا نبذل النفس والنفيس في سبيل راحة هذه

ص: 482

البلاد وحمايتها، من عبث العابثين، ولنا الفخر العظيم في ذلك، وإن خطتي التي سرت عليها، ولا أزال أسير عليها هي إقامة الشريعة السمحة كما أنني أرى من واجبي، ترقية جزيرة العرب، والأخذ بالأسباب التي تجعلها في مصاف البلاد الناهضة، مع الاعتصام بحبل الدين الإسلامي الحنيف، إنني اعتبر كبيركم بمنزلة الوالد، وأوسطكم أخاً وصغيركم ابناً، فكونوا يداً واحدة، وألفوا بين قلوبكم لتساعدوني على القيام بالمهمة الملقاة على عاتقنا، إنني خادم في هذه البلاد العربية، لنصرة هذا الدين، وخادم للرعية، الملك لله وحده، وما نحن إلا خدم لرعايانا، فإذا لم ننصف ضعيفهم، ونأخذ على ظالمهم، وننصح لهم ونسهر على صالحهم فنكون قد خنا الأمانة المودعة إلينا.

إننا لا تهمنا الأسماء والألقاب، وإنما يهمنا القيام بحق الواجب لكلمة التوحيد، والنظر في الأمور التي توفر الراحة والاطمئنان لرعايانا، إن من حقكم علينا النصح لكم، فإذا رأيتم خطأ من موظف، أو تجاوزاً من إنسان، فعليكم برفع ذلك إلينا، ننظر فيه، فإذا لم تفعلوا ذلك فقد خنتم أنفسكم ووطنكم وولاتكم" [27] .

وهذا غيض من فيض خطبه الحكيمة، التي لا مست أحاسيس المواطنين وأجابت على تساؤلاتهم المكنونة. وعمقت جذور وحدتهم المصونة، وانسابت في جوارحهم بلسماً شافياً، مكن أواصر المحبة وأوثق وشايج المواطنة الصالحة، بين عموم سكان المملكة.

المبحث السابع: الاستعانة بالعلماء:-

ص: 483

ثمة عوامل استكشافية، عن ما هية الدولة الخيرة في الإسلام، والتي يعد بروزها في الواقع منطقياً، أو تحصيل حاصل، لامتلاكها حق الظهور والديمومة، المنبثق من تناغم وتوائم، بين السنان والبرهان، في وحدة البناء والتصور والتطبيق، وتلك الخاصية سمة بارزة، للدول الخيرة في التاريخ الإسلامي، ويأتي في طليعتها الدولة السعودية في عهودها الثلاثة، حيث كانت الدعوة إلى الله، علة نشأتها، وسر قوتها، وعامل استمرارها يقول الشيخ العلامة عبد الله عبد اللطيف رحمه الله:"فتجرد الحبر الجليل للدعوة إلى الله أي -الشيخ محمد بن عبد الوهاب - وآزره على ذلك، من سبقت له من الله سابقة السعادة، من أسلاف آل مقرن الماضين وآبائهم المتقدمين رحمهم الله رحمة واسعة وجزاهم عن الإسلام خيراً - فما زالوا على ذلك، على آثار حميدة، ونعم عديدة، يصنع لهم تعالى من عظيم صنعه، وخفي لطفه، ما هداهم به إلى دينه الذي ارتضاه لنفسه، واختص من شاء كرامته وسعادته من خلقه، وأظهر لهم الدولة والصولة، ما ظهروا به على كافة العرب، وغدت لهم الرياسة والإمامة، لا تزاحمهم فيها العرب العرباء، ولا يتطاول إليها بنو ماء السماء"[28] ولم يزل يتوارث الأحفاد ما سار عليه الأجداد من إكرام أهل العلم، واتخاذهم أعواناً وبطانة ومستشارين، فمنذ أن دخل الملك الإمام عبد العزيز رحمه الله -الرياض، سانده العلماء، فكلفهم بالتعليم والقضاء، والتوجيه والإرشاد، وحين بدو بذور الفتنة وسنوح مظاهر المعصية، من بعض الفئات، وجه إليهم العلماء لإقامة الحجة، وإزالة الشبهة، فنزلوا بساحتهم، معلمين مرشدين منهم: الشيخ عبد الله بن سليم، والشيخ محمد بن إبراهيم، والشيخ عبد الله بن بليهيد، والشيخ محمد بن عبد اللطيف، والشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري، رحمهم الله رحمة واسعة - فحرصوا على توطيد دعائم الوحدة، وتأصيلها وفق قواعد الشرع ففي رسالة للشيخين الجليلين محمد بن عبد اللطيف والشيخ

ص: 484

عبد الله بن عبد العزيز العنقري رحمهما الله جاء فيها "ومما أدخل السطان إساءة الظن بولي الأمر، أو عدم الطاعة، فإن هذا من أعظم المعاصي وهو من دين الجاهلية، الذين لا يرون السمع الطاعة لولي الأمر في العسر واليسر، والمنشط والمكره حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أسمع وأطع، وإن أخذ مالك وضرب ظهرك" [29] فتحرم معصيته، والاعتراض عليه في ولايته، وفي معاملته وفي معاقدته، لأنه نائب المسلمين، والناظر في مصالحهم، ونظره لهم، خير لهم من نظرهم لأنفسهم، لأن بولايته يستقيم نظام الدين، وتتفق كلمة المسلمين، لا سيما وقد منّ الله عليكم بإمام ولايته ولاية دينية، وقد بذل النصح لعامة رعيته من المسلمين خصوصاً المتدينين"[30] .

وحين اعترض بعضهم على استخدام المخترعات الحديثة، وتسخيرها في خدمة الحياة اليومية، انبرى العلماء بفقه حكيم، وإرشاد سليم، إلى توضيح روح الشريعة الإسلامية، وموقفها المساند، لكل نافع مفيد، وتكيفها واستيعابها لكل جديد، وكان الملك الإمام يجل العلماء ويتودد إليهم، وفي رسالة تفيض حباً وثناءً، وجهها الملك الإمام للعلماء، تدل على مدى العلاقة الحميمة بينه وبين العلماء يقول رحمه الله: "من عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل. إلى حضرات الإخوان الكرام، قرة عيني وبهجة قلبي، علماء المسلمين.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

ص: 485

وصلني، كتابكم المكرم، الذي هو غاية مرادي، والذي ابتهج به قلبي، سرني غاية السرور، وقد أخذته بعين القبول، وهذا الذي يجعلني أزداد حباً لكم ووثوقاً بكم، وهذا الذي أرجوا أن يكون دائماً منكم لي، ولأمثالي بالنصيحة، وأن الله يجعل القبول مني، وممن ولاة الله أمر المسلمين، بذلك أني أقول: رب إني ظلمت نفسي فأغفر لي، فما عملته من عمل موافق لكتاب الله فهو من الله، وما عملته مخالفاً لأوامر الله فهو مني ومن الشيطان واستغفر الله، وبحول الله وقوته سترون إن شاء الله - مايسركم في أمر يعلي الله به كلمته، ويزيل الله به كل أمر يخالف أوامره بحوله وقوته، وإني لاأزال رهين فضلكم، ونصائحكم الثمينة وأرجو من الله أن يحيينا على ملة الإسلام، ويقيم بنا أوامره ويرسل الله فضله وكرمه - والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته" [31] .

على هذا المنوال، كانت العلاقة بين العلماء والملك الإمام عبد العزيز رحمه الله حيث أصبح، ذلك نهجاً ثابتاً للملك الإمام وأبنائه البررة من بعده، وهكذا ندرك مدى عناية الملك الإمام بحشد ما تطاله قدرته من وسائل الوحدة لإنجاح طلبته، وإدراك غايته، بيد أنه حرص على إضفاء روح الشريعة وآدابها على وسائله، فجاءت في قالب من الكمال الحقيقي والسمو الأدبي، حيث اصطبغت بالأساليب المؤثرة والطرائق النافعة.

--------------------------------------------------------------------------------

[1]

المصدر السابق ص301.

[2]

الوجيز ص 48.

[3]

المتوكل على الودود عبد العزيز آل سعود ص295.

[4]

أثر الدعوة الوهابية في الإصلاح العمراني والديني في جزيرة العرب للفقي ص1-11.

[5]

السعوديون والحل الإسلامي لجلال كشك ص 587-588.

[6]

جريدة أم القرى العدد 333 عام 1349هـ.

[7]

الوجيز ص330.

[8]

الوجيز ص330.

[9]

سورة الحج آية 41.

[10]

شبه الجزيرة للزركلي ج1 ص354.

ص: 486

[11]

عبد العزيز آل سعود وعبقرية الشخصية الإسلامية ص156.

[12]

جريدة أم القرى العدد 342 سنة 1350هـ.

[13]

الدعوة في عهد الملك عبد العزيز ت: محمد ناصر الشثري ج1 ص244.

[14]

المصدر السابق ج2 ص787-794.

[15]

جزيرة العرب في القرن العشرين لحافظ وهبه ص113.

[16]

جريدة أم القرى العدد 333 سنة 1349هـ.

[17]

سورة التوبة، من الآية (105) .

[18]

سورة الرعد، من الآية (11) .

[19]

الوجيز ص112-116.

[20]

المصدر السابق ص 120.

[21]

تاريخ الدولة السعودية حتى الربع الأول من القرن العشرين ت د/ مديحة درويش ص142.

[22]

الوجيز ص 70.

[23]

الوجيز ص70.

[24]

تاريخ الدولة السعودية حتى الربع الأول من القرن العشرين لمديحة درويش ص162-164.

[25]

الوجيز ص 158-187.

[26]

الوجيز باختصار ص211-213.

[27]

المصدر السابق ص215-216.

[28]

الدرر السنية ج7 ص297.

[29]

رواه مسلم ج3 ص1476، وابن حبان انظر الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان ج7 ص45 عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه.

[30]

الدعوة في عهد الملك الإمام عبد العزيز ج1 ص152.

[31]

جريدة أم القرى العدد 341 سنة 1350هـ.

ص: 487

تابع لمنهج الملك الإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود

الفصل الثالث

أساليب الملك الإمام عبد العزيز في تحقيق الوحدة ونبذ الفرقة

تقاس نتائج الجهود والأنشطة على قدر ارتباط وسائلها بأساليبها كماً وكيفاً، فالوسيلة يوجهها الأسلوب ويستنفذ طاقاتها، فعلى قدر حسن الأسلوب وفعاليته تحسن الوسيلة وتثمر والعكس صحيح، فقد تتفق الوسيلة بين عدة أفراد، وغاياتهم واحدة، ولكنهم يتفاضلون في النتائج والثمرات، على قدر حسن استخدامهم للوسائل وتوجيهها نحو هدفها بحكمة واتزان، وهذا ما نسمية الأسلوب، وكذا ارتبط منهج الملك الإمام عبد العزيز رحمه الله في تحقيق الوحدة ونبذ الفرقة، بحسن الوسيلة والأسلوب معاً - دون انفصام في أي وقت، وكانت جهوده على مستوى الحدث دون مبالغة أو تفريط، فتجاوز العقبات التقليدية والطارئة، على نمط يثير الإعجاب ويأخذ الألباب، وأشير هنا إلى أهم الأساليب والتي يندرج تحتها عدد لا حصر له من الشواهد والصور مما لا يمكن جمعه في بحث موجز، وفيما يلي بيان بأهم أساليب الملك الإمام، لتحقيق الوحدة الكبرى.

المبحث الأول: الحكمة:-

ص: 488

اصطبغت تطبيقات الملك الإمام عبد العزيز رحمه الله في سبيل تحقيق الوحدة بالحكمة قلباً وقالباً، علماً وعملاً، ترسخت في نفسه وتأصلت في نهجه، وغدت ملكة طيعة في متناول يده، وجاءت قراراته مناسبة لمقتضى الحال، ومن شواهد حكمته، انطلاقه من الكويت بقوة صغيرة محدودة العدد، لم يفطن لحركتها ولا ترصد مسيرتها وإن كان باستطاعته تجنيد العدد الكبير من أفراد القبائل، واستدراجها تحت مظلة المغنم والغزو والنهب، مما يألفه العرب في ذلك الوقت ولا سيما الموتورون والفقراء، وما أكثرهم يومئذ!! ولكنه آثر إخفاء أمره، وتعمية مقصده، بعيداً عن الأنظار، ليقينه بنجاح مهمته فكان ذلك آية حكمته، ودليل بصيرته، مما مكنه - بفضل الله - من فتح الرياض، واستسلام حاميتها، وشروعه مباشرة، في بناء التحصينات الدفاعية، حول الرياض في خلال شهر [1] ومن دلائل حكمته، عنايته بالعقيدة وجعلها محور دعوته إلى الوحدة وركيزتها حرصاً على إصلاح المنهج، وسلامة المقصد، وضماناً للنجاح، حيث أن النفوس لا تخلص من أهوائها، وتنسلخ من غلوائها، إلا بالعقيدة الصحيحة التي من شأنها توحيد الرؤى وحشد العواطف والطاقات، نحو أهدافها السامية وغاياتها النبيلة، مما يصرف عن العثار ويحقق النصر المؤزر -بإذن الله - وهذا ما سار عليه آباء الملك الإمام من قبل، فكانت تجربة سعودية متوارثة، اقتداء بالسلف الصالح، فقد ثبت بالبرهان، أن أي جهد في الإصلاح، بمعزل عن العقيدة الصحيحة مآله الفشل، ونهايته الخسران، فمن المحال جمع القلوب على المصالح الدنيوية، مهما كانت ضخامتها، وعظيم امتيازاتها، فإنها ببساطة لا تستوعب الناس جميعاً إلا حفنة من المنتفعين الذين سرعان ما تتعارض مصالحهم، ويحل بعضهم بعضاً موضع النقمة والنقد اللاذع، الذي يؤول طبيعياً إلى طلب التشفي والانتقام، فتنفرط عقدتهم، وتزول ألفتهم، وتغدوا تلك المصالح علة الشقة وعامل الشقاق والخلاف، وأما العواطف، وإن تأجج أوارها

ص: 489

فلا تصلح أساساً للوحدة، حيث تستحيل عادة إلى سآمة وملل، وتنتهي إلى مصارمة وجفاء، وبهذا فإن المال والعاطفة لا يصلحان أساسين لبناء الوحدة كما قال تعالى:{لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ} [2] ومن شواهد حكمته.

عنايته ببناء الهجر وتوطين البادية فيها، مما مكنه من جمعهم وتربيتهم وفق مضامين العقيدة الصحيحة، مما أدى إلى إقبال سكان الهجر على الجهاد في سبيل الله بالمال والنفس، في أي وقت يطلب منهم الملك الإمام، فأصبحوا جنود التوحيد، مما يعد تحولاً جذرياً في حياتهم صيرهم نحو التمسك بالإسلام الحق، وصرفهم عن مسلكهم السابق إلى غير رجعة - بفضل الله- ومن صور حكمته تعامله بأناة ولباقة، مع أحداث عصره، فإبان الحربين العالميتين لازم جانب الحياد، مراعياً حساسيات المواقف الدولية مما جنب وطنه وشعبه ويلات الحرب، يقول الملك فيصل رحمه الله في حج عام 1359هـ:"ولا يجهل أحد ما فيه العالم اليوم من نكبات ومحن، حتى البلاد التي لم تشترك في الحرب، لا تخلو من أزمات اقتصادية وغيرها، أما نحن فلله الحمد من أسعد الناس وهذا لا شك من نعم الله التي تستوجب الشكر"[3] ووسط آتون الحرب والصراع المحتوم بين الدول الكبرى على مناطق النفوذ، والسيطرة على الممرات المائية وطرق الملاحة، بدت سياسة الملك الإمام، تتسم بالهدوء والواقعية، دون المساس بعقيدته ومصالح بلاده العليا، مهتماً في ذات الوقت، بحسن الاستعداد، في كل عمل يقوم به، مبتعداً عن الإرتجالية، مع صرف الهمة إلى حسن التنظيم والدقة وتوقع المفاجآت والإعداد لها بلباقة وحزم، وتلك غيض من فيض حكمته، التي لا يتسع المقام لاستقراء شواهدها وصورها. وحسبنا الإشارة إلى بعضها فيما تقدم ذكره.

المبحث الثاني: اللطف واللين:-

ص: 490

لا جرم أن جمع القلوب المتنافرة على الحق مهمة عسيرة، لا يستطيعها إلا الأكفاء الملهمون والزعماء الموفقون، مما فتح الله لأحدهم باب التوفيق على مصراعيه، ونزع له من معينه بملء يديه، فإن استمالة القلوب آية البصيرة، وعنوان التوفيق وبرهان النجاح، فرب كلمة بليغة، تأخذ بمجامع الأفئدة، وكم من صفح وعفو ينسي الضغائن، ويقشع وحر الصدور، وما فتئ الملك الإمام يعامل خصومه ومناوئيه ومضطهدي مواطنيه بألوان التسامح والصفح، رغم نقض العهود ونكث الوعود، ولا يلجأ إلى القوة إلا مكرهاً، حين استنفاذ جميع الحلول المتاحة، يقول رحمه الله:"ليس لدينا أحب من السلام يغمر هذه الربوع، فنحن لسنا طالبي حرب، ولا نشهر السلاح إلا في وجه من يبارزنا بالسلاح، لقد آن لهذه البلاد أن تعرف السكينة، وتنعم بالسلام، فلنوحد صفوفنا وكلمتنا"[4] .

وسمع يتمثل كثيراً بقول الفرزدق

ولا نقتل الأسرى ولكن نفكهم

إذا أثقل الأعناق حمل المغارم [5]

ويصف أحد شهود العيان [6] أثر أسلوب اللطف واللين في خصوم الملك الإمام يقول الأستاذ عبد الرحمن عزام- رحمه الله: "كنت في عام 1938م ضيفاً له - يقصد الملك الإمام - في شمال نجد، وبقيت أياماً في البادية للقنص، وكلما جلسنا إلى طعام، وجدت حوله من قاتلوه أو قاتله آباؤهم، يمزحون ويمزح معهم ويشاركهم في قوله وماله ومتاعه، وهو يستمع لقصصهم، وقصص آبائهم معه، والهزائم التي ابتلي بها في قتالهم، والنصر الذي آتاه الله عليهم ويقسم إنه يراهم كما يرى أبنائه، ولا يرضى فيهم إلا ما يرضى لأبنائه".

ص: 491

ويقول شاهد آخر: "إني التقيت ببعض خصوم الملك السابقين فوجدتهم الآن، من أكبر أعوانه، ومن أكبر المطيعين والمؤيدين له، ويعود هذا إلى معامله الحلم، وهو النهج والأسلوب الذي كان يعامل به خصومه"[7] وهكذا يتجلى لنا أثر أسلوب اللطف واللين للملك الإمام، وضرورته الوحدوية الناجحة، مما يدل قطعاً على أهمية استخدام هذا الأسلوب الحيوي، في تأليف القلوب ورص الصفوف، وتقوية أواصر المحبة والأخوة.

المبحث الثالث: الجدل الممدوح:-

ص: 492

لا مناص لأي مصلح نبيه وداعية حصيف، من أخذ أهبة الاستعداد لمواجهة الخصوم، وامتلاك ناصية التأثير، لإرشاد الضال، وتعليم الجاهل وإقناع المستنكف، وإقامة الحجة على المجادل، إمتثالاً لقوله تعالى:{وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن} [8] وما كان للملك الإمام عبد العزيز رحمه الله وقد تصدى لمهمة شاقة تنوء بأعناق عظماء الرجال، أن يغفل عن هذا الأسلوب، حيث أن خصوم الوحدة يومئذ كثيرون مختلفوا المآرب والرؤى، ولدى بعضهم من الشبهات على الدعوة السلفية ما يلزم تفنيدها حيث أن حملات خصوم الدعوة، بدأت تظهر على صفحات المجلات البارزة يومئذ وانطلقت تؤججها قوى شريرة، مارست التشويه لجهود الملك الإمام عن عمد، ولوثت عقول الكثير من أبناء المسلمين، مما دفع الملك الإمام اضطراراً إلى استخدام الجدل لإقناع مستمعيه، واهتبل كل فرصة سانحة لبيان منهجه في تحقيق الوحدة ونبذ الفرقة وسلامة مقصدها والرد على خصومها، وقد اكتسب خبرة في حياته وشبابه في هذا المضمار، إذ كلفه والده الإمام عبد الرحمن رحمه الله بإصلاح ذات البين بين القبائل العربية المتناحرة، فأدى ما أوكل إليه ببراعة واقتدار، بين أقوام عرفوا بسرعة البديهة ودقة الملاحظة وذلاقة اللسان، وحين حمل على عاتقه وحدة بلاده وشعبه، لم يزل يواجه بين الفينة والأخرى بعض العصاة، فكان يسعى إلى استمالتهم بالحجة والإقناع ولم يستنكف قط من سماع وجهات النظر الأخرى، ومناقشتها وكان رحمه الله يحب الحوار والمناقشة.

ص: 493

يقول أحد أفراد خاصة الملك الإمام: "كان دستور الملك عبد العزيز، {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [9] يعن له الأمر، أو يرفع إليه فيحيل فيه فكرته، وينتهي إلى حل له في نفسه يرضاه، ويجتمع مستشاروه، فيطرحه عليهم ويدرسونه، فإذا اتجهوا إلى البت فيه بما يتفق مع ما وصل إليه هو، أخذ بقولهم وأمضاه، وإلا ناقشهم، وأفضلهم عنده من يعترض ويناقض ثم يعمل بما يستقر عليه الرأي"[10] ومن أقواله النيرة في سبيل غربلة الأراء ومناقشتها قوله: "أريد الصراحة في القول، لأن ثلاثة أكرههم ولا أقبلهم رجل كذاب يكذب علي عن عمد، ورجل ذو هوى، ورجل متملق، فهؤلاء أبغض الناس عندي"[11] .

ص: 494

واهتبل رحمه الله موسم الحج، يرد على خصوم الدعوة السلفية التي أحياها الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله إذ يقول في إحدى مجالسة الموسمية "يسموننا بالوهابيين، ويسمى مذهبنا بالوهابي، باعتبار أنه مذهب خاص، هذا خطأ فاحش نشأ عن الدعايات الكاذبة، التي يبثها أهل الأغراض، نحن لسنا أصحاب مذهب جديد أو عقيدة جديدة، ولم يأت محمد بن عبد الوهاب بالجديد، فعقيدتنا هي عقيدة السلف الصالح، التي جاءت في كتاب الله وسنة رسوله، وما كان عليه السلف الصالح. نحن نحترم الأئمة الأربعة، ولا فرق بين الأئمة، مالك والشافعي، وأحمد، وأبي حنيفة، كلهم محترمون في نظرنا"[12] ونلاحظ في هذا الطرح الجدلي امتلاك الملك الإمام، ناصية الجدل الممدوح، ففي البدء طرح الشبهة، ثم أبان سبب ظهورها وعلته، ثم كر عليها بالتفنيد العقلي والاستقراء التاريخي، مع التزامة بآداب الجدل، وعفة اللسان، وبعده عن الإسفاف والبذاءة التي يقع فيها الكثير من المتناظرين، تحت تأثير الانتصار لما يذهبون إليه، مما دل قطعاً على اقتداء الملك الإمام عبد العزيز رحمه الله بسلف الأمة وعلماءها الربانيين، وقد كان لهذه المقدرة الخطابية -بفضل الله- الأثر الكبير، في تقوية الوحدة الوطنية، وبيان حقيقة الدعوة السلفية.

نتائج منهج الملك الإمام عبد العزيز رحمه الله

في تحقيق الوحدة ونبذ الفرقة

ص: 495

تمخضت جهود الملك الإمام عبد العزيز رحمه الله في سبيل تحقيق الوحدة ونبذ الفرقة إلى نتائج باهرة وثمرات يانعة، لا يزال أبناء شعبه، ينعمون ببركاتها المتدفقة وخيراتها المستمرة دون منّ ولا أذى، وحين استعراض النتائج تلك، ندرك مدى المنّنّ الربانية، التي أسبغها الله على هذه البلاد الطيب أهلها، والتي تدفعنا في ذات الوقت، إلى لزوم غرز الملك الإمام والمحافظة على ثمرات جهاده ومكتسبات حصاده التي ضحى من أجلها بالنفس والمال والولد، في ثلاثة عقود من عمره المبارك، طافحة بلآلام، وشاهدة على تحمل المشاق والصبر والمرابطة، ومن أبرز تلك النتائج:-

1-

بعث أمة خامدة ممزقة الأوصال، مختلفة الرؤى، متناحرة القوى، فنقلها - بفضل الله - إلى أمة قوية الوشايج عظيمة الجانب، متعددة المناقب، أعادت مكانتها الكبيرة وقيادتها التاريخية بين الأمم.

2-

تجديد الدعوة الإسلامية، وتوحيد جهود الدعاة نحو تصفية العقيدة، وإصلاح العبادة، وتقويم السلوك، وإقامة مجتمع مسلم زكي، يفيض بالهداية وينعم بالاستقامة.

3-

إقامة دولة إسلامية تحكم بشرع الله تستثمر طاقاتها ومكتسباتها لخدمة الإسلام، وبسط نوره في المشارق والمغارب، وتقديم العون والمساعدة للمسلمين، ونصرة قضاياهم.

4-

تحقيق الأمن المفقود في جزيرة العرب وتأمين طرقها للسالكين، وتهيئة مشاعر الحج لقاصديها بما يليق بقداستها وحرمتها، وفي مقدمة ذلك، عمارة الحرمين الشريفين، على أعلى المستويات وأرقاها.

5-

القضاء على عوامل التخلف، من جهل صارف، وشرك وبدع خوالف، فعادت راية التوحيد خفاقة على جزيرة العرب من جديد، تحت قيادة الملك الإمام عبد العزيز رحمه الله وأبنائه البررة المخلصين من بعده.

ص: 496

6-

البرهنة العملية على إمكانية إعادة أمجاد المسلمين وفق مضامين الشرع الحنيف، وإثبات أن الشريعة الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان، مع الأخذ بأسباب الحياة العصرية وتطورها، دون التنازل عن المضامين العقدية والشرعية.

الخاتمة

وفيها الدروس والعبر

لا يخفى على الباحث أن المقصود من تاريخ العباقرة والنابغين، لا ينحصر في مفهوم ضيق يقف عند حد تسجيل الرواية التاريخية، وإنما يتجاوزها إلى الدراسة والتحليل، والفحص والتنقيب عن العوامل والأسباب المؤثرة في نجاحهم، وكيفية توظيفها في قوالب عملية وتربوية قابلة للتنفيذ، وليس من شك أن حياة الملك الإمام عبد العزيز رحمه الله حافلة بالدروس والعبر، ولا سيما في نهجه السديد نحو تحقيق الوحدة ونبذ الفرقة. والذي يعد معلماً بارزاً في جهاده ومنارة رائعة في حياته، ويظهر لنا بادي الرأي أنه يمكن تلخيصها على النحو التالي:-

1-

ضرورة أن يعنى المربون بغرس عقيدة التوحيد في نفوس الناشئة، وأخذهم بلباقة إلى دراسة مفرداتها منذ الصغر لتكون وسيلة لتشكيل عقولهم وتوجيه سلوكهم وفق مضامينها وحقائقها، فقد اكتسب الملك الإمام، منذ صغره حصانة عقدية، أسهمت بوضوح في تجديد نهجه، وبناء شخصيته، وتوجيه سلوكه، نحو معالي الأمور غير هياب ولا وجل، متطلعاً في الوقت نفسه إلى تحقيق ما شيده آباؤه وزيادة.

2-

لزوم أن يروض الآباء أبناءهم على تحمل المسؤولية وإسناد المهمات الصعبة إليهم وفق استعدادهم الفطري وتدرجهم المعرفي لتقوية عودهم، وإنضاج تجربتهم، ليخرجوا إلى الحياة وتحمل تبعاتها، بكفاءة، واستعداد واقتدار.

ص: 497

3-

وجوب توطين النفس على المشاق والمتاعب لصقل موهبتها، وإصلاح رعونتها، وتوسيع مداركها، وإثراء خبرتها لإستقبال ما يوكل إليها في المستقبل من الأعمال الشاقة، وتمثل حياة الملك الإمام عبد العزيز رحمه الله ملحمة رائعة لزعيم تهيأ تحت مطارق الشدة والابتلاء، لبعث أمة خامدة، خبر عللها، وسبر غورها، وألم بمشكلاتها وتلظى بآلامها، مما مكنه الله تعالى، من تحقيق حلمه الرشيد وأمله السديد، رغم شدة الصوارف، وكلبة الأعداء، وقلة الأعوان، وندرة الوسائل المادية الأخرى.

4-

لا ريب أن الاحتكاك بأهل الخبرة والتجربة، تحقق للمرء سعة في الأفق وبسطة في العقل وتوسعاً في الفهم، يصعب نيله في قمقم العزلة وزاوية الانطواء، وقد أتيح للملك الإمام عبد العزيز رحمه الله صحبة والده الإمام عبد الرحمن رحمه الله الذي عرف عنه رجاحة الرأي، والخبرة بأحوال الجزيرة وأهلها مع وفرة العقل والدين، فاكتسب منه وعلى عينه الخلال الحميدة والصفات القيادية السديدة، وفي أثناء إقامته بالكويت، بجانب أميرها الشيخ مبارك الصباح رحمه الله لازم جليساً نابهاً، وأنيساً فطناً، وسميراً بارعاً، تعرف بواسطته على مجريات السياسة الدولية وأطلع على مجريات الصراع بينها، مما جعله يحدد وجهته، وسط هذا الصراع المحتدم، والتعامل معه ببراعة وذكاء، سخره لخدمة دينه وبلاده وشعبه.

ص: 498

5-

إن الإرادة القوية والهمة المتوثبة وصف لأي داعية يروم الإصلاح ويتطلع إلى الغد المشرق لأمته، فاليأس والقنوط لم يعرف طريقه إلى نفس الملك الإمام عبد العزيز رحمه الله وهو يحشد طاقاته ويدير أموره ويحبك خططه، وكان أمله غير المحدود، وإيمانه بالنصر هجيري وسميري قلبه ونجيي فؤاده، رغم بعض النكسات والهزائم، فالمستحيل وغير الممكن لا يصح اعتبارهما عائقاً في سبيل الإصلاح، لمن فهم صيرورة الحياة وسبر مسيرتها وحذق قانون الصراع البشري، الذي تؤثر فيه الأهواء، وتدفعه الرغبات، فتحديد الهدف النبيل وتوفير الحد الأدنى من الوسائل المناسبة لتطبيقه، مؤشر قوي على تحقيق الغاية، وتسجيل النصر المؤزر بإذن الله.

ص: 499

6-

لا تدور عجلة الإصلاح، دون قوة كامنة ورغبة صادقة وحركة دؤوبة، وكل ذلك يستلزم قوة لا تقهر، وطاقة لا تستنفذ، تمد القائمين على برامج الإصلاح، بالإرادة المعنوية دون أن تقعدهم السآمة، أو يفت في عضدهم الملل، فضلاً عن الوقوف بصلابة أمام الشدائد والمحن، ومن أجل ذلك جعل الملك الإمام عبد العزيز رحمه الله العقيدة الصحيحة محور استراتيجيته الإصلاحية، وروح حركته الوحدوية، مما وفر عليه الكثير مما يحتاجه في دعم إصلاحاته، فأقبلت إليه الجموع، كل يرغب أن ينال شرف نصرة الدين، وإعلاء كلمة التوحيد، ابتغاء وجه الله سبحانه وتعالى. فليس ثمة وسيلة تجمع القلوب، وتؤلف النفوس دون أن تسوقهم رغبة أورهبة، كمثل عقيدة التوحيد. التي وحدت العرب في سالف دهرهم وغابر زمانهم، رغم شدة أنفتهم، ورهافة إحساسهم، وقوة شكيمتهم، والذين يعدون التواضع مذلة، والتنازل عن الحقوق ضعفاً، ويعترفون بالفوارق العرقية، ويعظمون الوشايج القبلية، فصهرتهم عقيدة التوحيد، قلباً واحداً وانسلخوا من تلك المشاعر الاستفزازية إلى مرسى الأخلاق الإسلامية، فحقق الملك الإمام- بفضل الله - للأحفاد ما نعم به الأجداد، واتصل الماضي بالحاضر، وبرهنت العقيدة على ديمومتها في الوحدة، ومعجزتها في التغيير والإصلاح.

7-

من الضرورة أن تنطلق حركة الإصلاح، وتتجة جهود القائمين عليها، على نحو من التناسب والتقسيم، ليحمل كل فرد نصيبه ومسؤوليته وأمانته، على قدر طاقته وقدرته، ولم يغب عن ذهن الملك الإمام عبد العزيز رحمه الله إشراك أفراد أسرته وشعبه، وفي طليعتهم الأمراء والعلماء، والذي كان الجميع رهن إشارته وطوع أمره، مما فتح الباب واسعاً أمام التنافس والتسابق الشريف، تحت ظل حكم الملك الإمام بطواعية ورغبة صادقة، يحدوا الجميع حبهم الكامن للملك الإمام، ومعرفتهم بنبل مقصده، وجلالة هدفه.

ص: 500